عظمةُ المُبْدع

عندما اطيل لنظر، يا صاحبي، إلى نيرات الكواكب،

أشعر بعظمة الخالق جل جلاله،

و امجد برهبة و خشوع أفعاله…تباركت أفعاله!

ثم تشرق الغزالة بقرصها اللامع الناري،

و للحال نرفع رؤوسنا خشوعاً و نسبح الباري،

و يأتي الليل بعدها، فيتبخر البدر و له الكواكب تواكب!

الدكتور داهش

من كتابه “بروق و رعود”

التأثير والتأثُّر

الإتِّجاه الرُّوحيّ

يرويها الصحفي لطفي رضوان
رئيس تحرير مجلّة المصوِّر المصرية سابقاً

هذا الكتاب لماذا أصدرته؟

معجزات و خوارق الدكتور داهش

يرويها رئيس تحرير مجلّة المصوِّر المصرية سابقاً

مقدمة

بقلم فنان الشعب الدكتور يوسف وهبي

عندما طلبَ إلي الصديق الحميم الأستاذ الصحفي الكبير لطفي رضوان، مدير تحرير مجلات” دار الهلال” أن أقدم هذا الكتاب، لم اتردّد لحظة واحدة بعدما قرأتُ بعض محتوياته،ذلك لأنني- كما يعلم الصديق لطفي رضوان و كما يعلم عشرات الألوف من أصدقائي و أبنائي في الأمة العربية كلّها- من أشدِّ المتحمّسين لعالم الرُّوح، و من المؤيدين كلّ التأييد للقائلين بخلود الرُّوح و قيام المُعجزات التي عاينت العديد منها، مما لا يُصدقه عقل ، ومما ظلَّ إلى أمدٍ طويل مجالاً للمناقشات بين المؤيدين و الرافضين.

و قد تعرَّفت إلى الرجل الذي أعدَّ الأستاذ لطفي رضوان هذا الكتاب عنه و عن مُعجزاته. فقد كنت في بيروت عام 1970، و أبلغني الصديق لطفي رضوان الكثير عن الدكتور داهش و ما قام به من مُعجزات امامه و أمام العديد من أصدقائه، فطلبت إليه أن يعرفني به.

واتَّصل الأستاذ لطفي تلفونياً بالدكتور داهش، و أبلغه رغبتي، فوافق على الفور أن أزوره في بيته. و قد أحسسّت، و انا أصافح هذا الرجل و قد ارتسمت ابتسامة هادئة رقيقة على وجهه، أنّني أصافح شخصية فذّة فيها الهدى و الصلاح و الطيبة، و كلّ هذه الصفات مُمتزجة بالعزم و الحزم الشديدين.

و بعد ان رحب بي الدكتور داهش و أبلغني أنه من رواد مسرحي و من المتتبعين لأخباري الفنية، قام ببعض المُعجزات التي قال عنها إنها مجرد تحية منه لمقدمي، و منها قراءة ما كان في جيبي من أوراق دون ان اخرج هذه الأوراق، و حتى دون ان أعرف أنها كانت في جيبي، و إذا بالإجابات مدونة عليها، و بخط واضح، و بالحبر الاحمر؛ ومنها تحويل ورقة عادية إلى ورقة بنكنوت؛ و غير هذه الظواهر العجيبة فعلاً.

و قد سألني الدكتور داهش عن الخسارة التي منيت بها من ممارسة هوايتي في الرهان على سباق الخيل و لعب الورق، فقلت له:

-حوالي ربع مليون جنيه.

فابتسم و قال لي:

-إذا ارجعت لك هذا المبلغ، هل تُقلع عن هذه الهواية؟

و طبعاً كان جوابي بالإيجاب.

و قال:

-إذن لا داعي للعب الورق منذ خروجك من عندي.

ووافقت.

و اعترف بأنني اعُجبت بما فعله الدكتور داهش، كما أعُجبت بشخصيته الهادئة.

و مضى النهار الذي زرت فيه الدكتور داهش.

و في نفس اليوم، وكنت على موعد مع الفنان الراحل فريد الاطرش، ذهبت إلى بيته، و جلست إلى المائدة مع بعض الأصدقاء. و نسيت وعدي للدكتور داهش ، فجربت حظي في اللعب.

و عندما عدت إلى بيتي، تذكرت ما حدث. و لكنني طمأنت نفسي بأن احداً لن يخبر داهش بما فعلته.

واتصلت به بالتلفون في اليوم التالي، فقال لي:

-يا يوسف بك، أنت جلست إلى مائدة اللعب أمس. و هذا امتحان لك بأنك لن تستطيع السيطرة على نفسك، و بالتالي سوف تخسر و تخسر أي مبلغ من المال. و لذلك، فأنا في حل من وعدي. و لنترك هذا الموضوع إلى غيره.

و دُهشت أن يعرف الدكتور داهش ما فعلته بالأمس. و كانت هذه الحادثة هي آخر اتصال لي به حتى تركت بيروت.

تذكرت هذه القصة و انا أهمّ بكتابة مقدمة كتاب صديقي لطفي رضوان عن الداهشيَّة أو مُعجزات الدكتور داهش.

و إنني اعترف بأنني، عندما قصَّ عليّ الصديق لطفي رضوان ما قام به الدكتور داهش امامه و ما سمعه من بعض أصدقائه، صدقته على الفور، لأنه ليس من المعقول أن يكون العالم الذي خلقه الله هو هذا العالم الأرضي الذي نعيش فيه دون سواه. و إلاَّ فأين تذهب الأرواح التي تصعد من اجساد البشر منذ أن خلق الله البشرية حتى اليوم و حتى الغد؟! نعم، أين تذهب؟! لا بدَّ من أن يكون الله قد خلق عوالم أخرى غير عالمنا هذا تتجمع فيها هذه الأرواح  ، وأن هذه الأرواح على درجات من السمو ومن الانحطاط، مثلما هي في الأرض، و مثلما كانت عليه في الأرض.

و لهذا فأنا أؤمن إيماناً قاطعاً بأن الله، كما خلق الأرض و من عليها، قد خلق عوالم أخرى فيها ما فيها من خلائق و كائنات، و أن أرواح آبائنا و أجدادنا تتجمّع في عوالمٍ أخرى تمارس فيها نشاطاتها…

و لهذا فأنا أعتقد بأن هذه النشاطات قد يكون بعضها على صلة بنا، نحن أبناء هذا الكوكب الأرضي و ان الله قد يأمرها بأن تمدَّ لنا يد العون و المساعدة، وان تقوم بهدايتنا إلى ما فيه صراطنا المستقيم.

و بناء على هذا الاعتقاد، بل البديهيّات، اترك للقارئ أن يزنَ ما جاء بين دفتي هذا الكتاب من غرائب و مُعجزات علماً بأن بعضاَ مما جاء فيه قد حدثَ لي شخصياً. و اعتقد أنني لم أكن في غفلة أو ضارباً في صحراء الخيال.

و العلم اولاً و أخيراً…عند الله.

هذا الكتاب لماذا أصدرته؟

اتاحَ لي عملي الصحفي على مدى 33 عاماً حتى اليوم في مجلة”المصور” و شقيقاتها الصادرة عن مؤسسة”دار الهلال” أن أجوبَ العالم، شرقه و غربه، شماله و جنوبه، و ان  أقفَ على كل ما هو غريب و مثير في هذا العالم. ومن هنا اقول إنه من العسير عليّ تصديق أي شيء، حتى لو كان خارقاً، لأول وهلة، و ذلك لكثرة ما رأيت وشاهدت ن غرائب، سواء في الهند أو في أدغال إفريقيا أو في أميركا، شمالها و جنوبها. أقول: من الصعب أن يدخل إلى قلبي و حسّي و عقلي ما يُمكن أن يخترق فكر ووجدان أي شخص آخر ليس له تجاربي و جولاتي في ربوع العالم.

لهذا، لم أتردَّد لحظةً واحدة، خلال وجودي في بيروت، في تلبية دعوة لبعض زملائي الصحفيين اللبنانيين المشهود لهم باستقامة الفكر و التعقُّل في كل ما يروونه- لم أتردَّد في الذهاب معهم إلى هذا المواطن اللبناني الذي قالوا لي عنه إنه مُعجزة المُعجزات، و إنه يأتي بالخوارق  التي لا يتطرّق إليها الشكُّ و التي يعجز أي فكر مُثقف عن أن يجد لها تعليلاً إلا ما يقوله صاحبها، أعني صاحب هذه الخوارق.

قالوا لي:” تعال معنا إلى الدكتور داهش”

و ذهبت معهم، و رأيت الرجل لأول مرَّة في حياتي.

و كانت الرؤية لا تشجع على قبول ما رواه الأصدقاء الزملاء عنه.

رجل جم التواضع، شديد الحياء، قليل الكلام.

و عندما رحب  في صوت خفيض أحسسّت ان صوته غير طبيعي، فيه شيء لم أفهمه لأول وهلة. و لكن بعد ان تردّدت عليه أكثر من مرة، عرفت سّر صوت هذا الرجل. إنّه صوت يخرج من مكان سحيق بعيد، و يصل إلى الأذن في خفوت كخفوت صوت الفتاة الخجول عندما تبوح لحبيبها، لأول مرة بكوامن  قلبها و مكنون صدرها.

و قام الرجل أمامي بأكثر من عملٍ مذهلٍ و مُثير. و لكنني طلبت إليه مزيداً من هذه الأعمال لأكون أكثر انتباهاً ، و لأجمع حواسي كلها، و قد جنّدتها تماماً لمراقبته و هو يقوم بهذه الأعمال المثيرة.

ووافق الرجل الرقيق، و أجرى أمامي عملاً آخر اكثر غرابة.

و خرجت من عنده و قد شُغلت تماماً بما فعله، محاولاً البحث عن تفسير علمي أو حتى خرافي لما قام به امامي، و لكنني لم اجد أي تفسير.

ماذا فعل امامي الدكتور داهش؟

لقد فعل ما أذهلني و دفعني إلى الدخول في بحثٍ مستفيضٍ حول الكائن البشري، هذا الإنسان الذي هو انا وأنت و غيري من الخلائق التي تكوِّن هذا العالم…منْ يكون؟

و دفعني على البحث عن هذا المزيج المكون لهذا الإنسان منذ ملايين السنين.

و دفعني إلى الإتّصال الوثيق بصاحب هذه المُعجزات للوقوف على ماهية القوّة التي يتمتّع بها حتى تجعله الإنسان القادر الخارق القدرة!..كيف استمدَّها، ممن استمدَّها، و نهاية هذه القوّة، إن كانت لها نهاية.

و دفعني إلى الإتّصال بأصدقاء و تلاميذ الدكتور داهش لأقفَ منهم على كل ما يتّصل به و بهم، و كيف فسّروا خوارقه، و كيف فسَّر هو لهم هذه الخوارق.

ودفعني إلى البحث عن كل ما كتب عن هذا الرجل.

و دفعني إلى البحث عن كل ما كتبه هذا الرجل.

و دفعني إلى وضع كل هذا و غيره و غيره، في هذا الكتاب.

 

لطفي رضوان

المقابلة الاولى

ورقٌ أبيض يتحوّل إلى ورقِ بنكنوت

في المقابلة الاولى

 

جلستُ الى الدكتور داهش اللبناني الجنسيّة أتأمّله للمرّة الاولى. هو رجلٌ مُعتدل القوام و القوام، مستدير الوجه، في عينيه تساؤلات مُبهمة، و في صوته رنين حزن و ألم، و لكنه يبدو امام جلسائه هادئ الطبع، يُبدي لهم مودة واهتماماً شديدين، ويُكثر من الترحيب بهم بكلمات تحسّ أنها خارجة من القلب حقاً.

سألني عن مصر و عن الحالة فيها. و قال أنه يُحب مصر، و هي- كما يقولون عنها- “أم الدنيا”.

و قال لي في بساطة متناهية:

-لعلَّ صديقنا وليد(1) قد حدّثك عنّي و عن كل ما رآه هنا.

قلت- نعم.

قال:

-وأحسُّ أنك تريد أن ترى شيئاً.

قلت:

-نعم.

قال:

-ولو أنه ليس من عادتي أن أقوم بأيّ عملٍ لرغبة ما ، ولكنني من اجلِ خاطرك و خاطر بلدك الحبيب مصر سأعرض عليك نموذجاً صغيراً.

قلت:

-شكراً، يا دكتور.

قال:

-أليس معك في جيبك ورقة بيضاء؟

قلت:

-معي آجندة.

قال:

-إذن انْزَع منها ورقة، و قصّها في حجم ورقة بنكنوت تختارها من أية عملة محلية  أو اجنبية.

قلت:

-سأقصُّ ورقة في حجم ورقة من فئة المئة ليرة لبنانية.

قال:

-وهو كذلك.

و أخرجتُ الآجندة التي أدوّن فيها ملاحظاتي كصحفي، و قصصّتُ ورقة في حجم الورقة ذات المئة ليرة لبنانية. و لما هممّتُ بتسليمها إلى الدكتور داهش، صاح:

-كلا، ضعها في جيبك. أنا لا اريدها. ضع عليها أية علامة.

ووضعتُ الورقة البيضاء في جيبي بعد أن وقعتُ عليها اسمي. و مضتْ ثوان… ثم قال الدكتور داهش:

-أخرج الآن الورقة من جيبك.

وأخرجتها. و إذا بالورقة التي كانت منذ ثوان قطعة من مذكرتي، و التي كانت ورقة بيضاء و لا يزال مكانها شاغراً في الآجنده- إذا بهذه الورقة تتحول إلى ورقة من فئة المئة ليرة لبنانية! ورقة صحيحة مئة في المئة!

و قرأ الدهشة البالغة على وجهي، و لكنّه قال:

-أيها السيّد، تفضل بقراءة الأرقام التي على الورقة المالية: الرقم المسلسل و رقم المجموعة.

و قرأتُ كما قال.

و اعطاني ورقة بيضاء، و قال لي:

-حتى لا تنسى انقل على هذه الورقة الرقمين الموجودين على الورقة المالية، ثم ضعها في جيبك.

و فعلت.

و اخرج ورقة أخرى بيضاء، و قال لي:

-دوّن،هنا، على هذه الورقة، مجموعة أرقام…أية أرقام.

و فعلت.

و عاد يقول:

-اختر من بين مادونته رقماً مُسلسلاً و رقم مجموعة.

و فعلتْ.

و سكت الرجل قليلاً ثم قال:

-و الآن، أخرج الورقة المالية من جيبك.

و فعلت.

قال:

-اقرأ الرقم المسلسل و رقم المجموعة اللذين عليها.

و قرأتُ…و عادت الدهشة تستبدُّ بي كل الاستبداد. لقد تغيرت أرقام الورقة المالية تماماً!

و قرأت الأرقام التي دونتها، أخيراً على الورقة البيضاء، فإذا بهذه الأرقام قد انتقلت إلى الورقة المالية.

أين ذهبت الأرقام الأولى التي كانت مطبوعة على الورقة المالية؟! كيف اختفت؟! و كيف حلّت مكانها الأرقام التي أخذتها من بين عشرين رقماً كتبتها على الورقة البيضاء بخطِّ يدي؟! كيف انتقلت إلى الورقة المالية، الورقة المالية التي كانت بيضاء منذ دقائق؟!…

هذا ما لم أعرفه، و لن اعرفه، حتى اليوم و حتى الغد…بل حتى النهاية.

و مع ذلك، و رغم وضوح المعجزة، فقد ساورني شك.

قلت لنفسي: إنها كلّها أوراق مزورة! ماذا لو اختبرت ورقة المئة ليرة بنفسي؟

و كأن الرجل قد قرأ ما يساورني،إذ قال لي:

-يمكنك أن تنصرف الآن، للحظات فقط، وتتوجه إلى أي مكان في بيروت لتمتحن الورقة المالية.

و فعلت.

خرجتُ جرياً إلى الطريق…و قدّمت الورقة إلى تاجر يبيع السجاير،و قلت له:

-أريد سجاير من فضلك.

و أعطيت التاجر الورقة ذات المئة ليرة.

فقلّبها الرجل في يديه، ثم ناولني السجاير، و ثماني و تسعين ليرة لبنانية بالتمام و الكمال.

و أمسكت بالنقود، و سآءلت نفسي:” أأنا الآن…مزور؟”

و كدتُ أجيب على نفسي ب “نعم”. و كدتُ أعود إلى التاجر…و فعلاً عدت إليه.

و قال الرجل:

-هل أخطأت في الحساب، يا عزيزي؟

و لكنني قلت له:

-أرجو أن تُمعن النظر في الورقة المالية التي أعطيتها لك الآن.

و أخرجها الرجل من بين أوراقه الكثيرة، لأنه لم يكن معه غيرها من فئة المئة ليرة. و سألني.

-عاوز ترجع السجاير؟

قلت:

-لا. و لكنني أريدك أن تمتحن الورقة.

و سألني:

-و لماذا؟

قلت:

-أحسُّ أنها مزوّرة.

و ضحكَ الرجل و قال:

-مش معقول. لقد ساورني الشك، فامتحنتها جيداً.

و لكني قلت:

-أرجوك اعدْ الامتحان

و احسّ الرجل بالقلق. ولكنه قال:

-و على إيه؟! سوف أشرك جاري في فحص الورقة.

و نادى جاره، و قال له:

– يا ألبير…افحص من فضلك هذه الورقة.

و فحصها ألبير، و دقَّق كثيراً في فحصه، ثم قال:

-ما لها ، يا معلمي؟ ورقة مضبوطة عال العال.

و نصحه قائلاً:

-خذها و على مسؤوليتي.

و أعاد إليّه الورقة …و أعادها التاجر إلى خزانته.

و عدت انا إلى بيتي…ونظرات التاجر تكاد تنطق:يظهر إن الزبون عنده “فتلة”…مجنون.

المقابلة الثانية

و جاءني صديقي وليد مُبتسماً، و قال لي:

-كيف الحال؟!

قلت:

-شخصية غريبة!…و يبدو الرجل في بساطة متناهية. و مع ذلك قريب إلى قلبي…أحسُّ أنني اعرفه منذ سنوات طويلة.

قال:

-إنه فعلاً يتمتّع بجاذبية فريدة من نوعها.

و عاد يسألني:

-لعلك تتوق لزيارته مرة أخرى؟

قلت:

-بل إنني أتوق إلى زيارته كل يوم.

و ضحك وليد و قال:

-و لكنك لن تتمكن من رؤيته كثيراً. فقد تكون أنت تواقاً إلى زيارته، و لكنه قد يكون عزوفاً عن مقابلتك. ومع ذلك قم واتّصل به تليفونياً و حاول

و فعلت.

و سمعت صوته عبر الأثير يرحِّب بي و يقول:

-البيت بيتك. تفضّل الآن، إذا شئت.

و عندما توجهت إليه، كان أول ما نطق به قوله:

-طبعاً، أنت ذهبت على التاجر، واسمه…

و ذكر اسمه.ثم تابع قائلاً:

-واشتريت علبة سجاير، و اعطاك 98 ليرة…وعدت إليه، بعد دقائق، ترجوه أن يعيد النظر في الورقة المالية. واختلط الأمر على التاجر،فاستعان بزميل له يُدعى ألبير، و هذا اكَّدَ له أن الورقة ذات المئة ليرة صحيحة، غير مزيفة.

يا إلهي!… كيف عرفت كل هذا؟!

إن التاجر الذي ذهبت اليه يَبعد عن بيت الدكتور كثيراً بل هو في حارة صغيرة غير مطروقة كثيراً. كيف عرف؟! و كيف عرف اسمه واسم جاره؟

و كيف؟ و كيف؟ وكيف؟

و كان الدكتور ينظر إليّ باسماً…

و بعد فترة قال:

– ماذا يحدث، إذن، لو اعطيتك ذهباً محولاً من نحاس و رصاص؟

و قرأ في وجهي أنني لا أحتمل هذه المفاجأة. و لكنه قال:

-المسألة بسيطة، يا صديقي المصري القادم من البلد الذي أحبّه و أتمنّى ان أعيش فيه فترة من حياتي…و لسوف يحدث هذا عاجلاً أم آجلاً.

و شربتُ القهوة معه…

و كان يرتشف القهوة قطرة قطرة، حتى إنه انتهى من شربِ الفنجان الصغير في ربع ساعة أو أكثر قليلاً. ثم فاجأني بسؤال:

اتّفضل الجنيهات الذهبية المعروفة باسم”جورج” أو المعروفة باسم “إليزابت”؟

قلت:

سيّان عندي.

قال:

-الجنيه ماركة ” جورج” أغلى قليلاً من جنيه ” إليزابت”. ألا تعلم ذلك؟

قلت:

-أعرف.

قال:

إذن، كم عدد الفرنكات اللبنانية التي في جيبك؟

قلت:

-لا اعرف.

قال:

-إذن حاول أن تخرج الآن و تبحث عن ” فراطة” – أي كمية من النقود اللبنانية ذات ” ربع” الليرة، و هي حمراء اللون، أي نحاسية اللون.

و خرجتُ من عنده، و عدت و معي 30 ربعاً تقريباً.

و قال لي مبتسماً:

-أنت متواضع جداً في مطالبك، يا صديقي.

و سألته:

-كيف؟

قال:

-اهذا هو طموحك؟!

قلت:

أنا لا أفهم.

قال:

-عندما تفهم، أرجو ألا تعضّ بنان الندم و تقول لنفسك: ليتني أحضرتُ ألف قطعة.

و طلب قهوة لي و هو يقول للساقي:

-القهوة التي يحبّها الصديق المصري.

و جاء الرجل بالقهوة.

و جلس الدكتور يتأملني و انا أشرب القهوة، و هو صامت تماماً لا ينبس ببنت شفة، حتى إذا ما انتهيت من القهوة سمعته يقول بصوت ” غائر” كأنه قادم من بعيد:

-و الآن بلا زعل أو اندهاش، أخرج الفراطة التي في جيبك.

و أخرجتها … و كادَ يُغمى عليّ!

إنها جنيهات ذهبية!

يا إلهي!…كيف حدث هذا؟!

إن احداً لم يلمسني…لم يقترب مني! ثمَّ إن الفراطة كانت في جيب البنطلون، أعني لا يمكن ل”يد” أن تصل إلى الجيب، و إلا لمست مواضع من جسدي…

و قال الدكتور:

كم عددها( أي عدد”الفراطة” ، يعني” الفكة”)؟

قلت:

-ثلاثون.

قال:

-إذن تفضل بعدِّ ما في يدك.

وعددتها…فإذا هي ثلاثون جنيهاً ذهبياً.

قال:

-ولأنك تردّدت في الاختيار بين الملك”جورج” و الملكة”إليزابت” فقد انقسم العدد على نصفين متساويين من هذا و ذاك.

و عدّدتُ. كان هناك 15 جنيهاً ماركة”الملك” و 15 جنيهاً ماركة ” الملكة”.

وابتسمَ الدكتور و هو فرحٌ لدهشتي البالغة، و قال لي:

-لقد حذّرتك من ألندم يا صديقي. فأنت تقول لنفسك الآن”ليتني أحضرت ألف ربع ليرة” اليّ كذلك؟

و كما فعلت بالورقة ذات المئة ليرة، كرّرت فعلتي بهذه الثروة المفاجئة التي في جيبي. ذهبت إلى محل جواهرجي في “باب إدريس” و قدّمت إليه 5 جنيهات، و سألته:

-كم سعر الجنيه؟

ففحصها و قال:

-الجنيه بمئة و عشرين ليرة لبنانية. أتريد إبدال هذا المبلغ؟

قلت له:

-افحصه جيداً، أولاً.

و فحص الجواهرجي الجنيهات بدقّةٍ متناهية، و سألني:

-فيها إيه؟ إنها لم تتداول بعد (يعني…”جديدة خالص”).

و اعطاني 600 ليرة لبنانية.

و كما فعلت معه، فعلت مع أربعة جواهرجية، حتى حصلت على حوالي 3600 ليرة لبنانية. و لم يتوانَ واحد منهم عن فحص كل جنيه إنكليزي بعين الخبير المتمكّن من مهنته و عمله.

المقابلة الثالثة

و قد بادرني الرجل المُتسامح الغامض الهادئ بقوله عندما زرته للمرّة الثالثة:

-ماذا تريد مني أن أقوله لك حتى تقتنع بأن هناك قوّة إلهيّة مهيّمنة يحبو بها الله بعضاً من عباده؟

قلت:

-والله، لقد زادتني أفعالك حيرة على حيرة.

قال:

-و لم الحيرة؟ إن القرآن الكريم و الإنجيل فيهما الكثير مما أفضي به إليك.

قلت:

-وهل تقرأ القرآن؟

قال:

-غني أحفظه عن ظهر قلب. و هو نبراس و مدخل قوتي.

قلت:

و لكنك مسيحي!

قال:

-وهل هذا يمنع أن احفظ القرآن، و أتمعّن بكل كلمة فيه. إنه من كلام الله. ثم إنّني مسيحي من نوع لا يقره هنا المسيحيون. فأنا في نظر الأكثرية منهم، شارد عن الدين المسيحي، إذ إنني لا أذهب إلى الكنيسة أبداً.

قلت:

-ولماذا؟

قال:

-لأنني مؤمن بأن أصل الأديان واحد و بأنها كلّها، في أصولها النقية تحضُّ على التسامح و تنبذُ التعصُّب. و الدين الإسلامي دين العدل و المساواة، و الدين المسيحي دين التسامح و الرفق بالبشريّة. و إن هذه العناصر معاً تكوّن الناموس الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فيُصلح حاله، و يعيش مستقرّاً كما يريد الله له…و لكن التعصّب المسيحي، و خاصة في بلدي لبنان، قد أفسدَ ما أراده الله لعباده. و هذا هو مبعث غضب كنيسة لبنان، بمختلف مذاهبها على شخصي.

و تابع قائلاً:

-و قد اعلنت في الصحف، و في الندوات التي اعقُدها، و في الجلسات الروحيّة التي تُقام في منزلي، بل و في المحاضرات العلنية عن الداهشيّة- أعلنتُ كل هذا، و قلت أن لا خلاص للبشريّة  مما تعاينه من عثرات و متاعب وآثام إلاَّ إذا آمن البشر بأن الإسلام هو دينُ الحقّ، و أن المسيحية تلحقة هي دين الله المتسامح. و إنني أحاول بقدر جهدي الضعيف، أن أوفق بين أفكار هؤلاء و أولئك ابتغاء مرضاة الله، سبحانه و تعالى.

ثم قال:

-و هذا الذي تراه مني كخوارق و مُعجزات ما هو إلا السلاح المتواضع الذي أشهره في وجه من يكذِّب دعوتي هذه، و هي دعوة الحقِّ و التسامح وامتزاج الأديان، بكل ما فيها من عناصر طيبة تُبشّر بالطمأنينة في الدنيا، وبالسعادة ما بعد الرحيل عن هذه الدنيا.

و تحدَّث الرجلُ كثيراً…و سمعته يستشهد بآيات قرآنية جمَّة. و قد قال لي، مستدركاً رداً على سؤالي”هل تقرأ القرآن”؟:

-إنني احفظ القرآن كله. و يمكنك امتحاني فيه، و في تفسير ما جاء بآياته البيّنات.

و عندما كادت جلستي الثالثة تنتهي عند هذا الحدّ، فجأني بقوله:

-متى تسافر؟

قلت:

لقد طلبت”ترنك”-أي خطاً هاتفياً-للقاهرة منذ امس، و قيل لي إن أنتظر أياماً أخرى حتى اتمكّن من الاتصال بأسرتي لأخبرها عن موعد سفري.

فقال على الفور:

-أطلب الآن من هذا التلفون الرقم الذي تريده من عامل التلفون و سوف تتصل بالقاهرة فوراً.

و لمّا هممّتُ بالإمساك بالتلفون قال لي:

-على فكرة، ستجد ضيوفاً في بيتك الآن، و هم فلانة و زوجها فلان، و ابنتيهما فلانة، و سيتناولون طعام الغداء و سيكون مكوناً من كذا و كذا…

لم اصدق…

و لكن الاتصال مع القاهرة تمَّ في دقائق!

و سمعتُ صوت زوجتي يسألني:

-هل أنت تتحدث من مطار القاهرة؟

قلت:

-طبعاً،لا. أن في بيروت.

قالت:

-إن الصوت واضح جداً، و كأنه من داخل القاهرة.

و قالت لي:

-اتعرف من عندنا؟

قلت:

-أيوه…فلان و فلانة و فلانة.

و صرخت زوجتي عبر الأثير:

يا نهار أسود…عرفت منين؟!

قلت:

-والأسطى عبد العزيز الطباخ يقوم الآن بطهو كذا كذا…

وزاد صراخها…بل و احسّست أنها تُكاد تصابُ بالإغماء!…

فأسرعتُ أقول لها:

-ده الدكتور داهش هو الذي أخبرني بكل هذا.

فصاحت:

-من هو الدكتور داهش هذا؟!

قلت:

-والله أنا شخصياً…مش عارف من هو، و انا جالس إلى جواره!…

و لكنني لا أعرف هل هو من البشر حقاً؟!

... !الوسواس

و الحقّ يقال بلا تردُّد او خجل.

لقد خرجت من مقابلاتي الثلاث مع هذا الرجل العجيب الغامض و أنا أكثر بلبلة فكراً و قلباً،وقد انتابني وسواسٌ غريب:

كنت أسائل نفسي كيف أعلّل هذا الذي حدث في مقابلتي الثلاث، و كيف يقبل عقلي الواعي و تقبل دراساتي و تهضم خبراتي الطويلة هذا الذي حدث أمامي.

هل كنت تحت تأثر مغناطيسي؟

هل استطاع هذا الرجل أن يحوّل تفكيري و بصري و فؤادي إلى لعبة سحرية تقبل بلا تردّد ما عرضه أمامي؟!

هل كنت في “غفلة” مُستحكمة الحلقات؟!

هل وقعت بسذاجة صبيانية في حبائل ساحر شاطر؟!

هل…هل…هل…؟ و ألف هل…هل…وهل أبعدت عني النوم أياماً و ليالي.

و قلت  لنفسي: ثم ماذا؟ ماذا بعد هذا التفكير المُضني؟

ووجدت الجواب.

وجدت الجواب في عرض ما شاهدته على عديدٍ من الأصدقاء الذين هم صفوة أهل الفكر و العقيدة، و دائماً كانت أحكامهم مستمدّة من واقعٍ ملموس، مُرتكزة على منطقٍ سليمٍ معقول.

و ذهبت إلى صديقي المحامي النابه المعروف، و عرضتُ عليه في إسهاب ما شاهدته من الدكتور داهش، مؤكّداً له أنني لم أكن في غيبوبة ذهنية،بل بالعكس، كنت في موقف المتحفّز المتنبّه لكلِّ ومضة، لكلِّ هفوة قد تنير و تكشف سرّ ما يقدمه أمامي من مُعجزات.

و قال لي الصديق المحامي بعد صمتٍ طويل:

-اسمع يا صديقي. في فترات متباعدة في سياق الاحقاب يظهر في الأرض أناس يُكشف عنهم الحجاب، بمعنى ان لهم صلات مباشرة بالله، سبحانه و تعالى. وهو، عزَّ و جلّ، يعطيهم من قدراته ما يعزّز به موقفهم، ويقوّي بهم نفوسهم ليكونوا دعاة سلام و خير للبشريّة. و انا أعتقد ان هذا الرجل من هؤلاء.

و عاد يقول، بعد فترة صمت:

-ألا يمكن أن أراه؟

قلت:

-ساتّصل به و أستأذنه.

و قمت إلى التلفون، و ردَّ عليّ واحد من منزله، و أفهمني أن الدكتور في مكان يبعد عن بيته بأكثر من مئتي كيلومتر، و لكنه سيعود بعد ساعة واحدة.

وانتظرت، ثم عاودت الاتصال به.

و قال لي الدكتور عندما سمع باسم المحامي النابه:

-أهلاً و سهلاً… ليتفضل معك غداً في العاشرة صباحاً.

و في الموعد المحدَّد، صحبتُ صديقي، و توجهنا إلى حيث نقابل الدكتور داهش.

فماذا حدث؟

***

إستقبلنا الدكتور داهش ببشاشة محبَّبة. وما إن انتهينا من تناول القهوة حتى قال الدكتور داهش موجهاً كلامه على صديقي المحامي:

-يا أستاذ، إن الكتابة على الآلة الكاتبة في مكتبك قد اخطأت و هي تكتب المُذكرة التي في حقيبتك.و الخطأ في الصفحة الثالثة. إنها ، بدلاً من ان تكتب رقم المادة 97، كتبها المادة 67.

و أسقط في يدِ الصديق…و أسرع بلا وعي يفتح حقيبة أوراقه. و أخرجَ المُذكرة، و تصفَّح الصفحة الثالثة، فوجدَ ان ما قاله الدكتور داهش حقيقي، و قد أخطأت الكاتبة فعلاً.

و كان الدكتور داهش يبتسم و هو يرى اضطراب المحامي الصديق. و عاد الدكتور يقول:

-والفرق واضح تماماً بين المادتين. و لو كنتُ سلّمت المذكرة كما هي الآن، لما حُكم في صالح موكلك.

ثم قال:

-لقد خسرت سبع قضايا خلال هذا العام. و القضية التي هي محجوزة للحكم سيُحكم فيها لصالحك، و ستنال جزاءاً ماديّاً و ادبيّاً لا بأس به.

و زادت دهشة الصديق. و لكن دهشته أفقدته النطق، فلم ينطق بكلمة واحدة لعدة دقائق، بل كان ينظر على وجه الدكتور داهش وهو مذهول.

بعد فترة ، تكلّم المحامي. قال:

-ولكن كيف تفسّر ما تقوم به، يا سيدي الدكتور؟

قال الدكتور:

-أنا بشرٌ مثلك، يا سيدي. و إنها نعمةٌ من نعمِ الله عليّ.

و عاد المحامي يسأل:

-و لكن…كيف؟

قال الدكتور داهش ببساطة متناهية:

-إن الله قد حابني بنعمته… لقد وهبني”سيّالاً روحيّاً” خاصاً.

ونطقت في وقت واحد مع الصديق المحامي:

-وما  هذا ” السيّال الروحيّ”؟

قال:

-إنه “بعض قوة” من قوة الله…لا أكثر و لا أقل.

و لم يزد.

حاول الصديق المحامي، و حاولت أنا معرفة المزيد عن هذا”السيال الروحي” لكن الدكتور داهش كان ينظر إلينا مبتسماً وهو يردّد: ” السيّال الروحيّ… السيّال الروحيّ… اقرأ كتبي…اقرأ كتبي…”

داهش الأديبُ العجيب

و ذهبتُ أذرع بيروت من شرقها و غربها، و من شمالها إلى جنوبها، بحثاً عن كتب للدكتور داهش ، فلم اوفّق. نعم، لم أوفّق للعثور على كتاب واحد! وأسقط في يدي!

إن أحاسيسي قد التهبت، ، و نهمي إلى مزيد من المعرفة عن هذا الرجل الجبّار قد تزايدَ و تزايدَ حتى أصبحتُ لا أجد طعماً لراحة أو متعة في أي شيء جميل يمتّع غيري من الناس.

ووجدتُ حلاً…

لماذا لا أبحث عن بعض الذين يتردَّدون على الدكتور داهش لأقف منهم على مصادر وأماكن كتبه.

ووجدت واحداً.

و قد زادني هذا ( الداهشيّ) حيرة فوق حيرتي، لقد قال لي:”إن مؤلفات الدكتور داهش تربو على الستّين مؤلفاً أدبياً، عدا مؤلفاته في حقول أخرى”.

يا إلهيّ!

ستّون مؤلفاً أدبياً!

و عدتُ أسأل الشخص الكريم:

-و أين أجد بعض هذه المؤلّفات؟

قال: إنها تنفد بمجرَّد طرحها في المكتبات؛ فلا تضيع وقتك سدىً. لن تجدَ واحداً منها على الإطلاق.

و سألته:

-إذن بماذا تنصح؟

قال:

-ألم تشاهد مكتبة الدكتور داهش؟

قلت:

-لا

قال:

-إن في منزله مكتبة خاصة من نوعها في العالم، على ما اظنّ. إن فيها ما يربو على مئة ألف كتاب في مختلف حقول المعرفة…في الروحانيّات و أصول الادّيان، والتاريخ، و لعلوم، و الآداب، و الفلسفة، و خصوصاً الفنّ…

قلت:

-و بعد؟

قال:

-إذا استطعتَ ان تطلبَ إلى الدكتور أن يُعيرك بعض كتبه من مكتبته، تحلّ مشكلة البحث عن بعض مؤلفاته.

و قرأ حيرتي البادية بوضوح على وجهي، فقال:

-و مع ذلك، فسوف أقوم بإعارتك كتاباً أو اثنين من كتب الدكتور .

و سألته بعد ان شكرته:

-و أي نوع من مؤلفات الدكتور؟

قال:

-بعض مؤلفاته الأدبية لترى و تقف على فكره منذ ثلاثين سنة خلتْ، و تعرف كيف كان ينظر إلى الدنيا و إلى الناس و إلى نفسه أيضاً.

قلت:

-إذن عليّ مؤقتاً بهذه المؤلفات و أنا لك من الشاكرين.

و سلمني الصديق”الداهشيّ” بعضاً من كُتبه الأدبية قائلاً:

-عندما تفرغ من قراءتها، أكون قد وجدت لك بعضاً من كتبه الروحيّة. و أنت تجد في كتبه الأدبية التي ألّفها منذ أكثر من أربعين سنة كيف كان يفكر في شرخ شبابه ، و كيف كانت نظرته إلى الحياة و ما بعد الحياة، و لهفته الشديدة إلى السعي للتمتّع بالحياة الأخرى…بالموت. فهو يقول::”إن الأسى هو ربيبي، و الموت هو حبيبي”.

أجل، إن هذا الذي يرتاع منه الناس جميعاً و يخافون حتى ذكر اسمه، يناجيه الدكتور داهش بشوقٍ عظيم و حبٍّ عميم. فاسمعه يخاطب”الموت” في قطعة كتبها في مدينة القدس بتاريخ 7 كانون الثاني 1935، و قد ضمها كتاب”القلب المحطم”، ونشرت في النصف المُعنْون” مختارات من كتبِ الدكتور داهش”:

 

أيها الموت

 

يا موت!

أيها الحبيب الشفيق، و يا نِعمَ الصديق!

أيها الطيف الساري، والقضاء الذي لا بدَّ منه!

أيها الخيال الذي أراك في منامي و اتخيّلك في أحلامي!

يا سمير وحدتي، و انيس يقظتي، و مخفّف بلوتي!

يا طلاب نفسي، و مطمح روحيّ، و مهوى فؤادي!

يا عشيقي البعيد، و مرادي القريب!

