عظمةُ المُبْدع
عندما اطيل لنظر، يا صاحبي، إلى نيرات الكواكب،
أشعر بعظمة الخالق جل جلاله،
و امجد برهبة و خشوع أفعاله…تباركت أفعاله!
ثم تشرق الغزالة بقرصها اللامع الناري،
و للحال نرفع رؤوسنا خشوعاً و نسبح الباري،
و يأتي الليل بعدها، فيتبخر البدر و له الكواكب تواكب!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
صوتُ داهش
إلهي هَبْني نِعمةَ الصّبْر وفرحةَ النَّصْر
صوتُ داهش
إلهي
إلهي
أعطِني سيفاً صَارم الحدّ يبترُ بلا رحمة، وقلماً لاهبَ الحرف يجَلدُ بلا رَأفة،ونفساً ثائِرةً لِغَيْر الله لا تخضَع وعزيمة جَبّارة لا تستكين وإيماناً راسِخاً لا يتزعْزَع.
إلهي
إجعَل في قلبي طوالع القوّة عندَ المحن، والبَأس يَوم الكريهة، والجُرْأة على كلّ من يُحَاول النَّيْل من الدّاهِشيَّة.
إلهي
قد حَزَمتُ أمري على المضيّ في طريقك،والعمَل بمبادِئ العقيدَة الداهِشيَّة،والجهَاد من أجْلهَا،والموتُ في نصرتِهَا.
فالهمني الخَير لأسِيرَ بلا كَلالٍ أو مَلالٍ،وسَلّحْني بالحقِ والعَدْل، حتى يَدعوني الوَاجب وتأزفُ الساعة.
إلهي
هَبْني نِعمةَ الصّبْر وفرحةَ النَّصْر.
فاتحة الكتاب
رجل لا كالرجال
من كوّة الأبدية
يطلّ على الكون.
وعلى الأمواج الزرقاء،
على الرمال السمراء،
على الغمام الأبيض،
على كلّ ما برأَ الله،
يخطّ،بإذنه تعالى،
أسفار الحق،
بحروف من نور لا ينطفئ
وعطر لا يضمحلّ.
داهش العقيدة،
عايشته ربع قرن
أباً وأخاً وصديقاً،
عايشتُه إنساناً
يجذب الإنسان إلى الله.
تعلّمت منه الكثير،
بل أكثر من الكثير الذي عند الناس.
وبعض يسير مما علمنيه
روح الحق الذي فيه
سكبته في هذا الكتاب
بعدما انصهر في ذاتي،
واقتطع منها قالب العبارة
وجناح الصورة.
إنه صوته
كما سمعته نفسي وأخرجه صوتي.
إنه محاولة لتعريفه من غير تحديد،
للوصول إليه من دون القبض عليه،
للتعبير عن حبي العظيم
لرجل عظيم.
النشيد الأول مملكة الظلام
النشيد الأول
مملكة الظلام
1
في البَدءِ،
كانت أردانُ الأرضِ
مُفْعَمةً بشذا السّمَاء.
الحَشَرةُ الصَّغيرَةُ تَبْتَهِلُ
والنّبْتَةُ والمَوْجَةُ الزّرْقَاء.
في البَدءِ،
كانَ ظِلُّ اللهِ
يَتَرَجّحُ جَذِلاً
على عَرْشٍ
مِنَ الأصْدافِ البَحريَّة
والزّهْرِ وَالحِجَارةِ المَلْسَاء…
ثم نَبَتَتْ في أرْضِنَا التّاعِسَة
سُلالةُ الأبَالِسَة.
2
دُنيانا جَزيرَةٌ طِفْلَة،
جَزيرَةٌ حَصَاة
في لُجَّةِ اللانِهايَة.
شاءَهَا اللهُ
سَكْبَ حُبٍّ وَدَفْقَ عطاء،
وأرادَهَا الشّيْطان
نَزْوَةَ شَرٍّ وَفَوْرَةَ بَغْضَاء،
وتُرِكَ لِلبَرايا الخِيار،
فَغَلَبَتْ إرَادَةُ إبْليس
في نفوسِ الأشْرار.
الشّيْطانُ تَسَلْطَنَ على العَالم
فَانْحَنَتِ الرقَابُ لَدَيْه،
ذَليلَةً مُعَفّرَة،
وانقَادَت دُنيَانا لَه
مَطِيّةً مُسَخّرَة.
وإذا أقْدارُنَا
تُلاعِبُها أهْوَاؤُه الرَّعْنَاء،
ومَصَايِرُنَا
تخطُّها إرادَتُه الشّوْهَاء.
3
الشُّرورُ جَرّعَت الأرْضَ
عَصيراً فاسِداً،
َعصيرَ زِنىً وَمَسْكنَة،
فهَوتِ الضَّمائِرُ سَكرَى بِمَفَاسِدِهَا.
صَرحُ الفَضيلَةِ صَارَ أنقَاضاً،
وَمَواقِفُ العِزِّّ والخَيْرِ،
غَدََتْ حِكاياتٍ وذِكرَيات.
تَقّزَّمَ العَالم،
تَزَعْزَعَتْ قوَاعِدُه،
وَذُلِّلَتْ حُصونُه،
فَغَاصَ في مَناقِع الظَّلام
وَجَثا لِسُلطَةِ الظُّلاّم.
وُجُودُنا أمسَى مِرآةً لِلذُّل،
وَمَرْمىً لِنِبالِ الرّجيم.
أرواحُنَا تَبكي وَاقِعنَا الأليم.
أقْلامُ الخَيرِ تَحَطَّمَتْ،
وَالجِرارُ المَلأى مَحَبَّةً تَكَسَّرَتْ،
ومِن الوُجودِ زَال
خَيَالُ الإلَهِ العَظيم.
4
قَهْقَهَتُ إبْليس الحَمْراء
كَسَهْمٍ
تَمْرُقُ في جَبينِ العِزَّة،
وَكجَلْمَدٍ،
تَرَجُمُ وَجْهَ الحَقِيقَة.
مَاردُ المَكْرِ وَاللُّؤْم،
أراهُ يَثِبُ فوقَ التِّلال،
يَتَساقَطُ مِنْهُ الفَرَح،
وَينْتَفِضُ إنْتِفَاضَةَ العِرْقِ المَحْمُوم
في جَسَدِ الجَريْح.
فَقد دانَتْ لِسُلطانِه الأرضُ،
وَذلَّت شَمْخَةُ الحَياة،
وَفَوقَ الجَميع
خَفَقَت رَايَةُ الفَنَاءِ الأسوَد.
5
الأرْضُ خَمَّارَة
أهلُها سُكارَى!
بأجسادِهم تحِكَّمَت الأوْجَاع،
وبرؤوسِهِم استَبَدَّتِ الأطماع.
بجِراحِهم يُتاجِرون،
وفي دِمائِهم يلِغون،
وبكؤوس الدنَس يَتَباركون.
الأرضُ مَقْبَرَةٌ،
والناسُ فيها جِيَفٌ مُكَرْدَسَة،
تَنْبُتُ فيهَا الأقْذَار،
وَتنقَضُّ عَلَيها اللَّعَنات
إنقِضاضَ كوَاسِر الأطْيار.
الأرضُ غارٌ تَكرَهُهُ الشُّموس
عَشَّشَت فيْه عَنَاكِبُ النفوس،
ودَبَّتْ في زَوَايَاه العُقولُ دَبَّ الهوامّ،
فإذا ساكِنوُه حَشرَاتٌ أو أقْزام.
الأرضُ أُنثى عَاهِرة
لا يُساكِنُها إلاّ الفُجَّار،
جَفَّفَت في عُروقِها ماءَ الحيَاء،
وأشعَلَت نَارَ الشَّهوَةِ والعَار،
فانْدَفَعَتْ إلَيْها شَهْوَةُ الكِبريْت والنّار.
الأرضُ عَجُوْزٌ عَاقِرٌ شَمْطَاء،
فِكْرَةٌ تَافِهَةٌ سَوْدَاْء،
تَمُرُّ في ضَمِير الكَون
مُرورَ ذُبابةٍ
فَوْقَ بَحْرٍ مِن الضِِّياْء.
الأرضُ دُميَةٌ
تَلاعَبْتَ بِهَا إمرَأةٌ فاجِرَة
وَدَوْلَةٌ عَاهِرَة
وَزُمرَةٌ كَافِرَة.
الأرضُ سِجْنُ عُبُوْدِيَّةٍ حَقير،
الدَاخِل إِليهِ أَعْمَى ذَليْل
والخارجُ مِنْهُ حرٌّ بَصير.
6
قطْعانُ البَشر
يَبْصقُها جَوفُ الأرضُ،
لِتَعِيشَ في سَرَادِيبِ الظَلْمَة،
وتَموتَ وعُيونها لمّا تُفتَّح.
