أين الحقيقة؟
انتهيتُ… وتاهتْ خيالاتي لدقيقة
إذْ حاوَلْتُ الاهتداء إلى كُنْهِ الأَزَل
وحلَّقْتُ بتفكيري عاليًا، تاركًا دُنيا الهَزل
علَّني أجِدُ أسرارَ الحقيقةِ وأهتدي
فأُبشِّرَ بها الكونَ وأكون المُبتَدِي
ولكني عُدتُ والجهلُ يغمرُني، بعد سياحَةٍ استغرقَتْ دقيقة!
داهش
من كتاب ” بروق و رعود”
نواقيس الصَّحوة
تجليات النور في مدارات الحقيقة
أَضواءٌ داهشيَّة
أعداء الحقيقة الروحيّة
وأوهام الباراسيكولوجيا
بقلم الدكتور غازي براكس
أعداء الحقيقة الروحيّة مستمرّون في مؤامرتهم الجحيميّة
لتمزيق وحدة الشّعب وتعميم الضلالة والجهالة في أبنائه :
ردّا على سلسلة مقالات عن فضح السحر وعلوم الباراسيكولوجيا الكاذبة التي نشرتها تباعا ، عام 1968 ، في مجلّة ” بروق ورعود “، يقول روجيه شكيب الخوري بلغته الركيكة السقيمة ، في الجزء السادس من كتابه الهرائيّ المسمّى ” سلسلة العلوم الباراسيكولوجيّة “:
” غير أنّه لم يدرك معنى الباراسيكولوجيا على الأطلاق ، لأنّه اتّخذها كفرع سحريّ حديث …فانّ جهل ذلك العلم ، عليه أن يتأكّد من صحّة المراجع والجامعات التي أدوّنها في آخر هذه السلسة وخاصّة في المجلّد السادس …” ( ص 124 ).
ثمّ يستطرد قائلا :
” لقد صرّح الأستاذ براكس أنّ هذا العلم هو ” سحر مستجدّ ومسمى بشكل علميّ “؛ غير أنّه يجهل أن الفاتيكان اتخذه علما وافتتح له مركزا خاصّا لتدريس الكهنة كي تزداد ثقافتهم …” ( ص 124 -125 ).
لقد سمعت نصيحة عبقريّ العصر ، فنظرت في مراجع كتابه ، فاذا بهذا المدّعي قد استند الى15 مرجعا أكل الدهر عليها وشرب ، وهي لا تستحقّ الاّ مجمّعات النفايات . ستّة منها ألّفت في العصر الماضي ، وخمسة في الثلث الأوّل من هذا القرن ، والبقيّة في أواسطه ؛ وثلث تلك المراجع الفواجع من مخلّفات التخلّف العقليّ والعلميّ في أمريكا اللاتينيّة . أمّا المؤلّفون ، فمعظمهم من النكرات ، لا حول ولا طول لهم في أيّ ميدان علميّ . والقلائل المعروفون منهم اشتهروا بممالئتهم للمشعوذين .
وقد نسي ابن الخوري العامه في خرافاته أن النقد العلميّ والرقابة العلميّة ولا سيّما على العلوم الباراسيكولوجيّة المزعومة قد تقدّما أشواطا كبيرة في السنوات الخمسين الأخيرة ، لكنّ الذي تعوّد ركوب مركبات الحمير لا يرى في الأرض سوى حمير ، فلا الصاروخ ولا الطيّارة ولا حتّى السيّارة موجودة بالنسبة اليه .
فمنذ علم 1942 وأعداء النور والحقيقة في لبنان يحاولون ايقاف مسيرة الداهشيّة الظافرة ، تارة بتشويه سمعة مؤسّسها ، باختلاق افتراءات عليه ومهاجمته في المدارس والصّحف وكلّ مكان لهم فيه موطىء قدم ، وطورا باستثارة رجال الحكم وزبانيتهم ضدّه . لكن جميع مساعيهم ومكايدهم الجحيميّة باءت بالفشل الذريع ، فأسقط الطاغية بشاره الخوري عام 1952، واستردّ رجل الله جنسيّته اللبنانيّة رغم أنوفهم عام 1953 ، في عهد الرئيس شمعون ، واستأنف استقباله لآلاف الزائرين ولرجال الصحافة العربيّة والأجنبيّة منذ سنة 1958 حتّى سنة 1980 ، اذ انتقل مركز النشاط الداهشيّ الى نيويورك ، عاصمة عواصم الدنيا ، وبدأت الداهشيّة تتحوّل الى حركة روحيّة عالميّة .
ويعد أن هزّت فجائع الحرب اللبنانيّة القذرة الشعب اللبنانيّ ، وأيقظته من غيبوبته التي أوقعته فيها مخدّرات تجّار الطائفيّة وأصحاب الدكاكين الانتهازيّة ، رأى هؤلاء المتعيّشون من تفريق وحدة الشعب ومن ابتزاز أمواله ، والمزدهرة مصالحهم ومنافعهم على حساب آلامه ونشر الجهل في أبنائه – رأوا أنّ الدكتور داهش خرج من الحرب اللبنانيّة القذرة مرفوع الرأس ، ناصع الجبين ، وأنّ قامته الروحيّة أخذت تطول حتّى لامست السماء . فارتاع خفافيش الظلام وحفّاروا القبور القابضون على نفوس العباد من ولادتهم حتّى مماتهم ، وأخذوا يبحثون عن مخرج جديد .
انّ مساعيهم المؤذية السابقة التي استمرّت نصف قرن لم تثمر لهم الاّ الخيبة والخسران والهوان . فما زال آلاف اللبنانيّين من جميع المذاهب يؤكّدون أنّهم عاينوا معجزات الدكتور داهش الدامغة ؛ وها هي الصّحافة ممتلئة صفحاتها بأنباء خوارقه وأسماء شهودها كما بصور فوريّة للمعجزات في أثناء اجتراحها . اذا لم يبق لأصحاب دكاكين التفريق الطائفيّ والتمزيق اللبنانيّ الاّ أن يجاروا آلاف الشهود باقرارهم أنّ أعمال الدكتور داهش هي حقّا خارقة ، لكنّهم يستدركون بتأكيدهم أنّها ليست معجزات بل هي أعمال باراسيكولوجيّة أي أعمال يقوم بها أناس مميّزون بقدرات نفسيّة خارقة لكنّها طبيعيّة ، وأن يروّجوا بيع هذا ” العلم ” الجديد في سوق الدّجل والشعوذة .
أجل ، لم يبق لتجّار النفوس والعقول الاّ أن يستعينوا ” بدكتور ” غفل يؤيّد أقوالهم ، ويظهر أنّ الباراسيكولوجيا حقيقة علميّة ، وأنّ أعمال الدكتور داهش تفسّر في ضوئها . لكن هاكم الصفعة المدوّية المزلزلة التي ستصكّ وجه المأجورين الصفيقة .
صفعة مزلزلة على وجوه المأجورين الصفيقة :
الفيلسوف الانكليزيّ ، أنتوني فلوantony flew ، أستاذ الفلسفة في جامعة ريدنغ u.of reading بانكلترا ، انخرط في الأبحاث الباراسيكولوجيّة مدّة طويلة ، وأصدر كتابا مؤيّدا لصحّتها بعنوان ” محاولة جديدة في البحث النفسانيّ “A NEW Approach to psychical research ؛ لكنّه بعد أن أمضى 25 سنة في التنقيب والتحقيق ، انتهى الى التصريح بأنّ الكتاب الذي وضعه في الباراسيكولوجيا كان من حماقات الصّبا وتسرّع الشباب ، وأنّه تأكّد له ، أخيرا ، أن ليس في كلّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي تراكمت في سياق عشرات السنين الاّ الاّ التّوافه والأخطاء والشعوذات ” وأنّ الدراسات الحقيقيّة جاءت كلّها بنتائج سلبيّة . “1
والدكتوره سوزان بلاكمورsusan blackmore كانت عضوا بارزة في جمعيّة البحث الباراسيكولوجيّ في جامعةwest of england ، ووضعت عدّة مقالات في الاختبارات الجاريّة ؛ لكنّها بعد عشرين سنة من التجارب والتنقيب ، أعلنت أن لا حقيقية لكلّ ما يزعم حتّ الآن من القوى الباراسيكولوجيّة ، وأنّ كلّ التجارب التي أجرتها كانت نتائجها سلبيّة . وقد وضعت بلاكمور ، مؤخّرا ، كتابا تروي فيه قصّتها مع البارسيكولوجيا ، عنوانه ” بحثا عن النور “in search of the light . 2
وراي هايمانray hyman ، أستاذ علم النفس في جامعة أوريغونuniversity of oregon بالولايات المتّحدة ، المختصّ بتحليل الأبحاث الباراسيكولوجيّة ووزن صحّتها وقيمتها ، انتهى الى القول :” انّ جميع الأبحاث النفسيّة التي تراكمت في خلال 130 سنة لم تتمخّض بأيّ برهان ثابت على وجود أيّة قوّة باراسيكولوجيّة يمكنها أن تصمد في وجه التحقيق العلميّ المقبول “. 3
ولو أردت أن أدوّن آراء جميع العلماء والخبراء البارزين الذين نقّبوا في الأبحاث الباراسيكولوجيّة وحقّقوا فيها ثمّ فضحوها ونقضوها ، لملأت من خلاصات آرائهم كتابا ضخما . ولذلك أكتفى بأن أورد الرأي الحاسم الصادع الصافع الذي أدلى به أكثر من 1500 عالم بارز عام 1988 .
ففي العام المذكور أصدر ” مجلس البحث القوميّ “national research council (nrc) – الذي هو الذراع العمليّة ” للأكاديميّة القوميّة للعلوم ” في الولايات المتّحدة national academy of sciences (NAS)، وهي تضمّ أكثر من 1500 عالم بارز في مختلف المجالات العلميّة – أصدر تقريرا بناه على دراسة دقيقة عطّت 130 سنة من مزاعم الباراسيكولوجيا، نفى فيه نفيا قاطعا وجود أيّة طاقة فكريّة أو نفسيّة باستطاعتها السيطرة على الأشياء أو التأثير فيها أو كشف المستقبل أو غير ذلك من ادّعاءات جماعات الباراسيكولوجيا . 4
مراحل الباراسيكولوجيا بمعناها الحديث :
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر فورة ” روحانيّة ” كاذبة ظهرت كردّة فعل للمدّ العلميّ الجديد الذي أطلقه تشارلز دارون ( 1809 – 1882) بكتابة ” أصل الأنواع ” الذي صدر عام 1859 ، فأحدث زلزالا عنيفا في الأوساط الدينيّة عامّة والكنيسة المسيحيّة خاصّة ، وتمثّلت هذه الفورة اللاعقلانيّة في ظهور فجائيّ ، في الولايات المتّحدة وانكلترا ، لعشرات الألوف من ” الوسطاء الذين اكتشفوا ، بين ليلة وضحاها ، أنّهم موهوبون لعقد ” جلسات وساطيّة ” زعموا أنّ باستطاعتهم أن يستحضروا فيها ” أرواح” الموتى ويستخدموها في تلبية أوامرهم .
وفي خطّ مواز ، راجت بدعة ” التنويم “hypnosis التي زعم أصحابها أنّ باستطاعتهم أن يسيطروا على ارادات الآخرين ويدعوهم ينفّذون رغباتهم بفضل قوّة التأثير الفكريّ التي يملكونها .
وانتشرت هاتان الظاهرتان انتشار الوباء ، اذ وجد المحتالون والمشعوذون فيهما وسيلة ناجحة لاستثمار غباء الناس وسذاجتهم . فرأى فريق من الباحثين الجامعيّين المتحمّسين لقضيّة الروح أنّ الفرصة مؤاتية لاثبات وجودها بوجه التيّار المادّيّ الجارف . فأنشئت في انكلترا ، عام 1882، ” جمعيّة البحث النفسانيّ “(SPR) society for psychical Research،
وبعد ثلاثة أعوام ( 1885 )، انشئت جمعيّة مماثلة في الولايات المتّحدة تحت الاسم نفسه . لكن عمل الجمعيّتين كان أقرب الى جمع الحكايات الشعبيّة غير الممحّصة عن الظواهر الغريبة أكثر ممّا كان دراسة علميّة رصينة لتجارب مكرّرة ومراقبة . وبعد موت أبرز أعضاء ” جمعيّة البحث النفسانيّ ” الانكليزيّة التي كانت الأنشط في هذا المجال ، اعترف العضوان الرئيسيّان في اختبارات ” نقل الأفكار ” دوغلاس بلاكبورنdouglas blackburn و ج .أ. سميثG .A . smith أنّهما كانا يخدعان المختبرين . وكانت الجمعيّة قد أعلنت أنّه تأكّد لها وجود القدرة لدى المذكورين آنفا على ” نقل الأفكار .” وبهذا الاعتراف الذي حدث عام 1911 ، انهارت آمال الجمعيّتين وأسفرت كلّ جهودهما خلال سنوات طويلة عن لا شيء . وهكذا انتهت المرحلة الأولى بفشل ذريع . 6
عام 1927 ، أنشأ جوزف ب . راينjoseph banks rhine ( 1895-1980 ) مع زوجته لويز ، في جامعة ديوكduke بنورث كارولاينا بالولايات المتّحدة ، أوّل مختبر لدراسة امكان وجود ظواهر نفسيّة عجيبة ليس بقدرة العلم الحديث أن يفسّرها ، منطلقا هكذا من الصّفر . وفي الثلاثينيّات أطلق على هذا العلم المزعوم اسم ” باراسيكولوجيا “parapsychology ، ومعنى الكلمة الحرفيّ : هامش علم النفس ؛ بأنّ معاهد علم النفس لم تقبل أن تدخل ” الباراسيكولوجيا ” في برامجها ولا اعترفت بأنّها علم . وقد استحدثت عبارةextrasensory perception
أي ” الادراك اللاحسّيّ ” للدلالة على ثلاث ظواهر مزعومة : نقل الأفكار من شخص الى آخر ، وقد سمّيتtelepathy ، و” الرؤية اللاحسّيّة ” وقد سمّيتclairvoyance ، ” والمعرفة المستقبليّة ” وقد سمّيتprecognition . ثمّ أضيفت الى الثالوث ظاهرة مزعومة أخرى هي ” التحريك ( أو التأثير ) بواسطة قدرة نفسيّة ” وسمّيتpsychokinesis . وعرفت أربعتها بكلمة مختصرة هيpsi .
لقد استبعد راين من مجال تجاربه معظم ما كان يشغل ” جمعيّتيّ البحث النفسانيّ ” الآنفتي الذكر ، لأنّ أعمالهما أصبحت أضحوكة الأوساط العلميّة الرصينة ، وحصر معظم تجاربه في مجال ضيّق جدّا . فقد استخدم 25 بطاقة ( قريبة من أوراق اللعب بأشكالها ) ، وعلى كلّ خمس منها رسم هندسيّ معيّن : نجمة ، وصليب ، ودائرة ، ومربّع ، وثلاثة خطوط متماوجة . ففي دراسة امكان ” النقل الفكريّ ” ، كان شخص ما ينظر الى بطاقة معيّنة ، ويحاول آخر بعيد عنه أن يحرز هويّتها ؛ وفي دراسة ” الرؤية اللاحسيّة “، كان الشخص المختبر يحاول أن يعرف ترتيب مجموعة البطاقات من غير أن ينظر فيها أحد ؛ وفي دراسة ” المعرفة المستقبليّة “، كان الشخص يحاول أن ” يتنبأ ” بترتيب المجموعة قبل أن تخلط وتعطى ترتيبا معيّنا ؛ وفي دراسة ” قدرة النفس على التحريك “، كان الشخص يحاول أن يحرّك أحجار النّرد . وكانت النتيجة تعتبر ايجابيّة ، اذا نجح الشخص في نسبة ضئيلة من مجموع التجارب ، أي في حوالى 21 % من محاولاته . وهذه النسبة في المعرفة لا معنى لها ، لأنّ المعرفة والقدرة الخارقتين امّا أن تكونا دائمتين بدون استثناء أو لا تكونان ، لأنّه لا فرق بين المعرفة القائمة على الصدفة والمعرفة ذات النسبة الضئيلة . 7
ولكن رغم أنّ مجال الاختبار كان ضيّقا جدّا ، وموضوعه أقرب الى السّخف ، فقد تأكّد أنّ المولّجين بالاختبارات كانوا يزوّرون نتائجها لتبدو بعيدة بعض الشيء عن أن تكون صدفة . فبيتي ماركويكBETTY MARKWICK ، وهي عضو بارز في في الجمعيّة الباراسيكولوجيّة ، ومتخصّصة في دراسة العلاقات بين الوقائع المختبرة ، أظهرت أنّ س.ج .
صولS.G.SOAL الذي كان مولّجا ، طوال عدّة سنين ، بدراسة الوقائع التي بين يديه ، قد عبث بنتائج الاختبارات ، وأصدرت ، عام 1979 ، تقريرها ببطلان نتائج الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي جرت طوال سنين ، الأمر الذي زلزل راين وهدّم مصداقيّة كلّ بحث باراسيكولوجيّ . وهكذا أسفرت المرحلة الثانية عن نتيجة هي : صفر .8
أمّا المرحلة التي بدأت في الستينيّات ، فقد عاد فيها الباراسيكولوجيّون الى مجال التجارب التي استخدمها راين ، وزادوا عليها دراسة ” البيوت المسكونة ” و ” رؤى المائتين ” و ” رؤى الحياة السابقة ” التي حاول أن يثبتها آيان ستيفنسنIAN STEVENSON بجمع الحكايات الشعبيّة في الأوساط التي تؤمن بالتقمّص . أمّا نتائج هذه المرحلة فكانت أيضا : صفرا. والضربة القاصمة وجّهتها سوزان بلاكمور ، أستاذة علم النفس في جامعةWEST OF ENGLAND التي عملت في الاختبارات الباراسيكولوجيّة مدّة طويلة . ففي المؤتمر الذي عقد في جامعة توسن بأريزونا – الولايات المتّحدة ، في شهر نيسان ( أبريل ) 1996 ، للتباحث في ماهيّة العقل الواعي ، أعلنت أمام حشد ضمّ ألف شخص من العلماء والأطبّاء والفلاسفة والسيكولوجيّين ، أنّ أبحاثها واختباراتها في الحقل الباراسيكولوجيّ التي استمرّت عشرين عاما أسفرت عن لا شيء ، فنهر الباراسيكولوجيا الذي كانوا يزعمون أنّه ملآن بالأسماك ، لم تجد فيه أيّة سمكة . وقد تخلّت بلاكمور عن اهتمامها بعلم غير موجود . 9
انّ الباراسيكولوجيا علم كاذب ، وقد هدّمه الشرفاء ممّن عملوا فيه .
أمّا اذا سأل القارىء : ترى ، كيف حالها اليوم ، في الولايات المتّحدة ، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين ؟ فاليه الجواب ممّا نشرتّه ” الجمعيّة الباراسيكولوجيّة ” نفسها على شبكة الانترنت العالميّة التي أصبحت تضمّ كلّ غثّ وسمين ، فأصحاب البيت أدرى بما فيه . ففي باب ” الأسئلة المطروحة كثيرا عن الباراسيكولوجيا “PARAPSYCHOLOGY FAQ المجدّد مضمونه بتاريخ 18/2/1997، ورد في الجواب عن السؤال رقم 18 : أين هي المراكز العاملة في البحث الباراسيكولوجيّ ؟ المراكز العاملة في الولايات المتّحدة هي :
- مختبر في بالتو آلتوPALTO ALTO بكاليفورنيا .
- قسم تابع لمركز هاري رايدHARRY REID في جامعة نيفادا بلاس فيغاس .
- قسم تابع لمركز الطبّ النفسيّ في جامعة فرجينيا .
- مركز راين في جامعة نورث كارولاينا .
- ” مختبر ” في جامعة برنستون بنيوجرسي .
انّ جميع هذه المراكز ليس لها أيّة قيمة علميّة ، ولا أيّة صفة رسميّة . ويموّلها أفراد أثرياء مهووسون بالغرائب والغيبيّات أو مؤسّسات ذات أغراض نفعيّة ، أمثال لورانس روكفيلر ، ومؤسّسة ماكدونلMCDONNELL ، ومؤسّسة أورسترومOHRSTROM ، ومؤسّسة فتزرFETZER . وجماعة الباراسيكولوجيا يعلنون عن هؤلاء المموّلين في منشوراتهم على الانترنت .
انّ آلاف الجامعات ومعاهد التعليم العالي تقوم في الولايات المتّحدة ، وفي كلّ منها حصّصت دائرة لتعليم علم النفس . ومع أنّ الاختبارات ” العلميّة ” للباراسيكولوجيا المزعومة سابقة لعلم النفس الحديث ، اذ بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ، فانّها ما زالت مطرودة من معاهد التعليم . ولو كانت علما حقيقيّا ، أي لو كان فيها شيء من الصحّة ، لكانت أبواب آلاف المؤسّسات التعليميّة العالية فتحت لها لتهافتت الدّول على تعزيزها وتمويل الأبحاث فيها . أمّا المراكز الأخرى المخصّصة لدراسة ” الباراسيكولوجيا” خارج الولايات المتّحدة ، فهي قليلة جدّا ومبعثرة في زوايا بضعة بلدان حيث تضعف المراقبة العلميّة ، أو تقوى القبضة الكاثوليكيّة . وجماعة الباراسيكولوجيا لم تذكر منها على الانترنت الاّ خمسة : اثنين في انكلترا ، وواحدا في هولندا ، وواحدا في سكوتلاندا ، وواحدا في هنغاريا .