يا عروسي الهائم في مشارق الأرض  و مغاربها و في معالمها و مجاهلها!

أيّها العاصفة الجبّارة المجتاحة كلَّ من يقاوم إرادتها البتّارة!

يا شبع نفسي الجائعة، وري! روحي الظامئة!

يا فردوسي المفقود و أملي المنشود!

يا منحى نفسي، و خفية روحي، و مسرى ضميري!

يا سعادتي و هنائي! و يا ماحي شقوتي و مزيل عنائي!

يا ابن الخفاء و رسول السلام! و يا بارقة الرجاء و مزيل الآلام!

يا موقف نبضات القلوب، و مجتثَّ حركات الاجسام!

يا كفن المطامع، و نعش المظالم، و رمس الأحقاد!

أيها الهادم الباني، و المقوّض المعمّر،

و العابس الباسم، و القلق المطمئن!

أيها العابس المشفق، و الشجاع الوجل،

و المرح الحزين،والمضطرب الهادئ!

يا رسول الآلهة، و منفذ الإرادة المجهولة الأبدية السرمدية!

أيها الغائب الحاضر، الباطن الظاهر، المعلوم المجهول!

أيها الهازئ بشرورنا، الساخر بآثامنا، المشفق على جهالتنا!

أيها الشاهد ما ترتكبه البشرية من مظالم،

و ما ترمي إليه الانسانيّة من اطماع!

أيها الموجود في كل زمان و مكان، في الماء و الهواء،

في السهول  والجبال، و في المنخفضات و المرتفعات،

في الاودية و الحزون، في المعالم والمجاهل، في الأبعاد و الأسحاق!

أيها الناظر غير المنظور، الحاصر غير المحصور!

أيها الُمحصي علينا أعمالنا بكل دقّة و إمعان!

أيها القائم وحدك بما يعجز عنه البشر قاطبة!

أيها المُعجزة الفريدة، بل يا مُعجزة المُعجزات!

أيها الحاكم بأمره، السارية كلمته قانوناً نافذاً و دستوراً حاسماً!

أيها الناظر بلا شيء إلى كل شيء.

أيها الكأس التي ذاقها الاوّلون، و سيذُوقها الآخرون!

يا إمام رغائبي، و دليل ميولي، و متجّه آمالي!

يا عزيزي و حبيبي، و صباحي  ومغيبي!

يا املي و مناي، و مطمحي ورجاي!

يا باعث إحساسي، و مرهف شعوري!

يا ملاذ نفسي، و معاذَ روحي!

أيها الكرى المعسول الذي يراودنا بين فترة و اخرى!

يا حبيبي الموت!

أقفلْ عينيّ يا حبيبي!

أقفلهما فقد تعبتا من النظر إلى هذا العالم القذر الموبوء!

نعم،

و اوقفْ ضربات قلبي،

هذا لقلب المحطم الذي أجهدته كثرة الضربات دون جدوى،

و أخفتْ انفاسي

فقد عافت استنشاق هواء هذا العالم الفاسد.

و أفقدْ فيّ حاسة الشم،

إذ بحسبي ما تنسمت من رائحة هذه الحياة

الكريهة النتنة المفعمة بالأرجاس.

و قيدني بقيودك الخفية الخفيفة الظل.

فقد تعبت قدماي من السير في مفاوز هذا العالم

المليء بالشرور و الآثام، الزاخر بالحسرات و الآلام.

و انخ عليّ بكلكلك المريح،

فقد ضاق صدري بسخافات البشر و سخريات القدر.

و ضع بلسمك الشافي على جراح روحي الحائرة الحزينة،

فقد آن لها أن تستشعر نعيم السعادة الأزلية،

و الغبطة السرمدية، و النشوة الخالدة القدسيّة.

أدنُ منّي.. لا تنأ عنّي.

فإني اتذوّق الراحة إلى قربك.

و اتلظّى في جحيم العذاب لبعدك.

و أشفق عليّ، يا حبيبي، فقد تعبت نفسي

من البقاء في هذا العالم البارد المُخيف.

هات يدك الحارّة و ضعها على يدي الباردة.

و دعْ قلبي يخفق خفقات الغبطة و الحبور.

هات يا حبيبي  ولا تقس عليّ.

إذ حسبي في هذا العالم الفاني, قسوة من يعيشون فيه!

هات يا حبيبي.

وارحمني من هذا العالم، واختطفني من هذه الحياة.

آه يا حبيبي! ما اتعس هذا العالم!

و ما أمضّ آلام هذه الحياة!

و ما أشقى هذا الوجود ، و ما أقساه!

لله!.. و ما أجمل عالمك و أبهاه!.. رحماك.

رحماك،يا حبيبي الموت! ألا تسمع؟!

 

   *    *    *    *    *

فأنت ترى معي، أيها القارئ الكريم، كيف كان يفكر هذا الرجل العجيب منذ نيف و اربعين عاماً، و كيف أن الماديّات – و هو بعد في ريعان شبابه- لم يكن يأبه لها، و كان لا يعطيها إلا ظهره، و كيف أن نفسه كانت توّاقة إلى العالم الآخر، العالم المجهول لنا…و لكنه هو كان على بيّنة مما فيه، لأنه كان يتغزّل بهذا العالم الآخر، و كان يرجو و يلحُّ في رجائه أن يُسعده الإله بإدخاله إليه، و هو بعد شاب! لماذا كان هذا التفكير من الدكتور داهش من ذاك الوقت؟!

هذا هو السؤال الذي حاولت أن اجدَ له الجواب الشافي. و قد بحثت كثيراً في بعض كتبه التي وقعت في يدي، فلم تزدني هذه الكتب إلا غموضاً.فهو غير مكترث للحياة، غير آبه لما فيها من مُتعٍ حسّيّة و ماديّة، مُعرضٌ كلّ الإعراض عن لذائذ الدنيا.

و بعد، عثرت في كتاب آخر له على سطور يصف فيها جوع نفسه و حسّه لا إلى الطعام و الشراب، و لا إلى الغيد و الحسان، بل إلى شيء آخر…إقرأ معي ما خطّه الدكتور داهش و هو في عنفوان شبابه:

 

نفسي جائعة

نفسي جائعة ، و لكن إلى غير خبزكم المعروف.

و روحي صابية، و لكن إلى غير عالمكم الخشن.

و اذناي تسمعان، و لكن غير انغامكم(المادية) المألوفة الممجوجة.

و إحساسي يشعر بأيد(أثيرية) هي غير الأيدي التي تشعر بها إحساساتكم.

و أعماقي تجيش بغير ما تجيش به أعماقكم.

و ميولي طامحة إلى غير ما أنتم إليه طامحون.

و همساتي التي أهمس بها هي غير ما به لأنفسكم تهمسون.

و قلبي ينبض بغير ما تنبض به قلوبكم.

نعم. إن نفسي( جائعة) جائعة… و لكن إلى ( الإكسير) السماويّ!

القدس في 7 كانون الثاني 1935

و هذا الشيخ العلامة عبد الله العلايلي يتعرّف إلى الدكتور داهش ، و يعاين مُعجزاته، و يشهد لها، ويقرأ أدبه، ويفتتن به، فينظم له كتاب “الجحيم” شعراً، و يؤلف عن مؤسّس الداهشيّة الفذّ كتاباً أسماه” كيف عرفت الدكتور داهش”. و هو يقول عن أدبه، منذ سنة 1943:

” هذه  رسالةُ أدبِ الصدق دون ما زور أضاليل ينطقُ به أدب البهتان.

فإن في الأدب الحقّ قوى تنزع من النفس ألواناً، و تجيء إليها بألوان، و تبعث الإنسان بعثاً جديداً حتى يجيء كائناً حياً أسمى بين الإفتان و الافتتان،

و تتناول المجتمع، فتصوغه صوغاً آخر حتى يجيء كائناً إجتماعيّاً أكمل بين الإتقان و الإحسان.

فليس إلا ( أدب الصدق) خالداً على لسان الدهور و الأزمان.

و هل  لغير أدب الخلود قدرة على استبدال ما ينبغي أن يكون في الحياة و الأخلاق و الفكر بما هو كائن و ما قد كان؟…

تلك غاية الدكتور داهش، و في سبيلها يرسل نفثات صدره المنبثق بشعلات الإيمان.

فجاءت أدباً فوق الأدب بما تميس حاليات الأفنان.

و جاءت صوفية فريدة بما فيها من مثالية الضمير الريّان.

و برزت في ألفتها صورة من نضار تراكب عليه درّ و مرجان.

ألا سرْ في طريقك غير عابئ بما يصدّونك به من صارم أو مران.

فالناس من هذه الأرض في مثل مسبح التماسيح و الحيتان.

و عسى ان يعود الكون، و يبتسم ثغر الزمان.

و المجد لله في العلاء، و في الناس المسرّة، و على الأرض السلام و الامان.”(1)

 

(1) نشرت في مقدمة كتاب “عواطف و عواصف”  للدكتور داهش

المُضطهد رقم 1

و قد عرفت ممّا قرأته في بعض كتب الدكتور داهش أن بني قومه اضطهدوه اضطهاد دُعاة الإصلاح و الهداة والمرسلين. اضطهدوه ابتداءً من رئيس جمهورية لبنان، عهدئذ، السيد بشارة الخوري، إلى البوليس، و رجال الدين المسيحي، و بعض الاوساط الصحافية و الادبيّة و السياسيّة و الاقتصاديّة، و رجالات الأعمال و المال، و حرّاس العدل…

اضطُهد حتى أُدخل السجن.

اضطُهد حتى سُحِبَت منه جنسيته اللبنانيّة.

اضطُهد و عُذب حتى أشرف على الموت.

و لكن… لماذا اضطُهد الدكتور داهش؟

قرأتُ…و قرأت مما وقع تحت يدي من اوراق، ووقفتُ على سرِّ هذا الاضطهاد الذي تعرّض له من جميع السلطات الرئاسية و التنفيذية و القضائية…

فقد بدأ الدكتور داهش دعوته إلى وحدة الاديان، و إلى التآخي بين المسلمين و المسيحيين و اليهود…و إلى أن  الإسلام هو دين القوّة مع العدل و المساواة، و أن المسيحيّة الحقّة هي دين التسامح المُطلق…

و لم يرق هذا بعض قساوسة و مطارنة الدين المسيحي في لبنان، فقاموا بمهاجمته و تلفيق الافتراءات الشنيعة عليه من الكنائس و من أماكن تجمعاتهم، واعتبروه مارقاً على الدين المسيحي؛ بل إن السلطات الدينية الكاثوليكية، و لا سيّما المطران مبارك الماروني، و الأب بونيتيمار، رئيس اليسوعيين في بيروت، شنّوا عليه حملة متجنيّة مُغرضة في مدارسهم، تشويهاً لسمعته النقية، و تضليلاً للرأي العام.

و قد اجتمعوا و ذهبوا في وفد إلى رئيس الجمهورية، و كان مُتعصّباً للمارونية و للكثلكة أشدّ التعصّب، وأفرغوا عنده جعبتهم الملأى بالإفتراءات و التخرّصات الشائنة ضد مؤسّس الداهشيّة الذي يدعو إلى التسامح ووحّدة الاديان.

و بدأت دعوة الدكتور داهش تنتشر، و خاصة في الاواسط المثقفة و صفوف الطلاب في الجامعات. و أخذ هؤلاء يترددون إلى منزله، يستمعون اليه، و يعاينون مُعجزاته. و كان يطلب إليهم التمعّن في قراءة القرآن و قراءة الإنجيل.

و حدثَ ما لم يكن في الحسبان، إذ آمنت بدعوته و تحمّست لها شقيقة حرم رئيس الجمهورية، و هي السيّدة ماري حداد، إبنة احد كبار الشخصيات اللبنانيّة المسيحيّة. و هي سيدة لها وزنها في المجتمع اللبناني، مثقفة، أديبة، فنانة، بل رئيسة نقابة الفنانين اللبنانيين، ولها مؤلفات باللّغة الفرنسيّة…

و عندما اعلنت هذه السيدة ذات الوزن الاجتماعي و الثقافي أنها دعوة حقّ و صدق، و نشرت رأيها في الصحف، ثارت الكنيسة المارونية،وثار بشارة الخوري، رئيس الجمهورية و زوج شقيقتها، و اعلن الحرب على الدعوة و صاحب الدعوة و كل من يتصل أو يوافق على ما جاء في الدعوة- أي أنصار الدكتور داهش.

و بدأت الحرب…

و زادت الحرب من شهرة الدكتور داهش و من إقبال الناس، مسلمين و مسيحيين، على دعوته، و زيارته.

و كان أن بدأت أيضاً  شهرته تتّسع كرجل مُعجزات، إذ كان يقوم أمام أنصاره وزائريه بكثير مما يعد مُعجزات و ما هو اكثر من مُعجزات!

و أعلن رئيس الجمهورية عداءه السافر للدكتور داهش، و ان هذا الرجل يجب ان يُحاكم و أن يُسجن.

و بدأت المطاردة للرجل الفرد الأعزل!…

و بدأت دعوة الدكتور داهش تتّسع، و أنباء مُعجزاته تنتشر!…

حاولوا ان يُحيلوه إلى المحاكمة بأية تُهمة ملفّقة…فلم يستطيعوا. حاولوا أن يُشرعوا قانوناً يطاله… فلم يستطيعوا.

 و أخيراً… حاولوا اغتياله بالتآمر مع بعض الاحزاب اللبنانيّة الشديدة التعصُّب الطائفيّ، لكن محاولاتهم باءت بالفشل،إذ إن الله تعالى انقذه.

وقفَ رجال البوليس الذين كانوا يقصدون منزله للقبض عليه حيارى إزاء عجزهم عن القبض عليه، إذ كانوا يُفتشون منزله، و هم موقنون انّه فيه،

لكنهم لا يقعون له على أثر، أو يأتون إليه ليمسكوه و هم يرتدون البزة الرسميّة،

فإذا به ينكر عليهم حقّهم في القبض عليه لأنهم لا يضعون عليهم البزة الرسمية. فينظرون على انفسهم، فإذا هم باللباس المدني، فيُشدهون لما هم فيه، فيذهبون خائبين. ثم يعيدون الكرة، و تعود المُعجزة لتتمّ مجدداً!

و يزداد غضب رئيس الجمهورية…

و تزداد شهرة الدكتور داهش، هذا العملاق صاحب المُعجزات الذي أعجز حكومة بأكملها عن إسكات صوته…وهو فرد واحد!

و اخيراً… تنجح السلطات بالتعاون مع بعض العصابات التابعة لأحد الأحزاب في القبض عليه، لأن الأقدار هكذا شاءت.

و يعلن رئيس الجمهورية إسقاط الجنسية اللبنانية عن الدكتور داهش- وهو عمل لا يقرّه الدستور اللبناني- ويُبعده عن لبنان إلى سوريا فإلى الحدود التركية… حيث يواجه الأخطار و شتى الاتّهامات، إذ الحرب العالمية الثانية لم تضع أوزارها بعد، وكل من يُقبض عليه بلا هوية قد يُعدم، و إذا أسعده الحظ، يُقبض عليه، و يُزج به في السجن بتهمة التجسّس أو غيرها من التّهم…

و هكذا شرَّد الظّلم ذلك الرجل البريء، صاحب الدعوة إلى التسامح ووحدة الاديان، بدون أية محاكمة!

و أصبح الدكتور داهش المضطهد رقم-1- في لبنان.

و لكن …هل سكت الرجل الجبّار عن إسقاط الجنسيّة اللبنانيّة عنه؟

حملة الدكتور داهش على مُضطهديه.

لم يسكت الدكتور داهش على ما أصابه على أيدي رئيس الجمهورية بشارة الخوري و اعوان بشارة الخوري ورجال حكومة بشارة الخوري…لم يستكن للإرهاب ووسائل الضغط و التهديد…بل إن عزيمته لم يثبطها ما أصاب أول سيدة اعتنقت الداهشيّة، وهي الأديبة الكبيرة ماري حداد، شقيقة حرم رئيس الجمهورية التي امر زوج اختها، نزولاً عند رغبة عقيلته، بسجنها لمدة عام مع إنزال أقسى انواع التعذيب بجسدها لإيذاء روحها التي عشقت مبادئ داهش و تعاليمه.

و لم يكن امام داهش إلا القلم و الكتابة، ثم إذلال خصومه بالطرق الادبيّة و الروحيّة التي بدأت تُؤتي ثمارها، وتُصيب العالم البيروتي كلّه بالدهشة ثم الانبهار!

بدأ الدكتور داهش حملته بتوزيع نشرات ضد الحكم و رئيس الجمهورية و رجاله سطّر فيها المآخذ الخطيرة والمخالفات والفضائح التي يرتكبها رئيس البلاد و أعوانه. و كانت توزّع نشراته هذه- التي سماها ” النشرات السوداء”- على السفارات و رجال الصحافة و الأمن، و في الجامعات و المدارس، و في الاوساط المستنيرة، كما في صفوف الموظفين و التجّار و غيرهم…

و بلغت هذه النشرات أكثر من 165 نشرة عدد فيها ما ارتكبه هؤلاء من مساوئ مُدعّمة بالوثائق، و قد طبعها بالزنكوغراف, كذلك ألف 66 كتاباً أسود سرد فيها كلها مئات المئات ممّا يعرفه، و ممّا نمي إلى علمه بالطرق البشريّة أو الروحيّة عن مخازي الحكم و مساوئ الحاكم.

و من سخريات القدر أن يشنَّ الدكتور داهش حملته العنيفة على السلطات و هو لا يبعد عنهم أكثر من بضع عشرات من الامتار. هم يظنونه في المنفى، و هو مُقيم في منزل عديل الرئيس الذي لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من مئة متر.و قد فتّش رجال الأمن و التحرّي هذا المنزل مراراً، لكنهم لم يعثروا فيه على من يطلبون!

و بدأ الناس يشعرون بأهميّة ما يكتبه و يُذيعه الدكتور داهش عن حكّام لبنان.

و بدأ الناس يزدادون اهتماماً بتعاليمه و ما ينشره عن الأديان و الألوهيّة التي هي الله الواحد الأحد، وعن تعانق الاديان الثلاثة و تآلفها و انّها كلّها نابعة من منبع واحد هو منبع الله سبحانه و تعالى.

و رأى بشارة الخوري أن يحوّل اضطهاده للدكتور داهش إلى أعوانه ممن لهم حيثية في المجتمع اللبناني و لهم كلمة مسموعة، فأمر بسجنِ الأديبة و الفنانة ماري حداد، شقيقة زوجته، و عديله السيد جورج حداد، و الشاعر حليم دموس، و الأديب يوسف الحاج، و السيّد جوزف حجار، و هم الأوائل الذين آمنوا بتعاليم الدكتور داهش.

ثلاث إفادات للحقيقة و الذكرى و التاريخ

 هذه إفادات ثلاث قُدّمت خطياً إلى رئيس البوليس العدلي في بيروت، الأستاذ إدوار إبي جودة، بطلب رسمي منه، إذ كلّف الرئيس بشاره الخوري  المُدّعي العام الاستئنافي يوسف شربل أن يحقّق مع الأديبة ماري حداد و الشاعر حليم دموس و الأستاذ يوسف الحاج عن كيفية إيمانهم بالدكتور داهش واعتناقهم مبادئ رسالته الروحيّة.

و قد كلّف المُدّعي العام يوسف الحاج شربل رئيس البوليس العدليّ إدوار إبي جودة ان يذهب إلى منزل الاديبة ماري حداد، شقيقة لور قرينة الرئيس بشاره الخوري، و يحصل على إفادتها. كما كلّفه الحصول على إفادتي حليم دموس و يوسف الحاج الداهشيين(1) و هذه هي الإفادات الثلاث:

إفادة السيّدة ماري حداد الداهشيّة

حدّثنا بعض الثقات بأخبار الدكتور داهش و أخبار مُعجزاته، فقمنا بزيارته.

و لقد كان يتجاذبني الإيمان والارتياب في الوقت نفسه.

أما الإيمان، فلأن كلّ ما في الحياة، إذا نظرنا فيه قليلاً، مُعجزة: المحبة النامية، و الكهرباء صنيعة العلم، والولادة، و الحياة ، والموت…

و أما الارتياب، فلأنه (أي الارتياب، و هو تقدير الشرّ قبل الخير) حصيلة الاختبار الطبيعية و الضروريّة.

فهل في هذا العصر الذي يسود فيه المال العالم، و يتمتّع أخس الناس، إذا كان غنياً،باحترام الجميع- هل فيه من يتعالى عن المال و المكانة الاجتماعية وما غليهما؟ هذا ما أجهله.

يبدو المنحى الروحيّ في الحياة، بل  أي مثل أعلى، موضع ازدراء، فلا يتّصف به إلا أناس مفتقرون على العقل السليم. و لكن، ها أنذا أمام حدثٍ فريد.

ذلك ان الدكتور داهش ظاهرة تتحدّى هذا العصر؟ فهو يُعيد القيم إلى منازلها؛ و هذا أمر غريب غير متوقّع، ولكنه ثابت.

يعتمد الدكتور داهش على الإنجيل، بل هو الإنجيل مُجسّداً.

كنا و لا ريب نعرف هذا الكتاب، و نعدّه عملاً إلهياً فذاً رائعاً. و لكن معرفتنا به لم تكن كافية لتجعل حياتنا موافقة له. و لذلك نحن موقنون بأن الدكتور داهش رجل الإنجيل.

ثم سرعان ما نجد أنفسنا أمام قوة تفوق الطبيعة، فنشاهد المُعجزات الإنجيليّة تحصل ثانية: تحويل الماء إلى خمر (وهو ُمعجزة يسوع الاولى و بسببها آمن به الجميع،) و تكثير الخبز و السمك.

لقد شاهدنا شتى انواع التكثير، كما شاهدنا مُعجزات شفاء، و تحقُّق نبوءات.

ثم أنه لا شيء، ههنا، بخافٍ: لا الفكر، و لا الحاضر، و لا المستقبل.

و ما ثمّة مسافات، ولا صناديق حديديّة مُقفلة.

و قد شاهدنا كيف تحلّ الرزايا بمن يفترون عليه.

كما شاهدناه يتحكّم بعناصر الطبيعة تحكّمه بالموت و الحياة.

لقد عرفنا الدكتور داهش بما يقوله، و ما يكتبه، و ما يؤلفه، وما ياتيه من مُعجزات، و ما يقيمه مع الناس من صلات.

إذا تكلّم، انهارت الحجج أمام حجّته. فقد شاهدته في لفيف من الجهابذة و الأدباء و الصحافيين و المتبحّرين في الثقافة، فإذا كلّهم مُعجبٌ به، و صغيرٌ جداً في حضرته. كانوا يطلبون الاستنارة بشروحه، فكان يمدّهم بها في بساطة غاية في الإتّضاع و الكمال.

إنه، في سموِّ مقاصده و ما يتّصف به فكره من نبلٍ و صفاء، أسمى تعبير عن العبقرية. و إلى ذلك، فلا يمكن ان يكون في الناس من يفوقه موضوعية وواقعيّة عمليّة، ذلك أنه يجعلنا نعرف و نقدّر الأمور الجديرة بأن تُعرف و تقدّر و هي أمور خالدة لا فانية.

وهو، ما يعلّمنا إياه، إنما يدعنا نلمُس حقيقة الرُّوح لمس اليد، فيُشْرع  لنا نافذة عريضة على العالم الثاني الذي يتعذّر حتى الآن ارتياده.

و إذا نحن آمنا به، فلأنّنا في متناولنا البراهين الملموسة القاطعة على صحّة رسالته، و إلا فما بالنا لا نكتفي بالكهنة و الأحبار، و هم أيضاً يدعون الاعتماد على الأنجيل!

بيد أن هذا الحجاب، على جماله، لن يسترَ أكاذيبهم و أعمالهم المُخالفة لدعوة السيد المسيح.

إننا لم نألف التجرّد من المكاسب الماديّة، إذ إن كل شيء مدفوع ثمنه، و بخاصة في كنيسة روما، كغفران خطايا، و الألقاب، و التحليلات في مختلف أنواعها.

إذاً، عندما نعرف  شخصية الدكتور داهش، تسقط شتى المحاذير و الشكوك و الظنون من تلقاء نفسها، و يعترينا الخجل ممّا يراودنا، في هذا السبيل، من أفكار خبيثة.

إنما الدكتور داهش مُعجزة هذا العصر. فما من تجسّد إنساني في مثل هذه العظمة منذ عهد السيّد المسيح.

لقد قضّى بضعة اشهر من حياته فقط في مدارس وضيعة، و في غزير و صيدا، فلم يحصّل تعليماً فهو على حدِّ قوله،ابن الحياة.

ومع ذلك، فإن مؤلفاته تناهز التسعين. و هي صرحٌ عظيمٌ يفي بشرحِ شخصيَّته. ألَّفها في سرعةٍ مُذهلة؛ و أنا عاينته في ساعات إلهامه و يراعته كأنها تطير على الطرس.

لقد كنّا شهوداً لحياته اليومية؛ وعددنا كبير. فقد خبرناه، و درسناه فاطَّلعنا في شأنه على كل شيء منذ ساعة مولده.

فالمُعجزات لم تفارقه قط. و كل ما يتّصل به مدوّن منذ عامه الثاني عشر، مدوّن يوماً فيوماً، في كل دقيقة.

أما تعاليمه، فحصيلتها انتفاء الشكّ و السكينة النفسية و اليقين بما ينتظرنا بعد الموت. و إذا بنا نرتفع فوق كل الصغائر، وما كان بالأمس ذا شأن عندنا ينقلب لا شان له. فما ثمّة هموم بل حياة سعيدة- إذا صح أن في الأرض سعادة.

أما إذا انتقلنا إلى حيّزِ العلم فالدكتور داهش هو المعهد الحقيقي الوحيد. فلقد تأتى لنا على يديه وحيّ في شتى ميادين العلم: في التاريخ منذ أصل الأرض، و في علم النجوم، و في الطب و أسباب الأمراض و أسباب شفائها، و في أسرار الحياة و الموت- و هي أسرار لا يمكن أن تراود فكرنا. بيد أن ساعة نشر ذلك كله لم تحن بعد. فلو كانت حكومتنا حكومة مستنيرة، لأدركت ان في شخص الدكتور داهش طاقات لا تُقدّر و لا تُحدّ أبعادها، ولسعتْ على الانتفاع بها من قبل أن تسبقها أمم ناهضة إلى تجديد قواها بتلك القوّة الخارقة التي لم تكن متوقّعة حتى الأمس القريب، تلك القوّة التي ينحني أمامها كل شيء، كل شيء بلا استثناء، لأنها قوّة الله.

على انني لا أرثي فقط لمن يفترون عليها، بل لمن يقفون منها موقف الحياد، فلا يسلكون في ركبها.

و لكن إذا صحَّ اليوم القول: أنَّ لا كرامة لنبيّ في موطنه، فإننا لمكذبون يوماً هذا القول.

و إذا سألتني كيف يعيش الدكتور داهش، أجبتك أنني رأيت عنده من الأموال أكداساً أكداساً، و ربما عز على أي مصرف أن يحوز مثلها.

و قد رأيته يسخو على الفقراء، و لكنه يقتصد على نفسه.

بيروت 23 شباط(فبراير)1944

ماري حداد

إفادة الأستاذ حليم دمّوس الداهشيّ

أولاًـــ سبقَ و أدليت بمعلوماتي عن الدكتور داهش في التحقيق الأول الذي أجراه المفوّض العدلّي فاضل عازوري منذ سنة خلتْ.

و أظنُّ أن تلك الأوراق قد تحوّلت في حينها إلى المُدّعي العامّ الأستاذ ديمتري الحايك.

فإذا شئتم مراجعتها ففيها الكفاية.

 

ثانياًـــ أما معرفتي بالدكتور داهش فتمتدُّ إلى عام 1936. و ليس له من مهنة سوى تأليف كتب ادبيّة اجتماعية صدر منها كتاب ( ضجعة الموت) و ( كلمات) و ( الإلهات الست ، و نشيد الأنشاد، و الجحيم). وهو مُلهمٌ و يجترح المُعجزات و الخوارق.

و كان قد سافر إلى العراق و مصر و فلسطين و أفريقية و أوروبة، و شهدت خوارقه المحافل العلميّة. ثم انصرف إلى المطالعة و التأليف.

 

ثالثاً ـــ أما سؤالكم عن أمواله، و أين هي؟ فهذه أمورٌ شخصيّة يمكنكم أن تسألوه عنها رأساً.

 

رابعاً ـــ هو يعيش بكل بساطة. و أعرف تمام المعرفة أنه مستغنٍ عن جميع الناس، و يفرّق الزائد عنه في كل شهر على عائلات مستورة، و أحياناً يفرّق ذلك في كل أسبوع. و لو شاء الثروة بما عنده من مواهب و قوى خارقة لأصبح في مدّة  قصيرة روكفلر لبنان، بل قارون هذا الزمان.

 

خامساً ـــ لقد شاهدت منه ظاهرات روحيّة خارقة بحضور بعض أعوانه و إخوانه- و لي الشرف أن أكونَ منهم- و ما ذلك إلا طلباً للحقيقة، و رغبةً في معرفة أسرار الكون العجيب الغريب، ووصولاً لإدراك كل مجهول كما يفعل كل باحث او عالم، و كل مُكتشف او مُخترع اتّسعت دائرة علمه و فنّه.

و إن من ينشد ( الحقيقة) السامية كالدكتور داهش يجب تنشيطه لا تثبيطه، خصوصاً أن كثيرين من رجال ونساء كانوا منغمسين في حمأة الرذيلة، فأصبحوا اليوم، بفضل تعاليمه السامية  الجليلة، سالكين طرق الصلاح والفضيلة.

 

سادساً ـــ لم أجده تناول بارة واحدة أو قبل هدية تذكر من أحد؛ بل بالعكس إنه يرفض الهدايا و يكرهها.

و أنا ، منذ عشرين شهراً، متّصل به لتبييض عدّة كتب أدبيّة له جاهزة و ماثلة للطبع. و طالما أرسل من ماله الخاص هدايا إلى كثيرين، ممن دعوه إلى وليمة عائلية أو حفلة أدبية، و طالما ألبس العُراة، و أطعم الجياع، و خدم البائسين سراً، و هداهم إلى الطريق القويم… إنه رجل صلاح و تعاليمه روحيّة بحتة. و هي تعاليم شريفة عالية تستند على الكُتب المُنزلة و لا سيّما الأناجيل ( الأربعة) التي يعتبرها الدكتور داهش زبدة (الكتاب المسيح) و روح الكتب الإلهية المنزلة، خصوصاً إنها من أقوال السيّد المسيح و تعاليمه السماويّة.

 

سابعاً ـــ الدكتور داهش يعيش مع عائلته على نفقته الخاصة و من ماله الخاص. أما الذين يعتقدون بأعماله الروحانيّة و يؤمنون بها فإنهم يستفيدون منه و من تعاليمه دون ان يفيدوه.

فأنا مثلاً كنت مادياً  محضاً، فأصبحت روحانيّاً محضاً.

و ما ذلك إلا بفضل الدكتور داهش و روحانيّته الممّتازة.

فقد تكشفت لي حقائق سماويّة عظيمة لا يستطيع هذا القلم  الضعيف وصفها.

 

ثامناً ـــ و اخيراً… إن شهادتي بالدكتور داهش مجرّدة عن كل غاية. فهو إنسانٌ صالحٌ ، طاهر السيرة، عفّ اليد و اللّسان، يعيش عيشة السيّد المسيح و تلامذته، و النبيّ محمد و صحابته، و يعمل الخير حباً بالخير، و قد أتى امامي بمُعجزاتٍ خارقة:

فمن نقل أشياء، و شفاء أمراض ، و كتابة مؤلفات مُلهمة، و سواها نبوءات عن حوادث تمّت في أوقاتها تماماً.

و أعتقد كل الاعتقاد أن ما قام به الدكتور داهش من الأعمال الحسنة و الظاهرات الروحيّة  الخارقة يُساعد الحكومة و الشعب على تهذيب الأخلاق، و تقريب النفوس  البشريّة إلى المُبدع الخلاّق.

فهو في نظري  يستحق إعجاب لبنان و تمجيد الإنسانيّة لعبقريته النادرة، و مُعجزاته الروحيّة الباهرة، التي تسيّرها قوّة خفيّة إلهيّة قادرة…

 فليدرسها كل عامل أمين،

 رحمة بعشاق الحقيقة و طلاب النور و اليقين،

و خدمة خالصة لأبناء الأرض المساكين.

 

بيروت 31 كانون الثاني(يناير) 1944     حليم دمّوس

إفادة المؤمن الأول يوسف الحاج الداهشيّ

سؤال الرئيس العدليّ- متى تعرّفت بالدكتور داهش؟

جواب يوسف الحاج- تعرّفت بالدكتور داهش، منذ ثلاث سنوات تقريباً. و كان الدافع إلى هذا التعرّف شهرة الدكتور  في البلدان العربية كافة، فضلاً عن البلاد الأوروبية، مما كان يأتيه فيها من الظاهرات الروحيّة.

س ــ هل يتقاضى الدكتور داهش بدلاً عن أعماله و تعاليمه؟

ج ــ كلا، بل إنه يوزّع ما يفيض عن النفقات التي يدفعها على طبع كتبه من ماله الخاص إلى الفقراء على أيدي عديدين، منهم الجرّاح المعروف الدكتور توفيق إبراهيم رزق صاحب مستشفى رزق، و سواه.

س ــ من أين يعيش الدكتور داهش؟

ج ــ مما لاحظته، كل هذه المدّة، أنه يعيش من أمواله الخاصة.

س ــ أذكر لي شيئاً عن عجائبه.

ج ــ أذكر لك ثلاث حوادث أو ثلاث ظاهرات ( و هنا ذكرت له مفصّلاً ظاهرة الدكتور شاهين الصليبي وشجرة الليمون، و ظاهرة المستر أوليفر و المال و الدبوس، و رسالة السيد جورج النجار، و كذلك موت العصافير الثلاثة أمام صاحب جريدة ” الصحافي التائه” الأستاذ اسكندر الرياشي و الشيخ منير تقي الدين و الأستاذ حليم دمّوس، ثم إحياء تلك العصافير بعد الظهر بوجود الأستاذ إدوار نون و بعض الإخوة الداهشيين.

و فضلاً عن ذلك فقد أتيتُ على ذكر مؤلّفات الدكتور داهش التي بلغت التسعين تقريباً بين أدبيّة و روحيّة. و ذكرت في إفادتي كيف يعيش الدكتور داهش، و كيف يصوم و يصلّي. فإنه يعيش قدّيساَ، و يصوم و يصلّي صدّيقاً.

و صرّحت، في إفادتي ، أن كل من تقرّب إلى الدكتور داهش شعر بتجرّد كليّ، و راحة نفس تامّة، و أن جميع تعاليمه و صلواته التي تعلّمناها تنفرنا من المال  ومن الحياة الماديّة القذرة.

و هنا قدّمتُ للمحقّق عدداً من جريدة ” العالم العربي” المصرية، و فيه مقالتان  ممتعتان عن الدكتور داهش  وإعماله الخارقة:

الأولى بلسان الجريدة.

و الثانية نقلاً عن جريدة ( الأهرام) المصريّة.

و هكذا انتهى الاستنطاق عن مفاخر الدكتور داهش  و روحانيّته اللامعة.

و قد أكدت له في الختام أن الحكومة اللبنانية الوطنية إذا درست بتدقيق مُميزات الدكتور داهش و مواهبه الخارقة وجب أن تستفيد منها عاجلاً ام آجلاً.

 

يوسف الحاج

بيروت، 2 شباط 1944

من هو هذا الدكتور المُعجزة؟

حرصت حتى الآن ان أضع أمام القارئ بعض ما شاهدته و بعض ما سمعته عن الدكتور داهش دون أن اذكر من هو هذا الدكتور…و قد تركت القارئ يسأل، بعد أن قرأ ما سطرته في الصفحات السابقة، عن حقيقة هذا الدكتور، ومن هو، و كيف نشأ و ماذا تعلم، و ماهية وضعه الاجتماعي قبل أن يصبح (الدكتور داهش )، و هو دكتور و في أي فرع من فروع المعرفة حصل على شهادة الدكتوراه.

أسئلة كثيرة لا شك أن القارئ قد قلّبها في ذهنه و هو يقرأ ما سطرته حتى الآن.

و أنا شخصياً لم أكن على علم بنشأة الدكتور داهش، و لم أكن أعرف عن طفولته و ثقافته أي شيء…حتى بعد أن شاهدت مُعجزاته و جالست أصدقاءه و مريديه و المؤمنين بالداهشيّة.

ثم احسّست بهذه الأسئلة تلحّ عليّ إلحاحاً شديداً. و كان أن سألت، و كان أن حظيت بهذه الإجابات.

قيل لي الآتي:

ولدَ الدكتور داهش في مدينة القدس في أول يونيو(حزيران) عام 1909، و إن اسمه الأصلي سليم موسى العشيّ واسم أسرته محرّف عن “أليشع”، اسم احد أنبياء العبرانيين، وقد انتقل والداه به صغيراً إلى لبنان حيث أقاموا في حي “المصيطبة” من بيروت.

و كان ما يزال في المهد عندما أصيب بمرضٍ خطير. وقلقَ والده الذي كان يعمل في المطبعة الأميركية في بيروت، واتصل على الفور بطبيب اميركي اسمه الدكتور سميث، فتولى فحص الطفل سليم الذي كان في غيبوبة تامّة قيل أنّها ” غيبوبة الموت”…و لم تُشفه أو تُحسن حاله العقاقير التي عالجه بها الطبيب الأمريكي. فبدأت الأم تولول في وجه الطبيب و تقول:

-ابني مات!…ابني مات!…

و فجأةً ينهض الطفل سليم، و يتحدّثَ بالإنكليزية إلى الطبيب الأمريكي. و يقول الطفل للطبيب:

-كان يجب عليك ان تعالجني بالدواء كذا و كذا…

و أسقط في يد الطبيب و كاد يغشى عليه من المفاجأة. كذلك كاد يغمى على الأم التي سمعت الطفل”يرطن” باللغة الانكليزية، و هو يجهلها تماماً.

و تكلّم داهش في المهد صبياً، بالإنكليزية، كانت المُعجزة الأولى التي تُروى عنه.

و قيل لي:

إنه حدث عام 1920 أن”اندماج” داهش مع جيرانه، وكان من بينهم أحد الصيادين. و كان هذا الصيّاد يُلقي الشباك، فتخرج فارغة لا سمكة واحدة تدخل فيها.

و تقدّم داهش من الصياد، و نصحه بأن يلقي بالشباك في مكان معين.

