ايَّتها الحريَّة

انتِ قبس الله الساطع و مشعل من مشاعل الفردوس

انتِ انشودة كل حي ينشدك الجميع بلهفة و شوق

انتِ عصفور فتان , اطلقه الله من فراديس الجنان

فالمسيني ايتها الحرية بسّيالك العجيب فتحييني

فكم من سجين حزين يدعوك بكل ما فيه من امل

و كم من رهين في قيوده يتمنى ان تهبيه عطفك

لأنك رسولة السماء , و حبيبة الرسل, و عشيقة الملائكة والكاروبيم

فأنتِ هي إبنة الله.

فادن ِ مني ايتها الحرية.

 

داهش

من كتاب” من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد”

التأثير والتأثُّر

الإتِّجاه الرُّوحيّ

كتاب العقل المُستنير
ضدَّ الخرافات والأوهام والأباطيل

أعداء الحقيقة الروحيَّة مُستمرُّون في مؤامراتهم الجهنَّميّة

أضواء جديدة على مؤسِّس الداهشيَّة ومُعجزاته الروحيَّة

تمهيـــد

اخي الحبيب,

كنت قد بعثت لي منذ شهور عديدة كتاب عنوانه ” سلسلة العلوم البارابسيكولوجية-الجزء السادس” لرجل يدعى روجيه شكيب خوري؛ و اخبرتني ان هذا الرجل الذي يمتهن توليد النساء في لبنان , قد دأب منذ سنوات طويلة على إغراق شوارع بيروت بمترجمات يبشر فيها بما يُعرف ب” البارابسيكولوجيا” . و قلت لي ان هذه المترجمات التي تباع  في بيروت , كما تباع مثيلاتها في سائر مدن العالم , مع القصص البوليسية و الرويات الجنسية و حكايات الخيال العلمي و كتب التنجيم والسحر و الشعوذة, و غير ذلك مما يقع في باب الادب الرخيص , ما كانت لتلفت إنتباهك لولا ان الرجل المذكور يتعرض فيها لمؤسس الداهشية .

 

و طلبت إليّ ان ابدي رأي بذلك الكتاب . و لقد اجبتك في حينه اني قد تصفحت الكتاب المذكور واني اعتذر عن الاجابة . ان الانسان ليخجل من إدخال مثل هذه الكتب الى دائرة اهتمامه السلبي او الايجابي. فموقع البارابسيكولوجيا من العلم , كما تعرف , كموقع الخلاعة من الفن .

 

فأنت اذا امسكت ذلك الكتب و نفضته كما تنفض السجادة من الغبار والاقذار , فأسقطت منه الحشو و التكرار والإطالة و الصفحات الطويلة المترجمة والرسوم السخيفة التي لا علاقة لها بالموضوع  , لا من قريب و لا من بعيد ؛

 

ثم نفضته فكنست منه الاحاديث الطويلة المثيرة للإبتسام عن ” مواهب ” المؤلف و ” مواهب ” ابيه , و تلك اللائحة الرخيصة من الالقاب الرخيصة التي يعرض فيها ذاته , كما يعرض الطاووس ذنبه و كما تعرض الرّاقصة اذيالها ؛

 

ثم نفضته فأسقطت منه المقاطع الطويلة التي يتذمر فيها ” المحاضر اللامع” و يبكي لأن الصحف ــــ و منها ” النهار” على سبيل المثال لا الحصرـــ كما يقول , ترمي بمقالاته في سلة المهملات, و التي يشكو فيها من المذيعين و مقدمي البرامج

التلفزيونية و الإذاعية  لأنّهم يرفضون حضوره الثقيل في المناظرات و المناقشات , و من المثقفين عامّة لأنّه , و إن كان عند نفسه ” علما من اعلام التنوير” ,  فهو عندهم علامة من علامات التدنّي الفكريّ , و لأنّه , و أن كان عند نفسه ثورا ً, فهو عندهم ضفدعة تتشبه بالثور؛

 

ثم نفضت كتابه فأزلت منه بعود ٍ ـــ او بغيره مما يجنب الاحتكاك المباشر ـــ الشتائم التي يكيلها دون حساب لزملائه و اقرانه من تجّار البارابسيكولوجيا  في بيروت , في حروبهم للسيطرة على سوق الدجل و الشعوذة ؛

 

ثم نفضته فأسقطت منه تلك الحملات الدونكشوتية المضحكة التي يشنّها ” المفكّر الشاب ” ــ كما يصف نفسه بكل تواضع ـــ على مفاهيم داهشية فلسفية لم يتمكّن من فهمها على وجهها الصحيح , مثلما يقول بها الداهشيّون , كمفهوم “السّيال” و مفهوم ” وحدة الادّيان ” ـــ لا ”  توحيد الادّيان” ـــ و مفهوم ” التقمّص”؛

 

ثم نفضته فأزلت منه تلك ” الظواهر” التي تنسبها الشائعات العامّة للدكتور داهش في حين ان الداهشيّين لا يعرفونها و لا يثبتونها, وتلك المعلومات الكاذبة الخاطئة عن عائلة الدكتور داهش و عن ماضي مؤسّس الداهشيّة , و عن تاريخ الداهشيّة في بدء ظهورها واسباب اضطهاد السلطات السياسية و الدينيّة لها في لبنان , وهي معلومات نهلها ” الباحث الموضوعي” من مستنقعات يعلم تمام العلم انها مشبوهة موبوءة ؛

 

ثم نفضته فوضعت تحت قدميك الحقد السافر الصريح و العداء الواضح الذي يعلنه ” الباحث  ” جهارا ً على الدكتور داهش أنه خالف الكنيسة  , و على الداهشيّة لأنها تختلف عن الكاثوليكيّة , و على الداهشيّين لأن كثيرين منهم , و ان يكونوا من اصل مسيحي , فهم يؤمنون بنبؤة النبي محمّد ؛ علما بأن هذا ” الباحث العلمي المنزه من التعصب الطائفي ” كما يصف نفسه , يعلن بكل وقاحة انه لو كان موجودا ً حين نشطت الداهشية, لكان شارك السلطة السياسيّة و الدينيّة في قمعها ! و لكان منع ظهورها بواسطة التعاليم البارابسيكولوجيا  ! وهو الآن , بأي حال , باسم الرخصة التي استحصل عليها من احد المعاهد اليسوعيّة البرازيلية  من اجل استيراد البارابسيكولوجيا و نشرها , يريد ” دفن ” الداهشيّة !

 

باختصار , اذا انت كنّست هذا الهذيان المرضي , و نفضت الكتاب تنفيضا جيدا , لن يبقى منه الا صفحات قليلة . ان الرجل من المؤمنين بتعاليم البارابسيكولوجيا الى درجة الوسواس و الهلواس . و انطلاقا من ايمانه هذا ( بارك الله له فيه !) عمد الى بعض المعجزات الداهشيّة فانتقى منها ما توهّم انه يدخل في قوالب ” الظواهر “البارابسيكولوجيا , فادخله في تلك القوالب الجاهزة .

 

ثم انه , لجهله بأصول الّتفكير المنطقيّ ، عمّم فقال ان جميع المعجزات الداهشيّةــــ ما ادخله منها في قالبه ، وما اصيب عند قراء ته له بالعمى المفاجىء المقصود فلم يستطع ادخاله ، ما يعرفه منها وما لا يعرفه ــــ هي “ظواهر” تُفسَّر باراسيكولوجيا.

 

وانت تعلم، يا اخي، ان الباراسيكولوجيا هي جملة من الاكاذيب المختلفة تفسّرها جملة من المعتقدات السحرية. وكنا سنعجب حقاً لو لم يصل هذا الرجل الى مثل تلك النتيجة! انه، والله، كان سيسيءالى المعجزات الداهشيّة، لو اعترف بها، اكثر من إساءته اليها بإنكاره لها!

 

إعلم ان جماعة من المؤمنين بالعلوم الكاذبة حاولوا المحاولة نفسها واستعملوا الطريقة عينها ووصلوا الى النتيجة ذاتها. فالذين يؤمنون باوهام السحر قالوا ان مؤسس الداهشيّة ساحر؛ والذين يؤمنون بتسخير الجان قالوا انه يستخدم الجان ؛ والذين يؤمنون بامكان الاتّصال بلأرواح ومخاطبتها قالوا انه “وسيط روحانيّ”؛

 

والذين يؤمنون بالتنويم المغنطيسيّ قالواانه “منوم مغنطيسيّ” ؛ وهذا المؤمن بالباراسيكولوجيا يقول انه ” صاحب مواهب بارابسيكولوجية”. فكلهم نطح تلك الصخرة الجبارة الهازئة بعاديات الزمان التي سَخِرتْ بالطغاة، فكيف بالأقزام؟ وكلهم ارتدّ عنها خاسئاً وانفه في التراب. فلا جديد تحت الشمس.

 

ان الداهشية ، كما هو ثابت من تاريخها, رسالة  رسالة روحيّة فكريّة فنيّة موجهة الى الخاصة والى الخلاصة والى الصفوة والى النخبة والى الذُّؤابة. وكتاب هذا الداعي موجه الى من هو في حاله وعلى مثاله؛ فلا يلتقيان.

 

إلا انك ـــــ اصلحك الله ـــــ اعدت الكرّة ، وارسلت لي كتاباً اخر لصاحب الرخصة البرازيلية ذاته ، وعنوانه” البارابسيكولوجية في خدمة العلم”. وقلت لي ان هذا الكتاب الصادر عام 1980 , هو أول منشورات الخوري المذكور واصل هذه المنشورات اللاحقة كلها ؛ اذ إن هذه المطبوعات العديدة التي يبشّر فيها بما يسمّيه “البارابسيكولوجيا اللبنانيّة” ما هي الا توسيع لفصول الكناب الاول,فهو يسوّق بضاعته القديمة الرخيصة ذاتها بعد ان يغلفها باغلفة جديدة.

 

وقلت لي: ” لقد نقل الينا اخواننا الذين سبقونا في الإيمان ان مؤسّس الداهشيّة كان يحرص حرصا شديداً على ان يكون الداهشيّ عليماً باساليب تلك الفئة من منتحلي “المواهب” السحريّة, خبيرا بألاعيبهم وفنونهم مختصّاً بكشف إحتيالاتهم في تفويض أسس معتقداتهم ونقض إدعاءاتهم  وقد وضع عدة مؤلفات في هذا الباب. وتابعه في ذلك الداهشيّون. فالدكتور فريد ابو سليمان اشتهر بحملاته الاعلاميّة على محترفي الدّجْل من مؤمنين وعرافين, وبالندوات التي كان يعقدها ويقوم اثناءها , امام الجمهور، بكشف ألاعيب اولئك الكذابين. والدكتور غازي براكس كتب سلسلة من المقالات في نقض السحر وفضح اساليب الشعوذة, قديمها والحديث. فالداهشيّة تعلّم العقل ، والداهشيّون اصحاب تراث عريق وتقليد ثابت وباع ٍ طويل في نقض السحر والخرافة ونقض العلوم الكاذبة والمعارف الزائفة. فهم اجدر الناس بإلقاء الضوء الساطع على الاكذوبة الباراسيكولوجية السخيفة”.

 

وقلت لي: “لعل تعرض السيّد خوري المستمرّ للداهشيّة ماهو الا نداء استغاثة يوجهه

” عقله الباطن اليها” , او هو صراخ ، كما يقول , يدافع به عن نفسه وقد حاصرته الحقيقة الداهشيّة. وكم من عدوّ ٍ لفكرة قد تحوّل, بعد صراعه معها, الى رسول لها! فما الذي يمنع , كما اوصى مؤسّس الداهشيّة العظيم, من شرح الفرادة التي تميز المعجزات الداهشيّة وما ينبثق منها من حقائق روحيّة والتزامات اخلاقيّة, ومن إفهام السيّد خوري ما لم يفهمه من المفاهيم الداهشيّة, وما غاب عنه من تاريخ الداهشيّة؟

وما دام السيّد خوري يصرّح مراراً وتكراراً في منشوراته أنه شغوف بــ “الاطلاع على الحقيقة”, محبّ ل ِ” لتنقيب العلمي” , ملتزم ل ِ”مناهج العلم والموضوعيّة”, فلماذا لا نلحقه الى باب الدار؟

 

وقلت لي ايضا انك كتبت في المسألة ذاتها الى الدكتور غازي براكس والى المحامي فارس زعتر, فعلى الخبير وقعت!

 

هذا ما قلته لي, وقد نقلته الى أخوي الى الدكتور غازي براكس والى المحامي فارس زعتر. اما اخي غازي فقد اقترح ان يضع, مجيباً, خلاصة عن سيرة مؤسس الداهشيّة ويعرض نماذج من معجزانه الدامغة يستقيها من مصادر موثوقة كعادته , ثم يعطيك رأيه في أعلام الباراسيكولوجيا المزعومة ومن لّف لفهم في ضوء آراء العلماء الذين درسوهم؛ وبما أنّه متمرّس بالتحليل النفسيّ والادبيّ , فهو سينفحك برأيه في شخص السّيد خوري “وأدبه”. من جهتي سأبيّن لك الاسباب المنهجيّة التي تدعوا اهل العلم الى تصنيف الباراسيكولوجيا في خانة العلوم الكاذبة, والى تصنيف المبشرين بها في الاغرار الجهلة او التجار المزورين؛ كما اقول لك رأيي  بإختصار           بــ” الباراسيكولوجيا اللبنانيّة”. أما اخي فارس زعتر, فانه يجيبك بدراسة حقوقيّة تاريخيّة يوضح فيها بالوثائق الثابتة والادلّة القانونيّة ان ماضي الدكتور داهش القضائي أشد نصوعاً من الثلج على صنين, وان قضيّته مع الدولة اللبنانيّة , في إبان حكم الرئيس الاسبق بشارة الخوري , لم تكن الا اعتداء اثيماً قام به الرئيس المذكور وسخّر فيه لأغراضه الشخصية اجهزة الحكم , ويتناول الأخ فارس ببحثٍ قَيِّم مسالة “مناجاة الارواح” في القانون اللبناني وعلاقة ذلك بمؤسس الداهشية.

 

أي أخي,

ان الداهشية قد نهضت, أمس, من لبنان, كما ينهض الصباح, لم يحل دون شروقها الظلام الكثيف العتيق , وهي تنتشر اليوم , كالضوء في رحابة الآفاق الأربعة ؟! ان كتابنا يتجاوز الرد على الكراريس التافهة التي يبيعها السيّد خوري في احد احياء بيروت. انه مساهمة داهشيّة في نهضة الفكر في لبنان والشرق, ومحاولة لإرساء الثقافة على أسس علميّة وروحيّة سليمة. ان في ذلك معنى من معاني الرسالة الداهشيّة.

د.ملحم شكر

الفصل الأول حياة الدكتور داهش الرسوليّة

شلالاً من المعجزات الملموسة الدامغة كانت حياته , ونهراً دافقاً بالآيات الروحيّة الهادية كانت يراعته , حتى أربَت  كتبه الملهمة على مئة, وهو لم يتخرج في مدرسة أو  جامعة, بل كان الله القدير معلّمه والروح العليّ ملهمه.

 

طوال ربع قرن ومؤلفاته الروحيّة تستقلّ بجناح خاص في معارض الكتب الدوليّة بمختلف أنحاء العالم , منشورة في اللغة العربيّة كما في اللغات الاجنبيّة. وطوال نصف قرن وخوارقه المذهلة وتعاليمه الداعية الى العودة  للإيمان الصحيح بالله تعالى تتناقلها الصحافة العربية والمهجرية.

 

الرؤساء والوزراء والنواب والقضاة والضباط زاروه واسترشدوه واستنجدوه, والادباء والاطباء والمحامون والمهندسون والصحافيون والأساتذة الجامعيون تردّدوا إليه واستهدوه واستنصروه … وجميعهم عاينوا  معجزاته الباهرة وخشعوا لما شاهدوه ولمسوه.

 

واليوم يتدارس المفكرون والأدباء فكره وأدبه, وطلاب الجامعات في لبنان واوروبا واميركا يبحثون في ما ابدعته عبقريته. ومتحفه الرائع, “متحف داهش”, أصبح قبلة الانظار في نيويورك عاصمة عواصم الدنيا.

 

هبّت عليه في الاربعينات عواصف حكام بغاة , فتنبأ بزوالهم وخراب دولتهم , لان دولة الباطل ساعة, ودولة الحق الى قيام الساعة. وتحققت نبوءته.

وهُوذا اليوم من عليائه يطأ ذباب المستنقعات, ويبسط جناحيه الجبارين على الشرق والغرب , لانه نسر السماء الجبار. وكل من زرع الأضاليل والأباطيل, وحالف الظالمين على المظلومين, سيكون له حساب عسير في هذه الدنيا كما في يوم الدين, وستدفعه لعنة حتى أبد الآبدين.

 

فأين ولد , يا ترى, هذا الهادي الخارق, كيف نشأ, وكيف أمضى حياته الرسوليّة على هذه الفانية, وكيف تصدى ابناء الجحيم لابن السماء, قبل ان يعود ابن الفردوس الى فردوسه؟

 

المنهج المتبع في تدوين وقائع حياته ومعجزاته:

 

ما دوّنته هنا من وقائع حياة الدكتور داهش ومعجزاته هو بعضٌ زهيد اقتبسته من “الكتاب الداهشيّ” الذي وضعته, وهو ينطوي على حوالي الفيّ صفحة من البحث المُحَقٍّق المُدقَّق في سيرة مؤسّس الداهشيّة واعماله الخارقة وتعاليمه المُلهَمة. وقد كنت حريصاً على ان اكون بمنتهى الامانة والدقة في نقل ما عاينته او تدوين ما سمعتُه لتأتيَ الحقيقة مجرّدة. ولم اتدخّل الا لإظهار الأبعاد الخارقة التي تنطوي عليها المعجزة, لأنها عمل غير مألوف للعقول البشريّة.

 

ولم أكن سريع التقبل لما شاهدته او سمعته من افواه الشهود, بل كان الفكر الناقد حليفي على الدوام. وفي حال الى رواية شاهد لواقعة أو معجزة ما ووجود أكثر من معاين لها, كنت ألجأ للإستماع الى الشاهد الآخر أو الشهود الآخرين لأطابق بين الوقائع المروية, ولا أدعُ اي مجال للزمن ليضعف أمانة الرواية للوقائع الخارقة, اذا كانت المعجزة قديمة الحدوث.

 

أما المعجزات التي عاينتها بنفسي, فكنت اسجّلها فور مشاهدتي لها؛ كذلك كان تدويني لما سمعته من افواه الشهود تدويناً فورياً في حضورهم, وذلك بين 1963و 1980.  كما تأكد لي ان الشاعر حليم دمّوس والأديبة ماري حدّاد والأديبة نجوى سلام (قرينتي) كانوا ايضاً يدوّنون المعجزات تدوينًا  فورياً. والى القارىء الكريم خلاصة عن حياة الرجل الخارق وفقاً للمنهج الذي إتبعته.

 

 

الطفل المعجزة:

 

في القدس , مدينة الانبياء , ولد الدكتور داهش , في مطلع حزيران سنة 1909 .

 

والده موسى الياس اليشي (نسبة الى اليشع النبي) ,و والدته شموني ابنة حنا مراد كانون .عاشا , قبل زواجهما , في ما  بين النهرين , الاب في بلدة افسس , والام في بلدة ازخ, و كانا ينتميان الى الطائفة السريانيّة , تلك الطائفة التي تتكلم الآرمية, لغة المسيح , حسب كثيرين من المؤرخين.

ثم اعتنق موسى البروتستنتية , و أنشأ مدرسة, في مسقط رأسه , انصرف فيه الى تعليم الناشئة بنفسه.

و كان شموني احدى تلميذاته, فاجتذبت نظره باستقامتها و ذكائها ,فمال قلبه اليها, واقترن بها بعد ان اعتنقت البروتستانتية بدورها.

 

      و تشاورما في ما يسميناه, فقرّ رأيهما على ان يفتح الوالد الكتاب المقدس , عفويا , ويضع اصبعه , دونما نظر , على احدى الصفحتين. و اذا بأنملته تقع على عبارة وردت في العهد القديم:” فولدت ابنا , فدعاه سليمان, و أحبه الربّ ” (سفر الملوك الثاني 12:24). فسميا طفلها سليمان , ثم خفّفا اسمه , فصار (سليم).

 

وما ان أخذ الصبي يدرج, حتى ترك والداه القدس الى حيفا. وعام 1911 انتقلا, مع أولادهما , الى بيروت, حيث سكنوا في حي المصيطبة, بملك جرجي ناصيف.

 

و ما ان اخذ الصبي يدرج , حتى ترك والداه القدس الى حيفا , ثم انتقلا , مع اولادهما, الى بيروت , حيث سكنوا في حي المصيطبة , بملك جرجي ناصيف.

و في فلسطين , حرف اسم العائلة من (اليشي) الى (العشي) مثلما يجري في كثير من الأسماء. وجرى هذا التحريف قبل ولادة الصبي.

وهكذا اصبحت الاسرة النازحة عربية اللسان, بروتستانتيّة المذهب, وبعد عشرة أعوام ستصبح لبنانيّة الجنسيّة.

 

 

المعجزة الاولى: في المهد تكلم:

 

كان الطفل ما يزال في المهد , عندما اصابه مرض عضال . فقلق عليه والده الذي كان يعمل في مطبعة الجامعة الاميركيّة ببيروت, و اتصل بطبيب اميركي اسمه الدكتور سميث.فحضر, و وجد الطفل في غيبوبة , فعالجه بالعقاقير حتى يستردّ وعيه , لكنه فشل.و اذ بدأ اليأس يتسّرب الى نفس الام , وهمّ الطبيب بالإنصراف , نهض الطفل فجأة , و قد شفي بصورة عجائبية , واخذ يتحدث الى الطبيب الاميركي , بالانكليزيّة بطلاقة عجيبة, ذاكرا له الدواء الذي كان عليه ان يعالجه به؛علماً بأن الطفل ابن الاعوام الثلاثة لم يكن ليجيد الكلام حتى بالعربية. فكان عجب الطبيب أعظم من عجب والديه فسأل الطفل: ” ولكن كيف عرفت الداء والدواء؟” فأجابه:”أنا دواء كل داء.” فازدادت دهشة الطبيب و لكنه لم يفهم شيئاً من حقيقة الطفل, و راح يحدث معارفه بما رأى و سمع.

 

 

تكلمه بالهندية:

 

حدثني رجال مسنّون كانوا يعيشون , في محلة المصيطبة ببيروت , قبيل الحرب العالميّة الاولى , و بينهم السيد انطوان بارود , انّهم بينما كانوا واقفين في تلك المحلة يتحادثون , اذا برجل غريب يمرّ فيطرح عليهم اسئلة بلغة لم يفهموها , فيلتف الناس حوله , يحاولون التفاهم معه , دونما جدوى.

و اذا بصبي في حوالي الخامسة من عمره , يدخل بينهم , متقدما الى الرجل الغريب الزيّ واللسان, و يروح يحدثه بطلاقة بالغة نفسها التي كان يتكلم بها.و تبدو علامات السرور على وجه الغريب, فيشكر الطفل ويمضي في سبيله, بينما تأخذ الدهشة الناس؛ فيسألون الطفل  كيف استطاع ان يتفاهم معه, و بأية لغة؟

فيجيبهم: “إنه هندي ضلّ الطريق,  فهديته اليها.”

فيقولون له متعجبين:

– كيف استطعت هدايته الى الطريق الصحيح وأنت ولد صغير تجهل الطرق

ولا تجيد الكلام حتى بالعربية؟

فيجيبهم:

انا الطريق,  وانا الهداية.

و يسأل الناس المدهوشون الصبي عن اسمه , فيعرفون انه سليم العشي.

 

 

الصيد الاعجازي:

روى لي السيّد انطوان بارود انه , بعيد الحرب العالميّة الاولى , قصد شاطىء بيروت , صباحا , يبتغي صيد السمك . فأمضى ساعات و هو يلقي شبكته , في البحر , ثم يخرجها فارغة.

و فيما هو يهمّ بالعودة الى منزله , يائسا , اذا بصبي في حوالي الحادية عشرة من عمره ,يقفز على رمال الشاطىء متقدما اليه. فنصحه بأن يلقي شباكه في مكان عيّنه له , لكن الصياد رفض , مؤكدا انه القى شباكه في المكان نفسه مرارا  , كما القى شِصَّه تكراراً,  و لم يظفر بشيء.

و اذ الح الصبي عليه, القى السيد بارود شِصَّه اولاً ثم شبكته, فكان الصيد وافراً. و اعاد الكرة ,مرارا , فكان يخرج بصيد وافر , كل مرة ,حتى استولت عليه الدهشة. وكان الصبي جاره في محلة المصيطبة, لكنه قلما كان يلتقيه. فتذكر اذ ذاك تكلمه بالهندية قبل بضع سنوات, وأخذ يتتبع اخباره باهتمام.

 

 

الشفاء العجائبي:

 

فيما كان المسيحّيون من اهالي محلة المصيطبة يحتفلون بعيد مارالياس (ايليا النبي) سنة 1920 , اذا بأحد الصبية يذهب و يجيء بسرعة , على دراجة , بين الناس, في الشارع. و فجأة يحدث له اصطدام , فيسقط ارضا , و يجرح , وتصاب دراجته بالتواءات؛ فيأخذ بالعويل.

ويهرع الناس نحو الجريح وهو يبكي ويستغيث, فيُمرُّ يده عليه قائلا له:

– قم , و اذهب الى بيتك بسلامة. شفيت جروحك بإذن الله.

وكان شهود هذه الخارقة كثيرين , بينهم افراد من آل بارود وآل الاشقر وآل بيضا. وقد ظلوا يتحدثون بهم طويلاً وهم في حيرة وبلبلة من أمر القوة العجائبيةالتي يتمتع بها الفتى الذي يسكن حيَّهم.

 

اليتيم المعذب:

في 25 كانون الاول سنة 1920 , توفي والد الطفل المعجز, بعد ان اصيب بالسلّ, و اعيا داؤه الاطباء , فدفن في مصح هملن , في الشبانية (لبنان).

فوضع سليم و شقيقته الصغرى انتوانيت في مدرسة للأيتام تابعة للإرساليّة الامريكيّة في غزير, احدى قرى لبنان.

لكن الصبي ساءت صحته , بعد مضي اشهر قليلة , فترك المدرسة , و كان اخر عهده بها.

و قد لازمه داء الربو حوالي ثلاث سنوات, حتى قارب الموت , لكن العناية الالهية انقذته و عافته.

 

و روى رفاقه ومعلموه ـــ منهم جورج شيخاني وحبيب كوراني ـــ معجزات و نبوءات كثيرة قام بها, في المدة القصيرة التي امضاها بينهم.

 

الفتى الشغوف بالمعرفة:

 

كان سليم شغوفا بالمعرفة ,لكن وضع اسرته الاقتصادي لم يسمح له بمتابعة دروسه في مدرسة كبيرة , و لا بإبتياع الكتب. فما ان تحسّنت صحّته مع بداية عام 1923 , حتى اخذ يستأجر الكتب من المكتبات ,فيطالعها و يطيل السهر عليها . فحصَّل مع الزمن معرفة واسعة شاملة بنفسه دونما استعانة بأحد. وفي 7/3/1923, حصل سليم على تذكرة هوية الجنسيّة اللبنانيّة, بعد ان حازتها والدته قبل عامين.

 

عينان تشعان نوراً:

 

ذات ليلة من عام 1923, اطال الفتى العجيب سهره , في منزل خالته بالقدس , وهو يطالع احد الكتب المقدسة. فما كان من خالته الاميّة الا ان اسرعت واطفأت قنديل الكاز الذي يستضيء به, ودعته الى النوم , حرصا على صحته وعلى زيت الانارة.

امتثل الفتى لرغبتها .لكن , لم يمضي هزيع من الليل , حتى استيقظت الخالة , فرأت نورا يضيء زاوية الغرفة  , و الفتى جالس يقرأ. فنهضت مغضبة , و في نيتها اطفاء القنديل و إخفاؤه , و ايقظت زوجها , ليؤدّبا معا الفتى العاصي.

لكنهما سرعان ما تسمرا في الارض مشدوهين , مذعورين , اذ كان القنديل غير مضاء , و نور ساطع غريب يشع من عينيّ الفتى العجيب.

لم يفهما من الامر شيئا , و لم يحصّلا منه الا الخوف . فإتّصلا , عند الصباح , ببعض رجال الدين المسيحيين ,و شرحا لهم ما حدث للفتى . فاكّد رجال الدين لهما ان ” مسّاً شيطانيّاً ” قد اصابه , و ان الكتاب الذي يطالعه قد يكون تلَّبسَهُ روح شّرير.

عادت المرأة و زوجها الى المنزل , و الفتى غائب , فبادرا الى الكتاب الذي كان يطالعه , و احرقاه في احدى زوايا المنزل.

و ما ان عاد الفتى حتى طالبهما بالكتاب , فأنكرا على ان يكونا على علم به . فتوجه غاضبا الى حيث الرماد , وضرب بيده عليها, فإذا  بالرماد يتكون كتابا كما كان.

و شاع الخبر في الجوار , زارعا في نفوس الناس الجاهلين الخوف من الفتى الخارق.

 

 

 

مشيه على  الماء:

 

بدءاً من سنة 1926 , اخذت عجائبه تتكاثر , ويزداد شهودها . و في عيد مارالياس , من هذا العام , صنع خوارق كثيرة امام جمع غفير , في بيروت, حتى اصبحت اخبار معجزاته موضوعا يوميّا في احاديث الناس.

ثم انتقل الى بيت لحم .و ذات يوم , كانت ضفاف برك النبي سليمان التي تقوم قرب المدينة التي شهدت ولادة المسيح , تغص بالرواد و المتنزهين ,و فيهم كثيرون من السريان , بينهم السيد كوريّه ملكي عبدالله. و كان الفتى المعجز حاضرا . فذكر احدهم مشي المسيح على الماء , فقال الفتى الخارق:

– ماذا تقولون عني ,اذا مشيت فوق ماء البحيرة ذهابا و ايابا؟

فإستعظموا الامر , و استبعدوه.

وعلى التو , بدأ يسير على صفحة الماء رويدا رويدا , كأنما يسير على الارض, حتى اجتاز البحيرة كلها , ثم عاد ادراجه الى نقطة انطلاقه.

و فحص الشهود المشدوهون الكثيرون حذاءه , فوجدوه غير مبلل, فإزداد عجبهم . و سأله كوريه عبدالله كيف حدث ذلك؟ فأجابه:

– انا اسير فوق المياه كما اسير على اليابسة.

 

الفتى المؤدب:

 

ما ان بلغ الفتى العجيب الرابعة عشرة من عمره , حتى اخذ يشفع خوارقه التي يصنعها , في مدن فلسطين , بتقريعه رجال الدين على انحرافهم  عن تعاليم المسيح, و اتجارهم بتعاليمه المقدّسة , و بفضحه سلوكهم الشائن و اعمالهم الخفيّة المنكرة , داعيا الصبية الكثيرين الذين كانوا يلتفّون حوله , الى عدم الانخداع بأقوالهم؛ حتى بلغ ذرّوة حملته عليهم , في بيت لحم , سنة 1927 , فضجّ الكهنة منه , واستعدوا عليه رجال الشرطة . و كان رجال الدين يتهدّدونه في كنائس بيت لحم , و يتوعدون كل من يتردّد اليه, محذّرين الشعب منه . لكن خوارقه كانت تزداد, و نفوذه في الناس كان يتعاظم , على صغر سنه ,لان الله ايّده بسلطانه.

 

داهش الناس:

 

ما ان ناهز الفتى الخارق العشرين من عمره , حتى اخذ يلتف حوله عدد من المثقفين الفلسطينيين ممن مالت قلوبهم الى الامور الروحيّة, فتتلمذوا له . و كان بينهم الشاعر مطلق عيد الخالق , و الوجيه توفيق العسراوي.

و ذات يوم من سنة 1929 , ألهم الفتى العجيب بأنه يجب ان يغير اسمه ,    ويّتخذ اسما  روحيّا , و بانه سيعطى الاسم الجديد عن طريق القرعة.فأخبر تلاميذه بذلك , فعمدوا الى  كتابة اسماء كثيرة , على قصاصات من الورق  , ثم طووها وخلطوها . و اختار (سليم)واحدة منها , فإذا فيه اسم(داهش). لقد اراد الله ان يعرف رسوله , من بعد بهذا الاسم الروحيّ , و به تشيع عجائبه بين الشعوب , ليكون داهش الناس . ورافقه لقب ” دكتور” مثلما رافق لقب ” الحكيم” سليمان النبي. وبذلك تحقّقت نبوءة أشعيا النبي القائل:” لأنه قد ولد لنا ولد, اعطيَ لنا ابن, فوضعت السيادة على عاتقه, وسيلقب بالعجيب المشير [ داهش الحكيم ], جبار الله, الأب الأبدي , أمير السلام.”(أشعيا6:9).

 

معجزة يونان النبي:

 

بعد ان اتّسعت شهرة داهش , و تناهت اخبار معجزاته الى المحافل العلميّة في باريس , ارسلت اليه جمعية المباحث النفسيّة الفرنسيّة تستضيفه على نفقتها. فسافر اليها برفقة شقيقته انتوانيت, وذلك على يقينه ان تلك الجمعية وغيرها مما يماثلها بعيدة عن فهم الحقائق الروحيّة بعد السماء عن الارض.

واذ طلب  اليه  ان يري المجتمعين معجزة من معجزاته , اجابهم انه سيريهم آية يونان النبي.

فطلب ان يوضع في صندوق حديدي , و يحكم اغلاقه , و يدفن في قعر نهر السين , سبعة ايام , تحت الحراسة المشددة .

اجفل المجتمعون , اولا , لخطورة العرض , لكنهم عادوا فقبلوا , عندما كتب لهم اقرارا عن عاقبة طلبه.

و بعد ان فحصته لجنة طبية ,استحضروا صندوقاً حديدياً, ونزلوه فيه, واغلقوه عليه اغلاقاً محكماً , ثم اسقطوا الصندوق الى قعر نهر السين. 

 

و بعد مضي سبعة ايام , و امام 150 شاهدا من المهتمّين بالامور النفسيّة , رفع الصندوق , وفتح .و اذا بالجثمان الساجي يتحرك , و بالوجه الواجم يبتسم.

بعد هذه المعجزة المذهلة , منح داهش شهادة العلوم النفسيّة من قبل ” الجمعيّة النفسيّة الدوليّة” Société Psychique Internationale  بتاريخ 6 ايار 1930 , ثم شهادة الدكتوراه من قبل ” معهد ساج” Sage Institute الأميركي في باريس, بتاريخ 22 ايار 1930.

 

الاديب المعجز:

 

بدأ الدكتور داهش بتدوين افكاره و عواطفه من سنة 1927 ,حتى اذا بلغ اواسط العام 1933 , قد انهى تأليف كتابه الاول”اسرار الآلهة”بجزءين, وقبل تمام العام نفسه, انجز كتابه الثاني “قيثارة الألهة” بجزءين, فالثالث “ضجعة الموت”.

و مابين 1933 و 1950 توالت مؤلفاته حسب الترتيب التاريخي التالي: القلب المحطم, الالهات الست, كلمات, جحيم الذكريات, الدهاليز, النعيم, الجحيم, بروق ورعود, عواطف و عواصف, مذكرات يسوع الناصري, نشيد الانشاد,ناقوس الاحزان او مراثي إرميا,عشتروت و أدونيس,نبال و نصال, من محي السجن والتجريد و النفي و التشريد, اوهام سرابية و تخيلات ترابية,الحمامة الذبيحة او شهيدة الداهشيّة الاولى ماجدا حدّاد, ابتهالات خشوعيّة,مذكّرات دينار.

و بين 1950 و 1983 ألّف الدكتور داهش  عشرات الكتب الاخرى التي تضمّ , في ما تضم, مجموعة”قصص غريبة و اساطير عجيبة” بأربعة اجزاء, وسلسلة “حدائق الآلهة” و “فراديس الإلاهات”في عشرين جزءاً, وسلسلة”الرحلات الداهشيّة حول الكرة الارضيّة” في اثنين و عشرين جزاً, بحيث أربت مؤلفاته على المئة و الخمسين.

و قد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الادبية, و جلّى فيها.

 

الرسالة الالهية:

 

إن المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غاية بحدّ ذاتها, بل وسيلة, و بكلمة اصح شهادة على صحة الرسالة الالهيّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها, و يرتقب بشوق عظيم ان يحققها الله على يديه, منذ حداثته, حتى اذا ما بلغ السابعة و العشرين, سنة 1936, سجل في كتابه”كلمات ” شعولاه قائلاً:

 

” اشعر بأني احوي في اعماقي قوى روحية خفية هائلة تود الانطلاق, لتقوم بعمل خطير عظيم, و لكنني أكبتها الى اجل معلوم. و لن يمضي غير قليل حتى تتفجر ينابيعها, و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات, ثم تبرز للعيان جلية, واضحة, لا لبس فيها و لا غموض”.

 

و ما ان انقضى العام المذكور حتى اثبت الدكتور داهش في كلمة استقباله للعام التالي هذا القسم العظيم:

” اقسم بك يا خالقي, انه لو وجد ملايين

من الاغبياء المارقين, او الخونة المماذقين,

و ملأوا طروس الارض,

لا, بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره , قائلين:

“ان رسالتي هذه غير صادقة”,

لمشيت رافع الرأس, موفور الكرامة.

و سأبقى على تبشيري و إذاعة رسالتي,

حتى تعمّ الارض , و تنتشر في السماء ايضا.

و لن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها , يا الله,

ما دمت انت تمدني بقوتك الالهّية.

و هذه يميني, يا خالقي ,

ارفعها لك من اعماق قلبي

الذي لا يخفق إلاّ بذكر اسمك القدوس,

برهبة و خشوع كليّين”

 

و كان على الارض ان تنتظر حتى 23 آذار 1942, لتشهد تمام الحدث الجلّل, اذ إن الارواح العلويّة تنزلت,في هذا اليوم, على الدكتور داهش ,بحضور المؤمن الاول الاديب يوسف الحاج, معلنة قيام الرسالة الداهشيّة, و بدء التاريخ الداهشيّ في العالم, و ذلك في اول جلسة روحية عقدها مؤسس الداهشيّة.

 

 

إضهاد مؤسس الداهشية و اتباعه:

 

بعد إعتناق الاديب يوسف الحاج الداهشيّة, تتابع المؤمنون بها من رجال الادب و العلم,

و اعيان المجتمع. و كان بينهم رئسة نقابة الفنّانين , الاديبة ماري حدّاد , شقيقة زوجة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الاسبق بشارة الخوري, فآمنت هي و زوجها و افراد عائلتها , بعد معاينتهم معجزاته الدامغة.

إزاء هذا المد الايماني الجديد يغزو المجتمع اللبناني , في مختلف طوائفه , موحّدا بينها ,مزلزلا اوهامها و تقاليدها البالية, محدثا ضجّة مدوّية في الصحافة اللبنانيّة و العربيّة , خاف ذو و ماري حدّاد و انسباؤها ـــ و لا سيما شقيقتها لور وشقيقها ميشال شيحا ـــ ان يضعف في لبنان نفوذ الكثلكة التي كانوا يتعصّبون لها, فأخذوا ينسجون المؤامرات على رجل الروح , متعاونين مع رئيس الدولة بشارة الخوري و زبانيته و المتواطئين معه من رجال الدين , مهدمين بذلك امل الشعب اللبناني بوحدة اجتماعيّة روحيّة.

حاولوا, اولا ,اقناع ماري حداد بالتخلي عن عقيدتها الجديدة, لكن مساعيهم تحطّمت على صخرة إيمانها الوطيد.

إذ ذاك , حاولت السلطات احالة رجل الروح على المحاكمة , بتهم راحت تدبر من يفتريها عليه . ففشلت فشلا ذريعا , المدعي العام المركزي الاستاذ ديمتري الحايك الذي كلفه رئيس الدولة بهذه المهمة فضّل ان يقال على  ان يصدر اتهاما بحقّ الدكتور داهش , و آمن برسالته السماوية.

حينئذ , عمدت السلطات الى استمالة النواب بمختلف الاساليب الترغيبيبة والترهيبيّة, ليقرّوا مشروع قانون يمنع ” مناجاة الارواح”, و بالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه , و اجتراح معجزاته, ذلك مع العلم بأن معجزات داهش لا علاقة لها ” بمناجاة الارواح”؛ غير ان السلطة الغاشمة , آنئذ ٍ, اصرّت على تسمية ” الجلسات الروحيّة الداهشيّة ” بـ ” بمناجاة الارواح” لتتسنى لها ذريعة لملاحقة رجل الروح البريء. لكن المشروع سقط , ايضا. عندئذ , نشطت السلطات, بالتعاون مع رجال الدين المسيحيّ , الى تشويه سمعة رجل الروح الطاهر بتلفيق الشائعات والإفتراءات الخسيسة عليه, و تذييعها بين الناس, في الكنائس, و المدارس , والصحف . و منع الداهشّيون من الردّ على تلك الحملات من الاكاذيب الدنيئة.

اخيرا , لجأت السلطات الى اساليبها الجحيميّة لمحاربة رجل الله , فألقت القبض عليه في 28 آب 1944 , و دونما محاكمة , زجت به في السجن. ثم ما لبثت ان سجنت الداهشيّين البارزين , تباعا , و بينهم الاديبة ماري حدّاد نفسها دونما محاكمة ايضا.

و في 9 ايلول 1944 , نفت السلطات مؤسس الداهشيّة الى خارج الحدود اللبنانيّة , بعد ان جرّدته من جنسيّته اللبنانيّة بطريقة تعسفيّة خرقت بها الدستور , وبعدان سامته من الجلد والعذاب والإهانة الواناً. ثم ابعد, بتواطؤ بين بشارة الخوري و محافظ حلب , الى الحدود التركية.

و هكذا , شرّد رجل الروح , و رمي في بحار الاخطار تتقاذفه امواجها , من دون ان يعلو, في لبنان, صوت واحد يدافع عنه, من نائب او صحافي او قاضٍ او مواطنٍ عادي.

وحدها اصوات من وراء البحار , من اميركا الجنوبية كانت تسمع غاضبة, وكان اعلاها و اجرأها صوت الاديب جبران مسّوح , صاحب مجلة ” المختصر”, الصادرة في بونس ايرس(الارجنتين). ومّما قاله في حملته على مضطهدي الداهشيّة التي إمتدت نحو سنتين :

” جميع اعداء داهش سوف ينكسرون, و احط ما في انكسارهم هذا انهم سوف يحملونه الى قبورهم, لان هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء, و لا تذوب عناصرها في الفضاء.

فهي ترافق مرتكبيها, ملتصقة بهم , مندمجة بخلاياهم . فتذكر كلما ذكروا, و يذكرون كلما ذكرت. فهم و هي عظة و ذكرة لكل الاجيال القادمة”

 

 

 

 

رجل الروح يؤدب و ينذر متنبئاً:

 

بعد مضي شهر واحد على نفي مؤسّس الداهشيّة , تمكّن رجل الروح من العودة سرّاً الى لبنان  في 9/10/1944. و من عرينه , و رغم انوف الالوف ممّن يترصدونه , نجح في شن حملة إعلامية رهيبة , لم تعرف الارض مثيلها, ضد الطغاة و زبانيتهم. فوضع ووزّع على نطاق واسع , 66 كتابا اسود , و 165 منشورا تناولت رجال الحكم و الدين ممن تآمروا عليه , ففضحت مخازيهم و قبائحم  , وهتكت اسرارهم و مؤامراتهم على الشعب  وجعلتهم مضغة في افواه الدبلوماسيين الاجانب و رؤساء الدول.

و قد ساعدت هذه الكتب و البيانات السوداء على ايقاظ الشعب  و اثارته ضد حكامه البغاة,

فأسقط بشارة الخوري من على كرسيّ الرئاسة سنة 1952 , و انتخب كميل شمعون رئيسا للجمهوريّة, فردّ الجنسيّة للدكتور داهش , في اول عهده, سنة 1953.

 

نبوءة خراب لبنان:

 

في 4 كانون الثاني 1948 , نشرت جريدة “الحياة” البيروتيّة , و بعض الصحف اللبنانيّة الاخرى نبوءة للدكتور داهش , مفادها ان بيروت ستحترق بالكبريت و النار, و ان الخراب سيعمّ لبنان من اقصاه الى اقصاه , و ذلك نتيجة لإضطهاد الدولة لمؤسّس الرسالة الداهشيّة , و سكوت الشعب الممثل بنوابه وقضاته و ادبائه و صحافييه عن هذه الجريمة.

  و لأن ابعاد هذه النبوءة الرهيبة تخطت منطق المراقبين , و ناقضت رغبات الظالمين و الطامعين , فقد وقفت الصحافة , آنذاك , منها موقف الساخر .

لكن التاريخ, اليوم , بعد نكبة لبنان  و شعبه , هو الذي يستهزىء بأولئك الساخرين.

 

إهتمام الدكتور داهش المثلّث :الرسالة و الثقافة و الفن:

 

بعد ان استردّ الدكتور داهش جنسيتّه السليبة بكفاحه العنيد , انصرف الى اتمام رسالته الالهيّة , فكان , حتى ساعة متأخرة من الليل , يستقبل زائريه الذين كانوا يتقاطرون عليه بالعشرات , يوميا, فيعاينون معجزاته , و يستمعون الى تعاليمه الروحيّة, و بينهم كثيرون من الصحافيين الذين كانوا ينشرون  في صحفهم تحقيقات مثيرة عن معجزاته , مؤيّدة بالصور الفوتغرافية التي تسجّل مراحل اجتراح الخوارق .

وبدءًا من سنة 1969 , باشر الدكتور داهش”رحلاته حول الكرة الارضيّة ” التي دون وقائعها في سلسلة  تضم 22 جزءأ.  و قد سجل فيها مشاهداته , وإنطباعاته ,و احكامه البتارة على مدنية القرن العشرين, حيثما حلّ , منذرا ً الشعوب بكارثة شاملة اذا لم يرعووا عن مظالمهم و معاصيهم المتعاظمة .

فضلا عن ذلك , و عن وضعه عشرات المؤلفات الاخرى , صرف مؤسّس الداهشيّة قسطا وافرا من وقته , لإتمام إنشائه مكتبة ثقافية جامعة كان قد بدأ تجميع كتبها , منذ عنفوان شبابه , و قد ضمّت , حتى الآن , نحو  ربع مليون  كتاب في لغات متعددة, إختارها بنفسه من بلدان كثيرة , لتكون تراثا للداهشيّين يستحثهم على الاستزادة من المعرفة.

كذلك تمكّن , بفضل مراسلته للفنانين و معارضهم , تلك المراسلة التي بدأها منذ عنفوان شبابه, وإشتملت على نحو نصف مليون رسالة , كما بفضل رحلاته الكثيرة ,من إنشاء متحف داهشي للفن يضم الوف القطع النفيسة في الرسم و النحت . و هوذا متحفه اليوم يقوم بنيويورك عاصمة الدنيا.

و في 1/9/ 1980 , غادر مؤسّس الداهشيّة لبنان, ليتابع جولاته في بلدان العالم,

و يتمّ رسالته الروحيّة. و في 9/4/1984 عاد ابن السماء الى فردوسه مخلفا ً رسالة الهيّة بدأت تغزو الشرق و الغرب . و لن يطول الزمان حتى تمد شجرة الداهشيّة المباركة اغصانها على الارض كلها, و تحت افيائها تتآخى شعوب العالم , و تسود الفضيلة و العدالة , و تنتصر الحرية , منحة الله للإنسان , و يعود كلّ مؤمن الى جوهر دينه النقي , القائم على المحبة و الرحمة و الاحترام لكا إنسان آخر كما على التسامح و السماحة الخلقية.

اما الداهشيون فسيكون شعارهم قول مؤسس عقيدتهم :

 

” نحن قوم مسالمون كالحملان .لكن, عندما يعتدي الظالمون على حريتنا التي هي هبة من لدن الله جل اسمه , اذ ذاك , ننقلب الى نسور كاسرة , و ننقض على اولئك المعتدين, و نمزق لحمانهم تمزيقا ً , و بذلك نؤدبهم تأديبا ً رهيبا ً جدا” .

الفصل الثاني معجزات الدكتور داهش الدامغة

بعد عرض موجز للحياة الرسولية الخارقة التي عاشها الدكتور داهش , سأنقل القارىء الى عالم المعجزات الداهشية المذهلة , فأعطيه فكرة عن شهودها و امكنة حدوثها , و اوضح معنى الجلسة الروحية  و مدلول المعجزة و الغاية منها , ثم اقدم نماذج متنوعة من الخوارق , و انهي الفصل بالنظر الى المعجزات الداهشية في ضوء العلم الحديث .

 

شهود معجزات الدكتور داهش :

 

ان شهود المعجزات التي تمّت على يد الدكتور داهش بقوّة الروح العليّ  كانوا بأكثريتهم الساحقة رجال علم و فكر و قانون و ادب و سياسة و صحافة او رجال اعمال بارزين محنّكين, و ليس من جهلة العامّة الذين يحبّون التلهّي بسرد الاخبار الخارقة او نسجها.

بل ان معظمهم اجتمعوا بمؤسّس الداهشيّة و هم مشكّكون في حدوث المعجزات رافضون للإيمان بها, وبالرغم من موقفهم الجاحد حدثت المعجزات امامهم تكراراً, ولم يستطيعوا الهروب من الشهادة لها. بعضهم اجتمع بالدكتور داهش بصفته مدّعياً عامّاً للتحقيق معه في حقيقة ما يروى عنه من أخبار عجيبة كالأستاذ ديمتري الحايك؛ وبعضهم كان مرسلا ً من قبل السلطة اللبنانيّة المضهدة للداهشيّة ومؤسّسها في عهد الرئيس بشارة الخوري (1943-1952) وذلك للتحقّق من صحّة ما يشاع عن الخوارق التي اصبحت شغل المجتمع اللبنانيّ الشاغل وعن الغاية منها كالوزير السابق المحامي ادوارد نون؛ وبعضهم كان مرسلا من قبل دولة اجنبيّة لتجسّس أخبار الدكتور داهش واعماله كالمستشرق دانيال اوليفر , صاحب معهد “الفرندر” في (راس المتن ) بلبنان الخ… واذا بهم جميعاً ينتهون ,  بعد زياراتهم المتعاقبة له ومعاينتهم المتكررة لمعجزاته , واستخدامهم مختلف وسائل الحذر, الى الايمان بصحة الخوارق والشهادة لها.

و كثيرون ممن عاينوا المعجزات آمنوا إمانا ثابتا بمؤسّس الداهشيّة, و ضحّوا من اجل عقيدتهم بكل غالٍ , حتى ان فريقا منهم آثر تحمل السجن و الاهانة و العذاب على التخلي عن ايمانه, في اثناء اضطهاد بشارة الخوري لمؤسس الداهشية والمؤمنين به , كماري حدّا د, شقيقة زوجة الرئيس الطاغية و رئيسة نقابة الفنّانين اللبنانيين سابقا, و زوجها جورج حدّاد , عديل الرئيس , و الشاعر حليم دمّوس , مؤرّخ الوقائع الداهشيّة , و الدكتور فريد ابو سليمان,

و الاديب جوزف حجّار ؛ فجميعهم دخلوا السجون من اجل عقيدتهم , وامضى بعضهم شهورا كثيرة فيها.

و كثيرون ايضا ممن عاينوا المعجزات لم يؤمنوا برسالة صاحبها ,لاسباب كثيرة,و لكنهم , على ذلك , لم يستطيعوا انكار ما عاينوه من اعمال خارقة,فشهدوا لها في مقابلات صحافيّة , و بين هؤلاء عشرات من  السياسيين  البارزين , كرئيس المجلس النيابي اللبناني صبري حماده , و رئيس الوزراء الامير خالد شهاب , ورئيس الوزراء حسين العويني , و نواب كثيريين , منهم بشير العثمان , و اديب الفرزلي , و محمد العبود , ومحسن سليم … فضلا عن رجال القانون و القضاء ورجال الصحافة الذين مثلوا معظم الجرائد و المجلات اللبنانية البارزة , منها “الاسبوع العربي” , و” اللواء”, و ” الشراع” , و ” ريفي دي ليبان” REVUE DU LIBAN , و صحف ” النهار” و ” الجريدة” و ” له سوار” LE SOIR  الخ.

و لم يكن لحدوث المعجزات مكان محدّد . فقد تمّت في منزل الدكتور داهش ببيروت , و في منزل آل حداد الذي اصبح مقرا ً للرسالة الروحيّة الجديدة في العاصمة اللبنانية , كما حدثت في عشرات المنازل الاخرى التي كان اصحابها يدعون الرجل الخارق الى زيارتهم .و قد حدثت في مدن لبنان و قراه , كما في مصر و كثير من البلدان العربية , و في اوروبا كما في افريقيا و آسيا و اميركا, وفي  المنازل  كما في المخازن و الشوارع و داخل السيارات و القطارات بل الطيارات.

و جميعها تمت في و ضح النهار او تحت الاضواء الكهربائية الساطعة , من دون استخدام ستائر او اللجوء الى احراق البخور و التمتمة او تلاوة تعاويذ او صلوات. غير ان بعضها كان يسبقه احيانا كتابة ” الرمز الداهشي “, و هو كناية عن ابتهال الى الله تعالى يُكتب بطريقة معينة و يُطلب فيه المساعدة الروحية المنشودة , اي بدل ان يكون الدعاء للخالق شفويا يكون كتابيا ً.

و كثير من المعجزات خلف آثارأ باقية و نتائج ثابتة . فالورقة البيضاء التي تحوّلت و هي في قبضة صاحبها الى ليرة لبنانية او مئة ليرة , بقيت مع صاحبها ؛ وقطعة النقد النحاسية التي تحوّلت الى ليرة ذهبيّة بقيت ذهبا ً؛ و الساعة التي فُقدت قبل سنين عديدة أ ُحضرت و سوّرت معصم صاحبها بطرفة عين؛ و الكتابة الروحيّة التي كُوّنت على ورقة فارغة و الشاهد قابض عليها بقيت مثلما ظهرت …. وأسماء الشهود و تواريخ المعجزات مدوّنة كلها في آلاف الصفحات المعدّة للنشر قريبا ً .

و كثيرة هي الخوارق التي صورت الكاميرات الصحافية مراحل حدوثها ,   و نُشرت عنها في الصحف اللبنانية تحقيقات مذهلة .

و كثير منها أ ُخضع للإمتحان العلمي: ورقة يانصيب كانت خاسرة , فتحوّلت بقوّة الروح العليّ الى ورقة رابحة لجائزة كبيرة امام القاضيين محمود البقاعي  ومحمد النعمان و المحامي شفيق السرودك , فاثارت ضجة كبيرة, واخضعت لتحليل مخبري  دقيق قبل تسليم الجائزة ؛ و مرضى استفحل داؤهم بعد ان عالجهم الاطباء و ادخلوا الى المستشفيات حتى قُطع الامل من بُرئهم , فإذا معجزة الشفاء تحدث ؛ وأورقاء بيضاء تحوّلت الى مئات الليرات فحصها الخبراء فوجدوها صحيحة…

و امثال هذه المعجزات كانت تحدث بصورة عفوية و بلحظة خاطفة اما الراغبين في معاينة معجزة ما, سواء كانوا بزيارة الدكتور داهش في منزله او كانوا في منازلهم او في اي مكان آخر . لكن المعجزات , احيانا , كانت تحدث في اثناء انعقاد جلسة روحية. فما هي الجلسة الروحية؟.

 

الجلسات الروحية:

 

تُعقد للجلسة الروحية في ضوء النهار, او تحت الكهرباء الساطعة, ودون احراق بخور, او إقامة سواتر, او سدل حجب. و تتم المعجزات فيها بوضوح كلي, و يقين ملموس, و بكل بساطة. و لا يهم اذا كان حاضروها قليلين او كثيرين , مؤمنين او ملحدين, و ذلك بأن الخوارق التي تحدث فيها لا تتأثر بإرادة شهودها, لأنها حقيقية, و القوة الروحية التي تجترحها بواسطة الدكتور داهش, لا شيء يصدّها او يثنيها , لأنها إلهية.

و قد اوضح مؤسس الداهشة الفرق بين الجلسة الروحية و ” الوساطة الروحية” التي مازالت تخدع كثيرين, بقوله:

” الجلسات الروحية التي اعقدها ليست علما , و ماكنت لأستطيع القيام بها من غير إذن الله, فهي منحة سماوية خصني تعالى بها في هذا العصر, ليكون فيها مساعدة للتائقين الى الحقيقة و للراغبين في الايمان و الاستقامة و التوبة. اما” الوساطة الروحية” التي يدّعيها بعض الناس المحترفين, كوسيلة مزعومة لإستحضار الارواح, فهي بعيدة عن “الجلسات الروحية” التي اعقدها , بعد الارض عن السماء, و ما عليك إلا ان تحضر , بعينين مفتحتين و ذهن نابه , جلسة من جلسات أولئك القوم, ثم تحضر جلسة روحية, حتى تدرك الفرق العظيم, و كيف يختلط الظلام بالنور, و يلتبس الحق بالباطل في اذهان الناس! ذلك بـأن” الوساطة الروحية” المزعومة ليست, في الحقيقة, إلا شعوذة و تدجيلا قد ينطليان على بسطاء العقول, انما لا يتطليان على الاذكياء المستنيرين. و الداهشية تفند ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها سفسطات اولئك المشعوذين  المحترفين الذين يضلّلون الناس بتوافه الحيل و المخرقات, و الذين هم اعجز من ان يعطوا حتى دليلا ضئيلا واحداً على صحة اعمالهم الاحتيالية”

 

ما هي المعجزة؟

 

كلّ مثقف ثقافة علمية صحيحة يعرف, كما اعرف,ان العالم محكوم بقوانين طبيعية ثابتة. فقانون الحركة , و قانون الجاذبية , و قانون النسبية, و قانون حفظ الطاقة, و غيرها كثير , كلها كائنة في الوجود , مذ  الوجود المادي كان.

و كل مايستطيعه العقل الانساني هو ان يرفع الحجب تدريجياعن القوانين التي ماتزال مستورة.لكن الارادة البشرية,أية كانت,لا تستطيع خرق القوانين الطبيعية.       و هذه حقيقة يؤكدها العالم الفيزيائي الكبير ماكس بلانك,الحائز جائزة نوبل,و المكتشف نظرية الكوانتا,كما يؤكدها سائر العلماء. فنواميس الطبيعة لا تخضع لإرادتنا, اذ إنها كانت موجودة قبل ظهور الحياة على الارض, و سيتبقى بعد زوالها.

 

لكني, على اقتناعي العلمي الراسخ بخضوع الارادة البشرية للقوانين الطبيعية,و استحالة وجود اي انسان يستطيع خرقها,كما العلم يثبت ذلك,فقد اتيح لي,في اثناء ملازمتي للدكتور داهش أكثر من خمسة عشر سنة(1963-1980), ان اشهد,عشرات المرات,قوانين الطبيعة المادية” تخرق” على يديه” خرقا” ساطعا. ذلك ما  دفعني  الى تحرٍّ كبير,و تحقيق دقيق, و تثبت طويل,لم اترك , في خلاله,اي كتاب معتبر يبحث في الامور الخارقة ,إلا جلبته,و إن كان في موسكو او نيويورك او لندن او بون او باريس, ثم قرأته و نقدته.و قد شاهدت بعيني ,و لمست بيدي, عشرات الخوارق , يصنعها الرجل العجيب امامي, و تبقى آثارها , بل يشاهد آثارها آخرون , ممن لم يعرفوه و لم يجتمعوا به , لم اكتفي بذلك , بل إجتمعت مع عدد كبير جدا , ممن شهدوا خوارقه مثلي, و سمعت منهم مباشرة وقائع ما عاينوه , و نقدت ما رووه , و قابلته بما نقله غيرهم . ثم وضعت ماجمعت على محك العلوم الطبيعية و النفسية و الاجتماعية, و على محك الدين و المنطق,و من كل ذلك خلصت الى النتيجة التالية: إن ما يتم من ظاهرات غريبة على يدي الدكتور داهش هو خوارق و معجزات حقيقية ,لا يمكن ان تصنف بين العاب الخفة او الايهام, او السحر, او الفقر الهندي, او مناجاة الارواح, او التنويم المغناطيسي , او اي شكل من اشكال الباراسيكولوجيا المزعومة. وسيتضح الامر للقارىء عما قليل.  و ليس الدكتور داهش هو الذي يصنع تلك الخوارق , بمشيئته, لأن إرادته , كإرادة اي انسان, خاضعة لقوانين الارض التي فيها ولد ,انما يصنع تلك المعجزات قوة روحية  غير ارضية,لا تخضع لقوانين عالمنا , لانها خارجة عنها, متفوقة عليه , و هذه القوة إتخذته وسيطا روحيا,و إناءً مختاراً , و رسولا هادياً.

و مثلما ان الريح يمكن إثبات وجودها, من جراء تحريكها بعض الاشياء , و ان الطاقة المغنطيسية يمكن تأكيد وجودها , من جراء تأثير جاذبيتها على بعض الاجسام , مع انه لا يمكن رؤية الاولى و لا الثانية, و لا القبض عليهما, هكذا ل ابد من التسليم بأن وراء كل معجزة قوة روحية هي سببها ,قوة تتخطى المعرفة البشرية, و “تخرق” القوانين الطبيعية.

غير ان ” خرق” القوانين الطبيعية يجب ان يفهم فهما نسبيا, اذ انه يبدو هكذا بالنسبة الينا نحن البشر, في حين ان المعجزة, بنظر الروح  الالهي و الكائنات الفردوسية, إنما هي نتيجة قدرة ومعرفة بشريين بأبعاد لاتحد.

و قد اوضح مؤسس الداهشية هذه الناحية , في اثناء إيضاحه امر الجلسات الروحية بقوله :

” يمكنك ,مثلا, ان تحضر معك صحن الطعام الذي تتناول فيك طعامك بمنزلك, و هذا الصحن مادته بورسلين. فعندما تتجسد الروح , بإمكانك ان تطلب اليها ان تحول لك مادته الى خشب.

“و للحال , يتحول الصحن, و انت ممسك به بكلتا يديك, الى صحت خشبي يبقى عندك بمادته الخشبية طوال الايام و الاعوام . كما بإمكانك ان تطلب الى الروح ان تحوله , مثلا , الى مادة حديدية, و بلحظة يثقل وزنه , اذ يتحول الى صحن حديدي , بينما انت ممسك به جيدا بكلتا يديك. وهكذا يمكنك ان تطلب الى الروح ان تحوله لاي نوع تحبه انت, الى قصدير او كريستال الخ…”, ثم يردف قائلا:

” لقد سألنا الروح عن كيفية هذا التحول , فشرحته لنا بما يلي . قالت الروح:

 

” تعرفون ان لكل مادة اهتزازا [ تردداً ذرياً] ذا سرعة معينة , فاللخشب سرعة معينة , و للحديد سرعة اخرى, و للفولاذ كذلك, و هكذا لسائر المواد, اذ لكل مادة منها سرعة اهتزاز تختلف عن سرعة المادة الاخرى. فعندما تطلبون ان احول منضدة خشبية, مثلا, الى منضدة حديدية, ارفع ذبذبة المادة الخشبية الى مستوى ذبذبة المادة الحديدية, فيتحول الخشب الى حديد”.

و لا يخفى ان إختلاف التردد الذري بين الاجسام , سواء اكانت عناصر يسيطة ام مواد مركبة, ملازم لإختلاف تركيبها الذري.

كذلك فقد زاد مؤسس الداهشية ماهية المعجزة إبضاحا علمياً , في معرض شرح روحي ادلت به الروح امام عدد من الشهود , بينهم الشاعر حليم دموس, و ذلك بعد شهدوا عدة معجزات كانت تحرق فيه اشياء من سندات مالية و رسوم و غيرها, حتى تتحول رمادا , ثم يعاد تكوينها بلمح البصر.

قلت الروح الناطقة بفم الدكتور داهش ما اوجزه مؤرخ الوقائع الداهشية, حليم دموس, على الوجه التالي:

” لا شيء في هذا الكون يضيع البتة .فالازهار,التي تذبل اليوم, و تتساقط , تعود ثانية, مثلما كانت قبل اشهر خلت, و مثلها الاثمار .

” فأين كانت؟ و كيف اتت؟ و ماهو السر في ذلك؟

” انتم لا تستغربون كيفية حدوث مثل هذا الامر لأنكم تعودتموه وأ لفتموه ,أصبح لديكم طبيعيا . و لو عقلتم لشاهدتم ان كل مايحيط بكم يحمل طابع المعجزات و الخوارق , و لكنكم لا تنتبهون.

“فهذا القانون هو نفسه الذي يسري على الشيء  الذي تحرقونه و تظنون ان إضمحل الى الابد. و لكنه, في حقيقته , لا يكون قد تلاشى, بل حدث فيه تغيير فقط انتم تجهلونه, و تجهلون ناموسه و قانونه . فهو, و الحالة هذه , كشجرة الورد التي تذوي و تتساقط ارضا في فصل الشتاء لتعود بأجمل حلتها و اروع اناقتها عندما يأتي فصل الربيع.

” فعندما تعيد لكم الروح بذلة احرقتموها ,او مائدة القيتموها طعمة للنيران, او سواهما من الاشياء المادية, تكون قد قامت بعمل طبيعي تعرف سرّه, لأنها اصبحت في عالم الحقيقية, و انتم تجهلونه,لاأنكم ما تزالون في عالم المادة.

“فضلا عن ذلك, فأنتم تحملون اجسادا مادية تحجب عن عيونكم مشاهدة الاسرار التي رُفعت عنها الستائر لمن خلعوا عنهم, هنا , رداء الجسد البغيض”.

و قد دلّلت لنا الروح المُرشدة على صحة حديثها الإرشاديّ ببرهان مادّيّ.

 

 بذار تنمو وتثمر فوراً:

قالت الروح:

“اعطوني نوعا من البذار الذي تريدونه انتم, لأعطيكم دليلا ثابتا لا يدحض”. فاتيناها بفولٍ يابسٍ, وبعدس, وببزور البطيخ الاحمر. فقالت:

“أحضروا لي قصعة كبيرة , واملأوها بالتراب”.

ففعلنا. ثم طلبت قدحاً من الماء، فأُحضر أيضاً. وهنا قالت :

“انتبهوا لما سأقوم به أمامكم”.

وهنا, اخذت الروح من كلّ نوعٍ حبة واحدة , أي فولة, وعدسة, وبزرة بطيخ, ووضعتها في التراب؛ ثم سكبت عليها كأس ماء.

وللحال, نبتت عروق خضراء وجعلت تمتد… ثم- يا للدهشة الرائعة!- جعلت هذه العروق تحمل ثمراً! ولم تمضِ دقيقة واحدة حتى إرتفعت غرسة الفول وهي ممتلئة بقرونٍ من الفول الأخضر!

وهكذا شتلة العدس!

وتلتها بزرة البطيخ… وإذا بها تحمل بطيختين لم أذق في حياتي أحلى مذاقاً منهما ! فدهشنا, ووجمنا, وما عاد احد منا ليحيرَ كلاماً. فقالت الروح:

“اما الشرح ,فها اني أدلي به اليكم , فاسمعوهُ وعُوه:

“عندما يزرع احدكم نوعامن البذار, يحتاج بالطبع الى كمية من الهواء, ومقدارٍ معلوم من نور الشمس التي تشرق عليه, كل صباح لتغذيها بسيالها العجيب. أما التربة, فانها تنعشه, وتعطيه قوة النمو. وتشترك العناصر الطبيعية في مساعدته , حتى تكتمل العناصر التي تهبه الحياة , فينمو ويعطيكم الثمر.

      “اذاً كيف إستطعت انا ان انميه بدقيقة واحدة؟

      “الجواب :بما انني (روح) , وقد تكشفت لي اسرار الحياة الارضية , فقد عرفت ما اغلق عليكم فهمه. لهذا استعنت بسيالي الروحي الخاص, فوهبت هذه البذور التي كان يجب ان تحصل عليها في مدة ثلاثة اشهر, بواسطة الشمس والماء والهواء. فأنا قد اعطيتها للبذور في الحال, وليس كالمعتاد  فاستكملت حاجتها من الغذاء الذي هي بحاحة اليه , والذي تحصل عليه عندما تزرع, في خلال الاشهر التي تكون فيها ضمن التربة. فلم يعد عجباً ان يكمل نموّها, ويحين أكلها في دقيقة.

      “وقد قمت بهذه الظاهرة , وشرحتها لكم, كي أُعلمَكم ان لا شيء عجيب علينا , نحن معشر الارواح, بعدما تفهمّنا الاسرار التي كانت خافية علينا مثلكم , عندما كنا في أجسادنا, كما اسلفت القول”

 

الغاية من المعجزات:            

ان الغاية العامة من كل معجزة هي مساعدة شهودها والسامعين بها على الايمان بالله,  وما يستلزم ذلك من ايمان بالقيم الروحية وممارستها ؛ ذلك بأن حدوث المعجزة يؤكد تاكيداً مباشراً وجود روحٍ خارق القدرة والمعرفة يجترحها, والروح قوة الهية تشهد لمبدعها الازلي, وتخشع لذكره.

{ ويسألونك عن الروح, قل الروح من امر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا}(سورة الاسراء. 85)

وبهذا الايمان يتاكد لاصحابه مصدر الرسالة الداهشية السماوي , كما يتأكد لهم صحة معجزات السيد المسيح والانبياء , وان القران الكريم كتاب منزل, والاسلام دين حنيف, وان على كل مؤمن ان يتمسك بتعاليم دينه التي انزلها الله على انبيائه , لأن فيها كل الخير لهم.

لكن المعجزات تحمل ايضا , احيانا, غاية خاصة, كالمساعدة,او الشفاء , او الانقاذ من الموت, او ايضاح العقيدة الداهشية.

وحسبنا ،هنا، أن نتأمل في بضعة نماذج من آلاف المعجزات الداهشية الملموسة الثابتة,0لنتبين قدرة الروح الالهي وعلمه الخارقين ، وما يستتبعان من ادراك لضعف الانسان وجهله وغروره ، إزاء العظمة الالهية.

 

               صحيفة تتكون قبل خمسة أيام من صدورها.

 

في 28 تشرين الثاني 1943, يدخل السيد فيليب حدشيتي , وهو شاب مثقف, كان يعيش في باريس ,الى منزل الدكتور داهش في بيروت , وبيده صحيفة ” له جور” le jour اللبنانية اليومية التي تصدر باللغة الفرنسية .

اتى يريد التثبت مما ملأ الاسماع من اخبار المعجزات الداهشية. اتى جاحداً وجود الله عز وجل, منكراً وجود الروح, نافيا وجود الخلود والثواب والعقاب . دخل منزل الهداية ممثلاً معظم البشر. مع فيليب حدشيتي, كانت الانسانية بأسرها تمتحن, وضميرها وعقلها في الميزان.

وُعد الزائر بجلسة روحية ,كان قد سمع ان فيها تتنزل الروح العلوية وتتجلى القوى الالهية؛ لكنه لم يصدق . فاخذ يتصفح جريدته , ويكتب على هوامشها ما يخطر في باله من اسئلة مختلفة , ليطرحها في اثناء انعقاد الجلسة العتيدة.

 وسرعان ما عقدت الجلسة الروحية : تسامى الدكتور داهش بسّياله الاسمى ,حتى اتصلت به وتجلت فيه روح قدسية , هي نسمة الهية عالمة كل العلم , قادرة كل القدرة.

ولكن, ما يثبت ذلك؟

دار بين الروح القدسية تنطق بفم الدكتور داهش, والحدشيتي هذا الحوار:

 

  • هل تؤمن بالله تعالى؟
  • أصدقك القول,يا دكتور, انني لا أؤمن بوجوده

 – وماذا تريد كي تؤمن ويظهر خطأك الفادح؟

– اريد معجزة

 

لا شك بان فيليب حدشيتي – شان ملايين البشر- قد استمع من قبل , الى مواعظ رجال الدين؛ فما افادته. ولا ريب بانه قرأ كتابات دينية او فلسفية تحضُّ على الايمان, وتستشهد ببراهين مختلفة ؛ لكنها ما اجدته نفعاً.  كان يشعر ان شيئاً واحداً يمكن ان يبدل حياته, ويغير رأيه, هو المعجزة , العمل الذي يعجز عنه البشر جميعاً, ولو اجتمع علماؤهم وعباقرتهم بعضهم لبعضٍ ظهيراً؛ العمل الذي,ان حدث برهن برهاناً حاسما ان وراءه قوة فوق قوى البشر.

و حدثت المعجزة بكلمة قالتها الروح القدسية:

– انظر الى الجريدة التي معك.

و اذا العدد الذي احضره الحدشيتي معه, و هو يحمل تاريخ 28 تشرين الثاني 1943 ,  يتحول الى عدد اخر يحمل تاريخ  3 كانون الاول, اي عدد سيصدر بعد خمسة ايام.لقد تغيرت النصوص كلها :تغيرت الموضوعات و العناوين و الاحداث و الاعلانات و الصور … تغير كل شيىء, عدا ما كتبه الحدشيتي في هوامش الصحيفة ؛ فوجده بقي مثلما خطه بيده !

لقد حصل حدث عظيم: قوة لا شك  بأنها غير بشرية , لأنها قامت بعمل غير بشري, قوة قدرتها خارقة, وعلمها خارق, سخرت عناصر الكون و قوى الطبيعة, و استطاعت ان تمحو كل ما في الصحيفة, مبقية على خطوط الشاهد فقط, لٌِتنزل محل ما محت نصوص و مواد جديدة , مرتبة ترتيبا جديدا.

لو كان في يدك ورقة مطبوع عليها بضعة اسطر, فإختفت منها هذه الاسطر ,بلمح البصر , ودون اللجوء الى اي وسيلة مادية , لكان عليك ان تقول , اذا كنت من ذوي العقول الصحيحة: هذا عمل غير بشري! لكن, اذا امحت الاسطر , وحلت محلها اسطر اخرى بدون اللجوء الى اية وسيلة مادية, فلا شك بأن خشوعك سيزداد, و سيعظم يقينك بأن القوة التي احدثت هذه الظاهرة هي قوة روحية تسمو على قوى البشر و مداركهم و علومهم بما لا يحد! فكيف بك, اذا امحت نصوصا مطبوعة منبسطة على عدة صفحات كبيرة , لتحل محلها نصوص اخرى مختلفة عنها كل الاختلاف, و مرتبة ترتيبا دقيقا اخر!

 

و لكن, حتى الآن , لم تتضح, بعد, كل ابعاد المعجزة التي حدثت. ذلك انه بعد خمسة ايام , صدر عدد” له جور”  LE JOUR  حاملا تاريخ 3 كانون الاول 1943. و قابل الحدشيتي عدده العجائبي الذي إحتفظ به بالعدد الجديد , و اذا المفاجأة العظمى‍ ‍‍! انه العدد نفسه من كلمته الاولى حتى الاخيرة!.

 

قبل خمسة ايام , كثير من احداث العالم لم يكن قد وقع بعد؛ و كثير من الاحاديث و الوقائع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و العسكرية و الاجرامية… المحلية و العالمية لم يكن قد تم بعد. قبل خمسة ايام, جميع الامور التي ظهرت في عدد الثالث من كانون الاول كانت لا تزال في ضمير الغيب؛ و مع ذلك, عُرِفت و هي في عالم الغيب, بتفاصيلها و دقائقها, افكارا و اقوالا و اعمالا و احداثا , و صيغت, و نظمت, و طبعت؛ وكل ذلك بلمح البصر , وبغير يد و لا آلة! و مادامت عُرِفت بتفاصيلها, و تطوراتها, و تشابكاتها , فهذ يعني انها وجدت بالنسبة للروح القدسية قبل ان توجد بالنسبة للبشر.

ايمكن ان يقوم بهذا العمل غير قوة الهية؟ اذ ما الفرق بين تكوين كوكب بكل ما فيه من اناس يتفاعلون و يتعاملون, و تكوين هذا العالم الذي انطوت عليه الصحيفة, خمسة ايام قبل ان يوجد؟!

وقد طلب الحدشيتي معجزة ليؤمن, فأتته المعجزة. أتته بهذه القوة الجبارة,

 لتخاطب عبره البشر جميعاً ممن هم معاندون ومكابرون , حتى لا تبقى لديهم اية حجة.

 

أمام الفنّان قيصر الجميّل

تتجسّد احدى شخصيّات الدكتور داهش العلويّة فيرسمها :

 

كتب حليم دمّوس في تأريخه للوقائع الداهشيّة عام 1942 :

” بتاريخ 2 حزيران ( يونيو ) استيقظت في منزل الدكتور داهش متأخرّا ، لأنّني أمضيت الليل في تدوين بعض الظاهرات التي تمّت معي خلال الأيّام السابقة . وكانت الساعة التاسعة والنصف عندما استيقظت .

واذا بي أسمع الدكتور داهش ، وكان نائما ( في الغرفة نفسها ) ، يردّد العبارة التالية :، يا أخي قيصر ، لا تلمسني ، لا تلمسني .”

فدهشت من ترديده هذه العبارة ، وظننته يرى رؤيا ، فلم أشأ ايقاظه .

وبعد نصف ساعة ، نهض الدكتور داهش وارتدى ثيابه ؛ ثمّ جلس يملي عليّ أحد مؤلّفاته الأدبيّة لأجل التبييض والطبع .

وعندما انتهينا من التبييض ، قصّ عليّ حلما رآه يتعلق بصديقه الفنّان قيصر الجميّل ، فقال :” شاهدت نفسي في الحلم كأنّني في محترف الفنّان قيصر الجميّل ، عند ساحة النجمة . فرحّب بي وقال : حسنا فعلت بمجيئك إليّ في الساعة التاسعة والنصف , قبل أن يتكاثر الأصدقاء عليّ فيلهوني عن انجاز رسمك الزيتيّ .

فأجبته : ” هذا ما دعاني للمجيء اليك الآن .” وجلست أمامه .

فجعل ينجز لي رسمي الزيتّي بريشته الساحرة . ولم يمضي عليّ نصف ساعة حتى شعرت بضيق واضطراب ، وامتقع لون وجهي دون سبب معروف ؛ فنهضت واقفا . وأسرعت نحو الباب أريد الخروج ؛ فدهش قيصر وقال لي :؛ ماذا بك  ؟ ماذا بك ؟ وهل تريد شيئا ؟”

أجبته :” كلاّ . كلاّ .”

وحاول أن يمسك بيدي , لأنّه شاهدني أكاد أتهالك على نفسي . فصحت به قائلا :” يا أخي قيصر ، لا تلمسني ،” وكرّرتها له ؛ فدهش وابتعد باستغراب .

وهنا شاهدت نفسي أسبح في الفضاء اللانهائيّ ، وأنا أشعر بغبطة لا مثيل لها ؛ ثمّ استيقظت .”

أمّا أنا فدهشت من هذا الحلم ، وقلت للدكتور :” ما دام الواجب يدعوك لأن تذهب الى صديقك قيصر بناء على الموعد الذي ضربه لك ، ولم تستطع ، فدعنا نذهب الآن الى منزله .”

فقال :” لا مانع .”

وما بلغنا منزل الفنّان ودخلنا حتّى بادر قيصر بالسؤال قائلا :” عساك تحسّنت ، يا دكتور داهش ، ممّا أصابك صباحا .”

وهنا ظهرت الدهشة جليّة على أسارير الدكتور داهش وأساريري . ولكنّه أجابه :” وأيّ شيء أصابني ؟ “

  • لا أدري ماذا أصابك … ولكنّني شاهدتك تطلب الخروج من الغرفة ، وكان وجهك شديد الاصفرار !

وهنا تدخّلت أنا بالأمر ، وأقسمت لقيصر بأنّ الدكتور داهش لم يخرج في هذا اليوم ، وكان ملازما المنزل برفقتي ، ونحن لم نغادر المنزل الاّ الآن فقط !

فأبى قيصر أن يصدّق ، وقال بقليل من الحدّة :” وهل تريد أن أكذّب نفسي وأنا الذي صوّرته في الصباح بيدي ؟ تعال معي الى المحترف كي أريك صورته التي بدأت بها . ولنفرض أنّني متوهّم ، فهل الصورة تتوهّم أيضا ؟ انّ وجودها لدليل قاطع على صدق حديثي . ولأزيدك ايضاحا وتأكيدا ، فانّني عندما شاهدت داهش يريد الخروج دون سبب معروف ، أردت أن أمسك بيده ، لأعلم السبب الذي من أجله يريد مغادرتي دون سلام أو كلام . فاذا به يصيح بي بصوت غريب لم أعهده به سابقا ، ويقول لي :” يا أخي قيصر ، لا تلمسني ، لا تلمسني .”  

وما ذكر قيصر هذه الجملة التي سمعتها صباح اليوم بأذني من الدكتور داهش وهو نائم … ثمّ الحلم الغريب الذي قصّه عليّ قبل خروجنا من البيت …. حتّى تأكّد لي أنّ شخصيّة الدكتور داهش ( العلويّة )  هي التي زارت الفنّان قيصر الجميّل ، وهي التي جلست بقربه عندما رسمها بريشته .” 18

انّ الفنّان قيصر الجميّل كان رئيس جمعيّة الفنّانين اللبنانيّين ، ولم يكن من المؤمنين بالرسالة الداهشيّة . ومع ذلك فهو يؤكّد أنّ مؤسّس الداهشيّة حضر حضر الى محترفه صباح ذلك اليوم ، وجلس أمامه ، فباشر الفنّان رسمه . وقد أرى حليم دموّس والدكتور داهش الرسم حجّة لقوله . والرسم باق شهادة محسوسة على هذه الخارقة العجيبة .

ومن التدقيق في زمان جدوث هذه الظاهرة الروحيّة , يتحصّل أنّ شخصيّة مؤسّس الداهشيّة العلويّة تجسّدت ودخلت الى محترف الفنّان في الساعة التاسعة والنصف صباحا ، وغادرته في الساعة العاشرة . وفي اللحظة عينها التي كانت الشخصيّة تخاطب فيها قيصر الجميّل بقولها : ” يا أخي قيصر ، لا تلمسني ، لا تلمسني ،” وهي تهمّ بالانصراف ، ينطق الدكتور داهش بالعبارات نفسها على مسمع من حليم دمّوس . وهذا الأمر يؤكّد أنّ حلم الدكتور داهش كان حقيقة واقعة . فما رآه في حلمه لم يكن شخصه البشريّ ، بل سيّال متجسّد من سيّالاته العلويّة ، أي شخصيّة من شخصيّاته غير البشريّة سرعان ما عادة الى عالمها السامي المجيد مخترقة محيط الفضاء الكوني اللامتناهي ، وذلك بعد أن قامت بمهمّتها ، وهي أن تترك أثرا محسوسا دائما لها على الأرض .

ولدى القاء نظرة فاحصة على هذه المعجزة ، يتّضح لنا أنّها انطوت على أبعاد ومراحل خارقة كثيرة ، منها :

أوّلا ، انّ الشخصيّة العلويّة التي تجسّدت هي غير أرضيّة ، والاّ لكانت خضعت لقوانين الأرض الطبيعيّة التي تمنع التجسّد والاخفاء .

ثانيا ، قام سيّال الشخصيّة العلويّة بتحرير نفسه من جسده في العالم الذي ينتمي اليه .

ثالثا ، رفع سرعة تردّد ذرّاته لتصبح أسرع من النور ، لأنّها لو كانت بسرعة النور لاستوجب قطع المسافة التي تفصل الأرض عن أقرب نجمة الينا ، وهي المعروفة ب proxima centauri أكثر من أربع سنوات وثلث السنة .

رابعا ، بما أنّ العلم الحديث يؤكّد أنّ لا شيء في كوننا يمكنه أن يتجاوز سرعة النور التي هي حوالي 300.000كيلو متر في الثانية ، فلا يبقى الاّ أن تنتمي هذه الشخصيّة العلويّة الى عالم هو جزء من كون لا نعرفه ، فيه نور غير النور الذي في كوننا ، نور أسرع جدّا من النور المألوف ، وقوانينه الطبيعيّة غير القوانين التي نعرفها .19

خامسا ، ما ان بلغ سيّال الشخصيّة العلويّة حتّى خفّض تردّد ذرّاته بقوّة ذاتيّة ، وبمعرفته وقدرته الخارقتين اختار من الأرض العناصر التي يتكوّن منها الجسم البشريّ ، ثمّ ركّب منها أعضاء ذلك الجسم في وحدة متكاملة حيّة مماثلة لجسم مؤسّس الداهشيّة . كلّ ذلك أتمّه بسرعة لا يحدّها خيال !

 

شفاء مريم مزراحي من البرص الرسمي المستعصي :

 

أخبرني الدكتور جورج خبصا ، نطاسيّ الأمراض الجلديّة الأشهر في لبنان والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور نجيب العشّي المعروفان أنّ أخبار المعجزات الباهرة التي تحدث على يدي مؤسّس الداهشيّة ، بعد أن انتشرت في مختلف الأوساط اللبنانيّة والعربيّة ، بلغت مسامع السيّدة مريم مزراحي القاطنة في مدينة حيفا ( فلسطين ) .

كانت مريم مصابة بمرض البرص المستعصي المؤكّد رسميّا . وقد عالجها أطبّاء اختصاصيّون في القدس ، ولكن من غير جدوى . فالمرض الرهيب اجتاح جسدها ، والتهرّؤ أصاب أناملها وأنفها وبعض شفتيها وأذنيها .

وبعد أن يئست من العلاج البشريّ ، صمّمت على القدوم الى لبنان ، لعلّها تحظى بالشفاء على يد مؤسّس الداهشيّة . فحضرت الى منزله في 14 شباط ( فبراير) عام 1944 ، بصحبة شقيقها . وكانت هيئتها منفّرة مرعبة .

واذا الدكتور داهش ، رجل المحبّة والرحمة ، يعقد لها جلسة روحيّة فوريّة؛ فيتجلّى فيه روح الأب المقدّس ناحوم ، أحد أنبياء العهد القديم ، ويعلن أن المريضة استحقّت بايمانها الشفاء ، اذ أوصلت سيّالاتها ، بعد المعاناة الطويلة ، الى درجة الاستحقاق ، ولكن يجب أن يعقد لها ، بعد يومين ، جلسة روحيّة ثانية يتجلّى فيها روح الأب المقدّس بطرس الرسول ، وباذن من الله تعالى ، يبرئها من علّتها المستعصية المخيفة .

وطلب روح النبيّ ناحوم أن يدعى الى الجلسة الروحيّة العتيدة عدد كبير من الأطبّاء ليعاينوا بأنفسهم المريضة وكيفيّة شفائها الروحيّ .

فعمّم الدكتور خبصا والدكتور أبو سليمان الدعوة على كثيرين من الأطبّاء ، لكنّهم بمعظمهم امتنعوا عن المجيء تهيّبا من الحضور الروحيّ ، الاّ خمسة أطبّاء هم عبد الأحد ، وخوري ، ونجيب العشّي ، فضلا عن الطبيبين الداعيين .

وعند الساعة التاسعة والنصف من يوم الأربعاء الواقع في 16 /2/1944 ، حضرت مريم مزراحي . فعاينها جميع الحاضرين الذين زاد عددهم على الثلاثين شخصا من المتمتّعين بثقافة عالية ، وفحصها الأطبّاء الاختصاصيّون الموجودون فحصا مدقّقا ؛ وكان بين الحاضرين أفراد من عائلات حكيم ، ومرّاش ، وصائغ ، وطوبيّا ، وحاجّ ، وحجّار ، وحدّاد ، وتأثروا جدّا من رؤيتهم وجهها وأطرافها المشوّهة المتهرّئة . وسرعان ما عقدت الجلسة الروحيّة ؛ فتجلّى روح الأب المقدّس بطرس الرسول في شخص الدكتور داهش . وما ان لمس وجه المريضة وأطرافها حتّى اختفت آثار البرص منها ، وتجدّد لحمها ، وامتلأت فجواته ، وكلّ عضو مصاب فيها عادت اليه العافية والنضارة بقوّة الهيّة .

وقد أحدثت معجزة الشفاء هذه تأثيرا بالغا في نفوس الحاضرين ، فآمنوا بأنّهم أمام قوّة روحيّة الهيّة ، وهاد صادق ، كما آمنت مريم مزراحي بمؤسّس الداهشيّة ، وعادت الى فلسطين تري نفسها من عرفوها في مرضها المنفّر المستعصي ، وتعرض حالها على الأطبّاء الذين كانوا قد عاينوها قبل شفائها .

وفي أواخر صيف عام 1944 ، قدم وفد من أطبّاء القدس الى بيروت ليزوروا الدكتور داهش ، فوجدوا أنّ قوّات الظلام ، قوّات الرئيس هيرودس الجديد ، قد اعتقلته ، وجرّدته من جنسيّته ، ونفته خارج الحدود اللبنانيّة ، من دون محاكمة ، ومن غير أيّ ذنب أتاه ! والشعب اللبنانيّ ، بدل أن يستفيد من رسول المحبّة والرحمة استفادة عظمى ، بعد أن سنحت له الفرصة ، ناصر الحكّام البغاة على النقيّ البريء المظلوم ، فاستحقّ عقاب الله العادل بدل رحمته .

 

احياء حمامة بعد ذبحها :

أخبرني السيّد جورج حدّاد ، عديل بشاره الخوري وقرينته السيّدة ماري حدّاد أنّه في 18 أيّار ( مايو) 1944 قامت السيّدة أوديت خبصا ، قرينة الدكتور جورج خبصا ، بزيارة مؤسّس الداهشيّة بصحبة بعض الداهشيّين ، وسألته عن الحمامة التي كانت قد أحضرتها له سابقا . فنهض الدكتور داهش ، وأتى بها . ثمّ أوعز الى الأديب يوسف الحاجّ ، بأن يحضر له قصعة وسكّينا . وأمام حشد من الحضور سلّم اليه الحمامة ، طالبا اليه أن يذبحها ويفصل رأسها عن جسمها .

وما أن أنجز يوسف مهمّته ، وأخذ حمّام الدم ينزف في القصعة النحاسيّة ، حتّى ارتعش الدكتور داهش بالروح العليّ ، ولمس الحمامة الذبيح ، فاذا الحياة تعود اليها فتطير وتحوّم في أرجاء الغرفة . فهل دليل أسطع على قدرة الروح الالهيّ الخارقة من هذا الدليل ؟ وهل يمكن أن يتسرّب أيّ شكّ الى صحّة هذه المعجزة التي تصرخ في وجه كلّ مشكّك ؟

ترى ، هل من فارق جوهريّ بين هذه المعجزة يجترحها الروح الالهيّ بواسطة هاد كريم وتلك التي أراها الله ابراهيم الخليل حيث ذكر في القرآن الكريم :

( واذ قال ابراهيم : ربّ أرني كيف تحي الموتى . قال : أو لم تؤمن ؟ قال: بلى ، ولكن ليطمئنّ قلبي . قال : فخذ أربعة من الطير فصرهنّ اليك ، ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا ، ثمّ ادعهنّ يأتينك سعيا ، واعلم أنّ الله عزيز حكيم .)( سورة البقرة : 260 ).

 

ذكر الحضور عرس قانا فقال الدكتور داهش

” اذهبوا حيثما كان ماء واملأوا نبيذا “:

أخبرني الوزير السابق ، المحامي ادوار نون ، أنّه في ربيع سنة 1944 ، بينما كان جمهور من الداهشيّين يجالسون مؤسّس الداهشيّة حول المائدة ، شرع الأستاذ نون يتحدّث عن تحويل السيّد المسيح الماء خمرا ، في الأجاجين ، في عرس قانا الجليل .

واذا بالدكتور داهش يرتعش بالروح العليّ قائلا لهم : ” اذهبوا حيثما كان ماء في المنزل ، واملأوا منه ما شئتم نبيذا .”

لم يصدّق الحاضرون ما سمعوا أوّل وهلة . لكن سرعان ما رأوا الماء الذي في الكؤوس والآنية التي على المائدة يتحوّل كلّه الى نبيذ .

حينئذ قصد الحاضرون المطبخ وفتحوا البرّاد ، فاذا الماء في الزجاجات كلّها قد تحوّل الى نبيذ .

وفتح آخرون حنفيّات الماء المرتبطة بمجاري مياه الشّرب العامّة في بيروت ، فكلّما وضعوا تحتها كأسا أو اناء امتلأ نبيذا بدل الماء .

انّ ما رأوه تعدّى حتّى الخيال ، حتّى انّ عدّة داهشيّين ، بينهم جوزيف حجّار – الذي أكّد لي هذه المعجزة – ملأوا عدّة زجاجات من الخمر العجائبيّة ، وحملوها الى منازلهم . وكانت هذه الظاهرة الروحيّة محصورة في المنزل ، أي انّ الماء في المجاري العامّة بقي ماء ، لكنّه ما ان يصل الى داخل المنزل حتّى يتحوّل الى نبيذ . وهذا يزيد الخارقة غرابة على غرابة .

ولم يذق أحد منهم نبيذا ألذّ وأعجب ؛ فهو نبيذ من غير هذه الأرض .

انّ تحويل الماء الى نبيذ تكرّر عشرات المرّات في مناسبات مختلفة ، أمام عشرات الشهود ، وفي كلّ مرّة كانت تحدث المعجزة بطريقة تختلف عن الطريقة السابقة . فتارة يأتي الشاهد وقد أخفى في جيبه زجاجة صغيرة ملأها ماء ؛ كأنّما يريد أن يمتحن الروح ؛ فيقول له الروح العليّ :” الماء الذي في جيبك تحوّل الى نبيذ .” وطورا تفرغ الكأس وهي بيد أحد الشهود ، فيتمنّى لو تمتلىء نبيذا ، فاذا بها تطفح به ، وثالثة يذكر الشاهد عرس قانا، فيتحوّل الماء أمامه الى نبيذ ، وهلمّ جرّا … وفي جميع هذه المعجزات كان تدخّل الروح الالهيّ ساطعا ، ولا مجال لأيّ شكّ على الاطلاق .

 

حقيبة تختفي ثمّ تظهر في المكان نفسه بعد ثلاثة أيّام :

صباح الاثنين الواقع في 19 أيّار ( مايو) 1980 ، خرجت من غرفتي في مقرّ الرسالة الداهشيّة ببيروت ، حيث كنت أنزل ، لأودّع صديقا هو السيّد رياض الجميّل الذي كان يتأهّب لمغادرة بيروت عائدا الى نيويورك . كان رياض يجالس الدكتور داهش في رواق المنزل وأمامهما عدّة حقائب تخصّ الدكتور داهش . وبما أنّ مؤسّس الداهشيّة عهد الى رياض بشحنها الى نيويورك في الطائرة نفسها ، اذ كان مديرا لمكتب احدى شركات الطيران ، فقد وقف رجل الروح يعدّها مشيرا الى كلّ منها باصبعه . واذ وصل بالعدّ الى احدى الحقائب ، أشار اليها قائلا الى رياض :” أمّا هذه فلا تأخذها .” وعلى الفور التمع وجهه فأصبح أكثر بياضا واختفت الحقيبة الكبيرة من أمام أنظارنا . لقد أخذ الدكتور داهش بالروح العليّ بسرعة غريبة فحدثت المعجزة ، وبسرعة توارى الروح العليّ ، فاذا الدكتور داهش يتعجّب مثلما تعجّبنا لاختفاء الحقيبة . ولم يكن ثمّة أيّ مجال للشكّ ، لأنّ الرواق مكشوف، والحقائب كبيرة ، والاختفاء حدث نصب عيوننا ونحن وقوف قرب الحقائب .

بعد قليل جمع الداهشيّون الذين كانوا في منزل الرسالة الحقائب وأنزلوها ، وخلا مكانها من أيّة حقيبة .

بعد ثلاثة أيّام ، بينما كنت في رواق المنزل مع الدكتور داهش ، ارتعش بالروح العليّ فجأة ، فازداد وجهه بياضا ، واذا الحقيبة تظهر فورا في المكان نفسه من الرواق المكشوف ، حيث توارت . وبما أنّني نزلت في مقرّ الرسالة مدّة تزيد على عامين لازمت مؤسّس الداهشيّة في خلالها ، فانّني كنت أعرف فيه كلّ شبر فيه ، كما أعرف الدكتور داهش عن كثب أكثر ممّا يعرف الانسان أباه أو أخاه ، لأنّني كنت أراقب كلّ حركة يقوم بها وأسجّل كلّ عمل خارق يتمّ على يديه . ومعجزاته كانت تحدث بكلّ بساطة وعفويّة، في وضح النهار أو تحت أنوار الكهرباء الساطعة ، دونما أيّ قيد على معاينيها .

 

اختلفوا على مكان الآيات فهبط المصحف الشريف وحلّ الخلاف :

ذات يوم من عام 1942 ، زار العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي مؤسّس الداهشيّة ؛ وكان مصحوبا بالشيخ أحمد العجوز . وقد ضمّهم مجلس اتّسع لأدباء آخرين كان بينهم يوسف الحاجّ .

وطفق المجتمعون يتحدّثون عن الأرواح العلويّة والآيات القرآنيّة ، وذكروا عدّة آيات ؛ منها تلك التي تؤكّد وجود الروح : ( ويسألونك عن الروح ، قل الروح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم الاّ قليلا .) ” سورة الاسراء :85 ” ومنها التي تؤكّد عودة المسيح ( وانّه لعلم للساعة فلا تمترن بها .) ” سورة الزخرف : 61 ” .

وتضاربت الآراء في مواضع الآيات من القرآن ، وتمنّى الحاضرون لو كان الكتاب الكريم في متناول أيديهم ، اذن لاطمأنّوا وحلّ الاشكال .

وما لبث مؤسّس الداهشيّة أن ارتعش بالروح العليّ ، وهبط من فضاء الغرفة المكشوف المرتفع حوالى ستّة أمتار قرآن كريم أحمر الغلاف ، وكان متهاديا متمهّلا في هبوطه حتّى حطّ بين يدي رجل الروح وهو مفتوح على الصفحة التي فيها الآية الأولى وقد طوّقت بخط أحمر . ثمّ انفتح المصحف الشريف مرّة أخرى بقوّة روحيّة خارقة على الصفحة التي فيها الآية الثانية ، واذا هي قد طوّقت كسابقتها بالأحمر .

اختلف علماء الدين ، فحلّ اختلافهم الروح العليّ بطريقته الاعجازيّة ، ليبرهن لهم أنّ الروح الالهيّ قادر على كلّ شيء ، وأنّ الله ينزّل الروح من لدنه على مؤسّس الداهشيّة تبعا للآية القائلة 🙁 رفيع الدرجات ، ذو العرش ، ينزل الروح على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي ) ” سورة غافر :”

وغنيّ عن البيان أنّ هذه الظاهرة الروحيّة تنطوي على عدّة خوارق . ففيها المعرفة الخارقة للمجهول ، اذ عرف الروح العليّ فورا مكان الآيتين ؛ وفيها معجزة النقل الفوري عبر السقوف والجدران للقرآن الكريم ؛ وفيها أخيرا فتح القرآن على الصفحتين تباعا ، وذلك برهان على المعرفة والقدرة الخارقتين لدى الروح العليّ .

وقد ذكر هذه المعجزة الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه ” كيف عرفت الدكتور داهش “. 20

 

نبوءات الدكتور داهش :

انّ العلماء الأمريكيّين الذين أطلقوا المركبة الفضائيّة ” أبولوا 13 “، في نيسان ( أبريل ) عام 1970 ، من أجل أن تحطّ على أرض القمر ، كانوا يعرفون ، بموجب الحسابات الدقيقة التي أجروها ، السّاعة وربّما الدقيقة التي ستبلغ فيها السفينة الفضائيّة القمر . ذاك ما قدّمه اليهم تطوّر العلم المحيط بالسرعة وظروفها ، وبالفضاء ومسافاته وأحواله . لكنّ العلم ، على تقدّمه المذهل في القرن العشرين ، لم يستطع أن ينبئهم بالخلل الذي سيطرأ على السفينة بعد يومين من اطلاقها ويهدّد حياة الروّاد الثلاثة ويقلق العالم كلّه .