الفصل الثاني
جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة
من التنويم المغنطيسيّ الى التّنويم الايحائيّ
جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة:
انّ العلوم النفسيّة – من ادراك وشعور وخيال وارادة – التي كان يتمتّع بها آلاف من الأذكياء الأفذاذ الذين ظهروا في مختلف الأمم والعصور الماضية لم تكن ، بأيّ حال ، أضعف ممّا هي عليه عند المفكّرين الألمعين والأذكياء الموهوبين في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين . فالقوى النفسيّة في الانسان ما زالت هي نفسها منذ آلاف السنين . ولو أنّ بين البشر من يتمتّع بقوى نفسيّة خارقة – باستثناء الأنبياء والهداة الروحيّين وذلك من أجل تأكيد صحّة رسالاتهم – لكانت قواهم تلك قد ظهرت وفرضت وجودها الساطع على التاريخ ، كما فرض الأنبياء والهداة الروحيّون وجودهم . فالحقيقة النفسيّة كالحقيقة الطبيعيّة لا يمكن حجبها . فجهل البشر ، في العصور السحيقة ، لقانون الجاذبيّة ، مثلا ، لا يعني أنّ الجاذبيّة لم تكن موجودة جليّة الحضور . ولو كان في الامم والعصور الماضية ، كما في الشعوب والعصور الحديثة ، بشر بقدرتهم معرفة الغيب وقراءة أفكار الناس ، ونقل ما يريدون من أفكار اليهم والتحكّم بهم … لكان هؤلاء سيطروا على الأرض كلّها ، وعلى من عليها ، فاستحوذوا على جوائز الياناصيب وعلى مكاسب ألعاب القمار ، بل على ثروات الأغنياء ، في مختلف أنحاء العالم ، ولكانوا أقصوا المصائب عنهم وعن ذويهم بفضل معرفتهم السابقة لأسبابها، ولكانت الحكومات الكبرى تنافست في استقدامهم والتعامل معهم لمعرفة أسرار أعدائها والسيطرة عليهم . لكنّ أمثال هؤلاء ليسوا موجودين الاّ في المخيّلات المريضة والنفوس السقيمة والرؤوس البلهاء . فكيف نشأت ، اذا ، مزاعم الباراسيكولوجيا الهرائيّة ؟
انّ هذه العلوم الكاذبة تمدّ جذورها البعيدة في الأوهام التي استبعدت عقل الانسان منذ آلاف السنين ، حينما كان البشر عاجزين عن النّفاذ الى كنه الأشياء وأغوار الحقائق الطبيعيّة وعن ربط أسباب الأحداث ينتائجها ، فتوهّموا قوى خفيّة مبثوثة في الطبيعة ، ان هم خاطبوها بالتعازيم ، انصاعت لهم تنفّذ أوامرهم ، وتخوّلهم علم الغيب واجتراح الخوارق والسيطرة على الناس كما على الحيوان والأشياء بالّرقى والأحجبة وغيرها من غريب الوسائل البدائيّة التي ما تزال تلجأ اليها ، حتّى في مطلّ القرن الحادي والعشرين ، قبائل افريقيا البدائيّة الراسفة في التخلّف والجهل ، كما يلجأ اليها أقوام في مختلف الشعوب ، تعيش أجسادهم في عصر العلوم الباهرة في حين أنّ عقولهم ما تزال قابعة في المغاور ، مقيّدة بأغلال الجهل المخزي . تلك الأوهام التي داخلت حتّى المعتقدات الدينيّة في مراحل طفولتها ثمّ تخلّص المثقّفون من ربقتها بفضل أخذهم بالعلوم الحديثة انّما هي ما يسمّى ” بالسحر ” . فالسحر ، علم المتخلّفين عقليّا ، هو أبو العلوم الكاذبة كلّها . لكنّني لن أنقذه وأفضح الآخذين به في هذا المقام ، لأنّ هذا الكتاب موجّه بالدرجة الأولى الى المثقّفين الذين يفترض أن يكونوا قد تخطّوا مرحلة الطفولة العقليّة . وقد تناولت ” السحر ” مع غيره من العلوم الزائفة بالنقد المفصّل في كتاب خاصّ معدّ للطبع بعنوان ” فضح العوم الكاذبة ونقضها “.
من التّنويم المغنطيسيّ الى التّنويم الايحائيّ :
يعتبر الباحثون في علم النفس أنّ أكاذيب التنويم المغنطيسيّ تشكّل الأصل الذي منه تفرّعت الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع في القرن التاسع عشر .
والذي أطلق فكرة وجود ” المغنطيسيّة الحيوانيّة “animal magnetism في الانسان هو الطبيب النمساويّ فريدريك أنطون مسمرF.A.Mesmer ( 1734-1815 ) . كان مسمر يعتقد أنّ صحّة الجسد يتحكّم بها توازن الأخلاط الأربعة فيه ( الدّم والبلغم والصفراء والسوداء ) التي كان شائعا في القرون الماضية أنّ منها يتألّف الجسم . وافترض أنّ الأمراض تنشأ عن الخلل الذي يحصل في السيّال العصبيّ في الجسد . فبدأ مسمر تجاربه على المرضى العصابيّين ، ولا سيّما الهستيريّين ، سنة 1768 ، واستخدم صندوقا ملأه ماء ووضع فيه قطعا من المعدن الممغنط والزجاج . وجعل أسلاكا طويلة تغطس أطرافها في الماء ، وتخرج من ثقوب في غطاء الصندوق . وكان يأمر المرضى بأن يمسكوا أطراف الأسلاك . وقد خيّل الى مسمر أنّ بعضهم قد شفي بواسطة” السيّال المغنطيسيّ ” الذي انتقل اليهم وأعاد التوازن الى السيّال العصبيّ فيهم ؛ وانّما كان ذلك سوء تفسير منه وخداعا منهم .
وقد كان أطبّاء النمسا يرتقبون الفرصة السانحة لامتحان ” المغنطيسيّة الحيوانيّة ” طبيّا ، بصورة حاسمة . وتمثّلت هذه الفرصة في تريزا فون باراديtheresa von paradis ، احدى عازفات البيانو الشهيرات . كانت تريزا عمياء ، لكنّها محظيّة برعاية الامبراطورة . ولم يجد في شفائها أيّ علاج قدّمه أهل ” العلوم الخفيّة ” . وبعد أن عالجها مسمر مدّة ، أشاع أنّها أخذت تبصر ؛ لكن لدى التحقيق ، تأكّد أنّها ما زالت عمياء . وعلاوة على ذلك ، فقدت براعتها في العزف . هذه النتيجة المشؤومة أدّت الى طرد مسمر من كليّة الطبّ ومن النمسا ؛ فالتجأ الى فرنسا ليعيد فيها تمثيل لعبة التدجيل مجدّدا . الاّ أنّه اضطرّ الى التخلّي عن استخدام ” المغنطيسيّة ” سنة 1778 . 10
سنة 1784 أصدرت أكاديميّة العلوم وجمعيّة الطبّ الملكيّة في فرنسا رأيهما في موضوع ” المغنطيسيّة الحيوانيّة ” أو ” المسمريّة “، وقد جاء فيه :” انّ الخيال بدون مغنطيسيّة يولّد تشنّجات … والمغنطيسيّة بدون خيال لا تولّد شيئا “. 11
سنة 1845 أحلّ جايمس بردjames bread من مانشستر بانكلترا فكرة ” التنويم “( hypnotisme ) hypnosis محلّ فكرة ” المغنطيسيّة ” بعد فشلها . وكانت فكرته تقوم على بعث التعب العصبيّ في المريض بالطلب اليه أن يحدّق طويلا الى شيء لامع أمام عينيه . 12
لكنّ الطبيب الفرنسيّ الشهير جان ماري شاركوjean – marie charcot ( 1825- 1893 ) هو الذي أصبح قطب الحركة الجديدة التي ادّعت معالجة الأمراض العصبيّة ولا سيّما الهستيريّة ” بالتنويم ” . وكان يجري تجاربه في مستشفى ” لا سلبيتريار “la salpetriere أمام نفر من الأطبّاء برزوا فيما بعد كأطبّاء نفسانيّين .
وبما أنّ شاركو كان أبرز طبيب للأمراض العصبيّة في عصره ، فقد أحدثت معالجته مرضاه ” بالتنويم ” تأثيرا بالغا وواسعا في مختلف دوائر الطبّ النفسيّ بأوروبّا والولايات المتّحدة . لكن هل كان جميع الأطبّاء النفسيّين وعلماء النفس ، في عصره مقتنعين بصحّة ” التنويم ” ؟
انّ الواقع التاريخيّ يظهر أنّ كثيرين من ذوي العقول النقّادة شكّكوا في صحّة ” التنويم ” وكشفوا الكذب والخداع في عمليّته ، ان لم يكن قبل الطبيب ” المنوّم ” ، فمن قبل الأشخاص ” المنوّمين “، ونبّهوا الى ذلك ، لكنّ شاركو ومؤيّديه رفضوا الاصغاء بدافع من غرورهم وكبريائهم .
فكان عهد شاركو ( 1880 -1890 ) عهد ” التنويم ” الذهبيّ ؛ لكن بعد موته ، أخذت فكرة ” التنويم ” بالتلاشي ؛ ورفضها فريق كبير من العاملين في الحقل النفسيّ .
فسيغموند فرويدsigmund freud ( 1856-1939) ، بعد أن مارس التنويم على مرضاه فترة من الزمن ، شكّك في صحّته وأعلن أنّه تخلّى عن استخدام ” التنويم ” في علاجه لأنّه لم يجد فيه المنفعة المرجوّة . وقد استبدل به طريقة التحليل النفسانيّpsychoanalysis .
وجوزف رابنسكيj. Rabinski ( 1857-1932 ) وتلامذته اعتبروا ” التنويم ” نوعا من التظاهر والتصنّع والخداع . كذلك ارنست دوبرهE.dupre ( 1862-1921 ) .
وبول هارتنبرغp. Hartenberg صرّح ، منذ سنة 1898 :” التنويم غير موجود …فثمّة ثلاثة احتمالات ، وثلاثة فقط : امّا أن لا ينام الوسيط لكن يتظاهر عمدا بالنوم ؛ وامّا أن ينعس ويتوهّم أنّه نام ؛ وامّا أن ينتهي بأن ينام نوما طبيعيّا “. وفي هذه الحال لا يبقى أمام ” المنوّم ” الاّ أن يكون شريك ” وسيط ” في الخداع ، وأن يكون ضحيّته في الانخداع .” 13
وأندره أومبردان أكّد :” أنّ خرافة التنويم أصبحت اليوم مرفوضة : فالمنوّم ( بالفتح ) ليس في نومه المزيّف بأصدق منه في حياته العاديّة .”
وبنجامان لوغر أعلن : ” أنّ التنويم لعبة للتسلية الاجتماعيّة ، وليس شيئا غير ذلك : فهذا هو دوره الذي أوقفه عنده تدريجيّا نقد الأطبّاء المتصاعد في نفاذه وتجاربهم المتزايد في غناها .”
ولم يكن كبار علماء السيكولوجيا والأمراض العصبيّة أقلّ حزما في دحضهم التنويم الايحائيّ من الأطبّاء النفسيّين . حسبنا ذكر ولهلم فوندتwilhelm wundt ( 1832-1920 ) ، عالم النفس والفيزيزلوجيا الألمانيّ ، وتيودور مينيرtheodore meynert ( 1833-1892 ) , عالم النفس النمساويّ ، و ف ويتلزfritz wittels ( 1925 )، العالم الفرويديّ البارز . 14
انّ قصّة ” التنويم ” التي بدأت مع شاركو تشبه الى حدّ ما قصّة ” الوساطة الروحيّة ” ( سبيرتزم ) في أنّ الخداع هو الذي أطلقها . ومثلما أنّ ” الوساطة ” اختلقت أساسها عدّة فتيات مخادعات ، كما سنرى عمّا قليل ، فانّ ” التنويم في زيّه الحديث اختلق أساسه عدّة فتيات مخادعات أيضا . لكن المخدوع الأكبر هنا كان الطبيب الفرنسيّ شاركو نفسه . فقد كان شاركو يجري تجاربه على عدّة فتيات استأثرت احداهنّ ( روزالي ). بمعظم اهتمامه وأصبحت مرتكز استنتاجاته في ما يتعلّق ” بالتنويم ” .
واستند الأطبّاء من بعده الى أقواله ، وكلّ من أتى لاحقا استند الى أقوال السابق . ولو كلّف الباحثون أنفسهم بعض الجهد ، وكانوا أكثر فطنة لطبيعة الانسان الميّالة الى الكذب أكثر منها الى الصدق لتبيّن لهم أنّ( روزالي ) كانت تخدع شاركو ، وتمثّل أمامه وأمام الأطبّاء دور المنوّم الذي يخضع لارادة منوّمه في كلّ ما يوحي اليه .
وقد فضح دكسنdicksonn ، لاعب الخفّة المشهور ، قصّة ( روزالي ) ودورها الخداعيّ ، وسجّل اعترافاتها في كتابه : حيلي مكشوفة “. 15
ممّا قالته له :” كنت أقوم بالتمثيل هناك أيضا ( في مستشفى لاسلبيتريار)؛ كلّ ما رآه الأطبّاء فيه لم يكن حقيقيّا ! لقد كنت محظيّة باهتمام الرئيس الأوّل ( شاركو ) ، ومغمورة بعنايته ، ورغباتي جميعها كانت مشبعة ، ومحاطة بأجلّ اهتمام . كانوا متمسّكين بي ، والعلم يستند الى وقائعي وحركاتي ليسجّل أمثلة موثوقة …آه ! ما كان أوثقها !
” لم أكن جميلة ، وكنت بلا مهنة ، وبدون أسرة . ومع ذلك أصبح لي وظيفة : ” موضوع اختبار طبيّ “. وكانت رغبتي الوحيدة أن لا أترك المستشفى . ولكن ، ذات يوم ، مات الرئيس ، وكلّ شيء تغيّر ! كان عليّ أن أتركه .
لقد كوّنت التجارب الكثيرة نوعا من الشّهرة حول اسمي … انّ الذي يضيّع الأطبّاء هو أنّهم لا يستطيعون أن يعرفوا متى أبدأ خداعهم ، شأنهم في ذلك شأن غير الاختصاصيّين .”
ويروي ليون دودهleon daudet كيف كانت روزالي تخدع أطبّاء مستشفى ” لاسلبيتريار” الآخرين وبينهم الطبيب فونتانج . 16
ولم يكن شاركو وزملاؤه وحدهم ضحايا الانخداع . فكثيرون هم العلماء الذين ثبتوا في ضلالهم ، على افتضاح أمرهم . ومن المخجل أن يكون كثيرون من الأطبّاء قد بنوا ايمانهم ب”التنويم ” على مشاهدتهم حفلات مشعوذين ” منوّمين ” . ففرويد تمّ اقتناعه ، أوّل وهلة ، بعد مشاهدته المشعوذ ” هانسن “، وشاركو بعد مشاهدته ( دوناتو) ، علما بأنّ هذا الأخير بعد أن تدفّقت الجماهير البارسيّة لمشاهدة حفلاته التي تواصلت في باريس أكثر من خمسة أسابيع ، اعترف في أثناء محاكمته في بلجيكا بأنّه كان يستعين بشركاء له في الخداع من الحضور أنفسهم وبأنّ لوسيل مارتي وسيطته الشهيرة كانت تخادع الجمهور متظاهرة بالنوم . 17
وفي أيّ حال ، فانّ التجارب التي أجريت على جماعة كبيرة من الأشخاص المزعومين ” منوّمين ” ، بقصد اختبار طبيعة ” التنويم ” ، أظهرت تناقضا غريبا في المفاهيم والنتائج ، الأمر الذي لا يدع مجالا في للشكّ في أنّ قضيّة ” التنويم ” مختلفة من أساسها ، ولا ترتكز على أيّة حقيقة .
فشرتوك يصرّح أنّه يستحيل أن يؤكّد أنّ شخصا قد نومّ أم لا . فبعض الأشخاص يظنّون أنّهم قد نوّموا ، في حين أنّهم لا يكونون في الحقيقة منوّمين ، بينما يطنّ آخرون أنّهم لم ينوّموا لكنّهم في الواقع يكونون منوّمين . فضلا عن أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار الخداع المقصود الواعي والخداع اللاواعي وغير المقصود . فهذا التصريح الذي يؤيّده كثيرون من الأطبّاء يجب أن يجعل ” التنويم ” مشكوكا في صحّته من الأساس .
من ناحية أخرى يميل كثيرون من الأطبّاء المعنيّين بقضيّة ” التنويم ” الى تبنّي آراء برنهايم التي صاغها سنة 1917 ، وقوامها أنّ الظاهرات التي تلاحظ على المنوّمين المزعومين هي ظاهرات يمكن احداثها في اليقظة بمجرّد الايحاء وقبول الايحاء ، أي بما يردّ المسألة كلّها الى ايحاء ذاتيّ ، الأمر الذي ينفي وجود شيء يسمّى ” التنويم ” .
وأن يكون في ” التنويم ” قسط كبير من التمثيل فهذا ما أكّدته التجارب : فبعد أن أجرى مسمر تجاربه الأولى على فتاة مصابة بالهستيريا ، وأذاع أنّها أبدت تشنّجات عصبيّة ، أخذ غالبيّة من ادّعى تنويمهم يحتذون حذوها ، فكانوا يظهرون تشنّجات عصبيّة ؛ في حين أنّ الآخرين كانوا يتصرّفون وفق ما يعلن أمامهم من أعراض ترافق التنويم : فالذين يفهمون التنويم حالة نوم هادئة يبدون هادئين ، ومن يفهمه حالة تتخشّب فيها يد واحدة ، خشّب يده ، ومن يفهمه حالة تتخشّب فيها اليدان ، خشّب يديه الخ… كلّ ذلك من غير أن تصدر ايحاءات وأوامر لابداء مثل هذه الأعراض . وذلك يستتبع اعتبار التنويم ، على حدّ قول أورن ” جنونا من الطرفين ” . ف”المنوّم ” يتصرّف بطريقة تظهر أنّه لا يستطيع أن يقاوم ايحاءات ” المنوّم ” ، بل حتّى آراءه ومفاهيمه ، ” والمنوّم ” يمثّل دور الرجل االقويّ الذي يودّ أن يظهر بمظهر من لا يقاوم . 18
أخيرا ، انّ ” التنويم ” ، في حال افتراض وجوده ، يجب أن ينتج عنه تغييرات في الأوضاع الفيزيولوجيّة ولا سيّما في الدماغ لدى المنوّمين . والواقع أنّ التجارب العلميّة الكثيرة التي أجراها العلماء على أفراد ” منوّمين ” أثبتت أنّه لا فرق في الحالات الفيزيولوجيّة بين ” المنوّمين ” والمستيقظين . في حين أنّ فروقا واضحة تظهر بين المستيقظين والنائمين أو الحالمين . فالموجات الكهربائيّة التي يبثّها دماغ ” منوّم ” مماثلة لما يبثّه دماغه في حال اليقظة . كذلك فالطاقة الكامنة في قشرة الدماغ ، وسرعة النبض ، ومقاومة الجلد وغيرها من الأوضاع هي نفسها في الحالتين .
وهذه النتائج تؤكّد لدى البصيرين أنّ التنويم عمليّة تظاهر وخداع يقوم بها ” المنوّمون “. وجدير بالذكر أنّه أجريت تجارب علميّة لبعث الألم في أفراد ” منوّمين ” ، ودفعت لكلّ منهم أجور مختلفة تعويضا عن تقديم أنفسهم للتجربة ، فكانت النتيجة أنّ الذين دفع لهم أكثر أظهروا أنّهم يشعرون بالألم أكثر من أولئك الذين دفع لهم أقلّ ، علما بأنّ مثير الألم كان على درجة واحدة من القوّة . ” فالمنوّم ” يخدع “منوّمه ” مظهرا أنّ هذا يريده منه . 19
تلك كانت مواقف الأطبّاء والعلماء ذوي العقول النقّادة من ” التنويم ” في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .
لكنّ ” التنويم ” لعبة مغرية للمشعوذين ولاعبي الخفّة ممّن يجيدون الخداع والتمثيل والاتّفاق مع أطراف آخرين ، لما فيها من مكاسب ماليّة وشهرة عريضة وتأثير . وهكذا امتدّت لعبة ” التنويم ” الى المسارح ، حيثما كان ، كما عادت فامتدّت الى عيادات فئة من الأطبّاء الأخسّاء ، باتّفاق بينهم وبين المشعوذين المشهورين ، لتكون المغانم الماليّة مشتركة بينهم ، واختلط الخادعون بالمخادعون في صفوف الأطبّاء والسيكولوجيّين وعامّة الناس الساذجين …وكثر تأليف الكتب المروّجة لصحّة ” التنويم “، وكثر ابتزاز أموال الناس من البسطاء المصدّقين .
وهكذا بعد أن كانت العقول العلميّة النقّادة قد فضحت لعبة ” التنويم ” ، وأسقطها من حسابها ، عادت جماعة من الأطبّاء ، في النصف الثاني من القرن العشرين ، فأحيت ” التنويم ” مشدّدة هذه المرّة على أنّه ” تنويم ايحائيّ ” ليس الاّ . انّه ايحاء من أصحاب الارادات القويّة لأشخاص يتقبّلون الايحاء ، ويدخلون في غيبوبة حسيّة “trance ، وينفّذون وهم تحت تأثيرها أوامر الأطبّاء ، فيتغلّبون هكذا على وساوسهم وأمراضهم النفسيّة وآلامهم ، ويرجعون الى الماضي السحيق من حياتهم فينبشون أحداث طفولاتهم بل وقائع حياتهم في حياة سابقة ! وكان هؤلاء ” المنوّمون ” الجدد أذكى بعض الشيء من أسلافهم ، فأسقطوا من ” التنويم الايحائيّ” كلّ عمل خارق ، فلا قراءة أفكار للآخرين ولا معرفة لمسروقات غيرهم …لأنّ مثل هذه الأمور باتت أكاذيبها بلقاء ، وأصبح فضحها سهلا .
