حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

وهْمُ الصداقة

 

 الصداقةُ والصديقُ طيفٌ وهمي شفافٌ سُرعانَ ما يتبخر

إذا ما لمستهُ أشعةُ الشمسِ الساطعة

فلا تؤمِن بها ولا به، مَهمَا أتاك بالحُجج القاطعة

سيغدر بكَ كِسواهُ عاجلاً من آجلاً

وسيخدعُك كغيرهِ مُداجيًا مُخاتِلا

وستأتي الساعةُ وهي قريبةٌ وفيها كلماتي تتذكر

 

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من نبال ونصال

توطئة

 

هي إضمامةٌ من خَلَجات نفس،

وذَوْبِ روح،

كتبتُها في مناسبات عديدة

تحملُ في طيّاتها آمالاً وآلاماً.

فالحياةُ تزخرُ بالمنغِّصات الهائلة،

إذْ ما يكادُ المرءُ يفتحُ عينيه،

حتى تفاجئه المصائبُ آخذة بعضها برقاب بعض!

وتحتاط الرزايا بكلُّ من ولَجَ هذه الكُرَةَ الآرضيّة،

فإذا به تائهٌ في مفاوزها المترامية،

هائمٌ في سباسبها اللانهائيّة!

وتتراءَى له الغابات الغنّاء والأنهار الجارية

تَتَلأْلأُ تحت أشعة الشمس الذهبيّة،

فيهرعُ إليها، وإذا بها سرابٌ في سراب،

وما شاهده إلاّ خَدْع نَظَر وأكذوبة بَصَر!

فيتهالكُ على الرمال المُحْرِقة وهو يجود بالروح.

فيا لشقاءِ كلِّ ابن حوّاءَ من ذكَرٍ وأنثى!

ربّاه! أما حان للنهاية أن تأتي؟!

أما أزفّت الساعةُ لتقويض هذه الكُرَة الرهيبة،

وتفكيك ذرّاتِها وبعثرةِ أشلائها،

وإفناءِ كلِّ من يدبُّ عليها؟!

إذْ تعاظَمَتْ شرورُ بني الإنسان،

وتلطَّخَتْ هذه الأرضُ بجرائم أبناءِ هذه المرذولة!

ربّاه! قوّضْ معالمَ دنيانا،

واعصُفْ بها أيُّها الخالقُ الجبّار.

فقد طغت الرذيلة،

وطافت جيوشُها في ربوع أرضنا الشقيّة

تعيثُ فيها فساداً شائناً!

إنَّ أبناءَ الأرض أصبحوا يعمهون في شرورهم المخيفة،

ويغوصون في آثامهم المرعبة!

فدَمِّرْ أيُّها القديرُ عالمَ المَكْرِ والرياء،

فبفنائه يفنى الشرُّ وتنتهي أسطورةُ آدمَ وحوّاءَ

وما جَرَّتهْ ثمرتهما من رزايا على مخلوقات الأرض طُرّاً.

 

داهش

بيروت، صباح 8 حزيران 1971

 

كلمتي إلى عام 1944

 

يا عام !

أشرفتَ على عالمنا المهدَّد بالدمار والفناءِ،

فاستقبلناك بوجوهٍ حزينة يعلوها اكتئابٌ ووجوم راسخان،

ولم ترحِّب بك موسيقانا.

وما هَزجْنا لك أهازيجنا التي كنّا نستقبل بها أَسلافك.

ولم نطربْ لقدومك، أيُّها العام المسكين!

فدخلتَ إلى عاصمة مُلْككَ الشاسع الأطراف…

تتقدَّمكَ بروقُك ورعودك، وتحفُّ بك ثلوجك وأمطارك،

وتعلو من فوق رأسك زمجرةُ الرياح ودمدمتها الكدراءُ،

فترجِّعُ الطبيعةُ صدى أنينها الثاكِل!..