قطعانُ البَشَر
وُحوشٌ مُتَمَدِّنَة
تَزْحَفُ فَوْقَ المُقَدَسَات،
مُجَرَّرَةً خَلفَها أنهراً مِنَ الدِماء
تَنْتِنُ فِيهَا الضَحَايَا.
قُطعانُ البَشَرِ
جَمَاجِمُ جَوْفَاء،
وأقْفاص نَكْراء
تُمَجِّدُ نَفسَها صَباحَ مَسَاء،
وَمِن قُبْحِهَا وَرَجَسِهَا
تَسْخَرُ كَوَاكِبُ السَمَاء!
7
ما الإِنسان؟
قيلَ: حَيوَان
ذو قَلبٌ وَلِسان
بَل هُو طِيْنَةٌ قَذِرَةٌ مَلْسَاء
خَليْطٌ حَقيرٌ مُتألِّه
مِنَ المادَةِ العَمْيَاء،
مِنَ الرَغَبَاتِ السُفلَى
وَالمُيوْلِ الرّعْنَاء.
ذُبَابةٌ تَدورُ في فَلكِ الهَوان
بِعَصيرِ الدِمَاء
تَرسِم دَوَائِرَ الزّمَان.
مَا الإِنسَان؟
حُمّى فُجور،
جُنونٌ مَحرُور،
وَكابُوسُ دَيْجُور.
وَحْشٌ مَخَالِبُهُ شَفْرَاتٌ ماكِرَة،
وَأَنْيَابَهُ خَنَاجِرُ غَادِرَة،
وابتِسامَاتُهُ خِدَعٌ بَاهِرَة.
لا بمَشيْئةِ الله وُلِدَ
وَجُبِلَ بالحِقْدِ وَالشَرّ والحَسَد،
بَل بِمَشيئةِ الشِيطَان
فُطِرَ عَلَى البَاطِلِ والبُهْتَان.
مَا الإِنسان؟
ثَوْرٌ هَائِج
يَسْكُنُ الأحمَرُ عَيْنَيْه،
شَهَواتهُ،أطماعُهُ،
مُيُولُه غاياتُه،
فِيهَا مِن ضَميرِه الجَريح
وَمِن عَقْلِهِ المُنْزوف
وَمِن حٍسِّهِ الدَامِي
نَذِيرٌ أحْمرَ.
فَرحُ الوَردَةِ في أن تُعَطِّرَ الأَجوَاء،
وَغبطَة البُلبُلُ في أن يُشجي الآذَان،
وَسَعَادَةُ الثِمار
في أن تُطْعِمَ الجِيَاع،
وَنَشْوَة اليُنْبوع
في أن يُرويَ العَطْشَى…
أمَا الإِنْسَان
فَقَد شَارَك ضارِيَ الحَيَوان
بأنَهُ لا يَسْعَى إلاّ لإشبَاعِ غَرَائِزَهُ،
وَلا يَرَى في الوُجُودِ،إلا وُجوْدِهِ.
أَفْكَارُهُ السَّوْدَاء،
أفكَارُه الجِِيَف
تَتَراقَصُ عَلَى نَقْرِ الدّفوف
وَقَرْع الطّبول.
ليَاليْهَا السّكْرَى
خَمَّارَةٌ داعرَة
يَؤُمُّها التّائِهون،
مَن ضَلَّت نُفُوسُهم
وَزَلَّت أقدَامُهُم
في جَوفِ المَعْصِيَة.
أفكارَهُ الرَقْطَاء
أفكارُه الأفَاعيْ،
تُسَمِّمُ نَسائِمَ الفِردَوسِ
بِلِهَاثِ الخَطيْئَة،
وَتُجَمِّرُ الرُؤَى الطّريئَة،
بالأخْيِلَةِ الجَحِيْمِيَة.
أفْكارُه الثَّعابين
تُضاجِعُ الأرض،
بَيْنَمَا الفَضيلَة
أمسَتْ عَروْساً أَرْمَلَة
تَنْدُبُ مَذَلَّةَ البَشَر
وَشِتَاءِ النُفُوسِ
المُوَشَّحَةِ بالرَذِيْلَة.
8
كَجَرَادٍ يَتنَاسَلون
أبْنَاءَ يَاجُوْج وَمَاجُوْج.
مَلأوا الأرضَ بِرَهْبَةِ ضَجِيْجِهِم،
وَغَداً سَتَضِيْق القُبُور
بِرَهْبَةِ صَمْتِهِم.
أَيُبَارِك الله نَسلَ قايين،
وَذُرِيَّةَ قَتَلَةَ الأَنْبِيَاء!
أَيُبَارِكَ المَوْلَى نَسْلَ سَدُوم،
وَسُلالَة الكِبْرِيْتِ وَالنَار
لا ،لَيْسَ الآتي أَفضَلَ مِن الماضِي،
فالشَجَرَةِ السّوْدَاء
تَلِدُ ثِمَارَ الزِنَى،
وَالجِذْعُ كمَا الأَغْصَان
سَتَكُونُ طُعْمَة النِيْران.
يا أبْناءَ الجَحِيْم،
وَبَنَاتِ العَارِ الزّنيم
يَا حُشُودَ الكُفْرِ وَالمَهَانَة،
يا حَشْرَجَةَ المَوْتِ في جَسَدِ الخِيَانَة،
يا هَوْلَةً كَالِحَةً كَأَجْنِحَةَ اللَيْلِ،
قَبِيْحَةً كَوَجْهِ الخَطِيْئَة،
عَاصِفَةُ النّورِ تَقْتَرِب
لِتَصْفَعَ فيكُم الظّلامَ الأعْمَى،
وَتَجْتَثّ البُنْيَان المُهْتَرِئ،
لِتُقَوِّضَ مَعَابِدَ النّخاسَة،
وَتَرْفَعَ هيَاكِلَ القَدَاسَة.
9
دَوَى البُوقُ
وَلَعْلَعَت السَاعَة
فَتَرَنَّحَت أَبَالِسَةُ اللَيْل
مِن هَوْلِ الصَدْمَة.
هَبَّ عَلَيْهَا إِعْصَارُ النّورِ
مُقْتَلِعاً جُذُورَها،
قَاذِفاً بِها في وَجْهِ سُلالَة الظُلْمة.
العَفاريتُ قَبَعَت
في أروِقَةِ الدّجِنَّة،
تَرتَعِدُ وَتُجَمْجِمُ،
تَبكِي وَتُوَلْوِل،
راثيةً ضَياعَ الجَنَّةِ،
بَاكِيَةً غِيابَ وَجهِ الله.
عَفاريتُ الليْلِ يائِسة،
فَقَد فَاتَها النّورُ الأعْظَم
وَحَلَّت عَليْهَا لَعنَةُ القَضَاء
النشيد الثاني أنا العاصفة المباركة
النشيد الثاني
أنا العاصفة المباركة
1
هُوَذَا فَارِسُ الضِياء،
دَاهِشُ العَالمينَ العَظيم
كَرُمحٍ إلهيٍّ أطلّ،
تُواكِبُه طَلائِعُ الخَيْل.
خَيْلُ الحَق المُطَهَّمَة
تَقتَحِمَ السَّيْلَ الطّامي
وَالنَّهرَ الغَضُوب،
وَتَنقُشُ في صَدْرِ الدُّنْيَا
مَلحَمَة الله الخالِدة
مَجدُ الرِسالَةِ الدَاهِشيَّة
2
أنَا الشُعَاعُ الآتي
مِن كَوكَبِ المَجدِ البَعيد،
السَابِحِ في أفلَاكِ الضِياء،
النَابِضِ في صَدرِ المَجرَّة.
أنَا الشُعلَةُ الخَالِدَة
في طَريْقِ الظُّلُمات،
والصَّرْخَةُ المُدَوّيَة
في ضَميرِ الحَيَاة.
أنا المَركَبُ الأَمين
السّاخِرُ بأنوَاءِ السُّوءْ،
المُحْتَمي بِعَيْنِ الله،
فَمَن أَرَادَ السَّلامَ والخَلاص،
فلْيَطْرَحْ خَوفَهُ فيَّ.
3
أنا الصَّامدُ في عِنَادِ العَنَاصِر،
القَاعِدُ
عَلَى الغَمَامِ الأَبيَض،
النَافِخُ
في بُوْقِ المَوْجِ،
الصَارِخُ
في دُروبِ الله
النَاهِرُ
جَحَافِلَ الشَّرّ،
الشَاهِرُ
سَيْفَ الرَحمَن
الهَامِسُ في آذانِ الوُروْدِ
أسرَارَ الوُجودِ.