والعلماء السوفيات الذين أطلقوا المركبة الفضائيّة ” سويوز 11 :، في حزيران ( يونيو) عام 1971 ، مدّهم علم الفضاء والعلوم المساعدة له بتوقيت دقيق لمختلف مراحل الرحلة الفضائيّة . لكنّ هذا العلم عجز عن التنبؤ بمصير الروّاد الثلاثة الذين قضوا نحبهم في أثناء عودتهم الى الأرض . ذلك لأنّ الانسان كان وسيبقى عاجزا عن كلّ نبوءة حقيقيّة . فهو محدود بالأبعاد الزمانيّة – المكانيّة ، ولا قبل لها بالتحرّر منها الاّ بالموت ، أي سيّالاته الروحيّة ( أي نفسه ) . بالرغم من ذلك فمئات هي النبوءات المذهلة بتفاصيلها ودقّتها التي سلّمها مؤسّس الداهشيّة الى مئات الأشخاص، وجميعها تحقّقت بدون استثناء ، لأنّ الروح العليّ المجرّد من القيود الماديّة هو الذي كان يدلي بها . من هذه النبوءات ثلاث تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق ، بشاره الخوري .

 

ثلاث نبوءات تتعلّق برئيس الجمهوريّة اللبنانيّة :

الأولى، سلّمت الى عقيلته السيّدة لور في 13 تشرين الثاني 1943 ، اثر القاء السلطة الفرنسيّة القبض عليه ؛ وذلك بعد توسّلها الى الرجل الخارق لاطلاعها على مصير زوجها ، وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حدّاد التي قد آمنت بالرسالة الداهشيّة . ممّا جاء فيها أنّ بشاره الخوري سيعود الى الحكم في 22 تشرين الثاني 1943 ، مع ايضاح ملابسات الأحداث التي ستجري .

والثانية نشرتها جريدة ” الصحافيّ التائه ” في 20 شباط 1944 ؛ وخلاصتها أنّ اضطهادا سيشنّه بشاره الخوري على الدكتور داهش ، وسينزل جزاء روحيّ بالمضطهد ، وذلك بكسر يده من كتفه ، فيضطرّ الى قصد القدس للاستشفاء ، في 15 شباط 1945 . وقد تمّت النبوءة بحذافيرها، مع العلم أنّها نشرت قبل نحو من وقوع أحداثها .

والثالثة تكشف تاريخ موت بشاره الخوري ، وقد اطّلعت عليها ابنته السيّدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيّدة وداد نفّاع التي تسلّمتها بتاريخ 1/12/1963 .

ولو أردنا تفصيل كلّ النبوءات الداهشيّة لملأنا بها مجلّدا . حسبنا ، في هذا المقام ، الالماع الى نبوءته المدهشة بتفاصيلها بمصرع الرئيس الأمريكيّ جون كندي .

 

نبوءة بمصرع الرئيس جون كندي :

قبل مصرع الرئيس الأمريكيّ جون كندي بأسبوع ، أعطى مؤسّس الداهشيّة الوزير اللبنانيّ السابق ، المحامي ادوار نون ” رمزا ” داهشيّا مطويّا داخل ظرف مختوم ، وأوصاه بأنّ يحتفظ به مغلقا ضمن خزانته الحديديّة . 21

وما أن اغتيل الرئيس الأمريكيّ في 22 / 11/ 1963 ، ونشرت الاذاعات ووكالات الأخبار العالميّة نبأ مصرعه والغموض المحيط بأسبابه ودوافعه، حتّى اتّجهت أنظار الصحافيّين في لبنان الى رجل المعجزات ، علّهم يستطلعون منه خبرا . فكان أن أشار اليهم بالتوجّه الى مكتب الاستاذ ادوار نون وسؤاله أن يفتح أمامهم الظرف القديم المخبوء المختوم ؛ فقصدوه في 28/11/1963 .

وبعد أن استأذن المحامي نون مؤسّس الداهشيّة هاتفيّا ، فتح الظرف المودع في خزانته الحديديّة أمام جماعة من الصحافيّين ، كان بينهم السّادة جورج سكاف وادوار حنين وفرنسيس فرنسيس وارنست كرم ، وقرأ ما انطوى عليه . فاذا فيه نبوءة دقيقة بمصرع الرئيس جون كندي بالساعة والدقيقة ، وبغير ذلك من الايضاحات الدقيقة . وهذا نصّ النبوءة :

” سيقتل الرئيس كندي وذلك بتاريخ 22/11/1963 ،

بينما يكون متوجّها بموكبه الرسميّ بالسيّارات

من المطار الى معرض دالاس التجاريّ لالقاء خطاب ،

وسيتّهم بقتله ( هارفي أوزوالد ).

وسيتوفّى كندي في الساعة الواحدة – توقيت دالاس –

أي التاسعة مساء توقيت بيروت ،

أي سيظلّ حيّا مدّة أربعين دقيقة فقط

بعد اصابته بالرصاص ؛

فرصاصة سيصاب بها قرب أعضائه التناسليّة ،

وثانية بمؤخرة الرأس ،

ورصاصة ستدخل مقدّمة العنق وستخرج من مؤخرة الرأس .

أمّا المتّهم بمقتل كندي

فسيقتل برصاصة يطلقها عليه ( جاك روبنشتاين ) ،

رصاصة واحدة في بطنه ،

واذ ذاك يترنّح ( هارفي أزوالد ) ويسقط فاقدا لوعيه ،

وذلك بتاريخ 24 / 11/1963 ،

وفي الساعة الحادية عشرة والثلث ،

توقيت بيروت السابعة والثلث .

وسيتوفّى أوزوالد في الساعة الواحدة وسبع دقائق

من بعد الظهر في المستشفى نفسه

الذي لفظ فيه كندي أنفاسه .

أمّا لماذا قتل كندي على يد ( هارفي أوزوالد )،

فمردّها لتقمّصات سابقة .”

والجدير بالذكر أنّه يوم نشر نصّ النبوءة في صحيفة ” الجريدة اللبنانيّة ، بتاريخ 29/11/1963 ، لم تكن مواضع اصابات الرّصاص في جسم الرئيس الأمريكيّ قد نشرت بعد ، فضلا عن أنّ نبوءة جزمت في أنّ الدوافع الحقيقيّة لمصرعه تعود الى أسباب تقمّصيّة . وبالرغم من أنّ التحقيقات في أسباب مصرعه طالت وامتدّت في الزّمن ؛ فانّها لم تسفر عن أيّة نتيجة تربط دوافع القاتل بأيّة مؤامرة سياسيّة داخليّة أو خارجيّة  أو بأيّة عوامل غير شخصيّة . ذلك بالرغم من أنّ الظروف السياسيّة التي كانت محيطة بعهد الرئيس كندي كانت تشجّع على وجود مثل تلك المؤامرة .

وقد تأكّد لي أنّ أشخاصا كثيرين قد تسلّموا من الدكتور داهش النبوءة نفسها بمصرع كندي ، وذلك قبل حدوث اغتياله بأزمنة متفاوتة تتراوح بين عدّة أسابيع وعدّة أشهر . وقد منعوا من أن يفتحوا الأوراق قبل حينها ، لئلاّ تتسرّب أخبارها الى الصحافة ، فتحدث لها ذيول ومضاعفات وملاحقات تضرّ بهم .

 

معجزات مؤسّس الداهشيّة في ضوء العلم :

  • أظهرت الدراسات والتجارب العلميّة أنّ الأشياء جميعها تتكوّن من ذرّات ، وأنّ هذه تتألّف من جزيئات سالبة وموجبة ومحايدة ، بعضها يتكتّل في النّواة الذريّة ، وبعضها يتحرّك حولها وفق أنظمة طبيعيّة معيّنة . والأشياء انّما تختلف طبائعها بعضها عن بعض من جرّاء اختلاف تركيبها النوويّ . والتركيب النوويّ ناتج عن درجة التردّدات الموجيّة التي تكون عليها الطاقة في ذلك الشيء . واستنادا الى التركيب النوويّ ، استطاع العلماء أن ينظّموا لائحة بالعناصر البسيطة الكائنة في الطبيعة أو التي يمكن انتاجها بتقنيّات صناعيّة متطوّرة جدّا وباهظة التكاليف . ونظريّا اذا استطاع الانسان أن يحدث تغييرا في تركيب نواة ذرّة ما ، كالحديد مثلا ، ليجعلها تماثل في تركيبها نواة شيء آخر ، كالذهب مثلا ، تمكّن ، اذ ذاك ، من تغيير طبيعة الحديد الى ذهب . بيد أنّ تطبيق هذه النظريّة تطبيقا علميّا واقعيّا ما يزال مستحيلا . فكثيرون هم الفلاسفة والعلماء الذين ظلّوا يحلمون ، مدى أجيال ، بالتوصّل الى اكتشاف ” عنصر ” سمّوه ” الحجر الفلسفيّ ” يمكنهم بواسطته تحويل المعادن كلّها الى ذهب ؛ لكنّ حلمهم تبدّد ومساعيهم أخفقت . وبعد اكتشاف التركيب النوويّ للعناصر البسيطة التي تتكوّن منها الأجسام جميعها ، تأكّد للعلماء أنّ احداث التغيير في طبائع الأشياء لا يمكن أن يتمّ الاّ ضمن حدود معيّنة ضيّقة جدّا ، ووفق شروط متطوّرة وفي غاية الصعوبة والتعقيد ، وداخل مختبرات نوويّة عملاقة . أمّا في الطبيعة فالعلماء يفترضون أنّ الموجودات الماديّة جميعها كوّنتها العناصر البسيطة ؛ وهذه تكوّنت تدريجيّا انطلاقا من عنصر الهدروجين ، بقوّة التفاعل النوويّ ، عبر مليارات السنين . 22

وسواء تمّ التغيير النوويّ في النجوم الهائلة الحرارة التي هي مختبرات الطبيعة ، أم في المختبرات الذريّة العملاقة المعقّدة الصنع ، فثمّة قيدان لا بدّ منهما لحدوث هذا التغيير :

أوّلا ، حرارة عظيمة جدّا تبلغ ملايين الدرجات .

ثانيا ، استحالة حدوث التغيير الاّ في العناصر البسيطة ، وبصورة تدريجيّة ، أي بتحويل عنصر الى عنصر مجاور له من حيث التركيب النّوويّ .

هذا على الصعيد العلمي . لكنّ كلّ مستحيل يصبح ممكنا بقدرة الروح الالهيّ . فمئات هي المعجزات المذهلة التي صنعها الروح العليّ على يدي الدكتور داهش مغيّرا فيها طبائع الأشياء بكلمة آمرة واحدة .

وليس المقصود هنا تحويل عنصر بسيط الى آخر قريب له بتركيبه النّوويّ ، بل تحويل الأجسام المركّبة الى أجسام أخرى مختلفة تماما عن الأولى ، وذلك بلمح البصر ، وبدون استخدام أيّة وسيلة ماديّة . وانّه لأمر مستحيل تمام الاستحالة في الواقع العلميّ والطبيعيّ ، وهو يهيب بكلّ ذي بصيرة الى الخشوع والخضوع للقدرة الالهيّة .

وهكذا يتحوّل صحن البورسلين الذي قد يأتي به الشاهد من منزله الى صحن خشبيّ أو فضيّ أو ذهبيّ ، ويحتفظ بالنقوش أو الرسوم نفسها التي كانت عليه في الأصل . كما تتحوّل مزقة الورق الى حجر صلد ، والمعدن الخسيس معدنا كريما الخ . والوقائع الداهشيّة ملأى بأمثال هذه المعجزات الثابتة الدامغة .

  • انّ المفاهيم القديمة ، كما الحاليّة الجارية في عامة الناس ، تجعل للوجود الماديّ العامّ – المتمثّل في الأشياء والكائنات المحسوسة جمعاء – كيانا نهائيّا من حيث الشكل والخصائص . فالصخرة ، مثلا، هي ذلك الشيء المعدنيّ الثقيل الصّلب الذي لا يمكن أن يتغيّر شكله الاّ بتحطيمه أو ببري عناصر الطبيعة له في سياق ألوف السنين . وما هو موجود اليوم سيبقى موجودا ما لم تتدخّل قوى ماديّة طبيعيّة أو بشريّة لازالته . ولذلك فالوجود المادّيّ ، بالنسبة لعامّة البشر هو الوجود المنظور والمسموع والملموس والمشموم والمذوق ، حسبما تتمثّله الحواس البشريّة . ولا يخطر في بال عامّة الناس أنّ هذا الوجود يمكن أن يكون له شكل آخر. فوجود كلّ شيء مرتبط بشكله المألوف في أذهانهم ، بحيث يصعب عليهم أن يتصوّروا أنّ شيأ ما يمكن أن يكون أمامهم ولا يرونه . ومع ذلك فالأبحاث العلميّة التي قام بها العلاّمة آينشتاين وغيره من علماء الفزياء أكّدت أنّ حجم الشيء وشكله وطبيعته تتغيّر بتغيّر سرعة تحرّكه أو سرعة تردّده الذريّ . وهذا يعني أنّ كيان الشيء الماديّ نسبيّ ، ومظهره مرتبط بقدراتنا الادراكيّة الحسيّة . 23

لكن العلم ، على التقدّم البارز الذي أحرزه ، لا يستطيع أن يخفي صخرة أو سيّارة أو كتابة ما من غير أن يستخدم أدوات وعناصرماديّة ، من جهة ، ومن دون أن يتلف الكيان الماديّ لهذه الأشياء ، من جهة أخرى . وهو اذا أخفاها باتلافها لا يستطيع اعادة تكوينها نفسها تماما مثلما كانت ، لكنّه قد يعيد تكوين أمثالها باستخدام عناصر مادّيّة جديدة .

وهنا تبرز قدرة الروح الالهيّ الخارقة . فالروح باستطاعته أن يخفي الشيء عن حواسنا جميعها اخفاء نهائيّا أو مؤقّتا ، بدون تحطيمه أو اتلافه ، ومن غير استخدام أيّة وسيلة ماديّة ، مثلما يستطيع اظهاره بعد اخفائه ، تماما مثلما كان قبل اخفائه ، بالشكل ذاته وبالذرّات والجزيئات أو الخلايا نفسها منظّمة التنظيم عينه .

  • انّ السيطرة على الجاذبيّة كما على الأشياء تأخذ بعدا جديدا في معجزات النقل الفوريّ للأشياء عبر المسافات والحواجز . ففي هذا الصنف من الخوارق ، ينقل الروح الالهيّ الشيء ، خفيفا كان أم ثقيلا ، من كان الى آخر بعيد عنه ، بلمح البصر . وبين بداية هذه الرحلة الانتقاليّة الفوريّة ونهايتها ، تجعل القدرة الروحيّة شيئا مادّيّا يخترق حواجز مادّيّة صلبة ، مهما تعدّدة وتنوّعت ، من غير أن يصاب أيّ من الطرفين بأذى .هذا الأمر محال في الواقع الطبيعيّ . فالأنسان ، مثلا ، لا يمكن أن يخترق جدارا صلبا من غير أن يتحطّم قبل تحطّم الجدار ، والكتاب كما الحقيبة لا يمكن أن يخترقا سقفا صلبا من دون أن يتمزّقا ويتلفا . كذلك لا تسمح القوانين الطبيعيّة بأن ينتقل أيّ شيء من مكان الى آخر ، حتّى بقوّة آليّة أو الكترونيّة أو نوويّة دافعة ، الاّ ضمن حدود سرعة معيّنة . فالطيّارة كما الصاروخ كلاهما ذو سرعة محدودة تستوجب استغراق وقت معيّن لاجتياز أيّة مسافة . لكن بالرغم من ذلك فمئات هي معجزات النقل الفوريّ التي أجراها الروح العليّ على يديّ مؤسّس الداهشيّة ، قاطعا بلمح البصر المسافات الشاسعة ، ومخترقا الحواجز الصفيقة ، من غير أن يصاب الشيء المنقول بأي ضرر ! فكيف يمكن ايضاح ذلك لتستوعبه الأفهام البشريّة ؟ وما هي الحقائق التي تكشف عنها هذه الخوارق في ماهيّة الوجود ؟

انّ الدراسات العلميّة الأخيرة أثبتت أنّ النشاط القائم داخل كلّ ذرّة يظهر بشكل جسيمات متنوّعة سالبة وموجبة ومحايدة متناهية في دقّتها ؛ وهذه الجسيمات تظهر ، عند اختبار أدقّ لها ، كمويجات من الطاقة ذات أطوال محدّدة .وهذه الطاقة تبدو في صورتها النهائيّة كسيّال من الفوتونات ( أي وحدات من الكمّ الاشعاعيّ ) ؛ والفوتونات تتصرّف عند انتشارها تصرّف المويجات غير المادّيّة ، لكنّها تتصرّف في تفاعلها مع محيطها المادّيّ تصرّف الجسيمات المادّيّة . 24

لكن هل العلماء متّفقون على أنّ هذه الجسيمات الاثني عشر ( أو الأربعة والعشرين مع الجسيمات المضادّة ) هي نهاية النهايات في تكوين المادّة ؟

انّ كثيرين من العلماء يشكّون في أن تكون هذه الجسيمات التناهية في دقّتها هي المقوّمات النهائيّة للوجود المادّيّ ، ويرون أن لا شيء يمنع أن تكون هي أيضا متكوّنة من جسيمات أدقّ جدّا منها ، وهذه بدورها وراءها جسيمات أدقّ ، وهكذا دواليك … ولكن من أجل أن يستطيع العلماء أن ” يروا” في تلك الأعماق التي قد تكون لا نهائيّة ليتحقّقوا وجود تلك الجسيمات ، عليهم أن يبنوا مفاعلا نوويّا حجمه أعظم جدّا من حجم النظام الشمسي بأكمله ؛ وهذا يستحيل على البشر صنعه مهما تقدّموا في العلم . 25

هذا الأمر المستحيل اضطرّ كثيرين من العلماء الى افتراض وجود “قوّة فائقة موحّدة “، تكون جميع المظاهر المتجليّة في الوجود من مادّة وقوى جاذبيّة ونوويّة وكهربائيّة مغنطيسيّة وغيرها هي مجرّد مظاهر متنوّعة لها، 26

لا سيّما أنّ المادّة يمكن أن تتحوّل الى طاقة وفقا لمعادلة آينشتاين المشهورة؛ 27

بل انّ بعض العلماء رأى أنّه لا مناص من عبور الحدود ” العلميّة ” وولوج المجال الفلسفيّ مفترضا أنّ مادّة الكون هي ” مادّة عقليّة “،28

و”أنّ العلم بحاجة الى اكتشاف قوانين أساسيّة جديدة تضاف الى القوانين الطبيعيّة المعروفة كالجاذبيّة والكهرطيسيّة والوحدة الزمانيّة – المكانيّة ، ويعتبر العقل الواعي أحدها ، فيكون هكذا خاصّة أساسيّة في نسيج الكون.”29

هذه ” القوّة الفائقة الموحّدة “، وهذه ” المادّة العقليّة ” قد تكون رمزين للسيّالات التي لا تفنى والتي تؤلّف نسيج الكون الجوهريّ بالمفهوم الداهشيّ.30

مصادر القسم الأوّل من الكتاب

 

17- أنظر المصدر السابق ، ص 100

18- حليم دمّوس : معجزات مؤسّس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة (دار الناروالنور ، بيروت 1983 ) ص،60-63 .

19- نظريّة وجود أكوان متعدّدة أخذ بها عدّة علماء اتّجهوا اتّجاهات فلسفيّة مختلفة . للاطّلاع يمكن مراجعة الكتابين التاليّين :

– P.C.W.Davies ,Other World . London Dent,1980     

– John Leslie , Universes . London & New York , Routledge, 1996                                                  

20- دار النسر المحلّق ، بيروت 1979 ، ص 41-43 .

21- الرمز كناية عن ورقة صفراء يكون فيها سيّال روحيّ خاصّ يكتب عليها دعاء الى الباري تعالى تحت نجمة خماسيّة تعلوها عبارة “بحقّ الله ” ، أو يدوّن عليها مؤسّس الداهشيّة نبوءة ما يكون قد أوحى بها اليه الروح العليّ ، ثمّ تطوى الورقة طيّا خاصّا ، وكثيرا ما كان الرمز يحرق بيد حامله ليعود فيكون مجدّدا بكلّ ما فيه من كتابة تماما مثلما كان ، سواء كان حامله في حضرة مؤسّس الداهشيّة أم في منزله .

22-R.Lerner &G.Trigg Encyclpedia of Physics (VCH Pub.,1991):Elementary Particles   in Physics and Elements PP.328-351 Nuclear Fusion PP.826-831 Nucleosynthesis PP861-863.                              

23 – يحسن بالقارىء الراغب في الاطّلاع على مواقف العلماء من هذه القضيّة أن يراجع ما كتبه كبار العلماء المعاصرين . وتيسيرا للأمر يمكنهم النظر في الكتابين التاليّين :

– Richard Morris The Nature of Reality ( the noonday press Farrar Straus and Giroux N Y 1988) pp.209-231.   

– Richard H Schlagel Contextual Realism ( Paragon House Publishers NY 1986 ) PP.273-297.         

24 – انظر:

 R.G.Lerner & G.L Trigg Encycopedia of Physics (VCHPublishers NY 1991)P.982 “Quantum Mechanics

والفوتون وحدة كميّة غير قابلة للتجزّؤ من الطاقة الاشعاعيّة الكهربائيّة المغنطيسيّة . ومقدارها يعبّر عنه بhf  حيثf  تعني سرعة تردّد المويجات الاشعاعيّة ، h  تعني عدد بلانك الثابت أيh=6.626075×10-34

Richard Morris The Nature of Reality ( The Noonday                         Press Farrar Straus and Giroux N.Y.,1988) p.81    25-

 

  • انظر المرجع السابق ، ص 61-87 .
  • المعادلة هيE=mc2 حيثE   تعني الطاقة m  الكتلة الماديّة وc  سرعة النور .
  • انظر :David Foster The Philosophical Scientists Dorset Press, New York 1985
  • مجلّة صوت داهش الصادرة في نيويورك عدد أيلول ( سبتمبر)1996 ص،85 نقلا عنNew York Times April 16, 1996           هذا الاتّجاه مثّله الدكتور تشالمرز في المؤتمر الذي ضمّ ألفا من العلماء والفلاسفة والمفكّرين من 22 بلدا والذي عقد في جامعة توسن بأريزونا – الولايات المتّحدة ، في شهر نيسان (أبريل) عام 1996 .
  • من أراد الاستزاد في فهم السيّالات الروحيّة والتعاليم الداهشيّة فيمكنه مطالعة الكتابين التاليّين : غازي براكس : مدخل الى الداهشيّة ، الدار الداهشيّة نيويورك ، 1991 Ghazi Barx Lights Upon Doctor Dahesh and Daheshism New York The Dahshist Publishing CO.,1986
  •  

    الفصل الأوّل أعداء الحقيقة الروحيّة   وأوهام الباراسيكولوجيا

    هدم العلوم الكاذبة

 وفضح مزاعمها الهرائيّة

 بقلم   د . غازي براكس

                                 

أعداء الحقيقة الروحيّة مستمرّون في مؤامرتهم الجحيميّة

لتمزيق وحدة الشّعب وتعميم الضلالة والجهالة في أبنائه :

ردّا على سلسلة مقالات عن فضح السحر وعلوم الباراسيكولوجيا الكاذبة التي نشرتها تباعا ، عام 1968 ، في مجلّة ” بروق ورعود “، يقول روجيه شكيب الخوري بلغته الركيكة السقيمة ، في الجزء السادس من كتابه الهرائيّ المسمّى ” سلسلة العلوم الباراسيكولوجيّة “:

” غير أنّه لم يدرك معنى الباراسيكولوجيا على الأطلاق ، لأنّه اتّخذها كفرع سحريّ حديث …فانّ جهل ذلك العلم ، عليه أن يتأكّد من صحّة المراجع والجامعات التي أدوّنها في آخر هذه السلسة وخاصّة في المجلّد السادس …” ( ص 124 ).

ثمّ يستطرد قائلا :

” لقد صرّح الأستاذ براكس أنّ هذا العلم هو ” سحر مستجدّ ومسمى بشكل علميّ “؛ غير أنّه يجهل أن الفاتيكان اتخذه علما وافتتح له مركزا خاصّا لتدريس الكهنة كي تزداد ثقافتهم …” ( ص 124 -125 ).

لقد سمعت نصيحة عبقريّ العصر ، فنظرت في مراجع كتابه ، فاذا بهذا المدّعي قد استند الى15 مرجعا أكل الدهر عليها وشرب ، وهي لا تستحقّ الاّ مجمّعات النفايات . ستّة منها ألّفت في العصر الماضي ، وخمسة في الثلث الأوّل من هذا القرن ، والبقيّة في أواسطه ؛ وثلث تلك المراجع الفواجع من مخلّفات التخلّف العقليّ والعلميّ في أمريكا اللاتينيّة . أمّا المؤلّفون ، فمعظمهم من النكرات ، لا حول ولا طول لهم في أيّ ميدان علميّ . والقلائل المعروفون منهم اشتهروا بممالئتهم للمشعوذين .

وقد نسي ابن الخوري العامه في خرافاته أن النقد العلميّ والرقابة العلميّة ولا سيّما على العلوم الباراسيكولوجيّة المزعومة قد تقدّما أشواطا كبيرة في السنوات الخمسين الأخيرة ، لكنّ الذي تعوّد ركوب مركبات الحمير لا يرى في الأرض سوى حمير ، فلا الصاروخ ولا الطيّارة ولا حتّى السيّارة موجودة بالنسبة اليه .

فمنذ علم 1942 وأعداء النور والحقيقة في لبنان يحاولون ايقاف مسيرة الداهشيّة الظافرة ، تارة بتشويه سمعة مؤسّسها ، باختلاق افتراءات عليه ومهاجمته في المدارس والصّحف وكلّ مكان لهم فيه موطىء قدم ، وطورا باستثارة رجال الحكم وزبانيتهم ضدّه . لكن جميع مساعيهم ومكايدهم الجحيميّة باءت بالفشل الذريع ، فأسقط الطاغية بشاره الخوري عام 1952، واستردّ رجل الله جنسيّته اللبنانيّة رغم أنوفهم عام 1953 ، في عهد الرئيس شمعون ، واستأنف استقباله لآلاف الزائرين ولرجال الصحافة العربيّة والأجنبيّة منذ سنة 1958 حتّى سنة 1980 ، اذ انتقل مركز النشاط الداهشيّ الى نيويورك ، عاصمة عواصم الدنيا ، وبدأت الداهشيّة تتحوّل الى حركة روحيّة عالميّة .

ويعد أن هزّت فجائع الحرب اللبنانيّة القذرة الشعب اللبنانيّ ، وأيقظته من غيبوبته التي أوقعته فيها مخدّرات تجّار الطائفيّة وأصحاب الدكاكين الانتهازيّة ، رأى هؤلاء المتعيّشون من تفريق وحدة الشعب ومن ابتزاز أمواله ، والمزدهرة مصالحهم ومنافعهم على حساب آلامه ونشر الجهل في أبنائه – رأوا أنّ الدكتور داهش خرج من الحرب اللبنانيّة القذرة مرفوع الرأس ، ناصع الجبين ، وأنّ قامته الروحيّة أخذت تطول حتّى لامست السماء . فارتاع خفافيش الظلام وحفّاروا القبور القابضون على نفوس العباد من ولادتهم حتّى مماتهم ، وأخذوا يبحثون عن مخرج جديد .

انّ مساعيهم المؤذية السابقة التي استمرّت نصف قرن لم تثمر لهم الاّ الخيبة والخسران والهوان . فما زال آلاف اللبنانيّين من جميع المذاهب يؤكّدون أنّهم عاينوا معجزات الدكتور داهش الدامغة ؛ وها هي الصّحافة ممتلئة صفحاتها بأنباء خوارقه وأسماء شهودها كما بصور فوريّة للمعجزات في أثناء اجتراحها . اذا لم يبق لأصحاب دكاكين التفريق الطائفيّ والتمزيق اللبنانيّ الاّ أن يجاروا آلاف الشهود باقرارهم أنّ أعمال الدكتور داهش هي حقّا خارقة ، لكنّهم يستدركون بتأكيدهم أنّها ليست معجزات بل هي أعمال باراسيكولوجيّة أي أعمال يقوم بها أناس مميّزون بقدرات نفسيّة خارقة لكنّها طبيعيّة ، وأن يروّجوا بيع هذا ” العلم ” الجديد في سوق الدّجل والشعوذة .

أجل ، لم يبق لتجّار النفوس والعقول الاّ أن يستعينوا ” بدكتور ” غفل يؤيّد أقوالهم ، ويظهر أنّ الباراسيكولوجيا حقيقة علميّة ، وأنّ أعمال الدكتور داهش تفسّر في ضوئها . لكن هاكم الصفعة المدوّية المزلزلة التي ستصكّ وجه المأجورين الصفيقة .

 

صفعة مزلزلة على وجوه المأجورين الصفيقة :

 

الفيلسوف الانكليزيّ ، أنتوني فلوantony flew  ، أستاذ الفلسفة في جامعة ريدنغ u.of reading  بانكلترا ، انخرط في الأبحاث الباراسيكولوجيّة مدّة طويلة ، وأصدر كتابا مؤيّدا لصحّتها بعنوان ” محاولة جديدة في البحث النفسانيّ “A NEW Approach to psychical research   ؛ لكنّه بعد أن أمضى 25 سنة في التنقيب والتحقيق ، انتهى الى التصريح بأنّ الكتاب الذي وضعه في الباراسيكولوجيا كان من حماقات الصّبا وتسرّع الشباب ، وأنّه تأكّد له ، أخيرا ، أن ليس في كلّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي تراكمت في سياق عشرات السنين الاّ الاّ التّوافه والأخطاء والشعوذات ” وأنّ الدراسات الحقيقيّة جاءت كلّها بنتائج سلبيّة . “1

والدكتوره سوزان بلاكمورsusan blackmore   كانت عضوا بارزة في جمعيّة البحث الباراسيكولوجيّ في جامعةwest of england  ، ووضعت عدّة مقالات في الاختبارات الجاريّة ؛ لكنّها بعد عشرين سنة من التجارب والتنقيب  ، أعلنت أن لا حقيقية لكلّ ما يزعم حتّ الآن من القوى الباراسيكولوجيّة ، وأنّ كلّ التجارب التي أجرتها كانت نتائجها سلبيّة . وقد وضعت بلاكمور ، مؤخّرا ، كتابا تروي فيه قصّتها مع البارسيكولوجيا ، عنوانه ” بحثا عن النور “in search of the light  . 2

وراي هايمانray hyman  ، أستاذ علم النفس في جامعة أوريغونuniversity of oregon  بالولايات المتّحدة ، المختصّ بتحليل الأبحاث الباراسيكولوجيّة ووزن صحّتها وقيمتها ، انتهى الى القول :” انّ جميع الأبحاث النفسيّة التي تراكمت في خلال 130 سنة لم تتمخّض بأيّ برهان ثابت على وجود أيّة قوّة باراسيكولوجيّة يمكنها أن تصمد في وجه التحقيق العلميّ المقبول “. 3

ولو أردت أن أدوّن آراء جميع العلماء والخبراء البارزين الذين نقّبوا في الأبحاث الباراسيكولوجيّة وحقّقوا فيها ثمّ فضحوها ونقضوها ، لملأت من خلاصات آرائهم كتابا ضخما . ولذلك أكتفى بأن أورد الرأي الحاسم الصادع الصافع الذي أدلى به أكثر من 1500 عالم بارز عام 1988 .

ففي العام المذكور أصدر ” مجلس البحث القوميّ “national research council (nrc) – الذي هو الذراع العمليّة ” للأكاديميّة القوميّة للعلوم ” في الولايات المتّحدة national academy of sciences (NAS)، وهي تضمّ أكثر من 1500 عالم بارز في مختلف المجالات العلميّة – أصدر تقريرا بناه على دراسة دقيقة عطّت 130 سنة من مزاعم الباراسيكولوجيا، نفى فيه نفيا قاطعا وجود أيّة طاقة فكريّة أو نفسيّة باستطاعتها السيطرة على الأشياء أو التأثير فيها أو كشف المستقبل أو غير ذلك من ادّعاءات جماعات الباراسيكولوجيا . 4

 

 

مراحل الباراسيكولوجيا بمعناها الحديث

 

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر فورة ” روحانيّة ” كاذبة ظهرت كردّة فعل للمدّ العلميّ الجديد الذي أطلقه تشارلز دارون ( 1809 – 1882) بكتابة ” أصل الأنواع ” الذي صدر عام 1859 ، فأحدث زلزالا عنيفا في الأوساط الدينيّة عامّة والكنيسة المسيحيّة خاصّة ، وتمثّلت هذه الفورة اللاعقلانيّة في ظهور فجائيّ ، في الولايات المتّحدة وانكلترا ، لعشرات الألوف من ” الوسطاء الذين اكتشفوا ، بين ليلة وضحاها ، أنّهم موهوبون لعقد ” جلسات وساطيّة ” زعموا أنّ باستطاعتهم أن يستحضروا فيها ” أرواح” الموتى ويستخدموها في تلبية أوامرهم .

وفي خطّ مواز ، راجت بدعة ” التنويم “hypnosis  التي زعم أصحابها أنّ باستطاعتهم أن يسيطروا على ارادات الآخرين ويدعوهم ينفّذون رغباتهم بفضل قوّة التأثير الفكريّ التي يملكونها .

وانتشرت هاتان الظاهرتان انتشار الوباء ، اذ وجد المحتالون والمشعوذون فيهما وسيلة ناجحة لاستثمار غباء الناس وسذاجتهم . فرأى فريق من الباحثين الجامعيّين المتحمّسين لقضيّة الروح أنّ الفرصة مؤاتية لاثبات وجودها بوجه التيّار المادّيّ الجارف . فأنشئت في انكلترا ، عام 1882، ” جمعيّة البحث النفسانيّ “(SPR) society for psychical Research،

وبعد ثلاثة أعوام ( 1885 )، انشئت جمعيّة مماثلة في الولايات المتّحدة تحت الاسم نفسه . لكن عمل الجمعيّتين كان أقرب الى جمع الحكايات الشعبيّة غير الممحّصة عن الظواهر الغريبة أكثر ممّا كان دراسة علميّة رصينة لتجارب مكرّرة ومراقبة . وبعد موت أبرز أعضاء ” جمعيّة البحث النفسانيّ ” الانكليزيّة التي كانت الأنشط في هذا المجال ، اعترف العضوان الرئيسيّان في اختبارات ” نقل الأفكار ” دوغلاس بلاكبورنdouglas blackburn   و  ج .أ. سميثG .A . smith   أنّهما كانا يخدعان المختبرين . وكانت الجمعيّة قد أعلنت أنّه تأكّد لها وجود القدرة لدى المذكورين  آنفا على ” نقل الأفكار .” وبهذا الاعتراف الذي حدث عام 1911 ، انهارت آمال الجمعيّتين وأسفرت كلّ جهودهما خلال سنوات طويلة عن لا شيء . وهكذا انتهت المرحلة الأولى بفشل ذريع . 6

عام 1927 ، أنشأ جوزف ب . راينjoseph banks rhine   ( 1895-1980 ) مع زوجته لويز ، في جامعة ديوكduke  بنورث كارولاينا بالولايات المتّحدة ، أوّل مختبر لدراسة امكان وجود ظواهر نفسيّة عجيبة ليس بقدرة العلم الحديث أن يفسّرها ، منطلقا هكذا من الصّفر . وفي الثلاثينيّات أطلق على هذا العلم المزعوم اسم ” باراسيكولوجيا “parapsychology  ، ومعنى الكلمة الحرفيّ : هامش علم النفس ؛ بأنّ معاهد علم النفس لم تقبل أن تدخل ” الباراسيكولوجيا ” في برامجها ولا اعترفت بأنّها علم . وقد استحدثت عبارةextrasensory perception

أي ” الادراك اللاحسّيّ ” للدلالة على ثلاث ظواهر مزعومة : نقل الأفكار من شخص الى آخر ، وقد سمّيتtelepathy ، و” الرؤية اللاحسّيّة ” وقد سمّيتclairvoyance  ، ” والمعرفة المستقبليّة ” وقد سمّيتprecognition  . ثمّ أضيفت الى الثالوث ظاهرة مزعومة أخرى هي ” التحريك ( أو التأثير ) بواسطة قدرة نفسيّة ” وسمّيتpsychokinesis  . وعرفت أربعتها بكلمة مختصرة هيpsi .

لقد استبعد راين من مجال تجاربه معظم ما كان يشغل ” جمعيّتيّ البحث النفسانيّ ” الآنفتي الذكر ، لأنّ أعمالهما أصبحت أضحوكة الأوساط العلميّة الرصينة ، وحصر معظم تجاربه في مجال ضيّق جدّا . فقد استخدم 25 بطاقة ( قريبة من أوراق اللعب بأشكالها ) ، وعلى كلّ خمس منها رسم هندسيّ معيّن : نجمة ، وصليب ، ودائرة ، ومربّع ، وثلاثة خطوط متماوجة . ففي دراسة امكان ” النقل الفكريّ ” ، كان شخص ما ينظر الى بطاقة معيّنة ، ويحاول آخر بعيد عنه أن يحرز هويّتها ؛ وفي دراسة ” الرؤية اللاحسيّة “، كان الشخص المختبر يحاول أن يعرف ترتيب مجموعة البطاقات من غير أن ينظر فيها أحد ؛ وفي دراسة ” المعرفة المستقبليّة “، كان الشخص يحاول أن ” يتنبأ ” بترتيب المجموعة قبل أن تخلط وتعطى ترتيبا معيّنا ؛ وفي دراسة ” قدرة النفس على التحريك “، كان الشخص يحاول أن يحرّك أحجار النّرد . وكانت النتيجة تعتبر ايجابيّة ، اذا نجح الشخص في نسبة ضئيلة من مجموع التجارب ، أي في حوالى 21 % من محاولاته . وهذه النسبة في المعرفة لا معنى لها ، لأنّ المعرفة والقدرة الخارقتين امّا أن تكونا دائمتين بدون استثناء أو لا تكونان ،  لأنّه لا فرق بين المعرفة القائمة على الصدفة والمعرفة ذات النسبة الضئيلة . 7

ولكن رغم أنّ مجال الاختبار كان ضيّقا جدّا ، وموضوعه أقرب الى السّخف ، فقد تأكّد أنّ المولّجين بالاختبارات كانوا يزوّرون نتائجها لتبدو بعيدة بعض الشيء عن أن تكون صدفة . فبيتي ماركويكBETTY MARKWICK  ، وهي عضو بارز في في الجمعيّة الباراسيكولوجيّة ، ومتخصّصة في دراسة العلاقات بين الوقائع المختبرة ، أظهرت أنّ س.ج .

صولS.G.SOAL  الذي كان مولّجا ، طوال عدّة سنين ، بدراسة الوقائع التي بين يديه ،  قد عبث بنتائج الاختبارات ، وأصدرت ، عام 1979 ، تقريرها ببطلان نتائج الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي جرت طوال سنين ، الأمر الذي زلزل راين وهدّم مصداقيّة كلّ بحث باراسيكولوجيّ . وهكذا أسفرت المرحلة الثانية عن نتيجة هي : صفر .8

أمّا المرحلة التي بدأت في الستينيّات ، فقد عاد فيها الباراسيكولوجيّون الى مجال التجارب التي استخدمها راين ، وزادوا عليها دراسة ” البيوت المسكونة ” و ” رؤى المائتين ” و ” رؤى الحياة السابقة ” التي حاول أن يثبتها آيان ستيفنسنIAN STEVENSON  بجمع الحكايات الشعبيّة في الأوساط التي تؤمن بالتقمّص . أمّا نتائج هذه المرحلة فكانت أيضا : صفرا. والضربة القاصمة وجّهتها سوزان بلاكمور ، أستاذة علم النفس في جامعةWEST OF ENGLAND  التي عملت في الاختبارات الباراسيكولوجيّة مدّة طويلة . ففي المؤتمر الذي عقد في جامعة توسن بأريزونا – الولايات المتّحدة ، في شهر نيسان ( أبريل ) 1996 ، للتباحث في ماهيّة العقل الواعي ، أعلنت أمام حشد ضمّ ألف شخص من العلماء والأطبّاء والفلاسفة والسيكولوجيّين ، أنّ أبحاثها واختباراتها في الحقل الباراسيكولوجيّ التي استمرّت عشرين عاما أسفرت عن لا شيء ، فنهر الباراسيكولوجيا الذي كانوا يزعمون أنّه ملآن بالأسماك ، لم تجد فيه أيّة سمكة . وقد تخلّت بلاكمور عن اهتمامها بعلم غير موجود . 9

انّ الباراسيكولوجيا علم كاذب ، وقد هدّمه الشرفاء ممّن عملوا فيه .

أمّا اذا سأل القارىء : ترى ، كيف حالها اليوم ، في الولايات المتّحدة ، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين ؟ فاليه الجواب ممّا نشرتّه ” الجمعيّة الباراسيكولوجيّة ” نفسها على شبكة الانترنت العالميّة التي أصبحت تضمّ كلّ غثّ وسمين ، فأصحاب البيت أدرى بما فيه . ففي باب ” الأسئلة المطروحة كثيرا عن الباراسيكولوجيا “PARAPSYCHOLOGY FAQ  المجدّد مضمونه بتاريخ 18/2/1997، ورد في الجواب عن السؤال رقم 18 : أين هي المراكز العاملة في البحث الباراسيكولوجيّ ؟ المراكز العاملة في الولايات المتّحدة هي :

  • مختبر في بالتو آلتوPALTO ALTO بكاليفورنيا .
  • قسم تابع لمركز هاري رايدHARRY REID في جامعة نيفادا بلاس فيغاس .
  • قسم تابع لمركز الطبّ النفسيّ في جامعة فرجينيا .
  • مركز راين في جامعة نورث كارولاينا .
  • ” مختبر ” في جامعة برنستون بنيوجرسي .

انّ جميع هذه المراكز ليس لها أيّة قيمة علميّة ، ولا أيّة صفة رسميّة . ويموّلها  أفراد أثرياء مهووسون بالغرائب والغيبيّات أو مؤسّسات ذات أغراض نفعيّة ، أمثال لورانس روكفيلر ، ومؤسّسة ماكدونلMCDONNELL ، ومؤسّسة أورسترومOHRSTROM ، ومؤسّسة فتزرFETZER . وجماعة الباراسيكولوجيا يعلنون عن هؤلاء المموّلين في منشوراتهم على الانترنت .

انّ آلاف الجامعات ومعاهد التعليم العالي تقوم في الولايات المتّحدة ، وفي كلّ منها حصّصت دائرة لتعليم علم النفس . ومع أنّ الاختبارات ” العلميّة ” للباراسيكولوجيا المزعومة سابقة لعلم النفس الحديث ، اذ بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ، فانّها ما زالت مطرودة من معاهد التعليم . ولو كانت علما حقيقيّا ، أي لو كان فيها شيء من الصحّة ، لكانت أبواب آلاف المؤسّسات التعليميّة العالية فتحت لها لتهافتت الدّول على تعزيزها وتمويل الأبحاث فيها . أمّا المراكز الأخرى المخصّصة لدراسة ” الباراسيكولوجيا” خارج الولايات المتّحدة ، فهي قليلة جدّا ومبعثرة في زوايا بضعة بلدان حيث تضعف المراقبة العلميّة ، أو تقوى القبضة الكاثوليكيّة . وجماعة الباراسيكولوجيا لم تذكر منها على الانترنت الاّ خمسة : اثنين في انكلترا ، وواحدا في هولندا ، وواحدا في سكوتلاندا ، وواحدا في هنغاريا .

الفصل الثاني: جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة

من التنويم المغنطيسيّ الى التّنويم الايحائيّ

جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة

انّ العلوم النفسيّة – من ادراك وشعور وخيال وارادة – التي كان يتمتّع بها آلاف من الأذكياء الأفذاذ الذين ظهروا في مختلف الأمم والعصور الماضية لم تكن ، بأيّ حال ، أضعف ممّا هي عليه عند المفكّرين الألمعين والأذكياء الموهوبين في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين . فالقوى النفسيّة في الانسان ما زالت هي نفسها منذ آلاف السنين . ولو أنّ بين البشر من يتمتّع بقوى نفسيّة خارقة – باستثناء الأنبياء والهداة الروحيّين وذلك من أجل تأكيد صحّة رسالاتهم – لكانت قواهم تلك قد ظهرت وفرضت وجودها الساطع على التاريخ ، كما فرض الأنبياء والهداة الروحيّون وجودهم . فالحقيقة النفسيّة كالحقيقة الطبيعيّة لا يمكن حجبها . فجهل البشر ، في العصور السحيقة ، لقانون الجاذبيّة ، مثلا ، لا يعني أنّ الجاذبيّة لم تكن موجودة جليّة الحضور . ولو كان في الامم والعصور الماضية ، كما في الشعوب والعصور الحديثة ، بشر بقدرتهم معرفة الغيب وقراءة أفكار الناس ، ونقل ما يريدون من أفكار اليهم والتحكّم بهم … لكان هؤلاء سيطروا على الأرض كلّها ، وعلى من عليها ، فاستحوذوا على جوائز الياناصيب وعلى مكاسب ألعاب القمار ، بل على ثروات الأغنياء ، في مختلف أنحاء العالم ، ولكانوا أقصوا المصائب عنهم وعن ذويهم بفضل معرفتهم السابقة لأسبابها، ولكانت الحكومات الكبرى تنافست في استقدامهم والتعامل معهم لمعرفة أسرار أعدائها والسيطرة عليهم . لكنّ أمثال هؤلاء ليسوا موجودين الاّ في المخيّلات المريضة والنفوس السقيمة والرؤوس البلهاء . فكيف نشأت ، اذا ، مزاعم الباراسيكولوجيا الهرائيّة ؟

انّ هذه العلوم الكاذبة تمدّ جذورها البعيدة في الأوهام التي استبعدت عقل الانسان منذ آلاف السنين ، حينما كان البشر عاجزين عن النّفاذ الى كنه الأشياء وأغوار الحقائق الطبيعيّة وعن ربط أسباب الأحداث ينتائجها ، فتوهّموا قوى خفيّة مبثوثة في الطبيعة ، ان هم خاطبوها بالتعازيم ، انصاعت لهم تنفّذ أوامرهم ، وتخوّلهم علم الغيب واجتراح الخوارق والسيطرة على الناس كما على الحيوان والأشياء بالّرقى والأحجبة وغيرها من غريب الوسائل البدائيّة التي ما تزال تلجأ اليها ، حتّى في مطلّ القرن الحادي والعشرين ، قبائل افريقيا البدائيّة الراسفة في التخلّف والجهل ، كما يلجأ اليها أقوام في مختلف الشعوب ، تعيش أجسادهم في عصر العلوم الباهرة في حين أنّ عقولهم ما تزال قابعة في المغاور ، مقيّدة بأغلال الجهل المخزي . تلك الأوهام التي داخلت حتّى المعتقدات الدينيّة في مراحل طفولتها ثمّ تخلّص المثقّفون من ربقتها بفضل أخذهم بالعلوم الحديثة انّما هي ما يسمّى ” بالسحر ” . فالسحر ، علم المتخلّفين عقليّا ، هو أبو العلوم الكاذبة كلّها . لكنّني لن أنقذه وأفضح الآخذين به في هذا المقام ، لأنّ هذا الكتاب موجّه بالدرجة الأولى الى المثقّفين الذين يفترض أن يكونوا قد تخطّوا مرحلة الطفولة العقليّة . وقد تناولت ” السحر ” مع غيره من العلوم الزائفة بالنقد المفصّل في كتاب خاصّ معدّ للطبع بعنوان ” فضح العوم الكاذبة ونقضها “.

 

من التّنويم المغنطيسيّ الى التّنويم الايحائيّ :

 

يعتبر الباحثون في علم النفس أنّ أكاذيب التنويم المغنطيسيّ تشكّل الأصل الذي منه تفرّعت الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع في القرن التاسع عشر .

والذي أطلق فكرة وجود ” المغنطيسيّة الحيوانيّة “animal magnetism في الانسان هو الطبيب النمساويّ فريدريك أنطون مسمرF.A.Mesmer ( 1734-1815 ) . كان مسمر يعتقد أنّ صحّة الجسد يتحكّم بها توازن الأخلاط الأربعة فيه ( الدّم والبلغم والصفراء والسوداء ) التي كان شائعا في القرون الماضية أنّ منها يتألّف الجسم . وافترض أنّ الأمراض تنشأ عن الخلل الذي يحصل في السيّال العصبيّ في الجسد . فبدأ مسمر تجاربه على المرضى العصابيّين ، ولا سيّما الهستيريّين ، سنة 1768 ، واستخدم صندوقا ملأه ماء ووضع فيه قطعا من المعدن الممغنط والزجاج . وجعل أسلاكا طويلة تغطس أطرافها في الماء ، وتخرج من ثقوب في غطاء الصندوق . وكان يأمر المرضى بأن يمسكوا أطراف الأسلاك . وقد خيّل الى مسمر أنّ بعضهم قد شفي بواسطة” السيّال المغنطيسيّ ” الذي انتقل اليهم وأعاد التوازن الى السيّال العصبيّ فيهم ؛ وانّما كان ذلك سوء تفسير منه وخداعا منهم .

وقد كان أطبّاء النمسا يرتقبون الفرصة السانحة لامتحان ” المغنطيسيّة الحيوانيّة ” طبيّا ، بصورة حاسمة . وتمثّلت هذه الفرصة في تريزا فون باراديtheresa von paradis  ، احدى عازفات البيانو الشهيرات . كانت تريزا عمياء ، لكنّها محظيّة برعاية الامبراطورة . ولم يجد في شفائها أيّ علاج قدّمه أهل ” العلوم الخفيّة ” . وبعد أن عالجها مسمر مدّة ، أشاع أنّها أخذت تبصر ؛ لكن لدى التحقيق ، تأكّد أنّها ما زالت عمياء . وعلاوة على ذلك ، فقدت براعتها في العزف . هذه النتيجة المشؤومة أدّت الى طرد مسمر من كليّة الطبّ ومن النمسا ؛ فالتجأ الى فرنسا ليعيد فيها تمثيل لعبة التدجيل مجدّدا . الاّ أنّه اضطرّ الى التخلّي عن استخدام ” المغنطيسيّة ” سنة 1778 . 10

سنة 1784 أصدرت أكاديميّة العلوم وجمعيّة الطبّ الملكيّة في فرنسا رأيهما في موضوع ” المغنطيسيّة الحيوانيّة ” أو ” المسمريّة “، وقد جاء فيه :” انّ الخيال بدون مغنطيسيّة يولّد تشنّجات … والمغنطيسيّة بدون خيال لا تولّد شيئا “. 11

سنة 1845 أحلّ جايمس بردjames bread  من مانشستر بانكلترا فكرة ” التنويم “( hypnotisme ) hypnosis  محلّ فكرة ” المغنطيسيّة ” بعد فشلها . وكانت فكرته تقوم على بعث التعب العصبيّ في المريض بالطلب اليه أن يحدّق طويلا الى شيء لامع أمام عينيه . 12

لكنّ الطبيب الفرنسيّ الشهير جان ماري شاركوjean – marie charcot ( 1825- 1893 ) هو الذي أصبح قطب الحركة الجديدة التي ادّعت معالجة الأمراض العصبيّة ولا سيّما الهستيريّة ” بالتنويم ” . وكان يجري تجاربه في مستشفى ” لا سلبيتريار “la salpetriere  أمام نفر من الأطبّاء برزوا فيما بعد كأطبّاء نفسانيّين .

وبما أنّ شاركو كان أبرز طبيب للأمراض العصبيّة في عصره ، فقد أحدثت معالجته مرضاه ” بالتنويم ” تأثيرا بالغا وواسعا في مختلف دوائر الطبّ النفسيّ بأوروبّا والولايات المتّحدة . لكن هل كان جميع الأطبّاء النفسيّين وعلماء النفس ، في عصره مقتنعين بصحّة ” التنويم ” ؟

انّ الواقع التاريخيّ يظهر أنّ كثيرين من ذوي العقول النقّادة شكّكوا في صحّة ” التنويم ” وكشفوا الكذب والخداع في عمليّته ، ان لم يكن قبل الطبيب ” المنوّم ” ، فمن قبل الأشخاص ” المنوّمين “، ونبّهوا الى ذلك ، لكنّ شاركو ومؤيّديه رفضوا الاصغاء بدافع من غرورهم وكبريائهم .

فكان عهد شاركو ( 1880 -1890 ) عهد ” التنويم ” الذهبيّ ؛ لكن بعد موته ، أخذت فكرة ” التنويم ” بالتلاشي ؛ ورفضها فريق كبير من العاملين في الحقل النفسيّ .

فسيغموند فرويدsigmund freud  ( 1856-1939) ، بعد أن مارس التنويم على مرضاه فترة من الزمن ، شكّك في صحّته وأعلن أنّه تخلّى عن استخدام ” التنويم ” في علاجه لأنّه لم يجد فيه المنفعة المرجوّة . وقد استبدل به طريقة التحليل النفسانيّpsychoanalysis .

وجوزف رابنسكيj. Rabinski ( 1857-1932 ) وتلامذته اعتبروا ” التنويم ” نوعا من التظاهر والتصنّع والخداع . كذلك ارنست دوبرهE.dupre  ( 1862-1921 ) .

وبول هارتنبرغp. Hartenberg  صرّح ، منذ سنة 1898 :” التنويم غير موجود …فثمّة ثلاثة احتمالات ، وثلاثة فقط : امّا أن لا ينام الوسيط لكن يتظاهر  عمدا بالنوم ؛ وامّا أن ينعس ويتوهّم أنّه نام ؛ وامّا أن ينتهي بأن ينام نوما طبيعيّا “. وفي هذه الحال لا يبقى أمام ” المنوّم ” الاّ أن يكون شريك ” وسيط ” في الخداع ، وأن يكون ضحيّته في الانخداع .” 13

وأندره أومبردان أكّد :” أنّ خرافة التنويم أصبحت اليوم مرفوضة : فالمنوّم ( بالفتح ) ليس في نومه المزيّف بأصدق منه في حياته العاديّة .”

وبنجامان لوغر أعلن : ” أنّ التنويم لعبة للتسلية الاجتماعيّة ، وليس شيئا غير ذلك : فهذا هو دوره الذي أوقفه عنده تدريجيّا نقد الأطبّاء المتصاعد في نفاذه وتجاربهم المتزايد في غناها .”

ولم يكن كبار علماء السيكولوجيا والأمراض العصبيّة أقلّ حزما في دحضهم التنويم الايحائيّ من الأطبّاء النفسيّين . حسبنا ذكر ولهلم فوندتwilhelm wundt  ( 1832-1920 ) ، عالم النفس والفيزيزلوجيا الألمانيّ ، وتيودور مينيرtheodore meynert  ( 1833-1892 ) , عالم النفس النمساويّ ، و ف ويتلزfritz wittels  ( 1925 )، العالم الفرويديّ البارز . 14

انّ قصّة ” التنويم ” التي بدأت مع شاركو تشبه الى حدّ ما قصّة ” الوساطة الروحيّة ” ( سبيرتزم ) في أنّ الخداع هو الذي أطلقها . ومثلما أنّ ” الوساطة ” اختلقت أساسها عدّة فتيات مخادعات ، كما سنرى عمّا قليل ، فانّ ” التنويم في زيّه الحديث اختلق أساسه عدّة فتيات مخادعات أيضا . لكن المخدوع الأكبر هنا كان الطبيب الفرنسيّ شاركو نفسه . فقد كان شاركو يجري تجاربه على عدّة فتيات استأثرت احداهنّ ( روزالي ). بمعظم اهتمامه وأصبحت مرتكز استنتاجاته في ما يتعلّق ” بالتنويم ” .

واستند الأطبّاء من بعده الى أقواله ، وكلّ من أتى لاحقا استند الى أقوال السابق . ولو كلّف الباحثون أنفسهم بعض الجهد ، وكانوا أكثر فطنة لطبيعة الانسان الميّالة الى الكذب أكثر منها الى الصدق لتبيّن لهم أنّ( روزالي ) كانت تخدع شاركو ، وتمثّل أمامه وأمام الأطبّاء دور المنوّم الذي يخضع لارادة منوّمه في كلّ ما يوحي اليه .

وقد فضح دكسنdicksonn  ، لاعب الخفّة المشهور ، قصّة ( روزالي ) ودورها الخداعيّ ، وسجّل اعترافاتها في كتابه : حيلي مكشوفة “. 15

ممّا قالته له :” كنت أقوم بالتمثيل هناك أيضا ( في مستشفى لاسلبيتريار)؛ كلّ ما رآه الأطبّاء فيه لم يكن حقيقيّا ! لقد كنت محظيّة باهتمام الرئيس الأوّل ( شاركو ) ، ومغمورة بعنايته ، ورغباتي جميعها كانت مشبعة ، ومحاطة بأجلّ اهتمام . كانوا متمسّكين بي ، والعلم يستند الى وقائعي وحركاتي ليسجّل أمثلة موثوقة …آه ! ما كان أوثقها !

” لم أكن جميلة ، وكنت بلا مهنة ، وبدون أسرة . ومع ذلك أصبح لي وظيفة : ” موضوع اختبار طبيّ “. وكانت رغبتي الوحيدة أن لا أترك المستشفى . ولكن ، ذات يوم ، مات الرئيس ، وكلّ شيء تغيّر ! كان عليّ أن أتركه .

لقد كوّنت التجارب الكثيرة نوعا من الشّهرة حول اسمي … انّ الذي يضيّع الأطبّاء هو أنّهم لا يستطيعون أن يعرفوا متى أبدأ خداعهم ، شأنهم في ذلك شأن غير الاختصاصيّين .”

ويروي ليون دودهleon daudet  كيف كانت روزالي تخدع أطبّاء مستشفى  ” لاسلبيتريار” الآخرين وبينهم الطبيب فونتانج . 16

ولم يكن شاركو وزملاؤه وحدهم ضحايا الانخداع . فكثيرون هم العلماء الذين ثبتوا في ضلالهم ، على افتضاح أمرهم . ومن المخجل أن يكون كثيرون من الأطبّاء قد بنوا ايمانهم ب”التنويم ” على مشاهدتهم حفلات مشعوذين ” منوّمين ” . ففرويد تمّ اقتناعه ، أوّل وهلة ، بعد مشاهدته المشعوذ ” هانسن “، وشاركو بعد مشاهدته ( دوناتو) ، علما بأنّ هذا الأخير بعد أن تدفّقت الجماهير البارسيّة لمشاهدة حفلاته التي تواصلت في باريس أكثر من خمسة أسابيع ، اعترف في أثناء محاكمته في بلجيكا بأنّه كان يستعين بشركاء له في الخداع من الحضور أنفسهم وبأنّ لوسيل مارتي وسيطته الشهيرة كانت تخادع الجمهور متظاهرة بالنوم . 17

وفي أيّ حال ، فانّ التجارب التي أجريت على جماعة كبيرة من الأشخاص المزعومين ” منوّمين ” ، بقصد اختبار طبيعة ” التنويم ” ، أظهرت تناقضا غريبا في المفاهيم والنتائج ، الأمر الذي لا يدع مجالا في للشكّ في أنّ قضيّة ” التنويم ” مختلفة  من أساسها ، ولا ترتكز على أيّة حقيقة .

فشرتوك يصرّح أنّه يستحيل أن يؤكّد أنّ شخصا قد نومّ أم لا . فبعض الأشخاص يظنّون أنّهم قد نوّموا ، في حين أنّهم لا يكونون في الحقيقة منوّمين ، بينما يطنّ آخرون أنّهم لم ينوّموا لكنّهم في الواقع يكونون منوّمين . فضلا عن أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار الخداع المقصود الواعي والخداع اللاواعي وغير المقصود . فهذا التصريح الذي يؤيّده كثيرون من الأطبّاء يجب أن يجعل ” التنويم ” مشكوكا في صحّته من الأساس .

من ناحية أخرى يميل كثيرون من الأطبّاء المعنيّين بقضيّة ” التنويم ” الى تبنّي آراء برنهايم التي صاغها سنة 1917 ، وقوامها أنّ الظاهرات التي تلاحظ على المنوّمين المزعومين هي ظاهرات يمكن احداثها في اليقظة بمجرّد الايحاء وقبول الايحاء ، أي بما يردّ المسألة كلّها الى ايحاء ذاتيّ ، الأمر الذي ينفي وجود شيء يسمّى ” التنويم ” .

وأن يكون في ” التنويم ” قسط كبير من التمثيل فهذا ما أكّدته التجارب : فبعد أن أجرى مسمر تجاربه الأولى على فتاة مصابة بالهستيريا ، وأذاع أنّها أبدت تشنّجات عصبيّة ، أخذ غالبيّة من ادّعى تنويمهم يحتذون حذوها ، فكانوا يظهرون تشنّجات عصبيّة ؛ في حين أنّ الآخرين كانوا يتصرّفون وفق ما يعلن أمامهم من أعراض ترافق التنويم : فالذين يفهمون التنويم حالة نوم هادئة يبدون هادئين ، ومن يفهمه حالة تتخشّب فيها يد واحدة ، خشّب يده ، ومن يفهمه حالة تتخشّب فيها اليدان ، خشّب يديه الخ… كلّ ذلك من غير أن تصدر ايحاءات وأوامر لابداء مثل هذه الأعراض . وذلك يستتبع اعتبار التنويم ، على حدّ قول أورن ” جنونا من الطرفين ” . ف”المنوّم ” يتصرّف بطريقة تظهر أنّه لا يستطيع أن يقاوم ايحاءات ” المنوّم ” ، بل حتّى آراءه ومفاهيمه ، ” والمنوّم ” يمثّل دور الرجل االقويّ الذي يودّ أن يظهر بمظهر من لا يقاوم . 18

أخيرا ، انّ  ” التنويم ” ، في حال افتراض وجوده ، يجب أن ينتج عنه تغييرات في الأوضاع الفيزيولوجيّة ولا سيّما في الدماغ لدى المنوّمين . والواقع أنّ التجارب العلميّة الكثيرة التي أجراها العلماء على أفراد ” منوّمين ” أثبتت أنّه لا فرق في الحالات الفيزيولوجيّة بين ” المنوّمين ” والمستيقظين . في حين أنّ فروقا واضحة تظهر بين المستيقظين والنائمين أو الحالمين . فالموجات الكهربائيّة التي يبثّها دماغ ” منوّم ” مماثلة لما يبثّه دماغه في حال اليقظة . كذلك فالطاقة الكامنة في قشرة الدماغ ، وسرعة النبض ، ومقاومة الجلد وغيرها من الأوضاع هي نفسها في الحالتين .

وهذه النتائج تؤكّد لدى البصيرين أنّ التنويم عمليّة تظاهر وخداع يقوم بها ” المنوّمون “. وجدير بالذكر أنّه أجريت تجارب علميّة لبعث الألم في أفراد ” منوّمين ” ، ودفعت لكلّ منهم أجور مختلفة تعويضا عن تقديم أنفسهم للتجربة ، فكانت النتيجة أنّ الذين دفع لهم أكثر أظهروا أنّهم يشعرون بالألم أكثر من أولئك الذين دفع لهم أقلّ ، علما بأنّ مثير الألم كان على درجة واحدة من القوّة . ” فالمنوّم ” يخدع “منوّمه ” مظهرا أنّ هذا يريده منه . 19

تلك كانت مواقف الأطبّاء والعلماء ذوي العقول النقّادة من ” التنويم ” في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .

لكنّ ” التنويم ” لعبة مغرية للمشعوذين ولاعبي الخفّة ممّن يجيدون الخداع والتمثيل والاتّفاق مع أطراف آخرين ، لما فيها من مكاسب ماليّة وشهرة عريضة وتأثير . وهكذا امتدّت لعبة ” التنويم ” الى المسارح ، حيثما كان ، كما عادت فامتدّت الى عيادات فئة من الأطبّاء الأخسّاء ، باتّفاق بينهم وبين المشعوذين المشهورين ، لتكون المغانم الماليّة مشتركة بينهم ، واختلط الخادعون بالمخادعون في صفوف الأطبّاء والسيكولوجيّين وعامّة الناس الساذجين …وكثر تأليف الكتب المروّجة لصحّة ” التنويم “، وكثر ابتزاز أموال الناس من البسطاء المصدّقين .

وهكذا بعد أن كانت العقول العلميّة النقّادة قد فضحت لعبة ” التنويم ” ، وأسقطها من حسابها ، عادت جماعة من الأطبّاء ، في النصف الثاني من القرن العشرين ، فأحيت ” التنويم ” مشدّدة هذه المرّة على أنّه ” تنويم ايحائيّ ” ليس الاّ . انّه ايحاء من أصحاب الارادات القويّة لأشخاص يتقبّلون الايحاء ، ويدخلون في غيبوبة حسيّة “trance  ، وينفّذون وهم تحت تأثيرها أوامر الأطبّاء ، فيتغلّبون هكذا على وساوسهم وأمراضهم النفسيّة وآلامهم ، ويرجعون الى الماضي السحيق من حياتهم فينبشون أحداث طفولاتهم بل وقائع حياتهم في حياة سابقة ! وكان هؤلاء ” المنوّمون ” الجدد أذكى بعض الشيء من أسلافهم ، فأسقطوا من ” التنويم الايحائيّ” كلّ عمل خارق ، فلا قراءة أفكار للآخرين ولا معرفة لمسروقات غيرهم …لأنّ مثل هذه الأمور باتت أكاذيبها بلقاء ، وأصبح فضحها سهلا .

وكان من أبرز الأطبّاء الجدد الذين اشتهروا ب”التنويم الايحائيّ ” الأمريكيّ ملتن اركسنmilton erickson  (1901-1980 ) . وله عدّة كتب ودراسات في ” التنويم الايحائيّ “. لكن هل حقيقة ثمّة ” تنويم ايحائيّ ” و” غيبوبة حسيّة ” يدخل فيها ” المنوّم ” ليطيع ” المنوّم ” مكرها ؟

يعتبر الدكتور ستيفن هيلرsteven heller  واحدا من ألمع تلامذة اركسن وأنبههم . فبعد أن قام بمعالجة مرضاه على الطريقة الاريكسنيّة ، مدّة من الزمن ، اكتشف الخداع فيها ، وألّف بمشاركة تيري لي ستيلterry lee steele  كتابا عنوانه ” وحوش وعصيّ سحريّة : ليس ثمّة شيء اسمه التّنويم “. 20

وفي العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ظهرت كتب ودراسات كثيرة لأطبّاء وعلماء بارزين ينقضون فيها نقضا نهائيّا أكذوبة ” التنويم ” و” الغيبوبة الحسيّة ” ، ويؤكّدون أنّ ” التنويم ” منذ نشأته حتّى اليوم ، سواء تستخدم على المسارح أم في عيادات الأطبّاء ، ما هو الاّ خدعة عالميّة وأكذوبة كبرى لم يبقها حيّة الاّ جشع فئة من الأطبّاء وسذاجة كثير من الناس . وحسبي أن أذكر من هؤلاء العلماء والأطبّاء النابهين الألمعين الذين فضحوا أباطيل ” التنويم ” في كتبهم وأبحاثهم : ثيودور باربرtheodore x.barber  ، وغراهام واغستافGraham R.wagstaff  وبيتر بلايتpeter blythe  ، ونيقولاس سبانوسnicholas spanos  ، وارفنغ كيرشirving kirsh  ، ووليام كوwilliam c.coe  ، وثيودور صاربنtheodore sarbin  ، وروبرت بايكرrobert barker  .21

فهؤلاء الأطبّاء النابهون والعلماء القديرون أكّدوا جميعهم أنّ لا وجود لل”تنويم ” ولا لل”تنويم الايحائيّ ” ، وأنّ ” الغيبوبة الحسيّة ” المزعومة التي يدخل فيها ” المنوّمون ” ما هي الاّ خدعة قد يكون البادىء فيها ” المنوّم ” ليبتز الطبيب ، لأنّ كثيرا من عمليّات ” التنويم ” التي يجريها أطبّاء معيّنون تكون مأجورة ، يقومون بها من أجل اختبار قدراتهم ” التنويميّة ” وطبيعة ” التنويم . هكذا كانت مع شاركو ، ومع كثيرين غيره ممّن حذوا حذوه ؛ لكنّ الخدعة قد يكون بادئها الطبيب نفسه ، وذلك ليحيط نفسه بهالة من القدرة غير العاديّة ، فيكثر هكذا قاصديه ويكثر مكاسبه ، فيكون المرضى ضحاياه السذّج الذين تجعلهم الدعاية الكاذبة يصدّقون بقدرة ذلك الطبيب الدجّال ، فيوهمون أنفسهم أنّهم تحت تأثير اراداته ، ويلبّون أوامره من غير أن يكون لإيحاءاته أيّ تأثير حقيقيّ في شفائهم أو معرفة أسباب اضطرابهم .

ولعلّ كتاب الدكتور روبرت بايكر المعنون ” يسمّونه التنويم “they call it hypnosis  هو من أهمّ الكتب التي صدرت في العقد الأخير من القرن العشرين وأدمغها حجّة في نقض ” التنويم ” وفضحه . فهو يروي فيه كيفيّة ممارسته له في مرحلة من عمره ، اذ كان مصدّقا ما يروّج عنه ، صمّ اكتشف تدريجيّا أنّه كان واهما ، وأنّ ” المنوّمين ” ليسوا بنائمين ، انّما هم يجاملونه ، وأنّ الحالة التي كان يدعوها ” غيبوبة حسيّةtrance ، لا تختلف عن حالة اليقظة على الاطلاق ، لا من حيث درجة الوعي فيها ولا من حيث الحالة الفيزيولوجيّة .

يقول بايكر :” اذا توخيّنا الدقّة في الكلام ، فلا بدّ من القول انّ كلمة ” تنويم “hypnosis ينبغي أن تحصر بين مزدوجين كلّما استخدمت ؛ ذلك لأنّه لا وجود لشيء اسمه تنويم . والهدف من كتابي هو اقناع القارىء بأنّ الظاهرة المسمّاة ” بالتنويم ” لا وجود لها على الاطلاق ، لا في الماضي ولا في الحاضر ، ولن يكون لها وجود في المستقبل . انّ ما يسمّى اليوم تنويما هو اعتقاد باطل ، أعني هو فكرة كاذبة وترّهة تناقلها من جيل الى جيل ، منذ عهد مسمر ، أفراد تكاد معرفتهم بأبسط المبادىء السيكولوجيّة تكون مفقودة ، أو أفراد ذوو مآرب نفعيّة استهوتهم نظريّة التنويم وأعمتهم عن رؤية الأسباب الحقيقيّة التي وراءها . 22

أمّا الغيبوبة الحسيّة ” المزعومة فيقول عنها :” انّ جميع ذوي الخبرة ممّن يمارسون  ” التنويم ” على الآخرين يعرفون أتمّ المعرفة أنّ كلّ تنويم ذاتيّself- hypnosis  ، وأنّنا حينما نسترخي في حياتنا العاديّة ، ونتأمّل في باطننا مستخدمين خيالنا للتفكير في أمور حياتنا ، نكون ، اذ ذاك ، نقوم بما تسمّيه فئة من الناس ” التنويم ” ونكون نلعب لعبة التنويم .” 23

ويدعو بيتر بلايت في كتابه ” التنويم الذاتيّself – hypnotism  الى تجاهل تعريفات القواميس والمعاجم لكلمة ” تنويمhypnosis  ، لأنّه خطأ فادح ” فالتنويم ” أكذوبة كبرى .24

وقصارى القول انّ التنويم في العيادات لا يعدو أن يكون خدعة أو مجاملة يقوم بها المرضى أمام أطبّائهم ، لأنّ الأطبّاء في نظرهم ، أكثر منهم فهما ، وعلى المريض أن يطيع طبيبه ، لأنّ طاعته قد تسهّل شفاءه ممّا يعاينه . ” فالتنويم ” لا يمنح ” المنوّم ” أيّة قدرة استثنائيّة على الاتيان بأيّ عمل خارق ، كما لا يمنحه حتّى قدرة استثنائيّة على تذكّر ماضيه أو عقله الباطن ، انّما هو استرخاء ليس أكثر .

أمّا مدّعو القدرة على التنويم بأيّة وسيلة كانت ، سواء كانوا أطبّاء أم يعملون على المسارح أم يخادعون الناس في بيوتهم ، فليس أمامهم الاّ أن يتقدّموا ببراهينهم التي تؤكّد ادّعاءهم ليقبضوا جائزة قدرها مئة ألف دولار قدّمها لاعب الخفّة الشريف الكبير في أمريكا كرسكنkreskin  الذي طالما أدهش حضور حفلاته بعجائب ” تنويمه .” 25

لكنّني أقول سلفا لهم : ستخذلون مثلما خذل غيركم من آلاف المشعوذين في كلّ أنحاء العالم .

الفصل الثالث: جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة

جلسات ” استحضار الأرواح “

جلسات ” استحضار الأرواح ” أو ” مناجاة الأرواح “

 يبدأ تاريخ ” إستحضار الأرواح ” الحديث في ليلة 31| 3| 1848, في قرية هايدسفلhydesville  بولاية نيويورك ، حيث كانت تعيش عائلة فوكسfox :الوالدان وابنتاهما مارغريتmargaret  ( في حوالى الحادية عشر ) وكايتkate  ( في حوالى التاسعة ) . صعدت الفتاتان الى غرفتهما في الطابق الأعلى لتناما ، فخطر في بالهما أن تفرقعا أصابع أرجلهما وهما تحت اللحاف . فسمع والدهما الأصوات المحدثة وهما في الطابق الأرضيّ ، فصعدا الى غرفة ابنتيهما ليستطلعا الأمر ، فاستقبلتهما الفتاتان بمزيد من أصوات الفرقعة . واذ كانت الأمّ ساذجة ، تؤمن بالأشباح والمنازل المسكونة ، فانّها ما لبثت أن سألت :” هل هذا روح احتلّ ابنتيّ ؟” واذا الجواب صوت فرقعة .

وهرعت الأمّ الى جيرانها تخبرهم بأنّ منزلها مسكون بالأشباح وأنّ “روحا”احتلّ ابنتيها .

وأخذ الجيران يتردّدون ، كلّ ليلة الى غرفة الفتاتين ، ويسألون ” الروح ” بخوف عن أمور تخصّهم ، على أن يجيب باحداث صوت واحد اذا كان الردّ ايجابا ، وباحداث صوتين اذا كان سلبا .

وما لبثت شقيقة الفتاتين الكبرى المتزوّجة ، ليهlea  ، أن سمعت بأخبار أختيها ، فحضرت الى منزل أهلها ، واختلت بمارغريت وكايت ، واستوضحتهما الأمر ، ففهمت منهما سرّ الأصوات المحدثة ، وفتق لها أن تستثمر غباء الناس لقاء تعويض ماليّ عن كلّ سؤال . لم لا ؟ فالعائلة غير ميسورة ، والناس بدأوا يتدفّقون الى المنزل مصدّقين مؤمنين .

وتطوّرت كيفيّة الاجابات بمساعدة المحتالة الكبرى ، وبدأ الناس السذّج يتوافدون الى ” المنزل المسكون ” من شتّى الولايات الأمريكيّة للاستيضاح عن أمور تهمّهم .

وقد نالت الشقيقتان فوكس شهرة عظيمة ، ودعيتا الى فندق بارنومbarnum  في نيويورك لتعقدا فيه جلسات ” استحضار أرواح ” فكان الزائرون أفواجا ، معظمهم يريدون الاتصال بالأموات من ذويهم وأقربائهم . وقد وجدتا في الصحيفة النيويوركيّة ” نيويورك ويكلي تريبيون”new york weekly tribune  منبرا لنشر أخبارهما ، بينما كانت معظم الصحف الأمريكيّة الأخرى تشكّك في صحّة مزاعمهما . وكان لتصديق عدّة أشخاص من البارزين “بجلساتهما الوساطيّة ” المزعومة جاذبيّة قويّة ، فتفشّت هذه الحركة في أمريكا حتّ قدّر أنّ عدد ” الوسطاء “mediums الذين نبتوا فجأة وأخذوا يدّعون القدرة على عقد جلسات لاستحضار الأرواح بثلاثين ألفا ، وذلك في مدى ثلاثين سنة . وقد انخرط في هذه اللعبة القذرة من أجل خدع الناس وابتزاز أموالهم كثيرون من رجال الدين المسيحيّ مبرّرين موقفهم بأنّه تشجيع على الايمان بوجود الأرواح ووجود الحياة الأخرى ، بعد أن أدّى تقدّم العلوم ، ولا سيّما انتشار النظريّة الداروينيّة ، الى انتشار التشكيك بالدين كما الى الالحاد . وقد خدع بهذه البدعة الوسخة كثيرون من رجال السياسة الأمريكيّين البارزين ، الأمر الذي شجّع ذيوعها والتصديق بها في أوساط العامّة .

ومن أمريكا انتقلت الحركة الى انكلترا حيث تبنّاها عالم الفيزياء والكيمياء الانكليزيّ السير وليام كروكسsir william crookees  ، فدعا كايت الى لندن عام 1871 . وبعد أن عقدت أمامه ” جلسات الوساطيّة ” المزعومة ، أكّد صحّة الأصوات التي سمعها ، وأنّها أصوات حقيقيّة تحدثها الأرواح .

وفي 21/10/1888 ، حدثت المفاجأة الكبرى ، بعد حوالى أربعين عاما من حركة الهستيريا الجماعيّة التي اجتاحت أمريكا وانكلترا وبعض البلدان الأوروبيّة الأخرى ، وتمحّضت بألوف المشعوذين الذين اغتنموها فرصة ذهبيّة لابتزاز أموال السذّج مستفيدين من تصريحات وليام كروكس وزمرة صغيرة من أمثاله المخدوعين . ففي التاريخ المذكور اعترفت مرغريت فوكس علنا بأنّها ، طوال أربعين عاما ، كانت تخدع الناس مع شقيقتها كايت . وأسفت جدّا لتضليل الملايين ، وخداع الأوساط العلميّة . واتّهمت شقيقتها الكبرى ليهlea  بجرّهما الى هذه الخديعة ثمّ ارغامهما على الاستمرار فيها ابتزازا لأكبر كميّة من المال . وقد نشر اعتراف الشقيقتين الخطّيّ في صحيفة ” نيويورك ورلد “new york world ، بعد أن أجرت مرغريت أمام مندوبها وشهود آخرين تجربة “لجلسة وساطيّة ” مزعومة.

أمّا سرّ الأصوات التي كان يسمعها الحضور من غير أن يكتشفوا سببا ماديّا لها ، فقد كان تافها جدّا : فقد تعلّمت الشقيقتان في صغرهما أن تحدثا أصواتا مختلفة بفرقعة أصابع أرجلهما ، وخاصّة مفاصل الابهامين منها ، وتدرّيتا طويلا على ذلك حتّى استطاعتا أن تتحكّما بالعضل الموجود تحت الركبتين الذي يتحكّم ، بدوره ، بعضل القدمين . ولمّا كانتا صغيرتين جدّا ، قلّما شكّ أحد من المراقبين في براءتهما وصدقهما ، لا سيّما أنّهما توصّلتا الى اخفاء أيّة حركة ظاهرة في جسديهما ؛ علما بأنّ جلساتهما كانت تعقد في الظلام . 26

انّ خدعة استحضار الأرواح داخلتها فنون وحيل كثيرة منذ نشأتها حتّى اليوم . فقد ابتدأت بفرقعة أصابع الرجلين ، ثمّ داخلت اللعبة ، بفضل مشاركين في عمليّة الخداع ، الطّرقات على الجدران والأثاث والأواني ، ثمّ تطوّرت الى عقد جلسات حول الطاولة المتحرّكة أو الدوّارة ؛ وهي طاولة يجلس الحضور حولها وبينهم ” الوسيط ” المزعوم ،  فلا تلبث أن ترتفع احدى قوائم الطاولة عن الأرض ، أو تعلو بمجملها ، أو تدور ببطء . وسبب هذه الحركة قوّة الروح في ادّعائهم ، وقوّة حدائد مخفاة في أكمام ” الوسيط” وشركائه ، في الحقيقة . وثمّة أساليب أخرى ، منها أن تكتب حروف الأبجديّة بصورة دائريّة فوق الطاولة ، ثمّ يضع ” الوسيط ” أو أحد شركائه اصبعه في فنجان ، ويدع الفنجان يتحرّك بقوّة ” الروح ” ، حسب زعمه ، وبقوّة دفعه هو للفنجان ، في الواقع . والغاية من ذلك أن يرسم الفنجان ، في تحرّكه بين الحروف ، عبارة أو أكثر تكون جوابا لسؤال يطرحه أحد الحضور . وفي الحالة الأخيرة يمكن تكذيب ” الوسيط ” بالطلب اليه أن يضع عصابة غير مغشوشة على عينيه ، ثمّ يحرّك الفنجان ورأسه مستقيم والفنجان في أقصى امتداد يده , ما دام الروح العالم القادر هو الذي يحرّكه ، في زعمه ، لا اصبعه . 27

أمّا الزيّ فهو عقد ” جلسة وساطيّة ” في جو معتم يفرض فيها على الحضور أن لا يتحرّكوا من أماكنهم وأن يكونوا ، عادة ، متشابكي الأيدي بعضهم مع بعض . والغاية من ذلك أن تظهر ” روح ” وراء ” الوسيط ” أو قريبا منه . ولكي تثبت ” الروح ” تجسّدها ، بعد أن تظهر ، فانّها قد تقوم بالتربيت على كتف الجليس الأقرب لل”وسيط ” ، أو قد تسمع صوتا معيّنا ، أو قد تحرّك شيئا ما ، أو قد تسمح لمصوّر ” خاص بتصوير الأرواح ” أن يلتقط لها صورة الخ …

والحقيقة أنّ الروح كناية عن صورة أو قناع محاط ببعض الأقمشة أو الأوراق التي قد تطلى أحيانا بمادّة فوسفوريّة تلتمع لزيادة التأثير ؛ وأنّ الصوت ، في حال صدوره ، يكون امّا صوت ” الوسيط ” نفسه وقد عدّل نبراته . وامّا صوتا مسجّلا في جهاز تسجيل مخفى .

أمّا تحريك الأشياء فيقوم بها ” الوسيط ” نفسه الذي يتظاهر في بداية الجلسة أنّه ممسك بيدي جليسيه عن يمينه ويساره ، لكنّه ، في الواقع ، يفلت ببراعة احداهما ليقوم بالحركات المطلوبة ، مستعينا أحيانا ببعض القضبان أو العصيّ أو الأسلاك أو الأقنعة أو غير ذلك من الأدوات …

والجدير بالذكر أنّ شركاء ” الوسيط” في الخداع مهمّون جدّا في مثل هذه الجلسات لانجاحها . 28

أمّا صور الأرواح فهي مزوّرة ، ويقوم بها ، عادة ، شريك ” للوسيط ” في الخداع ، وذلك شأن ( بوغه) الذي عرف بمصوّر الأرواح ، وقد أثار افتضاح غشّه استنكارا كبيرا . 29

ولم يشتهر أحد في ” جلسات الأرواح ” المزعومة الاّ عاد ففضح وشهّر ، حتّى كاد أثر هذه الخدعة يتلاشى في القرن العشرين ، بعد أن تكاثر نقّادها . وكان من أشهر مدّعي ” الوساطة ” وأواخرهم الايطاليّة أوسابيا بالادينوeusapia palladino  التي راجت أعمالها الخداعيّة بين 1885و1915 . وقد امسكت بالخداع والغشّ المشهودين مرارا عديدة . 30

وكان لهاري هودينيharri houdini  ( 1874-1926 ) لاعب الخفّة الأمريكيّ ، العبقريّ الشريف ، اليد الطولى في فضح مدّعي ” استحضار الأرواح ” . وبعد موته تابعت عمله بعزم مساعدته روز ماكنبرغrose mackenburg  ، فكانت تفضح الدجّالين ، وتقلّدهم في انتاج ” الاكتوبلاسما ” الكاذبة . وقد استعان بها القضاء ووكالات التأمين في عدّة دعاوى بصفتها خبيرة في فضح أخاديع مدّعي ” استحضار الأرواح “.31

 

أندرو دايفس ودنغلاس هوم :

 

يعتبر روجيه الخوري أنّ الباراسيكولوجيا تبرهن صحّتها بأعمال أندرو جاكسن دايفسandrew jackson davis  كما بأعمال دانيال دنغلاس هومdaniel dunglas home  . فمن هو دايفس ومن هو هوم ؟

بعد أن فضحت الأوساط العلميّة في أوروبّا فريدريك أنطون مسمّر ، واتّهمته بالشعوذة وابتزاز السذّج ، انتقلت فنون المسمريّة أو جماعة ” التنويم المغناطيسيّ ” الى أمريكا .

وعام 1843 تعرّف أندرو جاكسن دايفس الى خدعة ” التنويم المغناطيسيّ ” وباشر استخدامها على نفسه ، وادّعى أنّ باستطاعته معرفة الغيب ، واكتشاف أسباب الأمراض وهو في ” الغيبوبة المغناطيسيّة ” التي هي أمّ “الغيبوبة الحسيّة ” . وبعد أن شاعة شهرة الشقيقتين فوكس بأنّهما تستحضران أرواح الموتى وتخاطبانها ، أضاف دايفس الى طريقته الخدّاعة الزيّ الجديد ، حتّى بزّ فيه الأختان فوكس ، فاستنزل من أرواح الموتى كتابا سمّاه ” مبادىء الطبيعة “the principles of nature  ، وهو خليط من المعلومات العلميّة الرائجة في عصره ومن المختلقات الوهميّة .

أمّا معالجته الطبيّة للمرضى المساكين السذّج ، المتعلّقين بحبال الهواء ، فكانت تقوم على ما يشبه الوصفات السحريّة البائدة : الصاق جلد ضفدع على اليد الملدوغة ، وضع جلد جرذون أو دهن فخذ ابن عرس وراء الأذن الصمّاء …32

ولا يستبعد أن تكون وصفات روجيه الخوري قريبة من وصفات دايفس ، ما دام الدكتور معجبا بعبقريّته الباراسيكولوجيّة !

أمّا دانيال دنغلاس هوم فالخوري يشبّه به الدكتور داهش ليؤكّد أنّ الارتفاع في الهواء وتجسيد الأشياء وتحريكها عن بعد ممكنة ومعروفة كقوى باراسيكولوجيّة ، اذ يقول :” لقد كان داهش بالنسبة للبنان كما هو دانيال دونغلاس هوم بالنسبة لبريطانيا من الناحية البارابسيكولوجيّة ، اذ انّه استطاع ابراز أغلبيّة الظواهر البرابسيكولوجيّة . ” ( ص 136 ) .

ظهر هوم ك”وسيط ” في انكلترا ، على اثر موجة ” الوساطة الروحيّة ” التي انطلقت من أمريكا اليها بتأثير من الخدعة الكبرى التي أطلقتها الشقيقتان فوكس عام 1848 . اذا ، قبل خدعة فوكس لم يظهر أي ” وسيط “في العالم بالمفهوم الحديث ” للكلمة أيspiritist medium  ؛ فهي الأم وكلّ ما ظهر من أفانين ” الوساطة ” وبالتالي الباراسيكولوجيّة بنات لها . وباشر هوم نشاطه ” الوساطيّ ” ونال شهرة واسعة قبل أن تنشأ أوّل جمعيّة نفسيّة في انكلترا لمراقبة الظاهرات غير الطبيعيّة . فأخبار هوم التي كوّنت شهرته هي مجموعة من الروايات الشعبيّة غير المحقّقة علميّا . تقول الشائعات انّه كان يجلس مع حضور آخرين على طاولة ، تحت حجاب الظلام ، ويختار هو دائما من يجلس قربه . وبعد أن تطول الجلسة ، ويمتدّ الصمت ، ويرهق الحضور الذين يفرض عليهم أن يستمرّوا في شبك أيديهم بعضهم مع بعض ، ويحظر عليهم مغادرة أماكنهم ، يبدأ الحاضرون المتعبون بسماع أصوات على طريقة الشقيقتان فوكس . لكن هوم طوّر أخاديعه أكثر ، واستخدم الوسائل الكيميائيّة . فكانت تظهر قربه يد كأنّها تجسّد ليد ” روحيّة ” متلألئة ، أو يتحرك في الغرفة بعض الأثاث أو الأدوات أو الأشكال ذات البصيص . ولم يكن أحد يجرؤ على النهوض من مجلسه في الظلام ليفحص اليد الظاهرة وعلّة البصيص حولها ، أو الشيء المتحرّك وسبب تحرّكه .

غير أنّ عديدين ممّن حضروا ” جلساته الوساطيّة ” المزعومة استنتجوا منها أنّه لم يكن الاّ مشعوذا يستخدم مختلف الوسائل الخداعيّة في جلساته . من هؤلاء الشاعران المشهوران روبرت واليزابيت براوننغ R.&E. Browing .  ؛ فبعد أن حضرا احدى جلساته المزعومة , نظم الشاعر فيه قصيدة هجائيّة سمّاه فيها ” الوسيط الرخراخ Mr. Studge ,the medium  .

وقد ذكر الصحافيّ ديليا لوغان أنّه حضر جلسة لهوم في منزل أحد النبلاء الانكليز ، وشاهد الوسيط المزعوم يسير في ظلام الغرفة ، وبين الفينة والأخرى تظهر قربه يد مضيئة اضاءة خفيفة . وقد شاهده رغم الظلام ، يضع زجاجة صغيرة تحت معطفه . وقد استطاع المضيف أن يسترق الزجاجة بخفية . وتأكّد له ، من بعد ، أنّ فيها زيتا ممزوجا بالفوسفور ، كان سبب حدوث الظواهر الضوئيّة في الظلام .

ويبدو أنّ الذين كشفوا تدجيل هوم لم يجرؤوا على مواجهته وفضحه علنا ، لأنّه كان قويّ الصّلات بالنبلاء الذين كان يدّعي أنّه واحد منهم ، كما كان قويّ الصّلات بعدّة ملوك ، منهم قيصر روسيا ونابوليون الثالث .

ولم يراقب أعمال هوم أيّ باحث علميّ الاّ وليام كروكس نفسه سنة 1871 . فأيّد كروكس صحّة أعماله ” الوساطيّة ” مثلما أيّد صحّة أعمال فلورانس كوك والشقيقتين فوكس .

ويبدوا أنّ اللورد أدارlord adare  كان مخدوعا به وعلى علاقة حميمة معه ، اذ كانا ينامان في مهجع واحد ردحا من الزمن . وقد وضع اللورد أدار مؤلّفا عن ” جلسات هوم الوساطيّة “، لكنّه لم يطبع الاّ خمسين نسخة فقط وزّعها على أصحابه ، ثمّ عاد فاستردّ معظمها ، عندما استردّ صحوته بعد غفلته .

وأشهر ما أشيع عن أعمال هوم خروجه من احدى نوافذ بيته وتحرّكه في الهواء فوق الشارع ثمّ دخوله من نافذة أخرى بالطريقة نفسها .

فكيف استطاع أن يفعل هذه ” الأعجوية ” التي يستشهد بها عبقريّ عصره ووحيد دهره ، روجيه شكيب الخوري ؟

من التحقيقات التي قام بها العلماء من الباحثين في هذا الأمر تبيّن أنّ تلك ” الأعجوبة ” ما هي الاّ اشاعة . أمّا الحقيقة فهي أنّ الحضور الذين كانوا حول الطاولة جامدين في الظلام لم ينهضوا من أماكنهم ، لأنّه نهاهم عن ذلك . وقد رأوه كشبح يخرج من النافذة التي تطلّ على شرفة بعلو الشارع حوالى 32 قدما ، وبعد مدّة يعود اليهم من الداخل ، من غرفة مجاورة ، لها أيضا نافذة تطلّ على شرفة لا يفصلها عن الشرفة الأولى الاّ مسافة 125 سم . وقد استطاع الباحث الناقد تريفور هولTREVOR HALL أن يحصل على صورة قديمة للمبنى ، استنتج منها أنّه يمكن أن يمرّ أيّ انسان بسهولة من الشرفة الأولى الى الأخرى بمشيه على افريز البناية لصق الحائط ، أو باستخدام خشبة متينة تصل الشرفتين ، يكون قد خبأها تحت معطفه . أمّا ارتفاع هوم في الهواء فلم يشاهده أحد على الاطلاق ، انّما هو اشاعة أطلقها بعض المهووسين . 33

وبدحض أخاديع هوم لا يبقى طبعا في التاريخ من سار في الهواء وتبختر ورفرف وتخطّر الاّ الذين أنتجتهم عقليّة ” القداسة ” في العصور البائدة والذين وشّى روجه الخوري صفحاته الهرائيّة بأسمائهم الكثيرة .

وموقف الخوري له ما يماثله في البلدان التي فيها للكثلكة – ولا سيّما بذراعها اليسوعيّة – تأثير يذكر .

فجون بلافJ.BELLOF أحد أساتذة علم النفس في جامعة ادنبرغ بسكوتلاندا ، يعتبر أبرز المدافعين المعتدلين عن صحّة ” الظواهر الباراسيكولوجيّة “. ولذلك نراه يؤيّد صحّة ارتفاع دايفد هوم في الفضاء بقوّة باراسيكولوجيّة ، كما يؤيّد بحماسة صحّة طيران اليسوعيّ جوزف كوبرتينوJ. COPERTINO  فوق الأشجار ، لكن بقوّة قداسته الكاثولوكيّة . وجون بلاف ، بموقفه الذي يسخر العلم لمسلّمات مذهبيّة هرائيّة ، هو نموذج بارز نسج روجيه الخوري على منواله في لبنان ، كما ينسج آخرون من أدعياء العلم على منواله في أمريكا اللاتينيّة حيث يسرح القابضون على نفوس الناس وعقولهم ويمرحون بين صفوف المتخلّفين ثقافيّا . وقد نقد موقف جون بلاف وسفّه آراءه جايمس آلكوكj.alcock  أستاذ علم النفس في جامعة يورك بتورنتو – كندا ، وسوزان بلاكمورs. Blackmore  أستاذة علم النفس في جامعةwest of england  ببرستول-انكلترا ، وراي هايمانray hyman  ، أستاذ علم النفس المرموق في جامعة أوريغون ، ومارتن غاردنرmartin gardner  ، في جامعة نورث كارولاينا بالولايات المتّحدة ، وبول كورتزpaul kurtz  ، رئيس جمعيّة النقد العلميّ المعروفة csicop  بنيويورك . 34

الفصل الرابع: علم الغيب

ادّعاء معرفة المستقبل :

 

سنة 1949 ، عقدت الجمعيّة الفلكيّة الألمانيّة A.G .(astronomische Gesellschaft ) وهي أشهر وأوسع الجمعيّات العلميّة الفلكيّة في العالم ، مؤتمر في بون ، وأعلنت فيه ، من ضمن مقرّراتها :” أنّ ما يسمّى تنجيما ( وما اليه …) في أيّامنا هذه ، ليس سوى خليط من الخرافات والشعوذة والتجارة …” 35

وسنة 1975 ، أصدر 186 عالما بارزا في مختلف أنحاء العالم ، وفي شتّى الميادين – وبينهم 18 عالما حائزين جوائز نوبل العالميّة – بيانا مذيّلا بتواقيع أسمائهم نشرته مجلّة ” الهيومانست “humanist  الأمريكيّة ، عدد مطلع أيلول 1975 ، أعلنوا فيه أنّ ليس للتنجيم أيّ أساس علميّ أو عقليّ ، وأنّ المنجّمين هم مجرّد مشعوذين ، والذين يؤمنون بهم محدودو التفكير .

انّ الذين يحاولون معرفة المستقبل فئتان : فئة تشمل المفكّرين والخبراء من ذوي النّظر البعيد والرؤية الشاملة ، كما تشمل العلماء في مختلف حقول المعرفة ، وفئة ثانية تشمل مدّعي معرفة المستقبل كذبا ممّن يسمّون أنفسهم منجّمين أو فلكيّين أو كهّانا أو عرّافين أو أصحاب قوى ” باراسيكولوجيّة ” .فلنر ما يقول الواقع التاريخيّ عن كلّ فئة .

  • الخبراء والعلماء :

هذه الفئة ، بلا ريب ، تحترم نفسها ؛ وهي تبني توقّعاتها على المعطيات العلميّة التي في حوذتها . ولكن هل يستطيع الخبراء والعلماء أن يعرفوا المستقبل بدقّة ويقين ؟ انّ الخبراء والمفكّرين من ” المستقبليّين “futurists، أي الذين يحاولون أن يكشفوا على وجه التقريب ، ما سيكون عليه المستقبل في حقل من الحقول الحضاريّة أو العلميّة ، لا  يدّعون التنبّؤ ، انّما يعتمدون على ثقافتهم واتّساع رؤيتهم وبعد نظرهم لرسم ملامح المستقبل . ولكن هل يستطيع هؤلاء أن يكشفوا حتّى عن ملامح المستقبل العامّة بعد مئة سنة مثلا ؟

عام 1883 ، طلبت ” جمعيّة الصحافة الأمريكيّة “american press association  الى 74 شخصا بارزا في مختلف حقول المعرفة أن يدلوا بتوقّعاتهم عمّا ستكون عليه الولايات المتّحدة عام 1993 (أي بعد مئة عام ) .وبعد انقضاء القرن ، جمع دايف والترdave walter  اجاباتهم المنشورة في الصحافة ، قبل قرن ، لكتاب عنوانه ” اليوم حينذاك : أفضل عقول أمريكا تنظر الى ما بعد قرن …” 36

كان كلّ من المفكّرين البارزين قد اختار حقل المعرفة الذي يعتبر نفسه الأخبر به ، وحصر اجاباته في حدود حقله . أمّا الموضوعات المطروحة فكانت تتعلّق بما سيطرأ من تغير على الحياة الأمريكيّة على الأصعدة الدينيّة ، والسياسيّة ، والعمرانيّة ، والاقتصاديّة ، والتعلميّة ، والتكنولوجية ، المواصلات ، ووسائل نقل المعلومات ، والأحوال الشخصيّة ، والاجرام ، والأزياء ، واعمار الناس ….

ولكن ، مع أنّ كلّ من المفكّرين الأفذاذ كان لديه متّسع رحب جدّا للاختيار ، ومع أنّهم لم يتطرّقوا الى التفاصيل فيما توقّعوه ، فانّ توقّعاتهم كانت بعيدة جدّا عن الواقع الحاصل في أمريكا بعد مئة سنة . وهذه نماذج من التوقّعات المنشورة :

توماس ده وت تالماt.de witt talmage  ، رجل الدين البروتستانتيّ الشهير ، صاحب العقل النافذ والثقافة الشاملة ، الذي كانت خطبه الدينيّة تنشر اسبوعيّا في حوالى 3500 صحيفة – هذا الألمعيّ توقّع أنّ اعمار معظم الناس ستمتدّ الى 150 عاما ، وأنّ الأرض ستشهد سلاما أكثر وروحا دينيّة أفضل . ولا يخفى أنّ توقّعاته قد أخفقت .

ماري ليسm.lease  ، الخطيبة الشعبيّة الفذّة التي ألقت ، عام 1890 ،مئة وستين خطابا ، تبنّت ما توقّع شاعر فرنسا الأكبر ، فكتور هيغو ، أن يحدث في القرن العشرين :” الحرب ستضمحلّ ! والملكيّة ستضمحلّ ! والمجاعات ستضمحلّ ! …”

واذا القرن العشرون يشهد اندلاع أعظم حروب التاريخ وأكثرها خطرا وعددا ، واذا الملكيّة تبقى راسخة في كثير من دول العالم ؛ أمّا المجاعات فقد قضت – وما تزال تقضي كلّ عام – على الملايين من المساكين !

وليم راسل غرايسw.russel Grace  ، الاقتصاديّ الكبير وحاكم ولاية نيويورك ، توقّغ أنّ ازدهارا اقتصاديّا عظيما سيعمّ أمريكا الجنوبيّة ، ويجعلها قوّة اقتصاديّة عالميّة هائلة . أمّا الواقع الحاصل فهو أنّ أمريكا الجنوبيّة تعتبر اليوم في عداد الدول الثالث بتخلّفها الاقتصاديّ والحضاريّ .

