لا أُبالي

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من كتاب ” بُروقٌ ورُعود “

صاحب عقيدة راسخة

..!من هو الدكتور داهش ؟

 العالم العربي ، العدد العاشر ( 70 ) أول ابريل 1953

الدكتور داهش …رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره …نشأ في عائلة نكبها الدهر . فذاقَ من بطشِ الأقدار أهوالا … وهو شخصية فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها …عركها الدهر عراكاً جباراً ؛ فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف …وقد تعرَّفنا اليه اتفاقا ، فوجدنا فيه مقدرة روحيَّة ، وعبقريَّة أدبيَّة جذبتنا اليه مع لفيف من خيارِ القوم أدباً وثقافة .

 وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين – رغم سنّه الحديث – خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروحٍ عالية وأفكارٍ سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها , وبأسلوبه السهل المُمتنع , الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة , وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبِّي الأداب .

 وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مُصلح ديني وأجتماعي عظيم , صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت فيه المظالم .. يأكل فيه القوي الضعيف .. ويبطش فيه الذئب المُفترس بالحملِ الوديع !

 وهو ينشد ( المحبة ) بين الشعوب والأفراد .. تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان والتي لعبت في تحقيقها الغايات الغاشمة .

 وهو ينشد الترفُّع عن ( المادَّة ) الطاغية والاتجاه نحو الفضيلة والمُثل العليا .

 وهو يتغنَّى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجباتٍ إصلاحية في كل فرد .

 وقد وطد الدكتور داهش العزم على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوريّ , وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة , والى وصايا الأنبياء . وليس مثلما يعلّمهم رجال الدين النفعيّون !

 كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها مُنزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح , وهي إرادة الله .

فالتعصُّب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدمويَّة التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصُّب الذميم إلا بيِّنة صريحة , وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .

 فرغبة الله جلَّ جلاله لا تتَّفق البتَّة مع استعمال الأديان لغاياتٍ تعصبيَّة قبيحة , فالأديان جُعلت مُختلفة مع اختلاف الشعوب والألوان , وكلّها تأمر بالعدالةِ والمحبة .

ماري حدّاد

 

إقرأ أكثر

الصحفي داود أ. الصائغ

أنا داهش أتحدّث إليكم

أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما  في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من  ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يُقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟

لعلّ الأسوء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة  والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكلِّ من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .

قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”

حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .

أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .

داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وينزع منها صورة الشرّ التي طُبعت في مخيلاتهم عنه ؟

ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .

داهش من هو ؟

إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .

ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .

وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute  ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستوى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .

تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942  . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مُستعدّ للتضحية بكل شيء  مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .

و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته  في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوَّته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”

مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .

تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره : وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان  واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيئاً فشيئاً  أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحسُّ أنه مرتبك بعض الشيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .

” قوتي هبة و ليست علماً “

الله , الروح , المادَّة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.

داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصرٌ أضعفَ إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية  نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا  الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”

و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبيّن أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوَّتي هبة  و ليست علماً , و الظواهر تجري  بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعدٍ مستقيمة .

و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”

و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلَّب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها  الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي  أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقِّع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .

 و عليك أن تكرر هذه العملية  مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المُعجزات ” بنفسك .

الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحّصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.

الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني  على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم  بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”

و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب  مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “

و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدوّنها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :

” في مساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمزٍ مُقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة  تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .

وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .

” نحن نؤمن بالتقمّص “

والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوَّة إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلّ الميول والنزعات : المرأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق  .

الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !

– الدكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .

– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟

” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “

التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie  لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .

ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .

لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .

لماذا قامت القيامة على داهش

تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه  ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .

” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي ردَّ مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجوده خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.

” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم :  أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيُعد و يُرسل الى مجلس النواب و يُرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “

و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية  في 9 أيار  1948  ما يلي :

” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها  و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً من إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره  الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد  في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”

و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التي كانت توجه اليهم  في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبَّب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخَّر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “

ماجدا … لماذا انتحرت

و القصة التي لغط بها الناس يومذاك  أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج  و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة  لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنتُ مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة  ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم  بصورة مُذلّة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة ” .

داهش اليوم

كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .

وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .

وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .

وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .

 

إقرأ أكثر

الصَّوْتِ الإِلَهِيِّ فِي أَعْمَاقِ الوجُود

هي أصداءٌ فكريةٌ لا يُمحوها الزمن، تُشكّلُ جسرًا يربطُ بين الأجيال، تُسجِّلُ صاحبها في ذاكرة الإنسانية، تُلهمُ العقول وتُثيرُ الجَدَل.  

نور الحقيقة

لا تُعتبر الحقيقة مجرد معلومةٍ، بل هي فعلٌ يُبدّدُ الظلمات، قوةٌ تُكشّفُ عن الخفايا، وتُظهر ما كان مخفيًا أو غامضًا. هو نور اللحظة الوجودية التي يدرك فيها العقل ماهية الأشياء، ليتحوَّلُ الجهلُ الى يقين.   

Hot

التأثير الفكري

إن تأثير الدكتور داهش على الثقافة والمُثقَّفين يمتد ليشمل نسيج المجتمع بأكمله. فأفكاره ما زالت تتردَّدُ أصداءه في الحوارات والصُّحف، تُعيد صياغة الوعي الجمعي وتُحدثُ تغييراً في السُّلوكيَّات.

Hot

المفاهيم الفلسفيَّة

تُعَدّ المفاهيم الفلسفيَّة مساحةً حيويةً للبحث والتأمل، هي تحدٍّ للعقل، وفرصة للتفكير، تفكُّ شيفرة الوجود والغاية من الحياة، وتُلقي الضوء على مكانة الإنسان الأزليَّة في هذا الكون الفسيح.

Hot

النُّصوص الأساسيَّة

تُعَدُّ النصوص الرئيسية بمثابة حجر الزاوية في الفكرِ الداهشيّ، فهي لا تُقدِّمُ مجرّد معلومات، بل تحملُ في طيَّاتها جوهر التعاليم الداهشيَّة، تُعيد تَشكيلُ القوَّة المُحرِّكة للنَّفس البشريَّة في التعاطي مع الآخر.  

Hot

المؤلفات الرئيسية

للدكتور داهش أثرٌ فكريٌّ ناهز المئة وخمسين مُجلَّداً، هي مجموعةٌ متكاملةٌ من النصوص تُمثِّلُ خُلاصة تأمُّلاته وأفكاره ورحلاته. تحملُ في طياتها أفكاراً جوهريةً ذات أبعادٍ روحيَّة، تُعيدُ صياغة فهمنا للواقع والحياة والوجود.

Hot

أثرٌ في الوجود

مؤلَّفات الدكتور داهش

كان الدكتور داهش مؤلِّفًا غزير الإنتاج وأديبًا فذًّا. فقد وضع ما يربو عن المئة وخمسين كتابًا جميعها ذا مواضيع إصلاحيّة للإنسان والمجتمع. وقد أودع في كتاباته تعاليم رسالته الداهشيّة المقدّسة داعيًا عبرها إلى اتّباع الفضيلة والمثل العليا وإلى العودة إلى جوهر الأديان والرسالات السماويّة وإلى وحدة العائلة الإنسانية تحت راية المحبّة والاخوّة بين الجميع بعيدًا عن نزوات العنف والحروب والتفرقة.

 

وقد شخّص في كتبه أمراض المجتمع البشري وآفاته منتقدًا انصياع الانسان لسلطة المادّة والسعي المتواصل وراء شهواتِ حبّ الأنا والمال والجنس داعيًا الى التزام طريق الحقّ والحقيقة الإلهيّين.

 

كما شارك القرّاء دواخل ذاته وبواعثها واصفًا أحزانه وأشجانه وغربته الروحيّة في عالم الأرض مناجيًا عوالم النور الروحيّة الخالدة بسعادتها وطمأنينتها، كأنّه يهيب بالإنسان أن يعي وهم الوجود وفنائه الحتميّ كدافعٍ للسير في طريق الخير والصلاح.

 

ولم يكفّ الدكتور داهش عن الكتابة طوال سنين حياته بدءًا من عام ١٩٢٧ حين كان عمره ثمانية عشرة عامًا وحتى أواخر أيّامه.