حتى طيور الشتاء التي اعتادت أن تزورنا لم نشاهدْ لها ظلاًّ!

فتلك الأيام التي طواها الزمان في لُجَجِه لن تعود،

والبهجةُ، ثانيةً، لن تسود!..

وها أنتَ ترى أنَّ المسوح تُجَلِّل الكون والكائنات،

من إنسان وحيوان وجمادات.

وإنْ أستغربْ فإنَّ إستغرابي هو لقبولك المُلْك

في دنيا حالكة السواد، رهيبة الجلباب.

وأنت أنت اليافع في مطلع عهدك، وابتداءِ أيّام خَلْقك!

ستشهد، أيُّها العام، في أيّامك المقبلة، الحوادث الجسام من الطبيعة… ومن هؤلاء البشر اللئام!

هؤلاء الذين تدعوهم أَبناءَك،

وهم الذين سيردِّمون ركامك ويُصدِّعون بناءَك!

أيُّها العام المسكين!

كان اللّه في عونك، وأخذ بيدك، وسدَّدَ خطاك.

فإنَّك مقبل على عهد ( عجيب غريب )!

إذْ كلُّ منْ هم حولك ذئاب خاطفة وأعداءُ أَلِدَّاءُ.

لا يجدي معهم ترياق ولا ينجع فيهم دواءٌ!

أمّا أنا، يا عام، فأنت خبير بنفسيّتي وبها عليم.

لقد قطعتُ من مراحل حياتي مرحلة اقتَسَرها منّي شقيقُك الذاهب

وها أنت أتيتَ لتنتزع منِّي مرحلة أُخرى.

فهل أُلام إذا حاربتُك وناضلتُ في سبيل بقائي؟

ولكنْ، مهلاً مهلاً، أَيُّها العام الجديد! بل عفواً عفواً!

لتمضِ أّيّامك، ولتتصرَّمْ حبالُ حياتك،

فبفناءِ حياتك فناءٌ لحياتي!

علِّي عندما تدنو ساعةُ مماتي،

أجتازُ نطاق هذه الدنيا القاسية الظالمة،

وأرتقي بروحي بروج السماء الحصينة،

حتى أبلغ الفراديسَ العجيبة الخالدة!

ومن تلك الأعالي السامية تتراءَى لي الأرض

وما قاسَيْتُه عليها من آلام موجعة،

كحلم رهيب مخيف تبدَّد واضمحلَّ،

حتى أَبدِ الآبدين!

آه ما أَجملَ ذلك العالم وما أبهاه!

وما أَتعس عالمنا وأقساه!

 

جونيه، أول كانون الثاني،1944

 

أتسمعينَ أتُصغينَ أتُنصتين؟

 

أتسمعين عويل الرياح النائحة باهتياج؟

  • إنّها عويلُ نفسي ونواح روحي، عندما تغادرينني!

أتصغين إلى دويّ العاصفة الغاضبة الثائرة؟

  • إنّها غضبةُ كياني واضطراب جناني،

عندما لا تكونين بقربي!

أتنصتين إلى آهات الهواءِ،

وتشعرين بثورته الجارفة وزمجرته المرعبة؟

  • إنّها آهاتُ قلبي المضطرب، واهتزازاته العنيفة،

عندما لا أراكِ بجانبي!…

أتشعرين بزَفَرات الأمطارِ المتواصلة وانسكاب عبراتها الغزيرة؟

  • إنّها زَفَرات فؤادي المدلَّه بحبّك العذب،

وانسكابُ عَبَراتي الهتَّانة،

عندما يمرُّ بخاطري إمكانُ انفصالكِ عنِّي!

أتُنعمين الإصغاءَ لثورة الطبيعة العنيفة المخيفة؟

ولارتجافِ جبابرة الأشجار أمام جَبَروت عناصرها الرهيبة؟

  • إنَّها ثورة نفسي البتَّارة العنيفة

لمن يجرؤُ على الدنوِّ إلى مكانك المقدَّس

والرنوِّ إلى أنوار محاسنك الخلاَّبة!