4
أنا الرِّيحُ المُتَهادِيَة
عَلَى زُرقَةِ البِحَار،
مَحمولَةً بالزَبَدِ النَّاصِع،
آتِيَةً مِن الشَواطِئ النُورَانيَّة.
أنا الرِيحُ الهَابِطَة
مِن أقَاسِي الكَوْن
مِن أبعَادٍ لا يَطَالُها الخَيَال،
مِن آفاقٍ لا مُتَناهِيَة
أنا الرِّيحُ المُزَوَّدَة
أسرَارَ الحِكمَة
المُوَدِعَة آياتِ الحَقّ
المُحمَّلَة بَشيراً ونَذيراً.
5
أنا العَاصِفَةُ الجَسُور،
العاصِفَة التي تَصفَعُ القِمَّة المُسْتَكبِرَة،
وَتُخزِي القَصْرَ المُسْتَعلِي،
وَتَذِلُّ الجَيْشَ المُتَجَبِّر.
أنا العَاصِفَةُ الكَاسِحَة،
العَاصِفَةُ التي تَجتَاحُ الحُقُولَ العِقَام
والأَودِيَة المَوْبُوْءَة الخَبِيثَة
والجِبَالَ العَوَاقِر.
أنا العَاصِفَةُ المُبَارَكَة
التي لا تُغلِب
أبْسَطُ ذِراعيَّ الجَبَّارَيْن
عَلَى المَسْكُونَة
فَيَنْدَكُّ كلُّ صَرْحٍ فَاسِد
شَامِخَ الأَنْفِ،
ويَمَّحِي كُلُّ وَجْهٍ قَبيح.
وفي تُربَةِ الأرضِ الجَديدَة
المَصهُورَة بالنَارِ المُقَدَّسَةِ العَتيدَة
لا تَنْبُتُ إلاَّ الأَغْرَاس
المَليئَةُ وَدَاعَةً وَنِعمَةً
6
بِكِلْتَا يَديَّ،
سَأُمَزِّقُ صَدْرَ اللَيْل،
وَأنتَزِعُ قَلْبَهُ وَأَحْشَاءَه.
مَملكةُ الظَلامِ سَأنقُضُهَا،
فَلا يَبْقَى فيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَر.
سَأصرَعُ المَوتَ،
وأُخضِعُ أربَابَهُ،
فَقَد عَافَت نَفْسِي
هيَاكِلَ المَقَابِر
تَرقُصُ عَلَى قَعْقَعَةَ
طَبْلِ التَمَدُّنِ الأَجْوَف.
سَأخْسَأ أبنَاءَ الهَاوِيَة
كَكِلابٍ مَسْعُورَة،
وَأقاتِلُ بعُنفٍ وَجَبرُوت،
جُيُوشاً عَبّأتها الرَّذيلَة،
وَحشَدَتها الأطمَاعَ،
حَتَى تَرِنَّ الفَرحَةُ الضَاحِكَة،
في سَاحَةِ الحَيَاةِ،
وتَزَولَ الأَحزَانُ والأوجاعُ.
سَأُطْلِقُ سِهَامِي
مَع جِيادِ الشّمْسِ،
وَأُحمَِّلُها جَواهِرَ الحِكْمَة،
وَكُنوزَ المَعرِفَة،
عَسَاهَا تَليْنُ كِبرِيَاءُ الأرض
وَيُخْزَى صَلَفُ القِمَّةِ العَاتِيَة
وَجَلَفُ الصَّخرةِ القَاسِيَة.
سَأكْتَسِحُ غَابَةَ الحَضَارَة،
غَابَةَ الذُلِّ والدَعَارَة،
فأسْتأَصِلُ شُجَيراتِهَا المُترَهِلَّة
وَلا أَدَعُ في وَسَطِهَا
إلاّ أَرزَةً دَهرِيَّة
تُمَجِّدُ الله.
سَأُدمِي شَرَايين التُرْبَة
بِمِعوَلي البَطََّاش،
وَأَنْثُرُ بِذاري
في الحقُولِ الشِاسِعة
والفَيَافي الوَاسِعَة،
فَتَنْمُو سَنَابِلُ النّور،
مُضَمَّخَة بعطرِ فَجْرٍ جَديدٍ.
7
َعلَى هِضَابِ الحَيَاة سَأُنَادي
كارِزاً بِتَعَاليم الله
فَيَطْرُقُ صَوتي كُلَّ أُذنٍ صَمَّاءَ
وَيُسَامِرُ كُلَّ عَيْنٍ عَمْيَاء.
وَأفكَاري العَذَارَى
أَزُفّها إلى القُلُوبِ النَقيّة،
فَتَسْطَعُ كَبَخُورِ المَعَابِد،
وَعَبْرَ الدَجِنَّة الحَالِكَة
تَنْهَضُ كَعَامودٍ في هَيْكَلِ الله.
وَمَع الفَجرِ الإلهيِّ،
أُطِلُّ عَلَى جَسَدِ الأرضِ المَريض،
أَنهَلُّ فَوقَهُ رَبيعاً زاهراً
ساكِباً مَع الشَمْسِ عَليْه
قُبْلَةَ النّورِ والعَافِيَة
8
النَّارُ العَظِيمَة
النَّارَ المُقَدَّسَة
شَحَذَتْ ألسِنَة الرُّعْب
وأرْهَفَتْ سُيوفَ النَقْمَةِ.
بَاطِنُ الأَرضِ ألهَْبَتْهُ،
والتُّربَة الغَافِيَة أيْقَظَتْهَا.
كَجبروُتِ الرَّعْد،
إنطَلَقَتْ ثَورَةٌ بِكْر،
تَغزو البَرَايَا،
تَهْدُمُ القَصْر َالمُدِلّ
تَلفُّ رُؤوسَ الطُّغَاة
بِدوّامَةٍ قَاهِرَة،
وفي صَدْرِهَا
يُزْهِرُ كُوخٌ وَديع
بَينَ جَنبَيْه
يَغْفو رَجلٌ بَطل
عَلَى صَدْرِ عَروسٍ طَاهِرة.
النشيد الثالث عروس لبنان
النشيد الثالث
عروس لبنان
َعلَى جَبهَةِ لُبنَان،
َوفي شُموخِ الأرزِ الخَالِد،
عَلَى مَقرُبَةٍ مِن الشَمسِ،
وَفي وَهجِ الفَجْرِ الطَّالِعَ،
أَطلَّتِ العَرُوس،
مَجْلوّةَ الجَمَالِ
رَيَّانَة المُحَيَّا،
رَقيقَةً كنَايٍ حَزينٍ،
طَيِّبَةٍ كَطِفلٍ
لَم تَفْتَح عَيْنَهُ الخَطيئَة،
تَفُوحُ مِن ثَوْبِها النَِاصِعِ
عُطُورُ الأرضِ كُلُّها.
عَروسُ لُبنَان،
تِلكَ التي زَفَّتهَا جِبَالُ المَقْدِس
إلى جِبَالِ الأطيَابِ،
تِلكَ التَي خَدُّهَا
لم تُشبِهُ حُمْرَةَ الشَّهْوَة،
وَأجفَانُهَا مُسَْبَلَة كَسَنَابِلَ الخَير،
وَثغرُهَا يَذُقُ طَعمَ التُّراب،
عَروسُ لُبْنَانَ
رِسالتُنَا المُقَدَّسَة.
2
لِتَهْدِلُ الحَمَامَةُ الحَنون
مُسَبِّحَةً بِآياتِ الشُّكْرِ،
لِتَهزَج المَوجَةُ الحُبْلَى
بٍأناشيدِ المَحَبّة،
لِتَطفَرِ الأَعشَابُ الطَيِِّبَة
مِن أَحشَاءِ الأرضِ،
عَلَى صَيْحَةَ الثَّرَى الفَرْحَان،
لِتَمْتَشِق البُحُورُ مِن أَعمَاقِهَا
حَوَاريُّ الجَمَال،
فَقَد أَقبَلَت الدِّيمَةُ المُثْقَلَة عِطْراً
تُلقَي رِحَالَها عَلَى أَكُفِّ الصَّبَاح.
3
هِيَ ذِي الخِرَاف
تَلُمُّ شَعْثَها وَتَتْبَع صَوتَ رَاعيهَا.
هِي ذي الخِرَافُ،مِن جَديد،
تَقضُمُ أَعشَابَ الجَنَّة،
وَتَرعَى في مُرُوجِ النُّجومِ.
الرّاعِي أَطلَقَ مِن قَلبِ نَايهِ
نَشيداً يُمزِّقُ السَكينَةَ السَودَاء
وَيُسْكِرُ الآذانَ الظَامِئَة
إِلى أَنغَامِ السَمَاءِ.