 

 

وفي كتاب “في هيكل الدكتور داهش ومحرابه الأدبي”، يقوم الدكتور غازي براكس بدراسةٍ تحليليّة لأدب الدكتور داهش ومؤلّفاته، ويصنّفها في الأصناف التالية1:

 

“لقد وضع الهادي الحبيب حوالي تسعين مؤلّفًا روحيًّا – أدبيًّا، فضلاً عن ستة وستّين كتابًا أسود ومئة وخمسة وستّين بيانًا أسود في فضائح بشارة الخوري ومخازي عهده ورجاله.. يمكن تصنيفها ستّة أصناف:

 

الصنف الأوّل يضمّ الكتابات الروحيّة الموحاة ذات الطابع القُدسي.

 

الصنف الثاني يضمّ المؤلفات ذات الأبعاد الاسطوريّة، أو غير الأرضيّة.

 

الصنف الثالث يضمّ المؤلّفات الأدبيّة الروحيّة التي تصوّر نفسيّة الهادي الحبيب في أدقّ

اختلاجاتها وانفعالاتها وتأمّلاتها، وأصدق عواطفها ومطامحها وتصوّراتها.

 

الصنف الرابع يضمّ المؤلّفات ذات الأبعاد النقديّة الاجتماعيّة والنفسيّة.

 

الصنف الخامس يضمّ الكتب التي يصف فيها رحلاته الى مختلف أرجاء العالم ، وهي وثائق تاريخية واجتماعية وفنيّة ذات قيمة كبرى.

 

الصنف السادس يضمّ الكتب التاريخية التي تتناول وقائع حياته ولا سيّما في مرحلة الاضطهاد.

 

..إنّ كتابات الهادي الحبيب، على مختلف أصنافها، تعود بالأدب الى معناه الأصيل، التعبير الصادق العفويّ عن تأثّرات النفس بحركاتها الذاتية وبعلاقاتها بالله والانسان والطبيعة، وذلك في صيغةٍ مدهشة بجمال بساطتها. إنّها المدماك الأصيل الأساسي لصرح الأدب العالميّ الجديد، بعد أن كادت الصنائع الأدبية تفقد معناها، وتتحوّل الى أزياء شكليّة، وبهلوانات خيالية أو فكرية أو لفظية، شأنها شأن الفنون الأخرى التي طغى عليها التهريج والنفاق.”1

 

 

تضمّ لائحة مؤلّفات الدكتور داهش الكتب التالية:

 

 

– “ضجعة الموت”

– “كلمات الدكتور داهش”

– “نشيد الأنشاد”

– “الإلهات الستّ”

– “عشتروت وأدونيس”

– “جحيم الدكتور داهش” في ثلاثة أجزاء

– “النعيم” في ثلاثة أجزاء

– “مذكّرات دينار”

– “نشيد الحبّ”

– “مختارات من كتب الدكتور داهش”

– “عواطف وعواصف”

– ” نبال ونصال”

– “خیالٌ مجنّح أو حياة الأحياء في القمر”

– “قصص غريبة وأساطير عجيبة” – في أربعة أجزاء

–  “يدي المزلزلة أو كيف سقطت سقطة الموت المدمّرة”

– نهر الدموع (مراثي الدكتور داهش في شقيق روحه الدكتور جورج خبصا)

– “مذكّرات يسوع الناصري” – الجزء الأول

– “أسرار الآلهة”  في جزأين

– “قيثارة الآلهة” في جزأين

– ” الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسّس الداهشية والدكتور حسين هيكل باشا”

– ” ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا”

-” ابتهالات خشوعية”

– ” ناثر وشاعر” (نثرًا للدكتور داهش وشعرًا الحليم دموس) في ثلاثة أجزاء

– “القلب المحطّم”

– “جحيم الذكريات”

– “قيثارة أورفيوس”

– “مفاتن الشعر المنثور”

– “أناشيدي”

– “أوهام سرابية وتخيلات ترابية”

– “قيثارة الأحزان أو روحٌ تنوح”

– “المهنّد الباتر”

-“من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد”

– ” يوميّات مؤسّس العقيدة الداهشية”

– “حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسية”(في عشرة أجزاء)

– “فراديس الآلهة يرصّعها اللينوفار المُقدّس”

(في عشرة أجزاء)

– “الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضية”، في اثنين وعشرين جزءًا

– “بريءٌ في الأغلال أو يوميّات سجين الغدر والخيانة” في جزأين

– “وصيّتي”

– “إنجيل الحبّ”

– “الدهاليز”

– “وحي الغاب”

– “ظلمات مدلهمّة”

– “كتاب الهادي الإلهي”

– “الفرق بين الكثلكة والداهشية”

– ” أسرار الموت”

– ” أسراري”

– “مذكرات عتّال”

– “نذالات المطرود القذر عبد الرحيم الشريف الخليلي”

– “كيف طردت الخائن النذل عبد الرحيم الغير الشريف”

– “خبز المعرفة وحكم الأجيال أو الأموات يُرشدون الأحياء ويعظونهم” (موسوعة حكمية في ستّة أجزاء جمعها الدكتور داهش)

كما نظّم عددٌ من الشعراء والأدباء المعروفين  بعضًا من كتب الدكتور داهش شعرًا ومنها:

– “ضجعة الموت” شعرًا لمطلق عبد الخالق

– “عشتروت وأدونيس” شعرًا لصلاح الأسير

– “ضجعة الموت”  شعرًا لحليم دمّوس

– “مذكّرات دينار” شعرًا لحليم دمّوس

– “الإلهات الست”  شعرًا لحليم دمّوس

– “عواطف وعواصف”  شعرًا لحليم دمّوس

– “نبال ونصال” شعرًا لحليم دمّوس

– “أوهام سرابية وتخيلات ترابية” شعرًا لحليم دمّوس

– “قيثارة الأحزان أو روح تنوح” شعرًا لحليم دمّوس

– “النعيم” (في ثلاثة أجزاء) – شعرًا لحليم دمّوس

– “جحيم الدكتور داهش” (في ثلاثة أجزاء) – شعرًا لحليم دمّوس

– “جحيم الدكتور داهش “، الجزء الأول شعرًا للشيخ عبد الله العلايلي

 

وقد تُرجمت العديد من كتب الدكتور داهش لِلغاتٍ عالمية عدّة، كما تناول رتلٌ كبيرٌ من الأدباء والكتّاب والصحافيين مؤلّفاته بدراساتٍ تحليليّة وتقييمات أدبيّة أثنوا فيها على أدب الدكتور داهش وأسلوبه المميز وسموّ أفكاره ورفعة مقاصده ومنها:

 

– “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة”

– “آراء الأدباء والشعراء بمؤسّس العقيدة الداهشية “

– “الدكتور داهش بأقلام نخبة من معاصريه”

– ” دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش”

-” أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت لمؤلّفه الدكتور داهش”

– “الدكتور داهش الأديب المعجز _مقارنة بين كتابين عملاقين جحيم الدكتور داهش وجحيم دانتي”

– “في هيكل الدكتور داهش ومحرابه الأدبي “

– “الدكتور داهش الأديب العملاق”

إقرأ أكثر

أُفق الكلمات

المكتبة الداهشيَّة

بوصلة العقول

مكتبة الدكتور داهش الخاصَّة

حبّه للكتب وتأسيس المكتبة الداهشيّة

 

“ما الكتب النفيسة سوى يواقيت ثمينة ومجوهرات يتيمة، أغوص بين صفحاتها لأصطاد لآلئها النادرة”.

بمثل هذه الكلمات، يعبّر الدكتور داهش عن حبّه الكبير للكتب، إذ يعتبرها بما تحويه من أدبٍ وحِكمٍ ومعارفٍ في مختلف الحقول من فلسفةٍ وعلمٍ وفنٍّ ونثرٍ وشعرٍ وغيرها، كنوزاً عظيمةً تفوق بأهميّتها كنوز الأرض الماديّة من مالٍ وذهب.

 

“ففضلاً عن وضعه عشرات المؤلّفات القيّمة، صرف مؤسّس الداهشية قسطًا وافراً من وقته لإتمام إنشائه مكتبةً ثقافيةً جامعة كان قد بدأ تجميع كتبها منذ عنفوان شبابه.  وتضمّ هذه المكتبة حوالي المئتي ألف كتاب، اختارها بنفسه من بلدانٍ كثيرةٍ لتكون إرثاً للداهشيين وللجميع يستحثّهم على الاستزادة من المعرفة”.7

 

وقد واظب، بمعاونة أتباعه الأوفياء، على تجميعها على مرّ سنين حياته، لتضمّ هذا الكمّ الجليل من الكتب ذوي المواضيع المتنوّعة واللغات المتعدّدة من عربيةٍ وأجنبيّة، لتصبح إحدى أكبر المكتبات الخاصّة في العالم.