أتنظرين إلى هذه الجمرات المتّقدة المتأجِّجة؟

– إنّها تمثِّل تأجُّجَ حبِّي العميق لكِ!

أيْ رفيقة أيَّامي، ويا ربَّة أحلامي!

يا شمسي ذاتَ الأنوار المتوهِّجة!

خُذي يدي الخشنة بيدك الناعمة،

ودعيني أَتوسَّد صدرك الغارق في البَهَجات!

ودعي العاصفة تثور في الخارج ما شاءَت لها الثورة،

ودعي الأَمطار تتساقط بغزارة لا مثيل لها,

ودعي الرياح تَئنُّ وتندب بُعْدَكِ المُرجَّى عنها …

ودعي عناصر الطبيعة تلجُّ وتُلْحِف بالشوق لرؤيتك،

ودعي الجمرات يأكل بعضها بعضاً فتفنى فناءً أبديّاً!

نعم، دعي جميع هذا، يا معبودتي الفتَّانة، إذْ لا شأْن لنا به،

ولنغرقْ معاً في سبات عميق كلّ العمق،

حتى إذا ما استيقظنا

نجد نفسيَيْنا وقد استحْلنا إلى روح شفَّافة،

وقد بسَطَتْ جناحَيْها،

وانطلقَتْ نحو الفراديس الإلهيَّة،

لتخلدَ هناك في مُتَعٍ لا نهائيّة،

وبَهَجات سرمديّة لا يمكنني وصفها!

آه! ما أجمل سعادتنا وما أَعمق غبطتنا،

بعد أَن اندمجتُ بكِ واندمجتِ بي!

آه! يا حبيبتي المفدَّاة!

 

جونيه 16 شباط 1944

 

إِسْقينيها!

 

إِسقيني خمرةَ الشتاء، يا غادة الأحلام، إسقينيها!

الجمرُ المتّقد يبعث الحرارة في أجسامنا،

والأمطارُ تتساقط بغزارة شديدة،

والرياحُ تهبُّ بعنف صخَّاب،

والأشجارُ يلاطم بعضها بعضاً بقسوة،

والسماءُ العابسة تطلع على الكون بوجهها الغضوب،

والفضاءُ الشاسع المتجهِّم يبعث الكآبة في نفوس القوم الواجمة،

ونواحُ العناصر المهتاجة يزيد في قوس النفوس توتُّراً،

والمجمرةُ تتَّقدُ بما فيها من جمر يبعث الدفءَ في أرجاءِ الغرفة،

والحبيبةُ الحبيبة تُجرِّعني، بين الفينة والفينة،

جرعة من خمرة الشتاءِ الدافئة اللذيذة،

فتسكر نفسي وتطرب روحي،

وأشعر بأنّني قد ارتقيتُ في مدارج السماوات،

وتغلغلتُ في الرياض والأرباض،

وتفيّأتُ أغصان أشجار الفراديس الإلهيَّة،

تلك التي يُقَصِّر قلمي عن وصف فتنتها ومحاسنها!

آه ما أجملكِ يا غادة الفراديس!

وما أعذب هذه الخمرة التي سَقَيْتِنِيها

فأَسكرْتِ نفسي وأطْرَبْتِ روحي بها!

وحَقِّ من وَهَبكِ فتنتَك وجمالك، ما كنتُ لأستطِيبَها

لو جاءَت من ملاك اللّه ورسول السماءِ!

أمَّا من يدك الفاتنة فهي الإِكسيرُ يَشْفي أسقام جسمي وروحي!

فاسقينيها!

 

جونيه، 16 شباط 1944

 

إِلى مَليكَةِ الأَحْلام

 

يا مليكةَ أحلامي!

شاهدتُكِ وأنتِ مقبلةٌ إليَّ فذهلتُ عن نفسي!