وكان من أبرز الأطبّاء الجدد الذين اشتهروا ب”التنويم الايحائيّ ” الأمريكيّ ملتن اركسنmilton erickson (1901-1980 ) . وله عدّة كتب ودراسات في ” التنويم الايحائيّ “. لكن هل حقيقة ثمّة ” تنويم ايحائيّ ” و” غيبوبة حسيّة ” يدخل فيها ” المنوّم ” ليطيع ” المنوّم ” مكرها ؟
يعتبر الدكتور ستيفن هيلرsteven heller واحدا من ألمع تلامذة اركسن وأنبههم . فبعد أن قام بمعالجة مرضاه على الطريقة الاريكسنيّة ، مدّة من الزمن ، اكتشف الخداع فيها ، وألّف بمشاركة تيري لي ستيلterry lee steele كتابا عنوانه ” وحوش وعصيّ سحريّة : ليس ثمّة شيء اسمه التّنويم “. 20
وفي العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ظهرت كتب ودراسات كثيرة لأطبّاء وعلماء بارزين ينقضون فيها نقضا نهائيّا أكذوبة ” التنويم ” و” الغيبوبة الحسيّة ” ، ويؤكّدون أنّ ” التنويم ” منذ نشأته حتّى اليوم ، سواء تستخدم على المسارح أم في عيادات الأطبّاء ، ما هو الاّ خدعة عالميّة وأكذوبة كبرى لم يبقها حيّة الاّ جشع فئة من الأطبّاء وسذاجة كثير من الناس . وحسبي أن أذكر من هؤلاء العلماء والأطبّاء النابهين الألمعين الذين فضحوا أباطيل ” التنويم ” في كتبهم وأبحاثهم : ثيودور باربرtheodore x.barber ، وغراهام واغستافGraham R.wagstaff وبيتر بلايتpeter blythe ، ونيقولاس سبانوسnicholas spanos ، وارفنغ كيرشirving kirsh ، ووليام كوwilliam c.coe ، وثيودور صاربنtheodore sarbin ، وروبرت بايكرrobert barker .21
فهؤلاء الأطبّاء النابهون والعلماء القديرون أكّدوا جميعهم أنّ لا وجود لل”تنويم ” ولا لل”تنويم الايحائيّ ” ، وأنّ ” الغيبوبة الحسيّة ” المزعومة التي يدخل فيها ” المنوّمون ” ما هي الاّ خدعة قد يكون البادىء فيها ” المنوّم ” ليبتز الطبيب ، لأنّ كثيرا من عمليّات ” التنويم ” التي يجريها أطبّاء معيّنون تكون مأجورة ، يقومون بها من أجل اختبار قدراتهم ” التنويميّة ” وطبيعة ” التنويم . هكذا كانت مع شاركو ، ومع كثيرين غيره ممّن حذوا حذوه ؛ لكنّ الخدعة قد يكون بادئها الطبيب نفسه ، وذلك ليحيط نفسه بهالة من القدرة غير العاديّة ، فيكثر هكذا قاصديه ويكثر مكاسبه ، فيكون المرضى ضحاياه السذّج الذين تجعلهم الدعاية الكاذبة يصدّقون بقدرة ذلك الطبيب الدجّال ، فيوهمون أنفسهم أنّهم تحت تأثير اراداته ، ويلبّون أوامره من غير أن يكون لإيحاءاته أيّ تأثير حقيقيّ في شفائهم أو معرفة أسباب اضطرابهم .
ولعلّ كتاب الدكتور روبرت بايكر المعنون ” يسمّونه التنويم “they call it hypnosis هو من أهمّ الكتب التي صدرت في العقد الأخير من القرن العشرين وأدمغها حجّة في نقض ” التنويم ” وفضحه . فهو يروي فيه كيفيّة ممارسته له في مرحلة من عمره ، اذ كان مصدّقا ما يروّج عنه ، صمّ اكتشف تدريجيّا أنّه كان واهما ، وأنّ ” المنوّمين ” ليسوا بنائمين ، انّما هم يجاملونه ، وأنّ الحالة التي كان يدعوها ” غيبوبة حسيّةtrance ، لا تختلف عن حالة اليقظة على الاطلاق ، لا من حيث درجة الوعي فيها ولا من حيث الحالة الفيزيولوجيّة .
يقول بايكر :” اذا توخيّنا الدقّة في الكلام ، فلا بدّ من القول انّ كلمة ” تنويم “hypnosis ينبغي أن تحصر بين مزدوجين كلّما استخدمت ؛ ذلك لأنّه لا وجود لشيء اسمه تنويم . والهدف من كتابي هو اقناع القارىء بأنّ الظاهرة المسمّاة ” بالتنويم ” لا وجود لها على الاطلاق ، لا في الماضي ولا في الحاضر ، ولن يكون لها وجود في المستقبل . انّ ما يسمّى اليوم تنويما هو اعتقاد باطل ، أعني هو فكرة كاذبة وترّهة تناقلها من جيل الى جيل ، منذ عهد مسمر ، أفراد تكاد معرفتهم بأبسط المبادىء السيكولوجيّة تكون مفقودة ، أو أفراد ذوو مآرب نفعيّة استهوتهم نظريّة التنويم وأعمتهم عن رؤية الأسباب الحقيقيّة التي وراءها . 22
أمّا الغيبوبة الحسيّة ” المزعومة فيقول عنها :” انّ جميع ذوي الخبرة ممّن يمارسون ” التنويم ” على الآخرين يعرفون أتمّ المعرفة أنّ كلّ تنويم ذاتيّself- hypnosis ، وأنّنا حينما نسترخي في حياتنا العاديّة ، ونتأمّل في باطننا مستخدمين خيالنا للتفكير في أمور حياتنا ، نكون ، اذ ذاك ، نقوم بما تسمّيه فئة من الناس ” التنويم ” ونكون نلعب لعبة التنويم .” 23
ويدعو بيتر بلايت في كتابه ” التنويم الذاتيّself – hypnotism الى تجاهل تعريفات القواميس والمعاجم لكلمة ” تنويمhypnosis ، لأنّه خطأ فادح ” فالتنويم ” أكذوبة كبرى .24
وقصارى القول انّ التنويم في العيادات لا يعدو أن يكون خدعة أو مجاملة يقوم بها المرضى أمام أطبّائهم ، لأنّ الأطبّاء في نظرهم ، أكثر منهم فهما ، وعلى المريض أن يطيع طبيبه ، لأنّ طاعته قد تسهّل شفاءه ممّا يعاينه . ” فالتنويم ” لا يمنح ” المنوّم ” أيّة قدرة استثنائيّة على الاتيان بأيّ عمل خارق ، كما لا يمنحه حتّى قدرة استثنائيّة على تذكّر ماضيه أو عقله الباطن ، انّما هو استرخاء ليس أكثر .
أمّا مدّعو القدرة على التنويم بأيّة وسيلة كانت ، سواء كانوا أطبّاء أم يعملون على المسارح أم يخادعون الناس في بيوتهم ، فليس أمامهم الاّ أن يتقدّموا ببراهينهم التي تؤكّد ادّعاءهم ليقبضوا جائزة قدرها مئة ألف دولار قدّمها لاعب الخفّة الشريف الكبير في أمريكا كرسكنkreskin الذي طالما أدهش حضور حفلاته بعجائب ” تنويمه .” 25
لكنّني أقول سلفا لهم : ستخذلون مثلما خذل غيركم من آلاف المشعوذين في كلّ أنحاء العالم .
الفصل الثالث
جذور علوم الباراسيكولوجيا الكاذبة
جلسات ” استحضار الأرواح “
جلسات ” استحضار الأرواح ” أو ” مناجاة الأرواح “:
يبدأ تاريخ ” إستحضار الأرواح ” الحديث في ليلة 31| 3| 1848, في قرية هايدسفلhydesville بولاية نيويورك ، حيث كانت تعيش عائلة فوكسfox :الوالدان وابنتاهما مارغريتmargaret ( في حوالى الحادية عشر ) وكايتkate ( في حوالى التاسعة ) . صعدت الفتاتان الى غرفتهما في الطابق الأعلى لتناما ، فخطر في بالهما أن تفرقعا أصابع أرجلهما وهما تحت اللحاف . فسمع والدهما الأصوات المحدثة وهما في الطابق الأرضيّ ، فصعدا الى غرفة ابنتيهما ليستطلعا الأمر ، فاستقبلتهما الفتاتان بمزيد من أصوات الفرقعة . واذ كانت الأمّ ساذجة ، تؤمن بالأشباح والمنازل المسكونة ، فانّها ما لبثت أن سألت :” هل هذا روح احتلّ ابنتيّ ؟” واذا الجواب صوت فرقعة .
وهرعت الأمّ الى جيرانها تخبرهم بأنّ منزلها مسكون بالأشباح وأنّ “روحا”احتلّ ابنتيها .
وأخذ الجيران يتردّدون ، كلّ ليلة الى غرفة الفتاتين ، ويسألون ” الروح ” بخوف عن أمور تخصّهم ، على أن يجيب باحداث صوت واحد اذا كان الردّ ايجابا ، وباحداث صوتين اذا كان سلبا .
وما لبثت شقيقة الفتاتين الكبرى المتزوّجة ، ليهlea ، أن سمعت بأخبار أختيها ، فحضرت الى منزل أهلها ، واختلت بمارغريت وكايت ، واستوضحتهما الأمر ، ففهمت منهما سرّ الأصوات المحدثة ، وفتق لها أن تستثمر غباء الناس لقاء تعويض ماليّ عن كلّ سؤال . لم لا ؟ فالعائلة غير ميسورة ، والناس بدأوا يتدفّقون الى المنزل مصدّقين مؤمنين .
وتطوّرت كيفيّة الاجابات بمساعدة المحتالة الكبرى ، وبدأ الناس السذّج يتوافدون الى ” المنزل المسكون ” من شتّى الولايات الأمريكيّة للاستيضاح عن أمور تهمّهم .
وقد نالت الشقيقتان فوكس شهرة عظيمة ، ودعيتا الى فندق بارنومbarnum في نيويورك لتعقدا فيه جلسات ” استحضار أرواح ” فكان الزائرون أفواجا ، معظمهم يريدون الاتصال بالأموات من ذويهم وأقربائهم . وقد وجدتا في الصحيفة النيويوركيّة ” نيويورك ويكلي تريبيون”new york weekly tribune منبرا لنشر أخبارهما ، بينما كانت معظم الصحف الأمريكيّة الأخرى تشكّك في صحّة مزاعمهما . وكان لتصديق عدّة أشخاص من البارزين “بجلساتهما الوساطيّة ” المزعومة جاذبيّة قويّة ، فتفشّت هذه الحركة في أمريكا حتّ قدّر أنّ عدد ” الوسطاء “mediums الذين نبتوا فجأة وأخذوا يدّعون القدرة على عقد جلسات لاستحضار الأرواح بثلاثين ألفا ، وذلك في مدى ثلاثين سنة . وقد انخرط في هذه اللعبة القذرة من أجل خدع الناس وابتزاز أموالهم كثيرون من رجال الدين المسيحيّ مبرّرين موقفهم بأنّه تشجيع على الايمان بوجود الأرواح ووجود الحياة الأخرى ، بعد أن أدّى تقدّم العلوم ، ولا سيّما انتشار النظريّة الداروينيّة ، الى انتشار التشكيك بالدين كما الى الالحاد . وقد خدع بهذه البدعة الوسخة كثيرون من رجال السياسة الأمريكيّين البارزين ، الأمر الذي شجّع ذيوعها والتصديق بها في أوساط العامّة .
ومن أمريكا انتقلت الحركة الى انكلترا حيث تبنّاها عالم الفيزياء والكيمياء الانكليزيّ السير وليام كروكسsir william crookees ، فدعا كايت الى لندن عام 1871 . وبعد أن عقدت أمامه ” جلسات الوساطيّة ” المزعومة ، أكّد صحّة الأصوات التي سمعها ، وأنّها أصوات حقيقيّة تحدثها الأرواح .
وفي 21/10/1888 ، حدثت المفاجأة الكبرى ، بعد حوالى أربعين عاما من حركة الهستيريا الجماعيّة التي اجتاحت أمريكا وانكلترا وبعض البلدان الأوروبيّة الأخرى ، وتمحّضت بألوف المشعوذين الذين اغتنموها فرصة ذهبيّة لابتزاز أموال السذّج مستفيدين من تصريحات وليام كروكس وزمرة صغيرة من أمثاله المخدوعين . ففي التاريخ المذكور اعترفت مرغريت فوكس علنا بأنّها ، طوال أربعين عاما ، كانت تخدع الناس مع شقيقتها كايت . وأسفت جدّا لتضليل الملايين ، وخداع الأوساط العلميّة . واتّهمت شقيقتها الكبرى ليهlea بجرّهما الى هذه الخديعة ثمّ ارغامهما على الاستمرار فيها ابتزازا لأكبر كميّة من المال . وقد نشر اعتراف الشقيقتين الخطّيّ في صحيفة ” نيويورك ورلد “new york world ، بعد أن أجرت مرغريت أمام مندوبها وشهود آخرين تجربة “لجلسة وساطيّة ” مزعومة.
أمّا سرّ الأصوات التي كان يسمعها الحضور من غير أن يكتشفوا سببا ماديّا لها ، فقد كان تافها جدّا : فقد تعلّمت الشقيقتان في صغرهما أن تحدثا أصواتا مختلفة بفرقعة أصابع أرجلهما ، وخاصّة مفاصل الابهامين منها ، وتدرّيتا طويلا على ذلك حتّى استطاعتا أن تتحكّما بالعضل الموجود تحت الركبتين الذي يتحكّم ، بدوره ، بعضل القدمين . ولمّا كانتا صغيرتين جدّا ، قلّما شكّ أحد من المراقبين في براءتهما وصدقهما ، لا سيّما أنّهما توصّلتا الى اخفاء أيّة حركة ظاهرة في جسديهما ؛ علما بأنّ جلساتهما كانت تعقد في الظلام . 26
انّ خدعة استحضار الأرواح داخلتها فنون وحيل كثيرة منذ نشأتها حتّى اليوم . فقد ابتدأت بفرقعة أصابع الرجلين ، ثمّ داخلت اللعبة ، بفضل مشاركين في عمليّة الخداع ، الطّرقات على الجدران والأثاث والأواني ، ثمّ تطوّرت الى عقد جلسات حول الطاولة المتحرّكة أو الدوّارة ؛ وهي طاولة يجلس الحضور حولها وبينهم ” الوسيط ” المزعوم ، فلا تلبث أن ترتفع احدى قوائم الطاولة عن الأرض ، أو تعلو بمجملها ، أو تدور ببطء . وسبب هذه الحركة قوّة الروح في ادّعائهم ، وقوّة حدائد مخفاة في أكمام ” الوسيط” وشركائه ، في الحقيقة . وثمّة أساليب أخرى ، منها أن تكتب حروف الأبجديّة بصورة دائريّة فوق الطاولة ، ثمّ يضع ” الوسيط ” أو أحد شركائه اصبعه في فنجان ، ويدع الفنجان يتحرّك بقوّة ” الروح ” ، حسب زعمه ، وبقوّة دفعه هو للفنجان ، في الواقع . والغاية من ذلك أن يرسم الفنجان ، في تحرّكه بين الحروف ، عبارة أو أكثر تكون جوابا لسؤال يطرحه أحد الحضور . وفي الحالة الأخيرة يمكن تكذيب ” الوسيط ” بالطلب اليه أن يضع عصابة غير مغشوشة على عينيه ، ثمّ يحرّك الفنجان ورأسه مستقيم والفنجان في أقصى امتداد يده , ما دام الروح العالم القادر هو الذي يحرّكه ، في زعمه ، لا اصبعه . 27
أمّا الزيّ فهو عقد ” جلسة وساطيّة ” في جو معتم يفرض فيها على الحضور أن لا يتحرّكوا من أماكنهم وأن يكونوا ، عادة ، متشابكي الأيدي بعضهم مع بعض . والغاية من ذلك أن تظهر ” روح ” وراء ” الوسيط ” أو قريبا منه . ولكي تثبت ” الروح ” تجسّدها ، بعد أن تظهر ، فانّها قد تقوم بالتربيت على كتف الجليس الأقرب لل”وسيط ” ، أو قد تسمع صوتا معيّنا ، أو قد تحرّك شيئا ما ، أو قد تسمح لمصوّر ” خاص بتصوير الأرواح ” أن يلتقط لها صورة الخ …
والحقيقة أنّ الروح كناية عن صورة أو قناع محاط ببعض الأقمشة أو الأوراق التي قد تطلى أحيانا بمادّة فوسفوريّة تلتمع لزيادة التأثير ؛ وأنّ الصوت ، في حال صدوره ، يكون امّا صوت ” الوسيط ” نفسه وقد عدّل نبراته . وامّا صوتا مسجّلا في جهاز تسجيل مخفى .
أمّا تحريك الأشياء فيقوم بها ” الوسيط ” نفسه الذي يتظاهر في بداية الجلسة أنّه ممسك بيدي جليسيه عن يمينه ويساره ، لكنّه ، في الواقع ، يفلت ببراعة احداهما ليقوم بالحركات المطلوبة ، مستعينا أحيانا ببعض القضبان أو العصيّ أو الأسلاك أو الأقنعة أو غير ذلك من الأدوات …
والجدير بالذكر أنّ شركاء ” الوسيط” في الخداع مهمّون جدّا في مثل هذه الجلسات لانجاحها . 28
أمّا صور الأرواح فهي مزوّرة ، ويقوم بها ، عادة ، شريك ” للوسيط ” في الخداع ، وذلك شأن ( بوغه) الذي عرف بمصوّر الأرواح ، وقد أثار افتضاح غشّه استنكارا كبيرا . 29
ولم يشتهر أحد في ” جلسات الأرواح ” المزعومة الاّ عاد ففضح وشهّر ، حتّى كاد أثر هذه الخدعة يتلاشى في القرن العشرين ، بعد أن تكاثر نقّادها . وكان من أشهر مدّعي ” الوساطة ” وأواخرهم الايطاليّة أوسابيا بالادينوeusapia palladino التي راجت أعمالها الخداعيّة بين 1885و1915 . وقد امسكت بالخداع والغشّ المشهودين مرارا عديدة . 30
وكان لهاري هودينيharri houdini ( 1874-1926 ) لاعب الخفّة الأمريكيّ ، العبقريّ الشريف ، اليد الطولى في فضح مدّعي ” استحضار الأرواح ” . وبعد موته تابعت عمله بعزم مساعدته روز ماكنبرغrose mackenburg ، فكانت تفضح الدجّالين ، وتقلّدهم في انتاج ” الاكتوبلاسما ” الكاذبة . وقد استعان بها القضاء ووكالات التأمين في عدّة دعاوى بصفتها خبيرة في فضح أخاديع مدّعي ” استحضار الأرواح “.31
أندرو دايفس ودنغلاس هوم :
يعتبر روجيه الخوري أنّ الباراسيكولوجيا تبرهن صحّتها بأعمال أندرو جاكسن دايفسandrew jackson davis كما بأعمال دانيال دنغلاس هومdaniel dunglas home . فمن هو دايفس ومن هو هوم ؟
بعد أن فضحت الأوساط العلميّة في أوروبّا فريدريك أنطون مسمّر ، واتّهمته بالشعوذة وابتزاز السذّج ، انتقلت فنون المسمريّة أو جماعة ” التنويم المغناطيسيّ ” الى أمريكا .
وعام 1843 تعرّف أندرو جاكسن دايفس الى خدعة ” التنويم المغناطيسيّ ” وباشر استخدامها على نفسه ، وادّعى أنّ باستطاعته معرفة الغيب ، واكتشاف أسباب الأمراض وهو في ” الغيبوبة المغناطيسيّة ” التي هي أمّ “الغيبوبة الحسيّة ” . وبعد أن شاعة شهرة الشقيقتين فوكس بأنّهما تستحضران أرواح الموتى وتخاطبانها ، أضاف دايفس الى طريقته الخدّاعة الزيّ الجديد ، حتّى بزّ فيه الأختان فوكس ، فاستنزل من أرواح الموتى كتابا سمّاه ” مبادىء الطبيعة “the principles of nature ، وهو خليط من المعلومات العلميّة الرائجة في عصره ومن المختلقات الوهميّة .
أمّا معالجته الطبيّة للمرضى المساكين السذّج ، المتعلّقين بحبال الهواء ، فكانت تقوم على ما يشبه الوصفات السحريّة البائدة : الصاق جلد ضفدع على اليد الملدوغة ، وضع جلد جرذون أو دهن فخذ ابن عرس وراء الأذن الصمّاء …32
ولا يستبعد أن تكون وصفات روجيه الخوري قريبة من وصفات دايفس ، ما دام الدكتور معجبا بعبقريّته الباراسيكولوجيّة !
أمّا دانيال دنغلاس هوم فالخوري يشبّه به الدكتور داهش ليؤكّد أنّ الارتفاع في الهواء وتجسيد الأشياء وتحريكها عن بعد ممكنة ومعروفة كقوى باراسيكولوجيّة ، اذ يقول :” لقد كان داهش بالنسبة للبنان كما هو دانيال دونغلاس هوم بالنسبة لبريطانيا من الناحية البارابسيكولوجيّة ، اذ انّه استطاع ابراز أغلبيّة الظواهر البرابسيكولوجيّة . ” ( ص 136 ) .