 

 

واهتمامه بالكتب والمطالعة والثقافة كان جزءًا لا يتجزّأ من هدفه الأساس الذي يتمحور حول رقيّ الفرد والمجتمع. فتأسيسه للعقيدة الداهشية الروحية الداعية إلى الخير والفضيلة والعودة إلى المثل العليا، و متحفًا عالميًّا يحوي آلاف القطع الفنيّة من لوحاتٍ وتماثيل، ومكتبةً ضخمةً تضمّ عشرات آلاف الكتب، جميعها تصبّ في غاية سموّ الإنسان وتغليب فضائل الجمال والعلم والنور على رذائل الجهل والظلام.

 

وهذه بعضٌ من كلماته التي جسّد فيها حبّه للكتب وشغفه للمطالعة:8

 

 

– “أحبُّ الكتب حُبُّ السكارى للخمر، لكنّي كلّما ازددت منها شربًا، زادتني صحوًا.”

 

– “الكتب هي طعامي المفضّل. ونهمي لالتهام متنوّعاتها لا يشبع فضولي مُطلقًا مهما طالعتُ منها. فأنا أقرأها وأتذوّق حلاوتها، وأنتشي بما تحويه من كنوز المعرفة التي أودّ فضّ مغاليقها، واستيعاب أسرارها المكنونة دومًا وأبدًا.”

 

 

– “حُبّي، بل شغفي الشديد لمطالعة مختلف أنواع الكتب … يسري مع الدماء في عروقي.”

 

– “وأجمل ما أتوق لمشاهدته ركامٌ من الكتب، وتلالٌ من مؤلّفات الفلاسفة والحكماء، وجبالٌ ممّا أنتجته قرائح العلماء والمكتشفين والمخترعين، وخلاصة ما تمخّضت به عقول وأفكار الأدباء الأفذاذ، والشعراء المُلهمين المٌبدعين.”

 

 

– “عندما أشاهد مكتبتي المحتوية آلاف الكتب المتنوّعة المواضيع، تُسرّ عيني، وتبتهج نفسي، وتنتشي روحي؛ ومثلما تطرب الآذان لسماعها أنغام الموسيقى العذبة، هكذا تطرب نفسي، وأنا أتنقّل بين مختلف أنواع الكتب، التي تضمّ بين دفاّتها سِيَر الحياة بمباهجها ومآسيها.”

 

– “عندما يتوقّف قلبي عن الضربات، ويُلحَدُ جسدي في حفرته الصامتة الموحشة، أودّ أن ترافقني جيوشٌ لجبة من الكتب، يُدثّر بها جسدي المسجّى في حفرته الخالية الباردة المنسيّة. فالكتاب خير رفيق لي في حياتي، وأتمنّى أن يرافقني بمماتي.”

إقرأ أكثر
معبدُ الكلمة

الدَّار الداهشيَّة للنشر

مدادُ الحرف

الكَلِمةُ ببن الصَّمْتِ والتَّجَسُّد

مع هجرة الرسالة الداهشيَّة الى أميركا في سبعينيَّات القرن العشرين، وتأسيس ” الدار الداهشيَّة للنشر The Daheshist Publishing Co.LTD ” في عاصمة المادَّة وبلد الحريَّات ومُلتقى الثقافات العالميَّة، لتكوِّنَ المقرّ الرئيسيّ الأساسيّ لنشر الآثار الكتابيَّة للدكتور داهش، وإنشاء محراب النُّور في خضمِّ العالم التُّرابيّ. وبهذا يكون الإنتقال الجغرافي الذي اقتضته الظّروف الأمنيَّة جرَّاء الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة التي اندلعت جزاءًا وفاقاً على جريمة اضطهاد الدكتور داهش، انتقالاً نوعيّاً وتحوُّلاً مفصليَّاً في مسار الرسالة الداهشيَّة.

كان لبنان والمشرق العربي يمثلان فضاءً مُكبَّلاً بالأُطر الطائفيَّة الموروثة والسياسيَّة الضيِّقة، حيثُ واجهت الرسالة اضطهاد السُّلطات المحليَّة والمؤسَّسات التقليديَّة، بينما شكَّلت الهجرة تدبيراً كونيَّاً وسوراً وقائيّاً بنقل التُّراث الفكريّ الرُّوحيّ والفنّيّ للدكتور داهش من لبنان الذي كان يحترقُ من أقصاه الى أقصاه الى نيويورك حفاظاً له وخوفاً عليه. ولو بقيت المخطوطات الأصليَّة، والرسائل، والآلاف من اللوحات الفنيَّة الأكاديميّة المجموعة من مُختلف أنحاء العالم في بيروت، لكانت عُرضة حتميَّة للتَّلف والتخريب أو العبث والنَّهب من السُّلطات والمليشيات المُتصارعة.

لم تكن الهجرة حادثة انتقال مكاني، انَّما انعطافة كوكبيَّة، نقلت فيها الرسالة الداهشيَّة من طور الظُّلم والمُلاحقة الى طور الإنفتاح والعمل المؤسَّساتيّ. وهذا ما شكَّلَ عامل استقرار  بأبعادٍ روحيَّة وفكريَّة وإجتماعيَّة للدكتور داهش. ولئن كانت الرسالات الروحيَّة تتطلَّبُ بيئة احتضانٍ تُتيحُ للبذور الإلهيَّة أن تضربُ جذورها في عمق الوجود الإنسانيّ، فأنَّ هذا الثالوث الأساسيّ تحوّل إلى ناموس عملي ومبدأ روحانيّ تكفّل بصون الرسالة وإبراز جوهرها الكونيّ، ومعه بدأت مسيرة الرسالة الداهشيَّة في نشر تعاليمها، والتأسيس لمنظومتها المعرفيَّة والإشراقيَّة.

استقرار الدكتور داهش تجسَّدَ موقفاً وجوديَّاً ورسوخاً روحيَّاً وصموداً شامخاً، تحوَّل الى طاقةٍ انتاجيَّةٍ هائلة، واكبه عمله الدؤوب ورحلاته العالميّة ونشاطه الفكريّ لنشر رسالته الروحيَّة السَّامية، إذ لم تنقطع جلساته الروحيَّة او ظاهراته المُذهلة، ولم يتوقَّف قلمه، ولا ينابيع كتاباته الأدبيَّة التي تنوَّعت بين التَّأملات، والرحلات، والقصص الفلسفية، والكتب المُوحاة.

في هذا المسار، دعى الدكتور داهش المؤمنين من اتباعه الى الهجرة بالمفهوم الرُّوحيّ والإلتحاق به كمشروعِ إيمانٍ يحملُ أمانة الرسالة الداهشيَّة ويعبّر عن ثبات الإرادة والولاء للحقّ والخير والجمال.

انتظم المؤمنون والمُريدون في شبكةٍ وجدانيَّة وعمليَّة تتوزَّعُ فيها المهام بين التأليف، والمُراجعة، والتَّرجمة، والطِّباعة، والتوزيع. هذا التَّعاون المثالي حوَّل الجهود الى خليَّة عملٍ دائمة الإبداع.

البيئة المهجريَّة الجديدة في نيويورك مدينة الحريَّات، أتاحت حريَّةً أوسع وأفاقاً أرحب للعمل الفكري والإعلامي، تشكَّلت على أثره مسيرة نشر الفكر الداهشيّ وفق ناموسٍ دقيق يُدرك أنَّ الحقائق الروحيَّة والمبادىء السَّامية، كي تبقى حيَّة نافذة عبر الزَّمان والمكان، لا بُدَّ لها من نواةٍ مُمهِّدة ومُتماسكة للنشر والتوثيق، ترتبط بمبدأ المسؤوليَّة الرُّوحيّة. فالرسالة التي تُخاطب الأكوان، وتُعالج قضايا العقل، والإرادة، والسيَّالات، والعدالة الكونيَّة، لم تكن لتكتفي بالتبشير الشَّفهي والنقل العابر، بل أولت التَّسجيل الفكريّ والتأسيس المؤسَّسي عناية بالغة تهدف الى تمحيص المادَّة الفكريَّة، وتسجيل الشواهد الماديَّة والروحيَّة، وتوثيق المحطَّات التاريخيَّة للرسالة بمعايير دقيقة، تصون جوهرها من الإنتهاك أو المحو أو التَّحريف. وفي هذا ما يجعل التُّراث الدَّاهشيّ صرحاً محميَّاً ببصيرة العقل ونُبلِ الغاية.

