أطماعٌ خالِدَة

هَبْ أنّكَ نِلتَ منْ دُنياكَ مَرامَكَ وجيمعَ أمانيك

أفيعني ذلكَ أنَّكَ اصبحتَ فيها خالدا؟

أم تُراك شاكرًا لخالقِكَ وحامَدا؟

لا هذا، ولا ذاك، أيُّها المسكينُ الجاحِد

إنْ أنتَ الا ذلكَ البُركانُ الثَّائرُ الخامِد

ولو حققتَ جميعَ أهدافِكَ ومَراميك

 

داهش

من كتاب ” بروق و رعود”

المفاهيم الأساسيَّة

تجليات النور في مدارات الحقيقة

أَضواءٌ داهشيَّة

الفضيحة الباراسيكولوجيّة

 بقلم  الدكتور ملحم شكر

 

الفصل الأوّل

 

في موضوع الباراسيكولوجيا وتاريخها

انّ لفظ ” باراسيكولوحيا ” تعني في اللغة ” الدراسة الواقعة في هامش علم النفس “, وقد ولّدها في أواخر القرن التاسع عشر باحث المانيّ توهّم وجود منطقة مجهولة ولقعة بين الحالات النفسيّة العاديّة والحالات النفسيّة المرضيّة ؛ فالباراسيكولوجيّة تطمح ، عنده ، الى دراسة هذه المنطقة السريّة . كما ولّد لفظة أخرى هيparaphysique  ، وهي تعني الدراسة الواقعة في هامش علم الفيزياء . ووقع هذا الهذيان اللفظيّ ، في ذلك الحين ، في الاهمال . وغلبت عليه مفردات أخرى ؛ منها ، في فرنسا ، لفظةmetapsychique  ، وهي تعني ” ما وراء النفس ” ؛ ولا تزال هذه التسمية ، المولّدة في بداية القرن العشرين ، مستخدمة في بعض الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الفرنسيّة الى اليوم . ومنها ، في بريطانيا والبلدان الناطقة بالانكليزيّة عبارةpsychical research  ، وهي تعني الأبحاث النفسانيّة “، ولا تزال هذه العبارة موجودة في أسماء الجمعيّات الخاصّة التي تعنى بهذا الموضوع في بريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة . ثمّ انّ لفظة باراسيكولوجيا استبعثت ، بمعنى جديد ، في الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، قبيل الحرب العالميّة الثانية ، فدرجت وشاعت وغلبت على ما سواها من التّسميات لغلبة الثقافة الأمريكيّة ، بغثّها وسمينها ، على ما سواها من الثّقافات . لكنّه ، مع ذلك ، لم يحظ باجماع المشتغلين بهذه الصّناعة ؛ فالباراسيكولوجيا لا علاقة لها بعلم النفس لا من قريب ولا من بعيد . ومفهوم ” النفس ” عندهم لا علاقة له بالمعنى الذي يدلّ عليه لفظ ” علم النفس “. وهو ما دعاهم الى اختراع أسماء عديدة أخرى تختلف من طائفة الى طائفة ، ومن بلد الى بلد ، فهم حائرون بائرون في تسمية صناعتهم . وأسباب هذا التخليط كثيرة ؛ منها أنّه يختفي تحت اسم ” باراسيكولوجيا ” عدد كبير من المذاهب الباطنيّة ذات الجذور المختلفة ، ومن المعتقدات السحريّة البدائيّة الموروثة من مصادر متشعّبة ، ومن الحرف التجاريّة الشديدة التنوّع ، ومن الغايات اللاهوتيّة المتضاربة ، ممّا يختلف من ثقافة الى ثقافة ومن طائفة الى طائفة . ومنها أيضا ، بوجه خاصّ ، انّه ليس هناك تحديد دقيق لهذه الصناعة ولموضوعها . فالباراسيكولوجيا ، على حدّ زعم أتباعها ، تعنى بدراسة ما يسمّونه ” بالظواهر الباراسيكولوجيّة ” ، وهي أحداث وأمور ، يزعمون أنّها تقع وقوعا مستمرّا في العالم الطبيعيّ ، تفارق المألوف وتخالف مجرى العادة وتناقض المعطيات والقوانين العلميّة الثابتة المعروفة .

هناك اذا ، من جهة ، المعطيات أو المادّة التي يقع عليها الدّرس ، ومن جهة أخرى ، الطرائق التي تدرس بها هذه المعطيات ، ونتائج هذا الدّرس .

 

 

موضوع الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع :

موضوع الباراسيكولوجيا  في حقيقة الأمر : كلّ ما ينكره الحسّ السليم ويشكّ العقل بوجوده ولا يعترف العلم بوقوعه .

فموضوعها تدخل فيه الأخبار التي تتناقلها شعوب الكرة الأرضيّة قاطبة ، في حاضرها وماضيها عن الأمور والأحداث الغريبة ممّا يسمّيه علماء الأنتروبولوجيا والمؤرّخون ” الأساطير ” والخرافات ” ،ومّما يشكّل ، في كلّ ثقافة وفي كلّ عصر ، ” أدبيّات العجائب والغرائب “.

وتحت موضوعها تنطوي الأخبار المتداولة في كلّ شعب وكلّ ثقافة وكلّ زمان ، عن أمور غريبة تحدث مع هذا أو ذاك ، أو يحدثها هذا أو ذاك من غير واسطة معروفة تقع تحت الادراك العقليّ ، كالاصابة بالعين والبيوت المسكونة والمنازل المهجورة التي تظهر فيها الأشباح ، والمواقع التي تحدث الضّرر والنكبات بمن يحلّ فيها أو يمرّ بها ، أو تحدث فيها الحرائق المفاجئة ” المجهولة الأسباب ” ، أو تسمع فيها الأصوات الخفيّة والطّرق والقرقعة …

كما تنطوي تحت موضوعها الأخبار التي يتناقلها الأفراد والجماعات ، شفاها وكتابة ، عن أفراد يحترفون الأعمال ” الغريبة “، منهم السّحرة والعرّافون والمبصرون وقارئو الكفّ والفنجان والصّور وأوراق اللعب وكريات الكرستال ، والضّاربون بالمندل والفلكيّون والمجّمون وكاتبو الأحجبة ومحضّرو ” الأرواح ” وأصحاب الطّلاسم والمعزّمون ” والجرّاحون “، والمنوّمون المغنطيسيّون والمطبّبون باللمس أو التدليك المغنطيسيّ ، والذين يدلّون ، بواسطة العيدان والقضبان ، على وجود المياه وغيرها من السّوائل المستقرّة في أعماق الأرض أو على الدّفائن والكنوز أو الآثار المطمورة تحت الأنقاض ، ومنهم كلّ دجّال يزعم أنّه بموهبة خاصّة أو بعلم خاصّ ، يشفي من الأمراض ، ويحلّ المشاكل النفسيّة والاجتماعيّة ، ويستحضر الغائب ، ويقرأ الأفكار ، ويطوي الملاعق والصّحون بتأثير فكره ، ويعرف المستقبل كما الماضي المجهول ، ويرى الأجسام الغائبة عن العيان من غير واسطة معروفة …

كما يشمل موضوع الباراسيكولوجيا الأخبار التي تتناقلها الجماعات شفاها أو في الكتب عن الأعمال العجيبة المزعومة التي يقوم بها القدّيسون والأولياء واليوغيّون والبراهمة وفقراء الهند والشامانيّون واللاماوات ( جمع لاما وهو الكاهن البوذيّ في التيبت أو منغوليا ) ، وتلك الأفاعيل الغريبة المزعومة التي كان يفعلها الكهنة في مصر القديمة وفي روما وأثينا وعند الكلدانيّين والأشوريّين واليهود والمسيحيّين ؛ يضاف اليها ، في العصر الحاليّ ، في الغرب خاصّة ، ” العجائب ” المزعومة التي يحدثها القسّيسون في اجتماعاتهم ، وأتباع عدّة مذاهب دينيّة تدّعي الشفاء الروحيّ بواسطة الصّلوات أو بقوّة الفكر ؛ وما يزعمه أتباع مذهب ” مناجاة الأرواح ” المعروف ب”السبيريتيسمspiritisme  الذين تتلبّسهم الأرواح الوهميّة وتقوم من خلالها بشفاء الأمراض والجراحة الروحيّة وغير ذلك من عجائب الأمور …يضاف الى ذلك آثار الصّلب التي تظهر في أجسام بعض المؤمنين المسيحيّين من الرجال والنساء (stigmates) والتماثيل التي تبكي ، والتماثيل التي تغيّر اتّجاهها ووجهاتها ، وغير ذلك من الأشياء والأجسام العجائبيّة التي تخصّ الكنيسة الكاثوليكيّة وغيرها من الكنائس …

هذا كلّه لخصّته لك من كتب الباراسيكولوجيّين ومنشوراتهم على اختلاف مذاهبهم ؛ وصاحب الرّخصة البرازيليّة ، مؤسّس الباراسيكولوجيا اللبنانيّة  قد حشا مؤلّفاته – أعني مترجماته – بمثل هذه الأخبار والحكايات التخريفيّة ، ممّا لا تجد له مثيلا الاّ في أساطير الأمم الخالية وخرافات الشعوب البدائيّة ، أو في حكايات العجائز في السّهرات أو في قصص الخيال العلميّ .

وباختصار ، انّ كلّ ما يسميّه الحسّ السليم والعقل خرافة أو أسطورة أو مختلقات غرائبيّة أو دجلا وشعوذة ، وكلّ ما لا تعترف العلوم بوجوده ، فترميه في سلّة المهملات ناسبة التصديق به امّا الى الجهل وأمّا الى التفكير السّحريّ البدائيّ ، وهما شيئان متقاربان – كلّ ذلك يقع في حقل الباراسيكولوجيا . فالباراسيكولوجيا ، في عصرنا الحاضر ، تمثّل ، في أماكن تواجدها ، المزبلة اللاعقلائيّة الكبرى .

 

 

 

الدراسة الباراسيكولوجيّة لهذه المعطيات :

اعلم أنّ فئة من العلوم الانسانيّة – منها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعيّ وعلم الأنتروبولوجيا ، والأنتروبولوجيا الدينيّة ، وعلم تاريخ الأديان – تدرس هذه الأساطير وهذه الخرافات وهذه الحكايات التي تقع – كما ذكرت لك – في باب ” العجائب والغرائب ” مثلما تدرس السّحر والتنجيم وغيرهما من العلوم الكاذبة ، وعلى العموم تلك البقيّة الباقية من التصّورات السحريّة البدائيّة للعالم وللظواهر الطبيعيّة من موروثات القرون الغابرة .

وكلمة ” دراسة ” هنا تعني تفكيك الآليات الذهنيّة والأطر المعرفيّة والشّروط الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تنتج مثل هذه التصّورات الوهميّة ، كما تعني استخراج الرموز والخلفيّات والرغائب والحاجات ، النفسيّ منها والاجتماعيّ والسياسيّ ، التي تقع وراءها وتبعث عليها . فمثل هذه الأخبار يجري في قنوات خاصّة مكوّنة من التمثّلات الاعتقاديّة ومن المشاعر الايمانيّة ومن الموروثات الثقافيّة ومن الهواجس النفسيّة الجماعيّة ومن الأزمات الاجتماعيّة ، قنوات هي في أن واحد ناقلة ومفسّرة ومحرّفة ومزوّرة شعوريّا أولا شعوريّا . والباحثون في هذه العلوم الانسانيّة يعتبرون أنّ هذه المعتقدات البدائيّة الوهميّة هي ، في ثقافة ما أو مجتمع ما ، صنف من أضغاث الأحلام التي تراها هذه الثقافة أو هذا المجتمع في منامها الفكريّ ، وحين يرقد العقل فيها . وكما يعكف المحلّل النفسيّ على دراسة الجسم العرفيّ الاجتماعيّ لهذا المريض ، فهم يعكفون على دراسة هذه ” الثقافة المظلمة اللاعقلانيّة “.

أمّا ” الدراسة الباراسيكولوجيّة ” لهذه المادّة فليست من ذلك القبيل على الاطلاق ، وهي شيء مختلف جدّا لا علاقة له بطرائق العلوم الانسانيّة وبموقفها المبدايّ العقلانيّ . انّ أتباع الباراسيكولوجيا يسلّمون بامكان وقوع مثل تلك الأحداث المناقضة لسنن العقل وللقوانين العلميّة وقوعا فعليّا ، ويعتقدون أنّ من الأفراد من يتمتّع بقوى خفيّة خاصّة تمكّنه من فعل تلك المخاريق وكلّ أمر غريب عجيب يخرق قوانين الطبيعة . ولا تظنّ أنّي أنسب الى أصحاب هذه الصّناعة شيئا لا مؤمنون به . فهذا صاحب الرّخصة البرازيليّة يقول بالحرف الأسود المشدّد “( الباراسيكولوجيا في خدمة العلم “ص 437 ) عن تلك الحكايات التي ذكرت لك طرفا منها انّها ” حقائق نحن واثقون منها ” .

 

ولادة الدراسة الباراسيكولوجيّة :

انّ موضوع الباراسيكولوجيا ، كما ترى ، ليس جديدا . فتلك الظواهر الوهميّة قديمة قدم التّاريخ ، وليست تخلو ثقافة أو حضارة من هذا الوجه السحريّ المظلم الذي كان يشكّل في كلّ ثقافة وفي كلّ حضارة موضوعا ل”علم ” ما بالمعنى الذي تعطيه هذه الثقافة أو تلك الحضارة ل”العلم “. أمّا الباراسيكولوجيا ، بحصر المعنى ، فقد ولدت في أوروبّا الغربيّة ، في همش النهضة العلميّة الحديثة ؛ وهي ليست ولادة بالمعنى الحرفيّ لكلمة ” ولادة ” لكنّها تسمية جديدة لما كان يعرف سابقا بعلم السّحر أو علم العرّافة أو سائر تلك العلوم البدائيّة الكاذبة التي كانت منتشرة في القرون الخالية . وهذه التسمية انّما كانت نتيجة للتغيّر الذي حصل في الغرب في مفاهيم ” العلم “و”المنهج العلميّ ” و” المعرفة العلميّة ” ، على أثر تلك النهضة .

ففي القرن التاسع عشر ، بدأ العلم بمفهومه الوضعيّpositivisme  خاصّة ، الموروث عن أوغيست كونتAuguste Comte  ( 1798-1857) ، يفرض سلطانه بقوّة ، أوّلا ، كطريقة اختباريّة لكسب المعرفة الصّحيحة ، وثانيا ، كوسيلة وحيدة لتفسير العالم . فكلّ معرفة صحيحة هي المعرفة المكتسبة بالطّريقة العلميّة ، وكلّ ما خلا ذلك فأدبيّات ومعتقدات . وتشكّلت معظم العلوم المعروفة اليوم ، ووققفت على قدميها ، وألقت شباكها المعرفيّة على معطيات العالم الطبيعيّ والانسانيّ ، واقتطعت ميادينها ، وأنشأت في هذه الميادين صروحا ؛ فطردت من مجالها كلّ تلك القوى الخفيّة التي لا تقع تحت حصر الأدوات المعرفيّة العلميّة . وكنست من نطاق المعرفة الصّحيحة كلّ تلك المعارف الزائفة . في هذا السياق توهّم بعض العلماء – وكانوا في معظمهم من الأطبّاء الموسوسين بالغرائب ومن ذوي الاتّجاه الدينيّ الغيبيّ – أنّه بالامكان دراسة ذلك المجال الذي طرحته العلوم الوضعيّة جانبا ( المتمثّل خاصّة بأعمال العرّافين والمبصرين والكهنة على اختلاف أنواعهم وطوائفهم ، ممّن تنسب اليهم المعتقدات الموروثة تملّك مواهب وقوى مجهولة )، وتأسيس علم اختباريّ على هذه الأرضيّة .

وكان قد مهّد لهذا السبيل في القرن الثامن عشر طبيب نهووس اسمه أنطوان مسمر ، صاحب القول بالمغنطيسيّة الحيوانيّة . وكان هذا قد خلط الطبّ التجريبيّ بمعتقدات سحريّة بدائيّة . فمسمر هذا هو المفصل الذي يربط الباراسيكولوجيا بعلم السّحر القديم .1

هذا الاتّجاه الذي مثّلته في القرن التاسع عشر قلّة شاذّة من العلماء كان مطمحا لبعض الطبقات المحافظة التي أقللقها الاتّجاه العلميّ الوضعيّ المتشدّد الذي قلّص ظلّ المؤسّسات الدينيّة والمعتقدات الدينيّة تقليصا كبيرا ، والتي أرعبتها كذلك نظريّات دارون وماركس الماديّة الصرفة . وكلّما أصيبت ثقافة من الثقافات بأزمة فكريّة ، فانّ علائم الأزمة تظهر في الحقل الروحيّ على شكل ظواهر هستيريّة وحركات صوفيّة معادية للعقل . في هذه الحمّى ، ولدت جلسات ” استحضار الأرواح ” المزعومة من جرّاء أخاديع قامت بها فتاتان أمريكيّتان من عائلة فوكس ؛ وسرعان ما لاقت أرضا خصبة ، فنبت في أمريكا فجأة آلاف ” الوسطاء ” الذين اكتشفوا بين ليلة وضحاها أنّهم يتمتّعون بمؤهّلات نفسيّة أو روحيّة أو مغنطيسيّة تمكّنهم من استنزال ” الأرواح ” . وانتقلت الصناعة الى أوروبّا ، فظهر الوسطاء فيها فجأة بالآلاف أيضا . 2

واعتقد أولئك ” العلماء ” من المهتمّين بالغرائب ، الذين هم من أعداء المدّ العلميّ الوضعيّ والتيّار الفلسفيّ المادّيّ ، أنّه اصبح بالامكان اقامة البرهان العلميّ الاختباريّ على وجود عالم الأرواح والقوى الخفيّة المجهولة ، ومصالحة العدوّين اللدودين ، العلم والدين ، باقامة ” الدين العلميّ ” أو ” العلم الدينيّ ” من حيث أنّه بالامكان اثبات العالم الماورائيّ ( الذي هو منبع الدّين ) بالطّرق الاختباريّة ( التي هي أداة العلم ).

وراجت هذه الصّناعة في أوروبّا رواجا منقطع النظير ، وتأسّست فيها الجمعيّات والمعاهد – ولا يزال بعضها موجودا الى اليوم – وألّفت الكتب ، وأنشئت المجلاّت والمطبوعات الدّوريّة ، ونظّمت حولها المؤتمرات ، بل تأسّست الفرق المذهبيّة المنظّمة التي يؤمن أتباعها – الذين تكاثروا فأصبحوا يعدّون بالملايين – بما تعلّمه “الأرواح ” المزعومة في تلك الحلقات . ونبغ كثيرون من ” الوسطاء ” واحترفوا ” الوساطة ” احترافا بالغا في التعقيد والمهارة ، وتفنّنوا في اظهار الأفاعيل و”الظواهر ” ، ونوّعوها تنويعا شديدا وبرعوا فيها . فبعد أن كانت ” الأرواح ” التي اتّصلت بآنستين مراهقتين من عائلة فوكس في نيويورك بكماء لا تحسن الاّ الطرق والقرقعة على الجدران الخشبيّة وخاصّة فرقعة أصابع القدمين ، تحصّلت ” الأرواح ” في أوروبّا ، في أواخر القرن التاسع عشر وأوئل القرن العشرين ، على ثقافة عصرها وأخذت تظهر مواهبها ، فتكتب وتقرأ وتجيب عن الأسئلة ، وتحرّك الطاولات ، وتؤلّف القصائد ، وتتكلّم ب”لغات مجهولة ” ، وتوحي بالتعاليم المذهبيّة ، وتظهر بواسطة ” الاكتوبلاسما ” ( وهي نوع من البخار يخرجه الوسيط من فمه ) أشباحا وأشكالا شبه انسانيّة . وهكذا ولدت وتأسّست الباراسيكولوجيا ، ووضعت قواعدها ومصطلحاتها وألفاظها وأدبيّاتها ومنشوراتها وجمعيّاتها ومؤتمراتها وأجهزتها الاعتقاديّة . لكنّها ، على الرغم من وجود الأسماء اللامعة في حلقاتها وأدبيّاتها ، فقد بقيت في هامش العلم الرسميّ ، واعتبر أولئك الأفراد من العلماء الذين أولعوا ب” الوسطاء ” وخاصّة بال”وسيطات ” الحسناوات شذّاذا لا يؤخذ بافتراضاتهم . ولم تدخل الباراسيكولوجيا قطّ الى الجامعة .

وقبيل اندلاع الحرب العالميّة الثانية بقليل ، اكتشف العلم – لا أولئك المشعوذين من الوسطاء – التصوير بالأشعّة ما تحت الحمراء ، وهو ما مكّن من الرؤية في الظّلام ، وكشف الألاعيب التي كانت تحصل في تلك الجلسات الشعوذيّة . وكان قد قبض على كثير من ” الوسطاء ” من قبل بجرم الغشّ والخداع . وهكذا لمّا أضاء العقل بنوره تلك الأوكار المظلمة التي كانت تعشّش فيها ثعالب المكر والدّجل ويؤسّس فيها “العلم ” الباراسيكولوجيّ ، بارت التجارة وانقرض جنس ” الوسطاء الروحيّين ” من أوروبّا انقراضا يكاد يكون كاملا ، وفشل بالتالي المشروع الباراسيكولوجيّ بما هو محاولة لدراسة ” الظواهر ” الخارقة للعادة ، دراسة اختباريّة علميّة .

 

 

الباراسيكولوجيا الجديدة :

فشل المشروع ، الاّ أنّ النوازع وطرائق التفكير التي كانت في أساسه بقيت على حالها ، وستبقى على حالها مثلما كانت منذ أوّل الدّهر . وكما يمكن للمرء أن يتوقّع ذلك بسهولة ، فانّ المحاولة الجديدة ظهرت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي انتقل اليها في القرن العشرين مركز الثّقل المادّيّ والفكريّ والسياسيّ والعلميّ الغربيّ . وكان من الذين أسهموا اسهاما فعّالا في بعثها رجل يدعى جوزف راين ( 1895-1980 ) ، وهو يعتبر لدى كثيرين مؤسّس الباراسيكولوجيا الجديدة . كان هذا الرجل يعدّ نفسه ليصبح قسّيسا لاهوتيّا ، فدرس اللاهوت لمدّة سنتين . ثمّ حصل على شهادة جامعيّة في علم النبات لا في علم النفس مثلما يدّعي أتباع الباراسيكولوجيا كذبا واختلاقا . وكان يؤرقه باستمرار البحث عن براهين مادّيّة يدعم يها معتقداته الدينيّة وعلى الأخصّ وجود الروح بالاستقلال عن الجسم وبقاءها بعد فناء الجسد . وكان الخلط الاعتباطيّ بين المعتقدات الدينيّة والعلم من التيّارات السّارية في الولايات المتّحدة . وهناك العديد من الكنائس التي لا تكتفي بذلك بل تتجاوزه الى حشر لفظ ” العلم ” في التسميات التي تطلقها على نفسها . وقد غذّى هذا الهاجس لدى راين اقباله على قراءة الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الأوروبّية التي تدور حول ” الوسطاء الروحيّين ومؤلّفات كونان دويل ، صاحب شارلوك هولمز ، الذي كان قد تحوّل الى مبشّر بمذهب السبيريتيسم . وكان راين يستمع الى محاضراته . كلّ ذلك وطّد ايمانه العميق بوجود تلك القوى الخفيّة التي يتحدّثون عنها ، فصمّم على اثباتها ” اثباتا علميّا ” ، لكن بعقليّة القسّيس اللاهوتيّ ، كما سترى .

استبعد راين المذكور لفظة ( باراسيكولوجيا ) التي لم تكن ذائعة في أوروبّا . واستعار عن الكتّاب الانكليز لفظ ( بسي ) للدّلالة على محمل تلك القوى الخفيّة , ولجأ الى محاولته لاثبات وجودها الى الطّرائق التي كانت تستخدم في علم النفس الاختباريّ الذّائع في الولايات المتّحدة الأميركيّة . وأشأ لهذا الغرض ، عام 1927 ، مختبرا ملحقا بجامعة ديوك في ولاية كارولاينا الشماليّة . ووضع راين اطار اعتباطيّا ل”البحث ” المختبريّ الباراسيكولوجيّ سوف نعرضه وننقده في الفصل الثاني .

وجعل راين يقوم بتجارب جامعا حوله جماعة من الموسوسين بالغرائب . فلبث ثلاث سنين يقوم بتجارب على ” وسيطة روحيّة ” ارلنديّة الأصل اسمها آيلين غاريت – وهي من مشعوذات العهد الباراسيكولوجيّ الأوّل – ثمّ تحوّل الى دراسة الأفراد العاديّين . وأخذ ينشر نتائج أبحاثه الاحصائيّة في مجلّة بدأ باصدارها عام 1937 ، سمّاهاJournal of parapsychology  لكنّها لم تلق من العلماء الاّ السّخريّة والاستهزاء والنقد اللاذع . غير أنّ هذا لم يمنع من ذيوع أمره في الأوساط التي تعنى بالأمور الغرائبيّة في الولايات المتّحدة وأوروبّا من بقايا الباراسيكولوجيا الأولى ،فحذوا حذوه واستقبلوا محاولته كالمحض الموعود ، وأنشأووا مجدّدا الجمعيّات والمعاهد والمختبرات ، وراحوا يقومون بتجارب تقع ضمن الاطار النظريّ والعلميّ الذي وضعه راين . وكان أشهر هؤلاء في بريطانيا صموئيل صول . ولم يكتف هؤلاء باجراء التجارب على بني الانسان بل تجاوزوا ذلك الى القطط والكلاب والفئران والضّفادع والأرانب والصّراصير …وبالاضافة الى هذه ” الأبحاث ” ، اهتمّ باراسيكولوجيّون آخرون – نبغوا خاصّة في أميركا وفي بعض دول أوروبّا ، الغربيّة منها والشرقيّة ، في العقدين السادس والسّابع من هذا القرن – بدراسة ” الموهوبين ” الذين نحلوهم الاسم القديم ذاته الذي كان يطلق على مشعوذيّ العهد الأوّل من ” مستحضريّ الأرواح ” ،وسمّوهم ” الوسطاء الجدد”. وراج سوق الباراسيكولوجيا رواجا كبيرا في تلك الفترة ، وكثرت المنشورات والدّوريّات والمؤلّفات التي تبحث في  الموضوع ، وأنشئت الجمعيّات والمعاهد الخاصّة لتدريس لباراسيكولوجيا . ومن الغرب انتقلت هذه الصّناعة الى دول العالم الثالث ، الى دول أميركا اللاتينيّة بوجه خاصّ ، مع المارلبورو والكوكا كولا وأفلام الكاوبوي .

وورثت الباراسيكولوجيا الجديدة عن الباراسيكولوجيا القديمة مسلّماتها زصطلحاتها وأساطيرها وخطابها المعرفيّ . أمران فقط تغيّرا هما من جهة أولى : نوعيّة “الباحثين “، ومن جهة ثانية نوعيّة ” الوسطاء “. كان المشتغلون في هذه الصّناعة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من ذوي المستوى العلميّ الجيّد . كان بعضهم مبرّزا في اختصاصاته العلميّة قبل أن يخدعه ” الوسطاء “. أمّا الباحثون الجدد ، ممّن يحمل شهادة جامعيّة في علم من العلوم – نستثني منهم الأطبّاء وهم أكثرهم ، لأنّ الطبّ أقرب الى المهنة والصّنعة منه الى العلم – فهم من حشو الجامعيّين وأوباشهم ، ولم يتميّز أيّ منهم قطّ بنشاط علميّ ولم يبرز في أيّ حقل من حقول المعرفة ؛ فهم من الباهتين المغمورين في الاختصاصات التي حصلوا فيها على شهادة جامعيّة . واذا كان بعضهم قد عرف واشتهر ، فانّما لاهتماماتهم الباراسيكولوجيّة وحسب ، ولظهورهم المتواصل في الصّحف وعلى شاشات التلفزيون بصحبة ” الوسطاء ” أو للدّعاية للباراسيكولوجيا . فراين مثلاليس له أيّة مكانة علميّة في علم النبات ، وليس له فيه أيّ بحث أو دراسة معروفة ، وهو من المغمورين في هذا الحقل . وانّما شهرته قائمة على اشتغاله بالباراسيكولوجيا . ومن الغفلة الاعتقاد بأنّ حصوله على درجة في علم النبات يضفي على أبحاثه الباراسيكولوجيّة ما يتحصّل عن تلك الدّرجة من قيمة علميّة . وهذا هو حال جميع الباحثين في الباراسيكولوجيا ، وان كانوا يستغلّون ألقابهم الجامعيّة لايهام السذّج بأنّ هذيانهم الباراسيكولوجيّ هو من نوع ” البحث العلميّ “.

أمّا ” الوسطاء ” فقد هبط أيضا مستوى ” ظواهرهم ” هبوطا كبيرا . ففي حين أنّ الوسطائ الأوّلين كانوا يزعمون أنّ الأرواح تتلبّسهم وتقوم من خلالهم بالألاعيب التي يحدثونها في الظّلام ، ويتفنّنون في تنويع تلك الألاعيب بمهارة فائقة تصل الى حدّ الابداع الفنيّ ، فانّ الوسطاء الجدد يقومون باحداث ظواهر تخلو تماما من أيّة مسحة فنيّة . وهي فقيرة وفي غاية السطحيّة والتفاهة ، اذ يكتفي أعظمهم ” موهبة ” بايهامهم المشاهدين بأنّه ” يثني ” الملاغق والمفاتيح ويحرّك الأجسام الصغيرة كعيدان الثقاب والسجائر والأزرار وما هو بحجمها ، تحريكا طفيفا عندما يمرّر يده فوقها ، ويعرف شكلا هندسيّا بسيطا أو رسميّا شديد الغموض معرفة مقاربة . وظواهرهم هذه أدنى كثيرا ممّا يقوم به لاعبو الخفّة المحترفون . وهذا الانخفاض الشّديد في مستوى الصّنعة سببه تطوّر المراقبة ودقّتها وملاحقة لاعبي الخفّة المحترفين لأولئك المشعوذين ممّا يضيّق عليهم الخناق تضييقا شديدا . وكما أنّ المحاولة الباراسيكولوجيّة الأولى فشلت ولم تحقّق الهدف من وجودها ، اذ لم يصل البحث فيها الى أيّة نتيجة يمكن وصفها بالنتيجة العلميّة ، فكذلك المحاولة الباراسيكولوجيّة الجديدة لم يؤدّ فيها البحث المختبريّ الى أيّة نتيجة على الاطلاق ؛ وهي اذا أخذنا منطلقاتها بعين الاعتبار ، أدنى كثيرا من المحاولة الأولى . ولذا كان من الطبيعيّ أن لا تعترف الهيئات العلميّة الأكّاديميّة بالباراسيكولوجيا أبدا ، وأن تصنّفها في خانة العلوم الكاذبة ، وأن تبقى هذه الصّناعة ، مثلما كانت من قبل ، هامشيّة طفيليّة . انّ البحث الباراسيكولوجيّ الجامعيّ ليس له سوق الاّ في المعاهد الخاصّة ذات التوجّه المذهبيّ في الولايات المتّحدة الأميركيّة ؛ وهي معاهد تموّل برساميل خاصّة ؛ ولا يتجاوز عدد المراكز الباراسيكولوجيّ’ في أميركا كلّها عدد أصابع اليد الواحدة . أمّا نتائج هذه الدراسة وهذا البحث فمقتصرة على تصنيف الظّواهر الوهميّة في تلك المصطلحات ذات القوالب الموروثة عن عهد ” الوسطاء الروحيّين ” الأوائل ، وعلى جمع الأخبار والروايات الصّحفيّة المبتذلة عن أعمال المبصّرين والعرّافين والسّحرة والكهنة و”الوسطاء ” والمشعوذين ، وعن الأحداث الغريبة ممّا جرت العادة في انتشاره في أوساط العامّة ، منذ آلاف السنوات ، في جميع بقاع الكرة الأرضيّة ، كالقرقعة على الجدران وظهور الأشباح في المنازل المهجورة وشبوب النيران ” من غير سبب ” في المزارع النائية ، وغير ذلك من التخريف …يجمعون ذلك في موسوعات هائلة الضخامة ، وهي مصنّفات متعدّدة الأجزاء ، كما يضعون القواميس والمعاجم يرتّبون فيها المصطلحات الباراسيكولوجيّة على الحروف الأبجديّة . هذا هو البحث الباراسيكولوجيّ . ويجب أن يكون الانسان في منتهى الغباء حتّى يعتبر هذا العمل بحثا علميّا أو دراسة علميّة أو شيئا يمتّ الى العلم بصلة .