جون انغولزJ.ingalls  ، عضو مجلس الشيوخ البارز ، وصاحب العقل النافذ ، توقّع أن تصبح شيكاغو المدينة العظمى في أمريكا بل في العالم ، عام 1993 . والحقيقة الواقعة أنّ نيويورك أصبحت أعظم مدينة في أمريكا ، تليها لوس أنجلوس .

إلاّ هويلر ولكوكسella wheeler wilcox  ,الشاعرة الشهيرة , وصاحبة الرّؤى الواسعة , توقعت أن يحل ” التنويم المغناطيسيّ ” محلّ المخدّرات في العمليّات الجراحيّة , وأن تصبح القدرة على معرفة المستقبل عامّة تقريبا بين الناس . أمّا الواقع الحاصل فهو أنّ” التنويم ” أصبح في أكثر الأوساط الثقافيّة من الفكاهات التي يتسلى بها الناس , وأنّ الناس بمعظمهم لا يرون أبعد من أرنبات انوفهم . تلك كانت حال العباقرة في أواخر القرن الماضي فيما يخصّ معرفة المستقبل ، فكيف حال العلماء في أواخر القرن العشرين ؟

مع أنّ العلوم بمختلف فروعها تقدّمت في الربع الأخير من القرن العشرين تقدّما عظيما ، ومع أنّ أجهزة الكمبيوتر تطوّرت قوّتها وفعاليّتها تطوّرا هائلا ، فانّ التنبؤ الدقيق اليقينيّ عمّا سيحدث في المستقبل حتّى في الزمن القريب منه وفي مجالات علميّة محصورة ما يزال مستحيلا . وما تزال الأحداث غير المتوقّعة تفاجىء الخبراء والاختصاصيّين ، من تقلّبات البورصة ، الى ثورات البراكين ، الى حدوث الحروب ، بل حتّى الى معرفة الأسباب الحقيقيّة التي تؤدّي الى تفجير بعض الطائرات .

وقد أكّد الاستحالة العلميّة لمعرفة المستقبل اليقينيّة تأكيدا حاسما الدكتور جون كاستيjohn casti  ، وهو خبير في الأنظمة التحليليّة ، واستاذ في جامعة النمسا التقنيّة ، وذلك في كتابه ” بحثا عن اليقين : ماذا يستطيع العلماء أن يعرفوا عن المستقبل .” 37

ب- العرّافون ومدّعو القدرة الباراسيكولوجيّة :

كلّ عام تقع في العالم عشرات الأحداث الخطيرة المثيرة , من الأحداث السياسيّة , الى العسكريّة , الى الجرائم , الى الكوارث الطبيعيّة , الى احداث المواصلات برّا وبحرا وجوّا الخ …

فأيّ انسان يتمتع بذكاء عاديّ يعرف أنّ امثال هذه الحوادث لا بدّ من أنّ تقع كلّ عام .فإذا أراد الاستفادة الماليّة الاحتياليّة منها بابتزاز غباء السّذج – وهم الأكثريّة في كل شعب – فما عليه إلاّ أن يصوغ ” تنبؤاته ” صياغة عامّة مبهجة , فلا يحدّد زمانا دقيقا ولا مكانا معينا . فإن فعل ذلك , يكون قد قام بما يقوم به عشرات الألوف من ” المتنبّئين ” و “المتنبئات ” المنتشرين في كلّ بقعة من بقاع العالم والذين أصبحوا يسمّون أنفسهم في البلدان المتقدمةpsychics  أي الموهوبين قوى ” باراسيكولوجيّة ” , وذلك جريا على الزيّ الحديث . فما دام في الأرض سذّج ومغفّلون , فسيبقى فيها محتالون دجّالون يتعيّشون من ابتزاز أموال الأغبياء .

في الولايات المتحدة , كما في غيرها من البلدان , مجلات مخصّصة لنشر أمثال هذه ” التنبؤات” الكاذبة , ولترويج أسماء أصحابها . ولكن هل يهتمّ قرّاء تلك المجلاّت المخزية بأن يتحقّقوا من صدق ما ينشر فيها ؟ طبعا لا , لأنهم اعتادوا أن يعيشوا في خدر الحياة وأضاليل الأوهام , ولا قدرة عقليّة نقديّة لديهم ليميزوا بين الصحيح والكذب ,وليدركوا أنّ العقل البشريّ محكوم بقوانين طبيعيّة يستحيل عليه أن يخرقها . فلو استعرضنا الأحداث الكبرى التي شهدها العالم في السنوات العشرين الأخيرة, لما رأينا أيّا منها قد تناولته ” تنبؤات المتنبئن “المنشورة في مجلاتهم .38 وعلى سبيل المثال , عام 1984 , اغتيلت انديرا غاندي , رئيسة وزراء الهند , وانفجرت قنبلة في انكلترا كادت تقضي على جميع الوزراء الإنكليز وعلى رئيستهم مارغريت تاتشر ؛ وعام 1985 , ثار بركان في كولومبيا فسبّب مقتل 25 ألف شخص , وتحطمت طائرة يابانيّة شمالي طوكيو فقتل فيها 250 شخصا , كما تحطمت طائرة هنديّة في المحيط الأطلسي فقتل فيها 329 شخصا , وتسلّم رئاسة الأتحاد السوفياتي  ميخائيل غورباتشوف الذي ستشهد نهاية حكمه انهيار الاتحاد السوفيتي ّ وسقوط الأنظمة الشيوعيّة في العالم ؛ وعام 1986 , انفجر مكّوك الفضاء الأمريكيّ , تشالنجر على مرأى من ملايين من المشاهدين المتتّبعين للحادث على شاشات التّلفذة , فقتل جميع ملاحيه ؛ وعام 1993 , حدث فيضان مدمّر هائل في الوسط الغربيّ من الولايات المتّحدة ، كما حدث تفجير ” مركز التجارة العالميّ”world trade center  في نيويورك الذي أوقع ألف جريح فضلا عن عدّة قتلى ، كذلك عقدت معاهدة السلام بين العرب واسرائيل الخ…

فهل تنبّأ أحد من مئات ” المتنبّئين ” المزعومين في أمريكا بأيّ من هذه الأحداث العالميّة الخطيرة وهم ينشرون كلّ عام عشرات ” التنبّؤات ” المزعومة التي تتناول الكوارث الطبيعيّة والبشريّة والأحداث السياسيّة البارزة ؟ طبعا . لا أمّا السبب فهو أنّ الطريقة التي يستخدمها ” المتنبّون ” الدجّالون – سواء سمّوا أنفسهم منجّمين أم عرّافين أم باراسيكولوجيّين – ما زالت هي نفسها التي كان يستعملها العرّافون والعرّافات والكهّان والكاهنات منذ القديم : التعميم والتعمية وتحميل العبارة عدّة تأويلات .

وأفضل مثل على ذلك نستقيه من أشهر عرّافة في اليونان ، وهي عرّافة دلفي ؛ ومثل ” نبوءاتها ” المزعومة ينطبق على معظم ” النبوءات ” الكاذبة التي يطلقها محترفو هذا الفنّ الخداعيّ . فقد مرّ ملك ليديا ، كروكسCroesus  عليها ، فسألها هل عليه أن يهاجم قورش ، ملك فارس . وكلتا المملكتين كبيرة . ولو دمّرت فارس ، لصحّ تأويل العبارة أيضا ، لأنّها تحمل تأويلين .

انّ غالبيّة ” تنبّؤات ” العرّافين و”الباراسيكولوجيّين ومن لفّ لفّهم هي مبهمة وعامّة وتحمل عدّة تأويلات ؛ وهذا ينطبق على القديم والحديث سواء أكان ” التنبّؤ ” وجاهيّا شخصيّا أو كان منشورا في صحيفة أو كتاب . وعلى هذا الصعيد من التنبّؤ المعمّى والحامل عدّة تأويلات ، يبقى المنجّم الفرنسيّ نوسترداموسnostradamus  ( 1503-1566) هو الأشهر في العصور الماضية . فقد نشر كتابه ” تاريخ القرون ” سنة 1555 في ليون ؛ وكانت الملكة كاترين ده مدسيس وشارل التاسع يحميانه . وينطوي الكتاب المذكور على رباعيّات تغطّي ، على زعمه ، عدّة قرون . لكنّ البصير الذي يقرأها لا يعثر فيها على أيّ تاريخ ، ولا على أيّ مدلول واضح . فهي عبارات بصورة ألغاز يمكن أن يستشفّ وراء كلّ منها مئة معنى . وقد تحمّس بعض المنجّمين لتطبيق أحداث التاريخ على بعض نبوءاته المزعومة ، ولكن بعد حصول الحوادث ! وقد فنّد كثيرون من الباحثين صحّة نبوءاته المزعومة ، من أبرزهم الألمعيّ جايمس راندي في كتابه ” قناع نوسترداموسthe mask of nostradamus  .39

ويوجز راندي قواعد النجاح في ” التنبّؤ ” بين عامّة الناس بثمان :40

  • الاكثار من النبوءات ، فاذا اتّفق أن نجحت احداها ، فاذ ذاك يتمّ التركيز عليها والترويج لها ، بحيث ينسى القرّاء السذّج – وعليهم تقوم شهرة ” التنبّىء ” ومعيشته – ” التنبّؤات ” الفاشلة .
  • جعل التكهّنات مبهمة تحتمل عدّة تأويلات ، وتضمينها ألفاظا تدلّ على الامكان والاحتمال من غير تأكيد أو حسم .
  • استخدام أسماء حيوانات بصفة رموز ، وحروف بادئة تصلح لعدد كبير من الأسماء ؛ فاذا قالوا مثلا ، سيقتل شخص معروف يبدأ اسمه بحرف ميم ” ، فهذا يصحّ لمحمّد ومحسن ومرعب ومازن ومصطفى كما يصحّ لميشال ومنصور ومخّول وعشرات الأسماء الأخرى سواء كانت أسماء شخصيّة أم أسماء عيال .
  • اطلاق نبوءتين متناقضتين ، متباعدتين في الزمن ، تتناولان موضوعا واحدا ، كفوز شخص ما بالرئاسة وعدم فوزه ، ثمّ الترويج ” للنبوءة ” الفائزة ، وادّعاء أنّ الفاشلة كانت مجرّد مزاح .
  • نسبة نجاح أيّ تنبّؤ لوحي الله ، وجعل الفشل نتيجة عدم التقاط وحيه التقاطا دقيقا أو عدم تفسيره تفسيرا صحيحا .
  • مهما يكن عدد الاخفاقات كبيرا ، فالمصدّقون سيتمسّكون باصابة واحدة وينسون الاخفاقات .
  • التركيز على حدوث الكوارث ، فهي كثيرة ومستمرّة ، وهي ترسخ بسهولة في الأذهان .
  • القيام بالتنبّؤ عن حادث ما بعد حدوثه مع الادّعاء أنّ التنبّؤ به تمّ قبل حصول الحادث . وفي هذه الحال عدم التدقيق في تفاصيل الحادث حتّى لا تثار الشكوك حول صحّة النبوءة .

هذه القواعد الثماني نجدها مطبّقة في ما نشره نوسترداموس كما في ما نشرته جين دكسن ، أشهر متنبّئة أمريكيّة ، وفي ما ينشره جميع مدّعي معرفة المستقبل في العالم .

لكنّ بين المتنبّئين من يتجرّأ ، أحيانا قليلة ، فيعطي نبوءة واضحة محدّدة ، آملا أن تصيب رميته وتأتي له بالمجد . وقد حفظ التاريخ أمثال هذه ” النبوءات ” الواضحة لمشاهير العرّافين وما أورثت أصحابها من الخيبة والانكسار . وهذه بضعة أمثلة قديمة وحديثة :

1- سأل ملك مسّينا ، أرسطو ديموسaristodemus  عرّاف دلفي الذي كان يدّعي أنّ الاله أبولو هو الذي ينطق بفمه ، عن كيفيّة التغلّب على الاسبرطيّين ؛ فأوعز اليه العرّاف في أن يضحّي للآلهة بعذراء من سلالته الملكيّة ، فضحّى الملك بابنته ، لكنّه خسر الحرب . 41   وقد ذكر الخطيب الرومانيّ الأكبر شيشرونcicero  (106-43 ق.م ) في كتابه عن الكهانةOn divination  أنّ المنجّمين والعرّافين لم يصدقوا في أيّ تكهّن قاموا به في بومبيي .

2- سنة 1179 نشر جان ده توليدوJ.de toledo  تنبّؤات تنجيميّة يزعم فيها أنّ شهر أيلول من سنة 1186 سيشهد كارثة عالميّة تزلزل فيها الأرض من حرّاء زعازع رهيبة ستجتاحها ، وذلك بسبب أنّ الكواكب السيّارة ستلتقي جميعا ، في الوقت المذكور ، في برج ” الميزان ” .  ولاقت تنبّؤاته أرضا خصبة ، فبوشرت الاستعدادات في معظم أنحاء العالم لمواجهة الكارثة : في ألمانيا ، أخذوا يحفرون الملاجىء ؛ كذلك في فارس والعراق ؛ وفي انكلترا أمر رئيس أساقفة كانتربري المؤمنين بالصيام ؛ وفي بيزنطيا شيّدت جدران تسدّ جميع منافذ القصر الامبراطوريّ …لكنّ شهر أيلول من سنة 1186 مرّ بسلام ، ولم تهبّ فيه حتّى عواصف مؤذية .

3- يوحنّا شتوفلر ، ناشر تقاويم مشهور ، أصدر سنة 1499 تقويما فلكيّا يتنبّأ فيه بأنّ شهر شباط من سنة 1524 سيشهد طوفانا عالميّا جديدا ، وذلك لأنّ عدّة كواكب سيّارة ستلتقي في برج رطب . ومع أنّ علماء الفلك الرصينين أنكروا تخرّصه ، فانّ الذعر عمّ أنحاء كثيرة ، فكان كثيرون يبيعون منازلهم وأثاثها ليلتجئوا الى السفن …ومرّ شهر شباط من السنة المذكورة ، لكن بجفاف غير عاديّ ، بدل الطوفان العالميّ !

4- كان جيروم كاردان ( 1501 -1576 )، على علمه وفلسفته ، منجرفا بتيّار التنجيم . وسنة 1552 ، عرّج على السير جون كلارك ، معلّم الأمير الصغير ادوارد السادس الذي كان في الخامسة عشرة من عمره . فرجا أستاذ الأمير زائره الفيلسوف العالم أن ينظّم ” طالعا فلكيّا ” للأمير ، ذلك بأنّ صحّته لم تكن جيّدة . فأعلن كارادان ، بعد أن أجرى حساباته ، أنّ ادوارد سيعيش حتّى الخامسة والخمسين بصحّة عاديّة ، لكنّه سوف يعاني أمراضا مختلفة بعد أن يبلغ 55 عاما و3 أشهر و17 يوما .لكنّ الأمير توفّي بعد تسعة أشهر من زيارة كارادان ، وكان عمره 16 عاما !

5- في مطلع سنة 1939 ، تنبّأ معظم المنجّمين في أوروبّا ، ولا سيّما في فرنسا ، بأنّ العام المذكور سيكون عام حير وسلام وازدهار اقتصاديّ . فاذا هو عام الحرب العالميّة الثانية ! 42

وبما أنّ اللائحة التدجيليّة طويلة جدّا ، فلنقفز الى العقد الأخير من القرن العشرين .

فمن تنبّؤات العرّافين – الذين تسمّوا باpsychics  ( الباراسيكولوجيّين ) – للأحداث التي ستجري عام 1993 : أنّ الرئيس الأمريكيّ بل كلنتنbill clinton  وعقيلته هيلري سينفصلان في عمليّة طلاق ؛ وأنّ بيتر جيننغزP.jennings وتوم بروكرT.brokow  ودان راذرDan rather ، أشهر مذيعي محطّات التلفزة ، سيحلّ محلّهم مذيعون أصغر عمرا ؛ وأنّ الأميرة ديانا ستلد طفلا والده عضو في مجلس الشيوخ الأمريكيّ ، والملكة اليزابيت ستتنازل عن العرش وتدخل ديرا ؛ وأنّ فيل دوناهيوphil donahue  ، صاحب العرض التلفزيونيّ الشهير ، سيعيّن سفيرا ، وأنّ مرصد هابلhubble  الفضائيّ سيكتشف كائنات غير بشريّة على كوكب صغير . ومن النافل القول انّه لم يتمّ شيء من كلّ ذلك .

ومن تنبّؤات الباراسيكولوجيّين لعام 1994 أنّ زلزالا سيفصل فلوريدا عن البرّ الأمريكيّ ويحوّلها الى جزيرة ، وأنّ مايكل جاكسن سيصبح مبشّرا انجيليّا ، وأنّ آلافا سيقتلون في جنوبيّ ولاية كارولاينا الأمريكيّة بعد أن يفجّر مراهق ، بطريق الصّدفة ، قنبلة نوويّة صنعت خفيّة في منزله .

ومن تنبّؤاتهم لعام 1995 أن فيه سيقدّم بيتر جيننغز أخبار المساء من سفينة فضائيّة تدور حول الأرض ، والرئيس كلنتن سيصاب برصاصة في فكّه يطلقها عليه موظّف ناقم في مصلحة البريد ؛ وأنّ بركانا سيثور ويولّد أرضا جديدة تصل بين الولايات المتّحدة وكوبا .

ومن تنبّؤاتهم لعام 1996 أنّ فيه سيقرّ أو . ج. سمسونO.J.Simpson  للمحكمة بأنّه قتل زوجته السّابقة ، نيكول براون ورونالد غولدمان ، وأنّه على أثر ذلك سيتوب ويصبح رجل دين ؛ وأنّ المغنّي مايكل جاكسونM.Jackson  سيجري عمليّة جراحيّة تغيّر جنسه الى أنثى ، ومع ذلك ستبقى زوجته متعلّقة به . كذلك ستستخدم في العام المذكور صواريخ نوويّة لتفجير نيزك يقترب من الأرض .

ومن أبرز تنبّؤاتهم لعام 1997 أنّ العلماء سيتوصّلون فيه الى اكتشاف كيفيّة التحادث مع الموتى ، كما سيخترعون جهازا يمكّن الانسان من السفر في الزمن الى الماضي كما الى المستقبل . 43

وأظنّ أنّ هذا العرض الضّافي ل”تنبّؤات ” الأكابر من مدّعي معرفة المستقبل في أعظم دولة بالعالم كاف ليخزيهم ويخزي المصدّقين بأقوالهم ، ولا سيّما المتدكترين منهم ، لأنّه اذا كان الجهل مصيبة ، فالعلم المحمّل على الظهور مصيبة عظمى ، لأنّ المدّعين من البشر يظنّون أنفسهم علماء ما داموا محمّلين بالكتب .

 

ادغار كايسي وجاين دكسن :

 

انّ اللائحة طويلة جدّا ، وهي متخمة ” بالتنبّؤات ” التي كذّبتها الوقائع . لكن لعلّه يحسن أن أقف وقفة قصيرة عند أشهر اثنين من المتنبّئين الذين عرفتهم الولايات المتّحدة في هذا القرن ، وهما ادغار كايسيEdgar Cayce (1877-1945 ) في نصف القرن الأوّل ، وجاين دكسنJane dixon  ( توفّيت في 25/1/1997 )في نصفه الثّاني .

أشتهر ادغار كايسي بعودته الى الغيبوبة المغنطيسيّة “، بعد أن كادت تضمحلّ من العالم ، كما بوصفه الأدوية الشعبيّة القريبة من المعالجات الطبيّة البدائيّة للمرضى السذّج الذين كانوا يقصدونه . ويبدو أنّ شهرته قامت على دعاية مغرضة كان يقوم بها أعوان له كانوا يستفيدون منه ، ولم تقم أيّة تحقيقات علميّة عن أعماله ، ولا كانت أيّة رقابة عليها .

من نبوءاته الفاشلة الفاضحة : 44

  • تنبّأ بأن يكون فصل الربيع من عام 1933 زمن التحسّن الاقتصاديّ في أمريكا بعد الانهيار الاقتصاديّ الكبير . وفي الواقع تأخّرت عودة التحسّن الاقتصاديّ أعواما عن التاريخ المذكور .
  • تنبّأ بأنّ الصين ستصبح مسيحيّة بأكثريّة شعبها عام 1968 .
  • تنبّأ أنّه في الستينيّات من القرن العشرين ستظهر قارّة الأطلانتيد المفقودة في أعماق المحيط .
  • فشل في مساعدة الطيّار الأمريكيّ الشهير تشارلز لندبرغcharles lindbergh ( 1902 -1974 ) القاطع الأوّل للمحيط وحيدا ، بمعرفة مختطفي ابنه ، وهو المدّعي علم الغيب وتلقّي الوحي . أمّا جاين دكسن فقد اكتسبت شهرتها العريضة من كتبها التي وضعتها كما من كثرة “النبوءات ” الغامضة العامّة التي كانت تنشرها يوميّا في عدّة صحف عدا المجلاّت المخصّصة للدجّالين . ولم تصحّ من نبوءاتها المزعومة كلّها أيّة واحدة . وهذه نماذج من نبوءاتها : 45
  • الاتّحاد السوفياتيّ سيجتاح ايران في خريف 1953 . هذه النبوءة عادت فعدّلتها ، فجعلت الاجتياح في 1960 .
  • الاتّحاد السوفياتيّ سيدخل فلسطين سنة 1957 .
  • الحرب العالميّة الثالثة ستقع عام 1958 .
  • رجل واحد سيحكم الاتّحاد السوفياتي والصين بعد توحيدهما ، عام 1964 .
  • النظام السياسيّ التمثيليّ الأمريكيّ الذي يقوم على الحزبين الرئيسيّين سينتهي قبل 1980 .
  • فيدل كاسترو سيسقط من الحكم عام 1961 ويصبح في عداد الموتى سنة 1966 .
  • حرب فيتنام ستنتهي في 5/8/1966 ؛ علما بأنّها لم تنته الاّ بعد عشر سنوات .
  • جاكلين كندي لن تتزوّج أحدا ( هذا بعد أن حدث مصرع الرئيس الأمريكيّ ). ثمّ بعد أن تزوّجت أوناسيس ومات زوجها ، نشرت دكسن نبوءة بأنّ جاكلين ستتزوّج ثانية بعد فقدها لأوناسيس . وهذا لم يحصل .
  • في الثمانينيّات سيضرب نيزك الأرض ويحدث فياضانات وزلازل تسبّب دمارا هائلا.
  • عام 1953 ، بعد عشر سنوات من الاخفاقات المتوالية ، تنبّأت جين دكسن أنّ ديمقراطيّا سينتخب للرئاسة الأمريكيّة عام 1960 وأنّه سيتوفّى . لكنّها لم تذكر اسم المنتخب ولا تاريخ وفاته ولا كيفيّة وفاته ولا مكانها . والمراقبون كانوا يعلمون سلفا أنّ ديمقراطيّا سينتخب رئيسا ، لأنّ خطّ الديمقراطيّين السياسيّ كان هو الغالب . وعام 1960 ، تنبّأت أنّ جون كندي لن يفوز بالرئاسة . ولكن بعد مصرع الرئيس كندي في 22/11/1963 ، أشاع المغرضون ودوابّ الناس أنّها تنبّأت بمقتل جون كندي ، لكنّ الواقع المسجّل في مجلاّت الدجّالين يكذّب ما أشاعوا. 46

لكن بالرغم من الفشل الدائم الذي يصيب أولئك المدّعين ، فانّهم يستمرّون في تدجيلهم ، لأنّ التدجيل مهنتهم التي يتعيّشون منها ، ولأنّ الأغبياء في كلّ شعب يبقون الأغلبيّة . غير أنّ بعض علماء النفس أرادوا أن يعرفوا ، حيال اصرار محترفي التنبّؤ على الاستمرار في عملهم الشائن ، هل يتميّز هؤلاء عن غيرهم من الناس في نوعيّة قدرتهم على تكهّن الأحداث المقبلة ، فاختاروا تنبّؤات قام بها عشرة من مدّعي معرفة المستقبل المشهورين في الولايات المتّحدة نشرت في مجلّة خاصّة بهم اسمهاNational Enouirer  بتاريخ 14 /1/1973 ، وهم يتنبّأون فيها عن وقوع أحداث عيّنوها خلال عام 1973 . وطلب الى عشرة طلاّب جامعيّين من هارفرد وراد كليفHarvard & Radcliffe  أن يتخيّلو أنفسهم عرّافين ويتكهّنوا بما سيقع خلال 12 شهرا ، على أن يقدّم كلّ منهم حوالى 6 تنبّؤات . ولمّا قورنت التنبّؤات المئة والعشرون ( 59 من العرّافين و 61 من الطلاّب ) كانت النتيجة أنلا شيء قد تحقّق ممّا تكهّن به العرّافون أو توقّعه الطلاّب ، لكن ما توقّعته الطلاّب كان أقرب الى مجريات الأحداث ممّا تنبّأ به العرّافون المزعومون ، وذلك بفعل ثقافتهم واطّلاعهم الأوسع على الأمور ، ومعرفتهم بالقوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة . 47

انّ محترف التنجيم وما شابهه من الشعوذات يستقبل ألوف الزائرين من بسطاء العقول كلّ عام ، ان لم يكن كلّ شهر ؛ وذلك يعني أنّه يطلق ألوف التنبّؤات الكاذبة في مدّة قصيرة . فاذا اتّفق أن لاقت احدى اكاذيبه شبه نجاح فانّ السذّج ينسون ، اذ ذاك ، ألوف الاخفاقات ليذكروا الوحيدة اليتيمة . وثمّة أساليب احتياليّة كثيرة يلجأ المشعوذ اليها ليحقّق شبه نجاح في تنبّؤاته المزعومة . على أنّه لا بأس من أن أذكر ، هنا ، أنّ كثيرين من زائري المشعوذين تكون شخصيّاتهم وأحوالهم معروفة جيّدا من قبل المشعوذ ، فلا غرابة في أن يعرف أحيانا ما يعرفه .

الفصل الخامس: الارتفاع في الفضاء

والتأثير في المادّة والرؤية اللاحسيّة

 

حيل اليوغيّين ومهاريشي ماهش :

انّ الأفكار والممارسات التي ينطوي عليها نظام اليوغا كانت معروفة في بعض أرجاء الهند ، منذ آلاف السنين . على أنّ الذي جمعها وسّقها هو ( باتنجالي ) ، وذلك بين القرن الثاني والقرن الثالث قبل المسيح . ولكونها شديدة الاقتضاب فقد اعتراها الابهام واستوجبت شروحا وتعليقات كثيرة . نظام اليوغا ، مثلما وضعه ( باتنجالي ) ، يتضمّن أربعة أقسام ، القسم الثالث منها هو المتعلّق بالقوى النفسيّة الخارقة المزعومة . 48

سنة 1966 ، زار المطران أفرام عبّودي من الطائفة السريانيّة ، مؤسّس الداهشيّة ، وشهد معجزاته . لكنّه صارحه بأنّه واثق من أنّ يوغيّي الهند قادرون ، أيضا ، على صنع الخوارق . فأجابه الدكتور داهش :” ما دمت ذاهبا الى الهند فتحقّق بنفسك من الأمر .”

وفي الواقع كان المطران عبّودي ، في السنة المذكورة ، موفدا الى الهند . ولم يلبث هناك طويلا حتّى قرأ في صحف الهند الانكليزيّة أنّ زعيم اليوغيّين سيسير على المياه في بومباي في يوم قريب محدّد . فانتقل المطران بالطائرة الى المكان المعيّن حيث كانت تحتشد جموع غفيرة من اليوغيّين والصحفيّين وغيرهم . وبعد أن عزفت الموسيقى اليوغيّة وأحرق البخور ، توجّه الزعيم اليوغيّ الى حوض اصطناعيّ أقيم خصّيصا لهذه المناسبة . ثمّ حدثت المفاجأة : فما ان خطا اليوغيّ الأكبر خطوته الأولى فوق المياه حتّى غاص فيه ومات اختناقا . وفي اليوم التالي نشرت الصّحف الهنديّة وغيرها خبر مصرعه ، وقد روى لي المطران عبّودي بنفسه هذه الحادثة بعد عودته من الهند ، وقد جمعني به لقاء لدى مؤسّس الداهشيّة . وأكّد أنّه لم يعثر في الهند على أيّ انسان بامكانه القيام بأيّ عمل خارق لقوانين  الطبيعة .

ومن المحتمل أن يكون الحوض الاصطناعيّ قد زوّد بآلة معيّنة ، أو بحبال مدّت مسبقا تحت سطح المياه قليلا ، بين جهتي الحوض ، ليمشي اليوغيّ عليها ، لكنّ خللا طارئا امّا على أدوات الحيلة ، أو على توازنه في مشيه ، أدّى الى فضحه . ذلك الاّ اذا افترضنا أنّ مرضا عقليّا دفعه الى القيام بعمله الجنونيّ .

وكثيرا ما يمارس اليوغيّون حيلة المشي على الأنهر ، خاصّة نهر الغانج – الذي يقصده الهنود للاستحمام باعتباره مقدّسا لديهم – ولاسيّما في الأيّام التي يتعكّر الماء فيها ويوحل بحيث يخفي تكدّره مرأى الحبال الممدودة بين الضفّتين ، دون سطح المياه قليلا . 49

أمّا القدرة المزعومة على الارتفاع في الهواء التي يشيع اليوغيّون وأنصارهم أنّهم يملكونها ، فسببها الحالة الشعوريّة الخاصّة التي تحدثها فيهم المخدّرات التي يتعاطونها .

والخدّرات والخمور التي يزعم متعاطوها أنّها توسع مجال مداركهم كانت منذ ألوف السنين وما تزال تدخل في الطقوس الدينيّة لعدد من الشعوب والقبائل البدائيّة ، خصوصا ” هنود ” أمريكا الوسطى والجنوبيّة ، وبدائيّي سيبيريا ، وطوائف من زنوج افريقيا .

وقد دخل استخدام أنواع من تلك الأعشاب والعطور المخدّرة في الطقوس الدينيّة الآريّة ، هنديّة وفارسيّة ، فعرفت في الهندوسيّة باسم ” السوما ” وفي الزرادشتيّة باسم ” الهوما ” . 50

من هذه المخدّرات الأثيرether  ، والبروتوكسيد (protoxyde ) ، والكلوروفورمchloroforme .51

وحالات الهلوسة التي يصاب بها اليوغيّون – وكذلك فئة من المتصوّفين المغالين – درسها عدّة أطبّاء ، بينهم لوباleuba  52 .

وباياجه ، ول . ر . رينيه . وممّا يقوله هذا الأخير :” أحيانا ، يسبق سورة النشوة احساس وهميّ خاصّ يجعل النّشوان يفقد فكرة الجاذبيّة . فيخيّل اليه أنّ قدميه لا تلامسان الأرض ، وأنّه يمشي في الفراغ ، ويرتفع في الفضاء . هذا الاحساس يفسّر لماذا يدّعي البراهمة المتمرّسون باليوغا أنّ لهم القدرة على الارتفاع في الجوّ والانتقال الفوريّ من مكان الى آخر .  انّ هذه الظاهرة الغريبة تبدو ذات صلة بالفقدان المؤقّت للحسّ الفعليّ ، وتلاقى في بعض الأمراض العصابيّة . وهي من أثبت التأثيرات التي يولّدها فعل الحشيشة الفيزيولوجيّ . 53

وفي العقد الأخير من القرن العشرين في أمريكا اسم اليوغيّ مهاريشي ماهشMaharishi Mahesh  الذي أسّس بدعة مبنيّة على تعاليم ” الفيدا “veda  اسمها التأمّل التجاوزيّtranscendental Meditation . وقد استطاع هذا اليوغيّ أن ينشىء امبراطوريّة اقتصاديّة ( ثلاثة بلايين دولار) تمتدّ فروعها الى عدّة بلدان في العالم ؛ وبين مؤسّساته فرع جامعيّ في كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكيّة يرئسه أحد تلاميذه ، ديباك شوبراdeepak chopra  ، وهو صاحب عدّة كتب رائجة . وقد ملأت دعايات مهاريشي ماهش الترويجيّة صفحات في كبرى الصّحف والمجلاّت ، منها نيويورك تايمز و” واشنطن بوست ” ومجلّتا ” تايم ” ونيوزويك “.

وقد استطاعت دعاياته القويّة الواسعة أن تخدع وتستهوي كثيرين حتّى من فئة الأذكياء والباحثين ، خصوصا أنّها تعتمد صورا دعائيّة تظهر أشخاصا مرتفعين قليلا في الهواء فوق مقاعدهم ، وتعد المنخرطين في اعاليم ماهش بتحصيلهم مثل هذه القدرة وغيرها من ” القدرات الخارقة ” .

لكنّ هذه البدعة اصطدمت مؤخّرا بعدّة دعاوى قضائيّة أقامها على المسؤولين فيها أشخاص اتّهموهم بابتزاز أموالهم لقاء لا شيء ، اذ انّ كلاّ منهم دفع ألوف الدولارات رسوما لقاء حصوله على ” القدرة الخارقة ” لكنّهم جميعا لم يحصلوا الاّ على الأوهام وخيبة الأمل . من هؤلاء المقاضين أحد المعلّمين في معهد هذه البدعة ، المدعوّ روبرت كروبنسكيR.Kropinski  . وقد منحته المحكمة في فيلادلفيا مبلغ 138000 دولار تعويض عطل وضرر .

وقد تأكّد للمراقبين والخبراء أنّ الصّور التي تنشرها هذه البدعة في الصّحف فئتان : فئة مزيّفة مركّبة الصّور ، تظهر أشخاصا مرتفعين في الفضاء ، وفئة أخرى هي لقطات لأشخاص متربّعين يعلون مقعدا بضعة سنتيمترات .  والواقع أنّ المقعد هو فراش ذو رفّاصات ، يقعد الشخص عليه متربّعا ، ثمّ يقوم بضغط سريع بجسمه ورجله للرفّاصات ، فتدفعه الى أعلى بضعة سنتيمترات ، فتلتقط له الصورة وهو على ذلك الارتفاع القليل جدّا ، فيبدو كأنّه جالس في الهواء . 54

 

 

التأثير الفكري في المادّة والرؤية اللاحسيّيّة ويوري جيلر :

في جميع أنحاء العالم دجّالون يظهرون ويتكاثرون كالفطريّات في كلّ أرض خصبة بالسذاجة  والغباء . وهم يسمّون أنفسهم تسميات مختلفة ، لكنّ الغالب عليهم هو اسم  psychics ؛ اذ أنّهم يدّعون أنّ لديهم قدرة فكريّة ( أو نفسيّة ) للتأثير في المادّة وتحريكهاtelekinesis  ، كما لديهم الجلاء البصريclairvoyance الذب يخوّلهم رؤية الأشياء والأحداث الخفيّة ، وكذلك القدرة على قراءة الأفكار ونقلهاtelepathy  . والتعرّض لهؤلاء وفضحهم واحدا واحدا هدر للوقت لا افادة منه ، لأنّهم نماذج يكرّر بعضها بعضا . ولذلك يحسن أن أقف قليلا عند أشهرهم وأبرزهم في خدعه حتّى العلماء ، في الثلث الأخير من القرن العشرين ، أعني الاسرائيليّ يوري جيلرUri Geller  .

شهرة يوري جيلر قامت على العروض التي كان يجريها مظهرا فيها للمشاهدين أنّه موهوب قوّة ( منحته ايّاها كائنات من خارج الأرض ) يستطيع بواستطها أن يثني الملاعق بفكره ، ويرى الأشياء عن بعد ، ويقرأ أفكار الناس وهو محجوب عنهم ، الى غيرها من الادّعاءات . وكثير من هذه العروض كان يظهر على شاشات التلفزة .

وقد بلغت شهرته ذروتها عندما قدّم باحثان هما هارولد بوتهوفharold puthoff  وراسل تارغrussel targ  مقالا عن قدرة جيلر الخارقة ، مشرته المجلّة العلميّة الانكليزيّة الرصينةnatur  في 18/10/1974 . فاستغلّ جيلر نشر المقال ليذيع مع أعوانه حيثما كان أنّ قدرته الخارقة قد تأكّدت بمجرّد نشر المقال في تلك المجلّة العلميّة البارزة .

لكنّ الحقيقة هي أنّ رئيس تحرير المجلّة المذكورة قدّم للمقال بكلمة أوضح فيها قبول المجلّة نشر المقال لا يعني على الاطلاق أنّها تؤيّد ما ورد فيه ، بل على العكس ، انّما نشرته لعدم اقتناع هيئة التحرير بما ورد فيه ، ومن أجل نقده ، بعدما قامت ضجّة اعلاميّة واسعة حول قدرة يوري جيلر الخارقة .

وقد نقد المقال وما ورد فيه عن أعمال يوري جيلر عدّة علماء سيكولوجيّين وباحثين ألمعيّين من ذوي الخبرة الطويلة في أعمال الخفّة . وأكتفى ، هنا ، بذكر اثنين منهم : راي هايمانray hyman  العالم السيكولوجيّ والخبير بأعمال الخفّة ، وجايمس رانديjames randi  ، الخبير الأشهر بأعمال الخفّة وفاضح المشعوذين حيثما كان . فهايمان نشر نقدا هدّم فيه ادّعاءات الباحثين الذين شهدوا أعمال جيلر وأكّدوا صحّتها ، مظهرا أنّهم امّا كانوا ممالئين له أو مخدوعين لعدم خبرتهم الكافية في أعمال الخفّة الاحتياليّة ، كما أظهر أنّ المراقبة العلميّة الحقيقيّة في الأمكنة التي كان جيلر يجري فيها أعماله كانت مفقودة . 55

أمّا جايمس راندي فهو الذي دقّ المسمار الأخير في نعش ” القوّة الباراسيكولوجيّة ” التي يدّعيها جيلر وغيره . ففي أواخر 1980 ، أقيم احتفال بواشنطن لتسليم جائزة الامتياز الى راندي لكشفه أخاديع المدّعين من ” الباراسيكولوجيّين “. وفي أثناء  الحفلة قام بثني ملعقة ، تماما مثلما كان يفعل جيلر ، ثمّ تجاوز ذلك فكسر الملعقة قطعتين من غير أن يضغطها . وانّما فعل ذلك ليؤكّد أنّ ما يقوم به جيلر ليس سوى خدعة .

وعام 1982 نشر كتابه الذي يشرح فيه حيل يوري جيلر وأخاديعه ، ويقضي نهائيّا على ادّعاءاته وادّعاءات من يماثلونه ، وهو بعنوان ” الحقيقة في أمر يوري جيلر .” 56

وفي 9/ 4/1991 ، فضح راندي أعمال جيلر واتّهمه بالشعوذة في مقابلة نشرتها صحيفةinternational herald tribune  ، فأقام جيلر دعوى عليه وعلى هيئة المحيص العلميّ لادّعاء الأعمال الخارقة “committee for the scientific investigation of claims of the paranormal CSICOP  وهي هيئة علميّة تضمّ عشرات العلماء والخبراء البارزين ، وتعمل على فضح الادّعاءات الباراسيكولوجيّة وما يماثلها . 57

وبعد أربع سنوات أمام القضاء الأمريكيّ ، خسر جيلر دعواه ، وأجبرته المحكمة على دفع غرامة قدرها مئة وخمسون ألف دولار . 58

وهكذا ثبت التدّجيل على أشهر مدّع لامتلاك قوى نفسيّة باراسيكولوجيّة في الثلث الأخير من هذا القرن .

وكان راندي طوال السنين الأخيرة يتابع فضحه للمدّعين المشهورين الذين يغرّرون بالبسطاء ويبتزّونهم ، وكان بينهم فئة من رجال الدين من مدّعي امتلاك القوى الخارقة التي تمكّنهم من قراءة الأفكار وعلم الغيب وشفاء الأمراض ؛ وكان أبرز هؤلاء المدهوّ بيتر بوبوف ، وهو مبشّر انجيليّ كان يدّعي أنّ صوت الله يقوده ، والقدرة الالهيّة تمكّنه من معرفة أسرار الناس وأنواع أمراضهم ، فيشفيهم بوضع يديه عليهم في احتفالات دينيّة حاشدة .

وكان بوبوف قد جمع ملايين من السذّج المؤمنين به ، حتّى فضحه جايمس راندي ، وجرّه الى الافلاس . وكانت زوجة بوبوف تجول بين المرضى الجدد وتستعلم عن أسمائهم وأحوالهم وهي تخفي في حقيبة يدها الواسعة آلة مسجّلة حسّاسة جدّا تسجّل أحاديث المرضة وتنقلها فورا الى غرفة داخليّة حيث كان زوجها يراقب على شاشة التلفزة مجريات الاجتماع الدينيّ .

وبعد أن يجمع المعلومات المطلوبة , كان يخرج الى المؤمنين ، ويأخذ بذكر أسماء المرضى واحدا واحدا ، وعلنا أمراضهم كأنّما يوحى اليه . والحقيقة أنّه كان يتلقّى المعلومات بواسطة سمّاعة صغيرة أخفاها في أذنه من زوجته التي كانت قد حلّت مكانه في الغرفة الداخليّة . وقد التقط راندي الموجة التي كانت الزوجة تتّصل بزوجها عليها ، وسجّل أحاديثها لزوجها وفيها تهكّم كثير على المرضى المساكين الذين كانا يبتزّان أموالهم . وكانت حصيلة فضح جايمس راندي لتدجيل رجال الدين وضعه كتابا بعنوان ” المبرئون بالايمان ” 59 ، لكنّني لن أقف عند هذا الأمر ، مرجئا الخوض فيه لمناسبة أخرى , 60

أخيرا تأتي القرارات الحاسمة :

بعد أن كلّفت دوائر الشرطة ورجال التحرّي في الولايات المتّحدة هيئة من العلماء والخراء أن يعدّوا دراسات لمصلحة هذه الدوائر من أجل معرفة هل بالامكان الاعتماد على مزاعم الباراسيكولوجيّين في التحرّي ومعرفة الجرائم ، أتت نتائج الدراسات سلبيّة : ليس ثمّة أيّة قدرة على معرفة الجرائم ولا الخفايا لدى مدّعي القدرة الباراسيكولوجيّة 61

وفي خطّ مواز ، بعد انفاق ملايين الدولارات في برنامج تبنّته مؤسّسة الجيش الأمريكيّ للأبحاث لمعرفة امكان وجود قدرة الرّؤية اللاحسيّةESP  واستخدامها لأغراض الدولة ، جاءت النتيجة أيضا سلبيّة : لا براهين على وجود أيّة قدرة باراسيكولوجيّة في الرّؤية اللاحسيّة البعيدة أو القريبة . وقد قدّمت التقريرC.I.A  استنادا الى تحقيق علماء وخبراء مكلّفين . 62

 

الغرور والكبرياء يحجبان الحقيقة عن بعض العلماء

ويسهمان في تزوير العلم ونشر الغباء :

 

من الأسباب الرئيسيّة في استمرار رواج العلوم الكاذبة الغرور والكبرياء اللذان يركبان رؤوس فئة من العلماء .  فهذه الفئة المتعجرفة أسهمت في نشر الأكاذيب العالميّة بقدر ما أسهمت فئة الأطبّاء الجشعين والأساتذة الجامعيّين الذين تعاملوا مع المشعوذين وزوّروا الوقائع العلميّة من أجل مآرب نفعيّة ؛ وكلتا الفئتين خطرهما على العلم الصحيح والرّقيّ العقليّ يفوق خطر السذاجة لدى بعض الباحثين وخطر الجهل والغباء والمهيمنين على كثير من عامّة الناس .

فشاركوا ، طبيب الأعصاب المشهور ، لم يتراجع عن غيّه وصلفه رغم تشكيك كثيرين من العلماء من معاصريه بنظرّيته ” التنويميّة ” ، ورغم اعتراف محترفي ألعاب الخفّة بأنّ التنويم الذي يقومون به انّما هو خدعة . فالانسان الذي لا يطيق أن يعترف بأخطائه ويظنّ أنّه معصوم من الخطأ قد يضلّل كثيرين ، ويكون أذاه منتشرا . وهذا ما وقع فعلا بتأثير من موقف شاركو المعاند .

ووليام كروكس ، العالم في الفيزياء والكيمياء ، لم يكن عالما في حيل الناس وأخاديعهم . وقد ألّف كروكس مع قلّة من المشتغلين بالقضايا النفسيّة ، جمعيّة البحث النفسيّSOCIETY FOR PSYCHICAL RESEARCH  ، عام 1882 ، أي قبل أربعة أعوام من كشف خدعة ” جلسات استحضار الأرواح ” ، وذلك لمراقبة الظواهر غير الطبيعيّة والتدقيق في صحّتها . وكان كروكس قد صدّق بصحّتها ، واستقدم كايت فوكس الى لندن ، مثلما سبق أن ذكرت . ورغم اعتراف الشقيقتين ، واعتبر أنّ اعترافهما غير صادق . وبسبب دعمه للجلسات الوساطيّة المزعومة ، استمرّت هذه الخدعة منتشرة في بعض الأوساط الأوروبيّة والأمريكيّة ، وتطوّرت من استحداث الأصوات الى خدع تحريك الطاولة التي يجلس الحاضرون حولها أو امالتها أو رفعها قليلا الى ما هنالك من الأخاديع . وكان أبرز من قام بأعمال الخداع التي انطلت على كروكس في الظلام المطبق ، كانت تتجسّد ” روح عرفت بكاتي كنغKATIE KING  ، لم يطل الزمن حتّى كشف خدعتها بعض المراقبين ، فاذا الروح ليست الاّ فلورانس كوك نفسها وهي تتحرّك في الظلام وعليها رداء أبيض ومنديل يلفّ رأسها . واذا علم القارىء الكريم أنّ تلك الجلسات الوساطيّة المزعومة كان يفرض فيها الجلوس على الحاضرين ، فلا يتحرّكون من أماكنهم ، وأنّ الوسيطة المزعومة كان يضرب ستار بينها وبينهم ، وأنّ الجلسة تمتدّ حتّى تستغرق عدّة ساعات من الجمود والصمت ، أدركوا أنّ تغيير الثوب ولفّ الرأس بمنديل ليس أمرا مستحيلا تحت حجاب الظلام . والغريب في كلّ ذلك أنّه رغم فضح فلورانس كوك بالخديعة المشهودة مرارا وتكرارا ، فقد بقي وليام كروكس يدافع عن صحّة أعمالها حتّى ابتعد عنه زملاؤه أنفسهم ، واتّهمه بعضهم بالانخراط في علاقة غراميّة مع فلورانس منعته من اعلان حقيقة خداعها . 63

انّ مساندة كروكس لفلورانس كوك ومساندة رعض الباحثين الآخرين لغيرها من المخادعين جعل أصحاب المخيّلات الواسعة المريضة يتصوّرون تفسيرا علميّا لتجسّد ” الأرواح ” المزعومة . فاذا فكرة الاكتوبلاسما الوهميّة تناسبهم . وقد شاعت هذه الفكرة ، واستفاد منها الدجّالون حتّى وصلت الى الرؤوس الفارغة فاحتلّتها . وهكذا اكتشف روجيه الخوري أنّ التجسّد الذي يحدث على يدي الدكتور داهش هو نتيجة مادّة الاكتوبلاسما التي تخرج من جسمه . والعجيب في أمر روجيه أنّه يعرف تماما انّ معجزات الدكتور داهش لا تحدث في الظلام ولا تختفي بعد اضاءة الأنوار ، بل تحدث في الضوء الساطع وتبقى على الدوام . ولكن ما حيلة ابن الخوري وأمره لا يملك زمامه ؟

لقد أنّكر روجيه صحّة ” الجلسات الوساطيّة ” لأنّ معلّميه من ذوي الدكاكين الطائفيّة أنكروها ، اذ أصبحت كاذبة مفضوحة بلقاء العين ، ولكن بعد أن كانوا قد غطسوا فيها وشجّعوها ، كردّة فعل للزلزال الذي أحدثه نشر كتاب دارون ” أصل الأنواع ” عام 1859 . لكنّ الغاية الشريفة – التي هي اثبات خلود النفس بعد الموت – لا تبرّر استخدام وسيلة قذرة هي خداع الناس وتضليلهم باختلاق الأكاذيب . لكنّ المتاجرين بنفوس الناس وعقولهم لن يتخلّوا عن شعارهم المفضّل الغاية تبرّر الوسيلة ، فهم يستخدمونه في جميع أعمالهم ، وتلك هي ذريعتهم في ما ” تفبركه” معاملهم الطائفيّة من أعاجيب وظاهرات . ولا بأس من أن يضحّوا من أجل ذلك برجل بريء أو بشعب مسكين . فالأهمّ أن يحيوا هم ويخيا شعبهم ما دام يطبّل ويزمّر لهم ، ولا عجب في ذلك . فقد سبقهم قيافا الى تبنّي هذا الشعار حينما أشار على اليهود أنّه ” خير أن يموت انسان واحد ليحيا الشعب .” ( يوحنّا 14 :17 ). فلماذا لا يضحّى , في كلّ عصر ، بهاد روحيّ جديد من أجل أن تبقى منتعشة جماعة تدّعي أنّ مفاتيح السماء في يدها !

 

                                      ***

 

الخلاصة أنّ صانع المعجزات امّا أن يكون هاديا روحيا أو أن يكون كائنا علويّا غير بشريّ . فان كان هاديا ، فليس بقدرته البشريّة يتنبّأ ويصنع الخوارق ، بل الروح الالهيّ الذي يحتلّه أحيانا ، الروح الذي لا يخضع لنظام الطبيعة المادّية ولقيود أبعادها المكانيّة – الزمانيّة هو الذي يقوم بالخوارق تأييدا لصحّة الرسالة الروحيّة ولمصدرها السماويّ ؛ وان كان كائنا علويّا غير بشريّ ، فهو يكون خاضعا لنظام عالمه الطبيعيّ وليس لنظام الأرض ، وقدرته ومعرفته تكونان خارقتين بالنسبة الى البشر .

وبناء على ذلك ، لا يمكن القول بالترجيح والاحتمال في صنع الخوارق والنبوءات , تارة تحصل وطورا لا تحصل ، تبعا للظروف المؤاتية . فاذ ذاك نكون أمام انسان مدّع يلجأ الى الحيلة والخداع فيقوم بأعماله المخادعة ان كان مستترا بالظلام ، أو كانت الرقابة عليه شبه مفقودة ، أو كان محاطا بجهلة أو سذّج من الناس ، أو هو يمتنع عن اتيان أيّ عمل يبدو خارقا ، اذا عاكسته الظروف ، مبرّرا ، اذ ذاك ، موقفه السلبيّ بأنّ ” الأرواح ” تخاف من النور لأنّها خجولة أو بأنّ بين الحاضرين من تعاكس ارادته ارادة ” مستحضرة الأرواح ” أو بأنّ بينهم مشكّكين ، الى ما هنالك من تبريرات واهية لحمتها الكذب وسداها النفاق .

أمّا اذا كنّا في حضرة هاد كريم أو كائن علويّ غير أرضيّ ، فاذ ذاك جميع النبوءات بلا استثناء تكون صحيحة ، ودقيقة ، لا تحمل أيّ تأويل ، والأعمال الخارقة الحادثة تكون ساطعة ، ولا تتأثّر على الاطلاق بالمحيط أو الحضور ، سواء كانوا مصدّقين أم جاحدين ، وسواء كانت الرقابة شديدة في ضوء النهار أم تحت الأضواء الكهربائيّة الساطعة في الليل . وهذا ما كان يحدث على يدي مؤسّس الداهشيّة ، لأنّ النبوءات والخوارق لم يكن يقوم بها هو بقوّته البشريّة ، بل كان الروح الالهيّ هو الذي يحدثها ، أو كان يحدثها أحيانا كائن علويّ هو امتداد لمؤسّس الداهشيّة أيّ سيّال علويّ تابع له ، هبط وتجسّد في الأرض متّخذا شكل داهش البشريّ ، ليقوم بمهمّة روحيّة معيّنة ، ثمّ يعود الى عالمه الفردوسيّ المجيد .

المراجع المعتمدة في هذه الدراسة

مصادر القسم الثاني من الكتاب

  • انظر :Antony Flew : Parapsychology : Science or Pseudoscience ?”in paul Kurtz Ed A Skeptical Handbook of parapsychology pp.519-536.
  • Prometheus Books Buffalo N.Y.,1996
  • Ray Hyman A Critical Historical Overiew of Parapsychology in P Kutz Editor A Skeptic`s Handbook of parapsychology p . 7.
  • انظر :The Skeptical Inquirer Vol 13#1 Fall 1988pp.34-45
  • كلمةPstchical ليس لها مرادف دقيق في اللغة العربيّة لأنّ المقصود بها الظاهرات العجيبة وليس النفس التي تتناول دراستها السيكولوجيا فهي مرادفة لكلمة باراسيكولوجيّ .
  • Ruth The Spiritualists New York Prometheus Books 1984
  • انظر الفصل الثاني من القسم الثالث من هذا الكتاب ففيه عرض مفصّل لهذه التجارب ونقد لطرائفها .
  • Betty Markwick The Establishment of Data Manipulation in the Soal-Shackelton Experiment in P Kurtz A Skeptic`s Handbook of parapsychology pp 287-311 .
  • Time Magazine August 11,1996 p 42 انظر أيضا Susan Blackmore parapsychology in Controversies in psychology Edited by Andrew M Colman London New York London 1995
  • Daco Les Prodigieuses Victiores de la Psychologie Moderne PP 96-97  
  • Chertok L`Hypnose p 18
  • Paul Chauchard Hypnose et suggestion PP 14-15
  • P Hartenberg il n`y a pas d`hypnotisme dans la Revue de L`hypnotisme 1898
  • انظر تفصيلات بأسماء الأطبّاء والعلماء المكذّبين صحّة التنويم في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن العشرين ، في كتاب : Boll,L`Occultisme Devant la Science PP 92-95
  • Disksonn Mes Trucs Devoile pp 48-51
  • Tocquet Tout L`Occltisme Devoile PP 67-71
  • Tocquet Tout L`Occultisme devant la Science PP.75-77
  • Chertok L`Hypnose P 32,34,39,43,47.
  • Lyall Watson Histoire naturelle du surnaturel PP 195-196.
  • Steven Heller & Terry Steele Mo,sters and Magical Sticks:The`s No Such Thing As Hypnosis Phoenix Falcon Press 1987.
  • انظر : X.Barber ,Hypnosis :A Scientific Approach New York Van Nostrand Reinhold 1969. –Graham R.Wagstaff Hypnosis Compliance and Belief New York St Martin`s Press 1981 -Peter Blythe Self-Hypnotism Toronto Coles Publishing Co 1980                                                   -Nicholas P.Spanos & J.F.Chaves Hypnosis The Cognitive-Behavioral Perspective Buffalo New York Prometheus Books 1989                                   -Irving Kirsh Response expectancy as a determinant of experience and behavior in American Psychologist ( 1985)40:1189-1202.                          –William C Coe Hypnosis The role of sociopolitical factors in a paradigm clash in Hypnosis The Cognitive-Behavioral Perspective ed by N.P Spanos&J.F Chaves Buffalo N.Y.:Prometheus Books 1989                                                                -T.R Sarbin & W.C.Coe Hypnosis a Social Psychological Anaysis of Influence Communcation N.Y Holt Rinehart and Winston 1972                       -Robert A. Baker They Call it Hypnosis Buffalo N.Y.: Prometheus Books 1990
  • A.Baker They Call it Hypnosis
  • Ibid P.21
  • Ibid P.23.
  • فصّلت قصّة الجائزة وشروطها في المصدر السابقIbid pp.142-157 انظر اليها : On hypnosis letter to the editor in Omni magazine May 1981 . Kreskin The Amazing World of Kreskin N Y Random House1973                                                              
  • انظر التفاصيل مع الاعتراف الحرفيّ بالخديعة في : Paul Kurtz Editor Skeptic`s Handbook of parapsychology , pp.177-185;225-233.
  • يجب أن تكون العصابة غير مغشوشة ، لأنّ العصابة التي يضعها المشعوذون والمخادعون تكون عصابة خاصّة ، تبدو من خارجها عاديّة سميكة ، لكنّها في الواقع شفّافة في مكان العينين . كذلك يجب أن يكون رأس الوسيط المزعوم مستقيما وأن يكون الفنجان في أقضى امتداد يده ، لأنّ المعصوب العينين يبقى في وسعه أن يرى من تحت العصابة بالنظر الى أسفل وقراءة ما هو تحت ذقنه .
  • Jean Hladik Prestigitation et Illusionnism pp. 103-110
  • Castellan le Spiritisme P.100
  • Skeptical Inquirer , May/June pp.30-32
  • ,July/August 1995 pp 28-29
  • Thomas Hardy Leahy and G.E.Leahy psychology`s Occult Double : psychology and the problem of pseudoscience ( Nelson-Hall,Chicago 1983)pp162-164.
  • Trevor H.Hall The Enigma of Daniel Home Mediun or Fraud?Buffalo N.Y.,prometheus Books 1984
  • Skeptical Inquirer May/Jun 1996 pp 19-29
  • P Couderc L`Astrologie p 53,108
  • Dave Walter (Compil )Today Then America`s Best Minds Looks 100 Tears Into the Future Helena MT American and Worl Geographic Publishing 1992
  • John L, Casti Searching for Certainty What Scientists Can Know About the Future New York Wiilliam Morrow & Co.,1990
  • أهمّ المجلاّت المختصّة بهم في أميركا :National Enquirer &National Examiner&Weekly World News كذلك ينشرون في عدّة مجلاّت أخرى رخيصة ، منها : The Sun &The Star & The Globe
  • James Randi The Mask of Nostradamus New York Charles Scribner`s Sons 1990
  • Ibid .,pp.30-38
  • Will Durant The Story of Civilization ,Vol Il:The Life of Greece New York : Simon & Schuster 1966,p.73 .
  • Couderc L`Astrologie p.97-100 .
  • انظر : Skeptical Inquirer 1994 Jan/Fed . 1994 ; Jan /Feb1997. وقد نشرت تلك التنبّؤات الكاذبة المذكورة أعلاه حوالى مطلع عام 1993 و1994و1995و1996،في المجلاّت التّالية : National Inquirer Weekly World News The National Examiner;The Globe ; The Sun ,The Star
  • انظر : Henri Gordon , Extrasensory Deception (Buffalo N.Y.:Prometheus Books 1987 ) PP.65-94 . Skeptical Enquirer , Jan/Feb.,1996 PP 32-37.
  • James Randi , The Mask of Nostradamus PP. 34-36
  • راجع النبوءة المذهلة في تفاصيلها ودقّتها التي دوّنها مؤسّس الداهشيّة عن مصرع الرئيس كندي ، في الصفحة 54-56 من هذا الكتاب
  • Gary Alan Fine Psychics ,Clairvoyance and the Real World : A Social-Psychological Analysis in the Zetetic Vol.1.No . 1 1976 25-33 .
  • لتكوين فكرة واضحة عن اليوغا يمكن مراجعة :E,Wood , La Pratique du Yoga Trad par Juan et Baud .Paris ;Payot 1967
  • Tocquet, Les Dessous de L`Impossible p 115
  • Peter Furst …,Fles of the gods : the Ritual Use of Hallucinogens 1972 وقد صدرت للمرجع الآنف الذكر ترجمة فرنسيّة ، لكنّها تنقص بحثين عن الأصل الأميركيّ : Furst …,la Chair des Dieux ( L`Usage Riitual Des Psychedeliques ) 1974.
  • Serouya le Mysticisme P 23 .
  • H.Leuba Psychologie du mysticisme religieux Paris 1930
  • Tocquet les Dessous de L`Impossible PP.116-117
  • انظر : Skeptical Inquirer May/June 1995 .

                                        انظر كذلك : Carl Sagan The Demon-Haunted World P.16                                  

  • Ray Hyman , “The Geller Papers ,” in The Zetetic , Vol 1 ,No. 1 ( Fall/Winter , 1976 ) , PP. 73-80     انظر أيضا : David Marks and Richard Kammann,”The Nonpsychic Power of Uri Geller ,” in The Zetetic , Vol.1,No.2 ( Spring/Summer,1977 ) , PP. 9-17   
  • James Randi The Truth About Yuri Geller , Buffalo N.Y: Prometheus Books 1982.
  • Scientific American Sept . 1991,p.39″Pshuchic vs Skeptic”
  • Ibid , July , 1995,p.34
  • James Randi The Faith Healers ( Forward Carl Sagan ) N.Y.: Prometheus Books 1987.
  • أنظر أيضا ما كتب عن يوري جيلر ونينل كولاغينا في الفصل الثالث من القسم الثالث من هذا الكتاب .
  • Skeptical Inquirer , Jan/Feb . 1996 pp 38-58
  • Ibid ., March/April,1996 pp. 21-27
  • H.Hall , The Medium and the Scientist : The Story of Florence Cood and William Grookes Buffalo, N.Y.:Prometheus Books 1985.

  لدحض المزاعم الباراسيكولوجيّة وفضحها:

  1. Abell ,Georg O.&Barry singer ,Ed .,Sciensce and the paranormal: probing the Existence of the Supernatural.New York:Scribner,r1981.

 

2.Alcock, James E.,Science and Supernature :A Critical Appraisal of parapsychology. N.Y.:prometheus Books , 1990.

  1. ——–Parapsychology : science or Magic ? Elmesford ,N.Y:pergamon , 1981.
  2. Baker , A Robert, the Call it hypnosis . buffalo , N.Y : prometheus Books , 1990 .

5.Barber , T.X., hypnosis :A Scietific Approach . New York : Van Nostrand , Reinhold,1969 .

6.Blakmor , Susan In Searh of the Light : the Adventures of a parapsychologist . Buffalo , N.Y : prometheus Books , 1996 .

  1. ——“parapsychology ” in Controversies in psychology , edited by Andrew M . Colman . London/new york : longman 1995 .

8.blyhe , peter , Self – hypnotism . toronto : Coles publishing Co .,1980 .

  1. Boll , marcel , L`Occultisme devant la science . Paris : P.U.F., 1944

10.Booth , John , Psychic Paradoxes .Buffalo , N.y.:Prometheus Books , 1986 .

  1. Brandon , Ruth , The Spiritualists .Buffalo , N.y: Prometheus Books , 1984 .
  2. Broad . W .and N. Wade , Betrayers of the Truth . New York : Simon and Schuster , 1982.
  3. Castellan, Y., Le spiritisme . Paris:P.U.F.,1965.

14.Casti , John L.,Searching for Certainty : What Scientists Can Know About the Future . New York : William Morrow & Co ., 1990 .

  1. Chauchard , paul , hypnose et suggestion . paris : P.U.F.,1957.
  2. chrtok , L.,L`hypnose . paris: payot,1965 .
  3. Christopher,Milbourne,Mediums , Mystics and the occult . New York : Crowell , 1975.
  4. Couderc, P.,L`Astrologie. Paris :P.E.F .,1951.
  5. Culver , Roger B.& Philip A.lanna , Astrology : True or false ? buffalo , N.Y .:Prometheus Books , 1988 .
  6. Daco , P., Les Prodigieuses Victoirs de la psycologie Moderne . Paris : Marabout , 1960 .
  7. Danvenport , Reuben B.,The Death Blow to Spiritualism : Being the True Storu of the Fox Sisters . New York ,1888 . Reprinted in 1976 , Arno Press , New York .
  8. Disksonn , Mes Trucs devoiles . Albin Michel , paris,1922.
  9. Fine,car Alan ,”Psychics ,Clairvoyance and the Real World : A Social – Psychological Analysis ”,in the Zetetic , vol . l,No . 1976.
  10. Fisher , K.,Spreading Stain of Fraud . Monitor , 13:l ff.Washington , D.C.:American Psychological Association , 1982 .
  11. Flew , Antony , A New Approah to Psychical Research . London : C.A.Watts , 1953 .

26 . ————“Parapsychology revisited : Law , miracles and repeatability”,in philosphy and parapsychology , edited by J.Ludwing , 263-269.Buffalo, N.Y.:Prometheus Books , 1978.

  1. ———“parapsychology : Science or pseudoscience ? in paul Kurts , Ed.,A Skeptical Handbook of parapsychology . Baffalo , N.Y.:Prometheus Books,1985.
  2. Frazier,Kendrik,Science Confronts the Paranormal.BuffalokN.Y.:prometheus books,1992.

29.———–Ed.,paranormal Borderlands of Science.Buffalo , N.Y.:Prometheus books,1981.

  1. Furst , P.,…la chair des dieux ( L`usage ritul des psychedelioues ).trad de V .Bardet Paris : Editions du Seuil , 1974 .
  2. Gardner , M., Science : Good , Bad and Bogus. Buffals , N.Y.:prometheus Books , 1981,1989 ( reprinted 1983 by Oxford University press.)
  3. ———-Now not to Test a psychic:Ten Years of Remarkable Experiments With Renowned Clairvoyant pavel Stepanek.Buffalo,N.Y.:promtheus Books, 1993.
  4. ——-the big bang . ESP,the beast 666 , levitation, Rainmaking, Trance-channeleing seances and Ghosts and More…Buffalo N.Y.,1994 .
  5. ———Fads and Fllacies in the name of Science .N.Y.:New American Library , 1986 .
  6. Gordon Henry Extrasensory Deception . Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1988.
  7. Hall, T.H., The Medium and the Scientist : The Story of Florence Cook and William Crookes. Buffalo, N.Y.: prometheus Books,1985.
  8. ——the enigma of daniel home : medium or fraud ? Buffalo,N.Y.:prometheus books 1984 .
  9. Hansel C.E.M.ESP:Scientific Evaluation . New York : Scibner `s , 1966.
  10. ESP and parapsychology :A Critical Re – Evaluation . Buffalo, N.Y.: prometheurs Books ,1980.
  11. —–the Search for psychic power : ESP and parapsychology Revisited. Buffalo N.Y.:prometheus books, 1989.
  12. ——A Crtical Analysis of the pearce – pratt experiment Journal of parapsychologu 25(2):87-91,1961 .
  13. —-A critical analysis of the pratt-Woodruff experiment. Journal of parapsychology 25(2):99-104,1961.
  14. Harris Melvin investigating the Unextigating buffalo, N.Y.:prometheus books , 1986 .
  15. Hartenberg,P.,Il n`y a pas d`hypnotisme , dans la revue de l`hypnotisme , 1898
  16. Heller, Steven &Steele Terry Lee Monsters and Magical Sticks : There`s No Such Thing As Hypnosis Phoenix : falcon Press,1987.

16 . Hines , terence Pseudoscience and the paranormal : A critical  Examination of the Evidence . Buffalo , N.Y. :Prometheus Books , 1988.

  1. Hladik , Jean , prestidigitations et illusionisme , P.U.F.,Paris ,1967.

48 . Houdini , Harry , Miracle Mongers and their Methods : A complete Expose’ . Buffalo ,N.Y.: Prometheus Books , 1993 .

49 . Hyman , Ray , Review of the Geller Papers . The Zetetic  ( Skeptical Inqquirer ), 1: 73 – 80 , 1976 .

50 .—— , The Elusive Quarry : A Scientific Appraisal of Pscychical  Research . Buffalo ,N.Y.: Prometheus Books , 1995 .

51 .—— , Pscychics and Scientists : ”  Mind –Reach ” and remote viewing . The  Humanist , 37 (May / June , 1977 ) : 16- 20 .

52 .—— , The Case Against Parapsychology . The Humanist , 37 (  November / December , 1977 ): 47-49 .

53 . —— , Scientist and Psychics . In Science and the paranormal , edited by G.O. Abell and B. Singer , 119-141 . New York : scribner ‘s , 1981 .

54 .—— , “A Critical Historical  Overview of Parapsychology ” , in P. Kurtz , Ed . , A Skeptic ‘s Handbook of Parapsychology . Buffalo , N.Y. : Prometheus Books , 1985 .

55 . Jerome , Lawrence E. , Astrology Disproved . Buffalo,N.Y.:Prometheus Books , 1986 .

56 . K irsh , Irving , ” Response expectacy as a determinant of experience and behavior ” in American Psychologist (1989) 40: 1189- 1202.

57 . Kreskin , The Amazing World of Kreskin .N.Y.: Random House ,1973 .

58 . —— secrets of the Amazing Kreskin : The world’ s Foremost Mentalist Reveala How  You Can Expand  Your Powers .Buffalo ,N.Y. : Prometheus Books ,1991 .

 

  1. Kurtz , paul , A Skeptic`s Handbook of parapsychology.Bufflo N.Y prometheus Books,1985.
  2. Leahey , Thomas H,and Grace E.Leahey , Psychology`s Occult , Doubles : Psychology and the problem of Pseudoscience . chicago ; Nelson – Hall,1984.
  3. Leuba ,J.H.,psychologie du mysticisme . paris : P.U.F.1930.
  4. Marks , David and Richard Kammann , the psychology of the psychic. Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1980.
  5. ——-“the Nonpsychic powers of Uri Geller ” in The Zetetic , Vol l,No 2 ( Spring/Summer, 1977.
  6. Markwick Betty The Soal – Goldney experiments with Basil Shackleton : New evidence of data manipulation . proceedings of the SPR,1978,56:250-277.
  7. —–“the Establishment of Data manipulation in the Soal – Shackelton Experiments”,in P.Kurtz A Skeptic `c Handbook of parapsychology . Buffalo N.Y.:prometheus Books 1985.
  8. Medhurst R.G.: The Fraudulent experimenter : professor Hansel`s case against psychical researh , in Journal of the SPR1968.,44:217-232.
  9. New York Times Magazine ,August 11,1996 .
  10. Nickell Loe Ed.,psychic Sleuths : ESP and Sensational Cases.Buffalo N.Y.:prometheus Books 1994.
  11. Nickell Joe With Jhon F.Fischer , Mysterious Realms : Probing paranormal Historical and Forensic Enigmas . Buffalo N,Y Prometheus Books 1992 .
  12. ——–Secrets of the Supernatural : Investigating the World`s Occult Mysteries . Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1988.
  13. Panati charles, the Geller papers .Boston : Houghton Miffin , 1976.
  14. Randi J.,the Truth About Uri Grller Buffalo , N,Y.: promertheus Books , 1982 .
  15. ——The Mask of Nostradamus . New York : Charles Scribner`r Sons , 1990
  16. ——Film – Flam : the Truth About Unicorns parapsychology and Other Delusions Buffalo N.Y.: Prometheus Books 1987 .
  17. —–the Faith Healers ( Forward By Carl Sagan ). Buffalo N.Y.:prometheus Books 1987 .
  18. ——–ConJuring . New York : St Martin `s Press 1992 .
  19. Reed Graham The Psychology of Anomalous Experience Buffalo N.Y : Prometheus Books 1988.
  20. Rhine J.B.: new case of experimenter unreliability , in Journal of parapsychology 1974,38:215-225.
  21. Rinn Joseph F ., Sixty Years of psychical Reserch : Houdini and I Among the Spirituatlists. New York :Truth Seekers Co., 1950 .
  22. Rothman Milton A ., A physicist`s Guid to Skepticism Buffalo N.Y.,:prometheus books 1988.
  23. Sagan Carl the Demon – Haunted World New York : Randon House 1995
  24. Sarbin Theodore R.,”Contribution to rolr- taking theory l.Hypnotic behavior in psychology Review 1950,57:255-270.
  25. Sarbin T.R.&Coe W.C.,Hypnosis : A Social psychological Analysis of Influence Communication N.Y.:Holt Rinehart and Winston 1972 .
  26. Scientific American Sept 1991 .
  27. Serouya H.,Mysticisme Paris P.U.F.,1961.

86.The Skeptical Inquirer Fall 1988 Spring 1994 ;May /June 1995;July /August 1995;Jan/Feb 1996; March/April 1996;May/June 1996;Jan/Feb 1997.

  1. Spanos Nicholas P.and J.F.Chaves Hypnosis the Cognitive – Behavioral Perspective Buffalo N.Y.:promtheus Books 1989.
  2. Stein Gordon Editor The Encyclopedia of the paramormal Buffalo N.Y:prometheus Books 1996 .
  3. ———- the Sorcerer of Kings : the Case of daniel Dunglas Home and William Crookes . Buffalo : N.Y prometheus Books 1990.
  4. Stenger Victor J.,Physics and psychics the Search for a World Beyond the Senses Buffalo : N.Y.,prometheus Books 1992 .
  5. Stwart J.V., Astrology : What`s Really in the Buffalo , N.Y.: prometheus Books 1990.
  6. Tanner Amy , Studies in Spiritism Buffalo N.Y prometheus Books 1993 .
  7. Taylor John Suprer Minds A Scientist Looks at the Supernatural New York : E.P.Dutton 1975.
  8. ————-Science and the Supertatural New York E.P Dutton 1980.
  9. Tocquet , Robert , Tout l`occultisme devoile paris Amiot – Dumont 1965.

96.———–Phenomenes de mediumnite paris : Grasset 1959.                                                                         

  1. —–les Dessous de l`impossible . Paris Edition speciale 1972.
  2. —–Tout L`occultisme devant la science . paris Amiot –Dupont 1974.
  3. Wagstaff Graham R.,Hypnosis Compliance and Belief New York : St Martin`s press 1981.
  4. Walter , Dave , Compil Today Then – America`s Best Minds Look 100 Years Into the Future : 1993 as predicted in 1893 MT: American & World Geographic Publishing 1992.

101.Waston Lyall , Histoire naturelle du surnaturel , trad . de l`anglais par Leo Dile : Albin Michel 1974.

  1. Wiseman , Richard and Robert L.Morris Guidelines for Testing psychic Claimats. Buffalo N.Y.:prometheus Books 1995.
  2. Wood , Ernest , la pratique du Yoga , trad . par Juan et Baud . paris : Payot , 1967.
  3. The Zetetic , Vol l,No. L,1976;Vol . No 2,1977.

الفصل الأول: الفضيحة الباراسيكولوجيّة

  بقلم   د. ملحم شكر

الفصل الأوّل

في موضوع الباراسيكولوجيا وتاريخها

 

انّ لفظ ” باراسيكولوحيا ” تعني في اللغة ” الدراسة الواقعة في هامش علم النفس “, وقد ولّدها في أواخر القرن التاسع عشر باحث المانيّ توهّم وجود منطقة مجهولة ولقعة بين الحالات النفسيّة العاديّة والحالات النفسيّة المرضيّة ؛ فالباراسيكولوجيّة تطمح ، عنده ، الى دراسة هذه المنطقة السريّة . كما ولّد لفظة أخرى هيparaphysique  ، وهي تعني الدراسة الواقعة في هامش علم الفيزياء . ووقع هذا الهذيان اللفظيّ ، في ذلك الحين ، في الاهمال . وغلبت عليه مفردات أخرى ؛ منها ، في فرنسا ، لفظةmetapsychique  ، وهي تعني ” ما وراء النفس ” ؛ ولا تزال هذه التسمية ، المولّدة في بداية القرن العشرين ، مستخدمة في بعض الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الفرنسيّة الى اليوم . ومنها ، في بريطانيا والبلدان الناطقة بالانكليزيّة عبارةpsychical research  ، وهي تعني الأبحاث النفسانيّة “، ولا تزال هذه العبارة موجودة في أسماء الجمعيّات الخاصّة التي تعنى بهذا الموضوع في بريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة . ثمّ انّ لفظة باراسيكولوجيا استبعثت ، بمعنى جديد ، في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، قبيل الحرب العالميّة الثانية ، فدرجت وشاعت وغلبت على ما سواها من التّسميات لغلبة الثقافة الأمريكيّة ، بغثّها وسمينها ، على ما سواها من الثّقافات . لكنّه ، مع ذلك ، لم يحظ باجماع المشتغلين بهذه الصّناعة ؛ فالباراسيكولوجيا لا علاقة لها بعلم النفس لا من قريب ولا من بعيد . ومفهوم ” النفس ” عندهم لا علاقة له بالمعنى الذي يدلّ عليه لفظ ” علم النفس “. وهو ما دعاهم الى اختراع أسماء عديدة أخرى تختلف من طائفة الى طائفة ، ومن بلد الى بلد ، فهم حائرون بائرون في تسمية صناعتهم . وأسباب هذا التخليط كثيرة ؛ منها أنّه يختفي تحت اسم ” باراسيكولوجيا ” عدد كبير من المذاهب الباطنيّة ذات الجذور المختلفة ، ومن المعتقدات السحريّة البدائيّة الموروثة من مصادر متشعّبة ، ومن الحرف التجاريّة الشديدة التنوّع ، ومن الغايات اللاهوتيّة المتضاربة ، ممّا يختلف من ثقافة الى ثقافة ومن طائفة الى طائفة . ومنها أيضا ، بوجه خاصّ ، انّه ليس هناك تحديد دقيق لهذه الصناعة ولموضوعها . فالباراسيكولوجيا ، على حدّ زعم أتباعها ، تعنى بدراسة ما يسمّونه ” بالظواهر الباراسيكولوجيّة ” ، وهي أحداث وأمور ، يزعمون أنّها تقع وقوعا مستمرّا في العالم الطبيعيّ ، تفارق المألوف وتخالف مجرى العادة وتناقض المعطيات والقوانين العلميّة الثابتة المعروفة .

هناك اذا ، من جهة ، المعطيات أو المادّة التي يقع عليها الدّرس ، ومن جهة أخرى ، الطرائق التي تدرس بها هذه المعطيات ، ونتائج هذا الدّرس .

 

 

موضوع الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع :

موضوع الباراسيكولوجيا  في حقيقة الأمر : كلّ ما ينكره الحسّ السليم ويشكّ العقل بوجوده ولا يعترف العلم بوقوعه .

فموضوعها تدخل فيه الأخبار التي تتناقلها شعوب الكرة الأرضيّة قاطبة ، في حاضرها وماضيها عن الأمور والأحداث الغريبة ممّا يسمّيه علماء الأنتروبولوجيا والمؤرّخون ” الأساطير ” والخرافات ” ،ومّما يشكّل ، في كلّ ثقافة وفي كلّ عصر ، ” أدبيّات العجائب والغرائب “.

وتحت موضوعها تنطوي الأخبار المتداولة في كلّ شعب وكلّ ثقافة وكلّ زمان ، عن أمور غريبة تحدث مع هذا أو ذاك ، أو يحدثها هذا أو ذاك من غير واسطة معروفة تقع تحت الادراك العقليّ ، كالاصابة بالعين والبيوت المسكونة والمنازل المهجورة التي تظهر فيها الأشباح ، والمواقع التي تحدث الضّرر والنكبات بمن يحلّ فيها أو يمرّ بها ، أو تحدث فيها الحرائق المفاجئة ” المجهولة الأسباب ” ، أو تسمع فيها الأصوات الخفيّة والطّرق والقرقعة …

كما تنطوي تحت موضوعها الأخبار التي يتناقلها الأفراد والجماعات ، شفاها وكتابة ، عن أفراد يحترفون الأعمال ” الغريبة “، منهم السّحرة والعرّافون والمبصرون وقارئو الكفّ والفنجان والصّور وأوراق اللعب وكريات الكرستال ، والضّاربون بالمندل والفلكيّون والمجّمون وكاتبو الأحجبة ومحضّرو ” الأرواح ” وأصحاب الطّلاسم والمعزّمون ” والجرّاحون “، والمنوّمون المغنطيسيّون والمطبّبون باللمس أو التدليك المغنطيسيّ ، والذين يدلّون ، بواسطة العيدان والقضبان ، على وجود المياه وغيرها من السّوائل المستقرّة في أعماق الأرض أو على الدّفائن والكنوز أو الآثار المطمورة تحت الأنقاض ، ومنهم كلّ دجّال يزعم أنّه بموهبة خاصّة أو بعلم خاصّ ، يشفي من الأمراض ، ويحلّ المشاكل النفسيّة والاجتماعيّة ، ويستحضر الغائب ، ويقرأ الأفكار ، ويطوي الملاعق والصّحون بتأثير فكره ، ويعرف المستقبل كما الماضي المجهول ، ويرى الأجسام الغائبة عن العيان من غير واسطة معروفة …

كما يشمل موضوع الباراسيكولوجيا الأخبار التي تتناقلها الجماعات شفاها أو في الكتب عن الأعمال العجيبة المزعومة التي يقوم بها القدّيسون والأولياء واليوغيّون والبراهمة وفقراء الهند والشامانيّون واللاماوات ( جمع لاما وهو الكاهن البوذيّ في التيبت أو منغوليا ) ، وتلك الأفاعيل الغريبة المزعومة التي كان يفعلها الكهنة في مصر القديمة وفي روما وأثينا وعند الكلدانيّين والأشوريّين واليهود والمسيحيّين ؛ يضاف اليها ، في العصر الحاليّ ، في الغرب خاصّة ، ” العجائب ” المزعومة التي يحدثها القسّيسون في اجتماعاتهم ، وأتباع عدّة مذاهب دينيّة تدّعي الشفاء الروحيّ بواسطة الصّلوات أو بقوّة الفكر ؛ وما يزعمه أتباع مذهب ” مناجاة الأرواح ” المعروف ب”السبيريتيسمspiritisme  الذين تتلبّسهم الأرواح الوهميّة وتقوم من خلالها بشفاء الأمراض والجراحة الروحيّة وغير ذلك من عجائب الأمور …يضاف الى ذلك آثار الصّلب التي تظهر في أجسام بعض المؤمنين المسيحيّين من الرجال والنساء (stigmates) والتماثيل التي تبكي ، والتماثيل التي تغيّر اتّجاهها ووجهاتها ، وغير ذلك من الأشياء والأجسام العجائبيّة التي تخصّ الكنيسة الكاثوليكيّة وغيرها من الكنائس …

هذا كلّه لخصّته لك من كتب الباراسيكولوجيّين ومنشوراتهم على اختلاف مذاهبهم ؛ وصاحب الرّخصة البرازيليّة ، مؤسّس الباراسيكولوجيا اللبنانيّة  قد حشا مؤلّفاته – أعني مترجماته – بمثل هذه الأخبار والحكايات التخريفيّة ، ممّا لا تجد له مثيلا الاّ في أساطير الأمم الخالية وخرافات الشعوب البدائيّة ، أو في حكايات العجائز في السّهرات أو في قصص الخيال العلميّ .

وباختصار ، انّ كلّ ما يسميّه الحسّ السليم والعقل خرافة أو أسطورة أو مختلقات غرائبيّة أو دجلا وشعوذة ، وكلّ ما لا تعترف العلوم بوجوده ، فترميه في سلّة المهملات ناسبة التصديق به امّا الى الجهل وأمّا الى التفكير السّحريّ البدائيّ ، وهما شيئان متقاربان – كلّ ذلك يقع في حقل الباراسيكولوجيا . فالباراسيكولوجيا ، في عصرنا الحاضر ، تمثّل ، في أماكن تواجدها ، المزبلة اللاعقلائيّة الكبرى .

 

الدراسة الباراسيكولوجيّة لهذه المعطيات :

اعلم أنّ فئة من العلوم الانسانيّة – منها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعيّ وعلم الأنتروبولوجيا ، والأنتروبولوجيا الدينيّة ، وعلم تاريخ الأديان – تدرس هذه الأساطير وهذه الخرافات وهذه الحكايات التي تقع – كما ذكرت لك – في باب ” العجائب والغرائب ” مثلما تدرس السّحر والتنجيم وغيرهما من العلوم الكاذبة ، وعلى العموم تلك البقيّة الباقية من التصّورات السحريّة البدائيّة للعالم وللظواهر الطبيعيّة من موروثات القرون الغابرة .

وكلمة ” دراسة ” هنا تعني تفكيك الآليات الذهنيّة والأطر المعرفيّة والشّروط الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تنتج مثل هذه التصّورات الوهميّة ، كما تعني استخراج الرموز والخلفيّات والرغائب والحاجات ، النفسيّ منها والاجتماعيّ والسياسيّ ، التي تقع وراءها وتبعث عليها . فمثل هذه الأخبار يجري في قنوات خاصّة مكوّنة من التمثّلات الاعتقاديّة ومن المشاعر الايمانيّة ومن الموروثات الثقافيّة ومن الهواجس النفسيّة الجماعيّة ومن الأزمات الاجتماعيّة ، قنوات هي في أن واحد ناقلة ومفسّرة ومحرّفة ومزوّرة شعوريّا أولا شعوريّا . والباحثون في هذه العلوم الانسانيّة يعتبرون أنّ هذه المعتقدات البدائيّة الوهميّة هي ، في ثقافة ما أو مجتمع ما ، صنف من أضغاث الأحلام التي تراها هذه الثقافة أو هذا المجتمع في منامها الفكريّ ، وحين يرقد العقل فيها . وكما يعكف المحلّل النفسيّ على دراسة الجسم العرفيّ الاجتماعيّ لهذا المريض ، فهم يعكفون على دراسة هذه ” الثقافة المظلمة اللاعقلانيّة “.

أمّا ” الدراسة الباراسيكولوجيّة ” لهذه المادّة فليست من ذلك القبيل على الاطلاق ، وهي شيء مختلف جدّا لا علاقة له بطرائق العلوم الانسانيّة وبموقفها المبدايّ العقلانيّ . انّ أتباع الباراسيكولوجيا يسلّمون بامكان وقوع مثل تلك الأحداث المناقضة لسنن العقل وللقوانين العلميّة وقوعا فعليّا ، ويعتقدون أنّ من الأفراد من يتمتّع بقوى خفيّة خاصّة تمكّنه من فعل تلك المخاريق وكلّ أمر غريب عجيب يخرق قوانين الطبيعة . ولا تظنّ أنّي أنسب الى أصحاب هذه الصّناعة شيئا لا مؤمنون به . فهذا صاحب الرّخصة البرازيليّة يقول بالحرف الأسود المشدّد “( الباراسيكولوجيا في خدمة العلم “ص 437 ) عن تلك الحكايات التي ذكرت لك طرفا منها انّها ” حقائق نحن واثقون منها ” .

 

ولادة الدراسة الباراسيكولوجيّة :

انّ موضوع الباراسيكولوجيا ، كما ترى ، ليس جديدا . فتلك الظواهر الوهميّة قديمة قدم التّاريخ ، وليست تخلو ثقافة أو حضارة من هذا الوجه السحريّ المظلم الذي كان يشكّل في كلّ ثقافة وفي كلّ حضارة موضوعا ل”علم ” ما بالمعنى الذي تعطيه هذه الثقافة أو تلك الحضارة ل”العلم “. أمّا الباراسيكولوجيا ، بحصر المعنى ، فقد ولدت في أوروبّا الغربيّة ، في همش النهضة العلميّة الحديثة ؛ وهي ليست ولادة بالمعنى الحرفيّ لكلمة ” ولادة ” لكنّها تسمية جديدة لما كان يعرف سابقا بعلم السّحر أو علم العرّافة أو سائر تلك العلوم البدائيّة الكاذبة التي كانت منتشرة في القرون الخالية . وهذه التسمية انّما كانت نتيجة للتغيّر الذي حصل في الغرب في مفاهيم ” العلم “و”المنهج العلميّ ” و” المعرفة العلميّة ” ، على أثر تلك النهضة .

ففي القرن التاسع عشر ، بدأ العلم بمفهومه الوضعيّpositivisme  خاصّة ، الموروث عن أوغيست كونتAuguste Comte  ( 1798-1857) ، يفرض سلطانه بقوّة ، أوّلا ، كطريقة اختباريّة لكسب المعرفة الصّحيحة ، وثانيا ، كوسيلة وحيدة لتفسير العالم . فكلّ معرفة صحيحة هي المعرفة المكتسبة بالطّريقة العلميّة ، وكلّ ما خلا ذلك فأدبيّات ومعتقدات . وتشكّلت معظم العلوم المعروفة اليوم ، ووققفت على قدميها ، وألقت شباكها المعرفيّة على معطيات العالم الطبيعيّ والانسانيّ ، واقتطعت ميادينها ، وأنشأت في هذه الميادين صروحا ؛ فطردت من مجالها كلّ تلك القوى الخفيّة التي لا تقع تحت حصر الأدوات المعرفيّة العلميّة . وكنست من نطاق المعرفة الصّحيحة كلّ تلك المعارف الزائفة . في هذا السياق توهّم بعض العلماء – وكانوا في معظمهم من الأطبّاء الموسوسين بالغرائب ومن ذوي الاتّجاه الدينيّ الغيبيّ – أنّه بالامكان دراسة ذلك المجال الذي طرحته العلوم الوضعيّة جانبا ( المتمثّل خاصّة بأعمال العرّافين والمبصرين والكهنة على اختلاف أنواعهم وطوائفهم ، ممّن تنسب اليهم المعتقدات الموروثة تملّك مواهب وقوى مجهولة )، وتأسيس علم اختباريّ على هذه الأرضيّة .

وكان قد مهّد لهذا السبيل في القرن الثامن عشر طبيب نهووس اسمه أنطوان مسمر ، صاحب القول بالمغنطيسيّة الحيوانيّة . وكان هذا قد خلط الطبّ التجريبيّ بمعتقدات سحريّة بدائيّة . فمسمر هذا هو المفصل الذي يربط الباراسيكولوجيا بعلم السّحر القديم .1

هذا الاتّجاه الذي مثّلته في القرن التاسع عشر قلّة شاذّة من العلماء كان مطمحا لبعض الطبقات المحافظة التي أقللقها الاتّجاه العلميّ الوضعيّ المتشدّد الذي قلّص ظلّ المؤسّسات الدينيّة والمعتقدات الدينيّة تقليصا كبيرا ، والتي أرعبتها كذلك نظريّات دارون وماركس الماديّة الصرفة . وكلّما أصيبت ثقافة من الثقافات بأزمة فكريّة ، فانّ علائم الأزمة تظهر في الحقل الروحيّ على شكل ظواهر هستيريّة وحركات صوفيّة معادية للعقل . في هذه الحمّى ، ولدت جلسات ” استحضار الأرواح ” المزعومة من جرّاء أخاديع قامت بها فتاتان أمريكيّتان من عائلة فوكس ؛ وسرعان ما لاقت أرضا خصبة ، فنبت في أمريكا فجأة آلاف ” الوسطاء ” الذين اكتشفوا بين ليلة وضحاها أنّهم يتمتّعون بمؤهّلات نفسيّة أو روحيّة أو مغنطيسيّة تمكّنهم من استنزال ” الأرواح ” . وانتقلت الصناعة الى أوروبّا ، فظهر الوسطاء فيها فجأة بالآلاف أيضا . 2

واعتقد أولئك ” العلماء ” من المهتمّين بالغرائب ، الذين هم من أعداء المدّ العلميّ الوضعيّ والتيّار الفلسفيّ المادّيّ ، أنّه اصبح بالامكان اقامة البرهان العلميّ الاختباريّ على وجود عالم الأرواح والقوى الخفيّة المجهولة ، ومصالحة العدوّين اللدودين ، العلم والدين ، باقامة ” الدين العلميّ ” أو ” العلم الدينيّ ” من حيث أنّه بالامكان اثبات العالم الماورائيّ ( الذي هو منبع الدّين ) بالطّرق الاختباريّة ( التي هي أداة العلم ).

وراجت هذه الصّناعة في أوروبّا رواجا منقطع النظير ، وتأسّست فيها الجمعيّات والمعاهد – ولا يزال بعضها موجودا الى اليوم – وألّفت الكتب ، وأنشئت المجلاّت والمطبوعات الدّوريّة ، ونظّمت حولها المؤتمرات ، بل تأسّست الفرق المذهبيّة المنظّمة التي يؤمن أتباعها – الذين تكاثروا فأصبحوا يعدّون بالملايين – بما تعلّمه “الأرواح ” المزعومة في تلك الحلقات . ونبغ كثيرون من ” الوسطاء ” واحترفوا ” الوساطة ” احترافا بالغا في التعقيد والمهارة ، وتفنّنوا في اظهار الأفاعيل و”الظواهر ” ، ونوّعوها تنويعا شديدا وبرعوا فيها . فبعد أن كانت ” الأرواح ” التي اتّصلت بآنستين مراهقتين من عائلة فوكس في نيويورك بكماء لا تحسن الاّ الطرق والقرقعة على الجدران الخشبيّة وخاصّة فرقعة أصابع القدمين ، تحصّلت ” الأرواح ” في أوروبّا ، في أواخر القرن التاسع عشر وأوئل القرن العشرين ، على ثقافة عصرها وأخذت تظهر مواهبها ، فتكتب وتقرأ وتجيب عن الأسئلة ، وتحرّك الطاولات ، وتؤلّف القصائد ، وتتكلّم ب”لغات مجهولة ” ، وتوحي بالتعاليم المذهبيّة ، وتظهر بواسطة ” الاكتوبلاسما ” ( وهي نوع من البخار يخرجه الوسيط من فمه ) أشباحا وأشكالا شبه انسانيّة . وهكذا ولدت وتأسّست الباراسيكولوجيا ، ووضعت قواعدها ومصطلحاتها وألفاظها وأدبيّاتها ومنشوراتها وجمعيّاتها ومؤتمراتها وأجهزتها الاعتقاديّة . لكنّها ، على الرغم من وجود الأسماء اللامعة في حلقاتها وأدبيّاتها ، فقد بقيت في هامش العلم الرسميّ ، واعتبر أولئك الأفراد من العلماء الذين أولعوا ب” الوسطاء ” وخاصّة بال”وسيطات ” الحسناوات شذّاذا لا يؤخذ بافتراضاتهم . ولم تدخل الباراسيكولوجيا قطّ الى الجامعة .

وقبيل اندلاع الحرب العالميّة الثانية بقليل ، اكتشف العلم – لا أولئك المشعوذين من الوسطاء – التصوير بالأشعّة ما تحت الحمراء ، وهو ما مكّن من الرؤية في الظّلام ، وكشف الألاعيب التي كانت تحصل في تلك الجلسات الشعوذيّة . وكان قد قبض على كثير من ” الوسطاء ” من قبل بجرم الغشّ والخداع . وهكذا لمّا أضاء العقل بنوره تلك الأوكار المظلمة التي كانت تعشّش فيها ثعالب المكر والدّجل ويؤسّس فيها “العلم ” الباراسيكولوجيّ ، بارت التجارة وانقرض جنس ” الوسطاء الروحيّين ” من أوروبّا انقراضا يكاد يكون كاملا ، وفشل بالتالي المشروع الباراسيكولوجيّ بما هو محاولة لدراسة ” الظواهر ” الخارقة للعادة ، دراسة اختباريّة علميّة .

 

 

الباراسيكولوجيا الجديدة :

فشل المشروع ، الاّ أنّ النوازع وطرائق التفكير التي كانت في أساسه بقيت على حالها ، وستبقى على حالها مثلما كانت منذ أوّل الدّهر . وكما يمكن للمرء أن يتوقّع ذلك بسهولة ، فانّ المحاولة الجديدة ظهرت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي انتقل اليها في القرن العشرين مركز الثّقل المادّيّ والفكريّ والسياسيّ والعلميّ الغربيّ . وكان من الذين أسهموا اسهاما فعّالا في بعثها رجل يدعى جوزف راين ( 1895-1980 ) ، وهو يعتبر لدى كثيرين مؤسّس الباراسيكولوجيا الجديدة . كان هذا الرجل يعدّ نفسه ليصبح قسّيسا لاهوتيّا ، فدرس اللاهوت لمدّة سنتين . ثمّ حصل على شهادة جامعيّة في علم النبات لا في علم النفس مثلما يدّعي أتباع الباراسيكولوجيا كذبا واختلاقا . وكان يؤرقه باستمرار البحث عن براهين مادّيّة يدعم يها معتقداته الدينيّة وعلى الأخصّ وجود الروح بالاستقلال عن الجسم وبقاءها بعد فناء الجسد . وكان الخلط الاعتباطيّ بين المعتقدات الدينيّة والعلم من التيّارات السّارية في الولايات المتّحدة . وهناك العديد من الكنائس التي لا تكتفي بذلك بل تتجاوزه الى حشر لفظ ” العلم ” في التسميات التي تطلقها على نفسها . وقد غذّى هذا الهاجس لدى راين اقباله على قراءة الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الأوروبّية التي تدور حول ” الوسطاء الروحيّين ومؤلّفات كونان دويل ، صاحب شارلوك هولمز ، الذي كان قد تحوّل الى مبشّر بمذهب السبيريتيسم . وكان راين يستمع الى محاضراته . كلّ ذلك وطّد ايمانه العميق بوجود تلك القوى الخفيّة التي يتحدّثون عنها ، فصمّم على اثباتها ” اثباتا علميّا ” ، لكن بعقليّة القسّيس اللاهوتيّ ، كما سترى .

استبعد راين المذكور لفظة ( باراسيكولوجيا ) التي لم تكن ذائعة في أوروبّا . واستعار عن الكتّاب الانكليز لفظ ( بسي ) للدّلالة على محمل تلك القوى الخفيّة , ولجأ الى محاولته لاثبات وجودها الى الطّرائق التي كانت تستخدم في علم النفس الاختباريّ الذّائع في الولايات المتّحدة الأميركيّة . وأشأ لهذا الغرض ، عام 1927 ، مختبرا ملحقا بجامعة ديوك في ولاية كارولاينا الشماليّة . ووضع راين اطار اعتباطيّا ل”البحث ” المختبريّ الباراسيكولوجيّ سوف نعرضه وننقده في الفصل الثاني .

وجعل راين يقوم بتجارب جامعا حوله جماعة من الموسوسين بالغرائب . فلبث ثلاث سنين يقوم بتجارب على ” وسيطة روحيّة ” ارلنديّة الأصل اسمها آيلين غاريت – وهي من مشعوذات العهد الباراسيكولوجيّ الأوّل – ثمّ تحوّل الى دراسة الأفراد العاديّين . وأخذ ينشر نتائج أبحاثه الاحصائيّة في مجلّة بدأ باصدارها عام 1937 ، سمّاهاJournal of parapsychology  لكنّها لم تلق من العلماء الاّ السّخريّة والاستهزاء والنقد اللاذع . غير أنّ هذا لم يمنع من ذيوع أمره في الأوساط التي تعنى بالأمور الغرائبيّة في الولايات المتّحدة وأوروبّا من بقايا الباراسيكولوجيا الأولى ،فحذوا حذوه واستقبلوا محاولته كالمحض الموعود ، وأنشأووا مجدّدا الجمعيّات والمعاهد والمختبرات ، وراحوا يقومون بتجارب تقع ضمن الاطار النظريّ والعلميّ الذي وضعه راين . وكان أشهر هؤلاء في بريطانيا صموئيل صول . ولم يكتف هؤلاء باجراء التجارب على بني الانسان بل تجاوزوا ذلك الى القطط والكلاب والفئران والضّفادع والأرانب والصّراصير …وبالاضافة الى هذه ” الأبحاث ” ، اهتمّ باراسيكولوجيّون آخرون – نبغوا خاصّة في أميركا وفي بعض دول أوروبّا ، الغربيّة منها والشرقيّة ، في العقدين السادس والسّابع من هذا القرن – بدراسة ” الموهوبين ” الذين نحلوهم الاسم القديم ذاته الذي كان يطلق على مشعوذيّ العهد الأوّل من ” مستحضريّ الأرواح ” ،وسمّوهم ” الوسطاء الجدد”. وراج سوق الباراسيكولوجيا رواجا كبيرا في تلك الفترة ، وكثرت المنشورات والدّوريّات والمؤلّفات التي تبحث في  الموضوع ، وأنشئت الجمعيّات والمعاهد الخاصّة لتدريس لباراسيكولوجيا . ومن الغرب انتقلت هذه الصّناعة الى دول العالم الثالث ، الى دول أميركا اللاتينيّة بوجه خاصّ ، مع المارلبورو والكوكا كولا وأفلام الكاوبوي .