تجلَّت هذه النَّواة التوثيقيَّة والتأسيسيَّة بـ ” الدار الداهشيَّة للنشر”، التي تُعدُّ حجر الزاوية والنَّواة الأكبر التي احتضنت التُّراث الداهشيّ في نيويورك- أميركا، حيثُ تأسَّست لتكون المركز الرَّسمي المنوط به جمع وتوثيق ونشر الآثار الأدبيَّة والرُّوحيّة والفلسفيَّة الشاملة للدكتور داهش. تولَّت الدار طباعة ونشر العشرات من الكُتُب والمؤلَّفات التي وضعها الهادي الحبيب بمعايير جماليَّة وفنيَّة رائعة.       كما ترجمت ترجمةً دقيقة العديد من كُتُبه الى الإنجليزية، والفرنسية، ولغات أخرى، ممَّا نقل الفكر الداهشيّ الى المُعاينة النَّقديّة العالميَّة المفتوحة. كما أنّ نتاجها امتدَّ ليشمل طباعة ونشر الدراسات النقديَّة والأعمال الأدبيَّة والأبحاث الفلسفيَّة التي تُسهم في نشر الفكر والمفاهيم الداهشيَّة.

كذلك صدر عنها  مجلَّة ” صوت داهش  Dahesh Voice “، التي لم تقتصر هذه المجلَّة الفكريَّة الأدبيَّة على نشر الآثار الداهشيَّة المُوحاة وتأمُّلات الدكتور داهش، بل فتحت صفحاتها للدراسات الفلسفيَّة والأدبيَّة والنقديَّة والتحليلات الرُّوحيَّة التي كتبها كبار الأدباء والمُفكّرين الداهشيين. وكانت تصدر باللغتين العربية والإنجليزيّة في نيويورك، وتُوزَّع على المراكز الثقافيَّة والجامعات والمشتركين عبر شتى قاراتِ العالم، ممَّا شكَّلَ جسراً للتواصل بين أتباع الرسالة الداهشيَّة والمُفكّرين الباحثين عن الحقيقة عبر طرح الإجابات الداهشيَّة على المعضلات الإنسانيَّة والرُّوحيَّة الكبرى في عصرنا الحديث.

إنّ الدار الداهشيّة للنشر تظلّ شواهد حيَّة على القوَّة الإِشراقيَّة التي لا تُحَدّ بفرْد؛ فقد استطاعت أن تحوّل الفكر والكلمة إلى صرح مُوثَّق ومُستمر، يضمن نشر الرسالة الداهشيَّة إلى كل نفس باحثة عن الحقّ، ويهدي الأَرواح في رحلتها نحو الارتقاء والعودة المجيدة إلى حيثُ النور الأزليّ والعوالم القُدسيَّة.

هيئة التَّحرير

 

إقرأ أكثر

باب الجمال

مُتحف داهش للفنّ

ّمُلتقى الإبداع والجمال الأزلي

مُتحف داهش للفنّ

حبّه للفنّ وتأسيس المُتحف الداهشيّ

كان الدكتور داهش عاشقًا للفنّ بكلّ ما للكلمة من معنى. وقد زار عددًا لا يحصى من المتاحف العالمية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا بهدف مشاهدة ما أبدعته أيدي الفنّانين من روائع خالدةّ بجمالها المذهل. فيصف لوحاتها قائلًا:

“فهذه اللوحات العظيمة هي تراثٌ للإنسانيّة. يتناقلها الخَلف عن السلف لِتَرى ما بلغه الفنّ من رقيّ، وما سجّله لنا من حوادث تاريخيَّة بارزة نستطيع مشاهدتها عيانًا بأسلوبٍ حيّ فيه متعة، وفيه جمال، وفيه حقيقة ما أجدرها بالبقاء في عالمٍ كلّ ما فيه صائرٌ إلى زوال.”2

كما عبّر عن حبّه وشغفه لمشاهدة متعدّد أصناف الفنون واقتنائها في الكلمات التالية:

“..ومع ذلك ، فجميع هذه المتاحف لم تُشبع رغبتي للفنون الجميلة، فأنا أتوق للفنّ، وأتعشّقه، وأبحث عنه ليل نهار، فهو لي كالروح للجسد.

وبهذه المناسبة تذكّرت مثلاً شائعًا دوّنته الكتب إذ قالت: “اثنان لا يُشبع نهمهما شيء طالب علمٍ وطالب مال”. 

وأزيد عليهما ثالثًا فأقول: “وطالب فنّ” – الذي هو أنا – فإنّي، وأيم الحقّ لا يمكن أن أُشبع نهمي من الفنّ إطلاقًا.

فمنذ طفولتي وأنا أتوق لمشاهدة أيّ شيء يمثّله الفنّ، سواء أكان لوحةً زيتيّة أم مائيّة أم بالباستيل. كما أرغب رغبةً عارمة بالتماثيل الفنيّة سواء كانت منحوتة من الحجر أم من الرخام أو العاج أو البرونز أو الخشب أو المعدن، والخلاصة إنّ الفنّ يستهويني ويجذبني كالمغناطيس المقتدر.

وفي خلال سفراتي المتعدّدة ورحلاتي المتواصلة ابتعت من متعدّد الفنون عدداً كبيراً بذلتُ في سبيله أموالاً طائلة. وقد غصّت خزائني بروائع الفنّ، فهي لي متعةٌ للنظر وروعةٌ للبصر؛ وسأبتاع منها الكثير أيضاً، إن شاء الله، برحلاتي القادمة إذا امتدّ بي الأجل”.3

فلكأنّ كانت الفنون الجميلة الراقية واحةً ظليلة في صحراء الأرض القاسية والقاحلة، يستفيء بظلالها من لظى شرور الأرض وآثامها، ويشرب من مائها النقيّ فتُنسيه همومه وتخفّف عنه غربته الروحيّة بجمالها المستمدّ من قدرة الفنّان الأعظم، الخالق عزّ وجل. 

الدكتور داهش أمام لوحاته الفنية

ولم يحصر الدكتور داهش شغفه بالفنّ وولعه به بمشاهدته وزيارة متاحفه،  بل قام بمجهودٍ خارقٍ وجبّار لتأسيس متحفٍ للفنّ يضارع المتاحف العالمية. ورغبته في تأسيس هذا المتحف رافقته منذ الصغر، والسعي الى تحقيقها لم يخفت طوال حياته، لدرجة أنّه حتى أثناء فترة الاضطهاد الرهيب الذي تعرّض له على يد الطغمة الحاكمة في لبنان في أربعينيّات القرن العشرين، وما رافقه من سجنٍ وتعذيب ومحاولات اغتيال، تمّ إرسال آلاف الرسائل الى العديد من الفنّانين في العالم  بهدف تكليفهم بأعمالٍ فنيّة للمُتحف الداهشي.

كما أنّه قام بسفراتٍ ورحلاتٍ عديدة حول العالم مع أتباعه الداهشيّين والداهشيّات بهدف ابتياع الروائع الفنيّة من لوحاتٍ وتماثيل وغيرها في مجموعةٍ رائعة كوّنت نواة المُتحف الداهشي.

وللداهشيّةِ ارتباطٌ عميقٌ بكلّ ما هو جميلٌ وراقي. ومن أقوال الدكتور داهش: “إنّ قلبي يخفق بالحبّ للجمال، ومن أدرك سرّ الجمال، فإنّه قد خطا خطواتٍ واسعة في فهم أسرار الأزل والخلود .. ومن كان بعيدًا عن حبّ الجمال، فإنّه لا يفقه معنى الحياة”.4 

 فالفنّ والأدب والثقافة ثالوثٌ مقدّس يقرّب الانسان الى جوهر الحقّ والجمال ممّا يرتقي بروحه إلى مواطن الرفعة والسموّ المقدّسَيْن.

ومن كتابات الداهشية المُلهمة أنّ: “الداهشيّة ستؤسّس مُتحفًا للّوحات الزيتية والتماثيل المختلفة الأنواع أي المصنوعة من البرونز والخشب والعاج وحجر الرخام الخ الخ. كما أنّها ستؤسّس مكتبةً ضخمة تضمّ كتبًا بلغاتٍ عديدة ليؤمّها الجميع ويستقوا من كتبها معرفةً يضيفونها على معلوماتهم وهكذا من الناحية الثقافية والفنية تهتمّ الداهشية بهما في هذا القرن العامر بالعلوم والفنون المختلفة.”

