أطماعٌ أبديّة

عجبتُ من جشعِ البشر الأشعبي والطّمع الهدّام الرعّاد

وعجبتُ من التكالبِ على العقار ، والتحسّر على الدّرهم والديّنار

وعجبتُ من الصياحِ والنّفار ، ثم الطّعان ، والشّجار

ومن التهالكِ على القيان ، ثم تشييد الدّور والجنان

ومن الرياحين والأزهار ، ثم خفقة الرّوح والجنان

لم جميع ذلك أيّها العباد … ما دام الموت لكم بالمرصاد

                                                         داهش

التأثير الفكريّ

نواقيس الصَّحوة

أرآء

من الظِّل الى النُّور

التأثير الفكريّ

الحريّة في بلادنا

مجلّة المختصر

بونس ايرس

 المقالة الثانية (العدد7) السنة الثانية

                                    الحريّة في بلادنا

             المقالة الثانية في المختصر العدد 7، السنة الثانية تموز 1947

جرت في لبنان في المدة الأخيرة انتخابات جديدة . وأفادت التلغرافات أن التصويت لم يكن عادلاً ، ولا روعيت فيه حريّة الإنسان ، وأن قسماً كبيراً من الشعب ومن الصحف أخذ يتذمّر ويشكو ويحتجّ من هذا الظلم ، وأن المطران مبارك وجماعته كانوا من جملة الشاكين المتذمّرين المحتجّين . لدرجة أن سيادته قام بمظاهرة على رأس عشرة آلاف من الناس يطالب بحرية الانتخاب ، وأنه يريد أن يسافر إلى باريس … وليس في التلغراف ما يرشدنا إلى معنى “السفرة الفجائيّة إلى باريس “!

لا نشك أن المطران مبارك يطالب بحريّة الإنسان في هذا الموقف ، أي أن الحكومة لا يجوز لها أن ترغم أحداً على إعطاء صوته إلى هذا أو ذاك ، لأن هذا الإرغام لا يلتئم مع حق الفرد الذي تنصّ عنه شريعة البلاد ، وطلب سيادته كله حق ، ومن واجب الحكومة أن تنظر فيه ، لأن طريقة الانتخاب في كل بلاد تكون دليلاً على احترام تلك البلاد شرائعها ، لولا أن لنا ملاحظة على سيادته في هذه الحركة ، وهي أنه يطالب بحرية الإنسان في هذه المرّة لأنها توافق مصلحته … لذلك لم يجد من يصغي إليه كما كان ينتظر … ولذلك وجّه بصره إلى باريس .

في أوائل سنة 1943 ، كان المطران مبارك وجماعته قائمين بحرب صليبيّة ضد الدكتور داهش وجماعته … وسعوا بكل ما وصلت إليه جهودهم لكي تجرّده الحكومة جنسيته وتطرده من البلاد … ونجحوا في هذه المساعي ، ووجدوا من يؤيدهم فيها ، ونفوا الرجل واعتدوا على حريته وحرية أتباعه ، وأهانوه وعذبوه وتركوه وراء الحدود التركيّة … ذلك لأن اضطهاد الحرية كان في تلك المرّة من مصلحة سيادته . فهو يريد أن تكون الحرية طوع أمره ، تذهب إذا قال لها اذهبي ، وترجع إذا قال لها ارجعي .

وما اعتادت الحرية أن تكون كذلك … ولن تكون كذلك ما بقي في هذا العالم إنسان واحد يطالب به ويقدسها .

الحرية التي منعها المطران مبارك عن الدكتور داهش سنة 1943 في عقيدة دينيّة … هذه الحرية ذاتها وُجد من يمنعها عن المطران مبارك سنة 1947 في عقيدة سياسيّة …

الحرية لا تعرف المخادعة والكذب … فإما أن تكون في أمة أو لا تكون … الحرية مثل الشمس … أما أن تشرق على الجميع ، وأما أن تغيب عن الجميع … الحرية لا تبقى ساعة واحدة بين الحياة والموت … فأما أن تحيا حياة تامة ، أو تموت موتاً تاماً … ولا يجوز أبداً للمطران مبارك أن يطلب الحرية سنة 1947 ، وهو الذي قتلها بيده سنة 1943 … عندما احتاجت إليه لم تجده … فمن العدل أن لا يجدها عندما احتاج إليها .

إن المطران مبارك عرف الآن قيمة الحرية فقام يبحث عنها . وقد عمل حسناً لأن المطالبين بالحرية هم جيوش جرارة في هذا العالم ، وكلهم طالبو حق وعدالة وإنصاف ومساواة ، ويقدر سيادته أن ينضم إليهم . ولكن حريتنا الضائعة ليست في باريس يا صاحب السيادة … وأنك لن تجدها هناك ، ولو بقيت ألوف السنين تبحث عنها . ونستغرب كثيراً كيف لم تُدرك هذه الحقيقة إلى الآن أيها الجليل .

حريتنا وباريس عدوّان لدودان لا توجد قوة في الدنيا تستطيع أن تجمع بينهما .

كان الأفضل أن نرى المطران مبارك وراء الحدود التركيّة مع الدكتور داهش يشاركه الألم والعذاب … لا أن نراه على حدود باريس . هناك … بين الألم والعذاب والجوع والعري والسجن … هناك تعوّد الأبطال أن يجدوا الحرية لأوطانهم … لا في باريس … إننا نريد حريّة تتكلّم العربيّة لا الإفرنسيّة … الحريّة التي لا تتكلّم لغتنا هي لسوانا وليست لنا . هي حرية لا نفهمها ولا تفهمنا .

في النفي والاضطهاد والسجن نشم رائحة الاستشهاد الذكيّة … رائحة البطولة تطالب بحرية أمّة ….أما في عواصم أوروبا فلا نشم غير رائحة الذلّ والعبوديّة ، رائحة السلاسل والقيود التي حطّمناها .

مجلّة المختصر

 بونس ايرس

داهش بك عبقري

 

مقالة كُتبت منذ 48 سنة

تحت هذا العنوان قالت جريدة الحياة الفلسطينية في العدد 310 تاريخ 21 نيسان 1931:

كتب إلينا حضرة الفاضل صاحب التوقيع ما يأتي :

عندما نذكر داهش بك إنّما نذكر العبقريّة والنبوغ . أقول هذا لانفراده بتجاربه العلميّة وتبحّره بالروحيّة التي ليس بوسع مُعظم علماء هذا العلم أن يأتوا بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً .

وممّا لا شكّ فيه أن داهش أكبر أستاذ . وليس من يدانيه فيها . فهو الذي أثبت فعلاً ما كنا نسمعه من كتابات السير (أرثر كونان دويل) الذي كنّا نعدّه من الخرافات .

وهو الشخص الذي أثبت لنا إثباتاً لا شبهة فيه أن هناك أرواحاً في المستطاع استحضارها ومخاطبتها ، وأن بعضها فوق بعض درجات ، وأن بيننا وبينها أبعاداً شاسعة تجوب أرجاء هذا الكون الفسيح اللانهائي المملوء بالعوالم التي تبزّ عالمنا هذا بمئات وألوف المئات من المرّات في أقلّ من لمح البصر .

إنّ شخصاً كهذا لجدير بالإعجاب والتقدير ، ولو كان هنالك مرتبة فوق العبقريّة لجاز لنا بحقٍّ أن نصفه بها .

فهو عبقريّة بلغَ المرتبة القصوى ، وسما إلى أعلى ذروة منها . عبقريّ في خبره ما يغنيك عن خبره .

ينفذ ببصره أعماق القلوب ، ويقرأ الماضي والحاضر والمستقبل . يعلمك بما تكنّ السرائر ، وما تخفيه الأفكار والضمائر . كشف أسراراً مرّت عليها أحقاب والعلماء يجاهدون جهاد المُستميت ليميطوا اللثام ولو عن بعض منها ، فأخفقوا وهي لا تزال في طيّ الخفاء ، حتى جاء داهش فقشعَ عنها ما كان يكتنفها من السُّحبِ فبدت لنا جليّاً .

وكما أن نيوتن وأينشتاين وسواهما نوابغ في علمَي الطبيعيّات والرياضيّات .

وكما أن شكسبير وملتون وأمثالهما نوابغ في الأدبيّات ، وكما أن غيرهم كثير نوابغ في فرع خاص من العلوم والفنون ، كذلك داهش نابغة في علمه .

وحبّذا لو أن داهش بك يتمّم فكرته في القريب العاجل بفتح معهد لنشر هذا العلم الذي هو أكبر مؤدّب ومكيّف للأخلاق ، فيُسدي بذلك خدمة كبرى للإنسانيّة لا تُنسى أبد الدهر .

عبد الرحيم الشريف                                                         التائب(1)

القدس

البحث وراء الحقيقة

 لا البروبغنده

مقالة ثانية نُشرت منذ 48 سنة في جريدة الحياة

 في العدد 312 من شهر مايو (أيار) 1931

ربّما ظنّ البعض أن ما أكتبه وأنشره عن داهش بك ومقدرته العلميّة وتأثيره النفسانيّ وأعماله الروحيّة إنما هو بدافع الصداقة ، وما أتأثّر به من العوامل التي سلبتني إرادتي . وملكت عليّ لُبّي ، فاتجهت بكليّتي نحوه أعبده وأقدّسه ، وأصفه بكل ما هو جميل وما ليس فيه .

أنا لا أنكر صداقتي لداهش بك ، ولا أنكر أن للصداقة تأثيرها في العلاقات اليوميّة والشخصيّة . ولكن لا يتسرّب إلى الأذهان أن الضمائر تباع فيندفع المرء لمجرّد الصداقة ، فيجعل من شخصٍ صديقه بكتاباته رجلاً فذّاً نابغة حال كونه لم يعدُ منزلة الأشخاص العاديين . كلاّ وألف كلاّ …

ليس للصداقة أيّ يد في مثل هذه الحالات ، والمرء إذا باع ضميره ومدح شخصاً بما ليس فيه فقد ذمّهُ ، ولكنها الحقيقة التي تدفعني لأن أنوّه ببعض الشيء الذي يأتيه داهش .

وفضلاً عن أنّ داهش هو ذلك الشاب الذي وهبني حياة جديدة بتغيير حياتي من حياة سافلة إلى حياة طيّبة بفضل الله وفضله ، وأنه من المحتّم عليّ أن أنوّه بأخلاقه الفاضلة ، وأعماله المجيدة ، وعلمه الزاخر ، فإنّ ما أكتبه لا يعبّر عن جزء من أفضاله وأعماله الجمّة . ومع هذا فإليك العامل الذي دفعني إلى ما ترى ؛ العامل المؤثّر القويّ الذي لا تزال أعماق نفسي متأثّرة منه هو في رأيي ونظري أقوى تأثيراً وأسمى منزلة بكثير من دافع الصداقة – وإن شئت فقل الأخوّة – إنّما هو إطلاعي على قلب داهش وأخلاقه ، وتبيّني بعد البحث الدقيق أن ما يأتيه من الأعمال ليس تجارب علميّة نفسيّة ، بل هي ظواهر روحيّة علويّة خارقة للعادة حارَ وسيُحار العلماء في تعليلها ، ولكن بدون جدوى … لأنّه ليس في مقدور عقولهم المحدودة إيجاد تعليل لها فضلاً عن تفحّصها ومعرفة كنهها .

هذه هي الحقيقة أضعها أمامك وأقول : إن كتاباتي كانت من جراء حقيقة ، وليس عن طريق البروبغندة !

عبد الرحيم الشريف                                                  التائب (2)                                             

القدس

رأي المؤمن الرابع

في الوقائع الداهشيّة

عثرنا بين أوراقٍ قديمة على كلمة بتاريخ 17 أيّار 1944 كان قد كتبها الأخ المؤمن الرابع السيّد جورج إبراهيم حدّاد عن رأيه في (الوقائع الداهشيّة) فآثرنا نشرها هنا . قال ما ترجمته:

                          رأيي في الوقائع الداهشيّة

إننا مُحاطون بالمُعجزات والأسرار ، إذ كلّ شيء في هذا العالم مُعجزة وسرّ عظيم .

فما سرّ هذه البزرة الصغيرة التي دُفنت في الأرض ، فإذا بها تصبح شجرة ، ثمّ تحمل ثماراً ، وتعيش ثمّ تموت ؟

وبالرغم من هذا الأمر يظنّ البشر المساكين الغارقون في محيطات كبريائهم أنهم يفهمون جميع أسرار هذا الكون ، تلك الأسرار المُوصدة معرفتها عنهم ، والتي لا يكشفها لهم إلاّ الموت …

فالويل لهؤلاء الذين لكبريائهم الجنونيّة ، وعجرفتهم السخيفة ، يُطبقون عيونهم عن مشاهدة النور الذي يرسله الله في فتراتٍ من الأزمان رحمةً بالإنسانيّة الضالّة ؛ ذلك النّور الذي يتجلّى بأنبيائه العظام ، ومرسليه الكرام .

إنّ الذين يفتشون عن الحقيقة يتقبّلون بتواضع ودعة هذه النغمة التي يمنحها الله لكلّ فرد .

إنّهم يدركون أنّ التعاليم السامية ، والمُعجزات الإلهيّة الخارقة التي تقوم بها أرواح علويّة تتجسّد بشخصيّة الدكتور داهش ، في إثباتٍ لرسالةٍ هابطة من الله ، لأنّ جميع الرسالات الإلهيّة كانت ترافقها حوادث فائقة ، ومُعجزات خارقة ، وكل من يؤمن بالله يؤمن حتماً بأنّه قادر على كلّ شيء .

وعندئذ يعتقد أنّ جميع ما دوّنه وأتى على ذكره السيّد حليم دمّوس في كتبه (الوقائع الداهشيّة) هو حقّ ، ويعبّر عن الحقيقة والواقعيّة .

وإنني أعلن ، أنا الذي أسير في حياتي جنباً إلى جنب مع حليم دمّوس في خدمة هذه الرسالة الإلهيّة ، أنّ قسماً فقط من المُعجزات والخوارق التي شاهدتها بنفسي مدوّن في هذه الكتب ، لأنّه لو أراد أن يكتب بدون انقطاع وبدون راحة ، فإنّ الوقت لا يكفيه ليدوّن جميع ما شاهدناه .

والذين سيطالعون صفحات (الوقائع) المشوّقة التي أنشأها وسجّلها حليم دمّوس ، سوف يؤمنون أنّ السماء زارت هذه الأرض الشقيّة زيارة جديدة لترشد الإنسانيّة الضالّة إلى طريق الخلاص .

جورج إبراهيم حدّاد

 منزل الرسالة الداهشيّة – بيروت ، 17 أيار 1944

رسالة نسيب بك البكري

حضرة الأستاذ الكريم الأخ السيّد حليم دمّوس المحترم

أهديكم أزكى التحية وأوفر الاحترام .

وبعد ، أخبر جنابكم الكريم بأنني البارحة قابلت دولة رئيس الوزراء فارس بك الخوري . ومن حسن الصدف ، كان جالساً عنده الأخ إحسان بك الشريف ، مُحافظ حلب .

ففاتحته بأمر صديقكم الدكتور داهش ، وأصبح المجال واسعاً للأخذ والرد طالما إحسان بك هو الذي عمل قرار إبعاده إلى قرية إعزاز (وهي منفاي قبل أن تكون منفى صديقكم). فاستوضح منه فارس بك ، فأجابه عن الأمر ، فاعترضت على أنّ ذلك غير قانونيّ طالما الحكومة المركزيّة هنا ليس لديها أي خبر عن ذلك .

فأجابني الرئيس فارس بك الخوري أنه منذ يومين قابله شقيقي سامي بك البكري وبحث معه بشأن الدكتور داهش أيضاً .

وفي هذه الفترة دخل رئيس الديوان فؤاد بك شباط ، فقال له الرئيس فارس بك :

بلّغ الأخ حليم دمّوس أن يكتب إلى صديقه الدكتور داهش أن يظهر في دمشق إن كان مُختفياً ، وان كان بعيداً عن دمشق فليحضر إليها . وعند وصوله إلى دمشق ، ليأت لعندي ، ويقابلني وهو طليق حرّ لا غبار عليه ولا بأس به …

ومتى حضر وقابله فارس بك ، يعطيه أمراً يجيز فيه أمر إقامة الدكتور .

هذا ما تمّ في هذا الأمر أطلعتكم عليه حتى تبلّغوا الدكتور ليحضر ، وتروننا ننتظر كل خدمة تلزم يا أخي الحبيب !

نسيب البكري

(أحد نوّاب دمشق)

 دمشق ، 3-12-1944

سنهاجر كأصحاب النّبي العربي

        بتاريخ 15 تشرين الثاني 1945، أذعنا على الرأي العامّ البيان الآتي:

                      سنهاجر مثلما هاجر أصحاب النّبي الكريم

  

ما أروعها عبرة وما أعبرها ذكرى .

حفنة من الرجال الضاربين في صحراء التيه ذات الرمال المتلظية ، وهم حُفاة وشبه عُراة ، وقد ساروا خالي الوفاض إلاّ من الإيمان العميق الذي غمرت به قلوبهم الكبيرة .

هؤلاء هم من هاجروا في سبيل الله ورسوله بعد أن استفحلَ أمر اضطهاد قريش لنبيهم الكريم . غادروا بلادهم وخلّفوا وراءهم أموالهم وأرزاقهم وجميع ما يملكون من متاعٍ دنيوي زائل في سبيل الذود عن العدالة ، كلمة الحقِّ وكلمة الحقيقة والعدل ، كلمة الله التي نزلت على رسوله الكريم كآيات بيّنات تخشع لها النفوس التقية ، وتطمئن إليها القلوب النقيّة المُفعمة بالإيمان التامّ .

أقسم هؤلاء المؤمنون أن يلاقوا كل بلاء مُنكر ، وأن يذوقوا الأمرّين في سبيل عقيدتهم السامية ، وقطعوا عهداً على أنفسهم أنهم سيحاربون من يحارب نبيهم لدرجة الاستشهاد .

ومضت السنوات يلاحق بعضها بعضاً ، ونال هؤلاء المؤمنون كل عناء من مُضطهديهم الذين فرّقوهم أيدي سبأ ، وبدّدوهم شذر مذر ، وأذاقوهم أثقل الأهوال وأشدها . فكم باتوا على الطوى ، وتحمّلوا أروع المصاعب ، وكابدوا الغصص ، وجاهدوا جهاد الأبطال ، وحاربوا ، فاستشهد منهم من استشهد حتى أذن الله لهم بيوم الانتصار العظيم … وإذا بمن كانوا يتهمونه أنّه دجّال قد ظهر لهم بأنه نبّي كريم عظيم . ومن اتهموه بالدجل والكفر والزندقة يحنون له الهام ويطأطئون له الرؤوس مُعترفين بذنوبهم الفادحة .

ومرّت القرون وما زال اسم النبي العربيّ الأميّ يدوي في مشارقِ الأرضِ ومغاربها ، وتردّد ملايين الشفاه في كل يوم اسمه بتقديس فائق خمس مرّات .

هذا هو النبي محمّد (ص) الذي هرب من كفّار قريش واختبأ في الغار يرافقه أبو بكر الصدّيق ، عندما سارت في أثره شرذمة من الكفار تريد قتله والانتهاء منه بعدما استفحل أمره .

وعندما اقترب من يطلبون روحه من الغار التفت إليه أبو بكر وقال :

  • يا نبيّ الله ، ماذا يتمّ لو عرفوا الآن بمكاننا ؟

فأجابه بكلمة تاريخيّة خالدة :

  • ماذا تقول يا أبا بكر باثنين ثالثهما الله ؟

وهكذا أنقذته العناية من أعدائه لأنها إرادته تعالى ، وليس من يستطيع الوقوف أمام أرادتها العادلة الأحكام .

وهكذا نحن الآن ، فإنّ الاضطهاد العظيم الذي أوقعته السلطات بالدكتور داهش ، ومحاولتهم الاعتداء على حياته ، وإنقاذ الله إياه من الذين يطلبون روحه ، شدّدت من إيماننا وثبتت يقيننا .

فها نحن نُعلن للرأي العامّ عَزْمَنا على الهجرة في سبيل الله ورسوله ومغادرة لبنان الذي اضطهد رسول الصلاح والإصلاح .

ولو درى أعداء الدكتور داهش أنهم سيخلقون له التاريخ منذ اللحظة التي اعتدوا فيها عليه لما قبلوا بالمؤامرة عليه ، ولا أرسلوا شرذمة من المجرمين لاغتياله .

ولكنها إرادة الله ، ولن تجد لإرادة الله تبديلاً .

وها نحن قد صمَّمنا على بيعِ كلّ ما نملك ، ومن ثمّ سنهاجر ، ونقطن حيث يقطن ، ففي الهجرة ذكرى وعبرة لقوم يعقلون .

 

           الداهشي جورج إبراهيم حدّاد           الداهشيّة ماري حدّاد

ما كاد الدكتور داهش يطلع على بياننا هذا وهو خارج لبنان حتى استلمنا منه رسالة جاء فيها ما يلي :” …إيّاكم والمُهاجرة حيث أقطن ، لأنني سأعود . نعم سأعود وأنوف أعدائي اللئام في الرغام”. وهكذا عدلنا عن المُهاجرة لأن العناية ستنصرنا ، وسيكون انتصارنا حاسماً وانكسارهم جازماً بإذن القدير الجبّار والعليّ القهّار .

صوت أميركيّة من الولايات المتحدة

وردّ ماري حدّاد

كان بعض المهاجرين اللبنانيين قد طالعوا في الصحف عن الحركة الداهشيّة وعن مؤسِّسها الدكتور داهش ، والأعمال العجيبة والظاهرات الروحيّة الغريبة التي قام بها ، وذكروا ذلك أمام سيّدة أميركيّة راقية تدعى السيّدة روبي روبنصن ، فبعثت برسالة إنكليزيّة للأستاذ حليم دمّوس تسأله فيها عن مُجمل القضيّة الداهشيّة .

فاطّلعت على رسالتها السيّدة ماري حدّاد وبعثت إليها برسالة إفرنسيّة وهذه ترجمتها :

                           ترجمة رسالة السيّدة ماري حدّاد المرسلة بالافرنسيّة

                           إلى السيّدة الأميركيّة روبي روبنصن في الولايات المتحدة

                                     بيروت ، 23 آذار 1947

سيّدتي العزيزة

بملء السرور ترجمت تحريرك اللطيف المُرسل إلى صديقي السيد حليم دمّوس ، وإنني آسفة لعدم تمكني من أجابتك باللغة الإنكليزيّة لأنني لا أعرف كفاية هذه اللغة .

إنني أشكرك وأشكر أيضاً السيّد (هلال) للعواطف الحارّة السامية نحو الدكتور داهش .

وأشكرك أيضاً للمعلومات التي تكرّمت بها للحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة .

أمّا الآن فليس بإمكان الدكتور داهش أن يحصل على جواز سفر لأنه جُرّد غدراً من جنسيّته .

ولكن لي ملء الثقة أنها ستُعاد إليه قريباً ، قبلت الحكومة اللبنانيّة الحاضرة أم أبت ، لأن المرسوم الذي أصدرته عصابة المُجرمين ، والقاضي بتجريد مواطن من جنسيّته ، هو ظالم وغير شرعي ولا قيمة قانونيّة له . لهذا السبب هو غير نافذ ولا يمكن اعتباره قط .

ونحن هنا نجاهد بلا كلل لإعادة الحقّ إلى نصابه .

وقريباً سيرجع الدكتور داهش إلى وطنه وتعاد إليه جميع حقوقه .

وبما أنّك تهتمين يا سيّدتي العزيزة مع السيّد (هلال) بقضيّة الدكتور داهش فإنني انتهز فرصة كتابتي هذه لأقدّم لك بعض معلومات عنه :

ولد الدكتور داهش سنة 1912  في القدس .

وكل ما تلقّاه من دروس هو بضعة قضاها في ميتم الأميركان في غزير (لبنان).

فليس هنالك معاهد ولا دروس … ولكنه وهِبَ ذكاءً خارقاً شاملاً ، وله معرفة واسعة الأنحاء : آداب ، علوم ، فنون …

وليس من شيء يجهله سواء أكان عن العلماء الأقدمين أم المعاصرين . وهو كاتب ممتاز في اللغة العربيّة ، ومؤلفاته المتنوّعة هي أكثر من 60 مؤلفاً ، منها :

كتاب مُهدى إلى روح جبران خليل جبران . ولقد أصدرنا 12 مؤلفاً من مؤلفاته الغريبة . وأنا شخصيّاً ترجمت منها 3 إلى اللغة الإفرنسيّة ، منها كتاب اسمه (مذكرات دينار) وهو الآن تحت الطبع . وموضوع هذا الكتاب متسع الآفاق والمغازي الحيويّة العالميّة . وسيلذّ كثيراً القرّاء ، في حين أن غيره لا يمكن فهمه إلاّ من الطبقة المُثقفة الراقية .

ولدينا الآن عدّة عروض لترجمة بعضٍ من كتبِ الدكتور داهش إلى اللغة الإنكليزيّة ، وأرجو أن نرسل منها قريباً إلى أميركا ، وسيرسل إليك أوّلاً وإلى السيّد هلال .

إنّ العالم سيعرف وسيفهم قريباً شخصيّة الدكتور داهش وأعماله .

وأنا أصفه بأنه فوق البشر ، سوبرمن SUPERMAN . وأنّ لبنان سيندب حظّه بمرارةٍ لأن الحكّام الحاليين القائمين بالأمر فيه جهلوه بهذا المقدار فاضطهدوا العظمة ، والعبقريّة ، والنبالة …

مع تحيّاتنا وشكرنا الجزيل .

                                                     ماري حدّاد

                                                  MARIE HADAD

أمّا عنوان السيّدة روبي برايس روبنصن فهذا هو :

Mrs RUBY PRICE ROBINSON

UNITED STATES COMMISSIONER- EASTERN DIVISION

NORTHERN DISTRICT – ANNISTORN

ALABAMA- U. S.A.

عهد النبوّة

أرض شقيّة ، أرض الخطيئة .

شعوب تائهة حائرة ضائعة ،

في مستنقعات الجهل والآثام راكعة خانعة .

ظلاّم يقهقهون ، وأجلاف يطربون .

وتحت أقدامهم أمم عديدة تتألّم ،

وبسلاسل الظلم والعبوديّة ترسف وتتهدّم .

 

أيتام مشرّدون يملأون الفضاء ببكائهم المتواصل ،

ولا من معين ولا من مجيز أو سائل .

أرامل ثكالى مشعّثات الشعور ،

يندبن بؤسهن لاعنات القدر الجائر ،

وظلم الإنسان القاسي الماكر .

 

أبرياء يقادون إلى الأغلال والاعتقال والسجون ،

ومجرمون يرتعون في دست الأحكام وهم يقهقهون ،

وعلى أشلاء الدساتير يرقصون بفرح ومجون …

وجوه محمرّة ، وبطون منفوشة متخومة من كثرة اللهو والبذخ ،

وأرباب عيال ينحبون بحقد وضغينة على جثت أولادهم الباردة

وقد قضى عليها الجوع والمرض والفقر .

أرض شقيّة ، أرض الخطيّة .

أزهار طاهرة بيضاء تتفتق مع انبلاج الفجر على قمم الفضيلة ،

وما تلبث أن تذبل وتفنى في مستنقعات الرذيلة .

ذكور وإناث يتمرّغون في أقذار الفحش والدعارة ،

فيقفلون قبضات أيديهم على أعناق ثمار بطونهم .

ديانات رفيعة سماويّة قد حلّت فتحوّلت إلى مهازل أرضيّة .

رعاة فسّاق فجّار يشطّون ، وفي الضلالة يعمهون .

أرض شقيّة ، أرض الخطيّة .

المدافع تقذف وصليل جحيم حممها برهبوت عنيف .

ودويّ البنادق وصليل السيوف يخترقان الأجواز بجبروت مخيف .

أسراب قاذفات الموت تتسابق في آفاق المدن والقرى ،

وتبذر الردى بذراً بمفرقعاتها الطاحنة وبمتفجّراتها الجهنّميّة .

بيوت شامخة تضمحلّ بدويّ مرعب هائل وتتساقط على قاطنيها .

بلاد مزدهرة تنقلب إلى ركام الحجارة والرماد .

سكتت أغاريد الربيع ، وهربت الحياة مذعورة ،

ولم يعد يُسمع سوى حشرجة المحتضرين بين المردوم ،

وعويل المجروحين بين الأودية والتلال والتخوم ،

وتحوّلت البحار إلى خضمّ من الدماء والبكاء ،

وارتفعت في الفضاء شهقات الغارقين في قعر المحيط ،

بعيدين عن الصحب والخلان والأهل والأوطان .

 

أرض دنيئة ، أرض الجريمة والخطيئة .

والتأمت هيئات الدبلوماسيين لوضع أسس السلام ،

ونهض أحدهم ، وعبّر عمّا يفكّر فيه الجميع كلّ لمصلحته إذ قال :

“المجد والرخاء والسيادة الأبديّة لأمتي ، ولكم الذل والانقراض والهوان “.

فصاح الجميع :” لقد تعاهدنا منذ القدم على أن ننبذ العدالة والسلام ،

ونحن على عهد أجدادنا لثابتون ، فلا سلم ولا سلام ،

وإنا في الحرب المقبلة لملتقون “.

 

أرض سقيمة ، أرض هزيلة ، أرض السخرية !

ظلام دامس يبسط سرادقه المخيفة على الأرض الشقيّة .

نواح وعويل يتصاعدان في ليالي الأجيال والأحقاب .

ملوك مستعبدون ، سكارى من خمرة ظلمهم ودماء ضحاياهم ،

وتحت أقدامهم شعوب عديدة ،

وأمم ترزح تحت أثقال سلاسل العبوديّة والظلم .

أرامل ثكالى مشعّثات الشعور يضربن صدورهنّ ألماً ويأساً ،

لاعنات القدر الجائر ، والإنسان الظالم .

أبرياء يُقادون إلى السجون لأنهم طالبوا بالحق .

أرباب عيال وفي عيونهم شرار الحقد والانتقام .

ذكور وإناث يتمرّغون إلى دور فسق وتجارة وإلى مجامع شيطانيّة .

ديانات سماويّة تحوّلت إلى مهازل أرضيّة .

 

رجال سود يتآمرون في ظلمات الليل ليقضوا على الفضيلة .

شعوب تائهة حائرة خانعة وبأوحال الجهل والآثام غائصة .

أزهار طاهرة تنبلج مع بلوج الفجر في مستشفيات الحياة

ولا تلبث أن تذبل وتفنى .

ضجيج المدافع ، ودويّ البنادق ، وصليل السيوف .

رفرف ملاك علويّ على الأرض وصاح ببوقه الأزليّ :

يا سكّان الأرض المساكين ، هذه هي أعمالكم :

لطختم الدنيا بآثامكم وجرائمكم ، وها قد دنت ساعة انقراضكم .

وإذا بملاك آخر ينادي :

بعثت السماء إليكم أنبياء ومرسلين ، فهزأتم بهم وقتلتموهم .

أرسل الله (كلمته) وعلى خشبة العار صلبتموه .

تعدّيتم على الوصايا ، ونبذتم الفضيلة من قلوبكم ومن دوركم .

دماء الشهداء والأبرياء التي سفكتموها تطلب انتقاماً .

فهوذا يوم الحساب الرهيب .

 

وإذا بصوت جبّار يخترق البروج والأفلاك ،

صوت قادر قهّار ، ولكنه حنون :

” انتظروا قليلاً قبل أن تضربوا الأرض بالويلات ،

عسى أن يتوب سكّانها فيرجعوا عن بغيهم وآثامهم ،

لقد صبرت أجيالاً طوالاً ،

وانتظرت سنوات سحيقة بعيدة ،

وإني سأصبر يوماً واحداً أيضاً …

يا سكّان الأرض الأشرار !

قلبتم موطئ قدميّ إلى جحيم ،

وحوّلتموه إلى وادي دموع وانتحاب .

خالفتم وصاياي وشرائعي ،

فاسترسلتم بشروركم وجرائمكم ،

لذلك استحققتم أن يحلّ عليكم غضب إلهي وأبي السماوي ،

وأنا الذي نجيّتكم من غضبه الرهيب .

لقد فرغ صبري ، وضاق صدري ،

ولم أعد أطيق بعد اليوم احتمال جهلكم وحماقتكم !

ساعة واحدة أعطيكم للتوبة والاستغفار ،

قبل أن تحلّ عليكم الويلات :

نبيّاً هادياً ومعزياً أرسله إليكم فاستمعوا إلى صوته ،

وأطيعوا أمره ، واصغوا إلى إرشاده ،

انظروا إلى السماء قبل أن يأتي الأوان ويحلّ الهوان .

اجعلوا الحقّ مسيطراً ، وارفعوا للحكمة دعائم ،

وللمعرفة والحقيقة هياكل ،

اغسلوا ثيابكم القذرة استبدلوها بثياب الطهر والنقاء .

إقلعوا الشراسة من قلوبكم ، وابذروا فيها بذور الرحمة والحنان .

السماء والأرض تزولان ، وكلامي لا يزول “.

 

عمّ الصمت الفضاء الشاسع ،

وخيّم السكون على الكون الواسع .

وفجأة ارتجّت العوالم واهتزّت ،

التهبت الكواكب والأفلاك ،

وأرغت الهاوية السحيقة ، وأزبدت بنيران غضبها .

أنوار عظيمة تظهر في أعلى السماوات .

إنها تكبر وتتّسع وتفيض متجهة نحو الأرض ،

وفي وسطها (ولد) وفي يده عصا من حديد .

ألوف وألوف تحفّ به بخشوع وخضوع ،

أجواق سماويّة تنشد باسمه وتردّد تسابيحه ،

أجناد وأجناد من الأرواح تعطر طريقه بالأزهار والعطور ،

مسبّحة بأياته ومعجزاته .

شقّ ظلمات الأرض بجبروت ،

ونظر إلى العالم ليختار له مقرّاً ،

فرأى (الأرز المقدّس) منتصباً نحو العلاء ،

مردّداً أناشيد سليمان ، فهبط واختاره مستقرّاً …

صاحت الأطيار مهلّلة ، ومالت الأشجار مبتهلة ،

وغرّدت الجداول والأنهار مغتبطة :

هوذا معزّي البشر ، هوذا النبيّ الحبيب المنتظر !…

عمّ السكوت الأرض ثلاثين سنة .

أصوات تدوي في الفضاء :

قُم يا نبيّ الله وأبشر ،

بشّر المظلومين بالأفراح ،

وعلّمهم طرق الصلاح ،

وللكفّار الظالمين أدّب ،

ولأنفسهم شذّب وهذّب !

نهض النبيّ وإلى الدنيا نظر …

أشمأزّت روحه وثارت ،

وصاح بصوت جبّار هدّار :

الويل لكم من يوم غضب الله الرهيب !

وسمعت أصواتاً من السماء ،

فنظرت ورأيت الرسول بطرس وهو يقول :

“هوذا النبيّ الحبيب الهادي ،

اسمعوا صوته أيّها المؤمنون وأطيعوه”.

ورأيت موسى يقول :

” اسمعوه أيّها المؤمنون واتقوا “.

ورأيت بوذا يهتف :

“اسمعوه أيها المؤمنون واعتبروا “.

ورأيت محمّداً ينادي :

” اسمعوه أيّها المؤمنون وتوبوا “.

ورأيت إبراهيم يردّد :

” أدّب الكفّار بعصاك الحديدية أيها الهادي “.

ورأيت يعقوب يصيح :

” ثم هذّبهم وإلى ربك أعدهم “.

ورأيت يوسف يكمل :

“بشّر المؤمنين بملكوت الله في عهد العدل والرحمة “.

ورأيت الرسل ترجّع :

أجمع الخراف ومن شملهم اجعل الحظيرة الداهشيّة “.

ورأيت إيليّا يتابع :

” قطّع رؤوس الدجّالين عبدة الأصنام المتاجرين بالدين

ولأجسادهم هشّم “.

ورأيت يشوع يؤكّد :

” وثلّ العروش الجائرة ولمدنها حطّم وهدّم “.

ورأيت ناحوم يطلب قائلاً :

” واقض على الظلاّم والجُهّل وارفع عرش الحقيقة فوق العباد “.

ورأيت الشهداء يبتهلون :

” وانشر تعاليم سيّدنا في الأرجاء وانتقم لنا ممن سفك دماءنا “.

ورأيت الملائكة تقول :

” هنيئاً لكم أيّها المؤمنون المتقون ،

والويل لكم أيّها الظالمون المستبدون “.

ورأيت العذارى يهتفن :

“ابتسمي أيتها الوجوه الحزينة ،

واعبسي أيّتها الوجوه الصاخبة في فسقك وأقذارك ورذائلك ،

هوذا يوم الخلاص ، هوذا يوم النصر !”

ورأيت المصلحين يقولون :

“انهضي أيّتها الشعوب من سباتك العميق ،

وزحزحي السلاسل المعلقة في أعناقك ،

وافتحي أعينك إلى أنوار الله السرمديّة البهيّة “.

ورأيت التلامذة ينادون :

” تعالوا إليه أيّها الجياع والعطاش من أجل البرّ ،

فإن لكم ملكوت السماوات “.

وصاح الجميع بصوت واحد :

“احرسوه يا ملائكة الله ،

ومن الاعتداء صونوه ،

وعلى أعدائه انصروه !”.

وغرّدت الأطيار ،

ومالت الرياحين والأزهار ،

وماجت الحقول والبحار ،

وازدهرت التلال والجبال ،

واشترك معها النسيم والهواء والسحاب والأثير قائلةً :

اليوم عهد النبوّة والهدى :

بوركت يا عهد النبوّة والهدى             فاليوم مجد الله فيك تجدّداً

فيا أيّتها النفوس الكئيبة افرحي ،

ويا عبّاد الحقّ والعدل رتّلوا .

هوذا مطلع “العهد الجديد”،

هوذا “عهد النبوّة” السعيد .

 

جوزف حجّار الداهشيّ

بيروت ، سجن الرمل ، تمّوز 1947

الداهشيّة والدرزيّة

شاءت الصدف أن أجتمع في سجن الرمل بالأستاذ الشاعر حليم دمّوس والوجيهين جورج حدّاد وجوزف حجّار الذين قد اضطهدوا من قبل الحكومة لاعتناقهم الديانة الداهشيّة وتبشيرهم بها في الأوساط الاجتماعيّة .