الرَاعِي أَنشَدَ غَبطَةَ المَسِيح
وَفَرْحَة َقُدّوس الأنبِيَاء،
فهرعَتْ إليهِ الخِراف
المُوَزَّعَة في أرجاءِ المَسْكُونَة،
لأَنَّها عَرَفَت فِيه رَاعِيهَا.
4
صَوتُ الرَاعِي
يَنْهَلُّ أَمَامَ خِرَافِهِ
كَرَملاً أَخضَر،
كَرْمَلَ الدَاهِشيَّة المُقَدَّسَ.
الدَاهِشيَّةُ
إِطْلاَلَةُ البَاري
عَلَى جِبَالِ لُبْنَان،
جلوَةُ العَروسِ الإلهيَّة
في هَيْكَلِ المَحَبَّةِ الخَالِدَة.
الدَاهِشيَّةُ
رَبيعٌ
يَطفَرُ في الأَودِيَةِ وَعَلَى التِلالِ،
إِشراقُ ِجَنَّاتٍ زَهرَاءَ
وَرِيَاضٍ غَنَّاء،
في بِحَارٍ مِن الرِّمال.
الدَاهِشيَّةُ
فَرحَةُ أطفَالٍ أبْرِيَاء،
اندِفَاقَةَ يَنْبُوع كَوْثَر
مِيَاهُهُ إكْسِيرُ حَيَاة
وَمجرَاهُ آياتٌ بيِّنات.
الدَاهِشيَّةُ
خِضمٌّ هادِر
حصَاه جَوَاهِر،
شُطآنُه مَناوِر،
أَمواجُه إِعصَارٌ ثائِر.
الدَاهِشيَّةُ
إَنهِمَارُ ضَوءٍ قُدسيٍّ سَاطِع
عَلَى أرضٍ كَفَّنَهَا
شِتَاءٌ مِنَ الفَوَاجِعِ،
أَدرَانُ النُفُوسِ
تَغسِلُها بِماءٍ طَاهِرٍ،
وَآلامُ الأجسِادِ
تُزيلُها بِمشِيئةِ القَادِر.
الدَاهِشيَّةُ
مَائِدَةُ الله المُكَرَّسَة،
وَصَخْرَةُ الحَقِّ المُقَدَّسَة،
عِنْدَ أقْدَامِها تَتَحَطَّمُ أنوَاءُ الشُّرُور،
وَدُونَها تَنهَزِمُ إِرَادَاتُ السُّوء،
وَيَتَهَاوَى أبنَاءُ الدَّيْجُور.
الدَاهِشيََّةُ
مُعتَقَدُ الغَدِ المُشرِقُ الظَّافِر،
وَبُوقُ القَديرِ المُنْذِر الهَادِر،
وَصَوْتُ البَشيرِ المُوقِظُ السَّاحِر،
يُؤَذِنُ بِقِيَامِ مَلَكُوتِ الرّوح،
مَلَكُوتِ الحَقِّ وَالعَدْل،
في العَالَمِ الجَائِر.
الدَاهِشيََّةُ
أن تُؤمِنَ بِأنَّ هَذَا الكَونَ العُجَاب
مُعْجِزَ العُلمَاء وَمُحيَّر الألْبَاب،
قُدرَةٌ فائِقَةٌ أوجَدَتْهُ،
رُوحٌ كُلَّيَة طَاهِرَةٌ أَنشَأَتْهُ،
أَبدَعَتْ نَوَامِيسَه
وَأحكَمَتْ مَقَاييسَه،
قٌدرَةٌ هيَ الكَمَال،
هِيَ الحُبُّ والعَدْلُ و الجَمال،
هي الآبَادُ والآزال،
هي الله.
الدّاهِشيَّةُ
أنَ تُؤمِنَ بِأنَّ أنبِيَاءَ الله
أَصَابِعُ رُوحٍ قُدّوس
تَنبَسِطُ فَوْقَ خَليقَتِه
انبِسَاطَ كَفِّ رَحْمَتِه.
كَلَفظَةٍ سَاحِرَة
نَطَقَ بِها وُجُودٌ آخَر
فَرادَت الدُنيَا
تَكْتُبُهَا المُعْجِزَات
بِمَدَادِ الغَرَابَة.
كَوَردةٍ عَجِيبَةٍ عِمْلاقَة
نَبَتَتَ في فِردَوْسِ الإَيمَان،
وَحمَّلَت مَوَاكِبَ النَسَائِم
عِطرَهَا المُحَيِي،
فَمَلأَ الأرضَ حِكمةً وَمحبَّة
وَجَعَلَ مِنهَا مَوطِئاً لله مُقَدَّساً.
الدّاهِشيَّةُ
أَن تُؤمِن بِأنَّ الأّديانَ نُجومٌ سَاطِعَة،
وَشُمُوسٌ مَاتِعَة
تَهْبِطُ مِن الهَيكَلِ الأَعْظَم
حمَائِمَ رِفقٍ وَمَحَبَّة.
هِيَ فَيْصَلُ الحَقِّ المَاضِي
يَنْفَذُ كَالنّور،
صَارِمَ الّلَهْجَة،
مُعلَنَ السُّلْطَة،
قَاطِعاً أُصُولَ البَاطِل،
مَاحِياً آثَارَ الرَّجْس.
الدّاهِشيَّةُ
أن تَتَّخِذَ مِن الخَيْرِ سُلَّماً،
وَمِن الفَضِيلةِ مِعرَاجاً مُلهِماً،
وَتُؤمِنَ بِأنَّ الدِّينَ هُوَ الحَيَاة
هُوَ الأعْمَالُ وَالأفْكَارُ وَالرَّغَبَات،
فَتنْسَخَ الشَيْطَان مِن نَفْسِك،
الشّهْوَةَ الحَمْرَاء مِن حِسِّك،
وَتَثِقَ بِتَقَمُّص النُفوسِ
واستِمرَارِ الحَيَاة،
وَمُجَازَاةِ الكَائِنات
عَلَى ذَرَّةِ الصَالحَِات
وَذَرَّةِ السَيِّئات.
الدّاهِشيَّةُ
زُهورُ الخَلاصِ
تَضحَكُ عِطْراً،
وَعَناقِيدُ الجَنّةِ
تَمْلأُ الجِرَارَ الفَارِغَة
بِخَمْرَةٍ عُلوِيَّة.
الدَّاهِشيَّةُ
عَاصِفَةٌ نُورانِيّة
تُحَطِّمُ أَصْنَامَ الأُمَم العَتيَِّة،
تُبَدِّدُ المُعتَقَدَاتِ الفَاسِدَة،
وَتُمَزِّقُ الظُّلُماتِ الحَاقِدَة.
الدَّاهِشيَّةُ
أَعَاصِيرُ قاهِرة
تُعْمِي إلَهَ الشَرّ
ذَاكَ المُسْتَرخي في أَحْضَانِ الأرضِ
استِرخَاءَ فاسِقٍ عنِيد
في حُضنِ عَاهِرة.
الدّاهِشيَّةُ
بُوقُ الحَقِّ المُدَوّي
عَلَى صَوتِه تَتَهاوَى قِلاعُ الظّلْمَاء
وتَتَعَالَى بُرُوجُ الضِّيَاء.
النَشيد الرَابِع بُوقُ الحَق
النَشيد الرَابِع
بُوقُ الحَق
1
يُطِلُّ اللهُ مِن كُوَّةِ الأَبدِيَّة،
فَيُزهِرُ الكَوْن،
ومِن أمَامِ وَجْهِِهِ
تَهرُبُ الظِّلال
والأَطْلاَل.
بِشَفَتَيْهِ
يَلفُظُ الأَنبِيَاء،
يَلِدُهم،
وَعَلَى جَبِينِهِم
تَخُطُّ يَدُه:
هَؤُلاء أبنَائِي
أَبنَاءُ المَعْرِفَة والحَقِّ،
فاتبَعُوهُم،
واذكُرُوا أنِّي بِأيْدِيهِم
أَبْني،في الأرضِ،صَرْحَ الرّوح.
وَالرّوحُ كَوكَبٌ نورانيٌّ
لا تَرَاهُ عَيْنٌ مِن عَصَبِ التُّراب.
الرُّوح إصْبَعُ الخَالِق،
عَنْهَا تَدَحْرَجَت
كُلُّ المَجَرَّات،
مِنهَا انبَثَقْنَا،
وَإليهَا نَعُود.
هِيَ نَسمَةٌ إلهيَّة
خَفَقَتْ في صَدْرِ اللاَّنِهايَة،
أَعطَتْنَا الحَيَاة الأَبَدِيَّة.