آه! لقد دارت بي الأرضُ،

ورأيتُني أحتقرها وأَنبذ جميع مَنْ عليها إلاَّكِ!

يا حبَّةَ قلبي، وضياءَ عيني،

أنتِ الأملُ الذي بتُّ لا أحيا إلاَّ لأَجله!

هَبِيني نعمةَ القرب منك، يا مليكَةَ خيالي!

ربَّاه!… ما أفتنكِ وما أعذَبَكِ وما أروع جمالكِ!

نظراتُك سهامٌ نافذة تخترقُ حبّاتِ القلوب فتصرعها،

بعد أن تُخضعها لعبوديِّتها اللذيذة!

للّه ما أجملكِ يا أمنِيةَ الأمانيِّ الهانئة!

صدرُكِ ناهض، وأنفُكِ دقيق، وصوتُكِ ناعم رقيق!

وجهُكِ كالبدر، ولكنّه يُنير جَنَباتِ فؤادي المظلم!

بسمتُكِ تُحْيي مَواتَ آمالي،

كما إنَّها تقضي على جميع آلامي!

إقبالُك يشفيني ويسعدني!

وإدباركِ يُشقيني ويُتعسني!

سعادتي في القربِ منكِ!

وشقائي في البعد عنكِ!

جمالُكِ جذَّاب وسحركِ خلاَّب وهو أَبداً يُعذِّبني!

أنتِ دمْيةٌ من لذاذات وبهجاتٍ لا نهاية لها!

آه! ما أتعسَ حياتي، يا حياتي، إذا لم تعطفي على فتاكِ!

آه! ما أسعدني! ويا لخلود نعيمي،

إذا عطفتِ على من اصطفاكِ!

ويا حوريَّتي الوحيدة الفريدة،

بل يا ابنة السماءِ وهبةَ اللّه الفريدة،

إنّني سأُحارب السماءَ والأرضَ في سبيلك،

وفي سبيل الحصول عليكِ،

وسأرتكب من أجل هذا جميع المحرَّمات،

وسأُقوِّضُ وأدكُّ وأهدِّم،

بل سأُردِّم كلَّ ما يعترضني من العقبات الهائلة،

حتى أفوز بكِ!

فمتى متى تكون ساعة انتصاري الخالد؟

آه! أنبئيني يا من لا أعبدُ سواكِ،

ولا أحيا إلاَّ بذكراكِ!

بيروت، 5 آذار 1944

 

أَحِنُّ إِليكِ

 

يا فتنةَ روحي وقصيدةَ أيّامي!

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ البلبل الشادي إلى الرياض الدائمة الإخضرار.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الورودُ الجوريَّةُ إلى قطرات الطلِّ في فجر ليلة بهيّة.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الجداولُ الرقراقة للإتِّصال بالنهر العذب الخرير.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ الصدى لكلمة يُلقيها عابرٌ في وادي الصمت السحيق القرار.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ العشاقُ المتيَّمون لأنوار البدر الشعريّةِ وهي تتكسَّرُ على البحيرات الحالمة.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ النعاسُ للعيون النُّجل التامَّة الفتنة.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ ثمرُ الكَرَزِ إلى لونه الأحمر القاني.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الطبيعةُ لفصل الربيع الرائع بمحاسنه.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الطيورُ لباسق الأدواح الغضّةِ الأفنان.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الولهى لعودة وحيدها إليها من عالم الموت الصامت.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ الفراشُ الملوّنُ إلى الأزهار المُضَوِّعة.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ السمكةُ الذهبيّةُ إلى البقاءِ في عالمها المائي.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ اليمامةُ إلى إلفها الثلجيِّ الريش.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ المحتضرُ لعودة الروح إلى جسده الذابل.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ الرضيعُ الجائع إلى ثدي أُمِّه العطوف.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الحمامةُ الوديعة على فراخها فتحرسها بجميع ما تملك من أَسباب.