وورثت الباراسيكولوجيا الجديدة عن الباراسيكولوجيا القديمة مسلّماتها زصطلحاتها وأساطيرها وخطابها المعرفيّ . أمران فقط تغيّرا هما من جهة أولى : نوعيّة “الباحثين “، ومن جهة ثانية نوعيّة ” الوسطاء “. كان المشتغلون في هذه الصّناعة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من ذوي المستوى العلميّ الجيّد . كان بعضهم مبرّزا في اختصاصاته العلميّة قبل أن يخدعه ” الوسطاء “. أمّا الباحثون الجدد ، ممّن يحمل شهادة جامعيّة في علم من العلوم – نستثني منهم الأطبّاء وهم أكثرهم ، لأنّ الطبّ أقرب الى المهنة والصّنعة منه الى العلم – فهم من حشو الجامعيّين وأوباشهم ، ولم يتميّز أيّ منهم قطّ بنشاط علميّ ولم يبرز في أيّ حقل من حقول المعرفة ؛ فهم من الباهتين المغمورين في الاختصاصات التي حصلوا فيها على شهادة جامعيّة . واذا كان بعضهم قد عرف واشتهر ، فانّما لاهتماماتهم الباراسيكولوجيّة وحسب ، ولظهورهم المتواصل في الصّحف وعلى شاشات التلفزيون بصحبة ” الوسطاء ” أو للدّعاية للباراسيكولوجيا . فراين مثلاليس له أيّة مكانة علميّة في علم النبات ، وليس له فيه أيّ بحث أو دراسة معروفة ، وهو من المغمورين في هذا الحقل . وانّما شهرته قائمة على اشتغاله بالباراسيكولوجيا . ومن الغفلة الاعتقاد بأنّ حصوله على درجة في علم النبات يضفي على أبحاثه الباراسيكولوجيّة ما يتحصّل عن تلك الدّرجة من قيمة علميّة . وهذا هو حال جميع الباحثين في الباراسيكولوجيا ، وان كانوا يستغلّون ألقابهم الجامعيّة لايهام السذّج بأنّ هذيانهم الباراسيكولوجيّ هو من نوع ” البحث العلميّ “.

أمّا ” الوسطاء ” فقد هبط أيضا مستوى ” ظواهرهم ” هبوطا كبيرا . ففي حين أنّ الوسطائ الأوّلين كانوا يزعمون أنّ الأرواح تتلبّسهم وتقوم من خلالهم بالألاعيب التي يحدثونها في الظّلام ، ويتفنّنون في تنويع تلك الألاعيب بمهارة فائقة تصل الى حدّ الابداع الفنيّ ، فانّ الوسطاء الجدد يقومون باحداث ظواهر تخلو تماما من أيّة مسحة فنيّة . وهي فقيرة وفي غاية السطحيّة والتفاهة ، اذ يكتفي أعظمهم ” موهبة ” بايهامهم المشاهدين بأنّه ” يثني ” الملاغق والمفاتيح ويحرّك الأجسام الصغيرة كعيدان الثقاب والسجائر والأزرار وما هو بحجمها ، تحريكا طفيفا عندما يمرّر يده فوقها ، ويعرف شكلا هندسيّا بسيطا أو رسميّا شديد الغموض معرفة مقاربة . وظواهرهم هذه أدنى كثيرا ممّا يقوم به لاعبو الخفّة المحترفون . وهذا الانخفاض الشّديد في مستوى الصّنعة سببه تطوّر المراقبة ودقّتها وملاحقة لاعبي الخفّة المحترفين لأولئك المشعوذين ممّا يضيّق عليهم الخناق تضييقا شديدا . وكما أنّ المحاولة الباراسيكولوجيّة الأولى فشلت ولم تحقّق الهدف من وجودها ، اذ لم يصل البحث فيها الى أيّة نتيجة يمكن وصفها بالنتيجة العلميّة ، فكذلك المحاولة الباراسيكولوجيّة الجديدة لم يؤدّ فيها البحث المختبريّ الى أيّة نتيجة على الاطلاق ؛ وهي اذا أخذنا منطلقاتها بعين الاعتبار ، أدنى كثيرا من المحاولة الأولى . ولذا كان من الطبيعيّ أن لا تعترف الهيئات العلميّة الأكّاديميّة بالباراسيكولوجيا أبدا ، وأن تصنّفها في خانة العلوم الكاذبة ، وأن تبقى هذه الصّناعة ، مثلما كانت من قبل ، هامشيّة طفيليّة . انّ البحث الباراسيكولوجيّ الجامعيّ ليس له سوق الاّ في المعاهد الخاصّة ذات التوجّه المذهبيّ في الولايات المتّحدة الأميركيّة ؛ وهي معاهد تموّل برساميل خاصّة ؛ ولا يتجاوز عدد المراكز الباراسيكولوجيّ’ في أميركا كلّها عدد أصابع اليد الواحدة . أمّا نتائج هذه الدراسة وهذا البحث فمقتصرة على تصنيف الظّواهر الوهميّة في تلك المصطلحات ذات القوالب الموروثة عن عهد ” الوسطاء الروحيّين ” الأوائل ، وعلى جمع الأخبار والروايات الصّحفيّة المبتذلة عن أعمال المبصّرين والعرّافين والسّحرة والكهنة و”الوسطاء ” والمشعوذين ، وعن الأحداث الغريبة ممّا جرت العادة في انتشاره في أوساط العامّة ، منذ آلاف السنوات ، في جميع بقاع الكرة الأرضيّة ، كالقرقعة على الجدران وظهور الأشباح في المنازل المهجورة وشبوب النيران ” من غير سبب ” في المزارع النائية ، وغير ذلك من التخريف …يجمعون ذلك في موسوعات هائلة الضخامة ، وهي مصنّفات متعدّدة الأجزاء ، كما يضعون القواميس والمعاجم يرتّبون فيها المصطلحات الباراسيكولوجيّة على الحروف الأبجديّة . هذا هو البحث الباراسيكولوجيّ . ويجب أن يكون الانسان في منتهى الغباء حتّى يعتبر هذا العمل بحثا علميّا أو دراسة علميّة أو شيئا يمتّ الى العلم بصلة .

وينبغي أن تتنبّه الى أمر هو أنّنا بحديثنا هذا انّما نقصد الباراسيكولوجيا المختبريّة التي تصطبغ ب”الصبغة العلميّة ” والتي ينتحلها بعض الهامشيّين من حملة الشهادات الجامعيّة في الغرب عامّة والولايات المتّحدة الأميركيّة خاصّة . فهذه هي الباراسيكولوجيا العلميّة التي يتستّر وراءها كلّ مشعوذيّ الدنيا وكلّ منتحلي الصّفة الباراسيكولوجيّة – من أمثال صاحب الرّخصة البرازيليّة – الذين يغرقون الأسواق بما هبّ  ودبّ من الخرافات والأكاذيب والمختلقات موهمين بأنّ الزبالة الني يبيعونها تحت اسم باراسيكولوجيا هي علم بدرّس في الجامعات الغربيّة . ولا نقصد الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع ، لأنّه ليس هناك باراسيكولوجيا واحد . فالباراسيكولوجيا بالمعنى الواسع هي تسمية غربيّة معاصرة تطلق على كلّ ما هو غبر عقليّ وغير علميّ في تلك الأدبيّات الغرائبيّة ، من غير أن يكون هناك أيّ تجتنس داخليّ ، عمليّ أو نظريّ ، بين تلك الأكاذيب والشعوذات والمختلقات . ففي الظّلام تبدو كلّ الأحجام سوداء كما يقال , الحائط والقطّ والشجرة واللصّ والبغيّ . والباراسيكولوجيا هي هذا الضّباب الفكريّ الأسود الذي يغطّي في الغرب ، حاليّا , تلك الأخلاط المحليّة الموروثة عن القرون الغابرة , أو الناشئة عن الجهل والبؤس العقليّ أحيانا , أو عن الدّجل والشعوذة في معظم الأحيان .

الفصل الثاني: في منهج البحث الباراسيكولوجيّ

  اعلم أنّ ما يجب أن يقع عليه الفحص هو الادّعاء بأنّ الباراسيكولوجيا هي علم , بمعنى أنّها الدّراسة العلميّة لظواهر غريبة – بعضها ذو طبيعة فيزيائيّة وبعضها ذو طبيعة ذهنيّة نفسيّة – تفارق مجرى العادة وتخالف المعطيات والقوانين العلميّة المعروفة . والدّراسة العلميّة تعني ، في هذا الحقل كما في غيره ، دراسة هذه الظواهر بالمنهج العلميّ بغاية اكتشاف القوانين التي تخضع لها ، الأمر الذي يمكّن من التحكّم بها واستخدامها في حقل التطبيق العمليّ ، كما يحصل في سائر العلوم . انّ فحص هذا الادّعاء أمر ميسور . فمفهوم العلم ومفهوم المنهج العلميّ ومفهوم الدراسة العلميّة ومفهوم المعرفة العلميّة هي مفاهيم معروفة متّفق عليها عند أهل البحث والنظر . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فانّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي تنتحل الصّفة العلميّة معروفة ، وكذلك المنهج المطبّق في هذه الأبحاث ، وكذلك النتائج التي توصّلت اليها تلك الدراسة .

 

 

المنهج العلميّ السليم

انّ الدراسة العلميّة لا تتمّ برواية المسموعات والمشاهدات العابرة وتصنيف الحكايات ، ولكن بتطبيق المناهج العلميّة ، والمنهج الاختباريّ ذاته في ما يخصّ المادّة التي تدّعي الباراسيكولوجيا أنّها تدرسها . وهو في أيّ حال ، المنهج الذي لجأ اليه مؤسّسها وفق ادّعائهم . وهذا المنهج هو سلسلة من العمليّات التتابعة ، أوّلها التثبّت من الوجود الموضوعيّ للظاهرة موضوع الدّراسة . ولفظة الظاهرة بالمعنى العلميّ لا تنطبق على الحادث المفرد الشّاذ العرضيّ ، لكنّ على الواقعة الطّردة ( أي المتكرّرة ) التي تقع تحت حصر أدوات البحث العلميّ . فالظاهرة هي الواقعة التي تضعها الطبيعة أمام الفكر بالاستقلال عن الفرضيّة التي تمكّن من استنطاق الطبيعة وبالاستقلال عن المبادىء التي تنظّم تفسيرنا للاختبار وبالاستقلال عن الأحكام المسبقة . فاذا ثبت وجود الظاهرة ذلك الوجود ، أمكن ملاحظتها ومراقبتها وفحصها في ضوء المعارف العلميّة المحقّقة وبواسطة الوسائل الموثوق منها . والغاية من ذلك تفسير الظّاهرة والكشف عن أسبابها الضروريّة الطبيعيّة حتّى يصار الى صياغة هذه العلاقة السببيّة في قانون . فالملاحظة العلميّة لا يمكن أن تحصل الاّ على وقائع قابلة للتكرار ، وبالتالي قابلة لأن نتحقّق من وجودها ونطمئنّ الى أنّها ليست ناتجة عن خداع النظر أو الغشّ . فاذا تمّ ذلك ، طرح الباحث فرضيّة علميّة تفسّر الظاهرة . وهذه الفرضيّة ليست قصيدة من موحيات الخيال لكن نظريّة محكمة متجانسة في ذاتها ، ومتجانسة مع المعطيات العلميّة القائمة ، ومتّسقة مع المثال المعرفيّ السّائد في العالم والذي يرحع اليه جميع الباحثين . ثمّ يتمّ الانتقال الى الخطوة الثالثة وهي التحقّق تحقّقا اختباريّا أو عقليّا من صحّة الفرضيّة ، والتثبّت من صحّة القانون . ويكون ذلك بمحاولة انتاج الظّاهرة واحداثها احداثا متكرّرا منوّعا ، أو اذا استحال ذلك لأمر من ألمور ، أمكن التحقّق من الفرضيّة عبر سلسلة التأثيرات التي يمكن ، بالتجريد الرياضيّ أو الاستنباط العقليّ ، توقّع حدوثها على ظواهر أخرى قائمة ثابتة .

واذا سارت العمليّة بنجاح وأثبت التحقّق صحّة الفرضيّة وصحّة القانون ، تحوّلت الفرضيّة الى معرفة علميّة ، وانضمّت هذه المعرفة الجديدة الى المكتسبات القائمة . وهكذا يحصل التراكم المعرفيّ . فانطلاقا من المحصّلة الجديدة يصار الى اكتشاف قوانين جديدة تستوي في نسيج النّظام المعرفيّ الشامل الذي يحكم معرفتنا للعالم .

وهذا المنهج – بمراحله الثّلاث : الملاحظة والفرضيّة والتّحقّق من صحّة الفرضيّة – قائم مطبّق في جميع العلوم ، بما فيها العلوم الانسانيّة كعلم النفس مثلا ، بصيغ تختلف من علم الى علم بمقدار ما تسمح به المادّة ، موضوع الدّرس .

ولا يسمّى البحث علميّا ، ولا تدعى الطريقة علميّة ، ولا توصف الفرضيّة بالعلميّة ، ولا يكون الاختبار – أو ما قام مقامه من وسائل التحقّق من صحّة الفرضيّة – علميّا ، الاّ اذا كان بامكان جميع الباحثين في الحقل ذاته – فرادى أو جماعات ، في البلد الواحد أو في البلدان المختلفة ، متّفقين أو مختلفين – القيام بالدّراسة ذاتها ، اذا تهيّأت لهم المعطيات ذاتها والوسائل ذاتها . فالباحث الواحد قد يخطىء ، وتاريخ العلم حافل بالأمثلة ، وقد يغشّ ، وثمّة أمثلة على ذلك . لذا ، فالكشف لا يثبت ، ونتائج البحث لا تنضمّ الى المكتسبات العلميّة الاّ اذا تحقّقت منه جماعات العلماء تحقّقا كافيا بعد اطّلاعهم على البحث وعلى حيثيّات الاختبار وبروتوكول التجربة . فالعلم ليس فيه مرجعيّة فرديّة . حتّى في الدّراسة التاريخيّة – وهي من العلوم الانسانيّة – قد يكون موضوع الدّراسة هو الماضي السّحيق ، ومع ذلك لا يجوز لباحث أن يطّلع بمعلومات ونظريّات يدّعي أنّه وقع عليها أو استخلصها من مخطوطة سرّيّة أو وثائق خفيّة لا يمكن أن يدرسها أحد غيره . فالمعطيات الأولى أو الوثائق التي تجري عليها الدّراسة يجب أن تكون بمتناول الجميع . انّه من طبيعة الأبحاث في العلم أن تقود العلماء الى النتائج المتّفقة والى الاجماع الذي لا يحصل عن تواطؤ نعسّفيّ ولا عن ميول فرديّة ، ولكن عن وجود علاقات سببيّة موضوعيّة قابلة للادراك وللاثبات بالبرهان العقليّ أو بالتحقّق الاختباريّ وبالطرائق التي أثبتت مصداقيّتها .

واذا نظرنا في ضوء ذلك الى الأدبيّات الباراسيكولوجيّة ، وجدنا أن ما يمكن فحصه منها ، بما هي طامحة لانتحال صفة البحث العلميّ ، هو الأبحاث المختبريّة فقط التي تتمّ في الاطار الذي وضعه راين وسار عليه تابعوه . أمّا الأقاصيص والحكايات والرّوايات الصّحفيّة والعروض المسرحيّة والتلفزيونيّة وتصريحات هذا أو ذاك من محترفي الشعوذة ، والأخبار المتناقلة عن أعمال العرّافين والوسطاء ومن لفّ لفّهم ، ممّ ينطبق عليه مفهوم الاشاعة المغرضة الطائشة ، والأحداث التي تبدو شاذّة غريبة ممّا يكون قد وقع في هذا المطبخ أو تلك المزرعة النّائية أو في ذلك الفندق المشبوه ، ينقلها هذا المزارع أو تلك العجوز , ممّا تمتلىء به الكتب والمجلاّت الباراسيكولوجيّة – كلّ هذا التراث الوهميّ الباراسيكولوجيّ لا يمكن التّحقّق من صحّته ، ولا يمكن الاعتماد عليه لاثبات وجود الظّواهر المزعومة ، ولا يمكن أصلا من دراسة هذه الظّواهر دراسة علميّة . وهذا هو ما فهمه راين وأتباعه منذ البداية ، على الرّغم من ايمانهم الأعمى بامكان حدوثه . لهذا السبب أقيمت المختبرات ، ففيها وحدها يمكن التحقّق من وجود الظّواهر تحقّقا تجريبيّا ، وبالتالي دراستها . ولذا فانّ فحصنا يقتصر على هذه الدّراسة المختبريّة . أمّا تلك الأدبيّات الاخباريّة الغرائبيّة الرّخيصة ، فنتركها لصاحب الرّخصة البرازيليّة ، يحشو بها مسلسلاته ويقيم عليها صرح الباراسيكولوجيا اللبنانيّة . فهذه البضاعة تناسب ألقابه واتّجهاته ومستواه الفكريّ وأهدافه الطائفيّة والتجاريّة المشبوهة .

وهناك أمر مهمّ ينبغي أن تلاحظه : انّ تلك الدّراسة المختبريّة القائمة منذ أكثر من خمسين عاما لا تزال ، باعتراف أصحابها ، في المرحلة الأولى من مراحل المنهج العلميّ الذي يدّعون كذبا أنّها تعمل به ، وهي مرحلة الملاحظة والتحقّق من وجود الظواهر التي بدأها راين . فمنذ ذلك الحين لم تتقدّم تلك الدّراسة قطّ ، باعترافهم . أمّا الملاحظ المحايد فيجد أنّ الخطّة التي وضعها راين للبحث لا تتّفق مع أصول البحث العلميّ ، ور تسمح بالتقدّم فيه ، وانّما تؤدّي الى الدّوران في حلقة مفرغة .

 

 

مسلّمات لاهوتيّة

هذا لأنّ راين انطلق من مجموعة من المسلّمات اللاهوتيّة مفادها أنّ الكائن الحيّ ، انسانا كان أم حيوانا – أم نباتا عند بعضهم – يمتلك قوّة أو قدرة هي القوّة ” بسيPSI  تمكّنه من الاتّصال بالعالم الخارجيّ وادراكه دون واسطة الحواس أو العضلات ، ومن معرفة المستقبل والماضي الخفيّ ، ومن ادراك الفكرة يرسلها اليه فكريّا فرد آخر ، من بعيد ( التليباثيا ) ؛ فاذا قامت بهذه الأفاعيل سمّيت هذه الطاقة المزعومةE.S.P  اختصارا للجملة الانكليزيّةExtra sensory perception  ( أي الادراك المستقلّ عن الحواس ) . وقال راين انّ هذه الاستطاعة لا تعرف قيود الزمان والمكان ، فهي تسبح في الماضي السحيق ، وفي المستقبل البعيد فتعرف الغيب . وقال أيضا انّ للفكر قوّة تستطيع أن تؤثّر في المادّة . و”الطاقة الفكريّة ” يراها قابلة للتحوّل الى حركة فيزيائيّة ؛ بالقوّة ” بسي ” قادرة على تحريك الأجسام عن بعد أو احداث تغيير فيها ؛ فاذا فعلت ذلك سمّيتP.K. اختصارا لكلمةpsychokinesis  .

وبعد أن قرّر راين هذا التقرير الاعتباطيّ ، ووضع هذه المبادىء الموروثة عن الذهنيّة السحريّة البدائيّة ، صمّم عليها أنواع التجارب التي أراد منها أن تثبت مسلّماته .

 

التجارب ببطاقات زينر

وهذه التجارب تتمّ بواسطة البطاقات المعروفة ببطاقات زينر أو بواسطة أحجار النّرد أو بأدوات أخرى مشابهة . وهي تجارب ورثها الأتباع عن راين ، فهي قائمة في جميع المختبرات الباراسيكولوجيّة . وعندما يقال ” مختبر باراسيكولوجيّ ” فما يتمّ فيه هو من هذا القبيل . ف 90 % من التجارب الباراسيكولوجيّة تتمّ بواسطة ” التحزير ” ببطاقات زينر .

وبطاقات زينر هي مجموعة مؤلّفة من خمس وعشرين بطاقة بحجم ورق اللعب ؛ كلّ خمس منها تحمل على أحد وجهيها علامة هندسيّة بسيطة ( دائرة ، مربّعا ، نجمة خماسيّة ، صليبا ، ثلاثة خطوط متموّجة متوازية ) . تخلط هذه البطاقات وتعرض باليد أو بواسطة آلة تعرضها عرضا ” عشوائيّا ” ( وقد وضعنا كلمة عشوائيّ بين مزدوجات لأنّ العرض ليس عشوائيّا قطعا ) على الفرد الذي يجري عليه التجريب ، ويطلب اليه أن يتكهّن بالعلامة التي ستخرج ( وتدعى الهدف ) . وتتكرّر هذه التجارب عددا كبيرا جدّا من المرّات ، وتسجّل الأجوبة حيال الأهداف في لوائح طويلة . وقد يكون الفرد بعيدا عن المكان الذي تعرض فيه البطاقات ، فيتكهّن من بعيد .

ومن التجارب ما يجري على حجر النّرد السداسيّ الأوجه . ويطلب الى الفرد الذي يجري عليه التجريب أن ” يحرز” الوجه الذي سيخرج اذا رمي حجر النّرد ، أو أن يحاول التأثير فكريّا في وضع الحجر فيخرج الوجه الذي يريده . ومنها ما يجري على نقاط الماء أو الزّيت التي تسقط نقطة نقطة على حدّ الشّفرة ، فتسيل نحو اليمين أو اليسار . ويطلب الى الفرد الذي يجري عليه التجريب أن يحاول التأثير فكريّا في نقطة الماء أو نقطة الزّيت ، فيجعلها تتّجه نحو اليمين أو اليسار . ومنها أيضا الطلب الى فرد آخر بعيد عنه . ويسجّل الجواب ويقارن بما أرسل ، في تجارب طويلة . وهذه التجارب أجريت على أفراد من العموم أو على مجموعات ، كما أجريت على موهوبين مزعومين . وكما ذكرنا من قبل ؛ فقد أجريت أيضا على الحيوانات ، القطط والكلاب والأرانب والضّفادع والفئران والصّراصير وغيرها …

 

أين هي ” الظواهر ” المزعومة ؟

وأنت اذا سألت ” أين هي الظّواهر الخارقة للعادة التي استطاعت تلك التجارب – الغرابيل الامساك بها ؟ قالوا انّ فحص اللوائح الطّويلة للاجابات ، وتحليلها احصائيّا قد أثبتا عددا كبيرا من المرّات ، أنّ هناك تفاوتا واضحا بين معدّل الاجابات الصّحيحة وبين المعدّل الذي تسمح به المصادفة حسب علم الاحصاء . وهذا التفاوت قد يكون كبيرا أو صغيرا ، ايجابيّا أو سلبيّا .( نعم ، سلبيّا ) الاّ أنّه موجود ! فاذا كانت المصادفة تسمح – على زعمهم – باعطاء خمسة أجوبة صحيحة من أصل خمس وعشرين اجابة ، فانّ من الأفراد من استطاع اعطاء سبعة أجوبة صحيحة أو أكثر ، أو ثلاثة أو أقلّ . هناك اذا تفاوت . وهذا التّفاوت هو ذو معنى ، وهو الظّاهرة !

وبمعنى آخر انّ الاجابة الصّحيحة الواحدة من أصل سبع اجابات صحيحة لا تعتبر بحدّ ذاتها شيئا خارقا للعادة لأنّها يمكن أن تتمّ نتيجة المصادفة ، وثمّة أصلا خمس اجابات صحيحة من أصل الاجابات السّبع يمكن نسبتها الى المصادفة ، لكنّ الأمر الخارق للعادة عندهم ليس في نوعيّة الاجابة لكن في كميّتها ! وهذا المنطق البدائيّ الشّاذ سوف تراه في مواضع أخرى من تحليلاتهم ” النوعيّة ” . فاضافة الأمر العاديّ الى الأمر العاديّ عندهم يتحصّل عنه أمر خارق للعادة !

واذا سألتهم : كيف يمكن تمييز الاجابة العجائبيّة التي تمّت بفضل القوّة ” بسي”عن الاجابة العاديّة التي تمّت بفعل المصادفة ما دام الهدف من البحث هو فرز الظواهر الخارقة للعادة ودراستها ؟

قالوا : وا أسفاه ! هذا غير ممكن ، فالغربال الباراسيكولوجيّ يعمل بالجملة لا بالمفرّق ! انّ ” الظواهر ” لا توجد الاّ بالجملة . فاذا فحصناها واحدة واحدة تبخّرت !

 

 

فضيحة منطقيّة

وكما يمكنك أن تفترض ذلك بسهولة ، فقد تعرّض البحث الباراسيكولوجيّ هذا ونتائجه للنقد الساحر وللطعن الشديد من فبل العلماء الذين لم يعترفوا لهذه التجارب بأيّة قيمة علميّة . وهذه الطّعون كثيرة ومتأتّية من وجوه عديدة . وكلّ منها قاتل . انّه لا يمكن وصف هذا المنهج بأنّه علميّ اختباريّ ، لأنّ المنهج العلميّ ، اختباريّا كان أم غير اختباريّ ، يضع الأحكام المسبقة جانبا ، ويبدأ بملاحظة الظّاهرة بما هي معطى طبيعيّ مستقلّ . والدّراسة في المنهج العلميّ غايتها الكشف عن العلاقة بين الظّاهرة وأسبابها . والاختبار فيه – وهو يأتي في آخر مراحله – انّما هو للتحقّق من صحّة الفرضيّة التي تفسّر الظّاهرة . أمّا هذه الطريقة الباراسيكولوجيّة فانّها شاذّة مفارقة . فهي لا تبدأ بملاحظة الظّاهرة ودراستها ، لأنّ الظّاهرة الباراسيكولوجيّة المزعومة ليست معطى واضحا يفرض نفسه بالبداهة على الذهن ، ووجودها ليس سابقا على الدّراسة ؛ ولكنّها تبدأ بمصادرة فكريّة اعتباطيّة هي القول بوجود القوّة ” بسي ” . والغاية من التجريب فيها هي اثبات وجود الظّاهرة والقوّة ” بسي”. فنتائج البحث متضمّنة كلّها في المسلّمة الأولى . فهذا المنهج الغبيّ الذي يمكن وصفه تجاوزا بالتجريبيّ لا الاختباريّ ولا يسمح باكتشاف العلاقة السببيّة بين العلّة والمعلول ، بين القوّة ” بسي” الوهميّة والظّاهرة المزعومة ، ولا يسمح بالتحقّق من الفرضيّة ؛ ولكنّه يحوّل التجريب والبحث من أوّله الى آخره الى مجرّد جواب يؤكّد المسلّمة . وأنت اذا فحصته خارج حدود تلك المسلّمة ، وجدته فضيحة منطقيّة . فهم اذا سئلوا : كيف عرفتم أنّ الفرد الذي تجري عليه التجارب يمتلك القوّة ” بسي” ؟ أجابوا : لأنّه جاء بمعدّل يفارق معدّل المصادفة . فاذا سئلوا :  كيف استطاع الحصول على هذه النتيجة ؟ أجابوا : لأنّه يمتلك القوّة “بسي” ! وهذا دور وحلقة مفرغة ، لأنّه لا يجوز اللجوء الى القوّة “بسي” لتفسير التّفاوت الاّ اذا سبق وقام البرهان على وجود القوّة ” بسي”. فاذا أنت سألتهم : وأين هو ما يثبت وجود القوّة “بسي” بالاستقلال عن هذا الدّور المنطقيّ ؟ خرسزا كما يخرس الحمار الملجم . واذا سألتهم :” أين هو ما يثبت في معطيات التجربة أنّ التّفاوت هو ظاهرة لا تفسّر بالمعطيات والقوانين العلميّة المعروفة ؟ خرسوا كما يخرس الحمار الملجم . واذا سألتهم :” أين ما يثبت ، في معطيات التجربة ، وجود العلاقة الضروريّة بين القوّة “بسي” المفترضة والتّفاوت ؟ ” خرسوا كما يخرس الحمار الملجم . وكما ترى ، فانّ هذا المنهج السّخيف الذي لا يثبت وجود القوّة ” بسي” ، ولا يثبت وجود الظّاهرة ، ولا يثبت وجود علاقة سببيّة بين هذين الطرفين الوهميّين ، يخرج البحث الباراسيكولوجيّ من دائرة البحث العلميّ ، ويجعل منه نوعا من الفذلكة اللاهوتيّة السخيفة . فالغاية منه هي اثبات مسلّمات ايمانيّة لا اكتشاف قوانين علميّة مجهولة .

 

 

الاعتباط والسخف في تصميم التجارب

أمّا الذي يثير السخرية في هذا النهج البدائيّ ، فهو ، بالاضافة الى ما ذكرناه من اغلاق أفق البحث بالأحكام المسبقة الموروثة عن التفكير السّحريّ ، الاعتباط والسّخف في تصميم التجارب . فمن جهة أولى سلّم راين بوجود قوى خفيّة مجهولة في الانسان ، وأضاف اليها ادراك الغيوب وفعل الأمور المفارقة لمجرى العادة وسنن الطبيعة ؛ ومن جهة أخرى ،  لم يجد لاقامة البرهان على دعواه الخطيرة الاّ ” التحزير ” ببطاقات زينر ليس أكثر من انتقاء عشوائيّ لرمز من أصل خمسة رموز يعرف الفرد الذي تجري عليه التجربة هويّتها معرفة مسبقة ؛ فهي اختيار عشوائيّ لاجابة من أصل خمس اجابات ممكنة ، معطاة كلّها ، ومحدّدة سلفا . وليس في هذه التجربة أيّة محاولة لمعرفة فكرة مجهولة أو حدث مستقبل أو واقعة غائبة عن العيان . والفرد الذي تجري عليه التجربة لا يقوم بأيّ جهد ، ولا يمارس أيّ نشاط ، ولا يتمتّع بأيّة حريّة ، ولا يملك أيّة مبادرة ، ولا يعمل أيّة طاقة فكريّة أو نفسيّة أو عقليّة أو غير ذلك ممّا يضفي على التجربة طابع الشخصيّة ؛ انّه يكتفي بأن يختار ، خبط عشواء ، وبصورة سلبيّة كاملة ، اجابة من أصل خمس اجابات معروفة . فكيف يمكن أن تبرهن هذه اللعبة السلبيّة على وجود قوّة فاعلة ذكيّة ادراكيّة كالتي تتضمّنها المسلّمة ؟  وأين هو الغيب أو المعلومات المجهولة التي يمكن أن يتكهّن بها اللاعب ؟ ولماذا وضع ذلك المغفّل هذا الاطار السّخيف التافه لتجريب تلك القوّة التي يفترض أنّها جبّارة ؟ ولماذا حدّد استطاعتها بمعرفة رمز من أصل خمسة رموز معروفة وحسب ؟ ولماذا التحديد أصلا ؟ فما دام قد نسب الى القوّة المزعومة ” بسي” تلك القدرات الخارقة ، فلماذا لم يجرّبها بعبقات تناسب تلك الصّفات ؟

وادّعى راين أيضا أنّ الفكر ، أو بالأحرى ” الروح ” كما يقول ، يؤثر في المادّة من غير واسطة معروفة . ثم لم يجد للبرهان على هذه القضيّة المطلقة الاّ التجريب بتسلّط الفكر على نقطة الماء تقع على حدّ السّكين ! انّ نقطة الماء ستسيل حتما ذات اليمين أو ذات اليسار سواء سلّط عليها الانسان أو القرد فكره أم تركت تسيل وحدها دون أن يراقبها أحد . انّه ليس أمامها الاّ امكانيّة واحدة من امكانيّتين اثنتين فقط ، وهي ستتّخذ حتما هذا السبيل أو ذاك . ولا يغيّر من طبيعة الأمر شيئا أن يكون ثمّة تفاوت بين عدد النقاط السّائلة لهذه الجهة أو تلك ، وبين معدّل المصادفة ، لأنّ العوامل الطبيعيّة التي تفسّر هذا التفاوت ، في حال وجوده ، لا يمكن حصرها ولا يمكن معرفة عددها كما انّه لا يمكن تجاهلها . كما انّه من المستحيل معرفة هل كان التفاوت ناتجا عن سبب طبيعيّ مجهول أو عن تسليط الفكر ؛ كما انّه من المستحيل أيضا اثبات العلاقة بين التفاوت ، اذا وجد ، وبين الفكر ، اذا كان يؤثّر بالمادّة من غير واسطة . فليس في هذه التجربة السخيفة اطار يسمح بتمييز أثر القوّة ” بسي ” من انعدام هذا الأثر . واذا كان راين قد قرّر أنّ القوّة “بسي” الوهميّة نؤثّر في المادّة ، فلماذا لم يصممّ تجربة تسمح باقامة البرهان الجليّ الواضح الدامغ على صدق ادّعائه السّحريّ ؟ كأن يضع كأسا على الطاولة مثلا ثمّ يطلب الى جميع ” وسطاء ” الكرة الأرضيّة ” وموهوبيها ” ، فرادى أو مجتمعين ، أن يسلّطوا عليها قواهم الباراسيكولوجيّة طوال الأشهر ، بل السّنوات بل العقود ، فيحاولوا رفعها مقدار ملّيمتر واحد عن الطاولة ؟ واذا كانت تلك القوّة السّحريّة قادرة بزعمه ، على تغيير مجرى نقطة الماء أو تحريك الأجسام عن بعد والتأثير فيها ، فلماذا لم يجرّبها مثلا بتحريك ذرّات الرّصاص تحريكا ما فيتحوّل الى ذهب أو الفحم فيتحوّل الى الماس ، أو باذابة الشّحوم التي تسدّ مجرى الدّم في الشّرايين ، أو بتفتيت الحصى في الكلى أو غير ذلك ممّا يثبت وجودها بما لا يدع مجالا للشكّ ؟

ليس هذا وحسب ! بل انّ تلك التجارب السخيفة التي وضعها راين يجب أن تتكرّر آلاف المرّات بصورة مملّة حتّى تسمح بالحصول على نتيجة ، وأيّة نتيجة ! فتلك النتائج أشدّ تعمية وغموضا وخفاء من القوّة التي يراد لها أن تبرهن على وجودها ، لأنّ تلك التجارب تدخل مجهولا على المجهول الذي تحاول ، كالغرابيل ، القبض عليه . فبالاضافة الى المجهول الأوّل الذي هو أثر القوّة ” بسي” الوهميّة ، هناك المجهول الثاني وهو عامل المصادفة . فهذا المجهول ممتزج بالأوّل ، ولا يمكن التحكّم به أو تمييزه أو فصله أو عزله عن المجهول الأوّل . فكلّ واحد منهما يحلّ محلّ الآخر ، وكلّ اجابة ، اذا اخذت بمفردها يمكن أن تنسب الى المصادفة . فما نفع تلك الغرابيل ؟ ولماذا كانت تلك القوى السّحريّة موجودة ، لم يصمّم لها ذلك الجاهل غربالا يناسبها قادرا على عزل مفعولها عن عامل المصادفة ؟

ليس هذا وحسب ! بل انّه ليس هناك من مطابقة أو صلة بين صفات القوّة ” بسي” المتضمّنة في المسلّمة الأساسيّة الوصّفات التي تسمح التجارب ، كما يقرأها اتباع الباراسيكولوجيا أنفسهم باضافتها الى تلك القوّة الخياليّة . لقد نسب ذلك المسكين المصاب بعقله الى الى القوّة ” بسي” القدرة على معرفة الغيوب ، سواء وقعت هذه الغيوب في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وكأنّه لا يدرك معنى هذا الادّعاء . انّ الحدث المستقبل هو محصّلة لآلاف بل لملايين الوقائع التي تنتج عن ملايين الأسباب ؛ انّ ثمّة عالما كاملا قائما بذاته يجب أن يوجد حتّى يقع ذلك الحدث . فمعرفة المستقبل هي خرق لقوانين الطبيعة المعروفة وخرق لمبادىء العقل وقوانينه . وهي شيء في غاية الخطورة والأهميّة ، ويختلف بالنوع عمّا عداه من أنواع الادراك والمعرفة والابداع وعن كلّ عمل يمكن أن يقوم به انسان ، وفوق طاقة البشر باطلاق . فما هي التجارب التي صمّمت للتحقّق من هذه الدّعوى الخطيرة للغاية ؟ التحزير  ببطاقات زينر ! وعلى أيّ شيء تدلّ تلك التجارب التي يجب أن تتكرّر عشرات الآلاف من المرّات ؟ – على أنّ القوّة ” بسي” لا تستطيع أن تأتي بشيء يمكن تمييزه نوعيّا عمّا هو جار مألوف في الطبيعة ، وعمّا يتحصّل بالمصادفة العمياء ! تقول الشّراذم الباراسيكولوجيّة انّه ليس في نوعيّة الاجابات يعرف أثر القوّة “بسي” ومفعولها ، لكن في كميّتها ! فالاجابة الصّحيحة أو الخاطئة ( ليس هناك في الحقيقة اجابة أو سؤال بالمعنى الفكريّ الجدليّ لهاتين الكلمتين بل هناك ” تحزير ” فقط ) هي عمليّة عاديّة طبيعيّة أوتوماتيكيّة . أمّا اذا تجاوزت كميّة الاجابات الصّحيحة – أو الخاطئة –حدّا معيّنا ، صار لها معنى  ؛ هذا قولهم . غير أنّ هذه المخلوقات المسكينة لا تدرك أنّ هذا المعنى ليس هو المعنى الذي تدّعيه المسلّمة القائلة بوجود القوّة “بسي” ، وليس هو الادّعاء الذي أقيمت التجارب والمختبرات الباراسيكولوجيّة للبرهنة عليه . فمعرفة الغيب هي نوع قائم بذاته لا يمكن أن تتحوّل اليه الكميّات – مهما كانت هائلة – من الاجابات العشوائيّة التي تتمّ بطريقة طبيعيّة أوتوماتيكيّة والتي يمكن أن تنسب كلّ واحدة منها الى المصادفة العاديّة . فمثل هذه الكميّات ، مهما عظمت ، لا ياحقها التغيّر النوعيّ ولا تكتسب صفة نوعيّة جديدة . كما انّنا لو أضفنا ملايين الأصفار الى ملايين الأصفار لما حصلنا الاّ على الأصفار ، ولم نستطع الحصول أبدا على عدد صحيح . ولو أضفنا مليون تفّاحة الى مليون تفّاحة لن يتحصّل منها برتقالة واحدة . حتّى لو فرضنا جدلا وجود ذلك التفاوت بين معدّل الاجابات الصحيحة ( أو الخاطئة ) وبين معدّل المصادفة ، وأنّ هذا التفاوت لا يعرف له سبب طبيعيّ ، وأنّه ذو معنى – حتّى لو افترضنا كلّ ذلك ، فانّ هذا المعنى يبقى في أيّ حال شيئا مختلفا بالكليّة عن معنى معرفة الغيوب . وكلّ ما يسمح به هو القول انّ بعض الأفراد اذا حزّرته لمعرفة الاجابة المناسبة من أصل خمس اجابات محدّدة سلفا ومعطاة ، يستطيع أن ” يحزر”بمعدّل يختلف ايجابا ( أو سلبا ) عن معدّل المصادفة ؛ هذا وهذا فقط . ويجب أن يكون الانسان طويل الأذنين جدّا – كما هو حال المخلوقات الباراسيكولوجيّة – لينتقل من تلك النتيجة الى القول بأنّ ذلك الفرد يمتلك قوّة تمكّنه من ادراك الغيوب ! واعلم أنّهم أشدّ اغراقا من ذلك في الجهل والغباء لأنّهم يخرجون الى ذلك الاستنتاج حتّى عندما تكون الاجابات في معظمها خاطئة !

وهم في هذا كأنّهم يدّعون مثلا أنّ ثمّة رجلا يستطيع أن يقفز عن حائط علّوه ألف متر ، ثمّ يجرّبونه بأن يضعوا له حاجزا علّوه ألف متر ! ثمّ يقولون انّ الرجل العاديّ يقفز هذا الحاجز ثلاثين مرّة في السّاعة ، أمّا موهوبنا فقد فعل ذلك ، في السّاعة الواحدة ، ستّين مرّة ، أو عشر مرّات فقط . فهو اذا قد خالف المعدّل العاديّ ؛ فهذا يدل على أنّه قادر على قفز حائط علّوه ألف متر ! هذا هو المنطق التجريبيّ الباراسيكولوجيّ ! لقد أضافوا الى تلك القوّة السّحريّة الموهومة من القدرات الهائلة الخطيرة المتفوّقة على القدرات الطبيعيّة المعروفة مالا يخطر ببال انسان .ثمّ وضعوا لها الغرابيل الواسعة والتجارب التافهة التي لا تسمح بالتحقّق من تلك الدّعاوى ولا تناسبها أصلا ، ولا تتطابق معها . فالبحث الباراسيكولوجيّ أشبه بمسرحيّة هزليّة ، تثير الضحك لسخفها وتفاهتها . فتمثيليّة القوّة ” بسي” تشبه قول القائل : اني هائل جبّار أعطيت قوّة العمالقة الجبّارين ، أنقل القارّات من مكانها وأغرق الجبال في أعماق البحار ! واذا أردتم التحقّق من دعواي فأعطوني قشّة ، فانّب أنقلها لكم من مكان الى مكان آخر يبعد عنه عدّة ملّيمترات !

 

خدعة التحليل الاحصائيّ

لقد ذكرت لك أنّ راين المغفّل وتابعيه قد استنتجوا ، على زعمهم ، أنّ التحليل الاحصائيّ للمعطيات المتحصّلة من ملايين التجارب ببطاقات زينر وغيرها ممّا شابهها ، على آلاف الأفراد ، طوال أكثر من نصف قرن ، يدلّ على وجود فارق أو تفاوت سلبيّ أو ايجابيّ بين معدّل الاجابات الصّحيحة وبين المعدّل الذي تسمح به المصادفة . فاذا كانت المصادفة مثلا تسمح بالحصول على 50 بالمئة من الاجابات الصّحيحة ، وحصل الفرد عبر التجارب الطّويلة ، على معدّل 55 بالمئة أو أكثر ، أو 45 بالمئة أو أقلّ ، صاحوا قائلين : ” ظاهرة خارقة !” و”انّها وان تكن ظاهرة حسابيّة مجرّدة ، ذات طبيعة احصائيّة كمّيّة ، موجودة بالجملة لا بالمفرّق ، يستخرجها التحليل الاحصائيّ استخراجا من اللوائح الطويلة ، فهي ثابتة ! وهي من مفاعيل القوّة “بسي” عليها السّلام !”

اعلم أنّ من الأخاديع التي يلجأ اليها أتباع الباراسيكولوجيا للتمويه على العامّة ولايهامهم بأنّ صناعتهم هي علم قولهم انّ التجارب الباراسيكولوجيّة المختبريّة تستخدم علم الاحصاء ، وأنّ استخدام الاحصاء يرفع الباراسيكولوجيا الى مقام العلم الأكّاديميّ . وأنت لا تجد كتابا واحدا في الباراسيكولوجيا الاّ يسوق كاتبه كلمة قالها ، عام 1937 ، احصائيّ أميركيّ يدعى برتن كامب في أنّ راين يستخدم التحليل الاحصائيّ استخداما سليما بصرف النظر عن الطرق التي تتمّ فيها التجارب . فهذه الكلمة عندهم هي بمنزلة شهادة حسن سلوك “علميّة ” للباراسيكولوجيا .

وهذا ضرب من الشعوذة الفكريّة ، وشبيه بما يفعله لاعب الخفّة عندما يصرف انتباه المشاهدين بطريقة من الطّرق المتعدّدة حتّى لا ينتبهوا الى الخدعة التي يقوم بها . انّ العيب ليس في التحليل الاحصائيّ . والتحليل الاحصائيّ الذي تقوم به حاليّا أجهزة الكمبيوتر المزوّدة بالبرامج الملائمة لا يبرهن بحدّ ذاته على شيء ، وانّما هو مجرّد طريقة لقراءة المعطيات التي تعرض عليه وتتحصّل بالاستقلال عنه . فاذا كانت المعطيات سليمة ، كانت القراءة سليمة ، واذا كانت المعطيات فاسدة ، كاذبة أو مزوّرة ، أو متحصّلة عن تجارب غير مستوفية الشروط المناسبة ، كانت القراءة بطبيعة الحال فاسدة . وأنت تعلم أنّ المنجّمين اليوم يستخدمون أجهزة الكمبيوتر في قراءة الطّالع ؛ وهذا لا يعني أنّ الكمبيوتر هو الذي يقرأ الطالع ، ولكنّه يدخل المعطيات في القوالب التي يلقّمه ايّاها المنجّم ، ويقرأ المعطيات في ضوء البرنامج الآلي الذي زوّد به . فالفساد ليس في عمل الكمبيوتر لكن في قوالب البرنامج المفبركة على مبادىء التنجيم . وهؤلاء القائلون بتأثير الكواكب في مصائر البشر قد لجأوا أيضا الى التحليل الاحصائيّ وزعموا، كأتباع الباراسيكولوجيا أنّ التحليل الاحصائيّ قد “أثبت ” مسلّماتهم الكاذبة . الفريقان يمخرقان ويكذبان . فمثلما أنّ استخدام الكمبيوتر واللجوء الى التحليل الاحصائيّ في التنجيم لا يعني أنّ التنجيم علم صحيح ، فكذلك استخدام التحليل الاحصائيّ في الباراسيكولوجيا لا يدلّ على أنّ الباراسيكولوجيا علم صحيح . فالفساد ليس في التحليل الاحصائيّ لكن في التقنيّة التي تتمّ بها التجارب وفي المنهجة التي تحصّل فيها المعطيات .

 

بروتوكول التجربة يسمح بالتزوير

وهذه التقنيّة التي تتمّ بها التجارب قد تعرّضت لطعون شديدة . فقد تبيّن أنّ البروتوكول الموضوع لكثير منها ، ممّا نشرت نتائجه ، سواء ما أجري منها على الأفراد العاديّين أو على الموهوبين المزعومين ، غير محكم ، ويحتوي على ثغرات تسمح بحدوث الغشّ والتزوير .3

كما انّ بطاقات زينر التي يستخدمونها في التجارب كانت سيئة الصّناعة والطباعة تسمح برؤية الرمز المرسوم على الوجه المستور منها 4، وقفاها موجّه ، بشهادة المحترفين ، أي ان الرّائيّ ، اذا عرضت أمامه ، لا يرى في قفا كلّ منها رسما موحّدا يبقى هو ذاته اذا غيّر اتّجاهها . وهذا ما يفسّر المعدّل المرتفع في الاجابات الصّحيحة .5

يضاف الى ذلك أنّ الأفراد الذين كانت تجري عليهم التّجارب كانوا يتقاضون أجرا ، وكان الواحد منهم يعلم أنّه اذا جاء يمعدّل مرتفع ، فانّه سيدعى الى التجريب مجدّدا والى القبض مجدّدا ؛ فثمّة ما يحفّزه على النجاح وبالتالي على الغشّ . ووسائل الغشّ كثيرة ؛ منها احداث أثر خفيّ بالظفر أو بغيره على قفا البطاقة مناسبا للعلامة المرسومة على الوجه الأخر .ووسائل الغشّ هذه صرّح بها أفراد اشتركوا في عمليّات التجريب ولاعبوا خفّة اشتركوا فيها أيضا للتثبّت من سلامة البروتوكول . كلّ ذلك يجعل نتائج التّجارب مغلوطة .

باحثون باراسيكولوجيّون مزوّرون

ومن هذه الطّعون ما تناول الباحثين المختبرين الباراسيكولوجيّين أنفسهم . فقد تبيّن أنّ بعض الذين قاموا بتجارب طويلة ” ناجحة ” أثبتت على زعمهم وجود ” الظّواهر ” الغريبة ، قد غشّ وزوّر عمدا وقصدا نتائج التّجارب ؛ من هؤلاء صموئيل صول الانكليزيّ ، وهو عندهم من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم بل يضعونه في مرتبة راين . وقد أجرى تجارب طويلة في مختبره في لندن ، وهي تجارب لها أهميّة خاصّة عند أتباع الباراسيكولوجيا ، وادّعى أنّه حصل على معدّل مرتفع جدّا من الاجابات الصّحيحة . وقد أثبت الفحص ، من بعد ، أنّه زوّر عمدا نتائج تجاربه .6

ومنهم أيضا الدكتور والتر ليفي . وكان مساعدا لراين في مختبره الذي هو المصنع الأكبر والأوّل والأهمّ للأبحاث الباراسيكولوجيّة . ثمّ تسلّم ادارة المختبر وادارة الأبحاث والتّجارب بعد خروج راين على التقاعد . وعلم 1974 ، قبض على هذا المدير الهائل ، والدكتور الباراسيكولوجيّ العظيم ، وهذا القطب العالميّ من أقطاب الباراسيكولوجيا ، قبض عليه بالجرم المشهود وهو يزور نتائج التّجارب . وأرغم راين على ابعاده ، لكنّه ، رغم الفضيحة ، أبى الاقرار بأنّ الشّكّ يتطرّق الى التجارب العديدة ” الناجحة ” التي كان قد أجراها ليفي المذكور ، والى النتائج الدّراسات التي نشرها والتي يعتبرها الباراسيكولوجيّون ذخيرة من ذخائرهم وكنزا من كنوزهم .7

 

 

باحثون باراسيكولوجيّون مغفّلون

هؤلاء غشّوا وزوّروا ولم يكشف تزويرهم وخداعهم الاّ بالصّدفة . ولو كانت نتائج التجارب سليمة واضحة قويّة لما احتاجوا الى تزويرها . وهم في أيّ حال نماذج تمثّل تيّار التزوير والغشّ الذي اجتاح البحث الباراسيكولوجيّ ، وهو تيّار متأصّل في الباراسيكولوجيا وقائم في أساس تكوينها وولادتها . أمّا الطابع الغالب على المشتغلين بالتجارب والدّراسات الباراسيكولوجيّة فهو الغياب الكامل لكلّ حسّ نقديّ . فراين ذاته ، مؤسّس الباراسيكولوجيا “العلميّة ” ، كان مغفّلا ومحدودا غبيّا . 8

فقد أحضرت له ذات يوم احدى المزارعات فرسا ، وادّعت أنّ فرسها المسمّاة ” اللادي وندر ( أي السيّدة المذهلة ) تقرأ الأفكار . فلم يتورّع راين من اجراء التجارب عليها : فكان يكتب رقما على ورقة ، فتشير عندها الفرس بخرطومها الى مكعّب يحمل ذلك الرقم من جملة مكعّبات مرقّمة أمامها . وبهر راين بهذه الظّاهرة الغريبة ! وكتب عنها مقالا ضافيا في احدى الصّحف عنونه تحقيق حول حصان يقرأ الأفكار ! ثمّ أتبعه بمقال ثان يؤكّد فيه نتائج التجربة الأولى . ثمّ جاءه أحد لاعبي الخفّة المحترفين المدعوMelbourne Christopher  فأفهمه أن الفرس لا تقرأ الأفكار ولكنّها مدرّبة ، فهي ، حينما تستعرض بخرطومها المكعّبات ، تتوقّف عند هذا المكعّب أو ذاك عندما تشير لها صاحبتها اشارة خفيّة . أمّا كيف تعلم المرأة بالرقم المكتوب على الورقة ، فذلك بنظرها الى حركة القلم . وبرهي لاعب الخفّة لراين على ذلك بالتجربة الحيّة اذ استقدم الفرس وصاحبتها ، وأوهم المرأة بحركة يده بأنّه يكتب رقم 8 . في حين أنّه لم يكتب الاّ الرقم 3 ، فاذا بالفرس ، عند اشارة صاحبتها الخفيّة ، تتوقّف عند المكعّب الذي يحمل الرقم 8 . ولمّا صحصح الحقّ عند ذلك  ، أسقط في يد المرأة فاعترفت بأنّها قد درّبت الفرس وأنّها تتكسّب بذلك . لكنّ راين أصرّ على غبائه العميق وأبى الاعتراف بأنّه كان مخدواعا ، وانتحل الاعذار الواهية لتبرير موقفه قائلا انّ الفرس حينما اجرى عليها التجربة كانت موهوبة ؛ الاّ أنّها ، بعد ذلك ، فقدت مواهبها ، الأمر الذي دفع صاحبتها الى تدريبها !9

وهذا المنطق الأعوج ، وهذا التمحّل في طلب الأعذار الواهية الأشدّ قبحا من الذّنوب هو عامّ شامل متأصّل لدى أتباع الباراسيكولوجيا ، وهو خاصيّة من خواص الخطاب الباراسيكولوجيّ ، منذ ولادة الباراسيكولوجيا الى اليوم ، يلجأون اليه لجوءا منهجيّا يختلقون به الأعذار لأصحاب المواهب اذا افتضح أمرهم وكشف خداعهم . وسوف ترى أمثلة كثيرة على ذلك .

هذا راين قطبهم الأكبر ! وكيف تقول اذا حدّثتك عن ادوار نوموف وهو أسطون من أساطين الباراسيكولوجيا ، وأحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم كما يدعونه . وصاحب الرخصة البرازيليّة يخلع عليها – كعادتهم في خلع الألقاب العلميّة الهائلة على أنفسهم – جملة من الألقاب ، فيدعوه العالم نوموف ، ومدير مختبر الأبحاث الباراسيكولوجيّة في قسم الفيزياء والهندسة التابع للدولة في موسكو ، ويزعم أنّه يشرف على تعليم الباراسيكولوجيا في جامعة موسكو ( الباراسيكولوجية في خدمة العلم ، ص 551 )، وهذا هو الكذب المحض والتزوير الخالص ، أو اذا شئت ، الغباء المطلق في عدم التحقّق من الادّعاءات والأكاذيب والألقاب المزوّرة . فالباراسيكولوجيا ، أوّلا ، لم تدخل الى أيّة جامعة من جامعات الاتّحاد السوفياتيّ قطّ. وثانيا ، انّ هذا الرجل المسكين لم يدرّس قطّ لا في جامعة موسكو ولا في أيّ مختبر رسميّ أو غير رسميّ . كان قد أمضى بعض السّنوات في دراسة البيولوجيا دون نجاح قبل أن يعمل في أحد مراكز التوثيق على تصنيف المطبوعات السوفياتيّة والأجنبيّة المختصّة بالأبحاث البيولوجيّة ، ووضعها بمتناول الباحثين . ثمّ انّ وسواس الباراسيكولوجيا تسلّط عليه ، فأذاع أنّه يقوم بدراسات على الوسطاء والوسيطات من الموهوبين والموهوبات . وهذه الدّراسات هي عبارة عن أفلام ، بعضها صامت ، يصوّرها ويصدّرها للغرب . وهو الذي شهر بأفلامه الموهوبة الشّهيرة كولاغينا . وسوف تأتيك نوادرهما ، وكيف ولماذا طاردتهما العدالة . هذا الرجل الفقير الى نعمة العقل ، قابله ، عام 1989 ، صحافيّ فرنسيّ كان يقوم بتحقيق عن الباراسيكولوجيا . واليك جانبا من المقابلة المضحكة المبكية :

الصّحافيّ : هل ساورك الشّكّ أحيانا بصحّة الظّواهر التي صوّرتها ؟

نوموف : قطعا ، قطعا ! فأنا قبل أن أبدأ بالتصوير أدور حول الشخص ( الوسيط ) أفحصه بواسطة حاسّتي السّادسة ! أشمّه تقريبا كما تشمّ الكلاب . ولهذه الجهة فأنا أتمتّع بحاسة شكّ قويّة ! اني أشعر فورا بوجود الشخص الموهوب الأمين الطّاهر . وأستطيع أن أتعرّف الى الموهوبين وأميّزهم من بعد كبير . صحيح أنّه بالامكان خداعي والاحتيال عليّ في أحداث الحياة اليوميّة العاديّة ، أمّا مع الوسطاء فانّي لا أخدع أبدا …10

فاذا علمت أنّ هذا المعتوه يعتبر ” أحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “، علمت ما هي الباراسيكولوجيا !

 

طريقة تعليميّة باطنيّة لا دراسة علميّة

  فأيّة ثقة يمكنك أن توليها لدراسات وأبحاث يقوم بها مثل هؤلاء الأفراد ؟ وقد يقول قائل إنّ الباحث في أيّ حقل من حقول العلم قد يخطئ , وقد يغشّ , وقد يكون مغفّلا . وهناك أمثلة عديدة على ذلك . هذا صحيح بطبيعة الحال . فالباحثون هم من البشر , يصدق عليهم ما يصدق على سائر الناس . إلاّ أنّه إذا غشّ الباحث أو أخطـأ في حقل من حقول العلم , أمكن اكتشاف الخطإ والغشّ بسهولة . فهناك ضمانة , وهذه الضّمانة هي أنّ التجربة العلميّة لا تكون تجربة علميّة الاّ إذا اتّصفت بأنها قابلة للتكرار ,وبأنّ هذا الباحث او ذاك بإمكانه ان يجريها في هذا المختبر او ذاك .  وهكذا يكون بإمكان الجميع التحقق من صحّة التجربة ومن صحّة النتائج . وهكذا يفعلون . لكنّ هذا الأمر مستحيل في البحث الباراسيكولوجيّ , لأنّه من طبيعة التجربة الباراسيكولوجيّة , كما يقرّ بذلك البراسيكولوجيّون أنفسهم , أنّها لا تتكرّر أبدا . ولهم في ذلك أفانين عجيبة سوف تراها . فالتجربة الباراسيكولوجيّة الناجحة يعتبرونها حدثا فريدا , وفرادته مطلقة خالصة . وهذا يعني أنّه عندما يدّعي الباحث الباراسيكولوجيّ أنّّه قام بتجربة ناجحة , فإنّه يستحيل التحقق من دعواه . فأنت لا تستطيع أن تقيم مع ” الدراسة ” الباراسيكولوجيّة أيّة علاقة موضوعيّة عقليّة مباشرة . وضمانة نتائج البحث ليست في البحث ونتائجه , ولكن في شخص الباحث الذي قام بها وادّعى نجاحها . فادّعاء الباحث الباراسيكولوجيّ أنّه قام بتجربة ” ناجحة ” وأنّه نجح في إثبات الظواهر الموهومة , هي بمعنى من المعاني , كدعوى الذي يدّعي أنّه ظهرت عليه العذراء مريم أو رأى الملائكة . ولذا كانت الظواهر الباراسيكولوجيّة تدخل في باب ” صدّق أو لا تصدّق ” !ولذا , كان الباحث الباراسيكولوجيّ بمنزلة “المعلم ” عند الباراسيكولوجييّن ؛ ولهذا السبب ولأسباب أخرى سوف تراها , تراهم يحصنّونه من الشبهات بالألقاب العلميّة الكبيرة الطويلة , فهي أشبه بالحجاب والتعّوذة له . فإذا كانت التجارب والأبحاث الباراسيكولوجيّّّّة ونتائجها من هذا النوع التعليميّ الاعتقاديّ الذي لا ضمانة له بذاته , وإنّما عليك أنّ تقبضه على ذمّة الرّاوي كذّابا نصّابا من أمثال صول وليفي أوغبيّا مختلاّ كراين ونوموف , وهم الأقطاب والعمداء والأئمّة وانبياء الباراسيكولوجيا , صارت هذه الأبحاث نوعا من الروايات المزوّرة , وموضعا للشّبهة والشكّ , وانتفت عنها الصّفة العلميّة , وصارت الباراسيكولوجيا نوعا من المذهب الاعتقاديّ التعليميّ الباطنيّ الذي يقبل بالإيمان لا بالعقل . انّ من ينعم النظر في أقوال راين يستشفّ منها أنّ هذا المهووس بالغيبيّات قد أسّس ، لا علما ، لكن ضربا من الثيولوجيا ( علم اللاهوت ) تستوي تمام الاستواء في الباراسيكولوجيا ” الروحيّة ” الأولى التي حاولت اقامة ” الدّين العلميّ ” أو ” العلم الدّينيّ ” . فكأنّه قد أراد من ذلك ” المختبر ” أن يكون في عصر العلم هيكلا تتلمّس فيه ” التجريبيّة ” وجود ” الروح ” ، أو مرصدا روحيّا .  وكأنّ الباراسيكولوجيا عنده هي دراسة تطبيقيّة للقوى الروحيّة ، فعلاقتها عنده بالدّين كعلاقة الطبّ بالفزيولوجيا . فأرجح الظنّ أنّه لم يفهم ما هو الدّين كما لم يفهم ما هو العلم . وهو قد أساء الى الدين كما أساء الى العلم . وربّ عدوّ خير من صديق غبيّ جاهل .

 

 

 

 

أضاحيك ونوادر باراسيكولوجيّة

وننتقل الآن الى سرد بعض النّوادر والأضاحيك التي توصّل اليها البحث الباراسيكولوجيّ . انّ البحث” الباراسيكولوجيّ ” ينطلق ، كما رأيت ، من مسلّمة موروثة عن التّفكير السّحريّ البدائيّ ، ويرمي الى اقامة البرهان عليها . فهو سجين فيها ، يجري في داخلها منقطعا عمّا في خارجها .

فالمجهول الذي يفترض أن يكتشفه البحث هو فيها معلوم ،  وفي ضوء هذا المجهول علميّا المتيقّن باراسيكولوجيّا تجري التّجارب والألاعيب ، وتفسّر نتائجها تفسيرا لا علاقة له بوسائل التحقّق والسّبر والقياس المعروفة المستخدمة بفعّاليّة ونجاح في مناهج العلوم ، الأمر الذي يجعل هذا التفسير الباراسيكولوجيّ أشبه بالتأويل الباطنيّ الذي تسمع به .

فقد يقوم الباحث الباراسيكولوجيّ بتجربة فيقول انّها نجحت .  فاذا قام بالتجربة  ذاتها باحث أخر محايد أو شاكّ غير مسلّم بالمسلّمة الباراسيكولوجيّة ، فشلت تجربته . وقد يقوم باحث باراسيكولوجيّ ثالث بالتجربة التي قام بها الأوّل ، فتأتي النتيجة مختلفة جدّا . وقد يقوم باحثان مستقلاّن لكن على اتّفاق بينهما بالتجربة ذاتها ، كلّ في مختبره ، فتأتي النتائج مختلفة . ولم يستطع قطّ أيّ باحث شاكّ أن يتحقّق بنفسه من النّجاح المزعوم الذي يدّعيه أيّ باحث باراسيكولوجيّ . ولم تأت قطّ تجربتان متطابقتان تطابقا تامّا بنتائج متطابقة . هذا الانعدام في اتّساق التّجارب وفي الوصول الى نتائج متطابقة ثابت مستمرّ في البحث الباراسيكولوجيّ . وفي هذه الحال يقضي الحسّ النّقديّ السّليم بالحكم بأنّ النّجاح المزعوم لم يكن الاّ نتيجة لعدم كفاية المراقبة أو لوجود خطا في البروتوكول أو هو وهم توهّمه الباحث ، وأنّ المنهج عقيم ، وأنّ ” الظاهرة ” الباراسيكولوجيّة الموهومة لا ينطبق عليها المفهوم العلميّ للظّاهرة القابلة للدّرس . الاّ أنّ أتباع الباراسيكولوجيا أسرى ذلك اليقين السّحريّ ، فهم يطوّعون نتائج التّجارب ، مهما كانت هذه النّتائج ، ويجدون لها التأويل المناسب . وهنا تبدأ النوادر والمضحكات .

 

 

الفكر التحليليّ يبيدو ” الظّواهر ” والفكر السّحريّ يخلقها

من ذلك زعم راين أنّ الرقابة المشدّدة المطبّقة في التجربة العلميّة ، اذا طبّقت في التجارب الباراسيكولوجيّة ، تمنع ظهور القوّة ” بسي ” .  وتابعه على ذلك كابرا – أحد أقطاب الباراسيكولوجيا – فقال أنّ ” الظواهر البارسيكولوجيّة لا يمكن أن تظهر ظهورا جليّا في اطار الفكر التحليليّ ، فبقدر ما يزداد التحليل دقّة ورهافة ويتّصف بالصّفة العلميّة وتشتدّ عليه المراقبة ، بقدر ما تتقلّص الظّواهر ، وتبهت وتنطفىء ” 11

وهذه المقولة ، اذا ترجمت الى لغة عقليّة سليمة ، تعني أنّ وجود القوّة ” بسي ” المزعومة مرتبط بشروط الفحص . فالشروط الصحيحة للاختبار العلميّ تثبت أنّه لا وجود في الطّبيعة لتلك الظّواهر المزعومة . أمّا اذا كانت الشّروط غير وافية ، وتمكّن ” الوسيط ” من الغشّ والخداع ، ” فالظّواهر ” تظهر !

 

عامل المختبر اليسوعيّ

ومن ذلك قولهم انّ المختبر الفاحص ،  بما هو أيضا مستودع لتلك القوى الخفيّة أيضا ، يؤثّر في نتائج التجربة . فالتجربة اذا نجحت هنا وفشلت هناك ، فسبب نجاحها يكون المختبر ذاته وقواه الباطنيّة ، لا الأفراد أو الحيوانات الذين جرت عليهم التجربة ! واذا فشلت هنا على حين أنّها نجحت هناك ، فالسّبب أنّ المختبر المشكّك بالتعاليم والمبادىء الباراسيكولوجيّة يمنع بقواه الباطنيّة السلبيّة ظهور القوّة ” بسي ” التي قد تكون موجودة لدى الأفراد أو الحيوانات ، موضوع التّجربة ! وقالوا : وا أسفاه ! انّه يستحيل استحالة مطلقة ، اذا كانت التجربة ناجحة ، معرفة هل كان سبب نجاحها الفاحص أم المفحوص ! وهذا مبدأ من مبادئهم وقانون من قوانينهم يفسّرون به نتائج التجارب كيفما كانت هذه النتائج ؛ وسمّوه ” عامل المختبر “. وهم يعملون هذا المبدأ في خلافتهم . فاذا زعم ” الباحث ” منهم أنّه أجرى تجارب على الحيوانات ، كالأرانب والصراصير والفئران وغيرها ، وأنّ هذه التجارب ” أثبتت ” وجود القوّة “بسي” عند هذه العجماوات ، تصدّى له أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ اللاهوتيّ اليسوعيّ وسفّهوه ، لأنّهم يؤمنون بأنّ تلك القوّة الخرافيّة ( أي “بسي”) ذات طبيعة روحيّة ، وتؤكّد قول التوراة ” انّ الله خلق الانسان على صورته ومثاله “.

وهم ، كما تعلم ، لهذا السّبب لا يؤمنون بوجود تلك الروح في الحيوان ، ويمنعون الحيوانات منعا باتّا ، تحت طائلة التّحريم ، من امتلاك ” الحاسّة السادسة ” وخلافها من القوى الباراسيكولوجيّة السّحريّة .  ولهذه الأسباب اللاهوتيّة يلجأون الى ” عامل المختبر ” ويقولون : ليس الأمر كما تصوّر الزميل الكبير ، فليس الأرنب أو الصرصور هو الذي ” أدرك ” ما أدرك ، بل المختبر ذاته الذي يمتلك تلك القوّة قد ” أدرك ”  ؛ أمّا الأرنب فقد اكتفى ” بالتقاط ” فكر هذا المختبر لقربه منه !

 

عامل النعجة والعنزة والحمار

ومن ذلك قولهم انّ التجربة تنجح اذا كان الأفراد الّذين تجري عليهم التّجربة من المؤمنين بتعاليم الباراسيكولوجيا ، وتفشل اذا كانوا من غير المؤمنين ! فالقوّة ” بسي” كالأشباح لا تظهر الاّ على المؤمنين بها ! وقد استخرجتGertrude Schmeidler  – وهي ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “- من تجاربها و”دراستها المعمّقة ” قانونا باراسيكولوجيّا يفسّر ذلك الاختلاف ، وسمّته ” عامل النّعجة والعنزة “. فالمؤمنون هم النّعاج والشكّاكون هم الماعز . فالقوّة ” بسي” تظهر على الأغنام  وترتاح لها ، وترفض الظّهور على الأعناز ! ولعمري ، لقد كانت أنصفت هذه ” العالمة الهائلة ” لو أنّها استبدلت بالنّعجة الحمار !

 

عامل الانخفاض

ومن ذلك أنّه حين تبيّن للفاحصين المختبرين أنّ الاجابات الصّحيحة في التجربة أو في سلسلة التّجارب ينخفض عددها  انخفاضا مطّردا كلّما طالت التجربة ، أو كلّما أخضع ” الموهوب ” للمراقبة ، أو كلّما تقدّمت ” الدراسة ” التي تجري عليه ، لم يفترض السيكولوجيّون ، مثلما يقضي الحسّ السّليم ، أنّ هذا التفاوت بين البداية والنهاية هو من الأمور العاديّة في السّلاسل الاحصائيّة أو أنّ ” الموهوب ” يجد صعوبة متزايدة في الغشّ والخداع ، بل استخرجوا قانونا سمّوه ” عامل الانخفاض ” ، وقالوا انّ القوّة “بسي” ذات طبيعة تبدّديّة ، فهي ، كالضّرطة ، تخرج دفعة واحدة ثمّ تبدأ بالتبدّد رويدا رويدا!

 

 

عامل الغياب أو عنزة ولو طارت !

ومن ذلك ، وهو من أعجب ما يتخيّله الخيال ، أنّه اذا جاء معدّل الاجابات الصّحيحة في التجربة منخفضا جدّا عن المعدّل الذي تسمح به المصادفة ، فسّروا ذلك ” بعامل الغياب ” وقالوا انّ القوّة ” بسي” غائبة ! فغيابها عندهم دليل على وجودها ! ومنهم من يقول لا نستطيع أن نقول انّها غائبة أو مسافرة أو مهاجرة ، لأنّنا لا نعرف مقرّها ، ولكنّنا نقول انّها حاضرة ، لكنّ الفرد الذي تجري عليه التجربة يرفض اعطاء الجواب الصّحيح مع معرفته له ! فالاجابات الصّحيحة تبرهن على وجود القوّة ” بسي” ، والاجابات الخاطئة تبرهن على وجود القوّة ” بسي”!

واكتشاف ” عامل الغياب ” دعا راين الى القول انّ البحث الباراسيكولوجيّ يجب أن يعكف ، منذ الآن ، فصاعدا ، على دراسة الحالات التي تغيب فيها القوّة ” بسي” ! فانظر كيف استبدل ذلك الجاهل المجهول بالمعلوم ، واحتجّ على الشّاهد بالغائب ، وجعل من المجهول قاعدة وقياسا للمعلوم ، وجعل موضوع العلم لا كشف المجهول في ضوء المعلوم ، لكن دراسة المعلوم في ضوء المجهول ! ومثل هذا الغباء لا يخرج اليه الانسان الاّ بخذلان من الله سبحانه وتعالى .

ومع جميع هذه الطرائق الغبيّة المثيرة للسخرية يتعجّب الباراسيكولوجيّون من احتقار العلماء للباراسيكولوجيا وأتباعها !

 

 

عامل التنقّل أو عامل التّزوير

ومن ذلك أنّه اذا كان الجواب في التجربة مطابقا لا ” للهدف ” ( أي العلامة المستورة التي يجري ” التحزير “عليها )  لكن لهدف سابق أو لاحق ، صحّحوا الاجابة وقالوا انّ القوّة ” بسي” فوضويّة لا تلتزم النّظام الذي تعرض فيه عليها الأهداف ! لا سيّما أنّها تعلم الماضي والحاضر ولا تتقيّد بالقيود الزمانيّة المكانيّة ، فهي قد تجيب على الهدف الخامس عندما يعرض عليها الهدف الأوّل ، وتجيب على الهدف الأوّل حينما يعرض عليها الهدف الخامس ! وسمّوا ذلك ” عامل التنقّل “! ولو أنصفوا لسمّوه ” عامل التّزوير ” ، لأنّه يسمح لهم بتزوير نتائج التّجارب مهما تكن تلك التجارب .

ومن ذلك ” عامل العفويّة ” وهو يتيح لهم تفسير الفشل الذي يمنى به ” الموهوب ” اذا أجرى التّجارب عليه باحث محايدا لا يؤمن بمعتقداتهم السّحريّة ، فهم عندها يقولون انّ القوّة  “بسي” ذات طبيعة مزاجيّة تلقائيّة تظهر حينما يعنّ لها الظّهور ، وتغيب حين يعنّ لها الغياب ! كما انّ هذا العامل يتيح لهم الاعتذار “للموهوب ” اذا قبض عليه بالجرم المشهود وهو يغشّ ويزوّر ؛ اذ يقولون انّ ” الوسيط ” بما أنّه لا يستطيع التحكّم بمواهبه ، فهو يضطرّ اضطرارا للغشّ والتّزوير !

ولهم بالاضافة الى ذلك أفانين أخرى كثيرة في فنون التأويل يستخرجون بعضها من بعض حتّى لتكاد تحسب أنّ لكلّ تجربة ناجحة أو فاشلة علمها الخاصّ بها والتفسير الذي لا ينطبق الاّ عليها دون سواها . ولا يخطىء صاحب الرّخصة البرازيليّة عندما يتحدّث عن ” العلوم ” الباراسيكولوجيّة بالجمع لا بالمفرد ، فالباراسيكولوجيا ليست أكذوبة واحدة بل موسوعة كاملة من الأكاذيب !

انّ هذه ” العوامل ” ما هي ، كما ترى ، الاّ خرق لاهوتيّة يرقّعون بها ترقيعا مفضوحا طريقتهم الخالية من الصّرامة العلميّة ، ويسترون بها عورات الباراسيكولوجيا البادية للعيان . ذلك أنّ الانسان اذا أدار ظهره للحقيقة الصّادعة وأنكرها عمدا وقصدا ، لم يكتف بذلك بل اختلق التبّريرات والذيان والأكاذيب والهذر لتبرير موقفه . وهو كلّما أوغل في البعد عن عالم العقل وازدادت عماية قلبه ، كثرت تبريراته وتشعّب هذيانه وتفتّقت تأويلاته بعضها من بعض . وكلّ خطوة اضافيّة في هذا الاتّجاه تحتاج الى كميّة مضاعفة من الأوهام التبريريّة ، تسند وتبرّر ما تقدّمها ، الأمر الذي يجعل ذلك الأبكم الأعمى الأصمّ غارقا بكامله في طبقات كثيفة من الأوهام الفسيحة . وهكذا تتكوّن العلوم الكاذبة ، وتعيش ويطول وجودها اذ تنسج حولها ، كالعنكبوت ، عالما وهميّا كاملا موازيا للعالم الذي يعرفه الحسّ السّليم والعقل النقديّ السّليم ؛ وهي تحصل نتيجة لمرض فكريّ شبيه بالانفصام الذي تصاب به الشّخصيّة لدى المصابين بالأمراض النفسيّة .

 

البحث في غرفة سوداء عن قبّعة سوداء لا وجود لها

لا يحتاج الانسان الى أن يكون باحثا في فلسفة العلوم حتّى يستنتج أنّ المبادىء الّتي تقوم عليها هذه الصّناعة هي المبادىء عينها التي كان يقوم عليها في القرون الوسطى علم السّحر الوهميّ وحتّى يستنتج أن المحاولة الباراسيكولوجيّة – بالنّظر الى الصّفة التي تنتحلها والتي تدّعي أنّها تشترك بها مع العلوم وبالنّظر الى الهدف الذي وضعه لها مؤسّسوها – هي محاولة فاشلة . وأنت اذا أمسكت ” الباحث ” الباراسيكولوجيّ من أذنية الطّويلتين وأخرجته من تلك الحلقة المفرغة ومن ذلك العالم الوهميّ الى ضوء النّهار ، ووضعت أمامه ، من جهة ، النتائج المذهلة جدّا التي وصل اليها البحث العلميّ في حقول المعرفة كافّة ، بما فيها البحث الباراسيكولوجيّ خلال القرن ذاته ، لاعترف صاغرا وعنقه خاضعة ذليلة ، بأنّ الباراسيكولوجيا ” العلميّة ” لم تكن الاّ البحث في غرفة سوداء عن قبّعة سوداء لا وجود لها !

الفصل الثالث:  في " الظّواهر " النّوعيّة

اعلم أنّ كثيرين من أتباع الباراسيكولوجيا يعترفون بوضوح أنّ السيكولوجيا المختبريّة ” العلميّة ” – التي يسمّونها بشيء من الاحتقار ” الباراسيكولوجيا الكميّة ” – عاقر عقيم لم تستطع أن تحقّق شيئا من أحلامهم . وهذا ما يدعوهم الى البحث عن القبّعة السّوداء في دكاكين العرّافين ” والوسطاء ” ، مثلما كان يفعل أسلافهم من قبل ، مع علمهم بأنّ ” الأبحاث “في هذا المجال ليس لها أدنى قيمة علميّة ، اذ لن تكون أكثر من تقارير وصفيّة صحفيّة مرتهنة ارتهانا عضويّا مؤيّدا لعامل الغشّ والخداع .

انّ التقارير التي تتناقلها المجلاّت الباراسيكولوجيّة عن ” الوسطاء الجدد” كثيرة جدّا . وليست كلّها  في مستوى واحد ، وان تكن نوعا أدبيّا واحدا هو استمرار لما كتب ، من قبل ،  حول ” الوسطاء الروحيّين “. لذا نأتي على هذا النوع باختصار ونذكر ، كعيّنة ، ما نشر حول ” وسيطين ” من أشهر ” الوسطاء ” الّذين ذاع أمرهم في الأدبيّات الجديدة ، هما الاسرائيليّ يوري جيلر والروسيّة نينا أونيل كولاغينا ، اذ لم يعتمد أتباع الباراسيكولوجيا على شيء مثلما اعتمدوا على ” ظواهر ” هذين ” الوسيطين ” لاثبات “الظّواهر ” الموهومة . فهذان هما زبدة ” الوسطاء ” ، وظواهرهما ” تمثّل ، في حدّها الأقصى ، ” ظواهر ” الباراسيكولوجيا الجديدة . كما انّ التقارير و”الدراسات ” التي كانا موضوعا لها تمثّل الأدبيّات الباراسيكولوجيّة أفضل تمثيل في منطقها ومستواها وبنيتها الفكريّة . فالّذين قاموا بها هم ممّن ينتحل الصّفة العلميّة ، وبعضهم يعمل في حقل الباراسيكولوجيا المختبريّة ، فهم ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” كما يسمّيهم الضالّون المضلّلون الباراسيكولوجيّون من أمثال صاحب الرّخصة البرازيليّة .

 

يوري جيلر : لاعب خفّة تحوّل الى ” وسيط “

أمّا الوسيط الأوّل ، الاسرائيليّ يوري جيلر ، فيمكن القول انّ صرح الباراسيكولوجيا النوعيّة في الغرب ، في خلال العقد السّابع ، قد قام على “ظواهره ” المزعومة . وقد اعتبره الباراسيكولوجيّون صاحب أكبر موهبة باراسيكولوجيّة في هذا العصر . لقد كان دون الثلاثين بقليل عندما قدّمه الى الغرب أحد المووسين بالباراسيكولوجيا ، وهو طبيب يدعى أندرياس بوهاريش ، على أنّه ” وسيط ” صاحب ” مواهب ” خارقة . وظهر جيلر على شاشات التلفزيون – لقاء مبالغ طائلة من المال – في معظم الدول الأوروبيّة ، فضلا عن دول أميركا الشّماليّة والجنوبيّة . كما قام باستعراض وحفلات على المسارح العامّة في هذه البلدان مستفيدا من الدّعاية القويّة ومن العطف الغربيّ الكلاسيكيّ على كلّ  من هو اسرائيليّ ؛ وطارت له شهرة واسعة جدّا حتّى أثار المسألة الباراسيكولوجيّة مجدّدا على نطاق واسع ، اذ تسلّح أنصار الباراسيكولوجيا ” بظواهر ” جيلر المذكور وشنّوا حملة اعلاميّة عدوانيّة على الأوساط العلميّة الرسميّة التي تنفي صفة العلم عن الباراسيكولوجيا وتمنع من ادخالها الى حرم الجامعات .

أمّا ” الظّواهر ” التي كان يحدثها جيلر في استعراضاته ، فتتمثّل بشكل رسميّ في ثني الملاعق والمفاتيح الصّغيرة ، وتوقيف عقارب السّاعات عن الدّوران ، ومعرفة الرّسوم الغامضة أو الأشكال الهندسيّة البسيطة الموضوعة في مغلّفات مغلقة معرفة عمشاء تقريبيّة .

انّ ظهور رجل من هذا القبيل هو عند المشتغلين بالباراسيكولوجيا أشبه بنزول آية من السماء يثبتون بها صحّة دعواهم . ولذا أقبلوا ” يدرسونه ” ويقلّبونه على وجوهه المختلفة ، ويكتبون عنه المقالات والمؤلّفات والتحقيقات . ولم تخل مطبوعة باراسيكولوجيّة من مقابلة معه أو ” دراسة ” عنه أو تحقيق عن ” ظواهره “. واغتنم اثنان من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” هماHarold E. Puthoff  , Russel Targ  فرصة وجود جيلر على سطح الكرة الأرضيّة ، فأقبلا على ” دراسته ” في ” مختبر “Stanford  للأبحاث الباراسيولوجيّة . وهذا ” المختبر ” الخاصّ كانت له شهرة كبيرة عند المشتغلين بالباراسيكولوجيا ، ويوازي عندهم في الأهميّة مختبر راين ؛ وعنه تصدر كميّة هائلة من الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الأميركيّة التي تنتحل الصبغة العلميّة . ونشر هذان ” الباحثان ” دراستهما عام 1974 ، في مجلّةNature  الانكليزيّة ، وهي من أكثر المجلاّت العلميّة رصانة على الاطلاق12.

وكانت هذه هي المرّة الوحيدة التي تنشر فيها هذه المجلّة تقريرا باراسيكولوجيّا . ويؤكّد البحث بطبيعة الحال ، أنّ “ظواهر ” جيلر التي تمّ التحقّق منها في المختبر ، تحت المراقبة المشدّدة جدّا ، هي ظواهر حقيقيّة . وقد أثارت هذه المقالة ضجّة في أوساط العلماء ، بين ساخط على الاسفاف وحائر بالأمر . أمّا أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ فقد اعتبروها فتحا عظيما ومقدّمة لفتح أبواب الجامعة أمام الباراسيكولوجيا ، وباتوا وهم على أمل أن يحصل ذانك الكاتبان على جائزة نوبل !

باتوا على هذا الأمل ثمّ استيقظوا على خيبة واسعة بدأت محصورة في أوساط العلماء ، ثمّ اتّسعت لتشمل الجمهور العامّ . فالمقالة التي نشرتها مجلّةNature  من أجل تعريضها للنّقد العلميّ وليس لاثبات المزاعم التي فيها مثلما أشاع الباراسيكولوجيّون ، بعد أن فحصت فحصا نقديّا دقيقا ، وفحص البروتوكول الذي أجريت في اطاره التّجارب على جيلر ، تبيّن أنّ هذا البروتوكول لم يكن محكما دقيقا ، وأنّ الكاتبين لم يأتيا في مقالتهما على تفاصيل ضروريّة مهمّة ، كان ذكرها ضروريّا للتحقّق من سلامة البروتوكول لكنّهما أغفلاها عمدا ؛ ممّا يعني ، من وجهة نظريّة بحتة ، أنّ نجاح التجربة يمكن أن يكون ناتجا عن الغشّ والخداع . لذا نقض العلماء الذين قرأوا المقالة النتائج المزعومة المعلنة فيها 13.

الاّ أنّ كلّ ذلك بقي محصورا في الأوساط العلميّة . ثمّ كشفت الفضيحة عندما قام لاعب الخفّة الأميركيّ المعروف جايمس راندي وأثبت لتلك القطعان المبهورة بالمثل والدّليل والتّفسير أنّ جيلر المذكور ليس الاّ لاعب خفّة ، وأنّ ” ظواهره ” التي زعم أنّها ناتجة عن قوّة زوّده  بها سكّان الكواكب الأخرى – وفق أسطورة نمّقها له الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ الطبيب بوهاريش – ليست الاّ ألعاب خفّة من النّوع  الرخيص المبتذل ، وأنّ ذلك الاسرائيليّ النّصّاب استطاع خداعTarg &Puthoff  بفضل شركاء له استعان بهم بمهارة . ومثلما لمع نجم جيلر فجأة ، سقط فجأة وتقوّضت أسطورته بكاملها بين ليلة وضحاها ، لا سيّما أنّ التحقيقات الصّحفيّة بيّنت أنّه معروف في بلاده بألعاب الخفّة ، وأنّ الباحث الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ بوهاريش ، مدير أعماله ، من شذّاذ الآفاق المتاجرين المحتالين 14 .

وتوارى جيلر نهائيّا مهزوما لكن بعد أن حصّل ثروة طائلة ابتزّها من جيوب ” قطيع الأغنام “؛ وبعد أن ترك في قلوب المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة اللوعة والخيبة والمرارة . 15

 

 

” الوسيطة ” الروسيّة كولاغينا و…قاضي التحقيق

أمّا ” الوسيطة ” الروسيّة  كولاغينا فقد أشتهرت أيضا في العقود الثلاثة الأخيرة . ولا يزال كثيرون من أتباع الباراسيكولوجيا يؤمنون بها . ولهم حول ” ظواهرها ” مؤلّفات ومنشورات وكتب وأفلام ووثائق عديدة . وليس هناك كتاب في الباراسيكولوجيا الاّ يخصّص فصلا ” لظواهر ” كولاغينا “. وصاحب الرّخصة البرازيليّة يبشّر بعجائبها كما بشّر الانجيليّون بعجائب المسيح . فهي عندهم من ” أعظم الوسطاء ” ، يعتمدون على ” ظواهرها ” اعتمادا أساسيّا في اثبات صحّة ” الظواهر ” الباراسيكولوجيّة . ومن الذين اولّوا التبشير بالعجائب الكولاغينيّة ” البروفسور “Hans Bender  ،صاحب المؤلّفات المعروفة في الصّناعة الباراسيكولوجيّة والذي يعدّ واحدا من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” . وكانت قد اشتهرت هذه ” الوسيطة ” في الغرب روايات كتبها عنها أحد الموسوسين الرّوس المدعوّ فاسيلياف ، وهو من لينيغراد . وكان هذا الممخرق الكذّاب يزعم أنّ باستطاعته أن ” ينوّم ” هذا الفرد أو ذاك ، ويوحي له بالقيام بهذا أو ذاك بواسطة ما يسميّه ” الراديو العقليّ ” ، وذلك عن بعد 1700 كلم (!) .

ثمّ تسلّطت كولاغينا على عقل المسكين نوموف ، فصنع عنها أفلاما سينمائيّة ” وثائقيّة ” وباعها للغربيّين . وقد نسب نوموف الى هذه المرأة ، بالاضافة الى اختصاصها الرئيسيّ ، وهو ” تحريك الأجسام عن بعد “، القدرة على القراءة بأصابع يديها أو قدميها ؛ فهي ، بعد حجب عينيّها برقعة ، وبمجرّد استخدامها لأصابعها ، ” تدرك ” ألوان الأجسام وتقرأ النّصوص وتصف بدقّة الرّسوم واللوحات ، كما تدبك الأرقام المحفورة على قطع الدّومينو المكشوفة طبعا . وهذه اللعبة ، أعني لعبة الرؤية بواسطة حاسّة اللمس ، من أصل فرنسيّ ؛ وكان أحد الكتّاب الفرنسيّين قد سلّى بها الأوساط الباريسيّة  ردحا من الزّمن . أمّا سرّها فتافه حدّا : فأيّ انسان يحجب عينيه برقعة ما ، يبقى باستطاعته أن يرى الأشياء التي تحت ذقنه مباشرة ، بتسليط عينيه الى أسفل رغم انتصاب رأسه . ومثلما أنّ ” الأرواح ” التي كانت تتلبّس ” الوسطاء ” في بدايات هذا القرن اختفت من فرنسا لتظهر في البرازيل ، فانّ لعبة الرّؤية بواسطة اللمس اختفت من باريس لتظهر في روسيّا .

وادّعى هانس بندر – وهو من أكذب البشر – أنّ العلماء السّوفيات قد أجروا اختبارات عديدة ومشدّدة جدّا على كولاغينا ، وأثبتوا ، بما لا يدع مجالا للشكّ ، أنّ تحريك الأجسام عن بعد وكلّ ما قامت به ” الوسيطة ” هو حقيقيّ واقعيّ !

وطار صيت كولاغينا في الغرب كلّ مطار شاهدا حيّا على الوجود الحقيقيّ ” للظواهر ” الغريبة التي تتحدّى قوانين العلم . ومن هنا ذاعت تلك الأخبار في الصّحف الباراسيكولوجيّة الأميركيّة والغربيّة عن النجاح والانتشار اللذين تلقاهما الباراسيكولوجيا في الاتّحاد السوفياتيّ ، وعن أنّها تدرّس في الجامعات والمعاهد الرسميّة والمختبرات السريّة والغوّاصات الذريّة باشراف الدّولة وتشجيعها ! أمّا الصحفيّون الذين شاهدوا بقليل من الحسّ النقديّ أفلام نوموف عن كولاغينا وغيرها من ” الوسطاء ” الرّوس ، فلم يمكنهم الاّ الاقرار بحالة البؤس العظيم الذي تجري فيه ” الأبحاث ” الباراسيكولوجيّة السّوفياتيّة . ففيما يخصّ كولاغينا ، فانّ المشاهد يراها في الفلم تحرّك بعض الأجسام الموضوعة تحت مكعّب من الزجاج : لفافة تبغ ، أعواد ثقاب ، غطاء قلم ، علبة معدنيّة صغيرة أسطوانيّة الشّكل . ويوضح الشّرح الصّوتيّ المرفق بالفلم أنّ هذه الأجسام قد اختيرت بالصدفة من جيوب الحاضرين ، وأنّ الوسيطة لم تكن قد دخلت قطّ من قبل الى الغرفة التي تجري فيها الحفلة . أمّا الفحص ، بعد ذلك ، فقد بيّن أنّ الوسيطة لم تكن الاّ في بيتها وفي غرفتها بين أصحابها وشركائها ، كما بيّن أنّ مكعّب الزّجاج لم يكن موضوعا فوق تلك ” الحراتيق ” عندما بدأت اللعبة بل وضعه نوموف نفسه الذي كان جالسا قرب كولاغينا ، بعد بدء اللعبة ، وبعد أن كانت تلك الأجسام قد بدأت تتحرّك ؛ وأنّ الحفلة كلّها تمّ تصويرها في شروط تخلو من الحدود الدّنيا والمبادىء الأوليّة للمراقبة والنّزاهة الفكريّة 16 .

ولم تكن كولاغينا مشهورة الاّ في الغرب . وحينما قرأ العلماء السّوفيات أخبارها في المنشورات الغربيّة ، استدعاها أعضاء معهد الأبحاث النفسيّة – العصبيّة في لينيغراد للتحقّق من أعمالها التي لو صحّت لكانت في منتهى الخطورة والأهميّة ، خاصّة في الميدان العلميّ الذي اختصّ فيه ذلك المعهد . وقد تبيّن لجماعة من العلماء ولمدير المعهد ليبيديفB.Lebedev

انّ المرأة تلجأ الى الغشّ المبتذل . وبينما كانت الأوساط الباراسيكولوجيّة الغربيّة تنشر ” عجائب ” كولاغينا وتبشّر بها وتبني عليها النظريّات والادّعاءات الهائلة ، كانت كولاغينا تمثل أمام قاضي التحقيق لارتكابها جرم الاحتيال( Escroquerie ) .17

وسوف أحدّثك لاحقا عن كولاغينا ، فهي قد عادت للعمل في آخر عهد الرّفيق غورباتشوف .

 

 

نوموف أو أكذوبة الباراسيكولوجيا السوفياتيّة

أمّا الرّفيق نوموف الذي كان يعتبر في العالم الممثّل الأعظم للأبحاث الباراسيكولوجيّة السوفياتيّة ، وأحد أهمّ أنبياء الباراسيكولوجيا ، فقد بلغت به الاضطرابات النفسيّة حدّا جعله يدعو زملاءه وأقرانه الغربيّين الى عقد مؤتمر باراسيكولوجيّ في موسكو عام 1968 .  فضجّ منه العلماء السّوفيات ومن الصّورة المتّسخة التي يعطيها ذلك المغفّل عن مستوى العلم في الاتّحاد السّوفياتيّ .

فمنعت السّلطات ذلك المؤتمر ، وأنذرت نوموف بأن يكفّ عن تهريجه . الاّ أنّه لم يعبأ بكلّ ذلك واستمرّ يتاجر بالأفلام الباراسيكولوجيّة ، يصوّرها ويبيعها للغربيّين ، الى أن أحيل هو الآخر الى القضاء بتهمة ترويج الأكاذيب ، فحكم عليه بالسّجن لمدّة سنتين عام 1974 ، قضّى قسما منها في مصحّ للأمراض العقليّة مع زميل باراسيكولوجيّ آخر يدعىLarissa Vilenskaya .18

وهذا يعطيك فكرة عن المكانة ” المرموقة ” التي كانت تتمتّع بها الباراسيكولوجيا ويتمتّع بها أشياعها في الاتّحاد السوفياتيّ سابقا ؛ ويعطيك فكرة عن جديّة الاشاعات الكاذبة التي يروّجها أتباع الباراسيكولوجيا في الغرب ، القائلة زورا ودجلا انّ الباراسيكولوجيا تدرّس في الجامعات السوفياتيّة !

اعلم أنّنا نستطيع أن نسوّد مئات الصّفحات بذكر نوادر ” الوسطاء ” والعرّافين وأضاحيكهم و”ظواهرهم ” ما هي الاّ ألاعيب ناتجة عن الغشّ والخداع أو أكاذيب لا أساس لها من الصّحة يختلقها الكتّاب الباراسيكولوجيّون أنفسهم .

 

 

انعدام الحسّ النّقديّ في الأخبار الباراسيكولوجيّة

اعلم ، أيها الأخ ،  أنّه لا يمكن أبدا الوثوق بما تنقله المؤلّفات والمجلاّت والمنشورات الباراسيكولوجيّة من أخبار ” الوسطاء ” والعرّافين وسائر لفيف المشعوذين . ” اذهب الى ما يريك العقل ولا تذهب الى ما تريك العين “. هذه الحكمة الجاحظيّة الذّهبيّة تستطيع أن بضيف اليها :” لا ولا الى  ما تنقله وتتناقله الشّراذم الباراسيكولوجيّة “. انّ الانسان الّذي يتمتّع بحسّ نقديّ يشكّ حتّى في الأخبار العادلة لما يعتور نقل الأخبار من التّحريف أو التزوير المقصود وغير المقصود ، تبعا لمصالح النّاقلين وتبعا لتصوّراتهم الثّقافيّة الخاصّة ومدى علمهم وما استقرّ في أذهانهم من التّراكيب والبنى الخرافيّة ، وغير ذلك من العوامل التي لا تحصى والتي تتحكّم في هذه العمليّة المعقّدة ؛ فكيف بالأخبار التي تروي الحوادث الغربيّة الخارجة عن المألوف المفارقة لسنن الطّبيعة ، الصّادمة لمبادىء العقل ! وبقدر ما يكون الخبر غريبا شاذّا يكون الشكّ أقوى وأعنف وأكثر ضرورة ولزوما ، وبقدر ما يكون الشكّ عنيفا وعقلانيّا وضروريّا ، بقدر ما تدعو الحاجة الى التحقّق بالبيّنات القاطعة وبالاثباتات الواضحة الدّامغة وبالوثائق الصّحيحة وبالشّهادات المتعدّدة الصّادرة عن جهات متباينة ،  وعلى وجه الخصوص ، بالفحص العلميّ . فكيف يمكنك أن تثق بالأدبيّات الباراسيكولوجيّة وهي من كلّ خلو عاطل وفقيرة عارية ؟ انّ هذه الأدبيّات ، شأنها شأن ” البحث ” الباراسيكولوجيّ المختبريّ الذي ينتحل الصّفة العلميّة ، هي أدبيّات خاصّة ، صمّاء ، مغلقة على ذاتها ، منقطعة الصّلة بكلّ ما عداها من مصادر الأخبار ، لا يتداولها الاّ المؤمنون بالباراسيكولوجيا . فهي ، من جهة ، لا تنقل عن هذا العرّاف أو ذاك الوسيط الاّ صورة تبشيريّة مزوّرة أحاديّة الجانب ، تتجاهل قصدا وعمدا كلّ الصّور والمعلومات الأخرى التي تنقلها المصادر الحياديّة المعتمدة على الشكّ العقلانيّ والحسّ النّقديّ والمنطق العلميّ والتي تبيّن أنّ ذلك ” الوسيط ” أو ذاك العرّاف ما هو الاّ مشعوذ مماذق وأفّاك مارق ، وهي ، من جهة أخرى آلة مصمّمة موجّهة ، ذات قوالب مجمّدة في مصطلحات باراسيكولوجيّة تعمل وفق نظام ذهنيّ ثابت هو ذلك الخطاب الفكريّ الباراسيكولوجيّ السّحريّ الذي يحوّل كلّ ما يوضع فيه من الأخبار الملفّقة الى ” ظواهر ” معلّبة ومخاريق مقولبة ، بحيث لو خلت الأرض من جنس ” الوسطاء ” والعرّافين وسائر ذلك اللفيف ، لبقيت تلك الآلة تنتج ” الظواهر ” بالآلاف ، والمؤلّفات والموسوعات والمسلسلات بالأطنان .

وكيف يمكنك أن تثق بما تنقله الشّراذم الباراسيكولوجيّة من أخبار وحكايات ، وأنت تعلم ، كما يعلم الباراسيكولوجيّون أنفسهم ، أنّ الباراسيكولوجيا ولدت من أكذوبة العائلة فوكس ؛ فهي قد تعمّدت بالغشّ والتزوير ، ونشأت في حضن الدّجل والشّعوذة ، وانّ تاريخها تاريخ للكذب والغشّ والخداع والتزوير ؛ وعامل الغشّ والخداع هو أحد العوامل بل القوانين التي تدخل في صميم هذه الصّناعة الغرائبيّة ! ويزيد في طين التزوير بلّة وفي البؤس الباراسيكولوجيّ شقاء وفضيحة أنّ الذين يفبركون الأدبيّات الباراسيكولوجيّة هم ، كما رأيت ، امّا من الكذبة المزوّرين المتواطئين من أمثال ليفي وبوهاريش وصول ، وامّا من الأغبياء والمستطيلي الآذان ! ليس هذا وحسب ! بل انّهم ، كما رأيت ، قد طوّروا جهازا تأويليّا أصبح تقليدا من تقاليدهم وطريقة من طرائق تفكيرهم ، جهازا سحريّا يحوّلون به كلّ ما يصدّع بنيانهم الى حجج تؤكّد عندهم أوهامهم ؛ لكنّ هذا الجهاز صار في الوقت نفسه كحجر الرّحى في أعناقهم وغشاوة صفيقة فوق الغشاوة الصفيقة التي تعمي أصلا بصائرهم ؛ فهم صمّ ، بكم ، عمي لا يفقهون .