وينبغي أن تتنبّه الى أمر هو أنّنا بحديثنا هذا انّما نقصد الباراسيكولوجيا المختبريّة التي تصطبغ ب”الصبغة العلميّة ” والتي ينتحلها بعض الهامشيّين من حملة الشهادات الجامعيّة في الغرب عامّة والولايات المتّحدة الأميركيّة خاصّة . فهذه هي الباراسيكولوجيا العلميّة التي يتستّر وراءها كلّ مشعوذيّ الدنيا وكلّ منتحلي الصّفة الباراسيكولوجيّة – من أمثال صاحب الرّخصة البرازيليّة – الذين يغرقون الأسواق بما هبّ  ودبّ من الخرافات والأكاذيب والمختلقات موهمين بأنّ الزبالة الني يبيعونها تحت اسم باراسيكولوجيا هي علم بدرّس في الجامعات الغربيّة . ولا نقصد الباراسيكولوجيا بمعناها الواسع ، لأنّه ليس هناك باراسيكولوجيا واحد . فالباراسيكولوجيا بالمعنى الواسع هي تسمية غربيّة معاصرة تطلق على كلّ ما هو غبر عقليّ وغير علميّ في تلك الأدبيّات الغرائبيّة ، من غير أن يكون هناك أيّ تجتنس داخليّ ، عمليّ أو نظريّ ، بين تلك الأكاذيب والشعوذات والمختلقات . ففي الظّلام تبدو كلّ الأحجام سوداء كما يقال , الحائط والقطّ والشجرة واللصّ والبغيّ . والباراسيكولوجيا هي هذا الضّباب الفكريّ الأسود الذي يغطّي في الغرب ، حاليّا , تلك الأخلاط المحليّة الموروثة عن القرون الغابرة , أو الناشئة عن الجهل والبؤس العقليّ أحيانا , أو عن الدّجل والشعوذة في معظم الأحيان .

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

في منهج البحث الباراسيكولوجيّ

 

اعلم أنّ ما يجب أن يقع عليه الفحص هو الادّعاء بأنّ الباراسيكولوجيا هي علم , بمعنى أنّها الدّراسة العلميّة لظواهر غريبة – بعضها ذو طبيعة فيزيائيّة وبعضها ذو طبيعة ذهنيّة نفسيّة – تفارق مجرى العادة وتخالف المعطيات والقوانين العلميّة المعروفة . والدّراسة العلميّة تعني ، في هذا الحقل كما في غيره ، دراسة هذه الظواهر بالمنهج العلميّ بغاية اكتشاف القوانين التي تخضع لها ، الأمر الذي يمكّن من التحكّم بها واستخدامها في حقل التطبيق العمليّ ، كما يحصل في سائر العلوم . انّ فحص هذا الادّعاء أمر ميسور . فمفهوم العلم ومفهوم المنهج العلميّ ومفهوم الدراسة العلميّة ومفهوم المعرفة العلميّة هي مفاهيم معروفة متّفق عليها عند أهل البحث والنظر . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فانّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة التي تنتحل الصّفة العلميّة معروفة ، وكذلك المنهج المطبّق في هذه الأبحاث ، وكذلك النتائج التي توصّلت اليها تلك الدراسة .

 

 

المنهج العلميّ السليم:

انّ الدراسة العلميّة لا تتمّ برواية المسموعات والمشاهدات العابرة وتصنيف الحكايات ، ولكن بتطبيق المناهج العلميّة ، والمنهج الاختباريّ ذاته في ما يخصّ المادّة التي تدّعي الباراسيكولوجيا أنّها تدرسها . وهو في أيّ حال ، المنهج الذي لجأ اليه مؤسّسها وفق ادّعائهم . وهذا المنهج هو سلسلة من العمليّات التتابعة ، أوّلها التثبّت من الوجود الموضوعيّ للظاهرة موضوع الدّراسة . ولفظة الظاهرة بالمعنى العلميّ لا تنطبق على الحادث المفرد الشّاذ العرضيّ ، لكنّ على الواقعة الطّردة ( أي المتكرّرة ) التي تقع تحت حصر أدوات البحث العلميّ . فالظاهرة هي الواقعة التي تضعها الطبيعة أمام الفكر بالاستقلال عن الفرضيّة التي تمكّن من استنطاق الطبيعة وبالاستقلال عن المبادىء التي تنظّم تفسيرنا للاختبار وبالاستقلال عن الأحكام المسبقة . فاذا ثبت وجود الظاهرة ذلك الوجود ، أمكن ملاحظتها ومراقبتها وفحصها في ضوء المعارف العلميّة المحقّقة وبواسطة الوسائل الموثوق منها . والغاية من ذلك تفسير الظّاهرة والكشف عن أسبابها الضروريّة الطبيعيّة حتّى يصار الى صياغة هذه العلاقة السببيّة في قانون . فالملاحظة العلميّة لا يمكن أن تحصل الاّ على وقائع قابلة للتكرار ، وبالتالي قابلة لأن نتحقّق من وجودها ونطمئنّ الى أنّها ليست ناتجة عن خداع النظر أو الغشّ . فاذا تمّ ذلك ، طرح الباحث فرضيّة علميّة تفسّر الظاهرة . وهذه الفرضيّة ليست قصيدة من موحيات الخيال لكن نظريّة محكمة متجانسة في ذاتها ، ومتجانسة مع المعطيات العلميّة القائمة ، ومتّسقة مع المثال المعرفيّ السّائد في العالم والذي يرحع اليه جميع الباحثين . ثمّ يتمّ الانتقال الى الخطوة الثالثة وهي التحقّق تحقّقا اختباريّا أو عقليّا من صحّة الفرضيّة ، والتثبّت من صحّة القانون . ويكون ذلك بمحاولة انتاج الظّاهرة واحداثها احداثا متكرّرا منوّعا ، أو اذا استحال ذلك لأمر من ألمور ، أمكن التحقّق من الفرضيّة عبر سلسلة التأثيرات التي يمكن ، بالتجريد الرياضيّ أو الاستنباط العقليّ ، توقّع حدوثها على ظواهر أخرى قائمة ثابتة .

واذا سارت العمليّة بنجاح وأثبت التحقّق صحّة الفرضيّة وصحّة القانون ، تحوّلت الفرضيّة الى معرفة علميّة ، وانضمّت هذه المعرفة الجديدة الى المكتسبات القائمة . وهكذا يحصل التراكم المعرفيّ . فانطلاقا من المحصّلة الجديدة يصار الى اكتشاف قوانين جديدة تستوي في نسيج النّظام المعرفيّ الشامل الذي يحكم معرفتنا للعالم .

وهذا المنهج – بمراحله الثّلاث : الملاحظة والفرضيّة والتّحقّق من صحّة الفرضيّة – قائم مطبّق في جميع العلوم ، بما فيها العلوم الانسانيّة كعلم النفس مثلا ، بصيغ تختلف من علم الى علم بمقدار ما تسمح به المادّة ، موضوع الدّرس .

ولا يسمّى البحث علميّا ، ولا تدعى الطريقة علميّة ، ولا توصف الفرضيّة بالعلميّة ، ولا يكون الاختبار – أو ما قام مقامه من وسائل التحقّق من صحّة الفرضيّة – علميّا ، الاّ اذا كان بامكان جميع الباحثين في الحقل ذاته – فرادى أو جماعات ، في البلد الواحد أو في البلدان المختلفة ، متّفقين أو مختلفين – القيام بالدّراسة ذاتها ، اذا تهيّأت لهم المعطيات ذاتها والوسائل ذاتها . فالباحث الواحد قد يخطىء ، وتاريخ العلم حافل بالأمثلة ، وقد يغشّ ، وثمّة أمثلة على ذلك . لذا ، فالكشف لا يثبت ، ونتائج البحث لا تنضمّ الى المكتسبات العلميّة الاّ اذا تحقّقت منه جماعات العلماء تحقّقا كافيا بعد اطّلاعهم على البحث وعلى حيثيّات الاختبار وبروتوكول التجربة . فالعلم ليس فيه مرجعيّة فرديّة . حتّى في الدّراسة التاريخيّة – وهي من العلوم الانسانيّة – قد يكون موضوع الدّراسة هو الماضي السّحيق ، ومع ذلك لا يجوز لباحث أن يطّلع بمعلومات ونظريّات يدّعي أنّه وقع عليها أو استخلصها من مخطوطة سرّيّة أو وثائق خفيّة لا يمكن أن يدرسها أحد غيره . فالمعطيات الأولى أو الوثائق التي تجري عليها الدّراسة يجب أن تكون بمتناول الجميع . انّه من طبيعة الأبحاث في العلم أن تقود العلماء الى النتائج المتّفقة والى الاجماع الذي لا يحصل عن تواطؤ نعسّفيّ ولا عن ميول فرديّة ، ولكن عن وجود علاقات سببيّة موضوعيّة قابلة للادراك وللاثبات بالبرهان العقليّ أو بالتحقّق الاختباريّ وبالطرائق التي أثبتت مصداقيّتها .

واذا نظرنا في ضوء ذلك الى الأدبيّات الباراسيكولوجيّة ، وجدنا أن ما يمكن فحصه منها ، بما هي طامحة لانتحال صفة البحث العلميّ ، هو الأبحاث المختبريّة فقط التي تتمّ في الاطار الذي وضعه راين وسار عليه تابعوه . أمّا الأقاصيص والحكايات والرّوايات الصّحفيّة والعروض المسرحيّة والتلفزيونيّة وتصريحات هذا أو ذاك من محترفي الشعوذة ، والأخبار المتناقلة عن أعمال العرّافين والوسطاء ومن لفّ لفّهم ، ممّ ينطبق عليه مفهوم الاشاعة المغرضة الطائشة ، والأحداث التي تبدو شاذّة غريبة ممّا يكون قد وقع في هذا المطبخ أو تلك المزرعة النّائية أو في ذلك الفندق المشبوه ، ينقلها هذا المزارع أو تلك العجوز , ممّا تمتلىء به الكتب والمجلاّت الباراسيكولوجيّة – كلّ هذا التراث الوهميّ الباراسيكولوجيّ لا يمكن التّحقّق من صحّته ، ولا يمكن الاعتماد عليه لاثبات وجود الظّواهر المزعومة ، ولا يمكن أصلا من دراسة هذه الظّواهر دراسة علميّة . وهذا هو ما فهمه راين وأتباعه منذ البداية ، على الرّغم من ايمانهم الأعمى بامكان حدوثه . لهذا السبب أقيمت المختبرات ، ففيها وحدها يمكن التحقّق من وجود الظّواهر تحقّقا تجريبيّا ، وبالتالي دراستها . ولذا فانّ فحصنا يقتصر على هذه الدّراسة المختبريّة . أمّا تلك الأدبيّات الاخباريّة الغرائبيّة الرّخيصة ، فنتركها لصاحب الرّخصة البرازيليّة ، يحشو بها مسلسلاته ويقيم عليها صرح الباراسيكولوجيا اللبنانيّة . فهذه البضاعة تناسب ألقابه واتّجهاته ومستواه الفكريّ وأهدافه الطائفيّة والتجاريّة المشبوهة .

وهناك أمر مهمّ ينبغي أن تلاحظه : انّ تلك الدّراسة المختبريّة القائمة منذ أكثر من خمسين عاما لا تزال ، باعتراف أصحابها ، في المرحلة الأولى من مراحل المنهج العلميّ الذي يدّعون كذبا أنّها تعمل به ، وهي مرحلة الملاحظة والتحقّق من وجود الظواهر التي بدأها راين . فمنذ ذلك الحين لم تتقدّم تلك الدّراسة قطّ ، باعترافهم . أمّا الملاحظ المحايد فيجد أنّ الخطّة التي وضعها راين للبحث لا تتّفق مع أصول البحث العلميّ ، ور تسمح بالتقدّم فيه ، وانّما تؤدّي الى الدّوران في حلقة مفرغة .

 

 

مسلّمات لاهوتيّة :

هذا لأنّ راين انطلق من مجموعة من المسلّمات اللاهوتيّة مفادها أنّ الكائن الحيّ ، انسانا كان أم حيوانا – أم نباتا عند بعضهم – يمتلك قوّة أو قدرة هي القوّة ” بسيPSI  تمكّنه من الاتّصال بالعالم الخارجيّ وادراكه دون واسطة الحواس أو العضلات ، ومن معرفة المستقبل والماضي الخفيّ ، ومن ادراك الفكرة يرسلها اليه فكريّا فرد آخر ، من بعيد ( التليباثيا ) ؛ فاذا قامت بهذه الأفاعيل سمّيت هذه الطاقة المزعومةE.S.P  اختصارا للجملة الانكليزيّةExtra sensory perception  ( أي الادراك المستقلّ عن الحواس ) . وقال راين انّ هذه الاستطاعة لا تعرف قيود الزمان والمكان ، فهي تسبح في الماضي السحيق ، وفي المستقبل البعيد فتعرف الغيب . وقال أيضا انّ للفكر قوّة تستطيع أن تؤثّر في المادّة . و”الطاقة الفكريّة ” يراها قابلة للتحوّل الى حركة فيزيائيّة ؛ بالقوّة ” بسي ” قادرة على تحريك الأجسام عن بعد أو احداث تغيير فيها ؛ فاذا فعلت ذلك سمّيتP.K. اختصارا لكلمةpsychokinesis  .

وبعد أن قرّر راين هذا التقرير الاعتباطيّ ، ووضع هذه المبادىء الموروثة عن الذهنيّة السحريّة البدائيّة ، صمّم عليها أنواع التجارب التي أراد منها أن تثبت مسلّماته .

 

التجارب ببطاقات رينر:

وهذه التجارب تتمّ بواسطة البطاقات المعروفة ببطاقات زينر أو بواسطة أحجار النّرد أو بأدوات أخرى مشابهة . وهي تجارب ورثها الأتباع عن راين ، فهي قائمة في جميع المختبرات الباراسيكولوجيّة . وعندما يقال ” مختبر باراسيكولوجيّ ” فما يتمّ فيه هو من هذا القبيل . ف 90 % من التجارب الباراسيكولوجيّة تتمّ بواسطة ” التحزير ” ببطاقات زينر .

وبطاقات زينر هي مجموعة مؤلّفة من خمس وعشرين بطاقة بحجم ورق اللعب ؛ كلّ خمس منها تحمل على أحد وجهيها علامة هندسيّة بسيطة ( دائرة ، مربّعا ، نجمة خماسيّة ، صليبا ، ثلاثة خطوط متموّجة متوازية ) . تخلط هذه البطاقات وتعرض باليد أو بواسطة آلة تعرضها عرضا ” عشوائيّا ” ( وقد وضعنا كلمة عشوائيّ بين مزدوجات لأنّ العرض ليس عشوائيّا قطعا ) على الفرد الذي يجري عليه التجريب ، ويطلب اليه أن يتكهّن بالعلامة التي ستخرج ( وتدعى الهدف ) . وتتكرّر هذه التجارب عددا كبيرا جدّا من المرّات ، وتسجّل الأجوبة حيال الأهداف في لوائح طويلة . وقد يكون الفرد بعيدا عن المكان الذي تعرض فيه البطاقات ، فيتكهّن من بعيد .

ومن التجارب ما يجري على حجر النّرد السداسيّ الأوجه . ويطلب الى الفرد الذي يجري عليه التجريب أن ” يحرز” الوجه الذي سيخرج اذا رمي حجر النّرد ، أو أن يحاول التأثير فكريّا في وضع الحجر فيخرج الوجه الذي يريده . ومنها ما يجري على نقاط الماء أو الزّيت التي تسقط نقطة نقطة على حدّ الشّفرة ، فتسيل نحو اليمين أو اليسار . ويطلب الى الفرد الذي يجري عليه التجريب أن يحاول التأثير فكريّا في نقطة الماء أو نقطة الزّيت ، فيجعلها تتّجه نحو اليمين أو اليسار . ومنها أيضا الطلب الى فرد آخر بعيد عنه . ويسجّل الجواب ويقارن بما أرسل ، في تجارب طويلة . وهذه التجارب أجريت على أفراد من العموم أو على مجموعات ، كما أجريت على موهوبين مزعومين . وكما ذكرنا من قبل ؛ فقد أجريت أيضا على الحيوانات ، القطط والكلاب والأرانب والضّفادع والفئران والصّراصير وغيرها …

 

أين هي ” الظواهر ” المزعومة ؟

وأنت اذا سألت ” أين هي الظّواهر الخارقة للعادة التي استطاعت تلك التجارب – الغرابيل الامساك بها ؟ قالوا انّ فحص اللوائح الطّويلة للاجابات ، وتحليلها احصائيّا قد أثبتا عددا كبيرا من المرّات ، أنّ هناك تفاوتا واضحا بين معدّل الاجابات الصّحيحة وبين المعدّل الذي تسمح به المصادفة حسب علم الاحصاء . وهذا التفاوت قد يكون كبيرا أو صغيرا ، ايجابيّا أو سلبيّا .( نعم ، سلبيّا ) الاّ أنّه موجود ! فاذا كانت المصادفة تسمح – على زعمهم – باعطاء خمسة أجوبة صحيحة من أصل خمس وعشرين اجابة ، فانّ من الأفراد من استطاع اعطاء سبعة أجوبة صحيحة أو أكثر ، أو ثلاثة أو أقلّ . هناك اذا تفاوت . وهذا التّفاوت هو ذو معنى ، وهو الظّاهرة !

وبمعنى آخر انّ الاجابة الصّحيحة الواحدة من أصل سبع اجابات صحيحة لا تعتبر بحدّ ذاتها شيئا خارقا للعادة لأنّها يمكن أن تتمّ نتيجة المصادفة ، وثمّة أصلا خمس اجابات صحيحة من أصل الاجابات السّبع يمكن نسبتها الى المصادفة ، لكنّ الأمر الخارق للعادة عندهم ليس في نوعيّة الاجابة لكن في كميّتها ! وهذا المنطق البدائيّ الشّاذ سوف تراه في مواضع أخرى من تحليلاتهم ” النوعيّة ” . فاضافة الأمر العاديّ الى الأمر العاديّ عندهم يتحصّل عنه أمر خارق للعادة !

واذا سألتهم : كيف يمكن تمييز الاجابة العجائبيّة التي تمّت بفضل القوّة ” بسي”عن الاجابة العاديّة التي تمّت بفعل المصادفة ما دام الهدف من البحث هو فرز الظواهر الخارقة للعادة ودراستها ؟

قالوا : وا أسفاه ! هذا غير ممكن ، فالغربال الباراسيكولوجيّ يعمل بالجملة لا بالمفرّق ! انّ ” الظواهر ” لا توجد الاّ بالجملة . فاذا فحصناها واحدة واحدة تبخّرت !

 

 

فضيحة منطقيّة:

وكما يمكنك أن تفترض ذلك بسهولة ، فقد تعرّض البحث الباراسيكولوجيّ هذا ونتائجه للنقد الساحر وللطعن الشديد من فبل العلماء الذين لم يعترفوا لهذه التجارب بأيّة قيمة علميّة . وهذه الطّعون كثيرة ومتأتّية من وجوه عديدة . وكلّ منها قاتل . انّه لا يمكن وصف هذا المنهج بأنّه علميّ اختباريّ ، لأنّ المنهج العلميّ ، اختباريّا كان أم غير اختباريّ ، يضع الأحكام المسبقة جانبا ، ويبدأ بملاحظة الظّاهرة بما هي معطى طبيعيّ مستقلّ . والدّراسة في المنهج العلميّ غايتها الكشف عن العلاقة بين الظّاهرة وأسبابها . والاختبار فيه – وهو يأتي في آخر مراحله – انّما هو للتحقّق من صحّة الفرضيّة التي تفسّر الظّاهرة . أمّا هذه الطريقة الباراسيكولوجيّة فانّها شاذّة مفارقة . فهي لا تبدأ بملاحظة الظّاهرة ودراستها ، لأنّ الظّاهرة الباراسيكولوجيّة المزعومة ليست معطى واضحا يفرض نفسه بالبداهة على الذهن ، ووجودها ليس سابقا على الدّراسة ؛ ولكنّها تبدأ بمصادرة فكريّة اعتباطيّة هي القول بوجود القوّة ” بسي ” . والغاية من التجريب فيها هي اثبات وجود الظّاهرة والقوّة ” بسي”. فنتائج البحث متضمّنة كلّها في المسلّمة الأولى . فهذا المنهج الغبيّ الذي يمكن وصفه تجاوزا بالتجريبيّ لا الاختباريّ ولا يسمح باكتشاف العلاقة السببيّة بين العلّة والمعلول ، بين القوّة ” بسي” الوهميّة والظّاهرة المزعومة ، ولا يسمح بالتحقّق من الفرضيّة ؛ ولكنّه يحوّل التجريب والبحث من أوّله الى آخره الى مجرّد جواب يؤكّد المسلّمة . وأنت اذا فحصته خارج حدود تلك المسلّمة ، وجدته فضيحة منطقيّة . فهم اذا سئلوا : كيف عرفتم أنّ الفرد الذي تجري عليه التجارب يمتلك القوّة ” بسي” ؟ أجابوا : لأنّه جاء بمعدّل يفارق معدّل المصادفة . فاذا سئلوا :  كيف استطاع الحصول على هذه النتيجة ؟ أجابوا : لأنّه يمتلك القوّة “بسي” ! وهذا دور وحلقة مفرغة ، لأنّه لا يجوز اللجوء الى القوّة “بسي” لتفسير التّفاوت الاّ اذا سبق وقام البرهان على وجود القوّة ” بسي”. فاذا أنت سألتهم : وأين هو ما يثبت وجود القوّة “بسي” بالاستقلال عن هذا الدّور المنطقيّ ؟ خرسزا كما يخرس الحمار الملجم . واذا سألتهم :” أين هو ما يثبت في معطيات التجربة أنّ التّفاوت هو ظاهرة لا تفسّر بالمعطيات والقوانين العلميّة المعروفة ؟ خرسوا كما يخرس الحمار الملجم . واذا سألتهم :” أين ما يثبت ، في معطيات التجربة ، وجود العلاقة الضروريّة بين القوّة “بسي” المفترضة والتّفاوت ؟ ” خرسوا كما يخرس الحمار الملجم . وكما ترى ، فانّ هذا المنهج السّخيف الذي لا يثبت وجود القوّة ” بسي” ، ولا يثبت وجود الظّاهرة ، ولا يثبت وجود علاقة سببيّة بين هذين الطرفين الوهميّين ، يخرج البحث الباراسيكولوجيّ من دائرة البحث العلميّ ، ويجعل منه نوعا من الفذلكة اللاهوتيّة السخيفة . فالغاية منه هي اثبات مسلّمات ايمانيّة لا اكتشاف قوانين علميّة مجهولة .

 

 

الاعتباط والسُّخف في تصميم التجارب:

أمّا الذي يثير السخرية في هذا النهج البدائيّ ، فهو ، بالاضافة الى ما ذكرناه من اغلاق أفق البحث بالأحكام المسبقة الموروثة عن التفكير السّحريّ ، الاعتباط والسّخف في تصميم التجارب . فمن جهة أولى سلّم راين بوجود قوى خفيّة مجهولة في الانسان ، وأضاف اليها ادراك الغيوب وفعل الأمور المفارقة لمجرى العادة وسنن الطبيعة ؛ ومن جهة أخرى ،  لم يجد لاقامة البرهان على دعواه الخطيرة الاّ ” التحزير ” ببطاقات زينر ليس أكثر من انتقاء عشوائيّ لرمز من أصل خمسة رموز يعرف الفرد الذي تجري عليه التجربة هويّتها معرفة مسبقة ؛ فهي اختيار عشوائيّ لاجابة من أصل خمس اجابات ممكنة ، معطاة كلّها ، ومحدّدة سلفا . وليس في هذه التجربة أيّة محاولة لمعرفة فكرة مجهولة أو حدث مستقبل أو واقعة غائبة عن العيان . والفرد الذي تجري عليه التجربة لا يقوم بأيّ جهد ، ولا يمارس أيّ نشاط ، ولا يتمتّع بأيّة حريّة ، ولا يملك أيّة مبادرة ، ولا يعمل أيّة طاقة فكريّة أو نفسيّة أو عقليّة أو غير ذلك ممّا يضفي على التجربة طابع الشخصيّة ؛ انّه يكتفي بأن يختار ، خبط عشواء ، وبصورة سلبيّة كاملة ، اجابة من أصل خمس اجابات معروفة . فكيف يمكن أن تبرهن هذه اللعبة السلبيّة على وجود قوّة فاعلة ذكيّة ادراكيّة كالتي تتضمّنها المسلّمة ؟  وأين هو الغيب أو المعلومات المجهولة التي يمكن أن يتكهّن بها اللاعب ؟ ولماذا وضع ذلك المغفّل هذا الاطار السّخيف التافه لتجريب تلك القوّة التي يفترض أنّها جبّارة ؟ ولماذا حدّد استطاعتها بمعرفة رمز من أصل خمسة رموز معروفة وحسب ؟ ولماذا التحديد أصلا ؟ فما دام قد نسب الى القوّة المزعومة ” بسي” تلك القدرات الخارقة ، فلماذا لم يجرّبها بعبقات تناسب تلك الصّفات ؟

وادّعى راين أيضا أنّ الفكر ، أو بالأحرى ” الروح ” كما يقول ، يؤثر في المادّة من غير واسطة معروفة . ثم لم يجد للبرهان على هذه القضيّة المطلقة الاّ التجريب بتسلّط الفكر على نقطة الماء تقع على حدّ السّكين ! انّ نقطة الماء ستسيل حتما ذات اليمين أو ذات اليسار سواء سلّط عليها الانسان أو القرد فكره أم تركت تسيل وحدها دون أن يراقبها أحد . انّه ليس أمامها الاّ امكانيّة واحدة من امكانيّتين اثنتين فقط ، وهي ستتّخذ حتما هذا السبيل أو ذاك . ولا يغيّر من طبيعة الأمر شيئا أن يكون ثمّة تفاوت بين عدد النقاط السّائلة لهذه الجهة أو تلك ، وبين معدّل المصادفة ، لأنّ العوامل الطبيعيّة التي تفسّر هذا التفاوت ، في حال وجوده ، لا يمكن حصرها ولا يمكن معرفة عددها كما انّه لا يمكن تجاهلها . كما انّه من المستحيل معرفة هل كان التفاوت ناتجا عن سبب طبيعيّ مجهول أو عن تسليط الفكر ؛ كما انّه من المستحيل أيضا اثبات العلاقة بين التفاوت ، اذا وجد ، وبين الفكر ، اذا كان يؤثّر بالمادّة من غير واسطة . فليس في هذه التجربة السخيفة اطار يسمح بتمييز أثر القوّة ” بسي ” من انعدام هذا الأثر . واذا كان راين قد قرّر أنّ القوّة “بسي” الوهميّة نؤثّر في المادّة ، فلماذا لم يصممّ تجربة تسمح باقامة البرهان الجليّ الواضح الدامغ على صدق ادّعائه السّحريّ ؟ كأن يضع كأسا على الطاولة مثلا ثمّ يطلب الى جميع ” وسطاء ” الكرة الأرضيّة ” وموهوبيها ” ، فرادى أو مجتمعين ، أن يسلّطوا عليها قواهم الباراسيكولوجيّة طوال الأشهر ، بل السّنوات بل العقود ، فيحاولوا رفعها مقدار ملّيمتر واحد عن الطاولة ؟ واذا كانت تلك القوّة السّحريّة قادرة بزعمه ، على تغيير مجرى نقطة الماء أو تحريك الأجسام عن بعد والتأثير فيها ، فلماذا لم يجرّبها مثلا بتحريك ذرّات الرّصاص تحريكا ما فيتحوّل الى ذهب أو الفحم فيتحوّل الى الماس ، أو باذابة الشّحوم التي تسدّ مجرى الدّم في الشّرايين ، أو بتفتيت الحصى في الكلى أو غير ذلك ممّا يثبت وجودها بما لا يدع مجالا للشكّ ؟

ليس هذا وحسب ! بل انّ تلك التجارب السخيفة التي وضعها راين يجب أن تتكرّر آلاف المرّات بصورة مملّة حتّى تسمح بالحصول على نتيجة ، وأيّة نتيجة ! فتلك النتائج أشدّ تعمية وغموضا وخفاء من القوّة التي يراد لها أن تبرهن على وجودها ، لأنّ تلك التجارب تدخل مجهولا على المجهول الذي تحاول ، كالغرابيل ، القبض عليه . فبالاضافة الى المجهول الأوّل الذي هو أثر القوّة ” بسي” الوهميّة ، هناك المجهول الثاني وهو عامل المصادفة . فهذا المجهول ممتزج بالأوّل ، ولا يمكن التحكّم به أو تمييزه أو فصله أو عزله عن المجهول الأوّل . فكلّ واحد منهما يحلّ محلّ الآخر ، وكلّ اجابة ، اذا اخذت بمفردها يمكن أن تنسب الى المصادفة . فما نفع تلك الغرابيل ؟ ولماذا كانت تلك القوى السّحريّة موجودة ، لم يصمّم لها ذلك الجاهل غربالا يناسبها قادرا على عزل مفعولها عن عامل المصادفة ؟

ليس هذا وحسب ! بل انّه ليس هناك من مطابقة أو صلة بين صفات القوّة ” بسي” المتضمّنة في المسلّمة الأساسيّة الوصّفات التي تسمح التجارب ، كما يقرأها اتباع الباراسيكولوجيا أنفسهم باضافتها الى تلك القوّة الخياليّة . لقد نسب ذلك المسكين المصاب بعقله الى الى القوّة ” بسي” القدرة على معرفة الغيوب ، سواء وقعت هذه الغيوب في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ، وكأنّه لا يدرك معنى هذا الادّعاء . انّ الحدث المستقبل هو محصّلة لآلاف بل لملايين الوقائع التي تنتج عن ملايين الأسباب ؛ انّ ثمّة عالما كاملا قائما بذاته يجب أن يوجد حتّى يقع ذلك الحدث . فمعرفة المستقبل هي خرق لقوانين الطبيعة المعروفة وخرق لمبادىء العقل وقوانينه . وهي شيء في غاية الخطورة والأهميّة ، ويختلف بالنوع عمّا عداه من أنواع الادراك والمعرفة والابداع وعن كلّ عمل يمكن أن يقوم به انسان ، وفوق طاقة البشر باطلاق . فما هي التجارب التي صمّمت للتحقّق من هذه الدّعوى الخطيرة للغاية ؟ التحزير  ببطاقات زينر ! وعلى أيّ شيء تدلّ تلك التجارب التي يجب أن تتكرّر عشرات الآلاف من المرّات ؟ – على أنّ القوّة ” بسي” لا تستطيع أن تأتي بشيء يمكن تمييزه نوعيّا عمّا هو جار مألوف في الطبيعة ، وعمّا يتحصّل بالمصادفة العمياء ! تقول الشّراذم الباراسيكولوجيّة انّه ليس في نوعيّة الاجابات يعرف أثر القوّة “بسي” ومفعولها ، لكن في كميّتها ! فالاجابة الصّحيحة أو الخاطئة ( ليس هناك في الحقيقة اجابة أو سؤال بالمعنى الفكريّ الجدليّ لهاتين الكلمتين بل هناك ” تحزير ” فقط ) هي عمليّة عاديّة طبيعيّة أوتوماتيكيّة . أمّا اذا تجاوزت كميّة الاجابات الصّحيحة – أو الخاطئة –حدّا معيّنا ، صار لها معنى  ؛ هذا قولهم . غير أنّ هذه المخلوقات المسكينة لا تدرك أنّ هذا المعنى ليس هو المعنى الذي تدّعيه المسلّمة القائلة بوجود القوّة “بسي” ، وليس هو الادّعاء الذي أقيمت التجارب والمختبرات الباراسيكولوجيّة للبرهنة عليه . فمعرفة الغيب هي نوع قائم بذاته لا يمكن أن تتحوّل اليه الكميّات – مهما كانت هائلة – من الاجابات العشوائيّة التي تتمّ بطريقة طبيعيّة أوتوماتيكيّة والتي يمكن أن تنسب كلّ واحدة منها الى المصادفة العاديّة . فمثل هذه الكميّات ، مهما عظمت ، لا ياحقها التغيّر النوعيّ ولا تكتسب صفة نوعيّة جديدة . كما انّنا لو أضفنا ملايين الأصفار الى ملايين الأصفار لما حصلنا الاّ على الأصفار ، ولم نستطع الحصول أبدا على عدد صحيح . ولو أضفنا مليون تفّاحة الى مليون تفّاحة لن يتحصّل منها برتقالة واحدة . حتّى لو فرضنا جدلا وجود ذلك التفاوت بين معدّل الاجابات الصحيحة ( أو الخاطئة ) وبين معدّل المصادفة ، وأنّ هذا التفاوت لا يعرف له سبب طبيعيّ ، وأنّه ذو معنى – حتّى لو افترضنا كلّ ذلك ، فانّ هذا المعنى يبقى في أيّ حال شيئا مختلفا بالكليّة عن معنى معرفة الغيوب . وكلّ ما يسمح به هو القول انّ بعض الأفراد اذا حزّرته لمعرفة الاجابة المناسبة من أصل خمس اجابات محدّدة سلفا ومعطاة ، يستطيع أن ” يحزر”بمعدّل يختلف ايجابا ( أو سلبا ) عن معدّل المصادفة ؛ هذا وهذا فقط . ويجب أن يكون الانسان طويل الأذنين جدّا – كما هو حال المخلوقات الباراسيكولوجيّة – لينتقل من تلك النتيجة الى القول بأنّ ذلك الفرد يمتلك قوّة تمكّنه من ادراك الغيوب ! واعلم أنّهم أشدّ اغراقا من ذلك في الجهل والغباء لأنّهم يخرجون الى ذلك الاستنتاج حتّى عندما تكون الاجابات في معظمها خاطئة !