الرُّوحُ رَسُولةُ السَّمَاء،
قَرِينَةُ الأنبِيَاء،
رَفِيقَةُ المُرْسَلين
أُمُّ الكَوْن،
وَابنَةُ الله.
وَرِسَالَةُ الرُّوح
رَبيعٌ قُدسيٌّ دائِم
زُهُورُه تُعانِق تُرابَه.
حَديقَةٌ إلهِيّة
عَشِقَتْها شِفَاهُ الضِّيَاء
رُوحٌ سَرْمَدِيَّة
سَكْرَى بِسرِّ البَهَاء.
2
أَمَا أجْسَادُكُم
فَلِباسٌ يَشيخ
تَرصِدُهُ عَنَاكِب السِّنين،
وَترقبُه دِيدَانُ الأَرض
بِشرَاهَةٍ وَنَهَم.
أَجْسَادُكُم تَتَلاشَى
كَأُغنِيةِ أَمٍّ ناعِسَة
تُهَدْهِدُ طِفلَها،
كَوَرْدَةٍ أطْلَعَهَا مَوْسِمُ الخِصْب
وَغيَّبَها مَوسِمُ الذُّبُول،
كَشمسٍ يُطارِدُ إشرَاقَها
شَبَحُ الأفُول.
أَجسَادُكُم
دَعُوهَا لِعَالَمِ الشَّقَاء،
إِطْرَحُوهَا في دُنْيَا الفَنَاء،
فَلَنْ يَبقَى لَكُم إلاّجَوْهَرٌ
تَرقَوْنَ بِهِ
إِلَى حَيْث لا عَنَاكِبَ وَلا دِيدَان
وَلا ظَلاَمَ ولا زَوَال،
إِلى مَلأ الرُّوحِ وعَالَمِ الكَمَال.
3
الحَيَاةُ هِبَةٌ وَعَطَاء:
هِبَةُ السُّنْبُلَة
تُطْعِمُ جِيَاعَ الطَّيْرِ جَسَدهَا،
هِبَةُ النَّهرِ العَظيم
يَغسِلُ دَمْعُهُ جِرَاحَ اليَابِسَة،
هِبَةُ المَوتِ الرَّحيم
يُريحُ نُفُوسَ المُتْعَبِين،
هِبَةُ الزَّهْرَة اليَانِعَة
تُعطِي النَّحلَة رَحِيقَ شَبَابِها،
هِبَةُ الشَاعِر الإنْسَان
يُنشِدُ عَظَمَة الرَّحمن،
هِبَةُ القَلْبِ الجَبَّار
يَقْرَعُ طبُولَ الحَيَاة.
4
وَوَرْدَةُ الحياةِ هيَ الفَضِيلَة
يَلهَجُون بِها،
يَتَحَدَّثُونَ عَنْهَا،
يَخطُّونَ الكُتُبَ، باحِثينَ مُنَقِّبين
عَنْ رَسْمٍ لهَا
عَن إنسَانٍ يُمَثِّلُها،
لَكِنْ عَبَثاً يَفحَصُون،
وَبَاطِلاً يَنظُرون،
فَالفَضِيلَة مَعدَنٌ نَادِر
لا يُرَى إِذا وُجِدَ،
بَل يَكمُنُ في سِرِّ النَّفْس،
كَالبَنَفْسَجَةِ المُتَوَاضِعَة
تَحْنِي رَأسَها وَتَختَبِئ،
فَلاَ يَرَى جَمَالَها
إِلاَّ الله.
5
الزَّوَاجُ بَابٌ
طَريقُهُ إمَّا إلى رِيَاضٍ
فِيهَا الثَّمَرُ المَعْسُولُ وَالرُّؤى الزَّاهِرة،
وَإمّا إلى أَجَمٍ مِن الأَشوَاك
والثَّعَابين الفَاجِرَة.
بَاطِلٌ هُوَ الزَّوَاج
المُبَطَّنُ بِالخَدِيعَة،
المُغَلَّف بالمُجَامَلاتِ الكَاذِبَة
والمُيُولِ الوَضِيعَة،
المُكتَنَفُ بِرغْبَة المَال،
أو شُهْرَةِ الحَال،
أو الظَّفَرِ بِالجَمَال.
بَاطِلٌ هُوَ الزَّوَاج،
إنْ كَان لَهُ فَارِسٌ يَحْمِيه
سِوَى مَلاكِ الحُبِّ وَالحَيَاء،
وإِن كَان لَهُ تُرْسٌ يَقِيه،
غَير تُرْسِ الإخلاصِ وَالوَفَاء،
وَإِن كَانَتْ لَهُ طَريقٌ في الحَيَاة
سِوَى التَّضْحِيَة وَنُكْرَانِ الذَّات.
الزَّوَاج الحَقّْ
هُوَ الذِي تَحْتَ جَنَاحِ الحُبّ
-الحُبِّ المَلِيك
الذِي تَاجُه النُّجُوم
وعَرْشُه الحيَاةُ وَالرَّبِيع-
يَسْكُبُ نَفساً في نَفس
وَيُنْسِي الإنْسَانَ ذَاتَه،
فَيُحْرِقُ قَلبَه
عَلَى مَذْبَحِ مَن يُحِبّ.
الزَّوَاج الحَق
هُوَ الذِي يَجْمَعُ اثنَيْن
بِشَرِيعَة السَّمَاء،
وَإِنْ فَرَّقَتْهُمَا شَريعَة الأَرْض.
كَمْ مِن زَوَاجٍ
حَلَّلَتْهُ نَوامِيسُ الدُّنيَا
فَكَرَّسَتْهُ في سِجِلاَّتِها الصَّدِئَة،
وَبَارَكَتْهُ شِفَاهُ النَاس
فَسَمَّتْهُ رِبَاطاً مُقَدَّساً،
لكِنَّ نَوَامِيس الطَبِيعَة الصَّادِقَة
اعْتَبَرَته حَرَاماً،
وَآلِهَة الحُبّ
عَدَّتْه قَيْدَ لحَمٍ وَدَم،
وَصَكّ عُبُودِيّة.
6
أَخطَبُوطٌ رَهِيبٌ هُوَ المَال،
بِأذرُعِهِ الفَتَّاكَة الشَيطَانِيَّة
إسْتَعبَدَ المَسكُونَة وَأَذَلّ البَشَرِيَّة
بُرجُ الأَخلاقِ الأنوفُ هَدَّمَه،
وَهَيْكَلُ الضَّمِير السَّامِي اسْتِبَاحَه،
وَطَوْدُ القِيَمَ الشَامِخُ رَدَّمَه،
وَكَالبَحرِ الهَائِج الطَّامِي
اجْتَاحَ قِلاعَ الحَقِّ الحَصِينَة
وَصُروحَ الخَيْرِ الأَمِينَة
وَأَكوَاخ المَحَبَّة الثَمِينَة،
وَفي الأرْضِ زَرَع البَغْضَاء وَالضَّغِينَة.
فَرَّقَ،هَدَم،
أَذَلَّ،رَدَمَ،
حَوَّلَ الوُجُودَ إلى عَدَم.
وَالنَّاسُ كُلُّهُم
يَلْهَفُونَ إلَيْه،
يَلْهَجُون بِهِ،
يَسْتَمِيتُون وَيُمِيتُون في سَبِيلِه،
يَتَخَبَّطُون بَيْنَ أَذْرُعِ ذلِك الرَّهَبُوت
تَخَبُّطَ الذُّبَابِ في شِبَاكِ العَنكَبُوت.
7
أَنْصِتْ للسُّكوُن
تَسْمَعْ تَسَابِيحُ حَمْد،
وَتَرَانِيمَ غِبْطَة،
وَنَجَاوَى انطِلاق،
وَهَمساتِ نَشْوَة.
أَنصِت لآلِهَة الصَّمْت
تَسْمَعْ أَخبَاراً
وَتُدرِكْ أسْرَاراً،
لا تَكْتَشِفُهَا الآذان
التي اعتَادَت ضَجِيجَ الإنْسَان.
أَنْصِتْ لِلهَاجِعِينَ في القُبُور،
لِصَعَاليكَ وَعِظَامٍ،طَوَتهُم العُصُور،
يُكَلِّمُوك بِألسِنَةٍ مِن نَارٍ
وَبِألْفَاظٍ مِنْ نُور.
8
تَأَمَّلْ دُرُوبَ السَّمَاء
تَجِدْها مَفْرُوشةً بِالدَّرَارِيّ
مُنَارةً بالّلآلي.
كُلُّ لُؤلُؤَةٍ
كَوْكَبٌ دَائِر
يُحيطُ بِهِ عقْدٌ
مِِنَ الجَوَاهِر.
تِلكَ الشُّمُوسُ وَ الأَقْمَار
كُلٌّ مِنهَا في فَلَكٍ سَيَّار،
لا يَشذُّ عَنْهُ
إِلا بِإذنِ الوَاحِد القَهَّار.