فدفعني فضولي إلى سؤال الأستاذ حليم دمّوس ورفاقه عن هذه الديانة التي سمعنا عنها أقاويل ومزاعم لا تخلو من مبالغة أو تشويه …

فأخذوا يشرحون لي عن أهدافها ومبادئها وغاياتها الإنسانيّة ، فذهب عني كلّ شك ، وتبدّدت جميع المزاعم والترّهات التي أثارها أصحاب المآرب والغايات ، ورأيت فيها حقّاً ناصعاً ، ونوراً هادياً ساطعاً ، ونهجاً أميناً ، وفرقاناً مبيناً ، إذ إنّها تؤمن بالكتب المنزلة ، وبالأديان السماويّة ، وتأمر بالخير والإخاء ، والمحبة والعدل ، وتدعو إلى التمسّك بالأخلاق الفاضلة ، والمثل العليا ، والترفّع عمّا تغري به المادّة ، والنفس الأمّارة ، والهوى الجامح .

والذي لفت نظري ، بصفتي من الطائفة الدرزيّة ، أن الديانة الداهشيّة توافق ما نعتقد به من أنّ الروح خالدة وأنها تعود متقمّصة إلى الأرض مراراً إلى أن تتنقى من أدران هذه الحياة وتبلغ بعد ذلك إلى عوالم علويّة حيث تنعم بالغبطة الدائمة والسعادة السرمديّة .

سدّد الله خطى هؤلاء الرجال المبشرين بالحقيقة ، وأعانهم في طريقهم الشاقّة ، ووقاهم شرّ الأعداء .

والسلام على من اتبع الهدى .

عبد الله العاقل

سجن الرمل ، تموز 1947

الدعوة الداهشيّة

للمربّي العالم الدكتور عمر فرّوخ

 

نشأ في التاريخ حركات كثيرة نجح بعضها وخاب بعضها .

ولقد كانت جميع هذه الحركات – سواء في ذلك ما نجح منها أو خاب – متفاوتة في قيمتها وفي الأثر الذي أحدثته .

ولا ريب في أن كل حركة ناجحة ، مهما اتسعت فيما بعد ، قد بدأت بدعوة قام بها رجل واحد، ثم أخذ يجمع حولها المناصرين واحداً واحداً حتى شملت حركته هذه مؤسسة لها شأنها .

ونحن يمكننا – مهما اختلفت الأحوال والملابسات – أن ننظر إلى الحركة الداهشيّة على هذا الأساس : دعوة قام بها رجل ، ثمّ جمع حول دعوته مناصرين .

يبدو لي ممّا قرأته عن هذه الحركة الداهشيّة أن صاحبها رأى اختلاف الآراء وتناقض المذاهب في الجمهورية اللبنانيّة في الدرجة الأولى ، ورأى أن مكمن الداء الحقيقي إنّما هو في اختلاف المذاهب الدينيّة وتنافر أتباعها ، فأحبّ أن يقرب بين وجهات النظر ما أمكن .

ثم رأى نقطة وجيهة جدّاً في اعتقادي : هي أن المسلمين يصدّقون بجميع الأنبياء ، ويؤمنون بالمسيح عيسى بن مريم على أساس مقرّر في الإسلام . بينما النصارى – لا النصرانيّة- يقفون من رسول الإسلام موقفاً عدائياً عنيفاً .

هنا خطرت لمؤسّس الحركة الداهشيّة – فيما أظنّ – فكرة بارعة من الناحية النظرية على الأقل :

لو استطعت أن أحمل النصارى على أن يتركوا هذا العداء العنيف نحو محمّد رسول الله لخفت كثيرٌ من صراخ العداء بين الطائفتين وسارت الإنسانيّة في سبيل محمّد .من أجل ذلك دعا داهش إلى إحلال القرآن الكريم ومحمّد رسول الله ، لدى جميع الطوائف ، محلهما الذي أحلهما الإسلام .

ثمّ إنّه رأى أن كلّ دعوة مُثلى لا تنهض سريعاً إلاّ إذا اتصلت بدعوة عمليّة ، فهاجم أوضاعاً سياسيّة وإداريّة يراها فاسدة .

وهنا حدث ما حدث عند بدء كل دعوة : إن ولاة الأمر قد همّهم الأمر الثاني ، فأخذوا صاحب الدعوة الأولى تحت أستار مختلفة ، وأخرجوه من لبنان .

أمّا أيّ الطريقين كان على حقّ ، فذلك ليس لنا أن نبتّ فيه ، بل ذلك للأيام .

على أننا لا نستطيع ، إذا رأينا رجلاً يدعو إلى خير ما – مهما قلّ- أن نقول له :” أنت على ضلال” ، ونتهمه بأعمال لا صلة لها بدعوته ، وإن كانت قيمة دعوته يجب أن تتأثّر بأعماله إذا صحّت .

إن في الدعوة الداهشيّة عناصر ظاهرة من الخير ، فيحسن أن نحكم عليها هي بذلك ، وأن عنصراً واحداً من الخير كسبٌ للإنسانيّة .

وما دامت الدعوة الداهشيّة لا تقف موقفاً عدائياً من أحد ، إلاّ ممن كان شرّه ظاهراً ، فإنّها دعوة يجب ألاّ تقاوم ، بل يترك لها مجراها الطبيعي ، فيكون نجاحها على قدر ما فيها من عناصر الحياة ومن الصلاح للإنسانيّة .

عمر فرّوخ

صاحب مجلة الأمالي

وعضو المجمع العلمي العربي

 بدمشق

                                          بيروت ، 27-10-1947

رجل إقدام وشجاعة

أنا لست داهشيّاً ،

ولا أعتقد بنبوّة داهش ،

إنما أقول :

إننا بحاجة إلى رجال جرأة ، ورجال إقدام ، ورجال شجاعة ،

بحاجة إلى رجال طمع وطموح حتى ولو بلغ بهم طموحهم إلى ادّعاء النبوءة !

والنبوءة – مهما كانت – فهي مذهب فلسفي مرتكز على قواعد راهنة ومذاهب فلسفيّة اجتماعيّة .

فليفهمها من شاء ديناً .

وليفهمها من شاء مبدأً .

وكلّ نبوءة ، وكل مذهب فلسفي … لاقى من النقد والبحث ، وعانى من الأخذ والردّ الشيء الكثير ، حتى السجون والاضطهاد ، والنفي والإبعاد ….

ويجب أن يكون عندنا من متانة الأعصاب ما نتحمّل معها كل جديد ، والاستعداد لمناقشة كل فكرة . فإن كانت صحيحة نمت وعاشت ، وإن كانت ضالّة ذوت وماتت . والسلام .

 

نور الدين بيهم

 أمين المخطوطات في دار الكتب اللبنانيّة

بيروت ، 5 تشرين الثاني 1947

حركة روحيّة

كنت أسمع بداهش كما يسمع به غيري من الناس ، فلا يثير بي الفضول ذكره ولا أهتمّ لما يصدر عنه من أقوال وأعمال . على أنني أعنى عناية خاصّة بكلّ ما له ، ومن له صلة بالشؤون الفكرية والقضايا الروحيّة .

ولم يكن موقفي هذا من داهش وحركته وأنصاره وأخصامه ناشئاً عن اضطراب في تناول الحوادث الاجتماعيّة ، ولا عن انصراف إلى نواح خاصّة معيّنة من نواحي الحياة العامّة . لا … لم يكن شيء من ذلك أبداً . وإنما ارتفع اسم داهش في فضاء هذه البلاد أول ما ارتفع مقروناً بصفات ونعوت ليس فيها ما يُغري المفكر المستنير بالإعجاب والاحترام ليتقصّى الحقائق ويبحث الوقائع .

وهل لإنسان يحترم إنسانيّته أو يُعجب بجهود غيره في الحقل الإنساني أن يهتمّ لدجّال أو مشعوذ أو محتال ؟….

تلك هي النعوت التي رافقت اسم داهش في بادئ الأمر . وقد أرفقت به عمداً لصرف الناس عن شأنه ، وإبقائهم في عزلة فكريّة عنه ، وذلك ما اهتديت إليه أخيراً .

إزاء هذا التعمّد في عزل الناس عن داهش ، أخذت – تحدّياً للدعاية وشكّاً بها – أتقرّب من ذلك الرجل بفكري ، وأتأمّل مواقفه وآثاره الأدبيّة وتأثيراته في من احتكّوا به وتعرّفوا إلى ما يخفاني فيه .

وانتهى بي المطاف إلى حقيقة بلغت من الوضوح درجة لا سبيل معها إلى الريب ولا وسيلة فيها للتضليل ، وهي أنّ داهش إنسان غير عاديّ ، أي أنّه يتميّز بمعان وصفات لا يرقى إليها من شاء من البشر ، بالإضافة إلى صفاء إنسانيّته وارتفاع مستواها عن الخاصّة بله العامّة .

وأول هذه المعاني التي تجعل داهشاً إنساناً متميّزاً هو استغراقه فيما نسمّيه اليوم الحياة الروحيّة . فقد بلغ هذا الرجل من ثورته على هذا العصر المادي وتطلّعه إلى سعادة حقيقيّة قمّة يجهل الكثيرون من المفكرين والفلاسفة والمتصوّفين مدى ما هي عليه من علوّ ، وما ينكشف بها من آفاق .

هناك ، في تلك القمّة ، وقف داهش يُشرف على الحياة والناس والأجيال والطبائع ، وينسج من تأمّلاته العميقة في هذه الأكوان حللاً فكريّة هي من أجمل ما يتحلّى به العقل البشري في هذا العري الذي يتقلّب اليوم في رمضائه .

وما كان منه إلاّ أن خلق في الحياة حركة روحية جديدة غير حركات الساسة والشعراء والأدباء المثقفين ، حركة تغاير في اتجاهها سائر الحركات التي انبعث في أوروبة نُشداناً للإصلاح ، وعملاً على رفع مستوى البشر .

تلك لعمري حركة مباركة تزيد في النور ، وتضيء الآفاق ، وترفع من قيمة الفكر وحرّيته .

عبد اللطيف شراره

 دار الكتب اللبنانيّة

 بيروت ، 6 تشرين الثاني 1947

داهش الثائر

لم يكن ليحتاج إلى نبيّ جديد .

وما اعتاد الغرب أن يُنتج أنبياء .

فاحتار الدكتور داهش في أمر سوابق التاريخ .

فلا هو غربيّ كي يقهر الغرب على إنتاج نبيّ .

وهو شرقيّ … والشرق لم يعد يتسع للأنبياء بعد الخاتمة .

لذلك … لم يقل (داهش) عن نفسه أنه (نبيّ).

بل قال عنه أتباعه أنه (مصلح). والمصلحون غير الأنبياء .

وربّ أنبياء كثيرين لم يصلحوا ولم يتمّوا رسالتهم .

وربّ مصلحين كثيرين لم يدّعوا النبوءة …

 

ثمّ إنّ حكومة لبنان لا تملك الجرأة الكبرى لاضطهاد الرسل .

فهي أن نفت زعيم الداهشيّة فلأنها لم تؤمن برسالته ولم تخش بطشه .

 

نعم . إنّ الانتقام أكلةٌ تؤكل باردة :

فاليهود – لم ينقرضوا بعد صلبهم للسيّد المسيح .

ولكنّ الانتقام على كل حال ينبغي أن يحدث قبل وفاة المنتقم .

وقد مات داهش … وجلاّدوه غير معلقين على الصلبان

أو على المشانق .

إذن ، فداهش لا يدّعي النبوءة ، والحكومة لا تعترف برسالته الدينيّة أو الاجتماعيّة .

وموته وضع حدّاً للعراك الذي شرع فيه ورسله يسجنون ويُضطهدون .

فلماذا أذن تقيمون حفلة رثاء ؟ … وتعظّمون رجلاً مرّ على الأرض

مروراً سريعاً ، ومات في منفاه صريعاً ؟..

إني أكتب ما أكتب لا لأن داهش نبيّ ،

ولا لأنه حكيم من حكماء العصر

ولا لأنه مؤلّف رسالات شعريّة وأدبيّة جميلة الوجه والروح والقلب .

وإنما أكتب في داهش لأنني صحفيّ أهوى الضجيج ،

وأعشق العمل ، وأهيم بالثائرين !…

فلولا الضجّة لما كانت الآلة الطابعة ولا الطائرة الهادرة ،

ولا البروق والرعود .

ولولا الثورة لم تكن حرية الفكر والقلم …

فلقد شغل داهش ويشغل الصحافة العربيّة مدّة طويلة من الدهر ، حتى روّج سوقها ، وصرف القراء إليه ، وإلى أخباره عن سائر الموضوعات الوطنيّة والعالميّة ، فكان غذاء الصحافة بل قل كان الخطب الذي أوقدته في سبيل إنارة مصابيحها .

فداهش حدث صحفي إن لم يكن نبيّاً أو رسولاً …

وممّا لا شكّ فيه أن القارئ هو الذي يفرض الموضوع على الكاتب الصحفيّ .

فلو لم يهتم القارئ بأخبار داهش ودعوة داهش لما جارى الصحافيّ ميول القراء .

إنّ داهشاً حرّر الصحف العربيّة جمعاء في الوطن والمهجر من دون أن يخطّ سطراً أو يحمل قلماً .

فكان المادّة لكل صحيفة ، والمداد لكل يراع .

لقد طالعت كتب داهش فلم أجد في ما نشر منها ديناً جديداً ولا مذهباً حديثاً .

ولكنني وجدت نفساً وثابة تريد الانطلاق لتحدث حدثاً في العالم .

وهذه النفس لم تنضج فكرةً بعد بل أنضجت رغبة .

أراد داهش شيئاً فناله ، ولكن هذا الشيء لا يؤلف عقيدة ، بل يؤلّف عملاً ،

لأنني لم أجد في عمله حتى الآن سوى عمل مادّي

ولم أجد في عمله الماديّ وحياً أو الهاماً أو نبوءة.

إن للرجل قوّة وقدرة وطاقة أعظم من قوّة الرجال العاديين …

ولكنه لم يكن أقوى من (لوثر) ولا أقوى من (البهائي) ولا أقوى من (مصطفى أتاتورك)!

إن هذا المصلح العثماني نزع عن الأتراك دينهم .

وداهش لم يُلبس العالم (دينا جديداً).

على أن داهش إذا لم يضاه هؤلاء الحكماء ،

فقد جاراهم بأنه حذا حذوهم .

ولكن … خانه العصر والحظّ …

فالعصر الحاضر لا يهضم التجديد .

حتى أن (لوثر) لو جاء الآن لأخرجته ألمانيا من أرضها .

أجل . لا أجرّد داهشاً من مزايا وصفات وميزات . فمن دلائل مزاياه أنه أقنع النوّاب والحكّام والأطباء والقانونيين والفنانين باعتناق مذهبه .

ذلك المذهب الذي لم ينشره على الناس للغربلة … نعم ، لقد قام ببعض أعمال عجائبيّة خارقة – على زعم الذي شاهدوها – وهي غير كافية لإقناع السواد .

فالرسالة تعلن أولاً ثم يجترح صاحبها العجائب والمعزات …

وهنا رأينا عجائب داهش ولم نقرأ رسالة داهش …

إنني أقول ما أقول في داهش لغرامي بالرجال

الذي يحدثون ضجّة وانقلاباً .

وبالرجال الذي يحاربون الظلاّم .

وبالرجال الذين يخدمون الأدب والصحافة .

وبالرجال تضطهدهم السلطات !

إن داهشاً كان هؤلاء الرجال جميعهم .

لذلك أكتب فيه وأقول في موكب الذين كتبوا وقالوا !…

 

توفيق وهبه

 صاحب جريدة الدنيا البيروتيّة

 بيروت ، 14، تشرين الثاني 1947

تطلّع الإنسان إلى علُ

إنّ في الإنسان لتوقاً عميقاً ، وحنيناً كامناً في خفايا نفسه للتمرّس بالقيم التي تسمو به إلى أجواء غير التي تحيط بحياته الدنيويّة .

هذه الحياة التي إن خلت من مثل هذا التمرّس دفعته إلى الملل وإلى التساؤل المضني عن مبرّر وجوده .

وهكذا رأيناه في شتّى مراحل هذا الوجود – حتى في أكثرها انحطاطاً وجهلاً – يفتش عن هذا المبرّر .

ولم تكن المغريات الماديّة مهما عظم شأنها لتكوّن في نظره هذا المبرّر . فإنّه في النهاية لا يأبه لهذه التوافه بالنسبة لتطلّعه الدائم إلى علُ … كما أنه لا يأبه للاضطهادات التي قد يلاقيها في سبيل الدعوة إلى فكرة قد يلمس فيها ذلك المبرّر .

ففي تفاني أتباع داهش وتحمّلهم شتّى الاضطهادات ومختلف أشكال سخرية الناس ، والتضحية بكل نفيس وغال – كما هي حال سيّدة نبيلة فنّانة من أرقى الأسر البيروتيّة وحال جميع أفراد أسرتها ورفاقها في سبيل الدعوة الداهشية – ما يستوقف الفكر حقّاً ، ويدفع إلى اليقين بأنّ الظاهرة الداهشيّة إنما هي شكل من أشكال تعبير الإنسان عن حنينه الروحيّ وتوقه العميق للتطلّع إلى علُ ، وللانطلاق نحو أجواء علوية تسمو به إلى ما هو أرفع من المغريات الدنيويّة السائرة بالإنسانيّة إلى الشقاء والفناء .

امِلي فارس إبراهيم

 بيروت ، 22 تشرين الثاني 1947

                                  

فضل داهش والداهشيّة

يقف العالم حائراً واجماً وجلاً أمام الموت

لا يدري ماذا يخبئ وراءه :

أتنفتح للروح بعد الموت دنيا فسيحة تنطلق فيها

دون قيد يربطها ؟

أم أن الموت هو نهاية بحدّ نفسه لحياة ماديّة محضة ؟

ويجتهد الإنسان في حلّ هذا اللغز …

ولكن ترتسم أمامه دائماً نقطة استفهام كبرى

تزيد التعقّد والغموض .

وهو في هذه الحالة أشبه بطفل صغير يخاف

من الظلمة التي تُحيط به في الغرفة ..

لأنه لا يدري ما الذي حواليه …

وإذا أضاء الغرفة ورأى بوضوح الأشياء المحيطة به

هدأ روعه وسكن خوفه .

والإنسان إذا اكتشف ببصيرته الوقّادة

المصير الذي يخبّئه له الموت ،

لما ارتعد أمام حشرجة النزع الأخير ،

ولما اصطكّت فرائصه كلّما بصر بجسم مكفّن يودع التراب .

إنّ العامّة من الناس تعوّدت أن تقلب الحقائق .

فالشيء الذي أسموه حياة

ربما كان موتاً للنفس وتكبيلاً لحريّتها .

وما أسموه موتاً ربما كان انعتاقاً وانطلاقاً

وتحرّراً وحياة جديدة .

وما من مفكّر إلاّ ويقرّ بأن للروح حياةً ،

طوراً مستقلة عن الجسد ، وطوراً ملازمة له ،

وأنّ الموت إن هو إلاّ مرحلة من مراحل

تطوّر الروح وحياتها ، وانتقالها إلى عالم آخر ،

بعد خلعها هيكلها الترابيّ .

وإذا لم يكن للدكتور داهش من فضل

سوى أنه تعمّق في هذه النقطة

ونشرها في كتبه وتعاليمه ورسالته الداهشيّة

حتى إنه أوضح للناس معنى الموت ومغزاه

كما ينطبق على الحقيقة – لا كما يتوهّمه العالم –

لكفاه ذلك فخراً وانتصاراً .

الدكتور إبراهيم شحاده

زحلة ، بيروت ، 25 تشرين الثاني 1947  

الرسالات الروحيّة

ظهرت في كل عصر وآن رسالات قال عنها أصحابها إنّها رسالات روحيّة ، نزلت عليهم من وحي السماء ، وإنّهم كُلفوا بتبليغها إلى الناس .

فبدأ أصحابها يبشّرون بها ، ويحاولون اقناع الناس أنّ من اتبعها وعمل بما جاء فيها كانت جنّة الخلد مأواه .

فانقسم الناس على أنفسهم واتبع فريق منهم رسالات معيّنة ، واتبع فريق آخر رسالات أخرى .

وها نحن نرى الآن أن الرسالات التي بقيت على مدى السنين ، وشاعت بين مئات الملايين ، إنّما هي الرسالات التي وافقت روحها روح ذلك العصر ، وأن مدى نجاحها توقف كثيراً على إرضاء أغلبيّة البشر .

أمّا الرسالات التي لم توفق ، ولم تشبع رغبات العالم نحو السموّ الروحي فقد ماتت بموت أصحابها ، ولم يبق لها من أثر إلاّ الذكر السيّئ في سجلّ التاريخ …

ورغم تعدّد الرسالات التي وصلتنا ، والتي قيل عنها بأنها خُتمت برسالة النبيّ العربي الكريم محمد بن عبد الله ، تجيئنا من آن إلى آخر ومن أقطار متنوعة رسالات يحاول أصحابها أن يصبغوها بالصبغة الروحيّة ، ويقولون عنها كذلك إنها رسالات منزلة .

ولذلك لا يسعنا ، ونحن في عصر تقدّمت فيه العلوم وكثرت الأبحاث إلاّ أن ندرس بتدقيق ورويّة وبطريقة علميّة هذه الرسالات الجديدة .

فإذا وجدنا أنها تحوي ما يشبع رغباتنا ، وما يساعدنا على التهذيب الأخلاقي ، وما يخفف عنا شرّ الويلات والكوارث ، وجب أن نستفيد منها ، ونأخذ عنها ، ونعمل بأحسن ما جاء فيها .

وقد سمعنا أخيراً بخبر الداهشية ، كرسالة روحيّة جديدة التفّ حولها نخبة من الأدباء والمفكّرين .

ولا شك أنّ هؤلاء سينقلون إلينا نتيجة تجاربهم واختباراتهم ، بعد درس هذه الرسالة والتعرّف بتاريخ مؤسسها ، والأهداف التي يرمي إليها .

فإذا كانت نتيجة هذه الأبحاث الدقيقة تثبت لنا صحّة هذه الرسالة ، فإننا ولا شك سوف ندعمها ونساعدها على الانتشار ، وفي الوقت نفسه نقوم نحن بدراستها ، والتعرّف عليها عن كثب ، والاستفادة من تعاليمها ، وأهدافها ، وكما يقول المثل :

” لا يصحّ إلاّ الصحيح ولا يبقى إلاّ الأصحّ “!

                                                                       حسن لطفي

 مدير دار الهلال العام وأحد أصحاب

 دار النشر العربيّة ورئيس تحرير 

مجلّة المجتمع بيروت ، مكتب دار

 الهلال ، الأربعاء 26 تشرين الثاني  1947

ثورة واحتقار

حياته ثورة واحتقار

   1- ثورة

 

ثورة على الظلم والاستبداد .

ثورة على الباطل وما يدّعون بأنه الحقيقة .

ثورة على أنظمة بالية وضعت خصيصاً باسمها لإشباع شهوات دنيئة وضيعة .

ثورة على ما يسمّونه العدل والحقّ .

ولكن أين الوجود حتى لخيالهما في عالمنا الفاسد ؟

ثورة على رجال الدين وعلى تعاليمهم الزائفة وهم يعلمون أنّها زائفة ،

وثورة على أكاذيبهم المصطنعة وهم يعلمون أنها مصطنعة .

ثورة على تضليلهم الناس بتعاليم هي من اختراع أدمغتهم المجرمة ،

يلقونها عليهم باسم السيّد المسيح ،

وهم يعلمون جيّداً أنهم كذبة ومضلّلون ،

وأن لا وجود لها إلاّ في رؤوسهم المحمومة الموبوءة .

فالويل لهم من فرّيسيّين مرائين !

ثورة على بشر يعبدون (المادّة) وهمّهم الوحيد جمع الدينار

تحقيقاً لأهدافهم الدنيويّة الذليلة ، وإرواءً لعطشهم اللاّحدّ له .

وما ذلك إلاّ لأحلام شهوانيّة يعتقدونها ذهبيّة ، ولكنها بخاريّة سرابيّة .

ثورة على تقاليد لا يريدون نقضها ، لأنها مرآة لكلّ ما يجيش في صدورهم

من خبث ورياء ، ومن طمع وجشع ، ومن كبرياء وحبّ ظهور .

ومن رذيلة ونقيصة ، ومن حسد وضغينة .

ثورة على الذين يجتهدون لخنق (الحقيقة)

لأنها تقضي على جميع ميولهم السخيفة ، ونزعاتهم غير الشريفة .

ثورة جامحة ، جارفة … على مبادئ عقيمة لا رجاء منها ،

وعلى مدنيّة فاسدة عاهرة دستورها الاعتداء على كلّ ضعيف مسكين آمن ،

ومعبودها المادّة آلة الشر والدمار .

 

                                  2- احتقار

احتقار كلّ صاحب سلطان مستبدّ ظالم يعيش من بؤس الشعب وشقائه ،

ويرقص طرباً على أشلائه المبعثرة الدامية .

احتقار عبيد الباطل والبهتان ، والذلّ والهوان .

احتقار من يبيعون ضمائرهم الرخيصة الخسيسة

في سبيل الحصول على منصب هزيل ضئيل ،

أو ارضاءً لسيّد متكبّر منفوخ كالطاووس ،

مغرور ببريق مجدٍ زائل فانٍ .

احتقار ذئاب … يعيشون من مؤامراتهم المجرمة على الفقير والمسكين ،

وعلى الأرملة واليتيم .

احتقار رجال دين … يتظاهرون بالتقوى ،

متاجرين باسم السيّد المسيح ،

مدجّلين على شعب ضعيف لملء جيوبهم بالذهب الرنّان ،

يا لهم من مشعوذين !

احتقار رجال دين … يقطنون القصور الفخمة ،

ويلبسون الأطلس والحرير ،

ويملأون بطونهم بأشهى الأطعمة ،

والفقراء من حولهم يتضوّرون جوعاً وهم عراة بائسون ،

ومن البرد يرتجفون ويرتعشون …

أهذا ما أوصاهم به السيّد المسيح ؟

احتقار الحيوانات الناطقة ، والجراذين المنفوخة …

أولئك الذي يتوهمون أنهم بلغوا من المعرفة أقصاها ،

ومن الحكمة أعلاها ،

وهم يجهلون أنّهم جاهلون …

احتقار كل من لا يعرف من الحياة إلاّ الرقص والمرح ، واللهو والفرح .

احتقار من أمنيّته الوحيدة جمع الأموال على جثث ضحاياه العديدة ،

هازئاً ، ضاحكاً ، ساخراً .

احتقار الحياة كلها ، حياة ضجر وملل وعناء ، وبؤس ويأس وشقاء .

حياة كلها ثورة بثورة ، واحتقار باحتقار .

هذا هو داهش !

هذه هي تعاليمه السامية ،

وهذه هي أهداف رسالته المقدّسة ،

وهي رسالة روحيّة خالدة لا ولن تموت ،

قَبِل أعداؤه أم أبوا .

الدكتور جورج خبصا الداهشيّ

بيروت ، 3 كانون الأوّل 1947

رسالة جديدة في لبنان

لم أتعرّف إلى شخصيّة داهش ، ولكنني عرفت الكثيرين من مؤيديه ، وهم من المحامين والأطباء والأدباء والشعراء والوجهاء . وكنت كلّما تحدّثت إلى أحدهم ، ألمس فيه تحمّساً بالغاً واقتناعاً تامّاً بعبقرية داهش ، وتفوّق آرائه الإنسانيّة ، وظاهراته الروحيّة العجيبة ، وعلى ذلك بتّ أميل إلى الاعتقاد بأن الرجل يتحلّى بمواهب خارقة وعبقريّة فائقة ، مكّنته من السيطرة على هؤلاء المفكرين الراقين الذي يمحّصون الأمور ، ويدرسون الحقائق قبل الاقتناع بصحتها .

فهل يكون داهش صاحب رسالة في القرن العشرين ؟ وهل يكون في مصاف أولئك الأفذاذ الذي انتشرت مبادئهم السامية بعد موتهم ؟

هذا ما يقول به البعض .

غير أن مادية العصر تقيم في وجهه الروحانيّة كثيراً من العراقيل والصعوبات … والعقبات .

أمّا إذا بقي المبشرون بتعاليم داهش مثابرين على جهادهم المتواصل ، وإذا جاء بعدهم من يتابع بثّ هذه الرسالة ، فلا بدّ من أن ينتشر في العالم مذهب جديد هو المذهب الداهشي الذي ظهر في لبنان ، وبدأ الكثيرون الآن يفكّرون فيه بصورة جديّة ، ويمحصون حقائقه ومباديه .

               

          يوسف أبو عبد الله                                     محرر جريدة صدى الأحوال

 بيروت ، 5 كانون الأول 1947

كيف عرفت الدكتور داهش

كان ذلك في أوائل صيف عام 1942 ، بعد أن زارني الأستاذ يوسف الحاج في فندق الشاغور في حمّانا ، وسرد لي أخباراً وأعمالاً عن الدكتور داهش لا يمكن للعقل البشري أن يتصوّرها .

ذهبت برفقة الأستاذ الحاج والمستر دانيال أوليفر لزيارة الدكتور داهش في منزله في بيروت المجاور لمستشفى الدكتور رزق . وحين دخولنا تمكّن الدكتور بطريقته الروحانيّة من معرفتنا ومعرفة أسمائنا وسبب زيارتنا له …

وبما أننا شاهدنا في أوّل مرّة ما يحيّر العقول تكاثر تردّدنا عليه خلال سنتين ونيّف . وكنا في كلّ مرّة نرى أشياء مدهشة جديدة لا يمكن للإنسان أن يعلّلها علميّاً ، بل هي كلّها من الأمور الخارقة ، أذكر مثلين منها :

  • دخلت عليه مرّة برفقة المستر اوليفر ، وكان عنده زائر تظهر عليه علامات الدهشة والاضطراب . فسألناه عن السبب ، فأجاب :
  • منذ هنيهة كنت أتكلّم مع الدكتور ، وأتينا على ذكر ثمر الفريز اللذيذ .

وقلت : هذه أيام نضجه . وللحال رأيت أمامي على المنضدة صحناً من الفريز الشهيّ …

فنظرت إلى المتكلّم نظرة استهجان واستخفاف ، وقلت :

هذا مستحيل !…

ولم أكد ألفظ كلمة (مستحيل) حتى وجدت أمامي على المنضدة نفسها ، ليس صحناً من الفريز فقط بل صندوقاً لا يقلّ وزنه عن خمسة كيلوات من الجنس عينه . فدهشنا جميعاً ووجمنا هنيهةً ثم أخذنا نأكل من هذا الفريز اللذيذ ونتعجّب .

  • الظاهرة الثانية – كنت مرّة خارجاً من مكتب الدكتور داهش ، وإذا بخنجر كبير طويل النصل يمرّ كالسهم قرب أذني وينغرز رأسه في حاجب الباب . فانتزعته حالاً وأبقيته معي . فقال لي الدكتور :
  • أرني هذا الخنجر .

ثمّ أخذه مني ، وأمسكه بيديه الاثنتين ، وقال :

هو طويل جدّاً !

وللحال أخذ الخنجر يصغر رويداً رويداً بين يديه حتى أصبح طول نصله لا يتجاوز الـ 15 سنتيمتراً . ثمّ أرجعه إليّ ، وقال :

هكذا أصبح قياسه معتدلاً .

ولا أزال أحتفظ بالخنجر إلى اليوم .

أمّا كيف دخل صندوق الفريز الغرفة والباب مقفل مع النافذة ، وكيف اخترق الجدار والجدار لا ثقب فيه ، وكيف أحضر الخنجر وأصبح صغيراً بعد أن كان كبيراً ، فهذا من الأمور الخارقة التي تحيّر العقل ، ولا يمكن تصديقها أو فهمها إلاّ عن طريق الروحانيّة .

فالعلم الروحاني يقول : إنّ الأرواح تنقل الأشياء مهما ثقلت ، ومهما بعدت المسافة . فالدكتور داهش في نظري هو وسيط روحاني عظيم ، بل هو أعظم الوسطاء الذين وجدوا في العالم بالنسبة إلى ما قرأت عن كثيرين من الوسطاء المشهورين في أميركا وأوروبا . فكلّ ما عمله هؤلاء الوسطاء في أوقات مختلفة وبلاد بعيدة رأيته كلّه بل أعظم منه في الدكتور داهش .

 

 أمين نمر بشاره

حمانا – بيروت (شارع الحمراء)، 7-12-1947

لتكن مشيئة الربّ

مرّت فترة من الزمن كان فيها الدكتور داهش حديث الناس والصحف والمجالس في لبنان . وكانت الآذان تتلقّف بكثير من اللهفة الروايات عن جلساته الروحانيّة وعمّا سمّي بالعجائب الداهشيّة .

وبقي الرجل مدّة طويلة مالئ الأفكار وشاغل الناس !

وفي هذه الغمرة من الأخبار قيل أنه يدّعي النبوّة ، وإنّ له تعاليم جديدة ، وله تلامذة يبشّرون ويكرزون باسمه وباسم تعاليمه ، وهنا تبدّل التيّار .

وإذا بأصوات ترتفع مستنكرة هذه البدعة في النبوّة . ثمّ انقلب الاستنكار إلى غضبة تطالب بسجن الرجل عقاباً له ، وبإبعاده راحةً منه .

وكان لهذه الأصوات صدىّ فعّال في المراجع الحاكمة . فسجن مدّة ثمّ أبعد خارج لبنان .

ولكنّ المعروف أنه تحمّل آلام السجن ومشقّات النفي بنفس صابرة ، وبقي مصرّاً على نشر رسالة يحملها .

لقد كان للرجل خصوم يستنكرون هذه البدعة الجديدة . وكان له أتباع يؤمنون برسالته ، رسالة صادرة عن نبيّ هاد . والفرق بين الفئتين أن الذين اضطهدوه لم يعرفوه ، بل اكتفوا بأن يشنّوا عليه حملة بالاستناد إلى الأقاويل والشائعات ؛ وأنّ الذين اتبعوه وعمّدوا أنفسهم تلامذة له هم من الذين عرفوه وتعرّفوا إلى تعاليمه ، بل وضعوا – على حدّ قولهم – أصابعهم في مواضع المسامير … ولست أدري كيف يمكننا التوفيق بين واقعتين متناقضتين :

الواقعة الأولى – هي اتهام الدكتور داهش بالشعوذة .

والثانية – هي اتّباعه من قبل فئة من الناس معروفة أنها من جماعة الفكر والثقافة العالية .

وأغرب من هذا أن يتحمّل هؤلاء التلامذة الأتباع سخط الأوساط الاجتماعيّة ومرارة السجون ، وأن يتخلّوا مختارين عن مكانتهم الاجتماعيّة ، وعن أموالهم برمّتها ، في سبيل عقيدتهم الداهشيّة ، حتى حقّ لنا أن نتساءل كيف يمكن أن يكون داهش مشعوذاً ، وأن تؤمن به هذه الفئة من حملة الأقلام نبيّاً هادياً وصاحب رسالة ؟ ومن هو داهش في نظر الداهشيّين .

التقيت بصديق في من تلامذته . وكان قد خرج من السجن لبضعة أيّام خلت … فسألته عن رأي الداهشيّين في نبيّهم ، ومن هو في نظرهم ؟ فقال :

إنّ روح الشرّ متأصلة في نفس المخلوق تشدّ به للخروج عن الصراط المستقيم . والعالم محتاج عند طغيان الشرّ إلى مذكّر يأتي بين الحين والحين ، أو بين الجيل والجيل … لدعوة الناس إلى الصراط والحق والتذكير بالله وتعاليمه السماويّة …

ثمّ قال التلميذ :

وما هذه الدعوة بغريبة على العقل ولا على تاريخ العالم . ألا ترى أن التوراة مليئة بأخبار الدعاة المعروفين باسم (رجل الله) الذين جاؤوا بني إسرائيل بعد (الكليم) ليعيدوا الذين زاغوا إلى حظيرة الناموس ؟

وداهش – والحديث للتلميذ – هو في نظرنا مذكّر جاء يدعو الناس إلى الحقّ . وقد أعطاه الله نعمة لتأدية هذه الرسالة ، وبقوّة هذه النعمة أتى ما أتى من العجائب في جلساته الروحانيّة ، وبقوّتها يسير في تحقيق الدعوة .

ثم استرسل التلميذ يشرح بعض آيات الكتاب المقدّس بتفاسير لاهوتيّة وفلسفيّة تدلّ على سعة الإطلاع ، حتى إذا أطريت هذه التفاسير ، يقول بكلّ تواضع :

  • إنها تفاسير معلّمنا أعطاها لنا في جلساته الروحانيّة .

ثمّ مرّت الأيّام ، وإذا بي ألتقي بتلميذ آخر من تلامذة الداهشيّة ، فسألته عن نظرة الداهشيّة إلى الأديان وعن أهدافها ، فقال :

الموسوية دين حق . والنصرانية دين حق . والإسلام دين حق . وما الداهشيّة سوى دعوة صادقة لتوحيد هذه الأديان ، وصبّها في بوتقة واحدة . فيرى الناس الله من خلال التوراة والإنجيل والقرآن ، ويتفهّمون وحدانيّة الله ، والنهي عن المنكر ، والأمر بالخير من هذه الكتب الثلاثة المقدّسة . والداهشيّة رسالة لتوحيد هذه التعاليم الموحى بها من الله إلى موسى وعيسى ومحمد .

أمّا بعد ، فليس من العدل أن نستعجل الحكم على داهش ونحن لا نعرفه ، ولا أن نلعن الداهشيّة ونحن نجهل تعاليمها الإصلاحيّة .

فسواء أكان داهش نبيّاً هادياً كما يزعم أتباعه ، أم لم يكن شيئاً من هذا ، فهو ولا ريب خليق بالاحترام كرجل يحمل رسالة اجتماعيّة ويدعو الناس إلى إتباع الحق والرجوع إلى الأحكام السماويّة التي تنهى عن المنكر وتأمر بالخير .