انتحال الأعذار الواهية ” للوسطاء ” المزوّرين

لقد ذكرت لك قصّة راين ، أبي الغرابيل ، مع الفرس ، وكيف احتجّ بأنّ تلك الفرس قد فقدت مواهبها حين أثبت له أنّ صاحبتها قد خدعته وغشّته ! فهو قد جاء بعذر أقبح من ذنب ؛ كلّ ذلك كي لا يعترف بأنّه قد أخطأ . وهذه الطّريقة في التّفكير هي من التّقاليد الباراسيكولوجيّة الثّابتة العريقة . فكثير ما قبض على ” الوسطاء ” قديمهم والجديد ، بجرم الغشّ والتزوير ، ومع ذلك تجد قرناءهم من المؤمنين بظواهرهم يوغلون أشدّ الايغال في طلب الأعذار الواهية لهم والتأويلات الخياليّة الشّعوذيّة يبرّرون بها أكاذيبهم . فبدلا من أن ييفترضوا أنّ الوسيط ، مثلما غشّ واحتال هذه المرّة فانّه كذلك قد غشّ ومخرق في المرّات السّابقة ، لكنّ خداعه السابق لم يكشف ، بدلا من ذلك قالوا :لا، ليس الأمر كذلك ،  لكنّ هذه القوّة الخفيّة ( الروح سابقا ) من طبيعتها أنّها تلقائيّة عفويّة لا تظهر حين الطّلب ، لذلك ، فانّ الوسيط يضطرّ اضطرارا ويدفع دفعا الى الغشّ ، بعض الأحيان ! واذا أخضع الوسيط للفحص والمراقبة من قبل الباحث أو الصّحافيّ الشّاك أو المحايد ، ففشل في احداث ” الظواهر ” لعدم استطاعته الغشّ ، بعدما كان قد أحدثها أمام ” الأغنام الباراسيكولوجيّة “، قالوا : لا عجب ! فتلك القوّة الباطنيّة خجول ! فالشكّ بها يمنع ظهورها ! وغير ذلك من التمحّلات التي رأيت بعضا منها ، مثل قولهم انّ تلك القوّة السحريّة الخفيّة لا تتهيّج ولا تنتعظ الاّ اذا تهيّأ لها ، بين ” الوسيط ” من جهة ” والباحث ” الباراسيكولوجيّ من جهة ، جوّ الأمان والاطمئنان والانشراح والثقة . وقد ذكرت لك من قبل رأي راين بهذا الشأن . وهذه المقولة الباراسيكولوجيّة اذا ترجمتها الى لغة عادّية تعني أنّ تلك القوّة لا تنتشر الاّ اذا استسلم الباحث للوسيط ووثق به وغفل عن الشكّ فيه وعن مراقبته ، وخلع عن نفسه كلّ يقظة عقليّة ، وأبدى له عورته ، ومكّنه من غير أن يدري ، من الغشّ والتّزوير . ” فالظواهر ” المزعومة تحدث عندما يدخل مفتاح الغشّ والخداع في قفل الغفلة والغباء ! فحين أثبت جايمس راندي للباراسيكولوجيّين أن يوري جيلر ليس الاّ لاعب خفّة مبتذل ، وأنّ تلك ” الظواهر ” لم تكن الاّ ألعاب خفّة رخيصة ، وأنّه حين يفشل أو يرفض القيام بها أمام الفاحصين المحايدين مدّعيا أنّ المحيط المعادي يمنعه من اجتذاب القوّة الفاعلة والطّاقة الخفيّة وبوتقتها لصنع ” الظواهر ” ، فانّما يرفض لعدم توافر أسباب الغشّ . والبرهان على ذلك أنّه يقوم بألعابه على خشبات المسارح متى شاء كسبا للمال . وها أنا ، قال لهم راندي ، أقوم أمامكم بالألعاب ذاتها ، بالخفّة والمهارة والدّربة لا بالقوّة الوهميّة ، فردّوا قوله وأبوا عليه واعتذروا للنصّاب الاسرائيليّ بتلك المعاذير الجاهزة المستقرّة في تراثهم ! بل انّ منهم ، صدّق أو لا تصدّق ، من قال لراندي انّ قيامك بالأعمال ذاتها التي قام بها جيلر لا يعني أنّ جيلر لاعب خفّة ممخرق ، ولكن يعني أنّك أنت أيضا صاحب مواهب باراسيكولوجيّة ! 19 فتأمّل !

فكيف يمكنك أن تثق ، بعدئذ ، بالأخبار التي ينقلها هؤلاء السذّج عن ” الوسطاء ” وظواهرهم “؟

 

 

 

التفكير الباراسيكولوجيّ تفكير سحريّ بدائيّ

لقد حدّثتك من قبل عن الصّحافيّ الفرنسيّ الذي قابل نوموف . ففي أثناء حديثه معه عن ظواهر كولاغينا ، نبّهه الى أنّ كثيرين يعتقدون أنّ كولاغينا المذكورة قد أثبتت قطعا صغيرة من المغنطيس تحت أظافرها فحرّكت بها تلك الأجسام الضئيلة التي يمكن أن يكون قد خبّئت بداخلها أو أضيفت اليها قطع معدنيّة صغيرة جدّا . وهذا ما يفعله لاعبو الخفّة . فردّ ذلك ” العالم ” الكبير ” وأحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” قائلا :

” هذا افتراض مثير للسّخرية ! ليس لديّ شكّ بصحّة ظواهر كولاغينا ، ففي الرتغال رجل يقوم بمثلها ” 20

فانظر – أيّدك الله – الى هذا المنطق ! اذا كان في البرتغال رجل يقوم باحداث ” ظواهر ” مشابهة ” لظواهر ” كولاغينا صحيحة !

انّ هذا الرجل البرتغالي لا وجود له في الواقع ، كما يظهر من تحقيق ذلك الصّحافيّ الذي جال الآفاق الأربعة بحثا عن الظّواهر الباراسيكولوجيّة ، وعاد بخفّي حنين .

اعلم أنّ هذا الضرب من القياس ، وهو من أشنع أنواع القياس البدائيّ ، عامّ شامل لدى أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ ، وهو خاصّيّة من خواص خطابهم وعلامة مميّزة من علائم تفكيرهم ومحاكماتهم العقليّة . فهم دائما يحتجّون ” لظواهر ” هذا ” الوسيط ” “بظواهر ” وسيط”آخر من نوعه . اذا نبغ ” وسيط ” جديد سارعوا الى قبول ” ظواهره ” ، دون تحقّق ، اعتمادا على وجود ” وسيط ” سابق يحدث تلك الألاعيب ذاتها . فهم يقيسون الأشكال بما يشبهها دون النّظر الى محتوياتها ، ودون فحصها بذاتها ، ودون الالتفات الى الفضائح المنطقيّة التي يغرقون فيها حتّى آذانهم الطّويلة . انّه اذا ادّعى مشعوذ هنديّ أو ساحر افريقيّ أنّه يقرأ المستقبل أو يحرّك الأجسام بمجرّد النّظر اليها ، وشاع ذلك وانتشر ، ثمّ نبغ نصّاب اسرائيليّ أو محتال أميركيّ أو أفّاكة روسيّة وادّعى كلّ منهم أنّه يقوم بالعمل ذاته ، سارعت القطعان الباراسيكولوجيّة الى الايمان بهذا أو ذاك قائلين : نعم ! هذا صحيح ! ففي الهند من يفعل ذلك ! في افريقيا من يقوم به ! وقال الهنود عن صاحبهم والأفارقة عن ساحرهم : نعم ! انّ ما يقوم به ثابت لا شكّ فيه ، ففي روسيا أو أميركا من يفعل ذلك ! أنت تعلم كيف كان الباراسيكولوجيّون الغربيّون ، عندما ذرّ قرن هذه الصّناعة في العقدين السّادس والسابع من هذا القرن ، يذيعون أنّ الباراسيكولوجيا أصبحت في مصافّ العلوم الرسميّة في الاتّحاد السوفياتيّ ، وأنّ الدّولة ترعاها وتقيم لها المختبرات السّريّة والى غير ذلك من الأكاذيب الّتي حشا بهاSchroeder &Ostrander  كتابهما السّخيف عمّا سّمياه ” الأبحاث الباراسيكولوجيّة السّريّة خلف الجدار الحديديّ ” الذي ترجم الى عدّة لغات .

كانوا يدعمون ايمانهم الباراسيكولوجيّ الغربيّ بالمساك السوفياتيّ ، وها أنت ترى نوموف ، الممثّل الأعظم للباراسيكولوجيا السوفياتيّة ، كيف يدعم ايمانه بظواهر كولاغينا بالمسماك البرتغاليّ الوهميّ ! وأنت اذا حقّقت في بلد عن ” الوسطاء ” وفحصت “ظواهرهم ” واحدا واحدا ، وجدتهم كاذبين ممخرقين ، ووجدت أنّ المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة في هذا البلد أو ذاك ، يعيدونك الى ” ظواهر الوسطاء ” في البلد الآخر ، وذلك لعلمهم بالشّبهات والشّكوك التي تحيط “بوسطائهم ” المحليّين ! فكأنّ الشائعة اذا دعمت تحوّلت الى حقيقة ! أو اذا جمع الصفر الى الصفر كان الحاصل عددا صحيحا ! أو اذا وجدت الخرافة ذاتها في جميع بلدان الكرة الأرضيّة تحوّلت الى واقعة طبيعيّة ! أو اذا اعتقد البشر قاطبة ، في حقبة من حقبات التّاريخ ، أنّ الأرض مسطّحة ثابتة في الفضاء ـ صارت الأرض مسطّحة تدور حولها الكواكب ! انّ أطنان “الظواهر ” التي تجدها في الأدبيّات الباراسيكولوجيّة هي كلّها وليدة هذا التفكير السّحريّ البدائيّ ، فهي شبكة مترابطة من الأكاذيب يدعم بعضها بعضا ، وهي لا توجد الاّ المخيال(Imaginaire )الجماعيّ والاّ على شكل الشائعات المنتشرة ، اذا حاولت التّحقّق منها واحدة واحدة ، لدى وسيط وسيط ، في بلد بلد ، وجدتها كاذبة مختلقة مزوّرة مصطنعة . فهي كالظواهر الكميّة المختبريّة صادقة بالجملة كاذبة بالمفرّق ، أو بالأحرى موجودة بالجملة معدومة الوجود بالمفرّق .

 

 

 

” ارادة الايمان ” الباراسيكولوجيّ

اعلم ، يا أخي ، أنّه لا وجود للظواهر الباراسيكولوجيّة الاّ في خيال المؤمنين بها هنا وهناك . انّ الانسان يكاد يكون مفطورا على الشّغف بالمجهول وعلى الميل الى كلّ أمر غريب عجيب. ومن النّاس من يصغي اليك بكامل جوارحه اذا حدّثته عن جمل طار ،  وينصرف عنك متثائبا اذا حدّثته عن جمل سار ؛ انّ الآدميّ يضيق بالعالم الواضح الذي يقفل عليه أبواب الخيال . والشروط التي يعيش فيها الانسان ، مهما تحسّنت ،  تبقى مقصّرة عن أحلامه وعمّا يطمح اليه ويطمع به ويتخيّله .  وهذه الفسحة الممتدّة بين الواقع والحلم ، اذا لم يكن هناك عقل رصين يراقبها وثقافة علميّة تدبّرها ووعي يجعل منها ساحة للبحث العلميّ أو النّشاط السّياسيّ أو الخلق  الفنيّ أو التأمّل الروحيّ أو التفكير الفلسفيّ ، أو للصّلاة ، تحوّلت الى سوق سوداء يتسلّل اليها تجّار الغرائب من العرّافين و”الوسطاء ” والكهنة وسائر شراذم المشعوذين من بيّاعي الأوهام والخرافات والأكاذيب ؛ واستحكم فيها الايمان بتلك الأساطير وبذلك السّحر ، وطغى الوهم على الواقع فكيّفه ، وتبدّلت المقاييس ، ونشأ ازاء الواقع واقع مضادّ ، وازاء العقل عقل مضادّ ، وازاء القوانين الطبيعيّة قوانين طبيعيّة مضادّة ، وازاء العلم علم مضادّ . فهذا هو حال المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة ، فايمانهم هذا ليس متحصّلا عن محاكمة عقليّة أو عن فحص علميّ لأحداث ووقائع موجودة في الطّبيعة ، بل هو ،  على العكس من ذلك ، ارتسام لمسلّمة اعتقاديّة . فهم يطوّعون معطيات العالم الطّبيعيّ ويكيّفونها لتتناسب مع قوالب تلك المسلّمة . فمع أنّه قد ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أن جميع “الوسطاء ” وأصحاب المواهب المزعومة الّذين عكفت الباراسيكولوجيا النوعيّة على تأييد أعمالهم وظواهرهم في سجلاّتها قد قبض على كلّ منهم بجرم الغشّ والتزوير ، ولو مرّة واحدة ، فانّ المشتغلين بهذه الصّناعة يأبون الاعتراف بأنّ الشكّ يجب أن يطبّق ، لهذا السّبب ، على التجارب الناجحة التي لم تكتشف فيها أخاديعهم . ومنهم من اذا فقأت عينيه بالأدلّة والبراهين قام ببعض التّنازلات ، فقال : انّ كذا بالمئة من ” الوسطاء ” كذبة ، أمّا الباقون فصادقون ! المهمّ أن يبقى هناك نسبة ولو قليلة لتثبت بالمثل الحيّ ايمانه بوجود القوى الخفيّة ! وأنت اذا ألححت وجئته بالشّواهد والبيّنات والاثباتات ، تنازل أيضا فقال : 90 بالمئة منهم كاذبون ، أمّا الباقون فصادقون ! وأنت لو جئته بعد ذلك بكل بيّنة قاطعة ، وبكلّ برهان دامغ ، وبكلّ علماء الكرة الأرضيّة ، وأشهدته كلّ تلك الظّواهر يقوم بها لاعبو الخفّة ، لما تراجع عن ال-10 بالمئة الباقية ! كأنّ اليأس قد يقتله اذا تبخّرت هذه العشرة بالمئة ! وقد تأتيه بالوسيط  أو بالاثنين ممّن يضعها في خانة الصّادقين فيعترفان له أنّهما كانا يلهوان ويمخرقان بالظّواهر ، فيحذفها من المئة الصّادقة ويستبدل بهما غيرهما من الفئة التي كان قد اعترف بأنّها كاذبة ! بل قد تأتيه بمن قد استيقن بصحّة أعماله وتثبت له أنّ هذا “الوسيط ” قد غشّ وكذّب مرارا وتكرارا ، فيقول لك : صحيح أنّه غشّ وكذّب ، لكن ليس في كلّ ما قام به ! ومهما حولت معه بعد ذلك ، حتّى لو جئته بالملائكة شهودا ، لما ارتفع معك الاّ الى معدّل محدود ، وأقصى ذلك ال90 بالمئة ! فهو يستبقي أبدا عشرة بالمئة كأنّ فيها مبرّر وجوده ومعنى حياته ! وفي هذا دليل – أيّدك الله – على أنّ تلك “الظّواهر موجودة بالقوّة في خلايا الأدمغة بل هي حصيلة تشوّهات في تلك الخلايا والتهابات فيها واختلالات في التّركيب النّفسيّ .

 

 

الاعتراف بالحقيقة ، عند الباراسيكولوجيّين ، شيء مؤلم وصعب

وهذا صاحب الرّخصة البرازيليّة مثال قريب . فمع أنّ يوري جيلر قد فضح فضيحة كاملة شاملة عامّة طامّة ، من قمّة رأسه الى أخمص قدميه ، فانّ مؤسّس “الباراسيكولوجية اللبنانيّة ” يجد صعوبة شديدة بالاعتراف بأنّ ” ظواهر ” لاعب الخفّة الاسرائيليّ كانت كلّها نتيجة للغشّ والتّزوير ، بل تراه يكيّلها بكيلته الباراسيكولوجيّة ويقرّر أنّ ما تمّ منها بالغشّ والخفّة هو بنسبة 90 بالمئة فقط لا غير ! والباقي صحيح ! فهو يستبقي كما ترى ، عشرة بالمئة لكي تقوم الدلالة على “أنّ في المرء مقدرة باراسيكولوجيّة تمكّنه من القيام بأعمال لم يستطع العلم الكشف عن ماهيّتها …(” الباراسيكولوجية في خدمة العلم “، ص 170 ). وهذا سبب ، أمّا السبب الآخر فلأن ” نفي ظواهر ، يوري جيلر كليّا شيء مؤلم وصعب “! ( المصدر نفسه ). هذا ما يقوله بالحرف “شيء مؤلم وصعب “!

ولعمري ! لقد صدقت هذه النعجة الباراسيكولوجيّة ! انّ الاعتراف بالحقيقة الصادعة المرّة هو شيء صعب يحتاج الى شجاعة أدبيّة ونزاهة فكريّة وصرامة منطقيّة وثقافة علميّة . وهو شيء مؤلم لأنّ من اعتاد الحياة في الأوهام ، فصارت هذه الأوهام في أساس تكوينه الذّاتيّ وتركيببه النفسيّ وبنيته الفكريّة ومصدر تجارته ، لجدير بأن يصاب بالألم والمغص اذا تبخّرت تلك الأوهام وذهبت التّجارة وضاع رأس المال ! شيء مؤلم وصعب ! بل شيء مغيظ ! بل شيء ممرض ! فهل نستدعي لك طبيبا باراسيكولوجيّا أيّها المتألّم المصدوع ؟

انّ الوسطاء والعرّافين وسائر شراذم المشعوذين هم رأس مال الباراسيكولوجيّ . فلا تعجب اذا ان يضع ذلك ” الاختصاصيّ ” الباراسيكولوجيّ غشاء على عينيه ، متوهّما أنّه اذا رفض رؤية الحقيقة لأنّها تصيبه بالآلام والمغص وتخلق له الصّعوبات النفسيّة والفكريّة ، انعدم وجود الحقيقة . فهذا التصرّف يتّفق مع المبادىء السّحريّة التي تقوم عليها الأكذوبة الباراسيكولوجيّة . لكنّك تتساءل كيف استطاع تحديد نسبة ” الظواهر ” الصحيحة من أصل المجموع الكاذب ؟ وبأيّ ميزان وزن تلك الأعمال الشّعوذيّة فثبت له أنّ عشرة بالمئة منها صحيح والباقي كذب ؟ وبأيّة كيلة سحريّة اكتال من سطل “الظّواهر ” الجيلريّة فأخرجت له عشرة بالمئة فقط ؟ ومتى كانت ” الظّواهر ”  النوعيّة تكيّل بالنّسب المئويّة ، و”المواهب “الباراسيكولوجيّة بالمقادير الكميّة ؟ لقد كان راين المغفّل ، السّعيد بغفلته ، يدّعي أنّه اذا غربل مئات الآلاف من الاجابات على بطاقات زينر بالغرابيل الاحصائيّة ، يبقى منها عشرة بالمئة ممّا يمكن نسبته الى القوّة “بسي” ، أمّا الباقي فيتحصّل عن محض الاتّفاق . فهل اكتشف العلم الباراسيكولوجيّ غربالا خاصّا بالظّواهر النوعيّة ؟

اذا جاز تكييل الاجابات في الباراسيكولوجيا الكميّة بالنّسب المئويّة ، فلأنّها جميعها نوع واحد ، ولأنّه يستحيل عزل عامل المصادفة في اجابة عن العامل (بسي) الموهوم . فتكييل “الظّواهر ” النوعيّة بالنّسب المئويّة يفترض كذلك أنّها جميعا شيء واحد ، وأنّه يستحيل تمييز الألعوبة التي تحدث بالغشّ والتزوير عن الألعوبة التي يمكن أن تحدثها القوى الخفيّة الوهميّة . فاذا كان ذلك كذلك ، وثبت أنّ الوسيط قد غشّ وكذب تسع مرّات كلّما قام بألعوبته عشر مرّات ، فكيف يمكن لانسان فيه ذرّة واحدة من الحسّ النقديّ والأمانة الخلقيّة أن يفترض أنّ الوسيط لم يغشّ في المرّة الوحيدة الباقية ؟ وما دامت نسبة تلك “الظّاهرة “الى التزوير والخداع قد صحّت تسع مرّات من أصل عشرة ، فكيف يمكن لانسان ( قلت “لانسان ولم أقل لكائن طويل الأذنين “) أن يفترض وجود قوّة خفيّة سحريّة لتفسير تلك المرّة التي هي من النّوع ذاته الذي حصل بالخفّة والغشّ والتّزوير ؟

انّ ادنى المشعوذين وأقلّهم مهارة يستطيع أن يخدع أحذق الناس وأشدّهم انتباها ، مرّة واحدة على الأقلّ ، كلّما قام ذلك المشعوذ بألعوبته عشر مرّات ! انّ الانسان اذا لم يكن مصابا بعقله يكتفي بالتثبّت من أنّ ” الوسيط ” قد غشّ مرّة واحدة حتّى يقضي عليه بأنّه أفّاك حقير ومشعوذ رخيص ، حتّى لو نجح بعد ذلك باحداث تلك الألعوبة مئات المرّات . أمّا عند صاحب الرخصة البرازيليّة ، فانّ “الوسيط”الذي يكتشف خداعه تسع مرّات من أصل عشرة يبقى موهوبا “! فها أنت ترى ، بأشدّ ما يكون عليه الوضوح أنّ “الظّواهر ” الباراسيكولوجيّة ليست في أعمال الوسيط ذاته لكن في ما يسمّيه علماء النفس “ارادة الايمان ” المتمثّلة في اصرار ” الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ “على الغباء وعمى القلب البالغ حدوده القصوى .

وهل تعلم لماذا يستبقون هذه العشرة بالمئة ويتشبّثون بها تشبّث الغريق بحبال الهواء ، ويدافعون عنها دفاع المستميت ، ويتخلّون من أجلها عن كلّ تفكير منطقيّ وعن كلّ حسّ نقديّ وعن كلّ نزاهة فكريّة وأمانة خلقيّة ؟

فأنت لو أمسكت صاحب الرخصة البرازيليّة وجدعت أنفه وصلمت أذنيه وفقأت عينيه ، لما تراجع عن هذه العشرة بالمئة !فالاعتراف بالحقيقة “شيء مؤلم وصعب ” ويصيبه بالمغص و”الملعون “!

بل حتّى لو جئته بجيلر ذاته وبأمّه وأبيه وأخته وأخيه وزوجته وبنيه وأقاربه ومعارفه وجدّه وجدّته وخالاته وعمّاته كما بشريكه ، فاعترفوا اعترافا صريحا واضحا أمام القضاة والكاتب العدل ، مشفوعا بالأيمان المغلّظة ، بأنّ الرجل ليس الاّ لاعب خفّة ، وبأنّه قام بألاعيبه كلّها بفضل المهارة والحرفة ، لما تراجع صاحب الرّخصة البرازيليّة عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة شيء مؤلم وصعب وهو يصيبه بالحمّى والبرديّة وبالانهيارات العصبيّة والاختلالات العقليّة !

بل حتّى لو جئته بجميع وجهاء الطّائفة وعلى رأسهم البطرك وسائر رجال الاكليروس والمبعوث الفاتكانيّ وقالوا له : ” انّ مصير الأمّة اللبنانيّة بكامله متوقّف على الموضوع ، فعد عن ضلالك الى صوابك ، يا بنيّ ، لمّا تراجع مؤسّس الباراسيكولوجية اللبنانيّة عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة “شيء مؤلم وصعب !” وهو يصيبه بالافلاس التجاريّ والرّكود الاقتصاديّ ويضطرّه الى اغلاق الدكّان !

بل حتّى لو أضفت عشرة أسطر الى لائحة ألقابه ، وسمّيته “بروفسّور “، وسعيت الى نشر تلك اللائحة ومعها صورته في الجريدة – وهو أقصى ما يطمح اليه “اختصاصيّ باراسيكولوجيّ”في العالم ، لما تراجع عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة ” شيء مؤلم وصعب ” وهو يصيبه بالطواعين النفسيّة و(السيدا)العقليّة !

اعلم يا أخي ، أنّ جميع “الوسطاء”هم يوري جيلر ، وأنّ جميع المؤمنين بالباراسيكولوجيا هم صاحب الرخصة البرازيليّة ، وأنّ جميع ” الظّواهر ” الباراسيكولوجيّة هي في نهاية التحليل هذه العشرة بالمئة ؛ واعلم أنّ هذه العشرة بالمئة التي يولّدها فيهم الاصرار على السّذاجة – هي الوهم الذي تقوم عليه الأكذوبة الباراسيكولوجيّة !

الفصل الرابع:  الباراسيكولوجيا والشّعوذة

  لقد رأيت أنّ الباراسيكولوجيا قائمة على التّسليم بوجود قوى خفيّة يمتلكها بعض الأفراد ، فتتيح لهم رؤية المغيّبات ومعرفة المستقبل وتحريك الأجسام عن بعد والتأثير فيها ، وغير ذلك من المحالات . وهذه القوى ظهرت – وما تزال تظهر – في أعمال من يسمّونهم ب”الموهوبين “، وهم العرّافون والمبصّرون والكهنة والسحرة والوسطاء قديمهم والجديد . انّ العلم لا يعترف بوجود تلك الأعمال ، ولا بوجود تلك القوى ، كلّ ذلك حثالة معرفيّة متبقيّة من العصور الغابرة يستغلّها الانتهازيّون للتجارة ؛ فانّ الباراسيكولوجيا ، كمشروع ينتحل الصّفة العلميّة ، ما وجدت الاّ لاثبات صحّة تلك الأعمال والقوى و”دراستها ” فوجودها متعلّق موجود البصّارين والعرّافين وسائر أنواع “الموهوبين” من الدجّالين المحترفين ممّن تشكّل ظواهرهم مادّة الباراسيكولوجيا وموضوعها . فهي لم تكن لتوجد لو لم يوجد هؤلاء ، وليس لها بقاء الاّ ببقائهم . فهناك اذا حلف استراتيجيّ نظريّ وعمليّ بين الباراسيكولوجيا وبين العرافة و”الوساطة ” ؛ بين الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ وبين العرّاف والوسيط “.

 

 

سوق العرافة “والوساطة “

ولقد علمت أنّ وجود العرّافين والكهنة وسائر من يدّعي تملّك تلك المواهب قديم قدم الدّهر . وهي حرفة كحرفة البغاء قديمة مثلها وأبديّة مثلها ، لا تزول ولا تنقرض ما دامت هناك حاجات نفسيّة وحالات اجتماعيّة ، وفقر مادّيّ وروحيّ وعلميّ ، وبؤس تفرّخ فيه كما يفرّخ البعوض في الأقدار ، وما دامت الآفات والمصائب والمشكلات والأمراض تدخل في نسيج الوجود الانسانيّ . فمتى وجدت الحاجة ، وجدت السّلعة وقامت السّوق . وهذه السّوق ، سوق العرافة والوساطة توجد في كلّ مجتمع ، وكلّ بيئة ، وكلّ زمان . وهي سوق بالمعنى الاقتصاديّ للكلمة ، أي معرض لتبادل السّلع والخدمات بالأموال وما حلّ محلّها . ولكي تروج هذه السّلع والخدمات السّحريّة في السّوق لا بدّ لها من ضمانة وكفالة ودعاية وتفسير نظريّ ايديولوجيّ كما يقال. ففي المجتمعات التي يسود فيها الفكر الدّينيّ مثلا ، يلجأ العرّافون و”الوسطاء ” أو المؤسّسات التي تضطلع بمهمّة “الوساطة “بين السّماء  والأرض أو العالم الظاهر الخفيّ ، الى كفالات وضمانات وتأويلات نظريّة مزوّرة محرّفة عن العقائد الدينيّة كما هو معروف . أمّا في الغرب ، منشأ الباراسيكولوجيا ، حيث يستقلّ العلم ، لا الدّين ، بالسيادة المعرفيّة المطلقة ، يلجأ العرّافون و”الوسطاء ” الى كفالات وضمانات وتبريرات نظريّة مزوّرة عن المعطيات العلميّة . وما هو الاختصاص الذي ينتحل الصّفة العلميّة ويؤكّد صحّة العرافة والوساطة ويثبتها ويختلق لها التّفسيرات العلميّة المزوّرة ؟-انّه الباراسيكولوجيا .

صحيح أنّ الباحث الباراسيكولوجيّ يزعم أنّ علاقته الحتميّة بالموهوبين من العرّافين والوسطاء هي علاقة دراسيّة ، وأنّ هؤلاء يشبهون بعض الشّبه الحيوانات التي يقوم العلماء باجراء التّجارب عليها في المختبرات ، ويزعم أيضا أنّه في تجاربه يتّخذ جميع الاحتياطات اللازمة لعزل عامل الغشّ والخداع الممتزج امتزاجا جوهريّا بعامل القوى الخفيّة ، فلا يثبت في غرباله الاّ الموهوبون حقّا ؛ لكنّ هذه كلّها مزاعم نظريّة مجرّدة مغايرة تمام المغايرة لأصول الباراسيكولوجيا النّظريّة ، وكذلك لما حدث عمليّا في واقع الحال . فالباراسيكولوجيا ليست أكثر من غطاء علميّ مزوّر للشّعوذة والدّجل .

 

 

الباراسيكولوجيا تجوّز أعمال المبصّرين

انّ المشتغل بالباراسكولوجيا يجوّز سلفا صحّة العرافة و”الوساطة ” جوازا نظريّا مؤكّدا . وكلّ ما تسمح به أصول الباراسيكولوجيا هو تمييز “الوسيط الموهوب “من الذي يدّعي “الموهبة ” دون أن يكون متمتّعا بها حقّا . وهنا مقتل الباراسيكولوجيا . فما دام العلم لا يجوّز أصلا وجود العرافة و”الوساطة ” فانّ التمييز الباراسيكولوجيّ بين “الموهوب ” والمشعوذ يتحوّل حكما الى تمييز بين المشعوذ الموهوب القادر على خداع المشتغل بالباراسيكولوجيا والمشعوذ الذي لا يسعفه الحظ في النّجاح . هذا هو كلّ ما تسمح به الباراسيكولوجيا فقط . هذا اذا كان المشتغل بالباراسيكولوجيا بطبيعة الحال ، نبيها ملاحظا ، صاحب حسّ نقديّ ، خبيرا بألاعيب المشعوذين وفنونهم ، وليست هذه هي حال راين ونوموف وكثيرين غيرهما من أئمّة الصّناعة ؛ واذا كان ، بطبيعة الحال ، نزيها صاحب أمانة خلقيّة ، ولم يكن هو ذاته مزوّرا كذّابا ومتواطئا متاجرا ، كما هي حال الأغلببيّة السّاحقة ممّن يؤلّف ويكتب ويبشّر بالباراسيكولوجيا . أضف الى ذلك أنّ المبادىء والتّقاليد الباراسيكولوجيّة تسمح لكلّ مشعوذ موهوب في فنّ الشّعوذة بانتحال “الموهبة ” الباراسيكولوجيّة وبالنجاح في خداع ” الباحث “الباراسيكولوجيّ . فقد رأيت أنّ من تلك المبادىء والعوامل توفير جوّ الأمان والثّقة “للوسيط ” أي اهمال مراقبته وتمكينه من الغشّ . ويكفي الوسيط أن ينجح مرّة واحدة فقط حتّى يطوّبوه قدّيسا باراسيكولوجيّا . ولو قبض عليه بعد ذلك بجرم الغشّ والتزوير ، لوجدوا له الأعذار كما رأيت ؛ ولو فشل بعد ذلك مرارا وتكرارا في اظهار “الظّواهر “، لوجدوا له الأعذار . حتّى لو خدع وغشّ وزوّر تسع مرّات من أصل عشر ، لما أسقطوا عنه صفة ” الموهبة ” بالكليّة . “وعامل النعجة والعنزة يفترض أن لا يشكّ الباحث بالوسيط من أجل أن تظهر أفاعيل القوّة الخفيّة . وهذا متّفق مع أسس الباراسيكولوجيا ، اذ أنّ وجودها مرتبط بنجاح “الوسيط ” . فهم يتمنّون بل يصلّون من أعماق قلوبهم كي ينجح الوسيط ، ويعملون كلّ ما في وسعهم ، مدفوعين لا شعوريّا بتمنيّاتهم ورغباتهم لانجاحه ، فهو رأسمالهم ومادّة صناعتهم . فالمبادىء والتّقاليد والقوانين الباراسيكولوجيّة توفّر للوسيط ، أعني المشعوذ الموهوب ، جميع الشّروط الضّروريّة لكي ينجح في الغشّ والخداع والتزوير ، وليحصل على شهادة وكفالة وضمانة علميّة باراسيكولوجيّة .

 

 

هكذا تخلق الباراسيكولوجيا العرّافين وتروّج لهم

ولا تكتفي الباراسيكولوجيا بذلك ، بل انّها تستبعث  العرّافين والوسطاء استبعاثا وتستنبتهم استنباتا وتخلقهم خلقا ، بما هي ، من جهة أولى ، محور مهمّ من محاور النّشاط الفنّي التسلويّ وموضوع مثير يجد له سوقا رائجة على شاشات التلفزيون ، وفي الصّحف التي تبحث عن الاثارة الرّخيصة ، وفي المسارح العامّة ، ودور النّشر التي تستثمر ميل النّاس الى المجهول والى غرائب الأمور ؛ وبما هي ، من جهة ثانية ، مجموعة من المصطلحات والمفردات والقوالب والأشكال المحدّدة التي تفرض نفسها في السّوق كماركات مسجّلة للظّواهر الباراسيكولوجيّة . انّ جنس الوسطاء الروحيّين مثلا ، لم يكن معروفا في التراث السّحريّ الغربيّ الأوروبيّ أو الأميركيّ ؛ فلمّا اختلقت آنساتان مراهقتان من عائلة فوكس تلك الأكذوبة ، وتهافت الباحثون الباراسيكولوجيّون عليها ، فصحّحوها وجعلوا يطلبون الموهوبين في هذا الحقل لدراستهم وفهم التّجار أنّ السّوق تبشّر بالخير ، وأنّ هناك طلبا شديدا على هذا النوع من السّلع ، ظهر الوسطاء الروحيّون بالآلاف ، وتحوّلت الوساطة الروحيّة الى حرفة ومهنة وفنّ قائم بذاته . فأنت ترى بوضوح أنّ المشتغلين بالباراسيكولوجيا هم الّذين استبعثوا الوسطاء وهم الّذين وضعوا أصول المهنة وقواعدها وتقاليدها . وقد يكون النّوع غير معروف في التّراث السّحري لهذه البيئة أو تلك ، فما أن تنتشر في هذه البيئة المنشورات الباراسيكولوجيّة حتّى يظهر فجأة هذا النوع من الظّواهر ويكثر الموهوبون الذين يحسنون احداثه . فالوساطة الروحيّة مثلا لم تكن معروفة في التّراث السّحريّ للثقافة العربيّة الاسلاميّة ، فلمّا ظهرت في الغرب ، ووضعت أصولها وقواعدها وتقاليدها ، وانتقلت أخبارها الى مصر عبر ترجمة الأدبيّات الباراسيكولوجيّة في بداية هذا القرن ، ظهر الوسطاء الروحيّون في القاهرة وانتشر تحريك الطّاولات . كما انّ ثني الملاعق لم يكن معروفا الاّ في أوساط لاعبيّ الخفّة ، فلمّا ظهر يوري جيلر ونقل اللعبة من فنّ الخفّة الى حقل المواهب الباراسيكولوجيّة صار ثني الملاعق ظاهرة باراسيكولوجيّة مسجّلة ، وصار كلّ من يرغب في الحصول على رخصة باراسيكولوجيّة يقوم بلعبة ثني الملاعق . ونبغ في هذا الميدان ، بعد جيلر وتقليدا له آلاف الأفراد ممّن يبرهنون على مواهبهم الباراسيكولوجيّة بثني الملاعق . فالمصطلحات الباراسيكولوجيّة هي التي تخلق الظواهر الباراسيكولوجيّة . وكم من الأفراد في الغرب انبعثت فيهم فجأة المواهب الباراسيكولوجيّة بعد مشاهدتهم لحفلة تلفزيونيّة يقوم فيها الوسيط محاطا بالاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ باظهار أفاعيله الشّعوذيّة ، أو بعد اتّصالهم العارض بباحث باراسيكولوجيّ اكتشف مواهبهم . وأيّ انسان يكون مزعزع الشخصيّة ، مختل النفسيّة ، ضعيف الثقافة العلميّة ، لا يطيش صوابه فيصدّق نفسه ، اذا أوهمه عالم باراسيكولوجيّ بأنّه صاحب مواهب خاصّة تميّزه عن سائر البشر ! فكولاغينا ، الوسيطة الروسيّة التي ذكرناها آنفا ، تصرّح بأنّها اكتشفت مواهبها بعد قراءتها للأكاذيب الرخيصة التي كان يروّجها فاسيلياف عن تحريك الأجسام عن بعد . فما كان منها الاّ أن قامت بالمحاولة ، فاذا بها تنجح ! 21

وكان سهلا عليها ، بعد ذلك ، خداعها فاسيلياف ونوموف وغيرهما ، اذ باعتهم ما كانوا يبحثون عنه ! أمّا “الموهوبون ” الأميركيّون الذين اكتشفهم ” بالصدفة ” العاملون بالباراسيكولوجيا وأنزلوهم الى السّوق ، فعددهم لا يحصى . ولن أسرد عليك قصص الأطفال الذين اكتشفوا فجأة ، في بريطانيا ، أنّهم قادرون على ثني الملاعق بعد مشاهدتهم الوسيط الاسرائيليّ جيلر يثني الملاعق في استعراض تلفزيونيّ . ولمّا أخذ ستّة منهم الى المختبر للتّحقّق من مزاعمهم تبيّن أنّ كلّ ما تعلّموه من مشاهدتهم لجيلر على التلفزيون هو الغشّ والتزوير ؛ فقرصت آذانهم وأعيدوا الى ذويهم مع التوصية الملحّة بالسّهر على تربيتهم الخلقيّة .22

ولن أذكر لك جميع لاعبي الخفّة الذين تحوّلوا الى أصحاب مواهب باراسيكولوجيّة لمّا بارت تجارتهم الأولى ، ورأوا أنّ التّجارة الثّانية أكثر رواجا ، وتحوّل ما كانوا يقومون به بفعل المراس والخفّة اليدويّة الى ظواهر باراسيكولوجيّة خارقة للعادة مثيرة للخيال ! 23

وأشهر هؤلاء لاعب الخفّة الاسرائيليّ يوري جيلر الذي ذكرناه . ومنهم أيضا الفرنسي جان بيار جيرار . وكان هذا الرجل رعب خفّة محترفا يحتلّ اسمه وعنوانه وصورته واختصاصاته في فنّ الخفّة – ومن ذلك ثني المفاتيح – صفحة كاملة في الدليل الرسميّ الفرنسيّ للاعبي الخفّة . فلمّا رأى أنّ زميله الاسرائيليّ قد انطلى ادّعاؤه على علماء الباراسيكولوجيا وطار صيته كلّ مطار وكسب الأموال الطائلة ، وأنّ التجارة بالباراسيكولوجيا تدرّ أضعاف ما كانت تدرّ عليه ممارسة ألعاب الخفّة ،تحوّل الى وسيط يحرّك الأجسام عن بعد ؛ وكانت هذه اللعبة – ولا تزال – الشكل الأكثر رواجا للظّاهرة الباراسيكولوجيّة ، فهي ماركة باراسيكولوجيّة مسجّلة . وقد استأجر جيرار عدّة منظّرين من الاختصاصيّين الباراسيكولوجيّين ، فأثبتوا مواهبه في المؤلّفات والمنشورات والحفلات المسرحيّة والمقابلات التلفزيونيّة وغيرها . وهم يدّعون أنّه أعظم من يوري جيلر . وهذا الوسيط صرّح أكثر من مرّة على شاشة التلفزيون أنّه يلجأ الى الغشّ . !24

 

 

مصالح الباراسيكولوجيّين المادّيّة في تبرير الشّعوذة ونشرها

وتتّصل الباراسيكولوجيا بالشّعوذة من جهة ثالثة . فأنت تعلم أنّ الباراسيكولوجيا ، من حيث أنّها مقصاة اقصاء احتقاريّا أبديّا عن المؤسّسات العلميّة الرّسميّة ،  ليست أكثر من سوق سوداء حرّة ، مشاعة ، مفتوحة أمام كلّ الانتهازيّين وكلّ تجّار الأوهام والأحلام ممّا هبّ ودبّ . وجميع الذين يتعاطون هذه الصّناعة لهم مصالح معيّنة مختلفة . حتّى “الباحثون ” من حملة الشّهادات الجامعيّة ، ممّن قد يظنّ المرء أنّ اهتمامهم بالباراسيكولوجيا ناتج عن الفضول العلميّ فقط ، لهم مصالح رخيصة في الترّويج للباراسيكولوجيا .25

وقد تكون هذه المصالح تجاريّة صرفة في أغلب الأحيان ، وقد تكون مصالح معنويّة متّصلة بعقائدهم وأغراضهم الدّينيّة . لكنّهم جميعا من أصحاب الغايات النفعيّة . خذ مثلاHarold Putthoff  ،” أحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم الذي ذكرنا مقالته التي نشرتها مجلّةNature .

فهذا كان يدير مختبرStanford  للأبحاث الباراسيكولوجيّة ؛ وهذا المختبر الخاصّ هو أحد أهمّ المصانع التي تغرق أسواق أميركا بالأكاذيب الباراسيكولوجيّة . Putthoff  هذا ينتمي الى كنيسةScientology  ، وهو فيها بمرتبة الكاهن الأعظم اذ بلغ مقامThetan  من الدرجة الثالثة . 26

ذاك المختبر هو وكر من أوكارScientology  .27

ولا تتوهّم أنّ العلاقة بينScientology   والباراسيكولوجيا هي علاقة عارضة .Scientology  هي نوع من أنواع الباراسيكولوجيا . والباحث المذكور وشركاؤه كانوا يوهمون بعض الأفراد – ممّن تجري عليهم التّجارب المختبريّة – بأنّ نتائج التّجارب تثبت أنّهم من أصحاب المواهب ، ولكن مواهبهم بحاجة الى تنمية وتربية وتطوير وتقوية وتطهير ! بل يعتقدون أنّ جميع البشر يملكون مقدرات وقوى مجهولة ، لكنّها بحاجة الى تنمية وحراثة ! وأنت تدرك المغزى التجاريّ لهذه النّتائج وهذه التّجارب الباراسيكوبوجيّة وما تدرّ على أصحابها من أموال لقاء تدريبهم الراغبين في تنمية “مواهبهم ” . وهناك المئات من الدّكاكين المشابهة لكنيسةScientology  التي يدّعي القائمون عليها الدّاعون لها – وهم من روّاد الباراسيكولوجيا الباحثون فيها – أنّهم وضعوا أنواع الرّياضات والتّمارين لتنمية ” الحاسّة السّادسة ” وتطوير القوى السّحريّة والمواهب الباراسيكولوجيّة وغيرها من المختلقات . فالعلم الباراسيكولولجيّ هو ، ها هنا ، فخّ نصبه أولئك التّجّار للمغفّلين وغيرهم ممّن يعاني المشكلات والأزمات والأمراض والصّعوبات والعقد والعاهات النفسيّة والمصائب العقليّة .

اعلم يا أخي ، أنّ المختبرات الباراسيكولوجيّة التي يتحدّثون عنها لا يقتصر “العمل “فيها على اجراء التجارب على الأفراد بواسطة بطاقات زينر ، أو على “الوسطاء “لوجه البحث الباراسيكولوجيّ ، ولكنّهم ابتدعوا روائز يقلّدون بها الروائز المعروفة في علم النفس لقياس الذكاء . وروائزهم تقيس المواهب الخفيّة لدى الراغبين في ممارسة العرافة أو لدى العرّافين الراغبين بالحصول على ضمانة علميّة . فتلك المختبرات هي دكاكين تمنح الرّخص ” والدبلومات ” في حرفة الدّجل والشعوذة !

 

 

 

 

 

التكنولوجيا ” البراسيكولوجيّة الاحتياليّة

وماذا تقول اذا حدّثتك عن ” التكنولوجيا ” الباراسيكولوجيّة ؟ فهناك ” الهرم ” الذين يساعد على تركيز القوى السحريّة ، دماغيّة كانت أم باطنيّة ! “والخاتم ” الّذي يؤثّر في مجرى الأحداث فيحوّل لمصلحة حامله الشرّ الى خير والمضرّة الى منفعة ، فهو بمنزلة الحجاب ! وهناك البيسكوفون الذي اخترعه أحد المهندسين الباراسيكولوجيّين ، وهو آلة تسجّل أصوات الأموات !28

وهناك ” الفيديكون ” ، وهو اختراع باراسيكولوجيّ يمكن من تصوير الأشباح والأرواح التي لا تراها العين ! وهناك الآلات الالكترونيّة الموسيقيّة التي تسمح بالسّفر ، كما في قطار ، خارج الجسم ، فيسافر الرّاكب الى الهند ، فيبيع ويشتري ويعود ! أو الى الماضي فيتعرّف الى آبائه الأوّلين ويرجع ! أو الى المستقبل فيتزوّج ويلد البنين والبنات ويعود ! وكلّ هذه الاختراعات ” العصفوريّة ” ممهورة مختومة بأسماء “العلماء ” الباراسيكولوجيّين ، تباع في دكاكين وكلائهم من العرّافين والمنوّمين والمبصّرين ، وتقوم لها بالدّعاية مجلاّتهم ومنشوراتهم العلميّة !

 

 

الشّراكة التّجاريّة بين ” الباحثين ” الباراسيكولوجيّين والعرّافين المشعوذين.

وأنت اذا نظرت في الأدبيّات الباراسيكولوجيّة من منشورات ومجلاّت و”أبحاث “، كان أوّل ما يلفت انتباهك فيها هو هذه الشّراكة الواضحة بين ” الباحث “الباراسيكولوجيّ و”الوسيط ” المزعوم ، والعلاقة بينهما أوثقتها المصلحة المشتركة . فالأوّل يحتاج الى ” مواهب ” الثاني ليبرّر وجود الصّناعة ونجاح أبحاثه ومؤلّفاته ومنشوراته ، والثّاني يحتاج الى كفالة الأوّل وضمانته العلميّة للدّعاية لمواهبه والمتاجرة بها . فهما قرينان وشريكان . والمراقب اذا نظر اليهما ، لم يجد أنّ العلاقة بين المنظّر والوسيط هي علاقة الباحث بموضوع علمه بل هي علاقة الفنّان بمدير أعماله أو المخرج بالممثّل أو الشّريك بالشّريك أو الدبّ بصاحب الدبّ ،  دون أن تدري أيّهما هو الدبّ وأيّهما هو صاحب الدبّ. فهما معا على شاشات التّلفزيون وعلى صفحات الجرائد وفي الحفلات . وقد يكون الوسيط علرّافا محترفا ، فيزداد عدد زبائنه ويكسب الأموال الطّائلة . وقد يكون ممّن يحترف الظّهور على مسارح التّسلية فيصيب النّجاح المنقطع النّظير ، وتدعوه التّلفزيونات للظّهور على شاشاتها لقاء المبالغ الكبيرة ، وليس أبدا بالمجّان . وقد لا يكون عرّافا فيسارع الى كتابة مذكّراته ووصف حالاته النفسيّة وذكر ظواهره ، ” يقدّم ” له الاختصاصيّ أو يشترك معه بتأليف ما أو يؤلّف ويكتب عنه ثمّ يتقاسمون الأرباح . لا حاجة لي للعودة الى عهد الباراسيكولوجيا الأوّل لأسوق لك أسماء “الوسطاء ” وخصوصا ” الوسيطات ” واحدا واحدا ، وواحدة واحدة ، وأسماء قرنائهم من الباحثين ، باحثا باحثا ، وما جرى بينهم من المغامرات والنّوادر . لكنّ نظرة خاطفة الى تاريخ الباراسيكولوجيا الجديدة تريك هذه الشراكة المستمرّة بوضوح . “فالدكتور “صول – الذي كان من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” في زمانه ، وكان كما رأيت مزوّرا أفّاكا – كان له قرين أفّاك مثله هو المشعوذBasil Schacklton  والدكتورW.H.C.Tenhaeff – وهو من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، اقترن بالمشعوذ العرّاف الشهيرGerard Crioset  ، وكان يقوم له بالدّعاية الكاذبة على صفحات الجرائد ، وكان اذا فقئت عيناه بأكاذيبه ، خرج الى السّبّ والشّتم والانهيارات العصبيّة . 29

والدكتورEisenbund  – وهو ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” – كان قرينا وشريكا للمشعوذ المعروف الأميركيّTed Serios  ، يؤلّف عنه الكتب ويقوم بالدّعاية له . 30

“والدكتورS.Krippner  – وهو من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، وصاحب الاختبارات الباراسيكولوجيّة المعروفة في أحد مستشفيات بروكلين حول “ارسال الأحلام ” – شارك البريطانيّ المتاجرM.Menning  وجنيا من شراكتهما الأموال الطّائلة . 31

“والدكتورة “G.Shmeidler  – ” من كبار الباراسيكولوجيّات في العالم “

والباحثة عن الأشباح في المنازل المسكونة ، والمكتشفة ” قانون النّعجة والعنزة ” – هي التي احتضنت الأفّاك الأميركيّ المؤاجرIngo Swann وشهرته . 32

والدكتورRussel Targ  – “من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “- طرح في السّوق عددا كبيرا من أصحاب “المواهب “، أشهرهم البصّارةHella Hammid  التي كانت مصوّرة قبل أن يوهمهاTarg  بأنّها صاحبة موهبة خارقة شرط أن تأخذ بعض الدّروس في ” تطهير ” قواها من المشوّشات …33

والباحث الأميركيّKeith Harary  -وهو من “كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” – كان وسيطا يزعم أنّه يخرج من جسمه ويزوّر قطّته الموجودة في الغرفة المجاورة ، (!) قبل أن يصبح “باحثا ” باراسيكولوجيّا شريكا في مختبرStanford  للأبحاث الباراسيكولوجيّة ، وهو الذي أوحى للدجّال التاجرRobert Monroe  بانشاء مصلحة تجاريّة تستغلّ بعض الألعاب الالكترونيّة التي تسمح للرّاغبين بالقيام “بأسفار ” باراسيكولوجيّة خارج الجسم لقاء مبلغ محترم من الدولارات . 34

والدكتور أندرياس بوهاريش الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ الشّهير الذي حوّل جيلر من لاعب خفّة مغمور في اسرائيل الى وسيط باراسيكولوجيّ هائل الحجم عظيم الثّروة ، خلبت ظواهره عقول الباراسيكولوجيّين ردحا من الزّمن . انّ الائحة طويلة جدّا ، ولو أردت أن أسردها بكاملها لاحتجت الى تحبير صفحات كثيرة . ويكفيك أن تنظر الى المنشورات الباراسيكولوجيّة لتجد أنّ وراء كلّ وسيط مشعوذ اختصاصيّا باراسيكولوجيّا ينظر له ، ويقوم له بالدّعاية ، ويفسّر “ظاهراته ” تفسيرا ” علميّا “، ويدافع عنه اذا فضح الصّحافيّون أمره .

 

 

هات دولارات …وخذ “ظواهر ” باراسيكولوجيّة بالجملة

وما هي الأدبيّات الباراسيكولوجيّة ؟ – انّها ليست أكثر من مجاميع للأخبار والرّوايات التي يقوم بدور البطولة فيها العرّافون و”الوسطاء “.

فهي دعاية ، غير مجّانيّة بطبيعة الحال ، لأولئك القوم .  وهي في بابها تشبه المجلاّت ” الفنيّة ” التي تعنى بأخبار الممثّلين والممثّلات والمطربين والمطربات والراقصات وسائر أهل الطّرب والكباريهات والمرابع الليليّة .

ووجوه الشبه بين الفريقين كثيرة . فالوسطاء والعرّافون والمبصرون والمنجّمون والمنوّمون وغيرهم ممّن يتعاطون تلك الحرفة هم أيضا أصحاب كار كما تعلم ، ولهم أسواقهم الخاصّة بهم التي يشرف عليها ويسهر على تنظيم العمل فيها ” الاختصاصيّون ” الباراسيكولوجيّون . ولا نحتاج الى ذكر أسماء المعاهد والجمعيّات العلميّة والمراكز الأكاديميّة الباراسيكولوجيّة التي يتعاطى فيها الوسطاء فنون الشّعوذة . ففي فرنسا مثلا أربعون ألف عرّاف وعرّافة ينتحلون الألقاب والشّهادات الباراسيكولوجيّة . ويكسبون في السّنة الواحدة حوالى عشرة مليارات فرنك . وهم يقيمون معرضا سنويّا كبيرا . ولهم مجلاّت ومنشورات ومؤسّسات . واللفظة الفرنسيّةParapsychologue  تطلق على العرّاف كما على قرينه وشريكه الباحث أو الاختصاصيّ الذي ينظر له . وهذا الاشتراك باللفظ هو تعبير عن اشتراك بالتّجارة . وما يحدث في فرنسا يحدث في سائر البلدان التي تنتشر فيها الباراسيكولوجيا ، حتّى في الاتّحاد السّوفياتيّ سابقا . فما أن فتح الرفيق غورباتشوف السّوق أمام التّجارة الحرّة حتّى أسّس على الفور الموهوبون وقرناؤهم من الباحثين الشّركات التجاريّة لاستثمار المواهب .

لقد ذكرت لك خبر ذلك الصّحافيّ الفرنسيّ الذي ذهب يحقّق في الباراسيكولوجيا . ففي موسكو التقى بالعالم السعيد الذّكر نوموف الذي هو أشبه بوكالة دعائيّة أو نقيب للوسطاء والوسيطات ، لديه عناوين كلّ من يحترف فنّ الشعوذة في روسيا ، ومنهم كولاغينا . وكانت كولاغينا قد عادت للعمل ، كذلك نوموف . والتقى الصّحافيّ بكولاغينا بواسطة نوموف . وطلب اليها أن تظهر شيئا من مواهبها أمام العدسة . فأخبرته أنّ جماعة من العلماء المتعدّديّ الاختصاصات قد أسّسوا تعاونيّة لدراسة ظواهرها دراسة علميّة ، وأنّها قد وقّعت مع هذه التعاونيّة عقدا يقضي بأن لا تمارس مواهبها الاّ بحضورهم وتحت مراقبتهم وباشرافهم . واتّصل الصّحافيّ المذكور بالتعاونيّة الّتي رحّبت بالطّالب ترحيبا حارّا ووعدته بتنظيم الحفلة في معهد الميكانيك وعلوم البصريّات الدّقيقة في موسكو ، ومنّته بأنّ كلّ شيء يسير على ما يرام شرط …أن يدفع مبلغا مقداره 25 ألف دولار فقط لا غير !35

لقد رفض الصّحافيّ الفرنسيّ دفع هذا المبلغ الكبير . لكن لنفرض أنّ المبلغ كان أدنى من ذلك وأنّ الصّحافيّ قد دفعه ، أو أنّه كان أميركيّا ثريّا مولعا بالظّواهر الباراسيكولوجيّة , توّاقا لمشاهدتها ، مهتمّا بأن يقدّم للمشاهدين حفلة رائعة مثيرة ، فدفع المبلغ ، فهل تعتقد أنّ كولاغينا وجماعة العلماء المتعدّدي الاختصاصات ، كانوا سيخيّبون أمله برؤية الظواهر الكولاغينيّة الباراسيكولوجيّة ؟

انّها ، كما ترى ، ليست أكثر من تجارة . فالباراسيكولوجيا ، كعلم مدّعى ، هي الواجهة الايديولوجيّة ، والتغطية العلميّة المزوّرة ، والكفالة النظريّة المموّهة لمصاح ذلك القطاع الواسع من تجّار الغيب والغرائب . فالباراسيكولوجيا والشّعوذة هما وجهان لعملة واحدة .

الفصل الخامس: الباراسيكولوجيا والعلم

انّ صاحب الرّخصة البرازيليّة يحاول ايهام القارىء بأنّ الباراسيكولوجيا علم جديد من العلوم المعترف بها ، وبأنّه لا جدال في ذلك ! فهي تعلّم في الفاتيكان ! وهي منتشرة في الولايات المتّحدة الأميركيّة وفي البرازيل أيضا ! فكيف يمكن الشكّ بها بعد ذلك ! انّ مثل هذا البرهان ، الذي يذكّرك بأساليب التّجّار في الدعاية لبضائعهم المستوردة ، لا يستغرب من ذلك المضلّل ، فهو تاجر مؤاجر يحاول تسويق سلعته الرّخيصة وبيعها تحت ماركة ” العلم “.

 

 

التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم

اعلم ، أيّها الأخ ، أنّ ما يسمّى اليوم باراسيكولوجيا ينتسب الى الارث السحريّ للبشريّة ، فهو تكملة واستمرار لذلك الوهم القديم . فما من حضارة ظهرت على وجه الأرض منذ أوّل الدهر الى اليوم الاّ قام فيها ، الى جانب الاتّجاه العقلانيّ في فهم العالم وتحويله ، اتّجاه سحريّ يفرّخ في جهل الانسان وبؤسه . فالايمان لأنّ جماعة من الناس كالكهنة والسّحرة والعرّافين وأضرابهم يملكون قوى خفيّة سريّة تمكّنهم من القيام بأعمال خارجة عن العادة كمعرفة الغيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وكشف المخبّآت ، والتأثير في العالم الطبيعيّ بغير واسطة مادّيّة ، وشفاء الأمراض من غير دواء أو وسيلة طبيعيّة – هذا الايمان يعود الى طفولة البشريّة . وكذلك  ادّعاؤهم أن تلك القوى والمقدرات والاستطاعات تخضع لقوانين ، وأنّها موضوع لعلم سريّ هو علم السّحر أو علم العرافة . وليست تخلو ثقافة انسانيّة قديمة أو حديثة من هذا المعتقد السّحريّ ، ومن كميّة هائلة من الأخبار والحكايات والأساطير التي تصوّره في جميع أشكاله وفنونه . أنت تستطيع أن تتسلّى بالنظر ، مثلا ، الى الأدبيّات التي نشأت حول هذا الموضوع في هامش الثّقافة العربيّة الاسلاميّة ، فهي أدبيّات غزيرة جدّا ، وهي تتفوّق بما لا يحدّ على الأدبيّات الباراسيكولوجيّة المعاصرة ، كما أنّها ذات قيمة فنيّة ممتازة يرتفع فيها الخيال الى آفاق عالية . وأنت لو كدّست كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، جميعهم ، الواحد فوق الآخر ، ضاغطا ايّاهم بمجمل قدميك ضغطا عنيفا ، لما بلغوا كعب ابن وحشيّة (القرن التاسع ) ، صاحب ” الفلاحة النّبطيّة “.

الاّ أنّه اذا كان الانسان قد استطاع أن يتقدّم وسط الظّلام المحيق وفي الشّروط الطبيعيّة القاسية ، أن يتمكّن من كشف أسرار الطبيعة والسّيطرة عليها ، وأن يبني العلم حجرا حجرا عبر آلاف الأجيال ، وأن يؤسّس الحضارات ، وأن يصل الى ما وصلنا اليه اليوم ، فذلك حين خرج من الأقماط السّحريّة الأولى ، واستهدى من جهة بمشكاة النبوّة ، ومن جهة بمصباح العقل ، ذلك النّور الطّبيعيّ الذي وهبه الله للبشر ، وفهم أنّ تغيير العالم لا يحصل بالتّمتمة والزّمزمة واللجوء الى قوى غيبيّة يدّعي العلم بها أو التّحكم بأسرارها هذا الكاهن أو ذاك الكاهن أو ذاك الساحر ، بل بحرثة الطّبيعة بالملكات العقليّة المتهيّئة لدى النّاس جميعا . فالتقدّم الانسانيّ لم يقم على الاتّجاه السحريّ الكسيح المظلم ، المحرّر ، خارث الطّبيعة وحارس الوجود ، السّاهر على بقاء الانسان ، مولّد العلوم الصّحيحة . فكما أنّ الطّقيليّات لا تعيش الاّ على الجسم الحيّ ، كذلك تلك العلوم الكاذبة فانّها تعيش في هامش النّظام المعرفيّ السائد في هذه الحضارة أو تلك ، وتتطفّل على مراجعه ومنجزاته ، وتتزيّا بزيّه . في القرون الوسطى كانت تلك العلوم الزائفة تقتات أمّا من معطيات الثقافة الفلسفيّة لسيادة هاتين الثقافتين كسلطة معرفيّة ، تمثّل الأولى منهما الوحي والثانية العقل . والأعمال الغريبة التي تسمّى اليوم ظواهر باراسيكولوجيّة وتنسب الى قوى خفيّة مجهولة كانت تنسب امّا للجنّ والأرواح ، صالحة أم شرّيرة ، في الخطاب السحريّ المتطفّل على الخطاب الدينيّ ، وامّا لقوى نفسيّة خاصّة في الخطاب السحريّ المتطفّل على الخطاب الفلسفيّ . فقد كان يقال انّ نفوس الكهنة لها خاصيّة الاطّلاع على المغيّبات ، وانّ من النفوس الساحرة ما يؤثر الهمّة فقط من غير آلة ولا معين ؛ وهذا هو عينه قول الشراذم الباراسيكولوجيّة الحديثة . وهذا كلّه تجده مفصّلا في الأدبيّات الهرمسيّة التي انتشرت بعد غياب الشمس الفلسفيّة اليونانيّة ، في الثقافة الهلنستيّة .

 

 

خاتم ” لبيّك ” شيء ، والتفكير العلميّ شيء آخر

ولمّا بزغ فجر العصور الحديثة ، بدءا من القرن التّاسع عشر خاصّة ، بعدما قلّمت الشّعوب الأوروبيّة أظافر الكنيسة السّياسيّة وسحق فلاسفة التّنوير ما كان يسميّه فولتير”I`infame  ، وتراجع ظلّ الدّين ، فلم يبق مرجعا معرفيّا ، وحلّ العالم مكان الفيلسوف ، وساد سلطان العلم كوسيلة وحيدة مؤكّدة لفهم العالم ، وصارت له السّيادة المرجعيّة المطلقة في النّظام المعرفيّ الحاليّ ، خلعت ، آنذاك ، الأدبيّات السّحريّة رداءها القديم وشكلها القديم وتفسيراتها ومبرّراتها القديمة ، والألفاظ التي كانت تستعيرها من الدّين والفلسفة لصياغة مبادئها ومسلّماتها ، تركت ذلك كلّه ولجأت الى العلم تتزيّا بزيّه ، وتقتات من قشوره وفتاته ، وتسترق أشكاله الخارجيّة ، وتتطفّل على مراجعه ونظريّاته ومعطياته .

أنظر الى الأدبيّات الباراسيكولوجيّة بما هي محاولة نظريّة لتفسير تلك المخاريق السحريّة ، قديمها والحديث ، فماذا تجد ؟ انّك تجد خليطا متناقضا من الألفاظ المسترقة من ثلاثة علوم خاصّة ، هي علم النفس والفيزياء والفيزيولوجيا ؛ ألفاظ أفرغت من محتواها ، وأخرجت من سياقها الأساسيّ ، وركّبت تركيبا سحريّا جديدا فعادت شيئا لا علاقة له بالأصل .

فطوائف من القطيع الباراسيكولوجيّ سطت على مفهوم ” اللاوعي ” الفرويديّ فشوّهته لجهلها بمعناه ، وجعلته مقرّا لتلك القوى الوهميّة . فهو عندهم ” خاتم لبيّك ” ، ومغارة علي بابا ، وعبارة “افتح يا سمسم “، وطاقيّة الاخفاء ، والعصا السحريّة التي يحلّون بها حلاّ سحريّا بدائيّا كلّ معضلة ، ويفسّرون بها كلّ مسألة مستعصية وكلّ أمر عجيب وكلّ لغز من ألغاز الطبيعة والتاريخ ! هو عندهم بئر بلا قعر ، وهباءة تستعصي على السّبر ، وخرافة من خرافات الدّهر ! ويحيط به ” الظلام المنير ” عن شمال و”النور المظلم ” عن يمين ! وصاحب الرّخصة البرازيليّة من هذه الطائفة . ومن الطّوائف الباراسيكولوجيّة فئة انصرفت عن ” اللاوعي “، بعد أن طردها عنه المحلّلون النفسيّون ، ولجأت الى البيولوجيا ؛ فهذه الفئة جعلت الدّماغ والجملة العصبيّة مقرّا لتلك القوى السّحريّة ؛ فمنهم من يحشرها في القسم الأيمن من الدّماغ ، ومنهم من سحشرها في القسم الأيسر ؛ وهؤلاء أشدّ غباء من زملائهم ، لأنّ مخاريقهم في هذا الباب سريعة الافتضاح .

ولمّا اكتشف علم المورّثاتgenetique  في اواسط القرن ما يسمّى(A.D.N.)  تهافت الذّباب الباراسيكولوجيّ أيضا على هذا الاكتشاف ، وقالوا لا بدّ من أن تكون تلك القوى السحريّة مستقرّة في(A.D.N.)!

ولمّا أفهمهم العلماء ما هو(A.D.N) عاد أكثرهم عن تلك الدعوى وستروها ، خشية الفضيحة ، كما تستر الهرّة نجاستها !

ومثلما تكالبت تلك على مفهوم “اللاوعي ” الفرويديّ ، فانّها تكالبت أيضا على فيزياء الكمّ ( الكوانتا ) وعلى النظريّة النسبيّة ! وزعمت أنّها لا تتعارض مع معرفة المستقبل معرفة سحريّة ومع سائر تلك الظّواهر ، الأمر الذي أثار ضحك الفيزيائيّين وسخريّتهم ، وأحيانا غضبهم ، ومعظم الأحيان تجاهلهم المحتقر لتلك التخريفات الباراسيكولوجيّة . 36

ولكلّما أنبت العلم اختصاصا جديدا ، أو نظريّة علميّة جديدة ، تكالب الذّباب الباراسيكولوجيّ على ذلك الاختصاص وعلى تلك النظريّة واسترقوا بعضا من قتاتها ومفاهيمها ، الى أن يفضح أهل العلم جهلهم ، فيتحوّلون عن هذا الاختصاص الى غيره . ولن أذكر مجمل تأويلاتهم على اختلاف أنواعها وتناقضاتها ، وما ركّبوه من الفتات المستعار من هذا العلم أو ذاك ، فهي خلاصة الهذر والهذيان وفي غاية الركاكة والسّخف ، وفي أدنى الدّرجات من أدب الخيال العلميّ(Science fiction).

فهذا وجه من وجوه التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم .

 

“أستاذ في جامعة ما هبّ ” و”دكتور في كليّة ما دبّ” و” عضو في جمعيّة هلمّ جرّا “

وثمّة وجه آخر من وجوه التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم تجده في أدبيّاتهم على هيئة صبغة انشائيّة تزيينيّة ؛ اذ تراهم يشوّهون كتاباتهم بأسماء من شئت من العلماء والفلاسفة والمفكّرين وبأقوال منسوبة لهم ، كما يوشّونها بألفاظ العلم والعلميّة وطرائق الاثبات العلميّ والوعي العلميّ والعقل والمنطق والعلم الموضوعيّ ، وألفاظ يستعملونها بافراط شديد وباسراف يجاوز المألوف ، فاذا هي مصابة بالتّضخيم والافلاس . كما يوشّونها بأرطال من الدّرجات الجامعيّة ولوائح طويلة من الألقاب العلميّة “كالدكتور ” “والبروفسور “و”العالم البيولوجيّ ” و” المهندس البيولوجيّ “و”عالم النّفس الشّهير “و”الفيزيائيّ الكبير ” و”الأستاذ بجامعة ذيت”و”الباحث بأكاديميّة كيت “و”الحائز جائزة ما هبّ”و”العضو في جمعيّة ما دبّ “و”مكتشف قانون هلمّ جرّا ” ، وألقاب يريقونها دون حساب على كتّاب المقالات الباراسيكولوجيّة التافهة . كما يوشّونها بذكر ” المؤتمرات الباراسيكولوجيّة الدّوليّة ” وأسماء ” الجمعيّات و”المختبرات ” و”المعاهد “التي تدرّس فيها الصّناعة ، وتمنح “الدّبلومات ” و”الشّهادات “وتعطى التّرخيصات بالممارسة .

وهذه الصّبغة هي ذاتها التي كان يموّه بها ، في القرون الوسطى ، أصحاب صناعة السّحر والتّنجيم والعرافة والكيمياء وسائر العلوم الكاذبة أقوالهم ، اذ كانوا يذرّون عليها من فتات الفلسفة ويوشّونها بأسماء الفلاسفة والعلماء كفيثاغورس وأفلاطون وأرسطو وهرمس الحكيم وغيرهم من “علماء “المصريّين والكلدانيّين والهنود الأقدمين . وهي ذاتها الصّبغة التي كان يموّه بها أتباع المذاهب الباراسيكولوجيّة أنفسهم ، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، صناعة استحضار الأرواح والموائد المتحرّكة والتنويم والطبابة المغنطيسيّة . وفي ذلك الحين كانت الصّبغة أقوى قوّة ، وكانت الأسماء أشهر والألقاب أثقل وزنا . ولا تزال الى اليوم عدّة طوائف باراسيكولوجيّة تتعاطى تلك الصناعات ، وتصطبغ بتلك الصّبغة ، وتتلطّى وراء تلك الأسماء الشّهيرة والألقاب الطنّانة . هي الصّبغة ذاتها التي تلجأ اليها مئات بل آلاف الطّوائف المذهبيّة المستحدثة في الغرب ، من غنوصيّة(gnostiques )  وثيوصوفيّة(esoteriques ) ، فتسّوق بها معتقداتها وأسرارها وعلومها ؛ وكلّ فرقة من هذه الفرق ، وكلّ طائفة من هذه الطّوائف ، تزعم أنّ معتقداتها هي علم صحيح دون معتقدات سواها ، وأنّ العلم الأكاديميّ الرسميّ أيّد أقوالها ، وكذّب مزاعم سواها . فكلّهم صادقون وكلّهم كاذبون .

وأنت اذا فحصت تلك الصّبغة التي يموّهون بها أدبيّاتهم ، لوجدت أنّ تلك الأسماء الفلسفيّة والأقوال الفكريّة انّما يستخدمونها كتعاويذ ورقى ، أو للزينة والديكور ، والخدعة والتّمويه .

ولوجدت أنّ تلك الأرطال من الألقاب العلميّة الطّنانة انّما هي مزوّرة لا صحّة لها أو تافهة لا قيمة علميّة لها ، فهي تشترى كما يشترى الحذاء وربطة العنق . فالجمعيّات الباراسيكولوجيّة التي لا حصر لها ولا عدّ انّما ينشئها الأفراد أيّا كانوا ؛ وهي تتاجر باصدار النّشرات . ويكفي المرء ، عتّالا أكان أم كنّاسا ، أن يشترك في هذه النّشرة لقاء دريهمات ، حتّى يصبح عضوا في الجمعيّة . وألقاب صاحب الرّخصة البرازيليّة من هذا النوع ، فهي أرخص من البصل في سهل البقاع في موسم قلع البصل !

ولوجدتّ أنّ اسرافهم في استخدام لفظ العلم ومشتقّاته وولعهم بالألقاب انّما عن تعطّشهم المرضيّ واستماتتهم المثيرة للسّخريّة من أجل انتحال الصّفة العلميّة ، وأنّ كلّ ذلك سببه الشّعور بالنّقص القاتل المستحكم في نفوسهم ، والنّاشىء عن احتقار العلماء لهم . فالكتّاب الباراسيكولوجيّون يعوّضون عن ذلك النّقص الفتّاك بالاستعمال السّحريّ للألقاب الجامعيّة والألفاظ العلميّة .

ولوجدت أنّ تلك المعاهد والمختبرات والجامعات والاكاديميّات انّما هي مؤسّسات خاصّة لا تتمتّع بأيّة صفة رسميّة ، وأنّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة تموّل برساميل خاصّة ، وأنّ تلك المؤتمرات الدّوليّة ، هي اجتماعات خاصّة ينظّم مثلها ، في كلّ عام ، المنجّمون والمنوّمون والمطبّبون المغنطيسيّون ومستحضرو الأرواح والقارئون بالفنجان وبورق اللعب والعرّافون وسائر فبيل الدّجّالين المشعوذين .

فالباراسيكولوجيا ، كما ترى ، طفيليّة على العلم ؛ والعلم عند الباراسيكولوجيّين ما هو الاّ مجرّد صبغة خارجيّة يموّهون بها على الأغمار . فلا تغرّنّك ألقابهم الزائفة المزوّرة وألفاظهم الطنّانة الجوفاء . فما كلّ حمراء لحمة وما كلّ بيضاء شحمة ، والكلب كلب ولو طوّقته بالذهب !

 

 

موقف العلم الأكاديميّ من الباراسيكولوجيا

اعلم ، يا أخي ، أنّ العلم لا يمثّله هذا أو ذاك من الأفراد ، لكن اجماع الهيئات العلميّة والحوزات الأكاديميّة على مجموعة من الطرائق في تحصيل المعرفة ، وعلى جملة من الأساليب في النظر الى الأمور . وهذا العلم الأكاديميّ الرسميّ لا يعترف بالباراسيكولوجيا ، ويصنّفها باحتقار في خانة العلوم الكاذبة ، ويعتبرها فضيحة عقليّة وعلميّة تعيب كلّ من يؤمن بمزاعمهما . وهو في جميع الحالات ، يحيلها ، كموضوع ، الى مباضع الباحثين في العلوم الاجتماعيّة بغية بشريحها وشرح أسباب وجودها . وهذا الابعاد للباراسيكولوجيا من حقل العلم هو عمليّ ونظريّ . والمشتغلون بها يعرفونه أكثر من غيرهم .

 

 

لا مكان للباراسيكولوجيا في الجامعة الفرنسيّة

أمّا الابعاد العمليّ فيتمثّل بعدم السّماح للهذيان الباراسيكولوجيّ بالدخول الى حرم الجامعة . خذ مثلا على ذلك فرنسا . انّ مدينة باريس وحدها تضمّ ثلاث عشرة جامعة ؛ وفيها بالاضافة الى ذلك المعهد التطبيقيّ للدّراسات العليا بشعبه العديدة التي تعنى بجميع العلوم قاطبة ، من علوم الفضاء الى علوم اللغات وعلوم الأديان ؛ وفيها عشرات المدارس المتخصّصة جدّا التي لا يدخلها الاّ المبّرزون المتفوّقون ؛ وفيها الكولّيج دي فرانس الشّهيرة ، ويه تعنى أيضا بشائر فروع العلم لا أستثني منها شيئا؛ وفيها الكونسرفاتوار الوطنيّ للتعليم المهنيّ ؛ وفيها معهد باستور الذي اكتشف علماؤه الفيروس المسؤول عن مرض السّيدا (الأيدز) ؛ وفيها المركز القوميّ للبحث العلميّ الذي يعمل فيه عشرات الآلاف من العلماء في جميع حقول المعرفة التي يمكن أن يتخيّلها الانسان . هذا في المسرّع الذّرّيّ الذي يعتبر أكبر مسرّع ذّرّيّ في العالم ، وهو مدينة بحجم مدينة باريس ، كلّ عام تقريبا ، للعلوم المستجدّة أو تلك المتحصّلة عن اشتراك الاختصاصات المتفرّقة في حقل واحد من حقول البحث . أمّا الميزانيّة المخصّصة للبحث العلميّ فهي خياليّة . ومن نافل القول انّ فرنسا تقع في طليعة الدّول المتقدّمة علميّا ، فهذا معروف . ويكفيك أن تعلم أنّه ليس هناك باب من أبواب المعرفة الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة الاّ يدرس أو يدرّس في الجامعات والمعاهد العلميّة الفرنسيّة .

واذا سألتني أين موقع الباراسيكولوجيا في هذا الجسم العلميّ العظيم ، أجبتك بما يعرفه الخاصّ والعامّ ، العالم والجاهل ، بل على رخصة في الشّعوذة الباراسيكولوجيّة من البرازيل يمكنه أن يعرفه ويتحقّق منه : لا مكان للباراسيكولوجيا في جسم العلم في فرنسا ، ولا مكان لها في الجامعة . هذا مع أنّها قد نشأت وترعرت في فرنسا ، كما هو معروف . انّها مرذولة محتقرة مطروحة ، كالبغيّ ، على الرّصيف ، وفي دكاكين العرّافين والمشعوذين .

هناك جمعيّات خاصّة تعنى بالباراسيكولوجيا . أشهرها ” معهد ما وراء النفس الدّوليّ(Institut metapsychique international ) الذي كان أسّسه في أوائل القرن الطّبيب ريشه(Richet )  صاحب “الوسطاء الروحيّين ” الّذين لعبوا عليه تلك الألاعيب وجعلوه مهزلة لأقرانه من العلماء . وبعد أن كان لهذا المعهد عزّ وشهرة في تلك الأيّام ، علاه غبار النّسيان . وأنت تحتاج الى يوم كامل تقتضّيه في مراكز التّوثيق والأرشيف حتّى تهتدي الى عنوانه .

هناك أيضا بعض الكتّاب والصّحافيّين الموسوسين بالباراسيكولوجيا ، أشهرهم يدعى ريمي شوفان(Remy Chauvin )  . وهذا كان أستاذا في الجامعة ، وكان يتعاطى الباراسيكولوجيا سرّا ، وينشر مؤلّفاته بأسماء مستعارة خوفا من أن يطرد من الجامعة . ثمّ كشف عن قناعه ؛ فاشترطت عليه الادارة المسؤولة أن يلتزم ممارسة مستعارة خوفا من أن يطرد من الجامعة ، كالهواية حتّى  لا تتعرّض له بالعقاب أو الطّرد . وتراه دائم الظّهور على شاشات التّلفزيون في المناسبات الباراسيكولوجيّة ، لا يعرف له أيّ نشاط علميّ غير ذلك . ونبغ بعده رجل يدعىYves Lignon  . وهذا كان – ولا يزال – مساعد مدرّس في قسم ادارة الأعمال في جامعة تولوز ، في مادّة الاحصاء . ثمّ أولع بالباراسيكولوجيا بعد أن تزوّج عرّافة وجعل ينظّر لها “علميّا “؛ وما لبث أنّ أخذ ينشىء المقالات للصّحف ويوقّعها بلقب ” البروفسور ” ، كعادة الباراسيكولوجيّين في تزوير الألقاب العلميّة وانتحالها ، ويرفق مقالاته برسائل تحمل شعار الجامعة واسمها . ثمّ تجرّأ فوضع يافطة على باب مكتبه في الجامعة كتب عليها مختبر جامعة تولوز للباراسيكولوجيا . فلمّا علم به رئيس الجامعة أمره بنزع تلك اليافطة عن باب مكتبه كما أنذره بالملاحقة القانونيّة اذا هو استمرّ في انتحال لقب بروفسور ، وأذاع الرئيس في الصّحف وفي غيرها من وسائل الاعلام أنّ جامعة تولوز بريئة من تلك النّقيصة التي يحاول ذلك المدرّس المزوّر الحاقها بها والايهام بأنّ الجامعة تدرّس الباراسيكولوجيا . فاضطرّLignon الى أن يستأجر دكّانا في مدينة تولوز ويجعله مقرّا لمختبره . وهو يصدر في السّنة الواحدة أربعة كتب على الأقلّ في أخبار العرّافين وحوادث ظهور الأشباح والقرقعة على الجدران في المزارع النّائية ، فضلا عن ” القواميس”الباراسيكولوجيّة ، كعادة الباراسيكولوجيّين في الانتاج السّريع وترجمة السّلع الغرائبيّة من لغة الى لغة وتعليبها في الموسوعات والمسلسلات .

لقد ذكرت لك قصّة هذا الرجل لأنّها مشهورة شائعة ، ولأ،ّها تمثّل علاقة الباراسيكولوجيا بالجامعة الفرنسيّة ، وتعطي صورة عن موقع هذه الصّناعة في جسم العلم في فرنسا 37.

وفرنسا هي مثال على دول أوروبّا الغربيّة .

أمّا في الولايات المتّحدة حيث الجامعات تعدّ بالآلاف ، وكلّ منها يضمّ مئات الكراسي (أي المناصب الأستاذيّة ) لتدريس مختلف العلوم ، فلا تجد الاّ خمسة مراكز للبحث في الباراسيكولوجيا ، وهو عدد تافه . وتلك المراكز يموّلها غالبا أثرياء مولعون بالغرائب وبالماورائيّات . مثال ذلك “المختبر “الذي أسّسه وموّله الثّريّ الشهير ماك دونال عام 1979 في واشنطن . والذي حدثت فيه الفضيحة الباراسيكولوجيّة المعروفة باسم المشروع ألفا التي أثارها لاعب الخفّة وفاضح الأخاديع الشهير جايمس رانديLames Randi .38

وقبل ذلك كان أحد أصحاب المناجم قد أوصى بكامل ثروته الى كلّ من يعمل على تقديم البرهان على وجود حياة بعد الموت . فوقعت تلك الثروة الطائلة لقمة سائغة في أيدي الباراسيكولوجيّين ، ولذا تجد أبحاثهم تدور حول الماورائيّات . 39

فهذا هو حال الباراسيكولوجيا في البلدان المتقدّمة علميّا ؛ وهي ليست أحسن حالا في دول الجنوب اذا جاز الحديث عن باراسيكولوجيا علميّة في دول الجنوب .

لا يغيب عنك أنّ الدوّل عندما تصرف مليارات المليارات على البحث العلميّ ، فانّها لا تفعل ذلك من أجل اللهو والتّسلية والأبّهة أو ارضاء للفضول ، ولكن لأنّ العلم سلاح خطير وقوّة عظيمة تمكّن من السيطرة على الطّبيعة ، ومن الاكتشافات والاختراعات ، ومن الاستقواء في المجابهات والنّزاعات بين الدّول . فهناك اتّصال وتساوق بين العلم النّظريّ والتّطبيق العمليّ . وكن على يقن من أنّه لو صحّ وجود شيء ممّا تدّعيه الأغنام الباراسيكولوجيّة من تلك القوى السّحريّة وأفعالها ؛ لكان اعتبر ذلك من أعظم وأخطر الاكتشافات في تاريخ العلم الحديث ، ولتهافت العلماء من جميع الاختصاصات على الباراسيكولوجيا للاستعانة بها في حقولهم ، ولتنافست الدّول الكبرى في انشاء المعاهد والمختبرات لدراسة تلك القوى الخطيرة الغريبة أكثر من تنافسها في انشاء المعاهد والمختبرات لامتلاك السّلاح النّوويّ .

وهذا الموقف العمليّ له مبرّراته وأسبابه ، وليس وليد الاعتباط والتّحكم كما تتوهّم الشّراذم الباراسيكولوجيّة . من هذه الأسباب أنّ العلوم هي ثمرة العقل ؛ وبنية العقل واحدة . وهي تدرس الطّبيعة والحياة والانسان ؛ والطّبيعة واحدة ، والحياة واحدة ، والانسان هو هو هنا وهناك ، أمس واليوم . والعلوم قابلة  للبرهان والتّحقّق ، تفرض نفسها لهذا السّبب ، بسلطان قاهر على كلّ من يرجع الى العقل ؛ وهي متّصلة بعضها ببعض . والبحث فيها يرمي الى اكتشاف المجهولات بتجرّد – دون أحكام مسبقة والاّ لما حصل أيّ اكتشاف – وبمنهجيّة وطرائق موافقة لوضوعها ؛ والبحث العلميّ متّصل موضوعيّ شموليّ ، يبني فيه الباحث هنا ، أو اليوم ، ما غدا ، على ما أثبته الباحث هناك ، أو أمس , أواليوم ؛ كلّ يضع في صرح المعرفة العلميّة الحجر أو المدماك الذي أتيح له أن يضعه . فليس هناك فيزياء صينيّة وفيزياء فرنسيّة وفيزياء أميركيّة وفيزياء عربيّة ، هناك فيزياء . انّ الوعي يجعل  هذا التعاون ممكنا ، وهذا الاشتراك مثمرا ، وهذا الاتّصال قائما . هو ، من جهة ، وحدّة الموضوع ، ومن جهة واحدة النّظام المرجعيّ والمثال المعرفيّ الذي تتّسق فيه وتتناغم هذه المشاركات العلميّة . ولولا ذلك لما حصل التّقدّم العلميّ ، ولما حدث التّراكم المعرفيّ .

أمّا البحث الباراسيكولوجيّ فهو على النقيض  من ذلك كلّه ؛ فهو شأنه شأن البحث اللاهوتيّ ، لم يرم الاّ الى اقامة البرهان على مصادرات غيبيّة مستقرّة موروثة عن عصور الجهل والظّلام ، قائمة قبل البحث وقبل التّجربة ، وقبل الاختبار ، ثابتة بعد البحث وبعد التّجربة وبعد الاختبار . وهو لا يتّصف بالموضوعيّة . فأرباب تلك الصّناعة أنفسهم يزعمون ، كما رأيت ، في مزاعم جعلوها أشبه بالقوانين ، أنّ الفكر التّحليليّ والمراقبة المشدّدة والشكّ المنهجيّ – وهي أدوات المعرفة العلميّة – تمنع من حدوث الظواهر وتبطل مفعول القوى السّحريّة . فهي لا تقبل الاّ من باب الايمان . فان كانت تلك القوى لا تكشف عن وجهها الاّ لأتباعها ، ولا تظهر الاّ على المؤمنين سلفا بها . وحدهم دون سواهم ، اقتصر البحث في هذا المجال على النّعاج المسلّمة بتلك العقائد ؛ وكانت المعرفة التي تكتب بهذا المنهج هو أشبه بالطّرق الصوفيّة الذّاتيّة معرفة ذوقيّة خاصّة ، محصورة بفئة المؤمنين ، مقصورة على نخبة من المحظوظين ، لا يمكن أن يكتسبها أو يتحقّق من صحّتها غيرهم . وهذا هو  ، في واقع الحال ، وضع الباراسيكولوجيا ؛ فهي أقرب الى المذهب الدّينيّ تلقّن تعاليمه تلقينا ، وتروي رواية ، وتنقل نقلا ، والذي ينقصه من أساسه مطلب التّحقّق من مرويّاته وأساطيره ، تحت الضّوء السّاطع . فهي تعيش في الظّل ، طفيليّة ، مغلقة  على ذاتها ، في هامش الثّقافة ، منقطعة الصّلة بالعلوم .

ولهذا السبب تجد الباراسيكولوجيا جامدة لا تتقدّم ولا تتطوّر ، ثابتة تراوح مكانها ، لا يحصل فيها تراكم معرفيّ . لكن يمكنك أن تمضي السّنوات في فحص الأدبيّات الباراسيكولوجيّة – الصّادرة خلال قرن منذ ولادة الباراسيكولوجيا ، بحصر المعنى ، الى اليوم – بحثا عن التّقدّم الذي أحرزه هذا العلم ، وعن التّراكم المعرفيّ الّذي أحرزه هذا الاختصاص ، وعن الاكتشافات العلميّة التي اكتشفها الباحثون في هذا الحقل ، فلا تجد شيئا ! وتبحث عن المعرفة العلميّة التي أضافتها هذه الصّناعة الى المعرفة الانسانيّة ، فلا تجد شيئا ! انّك لا تجد الاّ الأخبار عن الوسطاء والاّ الحكايات عن العرّافين والمبصّرين . وبالمقابل أنت تعلم التطوّر المذهل الذي عرفته العلوم خلال هذا القرن ، والقدر العظيم الذي أضافته الى معارف الانسان ، والقدرات الرّهيبة التي نتجت عنها ؛ انّ كل ما كسبه الانسان من معرفة واستطاعة في تاريخه الطّويل هو ذرّة تافهة بالقياس الى ما حقّقه العلم في القرن العشرين . فماذا حقّق البحث الباراسيكولوجيّ خلال هذا القرن ذاته ؟ – لا شيء . فان كانت الباراسيكولوجيا عاقرا عقيما لا تلد ، فلأنّها علم زائف كأخواتها من سائر العلوم الكاذبة .

 

 

مدينة العلم وسلّة المهملات

انّ السّبب الذي دفع ويدفع بالعلماء الى طرد الباراسيكولوجيا عن أبواب مدينة العلم ، رغم محاولات الباراسيكولوجيّين المستميتة وتعطّشهم المرضيّ ، هو أنّ المشتغلين في هذه الصناعة ممّن ينتحل الصّفة العلميّة لم يتمكّنوا ، خلال أكثر من قرن ، من اثبات شيء اسمه ظاهرة غريبة لا تفسّر بالقوانين العلميّة المعروفة . أمّا ما يتناقله الأغمار والتّجّار منهم عن ظواهر مزعومة ، فقد أثبت الفحص المستمرّ والتجربة الطويلة أنّه أكاذيب ومختلقات أو أوهام وأساطير خياليّة . أو ألاعيب يقوم بها مشعوذون أفّاكون . وهذا يعني أنّ المادّة التي تدّعي الباراسيكولوجيا أنّها تدرسها هي مادّة وهميّة ليس لها وجود موضوعيّ في الطبيعة . والعلم لا يقوم على الوهم . وهل قام العلم الاّ بعد أن غسل العقل الطبيعة من الوهم ؟

وتدّعي الأغنام الباراسيكولوجيّة أنّ العلماء ، تعصّبا منهم ، انّما يريدون الباراسيكولوجيا وينكرون عليها صفة الدّراسة العلميّة دون أن يطّلعوا على الأبحاث والدّراسات الباراسيكولوجيّة ، فلا يرون أنّها رصينة دسمة غنيّة بالمعطيات التي تثبت بوضوح وجود الظّواهر اثباتا واضحا ، كافيا ، يبرّر دراستها دراسة علميّة ! وا أسفاه !

وهذا الزعم كاذب ومتناقض . فمن جهة أولى ، كثيرون هم العلماء المشتغلون في الميادين العلميّة المتنوّعة الّذين فحصوا الملفّ الباراسيكولوجيّ ، ومحّصوه ودرسوه دراسة دقيقة ، فوجدوه فارغا من المعطيات الثّابتة التي يمكن التّحقّق منها ، وعاطلا عن كلّ منهجيّة علميّة . ووضعوا في ذلك المقالات النّاقدة والدراسات القاسية التي مزّقت الادّعاءات الباراسيكولوجيّة شرّ ممزّق ، بل انّ منهم من تعاطى البحث في الباراسيكولوجيا ردحا من الزّمن للتحقّق من تلك المزاعم ، وعاد بصفته المغبون .

ومن جهة ثانية ، فانّ القطعان الباراسيكولوجيّة لا تنتبه الى أنّ أصول علمهم الكاذب ذاتها لا تستدعي أن يفحص العلماء الملفّ الباراسيكولوجيّ بحثا عن الظّواهر الخرافيّة . انّهم يزعمون أنّ الظواهر طبيعيّة ، وأنّها تقسم ، بنوع من القسمة ، الى قسمين : ظواهر فيزيائيّة وظواهر نفسيّة ؛ وأنّها موجودة قائمة في الطبيعة ليس فقط في المختبرات الاحصائيّة والاستعراضات المسرحيّة والتلفزيونيّة التي يقوم بها الوسطاء للكسب والاثارة ، وفي المزارع النائية والمنازل المهجورة ، لكن في كلّ مكان يتواجد فيه البشر الّذين يحدثونها من غير ارادة أو انتباه منهم . وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ الفيزيائيّ والبيولوجيّ والكيميائيّ وغيرهم من الباحثين في العلوم الطّبيعيّة ، في البلدان المتقدّمة في هذا المضمار ، ممّن يعملون في المسرّعات الذريّة والختبرات المتطوّرة ، ويدرسون الموادّ المتناهية في الدّقة والظّاهرات الطبيعيّة بواسطة الأجهزة البالغة أقصى درجات الحساسيّة ، كان لا بدّ من أن ينتبهوا ، خلال أكثر من قرن على الأقل ، الى وجود تلك القوى المسقرّة فيهم أو في الأفراد الّذين يعالجونهم أو يجرون عليهم التجارب . وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ الآلاف المؤلّفة من علماء النّفس في السيكولوجيا الاختباريّة أو السّريريّة الّذين يقيمون سنويّا ، في جميع أصقاع العالم المتمدّن ، مئات الآلاف من التّجارب والاختبارات والدّراسات على ملايين الأفراد لا بدّ من أن يتنبّهوا ، خلال قرن على الأقل ، الى وجود تلك الأمور الغريبة والظّواهر العجيبة ! وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ المحلّلين النفسيّين الّذين تقوم صناعتهم على سبر اللاوعي وتحليله ، كان لا بدّ من أن يقفوا على أثر لتلك القوى السّحريّة التي حشرتها الطّوائف الباراسيكولوجيّة في اللاوعي ، أو على أثر نفسيّ أو واقعيّ لأفاعيلها الوهميّ ، في ملاحظةتهم وتحليلهم لملايين الأفراد سنويّا ! فلو كانت تلك القوى السحريّة موجودة ، ولو كانت تحدث أيّ أثر ، لكان ظهر هذا الأثر في الاختبارات والتّجارب ، ولكان غيّر في المعطيات الموضوعة تحت الملاحظة ، والتّحليل ، والمراقبة ، وسجّلته الأجهزة البالغة المنتهى من الدّقة والحساسيّة ، ولكانت تحوّلت تلك القوى الى مادّة للدّراسة العلميّة ! ولكان استوعب علم الفيزياء “الظّواهر ” الفيزيائيّة ، فهي ، لو وجدت ، لوقعت حكما في ميدانه ؛ ولكان استوعب علم النّفس الظّواهر النفسيّة ، فهي لو وجدت لوقعت حكما في مجاله ؛ ولكان استوعب علم الجملة العصبيّة أو التحليل النّفسيّ تلك القوى الخفيّة المجهولة ، فهي ، لو وجدت ، لوقعت حتما وحكما في نطاقه وحقله . أليس ، اذا سمّت تلك الأغنام صناعتهم بارابسيكولوجيا قالوا انّها تدرس الظّواهر النفسيّة التي لا يدرسها علم النّفس ؟ فلماذا لا يدرس علم النّفس – الذي يدرس بالتّحديد الظّواهر النفسيّة – تلك الظّواهر النفسيّة لو كانت موجودة ؟ ولماذا نرى الباحثين في علم النفس أشدّ النّاس انكارا لتلك الظّواهر ؟ وربّما سمّوا صناعتهمParaphysique  وقالوا انّها تدرس الظّواهر الفيزيائيّة التي لا يدرسها علم الفيزياء . فلماذا لا تدرس الفيزياء – التي تدرس بالتّحديد الظّواهر الفيزيائيّة – تلك الظّواهر الفيزيائيّة لو كانت موجودة ؟ ولماذا نرى الفيزيائيّين أقسى العلماء قساوة وأعنفهم عنفا في نقد المزاعم الباراسيكولوجيّة ؟ وربّما سمّوا صناعتهمBio-communication    أوPsychotronique  وقالوا انّها تدرس الظواهر الجسم – نفسيّة التي لا تدرسها الفيزيولوجيا ، فلماذا لا تدرس الفيزيولوجيا تلك الظّواهر الفيزيولوجيّة ؟ ولماذا نجد العلماء الباحثين في هذا الحقل لا يحتقرون شيئا أكثر من احتقارهم للتّخريف الباراسيكولوجيّ ؟ لماذا ؟ فاذا كان علم النّفس بكامل فروعه ومجالاته واختصاصاته الاختباريّة لا يرى تلك الظّواهر ولا يعترف بها ، واذا كان علم الفيزياء ، أكثر العلوم تطوّرا على الاطلاق ، بسائر أقسامه وتفرّعاته ومختبراته الموغلة في الرّهافة والدّقة والحساسيّة ، لا يرى تلك الظّواهر ، ولا يعترف بها ، واذا كان الباحثون في العلوم الطّبيعيّة والمختبرون في العلوم الفيزيولوجيّة لا يقعون على تلك الظّواهر ولا يلاحظون وجود تلك القوى ، وهم المخوّلون الوقوع عليها وملاحظتها ودراستها فهذا يعني ، بكلّ بساطة ، أنّ تلك الظواهر وأنّ تلك القوى غير موجودة !

أجل ، انّها غير موجودة الاّ على شكل كائنات لغويّة لا وجود لما تدل عليه خارج اللغة . فالاسم ، في الباراسيكولوجيا وأخواتها من سائر العلوم الكاذبة ، هو ما ينحل اليه المسمّى ، فالاسم فيها هو المسمّى ، ومصطلح القوّة الخفيّة هو القوّة الخفيّة ، والظاهرة هي اللفظ الدال عليها . فاذا تهيّأ لتلك القطعان من الأغنام وجود الاسم ، اخترعوا له مدلولا من مادّة اللغة ومخزون الخيّلة ، ثمّ أطلقوا المدلول في الحوادث الجارية الطّبيعيّة فكسروها ، كما يكسر الماء شعاع الماء ، ليركبوا من نثارها – وفق قوالب ثقافيّة شائعة جاهزة ، تختلف من ثقافة الى ثقافة ومن زمان الى زمان – أحداثها غريبة وظواهر عجيبة لا وجود لها في الطّبيعة . ثمّ أعلموا أشنع أنواع القياس البدائيّ الذي يسمّيه المناطقة ما قبل المنطقيّ ، فعمّموا فأنتجوا ، أو قبلوا ، كلّ حسب قوالبه ، مئات الآلاف من الحكايات العجيبة والأقاصيص الغريبة . ثمّ قالوا لا بدّ من نظريّة تفسّر هذه الظّواهر فبحثوا ودرسوا واختبروا فلم يجدوا الاّ المصادرات الأولى ، والاّ المسلّمات القبليّة ، والاّ القوالب التي وقعوا في أسرها ، فألبسوها من أسمال النّظام المعرفيّ السّائد ، فهم في حلقة منطقيّة مفرغة أوّلها هو آخرها .

الاّ أن تلك الشّراذم لا تكتفي بجهلها وغبائها الذّاتيّ بل تخرج الى ادّعاء أنّ الباراسيكولوجيا علم ! فاذا دخلت عليهم من هذا الباب ، وأخذت تلك الأخلاط اللامتجانسة من الظّواهر الخرافيّة والقوى الأسطوريّة ، وطرحت منها في سلّة المهملات ما كان من حقّه أن يقع في هذا الاختصاص أو ذاك من الاختصاصات العلميّة القائمة ، ممّا لا يعترف بوجوده الموضوعيّ الباحثون في هذه الاختصاصات ، وأرحعت الى أهل كلّ علم ما استرقته الطّفيليّات الباراسيكولوجيّة عنهم ، لم يبق في يدك من تلك الأخلاط شيء وتبخّرت الظّواهر فاذا هي صفر ، وتبخّرت القوى السّحريّة فاذا هي صفر وتبخّرت النظريّات المستعارة فاذا هي صفر ، وبدت لك الباراسيكولوجيا على حقيقتها : وهم على وهم ، وخلط في ملط ، وحيص في بيص ، وصفر زائد صفر !