أهِلَتْهَا الكَائِنَات
وَعَلا بَعْضُهَا في دَرَجَات.
فَمِنهَا عَوَالِمُ الرُّوحِ
ذَاتُ النَقَاءِ وَالبَهَاء
وَمِنْها عوَالِمُ المَادَّةِ الرَاقِيَةُ المُمَجَّدَة
ذَاتُ الجَبرُوتِ وَالسُّلْطَان،
وَمِنْهَا عَوَالِمُ المَادَّةِ الدُّنْيَا المُقيَّدَة
ذَاتُ البُطْل وَالبُهْتَان.
وَكُلَّهَا إلى مَصِيرِهَا سَائِرَة
بِمَشيئَةِ الديَّان
9
مَا أَجْهَل الإنْسَان!
يَنظُرُ حَوْلَه وَ عَينَاهُ مُغْمَضَتَان،
فَيَرَى المَجَانين وَالمُقعَدِين وَالعُميَان
قَذَفَتْهُم أُمَّهَاتُهم،هَكَذا،
في عَالَمِ الأَحْزَان،
وَيَرَى المُتَنَعِّمِين في الحَرَائِر وَالقُصُور
وَاللَابِسِين اللآلِئ وَالتِّيجَان،
وَازَاءَهُم المُتَضَوِّرينَ في الأَزقَّة
وَالأَكوَاخِ البَارِدَة،
وَبَني الحِرمَان،
فَيَهتُفُ: أَينَ عَدْلُ الديَّان؟
وَهُوُ يَخلُقُ البََرَايَا
مُتَفَاوِتَة الأَقدَارِ وَالأرْزَاق
وَالعُقُولِ وَالأبدَان،
بَعْضُهُم أسيَادٌ وَبَعْضُهُم عُبْدَان!
فَمَا أغَبَاكَ يا إنْسَان.
إِنَمَا الأجْسَادُ كالقُمْصَان
تَرتَدِيها سَيَّالاتُ الرّوح
في هَذِه الأَكوَان،
وَيَنَالُهَا مِن تَجَارِبِ الحَيَاة
امتِحَانٌ بَعدَ امتِحَان،
فَيََتَجَاذَبُها مِن الخَيْرِ وَالشَرِّ تيَّارَان،
فَتَخُطُّ مَصِيرَهَا
بِملءِ اختِيَارِهَا
إِما لِعِزٍّ وَإمّا لهِوَان.
وَمَا المَوْتُ إلا جِسْراً
يَعبُرُ السَيَّالُ عَلَيْهِ
مِن طَوْرٍ إلَى طَوْر،
يُبَدِِّلُ جَسَداً بِجَسَد
في كُلِّ دَوْرٍ،
لِبَاساً يُلائِم أَعْمَالَه وَرَغَبَاته
في المَرْحَلَةِ السَابِقَةِ مِن حَيَاتِه.
وَيَستَمِرُّ صُعُوداً أو هُبُوطاً،
عَبْرَ الأجْيَال،
حَتَى أعَزِّ حَالٍ أو أَذَلِّ حَال.
النشيد الخامس سِرَاجُ الحِكْمَة
النشيد الخامس
سِرَاجُ الحِكْمَة
1
أتبَاعِي
أتبَاعُ الحَقّ
هُم أبنَاءُ النُور
أبناَءُ المَعرِفَة
وَصَرْخَةُ الرَّب.
أتبَاعِي
هُم المُجَاهِدُونَ في وَعثاءِ الطَّرِيق،
الّلاجِئونَ إلى صَدْرِ النُّبوَّة،
الجَالِسُونَ في أفْيَاءِ النِعْمَة
وَمُرُوج المَحَبَّة.
أتبَاعِي
هُم ثَوْرَة الضَّمِير
عَلَى ظَلامِ الجَسَد،
وَتَمَرّدُ الحَيَاة الحُرَّة
عَلَى ذُلِّ العُبُودِيَة.
2
خَمْرَة الرّوح
التي لم تَعْصِرهَا مَعَاصِرُ الدُّنيَا
سَأسْكُبُها لَكُم،
يا أحِبَائِي،
مِن رَاحَة الفَجْرِ،
كُؤُوساً طافِحَة،
أَمزُجُهَا بِأنفَاسِي وَدَمِي،
فَتَجْرَعُون مَع انسِكَابِ الضِّياء
سَيَّالاً عَجِيبَاً فَائِقَ البَهَاء،
وَإذْ ذاك تَرَوْن وَجهَ الحَقّ
وَتُدرِكون مَعْنَى النُّور.
بِأكْوَابِ الأَثِير
وَسَأُفرِغُ فِيكُم إِشعَاعَ قَلْبِي،
فَتَمْتَلِئُون خَيراً وَنِعْمَة
وَتَمِيلونَ سُكَارَى
بِآياتِ الله.
3
مِن خُبْزِ الأُلوهَةِ
أُطعِمُكُم،
وَمِن نَبْعِ الكَوْثَر
أُسقِيكُم،
وَمِن زُهُورِ الرَّبِيع
أَكسُوكُم،
وَمِن مَزامِيرِ الصُّبْحِ الجَمِيل
أَنشِدُكُم،
وَمِنْ أَجْفَانِ الفَجْرِ
أَستلُّ سُيُوفاً
طَرَّقَها الرَّعْدُ،
أُقَلِّدُكُم إيَّاهَا
فَتَصْرَعُون بِهَا
أعْدَاءَ الله،
يا فُرْسَان الله.
4
سَأُهْدِي إلَيْكُم بَاقَةً
لَن يَكْتَرِثَ لَهَا الكَثِيرُون،
وَلَن يُبَالي بِهَا
السَّابِحُون في لجُّةِ الإِثمِ،
وَالمُسْتَرخُونَ عَلَى شَاطِئِ الشَهْوَة،
وَالمُشَيِّدُون هَيَاكِلَ
يَعبُدُون فِيها ذَواتِهم.
بَاقَةٌ فَوْحُها مِنْ عُطُورِ الجَنَّة،
أَقطُفُها مِن بُستَانِ الله،
فَكُلُّ مَن ارْتَضَاهَا
ارتَضَى نَعِيمَ الأبَدِيَّة،
وَكُلُّ مَن أبَاهَا
يَرْفَضُ وَيُرَدُّ.
5
أفِيقُوا مِن سُبَاتِ الضَّمِير،
أُخرُجُوا مِن رَبْقَة الجَسَد،
حَرِّرُوا نُفُوسُكم مِن الأغلالِ،
وَفي مِيَاهِ النَّهرِ المُقَدَّس
النَّابِع مِن أعْمَاقِ الأَزَل
المُنْبَجِس مِن صَدْرِ المَلأِ العُلويّ،
اغْسِلوا أدرَانَكُم
أدْرَان التُّرَاب.
هَا إِنّي أفتَحُ،أمَامَكُم،
أبوَاب الحَدِيقَة المُرتَجَاه،
فادخُلُوهَا.
كُلَوا الثَّمرَةَ الشَهِيَّة
مُستَقِينَ مِن نَهرِ الحَيَاة،
وَصَعِّدُوا بالرُّوح
إلى فَلَكِ اليَقَظَة الخَالِدَة،
إلى كَوْكَب الضِياءِ الأَعْظَم.
6
الكَلِمَةُ،
إذا خَرَجَت مِن فَمِ الإنْسَان،
فلتَكُنْ مِرْآةً للنُّور
وَمِنبَراً لِلحَقّ،
يا أحِبَّائِي.
كُلُّ لَفظَةٍ تَنْطُقُ بِهَا شِفَاهُكُم
لِتًكُن سَهْماً في صَدْرِ البَاطِل،
وسَيفاً يُمَزِّقُ سُتُورَ البُهتَان.
أحَادِيثُ الإِفكِ تَجَنَّبُوهَا،
فَلا تَنْسِجوا رَخيصَ الأكَاذِيب،
وَلا تُراوِغوا كَالثَعَالِب،
أو تُخادِعوا كَبَنَاتِ آوى.
لِيَكُنْ الصِّدقُ شِعارَكُم،
تَنْضَوُونَ تَحتَ رَايَتِهِ الخَفَّاقَة
وَتَتَشَبَّثُونَ بِأهدَابِه البَريئَة
تَشبُّثَ الطِفلِ
بثَدْيِ الأمّ الحَنون.
7
أقلامُ الحَقّ
تَكتُبُ لِلهِدَايَة، لِلخَيْرِ،لِلكَمَال.
وَأقلاَمُ البَاطِل
تَكتُبُ لإضْلالِ النُّفُوس،
وَزَرْعِ الرَّذيلَةِ وَالفَسَاد.