فرفضَ الصيّاد قائلاً أنه سبق أن ألقى بشباكه في هذا المكان، و لم يظفر بسمكة واحدة. و لكن داهش توسّل إلى الرجل أن يستمع إلى كلامه و لو مّرة واحدة. و تحت إلحاح داهش، ألقى الرجل بالشباك…ثم جذبها، فإذا بها محمّلة بالسمك. و اعاد الرجل إلقاء الشباك في المكان نفسه عشرات المرات، و في كل مرة كانت شباكه تمتلئ  بالسمك، حتى عاد على بيته محملاً بعشرات الأرطال من الأسماك.

و قيل لي:

كان داهش في الخامسة من عمره يلعب مع أولاد الحارة في المصيطبة و مرَّ رجلٌ غريبٌ عن الحيّ، و كان شكله غير مألوف للناس. كذلك كانت لهجته في الحديث غير مفهومة.والتفَّ حوله بعض الرجال يحاولون التفاهم معه و الردّ على أسئلته…و لكنهم لم يتمكنوا من فهم ما يريده الرجل الغريب. و فجأة يشقُّ الطفل داهش الصف، و يتقدّم إلى الرجل، و يتحدّث إليه بنفس اللغة التي يتحدث بها الرجل. و يشكر الغريب الطفل، ويذهب إلى حال سبيله.و أصاب الناس الذهول والتفّوا حول الصبي يسألونه عن الرجل, وكيف استطاع ان يتفاهم معه , و بأية لغة ؟ فيجيبهم :

 

  • كان يتحدّث بإحدى لغات الهند , و قد سألني عن وجهةٍ يقصدها , فبيّنتها له .

هذا هو الموضوع، لا أكثر و لا أقل.

 

و قيل لي:

كان ذلك عام 1920 و المسيحيّون يحتفلون بعيد مار الياس (إيليا النبي) والزحام في إحدى المناطق على أشدّه. و كان أحد الغلمان يركب دراجة يروح بها و يغدو بين الناس المحتشدين في الشوارع. و فجأةً يحدث للصبي اصطدام، فيسقط على الأرض و قد تهشّمت دراجته. وولول الصبي من هول الصدمة و هول قلقه على دراجته.

و يبرز الطفل داهش من بين الجموع المحتشدة حول الفتى المُصاب، و يشقُ طريقه إلى الصبي الملقى على الأرض، و يضع يده على جسده قائلاً له:

  • قم واذهب إلى بيتك في سلامة، و جروحك قد شفيت بأمر الله.

و يضع يد الثانية على الدراجة، فتعتدل و تختفي منها الكسور و الأعطاب التي حدثت فيها.

و تتوالى على مسمعي عشرات القصص من هذا النوع عن الصبي داهش الذي أتى بالمُعجزات وهو في سنٍّ مُبكرة جداً. و يتوالى اهتمام الناس به و بظاهراته العجيبة.

و طار صيته كل مطار…

و لكن…هل هذا هو  كل ما سمعته عن داهش؟

لقد سألت:

  • ولكن…كيف نشأ هذا الصبي؟

فقيل لي:

اليتيمُ المُعجزة

عاش الدكتور داهش حياته يتيماً. و مع ذلك لم يوهنه اليتم، بل دفعه دفعاً إلى الارتفاع بروحه حتى سمتْ، وأصبحت قريبة جداً من خالقها…من الله سبحانه.

مات والده في 25 ديسمبر (كانون الأول) عام 1920، فحُملَ الولد الصغير إلى ملجأ لليتامى في غزير، وهو يتبع الإرسالية الأميركية حيث امضى بضعة شهور انكبَّ فيها على تعلّم القراءة و الكتابة. و بعدها، و قبلها، لم يدخل مدرسة.

و لكنه مع ذلك نالَ الدكتوراه في العلوم النفسيّة، و أصبح من أبرز علماء عصره و أكثرهم إنتاجاً في أكثر من حقل من حقول المعرفة.

و لقد سمعت أنه بعد أن ترك الملجأ و عاد إلى بيت لحم حيث انضم إلى عدد من أقاربه، بدأ يبثُّ تعاليمه الروحيّة بين الأحداث. و كان يركّز في تعاليمه على أن رجال الدين المسيحي قد خرجوا على تعاليم الدين، و خاصة في الزهد و التواضع و التراحم. و كان يُكثر من هجومه على رجال الدين المسيحيّ الذين ابتعدوا جداً في حياتهم وأعمالهم عن حياة المسيح و أعماله. و في الوقت نفسه يعرض أمام الأحداث من اصدقائه و زملائه بعض مُعجزاته…

حتى تعلّق به الأطفال، و تشرّبوا تعاليمه و ما كان يقوله عن رجال الدين.

و فزعت السلطات الدينيّة مما كان يبثّه هذا الطفل في عقول الناس، فأعلنوا في الكنائس أن مسّاً من الجنِّ قد أصاب الولد، و أن الشياطين قد  لبست جسد الطفل وروحه،و طالبوا آباء الأولاد بأن يُبعدوا أبنائهم عن هذا ” الشيطان” و ان لا يتّصلوا به.

و مما عُرف عن الدكتور داهش، و هو بعد لم يتخطَّ الثانية عشرة من عمره، أنه كان لا ينام ملء ليله، مثلما يفعل أترابه، بل يقطع القسم الأكبر من الليل في القراءة. و كان بين الكتب التي انصبَّ على مطالعتها ” القرآن الكريم” حتى حفظه عن ظهر قلب.

و حدث، ذات مرّة، أن  استيقظت خالته التي كانت تؤويه في بيتها، في ساعة متأخرة من الليل، فوجدته يقرأ في أحد الكتب. و لشدة حرصها على زيت قنديل الغاز الذي كان يطرد سواد ليله، فقد نهرته و أطفأت القنديل، و دعته إلى النوم؛ فأظهر امتثاله لأمرها لكنها ما  إن عاودت النوم حتى عاود القراءة، فشعرت به، و هجمتْ عليه مُستعينة بزوجها حتى يؤدبهاه… و لكنّهما تسمّرا في مكانهما!

لماذا؟!…

لقد وجدا الطفل مُحاطاً بضوءٍ ساطعٍ على الرغم من أن القنديل مُطفأ تماماً، و البيت كلّه يلفّه الظلام الدامس إلا ما حول الطفل!… ضوءٌ و لا كل الأضواء!… نورٌ غير النور العادي المعروف منبعثٌ من عينيه!… و صفحات الكتاب أمام الصبي مضاءة بضوء غريب!…و الطفل يقرأ و لا يُلقي بالاً إلى خالته و زوجها.

و تركاه مُضطربين!…

و ذهبا في الصباح إلى رجال الدين يشرحا لهم حوادث الليلة المنصرمة.

فقالوا إن مسّاً شيطانياً قد أصاب الصبي، و لا حول و لا قوّة إلا بالله.

و عاد زوج خالته إلى منزله، و أمسك بالكتاب الذي كان الصبيّ يُطالع فيه، و أحرقه!…

و كان الصبي، حينئذ خارج المنزل. و عندما رجع و سأل عن الكتاب، تجاهلت خالته أنها تعرف شيئاً عنه. وبعد إلحاحه في السؤال، قادته و هي في حالة تشفٍّ إلى حيث رماد الكتاب.

فغضبَ الصبيّ غضباً شديداً، ثم ضربَ بيده الأرض حول الرماد، و إذا الرماد يعود كتاباً كما كان!

هذه الُمعجزة الإلهيّة المثيرة حدثت على مشهد من الجيران الذين صُعقوا، واستعاذوا بالله أن يُبعد عنهم ” الشيطان” الذي زعموا أنه يعيش في روح الغلام و جسده.

و قد سمعت عن مُعجزات هذا الصبي الكثير المثير!…

و منها ما لا يزال عالقاً  بأذهان السكان في ضواحي برك النبي سليمان بجوار بيت لحم. و هو مكان يتنزّه فيه الناس، و فيه حديقة كبيرة تشقها ترعة أو برك واسعة.

وقف داهش الصبّي الصغير و قال لعدد من زملائه:

-ماذا تقولون عني إذا مشيت فوق الماء بحذائي هذا، و قطعت البركة ذهاباً و جيئة دون أن يبتلَّ الحذاء؟

قالوا له:

-هذا غير معقول. و نحن على استعداد لرهانك. و إنك ستغرق في  البركة.

فقال لهم:

-أنا لا أحب المراهنات. و لكني سأفعلها.

و نزل إلى الماء، و سار فوق سطحه على قدميه حتى وصل إلى الشاطئ المقابل، ثم رجع أدراجه فوق الماء حيث وجد الأطفال وحولهم عشرات من الناس في حالة ذهول.

و فحصوا حذاءه…فلم يجدوا عليه قطرة ماء!

الامتحانُ العسير...اليسير

و دكتوراه لداهش

و طارَ صيت الدكتور داهش. و عرفه الأوربيون كشابٍ يأتي بالمُعجزات، و شعروا أن ما يقوم به يتجاوز حدود العقل، و أن أهل الشرق- وهم” معشر السحرة”، كما كانوا يسمون منذ مئات السنين-قد خرج من بينهم هذا الشاب العجيب! و لكن المحافل العلمية في أوروبا استبعدت أن يكون هذا الشاب مجرّد ساحرٍ مشعوذ، اولاً، لأنه- كما نمي إلى علمها- من الشبان المثقفين و الذين أوتوا الحكمة في سن مبكرة؛ ثانياً، لأن المحافل العلميّة لا تؤمن بوجود ما يسمّيه الشرق”السحر”، و تعتبره مجرّد حيل و شعوذة.

لهذا أرسل ” معهد ساج ” Sage institue” في باريس، و هو من المعاهد المتخصّصة في دراسة العلوم النفسيّة و الإنسانيّة- أرسل يستضيف داهشاً.

و قبل داهش الدعوة. و كان ذلك في شهر مايو (أيار) 1930.

و عندما جلس الأساتذة الممتحنون إليه، سُحروا بحديثه و شروحه و حكمته و لغته- علماً بأن داهشاً لا يعرف الفرنسيّة في حالاته الطبيعية- و اخذوا بهدوئه و ابتسامته الحلوة المطمئنة.

و سألوه:

-هل حقيقة أنك تأتي بالمُعجزات؟

و طبعاً، كانت إجابته ابتسامة لطيفة.

ثم طلبوا إليه أن يعرض أمامهم بعض ما يحب  أن يعرضه تأكيداً لقوّته الروحيّة.

فقال داهش في هدوء:

-ضعوني في نعش، و أغلقوه عليّ،واختموه بالشمع الأحمر،واقذفوا به إلى قاع نهر السين،واتركوا النعش في السين لمدة سبعة أيام تحت حراسة مشدّدة.

و اجفلوا…خافوا…

وطلبوا إليه أن يكتب إقراراً بنفسه بأنه هو الذي طلب ذلك.

و فعل.

كان عدد الرجال المعاينين 150 شخصاً من المتخصّصين في الأمور النفسيّة و الروحانيّة.

و فعلوا ما طلبه داهش.

و بعد سبعة أيام أخرجوا النعش من قاع السين، و فتحوه.وابتسم داهش،الشاب العجيب، و قفز من داخل النعش سليماً معافى، و كأنه كان على فراش وثير في حجرة مفتوحة النوافذ، جيدة التهوية.

و كتب المعهد شهادة بأنه قام أمامهم بمُعجزة لا يمكن أن تكون وهماً أو سحراً، و لكنها مُعجزة تثبت أن الشاب داهش يتمتع بقوّة روحيّة ليست من بشر قبله، و لن تكون من بشر يجيء من بعده.

و بعد هذا الإمتحان، مُنح داهش شهادة الدكتوراه…و أصبح أشهر رجل في أوروبا…و من أوروبا  انتقلت شهرته إلى أميركا، و خاصة أميركا اللاتينية.

و من يومها عرف أهل لبنان و فلسطين أن الشاب الذي سخر منه المغرضون الجهلة يملك قوّة روحيّة ليست من بشر!

و عرفوا انه قادر على إتيان الكثير مما لا يقدر عليه أي إنسان مهما أوتي من علم و قوّة إرادة وقوّة تركيز…

و هكذا كان داهش المُدهش!…

و هكذا بدأ داهش ينشر له المعجبون به الدعوة له.

السيّالات الروحيّة العلويّة

مكمن القوّة في داهش.

لن اخجل من إعلان جهلي بهذا الذي قال عنه الدكتور داهش إنه سرُّ قوّته، أعني ” السيّالات الروحيّة العلويّة” التي يتمتّع بها أشخاص يصطفيهم الله، سبحانه و تعالى، من بين عباده الموكول إليهم نشر رسالة من رسالات السماء أو الدعوة إلى حياة بشريّة أفضل تتحلّى بالفضائل التي نصّت عليها الكتب السماويّة المُنزلة.

لم اخجل و انا أقول للدكتور داهش:

  • ما هي هذه السيّالات الروحيّة؟

و برقّة و تهذيب بالغين قال لي:

  • سوف اطلعك على ماهية هذه السيّالات و قوّتها واقتدارها.

إن السيّالات الروحيّة تعني قوى إشعاعية حية قادرة غير منظورة هي امتداد للرُّوح في العوالم الماديّة.

فهذه القوّة التي تكتب، عن بُعد، على ورقة بيضاء تضعها في يدك هي سيّال روحيّ قادر.

و هذه القوّة التي تنقل القلم أو الطاولة أو الصخرة من مكان إلى آخر قريب او بعيد هي سيّال روحيّ قادر.

و هذه القوّة التي تحوّل صحن البورسلين إلى ذهب او خشب أو غير ذلك، أو تستحضر ساعة من منزلك أو شيئاً مفقوداً…هي سيّال روحيّ قادر.

واعلم ان السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات، لكن على درجات متفاوتة.

ووجود السيّالات في البشر، على تفاوت في العدد و الميزة و الدرجة بين فرد و فرد، هو الذي يسبب تباين القدرات الجسديّة و العقليّة، واختلاف الميول و المذاهب النفسيّة عندهم. كما إن انسجامها و سمّوها في الإنسان يبعثان السلام والاتّزان في نفسه، و تناقضها و انحطاطها يسبّبان الاضطراب والاختلال. كذلك، فإلى تشابهها أو تباينها في الأشخاص و الجماعات يعود التجاذب و التحابّ أو التنافر و التباغض.

هذه القضايا البشريّة ما يزال المُشتغلون في العلوم النفسيّة يحاولون الوصول إلى تفسيرها جاهدين، من غير ان يطمئنو إلى رأي صائب يتّفقون عليه نهائياً، بينما أدركنا نحن في الداهشيّة حقيقتها من زمن بعيد، و ذلك بفضل الجلسات الروحيّة التي أعقُدها.

و قد اتيحَ لي ان اتيقّن من ان الفناء الذي يطرأ على الأشياء غ

انّما هو تبدّل محصور في مظهرها الحسيّ النسبيّ، و لا يمسَّ جوهرها الحيّ.

فإن الأشياء- كالأوراق مثلاً- التي احرقها أمامك، سواء أكانت أوراقاً مالية أو صوراً او مخطوطات او سندات…و أعيد تكوينها، في لمح البصر، بقدرة السيّال الروحيّ العلويّ الذي حباني الله به، ليقدم تكوينها مجدداً دليلاً ساطعاً على ان السيالات التي كانت فيها هي خالدة لا تفنى. و خلودها لا شكّ فيه سواء أكانت في الإنسان أم  الحيوان أم النبات أم الجماد.

و أستطيع ان أقول لك جازماً إن كل كائن، بل كل عمل أو رغبة أو فكر كون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل، و جميعها تحفظ روحياًّ في عوالم خاصة كشهودٍ على حياة الكائن و سلوكه و أعماله.

و هذا الذي أقوله يفسّره معنى الآية القرآنية الكريمة:” و إن من شيء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم” ( سورة الحجز:21).

كذلك الآية الكريمة:” يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون” (سورة الزخرف:80)

و توقف الدكتور داهش قليلاً، ثم استطرد:

“و أنت إذا رجعت إلى ما تحدّث به بعض الداهشيين من أئمة رجال الفكر والفلسفة، و أولئك ذوو الثقافة العالية…ربما تعرف الكثير الذي يعدّ استطراد لما قلته لك مؤيداً ببراهين حيّة و حقائق ملموسة بارزة.”

 قد اعتبرت انا أن الدكتور داهش لا يريد ان يزيد على ما قاله، و ان يترك لبعض الأساتذة الجامعيين من المُلتصقين به فرصة إيضاح ما تعذّر عليّ فهمه عن السيّالات الروحيّة ومرد المُعجزات التي شاهدتها و الأخرى التي سمعت بها مما وقع تحت أبصار أصدقائه و مريديه و مؤيديه.

و لهذا اتجهت بفكري و قلمي إلى اختيار بعض هؤلاء.

المفهوم العلميّ للسيّال الروحيّ

المفهوم للسيّال الروحيّ- كما سمعته من الدكتور غازي براكس الحائز شهادة الدكتوراه في الآداب و أستاذ علم النفس الأدبي في قسم الماجيستير بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية- هو ان السيّال وحدة نفسية ذات طاقة حيوية انفعالية، و إدراك نسبي، و إرادة محرّكة، و نزعة نوعية، و خصائص وظيفية.

و قوام السيّال جوهر روحيّ إشعاعيّ خالد، ليس بالإمكان إدراكه إدراكاً حسياً لاتّصافه بسرعة اهتزاز فائقة، ولأن الإنسان محدود بشبكة من الحواس ذات حدود عليا و حدود دنيا لا يسعه تجاوزها. و مثال ذلك ان العين البشريّة لا تُبصر من الموجودات إلا التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئية بين 7600 و 4000 انجستروم، و التي تتحرك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور، و الأذن البشرية لا تسمع من الأصوات إلا التي تتراوح بين حوالي 15    و 20000 ذبذبة في الثانية.

و لذا فالسيّالات التي هي مقوّمات الإنسان الحقيقيّة يستحيل التحقّق من وجودها، عادة، إلا من نتائج نشاطها الباطني او تأثيراتها في البنية الجسديّة التي هي صورتها الحسية النسبية المشكلة من أجهزة بيولوجيّة فيزيولوجيّة عصبيّة خاصة، تبعاً لما توجبه نواميس الحياة و الطبيعة الأرضيّة.

أما التحقّق من وجود السيّالات الروحيّة، بصورة غير عادية، فيتمَّ في أثناء حدوث المُعجزات.

و لكل سيّال نشاطه الخاص. و قد يستقلَّ عن نشاط سائر السيّالات في وحدة الشخصيّة أو ينسجم معها انسجاماً معيناً. و هذا الواقع يبرز في رغبات المرء و دوافعه المتضاربة حيناً و المتآزرة حيناً آخر، و في أفكاره المتنافرة تارة و المتلائمة طوراً، بحيث يمكن القول إن الشخصيّة البشريّة تتكوّن من مجموع شخصياّت جزئيّة هي السيّالات.

و السيّالات منها ما هو فطري، ومنها ما يطرأ على تكوين الإنسان الجسدي خلال نموه. و هي تختلف في مستوى وعيها او لا وعيها،كما في درجاتها و سائر ميزاتها في الإنسان الواحد. كذلك تتفاوت في عددها و مجمل خصائصها بين فرد و آخر. و هذا ما يسبب تباين القوى الجسدية، صحّة و مرضاً، و تنوع الميزات الجنسيّة و الذهنية و الوجدانية،واختلاف الاستعدادات و المواهب والميول بين البشر حتى في البيئة الواحدة ذات الظروف الماديّة والاقتصاديّة و الاجتماعيّة الواحدة، بل حتى بين الأخوة أنفسهم الخاضعين للعوامل الخارجية عينها. و إلى تشابه هذه السيّالات أو تباينها في الأشخاص و الجماعات يعود التجاذب والتحابّ أو التنافر و التباغض.

و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسيّة التي اكتشفَ العلم انها في أساس الوجود كلّه إلا صفة من صفات السيّالات الروحيّة التي هي نسيج الكون و قوام كائناته، و الجوهر الحيوي الخالد الذي يوحّد الموجدات و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة.

و معظم السيّالات التي تدخل في تكوين طاقة الإنسان النفسيّة عند ولادته يكون قد اكتسبها بفعل الوراثة من أبويه مباشرة ، و سلالتيهما مدورة. و تنتقل خصائصها إليه بفضل وحدات إشعاعية من السيّالات متناهية في الدقّة، سمّى العلم تشكلها المحسوس البيولوجي الكيميائي “المورّثات”؛ و هذه تحمل مقوّمات الطبع الأولى في الإنسان، و الكثير من ميزاته النفسية الجسيمة التي تظهر آثارها فيه ظهوراً فورياً أو تدريجياً.

   *    *    *    *    *

هذا ما فهمته من الصديق العالم الدكتور غازي براكس، الحجّة في مثل هذه العلوم النفسية، رأيت أن أنقله كما جاء على لسانه و بقلمه.

و لكن هل فهمت حقاً؟!

هل فهمت ماذا يريد الدكتور داهش ان يقوله لي عن السرَّ الإلهيّ في قدرته على إتيان هذه المعجزات التي ذكرتها، و التي سأقوم بسرد العديد منها على لسان طائفة محترمة مثقّفة ممن جلسوا إليه و أتى بالعجائب و الخوارق أمامهم على مدى ثلاثين عاماً أو أكثر؟!

لقد فهمت مما هو مدوّن عن المبادئ الداهشيّة التي أعلنها مؤسّسها في البداية، ثم تبناها عشرات المئات من أتباعه المثقفين، أن الإنسان يتكون من جسد و سيّالات وروح ، و أن الجسد تتكون عناصره من السيالات الشكلية العامّة التي في الطبيعة. أما”السيّالات الروحيّة” التي اكثر الدكتور داهش من ترديدها امامي فهي التي تكوّن ذاتية الإنسان النفسيّة البشريّة. و أما الرُّوح فهي ألذات الإلهيّة النقية المتخطّية النواميس الطبيعيّة، و الكائنة في ملإ الأرواح، و قد خلقتها القوّة المُبدعة التي هي الله تعالى، قبل أن يكون زمان و مكان. و الأرواح هي مصدر التكوين كله، و أمهات الكائنات جميعها. منها تنبثق السيّالات فتشكل موجودات متباينة الدرجات تبعاً لحكمة إلهيّة و نواميس كونيّة. و إليها تعود السيّالات بعد أن تبلغ ذروة ارتقائها و نقائها.

هذه الرُّوح التي هي ذات إلهيّة هي التي عناها القرآن الكريم بآيته الشريفة القائلة:” رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الرُّوح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاقي”(سورة غافر:15).

هذه الرُّوح هي التي تهبط من عليائها في الجلسات الروحيّة لتحتل الدكتور داهش، و لتزوّده بقوّة عجائبية تخرق النواميس الطبيعية، و تجترح المُعجزات، و تعطي الإرشادات و الإيضاحات لأسرار الكون و الموت والحياة!…

   *    *    *    *    *

و عندما طلبت أن يشرح لي المزيد عن السيّالات الروحيّة،قيل لي:

إن كل إنسان تتكون سيّالاته من ثلاث فئات: روحية و مادية و سفلية، في نزعاتها.و الإتّزان النسبي لا يتمّ فيه إلا عندما يحصل بين سيّالاته تراتب تهيمن فيه الفئة الروحيّة على الفئتين الأخريين.

و السيّالات الروحيّة النزعات وحدها يتاح لها مغادرة الأرض إلى عوالم أسمى، في حين أن السيّالات السفليّة الماديّة النزعات تبقى ضمن جاذبية الأرض. أما السيّالات السفليّة النزعات، فإنها تضع نفسها، بشرّها و فسادها، في جاذبية العوالم السفلى من الدركات الجحيمية.

و كل روح أمٌ حقيقية لمجموعة من الكائنات تتصل بها بواسطة إشعاعات خفية، فتسمو بسموها، و تنحطّ بانحطاطها.

ومما سمعته من الدكتور داهش أن كل سيّال لا بدّ من ان يلقى جزاء أعماله، خيراً أم شراً. و قد يكون الجزاء عاجلاً في حياة الإنسان الواحدة، و قد يكون آجلاً في حياة أخرى لاحقة لحياته الحاضرة ينتقل فيها السيّال إلى الابن أو الحفيد أو إلى تجسّد آخر.

و إن انا استطردت في الكتابة عن ماهية السيّالات الروحيّة و قيمتها و آثارها إلخ…لما اكتفيت بهذا الكتاب مرتعاً لقلمي، أصول فيه و أجول حول هذا الموضوع؛ علماً بأن قوّة الدكتور داهش و المُعجزات التي قام و يقوم بها أمام عشرات المئات من الصفوة المثقفة في شتى أنحاء العالم…كلّها تقوم على ما حباه الله، سبحانه و تعالى، به من هذه السيّالات الروحيّة ذات الدرجات العلوية السامية. و لكنني قد أعود إلى طرح مزيد من الأضواء و المعلومات عن هذه السيّالات في السياق.

و مع ذلك، فإنني أرى لزاماً عليّ أن أنوه، هنا، بأن كل ما تحدّث به الدكتور داهش-أمامي و امام مريديه ومعتنقي مبادئه الداهشيّة في الجلسات الروحيّة التي كان يعقدها معهم-عن السيّالات يُعد، في الواقع، حقائق خطيرة عن تكوين النفس البشرية مما لم يتوصل إليه العلماء حتى اليوم. و مثله ما أوضحه عن التقمّص و العوالم الأخرى.

و من الحقائق البارزة التي أظهرتها الجلسات الروحيّة الداهشيّة انه ليس من مجرم فلكيّ، كوكباً كان أم نجماً، إلا فيه حياة و كائنات تستمدّ مقوماتها من عناصره، وتتلاءم مع طبيعته. و قد لا تقع تلك الكائنات تحت إدراك الإنسان الحسيّ إذا كانت ذبذباتها تتعدى حدود حواسه العليا أو تهبط عن حدودها الدنيا.

و تنقسم بلايين النجوم و الكواكب إلى 150 درجة روحية علوية،و 150  دركة سفلية . و تكون الدرجات عوالم النعيم، و الدركات عوالم الجحيم. و كل درجة أو دركة تشتمل على ملايين الأجرام المادية، كل جرم منها له أنظمته الخاصة و طبيعته و سكانه.

و في سلم الحضارات الكونيّة يستوي الكوكب الأرضي بين الدركات السفلية. لم يصل البشر إلى مرتبتهم الأرضية الزريّة نسبياً إلا لميولهم و أعمالهم في دوراتهم الحياتية السابقة.

أما أمجاد العوالم العلوية فلا تنال بصاروخ، و لا بسفينة فضائية، لكن بارتقاء روحي داخلي يؤهل السيّال، بعد انطلاقه من الإنسان، للتجسّد في العالم العلويّ الذي يستحق. و إلا فإن الإنسان، إذا سفّل نفسه و تشبث بالدنيويات، يضع ذاته في جاذبية العوالم السفليّة، فتتجسّد سيّالاته بعد انطلاقها منه في كوكب يعظم فيه الجهل، ويتفاقم الشر، و يشتدّ الشقاء و العذاب، و ذلك تبعاً لنواميس كونيّة إلهيّة.

و كثيرون هم العلماء الذين باتوا يؤكّدون وجود حياة و كائنات عاقلة في الكون خارج الأرض.

كيف بدأ؟...و كيف صمد؟...و كيف نجح؟

لا شكَّ في ان أول ما يجب أن يعرفه القارئ هو كيف بدأ الدكتور داهش، و كيف مهّد لدعوته.

سبق أن ذكرت أن الدكتور داهش ولد في القدس. لكنه نشأ في لبنان حيث أطلق دعوته الروحيّة. و ما إن بلغ الخامسة عشرة من عمره حتى أخذت الصحف العربية تتحدث عن خوارقه، فآمن بدعوته كثيرون من المثقفين، بينهم الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق، صاحب ديوان”الرحيل”، و توفيق العسراوي، و الشاعر الزاحلي حليم دموس، والاديبة الفنانة ماري، رئيسة نقابة الفنانين اللبنانيين و المعروفة بتآليفها في اللغة الفرنسية، و لها عشرات اللوحات الزيتية النفسية.

و كان الدكتور داهش قد عقد أولى جلساته الروحيّة في بيروت بتاريخ 23 مارس(آذار) عام 1942، بحضور الأديب يوسف الحاج الذي يعد المؤمن الداهشيّ الأول في لبنان. و عقدت الجلسة-كجميع الجلسات التي ستتبعها-في ضوء النهار،(1) بدون إظلام، أو إحراق بخور،  أو إسدال أستار أو ترنيم صلوات… جلسة عادية كتلك التي تعقدها أنت و أنا في منزلك أو في منزلي عندما نكون مضيفين بعض الأصدقاء. و حدثت في الجلسة بعض المُعجزات التي إجترحها الدكتور داهش.

و كانت السيدة ماري حداد أولى السيدات المثقفات من سيدات المجتمع اللبناني الراقي اللواتي تحمّسن لهذا الرجل المعجزة؛ و قد آمنت بخوارقه و دعوته على الفور. و لم يطل الزمن حتى بدأت الحرب الضروس بين داهش و المجتمع اللبناني و الصحافة اللبنانية تحرّضهما السلطة اللبنانية و رجال الدين المسيحي. ووجد الرجل نفسه محاطاً بالأسنّة والحراب من كل جانب.

حاول في بادئ الأمر أخذ الأمور في هدوء ، و مقارعة الحجّة بالحجّة. و لكن خصومه لم يتمكنوا من التغلّب على منطقه السليم وحججه الدامغة القوية، فزادوا من حملاتهم عليه و تلفيق التّهم ضده و ضد أنصاره الذين كانوا يزدادون عدداً إثر كل هجوم عليه. واضطر الدكتور داهش لأن يدافع عن معتقداته و عن خوارقه التي خصّه بها الله تعالى دون غيره من الناس. فكانت تلك الحرب الضروس التي تعدّ أغرب حربٍ شهدها العالم حتى اليوم: حرب مظهرها غير متكافئ الأطراف، إذ إنها بين رجل واحد أعزل و رئيس جمهورية…بكل ما تحت يد أي رئيس جمهورية- و خاصة إذا كان رئيساً دكتاتورياً- من سلطات و برلمان و قضاء و جيش و شرطة و صحافة ومؤسّسات!…

و اعلن داهش قبوله التحدّي الصادر من بشارة الخوري و سلطاته… و كانت الحرب التي امتدّ أثرها على طول البلاد العربية، وانتقلت نتائجها إلى أوروبا و إلى المهجر في أميركا الجنوبية…و كسب داهش جولاته الأولى مما أثار المزيد من الغضب عليه من السلطة اللبنانية. فأمعن رئيس الجمهورية بشارة الخوري في رفع السياط بوجه الدكتور داهش و المؤمنين. و زاد من نقمته على شقيقة زوجته السيدة ماري حداد الداهشية، فأمر بتحريض من عقيلته، بالقبض عليها و سجنها، متهماً إياها بالجنون.

و كانت تلك الفعلة من بشارة الخوري كالقشة التي قصمت ظهر البعير، إذ تعالت الأصوات المستنكرة لفعلة هذا الرئيس اللبناني المستبد، نظراً لمركز السيدة ماري الاجتماعي و الثقافي و الأسري أيضاً…

و زاد الغليان في النفوس…

واشتدت الحملة على تصرفات رئيس الجمهورية، فاضطر للجوء إلى بعض المقامات الدينية في لبنان يطلب إليهم إصدار منشورات و فتاوى ضد داهش،و إعلانه مارقاً على الدين المسيحي و مسفّهاً له  و …و…

كذلك اشترى بشارة الخوري بعض الأقلام المسمومة  لتشويه سمعة داهش باختلاق شتى الافتراءات والتّهم الشائنة ضده، كما أوعز إلى الصحافة بأن تهاجمه بعنف، و أن تمتنع عن نشر أي رد او دفاع له أو لأنصاره.

و قام رجال الدين المسيحي بحملتهم بحقد و ضراوة، لأنهم أصيبوا بأضرار كثيرة من دعوة الدكتور داهش وتسفيهه لبعض تصرفاتهم التي هي بعيدة كل البعد عن جوهر الدين المسيحي و سيرة المسيح النقية، و خاصة ما يتعلق بالإتاوات و الهبات و الهدايا التي كانت تفرض فرضاً على المسيحيين في لبنان، ناهيك عن تحريماتهم و تحليلاتهم واتجارهم بالمقدّسات!…

و سبق ان ذكرت أن رئيس الجمهورية اللبنانية، في ذروة غضبه، و بعد أن باءت بالفشل جميع جهوده لإسكات صوت الدكتور داهش أو لمحاكمته بأية تهمة كانت، أمر بإلقاء القبض عليه مع بعض العصابات المنتمية  لأحد الأحزاب اللبنانية الطائفية المتعصبة، ثم جرّده من جنسيته، خارقاً بذلك نصوص الدستور اللبناني.

و تعرّض الرجل المُصلح البريء لكثير من أصناف التعذيب البدني و النفسيّ قبل أن يُنقل إلى خارج الحدود اللبنانية، فخارج الحدود السورية، و يترك على الحدود التركية معرضاً لجميع الأخطار…

و توهّمت الحكومة أن الحركة الداهشيّة قد انتهت بنفي مؤسّسها خارج حدود لبنان، و أنها قد انتصرت على هذا الرجل، و غسلت يديها من دعوته و من  حربه القلميّة و المنطقيّة التي كسبها في كل الجولات…

و لكن المبادئ في العالم-كما هو معروف- لها طبيعة لا تتغير. فهناك على الحدود التركية ، حيث ترك الرجل بين الحياة و الموت، بدأت حياته الحقيقية…بدأت رسالته تضيء و تدخل ضمير كل شريف، و تنير بصيرة كل مثقّف.

و تحركّت الأقلام الطاهرة تندّد بتصرف الحكومة ضده، و تندّد بما قامت به ضد السيدة المجاهدة ماري حداد، وتندّد بالأسلوب الذي اتخذه رئيس الجمهورية حيال رجل أعزل إلا من منطق سليم، و خوارق يأتي بها علناً، رجل ينادي بأنه يريد ان يجعل أبناء الشعوب العربية أمة واحدة بإزال كل ما بينهم من سوء الفهم، و يقول:

” يا نصارى الشرق، أدرسوا تاريخ نبي الإسلام محمد، عليه السلام، أنتم لا تعرفون محمداً حتى الآن. و الصورة التي في أذهانكم عنه لا تنطبق على الحقيقة لأنها صورة استعمارية وضعها و رسمها في عقولهم قساوة روما و باريس وواشنطن و برلين…و إن المستعمر لم يسلبنا ما في أرضنا من الكنوز و الذهب و البترول فقط، بل وضع في أذهاننا دروساً سامة و نفوراً دائماً.”

و زاد هلع قساوسة لبنان من دعوة داهش و هو خارج الحدود. و لكن بعث الأمل في قلوب الكثيرين أيضاً في مبادئ الوحدة…” وحدة الاديان”، صلب الدعوة الداهشيّة.

واهتمّت الأواسط العربية-اللبنانية المُقيمة في المهجر بقضية الدكتور داهش و تعاليمه و مبادئه و خوارقه. فأعلن الكثيرون منهم تعاطفهم معه واعتناقهم لتعاليمه بعد اقتناعهم بما نُشر من هذه التعاليم. و بدأت الصحافة العربية في المهجر تنشر بإضافة و تركيز و بأسلوب منطقي عفيف كل ما يصل إليها من قضية الدكتور داهش و تجريده من الجنسية اللبنانية و تعذيبه و نفيه، و كذلك قضية السيدة ماري حداد.

فماذا قالت هذه الصحافة؟!

من أمريكا يدافعون و يكتبون

عن ” الهاديّ المُعجزة” داهش

 

طبعاً ليس بين يدي كل ما كُتِبَ عن الدكتور داهش و قضيته و صراعه مع السلطة الحاكمة، وقتئذ، في لبنان، بل أستطيع أن أقرر هنا أن ما تحت يدي من هذه المقالات لا يتعدى بضع قصاصات احتفظ بها واحد من محّبي الدكتور داهش و من المؤمنين بدعوته و رسالته الهادية إلى الحق و العقل و مكارم الأخلاق. و لهذا فانا أعتذر للقارئ إذا لم اشف غليله، و أعط لهذا الباب حقّه من الإضافة المدعّمة بالأسانيد القادمة من بعيد… من المهجر الأميركي.

أما ما نشرته الصحف العربية في لبنان و معظم الدول العربية، فهذا موجود و محفوظ في مكتبة الدكتور داهش، و عند خلصاء الداهشيين.

و لنبدأ بما كتبته بعض صحف المهجر. و لعل أهم هذه الصحف التي اهتمت بقضية الدكتور داهش و بالمواقف المزرية التي وقفتها السلطة اللبنانيّة منه و من أعوانه و مؤيدي دعوته هي مجلة ” المختصر” الصادرة في بونس إيرس.فقد قال صاحب المجلّة الأديب العربي جبران مسوح معلقاً، عام( 1947) إن الرسالة الداهشيّة إنما تهدف إلى غاية إنسانية عن طريق إيقاظ الضمير و القيم الروحيّة في العالم حتى يعمَّ العدل و الإخاء، و يقضى على الاستعمار و الاستغلال.

و مما قاله:

” كان الرجل داهش سائراً في جهاده ينتقل من فوز إلى فوز، غير عارف أنه يحمل جريمة لا نقدر أن نغفرها له، و هي أنه ابن بلادنا…فلو جاءنا بهذه التعاليم أحد رهبان فرنسا و إيطاليا، او احد مبشري الإنكليز و الأميركان لتلقيناها بالرضى و القبول، و أعجبنا بها، ثم نشرناها بكل سرعة لأنها من مصدر أجنبي.

أما أن ينادي بها رجل ولد تحت سماء شرقنا، و يقولها لنا باللغة العربية…فهذا دجّال مشعوذ…يريد أن يستولي على عقول الناس…يحاول خدع النساء و سلبهن الأموال…و بما أنه كذلك- أي عربي- فيجيب أن نجرّده من جنسيته بلا محاكمة، و لا نقبل أن يدافع عنه احد…و يجب ان نسلّمه لأقسى رجال البوليس و أكثرهم بربرية، وليشتموه و يحقروه… و يصفعوه و يجلدوه حتى يتمزّق لحمه… ثم نطرحه على الحدود التركية عرضة لجميع الأخطار”.

و يتابع جبران مسوح قائلاً:

“و توهّمت الحكومة أن الحركة الداهشيّة انتهت هناك، و انها انتصرت على الرجل بهذا الإبعاد، و صار يمكنها أن تنام ملء جفنيها. و لكن هناك…على الحدود التركية انتهت مصالح حكومة، و بدأت مصالح إنسانية تعيسة. هناك سكت الوزراء و الحكام و رجال الأمن ليتكلّم رجلٌ عظيم. فلم يُترك داهش وحده وراء تلك الحدود، بل التقى في ذلك القفر بضمير الأمة التي اضطهدته.