مراجع علميّة تنقض الباراسيكولوجيا

مصادر القسم الثالث من الكتاب

 

  • راجع الصفحة 71-72 من هذا الكتاب .
  • راجع الصفحة 80-87 من هذا الكتاب .
  • راجع النقد العنيف الذي وجّهه Hansel أستاذ علم النفس الاختباريّ ، الى الشروط التي أجرى فيها راين اختباراته في الأعوام 1938و1939و1940 ، وهو نقد تحصّل عن فحص دقيق استمرّ أكثر من عشر سنوات للملفّ الباراسيكولوجيّ . – C,E.M.Hansel ESP A,Scientific Evaluation New York Charles Scribner`s Sons 1966.                          – C.E.M.Hansel ESP and Parapsychology A Critical Re-Evaluation Buffalo Prometheus Books 1980.                                                                     
  • انّ رؤية واحدة من هذه البطاقات الشفّافة كانت كافية لأن تدع الدكتور Dingwall (وهو أستاذ انكليزيّ في علم النفس كان مديرا لجمعيّات باراسيكولوجيّة انكليزيّة وأمريكيّة ) يكتشف الوهم الذي تتخبّط فيه الأبحاث الباراسيكولوجيّة ، ولتجعله ينصرف عنها ويوجّه اليها أقسى الانتقادات في مؤتمر صحفيّ طويل عقده في لندن .  راجع نصّ كلمة Dingwall  في : Rouze la Parapsychologie oui ou non p. 15-18 . 
  • راجع الملاحظات الساخرة التي وجّهها الاحصائيّ ولاعب الخفّة الأميركيّ Diaconis الى التّجارب الباراسيكولوجيّة وامكان الغشّ الواسع فيها ، بعد اشتراكه الشخصيّ فيها ومراقبته لها ، وذلك في : Diaconis “Statistical Problems in ESP Research ” in Science , No 201,1978 pp.131-136.                      
  • انّ فضيحة صول وحدها كافية – لمن لديه ذرّة واحدة من التفكير السليم – لرؤية الباراسيكولوجيا على حقيقتها : أكذوبة مؤسّسة على الشّعوذة والتّزوير . كان صول هذا رياضيّا انكليزيّا ، وقام بين عاميّ 1941و1943 بتجارب باراسيكولوجيّة مختبريّة واحصائيّة على مصوّر يدعى Basil Schackleton وعلى امرأة تدعى Goldney  . وهذه التجارب الاحصائيّة التي تمتّ ، على زعم أتباع الباراسيكولوجيا ” تحت المراقبة المشدّدة جدّا ” وكانت ” ناجحة جدّا “، والتي أدّت الى ” البرهان القاطع الدامغ “على وجود القوّة بسي ، اعتبرت مرجعا خطيرا من مراجع الدراسات الباراسيكولوجيّة . واعتبر صول واحدا من كبار الباراسيكولوجيّين ” العلميّين ” في العالم . وكان راين يقول انّ دراسات صول تشكّل نقطة تحوّل في الباراسيكولوجيا . وكان جميع الباراسيكولوجيّين في العالم اذا أرادوا تقديم البرهان على وجود القوّة الخطيرة بسي ، أحالوا الى دراسات صول وأبحاثه كبرهان علميّ لا يردّ . لكن قبل موت صول عام 1975 بقليل ، بدأت الشكوك تحوم حول تلك التجارب التي تمّت تحت المراقبة المشدّدة المزعومة ، ففحص عالمان هما Haskell&C.Scott  أبحاث صول واختباراته في دراسة لهما بعنوان Normal Explanation of the Soal –Cpldney Experiments in Extrasensory Perception    ، وقد نشرت عام 1973 ، في المجلّة العلميّة البريطانيّة المشهورة Nature ( No.245,pp.52-54 )  وأدّى البحث بهما الى التشكيك بذمّة صول . ثمّ وجّهت العالمة الاحصائيّة Betty Markwick  الضربة القاضية على أبحاث صول وأثبتت بما لا يقبل الجدل أنّ ذلك ” العالم ” الباراسيكولوجيّ “الكبير ” لم يكن الاّ مزوّرا دجّالا . راجع حول هذه الدراسة : Martin Gardner ,Science Good Bad and Bogus ( Buffalo N.Y.Prometheus Books 1981) p 230  وقد أرغم أتباع الباراسيكولوجيا اليوم على الاعتراف بأنّ نبيّهم الانكليزيّ لم يكن الاّ دجّالا . راجع : Y.Lignon L`autre cerveau ( Paris 1992 ).p.385 .
  • انّ فضيحة ليفي مشهورة أقرّ بها راين نفسه راجع : Henri Broch le paranormal ( Paris Seuil 1985 ) pp.90-92 .
  • راجع حول حياة راين المقالة المهمّة التي كتبها Rouze في مجلّة Science et vie , No 755, 1980
  • هذه القصّة ذكرها لاعب الخفّة ذاته في كتاب له ساخر حول الحيوانات القارئة للأفكار ، ونقلها عنه غاردنر . انظر : Gardner Fads and Follacies in the Name of Science New York Dover 1959 . ولا يزال أتباع الباراسيكولوجيا يؤمنون بمواهب تلك الفرس !
  • Bernard Martino les chants de L`invisible ( Paris Balland 1990) p. 238
  • James E.Alcock Parapsychologie science ou magie p. 223
  • ظهر المقال المذكور تحت عنوان : Information transfer under conditions of sensory shielding in nature 18 octobre 1974 No.251. pp.251,602-607.
  • كان أوّل من توجّه بالنقد الى بروتوكول التجربة التي أجراها Puthoff & Targ على جيلر هو الدكتور Joseph Hanlon  في مجلّة New Scientist  الصادرة عام 1974 . وممّا أغفل الباحثان المذكوران ذكره هو حضور صديق جيلر ، المدعوّ Shipi Stang في جميع التجارب وهذا الShipi  هو مثلما ذكرت شقيقة جيلر نفسها ، شريك المشعوذ ومساعده الدائم في الحفلات الشعوذيّة . راجع مقالة كتبها غاردنر بعنوان Mathematical games how to be a psychic ….. في مجلّة Scientific American 1979, No.240,pp.18-25
  • راجع حول جيلر : 1) M.Blanc Uri Geller ou la grande illusion dans la Recherche 1976,No 66,pp385. 2) James Randi The Truth About Uri Geller Buffalo N.Y.: Prometheus Books 1983 .                    3) M.Rouze Speciale parapsychologie Quelques mots sur l`affaire Uri Geller Cahiers AFIS No 59,1976 .
  • انظر المصير البائس الذي انتهى اليه يوري جيلر في المحاكم الأمريكيّة ، في الصفحة 102 -103 من هذا الكتاب .
  • راجع تعليق مارتينو وملاحظات أحد لاعبي الخفّة على ألاعيب كولاغينا في :Bernard Martino les chants de l`invisible ( paris 1990 ) p. 235,253-255.
  • هذا ما ذكره الأستاذ السوفياتيّ Sergueiev في كتابه القيّم   Tout sur le cerveau  الذي خصّصه لفضح شعوذات الوسطاء وقرنائهم من الباحثين السوفيات الباراسيكولوجيّين . والكتاب صدر عن دار Mir  الرسميّة في موسكو ، عام 1976 ، في اطار مجموعة عنوانها ” العلم للجميع “. وموقف الأستاذ Sergueiev  يمثّل موقف العلم السوفياتيّ الرسميّ من الباراسيكولوجيا .
  • أخبار نوموف هذه تجدها في كتاب صديقه الباحث الباراسيكولوجيّ الفرنسيّ البروفسور ريمي شوفان : Remy Chauvin Quand l`irrationnel rejiont la science ( paris Hachette 1980 ) pp.192-193.
  • هذا ما نقله الأستاذ آلكوك الذي كان شاهدا لتلك المناقشة بين راندي وأتباع الطائفة الباراسيكولوجيّة . أنظر : Alcock parapsychologie : Science ou magie p.111
  • Bernard Martino les chants de l`invisible p.239
  • هذا ما تصرّح به نفسها . انظر : Martino les chants de l`invisible
  • هذا الاختبار على الأطفال السّتة قام به باحثان من جامعة باث هما Harry Collins & Brian R.Pamplin في مختبرات علم النفس التابعة للجامعة ، ونشرت نتائجه في مجلّة Nature الشهيرة راجع : Rouze la parapsychologie oui ou non ? p.19-20    
  • راجع : Tricot J. Ledoux A la reconversion des illusionnistes dans Science et Vie 1978 No 733
  • حول هذا الرجل وألاعيبه راجع : Henri Broch le paranormal pp. 130-131 وتجد في هذا الكتاب صورة عن االصفحة المأخوذة عن دليل لاعبي الخفّة . راجع كذلك Majax le grand bluff ( Paris Nathan 1978)  وهذا الكتاب من تأليف لاعب خفّة ، وهو مخصّص بكامله لقصّة جيرار وتحوّله من لاعب خفّة الى صاحب مواهب باراسيكولوجيّة . راجع كذلك :  A.Cuniot Incroyable ….mais faux ! ( Paris L`Horizon chimerique 1988)p.210  أمّا الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ الذي طرح جيرار في السوق بعدما أعطاه الرخصة ، فهو البروفسور ريمي شوفان كاهن الباراسيكولوجيا الأعظم في فرنسا ، فهو يبشّر بعجائب جيرار في مؤلّفاته وعلى التلفزيون .
  • راجع مثلا المقال الطريف لMichel Rouze وعنوانه : Des charlatans deguises en savants dans Science et Vie No 774 Mars 1982 p.74  ومقالا آخر حول الموضوع نفسه لLedoux  وعنوانه : Parapsychologie les Charlatans en blouse blanche dans Science et Vie No 703 Avril 1976 p.68
  • Hyman The case against paeapsychology in The Humanist No.37,1977 انّ Thetan عند أتباع Scientology  ترمز الى النفس ، ويطلق على التابع اذا توصّلت نفسه الى المرتبة التي تستطيع فيها مفارقة الجسد والقيام بالأعمال الخارقة !
  • L.Wilhelm The Search of Superman New York Pocket Books 1076 .
  • البيسكوفون من اختراع المشعوذ الباراسيكولوجيّ المهندس عالم النفس السويديّ Raudive . وادّعى هذا الدجّال أنّه استطاع تسجيل أصوات لخمسة وعشرين ألفا من سكّان العالم الآخر وقد أظهر اختراعه عام 1974 . راجع : Yves Lignon Parapsychologie p. 106
  • هذا الدكتور هو مخترع الأخبار الكاذبة الشديدة الرواج التي تجدها في جميع كتب الباراسيكولوجيا ومفادها أنّ المشعوذ Croiset يساعد رجال الشرطة في حلّ الأحاجي البوليسيّة والجرائم المستعصية . وقد قام الصّحفيّ Piet Hein Hoebens  بتحقيق استمرّ سنوات عديدة ، ونشره في De Telegraff   الصادرة في آمستردام ، موطن المشعوذ Croiset  وقرينه الدكتور Tenhaeff  كما في المجلّة الاميركيّة المعروفة The Skeptical Inquirer  أنظر : Gerard Croiset :” Investigation of the Mozart of psychic sleuths Croiset and professor Tenhaeff discrepancies in claims of clairvoyance in The Skeptical Inquirer Vol.6 ,No.1 Fall 1981 , No 2,Fall 1981-1982.وأثبت الصّحافي في هذا التحقيق أنّ البروفسور Tenhaeff  قد اختلق تلك الأكاذيب حول تعاون Croiset   مع رجال البوليس في بلاده ، وأنّه كان يختلق عن الخبر الواحد صيغتين مختلفتين : صيغة محليّة خالية من الغلوّ والمبالغة ، وصيغة مخصّصة للتصدير الى الصّحف الأجنبيّة وهي ملأى بالأكاذيب والمختلقات . وكشف الصحافيّ عن أنّ Croiset  كان يستعين بشركاء سريّين يوصلون له الأخبار والمعلومات التي كان يدّعي أنّه بواسطة مواهبه الخارقة . كما انّ جماعة من الباحثين في جامعة أوترخت حيث يقوم البروفسور المذكور بأبحاثه ، اتّهموه صراحة بالتزوير والكذب . وانتهى التحقيق الى القول انّه فاسد الذّمة عديم الأمانة راجع :Henri Broch le paranormal 88-90             راجع أيضا حول الشراكة بين Tenhaeff& Croiset M.Rouze , L`ingenieuse association du voyant et du parapsychologue dans Afis No.120 Avril 1982 p.9
  • منها مثلا كتابه المشهور ” عالم تد سيريوس ” الذي تقاسما أرباحه .
  • انظر مثلا المقابلة التي أجرتها مع هذا الثنائيّ التجاريّ مجلّة L`inconnu paris No.26 Avril 1987 pp.66-72 . وذلك في أثناء قيامهما بجولة دعائيّة في فرنسا . والمشعوذ الانكليزيّ يحترف في الوقت الحاضر الطّبابة الباراسيكولوجيّة ، وهو يملك دكّانا لهذا الغرض في لندن ، ويصدر في السنة الواحدة أربعة كتب عن ظواهره ، مختومة كلّها بخاتم شريكه “الباحث” الكبير .
  • Martino Les chants de L`invisible pp103-113
  • Ibid .,114-118 .
  • تكلّف الرحلة أربعة آلاف دولار فقط . وتستمرّ عدّة ثوان يقضّيها المسافر نائما في كرسيّ مريح يستمع الى الموسيقى ! انظر : Martino Les chants de L`invisible p. 160-172
  • المصدر السابق نفسه صفحة 250-251 .
  • أنظر مثلا ما يقوله عن الهذيان الباراسيكولوجيّ الفيزيائيّ الألمانيّ ماكس بورن الحائز جائزة نوبل للفيزياء عام 1954 : Max Born la resposabilite du savant traduit de l`allemand par J.Jospin Paris Payot 1967 .
  • راجع الفصل الذي خصّصه هنري بروك لهذه القصّة : Henri Broch le paranormal pp 85-87 . وبروك هو أستاذ الفيزياء في جامعة نيس ومدير أبحاث في المعهد القوميّ للبحث العلميّ ومن المختصّين بتفنيد الأكاذيب الباراسيكولوجيّة . راجع أيضا : Cuniot Incroyable …mais faux !pp.270-271                           وقد أثبت هذا المؤلّف في الصفحتين المشار اليهما صورة عن التعميم الذي بعثه رئيس جامعة تولوز الى وسائل الاعلام الفرنسيّة والذي يكذّب فيه أخبار Lignon  عن وجود مختبر باراسيكولوجيّ في جامعة تولوز وينكر على Lignon المذكور استعماله المزوّر للقب بروفسور .  وقد امتنع Lignon   عن استخدام لقب بروفسّور بعدما هدّده رئيس الجامعة بالملاحقة القضائيّة .
  • Broch le paranormal pp. 145-159

انظر الصفحة 69 من هذا الكتاب .

 

  1. James Alcock ,Parapsychologie :Science ou magie?Le point de Vue d`un psychologue ,traduit de l`anglais par F. Carlier , paris , Flammarion,1989.

2.Blanc , article parapsychologie dans Encyclopaedia Unirversalis , paris 1978.                                           

  1. Broch , le paranormal , paris , Seuil,1985 .
  2. —–Au coeur de l`extraordinaire , paris , L`horizon chimerique , 1991

5.Cuniot, Incroyable …mais faux ! paris L`horizon chimerique 1989.                                                 

  1. Gardner , les magiciens demasques (production francaise ) paris 1966.

7.Hesquin , Magie Sorcellerie,parapsychologie,Edition l`unniversitr de Bruxelles Bruxelles 1980.                  

  1. Rouze et autres la parapsychologie oui ou non?paris Nouvelles editions rationalistes 1980.

9.——–la parapsychologie en question paris Hachette 1979.                                                                

  1. ——-la veridique histoire du pere de la parapsychologie “Science et vie ” No 755,Aout,1980 .

11.la pensee scientifique et les parasciences Colloque de la villette Janvier 1993,paris Albin Michel,1993.       

 

 

                                       مرجعان محايدان

  1. Martino les chants de l`invisible paris Balland 1990.
  2. Ruiffard , Dictionnaire de l`esoterisme paris payot 1993.

 

 

 

                مراجع ينتمي أصحابها الى المذهب الباراسيكولوجيّ

 

  1. Hans Bender L`univers de la parapsychologie paris Dangles 1976.
  2. Bender R.Chauvin F.Favre etc .,60 Annees de parapsychologie paris Kime 1992.

3.Castellan la Metapsychique paris PUF,1974.             

  1. Chauvin la parapsychologie : Quand l`irrationnel rejiont la science paris Hachette 1980.
  2. Lignon Introduction a la psychologie scientifique paris Eche 1988.
  3. ——parapsychologie paris Eche 1988.
  4. —–l`autre cerveau : la part du vrai dans la parapsychologie paris Albin Michel 1992 .
  5. Rhine New world of the Mind New York 1953 ( Traduction francaise ) le nouveau monde de l`esprit paris Maison neuve 1955.
  6. R.Sudre ,Traite de parapsychologie paris , payot 1078.
  7. la parapsuchologie devant la science ,Berg-Belibaste1976

هذا الكتاب رغم عنوانه ، هو مجموعة من المقالات الباراسيكولوجيّة ألّفها أصحابها بمناسبة مؤتمر باراسيكولوجيّ عقد عام 1976.

  1. Revue metapsychique paris , No 16,1969-1970;No.18

(nouvelle serie) 1973.                                                  

  1. L`inconnu : la revue des phenomenes et des sciences paralleles , paris , No .9,1977;No.25,1978;No.26,1978,No.Hors-serie,1978.

الفصل الأوّل : الذّبابة الموبوءة أو كتاب الحماقة والجهالات

 القسم الرابع

ذباب المستنقعات

 

الفصل الأوّل : الذّبابة الموبوءة أو كتاب الحماقة والجهالات

 بقلم د.غازي براكس

 

في القسم الأوّل من هذا الكتاب عرضت موجزا لسيرة رجل خارق ، ونماذج من المعجزات الدامغة التي اجترحها الروح العليّ على يديه تأكيدا لصحّة الهادية وتمجيدا للقدير الذي نزّل الروح عليه . وقد جاء في الكتاب الكريم : ( ولكلّ قوم هاد ) ( سورة الرّعد :7)، كما جاء ( رفيع الدّرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر  يوم التلاقي ) ( سورة هود : 17). وما دام الضّدّ يبرز حسنه الضّدّ ، فلا بأس من أن نرى ، في هذا الفصل ، بعضا من عجائب اللؤم والدّجل التي ما زال يجترحها أبناء الظلام .

فبين فترة وأخرى من التاريخ ، يتنطّح أبناء الدّيجور لمحاربة أبناء النّور . هكذا حاربوا سقراط ، لأنّه أراد أن يحرّر العقل من عبوديّة الخرافات ، وأن يوقظ الانسان فيعي حقيقة ذاته ؛ لكنّ أعداء سقراط تساقطوا هملا على جانبيّ درب الحياة ليخلد هو مشعلا يضيء طريق الحضارة حتّى يومنا هذا . وهكذا حاربوا موسى النّبيّ لأنّه نادى بعبادة الاله الواحد ؛ لكنّهم تهاووا مع تهاوي اللعنات عليهم ، وخلد هو ، لأنّ القبس الذي كان في يده هو ن نور الله . وهكذا حاربوا المسيح ، كلمة الله ، واتّهموا باستنصار الشياطين من أجل اجتراحه المعجزات ، لأنّه نادى بالمحبّة والرحمة والتّسامح والتّغلّب على جواذب الحياة الدنيا ، فأبوا الاّ أن يكونوا غائصين في مستنقعات الفانية ؛ لكنّهم نكبوا وشرّدوا ولعنوا ، وخلد المسيح ، لأنّ النور الهادي الذي كان يحييه كان من نور الله .

وهكذا حاربوا الرسول العربيّ الكريم ، لأنّه نادى بعبادة الاله الصّمد الذي لم يلد ولم يولد ، ولأنّه نادى باقامة العدل والاستقامة ، فأصمّ العتاة الظالمون آذانهم عن آياته الموحاة ، واتّهموا بالسّحر ، فنكبوا وقتلوا ولعنوا ، وخلد هو ، لأنّ رسالته كانت من الله . وهكذا حاربوا كلّ رسول وهاد ومصلح …لكنّ مواكب أبناء النور ، أبناء العقل الرّشيد والايمان السديد ، داست أبناء البغضاء والضلال والظلماء وتابعت مسيرتها الظافرة .

وكان آخر هؤلاء الذين تكتوي نفوسهم بنار الحقد والحسد وتلتظي قلوبهم بجمر اللؤم والنّكد والذين لا يتحرّجون من كسر مزراب العين ليسترعوا اهتمام الكرام – السيّد روجيه شكيب الخوريّ . لكن حظّه لن يكون أفضل من غيره ، فانّ كتابه الموبوء المسمّى “سلسلة العلوم الباراسيكولوجيّة “سيسقط كذبابة تافهة في مزابل التاريخ مع سائر الذّباب والحشرات المؤذية ؛ لأنّ من يخدع شعبا بنشره الهراء والأكاذيب والأضاليل مدّعيا أنّها علوم وحقائق ، وما هي الاّ ترهات وأباطيل ، ومن يشوّه سمعة هاد كريم ظهر لكي يعيد الى كلّ نفس شريفة الايمان الصحيح النظيف بالدين الذي تؤمن به ، لا تكون غايته الاّ أن يزيد الشعب نكبة فوق نكباته ، ويفرّق صفوفه ويمزّق وحدته ، ويبتزّ أمواله ببيعه سخافاته ونشره الجهل والعمى في أبنائه وبناته ، وتحقير الكرام الألمعين من أحيائه وأمواته ، والقضاء على أمل الشعب في وحدة اجتماعيّة حقيقيّة ونهضة فكريّة وروحيّة . وانّها لتجارة داعرة خاسرة ، صاحبها يستحقّ سخط الأشراف الأحرار وجزاء العادل الجبّار .

 

 

 

دكتور في التّوليد والعقم

من يقرأ اللائحة التي يعرض فيها روجيه الخوري اختصاصاته ومواهبه وقدراته وادّعاءاته في الجزء السادس من كتابه الهرائيّ ، يتوهّم ، في الوهلة الأولى ، أنّه أمام لويس باستور أو كلود برنار أو مايكل دبغي أو أحد العباقرة الذين حازوا جائزة نوبل . لكن سرعان ما يتساءل القارىء : ترى ، أين الكتب النفسيّة الفذّة التي ألّفها هذا المدّعي ، وأين ترجماتها الى سائر اللغات ؟ ولماذا لا تهتمّ به الجامعات كمرجع علميّ ، بل لماذا لا يعرفه معظم الأطبّاء الذين يدّعي الانتساب اليهم ؟ وبعد بحث غير طويل ، يتأكّد له أنّ روجيه الخوري ما هو الاّ مدّع يلغ في مستنقع التفاهات ، ونكرة حتّى بين الأطبّاء ، وأنّ التخصّص الوحيد الذي قام به – وهو صادق فيه – هو التخصّص في التّوليد والعقم : توليد التّرهات والسّخافات والأضاليل ، وكيفيّة أن يصبح الانسان عقيم الفكر بقراءته الخنفشاريّات والبهلوانيّات .

أمّا البطاقات والشهادات التي قد يكون حائزا لها فيمكن أن يحصل عليها كلّ من يدفع رسما سنويّا زهيدا ، أو من يشترك في نشرة أو مجلّة تصدرها تلك الجمعيّة أو المؤسّسة حتّى لو كان بيّاع فجل أو عتّال . فهذا أمر معروف في الغرب كلّه ، ولا سيّما في الولايات المتّحدة وأميركا الجنوبيّة .

 

 

 

 

كتابة الخنفشاريّ متخم بالركاكة والأخطاء اللغويّة :

اذا أراد القارىء أن يفسد لغته العربيّة السّليمة ، فليقرأ كتاب روجيه الخوري . فانّ لغته أردأ ما مرّ على طابعة ، وأغثّه وأسقمه ، بل انّه قد يحدث في نفس الأدب البليغ قرفا وغثيانا وغضبا يستفزّه لتمزيق الكتاب وطرحه في مجمّعات النّفايات . لكن قد تكون للكتاب فائدة هي أنّ رداءة لغته – علاوة على سخافة مضمونه – قد تذكّر الكتّاب والمعلمين بضرورة اجادة الكتابة حتّى لا يحدثوا في قرائتهم ما تحدثه كتابة روجيه الخوري من نفور واشمئزاز وسخط . فخير لمن لا يجيد الكتابة أن يكسر قلمه ويلجم يده وفمه حتّى لا يغيظ القرّاء من ذوي البلاغة والحسّ الجماليّ . فللغة العربيّة قداستها وللقارىء كرامته .

والى القارىء الكريم نموذجان من بين آلاف الأخطاء التي امتلأ بها ذلك الكتاب الغثّ السقيم ؛ فليعتبرها شوكا يذكّره بالورود ، ” فالضدّ يبرز حسنه الضّدّ ” على حدّ قول الشاعر .

يقول روجيه الخوري في كتابه الهزأة :

” انّما يهمنا بصورة موضوعيّة ، الحركة الداهشيّة ( كونها من منبع بلاد الأرز لبنان الأبيض ، الشامخ ، ذات اللغة الأصليّة ، الأراميّة ، الأولى في العالم ، وانتشارها فيه بصورة خاصة ) لما تزعمه من مقدرة في مضمونها يتعلّق وتعاليم الباراسيكولوجيا .” (ص 14 ).

  • ” يهمّنا بصورة موضوعيّة ، الحركة الداهشيّة ” تعبير سقيم ركيك ؛ صحيحة :يهمّنا بصورة خاصّة الحركة الداهشيّة ؛ ووجود الفاصلة قبل كلمة “الحركة ” خطأ . أمّا قوله “بصورة موضوعيّة “، فلا معنى له ، الاّ اذا قلنا مثلا : الرأي الموضوعيّ في كتابة روجيه الخوري هو أنّها مدعاة للضّحك والسخرية .
  • “كونها من منبع بلاد الأرز ” تعبير عاميّ ركيك ؛ الصحيح :لأنّها ، أو بسبب أنّها من منبع بلاد الأرز.
  • “بلاد الأرز لبنان الأبيض ” تعبير هزيل ؛ صحيحه:من بلاد الأرز ، من لبنان الأبيض ، أي بزيادة فاصلة وادراج “من”بعدها .
  • “ذات اللغة الأصليّة ” تعبير مغلوط فيه ؛ صحيحه : ذي اللغة الأصليّة . فلبنان جعله روجيه مذكّرا بنعته ايّاه بصفتين مذكّرتين “الأبيض ، الشامخ “. نقول مثلا : روجيه ذو اللغة السريانيّة البائدة
  • “وانتشارها فيه ” خطأ ؛ الصحيح : ولانتشارها فيه .
  • ” من مقدرة في مضمونها ” هراء ، فليس للتعبير أيّ معنى .
  • “يتعلّق وتعاليم الباراسيكولوجيا ” خطأ؛ صحيحه : يتعلّق بتعاليم الباراسيكولوجيا .

وانّني أعفي القارىء الكريم من نقد مضمون فقرة روجيه الخوري السقيمة حتّى لا أثير سخطه على روجه الذي يعتزّ بالسريانيّة .

وهوذا النموذج الثاني . يقول صاحب الكتابة الخنفشاريّة :

“اشتهر بعض الوسطاء اللبنانيّون ، وأشهرهم ( سليم موسى العشي ) – الملقبّ بالدكتور ” داهش ” – المولود سنة 1909 ( أو 1912 حسب بعض أتباعه ) في أوّل حزيران في أزخ ( العراق ) أو “القدس “؟ والمتوفيّ (؟!) حسب قول البعض سنة 1976 في أثناء الحوادث اللبنانيّة .” ( ص 18)

فهل تدري ، أيّها القارىء أن هذا  المدّعي ارتكب في هذه الأسطرالثلاثة السقيمة ثمانية أخطاء لغويّة فادحة – عدا الأخطاء الفكريّة – لا يرتكبها ابن الشهادة الابتدائيّة !

  • ففعل ” اشتهر “- لا اشتهر – يجب أن يقترن بالباء ، فيقال ، مثلا ، اشتهر روجيه الخوري بالتدجيل وتزوير الحقائق ؛ أمّا اذا قلت ” اشتهر تدجيله” فمعناه انتشر وذاع ، وهذا المعنى لا ينطبق على ما قصد اليه .
  • كلمة ” الوسطاء ” مجرّدة من أيّة صفة قد تعني وسطاء تجاريّين أو دبلوماسيّين أو قضائيّين الخ . فكان على روجيه الخوري أن يقول ” الوسطاء الروحيّين “. ولكن أنّى له أن يميّز الصحيح من الخطأ وهو الوسيط التجاريّ والطائفيّ والتضليليّ !
  • كلمة ” اللبنانيّون ” خطأ فاضح فادح لا يرتكبه ابن عشر سنوات . فهي نعت لكلمة ” الوسطاء ” مجرور بالاضافة . لكن من أين لابن الخوري أن يجيد لغة القرآن الكريم وهو منغلق دونها بطائفيّته ؟
  • ” حسب بعض أتباعه ” تعبير غثّ ركيك . صحيحه : تبعا أو وفقا لرأي بعض أتباعه ، أو في الأضعف : حسب رأي جماعة من أتباعه . مثاله : روجيه الخوري عبقريّ تبعا لرأي من هم على شاكلته .
  • ” المتوفيّ ” خطأ ؛ الصحيح المتوفّى ( بألف مقصورة ) . مثاله : لا يهمّ العالم أن يكون كاسر مزراب العين موجودا أو غير موجود ، فأمثاله همل في التاريخ .
  • ” حسب قول البعض ” تعبير غثّ فيه خطأان ؛ الصحيح وفقا لقول بعضهم . فكلمة ” بعض ” لا تقترن بأل التعريف .
  • “حوالي”خطأ ؛ الصحيح حوالى (بألف مقصورة ).

حسب القارىء هذا القدر من الأخطاء حتّى لا يصاب بالصّداع والدوار . أمّا من أراد التندّر والتفكّه ” ببلاغة ” روجيه الخوري الذي يتقن طبعا عدّة لغات أجنبيّة اتقانه للعربيّة – والدليل على ذلك كثرة أخطائه في ما رصّع به المهلهل من كلمات أجنبيّة جاءت كالرّقع الملوّنة الممزّقة في سروال بال – فانّي على استعداد لأزوّده بلائحة تضمّ ثلاثة آلاف خطأ طفحت بطفوح قباحتها ودمامل سماجتها صفحات الهرائيّ .

هذا من ناحية اللغويّة ، أمّا من الناحية العلميّة التحقيقيّة ، فالقارىء اللبيب سيجد نفسه أمام مهزلة علميّة ذبح العلم فيها من الوريد الى الوريد .

 

 

المنهج العلميّ في مهرجان المساخر :

ليس في كتاب روجيه الخوري ، المدّعي العلم ، أيّة رائحة للعلم . فالتّحقيق قد أعدمه ، والتّلفيق هو ربّ من علمه ، والهذيان بزّ فيه المحمومين ، والزّوغان غلب فيه المسعورين ، والتناقض كان ينطّ بين طرفيه كالبهلوان ، والتّبجّح لا يأتي مثله الاّ دون كيشوت أو عنترة قاهر الانس والجان .

 

أ- التحقيق العلميّ لفظ أنفاسه                             

التحقيق العلميّ هو الشرط الأوّل في كلّ منهج علميّ . وهو يقتضي من الكاتب أن يتحقّق صحّة الوقائع التاريخيّة ، اذا كان يكتب في التاريخ ، وصحّة الوقائع العلميّة بتأكيدها بآراء الثّقات من العلماء ، اذا كان يكتب في العلم .  فكيف كان تحقيق روجيه الخوري ؟

لو عاد القارىء الى الأسطر الثلاثة التي قدّمتها ، آنفا ، نموذجا ثانيا لركاكة لغة هذا المدّعي ، فنظر فيها من حيث صحّة التحقيق لانقلب على ظهره مقهقها ساخرا من تنقيبه العلميّ الذي لا يجاريه فيه الاّ المثقّفون الأميّون . فهل الدكتور داهش مولود سنة 1909 أو 1912 ؟ وهل ولد في آذخ أم في القدس ؟ أم في المصيطبة أم في بيت لحم ، على حدّ قوله في الصفحة نفسها من كتابه السخيف ؟ وهل توفّي حقيقة سنة 1976 ؟ كلّ ذلك لم يفحصه ولم يتثبّت منه ، بل أرسله على عواهنه مثلما سمعته أذنه الرّهيفة من بقّال أو عتّال . حتّى انّه جعل آذخ بالعراق في حين أنّه بتركيّا . ولو أراد أن يتقصّى الحقيقة في كلّ ذلك لعاد الى كتب محقّقة  كتبها علماء مقتدرون وأساتذة جامعيّون كفوءون . لكن أنّى للغارق في الأوهام أن يتصرّف تصرّف انسان عالم ؟  وحسب القارىء أن يلتقط الحقيقة في حياة الدكتور داهش من العرض الوجيز المحقّق الذي قدّمته عن حياته . وكان بامكان روجه الخوري أن يستند الى كتابي ” مدخل الى الداهشيّة ” المنشور عام 1992 ، أي قبل أن يصدر ابن الخوري كتابه الهرائيّ بعدّة سنوات . فما اكتفى هذا الخلاّط ” الفشّاط ” بما ارتكبه من آلاف الأخطاء اللغويّة ، بل أراد أن يزيّن صدره المنفوخ بآلاف أخرى من أوسمة الأخطاء التاريخيّة والعلميّة . وقد اكتفى صاحب الجهالات بالجمل السقيمة الآنفة الذكر تعريفا بحياة الدكتور داهش . أمّا حياته الرسوليّة البطوليّة الملأى بالجهاد الروحيّ والعجائب الالهيّة والتضحيات الجسام والانتصار على أعدائه من الطّغاة والطّغام وتعفير أنوفهم بالرّغام والسّخام ، فلم يذكر عنها شيئا . ولا عجب ، فالرأس المملوء بالخرافات والأخبار الهرائيّة ليس بوسعه أن يستوعب البطولات الروحيّة الحقيقيّة .  وهل بامكان المصاب بالزّكام أن يستمتع بطيب الورد والخزام ؟

أمّا مجرّد يونان النّبيّ التي أعاد اجتراحها مؤسّس الداهشيّة في باريس فيقول روجيه الخوري عنها :

” من أشهر الأقاصيص التي يسردها الناس في لبنان هي حادثة دفن الأرواحي داهش في جونيه لمدّة أيام ، ثمّ عودته الى الحياة . لست أدري مدى صحة هذا النبأ الشائع الذي لم أستطع أن أتأكد منه ، لكن لو تمت الحادثة أمام مئات الجماهير ، من بينهم أتباعه ، فهل الحادثة هذه تشير الى شيء مهم ؟ ” ( ص 32 ).

لن أزعج القارىء بالعودة الى الأخطاء اللغويّة الكثيرة التي ارتكبها هذا الجاهل في أسطره الثلاثة الآنفة الذكر ، فأقصر همّي ، هنا ، على تبيان الانحراف العلميّ الهائل في منهجه .

انّ العلم لا يكتب بهذا النزق . فمن أراد أن يقبض على الحقائق عليه أن يبحث ويفحص ويمحّص ، لا أن يستقي ” حقائقه ” من الغوغاء والرّعاع . انّ روجيه الخوري يعرف تماما أنّ  خارقة دفن مؤسّس العقيدة الداهشيّة وبعثه من الموت حدثت في باريس ،  وليس في جونيه . وقد ذكر روجيه ذلك في الصفحة 52 وما بعدها من كتابة الأجرب ، نقلا عن كتاب ” معجزات وخوارق الدكتور داهش ” للصّحافيّ المصري المشهور لطفي رضوان ،  رئيس تحرير مجلّة المصوّر المصريّة سابقا .

لكنّ الدّعي النفعيّ ليس همّه اعلان الحقيقة ، بل تزويرها من أجل تحقيق مأربه الذي ساقه اليه سوء نيّته .

ولم يشرح كيف استطاع الدكتور داهش أن يقوم بذلك العمل الخارق أمام عشرات المتخصّصين بالعلوم النفسيّة . لكن لو قام بأقلّ من ذلك أضعافا مضاعفة أحد الذين ينتمي روجه الخوري اليهم ، فاذ ذاك لكان العمل معجزة الهيّة كبيرة ،  وصاحبها يستحقّ التطويب والتقديس !

وقد شعر روجيه الخوري بعجزه عن شرح معجزة الدكتور داهش ، فأراد صرف انتباه القارىء عن فشله ، فأخذ تارة ينقل – كالببّغاء صفحات عن هوديني أو شارحي ألعابه لكي يوضّح كيف كان يتخلّص من الصناديق التي ينزل بها في النهر أو في الأرض ؛ ومفتاح الحيلة أنّ الصندوق كان يصنعه هوديني نفسه بطريقة خاصّة , بحيث يستطيع بعد أن يقفل الصندوق عليه ، أن يطوي اللوح الخشبيّ الأسفل الى الداخل ، وهكذا يتملّص من الصندوق ؛ وطورا ينقل لألاعيب فقراء الهند الذين يدفنون أنفسهم في أمكنة يعدّونها سلفا بحيث تكون أعماقها مؤدّية الى أنفاق خفيّة محفورة سابقا ، يدخلونها ليخرجوا منها ، بعدئذ ، بعيدين عن أنظار المشاهدين .

وروجيه الخوري يعرف جيّدا أنّ الدكتور داهش لم يذهب الى باريس متأبّطا الصندوق ، فقد دعاه العلماء أنفسهم اليها . وعندما سألوه أن يجري معجزة أمامهم ، رأى – مثلما رأى المسيح تماما – أن هذا الجيل يجب أن يرى معجزة يونان النبيّ ، وذلك رمزا لما يسحصل به ، بعد ذلك ، من تعذيب وقتل في آذربيجان ، عام 1947 ، ثمّ دفن فبعث من الموت . ولذلك تردّدت الجمعيّة النفسيّة المراقبة ، للوهلة الأولى ، في قبول طلبه ؛ ولكن بعد بعهّده بتحمّل المسؤوليّة ، قدّموا اليه صندوقا حديديّا من عندهم ، وختموه بالشمع الأحمر ، وأنزلوه في نهر السين الشهير وأبقوه فيه سبعة أيّام تحت حراسة مشدّدة .  ونهر السين ليس المحيط الأطلسيّ ، فالماء فيه غير عميق ، وباستطاعة المراقبين أن يرصدوا أيّة حركة فيه كما على ضفّتيه . وما من انسان يستطيع أن يستمرّ حيّا أكثر من نصف ساعة في صندوق مقفل تماما .

 

 

  • الاخلاص للحقيقة مفقودة والشجاعة في اعلانها موءودة :

يستحيل أن يتوصّل أيّ باحث الى كشف حقيقة ما اذا لم يكن لديه اخلاص للحقيقة وشجاعة روحيّ لاعلانها . والمنهج العلميّ في البحث عن الحقيقة يقتضي الانطلاق من قاعدة علميّة ثابتة لا جدل فيها .  لكنّ القاعدة التي انطلق منها روجيه الخوري لبناء عمارته الباراسيكولوجيّة كانت التعاليم الدينيّة التي يؤمن بها ، ولذا جاءت عمارته كرتونيّة بل عنكبونيّة .  فالعلم الصحيح لا يبني على قاعدة دينيّة طائفيّة .  وكان همّه ، في كلّ ما كتب تحت قناع العلم هو أن يقول للقارىء : لا حقيقة ان لم تقرّها الكثلكة . فالأرض طبعا ما تزال مسطّحة ثابتة تدور الشمس والنجوم كلّها حولها ، اذ انّها مركز الكون ،  ونقطة الدائرة في الأرض هو التي يحتّلها روجيه الخوري .

أمّا العلماء الذين يقولون خلاف ذلك فهم كفّار ، وعليهم أن يركعوا ويستغفروا ابن الخوري ، مثلما أجبر غاليله على أن يركع أمام هيئة محكمة التفتيش الكاثولوكيّة ، وأن يعترف بأنّه كان خاطئا ومخطئا حينما صرّح بأنّ الأرض تدور حول الشمس .

كذلك همّ روجيه الخوري أن يقول للأرثوذكسيّ والبروتسنتيّ من المسيحيّين : انّكما على ضلال ما دمتما لا تعترفان بأنّ السلطة الوحيدة التي تصنّف الحقائق هي السلطة التي في روما . وهمّه أيضا أن يقول للسنّي والشيعيّ والدرزيّ وكلّ من يعبد الله على غير طريقته : انّك ضال ، وكلّ حقيقة علميّة كانت أم تاريخيّة أم دينيّة لا تكون حقيقة الاّ اذا نالت بركة روما .

 

أمّا الشّجاعة الروحيّة فأنى لمن استسلم للأوهام الطائفيّة أن يتحلّى بها !

وخلاصة القول انّ روجيه الخوري ، في كتابه الغبيّ ، يريد من كلّ باحث في أيّ ميدان ، مهما تكن ثقافته ، أن لا يدلي بأيّ رأي أو تفسير شخصيّ ، ما لم ينل تصديق طائفته وبركتها ؛ انّه يريد أن تعود محاكم التفتيش الكنسيّة الجنّميّة التي لعنها التاريخ الى لبنان ، فتخنق كلّ حريّة فكريّة ،  وتخضع كلّ انسان لنيرها الطاغي ؛ وكأنّ خراب لبنان وقتل مئتي ألف من سكّانه وتشريد نصف شعبه ليست بكافية لتعيد الصواب الى رأسه اليباب .

فبعد أن يفشل المغفّل في تفسير معجزة تجسّد ندى – التي تمّت عام 1943 في الضوء الساطع ، أمام نخبة من المفكّرين الألمعيّين ، بينهم عبقريّ الطبّ جورج خبصا – يقول :

” وكيف يجرؤ الدكتور داهش على تسمية التجسيد معجزة الهيّة ، ناكرا بذلك تعاليم الكنيسة ومفسّرا المعجزة بأسلوب شخصيّ …”( ص 51 من كتابه الهرائيّ )

 

ج – الاختلاق والتّلفيق :

صاحب النيّة السوداء والكتابة البرصاء لا يتحرّج حتّى من تلفيق أخبار عن الدكتور داهش بقصد الطعن فيه . فقد زعم أنّ كثيرين ممّن قابلهم يقولون انّ الدكتور داهش استطاع تحريك عقارب السّاعة أمامهم وأراهم أنّ الساعات التي  في أيديهم تشير الى وقت حدّده هو . وروجيه الخوري يشرح ذلك بالايحاء ، ثمّ يستدرك قائلا :” يكفي أن يملك الشخص ساعة الكترونيّة خاصّة ليصبح مهيئا للسيطرة على عقرب الساعة ” ( ص 29 ).

لو أراد الدكتور داهش ، باذن الله وقدرته ، أن يتسلّط على الساعات التي في معاصم البشر جميعا دفعة واحدة ، لكان استطاع ذلك ،  لأنّه لا حدود لقدرة الله الذي بقوّته فقط تصنع المعجزات .  لكنّني رافقت مؤسّس الداهشيّة حوالى خمسة عشر عاما ، رأيت في خلالها مئات الخوارق الثّابتة الدامغة تتمّ على ديده ، ودوّنت أكثر من ألف معجزة أخرى رواها شهود ثقات أمامي ، وليس بينها جميعا خارقة واحدة تتعلّق بتحريك عقرب السّاعة .

كذلك دوّن الشاعر حليم دمّوس والدكتور فريد أبو سليمان مئات المعجزات التي عاينها كلّ منهما ، كما دوّن غيرهما مئات أخرى من الخوارق ؛ ذلك فضلا عن أنّ الصّحافة اللبنانيّة نشرت مئات الخوارق منذ أوائل الأربعينيّات حتّى أوائل الثمانينيّات ، وليس بينها جميعا واحدة تحكي عن التسلّط على عقارب الساعة .

وهذا يعني أنّها أكذوبة لفّقها الحاقدون الموتورون ليسهل عليهم تفسير ذلك أمام السذّج من النّاس بايهامهم بأنّ الدكتور داهش يملك ساعة الكترونيّة !

ومن تلفيقات روجيه ، صاحب الآراء العوجاء والأفكار العرجاء ، بقوله :

” وحين نقرأ في كتاب ” معجزات الدكتور داهش ” المرتجم للفرنسيّة بعنوانles prodiges du Dr.Dahesh  ، نرى أن الكاتب يصرح بأن داهش كان يتكلم عدة لغات مجهولة لم يتعلمها سابقا . بالفعل ان هذا معقول ، ولكن يجب الا نتخذه كمعجزة …” (ص 102 ).

انّ الكتاب المشار اليه وضعته أنا وألقيته محاضرة مسهبة في المنتدى الكبير بالجامعة الأميركيّة في 21/5/1970 ، وترجمته الى الفرنسيّة ترجمة أمينة للأصل العربيّ الأدبيّة الداهشيّة الكبيرة ماري حدّاد ، رئيسة نقابة الفنّانين اللبنانيّين سابقا ، المترّئة من شقيقتها لور ، زوجة الرئيس البائد المخلوع ، بشاره الخوري ، وليس في كتابي المذكور ، على الاطلاق ، أيّة اشارة الى تكلّم الدكتور داهش بلغات مجهولة .

لقد سمعت مؤسّس الداهشيّة يتكلّم ، بقوّة الروح العليّ ، الفرنسيّة أمام الفرنسيّين ، والانكليزيّة أمام الانكليز أو الأميركيّين ، مع أنّه لا يعرفهما ، ولكنّني لم أسمعه أنا – ولا سمعه غيري ممّن رافقوه – يتكلّم لغة مجهولة ، أي غير معروفة في الأرض . أمّا لماذا لم يذكر روجيه ،  صاحب الكتابات السوهاء والنيّات السوداء ، الحقيقة مثلما هي ،  فذلك لأنّه ، من جهة ، أراد أن يظهر أن التكلّم بلغة  مجهولة يمكن أن يحدث بفضل العقل الباطن – طبعا انّ ابن الخوري يجيد العصفوري ؛ ومن جهة ثانية ، أراد أن يظهر أنّ تكلّم انسان بلغة معروفة لم يدرسها يعدّ معجزة ، ذلك بأنّ تلاميذ المسيح تكلّموا في أورشليم بلغات لم يكونوا يعرفونها . يقول الخوري بلغته التي تبعث ركاكتها على الشّفقة : ” لهذا كلّه لا يجب مقارنة معجزة الرّسل بمعجزة داهش ولا على أي صعيد .” ( ص 110 ) طبعا ذلك لا يجوز الاّ اذا سمحت الطائفة لابن الخوري بالمقارنة ،أو اذا كان ثمّة روايات عجائبيّة تنال رضاها .

 

د- التناقض والتعارض :

انّ الكتاب الذي تتّضح الأفكار في رأسه لا يقع في التناقض ، ولكن أنّى لروجيه الخوري المسكين أن يكون ذهنه واضح الأفكار ، ما دام الرأس الذي يحمله فوق منكبيه محشوّا بالتّرهات والأوهام ! فكتابه التافه مملوء بالتناقضات التي تستدعي الرثاء لرأسه الزائغ . والى القارىء الكريم نماذج قليلة من تناقضاته :

في الصفحة 103 من كتابه الهزأة يقول :

” لم يكن داهش الرجل الوحيد الذي نطق بلغات مجهولة …” وفي الصفحة 107 يقول : ” لقد زعم أنّ داهش كان يتكلم بلغة أو لغات مجهولة . في الحقيقة لا يمكننا التأكّد من هذا  التيصريح .”

في الصفحة 136 يقول :

ان معرفة المستقبل تتم بفضل روحانية المرء . وهذا غير مخالف للدين ، على الأقل للديانة المسيحية التي تعج بمئات الاحداث عن معرفة المستقبل …” وفي الصفحة الأخيرة ( 210) من كتابه يقول تحت عنوان تحذير دائم ، وقد اقتبسه من نصّ ” كتاب الكاثوليكي “: علينا رذل جميع أنواع العرافة ….وأية وسائل اخرى من شأنها الادعاء بكشف المستقبل .”

بعد أن يذكر المعجزة المذهلة التي اجترحها الدكتور داهش بقوّة الروح العليّ ونشرتها الصّحافة اللبنانيّة عام 1964 ، وهي استحضار فوريّ للخاتم الماسيّ الذي أضاعته السّيدة فاطمة البلطجي ، وتكوينه في قبضة يد زوجها – بعد أن يذكر ذلك ، ويرى أنّه عاجز عن تفسير المعجزة بعلمه الهرائيّ، يستدرك قائلا بلغته الركيكة :” ولكن حتى ولو كان الخبر صحيحا فان هذه العمليّة لا تعد معجزة اطلاقا ، نظرا لأنّه حصل مثلها في عديد من البلاد وبخاصة في الهند .” (ص88).

وينتظر القارىء من هذا الحّاثة العبقريّ أن يأتيه بالبرهان الساطع من الهنديّ الألمعي ، فاذا هو يروي خبرا نقله شخصان نكرتان يسمّيهما أيرلندو هرلدسون وكارليس أوسيس ! أمّا الخبر فهو أنّ أحد الهنود المحتالين قام بحركات بيده ثمّ أظهر فيها – نعم في يد المحتال – خاتما ! فيا للأعجوبة العظمى !

ونسي روجيه الخوري أنّه ، أنّما ذكر خبره الوحيد الفريد هذا ليؤكّد أنّ في الهند من يقوم باستحضار فوريّ للأشياء الضائعة ، فاذا به يقول في الصفحة نفسها :” في الحقيقة ،  لا أود أن يصدق القارىء هذه الأخبار التي ربما يمكن أن تفسر بواسطة الخفة أو الايحاء أو التنويم الايحائي أو أية خدعة أخرى …”

حسب القارىء هذه النماذج من التناقضات المخزية التي ازدان بها كتاب روجيه الخوري السخيف .

 

ه- الهذيان والزّوغان والرّوغان :

ولا عجب في أن يؤدّي التناقض بروجيه الخوري الى الهذيان والزّوغان . بعد أن يثبت تكلّم الدكتور داهش بلغات مجهولة ثمّ ينقض اثباته ، ينبري الى تفسير النّطق بلغات مجهولة فيدخل في متاهات لا يسع القارىء المثقّف عندها الاّ أن يرثي له ولكتابه المتخم بالسخافات . فاقرأ معي واضحك على هذا المسكين ؛ يقول روجيه :

” ولكن ما يبدو أشد غرابة ، هو أنه من المعقول جدا أن يتكلم الموهوب لغة أثناء اليقظة دون أن يفهم معناها “.(ص 103 ).

“فلا عجب ! ان نطق احد المبنجين بلغة يجهلها . ولكن لا بد أنه قد سمعها يوما أو قرأها . وقد يجوز ذلك أيضا أثناء الروبصة “، وربما بشكل لغات مجهولة مجتمعة .” ( ص 104 ).

” فلا ندهشيّ ان تكلم المرء فجأة بلغات لم يتعلمها تحت تأثير ارتفاع حرارة لمرض أو صدمة نفسيّة …”(ص 104 ).

” هناك عنصر هام يفرق بين معجزات الرسل التي تحصل باذن الهي ، وبين أعمال داهش التي أرادها هو فقط ان تكون معجزات ذات طابع الهيّ . وهذا الفرق هو ان الرسل عندما تكلموا ، كانوا ينطقون بلغة كان يفهمها كل من يسمعها …ولم تكن الحال نفسها في تكلم داهش تلك اللغات المجهولة .” ( ص109 ) .

أمر آخر يدلّ على هذيان هذا المحموم المهدوم هو أنّه عرض في عشرات الصفحات آراء كلّ من قال رأيا في الرسالة الداهشيّة أو مؤسّسها من غير أيّ تمييز بين داهشيّ وغير داهشيّ ، حاسبا أنّ كلّ من قال كلمة في الداهشيّة هو داهشيّ ، حتّى يتساءل القارىء الحصيف : أفي يقظة يكتب هذا ” الدكتور ” الموتور أم في ” روبصة وتخريف “!

و- مراجع الخلاّط روايات شعبيّة سخيفة :

ان الساذج يستغبي القرّاء الكرام ،  غير عالم أنّهم يسخرون منه ويتفكّهون بكتابته الخنفشاريّة .  فقد سمّى كتابه ” سلسة العلوم الباراسيكولوجيّة ” موهما القارىء بأنّ كتابه مبنيّ على قواعد علميّة ركنية محقّقة ، لا جدال فيها . واذا بمراجعه كلّها ، دونما استثناء ، أشبه بالروايات الشعبيّة التي أكل الدهر عليها وشرب ، كقصص عنتر بن شدّاد والزّير أبي ليلى الهلهل أو حكايات ألف ليلة وليلة .

ومع أنّ موضوعات الباراسيكولوجيا المحصورة بالأعمال العجيبة التي لا يفسّرها علم النفس تناول دراستها باحثون بمعظمهم ساذجون أو ممالئون للمشعوذين والمخادعين ، فقد عرفت الأوساط العلميّة في الولايات المتّحدة كما في انكلترا ، منذ الثلاثينات من القرن العشرين ، قلائل بينهم كانوا يحترمون أنفسهم ، فحاولوا أن يبحثوا بموضوعيّة عن الحقيقة في تجاربهم الباراسيكولوجيّة التي كانوا يجرونها في مختبراتهم تحت رقابة علميّة مقبولة ، لكنّهم فشلوا في الوصول الى أيّة نتيجة ايجابيّة ، وأقرّوا بفشلهم . هؤلاء العلماء المحترمون الصادقون في بحثهم عن الحقيقة ، لا علم لروجيه الخوري بهم وبالكتب التي وضعوها . فجميع مستنداته روايات شعبيّة تعود الى القرن الماضي أو القرون السابقة البائدة ، عندما كانت الحقائق مجرّد شائعات يطلقها الرّعاع والسّذّج أو المحتالون المنتفعون من رواجها سواء كانوا رجال دين أم دنيا .

فمن أجل أنّ يؤكّد روجيه الخوري أن خوارق الدكتور داهش هي أعمال باراسيكولوجيّة ، لم يعثر الاّ على مخادعين اثنين يستشهد بهما في صفحات كتابه المئتين المحشوّة بأخبار شعبيّة هرائيّة لا تحقيق فيها ولا رقابة علميّة أو غير علميّة على أعمال أصحابها . أحد المخادعين دانيال دنغلاس هوم ، والآخر أندرو جاكسن دايفس . وكلاهما عاش في القرن التاسع عشر . وقد تحدّثت عن الاثنين في القسم الثاني من هذا الكتاب .

أمّا الأشخاص الآخرون الذين استشهد بهم روجيه الخوري تأكيدا لوجود القوى الباراسيكولوجيّة ، فامّا هم من الصّغار الموهوبين الذين ظهرت تباشير نبوغهم في سنّ باكرة ( ص 81 – 82 ) أو من النّكرات الذين لا يقف عندهم الاّ كلّ سخيف .

فالصّغار النوابغ وجدوا في كلّ شعب وفي كلّ عصر . لكن ما علاقة الموهبة الموسيقيّة أو الشعريّة                                                         

 

أو التصويريّة أو الرياضيّة أو اللغويّة بالقوى الباراسيكولوجيّة المزعومة التي ما تزال دراستها في هامش علم النفس ؟  فالمواهب المذكورة قوى نفسيّة معروفة وخاضعة للدراسة السيكولوجيّة ، ولا علاقة لها ، على الاطلاق ، بالباراسيكولوجيا . وما علاقة تلك المواهب بالمعجزات التي تخرق القوانين الطبيعيّة المعروفة ؟

لكن أنّى للخلاّط أن يميّز بين قوّة روحيّة تصنع المعجزات ومواهب النابغين أو شعوذات الدجّالين ؟ فجميعها سواء في عينيه ، الاّ اذا فرّقت طائفته بينها ، وحظّرت على ابن الخوري أن يخالف الميزان الطائفيّ المنصوب في رأسه المسكين .

أمّا الأفراد النّكرات الذين يخجل حتّ دارسوا الباراسيكولوجيا من الاستشهاد بهم لأنّهم داخلون في تراث الخرافات الشعبيّة ، فروجيه الخوري لا يتحرّج من الاستشهاد بهم والتصفيق لهم ، رغم ادّعائه البحث العلميّ ! فهل هو من جبلة أولئك القوم من مثل ساي بابا والنتون وفالياتيني وايريس لوتشيّا وهيلن سميث البارعة باللغة العصفوريّة ، حتّى استهووه ؟ اما قال المثل السائر :” وشبه الشيء منجذب اليه “؟

اسمعه وهو يروي باعجاب خبر المحتال الهنديّ . يقول بلغته المحطّمة ومعرفته المهدّمة :

“انّه لحقيقي ان يتحمل بعض الفقراء وهم في حال التخشب وزن سيارة وحتى ربما شحن – بتقنية خاصة – كما حصل مع الفقير كاريتشي (ص35) .

هذا هو الطبيب الذي تخصّص في معرفة جسم الانسان ودراسة عضلاته ومدى قدرتها على التحمّل ! ويا للأسف ! 1

 

 

الشعور بالدونيّة

يلجىء روجيه الخوري الى التّهويل اللفظيّ فالتّقليد السّعدانيّ

 من تمرّس بعلم النفس الأدبيّ وقرأ كتاب روجيه الخوري الفارغ ، لا بدّ من أن يستشفّ من خلال سطوره المحمومة نفسا مريضة . فبين حين وآخر تطالع القارىء ردّات فعل هي أشبه بقفزات وصيحات يفتعلها قزم وجد نفسه مجهولا ، غير مكترث به ، في قاعة جلس فيها عمالقة ، فأخذ يقوم بما يجذب الانتباه اليه ، قفزا أو صياحا أو قرقعة .

فتارة نراه يحدّثنا عن تحف والده كمن يريد أن يغطّي صلعته بشعر أبيه ، وذلك عند انسحاقه حيال الكنوز المتحفيّة التي جمعها مؤسّس الداهشيّة بعصاميّته .

وطروا نراه مسعورا مقهورا ، جاحظ العينين ، منتفخ الودجين ! لماذا ؟ لأنّ الدكتور داهش صاحب عقيدة روحيّة ، ومع ذلك يجلس في سيّارة طبيب بارز ! لقد كان عليه أن يمشي على القدمين أو أن يقود السيّارة بنفسه ! لكن ابن الخوري لا يجد حرجا اذا رأى الذين يقبّل أيديهم تبرّكا يركبون أفخم السيّارات ! فما يجوز لهؤلاء لا يجوز لغيرهم .

وحينا يشعر روجيه الخوري بأنّ عباراته واهية كخيوط العنكبوت ، وأنّها بلا وزن لدى القرّاء المثقّفين ، فيقرقع بألفاظ أجنبيّة فارغة كالطبول الجوفاء ، ليوهم القرّاء بأنّه من أرباب الثقافة . اسمعوا بعضا من عباراته البهلوانيّة واضحكوا :

الايزوتريّا ، الأبورتاسيون ، التلرجيا ، التلسينيزيا ، الاسكوتوغرافيا ، النوموغرافيا ، البسيكوسنازيا ، الكلوساليا (ص 14و89و136و181)، وزد اليها طبعا ماشئت من التعابير العصفوريّة .

فمن يستخدم أمثال هذه الكلمات الطنّانة الرنّانة لا بدّ من أن يكون محشّوا بالثقافة ! فيا للسّخافة !

وحينا آخر يعرض الخوري أسماء قدّيسيه مستشهدا ومتباهيا بعجائبهم كمن يعرض أوسمة موقّعة نالها أفراد عائلته ، وكأنّما العزّة الالهيّة التي أبدعت بلايين المجرّات وأغدقت عنايتها على جميع الكائنات حتّى الحشرات ، لم تمنح بركاتها وعجائبها ومفاتيح السّماوات الاّ لأتباع  طائفته . فلا قيمة  بنظر روجيه الخوري للمسيحيّة البروتستانتيّة التي يعتنقها مئات الملايين في أرقى شعوب العالم ، لأنّ في تعاليمها ما يخالف تعاليم طائفته ؛ وكذلك لا قيمة لبليون مسلم ، وبليون هندوسيّ، ونصف بليون بوذي ، ومئات الملايين الآخرين المنتمين لشتّى المذاهب ، لأنّه ليس في حوزتهم معامل تفبرك القداسة والعجائب .

ومجال العجائب هو المجال الأبرز الذي يستحقّ عليه روجيه الخوري وسام “التّقليد السّعدانيّ ”  ! وهو المجال الذي يشعر أنّ ظهره يتقصّف تحت ثقله . انّ مؤسّس الداهشيّة يصنع المعجزات ، فلماذا لا يقلّده ؟ ويصيح الهرّ بأقصى جهده ، فاذا بصياحه مواء حيال زمجرة أسد الله .

يقول روجيه الخوري : ” لو أنّني لا أتمكن من القيام بكثير مما قام به داهش ، لما كنت أجرؤ على فضح أعماله .” ( ص 100 من كتابه الهرائيّ ) .

لكن ما هي ،يا ترى ،  الأعمال الجبّارة التي يقوم بها عبقريّ عصره ، الأعمال التي تخشع لها نفوس الأدباء والعلماء والألمعين اجلالا واكبارا؟

اسمعه يروي ” معجزاته ” بكلماته :

أ- لقد أظهرت للناس في الغرب وفي لبنان مرارا عديدة بأنني أستطيع محو السطور في كتاب بمجرّد وضع قطرات ماء بين صفحاته . واستطيع ايضا ان اعيد السطور الى حالتها الأولى بمجرّد سحب الماء من الكتاب .  وليس هناك صعوبة من الاحتفاظ بالماء بين الصفحات لأن الكتاب معد خصيصا لذلك . ( ص 101 ).

فانظر الى ذها الدّعي كيف يفتخر باستعماله كتابا هو لعبة صبيانيّة يعرفها معظم الأطفال في أميركا . وانظر الى قوله متبجّحا ” لقد أظهرت للنّاس في الغرب وفي لبنان “. كأنّما اخترع القنبلة النّوويّة ! فلو قال : أظهرت لبعض أصحابي ” في بيروت والبرازيل المسكينة ، لكان حفظ  بعض ماء الحياء في وجهه ، لكن أن يدّعي أنّه أظهر للنّاس في الغرب كيف تستخدم هذه اللعبة ، والغرب يحوي آلافا من العلماء في كلّ ميدان من ميادين المعرفة ، وآلاف الجامعات التي تخرّج ملايين المثقّفين الأفذاذ ، ففي ادّعائه أطنان من الادّعاء والغرور والسّذاجة التي لا يعلّلها الاّ ردّات فعله الجامحة لشعوره العنيف بالدونيّةSentiment d`inferiorite  .

  • ومن مآثره على حدّ قوله : ” وأستطيع ايضا حرق ورقة كتبت عليها كلمات كثيرة دون علمي بها ثم ايجاد معنى المكتوب عليها امام الجمهور أو استخراج الورقة المكتوب عليها من أي رجل من الجمهور بلمح البصر وليعلم القارىء ان المتطوع للكتابة هو الذي يحرق الورقة ويدون الكلمات على بعد مني وبشكل سريّ . ( ص101) .
  • ومن مآثره أيضا ما ذكره في قوله :” ولن أغفل عن ذكر تحويل المياه في أكواب أو وعاء زجاجيّ شفّاف ، الى قهوة أو مشروب كحولي أو أن أغيّر لونها …فالسّر في كلّ ذلك هو أن مواد كيماويّة توضع في آخر الوعاء أو الأكواب ولا ترى بسهولة لعدم انتباه الناس اليها …” ( ص 101-102 ).

بهذه السّعدنات البهلوانيّة يدّعي روجيه الخوري تقليد سيّد المعجزات الروحيّة التي هزّت لبنان من أقصاه الى أقصاه ، وشغلت الصّحافة العربيّة أكثر من نصف قرن ، وكانت نتيجتها عقيدة روحيّة عظيمة بدأت تظهر آثارها في الأوساط الجامعيّة الغربيّة كما في الصّحف الأميركيّة الكبرى .

أمّا تحويل الأوراق العاديّة الى أوراق  ماليّة ، فلم يجرؤ ابن الخوري على أن يدّعي أنّ باستطاعته القيام به ، لأنّه اذا فعل ، فسيواجهه مئات ممّن زاروا مؤسّس الداهشيّة فحوّلت الأوراق العاديّة ، وهي مطويّة في قبضات أيديهم وعليها توقيعاتهم ، الى عملة حقيقيّة ، وسيطالبونه ، اذ ذاك باجتراح معجزة مماثلة بالشروط والظروف نفسها ، أو باشهار كذبه . ولذلك تهرّب فردّ القارىء الى ” أيّ كتاب في ألاعيب الخفّة ،” وهو يعلم تمام العلم أنّهم لن يجدوا شيئا فيها الاّ ما حشا به رأسه هو من ترّهات . أمّا معرفة الخفايا والمخبوءات والمسروقات ، فيدّعي أنّ هناك ألوفا من الأشخاص يقومون بها عن طريق ” التنوّيم ” .  لكن من قرأ عرضي ونقضي لكذبة التنويم في القسم الثاني من هذا الكتاب لا بدّ من أن يرى أنّ عقل روجيه الخوري هو في حالة ” نوم مستمرّة “.

أمّا اذا أراد القارىء أن يضحك ويفحص الأرض برجليه ، فعليه أن يسمع الخوري يناقش التعاليم الداهشيّة التي خضّت أدمغة الأفذاذ ، فأقواله فيها تثير الضحك حتّى في الثكالى والمفجوعين ، وتدعو للرثاء لعقل هذا المسكين !

والحقيقة أنّ القارىء الذكيّ بوسعه أن يستشفّ من خلال كتاب الخوري تقليد سعدان لانسان ! والى هذا مردّ شعوره بالنّقص امام العظماء ، وردود فعله الغبيّة الجامحة تارة بمحاولة فاشلة لتقليدهم ، وطورا بالتّهجّم الافترائيّ عليهم .

 

نيّة روجيه الخوري الخبيثة

تدفعه الى التّهويل على القارىء بالصّور المخيفة المزيّفة :

بالرّغم من علم روجيه الخوري أنّ الجلسات الروحيّة التي كان يعقدها مؤسّس الداهشيّة لا علاقة لها ، على الاطلاق ، بجلسات استحضار الأرواح التدجيليّة ، وبالرغم من معرفته أن لا تعتيم ولا ستائر ولا جماجم ولا بخور ولا تعاويذ في الجلسات الروحيّة الداهشيّة ، فانّه لم يذّخر وسعا لحشد أكبر عدد من الصّور التهويليّة المزيّفة وادراجها في كتابه الهرائيّ ، لكي يوحي الى القارىء بأجواء السّحر والشّعوذة وفنون الخداع .

لكن نيّته الخبيثة ستكون الحبل الذي سيلتفّ حول عنقه فيشنق به مثلما شنق يهوذا الاسخريوطيّ نفسه ، بل ستكون مدية تهتك عنه ثوب العلم الزائف الذي يستر به سوءته ، فيظهر لمعارفه كما للبنانيّين والعرب أجمعين بالصورة القبيحة الشوهاء التي ولد عليها .

وانّي لأستميح القرّاء الكرام عذرا على ما تحمّلوه من جهالات هذا المدّعي ومن الحماقات والسخافات والتفاهات التي حشا بها كتابه الذي سيكون مصيره في مزابل التاريخ .

الفصل الثاني: " الباراسيكولوجيا اللبنانيّة "

في خدمة العلم أم في خدمة الطائفة ؟

بقلم الدكتور ملحم شكر

 

كتاب أم بازار ؟

أمّا كتاب صاحب الرّخصة البرازيليّة “( الباراسيكولوجيا في خدمة العلم “) – اذا أردت أن تسمّيه كتابا – فهو شتات من الفصول المبعثرة ، التي تجد في كلّ منها خليطا غريبا من الحكايات والأقاصيص والأقوال والنّقول والتّمحّلات والآراء والأسماء ، التي تسري فيها حمّى السّلب والنّفي في اتّجاه ، وحمّى التوكيد والتبشير في اتّجاه معاكس ، وحمّى الفوضى والفشكلة في جميع الاتّجاهات .

والمؤلّف – اذا أردت أن تسمّيه مؤلّفا – لا يلتزم في عرضه وانشائه المنهج المنطقيّ الذي يفرضه التأليف : فهو لا يعرف بعلمه ، ولا يحدّد موضوعه ، ولا المبادىء التي يقوم عليها ، ولا الطّرائق التي يستعملها ، ولا النتائج التي وصل اليها ، قبل أن يبعثر أمامك تلك الكميّة الكبيرة من المقطّعات والمترجمات . كما انّه لا يحدّد المصطلحات قبل ان يجريها في الخطاب ، ولا يهتمّ أصلا باثبات علميّة علمه المزعوم . هذا اذا ضربنا صفحا عن بيانه الأعجميّ وأسلوبه “الأرمنيّ ” وعربيّته العفطيّة وترجمته البعليّة الملأى بالأخطاء ، المحشوّة  بالأغلاط التي ينقلب فيها المعنى الى خلاف ما أراده المؤلّف الأجنبيّ .

فهو في علمه المزعوم ذاته يخلط رأسه بذنبه ، ويديه برجليه ، والحابل بالنابل ، والدّيك بالحمار ، ومعتقدات الكنيسة الكاثوليكيّة بتعاليم الباراسيكولوجيا ، والنّظريّات العلميّة بالأساطير السّحريّة ، وما شئت بمن شئت . وتراه يكرّر القول الواحد عشرات المرّات ؛ وقبل أن يأتي عليه أو ينتهي منه ، ينتقل الى سواه ، ليعيد فعلته الأولى ، داخلا في تشعّبات هو جاهل فيها ، مستطردا ، على حين فجأة ، الى مسائل لا يحسن أصلها ولا فصلها . وهذا كلّه ، لا يخفاك ، علامة من علامات التشّوش الفكريّ والاختلال المعنويّ والاضطراب النفسيّ ؛ ودلالة ، خاصّة على أنّ المؤلّف لا نصيب له من الثّقافة العلميّة الصحيحة ولا دربة على البحث العلميّ .

انّ المثقّف ليس هو الانسان الذي يحشو دماغه بما هبّ ودبّ من المترجمات والمعلومات دون انسجام أو نظام ودون ميزان لمعرفة الكاذب من الصحيح ؛ لكنّه الذي يحكم الطّريقة العلميّة السّليمة والذي يتمرّس بأصول التّفكير المنطقيّ ، والذي يبدأ بالأسس وبالقواعد .  فذلك يتيح له أن يميّز ، في ما يعرض له من الأمور والأحداث والأخبار والقراءات ، بين ما يثبت في العلم وما لا يثبت ، ومبرّرات ذلك ؛ وبين ما يستوي في العقل وما يستحيل فيه ، وأسباب ذلك ؛ وبين ما يصحّ في المنطق من القول وما يتناقض ، والعلّة في ذلك .

والذي قال انّ العلم هو معرفة الأسباب لم يبعد . ومهما اتّسعت بعد ذلك ثقافة المرء وتشعّبت مصادرها وأبوابها ،  فانّها تبقى ممسكة بتلك البنية العلميّة ، موزونة بذلك الميزان العقليّ ، مترابطة أجزاؤها ، متناسقة بذلك الرّباط المنطقيّ . والصّورة الذهنيّة التي يكوّنها ذلك المثقّف عن نفسه وعن العالم ، مهما ازدادت رقّتها ورهفت حساسيّتها ، تبقى واضحة غير مشوّشة ،  صلبة غير مهزوزة . منسجمة غير متناقضة ولا متفاوتة ، هادئة متأنيّة متوازية غير مصابة بالحمّى آنا وبالبرديّة آنا .

والذي فات المؤلّف هو ، على وجه الدّقة ، هذه الطريقة العلميّة السليمة ، وذلك المراس بأصول التّفكير المنطقيّ . وهذا هو بالضّبط ما جعله يتوهّم ، اذ وقع على الباراسيكولوجيا ، تلك البضاعة الرخيصة الكاسدة المحتقرة في الغرب ، أنّه وقع على على حديث هائل لم تسمع به الآذان من قبل ، وكأنّه قد وقع على حجر الفلسفة ، وعلى الكبريت الأحمر ، وعلى السّر الأعظم !… غير واع أنّه قد جمع الى الجهالة الادّعاء ، وأنّه بالحريّ يشبه الصّبيّ الذي ، لأوّل مرّة ،” شاف شي ما شاف شي …”

لقد ذكرت لك سابقا ما هي الباراسيكولوجيا ، في صورتها الأصليّة الغربيّة عند مؤسّسها والباحثين فيها ، في مظانّها الرّئيسيّة وفي مراجعها الأساسيّة . امّا الباراسيكولوجيا اللبنانيّة ، المستوردة من البرازيل ، فهي ظلّ باهت ونسخة مشوّهة عن ذلك الأصل الفاسد . فهي زبالة الباراسيكولوجيا . كما انّ صاحبها ، الذي يصف نفسه بأنّه اختصاصيّ ، فهو من حشويّة الباراسيكولوجيّين . فاذا كان الأصل أكذوبة ، فما بالك بالفرع !

وبالاضافة الى العاهات والعيوب التي تدمغ الأدبيّات الباراسيكولوجيّة بكمالها ، على اختلاف لغاتها وأنواعها وتوجّهاتها المذهبيّة ، فانّ الباراسيكولوجيا اللبنانيّة تتميّز بعاهات خاصّة بها دون سواها ، وببروز بعض تلك العيوب بروزا بالغا .

لاحظ التّسمية : ” الباراسيكولوجية اللبنانيّة ” . فلبنان هو صاحب الرّخصة البرازيليّة ، وصاحب الرّخصة البرازيليّة هو لبنان . وهو الوكيل المعتمد الوحيد لتوزيع الباراسيكولوجيا في لبنان . كلّ بضاعة باراسيكولوجيّا أخرى يستوردها  ويوزّعها تجّار آخرون في لبنان هو اذا باراسيكولوجيا أجنبيّة ، دخيلة ، تخريبيّة ، تجاوزيّة ، معادية ، غير وطنيّة ! فتلك الحكايات البرازيليّة ، وتلك الأساطير البرتغاليّة التي ترجمها صاحب الرّخصة ، تمثّل ، في بابها ، وحدها دون سواها ،  الأصالة اللبنانيّة !

 

الاستعاضة عن الثّقافة العلميّة بالألقاب

واذا انت تصفّحت كتاب صاحب الرّخصة البرازيليّة ، وجدت أنّ الألفاظ التي تتكرّر فيه تكرارا مستفيضا خارجا عن الحدود المألوف هي لفظ العلم ومشتقّاته ، ولفظ العقل ومرادفاته ، ولفظ الموضوعيّة وما كان في معناه ، فهي مستعملة بافراط شديد . وترى صاحب الرّخصة اذا تعرّض لمن يخالفه الرأي ، حشد تلك العبارات ووضعها الى جانبه واحتمى وراءها ، وحارب بها ، فهو وكيل العلم والعقل والموضوعيّة المعتمد في بيروت وضواحيها ! وتراه يقدّم الباراسيكولوجيا على أنّها علم من العلوم التي تدرّس في جامعات العالم الرّاقي ، وكأنّ علميّة هذه الأدبيّات الرّخيصة المرذولة مسألة مفروغ منها ! وتراه يزيّن صفحاته بأقوال محوّشة من هنا وهناك ، ومنسوبة الى هذا العالم أو ذاك الفيلسوف ! كلّ ذلك ليوهم القارىء بأنّه ينتمي الى فئة الباحثين ، وبأنّه ممّن يتّصفون بالتّفكير المنطقيّ والثقافة العلميّة !

انّ هذا الالحاح الشّديد في الانتساب الى العلم سببه ، كما شرحت لك سابقا ، عقدة النقص المستحكمة لدى أتباع الطائفة الباراسيكولوجيّة ازاء العلم والعلماء , فالباراسيكولوجيا لا ينطبق عليها مفهوم العلم ، ولا يعترف العلماء بها ، وهي عندهم فضيحة علميّة وعقليّة فصاحب الرّخصة البرازيليّة ، وسواه من أقرانه ، لتعطّشهم المرضيّ لاعتراف العلم بصناعتهم ، يتوهّمون أنّهم ، اذا أسرفوا في استعمال لفظ العلم ومشتقّاته ، حسبهم القارىء من العلميّين ، ووضعهم في عداد المثقّفين !فكأنّه اذا جيء بالخيل لتحدى ورفعت الخنفساء رجلها ، حسبناها في عداد الأصائل العراب ! ويتوهّمون أنّهم اذا أضافوا الى أنفسهم الألقاب الكثيرة ، عدّوا في أصحاب المقامات العلميّة ! وأنت رأيت تلك اللائحة الطّويلة من الألقاب الرّخيصة التي يضيفها صاحب الرّخصة البرازيليّة الى نفسه ، ممّا لا يفعله الانسان الاّ اذا كان مريضا مشوّها . ولعمري ! فكما أنّه لا يحتاج  الى الكعب العالي ، من الرّجال ، الاّ القزم القصير ، فكذلك لا يطلب التّشرّف بالألقاب الاّ من كان يشعر بالنقص بدونها !

وكيف يمكنك أن تحسب صاحب الرّخصة البرازيليّة من ذوي الثّقافة العلميّة ، ومن أصحاب التفكير المنطقيّ بعد أن تطلّع على كتابه وترى تلك الأساطير والخرافات والجهالات والأخبار الشّنيعة عن الفلاّح البرتغاليّ والمزارع الهنغاريّ والفقير الهنديّ …يرويها لك رواية المؤمن المصدّق لأنّه قرأها في مجلاّت أرجنتينيّة ومنشورات برازيليّة ! وتلك القدّيسة التي تسبح في الفضاء ! وتلك الفتاة التي ترى الألوان بأصابع قدميها ! وتلك المنازل التي تسير فيها الطّاولات أو تمشي الأسرة أو تتطاير الزّجاجات من النّوافذ سحريّا ! نعم ! هذا كلّه حقيقيّ واقعيّ يقول لك !  

والمعرفة العلميّة عنده ليست ، كما تعلم ،  ثمرة العقل في حهده العظيم منذ مئات القرون لادراك العلوم ادراكا موضوعيّا ، وليست ثمرة البحث الدؤوب عبر أجيال عديدة ، وليست محصّلة النشاط الانسانيّ المنظّم تصرف عليه الدول مليارت المليارات ، تحوّلها ،  ما استطاعت ، الى تكنلوجيا تغزو بها الفضاء ـ وتسيطر على موارد الطبيعة . هذه المعرفة العلميّة كلّها التي اغتصبها الانسان اغتصابا من أعماله معطيات العالم الطبيعيّ ، غير ضروريّة على الاطلاق عند صاحب الرّخصة البرازيليّة ،  وليست بذات قيمة , فهناك مصدرا آخر للعلم ، برأيه ، فهناك طرائق أخرى لاكتساب المعارف ، بحسبانه .  هذا المصدر ،  بزعمه ، هو ” العقل الباطن “” ذلك الكنز المجهول ، ذلك المستودع للمعلومات والمعرفة ” ( سلسة العلوم البارابسيكولوجيّة 75 ) الذي ” يختزن المعرفة ”  ( الباراسيكولوجيا في خدمة العلم 445 ) ما تعلّق منها بالماضي أو الحاضر أو المستقبل ، بكوكب الأرض أو المجرّة ! كلّها مختزنة في ” العقل الباطن “! وليس من الضروريّ أبدا أن يتابع الانسان مسيرة البحث العلميّ سعيا وراء المزيد من الاكتشافات العظيمة والاختراعات الخطيرة . يكفي أن نوكل الى الباراسيكولوجيا عمليّة استخراج المعارف من ” العقل الباطن ” فبذلك نقدر على كشف أسرار الكون بشكل سريع ودون الحاجة الى الآلات الالكترونيّة ” ( في خدمة العلم ص 38 )! وبذلك ” يصبح من السهل تبادل الأفكار بشكل طبيعيّ على مسافات بعيدة والاستغناء عن الهاتف والرادار “! ( ص 38) ولتقفل كليّات التاريخ أيضا أبوابها ، لأنّه يمكن التوصلّ الى ” اغناء المكتبة التاريخيّة بفضل الحاسة السادسة “! (ص38) بل ولتقفل كلّيّات الطّبّ أيضا أبوابها ، ” فالأمل الّذي يملأ قلب بعض الباحثين هو دون شكّ علم الباراسيكولوجيا المنطلق الذي يؤدّي الى اكتشاف الطرق السهلة لشفاء أمراض الانسان …” (ص86)! واذا سألت هذا الانسان الذي تسبح خلايا دماغه بمثل هذا السّائل السّحريّ ، ما هي ، يا هذا ، هذه المغارة السّحريّة التي تسمّيها ” العقل الباطن “؟

أجابك : ” انّ العقل الباطن له وزن محترم “! ( ص 393 )

فتأمّل العلم !

 

 

طبيب يؤمن …باصابة العين والأحجبة !

وهذا طبيب يولّد النساء ويعالج الأطفال . وهو يؤمن باصابة العين ، ويقول انّها حدث حقيقيّ واقعيّ ( ص 143 ) ! ويؤمن بالتأثير الفعّال للأحجبة (ص 144) ، وبأنّه يمكن للطبيب أن يجري عمليّة جراحيّة دون اللجوء الى التخدير ، بل يكفيه أن يضع  في يد المريض أيقونة فلا يشعر بالألم ( ص 102 ) ؛ وبأنّ التيلرجيا – وهو اسم لقوّة سحريّة خفيّة عند أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ مستقرّة ، بزعمهم ، في ” العقل الباطن ” – تؤثّر في شفاء الأمراض بل تشفي من القرحة (ص 112) ؛ وبأنّ وضع الصّليب تحت مخدّة المريض قد يشفي هذا المريض (ص 105 )؛ وبأنّ المريض ” يتشرّب روح الشّفاء من الجوّ المحيط به ” ( ص 119 ) ؛ وبأنّ الطفل ” يمتصّ امتصاصا باطنيّا فكرة الشّفاء ” فيشفى ! (ص 105 ) كأنّ الشّفاء ” فكرة ” أو ” روح ” ، وليس نتيجة لتفاعل المادّة الكيمائيّة الموجودة في الدّواء مع العضو المصاب في الجسم . انّ اعتقاده أنّ الشّفاء ” فكرة ” أو “روح ” ، وأنّ القوى الخفيّة تشفي من الأمراض هو من صميم المعتقدات السّحريّة . فهو يخلط الطّبّ بالشعوذة . ازاء هذا النّمط من التّفكير ، فانّ السؤال يطرح نفسه بقوّة : هل يجوز لمثل هذا الرّجل الذي يسبح سبحا عميقا في عالم فسيح من الأوهام المتراصّة  المتشابكة ، والذي قد استحكمت في خلايا دماغه الهلوسة الباراسيكولوجيّة السّحريّة ، هل يجوز له أن يمارس الطّب ؟  وهل يمكن أن يؤتمن على المرضى من الأطفال والنّساء ؟ انّ السؤال مطروح على نقابة الأطبّاء وعلى وزارة الصّحة العامّة في لبنان .

 

 

اختصاصيّ باراسيكولوجيّ أم رئيس نقابة البصّارين والعرّافين ؟

ولا يغرّنّك منه تلك الصّفحات الطويلة المترجمة المثبتة في أوائل الفصول التي شرح فيها مؤلّفوها خدع المنوّمين المغنطيسيّة وألعاب المشعوذين ومغامرات هوديني وأكاذيب ” الجرّاحين الرّوحيّين ” ، وادّعاؤه أنّه يحارب الدّجل والشّعوذة . فتلك الألاعيب يعرفها حتّى الأطفال . وما لجوؤه الى هذه المسألة والحاحه عليها الاّ من باب ذرّ الرّماد في العيون ، لأنّ أتباع الطّائفة الباراسيكولوجيّة يؤمنون بامكان حدوث تلك الأعمال حدوثا حقيقيّا . وهذا أصل من أصول الباراسيكولوجيا . وصاحب الرّخصة البرازيليّة الرّخيصة المسترخصة يؤمن ايمانا عميقا بالتنويم . انّ المؤمن بالخرافات ، اذا أراد أن يقصّ عليك خرافة من معتقداته ، بدأك القول انّه لا يؤمن الاّ بما تراه العين ، والاّ بما يثبته العقل ، والاّ بما يؤكّده العلم الصّحيح ! وصاحب الرّخصة البرزيليّة يبدأ فصوله ، كما رأيت ، بذكر تلك الخدع وترجمة شرحها كي يوهم القارىء بأنّه عقلانيّ وأنّ الأخاديع لا تنطلي عليه . فاذا أعطى عن نفسه تلك الصورة وأوهم القارىء ذلك الايهام ، أخرج حينئذ بضاعته الباراسيكولوجيّة ، وذلك الهذر والهذيان ، وتلك الحكايات الخرافيّة ، وتلك الأساطير الوهميّة ، وباعها على أنّها حقائق وأحداث حقيقيّة ! فهي خدعة من خدع الباراسيكولوجيّين وأحبولة من أحابيلهم . وقد بيّنت لك سابقا أنّ الباراسيكولوجيا والشّعوذة هما وجهان لعملة واحدة .

وهو يدّعي أنّه يحارب الشّعوذة ، ويذكر في ” تحذيره الدّائم ” بالاضافة الى الكنيسة ، المادّة 768 من قانون العقوبات اللبنانيّ التي تعاقب كلّ من يتعاطى معرفة الغيب . وهو في ذلك يكذب حتما ، ويكذّب أصول صياعته الكاذبة التي توكّد أنّ من الأفراد ” الموهوبين ” من يمكنه معرفة المستقبل الذي هو الغيب . كما انّه يعلن بصراحة أنّه يبحث عن موهوبين لدراستهم . وأنت تعلم أنّ كلّ ما تسمح به التعاليم الباراسيكولوجيّة هو تمييز المتاجر ط الموهوب ” من المتاجر غير ” الموهوب ” ن وكلاهما في حقيقة الأمر مشعوذ أفّاك . أمّا الأوّل فهو الذي يتمكّن من خداع الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ ولو مرّة واحدة فقط لا غير ، أو يتّفق معه ، فيحصل على ضمانة ورخصة باراسيكولوجيّة بممارسة الشّعوذة ز أمّا الثّاني ، اذا لم يتمكن من خداع ” الاختصاصيّ ” الباراسيكولوجيّ الأوّل أو الاتّفاق معه ، فانّه سيتمكّن حتما من خداع غيره من عشرات ” الاختصاصيّين ” فيحصل على رخصة أو لعلّه ” يختصّ” هو نفسه ، ويعطي لنفسه الرّخصة والدّمغة . فالاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ ليس أكثر من شرطيّ يسهر على حسن سير العمل في سوق الدّجل والشّعوذة . والحروب بين الباراسيكولوجيّين في بيروت التي تنشب بين عصابات المافيا على السّوق السوداء أو بين المحرّضين للاستثمار بسوق البغاء .

 

 

علاء الدّين وشهاب الدّين ….

ولا يغرّنّك منه تعرّضه الدّائم المتواصل الى درجة الوسوسة لأعمال الوسطاء الرّوحيّين ومعتقدات القائلين بمناجاة الأرواح ومخاطبتها واستخدامها . فهؤلاء هم آباء الباراسيكولوجيا الأوّلون ، ولا يزالون الى الآن ، في بعض البلدان ، يمثّلون الباراسيكولوجيا ، وكثير من كبار البارابسيكولوجيّين في العالم هم من المؤمنين بالأرواح وبامكان العودة الى الحياة بعد الموت ، وبمكان معرفة التّقمّصات السابقة تحت تأثير التّنويم . هؤلاء – أعني أصحاب الوساطة الرّوحيّة ، وهم احدى الطوائف الباراسيكولوجيّة – يدّعون تماما كأتباع الطّائفة الباراسيكولوجيّة التي ينتمي اليها صاحب الرّخصة البرزيليّة ، أنّ صناعتهم الوهميّة هي علم ، وأنّ العلماء قد أكّدوها ، وأنّ كثيرين من رجال الفكر قد أثبتوها ، وأنّها تدرّس في المؤسّسات الرّاقية والمعاهد العلية والأكاديميّات العالميّة والجامعات الأميركيّة . ولهم مؤتمرات دوليّة يعقدونها ، وصحف ينشرونها ، ومؤلّفات وموسوعات يبيعونها ، ومجالس ومحاضرات وما شئت . ولقد أضحكني قول صاحب الرّخصة البرزيليّة لهم انّ ” العلم الرّسميّ الأكاديميّ ” قد نبذ معتقداتهم ، ولم يبرهن على مصداقيّتها ! كأنّ العلم الرّسميّ الأكاديميّ الذي يتكلّم باسمه قد اعترف أصلا بالباراسيكولوجيا !

اعلم أنّ انتقاده باسم العلم الرّسميّ الأكاديميّ لأقرانه من أصحاب” مناجاة الأرواح ” وغيرهم من سائر الطّوائف الباراسيكولوجيّة ينطبق على الباراسيكولوجيا البرزيليّة اللبنانيّة حرفا حرفا كلمة كلمة وجملة جملة . وهو من باب انتقاد الشّحاذّ لزميله المتسوّل باسم الشّرف والأنفة ؛ ومن باب تعيب الضّارب بالطّبل على النّافخ بالمزمار باسم الزّهد والتقشّف ! ومن باب تكذيب القارىء بالفنجان للمبصّر بالودع باسم العلم والعقلانيّة ! فالقائل بأنّ الباراسيكولوجيا هي “علم ” هو زميل المدّعي أنّ صناعة ” مناجاة الأرواح ” هي علم . وهما بالأصل كانا شيئا واحدا ، ولا يزالان يتاجران ، كلّ في دكّانه ، في السّوق ذاتها . فهما من طينة فكريّة واحدة ، وموضوع علمهما واحد . وهما يؤمنان بالظواهر الشّعوذيّة نفسها ؛ الأوّل ينسبها الى قوى سحريّة خفيّة مستقرّة في العقل الباطن ، والثّاني الى الأرواح السّابحة في السّديم . فالأوّل هو شهاب الدّين ، والثاني هو علاء الدّين ، وشهاب الدّين هو شقيق علاء الدّين ، وكلّ من علاء الدّين وشهاب الدّين أشدّ غباوة وجهلا من أخيه . وهما في بعدهما عن العلم على مسافة واحدة .

 

 

والخصومة اللاهوتيّة بينهما بسبب الدّراهم والدّنانير …

اعلم أنّ سبب هوس صاحب الرّخصة البرزيليّة في مناقضة زملائه من الباراسيكولوجيّين القائلين ” بالوساطة الروحيّة ” هو سبب طائفيّ مذهبيّ ؛ ذلك لأنّ الوساطة الروحيّة قد تحوّلت في بريطانيا وفرنسا وأميركا الشّماليّة الى مذهب دينيّ ، في أوائل القرن العشرين ، وانتقل هذا المذهب الى دول أميركا اللاتينيّة ، فهو منتشر انتشارا واسعا في البرازيل خاصّة . وهذا المذهب ، من حيث أنّه اعتقاد بامكان العلاقة المباشرة بين الفرد وعالم الرّوح ، يلغي الغاء كاملا دور الكاهن ، ودور المؤسّسة الدّينيّة التي هي الكنيسة التي تحتكر لنفسها دور الوساطة بين الأرض والسّماء . لهذا المذهب ، هو ، كما لاحظ علماء الاجتماع والأنتربولوجيا ، تعبير عن مطلب اجتماعيّ تحرّريّ للخلاص من نير الكنيسة وحلفائها السياسيّين . 2

فنزاع الكنيسة الكاثوليكيّة مع أصحاب ” الوساطة الروحيّة ” هو نزاع موضوعه المصالح المادّيّة . فالسّبب في هجوم صاحب الرّخصة البرازيليّة على أخصامه من أتباع المذاهب الباراسيكولوجيّة الروحيّة هو ، كما قلت لك طائفيّ مذهبيّ .

 

 

 

لماذا تطعن الباراسيكولوجيا اللبنانيّة في القرآن وتسخر من عقائد الدّروز؟

وهذا تراه واضحا أشدّ الوضوح في كتابه . فهذا ” الباحث الموضوعيّ ” ، كما يصف نفسه ، يخلط بين المعتقدات الباراسيكولوجيّة والمعتقدات الكاثوليكيّة . ففي حين لا ينقطع عن التوكيد مرارا وتكرارا في الصفحة الواحدة أنّ الباراسيكولوجيّة هي علم ، وأنّ غايته ك”اختصاصيّ ” هي ” التنقيب العلميّ ” ليس الاّ ، وأنّه ينهج ” أساليب العلم الموضوعيّ ” وحدها دون سواها ، تجده ، اذا تعرّض لمسألة ، وراح يسبح ، على زعمه ، في ” بحار التحاليل العلميّة البارابسيكولوجيّة “، تجده فجأة ، قد فتح المظلّة الفاتيكانيّة ليندّد بما لا تؤمن به الكنيسة الكاثوليكيّة ! وهلمّ سبحا وهلمّ فتحا ! وتراه يطعن في القرآن ( ص 469 ) ، ويسخر من عقائد الدّروز (ص 193 ) ، ويصف الثّقافة الهندوسيّة ب”المنحلّة (ص 88 ) ، بمخالفة هذه العقائد للكثلكة ، دون أن تدري ما دخل العلم في ذلك . وتراه اذا تعرض للتقمّص – وهو نظريّة فلسفيّة دينيّة – لبس قناع العلم وقال انّ التقمّص ليس نظريّة علميّة . واذا ذكر ” عجائب ” القدّيسين والقدّيسات ، خلع قناع العالم ولبس قناع الكهنوت ، وقبل تلك الأعاجيب باسم ” مبدأ الشّفاعة ” اللاهوتيّ !  فلما جاز الرجوع الى العلم في موضع ، والرجوع الى تعاليم الكنيسة في موضع ؟

وتراه يلعب كالبهلوان على لفظتي ” الظّاهرة البارابسيكولوجيّة ” والأعجوبة  . والأولى على زعمه ” علميّة ” والثّانية هي عنده ، مصطلح كنسيّ كاثوليكيّ . فاذا مرّ بالأمر الخارق ، وكان منسوبا لغير رجال الكنيسة ، أخرج من كمّه قبّعة ” الظّاهرة ” ؛ واذا كان منسوبا لأحد رجال الكنيسة ، أخرج من كمّه منديل ” الأعجوبة ” ! فهو مشعوذ يلعب على الحبلين ويتقنّع بقناعين ! فأنت منه في تساؤل مستمر : هل الباراسيكولوجيّة مبدأ من مبادىء المذهب الكاثوليكيّ ، أم انّ المذهب الكاثوليكيّ باب من أبواب الباراسيكولوجيا ؟ ومتى كانت الكنيسة سلطة علميّة ؟ ومتى كان العلم عبدا طائفيّا ؟ وهل العنوان الذي ينطبق انطباقا حقيقيّا على الكتاب هو هذا العنوان الهجين المتناقض الكاذب ” البارابسيكولوجيا في خدمة العلم ” أم هذا العنوان المستتر : ” البارابسيكولوجيا في خدمة الطائفة ؟

 

 

الأخلاط الباراسيكولوجيّة

اعلم انّه بسبب تلبّس الباراسيكولوجيا الطّفيليّ بالعلم ؛

وبسبب أنّها مجرّد أدبيّات ، لا أصول ثابتة لها في تربة العلم ، لا تصونها أو تنظّم البحث فيها المعاهد العلميّة الرسميّة فتنقلها من الرصيف العامّ الى حرم الجامعة ، فهي لذلك ملك مشاع ، يمتلكها كلّ من يدّعي ملكيّتها ، فيبيعها ويشتريها ، ويزيد فيها ما يشاء ، وينقص منها ما يشاء ؛

وبسبب أنّها جملة من المعتقدات التي تدور حول قوى سحريّة خفيّة لا يمكن التحقّق من وجودها ، فهي ، لذلك ، تسمح بالتأويلات الماورائيّة المختلفة ، وتقبل الامتزاج والاختلاط بكلّ العقائد الباطنيّة والمذاهب الغنوصيّة والعلوم الخفيّة والاتّجاهات السّحريّة ؛

وبسبب أنّها تعنى بالغرائب ممّا تركم حوله  ، عبر التاريخ ، في كلّ ثقافة وفي كلّ حضارة ، ارث تقليديّ مبثوث ، وممّا يدخل في كلّ ثقافة ، وفي كلّ حضارة في باب الحرفة والمهنة والتجارة ، وممّا لا يزال في بعض الثقافات بادارة المؤسّسات الدّينيّة ؛ وبسبب أنّها ، اذ تسرّبت الى كثير من البلدان ، مع سائر ما قبسته هذه البلدان ، في مسيرتها نحو التقدم الحضاريّ ، عن الثقافة الغربيّة ، من مكاسب عظيمة ومن قشور تافهة ، من علوم صحيحة ومن علوم كاذبة ، من قيم سياسّة أصليّة ومن مظاهر سخيفة ، فكان أن ” تحضّر ” ، في ما تحضّر ، الارث السحريّ التقليديّ في هذه البلدان وظهر تحت اسم الباراسيكولوجيا ، وكان أن ” تقدّم ” ، في من “

تقدّم ” ، المبصر أو الساحر التقليديّ ، واتّخذ لنفسه اسم ” وسيط ” أو ” صاحب مواهب بارابسيكولوجيّة ” أو ” اختصاصيّ بارابسيكولوجيّ ” ؛ لكلّ هذه الأسباب تنوّعة الطوائف الباراسيكولوجيّة واختلفت وتناحرت ، ولعنت كلّ واحدة أختها ، وكذلك اختلف مستوى الصناعة واتّجاهها ووظائفها الاجتماعيّة بقيمة التقدّم العلميّ والثقافيّ في البلدان المنتشرة فيها وبالأحوال العامّة ، لا سيّما الدينيّة والاجتماعيّة لهذه البلدان . ففي فرنسا مثلا ، حيث يمارس المستهلك – وكذلك الدولة – نظرا لثقافته ، نوعا من الرقابة على ما يقدّم له سواء للأكل أو للقراءة ، لا يستطيع الباراسيكولوجيّ أن يبيع البضاعة ذاتها التي يبيعها زميله في هنغاريا أو المكسيك . فهو في فرنسا هامشيّ لا تعترف بعلمه الجامعة ، أمّا في الأرجنتين أو الشيّلي ، فهو صاحب أكاديميّة على حيالها . وكذلك المطبّب الجرّاح الرّوحيّ فهو اذا حاول افادة الناس من علمه في باريس ، ألقي به في السّجن على الفور ، اذا كان وطنيّا ، وطرح به خارج الحدود ، دون ابطاء ، اذا كان أجنبيّا . أمّا في البرازيل والفيليبيّن ، فانّه يمارس مواهبه بكلّ راحة واستراحة ، بل قد يفتح عيادة ومستشفى ـ بل قد يؤسّس كليّة لتخريج الجرّاحين الروحيّين ، بل قد يستأجر الأطبّاء الرّسميّين ليشهدوا بمواهبه . وهو ينجح في كلّ ذلك ، ما دام دخل على الأفراد من باب معتقداتهم وألبس علمه من أسمال النّظام المعرفيّ السائد ف ثقافتهم .

وكذا اختلفت الأدبيّات الباراسيكولوجيّة المنتشرة في أوروبّا الغربيّة وأميركا الشماليّة عن مثيلاتها المنتشرة في أوروبّا الشرقيّة , ففي هذه البلدان الأخيرة ، مع أنّ الباراسيكولوجيا كانت لا تزال في هامش العلم الرسميّ ، فانّ بعض الأجهزة الرّسميّة المتغلغلة في وسائل الدّعاية والاعلام ، كانت تستخدمها ، قبل سقوط الايديولوجيا الماركسيّة ، في حربها العقائديّة ضدّ الأديان لا سيّما المسيحيّة والاسلام ، اذ كانت توهم بأنّ عجائب المسيح ومعجزات النبيّ محمّد التي قامت عليها المسيحيّة والاسلام ، لم تكن في حقيقة أمرها الاّ ظواهر باراسيكولوجيّة مادّيّة عاديّة يحدث مثلها في كلّ حين ، استغلّها مؤسّسو الأديان وخدعوا بها معاصريهم وأتباعهم . في عهد غورباتشوف صار الاهتمام بالبارسيكولوجيا ، بالنّقيض لما كان عليه سابقا ، علامة من علامات عودة الروح وتعبيرا عن القرف من النّظام والمعارضة للماركسيّة ، تماما كالمجون والخلاعة .