وهم في هذا كأنّهم يدّعون مثلا أنّ ثمّة رجلا يستطيع أن يقفز عن حائط علّوه ألف متر ، ثمّ يجرّبونه بأن يضعوا له حاجزا علّوه ألف متر ! ثمّ يقولون انّ الرجل العاديّ يقفز هذا الحاجز ثلاثين مرّة في السّاعة ، أمّا موهوبنا فقد فعل ذلك ، في السّاعة الواحدة ، ستّين مرّة ، أو عشر مرّات فقط . فهو اذا قد خالف المعدّل العاديّ ؛ فهذا يدل على أنّه قادر على قفز حائط علّوه ألف متر ! هذا هو المنطق التجريبيّ الباراسيكولوجيّ ! لقد أضافوا الى تلك القوّة السّحريّة الموهومة من القدرات الهائلة الخطيرة المتفوّقة على القدرات الطبيعيّة المعروفة مالا يخطر ببال انسان .ثمّ وضعوا لها الغرابيل الواسعة والتجارب التافهة التي لا تسمح بالتحقّق من تلك الدّعاوى ولا تناسبها أصلا ، ولا تتطابق معها . فالبحث الباراسيكولوجيّ أشبه بمسرحيّة هزليّة ، تثير الضحك لسخفها وتفاهتها . فتمثيليّة القوّة ” بسي” تشبه قول القائل : اني هائل جبّار أعطيت قوّة العمالقة الجبّارين ، أنقل القارّات من مكانها وأغرق الجبال في أعماق البحار ! واذا أردتم التحقّق من دعواي فأعطوني قشّة ، فانّب أنقلها لكم من مكان الى مكان آخر يبعد عنه عدّة ملّيمترات !

 

خدعة التحليل الاحصائيّ:

لقد ذكرت لك أنّ راينر المغفّل وتابعيه قد استنتجوا ، على زعمهم ، أنّ التحليل الاحصائيّ للمعطيات المتحصّلة من ملايين التجارب ببطاقات زينر وغيرها ممّا شابهها ، على آلاف الأفراد ، طوال أكثر من نصف قرن ، يدلّ على وجود فارق أو تفاوت سلبيّ أو ايجابيّ بين معدّل الاجابات الصّحيحة وبين المعدّل الذي تسمح به المصادفة . فاذا كانت المصادفة مثلا تسمح بالحصول على 50 بالمئة من الاجابات الصّحيحة ، وحصل الفرد عبر التجارب الطّويلة ، على معدّل 55 بالمئة أو أكثر ، أو 45 بالمئة أو أقلّ ، صاحوا قائلين : ” ظاهرة خارقة !” و”انّها وان تكن ظاهرة حسابيّة مجرّدة ، ذات طبيعة احصائيّة كمّيّة ، موجودة بالجملة لا بالمفرّق ، يستخرجها التحليل الاحصائيّ استخراجا من اللوائح الطويلة ، فهي ثابتة ! وهي من مفاعيل القوّة “بسي” عليها السّلام !”

اعلم أنّ من الأخاديع التي يلجأ اليها أتباع الباراسيكولوجيا للتمويه على العامّة ولايهامهم بأنّ صناعتهم هي علم قولهم انّ التجارب الباراسيكولوجيّة المختبريّة تستخدم علم الاحصاء ، وأنّ استخدام الاحصاء يرفع الباراسيكولوجيا الى مقام العلم الأكّاديميّ . وأنت لا تجد كتابا واحدا في الباراسيكولوجيا الاّ يسوق كاتبه كلمة قالها ، عام 1937 ، احصائيّ أميركيّ يدعى برتن كامب في أنّ راين يستخدم التحليل الاحصائيّ استخداما سليما بصرف النظر عن الطرق التي تتمّ فيها التجارب . فهذه الكلمة عندهم هي بمنزلة شهادة حسن سلوك “علميّة ” للباراسيكولوجيا .

وهذا ضرب من الشعوذة الفكريّة ، وشبيه بما يفعله لاعب الخفّة عندما يصرف انتباه المشاهدين بطريقة من الطّرق المتعدّدة حتّى لا ينتبهوا الى الخدعة التي يقوم بها . انّ العيب ليس في التحليل الاحصائيّ . والتحليل الاحصائيّ الذي تقوم به حاليّا أجهزة الكمبيوتر المزوّدة بالبرامج الملائمة لا يبرهن بحدّ ذاته على شيء ، وانّما هو مجرّد طريقة لقراءة المعطيات التي تعرض عليه وتتحصّل بالاستقلال عنه . فاذا كانت المعطيات سليمة ، كانت القراءة سليمة ، واذا كانت المعطيات فاسدة ، كاذبة أو مزوّرة ، أو متحصّلة عن تجارب غير مستوفية الشروط المناسبة ، كانت القراءة بطبيعة الحال فاسدة . وأنت تعلم أنّ المنجّمين اليوم يستخدمون أجهزة الكمبيوتر في قراءة الطّالع ؛ وهذا لا يعني أنّ الكمبيوتر هو الذي يقرأ الطالع ، ولكنّه يدخل المعطيات في القوالب التي يلقّمه ايّاها المنجّم ، ويقرأ المعطيات في ضوء البرنامج الآلي الذي زوّد به . فالفساد ليس في عمل الكمبيوتر لكن في قوالب البرنامج المفبركة على مبادىء التنجيم . وهؤلاء القائلون بتأثير الكواكب في مصائر البشر قد لجأوا أيضا الى التحليل الاحصائيّ وزعموا، كأتباع الباراسيكولوجيا أنّ التحليل الاحصائيّ قد “أثبت ” مسلّماتهم الكاذبة . الفريقان يمخرقان ويكذبان . فمثلما أنّ استخدام الكمبيوتر واللجوء الى التحليل الاحصائيّ في التنجيم لا يعني أنّ التنجيم علم صحيح ، فكذلك استخدام التحليل الاحصائيّ في الباراسيكولوجيا لا يدلّ على أنّ الباراسيكولوجيا علم صحيح . فالفساد ليس في التحليل الاحصائيّ لكن في التقنيّة التي تتمّ بها التجارب وفي المنهجة التي تحصّل فيها المعطيات .

 

بروتوكول التجربة يسمح بالتزوير

وهذه التقنيّة التي تتمّ بها التجارب قد تعرّضت لطعون شديدة . فقد تبيّن أنّ البروتوكول الموضوع لكثير منها ، ممّا نشرت نتائجه ، سواء ما أجري منها على الأفراد العاديّين أو على الموهوبين المزعومين ، غير محكم ، ويحتوي على ثغرات تسمح بحدوث الغشّ والتزوير .3

كما انّ بطاقات زينر التي يستخدمونها في التجارب كانت سيئة الصّناعة والطباعة تسمح برؤية الرمز المرسوم على الوجه المستور منها 4، وقفاها موجّه ، بشهادة المحترفين ، أي ان الرّائيّ ، اذا عرضت أمامه ، لا يرى في قفا كلّ منها رسما موحّدا يبقى هو ذاته اذا غيّر اتّجاهها . وهذا ما يفسّر المعدّل المرتفع في الاجابات الصّحيحة .5

يضاف الى ذلك أنّ الأفراد الذين كانت تجري عليهم التّجارب كانوا يتقاضون أجرا ، وكان الواحد منهم يعلم أنّه اذا جاء يمعدّل مرتفع ، فانّه سيدعى الى التجريب مجدّدا والى القبض مجدّدا ؛ فثمّة ما يحفّزه على النجاح وبالتالي على الغشّ . ووسائل الغشّ كثيرة ؛ منها احداث أثر خفيّ بالظفر أو بغيره على قفا البطاقة مناسبا للعلامة المرسومة على الوجه الأخر .ووسائل الغشّ هذه صرّح بها أفراد اشتركوا في عمليّات التجريب ولاعبوا خفّة اشتركوا فيها أيضا للتثبّت من سلامة البروتوكول . كلّ ذلك يجعل نتائج التّجارب مغلوطة .

باحثون باراسيكولوجيّون مزوّرون

ومن هذه الطّعون ما تناول الباحثين المختبرين الباراسيكولوجيّين أنفسهم . فقد تبيّن أنّ بعض الذين قاموا بتجارب طويلة ” ناجحة ” أثبتت على زعمهم وجود ” الظّواهر ” الغريبة ، قد غشّ وزوّر عمدا وقصدا نتائج التّجارب ؛ من هؤلاء صموئيل صول الانكليزيّ ، وهو عندهم من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم بل يضعونه في مرتبة راين . وقد أجرى تجارب طويلة في مختبره في لندن ، وهي تجارب لها أهميّة خاصّة عند أتباع الباراسيكولوجيا ، وادّعى أنّه حصل على معدّل مرتفع جدّا من الاجابات الصّحيحة . وقد أثبت الفحص ، من بعد ، أنّه زوّر عمدا نتائج تجاربه .6

ومنهم أيضا الدكتور والتر ليفي . وكان مساعدا لراين في مختبره الذي هو المصنع الأكبر والأوّل والأهمّ للأبحاث الباراسيكولوجيّة . ثمّ تسلّم ادارة المختبر وادارة الأبحاث والتّجارب بعد خروج راين على التقاعد . وعلم 1974 ، قبض على هذا المدير الهائل ، والدكتور الباراسيكولوجيّ العظيم ، وهذا القطب العالميّ من أقطاب الباراسيكولوجيا ، قبض عليه بالجرم المشهود وهو يزور نتائج التّجارب . وأرغم راين على ابعاده ، لكنّه ، رغم الفضيحة ، أبى الاقرار بأنّ الشّكّ يتطرّق الى التجارب العديدة ” الناجحة ” التي كان قد أجراها ليفي المذكور ، والى النتائج الدّراسات التي نشرها والتي يعتبرها الباراسيكولوجيّون ذخيرة من ذخائرهم وكنزا من كنوزهم .7

 

 

باحثون باراسيكولوجيّون مغفّلون:

هؤلاء غشّوا وزوّروا ولم يكشف تزويرهم وخداعهم الاّ بالصّدفة . ولو كانت نتائج التجارب سليمة واضحة قويّة لما احتاجوا الى تزويرها . وهم في أيّ حال نماذج تمثّل تيّار التزوير والغشّ الذي اجتاح البحث الباراسيكولوجيّ ، وهو تيّار متأصّل في الباراسيكولوجيا وقائم في أساس تكوينها وولادتها . أمّا الطابع الغالب على المشتغلين بالتجارب والدّراسات الباراسيكولوجيّة فهو الغياب الكامل لكلّ حسّ نقديّ . فراين ذاته ، مؤسّس الباراسيكولوجيا “العلميّة ” ، كان مغفّلا ومحدودا غبيّا . 8

فقد أحضرت له ذات يوم احدى المزارعات فرسا ، وادّعت أنّ فرسها المسمّاة ” اللادي وندر ( أي السيّدة المذهلة ) تقرأ الأفكار . فلم يتورّع راين من اجراء التجارب عليها : فكان يكتب رقما على ورقة ، فتشير عندها الفرس بخرطومها الى مكعّب يحمل ذلك الرقم من جملة مكعّبات مرقّمة أمامها . وبهر راين بهذه الظّاهرة الغريبة ! وكتب عنها مقالا ضافيا في احدى الصّحف عنونه تحقيق حول حصان يقرأ الأفكار ! ثمّ أتبعه بمقال ثان يؤكّد فيه نتائج التجربة الأولى . ثمّ جاءه أحد لاعبي الخفّة المحترفين المدعوMelbourne Christopher  فأفهمه أن الفرس لا تقرأ الأفكار ولكنّها مدرّبة ، فهي ، حينما تستعرض بخرطومها المكعّبات ، تتوقّف عند هذا المكعّب أو ذاك عندما تشير لها صاحبتها اشارة خفيّة . أمّا كيف تعلم المرأة بالرقم المكتوب على الورقة ، فذلك بنظرها الى حركة القلم . وبرهي لاعب الخفّة لراين على ذلك بالتجربة الحيّة اذ استقدم الفرس وصاحبتها ، وأوهم المرأة بحركة يده بأنّه يكتب رقم 8 . في حين أنّه لم يكتب الاّ الرقم 3 ، فاذا بالفرس ، عند اشارة صاحبتها الخفيّة ، تتوقّف عند المكعّب الذي يحمل الرقم 8 . ولمّا صحصح الحقّ عند ذلك  ، أسقط في يد المرأة فاعترفت بأنّها قد درّبت الفرس وأنّها تتكسّب بذلك . لكنّ راين أصرّ على غبائه العميق وأبى الاعتراف بأنّه كان مخدواعا ، وانتحل الاعذار الواهية لتبرير موقفه قائلا انّ الفرس حينما اجرى عليها التجربة كانت موهوبة ؛ الاّ أنّها ، بعد ذلك ، فقدت مواهبها ، الأمر الذي دفع صاحبتها الى تدريبها !9

وهذا المنطق الأعوج ، وهذا التمحّل في طلب الأعذار الواهية الأشدّ قبحا من الذّنوب هو عامّ شامل متأصّل لدى أتباع الباراسيكولوجيا ، وهو خاصيّة من خواص الخطاب الباراسيكولوجيّ ، منذ ولادة الباراسيكولوجيا الى اليوم ، يلجأون اليه لجوءا منهجيّا يختلقون به الأعذار لأصحاب المواهب اذا افتضح أمرهم وكشف خداعهم . وسوف ترى أمثلة كثيرة على ذلك .

هذا راين قطبهم الأكبر ! وكيف تقول اذا حدّثتك عن ادوار نوموف وهو أسطون من أساطين الباراسيكولوجيا ، وأحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم كما يدعونه . وصاحب الرخصة البرازيليّة يخلع عليها – كعادتهم في خلع الألقاب العلميّة الهائلة على أنفسهم – جملة من الألقاب ، فيدعوه العالم نوموف ، ومدير مختبر الأبحاث الباراسيكولوجيّة في قسم الفيزياء والهندسة التابع للدولة في موسكو ، ويزعم أنّه يشرف على تعليم الباراسيكولوجيا في جامعة موسكو ( الباراسيكولوجية في خدمة العلم ، ص 551 )، وهذا هو الكذب المحض والتزوير الخالص ، أو اذا شئت ، الغباء المطلق في عدم التحقّق من الادّعاءات والأكاذيب والألقاب المزوّرة . فالباراسيكولوجيا ، أوّلا ، لم تدخل الى أيّة جامعة من جامعات الاتّحاد السوفياتيّ قطّ. وثانيا ، انّ هذا الرجل المسكين لم يدرّس قطّ لا في جامعة موسكو ولا في أيّ مختبر رسميّ أو غير رسميّ . كان قد أمضى بعض السّنوات في دراسة البيولوجيا دون نجاح قبل أن يعمل في أحد مراكز التوثيق على تصنيف المطبوعات السوفياتيّة والأجنبيّة المختصّة بالأبحاث البيولوجيّة ، ووضعها بمتناول الباحثين . ثمّ انّ وسواس الباراسيكولوجيا تسلّط عليه ، فأذاع أنّه يقوم بدراسات على الوسطاء والوسيطات من الموهوبين والموهوبات . وهذه الدّراسات هي عبارة عن أفلام ، بعضها صامت ، يصوّرها ويصدّرها للغرب . وهو الذي شهر بأفلامه الموهوبة الشّهيرة كولاغينا . وسوف تأتيك نوادرهما ، وكيف ولماذا طاردتهما العدالة . هذا الرجل الفقير الى نعمة العقل ، قابله ، عام 1989 ، صحافيّ فرنسيّ كان يقوم بتحقيق عن الباراسيكولوجيا . واليك جانبا من المقابلة المضحكة المبكية :

الصّحافيّ : هل ساورك الشّكّ أحيانا بصحّة الظّواهر التي صوّرتها ؟

نوموف : قطعا ، قطعا ! فأنا قبل أن أبدأ بالتصوير أدور حول الشخص ( الوسيط ) أفحصه بواسطة حاسّتي السّادسة ! أشمّه تقريبا كما تشمّ الكلاب . ولهذه الجهة فأنا أتمتّع بحاسة شكّ قويّة ! اني أشعر فورا بوجود الشخص الموهوب الأمين الطّاهر . وأستطيع أن أتعرّف الى الموهوبين وأميّزهم من بعد كبير . صحيح أنّه بالامكان خداعي والاحتيال عليّ في أحداث الحياة اليوميّة العاديّة ، أمّا مع الوسطاء فانّي لا أخدع أبدا …10

فاذا علمت أنّ هذا المعتوه يعتبر ” أحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “، علمت ما هي الباراسيكولوجيا !

 

طريقة تعليميّة باطنيّة لا دراسة علميّة:

  فأيّة ثقة يمكنك أن توليها لدراسات وأبحاث يقوم بها مثل هؤلاء الأفراد ؟ وقد يقول قائل إنّ الباحث في أيّ حقل من حقول العلم قد يخطئ , وقد يغشّ , وقد يكون مغفّلا . وهناك أمثلة عديدة على ذلك . هذا صحيح بطبيعة الحال . فالباحثون هم من البشر , يصدق عليهم ما يصدق على سائر الناس . إلاّ أنّه إذا غشّ الباحث أو أخطـأ في حقل من حقول العلم , أمكن اكتشاف الخطإ والغشّ بسهولة . فهناك ضمانة , وهذه الضّمانة هي أنّ التجربة العلميّة لا تكون تجربة علميّة الاّ إذا اتّصفت بأنها قابلة للتكرار ,وبأنّ هذا الباحث او ذاك بإمكانه ان يجريها في هذا المختبر او ذاك .  وهكذا يكون بإمكان الجميع التحقق من صحّة التجربة ومن صحّة النتائج . وهكذا يفعلون . لكنّ هذا الأمر مستحيل في البحث الباراسيكولوجيّ , لأنّه من طبيعة التجربة الباراسيكولوجيّة , كما يقرّ بذلك البراسيكولوجيّون أنفسهم , أنّها لا تتكرّر أبدا . ولهم في ذلك أفانين عجيبة سوف تراها . فالتجربة الباراسيكولوجيّة الناجحة يعتبرونها حدثا فريدا , وفرادته مطلقة خالصة . وهذا يعني أنّه عندما يدّعي الباحث الباراسيكولوجيّ أنّّه قام بتجربة ناجحة , فإنّه يستحيل التحقق من دعواه . فأنت لا تستطيع أن تقيم مع ” الدراسة ” الباراسيكولوجيّة أيّة علاقة موضوعيّة عقليّة مباشرة . وضمانة نتائج البحث ليست في البحث ونتائجه , ولكن في شخص الباحث الذي قام بها وادّعى نجاحها . فادّعاء الباحث الباراسيكولوجيّ أنّه قام بتجربة ” ناجحة ” وأنّه نجح في إثبات الظواهر الموهومة , هي بمعنى من المعاني , كدعوى الذي يدّعي أنّه ظهرت عليه العذراء مريم أو رأى الملائكة . ولذا كانت الظواهر الباراسيكولوجيّة تدخل في باب ” صدّق أو لا تصدّق ” !ولذا , كان الباحث الباراسيكولوجيّ بمنزلة “المعلم ” عند الباراسيكولوجييّن ؛ ولهذا السبب ولأسباب أخرى سوف تراها , تراهم يحصنّونه من الشبهات بالألقاب العلميّة الكبيرة الطويلة , فهي أشبه بالحجاب والتعّوذة له . فإذا كانت التجارب والأبحاث الباراسيكولوجيّّّّة ونتائجها من هذا النوع التعليميّ الاعتقاديّ الذي لا ضمانة له بذاته , وإنّما عليك أنّ تقبضه على ذمّة الرّاوي كذّابا نصّابا من أمثال صول وليفي أوغبيّا مختلاّ كراين ونوموف , وهم الأقطاب والعمداء والأئمّة وانبياء الباراسيكولوجيا , صارت هذه الأبحاث نوعا من الروايات المزوّرة , وموضعا للشّبهة والشكّ , وانتفت عنها الصّفة العلميّة , وصارت الباراسيكولوجيا نوعا من المذهب الاعتقاديّ التعليميّ الباطنيّ الذي يقبل بالإيمان لا بالعقل . انّ من ينعم النظر في أقوال راين يستشفّ منها أنّ هذا المهووس بالغيبيّات قد أسّس ، لا علما ، لكن ضربا من الثيولوجيا ( علم اللاهوت ) تستوي تمام الاستواء في الباراسيكولوجيا ” الروحيّة ” الأولى التي حاولت اقامة ” الدّين العلميّ ” أو ” العلم الدّينيّ ” . فكأنّه قد أراد من ذلك ” المختبر ” أن يكون في عصر العلم هيكلا تتلمّس فيه ” التجريبيّة ” وجود ” الروح ” ، أو مرصدا روحيّا .  وكأنّ الباراسيكولوجيا عنده هي دراسة تطبيقيّة للقوى الروحيّة ، فعلاقتها عنده بالدّين كعلاقة الطبّ بالفزيولوجيا . فأرجح الظنّ أنّه لم يفهم ما هو الدّين كما لم يفهم ما هو العلم . وهو قد أساء الى الدين كما أساء الى العلم . وربّ عدوّ خير من صديق غبيّ جاهل .

 

 

 

 

أضاحيك ونوادر باراسيكولوجيّة :

وننتقل الآن الى سرد بعض النّوادر والأضاحيك التي توصّل اليها البحث الباراسيكولوجيّ . انّ البحث” الباراسيكولوجيّ ” ينطلق ، كما رأيت ، من مسلّمة موروثة عن التّفكير السّحريّ البدائيّ ، ويرمي الى اقامة البرهان عليها . فهو سجين فيها ، يجري في داخلها منقطعا عمّا في خارجها .

فالمجهول الذي يفترض أن يكتشفه البحث هو فيها معلوم ،  وفي ضوء هذا المجهول علميّا المتيقّن باراسيكولوجيّا تجري التّجارب والألاعيب ، وتفسّر نتائجها تفسيرا لا علاقة له بوسائل التحقّق والسّبر والقياس المعروفة المستخدمة بفعّاليّة ونجاح في مناهج العلوم ، الأمر الذي يجعل هذا التفسير الباراسيكولوجيّ أشبه بالتأويل الباطنيّ الذي تسمع به .

فقد يقوم الباحث الباراسيكولوجيّ بتجربة فيقول انّها نجحت .  فاذا قام بالتجربة  ذاتها باحث أخر محايد أو شاكّ غير مسلّم بالمسلّمة الباراسيكولوجيّة ، فشلت تجربته . وقد يقوم باحث باراسيكولوجيّ ثالث بالتجربة التي قام بها الأوّل ، فتأتي النتيجة مختلفة جدّا . وقد يقوم باحثان مستقلاّن لكن على اتّفاق بينهما بالتجربة ذاتها ، كلّ في مختبره ، فتأتي النتائج مختلفة . ولم يستطع قطّ أيّ باحث شاكّ أن يتحقّق بنفسه من النّجاح المزعوم الذي يدّعيه أيّ باحث باراسيكولوجيّ . ولم تأت قطّ تجربتان متطابقتان تطابقا تامّا بنتائج متطابقة . هذا الانعدام في اتّساق التّجارب وفي الوصول الى نتائج متطابقة ثابت مستمرّ في البحث الباراسيكولوجيّ . وفي هذه الحال يقضي الحسّ النّقديّ السّليم بالحكم بأنّ النّجاح المزعوم لم يكن الاّ نتيجة لعدم كفاية المراقبة أو لوجود خطا في البروتوكول أو هو وهم توهّمه الباحث ، وأنّ المنهج عقيم ، وأنّ ” الظاهرة ” الباراسيكولوجيّة الموهومة لا ينطبق عليها المفهوم العلميّ للظّاهرة القابلة للدّرس . الاّ أنّ أتباع الباراسيكولوجيا أسرى ذلك اليقين السّحريّ ، فهم يطوّعون نتائج التّجارب ، مهما كانت هذه النّتائج ، ويجدون لها التأويل المناسب . وهنا تبدأ النوادر والمضحكات .

 

 

الفكر التحليليّ يبيدو ” الظّواهر ” والفكر السّحريّ يخلقها:

من ذلك زعم راين أنّ الرقابة المشدّدة المطبّقة في التجربة العلميّة ، اذا طبّقت في التجارب الباراسيكولوجيّة ، تمنع ظهور القوّة ” بسي ” .  وتابعه على ذلك كابرا – أحد أقطاب الباراسيكولوجيا – فقال أنّ ” الظواهر البارسيكولوجيّة لا يمكن أن تظهر ظهورا جليّا في اطار الفكر التحليليّ ، فبقدر ما يزداد التحليل دقّة ورهافة ويتّصف بالصّفة العلميّة وتشتدّ عليه المراقبة ، بقدر ما تتقلّص الظّواهر ، وتبهت وتنطفىء ” 11

وهذه المقولة ، اذا ترجمت الى لغة عقليّة سليمة ، تعني أنّ وجود القوّة ” بسي ” المزعومة مرتبط بشروط الفحص . فالشروط الصحيحة للاختبار العلميّ تثبت أنّه لا وجود في الطّبيعة لتلك الظّواهر المزعومة . أمّا اذا كانت الشّروط غير وافية ، وتمكّن ” الوسيط ” من الغشّ والخداع ، ” فالظّواهر ” تظهر !

 

 

عامل المختبر اليسوعيّ:

ومن ذلك قولهم انّ المختبر الفاحص ،  بما هو أيضا مستودع لتلك القوى الخفيّة أيضا ، يؤثّر في نتائج التجربة . فالتجربة اذا نجحت هنا وفشلت هناك ، فسبب نجاحها يكون المختبر ذاته وقواه الباطنيّة ، لا الأفراد أو الحيوانات الذين جرت عليهم التجربة ! واذا فشلت هنا على حين أنّها نجحت هناك ، فالسّبب أنّ المختبر المشكّك بالتعاليم والمبادىء الباراسيكولوجيّة يمنع بقواه الباطنيّة السلبيّة ظهور القوّة ” بسي ” التي قد تكون موجودة لدى الأفراد أو الحيوانات ، موضوع التّجربة ! وقالوا : وا أسفاه ! انّه يستحيل استحالة مطلقة ، اذا كانت التجربة ناجحة ، معرفة هل كان سبب نجاحها الفاحص أم المفحوص ! وهذا مبدأ من مبادئهم وقانون من قوانينهم يفسّرون به نتائج التجارب كيفما كانت هذه النتائج ؛ وسمّوه ” عامل المختبر “. وهم يعملون هذا المبدأ في خلافتهم . فاذا زعم ” الباحث ” منهم أنّه أجرى تجارب على الحيوانات ، كالأرانب والصراصير والفئران وغيرها ، وأنّ هذه التجارب ” أثبتت ” وجود القوّة “بسي” عند هذه العجماوات ، تصدّى له أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ اللاهوتيّ اليسوعيّ وسفّهوه ، لأنّهم يؤمنون بأنّ تلك القوّة الخرافيّة ( أي “بسي”) ذات طبيعة روحيّة ، وتؤكّد قول التوراة ” انّ الله خلق الانسان على صورته ومثاله “.

وهم ، كما تعلم ، لهذا السّبب لا يؤمنون بوجود تلك الروح في الحيوان ، ويمنعون الحيوانات منعا باتّا ، تحت طائلة التّحريم ، من امتلاك ” الحاسّة السادسة ” وخلافها من القوى الباراسيكولوجيّة السّحريّة .  ولهذه الأسباب اللاهوتيّة يلجأون الى ” عامل المختبر ” ويقولون : ليس الأمر كما تصوّر الزميل الكبير ، فليس الأرنب أو الصرصور هو الذي ” أدرك ” ما أدرك ، بل المختبر ذاته الذي يمتلك تلك القوّة قد ” أدرك ”  ؛ أمّا الأرنب فقد اكتفى ” بالتقاط ” فكر هذا المختبر لقربه منه !

 

عامل النعجة والعنزة والحمار:

ومن ذلك قولهم انّ التجربة تنجح اذا كان الأفراد الّذين تجري عليهم التّجربة من المؤمنين بتعاليم الباراسيكولوجيا ، وتفشل اذا كانوا من غير المؤمنين ! فالقوّة ” بسي” كالأشباح لا تظهر الاّ على المؤمنين بها ! وقد استخرجتGertrude Schmeidler  – وهي ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “- من تجاربها و”دراستها المعمّقة ” قانونا باراسيكولوجيّا يفسّر ذلك الاختلاف ، وسمّته ” عامل النّعجة والعنزة “. فالمؤمنون هم النّعاج والشكّاكون هم الماعز . فالقوّة ” بسي” تظهر على الأغنام  وترتاح لها ، وترفض الظّهور على الأعناز ! ولعمري ، لقد كانت أنصفت هذه ” العالمة الهائلة ” لو أنّها استبدلت بالنّعجة الحمار !

 

عامل الانخفاض:

ومن ذلك أنّه حين تبيّن للفاحصين المختبرين أنّ الاجابات الصّحيحة في التجربة أو في سلسلة التّجارب ينخفض عددها  انخفاضا مطّردا كلّما طالت التجربة ، أو كلّما أخضع ” الموهوب ” للمراقبة ، أو كلّما تقدّمت ” الدراسة ” التي تجري عليه ، لم يفترض السيكولوجيّون ، مثلما يقضي الحسّ السّليم ، أنّ هذا التفاوت بين البداية والنهاية هو من الأمور العاديّة في السّلاسل الاحصائيّة أو أنّ ” الموهوب ” يجد صعوبة متزايدة في الغشّ والخداع ، بل استخرجوا قانونا سمّوه ” عامل الانخفاض ” ، وقالوا انّ القوّة “بسي” ذات طبيعة تبدّديّة ، فهي ، كالضّرطة ، تخرج دفعة واحدة ثمّ تبدأ بالتبدّد رويدا رويدا!

 

 

عامل الغياب أو عنزة ولو طارت !

ومن ذلك ، وهو من أعجب ما يتخيّله الخيال ، أنّه اذا جاء معدّل الاجابات الصّحيحة في التجربة منخفضا جدّا عن المعدّل الذي تسمح به المصادفة ، فسّروا ذلك ” بعامل الغياب ” وقالوا انّ القوّة ” بسي” غائبة ! فغيابها عندهم دليل على وجودها ! ومنهم من يقول لا نستطيع أن نقول انّها غائبة أو مسافرة أو مهاجرة ، لأنّنا لا نعرف مقرّها ، ولكنّنا نقول انّها حاضرة ، لكنّ الفرد الذي تجري عليه التجربة يرفض اعطاء الجواب الصّحيح مع معرفته له ! فالاجابات الصّحيحة تبرهن على وجود القوّة ” بسي” ، والاجابات الخاطئة تبرهن على وجود القوّة ” بسي”!

واكتشاف ” عامل الغياب ” دعا راين الى القول انّ البحث الباراسيكولوجيّ يجب أن يعكف ، منذ الآن ، فصاعدا ، على دراسة الحالات التي تغيب فيها القوّة ” بسي” ! فانظر كيف استبدل ذلك الجاهل المجهول بالمعلوم ، واحتجّ على الشّاهد بالغائب ، وجعل من المجهول قاعدة وقياسا للمعلوم ، وجعل موضوع العلم لا كشف المجهول في ضوء المعلوم ، لكن دراسة المعلوم في ضوء المجهول ! ومثل هذا الغباء لا يخرج اليه الانسان الاّ بخذلان من الله سبحانه وتعالى .

ومع جميع هذه الطرائق الغبيّة المثيرة للسخرية يتعجّب الباراسيكولوجيّون من احتقار العلماء للباراسيكولوجيا وأتباعها !

 

 

عامل التنقّل أو عامل التّزوير:

ومن ذلك أنّه اذا كان الجواب في التجربة مطابقا لا ” للهدف ” ( أي العلامة المستورة التي يجري ” التحزير “عليها )  لكن لهدف سابق أو لاحق ، صحّحوا الاجابة وقالوا انّ القوّة ” بسي” فوضويّة لا تلتزم النّظام الذي تعرض فيه عليها الأهداف ! لا سيّما أنّها تعلم الماضي والحاضر ولا تتقيّد بالقيود الزمانيّة المكانيّة ، فهي قد تجيب على الهدف الخامس عندما يعرض عليها الهدف الأوّل ، وتجيب على الهدف الأوّل حينما يعرض عليها الهدف الخامس ! وسمّوا ذلك ” عامل التنقّل “! ولو أنصفوا لسمّوه ” عامل التّزوير ” ، لأنّه يسمح لهم بتزوير نتائج التّجارب مهما تكن تلك التجارب .