ظهر هوم ك”وسيط ” في انكلترا ، على اثر موجة ” الوساطة الروحيّة ” التي انطلقت من أمريكا اليها بتأثير من الخدعة الكبرى التي أطلقتها الشقيقتان فوكس عام 1848 . اذا ، قبل خدعة فوكس لم يظهر أي ” وسيط “في العالم بالمفهوم الحديث ” للكلمة أيspiritist medium ؛ فهي الأم وكلّ ما ظهر من أفانين ” الوساطة ” وبالتالي الباراسيكولوجيّة بنات لها . وباشر هوم نشاطه ” الوساطيّ ” ونال شهرة واسعة قبل أن تنشأ أوّل جمعيّة نفسيّة في انكلترا لمراقبة الظاهرات غير الطبيعيّة . فأخبار هوم التي كوّنت شهرته هي مجموعة من الروايات الشعبيّة غير المحقّقة علميّا . تقول الشائعات انّه كان يجلس مع حضور آخرين على طاولة ، تحت حجاب الظلام ، ويختار هو دائما من يجلس قربه . وبعد أن تطول الجلسة ، ويمتدّ الصمت ، ويرهق الحضور الذين يفرض عليهم أن يستمرّوا في شبك أيديهم بعضهم مع بعض ، ويحظر عليهم مغادرة أماكنهم ، يبدأ الحاضرون المتعبون بسماع أصوات على طريقة الشقيقتان فوكس . لكن هوم طوّر أخاديعه أكثر ، واستخدم الوسائل الكيميائيّة . فكانت تظهر قربه يد كأنّها تجسّد ليد ” روحيّة ” متلألئة ، أو يتحرك في الغرفة بعض الأثاث أو الأدوات أو الأشكال ذات البصيص . ولم يكن أحد يجرؤ على النهوض من مجلسه في الظلام ليفحص اليد الظاهرة وعلّة البصيص حولها ، أو الشيء المتحرّك وسبب تحرّكه .
غير أنّ عديدين ممّن حضروا ” جلساته الوساطيّة ” المزعومة استنتجوا منها أنّه لم يكن الاّ مشعوذا يستخدم مختلف الوسائل الخداعيّة في جلساته . من هؤلاء الشاعران المشهوران روبرت واليزابيت براوننغ R.&E. Browing . ؛ فبعد أن حضرا احدى جلساته المزعومة , نظم الشاعر فيه قصيدة هجائيّة سمّاه فيها ” الوسيط الرخراخ Mr. Studge ,the medium .
وقد ذكر الصحافيّ ديليا لوغان أنّه حضر جلسة لهوم في منزل أحد النبلاء الانكليز ، وشاهد الوسيط المزعوم يسير في ظلام الغرفة ، وبين الفينة والأخرى تظهر قربه يد مضيئة اضاءة خفيفة . وقد شاهده رغم الظلام ، يضع زجاجة صغيرة تحت معطفه . وقد استطاع المضيف أن يسترق الزجاجة بخفية . وتأكّد له ، من بعد ، أنّ فيها زيتا ممزوجا بالفوسفور ، كان سبب حدوث الظواهر الضوئيّة في الظلام .
ويبدو أنّ الذين كشفوا تدجيل هوم لم يجرؤوا على مواجهته وفضحه علنا ، لأنّه كان قويّ الصّلات بالنبلاء الذين كان يدّعي أنّه واحد منهم ، كما كان قويّ الصّلات بعدّة ملوك ، منهم قيصر روسيا ونابوليون الثالث .
ولم يراقب أعمال هوم أيّ باحث علميّ الاّ وليام كروكس نفسه سنة 1871 . فأيّد كروكس صحّة أعماله ” الوساطيّة ” مثلما أيّد صحّة أعمال فلورانس كوك والشقيقتين فوكس .
ويبدوا أنّ اللورد أدارlord adare كان مخدوعا به وعلى علاقة حميمة معه ، اذ كانا ينامان في مهجع واحد ردحا من الزمن . وقد وضع اللورد أدار مؤلّفا عن ” جلسات هوم الوساطيّة “، لكنّه لم يطبع الاّ خمسين نسخة فقط وزّعها على أصحابه ، ثمّ عاد فاستردّ معظمها ، عندما استردّ صحوته بعد غفلته .
وأشهر ما أشيع عن أعمال هوم خروجه من احدى نوافذ بيته وتحرّكه في الهواء فوق الشارع ثمّ دخوله من نافذة أخرى بالطريقة نفسها .
فكيف استطاع أن يفعل هذه ” الأعجوية ” التي يستشهد بها عبقريّ عصره ووحيد دهره ، روجيه شكيب الخوري ؟
من التحقيقات التي قام بها العلماء من الباحثين في هذا الأمر تبيّن أنّ تلك ” الأعجوبة ” ما هي الاّ اشاعة . أمّا الحقيقة فهي أنّ الحضور الذين كانوا حول الطاولة جامدين في الظلام لم ينهضوا من أماكنهم ، لأنّه نهاهم عن ذلك . وقد رأوه كشبح يخرج من النافذة التي تطلّ على شرفة بعلو الشارع حوالى 32 قدما ، وبعد مدّة يعود اليهم من الداخل ، من غرفة مجاورة ، لها أيضا نافذة تطلّ على شرفة لا يفصلها عن الشرفة الأولى الاّ مسافة 125 سم . وقد استطاع الباحث الناقد تريفور هولTREVOR HALL أن يحصل على صورة قديمة للمبنى ، استنتج منها أنّه يمكن أن يمرّ أيّ انسان بسهولة من الشرفة الأولى الى الأخرى بمشيه على افريز البناية لصق الحائط ، أو باستخدام خشبة متينة تصل الشرفتين ، يكون قد خبأها تحت معطفه . أمّا ارتفاع هوم في الهواء فلم يشاهده أحد على الاطلاق ، انّما هو اشاعة أطلقها بعض المهووسين . 33
وبدحض أخاديع هوم لا يبقى طبعا في التاريخ من سار في الهواء وتبختر ورفرف وتخطّر الاّ الذين أنتجتهم عقليّة ” القداسة ” في العصور البائدة والذين وشّى روجه الخوري صفحاته الهرائيّة بأسمائهم الكثيرة .
وموقف الخوري له ما يماثله في البلدان التي فيها للكثلكة – ولا سيّما بذراعها اليسوعيّة – تأثير يذكر .
فجون بلافJ.BELLOF أحد أساتذة علم النفس في جامعة ادنبرغ بسكوتلاندا ، يعتبر أبرز المدافعين المعتدلين عن صحّة ” الظواهر الباراسيكولوجيّة “. ولذلك نراه يؤيّد صحّة ارتفاع دايفد هوم في الفضاء بقوّة باراسيكولوجيّة ، كما يؤيّد بحماسة صحّة طيران اليسوعيّ جوزف كوبرتينوJ. COPERTINO فوق الأشجار ، لكن بقوّة قداسته الكاثولوكيّة . وجون بلاف ، بموقفه الذي يسخر العلم لمسلّمات مذهبيّة هرائيّة ، هو نموذج بارز نسج روجيه الخوري على منواله في لبنان ، كما ينسج آخرون من أدعياء العلم على منواله في أمريكا اللاتينيّة حيث يسرح القابضون على نفوس الناس وعقولهم ويمرحون بين صفوف المتخلّفين ثقافيّا . وقد نقد موقف جون بلاف وسفّه آراءه جايمس آلكوكj.alcock أستاذ علم النفس في جامعة يورك بتورنتو – كندا ، وسوزان بلاكمورs. Blackmore أستاذة علم النفس في جامعةwest of england ببرستول-انكلترا ، وراي هايمانray hyman ، أستاذ علم النفس المرموق في جامعة أوريغون ، ومارتن غاردنرmartin gardner ، في جامعة نورث كارولاينا بالولايات المتّحدة ، وبول كورتزpaul kurtz ، رئيس جمعيّة النقد العلميّ المعروفة csicop بنيويورك . 34
الفصل الرابع
علم الغيب
ادّعاء معرفة المستقبل :
سنة 1949 ، عقدت الجمعيّة الفلكيّة الألمانيّة A.G .(astronomische Gesellschaft ) وهي أشهر وأوسع الجمعيّات العلميّة الفلكيّة في العالم ، مؤتمر في بون ، وأعلنت فيه ، من ضمن مقرّراتها :” أنّ ما يسمّى تنجيما ( وما اليه …) في أيّامنا هذه ، ليس سوى خليط من الخرافات والشعوذة والتجارة …” 35
وسنة 1975 ، أصدر 186 عالما بارزا في مختلف أنحاء العالم ، وفي شتّى الميادين – وبينهم 18 عالما حائزين جوائز نوبل العالميّة – بيانا مذيّلا بتواقيع أسمائهم نشرته مجلّة ” الهيومانست “humanist الأمريكيّة ، عدد مطلع أيلول 1975 ، أعلنوا فيه أنّ ليس للتنجيم أيّ أساس علميّ أو عقليّ ، وأنّ المنجّمين هم مجرّد مشعوذين ، والذين يؤمنون بهم محدودو التفكير .
انّ الذين يحاولون معرفة المستقبل فئتان : فئة تشمل المفكّرين والخبراء من ذوي النّظر البعيد والرؤية الشاملة ، كما تشمل العلماء في مختلف حقول المعرفة ، وفئة ثانية تشمل مدّعي معرفة المستقبل كذبا ممّن يسمّون أنفسهم منجّمين أو فلكيّين أو كهّانا أو عرّافين أو أصحاب قوى ” باراسيكولوجيّة ” .فلنر ما يقول الواقع التاريخيّ عن كلّ فئة .
- الخبراء والعلماء :
هذه الفئة ، بلا ريب ، تحترم نفسها ؛ وهي تبني توقّعاتها على المعطيات العلميّة التي في حوذتها . ولكن هل يستطيع الخبراء والعلماء أن يعرفوا المستقبل بدقّة ويقين ؟ انّ الخبراء والمفكّرين من ” المستقبليّين “futurists، أي الذين يحاولون أن يكشفوا على وجه التقريب ، ما سيكون عليه المستقبل في حقل من الحقول الحضاريّة أو العلميّة ، لا يدّعون التنبّؤ ، انّما يعتمدون على ثقافتهم واتّساع رؤيتهم وبعد نظرهم لرسم ملامح المستقبل . ولكن هل يستطيع هؤلاء أن يكشفوا حتّى عن ملامح المستقبل العامّة بعد مئة سنة مثلا ؟
عام 1883 ، طلبت ” جمعيّة الصحافة الأمريكيّة “american press association الى 74 شخصا بارزا في مختلف حقول المعرفة أن يدلوا بتوقّعاتهم عمّا ستكون عليه الولايات المتّحدة عام 1993 (أي بعد مئة عام ) .وبعد انقضاء القرن ، جمع دايف والترdave walter اجاباتهم المنشورة في الصحافة ، قبل قرن ، لكتاب عنوانه ” اليوم حينذاك : أفضل عقول أمريكا تنظر الى ما بعد قرن …” 36
كان كلّ من المفكّرين البارزين قد اختار حقل المعرفة الذي يعتبر نفسه الأخبر به ، وحصر اجاباته في حدود حقله . أمّا الموضوعات المطروحة فكانت تتعلّق بما سيطرأ من تغير على الحياة الأمريكيّة على الأصعدة الدينيّة ، والسياسيّة ، والعمرانيّة ، والاقتصاديّة ، والتعلميّة ، والتكنولوجية ، المواصلات ، ووسائل نقل المعلومات ، والأحوال الشخصيّة ، والاجرام ، والأزياء ، واعمار الناس ….
ولكن ، مع أنّ كلّ من المفكّرين الأفذاذ كان لديه متّسع رحب جدّا للاختيار ، ومع أنّهم لم يتطرّقوا الى التفاصيل فيما توقّعوه ، فانّ توقّعاتهم كانت بعيدة جدّا عن الواقع الحاصل في أمريكا بعد مئة سنة . وهذه نماذج من التوقّعات المنشورة :
توماس ده وت تالماt.de witt talmage ، رجل الدين البروتستانتيّ الشهير ، صاحب العقل النافذ والثقافة الشاملة ، الذي كانت خطبه الدينيّة تنشر اسبوعيّا في حوالى 3500 صحيفة – هذا الألمعيّ توقّع أنّ اعمار معظم الناس ستمتدّ الى 150 عاما ، وأنّ الأرض ستشهد سلاما أكثر وروحا دينيّة أفضل . ولا يخفى أنّ توقّعاته قد أخفقت .
ماري ليسm.lease ، الخطيبة الشعبيّة الفذّة التي ألقت ، عام 1890 ،مئة وستين خطابا ، تبنّت ما توقّع شاعر فرنسا الأكبر ، فكتور هيغو ، أن يحدث في القرن العشرين :” الحرب ستضمحلّ ! والملكيّة ستضمحلّ ! والمجاعات ستضمحلّ ! …”
واذا القرن العشرون يشهد اندلاع أعظم حروب التاريخ وأكثرها خطرا وعددا ، واذا الملكيّة تبقى راسخة في كثير من دول العالم ؛ أمّا المجاعات فقد قضت – وما تزال تقضي كلّ عام – على الملايين من المساكين !
وليم راسل غرايسw.russel Grace ، الاقتصاديّ الكبير وحاكم ولاية نيويورك ، توقّغ أنّ ازدهارا اقتصاديّا عظيما سيعمّ أمريكا الجنوبيّة ، ويجعلها قوّة اقتصاديّة عالميّة هائلة . أمّا الواقع الحاصل فهو أنّ أمريكا الجنوبيّة تعتبر اليوم في عداد الدول الثالث بتخلّفها الاقتصاديّ والحضاريّ .
جون انغولزJ.ingalls ، عضو مجلس الشيوخ البارز ، وصاحب العقل النافذ ، توقّع أن تصبح شيكاغو المدينة العظمى في أمريكا بل في العالم ، عام 1993 . والحقيقة الواقعة أنّ نيويورك أصبحت أعظم مدينة في أمريكا ، تليها لوس أنجلوس .
إلاّ هويلر ولكوكسella wheeler wilcox ,الشاعرة الشهيرة , وصاحبة الرّؤى الواسعة , توقعت أن يحل ” التنويم المغناطيسيّ ” محلّ المخدّرات في العمليّات الجراحيّة , وأن تصبح القدرة على معرفة المستقبل عامّة تقريبا بين الناس . أمّا الواقع الحاصل فهو أنّ” التنويم ” أصبح في أكثر الأوساط الثقافيّة من الفكاهات التي يتسلى بها الناس , وأنّ الناس بمعظمهم لا يرون أبعد من أرنبات انوفهم . تلك كانت حال العباقرة في أواخر القرن الماضي فيما يخصّ معرفة المستقبل ، فكيف حال العلماء في أواخر القرن العشرين ؟
مع أنّ العلوم بمختلف فروعها تقدّمت في الربع الأخير من القرن العشرين تقدّما عظيما ، ومع أنّ أجهزة الكمبيوتر تطوّرت قوّتها وفعاليّتها تطوّرا هائلا ، فانّ التنبؤ الدقيق اليقينيّ عمّا سيحدث في المستقبل حتّى في الزمن القريب منه وفي مجالات علميّة محصورة ما يزال مستحيلا . وما تزال الأحداث غير المتوقّعة تفاجىء الخبراء والاختصاصيّين ، من تقلّبات البورصة ، الى ثورات البراكين ، الى حدوث الحروب ، بل حتّى الى معرفة الأسباب الحقيقيّة التي تؤدّي الى تفجير بعض الطائرات .
وقد أكّد الاستحالة العلميّة لمعرفة المستقبل اليقينيّة تأكيدا حاسما الدكتور جون كاستيjohn casti ، وهو خبير في الأنظمة التحليليّة ، واستاذ في جامعة النمسا التقنيّة ، وذلك في كتابه ” بحثا عن اليقين : ماذا يستطيع العلماء أن يعرفوا عن المستقبل .” 37
ب- العرّافون ومدّعو القدرة الباراسيكولوجيّة :
كلّ عام تقع في العالم عشرات الأحداث الخطيرة المثيرة , من الأحداث السياسيّة , الى العسكريّة , الى الجرائم , الى الكوارث الطبيعيّة , الى احداث المواصلات برّا وبحرا وجوّا الخ …
فأيّ انسان يتمتع بذكاء عاديّ يعرف أنّ امثال هذه الحوادث لا بدّ من أنّ تقع كلّ عام .فإذا أراد الاستفادة الماليّة الاحتياليّة منها بابتزاز غباء السّذج – وهم الأكثريّة في كل شعب – فما عليه إلاّ أن يصوغ ” تنبؤاته ” صياغة عامّة مبهجة , فلا يحدّد زمانا دقيقا ولا مكانا معينا . فإن فعل ذلك , يكون قد قام بما يقوم به عشرات الألوف من ” المتنبّئين ” و “المتنبئات ” المنتشرين في كلّ بقعة من بقاع العالم والذين أصبحوا يسمّون أنفسهم في البلدان المتقدمةpsychics أي الموهوبين قوى ” باراسيكولوجيّة ” , وذلك جريا على الزيّ الحديث . فما دام في الأرض سذّج ومغفّلون , فسيبقى فيها محتالون دجّالون يتعيّشون من ابتزاز أموال الأغبياء .
في الولايات المتحدة , كما في غيرها من البلدان , مجلات مخصّصة لنشر أمثال هذه ” التنبؤات” الكاذبة , ولترويج أسماء أصحابها . ولكن هل يهتمّ قرّاء تلك المجلاّت المخزية بأن يتحقّقوا من صدق ما ينشر فيها ؟ طبعا لا , لأنهم اعتادوا أن يعيشوا في خدر الحياة وأضاليل الأوهام , ولا قدرة عقليّة نقديّة لديهم ليميزوا بين الصحيح والكذب ,وليدركوا أنّ العقل البشريّ محكوم بقوانين طبيعيّة يستحيل عليه أن يخرقها . فلو استعرضنا الأحداث الكبرى التي شهدها العالم في السنوات العشرين الأخيرة, لما رأينا أيّا منها قد تناولته ” تنبؤات المتنبئن “المنشورة في مجلاتهم .38 وعلى سبيل المثال , عام 1984 , اغتيلت انديرا غاندي , رئيسة وزراء الهند , وانفجرت قنبلة في انكلترا كادت تقضي على جميع الوزراء الإنكليز وعلى رئيستهم مارغريت تاتشر ؛ وعام 1985 , ثار بركان في كولومبيا فسبّب مقتل 25 ألف شخص , وتحطمت طائرة يابانيّة شمالي طوكيو فقتل فيها 250 شخصا , كما تحطمت طائرة هنديّة في المحيط الأطلسي فقتل فيها 329 شخصا , وتسلّم رئاسة الأتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف الذي ستشهد نهاية حكمه انهيار الاتحاد السوفيتي ّ وسقوط الأنظمة الشيوعيّة في العالم ؛ وعام 1986 , انفجر مكّوك الفضاء الأمريكيّ , تشالنجر على مرأى من ملايين من المشاهدين المتتّبعين للحادث على شاشات التّلفذة , فقتل جميع ملاحيه ؛ وعام 1993 , حدث فيضان مدمّر هائل في الوسط الغربيّ من الولايات المتّحدة ، كما حدث تفجير ” مركز التجارة العالميّ”world trade center في نيويورك الذي أوقع ألف جريح فضلا عن عدّة قتلى ، كذلك عقدت معاهدة السلام بين العرب واسرائيل الخ…
فهل تنبّأ أحد من مئات ” المتنبّئين ” المزعومين في أمريكا بأيّ من هذه الأحداث العالميّة الخطيرة وهم ينشرون كلّ عام عشرات ” التنبّؤات ” المزعومة التي تتناول الكوارث الطبيعيّة والبشريّة والأحداث السياسيّة البارزة ؟ طبعا . لا أمّا السبب فهو أنّ الطريقة التي يستخدمها ” المتنبّون ” الدجّالون – سواء سمّوا أنفسهم منجّمين أم عرّافين أم باراسيكولوجيّين – ما زالت هي نفسها التي كان يستعملها العرّافون والعرّافات والكهّان والكاهنات منذ القديم : التعميم والتعمية وتحميل العبارة عدّة تأويلات .
وأفضل مثل على ذلك نستقيه من أشهر عرّافة في اليونان ، وهي عرّافة دلفي ؛ ومثل ” نبوءاتها ” المزعومة ينطبق على معظم ” النبوءات ” الكاذبة التي يطلقها محترفو هذا الفنّ الخداعيّ . فقد مرّ ملك ليديا ، كروكسCroesus عليها ، فسألها هل عليه أن يهاجم قورش ، ملك فارس . وكلتا المملكتين كبيرة . ولو دمّرت فارس ، لصحّ تأويل العبارة أيضا ، لأنّها تحمل تأويلين .
انّ غالبيّة ” تنبّؤات ” العرّافين و”الباراسيكولوجيّين ومن لفّ لفّهم هي مبهمة وعامّة وتحمل عدّة تأويلات ؛ وهذا ينطبق على القديم والحديث سواء أكان ” التنبّؤ ” وجاهيّا شخصيّا أو كان منشورا في صحيفة أو كتاب . وعلى هذا الصعيد من التنبّؤ المعمّى والحامل عدّة تأويلات ، يبقى المنجّم الفرنسيّ نوسترداموسnostradamus ( 1503-1566) هو الأشهر في العصور الماضية . فقد نشر كتابه ” تاريخ القرون ” سنة 1555 في ليون ؛ وكانت الملكة كاترين ده مدسيس وشارل التاسع يحميانه . وينطوي الكتاب المذكور على رباعيّات تغطّي ، على زعمه ، عدّة قرون . لكنّ البصير الذي يقرأها لا يعثر فيها على أيّ تاريخ ، ولا على أيّ مدلول واضح . فهي عبارات بصورة ألغاز يمكن أن يستشفّ وراء كلّ منها مئة معنى . وقد تحمّس بعض المنجّمين لتطبيق أحداث التاريخ على بعض نبوءاته المزعومة ، ولكن بعد حصول الحوادث ! وقد فنّد كثيرون من الباحثين صحّة نبوءاته المزعومة ، من أبرزهم الألمعيّ جايمس راندي في كتابه ” قناع نوسترداموسthe mask of nostradamus .39
ويوجز راندي قواعد النجاح في ” التنبّؤ ” بين عامّة الناس بثمان :40
- الاكثار من النبوءات ، فاذا اتّفق أن نجحت احداها ، فاذ ذاك يتمّ التركيز عليها والترويج لها ، بحيث ينسى القرّاء السذّج – وعليهم تقوم شهرة ” التنبّىء ” ومعيشته – ” التنبّؤات ” الفاشلة .
- جعل التكهّنات مبهمة تحتمل عدّة تأويلات ، وتضمينها ألفاظا تدلّ على الامكان والاحتمال من غير تأكيد أو حسم .