وتلك الأدبيّات البارسيكولوجيّ الماركسيّة تختلف عن مثيلاتها التي تعجّ بها عجيجا أسواق أميركا اللاتينيّة . فهذه البلدان كاثوليكيّة تقليديّة ، والكنيسة الكاثوليكيّة المتأصّلة فيها منذ كولومبس حالفت على الدّوام السّلطات السياسيّة وباركتها وشاركتها ، الاّ أنّ الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة التي لا تزال تتخبّط فيها منذ أمد طويل هذه المجتمعات ، فجّرت فيها ، الى جانب حركات التّحرّر السياسيّة الثّوريّة المعروفة ، كثيرا من الحركات الدّينيّة التي تنتشر فيها انتشار النّار في الهشيم . وانّك لتجد فيها الآلاف من المذاهب المشتقّة من البروتستانتيّة ، والفرق الدينيّة المستحدثة ، والطوائف ذات التّعاليم الباطنيّة ، والجمعيّات السريّة التي يتعاطى أصحابها العلوم الخفيّة ، والملل التّوفيقيّة التي تمتزج في عقائدها عناصر من أديان الشّرق والغرب وفلسفات الشّمال والجنوب . وأنت اذا قرأت قصص بورخيس وغبريال ماركيز ، أخذت فكرة عن تلك الحال . كما تجد أيضا ، في البرازيل خاصّة ، مئات الآلاف – نعم مئات الآلاف ! – من المراكز التي يؤمن أتباعها بامكان الاتّصال بالأرواح ومخاطبتها واستخدامها في شفاء الأمراض وغير ذلك .  ويكاد يكون هذا المذهب دينا رسميّا في البرازيل ، وهو يبتسب في أيّ حال الى المسيحيّة ؛ فأتباعه يعتبرون أنفسهم مسيحيّين . هذه الحركات تقتطع مساحات دائمة التّمدّد والاتّساع من سلطان الكنيسة ، فهي في حرب عوان معها . انّ وجود الشّعور الدّينيّ وجودا قويّا في قلب أسباب الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة يجعل من هذا الصراع صراعا على القدسيّات وعلى ادارتها وتنظيمها . وفي هذا المجال ، وفي تلك البلاد ، تلعب العجائب والغرائب دور الخاتم والرّخصة والدمغة والبرهان على صدق هذه المؤسّسة الدينيّة أو تلك ، وعلى حقّها بالتّفرّد بالوصاية الروحيّة والوكالة الالهيّة وادارة القدسيّات واحتكار العلاقة بين السّماء والأرض ، وما يترتّب على ذلك من سلطان مادّيّ زمنيّ . ولمثل هذه الأسباب تظهر الذراء هنا وهناك أو يبكي تمثالها ، أو تحدث عجائب الشّفاء في المزارات والأمكنة المخصّصة لهذا الشأن ، أو تهزّ قرص الشمس مهدّدة منذرة . ولمثل هذه الأهداف يحدث القسّيس البروتستانتيّ ، في الاجتماع الواحد ، في اليوم الواحد ، جميع ما قام به المسيح طوال حياته من عجائب : من شفاء الأمراض المستعصية الى اخراج الشّياطين ، الى التّكلّم بلغات مجهولة ، الى حلّ المشكلات الاجتماعيّة المعقّدة حلا اعجازيّا ؛ ولمثل هذه الأهداف فانّ أرباب تلك المذاهب المتفرّقة ، خصوصا المؤمنين بامكان نزول الأرواح وتلبّسها بهم . ولا سيّما أرواح الأطبّاء والعلماء الفرنسيّين مّمن عاشوا في القرن الماضي ، يحدّثون من الأمور الغريبة والطّبابة والعجائبيّة ما لا تحصيه المجلّدات . كلّ ذلك يصبّ في الباراسيكولوجيا ، فتتلوّن بألوانه ، ويتلوّن بألوانها ، وتتشكّل بأشكاله ، ويتشكّل بأشكالها ؛ فأنت لا تدري في هذا الخضمّ الهائل بل في هذا البازار العجيب ، أين هي حدود الدّين ، وأين هي حدود العلم ، وأين هي حدود السّحر ، وأين هي حدود الباراسيكولوجيا . 3

 

 

الباراسيكولوجيا اليسوعيّة وأغراضها في البرازيل ولبنان

اعلم أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة ، في القرون الوسطى ، لمّا فشا الاعتقاد بالسّحر بين رعاياها وخصومها ، أدخلت في معتقداتها ، في القرن الثالث عشر الايمان بالسّحر ، بعد أن كانت لا تؤمن به ، ونكّلت بمن لا يؤمن به ، بعد أن كانت تنكّل بمن يؤمن به . وهذا أتاح لها أن تفسّر غرائب الأمور ، ممّا فشا الاعتقاد به ، بانّها عجائب الهيّة ، اذا تعلّق الأمر برجالها ومؤسّساتها ، وبأنّها سحر من عمل الشّيطان ، اذا تعلّق الأمر بأعدائها ، فطوّبت الأوّلين قدّيسين ، وأحرقت الآخرين في السّاحات العامّة . 4

كذلك اليوم ، فهي في بعض أجهزتها ، وفي مواضع سيادتها وحربها مع خصومها ، خاصّة في دول أميركا اللاتينيّة ـ قد تبنّت الباراسيكولوجيا ، وأوكلت أمرها الى اليسوعيّين الذين افتتحوا مراكزهم في بلدان عديدة من دول أميركا اللاتينيّة لتعميم هذه الصّناعة ونشرها ؛ منها مركز الكاهن اليسوعيّ غونزاليس كيفيدو في سان باولو في البرازيل ، ومركز الكاهن اليسوعيّ ، أنريكو نوفيو باولي في المعهد الكاثوليكيّ في الأرجنتين ، ومركز في ميامي حيث يتواجد الكوبيّون وسواهم من مهاجري أميركا اللاتينيّة بكثرة كثيرة . وهذه المراكز الباراسيكولوجيّة في أميركا اللاتينيّة كان يرعاها روحيّا من روما الكاهن اليسوعيّ أندرياس ريس ، والكاهن اليسوعيّ الأب روسّو . 5

وكما أنّه لم يردّهم سابقا عن الايمان بحقيقة السّحر ما يؤدّي اليه هذا الايمان من الافتراض النظريّ الذي انساقت اليه فئة من أنّ المسيح لم يكن الاّ ساحرا تعلّم الصّنعة من مصر أو الهند ، كذلك اليوم لم يردّهم عن الايمان بالباراسيكولوجيا ما تؤدّي اليه قراءة الانجيل في ضوء الأكذوبة الباراسيكولوجيّة من أنّ المسيح لم يكن الاّ صاحب مواهب باراسيكولوجيّة ليس الاّ ، وأنّ معجزاته لم تكن في حقيقة أمرها الاّ ظواهر باراسيكولوجيّة طبيعيّة عاديّة ليس لها أيّ معنى سام ، ولا يجوز بحال من الأحوال تأسيس ديانة عليها . وهو ما يعتقده حتما صاحب الرّخصة اليسوعيّة البرازيليّة في معجزات النبيّ محمّد وفي القرآن ؛ فهو يلمع اليه في حديثه عن كتاب دايفس (ص 78 ) دون أن يصرّح به خوفا من العصا ، وممّا هو أشدّ قساوة من العصا . وكذا كلّ جبان ، فهو لا يخاف الاّ من العصا .

وهكذا اصطنع اليسوعيّين الذين ذكرتهم لك من الأدبيّات الباراسيكولوجيّة ما يتّفق مع مذهبهم وما يناسب أغراضهم وما يتيح لهم تفسير الغرائب والأعمال العجائبيّة التي يؤمن بها خصومهم بأنّها ظواهر باراسيكولوجيّة عاديّة طبيعيّة صادرة عن العقل الباطن ، ولا عن أيّ مصدر الهيّ روحيّ ، وبأنّه ليس لها أيّة طبيعة قدسيّة أخلاقيّة سامية ، وبأنّه لا يجوز على الاطلاق تأسيس أيّة معتقدات مذهبيّة عليها . كما يتيح لهم ، في الوقت ذاته ، بواسطة تمحّلات لفظيّة وبهلوانيّات لاهوتيّة ، – رأيت أمثلة عديدة عليها  في كتاب صاحب الرّخصة البرازيليّة – احتكار العجائب الالهيّة لكنيستهم ولرجالهم ، ومن وراء العجائب احتكار القدسيّات ، ومن وراء القدسيّات ، احتكار السّلطان الرّوحيّ والبشريّ .

انّ الباراسيكولوجيا الأميركيّة اللاتينيّة هي ، من حيث قيمتها النسبيّة ، حثالة الباراسيكولوجيا وقمامتها ، فهي ليست الباراسيكولوجيا المحايدة عقائديّا ، التي غالبا ما يقصد منها مصالحة المذاهب والمعتقدات الماورائيّة والسحريّة بالعلم ، والتي تجدها في بعض المنشورات الأميركيّة والأوروبيّة . لكن بالاضافة الى ذلك ، هي ، في تيّارها  اليسوعيّ ، باراسيكولوجيا لاهوتيّة مذهبيّة تبشيريّة وظيفتها خدمة الكنيسة واللاهوت ، وقد أناط أصحابها بأنفسهم رسالة” تنوير الأذهان” ، أي تحصين الكاثوليك من تأثير المذاهب الأخرى ، والتفريق بين الحقّ والباطل ، أي بين الكثلكة وما يخالفها ، وبين الظواهر الطبيعيّة والعجائب الحقيقيّة ، أي بين ما ينسبه أخصامهم الى أئمّتهم وما ينسبونه هم الى مزاراتهم وقدّيسيهم ؛ فهم أوصياء على الناس ! وقارىء مؤسّس الباراسيكولوجيا اللبنانيّة يدرك ، من غير أن يرجع الى اسم الدّكّان الذي استحصل منه على رخصته الباراسيكولوجيّة ، والى اسم مديرها وصاحبها ، يدرك ، دون صعوبة ، أنّ الاختصاصيّ المذكور ما هو الاّ قومسيونجي لتلك البضاعة اليسوعيّة ، فهو من تلك القمامة اغترف ، ومن تلك الحثالة نهل ، ومن خمير اليسوعيّين طعم حتّى التّخمة .

 

 

الوجه الطائفيّ الكريه للباراسيكولوجيا اللبنانيّة

وهذا أنت تراه بوضوح اذا نظرت الى علاقته بعلمه المزعوم . فهي ليست علاقة الباحث بموضوع بحثه – وهي علاقة متأنية ، رصينة ، باردة ، صارمة ، موضوعيّة لا ذاتيّة – ولكنّها علاقة المؤمن بتعاليم مذهبه ، وهي علاقة انفعاليّة تبشيريّة تمتزج فيها الوقاحة بالعدوانيّة ، والبهتان بالتّعنّت , ومؤلّفاته تعطيك أمتع الأمثلة على هذه العلاقة المحمومة اللاعقلانيّة العدوانيّة . فهذا القاصر جعل نفسه وصيّا على الآخرين ، وأسبغ على نفسه رسالة تنوير الرأي العامّ ! فتلك الرّخصة لم تكن اذا شهادة بالمعنى العلميّ ، بل سيامه بالمعنى الكهنوتيّ , فهو قد سيم كاهنا باراسيكولوجيّا . فهو يعلم وعليك أن تتعلّم ! وهو يقصّ وعليك أن تقبل ! وهو يؤول وعليك أن تؤمن ! واذا قال لك في صفحة (120): ” يا للعار ! انّه من الهزل أن يدّعي بعض الكتّاب والأطبّاء وبعض القضاة اللبنانيّين أن المطببين الروحيّين يشفون آلام الانسانيّة نظرا لقوّة تقشّفهم ” ، وفي صفحة أخرى ( 399) ” انّ شفاء قداسة الأب شربل وعجائبه لشدّة تزهّده وتقشّفه ” فعليك أن لا ترى التناقض ! واذا قال لك في فصل (ص 396 ) انّ شفاء الطّفل ايلي معلوف من الشّلل والجنون وشفاء السيّدة مريم مزراحي من داء البرص على يدي الدكتور داهش ، يفسّر بالايحاء ليس الاّ ، وفي فصل آخر ( ص 522 ) انّ حوادث الشّفاء التي حصلت في مزار القدّيس شربل بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاته هي عجائب الهيّة قام بها الأب شربل ليثبت الدّين الصّحيح ، فعليك أن لا تلاحظ الكيل بمكيالين والوزن بميزانين ! واذا شككت بأقاصيصه ، نسبك الى الجهل ! واذا طالبته بالدّليل والبرهان ، قذفك بالشّتائم ! واذا اختلفت معه بالرأي ، رماك بالالحاد ، وهدّدك بالنّيابة العامّة ، واستعدى عليك رجال الدّين من جميع الطوائف !

فانظر كيف زالت الصبغة العلميّة ، وكيف انهتك قناع الموضوعيّة ، وكيف ذاب الثّلج وظهر تحته وجه الرّجل على حقيقته القبيحة !

وفي هذا برهان ، اذا أردت البرهان ، أن هذا الدّعي من أدعياء الثّقافة المنغلقة ، عندما ينتحل الصّفة العلميّة ، ويدّعي البعد عن التّعصّب المذهبيّ ، ويتلطّى وراء ألفاظ وعبارات ، ما هو في كلّ ذلك ، الاّ مضلّل مماذق من قمّة رأسه حتى أخمص قدميه .

فهذا هو الرّجل ، وهذا هو كتابه .

وسلاما الى قلبك المتوقّد بلهب الايمان !

 

 أخوك ملحم شكر .

مصادر القسم الرابع

مصادر القسم الرابع من الكتاب

  • للاستزاد من نقد المنهج اللاعلميّ الذي اتّبعه الخوري في كتابته ، انظر القسم الثالث من هذا الكتاب .
  • راجع حول تاريخ هذه الحركة في البرازيل الدراسة الأنتروبولوجيّة التي قام بها الفرنسيّان لابلانتين وأوبره : Francois Laplantine & Marion Aubree la tabe le livre et le esprits magies et mediums Paris Lattes 1990
  • انظر حول هذا الموضوع التحقيق الطويل للصّحفيّ الفرنسيّ مارتينو: Martino Les chants de L`invisible p 287-380.
  • قبل عام 1000 كانت الكنيسة الكاثوليكيّة تؤكّد أنّه لا حقيقة للسّحر وأنّ الروايات عن الساحرات اللواتي يطرن في الهواء ما هي الاّ خرافات وأكاذيب . الاّ أنّ البابا المعروف باسم انّوسانت الثامن أصدر عام 1484 قرارا بابويّا منع به المسيحيّين من اعتقاد أنّ الساحرات لا يطرن في الهواء . وكانت محاكم التفتيش المؤلّفة من الكهنة ، تجبر الأفراد من خصومها ، بوسائل التعذيب الرهيبة التي يعجز الشيطان نفسه عن اختراع مثلها ، على الاعتراف بأنّهم سحرة وأنّهم يطيرون في الهواء ! وكان نصيب هؤلاء ، بطبيعة الحال ، الموت حرقا . وقد أحرقت الكنيسة بين عمي 1400و1504 ثلاثين ألف انسان بتهمة السحر وحوالى المليون بين عامي 1575و1700 . وفي الوقت عينه كانت خرافة الطّيران في الهواء تنسب الى الرهبان والراهبات ، وكان هؤلاء يطوّبون قدّيسين . ( والجدير بالملاحظة أنّ الطيران في الهواء هو من المعتقدات الباراسيكولوجيّة ، وهم يسمّونها levitation . وادخال السحر في المعتقدات الكنسيّة كان الباعث عليه ايهام الطّبقات الدّنيا بأنّ المشكلات الاقتصاديّة والأزمات الخانقة التي تعاني منها هذه الطبقات هي من فعل الشياطين والسّحرة ، وليست ناتجة عن التحالف بين رجال الدين ورجال الاقطاع ، وبأنّ الخلاص من ذلك انّما يتمّ باللجوء الى كنف الكنيسة ذات السلطة الروحيّة القادرة على قهر الشيطان والقضاء على السّحرة , راجع :                1-M.Harris Cows Pigs Waifs and Wiches New York Random House 1974 .                                                 2- J.A.Rony la Magie Paris P.U.F.1950.                   3- R.Allier Magie et Religion Paris (Sans date )
  • حول ما ذكرناه عن التيّار الباراسيكولوجيّ اليسوعيّ ورجاله ، راجع مقالات الكاهن اليسوعيّ المذكور : Russo parapsychologie in Catholicisme hier aujourd`hui demain Tome X pp.634-640. F.Russo la parapsychologie dans la revue Etudes Juillet 1978.                                                                      والمجلّة المذكورة يسوعيّة . كذلك راجع مقابلة مع الكاهن المذكور حول الموضوع ذاته ، نشرتها مجلّة la vie   في عددها 14- 20 شباط 1980 . ويحاول الأب روسّو ، في مقابلته الأولى ، التمييز بين الظاهرة الباراسيكولوجيّة والمعجزات المنسوبة الى المسيح والى القدّيسين ، فلا يجد الاّ المعايير الذاتيّة التي تطرح على الظاهرة والمعجزة ( وهما من وجهة نظر موضوعيّة بحتة ، لدى من يؤمن بهما ، نوع واحد ) من خارجها ؛ فاذا اكتشف الفحص اللاهوتيّ أنّ هناك تدخّلا الهيّا ، كانت الظاهرة  معجزة ! وبمعنى آخر ما دام الفحص اللاهوتيّ حكرا على الكهنوت ، كان الكاهن اللاهوتيّ هو الذي يقرّر هل هناك معجزة  وأعجوبة أم مجرّد ظاهرة باراسيكولوجيّة طبيعيّة ….وهذا هو عينه المنطق القديم الذي كان ساريا في القرون الوسطى .

 الفصل الأوّل:  مناجاة الأرواح  في القانون اللبنانيّ

 القسم الخامس:  أكاذيب تكشفها حقائق

 بقلم:  المحامي فارس زعتر

 

 الفصل الأوّل:  مناجاة الأرواح  في القانون اللبنانيّ

 

 وفي قضيّة الدكتور داهش 

نشرت جريدة المختصر الصادرة في بونس ايرس ( عاصمة الأرجنتين ) في عددها الثالث عشر ، تشرين الثاني 1946 ، عدّة فقرات من لائحة سبق لممثّلي الدكتور داهش القانونيّين ، ادوار نون وفؤاد رزق ، أن قدّماها الى مجلس شورى الدولة بتاريخ 16 شباط 1945 ، في اطار المراجعة التي رفعاها اليه طعنا برسوم اخراج الدكتور داهش من لبنان رقم 1842 ، بتاريخ 8/9/1944. والفقرات التي اقتطفتها المختصر من اللائحة المذكورة تتعلّق بمسألة” مناجاة الأرواح “، وقد أتى المحاميان نون ورزق على بحثها في لائحتهما المسهبة تلك بطريق الاستطراد وعلى سبيل الافاضة ، بعد أن بيّنا بمنطقهما القانونيّ السّديد لاقانونيّة الاجراءات التي تمّت بها عمليّة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته واخراجه من لبنان وبطلانها جملة وتفصيلا . وقد تناول روجيه الخوري في كتابه (ص 187 وما يليها ) هذه الفقرات الضئيلة المجتزأة من تلك اللائحة القانونيّة الطويلة وعلّق عليها بطريقة تظهر تجنّيا مفضوحا وجهلا مخجلا مريعا لمسألة ” مناجاة الأرواح ” في قضيّة الدكتور داهش وفي القانون اللبنانيّ ، وكشف في ما كتبه عن ذهنيّة ما تزال تعيش في نطاق الأطر الفكريّة الرجعيّة الخاصّة بالقرون الوسطى ، فلا تفهم معنى الحريّة الفكريّة المكرّسة في القوانين الديمقراطيّة الحديثة لذلك توخيّنا في هذا الفصل وضع مسألة ” مناجاة الأرواح ” في قضيّة الدكتور داهش وفي القانون اللبنانيّ في اطارها الموضوعيّ الوقائعيّ الصحيح ، فتبيّن للرأي العامّ ، في ضوئها ، الشّطط والخلل والمستوى الشارعيّ المبتذل في ما كتبه روجيه الخوري حول هذا الموضوع .

  • لا بدّ لنا في مستهلّ هذا الفصل ، قبل الخوض في مسألة ” مناجاة الأرواح ” في القانون اللبنانيّ ومحاولة مناوئي الدكتور داهش استغلالها واستخدامها في قضيّته ، من اعلان موقف العقيدة الداهشيّة من هذا الموضوع بايجاز كلّيّ : انّ الداهشيّة لا تسلّم بوجود علم صحيح اسمه علم ” مناجاة الأرواح ” ،  ولا تعتقد بوجود أشخاص يتمتّعون بمزايا أو مواهب طبيعيّة تمكّنهم من اخضاع قوانين الطبيعة لارادتهم أو الاتّصال بالأرواح أو الاتيان بأعمال خارقة لقوانين الطبيعة المعروفة . فالظاهرات الروحيّة الخارقة لا تتمّ الاّ باذن وارادة الهيّين ، ولا تجريها الاّ قوّة روحيّة علويّة على يدي فرد من الناس تختاره المشيئة الالهيّة ليؤدّي رسالة روحيّة لأبناء البشر . وبالتالي ، فالأرواح ، بالمفهوم الداهشيّ ـ ليست من أمر الانسان ، ولا تخضع لارادته ، بل العكس تماما ، اذ هو من يخضع لسلطانها ويعمل ويتصرّف وفق ارشاداتها وتوجيهاتها ، لأنّها كائنات قديرة نقيّة الهيّة ، وهي تحيا في عوالم روحيّة أزليّة أبديّة لا يشوبها دنس ولا ضعف ولا تخالطها أيّة مادّة . لكنّ الناس يذهبون مذاهب شتّى في تفسير الظّاهرات الروحيّة الخارقة وتأويلها ، حتّى لو ثبت حدوثها بالبراهين والأدلّة القاطعة الحاسمة ، وذلك تبعا لميولهم ورغباتهم ومستوياتهم الروحيّة والفكريّة وتكوينهم النّفسيّ والخلقيّ والعقليّ والثّقافيّ ، وسوى ذلك من العوامل التي تدخل في بشكيل درجة صفاء الرؤية أو مدى نفاذ الادراك والوعي . والقاعدة العامّة التي لا يبدو أنّ لها استثناء في التاريخ المعروف هي أنّ جميع المصلحين ؛ بمن فيهم الأنبياء والمرسلون والهداة ، لاقوا مقاومات عنيفة ظالمة ، خصوصا في مطلع عهد دعوتهم ، ولم يسلم أيّ رسول أيّدته العناية الالهيّة باجتراح الخوارق والمعجزات من شتّى التّهم الحقيرة بما فيها تهم السّحر والشّعوذة والكفر . الاّ أنّ الغلبة في النهاية كانت دائما للحقيقة : ( فأمّا الزّبد فيذهب جفاء ، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ( سورة الرعد :17 ) .
  • حاول مناوئو الدكتور داهش ، أوّل الأمر ، النيل منه ومنعه من اجراء ظاهراته الرّوحيّة الخارقة بوسائل ، منها تحريك النيابة العامّة للأمر بتحقيقات سريّة توصّلا لمعرفة هل الدكتور داهش يقوم بما يخالف القانون وخصوصا القانون الصادر في 9 أيّار 1939 (1) المتعلّق بنع امتهان التنجيم وقراءة الكفّ ومناجاة الأرواح والتنويم المغنطيسيّ وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب . هذا القانون الخاصّ المؤلّف من مادّتين ينص على ما يلي :                           

                                          

                                       قانون

 يمنع امتهان التنجيم ومناجاة الأرواح وقراءة الكفّ وقراءة ورق اللعب والتنويم المغناطيسيّ أقرّ مجلس النوّاب ،

ونشر رئيس الجمهوريّة القانون الآتي نصّه :

المادّة الأولى : يمنع في أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة امتهان التنجيم ومناجاة الأرواح وقراءة الكفّ  وقراءة ورق اللعب والتنويم المغناطيسيّ وجميع المهن التي لها علاقة بعلم الغيب على اختلاف أسمائها والوسائل المستخدمة فيها .

المادّة الثانية : كلّ مخالفة لهذا القانون يعاقب مرتكبها بالحبس من أسبوع الى ستّة أشهر وبجزاء مقداره مائتا ليرة لبنانيّة سوريّة أو باحدى هاتين العقوبتين .

 

 

 

                                                                     بيروت في 9 أيّار

                                                                 سنة 1939 الامضاء:

                                                                      اميل ادّه

                                                       صدر عن رئيس الجمهوريّ

 

 

3- وتجدر الاشارة في هذا المجال الى ما يأتي :

أوّلا : انّ نطاق تطبيق قانون 9 أيّار 1939 واسع جدّا . فهو لا يقتصر على أعمال معيّنة فيه بشكل محدّد ، بل يشمل أيضا ، عملا بصريح نصّه ، ” جميع المهن التي لها علاقة بعلم الغيب على اختلاف أسمائها والوسائل المستخدمة فيها “. يضاف الى ذلك أنّ تعبير ” مناجاة الأرواح ” ، وان كان يتعلّق بما كان شائعا في القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين خصوصا في الغرب ، من زعم أناس – أطلق عليهم اسم “الوسطاء الروحيّين “- أنهم يستطيعون الاتّصال بالأرواح في ” جلسات روحيّة ” مزعومة كانوا يعقدونها ، فانّه تعبير واسع يمكن استخدامه ليشمل أيّ اتّصال بالعالم الروحيّ  الخفيّ المجهول وأيّة ظاهرة روحيّة خارقة ، لأنّ الظواهر الخارقة – أي المعجزات – لا تتمّ الاّ يتدخّل روحيّ وعبر اتّصال روحيّ الهيّ ؛ وفي نهاية المطاف ليس الأنبياء والمرسلون والهداة الروحيّون الاّ وسطاء – بمعنى الواسطة والوسيلة – بين العالم الروحيّ العلويّ وعالمنا 2 .

اذ بواسطتهم ومن خلالهم تبلغ العناية الالهيّة كلماتها ورسالاتها لأبناء البشر . ولكنّ مفهوم هذه الواسطة أو الوساطة الروحيّة هو مفهوم دينيّ يختلف اختلافا جذريّا بيّنا عن مفهوم “الوساطة الروحيّة ” في ما هو متعارف عليه في مذاهب ” مناجاة الأرواح ” المعروفة .

ثانيا : انّ القانون اللبنانيّ ، قانون 9 أيّار 1939 أو المادّة 768 من قانون العقوبات على حدّ سواء ، لا يمنع تعاطي ” مناجاة الأرواح ” أو كلّ ما له علاقة بعلم الغيب أو سوى ذلك من الأعمال المذكورة رغم أنّها من أعمال الشعوذة والدّجل المعروفة ، بل يمنع فقط “امتهان ” هذه الأعمال ، أي تعاطيها بقصد الرّبح ( لقاء بدل ) .

4-انّ الظاهرات الداهشيّة الروحيّة الخارقة لا تدخل في عداد الأعمال المنصوص عليها في قانون 9 أيّار 1939 ، 3

لأنّ القوّة التي تجريها هي قوّة روحيّة علويّة مستمدّة من الخالق عزّ وجلّ ،4

والغاية التي ترمي اليها هي غاية سامية تهدف الى اعادة الايمان النقيّ بالله تعالى الى النفوس ، وبما بشّر به الأنبياء والمرسلون جميعا . لكنّ الذين لا يستطيعون أو يرفضون الاقرار بالمصدر الروحيّ الالهيّ لهذه الظاهرات الخارقة ، وخصوصا اذا كانوا من مناوئي الدكتور داهش ، قد لا يرون حرجا على الاطلاق ، من خلال منظورهم الخاصّ ، في تصنيف هذه الظاهرات الروحيّة الداهشيّة الخارقة في عداد الأعمال المنصوص عليها في قانون 9 أيّار 1939 ، وفي ادخالها ضمن نطاق “مناجاة الأرواح ” المزعومة مثلا أو ضمن نطاق الأعمال التي ” لها علاقة بعلم الغيب “.

  • نجح مناوئو الدكتور داهش ، وبينهم ميشال شيحا وهنري فرعون والشيخ بشاره الخوري ، في المرحلة السابقة لانتخاب هذا الأخير رئيسا للجمهوريّة اللبنانيّة بتاريخ 21 أيلول من عام 1943 ، وهم على ما هم عليه من مكانة ماليّة واجتماعيّة وسياسيّة – نجحوا ، عن طريق استعمال نفوذهم في ظلّ حملة صحافيّة جانية ، في حمل المسؤولين على تحريك النيابة العامّة التي أمرت بفتح تحقيقات سريّة بحقّ الدكتور داهش الغاية منها التّحقّق ممّا يقوم به وهل يقع تحت قبضة القوانين الجزائيّة ، وخصوصا هل كانت أعماله مخالفة لقانون 9 أيّار 1939 . وأجريت التحقيقات التي شملت مراقبة منزل الدكتور داهش بصورة سريّة . ولكنّ نتائج جميع هذه التحقيقات المتعاقبة جائت سلبيّة لتؤكّد أنّ الدكتور داهش لم يأت عملا يؤاخذ عليه قانونا . ونكتفي في هذا المجال بعرض نصّ تقرير رفعه مفوّض الأمن ، فاضل عازوري، الى النيابة العامّة المركزيّة في بيروت بتاريخ 3/12/1942 :

الجمهوريّة اللبنانيّة

عدد 7/303

سرّي – الخلاصة

طالب التحقيق : الحقّ العامّ

المحقّق معه : سليم العشّي المعروف بداهش بك .

الشّهود : الأستاذ حليم موسى ابراهيم دمّوس ، الدكتور توفيق ابراهيم رزق ،والأستاذ قيصر يوسف الجميّل ، والسيّد رشيد الزيلع ، الأستاذ سعيد أمين فريحه ، الأستاذ روبير جان أبيلا .

القضيّة : التحقيق لمعرفة اذا كان المحقّق معه يتعاطى مهنة التنويم المغناطيسيّ سببا لمعيشته مخالفة قانون 9/5/1939 .

بتاريخ 1/6/42 تحت رقم 1596 وردنا مذكّرة سريّة من جانب النيابة العامّة المركزيّة تقضي باجراء تحقيق سريّ لمعرفة فيما اذا كان المدعو داهش بك يمتهن التنويم المغناطيسيّ ومناجاة الأرواح مهنة لكسب المال وللمعيشة .

أجرينا التحقيق وقتها واستجوبنا الثلاثة الشهود الأولين ، فثبت من افادتهم ومن تقرير الشّرطيّ الذي كلّف بمراقبة منزل داهش أنّ داهشا لم يتّخذ المهنة المحكيّ عنها سببا لمعيشته وأنّه بحالة ماليّة حسنة يستطيع معها تأمين معيشته وأودع التحقيق مرجعه .

ثمّ بتاريخ 31/10/42 وبذات الرقم أعيدت الينا الأوراق لمتابعة التحقيق اثر حملة صحفيّة أثيرت ضدّ المشكوّ منه واستماع مدراء هذه الجرائد .

استمعنا مندوبي الجرائد ” الدبّور ” و”الحديث ” و”البشير “، فكانت نتيجة افادة مندوبي “الدبّور ” و”الحديث” أنّهما نقلا المقالة عن جريدة ” البشير ” وأنّهما لا معلومات شخصيّة لديهما بحقّ داهش ، انّما قالا اذا كان ما نسب اليه واقعيّا يجب ملاحقته عدليّا خدمة للحقيقة . أمّا السيّد أبيلا فصرّح أنّه علم من الأستاذ دمّوس أنّه يبشّر بداهش كنبيّ ملهم وكشخص روحانيّ يأتي العجائب ، وخوفا على قادة الشعب ومنوّريه الذين ابتدأوا يؤمنون بداهش ، أثار تلك الحملة عليه لايقافه مع من انضمّوا اليه من الأدباء عند حدّه محافظة على الكرامة اللبنانيّة ، وأنّه لا معلومات لديه لجهله تعاطي داهش المهنة لاكتساب العيش ولم يراجعه أحد بذلك .كما واننا كلّفنا اثنين من المأمورين للمراقبة والبحث ، فجاءت أبحاثهما سلبا كما تبيّن من الظبط المقدّم ربطا بهذه التحقيقات المقدّمة لحضرة مدّعي عامّ بيروت المحترم

3/12/942                                          مصلحة الأخلاق

                                                  الامضاء :فاضل عازوري

وتجدر الاشارة هنا أنّ تصريح مدير جريدة البشير اليسوعيّة المذكور في تقرير مفوّض الأمن عازوري يدلّ بوضوح على أنّ سبب الحملة التي كان الدكتور داهش يتعرّض لها هو عقائديّ ، وأنّ هدفها قمع العقيدة الداهشيّة ومنع توسّع دائرة المؤمنين بها . ونشير في هذا السياق أيضا ، الى أنّ التحقيقات التي أمرت بها النيابة العامّة بضغط  ممّن كان يقف وراء الحملات على الدكتور داهش تصبّ في الغاية القمعيّة ذاتها . فلم يكن هناك مبرّر موضوعيّ مشروع لهذه التحقيقات ؛ اذ من جهة ، لم يكن هناك مدّع شخصيّ ، ومن جهة أخرى لم يكن هناك واقعة محدّدة تشكّل جرما جزائيّا ويجري التحقيق بشأنها توصّلا لتعيّين الفاعل وتحديد مسؤوليّته . بل انّ هذه التحقيقات لم تنبعث عن جرم معيّن مقترف توصّلا الى معاقبة المسؤول عنه ، ولكنّها كانت تهدف الى التوصّل الى معرفة هل الدكتور داهش قد أتى عملا مخالفا للقانون الجزائيّ حتّى يصار الى ملاحقته على أساسه بناء على ما يمكن أن يحتمل اكتشافه من عمل مخلّ بالقانون . وبالتالي فالتحقيقات حرّكها افتراض وجود مخالفات للقانون الجزائيّ في أعمال مواطن اسمه داهش بدل الاستناد الى أدلّة ماديّة تجعل من حصول الجرم الجزائيّ أمرا محتملا .

6- ما كاد الشيخ بشارة الخوري يتسلّم زمام مسؤوليّته ، في اثر انتخابه رئيسا للجمهوريّة في 21 أيلول 1943 ، حتّى أعاد فتح ملفّ الدكتور داهش والتحقيقات بحقّه . وبتاريخ 12 تشرين الأوّل 1943 ، وكان لم يمض على انتخابه أكثر من واحد وعشرين يوما ، أرسلت له السيّدة ماري حدّاد – وهي شقيقة زوجته لور- رسالة احتجاجيّة على التحقيقات السريّة ، تدعوه فيها الى وضع حدّ لها بولوج المحاكم المشرعة الأبواب اذا كان له على الدكتور داهش أيّ لوم ، وتذكّره بالحريّة الدينيّة التي يكفلها الدستور وبمسؤوليّته في ظلّه . ونقتطف من تلك الرسالة التاريخيّة ما يلي :  

” فانّ حريّة الدّين وحريّة نشره حقّان معترف بهما في الدستور اللبنانيّ الذي تخضعون ونخضع نحن له , فها انّ السنيّ والبروتستنتيّ والشيعيّ والكاثوليكيّ والدرزيّ والأرثوذكسيّ وسواهم يعيشون في هذه البلاد ، ولم يخطر على بال أيّ رئيس حكومة أن يضطهد أيّا منهم لأنّهم لا ينتمون لعقيدته الدينيّة . وها انّ الدعاية البروتستنتنيّة منتشرة في طول البلاد وعرضها ، ولم يجرؤ أيّ من رؤساء الحكومة اللبنانيّة الكاثوليكيّة على منعها ، اذ انّ هؤلاء الرؤساء يعرفون أنّ هذا التعديّ يكون اهانة لبلادهم وصفعة في وجه القانون .

وانّ الداهشيّة ستعيش وتنمو في لبنان وخارج لبنان رغم جميع المحاولات لقمعها والوقوف دون انتشارها . فيجب أن تعلموا !

واذا كانت يد الأقدار قد أجلستكم على كرسيّ الرئاسة لوقت معيّن ، فاعلموا أنّه من الخطأ الظنّ أنّ الرئاسة أعطيت لكم لتتصرّفوا كما تشاؤون لسدّ الضغينة التي في قلبكم ضدّ الدكتور داهش . فانّ الدستور يحمي المعتقدات ، ونحن من الذين يجاهرون بفاعليّة القانون ، ويطالبون بتطبيقه بالحرف الواحد .

فانّ للدكتور داهش ولأتباعه ، من أفراد وجماعات ذوي مكانة اجتماعيّة ، هدفا دينيّا نبيلا هم أحرار في اعتناقه ونشره ، وليس لأحد سلطة عليهم البتّة ما داموا سائرين في دائرة الحقّ والعدل ، وما دام القانون يضمن حريّة المعتقدات والأديان اليوم وغدا والى ما شاء الله .

فكفى استجوابات سريّة ومحاولات فاشلة . فانّ كان لكم على الدكتور داهش أيّ لوم ، فها انّ المحاكم مفتوحة ، والقانون صريح ، والحقوق مصونة ، ولا داعي للاستجوابات الغافلة بين الجدران الصامتة .” 6

 

7-التحقيقات الجديدة تولاّها مدير البوليس العدليّ ، ادوار أبو جوده ، بنفسه ، ورغم أنّ غايتها لم تكن مختلفة عن غاية سابقاتها الاّ أنّها كانت أكثر اتّساعا ، وكادت تتناول حياة الدكتور داهش ونشاطاته بجونبها كافّة . ولكنّ نتيجتها ، مع ذلك ، لم تأت مختلفة عن النتيجة التي اقترنت بها التحقيقات السابقة . وبالتالي فهي لم تؤدّ الى ما كان يأمل ويتمنّى محرّكوها أن يحصدوه  منها . ونكتفي ، فيما يلي ، بعرض نصّ الافادة التاريخيّة التي أعطتها السيّدة ماري حدّاد ردّا على أسئلة مدير البوليس العدليّ ، ادوار أبو جودة :

 

 

                                 افادة الأديبة والفنّانة السيّدة ماري حدّاد

سمعت الناس يتحدّثون عن الدكتور داهش وعن معجزاته ؛ وسمعت ذلك من أشخاص يستحقّون كلّ الثّقة ، فذهبنا لزيارته .

وكنت أؤمن ، وفي الوقت نفسه كنت على حذر وشكّ :

كنت أؤمن ، لأنّ كلّ شيء في الحياة معجزة ، اذا فكّرنا قليلا بالحبّة التي تنمو في الأرض ، وبالكهرباء ، وبالاختراعات العلميّة ، وبالولادة ، والحياة ، والموت ، ما شاكل .

وكنت على حذر وشكّ ، لأنّ الحذر والشكّ وفكرة افتراض الشرّ قبل الخير هي نتيجة ضروريّة للاختبار ؛ ولا سيّما في هذا العصر الذي نجد فيه المال هو سيّد العالم ، حتّى انّ أدنى وأخسّ انسان غنيّ يكون محترما من الجميع …فهل هناك شخص فوق المال ، وفوق الوجاهة ، وفوق المقامات العالية ؟..

كلاّ لم أعرف أحدا كهذا .

انّ الوجهة الروحيّة في الحياة والاتّجاهات العالية نحو المثل العليا يظهر أنّ وجودها ضئيل جدّا . وكذلك وجود الأشخاص الذين عندهم الفكر العاقل الكامل .

ولكنّني وجدت نفسي أمام حادث فريد وغريب في بابه :

انّ الدكتور داهش الذي تسألونني عنه هو أعجوبة هذا العصر ؛ لأنّه يضع كلّ شيء في مكانه ، ويعطي كلّ شيء قيمته الحقيقيّة .

وهذا أمر غير منتظر ، ولم يسمع بمثله ، ولا يصدّق ؛ ولكنّه صحيح وواقعيّ .

هو يرتكز على انجيل السيّد المسيح ، له المجد ، هو الشخصيّة العليا لهذا الانجيل .

كنّا نعرف هذا الكتاب المقدّس ، ونعتبره عملا الهيّا عبقريّا نعجب به . ولكن معرفتنا ايّاه غير كافية لتجعل حياتنا مطبّقة عليه تماما .

اذا نحن مطمئنّون الى أنّ الدكتور داهش هو رجل الانجيل .

وبعد ذلك وجدنا أنفسنا فجأة أمام قوّة فوق الطبيعة ، لأنّنا شاهدنا ، ثانية ، عودة المعجزات الانجيليّة .

فالماء يتحوّل الى خمر كما في قانا الجليل – وهي أّول معجزة للسيّد المسيح –وعندها آمن به الجميع . ثمّ تكثير الخبز والسّمك . وكذلك عاينّا مضاعفة أشياء أمامنا .

وشاهدنا أيضا شفاء أمراض وتحقيق نبوءات . وهنا لا شيء يكون يخبّأ ؛ فلا الفكر ولا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل .

ولا توجد أيضا مسافات ، ولا صناديق حديديّة مقفلة .

وشاهدنا أيضا كيف تنزل العقوبات بالذين يتهجّمون أن يعتدون على الدكتور داهش .

وشاهدناه يأمر عناصر الموت والحياة ، فتطيعه في الحال .

وعرفنا الدكتور داهش كيف يتكلّم .

وعرفناه بكتاباته ، بتأليفه ، وبمعجزاته ، وبصلاته مع الناس ، فهو عندما يتكلّم فليس من حجّة ، مهما كانت بليغة وقويّة ، تقف أمام حجّته .

لقد شاهدناه بين كبار الرجال ، والكتبة والصّحافيّين ، وجماعات من ذوي الثّقافة العالية ؛ فكانوا كلّهم معجبين به ، حتّى انّهم يصبحون بتفكيرهم أمامه صغارا .

وكانوا كلّهم يطلبون منه ارشادات وتعاليم ؛ فكان يعطيهم ايّاها ببساطة كاملة ووداعة متناهية .

هو أكمل تعبير للعبقريّة من حيث وجهة نظره ، ونبل فكره وصفاته .

هو أيضا الشخص الحقيقيّ لاستعمال الأشياء العمليّة الراهنة التي يمكن وجودها ؛ لأنّه يعلمنا ويتركنا نقدّر الأشياء وحدها كما تستحقّ ، تلك الأشياء الأزليّة وليس الأشياء الفانية …

أمّا تعاليمه فيتركنا نلمس بها حقيقة الروح ، ويفتح لنا نافذة واسعة على العالم الثاني الذي لم يتمكّن أحد من اختراقه واجتيازه حتّى الآن .

واذا كنّا آمنّا به ، فلانّنا وجدنا بارهين ملموسة لا تنكر عن رسالته الروحيّة . والا فلماذا لم نكتف بالكهنة والأحبار الذين ينتسبون الى الانجيل ؟

لكنّ هذا الستار ، ولو كان جميلا جدّا ، فانّه لا يمكنه تغطية أكاذيبهم وأعمالهم التي تضرّ بالعقيدة أكثر ممّا تنفع .

فقد تعوّد الناس المعاملات والدفع في المسائل الدينيّة …

فالكنيسة – وخصوصا كنيسة روما – كلّ شيء عندها يدفع ثمنه : كالغفرانات ، والألقاب ،  والتحليلات ، وما شاكل …

ولذلك فكلّ حذر يزول ، وكلّ شكّ يسقط من تلقاء نفسه عندما تتعرّف الى شخصيّة الدكتور داهش . ونجد أنفسنا مخجولين من الأفكار الدنيئة التي تساورنا

انّ الدكتور داهش هو معجزة هذا العصر . ومنذ السيّد المسيح لم يوجد تجسّد انسانيّ بهذه العظمة .

انّ الدكتور داهش قضى بضعة أشهر فقط من حياته في مدارس بسيطة وصغيرة ، وذلك في غزير وصيدا ؛ ولم يتلقّ العلوم . وهو يقول عن نفسه :” أنا ابن الحياة “.

أمّا مؤلّفاته فتناهز التسعين ؛ 7

وستكون بناء عظيما لشرح شخصيّته ؛ وكلّها كتبت بسرعة لا تصدّق . وأنا شاهدته مرارا في ساعات الهامه وكأنّ القلم بين يديه يطير على الورق !

وقد شاهدنا حياته اليوميّة ( ونحن كثيرون نشهد بذلك ) .

وقد عاشرناه ودرسناه ، واطّلعنا على كلّ شيء يخصّه ، منذ ساعة ولادته الى اليوم .

أمّا المعجزات فكانت دائما تحتاطه . وكلّ ما له علاقة به مدوّن من عامه الثاني عشر ؛ حتّى انّ كلّ دقيقة من حياته مكتوبة يوما بعد يوم .

أمّا نتائج تعاليمه ، فليس فيها ظلّ من الشكّ ؛ بل كلّها حقائق واطمئنان وثقة بكلّ ما ينتظرنا بعد الموت . انّنا بتعاليمه نترفّع عن الصغائر . والأشياء التي كان لها قبلا في نظرنا أهميّة ، أصبح لا أهميّة لها على الاطلاق .

وليس هناك من هموم تساورنا ، بل حياة سعيدة وكفى .

هذه هي المدرسة الوحيدة التي توحي الينا أشياء عظيمة في مختلف العلوم : كتاريخ الأرض وعلم الفلك والنجوم ، والطبّ وأسباب الأمراض وكيفيّة شفائها ، وأسرار الولادة والموت والخلود ، وأشياء أخرى لم نكن نعرف عنها شيئا . ولكن ساعة نشر هذه الأمور لم تأت بعد …ولو كان عندنا حكومة حكيمة متنوّرة لأدركت أن شخصيّة الدكتور داهش ينابيع لا تنضب ولا تثمّن . ولكان بامكانها الاستفادة منه قبل أن تسبقها الشعوب التي ترغب في تجديد قواها بمثل هذه القوّة العجيبة التي لا يمكن العاقل أن يشكّ فيها . انّها قوّة ينحني أمامها كلّ شيء بدون استثناء لأنّها قوّة الله .

أنا لا أشفق على الذين يحاربون الدكتور داهش ، ولكنّي أشفق على أولئك المتحايدين الذين لا يتدخّلون لدرس هذه القوّة الخارقة .

لكن ليس من كرامة لنبيّ في وطنه ، ونحن سنكذّب يوما هذا المثل

وهنا تسألونني وكيف يعيش الدكتور داهش

فالجواب : انّني شاهدت عنده من الدراهم أكداسا مكدّسة . ولا يوجد عند بنك ما يوجد عنده من المال .

وقد شاهدته يعطي الفقراء بدون حساب ولكنّه لنفسه بكلّ دقّة يعمل الحساب .

فعسى أن يرى الناس هذه القوّة العجيبة التي ستبدّد أنوارها ظلمات الجهل من سماء بلادي . 8

                                            

 

                                                            بيروت

                                                       23 شباط 1944 

 

                                                           ماري حدّاد 

 

 

 

افادة السيّدة ماري حدّاد أوضحت بجلاء كلّيّ حقيقة الظاهرات الداهشيّة الروحيّة الخارقة ، وماهيّة القوّة الروحيّة التي تجريها ، ومصدرها العلويّ الالهيّ ، وغايتها السامية ، وأنّ القضيّة رسالة روحيّة ومعتقد ومدرسة فكريّة اصلاحيّة جديدة ، وأنّها أرفع كثيرا وأبعد ما تكون عن تفاهة وسخافة ما كان مناوئو الدكتور داهش يأملون تحقيقه عن طريق التحقيقات المزعومة .

 

8-أدرك رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري والمتحالفون معه في هذه القضيّة أنّ التحقيقات التي كانوا وراءها والتي شارفت منتهاها مصيرها كمصير سابقاتها ، وأنّها أدّت الى عكس النتيجة التي كانوا يأملونها ويرجونها ،  كما أدركوا أنّه لا يمكن النيل من الدكتور داهش بواسطة الاجراءات القانونيّة أو القضائيّة ، مهما أسيء الى استعمالها ، في حالة التشريع اللبنانيّ الساري والأنظمة المشروعة النافذة .  وبما أنّ غايتهم لم تكن أبدا دراسة الظاهرة الروحيّة الداهشيّة ، ولا تفهم حقيقتها ، ولا احترام حريّة الناس وحقّهم المشروع بدراستها والتّعرّف عليها ، أو حريّة الدكتور داهش وحقّه في الفكر والعقيدة والتعبير ، بل كانت غايتهم منع الظاهرة الروحيّة الداهشيّة وقمع انتشارها تحت ستار شرعيّ ؛ لذلك ، بعد أن تأكّد لهم أنّه من المستحيل امكان التوصّل الى تجريم الدكتور داهش في ظلّ التشريع السائد المعمول به ، عمدوا الى اقتراح مشروع قانون يعدّل أحكام قانون 9 أيّا ر 1939 ، ويستبدل بها أحكاما تجعل الأعمال المنصوص عليها فيه محظّرة تحظيرا مطلقا مهما كانت الغاية من اجرائها ، سواء أكانت” ببدل” أو بغير” بدل “. وقد أحال رئيس الجمهوريّة ، بشارة الخوري ،  مشروع القانون الذي أقرّه مجلس الوزراء الى المجلس النيابيّ بموجب المرسوم رقم 790 تاريخ 1/3/1944، وعرض على لجنة العدليّة لدراسته واقراره قبل عرضه على المجلس النيابيّ في جلسة علنيّة . وفيما يلي نصّ مشروع القانون المذكور المؤلّف من ثلاث مواد :

المادّة الأولى – يمنع في أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة امتهان التنجيم ومناجاة الأرواح وقراءة الكفّ وقراءة ورق اللعب والتنويم المغناطيسيّ وجميع المهن التي لها علاقة بعلم الغيب على اختلاف أسمائها سواء كان هذا الامتهان ببدل أو بدون بدل .

المادّة الثانية – كلّ مخالفة لهذا القانون يعاقب مرتكبها بالحبس من شهر الى ثلاث سنوات ، وبجزاء نقديّ من مئتي ليرة أو باحدى هاتين العقوبتين .

اذا رافق هذا الامتهان أعمال تمسّ بالآداب والأخلاق ، فلا يمكن أن يكون الحدّ الأدنى أقلّ من سنة حبس ، هذا فضلا عن العقوبة المنصوص عنها في قانون الجزاء لمثل هذه الأعمال .

المادّة الثالثة – ألغيت جميع الأحكام المخالفة لهذا القانون والتي لا تتّفق مع مضمونه ، وبصورة خاصّة القانون الصادر في 9 أيّار 1939 .

 

9-لم يكن القصد الحقيقيّ من وراء مشروع القانون هذا سرّا خفيّا على أحد ، بل كان معلوما لدى الجميع ، داهشيّين وغير داهشيّين 9، أنّه يستهدف الدكتور داهش بعد أن أثبتت التحقيقات المتعاقبة أنّه لا يبتغي ربحا ولا يتقاضى بدلا من اجرائه لأعماله الروحيّة الخارقة ، وبالتالي فقد كان مستحيلا اتّهامه أو توقيفه أو محاكمته أو الحكم عليه أو منعه من اجراء ظاهراته الخارقة في ظلّ قانون 9 أيّار 1939. ولذلك فقد وسّع مشروع القانون الجديد نطاق المنع وجعله عامّا مطلقا بنصه على منع تعاطي ” مناجاة الأرواح ” وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب والأعمال الأخرى المعيّنة فيه سواء كان تعاطيها ” ببدل او بدون بدل ” مثلما جاء حرفيّا في نصّه , إضافة الى تشديده العقوبة . والنتيجة العمليّة الوحيدة لمشروع القانون هذا , في حال أنّ المجلس النيابيّ وافق على اقراره , هو منع الظاهرة الروحيّة منعا تامّا مهما كانت الغاية التي تهدف اليها , حتّى لو أجريت لأشرف الأهداف وأسماها كالتنقيب العلميّ مثلا , أو الإصلاح الخلقيّ والروحيّ , أو إثبات الحقائق الروحيّة التي شغلت الفلاسفة والحكماء والعلماء والمفكّرين منذ اقدم العصور , إذ يكفي أن تعتبر السلطة , أومتسلّم السلطة , أو الموظف صاحب الصلاحيّة , أنّ الظواهر الروحيّة الخارقة التي تتّم على يديّ الدكتور داهش مثلا تدخل في نطاق “مناجاة الأرواح ” أو في نطاق الأعمال التي “لها علاقة بعلم الغيب ” – وفق فهم المسؤول لهما أو تبعا لما يريد أن يفهمهما – لكي يلقي القبض عليه بتهمة ارتكاب جرم تعاطي هذه الأعمال مهما كانت الغاية من تعاطيها .

فضلا عن ذلك , وعلى سبيل المثال , لو أفترضنا جدلا ان مشروع القانون المذكور الذي أحاله الرئس بشارة الخوري إلى مجلس النواب بموجب المرسوم 790|44 كان قانونا ساريا ومعمولا به زمن السيّد المسيح , فهل كان هيرودس ومن وراء هيرديا وأرهاط رجال الدين اليهوديّ المناوئين للسيّد المسيح , والمعميّين بالمحافظة على سلطاتهم والمتقوقعين في تعصبّهم والمحمومين بعدائيتهم لابن السماء , المصلح العظيم , والذين لم يتردّدوا عن اتهامه بالسحر وبأنّه بروح رئيس الشياطين يخرج الشياطين , وبمعاشرة الزناة والخطأة ، وبمخالفة وصايا موسى النبيّ والتجديف والكفر – هل كانوا يتردّدون لحظة واحدة عن اتّهام السيّد المسيح ،  إضافة الى اتّهاماتهم الأخرى ، بجرم مخالفة القانون الذي يمنع مناجاة الأرواح وكلّ مل له علاقة بعلم الغيب ، واعتبار ظاهراته الروحيّة الخارقة امّا من قبيل مناجاة الأرواح أو من قبيل الأعمال التي لها علاقة بعلم الغيب ؟ فلو كانوا يؤمنون بأنّ مصدر معجزاته وعجائبه قوّة روحيّة علويّة مستمدّة من الله عزّ وجل لما اضطّهدوه ، ولما عذّبوه وحكموا عليه بعقوبة الاعدام صلبا كمجرم مع المجرمين . فيا للعار ويا للمهزلة !

من جهة أخرى ، بالاضافة الى أنّ مشروع القانون هذا مخالف لمبادىء أساسيّة في الدّول الدستوريّة الديمقراطيّة تتعلّق بالحريّة الشخصيّة وحريّة الفكر والاعتقاد وحريّة البحث والتنقيب العلميّين في جميع المجالات بما فيها المجال الروحيّ ، كما هو مخالف لمبدأ افتراض حسن النيّة في الأعمال حتّى اثبات العكس ممّن يدّعيه ، فانّ اللجوء الى سن قانون ليكون أداة لمعاقبة فرد معيّن وللانتقام منه يعتبر من أبشع صور الطّغيان والديكتاتوريّة المقيتة المخالفة لروح التشريع والغاية منه . 10

10- رافقت احالة مشروع القانون الى المجلس النيابيّ تحريك حملة صحافيّة جانية من الافتراءات والأكاذيب بحقّ الدكتور داهش غايتها خلق حاجة مصطنعة لاقرار المشروع والضغط على النوّاب للقيام بذلك . 11

وبالمقابل ، قامت جماعة من أصدقاء الدكتور داهش ومحبّيه بتقديم عريضة احتجاجيّة الى المجلس النيابيّ ضدّ المشروع المذكور محذّرين فيها من اعتماده بسبب مخالفته أبسط المبادىء الديمقراطيّة في حريّة البحث والفكر والاعتقاد ، ولأنّه لا يستهدف الاّ فردا واحدا هو الدكتور داهش . وجرى توزيع هذا الاعتراض على النوّاب . 12

وقد أحدث مشروع القانون ضجّة في صفوف النوّاب ، فقام رئيس المجلس النيابيّ آنذاك السيّد صبري حماده ، يرافقه النائب أديب الفرزلي ، بزيارة الدكتور داهش في 23 آذار 1944 ، وكانت دارته تغصّ بجمهور من الشخصيّات والنوّاب الآخرين . وفي تلك الزيارة شاهد المجتمعون ظاهرات روحيّة خارقة لقوانين الطبيعة . 13

ورغم الضغوط الشديدة التي لا بدّ من أن يكون مقدّمو مشروع القانون قد مارسوها على النوّاب ، فانّ هؤلاء امتنعوا عن مماشاتهم لأنّ لا منطقيّة المشروع الصارخة وهدفه المفضوح يجعلان من اقراره فضيحة ومن الموافقين عليه أضحوكة . وربّما كان الانتقاد العنيف الذي وجّهه اليه النائب جبرائيل المرّ معبّرا عن الجوّ العامّ لدى النوّاب ،  اذ قال : ” انّ قانون منع قراءة الأفكار ومناجاة الأرواح وقراءة الكفّ والتنويم المغناطيسيّ مشروع سخيف لا يمكن اقراره ، اذ ليس المجلس النيابيّ ولا القوّات البشريّة يمكنها أن تقف أمام العلم وأمام تطوّره الروحانيّ “. 14

وبالنتيجة ، لم يخرج مشروع القانون من دائرة لجنة العدليّة ، بل ظلّ عالقا فيها عدّة أشهر ، الأمر الذي اضطرّ الحكومة أخيرا الى سجنه . وبذلك ، حصد الرئيس بشاره الخوري والمتحالفون معه في هذه القضيّة خيبة مريرة ، وأصيبوا بهزيمة لم يكونوا يتوقّعونها .

  • يمثّل اقتراح مشروع القانون المعروض أعلاه المحاولة القصوى التي لجأ اليها خصوم الدكتور داهش في مخطّط منع الظّاهرة الروحيّة الداهشيّة الخارقة من خلال تسخير القانون واستخدامه أداة قمعيّة لمآربها وغاياتهم الشخصيّة . فمشروع القانون هذا هو مرآة تعكس بوضوح كلّيّ نيّاتهم ومقاصدهم وتعرّيها تعرية تامّة . وبفشل هذه المحاولة لم يبق أمامهم ، تحقيقا لما لم يستطيعوا تحقيقه تحت ستار التغطية القانونيّة مهما كانت واهية ، الاّ ولوج الطّرق غير المشروعة بشكل سافر حتّى لو كانت التغطية لها غير مشروعة بحدّ ذاتها ولا تستند حتّى ظاهريّا الى أيّ قانون . وكان منهم ، في تلك المرحلة من القضيّة ، من لم يتورّع عن الدعوة الصريحة ـ على صفحات الجرائد ، الى خرق القانون ومخالفته اذا كان ذلك ضروريّا للنيّل من الدكتور داهش . فهل هناك احتقار أكبر للدستور والقانون ولارادة الشعب اللبنانيّ ولجميع القيم الديمقراطيّة من تلك الدعوة التي تظلّ في مطلق الأحوال أقلّ خطورة من أعمال المسؤولين الذين تصرّفوا وفقا لها ؟ فتمّ ما تمّ من اعتداء على الدكتور داهش واعتقال تعسّفيّ له ، وهو الضحيّة ، بينما ترك الجناة أحرارا ، ثمّ جرّد سرّا من جنسيّته اللبنانيّة وشرّد بوسائل مخالفة للدستور وللقوانين والأعراف الداخليّة والدّوليّة ولأبسط المبادىء الانسانيّة والقانونيّة بل حتّى لمبادىء العدالة الطبيعيّة البديهيّة ، وبوحشيّة لم يسبق لها مثيل ، على ما سنوضحه في الفصل التالي .
  • في دعوى الابطال لتجاوز حدّ السلطة التي قدّمها وكلاء الدكتور داهش القانونيّون الى مجلس شورى الدّولة اللبنانيّ بتاريخ 4 تشرين الثاني 1944 ضدّ الحكومة اللبنانيّة طعنا بمرسوم اخراجه من الأراضي اللبنانيّة ( المرسوم رقم 1842K تاريخ 8/9/1944 ) ، وجّه هؤلاء الوكلاء اتّهاما صريحا ومباشرا الى الحكومة اللبنانيّة مفاده أنّها عندما لم تنجح باستصدار القانون الذي فكّرت باستصداره [ وهو مشروع قانون منع مناجاة الأرواح الذي لم يكن المقصود منه سوى منع الدكتور داهش من اجراء ظاهراته الروحيّة الخارقة ] ، لجأت الى وسائل أخرى مخالفة للقانون للوصول الى هذه الغاية ، مثلما جاء حرفيّا في الصفحة الأولى من استدعاء الدّعوى . وبعد أن بيّن وكلاء الدكتور داهش أوجه اللامشروعيّة التي تعتور مرسوم الابعاد والكافية بحدّ ذاتها لابطاله ، مضوا على سبيل الاستطراد والافاضة في البحث الى التاكيد في الصفحة 5 من استدعاء الدعوى بأنّه : ” لا يمكن القول بأنّ وجود الدكتور داهش في الأراضي اللبنانيّة هو خطر على الأمن ما لم يرتكب جرما أو يكن ممّن اعتادوا الجرائم ويخشى أن يكرّروها . وفخامة رئيس الجمهوريّة لم يقل ، في مرسوم الابعاد ، انّ الدكتور داهش قد ارتكب جرما أو أنّه من المجرمين المخيفين ، ولكنّه قال ” انّ وجوده في الأراضي اللبنانيّة من شأنه احداث اضطراب واخلال في السّكينة العامّة ، دون بيان أيّ سبب كان يحمل على التسليم بصحّة هذا الزّعم . ولا يسع فخامة رئيس الجمهوريّة أو غيره أن يقول بأنّ الدكتور داهش قد اقترف جرما أو أتى حركة مخلّة بالنظام أو الآداب الاّ اذا اعتبرت مناجاة الأرواح جريمة أو عملا مخلاّ بالنظام أو الآداب ، وعوقب بالابعاد لأنّه وسيط روحانيّ يتّصل بالأرواح . وهذا ما لا يمكن التسليم به .
  • لم تستطع الحكومة اللبنانيّة أن تقول ، بواسطة ممثّلها القانونيّ في ردّها على هذا التحدّي الصّريح الوارد في الدّعوى المذكورة أعلاه ، انّ الدكتور داهش قد اقترف جرما ما أو أنّه أتى حركة مخلّة بالنظام أو الآداب ؛ وهذا كاف بحدّ ذاته لدحض جميع الافتراءات والتخرّصات المغرضة التي ملأ بها خصوم الدكتور داهش صفحات جرائدهم الصفراء . والغريب أنّ الحكومة اللبنانيّة اعترفت في ردّها ذاك بأنّ مبرّر ابعاد الدكتور داهش عن لبنان هو ممارسته لما تسميّه ” مناجاة الأرواح ” وبالتالي فغاية الابعاد لم تكن الاّ منعه من اجراء ظاهراته الروحيّة في الأراضي اللبنانيّة . والحكومة اللبنانيّ باعترافها هذا انّما تعترف بمخالفتها لأحكام قانون 9 أيّار 1939 المتعلّقة بمناجاة الأرواح وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب ، ذلك القانون الذي عجزت عن اتّهام الدكتور داهش بمخالفته ، كما تعترف في الآن نفسه بمخالفتها للمبدأ – القاعدة في النّظم الديمقراطيّة الحديثة الا وهو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات . فالحكومة اللبنانيّة بابعادها للدكتور داهش بحجّة ممارسته لما تسمّيه مناجاة الأرواح تكون قد أنزلت به عقوبة من دون محاكمة ومن أجل أعمال يبيحها القانون ولا يعاقب عليها الاّ اذا كانت غايتها الكسب المادّيّ ، وهو ما لم تستطع اتّهامه به أو تقديمه للمحاكمة من أجله . ولا يمكن اعتبار المرء مخلاّ بالنظام العامّ اذا كان يمارس حقوقه وحرّياته القانونيّة في حدود القانون وأحكامه . 15
  • هذه هي حقيقة مسألة مناجاة الأرواح في القانون اللبنانيّ وحقيقة الدوافع والأسباب لاثارتها في قضيّة الدكتور داهش .واذا كان محامو الدكتور داهش أو بعض أصدقائه ومريديه قد لجأوا الى تذكير الحكومة اللبنانيّة . بموقف الحكومات ، في الدّول الديمقراطيّة المتقدّمة ، من البحوث النفسيّة والروحيّة ، وباطلاقها الحريّة لها ، وبأنّ هناك علماء مرموقين اهتمّوا بالبحث في ميدان الشؤون النفسيّة والروحيّة الماورائيّة وبدراسة الظاهرات الروحيّة ومناجاة الأرواح ، فما ذلك الاّ لايقافها عن متابعة اضطهاد الدكتور داهش والظاهرة الروحيّة الداهشيّة ، وبالتالي حفاظا على حقّ الدكتور داهش وحريّته في اجراء ظاهراته الخارقة في اطار القانون ، وتأمينا لحقّهم وحقّ كل باحث عن الحقيقة في دراسة هذه الظاهرات الروحيّة الداهشيّة الخارقة . ولا ينتقص من حجّة أنصار الدكتور داهش أو محبيّه ، اذا كان بعضهم يؤمن حقّا بامكان “مناجاة الأرواح ” التي تنفيها العقيدة الداهشيّة نفيا قاطعا ، أو يعتقد فعلا بوجود علم صحيح اسمه علم ” مناجاة الأرواح ” ، اذ انّ المسألة المطروحة لم تكن مسألة صحّة ” مناجاة الأرواح ” بشكل عامّ أو صحّة وجود علم صحيح اسمه علم ” مناجاة الأرواح ” ، بل المسألة المطروحة هي مسألة حقّ الدكتور داهش المشروع باجراء ظاهراته الروحيّة الخارقة في ظلّ التشريع المعمول به . والأمر المهمّ أنّ الحكومة عجزت بتحقيقاتها المتكرّرة عن تقديم الدليل على مخالفة الدكتور داهش لقانون 9 أيّار 1939 أو أيّ نصّ قانونيّ جزائيّ آخر ، لأنّ الظاهرة الداهشيّة لا تقع تحت قبضة القوانين السّارية ، وهي ظاهرة واقعيّة ملموسة . أمّا أمر تفسيرها وتحديد مصدرها ، فمتروك للباحث ولمدى تجرّده ، يمارس في ذلك حقّه ، في اطار الحريّة المعترف له بها قانونا ، بموضوعيّة ومن دون الانحدار الى السفاسف وتفاهات التهجّم الرخيص والآراء الاعتباطيّة التي لا تستند الى دليل والتي قد تعبّر عن عمى تعصّبيّ أو مركّبات نقص وأمراض نفسيّة متأصّلة في شخصيّة الباحث المزعوم . 16

الفصل الثاني: أضواء على قضيّة الدّكتور داهش  

يشكّل الاضطهاد الغاشم الذي تعرّض له الدكتور داهش ، في عهد الرئيس الأسبق بشارة الخوري ، جريمة كبرى ، قد يثبت التاريخ أنّها كانت جريمة القرن العشرين . 17

فما من قضيّة فيها الظّلم الوحشيّ أوضح أو أثبت بالأدلّة الرسميّة الدامغة من هذه القضيّة . ولا يسع من يطّلع على وقائعها ، اذا كان يتحلّى بحدّ أدنى من الانسانيّة وحسّ العدالة والموضوعيّة ، الاّ أن يثور مستنكرا لها أشدّ الاستنكار .

الشعوب العظيمة تؤكّد عظمتها وتثبت جدارتها بالحياة بما تظهره من شجاعة ونزاهة خلقيّة عندما تواجه أخطاءها وتعترف بها ، وتعمل على تقويمها وعدم معاودتها ، مجدّدة بذلك مثاقها مع مثل الحقّ والعدل والحريّة .  هذا ما فعلته فرنسا عندما نقلت رفات الكاتب المبدع اميل زولا ، عام 1908 ، الى مثوى عظمائها في مبنى البانتيون في احتفال رسميّ وشعبيّ ، اعترافا بفضله عليها ، لأنّه تصدّى لطغيان الرأي العامّ المضلّل وللسّلطات الحكوميّة والعسكريّة والقضائيّة في دفاعه التاريخيّ الشهير عن الانسان البريء في قضيّة دريفوس .لقد دافع زولا عن انسان بريء ليس له به أيّة معرفة ، ولا تربطه به أيّة رابطة من روابط القربى أو الدّين أو العرق أو العقيدة ، ما خلا رابطة المواطنيّة والانسانيّة ؛ فبذل في هذا السبيل حياته العائليّة ، واستقراره وراحته وصحّته وماله ، وواجه الأخطار واضطرّ الى نفي نفسه متخفّيا في انكلترا ، وتحمّل من العنت والارهاق ضروبا وألوانا . ومع ذلك كان له من نفاذ الرّؤية والبصيرة ما جعله يرى أنّ قضيّة دريفوس هي قضيّة فرنسا برمّتها ، وأنّ فرنسا تحكم على نفسها بالزّوال كأمّة حضاريّة اذا ارتضت التضحية بانسان بريء على مذبح التّعصّب الدّينيّ والعرقيّ الأعمى ، حفظا لماء وجه السّلطات الضّالعة في جريمة الظلّم بحقّ دريفوس . كان زولا يعتبر أنّه يدافع عن المبادىء الانسانيّة التي كرّستها الثّورة الفرنسيّة في شرعة حقوق الانسان والمواطنين ، وكان يقول :” انّ فرنسا ستشكرني يوما على انقاذي لشرفها ” 18.

وقد تمّ ما توقّعه ، فشكرته فرنسا باعترافها به عظيما من عظمائها بسبب موقفه البطوليّ في قضيّة دريفوس ، وليس بسبب عبقريّته الأدبيّة . لكن فرنسا لم تزد زولا قيمة ولا عظمة بتكريمها له واعترافها بفضله بل انّها بعملها هذا رفعت ذاتها ، وأثبتت عظمتها وجدارتها بالحياة بين الشعوب المتحضّرة الحيّة .

والمحزن ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين ، وفي الوقت الذي تعيد به الشّعوب التائقة الى التّقدّم ، شرقا وغربا ، النّظر في أخطائها ، فتعترف بها ، وتعتذر عنها ، وتحاول اصلاح ماسببّته ، وتحفظ الدروس المستقاة منها لتلاقي تكرار حدوثها – المحزن أن يكون في لبنان أشخاص ، كروجيه الخوري ، لم يستفيدوا شيئا من دروس التاريخ ، يعيشون ذهنيّا ونفسيّا في الماضي ، في العهد الذي جرى فيه اضطهاد الدكتور داهش ، فيتصرّفون وكأنّهم في عداد المشتركين أو المتدخّلين في هذه الجريمة .

ومع أنّ روجيه  الخوري لم يعالج قضيّة اضطهاد الدكتور داهش في كتابه ، فقد تطرّق اليها في عدّة أماكن منه ، فأورد أمورا وأطلق أحكاما مناقضة كلّيا للحقيقة ، ولا أساس لها من الصّحة اطلاقا . والمؤسف أنه أورد كلّ ذلك بطريقة ملؤها التشفّي ، وتنطوي على تعبير واضح عن تبريره وتأييده  للمعاملة التي لقيها الدكتور داهش على يد بشارة الخوري والمتكافلين معه ، موحيا بأنّهم كانوا على حقّ في موقفهم ، وأنّ ما قاموا به كان مشروعا وموافقا للقانون . ولا يكتفي بذلك ، بل يتّخذ ممّا لقيه الدكتور داهش والدّاهشيّون من ضروب العنت والمعاملة الوحشيّة دليلا على عدم تمتّع الدكتور داهش بالقوى الروحيّة ، وبالتالي على عدم صحّة رسالته الروحيّة . وممّا لا شكّ فيه أنّ ما كتبه روجيه الخوري لا يشرّفه اطلاقا ، اذ من العار أن يدّعي انسان العلم ، في عصر العلم ، ويكشف في الآن نفسه عن استهانته بالحقيقة وعن افتقار مريع الى معايير خلقيّة سليمة ، بل حتّى الى مفهوم بدائيّ لبعض القواعد والضّمانات الأساسيّة التي تقوم عليها الأنظمة الدستوريّة الديمقراطيّة الحديثة التي تتمحور ، بالدرجة الأولى ، على ضمان حقوق الانسان وحرّياته الأساسيّة في ظلّ  سيادة القانون وسلطانه على الحاكم والرعيّة معا .

وفيما يلي أمثلة على ذلك :

1- كتب روجيه الخوري في الصفحة 154 من كتابه :” وأصدرت الدولة أحكاما كثيرة عليه ( أي على الدكتور داهش )، ولاقى متاعب مع مديري الأحزاب اللبنانيّة والشخصيّات لما أقدم من أعمال ، واعتقل أكثر من مرّة باذن العدالة “.

لا يمكن انسانا يحترم نفسه ، ويدرك معنى مسؤوليّة الكلمة ، أن يكتب كلاما جانيا كهذا ، يعبّر عن نيّة كاتبه ورغباته ، لا عن الحقيقة التي تدينه :

أولا : الدولة لا تصدر أحكاما ، لأنّ اصدار الأحكام في الدول الديمقراطيّة الدّستوريّة منوط بالمراجع القضائيّة ذات الصلاحيّة . ولكن اذا كان روجيه الخوري يقصد بقوله :” وأصدرت الدولة أحكاما كثيرة عليه “، انّ السلطات القضائيّة في الدولة هي التي أصدرت ….أحكاما عليه ، فانّ قوله هذا يستند الى أيّ دليل أو واقع ،  وهو مناقض للحقيقة كليّا . لو كان لدى روجيه الخوري أو سواه دليل واحد لا على صدور أحكام كثيرة بل على صدور حكم واحد عن مرجع قضائيّ واحد بحقّ الدكتور داهش لما تأخر لحظة واحدة عن ذكره ولملأ الدنيا طنينا وضجيجا به ، ولجعله قميص عثمان في تجنّياته الواهئيّة الوهميّة . فالرئيس الأسبق بشاره الخوري – مع من مالأه وتكافل معه وانقاد اليه ونفّذ رغباته في قضيّة الدكتور داهش – ما لجأ الى الطّرق غير المشروعة واساءة استعمال السّلطة باتّخاذه لاجراءات مخالفة مخالفة فاضحة للدّستور والقوانين كأدوات للاعتداء على حريّة فرد وتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده ، مع ما رافقها من أعمال بربريّة تشجبها القوانين والأعراف الداخليّة والدوليّة ، نقول انّ الرئيس الأسبق ما لجأ الى ذلك الاّ بعد أن تبيّن وتأكّد له ، من خلال التحقيقات العلنيّة والسريّة ، أنّ الرّجل لم يأت عملا يؤاخذ عليه قانونا ويمكن ، على أساسه ، تجريمه وادانته قضائيّا . 19

كان داهش فردا ، مواطنا ، لا يحمل الاّ قلما ودفترا وكتابا وفلسفة وعقيدة لا يرغم عليها أحدا؛ وكان الأفراد النّخبة الذين انجذبوا الى أفكاره مواطنين من ذوي الأخلاق الكريمة والمراعين للقوانين والأنظمة ، وكانوا من حملة الأقلام ، لا المدى والخناجر والمسدّسات والبنادق وغيرها من الأسلحة . فلو لم يكن داهش بريئا البراءة كلّها من كلّ تهمة ، بل لو لم يكن هو البراءة بعينها ، لما عجز بشارة الخوري ، رغم تسخيره أجهزة الدولة ، عن اختلاق تهمة ، واختلاق دليل ، يستطيع على أساسهما ادانته .

ثانيا : كيف يمكن أن يكون الدكتور داهش قد اعتقل أكثر من مرّة باذن العدالة ” مثلما يزعم روجيه الخوري ، اذا كان لم يقدّم مرّة واحدة الى العدالة ( القضاء ) ؟ أمّا الحقيقة فهي أنّ الدكتور داهش لم يوقف الاّ مرّة واحدة ، انّما ليس” باذن العدالة ” بل باذن الظّلم وكحلقة من حلقات مؤامرة استهدفت تجريده الاعتسافيّ  من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده خارج لبنان . فصبيحة 28 آب 1944 قامت شرذمة من المتزلمين المأجورين بالاعتداء على الدكتور داهش في عقر داره . فكان الاعتداء مؤامرة مدبّرة بدليل القاء القبض عليه وهو المجنيّ عليه الذي كان قد طلب رسميّا تأمين الحماية له من المعتدين ، بينما ترك أولئك الجناة أحرارا يسرحون . وما يؤكّد  أنّه لم يعتقل الاّ لتنفيذ مؤامرة لتجريده من جنسيّته وتشريده خارج لبنان هو أنّ معاملة التجريد من الجنسيّة بدأت بصورة سريّة بتاريخ القاء القبض عليه في 28 آب 1944 ، الاّ أنّ قرار استردادها لم يعرف به الدكتور داهش أو ممثّلاه القانونيّان ، بل سلّم الى رجال البوليس الذين حضروا في الساعة العاشرة ليلا الى سجن الرّمل ، فأخذوا الدكتور داهش تنفيذا لاخراجه من البلاد .

وخلاصة الأمر أنّ الرئيس بشارة الخوري أصدر ، في 6 أيلول 1944 ، المرسوم رقم 1822 الذي يعطي بموجبه مثلما جاء في نصّه حرفيّا :” لرئيس دوائر النفوس أن يشطب القيود المدرجة بغير حقّ بعد اجراء التحقيق وأخذ موافقة وزير الداخليّة .”

ومع أنّ المراسيم التي لها شكل العامّة لا تنفّذ ، وبالتالي لا تصبح سارية المفعول الاّ بنشرها في الجريدة الرسميّة ومن تاريخ هذا النشر .20

فانّ المرسوم 1822 الذي صدر بتاريخ 6 أيلول 1944 ، بصسغة المراسيم العامّة لم ينشر في الجريدة الرسميّة الاّ في 13 أيلول 1944 ؛ ومع ذلك فقد طبّقه رئيس دوائر النفوس على الدكتور داهش في اليوم التالي لصدوره أي في 7 أيلول 1944 ، قبل ستّة أيّام من نشره ونفاذه . هذا التطبيق الباطل قانونا لمرسوم باطل شكلا وأساسا يؤكّد أنّ المرسوم 1822 قد صدر ليطبّق خصيّصا على الدكتور داهش .

وفي اليوم التالي مباشرة لتطبيق رئيس دوائر النفوس في 7 أيلول 1944 للمرسوم 1822 الصادر في 6 أيلول 1944 ، أصدر الرئيس بشارة الخوري المرسوم 1842 بتاريخ 8 أيلول 1944 يأمر فيه باخراج الدكتور داهش من ” أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة “.

وفي 9 أيلول 1944 ، وهو اليوم التالي مباشرة لصدور مرسوم الاخراج من البلاد رقم 1842 ، تاريخ 8 أيلول 1944 ، استردّت مذكّرة توقيف الدكتور داهش بالقرار رقم 940/235 ، وسلّمت مذكّرة الاسترداد الى عناصر الشرطة المكلّفين بتنفيذ مرسوم الاخراج من البلاد . فحضروا ليلا الى سجن الرمل – باستيل لبنان – وبمخالفة صريحة لقوانين السجون وأمكنة التوقيف ، أخذوا الدكتور داهش لا ليطلقوا سراحه عملا بقرار استرداد مذكّرة التوقيف ، بل لاخراجه من البلاد وتشريده عملا بمرسوم الاخراج رقم 1842 .

ومع أنّ هذا المجال ليس المجال المناسب لاجراء دراسة قانونيّة للاجراءات المذكورة أعلاه ، لا بدّ لنا توخّيا للفائدة ، من الادلاء ببعض الملاحظات الايضاحيّة على سبيل المثال لا الحصر :

أ – انّ المرسوم 1822 ، تاريخ 6 أيلول 1944 ، مخالف بصورة صريحة للمادّة السادسة من الدستور اللبنانيّ ، التي هي أولى موادّ الفصل الثاني من الدستور المتعلّق بحقوق اللبنانيّين وواجباتهم ، والتي تنصّ : ” المادّة 6 : انّ الجنسيّة اللبنانيّة وطريقة اكتسابها وحفظها وفقدانها تحدّد بمقتضى القانون “.

فالمرسوم 1822 ليس قانونا ، بل هو مرسوم تنظيميّ ، من حيث الشكل على الأقلّ ، بنصّه على طريقة لفقدان الجنسيّة اللبنانيّة يكون مخالفا للمادّة 6 من الدستور .

ب- المرسوم 1822 مخالف لمبدأ فصل السّلطات ، ويشكّل اغتصابا لصلاحيّة السلطة الاشتراعيّة ولمبادىء أساسيّة في الدّول الحديثة تجعل حقوق المواطنين وحريّاتهم في حمى القانون والقضاء ، وهذا ما أكّده مجلس شورى الدولة في قراره رقم 29 تاريخ 12 حزيران 1945 ، في هذه القضيّة . 21

ج – المرسوم 1822 مخالف للمبادىء القانونيّة العامّة وللقوانين والأنظمة التي ترعى مناعة قيود سجلاّت الاحصاء والأحوال الشخصيّة ، والتي بموجبها يحظّر على الادارة أن تغيّر في قيود السجلاّت التي تمثّل حقوقا مكتسبة لأصحابها الاّ بواسطة أحكام قضائيّة تصدر وفق الأصول والاجراءات القضائيّة المرعيّة ، وبعد تأمين جميع الضمانات لأصحاب العلاقة . 22

د- انّ صدور المرسوم 1822 ، في أيلول 1944 ، وتطبيقه في اليوم التالي لصدوره ، أي في 7 أيلول 1944 ، من قبل رئيس دوائر النفوس على الدكتور داهش ـ قبل ستّة أيّام من تاريخ نشره في الجريدة الرسميّة ونفاذه في 13 أيلول 1944 –كلّ ذلك يؤكّد أنّه قد صدر بصيغة مرسوم عامّ ليطبّق على الدكتور داهش ، أي انّه عمل فرديّ تحت ستار مرسوم عامّ ، الأمر الذي يشكّل اساءة فاضحة لاستعمال السلطة . 23

ه- انّ الهدف من معاملة التجريد الاعتسافي ّ من الجسيّة عن طريق اصدار المرسوم 1822 ومن تطبيقه في اليوم التالي ، قبل نشره وسريانه قانونا ، على الدكتور داهش ، هو تحقيق اخراج الدكتور داهش من الأراضي اللبنانيّة ، اذ لا يمكن اخراج المواطن من وطنه عملا بالقوانين الداخليّة والدوليّة التي تحظّر ذلك . وبذلك كان ضروريّا ازالة العقبة التي تقف دون تحقيق الرغبة باخراج الدكتور داهش من لبنان والمتمثّلة بجنسيّته اللبنانيّة . ولو لم تكن جنسيّة الدكتور داهش ثابتة ، ولا ريب فيها ، لما لجأ بشاره الخوري الى مخالفة الدستور واغتصاب سلطة تشريعيّة والى مخالفة كلّ القواعد العامّة والقوانين والأنظمة المشروعة التي تكفل حماية الجنسيّة ومناعة قيود السجلاّت المتعلّقة بها وذلك باصداره للمرسوم 1822 ليطبّق خصّيصا ، في اليوم التالي لصدوره ، رغم عدم نفاذه ونشره ، على الدكتور داهش ، وليسارع في اليوم التالي لتطبيقه الى اصدار مرسوم الاخراج من البلاد ( المرسوم 1842 ، تاريخ 8 أيلول 1944 ).

و- انّ هذه الأعمال ( أي المرسوم 1822 ، تاريخ 6 أيلول 1944 ، وقرار رئيس دوائر النفوس ، تاريخ 7 أيلول 1944 ، والمرسوم 1842 ، تاريخ 8 أيلول 1944 ) صدرت بصورة سريّة تامّة ، ونفّذت بصورة سريّة تامّة أيضا ، ولم يعلم بها الاّ المشتركين باصدارها وتنفيذها . وقد أكّد مجلس الشورى أنّ صاحب العلاقة ، الدكتور داهش ، لم يعلم بها قبل تنفيذها بحقّه . فهل هناك أفظع من ذلك : ان يجرّد انسان بشطحة قلم من أقدس حقوقه ويشرّد ، فيجد نفسه بدون جنسيّة وبدون ملجأ بعيدا عن بلاده وأله وأصدقائه ، وذلك من دون أن يعلم بالاجراءات المتّخذة بحقّه الاّ بعد تنفيذها ! 24

ز- والأسوأ من ذلك هو أنّ الحكومة رفضت اعطاء صورة أو نسخة عن قرار رئيس دوائر النفوس الى وكلاء داهش في لبنان لتقديم القرار مع اعترضهم عليه الى مجلس شورى الدولة . وقد رفعوا الشكوى من ذلك صراحة في لوائحهم أمام مجلس شورى الدولة عبثا . وعدم اعطاء نسخة عن قرار رئيس دوائر النفوس هو موقف اعتسافيّ خطير يعبّر أبلغ تعبير عن عدائيّة انتقاميّة ، وهو مخالف لأبسط مبادىء القانون . فمن حقّ الدكتور داهش ووكلائه القانونيّين أن يطّلعوا على هذا القرار لممارسة حقوقهم المشروعة في الطعن به أمام مجلس شورى الدولة ، ومن واجب رئيس دوائر النفوس أن يعطيهم نسخة عن القرار ، كما من واجب الحكومة ومجلس الشورى أن يأمرا بتقديم نسخة عنه 25 .

ومن قرار مجلس شورى الدولة ، رقم 29 تاريخ حزيران 1945 ، يتبيّن بوضوح أن قرار رئيس دوائر النفوس لم يقدّم الى مجلس الشورى 26 .

وموقف الادارة المتعنّت هذا الذي لا مبرّر له على الاطلاق تنكشف أسبابه بجلاء تامّ لدى الاطّلاع على معاملة الشّطب . فمن الاطّلاع عليها يظهر ما يلي :

  • انّ قرار (أو مطالعة ) رئيس دوائر النفوس ( الاحصاء والأحوال الشخصيّة ) الذي ارتأى بموجبه شطب قيود الدكتور داهش وعائلته من سجلاّت اللبنانيّين ونقلهم الى سجلاّت الأجانب ، وهو القرار الصادر بتاريخ 7 أيلول 1944 تطبيقا للمرسوم 1822 ، تاريخ 6 أيلول 1944 ، قبل نشره ونفاذه بتاريخ 13 أيلول 1944 ، لم يقترن بموافقة وزير الداخليّة الاّ في 14 أيلول 1944 ؛ أمّا معاملة الشّطب فلم تجر الاّ بتاريخ 22 أيلول 1944 .

وبالتالي ، فانّ الدكتور داهش كان ، حتّى من الوجهة الشكليّة 27،

ما زال لبنانيّا استنادا الى قيود سجلاّت المقيمين اللبنانيّين عندما صدر مرسوم اخراجه من لبنان ( المرسوم 1842 ) بتاريخ 8 أيلول 1944 ، وعندما نفذّ هذا المرسوم بتاريخ 9 أيلول 1944 . وبتعابير أخرى ، فانّ مرسوم الابعاد ، رقم 1842 ، يكون قد صدر في 8 أيلول 1944 بحقّ مواطن لبنانيّ ، ونفّذ في 9 أيلول 1944 بحقّ هذا المواطن اللنانيّ أيضا .

وبما أنّ صحّة الأعمال الاداريّة ومشروعيّتها تقدّران بتاريخ صدورها ، فانّ المرسوم 1842 وتنفيذه بحقّ مواطن يعتبران غير مشروعين وباطلين . وهذا سبب ومصدر اضافيّان من أسباب ومصادر لا مشروعيّة مرسوم الابعاد وتنفيذه ،  ما كان بامكان مجلس الشورى تجاهلهما . ولذلك تمنّعت الادارة بتعنّت وتعسّف عن اعطاء نسخة عن قرار الشّطب ، لأنّ من شأنه أن يكشف عن الكيفيّة التي تمّت فيها معاملة الشّطب وعن تاريخ اتمامها ، مع ما يترتّب على ذلك من نتائج وآثار . ولذلك لم يذكر مجلس الشورى أيضا في قراره رقم 29 ، تاريخ 12 حزيران 1945 ، أنّه اطّلع عليه .

وتعميما للفائدة ، نورد فيما يلي نصّ قرار الشّطب بالمعاملة رقم 1543 :

 

                             ” قرار الشّطب بالمعاملة رقم 1543

بناء على المرسوم رقم 1822 تاريخ 6 أيلول 1944 .

بناء على تحقيقات مفوّض الأمن تحت رقم 1209 ، تاريخ 7/9/1944. 28

بناء على مطالعة رئيس الاحصاء والأحوال الشخصيّة تاريخ 7/9/1944 .29

بناء على موافقة وزير الداخليّة رئيس مجلس الوزراء تحت رقم 10471 تاريخ 14/9/1944

ثمّ شطب اسم سليم موسى العشّي وعائلته من سجلاّت المقيمين ونقلوا الى سجلّ أجانب المصيطبة برقم 1063 /3071 من التابعيّة الفلسطينيّة بالمعاملة رقم 1543 تاريخ 22/9/1944 “

 

واذا كان شرّ البليّة ما يضحك ، فانّ ما يضحك في قرار معاملة الشّطب هو عدم الاكتفاء بتجريد الدكتور داهش وعائلته من الجنسيّة اللبنانيّة عن طريق شطب قيودهم من سجلاّت المقيمين ( اللبنانيّين )، بل اعتبارهم من التابعيّة الفلسطينيّة ونقلهم الى سجلّ أجانب المصيطبة من التابعيّة الفلسطينيّة . لقد اعتبرتهم الادارة الجانية من التابعيّة الفلسطينيّة تغطية لمسؤوليّتها وتستّرا عليها حتّى لا ينكشف للرأي العامّ بالعين المجرّدة أنّ الدكتور داهش قد جرّد بهذه الطريقة الاعتسافيّة غير المشروعة من جنسيّته الوحيدة التي هي الجنسيّة اللبنانيّة ، وترك بدون جنسيّة ، وشرّد خارج الأراضي اللبنانيّة . فالادارة المرتكبة لهذه الجناية كانت تعلم علم اليقين أنّ ما دوّنته بشأن التابعيّة الفلسطينيّة المزعومة للدكتور داهش غير صحيح ، مثلما كانت تعلم أنّ تجريده من جنسيّته لا يرتكز على واقع أو قانون . ومن الأدلّة الاضافيّة على ما سبق ايراده أنّ الادارة المنفّذة لمرسوم الاخراج من البلاد رقم 1842 ، تاريخ 8/9/1944 ، لم تبعد الدكتور داهش من لبنان الى فلسطين التي تقع جنوبيّ لبنان ، بل أخرجته من لبنان عبر الحدود الشماليّة ، وطرحته على الحدود التركيّة خارج الحدود السوريّة ، قرب قرية أعزاز السوريّة ، بدون أيّة جنسيّة أو أيّة أوراق تثبت هويّته ليقع طعمة لنيران الحامية التركيّ’ ، خاصّة أنّ الجوّ هو جوّ الحرب العالميّة الثانية . 30

فلو كانت الادارة اللبنانيّة مقتنعة فعلا بأنّ الدكتور داهش من التابعيّة الفلسطينيّة ، لكانت أبعدته من لبنان عبر الحدود الجنوبيّة الى فلسطين ، ولمّا أبعدته عبر الحدود الشّماليّة خارج لبنان وسوريا الى داخل الحدود التركيّة . وظلّ مصير الدكتور داهش مجهولا لدى آله وأصدقائه حتّى 14 أيلول 1944 ، عندما صدر العدد 130 من جريدة العمل ، وفيه أنّه في أواخر الأسبوع الفائت جرّدت السلطة الوطنيّة سليم موسى العشّي المعروف بالدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة وطرحته منبوذا خارج الحدود اللبنانيّة والسوريّة . هذا ملمح ضئيل من ملامح الظّلم الرهيب والبربريّة في هذه القضيّة التي امتدّت طوال عهد الرئيس بشاره الخوري .

فأين الأحكام الكثيرة التي صدرت بحقّ الدكتور داهش ؟ وأين هي المرّات الكثيرة التي أوقف فيها باذن العدالة ، مثلما يتبجّح روجيه الخوري في كتابه زورا وبهتانا .

من العيب والعار قلب الحقائق ، وامتداح الظّلم على أنّه عدل ، وتبرئة الجاني وادانة البريء والمجنيّ عليه .

 

ثالثا – انّ قول روجيه الخوري انّ الدكتور داهش لاقى متاعب مع مديري الأحزاب اللبنانيّة والشخصيّات لما أقدم ( عليه ) من أعمال – حسب زعمه – انّما هو قول مجّانيّ يدين قائله :

  • انّ استعمال صيغة الجمع والشّمول من دون تحديد يلقي دثارا من الشكّ الكثيف على زعم روجيه الخوري . والحقيقة هي أنّ حزبا لبنانيّا واحدا كان آنذاك مواليا لبشارة الخوري لأسباب سياسيّة وطائفيّة ، وبعضا ممّن يسمّون ” شخصيّات ” من أنسبائه ومحازبيه ، اشتركوا في اضطهاد الدكتور داهش مع الرئيس بشاره الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا وشقيق زوجة هذا الأخير هنري فرعون .
  • انّ الجريمة ، أيّة جريمة ، لا يجعلها عملا مشروعا تكاثر عدد المشتركين فيها ، بل على العكس من ذلك ، فانّ دائرة المسؤوليّة ، اذ ذاك ، تتّسع وتزداد . ففي قضيّة السيّد المسيح مثلا ، هل قلّل من فظاعة الجريمة أم زادها الاجماع شبه الكامل للسنهدريم مع قيافا على ادانة يسوع المسيح ، وتأكيد ذلك بحكم بيلاطس البنطيّ وهتاف الجموع بأن يصلب وتفضيلهم اطلاق اللصّ باراباس على اطلاق المسيح ؟ وقسّ على ذلك كثيرا من القضايا التاريخيّة التي اشترك فيها من يسمّون “شخصيّات ” مع السلطات وجموع غفيرة في ادانة انسان بريء ، بدءا بسقراط ومرورا بعائلة كالاس وألفرد دريفوس وانتهاء بنلسون مانديلا .
  • انّ القول بأنّ الدكتور داهش ” لاقى متاعب مع مديري الأحزاب اللبنانيّة والشخصيّات ” هو قول مريب . فلماذا يلاقي الفرد ،أيّ فرد ، أيّة متاعب مع مديري الأحزاب أو من يسمّونهم “شخصيّات ” ، اذا كان هذا الفرد يعيش حقّا في دولة دستوريّة ديمقراطيّة حيث يتغنّى هؤلاء المدراء والشخصيّات كثيرا بالحريّة والديمقراطيّة والكرامة الانسانيّة ؟ فاذا أتى الفرد عملا مخلاّ بالقانون ، فعلاقته تكون بالدولة ، ومتاعبه مع القانون لا مع مديري الأحزاب “والشخصيّات ” الذين ليسوا الدولة . أليست المشكلة دائما وأبدا هي في استغلال أصحاب النفوذ لنفوذهم وتسخير القانون لغاياتهم وأهوائهم ؟ وهل كان الأمر غير ذلك في عهد بشارة الخوري الذي طبعه استفحال الفساد بطابعه ودمغه سوء استخدام النفوذ ؟
  • ليس أمرا فرضا على أيّ فرد ، ولا الفرد ملزم في الدول الديمقراطيّة الدستوريّة المحكومة بسلطان القانون ، بأن يتصرّف وفق ما يرضي مديري الأحزاب أو من يسمّونهم ” شخصيّات ” أو أيّة مراجع مهما علا شأنها ، بل انّ الأفراد أحرار في تصرّفاتهم ما داموا يتصرّفون وفق أحكام القانون والأنظمة المشروعة المرعيّة وفي حدودها . وبالتالي فعلى الآخرين أيّا كانت مقاماتهم وصفاتهم وطبقاتهم أن يراعوا حدود القانون أيضا ، فلا يعتدوا على فرد بأذيّة اذا لم تلاق أعماله هوى ورضى في نفوسهم .
  • تقوم الأنظمة الديمقراطيّة الدستوريّة في الدّول الحديثة على مبادىء أساسيّة يسمو بعضها على الدساتير نفسها ، 31

بحيث انّ هذه الأنظمة تفقد شرعيّتها ومبرّر وجودها ان هي تجاهلتها أو قضت عليها . ومن هذه المبادىء الأساسيّة مبدأ المساواة والحريّة . فالدولة لا يجوز لها أن تكون أداة لعدم تسامح فئة أو حتّى لعدم تسامح الرأي العامّ بأسره . وفي ذلك كتب جون ستيورت مل هذه الأسطر المعبّرة الخالدة :

” ويمكن القول على وجه العموم أنّه لا خوف في البلاد الدستوريّة من أن تحاول الحكومة مرارا – أكانت مسؤولة تماما أمام الشّعب أم لا –ان تقيّد الأعراب عن الرأي الاّ حين تجعل من نفسها بعملها هذا أداة تعبّر عن عدم تسامح الجمهور العامّ . فلنفترض اذا أنّ الحكومة على وفاق تامّ مع الشعب وأنّها لا تفكّر في ممارسة أيّ ضغط عليه الاّ في ما تراه متّفقا مع ارادته . ولكنّي أنكر على الشعب نفسه أن يمارس حقّ الضغط والاكراه ، أكان يمارس ذلك مباشرة أو عن طريق حكومته . فهذه السلطة بحدّ ذاتها غير شرعيّة ، وليست الحكومة الفاضلة أكثر حقّا فيها من الحكومة السيّئة ، وممارستها مع موافقة الرأي العامّ أفظع منها مع معارضته . ولو أجمع البشر كلّهم على رأي وشذّ واحد بمفرده عنهم لما جاز لهم اسكاته ، كما أنّه هو ، لو أوتى القوّة ، لا يجوز له اسكاتهم ” 32.

والشخصيّات ، في شرعنا ، هم أصحاب النفوس النبيلة والأخلاق الكريمة العالية سواء أكانوا أثرياء أم فقراء ، أصحاب رتب ومراتب أم مواطنين عاديّين ، رجال دنيا أم رجال دين . وهؤلاء يراعون حرمة القانون ، ويحترمون حريّات الآخرين وآراءهم ومعتقداتهم الخاصّة ، ولا ينصّبون أنفسهم أولياء وأوصياء على عقول الناس وأفكارهم وارادتهم وممتلكاتهم ، ولا يعتدون ولا يظلمون .

 

2- كتب روجيه الخوري ( في الصفحة 179 من كتابه ) أنّ الدكتور داهش ” لم تكن له بصيرة نافذة ليتنبّأ  بما سيحصل له ، وكيف سيحبس ويجلد وينفى ويهزم وتزول حركته ويشرّد دعاتها ويشتّت أعضاؤها وتفنى تعاليمهم ….” هذه الكلمات تستوقف القارىء بسبب الدرجة المتناهية من الخفّة واللامسؤوليّة التي كتبت بها ، ولما تكشفه من افتقار لدى كاتبها الى معايير خلقيّة سليمة . وفيما يلي بعض الملاحظات الايضاحيّة بشأنها :

أولاّ : لو افترضنا جدلا أن جميع ما ذكر روجيه الخوري حصوله – أو حتّى بعضه – قد حصل فعلا ،  أفلا يشكّل ذلك عارا تاريخيّا أكيدا ولطخة لا تمحى على الذين اقترفوا هذه الأعمال الوحشيّة بحقّ الدكتور داهش ومشايعيه ؟ أفلا يحمل تصرّف الظالمين الشائن الانسان العاقل على التساؤل : ترى في أيّ عصر وفي أيّ مكان ، وفي ظلّ أيّ نظام –أو لا نظام – واستنادا الى أيّ قانون أو أيّة أحكام ، ثمّ السّجن والجلد والنّفي والتشريد والتشتيت وقمع الفكر ؟ ولا يمكن أن يصدّق متّزن عاقل أن كلّ ذلك حصل في القرن العشرين . وفي ظلّ نظام دستوريّ وديمقراطيّ ينصّ دستوره صراحة على أنّ” حريّة الاعتقاد مطلقة 32 ” في بلد يفاخر أمم الأرض بحضارته العريقة وبأنّه ملجأ المضطهدين ووطن التسامح وحقوق الانسان ! اذ كيف يمكن أن يصدّق عاقل أنّ بلدا كهذا يمكن أن يتمّ فيه ” جلد ” انسان ، مع أنّ قوانينه قاطبة لا تنصّ على الجلد حتّى كعقوبة ؛ ولا بدّ من أن يؤدّي به عدم التصديق الى درجة استحالة التصديق عندما يرى أنّ من يدّعون العلم في هذا البلد يصفون حصول هذه الجريمة البربريّة دون أن يستنكروها ، بل يستخرجون منها عكس ما يجب أن يستخرجوا من دروس وعبر .

ثانيا : الحقيقة هي أنّ الدكتور داهش عومل من قبل الرئيس بشارة الخوري والمؤتمرين بأمره والمتكافلين معه معاملة بربريّة وحشيّة . فبالاضافة الى الاجراءات والأعمال التعسفيّة التي سبق بيانها ، تعرّض الدكتور داهش ليلة اخراجه من سجن الرمل وابعاده من لبنان ، وطوال الطريق أثناء تنفيذه الابعاد المجرم ، الى الضرب والجلد والتعذيب ، فسال دمه ، وأغمي عليه مرّات ، وأصبح جسده كتلة من اللحم الأسود ، وتعطّلت أصابع يده اليسرى من جرّاء هذه المعاملة القاسية الوحشيّة . وقد وصف الدكتور داهش ما أصابه بدقّة مع ذكر الأسماء والشّهود في رسالة تاريخيّة أرسلها الى صديقه وممثّله القانونيّ الأستاذ ادوار نون مؤرخة في 12/10/1944 . وفي 25 كانون الثاني عام 1945 أرفقت السيّدة ماري حدّاد هذه الرسالة بعريضة رفعتها الى المجلس النيابيّ حول القضيّة ، ثمّ وزّعتها مع العريضة على الرأي العامّ والمراجع القنصليّة والسّفارات والصّحافة بشكل منشور في تلك السنة أيضا . فهل هذه وسواها من الأعمال غير المشروعة التي اقترفت بحقّ الدكتور داهش تشكّل انتصارا للمقترفين لها ” وهزيمة ” له ، مثلما يشير روجيه الخوري في كلماته المذكورة أعلاه ؟ ووفق أيّة معايير؟

في معايير قيافا وهيرودوس ونيرون وهولاكو والقبائل البربريّة يعتبر ما أنزل بالدكتور داهش من ضروب المعاملة الوحشيّة الظالمة هزيمة له وقضاء على رسالته . هذا النهج من التفكير البدائيّ العقيم هو المسؤول عن جريمة صلب السيّد المسيح وتعذيبه ؛ هو الذي جعل تلك النفوس المنحطّة المظلمة تستهزىء من آلامه ومصيره وهو معلّق على خشبة الصليب ، وتستمدّ منها دليلا على هزيمته وعلى عدم صحّة رسالته السماويّة :34

وهو النهج ذاته الذي جعل نيرون يظنّ أنّ الهزيمة كانت تفترس المسيحيّين عندما كانت الأسود التي أطلقها عليهم تفتك بهم وتفترسهم ؟ أما كانت  آنذاك مرارة آلامهم المذيبة حلاوة في لذّة قناعته الآنيّة بانتصاره ؟

امّا في المعايير الخلقيّة الانسانيّة الحقّة ، معايير سقراط والسيّد المسيح والنبيّ محمّد والامام عليّ وغاندي وغيرهم من الأنبياء والحكماء ، فانّ ما تحمّله الدكتور داهش بسبب مبادئه هو انتصار له وهزيمة لمضطهديه الذين لجأوا الى هذه الطّرق والأساليب اللامشروعة والبربريّة في معاملتهم له . ولنتذكّر دائما أنّ” دولة الباطل ساعة ودولة الحقّ الى قيام الساعة “.