ومن ذلك ” عامل العفويّة ” وهو يتيح لهم تفسير الفشل الذي يمنى به ” الموهوب ” اذا أجرى التّجارب عليه باحث محايدا لا يؤمن بمعتقداتهم السّحريّة ، فهم عندها يقولون انّ القوّة  “بسي” ذات طبيعة مزاجيّة تلقائيّة تظهر حينما يعنّ لها الظّهور ، وتغيب حين يعنّ لها الغياب ! كما انّ هذا العامل يتيح لهم الاعتذار “للموهوب ” اذا قبض عليه بالجرم المشهود وهو يغشّ ويزوّر ؛ اذ يقولون انّ ” الوسيط ” بما أنّه لا يستطيع التحكّم بمواهبه ، فهو يضطرّ اضطرارا للغشّ والتّزوير !

ولهم بالاضافة الى ذلك أفانين أخرى كثيرة في فنون التأويل يستخرجون بعضها من بعض حتّى لتكاد تحسب أنّ لكلّ تجربة ناجحة أو فاشلة علمها الخاصّ بها والتفسير الذي لا ينطبق الاّ عليها دون سواها . ولا يخطىء صاحب الرّخصة البرازيليّة عندما يتحدّث عن ” العلوم ” الباراسيكولوجيّة بالجمع لا بالمفرد ، فالباراسيكولوجيا ليست أكذوبة واحدة بل موسوعة كاملة من الأكاذيب !

انّ هذه ” العوامل ” ما هي ، كما ترى ، الاّ خرق لاهوتيّة يرقّعون بها ترقيعا مفضوحا طريقتهم الخالية من الصّرامة العلميّة ، ويسترون بها عورات الباراسيكولوجيا البادية للعيان . ذلك أنّ الانسان اذا أدار ظهره للحقيقة الصّادعة وأنكرها عمدا وقصدا ، لم يكتف بذلك بل اختلق التبّريرات والذيان والأكاذيب والهذر لتبرير موقفه . وهو كلّما أوغل في البعد عن عالم العقل وازدادت عماية قلبه ، كثرت تبريراته وتشعّب هذيانه وتفتّقت تأويلاته بعضها من بعض . وكلّ خطوة اضافيّة في هذا الاتّجاه تحتاج الى كميّة مضاعفة من الأوهام التبريريّة ، تسند وتبرّر ما تقدّمها ، الأمر الذي يجعل ذلك الأبكم الأعمى الأصمّ غارقا بكامله في طبقات كثيفة من الأوهام الفسيحة . وهكذا تتكوّن العلوم الكاذبة ، وتعيش ويطول وجودها اذ تنسج حولها ، كالعنكبوت ، عالما وهميّا كاملا موازيا للعالم الذي يعرفه الحسّ السّليم والعقل النقديّ السّليم ؛ وهي تحصل نتيجة لمرض فكريّ شبيه بالانفصام الذي تصاب به الشّخصيّة لدى المصابين بالأمراض النفسيّة .

 

البحث في غرفة سوداء عن قبّعة سوداء لا وجود لها:

لا يحتاج الانسان الى أن يكون باحثا في فلسفة العلوم حتّى يستنتج أنّ المبادىء الّتي تقوم عليها هذه الصّناعة هي المبادىء عينها التي كان يقوم عليها في القرون الوسطى علم السّحر الوهميّ وحتّى يستنتج أن المحاولة الباراسيكولوجيّة – بالنّظر الى الصّفة التي تنتحلها والتي تدّعي أنّها تشترك بها مع العلوم وبالنّظر الى الهدف الذي وضعه لها مؤسّسوها – هي محاولة فاشلة . وأنت اذا أمسكت ” الباحث ” الباراسيكولوجيّ من أذنية الطّويلتين وأخرجته من تلك الحلقة المفرغة ومن ذلك العالم الوهميّ الى ضوء النّهار ، ووضعت أمامه ، من جهة ، النتائج المذهلة جدّا التي وصل اليها البحث العلميّ في حقول المعرفة كافّة ، بما فيها البحث الباراسيكولوجيّ خلال القرن ذاته ، لاعترف صاغرا وعنقه خاضعة ذليلة ، بأنّ الباراسيكولوجيا ” العلميّة ” لم تكن الاّ البحث في غرفة سوداء عن قبّعة سوداء لا وجود لها !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

 

في ” الظّواهر ” النّوعيّة

 

اعلم أنّ كثيرين من أتباع الباراسيكولوجيا يعترفون بوضوح أنّ السيكولوجيا المختبريّة ” العلميّة ” – التي يسمّونها بشيء من الاحتقار ” الباراسيكولوجيا الكميّة ” – عاقر عقيم لم تستطع أن تحقّق شيئا من أحلامهم . وهذا ما يدعوهم الى البحث عن القبّعة السّوداء في دكاكين العرّافين ” والوسطاء ” ، مثلما كان يفعل أسلافهم من قبل ، مع علمهم بأنّ ” الأبحاث “في هذا المجال ليس لها أدنى قيمة علميّة ، اذ لن تكون أكثر من تقارير وصفيّة صحفيّة مرتهنة ارتهانا عضويّا مؤيّدا لعامل الغشّ والخداع .

انّ التقارير التي تتناقلها المجلاّت الباراسيكولوجيّة عن ” الوسطاء الجدد” كثيرة جدّا . وليست كلّها  في مستوى واحد ، وان تكن نوعا أدبيّا واحدا هو استمرار لما كتب ، من قبل ،  حول ” الوسطاء الروحيّين “. لذا نأتي على هذا النوع باختصار ونذكر ، كعيّنة ، ما نشر حول ” وسيطين ” من أشهر ” الوسطاء ” الّذين ذاع أمرهم في الأدبيّات الجديدة ، هما الاسرائيليّ يوري جيلر والروسيّة نينا أونيل كولاغينا ، اذ لم يعتمد أتباع الباراسيكولوجيا على شيء مثلما اعتمدوا على ” ظواهر ” هذين ” الوسيطين ” لاثبات “الظّواهر ” الموهومة . فهذان هما زبدة ” الوسطاء ” ، وظواهرهما ” تمثّل ، في حدّها الأقصى ، ” ظواهر ” الباراسيكولوجيا الجديدة . كما انّ التقارير و”الدراسات ” التي كانا موضوعا لها تمثّل الأدبيّات الباراسيكولوجيّة أفضل تمثيل في منطقها ومستواها وبنيتها الفكريّة . فالّذين قاموا بها هم ممّن ينتحل الصّفة العلميّة ، وبعضهم يعمل في حقل الباراسيكولوجيا المختبريّة ، فهم ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” كما يسمّيهم الضالّون المضلّلون الباراسيكولوجيّون من أمثال صاحب الرّخصة البرازيليّة .

 

يوري جيلر : لاعب خفّة تحوّل الى ” وسيط ”

أمّا الوسيط الأوّل ، الاسرائيليّ يوري جيلر ، فيمكن القول انّ صرح الباراسيكولوجيا النوعيّة في الغرب ، في خلال العقد السّابع ، قد قام على “ظواهره ” المزعومة . وقد اعتبره الباراسيكولوجيّون صاحب أكبر موهبة باراسيكولوجيّة في هذا العصر . لقد كان دون الثلاثين بقليل عندما قدّمه الى الغرب أحد المووسين بالباراسيكولوجيا ، وهو طبيب يدعى أندرياس بوهاريش ، على أنّه ” وسيط ” صاحب ” مواهب ” خارقة . وظهر جيلر على شاشات التلفزيون – لقاء مبالغ طائلة من المال – في معظم الدول الأوروبيّة ، فضلا عن دول أميركا الشّماليّة والجنوبيّة . كما قام باستعراض وحفلات على المسارح العامّة في هذه البلدان مستفيدا من الدّعاية القويّة ومن العطف الغربيّ الكلاسيكيّ على كلّ  من هو اسرائيليّ ؛ وطارت له شهرة واسعة جدّا حتّى أثار المسألة الباراسيكولوجيّة مجدّدا على نطاق واسع ، اذ تسلّح أنصار الباراسيكولوجيا ” بظواهر ” جيلر المذكور وشنّوا حملة اعلاميّة عدوانيّة على الأوساط العلميّة الرسميّة التي تنفي صفة العلم عن الباراسيكولوجيا وتمنع من ادخالها الى حرم الجامعات .

أمّا ” الظّواهر ” التي كان يحدثها جيلر في استعراضاته ، فتتمثّل بشكل رسميّ في ثني الملاعق والمفاتيح الصّغيرة ، وتوقيف عقارب السّاعات عن الدّوران ، ومعرفة الرّسوم الغامضة أو الأشكال الهندسيّة البسيطة الموضوعة في مغلّفات مغلقة معرفة عمشاء تقريبيّة .

انّ ظهور رجل من هذا القبيل هو عند المشتغلين بالباراسيكولوجيا أشبه بنزول آية من السماء يثبتون بها صحّة دعواهم . ولذا أقبلوا ” يدرسونه ” ويقلّبونه على وجوهه المختلفة ، ويكتبون عنه المقالات والمؤلّفات والتحقيقات . ولم تخل مطبوعة باراسيكولوجيّة من مقابلة معه أو ” دراسة ” عنه أو تحقيق عن ” ظواهره “. واغتنم اثنان من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” هماHarold E. Puthoff  , Russel Targ  فرصة وجود جيلر على سطح الكرة الأرضيّة ، فأقبلا على ” دراسته ” في ” مختبر “Stanford  للأبحاث الباراسيولوجيّة . وهذا ” المختبر ” الخاصّ كانت له شهرة كبيرة عند المشتغلين بالباراسيكولوجيا ، ويوازي عندهم في الأهميّة مختبر راين ؛ وعنه تصدر كميّة هائلة من الأدبيّات الباراسيكولوجيّة الأميركيّة التي تنتحل الصبغة العلميّة . ونشر هذان ” الباحثان ” دراستهما عام 1974 ، في مجلّةNature  الانكليزيّة ، وهي من أكثر المجلاّت العلميّة رصانة على الاطلاق12.

وكانت هذه هي المرّة الوحيدة التي تنشر فيها هذه المجلّة تقريرا باراسيكولوجيّا . ويؤكّد البحث بطبيعة الحال ، أنّ “ظواهر ” جيلر التي تمّ التحقّق منها في المختبر ، تحت المراقبة المشدّدة جدّا ، هي ظواهر حقيقيّة . وقد أثارت هذه المقالة ضجّة في أوساط العلماء ، بين ساخط على الاسفاف وحائر بالأمر . أمّا أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ فقد اعتبروها فتحا عظيما ومقدّمة لفتح أبواب الجامعة أمام الباراسيكولوجيا ، وباتوا وهم على أمل أن يحصل ذانك الكاتبان على جائزة نوبل !

باتوا على هذا الأمل ثمّ استيقظوا على خيبة واسعة بدأت محصورة في أوساط العلماء ، ثمّ اتّسعت لتشمل الجمهور العامّ . فالمقالة التي نشرتها مجلّةNature  من أجل تعريضها للنّقد العلميّ وليس لاثبات المزاعم التي فيها مثلما أشاع الباراسيكولوجيّون ، بعد أن فحصت فحصا نقديّا دقيقا ، وفحص البروتوكول الذي أجريت في اطاره التّجارب على جيلر ، تبيّن أنّ هذا البروتوكول لم يكن محكما دقيقا ، وأنّ الكاتبين لم يأتيا في مقالتهما على تفاصيل ضروريّة مهمّة ، كان ذكرها ضروريّا للتحقّق من سلامة البروتوكول لكنّهما أغفلاها عمدا ؛ ممّا يعني ، من وجهة نظريّة بحتة ، أنّ نجاح التجربة يمكن أن يكون ناتجا عن الغشّ والخداع . لذا نقض العلماء الذين قرأوا المقالة النتائج المزعومة المعلنة فيها 13.

الاّ أنّ كلّ ذلك بقي محصورا في الأوساط العلميّة . ثمّ كشفت الفضيحة عندما قام لاعب الخفّة الأميركيّ المعروف جايمس راندي وأثبت لتلك القطعان المبهورة بالمثل والدّليل والتّفسير أنّ جيلر المذكور ليس الاّ لاعب خفّة ، وأنّ ” ظواهره ” التي زعم أنّها ناتجة عن قوّة زوّده  بها سكّان الكواكب الأخرى – وفق أسطورة نمّقها له الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ الطبيب بوهاريش – ليست الاّ ألعاب خفّة من النّوع  الرخيص المبتذل ، وأنّ ذلك الاسرائيليّ النّصّاب استطاع خداعTarg &Puthoff  بفضل شركاء له استعان بهم بمهارة . ومثلما لمع نجم جيلر فجأة ، سقط فجأة وتقوّضت أسطورته بكاملها بين ليلة وضحاها ، لا سيّما أنّ التحقيقات الصّحفيّة بيّنت أنّه معروف في بلاده بألعاب الخفّة ، وأنّ الباحث الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ بوهاريش ، مدير أعماله ، من شذّاذ الآفاق المتاجرين المحتالين 14 .

وتوارى جيلر نهائيّا مهزوما لكن بعد أن حصّل ثروة طائلة ابتزّها من جيوب ” قطيع الأغنام “؛ وبعد أن ترك في قلوب المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة اللوعة والخيبة والمرارة . 15

 

 

” الوسيطة ” الروسيّة كولاغينا و…قاضي التحقيق

أمّا ” الوسيطة ” الروسيّة  كولاغينا فقد أشتهرت أيضا في العقود الثلاثة الأخيرة . ولا يزال كثيرون من أتباع الباراسيكولوجيا يؤمنون بها . ولهم حول ” ظواهرها ” مؤلّفات ومنشورات وكتب وأفلام ووثائق عديدة . وليس هناك كتاب في الباراسيكولوجيا الاّ يخصّص فصلا ” لظواهر ” كولاغينا “. وصاحب الرّخصة البرازيليّة يبشّر بعجائبها كما بشّر الانجيليّون بعجائب المسيح . فهي عندهم من ” أعظم الوسطاء ” ، يعتمدون على ” ظواهرها ” اعتمادا أساسيّا في اثبات صحّة ” الظواهر ” الباراسيكولوجيّة . ومن الذين اولّوا التبشير بالعجائب الكولاغينيّة ” البروفسور “Hans Bender  ،صاحب المؤلّفات المعروفة في الصّناعة الباراسيكولوجيّة والذي يعدّ واحدا من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” . وكانت قد اشتهرت هذه ” الوسيطة ” في الغرب روايات كتبها عنها أحد الموسوسين الرّوس المدعوّ فاسيلياف ، وهو من لينيغراد . وكان هذا الممخرق الكذّاب يزعم أنّ باستطاعته أن ” ينوّم ” هذا الفرد أو ذاك ، ويوحي له بالقيام بهذا أو ذاك بواسطة ما يسميّه ” الراديو العقليّ ” ، وذلك عن بعد 1700 كلم (!) .

ثمّ تسلّطت كولاغينا على عقل المسكين نوموف ، فصنع عنها أفلاما سينمائيّة ” وثائقيّة ” وباعها للغربيّين . وقد نسب نوموف الى هذه المرأة ، بالاضافة الى اختصاصها الرئيسيّ ، وهو ” تحريك الأجسام عن بعد “، القدرة على القراءة بأصابع يديها أو قدميها ؛ فهي ، بعد حجب عينيّها برقعة ، وبمجرّد استخدامها لأصابعها ، ” تدرك ” ألوان الأجسام وتقرأ النّصوص وتصف بدقّة الرّسوم واللوحات ، كما تدبك الأرقام المحفورة على قطع الدّومينو المكشوفة طبعا . وهذه اللعبة ، أعني لعبة الرؤية بواسطة حاسّة اللمس ، من أصل فرنسيّ ؛ وكان أحد الكتّاب الفرنسيّين قد سلّى بها الأوساط الباريسيّة  ردحا من الزّمن . أمّا سرّها فتافه حدّا : فأيّ انسان يحجب عينيه برقعة ما ، يبقى باستطاعته أن يرى الأشياء التي تحت ذقنه مباشرة ، بتسليط عينيه الى أسفل رغم انتصاب رأسه . ومثلما أنّ ” الأرواح ” التي كانت تتلبّس ” الوسطاء ” في بدايات هذا القرن اختفت من فرنسا لتظهر في البرازيل ، فانّ لعبة الرّؤية بواسطة اللمس اختفت من باريس لتظهر في روسيّا .

وادّعى هانس بندر – وهو من أكذب البشر – أنّ العلماء السّوفيات قد أجروا اختبارات عديدة ومشدّدة جدّا على كولاغينا ، وأثبتوا ، بما لا يدع مجالا للشكّ ، أنّ تحريك الأجسام عن بعد وكلّ ما قامت به ” الوسيطة ” هو حقيقيّ واقعيّ !

وطار صيت كولاغينا في الغرب كلّ مطار شاهدا حيّا على الوجود الحقيقيّ ” للظواهر ” الغريبة التي تتحدّى قوانين العلم . ومن هنا ذاعت تلك الأخبار في الصّحف الباراسيكولوجيّة الأميركيّة والغربيّة عن النجاح والانتشار اللذين تلقاهما الباراسيكولوجيا في الاتّحاد السوفياتيّ ، وعن أنّها تدرّس في الجامعات والمعاهد الرسميّة والمختبرات السريّة والغوّاصات الذريّة باشراف الدّولة وتشجيعها ! أمّا الصحفيّون الذين شاهدوا بقليل من الحسّ النقديّ أفلام نوموف عن كولاغينا وغيرها من ” الوسطاء ” الرّوس ، فلم يمكنهم الاّ الاقرار بحالة البؤس العظيم الذي تجري فيه ” الأبحاث ” الباراسيكولوجيّة السّوفياتيّة . ففيما يخصّ كولاغينا ، فانّ المشاهد يراها في الفلم تحرّك بعض الأجسام الموضوعة تحت مكعّب من الزجاج : لفافة تبغ ، أعواد ثقاب ، غطاء قلم ، علبة معدنيّة صغيرة أسطوانيّة الشّكل . ويوضح الشّرح الصّوتيّ المرفق بالفلم أنّ هذه الأجسام قد اختيرت بالصدفة من جيوب الحاضرين ، وأنّ الوسيطة لم تكن قد دخلت قطّ من قبل الى الغرفة التي تجري فيها الحفلة . أمّا الفحص ، بعد ذلك ، فقد بيّن أنّ الوسيطة لم تكن الاّ في بيتها وفي غرفتها بين أصحابها وشركائها ، كما بيّن أنّ مكعّب الزّجاج لم يكن موضوعا فوق تلك ” الحراتيق ” عندما بدأت اللعبة بل وضعه نوموف نفسه الذي كان جالسا قرب كولاغينا ، بعد بدء اللعبة ، وبعد أن كانت تلك الأجسام قد بدأت تتحرّك ؛ وأنّ الحفلة كلّها تمّ تصويرها في شروط تخلو من الحدود الدّنيا والمبادىء الأوليّة للمراقبة والنّزاهة الفكريّة 16 .

ولم تكن كولاغينا مشهورة الاّ في الغرب . وحينما قرأ العلماء السّوفيات أخبارها في المنشورات الغربيّة ، استدعاها أعضاء معهد الأبحاث النفسيّة – العصبيّة في لينيغراد للتحقّق من أعمالها التي لو صحّت لكانت في منتهى الخطورة والأهميّة ، خاصّة في الميدان العلميّ الذي اختصّ فيه ذلك المعهد . وقد تبيّن لجماعة من العلماء ولمدير المعهد ليبيديفB.Lebedev

انّ المرأة تلجأ الى الغشّ المبتذل . وبينما كانت الأوساط الباراسيكولوجيّة الغربيّة تنشر ” عجائب ” كولاغينا وتبشّر بها وتبني عليها النظريّات والادّعاءات الهائلة ، كانت كولاغينا تمثل أمام قاضي التحقيق لارتكابها جرم الاحتيال( Escroquerie ) .17

وسوف أحدّثك لاحقا عن كولاغينا ، فهي قد عادت للعمل في آخر عهد الرّفيق غورباتشوف .

 

 

نوموف أو أكذوبة الباراسيكولوجيا السوفياتيّة

أمّا الرّفيق نوموف الذي كان يعتبر في العالم الممثّل الأعظم للأبحاث الباراسيكولوجيّة السوفياتيّة ، وأحد أهمّ أنبياء الباراسيكولوجيا ، فقد بلغت به الاضطرابات النفسيّة حدّا جعله يدعو زملاءه وأقرانه الغربيّين الى عقد مؤتمر باراسيكولوجيّ في موسكو عام 1968 .  فضجّ منه العلماء السّوفيات ومن الصّورة المتّسخة التي يعطيها ذلك المغفّل عن مستوى العلم في الاتّحاد السّوفياتيّ .

فمنعت السّلطات ذلك المؤتمر ، وأنذرت نوموف بأن يكفّ عن تهريجه . الاّ أنّه لم يعبأ بكلّ ذلك واستمرّ يتاجر بالأفلام الباراسيكولوجيّة ، يصوّرها ويبيعها للغربيّين ، الى أن أحيل هو الآخر الى القضاء بتهمة ترويج الأكاذيب ، فحكم عليه بالسّجن لمدّة سنتين عام 1974 ، قضّى قسما منها في مصحّ للأمراض العقليّة مع زميل باراسيكولوجيّ آخر يدعىLarissa Vilenskaya .18

وهذا يعطيك فكرة عن المكانة ” المرموقة ” التي كانت تتمتّع بها الباراسيكولوجيا ويتمتّع بها أشياعها في الاتّحاد السوفياتيّ سابقا ؛ ويعطيك فكرة عن جديّة الاشاعات الكاذبة التي يروّجها أتباع الباراسيكولوجيا في الغرب ، القائلة زورا ودجلا انّ الباراسيكولوجيا تدرّس في الجامعات السوفياتيّة !

اعلم أنّنا نستطيع أن نسوّد مئات الصّفحات بذكر نوادر ” الوسطاء ” والعرّافين وأضاحيكهم و”ظواهرهم ” ما هي الاّ ألاعيب ناتجة عن الغشّ والخداع أو أكاذيب لا أساس لها من الصّحة يختلقها الكتّاب الباراسيكولوجيّون أنفسهم .

 

 

انعدام الحسّ النّقديّ في الأخبار الباراسيكولوجيّة

اعلم ، أيها الأخ ،  أنّه لا يمكن أبدا الوثوق بما تنقله المؤلّفات والمجلاّت والمنشورات الباراسيكولوجيّة من أخبار ” الوسطاء ” والعرّافين وسائر لفيف المشعوذين . ” اذهب الى ما يريك العقل ولا تذهب الى ما تريك العين “. هذه الحكمة الجاحظيّة الذّهبيّة تستطيع أن بضيف اليها :” لا ولا الى  ما تنقله وتتناقله الشّراذم الباراسيكولوجيّة “. انّ الانسان الّذي يتمتّع بحسّ نقديّ يشكّ حتّى في الأخبار العادلة لما يعتور نقل الأخبار من التّحريف أو التزوير المقصود وغير المقصود ، تبعا لمصالح النّاقلين وتبعا لتصوّراتهم الثّقافيّة الخاصّة ومدى علمهم وما استقرّ في أذهانهم من التّراكيب والبنى الخرافيّة ، وغير ذلك من العوامل التي لا تحصى والتي تتحكّم في هذه العمليّة المعقّدة ؛ فكيف بالأخبار التي تروي الحوادث الغربيّة الخارجة عن المألوف المفارقة لسنن الطّبيعة ، الصّادمة لمبادىء العقل ! وبقدر ما يكون الخبر غريبا شاذّا يكون الشكّ أقوى وأعنف وأكثر ضرورة ولزوما ، وبقدر ما يكون الشكّ عنيفا وعقلانيّا وضروريّا ، بقدر ما تدعو الحاجة الى التحقّق بالبيّنات القاطعة وبالاثباتات الواضحة الدّامغة وبالوثائق الصّحيحة وبالشّهادات المتعدّدة الصّادرة عن جهات متباينة ،  وعلى وجه الخصوص ، بالفحص العلميّ . فكيف يمكنك أن تثق بالأدبيّات الباراسيكولوجيّة وهي من كلّ خلو عاطل وفقيرة عارية ؟ انّ هذه الأدبيّات ، شأنها شأن ” البحث ” الباراسيكولوجيّ المختبريّ الذي ينتحل الصّفة العلميّة ، هي أدبيّات خاصّة ، صمّاء ، مغلقة على ذاتها ، منقطعة الصّلة بكلّ ما عداها من مصادر الأخبار ، لا يتداولها الاّ المؤمنون بالباراسيكولوجيا . فهي ، من جهة ، لا تنقل عن هذا العرّاف أو ذاك الوسيط الاّ صورة تبشيريّة مزوّرة أحاديّة الجانب ، تتجاهل قصدا وعمدا كلّ الصّور والمعلومات الأخرى التي تنقلها المصادر الحياديّة المعتمدة على الشكّ العقلانيّ والحسّ النّقديّ والمنطق العلميّ والتي تبيّن أنّ ذلك ” الوسيط ” أو ذاك العرّاف ما هو الاّ مشعوذ مماذق وأفّاك مارق ، وهي ، من جهة أخرى آلة مصمّمة موجّهة ، ذات قوالب مجمّدة في مصطلحات باراسيكولوجيّة تعمل وفق نظام ذهنيّ ثابت هو ذلك الخطاب الفكريّ الباراسيكولوجيّ السّحريّ الذي يحوّل كلّ ما يوضع فيه من الأخبار الملفّقة الى ” ظواهر ” معلّبة ومخاريق مقولبة ، بحيث لو خلت الأرض من جنس ” الوسطاء ” والعرّافين وسائر ذلك اللفيف ، لبقيت تلك الآلة تنتج ” الظواهر ” بالآلاف ، والمؤلّفات والموسوعات والمسلسلات بالأطنان .

وكيف يمكنك أن تثق بما تنقله الشّراذم الباراسيكولوجيّة من أخبار وحكايات ، وأنت تعلم ، كما يعلم الباراسيكولوجيّون أنفسهم ، أنّ الباراسيكولوجيا ولدت من أكذوبة العائلة فوكس ؛ فهي قد تعمّدت بالغشّ والتزوير ، ونشأت في حضن الدّجل والشّعوذة ، وانّ تاريخها تاريخ للكذب والغشّ والخداع والتزوير ؛ وعامل الغشّ والخداع هو أحد العوامل بل القوانين التي تدخل في صميم هذه الصّناعة الغرائبيّة ! ويزيد في طين التزوير بلّة وفي البؤس الباراسيكولوجيّ شقاء وفضيحة أنّ الذين يفبركون الأدبيّات الباراسيكولوجيّة هم ، كما رأيت ، امّا من الكذبة المزوّرين المتواطئين من أمثال ليفي وبوهاريش وصول ، وامّا من الأغبياء والمستطيلي الآذان ! ليس هذا وحسب ! بل انّهم ، كما رأيت ، قد طوّروا جهازا تأويليّا أصبح تقليدا من تقاليدهم وطريقة من طرائق تفكيرهم ، جهازا سحريّا يحوّلون به كلّ ما يصدّع بنيانهم الى حجج تؤكّد عندهم أوهامهم ؛ لكنّ هذا الجهاز صار في الوقت نفسه كحجر الرّحى في أعناقهم وغشاوة صفيقة فوق الغشاوة الصفيقة التي تعمي أصلا بصائرهم ؛ فهم صمّ ، بكم ، عمي لا يفقهون .

انتحال الأعذار الواهية ” للوسطاء ” المزوّرين

لقد ذكرت لك قصّة راين ، أبي الغرابيل ، مع الفرس ، وكيف احتجّ بأنّ تلك الفرس قد فقدت مواهبها حين أثبت له أنّ صاحبتها قد خدعته وغشّته ! فهو قد جاء بعذر أقبح من ذنب ؛ كلّ ذلك كي لا يعترف بأنّه قد أخطأ . وهذه الطّريقة في التّفكير هي من التّقاليد الباراسيكولوجيّة الثّابتة العريقة . فكثير ما قبض على ” الوسطاء ” قديمهم والجديد ، بجرم الغشّ والتزوير ، ومع ذلك تجد قرناءهم من المؤمنين بظواهرهم يوغلون أشدّ الايغال في طلب الأعذار الواهية لهم والتأويلات الخياليّة الشّعوذيّة يبرّرون بها أكاذيبهم . فبدلا من أن ييفترضوا أنّ الوسيط ، مثلما غشّ واحتال هذه المرّة فانّه كذلك قد غشّ ومخرق في المرّات السّابقة ، لكنّ خداعه السابق لم يكشف ، بدلا من ذلك قالوا :لا، ليس الأمر كذلك ،  لكنّ هذه القوّة الخفيّة ( الروح سابقا ) من طبيعتها أنّها تلقائيّة عفويّة لا تظهر حين الطّلب ، لذلك ، فانّ الوسيط يضطرّ اضطرارا ويدفع دفعا الى الغشّ ، بعض الأحيان ! واذا أخضع الوسيط للفحص والمراقبة من قبل الباحث أو الصّحافيّ الشّاك أو المحايد ، ففشل في احداث ” الظواهر ” لعدم استطاعته الغشّ ، بعدما كان قد أحدثها أمام ” الأغنام الباراسيكولوجيّة “، قالوا : لا عجب ! فتلك القوّة الباطنيّة خجول ! فالشكّ بها يمنع ظهورها ! وغير ذلك من التمحّلات التي رأيت بعضا منها ، مثل قولهم انّ تلك القوّة السحريّة الخفيّة لا تتهيّج ولا تنتعظ الاّ اذا تهيّأ لها ، بين ” الوسيط ” من جهة ” والباحث ” الباراسيكولوجيّ من جهة ، جوّ الأمان والاطمئنان والانشراح والثقة . وقد ذكرت لك من قبل رأي راين بهذا الشأن . وهذه المقولة الباراسيكولوجيّة اذا ترجمتها الى لغة عادّية تعني أنّ تلك القوّة لا تنتشر الاّ اذا استسلم الباحث للوسيط ووثق به وغفل عن الشكّ فيه وعن مراقبته ، وخلع عن نفسه كلّ يقظة عقليّة ، وأبدى له عورته ، ومكّنه من غير أن يدري ، من الغشّ والتّزوير . ” فالظواهر ” المزعومة تحدث عندما يدخل مفتاح الغشّ والخداع في قفل الغفلة والغباء ! فحين أثبت جايمس راندي للباراسيكولوجيّين أن يوري جيلر ليس الاّ لاعب خفّة مبتذل ، وأنّ تلك ” الظواهر ” لم تكن الاّ ألعاب خفّة رخيصة ، وأنّه حين يفشل أو يرفض القيام بها أمام الفاحصين المحايدين مدّعيا أنّ المحيط المعادي يمنعه من اجتذاب القوّة الفاعلة والطّاقة الخفيّة وبوتقتها لصنع ” الظواهر ” ، فانّما يرفض لعدم توافر أسباب الغشّ . والبرهان على ذلك أنّه يقوم بألعابه على خشبات المسارح متى شاء كسبا للمال . وها أنا ، قال لهم راندي ، أقوم أمامكم بالألعاب ذاتها ، بالخفّة والمهارة والدّربة لا بالقوّة الوهميّة ، فردّوا قوله وأبوا عليه واعتذروا للنصّاب الاسرائيليّ بتلك المعاذير الجاهزة المستقرّة في تراثهم ! بل انّ منهم ، صدّق أو لا تصدّق ، من قال لراندي انّ قيامك بالأعمال ذاتها التي قام بها جيلر لا يعني أنّ جيلر لاعب خفّة ممخرق ، ولكن يعني أنّك أنت أيضا صاحب مواهب باراسيكولوجيّة ! 19 فتأمّل !

فكيف يمكنك أن تثق ، بعدئذ ، بالأخبار التي ينقلها هؤلاء السذّج عن ” الوسطاء ” وظواهرهم “؟

 

 

 

التفكير الباراسيكولوجيّ تفكير سحريّ بدائيّ

لقد حدّثتك من قبل عن الصّحافيّ الفرنسيّ الذي قابل نوموف . ففي أثناء حديثه معه عن ظواهر كولاغينا ، نبّهه الى أنّ كثيرين يعتقدون أنّ كولاغينا المذكورة قد أثبتت قطعا صغيرة من المغنطيس تحت أظافرها فحرّكت بها تلك الأجسام الضئيلة التي يمكن أن يكون قد خبّئت بداخلها أو أضيفت اليها قطع معدنيّة صغيرة جدّا . وهذا ما يفعله لاعبو الخفّة . فردّ ذلك ” العالم ” الكبير ” وأحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” قائلا :

” هذا افتراض مثير للسّخرية ! ليس لديّ شكّ بصحّة ظواهر كولاغينا ، ففي الرتغال رجل يقوم بمثلها ” 20

فانظر – أيّدك الله – الى هذا المنطق ! اذا كان في البرتغال رجل يقوم باحداث ” ظواهر ” مشابهة ” لظواهر ” كولاغينا صحيحة !