وقد لا تكون الداهشيّة رسالة سماويّة مقرونة بنعمة الله . ولكنها دعوة اجتماعيّة مستحبّة ما زالت ترمي إلى توحيد الديانات السماويّة الثلاثة ، إذ إنّ كل نصرانيّ صحيح التفكير يحسّ بالحقائق الإلهيّة تنبعث من التوراة المقدّسة والقرآن الكريم . وكل مسلم نفى من عقليّته النعرة العصبيّة يؤمن برسالة الكتابين ، التوراة والإنجيل. ولكنّ هذا أو ذاك يحسب بدافع التعصّب أن الإيمان برسالة الحق في كتابه تقوم على إنكار الحق في كتاب الآخر ، مع أن الحق واحد في الكتب الثلاثة ، وكل كتاب جاء مصدقاً لما قبله من الكتب .

بقي أن نتساءل ما إذا كانت الداهشيّة سيُعقد لها لواء النجاح في توحيد الديانات السماويّة ؛ وظنّي أن خير جواب عن هذا السؤال قوله تعالى :

(ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة )

ولتكن مشيئة الله !

المحامي عبده نجيم

 بيروت ، 14 كانون الأول 1947

ملاحظة : الأستاذ عبده نجيم يعمل في مكتب واحد مع المحامي وديع شربل نسيب المدّعي العام يوسف شربل.

قبس الحقيقة الداهشيّة

مهما اختلف الناس في حقيقة داهش فإن الشيء المتفق عليه أنه أحد الأعاظم الذين تسمح بهم الإنسانيّة في الحقب الطويلة .

وعظمته توجز أنه مصلح حرّ ، وأن إصلاحه تأتّى له بنتيجة التفكير السامي يمدّه الهام راق ، وتحوطه عاطفة فيّاضة بالإخلاص للحقيقة . فهو يسعى إلى غاية نبيلة هي توحيد الإنسانيّة على مبادئ ، الإنسانيّة محتاجة إليها دوماً ، خصوصاً في هذه الآونة الراهنة التي توثقت فيها عرى مصالح البشر ، وارتبط الناس بالمصالح الماديّة المختلفة مع بعضهم بعضاً . فكان حتماً أن يرتبطوا بحقيقة روحيّة تمحو أو تخفّف كثيراً من نتائج الاختلاف الوحشيّ .

إنّ الحقيقة التي دعا الفقيد إلى التفاف الناس حولها هي القرآن الكريم ، وحقيقة نبوءة محمّد عليه السلام .

وإذا ذكر القرآن فمعناه الجامع المانع لجميع التعاليم السماويّة على حقيقتها دون أن يشوبها تحريف ، أو يهدّدها نقص .

فالقرآن هو الإنجيل الصحيح بحقيقته ، والتوراة الحقّة بسموّها ، وهو حقيقة الصحف المنزلة على جميع الأنبياء والمرسلين ، وهو الرسالة الخالدة من سماء الحقيقة إلى البشريّة على مختلف أزمانها وأطوارها .

أمّا محمّد فهو مستودع هذه الأسرار ، ومهبط هذا الوحي ، ومهد تلك الثمرات ، ومسرح هاتيك المعجزات ، وهو الخالد بروحه ، والباقي بعظمته ما بقي القرآن الكريم .

فالدكتور داهش دعا بجرأة نادرة ، وبنفس مؤثرة ، وبروح صادقة إلى هذه الغاية النبيلة ، وأحاطها بالعناية التي تتسنّى لأمثاله من العظماء . فكان لها الفعاليّة القويّة في حياته . وكان لها الحياة في صدور أصحابه الذين بثّ فيهم التفاني للحقيقة التي دعا إليها فظلّت الدعوة بينهم قويّة بالرغم عن موت المفكّر فيها والداعي إليها .

وكذلك شأن العظماء القليلين الذين ينسون شخصهم أمام الحقيقة .

ولكنّ الحقيقة تخلد بخلود ذكرى هؤلاء الأشخاص الذين اقترنت تلك الحقيقة بهم مستمدّة من إخلاصهم وجرأتهم وتضحياتهم .

فإلى ذكرى الفقيد نزفٌ بشريات علويّة إذ إن دعوته في انتشار ، خصوصاً في لبنان والمهجر ، لا سيّما في المسيحيّين الذي بدأوا يرون قبس الحقيقة التي طالما حجبها عنهم المرتزقة المؤيّدون بالاستعمار الغربيّ الطاغي .

ولا ريب أن انتشار هذه الفكرة الرائعة ، وهي الاعتراف بحقيقة الإسلام ، والإيقان بسموّ دعوته ، والإيمان بنبوءة محمّد والقرآن الكريم سيكون لها نتائج جدُّ حميدة .

ويكفي أن تُحقّق الصلة المتينة بين نعيم الأبرار في جنّات النعيم ، وبين نعيم الدنيا بالتلذّذ برحمة الإخاء ، وشرف العلم ، وقدسيّة العدالة ، ونبل العمل ، والاهتداء بنور الحكمة واليقين .

 محمد الحكيم

إمام الجامع الكبير في حلب الشهباء

حلب ، 3 صفر الخير 1367

  15 كانون الأوّل 1947

رأي بنت بطوطة الأدبيّة المصريّة المشهورة

  بكتاب مذكّرات دينار

حضرة المحترم الأستاذ حليم دمّوس

بصفتي مصريّة أهديك تحيّاتي وتحيّات مصر القطر الشقيق .

تسلمت بواسطة مطبعة حلبي بدمنهور التي أطبع فيها مؤلّفاتي خطابك مع كتاب “مذكّرات دينار” للدكتور داهش بك .

… إنّ مؤلّفاتي بالنسبة لمؤلفات الدكتور داهش ومعلوماتك التاريخيّة والثقافيّة التي لمستها من خلال كلماتك لا تُعدُّ شيئاً . ذلك لأني في الواقع مجرّد مؤرّخة بسيطة استطاعت أن تنتج قدراً من الكتب التاريخيّة .

قرأت كتاب الدكتور داهش بك فوجدته فذّاً في نوعه وأسلوبه بما حواه من نقد لاذع بريء لما يحدث في تلك الحياة الصاخبة . ومما يدهشني ويدهش كلّ قارئ أنّ المؤلّف استطاع بمقدرة لا تبارى ، وبطريقة فريدة ، أن يصوّر للإنسان ما يرتكبه من حوادث وما يقترفه من جرائم بشتّى الدوافع . وقد لمست براعته الفائقة وهو يحلّق بخياله إلى أبعد مدى فيقصّ للقرّاء ذلك الحوار العجيب الذي يدور بين (جماعة الحمير) ، وقد سخروا من بني البشر فجعلوهم في الدرك الأسفل من الانحطاط ، وآثروا أن يظلّوا حميراً أوفياء ….

ورأيي أن طريقة الدكتور داهش بك فريدة لم يسبقه إليها أحد غير الكاتب اليوناني القديم (إيزوب).

لذا أتمنّى أن أقرأ له شيئاً من مؤلّفاته الأخرى .

وختاماً أتمنّى لك كلّ توفيق في عملك مع شكري .

 

بنت بطّوطه

مطبعة حلبي – دمنهور- مصر

                                                               18/12/1947

من خطب ومحاضرات

نموذج من الخطب والمحاضرات التي ألقاها السيّد جوزف حجّار الداهشي في جوامع سوريّة ولبنان وأنديتهما الأدبيّة حول الرسالة الداهشيّة

 

أيّها الإخوة الأحباء ،

استكبر البعض أن أتكلّم باسم الرسالة الداهشيّة ، وأن أذكر مراراً وتكراراً الدكتور داهش في خطبي ومحاضراتي التي ألقيتها الأسبوع المنصرم في جوامع وأندية هذه المدينة العصماء حلب الشهباء .

وقد نسي هؤلاء جميع الجهود الجبّارة التي بذلها هذا الرجل العظيم للوصول إلى النتيجة الباهرة التي وصلنا إليها .

ونسوا الآلام والعذابات والاضطهادات التي تحمّلها في هذا السبيل السامي .

ونسوا السنوات التي قضاها مشرّداً مطارداً بدون ذنب اقترفه سوى أنه يدعو إلى إيمان لا يوافق بعض الأوساط المسيحيّة الكاثوليكيّة .

ونسوا السجون التي مرّ بها وهو البريء .

ونسوا كافّة ضروب العسف والجور التي اجتازها خدمة للحقيقة الخالدة ، فأخذوا يحاسبوننا على ذكر اسمه عندما نذكر الحركة المباركة التي هي من صنع يديه …

أمّا أنا فأقول : إنّ الخائن وحده ينكر الجميل ، وأنا لست من الخائنين ، ولذلك سأذكر اسم الدكتور داهش لأنه هو – دون سواه- وضعني في الطريق التي أدّت بي إلى معرفة الحقيقة ، فأنا مدين له بجميل هيهات أن أنساه .

ومن العار العظيم أن أطمس اسمه جاحداً ناكراً .

سأذكر كمصلح عبقري شاهد أمراض هذا المجتمع الماديّ البعيد كل البعد عن القيم الروحيّة ، فأراد أن يعيد إلى ذاكرة ذلك المجتمع تلك القيم السماويّة التي بدونها لا رقي ، ولا حضارة ، ولا إصلاح ، فقوبل بالمقاومة والإعراض لأنّ أبناء هذا العصر الذين لا يدينون إلاّ بالمادّة يعتبرون مجرّد ذكر السماء تجديفاً على مدنيتهم الزائفة .

سأذكره كفيلسوف حكيم شاهد شقاء الإنسانيّة وتعاستها تحت نير أنظمة بشريّة ، أكانت شيوعيّة أم رأسماليّة أم دكتاتوريّة أم سواها من الأنظمة الماديّة التي تسيطر على هذه الأرض . فأراد أن يذكّر الإنسانيّة بعبر القرون والأجيال التي أثبتت إفلاس تلك الأنظمة الجائرة التي لم توجد على الأرض سوى البغض والخوف والنفار والخلاف والحرب والدمار .

ومن هنا تتجلّى ضرورة العودة إلى سنن السماء السمحاء التي هي من صنع الرحمان ، والتي أنبتت عهوداً سامية كعهد الكنيسة الأولى ، وكعهد أبي بكر وعمر وعلي وسواهم .

فاتّهم داهش بالرجعيّة ، بينما الرجعيّة هي تلك المدنيّة الماديّة الصرفة التي تعتبر الإنسان آلة صمّاء لا شعور لها ولا روح ولا قلب ، أوجدتها الصدف فعادت بنا إلى عصر الكهوف والغابات ، يوم كان الإنسان لا يفرّق كثيراً عن الحيوان !

سأذكره كمجاهد نبيل شاهد تنافر الأديان وتقارب المذاهب ، وتضارب الآراء الفلسفيّة ، فأراد أن يجمع كلمة الشعوب وقلوبها حول الكتب المنزلة والقرآن الكريم خاتمة الوحي ، فاتهموه بالكفر والزندقة ، وحبّ التفرقة .

وأخيراً … سأذكره كشهيد ضحّى بزهرة شبابه ، وبأيّامه وأعوامه ، في خدمة الحق سبحانه ، وفي خدمة الإنسانيّة جمعاء . فلم يلاق من أجر إلاّ العذاب والآلام والتعدي والاضطهاد ، ولكن عين ربّ الأنام لا تنام ، والله خير منتقم من الظالمين ، وموعدنا في يوم الدين .

وبعد أن أنحني احتراماً أمام شخصيته العبقريّة الفريدة ، انتقل إلى موضوعي فأقول :

 

                                      خطبة الحجّار

طلب بعضكم أن أزيدهم معرفة عن الرسالة الداهشيّة ، وعن الأهداف التي ترمي إليها هذه الدعوة المقدّسة .

فللداهشيّة أهداف عديدة ، ولكنها جميعها ترمي إلى غايتين :

الأولى ، إصلاح الإنسان من شوائبه الماديّة .

والثانية ، تقريبه من خالقه وربّه كي يستحق أن يلج أبواب النعيم بعد أن يترك هذه الفانية .

فمن تطلّع إلى حالتنا في هذا العصر وجد أن المادّة قد طغت على الروح وقتلتها في كلّ مكان ، وفي جميع الأديان .

فالناس كلّهم لم يعودوا يؤمنون بالآخرة ، ولو تظاهروا رياءً بعكس ذلك .

وأكبر دليل على ما أقوله ذلك الاستهتار الفادح الفاضح في حياة الإنسان الخاصّة والعامّة ، وتلك القحة في ارتكاب المعاصي والموبقات ومخالفة أوامر السماء .

فيا ليت شعري هل من المعقول أن تتدهور القيم الروحية إلى هذه الدركات السحيقة لو كان الإنسان يعتقد حقّاً بخلود الروح ؟

وهل من المعقول أن يطلّق الإنسان الفضيلة والكرامة والشرف والدين ، وأن ينصرف بكلّيته إلى الأرض وبهارجها ، ويضحّي في سبيلها بضميره ووجدانه لو كان يعتقد بيوم الدين ؟

هذا لا يمكن أبداً ، فكلنا إذن قد كفرنا بربّنا ، وكلنا قد ضللنا عن غاية خليقتنا وعن هدف حياتنا على هذه الأرض ؛ ونتيجة هذا الضلال المبين واضحة للعيان .

فالعصر الحاضر عصر الذئاب الكاسرة ، والضباع الشرسة ، والوحوش المفترسة ، وهو عصر القلوب الصخريّة ، والضمائر الميتة ، والذمم الملوّثة .

وهو عصر الإنسان الآلي الذي لا شعور فيه ولا ضمير ولا قلب ولا إحساس . يرتكب المعاصي بقلب فرح ، وينكّل بأخيه الإنسان دون رادع يردعه ، ولا ينظر من وراء عهوده ونشاطه وتفكيره وحياته إلاّ إلى كسب المال والنفوذ والسيطرة واستعمالها لإشباع شهواته الدنية ، وإخماد جذوة أطماعه الجهنميّة … هي الحقيقة التي لا يدخلها ريب ، هي حقيقة الأفراد ، هي حقيقة الأمم والشعوب .

وفي هذا العصر الماديّ الرهيب الذي أصبحت فيه لفظة يوم الدين أضحوكة وأسطورة ، تقوم الرسالة الداهشيّة متصدّية لهذا التيّار المجرم علّها توقفه ، ثم تحطّمه ، فتعيد الحقيقة إلى نصابها ، وتهدي البريّة إلى غايتها المنشودة . وهذا ليس بالعمل السهل ، بل هو عمل جبّار يتطلّب مراحل عديدة :

أهمّها اثبات خلود الروح بطرق علميّة مقنعة ، وهذا ما توصلت إليه الرسالة بظاهرات الدكتور داهش الفريدة التي امتدّت أخبارها إلى كل مكان .

ثمّ إيقاظ الروح الدينيّة الحقّة التي تتجلّى بتنفيذ الشرائع الإلهيّة تنفيذاً صحيحاً نيّراً بالفعل والعمل ، لا بالقول والثرثرة ، مثلما هي الحالة الآن في جميع الأديان . فكلهم يتغنون بالدين ، وكلّهم يتفانون بحب الدين ، وكلهم يذبحون الدين ألف مرّة في اليوم الواحد بارتكابهم المعاصي والمحرّمات في سبيل مصالحهم وأطماعهم وشهواتهم . وهذا هو الكفر بعينه ، وهذا هو الضلال بذاته ، وهذا ما ستحاربه الرسالة بفضحها لهذا الدجل الديني الأثيم ، وإشعالها جذوة الإيمان الحق في القلوب ، كي يُطبق الفرد بحياته الخاصة وحياته العامة سنن السماء السمحاء ، وشرائعها اللطيفة الخفيفة الحمل ، الباهرة النتائج ، الكثيرة المباهج .

وأخيراً تهدف الرسالة الداهشيّة إلى إعلان حقيقة سامية ألا وهي أن الأديان جميعها من إرادة الرحمان ، وأنه يجب احترامها على السواء ، فلا تستعمل أداة بغضاء وتفرقة لمصالح بعض الرعاع ، بل تكون أداة تقارب وتسامح ومحبة بين الجميع ، مثلما هي رغبة الباري تعالى .

وبما يخصّ المسيحيين والمسلمين فهناك نفور واشمئزاز وانشقاق دائم بين الطائفتين ، فهذه الأمور يجب سحقها ومحقها إلى الأبد كي تقوى الصلات فتصبح أخوية كريمة ، بعد أن كانت عدائيّة ذميمة .

ونحن معشر الداهشيين ندين بفكرة بتّارة حاسمة لا تعرف المراوغة ولا الزيف ولا الممالقة بالكلام . فإننا نعتقد بأن النذل الجبان وحده يرهب الحقيقة ويخاف إعلانها . أمّا الرجل الحرّ الأبيّ النفس فهو يتعشق الحقيقة ، ويعلنها على علاّتها غير هيّاب ولا وجل ، ودون أن يقيم وزناً للومة لائم ، لأن في الحقيقة وحدها الشفاء من الأمراض الوبيلة التي نتخبط فيها .

وهناك حقيقة يجب إعلانها ، وهي أن بين المسيحيين والمسلمين من جعلوا دأبهم تشويه حقيقة هذين الدينين الكريمين ، لكي لا يتم التقارب بين هاتين الطائفتين ، لأن في هذا التقارب القضاء المبرم على مصالح تلك الفئات المضلّلة التي تستفيد من النفور الذي تحدثه دعاياتها المغرضة .

والرسالة الداهشيّة تنوي محاربة هؤلاء المضلّلين وسحقهم بعد تشهير خزعبلاتهم . وهي تبدأ عملها بدعوة العالم المسيحي قاطبة إلى إعلان إيمانه بالنبي الكريم محمّد ، وأن قرآنه كتاب منزل ، ذلك الكتاب لا ريب فيه .

سأقتصر بكلمتي اليوم على شرح هذه النقطة الجوهريّة وكيفيّة الوصول إلى تحقيقها ، كي يؤمن المسيحيون من غربيين وشرقيين بحقيقة الإسلام ، فأقول :

منذ الزمن القديم ، وقادة الشعوب المسيحية من رجال دين وسياسة يرهبون أن يظهر الإسلام في وجهه الحقيقي أمام رعاياهم ، فإذا تمّ ذلك واقتنع المسيحيون بأن الإسلام دين إلهي تلاشت ضغائنهم ، ورفضوا الحروب والاستعمار وسواها من أمور الطغيان التي تفرضها طائفة على طائفة .

وهو ما لا يرغبه هؤلاء السادة والقادة الذين يستفيدون فوائد جمّة من بقاء الشعب على ضلاله ، فيحتفظون بسيطرتهم ونفوذهم ومصالحهم الاقتصادية والمالية والسياسيّة . لأجل هذا أخذوا يشوّهون تعمّداً وجه الإسلام الصحيح ، ونبيّ الإسلام في نظر المسيحيين ، فيصوّرونه لهم بصور غريبة عجيبة حاطّة بالكرامة ، مهشمة للحقيقة ، وأخذوا يبثون هذه الأضاليل في المدارس والكتب والمؤلفات والمواعظ والدروس الشفهية والنشرات السريّة إلى ما هنالك من أساليب الدعاية . وتأصلت الفكرة في النفوس ، وتغلغلت في الأرواح ، وهي لا تزال متأصلة إذ لا يوجد من مساع نبيلة لازالتها واستئصالها .

وكنت أنا أيضاً أعتقد أن الإسلام دين متأخر لا يمتّ إلى إرادة الله بصلة . وهذا كان نتيجة التعاليم التي تلقيتها بشتى الطرق .

وعندما تعرّفت إلى الدكتور داهش ، وعرف اعتقادي هذا ، جعل يقنعني بألاّ أتسرّع في إبداء رأيي في موضوع أجهله كل الجهل ، ولا أعرفه إلاّ بموجب ما تلقيه من علوم مغرضة .

ونصحني أن أعود إلى التاريخ والوقائع ، وأن أدرس الإسلام مثلما يتطلب الإنصاف والعدل ،

وهذا ما فعلت .

وبدأت بسيرة النبيّ محمّد (ص) وكم كانت دهشتي عظيمة عندما اكتشفت الحقيقة المجرّدة من الأضاليل المقصودة .

فوقفت أتأمّل بعين الذهول والإعجاب مراحل ذلك الجهاد الجبّار الذي قام به النبي الكريم ، منذ أن شعر برسالته العظمى إلى أن أنتقل إلى الرفيق الأعلى :

جهاد عظيم في سبيل عقيدة سامية .

هزء وسخرية لاذعة بالاضطهاد ، والمصائب ، والشقاء .

صدر رحب يتقبّل المحن دون نقمة وبصبر عجيب .

ابتسامة حلوة شفّافة مرتسمة دوماً على ثغر من ضحّى بحياته في سبيل إخوانه البشر لإنقاذهم من ظلمات الجهل ، وقيادهم إلى ينابيع الروح الصافية ، إلى الله عزّ وجلّ ، وهدايتهم إلى طرق الفضيلة والنبالة .

والأمر الذي أشعل إعجابي وسحق نفسي خشوعاً واحتراماً هو ذلك الحديث الذي جرى بين النبي الكريم المتخبط في خضمّ من الصعوبات وبين عمّه الذي أتاه مجرباً :

محمّد يا محمّد … لقد أوفدتني قريش كي أبلغك بأنهم على استعداد لأن ينصّبوك ملكاً عليهم ، أو إذا شئت فإنهم يمنحونك أجمل نسائهم وأشدّهنّ فتنة وإغراء ، وهذا يكون على شرط أن تترك الدعوة التي استفحل أمرها ، وعظم شأنها ، وشيّعت البلبلة والإنقسام في صفوف قريش ، فماذا تقول يا محمّد ؟!…

عمّاه عمّاه ! وحقك يا عمّاه ! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك ما أنا فيه لما رضيت حتى يظهره الله أو أهلك دونه !…

فخشعت روحي ، وخجلت مما كان يراودني من أفكار مكتسبة نحو ذلك الرجل العظيم ، ذلك النبي الكريم الصالح الذي طرح وراءه بازدراء واحتقار تلك المغريات الدنيويّة الفانية ، ففضّل الصعوبات والاضطهادات ومرارة العيش ، ولا الخيانة للمثل العليا ، ولا الخيانة لله جلّ جلاله .

فمن سوى النبيّ يخاطر بحياته وصفاء باله ويتحمل العذاب والإهانة والهجرة في سبيل الله ، وفي سبيل الإنسانيّة ؟!

ومن سوى النبيّ يستطيع أن يسمع الأجيال والأدهار تلك الآيات القرآنية الرائعة بحكمتها ، العذبة بألفاظها ، الطاهرة بينبوعها ، البعيدة بمداها ومرماها ، تلك الآيات المقدّسة التي قال الدكتور داهش عنها أنها لغة الملائكة يتخاطبون بها ، فيفتنون النجوم ببلاغتها ودقتها وشفوف رقتها ، ثم روعة سبكها وعذوبة سحرها ؟!

وانطلق المجاهد الجبّار إلى الرفيق الأعلى ، بعدما أتمّ رسالته ، وبلّغ أوامر ربه ، وخلّّف وراءه خلفاءه الراشدين ، ورفقاءه الأمناء ، المحافظين على شعائره ووصاياه ، والسائرين على تعاليمه ، والمنفذين خططه التي رسمها لهم في أثناء حياته الحافلة بالجهاد المتواصل . ووقف الخليفة عمر بن الخطاب يتلو صلاة الجمعة ، ثمّ تكلّم فقال :

أيّها المؤمنون !… من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقوّمه !

وإذا بأعرابي مجهول ممزّق الأسمال ينبري ويقول بصوت مجلجل :

والله يا عمر !… لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بحدّ سيوفنا !!

فسرّ خليفة المسلمين منه وقرّبه إليه ، وحمد الله الذي أوجد هذه الحرية الأبيّة في الإسلام !!..

هذا هو الإسلام ،

وهذه هي تعاليم محمّد ،

وهؤلاء هم خلفاؤه العظماء في نفوسهم ، العظماء في سيرتهم ، العظماء في تقشفهم وزهدهم ، العظماء في عدالتهم التي فقدناها اليوم في هذا العصر الذي يقولون عنه إنه أرقى العصور التي مرّت في تاريخ هذه البشريّة .

ولكن شتّان شتّان!

فمن هو الذي يجرؤ اليوم على مخاطبة حاكم عاديّ بأقلّ ممّا خاطب الأعرابي به خليفة المسلمين ، ولا يكون نصيبه إلاّ الزج في أعماق السجون ، ثمّ اضطهاده وتشريده والتنكيل به بقسوة عظيمة ؟

إن الدهر لا ولن يجد عدالة  كعدالة عمر الخليفة العظيم .

وما عمر إلاّ رفيق الرسول الأمين ، ومنفّذ شرائع الرسول ، والسائر على هدايته في جميع أعماله .

أيها المسلمون !

إن من ترك خلفاء لهم هذه الأخلاق الرفيعة لهو نبيّ كريم ومرسل عظيم وها إنني مع إخوتي الداهشيين الذين آمنوا هذا الإيمان الصحيح ، ومنهم رفيقي بينكم الأستاذ (حسّان) حليم دمّوس وفريق من الأطباء والمحامين ، والوجهاء والمفكرين قد آلينا على أنفسنا أن نبثّ هذه الحقائق وننشرها في الخافقين ، وبصورة خاصّة في الأوساط المسيحيّة العزيزة ، أن ننثر بكتبنا ومؤلفاتنا ، وننشر بصحفنا وإذاعاتنا هذه الدرر الفريدة لتتّعظ بها كافة الشعوب والأمم ، فتهتدي إلى الحقيقة الغراء ، ويقتدي الجميع بسيرة الخلفاء الأبرار ، فيتمشّوا على خطواتهم النبيلة ، فيُقلع بنو البشر عن معاصيهم ، ويتجهوا نحو المثل العليا ، نحو الله عزّ وجل ، ويتمموا رغبته السامية في أن يسود العدل والحبّ والإخاء بين الأفراد والجماعات .

وقد بدأنا في هذا الجهاد المقدس منذ ست سنوات ، وإذا بمساعينا تكلّل بالنجاح ، والحمد لله ، رغم الاضطهاد والسجون ، والتجريد والتشريد .

فبعد أن كنا أفراداً قلائل أصبحنا رهطاً كبيراً مؤلفاً من مئات العيال في لبنان وفلسطين والعراق ومصر والبرازيل والأرجنتين والولايات المتحدة .

وقريباً سنقتحم الأوساط الأوروبيّة والأميركيّة ، وجميع من اعتنقوا هذه العقيدة هم من العيال المسيحية المحترمة التي أدركت حقيقة الإسلام ، فرفعت نهائياً تلك الحواجز التي كانت تفصل بينها وبين الحق . وصدق الله العظيم إذ قال :

” إن ينصركم الله فلا غالب لكم “.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

                                                                جوزف حجّار الداهشيّ

 حلب ، كانون الأول 1947

كيف أفهم الداهشيّة

تعرّفت ببعض الداهشيين من نحو أربعة أعوام ، فوقع في نفسي منهم ما لم يقع لي إلاّ من القليلين … وقد جرى بيننا حديث عن الداهشيّة وكنت – وأنا أتحدّث إليهم – أرى فيهم من الجرأة والاقتناع ما ذكّرني بأصحاب المذاهب الأقدمين ، الذين تعرّضوا لضروب الاضطهاد والجور قروناً طويلة ، وظلّوا بالرّغم من ذلك يعملون على تحرير الإنسانيّة من القيود .

وبعد فما الداهشيّة ؟

ليست الداهشيّة كفراً ، ولا هي إلحاد وزندقة … وإنما الداهشيّون جماعة شغلهم عالم الروح الخالد عن هذا العالم الأرضي الزائل ، وساقهم البحث والتعمّق فيها إلى الموازنة بين الأديان وتعاليمها ، فكانت نتائج هذا البحث سبباً من أسباب اعتزازهم بالقيم الروحيّة والمثل العليا ، وإدراكهم تفاهة الحياة وتطلعهم إلى الخالق الذي ليس هو ربّ جنس من الأجناس ، بل هو الله ربّ العالمين .

فالداهشيّون لا يريدون من اليهودي ترك اليهوديّة ، ولا من المسيحيّ ترك المسيحيّة ، ولا من المسلم ترك الإسلام . ولكنهم يريدون من اليهود والمسيحيين والمسلمين أن يعملوا بجوهر دياناتهم المنزلة ، وأن يهتموا بالروح اهتماماً يحدوهم إلى احتقار المادّة التي يعتبرونها وسيلة لا غاية ، وأن يهدموا الأنانيّة الفرديّة أو القوميّة ، لتحلّ محلّها عاطفة الإخوّة العالميّة والمحبة الإنسانيّة . فإذا تمّ هذا في الشرق ، فهم يرجون أن يتمّ مثله في أنحاء المعمور كافّة . وإن يوماً يتمّ ذلك في الشرق والغرب لممّا نرحب به نحن والداهشيّون ، ويطرب له الناس أجمعون !

                                                               شفيق طبّاره

مدير جريدة المؤتمر الوطني اللبناني

                                                             بيروت ، 4 كانون الثاني 1948

اضطهاد المصلحين

 لأديب متكتّم

 

إنا من القائلين بخلود الروح .

وهي عقيدة راسخة في أعماق نفسي ، وفيها كل عزائي وهنائي .

ومن راجع صفحات تاريخ الكون وأخبار الأمم وسير النوابغ علم أنّ في هذه العوالم نظاماً عجيباً ، ووحدة غريبة ، هيهات أن يدرك كنهها ، ويكشف سرّها ، ويزيح سترها إلاّ من اقترب منها بروحه وجنانه ، وإيمانه ووجدانه .

وهذه الحقيقة الراهنة ، والحكمة البالغة التي تتكشف للأنبياء وللمرسلين ، وتُعطى للعباقرة المصلحين تفتح أمام عيونهم أبواب لذّة داخليّة روحيّة محفوفة بالمكاره إذ يكدّرها عليهم سيطرة المسيطرين ، ولؤم اللؤماء ، وحسد الحاسدين من رجال الدنيا والدين .

ولولا عقيدتهم بخالق البرايا ومشيئته السرمديّة لاستسلموا لليأس وخارت عزائمهم وكانوا من الخاسرين .

ولكنّ العناية الإلهيّة تصف لكل داء دواء ، فتسكب في قلوبهم نعمة الصبر والثبات والمقاومة بالمسالمة ، والمكافحة والمنافحة وبالمسامحة والمصافحة ….

فمن بوذا وكنفوشيوس وحمورابي ، إلى موسى والمسيح ومحمّد ، إلى الفلاسفة والمصلحين والمتشرّعين ، إلى طاغور وغندي وسائر من جاؤوا إلى هذه الحياة ونالوا من أنواع الهزء والعذاب والاضطهاد ، كم وكم بثّوا وراءهم من عيون وأرصاد ، وكم سجنوهم وعلّقوهم على الأعواد ، وأبعدوهم عن أرض الآباء والأجداد .

فإذا علمنا اليوم أن مؤسّس الداهشيّة قد اضطهد وشُرّد وسجن وأُبعد ، فله أسوة بسواه من المشاهير المضطهدين .

وحسبه عزاء أنّ أسمه أصبح في سجلّ المصلحين ، وعداد العباقرة الخالدين .

                                                                  ج. م. ع

دمشق ، 5 كانون الثاني 1948

عظمة الفكرة وعبقريّة المصلح

أقبح ما في هذه الإنسانيّة أنها وشاح ظلمة متواصل … لولا ومضات متقطّعة من الألمعيّة تتمايل في ائتلاقها معالم رسالة وروح جهاد .

وأحطّ ما فيها أنها تسير غالباً بقوّة الاندفاع العمياء ، تحثّها الأوضاع الرثّة ، وتهيمن عليها روح الجمود .

وأخسّ ما فيها أنها تعنو للقوّة أكثر من الفكرة ، وتُماشي من يملك أهليّة السيطرة أكثر ممّا تُماشي من يملك أهليّة التحرير .

ولو هي عقلت ، فتطهّرت ، فصفت … لاقتلعت نفسها من أغوار كثافاتها ، وحوّلت مجاري الطاقة فيها إلى المنهل النقيّ ، فرفعت عقلها بتكريه للتقبّل الصافي والغربلة الحرّة . ولكنها أهملت هذا المحرّك فيها ، فعلاه الصدأ ، وسارت بمحرّك عرضيّ ، فسار بها على الهامش …

والعظمة كلّ العظمة هي في تلك النفوس التي شقّت حجاب البيئة ، ونفذت منه إلى الجوّ الطليق …

تلك الأرواح المتمرّدة الثائرة التي تملّكها الإخلاص للحقيقة ، لم تقف أمام ضميرها عثرةٌ : وشغفها حبّ الإصلاح ، فلم تُعر للأوضاع التفاتاً ؛ وشذّت عن البيئة في معقولها ومفهومها ، فلم تخش اتّهامات هذه البيئة التي يلصقها العامّة والعاديّون بهؤلاء المجانين أصحاب الفكرة الغريبة والحسّ البعيد والأحلام الخياليّة .

والعبقريّة في بعيد أغوارها هي تلك النفس التي لا يروي ظمأها ما يلقّنها إيّاه الوالدون والمحيط وهي في بدء تفتّحها للحياة .

وهي التي لا تقبل الفكرة أيّاً كانت ما لم تمرّ بها على عقلها وشعورها ، ثمّ تنمو وتنشأ وهي في علم خاصّ من التفكير والشعور والتصرّف .

ونحن عندما نرجع إلى المقياس الصادق للعظمة … إلى الزمان ، وننظر في التاريخ الذي هو مرآة الزمان نجد أنّ هذه الأرواح المتمرّدة الشاذّة هي التي كفلت للعالم حياة إنسانيّة حقّة ، وهي التي أكسبت هذه الحياة معناها ، وكستها لونها ، وأعطتها طعمها .

وقد كتب النصر دائماً لهذه النفوس الكبيرة ، فخلّدتها الأجيال ، ومشت وراءها الجموع ، ولكن بعد أن نالت جزاءها في حياتها من جهل البيئة وعداء من لم يحبهم الله عقلاً محلّقاً ، وروحاً سامية ، وكفى بهذا عذاباً للنفس الكبيرة .

إنّ الحياة في مجموعها تيّار أهوج لا يعقل ولا يعي .

أمّا أصحاب التمرّد والثورة فهم المحرّكات التي شرّفها المنطق ، وحلاّها الفكر ، واجتذبتها المسؤوليّة العظمى .

لكن لماذا يسعى الناس إلى تشويه نصاعة الإخلاص في الفكرة الواعية ، فنرى الحقيقة وقد تراكم فوقها زبد حقير من النيّات المشوبة ؟…

أهذا من الكثافة المقيتة في العقليّة الراسبة في مستنقع النقص البشري ، أم إنّ الله يريد أن يمتحن قوّة اليقين والثبات عند صاحب الرسالة ، فيبلوه بالإجحاف والاضطهاد ؟

التحرّر من المؤثّرات ، والانصهار في بوتقة التكوين الروحي الجديد هما اللذان يؤديان إلى التكامل الإنسانيّ ، فيهتدي الإنسان إلى معناه ، بل إلى مبتغاه ، ويشعر عندها بأن وجوده على الأرض ليس فضوليّاً ، كما أنّ سير حياته ليس عمىً وضلالاً .

الإنسان الحقّ هو من تحرّر من كل شيء ليدرك شيئاً واحداً . ومن ترك كلّ شيء يُخلص لهذا الشيء .

وعندما يتوفّر للإنسان الاستعداد الروحيّ ، وتتّضح خطوط فكرته ، وتظهر معالم رسالته ، عندئذ يستطيع أن يسير بخطىً واعية تدرك نفسها وتعرف هدفها ، وتشعر بمسؤوليتها ، وعندئذ يصبح الرجل الذي كوّن نفسه وحقّق غاية وجوده ، وعرف سرّ خلوده .

فسلام على تلك اللمعات الداهشيّة ، واللمحات الإنسانيّة التي أدركت حقيقتها ، وأدّت أمانتها على الوجه الأتمّ ، فكانت مصابيح روحيّة … منها ينبعث نور الهدى ، ومنها يفوح عبق التضحية …

وسلام على هذه الروح الطيّبة التي أشرقت في عصر المادّة هذا …

سلام عليها وهي تعيد على مسامعنا نغمة الروح الخالدة ، وتبشّر بعظمتها ، فتعيد إلينا اليقين والطمأنينة والثبات .

لقد كادت الآلة الماديّة تعمي بصائرنا وأبصارنا ، والدويّ يصمّ آذاننا ، فكانت الداهشيّة الروحيّة طليعة الانطلاق الروحيّ ، والوثوب الفكري ، والتمرّد العبقريّ في هذا العصر .

وستكون بإذن الله مثالاً يُحتذى لمن أحسّ في أعماق أعماقه منذ الانبثاق بجذوة الثورة والحريّة والانطلاق .

                                                                  جان كميد                                                           (الوضّاح بن الحارث)

جونيه – كسروان ، 7كانون الثاني 1948

داهش الحيّ

نبتت في غضون هذا القرن في بلاد الشام شخصيّة تناقل خبرها الركبان ، واثّرت حوادثها على الكثير من أهل الرأي والعرفان . تكشّف أمرها للحوادث وفقاً لعوامل التطوّر والنشوء ، فكانت تومض حيناً وتخبو أحياناً .

وقد ساعد على تمركزها في بيروت وبقائها نامية زاهرة ما كانت عليه القوانين المدنيّة من حماية لحريّة الفكر والمعتقد المنصوص عنهما في صلبها . ولهذا كثر زوّاره وتعدّد مريدوه ، واستساغت أقواله فئة من الجنسين : الذكور منهم والإناث ، الشبّان والشابّات ، وهم يهدفون للوصول إلى وحدة المعتقد، والسير جنباً إلى جنب لتأمين الإخاء ، وتشكيل مجتمع يسوده السلام والرفاهية والوفاء .