وكان هدف الدكتور داهش تأسيسَ مُتحفه في لبنان ولكنّ اندلاع الحرب الاهليّة اللبنانية العنيفة دفعه الى نقل متحفه الى الولايات المتّحدة الأمريكيّة. فكانت مهمّةً عسيرةً وشاقّة تخلّلتها شتّى الصعوبات والعوائق ولكنّه تغلّب عليها بجهوده الجبّارة وجهود أتباعه الأوفياء. 

فيصف بعض ما مرّ به في تلك الفترة في القطعة التالية:

9 آذار 1976

 “حادثُ مُتحفي يُقضّ مضجعي”

“استيقظتُ في الساعة السّادسة صباحًا في منزل الرسالة بمدينة بيروت. والحقيقة أنّ نومي كان عسيرًا للغاية لشدّة القلق الذي استولى عليّ منذ بضعة أسابيع. ذلك أنّ مُتحفي الخاصّ الذي أمضيتُ عُمري في جمع كنوزه من أرجاء المعمورة كافّةً، والذي يحوي ٢٥٠٠ لوحة زيتية رائعة ومئات من مختلف أنواع التماثيل الفنيّة الثمينة الرخامية والبرونزية والخشبية والعاجية . . . قد أرسلته بالطائرة إلى نيويورك، بسبب ما يعرفه سكّان الكرة الأرضية كلّها من السلب والنهب اللذين يجريان في بيروت وفي مدن لبنان وقراه. آلاف المنازل نُهبت، وآلاف المتاجر سُلبت ثم فجّرت ؛ حتّى المصارف لم تسلم من السرقة . ناهيك عن القتل والذبح والتمثيل..

 ففي غمرة هذه الأهوال المرعبة والمزلزلة للعقول، تعاونتُ أنا وعددٌ كبيرٌ من الإخوة والأخوات الداهشيّين والداهشيّات على ترتيب جميع محتويات المُتحف العظيم وتوضيبها. وقد أُتيح لنا أن ننقذ هذا التراث الجبّار بعدما تخطّينا المصاعب الهائلة، إذْ نَقلناها تحت القصف العنيف ونيران الرشاشات ودويّ المتفجّرات والصواريخ بمختلف أنواعها الجهنّمية. وقد تكبّدنا نفقات ۲۰ كنتيارًا (container)، وقدرها ٣٠٠ ألف ليرة لبنانيّة. أجرة نقل هذا المتحف الرائع.

 وما إن وصل إلى جمارك نيويورك حتّى بدأت المتاعب والعراقيل تترى. فقد هالهم هذا العدد المذهل من اللوحات والتّحف الثمينة يمتلكها فردٌ واحد. وظنّوا أنّها ربّما كانت من منهوبات المتاجر والمنازل، فرفضوا تسليمها حتى يخابروا حكومة لبنان في شأنها. وبعد ذلك، ينظرون علام يقرّ قرارهم.

وقد شُحن أول كنتنيار إلى نيويورك بالطائرة في السابع من شباط المنصرم. وها قد مضى زمنٌ طويل دون الفراغ من التحقيقات المملّة. ولهذا السبب، سأستقلّ اليوم الطائرة إلى باريس، ثم استقلّ غداً طائرةً ثانية إلى نيويورك لتوكيل محامٍ يُنهي لي هذه المحنة التي أوصلتني إليها حوادت لبنان المؤسية.

والحقيقة التي يجب أن تقال: لقد كنت جدّ مهموم، وأفكاري مضطربة، أعيش في قلقٍ جهنميّ لا يفوقه قلق.”5

وبعد تأمين سلامة قطع المُتحف الداهشي الفنيّة في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم تقدّمه في العمر وما يرافق هذا التقدّم من أمراضٍ ووهن ٍ جسدي، أبى الدكتور داهش إلّا أن يكمل رحلاته العالمية في مشارق الأرض ومغاربها ليشبع نهمه العظيم بمشاهدة كنوزها الفنيّة وجمع بدائع اللوحات والتحف لمُتحفه الرائع.

 والتالي هو نبذةٌ مختصرة عن متحف الدكتور داهش مأخوذةٌ من الموقع الرسمي للمتحف6:

“افتُتح متحف داهش للفنّ أمام الجمهور في عام 1995 في الجادّة الخامسة (في مدينة نيويورك)، حاملاً رسالةً فريدةً تتمثّل في تزويد الجمهور بنظرةٍ جديدةٍ إلى الفن الأكاديمي الأوروبي في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وتقييم أثر النهج الأكاديمي—بما يشتمل عليه من تدريبٍ، وأسلوبٍ، وموضوعاتٍ، ومُثُل —على عالم الفنّ.

خلال سنواته الثماني في “الجادّة الخامسة”، نظّم المتحف وقدّم 23 معرضاً (رافَق كلاًّ منها منشورٌ خاص به) ضمن مساحةٍ متواضعةٍ بلغت 1800 قدمٍ مربّع. وقد أشاد الزملاء والزوّار على حد سواء برؤيته الطموحة وبرامجه، كما ألهم الحوارُ، الذي أسهم المُتحف في تعزيزه، أبحاثًا أكاديميةً جديدةً واهتماماً متزايدًا في مجالاتٍ شتّى، مثل الاستشراق، والتدريب الأكاديمي، واستمرارية الفنّ الديني، والمقاربات المبتكرة لموضوعات الفنّ النوعيّ (Genre Subjects). وعلاوةً على ذلك، طوّر المتحف العديد من المشاريع التعاونيّة مع مؤسّساتٍ شتّى في الولايات المتّحدة وخارجها.

في سبتمبر عام 2003، أُعيد افتتاح المُتحف في مقرّه الجديد الكائن في 580 شارع ماديسون (في مدينة نيويورك).

وقد اشتملت هذه المساحة الجديدة، الأكثر اتساعًا، على صالات عرضٍ مخصّصة للمجموعة الدائمة المتنامية للمُتحف، فضلاً عن معارض مبتكرة تناولت موضوعات شملت عملية التدريب الأكاديمي وتأثير الفن الأكاديمي في مجالاتٍ متنوعة، تراوحت ما بين فنّ الأوبرا وتاريخ فنّ (الرسوم التوضيحية) الأمريكي.

مع نضوج مسيرته، أثبت المُتحف جدارته بصفته جهة عرضٍ مبتكرة وشريكاً فاعلاً لمتاحف كبرى ومرموقة.

في سبتمبر 2007، أغلق مُتحف داهش للفنون أبوابه في مقرّه الكائن في 580 شارع ماديسون، ليتحوّل بذلك -مؤقّتًا- إلى “متحف بلا جدران”؛ إذ بات يعتمد على تنظيم معارض متنقّلة من مقتنياته، والمشاركة بأعمال فنية مختارة ضمن معارض كبرى أخرى.

 يواصل المتحف إعارة أعمالًا فنيّة بارزة من مجموعته الغنيّة التي باتت تحظى بشهرة عالمية واسعة، وذلك إلى متاحف مختلفة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي يوليو 2012، استحوذ المُتحف على مساحة جديدة في حيّ “هدسون سكوير” النابض بالحياة والواعد، والواقع في منطقة جنوب مانهاتن. وتضمّ هذه المنشأة الجديدة مكاتب ومكتبة مخصّصة لاستخدام الموظّفين، بالإضافة إلى مساحة عامّة أنيقة، ومتجر موسّع للمُتحف، ومنطقة مخصّصة للبرامج والفعاليات العامة، مثل إقامة المحاضرات.”

إقرأ أكثر
النَّبي الحبيب الهادي

من مُتحف داهش للفن

المُتحف مرآةٌ للوجود الإنسانيّ يُشكّلُ فضاءً وجوديًا تُسلطُ فيه الأضواء على لحظاتٍ من الماضي، وتُصبح كل قطعةٍ أثريةٍ بمثابة صوتٍ صامتٍ يحملُ في طياته قصةً، وفكرةً، وشعورًا. والتاريخ ليس مجرد أحداثٍ قديمة، بل هو جزءٌ حيٌّ من وعي الإنسانيَّة.