انّ هذا الرجل البرتغالي لا وجود له في الواقع ، كما يظهر من تحقيق ذلك الصّحافيّ الذي جال الآفاق الأربعة بحثا عن الظّواهر الباراسيكولوجيّة ، وعاد بخفّي حنين .

اعلم أنّ هذا الضرب من القياس ، وهو من أشنع أنواع القياس البدائيّ ، عامّ شامل لدى أتباع المذهب الباراسيكولوجيّ ، وهو خاصّيّة من خواص خطابهم وعلامة مميّزة من علائم تفكيرهم ومحاكماتهم العقليّة . فهم دائما يحتجّون ” لظواهر ” هذا ” الوسيط ” “بظواهر ” وسيط”آخر من نوعه . اذا نبغ ” وسيط ” جديد سارعوا الى قبول ” ظواهره ” ، دون تحقّق ، اعتمادا على وجود ” وسيط ” سابق يحدث تلك الألاعيب ذاتها . فهم يقيسون الأشكال بما يشبهها دون النّظر الى محتوياتها ، ودون فحصها بذاتها ، ودون الالتفات الى الفضائح المنطقيّة التي يغرقون فيها حتّى آذانهم الطّويلة . انّه اذا ادّعى مشعوذ هنديّ أو ساحر افريقيّ أنّه يقرأ المستقبل أو يحرّك الأجسام بمجرّد النّظر اليها ، وشاع ذلك وانتشر ، ثمّ نبغ نصّاب اسرائيليّ أو محتال أميركيّ أو أفّاكة روسيّة وادّعى كلّ منهم أنّه يقوم بالعمل ذاته ، سارعت القطعان الباراسيكولوجيّة الى الايمان بهذا أو ذاك قائلين : نعم ! هذا صحيح ! ففي الهند من يفعل ذلك ! في افريقيا من يقوم به ! وقال الهنود عن صاحبهم والأفارقة عن ساحرهم : نعم ! انّ ما يقوم به ثابت لا شكّ فيه ، ففي روسيا أو أميركا من يفعل ذلك ! أنت تعلم كيف كان الباراسيكولوجيّون الغربيّون ، عندما ذرّ قرن هذه الصّناعة في العقدين السّادس والسابع من هذا القرن ، يذيعون أنّ الباراسيكولوجيا أصبحت في مصافّ العلوم الرسميّة في الاتّحاد السوفياتيّ ، وأنّ الدّولة ترعاها وتقيم لها المختبرات السّريّة والى غير ذلك من الأكاذيب الّتي حشا بهاSchroeder &Ostrander  كتابهما السّخيف عمّا سّمياه ” الأبحاث الباراسيكولوجيّة السّريّة خلف الجدار الحديديّ ” الذي ترجم الى عدّة لغات .

كانوا يدعمون ايمانهم الباراسيكولوجيّ الغربيّ بالمساك السوفياتيّ ، وها أنت ترى نوموف ، الممثّل الأعظم للباراسيكولوجيا السوفياتيّة ، كيف يدعم ايمانه بظواهر كولاغينا بالمسماك البرتغاليّ الوهميّ ! وأنت اذا حقّقت في بلد عن ” الوسطاء ” وفحصت “ظواهرهم ” واحدا واحدا ، وجدتهم كاذبين ممخرقين ، ووجدت أنّ المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة في هذا البلد أو ذاك ، يعيدونك الى ” ظواهر الوسطاء ” في البلد الآخر ، وذلك لعلمهم بالشّبهات والشّكوك التي تحيط “بوسطائهم ” المحليّين ! فكأنّ الشائعة اذا دعمت تحوّلت الى حقيقة ! أو اذا جمع الصفر الى الصفر كان الحاصل عددا صحيحا ! أو اذا وجدت الخرافة ذاتها في جميع بلدان الكرة الأرضيّة تحوّلت الى واقعة طبيعيّة ! أو اذا اعتقد البشر قاطبة ، في حقبة من حقبات التّاريخ ، أنّ الأرض مسطّحة ثابتة في الفضاء ـ صارت الأرض مسطّحة تدور حولها الكواكب ! انّ أطنان “الظواهر ” التي تجدها في الأدبيّات الباراسيكولوجيّة هي كلّها وليدة هذا التفكير السّحريّ البدائيّ ، فهي شبكة مترابطة من الأكاذيب يدعم بعضها بعضا ، وهي لا توجد الاّ المخيال(Imaginaire )الجماعيّ والاّ على شكل الشائعات المنتشرة ، اذا حاولت التّحقّق منها واحدة واحدة ، لدى وسيط وسيط ، في بلد بلد ، وجدتها كاذبة مختلقة مزوّرة مصطنعة . فهي كالظواهر الكميّة المختبريّة صادقة بالجملة كاذبة بالمفرّق ، أو بالأحرى موجودة بالجملة معدومة الوجود بالمفرّق .

 

 

 

” ارادة الايمان ” الباراسيكولوجيّ

اعلم ، يا أخي ، أنّه لا وجود للظواهر الباراسيكولوجيّة الاّ في خيال المؤمنين بها هنا وهناك . انّ الانسان يكاد يكون مفطورا على الشّغف بالمجهول وعلى الميل الى كلّ أمر غريب عجيب. ومن النّاس من يصغي اليك بكامل جوارحه اذا حدّثته عن جمل طار ،  وينصرف عنك متثائبا اذا حدّثته عن جمل سار ؛ انّ الآدميّ يضيق بالعالم الواضح الذي يقفل عليه أبواب الخيال . والشروط التي يعيش فيها الانسان ، مهما تحسّنت ،  تبقى مقصّرة عن أحلامه وعمّا يطمح اليه ويطمع به ويتخيّله .  وهذه الفسحة الممتدّة بين الواقع والحلم ، اذا لم يكن هناك عقل رصين يراقبها وثقافة علميّة تدبّرها ووعي يجعل منها ساحة للبحث العلميّ أو النّشاط السّياسيّ أو الخلق  الفنيّ أو التأمّل الروحيّ أو التفكير الفلسفيّ ، أو للصّلاة ، تحوّلت الى سوق سوداء يتسلّل اليها تجّار الغرائب من العرّافين و”الوسطاء ” والكهنة وسائر شراذم المشعوذين من بيّاعي الأوهام والخرافات والأكاذيب ؛ واستحكم فيها الايمان بتلك الأساطير وبذلك السّحر ، وطغى الوهم على الواقع فكيّفه ، وتبدّلت المقاييس ، ونشأ ازاء الواقع واقع مضادّ ، وازاء العقل عقل مضادّ ، وازاء القوانين الطبيعيّة قوانين طبيعيّة مضادّة ، وازاء العلم علم مضادّ . فهذا هو حال المؤمنين بالظّواهر الباراسيكولوجيّة ، فايمانهم هذا ليس متحصّلا عن محاكمة عقليّة أو عن فحص علميّ لأحداث ووقائع موجودة في الطّبيعة ، بل هو ،  على العكس من ذلك ، ارتسام لمسلّمة اعتقاديّة . فهم يطوّعون معطيات العالم الطّبيعيّ ويكيّفونها لتتناسب مع قوالب تلك المسلّمة . فمع أنّه قد ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أن جميع “الوسطاء ” وأصحاب المواهب المزعومة الّذين عكفت الباراسيكولوجيا النوعيّة على تأييد أعمالهم وظواهرهم في سجلاّتها قد قبض على كلّ منهم بجرم الغشّ والتزوير ، ولو مرّة واحدة ، فانّ المشتغلين بهذه الصّناعة يأبون الاعتراف بأنّ الشكّ يجب أن يطبّق ، لهذا السّبب ، على التجارب الناجحة التي لم تكتشف فيها أخاديعهم . ومنهم من اذا فقأت عينيه بالأدلّة والبراهين قام ببعض التّنازلات ، فقال : انّ كذا بالمئة من ” الوسطاء ” كذبة ، أمّا الباقون فصادقون ! المهمّ أن يبقى هناك نسبة ولو قليلة لتثبت بالمثل الحيّ ايمانه بوجود القوى الخفيّة ! وأنت اذا ألححت وجئته بالشّواهد والبيّنات والاثباتات ، تنازل أيضا فقال : 90 بالمئة منهم كاذبون ، أمّا الباقون فصادقون ! وأنت لو جئته بعد ذلك بكل بيّنة قاطعة ، وبكلّ برهان دامغ ، وبكلّ علماء الكرة الأرضيّة ، وأشهدته كلّ تلك الظّواهر يقوم بها لاعبو الخفّة ، لما تراجع عن ال-10 بالمئة الباقية ! كأنّ اليأس قد يقتله اذا تبخّرت هذه العشرة بالمئة ! وقد تأتيه بالوسيط  أو بالاثنين ممّن يضعها في خانة الصّادقين فيعترفان له أنّهما كانا يلهوان ويمخرقان بالظّواهر ، فيحذفها من المئة الصّادقة ويستبدل بهما غيرهما من الفئة التي كان قد اعترف بأنّها كاذبة ! بل قد تأتيه بمن قد استيقن بصحّة أعماله وتثبت له أنّ هذا “الوسيط ” قد غشّ وكذّب مرارا وتكرارا ، فيقول لك : صحيح أنّه غشّ وكذّب ، لكن ليس في كلّ ما قام به ! ومهما حولت معه بعد ذلك ، حتّى لو جئته بالملائكة شهودا ، لما ارتفع معك الاّ الى معدّل محدود ، وأقصى ذلك ال90 بالمئة ! فهو يستبقي أبدا عشرة بالمئة كأنّ فيها مبرّر وجوده ومعنى حياته ! وفي هذا دليل – أيّدك الله – على أنّ تلك “الظّواهر موجودة بالقوّة في خلايا الأدمغة بل هي حصيلة تشوّهات في تلك الخلايا والتهابات فيها واختلالات في التّركيب النّفسيّ .

 

 

الاعتراف بالحقيقة ، عند الباراسيكولوجيّين ، شيء مؤلم وصعب

وهذا صاحب الرّخصة البرازيليّة مثال قريب . فمع أنّ يوري جيلر قد فضح فضيحة كاملة شاملة عامّة طامّة ، من قمّة رأسه الى أخمص قدميه ، فانّ مؤسّس “الباراسيكولوجية اللبنانيّة ” يجد صعوبة شديدة بالاعتراف بأنّ ” ظواهر ” لاعب الخفّة الاسرائيليّ كانت كلّها نتيجة للغشّ والتّزوير ، بل تراه يكيّلها بكيلته الباراسيكولوجيّة ويقرّر أنّ ما تمّ منها بالغشّ والخفّة هو بنسبة 90 بالمئة فقط لا غير ! والباقي صحيح ! فهو يستبقي كما ترى ، عشرة بالمئة لكي تقوم الدلالة على “أنّ في المرء مقدرة باراسيكولوجيّة تمكّنه من القيام بأعمال لم يستطع العلم الكشف عن ماهيّتها …(” الباراسيكولوجية في خدمة العلم “، ص 170 ). وهذا سبب ، أمّا السبب الآخر فلأن ” نفي ظواهر ، يوري جيلر كليّا شيء مؤلم وصعب “! ( المصدر نفسه ). هذا ما يقوله بالحرف “شيء مؤلم وصعب “!

ولعمري ! لقد صدقت هذه النعجة الباراسيكولوجيّة ! انّ الاعتراف بالحقيقة الصادعة المرّة هو شيء صعب يحتاج الى شجاعة أدبيّة ونزاهة فكريّة وصرامة منطقيّة وثقافة علميّة . وهو شيء مؤلم لأنّ من اعتاد الحياة في الأوهام ، فصارت هذه الأوهام في أساس تكوينه الذّاتيّ وتركيببه النفسيّ وبنيته الفكريّة ومصدر تجارته ، لجدير بأن يصاب بالألم والمغص اذا تبخّرت تلك الأوهام وذهبت التّجارة وضاع رأس المال ! شيء مؤلم وصعب ! بل شيء مغيظ ! بل شيء ممرض ! فهل نستدعي لك طبيبا باراسيكولوجيّا أيّها المتألّم المصدوع ؟

انّ الوسطاء والعرّافين وسائر شراذم المشعوذين هم رأس مال الباراسيكولوجيّ . فلا تعجب اذا ان يضع ذلك ” الاختصاصيّ ” الباراسيكولوجيّ غشاء على عينيه ، متوهّما أنّه اذا رفض رؤية الحقيقة لأنّها تصيبه بالآلام والمغص وتخلق له الصّعوبات النفسيّة والفكريّة ، انعدم وجود الحقيقة . فهذا التصرّف يتّفق مع المبادىء السّحريّة التي تقوم عليها الأكذوبة الباراسيكولوجيّة . لكنّك تتساءل كيف استطاع تحديد نسبة ” الظواهر ” الصحيحة من أصل المجموع الكاذب ؟ وبأيّ ميزان وزن تلك الأعمال الشّعوذيّة فثبت له أنّ عشرة بالمئة منها صحيح والباقي كذب ؟ وبأيّة كيلة سحريّة اكتال من سطل “الظّواهر ” الجيلريّة فأخرجت له عشرة بالمئة فقط ؟ ومتى كانت ” الظّواهر ”  النوعيّة تكيّل بالنّسب المئويّة ، و”المواهب “الباراسيكولوجيّة بالمقادير الكميّة ؟ لقد كان راين المغفّل ، السّعيد بغفلته ، يدّعي أنّه اذا غربل مئات الآلاف من الاجابات على بطاقات زينر بالغرابيل الاحصائيّة ، يبقى منها عشرة بالمئة ممّا يمكن نسبته الى القوّة “بسي” ، أمّا الباقي فيتحصّل عن محض الاتّفاق . فهل اكتشف العلم الباراسيكولوجيّ غربالا خاصّا بالظّواهر النوعيّة ؟

اذا جاز تكييل الاجابات في الباراسيكولوجيا الكميّة بالنّسب المئويّة ، فلأنّها جميعها نوع واحد ، ولأنّه يستحيل عزل عامل المصادفة في اجابة عن العامل (بسي) الموهوم . فتكييل “الظّواهر ” النوعيّة بالنّسب المئويّة يفترض كذلك أنّها جميعا شيء واحد ، وأنّه يستحيل تمييز الألعوبة التي تحدث بالغشّ والتزوير عن الألعوبة التي يمكن أن تحدثها القوى الخفيّة الوهميّة . فاذا كان ذلك كذلك ، وثبت أنّ الوسيط قد غشّ وكذب تسع مرّات كلّما قام بألعوبته عشر مرّات ، فكيف يمكن لانسان فيه ذرّة واحدة من الحسّ النقديّ والأمانة الخلقيّة أن يفترض أنّ الوسيط لم يغشّ في المرّة الوحيدة الباقية ؟ وما دامت نسبة تلك “الظّاهرة “الى التزوير والخداع قد صحّت تسع مرّات من أصل عشرة ، فكيف يمكن لانسان ( قلت “لانسان ولم أقل لكائن طويل الأذنين “) أن يفترض وجود قوّة خفيّة سحريّة لتفسير تلك المرّة التي هي من النّوع ذاته الذي حصل بالخفّة والغشّ والتّزوير ؟

انّ ادنى المشعوذين وأقلّهم مهارة يستطيع أن يخدع أحذق الناس وأشدّهم انتباها ، مرّة واحدة على الأقلّ ، كلّما قام ذلك المشعوذ بألعوبته عشر مرّات ! انّ الانسان اذا لم يكن مصابا بعقله يكتفي بالتثبّت من أنّ ” الوسيط ” قد غشّ مرّة واحدة حتّى يقضي عليه بأنّه أفّاك حقير ومشعوذ رخيص ، حتّى لو نجح بعد ذلك باحداث تلك الألعوبة مئات المرّات . أمّا عند صاحب الرخصة البرازيليّة ، فانّ “الوسيط”الذي يكتشف خداعه تسع مرّات من أصل عشرة يبقى موهوبا “! فها أنت ترى ، بأشدّ ما يكون عليه الوضوح أنّ “الظّواهر ” الباراسيكولوجيّة ليست في أعمال الوسيط ذاته لكن في ما يسمّيه علماء النفس “ارادة الايمان ” المتمثّلة في اصرار ” الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ “على الغباء وعمى القلب البالغ حدوده القصوى .

وهل تعلم لماذا يستبقون هذه العشرة بالمئة ويتشبّثون بها تشبّث الغريق بحبال الهواء ، ويدافعون عنها دفاع المستميت ، ويتخلّون من أجلها عن كلّ تفكير منطقيّ وعن كلّ حسّ نقديّ وعن كلّ نزاهة فكريّة وأمانة خلقيّة ؟

فأنت لو أمسكت صاحب الرخصة البرازيليّة وجدعت أنفه وصلمت أذنيه وفقأت عينيه ، لما تراجع عن هذه العشرة بالمئة !فالاعتراف بالحقيقة “شيء مؤلم وصعب ” ويصيبه بالمغص و”الملعون “!

بل حتّى لو جئته بجيلر ذاته وبأمّه وأبيه وأخته وأخيه وزوجته وبنيه وأقاربه ومعارفه وجدّه وجدّته وخالاته وعمّاته كما بشريكه ، فاعترفوا اعترافا صريحا واضحا أمام القضاة والكاتب العدل ، مشفوعا بالأيمان المغلّظة ، بأنّ الرجل ليس الاّ لاعب خفّة ، وبأنّه قام بألاعيبه كلّها بفضل المهارة والحرفة ، لما تراجع صاحب الرّخصة البرازيليّة عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة شيء مؤلم وصعب وهو يصيبه بالحمّى والبرديّة وبالانهيارات العصبيّة والاختلالات العقليّة !

بل حتّى لو جئته بجميع وجهاء الطّائفة وعلى رأسهم البطرك وسائر رجال الاكليروس والمبعوث الفاتكانيّ وقالوا له : ” انّ مصير الأمّة اللبنانيّة بكامله متوقّف على الموضوع ، فعد عن ضلالك الى صوابك ، يا بنيّ ، لمّا تراجع مؤسّس الباراسيكولوجية اللبنانيّة عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة “شيء مؤلم وصعب !” وهو يصيبه بالافلاس التجاريّ والرّكود الاقتصاديّ ويضطرّه الى اغلاق الدكّان !

بل حتّى لو أضفت عشرة أسطر الى لائحة ألقابه ، وسمّيته “بروفسّور “، وسعيت الى نشر تلك اللائحة ومعها صورته في الجريدة – وهو أقصى ما يطمح اليه “اختصاصيّ باراسيكولوجيّ”في العالم ، لما تراجع عن العشرة بالمئة ! فالاعتراف بالحقيقة ” شيء مؤلم وصعب ” وهو يصيبه بالطواعين النفسيّة و(السيدا)العقليّة !

اعلم يا أخي ، أنّ جميع “الوسطاء”هم يوري جيلر ، وأنّ جميع المؤمنين بالباراسيكولوجيا هم صاحب الرخصة البرازيليّة ، وأنّ جميع ” الظّواهر ” الباراسيكولوجيّة هي في نهاية التحليل هذه العشرة بالمئة ؛ واعلم أنّ هذه العشرة بالمئة التي يولّدها فيهم الاصرار على السّذاجة – هي الوهم الذي تقوم عليه الأكذوبة الباراسيكولوجيّة !

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

الباراسيكولوجيا والشّعوذة

لقد رأيت أنّ الباراسيكولوجيا قائمة على التّسليم بوجود قوى خفيّة يمتلكها بعض الأفراد ، فتتيح لهم رؤية المغيّبات ومعرفة المستقبل وتحريك الأجسام عن بعد والتأثير فيها ، وغير ذلك من المحالات . وهذه القوى ظهرت – وما تزال تظهر – في أعمال من يسمّونهم ب”الموهوبين “، وهم العرّافون والمبصّرون والكهنة والسحرة والوسطاء قديمهم والجديد . انّ العلم لا يعترف بوجود تلك الأعمال ، ولا بوجود تلك القوى ، كلّ ذلك حثالة معرفيّة متبقيّة من العصور الغابرة يستغلّها الانتهازيّون للتجارة ؛ فانّ الباراسيكولوجيا ، كمشروع ينتحل الصّفة العلميّة ، ما وجدت الاّ لاثبات صحّة تلك الأعمال والقوى و”دراستها ” فوجودها متعلّق موجود البصّارين والعرّافين وسائر أنواع “الموهوبين” من الدجّالين المحترفين ممّن تشكّل ظواهرهم مادّة الباراسيكولوجيا وموضوعها . فهي لم تكن لتوجد لو لم يوجد هؤلاء ، وليس لها بقاء الاّ ببقائهم . فهناك اذا حلف استراتيجيّ نظريّ وعمليّ بين الباراسيكولوجيا وبين العرافة و”الوساطة ” ؛ بين الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ وبين العرّاف والوسيط “.

 

 

سوق العرافة “والوساطة ”

ولقد علمت أنّ وجود العرّافين والكهنة وسائر من يدّعي تملّك تلك المواهب قديم قدم الدّهر . وهي حرفة كحرفة البغاء قديمة مثلها وأبديّة مثلها ، لا تزول ولا تنقرض ما دامت هناك حاجات نفسيّة وحالات اجتماعيّة ، وفقر مادّيّ وروحيّ وعلميّ ، وبؤس تفرّخ فيه كما يفرّخ البعوض في الأقدار ، وما دامت الآفات والمصائب والمشكلات والأمراض تدخل في نسيج الوجود الانسانيّ . فمتى وجدت الحاجة ، وجدت السّلعة وقامت السّوق . وهذه السّوق ، سوق العرافة والوساطة توجد في كلّ مجتمع ، وكلّ بيئة ، وكلّ زمان . وهي سوق بالمعنى الاقتصاديّ للكلمة ، أي معرض لتبادل السّلع والخدمات بالأموال وما حلّ محلّها . ولكي تروج هذه السّلع والخدمات السّحريّة في السّوق لا بدّ لها من ضمانة وكفالة ودعاية وتفسير نظريّ ايديولوجيّ كما يقال. ففي المجتمعات التي يسود فيها الفكر الدّينيّ مثلا ، يلجأ العرّافون و”الوسطاء ” أو المؤسّسات التي تضطلع بمهمّة “الوساطة “بين السّماء  والأرض أو العالم الظاهر الخفيّ ، الى كفالات وضمانات وتأويلات نظريّة مزوّرة محرّفة عن العقائد الدينيّة كما هو معروف . أمّا في الغرب ، منشأ الباراسيكولوجيا ، حيث يستقلّ العلم ، لا الدّين ، بالسيادة المعرفيّة المطلقة ، يلجأ العرّافون و”الوسطاء ” الى كفالات وضمانات وتبريرات نظريّة مزوّرة عن المعطيات العلميّة . وما هو الاختصاص الذي ينتحل الصّفة العلميّة ويؤكّد صحّة العرافة والوساطة ويثبتها ويختلق لها التّفسيرات العلميّة المزوّرة ؟-انّه الباراسيكولوجيا .

صحيح أنّ الباحث الباراسيكولوجيّ يزعم أنّ علاقته الحتميّة بالموهوبين من العرّافين والوسطاء هي علاقة دراسيّة ، وأنّ هؤلاء يشبهون بعض الشّبه الحيوانات التي يقوم العلماء باجراء التّجارب عليها في المختبرات ، ويزعم أيضا أنّه في تجاربه يتّخذ جميع الاحتياطات اللازمة لعزل عامل الغشّ والخداع الممتزج امتزاجا جوهريّا بعامل القوى الخفيّة ، فلا يثبت في غرباله الاّ الموهوبون حقّا ؛ لكنّ هذه كلّها مزاعم نظريّة مجرّدة مغايرة تمام المغايرة لأصول الباراسيكولوجيا النّظريّة ، وكذلك لما حدث عمليّا في واقع الحال . فالباراسيكولوجيا ليست أكثر من غطاء علميّ مزوّر للشّعوذة والدّجل .

 

 

الباراسيكولوجيا تجوّز أعمال المبصّرين

انّ المشتغل بالباراسكولوجيا يجوّز سلفا صحّة العرافة و”الوساطة ” جوازا نظريّا مؤكّدا . وكلّ ما تسمح به أصول الباراسيكولوجيا هو تمييز “الوسيط الموهوب “من الذي يدّعي “الموهبة ” دون أن يكون متمتّعا بها حقّا . وهنا مقتل الباراسيكولوجيا . فما دام العلم لا يجوّز أصلا وجود العرافة و”الوساطة ” فانّ التمييز الباراسيكولوجيّ بين “الموهوب ” والمشعوذ يتحوّل حكما الى تمييز بين المشعوذ الموهوب القادر على خداع المشتغل بالباراسيكولوجيا والمشعوذ الذي لا يسعفه الحظ في النّجاح . هذا هو كلّ ما تسمح به الباراسيكولوجيا فقط . هذا اذا كان المشتغل بالباراسيكولوجيا بطبيعة الحال ، نبيها ملاحظا ، صاحب حسّ نقديّ ، خبيرا بألاعيب المشعوذين وفنونهم ، وليست هذه هي حال راين ونوموف وكثيرين غيرهما من أئمّة الصّناعة ؛ واذا كان ، بطبيعة الحال ، نزيها صاحب أمانة خلقيّة ، ولم يكن هو ذاته مزوّرا كذّابا ومتواطئا متاجرا ، كما هي حال الأغلببيّة السّاحقة ممّن يؤلّف ويكتب ويبشّر بالباراسيكولوجيا . أضف الى ذلك أنّ المبادىء والتّقاليد الباراسيكولوجيّة تسمح لكلّ مشعوذ موهوب في فنّ الشّعوذة بانتحال “الموهبة ” الباراسيكولوجيّة وبالنجاح في خداع ” الباحث “الباراسيكولوجيّ . فقد رأيت أنّ من تلك المبادىء والعوامل توفير جوّ الأمان والثّقة “للوسيط ” أي اهمال مراقبته وتمكينه من الغشّ . ويكفي الوسيط أن ينجح مرّة واحدة فقط حتّى يطوّبوه قدّيسا باراسيكولوجيّا . ولو قبض عليه بعد ذلك بجرم الغشّ والتزوير ، لوجدوا له الأعذار كما رأيت ؛ ولو فشل بعد ذلك مرارا وتكرارا في اظهار “الظّواهر “، لوجدوا له الأعذار . حتّى لو خدع وغشّ وزوّر تسع مرّات من أصل عشر ، لما أسقطوا عنه صفة ” الموهبة ” بالكليّة . “وعامل النعجة والعنزة يفترض أن لا يشكّ الباحث بالوسيط من أجل أن تظهر أفاعيل القوّة الخفيّة . وهذا متّفق مع أسس الباراسيكولوجيا ، اذ أنّ وجودها مرتبط بنجاح “الوسيط ” . فهم يتمنّون بل يصلّون من أعماق قلوبهم كي ينجح الوسيط ، ويعملون كلّ ما في وسعهم ، مدفوعين لا شعوريّا بتمنيّاتهم ورغباتهم لانجاحه ، فهو رأسمالهم ومادّة صناعتهم . فالمبادىء والتّقاليد والقوانين الباراسيكولوجيّة توفّر للوسيط ، أعني المشعوذ الموهوب ، جميع الشّروط الضّروريّة لكي ينجح في الغشّ والخداع والتزوير ، وليحصل على شهادة وكفالة وضمانة علميّة باراسيكولوجيّة .

 

 

هكذا تخلق الباراسيكولوجيا العرّافين وتروّج لهم

ولا تكتفي الباراسيكولوجيا بذلك ، بل انّها تستبعث  العرّافين والوسطاء استبعاثا وتستنبتهم استنباتا وتخلقهم خلقا ، بما هي ، من جهة أولى ، محور مهمّ من محاور النّشاط الفنّي التسلويّ وموضوع مثير يجد له سوقا رائجة على شاشات التلفزيون ، وفي الصّحف التي تبحث عن الاثارة الرّخيصة ، وفي المسارح العامّة ، ودور النّشر التي تستثمر ميل النّاس الى المجهول والى غرائب الأمور ؛ وبما هي ، من جهة ثانية ، مجموعة من المصطلحات والمفردات والقوالب والأشكال المحدّدة التي تفرض نفسها في السّوق كماركات مسجّلة للظّواهر الباراسيكولوجيّة . انّ جنس الوسطاء الروحيّين مثلا ، لم يكن معروفا في التراث السّحريّ الغربيّ الأوروبيّ أو الأميركيّ ؛ فلمّا اختلقت آنساتان مراهقتان من عائلة فوكس تلك الأكذوبة ، وتهافت الباحثون الباراسيكولوجيّون عليها ، فصحّحوها وجعلوا يطلبون الموهوبين في هذا الحقل لدراستهم وفهم التّجار أنّ السّوق تبشّر بالخير ، وأنّ هناك طلبا شديدا على هذا النوع من السّلع ، ظهر الوسطاء الروحيّون بالآلاف ، وتحوّلت الوساطة الروحيّة الى حرفة ومهنة وفنّ قائم بذاته . فأنت ترى بوضوح أنّ المشتغلين بالباراسيكولوجيا هم الّذين استبعثوا الوسطاء وهم الّذين وضعوا أصول المهنة وقواعدها وتقاليدها . وقد يكون النّوع غير معروف في التّراث السّحري لهذه البيئة أو تلك ، فما أن تنتشر في هذه البيئة المنشورات الباراسيكولوجيّة حتّى يظهر فجأة هذا النوع من الظّواهر ويكثر الموهوبون الذين يحسنون احداثه . فالوساطة الروحيّة مثلا لم تكن معروفة في التّراث السّحريّ للثقافة العربيّة الاسلاميّة ، فلمّا ظهرت في الغرب ، ووضعت أصولها وقواعدها وتقاليدها ، وانتقلت أخبارها الى مصر عبر ترجمة الأدبيّات الباراسيكولوجيّة في بداية هذا القرن ، ظهر الوسطاء الروحيّون في القاهرة وانتشر تحريك الطّاولات . كما انّ ثني الملاعق لم يكن معروفا الاّ في أوساط لاعبيّ الخفّة ، فلمّا ظهر يوري جيلر ونقل اللعبة من فنّ الخفّة الى حقل المواهب الباراسيكولوجيّة صار ثني الملاعق ظاهرة باراسيكولوجيّة مسجّلة ، وصار كلّ من يرغب في الحصول على رخصة باراسيكولوجيّة يقوم بلعبة ثني الملاعق . ونبغ في هذا الميدان ، بعد جيلر وتقليدا له آلاف الأفراد ممّن يبرهنون على مواهبهم الباراسيكولوجيّة بثني الملاعق . فالمصطلحات الباراسيكولوجيّة هي التي تخلق الظواهر الباراسيكولوجيّة . وكم من الأفراد في الغرب انبعثت فيهم فجأة المواهب الباراسيكولوجيّة بعد مشاهدتهم لحفلة تلفزيونيّة يقوم فيها الوسيط محاطا بالاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ باظهار أفاعيله الشّعوذيّة ، أو بعد اتّصالهم العارض بباحث باراسيكولوجيّ اكتشف مواهبهم . وأيّ انسان يكون مزعزع الشخصيّة ، مختل النفسيّة ، ضعيف الثقافة العلميّة ، لا يطيش صوابه فيصدّق نفسه ، اذا أوهمه عالم باراسيكولوجيّ بأنّه صاحب مواهب خاصّة تميّزه عن سائر البشر ! فكولاغينا ، الوسيطة الروسيّة التي ذكرناها آنفا ، تصرّح بأنّها اكتشفت مواهبها بعد قراءتها للأكاذيب الرخيصة التي كان يروّجها فاسيلياف عن تحريك الأجسام عن بعد . فما كان منها الاّ أن قامت بالمحاولة ، فاذا بها تنجح ! 21

وكان سهلا عليها ، بعد ذلك ، خداعها فاسيلياف ونوموف وغيرهما ، اذ باعتهم ما كانوا يبحثون عنه ! أمّا “الموهوبون ” الأميركيّون الذين اكتشفهم ” بالصدفة ” العاملون بالباراسيكولوجيا وأنزلوهم الى السّوق ، فعددهم لا يحصى . ولن أسرد عليك قصص الأطفال الذين اكتشفوا فجأة ، في بريطانيا ، أنّهم قادرون على ثني الملاعق بعد مشاهدتهم الوسيط الاسرائيليّ جيلر يثني الملاعق في استعراض تلفزيونيّ . ولمّا أخذ ستّة منهم الى المختبر للتّحقّق من مزاعمهم تبيّن أنّ كلّ ما تعلّموه من مشاهدتهم لجيلر على التلفزيون هو الغشّ والتزوير ؛ فقرصت آذانهم وأعيدوا الى ذويهم مع التوصية الملحّة بالسّهر على تربيتهم الخلقيّة .22

ولن أذكر لك جميع لاعبي الخفّة الذين تحوّلوا الى أصحاب مواهب باراسيكولوجيّة لمّا بارت تجارتهم الأولى ، ورأوا أنّ التّجارة الثّانية أكثر رواجا ، وتحوّل ما كانوا يقومون به بفعل المراس والخفّة اليدويّة الى ظواهر باراسيكولوجيّة خارقة للعادة مثيرة للخيال ! 23

وأشهر هؤلاء لاعب الخفّة الاسرائيليّ يوري جيلر الذي ذكرناه . ومنهم أيضا الفرنسي جان بيار جيرار . وكان هذا الرجل رعب خفّة محترفا يحتلّ اسمه وعنوانه وصورته واختصاصاته في فنّ الخفّة – ومن ذلك ثني المفاتيح – صفحة كاملة في الدليل الرسميّ الفرنسيّ للاعبي الخفّة . فلمّا رأى أنّ زميله الاسرائيليّ قد انطلى ادّعاؤه على علماء الباراسيكولوجيا وطار صيته كلّ مطار وكسب الأموال الطائلة ، وأنّ التجارة بالباراسيكولوجيا تدرّ أضعاف ما كانت تدرّ عليه ممارسة ألعاب الخفّة ،تحوّل الى وسيط يحرّك الأجسام عن بعد ؛ وكانت هذه اللعبة – ولا تزال – الشكل الأكثر رواجا للظّاهرة الباراسيكولوجيّة ، فهي ماركة باراسيكولوجيّة مسجّلة . وقد استأجر جيرار عدّة منظّرين من الاختصاصيّين الباراسيكولوجيّين ، فأثبتوا مواهبه في المؤلّفات والمنشورات والحفلات المسرحيّة والمقابلات التلفزيونيّة وغيرها . وهم يدّعون أنّه أعظم من يوري جيلر . وهذا الوسيط صرّح أكثر من مرّة على شاشة التلفزيون أنّه يلجأ الى الغشّ . !24

 

 

مصالح الباراسيكولوجيّين المادّيّة في تبرير الشّعوذة ونشرها

وتتّصل الباراسيكولوجيا بالشّعوذة من جهة ثالثة . فأنت تعلم أنّ الباراسيكولوجيا ، من حيث أنّها مقصاة اقصاء احتقاريّا أبديّا عن المؤسّسات العلميّة الرّسميّة ،  ليست أكثر من سوق سوداء حرّة ، مشاعة ، مفتوحة أمام كلّ الانتهازيّين وكلّ تجّار الأوهام والأحلام ممّا هبّ ودبّ . وجميع الذين يتعاطون هذه الصّناعة لهم مصالح معيّنة مختلفة . حتّى “الباحثون ” من حملة الشّهادات الجامعيّة ، ممّن قد يظنّ المرء أنّ اهتمامهم بالباراسيكولوجيا ناتج عن الفضول العلميّ فقط ، لهم مصالح رخيصة في الترّويج للباراسيكولوجيا .25

وقد تكون هذه المصالح تجاريّة صرفة في أغلب الأحيان ، وقد تكون مصالح معنويّة متّصلة بعقائدهم وأغراضهم الدّينيّة . لكنّهم جميعا من أصحاب الغايات النفعيّة . خذ مثلاHarold Putthoff  ،” أحد كبار الباراسيكولوجيّين في العالم الذي ذكرنا مقالته التي نشرتها مجلّةNature .