أنْتُمُ يا أحِبَّائِي،
يا أبنَاء القِمَم العَالِيَة،
تَخُطُّونَ عَلَى أَعمِدَةِ التَّاريخ
أسْفَارَ مَجدٍ وَعِزّة
تُبْرِزُ لِلآتي مِن مَوَاكِبِ الأَجْيَال
حَقِيقَةَ مَا نُضْمِرُ
وَ مَا نَقُولُ وَنَفْعَل.
أمّا هُم أبنَاءُ الهَاوِيَة
فَيَخُطّون عَلَى دِمَنِ الفِكْر،
وَفي دُروبِ الغَدْرِ وَالخِيَانَةِ وَالمَذَلّة،
قِصَّةً فَاجِرَة
يَرَى فِيهَا المُسْتَقبَلُ حَقِيقَة قَذَارَتِهَم.
نَحنُ قَد حَطَّمْنَا الأصْنَام،
وَسَخِرْنا بِالدُّنيَا الحُطامِ،
وَوَحَّدْنا كَلِمَتَنَا في الديَّان.
وَهُم قَد أَمسُوا عَبِيداً
لِحِفنَةٍ مُغرِيَةٍ وَهَّاجَة،
أو مُتعَةً حمَرَاء مَوَّاجَة،
وَقَد بَعْثَرَتْ أقوَالَهُم
رِيَاحُ الشَّيْطَان.
8
عَبِيدُ الأَطْمَاع
لا تَكُونوا مِثلَهُم.
فَمَنْ أمْضَى حَيَاتَه
يُحرِقُ أيَّامَه
بِتَمَنِّيه إِحراقَ نِعَم النَّاس،
أسِنَ ماءُ الحياة في نَفْسِهِِ،
وَشَاخَ سَيَّالُه،
وَنَخِرَ صُلْبُهُ،
وَهَوَى إلى الدَرَكاتِ السُّفلَى.
ألاَ فَلْتَكُن القَنَاعَة
تَاجَكُم،
وَأجْمَلَ ثَوْبٍ لَدَيْكُم،
وَعَروسَ غايَاتِكُم.
وليَكُن العَقلُ زينةً لَكُم
يَجعَلُ مِن نُفُوسِكُم
مُرُوجاً دائِمةَ الإخضِرَار
تَنمُو فِيهَا الحِكمَة،
وَتُثْمِرُ المَعْرِفَة.
وَلتَكُن الطِّيبَة تَاجَ ذَكَائِكُم،
فَتَقْرِضُوا الشَرَّ مِن ذَواتِكُم،
وَتَصْرَعوا المُيُولَ الدَّنِيئَة
والأهْوَاءَ الرَّعْنَاء.
9
هَلُمُّوا،يا إخوَةَ الرُّوح،
إلى الهَيكَل الكَبِير
هَيكَلِ الطَّبِيعَةِ العَجيب،
نَتَأمّل فِيهِ الآثَار
التِي رَسَمَتْهَا قَدَمُ الله.
تعَالوْا َنَتَعَلَّم الفَرَح مِن أطيَارِه،
وَالبَذْل مِن أشجَارِه وَأزْهارِه،
وَالسَّخَاءَ مِن يَنَابِيعِه وَأنهَارِه،
وَالوَدَاعَةَ مِن حمَائِمِه،
وَالّلَطَافَة مِن نَسَائِمِه،
وَالنَّقَاء مِن ضِيَائِه،
وَالسُمُوَّ مِن سَمَائِه.
تَعَالُوْا نُصَعِّد قُلُوبَنا
مَعَ الصَّلاة،
عَلَّنَا نَحْيَا في قَلْبِ الله،
وَنَلِجُ بَابَ الحَيَاة.
10
يا أتبَاعِي،
يا أتْبَاعَ الحَقّ،
إغسِلُوا الدَّمَ الفَاسِد،
فَقَد مَحَلَتِ الأرضُ،
وَاسوَدَّ أَدِيمُهَا.
هَدِّمُوا بِمِعْوَل البَأسِ
حُصُونَ الرَّذِيلَة،
سَدِّدوا سِهَام النَقْمَة
إلى صُدورِ الهَادِرِينَ بِالإِثمِ.
أَعدَاءُ الحَقِيقَةِ
وأبنَاءُ الظَّلام
أَعِدّوا لَهُم نَاراً كَاوِيَة.
الغَرْسَةُ الرَدِيئَةُ اجْتَثّوهَا،
والغَابَةُ الخَبِيثَةُ استَأصِلُوهَا.
جَاهِدُوا وَلا تَخْشَوا بَأساً،
فَسَلْطَنَةُ إبْلِيس قَد مادَت،
وَعَينُ المُهَيْمِنِ الأَعْظَم
تَرْعَى رِسَاَلَتَكُم المُقَدَّسَة.
بَشِّرُوا الأُمَم بِالنُّور،
أسمِْعُوا الصُّمَّ قِيثَارَة الحَقّ،
عَلِّمُوهُم عَنِ الله،
حَمِّلُوهُم أَغصَانَ المَحَبَّة وَالسَّلام.
هَبُوا البُؤَسَاء
آمالاً سَعِيدَة
إمْنَحُوا الضُعَفَاء
قٌوَّةَ الصَّبرِ،
دَعُوا الكُفَّارَ
يَسْتَعِيدونَ الرَّجَاء،
إزْرَعُوا بُذُور الصَّلاح
في القُلُوبِ وَالدُّرُوب.
أطلِقوا صَيْحَات الفَرَح،
واهزِجُوا بِأغَارِيدِ المَسَرَّة،
فَعَسَى يَكُون في عَالَمِ الأَشْرَار
لِشَجَرَة الرُّوح بَعضُ ثِمَار.
أغمِدُوا في صَدْرِ السُّكُون
سُيُوفَكُم الظَّافِرَة،
أُصْرُخُوا
أَنَّى ذَهَبْتُم
وَكَيْفَ تَوَجَّهتُم،
في أقاصِي الأرْضِ،
وَجَبِينِ الشَمْسِ
أصْرُخُوا في وَجهِ اللَيْل:
إِنَّه النُّور قَدْ أتَى
لِيُبَدِّدَ جُيُوشَ الدَِّياجِي الزَّاحِفَة
وَيَسْحَقَ زَبانِيَة الجَحِيم.
نَادُوا:
بِإذنِهِ تَعَالَى،
سَيَنقضي باطِلٌ تجَبَّرَ كّثيراً
وَيَنْهَزِمُ لَيْلٌ تَسَلْطَنَ طَوِيلاً،
وَسِرَاجُ الحِكْمَة
سَيُضيءُ في نُفُوسِ الكَثِيرِين.
النشيد السادس شِرَاعُ النَّصْر وَالرَحِيل
النشيد السادس
شِرَاعُ النَّصْر وَالرَحِيل
1
خَطَفْتُ مِن جَنَّة الخُلْدِ
طَيْراً جَمِيلاً،
سَاحِرَ النَّغَم،
أَرسَلْتُه في شِعَابِ الدُّنيَا،
آمِراً إيَّاه بالصُّداح،
عِندَ كُلِّ سَاقِيَة،
فَوقَ كُلِّ رَابِيَة،
وَعَلَى كُل فَنَن.
ذلِكَ الطَيْرُ غَابَ عَنِّي،
ثُم عَادَ ذَات صَبَاح
كَسِيَر الجَنَاح.
سَأَلَهُ قَلْبِي:
يا طَائِري الحَبِيب
ما لِصَوْتِك كَئِيباً
وَلِجَنَاحِك خَضيبا!
قَال:
جبْتُ العَوَاصِمَ المَلأَى ضَجِيجاً،
جُلتُ في السُهولِ والجِبَال،
في البِحَارِ وَالرِمَال،
دَخَلَتُ مَنَازِلَ الأَنَام،
صَادِحاً،هَازِجاً،
عَلَّني أَسْكُب في نُفُوسِهم
السَّلام وَالوِئَام.
فإذا البَشَرُ يُعيرونَني آذاناً صَمَّاء!
لَقَد أَصْبَحُوا عَنِّي غُرَبَاء!
يُشْجِيهِم نُعابُ الغِرْبَان
وَنَعِيبُ البُوم،
وَتُزعِجُهم قيثَارَةُ الضِّيَاء.