هذا هو غرض داهش من الناحية الإنسانية”.

و الجدير بالذكر أن الداهشيّة تُظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة ووحدة ما انُزل من قبل و من بعده، لا بالنظريات و الآراء المتضاربة، بل بالبراهين الحسية. و لضيق المجال أكتفي بعرض قضية خلاف بين المسيحيين و المسلمين هي قضية صلب المسيح.ففي الأناجيل أنه صُلب، و في القرآن ” و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شُبّه لهم”( سورة النساء:157). فأي الكتابين على صواب؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب، و لكن الحقيقة لا يمكن أن توضح إلا ضمن الداهشيّة.

يقول الدكتور غازي براكس، الأستاذ الجامعي و الأديب العربي اللبناني:

” لقد تبيّن لي، و لعشرات غيري- منهم الأطباء جورج خبصا، فريد أبو سليمان، نجيب العشي، و المحامي إدوار نون- ان للدكتور داهش  ست شخصيّات اخرى غير شخصه البشريّ. و هذه الشخصيّات كناية عن سيّالات، أي قوى روحيّة هي امتدادات له كائنة في عوالم علوية متباينة. و بإذن الله يسمح لها، أحياناً، أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحية خطيرة، فتّتخذ شكله البشريّ تماماً بحيث تصبح” شبهه”. و إذ ذاك،  يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها و يتحسّسها و يؤاكلها. لكنه قد لا يستطيع أن يميّزها عن داهش البشريّ إلا إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة، و كان الناظر يعلم سابقاً ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرّات التي تظهر فيها فجأة و تتوارى فجأة، بينما تكون أمامنا و نحن ننظر إليها او نسلّم عليها. و قد يجتمع منها شخصيتان او اكثر حتى الست، في مكان واحد. و قد تتجسّد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة مُتباعدة. و قد تأكّد لي و للكثيرين غيري ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض. فهي تخترق الحواجز و الجدران، و تنتقل لمح البرق من مكان إلى آخر، و إن يكن من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، و تسيطر على الجاذبية فترتفع في الهواء، و تمشي على الماء، و تثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه. و هي قادرة، بإذن الله، على صنع ما تصنعه الرُّوح من مُعجزات.

و من عجائب الشخصيّات الباهرة أنه، سنة 1947، ألقي القبض على أحداها في أذربيجان من أعمال إيران، فقتلت رمياً بالرصاص، و دُفنت في البلد نفسه. وقد نشرت الصحف في لبنان و سائر البلاد العربية نبأ قتل الدكتور داهش و صور مصرعه. و مع ذلك كان مؤسّس الداهشيّة ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحقّ.  أمّا شخصيته التي أعدمت في أذربيجان، فسرعان ما بعثت من الموت، لأن الموت غير قادر عليها؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض، لأنها ليست من الأرض.

فالأناجيل إذ تؤكّد صلب المسيح  إنما تؤكّد صلب شخصيّة من شخصيّاته. و لكن الإنجليين، لسبب روحيّ، لم يوضّحوا ذلك، إنما اكتفوا بالإشارة، بعد الصلب، إلى أن المسيح المصلوب بُعث من الموت، و كان يظهر و يختفي امام تلاميذه عدة مرّات. و القرآن الكريم، إذ يقرّر عدم صلب المسيح، غ

انما يعني عدم صلب عيسى ابن مريم الشخص البشريّ المولود، موضحاً إن الذي صلب غ

انما هو شبهه؛ و ما شبهه إلا إحدى شخصيّاته.”(1)

و قد رأيت أن أذكر هذا الموضوع، موضوع التجسّد، لأبين أن دعوة الداهشيّة إلى التآخي بين الأديان مصدرها إيمان الداهشيّة أن الأديان كلها من نبع واحد، و أنه لا خلاف في تفسير ما جاء من أحداث في الكتب السماويّة.

و أعود إلى ما نشره أستاذ آخر دافع عن رسالة داهش هو الأستاذ سليم خباز الذي كتب في مجلة ” المختصر” عام 1946،(1) فقال:

” فهمت من متابعة حادث الدكتور داهش أن الرجل يدعو لتوحيد الأديان. و في اعتقادي أن هذا عمل عظيم في تاريخ البشر، و يمكن ان يكون تكملة لما أسّسه المُصلحون.

فأنا أحّبذ الفكرة، مع معرفتي انها لا تخلو من صعوبة. فهي تقضي بجمع الأديان الثلاثة في دين واحد و جعله على صورة تلائم روح هذا العصر، و تطابق ما اكتشفه العلم من الحقائق و تؤدّي بكلّ تعاليمه إلى إيجاد الألفة و السلام.

و اتمنّى من كل مفكرينا ان يدرسوا هذه القضية بنزاهة و إخلاص و تسامح لأنها احسن دواء لأمراضنا الطائفية. و هو حادث عظيم إذا أفادنا قد يفيد العالم بعدئذ.

و لا نستغرب ما  تصادفه من المقومات، فإن الأعمال العظيمة في التاريخ كلها لقيت إضطهادات و معاكسات. فقضية داهش تسير سيراً طبيعياً من حيث المقاومات التي تلاقيها، و من حيث التفاف أفراد حولها يدافعون عنها إلى حدِّ الإستماتة لإعتقادهم  بصحّتها… في النهاية تربح الحقيقة، و الحقيقة تنتج خيراً.

 

 

 

و المسألة تستحق الدرس و العناية و المتابعة. و يكفي الدكتور داهش فخراً أن قصده نبيل، و أنه لقيَ لأجله التعذيب و الاضطهاد و التشريد، كما لقيَ غيره من جميع المصلحين في التاريخ.”

و كتب جبران مسوح في ” المختصر” عام 1946 : (2)

” جميع أعداء داهش سوف ينكسرون. و أحطّ  ما في انكسارهم هذا أنهم سوف يحملونه إلى قبورهم، لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء، و لا تذوب عناصرها في الفضاء. فهي ترافق مرتكبيها ملتصقة بهم، مندمجة بخلاياهم.فتُذكر كلما ذكروا، و يذكرون كلما ذكرت. فهم وهي عظة و ذكرى للأجيال القادمة.”

و كتب عبد المسيح حداد في مجلة ” السائح” عام 1946 (1)

” كل ما ندركه في حادث الدكتور داهش امن الفكرة الجديدة لا تعيش طويلاً إذا كانت غير صالحة للحياة. ولكنها تعيش طويلاً إذا تناولتها أيدي الاضطهاد. أما إذا كانت صالحة للوجود، فلا الحكومة و لا أكثرية الشعب مما يقتلعها من تربة نفوس الأقلية. و لنا في التاريخ عبر كثيرة تضع امام أبصارنا الحقّ الخالد.

إننا لا نستطيع السكوت عن مقاومة داهش و مقاومة دعوته من قبل الحكومة، في حين انه لم يقم بدعوته بالسيف، و لم يطلق سهمه الاَّ للجمع بين الاديان. فإذا كان هادياً كاذباً ، فلماذا لا يترك و شأنه لتموت دعوته من تلقاء نفسها. فالباطل لن يثبت طويلاً. و لكن الاضطهاد يحدث في تابعيه عوامل غريبة تحملهم عل  الثبات.”

   *    *    *    *    *

و لعلّ أصدق  و أعمق ما كتب دفاعاً عن مأساة داهش و السيدة ماري حداد التي تعرّضت للأذى بسبب إيمانها بدعوة داهش ما كتبه من المهجر الأديب جبران مسوح في مجلة ” المختصر” التي تصدر في بونس إيرس. و قد تتبع قضية اضطهاد الداهشيّة، و سجّل مراحلها و دقائقها بأمانة. قال في مجلته عام 1947 (2)

” و ماري حداد…تلك التلميذة الأمينة للمبادئ الداهشية، هي شقيقة زوجة الرئيس بشارة الخوري. و يمكنها الصلة أن تحصل على ما تريده من سيادة و نفوذ فيما لو انفصلت عن داهش. و لكن،لا. ان هذه السيّدة لا تستظلَّ بأحد، و لا هي طالبة سيادة و نفوذ. إنها لا تتنازل عن حريتها لقاء كل ما في العالم من زخرف و بهاء. حرية القول و الفكر و العقيدة، هي تدافع عنها حتى الموت.

و ها هي في السجن تعذب و تهان و تجلد. و ها هي تستغيث فيصل صوتها إلى الأقطار الأمريكية. هي تطلب حرية رجل أوجد قضية لسعادة العالم. و هي تعتقد بهذه القضية و تصدّقها. هي لا تريد ان تخون ضميرها.. لا تريد أن تكون مستعبدة. هي تكتب تاريخ الحرّية بدمها ليقرأه الذين بعدنا. و لا شكّ أن أنباء العربية بعد خمسين سنة سوف يقرأون هذه السطور:

” من نحو خمسين سنة تعذبت المرحومة ماري حداد، و سجنت لأجل الحرية. ثم جلدت وسالَ دمها. فاستغاث بجميع مفكري العرب و كتابهم و شعرائهم و صحافييهم. و لكن صوتها كان صرخة في واد، لأن رجال الذهن في ذلك العهد كانت حواسهم من تبن و ضمائرهم من أقذار”.

و بعد أن يتحدث الكاتب عن ميّ زيادة ( ماري حداد) و سجنها ظلماً، ينتقل إلى الحديث عن ماري حداد، فيقول في الصفحة 14 و 15 من العدد نفسه:

” ومن غرائب الصدف ان هذه السجينة الثانية اسمها ماري حداد أيضاً. اما الصدفة الأغرب من كل ذلك فهي أن الأدب العربي يمثل الآن نفس الدور الذي مثّله مع الاولى. فهو لم يتقدم خطوة واحدة في هذا الباب، لم يتحرك للدفاع عن هذه المظلومة. و الأرجح أنه لن يتحرك. و لكنه بدون شكّ سيمشي في جنازتها… و سيرثيها،لأن صناعة البكاء و الرثاء مباحة في لبنان و في كلّ الأقطار العربية. و لعلّها الصناعة الوحيدة التي يستطيع ان يفاخر بها الأدب العربي.

ونحن نكتب هذه السطور لا لنطرحها على باب الأدب العربي  طالبين نجدة…لا، إننا لا نضيّع الوقت بتحريك جثّة. و لا نحن نكتبها لنطرحها على أبواب المحاكم طالبين عدلاً و إنصافاً. لا، إننا نعلم أن الجماعة استقلّوا و تحرّروا من كل سلطة اجنبية و غير اجنبية، فصار الأمر و النهي بأيديهم…و لكننا نكتب هذه السطور للتاريخ. فالذين يزورون لبنان بعد عمر طويل يجب أن لا ينسوا زيارة هذا الباستيل…(1) فهو أثر تاريخي عظيم لا يقل روعة عن صنين و الأرز.

يجب على الزائر ان ينظر تلك الجدران جيداً. ثم يذكر أن تحت ذلك السقف أقامت أكبر كاتبات الشرق في ذلك الجيل، لأن أباها جنى عليها جنايتين: أوجدها، و ترك لها بعض أملاك. و قد سجنت متهمة بالجنون. و لكن ذلك الجنون لم يذهب بعقلها بل بحياتها. فهناك انكسر ذلك القلم الذي كان يسطّر البيان و السحر. و هناك أهين الأدب إهانة تستحق التسجيل في تاريخ جميع آداب العالم.

و يذكر الزائر أيضاً ان بين تلك الجدران سُجنت ماري حداد، و عُذبت و أهينت، و جُلدت، لأنها دافعت عن عقيدة ما أرادت أن تخونها، و لأنها طلبت إنقاذ مظلوم من مخالب الاضطهاد و العذاب، و لأنها لم تلن و لم تخضع لحكومة لبنان. هذا الباستيل سيكون أروع ما تحمله من مشاهد لبنان، أيها الزائر”.

هل بلغت الحرب…مداها…بهذه الفاجعة؟!

تحت عنوان ” صفحة رهيبة” كتب جبران مسوح في مجلته عام 1946(1):

“إن قضية الدكتور داهش هي حرب طاحنة بين امرأتين، او بين أختين. و يظهر أيضاً أن للأختين أخاً اسمه ميشال،و هو ميشال شيحا صاحب جريدة ” له جور” التي تصدر باللغة الفرنسية،و هي مثل مجلة ” البشير” اليسوعيّة، أي تصدر في بيروت، و لكنها تتغذى من روما.

و بما أنها “إكليريكية” فميشال شيحا صاحبها يكون في صف خصوم داهش بطبيعة الحال، أي ضد شقيقته ماري حداد. و بما أنه صاحب جريدة  و شقيق زوجة رئيس الجمهورية و أحد  أصحاب ” بنك فرعون و شيحا”، فهو  شخصية لها وزنها في سير هذه الحادثة.”

ثم تظهر على مسرح الحوادث وفي دائرة الانتقام التي ينصبها رئيس الجمهورية و زبانيته وزوجته و شقيقها-” تظهر فتاة اسمها ماجدا، و هي بنت ماري حداد.و الآنسة ماجدا من أنصار داهش أيضاً، بل من المتعصّبات له كل التعصّب. و هذه الفتاة تُشاهد ما يحلّ بداهش من التعصّب. و هذه الفتاة تشاهد ما يحلّ بداهش من المصائب، وكيف تطارده الحكومة و تسجنه  و تدبر مسألة نفيه…تشاهد كل ذلك فتغضب و تسخط. و يبلغ بها الكدر أن تصمّم على الفتكِ برئيس الجمهورية، زوج خالتها، ليقينها بأنه المسبّب الأكبر لهذه النكبة.

و يعرف الدكتور داهش بهذا التصميم، فلا يرضى عنه… لأن  ” قتل الناس لا ينطبق على المبادئ الداهشية”. فيكتب إلى ماجدا ان تُقلع عن هذه الفكرة، و يحذّرها من السقوط في هذه الهوة… و تستلم ماجدا الكتاب و تعمل به، فتمتنع عن إرتكاب جريمة القتل. و لكن هذا المنع يوقعها في حالة عصبية خطيرة أدت إلى نتيجة مؤسفة…فالسلاح الذي أعدّته لقتل سواها قتلت به نفسها…

وجّهت المسدس إلى صدغها و أطلقت الرصاص… و ماتت ماجدا. و موت ماجدا نقل الحادث من طور على طور. فعندما رأت ماري حداد أن ابنتها صارت جثّة هامدة أمامها، تحوّلت من سيدة تدافع عن قضية إلى لبؤة مفترسة لا تُراعي في البطش قاعدة او نظاماً…

و يظهر الخال- ميشال شيحا- أمام موت ماجدا، فيجدها فرصة ثمينة لكي يستغلها كما يريد، فيُشعْ عن ابنة اخته:” انها كانت متحمسة للدكتور داهش إلى حد الهوس… و يمكن اتصل بها، فهي قتلت نفسها لستر جريمة…” ومثل هذه الإشاعة تتناقلها الألسن بسرعة البرق، و لا سيّما ان خصوم داهش يحملونها حالاً إلى كل مكان لأنها سلاح قاطع ضد عدوهم…

و هكذا سارت الركبان بهذا الخبر في كل لبنان و سوريا.

ولو اكتفى الخال الفاضل بترويج هذه الإشاعة لنجحت خطته برهة من الزمن… و لكنه أراد أن يؤيدها بقرار طبيّ…فطلب أن يُجرى كشفٌ على جثة ماجدا بطريقة قانونية، و أن يكون ذلك أمام هيئة منظّمة ليكون القرار حاوياً كل الشروط الرسميّة النظاميّة…وتمَّ له ما أراد…وحضرت هيئة منظّمة من رجال طب واستنطاق وشهود وبوليس، فكان عددهم نحو الثلاثين…وكلهم رجال…لكي يثبتوا هذه الجريمة…

و يمكننا ان  نتصور حال ماري حداد امام هذا المشهد: مشهد ثلاثين رجلاً يشاهدون جثة ابنتها ماجدا، ويفحصونها فحصاً طبياً…

و ينتهي هذا الفحص بقرار يتكلم فيه الضمير…ذلك لأن أعصاب الإنسانية كلها ترتجف في مثل هذا الموقف.ويظهر الضمير بهيئة رعّادة مخيفة غير طبيعية تجعل الإنسان كالعجينة أمام الحقّ… فيكتب طبيب الحكومة هذا القرار:

” بتاريخ 27 كانون الثاني 1945، بناء على تكليف حضرة مدعي عام بيروت و بحضوره أجريت معاينة ماجدا ابنة جورج حداد. و بعد التحقيق بفحص ثديها و بطنها و أعضائها التناسلية، لم أشاهد عندها أقل أثر ظاهر يدل على حمل حاضر أو سابق، و خصوصاً بأنني شاهدت بأنها غير مفضوضة البكارة، حيث غشاء البكارة لم يزل موجوداً و بحالته الطبيعية. و للبيان حرر هذا بعد القسم القانوني.

 

في 31 كانون الثاني 1945                                                            الدكتور الشرعي

الياس الحلو”

 

و تقرأ ماري حداد هذا القرار عن ابنتها، القرار الذي يمكننا أن نسميه: بكورة علنية، أو طهارة مكشوفة…وتنظر ماري حداد إلى جماعة الرجال الفاحصين. و تقول لهم:” إنكم شرذمة منحطة تخدم سلطة منحطة.”

وما استطاع الرجال الفاحصون إلا ان يصمتوا أمام هذه الكلمات…و تقول الوثائق:”إنهم نكسوا رؤوسهم، ثم انصرفوا الواحد بعد الآخر منسلّين مثلما تنسلُّ الثعالب الماكرة.”

ثم تكتب ماري حداد إلى أخيها ميشال هذا الكتاب:

“إلى الدسداس ميشال شيحا،

إن أطهر فتاة في هذه الأرض انتحرت احتجاجاً على جرائمكم.

لقد تآمرتم ضد رجل بريء حتى جعلتموه يذوق من العذاب جلجلة ثانية، و ذلك طوال أشهر متعددة. و هو لا يزال إلى الآن يتألم.

فمن خيانةٍ ، إلى سجنٍ، إلى ضربٍ، إلى جوعٍ، إلى عطشٍ، إلى عذاباتٍ نفسية و جسدية. و هو بدون ملجأ ووطن، مُطارد في كل مكان، بينما والدة تتلهّف، و اختٌ تتعذب ( أي أم داهش و اخته)، و أصدقاء يتألمون، ويلومون أنفسهم لأنهم لم يعملوا شيئاً لأجله ضدكم.

لأنّ تلك الفتاة العزيزة أعطتهم أمثولة العظمة و البطولة. فأنتم، إذن، سبب موتها…وها إن دمها يصرخ ضدكم.و في تخيلاتكم الخسيسة الدنيئة تصورتم عنها تصورات رهيبة. فيا عاركم و يا ذلكم! إذ كيف يجرؤ شربل (هو يوسف شربل النائب العام الاستئنافي) بدون أمرك ان يطلب من الأطباء ان يقوموا بفحص هو إهانة للطهر والعفاف؟!

و قد قام بهذا الفحص القبيح الدكتور حلو، بحضور آصاف رعد، المُدّعي العامّ، و ثلاثين شخصاً من عصابة البوليس، و منهم الوغد السافل عارف إبراهيم، مدير البوليس.

فصحتُ بهم معلنة أنهم أدوات مجرمة تنفذ أوامر عصابة أثيمة من المجرمين، و أن عملهم هذا يدلُّ على وضاعة أفكارهم و حقارة لبانات قلوبهم.

إننا نغتبط به، رغم ألمنا واشمئزازنا الشديدين، و ذلك من أجل ( الهدف السامي) الذي نعتقد به و نؤمن بقدسيّته، إذ إن هذا الفحص يُضيء بنور جديد الحقيقة الرائعة، و يبدد الغيوم أمام أبصار الذين أعمتهم دعاياتكم الكاذبة و إشاعاتكم المنحطّة.

فليجيدوا إذاً تشريح هذه الجثة الطاهرة، ليس امام الدكتور حلو فقط، بل امام جميع أطباء المدينة، ليشهدوا بأعينهم الحقيقية الساطعة.

فهل تستطيعون أنتم إلا أن تفكروا بالأمور الدنيئة المنحطّة؟

و هل يمكنكم أن تتصوّروا أنه من المُستطاع أن يعاشر الناس بعضهم بعضاً في هذه الأرض إلا لأسباب دنيئة قذرة؟

فباسم موت ابنتي و دمها الزكي الطاهر، و باسم آلام والدة أمام التضحية الكاملة التي قدمتها ابنتي، إنني أطلب هذه المرة أيضاً أن تُعاد إلى الدكتور  داهش جنسيّته مع التعويضات الشرفيّة و الماديّة.

 

 

ماري حداد الداهشيّة

 

ماذا يستطيع كاتب أن يقول في مثل هذه السيدة النبيلة التي حملت كل انواع التنكيل و التعذيب و الاضطهاد؟ ثم إنّها عندما بلغت هذه الآلام ذروتها بموت ابنتها و الاعتداء على سمعتها زوراً و كذباً، عند هذه القمة من ألمها تطالب السيدة النبيلة بإنصاف الدكتور داهش و إعادة حقوقه المُغتصبة إليه.

هذا هو الإيمان في أروع صوره… هذا هو النموذج الشريف من التمسك بالمبادئ التي يدين بها فرد.

إن ماري حداد تعدُّ في مصاف جان دارك و غيرها من البطلات المناضلات في التاريخ. و انعمَ بها من مثل طيب في دائرة الداهشيّة.

و قالت مجلة ” المختصر”، أيضاً، في عددها السابع الصادر في يوليو  ( تموز) 1947، تحت عنوان:

 

الحرية في بلادنا

 

” جرت في لبنان في المدّة الأخيرة انتخابات جديدة. و أفادت التلغرافات أن التصويت لم يكن عادلاً، و لا روعيت فيه حريّة الإنسان، و أن قسماً كبيراً من الشعب و من الصحف أخذ يتذمّر و يشكو و يحتجّ من هذا الظلم، و أن المطران مبارك و جماعته كانوا من جملة الشاكين المتذمرين المحتجين لدرجة  ان سيادته قام بمظاهرة على رأس عشرة آلاف من الناس يطالب بحرية الانتخاب، و انه يريد ان يسافر الى باريس…وليس في التلغراف ما يرشدنا إلى معنى هذه” السفرة الفجائية إلى باريس”!

لا نشكَّ أن المطران مبارك يطالب بحرية الإنسان في هذا الموقف، أي إن الحكومة لا يجوز لها أن ترغم أحداً على إعطاء صوته إلى هذا أو ذاك، لأن هذا الإرغام لا يلتئم مع حقّ الفرد الذي تنصّ عنه شريعة البلاد. و طلب سيادته كلّه حقّ، و من واجب الحكومة أن تنظر فيه، لأن طريقة الانتخاب في كلِّ بلاد تكون دليلاً على احترام تلك البلاد شرائعها، لولا أن لنا ملاحظة على سيادته في هذه الحركة، و هي أنه يطالب بحرية الإنسان في هذه المرّة لأنها توافق مصلحته!…لذلك لم يجد من يصغي إليه كما كان ينتظر… و لذلك وجه بصره إلى باريس.

في أوائل سنة 1943، كان المطران مبارك و جماعته قائمين بحرب صليبية ضد الدكتور داهش و جماعته.. وسعوا بكل ما وصلت إليه جهودهم لكي تجرّده الحكومة من جنسيّته و تطرده من البلاد..ونجحوا في هذه المساعي،ووجدوا من يؤيّدهم فيها. ونفوا الرجل، واعتدوا على حريته و حرية اتباعه و أهانوه و عذّبوه و تركوه وراء الحدود التركية…ذلك لأن اضطهاد الحرية كان في تلك المرّة من مصلحة سيادته. فهو يريد أن تكون الحرية طوع أمره، تذهب إذا قال لها: اذهبي، و ترجع إذا قال لها:ارجعي.

و ما اعتادت الحرية ان تكون كذلك…و لن تكون كذلك ما بقي في هذا العالم إنسان واحد يطالب بها ويقدسها.

الحرية التي منعها المطران مبارك عن الدكتور داهش سنة 1943 في عقيدة دينية، هذه الحرية ذاتها وُجِدَ من يمنعها عن المطران مبارك سنة 1947 في عقيدة سياسيّة…

الحرية لا تعرف المخادعة و الكذب…فإما أن تكون في أمّة أو  لا تكون …الحرية مثل الشمس: إما تشرق على الجميع أو تغيب عن الجميع… الحرية لا تبقى ساعة واحدة بين الحياة و الموت…فإما ان تحيا حياة تامّة، أو تموت موتاً تامّاً…ولا يجوز أبداً للمطران مبارك ان يطلب الحرية سنة 1947 و هو الذي قتلها بيده سنة 1943،إذ إن الحرية عندما احتاجت إليه لم تجده…فمن العدل أن لا يجدها عندما احتاج إليها.

إن المطران مبارك عرف الآن قيمة الحرية، فقام يبحث عنها. و قد عمل حسناً لأن المطالبين بالحرية هم جيوش جرارة في هذا العالم، و كلهم طالبو حقٍّ و عدالةٍ  و إنصافٍ و مساواة، و يقدر سيادته أن ينضمّ إليهم. و لكن حريتنا الضائعة ليست في باريس، يا صاحب السيادة…و إنك لن تجدها هناك، و لو بقيت ألوف السنين تبحث عنها…ونستغرب كثيراً كيف لم تدرك هذه الحقيقة إلى الآن، أيها الجليل!

حريتنا و باريس عدوان لدودان لا توجد قوّة في الدنيا تستطيع أن تجمع بينهما.

كان الأفضل أن نرى المطران مبارك وراء الحدود التركية مع الدكتور داهش يشاركه الألم و العذاب…لا أن نراه على حدود باريس!

هناك…بين الألم و العذاب و الجوع و العري و السجن…هناك تعوّد الأبطال أن يجدوا الحرية لأوطانهم… لا في باريس.

إننا نريد حرية تتكلّم العربيّة لا الإفرنسيّة…الحريّة التي لا تتكلّم لغتنا هي لسوانا، و ليست لنا. هي حرية لا نفهمها، و لا تفهمنا.

في النفي و الاضطهاد و السجن نشم رائحة الاستشهاد الذكية…رائحة البطولة تطالب بحرية أمة…أما في عواصم أوروبا فلا نشمَّ غير رائحة الذلّ و العبودية، رائحة السلاسل و القيود التي حطمناها”.

***

هذا و بعد ان تتبع الأديب المهجري، جبران مسوح، مراحل اضطهاد الدكتور داهش، أخذ ينشر وقائع هذا الاضطهاد وردات الفعل التي نتجتْ عنه، في مجلته” المختصر”، على حلقات متتابعة، و ذلك في عام 1946 وعام 1947. و قد أرسل في موضوع الاضطهاد رسالتين رائعتين إلى رئيس الوزراء اللبنانية، السيد رياض الصلح، ورئيس الجمهورية، الشيخ بشارة الخوري.

و إننا نثبت هنا، صورتيهما بخطِّ يدِ كاتبهما، للتاريخ:

الكتاب الذي أرسلته إلى الشيخ بشارة الخوري

 رئيس جمهورية لبنان بتاريخ 2 سبتمبر 1946:

 

معالي الرئيس المُكرّم

وصلتني في هذا الأسبوع رزمة فيها أوراق ومنشورات ووثائق كلّها تتعلّق بقضية الدكتور داهش. و كنتُ انتظر مثل هذه المعلومات من مدةٍ طويلة لأصلْ إلى أعماق هذه المسألة التي هي أهم حادث جرى في الشرق في هذا الجيل. و من رأيي أن تتناوله أقلام الكُتّاب بشيءٍ من الصراحة على الحقّ ليكون خطوة إلى الأمام في كل الأقطار العربية. أما إذا لم يقم المفكرون بواجبهم نحوه فهو بدون شك خطوة إلى الوراء. و معلومٌ أن كل خطوة من هذا النوع-سواء كانت  إلى الأمام أم إلى الوراء- تجر وراءها خطوات من جنسها. مجموعة الأوراق و المنشورات التي دخلت إليّ تقع في 792 صفحة. و أنا أطالعها الآن للمرة الثانية بكلِّ ما يمكن من العناية و التدقيق.

و هي تؤيّد ما تقوله ماري حداد من ان هناك جريمة منظمة لإخراج داهش بلا محاكمة و تجريده من جنسيته. وهي جريمةٌ بالشكلِ الذي أخذته صارت تستحقّ الدرس. لأن نوع التعصّب الذي تخللها يجعلنا عن المتعصّبين-لا المُسلّمين. و هي حقيقة يجب أن نحاربهها بكلِّ ما يعرفه البشر من الشجاعة.واعتقد أن الشعب الذي لا يجابه الحقائق لا يستحقّها.

تمرُّ بالحادثِ شخصيات كثيرة، و لكن الشخصية التي تطفو على الجميع هي ماري حداد، تلك الباسلة التي مثّلت دور أميل زولا في حادث دريفوس و فولتير في دفاعه عن الذين ظلمتهم محاكم التفتيش، بل هي بزّت الاثنين معاً في تقديسِ عقيدةٍ والنضال من اجل حرية الفكر والكتابة والاجتماع. و من عجائبه الإقرار أن لا يوجد في لبنان من يدافع عن حرية الإنسان غير امرأة. على كثرة الذين يسبحون في الكتابة و الخطابة والشعر.

يؤلمني شيء واحد. هو ان يحدث هذا الأمر على دوركم. و أريد منكم شيئاً واحداً: هو أن تسعوا في إطلاق سراح داهش و ختم هذه المأساة-او ان تكونوا من الرجال الذين لا يهمهم ماذا يقال عنهم بعد موتهم.

إني سألق كتاباً في هذا  الموضوع . و انا أكتبه لأجل دعوته، و لا لأجل الذين نظموا الجريمة. أنا اكتب لأجل ماري حداد التي وقفتْ وقفة أسدٍ تألّبت حوله جميع أنواع الحيوان. و هي تحارب وحدها لأجل حرية الفرد في الشرق كلّه. بينما جميع كتّابنا و مفكرينا يتفرّجون عليها كأنّهم شرذمة من القرود!

إن كتابي هذا لا نظير له في اللغة و العربية، و سيكون صاعقة على أعصابِ جميع حملة الأقلام في الشرق. ليفيق شعبنا و يسأل: هل عنده كتّاب و أدباء؟ أم عنده زمرة عبيد موجودين دائماً تحت الطلب في أسواق المزاد.

و جلّ ما اتمنّاه أن اكتب بيدي أن تشريد داهش كان في أيامكم وإطلاق سراحه كان في أيامكم و أظنُّ أني أطلب أمراً عادلاً و غير مستحيل.

 

جبران مسوح

الكتاب الذي ارسلته إلى رياض بك الصلح

 بتاريخ 10 سبتمبر 1946:

سعادة رياض بك الصلح الأفخم

وصلت إليّ في المدّة الأخيرة منشورات ووثائق تقع في 792 صفحة تتعلّق بحادث نَفِي الدكتور داهش. و الذي يطالع هذه الاوراق جميعها يشعر أن هناك جُرماً لا تستطيع قوّة أن تخفيه, و طبيعي ان هذا الحادث كان صدمة هائلة لما كنّا نقيمه من الآمال في مستقبل أوطاننا بعد أن نالت حرّيتها واستقلالها. و الاوساط الأدبيّة هنا إهتمّت بالامر وسوف نصدر كتاباً عن المسألة نشرح الحادث كما هو و نبين الحظر الذي فيه على روح العدالة و حريّة الكلام واحترام العقيدة. و أنه قد يكون خطوة إلى الوراء لكل الأقطار العربية. لأن الفساد شديد العدوى أن لم تؤخذ الاحتياطات . بينما يمكن ان يكون خطوة الى الأمام إذا روعِيَ الحقّ فهو ان أعيدت إلى داهش حريته وأخذ الحقّ مجراه في الاقتصاص من المجرمين.

و بين هذه الوثائق موجود ان سعادتكم خاطبتم إحسان الشريف تلفونياً إلى حلب تقولون له:” أرجوك يا إحسان أن تصدر قراراً بإبعاد الدكتور داهش من كل الأراضي السورية”

فأجابكم إحسان:” كيف يمكنني ان أقوم بهذا العمل و الرجل لم يُجرم”. فأجبتموه يا سعادتكم : ” أرجوك… إنها خدمة شخصيّة لي و للرئيس… لن ننساها لك”

و اني أستغرب كل ذلك لأني طالما سمعت عنكم ما لا يلتئم مع مثل هذا التصرف، و إذا كان صحيحاً، فما هي الظروف التي حملتكم على مثل ذلك؟. و إذا كان غير صحيح فما هي الوثائق التي تثبت عدم صحته؟

في اعتقادي أن هذه المسألة هي أعظم حادث جرى من هذا النوع في الشرق كلّه في هذا الجيل. و يجب ان نضع لها تاريخاً صادقاً ليعرف الآتون بعدنا كيف يجب أن تكون الحكومات و ما هي نتيجة مثل هذه  الجريمة على تاريخ البلاد كلّها و على سُمْعتها بين بقية الشعوب.

إني أتمنّى ان يكون لديكم ما يبرّركم من مثل هذه التّهمة لتكون صفحتكم في تاريخ هذا الحادث ملائمة لما لكم من حسن السُمْعة. واقبلوا احترامي

جبران مسوح

ألا ترون يا رياض بك ان هذه الجريمة تحطُّ من قدر لبنان الذي يريد ان يكون الدماغ المُفكّر للأقطار العربية؟

مات داهش

و بعد ان شاءت الأقدار أن يلقى الدكتور داهش مصرعه في أذربيجان بإيران، بتاريخ أول تموز سنة 1947، نشرت مجلة ” الرفيق”(1) الصادرة في بونس إيرس، عاصمة الأرجنتين، و ذلك في عددها الثالث من سنتها الثالثة، تاريخ أيلول 1947، الكلمة الآتية تحت عنوان” مات داهش”، كافتتاحية، بقلم صاحبها يوسف كمال.

مات داهش

” بينما نستعدّ لنشر شيءٍ عن حياة رجل شغلَ الصحف الوطنية اسمه، و بهرَ الكثيرين عمله الخارق للعادة…

بينما نريد كتابة شيء عن حياة داهش الذي  أدهش العالم و أوقع الكثيرين في حيرة على اختلاف وجهات نظرهم و تباين أفكارهم…

بينما نستعد و نريد كتابة كلمة، كما قلنا، لنشر أعمال الرجل و مآتيه، و كلام مريديه و مناوئيه، و قد انقسم الجمهور شطرين، كل له رأيه: فمنهم المُحبّذ المُرحّب، و منهم الشاتم الناقم على داهش النابغة، يكيل له، و يريد له القتل!…

بينما نحن على ذلك العزم و تلك النيّة، إذا بنا نُفاجأ بمقتلِ داهش غريباً عن وطنه، بعيداً عن أهله، في بلاد فارس، و على حدود القوقاس!

و ما قتْلُ داهش، كما اتتنا الأخبار الأخيرة، إلا نتيجة اضطهادات سبّبت قتله- و هو الرجل البريء-اعتباطاً وعلى طريق الظنِّ و الشُبْهة بأنه جاسوس، و ذلك لعدم وجود ما يثبت هويته. و قد كانت الحكومة اللبنانية قد جرّدته من الجنسيّة بحجّة أنه ” دجّال… مشعوذ…”إلخ…

و لكن الدجّال المشعوذ، يا عباد الله، و يا أولياء الأمر، لا يكون إلا أضحوكة، و غير قادر على جذب القلوب إليه، بل وتحويلها عن عقيدتها، خاصة إذا كانت كبيرة القلوب التي التفّتْ حول داهش و حدبت عليه. و” التدجيل والشعوذة” يتأتيان من المرض و العلّة و ضعف الدم. و داهش من الأطباء المداوين للنفوس و العقول بالدعوة الحسنة والبرهان و الحجّة، لا بالشعوذة كما تقولون.      و إن يكن ما يدّعيه خصومه قريباً من الصحّة، إذن فالداهشيّون أو من اعتنق مذهب داهش، و هم من عليّة القوم، مجاذيب و مجانين!… و هذا لا ينطبق و لا على فرد منهم. فكلّهم لا تأخذه الدهشة، و له من عقله رجحان لا تميله الأهواء و لا الإغراء، و لا يرضخ إلا لواحدٍ هو الحقّ الذي رآه فآمن به، لا أكثر و لا أقل.

إن الذي يتسلّط على قلوب الناس و يستميلُها، فترضخ لإرادته، و تعمل طبق مرغوبها بالدعوة الحسنة، دون ان يسحب سيفاً و لا أن يشهر حرباً، لا يُعتبر مجنوناً،  و لا يُعدّ في مصافِ المشعوذين. و ما هو إلا حكم صادق، ولسان حقٍّ ناطق، رأى الحكمة فأخذ عنها، و رأى حقاً فجاهر به و دعا إليه.

إن(داهشاً) لاقى وجه ربه آمناً مطمئناً من أعماله في الحياة. و سيكون له مع خصومه غداً وقفة تدهشهم أمواتاً بأكثر ما أدهشتهم وهم أحياء، إذ يقفون أمام القوّة القادرة القاهرة التي لا يسيطر عليها شيء، و هي المسيطرة على كل شيء، ألا وهي (قوّة الله).

مات داهش ككلِّ حيّ…

مات، و كلنا للموت. و لا يبقى غير الله الدائم الحيّ.

و لكن تعاليم داهش لا تموت. و سيحفظها التاريخ في أحضان الدهر، تتداولها في كل عصر و مصر.

فإلى روحه و أرواحهم، و روح كلّ مُصلح رحمة و سلام.

و لنا على هذا الحادث كلام بأعداد آتية إن شاء الله.”

بونس إيرس                                          يوسف كمال

صاحب مجلة ” الرفيق”

خوارق الدكتور داهش و عجائبه

كما سمعتُها من أفواهِ شهودها

 

لقد اعتمدتُ في كثير مما هو مدوّن في هذا الكتاب على ما نُشر عن الداهشيّة. و لكن الذي يجعلني راضياً كل الرضى أن بعضاً مما هو مدوّن فيه قد عايشته بنفسي، و لمسته بحواسي، و شهدته في لحظاتٍ متباينة من أحاسيسي… و في لحظاتٍ، كان الشكّ هو المحور الأساسي لتفكيري و أنا أرى و أسمع في جلسات الدكتور داهش…و في آونة اخرى، كان الاقتناع المُطلق هو المُسيطر على نفسيتي حيالَ ما أراه و ما أسمعه.

كذلك وضعت ثقتي التامّة في الزميل الدكتور غازي براكس، لأنه أديب و عالم على ثقافة ودراية عالية، ممّا جعلني أرجع إلى ما كتبه بصدقٍ عن الداهشية محاولاً الاستشهاد به وجلاء ما غمض عليّ فهمه و تفسيره.