وكانت تتخلّل دعوته الإنسانيّة تيّارات عنيفة من دينيّة واجتماعيّة تعمل لصدّه – بحكم عقيدتها وحكم أوضاعها – عن توسيع نشاطه ، والنيل من حركته وحركة أنصاره … فتحمّل الأذى ، وداوم طريقه ، فتسخّرت لنصرته الألسنة والأقلام ، وخطا خطوات واسعة في سبيل دعوته ، فاستحوذ الذعر على مناوئيه ، وعقدوا المجالس للتنكيل به ، وتمّ لهم ما أرادوا ، وأخرج إلى ما وراء حدود البلاد . أمّا مسألة نبوءته ، فأنا من القائلين بأن عهد النبوءات قد انقضى …

أما قوله أحياناً بحدوث بعض الأشياء قبل أوانها ، فهذه قوّة دقيقة ، كأن يلاحظ ارهاصات الظروف للقول بها . ونعرف أناساً كثيرون يملكون مثل هذه القوّة الخارقة . وعلى كلّ فداهش كان عظيماً من عظماء عصره ، وعبقريّا جعل من قوّة تهذيبه دستوراً جذب به أنصاره وربط به مريديه ومحبيه .

ومع كل ما أقيم حوله من سدود وحدود ، ومع كل ما نُثر في طريقه من أضاليل وأباطيل … فإن دعوته ظلّت نامية تجتاز طريقها بخطوات جبّارة إلى السموّ الأعلى مزدهرة ، مؤيّدة بخلاصة العقول النيّرة تحتسب القعود لزعيمها تحت سدرة المنتهى !….

 

عبد القادر حموده

بيروت ، ساعة النجمة 12 كانون الثاني 1948

 

رسالة إلى الكاتبة الفرنسيّة مدام تبوي

        من السيّدة ماري حدّاد إلى الصحافيّة الإفرنسيّة المشهورة مدام تبوي على أثر

        زيارتها للبنان وعودتها إلى باريس ، بيروت ، 20 كانون الثاني 1948

 

أيتها السيدة العزيزة

لقد منعني انحراف في صحتي أن أرافق زوجي لزيارتك وتوديعك . وإني آسفة جدّاً على ذلك .

ها إنّك تذهبين الآن من بين جدراننا ، وما تأخذين في حقيبة ذكرياتك من لبناننا ، بلد جميل فيّاض بنور الشمس ، وسلسلة من الجبال الزرقاء تكسوها الورود في ساعة غياب الغزالة ، وتتوّج الثلوج البيضاء آكامها وشواطئ سواحلها الغنّاء الممتدة على البحر المتوسّط ، ذلك البحر المتأهب دوماً وأبداً ليحمل على أمواجه أفواج المهاجرين الذي يذهبون غير آسفين ، لأن الحياة في هذا البلد قد ازدادت صعوبة عمّا عليه في الماضي .

إن الطبيعة تتجلّى للناس في مظهرها الحقيقيّ ولا تكذب . ولكنّ الإنسان لا يُعرف باطنه من مظاهره الخارجية ، ولا يمكن أحداً أن يتعرّف على حقيقة الغير إلاّ بالمعاشرة .

لقد استقبلوك أيتها السيّدة العزيزة بترحاب في كل مكان ، وأحاطوك بسياج من المودّة ، وأقاموا لك حفلات التكريم ، وللديبلوماسيّة قوانينها التي تحتّم على المحتفى به أن يردّ الحفاوة بمثلها . وهذا ما يجعلني أفهم معنى عبارات التقدير التي تفوّهت بها نحو بعض الشخصيات …

إننا شاهدنا حتى هذا اليوم معظم السياسيّين في هذا البلد يسيرون دوماً في ركاب من هو أكثر قوّة ، وهم كالحرباء تلوّناً . يثبتون ألوان القوى التي تسيطر عليهم إذ لا مبادئ شخصيّة لديهم . فمن يشاهدهم لأول وهلة مثلك يظنهم شخصيّات كبيرة قامت بأعمال كبيرة ، بينما هم في الحقيقة آلات مسيّرة تقوم بتنفيذ أوامر قاهرة تملى عليهم .

فالاستقلال الذي يتمتّع به لبنان ليس هو من أعمال أيّ لبنانيّ كان ، بل هو نتيجة أطماع دولة قرّرت أن تطرد سواها من هذا البلد .

ومن السخافة أن يحاول أيّ لبنانيّ أن يتبجّح بأمجاد شخصيّة من جراء هذا الاستقلال . أمّا الأمر الواقعيّ الملموس فهو أن بلدنا لم يشاهد طوال تاريخه هذا المقدار من الفضائح والانحطاط ، ولم يسجّل في عهد من عهوده هذه القحة في المتاجرة بالضمائر والعدالة .

أمّا حريّة الفكر والكلام فخيال وأوهام لا وجود لها بالرغم من بنود الدستور الصريحة . هذه هي حالة البلد .

وإنني آملة ، أيّتها السيّدة العزيزة ، أنك سمعت أصداء أجراس مختلفة ، وآراء مختلفة حول الوضع الحاضر .

ومهما يكن من أمر ، فليس من الممكن أن يتفّهم المرء بأيام قلائل حقيقة هؤلاء المقنّعين المتستّرين الذين أسكروك بأقوالهم التدجيليّة . ولهذا ستفهمين من بعيد ما لم تتح لك الفرص أن تتعمقي به في هذا البلد ، وستكشف لك التجارب الداهشيّة حقيقة كثيرين من هؤلاء المرائين .

وبهذه المناسبة أرى من الإفادة أن أعطيك بعض التعليمات الإضافيّة حول الدكتور داهش :

لقد عرفنا هذا الرجل أنا وأسرتي منذ خمس سنوات ، وهو ينتمي مثلما عرفناه إلى تلك العائلة الروحيّة التي تضمّ شخصيّات كغندي وبوذا مثلما ستتأكدين هذا في المستقبل .

وقد اغتصب إعجابنا بكيفيّة حياته ومبادئه وأعماله . وقد انضممنا إليه مثلما انضمّ إليه كثيرون قبلنا وبعدنا . وفعلنا ذلك عن عقيدة مبنيّة على معرفة وتجربة وامتحان .

لقد قمت وقتذاك بدعاية واسعة حوله ، الأمر الذي أغضب من كنت أدعوهم في الماضي أخاً وشقيقة ، وهما ميشال شيحا ولور زوجة الرئيس بشارة الخوري .

إن الدكتور داهش يناقض بأخلاقه ومذهبه ما هم عليه من أخلاق وأفكار . وقد أدركوا مدى قوّته ورهبوها .

نعم ، لقد رهبوا انتشار مبادئه المرتفعة عن السياسات ارتفاع السماء عن الأرض .

تلك المبادئ التي يدين بها الآن الكثيرون من الداهشيين المنتشرين في كل مكان ، والتي تهدف إلى إنعاش القيم الروحية وإيجاد الأخوّة العالميّة .

فما كدنا نتبنّى هذا المذهب الداهشي حتى انهالت الاضطهادات المجرمة على من نعتبره زعيمنا الدينيّ الجدير بهذه الزعامة .

لقد اتفق بعض أفراد أسرتي ، وأقسموا على أن يتخلّصوا منه ، فاستعملوا جميع الطرق للوصول إلى هدفهم . فدفعوا بعض الرعاع المأجورين ليغتالوه . كما أن الشرطة والأمن العام لاحقوه بتحرّياتهم نزولاً عند أوامر أسرتي ، محاولين عبثاً أن يجدوا له جريرة يستطيعون أن ينالوا بواسطتها مأربهم منه . كما أنهم اشتروا بالرشوة شهود زور ليتهموه باتهامات خياليّة مختلفة .

وعندما فشلت خططهم بعد أن أتت الإثباتات مضادة لهذه الشهادات الكاذبة ، تآمروا عليه ونصبوا له كيمناً عند باب منزله .

أمّا المعتدون فبقوا أحراراً يرتعون بدون مكدّر .

وكان الدكتور داهش هو الذي ألقي في السجن ، ثمّ جُرّد من جنسيّته بنتيجة قرار استبدادي مجحف ، وطُرح على حدود غريبة في أيام الحرب وهو بدون هويّة . وستشرح لك الوثائق تفصيلات هذه المأساة الغريبة كل الغرابة التي وقعت في هذا العصر المتمدّن .

وقد وقفت مع الداهشيين للدفاع عن هذا الرجل البريء .

وها قد مضت عدّة سنوات ونحن نجاهد دون كلل ، وستكون الكلمة الأخيرة لنا لأنها كلمة الحق .

وقد قامت عدّة صحف داهشيّة وغيرها ، في لبنان وخارج لبنان ، فشنت حملات شعواء على الذين يتحمّلون مسؤوليات هذه الجريمة النكراء .

وقد ألقي القبض عليّ وعلى كثير من الداهشيين . وسجنّا مراراً وتكراراً … ولكن نضالنا لم يتوقف بل زادتنا هذه الاضطهادات حجّة على حجّة في قضيّة لنا فيها جميع الحقوق ولنا فيها الكلمة الأخيرة . وهذا ما بدأوا يرهبونه ، وهذا ما كنا متأكدين منه دوماً .

نعم ، لقد سجنتني عائلتي مراراً وتكراراً في قضيّة تقع المسؤولية فيها عليها . وهذا أمر لم يجر على غراره حتى الآن . وكانت النتيجة بعكس ما كانوا يتوقعونه ، إذ ثار الرأي العام على هذه الإجراءات المجحفة ، فتواردت البرقيات الاحتجاجية باسم الرئيس الحالي بشارة الخوري .

إنني أدافع عن قضيّة رجل بريء واقف في وجه استبداد أثيم لم يسجّل التاريخ مثله . ولهذا فإنني كنت مطمئنة البال ودأبت على الكتابة والاحتجاج .

ولا بدّ لانتشار المبادئ من المرور في مراحل الاضطهاد والسجون ، ولكن الدعوات الروحيّة أو السياسيّة قد اجتازت دوماً هذه المراحل وخرجت منها منتصرة .

إنني قد تجاوزت بهذه الرسالة كلمات الوداع التي أردت أن أوجهها إليك بعد المعاملة الأخيرة التي قام بها لديك زوجي والدكتور خبصا . وهما يذكرانها ويشكرانك عليها . وهما معجبان من آرائك الصائبة في جميع الأمور .

وفي هذه الساعة الوداعيّة أحيي في شخصك إحدى كبيرات الممثلات لأنبل المهن ألا وهي الصحافة .

ففكرك النيّر يفكك بسهولة العقد السياسيّة المتعلّقة بالمستقبل المبهم . وهكذا رأيناك تسيرين بعزم وحنكة في سبل المستقبل حيث تلعثم وسقط كثيرون من الصحافيين والصحافيّات غيرك .

وها إنني أضيف عبارة سوف تتذكرينها :

ففي هذا المستقبل سيكون للدكتور داهش والداهشيّة مكان أوسع فأوسع ، وسيقولون مرّة أخرى أن النور قد أتى من الشرق ..

وإنني مسرورة بأن أبعث إليك بكتابين قمت بترجمتها للدكتور داهش ، وهما يتعلقان بمواضيع اجتماعيّة مسكوبة بصورة رمزية .

وهناك مؤلفات أخرى واقعيّة مطبوعة باللغة العربيّة سنطبعها قريباً بالافرنسيّة .

وسأحدثك عنها وعن كثير من الأمور التي تهمك معرفتها يا أيتها الصحافيّة القديرة .

وفي الختام أقدّم لك تمنياتي لعودة سعيدة إلى بلدك فرنسا . والسلام

 ماري حدّاد الداهشيّة

الرسالة الداهشيّة

سمعت كثيراً عن الرسالة الداهشيّة في السنوات الأخيرة .

وكنت أتابع سيرها باهتمام وعناية وإعجاب ورعاية . وممّا علمته أنها تعتبر سائر الأديان السماويّة التي هي وحي السماء لأبناء الأرض . والداهشيّة ، بتعاليمها الروحيّة ، تقرّب بين طبقات البشر ليصبح العالم ديناً إنسانيّاً واحداً وإن اختلفت الأسماء ، فالمصدر واحد ، والينبوع واحد ، وهو الله ! وهذا مطابق كل المطابقة لما ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وسائر الكتب المنزلة المقدّسة .

والذي أعجبني في الدكتور داهش – مؤسس الداهشيّة – أنه مخلص لعقيدته وللإنسانيّة ولجميع الأديان السماويّة ، بجرأة نادرة وصبر عجيب . والأغرب أن هذه الجرأة وذلك الصبر قد بثّهما في صدور جميع أتباعه المخلصين له ، والمتفانين في حبهم له ولتعاليمه حتى الموت .

وعلى رغم الاضطهاد ، والعذاب ، والنفي والتشريد ، فقد بقي هذا الرجل العظيم يبشّر بهذه التعاليم إلى آخر نسمة من حياته . وستنتشر رويداً رويداً بعد مماته …

وأنا أعتقد أن هذه التعاليم الشريفة إذا طبّقت فكراً وقولاً وعملاً ، فإنّ الشرق يتحرّر ولا ريب من عبودية الغرب ، وسيطرته الماديّة ، وغطرسته الاستعمارية.

إن للشرق رسالة روحية منذ الأزل . وما هذه الرسالة الخالدة إلاّ لتجمع شعوبه العديدة بوحدة إنسانيّة كاملة . وهذا ما يتوق إليه كل مخلص ومحبّ للإنسانيّة التائهة في صحراء هذه الأرض الشقيّة ، وهذا ما تدعو إليه الرسالة الداهشيّة بدون أن تجبر أحداً على أن يترك دينه ، بل بالعكس ، توصيه بأن يحترم بقيّة الأديان ، وأن يتمسّك بأهداب دينه على أن يتقيّد بجوهره ولبابه عملاً لا قولاً . وقد قال السيد المسيح :

( ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات بل من يعمل إرادة الله ).

وفي القرآن الكريم آيات عديدة تشير إلى أن من آمنوا بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وعملوا صالحهم فلهم أجرهم عند ربهم ولا هم يحزنون .

ولقد عرفت فئة كبيرة من الإخوان الداهشيّين في لبنان ، فلم أجد منهم إلاّ كلّ خلُق كريم وإخلاص حقيقي لجميع الأديان السماويّة ، ومحبة للناس أجمعين . وهم أول الطليعة المباركة لحركة روحانيّة دينيّة تجمع أشتات البشريّة تحت سقف واحد كما جمع نوح أبناءه في سفينة واحدة في سفينة الخلاص ، فيشعر كلّ منهم أنهم إخوان وأعوان كما جاء في القرآن الكريم (إنما المؤمنون إخوة )، وكما قال السيد المسيح (كلكم إخوة) ، وكما جاء في الحديث الشريف (الإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كره).

فمتى ثبتت هذه المبادئ الشريفة الروحانيّة ، ورسخت أركانها ، ونُفّذت في العالم – وخصوصاً في بلادنا الشرقية – اقتبسها الغرب عنّا وطبّقها عمليّاً ، وعندئذ يسود التفاهم والوئام ، وينتشر بين الأنام لواء المحبة والألفة والسلام .

                                                               الدكتور مصطفى خالدي

الجرّاح في مستشفيات الجامعة الأميركيّة

                                                                والمستشفيات الوطنيّة

رأس بيروت ، كانون الثاني 1948

أنا إنسان !

           بقلم أديب جمع بين جمانتين : جمال الحظ وجمانة الحظ

 

لقد عاش الأوائل في دنيا تبعد فيها المسافات لضيق نطاق المواصلات فكانوا في شبه عزلة :

لا عدوى في الأفكار ، ولا لقاح بين الآراء .

فكان من جرّاء ذلك تعدّد الأديان وتباين المعتقدات .

أمّا اليوم وقد تقلّص ظلّ المسافات ، وانكمشت الأبعاد ، فقد أصبح العالم أشبه بعائلة واحدة تعيش في بيت واحد .

وإذ أصبحنا – والدنيا الجغرافيّة بقعة صغيرة ، لا شرق فيها ولا غرب ، ولا شمال ولا جنوب – فقد صرنا بحاجة إلى دنيا روحيّة جديدة ، لا بوذيّة فيها ولا موسويّة ، ولا إسلام ولا مسيحيّة . ذلك هو دين الإنسانيّة الذي يمليه العقل النيّر ، ويرتاح له الضمير الحيّ .

ولو سألت إذ ذاك الصينيّ عن دينه ، والأميركيّ عن مذهبه ، والأوروبيّ عن معتقده … لسمعت جواباً واحداً من ثلاثة أفواه :

أنا إنسان !…

وبعد ،

فإن كانت الداهشيّة التي تدين بها يا أخي حليم تدعو إلى هذا الدين الجديد ، دين الإنسانيّة ، الذي يؤاخي بين البشر ويشيع فيهم الرحمة والمحبّة ، فمرحى لها ومرحباً بها .

والسلام عليك من أخيك .

كامل البابا

بيروت ، كانون الثاني 1948

انشقاق عن الكثلكة واعتناق للداهشيّة

                 بعد الجهاد … قبل المعركة

 

تحت هذا العنوان بعث إلينا الأديب اللبناني من جونيه البيان الآتي (5):

” أنا المدعو جورج حنا أبو سعدى من جونيه – كسروان- أعلن أمام الملأ بكل محبّة ورضى انشقاقي الكلّي عن روما ، وانفصالي عن الكنيسة الكاثوليكيّة المارونيّة ، والتحرّر من نير البابا وسلطة الاكليروس .

وأتقدّم بالانضمام أخيراً ونهائياً إلى إخواني الداهشيين الذين انضممت إليهم منذ أربع سنوات ، ولكن لظروف حالت دون إعلاني هذه الفكرة ، ولأسباب لم تسمح لي أن أظهر كل هذا ، تقدّمت أخيراً وقد عيل صبري إلى السير في طريق الحق والحقيقة والنور والخلاص . ولا قوّة تحت الشمس تدفعني إلى الانشقاق عن إخواني ، وسأبقى ، ولو اضطرّني هذا إلى الاستشهاد “.

 جورج حنّا أبو سعدى

جونيه ، 15 آذار 1948

سلام الله على من هداني فاهتديت

عرفت اسم الدكتور داهش مشوّهاً كما عرّفني عليه أصحاب الغايات الدنيئة والنفوس المنحطّة …

فذهبت إليه حذراً ، ناقماً ، مهدّداً …

فإذا بي أراه مثال اللطف والأخلاق العالية ، والعواطف النبيلة .

رأيته رجلاً دأبه الصلاح والإصلاح .

رأيت نفسه جيّاشة لإعانة الفقير والمظلوم .

وجدته رجلاً وديعاً رصيناً هادئاً .

ألفيته ناسكاً متعبّداً للروحانية والحكمة ،

عاشقاً للكتب المقدّسة على اختلافها .

عرفته أديباً ، فكاتباً ، ففيلسوفاً ،

وهذه هي مؤلفاته القيّمة شاهدة على صحّة أقوالي .

عرفته رجلاً مصلحاً داعياً الجميع إلى المحبّة والخير ، جامعاً المسيحي

والمسلم واليهودي تحت سقف هيكل واحد هو هيكل الدين الداهشي ، دين الوحدة الإنسانيّة والاتجاه الروحي إلى المثل العليا والحياة الخالدة .

عرفته حملاً مع أصدقائه ، أسداً على أعدائه .

عرفته ثائراً على الأنظمة الاجتماعيّة المزيّفة .

عرفته ثائراً على الأخلاق السافلة المجسّمة في أبناء هذا العالم الفاني .

عرفته ثائراً على قضاة يفهمون من العدل إلاّ الاسم فقط .

عرفته ثائراً على شرطة دأبهم الرشوة وطلب الترقيات والأوسمة ،

ولو تجاوزوا القوانين والأنظمة .

عرفته ثائراً على تجّار نهمين جشعين

يأكلون مال اليتيم والأرملة وابن السبيل .

عرفته ثائراً على رجال الدين المعبودين لا العابدين …

عرفته ثائراً على كهنة نفعيين مرائين جعلوا الدين ستاراً

لإشباع شهواتهم الدنيويّة ، ورغباتهم الدنيّة .

عرفته ثائراً على العادات العصرية التي يدّعون أنّها مدنية …

هذا هو الرجل الذي أسّس صرح الداهشيّة الراسخ الأركان ،

الثابت البنيان .

هذا الذي عرف الحقيقة فعرّفني بها واعتنقها ،

وسأبشّر بها ما دام لي لسان ناطق ، وقلب خافق …

فسلام الله على من هداني فاهتديت ،

ومن ينابيع تعاليمه الصافية ارتويت ،

وعلى آثاره وخطواته السديدة تمشّيت !

 

الدكتور نجيب عشّي الداهشيّ

 طبيب أسنان

 بيروت ، شارع مي زيادة ، 1948

الرسالات الروحيّة

والرسالة الداهشيّة

من الواجب ، ونحن في بلاد حرية المعتقد والثقافة الإنسانيّة المنطلقة ، أن نعي كلّ حركة روحيّة فكريّة كانت أم دينيّة روحانيّة فنحاول إرجاعها إلى منشئها الأول ، ونعطيها محلّها في موكب الحركات الإنسانيّة الساعية لكشف الستار عن أسرار الروح وفعله في العالم ، سيّما إذا حدثت في لبنان ، داخلة في تراثه القوميّ الروحيّ .

لقد ظهرت حركة روحانيّة دينيّة في لبنان هي الداهشيّة . فكان أن شهد لها – من جملة الشهود- نخبة خيّرة من رجالات لبنان ، وصدر عنها عدّة  تآليف شعريّة ونثريّة أشبه بالتآلف الصوفيّة العقيدة . كما وأنّ قائدها ومؤسّسها اشتهر بقوّة مغناطيسيّة علميّة راهنة ، وبمقدرة في مناجاة الأرواح يؤكدون أنها ثابتة .

وهنا تدخّلت ظروف سياسيّة واجتماعيّة ألقت على هذه الحركة نوعاً من الاشتباه والبلبلة إلى أن توفّي مُحرّكها الأول وهدأت ، نوعاً ما ، الأهواء والتغرّضات ، وأصبح من الممكن الحكم التاريخيّ النزيه عليها من حيث أصالتها أو فسادها .

لكي نتمكّن من إصدار حكمنا بصورة فهيمة ومجرّدة ، يجب الاستضاءة بتاريخ الإنسانيّة الروحيّ الحافل بمثل هذه الحركات .

إنّ الصراع المستديم بين المادّة والروح ، بين الغريزة والعقل ، بين الجمود والحركة ، سجّل في النوع البشريّ عدّة حركات لا تزال نتائجها الخفيّة حاضرة في كيفيّة عيشنا إلى اليوم .

ولئن ارتدت جيوش المادّة مظاهر مختلفة من غريزة عمياء حيوانيّة ، أو قدريّة آسيويّة بائسة ، أو إقطاعيّة عبوديّة مقيتة ، أو رأسماليّة استغلاليّة فاحشة … فقد ارتدى الروح أيضاً مظاهر مضادّة من معتقدات ميثولوجيّة يظهر فيها الروح في غلبته ، وأديان ملؤها محبّة وترفّع يقهر الاستسلام للشهوة ، ومؤلفات فكريّة لتدحض سفسطائيّات عقيمة ، وأنظمة اجتماعيّة وقانونيّة واقتصاديّة لتحارب الفوضى والاستغلال الإقطاعي والرأسمالي ….

في هذا الموكب المهيب حيث المادّة تنفي والروح تؤكد … تحاول الحركات الصوفيّة إيجاد “المركّب” الذي يُخضع المادّة للروح ، ويسيطر به الإنسان على الكون وينفي استغلال الفرد للفرد . وكثيراً ما تجده في تكوين الإنسان تكويناً مليئاً في حواره مع الألوهيّة .

تحتلّ الداهشيّة ، على ما أعتقد ، محلاًّ مرموقاً في الشرق من هذه الجهة .

إنّ الغرب أعطى وما زال يعطي للفكر بصورة خاصّة رسالات نيّرة .

كما أنّه لم يقصّر من حيث الحركات الصوفيّة التي أنتج أغرّها وأصلها على الأقلّ منذ انقطاع الشرق عن المضيّ في سيره الأول .

أمّا الشرق ، ومأثور عنه أنه مهد الرسالات الدينيّة الهادية ، فقد توقّف في جمود موضوعيّ عقيم ، وفقد نفسه الشرقي الخلاّق المتجه إلى تحقيق مستقبل نيّر ، منكفئاً على ذاتيّة حفاظيّة ماضية مجرّدة عن الحيويّة الغزيرة المستديمة الخلق التي كان يتميّز بها .

وها هو شرقنا يقتتل أهلوه بعد إلى الآن محافظة على الديانات السالفة حارماً نفسه من نفس نبويّ جديد يعلن أنه من التجديف الاقتتال لفرض ديانة غابرة . وإنه من الضروري فكّ عقال الاحتفاظيّة الضيّقة وإطلاق الروح النبويّ من عقاله ليخلق الوثبة الجديدة المخلصة له من نير التعصّبات . فلتلك المحاولات التقدير التاريخيّ العادل إن أخفقت في تجسيد نيّتها وتنفيذها بصورة كاملة لأنّها ستدفع إلى إيجاد الحركة النبويّة الأصليّة اللازمة .

وفي تاريخ تحقيق الروح الديني أن الرسالة النبويّة الفاسدة وقت ديالكتيكيّ ضروريّ لظهور الرسالة النبويّة الحقّة .

أمّا إذا تبيّن أنّ الداهشيّة ذات نفس نبويّ أصيل لم يكتمل ، فمن واجب هذه البلاد أن تُكمل ما بدأت به ، مستجمعة عناصر الخير للمساهمة في إتمام إنجاح هذه الرسالة الجديدة .

لقد وقف بعض رجالات الدين والسياسة موقفاً معادياً تجاه أغلب الحركات النبويّة الجديدة بالاستناد إلى عقليّة تقول إنّ الروح النبويّة قد أعطت كل ما يمكن أن تعطي ، مُفرغة نفسها في الديانات الشرقيّة الحاليّة .

إنّ هذه العقليّة ينعتها الفلاسفة المسيحيّون الكبار أمثال بردياييف وكبريال مرسل بأنها رجعيّة ومحطّة لقدرة الروح النبويّة المستديمة الخلق .

فعلينا أن نعي كل عناصر هذه الرسالات الروحيّة دون تعصّب رجعي .

ويكفي الرسالة الداهشيّة أن تكون أوّل مهماز لإرجاع حيويّة الروح النبويّ الخلاّق إلى الشرق ، مهبط الرسالات الروحيّة ومستودعها الصافي .

المحامي عبيد عيسى

 بيروت 1948

مذكّرات داهشيّة

         بقلم صحافي خبير متقاعد ، وهو من محرّري جريدة “الأقلام” سابقاً

 

لقد دوّنت في سطور ما عرفته عن الدكتور داهش رغم تنكّبي عن طرق الموضوع خوفاً من أعداء الرجل ، وهم ذوو سلطان ، ويُخشى شرّهم …

فقد ابتلى الله البلاد برهط من المتسلّطين الأنانيين المتعجرفين المدّعين الألوهيّة على الأرض ، وقد جعلوا آلهتهم بطونهم وجيوبهم ، فهم (لا يحلّلون ولا يحرّمون)، وقد قالت حكمة العصور 🙁 من لا يخاف الله خف منه).

وقد كتبت ما أعرفه عن الرجل عفواً لوجه الله الكريم ، وهو ما عرفته عن داهش ممّا قرأته وسمعته ، لأنني ما اجتمعت بالرجل قط ، ولا رأيت له وجهاً . وكل ما اتصل بي عنه جاءني على ألسنة القوم أو قرأته هنا وهناك . فتّشت الذاكرة فتذكّرت أنني سمعت لأول مرّة بهذا الاسم غير العادي …

(داهش)، خلال مسامرات نفر من كبار الناس على مائدة الطعام حول مأدبة قضتها ظروف استثنائيّة ، فجمعت الصدف أكابر السادة من ذوي المقامات السامية وأهل الحصافة والصحافة .

وأتى أحدهم عرضاً على ذكر داهش أثناء حديثه … فنهض أحد الحاضرين وروى حادثاً مدهشاً (وليست النسبة هنا في كلمة مدهش إلى الدكتور داهش ، بل لأن الحادث بحد ذاته مستغرب لأنه غير عادي ).

وملخص الرواية التي ذكرها المتكلم أن سرقة مبلغ مهم من المال وقعت لشخصيّة معروفة في بيروت ، وقد توصل صاحب المال إلى استرداد المبلغ على يد الدكتور داهش الذي بواسطة علومه الروحانيّة عرف السارق ، وأرشد إليه وإلى مكان المال المسروق ، فاستردّه .

أمّا راوي هذه الحادثة فكان شقيق الشخص الذي وقعت معه حادثة السرقة ، ولذلك الرواية موضوع تعجّب الحاضرين وإعجابهم .

وسمعت بعد ذلك الشيء الكثير عن داهش من مجموعة راقية تعرفه ، ومن أشخاص رافقوه وشهدوا مجالسه الروحانيّة ، وظاهراته واختباراته ، فسمعتهم يروون عنه بإعجاب كبير ما شاهدوه من مدهشات خارقة هي فوق العلم ، وفوق الفلسفة وتعليلها ، والكيمياء وتحليلها .

وقد أكّد أحدهم أمامي أن الدكتور داهش تنبأ يوماً لبعض أخصائه عن رجل معروف في دمشق ومصر وبيروت وإيران بأنّ أجله قد دنا … وأن أيّامه أصبحت معدودة محدودة ، في حين أنه لم يكن هناك أي دليل على قرب أجل ذلك الصديق الخليل …

وتمت النبوءة … وقضى الرجل نحبه بعد أيّام قليلة من المكان والزمان اللذين عينهما داهش شفاهاً وكتابةً … ولولا رغبتي في عدم الاسترسال في التفاصيل لذكرت الأسماء ولأتيت على تعيين الزمان والمكان …

لقد تمنعّت مراراً عن تلبية دعوات عديدة دُعيت إليها لحضور جلسات روحيّة مع الدكتور داهش ، لأنني لا أحب المشاهد المستغربة ، مع أنني من الذين يعرفون بالمطالعة والبحث أن العلوم الروحانيّة كائنة ، ومنها أنواع مختلفة في أقطار العالم ، ولها جمعيّاتها النفسيّة الخاصّة . وقد شاهدت بنفسي حفلات قام بها بعض المنصرفين إلى هذه العلوم . كما أنني سمعت ممن أصدّقهم روايات عن مشاهد غريبة كان يقوم بها المحترفون لأجل تحصيل المال واختزان الثروة .

أمّا الذي امتاز به الدكتور داهش عن سواه فهو أنه لم يكن يتقاضى مالاً من الذين يحضرون جلساته الروحيّة ، ويشاهدون ما يقوم به من المدهشات والخوارق .

ثم إنّ مجرّد إطلاق تسمية داهش على الرجل طيلة اشتهاره دليل واضح على عدم ادعائه النبوة أو الألوهيّة ، وهي تسمية تخفّف من المغالاة في اضطهاده من جانب رجال الدين الغيورين على مهنتهم والمحتكرين لصنعتهم .

وفضلاً عن كلّ ما تقدّم ، فإنّ الرجل لو كان من المتهتكين المنصرفين إلى الدعارة – كما أشاعوا عنه زوراً وبهتاناً – لكان الذين اتهموه في أخلاقه أمسكوه بالجرم المشهود . ولمّا عجزوا عن مراقبته والقبض عليه متلبّساً بالجريمة وهم القابضون اليوم على رقاب مصلحة بوليس الأخلاق والأمن العام وتحت تصرّفهم النيابة العامة ولهم الحول والطول . ولمّا لم يجدوا ما يؤاخذونه عليه قانونيّاً عمدوا إلى الاستبداد والظلم شفاءً لكبريائهم ، وانتقاماً لألوهيتهم المصطنعة . وكان الأجدر بهم والأشرف لهم أن يتركوا الرجل يسير في طريقه آمناً مع صحبه الأمناء ، يدعو الناس إلى معرفة الله واحترام جميع الأديان المنزلة وإلى مكارم الأخلاق وإلى المبادئ الدينيّة السماويّة السامية .

ولعلّ جرمه العظيم لديهم أنهم احتكروا لأنفسهم خيرات الأرض ، ويريدون أيضاً احتكار سعادة السماء .

ألا لعنة الله على المنافقين المرائين …

 فيليب نقّاش

الثورة الداهشيّة

                   مقتبسات ممّا نشرته بعض صحف حلب من 14 إلى 24

                   كانون الأوّل 1947 وفي طليعتها جريدة “الجمهوريّة”

                         لصاحبها الأستاذ أشرف الكاتب

 

مرّ في هذا الأسبوع في مدينة حلب قطبان من أقطاب الداهشيّة :

الأستاذ الشاعر اللبنانيّ الكبير (حسّان) حليم دمّوس ،

والأستاذ الأديب السيّد يوسف حجّار من أبناء حلب المعروفين .

وقد أقيمت على شرفهما عدّة حفلات في الجامع الكبير ، وجمعيّة البرّ والأخلاق الإسلاميّة ، والكليّة الخسرويّة ، وجمعيّة الإخوان المسلمين وسواها .

وقد شرح الخطيبان في هذه الاحتفالات الخطابيّة ، وفي بعض المآدب التكريميّة أهداف الرسالة الداهشيّة التي ترمي إلى توحيد الطوائف ، بدعوة العالم المسيحي إلى الاعتقاد بنبوءة محمّد وبالقرآن الكريم .

وقد رأينا ، أمام أهميّة هذا الموضوع الحيويّ الخطير ، أن نتصل بهما ونسألهما المزيد عن الداهشيّة التي أحدثت ضجّة عظمة في الشرق والغرب والمهاجر ، ولا سيّما في السنوات الأخيرة :

سؤال : كيف تنظرون إلى الدكتور داهش ؟

جواب – ننظر إليه كمصلح عبقري شاهد أمراض هذا المجمع الماديّ ، البعيد كل البعد عن القيم الروحيّة ، فأراد أن يعيد إلى ذاكرة ذلك المجتمع تلك القيم السماويّة التي ، بدونها ، لا أخلاق ولا رقي ولا إصلاح ولا صلاح .

وننظر إليه كفيلسوف حكيم شاهد شقاء الإنسان وتعاسته المتأتيّة من جهله لمصيره ، فأراد أن يذكره بخلود روحه ، وأن الأرض مرحلة قصيرة ، وأن الحياة الحقيقية تبدأ بعد الانتقال من هذا العالم لأن الروح خالدة .

وننظر إليه كمشترع إنساني شاهد إفلاس الأنظمة الجائرة التي ترزح تحتها البشريّة ، أكانت شيوعيّة أم رأسماليّة أم دكتاتوريّة أم غيرها من الأنظمة التي تسيطر على هذه الأرض ، فأراد العودة إلى الديمقراطيّة السمحاء المبنيّة على أخلاق الفرد والمجتمع ، والمنبثقة من سنن السماء التي هي من صنع الرحمان ، والتي أنبتت جهوداً عادلة كعهد أبي بكر وعمر وعلي وأمثالهم .

وأخيراً ننظر إليه كمجاهد كبير شاهد تنافر الأديان ، وتفاوت المذاهب ، وتضارب الآراء الفلسفيّة ، فأراد أن يجمع كلمة الشعوب وقلوبها حول الكتب المنزلة في جوهرها الأصلي ، وحول القرآن خاتمة الوحي والإلهام . وقد كلّفته هذه الثورة الفكريّة التي أراد أن يشعلها أنواع الاضطهاد والسجين والنفي والتشريد ، كما تحمّل أتباعه عبئاً كبيراً من هذه الاضطهادات المتوالية .

س- ما هي الداهشيّة بالنسبة إلى الإسلام ؟

ج- الداهشيّة هي الإسلام النيّر العامل المتدفق نشاطاً وروحانيّةً ، كما تجلّى في عهد الخلفاء الراشدين . والداهشيّة تهدف إلى خلق صرح جديد يدين بهذا الإسلام المجيد ، فيقيم التوازن بين الروح والمادة وينشر العدل بين كافة الطبقات ، والمساواة بين الرعيّة والرعاة . أمّا البلد الأوّل الذي سيتمّ فيه هذا التطوّر وذلك التبلور فهو لبنان مهد الداهشيّة !… وللوصول إلى هذه النتيجة العظيمة ، يقوم الداهشيّون بدعوتهم العالم المسيحي إلى الاعتقاد بنبوءة محمد وقرآنه المنزل ، حتى إذا ما تمّت هذه المرحلة عاجلاً أم آجلاً ، بدأت مرحلة التنفيذ في الحقل الاجتماعي .

س- كم عدد الداهشيين ؟

ج- إنّ الداهشيّة منتشرة في لبنان ، والعراق ، ومصر ، وفلسطين ، وسورية . كما أنها انتشرت بسرعة هائلة في أوساط المهاجرين في الأرجنتين ، والبرازيل ، والولايات المتحدة حيث أصبح لها عدّة صحف تنطق بلسانها ، وتدافع عنها وتنشر تعاليمها .

وإذا أردنا أن عطي رقماً على وجه التقدير ، نستطيع أن نقول إن عدد العائلات التي اعتنقت الداهشيّة يتجاوز الألفين . وكلها من الطبقة المثقفة المستنيرة ، لأنها رأت في هذه الدعوة الدواء الوحيد لأمراض الشرق ، بل العالم بأسره .

                                                                (الجمهوريّة)

في أعدادنا الآتية ننشر سلسلة مقالات تزيح الستار عن جميع هذه المباحث الخطيرة والأسرار ، فنلفت إليها الأنظار .

أوّل مقال لمجلّة "الغري" العراقيّة

صدر العدد 7 من مجلّة (الغري) النجفيّة (السنة الثامنة) لمنشئها العلامة شيخ العراقيين آل كاشف الغطاء ، وفي صفحتها الأولى المقال الآتي :

 

                             الدعوة إلى الإسلام في لبنان

 

من وراء حجب الأديرة والكنائس في لبنان انبثق فجر دعوة إسلاميّة جديدة قام بها جماعة من رجال الفضل وسيّداته ، وانضمّت إليها أسر مسيحيّة كريمة عرفت بالأصالة والدين بين الأسر اللبنانيّة العريقة .

ورئيس الدعوة المحمّدية الجديدة ، ومن له الفضل في نشر الفكرة ، هو الدكتور داهش المعروف بحريّة الرأي ، وسعة الأفق النفسي ، والتجرّد عن الأوهام والتقاليد .

وقد نشر الدكتور بين الملأ من أتباعه سلسلة من الكتب اشتملت على بواعث الدعوة ، وأسباب اعتناقه للدين الإسلامي ، من جملتها كتاب (محمد سيد الخلق ) وكتاب (مذكّرات دينار ).