- استخدام أسماء حيوانات بصفة رموز ، وحروف بادئة تصلح لعدد كبير من الأسماء ؛ فاذا قالوا مثلا ، سيقتل شخص معروف يبدأ اسمه بحرف ميم ” ، فهذا يصحّ لمحمّد ومحسن ومرعب ومازن ومصطفى كما يصحّ لميشال ومنصور ومخّول وعشرات الأسماء الأخرى سواء كانت أسماء شخصيّة أم أسماء عيال .
- اطلاق نبوءتين متناقضتين ، متباعدتين في الزمن ، تتناولان موضوعا واحدا ، كفوز شخص ما بالرئاسة وعدم فوزه ، ثمّ الترويج ” للنبوءة ” الفائزة ، وادّعاء أنّ الفاشلة كانت مجرّد مزاح .
- نسبة نجاح أيّ تنبّؤ لوحي الله ، وجعل الفشل نتيجة عدم التقاط وحيه التقاطا دقيقا أو عدم تفسيره تفسيرا صحيحا .
- مهما يكن عدد الاخفاقات كبيرا ، فالمصدّقون سيتمسّكون باصابة واحدة وينسون الاخفاقات .
- التركيز على حدوث الكوارث ، فهي كثيرة ومستمرّة ، وهي ترسخ بسهولة في الأذهان .
- القيام بالتنبّؤ عن حادث ما بعد حدوثه مع الادّعاء أنّ التنبّؤ به تمّ قبل حصول الحادث . وفي هذه الحال عدم التدقيق في تفاصيل الحادث حتّى لا تثار الشكوك حول صحّة النبوءة .
هذه القواعد الثماني نجدها مطبّقة في ما نشره نوسترداموس كما في ما نشرته جين دكسن ، أشهر متنبّئة أمريكيّة ، وفي ما ينشره جميع مدّعي معرفة المستقبل في العالم .
لكنّ بين المتنبّئين من يتجرّأ ، أحيانا قليلة ، فيعطي نبوءة واضحة محدّدة ، آملا أن تصيب رميته وتأتي له بالمجد . وقد حفظ التاريخ أمثال هذه ” النبوءات ” الواضحة لمشاهير العرّافين وما أورثت أصحابها من الخيبة والانكسار . وهذه بضعة أمثلة قديمة وحديثة :
1- سأل ملك مسّينا ، أرسطو ديموسaristodemus عرّاف دلفي الذي كان يدّعي أنّ الاله أبولو هو الذي ينطق بفمه ، عن كيفيّة التغلّب على الاسبرطيّين ؛ فأوعز اليه العرّاف في أن يضحّي للآلهة بعذراء من سلالته الملكيّة ، فضحّى الملك بابنته ، لكنّه خسر الحرب . 41 وقد ذكر الخطيب الرومانيّ الأكبر شيشرونcicero (106-43 ق.م ) في كتابه عن الكهانةOn divination أنّ المنجّمين والعرّافين لم يصدقوا في أيّ تكهّن قاموا به في بومبيي .
2- سنة 1179 نشر جان ده توليدوJ.de toledo تنبّؤات تنجيميّة يزعم فيها أنّ شهر أيلول من سنة 1186 سيشهد كارثة عالميّة تزلزل فيها الأرض من حرّاء زعازع رهيبة ستجتاحها ، وذلك بسبب أنّ الكواكب السيّارة ستلتقي جميعا ، في الوقت المذكور ، في برج ” الميزان ” . ولاقت تنبّؤاته أرضا خصبة ، فبوشرت الاستعدادات في معظم أنحاء العالم لمواجهة الكارثة : في ألمانيا ، أخذوا يحفرون الملاجىء ؛ كذلك في فارس والعراق ؛ وفي انكلترا أمر رئيس أساقفة كانتربري المؤمنين بالصيام ؛ وفي بيزنطيا شيّدت جدران تسدّ جميع منافذ القصر الامبراطوريّ …لكنّ شهر أيلول من سنة 1186 مرّ بسلام ، ولم تهبّ فيه حتّى عواصف مؤذية .
3- يوحنّا شتوفلر ، ناشر تقاويم مشهور ، أصدر سنة 1499 تقويما فلكيّا يتنبّأ فيه بأنّ شهر شباط من سنة 1524 سيشهد طوفانا عالميّا جديدا ، وذلك لأنّ عدّة كواكب سيّارة ستلتقي في برج رطب . ومع أنّ علماء الفلك الرصينين أنكروا تخرّصه ، فانّ الذعر عمّ أنحاء كثيرة ، فكان كثيرون يبيعون منازلهم وأثاثها ليلتجئوا الى السفن …ومرّ شهر شباط من السنة المذكورة ، لكن بجفاف غير عاديّ ، بدل الطوفان العالميّ !
4- كان جيروم كاردان ( 1501 -1576 )، على علمه وفلسفته ، منجرفا بتيّار التنجيم . وسنة 1552 ، عرّج على السير جون كلارك ، معلّم الأمير الصغير ادوارد السادس الذي كان في الخامسة عشرة من عمره . فرجا أستاذ الأمير زائره الفيلسوف العالم أن ينظّم ” طالعا فلكيّا ” للأمير ، ذلك بأنّ صحّته لم تكن جيّدة . فأعلن كارادان ، بعد أن أجرى حساباته ، أنّ ادوارد سيعيش حتّى الخامسة والخمسين بصحّة عاديّة ، لكنّه سوف يعاني أمراضا مختلفة بعد أن يبلغ 55 عاما و3 أشهر و17 يوما .لكنّ الأمير توفّي بعد تسعة أشهر من زيارة كارادان ، وكان عمره 16 عاما !
5- في مطلع سنة 1939 ، تنبّأ معظم المنجّمين في أوروبّا ، ولا سيّما في فرنسا ، بأنّ العام المذكور سيكون عام حير وسلام وازدهار اقتصاديّ . فاذا هو عام الحرب العالميّة الثانية ! 42
وبما أنّ اللائحة التدجيليّة طويلة جدّا ، فلنقفز الى العقد الأخير من القرن العشرين .
فمن تنبّؤات العرّافين – الذين تسمّوا باpsychics ( الباراسيكولوجيّين ) – للأحداث التي ستجري عام 1993 : أنّ الرئيس الأمريكيّ بل كلنتنbill clinton وعقيلته هيلري سينفصلان في عمليّة طلاق ؛ وأنّ بيتر جيننغزP.jennings وتوم بروكرT.brokow ودان راذرDan rather ، أشهر مذيعي محطّات التلفزة ، سيحلّ محلّهم مذيعون أصغر عمرا ؛ وأنّ الأميرة ديانا ستلد طفلا والده عضو في مجلس الشيوخ الأمريكيّ ، والملكة اليزابيت ستتنازل عن العرش وتدخل ديرا ؛ وأنّ فيل دوناهيوphil donahue ، صاحب العرض التلفزيونيّ الشهير ، سيعيّن سفيرا ، وأنّ مرصد هابلhubble الفضائيّ سيكتشف كائنات غير بشريّة على كوكب صغير . ومن النافل القول انّه لم يتمّ شيء من كلّ ذلك .
ومن تنبّؤات الباراسيكولوجيّين لعام 1994 أنّ زلزالا سيفصل فلوريدا عن البرّ الأمريكيّ ويحوّلها الى جزيرة ، وأنّ مايكل جاكسن سيصبح مبشّرا انجيليّا ، وأنّ آلافا سيقتلون في جنوبيّ ولاية كارولاينا الأمريكيّة بعد أن يفجّر مراهق ، بطريق الصّدفة ، قنبلة نوويّة صنعت خفيّة في منزله .
ومن تنبّؤاتهم لعام 1995 أن فيه سيقدّم بيتر جيننغز أخبار المساء من سفينة فضائيّة تدور حول الأرض ، والرئيس كلنتن سيصاب برصاصة في فكّه يطلقها عليه موظّف ناقم في مصلحة البريد ؛ وأنّ بركانا سيثور ويولّد أرضا جديدة تصل بين الولايات المتّحدة وكوبا .
ومن تنبّؤاتهم لعام 1996 أنّ فيه سيقرّ أو . ج. سمسونO.J.Simpson للمحكمة بأنّه قتل زوجته السّابقة ، نيكول براون ورونالد غولدمان ، وأنّه على أثر ذلك سيتوب ويصبح رجل دين ؛ وأنّ المغنّي مايكل جاكسونM.Jackson سيجري عمليّة جراحيّة تغيّر جنسه الى أنثى ، ومع ذلك ستبقى زوجته متعلّقة به . كذلك ستستخدم في العام المذكور صواريخ نوويّة لتفجير نيزك يقترب من الأرض .
ومن أبرز تنبّؤاتهم لعام 1997 أنّ العلماء سيتوصّلون فيه الى اكتشاف كيفيّة التحادث مع الموتى ، كما سيخترعون جهازا يمكّن الانسان من السفر في الزمن الى الماضي كما الى المستقبل . 43
وأظنّ أنّ هذا العرض الضّافي ل”تنبّؤات ” الأكابر من مدّعي معرفة المستقبل في أعظم دولة بالعالم كاف ليخزيهم ويخزي المصدّقين بأقوالهم ، ولا سيّما المتدكترين منهم ، لأنّه اذا كان الجهل مصيبة ، فالعلم المحمّل على الظهور مصيبة عظمى ، لأنّ المدّعين من البشر يظنّون أنفسهم علماء ما داموا محمّلين بالكتب .
ادغار كايسي وجاين دكسن :
انّ اللائحة طويلة جدّا ، وهي متخمة ” بالتنبّؤات ” التي كذّبتها الوقائع . لكن لعلّه يحسن أن أقف وقفة قصيرة عند أشهر اثنين من المتنبّئين الذين عرفتهم الولايات المتّحدة في هذا القرن ، وهما ادغار كايسيEdgar Cayce (1877-1945 ) في نصف القرن الأوّل ، وجاين دكسنJane dixon ( توفّيت في 25/1/1997 )في نصفه الثّاني .
أشتهر ادغار كايسي بعودته الى الغيبوبة المغنطيسيّة “، بعد أن كادت تضمحلّ من العالم ، كما بوصفه الأدوية الشعبيّة القريبة من المعالجات الطبيّة البدائيّة للمرضى السذّج الذين كانوا يقصدونه . ويبدو أنّ شهرته قامت على دعاية مغرضة كان يقوم بها أعوان له كانوا يستفيدون منه ، ولم تقم أيّة تحقيقات علميّة عن أعماله ، ولا كانت أيّة رقابة عليها .
من نبوءاته الفاشلة الفاضحة : 44
- تنبّأ بأن يكون فصل الربيع من عام 1933 زمن التحسّن الاقتصاديّ في أمريكا بعد الانهيار الاقتصاديّ الكبير . وفي الواقع تأخّرت عودة التحسّن الاقتصاديّ أعواما عن التاريخ المذكور .
- تنبّأ بأنّ الصين ستصبح مسيحيّة بأكثريّة شعبها عام 1968 .
- تنبّأ أنّه في الستينيّات من القرن العشرين ستظهر قارّة الأطلانتيد المفقودة في أعماق المحيط .
- فشل في مساعدة الطيّار الأمريكيّ الشهير تشارلز لندبرغcharles lindbergh ( 1902 -1974 ) القاطع الأوّل للمحيط وحيدا ، بمعرفة مختطفي ابنه ، وهو المدّعي علم الغيب وتلقّي الوحي . أمّا جاين دكسن فقد اكتسبت شهرتها العريضة من كتبها التي وضعتها كما من كثرة “النبوءات ” الغامضة العامّة التي كانت تنشرها يوميّا في عدّة صحف عدا المجلاّت المخصّصة للدجّالين . ولم تصحّ من نبوءاتها المزعومة كلّها أيّة واحدة . وهذه نماذج من نبوءاتها : 45
- الاتّحاد السوفياتيّ سيجتاح ايران في خريف 1953 . هذه النبوءة عادت فعدّلتها ، فجعلت الاجتياح في 1960 .
- الاتّحاد السوفياتيّ سيدخل فلسطين سنة 1957 .
- الحرب العالميّة الثالثة ستقع عام 1958 .
- رجل واحد سيحكم الاتّحاد السوفياتي والصين بعد توحيدهما ، عام 1964 .
- النظام السياسيّ التمثيليّ الأمريكيّ الذي يقوم على الحزبين الرئيسيّين سينتهي قبل 1980 .
- فيدل كاسترو سيسقط من الحكم عام 1961 ويصبح في عداد الموتى سنة 1966 .
- حرب فيتنام ستنتهي في 5/8/1966 ؛ علما بأنّها لم تنته الاّ بعد عشر سنوات .
- جاكلين كندي لن تتزوّج أحدا ( هذا بعد أن حدث مصرع الرئيس الأمريكيّ ). ثمّ بعد أن تزوّجت أوناسيس ومات زوجها ، نشرت دكسن نبوءة بأنّ جاكلين ستتزوّج ثانية بعد فقدها لأوناسيس . وهذا لم يحصل .
- في الثمانينيّات سيضرب نيزك الأرض ويحدث فياضانات وزلازل تسبّب دمارا هائلا.
- عام 1953 ، بعد عشر سنوات من الاخفاقات المتوالية ، تنبّأت جين دكسن أنّ ديمقراطيّا سينتخب للرئاسة الأمريكيّة عام 1960 وأنّه سيتوفّى . لكنّها لم تذكر اسم المنتخب ولا تاريخ وفاته ولا كيفيّة وفاته ولا مكانها . والمراقبون كانوا يعلمون سلفا أنّ ديمقراطيّا سينتخب رئيسا ، لأنّ خطّ الديمقراطيّين السياسيّ كان هو الغالب . وعام 1960 ، تنبّأت أنّ جون كندي لن يفوز بالرئاسة . ولكن بعد مصرع الرئيس كندي في 22/11/1963 ، أشاع المغرضون ودوابّ الناس أنّها تنبّأت بمقتل جون كندي ، لكنّ الواقع المسجّل في مجلاّت الدجّالين يكذّب ما أشاعوا. 46
لكن بالرغم من الفشل الدائم الذي يصيب أولئك المدّعين ، فانّهم يستمرّون في تدجيلهم ، لأنّ التدجيل مهنتهم التي يتعيّشون منها ، ولأنّ الأغبياء في كلّ شعب يبقون الأغلبيّة . غير أنّ بعض علماء النفس أرادوا أن يعرفوا ، حيال اصرار محترفي التنبّؤ على الاستمرار في عملهم الشائن ، هل يتميّز هؤلاء عن غيرهم من الناس في نوعيّة قدرتهم على تكهّن الأحداث المقبلة ، فاختاروا تنبّؤات قام بها عشرة من مدّعي معرفة المستقبل المشهورين في الولايات المتّحدة نشرت في مجلّة خاصّة بهم اسمهاNational Enouirer بتاريخ 14 /1/1973 ، وهم يتنبّأون فيها عن وقوع أحداث عيّنوها خلال عام 1973 . وطلب الى عشرة طلاّب جامعيّين من هارفرد وراد كليفHarvard & Radcliffe أن يتخيّلو أنفسهم عرّافين ويتكهّنوا بما سيقع خلال 12 شهرا ، على أن يقدّم كلّ منهم حوالى 6 تنبّؤات . ولمّا قورنت التنبّؤات المئة والعشرون ( 59 من العرّافين و 61 من الطلاّب ) كانت النتيجة أنلا شيء قد تحقّق ممّا تكهّن به العرّافون أو توقّعه الطلاّب ، لكن ما توقّعته الطلاّب كان أقرب الى مجريات الأحداث ممّا تنبّأ به العرّافون المزعومون ، وذلك بفعل ثقافتهم واطّلاعهم الأوسع على الأمور ، ومعرفتهم بالقوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة . 47
انّ محترف التنجيم وما شابهه من الشعوذات يستقبل ألوف الزائرين من بسطاء العقول كلّ عام ، ان لم يكن كلّ شهر ؛ وذلك يعني أنّه يطلق ألوف التنبّؤات الكاذبة في مدّة قصيرة . فاذا اتّفق أن لاقت احدى اكاذيبه شبه نجاح فانّ السذّج ينسون ، اذ ذاك ، ألوف الاخفاقات ليذكروا الوحيدة اليتيمة . وثمّة أساليب احتياليّة كثيرة يلجأ المشعوذ اليها ليحقّق شبه نجاح في تنبّؤاته المزعومة . على أنّه لا بأس من أن أذكر ، هنا ، أنّ كثيرين من زائري المشعوذين تكون شخصيّاتهم وأحوالهم معروفة جيّدا من قبل المشعوذ ، فلا غرابة في أن يعرف أحيانا ما يعرفه .
الفصل الخامس
الارتفاع في الفضاء
والتأثير في المادّة والرؤية اللاحسيّة
حيل اليوغيّين ومهاريشي ماهش :
انّ الأفكار والممارسات التي ينطوي عليها نظام اليوغا كانت معروفة في بعض أرجاء الهند ، منذ آلاف السنين . على أنّ الذي جمعها وسّقها هو ( باتنجالي ) ، وذلك بين القرن الثاني والقرن الثالث قبل المسيح . ولكونها شديدة الاقتضاب فقد اعتراها الابهام واستوجبت شروحا وتعليقات كثيرة . نظام اليوغا ، مثلما وضعه ( باتنجالي ) ، يتضمّن أربعة أقسام ، القسم الثالث منها هو المتعلّق بالقوى النفسيّة الخارقة المزعومة . 48
سنة 1966 ، زار المطران أفرام عبّودي من الطائفة السريانيّة ، مؤسّس الداهشيّة ، وشهد معجزاته . لكنّه صارحه بأنّه واثق من أنّ يوغيّي الهند قادرون ، أيضا ، على صنع الخوارق . فأجابه الدكتور داهش :” ما دمت ذاهبا الى الهند فتحقّق بنفسك من الأمر .”
وفي الواقع كان المطران عبّودي ، في السنة المذكورة ، موفدا الى الهند . ولم يلبث هناك طويلا حتّى قرأ في صحف الهند الانكليزيّة أنّ زعيم اليوغيّين سيسير على المياه في بومباي في يوم قريب محدّد . فانتقل المطران بالطائرة الى المكان المعيّن حيث كانت تحتشد جموع غفيرة من اليوغيّين والصحفيّين وغيرهم . وبعد أن عزفت الموسيقى اليوغيّة وأحرق البخور ، توجّه الزعيم اليوغيّ الى حوض اصطناعيّ أقيم خصّيصا لهذه المناسبة . ثمّ حدثت المفاجأة : فما ان خطا اليوغيّ الأكبر خطوته الأولى فوق المياه حتّى غاص فيه ومات اختناقا . وفي اليوم التالي نشرت الصّحف الهنديّة وغيرها خبر مصرعه ، وقد روى لي المطران عبّودي بنفسه هذه الحادثة بعد عودته من الهند ، وقد جمعني به لقاء لدى مؤسّس الداهشيّة . وأكّد أنّه لم يعثر في الهند على أيّ انسان بامكانه القيام بأيّ عمل خارق لقوانين الطبيعة .
ومن المحتمل أن يكون الحوض الاصطناعيّ قد زوّد بآلة معيّنة ، أو بحبال مدّت مسبقا تحت سطح المياه قليلا ، بين جهتي الحوض ، ليمشي اليوغيّ عليها ، لكنّ خللا طارئا امّا على أدوات الحيلة ، أو على توازنه في مشيه ، أدّى الى فضحه . ذلك الاّ اذا افترضنا أنّ مرضا عقليّا دفعه الى القيام بعمله الجنونيّ .
وكثيرا ما يمارس اليوغيّون حيلة المشي على الأنهر ، خاصّة نهر الغانج – الذي يقصده الهنود للاستحمام باعتباره مقدّسا لديهم – ولاسيّما في الأيّام التي يتعكّر الماء فيها ويوحل بحيث يخفي تكدّره مرأى الحبال الممدودة بين الضفّتين ، دون سطح المياه قليلا . 49
أمّا القدرة المزعومة على الارتفاع في الهواء التي يشيع اليوغيّون وأنصارهم أنّهم يملكونها ، فسببها الحالة الشعوريّة الخاصّة التي تحدثها فيهم المخدّرات التي يتعاطونها .
والخدّرات والخمور التي يزعم متعاطوها أنّها توسع مجال مداركهم كانت منذ ألوف السنين وما تزال تدخل في الطقوس الدينيّة لعدد من الشعوب والقبائل البدائيّة ، خصوصا ” هنود ” أمريكا الوسطى والجنوبيّة ، وبدائيّي سيبيريا ، وطوائف من زنوج افريقيا .
وقد دخل استخدام أنواع من تلك الأعشاب والعطور المخدّرة في الطقوس الدينيّة الآريّة ، هنديّة وفارسيّة ، فعرفت في الهندوسيّة باسم ” السوما ” وفي الزرادشتيّة باسم ” الهوما ” . 50
من هذه المخدّرات الأثيرether ، والبروتوكسيد (protoxyde ) ، والكلوروفورمchloroforme .51
وحالات الهلوسة التي يصاب بها اليوغيّون – وكذلك فئة من المتصوّفين المغالين – درسها عدّة أطبّاء ، بينهم لوباleuba 52 .
وباياجه ، ول . ر . رينيه . وممّا يقوله هذا الأخير :” أحيانا ، يسبق سورة النشوة احساس وهميّ خاصّ يجعل النّشوان يفقد فكرة الجاذبيّة . فيخيّل اليه أنّ قدميه لا تلامسان الأرض ، وأنّه يمشي في الفراغ ، ويرتفع في الفضاء . هذا الاحساس يفسّر لماذا يدّعي البراهمة المتمرّسون باليوغا أنّ لهم القدرة على الارتفاع في الجوّ والانتقال الفوريّ من مكان الى آخر . انّ هذه الظاهرة الغريبة تبدو ذات صلة بالفقدان المؤقّت للحسّ الفعليّ ، وتلاقى في بعض الأمراض العصابيّة . وهي من أثبت التأثيرات التي يولّدها فعل الحشيشة الفيزيولوجيّ . 53
وفي العقد الأخير من القرن العشرين في أمريكا اسم اليوغيّ مهاريشي ماهشMaharishi Mahesh الذي أسّس بدعة مبنيّة على تعاليم ” الفيدا “veda اسمها التأمّل التجاوزيّtranscendental Meditation . وقد استطاع هذا اليوغيّ أن ينشىء امبراطوريّة اقتصاديّة ( ثلاثة بلايين دولار) تمتدّ فروعها الى عدّة بلدان في العالم ؛ وبين مؤسّساته فرع جامعيّ في كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكيّة يرئسه أحد تلاميذه ، ديباك شوبراdeepak chopra ، وهو صاحب عدّة كتب رائجة . وقد ملأت دعايات مهاريشي ماهش الترويجيّة صفحات في كبرى الصّحف والمجلاّت ، منها نيويورك تايمز و” واشنطن بوست ” ومجلّتا ” تايم ” ونيوزويك “.