و قد رأيتُ أن لا اكتفي بما شاهدته و ما قرأته، بل رأيت أن اتّصل بالأفراد الذين يُتاح لي رؤيتهم ممن شاهدوا مُعجزات الدكتور داهش لأستمع من كلٍّ منهم على قصّته مع رجل الخوارق و العجائب، يرويها لي بأمانة مطلوبة للتاريخ و الحقّ.

فتعال معي، أيها القارئ لنبدأ بالمؤمن السادس بين أوائل الداهشيّين، أي إن خمسة فقط قد سبقوه إلى اعتناق الداهشية منذ إعلانها في لبنان.

إنه الدكتور فريد أبو سليمان.

 

 

 

الدكتور فريد أبو سليمان

طبيبُ الأمراض التناسليّة و الجلديّة في بيروت

 

قال الدكتور أبو سليمان:

إعتنقتُ الداهشية في أوائل فصل الخريف من عام 1942.

وكنت، وقتئذ،أعمل طبيباً في مستشفى الدكتور توفيق رزق في بيروت. و يقع هذا المستشفى تجاه منزل الدكتور داهش. وظللّتُ أعمل في هذا المستشفى قرابة ثلاث سنوات دون أن أسمع شيئاً عن داهش و الداهشيّة.

و خلال عملي في المستشفى مررت على واحد من المرضى، و كان صحفياً يدعى توفيق عواد فوجدت عنده الأستاذ يوسف الحاج، وهو واحد من معارف والدي. و كان يعلم عن ولعي بالغيبيات كقراءة الفنجان و التنويم وما إليها.

و قد رحّب بي الأستاذ يوسف الحاج، و عرّفني بصديقٍ له كان بصحبته. و كان هذا الصديق هو الدكتور داهش. و دعاني الدكتور داهش لزيارته قائلاً إن منزله تجاه المستشفى، و لن أجدَ عناءً في الذهاب إليه. و تدخّل يوسف الحاج في الحديث فقال الكثير عن مُعجزات الدكتور داهش وسمعتُ ما قاله يوسف الحاج و أنا مُوقن ان المسألة لا تعدو شعوذة، و أن الدكتور داهش لن يكون أكثر من مشعبذ أو (رجل خفة)، كما نقول نحن. و لذلك لم أشأ أن أكره نفسي و أضيع وقتي في زيارته.

و نسيت الموضوع… و مضى شهر ، و إذا بي أرى الدكتور داهش يدخل المستشفى لاستخدام التلفون. فسألني عندما رآني لماذا لم أقم بزيارته كما وعدت.

و أسقط في يدي.

فاتفقنا على موعد أزوره فيه هو الحادي عشرة من صباح اليوم التالي.

و قام الدكتور داهش بعمل مُعجزة مدهشة أمامي لم يترك في نفسي أي مجالٍ للشك في صحّتها، ممّا دفعني إلى زيارته كل يوم لأرى جديداً من هذا الرجل.

وذات يوم طلبت إليه السماح لي بحضور جلسة روحيّة، فوافق و في أثناء الجلسة الروحيّة طلبتُ على سبيل امتحان ، أن يقال لي أين أضعت فردة قفاز قديم كنت قد فقدتها قبل تعرفي إلى الدكتور داهش بزمن طويل. و ما إن أنهيتُ سؤالي حتى قال الرُّوح لي بفم الدكتور داهش:

-القفاز في يدك.

و فعلاً كانت فردة القفاز بيدي. فلم أصدق عيني، و ظننتني واهماً للوهلة الاولى. لكن ما ان فُضّت الجلسة حتى أسرعتُ إلى منزلي، و أحضرت الفردة التوأم التي كانت ما تزال عندي، و قابلتها بالفردة المُستحضرة روحيّاً، فإذا هي اختها تماماً! و قد أريت القفاز من بعد لمئات الأشخاص.

هذه الخارقة المُذهلة رسخت الإيمان في نفسي بالداهشيّة.

و دعني أقصُّ عليك بعض ما شاهدته من مُعجزات قام بها هذا الرجل العجيب.

ففي أحد الأيام قمنا بزيارةٍ ليوسف الحاج الداهشيّ ، المؤمن الأول، و كان يقطن في قرية اسمها” الشبانيّة” ، وهي قريبة من بلدة “حمانا”. وجلسنا على صخرة ضخمة في أرض تخصّه، و رحنا نتحادث. و كان معنا الدكتور داهش و الشاعر حليم دموس. و قد استوحى حليم بيتي شعر من تلك الجلسة، و كتبهما على الصخرة. ثم عاد كل منّا إلى منزله.

و في اليوم التالي التقينا في زيارة للدكتور داهش، و طفقنا نتحادث.و تمنّى بعضنا لو نجدّد الجلسة على صخرة الشبانيّة، فإذا برجل المعجزات يرتعش بالرُّوح و يسألها:

-ما دامت هذه رغبتكم، فما يمنع أن نجلس عليها الآن؟

فقلنا:

-و كيف يحدث هذا، و الغابة في الشبانيّة، و نحن الآن في بيروت؟

أجاب:

-أنظروا إلى فضاء الغرفة.

 وإذا بنا نرى كتلةً ضخمة تهبط في لطفٍ و على مهل. و ما إن حطَّت على أرض الغرفة حتى بادرنا إلى الإمساك بها، فوجدناها لا تزحزح. و بعد ان فحصناها، رأينا عليها بيتي الشعر الذين كتبهما حليم بخطِّ يده.

و قد أحدث هبوط الصخرة هزة في المنزل و تكسّر بلاط الحجرة حيث استوت. و بقيت الصخرة أياماً كثيرة مكانها يشاهدها الزائرون حتى حطّمها العمال، في ما بعد، و أخرجوها من المنزل.

هذه القصّة. و إليك قصّة اخرى من مُعجزات الدكتور داهش.

كان يقطن في لبنان مستشرق إنكليزي اسمه دانيال أوليفر. و كان هذا الرجل يعيش في مكان هادئ في” رأس المتن” حيث يدير مدرسة للأيتام.

و يبدو ان وليفر سمع بقصّة الصخرة التي هبطت بمنزل الدكتور  داهش، فذهب إليه ملتمساً صداقته، و ليرى إذا كان ما يشاع عنه من إتيانه للمُعجزات حقيقياً أم مجرّد”هلوسة” مجانين.

و قرع المستر أوليفر الباب. و ما إن فتح له حتى بادره الدكتور داهش بصفعة قوية على وجهه. ثم قاده إلى الداخل، و قال له:

-إقرأ هذه الورقة أيها الرجل.

و ألقى أمامه بورقة مطويّة.

و قرأ الإنكليزي الورقة، و كانت ملأى بأفكاره و مخطّطاته و كلّها تفضحه كجاسوس.

فأصيب أوليفر بما يشبه الدوار، و أخذى يرتعش!…

بعد هذه الحادثة أخذ أوليفر يكرر زياراته للدكتور داهش، و عاين الكثير من مُعجزاته، و أصبح داهشيّاً.

و ذات يوم، ونحن في جلسة مع الدكتور داهش، طلب المستر أوليفر منه أن يهديه إلى المكان الذي أضاع فيه ” دبوس ربطة عنق” ( كرافاته) من الذهب كان قد تلقاه هدية من خطيبته منذ نيّف و ثلاثين عاماً، و لكنه فقد منه في أستراليا.

و ما إن أتمّ كلامه حتى وجد ( الدبوس) في ربطة عنقه.

و جن جنون الإنكليزيّ، و أصبح من أشدِّ المُخلصين للدكتور داهش.

و تابع الدكتور أبو سليمان قائلاً:

–   و أذكر أني حضرت، مرّة، جلسة روحيّة عقدها الدكتور داهش، و كان حاضراً أيضاً المستر دانيال اوليفر. ويبدو ان الدكتور داهش عرف بالرُّوح أن الإنكليزي كان ما يزال يشكّك بقدرته.

فسأله ماذا يريد أن يحضر له من منزله في رأس المتن ليؤمن بقوّته الروحيّة، فأجابه أوليفر:

– أحضر لي الحصان و البقرة  اللذين في مزرعتي.

و يظهر أنه قال هذا ليُعجّزه. لكن ما إن أنهى عبارته حتى سمع حصانه يصهل على باب منزل الدكتور داهش، وبقرته تخور!…

فاضطر لاستئجار سيارة “لوري” بأجرٍ باهظ لنقل هاتين الدابتين إلى قريته.

 

 

 واستطرد الدكتور أبي سليمان قائلاً:

هذه المُعجزات التي شاهدتها وغيرها زادت إيماني برسالة الدكتور داهش، و بأنه رجلٌ منحه الله قوة روحيّة ليجترح بها الخوارق لم يمنحها أيّ مخلوق سواه في هذا العصر الماديّ.

و قد كنت قبل إيماني به كاثوليكياً متعصباً. و معروف أن الكاثوليك لا يعترفون بالإسلام ديناً منزلاً، و لا بنبوة محمد. و ما يزالون حتى اليوم على هذا المعتقد الخاطئ.

فآمنت، أنا الكاثوليكيّ المتعصّب سابقاً، بالدين الإسلاميّ، لأن الداهشيّة تعترفُ بجميع الأديان المنزلة، و تعتبرُ أنها من منبع قدسيّ واحد هو الله ، سبحانه و تعالى.

و كان كل يوم يمرُّ عليّ يزيدني إيماناً بالداهشيّة و مؤسّسها، حتى إن الحكومة اللبنانية-وكانت تشنُّ حرباً على الدكتور داهش – طلبت إليّ أن أترك هذا الرجل، و أن أمحو من خيالي ووجداني عقيدتي الداهشيّة، فتضاعف لي تعويضاتي؛ إذ كنت وقتها أعمل طبيباً في بلدية بيروت ، و اتقاضى دخلاً شهرياً يقارب خمسة آلاف ليرة لبنانية. لكنني رفضت عرضها المغري، فصدر قرار بطردي من وظيفتي.

كما إنني تعرّضتُ للسجن خمس مراتٍ في سبيل إيماني بالدكتور داهش.

ماذا أقول لك, هل أقصّ عليك المزيد من مُعجزات هذا الرجل ؟

صحبت الدكتور داهش, ذات يوم, لزيارة آل حدّاد. وقد ركب إلى جانبي في سيّارتي . وما أن وصلنا الى المنزل المقصود حتى رأيت الدكتور داهش يخترق الباب قبل أن يفتحه لنا أحد , وكأنّه طيف من الأشعة, ويبقى الباب موصداً كما كان, و انا أحاول الدخول، فلا أستطيع . وبعد دقائق أكثرت فيها من قرعي للباب، فتحَ لي أصحاب المنزل وهم يقولون في عجبٍ عظيم:

 

بينما كنا جالسين، و الباب موصد، رأينا الدكتور داهش يدخل إلينا فأخذنا عجبٌ عظيم، وانشغلنا عنك و عن طرقاتك!

ثم قال الدكتور فريد أبو سليمان:

-سأقصّ عليك مُعجزتين توضّحان لك كيف تتمُّ العدالة الإلهيّة بين البشر.

كنت، ذات مرّة، أزور الدكتور داهش. ثم ودّعته، و نزلت لأركب سيارتي التي كنت قد اوقفتها  أمام باب المنزل. صعدت إليها، و لم يكن خلفي أية سيارة. وما إن أدرت المحرّك وهممّت بالرجوع قليلاً إلى الوراء حتى فوجئت بسيارة واقفة خلفي كدت أصطدم بها. ترجّلت ، و نظرت إلى داخلها في عجبٍ، فرأيتها موصدة الأبواب، و ليس فيها سائق.

فشعرت بدافع يدفعني للصعود ثانية إلى المنزل، و مفاتحة الدكتور داهش بالأمر، لأن الحادثة بدت لي كأنها ظاهرة روحيّة.

و ما  إن سردت القصّة على الدكتور داهش حتى قال لي:

-حسناً فعلت بإخباري. فهذا تنبيهٌ لك بأن سيارتك ستصدم سيارة أخرى قريباً .

فأجبته:

–   ولم ذلك ؟

فقال:

-لأن سائق السيارة التي ستصدمها ظلم واحداً من الناس. و لتتمّ عدالة السماء التي لا مفرَّ منها، يجب أن يحدث الاصطدام  بين تلك السيارة و سيارتك أنت بالذات. و لن تؤذى سيارتك، لكن السيارة الأخرى سينزل فيها عطب، و لن يُصلح العطب إلا بإبدال قطعة صغيرة في المحرّك. و”قطعة الغيار” هذه لن يجدها صاحب السيارة الظالم إلا عند الرجل المظلوم. و هذا سوف يطلب منه ثمناً مرتفعاً جداً. و سوف يقبل صاحب السيارة المصدومة هذا الثمن ” غصباً عنه” حتى تعود العدالة إلى مجراها.

و قد حدثت، بعد أيام قليلة، و بصورة مفاجئة، عملية التصادم، بينما كنت ذاهباً بسيارتي إلى عيادتي. وتتبعت ذيولها، فإذا بمراحلها و نتائجها تتمّ وفق ما ذكر لي الدكتور داهش بكل دقّة!

أما المُعجزة الثانية فخلاصتها أنه بينما كان الدكتور جورج خبصا يسير بصحبة الدكتور داهش وراء “صيدلية حمادة” في بيروت، إذا بمؤسّس الداهشيّة يرتعش بالرُّوح و يخاطب رفيقه قائلاً:

-أنظر إلى هذا البائع الجوال.

و كان تجاههما على بضعة أمتار بائع أمام عربة محمّلة بطيخاً. فأشار الدكتور داهش بيده، فإذا بطيخة ترتفع عن العربة في الهواء، و تقع على الأرض محطّمة. ثم أعاد الإشارة، فارتفعت بطيخة اخرى، و سقطت محطّمة أيضاً. إذ ذاك سأله الدكتور خبصا متأثراً:

-و لكن لم يحدث ذلك؟ فهذا البائع مسكين، و هذه الخسارة تكلّفه غالياً!

فأجاب الدكتور داهش وهو مرتعش بالرُّوح:

-أجريت ذلك أمامك لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات، كبيرها و صغيرها، بصورة طبيعية، من غير أن يتنبهوا لكيفية سيرها. فهذا البائع ربح اكثر مما هو محدّد له في هذا النهار و ربحه غير الحلال و إن يكن ضئيلاً خسره بتحطّم البطيختين. و لو لم أفعل ذلك بالمُعجزة لأنبّهك إلى كيفية حدوث العدالة الإلهيّة، لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها، و لتدحرجت هاتان البطيختان بالذات من فوق العربة و تحطمتا.

و تابع قائلاً:

-إن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد. و إن أعمال البشر جميعاً و علاقاتهم بعضهم ببعض تترتّب عليها نتائج من شأنها أن تتيح إقامة العدل الإلهيّ بينهم.”فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره. و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره.”

الآنسة أوديت كارّا

موظفة بشركة” طيران الشرق الأوسط”

 

قابلت هذه الآنسة اللطيفة الرفيعة ألتهذيب، و جلسنا نتجالس عن ظروف تعرفها إلى الدكتور داهش. قالت:

إعتنقت المبادئ الداهشيّة عام 1968، بعد ان وقعت لي حوادث كثيرة، واجترح الدكتور داهش أمامي عدداً من المُعجزات التي لا يصدّقها عقل. فقد كنت أمضي يوماً من كل شهر في مدينة بيروت حيث إن عملي كمضيفة طيران يتطلب منّي المبيت في بلاد أخرى كثيرة بعيدة عن لبنان.

و حدث أن كنت في مدينة بنغازي بليبيا حيث سلمني أحد الزملاء –الذين يعملون معي في شركة  الطيران-ساعة مُعطّلة لكي أصلحها له في بيروت، و أعود فأسلمها إليه في ليبيا بعد إصلاحها. لكن هذه الساعة ضاعت مني في بنغازي قبل سفري إلى بيروت. و حزنت وقتها على فقداني الساعة، لأنها سُلّمت إليّ كأمانة.

و مضت الأيام و الشهور. و بعد ثلاثة اعوام من هذا الحادث اصطحبني صديق إلى الدكتور داهش لأرى بنفسي بعض مُعجزاته كما رواها لي هذا الصديق.

و اعجبتُ كل الإعجاب بكلِّ ما شاهدته خلال مقابلتي السريعة معه ممّا دفعني إلى أن أرجوه أن يسمح لي بحضور جلسة روحيّة كتلك التي يعقدها بين الحين و الحين، و يحضرها الداهشيّون من خلصائه.. و فهمت أن هذا يقتضي كتابة الرمز الداهشيّ مرّة كلّ يوم، مدة شهرٍ كامل. و الرمز الداهشيّ كناية عن ابتهال لله تعالى ليسمح بحضور  الجلسة الروحيّة.

و قمت بالمطلوب. و سُمِحَ لي بحضور جلسة روحيّة في منزل الدكتور داهش.

وعُقدت الجلسة، و كانت في وضح النهار. و قبيل انتهائها أحسّست أن ساعة في يدي. تحسّستها و عجبت. وسألت الدكتور داهش:

-ما هذه الساعة، يا دكتور؟!

قال الدكتور داهش:

-تذكري.

و تذكرت… إنها  الساعة التي فُقدت مني قبل ثلاثة أعوام في بنغازي. و كنت قد نسيتها تماماً.

و قال لي الدكتور داهش:

-إن قوّة روحيّة جبّارة قامت بهذا العمل، و لست أنا.

حملت الساعة  و انا أكاد أطير من الفرح. و خرجت من الجلسة و أنا أهتف و أقصُّ على كل من يقابلني قصّة الساعة التي فُقدت في بنغازي منذ ثلاثة أعوام، ثم أحضرتها  قوّة روحيّة في يدي و أنا في حضرة الرجل العظيم، الدكتور داهش.

و من ذلك اليوم و أنا داهشيّة، و إيماني بمؤسّسها لا يتزعزع.

و حدث أن سلمني الدكتور داهش  شمسية، و طلب مني أن أحافظ عليها لأن فيها سيالاً روحيّاً خاصاً.

و ذات يوم أحسّست بتعبٍ مُفاجئ، فذهبت إلى طبيب الشركة، و نسيت في عيادته الشمسية. و ما إن تذكّرتها حتى عدت أبحث عنها في العيادة و في كل مكان قصدته في ذلك اليوم، لكن محاولتي جميعها كانت دون جدوى.

و في اليوم التالي طلبتُ مقابلة الدكتور داهش لأعتذر له عن ضياع الشمسية. و بينما أنا في طريقي إلى منزله، شاهدت فتاة تسير في الشارع و هي تحمل شمسية مشابهة لتلك التي فقدت مني، إذ كانت مميزة عن الشمسيّات العادية. فشككت فيها، و حاولت الجري وراءها لأتحقق الأمر، لكنها اختفت من أمامي.

فتابعت طريقي إلى الدكتور داهش. و قبل أن أفاتحه بالموضوع، وجدت الشمسية قابعة بجواري. و إذا به يبادرني بقوله:

-لقد ضاعت منك منذ يومين. و الفتاة التي شاهدتها في الطريق تحملها ليست بشريّة، لكنها من عالم آخر و قد تجسّدت للحظات في الأرض. حافظي على الشمسية، يا ابنتي.

فماذا أقول لك، يا سيدي، بعد العجائب و المُعجزات التي شاهدتها…أكثر من أنني ازددت إيماناً بالدكتور داهش و بدعوته الروحيّة، وازددت إعجاباً بتواضعه الذي هو من تواضع الرسل المُلهمين!

الدكتور غازي فؤاد براكس

دكتوراه في الآداب

أستاذ علم النفس الأدبيّ في قسم الماجستير بكليّة الآداب

في الجامعة اللبنانية

 

و جلستُ أكثر من مرّة مع هذا الدكتور العالم الشاب غازي براكس. و كنت قبل أن أراه قد قرأت العديد من كتبه و مؤلفاته، و خاصة كتابه القيّم: ” جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة تركيبيّة لأدبه و رسمه و شخصيّته”. وهو كتابٌ يعدُّ أروع و أوفى ما كتبه عن جبران ، شاعر المهجر الخالد.

و جلست إلى الدكتور غازي، و بدأنا الحديث. فقال لي:

كان ذلك عام 1962، العام الذي بلغت فيه ذروة اضطرابي النفسيّ و بلبلتي الفكرية. ” فالحقيقة” التي عشقتها منذ كنت يافعاً، و طالما بحثت عنها في كتب المفكرين و الفلاسفة، وجدت أنني ما زلت بعيداً عنها، و ما زالوا بعيدين عنها بعد السماء عن الأرض!…و”الحقيقة” التي ظننت، بضعة أعوام، انها قد تكون في إحدى العقائد الحزبية الوطنية، انتهيت إلى أن أراها مجرّد سراب في صحراء؛ فعطشي على أشدّه و ليس من ماء!… و القيم التي كان يخيّل إليّ  أنها مجسّدة في بعض من يسمّونها مفكّرين و زعماء سياسيين و قياديين ثوريين و مصلحين اجتماعي، اكتشفت…أخيراً…أنها أوهام خادعة و حيل بارعة!…

في ذلك العام لم يبق في نفسي إلا الأسئلة!…الأسئلة الملحّة وحدها دون أجوبة لها:

الشرّ لماذا ما يزال مسيطراً على الأرض، مستبداً بالإنسان و الأوطان؟! و المذاهب الدينيّة القائمة، و الاحزاب السياسية الراهنة، و جميع الفلسفات…لماذا لم تُصلح الفساد المستشري؟! و الإنسان من يكون؟!

و هل هو مُسيّر أم مُخيّر في أعماله؟! و لماذا يشعر الإنسان-سواء في الشرق الذي يزعم انه ” روحانّي”، أم في الغرب الذي يزعم أنه ” ماديّ” – لماذا يشعر الإنسان أنه يعيش في دوامة القلق و الاضطراب، و أنه أقرب إلى الشقاء منه إلى الهناء. فلا تكديس الأموال يسعده، و لا استسلامه للشهوات، ولاسعيه وراء الأمجاد الدنيوية؟! و الموت ما هو؟ و لم البشر يولدون بعضهم أغنياء و بعضهم فقراء، و آخرون ذوي عاهات، و غيرهم ذوي أجسام سليمة؟! وهل، حقيقة ثمة إله و عدالة إلهيّة؟! و ما البرهان على وجود خالقٍ للكون؟ و الكون ما مصيره؟ و ماذا في تلك البلايين من النجوم؟ و أي دين هو الصحيح؟ و لم التضارب بين الدين و العلم؟ و لم كانت الأضرار التي نتجت، عبر القرون، عن رجال الدين و سيرهم و تعاليمهم أكثر من الخير؟!…

أسئلة و أسئلة تغلي و تفور في داخلي، و ليس من أجوبة حاسمة عليها!…

هذا الاضطراب النفسي وهذه البلبلة الذهنية اللذان عانيتهما ، عبّرتُ عنهما في العام نفسه – 1962- في مجموعة شعرية أسميتها ” أنا و الله و العالم”. و لكنّي عبّرت فيها أيضاً عن حاجتي الملحّة إلى الهداية و السلام النفسيّ.

و الهداية و السلام…و الحقيقة… أتاني من يشير لي على منبعها، في ذلك العام نفسه.

فقد زارني صديق قديم لي هو الأستاذ الشاعر موسى المعلوف، و قال لي، بعد أن عرف حالتي النفسيّة:

-ثمّة رجل واحد قادر في هذه الأرض يمكنك أن تجد عنده ما تبحث عنه. إنه في لبنان، و في بيروت بالذات. ستلقى عنده وحده  الأجوبة الشافية الحاسمة لجميع الأسئلة التي ما تزال تختلج في ذهنك و تُقلق نفسك. و عهدي بك أنك جريء، و تحبّ المعرفة، و تسعى إلى الحقيقة. فاعتبر هذا الرجل كتاباً، واقرأه.

و أخذ الأستاذ معلوف يحدثني عن الدكتور داهش و مُعجزاته وتعاليمه… و الحقيقة انه جعلني أمسك برأس الخيط الذي سيقودني، في متاهة الحياة و سراديبها، إلى منبعِ النور.

و رحت أبحث بنفسي عن كل ما يتعلّق بالدكتور داهش، و أطالع كل ما ألفه و نشره، و كل ما كُتب عنه  تمجيداً و تجريحاً. و ظللّت سنة كاملة أقرأ و أبحث و امحّص، و أعود تارة إلى الكتب العلميّة الحديثة، و طوراً إلى الكُتب المُقدسة توراةً و إنجيلاً و قرآناً، و إلى تعاليم بوذا ولاوتسو و كونفوشيوس… حتى أتيحت لي زيارتي الأولى له في أواخر شهر تموز (يوليو) سنة 1963.

جالسته دون ان أسأله رؤية أية مُعجزة من المُعجزات التي طار صيتها كلّ مطار في ربوع لبنان و البلاد العربية؛ فلم اكن أشعر أني بحاجة ملحّة إلى رؤية الخوارق على يديه،و هو نفسه لم يعرض عليّ أن يقوم أمامي بأية مُعجزة. فقد أحسسّت أنني مؤمن بالرجل منذ المقابلة الأولى ، و أن تعاليمه مغروسة في نفسي، لأنها وحدها حسمت الاضطراب في فكري و القلق في ذاتي، ووحدها أعطيتني الأجوبة الشافية الوافية على جميع الأسئلة التي لم اعثر لها على جواب. و شعرت بقلبه المحبّ الكبير يعطف عليّ و يفهمني. و أحسسّت بأنه عالمٌ فوق العلماء، و أديبٌ فوق الأدباء… و مع ذلك متواضع إلى أبعد حدود التواضع!

و تكرّرت زيارتي الأسبوعية له. و ما لبث الُمعجزات التي لا يرقى الشكّ إلى صحّتها ، و لا يحيط بها الإيهام أو التمويه لا من قريب و لا من بعيد…ما لبث تلك الخوارق الساطعة أن تتابعت أمام عيني. و حسبي أن أذكر، في هذا المجال، واحدة منها فقط حدثت في أواخر فصل الشتاء من عام 1964.

فقد حدثت شقيقي بما عاينته من خوارق باهرة، و ما قرأته و سمعته من تعاليم جليلة من أهدافها توحيد الأديان، وإظهار وحدة الدين و العلم، و بعث السلام الحقيقي الفعلي في نفس الإنسان. و أعلنت له أن المُنقذ الوحيد للعالم في هذا العصر هو الدكتور داهش. فأجابني- سامحه الله:

-لا منقذ إلا المال.

و كان شقيقي متزوجاً حديثاً و موظفاً في الدولة. فاستطرد قائلاً:

-إن راتبي لا يكفيني. و هذه مشكلتي . فلو ارتفع راتبي الآن إلى ألف ليرة لبنانية لحلت مشكلتي، و أصبحت بغنى عن الله و الأنبياء. فالاقتصاد هو كل شيء في هذه الحياة.

حاولت أن اضرب له أمثلة كثيرة على أغنياء يعيشون أشقياء، و على أن المال لا فائدة له مع المصائب الفادحة. فكم من مُصاب بعاهة، أو مريض استعصى شفاؤه، أو رجل صدعت الخيانة الزوجية بيته و شردت أولاده، يتمنّى لو يهب ملايينه لمن يعيد الصحّة إلى جسمه و السلام إلى بيته و نفسه! و لكن يبدو ان محاولاتي ذهبت أدراج الرياح. أخيراً…شعر شقيقي بما يدفعه لزيارة الدكتور داهش على سبيل الفضول، و طلبَ مني أن أسهّل له ذلك. فاتّصلت هاتفياً بمؤسّس الداهشيّة، و شقيقي إلى جانبي، و أعلمته برغبته في زيارته. فسمح لنا بمقابلته في النهار نفسه. ولازمت شقيقي في منزله حتى حان الموعد، ثم رافقته بسيارته إلى مقرِّ الدكتور داهش.

وما إن دخلنا و اطلَّ علينا الرجل العظيم حتى بادرت إلى التعريف بشقيقي. و إذا الرجل العجيب يرتعش بالرُّوح فوراً، و يخاطب أخي قائلاً، و نحن لم نجلس بعد:

-أتريد أن أرفع راتبك إلى ألف ليرة شهرياً؟

فدُهش شقيقي، لأن الدكتور داهش كشف أفكاره. و أسقط في يده. و كانت دهشتي أعظم، لأن رجل الخوارق لم يفضح أفكاره فقط و يعلن ما قاله شقيقي لي إذ كنا منفردين، بل هو يُعلن في سؤاله أيضاً عن سلطة قادرة غير بشريّة.

أجاب أخي بعد لحظات تردّد: -وكيف يمكن ذلك؟ فأنا موظف و مصير ترقيتي و تعديل راتبي يخضعان لقوانين الدولة و ديوان المحاسبة و عشرات المعاملات الرسميّة التي لا يمكن، في أي حال، تجاوزها.

فبادر رجل الرُّوح إلى مخاطبته ثانية، و بنبرةٍ حازمة:

-أسألك: أتريد ان أرفع راتبك إلى ألف ليرة؟ قل نعم، و بلمح البصر اغيّر سجّلات الدولة كلها.

كنت أتمنى أن يقول أخي نعم – و انا أدرى بنفسه و بما كان يقوله لي- و ذلك حتى تحدث مُعجزة عظيمة قد تهديه إلى الإيمان كما اهتديت. و لكن شقيقي- و للعجب!-قال:

-لا .أريد أن آكل خبزي بعرق جبيني. و يكفيني ما سمعت منك.

لكن يبدو ان الدكتور داهش عرف، بقوّة الرُّوح، أن ما يقوله أخي لا يعبر عن حقيقة نفسه. فعاد و سأله :

-إذن، قد ترضى بأن يدخلك مبلغ كبير من المال بطريقة أخرى، كاليانصيب مثلاً؟

فلم يمانع أخي.

واستدعى الرجل العظيم بعض من كان في منزله، و طلب منه ان يأتيه بورقة يانصيب قديمة مع اللائحة التي تحمل نتائج السحب العائد إلى تاريخ الورقة. و لم تمض دقائق حتى كانت أمامنا ورقة يانصيب تعود إلى ما قبل ثلاثة أشهر تقريباً، و معها لائحة النتائج.

و طلبَ الدكتور داهش مني و من شقيقي أن ندقّق في قراءتنا للأرقام الرابحة. فطالعناها مراراً، و إذا هي بعيدة كل البُعد عن رقم الورقة التي أمامنا. إذاً هي خاسرة، لا شك في ذلك. ثم عاد رجل الرُّوح  فطلب إليّ و إلى شقيقي أن ننقل رقم الورقة الخاسرة، بالعربية و الأجنبية على ورقتين، و يحتفظ كل منا بالورقة التي دون عليها في جيبه. ففعلنا.

حينئذ سأل الدكتور داهش شقيقي عن المبلغ الذي يريد أن تربحه الورقة. فترك أخي الحرية الاختيار له. فقال رجل الرُّوح:

-إذاً أكتب القيم الكبرى على اوراق صغيرة، ثم اطوها واختر واحدة منها.

فكتب أخي القيم المالية على عدد من الأوراق، ثم ثناها، واختار إحداها، فإذا فيها رقم (10 آلاف).

عندئذ وضع الدكتور داهش يده فوق ورقة اليانصيب الخاسرة على ارتفاع نحو ثلاثين سنتمتراً منها- و كانت الورقة على منضدة صغيرة بيننا- و طلب إلى شقيقي أن يضع كفه فوق يده، و يردد بعده:

-بحق الله و النبي  الحبيب الهادي ان تتحوّل هذه الورقة الخاسرة إلى ورقة تربح 10 آلاف ليرة لبنانية.

وردّد أخي العبارة. و شهدت بأم عيني أرقام الورقة التي أمامنا تتغير، فيختفي الرقم القديم، و يحلّ مكانه رقمٌ جديد.

و عادَ أخي، كما عدت، إلى الورقة التي دوّنا عليها رقم الورقة الخاسرة، أي رقمها القديم- و كانت ما تزال في جيب كلٍّ منّا!- فإذا الرقم الجديد يختلف عن الرقم القديم كل الاختلاف. ثم قابلنا الرقم الجديد بالرقم الذي يربح 10 آلاف ليرة لبنانية في لائحة النتائج، فإذا هو نفسه.

و قدم الدكتور داهش الورقة العجائبيّة إلى شقيقي، لكنّه أبى أن يستلمها لأسبابٍ لست أعلمها.

و بعد يومين عدت لأزور رجل الرُّوح بصحبة شقيقي، فإذا الدكتور فريد أبي سليمان تسلّم حوالة بالقيمة الرابحة من مديرية اليانصيب.و علمت فيما بعد أن المبلغ وزع على عشرِ عيالٍ فقيرة.

بقي أن أقول إن شقيقي انقطع بعد تلك الظاهرة الباهرة عن زيارة الدكتور داهش. و مع مرور الأعوام ارتفع راتبه إلى ما يناهز ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. لكنه، مع ذلك، لم يذق طعماً للسلام و الطمأنينة. و بعد مضيّ اثني عشر عاماً تقريباً على لقائه مع رجل الرُّوح، أتاني شقيقي ليقول لي: ” لقد كان الحقّ بجانبك . فالمال لم يحلَّ مشكلتي . “

وخلال عامي 1964 و 1965 تكاثرت مقابلات الصحفيين اللبنانيين مع الدكتور داهش ، ونشروا عشرات المقالات الأضافية عن مُعجزاته بعد أن لمسوها بأيديهم ، وشاهدوها بعيونهم ، وصوّروا مراحلها باّلاتهم الفوتغرافية . كما عقدوا عشرات المقابلات مع شهود عيان لخوارقه يروون فيها ما تمَّ أمامهم من عجائب وخوارق مُذهلة .

كذلك تكرّرت زيارتي لمؤسّس الداهشيّة، و تكاثرت مُعجزاته أمامي، و جميعها ساطعة محسوسة ملموسة. فدفعني ضميري و حبي للحقيقة على ان أحدّث طلابي عما رأيته، و أردَّ على تساؤلاتهم التي أثارتها مطالعاتهم للمقابلات الصحفيّة مع الرجل العجيب و شهود خوارقه،و ذلك خدمة نصرة لحقيقة روحيّة عظيمة سطعت في عصرٍ إلحاديّ ماديّ، هذه الحقيقة التي كانت مُضطهدة في كل جيل. و كنت عهدئذ أستاذ في زحلة-المدينة التي نشأت فيها- أعلّم في معاهدها الكبرى الثلاثة الفكر  والفلسفة و الأدب. و كان لا بد في معرض حديثي لطلابي من ان أشرح لهم أن الداهشيّة تدعو إلى الإيمان بوحدة الأديان و بالأنبياء جميعاً. و هذا يحتّم الإقرار بأن القرآن كتابٌ مُنزل ومحمّدا رسولٌ صادق . وبلغَ كلامي الأساقفة ورجال الدين المسيحي في زحلة . واعتبروا الأمر خطيرا ، لأنني مسيحي في مدينة مسيحيّة اعلن ضرورة التسامح والإيمان بالإسلام أيضا كدين مُنزل . فاجتمعوا ، وقابل وفد منهم السلطات السياسية ، واستعدوها عليّ فأمرت بنقلي من زحلة . وكان لعملهم هذا تأثير معاكس بالنسبة لي وللداهشيّة . فقد انتشرت الداهشيّة بين صفوف الطلاّب في زحلة وضواحيها حتى أنشئت مدرسة خاصة بالداهشيّة. وانتقل تدريسي إلى الجامعات في بيروت، و أصبح حديثي عن الداهشيّة محاضرات في القاعات الجامعيّة.

وبالمناسبة أذكر أنني دُعيتُ إلى القاء محاضرة في كلية الحقوق التابعة للجامعة اللبنانيّة في بيروت، بعنوان ” الداهشية حقيقة روحية تؤيّدها المُعجزات”، و ذلك بتاريخ 21 أيار 1971. لكن السلطة السياسيّة بأعلى مقاماتها تدخّلت لمنعها بالاشتراك مع السلطات الدينيّة المسيحيّة. لكن محاولاتهم باءت بالفشل، إذ أصرّت رابطة الطلاب في كليّة الحقوق، كما أصرَّ عميد الكلية الشهم الدكتور إدمون نعيم على إجراء المحاضرة التي أمَّها الألوف من الناس. ولم يستطع ” أزلام” السلطات المتآمرة إلا منع المصوّرين الصحفيين من التقاط الصور لي و للجمهور الحاشد.(1)

أما مُعجزات الدكتور داهش التي عاينتها فتعدّ بالمئات. و حسبي ان أذكر بضعة نماذج منها:

1-بعد زيارتي الأولى لمؤسس الداهشيّة و مشاهدتي أولى المُعجزات، لاحظت أن رجل الرُّوح يطلب إليّ أو إلى غيري من الحضور كتابة ” رمز” داهشيّ (أي ابتهال للخالق عزّ و جلّ ليسمح بإتمام مُعجزة)، (1) ثم إحراقه، و ذلك بصورة دائمة قبل حدوث أية خارقة. فطاف في ذهني خاطر ظلّ لعدّة ساعات يحاورني و يلحّ عليّ أشدَّ الإلحاح، وهو: لماذا علينا أن نكتب الرمز الداهشيّ دائماً، ثم نحرقه، قبل حدوث أية مُعجزة؟ أليس الرُّوح قادراً على صنع مُعجزة من غير هذا ” الطقس” المُعيّن؟

و طلبت مقابلة الدكتور داهش. و دون أن أفاتحه بكلمة واحدة مما جال في خاطري، نظر إليّ وهو مرتعش بالرُّوح، و خاطبني قائلاً:

-خذ ورقة من هذه الأوراق التي أمامك.

و كان أمامي كدسة من الأوراق الخالية من أية كتابة. فأخذت إحداها.

و قال لي:

-ارسم على وجهي الورقة كلمة”الله” بإصبعك.

ففعلت.

ثم قال:

-اعرك الورقة البيضاء، بكفك، ثم ردد ورائي هذه الكلمات:” بحق الله العظيم أن تتمَّ الآن مُعجزة إذا كان الرُّوح الذي يخاطبني علوياً، و بحق الله العظيم أن لا تتمَّ أية مُعجزة إذا كان الرُّوح الذي يخاطبني غير علويّ.”

فعلتُ ما أوصاني به، ثم فتحت الورقة البيضاء المدعوكة في كفيّ، فإذا برسالة روحيّة قد خطّت عليها، بصورة عجائبية، و هي تخاطبني باسمي، و تظهر حقيقة رسالة الدكتور داهش الروحيّة العظيمة، و تطلب منّي نقل رسالته إلى العالم. و هكذا أخرست شكوكي، وتمّت المُعجزة بدون كتابة الرمز.

 

  • كنت في جلسة عند مؤسّس الداهشيّة عندما حضرت سيدة لبنانية و بصحبتها صديقة صينيّة قالت بالإنكليزيّة إنها أحبت أن تختم زيارتها لبيروت برؤية الدكتور داهش، بعد أن سمعت الكثير عن مُعجزاته، ثم تسافر ، في اليوم نفسه إلى بلدها.