وأسمى ما يلفت النظر من بواعث إسلامه ما تجلّى له من إعجاز القرآن الكريم بأسلوبه ونظمه في روائع سوره وآيه .

والقرآن معجز حقاً ، ولكنّ سرّ إعجازه لا يتجلّى إلاّ لأصحاب الملكات في البلاغة العالية ، وذوي الأحاسيس الذوقيّة الراقية ، ومن تبلغ عنده حاسّة التذوّق للفنون القوليّة مبلغاً يقوم مقام الشهود والعيان .

وفي طليعة الآيات القرآنيّة التي استفزّته واستدرجته ، ثمّ بهرته وراعته ، ثم هبطت عليه بالسكينة والإسلام آية النور :

 الله نور السموات والأرض . مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة ، زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار . نور على نور ، يهدي الله لنوره من يشاء ، ويضرب الله الأمثال للناس ، والله بكلّ شيء عليم [.

وقد كان لإسلام الدكتور داهش وعدد كبير من وجوه الأسر المسيحيّة صدى بالغ في الدوائر الإسلاميّة العليا ، ومنهم الشاعر الكبير حسّان حليم دمّوس ، وقد تلقت إسلامه صحف مصر بكثير من الحماسة والتقدير .

وكان لا بدّ لمجلّة (الغريّ) أن تساهم في إعلان هذه الدعوة المباركة التي تتوسّم فيها الهدى والرشاد .

إنه لا يسع المسلم إلاّ أن ينكر ما تلقاه الداهشيّة في ذلك الوسط الحرّ من مطاردة ومقاومة ، على حين يتمتّع أبناء العروبة في جميع البلاد الإسلاميّة بحريّة الرأي والدين .

كما نودّ أن يقف مسلمو لبنان موقفاً كريماً إلى جانب هذه الفئة المسلمة فلا يتركوهم بغير سند وعون .

وقياماً بحق هذه الدعوة علينا ننشر بعض ما جاء في كتاب (محمد سيد الخلق) الذي سبق أن ذكرناه ونأتي على بعض ما تضمّنه من كلمات الدكتور داهش الآتية :

محمّد – النبيّ العربيّ الأميّ القرشي يدعو الناس للسير في الطريق المستقيم .

محمدّ – رسول الله بل حبيبه ، بل نديمه ، بل صفيّه ، بل قرّة عينه .

محمّد – الأمين موحّد القلوب المتنافرة تحت رايات ربّ العالمين .

محمّد – النبيّ الصادق صاحب الآيات والمعجزات والوحي المبين .

محمّد – سيد الأنبياء الأتقياء ، وزعيم المسلمين الأبرار الأنقياء .

محمّد – المصطفى من الرفيق الأعلى ربّ العرش ذي الجلال والبهاء .

محمّد – اليتيم خير الخلق ، بل سيّد الخلق ، فبالصدق ينطق ، وبالحق يتكلّم ، وباليقين ينبئ ، وإنك لعلى خُلق عظيم .

محمّد – سيّد الكائنات ، وصفوة النوع الإنسانيّ .

لا كانت الدنيا ، ولا كان الخلق ، لو لم يكن محمّد .

القرآن – كتاب الله الشريف يتلوه من عمر قلبه بالإيمان .

القرآن – يؤمن بآياته البيّنات كل متزن العقل نيّر الفكر ثابت الجنان .

فمثل القرآن ، ما أنزل الله الرحمان ، وما أوحى به لإنسان .

ومثل محمد في الدنيا ما كان ، ولن يكون له صنوٌ في مكان .

” قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً “.

هذه نبذة وجيزة من كلمات الدكتور داهش نقدّمها لقراء الغريّ وفيها كفاية للحكم بإسلام من أقرّ بها .

                                                                        مجلّة الغريّ

  النجف ، العراق

المقالة الثانية في مجلّة "الغريّ" العراقيّة

صدر العدد الـ 14 من مجلّة (الغريّ) العراقيّة (السنة الثامنة) التي يصدرها العلاّمة شيخ العراقيين آل كاشف الغطاء وفيها هذه المقالة بتوقيع (رائد الحق) الشاعر الناثر الشيخ سليمان الظاهر من علماء النبطيّة – جبل عامل – في لبنان الجنوبي .

 

                                 حول الداهشيّة ودعوتها الجديدة

 

كتب إليّ حضرة المفضال الغيور صاحب مجلّة الغريّ الغرّاء بمناسبة الضجّة القائمة اليوم حول الداهشيّة ومراميها وأهدافها واختلاف أقاويل الناس فيها وفي دعوتها الجديدة ، يستوضح عمّا بلغه علمي عن حقيقة أمرها وما إلى ذلك مما يتصل بهذا الموضوع الخطير .

فرأيت لزاماً عليّ وقد أحرجني – أيّده الله – لخوض بحث لم أكن أعددت له من قبل عدّته ، ولم أكن أحطت به خبراً ، أن أصرف وقتاً في الوقوف على الحقيقة ، أو ما يقرب من الحقيقة ، لأسلم من المعرّة ، من معرّة الحكم على القوم بما يجانب الحقّ فأتحمّل لوم اللائم ووخز الضمير .

فرأيت ، مع إلمامي بعض الإلمام بشيء من أحوالهم ، أن أتصل ببعض من لي سابق معرفة وصداقة به ، وهو من العليّة من أتباع المذهب الداهشيّ ومن دعاته ومروّجيه ومن احتملوا في هذا السبيل أذىً كثيراً ، ولم يمنعه ذلك كلّه عن المضي في الأمر ، والدفاع باللسان واليراع والخطابة بتأييد ما يعتقده حقّاً .

فلم يضنّ بما طلبته منه ، وكتب إليّ كتاباً ، وأصحبه باضبارة من كتبهم المنشورة ، وبالطبع منها ما يُعرب عن اعتقادهم الصريح ، ومنها ما يشرح شرحاً ضافياً عمّا لاقاه إخوانه من اضطهاد .

وكلها كما كتب لي وكتبتم إليّ قد أهدي لكم منها .

وممّا كتب إليّ بذلك الكتاب الذي لم أجده كافياً في الحكم لهم أو عليهم فيما أكتب ، فراجعته في الاستيضاح عن أمور تزيدني اطمئناناً .

فلم يبخل عليّ بكتاب آخر فيه الصراحة .

وقبل نشر كتابيه بمقالي هذا ، وقبل إبداء رأيي بمقالة القوم والحكم بإسلامهم ، من أقوالهم وأفعالهم ، أراني مضطرّاً إلى تمهيد وجيز له كمال الاتصال بهم ، وبأنهم قوم باحثون عن الحق ، عاملون إلى ما تطمئن به نفوسهم من الزلزال فأقول :

إن الشرق وهو المستغرق في الحياة الروحانيّة ، منه انتشرت الأديان السماويّة ، وابتعت الله جلّ وعلا الأنبياء والمرسلين لإصلاح العالم الإنساني ، والتسامي به إلى أسمى مراقي الروح .

وفي هذه الأزمان التي اتصل بها الشرق وهو متأخّر في الحياة الماديّة بالغرب المنغمس في حمأتها ، سرت فيه الروح الغربية الماديّة ، وخاصّة في معرّتها ونقائصها ، وما تحمله من سموم مبادئ متناقضة متباينة عاكست سير الإنسانيّة المستقيم ، وبعثت فيها الآلام النفسانيّة التي لا قرار لها والتي شكا منها الغرب قبل الشرق ، وقام به من المصلحين من يعمل على إنقاذ البشر من شرور تلك السموم التي اضطرب لها العالم شرقيّه وغربيّه ، وأنذره بالزلزال ، بل وبالتلاشي من لوح الوجود ، وهو صائر إليه عاجلاً أم آجلاً ، إن لم يتغلّب المصلحون على محو تلك المبادئ المرتطم فيها ، والسير فيه بمبادئ هي أقرب لصلاح البشر وإنقاذهم من هذه الهوّة السحيقة التي لا قرار لها .

وملا صلاحه بالنازية ، ولا بالفاشيّة ، ولا بالشيوعيّة وما إلى ذلك ممّا لا يعدّ ، ولا يحدّ بحد ، من سمومها القتّالة .

وإن من تعاليم الدين الإسلامي المبين دواءً لتلك الأدواء . والإسلام نفسه لا يناقض المسيحيّة ولا الإسرائيليّة من حيث القواعد العامّة الملائمة للعقول ، ففيه الديانتان من هذه الناحية مجتمعتان ، ولكنه … وقد جاء خاتمة الشرائع ، ونبيّه العظيم خاتمة للنبيين ، فقد كفل بما فيه من تعاليم تصل بالعالم إلى المثاليّة – سعادة البشر . وفيه ما يضمن بما فيه من مبادئ سامية ، وما سنّ من سنن قانونيّة واجتماعيّة وماديّة وأدبيّة وروحيّة ما يردّهم إلى الاعتدال والقصد ، فلا بدع إذا بحث الداهشيّون ، وهم من صميم الشرق الروحي ، وقد رأوا تسرّب الماديّة الممقوتة بكلّ معرّاتها إلى جماعات شرقهم ، في طرق إنقاذهم من تلك المعرّات والنقائص .

ورأس الداهشيين رجل أوتي ذكاءً رائعاً ، وفكراً صائباً ، وصراحة فذّة ، وصبراً عجيباً ، ومعرفة بالأنفس وخوالجها … فليس من المستغرب أن يرشده بحثه في أدواء أمته ، وما آل إليه أمرها ، وما شارك منها الكثيرون الغرب الماديّ في مبادئه الهدّامة إلى أن دواء الداء الذي رآه منحصراً في اختلاف الأديان ، وإن شئت فقل (أرباب الأديان)، باعتناق الدين الإسلامي الذي فيه (المسيحيّة والإسرائيليّة) وزيادة .

وهي التعاليم الكافلة لسعادة أمته ومؤاخاتهم ومداواة كل ما يشكون منه من إلحاد ومن مبادئ سرت ما بينهم ، وكلها معاول تهديم وضلال وإضلال .

قام داهش بك وأتباعه بهذه الدعوة ، ولا عجب إذا نفر منها ومنهم من لا يهون عليهم التخلّي عن عقائدهم ، وقيام من يدعو إلى إتباع سواها وهو من أهل دينهم .

ولاقى وأتباعه ما لاقوه من تهجين دعوتهم وإلباسها غير لباسها ، وإبرازها في غير شكلها …

وبعد فأجتزئ بهذه المقدّمة الخاطفة ، وأعود فأنشر كتابي ذلك الصديق :

                                      الكتاب الأوّل

طلعت عليّ رسالتك الأنيقة المؤرخة في 7 الجاري كانون الثاني 1947 طلوع القمر الساطع بعين المدلج الساري ، فقرأتها مثنى وثلاث ورباع ، وشكرت لكم تلك العاطفة الرقيقة المترقرقة من خلال سطورها . وللحال زرت منزل الداهشيّة حيث اجتمعت بفريق من الإخوان مع آل حدّاد وقرأت عليهم رسالتكم الكريمة ، واستقرّ الرأي أن نبعث إليكم ببعض مطبوعات فيها الجواب الشافي الوافي عمّا سألتموني عنه ، وما سألكم عنه صديقكم النجفيّ الصحفيّ ، ولعلّه صاحب الغريّ ، ويمكنكم أن تبعثوا إليه بنسخة من المرسل .

أمّا المقاومات الاضطهادات فلا تزال كالجمر تحت الرماد …

وكل دعوة إصلاحيّة لا بدّ لها من مقاومة واضطهاد .

عذراً لهذا الاختصار والاكتفاء هنا بالتلميح ، لا بالتصريح ، فيما يتعلّق بأسئلتكم جميعها . فالأمور مرهونة بأوقاتها ، ويكفي أن أقول بلساني ولسان إخواني الدّاهشيين المؤمنين الذين لا يخافون في الحق لومة لائم :

أنا باسم ربي قد رأيت النورا               وكفى بربي هادياً ونصيراً

 

                                 الكتاب الثاني

 

…. وبعد فقد سألتموني عن الداهشيّة وأهدافها في رسالتكم الأولى والثانية .

وكنت أتمنّى لو راجعتم بعناية جميع ما أرسل إليكم ، لأدركتم الأهداف من تلك الردود والمناشير والبيانات . وأنّ الداهشيّة أهدافاً عديدة :

منها تحطيم سلاسل الدجل والشعوذة ، والضرب على أيدي رجال الدين الذين يشوّهون التعاليم السماويّة لغايات دنيويّة .

وهي تكره الذين يضلّون عن طريق العقل ، ويضلّلون الملايين من عباد الله المساكين .

وهي تنزع وتهدف لتغرس في قلوب من ينتمون إليها محبّة النبيّ العربيّ القرشيّ ، وتكريم ذكره ، والإطلاع على سيرته النبويّة الجليلة ، والتعمّق في أسرار آياته وأحاديثه ، والتمسك بأهداب القرآن الكريم . وبعد انتشار هذه الدعوة تزول الحدود والسدود ، ويدين الجميع بدين الحق ، دين المحبّة والحريّة والإخاء .

ومن أهدافها إنذار العالم الإسلامي بسوء المصير إذا بقي مسترسلاً في غوايته ، وهي تعتبر الإسلام لا يسير اليوم على تعاليم محمّد ووصايا الله وإرادته …

وإذا كانت هناك فئة قليلة تسير على النهج القويم فهذا لا يكفي ولا يشفي .

وممّا تقوله الداهشيّة إنّ من أراد أن يطلق عليه اسم مسلم وجب عليه أن يعود إلى سيرة المجاهدين الأقدمين ، وينسج على منوالهم ، ويزهد في الدنيا ، ويتطلّع إلى المثل العليا ، والفضائل السامية التي خلّدت ذكر محمّد وأبي بكر وعليّ وعثمان وعمر ومن طرّسوا على آثارهم من الأبطال العظام الذي جاهدوا واستشهدوا في سبيل الحقيقة والإسلام .

ثم إن رجال الدين ولا سيّما رجال … الكاثوليك لم يتركوا وسيلةً إلاّ حاربونا بها ، ولم يتورّعوا عن نشر المختلقات وترويج المفتريات حول داهش وإخوانه .

وقد ظنّوا أن بعملهم هذا يثبطون من عزائمنا الفولاذيّة ، ويضعفون من إيماننا الراسخ رسوخ الأطواد ، فباؤوا بالفشل الذريع بعد أن تكشفت الحقائق للجميع ، فعرف الناس الصادق من الكذب ، والصالح من الطالح . ولذا أخذت دعوتنا تنمو نموّ شجرة مباركة قويّة الأعراق والجذور ، فلا تقوى هوج الرياح على اقتلاعها . وها إن عدد الأنصار عظيماً والحمد لله …

وهناك أسرٌ وعائلات كثيرة تدين بالداهشيّة في لبنان وخارج لبنان ، ولكنها لم تبح بسرّها لأحد ، لأسباب حكيمة ، لأن ظهورهم اليوم يعرّضهم للاضطهاد والسجون وملاحقة الشرطة وخسارة بعض المصالح والوظائف …

ولكن هذه الفئة تعمل في لبنان ، وخارج لبنان ، بغيرة وإخلاص ، وبصمت عميق ، لأن إعلان إيمانها اليوم ليس من الحكمة في شيء … وقريباً يكشفون القناع عن وجه الحقيقة ، ومعظمهم من عليّة القوم ، ومن أصحاب المهن الحرّة والوظائف الرفيعة ، والتجارب الواسعة …

وقبل كلمة الختام أتقدّم إليكم بطلب خاص وهو أن تبادروا لمعالجة هذه القضيّة ونشر مقالات متسلسلة ، والطلب من صاحب مجلّة الغريّ وأصحاب غير صحف تعرفونهم ليوجهوا نداء صارخاً إلى العالم الإسلامي أن يستيقظ من سباته العميق ، ويدرك معنى الجهاد الحقيقي الذي يقوم به الداهشيّون دفاعاً عن الحق الشريف ، وانتصاراً للدين الحنيف . وكلّما أنشأتم مقالة وأرسلتموها إلى إحدى الصحف نرجو موافاتنا بنسخة منها لنحتفظ بها وننشرها بين الإخوان الداهشيين الذي يتوقّعون من أمثالكم رفع منار الحق والحقيقة والثبات إلى النهاية لبلوغ الغاية :

وقلّ من جدّ في أمر يحاوله                         واستخدم الصبر إلاّ فاز بالظفر

هذان كتابان صريحان كل الصراحة بما يهدف إليه الداهشيّون ، وبما يعتقدون . ومن نشراتهم المطبوعة ومنها بيان إلى علماء المسلمين ووجهائهم وأدبائهم المحترمين ، ومن اتصالنا ببعضهم ممّن له مكانته الممتازة بين قومه والمستنيرين ، ومصارحته لنا باعتقاده بنبوة محمّد وبإعجاز القرآن ، ومن أن المرء يُدان بأقواله … كلّ أولئك ممّا نستدلّ منه على إسلامهم وأنهم صائرون إذا ارتفع عنهم الضغط إلى نباهة شأن ، وسموّ مكان ، وكثرة الأشياع والأتباع والأعوان .

وعلى المسلمين أن يناصروهم ويمدّوا إليهم يد المعاونة .

والله الهادي إلى سواء السبيل .

                                                                    رائد الحق

سليمان ظاهر

النبطيّة – لبنان

الداهشيّة

 مقال نشرته بعض الصّحف العربيّة في المهجر

في لبنان ، منبت الأرز ، بلد الكنائس والصوامع ، والمجامع الجوامع ، نشأت منذ بضع سنوات حركة دينيّة ، ورسالة اجتماعيّة تجديديّة قام بوضع أسسها المصلح العبقري الدكتور داهش . وقد ردّدت الصحف العربيّة والأجنبيّة اسمه في الوطن والمهجر ، مستائلة باهتمام عن الأهداف الحقيقيّة التي يرمي إليها في هذه الدعوة الجديدة . وقد التفّ حوله نخبة من الأدباء ، والمحامين والأطباء ، ورجال الفكر ، وأخذوا يعملون بجدّ ونشاط لنشر فكرتهم ، وقد قاومتهم السلطات واضطهدتهم . فسجن البعض منهم عدّة مرّات ونفي زعيمهم الدكتور داهش . وعلى رغم ذلك فقد دأبوا في نشر دعوتهم متحملين في سبيلها كل رزيئة ، ومضحين بكل غال ورخيص . وكان هذا الثبات أسطع برهان على أنهم يرون في معتقدهم الخير العميم لأنفسهم ولهذا المجتمع .

فما هي الداهشيّة ؟

وما هي تعاليمها حتى يقوم أناس مطمئنون من الطبقة الغنية المثقفة ويتحملوا العذاب ، ويصبروا على الآلام ، ويواصلوا بذل النفقات الباهظة في خدمتها ، ويذوقوا الأمرّين من مضطهديهم الذي يواصلون التنكيل بهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ؟

يقول الدكتور داهش :

إنّ السيّد المسيح – عيسى ابن مريم – ترك ديناً سماويّاً ، وشريعة غراء أمر بموجبها جميع من ينضمّون إليه بأن يعبدوا إلهاً واحداً وألاّ يشركوه بالمال وسواه من المغريات الأرضيّة الغالية ، وأوصاهم أن يحبّوا بعضهم بعضاً كإخوة ، وأن يكون الكبير بينهم خادماً ، والضعيف محترماً مصوناً ، والجميع سواسية في الحقوق والواجبات .

فهذه التعاليم المقدّسة بشّر بها الحواريّون وسائر من دخلوا الكنيسة في أول عهدها ، وذاقوا في سبيل نشرها الاضطهادات والتنكيل الرهيب حتى الموت الزؤام ، إذ سرعان ما انقضّ عليهم ظلاّم تلك العصور المدلهمّة من رجال الدين والدنيا الذين رأوا في انتشار الدعوة المسيحيّة القضاء المبرم على مصالحهم ، وعلى تلك الفروق الاجتماعيّة التي كانوا يبنون بواسطتها أرائك سيطرتهم الجائرة ، وثرواتهم الوافرة ، بينما كانت أكثريّة الناس تئنّ تحت نير الظلم والذل ، والفقر والجهل .

وعندما انتصرت المبادئ المسيحيّة وعمّت الشرق والغرب وانخرط في سلك الكنيسة الإمبراطور قسطنطين ومن تبعه من قياصرة رومانيين ، أخذ الفساد يدبّ في جسم المسيحيّة بعد أن تغلّبت الأطماع الماديّة على الاتجاهات الروحيّة . وسرعان ما انخرط في سلك الكنيسة رهط من شذاذ الآفاق ، ومن الذئاب المفترسة ، وكلهم رأوا في اعتناقهم المسيحيّة فرصة مؤاتية لاكتساب عطف القياصرة واستغلال مناصب الحكومة .

ومنذ ذلك التاريخ أخذت فئات رجال الدين تظهر إلى الوجود متميّزة عن الشعب بملابسها وبهارجها وألقابها .

ولمّا كانت هذه الطغمة تعمل بعكس ما أوصى به السيّد المسيح ، رأت أن تحلّل آثامها وارتكاباتها بتعاليم اختلقتها ، وجميعها ترمي لغرض واحد وهو سيطرتها على أعناق الناس ، وتكبيل أفكارهم الحرّة ، وتحويل أنظارهم عن الهدف السامي الذي من أجله أتى عيسى ابن مريم إلى الأرض ليعود ثانيةً ليوم الحساب الأخير .

وهكذا اضمحلّ الإيمان ، وانطفأت أنوار السماء ، وعادت البشريّة إلى سابق عهدها متناسيةً الوصايا الإلهيّة … فانقسمت الرعيّة الواحدة إلى أحزاب مختلفة ، وطوائف متعدّدة بسبب الأهواء الجهنّميّة التي كانت تعصف في صدور رؤساء الدين ، وكل واحد منهم يعمل لكسب النفوذ والمال …

وعادت الفوارق الاجتماعيّة ، وعاد الظلم ، وأصبح الناس منقسمين إلى قسمين :

فئة قليلة مالكة سعيدة على هذه الأرض الشقيّة ،

وفئة كثيرة ترزح تحت نير الفقر والخوف والعبوديّة .

وشاءت العناية الأزليّة أن ترسل إلى الأرض نبيّاً كريماً ، وهادياً عظيماً ليعيد الأمور إلى نصابها ، وينقذ البشريّة من عذابها ، ويهديها إلى الطريق المستقيم الذي سار عليه سائر الأنبياء والمرسلين .

وما هذا النبيّ إلاّ محمّد بن عبد الله اليتيم الأميّ القرشيّ خاتم النبيين ، وقد أنزل عليه القرآن الكريم تأييداً لما أنزل من قبله على موسى وعيسى ودحضاً للأباطيل والأضاليل التي أدخلها أصحاب المصالح على الديانتين الموسويّة والمسيحيّة وسواهما . فذاق النبيّ العربيّ من الناس الأمرّين .

واضطهد بقسوة رهيبة ، ولكنه ثبت كالطود الشامخ الجبّار . فنصره الله على أعدائه وأيّد دينه ، فانتشر في الأقطار والأمصار …

وعندما انتقل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى ، قام الخلفاء والرفاق الأمناء ينفّذون تعاليم سيّدهم وهاديهم ، فنشروا العدل في الأرض بقلوب عامرة ينفّذون تعاليم سيّدهم وهاديهم ، فنشروا العدل في الأرض بقلوب عامرة بالإيمان ، وضربوا للناس الأمثال بروحانيتهم وتضحيتهم ومحبتهم للفقراء ، وعطفهم على الضعفاء ، وممارستهم لكل فضيلة غراء ، متمشّين على الخطة المثلى التي رسمها لهم النبيّ العربيّ الخالد .

وهكذا عرفت الدنيا عهوداً نبيلة نيّرة غيّرت وجه التاريخ كعهد عمر بن الخطاب وسواه من الخلفاء الراشدين . ومنذ ذلك الحين أخذ رجال الدين يبثّون تعاليمهم المغرضة لإبعاد المسيحيين عن تفهّم حقيقة الإسلام ، وهم في هذا العمل يشاركون دول الغرب ورجال السياسة الذين يرون من مصلحتهم إبقاء الطوائف المسيحيّة في جهل تام لحقيقة الإسلام …

وماذا كانت النتيجة ؟

كانت النتيجة أن انقسم الشرق والغرب إلى معسكرين كبيرين ، وفي كلّ واحد منهما ينخر سوس التعصّب ، وتدبّ روح البغضاء والتحزّب ، وهذا ما جلب على الطائفتين الكريمتين الكبيرتين صنوف المصاعب والمصائب ، والشجون والنوائب ، واصطدم الشرق والغرب الصدمة الصادعة الصاعقة ، وبدت طلائع الفيالق للحرب الزاحفة الدافقة …”

واليوم …

وقد وقعت الواقعة !

يقوم الدكتور داهش ويعلن بصوته الجهوري المجلجل :

إنّ الساعة أيها الناس قد أتت لتقطيع هذه الحبائل الشيطانيّة ، ولفضح هذه الشعوذات الدينيّة ، والشعبذات السياسيّة ، وذلك بالدعوة إلى الإخاء والوئام والحب والسلام ، وإعلان حقيقة الإسلام أمام العالم المسيحي وسائر الأنام ، ودعوة الجميع إلى الاعتقاد بنبوءة محمّد نبيّ الله المرسل والاعتراف بقرآنه الكريم المنزل ، والإسراع برفع الحواجز والسدود والحدود التي وضعها المغرضون المتعصّبون لغاياتهم الدنيويّة الخسيسة …

وأخيراً …

يعلن الدكتور داهش بنزاهة وتجرّد وإخلاص :

إن المسلمين – ويا للأسف – قد شطّوا أيضاً عن طريق محمّد سيد الخلق ، وابتعدوا كثيراً عن تعاليمه السامية ، وأهدافه العلويّة المتسامية ، إذ أمرهم بالعدل فظلموا واستبدّوا ، وأمرهم بالإخاء ، فإذا هم أعداء ألدّاء ، وأمرهم بالزكاة والصدقة ، فإذا هم بخلاء ، وأمرهم … وأمرهم ، وإذا بهم يتمرّدون على أوامر السماء ، ويضربون بنواهي قرآنهم عرض الفضاء !…

ولهذا …

فهم مسلمون بالاسم … اللهمّ إلاّ القليل القليل !

ولهذا …

فهم لا يستحقّون هذا اللقب الشريف النبيل ! فإذا كانوا حقّاً من أبناء محمّد وأتباع محمّد ، وجب عليهم أن يعودوا إلى سابق عهدهم وأن يتحلّوا بمكارم الأخلاق ، ويتّبعوا وصايا الخلاّق ، وعدلهم وإخائهم ، وأن يحسّنوا حالة الفقراء ، ويقوّوا الضعفاء ، ويعلّموا الجهلاء ، وينشروا الثقافة في الأنحاء ويقضوا على العوز والفقر والشقاء ، فيشعر كل إنسان عزيز غير حقير ، وأنه مخلوق شريف كبير تحت رعاية ربه القدير .

هذه هي تعاليم داهش ، وهذه أهداف كل داهشيّ وداهشيّة ، وهذه هي روح الرسالة الداهشيّة!

فهي ثورة فكريّة روحيّة دينيّة اجتماعيّة ، بل هي ثورة على الأوضاع المجرمة التي تسيطر على هذه الأرض الشقيّة ، والتي تجلب لساكنيها اليأس والاضطراب ، والبؤس والعذاب ، والدمار والخراب !…

 د. ح

 بيروت ، 1948

الدكتور داهش بك

                              مجلّة الجامعة السريانيّة

                       أيلول 1946 الجزء 9 السّنة الثانية عشرة

مؤلف (ضجعة الموت) و(أسرار الآلهة) و(أسرار التنويم المغناطيسي).

الحكومة اللبنانيّة ورجال الدين الكاثوليكي يضطهدون الدكتور داهش ، ويعذبونه ويجلدونه ، وينفونه إلى خارج الحدود …

                                   من هو الدكتور داهش ؟

إن أوّل مرّة سمعنا بها باسم الدكتور داهش كان في أواسط سنة 1936 أي منذ عشر سنوات .

فقد كتب لنا صديقنا الأستاذ صموئيل عبد الأحد ، الأديب السرياني العراقي ، أستاذ المدرسة السريانيّة في بيت لحم (فلسطين) رسالة مؤرخة في غُرّة آب 1936 جاء فيها ذكر هذا النابغة السرياني بقوله :

(وربما غادرت فلسطين بعد بضعة أيام إلى مدينة بيروت . وسأمضي مدّة في ربوع لبنان . فقد وردتني برقية من نسيبي (ابن خالتي) الدكتور داهش بك يطلب حضوري إلى عنده حالاً).

إلى أن يقول :

( وأعرّفكم بالدكتور داهش بك . فهو شاب سرياني الأرومة ، جميل الطليعة ، ذكيّ الفؤاد ، متوقد الذهن ، حاضر البديهة . ومع أنه لا يتجاوز الخمسة العشرين ربيعاً ، فقد نبغ في الفلسفة والأدب ، ونال شهرة واسعة ، وذاع صيته في الشرق والغرب . وسأبعث إليكم برسمه قريباً مع نسخة من كتابه ( ضجعة الموت) أو (بين أحضان الأبديّة) الذي وضعه حديثاً وأنجز طبعه في مطلع هذه السنة).

وبعد أيام تسملمنا منه رسالة مؤرخة في 5 آب 1936 مع بعض أوراق ورسوم ومناشير عن (ضجعة الموت) ، ثمّ نسخة منه عليها صورة الإهداء إذا رجع القارئ إلى الجزء الرابع من السنة الثالثة من الجامعة السريانيّة وجد في الصفحة 29 منه تقريظنا على “ضجعة الموت”.

ثم رسم الدكتور داهش وتحته هذان البيتان :

أرنوا مصعّد طرف الحبّ مرتقباً                 فكاك أسري من ذا العالم الفاني

يا غبطة النفس ! لمّا ينتهي أجلي                 متى تبدّد آلامي وأحزاني ؟

                                                                    الدكتور داهش

وبعد برهة وجيزة وصلت نسخة الكتاب الشعريّة ، نظم الأستاذ مطلق عبد الخالق . يجد القارئ تقريظنا عليها ووصفنا لها في غير مكان من هذه المجلة .

ومن مطالعتها يدرك الأديب أي فتى يضطهد الغاشمون المستبدّون …

ومنذ عدّة أشهر أخبرنا أحد الإخوان أنه عثر في صحيفة لم يذكر اسمها على خبر اضطهاد الحكومة اللبنانيّة للدكتور داهش ، وأنه يترأس (حركة إصلاحيّة) أثارت غضب رجال الدين الكاثوليكي ، وفي مقدّمتهم الكردينال جبرائيل تبوني ، بطريرك السريان الكاثوليك . وللحال بادرنا للاستفسار عن جليّة الخبر برسائل بعثنا بها إلى بعض من نثق بهم . ولكنّ واحداً فقط كتب لنا جواباً مختصراً فهمنا منه أنه يخشى غضب رجال الدين الكاثوليكي ، وفي مقدمتهم الكردينال جبرائيل تبّوني الذي يخشى بطشه وينصحنا بالاكتفاء بما نشرته الصحف من مساق القضيّة . وكل ما يذكره عن الدكتور داهش يتلخّص في ما يلي :

إن اسم (داهش) لقب أطلق عليه وعرف به بعد أن نبغ في العلوم واشتهر . واسمه الأصلي (سليم). ولد في مدينة القدس سنة 1909 ، واسم أبيه (موسى العشّي).

أمّا الجريدة الجريئة في المهجر التي اهتمت بقضية الدكتور داهش وكتبت عنه الشيء الكثير مما أنزلته به الحكومة اللبنانيّة والإكليروس الكاثوليكي فهي جريدة (المختصر) للأستاذ جبران مسّوح في أعدادها الأخيرة ومنها علمنا بخلاصة ما وقع للدكتور داهش .

ومن مساق القضية أدركنا كنه الحالة التي يقيم عليها لبنان وحكومته وشعبه من الرجعيّة والظلم الفاحش والاستبداد المنكر .

أجل ، إن لبنان – مع ما نقرأه من أخبار نهضته واستقلاله – لم يزل يرزح تحت عبء ما هو أشرّ وأخبث من الاستعباد الأجنبي . هو عبد ذليل لإكليروسه ، الطغمة التي كانت على مدى العصور ولم تزل نواة الفساد وعلّة شقاء البشر .

وكا ما فهمناه مما نشرته (المختصر) أن الدكتور داهش يقوم بدين يحتضن الأديان السماويّة الثلاثة الكبرى (اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام ).

ولكن (دعوته ) مهما كانت لا توجب قيام رجال الدين عليه ولا أن تضطهده الحكومة على هذا الأسلوب الوحشي طالما الرجل ذو فكرة إصلاحيّة سلميّة .

وإننا نستقبح كثيراً أن يصدر عن رجال الدين المسيحي – دين المحبّة والوداعة والسلام – مثل هذه الأعمال المعيبة المطوية على اللؤم والوقيعة والانتقام .

وإذا كان لبنان قلب الشرق النابض ، فبئس الشرق الذي هذا قلبه وهذه نبضاته : اضطهاد نوابغه … والقضاء على أحراره .

فريد الياس نزها

رئيس تحرير

(مجلّة الجامعة السريانيّة)

 أيلول 1946

 

رسالة من حليم دمّوس

                        إلى رئيس تحرير مجلّة “الجامعة السريانيّة”

 

عن الدكتور داهش أيضاً

إلى أخي فريد !

سلام الله عليك ،

وبعد … فإنّ النشرات التي أرسلت إليك ، منها ما هو قديم ، ومنها ما هو جديد …

ومن هنا حصل الالتباس عندكم بما يتعلّق بالمرحومة (ماجدا) ومسألة زواجها بالدكتور داهش .

والحقيقة أن الدكتور داهش لم يقترن بماجده ، ولكنها كانت تفكر في هذا الأمر قبل إبعاده عن البلاد . فأعدّت هي نشرة الزواج إذ وعدت بإعادته إلى لبنان . فتوزّعت النشرة حالاً . ولمّا أخلفت السلطة معه ، وأبعدته نهائياً إلى حدود تركيا ، استولى عليها اليأس من هذا الظلم ، فانتحرت احتجاجاً وذهبت شهيدة إخلاصها للدعوة الداهشيّة دون أن يتمّ عقد زواجهما على الإطلاق . هذه هي الحقيقة أكتبها إليك وما ينبئك مثل خبير …

ثق أن الداهشيّة رسالة روحيّة إصلاحيّة تحترم جميع الأديان المنزلة ، وتريد من كل صاحب دين ، من رجال دنيا ودين ، أن يسيروا بموجب تعاليم دينهم فكراً وقولاً وفعلاً .

فالرجوع إلى حقيقة الإنجيل والكتب السماويّة هو ما تهدف إليه الداهشيّة ، ولا عدو للداهشيّة إلاّ أولئك الذي يستسلمون لرجال الدين والرؤساء على غير هدى ، كما ذكرتم لي في رسالتكم .

ولذلك قامت قيامة الرؤساء من مدنيين ودينيين ، فاضطهدنا وسُجنّا ، وأبعد الدكتور داهش ظلماً وعدواناً . ومن المنشورات التي تكون قد وصلتكم تفهمون كل شيء ، ونحن نستقبل كل اضطهاد وعذاب بصبر جميل إذ إنّ كل فكرة إصلاحيّة جديدة لا بدّ من مقاومتها إلى أن تتجلّى الحقيقة لكل ذي عينين :

موسى وأحمد يهجران حماهما                باسم الحقيقة والحقيقة تندبُ

ولأجلها سقراط يُسقى سمّهم                  ولأجلها عيسى ابن مريم يُصلبُ

ولأجلها سجنوا وأقصوا داهشاً               ولذا يشرّق تارةً ويُغرّبُ

إن اضطهاد الحكومة للدكتور داهش ما كان ليحصل لو كان الدكتور داهش رجلاً عاديّاً … ولكنهم قاوموه وأبعدوه بعد أن عذّبوه وسجنوه ، وسجنوا عدداً كبيراً من أتباعه دون أن يجرأوا على محاكمته ومحاكمتهم .

حليم دمّوس

 بيروت – لبنان

 

                                        للاعتبار

                     تحت هذا العنوان قالت مجلّة “الجامعة السريانيّة”

                         في الجزءين 3و4 آذار ونيسان 1947:

                                شيء عن الدكتور داهش

يذكر حضرات القرّاء ما نشرناه في الجزء التاسع من السنة الماضية (1946) عن قضيّة الدكتور داهش مقتبسين خلاصة ما جرى له من الاضطهاد والنفي والتعذيب من رسالة أحد الإخوان في الوطن ، ومما نشرته جريدة (المختصر) هنا . كذلك يذكرون ما أودعناه الجزء الماضي من رسالة(ج. ا. ر.) التي يستهجن فيها اهتمامنا ودفاعنا عنه . وهو لو أنه تروّى قبل أن يكتب عنه لرأى أننا لم ندافع عن الدكتور داهش بل ندّدنا بالحكومة اللبنانيّة التي دلّت باضطهادها له على استبدادها وعدم كفاءتها للحكم . ولو أن في ما كتبناه يومئذ عن الدكتور داهش شيئاً من الدفاع لما كان لنا بذلك إلاّ الفخر والشرف . ومن يمنعنا من الدفاع عن المظلوم وشجب الظلم والعسف والجور والاستبداد ؟ وما هي مهمتنا إذن في المهنة الصحافيّة إن لم تكن هذه ؟

ولو شئنا التعرّض للأديان الثلاثة (الموسويّة والعيسويّة والأحمديّة) وما ينحو إليه الدكتور داهش من مزجها واحتضانها في دين واحد لكان لنا في ذلك الشيء الكثير .

 

                                    النشرات الداهشيّة

في رسالة الأستاذ حليم دمّوس تنويه عن نشرات أُرسلت إلينا . وفي ملاحظتنا على رسالته قلنا أنه لم يصلنا منها شيء . وبعد صدور الجزء الماضي بأيام تسلّمنا في البريد النشرات المنوّه بها ، وطالعناها ، فألفيناها طافحة بالفضائح والمظالم التي يرتكبها عمّال الحكومة اللبنانيّة ، من فخامة الرئيس الأعلى بشارة الخوري إلى أحقر موظف في دائرة الشرطة .