فهذا كان يدير مختبرStanford  للأبحاث الباراسيكولوجيّة ؛ وهذا المختبر الخاصّ هو أحد أهمّ المصانع التي تغرق أسواق أميركا بالأكاذيب الباراسيكولوجيّة . Putthoff  هذا ينتمي الى كنيسةScientology  ، وهو فيها بمرتبة الكاهن الأعظم اذ بلغ مقامThetan  من الدرجة الثالثة . 26

ذاك المختبر هو وكر من أوكارScientology  .27

ولا تتوهّم أنّ العلاقة بينScientology   والباراسيكولوجيا هي علاقة عارضة .Scientology  هي نوع من أنواع الباراسيكولوجيا . والباحث المذكور وشركاؤه كانوا يوهمون بعض الأفراد – ممّن تجري عليهم التّجارب المختبريّة – بأنّ نتائج التّجارب تثبت أنّهم من أصحاب المواهب ، ولكن مواهبهم بحاجة الى تنمية وتربية وتطوير وتقوية وتطهير ! بل يعتقدون أنّ جميع البشر يملكون مقدرات وقوى مجهولة ، لكنّها بحاجة الى تنمية وحراثة ! وأنت تدرك المغزى التجاريّ لهذه النّتائج وهذه التّجارب الباراسيكوبوجيّة وما تدرّ على أصحابها من أموال لقاء تدريبهم الراغبين في تنمية “مواهبهم ” . وهناك المئات من الدّكاكين المشابهة لكنيسةScientology  التي يدّعي القائمون عليها الدّاعون لها – وهم من روّاد الباراسيكولوجيا الباحثون فيها – أنّهم وضعوا أنواع الرّياضات والتّمارين لتنمية ” الحاسّة السّادسة ” وتطوير القوى السّحريّة والمواهب الباراسيكولوجيّة وغيرها من المختلقات . فالعلم الباراسيكولولجيّ هو ، ها هنا ، فخّ نصبه أولئك التّجّار للمغفّلين وغيرهم ممّن يعاني المشكلات والأزمات والأمراض والصّعوبات والعقد والعاهات النفسيّة والمصائب العقليّة .

اعلم يا أخي ، أنّ المختبرات الباراسيكولوجيّة التي يتحدّثون عنها لا يقتصر “العمل “فيها على اجراء التجارب على الأفراد بواسطة بطاقات زينر ، أو على “الوسطاء “لوجه البحث الباراسيكولوجيّ ، ولكنّهم ابتدعوا روائز يقلّدون بها الروائز المعروفة في علم النفس لقياس الذكاء . وروائزهم تقيس المواهب الخفيّة لدى الراغبين في ممارسة العرافة أو لدى العرّافين الراغبين بالحصول على ضمانة علميّة . فتلك المختبرات هي دكاكين تمنح الرّخص ” والدبلومات ” في حرفة الدّجل والشعوذة !

 

 

 

 

 

التكنولوجيا ” البراسيكولوجيّة الاحتياليّة

وماذا تقول اذا حدّثتك عن ” التكنولوجيا ” الباراسيكولوجيّة ؟ فهناك ” الهرم ” الذين يساعد على تركيز القوى السحريّة ، دماغيّة كانت أم باطنيّة ! “والخاتم ” الّذي يؤثّر في مجرى الأحداث فيحوّل لمصلحة حامله الشرّ الى خير والمضرّة الى منفعة ، فهو بمنزلة الحجاب ! وهناك البيسكوفون الذي اخترعه أحد المهندسين الباراسيكولوجيّين ، وهو آلة تسجّل أصوات الأموات !28

وهناك ” الفيديكون ” ، وهو اختراع باراسيكولوجيّ يمكن من تصوير الأشباح والأرواح التي لا تراها العين ! وهناك الآلات الالكترونيّة الموسيقيّة التي تسمح بالسّفر ، كما في قطار ، خارج الجسم ، فيسافر الرّاكب الى الهند ، فيبيع ويشتري ويعود ! أو الى الماضي فيتعرّف الى آبائه الأوّلين ويرجع ! أو الى المستقبل فيتزوّج ويلد البنين والبنات ويعود ! وكلّ هذه الاختراعات ” العصفوريّة ” ممهورة مختومة بأسماء “العلماء ” الباراسيكولوجيّين ، تباع في دكاكين وكلائهم من العرّافين والمنوّمين والمبصّرين ، وتقوم لها بالدّعاية مجلاّتهم ومنشوراتهم العلميّة !

 

 

الشّراكة التّجاريّة بين ” الباحثين ” الباراسيكولوجيّين والعرّافين المشعوذين.

وأنت اذا نظرت في الأدبيّات الباراسيكولوجيّة من منشورات ومجلاّت و”أبحاث “، كان أوّل ما يلفت انتباهك فيها هو هذه الشّراكة الواضحة بين ” الباحث “الباراسيكولوجيّ و”الوسيط ” المزعوم ، والعلاقة بينهما أوثقتها المصلحة المشتركة . فالأوّل يحتاج الى ” مواهب ” الثاني ليبرّر وجود الصّناعة ونجاح أبحاثه ومؤلّفاته ومنشوراته ، والثّاني يحتاج الى كفالة الأوّل وضمانته العلميّة للدّعاية لمواهبه والمتاجرة بها . فهما قرينان وشريكان . والمراقب اذا نظر اليهما ، لم يجد أنّ العلاقة بين المنظّر والوسيط هي علاقة الباحث بموضوع علمه بل هي علاقة الفنّان بمدير أعماله أو المخرج بالممثّل أو الشّريك بالشّريك أو الدبّ بصاحب الدبّ ،  دون أن تدري أيّهما هو الدبّ وأيّهما هو صاحب الدبّ. فهما معا على شاشات التّلفزيون وعلى صفحات الجرائد وفي الحفلات . وقد يكون الوسيط علرّافا محترفا ، فيزداد عدد زبائنه ويكسب الأموال الطّائلة . وقد يكون ممّن يحترف الظّهور على مسارح التّسلية فيصيب النّجاح المنقطع النّظير ، وتدعوه التّلفزيونات للظّهور على شاشاتها لقاء المبالغ الكبيرة ، وليس أبدا بالمجّان . وقد لا يكون عرّافا فيسارع الى كتابة مذكّراته ووصف حالاته النفسيّة وذكر ظواهره ، ” يقدّم ” له الاختصاصيّ أو يشترك معه بتأليف ما أو يؤلّف ويكتب عنه ثمّ يتقاسمون الأرباح . لا حاجة لي للعودة الى عهد الباراسيكولوجيا الأوّل لأسوق لك أسماء “الوسطاء ” وخصوصا ” الوسيطات ” واحدا واحدا ، وواحدة واحدة ، وأسماء قرنائهم من الباحثين ، باحثا باحثا ، وما جرى بينهم من المغامرات والنّوادر . لكنّ نظرة خاطفة الى تاريخ الباراسيكولوجيا الجديدة تريك هذه الشراكة المستمرّة بوضوح . “فالدكتور “صول – الذي كان من ” كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” في زمانه ، وكان كما رأيت مزوّرا أفّاكا – كان له قرين أفّاك مثله هو المشعوذBasil Schacklton  والدكتورW.H.C.Tenhaeff – وهو من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، اقترن بالمشعوذ العرّاف الشهيرGerard Crioset  ، وكان يقوم له بالدّعاية الكاذبة على صفحات الجرائد ، وكان اذا فقئت عيناه بأكاذيبه ، خرج الى السّبّ والشّتم والانهيارات العصبيّة . 29

والدكتورEisenbund  – وهو ” من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” – كان قرينا وشريكا للمشعوذ المعروف الأميركيّTed Serios  ، يؤلّف عنه الكتب ويقوم بالدّعاية له . 30

“والدكتورS.Krippner  – وهو من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، وصاحب الاختبارات الباراسيكولوجيّة المعروفة في أحد مستشفيات بروكلين حول “ارسال الأحلام ” – شارك البريطانيّ المتاجرM.Menning  وجنيا من شراكتهما الأموال الطّائلة . 31

“والدكتورة “G.Shmeidler  – ” من كبار الباراسيكولوجيّات في العالم “

والباحثة عن الأشباح في المنازل المسكونة ، والمكتشفة ” قانون النّعجة والعنزة ” – هي التي احتضنت الأفّاك الأميركيّ المؤاجرIngo Swann وشهرته . 32

والدكتورRussel Targ  – “من كبار الباراسيكولوجيّين في العالم “- طرح في السّوق عددا كبيرا من أصحاب “المواهب “، أشهرهم البصّارةHella Hammid  التي كانت مصوّرة قبل أن يوهمهاTarg  بأنّها صاحبة موهبة خارقة شرط أن تأخذ بعض الدّروس في ” تطهير ” قواها من المشوّشات …33

والباحث الأميركيّKeith Harary  -وهو من “كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ” – كان وسيطا يزعم أنّه يخرج من جسمه ويزوّر قطّته الموجودة في الغرفة المجاورة ، (!) قبل أن يصبح “باحثا ” باراسيكولوجيّا شريكا في مختبرStanford  للأبحاث الباراسيكولوجيّة ، وهو الذي أوحى للدجّال التاجرRobert Monroe  بانشاء مصلحة تجاريّة تستغلّ بعض الألعاب الالكترونيّة التي تسمح للرّاغبين بالقيام “بأسفار ” باراسيكولوجيّة خارج الجسم لقاء مبلغ محترم من الدولارات . 34

والدكتور أندرياس بوهاريش الاختصاصيّ الباراسيكولوجيّ الشّهير الذي حوّل جيلر من لاعب خفّة مغمور في اسرائيل الى وسيط باراسيكولوجيّ هائل الحجم عظيم الثّروة ، خلبت ظواهره عقول الباراسيكولوجيّين ردحا من الزّمن . انّ الائحة طويلة جدّا ، ولو أردت أن أسردها بكاملها لاحتجت الى تحبير صفحات كثيرة . ويكفيك أن تنظر الى المنشورات الباراسيكولوجيّة لتجد أنّ وراء كلّ وسيط مشعوذ اختصاصيّا باراسيكولوجيّا ينظر له ، ويقوم له بالدّعاية ، ويفسّر “ظاهراته ” تفسيرا ” علميّا “، ويدافع عنه اذا فضح الصّحافيّون أمره .

 

 

هات دولارات …وخذ “ظواهر ” باراسيكولوجيّة بالجملة

وما هي الأدبيّات الباراسيكولوجيّة ؟ – انّها ليست أكثر من مجاميع للأخبار والرّوايات التي يقوم بدور البطولة فيها العرّافون و”الوسطاء “.

فهي دعاية ، غير مجّانيّة بطبيعة الحال ، لأولئك القوم .  وهي في بابها تشبه المجلاّت ” الفنيّة ” التي تعنى بأخبار الممثّلين والممثّلات والمطربين والمطربات والراقصات وسائر أهل الطّرب والكباريهات والمرابع الليليّة .

ووجوه الشبه بين الفريقين كثيرة . فالوسطاء والعرّافون والمبصرون والمنجّمون والمنوّمون وغيرهم ممّن يتعاطون تلك الحرفة هم أيضا أصحاب كار كما تعلم ، ولهم أسواقهم الخاصّة بهم التي يشرف عليها ويسهر على تنظيم العمل فيها ” الاختصاصيّون ” الباراسيكولوجيّون . ولا نحتاج الى ذكر أسماء المعاهد والجمعيّات العلميّة والمراكز الأكاديميّة الباراسيكولوجيّة التي يتعاطى فيها الوسطاء فنون الشّعوذة . ففي فرنسا مثلا أربعون ألف عرّاف وعرّافة ينتحلون الألقاب والشّهادات الباراسيكولوجيّة . ويكسبون في السّنة الواحدة حوالى عشرة مليارات فرنك . وهم يقيمون معرضا سنويّا كبيرا . ولهم مجلاّت ومنشورات ومؤسّسات . واللفظة الفرنسيّةParapsychologue  تطلق على العرّاف كما على قرينه وشريكه الباحث أو الاختصاصيّ الذي ينظر له . وهذا الاشتراك باللفظ هو تعبير عن اشتراك بالتّجارة . وما يحدث في فرنسا يحدث في سائر البلدان التي تنتشر فيها الباراسيكولوجيا ، حتّى في الاتّحاد السّوفياتيّ سابقا . فما أن فتح الرفيق غورباتشوف السّوق أمام التّجارة الحرّة حتّى أسّس على الفور الموهوبون وقرناؤهم من الباحثين الشّركات التجاريّة لاستثمار المواهب .

لقد ذكرت لك خبر ذلك الصّحافيّ الفرنسيّ الذي ذهب يحقّق في الباراسيكولوجيا . ففي موسكو التقى بالعالم السعيد الذّكر نوموف الذي هو أشبه بوكالة دعائيّة أو نقيب للوسطاء والوسيطات ، لديه عناوين كلّ من يحترف فنّ الشعوذة في روسيا ، ومنهم كولاغينا . وكانت كولاغينا قد عادت للعمل ، كذلك نوموف . والتقى الصّحافيّ بكولاغينا بواسطة نوموف . وطلب اليها أن تظهر شيئا من مواهبها أمام العدسة . فأخبرته أنّ جماعة من العلماء المتعدّديّ الاختصاصات قد أسّسوا تعاونيّة لدراسة ظواهرها دراسة علميّة ، وأنّها قد وقّعت مع هذه التعاونيّة عقدا يقضي بأن لا تمارس مواهبها الاّ بحضورهم وتحت مراقبتهم وباشرافهم . واتّصل الصّحافيّ المذكور بالتعاونيّة الّتي رحّبت بالطّالب ترحيبا حارّا ووعدته بتنظيم الحفلة في معهد الميكانيك وعلوم البصريّات الدّقيقة في موسكو ، ومنّته بأنّ كلّ شيء يسير على ما يرام شرط …أن يدفع مبلغا مقداره 25 ألف دولار فقط لا غير !35

لقد رفض الصّحافيّ الفرنسيّ دفع هذا المبلغ الكبير . لكن لنفرض أنّ المبلغ كان أدنى من ذلك وأنّ الصّحافيّ قد دفعه ، أو أنّه كان أميركيّا ثريّا مولعا بالظّواهر الباراسيكولوجيّة , توّاقا لمشاهدتها ، مهتمّا بأن يقدّم للمشاهدين حفلة رائعة مثيرة ، فدفع المبلغ ، فهل تعتقد أنّ كولاغينا وجماعة العلماء المتعدّدي الاختصاصات ، كانوا سيخيّبون أمله برؤية الظواهر الكولاغينيّة الباراسيكولوجيّة ؟

انّها ، كما ترى ، ليست أكثر من تجارة . فالباراسيكولوجيا ، كعلم مدّعى ، هي الواجهة الايديولوجيّة ، والتغطية العلميّة المزوّرة ، والكفالة النظريّة المموّهة لمصاح ذلك القطاع الواسع من تجّار الغيب والغرائب . فالباراسيكولوجيا والشّعوذة هما وجهان لعملة واحدة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

 

الباراسيكولوجيا والعلم

 

انّ صاحب الرّخصة البرازيليّة يحاول ايهام القارىء بأنّ الباراسيكولوجيا علم جديد من العلوم المعترف بها ، وبأنّه لا جدال في ذلك ! فهي تعلّم في الفاتيكان ! وهي منتشرة في الولايات المتّحدة الأميركيّة وفي البرازيل أيضا ! فكيف يمكن الشكّ بها بعد ذلك ! انّ مثل هذا البرهان ، الذي يذكّرك بأساليب التّجّار في الدعاية لبضائعهم المستوردة ، لا يستغرب من ذلك المضلّل ، فهو تاجر مؤاجر يحاول تسويق سلعته الرّخيصة وبيعها تحت ماركة ” العلم “.

 

 

التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم

اعلم ، أيّها الأخ ، أنّ ما يسمّى اليوم باراسيكولوجيا ينتسب الى الارث السحريّ للبشريّة ، فهو تكملة واستمرار لذلك الوهم القديم . فما من حضارة ظهرت على وجه الأرض منذ أوّل الدهر الى اليوم الاّ قام فيها ، الى جانب الاتّجاه العقلانيّ في فهم العالم وتحويله ، اتّجاه سحريّ يفرّخ في جهل الانسان وبؤسه . فالايمان لأنّ جماعة من الناس كالكهنة والسّحرة والعرّافين وأضرابهم يملكون قوى خفيّة سريّة تمكّنهم من القيام بأعمال خارجة عن العادة كمعرفة الغيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، وكشف المخبّآت ، والتأثير في العالم الطبيعيّ بغير واسطة مادّيّة ، وشفاء الأمراض من غير دواء أو وسيلة طبيعيّة – هذا الايمان يعود الى طفولة البشريّة . وكذلك  ادّعاؤهم أن تلك القوى والمقدرات والاستطاعات تخضع لقوانين ، وأنّها موضوع لعلم سريّ هو علم السّحر أو علم العرافة . وليست تخلو ثقافة انسانيّة قديمة أو حديثة من هذا المعتقد السّحريّ ، ومن كميّة هائلة من الأخبار والحكايات والأساطير التي تصوّره في جميع أشكاله وفنونه . أنت تستطيع أن تتسلّى بالنظر ، مثلا ، الى الأدبيّات التي نشأت حول هذا الموضوع في هامش الثّقافة العربيّة الاسلاميّة ، فهي أدبيّات غزيرة جدّا ، وهي تتفوّق بما لا يحدّ على الأدبيّات الباراسيكولوجيّة المعاصرة ، كما أنّها ذات قيمة فنيّة ممتازة يرتفع فيها الخيال الى آفاق عالية . وأنت لو كدّست كبار الباراسيكولوجيّين في العالم ، جميعهم ، الواحد فوق الآخر ، ضاغطا ايّاهم بمجمل قدميك ضغطا عنيفا ، لما بلغوا كعب ابن وحشيّة (القرن التاسع ) ، صاحب ” الفلاحة النّبطيّة “.

الاّ أنّه اذا كان الانسان قد استطاع أن يتقدّم وسط الظّلام المحيق وفي الشّروط الطبيعيّة القاسية ، أن يتمكّن من كشف أسرار الطبيعة والسّيطرة عليها ، وأن يبني العلم حجرا حجرا عبر آلاف الأجيال ، وأن يؤسّس الحضارات ، وأن يصل الى ما وصلنا اليه اليوم ، فذلك حين خرج من الأقماط السّحريّة الأولى ، واستهدى من جهة بمشكاة النبوّة ، ومن جهة بمصباح العقل ، ذلك النّور الطّبيعيّ الذي وهبه الله للبشر ، وفهم أنّ تغيير العالم لا يحصل بالتّمتمة والزّمزمة واللجوء الى قوى غيبيّة يدّعي العلم بها أو التّحكم بأسرارها هذا الكاهن أو ذاك الكاهن أو ذاك الساحر ، بل بحرثة الطّبيعة بالملكات العقليّة المتهيّئة لدى النّاس جميعا . فالتقدّم الانسانيّ لم يقم على الاتّجاه السحريّ الكسيح المظلم ، المحرّر ، خارث الطّبيعة وحارس الوجود ، السّاهر على بقاء الانسان ، مولّد العلوم الصّحيحة . فكما أنّ الطّقيليّات لا تعيش الاّ على الجسم الحيّ ، كذلك تلك العلوم الكاذبة فانّها تعيش في هامش النّظام المعرفيّ السائد في هذه الحضارة أو تلك ، وتتطفّل على مراجعه ومنجزاته ، وتتزيّا بزيّه . في القرون الوسطى كانت تلك العلوم الزائفة تقتات أمّا من معطيات الثقافة الفلسفيّة لسيادة هاتين الثقافتين كسلطة معرفيّة ، تمثّل الأولى منهما الوحي والثانية العقل . والأعمال الغريبة التي تسمّى اليوم ظواهر باراسيكولوجيّة وتنسب الى قوى خفيّة مجهولة كانت تنسب امّا للجنّ والأرواح ، صالحة أم شرّيرة ، في الخطاب السحريّ المتطفّل على الخطاب الدينيّ ، وامّا لقوى نفسيّة خاصّة في الخطاب السحريّ المتطفّل على الخطاب الفلسفيّ . فقد كان يقال انّ نفوس الكهنة لها خاصيّة الاطّلاع على المغيّبات ، وانّ من النفوس الساحرة ما يؤثر الهمّة فقط من غير آلة ولا معين ؛ وهذا هو عينه قول الشراذم الباراسيكولوجيّة الحديثة . وهذا كلّه تجده مفصّلا في الأدبيّات الهرمسيّة التي انتشرت بعد غياب الشمس الفلسفيّة اليونانيّة ، في الثقافة الهلنستيّة .

 

 

خاتم ” لبيّك ” شيء ، والتفكير العلميّ شيء آخر

ولمّا بزغ فجر العصور الحديثة ، بدءا من القرن التّاسع عشر خاصّة ، بعدما قلّمت الشّعوب الأوروبيّة أظافر الكنيسة السّياسيّة وسحق فلاسفة التّنوير ما كان يسميّه فولتير”I`infame  ، وتراجع ظلّ الدّين ، فلم يبق مرجعا معرفيّا ، وحلّ العالم مكان الفيلسوف ، وساد سلطان العلم كوسيلة وحيدة مؤكّدة لفهم العالم ، وصارت له السّيادة المرجعيّة المطلقة في النّظام المعرفيّ الحاليّ ، خلعت ، آنذاك ، الأدبيّات السّحريّة رداءها القديم وشكلها القديم وتفسيراتها ومبرّراتها القديمة ، والألفاظ التي كانت تستعيرها من الدّين والفلسفة لصياغة مبادئها ومسلّماتها ، تركت ذلك كلّه ولجأت الى العلم تتزيّا بزيّه ، وتقتات من قشوره وفتاته ، وتسترق أشكاله الخارجيّة ، وتتطفّل على مراجعه ونظريّاته ومعطياته .

أنظر الى الأدبيّات الباراسيكولوجيّة بما هي محاولة نظريّة لتفسير تلك المخاريق السحريّة ، قديمها والحديث ، فماذا تجد ؟ انّك تجد خليطا متناقضا من الألفاظ المسترقة من ثلاثة علوم خاصّة ، هي علم النفس والفيزياء والفيزيولوجيا ؛ ألفاظ أفرغت من محتواها ، وأخرجت من سياقها الأساسيّ ، وركّبت تركيبا سحريّا جديدا فعادت شيئا لا علاقة له بالأصل .

فطوائف من القطيع الباراسيكولوجيّ سطت على مفهوم ” اللاوعي ” الفرويديّ فشوّهته لجهلها بمعناه ، وجعلته مقرّا لتلك القوى الوهميّة . فهو عندهم ” خاتم لبيّك ” ، ومغارة علي بابا ، وعبارة “افتح يا سمسم “، وطاقيّة الاخفاء ، والعصا السحريّة التي يحلّون بها حلاّ سحريّا بدائيّا كلّ معضلة ، ويفسّرون بها كلّ مسألة مستعصية وكلّ أمر عجيب وكلّ لغز من ألغاز الطبيعة والتاريخ ! هو عندهم بئر بلا قعر ، وهباءة تستعصي على السّبر ، وخرافة من خرافات الدّهر ! ويحيط به ” الظلام المنير ” عن شمال و”النور المظلم ” عن يمين ! وصاحب الرّخصة البرازيليّة من هذه الطائفة . ومن الطّوائف الباراسيكولوجيّة فئة انصرفت عن ” اللاوعي “، بعد أن طردها عنه المحلّلون النفسيّون ، ولجأت الى البيولوجيا ؛ فهذه الفئة جعلت الدّماغ والجملة العصبيّة مقرّا لتلك القوى السّحريّة ؛ فمنهم من يحشرها في القسم الأيمن من الدّماغ ، ومنهم من سحشرها في القسم الأيسر ؛ وهؤلاء أشدّ غباء من زملائهم ، لأنّ مخاريقهم في هذا الباب سريعة الافتضاح .

ولمّا اكتشف علم المورّثاتgenetique  في اواسط القرن ما يسمّى(A.D.N.)  تهافت الذّباب الباراسيكولوجيّ أيضا على هذا الاكتشاف ، وقالوا لا بدّ من أن تكون تلك القوى السحريّة مستقرّة في(A.D.N.)!

ولمّا أفهمهم العلماء ما هو(A.D.N) عاد أكثرهم عن تلك الدعوى وستروها ، خشية الفضيحة ، كما تستر الهرّة نجاستها !

ومثلما تكالبت تلك على مفهوم “اللاوعي ” الفرويديّ ، فانّها تكالبت أيضا على فيزياء الكمّ ( الكوانتا ) وعلى النظريّة النسبيّة ! وزعمت أنّها لا تتعارض مع معرفة المستقبل معرفة سحريّة ومع سائر تلك الظّواهر ، الأمر الذي أثار ضحك الفيزيائيّين وسخريّتهم ، وأحيانا غضبهم ، ومعظم الأحيان تجاهلهم المحتقر لتلك التخريفات الباراسيكولوجيّة . 36

ولكلّما أنبت العلم اختصاصا جديدا ، أو نظريّة علميّة جديدة ، تكالب الذّباب الباراسيكولوجيّ على ذلك الاختصاص وعلى تلك النظريّة واسترقوا بعضا من قتاتها ومفاهيمها ، الى أن يفضح أهل العلم جهلهم ، فيتحوّلون عن هذا الاختصاص الى غيره . ولن أذكر مجمل تأويلاتهم على اختلاف أنواعها وتناقضاتها ، وما ركّبوه من الفتات المستعار من هذا العلم أو ذاك ، فهي خلاصة الهذر والهذيان وفي غاية الركاكة والسّخف ، وفي أدنى الدّرجات من أدب الخيال العلميّ(Science fiction).

فهذا وجه من وجوه التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم .

 

“أستاذ في جامعة ما هبّ ” و”دكتور في كليّة ما دبّ” و” عضو في جمعيّة هلمّ جرّا “

وثمّة وجه آخر من وجوه التطفّل الباراسيكولوجيّ على العلم تجده في أدبيّاتهم على هيئة صبغة انشائيّة تزيينيّة ؛ اذ تراهم يشوّهون كتاباتهم بأسماء من شئت من العلماء والفلاسفة والمفكّرين وبأقوال منسوبة لهم ، كما يوشّونها بألفاظ العلم والعلميّة وطرائق الاثبات العلميّ والوعي العلميّ والعقل والمنطق والعلم الموضوعيّ ، وألفاظ يستعملونها بافراط شديد وباسراف يجاوز المألوف ، فاذا هي مصابة بالتّضخيم والافلاس . كما يوشّونها بأرطال من الدّرجات الجامعيّة ولوائح طويلة من الألقاب العلميّة “كالدكتور ” “والبروفسور “و”العالم البيولوجيّ ” و” المهندس البيولوجيّ “و”عالم النّفس الشّهير “و”الفيزيائيّ الكبير ” و”الأستاذ بجامعة ذيت”و”الباحث بأكاديميّة كيت “و”الحائز جائزة ما هبّ”و”العضو في جمعيّة ما دبّ “و”مكتشف قانون هلمّ جرّا ” ، وألقاب يريقونها دون حساب على كتّاب المقالات الباراسيكولوجيّة التافهة . كما يوشّونها بذكر ” المؤتمرات الباراسيكولوجيّة الدّوليّة ” وأسماء ” الجمعيّات و”المختبرات ” و”المعاهد “التي تدرّس فيها الصّناعة ، وتمنح “الدّبلومات ” و”الشّهادات “وتعطى التّرخيصات بالممارسة .

وهذه الصّبغة هي ذاتها التي كان يموّه بها ، في القرون الوسطى ، أصحاب صناعة السّحر والتّنجيم والعرافة والكيمياء وسائر العلوم الكاذبة أقوالهم ، اذ كانوا يذرّون عليها من فتات الفلسفة ويوشّونها بأسماء الفلاسفة والعلماء كفيثاغورس وأفلاطون وأرسطو وهرمس الحكيم وغيرهم من “علماء “المصريّين والكلدانيّين والهنود الأقدمين . وهي ذاتها الصّبغة التي كان يموّه بها أتباع المذاهب الباراسيكولوجيّة أنفسهم ، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، صناعة استحضار الأرواح والموائد المتحرّكة والتنويم والطبابة المغنطيسيّة . وفي ذلك الحين كانت الصّبغة أقوى قوّة ، وكانت الأسماء أشهر والألقاب أثقل وزنا . ولا تزال الى اليوم عدّة طوائف باراسيكولوجيّة تتعاطى تلك الصناعات ، وتصطبغ بتلك الصّبغة ، وتتلطّى وراء تلك الأسماء الشّهيرة والألقاب الطنّانة . هي الصّبغة ذاتها التي تلجأ اليها مئات بل آلاف الطّوائف المذهبيّة المستحدثة في الغرب ، من غنوصيّة(gnostiques )  وثيوصوفيّة(esoteriques ) ، فتسّوق بها معتقداتها وأسرارها وعلومها ؛ وكلّ فرقة من هذه الفرق ، وكلّ طائفة من هذه الطّوائف ، تزعم أنّ معتقداتها هي علم صحيح دون معتقدات سواها ، وأنّ العلم الأكاديميّ الرسميّ أيّد أقوالها ، وكذّب مزاعم سواها . فكلّهم صادقون وكلّهم كاذبون .

وأنت اذا فحصت تلك الصّبغة التي يموّهون بها أدبيّاتهم ، لوجدت أنّ تلك الأسماء الفلسفيّة والأقوال الفكريّة انّما يستخدمونها كتعاويذ ورقى ، أو للزينة والديكور ، والخدعة والتّمويه .

ولوجدت أنّ تلك الأرطال من الألقاب العلميّة الطّنانة انّما هي مزوّرة لا صحّة لها أو تافهة لا قيمة علميّة لها ، فهي تشترى كما يشترى الحذاء وربطة العنق . فالجمعيّات الباراسيكولوجيّة التي لا حصر لها ولا عدّ انّما ينشئها الأفراد أيّا كانوا ؛ وهي تتاجر باصدار النّشرات . ويكفي المرء ، عتّالا أكان أم كنّاسا ، أن يشترك في هذه النّشرة لقاء دريهمات ، حتّى يصبح عضوا في الجمعيّة . وألقاب صاحب الرّخصة البرازيليّة من هذا النوع ، فهي أرخص من البصل في سهل البقاع في موسم قلع البصل !