و رحّب بها الدكتور داهش ببسمته اللطيفة، و قال للمترجمة اللبنانية أن تطلب إلى صديقتها الصينية أن تأخذ أية ورقة بيضاء من حقيبتها، و تكتب عليها ما تريده بلغتها الصينية، ثم تطوي الورقة دون ان يراها أحد، و تلقي بها من النافذة إلى الطريق العام.

و مزّقت السيدة الصينية طرفاً من علبة السجائر التي كانت في حقيبتها، و فعلت ما طلبه الدكتور داهش.

و سرعان ما توجّه رجل الرُّوح إلى النافذة، و مدَّ يده في الهواء، و إذا به يمسك لوحة زيتية عليها رسم!

 و نظرت السدة الصينيّة إلى اللوحة التي قدّمها إليها الدكتور داهش بعجبٍ عظيم، و قالت:

-إنني كتبت على الورقة التي رميتها عبارة” مراكب في البحر” بلغتي الصينية.

و كانت اللوحة التي بين يديها مرسوماً عليها  مراكب في البحر!

 

3-ذات يوم كنت مع عدد من الزائرين مجتمعين بالدكتور داهش في منزله. فقال أحد الحضور وهو مُمْسكٌ بنسخةٍ من جريدة ” الحياة” البيروتيّة:

-هل قرأت ، يا دكتور ، خبراً عن عزم رجل هنديّ على إلقاء محاضرة عن ” اليوجا” في قاعة ” الوست هول” بالجامعة الأميركية غداً؟

فأجاب الدكتور داهش بالنفي. فقرأ عليه السائل الخبر.

و أخذتُ أنا الجريدة لقراءة الخبر، فلم أعثر له على أثر، و أبديت عجبي. عندئذ طفقَ جميع الحاضرين يتداولون الجريدة علّهم يعثرون على مكان الخبر منها، فلم يفلحوا. و زاد دهشتنا أن قارئ الخبر لم يستطع الاهتداء إليه ثانية.

إذ ذاك ارتعش الدكتور داهش بالرُّوح، و قال:

-لن تستطيعوا إيجاد الخبر.

فدفعني الفضول إلى أن أستأذن الدكتور داهش بنسخِ عناوين الجريدة في جميع صفحاتها، حتى موضوعات الإعلانات، و قلت له:

-بعد خروجي سأبتاع نسخة أخرى من جريدة ” الحياة” و سأبحث فيها عن مكان الخبر، وما الذي طرأ عليه في هذه النسخة التي معنا الآن حتى عدنا لا نراه.

فقال لي:

-افعل ما تشاء.

وانتحيت، و رحت أنقل العناوين و الموضوعات  صفحة صفحة حتى أتيت على سطر الجريدة الأخير. و ملأت بتلك العناويبن ورقة كبيرة على وجهيها. و طويت الورقة، و جعلتها في جيبي. وعدت إلى حيث كان يجلس رجل الرُّوح.

فإذا به يقول لي:

-لن تقرأ شيئاً فكما محوت من الجريدة الخبر، محوت لك ما كتبته.

و فتحتُ الورقة التي خططّت عليها العناوين-وقد استغرقت كتابتها ما يزيد عن ربع الساعة- فإذا هي فارغة بيضاء. فأخذني العجب!

و في اليوم التالي اتّصلت بكثيرين من أصدقائي، هاتفياً، و بينهم من كان خارج بيروت، و طلبت إليهم، دون أن أعلمهم بالمُعجزة التي حدثت امامي، أن يبحثوا في عدد الأمس من جريدة ” الحياة” عن خبر محاضرة” اليوجا” لكنهم جميعاً لم يجدوا أي أثر للخبر.

أخيراً اتصلنا بجريدة ” الحياة” نفسها، و سألنا المسؤولين عن مكان نشر الخبر في عدد الأمس، دون أن نعلمهم بمقصدنا، لكنهم بحثوا كثيراً، و تعجبوا كثيراً، لأنهم لم يعثروا على الخبر، مع يقينهم بأنهم نشروه في عدد البارحة!

أجل. لقد استطاع الدكتور داهش، بقوة الرُّوح اللامحدودة، أن يمحو الخبر من جميع أعداد ” الحياة” الموزعة في ألوف الأماكن و عشرات البلدان، بلحظة واحدة!

4-كنّا مجموعة لا تقلّ عن خمسة عشر شخصاً جالسين متقابلين في الممر الواسع الطويل الذي يقود إلى القاعة الكبرى في منزل الدكتور داهش. و كنت جالساً قبالة رجل الرُّوح. و رحنا نتحادث. و مرَّ بخاطري كتابٌ معروفٌ باسم ” إنجيل برنابا”، و ما كنت قد اطلعت عليه بعد. فسألت الدكتور داهش إن كان قد اطّلع على الكتاب. فإذا به يقول لي:

-هوذا الكتاب.

و بلمح البصر رأيت ” إنجيل برنابا” يتكوّن بين يديه.

ناولني إياه، و طلب إليّ أن أوقّع اسمي على صفحته الأولى مع تاريخ اليوم، ثم أن يوقّع أيضاً جميع الحاضرين أسماءهم.

ثم أخذت أقرأ فقرات منه. و بينما نحن في هذه الحال، نهضَ الدكتور داهش يهمُّ بالدخول إلى القاعة الكبرى التي كان بابها مفتوحاً بجانبي. و في اللحظة نفسها سمعنا صوته آتياً من أول المدخل، أي على بعد حوالي عشرين متراً، وهو ينادي إحدى الداهشيّات:

-زينا…

فالتفتنا جميعنا إلى مصدر الصوت…و دهشنا! إنه الدكتور داهش نفسه، و لكنه بثياب تختلف عما كان يرتديه قبل ثانيتين إذ كان يجلس معنا. و لمعَ في خاطري و خاطر الكثيرين في الحال أنه لا بدَّ من أن تكون شخصيّة من شخصيّاته و قد تجسَّدت بومضة عين. و نهضنا مسرعين نحوها، و كنت في الطليعة. و سار الدكتور داهش- او شخصيّته- إلى غرفة الاستقبال الأولى، و نحن نتبعه. و ما  إن وصل إلى وسطها حتى اختفى من أمام أنظارنا.

و في اللحظة نفسها، و العجب آخذ منّا، رأينا الدكتور داهش يخرج من باب غرفة نومه المفتوح على غرفة الاستقبال، و كان يرتدي البيجاما و التعبُ بادٍ على وجهه. فسألنا مُستغرباً تجمّعنا و ضجيجنا:

-ماذا حدث؟ و متى جئتم كلكم إلى المنزل؟!

و ما هي إلا دقائق حتى انجلتْ الحقيقة: لقد كان الدكتور داهش مريضاً ملازماً فراشه، بينما نحن نظنُّ أننا مجتمعون به. فمن جالسناه و حادثناه و تكوّن  “إنجيل برنابا” بين يديه بصورة عجائبية إنما كان إحدى شخصيّاته  غير البشريّة، ومن نادى”زينا” و تبعناه ثم توارى فجأة عن أنظارنا إنما كان شخصيّة أخرى من شخصيّاته العجيبة التي لا تخضع للقوانين الأرضية!

ذاك جانب من الدكتور داهش كما عرفته، و كأنني أعرفك البحر بقطرة منه. من عاين مُعجزاته، لا سيما الكثير منها، لا يمكنه الشكّ بصحّتها على الإطلاق. فهي ساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار. و هي تحدث مع إحراق الرموز الداهشيّة و بدونها، وتتمّ في منزله و في غير منزله، و امام المؤمن و الجاحد على السواء. و من قال إنها علم، فليخبرنا عن الكُتب التي تعلّم صُنع المُعجزات، و الجامعات التي تدرّس هذا العلم. و لكنه لن يفعل، لأن كلامه هراء بهراء؛ إذ لو كان ثمّة علم كهذا، لبادرت الدول العظمى إلى الاستفادة منه، و هي تنفق البلايين لتتقدم خطوة واحدة في شتى حقول المعرفة! و من قال إنها قدرة شيطانيّة، و الشيطان هو الذي يصنع الخوارق، فإننا نجيبه: إذا كان الله تعالى يصنع الخوارق و يأمر بالخير و ينهى عن المنكر، و الشيطان، أيضاً، يصنع الخوارق و يأمر بالخير و ينهى عن المنكر، فما الظلمة في عقول الناس الذين ” ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظيم.”

السيّد جورج هنري شكور

تاجرٌ لبناني و كاتبٌ باللغة الفرنسيّة

 

قصّ عليّ هذا الشاب قصّته مع الدكتور داهش التي زادت إيمانه و إيمان أفراد أسرته بالداهشيّة و بقدرة مؤسّسها الإعجازيّة.

قال:

-ألمّت ضائقة بوالدي قرّر على أثرها أن يبيع محلّه التجاري الذي يملكه. و عرضه للبيع بسعر 300 ألف ليرة لبنانية. و لكن احداً لم يتقدّم لشرائه لارتفاع السعر الذي حدده والدي.

و ضاق والدي بهذا ” النحس” الذي أصابه…

و ذات يوم أتاني يقول لي:

-طالما رويت لي عن مُعجزات الدكتور داهش الذي آمنت به أنت و إخوتك. فإذا كان يملك قدرة روحيّة خارقة، حقيقة، فليصنع مُعجزة و ينقذني من ورطتي. فأنا أبوكم و أنتم أولادي.

و ذهبت إلى الدكتور داهش. و قبل أن أتحدّث إليه ، فاجأني هو بقوله:

-خذ ورقة من على هذا المكتب،واذهب بها إلى والدك، و قل له أن يكتب عليها الرقم الذي يريد ان يبيع به محلّه. قل له أن يحدّد القيمة التي يريد أن يُباع بها محلّه و يدوّنها على الورقة.

و لم أنبس ببنت شفة.

أخذتُ ورقة بيضاء من على مكتب الدكتور داهش، و ذهبت بها إلى والدي. و كتب والدي على الورقة: ” مليون ليرة لبنانية.”

و بعد ثلاثة أيام بيع المحل بمليون ليرة لبنانية!

و كان المشترون قد رفضوا شراءه بثلث المليون منذ أقل من أسبوع واحد! و قبّلني والدي و الفرح يغمره، و قال لي:

-اذهب بي إلى هذا الرجل المُعجزة، فإني قد لمستُ قوته الروحيّة مثلك يا ولدي.

و حدثت أمامي مُعجزة اخرى عايشتها بمراحلها المختلفة.

فقد كنت ذات يوم، في منزل الدكتور داهش، فرأيته يقف أمام النافذة المطلة على الشارع العام، و يقول مشيراً إلى فانوس إضاءة نصبته البلدية على منعطف الشارع:

-ما أزعج هذا الضوء! قريباً سيتحطّم.

كان الوقت فجراً. و بعد ساعة تقريباً غادرت منزل الدكتور داهش لأذهب إلى عملي، فإذا بي أرى بعين العجب شاحنة مسرعة تنحرف عن الطريق و تصعد على الرصيف حيث الفانوس المذكور، فتحطّمه!

و في اليوم التالي جاء عمال البلدية و أصلحوا الفانوس لأهمية موقعه على الشارع العامّ، و كان يتألّف من دوائر من البلاستيك داخلها مصباح. لكن لم يطل الزمن حتى عادت سيارة فحطمته. و أعاد عمال الكهرباء محاولة إصلاحه مراراً بعد ان تحطّم تكراراً. و أخيراً اضطر العمال إلى تغيير موضع الفانوس و شكله. و بعد ذلك سلم الفانوس!

السيّد جوزف حجّار

رجلُ أعمالٍ معروف

 

و جوزف حجّار هذا رجل لطيف العشرة، باسم الثغر، تشعر، و أنت تتحدث إليه من أول مرة، أنك على صلة وثيقة به منذ عشرات السنين. و لذلك أحسّست وأنا أتأهب لسماع ما سيقوله عن الدكتور داهش أنني سأسمع الصدق بعينيه، و كلام العقل و التعقّل بلا تزويق أو تنميق. فالرجل، مظهراً و مخبراً، صادق، نقي السريرة.

قال لي:

-سنة 1942 توجّهت مع زوجتي إلى مستشفى رزق للتوليد في حيّ المزرعة ببيروت. و كنت قد سمعت عن الدكتور داهش و ما يأتي به من خوارق. و لما كنتُ اعرفُ أنه قريباً من المستشفى، و قد دفعني حبّ الاستطلاع إلى زيارته. و فعلت.

وجدته شاباً لطيفاً أنيقاً جداً. ما إن نظر إلى وجهي حتى ابتسمَ و أشار إلى ركن من حجرة الاستقبال.

التفتُّ إلى حيث أشار، فأخذني عجبٌ عظيم!

لقد وجدت في هذا الركن من الحجرة ” بيانو ” ! نعم . أملكه في منزلي في حلب . وكنت أعلم أن أحدا في بيروت ليس عنده مثل هذا ” البيانو ” . فهو موروث عتيق ، أقْدَمَ من أن يملكه معاصرٌ في بيروت .

وسألت نفسي : ” رّبما يخلق من الشبه أربعين ” ، كما تقولون أنتم في مصر ، إذ إنّ بين بيروت وحلب حوالي 380 كيلومتراً .

وقرأ الشاب العجيب الدكتور داهش ما يجول بفكري ، فابتسم إبتسامته الرقيقة الجادة ، وقال لي :

– لا تظنّ أنّ ما تراه أمامك مجرّد خيال . تفضّل وتحسّسه . إنه ” البيانو ” نفسه الذي تعتزّ به في بيتك بحلب .

وتحسّست ” البيانو” ثم قمتُ بفحصه …

إنه هو ! وهذه العلامات والخدوش التي أصابته من طول قِدَمِه واستعماله … هي هي التي في البيانو خاصتي الموجود في حلب !

ولمّا أحسّست أن عقلي لن يستطيع فهم ما حدثَ لعِظَمِ الخارقة ، قلت لنفسي : لا بدّ من أن أقطع الشك باليقين . فتركت زوجتي في المستشفى ، وسافرت إلى حلب …

فلم أجدَ البيانو ! …

وكنت قد تركته قابعا في حجرة الاستقبال في بيتي هناك !

كيف تحرّك؟! ومتى تحرّك؟! ومن الذي حرّكه؟! و لماذا تحرّك؟!عدت إلى الدكتور داهش لأعلن له انني أصبحت داهشيّاً.

إنها مُعجزة من عشرات المُعجزات التي رأيتها بعد ذلك.

برأيي أن خوارق الدكتور داهش تدلُّ و تؤكّد بالبرهان الماديّ المحسوس وجود عالم روحيّ مستمدٌّ من الله، و أن وحدة الأديان هي دستور هذا العالم الروحيّ.

السيّدة هيلدا يوسف مراد

موظفة في واشنطن-أميركا

 

-مات زوجي، و أصبتُ بحالة اكتئاب شديدة، و جفاني النوم تماماً، و أحسّست بأنني أسيرُّ نحو نهايتي المحتومة…الموت!

و قد عرضت نفسي على عشرات الأطباء النفسيين و غير النفسيين…و لكن بلا جدوى.واشتدت حالتي  سوءً، و كدتُ أفْصَل من عملي في جدّة بالسعودية.

و جئت إلى بيروت في إجازة. و نصحني بعض الأصدقاء بمقابلة الدكتور داهش؛ و لم أكن قد سمعت باسمه. وقلت لنفسي: ” لن أخسر شيئاً على الإطلاق من مقابلته و عرض مشكلتي الصحّية عليه.”

و ذهبت إليه بصحبة بعض أقاربي.

سألني الدكتور داهش:

-ماذا تريدين مني ان افعله لك؟

قلت:

-أريد أن اشفى من الأرق و من حالة الاكتئاب.

فقال مبتسماً:

-أنت الآن في أحسن حال. لقد شفيت منذ وطئت قدمك ارض هذه الحجرة.

و أحسّست بالسرور يغمرني، و بحالة الإكتئاب تزول عني.

ثم قال الدكتور لي:

-أطلبُ منك الآن، أن تمسكي بهذا القضيب الخشبي و تكتبي عليه اسمك في عدة مواضع منه.

و أمسكت بالقضيب الخشبيّ، وهو قطعة من إطار معد للبراويز، و كتبت عليه اسمي، كما طلب، في عدّة مواضع.

و عاد الدكتور داهش يقول:

-و الآن، اقذفي به إلى فوق، إلى سقف الحجرة.

و فعلت.

و مد الدكتور يده نحو السقف،والتقط قطعة الخشب. و إذا بها قد تحولت، بلمح البصر إلى برواز يحيط بالزجاج، و ضمنه صورة زوجي الذي مات…صورة له كانت احسن صورة!

برواز كامل معدّ لتعليقه على الحائط. و على الإطار مخطوط اسمي مكرراً كما كتبته على القضيب الخشبي بخط يدي!

و ذُهلت… و ذُهل معي الحاضرون… وكانوا أكثر من عشرين شخصاً.

و خرجت من عنده حاملة صورة زوجي. و أخذتها معي، بعد ذلك، إلى مقرِّ عملي في جدّة.و قد شفيت مما كنت أعاني من الأرق والإكتئاب على مدار ثلاث سنوات تقريباً.وانشرح صدري، و أصبحتُ أنام ملء أجفاني.

و أصبحت داهشيّة.

و رأيت أن اترك عملي في جدة لأكون في بيروت قريبة من منقذي، هذا الرجل الخارق القوّة.

و مضى عامان… و أنا بلا عمل.

و ذات يوم قال لي الدكتور داهش.

-لا بأس من أن تعود إلى العمل.

و عيّنْتُ موظفة في السفارة العراقية بواشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية.

و في أحد الأيام، بينما كنت في مكتبي بالسفارة و قد أغلقت على نفسي الباب لأنني كنت أقوم بعملٍ سريٍّ وهامّ، سمعت طرقاً على باب غرفتي، فتضايقت، و لكن قلت بصوتٍ غاضب:

-ادخل.

و فُتِحَ الباب. و إذا بي أرى أمامي الدكتور داهش!

ذُهلتُ…و صحتُ فرحة:

-أنت هنا في واشنطن، يا دكتور؟! متى وصلت؟! و كيف دخلت؟! و لماذا لم أعرف بموعدِ وصولك لأكون بانتظارك؟!

و عشرات الكلمات خرجت من فمي بلا وعي، و لكنها كانت متلاحقة من شدّة فرحي واستغرابي.

و مكثَ معي الدكتور داهش يحادثني حوالي ساعة. و عندما اعتزم الانصراف، هممّت بالوقوف لأوصله حتى باب المكتب. و لكنّه قال لي:

-لا تتحرّكي. ابقي في مكانك حتى انصرف.

وامتثلتُ لأمره لحظة. لكن ما إن خرج من باب حجرتي حتى هرولت وراءه…فلم أجد له أثراً!…

سألت موظف الاستعلامات و البواب، فأكّدا لي أن أحداً لم يدخل  و أن أحداً لم يخرج. ذلك مع العلم أن ليس من احد يستطيع مواجهة أي موظفٍ في السفارةِ ما لم يُعلم الموظف هاتفياً بالأمر!

فيما بعد تأكّد لي أن الدكتور داهش لم يبرح بيروت في تلك الأثناء!

إذن، من يكون هذا الرجل العجيب الذي ينتقّل كالبرق من الشرق إلى الغرب؟!

و اليك قصّةٌ أخرى حدثت لي مع الدكتور داهش:

أنا من أشدِّ المولّعات بالعصافير. و قد جمعتُ منها مرّة ستة في قفصٍ واحد. و ذات يوم وجدت واحداً منها قد فارق الحياة، إذ كان منطرحاً في أرض القفص جثةً هامدة. فحزنتُ عليه.

و حملت القفص و حزني إلى الدكتور داهش. فطيّب خاطري، و سألني:

-أتحبين أن تشاهدي هذا العصفور الميت…يحيا و يطير؟

فأجبته:

 -ليت ما تقوله يحدث، يا دكتور.

قال:

-إذن، أخرجيه من القفص، و أمسكي به في يدك، و ضعيه على راحتك، و قفي أمام النافذة.

و فعلتُ. و إذا بي أحسُّ بالعصفور الميت ينتفض بالحياة!… و يفلت من كفِّ يدي طائراً…محلّقاً في السماء!…

ماذا اقول لك عما شاهدته من مُعجزات هذا الرجل.

قد لا تصدقني… و لكنني أقسم لك بالله سبحانه و تعالى ان كل ما رويته لك حدثَ معي و أمامي.

السيّدة رباب المقدم

ربّة بيت

 

هي سيدة يبدو عليها الاتزان و الوقار. أحسّست و انا أتحدّث إليها انها من النوع الذي لا يتكلم إلا بحساب ومراجعة في الذهن قبل أن ينطلق اللسان. و لهذا جلست أمامها اتأملها و هي تقصُّ عليّ بعضاً مما شاهدته في الجلسات الروحيّة التي كان الدكتور داهش يعقدها بين الحين و الحين…

فماذا قالت السيدة رباب؟

قالت:

-قرأت في مجلة ” الأسبوع العربي” ،في أحد أعدادها الصادرة عام 1964، موضوعاً عن الدكتور داهش والعجائب التي تصدر عنه في جلساته الروحيّة. و طبعاً لم أصدق كلمة واحدة ممّا نُشِرَ في هذه المجلّة على الرغم من انّها مجلّة رصينة تتّسمُ موضوعاتها بالجدّية و الصدق. و مع ذلك، فقد قلت لزوجي:

-لماذا لا نذهب إلى هذا الرجل لنقطع الشك باليقين؟! لماذا لا نقتحم عليه داره، و نرى ماذا يفعل؟ و هل يملك حقاً قوّة روحيّة خطيرة كما جاء في المجلّة؟!

و تردّد زوجي بعض الوقت… و لكنني ألححت عليه، فوافق آخر الأمر.و ذهبنا إليه.

كان الدكتور داهش يتصفّح البريد الذي وصله في صباح اليوم الذي زرناه فيه. و بين أكوام البريد امسكت بألبوم أعجبني. و كان الألبوم هذا  ملآن بصورٍ خاصّة بمنتجات إحدى الشركات الكبرى في أسبانيا. و أعجبتني صورة ل”قطاعة الورق” شكلها جميل فعلاً، ووجدت تحتها كلمة ” صناعة إسبانية”.

نظر الدكتور إليّ، و قال مبتسماً:

-هل أعجبتك هذه القطعة؟

قلت:

-نعم.

قال:

-إذن ضعي إصبعك على صورتها.

و فعلت.

و إذا بالصورة تتجسّد، وتتحوّل إلى قطعة من الصلبِ عبارة عن القطاعة ذاتها، و قد كُتِبَ عليها:” صناعة إسبانية”.

وابتسم الدكتور، و قال لي:

-تفضلي خذيها هدية.

و في جلسة أخرى، أمسكت بألبوم و تصفحته، فوجدت أن أوراقه كلها باتت بيضاء، ليس فيه صورة واحدة.

وقلت للدكتور :

-يبدو أنك لم تُلصق عليه الصور بعد.

فقال:

-نعم. هذا صحيح.

و بعد ثوان، قال لي:

-انظري.

فنظرتُ، و إذا بالألبوم قد امتلأ بفراشات حلوة الألوان، و لكنها ميّتة مُحنّطة.

و امسك الدكتور داهش بالألبوم…و إذا بهذه الفراشات حيّة…تنطلق من الألبوم لتطير في جوِّ الغرفة!…

هاتان المعجزتان و غيرهما مما شاهدت جعلتني أؤمن إيماناً راسخاً، أنا و زوجي و جميع أولادي، بالداهشيّة ومؤسّسها.

الأستاذ إيليا حجار

أديبٌ و صاحبُ ” دار النسر المحلّق للطباعة و النشر”

 

إنه شابٌ لطيف العشرة، يقظ، ذكي، تنمُّ ملامحه عن الجسارة و الإقدام. و بمعنى آخر، هو شاب نبيه لا تجوز عليه الألاعيب و اللف و الدوران.

قال لي بلا مقدمات:

-لقد ولدتُ داهشيّاً، لأن والدي اعتنق الداهشيّة، و أنا لم أولد بعد. وكنت أتحرّك مع الدكتور داهش، و أنا طفل صغير، إلى أكثر الامكنة التي يذهب إليها. و اتنقل في صحبته عندما كان مُضطهداً من رئيس الجمهورية بشاره الخوري و من رجال حكومته.

و كنت لا أدرك عظمة ما يفعله و أهمية ما يجترحه من مُعجزات، لأن عقلي، وقتها كان قاصراً عن فهمِ ما يأتي به هذا الرجل الجبّار.

و مع أنني كنت صغيراً في السنوات التي شهدت اضطهاد رئيس الجمهورية للدكتور داهش، و صراع الرجل الجبّار مع رأس الحكم و زبانيته، فإن كثيراً من أحداثِ الاضطهاد ما تزال راسخة في ذهني.

فقد كان بشاره الخوري يظنُّ أن الدكتور داهش هو خارج لبنان- إذ إنه كان قد أمر بتجريده من الجنسية اللبنانيّة و نفيه-لكن مؤسّس الداهشيّة، في الواقع و الحقيقة ، لم يغادر لبنان، و كان يمضي أكثر أوقاته في منازل أصدقائه و اتباعه من الداهشيين، و بين هذه المنازل بيتنا_ أي بيت جدي جورج حداد، عديل رئيس الجمهورية- وهو لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من بضع عشرات من الامتار.

و لكن، بعد أن بدأ الدكتور داهش حملته الرهيبة على بشاره الخوري و كل من اشترك في المؤامرة عليه، و ذلك بنشره عشرات الكتب و المناشير السوداء التي تفضح الحكم و أعوانه، و تظهر مخازينهم، إذ ذاك بدأ منزلنا يتعرّض للهجمات و المُداهمات المتكررة التي كان يقوم بها رجال الشرطة و رجال الأمن العامّ بحثاً عن الدكتور داهش الذي أقضَّ مضاجعهم.

و كثيراً ما كان الدكتور داهش موجوداً في منزلنا عند مداهمته و تفتيشه، و لكن أبصار رجال الشرطة تعجز عن رؤيته، فيعودون أدراجهم خائبين.

و حدثَ ذات مرة، أن داهم البوليس منزلنا، و كان الدكتور داهش يجلس في البهو معنا عندما قرع البوليس الباب. و رفضتُ أنا أن أفتح الباب خوفاً من أن   يقبضَ على الدكتور داهش، و لكن الدكتور نفسه أمرني أن أفتح الباب لهم. فامتثلتُ.

و بحثَ البوليس عن الدكتور داهش في كلّ ركن من أركان المنزل، و لكنهم لم يعثروا له على أثر، في الوقت الذي كنّا فيه نقف معه أمامهم، بل إنني كنت أقول لرجال البوليس:

-تفضلوا. الدكتور بجواري.

فكانوا يصيحون في غضب:

-أين هو أيها الولد الكذّاب؟

و كان الدكتور ينظر إليهم مبتسماً ساخراً دون أن تتمكن عيونهم من رؤيته. و خرج رجال البوليس مُغتاظين دون ان يستطيعوا القبض عليه.

و هاجمنا ذات ليلة رجال البوليس بعد أن حرّر الدكتور داهش منشوراً رهيباً ضد رئيس الجمهورية اللبنانية، واستولوا على عشرات الألوف من نسخِ هذا المنشور كانت موجودة في بيتنا، ووضعوها في أوعية، و ختموها بالشمع الأحمر، و حملوها معهم إلى مركز البوليس الرئيسي.

و بعد رحيلهم ظهر الدكتور داهش وقال لجدّي جورج حداد:

-اذهب إلى مركز البوليس ومعك سيارة نقل، و قل لهم: أنا جورج حداد، داهمتم بيتي، واستوليتم على مناشير تطعن برئيس الجمهورية كانت لديّ . أريد أن تعيدوا لي هذه المناشير.

فارتسمت الدهشة على وجه جدّي ووجوه الحاضرين، و قالوا إن ذلك يترتّب عليه مسؤولية جزائية عظيمة. لكن الدكتور داهش أمرَ بأن ينفّذ جدّي ما طلبه منه.

و ذهب جدّي إلى مركز البوليس وطالبهم بتسليمه المنشورات التي تهاجم رئيس الجمهورية مكرراً العبارات التي  أوصاه الدكتور داهش بقولها. و إذا برجال البوليس يسارعون، بلا وعي او تفكير، إلى حملِ الأكياس الملأى بالمناشير السوداء و يضعونها في سيارة النقل!

إن هذه الُمعجزة برهنت أن لا إرادة في الأرض يمكن أن تقهر الدكتور داهش.

و كثيرة كثيرة هي المُعجزات و العجائب التي شاهدت مؤسّس الداهشيّة يجترحها و أكتفي أن أذكر منها  التالية:

1- في عهد الاضطهاد، مررنا بأزمة مالية أثرت على والدي كثيراً، فكان يبدو دائماً مهموماً. لكن الدكتور داهش سرعان ما كان يبدّد هموم أبي بالنصح و الفعل معاً.

و أذكر أن الدكتور داهش قَدِمَ مرّة إلينا حاملاً عدة سلال فارغة. فتعجّبنا و سألناه عن امر هذه السلال. و إذا به يبتسم، و يمس بإصبعه السلّة الأولى، فتمتلئ بثمار المانجو. ثمّ يمسّ السلّة الثانية، فتمتلئ أيضاً. و هكذا حتى امتلأت جميع السلال بهذه الثمار الشهيّة. فأكلنا يومها مانجو فقط حتى امتلأت بطوننا.

2-كنت و أنا طفل موضع مداعبة الدكتور داهش. ومما أذكره أنه رآني مرّة ألاحق بعض النمال، فانحنى و رسم دائرة حولها. فكان النمل يتحرّك داخل الدائرة. وكلما وصل إلى الخطّ المرسوم، ارتدَّ عنه كأنه حصنٌ او سورٌ لا يُخترَقْ. ثم سألني الدكتور داهش عن الموضع الذي أحبُّ ان يخرج النمل منه، فأشرت إلى نقطة في خطِّ الدائرة. فرسم عند تلك النقطة النجمة الداهشية. و إذا بالنمل يتحرّك و يخرج منها كأنها المنفذ الوحيد له!

3- دخل الدكتور داهش ذات يوم إلى محلٍّ تجاري نملكه في بيروت، و كنا نعرض فيه للبيع أصنافاً من الألعاب و الطيور المحنّطة. و إذا به يضع يده على أحد الطيور المحنطة، فتدبّ الحياة فيه، و يتحرّك و يترك القاعدة التي كان مسمراً عليها! فنضعه في القفص بضع سنين!

السيد سليم قمبرجي

أحد رؤساء أقسام شركة مارشال الأميركية

و الممثّل الوحيد لها في الشرق الأوسط

 

قصتي مع الدكتور داهش سريعة و مقتضبة، ذلك لأن هذا الرجل أقنعني ببساطة متناهية بأنه يملك قوّة روحيّة ليست من البشر.            فقد أمضيتُ في أميركا ثلاثة عشر عاماً. و كنت أعيش هناك في هدوء واستقرار عندما تلقيت خبراً محزناً من لبنان بأن والدي قد توفاه الله. فحزنتُ حزناً شديداً، و قرّرت العودة إلى بيروت فوراً. و رجعت فعلاً لأتلقى العزاء في والدي.

و لاحظ شقيق لي مدى حزني على والدي، فأراد أن يخفّف عنّي بعض هذا الحزن، فقال لي:

سأذهب بك إلى الدكتور داهش، و هو كفيل بأن يعيدَ الهدوء إلى نفسك، و أن يمسح عنك الأحزان التي تحسّ بها.

و صحبني شقيقي إلى الدكتور داهش. و كان هذا عام 1963.

أعطاني الدكتور داهش ورقة بيضاء، و طلب مني أن أدوّن عليها اسمي. ثم طلب ان أعركها ضمن كفي.

ففعلت.

عندئذ قال لي:

-افتح يدك الآن.

و فتحت يدي. فإذا بهذه الورقة البيضاء المعروكة  المهلهلة قد تحولت إلى ليرة لبنانية، واسمي ما يزال عليها بخط يدي.

و قال لي:

-احتفظ بهذه الليرة، و لا تصرفها أبداً.

وعدت إلى أمريكا، و بقيت فيها ستة أشهر. ثم جدَّ في أسرتي ما دعاني إلى الرجوع مرّة أخرى إلى بيروت. و في يوم وصولي اتّصلت بالدكتور داهش تلفونياً. فقال  لي عبر أسلاك الهاتف:

-هل معك الورقة التي تحولت إلى ليرة لبنانية؟

أجبته:

-نعم.

فقال:

-افتحها الآن.

وفتحتها…

يا إلهيّ! لقد وجدت الليرة اللبنانية قد كُتِبَ فيها، و هي في محفظتي بجيبي، أنني سأتعرّض للغرق و أنا في الباخرة التي عدت بها إلى بيروت في يوم كذا، الساعة كذا.

و كان كل ما كُتب في هذه الليرة، بصورة عجائبية، قد حدث لي فعلاً خلال رحلتي من أميركا. و كان التاريخ المحدَّد لوصولي إلى ميناء بيروت هو بالضبط التاريخ الذي وصلت فيه.

و بالإضافة إلى النبوءة التي تضمّنت مُلابسات رجوعي، احتوت الليرة على عدة نبوءات أخرى تمت بحذافيرها. إذ ذاك و بدون أي تردّد، آمنت بأن الدكتور داهش  مزوّد بقوّة غير بشريّة، و صدّقت بدعوته الروحيّة.

بعد ذلك، كرّرت زيارتي لمؤسّس الداهشيّة، و شاهدت مُعجزات كثيرة تمّت على يديه. أكتفي بذكر واحدة منها.

فقد زرته مرة وأنا أحمل عدداً من حبّات الأفوكادو الخضراء الفجّة جداً، و هي تقتضي عدة أسابيع  لتنضج. فإذا به يتناول هذه الثمار الفجّة من الكيس واحدة واحدة، و ما إن يلمسها حتى تنضج و يتغيّر لونها، فنأكلها بشهيّة!

السيّد علي قمبرجي

مدير محلات تجاريّة في بيروت

 

قال السيد علي لي:

-كثيرة هي المُعجزات والخوارق التي قام بها الدكتور داهش معي و مع أفراد أسرتي.و إليك بعضاً منها:

ذات يوم من عام 1963 حدث في بيتنا حادث مؤسف.فقد كانت زوجتي تعدُّ لنا الطعام، و إذا بها تُصاب بحروقٍ بالغة مشوّهة في وجهها.

و عرف صاحب المحلاّت التجاريّة التي كنت أديرها بمصابي، و كان على صلة بالدكتور داهش. ففاجأني ذات يوم بحضوره على منزلي بصحبة مؤسّس الداهشيّة.و إذا برجلِ العجائب يمدُّ يده، فيلمس وجه زوجتي المُحترق المشوّه. و ظننت أنا أنها مجرّد مجاملة و تعزية منه.و لكن ما إن همّ بتوديعنا و مغادرة المنزل، حتى كانت الحروق الشديدة قد اختفتْ آثارها نهائياً من وجه زوجتي. فحمدتُ الله على سماحه بهذه المُعجزة، و على رحمته التي جسّدها بهذا الرجل العجيب.

و إليك قصّة أخرى حدثت مع زوج شقيقتي  النقيب غازي فرج.

مرض زوج شقيقتي بداء القلب، و أمضى عشرات الشهور يتنقل بين عيادات الأطباء المتخصّصين بلا جدوى ولا أمل في الشفاء . و أجمع كل الأطباء على وجوب سفره إلى أميركا لإجراء عمليةٍ جراحية هناك، و أنها لن تكون مضمونة السلامة، و لكنّها الأمل الوحيد في نجاته مؤقتاً.

وحملتُ زوج شقيقتي إلى الدكتور داهش، و طلبتُ مساعدة روحيّة له. فقال الدكتور إن المساعدة الروحيّة ستحدث لهذا الشاب، وإن الله تعالى سوف يُشفه ممّا يعانيه.

و رجعت بزوجِ شقيقتي إلى المستشفى للمرّة الثانية خلال أسبوع واحد لإجراء تصويرٍ للقلب ملوّن بواسطة الأشعة، و ذلك للتأكّد ممّا ظهر في تصوير الأشعة السابق، و لإظهار المكان الذي تُلِفَ من القلب، بدقّة لكي أحمل كل هذه النتائج و الوقائع إلى أميركا، كما قال الأطباء في بيروت.

و في حجرة الأشعة، و قبل أن يأخذوا الصور المطلوبة، صاح المريض:

-أنا أشعر بأنني شُفيت. نعم، لقد شُفيت، و لا داعي لعمل الأشعة. و لكنني أصرّرت على تصوير قلبه بالأشعة. و فعلاً أخذت له صورٌ ملوّنة. و عرضت الصور على الطبيب المختصّ، فقال:

-لا يوجد أي مرضٍ في قلبِ هذا الشاب.

و صُعقنا!…و احضرنا للطبيب صورة الأشعة التي أخذت له في الأسبوع السابق.

قارنَ الطبيب بين الصورتين، فإذا الدهشة ترْتَسِمُ على وجهه، و سمعناه يتمّتم:

-مش معقول!…مش معقول!…

فسألناه:

-ما هو هذا غير المعقول؟

أجاب:

-في صورة الأشعة التي  أخذت قبل أسبوع، يبدو المرض واضحاً جداً في هذا الجزء من القلب. و كان هذا الجزء هو الذي ستُجرى فيه الجراحة بأميركا. و في صورة الأشعة الثانية التي أخذت له اليوم، لا أثر إطلاقاً للمرض!…ماذا حدثَ ، بالله عليكم! كيف حدث هذا؟! إنه أمر لا يمكن حصوله طبياً.

قلنا له:

-لقد شفاه الدكتور داهش بقوّة الله.

و أصبح زوج شقيقتي، و شقيقتي، و أنا…من معتنقي الداهشيّة.

الأستاذ ماجد مهدي

صاحب ومدير” مدرسة النهضة العلمية” في لبنان

 

قال  الأستاذ ماجد مهدي:

-تناهتْ إليّ أخبار الدكتور داهش عبر جريدة ” النهار” البيروتية، في الملحق الصادر بتاريخ 21 آذار 1965. ثم تتبّعتها في الجرائد و المجلاّت الأخرى كمجلاّت”اللواء” “و الأسبوع العربي” و ” الجريدة” و غيرها…

و كان عمري وقتها ستة عشر عاماً. و لم يكن البيت الذي نشأت فيه إلا صورة مصغّرة للمجتمع الكبير المطبوع بالرياء البشريّ و الأكاذيب و الأضاليل، هذا المجتمع الذي باع نور السماء بظلمات الماديّات، وارتضى أن يكون قفراً تتصارع فيه الذئاب الخاطفة بدلاً من واحة المحبّة و الإخاء، هذا المجتمع الذي قوّضت الطائفيّة أسس صلاحه، فحفل بمشاهد الكفر و الإلحاد و تألّه العباد.