وقد استطاعت دعاياته القويّة الواسعة أن تخدع وتستهوي كثيرين حتّى من فئة الأذكياء والباحثين ، خصوصا أنّها تعتمد صورا دعائيّة تظهر أشخاصا مرتفعين قليلا في الهواء فوق مقاعدهم ، وتعد المنخرطين في اعاليم ماهش بتحصيلهم مثل هذه القدرة وغيرها من ” القدرات الخارقة ” .
لكنّ هذه البدعة اصطدمت مؤخّرا بعدّة دعاوى قضائيّة أقامها على المسؤولين فيها أشخاص اتّهموهم بابتزاز أموالهم لقاء لا شيء ، اذ انّ كلاّ منهم دفع ألوف الدولارات رسوما لقاء حصوله على ” القدرة الخارقة ” لكنّهم جميعا لم يحصلوا الاّ على الأوهام وخيبة الأمل . من هؤلاء المقاضين أحد المعلّمين في معهد هذه البدعة ، المدعوّ روبرت كروبنسكيR.Kropinski . وقد منحته المحكمة في فيلادلفيا مبلغ 138000 دولار تعويض عطل وضرر .
وقد تأكّد للمراقبين والخبراء أنّ الصّور التي تنشرها هذه البدعة في الصّحف فئتان : فئة مزيّفة مركّبة الصّور ، تظهر أشخاصا مرتفعين في الفضاء ، وفئة أخرى هي لقطات لأشخاص متربّعين يعلون مقعدا بضعة سنتيمترات . والواقع أنّ المقعد هو فراش ذو رفّاصات ، يقعد الشخص عليه متربّعا ، ثمّ يقوم بضغط سريع بجسمه ورجله للرفّاصات ، فتدفعه الى أعلى بضعة سنتيمترات ، فتلتقط له الصورة وهو على ذلك الارتفاع القليل جدّا ، فيبدو كأنّه جالس في الهواء . 54
التأثير الفكري في المادّة والرؤية اللاحسيّيّة ويوري جيلر :
في جميع أنحاء العالم دجّالون يظهرون ويتكاثرون كالفطريّات في كلّ أرض خصبة بالسذاجة والغباء . وهم يسمّون أنفسهم تسميات مختلفة ، لكنّ الغالب عليهم هو اسم psychics ؛ اذ أنّهم يدّعون أنّ لديهم قدرة فكريّة ( أو نفسيّة ) للتأثير في المادّة وتحريكهاtelekinesis ، كما لديهم الجلاء البصريclairvoyance الذب يخوّلهم رؤية الأشياء والأحداث الخفيّة ، وكذلك القدرة على قراءة الأفكار ونقلهاtelepathy . والتعرّض لهؤلاء وفضحهم واحدا واحدا هدر للوقت لا افادة منه ، لأنّهم نماذج يكرّر بعضها بعضا . ولذلك يحسن أن أقف قليلا عند أشهرهم وأبرزهم في خدعه حتّى العلماء ، في الثلث الأخير من القرن العشرين ، أعني الاسرائيليّ يوري جيلرUri Geller .
شهرة يوري جيلر قامت على العروض التي كان يجريها مظهرا فيها للمشاهدين أنّه موهوب قوّة ( منحته ايّاها كائنات من خارج الأرض ) يستطيع بواستطها أن يثني الملاعق بفكره ، ويرى الأشياء عن بعد ، ويقرأ أفكار الناس وهو محجوب عنهم ، الى غيرها من الادّعاءات . وكثير من هذه العروض كان يظهر على شاشات التلفزة .
وقد بلغت شهرته ذروتها عندما قدّم باحثان هما هارولد بوتهوفharold puthoff وراسل تارغrussel targ مقالا عن قدرة جيلر الخارقة ، مشرته المجلّة العلميّة الانكليزيّة الرصينةnatur في 18/10/1974 . فاستغلّ جيلر نشر المقال ليذيع مع أعوانه حيثما كان أنّ قدرته الخارقة قد تأكّدت بمجرّد نشر المقال في تلك المجلّة العلميّة البارزة .
لكنّ الحقيقة هي أنّ رئيس تحرير المجلّة المذكورة قدّم للمقال بكلمة أوضح فيها قبول المجلّة نشر المقال لا يعني على الاطلاق أنّها تؤيّد ما ورد فيه ، بل على العكس ، انّما نشرته لعدم اقتناع هيئة التحرير بما ورد فيه ، ومن أجل نقده ، بعدما قامت ضجّة اعلاميّة واسعة حول قدرة يوري جيلر الخارقة .
وقد نقد المقال وما ورد فيه عن أعمال يوري جيلر عدّة علماء سيكولوجيّين وباحثين ألمعيّين من ذوي الخبرة الطويلة في أعمال الخفّة . وأكتفى ، هنا ، بذكر اثنين منهم : راي هايمانray hyman العالم السيكولوجيّ والخبير بأعمال الخفّة ، وجايمس رانديjames randi ، الخبير الأشهر بأعمال الخفّة وفاضح المشعوذين حيثما كان . فهايمان نشر نقدا هدّم فيه ادّعاءات الباحثين الذين شهدوا أعمال جيلر وأكّدوا صحّتها ، مظهرا أنّهم امّا كانوا ممالئين له أو مخدوعين لعدم خبرتهم الكافية في أعمال الخفّة الاحتياليّة ، كما أظهر أنّ المراقبة العلميّة الحقيقيّة في الأمكنة التي كان جيلر يجري فيها أعماله كانت مفقودة . 55
أمّا جايمس راندي فهو الذي دقّ المسمار الأخير في نعش ” القوّة الباراسيكولوجيّة ” التي يدّعيها جيلر وغيره . ففي أواخر 1980 ، أقيم احتفال بواشنطن لتسليم جائزة الامتياز الى راندي لكشفه أخاديع المدّعين من ” الباراسيكولوجيّين “. وفي أثناء الحفلة قام بثني ملعقة ، تماما مثلما كان يفعل جيلر ، ثمّ تجاوز ذلك فكسر الملعقة قطعتين من غير أن يضغطها . وانّما فعل ذلك ليؤكّد أنّ ما يقوم به جيلر ليس سوى خدعة .
وعام 1982 نشر كتابه الذي يشرح فيه حيل يوري جيلر وأخاديعه ، ويقضي نهائيّا على ادّعاءاته وادّعاءات من يماثلونه ، وهو بعنوان ” الحقيقة في أمر يوري جيلر .” 56
وفي 9/ 4/1991 ، فضح راندي أعمال جيلر واتّهمه بالشعوذة في مقابلة نشرتها صحيفةinternational herald tribune ، فأقام جيلر دعوى عليه وعلى هيئة المحيص العلميّ لادّعاء الأعمال الخارقة “committee for the scientific investigation of claims of the paranormal CSICOP وهي هيئة علميّة تضمّ عشرات العلماء والخبراء البارزين ، وتعمل على فضح الادّعاءات الباراسيكولوجيّة وما يماثلها . 57
وبعد أربع سنوات أمام القضاء الأمريكيّ ، خسر جيلر دعواه ، وأجبرته المحكمة على دفع غرامة قدرها مئة وخمسون ألف دولار . 58
وهكذا ثبت التدّجيل على أشهر مدّع لامتلاك قوى نفسيّة باراسيكولوجيّة في الثلث الأخير من هذا القرن .
وكان راندي طوال السنين الأخيرة يتابع فضحه للمدّعين المشهورين الذين يغرّرون بالبسطاء ويبتزّونهم ، وكان بينهم فئة من رجال الدين من مدّعي امتلاك القوى الخارقة التي تمكّنهم من قراءة الأفكار وعلم الغيب وشفاء الأمراض ؛ وكان أبرز هؤلاء المدهوّ بيتر بوبوف ، وهو مبشّر انجيليّ كان يدّعي أنّ صوت الله يقوده ، والقدرة الالهيّة تمكّنه من معرفة أسرار الناس وأنواع أمراضهم ، فيشفيهم بوضع يديه عليهم في احتفالات دينيّة حاشدة .
وكان بوبوف قد جمع ملايين من السذّج المؤمنين به ، حتّى فضحه جايمس راندي ، وجرّه الى الافلاس . وكانت زوجة بوبوف تجول بين المرضى الجدد وتستعلم عن أسمائهم وأحوالهم وهي تخفي في حقيبة يدها الواسعة آلة مسجّلة حسّاسة جدّا تسجّل أحاديث المرضة وتنقلها فورا الى غرفة داخليّة حيث كان زوجها يراقب على شاشة التلفزة مجريات الاجتماع الدينيّ .
وبعد أن يجمع المعلومات المطلوبة , كان يخرج الى المؤمنين ، ويأخذ بذكر أسماء المرضى واحدا واحدا ، وعلنا أمراضهم كأنّما يوحى اليه . والحقيقة أنّه كان يتلقّى المعلومات بواسطة سمّاعة صغيرة أخفاها في أذنه من زوجته التي كانت قد حلّت مكانه في الغرفة الداخليّة . وقد التقط راندي الموجة التي كانت الزوجة تتّصل بزوجها عليها ، وسجّل أحاديثها لزوجها وفيها تهكّم كثير على المرضى المساكين الذين كانا يبتزّان أموالهم . وكانت حصيلة فضح جايمس راندي لتدجيل رجال الدين وضعه كتابا بعنوان ” المبرئون بالايمان ” 59 ، لكنّني لن أقف عند هذا الأمر ، مرجئا الخوض فيه لمناسبة أخرى , 60
أخيرا تأتي القرارات الحاسمة :
بعد أن كلّفت دوائر الشرطة ورجال التحرّي في الولايات المتّحدة هيئة من العلماء والخراء أن يعدّوا دراسات لمصلحة هذه الدوائر من أجل معرفة هل بالامكان الاعتماد على مزاعم الباراسيكولوجيّين في التحرّي ومعرفة الجرائم ، أتت نتائج الدراسات سلبيّة : ليس ثمّة أيّة قدرة على معرفة الجرائم ولا الخفايا لدى مدّعي القدرة الباراسيكولوجيّة 61
وفي خطّ مواز ، بعد انفاق ملايين الدولارات في برنامج تبنّته مؤسّسة الجيش الأمريكيّ للأبحاث لمعرفة امكان وجود قدرة الرّؤية اللاحسيّةESP واستخدامها لأغراض الدولة ، جاءت النتيجة أيضا سلبيّة : لا براهين على وجود أيّة قدرة باراسيكولوجيّة في الرّؤية اللاحسيّة البعيدة أو القريبة . وقد قدّمت التقريرC.I.A استنادا الى تحقيق علماء وخبراء مكلّفين . 62
الغرور والكبرياء يحجبان الحقيقة عن بعض العلماء
ويسهمان في تزوير العلم ونشر الغباء :
من الأسباب الرئيسيّة في استمرار رواج العلوم الكاذبة الغرور والكبرياء اللذان يركبان رؤوس فئة من العلماء . فهذه الفئة المتعجرفة أسهمت في نشر الأكاذيب العالميّة بقدر ما أسهمت فئة الأطبّاء الجشعين والأساتذة الجامعيّين الذين تعاملوا مع المشعوذين وزوّروا الوقائع العلميّة من أجل مآرب نفعيّة ؛ وكلتا الفئتين خطرهما على العلم الصحيح والرّقيّ العقليّ يفوق خطر السذاجة لدى بعض الباحثين وخطر الجهل والغباء والمهيمنين على كثير من عامّة الناس .
فشاركوا ، طبيب الأعصاب المشهور ، لم يتراجع عن غيّه وصلفه رغم تشكيك كثيرين من العلماء من معاصريه بنظرّيته ” التنويميّة ” ، ورغم اعتراف محترفي ألعاب الخفّة بأنّ التنويم الذي يقومون به انّما هو خدعة . فالانسان الذي لا يطيق أن يعترف بأخطائه ويظنّ أنّه معصوم من الخطأ قد يضلّل كثيرين ، ويكون أذاه منتشرا . وهذا ما وقع فعلا بتأثير من موقف شاركو المعاند .
ووليام كروكس ، العالم في الفيزياء والكيمياء ، لم يكن عالما في حيل الناس وأخاديعهم . وقد ألّف كروكس مع قلّة من المشتغلين بالقضايا النفسيّة ، جمعيّة البحث النفسيّSOCIETY FOR PSYCHICAL RESEARCH ، عام 1882 ، أي قبل أربعة أعوام من كشف خدعة ” جلسات استحضار الأرواح ” ، وذلك لمراقبة الظواهر غير الطبيعيّة والتدقيق في صحّتها . وكان كروكس قد صدّق بصحّتها ، واستقدم كايت فوكس الى لندن ، مثلما سبق أن ذكرت . ورغم اعتراف الشقيقتين ، واعتبر أنّ اعترافهما غير صادق . وبسبب دعمه للجلسات الوساطيّة المزعومة ، استمرّت هذه الخدعة منتشرة في بعض الأوساط الأوروبيّة والأمريكيّة ، وتطوّرت من استحداث الأصوات الى خدع تحريك الطاولة التي يجلس الحاضرون حولها أو امالتها أو رفعها قليلا الى ما هنالك من الأخاديع . وكان أبرز من قام بأعمال الخداع التي انطلت على كروكس في الظلام المطبق ، كانت تتجسّد ” روح عرفت بكاتي كنغKATIE KING ، لم يطل الزمن حتّى كشف خدعتها بعض المراقبين ، فاذا الروح ليست الاّ فلورانس كوك نفسها وهي تتحرّك في الظلام وعليها رداء أبيض ومنديل يلفّ رأسها . واذا علم القارىء الكريم أنّ تلك الجلسات الوساطيّة المزعومة كان يفرض فيها الجلوس على الحاضرين ، فلا يتحرّكون من أماكنهم ، وأنّ الوسيطة المزعومة كان يضرب ستار بينها وبينهم ، وأنّ الجلسة تمتدّ حتّى تستغرق عدّة ساعات من الجمود والصمت ، أدركوا أنّ تغيير الثوب ولفّ الرأس بمنديل ليس أمرا مستحيلا تحت حجاب الظلام . والغريب في كلّ ذلك أنّه رغم فضح فلورانس كوك بالخديعة المشهودة مرارا وتكرارا ، فقد بقي وليام كروكس يدافع عن صحّة أعمالها حتّى ابتعد عنه زملاؤه أنفسهم ، واتّهمه بعضهم بالانخراط في علاقة غراميّة مع فلورانس منعته من اعلان حقيقة خداعها . 63
انّ مساندة كروكس لفلورانس كوك ومساندة رعض الباحثين الآخرين لغيرها من المخادعين جعل أصحاب المخيّلات الواسعة المريضة يتصوّرون تفسيرا علميّا لتجسّد ” الأرواح ” المزعومة . فاذا فكرة الاكتوبلاسما الوهميّة تناسبهم . وقد شاعت هذه الفكرة ، واستفاد منها الدجّالون حتّى وصلت الى الرؤوس الفارغة فاحتلّتها . وهكذا اكتشف روجيه الخوري أنّ التجسّد الذي يحدث على يدي الدكتور داهش هو نتيجة مادّة الاكتوبلاسما التي تخرج من جسمه . والعجيب في أمر روجيه أنّه يعرف تماما انّ معجزات الدكتور داهش لا تحدث في الظلام ولا تختفي بعد اضاءة الأنوار ، بل تحدث في الضوء الساطع وتبقى على الدوام . ولكن ما حيلة ابن الخوري وأمره لا يملك زمامه ؟
لقد أنّكر روجيه صحّة ” الجلسات الوساطيّة ” لأنّ معلّميه من ذوي الدكاكين الطائفيّة أنكروها ، اذ أصبحت كاذبة مفضوحة بلقاء العين ، ولكن بعد أن كانوا قد غطسوا فيها وشجّعوها ، كردّة فعل للزلزال الذي أحدثه نشر كتاب دارون ” أصل الأنواع ” عام 1859 . لكنّ الغاية الشريفة – التي هي اثبات خلود النفس بعد الموت – لا تبرّر استخدام وسيلة قذرة هي خداع الناس وتضليلهم باختلاق الأكاذيب . لكنّ المتاجرين بنفوس الناس وعقولهم لن يتخلّوا عن شعارهم المفضّل الغاية تبرّر الوسيلة ، فهم يستخدمونه في جميع أعمالهم ، وتلك هي ذريعتهم في ما ” تفبركه” معاملهم الطائفيّة من أعاجيب وظاهرات . ولا بأس من أن يضحّوا من أجل ذلك برجل بريء أو بشعب مسكين . فالأهمّ أن يحيوا هم ويخيا شعبهم ما دام يطبّل ويزمّر لهم ، ولا عجب في ذلك . فقد سبقهم قيافا الى تبنّي هذا الشعار حينما أشار على اليهود أنّه ” خير أن يموت انسان واحد ليحيا الشعب .” ( يوحنّا 14 :17 ). فلماذا لا يضحّى , في كلّ عصر ، بهاد روحيّ جديد من أجل أن تبقى منتعشة جماعة تدّعي أنّ مفاتيح السماء في يدها !
***
الخلاصة أنّ صانع المعجزات امّا أن يكون هاديا روحيا أو أن يكون كائنا علويّا غير بشريّ . فان كان هاديا ، فليس بقدرته البشريّة يتنبّأ ويصنع الخوارق ، بل الروح الالهيّ الذي يحتلّه أحيانا ، الروح الذي لا يخضع لنظام الطبيعة المادّية ولقيود أبعادها المكانيّة – الزمانيّة هو الذي يقوم بالخوارق تأييدا لصحّة الرسالة الروحيّة ولمصدرها السماويّ ؛ وان كان كائنا علويّا غير بشريّ ، فهو يكون خاضعا لنظام عالمه الطبيعيّ وليس لنظام الأرض ، وقدرته ومعرفته تكونان خارقتين بالنسبة الى البشر .
وبناء على ذلك ، لا يمكن القول بالترجيح والاحتمال في صنع الخوارق والنبوءات , تارة تحصل وطورا لا تحصل ، تبعا للظروف المؤاتية . فاذ ذاك نكون أمام انسان مدّع يلجأ الى الحيلة والخداع فيقوم بأعماله المخادعة ان كان مستترا بالظلام ، أو كانت الرقابة عليه شبه مفقودة ، أو كان محاطا بجهلة أو سذّج من الناس ، أو هو يمتنع عن اتيان أيّ عمل يبدو خارقا ، اذا عاكسته الظروف ، مبرّرا ، اذ ذاك ، موقفه السلبيّ بأنّ ” الأرواح ” تخاف من النور لأنّها خجولة أو بأنّ بين الحاضرين من تعاكس ارادته ارادة ” مستحضرة الأرواح ” أو بأنّ بينهم مشكّكين ، الى ما هنالك من تبريرات واهية لحمتها الكذب وسداها النفاق .
أمّا اذا كنّا في حضرة هاد كريم أو كائن علويّ غير أرضيّ ، فاذ ذاك جميع النبوءات بلا استثناء تكون صحيحة ، ودقيقة ، لا تحمل أيّ تأويل ، والأعمال الخارقة الحادثة تكون ساطعة ، ولا تتأثّر على الاطلاق بالمحيط أو الحضور ، سواء كانوا مصدّقين أم جاحدين ، وسواء كانت الرقابة شديدة في ضوء النهار أم تحت الأضواء الكهربائيّة الساطعة في الليل . وهذا ما كان يحدث على يدي مؤسّس الداهشيّة ، لأنّ النبوءات والخوارق لم يكن يقوم بها هو بقوّته البشريّة ، بل كان الروح الالهيّ هو الذي يحدثها ، أو كان يحدثها أحيانا كائن علويّ هو امتداد لمؤسّس الداهشيّة أيّ سيّال علويّ تابع له ، هبط وتجسّد في الأرض متّخذا شكل داهش البشريّ ، ليقوم بمهمّة روحيّة معيّنة ، ثمّ يعود الى عالمه الفردوسيّ المجيد .
المراجع المعتمدة في هذه الدراسة
لدحض المزاعم الباراسيكولوجيّة وفضحها
- Abell ,Georg O.&Barry singer ,Ed .,Sciensce and the paranormal: probing the Existence of the Supernatural.New York:Scribner,r1981.
2.Alcock, James E.,Science and Supernature :A Critical Appraisal of parapsychology. N.Y.:prometheus Books , 1990.
- ——–Parapsychology : science or Magic ? Elmesford ,N.Y:pergamon , 1981.
- Baker , A Robert, the Call it hypnosis . buffalo , N.Y : prometheus Books , 1990 .
5.Barber , T.X., hypnosis :A Scietific Approach . New York : Van Nostrand , Reinhold,1969 .
6.Blakmor , Susan In Searh of the Light : the Adventures of a parapsychologist . Buffalo , N.Y : prometheus Books , 1996 .
- ——“parapsychology ” in Controversies in psychology , edited by Andrew M . Colman . London/new york : longman 1995 .
8.blyhe , peter , Self – hypnotism . toronto : Coles publishing Co .,1980 .
- Boll , marcel , L`Occultisme devant la science . Paris : P.U.F., 1944
10.Booth , John , Psychic Paradoxes .Buffalo , N.y.:Prometheus Books , 1986 .
- Brandon , Ruth , The Spiritualists .Buffalo , N.y: Prometheus Books , 1984 .