ولوجدتّ أنّ اسرافهم في استخدام لفظ العلم ومشتقّاته وولعهم بالألقاب انّما عن تعطّشهم المرضيّ واستماتتهم المثيرة للسّخريّة من أجل انتحال الصّفة العلميّة ، وأنّ كلّ ذلك سببه الشّعور بالنّقص القاتل المستحكم في نفوسهم ، والنّاشىء عن احتقار العلماء لهم . فالكتّاب الباراسيكولوجيّون يعوّضون عن ذلك النّقص الفتّاك بالاستعمال السّحريّ للألقاب الجامعيّة والألفاظ العلميّة .

ولوجدت أنّ تلك المعاهد والمختبرات والجامعات والاكاديميّات انّما هي مؤسّسات خاصّة لا تتمتّع بأيّة صفة رسميّة ، وأنّ الأبحاث الباراسيكولوجيّة تموّل برساميل خاصّة ، وأنّ تلك المؤتمرات الدّوليّة ، هي اجتماعات خاصّة ينظّم مثلها ، في كلّ عام ، المنجّمون والمنوّمون والمطبّبون المغنطيسيّون ومستحضرو الأرواح والقارئون بالفنجان وبورق اللعب والعرّافون وسائر فبيل الدّجّالين المشعوذين .

فالباراسيكولوجيا ، كما ترى ، طفيليّة على العلم ؛ والعلم عند الباراسيكولوجيّين ما هو الاّ مجرّد صبغة خارجيّة يموّهون بها على الأغمار . فلا تغرّنّك ألقابهم الزائفة المزوّرة وألفاظهم الطنّانة الجوفاء . فما كلّ حمراء لحمة وما كلّ بيضاء شحمة ، والكلب كلب ولو طوّقته بالذهب !

 

 

موقف العلم الأكاديميّ من الباراسيكولوجيا

اعلم ، يا أخي ، أنّ العلم لا يمثّله هذا أو ذاك من الأفراد ، لكن اجماع الهيئات العلميّة والحوزات الأكاديميّة على مجموعة من الطرائق في تحصيل المعرفة ، وعلى جملة من الأساليب في النظر الى الأمور . وهذا العلم الأكاديميّ الرسميّ لا يعترف بالباراسيكولوجيا ، ويصنّفها باحتقار في خانة العلوم الكاذبة ، ويعتبرها فضيحة عقليّة وعلميّة تعيب كلّ من يؤمن بمزاعمهما . وهو في جميع الحالات ، يحيلها ، كموضوع ، الى مباضع الباحثين في العلوم الاجتماعيّة بغية بشريحها وشرح أسباب وجودها . وهذا الابعاد للباراسيكولوجيا من حقل العلم هو عمليّ ونظريّ . والمشتغلون بها يعرفونه أكثر من غيرهم .

 

 

لا مكان للباراسيكولوجيا في الجامعة الفرنسيّة

أمّا الابعاد العمليّ فيتمثّل بعدم السّماح للهذيان الباراسيكولوجيّ بالدخول الى حرم الجامعة . خذ مثلا على ذلك فرنسا . انّ مدينة باريس وحدها تضمّ ثلاث عشرة جامعة ؛ وفيها بالاضافة الى ذلك المعهد التطبيقيّ للدّراسات العليا بشعبه العديدة التي تعنى بجميع العلوم قاطبة ، من علوم الفضاء الى علوم اللغات وعلوم الأديان ؛ وفيها عشرات المدارس المتخصّصة جدّا التي لا يدخلها الاّ المبّرزون المتفوّقون ؛ وفيها الكولّيج دي فرانس الشّهيرة ، ويه تعنى أيضا بشائر فروع العلم لا أستثني منها شيئا؛ وفيها الكونسرفاتوار الوطنيّ للتعليم المهنيّ ؛ وفيها معهد باستور الذي اكتشف علماؤه الفيروس المسؤول عن مرض السّيدا (الأيدز) ؛ وفيها المركز القوميّ للبحث العلميّ الذي يعمل فيه عشرات الآلاف من العلماء في جميع حقول المعرفة التي يمكن أن يتخيّلها الانسان . هذا في المسرّع الذّرّيّ الذي يعتبر أكبر مسرّع ذّرّيّ في العالم ، وهو مدينة بحجم مدينة باريس ، كلّ عام تقريبا ، للعلوم المستجدّة أو تلك المتحصّلة عن اشتراك الاختصاصات المتفرّقة في حقل واحد من حقول البحث . أمّا الميزانيّة المخصّصة للبحث العلميّ فهي خياليّة . ومن نافل القول انّ فرنسا تقع في طليعة الدّول المتقدّمة علميّا ، فهذا معروف . ويكفيك أن تعلم أنّه ليس هناك باب من أبواب المعرفة الموجودة على سطح الكرة الأرضيّة الاّ يدرس أو يدرّس في الجامعات والمعاهد العلميّة الفرنسيّة .

واذا سألتني أين موقع الباراسيكولوجيا في هذا الجسم العلميّ العظيم ، أجبتك بما يعرفه الخاصّ والعامّ ، العالم والجاهل ، بل على رخصة في الشّعوذة الباراسيكولوجيّة من البرازيل يمكنه أن يعرفه ويتحقّق منه : لا مكان للباراسيكولوجيا في جسم العلم في فرنسا ، ولا مكان لها في الجامعة . هذا مع أنّها قد نشأت وترعرت في فرنسا ، كما هو معروف . انّها مرذولة محتقرة مطروحة ، كالبغيّ ، على الرّصيف ، وفي دكاكين العرّافين والمشعوذين .

هناك جمعيّات خاصّة تعنى بالباراسيكولوجيا . أشهرها ” معهد ما وراء النفس الدّوليّ(Institut metapsychique international ) الذي كان أسّسه في أوائل القرن الطّبيب ريشه(Richet )  صاحب “الوسطاء الروحيّين ” الّذين لعبوا عليه تلك الألاعيب وجعلوه مهزلة لأقرانه من العلماء . وبعد أن كان لهذا المعهد عزّ وشهرة في تلك الأيّام ، علاه غبار النّسيان . وأنت تحتاج الى يوم كامل تقتضّيه في مراكز التّوثيق والأرشيف حتّى تهتدي الى عنوانه .

هناك أيضا بعض الكتّاب والصّحافيّين الموسوسين بالباراسيكولوجيا ، أشهرهم يدعى ريمي شوفان(Remy Chauvin )  . وهذا كان أستاذا في الجامعة ، وكان يتعاطى الباراسيكولوجيا سرّا ، وينشر مؤلّفاته بأسماء مستعارة خوفا من أن يطرد من الجامعة . ثمّ كشف عن قناعه ؛ فاشترطت عليه الادارة المسؤولة أن يلتزم ممارسة مستعارة خوفا من أن يطرد من الجامعة ، كالهواية حتّى  لا تتعرّض له بالعقاب أو الطّرد . وتراه دائم الظّهور على شاشات التّلفزيون في المناسبات الباراسيكولوجيّة ، لا يعرف له أيّ نشاط علميّ غير ذلك . ونبغ بعده رجل يدعىYves Lignon  . وهذا كان – ولا يزال – مساعد مدرّس في قسم ادارة الأعمال في جامعة تولوز ، في مادّة الاحصاء . ثمّ أولع بالباراسيكولوجيا بعد أن تزوّج عرّافة وجعل ينظّر لها “علميّا “؛ وما لبث أنّ أخذ ينشىء المقالات للصّحف ويوقّعها بلقب ” البروفسور ” ، كعادة الباراسيكولوجيّين في تزوير الألقاب العلميّة وانتحالها ، ويرفق مقالاته برسائل تحمل شعار الجامعة واسمها . ثمّ تجرّأ فوضع يافطة على باب مكتبه في الجامعة كتب عليها مختبر جامعة تولوز للباراسيكولوجيا . فلمّا علم به رئيس الجامعة أمره بنزع تلك اليافطة عن باب مكتبه كما أنذره بالملاحقة القانونيّة اذا هو استمرّ في انتحال لقب بروفسور ، وأذاع الرئيس في الصّحف وفي غيرها من وسائل الاعلام أنّ جامعة تولوز بريئة من تلك النّقيصة التي يحاول ذلك المدرّس المزوّر الحاقها بها والايهام بأنّ الجامعة تدرّس الباراسيكولوجيا . فاضطرّLignon الى أن يستأجر دكّانا في مدينة تولوز ويجعله مقرّا لمختبره . وهو يصدر في السّنة الواحدة أربعة كتب على الأقلّ في أخبار العرّافين وحوادث ظهور الأشباح والقرقعة على الجدران في المزارع النّائية ، فضلا عن ” القواميس”الباراسيكولوجيّة ، كعادة الباراسيكولوجيّين في الانتاج السّريع وترجمة السّلع الغرائبيّة من لغة الى لغة وتعليبها في الموسوعات والمسلسلات .

لقد ذكرت لك قصّة هذا الرجل لأنّها مشهورة شائعة ، ولأ،ّها تمثّل علاقة الباراسيكولوجيا بالجامعة الفرنسيّة ، وتعطي صورة عن موقع هذه الصّناعة في جسم العلم في فرنسا 37.

وفرنسا هي مثال على دول أوروبّا الغربيّة .

أمّا في الولايات المتّحدة حيث الجامعات تعدّ بالآلاف ، وكلّ منها يضمّ مئات الكراسي (أي المناصب الأستاذيّة ) لتدريس مختلف العلوم ، فلا تجد الاّ خمسة مراكز للبحث في الباراسيكولوجيا ، وهو عدد تافه . وتلك المراكز يموّلها غالبا أثرياء مولعون بالغرائب وبالماورائيّات . مثال ذلك “المختبر “الذي أسّسه وموّله الثّريّ الشهير ماك دونال عام 1979 في واشنطن . والذي حدثت فيه الفضيحة الباراسيكولوجيّة المعروفة باسم المشروع ألفا التي أثارها لاعب الخفّة وفاضح الأخاديع الشهير جايمس رانديLames Randi .38

وقبل ذلك كان أحد أصحاب المناجم قد أوصى بكامل ثروته الى كلّ من يعمل على تقديم البرهان على وجود حياة بعد الموت . فوقعت تلك الثروة الطائلة لقمة سائغة في أيدي الباراسيكولوجيّين ، ولذا تجد أبحاثهم تدور حول الماورائيّات . 39

فهذا هو حال الباراسيكولوجيا في البلدان المتقدّمة علميّا ؛ وهي ليست أحسن حالا في دول الجنوب اذا جاز الحديث عن باراسيكولوجيا علميّة في دول الجنوب .

لا يغيب عنك أنّ الدوّل عندما تصرف مليارات المليارات على البحث العلميّ ، فانّها لا تفعل ذلك من أجل اللهو والتّسلية والأبّهة أو ارضاء للفضول ، ولكن لأنّ العلم سلاح خطير وقوّة عظيمة تمكّن من السيطرة على الطّبيعة ، ومن الاكتشافات والاختراعات ، ومن الاستقواء في المجابهات والنّزاعات بين الدّول . فهناك اتّصال وتساوق بين العلم النّظريّ والتّطبيق العمليّ . وكن على يقن من أنّه لو صحّ وجود شيء ممّا تدّعيه الأغنام الباراسيكولوجيّة من تلك القوى السّحريّة وأفعالها ؛ لكان اعتبر ذلك من أعظم وأخطر الاكتشافات في تاريخ العلم الحديث ، ولتهافت العلماء من جميع الاختصاصات على الباراسيكولوجيا للاستعانة بها في حقولهم ، ولتنافست الدّول الكبرى في انشاء المعاهد والمختبرات لدراسة تلك القوى الخطيرة الغريبة أكثر من تنافسها في انشاء المعاهد والمختبرات لامتلاك السّلاح النّوويّ .

وهذا الموقف العمليّ له مبرّراته وأسبابه ، وليس وليد الاعتباط والتّحكم كما تتوهّم الشّراذم الباراسيكولوجيّة . من هذه الأسباب أنّ العلوم هي ثمرة العقل ؛ وبنية العقل واحدة . وهي تدرس الطّبيعة والحياة والانسان ؛ والطّبيعة واحدة ، والحياة واحدة ، والانسان هو هو هنا وهناك ، أمس واليوم . والعلوم قابلة  للبرهان والتّحقّق ، تفرض نفسها لهذا السّبب ، بسلطان قاهر على كلّ من يرجع الى العقل ؛ وهي متّصلة بعضها ببعض . والبحث فيها يرمي الى اكتشاف المجهولات بتجرّد – دون أحكام مسبقة والاّ لما حصل أيّ اكتشاف – وبمنهجيّة وطرائق موافقة لوضوعها ؛ والبحث العلميّ متّصل موضوعيّ شموليّ ، يبني فيه الباحث هنا ، أو اليوم ، ما غدا ، على ما أثبته الباحث هناك ، أو أمس , أواليوم ؛ كلّ يضع في صرح المعرفة العلميّة الحجر أو المدماك الذي أتيح له أن يضعه . فليس هناك فيزياء صينيّة وفيزياء فرنسيّة وفيزياء أميركيّة وفيزياء عربيّة ، هناك فيزياء . انّ الوعي يجعل  هذا التعاون ممكنا ، وهذا الاشتراك مثمرا ، وهذا الاتّصال قائما . هو ، من جهة ، وحدّة الموضوع ، ومن جهة واحدة النّظام المرجعيّ والمثال المعرفيّ الذي تتّسق فيه وتتناغم هذه المشاركات العلميّة . ولولا ذلك لما حصل التّقدّم العلميّ ، ولما حدث التّراكم المعرفيّ .

أمّا البحث الباراسيكولوجيّ فهو على النقيض  من ذلك كلّه ؛ فهو شأنه شأن البحث اللاهوتيّ ، لم يرم الاّ الى اقامة البرهان على مصادرات غيبيّة مستقرّة موروثة عن عصور الجهل والظّلام ، قائمة قبل البحث وقبل التّجربة ، وقبل الاختبار ، ثابتة بعد البحث وبعد التّجربة وبعد الاختبار . وهو لا يتّصف بالموضوعيّة . فأرباب تلك الصّناعة أنفسهم يزعمون ، كما رأيت ، في مزاعم جعلوها أشبه بالقوانين ، أنّ الفكر التّحليليّ والمراقبة المشدّدة والشكّ المنهجيّ – وهي أدوات المعرفة العلميّة – تمنع من حدوث الظواهر وتبطل مفعول القوى السّحريّة . فهي لا تقبل الاّ من باب الايمان . فان كانت تلك القوى لا تكشف عن وجهها الاّ لأتباعها ، ولا تظهر الاّ على المؤمنين سلفا بها . وحدهم دون سواهم ، اقتصر البحث في هذا المجال على النّعاج المسلّمة بتلك العقائد ؛ وكانت المعرفة التي تكتب بهذا المنهج هو أشبه بالطّرق الصوفيّة الذّاتيّة معرفة ذوقيّة خاصّة ، محصورة بفئة المؤمنين ، مقصورة على نخبة من المحظوظين ، لا يمكن أن يكتسبها أو يتحقّق من صحّتها غيرهم . وهذا هو  ، في واقع الحال ، وضع الباراسيكولوجيا ؛ فهي أقرب الى المذهب الدّينيّ تلقّن تعاليمه تلقينا ، وتروي رواية ، وتنقل نقلا ، والذي ينقصه من أساسه مطلب التّحقّق من مرويّاته وأساطيره ، تحت الضّوء السّاطع . فهي تعيش في الظّل ، طفيليّة ، مغلقة  على ذاتها ، في هامش الثّقافة ، منقطعة الصّلة بالعلوم .

ولهذا السبب تجد الباراسيكولوجيا جامدة لا تتقدّم ولا تتطوّر ، ثابتة تراوح مكانها ، لا يحصل فيها تراكم معرفيّ . لكن يمكنك أن تمضي السّنوات في فحص الأدبيّات الباراسيكولوجيّة – الصّادرة خلال قرن منذ ولادة الباراسيكولوجيا ، بحصر المعنى ، الى اليوم – بحثا عن التّقدّم الذي أحرزه هذا العلم ، وعن التّراكم المعرفيّ الّذي أحرزه هذا الاختصاص ، وعن الاكتشافات العلميّة التي اكتشفها الباحثون في هذا الحقل ، فلا تجد شيئا ! وتبحث عن المعرفة العلميّة التي أضافتها هذه الصّناعة الى المعرفة الانسانيّة ، فلا تجد شيئا ! انّك لا تجد الاّ الأخبار عن الوسطاء والاّ الحكايات عن العرّافين والمبصّرين . وبالمقابل أنت تعلم التطوّر المذهل الذي عرفته العلوم خلال هذا القرن ، والقدر العظيم الذي أضافته الى معارف الانسان ، والقدرات الرّهيبة التي نتجت عنها ؛ انّ كل ما كسبه الانسان من معرفة واستطاعة في تاريخه الطّويل هو ذرّة تافهة بالقياس الى ما حقّقه العلم في القرن العشرين . فماذا حقّق البحث الباراسيكولوجيّ خلال هذا القرن ذاته ؟ – لا شيء . فان كانت الباراسيكولوجيا عاقرا عقيما لا تلد ، فلأنّها علم زائف كأخواتها من سائر العلوم الكاذبة .

 

 

مدينة العلم وسلّة المهملات

انّ السّبب الذي دفع ويدفع بالعلماء الى طرد الباراسيكولوجيا عن أبواب مدينة العلم ، رغم محاولات الباراسيكولوجيّين المستميتة وتعطّشهم المرضيّ ، هو أنّ المشتغلين في هذه الصناعة ممّن ينتحل الصّفة العلميّة لم يتمكّنوا ، خلال أكثر من قرن ، من اثبات شيء اسمه ظاهرة غريبة لا تفسّر بالقوانين العلميّة المعروفة . أمّا ما يتناقله الأغمار والتّجّار منهم عن ظواهر مزعومة ، فقد أثبت الفحص المستمرّ والتجربة الطويلة أنّه أكاذيب ومختلقات أو أوهام وأساطير خياليّة . أو ألاعيب يقوم بها مشعوذون أفّاكون . وهذا يعني أنّ المادّة التي تدّعي الباراسيكولوجيا أنّها تدرسها هي مادّة وهميّة ليس لها وجود موضوعيّ في الطبيعة . والعلم لا يقوم على الوهم . وهل قام العلم الاّ بعد أن غسل العقل الطبيعة من الوهم ؟

وتدّعي الأغنام الباراسيكولوجيّة أنّ العلماء ، تعصّبا منهم ، انّما يريدون الباراسيكولوجيا وينكرون عليها صفة الدّراسة العلميّة دون أن يطّلعوا على الأبحاث والدّراسات الباراسيكولوجيّة ، فلا يرون أنّها رصينة دسمة غنيّة بالمعطيات التي تثبت بوضوح وجود الظّواهر اثباتا واضحا ، كافيا ، يبرّر دراستها دراسة علميّة ! وا أسفاه !

وهذا الزعم كاذب ومتناقض . فمن جهة أولى ، كثيرون هم العلماء المشتغلون في الميادين العلميّة المتنوّعة الّذين فحصوا الملفّ الباراسيكولوجيّ ، ومحّصوه ودرسوه دراسة دقيقة ، فوجدوه فارغا من المعطيات الثّابتة التي يمكن التّحقّق منها ، وعاطلا عن كلّ منهجيّة علميّة . ووضعوا في ذلك المقالات النّاقدة والدراسات القاسية التي مزّقت الادّعاءات الباراسيكولوجيّة شرّ ممزّق ، بل انّ منهم من تعاطى البحث في الباراسيكولوجيا ردحا من الزّمن للتحقّق من تلك المزاعم ، وعاد بصفته المغبون .

ومن جهة ثانية ، فانّ القطعان الباراسيكولوجيّة لا تنتبه الى أنّ أصول علمهم الكاذب ذاتها لا تستدعي أن يفحص العلماء الملفّ الباراسيكولوجيّ بحثا عن الظّواهر الخرافيّة . انّهم يزعمون أنّ الظواهر طبيعيّة ، وأنّها تقسم ، بنوع من القسمة ، الى قسمين : ظواهر فيزيائيّة وظواهر نفسيّة ؛ وأنّها موجودة قائمة في الطبيعة ليس فقط في المختبرات الاحصائيّة والاستعراضات المسرحيّة والتلفزيونيّة التي يقوم بها الوسطاء للكسب والاثارة ، وفي المزارع النائية والمنازل المهجورة ، لكن في كلّ مكان يتواجد فيه البشر الّذين يحدثونها من غير ارادة أو انتباه منهم . وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ الفيزيائيّ والبيولوجيّ والكيميائيّ وغيرهم من الباحثين في العلوم الطّبيعيّة ، في البلدان المتقدّمة في هذا المضمار ، ممّن يعملون في المسرّعات الذريّة والختبرات المتطوّرة ، ويدرسون الموادّ المتناهية في الدّقة والظّاهرات الطبيعيّة بواسطة الأجهزة البالغة أقصى درجات الحساسيّة ، كان لا بدّ من أن ينتبهوا ، خلال أكثر من قرن على الأقل ، الى وجود تلك القوى المسقرّة فيهم أو في الأفراد الّذين يعالجونهم أو يجرون عليهم التجارب . وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ الآلاف المؤلّفة من علماء النّفس في السيكولوجيا الاختباريّة أو السّريريّة الّذين يقيمون سنويّا ، في جميع أصقاع العالم المتمدّن ، مئات الآلاف من التّجارب والاختبارات والدّراسات على ملايين الأفراد لا بدّ من أن يتنبّهوا ، خلال قرن على الأقل ، الى وجود تلك الأمور الغريبة والظّواهر العجيبة ! وهذا يعني ، ممّا يعني ، أنّ المحلّلين النفسيّين الّذين تقوم صناعتهم على سبر اللاوعي وتحليله ، كان لا بدّ من أن يقفوا على أثر لتلك القوى السّحريّة التي حشرتها الطّوائف الباراسيكولوجيّة في اللاوعي ، أو على أثر نفسيّ أو واقعيّ لأفاعيلها الوهميّ ، في ملاحظةتهم وتحليلهم لملايين الأفراد سنويّا ! فلو كانت تلك القوى السحريّة موجودة ، ولو كانت تحدث أيّ أثر ، لكان ظهر هذا الأثر في الاختبارات والتّجارب ، ولكان غيّر في المعطيات الموضوعة تحت الملاحظة ، والتّحليل ، والمراقبة ، وسجّلته الأجهزة البالغة المنتهى من الدّقة والحساسيّة ، ولكانت تحوّلت تلك القوى الى مادّة للدّراسة العلميّة ! ولكان استوعب علم الفيزياء “الظّواهر ” الفيزيائيّة ، فهي ، لو وجدت ، لوقعت حكما في ميدانه ؛ ولكان استوعب علم النّفس الظّواهر النفسيّة ، فهي لو وجدت لوقعت حكما في مجاله ؛ ولكان استوعب علم الجملة العصبيّة أو التحليل النّفسيّ تلك القوى الخفيّة المجهولة ، فهي ، لو وجدت ، لوقعت حتما وحكما في نطاقه وحقله . أليس ، اذا سمّت تلك الأغنام صناعتهم بارابسيكولوجيا قالوا انّها تدرس الظّواهر النفسيّة التي لا يدرسها علم النّفس ؟ فلماذا لا يدرس علم النّفس – الذي يدرس بالتّحديد الظّواهر النفسيّة – تلك الظّواهر النفسيّة لو كانت موجودة ؟ ولماذا نرى الباحثين في علم النفس أشدّ النّاس انكارا لتلك الظّواهر ؟ وربّما سمّوا صناعتهمParaphysique  وقالوا انّها تدرس الظّواهر الفيزيائيّة التي لا يدرسها علم الفيزياء . فلماذا لا تدرس الفيزياء – التي تدرس بالتّحديد الظّواهر الفيزيائيّة – تلك الظّواهر الفيزيائيّة لو كانت موجودة ؟ ولماذا نرى الفيزيائيّين أقسى العلماء قساوة وأعنفهم عنفا في نقد المزاعم الباراسيكولوجيّة ؟ وربّما سمّوا صناعتهمBio-communication    أوPsychotronique  وقالوا انّها تدرس الظواهر الجسم – نفسيّة التي لا تدرسها الفيزيولوجيا ، فلماذا لا تدرس الفيزيولوجيا تلك الظّواهر الفيزيولوجيّة ؟ ولماذا نجد العلماء الباحثين في هذا الحقل لا يحتقرون شيئا أكثر من احتقارهم للتّخريف الباراسيكولوجيّ ؟ لماذا ؟ فاذا كان علم النّفس بكامل فروعه ومجالاته واختصاصاته الاختباريّة لا يرى تلك الظّواهر ولا يعترف بها ، واذا كان علم الفيزياء ، أكثر العلوم تطوّرا على الاطلاق ، بسائر أقسامه وتفرّعاته ومختبراته الموغلة في الرّهافة والدّقة والحساسيّة ، لا يرى تلك الظّواهر ، ولا يعترف بها ، واذا كان الباحثون في العلوم الطّبيعيّة والمختبرون في العلوم الفيزيولوجيّة لا يقعون على تلك الظّواهر ولا يلاحظون وجود تلك القوى ، وهم المخوّلون الوقوع عليها وملاحظتها ودراستها فهذا يعني ، بكلّ بساطة ، أنّ تلك الظواهر وأنّ تلك القوى غير موجودة !

أجل ، انّها غير موجودة الاّ على شكل كائنات لغويّة لا وجود لما تدل عليه خارج اللغة . فالاسم ، في الباراسيكولوجيا وأخواتها من سائر العلوم الكاذبة ، هو ما ينحل اليه المسمّى ، فالاسم فيها هو المسمّى ، ومصطلح القوّة الخفيّة هو القوّة الخفيّة ، والظاهرة هي اللفظ الدال عليها . فاذا تهيّأ لتلك القطعان من الأغنام وجود الاسم ، اخترعوا له مدلولا من مادّة اللغة ومخزون الخيّلة ، ثمّ أطلقوا المدلول في الحوادث الجارية الطّبيعيّة فكسروها ، كما يكسر الماء شعاع الماء ، ليركبوا من نثارها – وفق قوالب ثقافيّة شائعة جاهزة ، تختلف من ثقافة الى ثقافة ومن زمان الى زمان – أحداثها غريبة وظواهر عجيبة لا وجود لها في الطّبيعة . ثمّ أعلموا أشنع أنواع القياس البدائيّ الذي يسمّيه المناطقة ما قبل المنطقيّ ، فعمّموا فأنتجوا ، أو قبلوا ، كلّ حسب قوالبه ، مئات الآلاف من الحكايات العجيبة والأقاصيص الغريبة . ثمّ قالوا لا بدّ من نظريّة تفسّر هذه الظّواهر فبحثوا ودرسوا واختبروا فلم يجدوا الاّ المصادرات الأولى ، والاّ المسلّمات القبليّة ، والاّ القوالب التي وقعوا في أسرها ، فألبسوها من أسمال النّظام المعرفيّ السّائد ، فهم في حلقة منطقيّة مفرغة أوّلها هو آخرها .

الاّ أن تلك الشّراذم لا تكتفي بجهلها وغبائها الذّاتيّ بل تخرج الى ادّعاء أنّ الباراسيكولوجيا علم ! فاذا دخلت عليهم من هذا الباب ، وأخذت تلك الأخلاط اللامتجانسة من الظّواهر الخرافيّة والقوى الأسطوريّة ، وطرحت منها في سلّة المهملات ما كان من حقّه أن يقع في هذا الاختصاص أو ذاك من الاختصاصات العلميّة القائمة ، ممّا لا يعترف بوجوده الموضوعيّ الباحثون في هذه الاختصاصات ، وأرحعت الى أهل كلّ علم ما استرقته الطّفيليّات الباراسيكولوجيّة عنهم ، لم يبق في يدك من تلك الأخلاط شيء وتبخّرت الظّواهر فاذا هي صفر ، وتبخّرت القوى السّحريّة فاذا هي صفر وتبخّرت النظريّات المستعارة فاذا هي صفر ، وبدت لك الباراسيكولوجيا على حقيقتها : وهم على وهم ، وخلط في ملط ، وحيص في بيص ، وصفر زائد صفر !

 

 

 

 

مراجع علميّة تنقض الباراسيكولوجيا

 

  1. James Alcock ,Parapsychologie :Science ou magie?Le point de Vue d`un psychologue ,traduit de l`anglais par F. Carlier , paris , Flammarion,1989.

2.Blanc , article parapsychologie dans Encyclopaedia Unirversalis , paris 1978.                                           

  1. Broch , le paranormal , paris , Seuil,1985 .
  2. —–Au coeur de l`extraordinaire , paris , L`horizon chimerique , 1991

5.Cuniot, Incroyable …mais faux ! paris L`horizon chimerique 1989.                                                 

  1. Gardner , les magiciens demasques (production francaise ) paris 1966.

7.Hesquin , Magie Sorcellerie,parapsychologie,Edition l`unniversitr de Bruxelles Bruxelles 1980.                  

  1. Rouze et autres la parapsychologie oui ou non?paris Nouvelles editions rationalistes 1980.

9.——–la parapsychologie en question paris Hachette 1979.                                                                

  1. ——-la veridique histoire du pere de la parapsychologie “Science et vie ” No 755,Aout,1980 .

11.la pensee scientifique et les parasciences Colloque de la villette Janvier 1993,paris Albin Michel,1993.       

 

 

                                       مرجعان محايدان

  1. Martino les chants de l`invisible paris Balland 1990.
  2. Ruiffard , Dictionnaire de l`esoterisme paris payot 1993.

 

 

 

                مراجع ينتمي أصحابها الى المذهب الباراسيكولوجيّ

 

  1. Hans Bender L`univers de la parapsychologie paris Dangles 1976.
  2. Bender R.Chauvin F.Favre etc .,60 Annees de parapsychologie paris Kime 1992.

3.Castellan la Metapsychique paris PUF,1974.             

  1. Chauvin la parapsychologie : Quand l`irrationnel rejiont la science paris Hachette 1980.
  2. Lignon Introduction a la psychologie scientifique paris Eche 1988.
  3. ——parapsychologie paris Eche 1988.
  4. —–l`autre cerveau : la part du vrai dans la parapsychologie paris Albin Michel 1992 .
  5. Rhine New world of the Mind New York 1953 ( Traduction francaise ) le nouveau monde de l`esprit paris Maison neuve 1955.
  6. R.Sudre ,Traite de parapsychologie paris , payot 1078.
  7. la parapsuchologie devant la science ,Berg-Belibaste1976

هذا الكتاب رغم عنوانه ، هو مجموعة من المقالات الباراسيكولوجيّة ألّفها أصحابها بمناسبة مؤتمر باراسيكولوجيّ عقد عام 1976.

  1. Revue metapsychique paris , No 16,1969-1970;No.18

(nouvelle serie) 1973.                                                  

  1. L`inconnu : la revue des phenomenes et des sciences paralleles , paris , No .9,1977;No.25,1978;No.26,1978,No.Hors-serie,1978.

الحقيقة الثانية : 

السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته 

 

و السيّالات الروحية تعني قوى إشعاعية حية غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .

و السيّالات جميعها ذات إدراك و إرادة و نزعات , لكن على درجات متفاوتة .

و قد تأكد لنا , من مئات المعجزات التي شاهدناها و شاهد مثلها الألوف غيرنا , أن السيّالات الروحية هي نسيج الكون و قوام كائناته ؛ هي الجوهر الخالد الذي يوحد الموجدات , و إن اختلفت مظاهرها المحسوسة . و ليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسية التي اكتشف العلم أنها في أساس الوجود كله إلاّ صفة من صفاتها .

فخصائص الحياة النفسية ليست في الإنسان فقط , بل هي أيضاً في الحيوان و النبات و كل ما يسمى ” مادة ” .

ووجود السيّالات في البشر , على تفاوت في العدد , و الميزة , و الدرجة , بين فرد و فرد , هو الذي يسبب تباين القدرات الجسدية والعقلية , و اختلاف الميول و المواهب النفسية عندهم . كما إن انسجامها و سموها في الإنسان يبعثان السلام و الاتزان في نفسه , وتناقضها و انحطاطها يسببان الاضطراب و الاختلال . كذلك , فإلى تشابهها  أو تباينها , في الأشخاص و الجماعات , يعود التجاذب والتحابّ , أو التنافر و التباغض .

هذه القضايا البشرية , ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول الى تفسيرها , جاهدين , من غير أن يطمئنوا الى رأي صائب يتفقون نهائياً عليه , بينما أدركت الداهشية حقيقتها و سرها من زمن بعيد.

و قد أتيح لي , كما لكثيرين غيري , أن نتيقن من أن الفناء الذي يطرأ على الأشياء , إنما هو تبدل محصور في مظهرها الحسي النسبي , و لا يمس جوهرها الحي .