وأهمّ هذه النشرات كرّاس يتألف من مئة وعشر صفحات ، وهو من قلم السيّدة ماري حدّاد أسمته (الكتاب الأسود) أودعته من قضيّة الدكتور داهش واعتداء الحكومة اللبنانيّة عليه ، واضطهاده وجلده ، وعذابه ونفيه ، الشيء الكثير . وربما أخذنا عنه بعض المواد في العدد القادم .

ومن هذه النشرات كراس صغير (عريضة شكوى إلى مجلس النوّاب اللبناني) حول قضيّة الدكتور داهش بك قدّمتها وكيلته العامة السيدة ماري حدّاد في نحو ست صفحات بعنوان (لماذا قدّمت هذه العريضة؟) وأردفتها بتسع صفحات سردت فيها نص رسالة بعث بها الدكتور داهش من حلب إلى وكيله في بيروت الأستاذ إدوار نون ، وفيها شرح مؤلم لما أصابه من ظلم وإرهاق وتعذيب .

وهذه الرسالة سننشرها بحذافيرها في الجزء القادم ، لا دفاعاً عن الدكتور داهش ، بل استنكاراً لأعمال الحكومة التي لم تكد تتسلّم مناصب الحكم حتى راحت تُنزل نقمتها برجل مسالم ، كل ذنبه أنه أديب كانت مصلح على طريقته الخاصة .

هو حرّ كما أن للناس مطلق الحريّة باعتناق هذه الطريقة أو الإعراض عنها . وإني أؤكّد أن اضطهاد الحكومة للدكتور داهش وملاحقته والتضييق عليه هو الذي شجّعه وأكثر عدد مريديه ، وخلق مشكلة جديدة أطلقوا عليها اسم (الداهشيّة) كانت البلاد بغنىً عنها .

أمّا ما يندى له الجبين خجلاً ، فهو أن يكون في رجال الكنيسة الكاثوليكيّة جماعة أشرار مثل الكردينال جبرائيل تبّوني ، بطريرك السريان الكاثوليك في بيروت ، ذلك الثعبان الذي اتخذ النفوذ الدينيّ للاغتيال والانتقام وارتكاب الفجور .

وإذا أوجب الأمر ، ننشر من أخبار فضائحه ومخازيه ، وتاريخ حياته ، وكيفيّة تلبّسه الكردناليّة مما يُظهر للملأ حقيقة شخصيّته .

وهناك مناشير وبيانات تنطق عن أعمال مخجلة ممّا يأتيه بعض كبار الموظفين من رجال الحكومة اللبنانيّة ، منها (كشف الستار وفضح أسرار العصفوريّة وما يُرتكب فيها ) أي المستشفى المعروف في لبنان . ففيه يمثل المجرمون المستبدّون من الفضائح والجرائم ما يُنسينا أخبار سجون (ديوان التفتيش) في أوروبة في العصور الوسطى .

وربما أطرفنا القرّاء بطرف منه ليقفوا منها على حقيقة ما يجري في الوطن . وهل هناك من أثر أو خبر للحريّة والعدالة أو ما يضمن حياة السكّان .

                                                               مجلّة الجامعة السريانيّة

 بونس أيرس

المختصر

كانت مجلّة المختصر لصاحبها الأستاذ جبران مسّوح ، والصادرة في بونس أيرس بالأرجنتين ، من أشدّ صحف المهجر تحمّساً للقضيّة الداهشيّة .

وكانت أعدادها تصلنا تباعاً وبكلّ انتظام ، ولذلك سننشر سلسلة من أقوالها حسب تاريخ ورودها ، فهي خير انموذج لما نشر في صحافة المهجر العربيّة .

                               محاكم تفتيش في بلادنا

                 مقال للأستاذ جبران مسّوح ، صاحب مجلّة المختصر

                    في العدد الثاني من السنة الأولى ، شباط 1946

                          من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم

جاء في إحدى جرائدنا التي تصدر في هذه العاصمة الخبر الآتي :

تلقينا برقية بتوقيع من السادة جوزف حجّار وزوجته وأولاده وماري حدّاد وزينا حدّاد وعائلتهما وجورج إبراهيم حدّاد والدكتور عشي والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور خبصه وزوجته وأولاده بأنهم أبرقوا لقداسة البابا بانفصالهم عن الكنيسة الكاثوليكيّة .

ويقولون إنّ انفصالهم هذا مسبّب عن مساعي نيافة الكردينال تبّوني وسيادة المطران مبارك لدى السلطات ضدّ رئيسهم الدكتور داهش ، مما أدى إلى نفيه وتجريده من الجنسيّة اللبنانيّة .

هذا هو الخبر بحرفيته . ورغم ما فيه من الاضطراب والغموض نفهم منه أنّ إنساناً اسمه الدكتور داهش جُرّد من جنسيّته ونُفي ، وأنّ ذلك كان بمساعي الكردينال تبّوني والمطران مبارك .

فمن هو هذا الدكتور داهش ؟ وما هو دخل الكرادلة والمطارين في شرائع البلاد حتى يتمكّنوا من نفي إنسان وتجريده من جنسيّته ؟

سألنا عن ذلك بعض الأشخاص الذين لهم إطلاع على هذه الحوادث فقالوا : إنّ الدكتور داهش دجّال ؛ فسألناهم عن نوع تدجيله . وكلّ ما قدرنا أن نفهمه هو أن الرجل من الذين ينظرون إلى بطن الكف فيعرفون الأمراض ويعطون علاجات لمداواتها .

عندئذ ذهبنا إلى الأديب يوسف بو ورده لنسأله عن ذلك لأننا نثق بتفكيره كما نثق بنزاهته وهو يطالع بعض صحف الوطن تباعاً ، وكلّ ما أخبرنا عن الحادث هو هذا :

إنّ الدكتور داهش يُداوي أمراضاً كثيرة ، ويقوم بأعمال تدلّ على ذكاء فائق ، منها ما هو فوق المألوف ، وأنّ جمهوراً من الناس يثق به ، منهم أدبا معروفون ومن جملتهم حليم دموس الذي نشر تحت توقيعه أنه شاهد بذاته هذه الأعمال الخارقة . ثم إنّ الدكتور داهش يشكّ فيما جاء في الإنجيل بشأن العجائب الدخيلة ، ويُعلّم الناس عن عدم صحّة هذه الأعمال التي تخالف سنن الطبيعة الخ “.

نستدلّ من ذلك على أن تدخّل الكرادلة والمطارنة في الموضوع هو الذي نستغربه ، وكيف أن هذا التدخّل ينتهي بنفي الرجل وتجريده من جنسيّته ، الأمر الذي لم تستطعه محاكم التفتيش فيما مضى .

من نحو أربعماية سنة ظهر في إيطاليا رجل اسمه برونو كان يشك بعجائب الإنجيل للسبب ذاته ، أي لأنها تخالف سنن الطبيعة . فقامت محاكم التفتيش تناقشه الحساب وحاكمته نحو أربع سنوات لكي “يرجع عن ضلاله “.

ولكن الرجل لم يخن ضميره ، ولا خاف محاكم التفتيش ، ولا “رجع عن ضلاله”. فأحرقوه بالنار كما هو مشهور ، ولكنّهم لم يجرّدوه من جنسيّته ، بل بقي إيطاليّاً .

ومحاكم التفتيش في بلادنا قامت بمثل ذلك تماماً في قضيّة الدكتور داهش ، فهي لم تحرقه لأنّ شرائع هذا العصر لا تجيز ذلك ، ولكنها نفته لأن شرائع هذا العصر تجيز النفي ، ثم جرّدته من جنسيّته ، وهو ما لم تعمله محاكم التفتيش من أربعة أجيال .

ثمّ نلاحظ من الخبر الذي نقلناه أن بين أتباع الدكتور داهش من هم دكاترة ، أيضاً ، أي أصحاب شهادات علميّة . فالرجل إذن لا يقود عامة الناس بل يلتفّ حوله أدباء ومفكرون ومثقّفون . فهو ذو نظرة جديدة في الحياة ، وله فكرة إصلاحيّة يُريد أن يقدّمها إلى هذا الوطن التاعس الذي لم تعد تروج فيه غير الأضاليل .

وهؤلاء المتظلّمون ، لماذا يرفعون شكواهم إلى البابا إذا كان عندهم حكومة تنصفهم ؟ أفلا نفهم من ذلك أنّ هؤلاء الشجعان الذين لا يخونون ضمائرهم ولا أنكروا قائدهم في ساعات الشدّة – ألا نفهم أنّهم اشتكوا إلى الحكومة فلم تلبّهم ، وطلبوا الإنصاف فلم يُنصفوا . فلم يبق أمامهم إلاّ هذا الباب – باب الانفصال عن الطائفة – وهو ما يلجأ إليه الناس عندما يسدّ الظلم في وجوههم جميع الأبواب .

نريد من قادة الرأي العام ، ومن الكتّاب والمفكرين والخطباء ، ومن كل المنادين بالحريّة والاستقلال ونزع نير الاستعباد ، ونريد من الحكومة أيضاً أن نعرف أين نعيش الآن . بالأمس ألقوا الناس في السجون في دمشق لأنهم لم يصوموا رمضان . واليوم يُنفى إنسان ويجرّد من جنسيّته في لبنان لمثل هذا السبب .

فهل طردنا فرنسا من البلاد لكي نسلّمها إلى السلطات الدينيّة ؟

إذا كان الأمر كذلك ، فنحن إذن نسير إلى الوراء ، وما حكومتنا الحاضرة إلاّ آلة في يد محاكم تفتيش تشتغل في الخفاء ، وترد الأوطان مئات السنين إلى الوراء .

نترك الخبر الآن ونهتمّ قليلاً بعنوانه ، أي بعبارة : من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم “فنريد أن نعرف تلك اليد الطاهرة” التي سطّرت هذه العبارة ، وأن نبحث معها في الأمر على ضوء العلم ، أو أحكام السنن الطبيعيّة أو إرشاد العقل .

فمن هو إبراهيم هذا ؟ وما هو هذا الحضن الذي يسع ألوف الملايين من الناس ؟ ثم إذا انفصل أحد الناس عن طائفته ينتقل حالاً من ذلك الحضن إلى حضن الشيطان الرجيم ، بدون أن نفهم كيف يتم هذا الانتقال .

لكي نصدّق كل ذلك يجب أن نترك العلم جانباً ، وندع أحكام الطبيعة وراء ظهورنا ، وندوس إرشاد العقل . ولكننا مع ذلك نصطدم بالآداب الاجتماعيّة التي لا تسمح أن يجتمع الرجال والنساء والأولاد والبنات في حضن واحد إلاّ إذا كان هناك حواجز تفصل بين الجنسين ، وهو ما لم يذكره لنا أولئك الذين يتعيّشون ، إلى الآن ، في نقل أولاد آدم من حضن إلى حضن .

ثم نأتي هنا على ذكر حضن الشيطان الرجيم . فمن هو هذا الشيطان الرجيم ومن يقدر أن يثبت لنا وجوده ؟ وهل صحيح أن حضنه واسع مثل حضن إبراهيم فيسع كل بقيّة الطوائف ؟

وبعد هذا وذاك نصطدم أيضاً بالمبادئ الإنسانيّة . فهل صحيح أن البشر جميعهم يتوزعون بين هذين الحضنين ، ولا مقر آخر لهم إذا خطر لأحدهم أن لا يقيم في حضن ؟ وهل ينطبق كلّ ذلك على طبائع ذلك الإله الذي يقولون إنه شفوق رحيم ؟

إن الذي ينظر في أكفّ الناس ليعرف أمراضهم ويداويها ، ثم ينكر عجائب الإنجيل التي لا يؤيدها العقل ولا يصادق عليها علم ولا تدعمها سنة طبيعيّة ، إنّ الذي يعمل ذلك كلّه لا يكون دجّالاً . ولكنّ الدجّال هو الذي يعلّم الناس حتى في هذا العصر خرافات الأحضان بكل وقاحة وبدون حياء أو خجل .

إنّ تعليم هذه الأضاليل هو احتقار للعقل البشري ، وازدراء بالكرامة الإنسانيّة ، واستخفاف بأذهان الناس . ومع ذلك فنحن نترك هؤلاء المضللين أحراراً يسرحون ويمرحون ، فلا ننفيهم ولا نجرّدهم من جنسيّتهم ولا نحرّك لهم ساكناً .

إننا نتركهم وشأنهم ، ولكننا لن نسمح لهم أن يحوّلوا حريتنا واستقلالنا إلى محاكم تفتيش .

حكاية الإمبراطور الصيني

                      لصاحب “المختصر” الأستاذ مسّوح

                        في العدد الثالث ، آذار 1946

 

إنّ (شي او) كان أوّل من أكتسح الصين كلها وجعل نفسه أمبراطوراً عليها … ذلك من نحو 2200 سنة .. وبنى السور العظيم حولها ليحميها من هجوم الأعداء … ولكنّ العمل العظيم يحتاج إلى أيدي عاملة …

فالتفت إلى الكتّاب والمفكّرين الذين لا يملكون غير القلم  والقرطاس والدواة ، وقال في نفسه :

ما نفع هذه المخلوقات ! وأعطى أمراً إلى جنوده ليحطّموا الأقلام ويمزّقوا القراطيس ويريقوا حبر كلّ دواة ، ويسوقوا الكتّاب والمفكّرين إلى العمل في بناء السور . وبعد هذه الأوامر وجد الأمبراطور أنّ الكتّاب والمفكرين لا يعملون بفكرة الطاغية بسهولة … وإنهم يجدون صعوبة في ترك الرسالات التي جاؤوا إلى هذا العالم لإتمامها … فأصدر أمراً آخر طلب فيه حرق كل الكتب الموجودة في الصين … وكلّ عالم يخفي كتاباً يُحرق معه ..

وساقوا إليه أحد العلماء فقال بكل جرأة :” إنّ العلم أيها الإمبراطور حاجة لا غنى لنا عنها “. فأجاب الإمبراطور :” لقد افتتحت الإمبراطوريّة على ظهر جوادي فما حاجتي إلى العلم “. فقال العالم :” ولكنك لا تقدر أن تحكم الإمبراطوريّة على ظهر الجواد “.

واشتدّ الاضطهاد على العلماء ، فصاروا يكتبون على القصب ويسقفون به البيوت ، وتم بناء السور … ولكن العلم لم يبق له أثر إلاّ في قصب السقوف … وشعر أهل البلاد بعدئذ بأنهم بهذا السور صاروا في سجن ، وشعروا بحاجتهم إلى غذاء العقل والروح … فالجاموس إذا شبع علفاً اكتفى … غير أنّ الإنسان يأكل ويقول : هاتوا كتاباً … ذلك هو الفرق بينه وبين الجاموس .

ومات ذلك الإمبراطور الجاهل ، وعاد العلم فنقل عن القصب إلى القراطيس ، وصار في أيدي الناس . وقرأ العالم كنفوشيوس ومنشيوس وغيرهما من مُغذّي العقول والأرواح .

أحد المفكرين أمام هذا الحادث قال :” لا يستحيل على طاغية إقامة عرش من الحراب … ولكن يستحيل عليه الجلوس على هذا العرش …

إنّ الحراب وحدها لا توجد عظمة أمة …”

هذه الحكاية هي خلاصة مقال نشره الأديب رئيف خوري في جريدة المكشوف – في بيروت – وفيها وصف بديع لتقدير العلم وبيان الأَضرار التي تقع على البلاد إذا قاومته . ونفهم من كل ذلك نزعة الكاتب الإصلاحيّة وكرهه الشديد للحكومات التي تقاوم كلّ تفكير جديد وكل حقيقة علمية . ولكن ذلك يكفي ، لأن الحكومات الآن لا تحرق الكتب ومؤلّفيها ، ولا تُلجئ العلماء أن يكتبوا على القصب . ولكنها تضطهد الحقائق العلميّة باسم آخر وباستعمال طرق غير تلك . فيجب أن نذكر هذه الطرق الجديدة ونقاومها لنقوم بمهمتنا الأدبيّة نحو الإصلاح المنشود .

إننّا نطلب من رئيف خوري أن يترك طاغية الصين ويهتمّ بما يجري حوله . فماذا يقول عن الدكتور داهش الذي جرّدته السلطات الإكليركية من جنسيّته ونفته من البلاد لأنه نادى بحقائق علميّة شهد له بها بعض كبار الأدباء .

ما هو الفرق بين اضطهاد يجعل العلماء أن يكتبوا على القصب واضطهاد يجعل المفكرين أن يغادروا البلاد وتُسلب منهم جنسيتهم . إنّ الاضطهاد هو هو . ولا شك أنّ أمثال رئيف خوري من أدبائنا يفهمون ذلك ولكنهم لا يتجرأون على الوقوف في وجه السلطات الإكليركية وينادون بتقبيح عملها بدلاً من تقبيح عمل إمبراطور مات من 22 جيلاً .

إنّ إصلاح الفساد الذي كان يجري في الصين قلما يفيدنا ، ما دمنا ننام عن الفساد الذي يحدث حولنا .

إنّنا نوجّه هذه الكلمات إلى كل الأدباء في سوريا ولبنان ونطلب منهم إيضاحات عن حادث هذا الدكتور الذي لم يدافع عنه أحد ، وأهمله حتى الأدباء الذي شهدوا بتفوقه وذكائه النادر .

إنّ مثل هذا العبقري قد يكون نافعاً في قضيّة القنبلة الاطومية التي يدرسها الآن أكبر علماء العالم ، وكان يجب أن نفسح له المجال ليعمل في ميادين العلم بدلاً من أن نترك الكنيسة تفترسه على هذه الطريقة التي لا تفرّق شيئاً عن أعمال إمبراطور الصين .

أيّها الأدباء والعلماء والمفكرون وأرباب الأقلام جميعاً في سوريا ولبنان ، يجب أن تقاوموا هذا الخطر قبل استفحاله . فالسلطات الدينيّة إذا استلمت زمام الأمور فإنها تفترسكم جميعاً وتقضي على كل حضارة ورقي ونهضة في البلاد .

إذا لم تنتبهوا إلى ذلك من الآن فسوف تندمون فيها بعد ، وسوف لا تتركون لأولادكم إلاّ العبوديّة .

رسالة دمشق

تحت هذا العنوان قالت مجلّة “المختصر” في عددها الرّابع ، نيسان 1946:

نريد من الشيخ بشارة الخوري في لبنان أن يهتمّ بحادث الدكتور داهش الذي نُفي وجُرّد من جنسيّته اللبنانيّة بمساعي بعض رجال الاكليروس ، فإذا أنصف هذا الرجل وعادت جنسيّته إليه ، واستردّ حريته المسلوبة يكون في ذلك مجد للشيخ بشارة الخوري أكثر من كل القصائد التي يقولها فيه الشعراء .

إنّ الكلام الموزون يذهب في الهواء يا شيخ بشارة ، ولا يبقى للإنسان إلاّ ما راعى فيه الحقّ والواجب والضمير . والذين يروون هذه المعاملة البربريّة التي نالها الدكتور داهش لا يلومون الإكليروس على ذلك ، بل يلومون الحكومة .

إننا من أول سيرنا في طريق الاستقلال والحرية نريد أن نتفاهم ونتصافى لنتساعد جميعاً على اجتياز الصعوبات التي أمامنا . يجب أن نسمع كل شكوى وننصف كل مظلوم لإزالة كافة ما بقي من الصدور من الأحقاد والضغائن .

                                 حليم دموس

          وقالت مجلّة “المختصر” أيضاً في عددها العاشر في شهر أيلول 1946:

في حادث الدكتور داهش يظهر حليم دمّوس كشخصيّة بارزة . فهو من أتباع داهش ، وقد دافع عنه وناضل وجاهد حسب طاقته . وفي 28 كانون الثاني 1946 نشر في جريدة “الحياة” هذه الكلمة . قال :

” في الصيف الفائت أوقفوني لغير سبب . وفي أعماق السجن زجّوني ، وبقيت 55 يوماً دون أن يحاكموني . فهل يوجد من يُحلّل لنا هذه المعاملة بوضوح وجلاء ؟

وفي 28 آب 1944 اعتدي على الدكتور داهش في عقر داره . وبدلاً من توقيف المعتدين أوقفوه ، ثم أبعدوه دون أن يحاكموه ، ومن جنسيّته جرّدوه وشرّدوه . فهل في بلاد الناس حكومات تُجرّد وتشرّد دون تحقيق ولا محاكمة ؟ إذن لماذا القضاء والمحاكم ؟…”

وهذه سطور ، لكي تكون لها قيمتها يجب أن نعرف من هو حليم دموس ؟ هو شاعر من تلك الطبقة التي تحاول أن تُرضي جميع الناس ، شعره شعر المسالمة والمداراة ، فهو لم يدافع قط عن قضيّة اختلف عليها الناس ، وهو في حياته الشخصيّة هادئ وديع بعيد جدّاً عن المخاصمة والمجافاة . ولكنّه في قضيّة داهش يتحمّس كثيراً وينقلب من خروف أنيس إلى نمر ، فتظهر فيه غيرته على الحق . كما يظهر اعتقاده الراسخ بديانة داهش .

إنّ جميع أعداء داهش سوف ينكسرون ، وأحط ما في انكسارهم هذا أنهم سوف يحملونه إلى قبورهم . لأنّ هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء ، ولا تذوب عناصرها في الفضاء . فهي تُرافق مرتكبيها ، ملتصقة بهم ، مندمجة بخلاياهم . فتذكر كلما ذُكروا ، ويُذكرون كلما ذُكرت . فهم وهي عظة وذكرى للأجيال القادمة .

                                                               مجلة المختصر

                                                                بونس أيرس

                                   الدكتور داهش

                 وقالت أيضاً في العدد العاشر ، شهر أيلول 1946

                            بقلم صاحبها الأستاذ مسّوح :

على القارئ أن يراجع كل ما نشرناه في أعداد المختصر عن هذا الرجل . وخلاصته أن الحكومة جرّدته جنسيّته ونفته بنفوذ بعض رجال الإكليروس . ولم ننشر غير ذلك لأنه لم يتصل بنا غير ذلك .

ولكننا في كلّ هذه المدّة كنا نطلب إفادات من مصادر مختلفة – رسميّة وغير رسميّة – لنصل إلى الحقيقة . ولكن … لا جواب أبداً … سكوت تام … تطنيش تام …

وهذا التطنيش له في اللغة العربيّة أسماء مختلفة مثل : هذا حادث مضى فلماذا العودة إليه ؟ أو : يجب كتم الحادث لأنّ فيه أشياء عائليّة . أو : هذه الفضائح ليس من الحكمة نشرها في الظروف الحاضرة ولا سيّما أنها تتعلّق ببعض شخصيّات كبيرة . الخ .

ولكننا رغم هذا التطنيش توصلنا إلى كل ما نريده من التفاصيل . وهي أوراق ووثائق تقع في 792 صفحة . وكل ما هو خطير فيها مسحوبة صورته على الزنك . فصرنا نعرف كيف نُفي الدكتور داهش ، ولماذا نُفي ، وإلى أين نُفي ، وكل ما يتعلّق بذلك .

وسوف ننشر كل ذلك بالتتابع لأنه حادث لا نظير له في كلّ هذا الجيل في كلّ الأقطار العربيّة . ومن واجب كل الكتّاب أن ينظروا فيه لأنّ علاقته رأساً بحقوق الإنسان ، وحريّة التفكير والمعتقد والكلام ، وهو إذا اهتممنا به يكون خطوة إلى الأمام لكلّ البلاد العربيّة من حيث محاربة الظلم واحترام حريّة الرأي . وهو خطوة إلى الوراء إذا لم نهتم به ، لأنه من الأمراض السريعة العدوى .

اشترك كثيرون في حادث نفي هذا الرجل : منهم بعض الوزراء ، ومنهم رئيس الجمهوريّة ، ومنهم بعض كبار رجال الدين ، وكبار رجال البوليس وغيرهم . ولكن جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً ، وتظهر امرأة ، امرأة داهية ذكيّة قديرة ، هي التي تدير هذه الحرب ضدّ الدكتور داهش ، وهي التي تمدّها بجميع أنواع السلاح .

ثم يظهر للدكتور داهش أنصار يدافعون عنه ، منهم أطباء ومحامون وأدباء ورجال صناعة يدافعون بكل ما لديهم من القوى وبكل ما في القانون من وسائل الدفاع . ولكنّ جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً ، وتظهر امرأة ثانية ، امرأة داهية وقديرة وذكية ، تدافع عن داهش فيرتفع صوتها فوق جميع أصوات المدافعين عنه ، وتبقى المعركة بين امرأتين . ويحمى وطيس الحرب إلى حد لا يبقى فيه لشرائع الحروب قيمة ، تستعمل جميع أنواع السلاح ، الجائز وغير الجائز ، فمن غازات إلى قنبلة اتومية ، إلى نشر فضائح يندر أن يُسطّرها قلم أو يفلت بها لسان .

ولكنّ الأغرب من كل ذلك ، الغريب جدّاً جدّاً جدّاً هو أنّ المرأتين أختان … من أب واحد وأم واحدة . ولذلك يمكن القول إنّ الحادث من أغرب ما جرى من هذا النوع في تاريخ البشر .

لور بنت أنطون شيحا ، زوجة الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة ، هي ألامرأة الأولى التي تحاول أن تقضي على الدكتور داهش . ماري بنت أنطون شيحا ، زوجة جورج إبراهيم حدّاد ، هي ألامرأة الثانية التي تدير حركة الدفاع عن الرجل . ولكنّ زوجة الرئيس تربح الحرب .

ويصدر المرسوم بنفي داهش ، فيُلقى عليه القبض ، ويهان ، ويجلد حتى يتمزّق لحمه ، ويُساق إلى حلب ، ومن هناك إلى الحدود التركيّة ، حيث يُترك بلا جنسيّة لجميع الأخطار .

وينتهي دور السيدة بعد هذا الانتصار . وتبقى ماري في حومة الدفاع وحدها . وللاختصار سيكون اسمها ماري حدّاد ، لأنّ اسمها سيرد كثيراً . فهي الشخصيّة الوحيدة الباقية بعد أن غمر التطنيش جميع تفاصيل الحادث . بقيت كأنها الإنسان الوحيد الذي نجا بعد غرق الباخرة . بقيت لتدلّ جميع كتّاب اللغة العربيّة ، وجميع مفكريها ، وجميع من فيها من الرجال وأشباه الرجال ، بقيت ماري لتدلّهم أين غرقت الباخرة التي غرقت معها حريّة الفكر وحريّة الكلام وحقوق الإنسان .

ولا تزال ماري حدّاد إلى الآن تناضل وتجالد وتعارك في سبيل إعادة ذلك المنفيّ وإطلاق سراحه . سجنوها 75 يوماً في العصفوريّة ، ولكنّها خرجت إلى حومة القتال رأساً تطالب بحريّة الإنسان .

إسمعوا كيف تخاطب ماري حدّاد حبيب أبي شهلا وزير العدليّة .

تقول :

“كن متأكّداً إذا لم يحكم عليك بما تقتضيه العدالة ، فإننا نأخذ حقّنا بأيدينا ، ولا يمكننا أن ننام على ضيم … وما دمت قد أعلنتها علينا حرباً ، فإننا نرحّب بها ونشنّها عليك حامية الوطيس … إذا لم نكل لك بذات الكيل إذن ما أحقر حياتنا ، وما أتفه مرامينا … إنّ الطيور ليست بأكملها مما تؤكل لحومها “.

واسمعوا كيف تخاطب الكردينال تبّوني :

” ثق بأنني أشهرت عليكم سلاحاً حقيقيّاً ، وسأقارعكم ، وأنازلكم جميعاً حتى أسحقكم … إنّ الصخور الصوانيّة الصلداء تلين وتفنى دون أن يستطيع الاضطهاد أن ينال من صلابتنا ومن صلابة إيماننا وصلابة عقيدتنا قلامة ظفر … سنرفع صوتنا عالياً ، وسنبذل حياتنا إذا اقتضى الأمر في سبيل رفع الحيف عن الدكتور داهش وإعادة جنسيّته المسلوبة إليه … إنّ الذي يريد أن يُداس تحت الأقدام هو حرّ ، ولكن هذه الحالة ليست حالتنا ، نحن لا ندير خدّنا لضارب . إنّنا أحرار بمعتقداتنا وأعمالنا … إنّنا في عصر تحرير الأمم والشعوب ، وعلى كلّ شخص أن يحصل على الحريّة وأن يستحقها ، وأما الجبناء فهم وحدهم يبقون عبيداً أرقّاء “.

ثم اسمعوا كيف تقف ماري حدّاد أمام الحكومة وكيف تخاطبها بهذه الكلمات :

” نحن من الذين يستقبلون بصدور رحبة أية حملة تُشنّ علينا إذا كانت مرتكزة على الدليل والبرهان … نحن نقدّس الحريّة الفكريّة ، والقلميّة ، والكلاميّة ، بشرط أن يفسح المجال لكلّ فرد من أفراد الأمة ليدافع عن نفسه ويردّ البرهان بالبرهان . أما أن تسمح الحكومة لفرد بنشر ما يشاء على صفحات الجرائد بدون قيد ولا شرط ، ويمنع الثاني من نشر أية كلمة دفاعاً عن نفسه ،فهذا ما تأباه النفس الحرّة ولا يرضى به إلاّ الجبناء العبيد “.

هكذا تقول ماري حدّاد ، وتقول الحقيقة ، لأنّ إدارة المراقبة كانت تشطب كل ردّ يراد الدفاع عن داهش ، ورئيس دائرة المراقبة نجيب اليان صرّح بهذه الكلمات :

” إنّ وزير العدليّة حبيب أبي شهلا أبلغنا أكثر من مرّة أن نرفض كل تكذيب لما نشرته الصحف ضدّ الدكتور داهش ، وأن نرحب بكلّ ما يُراد نشره ضدّه “.

وقال في وقت آخر :

” لدينا أوامر عالية تقضي علينا برفض كل تكذيب يأتينا من الدكتور داهش أو من مريديه ، وأن نستقبل كل ما يأتي للنشر ضدّه “.

فإدارة المراقبة كانت سلاحاً لمنع المظلوم أن يدافع عن نفسه ، ولا يستطيع أحد أن يُكذّب هذا الظلم لأنّ ثلاث صفحات من ذلك التشطيب مسحوبة على الزنك . فهي شهادة ناطقة بما تقوله ماري حدّاد .

ماري حدّاد في هذا الحادي كأنّها إميل زولا يدافع عن دريفوس ….

وكأنّها فولتير يناضل ضدّ تهم محاكم التفتيش ، ويراجع المحاكم في أحكام صادرة ما روعي فيها الحق والإنصاف . ولكن ماري حدّاد بزّت الاثنين ، وأتت بما يعجز عنه الاثنان مجتمعين ، ماري حدّاد في هذا الصراع كأنها الأسد وقد تألّبت حوله جميع أنواع الحيوان … وقد جرح الأسد وسال دمه ولا يزال يصارع … ووقعت مخالبه الواحد بعد الآخر ولا يزال يصارع . تمزّق جلده وظهرت عظامه ولا يزال يصارع ولا يزال زئيره عالياً .

ولكن ليذكر حملة الأقلام أن ماري حدّاد من لحم ودم . وعار عليهم أن تقع في الميدان ولا تجد بينهم من ينجدها . إني أتحدّاهم جميعاً أن يظهروا في هذا المعترك الذي تدعوهم إليه المروءة والشرف والشهامة ، وأتحدّى كتّاب لبنان أوّلاً … أتحدّاهم جميعاً – كبارهم وصغارهم – ففي هذا الحادث نعرف الفراغ الذي تركه جبران خليل جبران – هل يوجد كاتب لبنانيّ يسدّه أم لا يوجد . وإذا كنّا لا نجد جواباً على هذه الكلمات غير التطنيش المعهود … فعندئذٍ لا نُلام إذا وقفنا فوق قبر جبران لنخبره أن ماري حدّاد وحدها تدافع عن مظلوم ولا يوجد بجانبها رجل .

إنّ البلاد العربيّة بحاجة إلى يقظة في ضميرها فوق يقظتها في سائر الشؤون . والأمّة التي لا يزال ضميرها نائماً قلماً تفيدها يقظتها في شيء آخر ، فاهتمامنا بهذا الحادث هو دليل على ما فينا من ضمير مستيقظ حي ، والويل لنا إذا لم نبرهن عن ذلك في مثل هذه الحال .

إن البشر لم ينتقلوا من الطور الحيواني إلى الطور الإنساني إلاّ عندما استيقظ ضميرهم ، أي عندما صاروا يفهمون كيف يحبّون الحقّ ويمقتون الباطل . وهنا تظهر الفضائل التي هي مقياس رقي الشعوب . فنحن في حادث الدكتور داهش يجب أن نعرف أين الحقّ وأين الباطل ، وأن نكون قوّة فعّالة في تأييد الحقّ ومكافحة الباطل .

إن كلمة حريّة لا يكفي أن نرددها ونتغنّى بها لنكون أحراراً . بل يجب أن ندافع عنها عندما تكون في خطر . وإذا لم نعمل كذلك فإذن نحن لا نستحقها .

وفوق كل ذلك ففي هذا الحادث درس اجتماعي خطير نحن أحقّ الأمم بأن نكتب عنه كثيراً . فالتعصّب الديني هو العامل الأوّل في هذه الجريمة . ولكن التعصّب ليس نوعاً واحداً كما تبين في سير هذه المأساة . بل هو نوعان : هجومي ودفاعي . والفرق كبير جدّاً بين الاثنين .

فضلاً عن أن مرض التعصب انتقل في جسم الأمّة من مكان إلى مكان في السنوات الأخيرة . وضروري أن نعرف أين مكانه الآن لنحاربه في وكره … كلّ هذه النقط المهمّة في الموضوع يجب أن نعالجها بحريّة وصراحة . ويجب أن نجابه الحقائق بلا خوف مهما كانت غريبة عن أذهاننا ومهما كانت بعيدة عما ألفناه من أنواع التفكير .

كل ذلك سوف يظهر جلياً في تفاصيل هذه الكارثة التي لم تتمّ فصولها بعد . فالكاتب الذي يثق بنفسه نحن نؤكّد له أن هذه ساعته . ويرانا على استعداد لأن نمدّه بما يريد من التفاصيل والوثائق .

إن البلاد العربيّة تريد في مثل هذا الموقف أن تعرف هل عندها مفكرون وكتّاب يستحقّون ثقتها أم هي فقيرة من هذا الوجه . هل يقودها أدباؤها أم هي تقود أدباءها ؟ هل عندها أقلام تحمي حريتها أم يجب على عامة الناس وبسطائهم أن يحموا تلك الحريّة إذا هاجمها مهاجم ؟ هل الأديب العربي قوّة فعّالة موجودة أم هو خلط وأوهام ؟….

                                    من هو داهش ؟

في كل التفاصيل التي وردت بقلم ماري حدّاد لم يرد اسمه إلاّ الدكتور داهش . ولكن المرسوم الذي صدر بإخراجه من البلاد يضع له اسم : ” سليم موسى العشّى المعروف بداهش”. وفي الوثائق أيضاً أن “الدكتور داهش لبنانيّ وابن عائلة لبنانيّة ومولود في هذه البلاد “.

وهذا التعبير الأخير فيه شيء من الإبهام … فلا نعرف أي بلاد ، ولا اسم البلدة التي ولد فيها ، ولا التاريخ . فنعود إلى تلغراف نشرته شركة روتر بتاريخ 17 أيّار 1946 . يقول هكذا :” في مكان من صحراء شمالي العراق يقيم الدكتور داهش المنفي لحركة دينيّة تحتضن الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة . وهو ينتظر الفرصة السانحة للخروج من منفاه وتبليغ رسالته إلى الإنسانيّة … هو الدكتور سليم داهش الأشوري وعمره 34 سنة . ولد في قرية صغيرة بين الفرات ودجلة … عاش في لبنان … يمضي أيامه في المنفى في التأمّل … نفي إلى البلاد التي ولد فيها … يتلقى أتباعه رسائل منه خلسة يحملها سعاة أمناء …درس الدكتور داهش في باريس ، وكانت قدرته العجيبة على التنويم المغناطيسي موضوع دهشة علماء النفس الفرنسيين المبرزين “.

ثم نترك تلغراف روتر ونعود إلى الوثائق فنجد هذه السطور :” موسى العشي والد الدكتور داهش أقام مع عائلته في بيروت عاملاً في المطبعة الأميركيّة من سنة 1912 إلى سنة 1918. وفي إحصاء 1921 تقيد الدكتور داهش في سجل النفوس مع والدته وشقيقه . وبقي في لبنان إلى سنة 1931 . ثم سافر إلى فلسطين وبقي ثلاث سنوات فلم يكن حاضراً إحصاء 1932 . فعاد إلى لبنان سنة 1934 وطلب أن يقيد اسمه ، وتم له ذلك “.

فنفهم من كل هذه التفاصيل أن الرجل ولد بين الفرات ودجلة كما تقول روتر . ولكنه عاش في لبنان وحصل على الجنسيّة كما حصل عليها سواه من الذين يقيمون في لبنان . وتذكرة جنسيته مسحوبة على زنك تحمل رقم 516 وتاريخ 22 حزيران 1934.

البوم الإله

  العدد الحادي عشر ، 15 أيلول 1946

                                 مجلّة “المختصر”

 

في ليلة حالكة الظلام وقف بوم على غصن سنديانة . وبينما هو واقف أحسّ بخلدين ينسلاّن في هدوء بين جذوع الشجرة .

فنهرهما ناعقاً :” من هذا … يو . يو…”.

فأجاباه بصوت مرتجف :” ماذا تريد منّا ؟” فصرخ بهما :” أتركا المكان حالاً “.. فذهل الخلدان لأنّ البوم عرف أنّهما اثنان … وهربا إلى حيوانات الغاب يقصان ما جرى ويؤكدان أن البوم لا شكّ أعظم الحيوانات والطيور وأحكمها … وأنه يرى في الظلمة ما لا يستطيعه سواه . ويجيب بحكمة وسداد رأي على كل سؤال …

فدهش سكان الغاب من هذه العجيبة وألفّوا على الأثر وفداً من عقلائهم ليذهب في الليل ويختبر هذه المسألة ، أي يضع البوم تحت التجربة والامتحان .