- Broad . W .and N. Wade , Betrayers of the Truth . New York : Simon and Schuster , 1982.
- Castellan, Y., Le spiritisme . Paris:P.U.F.,1965.
14.Casti , John L.,Searching for Certainty : What Scientists Can Know About the Future . New York : William Morrow & Co ., 1990 .
- Chauchard , paul , hypnose et suggestion . paris : P.U.F.,1957.
- chrtok , L.,L`hypnose . paris: payot,1965 .
- Christopher,Milbourne,Mediums , Mystics and the occult . New York : Crowell , 1975.
- Couderc, P.,L`Astrologie. Paris :P.E.F .,1951.
- Culver , Roger B.& Philip A.lanna , Astrology : True or false ? buffalo , N.Y .:Prometheus Books , 1988 .
- Daco , P., Les Prodigieuses Victoirs de la psycologie Moderne . Paris : Marabout , 1960 .
- Danvenport , Reuben B.,The Death Blow to Spiritualism : Being the True Storu of the Fox Sisters . New York ,1888 . Reprinted in 1976 , Arno Press , New York .
- Disksonn , Mes Trucs devoiles . Albin Michel , paris,1922.
- Fine,car Alan ,”Psychics ,Clairvoyance and the Real World : A Social – Psychological Analysis ”,in the Zetetic , vol . l,No . 1976.
- Fisher , K.,Spreading Stain of Fraud . Monitor , 13:l ff.Washington , D.C.:American Psychological Association , 1982 .
- Flew , Antony , A New Approah to Psychical Research . London : C.A.Watts , 1953 .
26 . ————“Parapsychology revisited : Law , miracles and repeatability”,in philosphy and parapsychology , edited by J.Ludwing , 263-269.Buffalo, N.Y.:Prometheus Books , 1978.
- ———“parapsychology : Science or pseudoscience ? in paul Kurts , Ed.,A Skeptical Handbook of parapsychology . Baffalo , N.Y.:Prometheus Books,1985.
- Frazier,Kendrik,Science Confronts the Paranormal.BuffalokN.Y.:prometheus books,1992.
29.———–Ed.,paranormal Borderlands of Science.Buffalo , N.Y.:Prometheus books,1981.
- Furst , P.,…la chair des dieux ( L`usage ritul des psychedelioues ).trad de V .Bardet Paris : Editions du Seuil , 1974 .
- Gardner , M., Science : Good , Bad and Bogus. Buffals , N.Y.:prometheus Books , 1981,1989 ( reprinted 1983 by Oxford University press.)
- ———-Now not to Test a psychic:Ten Years of Remarkable Experiments With Renowned Clairvoyant pavel Stepanek.Buffalo,N.Y.:promtheus Books, 1993.
- ——-the big bang . ESP,the beast 666 , levitation, Rainmaking, Trance-channeleing seances and Ghosts and More…Buffalo N.Y.,1994 .
- ———Fads and Fllacies in the name of Science .N.Y.:New American Library , 1986 .
- Gordon Henry Extrasensory Deception . Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1988.
- Hall, T.H., The Medium and the Scientist : The Story of Florence Cook and William Crookes. Buffalo, N.Y.: prometheus Books,1985.
- ——the enigma of daniel home : medium or fraud ? Buffalo,N.Y.:prometheus books 1984 .
- Hansel C.E.M.ESP:Scientific Evaluation . New York : Scibner `s , 1966.
- ESP and parapsychology :A Critical Re – Evaluation . Buffalo, N.Y.: prometheurs Books ,1980.
- —–the Search for psychic power : ESP and parapsychology Revisited. Buffalo N.Y.:prometheus books, 1989.
- ——A Crtical Analysis of the pearce – pratt experiment Journal of parapsychologu 25(2):87-91,1961 .
- —-A critical analysis of the pratt-Woodruff experiment. Journal of parapsychology 25(2):99-104,1961.
- Harris Melvin investigating the Unextigating buffalo, N.Y.:prometheus books , 1986 .
- Hartenberg,P.,Il n`y a pas d`hypnotisme , dans la revue de l`hypnotisme , 1898
- Heller, Steven &Steele Terry Lee Monsters and Magical Sticks : There`s No Such Thing As Hypnosis Phoenix : falcon Press,1987.
16 . Hines , terence Pseudoscience and the paranormal : A critical Examination of the Evidence . Buffalo , N.Y. :Prometheus Books , 1988.
- Hladik , Jean , prestidigitations et illusionisme , P.U.F.,Paris ,1967.
48 . Houdini , Harry , Miracle Mongers and their Methods : A complete Expose’ . Buffalo ,N.Y.: Prometheus Books , 1993 .
49 . Hyman , Ray , Review of the Geller Papers . The Zetetic ( Skeptical Inqquirer ), 1: 73 – 80 , 1976 .
50 .—— , The Elusive Quarry : A Scientific Appraisal of Pscychical Research . Buffalo ,N.Y.: Prometheus Books , 1995 .
51 .—— , Pscychics and Scientists : ” Mind –Reach ” and remote viewing . The Humanist , 37 (May / June , 1977 ) : 16- 20 .
52 .—— , The Case Against Parapsychology . The Humanist , 37 ( November / December , 1977 ): 47-49 .
53 . —— , Scientist and Psychics . In Science and the paranormal , edited by G.O. Abell and B. Singer , 119-141 . New York : scribner ‘s , 1981 .
54 .—— , “A Critical Historical Overview of Parapsychology ” , in P. Kurtz , Ed . , A Skeptic ‘s Handbook of Parapsychology . Buffalo , N.Y. : Prometheus Books , 1985 .
55 . Jerome , Lawrence E. , Astrology Disproved . Buffalo,N.Y.:Prometheus Books , 1986 .
56 . K irsh , Irving , ” Response expectacy as a determinant of experience and behavior ” in American Psychologist (1989) 40: 1189- 1202.
57 . Kreskin , The Amazing World of Kreskin .N.Y.: Random House ,1973 .
58 . —— secrets of the Amazing Kreskin : The world’ s Foremost Mentalist Reveala How You Can Expand Your Powers .Buffalo ,N.Y. : Prometheus Books ,1991 .
- Kurtz , paul , A Skeptic`s Handbook of parapsychology.Bufflo N.Y prometheus Books,1985.
- Leahey , Thomas H,and Grace E.Leahey , Psychology`s Occult , Doubles : Psychology and the problem of Pseudoscience . chicago ; Nelson – Hall,1984.
- Leuba ,J.H.,psychologie du mysticisme . paris : P.U.F.1930.
- Marks , David and Richard Kammann , the psychology of the psychic. Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1980.
- ——-“the Nonpsychic powers of Uri Geller ” in The Zetetic , Vol l,No 2 ( Spring/Summer, 1977.
- Markwick Betty The Soal – Goldney experiments with Basil Shackleton : New evidence of data manipulation . proceedings of the SPR,1978,56:250-277.
- —–“the Establishment of Data manipulation in the Soal – Shackelton Experiments”,in P.Kurtz A Skeptic `c Handbook of parapsychology . Buffalo N.Y.:prometheus Books 1985.
- Medhurst R.G.: The Fraudulent experimenter : professor Hansel`s case against psychical researh , in Journal of the SPR1968.,44:217-232.
- New York Times Magazine ,August 11,1996 .
- Nickell Loe Ed.,psychic Sleuths : ESP and Sensational Cases.Buffalo N.Y.:prometheus Books 1994.
- Nickell Joe With Jhon F.Fischer , Mysterious Realms : Probing paranormal Historical and Forensic Enigmas . Buffalo N,Y Prometheus Books 1992 .
- ——–Secrets of the Supernatural : Investigating the World`s Occult Mysteries . Buffalo , N.Y.:prometheus Books , 1988.
- Panati charles, the Geller papers .Boston : Houghton Miffin , 1976.
- Randi J.,the Truth About Uri Grller Buffalo , N,Y.: promertheus Books , 1982 .
- ——The Mask of Nostradamus . New York : Charles Scribner`r Sons , 1990
- ——Film – Flam : the Truth About Unicorns parapsychology and Other Delusions Buffalo N.Y.: Prometheus Books 1987 .
- —–the Faith Healers ( Forward By Carl Sagan ). Buffalo N.Y.:prometheus Books 1987 .
- ——–ConJuring . New York : St Martin `s Press 1992 .
- Reed Graham The Psychology of Anomalous Experience Buffalo N.Y : Prometheus Books 1988.
- Rhine J.B.: new case of experimenter unreliability , in Journal of parapsychology 1974,38:215-225.
- Rinn Joseph F ., Sixty Years of psychical Reserch : Houdini and I Among the Spirituatlists. New York :Truth Seekers Co., 1950 .
- Rothman Milton A ., A physicist`s Guid to Skepticism Buffalo N.Y.,:prometheus books 1988.
- Sagan Carl the Demon – Haunted World New York : Randon House 1995
- Sarbin Theodore R.,”Contribution to rolr- taking theory l.Hypnotic behavior in psychology Review 1950,57:255-270.
- Sarbin T.R.&Coe W.C.,Hypnosis : A Social psychological Analysis of Influence Communication N.Y.:Holt Rinehart and Winston 1972 .
- Scientific American Sept 1991 .
- Serouya H.,Mysticisme Paris P.U.F.,1961.
86.The Skeptical Inquirer Fall 1988 Spring 1994 ;May /June 1995;July /August 1995;Jan/Feb 1996; March/April 1996;May/June 1996;Jan/Feb 1997.
- Spanos Nicholas P.and J.F.Chaves Hypnosis the Cognitive – Behavioral Perspective Buffalo N.Y.:promtheus Books 1989.
- Stein Gordon Editor The Encyclopedia of the paramormal Buffalo N.Y:prometheus Books 1996 .
- ———- the Sorcerer of Kings : the Case of daniel Dunglas Home and William Crookes . Buffalo : N.Y prometheus Books 1990.
- Stenger Victor J.,Physics and psychics the Search for a World Beyond the Senses Buffalo : N.Y.,prometheus Books 1992 .
- Stwart J.V., Astrology : What`s Really in the Buffalo , N.Y.: prometheus Books 1990.
- Tanner Amy , Studies in Spiritism Buffalo N.Y prometheus Books 1993 .
- Taylor John Suprer Minds A Scientist Looks at the Supernatural New York : E.P.Dutton 1975.
- ————-Science and the Supertatural New York E.P Dutton 1980.
- Tocquet , Robert , Tout l`occultisme devoile paris Amiot – Dumont 1965.
96.———–Phenomenes de mediumnite paris : Grasset 1959.
- —–les Dessous de l`impossible . Paris Edition speciale 1972.
- —–Tout L`occultisme devant la science . paris Amiot –Dupont 1974.
- Wagstaff Graham R.,Hypnosis Compliance and Belief New York : St Martin`s press 1981.
- Walter , Dave , Compil Today Then – America`s Best Minds Look 100 Years Into the Future : 1993 as predicted in 1893 MT: American & World Geographic Publishing 1992.
101.Waston Lyall , Histoire naturelle du surnaturel , trad . de l`anglais par Leo Dile : Albin Michel 1974.
- Wiseman , Richard and Robert L.Morris Guidelines for Testing psychic Claimats. Buffalo N.Y.:prometheus Books 1995.
- Wood , Ernest , la pratique du Yoga , trad . par Juan et Baud . paris : Payot , 1967.
- The Zetetic , Vol l,No. L,1976;Vol . No 2,1977.
الحقيقة الثانية :
السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته
و السيّالات الروحية تعني قوى إشعاعية حية غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .
و السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات , لكن على درجات متفاوتة .
و قد تأكد لنا , من مئات المعجزات التي شاهدناها و شاهد مثلها الألوف غيرنا , أن السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته ؛ هي الجوهر الخالد الذي يوحد الموجدات , و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة . و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسية التي اكتشف العلم أنها في أساس الوجود كله إلاّ صفة من صفاتها .
فخصائص الحياة النفسية ليست في الإنسان فقط , بل هي أيضاً في الحيوان و النبات و كل ما يسمى ” مادة ” .
ووجود السيّالات في البشر , على تفاوت في العدد , و الميزة , و الدرجة , بين فرد و فرد , هو الذي يسبب تباين القدرات الجسدية والعقلية , و اختلاف الميول و المواهب النفسية عندهم . كما إن انسجامها و سموها في الإنسان يبعثان السلام و الاتزان في نفسه , وتناقضها و انحطاطها يسببان الاضطراب و الاختلال . كذلك , فإلى تشابهها أو تباينها , في الأشخاص و الجماعات , يعود التجاذب والتحابّ , أو التنافر و التباغض .
هذه القضايا البشرية , ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول الى تفسيرها , جاهدين , من غير أن يطمئنوا الى رأي صائب يتفقون نهائياً عليه , بينما أدركت الداهشية حقيقتها و سرها من زمن بعيد.
و قد أتيح لي , كما لكثيرين غيري , أن نتيقن من أن الفناء الذي يطرأ على الأشياء , إنما هو تبدل محصور في مظهرها الحسي النسبي , و لا يمس جوهرها الحي .
فمراراً كنا نحرق أشياء مختلفة , بينها أوراق مالية , و سندات أو صور أو مخطوطات , أو تحطم أمامنا كؤوس بلوريّة و ما أشبه , ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها , كما كانت , بلمح البصر , و بقوة الروح العليّ . و شهود هذا النوع من المعجزات يعدون بالمئات . أكتفي منهم بذكر النائب السابق محسن سليم , و الأديب جورج حداد , و الوزير السابق المحامي إدوار نون , و السيدة ناديا غبريال , والسيدين أنجلو بولو و امين نمر . وسبق أن فصّلت في القسم الثاني من هذا الكتاب , معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقي الدين و الصحافي إسكندر رياشي.
فهذه المعجزات التي تعيد الحياة الى الميت , و الشيء الذي احترق أو تحطم , الى وجوده السابق نفسه , إنما تؤكد أن السيّالات الروحيّة خالدة , سواء أكانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .
أما الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشية , فهي أن كل كائن , بل كل عمل أو رغبة أو فكر , يكون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل تحفظ روحياً في عوالم خاصة , كشهود على حياة الكائن و سلوكه و أعماله . و إيضاح ذلك يتم في المعجزات التالية :
حمامة نوح تعود الى الأرض
في 11 حزيران 1943, عقدت جلسة روحية كان من حاضريها الأديب جوزف حجار , و عقيلته السيدة آندره , و مؤرخ الوقائع الداهشية حليم دمّوس .
و ما إن ارتعش داهش بالروح , حتى سمع الحاضرون حفيف أجنحة خفيّة , سرعان ما تبعه تجسد حمامة ناصعة البياض ظهرت في فضاء الغرفة المغلقة , و حطت على كتف السيدة آندره , و في منقارها عرق زيتون أخضر يقطر ماء .
و قد أوضحت الروح , بفم الدكتور داهش , أن هذه الحمامة إنما هي حمامة نوح نفسها . و قد حفظ سيّالها , بعد موتها , في عالم روحي خاص . و كذلك عرق الزيتون , و الماء الذي يقطر منه , حفظ سيّالاهما , أيضاً , بعد زوالهما . وهكذا كل موجود بعد تلاشيه .
و مكثت الحمامة في منزل الرسالة الداهشية ما ينيف على ستة أشهر , كانت في أثنائها تطير من غرفة الى أخرى , و تحط على أكتاف الزائرين , و تأكل من أيديهم بطمأنينة , حتى إذا حل صباح 27 كانون الأول 1943, شاهد المجتمعون في المنزل , تلك الحمامة العجيبة تحوم فجأة حول رأس رجل الروح , ثم تمضي تحوم فوقه مصعدة في فضاء الغرفة , و حجمها يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى تصبح بحجم النحلة محتفظة بشكل الحمامة ؛ و تستمر تصغر , حتى تعجز العيون عن إبصارها . و هكذا تعود الى العالم الذي هبطت منه .
كذلك , فعشرات هي المرات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطلاعهم عنده على أحاديثهم مسجلة بحرفيتها , و أفكارهم الصامتة مدونة بخلجاتها , و أوضاعهم المختلفة مصورة بتفاصيلها. ذلك ما جرى مع السيدة رسمية الحريري و زوجها , و السيدين شفيق المقدم و مصطفى الخطيب , و الآنسة إيلين ضاهر و شقيقها نقولا , و غيرهم كثيرين . مع العلم أنهم كانوا , ساعة حديثهم أو تفكيرهم أو عملهم , منفردين في منازلهم , بعيدين عنه .
بهذه المعجزات وحدها نفهم معنى الآية القرآنية :” و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه , و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم ” (الحجر : 20 ) , و الآية القائلة : ” يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون ” (النور:24). كما يتحقق أمامنا ما قاله السيد المسيح :” أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين ” ( متى 12: 36). و يضيء في أذهاننا قوله تعالى : ” أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم و نجواهم ، بلى و رسلنا لديهم يكتبون ” ( الزخرف : 80).
الحقيقة الثالثة :
السببية الروحية و الجزاء العادل
إن الأحداث اليومية التي تقع , من مرض و موت و خسارة , أو شفاء و نجاة و ربح , و غير ذلك , يعللها معظم الناس بأسبابها المادية المباشرة , و إن جهلوها فبالصدفة . فإن تدهورت سيارة , مثلاً , و قتل فيها فرد , و جرح ثان , و سلم آخر, عللوا اختلاف مصاير الركاب بالصدفة , أو بأسباب مادية محضة.
و فضل المعجزات الداهشية أنها توضح أنها مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوة روحيّة عادلة حكيمة مدبرة , لا يفوتها شيء , مهما صغر و دق , و لا يعجزها أمر , مهما عظم وتعقد .
فالصدفة لا وجود لها , على الإطلاق . و السببية قانون كوني شامل ؛ لكن الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس , أو الذي يستطيع عقله وعيه , بينما تبقى العلة الحقيقية , و هي دائماً علّة روحية , محجوبة عنه . فالمرء , سواء مات في فراشه ميتة هنيئة , أم في حرب , أم إثر حادثة معينة , فتحديد أجله إنما يكون بموجب نواميس روحية , وفق استحقاقاته و درجة سيّالاته . فأن حان أجله , فاجأه الموت أينما كان , و لم يعصمه حصن , و لا بحر , و لا طبيب , في أي مكان. و إذا لم يحن أجله أنقذ مما لا ينقذ منه سواه .
و بغية الإيضاح الواقعي, سأعطي مثلين عجائبيين:
بطيختان ترتفعان ثم تسقطان بصورة عجائبية
خلاصة المعجزة الأولى انه بينما كان الدكتور خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدلية حمادة في بيروت , إذا برجل الخوارق يرتعش بالروح و يخاطب رفيقه قائلاً :” أنظر الى هذا البائع الجوال” . و كان إزاءهما على بضعة امتار بائع أمام عربة عليها بطيخ . فأشار الدكتور داهش بيده , فإذا بطيخة ترتفع في الهواء , وتقع على الأرض محطمة . ثم أعاد الإشارة , فارتفعت بطيخة أخرى, و سقطت محطمة . فسأله الدكتور خبصا , متأثراً : ” لكن لم ذلك ؟ فهذا البائع مسكين , و هذه الخسارة تكلفه غالياً “. فأجابه الروح العليّ بفم الدكتور داهش :” أجريت ذلك أمامك , لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات , كبيرها و صغيرها , بصورة طبيعية , من غير أن ينتبهوا لكيفية سيرها . فهذا البائع ربح أكثر مما يجب له في هذا النهار , و ربحه غير الحلال , و إن يكن ضئيلاً , خسره بتحطم البطيختين . و لو لم أرك ذلك بالمعجزة , لتتنبه , لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها , و لتدحرجت البطيختان نفسهما من فوقها و تحطمتا “.
هذه المعجزة , و كثير من أمثالها , وضحت للداهشيين أن ما يزرعه الإنسان يحصده , و أن أعمال البشر جميعاً , وعلاقاتهم بعضهم ببعض , تترتب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم .” فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , و من يعمل مثقال ذرة شراً يره”(سورة الزلزال:7- 8) و ” إن الله لا يظلم مثقال ذرة ” ( سورة النساء:40)
أما المعجزة الثانية فتوضح كيف تتم المساعدات الروحية وفق استحقاق أصحابها .
سيارة تخترق شاحنة دون أن تصاب هي أو ركابها بخدش
في 3 آب 1964, زار السيد شفيق المقدم الدكتور داهش بصحبة عقيلته السيدة رباب و شقيقتها .و كان في الجلسة آخرون .
فارتعش رجل المعجزات بالروح و قال لشفيق :” إن حادثاً فظيعاً سيقع لك و لأسرتك قريباً , و لكن لا تخف, فإني سأطلب مساعدة روحية من العناية الإلهية لرفع الخطر عنك .” و طلب الدكتور داهش الى الدكتور أبي سليمان الذي كان حاضراً , أن يرسم الرسم الداهشي المقدس, و يضمنه دعاءً لله عز و جلّ , لرفع الخطر. ووقع الحاضرون جميعاً أسماءهم على الدعاء.