الخطيئة الكُبرى

جريمة القرن العشرين

لعنةُ البشريَّة

رؤيا مُخيفة تحقّقها الأيَّــام

هذه الرؤيا نشرت في مجلّة” البيان ” النجفيّة العراقيّة في 4 كانون الأول 1948 

       ليس لنا أن نناقش حوادث هذه القصة, حقيقة كانت أم خيالا”, فنحن إذ ننشرها فإنما لاحتوائها على عناصر القصة الناجحة, الأمر الذي نتوخاه في إصدار هذا العدد الخاص. (1)

                             (رئاسة تحرير” البيان”) 

 -1-

في صباح العاشر من شهر تموز عام 1944 نهضت من فراشي و جعلت أستعرض بمخيلتي الحلم الرهيب الذي تراءى لي في خلال رقادي. و هذا هو:

شاهدت نفسي جالسا” وراء مكتبي و أنا أقلب بين يدي مجموعة من الكتب الحديثة. و إذا بجرس منزلي يقرع المرّة تلو المرّة. فأسرعت إلى الباب و فتحته إذا بي أشاهد ثلاثة أشخاص يريدون اقتحام المنزل بقصد اغتيالي, و كان وراءهم مفوض (كوميسير) ضخم الجثة يُحفزهم على اغتيالي و يستثير حميّتهم.

و سرعان ما اختطفت عصاي التي كانت بالقرب مني, و أخرجت من جوفها حربة” مسنّنة, و رحت أطعن صدور هؤلاء الأوغاد فتتدفق الدماء من صدورهم, وتنبثق غزيرة قانية من جروحهم, فيهرولون مُتخاذلين و هم يلهثون إعياء . . . فأغلق الباب و أجيد إيصاده بالإقفال و أنا أرتجف من قمَّة رأسي حتى أخمص قدمي من هول ما حدث!. . .

 *                            *                           *

وبانطواء هذا المشهد الدامي سيبدو مشهد آخر سواه:

. . . فإذا بي أطرق باب صديقي(جورج ابراهيم حداد) و هو عديل الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية. و بعد انتظار قليل يفتح الباب. و ما وطئت قدمي بضع درجات حتى انطلقت عدَّة عيارات ناريَّة كادت تصيب منِّي مقتلا”. و لكنني لم أصب بأذى.

وانقشعت هذه الطلقات عن مدير بوليس بيروت (عارف ابراهيم), و مفوّض تحريها (عمر طبارة), وكوميسير منطقة البرج (محمد علي فيّاض). و للحال هجموا عليّ دون سابق إنذار . . . فارتددت إليهم. و نَشَب بيننا على درج المنزل عراك مُرعب بطّاش.

و ما لبثت أن شاهدت(ماجدة حداد) ابنة صديقي جورج حداد و هي تَعْدو على الدرج حتى بلغت مكاني. واندفعت عليّ و طوقتني, و قصدها دفع الأذية عني من هؤلاء المهاجمين. ثمّ علا الهرج, وساد المرج, وهرع كلّ من في المنزل : والدها, والدتها, شقيقاتها وسواهم. وعلت الضوضاء, وسادت الفوضى, وانبعثت الصرخات, وتعالت الشتائم, وارتفعت الإستغاثات, فاضطرب الحيّ بأكمله, واندفعت الجماهير كي تستطلع أنباء الواقعة وحقيقتها .

في هذه اللحظة أخرج محمّد علي فيّاض مسدّسه, ورطمني بمقبضه على أم رأسي رطمة هائلة , فشعرت إذ ذاك بدوّار هائل , وسقطت على الأرض , لا أبدي ولا أعيد …

وانطوى هذا المشهد الثاني .

وبإنطوائه تبدّى لي المشهد الثالث والأخير :

فقد شاهدت نفسي الآن في دائرة البوليس في محلّة البرج , وكنت ممزّق الثياب مورّم الوجه مدمّى الفم , أتكلّم بإعياء ظاهر والعرق يتصبّب من جبيني بغزارة هائلة . وكانت زمرة عظيمة من رجال البوليس ورجال الشرطة الخفيّة ” التحرّي ” تحتاط بي من كافة النواحي .

وهنا شاهدت محمّد علي فيّاض يتناول سوطاً جيّد الحَبْك وراحَ يهوي به على جسمي فيمزّقه تمزيقاً . وعندما أجهده هذا العمل البربريّ أخذ زميله عمر طبّارة يُكمل ما بدأه فيّاض .

وعندما كلّت يده من كثرة الجلد أخذ مدير البوليس عارف إبراهيم يُنجز المهمّة بهمّة لا تعرف الكلل أو الملل .

وقد شاهدتهم بعد ذلك يشتمونني بكلمات بذيئة يأنف من التفوّه بمثلها أوباش الأزقّة أو المواخير .

وأخيراً … وضعْتُ في سيّارة صغيرة , ورافقني ثلاثة من رجال التحرّي الذين كان على رأسهم رئيسهم عمر طبّارة وراحت هذه السيّارة تطوي بنا الأبعاد , وتجتاز المسافات , حتى بلغت بنا مدينة حلب وهناك كنت أساق من مركز بوليس الى آخر , وأتنقّل من سجن الى آخر . وكنت أهان وأشتم وأجوع وأعرى وأشقى , وتعاودني ذكريات الماضي السعيد البعيد , فتهمي عبراتي بغزارة …

وفي النهاية ساقوني الى الحدود التركيّة وأمروني أن أدخل إليها …

وكان رجال الدرك السوري يدفعونني الى دخول اراضي تركيا , وهم يحملون بنادقهم وفوهاتها مصوّبة الى صدري .  فامتثلت وفعلت .

وهنا شرّدت وكنت بائساً البؤس كلّه …

لقد همت في فيافي مقفرة , واجتزت أراضي محرقة ..

في الليل لم يكن لي من فراش يأويني إليه …

وفي النهار كنت أهيم على وجهي الى جهة غير معلومة .

لم يكن لديّ نقود كي أبتاع لي طعاماً أقتات به .

ولم أجد في الذين طلبت إليهم أن يقبلوني بينهم أي عطف . الجميع كانوا ذئاباً , والجميع أظهروا وحشيّة هائلة .

فَرُحْتُ إذ ذاك أضرع الى اللّه أن ينهي أيّام بؤسي وشقائي , ويقبلني في عالمه البهي الدائم السطوع . ولكنّ هذا الأمنية لم تحقّق لي أيضاً , فانحلّ جسمي , وخارت قواي ,و اضمحلت آمالي, و ذوت أمانيّ, و بت أرقب الموت, و الموت يشيح بوجهه الحبيب عني!. . .

و ما عتمت أن شاهدت نفسي و أنا أمتطي ظهر أسد قوي متين العضلات, و هو يزأر زئيرا” اهتزت منه السهول وردّدته الأودية!. . .

و تجاوزت أصداؤه بين شوامخ الجبال!. . .

فاستيقظت و أنا مذهول مما تراءى لي في خلال منامي!. . .

و مضت الأيّام يسابق بعضها بعضاً, وانقضى شهر تمّوز .

ثمّ تسرّبت أيّام شهر آب تقريباً دون حدوث أي مكروه .

فقلت في نفسي : إنّها أضغاث أحلام . وحمدت اللّه على أنّ حلمي المرعب لم يتحقّق .

ولكن ؟؟ !! .. 

_ 2 _ 

في صباح يوم الإثنين الواقع في 28 آب 1944 إستيقظت في منزل جورج إبراهيم حدّاد عديل الشيخ “بشارة الخوري ” رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة . وللحال إستقللت سيارة ” تاكسي ” وقصدت الى منزلي . وقد رافقني كلّ من جورج حدّاد وزوج كريمته جوزيف حجّار .

وما بلغنا المنزل , وحاولنا مغادرة السيّارة , حتى شاهدنا ثمانية أشخاص في حالة مريبة , وهم يحملون النبابيت الغليظة والمسدّسات والخناجر , فعرفت بالمكيدة , وأمرت السائق أن يكمل سيره الى حيث مخفر البوليس بالبسطة . وهناك بلّغنا المخفر , وطلبنا إليه أن يُرسل قوّة من رجال البوليس كي يلقوا القبض على من يحاولون الإعتداء عليّ .

فادّعى المخفر أنّه لا يمكنه أن يرسل أيّة قوّة الآن .لأنّه لديهم مهمّات غاية في الخطورة .

فعرفت أنّه من العَبث أن نُضيّع الوقت في محاجّة لا تغني ولا تثمن .

ولا شكّ أنّ القارىء الكريم سيدهش كيف أنّ رجال البوليس لم يهتمّوا بمنع الجريمة قبل حدوثها , ولن يصدّقوا ما جاء في مقالي , فأدلي لهم بكلمات موجزة عن الأسباب والمسبّبات كي يزول إستغرابهم عند إضطلاعهم على الحقيقة .