فمراراً كنا نحرق أشياء مختلفة , بينها أوراق مالية , و سندات أو صور أو مخطوطات , أو تحطم أمامنا كؤوس بلوريّة و ما أشبه , ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها , كما كانت , بلمح البصر , و بقوة الروح العليّ . و شهود هذا النوع من المعجزات يعدون بالمئات . أكتفي منهم بذكر النائب السابق محسن سليم , و الأديب جورج حداد , و الوزير السابق المحامي إدوار نون , و السيدة ناديا غبريال , والسيدين أنجلو بولو و امين نمر . وسبق أن فصّلت في القسم الثاني من هذا الكتاب , معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقي الدين و الصحافي إسكندر رياشي.

فهذه المعجزات التي تعيد الحياة الى الميت , و الشيء الذي احترق أو تحطم , الى وجوده السابق نفسه , إنما تؤكد أن السيّالات الروحيّة خالدة , سواء أكانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .

أما الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشية , فهي أن كل كائن , بل كل عمل أو رغبة أو فكر , يكون لها نموذج حي او صورة أو تسجيل تحفظ  روحياً  في عوالم خاصة , كشهود على حياة الكائن و سلوكه و أعماله . و إيضاح ذلك يتم في المعجزات التالية :

حمامة نوح تعود الى الأرض

 في 11 حزيران 1943, عقدت جلسة روحية كان من حاضريها الأديب جوزف حجار , و عقيلته السيدة آندره , و مؤرخ الوقائع الداهشية حليم دمّوس .

و ما إن ارتعش داهش بالروح , حتى سمع الحاضرون حفيف أجنحة خفيّة , سرعان ما تبعه تجسد حمامة ناصعة البياض ظهرت في فضاء الغرفة المغلقة , و حطت على كتف السيدة آندره , و في منقارها عرق زيتون أخضر يقطر ماء .

و قد أوضحت الروح , بفم الدكتور داهش , أن هذه الحمامة إنما هي حمامة نوح نفسها . و قد حفظ سيّالها , بعد موتها , في عالم روحي خاص . و كذلك عرق الزيتون , و الماء الذي يقطر منه , حفظ سيّالاهما , أيضاً , بعد زوالهما . وهكذا كل موجود بعد تلاشيه .

و مكثت الحمامة في منزل الرسالة الداهشية ما ينيف على ستة أشهر , كانت في أثنائها تطير من غرفة الى أخرى , و تحط على أكتاف الزائرين , و تأكل من أيديهم بطمأنينة , حتى إذا حل صباح  27 كانون الأول 1943, شاهد المجتمعون في المنزل , تلك الحمامة العجيبة تحوم فجأة حول رأس رجل الروح , ثم تمضي تحوم فوقه مصعدة في فضاء الغرفة , و حجمها يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى تصبح بحجم النحلة محتفظة بشكل الحمامة ؛ و تستمر تصغر , حتى تعجز العيون عن إبصارها . و هكذا تعود الى العالم الذي هبطت منه .

كذلك , فعشرات هي المرات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطلاعهم عنده على أحاديثهم  مسجلة بحرفيتها , و أفكارهم الصامتة مدونة  بخلجاتها , و أوضاعهم المختلفة مصورة بتفاصيلها. ذلك ما جرى مع السيدة رسمية الحريري و زوجها , و السيدين شفيق المقدم و مصطفى الخطيب , و الآنسة إيلين ضاهر و شقيقها نقولا , و غيرهم كثيرين . مع العلم أنهم كانوا , ساعة حديثهم أو تفكيرهم أو عملهم , منفردين في منازلهم , بعيدين عنه .

بهذه المعجزات وحدها نفهم معنى الآية القرآنية :” و إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه , و ما ننزّله إلاّ بقدر معلوم ”  (الحجر : 20 ) , و الآية القائلة : ” يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم و أرجلهم بما كانوا يعملون ” (النور:24). كما يتحقق أمامنا ما قاله السيد المسيح :” أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين ” ( متى 12: 36). و يضيء في أذهاننا قوله تعالى : ” أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم و نجواهم ، بلى و رسلنا لديهم يكتبون ” ( الزخرف : 80).

الحقيقة الثالثة :

السببية الروحية و الجزاء العادل

 إن الأحداث اليومية التي تقع , من مرض و موت و خسارة , أو شفاء و نجاة و ربح , و غير ذلك , يعللها معظم الناس بأسبابها  المادية المباشرة , و إن جهلوها فبالصدفة . فإن تدهورت سيارة , مثلاً , و قتل فيها فرد , و جرح ثان , و سلم آخر, عللوا اختلاف مصاير الركاب بالصدفة , أو بأسباب مادية محضة.

 و فضل المعجزات الداهشية أنها توضح أنها  مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوة روحيّة عادلة  حكيمة مدبرة , لا يفوتها شيء , مهما صغر و دق , و لا يعجزها أمر , مهما عظم وتعقد .

فالصدفة لا وجود لها , على الإطلاق . و السببية قانون كوني شامل ؛ لكن الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس , أو الذي يستطيع عقله وعيه , بينما تبقى العلة الحقيقية , و هي دائماً علّة روحية , محجوبة عنه . فالمرء , سواء مات في فراشه ميتة هنيئة , أم في حرب , أم إثر حادثة معينة , فتحديد أجله إنما يكون بموجب نواميس روحية , وفق استحقاقاته و درجة سيّالاته . فأن حان أجله , فاجأه الموت أينما كان , و لم يعصمه حصن , و لا بحر , و لا طبيب , في أي مكان. و إذا لم يحن أجله أنقذ مما لا ينقذ منه سواه .

و بغية الإيضاح الواقعي, سأعطي مثلين عجائبيين:

 

بطيختان ترتفعان ثم تسقطان بصورة عجائبية

خلاصة المعجزة الأولى انه بينما كان الدكتور خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدلية حمادة في بيروت , إذا برجل الخوارق يرتعش بالروح و يخاطب رفيقه قائلاً :” أنظر الى هذا البائع الجوال” . و كان إزاءهما على بضعة امتار بائع أمام عربة عليها بطيخ . فأشار الدكتور داهش بيده , فإذا بطيخة ترتفع في الهواء , وتقع على الأرض محطمة . ثم أعاد الإشارة , فارتفعت بطيخة أخرى, و سقطت محطمة . فسأله الدكتور خبصا , متأثراً : ” لكن لم ذلك ؟ فهذا البائع مسكين , و هذه الخسارة تكلفه غالياً “. فأجابه الروح العليّ بفم الدكتور داهش :” أجريت ذلك أمامك , لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات , كبيرها و صغيرها  , بصورة طبيعية , من غير أن ينتبهوا لكيفية سيرها . فهذا البائع ربح أكثر مما يجب له في هذا النهار , و ربحه غير الحلال , و إن يكن ضئيلاً , خسره بتحطم البطيختين . و لو لم أرك ذلك بالمعجزة , لتتنبه , لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها , و لتدحرجت البطيختان نفسهما من فوقها و تحطمتا “.

هذه المعجزة , و كثير من أمثالها , وضحت للداهشيين أن ما يزرعه الإنسان يحصده , و أن أعمال البشر جميعاً , وعلاقاتهم بعضهم ببعض , تترتب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم .” فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره , و من يعمل مثقال ذرة شراً يره”(سورة الزلزال:7- 8) و ” إن الله لا يظلم مثقال ذرة ” ( سورة النساء:40)

أما المعجزة الثانية فتوضح كيف تتم المساعدات الروحية وفق استحقاق أصحابها .

 

سيارة تخترق شاحنة دون أن تصاب هي أو ركابها بخدش

في 3 آب 1964,  زار السيد شفيق المقدم الدكتور داهش بصحبة عقيلته السيدة رباب و شقيقتها .و كان في الجلسة آخرون .

فارتعش رجل المعجزات بالروح و قال لشفيق :” إن حادثاً فظيعاً سيقع لك و لأسرتك قريباً , و لكن لا تخف, فإني سأطلب مساعدة روحية من العناية الإلهية لرفع الخطر عنك .” و طلب الدكتور داهش الى الدكتور أبي سليمان  الذي كان حاضراً , أن يرسم الرسم الداهشي المقدس, و يضمنه دعاءً لله عز و جلّ , لرفع الخطر. ووقع الحاضرون جميعاً أسماءهم على الدعاء.

و بعد ثلاثة أيام من هذه الزيارة , و عند الساعة الحادية عشرة و النصف ليلاً , بينما كان السيد مقدم عائداً مع بعض أفراد أسرته من النبطية , (37) , في سيارته البويك , و هو يجري بسرعة كبيرة  تتراوح بين 120 و 140 كلم في الساعة , وصل الى منعطف خطر , فحاول أن يخفف السرعة , لكنه فوجئ , بعد نحو خمسة أمتار من المنعطف , بشاحنة كبيرة  واقفة في عرض الطريق الضيق , بسبب عطل طرأ عليها , و امامها بقعة موحلة , و كان الطريق مسدوداً بها, و على أحد جانبيه , صخور عالية , و في الجانب الآخر هاوية . وفقد شفيق السيطرة على سيارته , ووجد نفسه وجهاً لوجه , أمام موت رهيب. و زعق الجميع للمشهد الفظيع , و للمصير الرهيب المنتظر , و برق في رؤوسهم الدكتور داهش  ووعده بتخليصهم من الكارثة المتوقعة. و شاهدوا سيارتهم تصطدم بسرعة فائقة بالشاحنة , ويتقصف المعدن أمامهم , و يتحطم الزجاج , و يحسّ السائق بالصدمة في صدره ؛ كل ذلك في ثانية , و في ثانية أخرى , كانت السيارة و ركابها في الجانب الآخر أمام الشاحنة . لقد تمت المعجزة , و أنقذت الأسرة من الموت الشنيع , بإذن الله , و مساعدة رجل الله. فاخترقت السيارة بصورة روحية إعجازيّة الشاحنة , من غير أن تمسّ بخدش واحد , لا هي ولا ركابها . فحمد الجميع الله و مجّدوه , وازدادوا يقيناً و إيماناً بالدكتور داهش و بصحّة رسالته . (38)

فأية قدرة في العالم تستطيع فعل ذلك ؟ أن تجعل كتلة عظيمة من الحديد تخترق كتلة أخرى من غير خدش يصيبها ؟ أن تسحق المعدن على اللحم و العظم , فيعلك البشر و سيارتهم  في صدام رهيب , ثم ينجوا من الموت المحتوم , و لا جرح في أجسامهم ! إنها قدرة الله , وحده سبحانه , تتجلى على يدي عبده و مصطفاه  داهش العظيم .

هذه المعجزات و امثالها تجعلنا ندرك معنى قول السيد المسيح : ” أليس عصفوران يباعان بفلس , و مع ذلك فواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم . و أنتم فشعر رؤوسكم جميعه محصى , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من عصافير كثيرة” ( متى 10: 29 – 31) . كما تجعلنا نفقه معنى الآية الكريمة: “و لكل أمّة أجل , فإذا جاء أجلهم , لا يستأخرون ساعة , و لا يستقدمون ” ( سورة الأعراف : 34) .

الحقيقة الرابعة :

التقمص 

لقد أدرك حقيقة التقمص فلاسفة عديدون , منهم فيثاغورس وافلاطون , و آمن بها , اليوم , مفكرون كثيرون , بينهم نابغة لبنان , جبران خليل جبران . و كانت عقيدة التقمص قوام البوذيّة و الأديان الهندوسيّة عامة . و صرح بها القرآن الكريم , دونما تفصيل في قوله : ” كيف تفكرون بالله , و كنتم أمواتاُ فأحياكم, ثم يميتكم , ثم يحييكم , ثم إليه ترجعون ”  ( سورة البقرة : 28 ) , و في آيات كثيرة أخرى اعتمدتها عدة مذاهب إسلامية شيعية , أو درزية , لإعلان إيمانها بالتقمص. كما ألمع إليها السيد المسيح في مواقف كثيرة , منها قوله  لتلاميذ يوحنا المعمدان الذين سألوه عمن يكون معلمهم , فقال لهم : ” إذا أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي ” ( متى 11: 14) , و كذلك جوابه لتلاميذه , بعد ان سألوه لماذا تقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً ؟ فقال لهم : ” إن إيليا قد أتى , و لكنهم لم يعرفوه , بل صنعوا به كل ما أرادوا… ففهم التلاميذ , حينئذ , أنه عنى بكلامه يوحنا المعمدان ” ( متى 17 : 12 و 13 ) .

لكن الداهشيين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدسة , فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة  تؤكد التقمص , بانتقال السيّالات الروحية من جسد الى آخر في الأرض , إنساناً كان أو حيوان او نبات أو جماداً.

فمن الحقائق التي تكشّفت في الجلسات الروحيّة الداهشيّة أن يسوع الناصري هو أحد تجسّدات المسيح الكثيرة في الأرض . وسيّالات المسيح هي التي صنعت  الحضارات الإنسانيّة , و ما تزال تصنعها . و هي متغلغلة في الرسل و الانبياء من مثل إبراهيم وموسى و داود و سليمان و محمد … كما في الحكماء و الهداة من مثل بوذا و كونفوشيس و لاوتسو و سقراط  و ديوجينس و غاندي… و ما كان يتاح للدكتور داهش أن يؤسّس الرسالة الداهشيّة , و يعقد الجلسات الروحيّة التي تتجلى فيها الأرواح  العلويّة , و تصنع المعجزات , لو لم يكن بعض سيّالات المسيح .

كذلك فقد انتقلت بعض سيّالات الإسكندر الى نابوليون الأول , وبعض سيّالات الأخير الى هتلر ؛ كما انتقل بعض سيّالات ابراهّام لنكولن الى جون كندي , و بعض سيّالات رعمسيس الثاني الى صلاح الدين الأيوبي ثم الى جمال عبد الناصر(39) .

يقول مؤسس الداهشية نظريتنا في التقمص هي الآتية :

إن الأديان قاطبة تقول , بل تؤكد أن الإنسان يولد على هذه الأرض , و في أثناء حياته الأرضية يقوم بأعمال صالحة و أخرى طالحة . و عندما يتوفاه الله , يذهب الى النعيم إذا كانت أعماله صالحة , أو الى الجحيم إذا كانت أعماله شريرة .  و يعمّر الإنسان 70 أو 80 أو 90 عاماً.  و من هذه الاعوام , يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم , و 4 سنوات بالمرض , و 15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . إذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

” و من المؤكد أنه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثالياً , إذ إن دنيانا حافلة بشتى المغريات التي تسقطه في أشراكها التي لا ينجو منها ناج . فالمرأة له بالمرصاد , تستهويه فيندفع في خضم الشهوات العارمة , و حب المال يكبله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده , والعظمة, و حب الوجاهة , و الكبرياء  الخ… جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكد .

” إذا! بالنسبة لما أكده مؤسسو الأديان , سيذهب البشر جميعهم الى جهنم النار المتقدة , و يمكثون مخلدين فيها من دهر الى دهر , و من أزل الى أبد . و هذا أمر غير جائز إطلاقاً , و ظلم رهيب؛ فرحمة الله عظيمة و عميقة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والإرتقاء  بأرواحنا , فمنحنا نعمة التقمص . و ربما أعطانا إياها 6000 مرة نعود فيها الىعالم الأرض , لنتغلب , في خلال هذه التقمّصات الألفية , على ضعفنا البشري , و الأرتقاء  بأرواحنا لنبلغ جنة النعيم .

” ففي خلالا هذه التقمّصات الستة آلاف , ممكن لأي بشري أن يحسن سلوكه في خلال دوراته الحياتية , و تكرار ذهابه و إيابه . فإذا تكرر مجيئه 6000 مرة , و بقيت أعماله شريرة , إذاً يستحق , إذ ذاك , أن يخلد في جهنم النار الخالدة بنيرانها , و هذا يكون عدلاّ و حقاّ “(40) .

كذلك يمكن أن تتجاوز السيّالات الأرض , في انتقالها من تقمّص الى آخر , فتنتقل الى كوكب علويّ أو سفليّ , حسب درجة إستحقاقها.

فعشرات هم الأشخاص النابهون , من مؤمنين بالداهشيّة أو غير مؤمنين , الذين شاهدوا الدكتور داهش عدّة شخصيّات , أي عدّة كائنات هي شبهه تماماً . وهي تجالسك وتحادثك ؛ لكنّها مع ذلك , ليست كائنات بشريّة , بل هي إمتدادات روحيّة لداهش تحيا  في كواكب علويّة متفرّقة من الكون , ودرجتها الروحيّة تفوق درجة البشر الى حدّ بعيد , ولذا فهي لا تخضع لنواميس الأرض , (41) .

وليست تجسّدات السيّالات غير الأرضيّة مقصورة على شخصيّات الدكتور داهش , فقد حصلت تجسّدات أخرى عديدة أمام شهود كثيرين , ذكرت منها في القسم الثاني , من هذا الكتاب , تجسّد ندى (42) , وأكتفي , هنا , بذكر أحدها “

  

أحد سكّان الكواكب يتجسّد

في مطلع آب 1942 , كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاج , والشاعر حليم دمّوس , في منزل الأخير في رأس بيروت . وفي الساعة العاشرة ليلاً , إنتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألقة بالنجوم . وما هي إلاّ لحظات , حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً , الى أن إنجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر , إنّما أحمر الوجه , نافذ النظرات , متألّق المحيّا ؛ وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة , ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً . فتقّم الدكتور داهش , ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه , فطفق يتكلّم العربيّة .

ومما قال : ” إنّه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة , وسبق أن كان أحد أبناء الأرض , منذ بضعة آلاف من السنين . وما أن مات , مخلّفاً جسده طعمة للديدان , حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ ” . وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة , أخذ يتلاشى , أمامهم تدريجيّاً , حتى غيّبه المجهول .

بهذه المعجزات التجسّديّة أصبحنا نفهم ما عناه السيّد المسيح : ” إن في بيت أبي منازل كثيرة ” ( يوحنا 14 : 2 ) , وما قصده بولس الرسول : ” ومن الأجساد أجساد سماويّة وأجساد أرضيّة . ولكن مجد السماويّات نوع , ومجد الأرضيّات نوع آخر , ومجد الشمس نوع , ومجد القمر نوع آخر , ومجد النجوم نوع آخر ؛ لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد ” ( كورنثوس الأولى 15 : 40 – 41 ) . كذلك إتّضح معنى الآية الكريمة : ” فلا  أقسم بمواقع النجوم , وإنّه لقسم لو تعلمون لعظيم ” ( الواقعة : 75 و 76 ) .

فالحياة تعمّ الكون بأسره , ذلك بأن الحياة هي المبرّر الوحيد لأي وجود . وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها . وتنقسم بلايين النجوم والكواكب الى 150 درجة علويّة و150 دركة سفليّة ؛ وتكوّن الدرجات عوالم النعيم , والدركات عوالم الجحيم . وكلّ درجة أو دركة تشتمل على ملايين الأجرام الماديّة ؛ كلّ جرم منها له أنظمته الخاصة وطبيعته وسكّانه . وفي سلم الحضارات الكونيّة يستوي الكوكب الأرضي على عتبة الدركات السفليّة .

وقد حان الوقت لندرك بفضل الداهشيّة , أنّ الإنسان ليس مقياس الحياة , كما كان يظن ّ , ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة , ولا هو ذروة تطوّرها , إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف , ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى الى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها ونقاوتها وسعادتها , حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أن ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته الى هذه المرتبة الذريّة بين الكائنات السامية , توجّب عليه أن يسعى الى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ؛ لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة , لكن بإرتقاء روحيّ داخلي يؤهّل الإنسان بعد موته , للتجسّد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فأنّه إذا سفّل نفسه , وتشبّث بالدنيويّات , يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ,فتتجسّد سيّالاته , بعد موته في كوكب يعظم فيه الجهل , ويتفاقم الشرّ , ويشتدّ الشقاء والعذاب .

وإنّما ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى , لو لم يأتي تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي , أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .

فالعلم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسّي بشبكة من الحواس له حدود عليا وحدود دنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح أطوال مويجاتها الضوئيّة بي 7600 و4000 أنكستروم في الثانية , والتي تتحرّك بسرعة أدنى كثيراً من سرعة النور التي تبلغ 300,000  كيلومتر في الثانية . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20,000 ذبذبة في الثانية .

ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا , ونحن لا نبصرها ولا نسمعها .

الحقيقة الخامسة :  

وحدة الأديان الجوهريّة  

روح الإله الواحد هو الذي أوحى الشريعة الى موسى النبيّ , وجعل المسيح مصدّقاً ومتمّماً لما قبله : ” لا تظنّوا أنّي أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء , لكن لأتمّم ” ( متى 5 : 17 ) , قال السيّد . وهو الذي جعل القرآن مصدّقاً لما قبله : ” نزّل عليك الكتاب بالحقّ مصدّقاً لما بين يديّه , وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى ً للناس ” (سورة آل عمران : آية 3 ) .

وكما ألزم المسيح الإيمان بموسى طريقاً للإيمان به , بقوله :” فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي , لأنّه كتب عنّي . فان كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ؟ ” ( يوحنا 5 : 46 – 47 ) , ألزم القرآن المؤمنين الإيمان بالأنبياء جميعاً , دونما تفريق : ” إنّ الذين يكفرون بأللّه  ورسله , ويريدون أن يفرّقوا بين اللّه ورسله , ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض , ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك هم الكافرون حقّاً , وأعتدّنا للكافرين عذاباً مهيناً .

والذين آمنوا باللّه ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم , وكان أللّه غفوراً رحيماً ” ( سورة النساء : آية 150 – 152 ) .

هذه الوحدة الروحيّة الدينيّة نسيها البشر , أو تناسوها , ولا سيّما في هذه البلاد , بلاد الأنبياء . بأيديهم نسجوا غشاوة على عيونهم , خيوطها من المطامع الأرضيّة والمصالح الشخصيّة والطائفيّة . فإذا الإله الواحد  يتنازعونه آلهةً , ودين الروح الواحد يمزّقونه طوائف متنابذة متناحرة , مما دفع فئات من العاملين في القضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , بعد أن يئسوا من العودة الى الوحدة الروحيّة , والعمل بجوهر الدين القائم على المحبّة والفضيلة , الى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانباً , وإحلال الولاء الوطنيّ محلّه , أو للتخلّي نهائيّاً عن العقيدة الدينيّة وإتّخاذ الإلحاد مذهباً وسبيلاً .

لا , ليس طرح الدين جانباً يحلّ معضلتنا ومعضلة الإنسان , ولا الإلحاد . أمّا أن لا نعبد إلهاً فذلك مستحيل , لأنّ الدين نماذج للنفس , لاصق بجبلّتها , إن حذفته من يقظتك , أطلّ عليك في نومك . إنّه حاجة نفسيّة جوهريّة , إذا لم يشبعها الإنسان بعث فيه خللاً وإضطراباً , من غير أن يدري  مصدرهما  .إنّها حقيقة يؤكّدها كبار علماء النفس , من أمثال كارل يونغ  c. G. jung السويسري , وولفرد دايم الألماني w. daim  , و شتوكار الفرنسي a. stocker.  فالذين يدّعون أنّهم يعيشون دونما آلهة متوهّمون يخادعون أنفسهم , لأنّهم لم يحذفوا من نفوسهم حقيقة الألوهة , بل قنّعوها وشوّهها . فبدل الإله الكامل , إله المحبّة والعدالة والحقّ , الإله الأزليّ الأبديّ , موجد الكون ومنظّمه مصدر الخلق وغايته , توهّموا خارجهم أو في ذواتهم آلهة ناقصة مزيّفة , يعبدونها من دون أللّه , وهم لا يدرون : نصّبوا من الدولة أو الوطن أو الحزب إلهاً , أقاموا من الأرض أو الطبيعة أو الحياة إلهاً , شرّعوا مطامعهم ونزواتهم وشهواتهم أصناماً يقدّمون لها العبادة . هؤلاء جميعاً يعيشون في وهم الحقيقة , لآنّهم إستبدلوا النسبيّ بالمطلق , والجزئي بالكلّي , والعرضيّ بالجوهري , والزائف بالحقّ , والزائل بالدائم السّرمديّ . ولذا فرؤيتهم للحقائق تكون مختلّة , ومقاييسهم للقيم تكون منحرفة , لأنّها تتأثّر بطبيعة المثل الأعلى  الذي يحرّكها ويهيمن عليها , وهو غير صحيح .

أمّا جعل الدين في هامش الحياة , أو أللامبالاة به , أو منحه أهمّية ثانويّة , فذلك يؤدّي تدريجيّاً الى الإلحاد , وقد يكون شرّاً من الإلحاد ؛ لأنّه سيفضي الى النتيجة نفسها بعد أن يجمّد الذات ويبلّدها, ويفرغها من حرارتها , ويعيّشها في فتور الإيمان , الذي قال المسيح عن صاحبه – وما أكثر أصحابه اليوم – : ” إنّي عالم بأعمالك , أنّك لست بارداً ولا حارّاً , وليتك كنت بارداً أو حارّاً . ولكن , بما أنّك فاتر , لا حارّ ولا بارد , فقد أوشكت أن أتقيّائك من فمي ” ( رؤيا يوحنا 3 : 15 – 16 ) .

ما الحلّ , إذن , يقول المتحمّسون للقضايا الوطنيّة الإجتماعيّة , أنبقي على العصبيّات الطائفيّة تقسّم الوطن أشلاء , ويدّعي كلّ منها ملكيّة اللّه والسماء , حتى نفقد الدين والدنيا معاً ؟

الحلّ أوحاه اللّه عزّ وجلّ , لكان على الأذكياء الأنقياء أن يأتوا به : إنّه العودة الى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهر تعاليمها , عبر رسالة روحيّة جديدة مؤيّدة بالمعجزات , أرادها الباري هداية لهذا العالم التائه في ضلالاته , وللبنان قبل غيره .

فالروح الإلهيّ الذي يجري المعجزات على يدي الدكتور داهش , إنمّا يهبط من عليائه , ويصنع الخوارق بإسم اللّه والمسيح , وبإسم اللّه ومحمّد , وبإسم اللّه وموسى . فالأنبياء جميعاً أصابع الرحمة الإلهيّة منبسطة في هذه الأرض الشقيّة .

في حضرة الروح الإلهيّ , وفي حضرة المعجزات , يشعر الإنسان أنّه أخو الإنسان , وأنّه لا فرق بين أبيض وأسود وبين غنيّ وفقير , وعظيم وحقير , ومسلم ومسيحيّ وموسويّ وبوذيّ …

المسيحيّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر الإنجيل , والمسلم يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر القرآن , والموسويّ يزداد تمسّكاً بتعاليم الروح عبر التوراة , والبوذيّ يزداد إيماناً بتعاليم بوذا , ويتيقّن الجميع أنّ الروح الذي أوحى الى أنبيائهم وهداتهم إنّما هو روح إله واحد . عندئذ , يدركون أن الذي يفرّقهم ليس الخير , لكن الشرّ . وتكون عودتهم الى اللّه , على جسر من الإيمان النظيف , لا يقال عنه هو ” أفيون الشعوب ” ؛ إيمان يكون تجسيداً لحياة روحانيّة عمليّة لا نظريّة , تتحقّق فيها الفضيلة عملاً وقولاً وفكراً , ويتجلّى فيها التعاون والتحاب والتآخي والعدالة الإجتماعيّة بأجلى مظهر . فإذا امتنعوا عن الشرور , لا يكون إمتناعهم رهبة من القوانين البشريّة والروادع الزجريّة , لكن بدافع ذاتي منبثق من إرتقاء نفوسهم وقد سطعت فيها الحقيقة الدينيّة الواحدة , مجرّدة من الطقوس والقشور والطائفيّات التي زادها البشر عليها , وزادوا بها الحواجز والخصومات بينهم .

وقد يحتجّ بعضهم قائلاً : لئن آمنّا بوحدة الأديان , فكيف نوفّق بين المتناقضات في العقائد ؟

وجوابي أنّ الرسالة الداهشيّة قدّمت حلاّ لكل معضلة , حلاّ لم تخترعه إختراعاً , بل أوحته الروح حقيقةً منزلة . ولضيق المجال , أكتفي بعرض قضيّة خلاف واحدة بين المسيحيّين والمسلمين هي قضيّة صلب المسيح . ففي الأناجيل أنّه صلب , وفي القرآن : ” وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ” ( سورة النساء : آية 157 ) . فأيّ الكتابين على صواب ؟ الحقّ أنّهما كليهما على صواب ؛ لكنّ الحقيقة لا يمكن أن توضّح إلاّ من ضمن الداهشيّة , وتوضيحها يتمّ ببرهان مادّي محسوس .

 

شخصيّات  الدكتور داهش الستّ

 لقد تبيّن لي , و لعشرات غيري أن للدكتور داهش ست شخصيات أخرى غير شخصه البشري ؛ و هذه الشخصيات كناية عن سيالات , أي قوى روحية هي امتدادات له كائنة في عوالم علويّة متباينة , و بإذن الله يسمح لها , أحياناً , أن تتجسد لإتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة , فتتخذ شكله البشري تماماً بحيث تصبح (شبهه) . و إذ ذاك , يمكن من كان حاضراً أن يجالسها و يحادثها , ويتحسسها , و يؤاكلها ؛ لكنه قد لا يستطيع أن يميزها عن داهش البشري , إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة, و كان الناظر يعلم , سابقاً, ما يرتديه الدكتور داهش. و كثيرة هي المرات التي تظهر فيها فجأة , و تتوارى فجأة , بينما تكون أمامنا , و نحن ننظر إليها أو نسلم عليها .و قد يجتمع منها شخصيتان أو أكثر حتى الست , في مكان واحد , وقد تتجسد في اللحظة نفسها في أماكن مختلفة متباعدة . و قد تأكد لي و لكثيرين غيري , ممن شاهدوها أنها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض: فهي تخترق الحواجز و الجدران , وتنتقل لمح البرق من مكان الى آخر , و إن يكن من أقصى المشارق الى أقصى المغارب , وتسيطر على الجاذبيّة , فترتفع في الهواء و تمشي على الماء , وتثقل وزنها أو تخففه حتى تلاشيه ؛ و هي قادرة , بإذن الله , على صنع ما تصنعه الروح من معجزات .

 

مصرع الدكتور داهش ثم بعثه

و من عجائبها الباهرة أنه في 28 حزيران سنة 1947 , ألقي القبض على إحدى الشخصيات في أذربيجان من أعمال إيران , فقتلت رمياً بالرصاص , و دفنت في البلد عينه , في أول تموز من العام نفسه ؛ و ذلك لأن فتنة دامية كانت قائمة في أذربيجان و لم يستطع الدكتور داهش إثبات هويته , إذ إن السلطات اللبنانية جردته من الأوراق الرسمية , بعد حكمها عليه بالنفي ظلماً .

و قد نشرت الصحف في لبنان و جميع البلاد العربية نبأ مقتل الدكتور داهش و صور مصرعه . و أنشئت فيه مئات المراثي (43) . و مع ذلك , كان مؤسس الداهشية ما يزال بين أتباعه يعلم طرق الحق. أما شخصيته التي أعدمت في أذربيجان , فسرعان ما بعثت من الموت , لأن الموت غير قادر عليها ؛ فهي لا تخضع لنواميس الأرض , لأنها ليست من الأرض .

و لو يرحب المجال , لكنت أذكر من الأحداث المفصلة عن ظهورها وإختفائها ما يملأ مجلداً . حسبي أن أذكر , من بين العشرات الذين شاهدوا تجسّداتها كما شاهدتها : الأستاذ إدوار نون و السيدة قرينته , و الدكاترة شاهين صليبي , و جورج خبصا و فريد أبو سليمان و نجيب العشي , و السادة جورج حداد , و بولس فرنسيس , و نقولا ضاهر , و إميل قساطلي , و أمين نمر , و حسن بلطجي , و السيدات ماري حداد , و زينة حداد , و ناديا غبريال, و هيلدا مراد, وأوديت كارّا , و ليلى مراد , و غيرهم و غيرهن كثير …

فالأناجيل إذ تؤكد صلب المسيح , إنها تؤكد صلب شخصيّة من شخصياته ؛ لكن الإنجيليين , لسبب روحي لم يوضّحوا ذلك , إنما اكتفوا بالإشارة , بعد الصلب , الى  أن المسيح المصلوب بعث من الموت , و كان يظهر و يختفي أمام تلاميذه عدة مرات ؛ و القرآن الكريم , إذ يقرّر عدم صلب المسيح , إنما يعني  عدم صلب عيسى بن مريم الشخص البشري المولود , موضحاً أن الذي صلب إنما هو شبهه ؛ و ما شبهه إلاّ إحدى شخصياته .

و هكذا نرى أن الداهشية , لا بالنظريات , و الآراء المتضاربة , بل بالبراهين الحسّية تظهر وحدة الإسلام و المسيحيّة و وحدة ما أنزل من قبل  ومن بعد .

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!