فما إن قرأت عن ُمعجزات الدكتور داهش حتى وجدتني أمام آراء مُتضاربة قاسمها المشترك أنّها جميعها تقرّ بوجود قوّة فائقة تتجلّى خوارق مُذهلة، و لكنها تختلف في تفسير هذه القوّة من حيث منشأها و طبيعتها و غايتها. لذلك صمّمت على أن أتعرّف إلى الدكتور داهش.

فذهبت إليه، و شاهدت، كما شاهد الكثيرون، مُعجزات تحقّقت منها بحواسي و عقلي…

ثم قرأت كتبه و تفهّمت مبادئه، فوجدتها عابقة بروحانية يفتقر إليها عصرنا الماديّ.

و عندما جالسته و عايشته، وجدته المثل الأعلى لتلك المبادئ التي ينادي بها.

و بدأت التعمّق في فهم مبادئ هذا الرجل. و بدأت أيضاً أكفر بالمجتمع الذي أعيش فيه مع أهلي و عشرتي.

لقد فتحت مُعجزات داهش عيني على واقع عظيم، إذ إنها تؤكّد وجود الله تعالى، و تظهر حقيقة قوّته اللانهائية، و تثبّت بالبراهين المحسوسة و الأدلة الملموسة وجود العالم الثاني، نعيماً كان أو جحيماً. فالأرض ليست مركز الكون، كما يظن، لا فلكياً و لا ذهنياً و لا روحيّاً، و لا هي الدرجة الأسمى للحضارات الكونية. أما مصير الإنسان فيها بعد الموت، فيكون رهن أعماله.فالصلاح و عمل الخير يسموان به إلى الدرجات ( أي النعيم)، و الانغماس في المفاسد والشرور ينزل به إلى الدركات ( أي الجحيم).

منذ ذلك الحين، آمنت بأن الدكتور داهش هو صوت العناية الإلهيّة،و بأن الأرض قد سكرت من خمر الخطايا، وترنّحت في كفرها و نكرانها للخالق المعبود، و تربّع إبليس على عرشها كاهناً!

حقائق كثيرة تعلمتها من الداهشيّة…و لعلّ أبرز ما أحبُّ أن اعترف به هو فضلها في استئصال سوسة الطائفيّة البغيضة كلّياً من جذور نفسي. فقد جعلتني تعاليم الدكتور داهش أؤمن إيماناً راسخاً بوحدة الأديان، و بأخوة الإنسان للإنسان. و في ظلِّ الداهشيّة، صرت أهزأ بتجّار الطائفية، و أسخر من مستغلّيها، و أشفق على ضحاياه.

إن الحقّ الذي شعرت بأنَّ نوره غمر قلبي، كان لا بدّ من أن أزفّ بشراه إلى أهلي… و لكن أهلي قاموا ضدّي. و كان صراعٌ مريرٌ مؤسف بيني و بين والدي.

لم يكن والدي من الذين يعملون بقول جبران خليل جبران:

” أولادكم ليسوا أولاداً لكم.

 إنهم أبناء و بنات الحياة المشتاقة إلى نفسها…

و مع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم.

أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبّتكم،

و لكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم.

لأن لهم أفكاراً خاصّة لهم.”

و من أعجب ما قاله والدي، مرّة، وهو محتدٌّ:” لا أرضى أن تكون أخلاقك كأخلاق الأنبياء، لأن الأنبياء حرموا أنفسهم لذائذ الحياة”.

و قد منعني والدي من قراءة  القرآن الكريم و الإنجيل، واستنجد بالشيوخ من أصدقائه لكي يَسْدوا إليّ النصح بضرورة طاعة الأهل طاعة عمياء،

و الخضوع لإرادتهم، لأن طاعتهم من طاعة الله.

و لكنني لم أصغ إلى النُّصح. و كيف أصغي، و قد قرأت في سورة العتكبوت من ” الكتاب الشريف”:”ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. و إن جاهداك لتُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون”

أولم يقل السيد المسيح:” أعداء الإنسان أهل بيته”؟

أولم يعلن الإمام عليّ بن أبي طالب أن ” لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق”؟!

و طردني والدي لفترة من الوقت…إلى أن قرّرت السفر إلى فرنسا لأدرس الطبّ.

و في فرنسا رحت أنشر الداهشيّة في المحيط الذي كنت أعيش فيه، ليقيني بأنها وحدها تقدّم إثباتاً محسوساً لوجود الله تعالى وللقوّة الروحيّة التي لا تحدّها قيود الزمان و المكان.

وألقيت أكثر من محاضرة عن الداهشيّة. و نالت المحاضرات الإعجاب و التفهّم و التقدير. و تلقّيت رسائل كثيرة من جنسيّاتٍ مختلفة تطلب مني مزيداً من المعلومات عن الدكتور داهش و رسالته التي تعدو إلى وحدة الأديان، و عن المُعجزات التي قام و يقوم بها.

بعد ذلك النشاط الذي قمتُ به في فرنسا، قررَّ والدي قطع علاقته بي نهائياً، و منعَ عني مصاريف الدراسة والإقامة في فرنسا. و لكن هذا لم يُضْعف عزيمتي. و قد تلقيت من أصدقاءٍ كثيرين يؤمنون بما أؤمن ما أعانني على مواصلة الدراسة و الإقامة في تلك البلاد.

و عدت في إجازة الصيف إلى لبنان بعد ثلاث سنوات أمضيتها في فرنسا، فوجدت والدي في ثورةٍ عارمة. فطردني من المنزل، و حرَّم عليّ دخول المدرسة التي كان صاحبها.

فاتّصلت بالدكتور داهش أعلمه باضطهاد والدي لي، فهدّأ خاطري، و سألني:

-ما هو عمر والدك؟

فأجبته:

-خمسون عاماً.

لكنّه عاد فطرح عليّ السؤال نفسه مراراً حتى استغربت منه!

و في الأسبوع نفسه، زارنا الدكتور غازي براكس ليقول لوالدي ناصحاً:”إن الداهشيّة إنما جاءت لتُعيدَ البشر إلى أديانهم المنزلة، و أنها جاءت لتُزيل الفوارق بين البشر و الطوائف، ليحيا الجميع إخوة في ظلِّ ربٍّ واحد، خالق السماوات و فاطر الأرض…” و كانت زيارته المحاولة الأخيرة لإفهام والدي  بضرورة العودة عن موقفه المُجْحف بحقّي، و المقاوم للداهشيّة و مؤسّسها.

لكن والدي زادَ اضطهاده لي، و غالى في عناده…

عندئذ أخبرت الدكتور داهش تلفونياً بما أعانيه، فقال لي بصوتٍ حازم:

-سوف يزول…سوف يزول…

و لم تلبث أن نشبت مشاجرة حادّة بيني و بين والدي، فصاح والدي متحدّياً:

-إذا كان داهش صاحب قوّة روحيّة حقّاً، فليمتني إذا استطاع.

و في اليوم التالي،  أخذ والدي يعُد لإقامة مهرجان دعا إليه شيوخاً من بعلبك و بيروت، ومفتياً كبيراً من لبنان، ليقوموا بمواجه الدكتور داهش و محاربة الداهشيّة و تفنيدها…

لكن المفاجأة المؤسفة المُذهلة حدثت! والمُعجزة تمّت!

فقبل بضع ساعاتٍ من إقامة المهرجان، توفي والدي بالسكتة القلبية.

وما إن اتّصلت بالدكتور داهش لأبلغه الخبر، حتى طلبَ إليّ، و أنا على التلفون، أن أفتح ورقة سلمني إيّاها منذ زمنٍ، ففتحها. و إذا فيها نبوءة خطيّة بأن والدي سوف يتوفى في نفس التاريخ الذي مات فيه، وأن القوم الذين سيدعوهم لتفنيد الداهشيّة،سوف يحضرون مأتمه، ويشيعون جثمانه و جنازته.

و أصبحت المدرسة التي ورثتها عن والدي بعد موته، والتي كانت مسرحاً للهجوم على الداهشيّة- أصبحت اليوم صرحاً تربوياً من صروح الداهشيّة في لبنان.

و لهذا، فأنا داهشيّ راسخ الإيمان بصدق الدعوة الروحيّة التي يقوم بها الدكتور داهش، و بخوارقه ومُعجزاته التي يجترحها بإذنه تعالى.

السيّد نقولا ضاهر

موظفٌ في مصلحة الهندسة في بلدية بيروت

ماجيستير في التاريخ العام

 

كثرت الأحاديث عن الدكتور داهش في لبنان و سائر البلاد العربيّة منذ الثلث الأول من القرن العشرين. و بما أنّي ولدت و ترعرعت في منطقة المصيطبة و المزرعة ببيروت حيث نشأ هو و قطن، فقد كان لي منذ نعومة أظافري، النصيب الوافر في سماع ما يرويه الجيران عن أعماله العجيبة.

و دارت الأيام…و اتيحَ لي أن أتعرّف بالدكتور داهش بواسطة شقيقتي إيلين التي كانت قد تعرّفت إليه من قبل.و في أثناء زيارتي الأولى له سألته عن عدّة أمور كانت تجول في خاطري منذ عهد بعيد. منها: عندما يتوفّى المرء و يصبح جثّة هامدة، فأين تختفي الرُّوح؟ ماذا يحصل بعد الوفاة. زد أنني كنت أحرص، في فتوَّتي، على  ألا أؤذي أي مخلوق. سواء أكان طائراً أم حشرة أم سواهما؛ و كان يراودني أنه قد يُكتب لي أن أكون يوماً مثلها، فيُصيبني ما قد يصيبها إذا آذيتها…فهذه التساؤلات و الخواطر حدثته بها؛ فكان يصغي إليّ بكلِّ تواضع و هدوء ورويّة. وممّا قاله لي: ” تساؤلات وجيهة، يجدر بالمرء أن يعرف أجوبتها. بيد أن الإجابة الوافية الشافية عنها لا تتأتى إلا في أثناء الجلسات الروحيّة. فالرُّوح توضّح لك كل شيء؛ الماضي و الحاضر و المستقبل ماثلة كلّها أمامها.”

سألته:” و ما هي الجلسات الروحيّة؟ إنه ليشوقني أن أحضر إحداها.” فأجاب:” الأمر بسيط جداً. عليك بكتابة ” الرمز الداهشي- و ما هو إلا ابتهال يتوجّه به الإنسان إلى القوّة الموجدة، إلى الله جلّ اسمه-و ذلك مرة كل يوم، وعلى مدى شهر واحد. و من ثمّ يسمح  لك بحضور جلسة روحيّة تحصل ظاهرات يكون في استطاعتك أن تسأل ما تشاء. و في الجلسة الروحيّة تحصل ظاهرات روحيّة و مُعجزات فائقة يلمسها الحاضرون لمس اليد؛ فهي لا تقبل الشكَّ إطلاقاً. كل ذلك لإثبات وجود الرُّوح و قوّتها و خلودها، و إعطاء فكرة واضحة عن العالم الآخر و العدالة الإلهيّة و الثواب والعقاب…”

أعددت الشهر الرُّوحي، و تسنى لي أن أحضر جلسة روحيّة، و ذلك في 20 تشرين الأول عام 1964. و قد حصلت فيها أمامي خوارق كثيرة أكتفي بذكر بعضها. منها استحضار رسالة في ظرف مُلصق كان قد أرسلها إليّ أحد الأصدقاء في الكويت، و تسلّمتها بيدي، و لكنها فُقدت. و في أثناء الجلسة الروحيّة خاطبتني الرُّوح قائلة:”أتريد رسالتك المفقودة؟” فأجبتها:”نعم.” و في الحال، فتح الدكتور داهش المأخوذة بالرُّوح راحة يده اليمنى، فإذا بها فارغة. ثم ضرب بها ركبتي اليسرى، فإذا بالرسالة” تخلق” بين راحة يده و ركبتي. ثم سلّمها إليّ، ففضتها، فإذا هي الرسالة نفسها بتاريخها القديم؛ وما أزال حتى الآن محتفظاً بها.

و كنت قبيل انعقاد الجلسة الروحيّة، قد كتبت “رمزين” داهشيّين على جهتي ورقة صفراء، و أحرقتها، و غلفت رمادها بورقة صفراء خالية من أية كتابة، ووضعتها في يدي. و في أثناء الجلسة، طلبت الرُّوح إليّ أن أفتحها؛ ففعلت. و إذا بالرماد يختفي، و تحلّ محلّه الورقة الصفراء الاولى و على جهتيها ” الرمزان” كما كتبتهما بيدي! و قد طلب إليّ أن احرقها ثانية؛ ففعلت. بعد ذلك، أخذت الرُّوح كوباً مملوءاً من الماء، فسكبت نصفه على رأسي، و النصف الآخر على رأس شقيقتي إيلين التي كانت تحضر الجلسة أيضاً، فإذا بالماء المسكوب يتغلغل في رأسينا بلمح البصر بغير أن يترك أي أثر للبلل علينا.

و ثمة خارقة أخرى وقعت في العام نفسه ( 1964) يحسن بي الكلام عليها ههنا في شيء من التفضيل.فقد كان الدكتور داهش في زيارة أسرة تقيم في محلة المصيطبة على مقربة من منزلي؛ و كان يرافقه الدكتور فريد أبو سليمان. و لما علمت بأن الدكتور داهش في زيارة جيراننا، هرعت إلى مقابلته. و بعد انقضاء وقتٍ قليل إلتفتَ إليّ و سألني:” هل سيارتك معك في الخارج؟” أجبته:” نعم. ” عندئذ، طلب إلى الدكتور أبو سليمان أن يسبقه إلى منزله، و قال له:” سأذهب مع الأخ نقولا.” فاستأذن الدكتور أبو سليمان، و خرج و هو يلتفتُ إلى الدكتور داهش من حين إلى آخر، الأمر الذي استرعى انتباهي،  وأثار استغرابي. و لم يطل الوقت بنا حتى هبَّ الدكتور داهش مودّعاً، فخرجت معه، و استقللت سيارتي إلى منزله.

في أثناء الطريق، سألني:” هل لديك قداحة او علبة ثقاب” فأجبت بالنفي. و أردفت أقول:” سأبتاع لك علبة ثقاب من أي حانوت نصادفه في طريقنا.” و لما اقتربنا من أحد الحوانيت ، و هممّت بوقف السيارة، قال لي:”لا تبتاع من هذا الحانوت، فإن فيه قوم أردياء.” نظرت إلى الداخل، فإذا ثمة جماعة يقامرون و يسكرون. وقبل ان أهمَّ في متابعة السير، قال لي و هو ينظر إلى الأمام:”إنتبه! ثمة سيارة وراءك مُقبلة بسرعة”؛ و هذا ما كان في الواقع.

حاولت العروج على حانوت آخر، فبادرني بقوله:” لا تفعل. راوده على غرار السابقين”. ثم قال لي:” تابع سيرك. حيث أقول لك:” قف”، تقف.”و لما بلغنا مجمّع مدارس الإنكليز و الفرنسيين و راهبات مار يوسف الظّهور،

-و كانت الساعة الرابعة بعد الظهر ساعة انصراف الطّلاب إلى منازلهم- طلبَ إليّ  أن أقف؛ فانتحيت جانب الرصيف، ووقفت.

أخذ الدكتور داهش”رمزاً” مطوياً بيده اليسرى، و مدَّ يده اليمنى من نافذة السيارة إلى خارجها ، و ما كان أعظم دهشتي و انا أراه يلتقف من الهواء قداحة مُذهّبة جميلة المنظر، فأحرقَ بها” الرمز” المقدس في داخل السيارة، وتصاعد الدخان… ثم تناول الدكتور داهش القداحة، و قذف بها إلى خارج السيّارة، فاختفت من فورها! ثم أخذ رماد”الرمز” المحروق، و رماه على خارج السيارة أيضاً، فإذا مصيره مصير القداحة نفسه! بعد ذلك ، طلب إليّ أن أتابع سيري إلى منزله، فامتثلتُ. ولدى وصولنا إليه، دعاني إلى زيارته، فلبّيْتُ دعوته.

صعدنا الدرج، و دلفنا في ممرٍّ قصير إلى صالة رحبة… و يا للمفاجأة العظمى! كدت لا أصدّق نظري! أحقيقة ما أرى؟ الدكتور داهش في بيجاما مخطّطة بالأحمر و البيج  يجلس على مقعدٍ أشبه بالسرير، و لفيفٌ من الزوار (فيهم الدكتور فريد أبو سليمان) يتحدّثون إليه! أما الدكتور داهش الذي كنت أرافقه ، و الذي كان يرتدي سترة ذات لون بنيّ و بنطلوناً بلون البيج، فراح يصافح الحاضرين المأخوذين بما يشاهدون، ثم صافحَ الدكتور داهش ذا البيجاما المخطّطة! و لما دنا منّي، مدّ يده إليّ مصافحاً،  وقال لي:” أستودعك الله.إلى اللقاء”؛ فصافحته. و ما إن خطى بضع خطوات حتى توارت نصب عيني فجأة، و ذلك قبيل وصوله إلى الباب المؤدي إلى خارج الصالة! حينئذ، قال لي الدكتور داهش:”لا بدَّ انك علمت، يا أخي نقولا، بأن من رافقته كان شخصية روحيّة من شخصيّاتي الستّة… أما أنا فلم أبارح طول هذا النهار، و ذلك لوعكة صحية ألمّت بي . و حرارتي ما تزال مرتفعة.”

و مما أذكره أيضاً انني كنت ، ذات يوم من عام 1965، في زيارة الدكتور داهش بمنزله. و بينما كنت اتحدّث إليها أخذ فجأة بالرُّوح، و قام أمامي بعدة أعمالٍ خارقة، منها استحضار محفظة لي من دُرْج مكتبي المُقفل، في منزلي، و هي تحتوي على اوراق تخصني.

لقد عايشت الدكتور داهش مدّة خمس عشرة سنة، كما تسنّى لي مرافقته  في بعض رحلاته و لا سيّما إلى إيران و مصر في عام 1971. وبحسب القول إن ما قام الدكتور داهش امامي  من خوارق مُذهلة، و ما زودني به من إرشادات و تعاليم روحيّة لم يتوخّى منها إطلاقاً أي غرض ماديّ، و ما وقعت عليه في مؤلفاته الأدبيّة من آراء ونظرات في شتى شؤون الحياة، و بخاصّة في الصداقة والمرأة و رجال الدين و حقيقة الأديان و تعدّد المذاهب-إن ذلك كلّه كان له الأثر العميق الفعّال في مجرى حياتي، الأمر الذي بدّل مفاهيمي، و حملني على الإيمان الراسخ بالوحدة الدينيّة الجوهريّة ونبذ الطائفيّة، هذه الآفة الاجتماعية البغيضة. كما حملني على الإيمان بحقيقة الإسلام و رسالة النبيّ محمد، و بالعدالة الإلهيّّة و المسؤوليّة الذاتيّة، و بأن الجزاء من نوع العمل ، و باستمرارية الحياة بعد الموت، و بالعوالم الأخرى، الماديّة منها والروحيّة، و بأن السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون و جوهره… هذه الحقائق كان لها التأثير البعيد في نفسي. فكلّها يرمي إلى إصلاح الفرد جذريا لبناء مجتمع مثالي فاضل، أركانه المحبّة و الحقّ و الجمال و الخير.

لقد آمنت الإيمان المُطلق بأن الدكتور داهش هو هادٍ من هُداة الله؛ وهو، أيضاً، مُصلحٍ و مُربٍ و طبيبٍ للنفوس البشريّة المريضة التي ترزح تحت نير ميولها الوضيعة ورغباتها الدنيئة، و التي تقدّس المادّة وتعبد المال وتتهالك على الجنس وتعشق الباطل و تُسيء إلى كل ما هو صالح لها في هذا العصر المخيف، عصر سادوم و عامورة، بل قل بابل القرن العشرين.

إن ما عاينته من خوارق الدكتور داهش، و ما قبسته من تعاليمه القويمة و إرشاداته الحكيمة أكّد لي أن حياتنا على الأرض ما هي إلا جزء من حياتنا الكبرى، و ان ترقية النفس البشريّة لا تتمّ إلا عن طريق إدراك الحقائق الروحيّة ومجاهدة الإنسان بسيّالاته الوضيعة في سعيه إلى الأفضل.

وإنه ليحضرني ههنا قول السيّد المسيح:” من ثمارهم تعرفونهم.” وما ثمار الدكتور داهش إلا الحقّ و الخير  والجمال، يقدمها بكلّ تواضع ومحبّة و إنسانية. وما الإخوة و الأخوات الداهشيّون الصادقون إلا بعض ثماره. وبحسبي أن أشير ، في هذا المقام، إلى من ترك منهم أثراً في نفسي، و أخصّ بالذكر النطاسيّ البارع الذي اشتهر بطبِّه وأعماله الإنسانية الدكتور جورج خبصا. هذا العالم النبيل الُمجاهد و الإنسان الخلوق بشهامته و كرمه الحاتميّ وقف إلى جانب الدكتور داهش في السرّاء  والضرّاء و لا سيّما في أشدّ أوقات محنته الأليمة مع الطغاة من الحكام اللبنانيين، و ذلك بكلِّ فخرٍ  وثبات في العقيدة، لا يضنَّ بالتضحيّات الجسام.

ولا أنسى الأخت الأديبة ماري حداد ، رئيسة جمعية الفنانين اللبنايين سابقاً تلك الأخت التي كافحت بإيمانها الجبّار ضدّ الظّلم و الظّلام من أجل مبادئ إنسانيّة شريفة هي الخير كله لصلاح الفرد و إصلاح المجتمع. فقد تحمّلت السجن و العذاب و قاومت الشرّ، و نشرت باسمها ضدّ أعداء الدكتور داهش عدة نشرات و كتب سوداء تفضح فيهم أعمالهم و مثالبهم، فكانت بحقّ نداءً  إلى الحقّ، و نبراساً للكلمة الحرّة الجريئة، و جرساً للحريّة في الوطن العامّه الراسف بالأغلال.

هذه بعضٌ من ملامح الدكتور داهش و ثماره الجيّدة. و قديماً قيل:” و شبه الشيء مُنجذب إليه”. و إني قد تكلّمت بما علمت، و شهدت لما رأيت. والسلام على من اهتدى، فهدى.

و بعد... إليك أغرب ما سمعته

من مُعجزات داهش!…

إذن ، و قبل أن أسرد قصصاً هي في رأيي أغرب من أي خيال، أود أن أقول:

إذا كان مقياس الإيمان بفعلٍ من الأفعال أو بعقيدةٍ من العقائد، إذا كان مقياس الإيمان هو الحماس الشديد، والثّقة التي تنطق بكلّ ثقلها خلال حديث هذا المؤمن أو ذاك، و الصدق كل الصدق في نبرات الصوت و إيماءات الحركة، و اليقين بما يتحدث به المؤمن… فإنني أقول إن كل هذه الصفات و ما هو أقوى منها بما يعجز القلم عن وصفه… كل هذه الصّفات كنت أسمعها بأذني، و أحسّها بجوانحي، و أقرأها في ملامح كل من المتعصّب لإسلامه- أحسد هؤلاء الذين تحدّثوا إليّ بكلّ هذا الحماس و كلّ هذا اليقين. نعم، حسدتهم لأن مثل هذا الشعور الذي يشعرون به حيال الدكتور داهش و مُعجزاته هو فوق كل إحساس و فوق كل يقين.

و مع ذلك، فإن ما سأسرده في هذا الباب يفوق كل ما سبق و قد سمعته بنفس الصدق و نفس اليقين ممّن هم على أعلى درجة من الثقافة و العلم.

فقد قيل لي إن تكوين شيء غير موجود، و تكوين شيء قبل وجوده، و تكوين شيء بعد فنائه: هذه الأمور الثلاثة سواء في نظر الرُّوح العليّ. ذلك بأن القادر على خلق المجرّات، و المهيمن على الموت و الحياة، قادرٌ على فعل أي شيء، و كلّ شيء. مستندات ووثائق و سندات مالية وصور… أحرقت أمام أعين كثيرين، و أعيد تكوينها في مثلِ لمحِ البصر.

وهؤلاء الكثيرون يعدّون في نظري على أرفع درجة من العلم و الثقافة وسعة الاطّلاع، و معرفةٍ بصفاتِ الخالق الواحد الأحد.

تكوين جريدة قبل خمسة أيام من صدورها

و قد سمعت أن شخصاً محترماً، هو السيد فيليب حدشيتي، ذهب  إلى الدكتور داهش حاملاً في يده جريدة ” ليجور” Le jour اللبنانيّة التي تصدر بالفرنسيّة في بيروت. و كان السيد المذكور قد دوّن على هوامش الجريدة عدّة أسئلة قرّر طرحها على الدكتور داهش خلال الجلسة الروحيّة التي دُعِيَ لشهودها.

و عُقدت الجلسة أمام كثيرين.

و سأل الدكتور داهش السيد فيليب:

-هل تؤمن بالله تعالى؟

فأجاب السيد فيليب:

-أصدقك القول، يا دكتور، إنني لا أؤمن بوجوده. و هذا ما كنت أقوله و أنا في باريس.

و سأله الدكتور داهش:

-وماذا تريد كي تؤمن و يظهر خطأك الفاضح؟

قال:

-أريد مُعجزة.

فقال له الدكتور داهش:

_إذن انظر إلى الجريدة التي في يدك.

و عندما نظر السيد فيليب في جريدته التي حملها معه عند دخوله، صرخَ من فرط الدهشة، ذلك لأن عدد الجريدة الذي أحضره معه كان يحمل تاريخ 28 نوفمبر ( تشرين الثاني)، و إذا به يجد العدد بخمسة أيام. أما الأسئلة التي دوّنها على حواشي الجريدة، فكانت ما تزال هي نفسها.

و بعد 5 أيام،صدر عدد 3ديسمبر ( كانون الأول) فقابله العدد الذي كان في يده عند حضوره الجلسة الروحيّة، فإذا هو نفسه بكل ما كان منشوراً فيه من حوادث و أنباء محلية وعالمية.

لقد أحدثَ داهش مُعجزة تكوينيّة تحمل في ذاتها مئات التنبؤات، في صورة الأخبار و الحوادث التي لم تكن قد عُرفت بل ولِدَتْ بعد.

و خرج السيد فيليب الحدشيتي من منزل الدكتور داهش مؤمناً بقوّة الله القادر على كل شيء.

تجسّد فتاة لم تكن في عالم الأرض

واقرأ معي، أيها القارئ، بل هذه المُعجزة، كما رويَتْ لي:

كان ذلك عام 1943 في جلسة روحيّة عقدها الدكتور داهش في منزله. و كان السيد بين الحضور المحامي والوزير السابق إدوار نون و الدكتور جورج خبصا و السيد جورج حداد و الأديبة ماري حداد و غيرهم.

و بينما الجلسة منعقدة، إذا بصبية حسناء تتجسّد أمامهم فجاةً، تحت النور الساطع. وبهت الجميع، و ألجمت الأفواه، و خرست الألسنة، فظنّوا إنهم في وهمٍ مبين. و لكن الفتاة تفاجئهم بقولها:

-لا تظنّوا أنكم واهمون. فما ترون هو حقيقة واقعة… أنا اسمي ” ندى” و قد أتيتُ من عالمٍ ماديٍّ آخر.

و لم يصدق الحاضرون. و بدأ كلٌّ منهم يتحسّسها بيده، فإذا هي لحم ودم كالبشر، و لكنها كانت ترتدي فستاناً، و تحمل حقيبة، لم يكونا من الزي الدارج في الناس سنة 1943.

وبعد تسعة عشر عاماً تزور الصبية نفسها الدكتور داهش و قد أصبحت من سكان الأرض، و كانت في نفس العمر الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً، و تلبس نفس الثوب، و تحمل نفس الحقيبة.

و شرح الدكتور داهش هذه الظاهرة بقوله:

-إن هذه المُعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسماً استمرار الحياة و تقمّص النفوس وانتقالها بعد الوفاة من دور حياتي إلى دور حياتي آخر في الأرض، او من كوكب إلى كوكب آخر حسب درجة استحقاقها.

فهل تصدق، أيها القارئ؟

إن الله قادر على كل شيء، و يؤتي الحكمة من يشاء من عباده.

تجسّد عصفور من لوحةٍ زيتية

ثم اقرأ معي هذه الخارقة العجيبة:

“يشير الدكتور داهش، مرّة إلى لوحة فنيّة رسمتها السيدة ماري حداد،و فيها عصفور على شجرة، فتتحرّك الألوان من اللوحة، و تتّخذ دماً  ولحماً و ريشاً، وتتحوّل إلى عصفورٍ يفرُّ من الرسم ليحطّ على كتفِ السيدة أوديت، عقيلة الدكتور جورج خبصا طبيب الأمراض الجلديّة المشهور في بيروت. أما مكان العصفور في اللوحة الفنية فيبقى أبيض فارغاً. و يوضع العصفور في القفص عدة سنوات.”

و إذا ظننت أنك بلغت أقصى مسارح الخيال، فاقرأ معي هذه المُعجزة المُذهلة:

هبوط كائن من احد الكواكب

“في مطلع أوغسطس (آب) 1942، كان الدكتور داهش برفقةِ الأديب يوسف الحاج و الشاعر حليم دموس في منزل الأخير في رأس بيروت. و في الساعة العاشرة ليلاً،انتصبَ رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها إلى السماء المتألقة بالنجوم. و ما هي إلا لحظات حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب و تتكاثف تدريجياً إلى أن انجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر، إنما أحمر  الوجه، نافذ النظرات، متألّق المحيّا، و أخذ يحدثهم بسرعة عجيبة ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً. فتقدم الدكتور داهش، و رسم ” الرمز” الداهشيّ المقدّس على فمه، فطفقَ يتكلّم العربيّة.

و ممّا قال: إنه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة، و سبق أن كان احد أبناء الأرض منذ بضعة آلاف من السنين. و ما إن ماتَ مخلّفاً جسده طعمة للديدان حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ. و بعد أن حدثهم بأمور خطيرة كثيرة، أخذ يتلاشى أمامهم تدريجياً حتى غيّبه المجهول.”

فهل هناك أعجب من هذه الخارقة؟!

نعم، أيها القارئ. ستلقى أعجب منها ما دمت تتتبّع مُعجزات الدكتور داهش، الرجل  الأعجب على هذه الأرض.

الدكتور داهش حاضرٌ في كلِ مكان

فقد كانت مرّة، السيدة زايد في منزلها ببيروت، فاتّصلت هاتفياً بمنزل الدكتور داهش تودُّ محادثته. فكلمتها الآنسة زينا حداد قائلة لها:

-الدكتور داهش في طرابلس،(1) و هو في زيارة لآل الملاَّ هناك. و قد ذهب البارحة إليهم، و بات ليلته عندهم. فإذا أردت محادثته، فهاك رقم التلفون عند آل الملاَّ.

و اعطت زينا رقم  تلفون آل الملاَّ للسيدة زايد، و هو يبدأ بالرقم (9)، كما الحال في جميع أرقام منطقة طرابلس. في حين أن أرقام الهاتف في بيروت تبدأ برقم(2) أو (3).

و تلفنت السيدة زايد على الرقم المُعطى لها و البادئ بتسعة. فإذا الدكتور داهش يتكلّم معها.

و بعد أن حادثته، أقفلت الخط، و عادت فاتّصلت تلفونياً بمنزل الدكتور داهش تريد أن تشكر زينا على أنها أعطتها رقم طرابلس، و تطمئنها بأنها تكلّمت مع الدكتور داهش عند آل الملاَّ.

لكن المفاجأة حدثت!…فقد أجابها الدكتور داهش نفسه من منزله في بيروت! فتعجبت عجباً عظيماً، لأنها، قبل هنيهات فقط، كانت تتحدّث معه وهو في طرابلس!

و سألته:

-وكيف يمكن أن يحدث ذلك، ومنذ لحظات كنت أكلّمك و أنت في طرابلس؟!

فأجابها:

-لابأس، لا بأس. يمكنك أن تطلبيني على أي رقم فتجديني.

و لم تصدق السيدة زايد ما سمعته، لأنه وراء حدود العقل! لكنها، مع ذلك، أقفلت الخط، و عادت فطلبت رقماً، هو رقم منزل صديقة لها تسكن في حرج بيروت.

و إذا المفاجأة العظيمة تحدث ثانية. فقد أجابها الدكتور داهش من منزل صديقتها! و كادت السيدة زايد يُعقد لسانها، لكنها تمالكت و سألته بحيرةٍ و ذهولٍ عظيمين:

-ولكن، كيف يمكن ذلك، و نحن ما زلنا خاضعين لقوانين الأرض؟!

فأجابها رجل المُعجزات العظيم:

-حيثما تطلبيني تجديني. فأنا في كل مكان تبحثين فيه عني.

و ما إن أقفلت السيدة زايد الهاتف حتى قرع جرس منزلها، فأسرعت و فتحت الباب، و إذا هي وجهاً لوجه أمام…الدكتور داهش!!

إن ما أرويه ليس قصّة خيالية، لكنه قصّة واقعية تجري حوادثها في لبنان…و في القرن العشرين!

داهش يقرأ الكتابة و الفكر عن بعدٍ شاسع

و مرّة أخرى اتصلت السيد زايد صباحاً بالدكتور داهش في منزله تقول له:

-قرأت في الجريدة التي وصلتني هذا الصباح مقالاً عنك. فهل قرأته؟ فأجابها:

-لا لم أقرأه. إقرئيه بقلبك.

و بدأت السيدة زايد تقرأ المقال بقلبها… لكنها توقفت، بفكرها، عند عبارة لم تحسن قراءتها. فإذا بالدكتور داهش يقرأها لها فوراً.

ثم قال لها:

-بجانبك صك، فضعيه بيدك وانظري إليه.

ففعلت.

و اخذ الدكتور داهش يقرأ لها الصك كلمة كلمة على التلفون!

حبقة صغيرة تصبح عملاقة بلحظات

و إليك هذه الخارقة الفريدة التي تظهر قدرة الدكتور داهش غير المحدودة.

ففي يوم من أيام عام 1964، كان السيد شفيق المقدم و زوجته رباب في  زيارة للدكتور داهش. و في أثناء تبادل الحديث، و تطرقوا إلى ذكر الحبق ورائحته الطيّبة. فقال داهش:

-عندي حبقة طولها  طول شفيق ومدة يده.

فقالت السيدة رباب:

أظنّك تمزح. فانا لم أر حبقاً يعلو أكثر من شبر أو شبرين.

فقال الدكتور داهش:

-هيا معي لأريكم حبقتي.

و توجّه الدكتور داهش إلى شرفة منزله يتبعه الحضور و معهم السيد مقدّم و زوجته. و ما عن وصلوا إلى الشرفة حتى رأت السيدة رباب إناء معدنياً فيه حبقة صغيرة؛ و لم تر غيرها في الشرفة. فقالت له متعجباً:

-اهذه هي حبقتك العملاقة؟

فأجابها:

-نعم، انظري. أليست بطول شفيق و مدة يده؟

ووضع الدكتور داهش يده فوق الحبقة وهو يتكلم، فإذا بها تنمو تدريجياً و تطول…وتطول!… و يثخن جذعها حتى إنها مالت لتهوي أرضاً، لأن قاعدتها الصغيرة لم تعد تحملها، فبادر  شفيق إلى إحاطتها بذراعيه و تجميدها.

و بعد أن توقفت الحبقة عن النمو، قال رجل الخوارق لشفيق- و كان من الرجال الطوال:

-مدّ يدك إلى أعلى على مداها.

فمد شفيق يده، و إذا بأنامله توازي قمة الحبقة، بينما يده الاخرى تحيط بها لتجمّدها! و قال السيد شفيق للدكتور داهش في دهشة بالغة:

-ماذا أفعل بها؟ فإنها ستهوي إذا أنا تركتها!

فقال له:

-انقلها إلى زاوية الشرفة، أسندها اليها، واطمئن بالاً.

و نقلها شفيق إلى الزاوية. و هناك أشار الدكتور داهش إليها، فأخذت تتقلّص و تصغر تدريجياً حتى عادت إلى حجمها الصغير، و ذلك بعد أن ضمّخت المكان كلّه بأريجها الفوّاح الطيّب!

فأية قدرة روحيّة عجيبة يملكها هذا الرجل؟!

داهش يسمع الأحاديث من مسافاتٍ شاسعة

وهاك هذه الخارقة:

كان الأستاذ المحامي نصّوح المأمون يتمنّى أن يتعرّف إلى الدكتور داهش، لكنه لم يهتد إلى الطريقة المناسبة التي تقوده إليه بسرعة، فحار في أمره.

و ذات مرة زار شقيقته جمانة، فبادرته بقولها:

-أحزر من زرته امس.

فحاول أن يحزر، لكن تخميناته باءت بالفشل.

فقالت له بنبرة المنتصر:

-لقد زرت الدكتور داهش.

فهتف متعجّباً!…ورجاها أن تتّصل به لتستأذن له بزيارته، فرفضت. فعاد يلح عليها متوسّلاً، لكنها زادت في إصرارها!…و بينما هما في مدٍّ و جَزْر، إذا بالهاتف يرن، و بالدكتور داهش نفسه يتكلّم قائلاً لجمانة:

-ما دام أخوك يريد أن يزورني، فلما تحاولين منعه و تصرّين على عدم الاستئذان له؟ أبلغيه أني أرحب به.

و بهتت جمانة، كما دُهش نصّوح.

و كان ان تحقّقت امنية نصّوح المأمون، فزار مؤسس الداهشيّة، و أخذ يتفهم مبادئ عقيدته، و حصل على مساعدات روحيّة منه.

فماذا يكون موقفك أيها القارئ الكريم، لو حدث معك هذا الحادث بعينه؟

المعطف الضائع يتكون على زنده وهو يسير في الشارع

واسمع ما سأقصّه الآن عليك:

السيد جورج حداد-عديل رئيس الجمهورية اللبنانية السيد بشاره الخوري-أضاع معطفاً ثميناً له (ترانشكوت) في فلسطين، قبل أن يتعرّف إلى الدكتور داهش بسنين عديدة. و مضت الأعوام، و تعرّف إلى الرجل الخارق، و سمع الكثيرين عن قدرته على معرفة مكان الشيء المفقود، بل على إحضاره. فاغتنم الفرصة في أثناء جلسة روحيّة عقدها داهش، فسأله عن معطفه الذي أضاعه في فلسطين، فأجابه الرجل العجيب:-لا تهتم به، فإنه سيحضر.