ووصل الوفد إلى المكان المعين ، وأحاط بالشجرة ، وأخذ يلقي الأسئلة على البوم . فكان هذا يجيب عنها الجواب الصائب . فعرف عدد الوفد وأسماء أعضائه ، وألوان جلودهم وريشهم ، حتى عمّت الدهشة جميعهم وراحوا يتهامسون قائلين :

حقّاً إن هذا الطير يصنع العجائب وهو إله . فلماذا لا ننادي به ملكاً علينا فنتقي بهدايته الضلال والأخطار ، ونعيش في هذا الغاب عيشة الهناء والأمان .

واتفقت كلمة الوفد على مبايعة البوم ، ونودي به ملكاً على جميع طيور الغاب وحيواناته . وكان إيمانهم بما فعلوه قوياً لا يتزعزع .

ولكن هناك ثعلباً خامره الشك فقال لهم : يجب أن نعرف إذا كان البوم يرى في النهار كما يرى في الليل ؟..

فغضب الجميع لهذه الوقاحة وعدّوا هذا الشكّ جريمة لا تغتفر .

وطردوا الثعلب من كل منطقتهم لأنهم لا يريدون أن يناقشهم أحد في قدرة البوم الذي ألّهوه ونصّبوه ملكاً عليهم .

ثم عيّنوا يوماً تكون فيه حفلة التنصيب … وقرّرت اللجنة التحضيريّة أن تكون الحفلة في النهار ليراها الجميع ويتسنّى لهم أن يشتركوا فيها ويفرحوا في مهرجانها .

وجرت الحفلة في فخفخة وبهجة … وأنشدت جوقات الطيور أناشيد السرور . وفي نهايتها مشى البوم على رأس موكب كبير من سكان الغاب يترنّح في مشيته زهواً وخيلاء … ويتلمّس طريقه بعينيه الكليلتين … إلى أن شطّ به الطواف وانتهى إلى خارج الغاب ، فصار في الطريق الذي يسير به البشر بخيولهم وعرباتهم . فاقتحمها على رأس موكبه الطائع المستسلم إلى قدرته . ولم يحفل بمواكب البشر ودواليب العربات .

فصاح طير من الطيور ينذر بالحظر ثم صاح آخر … وظلّت الرعيّة سائرة وراءه تأبى أن يتزعزع إيمانها .

وبسرعة البرق داست إحدى العربات الكبيرة ذلك الموكب … فمات فريق من تلك الرعيّة ، وجرح آخرون ، ونجا عدد قليل في المؤخرة .

                                                                   ماري حدّاد

مغزى هذه الأسطورة أن الإنسان إذا كان له رأي صائب في أمر فليس ذلك دليلاً على أنه يفهم جميع الأمور ، أو أنّ المرء قد يكون شديد البصر في قضيّة ويكون أعمى في قضيّة ثانية .

الدّعوة الداهشيّة

           وقالت “المختصر” في عددها الحادي عشر ، تاريخ 15 أيلول 1946:

 

بما أننا سوف نهتم من الآن فصاعداً بحادث الدكتور داهش يجب أن نقول شيئاً عن دعوته التي حدث لأجلها كل ذلك . وخلاصتها أن الرجل يعتقد أن الأديان الثلاثة بمنزلة واحدة ، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام .

وهو يريد أن يأخذ خلاصة هذه المذاهب ويجمعها في دين واحد .

ويرى أن هذه أحسن وسيلة لاتفاق الشرقيين وسيرهم وراء عقيدة واحدة وزوال كل ما بينهم من الخلافات .

وطبيعي أن الأوساط الدينيّة هي أوّل من يهتم بهذا الدين الجديد . فكيف تلقاه رجال القلانس ، وكيف تلقاه رجال العمائم ؟ هذا ما يجب أن ننظر فيه جيّداً لنأخذ درساً جديداً عن التعصّب قد يكون من أعظم الدروس التي نحن بحاجة إليها .

وقد قلنا في غير هذا المكان كيف يكون التعصّب هجوميّاً وكيف يكون دفاعيّاً . وأنه مثل المرض ينتقل في الجسم من مكان إلى مكان .

ولم نذكر شيئاً عن اليهود لأن التفاصيل التي وصلت إلينا ليس فيها ما يدلّ على رأي أوساط الدين اليهودي في هذا المذهب الجديد . وقد يكون ذلك لقلّة عددهم في لبنان . أو أنهم لم يشاؤوا أن يتداخلوا في هذه القضيّة بعدما أدت إلى كلّ هذه النتائج .

كلمات "السائح"

           وقالت مجلّة “المختصر” في العدد الحادي عشر ما يلي:

 

في حادث الدكتور داهش سوف ننشر كل ما يصل إلينا من منشورات الصحف عن هذا الموضوع . فكل صحيفة قالت شيئاً نرجو أن تتكرّم علينا به لكي لا يضيع حق أحد . ومن مجموع أقوال هذه الصحف ومن والوثائق التي لدينا تظهر الجريمة بكل تفاصيلها . فالأدلّة تأتي وتجتمع من تلقاء ذاتها حتى تشاهد الجناية كأنها تتمثّل أمامك على لوحة السينما .

في عدد 18 تمّوز 1946 من مجلّة “السائح” وردت هذه الأسطر التي ننقلها بحرفيتها وهي مكتوبة بقلم صاحب السائح عبد المسيح حدّاد الكاتب الحمصي المشهور . قال :

” كل ما ندركه في حادث الدكتور داهش أن الفكرة الجديدة لا تعيش طويلاً إذا كانت غير صالحة للحياة . ولكنها تعيش طويلاً إذا تناولتها أيدي الاضطهاد . أمّا إذا كانت صالحة للوجود فلا الحكومة ولا أكثريّة الشعب مما يقتلعها من تربة نفوس الأقليّة . ولنا في التاريخ عِبَر كثيرة تضع أمام أبصارنا الحق الخالد .

إننا لا نستطيع السكوت عن مقاومة داهش ومقاومة دعوته من قبل الحكومة في حين أنه لم يقم بدعوته بالسيف .. ولم يطلق سهمه إلاّ للجمع بين الأديان . فإذا كان نبيّاً كذاباً فلماذا لم يترك وشأنه لتموت دعوته من تلقاء نفسها . فالباطل لن يثبت طويلاً . ولكن الاضطهاد يحدث في تابعيه عوامل غريبة تحملهم على الثبات “.

 عبد المسيح حدّاد

العدد الثاني عشر من المختصر

أصدر الأستاذ جبران مسّوح العدد الثاني عشر من مجلّته المختصر ، بتاريخ تشرين الأول من سنة 1946 . فإذا به قد صدّره وختمه بسلسلة مقالات رئيسيّة عن القضيّة الداهشيّة . وها نحن ننقل أهمّها . قال في الصفحة الأولى :

 

                                   صفحة رهيبة

             (تسجّل ضدّ من ارتكبوا الجريمة بحقّ الدكتور داهش)  

قلنا فيما سبق إن قضيّة الدكتور داهش هي حرب طاحنة بين امرأتين ، أو بين أختين . ويظهر بعدئذ أن للأختين أخاً اسمه ميشال ، وهو ميشال شيحا صاحب جريدة (له جورLE JOUR) التي تصدر باللغة الإفرنسيّة ، وهي مثل البشير ، أي تصدر في بيروت ، ولكنها تتغذّى من رومية .

وبما أنها اكليريكيّة ، فميشال شيحا صاحبها يكون في صف خصوم داهش بطبيعة الحال : أي ضدّ شقيقته ماري حدّاد . وبما أنه صاحب جريدة وشقيق زوجة رئيس الجمهوريّة وأحد أصحاب بنك فرعون وشيحا ، فهو شخصيّة لها وزنها في سير هذه الحادثة .

ثمّ تظهر فتاة اسمها (ماجدا) هي بنت (ماري حدّاد) ، والآنسة ماجدا من أنصار داهش أيضاً ، بل من المتعصّبين له كل التعصّب ، وهذه الفتاة تشاهد ما يحلّ بداهش من المصائب ، وكيف تطارده الحكومة وتسجنه وتدبّر مسألة نفيه … تشاهد كل ذلك فتغضب وتسخط ، ويبلغ بها الكدر أن تصمّم على الفتك برئيس الجمهوريّة (زوج خالتها) لاعتقادها أنه المسبّب الأكبر لهذه النكبة .

ويعرف الدكتور داهش بهذا التصميم فلا يرضى عنه … لأن “قتل الناس لا ينطبق على المبادئ الداهشيّة “، فيكتب إلى ماجدا أن تقلع عن هذه الفكرة ، ويحذّرها من السقوط في هذه الهوّة … وتستلم ماجدا الكتاب وتعمل له ، فتمتنع عن ارتكاب جريمة القتل . ولكنّ هذا المنع يوقعها في حالة عصبيّة خطيرة أدّت إلى نتيجة مؤسفة ، فالسلاح الذي أعدّته لقتل سواها قتلت به نفسها …

وجّه المسدّس إلى صدغها وأطلقت الرصاص … وماتت ماجدا ، وموت ماجدا نقل الحادث من طور إلى طور . فعندما رأت ماري حدّاد أن بنتها صارت جثّة هامدة أمامها ، تحوّلت من سيّدة تدافع عن قضيّة إلى لبوة مفترسة لا تراعي في البطش قاعدة أو نظاماً . كانت تناضل بلسانها وقلمها بروابط لا تراعي في البطش قاعدة أو نظاماً . كانت تناضل بلسانها وقلمها بروابط وقيود ، فصارت تطاعن بلا روابط وبلا قيود … وبلا وعي . ولماذا لا نلتمس لها عذراً ؟

وفي مثل هذه الظروف ، أي سلاح يمكنها أن تستعمل غير هذا السلاح ؟

ولا ننس ذاك الذي قال لخصمه :

لا ترفع صوتك أمام أمير المؤمنين ….

فأجابه أمير المؤمنين :

الحق جعله أن يرفع صوته ….

نعم . فعندما تكون الشتائم منطلقة من كل قيد فهي دليل على ظلم لم يجد غير هذا المخرج لينفجر منه … هي دليل على ضعيف مهضومة حقوقه ، فلا هو يرضى بأن تضيع ، ولا هو يجد حوله من يأخذ بيده .

ويظهر الخال ميشال شيحا أمام موت ماجدا ، فيجدها فرصة ثمينة لكي يستغلّها كما يريد ، فيشيّع عن ابنة أخته : أنها كانت متحمّسة للدكتور داهش إلى حدّ الهوس … ويمكن أن يكون اتصل بها ، فهي قتلت نفسها لستر جريمة … ومثل هذه الإشاعة تتناقلها الألسن بسرعة البرق ، ولا سيّما أن خصوم داهش يحملونها حالاً إلى كل مكان لأنها سلاح قاطع ضد عدوّهم …

وهكذا سارت الركبان بهذا الخبر في كل لبنان وسوريا .

ولو اكتفى الخال الفاضل بترويج هذه الإشاعة لنجحت خطته برهة من الزمن … ولكنّه أراد أن يؤيدها بقرار طبّي … فطلب أن يجري كشف على جثّة ماجدة ، بطريقة قانونيّة ، وأن يكون ذلك أمام هيئة منظّمة ليكون القرار حاوياً كل الشروط الرسميّة النظاميّة … وتمّ له ما أراد … وحضرت منظّمة من رجال طبّ واستنطاق وشهود وبوليس ، فكان عددهم نحو الثلاثين … وكلهم رجال … لكي يثبتوا هذه الجريمة …

ويمكننا أن نتصوّر حال ماري حدّاد أمام هذا المشهد : مشهد ثلاثين رجلاً يشاهدون جثّة بنتها ماجدا ، ويفحصونها فحصاً طبيّاً …

وينتهي هذا الفحص بقرار يتكلّم فيه الضمير … ذلك لأن أعصاب الإنسانيّة كلها ترتجف في مثل هذا الموقف . ويظهر الضمير بهيئة رعّادة مخيفة غير طبيعيّة تجعل الإنسان كالعجينة أمام الحق … فيكتب طبيب الحكومة هذا القرار المسحوب أيضاً على الزنك ، وهذه صورته بالحرف الواحد :

” بتاريخ 27 كانون الثاني 1945 بناء على تكليف حضرة مدّعي عام بيروت ، وبحضوره أجريت معاينة ماجدا ابنة جورج حدّاد ، وبعد التحقيق بفحص ثدييها وبطنها وأعضائها التناسليّة ، لم أشاهد عندها أقلّ أثر ظاهر يدل على حمل حاضر أو سابق ، وخصوصاً بأنني شاهدتها بأنها غير مفضوضة البكارة حيث غشاء البكارة لم يزل موجوداً وبحالته الطبيعيّة “.

                                                         الدكتور الشرعي الياس الحلو

وتقرأ ماري حدّاد هذا القرار عن بنتها …

القرار الذي يمكننا أن نسمّيه :

بكورة علنيّة ، أو طهارة مكشوفة ، أو عفاف واضح …

وأترك المجال لكلّ كتّاب اللغة العربيّة ليضعوا له غير هذا الإسم ، فهو يستحقّ أن يهتمّ به كتّاب اللغة العربيّة لأنه غريب في بابه ، ولا بدّ أن يوجد له اسم في لغتنا .

وتنظر ماري حدّاد إلى جماعة الرجال الفاحصين . وتقول لهم :

إنّكم شرذمة منحطّة تخدم سلطة منحطّة .

وما استطاع الرجال الفاحصون إلاّ أن يصمتوا أمام هذه الكلمات . وتقول الوثائق :

إنهم نكّسوا رؤوسهم ثمّ انصرفوا الواحد بعد الآخر . ثمّ تكتب ماري حدّاد إلى أخيها ميشال هذا الكتاب :

إلى الدسّاس ميشال شيحا ،

إنّ أطهر فتاة في هذه الأرض انتحرت احتجاجاً على جرائمكم ، لقد تآمرتم ضدّ رجل بريء حتى جعلتموه يذوق من العذاب جلجلة ثانية ، وذلك طوال أشهر متعدّدة وهو لا يزال إلى الآن يتألّم :

فمن خيانة ، إلى سجن ، إلى ضرب ، إلى جوع ، إلى عطش ، إلى عذابات نفسيّة وجسديّة ، وهو بدون ملجأ ووطن ، مطارد في كلّ مكان ، بينما والدة تتلهّف ، وأخت تتعذّب (أي أم داهش وأخته) وأصدقاء يتألّمون ويلومون أنفسهم لأنهم لم يعملوا شيئاً لأجله ضدّكم .

إن تلك الفتاة العزيزة أعطتهم أمثولة العظمة والبطولة . فأنتم إذن سبب موتها … وها إن دمها يصرخ ضدّكم . وفي تخيّلاتكم الخسيسة الدنيئة تصوّرتم عنها تصوّرات رهيبة ، فيا عاركم ويا ذلّكم ، إذ كيف يجرؤ شربل (هو يوسف شربل النائب العام ألاستئنافي) بدون أمرك أن يطلب من الأطباء أن يقوموا بفحص هو إهانة للطهر والعفاف ؟

وقد قام بهذا الفحص القبيح الدكتور حلو بحضور آصاف رعد وثلاثين شخصاً من عصابة البوليس ، ومنهم الوغد عارف إبراهيم مدير البوليس ، فصحت بهم معلنةً أنهم أدوات مجرمة تنفّذ أوامر عصابة أثيمة من المجرمين ، وأن عملهم هذا يدلّ على وضاعة أفكارهم وحقارة لُبانات قلوبهم . إننا نغتبط به رغم ألمنا واشمئزازنا الشديدين ، وذلك من أجل الهدف السامي الذي نعتقد به ونؤمن بقدسيّته ، إذ أن هذا الفحص يضيء بنور جديد الحقيقة الرائعة ويبدّد الغيوم أمام أبصار الذين أعمتهم دعاياتكم الكاذبة وإشاعاتكم المنحطّة .

فليجيدوا إذن تشريح هذه الجثّة الطاهرة ، ليس أمام الدكتور حلو فقط ، بل أمام جميع أطباء المدينة ليشهدوا بأعينهم الحقيقة الساطعة .

فهل تستطيعون أنتم إلاّ أن تفكّروا بالأمور الدنيئة المنحطّة ؟

وهل يمكنكم أن تتصوّروا أنه من المستطاع أن يعاشر الناس بعضهم بعضاً ، في هذه الأرض ، إلاّ لأسباب دنيئة قذرة ؟

فباسم موت ابنتي ودمها الزكي الطاهر ،

وباسم آلام والدة أمام التضحية الكاملة التي قدّمتها ابنتي …

إنني أطلب هذه المرّة أيضاً أن تعاد إلى الدكتور داهش جنسيّته والتعويضات الشريفة والماديّة .

                                                     ماري حدّاد الداهشيّة

 

                                       ذكاء داهش

                   وجاء في الصفحة الثامنة من العدد الثاني عشر من

                   “المختصر” وتحت العنوان الوارد أعلاه ، ما يأتي :

اشتهر الدكتور داهش بأعمال خارقة لا تتفق مع النواميس الطبيعيّة التي ندركها . من ذلك ما نشرته عنه جريدة “المقطّم” في عددها 16 أيّار 1946 . وقالت :

” في سنة 1930 كان الدكتور داهش في فرنسا ، وهناك طلب أن يوضع في صندوق مختوم ويلقى به في نهر السين ، فتم له ما أراد وبقي الصندوق في الماء ستّة أيّام ، ثمّ أخرجوه ، ولمّا رُفع الغطاء قفز منه دون أن يصاب بشيء .

ومن نوع هذه الأعمال أيضاً أنهم كتبوا له أربع جمل باللغة العربيّة ثمّ أحرقوا الورقة قبل أن يراها الدكتور ، وطلبوا منه أن يعرف فحواها ، فركّز تفكيره دقيقةً أو اثنتين ثمّ كتب رأساً الجمل بحرفيتها وبخط كاتبها “.

 

                                      تعاليم داهش

           وقالت “المختصر” في الصفحة التاسعة من العدد الثاني عشر :

القطعيّة الآتية هي شيء ممّا يقوله الداهشيّون عن مبادئهم :

” إنّ الداهشيّة تؤمن بجميع الأديان السماويّة ، وهي تدعو المسيحيين للإيمان بأنّ نبيّ المسلمين مُرسل ، وقرآنه الكريم منزل ، مثلما دعا القرآن المسلمين للإيمان بالسيّد المسيح ابن مريم أنه من روح الله . فعندما يؤمن كل مسيحي هذا الإيمان يتمّ التوحيد الديني المنشود الذي هو أمنية الأماني .

وهذا ما تبشّر به الداهشيّة وترمي إليه ، وإذ ذاك يتحد (الهلال والصليب) وتزول النعرات الدينيّة الخبيثة التي يرغب المستعمر في أثارتها .

ومتى تمّ هذا (الاتحاد) المنشود ، إذ ذاك تزول الأحقاد من الصدور ، ويغمر الجميع الغبطة والسرور .

هذه هي الداهشيّة ،

وهذه هي أهدافها الأساسيّة “.

  مجلّة المختصر

 بونس أيرس

صوت القانون

       وقالت “المختصر” في الصفحة العاشرة من العدد الثاني عشر :

 

عندما نفي الدكتور داهش قام بعض المحامين للدفاع عنه ، منهم الدكتور فؤاد رزق والأستاذ إدوار نون . وقد كان اعتراض هذين المحاميين قويّاً نأخذ منه هذه العبارة :

” إذا كان الدكتور داهش مجرماً بنظر الحكومة ، فإن المصلحة العامّة تقضي بأن يعاد إلى لبنان ويحاكم ويسجن .

وإذا كان غير مجرم فلا يجوز أن يعاقب دون محاكمة بعقاب هو أشدّ من عقاب السجن ، وهو  النفي والتجريد من جنسيّته بدون وجه قانوني “.              مجلّة المختصر بونس أيرس

                               ماذا في لبنان ؟

     وتحت هذا العنوان قالت “المختصر” في عددها الثاني عشر ص 14:

 

ننشر فيما يلي رسالة وردت إلينا من السيّدة ماري حدّاد التابعة لمبادئ داهش – كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق – ومنها يجد القارئ شيئاً غير مستحسن عن الأحوال هناك . وهذه هي الرسالة :

عزيزي السيّد مسّوح ،

رسائلنا دائماً مهدّدة بالضياع …

لقد كتبت إليك فيما سبق ، وأرسلت رسالتي عن طريق دمشق لأثق من وصولها . المراقبة شديدة على كل مراسلاتنا ، والجواسيس يرفعون أخبارنا اليوميّة إلى الحكومة .

كثيرة هي الجرائد التي تنتقد أعمال الحكومة هنا ، فتنتشر كل يوم أعمال مغايرة لا تنطبق على العدالة . والحكومة تقابل هذه الانتقادات بأحد أمرين :

فإمّا أن توقف الجريدة ، وإمّا أن تعطي صاحبها شيئاً – مساعدة ماليّة أو وظيفة – ليسكت . ومن تعاسة البلاد أن هذه المعالجة ناجحة في الأمرين ، والأمور سائرة كما هي وكما كانت .

من مدّة كانت جريدة (النهار) تنتقد أعمال الحكومة بشدّة ، وتفنّد أغلاطها في مقالات متتابعة . ثمّ توقفت هذه السلسلة فجأة لسبب مجهول !…

ولكننا عرفنا بعدئذ أن صاحب (النهار) الأستاذ جبران تويني عُيّن لتمثيل لبنان في المجمع العربي أو في وظيفة أكبر …

والأستاذ يوسف السودا كان أيضاً ينتقد أعمال الحكومة ، فألّف كتابه (بروتوكول الإسكندرية) جمع فيه الكثير من المظالم والتعديات وأعمال الإرهاب . وكل ما قاله حقائق راهنة أثبتها هو بالأدلّة – أرسلت إليك في البريد نسخة من هذا الكتاب لتطالعه وتقول رأيك فيه .

ثم عُيّن الأستاذ السودا سفيراً في البرازيل … وانتهى دور تلك الانتقادات … لا أعلم إذا كان راضياً عن دفاعك عن نفي الدكتور داهش … والأرجح أنه لا يرضى لأن وظيفته تقضي عليه بأن يكون من رأي الحكومة ، إلاّ إذا كان جوّ البرازيل يجعله يحترم الحريّة الفكريّة ، أو يبيح النقد لسواه كما كان يبيحه لنفسه من قبل .

نحن نحتمل كل ما يصيبنا صابرين لإيماننا بأن النصر النهائي لنا مهما كانت القوّات التي تعترض سبيلنا .

إنني أتلفت إلى بلاد بعيدة – إلى أميركا- لأسمع صوتاً فيه شيء من الحقّ والنبل .

إني أتلفت لأسمع من فوق كل البحار ما يقوله قلم جبران مسّوح في قضيتنا .

 

                                                     ماري حدّاد

                                               بيروت ، 18 أيلول 1946

 

                             تعليق “المختصر”

 

هذه هي الرسالة .

ولا ننس أن التي تتكلّم هي شقيقة لور زوجة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة .

فإذا كانت هذه حالة مثل هذه الشخصيّة ، فكيف حال بقيّة الناس ؟…

ماذا عمل الدكتور داهش حتى استحقّ تابعوه كلّ هذا الاضطهاد ؟ إنّ المرسوم الذي صدر بنفي الرجل يفيد أن وجوده في البلاد يوجد الاضطراب والإخلال في السكينة … وهو ذات التعبير الذي يستعملونه في اللغة التركية بكلمة (تخديش أذهان) ، ولكننا لم نسمع شيئاً من الاضطراب والإخلال .

والدفاع الذي قدّمه المحامون عن داهش يبرهن بصراحة أن التهم التي وجّهت إلى الدكتور لم يثبت منها شيء – سوف ننشر دفاع المحامين فيما بعد – ثمّ إن الرجال الذين انضمّوا إلى داهش لا تدل مراكزهم على أنهم جماعة (تخديش أذهان) وهذه أسماء بعضهم :

الدكتور شاهين الصليبي ، الشيخ خليل طوبيا ، المستر دانيال أوليفر الإنكليزي ، السيّد أمين نمر بشارة ، الأديب حليم دمّوس ، الأستاذ يوسف الحاج الخطيب ، الدكتور جورج خبصا ، الدكتور فريد أبو سليمان ، الدكتور نجيب العشي ، التاجر يوسف حجّار ، الأستاذ إدوار نون ، المحامي فؤاد رزق وغيرهم من أدباء ومحامين وأطباء .

إنّ أعمال هؤلاء الرجال اليوميّة وتاريخ حياتهم وسائر حركاتهم ، تُبرهن لنا أنهم من رجال الذهن والفضيلة والنفع العام .

فكيف يمكن أن يدافعوا عن رجل إلى حدّ الاستماتة والتفدية إذا كان هذا الرجل صنيعة شرّ ، أو مسبّب قلاقل واضطرابات ؟!… ولكنّ السبب الحقيقي يجب أن نصرّح به ونشرحه من أساساته لكي لا تكون كتاباتنا بلا جدوى .

الصحيح أن رجال الإكليروس لا يوافق مصلحتهم هذا الدين الجديد . فهم ينظرون إليه كمزاحم ومخرّب . ولذلك يستعملون نفوذهم ضدّه كما صرّحت بذلك جرائدهم التي لم تنكر أن نفي الدكتور داهش كان بنفوذ المطران والكردينال (راجع أعداد المختصر السابقة).

أمّا الحكومة فلا تصرّح بهذه الحقيقة . ولكن عندها كلمة فنيّة مسبوقة جيداً تُقنع بها الناس وهي :

أولاً – (إن البلاد فيها أديان كثيرة فلا حاجة بها لدين جديد ). وهذه الحجّة فيها من التضليل أكثر مما فيها من الفن .

فإذا كان النظام يحمي أدياناً كثيرة ، فلماذا لا يحمي ديناً واحداً ؟ لماذا يجوز لكثيرين ما لا يجوز لواحد ؟

ثانياً – إن هذا (الدين الجديد) لم يقم على مبادئ وثنية ، أو أفكار منافية لذوقنا ومعتقداتنا ، بل هو (خلاصة أديان ثلاثة ) نحن نحترمها ونقدّسها ، أي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام .

ثالثاً – إن الغاية منه مهما اختلف نظرنا إليها لا نقدر أن ننكر أنها نبيلة ، وهي جمع الشرقيين تحت لواء عقيدة واحدة مأخوذة من مجموع عقائدهم .

رابعاً – إن المادّة (13) من الدستور اللبناني تقول :

” إنّ حريّة إبداء الرأي قولاً وكتابة ، وحرية الطباعة ،وحريّة الاجتماع ، وحريّة تأليف الجمعيات مكفولة جميعها ضمن دائرة القانون “.

فقضيّة داهش لم يحترمها أحد ، لا كعقيدة دينيّة ، ولا كفكرة اجتماعيّة ، ولا كجمعيّة توحيد ، ولا كرأي جديد يريد أن يقوله مفكّر . والأجدر بحكومة لبنان أن تعملها (خدّ وعين): فتصغي مرّة لرجال الإكليروس ، ومرّة لما يقوله البعيدون عن البلاد ، مثل المهاجرين مثلاً … الذين يريدون أن يعودوا إلى أوطانهم ، ومثل رجال الاصطياف الذين يحبون تلك الربوع لقضاء فصل الصيف فيها … فهذه الجماعات ترغب في أن تجد في البلاد حريّة تحميها :

حريّة فكر وعمل وسير واجتماع وعقيدة ، لأن هذه الحرية أصبحت أثمن ما في الحياة عند البعيدين عن الوطن . وكيف لا يشكّ هؤلاء البعيدون بتلك الحريّة إذا سمعوا ما يحدث لأتباع داهش ؟

فالحكومة ربحت وانتصرت في هذه المسألة . فنفت (داهش) من البلاد واضطهدت تابعيه ، ولكنها … خسرت من جهة ثانية ؛ خسرت ثقة أولئك الذين يذوبون شوقاً لرؤية تلك السماء ، وتنشّق ذلك النسيم ، وقطف تلك الزهور ، ومساعدة الوطن الغالي بما لديهم من الثروات الماديّة والروحيّة .

جبران مسّوح

 بونس أيرس- الأرجنتين

دفاع المحامين

                        في قضيّة الدكتور داهش

          نقلاً عن جريدة “المختصر” العدد 13، تشرين الثاني 1946

 

في مهاجمة الدكتور داهش كانت تقول حكومة لبنان :” إن قضيّة مناجاة الأرواح لم يقررها علم ، وأن الاتصال بالأرواح ينهك قوى الوسيط فيتضرر في صحته ، وأن الاعتقاد بهذه المسألة يمسّ العقائد الدينيّة “.

فتصدى للرد على هذا الكلام المحاميان الدكتور نون والدكتور فؤاد رزق ، وهذا دفاعهما :

إن مناجاة الأرواح تكاد تصبح حقيقة ملموسة بعد أن درسها أعظم علماء هذا العصر وتوصلوا لإثباتها باختبارات علمية حديثة “.

” إن العلماء الذين كانوا أعظم أعدائها صاروا الآن من أنصارها . فأنشئت المؤسسات لدرسها في جميع البلدان الراقية وانكشفت في ذلك حقائق لا يستطيع أن ينكرها أحد ، ونذكر من العلماء القائمين بهذا العمل : وليم كروكس ، أوليفر لودج ، كوري ، سيزار لومبروزو، شارل ريشه ، كميل فلاماريون ، هنري برغسون ، الكسي كارم ، وكلهم من أساطين العلم في هذا العصر “.

” ويا ليت رجال الحكومة اللبنانيّة يطالعون مؤلفات هؤلاء العلماء وينظرون في الدروس التي تعطيها المؤسسات العلمية في الولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا وألمانيا وغيرها . فضلاً عن المؤتمرات الدولية التي عقدت لدرس هذه العلوم الروحيّة “.

” إنهم لو طالعوا كل ذلك لتغير رأيهم وفهموا أن مناجاة الأرواح مذهب روحي سيصير مذهباً عاماً يوفق بين الأديان ويفتح أمام البشر آفاقاً جديدة ويثبت لهم حقائق كانوا يجهلونها … فتتلاشى أمامهم قوة المادة لتحل محلّها قوّة الروح ، وتتلاشى أنانيتهم ليحل محلها الإخاء والسلام “.

” وليس صحيحاً ما تقوله الحكومة من أن هذا المذهب الروحي يمسّ المعتقدات الدينيّة ؛ هو بالعكس يحترم كل الأديان المنزلة ويوفّق بينها ، وهو فوق ذلك يثبت خلود الروح بأدلّة راهنة ويبرهن للناس أن شقاءهم وويلاتهم وتعاستهم هي نتيجة طبيعيّة لأعمالهم الماضية “.

” وتقول الحكومة : إن هذا المذهب يوجد القلاقل …” ونحن نقول :

إن المبادئ التي تعلم الصلاح كلها توجد قلاقل في البداية ، لأن البشر يحاربون كل ما لا تفهمه عقولهم وما لا يتفق مع مبادئهم وأميالهم . والتاريخ يدلنا أن حرباً شعواء كانت تشن على كل من يقول للناس ما لا يفهمون “.

” إن الباب بولس الخامس حكم على نظريّة كوبرنيك القائلة بأن الأرض تدور . والمجمع المقدس لاحق غاليله كهرطوقي لأنه أكد نظريّة كوبرنيك ، فعاش كل حياته شبه أسير تحت مراقبة ديوان التفتيش . وسقراط حكم عليه بالموت لأنه كان يعلّم الناس أن يدرسوا أنفسهم . وباستور مكتشف الجراثيم ، قوبلت نظرياته بالهزء والسخرية وشنّ عليه معاصروه العلماء حرباً هائلة “.

” فلا يُستغرب إذن أن تشن هذه الحرب ضد الدكتور داهش ، وأن تلصق به كل فرية لأنه وسيط روحاني يقوم بأعمال لا تصدقها عقول البشر “.

” من واجب الحكومة أن تكون منارة للشعب . ولكي تكون كذلك يجب أن تعرف الحقيقة ؛ ولتعرف حقيقة الدكتور داهش يجب أن تدرس مبادئه وأعماله درساً عميقاً . فإذا رأت فيها ما يمسّ الدين والأخلاق أو القانون تحيله على القضاء ليحاكم ويحكم عليه بالسجن أو بالنفي ، لا أن تتأثّر برأي طائش أو مصلحة خاصة ، فتصدر ذلك الحكم من تلقاء نفسها دون تحقيق أو إثبات “.

” أمّا المحافظة على صحة الوسيط والقول بأن الوساطة في مناجاة الأرواح تنهك القوى وتعرض لقصر العمر ! فهذا القول دليل على أن القائلين لا يفهمون من هو الوسيط ؟ إن الدكتور داهش لا يعتمد في هذه الوساطة إلاّ على نفسه ، فهو الوسيط الوحيد . وإذا كانت حكومة لبنان تحاول أن تحافظ على صحته لكي لا يقصر عمره ، فالمحافظة لا تكون بنفيه وتشريده وتجريده من جنسيّته وعدم جواز سفر ، ولا تكون في وضعه خارج الحدود السورية ليكون عرضة لرصاص الحامية التركية أو لوضعه في السجن “.

” ليس ذنباً للدكتور داهش أن يكون وسيطاً روحياً لم يولد في الولايات المتحدة أو في إنكلترا أو فرنسا ليدرسه العلماء ، بل من نكد طالعه أن يوجد في لبنان حيث يسمح للمشعوذين والدجالين بالشعوذة والتدجيل ولا يسمح لرجل روحي أن ينير الأذهان “.

 

إدوار نون . فؤاد رزق

بيروت ، 16 شباط 1945

العدد الرابع عشر من "المختصر"

صدر العدد 14 من مجلّة المختصر وفيه عدّة قطع وأقوال ومقالات عن الرسالة الداهشيّة ومؤسّسها ، وها نحن ننقلها هنا تباعاً حسب ورودها في المختصر بتاريخ كانون الأول 1946.

                                        1

                                  شهادة عراقيّة

إن مأساة اضطهاد الدكتور داهش كانت نتيجة تعاليمه التي ساءت أقرباء آل حدّاد الجالسين على أرائك الحكم في لبنان ، فاتصلوا بهم ليعودوا عن تعلقهم بمبادئ داهش . ولكن هؤلاء رفضوا وأبوا إلاّ أن يكونوا أمناء لعقيدتهم … إننا نتساءل كيف يجوز لأي سلطة أن تضطهد فرداً من الناس لأجل عقيدة ، وهل نحن نعيش تحت سلطة الإرهاب الفادح ؟

                                                            “جريدة العالم الإسلامي العراقيّة ”                           

 

                                        2

                                  لأجل داهش

إننا نتحمّل الاضطهاد من عام 1942 بصبر وثبات … وثق أن عزيمتنا لن تهن ، وقناتنا لن تلين ، لأننا طلاب حق وحقيقة وعشاق مبدأ صحيح وعقيدة سامية … هيهات أن تقوى الظلمة على النور ، وهيهات أن تنهزم نسور الفضاء أمام خفافيش الظلماء .

                                                                حليم دمّوس

                                                                  بيروت

 

                                        3

                             معلومات عن داهش

في عدد أيلول من مجلة “الجامعة السريانيّة ” بعض معلومات عن هذا الرجل وصلت إليها من نحو عشر سنين ، منها : الدكتور داهش هو شاب سرياني الارومة ، جميل الطلعة ، ذكي الفؤاد ، متوقد الذهن ، حاضر البديهة . ومع أنه لا يتجاوز الخمسة والعشرين ربيعاً ، فقد نبغ في الفلسفة والأدب ، ونال شهرة واسعة في فضح التنويم المغناطيسيّ ، وذاع صيته في الشرق والغرب .

اسم داهش لقب أطلق عليه بعد أن نبغ في العلوم ، واسمه الأصلي سليم ، واسم أبيه موسى العشّي  . ولد في مدينة القدس سنة 1909 : له كتاب “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبديّة”.

وهذه التفاصيل يرجع تاريخها إلى سنة 1936 ، وهي توافق ما نشرته مؤخراً شركة روتر من حيث عمر داهش ومكان ولادته ونبوغه العجيب ، كما مرّ فيما سبق من أعداد المختصر .

وفي ذات العدد نشرت الرصيفة رسمه مذيلاً ببيتين من الشعر من نظمه ، ثم انتقدت الحكومة اللبنانيّة انتقاداً مرّاً لما ألحقته بالرجل من أنواع الاضطهاد التي لا تلائم روح هذا العصر .

                                       4

                                 ماري حدّاد

كتبنا عن هذه السيدة كل ما أوحاه إلينا الضمير بعد أن طالعنا الأوراق والوثائق التي وصلتنا عن قضية الدكتور داهش . فقد نظرنا إليها من وجهة دفاعها الخالد المجيد عن عقيدتها وعن الدكتور داهش وعن حرية الفكر ؛ وغير ذلك لا نعرف عنها شيئاً .

ولكن أجد كبار أدباء لبنان كتب إلينا شيئاً عنها . وبما أننا نثق بكلام هذا الأديب ننشر كلمته بحرفيتها . قال :

” إنّ السيّدة ماري حدّاد رسامة فنانة عالميّة ومديرة جمعية الفنانين في لبنان فضلاً عن أن آثارها وألواحها الزيتية مشهورة في أوروبا وأميركا . وهي في كتاباتها الإفرنسيّة تبزّ أشهر الكبة في لغة لامارتين وهوغو ، وذلك بشهادة أشهر أدباء فرنسا ورجال صحافتها . كتبها مترجمة إلى بعض اللغات ولوحاتها الآن في متاحف فرنسا وغيرها مثل ” لوكسمبورغ”. وألقيت محاضرات عن فنّها وآثارها “.

                                     5  

فهمت من متابعة حادث الدكتور داهش أن الرجل يدعو لتوحيد الأديان .

وفي اعتقادي أن هذا عمل عظيم في تاريخ البشر ، ويمكن أن يكون تكملة لما أسسه المصلحون .

فأنا أحبّذ الفكرة ، مع معرفتي أنها لا تخلو من صعوبة . فهي تقضي بجمع الأديان الثلاثة في دين واحد وجعله على صورة تلائم روح هذا العصر ، وتطابق ما اكتشفه العلم من الحقائق وتؤدي بكل تعاليمه إلى إيجاد الألفة والسلام .