أحنُّ إليكِ مثلما يحنُّ جميعُ سكَّانِ الأرض لإنتهاء هذه الحرب الضروس وعودة السِّلْم إليها.

أحنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الأرواحُ الطاهرة في ملاءِها العلويِّ للإندماج بموجدها السرمديِّ.

أحنُّ إليكِ بروحي ولبِّي، وأهبُكِ عاطفتي الجيَّاشة مع حبِّي!

آه! أحنُّ إليكِ. أحنُّ إليكِ!

نعم!

إنّني أحنُّ إليكِ!

 

بيروت، في 5 أيّار 1944

 

مَلاك

 

كانت مُضْطَجِعة!

وكانت الفتنةُ تحوم حول مضجعها السعيد!

وكان صدرُها الناهضُ

يهزأُ بقمم التلال القائمة على شواطىءِ التِّبْر!

وكانت بين الفَيْنَة والفَيْنة تفتح عينيها الوَسنْنَيَيْن،

وترنو إليَّ بنظراتها المعسولة،

فيرقصُ قلبي طرباً، ويخفق فؤادي من فَرْط سعادته،

وتتضاءَلُ أمجادُ هذه الدنيا أمام نظري،

وتُقبل الدنيا بما فيها من مسرَّات وبَهجَات أمام يدي!

ثمَّ تعود لإغماضِ مُقْلَتَيْها،

فترقصُ بناتُ الرُّؤَى،

وتبتهجُ حوريَّاتُ الأحلام،

وتُنْشد صبايا الكرى،

وتنتشي فتيات عالم التخيُّلات،

إذ يُردِّدن في أنفسهنَّ:

  • أنّ هذه الغادة ستزور عالمنا المُمْتع بعد قليل…

وكان شعرها الَّليْليُّ مسدولاً على كتفيها الرائعَتَيْنِ الكاملَتَي الفتنة،

وتأَلَّقَ جبينها الفتيُّ بنور وضَّاءٍ أنار جَنَبات قلبي المتيَّم بحبِّها.

فغَبَطْتُ هذا الجبينَ الذي شاءَت العناية أَن يرافقها في حلِّها وترحالها.

وكان أَنفها الدقيق يهتزُّ مثلما يهتزُّ الأملُ في الصدور المتعبة الكليلة.

وتورَّدت وجنتاها فهزأتا بلون القرمز!

وبعثرتا أشلاءَ المرجان الشديدة الإِحمرار!

فتمنيَّتُ أنْ أُسعها تقبيلاً وتقطيعاً.

أمّا شفتاها فكنتُ أُشاهد عسلَ السماءِ وشهدَها المصفَّى يقطران منهما!

فتمنَّيْتُ أنْ أعطشَ الدهرَ بطوله، علَّ ملائكةَ الرحمة تسمحُ لي، إذْ ذاك،

بنَهْل هذا الكوثر مدى عصورٍ وآباد!

ومن نفسٍ طامحة وروح توَّاقة وجدِّ مشتاقة،

شاهدتُ ثغرها الأخَّاذ، وكأنّه يستدعيني لأقتطف من حديقته وروده الجوريَّة!

فأَكْبَبْتُ عليه بجنون، وجعلتُ أَلثُمه، وأقتطفُ منه أَجمل الباقات وأروعها فتنة!

ثمَّ نظمتُها بيدٍ ترتجف من شدَّةِ الوَجْد!

وفي أعمقِ أعماقِ روحي، هناك، وضعتُ هذه الباقات،

كي تبقى لي حتَّى تواريني حفرتي!

آهِ! لقد أَسعدْتََني يا ملاكي!

 

بيروت، 9 أيّآر 1944

 

أَسرَار

 

1

 

أَسرار. أَسرار!…

مدى عصورٍ وأَدهار!