ثالثا : لم بقتصر تنفيذ جريمة اضطهاد الدكتور داهش على الاجراءات التعسّفيّة الوحشيّة بحقّه ، بل شمل أيضا عناصر جريمة دنيئة أخرى ، منها محاولة اغتيال سمعته بوسائل اعلاميّة هي الحطّة بعينها ، عن طريق افتعال حملة صحافيّة مأجورة من الأكاذيب والافتراءات الحقيرة . فقوى التّعصّب والفساد التي كانت متحكّمة آنذاك بالبلاد والعباد ، والتي كانت كالأخطبوط تحوك المؤامرة الجرميّة ضدّ داهش وتنفّذها ، هي نفسها من كان يقف وراء تلك الحملة الظلاميّة ويغذّيها ويرعاها ويسبغ عليها الحماية .ولئن كان لتلك الهجمة عدّة أهداف ، قريبة وبعيدة ، مباشرة وغير مباشرة ، الاّ أنّها جميعها كانت تصبّ في خدمة الغرض الأساسيّ وهو قمع العقيدة الداهشيّة ، ومنع انتشارها ، والقضاء على ظاهراتها الروحيّة الفاضحة لمكامن الفساد والاستغلال والضلال في الفكر المنغلق المتعصّب ، والمزلزلة للمرتكزات التي يقوم عليها الاتّجار بالتفرقة الدينيّة والمذهبيّة وبالمقدّسات .

وكان من الأهداف المباشرة لجريمة التشهير واغتيال السّمعة خلق جوّ مشحون مصطنع ، واثارة بلبلة زائفة مفتعلة ، وتضليل الرأي العامّ تمهيدا وتهيئة لتنفيذ ما كان يعدّ من الاجراءات التعسفيّة الجرميّة بحقّ الدكتور داهش والداهشيّين . ومع أنّ بصمات المراجع المتآمرة على داهش كانت واضحة وجليّة على هذه الحملة الاعلاميّة القذرة ، الاّ أنّ هذه المراجع أعطت الدليل الحاسم على ضلوعها فيها عندما أصدرت أمرا الى رئيس قلم المراقبة آنذاك الأستاذ نجيب ليان يقضي باجازة نشر كلّ ما يكتب ضدّ داهش والداهشيّين  وبمنع نشر الردود منهم عليها .35

واذا كان هذا التدبير الاعتسافيّ الانتقاميّ يشكّل بحدّ ذاته تجاوزا لحدّ السلطة واساءة فادحة فاضحة لاستعمالها ، والداهشيّين . وقد احتجّت السيّدة ماري حدّاد وزوحها مع لفيف من الداهشيّين لدى صهرها الرئيس بشارة الخوري على هذه التدابير المجحفة الظالمة ، ورفعوا المظلمة تلو المظلمة والشكوى تلو الشكوى اليه والى رئيس مجلس الوزراء ، وقدّموا العرائض الى مجلس النّواب ، ونبّهوا الى خطورة ما ينطوي عليه الموقف الرسميّ الاعتباطيّ ، والى أنّ عدم ايقاف هذه التدابير يعتبر اشتراكا رسميّا في الجرائم المرتكبة بواسطة النشر وفي النتائج التي تفضي اليها . ولكنّ الاحتجاجات والشكاوى ذهبت أدراج الرياح ، لأنّ الحملة التشهيريّة الجانية كانت جزءا لا يتجزّأ من مخطّط متكامل الحلقات تعمل أعلى سلطة في البلاد مع القوى المتحالفة معها على تنفيذه بانتهاك الدستور والقوانين والأنظمة المشروعة المرعيّة وازدرائها . 36

فالأقلام الجانية التي اشتركت في حملة الأكاذيب والاختلاقات الخسيسة هي أقلام باعت نفسها لتكون أداة في خدمة قمع الفكر واضطهاد حريّة الضمير والعقيدة الدينيّة ، وفي تسهيل ارتكاب الجريمة وتبريرها والتّستّر عليها . هذه الأقلام يصفها روجيه الخوري ( ص 207 ) “بالأقلام المنيرة ” ، ممّا ذكّرني بكلمات السيّد المسيح الخالدة :” اذا كان النور الذي فيك ظلاما فالظلمة كيف تكون “. فأيّة أقلام منيرة مزعومة هي تلك التي تنهش أعراض الناس وتطعن بكراماتهم وبأقدس مقدّساتهم من دون أيّ رادع من ضمير أو وجدان ومن دون الاستناد الى أيّ دليل ؟ ولو كان في جبال “الروايات ” التي نسجتها تلك المدعوّة “أقلاما ” ذرّة واحدة من حقيقة ، لما تردّدت السلطة – المتعطّشة الى العثور حتّى على ذرّة تستطيع على أساسها تجريم الدكتور داهش –في الاعتماد عليها توصّلا الى مآربها ، ولما احتاجت الى سلوك الطّرق غير المشروعة للنيل منه .

الأقلام المنيرة الحقّة لم تكن في يوم من الأيام ، ولا يمكنها أن تكون أبدا أداة تطبيل أو تزمير ، أو مجامر لحرق البخور استرضاء للحكّام الفاسدين الظالمين ؛ والأقلام المنيرة هي التي تشجب الجريمة لا التي تمتدحها وتحضّ عليها وتبرّرها ؛ هي التي تدافع عن حقّ كلّ انسان ، بدون تمييز ، بالتمتّع على قدم المساواة بالحقوق والحريّات التي كفلها له الدستور والقوانين والأنظمة المشروعة المرعيّة ؛ هي التي تدافع دفاعا مستميتا عن حريّة الفكر والعقيدة حتّى لو اختلفت مع ذلك الفكر وتلك العقيدة ، لا التي تعتدي على تلك الحريّة وتثمل طربا على أشلائها ؛ هي التي تزأر بالحقّ بوجه كلّ من تسوّل له نفسه أن يحنث بأقسامه الدستوريّة والقانونيّة سبيلا للاعتداء على المواطن الذي لم تكن القوانين الاّ لحمايته ؛ هي التي تشهر كالسيف القاطع أو السّوط اللاذع بوجه الطّغاة البغاة المفتئتين على الحقوق والحرّيّات . الأقلام المنيرة حقّا هي تلك التي تأتمّ بقلم المحرّر العظيم فولتير في دفاعه في قضيّة كالاس وتصدّيه للسلطتين السياسيّة والدينيّة ولطغيان الرأي العامّ المجروف بتيّار التعصّب الدينيّ المقيت ؛ أو التي تأتمّ بقلم زولا في دفاعه التاريخيّ في قضيّة دريفوس ؛ هي الأقلام التي تتصدّى للطّغيان أيّا كان مصدر هذا الطّغيان وسواء أكان طغيان سلطة أو حتّى طغيان مجتمع بأكمله . فأين ، أين كلّ ذلك من الأقلام التي يصفها روجيه الخوري “بالأقلام المنيرة ” تلك التي لم تكن في قضيّة الدكتور داهش الاّ في خدمة الجريمة والقمع الفكريّ ، كما في خدمة التضليل والتشهير المتعمّدين .

 

رابعا : ومن المآسي المباشرة التي سبّبها اضطهاد الدكتور داهش موت الأديبة الشّابة ماجدا حدّاد وهي في عامها السابع والعشرين ، أي في زهرة فتوّتها وعنفوان شبابها ، وذلك بتاريخ 27 كانون الثاني 1945 . فماجدا الابنة الكبرى لجورج وماري حدّاد ، كانت أديبة واعدة باللغة الفرنسيّة ، وقد آمنت بالعقيدة الداهشيّة مع جميع أفراد أسرتها في شهر أيلول من عام 1942 . ولم يكن ايمان هذه الأسرة بالعقيدة الداهشيّة سطحيّا أو عاطفيّا . فاسرتها كانت تنتمي الى الطبقة الصاعدة في لبنان في النصف الأوّل من هذا القرن ، أي طبقة أصحاب النفوذ وذوي رؤوس الأموال المثقّفين ثقافة غربيّة عالية ، وهي طبقة يمكن نعتها مجازا بالأرستقراطيّة اللبنانيّة الجديدة . فماري حدّاد هي شقيقة ميشال شيحا ، صاحب جريدة ” له جور”le jour   الفرنسيّة الصادرة في بيروت ،  ونسيبة الثري هنري فرعون ، وشقيقة لور زوجة الرئيس بشارة الخوري .  وكلّ مطّلع على تلك الحقبة من تاريخ لبنان الحديث يعلم ما كان يمثّله المثلّث شيحا – فرعون –خوري ، والدّور الذي لعبه وارتباطاته الداخليّة والدوليّة ، وأثره في ارساء النظام الطائفيّ والتوازنات الطائفيّة في هذا البلد . وفضلا عن ذلك ، فقد كانت السيّدة ماري حدّاد أديبة مرموقة باللغة الفرنسيّة ,37

وفنّانة على مستوى عالميّ ، أقامت للوحاتها معارض في باريس ولبنان ، واحدى لوحاتها معروضة بصورة دائمة في متحف اللوكسمبورغ في باريس ، كما كانت رئيسة لنقابة الفنّانين اللبنانيّين آنذاك .  أمّا زوجها السيّد جورج حدّاد فقد كان وجيها من وجهاء بيروت ، وتاجرا من تجّارها المعروفين ، وقنصلا فخريّا لرومانيا في لبنان . ودارة آل الحدّاد الرحبة كانت مقصدا للأدباء والفنّانين والوجهاء ، وفيها عقد اليسوعيّون عام 1941 اجتماع خرّيجيهم السّنويّ . وبالتالي ، فقد كانت تلك الأسرة المنتمية الى النّخبة والصّفوة في المجتمع اللبنانيّ تتمتّع بجميع معطيات النجاح ، من وعي وذكاء وعلم وثقافة وانفتاح وروابط عائليّة واجتماعيّة . وهذه المعطيات تؤهّلها التأهيل الأمثل لممارسة حقوقها الطبيعيّة والقانونيّة البديهيّة في الفكر والعقيدة والايمان الدينيّ ، وهي حقوق وحرّيات تكفلها الدساتير والشّرع العالميّة والقوانين بدون تمييز لكلّ فرد أيّا تكن قدراته الفكريّة والثقافيّة أو انتماءاته العرقيّة أو الطبقيّة أو الوطنيّة أو سوى ذلك من الفروق ؛ فهي من الحقوق الأساسيّة الجوهريّة البديهيّة التي يتمتّع بها الانسان بحكم كونه انسانا . وهكذا فانّ ايمان أسرة جورج وماري حدّاد بعقيدة روحيّة أتى بها رجل نشأ يتيما ، وكابد في طفولته وفتوّته الضيق والمشقّات المعيشيّة ، وشقّ طريقه في الحياة معتمدا على مواهبه وعبقريّته ، فدرس على نفسه وكوّن ذاته بارادته وتصميمه ،  وهو ، فوق ذلك ،  لا ينتمي الى أسرة لبنانيّة كبيرة أو صغيرة ذات نفوذ ، ولا هو من أصحاب المطامح السياسيّة أو العاملين في الحقل السياسيّ ، ولا ممّن يعيرون المقاييس أو المعايير الاجتماعيّة الطّبقيّة المألوفة أيّ اعتبار ، لأنّ مقاييسه ومعاييره روحيّة خلقيّة بحتة –انّ ايمان لأسرة جورج وماري حدّاد بعقيدة  أتى بها هذا الرجل الفذّ كان فعل اختيار حرّ واع ، لأنّه اختيار تخطّى الحواجز والموانع الطّبقيّة والاجتماعيّة والمذهبيّة الزائفة ، وقام على تقبّل عقيدة روحيّة سامية رأوا فيها حقيقة مخلّصة كبرى لخير الفرد والمجتمع . وما درى آل الحدّاد أنّهم ، بممارستهم لحريّة طبيعيّة أسبغها الخالق على جميع عباده ، واعترفت بها شرع الحقوق العالميّة والدساتير والقوانين لجميع الناس بدون تمييز ، كانوا يقترفون جريمة لا تغتفر في عرف بعض المراجع المذهبيّة وعرف أنسبائهم وأقربائهم ، وجريمتهم تكمن في عدم استئذان هؤلاء وأولئك في ايمانهم الجديد ؛ جريمتهم أنّهم تصرّفوا بشكل طبيعيّ كمواطنين يتمتّعون بحقوق وحريّات ،  وفي ضوء نور عقولهم ونفوسهم ، ولم يدركوا أنّ هناك قوما ما زالوا يعتبرون أنفسهم أولياء وأوصياء مفروضين فرضا الزاميّا بحقّ الهيّ مطلق على عقول الناس وأفكارهم . ما درى آل الحدّاد أنّ ايمانهم بعقيدة اقتنعت بها عقولهم وارتاحت اليها نفوسهم ، وأدخلت الطّمأنينة والسّعادة الى حناياهم – أنّ ايمانهم ذاك سيكون محكّا لأنسبائهم ولسواهم ممّن سيشترك معهم في اضطهاد داهش ، وامتحانا يكشف زيف شعاراتهم السياسيّة المنادية باحترام الدستور والقوانين وحماية الحقوق والحريّات ،  ويسقط قناع ريائهم الفكريّ ، فيبدون على حقيقتهم الجوهريّة أناسا قبليّين بتفكيرهم واتّجاهاتهم . أجل ، فمن ايمان أسرة جورج وماري حدّاد بالرسالة الداهشيّة ومعرضة أنسبائهم من آل شيحا وخوري وفرعون لهم ، لأسباب مرتبطة بغايات دنيويّة شخصيّة ومصالح سياسيّة متعلّقة بغرض الوصول الى سدّة الرئاسة الأولى وبما يستدعيه ذلك الوصول من ارضاء للقوى المذهبيّة الطّائفيّة وكسب لدعمها وتأييدها – من كلّ ذلك تولّدت الشرارة المباشرة التي أشعلت نيران اضطهاد الدكتور داهش ، خصوصا بعد وصول بشارة الخوري الى سدّة الرئاسة الأولى ، وهيمنته مع محازبيه وذويه وحاشيته على مقدّرات السلطة في البلاد . ولذلك ، كان لاضطهاد الدكتور داهش وقع هائل بآلامه على أسرة جورج وماري حدّاد لأسباب ، منها أن آلهم وذويهم هم المنفّذون لهذا الظلم والجرم ، وقد اتّخذوا من ايمان آل حدّاد بالداهشيّة مبرّرا لاضطهاد مؤسّسها . ناهيك عن أنّ ما كان يوجّه الى الدكتور داهش كان يطالهم بالضرورة بطريقة أو بأخرى ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة . كان ألم آل حدّاد مزدوجا ومضاعفا . فمن جهة ، كان يؤلمهم ما ينالهم وينال الدكتور داهش من ضروب الافتراءات والاختلافات الرخيصة والمظالم ، ومن جهة أخرى كان يؤلمهم أيضا ويحزّ في نفوسهم ما يرتّبه آلهم وذووهم على أنفسهم من تبعات ومسؤوليّات جسام وما تستتبعه أفعالهم من كوارث وفواجع يجلبونها على البلاد وعلى أنفسهم وعلى بيوتهم نتيجة اضطهادهم الظالم .38

وبينما لا يجد أصحاب النفوس الضعيفة غضاضة في تبديل ولاءاتهم وقناعاتهم تبعا لتبدّل اتّجاهات رياح مصالحهم بسرعة تفوق سرعة الحرباء في تبديل ألوانها ، غير مفتقرين في ذلك الى اختلاق الأعذار وتنحّل المبرّرات ، خصوصا متى كان ذلك سهلا للتقرّب من أصحاب السلطة والنفوذ أملا بمنصب أو جاه دنيويّ أو طمعا بمكاسب ماديّة عن طريق صرف النفوذ أو استغلاله ، فانّ تلك الحال لم تكن حال أسرة جورج وماري حدّاد على الاطلاق ؛ اذ انّهم هزأوا بالمغريات ، وداسوا المصالح الشخصيّة قاطعين صلاتهم بذويهم وهؤلاء في أوج سلطانهم ونفوذهم عندما كان القاصي والداني يتمنّى التقرّب منهم ونيل حظوتهم ، وفضّلوا أن يتحمّلوا أفدح الخسائر ، وأن يضحّوا بالغالي والنفيس ،  من أجل مبدأ الحريّة وعقيدة آمنوا بها بصدق واخلاص . وعندما نفّّذ المتآمرون ، بعد القائهم القبض التعسّفيّ على الدكتور داهش ، جريمة تجريده من جنسيّته وتشريده خارج الأراضي اللبنانيّة بطريقة بوليسيّة سريّة وباجراءات مخالفة للدستور والقوانين والأعراف الداخليّة والدّوليّة وبأفعال وحشيّة بربريّة ، استفظع آل الحدّاد أن يقع كلّ ذلك في بلد دستوريّ ديمقراطيّ ، وأن تبقى الاستكانة مخيّمة على المسؤولين وقادة الرأي العامّ ، فكأنّ هناك مؤامرة صمت رهيبة لفّت الجميع . وقد تملّك نفس ماجدا حدّاد من جرّاء ذلك يأس جارف من القانون والعدالة في هذا البلد ، فصمّمت على الانتقام ، وعقدت النيّة تحديدا على اغتيال الشيخ بشارة الخوري الذي اعتبرته ، بحكم موقعه وما لعبه من دور أساسيّ في هذه القضيّة ، المسؤول الأوّل عن ارتكاب الجريمة بحقّ الدكتور داهش . فاحتازت مسدّسا لهذه الغاية ، وبدأت تترصّد حركات الرئيس ، وكان بامكانها الوصول اليه بسهولة لو أرادت تنحّل عذر ما ، فهو زوج خالتها . ولكن ما ان بلغ الى الدكتور داهش نبأ ما اعتزمت تنفيذه ، حتّى بادرها فورا برسالة أرسلها اليها بتاريخ 15 تشرين الثاني 1944 ينهاها فيها عن المضيّ قدما في ما خطّطت له ، وعن الاقدام على أيّ عمل عدائيّ ضدّ الشيخ بشارة الخوري أو سواه مثلما جاء في الرسالة .

لم تستطع ماجدا تجاهل هذه الرسالة ، ولكنّ الحالة النفسيّة والعصبيّة الحادّة التي هي نتيجة تركميّة مباشرة خلقتها سلسلة حوادث الاضطهاد المتلاحقة على مدى ينيف على سنتين جعلتها تفكّر بطريقة أخرى للانتقام من ذويها المسؤولين عن الاضطهاد وذلك بقتل نفسها وتحميلهم مسؤوليّة دمها المهراق احتجاجا على ما يرتكبونه من جرم بحقّ الدكتور داهش والداهشيّين، وتنبيها للرأي العامّ الى فداحة الظّلم والطغيان الممارسين من قبل المسؤولين في هذه القضيّة . وهكذا ، ففي 27 كانون الثاني 1945 ، أطلقت ماجدا رصاصة على صدغها ، فسقطت شهيدة الظلم واضطهاد حريّة الفكر والعقيدة في هذا البلد الذي يتغنّى فيه الكتّاب والصّحفيّون والسياسيّون كثيرا بحضارته العريقة وبالحرص فيه على الحريّة ، وبانّه ملجأ المضطهدين . انّ المسؤولين عن سلسلة الأفعال والاجراءات التعسفيّة التي تشكّل بمجموعها تنفيذا لمؤامرة اضطهاد الدكتور داهش والداهشيّين هم المسؤولون مسؤوليّة مباشرة عن استشهاد ماجدا ، لأنّ الصلة السببيّة بين أعمالهم غير المشروعة والجوّ الذي خلقته هذه الأعمال ، والحالة النفسيّة الحادّة التي أحدثها هذا الجوّ في الأديبة الشّابة ماجدا هي التي أدّت مباشرة الى استشهادها . ومذكّرات ماجدا ، التي ترجمها الأدب اللبنانيّ الكبير كرم ملحم كرم من الفرنسيّة الى العربيّة ، ونشرها في مجلّته ” ألف ليلة وليلة “39 ، تشرح ذلك بوضوح تامّ .

ومثلما يحاول روجيه الخوري أن يستغلّ هذه الحادثة المأساة بعد نصف قرن من حصولها بقوله انّ الدكتور داهش ” قد دخل في نفسيّات بعض النساء لدرجة أنّ بعضهنّ انتحر بسببه ” (ص101) ، محاولا بذلك أن يوحي أنّ الانتحار كان لآسباب لاأخلاقيّة ، هكذا أيضا لم يتورّع المسؤولون عن هذه الجريمة ، الذين يبدو أنّ روجيه الخوري يغترف ممّا خلّفوه من قيح الاشاعات التي أطلقوها وصديدها وقمامتها ، عن محاولة استغلالها دفعا للمسؤوليّة عنهم ، فأشاعوا أنّ ماجدا انتحرت لستر علاقة مشروعة بداهش ، وأرادوا تأييد ما أشاعوه من حقارة بدليل ملموس ، فأمروا باجراء تشريح للجثّة ، الغاية منه اثبات ذلك بشكل محدّد مثلما سيتّضح من عبارات التقرير الطبّي ذاته الذي جاء صفعة تاريخيّة مزلزلة مخيّبة لآمالهم السوداء ، وملحقة بهم ادانة لا تمحى أبد الدّهر . وانّني أترك لقلم الصّحافيّ المهجريّ النبيل جبران مسّوح رواية هذه الوقائع :40

وموت ماجدا نقل الحادث من طور الى طور . فعندما رأت ماري حدّاد أنّ بنتها صارت جثّة هامدة أمامها , تحوّلت من سيّدة تدافع عن قضيّة الى لبوة مفترسة لا تراعي في البطش قاعدة أو نظاما . كانت تناضل بلسانها وقلمها بروابط وقيود , فصارت تطاعن بلا روابط وبلا قيود … وبلا وعي . ولماذا لا نلتمس لها عذرا ؟

وفي مثل هذه الظروف , أيّ سلاح يمكنها أن تستعمل غير هذا السلاح ؟

ولا ننسى ذاك الذي قال لخصمه :

-لا ترفع صوتك أمام أمير المؤمنين …

فأجابه أمير المؤمنين :

  • الحقّ جعله أن يرفع صوته …

ويظهر الخال ميشال شيحا أمام موت ماجدا , فيجدها فرصة ثمينة لكي يستغلّها كما يريد , فيشيّع عن ابنة اخته : أنّها كانت متحمّسة للدكتور داهش الى حدّ الهوس … ويمكن أن يكون اتّصل بها , فهي قتلت نفسها لستر جريمة … ومثل هذه الإشاعة تتناقلها الألسن بسرعة البرق , ولا سيّما أنّ خصوم داهش يحملونها حالا الى كلّ مكان لأنّها سلاح قاطع ضدّ عدوّهم …

وهكذا سارت الرّكبان بهذا الخبر في كلّ لبنان وسوريا .

ولو اكتفى الخال الفاضل بترويج هذه الإشاعات لنجحت خطّته برهة من الزمن … ولكّنه أراد أن يؤيّدها بقرار طّبيّ … فطلب أن يجري كشف على جثّة ماجدا , بطريقة قانونيّة , وأن يكون ذلك أمام هيئة منظّمة ليكون القرار حاويا كلّ الشروط الرسميّة النظاميّة … وتم له ما أراد … وحضرت هيئة منظّمة من رجال طبّ واستنطاق وشهود وبوليس , فكان عددهم نحو الثلاثين … وكلّهم رجال … لكي يثبتوا هذه الجريمة …

ويمكننا أن نتصور حال ماري حدّاد أمام هذا المشهد : مشهد ثلاثين رجلا يشاهدون جّثة بنتها ماجدا , ويفحصونها فحصا طبّيا …

وينتهي هذا الفحص بقرار يتكلّم فيه الضمير …ذلك لأنّ أعصاب الانسانيّة كلّها ترتجف في مثل هذا الموقف . ويظهر الضمير بهيئة رعّادة مخيفة  غير طبيعيّة تجعل الانسان كالعجينة أمام الحقّ …فيكتب طبيب الحكومة هذا القرار المسحوب أيضا على الزنك ، وهذه صورته بالحرف الواحد :

” بتاريخ 27 كانون الثاني 1945 بناء على تكليف حضرة مدّعي عامّ بيروت وبحضوره أجريت معاينة ماجدا ابنة جورج حدّاد ، وبعد التحقيق بفحص ثدييها وبطنها وأعضائها التناسليّة ، لم أشاهد عندها أقلّ أثر ظاهر يدلّ على حمل حاضر أو سابق ، وخصوصا بأنّني شاهدتها بأنّها غير مفضوضة البكارة حيث غشاء البكارة لم يزل موجودا وبحالته الطّبيعيّة.”

 

 

                                              الدكتور الشرعيّ الياس الحلو

 

وتقرأ ماري حدّاد هذا القرار عن بنتها ….القرار الذي يمكننا أن نسميّه بكورة علنيّة ، أو طهارة مكشوفة ،أو عفاف واضح …

وأترك المجال لكلّ كتّاب اللغة العربيّة ليضعوا له غير هذا الاسم ، فهو يستحقّ أن يهتمّ به كتّاب اللغة العربيّة لأنّه غريب في بابه ، ولا بدّ أن

 يوجد له اسم في لغتنا .

وتنظر ماري حدّاد الى جماعة الرجال الفاحصين ، وتقول لهم :

– انّكم شرذمة منحطّة تخدم سلطة منحطّة .

وما استطاع الرجال الفاحصون الاّ ان يصمتوا أمام هذه الكلمات .

وتقول الوثائق :

انّهم نكسوا رؤوسهم ثمّ انصرفوا الواحد بعد الآخر .

ثمّ تكتب ماري حدّاد الى أخيها ميشال هذا الكتاب :

 

 

الى الدسّاس ميشال شيحا ،

انّ أطهر فتاة في هذه الأرض انتحرت احتجاجا على جرائمكم ؛ لقد تآمرتم ضدّ رجل بريء حتّى جعلتموه يذوق من العذاب جلجلة ثانية ، وذلك طوال أشهر متعدّدة ، وهو لا يزال الى الآن يتألّم :

فمن خيانة ، الى سجن ، الى ضرب ، الى جوع ، الى عطش ، الى عذابات نفسيّة وجسديّة ، وهو بدون ملجأ ووطن ، مطارد في كلّ مكان ، بينما والدة تتلهّف ، وأخت تتعذّب ( أي أمّ داهش وأخته ) وأصدقاء يتألّمون ويلومون أنفسهم لأنّهم لم يعملوا شيئا لأجله ضدّكم .

انّ تلك الفتاة العزيزة أعطتهم أمثولة العظمة والبطولة . فأنتم اذن سبب موتها … وها انّ دمها يصرخ ضدّكم . وفي تخيّلاتكم الخسيسة الدنيئة تصوّرتم عنها تصوّرات رهيبة ، فيا عاركم ويا ذلّكم ، اذ كيف يجرؤ شربل ( هو يوسف شربل النائب العامّ الاستئنافيّ ) بدون أمرك أن يطلب من الأطبّاء أن يقوموا بفحص هو اهانة للطهر والعفاف ؟

وقد قام بهذا الفحص القبيح الدكتور حلو بحضور آصاف رعد وثلاثين شخصا من عصابة البوليس ، ومنهم الوغد عارف ابراهيم ، مدير البوليس ، فصحت بهم معلنة أنّهم أدوات مجرمة تنفّذ أوامر عصابة أثيمة من المجرمين ،  وأنّ عملهم هذا يدلّ على وضاعة أفكارهم وحقارة لبانات قلوبهم . انّا نغتبط به رغم ألمنا واشمئزازنا الشديدين ، وذلك من أجل الهدف السامي الذي نعتقد به ونؤمن بقدسيّته ، اذ انّ هذا الفحص يضيء بنور جديد الحقيقة الرائعة ويبدّد الغيوم أمام أبصار الذين أعمتهم دعاياتكم الكاذبة واشاعاتكم المنحطّة .

فليجيدوا اذن تشريح هذه الجثّة الطاهرة ، ليس أمام الدكتور حلو فقط بل أمام جميع أطبّاء المدينة ليشهدوا بأعينهم الحقيقة الساطعة .

فهل تستطيعون أنتم الاّ أن تفكّروا بالأمور الدنيئة المنحطّة ؟….

وهل يمكنكم أن تتصوّروا انّه من المستطاع أن يعاشر الناس بعضهم بعضا ، في هذه الأرض ، الا لأسباب دنيئة قذرة ؟

انّني أطلب هذه المرّة أيضا أن تعاد الى الدكتور داهش جنسيّته والتعويضات الشّرفيّة والماديّة .

 

                                                             ماري حدّاد الداهشيّة

 

 

انّ للشرف والأخلاق حرمة حصينة ، فلا يجوز انتهاكها واستباحتها بتهم مظنونة تهدف الى النيل من السّمعة وتلطيخها ، تهم مستمدّة من تصوّرات سوداء وهميّة ونيّات سيئة حاقدة ، وبتجاهل كامل لوقائع ثابتة تاريخيّا . فلا يجوز لمن يحترم نفسه ، ولمن يتحلّى بالموضوعيّة الحقّة ، ويسعى بجديّة ورصانة الى الحقيقة ، الاّ أن يكون شديد الحذر ، عظيم التبصّر ، كثير التشكّك والتردّد في كلّ ما يكون من شأنه النيّل من السّمعة والشّرف والكرامة ، فيحجم من اعطاء رأي لا يستند الى دليل ماديّ ثابت يؤيّده . فالاستخفاف بالحقيقة ، والخفّة في اطلاق المزاعم والادّعاءات التي تطعن الانسان في صميم كيانه الانسانيّ والخلقيّ ، من دون اعتبار لما يسبّب ذلك من آلام ومن نتائج وخيمة تترتّب عليه ، انّما يدلّ على أنّ هذا التصرّف هو تنفيذ لحكم مسبق باغتيال السّمعة ونزاهة الشخصيّة ومكانتها الاجتماعيّة ، لدى استحالة اغتيال الشخص ، وذلك كوسيلة للقضاء على عقيدة روحيّة اعتنقها كثيرون من المثقّفين وارتاحوا اليها .

خامسا – لم يقف الدكتور داهش ولا الداهشيّون مكتوفي الأيدي ازاء هذه الجريمة . فالدكتور داهش عاد الى لبنان ، بعد أن أنقذته العناية الالهيّة ، وشنّ مع الداهشيّين حملة ساحقة في محكمة الرأي العامّ ؛ فطبعوا ونشروا 66 كتابا أسود عرضوا فيها على الرأي العامّ وقائع هذه القضيّة وأبطالها وأسبابها ومسبّباتها ودوافعها ، ولم يكتفوا بذلك بل كشفوا سلسلة الارتكابات المخزية والفضائح التي غصّ بها عهد بشارة الخوري .  وقد بذل الداهشيّون في طبع هذه الكتب والنشرات وتوزيعها أموالهم ووقتهم وراحتهم ، وتحمّلوا أقصى الاضطهادات دون أن يلينوا ، لأنّهم كانوا على يقين من انّهم يدافعون عن قضيّة الحقّ والحريّة في قضيّة الدكتور داهش . وعندما صدرت الكتب والنشرات السوداء ، كان بشارة الخوري في أوج سلطانه ، وكانت أكبر الهامات تنحني له في لبنان . وقد أكّد الداهشيّون المرّة تلو المرّة في هذه المنشورات السوداء أنّ الحقّ يؤخذ ولا يستجدى ،  وأنّ جنسيّة الدكتور داهش ستعود اليه بقوّة الحقّ وبقوّة البأس أيضا . وعلى سبيل المثال ، فقد جاء في الصّفحة 8 من النشرة السوداء ” أطلب محاكمتي ” التي صدرت عام 1945 باسم ماري حدّاد ما يلي :

” ولكنّني أؤكّد له ( لهنري فرعون ) بانّ الجنسيّة ستعود بالرّغم منه وبالرّغم من محاولاته الشائنة ومحاولات من يلفّ لفّه . والمستقبل سيريه صدق أقوالي .”

 

وفي الكتاب الأسود ” كشف السّتار وفضح أسرار العصفوريّة وما يرتكب فيها من جرائم رهيبة باسم العطف على البؤساء والمنكرين ” لماري حدّاد ، الصادر عام 1946 ، في بيروت ، جاء في الصّفحة 2 منه ما يلي :

” وليعلم هؤلاء الكذبة المراؤون ، بل ليتأكّد لهم أنّ جنسيّة الدكتور داهش ستعاد اليه بقوّة الحقّ وبقوّة البطش أيضا . فمن أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ

والعبد الذليل هو من يرضخ ويحني الهامة بمذلّة معيبة “

 

وجاء في الصفحتين 3 و4 من الكتاب نفسه ما يلي :

” انّ دوام هذه الحالة من المحال . وانّ فوضى الحكم التي أصبح لبنان يتخبّط بها بفضل بشارة الخوري وأساليبه الهمجيّة سيكون لها شأن خطير ، وستظهر نتائجه قريبا . فلينتظروها .

وأخيرا ، انّ لكلّ أمر غاية ، ولكلّ بداية نهاية . وعندما تأتي بدايتنا تتمّ نهايتهم ، فتتقوّض أرائك حكمهم ، ويردّ كيدهم الى نحرهم “.

وقد تمّ ما جاء في المنشورات بحذافيره . فالشعب اللبنانيّ ، بعد أن ضاق ذرعا بالمفاسد والفضائح التي أزكمت روائحها الكريهة الأنوف ، هبّ كرجل واحد في ثورة شاملة أسقطت عهد بشارة الخوري وطردته من كرسيّ الرئاسة الأولى .  وبعيد طرده ، عرضت قضيّة الدكتور داهش على رئيس الجمهوريّة الجديد المنتخب ، الأستاذ كميل شمعون ، وعلى مجلس الوزراء ، وبناء على دراسة قانونيّة اعدّها القاضي الدكتور أنطوان بارود ممثّلا دائرة القضايا والتشريع في وزارة العدل ، بتاريخ 30 كانون الأوّل 1952 ، بيّن فيها لامشروعيّة الاجراءات المتّخذة بحقّ الدكتور داهش ، أصدر مجلس الوزراء اللبنانيّ ، في 6 شباط 1953 ، قرار ألغى بموجبه قرار رئيس مصلحة الاحصاء والأحوال الشخصيّة الذي قضى بشطب قيد الدكتور داهش من سجلّ المصيطبة ونقله الى سجلّ الأجانب ، بموجب المعاملة المؤرّخة في 22 أيلول 1944 ، رقم 1543 . وأمر مجلس الوزراء بقراره ” اعادة قيد ” الدكتور داهش وعائلته “الى ما كان عليه واعتبارهم من الجنسيّة اللبنانيّة ” مثلما جاء حرفيّا في قرار مجلس الوزراء . وبعد الغاء قرار الشّطب واعادة الجنسيّة أصدر رئيس الجمهوريّة ، الأستاذ كميل شمعون ، بتاريخ 24/3/1953 ، مرسوما يحمل الرقم 1453 ، ألغى بموجبه مرسوم الابعاد رقم 1842 الذي أصدره الطاغية بشارة الخوري بتاريخ 8 أيلول 1944 , وقد نشر هذا المرسوم في ملحق العدد 13 من الجريدة الرسميّة أوّل نيسان 1053 .

فهل هذه “هزيمة ” للدكتور داهش أم لأعدائه ومناوئيه وحاسديه بقضّهم وقضيضهم ؟

وبعد استعادة الدكتور داهش لحقوقه السليبة في أوائل عام 1953 ، بقي مقيما اقامة دائمة مستمرّة في وطنه لبنان حتّى العام 1980 . وطوال هذه المدّة كان منزل الدكتور داهش في بيروت مقصدا للشخصيّات والمثقّفين والعامّة ، وللصحفيّين الذين قابلوه وعاينوا ظاهراته الروحيّة ، وصوّروها بأثناء حدوثها ، وكتبوا التقارير عن زياراتهم وأحاديثهم ومشاهداتهم في الصّحف والمجلاّت التي يعملون فيها . كما ألقيت المحاضرات العديدة عن الداهشيّة وظاهراتها الروحيّة وفلسفتها في لبنان وفرنسا وبلجيكا والولايات المتّحدة الأميركيّة . 41

وتوالى صدور مؤلّفات الدكتور داهش ، ووضعت الدراسات عنها وعن الداهشيّة ، وقدّمت رسائل جامعيّة لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة تناولت مؤلّفات للدكتور داهش أو أدباء داهشيّين .42

ونال كتاب الدكتور داهش ، ” مذكّرات يسوع الناصريّ ” الجائزة الأولى ، عام 1991 ، من المركز الثّقافيّ العربيّ في بيروت للاخراج الفنيّ ، كما نالت المطبعة التي طبعت نسخة الكتاب الانكليزيّة ، في الولايات المتّحدة ، الجائزة الأولى لجمعيّة المطابع الأميركيّة عام 1994 . وتعرض كتب الدكتور داهش سنويّا في معارض الكتب العالميّة في فرانكفورت والقاهرة ونيويورك وشيكاغو وباريس وغيرها . وفي عام 1991 ، نالت دار النسر المحلّق للطباعة والنشر التي تعنى بنشر تراث الدكتور داهش الجائزة البرونزيّة من النادي الثّقافيّ العربيّ لاشتراكها ، بدون انقطاع ، سحابة ستّ عشرة سنة متواصلة في معرض الكتاب الذي ينظّمه النادي سنويّا في القاعة الزجاجيّة في مبنى وزارة السياحة والاعلام في بيروت . وفي عام 1986 ، أسّست في نيويورك دار النشر الداهشيّة .The Daheshist Publishing Company LTD لنشر الكتب الداهشيّة بمختلف اللغات ، وفتحت مكتبة تراث داهشDahesh Heritage Bookstore  عام 1944 ، وافتتح متحف داهش في الجادّة الخامسة بمدينة نيويورك ، عام 1995 ؛ وفي مدينة نيويورك التي عاش فيها سابقا نابغة لبنان جبران خليل جبران وألّف مع لفيف من الأدباء اللبنانيّين المهاجرين “الرابطة القلميّة “، تصدر حاليّا ، منذ العام 1995 ، مجلّة ” صوت داهش ” باللغتين العربيّة والانكليزيّة .

فهل هذا دليل على زوال الداهشيّة وتشتّت أعضائها وفناء تعاليمها ، مثلما يزعم روجيه الخوري ؟

انّ شمس الداهشيّة التي بزغت في بلاد أرز الربّ ، مسقط رأس فتى الأرز جبران خليل جبران ، تمتدّ أنوارها في جميع أرجاء المعمور . ولكنّ البوم الذي لا يرى في النور يعتبر النور ظلاما . وهكذا فانّ أسطورة البوم الاله التي كتبتها السيّدة ماري حدّاد وطبّقتها على شقيقها  ميشال شيحا ، بسبب موقفه التعصّبيّ الأعمى من الدكتور داهش والداهشيّة ، ومغزاها ” أنّ المرء الذي يكون شديد التعصّب في قضيّة ، يكون أعمى في القضايا الأخرى “، انّما تنطبق اليوم أكثر ما تنطبق على روجيه الخوري نفسه .

                                     *  *  *

 

                             وحدة الأديان في وحدة الشّعب

 

واذا أراد الله وحدة أمّة                           كانت من الايقاظ لا النّوّام

ومشت الى أسمى المراتب حرّة               وتخلّصت من ربقة الظّلام

وتعانقت أديانها وتوحّدت                      أهدافها في موقف الاقدام

وتطلّعت للحقّ من حرم الهدى                وهفت لسرّ الرّوح والالهام

 

عطفت على رسالة روحيّة                    فتحقّقت بجمالها أحلامي

بالداهشيّة قد عرفت محمّدا                  وتلوت قرآن الهدى المتسامي

وعرفت نصرانيّتي ومسيحها               لمّا عرفت حقيقة الاسلام

فطرحت خلفي كلّ شرّ في الورى           وجعلت انجيل المسيح امامي

 

                                                                

                                                    حليم دمّوس

                                        ( مجموعة ” يقظة الرّوح )

خاتمة الكتاب

الايمان بوحدة الأديان الجوهريّة طريق لخلاص الانسان

 

في شهر أيلول من عام 1993 ، عقد في شيكاغو المؤتمر العالميّ للأديان برئاسة الدكتور هانس كونغ اللاهوتيّ السويسريّ الكاثوليكيّ الشهير . وقد ضمّ المؤتمر ستّة آلاف ممثّل لأكثر من 125 دينا في العالم ، وتبنّى اعلانا بعنوان ” نحو خلقيّة عالميّة “. ممّا جاء فيه :

” من وقت الى آخر ، نرى زعماء الأديان أو أتباعها يثيرون العداء والعصبيّة العمياء والبغضاء ، وكره الأجنبيّ حتّى انّهم يحفزون الى النزاعات الدمويّة العنيفة ويجعلونها مشروعة …انّنا مفعمون اشمئزازا من تصرّفاتهم ، وانّنا نشجب كلّ اعتداء أو بغض باسم الدين “. 1

وهذا الشعور ليس مبنيّا على كثرة الحروب والمجازر والأحقاد الجماعيّة المستثارة باسم الدين في القرن العشرين فحسب ، بل على تاريخ ” البغض المقدّس ” الذي سيطر على التاريخ . فقد كتب المهاتما غاندي ، قدّيس القرن العشرين ، في الهند ” الهند الفتيّة “:

” انّ أبشع وأفظع الجرائم التي دوّنها التاريخ ارتكبت باسم الدين أو باسم دوافع انسانيّة .” 2

وقد كان الجوّ الدينيّ المهيمن على المؤتمر العالميّ يوحي بضرورة الايمان بأنّ الأديان كلّها ذات جوهر روحيّ واحد ، وأنّ الخلاص الروحيّ يمكن أن يتمّ عن طريق أيّ دين اذا تمسّك أتباعه بالقيم الروحيّة التي فيه والتي تلخّصها القاعدة الذهبيّة القائلة ” لا تعمل للآخرين ما لا تريد أن يعملوه لك .”

فالأعضاء المجتمعون الذين يمثّلون نخبة من الأدمغة المميّزة في جميع الأديان والمذاهب في العالم كانوا يدركون أنّ بين المعتقدات الدينيّة جميعها أساسا مشتركا هو جوهرها الروحيّ الواحد ، وأنّ هذا الجوهر هو الذي يدعهم يشعرون أنّهم عائلة روحيّة واحدة .

وفي 1/1/1997 ، نشرت صحيفة نيويورك تايمز أنّ هانس كونغ ، أستاذ اللاهوت الشهير في جامعة توبنغن بألمانيا ، علّق على انزال البابا الحرم باللاهوتيّ السيريلانكيّ المشهور ، تيسّا بالاصوريّاTissa Balasuriya

لأنّه يبشّر بوجود طرق متعدّدة للخلاص الروحيّ – علّق بقوله :” انّه اجراء ظالم ، لكنّه نتيجة النظام الكاثوليكيّ ؛ وستبقى أمثال هذه الاجراءات ما دامت الكثلكة لم تحرّر نفسها من عقيدة تؤمن بأنّ البابا هو دائما على حقّ .”

انّ وحدة الأديان الجوهريّة التي بدأ المفكّرون الدينيّون البارزون يتنبّهون لها أعلنتها الداهشيّة منذ نصف قرن ونيّف ، فنادت بأنّ الايمان بوحدة الأديان الجوهريّة طريق لخلاص لبنان الذي مزّقته العصبيّات الطائفيّة العمياء ونكبت شعبه ، ودكّت عمرانه ، وأرجعته القهقرى بين شعوب العالم المطّردة في التّقدّم ،كما هو خلاص للبشريّة جمعاء .

هذا الايمان اذا استقرّ وعمّ ، نتج عنه التسامح الدينيّ واحترام العقائد على اختلافها ، وممارسة حريّة التعبير والاعتقاد براحة ومسؤوليّة . فادّعاء الحقيقة المطلقة من أيّ جانب لا ينتج الاّ ردّات فعل مماثلة متطرّفة تؤدّي الى نشر الجهل والعمى في الناس ، لأنّ الحقيقة المطلقة هي لدن الله وحده . ومن أراد ادّعاءها ، فعليه أن ينافس الله عزّ وجلّ في قدرته على الخلق ، وفي كمال معرفته ، وأن يبرهن للنّاس أنّه أزليّ لا يقاربه الفناء ، وأنّه يحيط احاطة تامّة بأسرار الحياة والموت ، والوجود المرئيّ وغير المرئيّ . لكنّ الانسان العاقل يدريأنّه لا يعرف حتّى الجراثيم التي تدبّ داخل جسمه والأفكار التي تخطر في عقل طفله .

والداهشيّة بدعوتها النّاس الىالايمان بوحدة الأديان الجوهريّة ، ووحدة الأنبياء الروحيّة ، لا تدّعي أنّها ستحلّ محلّ الأديان ، بل على العكس ، انّها تدعو المؤمنين ، في كلّ دين ـ الى العودة الى الأصول النقيّة التي نبعث منها أديانهم والى الاستقاء منها ، والتمسّك بها ، لأنّ الأديان المتعدّدة ضروريّة روحيّة ، وذلك لاختلاف البشر في مستويات مداركهم ونزعاتهم وبيئاتهم ، لأنّه ( لا يكلّف الله نفسا الاّ وسعها )( سورة البقرة :286 ) . تلك هي مشيئة الله ( ولو شاء ربك لجعل النّاس أمّة واحدة )( هود : 118 ).

والداهشيّة بصفتها دعوة روحيّة مؤيّدة بالمعجزات الدامغة ، بحوزتها حلول روحيّة للاختلافات الظاهرة في المعتقدات ، وهي حلول كشف عنها الروح العليّ ليساعد ذوي النيّات الحسنة من البشر في أن تطمئن نفوسهم في أخوّة انسانيّة شاملة قائمة على العدالة والمحبّة والرحمة والفضيلة ، لأنّ الدين الذي يخلو من هذه القيم الروحيّة يخلو من كلّ ما يدفع النفس الى الارتقاء . فمدّعوا احتكار الحقيقة ، ومدّعو العصمة من الخطأ سينتهون الى عزل أنفسهم عن المجتمعات الراقية التي يسودها التّسامح واحترام العقائد المتبادل ، ويكون مصيرهم القهقرى المستمرّة فالاندثار . فالحضارة البشريّة لم تتقدّم الاّ بتلاقح الأفكار ، وتبادل الآراء والأخذ والعطاء .

وحسبي ، هنا ، أن أعرض ، على سبيل المثال ، قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب ، وفي القرآن ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم )( سورة النساء :157 ) فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح الاّ من ضمن الداهشيّة ، وتوضيحها يتمّ ببرهان ماديّ محسوس .

 

 

شخصيّات الدكتور داهش السّت

لقد تبيّن لي ولعشرات غيري أنّ للدكتور داهش ستّ شخصيّات أخرى غير شخصه البشريّ ؛ وهذه الشخصيّات كناية عن سيّالات ، أي قوى روحيّة هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة ، وباذن الله يسمح لها ، أحيانا ، بأن تتجسّد لاتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة ، فتتّخذ شكله البشريّ تماما بحيث تصبح شبهه . واذ ذاك يمكن من كان حاضرا أن يجالسها ويحادثها ويتحسّسها ويؤاكلها ؛ لكنّه قد لا يستطيع أن يميّزها عن داهش البشريّ ، الاّ اذا كانت ترتدي ثيابا مختلفة ، وكان الناظر يعلم ، سابقا ما يرتديه الدكتور داهش . وكثيرة هي المرّات التي تظهر فيها فجأة ، وتتوارى فجأة ، بينما تكون أمامنا ، ونحن ننظر اليها أن نسلّم عليها . وقد يجتمع منها شخصيّتان أو أكثر حتّى الستّ ، في مكان واحد ، وقد تتجسّد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . وقد تأكّد لي ولكثيرين غيري ، ممّن شاهدوها ، أنّها لا تخضع اطلاقا لنوميس الأرض : فهي تخترق الحواجز والجدران ، وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر ، وان يكن من اقصى المشارق الى اقصى المغارب ، وتسيطر على الجاذبيّة ، فترتفع في الهواء ، وتمشي على الماء ، وتثقّل وزنها أو تخفّفه حتّى تلاشيه وهي قادرة باذن الله على صنع ما تصنعه الروح العلويّة من معجزات .

 

 

 

مصرع الدكتور داهش ثمّ بعثه

ومن عجائبها الباهرة أنّه في 28 حزيران سنة 1947 ، ألقي القبض على احدى الشخصيّات في أذربيجان من أعمال ايران ، فقتلت رميا بالرصاص ، ودفنت في البلد عينه ، في أوّل تمّوز من العام نفسه ؛ وذلك لأنّ فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان ، ولم يستطع الدكتور داهش اثبات هويّته ، اذ انّ السلطات اللبنانيّة جرّدته من الأوراق الرسميّة ، بعد حكمها عليه بالنّفي ظلما . وقد نشرت الصّحف في لبنان وجميع البلاد العربيّة نبأ مقتل الدكتور داهش وصور مصرعه . وأنشئت فيه مئات المراثي . 3

ولمّا ذاع الخبر وشاع ، أراد بشارة الخوري أن يزداد تثبّتا من الأمر ، فأرسل بطلب السيّد رهنما ، سفير ايران في لبنان يومذاك ، واستوضحه حقيقة مقتل مؤسّس الداهشيّة ، فسأل السفير وزارة الخارجيّة الايرانيّة عن حقيقة الحادث ، فأتاه تقرير رسميّ يؤكّد مصرع الدكتور داهش ويوضح تفاصيله ؛ فرفع السفير هذا التقرير الرسميّ الى بشارة الخوري . ولكن أنّى للرئيس الباغية أن تطمئنّ نفسه لو علم أنّ مؤسّس الداهشيّة كان ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحقّ ويضع ” الكتب الشوداء ” ضدّ عهد الطغيان على  مرمى حجر من القصر الجمهوريّ ! أمّا شخصيّته التي أعدمت في آذربيجان ، فسرعان ما بعثت من الموت ، لأنّ الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض ، لأنّها ليست من الأرض .

أمّا لماذا لم تستخدم الشخصيّة العلويّة قدرتها الخارقة من أجل التخلّص من أيدي الجنود ، فذلك لكي تثبت مسؤوليّة طاغية لبنان وأعوانه في جريمة القبض على مؤسّس الداهشيّة واضطهاده واقصائه عن لبنان بدون محاكمة ، مجرّدا حتّى من جنسيّته وهويّته ، تماما مثلما لم تستخدم شخصيّة السيّد المسيح قدرتها الخارقة لتتخلّص من الصّلب ، لأنّ بدونه لا تتمّ عمليّة الفداء .

ولو يرحب المجال ، لكنت أذكر من الحداث المفصّلة عن ظهور شخصيّات مؤسّس الداهشيّة واختفائها ما يملأ مجلّدا . حسبي أن أذكر ، من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ ادوار نون ، وزير التربية السابق ، والسيّدة قرينته ، والدكاترة شاهين صليي ، وجورج خبصا ، وفريد أبو سليمان ، ونجيب العشّي ، والسّادة جورج حدّاد ، وبوليس فرنسيس ، ونقولا ضاهر ، والسيّدات رباب المقدّم وهيلدا مراد نسيب ، وأوديت كارّا ، وغيرهم وغيرهنّ كثيرا ….

فالأناجيل اذ تؤكّد صلب المسيح ، انّما تؤكّد صلب شخصيّة من شخصيّاته ؛ لكنّ الانجيليّين ، لسبب روحيّ ، لم يوضّحوا ذلك ، انّما اكتفوا بالاشارة ، بعد الصّلب ، الى أنّ المسيح المصلوب بعث من الموت ، وكان يظهر ويختفي أمام تلاميذه مرارا ، والقرآن الكريم ، اذ يقرّر عدم صلب المسيح ، انّما يعني عدم صلب عيسى ابن مريم الشخص البشريّ المولود ، موضّحا أنّ الذي صلب انّما هو ” شبهه “؛ وما شبهه الاّ احدى شخصيّاته .

وهكذا نرى أنّ الداهشيّة ، لا بالنظريّات ، والآراء المتضاربة ، بل بالبراهين الحسيّة ، تظهر وحدة الاسلام والمسيحيّة ، ووحدة ما أنزل من قبل ومن بعد . 4

وقد تأكّد للداهشيّين من خلال ما شاهدوه من المعجزات الدامغة أنّ الحياة كائنة في ملايين الكواكب في رحاب الكون اللانهائيّة ، هذه الحياة التي بدأ العلماء يؤكّدون وجودها خارج الأرض .  كما تأكّد للداهشيّين انّ كلّ انسان له سيّالات – أي امتدادات روحيّة حيّة – متجسّدة في بعض الكواكب .  لكنّ تلك السيّالات لا يسمح لها بالتجسّد في الأرض ،  اذ هي تخضع لقوانين العالم الذي تكون فيه .  أمّا السيّالات التي يسمح لها بأن تتجسّد في الأرض فهي نادرة جدّا ، وتجسّدها يكون لأداء مهمّة روحيّة ، تغادر الأرض الى عالمها بعد اتمامها ، وهذا ما حصل لشخصيّة السيّد المسيح التي صلبت كما لشخصيّات مؤسّس الداهشيّة .

كذلك تأكّد للداهشيّين من خلال المعجزات الملموسة أنّ النسبيّة التي قال بها آينشتاين هي حقيقة واقعة على مختلف الأصعدة في الكون كلّه ، فلكلّ عالم نظامه  الذي يرتّب مسؤوليّة على على قاطنيه تكون بالنسبة لذلك النظام : ولكلّ من عالم الانسان وعالم الحيوان وعالم النبات وعالم الجماد نظامه الخاصّ الذي يرتّب مسؤوليّة على كلّ فرد فيه تكون بالنسبة لذلك النظام ؛ وانّ نسيج المادّة نفسها التي يتشكّل منها الكون وما فيه من موجودات ذو جوهر عقليّ ، أي أنّه جوهر مدرك ، لكنّ ادراكه هو نسبيّ أيضا ؛ وهذا الجوهر العقليّ الروحيّ هو الذي يوحّد ما بين الكائنات على اختلاف مظاهرها ودرجاتها الادراكيّة . 5

انّ العلم بمختلف حقوله بدأ يؤكّد كلّ ما أعلنه مءسّس الداهشيّة منذ أكثر من نصف قرن . فالعلماء اكتشفوا أنّ الحياة في الأرض منذ ملايين اسنين ؛ وأنّ للحيوانات شعورا وادراكا ، وأنّ للنبات حياة عقليّة ، وهم في طريقهم لتأكيد أنّ الجماد له مثل تلك الحياة .  كما اكتشف علماء البيولوجيا أنّ المقوّمات الأساسيّة لشخصيّة الانسان كائنة في جيناته ( مورّثاته ) وأنّ تأثير البيئة على تكوين طباعه ومواهبه ومستوى ادراكه ونوعيّة نزعاته هو تأثير محدود ؛ وهذه المقوّمات الفطريّة هي التي تثبت وجود الطاقة النفسيّة الخالدة التي تسميّها الداهشيّة “السيّالات ” . والسيّالات لا تموت ، بل تنتقل من الوالدين الى أولادهما عبر الجينات ، ومن هؤلاء الى الأحفاد ، وهكذا دواليك …ولكنّ المعرفة الروحيّة الداهشيّة تزيد بأنّ السيّالات تنتقل ممّن يموت بدون ذريّة الى أجنّة أخرى تكون السيّالات المنطلقة بستواها الروحيّ وتمتّ اليها بصلة تقمصيّة ، وذلك وفق نظام روحيّ شامل مبنيّ على السّببيّة الروحيّة والعدالة الالهيّة التي لا تشوبها شائبة ، أو هي تنتقل ، تبعا لاستحقاقها امّا الى كوكب علويّ أو كوكب سفليّ , أي الى عوالم جرت المصطلحات الدينيّة على تسميتها بالجحيم والنعيم . 6

فمن تبصّر في هذا الأمر ،  لأدرك أنّ البشريّة كلّها عائلة واحدة ، من طينة واحدة ومن أصل واحد .  والخالق الذي هو كمال الصلاح لا يفضّل انسانا على آخر الا بنسبة أعماله الصالحة وبنسبة الخير الذي يقدّمه لمجتمعه وللعالم ؛ وعلى أساس معرفة الانسان ونوعيّة أعماله سيثاب أو يعاقب . فلا يحتاج البشر الى أكثر من ادراك هذه الحقيقة حتّى يتآخوا ويسود التسامح الدينيّ والاحترام المتبادل عالمهم . لكنّ الجهل يمنع الناس من ادراك الحقائق ،  فيتعصّبون ، اذ ذاك ، للأوهام والأباطيل وهم يعتقدون أنّها حقائق . فاذا عمّ الجهل شعبا رمى به القهقرى وجعله يعيش في عصبيّة عمياء هي أشبه بالأحبولة التي تطبق عليه ، ويزداد خناقها له بقدر ما يزداد تعصّبه وانعزاله عن الآخرين ، حتّى تقضي عليه في النهاية .

انّ مواكب الأبطال الأحرار الأنقياء مستمرّة في المسير الحثيث يتقدّمها كوكب النور الالهيّ ، ووراءها يعدو عبيد الأوهام والخرافات والأمجاد الباطلة لاهثين ليطفئوا بلهاثهم الشمس الالهيّة ! فهلاّ يتّعظون …

 

نيويورك في 20/2/1979                              

                                                           د. غازي براكس

 

 

 

                                  ليس لنبيّ كرامة في وطنه

 

      ( مقتبسة من كتاب الدكتور داهش المعجز ” مذكّرات دينار”)

 

فرد أعزل ، الاّ من الايمان واليقين باليوم الآخير ، دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة ، ونافح عن العدالة نفاح الرآبلة ، وكافح الشرّ كفاح الليث في غيله وعرينه . فهاجمه في مواطنه الشديدة الخطر ،  دون أن يأبه لجبروته ، ودون أن يأخذ لنفسه الحذر . وأراد هذا الجبّار أن يمزّقه شذر مذر ، كي ينقذ من هبط لأجلهم من البشر ….

ثلاثة وثلاثين عاما جاهد جهاد المستميت ، داعيا الجميع للانتقاض على دستور القوّة والبطش ، دون أن يسير في ركابه أحد ، خوفا من الدولة الرومانيّة القويّة الشّكيمة ، وذات الشّوكة والاقتدار .

اللهمّ ، ما خلا نفرا من البسطاء الذين فتنتهم تعاليمه العلويّة ، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الالهيّة .

لم ييأس ، ولم يقنط ، ولم يتراجع ، ولم يلق سلاحه ، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس ، طاغية فلسطين ، حيث نشأ ابن السماء ، وحيث ترعرع .وفي النهاية ـ عظمت التّضحية وضخم العداء . فقد بذل الثائر حياته فداء لحريّة البشريّة المعذّبة ؛ هذه البشريّة المتألّمة التي أعمت الشهوات والنزوات بصرها وبصيرتها ، فقدّمته ضحيّة على مذبح جهلها الصّارخ ، اذ كافأته على جهوده في سبيل تحريرها ، وحبّه ايّاها ، بتعليقها ايّاه على خشبة الصليب . فيا للهول الرهيب !

وماذا كانت النتيجة ؟

كانت رهيبة وذات أثر بعيد .

فانّها منذ ذلك التاريخ المشؤوم ، وهي راسفة في قيود الذلّ والمهانة . وعوضا عن حصولها على اكليل الغار ، قنعت بتتويج مفرقها بشارة العار . فيا للعار !

انّ السيّد المسيح ، له المجد ، لم يضرّه الأمر . فابن السماء قد عاد الى السماء ؛ وابن الفردوس عاد الى فردوسه ، بعد فترة قصيرة قضّاها بين أبناء الأرض ، كي يرفعهم معه اليه . فأنكروه وطردوه ، وأهانوه وازدروه وشرّدوه ، وأخيرا …صلبوه وعذّبوه ، ثمّ بكوه وندبوه .

منطق أعوج ، وخلق أعرج ، واتّجاه سفيه …انّ الضرر البليغ قد حاق بهم وبذريّتهم ، والأسف الفادح قد غمر أرواحهم وتغلغل في أفئدتهم …

فناحوا …ولكن ، بعدما انطلق الطّائر الى فراديس الجنان ، وتوارى عن العيان .  فما كان قد كان . أمّا الآن فانّهم يرفعون اليه صلاتهم ، ويلتجئون اليه في ساعات  أحزانهم , ويبثّونه لواعج آلامهم وأشجانهم .

هم الآن يحترمون مخلّفاته , ويقدّسون ذكرياته ,ويردّدون روائع آياته ,ويتّغنون بمعجزاته .

خسئتم , يا ارواح الشرّ , فإنكم تضطهدون أنبياءكم ومرسليكم , عندما يكونون بين ظهرانيكم , وتّتهمونهم بأشنع اتهاماتكم , وتقذعونهم بشفار ألسنتكم , وتسلقونهم بصديد مفترياتكم الدنيئة , وتضطهدونهم بخسّة تحسدكم عليها بنات الخيانة .

وعندما ينطلقون من أرضكم , ويخلّفون لكم جيفتكم الكريهة , إذ ذاك , تعرفون قيمتهم فتندمون , ولكن حين لا تجديكم ندامتكم , بل نتانتكم وخيانتكم . فيا ويحكم من يوم الدين !

أولم تضطهدوا ايضا النبي  (ص) فأرغمتموه على الهجرة القاسية , وكيف لم تفتنكم آيته المنزلة التي لو لمست الصخور لألانتها ولدعتها تخشع وتؤمن بنبوّته .

فمن هو غير النبيّ الذي يستطيع أن يأتيكم بهذه الآية الكريمة , التي هي لغة الملائكة , يتخاطبون بها فيفتنون النجوم ببلاغتها , ودّقتها , وشفافية رقّتها , ثمّ روعة سكبها , وعذوبة سحرها :

*( الله نور السماوات والأرض . مثل نور كمشكاة فيها مصباح . المصباح في زجاجة . الزّجاجة كأنّها كوكب درّيّ , يوقد من شجرة مباركة , زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة , يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسْه نار . نورٌ على نور .يهدي الله لنوره من يشاء . ويضرب الله الأمثال للناّس . والله بكل شيء عليم . )* (سورة النور : 35 ) .

أهم المراكز العلميّة

التي اضطلعت بمسؤليّة نقض المزاعم الباراسيكولوجيّة وفضح تعاملها مع المشعوذين في مختلف أنحاء العالم .

 

ARGENTINA                                                                         

 

 

CAIRP : Director , Ladislao Enrique Marquez , Jose Marti , 35 dep c , 1406 Buenos Aires .

 

                              AUSTRALIA                                                                                            

National :  

Australian Skeptics , P. O. Box A2324, Sydney South ,NSW 2000,(E-mail : contact @skeptics .com .au ).

 

Regional :

*Australian Capital Terriotry ,P.O.Box 555, Civic Square , 2608.

*Newcastle Skeptcs Chairperson, Colin Keay ,Physics Dept ., Newcastele University , NSW 2308 .

*Queensland , P.O. Box 2180, Brisbane 4001.

*South  Australia , P.O. Box 91 , Magill ,5072 .

*Victoria, P.O.Box 1555P , Melbourne, 3001 .

*Western Australia , P.O.Box 899, Morley , WA6062 .

 

BELGIUM .

*Committee Para ,J .

Dommanget ,Chairman ,Observatoire Royal de Belgique , Avenue Circulaire 3 ,B-1180 Brussels .

*Skeep, w. Betz ,secretary, Laarbeeklaan 103, B1090 Brussels ( FAX : 32-2-4774301).

BRAZIL

Opcao Racional , Luis Gutman ,Rua Santa clara ,431, Bloco 5 ,Apt .803 ,Copacabana- Rio de Janeiro 22041-010 (Phone:55 21 2372088).

 

CANADA  

*Alberta Skeptics , heidi Lloyd-Price , Secretary ,P.O.Box 5571, Station A, Calgary ,Alberta T2H 1X9 .

*British Columbia Sketics ,Lee Moller , Contact , 1188 Beaufort Road ,Vancouver V7G 1R7 .

*Manitoba skeptics . Contact : John Toews , President , Box 92 , St.Vital , Winnipeg , Man . R2M 4A5 .

*Ontario Skeptics , Henri Gordon , Chairman ,343 Clark Ave West , Suite 1009 ,Thornhill ,Ontario L4J 7K5 .

*Sceptiques du Quebec : Jean Ouellette ,C.P.202, Succ .Beaubien , Montreal H2G 3C9 .

CHINA                                                                             

* China Association for science and Tchnology . Contact :Shen Zhen Zhenyu , Resarch Center , CAST , P.O.Box 8113 beijing , China                                     

* Chinese Skeptics Circle , Contact : Wu Xianghong . Box 4 –doctor , Renmin Univ , of China , Beijing 100872.                                                                 

CZECH REPUBLIC                                                      

Czech Club of Skeptics , Milos Chvoijka , nam . Jiriho Z Lobkovis 7,CS – 130 00 prague 3 , The Czech republic  

ESTONIA                                                                       

Contct Indrek Rohtmets , Horisont EE0102 Tallinn , Narva mnt . 5. Eurppean Council of skeptical organizations .Amardeo Sarma, Secretary , postfach 1222 , D-64374 Rossdorf (FAX:+49615481912 ).E-mail : ecso@gwup . org                                         

 

FINLAND                                                                     

Skepsis , Ilppo V . Salmi , president . Contact : Anneli Aurejdrvi , Sireenitie 10b A2, Fin -01390 VANTAA, FINLAND . E.mail contact : Sami Hiltunen , sijhltun@cc . helsinki . fi                                 

 

FRANCE                                                                    

*Cercle Zetetique . Contact : Henri Broch , 12 Rue David Deitz , 57000 Metz..

* Comite Francais pour l`Etude des phenomenes paranormaux , Claude Benski , Secreteray-General , Merlin , RGE /A2 38050 Gernoble Cedex.             

GERMANY                                                                   

Society for the Scientific Investigation of para – Science (GWUP).Amardeo Sarma , Convenor , Postfatch 1222,D-64374 Rossdorf ( Phome : +496154695021 ) (FAX:+496154695022). E.mail :Info@gwup.org     

 

HONG KONG                                                                

Hong Kong Skeptics . Contact : Rebecca Bradley , P.O.Box 1010 , Shatin Central post Office,Shatin ,NT.

 

HUNGARY                                                                    

Hungarian Skeptics , Gyula Bencze , Termeszet Vilaga , P.O.Box 25 , Budapest 8,14444.(Fax 011-36-1-118-7506).

INDIA                                                                        

*India Skeptics , B.Premanand , Chairman , 10 Chettipalayam Rd.,Podanur 641-023 Coimbatore Tamil nadu.                                                                        

* Indian Rationalist Association , Contact : Sanal Edamaruku , 779,Pocket5,Nayur Vihar1,New Delhi 110 091.

*Maharashtra Superstition Irradication Committe , Dada Chandane ,Secy.,D/6,First Floor,Super Market , Solapur 413001.

ISRAEL                                                                          

Israel Skeptics Society , Philip Marmaros , Chairman,P.O.Box 8481,Jerusalem. (Fax : 972-2-611652 , E-mail : humefect @elronet.co.il )

IRELAND                                                                    

Irish Skeptics,Peter O`Hara.Contact:St.Joseph`s Hospital,Limereck.

ITALY                                                                         

Comitato Italiano per il Controllo delle Affermazioni sul Paranomale ,Massimo Polidoro,Editor,Scienza &Paranormale P.O.Box  60,27058 Vogera (PV).

JAPAN                                                                            

Japan Skeptics , Jun Jugaku , Chairperson,Business Center for Academic Societies Japan,16-9 Honkomagome 5 – chome , Bunkyo-Ku,Tokyo 113.

MEXICO                                                                       

Mexican Association for Skeptical Research (SOMIE),Mario Mendez-Acosta,Chairman,Apartado Postal 19-546,Mexixo 03900.D.F.

NETHERLANDS                                                           

Stichting Skepsis , Rob Nanninga, Secretary , Westerkade 20,9718 AS Groningen .

NEW ZEALAND                                                            

New Zealand Skeptics , Vicki Hycki Hyde , Chairperson , South Pacific Information Services Ltd.,Box 19-760 , Christchurch 5,N.Z.,Phone : (64)3-384-5137,Fax : (64)3-384-5138.E-mail : nzsm@spis. Southern co.nz

NORWAY                                                                      

*NIVFO, K.stenodegard, Boks 9, N-7082 , Kattem   

*  Skepsis, Terje Emberland . Contact : P.B.2943 Toyen 0608, Oslo 6.

RUSSIA                                                                          

Contact : Edward Gevorkian , Ulyanovskaya 43,Kor 4 , 109004 , Moscow

SOUTH AFRICA                                                            

* Assn . for the Rational Investigation of the Paranormal (ARIP), Marian Laserson Secretary , 4 Wales St.,Sandringham 2192.

* SOCRATES , leon Retief . Contact : 3 Hoheizen Crescent , Hoheizen Bellville 7530.                   

SPAIN                                                                             

* Alternativa Racional a las Pseudosciencias (ARP). Carlos Telleria , Executive Director , Apdto . 1516,50080 Zaragoza.

* El Investigador Esceptico . Contact : Felix Ares De Blas , Gamaz /Ares /Martinez , P.O.Box 904,20080 Donostia –San Sebastian . E-mail:fares@iies.es

SWEDEN                                                                       

Vetenskap dc Folkbildning ( Science and People`s Education ) , Sven Ove Hansson , Secretary,Box 185,101 23 Stockholm .                                                         

TAIWAN                                                                         

Tim Holmes #269 Chung Hsing Rd., Fengyuan.         

UKRAINE                                                                         

Perspective , Oleg G.Bakhtiarov , Director , 3-B Khmelnitskogo St ., 252001 Kiev.                    

UNITED KINGDOM                                                        

* Skeptical Inquirer Representative , Michael J . Hutchinson ( europe@csicop. Org ). 10 Crescent View , Loughton , Essex IG 10  4pz..

*The Skeptic magazine .Editors , Toby Howard and Steve Donnelly P.O.Box 475 , Manchester M60 2TH.( E.mail : toby@cs . man.as.uk).     

* London Student Skeptics . Contact : Bill Harman ,21Manville Rd ., London SW17 8jw.

* Wessex Skeptics , Robin Allen , Dept, pf Physics , Southampton Univ ., Highfield, Southampton S09 5NH.

    UNITED STATES                                                        

ALABAMA                                                                 

Alabama Skeptics , Emory Kimbrough , 3550 Watermelon Road , Apt . 28 A,Northport , AL 35476 ( 205-759-2624).

ARIZONA                                                                    

* Tucson Skeptics Inc . James McGaha , Chairman,7049 E.Tangue Verde Rd., Suite 370,Tucson AZ 85715.

* Phoenix Skeptics , Michael Stackpole , Chairman,P.O.Box 60333,Phoenix , AZ 85082.

CALIFORNIA                                                              

* Bay Area Skeptics , Wilma Russel,Secretary,17723 Buti Park Court Castro Valley CA 94546.

East Bay Skeptics Society , Daniel Sabsay , Pres.,P.O.Box 20989, Oakland CA 94620(510-420-0702 )

* Sacramento Skeptics Society, Terry Sandlek 3550 Watt Ave., Suite #3,Sacramento , CA 95821 ( 916-488-3772 ) E-mail : tsandbek@mother.com

* San Diego Association for Rational Inquiry (SDARI) 945 Fourth Avenue,San Diego , CA 92101.Voice ( 619 ) 233-1888,Fax:( 619) 696-9476 ,E-mail dnoelle@cs ucsd.edu

COLORADO                                                                 

Rocky Mountain Skptics , Bela Scheiber,President , P.O.Box 7277,Boulder , CO 80306 ( 303-444-5368)E.mail:rmscentral@aol.com

CONNECTICUT                                                            

Cinnecticut Skeptical Society , P.O.Box 456,Cheshire CT 06410-0456

D.C.Capital Area                                                             

National Capital Area Skptics , c/o D.W.”Chip” Denman, 8006 Valley Street Silver Spring. MD 20910.

FLORIDA                                                                    

Tampa Bay Skeptics Gary Posner,1113 Normandy Trace Rd., Tampa FL 33602 ( 813-221-3533)E.mail: garypos@aol.com

GEORGIA                                                                       

Georgia Skptics,Becky Long,President,2277 Winding Woods Dr., Tucker,GA 30084.

ILLINOIS                                                                       

*  Midwest Committe for Rational Inquiry,Danielle Kafka,President, P.O.Box 2792,Des Plaines IL 60017-2792.

*  Rational Examination Asso. Of Lincoln Land (REALL),David Bloomberg Chairman,P.O.Box 20302 Springfield IL 62708 (217-525-7554)

INDIANA                                                                         

Indiana Skeptics , Robert Craig Chairperson,5401 Hedgerow Drive , Indianapolis IN46226.

KENTUCKY                                                                   

Kentucky Assn . of Science Educators and Skeptics (KASES)Chairman Prof Robert A.Baker,3495 Castleton Way North Lexington KY 40502.

LOUSIANA                                                                     

Baton Rouge Proponents of Rational Inquiry and Scientific Methods (BR-PRISM),Disk Shroth, Director, 425 Carriage Way Baton Rouge LA 70808-4828(504-766-4747).

MASSACHUSETIS                                                       

Skeptics Inquirers of New England . Contact Laurence Moss,Ho&Moss,72 Kneeland St.,Boston 02111.

MICHGAN                                                                      

Great Lakes Skeptics , Carol Lynn.Contact:1264 Bedford Rd.,Grosse Pointe Park , MI 84230-1116.

MINNESOTA                                                                   

Minnesota Skeptics, Robert W.McCoy , 549 Turnpike Rd.,Golden Valley,MN 55416.St.Kloud ESP Teaching Investigation Committee (SKEPTIC).Jerry Mertens Coordinator, Pshychology Dept.,St. Gloud State Univ .,St Cloud MN 56301.                               

MISSOURI                                                                      

*  Kansas City Committe for Skeptical Inquiry , Verle Muhrer , Chairman , 2658 East 7th, Kansas City, MO 64124.

*  Gateway Skeptics , Chaiperson Steve Best 6943 Amherst Ave., University City , MO 63130. 

NEW MEXICO                                                               

New Mexicans for Science &Reason John Geohegan Chairman 450 Montclair SE.Albuqueque, NM 87108:John Smallwood 320 Artist Road Anta fe NM 87501 ( 505-988-2800).

NEW YORK                                                                 

* Inquiring Skeptics of Upper NEW YORK ( ISUNY)Contact: Michael Sofka 8 Providence St., Albany NY 12203 ( 518-437-1750)

* New York Area Skeptics ( NYASK)Wayne Tytell. Contact Person 159 Melrose Ave., Emassapequa NY 11758,( 516-798-6902).

*  Western NEW YORK Skeptics Tims Madigan 3965 Rensch Rd., Buffalo NY 14228.

OHIO                                                                             

* South Shore Skeptics Page Stphens 6006 Fir AvenueCleveland OH 44102 ( 216-631-5987)

* Association for Rational Thinking ( Cincinnati area) Joseph F. Gastright Contact: 111wallace Ave ., Covington KY 41014 ( 606-581-7315).

OREGON                                                                        

Oregonians for Rationality Contact Bill Capron P.O.Box 4739 Vancouver W A 98662 ( 206-260-1896 ).

PENNSYLVANIA                                                            

* Paranormal Investigating Committe of Pittsburgh ( PICP) Richard Busch, Chairman 8209 Thhompson Run Rd.,Pittsburgh PA 15237 ( 412-366-4663)

*  Philadephia Association for Critical Thinking ( PHACT) P.O.Box 21970,Philadelphia PA 19124, Tel  

( 215) 533-4677 . President Bob Glickman.E.mail : Krieg

TEXAS                                                                             

* Houston Association for Scientific Thinking ( HAST) Darrell Kachilla P.O.Box 541314,Houston TX 77254.

* North Texas Skeptics Joe Voelkering President P.O.Box 111794 Carrolton TX 75011-1794.  

WASHINGYON                                                               

The Society for Sensible Explanations P.O.Box 7121 Seattle WA 98133-2121 Tad Cook Sec/Treas . ( E-mail : tad@ssc.com )

WISCONSIN                                                                   

Contact person : Roxine McQuity MATC_West 1200S 71st ST.,Wesr Allis WI 53214 ( 414-546 5402,414-873-4446, McQuitty@Music lib MATC . edu).            

مصادر القسم الخامس من الكتاب

يعتبر قانون 9 أيّار 1939 ملغى بالمادّة 768 من قانون العقوبات اللبنانيّ الجديد الصادر في أوّل آذار 1943 ، والذي أصبح نافذا في أوّل تشرين الأوّل 1944 عملا بالمادّة 771 منه . وبالتالي فقانون 9 أيّار 1939 بقيت أحكامه سارية حتّى أوّل تشرين الأوّل 1944 ، اذ في هذا التاريخ حلّت محلّها المادّة 768 من قانون العقوبات التي تنصّ : ” يعاقب بالتوقيف التكديريّ ، وبالغرامة من خمسين الى مئة ليرة من يتعاطى ، بقصد الرّبح ، مناجاة الأرواح ، والتنويم المغناطيسيّ ، والتنجيم وقراءة الكفّ وقراءة ورق اللعب وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب ، وتصادر الألبسة والعدد المستعملة . ” “يعاقب المكرّر بالحبس حتّى ستّة أشهر وبالغرامة حتّى ألف ليرة ، ويمكن ابعاده اذا كان أجنبيّا .”                                                                   والملاحظ أنّ أحكام المادّة 768 من قانون العقوبات متطابقة تطابقا كليّا مع أحكام قانون 9 أيّار 1939 لجهة الأعمال التي تحظّرها ولا تختلف عنها الاّ بأمرين :                                                                                      أوّلا : ايضاحها معنى كلمة الامتهان الواردة في قانون 9 أيّار 1939 ، التي لم تكن غامضة بأيّ حال من الأحوال ، وذلك بنصّها على معاقبة من يتعاطى بقصد الرّبح …الأعمال المذكورة فيها . وما امتهان هذه الأعمال الاّ تعاطيها بقصد الرّبح .                                                                     ثانيا : تحديدها لعقوبات مختلفة عن العقوبات المحدّدة في قانون 9 أيّار 1939 . واللافت للانتباه هو أنّ الأعمال المحظورة بموجب المادّة 768 لا تعتبر في حال ارتكابها ، وفي ضوء العقوبات المحدّدة لها من قبيل الجنايات أو الجنح ، بل من المخالفات التي تشدّد عقوباتها في حال التكرار . وليست لها الصّفة الالزاميّة بمعنى أنّه يعود لتقدير المحكمة المطلق الحكم بها أو لا .

  • جاء في رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس : لأنّ هناك الها واحدا ووسيطا واحدا بين الله والناس هو الانسان يسوع المسيح ( الاصحاح الثاني :5) .
  • نكتفي هنا بالاشارة ، بالدرجة الأولى ، الى قانون 9 أيّار 1939 ، لأنّ الحوادث التي سيجري عرضها وقعت في ظلّه ، وقبل بدء سريان قانون العقوبات في الأوّل من تشرين الأوّل سنة 1944 .
  • يراجع شرح الدكتور غازي براكس للظاهرات الروحيّة الخارقة في القسم الأوّل ، الفصل الثاني ، من هذا الكتاب .
  • انظر الفصل التالي حول الدّور الذي لعبه المثلثّ شيحا –فرعون – خوري في اضطهاد الدكتور داهش وأسبابه .
  • كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسّس الداهشيّة والدكتور حسين هيكل باشا ” ، جمعه الدكتور فريد أبو سليمان ، دار النسر المحلّق للطباعة والنشر ، بيروت 1979.
  • انّ مؤلّفات الدكتور داهش تتجاوز المئة حاليّا .
  • هذه الافادة منشورة في كتاب الأديب يوسف الحاجّ :” الدكتور داهش والروحانيّة ” ، بيروت ، 1946 ، ص 206-213 .
  • كان جليّا للرأي العامّ أنّ القانون يستهدف الدكتور داهش . فلقد كتبت جريدة اللواء في عددها رقم 1006 تاريخ 1 آذار 1944 مقالا تحت عنوان :” من ذيول قصّة داهش “، ضمّنته مشروع القانون ، وصدّرته بما يأتي : ” يظهر أنّ قضيّة الدكتور داهش أحدثت اهتماما في الدوائر الرسميّة بعد الضّجة التي أثيرت مؤخّرا حول التحقيق مع الدكتور داهش وتلامذته ….” تراجع أيضا جريدة المستقبل في عددها الصادر بتاريخ 9/3/1944.
  • على سبيل المثال نذكر أنّ الدستور الأميركيّ يحظّر سنّ مثل هذه التشريعات بنصّ صريح فيه هو نصّ البند 3 من الفقرة 9 من المادّة 1 .
  • انظر الفصل التالي .
  • موقّعو هذه العريضة هم : الدكتور جورج برباري ، الأستاذ سليم أبو اسماعيل ، الدكتور شاهين الصليبي ، الأستاذ مصباح قليلات ، السيّد محمّد مخيّش ، الأستاذ ناصيف الحسينيّ ، السيّد ميشال لطف الله العمّ ، طبيب الأسنان كربيت دركوشيان ، الدكتور مصطفى بيضون . وتراجع جريدة “الديار “الصادرة مساء 6 آذار 1944 ، اذ جاء فيها : “وكانت الجلسة تشتمل على احالة مرسوم منع التنجيم ومناجاة الأرواح “الى مجلس النّواب ، وعلى اعتراض على هذا المرسوم وجّهه ، ولا شكّ ، أتراب الأستاذ حليم دمّوس من أتباع الدكتور داهش . وقد لفت الأنظار وجود الأستاذ (حليم ) بين جمهور النظّارة لأوّل مرّة في تاريخ المجلس النيابيّ …”
  • ماري حدّاد : معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة ، دار النار والنور للطباعة والنشر ، بيروت 1983 ، ص 76-77 . وتراجع محاضرة الدكتور غازي براكس التي ألقاها في المنتدى الكبير بالجامعة الأميركيّة في بيروت بتاريخ 12 أيّار 1970 ، وهي بعنوان معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان “، الطبعة الثانية ، دار النسر المحلّق للطباعة والنشر ، بيروت 1974 ، ص 36-37.
  • جريدة الصحافيّ التائه ، العدد الصادر في 6 نيسان 1944.
  • يراجع قرار مجلس الشّورى الفرنسيّ ، وتقرير المستشار المقرّر لديه الأستاذ كورناي وبالأخصّ تعليق الفقيه الفرنسيّ الكبير هوريو: Hauriou E.25 Nov 1921 , Dame Niveleau et autres S.111 1923 , 3 conl Corneille note Hauriou                  وممّا جاء في تعليق العلاّمة هوريو ما ترجمته :” في ظلّ النظام القانونيّ للحريّات الحديثة لا يقتصر المسموح به على ما ليس محظّرا بموجب القانون ، بل انّ أيّ اجراء قانونيّ ، مشروع بحدّ ذاته ،  يمكن استخدامه أيضا بحريّة من أجل تحقيق ما ليس محظّرا بموجب القانون ” ( ص17,العمود 3 ).
  • انّ من صلب عمل المحامي استخدام معارفه وثقافته العامّة في صوغ الحجج الداعمة للموقف القانونيّ المتّخذ دفاعا عن حقّ موكّله . ومن الحمق والسذاجة البلهاء الاعتقاد بأنّ عدم صحّة احدى هذه الحجج الكامل أو الجزئيّ من شأنه أن يؤدّي بحدّ ذاته الى سقوط الموقف القانونيّ أو حقّ الموكّل المدافع عنه , خاصّة متى كان هذا الحقّ ثابتا ومدعوما بطائفة من الأدلّة القانونيّة التي لا تنقض. وعليه اذا كان الموقف الرّسميّ للعلم لا يعترف “بمناجاة الأرواح ” ، ومع ذلك وجد في الغرب علماء آمنوا بمناجاة الأرواح وبامكان الاتّصال بالأرواح ، وبحثوا ونقّبوا في هذا الأمر . واذا وجدت جمعيّات أو مؤسّسات لها علم وخبر ، وان تكن شبه علميّة ” وتعطى فيها دروس على أيدي متعطّشين الى الغرائبيّة أو حتّى رجال علم شردوا عن التعاليم الرسميّة …” مثلما يزعم روجيه الخوري (ص191 ) ، أفلا يدلّ كلّ ذلك على جوّ الحريّة الفكريّة والعلميّة في الغرب ، وعلى حماية القانون لهؤلاء العلماء  والأفراد والجمعيّات والمؤسّسات رغم عدم اعتراف الموقف الرّسمي للعلم بموضوع أبحاثها وتجاربها ، ورغم تأكيد عدم صحّتها ؟ فلقد ولّى زمن القرون الوسطى عندما كانت السلطة الزمنيّة مسخّرة لنشر الأفكار والمعتقدات ” المعترف بها رسميّا ” من السلطات الكنسيّة التي كانت تكفّر وتعاقب من يخالفها حتّى لو قدّم الدليل العلميّ أو الواقعيّ الملموس على صحّة أفكاره ، مثلما حدث لغاليله مثلا . انّ الظّاهرات الروحيّة الداهشيّة الخارقة هي وقائع مادّيّة ثابتة ، فلا يمكن نكرانها أو تجاهلها استنادا الى فرضيّات ومسلّمات ونظريّات . ولو لم تكن هذه الظاهرات الروحيّة حقيقة دامغة لما لجأ خصوم الدكتور داهش الى الأساليب الملتوية الاجراميّة في اضطهاده مؤكدين بتصرّفهم الشائن اعترافهم بصحّتها وعجزهم عن مجابهتها ، تماما مثلما فعل أصحاب النفوس المريضة المظلمة مع الهداة والمرسلين على مدى التاريخ المعروف .
  • المحامي خليل زعتر : جريمة القرن العشرين ، دراسة تاريخيّة وثائقيّة قانونيّة تتناول الجريمة الرهيبة التي أوقعها الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة بحقّ الدكتور داهش ؛ قيد الاصدار بواسطة الدار الداهشيّة للنشر ، نيويورك .
  • انظر : Emile Zola J`accuse ,la Verite en marche ,Editions complex 1988;Jean-Denis Bredin ,The Affair The Case of Alfred Dreyfus George Braziller New York 1986 ; Frederick Brown Zola A life Farrar Straus Giroux New York 1995 p.713 ,pp.774-775.
  • انظر الفصل الأوّل من هذا القسم .
  • د.أدمون رباط:الوسيط في القانون الدستوريّ اللبنانيّ ، دار العلم للملايين ، بيروت 1970 ، فقرة 439 ص 690-691 .
  • القرار رقم 29 ، تاريخ 22 حزيران 1945 ، النشرة القضائيّة 1946 ، ص 132 وما يليها .
  • هذا ما أكّده أيضا مجلس شورى الدولة في قراره المذكور أعلاه .
  • من المبادىء المسلّم بها في القضاء الاداريّ أن مجلس الشورى لا يتوقف عند شكل العمل الاداريّ بل ينفذ الى حقيقته ، بل انّ عليه تغليب طبيعة العمل الحقيقيّة على شكله : E.24 Juin 1960 S, A..R., le Monde et C.E.24 Juin 1960 Societe Frampar et Societe France Editions et Publication Concl de M.Heuman R.D.P.1960 pp.819-820. وفيما يلي بعض الأحكام التي طبّق فيها مجلس شورى الدولة الفرنسيّ هذا المبدأ ، واعتبر أنّ العمل الاداريّ العامّ في شكله هو عمل فرديّ عندما يستهدف فردا ، وبالتالي يكون باطلا لاساءة استعمال السلطة :C.E 4 Janvier 1936 Association Amical des Agents des contributions de L`inde Francaise p 10.                                                                     C.E 8 Avril 1938 Sieur Botton pp 364-365.                     C.E.28 Fevrier 1955 ,Sieur Martin du Magny p.44.
  • جاء ذلك في قراري مجلس الشورى رقم 29و30 ، تاريخ 12 حزيران 1945 ، في القسم المتعلّق بقبول المراجعتين شكلا . وهذا القسم غير منشور في مجلّة النشرة القضائيّة عام 1946.
  • كلّ ذلك يستفاد من نصّ المادّة 42 من قانون مجلس شورى الدولة ، القرار 89 /LR تاريخ 23 /4/1941 .
  • جاء في الفقرة 3 من قسم عرض الوقائع من قرار مجلس الشورى 29 تاريخ 12 حزيران 1945 ما يلي : وتقدّم المدّعي بالتاريخ ذاته باستدعاء أخر طلب بموجبه ابطال قرار صادر عن رئيس دائرة الاحصاء (دوائر النفوس) قاض ، عملا بالمرسوم السابق ذكره (المرسوم 1822) بتجريد هذا المدّعي من الجنسيّة اللبنانيّة . ولم يقدّم المدّعي صورة عن هذا القرار لعدم ابلاغه اليه . الاّ أنّ وكيل الحكومة صرّح بلائحته الجوابيّة أنّ هذا القرار يشكّل عملا قانونيّا قام به رئيس دائرة الاحصاء تطبيقا للمرسوم 1822″.     27 – من الوجهة الجوهريّة الموضوعيّة لا يمكن اعتبار الدكتور داهش قد فقد جنسيّته اللبنانيّة بموجب اجراءات لا مشروعة ، لأنّ مصدر لامشروعيّة هذه الأعمال الاداريّة هو هذا التّعديّ نفسه أي مخالفتها لحقّ الجنسيّة المحميّ قانونا والمسوّر بضمانات دستوريّ’ وقضائيّة . فالسلطة التنفيذيّة لا يمكنها أن تتّخذ قرارات نافذة تتعرّض بها لحقّ الجنسيّة , فان فعلت كان قرارها باطلا لتجاوز حدّ السلطة . يراجع بهذا الأمر : Boulbes Nationalite Francaise ed Sirey Paris 1960 pp.130,141-142.

28 – تحقيقات مفوّض الأمن المزعومة هي تحقيقات وهميّة صوريّة لا اساس لها في الواقع . فمفوّض الأمن لم يحقّق مع أحد . وكيف يمكن ان يطلق اسم  ” تحقيقات ” على تحقيقات مفوّض الأمن المزعومة إذا كان صاحب العلاقة لم يستمع اليه . وتقرير مفوّض الأمن هو عبارة عن صفحة واحدة سداها ولحمتها الأكاذيب المرذولة ؛ والحكومة اللبنانيّة نفسها ستهملها مع المعاملة برمّتها .

29 – هذه المطالعة المؤرّخة في 7 | 9 | 1944 هي التي جاءت تطبيقا غير مشروع لمرسوم غير مشروع  هو المرسوم 1822 ,  تاريخ  6|9|1944 , وانطوت على قرار بوجوب شطب قيود الدكتور داهش وعائلته من سجلاّت المقيمين (اللبنانيّين ) ونقلهم الى سجلاّت الأجانب .

30- إنّ الطريقة التي تمت بها عمليّة الدكتور داهش من لبنان هي طريقة بربريّة تعتبر غير مشروعة حتّى بالنسبة لشخص أجنبيّ . يراجع على سبيل المثال :

M . J . –A . Roux , “Les Apolides et le droit d ‘espulsion” , Revue Internationale de droit Pe’nal (1939) , pp. 250 -251 ; A. De Lapradelle , et J. –P .Niboyet , Re’pertoire de droit international . Sirey (1930), tome 8, S . Expulsion , N.14,p.110 ,et N.113 , p. 112.

31- انظر:

Gaston Jeze’ , “Les Lois re’troactives ” , Revue du droit public (1916 ), pp.26- 51 .

  32- جون ستيورت ملّ , بحث في الحريّة , ترجمة أسرة دار اليقظة العربيّة ( دار اليقظة العربيّة للتأليف والترجمة والنشر دمشق 1957 ) , ص 66 – 67 .

33 – دستور لبنان , المادّة 9 .

34 – جاء في إنجيل متّى (17: 39 – 44 ) هذا الوصف المعبّر لموقف الناس وعظماء الكهنة والكتبة والشيوخ من صلب السيّد المسيح :

” وكان المارّة يشتمونه وهم يهزّون رؤوسهم ويقولون : يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيّام , خلّص نفسك إنّ كنت ابن الله , فانزل عن الصليب , وكذلك كان عظماء الكهنة يسخرون فيقولون مع الكتبة والشيوخ :  خلّص غيره ولا يقدر أن يخلّص نفسه . هو ملك اليهود , فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به . إتكل على الله , فلينقذه الآن , إنّ كان راضيا عنه , فقد قال : ” أنا ابن الله . وكان اللصّان المصلوبان معه هما أيضا يعيّرانه مثل ذلك .”

35- كانت الرقابة المسبقة على المنشورات مفروضة بموجب القرار 194 L. R . تاريخ 30 آب 1939 , وكان من نتائج استفحال إساءة استعمال هذه السلطة من جانب اللإدارة الحكوميّة في عهد بشارة الخوري أن طالت الرقابة تصاريح النوّاب من دون الاقتصار على تلك المدلى بها خارج المجلس النيابيّ ,  بل شملت حتّى أقالهم في المجلس نفسه (يراجع : محاضر جلسات مجاس النواب , دورة 1943- 1944 , جلسة 28 تشرين الأوّل 1943 , بيان النائب رشيد بيضون , ص 44-46 ) . وهذا ما حدا بغالبيّة النوّاب الى التصويت في 30 كانون الأوّل 1944 على قانون يلغي الرقابة المسبقة باستثناء الموضوعات العسكريّة ( يراجع محاضر جلسات مجلس النوّاب , 1944- 1945 , ص131). ولكنّ هذا القانون لم يصدر حتّى تاريخ 8 كانون الأوّلا 1945 ؛ بيد أنّ إلغاء الرقابة المسبقة في هذا التاريخ لا يعني إلغاء تامّا للرقابة التي استمرّت بشكلها الآخر المتمثّل بالتعطيل الإداري لوسائل الإعلام , وهو شكل لا يقلّ بتأثيره وخطورته عن الرقابة المسبقة . ولم تكن الإدارة الحكوميّة في عهد الرئيس بشارة الخوري مقلّة أو متردّدة في استعمال هذا السيف المسلّط على وسائل الإعلام , مثلما يعرف كلّ مطّلع على تاريخ تلك الحقبة .

36- كشفت السيّدة ماري حدّاد هذه الوقائع ونشرتها على الرأي العامّ بالأسماء والمستندات في كتاب ” حقائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش ” في عام 1945 , في الوقت الذي كان بشارة الخوري في ذروة سلطانه .

37- نشرت السيّدة ماري حدّاد كتابها الأوّل في عام 1937 مزيّنا بثماني لوحات بريشتها ؛ وقد طبع في المطبعة الكاثوليكيّة ببيروت , وهو بعنوان ” الساعات اللبنانيّة ” .

38 – في رسالة تاريخيّة أرسلتها ماري حدّاد الى شقيقتها لور ، زوجة رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري ، في 30 آب 1944 ، أي بعد يومين من اعتقال الدكتور داهش ظلما واعتداء ، ونشرتها على الرأي العامّ في منشور أسود عام 1945 ،  كتبت ماري حدّاد هذه الكلمات الانسانيّة التاريخيّة المعبّرة : ” انّني أرفع صوتي عاليا ضدّ الظلم الأثيم الذي ارتكبتموه أمام الله والناس . انّكم تركضون منذ عشرين عاما وراء الرئاسة وها قد وصلتم اليها ، ولكن لتعاستكم وشقائكم . حبّذا لو لم تصلوا البتّة الى هذا المنصب الذي يفرض عليكم مسؤوليّات عديدة أنتم عاجزون عن تحمّلها بشرف .  لقد تلطّختم الى الأبد ، وكنت أرغب في أن أضحّي بحياتي عشر مرّات لو كان باستطاعتي أن أمنعكم بهذه الوسيلة من أن تكونوا مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء .”  

وختمت السيّدة ماري حدّاد رسالتها التاريخيّة بهذه الكلمات :

” فقبل أن يفوت الأوان ، ردّوا للدكتور داهش حرّيته المسلوبة ؛انّني أشفق عليكم وعلى المستقبل المظلم الذي تجعلونه هكذا لأنفسكم بأيديكم . وانّني أعيد ما قلته : انّني أضحّي بحياتي بشرور لكي أراكم تعملون بنبالة وضمير حيّ أمام الله .”

39-  مذكّرات ماجدا حدّاد الداهشيّة ، مجلّة “ألف ليلة وليلة ” ، بيروت ، العدد 574 ، تاريخ 9 نيسان 1945 .

40- جبران مسّوح ، مجلّة “المختصر ” ، العدد الصادر في تشرين الأوّل سنة 1945 ، الصفحة الأولى .

41- نشير خصوصا الى المحاضرات التالية :

– معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان  ألقاها الدكتور غازي براكس في قاعة الاجتماعات الكبرى في الجامعة الأميركيّة ، بيروت ، في 12 أيّار 1970 .

– الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات ، ألقاها الدكتور غازي براكس في قاعة محاضرات كليّة الحقوق والعلوم الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة ، بيروت ، في 21 أيّار عام 1971 . وهاتان المحاضرتان نشرتا بالعربيّة والفرنسيّة والانكليزيّة والألمانيّة .

– Lights upon Dr . Dahesh and Daheshism  ، ألقاها الدكتور غازي براكس بالانكليزيّة في معهد الدراسات الدينيّة المقارنة في بروكسل ، بلجيكا في 5 أيّار 1986 . وهي مطبوعة بالانكليزيّة ، بيروت 1986 .

42 – نشير بصورة خاصّة الى رسالة الماجستير التي قدّمها الدكتور فوزي برجاس في جامعة مينيسوتا ،  الولايات المتّحدة ، وقد تناول فيها كتاب ” مذكّرات دينار ” للدكتور داهش ، والى أطروحته التي نال بموجبها شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة مورفريسبورو في ولاية تنسي Tennessee  ، وقد درس فيها كتاب ” مذكّرات يسوع الناصريّ ” للدكتور داهش ؛ “وحليم دمّوس والاتّجاه الروحيّ في أدبه ” لنجوى سلام براكس ، وهي رسالة ماجستير قدّمت في الجامعة اللبنانيّة ، عام 1983 ، وقد صدرت عن دار النسر المحلّق ، بيروت ، عام 1984 .

 

                                 مصادر الخاتمة في هذا الكتاب

 

1- James Haught Holy Hatred (New York :Prometheus Books 1995 ) ,p.21 .                                                  

2- James Haught Holy Horrors .Now York : Prometheus Books 1990  انظر أيضا : Ibid ., p.19.

3- انظر ” مراثي الأدباء والشعراء والصّحفيّين والأطبّاء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقضاة بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “، دار النسر المحلّق ، بيروت ، 1979 .

4- انظر غازي براكس : مدخل الى الداهشيّة ( نيويورك :الدار الداهشيّة ) ،ص 111-117 .

5- انظر الصفحتين 59و60 من هذا الكتاب .

6- من أراد الاستزادة في معرفة هذه الأمور الروحيّة يمكنه أن يراجع الأعداد التالية من مجلّة ” صوت داهش ” الصادرة في نيويورك :

  1. السّببيّة الروحيّة والعدالة الالهيّة : كانون الأوّل ( ديسمبر)، 1995 .
  2. العدالة الروحيّة والتقمّص : آذار ( مارس ) ، 1996 .
  3. العوالم العلويّة أو الفراديس : حزيران ( يونيو)، 1996
  4. العوالم السفليّة أو الجحيم : أيلول ( سبتمبر ) ، 1996 .
  5. عالم الحيوان في المفهوم الداهشيّ : كانون الأوّل ( ديسمبر ) ، 1996 .

6. أبعاد الحريّة لدى مؤسّس الداهشيّة : آذار ( مارس ) ، 1997 .

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!