و أخذ السيد حداد يتحدّث بين معارفه عما قال له داهش، فقالوا له: ” إنه يلعب بعقلك. فلو كان قادراً فعلاً لأحضره، لكنه أرجأ الأمر حتى تملّه فتنساه.”

و مضت الأشهر… و ذات يوم، بينما كان جورج حداد يسير في احد شوارع بيروت متّجهاً إلى مكتبه وهو يتأبّط محفظة يضع فيها أوراقه، و إذا به يشعر بثقل فجائي على زنده المحيط بالمحفظة.فالتفت و صاح مدهوشاً مكبّراً، و كاد لا يصدق عينيه. لقد رأى معطفه الضائع نفسه مطوياً على زنده!

و هرول السيد حداد إلى الدكتور داهش يقول له:

لقد عاد المعطف الذي اضعته في فلسطين!

-ومن اتى لك به؟

-لقد تكون على زندي و انا أتأبّط محفظتي و أسير في الشارع!

و قال الرجل العجيب مبتسماً:

-إذن إعلم إن القوة الروحيّة الإلهيّة التي وعدتك بإحضاره هي التي أحضرته.

ترى، ماذا سيكون شعورك، أيها القارئ، لو كنت فاقداً معطفاً، ثم رأيته يولد في لحظة، حول زندك و أنت تسير مسرعاً إلى عملك؟

إن هذه الخوارق لم تحدث  أيام المسيح، و لا أيام موسى النبي، ولا في حكايات ألف ليلة و ليلة، بل تحدث في القرن العشرين، و في بيروت!

وردة في صورةٍ تتجسّم لتقطفها السيّدة حداد

و اليك هذه القصّة العجيبة:

التقى الدكتور داهش بالسيدة الأديبة ماري حداد و كريمتيها آندره و زينا في جلسة. و في الغرفة التي كانوا يجلسون فيها كان معلّقاً، بين عدة لوحات فنية، لوحة ضمن إطار زجاجي مرسوم عليها وردتان: إحداهما جوريّة، والأخرى زهرية اللون. وهذه اللوحة كناية عن غلاف أنيق لعلبة شوكولا، انتزع منها،ووضع ضمن إطار زجاجي.

التفتَ داهش على السيدة الفنانة ماري حداد و قال لها:

أتحبين أن تقطفي الوردة؟

فالتفتت ماري  على حيث أشار، فلم تشاهد اية وردة او باقة ورود! فسألته:

أية وردة تعني؟

فأشار إلى غلاف علبة الشوكولا ، و قال لها:

-قومي فاقطفيها.

فظنت ماري الأمر مجرّد مزاح، لكنها قامت و هي تتساءل كيف تقطفها و هي صورة ضمن إطار زجاجي!

وما إن اقتربت منها حتى قال لها داهش:

-مدّي يدك، واقطفيها.

ومدّت يدها… و إذا بالوردة الجوريّة تنفر خارج الزجاج متجسّمة. فقطفتها بدهشةٍ عظمى! و قال لها الرجل العجيب:

-إذا أردت فخذيها، أو انتزعي، إن شئت، بعضاً من ورقاتها، و أعيديها.

فقالت ماري:

-سأنتزع ورقتين منها، و أعيدها.

و هكذا فعلت. و عادت الوردة إلى الرسم ناقصة ورقتين، و مكان النقص ظاهر في الصورة، وبقيت الورقتان معها شاهدتين على القوّة الروحيّة الهائلة التي تحتلّ الدكتور داهش!

داهش يتحدث بالتلفون

وهو غير موضوع في “البريز”

واقرأ هذه الحادثة المُذهلة:

كانت السيدة ميريلا  يواكيم تزور الدكتور داهش، فرأته يمسك بسماعة  الهاتف، و يأخذ بمحادثة الآنسة إيلين ضاهر على الطرف الثاني من الخط. لكنها سرعان ما  لاحظت أن سلك الهاتف غير موضوع في” البريز”. فاعتبرت الأمر لا يعدو المزاح، لأن جهاز التلفون بجوارها، و هو مقطوع تماماً عن “البريز” و سلكه على جانبه. و يبدو ان الرجل القادر عرف فكرها،فقال لها وهو يناولها السماعة:

-خذي تكلّمي معها.

و أمسكت بالسماعة و هي غير مصدّقة. و لكن المفاجأة المُذهلة حدثت فوراً: نعم. إنها تسمع صوت الآنسة إيلين!.. وراحت تحدّثها بعجبٍ عظيم! لكن هذه الحادثة المُدهشة ليست الأعجب بين خوارق الدكتور داهش المتعلقة بالتلفون. فإليك هذه الاخرى:

رئيس وزراء لبنان يتحدّث تلفونياً

بعلبةِ كبريتٍ بقوّة داهش

 

 

السيد حسين العويني، رئيس وزراء لبنان السابق، زار الدكتور داهش. و فيما هما يتحادثان، أمسك داهش علبة عيدان ثقاب صغيرة (علبة كبريت)، وقال له مقدّماً إليه علبة الثقاب:

-أتريد ان تتحدّث مع منزلك؟

-وبم اتحدّث

فأجابه داهش:

-بعلبة الكبريت هذه.

فضحكَ رئيس الوزراء . فقال له الرجل العجيب:

-هيا تحدّث.

و شرع السيد حسين العويني يتحدث مع أهل منزله بواسطة…علبة الثقاب، و هو غاية العجب!

لكن أهل بيته لم يصدّقوه بعد ان أخبرهم بما حدث امامه، مُقسماً الأيمان المغلّظة!

ترى لو حدثت معك هذه الخارقة، أيها القارئ الكريم، أكان صدّقك ذووك؟

أغلب الظنّ أنهم ما كانوا ليصدقوك أيضاً، لأن أعمال الدكتور داهش وراء حدود العقل، وراء حدود العلم، مهما تقدّم…إنها تكاد تصعق العقل البشريّ بجبروتها!

الكلماتُ المحبّرة تترك أماكنها

لتتبادل مواضعها في صفحتين متقابلتين

واستمع الآن على هذه الحادثة الغريبة العجيبة:

الشاعر الكبير حليم دموس كان مواظباً على تأريخ الوقائع الداهشيّة، ينقلها يومياً، متسلسلة على سجّلات الوقائع. و ذات مرّة اخطأ في نقل صفحتين؛ فقد نقل ما يجب ان يكون على صفحة اليسار إلى اليمين، و ما يجب أن يكون على صفحة اليمين إلى اليسار. و بعد ان فرغ من خطِّ الوقائع الروحيّة سيكدر الدكتور داهش.

لكن حليماً ما لبث أن فوجئ بالرجل العجيب واقفاً إلى جانبه يربّت على كتفه قائلاً له:

و أشار داهش بيده باتجاه اليسار، كما أشار بيده  اليمنى باتجاه اليمين، و إذا بالأسطر و الكلمات و الحروف التي في الصفحتين تغادر أماكنها وتتحرّك في الهواء، و يجتاز بعضها بعضاً، ثم ترتسم الكلمات التي خطّها على الصفحة اليمنى على اليسرى، و بالعكس! و هكذا تنزل كل صفحة في مكانها الصحيح!

فأية قوّة هي هذه القوّة!…

صورة ليرة ذهبيّة في الكاتالوج تتجسّم

و هذه الخارقة فريدة:

دخلت الآنسة إيلين ضاهر إلى منزل الدكتور داهش تزوره. فرأت بين يديه كتالوجاً فيه صور لمختلف انواع النقود القديمة، و هو يتصفّحه. فجلست بجواره تراقبه، و تنظر على ما ينظر إليه، و إذا به يسألها:

-ما يَرقْك من صور هذه العملات؟

فأشارت له إلى صورة لليرة ذهبيّة قديمة.

فنفخ داهش فوق الصورة، و إذا بالليرة الذهبية تتجسّم، و يفرغ مكانها.

شرشف ينبسط

تحت الصحون و الاطعمة و الجالسين حولها

 

وهاك  عجيبة أخرى:

ذات يوم، اجتمع مؤسّس الداهشيّة و أنصاره: الدكتور جورج خبصا  و الدكتور فريد أبو سليمان و الشاعر حليم دموس، في منزل داهش، و أرادوا ان يتناولوا الطعام. و كانت والدة الدكتور داهش و شقيقته غائبين. فأشار الرجل العجيب إليهم ان يبسطوا على الأرض شرشفاً يضعون فوقه الصحون و المساند التي سيجلسون عليها. فبحثوا في المنزل عن شرشف أو بساط ما مناسب، و لا سيّما عن شرشف ملون كانوا قد اعتادوا استعماله في مثل هذه الظروف، لكنهم لم يعثروا على شيء.

أخيراً وضعوا الاطعمة و الصحون على الأرض و حولها مساندهم التي جلسوا عليها. و فيما هم يأكلون، ارتعش داهش بالرُّوح، قال لهم:

-أتبحثون عن الشرشف لتضعوه تحتكم و تحت الأطعمة؟

فأجابوا:

-نعم، لكننا لم نعثر عليه.

فقال لهم:

-أنظروه، فها هو ممدود تحتكم.

ونظر الجميع بعين العجب إلى الشرشف الملون. فقد كان حقّاً مبسوطاً تحتهم و تحت الصحون!

فأية قدرة فائقة مدّته تحتهم وهم جالسون عليه يأكلون!

قماشة تُخاط قميصاً

يلبسها داهش بلمحِ البصر

 

و اليك هذه المُعجزة الفريدة من نوعها:

كان الدكتور داهش يلبس ثيابه تأهباً لزيارته للدكتور شاهين الصليبي بصحبة الدكتور فريد أبو سليمان. ولاحظ ان قميصه وسخة ومشوبة بلطخات. و لم يكن بين يديه قميص نظيفة أخرى.و تذكر أن لديه قماشة حريرية من التي تسمى بالـ 5500 فأتى بها قائلاً: “لو خيطت هذه قميصاً!” و بسط القماشة.

و سرعان ما ارتعش بالرُّوح، و رمى بالقماشة على جسمه، فإذا هي قميص جاهزة يلبسها، و قد اختفت تحته القميص القديمة المتسخة! أي إن القماشة الحريرية خيطت قميصاً، في لحظة، بقدرة قادر، و ألبسها الدكتور داهش بطرفة عين، بعد ان اختفت قميصه القديمة!

ألوف الليرات تهبط بين يدي داهش

ثم تُتْلف!…

 

و هاك هذه الخارقة الطريفة:

كان الأديب يوسف الحاج أول من آمن بالداهشيّة في لبنان. و كثيراً ما كان يشكو في زيارته الأولى من دين عليه يبلغ بضعة ألوف من الليرات، و يعلن انه إذا استطاع أن يفي ديونه يتفرّغ للرسالة الداهشيّة.

و ذات مرّة، بينما هو يتكلّم في الموضوع نفسه شاكياً، ارتعش الدكتور داهش بالرُّوح. و بحركة من يده، هبطت من الفضاء امامه كومة من الأوراق المالية من فئة المئة ليرة لبنانية. فقدّمها إلى يوسف الحاج.

و أخذها يوسف الحاج شاكراً مسروراً. لكنه بعد دقائق أخذ يشكو من مغصٍ فجائي أصاب أمعاءه، و يضع يديه ضاغطاً على معدته. فسأله حليم دموس عمّا به، فشكا له آلاماً في معدته…و لم يلبث أن ذهبَ إلى بيت الخلاء.

وما إن عاد حتى بادره الدكتور داهش بقوله:

-أليس من العيب، يا يوسف، أن تدّعي أن المغصَ قد أصابك لتذهب إلى بيت الخلاء لكي تعدَّ المال الذي جاءك روحيّاً؟! هيا معي. واتجه داهش إلى بيت الخلاء بصحبة يوسف الحاج و حليم دموس.

وهناك قال ليوسف:

-ضع المال كلّه في كرسيِ الحمّام جزاءً لك.

ثم قال لحليم:

-وأنشدّ ” السيفون”.

و جذب حليم ” السيفون” واندفعت المياه تبتلع ألوف الليرات، و تجرفها إلى جوف الكرسي، فإلى المجاري…

و إذ ذاك، أخذ يوسف يلعن الإنسان ووساوس الشيطان!

مُعجزات شهودها آل بلطجي

وهذه خارقة شهودها من الأسر المعروفة في بيروت. فآل البلطجي شهرتهم في مرفأ بيروت قديمة قدم المرفأ، ويعرفهم كلّ لبنانيّ. و قد سمعوا بمُعجزات الدكتور داهش يرويها الكبير و الصغير، الغني و الفقير، فأحبّوا التعرّف عليه والاستفادة من قدرته الروحيّة.

و كانت الفرصة مؤاتية.فالسيدة فاطمة البلطجي، قرينة السيد محمود البلطجي، أضاعت خاتم برلنت ثميناً جداً, وطرقت أبواب المنجمين و من لفَّ لفّهم طوال عام كامل دونما جدوى، حتى قرّرت أخيراً زيارة مؤسّس الداهشيّة وطلب معونته.

فزارته في أوائل 1961 بصحبة قرينها و زوجته الثانية السيدة رويدة؛ و كانت حاملاً.

و طلبت السيدة فاطمة مساعدته في إيجاد الخاتم الثمين، فوعدها خيراً بعد أن أفهمها أن هذه الخوارق لا تتمَّ إلا في جلساتٍ روحيّة، ولأجل غاية سامية هي إثبات وجود الرُّوح وخلودها.

كذلك سألته السيدة رويدة أذكراً تلدُ أم أنثى؟ فأجابها أن لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، عزَّ و جلَّ. و لكنه أعطاها ورقة مطوية بصورة”رمز” داهشيّ، و أوصاها بأن تحتفظ بها، ومتى ولدت فلتخابره تلفونياً.

وودّع آل البلطجي الدكتور داهش.

و غلّفت السيدة رويدة ” الرمز” و خاطته، و علّقته في ثيابها.

نبوءة مفصّلة بولادة طفلة

للسيّدة رويدة البلطجي

ومرت الشهور…وحان مخاضها، فأدخلت مستشفى طراد. واتفق أن الطبيب الذي كانوا يرجون إشرافه على عملية التوليد، الدكتور فؤاد طراد، كان  غائباً في باريس، فحاروا في الأمر: أينقلونها إلى مستشفى آخر أم إن الدكتور سامي طراد، نجل الأول، يشكل لها جمعية أطباء؟

و بينما هم في حيرة و تشاور…و آلام المخاض تشتدًّ على السيد رويدة، إذا بالهاتف يرن، وبالدكتور فؤاد طراد يتكلم من مطار بيروت، وقد وصل إلى العاصمة اللبنانية فجأةً و دونما انتظار.

فأحضروه إلى المستشفى حالاً، و أجرى لها عملية التوليد بنفسه بعد نصف ساعة. وولدت طفلة بارعة الجمال سُميت نجوى، و كان ذلك بتاريخ أول حزيران سنة 1961.

و ما إن تمّت الولادة حتى تذكّرت السيدة رويدة ” الرمز” الداهشيّ المطوي الذي أعطاها إيّاه الدكتور داهش قبل عدة أشهر، و كان ما يزال مخيّطاً و معلّقاً بثوبها. و تذكّرت انه أوصاها بأن تخابره تلفونياً بعد ان تضع ولدها.

فاتّصلت به هاتفياً، فهنأها على سلامتها، و طلبَ إليها أن تفتح ” الرمز” ألمخيّط.

و فتحته. و إذا بها تُدْهَش كما دُهش الحاضرون ممّا كان مدوّناً فيه قبل أشهر. لقد كانت نبوءة تفصيلية بعملية ولادتها وملابساتها، ذُكر فيها تاريخ الولادة و الساعة و الدقيقة، واسم المستشفى، و أن الدكتور فؤاد طراد سيكون غائباً في باريس، و يحضر فجأة، و يجري لها عملية التوليد. و سمّت النبوءة الأشخاص الذين سيكونون حاضرين في تلك الأثناء، و اعلنت أن السيدة رويدة ستضع طفلة جميلة جداً.

و كل ما ذكرته النبوءة تمَّ بحذافيره.

و ليس هذا كل العجب!…

خاتم برلنت ضائع

يتكوّن في كفِ السيّد محمود البلطجي

 

فلم تطل المدّة حتى عقد للسيّد محمود البلطجي و عقيلته السيدة فاطمة  جلسة روحيّة كان من جملة حاضريها نجلها السيد علي و السادة وفيق زنتوت و صلاح و حسن البلطجي و الدكتور فريد أبو سليمان.

في أثناء الجلسة التفت الدكتور داهش إلى السيد محمود قائلاً:

-افتح كفك.

ففعل.

ثم قال له:

– أطبق كفك.

ففعل.

فضرب له يده المطبقة قائلاً:

– إفتحهما الآن.

و شُده الجميع!…لأن الخاتم الضائع ولد في كفِّ السيد محمود البلطجي!

ترى من من القراء لا يأخذه العجب إذا رأى بعينيه ما رآه آل البلطجي؟!

نواة مشمش تتحوّل بلحظاتٍ شجرة كبيرة مثمرة

 واسمع، أيها القارئ الكريم، هذه المُعجزة، و سبّح الله تعالى الذي وهب هذا الرجل- الذي هو من أبناء امتنا ويتكلّم لغتنا- قوّة خارقة لم يسمع بها السلف حتى في كتب أساطيرهم و أوهامهم.

فقد دخل ذات يوم آل الحداد إلى الحديقة المحيطة بمنزل الدكتور داهش وهو معهم، فإذا به ينحني و يلتقط نواة مشمش، فيريهم إياها، ثم يضعها في الأرض قائلاً:

-بحقّ الله أن تنمو هذه النواة فوراً، و تصبح شجرة مشمش مزهرة مثمرة. و إذا المفاجأة التكوينيّة تحدث: فقد انبثقَ من النواة جذع صغير ما لبث أن تصاعد و تضخّم، و تفرّعت منه غصون و أفنان. و تعاقبت الفصول على الشجرة العجائبية بلحظاتٍ، فأزهرت،و أثمرت و نضجت ثمارها!ودعا الرجل العجيب الحضور إلى أن يقطفوا من ثمر المشمش، و يأكلوا.

و قطفوا و أكلوا!…وبقيت الشجرة التي كوّنتها قوّة الله سبحانه و تعالى على يد داهش منتصبة يراها كلّ  زائر شهادة على القدرة  الروحيّة الخارقة الخالدة التي أيّده الله بها.

اختصار الزمان و المكان

و لعلّك، يا قارئي الكريم، طالعت مرّة في كتب روائية عن آلهة او كائنات يحيون في كواكب غير كوكبنا الأرضي، يختصرون الزمان و مسافات المكان…أو لعلّك سمعت شيئاً عن نظرية النسبيّة الشهيرة التي وضعها دماغ العالم الألماني الجبّار آينشتاين و المسمّاة بنظرية ” النسبيّة”. لكنك بلا ريب لم يُتَحْ  لك، مثلي، أن تتحقّق من هذا الأمر كيف يحدث بصورة ملموسة. و لكن استمع ماذا حدث على يديّ رجل المُعجزات، داهش:

كان في نيويورك، و صعد سيارة تقودها إحدى معارفه، السيدة زايد، ليذهبا إلى إحدى الولايات الأميركية. فسألها:

-كم من الوقت يستغرق قطع هذه المسافة؟

فأجابته:

-ساعة أو أكثر إذا لم يعترضنا في السير أيّ ازدحام.

فقال لها:

-امضي. بربع ساعة فقط ستبلغين الولاية.

فلم تصدق السيدة زايد، واعتبرت الأمر مزاحاً، لأن المسافة و الزمان الذي يستغرقه اجتيازه معروفان لكل أمريكي ينتقل بين المدينتين، فضلاً عن أنها كثيراً ما قطعت هذه المسافة في السابق، و يستحيل ان تقطعها بربع ساعة إلا طائرة تخرق الجدار الصوتي!

و ضبطت ساعتها، وانطلقت بسرعة عادية…

و بعد ربع ساعة تماماً كانت في تلك الولاية!

مائدةً تهبطُ من السماء

و لا شكّ ، يا أخي العربي، مسلماً كنت أم مسيحيّاً، بأنك سمعت بحادثة المائدة العجيبة التي ذكرها القرآن الكريم:

“إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن يُنزل علينا مائدة من السماء؟ قال:اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نريد أن نأكل منها، و تطمئن قلوبنا، و نعلم ان قد صدقتنا، ونكون عليها من المشاهدين. قال عيسى ابن مريم: اللهم ربّنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا و آخرنا و آية منك، وارزقنا و أنت خير الرازقين. قال الله: إنني منزلها عليكم. فمن يكفر بعد منكم، فإني أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين” (سورة المائدة: 112-115).

و يقول بعض المفسّرين عن قوله تعالى:”إني مُنزلها عليكم” يمكن أن تعني تنزيلها في المستقبل. و يقول إخواننا المسيحيون إن الأناجيل لم تذكر أن السيد المسيح قد إجترح مثل هذه المُعجزة.

و لكن…اسمعوا:

التأم في منزل رجل العجائب جمعٌ كان يضمّ عدداً من الأطباء البارزين بينهم الدكتور جورج خبصا و الدكتور فريد أبو سليمان، و الوزير اللبناني السابق الأستاذ إدوار نون و السيد جوزف حجّار و غيرهم…

ودعاهم الدكتور داهش للجلوس حول المائدة، فجلسوا. و كانت الطاولة خالية من أي طعام.

فقال لهم داهش:

-اطلبوا كما يحلو لكم. و كل ما تطلبونه سيحضر بقوّة الله.

و أخذ الحاضرون يطلبون كل على هواه…

و إذا بالثمار تحضر في غير اوانها…و بالصحون تحضر ملأى بالأطعمة الشهية…و بالنبيذ يحضر و كأن مذاقه من نبيذ الجنّة لا الأرض!

و هكذا مُلئت المائدة بمختلفِ الألوان و الأصناف، و أكل الجميع وهم يكبّرون و يسبّحون الله و يمجّدونه، ويذكرون آية المائدة الواردة في القرآن الكريم، و تحويل عيسى المسيح للماء خمراً في عرس قانا حسبما جاء في الأناجيل…

والحيوانُ أيضاً يطيعُ داهش!

وقد تكون سمعت عن سليمان الحكيم و كيف سخّر الله له الطير و الحيوان. فاسمع هذه القصة؛ فهي لا تقلّ غرابة عما نُسِبَ لذلك النبيّ العظيم.

خرج الدكتور داهش مرّة في زيارة لبعض معارفه في جبل لبنان، و كان يصحبه السيد حسن البلطجي. و ما إن وصلت سيارتهما إلى المنزل المقصود حتى اهتاج كلبٌ عقورٌ وهجم عليهما وهو ينبح مكشّراً عن انيابه.

فاضطرب حسن، خصوصاً أن الخوف من ألكلاب الشرسة يعاني منه منذ طفولته.

و إذا بالرجل العجيب يأمر الكلب المُهاجم قائلاً:

-اصمت واذهب إلى تلك الشجرة.

و أشار إلى شجرة معينة في تلك الناحية. ثم قال له:

-در حولها ثلاث  دورات.

و إذا بالكلب يدور حول الشجرة ثلاثاً.

ثم قال له:

-و الآن اقفز ثلاث قفزات.

 فإذا بالكلبِ يطيعه.

و هكذا راحَ داهش يُصدر إيعازاته إلى الكلب، تارةً بالدوران حول الأشجار، و طوراً بالقفز، و الحيوان يُنفّذ الأوامر طائعاً صاغراً.

أخيراً أمره قائلاً له:

-و الآن اذهب إلى تلك العتبة، وأقعد عندها و لا تتحرّك.

و نفّذ الكلب العقور الأمر  ورأسه مُنكّس!

و دخل رجل الخوارق و حسن على المنزل، وقاما بزيارتهما إلى أهله .ثمَّ ودّعاهم، وانصرفا.

وفور خروجهما التفت حسن إلى الكلب، فإذا به ما يزال جامداً في مكانه كأنما سمّر بالأرض.

و صعد الاثنان إلى السيارة. و حينذاك نظر الدكتور داهش إلى الكلب مشيراً له بيده أن يتحرّك.

و إذا الكلب يعود إلى طبيعته السابقة، فيهتاج و يطارد السيارة!

فسبحان من بيده القدرة يمنحها من يشاء من بني الإنسان، فيُطيعه حتى الحيوان!

اختفت الموزة بين يده و فمه!

السيد طانيوس المجدلاني حلاّق معروف في حيّ المزرعة ببيروت. و كان في الوقت نفسه حلاّق الدكتور داهش الخاص، يتردّد إليه يومياً تقريباً ليحلق له ذقنه.

و ذات مرّة بعد ان انهى حلاقته، قدم رجل الخوارق إليه موزة. فتناولها بسرور، وقشّرها. ثم هوى بفمه عليها،واقتطع منها مضغة أولى. لكنه ما إن قرّب الموزة من فمه ثانية حتى اختفت هي وقشرتها من يده!

فتخيّل، أيها القارئ العزيز، أن ما حدث مع السيد مجدلاني حدث معك. فكيف يكون شعورك حينئذ، خصوصاً إذا كنت من أصحاب الشهية القويّة؟!

البصل يختفي من الصندوق لكن وزنه يبقى!

سنة 1969 قام الدكتور داهش برحلته الاولى حول العالم بصحبة الدكتور خبصا. وقد التقى في أثناء سفرته بالآنسة أوديت كارّا- و كانت تعمل مضيفة في” طيران الشرق الأوسط”- فكلّفها بأن تحمل له معها، يوم تعود إلى بيروت، صندوقاً كرتونياً ملآن بالبصل الكبير الحجم.

و عاد الدكتور داهش إلى لبنان. و ما لبثت الآنسة أوديت أن قدمت إلى منزله و هي تحمل صندوق البصل بمشقّة. فشكرها على تكبّد مشاق حمله، خصوصاً أن بعض من  كان حاضراً  راز الصندوق فوجده باهظ الثقل.

و فتح الصندوق…و إذا بالمفاجأة المُذهلة تواجه الحضور! لقد كان الصندوق فارغاً، و مع ذلك فثقل البصل فيه!

و سرعان ما أوضح الرجل العجيب هذا الأمر العجيب فقال لهم:

-البصل ما يزال موجوداً في الصندوق، لكن سيالاً روحيّاً قدْ وضِعَ عليه، فأخفاه!

داهش يعرف لا الأفكار فحسب بل الأحلام أيضاً

ذات صباح استيقظت السيدة الأديبة ماري حداد، و سرعان ما فوجئت بحضور الدكتور داهش و بقوله لها:

لقد حلمت كذا و كذا.

وروى لها تفاصيل حلمها.

فأية قدرة هي هذه القدرة التي تكشف، لا الأفكار فحسب ، بل الأحلام أيضاً!

ستّ شخصيّات متماثلة لداهش تجتمع معاً

أما أغرب ما سمعته من خوارق الدكتور داهش فهو تجسّده أحياناً تجسّدات متعدّدة متماثلة في الوقت نفسه. وسبق ان تحدثت في هذا الكتاب عن هذا الموضوع. لكني أود أن أشير، هنا ، إلى للدكتور داهش ستّ شخصيّات  غير بشريّة قد تتجسّد أحياناً منفردة، وقد تتجسّد مجتمعة! لكن تجسّد الشخصيّات الستّ مجتمعة في مكان واحد وزمان واحد امر نادر. و لم يذكر المؤرخون العلمانيون او الدينيون ان أمرا خطيراً كهذا قد حدث في التاريخ البشريّ عبر مئات القرون.

و مع ذلك، ، فقد أتيح للأستاذ إدوار نون، الوزير اللبناني السابق، أن يشاهدها جميعها متجسّدة في الوقت نفسه، لكن كل شخصيّة كانت ترتدي زيّاً يختلف عما ترتديه الشخصيّة الأخرى. و قد سلّم عليها، و حادثها. وهي تماثل الدكتور داهش تماماً، لكنها لا تخضع لقوانين الأرض، ومنها الموت. فلكلّ منها عالمها الخاص تهبطُ منه بلمحِ البصر وتعود إليه بطرفة جفن!

ترى، لو أخبر الأوائل بهذه العجائب المُذهلة، فهل كانوا يصدقون؟ و ها هي تحدث أمام عيون الألوف من الشهود، و تصوّرها الكاميرات ، وتكتب فيها الصحف التحقيقات المثيرة. فهل بعد كل ذلك يمكن للإنسان المحقّق البحث عن المعرفة و الوقائع الصحيحة ان يتغاضى عن حدثٍ خطيرٍ كهذا يتمّ في القرن العشرين، و في بلد عربي شقيق هو لبنان؟!

و إلى ...ختام؟!...

قد يتساءل القرّاء، بعد أن ذكرت مراراً عبارة ” الجلسة الروحيّة…عن ماهية هذه الجلسة، وكيف تُعقد، وظروف عقدها. و أنا –للأسف الشديد- قد فشلت في حضور جلسة من هذه الجلسات الروحيّة، لأنني لم اتمكن من أن أهيئ نفسي لإحداها. ولو كنت حضرت، و لو واحدة منها كما فعل غيري، و هم كثيرين، لجاء هذا الكتاب في صورة أعمق او أكثر غرابة، ولكان كتاب مُعجزات قد تربو على الألف معجزة.

و قد قال لي الدكتور داهش بعد مقابلتي الثالثة له:

-أتريد أن تحضر جلسة روحية تطلب فيها ما تشاء،  ولو كانت طلباتك اغرب من الخيال، فتحصل عليها في نفس الجلسة، أي قبل أن تبرح مكانك فيها؟

فأجبته:

-إنني جد متشوّق إلى حضور جلسة من جلساتك، على أن  تحافظ لي على أعصابي. فإنني أخاف عليها أن تتدهور إلى أسوأ مما هي فيه.

وابتسم الدكتور ابتسامته الرقيقة الهادئة، ة قد ظهرت على وجهه علامات الطيبة و الوداعة التي تحبّب فيه كل من يراه، وقال:

-إذن هذه هي مقدمات حضور جلسة روحيّة.

و قام الدكتور من مكانه، و أحضر ورقة صفراء صغيرة من حجم الورقة ذات العشرة قروش مصرية، وقال لي:

-خذ هذه الأوراق، واكتب على ورقة منها في كل يوم، وعلى مدى ثلاثين يوماً، هذا ” الرمز” الروحيّ، وهو ” ابتهال للخالق” جلّت ألوهيّته. أكتب الورقة، ثم احرقها، هكذا…وبعد اليوم الثلاثين تكون قد أهّلت لحضور الجلسة الروحيّة. هذا الشهر الروحيّ لا بدّ من أن يعمله كل من يريد حضور الجلسات الروحيّة. ولكنه يعمله مرّة واحدة طول حياته.

و كان ” الرمز” الروحيّ على هيئة نجمة خماسية الزوايا، متشابكة الضلوع، وقد كُتِبَ فوقها: ” بحقّ الله و النبيّ الحبيب الهادي و الشخصيّات الستّ و السيّال العشرين”.و كُتِبَ تحت النجمة:” ان يُسمح لي بجلسةٍ روحيّة بإذنه تعالى.”

و صورة ” الرمز” كاملة تبدو كما هو مبين في الصورة على الصفحة التالية.

و قد فعلت ما قضت به تعليمات الدكتور داهش. و لكنني أخفقت في حضور إحدى الجلسات لأنه كما قيل لي أنني أخطأت و نسيت يوماً أن أحرق ورقة ” الرمز الروحيّ”. و طلب مني أن أعيد الكرّة، على ألا أخطئ هذه المرّة. و أعطيت ثلاثين ورقة أخرى. و لكن ظروف عملي الصحفي و تنقلاتي الكثيرة في شتى أنحاء العالم…كانت تُبعدني عن تحرّي الصواب و الدقة المطلوبة حيال هذا ” الرمز الروحيّ”. و هكذا كُتِبَ عليّ الإخفاق…إلى اليوم.

و لهذا فقد اكتفيت بما شاهدته من الدكتور داهش في زياراتي الكثيرة له، و في جلساتي المتعدّدة مع العشرات من صفوة المثقفين الداهشيين الذين يلازمونه كثيراً و يتمتعون بالجلسات الروحيّة التي يعقدها.

و أنا إذا أحصيت المُعجزات التي حضرتها و شاهدتها بنفسي، التي سمعتها من الداهشيين، و التي قرأت عنها في الكتب التي صدرت عن الدكتور داهش، و في المقالات الصحفية و التحقيقات المصوّرة التي أجريت للدكتور داهش واحتلّت أماكن بارزة في صدور تلك الصحف…و الصيت الذائع لهذا الرجل طار كل مطار في مشارق الأرض ومغاربها…لو أنا أحصيت كل هذا، ووصفته في هذا الكتاب، لضاق بما أود سرده و تدوينه، ولإحتجت إلى عدّة مجلّدات. و لكنني توخيت- و هذا تقصير بلا شكّ- أن أضع في هذا الكتاب نماذج فقط من هذه المُعجزات كما وقعت أمامي و كما سمعتها من أشخاص أثق في سلامة عقولهم و حسن إدراكهم و تحصّنهم بالثقافة و المعرفة الكاملة بماجريات الأمور التي تحدث لهم.

 

 

و قد تركت تسجيل مُعجزات أخرى كثيرة سمعتها من أناس وقعت لهم، مثالها:

ما حدث للطفل إيلي معلوف الذي كان مصاباً بالشلل و الجنون، و عجز الطب رسمياً عن شفائه، فشفي بمعجزة إلهيّة عن طريق الدكتور داهش.

و المُعجزة التي تمّت مع الدكتور جورج خبصا، و هو طبيب مشهور في بيروت، و كان قد فقد مفكرته الخاصة في باريس قبل أن يتعرّف إلى الدكتور داهش باثنتي عشرة سنة، و في جلسة روحيّة حضرها بعد هذه المدّة الطويلة، أحضر الدكتور داهش مفكرته بلمح البصر.

و المُعجزة التي حدثت للسيد الوزير اللبناني السابق إدوار نون الذي جلس في بيته يدون 72 سؤالاً تتعلّق بتاريخ البشرية و أصولها المُبهمة، و ماهية الإنسان و الاديان و الكون الفسيح و حدوده، وما بعد الكون، و العالم الآخر وكيف هو و…و…من الأسئلة الكثيرة التي حار العلم في الإجابة عليها. دوّن الوزير السابق كل هذا في ثلاثين ورقة كبيرة، و كان يضع السؤال و يترك سطراً او سطوراً فارغة لتلقي الجواب عليها. ووضع الاوراق في ظرف، و عقدت الجلسة الروحيّة. و لمسَ الدكتور داهش الظرف بإصبعه ، ثم قال فوراً:” الأجوبة داخل الظرف، أيها الوزير” و فتح الظرف، و إذا باثنتين و سبعين إجابة قد دوّنت على الأوراق في  الأماكن الفارغة التي تركها الأستاذ إدوار نون لكتابة الإجابات.

كثير  كثيرة المُعجزات التي سمعتها و لم أضعها في هذا الكتاب.

و إني اتساءل و أنا أكتب هذه الخاتمة: هل يستطيع القارئ بعد ان يكون قد قرأ ما جاء في هذا الكتاب أن يصدّق؟! هل يستطيع أن يقتنع؟! هل يستطيع أن يهضم؟!

إنها عملية صعبة و شاقّة على العقل البشريّ المحدود ان يصدق كل ما جاء في هذا الكتاب، حتى و لو حضر الجلسات الروحيّة التي حدثت خلالها هذه الُمعجزات.

لماذا لا يصدق؟

لأننا حتى اليوم و إلى الغد…نعيش في جوٍّ أو عالمٍ ماديٍّ ضيق، و لا نطير بأفكارنا إلى ما هي أبعد من هذا العالم الضيق. و لكي يصدق العقل هذه المُعجزات المحسوسة بالنظر و اليد و الحواس كلّها التي وهبنا الله سبحانه و تعالى إياها، يجب أن يتجرّد أولاً و أخيراً عن الشكّ، الشكّ في كل ما حوله. و قد ساءلت نفسي: لماذا  أشكّ في كل ما رأيته بنفسي؟

ما هو هدف الدكتور داهش من إجتراحه هذه المُعجزات؟

هل هو يريد مالاً؟ إنه في غنى تماماً عن المال، بل هو عزوف عن المال.

هل هو يريد جاهاً؟ إنه رجل بسيط لا يهمه الجاه، بل إنه يحارب المتكبرين من ذوي الجاه.

هل هو يريد شهرة؟ و ماذا تغني الشهرة؟ ما فائدتها إذا كانت لن تستخدم للحصول على مال وجاه؟!

هل يريد أصدقاء و أعواناً؟ إن إنساناً في مثل وداعة الدكتور داهش و أدب الدكتور داهش يستطيع أن يستميل إليه عشرات المئات من  الأصدقاء. ثمَّ هو نفسه- كما لمست فيه- عزوف عن الناس، محبٌّ للعزلة محبٌّ للتأمل والتفكير و الكتابة، كرجل من رواد القلم السلس الرقيق.

إذن، أنا أستبعد أن يكون الغرض من عرض هذه المُعجزات-التي حققت بنفسي في بعض منها و تأكّدت لي صحتها-أيا من هذه الافتراضات الكثيرة.

إذن-للمرة الثانية-ما هو الغرض المباشر و غير المباشر لهذا كله؟

قد أقول:

عن ما يتم من هذه الظاهرات الغريبة التي يقوم بها الدكتور داهش إنما من صنع قوة روحيّة غير أرضية لا تخضع لقوانين هذا العالم الذي نعيش فيه، وإن هذه القوّة قد اتخذت من هذا الرجل وسيطاً لكي يُثبت وجود الرُّوح وخلودها، ومن أجل إثبات وجود الخالق، و ما وَعَدَ به سبحانه و تعالى من ثواب للتائبين و عقاب للمارقين على الدين و الأخلاق، ولوقف التعصّب الدينيّ الأحمق، والعودة إلى الإيمان الصحيح، و العيش حياة عادلة فاضلة في ظل الدين الواحد، لأن الأديان الثلاثة هي نبعٌ من الله سبحانه و تعالى.

و إذا كان الدكتور داهش قد قام بهذه الخوارق على مدى خمسين عاماً لكي يدعو البشريّة إلى العدل  و المساواة و نبذ الأحقاد بين الشعوب و الدول و الأفراد، و إلى التمسّك بأهداب الدين العفّ النظيف الصحيح، فإني أعتقد أن هدفه هذا هو من  الأهداف السامية التي يتوق كل مُصلحٍ على الأرض أن تتحقّق لصالح البشريّة.

و مع ذلك، فأنا أترك كل ما جاء بين دفتي هذا الكتاب للقارئ يفكر فيه كما يحلو له، و يأخذ ما جاء فيه على هواه. و لكني أجزم بأن الدكتور داهش من “الهُداة”. إنه هادٍ.”و لكلِّ قومٍ هادٍ” ( سورة الرعد :7).

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!