أنّ زوجة صديقي جورج إبراهيم حدّاد واسمها ” ماري حدّاد ” هي شقيقة زوجة رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري . وكما يظهر _ ولأسباب عائليّة خاصّة _ لم تعجبهم أن تعتنق ماري حدّاد الداهشيّة .

وقد حاولوا غاية إستطاعتهم أن يفصلوهم عنّي بشتّى الطرق , ولكنّهم لم ينجحوا , وباءت مساعيهم بالفشل , بل وأحاق بهم الخُذلان .

وهنا لعبتْ يد الغايات دورها الرهيب .

 وتدخّلت الشخصيّات الرسميّة تريد القضاء على صداقتنا .

وإذا بالنيابة العامّة تتدخّل بالموضوع وتروح تلقي التّهم عليّ جزافاً …

ولكنّها بعد التحقيق المستمرّ الدقيق مدّة شهور طويلة , تلاشت كفقاقيع الصابون . وقُضِي على الظلم وصُرِع وهو ما يزال رضيع مهده .

فإستاء من يهمّهم أن أبتعد عن هذه العائلة , وأرادوا أن يستعملوا طرق الغير القانونيّة ما داموا لم ينجحوا عن طريق القانون .

وهنا تدخّلت شخصيّة كبيرة ذات منصب هام في الأمر , وإتّفقت مع شرذمة من المجرمين ليتربّصوا لي أمام منزلي , وعند وصولي يتحرّشون بي , وقصدهم من هذا أنّني سأدافع عن نفسي ؛ وإذ ذاك تتمكّن النيابة العامة من وضع يدها عليّ .

لهذا السبب يا قارئي العزيز رفضت دائرة البوليس أن ترسل لي قوّة كي تلقي القبض على الأشقياء كما سلف. وإذ ذاك أكملنا سيرنا الى منزل محمّد علي فيّاض مفوّض منطقة البرج .

ولمّا كانت الساعة لا تزال باكرة , فقد شاهدناه في منزله . لكنّه بدوره إمتنع عن مرافقتنا , مدّعياً أنّه ذاهب بمهمّة خطيرة .

وهنا سارت ثورة أعصابي , فأفهمته أنّني متأكّد بأن الحكومة هي التي أوْعَزت لهؤلاء الأوباش أن يحاولوا الإعتداء علي ّ وإلاّ فما معنى أنّك ترفض الذهاب معنا لمشاهدتهم بنفسك ؟

ولماذا تمنّع رجال المخفر أيضاً ؟

وأردفت قائلاً له :

– إعلم أنّني سأرفع عليك قضيّةً وأظهر هذه المؤامرة الدنيئة التي من العار أن يدبّرها أشخاص هم في دست الحكم .

وتوعّدته بطبع نشرة أذكر فيها تمنّعه عن الذهاب معي , فرضخ مُكْرهاً .

وما وصلنا الى المنزل حتى شاهدت أنا والأخ جورج وجوزيف حجّار  أن حضرة ” الكوميسير ”   يرفع يده الكريمة محيّياً بها هؤلاء الأوغاد المرسلين لإغتيالي .

وإذ ذاك تمزّق ذلك البرقع , وعُرفت النيّات , وتكشّفت الغايات … فقد صدقَ حدسي .

وبسرعة هاجمنا هؤلاء الوحوش بضراوة .

 ولكنّني كنت أسرع منهم بالدخول الى منزلي وإيصاد بابي .

فحاولوا إقتحامه بحضور ” الكوميسير ” الفاضل , وقصدهم إغتيالي, مما دعى جوزيف حجّار الى أن يخرج الحربة من العصا _ وكان يحملها إذ ذاك _ ويطعن بها صدر أحدهم , فجرحه جرحاً بسيطاً . ولم يكن هو المعتدي الأول , ولم يطعنه إلاّ بعد أن كان المذكور قد شجّ رأسه بهراوة غليظة .

وهنا وضعت النيابة العامة يدها عليّ , مُدّعية أنّني أنا هو الذي حرّض جوزيف على الضرب . وهذه أمنيتها التي كانت تتلهّف للوصول إليها .

إحتجّجت … فما أفادني الإحتجاج شيئاً .

لقد سُجنت وأهنت مدّة ثلاثة عشر يوماً كاملاً . وحقّقوا معي في خلالها ثلاث مرّات .

ولمّا لم تستطع النيابة العامة أن تُلصق بي أيّة تهمة أسقط في يدها , وتأكّد لديها أنها لن تستطيع تقديمي الى المحاكمة .

ولكنّني كنت في قبضة يدها …

ففي الساعة العاشرة ليلاً في التاسع من شهر أيلول 1944 قدم سجن الرمل _ حيث كنت أقيم _ كلّ من مدير البوليس عارف إبراهيم ومفوّض التحرّي عمر طبّارة وكوميسير منطقة البرج محمّد علي فيّاض وبلّغوني أن رئيس الجمهورية قد نزع عني الجنسية اللبنانية, و هم مكلّفون بنفيي فدُهِشتُ و قلت لهم:

– و هل يستطيع رئيس الجمهورية أن يخترق نصوص الدستور و ينزع عني جنسيتي؟. . فضحكوا و قالوا: “الحق للقوة!”.

فقلت لهم :

– إذا كان خصمي حاكمي ماذا أفعل!

وطلبت إليهم أن أذهب الى شقيقتي حيث تقيم في منزل جورج حدّاد , كي آخذ منها نقوداً, وبعض الثياب , ثمّ لتفعل بي القوّة الغاشمة ما تشاء ….

وهكذا كان .

فعند وصولنا لم يدعوني أصعد الى منزل الأخ جورج , بل طلبوا من شقيقتي أن تنزل كي أحدّثها ,اطلب منها نقوداً . نزلت الشقيقة وبرفقتها ماجدا حدّاد بنت صديقي جورج . وهنا حاولت التخلّص من قبضات هؤلاء الذين يتشبّثون بي . وإذا بمعركة رهيبة عنيفة مخيفة تقع في لحظة , وتندفع الأجسام وترتفع القبضات لتعود فتهوي على الرؤوس ! ..

وسرعان ما أخرج عمر طبّارة مسدّسه , وحاول إطلاقه عليّ .

ولكن أسرعت ماجدا فألقت بنفسها عليّ وأمتزجت بي .

وأسقط في يد هذا الوحش .. ولم يستطع إطلاق الرصاص إلاّ في الهواء , للأرهاب , خوفاً من أن يصيب ماجدا أو سواها .

وعلى لعلعة النيران نزلَ جورج حدّاد والشاعر حليم دمّوس الذي كان في تلك الليلة بضيافة آل حدّاد .

ثمّ هرعت شقيقتا ماجدا ووالدتها , وتجمهر المئات من الأشخاص في سكون هذا الليل البهيم الذي عكّرته تلك الطلقات الناريّة .

في هذه اللحظة أخرج محمّد علي فيّاض مسدّسه , وبكعبه أهوى به على رأسي . فدارت بي الأرض , أو أنا الذي درت بها … وتدحرجت على درج المنزل !..

وللعجب الشديد تذكّرت في هذه اللحظة الرهيبة الحلم الذي كنت قد شاهدته منذ شهرين تماماً .

فاليوم هو التاسع من شهر أيلول , والساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل . ومثلما مرّ بالقارىء , كنت قد حلمته في 10 تمّوز ! ..

***

وفي غمرة الهرج والمرج المدوّيين غبْت ُعن الوجود لأعود فأستيقظ في مركز البوليس وأشاهدهم وهم يتناوبون على جلدي , أي كلّ من مدير البوليس , وعمر طبّارة , وفيّاض _ مثلما حلمت تماماً _ ثمّ شتموني وأهانوني… وفي النهاية أركبوني في سيّارة ورافقني ثلاثة من رجال الشرطة الخفيّة على رأسهم عمر طبّارة . ومكثنا طوال الليل ونحن نسير . فبلغنا حلب في الساعة التاسعة من صباح اليوم الثاني .

وهناك أدخلوني دون وجه حقّ الى السجن . فمكثت فيه مدّة أربعة أيّام دون طعام ولا شراب . فرقّت حالتي , وكدت أقضي نحبي .

وأخيراً … قادوني الى الحدود التركيّة وهي تقع على بعد 52 كيلومتراً من حلب .

وهناك , بعد قرية إعزاز أمروني أن أجتاز الحدود التركيّة فرفعت عيني إليهم وقلت لهم بإحتقار :

–  خسئتم , فإنّكم الخاسرون !