و بعد ثلاثة أيام من هذه الزيارة , و عند الساعة الحادية عشرة و النصف ليلاً , بينما كان السيد مقدم عائداً مع بعض أفراد أسرته من النبطية , (37) , في سيارته البويك , و هو يجري بسرعة كبيرة تتراوح بين 120 و 140 كلم في الساعة , وصل الى منعطف خطر , فحاول أن يخفف السرعة , لكنه فوجئ , بعد نحو خمسة أمتار من المنعطف , بشاحنة كبيرة واقفة في عرض الطريق الضيق , بسبب عطل طرأ عليها , و امامها بقعة موحلة , و كان الطريق مسدوداً بها, و على أحد جانبيه , صخور عالية , و في الجانب الآخر هاوية . وفقد شفيق السيطرة على سيارته , ووجد نفسه وجهاً لوجه , أمام موت رهيب. و زعق الجميع للمشهد الفظيع , و للمصير الرهيب المنتظر , و برق في رؤوسهم الدكتور داهش ووعده بتخليصهم من الكارثة المتوقعة. و شاهدوا سيارتهم تصطدم بسرعة فائقة بالشاحنة , ويتقصف المعدن أمامهم , و يتحطم الزجاج , و يحسّ السائق بالصدمة في صدره ؛ كل ذلك في ثانية , و في ثانية أخرى , كانت السيارة و ركابها في الجانب الآخر أمام الشاحنة . لقد تمت المعجزة , و أنقذت الأسرة من الموت الشنيع , بإذن الله , و مساعدة رجل الله. فاخترقت السيارة بصورة روحية إعجازيّة الشاحنة , من غير أن تمسّ بخدش واحد , لا هي ولا ركابها . فحمد الجميع الله و مجّدوه , وازدادوا يقيناً و إيماناً بالدكتور داهش و بصحّة رسالته . (38)
فأية قدرة في العالم تستطيع فعل ذلك ؟ أن تجعل كتلة عظيمة من الحديد تخترق كتلة أخرى من غير خدش يصيبها ؟ أن تسحق المعدن على اللحم و العظم , فيعلك البشر و سيارتهم في صدام رهيب , ثم ينجوا من الموت المحتوم , و لا جرح في أجسامهم ! إنها قدرة الله , وحده سبحانه , تتجلى على يدي عبده و مصطفاه داهش العظيم .
هذه المعجزات و امثالها تجعلنا ندرك معنى قول السيد المسيح : ” أليس عصفوران يباعان بفلس , و مع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم . و أنتم فشعر رؤوسكم جميعه محصى , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من عصافير كثيرة” ( متى 10: 29 – 31) . كما تجعلنا نفقه معنى الآية الكريمة: “و لكل أمّة أجل , فإذا جاء أجلهم , لا يستأخرون ساعة , و لا يستقدمون ” ( سورة الأعراف : 34) .
الحقيقة الرابعة :
التقمص
لقد أدرك حقيقة التقمص فلاسفة عديدون , منهم فيثاغورس وافلاطون , و آمن بها , اليوم , مفكرون كثيرون , بينهم نابغة لبنان , جبران خليل جبران . و كانت عقيدة التقمص قوام البوذيّة و الأديان الهندوسيّة عامة . و صرح بها القرآن الكريم , دونما تفصيل في قوله : ” كيف تفكرون بالله , و كنتم أمواتاُ فأحياكم, ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون ” ( سورة البقرة : 28 ) , و في آيات كثيرة أخرى اعتمدتها عدة مذاهب إسلامية شيعية , أو درزية , لإعلان إيمانها بالتقمص. كما ألمع إليها السيد المسيح في مواقف كثيرة , منها قوله لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين سألوه عمن يكون معلمهم , فقال لهم : ” إذا أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي ” ( متى 11: 14) , و كذلك جوابه لتلاميذه , بعد ان سألوه لماذا تقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً ؟ فقال لهم : ” إن إيليا قد أتى , و لكنهم لم يعرفوه , بل صنعوا به كل ما أرادوا… ففهم التلاميذ , حينئذ , أنه عنى بكلامه يوحنا المعمدان ” ( متى 17 : 12 و 13 ) .
لكن الداهشيين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدسة , فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة تؤكد التقمص , بانتقال السيّالات الروحية من جسد الى آخر في الأرض , إنساناً كان أو حيوان او نبات أو جماداً.
فمن الحقائق التي تكشّفت في الجلسات الروحيّة الداهشيّة أن يسوع الناصري هو أحد تجسّدات المسيح الكثيرة في الأرض . وسيّالات المسيح هي التي صنعت الحضارات الإنسانيّة , و ما تزال تصنعها . و هي متغلغلة في الرسل و الانبياء من مثل إبراهيم وموسى و داود و سليمان و محمد … كما في الحكماء و الهداة من مثل بوذا و كونفوشيس و لاوتسو و سقراط و ديوجينس و غاندي… و ما كان يتاح للدكتور داهش أن يؤسّس الرسالة الداهشيّة , و يعقد الجلسات الروحيّة التي تتجلى فيها الأرواح العلويّة , و تصنع المعجزات , لو لم يكن بعض سيّالات المسيح .
كذلك فقد انتقلت بعض سيّالات الإسكندر الى نابوليون الأول , وبعض سيّالات الأخير الى هتلر ؛ كما انتقل بعض سيّالات ابراهّام لنكولن الى جون كندي , و بعض سيّالات رعمسيس الثاني الى صلاح الدين الأيوبي ثم الى جمال عبد الناصر(39) .
يقول مؤسس الداهشية نظريتنا في التقمص هي الآتية :
إن الأديان قاطبة تقول , بل تؤكد أن الإنسان يولد على هذه الأرض , و في أثناء حياته الأرضية يقوم بأعمال صالحة و أخرى طالحة . و عندما يتوفاه الله , يذهب الى النعيم إذا كانت أعماله صالحة , أو الى الجحيم إذا كانت أعماله شريرة . و يعمّر الإنسان 70 أو 80 أو 90 عاماً. و من هذه الاعوام , يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم , و 4 سنوات بالمرض , و 15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . إذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .
” و من المؤكد أنه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثالياً , إذ إن دنيانا حافلة بشتى المغريات التي تسقطه في أشراكها التي لا ينجو منها ناج . فالمرأة له بالمرصاد , تستهويه فيندفع في خضم الشهوات العارمة , و حب المال يكبله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده , والعظمة, و حب الوجاهة , و الكبرياء الخ… جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكد .
” إذا! بالنسبة لما أكده مؤسسو الأديان , سيذهب البشر جميعهم الى جهنم النار المتقدة , و يمكثون مخلدين فيها من دهر الى دهر , و من أزل الى أبد . و هذا أمر غير جائز إطلاقاً , و ظلم رهيب؛ فرحمة الله عظيمة و عميقة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والإرتقاء بأرواحنا , فمنحنا نعمة التقمص . و ربما أعطانا إياها 6000 مرة نعود فيها الىعالم الأرض , لنتغلب , في خلال هذه التقمّصات الألفية , على ضعفنا البشري , و الأرتقاء بأرواحنا لنبلغ جنة النعيم .
” ففي خلالا هذه التقمّصات الستة آلاف , ممكن لأي بشري أن يحسن سلوكه في خلال دوراته الحياتية , و تكرار ذهابه و إيابه . فإذا تكرر مجيئه 6000 مرة , و بقيت أعماله شريرة , إذاً يستحق , إذ ذاك , أن يخلد في جهنم النار الخالدة بنيرانها , و هذا يكون عدلاّ و حقاّ “(40) .
كذلك يمكن أن تتجاوز السيّالات الأرض , في انتقالها من تقمّص الى آخر , فتنتقل الى كوكب علويّ أو سفليّ , حسب درجة إستحقاقها.
فعشرات هم الأشخاص النابهون , من مؤمنين بالداهشيّة أو غير مؤمنين , الذين شاهدوا الدكتور داهش عدّة شخصيّات , أي عدّة كائنات هي شبهه تماماً . وهي تجالسك وتحادثك ؛ لكنّها مع ذلك , ليست كائنات بشريّة , بل هي إمتدادات روحيّة لداهش تحيا في كواكب علويّة متفرّقة من الكون , ودرجتها الروحيّة تفوق درجة البشر الى حدّ بعيد , ولذا فهي لا تخضع لنواميس الأرض , (41) .
وليست تجسّدات السيّالات غير الأرضيّة مقصورة على شخصيّات الدكتور داهش , فقد حصلت تجسّدات أخرى عديدة أمام شهود كثيرين , ذكرت منها في القسم الثاني , من هذا الكتاب , تجسّد ندى (42) , وأكتفي , هنا , بذكر أحدها “
أحد سكّان الكواكب يتجسّد
في مطلع آب 1942 , كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاج , والشاعر حليم دمّوس , في منزل الأخير في رأس بيروت . وفي الساعة العاشرة ليلاً , إنتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألقة بالنجوم . وما هي إلاّ لحظات , حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً , الى أن إنجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر , إنّما أحمر الوجه , نافذ النظرات , متألّق المحيّا ؛ وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة , ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً . فتقّم الدكتور داهش , ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه , فطفق يتكلّم العربيّة .
ومما قال : ” إنّه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة , وسبق أن كان أحد أبناء الأرض , منذ بضعة آلاف من السنين . وما أن مات , مخلّفاً جسده طعمة للديدان , حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ ” . وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة , أخذ يتلاشى , أمامهم تدريجيّاً , حتى غيّبه المجهول .
بهذه المعجزات التجسّديّة أصبحنا نفهم ما عناه السيّد المسيح : ” إن في بيت أبي منازل كثيرة ” ( يوحنا 14 : 2 ) , وما قصده بولس الرسول : ” ومن الأجساد أجساد سماويّة وأجساد أرضيّة . ولكن مجد السماويّات نوع , ومجد الأرضيّات نوع آخر , ومجد الشمس نوع , ومجد القمر نوع آخر , ومجد النجوم نوع آخر ؛ لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد ” ( كورنثوس الأولى 15 : 40 – 41 ) . كذلك إتّضح معنى الآية الكريمة : ” فلا أقسم بمواقع النجوم , وإنّه لقسم لو تعلمون لعظيم ” ( الواقعة : 75 و 76 ) .
فالحياة تعمّ الكون بأسره , ذلك بأن الحياة هي المبرّر الوحيد لأي وجود . وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها . وتنقسم بلايين النجوم والكواكب الى 150 درجة علويّة و150 دركة سفليّة ؛ وتكوّن الدرجات عوالم النعيم , والدركات عوالم الجحيم . وكلّ درجة أو دركة تشتمل على ملايين الأجرام الماديّة ؛ كلّ جرم منها له أنظمته الخاصة وطبيعته وسكّانه . وفي سلم الحضارات الكونيّة يستوي الكوكب الأرضي على عتبة الدركات السفليّة .
وقد حان الوقت لندرك بفضل الداهشيّة , أنّ الإنسان ليس مقياس الحياة , كما كان يظن ّ , ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة , ولا هو ذروة تطوّرها , إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف , ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى الى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها ونقاوتها وسعادتها , حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أن ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته الى هذه المرتبة الذريّة بين الكائنات السامية , توجّب عليه أن يسعى الى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ؛ لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة , لكن بإرتقاء روحيّ داخلي يؤهّل الإنسان بعد موته , للتجسّد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فأنّه إذا سفّل نفسه , وتشبّث بالدنيويّات , يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ,فتتجسّد سيّالاته , بعد موته في كوكب يعظم فيه الجهل , ويتفاقم الشرّ , ويشتدّ الشقاء والعذاب .
وإنّما ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى , لو لم يأتي تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي , أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .
فالعلم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسّي بشبكة من الحواس له حدود عليا وحدود دنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئيّة بي 7600 و4000 أنكستروم في الثانية , والتي تتحرّك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور التي تبلغ 300,000 كيلومتر في الثانية . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20,000 ذبذبة في الثانية .
ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا , ونحن لا نبصرها ولا نسمعها .
الحقيقة الخامسة :
وحدة الأديان الجوهريّة
روح الإله الواحد هو الذي أوحى الشريعة الى موسى النبيّ , وجعل المسيح مصدّقاً ومتمّماً لما قبله : ” لا تظنّوا أنّي أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء , لكن لأتمّم ” ( متى 5 : 17 ) , قال السيّد . وهو الذي جعل القرآن مصدّقاً لما قبله : ” نزّل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديّه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ً للناس ” (سورة آل عمران : آية 3 ) .
وكما ألزم المسيح الإيمان بموسى طريقاً للإيمان به , بقوله :” فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي , لأنّه كتب عنّي . فان كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ؟ ” ( يوحنا 5 : 46 – 47 ) , ألزم القرآن المؤمنين الإيمان بالأنبياء جميعاً , دونما تفريق : ” إنّ الذين يكفرون بأللّه ورسله , ويريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله , ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقّاً , وأعتدّنا للكافرين عذاباً مهيناً .
والذين آمنوا باللّه ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم , وكان أللّه غفوراً رحيماً ” ( سورة النساء : آية 150 – 152 ) .
هذه الوحدة الروحيّة الدينيّة نسيها البشر , أو تناسوها , ولا سيّما في هذه البلاد , بلاد الأنبياء . بأيديهم نسجوا غشاوة على عيونهم , خيوطها من المطامع الأرضيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة . فإذا الإله الواحد يتنازعونه آلهةً , ودين الروح الواحد يمزّقونه طوائف متنابذة متناحرة , مما دفع فئات من العاملين في القضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , بعد أن يئسوا من العودة الى الوحدة الروحيّة , والعمل بجوهر الدين القائم على المحبّة والفضيلة , الى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانباً , وإحلال الولاء الوطنيّ محلّه , أو للتخلّي نهائيّاً عن العقيدة الدينيّة وإتّخاذ الإلحاد مذهباً وسبيلاً .
لا , ليس طرح الدين جانباً يحلّ معضلتنا ومعضلة الإنسان , ولا الإلحاد . أمّا أن لا نعبد إلهاً فذلك مستحيل , لأنّ الدين نماذج للنفس , لاصق بجبلّتها , إن حذفته من يقظتك , أطلّ عليك في نومك . إنّه حاجة نفسيّة جوهريّة , إذا لم يشبعها الإنسان بعث فيه خللاً وإضطراباً , من غير أن يدري مصدرهما .إنّها حقيقة يؤكّدها كبار علماء النفس , من أمثال كارل يونغ c. G. jung السويسري , وولفرد دايم الألماني w. daim , و شتوكار الفرنسي a. stocker. فالذين يدّعون أنّهم يعيشون دونما آلهة متوهّمون يخادعون أنفسهم , لأنّهم لم يحذفوا من نفوسهم حقيقة الألوهة , بل قنّعوها وشوّهها . فبدل الإله الكامل , إله المحبّة والعدالة والحقّ , الإله الأزليّ الأبديّ , موجد الكون ومنظّمه مصدر الخلق وغايته , توهّموا خارجهم أو في ذواتهم آلهة ناقصة مزيّفة , يعبدونها من دون أللّه , وهم لا يدرون : نصّبوا من الدولة أو الوطن أو الحزب إلهاً , أقاموا من الأرض أو الطبيعة أو الحياة إلهاً , شرّعوا مطامعهم ونزواتهم وشهواتهم أصناماً يقدّمون لها العبادة . هؤلاء جميعاً يعيشون في وهم الحقيقة , لآنّهم إستبدلوا النسبيّ بالمطلق , والجزئي بالكلّي , والعرضيّ بالجوهري , والزائف بالحقّ , والزائل بالدائم السّرمديّ . ولذا فرؤيتهم للحقائق تكون مختلّة , ومقاييسهم للقيم تكون منحرفة , لأنّها تتأثّر بطبيعة المثل الأعلى الذي يحرّكها ويهيمن عليها , وهو غير صحيح .
أمّا جعل الدين في هامش الحياة , أو أللامبالاة به , أو منحه أهمّية ثانويّة , فذلك يؤدّي تدريجيّاً الى الإلحاد , وقد يكون شرّاً من الإلحاد ؛ لأنّه سيفضي الى النتيجة نفسها بعد أن يجمّد الذات ويبلّدها, ويفرغها من حرارتها , ويعيّشها في فتور الإيمان , الذي قال المسيح عن صاحبه – وما أكثر أصحابه اليوم – : ” إنّي عالم بأعمالك , أنّك لست بارداً ولا حارّاً , وليتك كنت بارداً أو حارّاً . ولكن , بما أنّك فاتر , لا حارّ ولا بارد , فقد أوشكت أن أتقيّائك من فمي ” ( رؤيا يوحنا 3 : 15 – 16 ) .
ما الحلّ , إذن , يقول المتحمّسون للقضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , أنبقي على العصبيّات الطائفيّة تقسّم الوطن أشلاء , ويدّعي كلّ منها ملكيّة اللّه والسماء , حتى نفقد الدين والدنيا معاً ؟
الحلّ أوحاه اللّه عزّ وجلّ , لكان على الأذكياء الأنقياء أن يأتوا به : إنّه العودة الى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهر تعاليمها , عبر رسالة روحيّة جديدة مؤيّدة بالمعجزات , أرادها الباري هداية لهذا العالم التائه في ضلالاته , وللبنان قبل غيره .
فالروح الإلهيّ الذي يجري المعجزات على يدي الدكتور داهش , إنمّا يهبط من عليائه , ويصنع الخوارق بإسم اللّه والمسيح , وبإسم اللّه ومحمّد , وبإسم اللّه وموسى . فالأنبياء جميعاً أصابع الرحمة الإلهيّة منبسطة في هذه الأرض الشقيّة .
في حضرة الروح الإلهيّ , وفي حضرة المعجزات , يشعر الإنسان أنّه أخو الإنسان , وأنّه لا فرق بين أبيض وأسود وبين غنيّ وفقير , وعظيم وحقير , ومسلم ومسيحيّ وموسويّ وبوذيّ …
المسيحيّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر الإنجيل , والمسلم يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر القرآن , والموسويّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر التوراة , والبوذيّ يزداد إيماناً بتعاليم بوذا , ويتيقّن الجميع أنّ الروح الذي أوحى الى أنبيائهم وهداتهم إنّما هو روح إله واحد . عندئذ , يدركون أن الذي يفرّقهم ليس الخير , لكن الشرّ . وتكون عودتهم الى اللّه , على جسر من الإيمان النظيف , لا يقال عنه هو ” أفيون الشعوب ” ؛ إيمان يكون تجسيداً لحياة روحانيّة عمليّة لا نظريّة , تتحقّق فيها الفضيلة عملاً وقولاً وفكراً , ويتجلّى فيها التعاون والتحاب والتآخي والعدالة الإجتماعيّة بأجلى مظهر . فإذا امتنعوا عن الشرور , لا يكون إمتناعهم رهبة من القوانين البشريّة والروادع الزجريّة , لكن بدافع ذاتي منبثق من إرتقاء نفوسهم وقد سطعت فيها الحقيقة الدينيّة الواحدة , مجرّدة من الطقوس والقشور والطائفيّات التي زادها البشر عليها , وزادوا بها الحواجز والخصومات بينهم .
وقد يحتجّ بعضهم قائلاً : لئن آمنّا بوحدة الأديان , فكيف نوفّق بين المتناقضات في العقائد ؟
وجوابي أنّ الرسالة الداهشيّة قدّمت حلاّ لكل معضلة , حلاّ لم تخترعه إختراعاً , بل أوحته الروح حقيقةً منزلة . ولضيق المجال , أكتفي بعرض قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب , وفي القرآن : ” وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ” ( سورة النساء : آية 157 ) . فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح إلاّ من ضمن الداهشيّة , وتوضيحها يتمّ ببرهان مادّي محسوس .
شخصيّات الدكتور داهش الستّ
لقد تبيّن لي , و لعشرات غيري أن للدكتور داهش ست شخصيات أخرى غير شخصه البشري ؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالات , أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة , و بإذن الله يسمح لها , أحياناً , أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة , فتتخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك , يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها , ويتحسسها , و يؤاكلها ؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميزها عن داهش البشري , إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة, و كان الناظر يعلم , سابقاً, ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرات التي تظهر فيها فجأة , و تتوارى فجأة , بينما تكون أمامنا , و نحن ننظر إليها أو نسلم عليها .و قد يجتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى الست , في مكان واحد , وقد تتجسد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . و قد تأكد لي و لكثيرين غيري , ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز و الجدران , وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر , و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب , وتسيطر على الجاذبيّة , فترتفع في الهواء و تمشي على الماء , وتثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه ؛ و هي قادرة , بإذن الله , على صنع ما تصنعه الروح من معجزات .
مصرع الدكتور داهش ثم بعثه
و من عجائبها الباهرة أنه في 28 حزيران سنة 1947 , ألقي القبض على إحدى الشخصيات في أذربيجان من أعمال إيران , فقتلت رمياً بالرصاص , و دفنت في البلد عينه , في أول تموز من العام نفسه ؛ و ذلك لأن فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان و لم يستطع الدكتور داهش إثبات هويته , إذ إن السلطات اللبنانية جردته من الأوراق الرسمية , بعد حكمها عليه بالنفي ظلماً .
و قد نشرت الصحف في لبنان و جميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش و صور مصرعه . و أنشئت فيه مئات المراثي (43) . و مع ذلك , كان مؤسس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحق. أما شخصيته التي أعدمت في أذربيجان , فسرعان ما بعثت من الموت , لأن الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض , لأنها ليست من الأرض .
و لو يرحب المجال , لكنت أذكر من الأحداث المفصلة عن ظهورها وإختفائها ما يملأ مجلداً . حسبي أن أذكر , من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ إدوار نون و السيدة قرينته , و الدكاترة شاهين صليبي , و جورج خبصا و فريد أبو سليمان و نجيب العشي , و السادة جورج حداد , و بولس فرنسيس , و نقولا ضاهر , و إميل قساطلي , و أمين نمر , و حسن بلطجي , و السيدات ماري حداد , و زينة حداد , و ناديا غبريال, و هيلدا مراد, وأوديت كارّا , و ليلى مراد , و غيرهم و غيرهن كثير …
فالأناجيل إذ تؤكد صلب المسيح , إنها تؤكد صلب شخصيّة من شخصياته ؛ لكن الإنجيليين , لسبب روحي لم يوضّحوا ذلك , إنما اكتفوا بالإشارة , بعد الصلب , الى أن المسيح المصلوب بعث من الموت , و كان يظهر و يختفي أمام تلاميذه عدة مرات ؛ و القرآن الكريم , إذ يقرّر عدم صلب المسيح , إنما يعني عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود , موضحاً أن الذي صلب إنما هو شبهه ؛ و ما شبهه إلاّ إحدى شخصياته .
و هكذا نرى أن الداهشية , لا بالنظريات , و الآراء المتضاربة , بل بالبراهين الحسّية تظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة و وحدة ما أنزل من قبل ومن بعد .