 

فمنْ هو الذي يكشفُ لنا أَسرار الليل والنهار؟

وما هو سرُّ الوردة المخضلَّة؟ ولِمَ خَضَّبَ اللونُ القاني الجُلَّنار؟

ولِمَ نرى قوماً من الطُّغاة والفجَّار، وأقواماً من الأَبرار الأَطهار؟

وما هو سرُّ الإباءِ والشَّمَم، ثمَّ المذلَّةِ والإِنكسار؟

واللّهِ لا أدري، لا أدري.

إِنَّها من الأَسرار!

 

2

 

أَسرار. أَسرار!

مدى أجيال وآجالٍ!

فما هي أَسرارُ الأَودية السحيقة، ولِمَ شوامخُ الجبال؟

ولِمَ لا تطغى البحارُ علينا فتغرِقنا ما دمنا نسير كالخيال؟

ولِمَ تَشبُّثُنا بالمرأةِ؟ ألتقذفنا بالأَنجال؟

ولِمَ نُمضي العمر بالإِدِِّعاءِِ الباطل،

وبأَسخف الأَقوال وأَتفه الجدال؟

واللّه لا أَدري. لا أَدري.

إنِّها من الأسرار!

 

3

أَسرار. أَسرار!

مدى أَحقاب وآباد!

لقد توارى آباؤُنا وعَفتْ آثار الأَجداد!

دون أَن ينالوا بغيتهم من جموع وأَفراد!

لِمَ نرأفُ بالضعيف، ثمَّ نستبدل بالعطف الأَحقاد؟

ندَّعي زوراً وبهتاناً أنَّنا اغتصبنا الأَمجاد…

والله لا أَدري. لا أَدري.

إِنّها من الأَسرار!

 

4

 

أَسرار. أَسرار!

مدى أَزمان وقرون!

أحدُنا معتَلُّ الجسم ولكنَّه باسم،

والآخر سليم ولكنّه حرون محزون.

وآخر خالي الوفاض من الوهَّاج،

لكنَّ زميله الغنيَّ به مفتون.

ولو تأَمَّلْتَ في البرايا لشاهدتَهم يضطربون

وهم يموجون بجنون.

الكلُّ، لو تدري يا أخا الجهالة، متشبِّثٌ بالفانية،

وبأَسبابها مقرون.

والله لا أَدري. لا أَدري.

إِنّها من الأَسرار!

 

5

 

أَسرار. أَسرار!

يجهلها الكبارُ  والصغار.

تراها تجرفهم بتيَّارها وكأنَّهم قطيعٌ من الأبقار.

الكلُّ يدَّعي بالذكاءِ الخارق، وحقيقتُهم كالفخَّار.

هم عبيدُ الجهل لو يدرون، ولو ادَّعوا بأنّهم أحرار.

يعلمون أنَّهم سيهوون بأعمالهم إلى الدَرَكات،

ومع هذا يدأبون على الإِصرار!

والله لا أَدري. لا أَدري.

إِنّها من الأَسرار!

 

6

 

أَسرار. أَسرار!

ويا لها من أَسرار!

فالعالم جاهل، والجاهل سخيف!

والسخيفُ أبله، والأبله معتوه!

والمعتوهُ مُدَّعٍ، والمدَّعي رقيع!

والرقيع مفتون!

والمفتونُ ضائع في محيط هذا الكون الكثير الأَسرار

المكتومة عن البشر كافَّة،

حتى يأْتي الموت ويكشِفَ بمنجله الحاصد

عن هذه الأَسرار المُوْصَدَة!

وإذ ذاك يعرفُ الجميع أنَّهم كانوا جِدَّ أغبياءَ،

وأنَّ حياتهم كانت مهزلة المهازل!

هي الحقيقة لأنّني أتكلّم الجدَّ، ولستُ بهازل.

واللهِ لا أَدري. لا أَدري.

إِنّها من الأَسرار!

بيروت، صباح 14 أيّآر 1944

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!