ذلك لأنّني تذكّرت أنّني شاهدت نفسي في  ” الحلم ” وأنا أمتطي ظهر أسد عظيم ! فعرفت أنّ النهاية ستكون لي .

وسأفوز وأنتصر بعون اللّه تعالى .
بيروت , 10 تمّوز 1944

———————————————————————————

1 – إنّها حقيقة واقعيّة يعرفها جميع أبناء لبنان , فهذا الظلم الهائل ذكرته الصحافة طوال أعوام عديدة وصدرت كتب سوداء طافحة بأنباء هذه الجريمة المرعبة التي إرتكبها بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة الذي سجن الأديبة ماري حدّاد , شقيقة زوجته , لأنّ الكتب السوداء صدرت موقّعة بإسمها . ومن شاء معرفة الحقائق المذهلة عن الجريمة فليطالع هذه الكتب السوداء .

 

إقرأ أكثر

رحلات الدكتور داهش

يقول الدكتور داهش في قطعةٍ عنْوَنها (أنا توّاقٌ للسفر والتّرحال):  “أنا بطبيعتي أحبّ الرحلات وأتوق للسّفر والترحال شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا.

أحبّ السّفر إلى الصحارى، والتجوال في شعاب الجبال، كما أحبّ الهبوط إلى الأودية السحيقة، وأرغب مشاهدة العواصم الكبرى، والقرى النائية الهاجعة بأحضان الغابات الظليلة.”9

وقد جسّد هذا الحبّ حقيقةً بعديد الرحلات المشوّقة الى بلاد العالم بمدنها المتعدّدة وطرقاتها المتشعّبة.10

(صورة غلاف كتاب الرحلة التاسعة عشرة من سلسلة كتب “الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضيّة”)

 وقد دوّن مذكّرات ويوميّات ومشاهدات تلك الرحلات بدقّةٍ غير متناهية وتفصيلٍ محبّب وبأمانةٍ وصدقٍ قلّ نظيرهما، في اثنين وعشرين جزءٍ من سلسلة كتبٍ أسماها “الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضية”.

ولم تكن رحلاته لغرض التسلية بل كان لها عدّة أهداف مهمّة بذل جهودًا جبّارةً من أجل تحقيقها غير آبهٍ بالمشقّات والمعوّقات والمنغّصات.

فبالإضافة الى ابتياع عشرات آلاف الكتب المتعدّدة اللغات والمواضيع أثناء رحلاته من أجل تأسيس مكتبةٍ ثقافيةٍ ضخمة، يشرح الدكتور غازي براكس أهمّ أهداف رحلات الدكتور داهش حول الكرة الأرضية:

1- ( حبّه للفنّ وتأسيس المُتحف الداهشي)

“لا ريب في أَنَّ وَلَعَ مُؤَسِّس الداهشية بالفنّ دفعه إلى البحث عن كنوزه في مختلف أرجاء العالم، وكان من أهمّ الحوافز لارتحاله شبه الدائم مدّة خمسة عشر عامًا. وإذا حصيلة أسفاره ألوفٌ من القطع الفنيّة الرائعة التي انتقاها بمحبّة وعناية كأنّها من جملة مختاريه، حتى كوّن منها مُتحفًا يُضاهي المتاحف العالمية.”

وفي رحلاته “ذكرٌ لعشرات المتاحف التي زارها المؤلّف، وأبدى رأيه في معروضاتها؛ وأحكامه مبنيّةٌ على البحث والتجربة الطويلة.

..وحبّ الدكتور داهش للفنّ الرائع ينضح عمقه وصدقه في تتبُّعه لروائعه حيثما وُجدت، ليس في المتاحف فقط، بل في المزادات العلنية التي يشترك فيها، وإن غلا الثّمن، كما في المعارض والمتاجر والقصور والكنائس، بل حتّى المقابر.”11

 

 

2- (توثيق مشاهداته لأعمال البشر وتوجّهاتهم)

“بقدر ما يُشكّل الفنّ والعمران والطبيعة أبعادًا مضيئةً في رحلات الدكتور داهش، يُشكّل البشر بأخلاقهم وعاداتهم، إلاّ أقلّها، بُعدًا قاتمًا.

ومن عرف مُؤسّس الداهشية عن كثب، واطّلع على آرائه في الناس منذ شبابه، لتأكّد له أن الرجل الذي وهبه الله قوّةً روحيّة تنصاع لها قوانين الطبيعة وتتكشّفُ الغيوب، ليس مفتقِرًا إلى تعرّف عادات البشر وأخلاقهم، ليقول كلمته فيهم، لأنّه قبل ارتحاله بينهم، قد نفَذ في ذواتهم، وسبر أعماقهم، وتغلغل في أفكارهم ورغباتهم؛ لكن من جملة أهدافه في وصفه أحوال الناس وتصرّفاتهم في الشوارع أن يُقيم الحُجَّةَ ضدهم، ويكون شاهدًا عليهم”. 12

3 – (مشاركة القرّاء دواخل ذاته)

“إزاء الرحلة الخارجية المتعدّدة الأبعاد، فنًّا وعمرانًا وطبيعةً وبشرًا، كان الدكتور داهش يقوم أيضًا برحلةٍ داخليّة في عالم ذاته.

وإنّه لعالمٌ غريبٌ في جرأته وصدقه وصراحته، مَهيبٌ بما يوحي إلى القارىء من سلطةٍ روحيّة يتمتّع بها مؤسّس الداهشية، غنيٌّ باستبطان الذات واستكشاف آلامها من جرّاء الشعور بالغربة الروحية، وسط عالم يشعر المؤلّف أنّه لا يمتّ إليه بأية صلة في قيمه ورغباته ومطامحه ومثله العليا.

فهو يقف أمام المواكب البشرية التي استعرضها في مختلف البلدان وقفة نوح قبل الطوفان يُنذِرُ بالفناء الشامل، ووقفة لوط على مشارف سدوم وعمورة قبل أن يُمطرا بالكبريت والنار، ووقفة المسيح أمام هيكل سليمان يُنبىء بتدمير أورشليم وتشرّد شعبها.

إنّه سخط الأنبياء والهداة على الرذائل، وثورتهم على حقارة الإنسان وصمّه أذنيه عن تعاليم السماء، كما على إقامته معبوداتٍ باطلة من دون الله ….

فالشعوب المختلفة في أنظمتها وقوانينها وأساليب معيشتها توحّدت في عبادة واحدة هي عبادة المال، هذا السلاح الذي اخترعه الشيطان ليحارب به الله عَزَّ وَجَلَّ، وليسيطر على الجنس البشريّ.

وسيتعجّب القارىء من الحزن الشديد المهيمن على المؤلّف، رغم ما يحيطه من أسباب التسلية في البلدان التي يجول فيها.”13

ويختم الدكتور غازي براكس قائلاً:

“إنّ رحلات الدكتور داهش تمدّ القارىء بفوائد سياحيّة جغرافيّة وتاريخيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، كما تمدّه بفوائد نفسيّة ودينيّة وفنيّة.

وهي بقدر ما تفيد القارىء عن البلدان والشعوب التي زارها، تفيده عن شخصيّة المؤلف الفَذّة، وفلسفته الروحيّة، ونمطه في العيش والمعاطاة مع الناس.

ولا ريب بأنّ سلسلة رحلاته حول الكرة الأرضية ستبقى من أعظم ما ولّده أدب الرحلة في اللّغات جمعاء، كما ستبقى منهلاً ثرًّا يستقي منه العِطاش إلى الثقافة العامّة، ولا سيّما الجوانب الفنيّة منها، مثلما ينهل ويعلّ منه التائقون إلى التعمّق في فهم شخصيّة الدكتور داهش العجيبة.”14

العابر بين العوالم

الرَّحلات الداهشيَّة
حول الكرَة الأرضيَّة

ما هي الداهشيَّة؟

الداهشيَّة رسالة قيمٍ ومبادىء، تقدّم تصوُّرًا جديدًا للروحانية والفلسفة، يقوم على تواصل الإنسان مع الكون والبحث عن معنى الحياة والترفُّع عن الدنيويَّات.

صلاة داهش

هي كلمة السماءِ إلى الأرض، يتلوها المؤمنُ فيراها الطريق التي توصلهُ الى الخالق جلَّت قُدرته، إذ أنَّه يرى روحهُ تجوسُ أثناء تِلاوتها في عالم الفردوس البهيّ.

مُذكَّرات يسوع الناصريّ

هذه هي إرادةُ أبي السماويّ،

وإلاّ ما كنت لأحيا، في عالم الرياء والأكاذيب.

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!