2
الهَازِئُون بالله،
كَالجَرَادِ يَتَنَاسَلون،
وَالسَاخِرون بالرُّوح
تَضيقُ بِهِم رحابُ الأرْض،
فالإيمَانُ جَسَدٌ مَيْت
يا أحِبَّائي،
هَاءَنَذَا أجْعَل مِنْكُم
أَكبَاشَ المُحْرقَةِ العَظمَى،
وَأضَعُ في نُفُوسِكُم
رُعودَ السَّمَاء
وَأعَاصِيرَ الحَقّ،
فَتُصَارِعُونَ الخِضَمَّ الهَائِج
وَالبُرْكَان الثَائِر
وَالزَلْزَلَة القَاصِفَة
هاءَنَذا أملأ قُلُوبَكُم
إيمَاناً وَمَحَبَّة،
وَأنفُخُ في أضلاَعِكُم
نَسمَةَ الوَفَاءِ وَالتَّضحِيَة.
وَلا تَنْسُوا أنَّ قَلْباً أَحبَّ الله
أسْكَنَه الله في قلْبِهِ
3
عَلَى الحِجَارَةِ المُسَنَّنَة سَتَمْشُون،
وَعَلَى فِراشِ الأَشْوَاكِ سَتَنَامُون،
وَفِي مَغَاوِرِ الصَّقِيع سَتَبيتُون،
وَسَتَكُون الخُشُونَة ثِياباً لَكُم،
وَتعَضُّكُم أنْيَابُ الجُوع
عِندَمَا تَأتِي السَّاعة.
أبنَاءُ العَالَم
سَيَضْطَهِدُونَكُم
وَيَنظُرُونَ إلَيْكُم هَازِئِينَ شَامِتِين،
وَعَلَى صَلِيبِ الأَطْمَاعِ سَيرفَعُونَكُم،
وَيُقدِّمُونَكُم ذَبَائِح
لإلَه الشَرِّ وَرَبِّ الهَاوِيَة.
وَلَن يَشْعُرَ بِآلامِكُم
أَحَدٌ مِنْ أبنَاءِ التُّراب،
مِن ذَوي الضَمَائِر المَيتَة
وَالنُّفُوس العَفِنَة،
لَن يُشفِقَ عَلَيْكُم
إلاَّ قِلَّةٌ مِن أبنَاءِ السَّمَاء،
لَكِنَّكُم،وَهَذا عِندِي يَقِين،
كَأبْرَاجِ الضِّيَاء
سَتُثْبِتُونَ حَتَّى النِهَايَة،
فَقَد انتَقَلَت إلَيكُم مَملَكَة دَاوُد.
وَإنِي أُبَشِّرُكُم
بِيَومٍ عَظِيم
تَغبِطُكُم فِيه الشُّعُوب
وَتَوَدُّ لَو يَعُودُ الزَّمَان أدْرَاجَه،
فَتَشْرَب ثُمالَة الكَأسِ التي نَهلتُمُوهَا.
4
هِيَ ذي الكَأسُ أقدِّمُها لَكُم،
مَرَارَةُ العَلقَمِ أَوَّلُها،
وَعَسَلُ الفِردَوْسِ آخِرُها.
هيَّا تَذَوَّقوهَا
فَإن غَلَبَ فِيكُم الصَّبرُ وَالإيمَان،
إنْتَصَرتُم عَلَى مَلَكُوتِ الظُلْمَة
وَسُلطَانِ الشَرِّ وَالطُّغْيَان،
وَبَلَغْتُم الرُّوحَ الأعْلَى،
وَمَلَكْتُم الجِنَان.
وَإن تَمَكَّنَ مِنكُم الشّيْطَان،
فَزَلَّت أقَْدَامُكُم،
وَذَلَّت هَامَاتُكُم،
انحَدَرْتُم إلى أعمَاقِ الهَاوِيَة
حَيثُ لا يَنفَعُ عَويلٌ ولا صريفُ أسْنَان.
هَذِهِ كَلِمَاتي أَقُولُها صراحاً،
فَليُؤمِنْ مَنِ اسْتَطَاعَ الإيمَان،
وَليُنْكِرُ مَن استِمَالَهُ النُّكْرَان،
لَكِنَّا،لا مُحَالَة، جَمِيعاً مَاثِلُون،
لِنُؤدّيَ الحِسَابَ،أمَامَ الدِيَّان.
5
لا تُرهِبنَّكُم
زَمجَرَةُ رِياحٍ حَمْقَاء،
وَقَعقَعَةُ رُعُودٍ جَوْفَاء،
وَصَلصَلَةُ سُيُوفٍ
أَكَلَهَا صَدَأُ الغَبْرَاء.
فَأنا العَاصِفَة الحَكِيمَة
وَالرَّعْدُ المُثْقَلُ أثْمَاراً
وَالسَيْفُ النَّقِيّ.
لا تُخيفَنَّكُم
مَظَاهِرُ البَأسِ الزَّائِف،
فأَقزَامُ اللَيْل
يَجْتَاحُهُم عَمَالِقَة النُّور
اجتِيَاحَ السَّيْل
لِلهَاوِيَة.
6
في بُوقِ السَّلام نَفَخْتُ
وَمِشعَلُ الحَقّ وَالخَيْرِ حَمَلْتُ.
الصُّفُوفُ المُفَرَّقَة بِالأحْقَاد
دَعوَتُها إلى الوِحدَةِ وَالإخَاء،
وَالقُلُوبُ المُمَزَّقَة المُكَبَّلَة بالأصْفَاد
أهَبْتُ بِها إلى المَحبَّة والصَّفَاء.
العُقولُ المُستَعْبَدَة لِلأوْهَام
صُحْتُ بِهَا أن تتَحَرَّر مِن عُبُودِيَّةِ الظَّلاَم.
التَّائِهُونَ في لُجَجِ المَعَاصِي
هَتَفْتُ فِيهِم:تُوبُوا إلى الله،
والمُسْتَسْلِمُون لِلشِّيْطَان
نَادَيتُهُم:اصرَعُوا عَدُوَّ الحَيَاة.
المُفسِدُون في الأرْضِ حَارَبَتْهُم
وَالطُغَاةُ الفُجَّارُ قَاتَلَتهُم.
دَعَوْتُ إلى وَحدَةِ الأدْيَان،
وَأخُوّة الإنسَان لِلإنْسَان،
وَإلى عِبَادَةِ الدِيَّان.
فَلِمَاذا يُعَادِينِي
مَن ادُّعوْا التُّقَى وَالصَّلاَح
وَحَمايَةَ الأرْوَاح،
إن كَانُوا حَقّاً أبنَاءَ الإيمَان
وَلم يَكُونُوا أبنَاءَ البَاطِل وَالبُهتَان!
7
أنا وَحِيد،
وَفي وِحدَتي وحشَةٌ مُمِضَّة
وَحَنينٌ عَظِيم
إلى عَالَمٍ آخر،
مِنه أَتِيْت
وَإلَيْهِ سَأعُود.
أنا وَحِيد
في دُنيَا حُطام،
غريبٌ في أهْلِها
غُرْبَةَ النُّور عَن الظَّلام،
فلا أرى لِنَفسِي مَلاَذاً
إلا بَارِئَ الحَيَاة
أَلجَأُ إلَيهِ بالعِبَادَةِ وَالصَّلاَة.
8
أَطلُبُ المَوتَ الجَمِيل،
فَفِيه مُنيَةُ نَفْسِي،وَرَاحَتُها.
أَطلُبُ الإنطِلاقَ مِن عَالَمِ اللَيْل الحَزِين،
فَكَوْكَبُ الصُّبْحِ يُنادِيني.
أطلُبُ تَحطِيمَ الأغْلالِ التي تُكَبِّلُ رُوحي،
فَقَد تَاقَتْ نَفسي إلى الإنْعِتاقِ الأعْظَمِ.
أَطلُبُ خَمرَةً عُلوِيَّة
تَبْعَثُ فيَّ صَحْوةً لا سَكْرَة،
فَقَد عَافَتْ ذَاتي
خُمُورَ الأرْضِ وَ سَكَرَاتِها.
يَخَافُ المَوْتَ
مَن يَجهَلُ حَقِيقَتَه،
أو مَن أثقَلَتْ كَاهِلَهُ الشُّرور.
لا يَرْهَبُ المَوْتَ مُؤمِنٌ صَادِقُ الإيمَان،
يُعطي رَبَّهُ القِسْطَ الأوْفَر
وَدُنيَاهُ القِسْطَ الأصْغَر،
فَيَحْيَا حَيَاةَ الأرْض
مِن غَيْرِ أنْ يَسْتَعبِدَهُ التُّرَاب.
لا يَخْشَى المَوْتَ
مَن عَمِلَ صَالِحاً،
وَطَمِحَ إلى مَعَارِجَ الآخِرَة،
وَأدْرَكَ أنّ لحَظَةَ الفِرَاق
هِيَ لَحْظَةُ لِقَاء،
لَحْظَةُ وِلادةٍ جَدِيدَة
في عَالَمٍ جَديدٍ سَعيد.