وأتمنى من كل مفكرينا أن يدرسوا هذه القضيّة بنزاهة وإخلاص وتسامح لأنها أحسن دواء لأمراضنا الطائفيّة ؛ وهو حادث عظيم إذا أفادنا قد يفيد العالم بعدئذ .

ولا نستغرب ما تصادفه من المقاومات ، فإن الأعمال العظيمة في التاريخ كلها لقيت اضطهادات ومعاكسات . فقضيّة داهش تسير سيراً طبيعياً من حيث المقاومات التي تلاقيها ومن حيث التفاف أفراد حولها يدافعون عنها إلى حد الاستماتة لاعتقادهم بصحتها … في النهاية تربح الحقيقة ، والحقيقة تنتج خيراً .

المسألة تستحق الدرس والعناية والمتابعة ، ويكفي الدكتور داهش فخراً أن قصده نبيل وأنه لقي لأجله التعذيب والاضطهاد والتشريد كما لقي غيره من جميع المصلحين في التاريخ .

                                                                سليم خبّاز

                                                              كولونيا البيار

 

                                 أوليفر الأميركي

              العدد الثاني من “المختصر” السنة الثانية ، شباط 1947

في قضية الدكتور داهش يظهر رجل أميركي أسمه أوليفر ، يدل كلامه على أنه متدين ، وعنده ذلك التصوف الجامد الذي لا يوجد إلاّ عند الأميركيين . ومن رسالته التي أرسلها إلى ماري حدّاد نفهم تداخله في هذه القضية واهتمامه بها . وهذه رسالته بحرفيتها :

” شعارنا : الأمر الصعب يمكن تذليله بسرعة ، أما الأمر المستحيل فيحتاج إلى أكثر من الوقت “.

عزيزتي السيدة ماري حدّاد ،

تلقيت رسالتك المؤرخة أول شباط 1946 وأظن أنني فهمت جيداً جميع أقوالك وكل ما تشعرين به ، لهذا أودّ أولاً أن أؤكّد لك أنني شعرت دوما وما زلت أشعر بأعمق عواطف الصداقة نحوك ونحو عائلتك في جميع ما قمتم به من أعمال البطولة بإصداركم سلسلة كتبكم السوداء التي كشفت الحقيقة أمام الرأي العام .

أما أنت فإنك ولا شكّ تعذبت كثيراً ، وكل أخ داهشي منكم قد اضطهد أيضاً . وإنني آسف أن تكون جميع هذه الآلام قد نزلت عليكم من أهلكم الظالمين الذين اتخذوا مناصبهم لقضاء مآربهم المفضوحة أمام الشعب .

وقد استأذنت لأشاهدك عندما كنت في العصفوريّة مسجونة ، ولكنهم أجابوني أن هذا الأمر ممنوع . والآن جميع ما حصل صار ماضياً ، ويجب أن لا نتذكر الماضي لأن الحاضر وحده يهمنا .

والأمر الذي أود أن أنجزه ، والذي في سبيله سأعمل كل ما أستطيع صنعه هو رجائي إياك أن تصفحي عن أعدائك مع أني أتأكّد كم هو تأثير الجريمة الهائلة التي قاموا بها في نفسك المتألمة للنتائج المؤسفة التي تمت بواسطة تدخلاتهم غير المشروعة بتاتاً …. وتأكدي إنني أبتهل إلى الله في كل صباح ومساء لأجل هؤلاء المعتدين . والآية القائلة ” اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن لمن أساء إلينا ” هي في نظري أهم آية ملائمة لكل واحد منا .

إن قلبي مملوء من العطف والمحبة نحو الدكتور داهش . وأن ذكره يطرق في خاطري وبمر ببالي خمسين مرّة وأكثر في كل يوم . هذه هي الحقيقة التي اعترف بها بحريّة وفخر .

نعم إنني أذكره وأفكر به دوماً ، وإني على ثقة بأن الله عز وجلّ سيوجهنا إلى الطريق التي ستنقذنا من هذا المأزق المملوء بالشرور وسوء التفاهم الذي هم أرادوه بمحض رغبتهم وقصر نظرهم .

لقد قمت في الماضي بجميع ما يمكن صنعه من أجله ، وإنني أشعر وأتضرّع أن أجد طريقة للخروج من الحالة الحاضرة خوفاً من تفاقم الأمور وحدوث عواقب وخيمة هم بغنى عنها لو يعلمون .

وإنني أؤمن أن روح الله ستقودنا وترينا ماذا يجب عمله في هذا السبيل … كان لي صديق اعتاد أن يقول لي :” يجب أن تحذر فعل الأمر الصالح بطرق معوجّة “.

وإذا أذنت لي أن أعطيك فكرة ، فهي أن تكوني صبورة ، وأن لا تسمحي لأحد في أي ظرف كان أن يعمل أمراً مضرّاً أو مؤذياً .

إنني أعترف بأنك تعذبت كثيراً في جميع الأحوال التي مرّت عليك ، ولكن لا تدعي هذه الآلام تقسّي عواطفك بل ارتفعي بالصلاة وثقي بالله لأنه سيدع الحق منتصراً وسينتج من جميع هذه الحوادث المؤسفة أمور طيبة مملوءة نعمة وغبطة .

إنني أفكر بمشروع هام ، وسأجتهد أن أقوم به في سبيل انتزاع حق الدكتور داهش المسلوب . وإنني أؤمل أن أستشير الأستاذ نون في وقت قريب لأخذ رأيه ومساعدته في هذا الأمر بصفته من رجال القانون والمحاماة .

وفي جميع التحارير التي يمكنكم أن ترسلوها إلى الدكتور داهش أرجو أن تقدّموا له أعطر وأطيب تحياتي وأن تقولوا : إنني لا ولن أنساه .

وإنني أكرّر لك اشتراكي القلبي في جميع الأمور التي مررت بها ، واقبلي مع زوجك العزيز السيّد حدّاد أعطر تحياتي .

                                                          دانيال أوليفر

                                                     رأس المتن ، 7 شباط 1946

 

                               جنسيّة داهش

 عن الجزء الثالث من العام الثاني ، آذار 1947 ، مجلّة (المختصر)

كتب إلينا أحد كبار المحامين في لبنان شيئاً عن هوية داهش من الوجهة الشرعيّة قال :

” وُلد داهش في القدس سنة 1909 من أبوين بروتستانتيّين …. انتقلت عائلته إلى لبنان عام 1914 … توفي والده سنة 1920 … كانت طفولته وحداثته في تعاسة وشقاء لقلّة ذات اليد .

في سنة 1922 تمت معاهدة لوزان الدوليّة التي حدّدت جنسيّة الرعايا العثمانيين سابقاً … وكانت نتيجة هذه المعاهدة أن يختار هؤلاء الجنسيّة التي يرغبونها في البلدان الجديدة التي خلفتها معاهدة فرساي :” فلسطين ، لبنان ، سوريا ، العراق الخ …” فسجّلت عائلة داهش في عام 1922 ، وفي المدّة القانونيّة في مدينة طرابلس ، وهكذا اكتسبت الجنسية اللبنانية .

وقد أدخل لبنان بنود معاهدة لوزان في قوانينه الوطنيّة ، وهكذا أصبحت جنسيّة داهش تحت ضمانة قانون دولي عام وقانون وطني خاص “.

كتاب مفتوح

 العدد الرابع من “المختصر” ، السنة الثانية ، نيسان 1947

إلى الأستاذ سليم خبّاز

سيدي

كان لي السرور في أن أقرأ كلمتك في “المختصر” حول الداهشيّة ، وكانت لي الغبطة في أن أجد رجلاً وإن كان بعيداً عنا فهو قريب بالروح والعاطفة والاتجاه .

نعم يا سيدي !

فأنت من الأفراد القلائل بين الشرقيين ممن أدركوا فوراً عظمة أهداف الرسالة الداهشيّة وقدروها حق قدرها وأصابوا بنبال عقلهم النيّر لبّها وجوهرها .

فرسالتنا كما قلت ترمي إلى تحقيق ما تتمناه أكثريّة الناس ألا وهو وحدة القلوب في وحدة الأديان والأجناس والألوان .

ولا يمكن أن تتمّ هذه الوحدة القلبيّة الروحيّة وتثمر ثمارها الشهيّة في الحقل الماديّ إلاّ إذا اقتنع البشر بصحّة تلك الحقيقة الخالدة .

إن الله خلق الإنسان ليكون أخاً لأخيه الإنسان ، فلا سائد ولا مسود ، بل الجميع سواسية في الحقوق والواجبات .

ولم تكن الشرائع الدينيّة المختلفة الألوان ، والمذاهب الفلسفيّة القديمة والحديثة إلاّ لغرس هذه الفكرة في عقول الناس ودفعهم على السير في طرق العدالة والمحبّة في تصرّفاتهم وأعمالهم وعلاقات بعضهم ببعض .

ونحن نعتقد أن جميع الأديان سماويّة ، ونزيد على ذلك فنقول :

إن كل من عمل في سبيل الخير ، وكل من ساهم في رفع مستوى الإنسانيّة ورقيها في الحقلين الروحي والمادي ، هو رسول ونبيّ ومصلح . فسقراط وأفلاطون والمسيح ومحمّد وبوذا وكونفوشيوس قديماً ، وغاندي وطاغور وزغلول وسواهم وسواهم من الحكماء والعلماء والأطباء والمخترعين والأدباء الحديثين ممّن تفانوا في سبيل إخوانهم وضحّوا لأجل رفع مستوى هذا المجتمع … هم جديرون بالتقدير والاحترام العميق ، وعلينا أن نقتدي بهم ونسير في الطريق التي ساروا فيها .

فنحن الداهشيين مسيحيّون بالصميم ، وغايتنا القصوى أن نجتهد في تنفيذ تعاليم المسيح .

ونحن الداهشيّون مسلمون بتقديرنا العميق للنبي محمّد ولجهاده الجبار في سبيل إنقاذ أمته من براثن الجهل والعبوديّة والوثنيّة .

ونحن بوذيون لاحترامنا الكلّي لتعاليم بوذا نبي الهنود ومرشدهم .

كما نحن – خبّازيّون ، ومسوحيّون لتقديرنا العظيم لما قام به خبّاز ومسّوح في سبيل العدالة وفي سبيل نشر تلك المبادئ السنية التي ستغمر العالم بأسره بعذوبتها ورحابتها وتخلق تجديداً روحانيّاً اجتماعيّاً هائلاً يعصف بتلك الذهنيات القديمة البالية عصفاً فيقتلعها ليبني مكانها صرحاً جديداً يتقبله العقل وينشرح له الصدر فيقضي على البغضاء والتعصب والجهل والظلم والفقر والشقاء ويقود الإنسان إلى غاية سعيدة في هذه الحياة وما بعد هذه الحياة .

ويؤسفني أن أعلّل أن هذه المبادئ التي تهزّ الصخور ، وتستهوي العقول ، والتي وهبناها قلوبنا وأفكارنا وسواعدنا وأموالنا لم يقم أحد في لبنان للدفاع عن صاحبها المظلوم ومناصرته ضدّ ظالميه .

فتأكدنا أن جميع قاطني هذه البلاد من أدباء وصحافيين ووزراء ونوّاب ، نعم ، تأكدنا أن جميع هؤلاء خضّع خشّع عندما يكون المعتدي من أصحاب الصولجان … ولذلك صمتوا صمت سكّان القبور ، ولم يجرؤ أحدهم على مجابهة الظالم وإرغامه على العودة إلى حدود القانون والدستور .

وسيدوّن التاريخ هذه الوقفة المخجلة ، وهذا الجبن المعيب ، وهذا الذل المريب .

كما أنه سيدوّن بأحرف من النور أسماء من قاموا في الأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة وفرنسا والعراق ومصر وسواها من البلاد التي يقطن فيها أو تستضيف أبناء الضاد فدافعوا بأقلامهم الحرّة عن الحق الهضيم ، وهاجموا المجرم الأثيم .

ولنا الأمل أن نثيرها هوجاء على صفحات الجرائد العربيّة والغربية في بلاد المهجر ، وأن تنشر ما يستسيغه ضميرك حول قضيّة داهش والداهشيّة ، ولك شكرنا الجزيل .

جوزيف حجّار الداهشيّ

بيروت ، 7 آذار 1947

المسألة الداهشيّة

 مقالة صاحب “المختصر” في العدد الرابع من السنة الثانية ، نيسان 1947

 

في كل ما نشرناه عن داهش لم نُرد شيئاً غير الدفاع عن (حريّة الإنسان).

فقد نفي الرجل وجُرّد من جنسيّته بلا محاكمة … وذلك بتأثير نفوذ بعض رجال الدين كما صرّحت بذلك إحدى الجرائد الدينيّة .

فما دخل الدين في دوائر الحكم في بلاد تدّعي أنها فصلت السياسة عن الدين ؟ هكذا كانت بداية اهتمامنا بالموضوع .

ولكننا لم نشأ أن نندفع قبل أن تكون لدينا أدلّة كافية ، فسألنا هذا وذاك ، وكتبنا إلى دوائر رسميّة وغير رسميّة نطلب إيضاحات لكي لا نظلم أحداً . وعند وصول سفير لبنان الأستاذ السودا إلى البرازيل كتبنا إليه نسأله شيئاً عن حقيقة الأمر ، فأجاب بكتاب فيه أربعة سطور من الكلام الدبلوماسي الذي لا يدلّ على شيء ، وقضيّة داهش لم يذكرها .

ونحن نعلم أن بعض كبار أدباء لبنان تنام أقلامهم عندما تفيق وظائفهم . ولكننا لم نشأ أن نضع الأستاذ السودا بين هذه الطبقة ، وأخذنا نلتمس له الأعذار من هنا ومن هناك لكي يبقى حسن ظننا فيه ثابتاً لا يتزعزع .

وعندما قدم هذه الجمهوريّة ، كتبنا عنه قطعة نرجو أن يكون الأستاذ السودا قد قرأ مثلها كثيراً في حياته .

ثمّ أخذت تصل إلينا تفاصيل الحادث من بعض المصادر بأوراق ووثائق ومنشورات كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى ، ونشرنا عن القضيّة ما نشرنا ، ولكن جريدة جديدة ظهرت في لبنان اسمها (الزمان) كشفت لنا أمراً مكتوماً ما كنا نتوقعه قط .

فهذه الجريدة من أول ظهورها تبيّن أنها موالية للحكومة ، إلى حد أن المصادر العليا تطلعها على ما يدور بينها وبين سفرائها في الخارج . فقد نشرت هذه الصحيفة في عددها 14 تاريخ 19 كانون الثاني من هذه السنة ما يأتي :

” أرسل سعادة الأستاذ يوسف السودا وزير لبنان المفوض في البرازيل إشعاراً إلى الحكومة اللبنانيّة يبلّغها فيه أن جماعة الداهشيّين أرسلوا مبلغ خمسة آلاف ليرة لبنانيّة إلى جريدة (المختصر) الصادرة باللغة العربيّة في بلاد المهجر حتى تشنّ حملة شعواء على عدد من الشخصيات اللبنانيّة الكريمة ، والزعماء السياسيين ، وبعض الأدباء والصحفيين ، فتتناولهم بالطعن والافتراء وتلصق بهم التهم المزوّرة النكراء .

وقد بدأت تلك الصحيفة حملتها المأجورة ممّا حملنا على أن نطالب الحكومة بوضع حدّ نهائي لهؤلاء الموتورين . فإمّا بإرسالهم إلى مستشفيات الصحة ، حيث كان بعضهم إذا ثبت عتههم ، وأمّا بزجهم في السجون إن كانوا مسؤولين .

وعلى كل حال فإننا نطلب إلى القضاء اللبناني أن يردّ سلسلة الدعاوى التي أقامها جماعة داهش على نفرٍ من كرام أدباء البلاد باسم داهش :

أولاً – لأن داهش نفسه مجرّد من الجنسيّة اللبنانيّة ومن حقوقه المدنيّة ، ومبعد عن البلاد بتهمة الإخلال بالأمن والأخلاق .

وثانياً – لأن جماعة ما انفكوا يصدرون المنشورات البذيئة التي يتطاولون فيها على أكرم المقامات في البلاد .

بهذه فقط تطهّر البلاد من تلك الأدران المعشعشة فيها .

وإننا ننصح الزميلات بالامتناع عن مساعدة هؤلاء المهووسين في غيهم المستنكر ، وبالتروي قليلاً الاسترسال في حملة مشبوهة كهذه “.

وما أكتفت (الزمان) بذلك بل عادت في عددها 21 من ذات الشهر فنشرت هذه القطعة :

” تحدّثنا في عددنا الأخير عن القيمة التي تقاضاها صاحب جريدة (المختصر) الصادرة في بونس أيرس على أسم جبران مسّوح لكي يقوم بحملة تعرض لمؤازرة الداهشيين الموتورين بالتهجم على كرام الشخصيات اللبنانيّة من سياسيين وأدباء وصحفيين وأعيان ووجهاء .

وإننا بهذه المناسبة نسأل حكومتنا الموقرة بالمختصر عن سبب عدم لجوئها إلى ردّ هذه الوريقات الأثيمة فتحظر دخولها البلاد “.

هذه أقوال جريدة الزمان ، ومنها نفهم أن الأستاذ السودا مهتمّ بمسألة داهش ، ويراقب كل ما يقال فيها ، حتى عرف بالدقة والضبط القيمة التي قبضتها المختصر لقاء حملاتها على كبار الشخصيات .

ومع ذلك فنحن لا نصدّق ما روته جريدة (الزمان) ونريد أن تكون كذابة مفترية على الأستاذ السودا . ولكن هذا التكذيب لا يجوز لنا أن نعلنه نحن بل ذلك يتعلق بمعاليه ، ويجب أن يكذبه بنفسه إذا شاء ، أو أن يثبت علينا الأستاذ السودا هذه الرشوة إذا كان لا يكذب قول الجريدة .

أمّا صاحب (الزمان) فقد وردت علينا تفاصيل عن تاريخ حياته لا نتعرّض لها ولا نذكر اسمه لأنه لا يستحقّ منا هذا الاهتمام ، ولكننا نريد أن يفهم هو وغيره أن (المختصر) لا تخسر كثيراً إذا صادرت أعدادها حكومة لبنان ، ولكن (لبنان) في غياب المختصر يخسر ما لا تعوّضه عليه كل صحف العالم “.

 جبران مسّوح

بين السائح "والزمان"

                                    صاروا اثنين

       جاء في العدد 5 من “المختصر” السنة الثانية ، أيار 1947 ما يأتي :

 

في العدد الأخير من مجلّة السائح ورد مقال عن قضيّة داهش جاءت فيه هذه العبارة :

” قد ظنّ حليم دمّوس أنهم يحترمونه في أميركا ، غير عالم أنهم فاهمون حقيقته ، فأخذ يرسل مبالغ المال إلى صحف المهجر لتنشر الأكاذيب الخداعة عن قضيّة داهش ومنها خمسمئة ليرة لبنانيّة أرسلت إلى مجلّة المختصر الصادرة في الأرجنتين الخ ..”

ومن هذا الكلام نفهم أن صاحب (السائح ) يريد أن ينضم إلى الأستاذ السودا ليكون الإثنان ضدنا ، ولا بأس بذلك بشرط أن ينزل الأستاذ عبد المسيح حداد عن أكتاف نسيب عريضة ليرتاح قراؤه من موضوع ويلتهوا بموضوع .

ولكن (السائح) تجعل القيمة خمسمئة ليرة بينما الأستاذ السودا جعلها خمسة آلاف ، فلماذا تكون المختصر رخيصة هكذا بنظر الأستاذ حداد فيهبط سعرها هذا الهبوط المخيف ؟

ولكن الجماعة أولاد كار ، فالسائح جريدة أسبوعيّة ، بينما الراية التي كان يصدرها الأستاذ السودا كانت يوميّة ، فكلّ منهما ينظر إلى الموضوع بحسب نفقات جريدته ومع ذلك يكون صاحب الراية أكرم في هذا التعديل .

أما جريدة الزمان التي كشفت أمر هذه الرشوة فأمرها غريب ، فهي تعد المختصر ورقة أثيمة لتطلب من حكومة من حكومة لبنان أن تحظر دخولها البلاد – ولكنها من جهة ثانية تواصلنا بإعدادها تباعاّ كأنها تطلب أن نبادرها وسوف نبادلها لأننا ما تعودنا أن نرد طالباً .

والزمان جريدة جديدة لها حق بالحياة إذا كانت عملاً نظيفاً يعتمد على كفاءة صاحبه ومؤهلاته . أمّا إذا كانت جريدة تعيش من “النفقات السرية”، فالمسألة فيها غباوة وتبذير . إن الزبون ما هو كاتب ولا صحافي ولا صاحب حيلة ، والقطر الشقيق عنده في بيروت أحسن من صاحب الزمان وأرخص .

                                                           مجلّة المختصر

                                                            بونس أيرس

 

                                 القضيّة الداهشيّة

          العدد السادس من “المختصر” السنة الثانية – حزيران 1947

 

الحقيقة أننا إلى الآن لا نعرف من هو داهش ، وكل الذي قرأناه له لا يستحق الاهتمام ، بل لم نفهم منه شيئاً . ولكننا نقرأ تلاميذ داهش فنجد أن هناك قضيّة تستحق الاهتمام ؛ هناك حادث لا يقدر الضمير أن يمرّ به بلا اكتراث .

فنحن بين أمرين ، إما أننا لم نقرأ ما كتبه داهش لنفهم ماذا يريد هذا الرجل ، أو أنه من الرجال الذين وجدوا ليعلّموا لا ليكتبوا ، ليوجدوا تلاميذ لا ليتركوا مؤلفات . وفي التاريخ أكثر من واحد من هذا النوع ، أي من الذين خاطبوا الإنسانيّة رأساً وبلغوها رسالتهم بدون وساطة القلم والقرطاس .

فعرفنا من تلاميذ داهش السيدة ماري حدّاد التي دافعت عنه دفاع المستميت ، دفاعاً لم يسطر نظيره قلم عربي في هذا العصر . وكل ما يؤخذ عليها استعمالها بعض الألفاظ التي لا تلتئم مع مقاييس آدابنا . فقد نسيت السيدة ماري حداد أن لنا طبائع العبيد ، فلا نحاسب المستبد على أنواع مظالمه ، لأننا جبناء في هذا الموقف ، ولكننا نحاسب المظلوم على ما يفوه به من أنواع الكلام ، لأننا شجعان في هذا الموقف .

وعرفنا من تلاميذ داهش الأستاذ جوزيف حجّار الذي نشرنا له رسالة في المختصر وقرأنا له بعض مكاتبات تبرهن أنه رجل تفكير وله غرض في الحياة غير الأكل والشرب واللباس . وهذه الطبقة من الناس هي التي يجب أن نهتم بها ، أن نصغي لما تقول ، أن نتحادث معها ونتبادل الآراء لكي نصل إلى حلّ المشاكل التي تتألّم الإنسانيّة منها .

ودارت مراسلات بيننا وبين عدد من أتباع الرجل ، فكان كلامهم كله من نوع واحد ، لا كذب ، لا حيلة ، لا غرض حقير ، جميعهم يرون في الرسالة الداهشيّة المثل الأعلى الذي يدافعون عنه حتى الموت ؛ جميعهم ثابتون أمام الاضطهاد والعذاب والسجون ؛ جميعهم تجمعهم عقيدة واحدة .

فإذا لم نحترم هذه الجماعة ، وإذا لم نلتفت إليهم ، فنحن إذن أكثر من عبيد . نحن حيوانات لا تستحق أن تكون بمصاف البشر .

إلى أن وصل إلينا مؤلّف كبير الجحيم عنوانه :” الدكتور داهش”، ومؤلفه الأستاذ يوسف الحاج ، وفيه تفاصيل وافية عن الرسالة الداهشيّة . ومن هذا الكتاب نقدر أن نأخذ صورة واضحة عن هذا الرجل العجيب الذي نرجو أن يدرسه كل الذين غرضهم في الحياة غير الأكل والشرب والنوم .

قبل حرب 1914 كان العالم مخدوعاً بما وصل إليه من رقي وحضارة . كان يعتقد أن زمن الحروب قد مضى ، وأن الناس وضعوا التفاهم موضع الخصام ، وأن الإنسانيّة وصلت إلى ما كان يحلم به المصلحون … ولكن تلك الحرب قلبت هذا التفكير ظهراً على عقب ، وبرهنت أن الإنسان لا يزال على وحشيته ، لدرجة أن ولز ، الكاتب الإنكليزي ، وقف مصعوقاً وقال : ما هذا ؟ إذن نحن مخدوعين في الماضي ؟ إذن هذه الحضارة كلها أشياء ظاهرية ؟”.

وبعدها بقليل جاءت حرب سنة 1939 ، فزادت الطين بلّة . وأدرك المفكرون أن الإنسانيّة كلها في خطر ، وأن هذا المخلوق البشري سوف ينتحر في حرب ثالثة إذا لم يقم رجال الذهن في العالم كله لتلافي هذا الخطر . وكان داهش من هؤلاء الرجال الذين يشعرون أنهم مسؤولون عن شقاء الإنسانيّة ، وأن الواجب يدعوهم لخوض هذه المعركة ليؤدي كلّ رسالته . فمنذ بدأ يفكر ، أخذ يهتمّ بهذه الناحية ، ناحية إصلاح البشر .

يقول داهش : إن أسباب هذه الحروب التكالب على المال ، على المقتنيات . هو طمع الإنسان بما عند سواه ، وهو ما يسمّونه الاستعمار والاستثمار . ويسمي داهش كل ذلك انهماك الإنسان بالمادّة ، وابتعاده عن الروح . وهو يرى أن المادة وحدها تجعل البشر أن يصيروا بمصاف الحيوانات ، بينما الروحيّات تجعلهم أن يرتقوا إلى عالم أعلى كله سعادة ونعيم . إذن يجب أن نعود بالناس إلى الروحيّات .

وليست المسألة سهلة كما نظن لأول وهلة ، بل هي صعبة جدّاً ، لأن إدخال التعاليم الروحيّة إلى الأذهان كان سهلاً في الماضي عندما كان الناس في ظلام من الجهل . أما الآن فصار صعباً لأنهم تعلّموا ، واغترّوا بما تعلّموا … فالذي يبشر بهذه التعاليم يجب أن يأتي عن طريق العلم ليجد من يصغي إليه … وخاض الدكتور داهش هذه المعركة بكل ما فيها من الأخطار . فأراد أن يعود بالناس إلى الروحانيّات بأدلة وبراهين يقبلها العقل ولا تصطدم مع العلم .

والذين ينكرون مثل هذه التعاليم لهم اعتراضات معروفة : هل الله موجود ؟ ما هو الدليل على ذلك ؟ هل النفس خالدة ؟ ما هو البرهان على هذا القول ؟ هي يوجد رجال يجوز أن نطلق عليهم لقب أنبياء ؟ كيف يمكننا أن نتثبّت من ذلك ؟

لمعالجة هذا الموضوع أخذ داهشنا يدرس مناجاة الأرواح والتنويم المغناطيسي لأنها أقرب العلوم لحل المشكلة التي يريد أن يعالجها . وبرع في هذه المعارف إلى حد شهد له به أكبر علماء أوروبا . وبهذه العلوم أقنع الذين تبعوه فصدقوه وآمنوا بمباديه ، وهم من رجال الأدب والعلم والطب والمحاماة والتعليم كما ذكرنا من قبل .

أما النبوءات فيقول داهش عنها : النبي هو الذي غرضه في الحياة إنقاذ الحق من بين أنياب الباطل . وبقدر ما ينصرف إلى هذه المهمة ويضحي في سبيلها ويثبت أمامها تكون نبوته أعظم . وإن كل حركة يقوم بها الإنسان دفاعاً عن الحق وغيرةً عليه ، سواء كانت قولاً أو عملاً أو فكراً ، هي حركة فيها شيء من روح النبوة .

فكل الذين ظهروا في التاريخ باسم أنبياء كانت أغراضهم نبيلة . وإذا اختلفوا في تعاليمهم من بعض النواحي فذلك لاختلاف العصور التي ظهروا فيها . وأن تعاليمهم إذا جمعناها إلى بعضها يمكننا أن نستخرج منها عقيدة روحيّة جديدة تكفل سعادة الإنسان وتزيل كل الفوارق الموجودة الآن بين البشر . وبهذه الوسيلة يعم السلام ويسود الإخاء وتنظف القلوب من الأحقاد والضغائن .

هذا شيء من تعاليم داهش … وكان الرجل سائراً في جهاده ينتقل من فوز إلى فوز ، غير عارف أنه يحمل جريمة لا نقدر أن نغفرها له ، وهي أنه ابن بلادنا … فلو جاءنا بهذه التعاليم أحد رهبان فرنسا وإيطاليا ، أو أحد مبشري الإنكليز والأميركان لتلقّيناها بالرضى والقبول ، وأعجبنا بها ، ثم نشرناها بكل سرعة لأنها من مصدر أجنبي .

أما أن ينادي بها رجل ولد تحت سماء شرقنا ، ويقولها لنا باللغة العربيّة … فهذا دجّال مشعوذ … يريد أن يستولي على عقول الناس … يحاول خدع النساء وسلبهنّ الأموال . وبما أنه كذلك فيجب أن نجرّده من جنسيّته بلا محاكمة … ولا نقبل أن يدافع عنه أحد … وأن نسلّمه لأقسى رجال البوليس وأكثرهم بربريّة … ليشتموه ويحقّروه … ويصفعوه ويجلدوه حتى يتمزّق لحمه … ثم نطرحه على الحدود التركيّة عرضة لجميع الأخطار .

وتوهمت الحكومة أن الحركة الداهشيّة انتهت هناك ، وأنها انتصرت على الرجل بهذا الأبعاد ، وصار يمكنها أن تنام ملء جفنيها . ولكن المبادئ في العالم لها طبيعة لا تتغيّر . فهناك على الحدود التركية حيث ترك الرجل بين مخالب الشقاء والمخاوف ، هناك بدأت حياة داهش الحقيقيّة . هناك انتهت مصالح حكومة وبدأت مصالح إنسانيّة تعيسة . هناك سكت الوزراء والحكّام ورجال الأمن ليتكلّم رجل عظيم . فلم يُترك داهش وحده وراء تلك الحدود ، بل التقى في ذلك القفر بضمير الأمة التي اضطهدته .

هذا غرض داهش من الناحية الإنسانيّة ، وله غرض آخر من الناحية الشرقيّة لا يقل عن الأول شرفاً ونبلاً . فهو يريد أن يجعل أبناء العربيّة أمّة واحدة بإزالة كل ما بينهم من سوء التفاهم . وهنا يتعرض إلى أمر خطير لم يسبقه إليه أحد ، وهو أن يخبر جميع نصارى الشرق من هو محمد .. لأن جميع نصارى الشرق لا يعرفون محمّداً إلى الآن .والصورة التي له في أذهانهم لا تنطبق على الحقيقة ، لأنها صورة استعماريّة وضعها في عقليتنا قسوس روما وباريس ووعاظ لندن وواشنطون وبرلين .

فالمستعمر لم يسلبنا ما في أراضينا من الأغلال والذهب والبترول فقط ، بل وضع في أذهاننا دروساً سامّة تجعل بين المسلمين والنصارى نفوراً لا ينتهي ، وخصومة تنمو مع مرور الأيام . فأراد داهش أن يجلي العدو عن عقولنا كما انجلى عن أراضينا ، بأن ينزع عن هذه الشخصيّة ما أحاطه الأجنبي بها من الأكاذيب ، ويعطينا عن محمد الصورة الصحيحة التي نحن بأشد الحاجة إلى معرفتها في هذا العهد .

وهذا الموضوع يجب أن نبحثه على المكشوف . فرجال أمّتنا يبذلون جهود الجبابرة لإزالة هذا العداء القديم بين مسلم ونصراني . ونحن لا ننكر مساعيهم الحميدة لأنها تستحق الإعجاب . ولكننا ندل مفكري النصارى إلى هذه الفكرة الداهشيّة لاختصار الطريق . فمن الآن يجب أن يمارسوا هذا العمل الخطير بأن يفهموا عامة المسيحيين ما هي الأمة العربية وما هو فضل محمد عليها وماذا كان شأنها لولا ظهوره .

نذكر بهذه المناسبة أننا سألنا ذات يوم المرحوم الدكتور حبيب اسطفان : ما رأيك في محمد يا دكتور ؟ فتنهّد اسطفان من أعماق صدره وقال :” آه ! آه ! محمد هو الرجل الوحيد الذي لم تنصفه الإنسانيّة إلى الآن”.

والذي لا نزال نذكره إلى الآن ليس جواب المرحوم ، بل تنهّده العميق الذي يدلّ على ألم عميق .

وداهش يتكلم عن النبي العربي كثيراً ، ويبيّن رسالته وفضلها على التفكير الإنساني ، وينصح كل مسيحي أن يدرس الموضوع بإخلاص ونزاهة ووداعة ، فتنكشف له حقيقة جديدة ، وتزول كل الفوارق التي بينه وبين أخيه المسلم ، ويكون زوالها حقيقياً هذه المرّة لأنه قائم على درس وإنصاف وإمعان .

هذا الذي عرفناه إلى الآن عن هذه القضية . ونحن نترك الحرية لجميع الناس في أن يصدقوه ، أو لا يصدقوه . ولكننا نترك الحرية أيضاً للدكتور داهش ليقول ما يشاء ، ونترك الحرية لأتباعه ليعتقدوا بما يشاؤون .

إننا لا نعرف ما هي الشريعة التي تجيز لنا أن نضطهد هذا الرجل لأجل هذه التعاليم ، ثم تجيز لنا أن نسلّم أطفالنا إلى رجال الرسالات الأجنبيّة ليملأوا أذهانهم بالأضاليل والسموم .

إن داهشاً لم يهاجم الأطفال ، بل هاجم الرجال الأكفّاء ، رجال العلم والثقافة والأدب والفلسفة والشعر . علّمهم وأقنعهم ، فصاروا له تلاميذ أمناء ، يتعذبون ولكنهم لا يخونون . يسجنون ولكن ذكرهم يبقى حراً طليقاً يخبر الناس عنهم . إن هؤلاء الشجعان يحقّ للشرق أن يفتخر بهم لأنهم أعطونا دروساً خالدة في الثبات على المبدأ ، والصبر على الشدائد ، واحتمال جميع الآلام لأجل العقيدة .

 مجلّة المختصر

 بونس إيرس

 المقالة الثانية في العدد 6 ، حزيران 1947

الدسائس والوشايات

            المقالة الثانية في العدد 6 من “المختصر” حزيران 1947

نشرنا في الأعداد الماضية خبر الرشوة التي قبضتها المختصر من الداهشيين لقاء تحاملها على كبار الشخصيات … وهذا الخبر يدل على أن الوشايات والدسائس صارت لها دوائر خصوصية في بلادنا ، كما لها أشخاص يهتمون بها كأنها عمل قائم بذاته . ولا تستغرب ذلك لأن هذه الدوائر كانت موجودة بكثرة في أيام الاستعمار ، فمن الطبيعي أن يبقى أثرها ولا سيّما أن المستعمرين تركوا في بلادنا عدداً من تلاميذهم الذين تعلّموا كلّ هذه الفنون وبرعوا فيها .

ولكننا نلاحظ أن هذه المؤسسات خسرت الكثير من التنظيم وضبط الإدارة ، فصارت أعمالها مضطربة مبلبلة . فجريدة الزمان في بيروت تقول إن القيمة خمسة آلاف ليرة ، بينما جريدة السائح تقول إنها خمسماية . وهذا الفرق يجعل الوشاية تخسر رونقها وروعتها كما يجعل الناس أن يشكّوا فيها . فمن سداد الرأي أن تكون القيمة هي هي في الجريدتين للوصول إلى الغاية من هذا الخبر ، وليبقى في أذهان الناس ولو برهة من الزمن .

وهو ما نلفت إليه أنظار الشأن في أوطاننا ليتلافوا الأمر في مسألة هذه الوشايات ويتقنوا أعمالها بكل ما يصل إليه الإمكان لكي لا يقول المستعمرون إنّهم تركوا لنا دوائر منظمة فخربناها ، لقلقة الرجال الأكفاء الذين يملأون كراسيها .وقد جرى أمر يدل على هذه الفوضى ، نورد تفاصيله للغرض نفسه وهو إلفات الأنظار . وذلك أن الأستاذ حليم دمّوس كتب إلينا رسالة بتاريخ 17 نيسان من هذه السنة ، وأخذها بيده إلى دائرة البريد . ولكن رجال التجسّس السرّيين كانوا يقتفون أثره وهو غير عالم بذلك ، فما كاد يضع الرسالة في صندوق البريد وينصرف حتى أسرعوا واستولوا عليها . وبعد أقل من ساعة كانت الرسالة بيد المراجع العليا .

ومثل هذه الرسالة كان يجب أن يعرف فحواها ، ثم تحفظ بعناية ودقة للرجوع إليها عند اللزوم . ولكن حدث ما يخالف ذلك تماماً . فقد بقيت على مكتب تلك المراجع مدة 23 يوماً أي إلى 9 أيار . وفي هذه الفترة كان جماعة داهش قد عرفوا بالأمر فقاموا بجهود عجيبة حتى استولوا على الرسالة وأرسلوها إلينا بطريق آخر .

ومن هذا الحادث نعرف درجة عدم التنظيم في الأعمال ، كما نعرف اهتمام أتباع داهش بقضيتهم وسهرهم عليها وبذلهم في سبيلها ما عزّ وهان . وهذه هي الرسالة :

أخي الحبيب جبران

بالأمس وصل بريد الأرجنتين وفيه عدد 14 من المختصر .

وبالأمس – 16 نيسان- حضر رجال التحري إلى منزل الرسالة الداهشيّة ، وقبضوا على الأخت ماري حدّاد ، وزوجها جورج حدّاد ، وصهرهما جوزيف حجّار واعتقلوهم . وهم الآن في سراي البرج التي تحولت إلى مديريّة الأمن العام … هذه مأساة جديدة من تلك السلسلة التي لها بداية وليس لها نهاية .

وكل ذلك لأنهم لم يعيدوا إلى الدكتور داهش جنسيته ، ولأن ماري حدّاد لا تسكت إلى أن يعود الحق إلى نصابه والعدل إلى أربابه .

واتصلت تلفونيّاً بوزير الداخليّة وأفهمته سوء مغبة هذا الأمر ، فأجابني : إن النيابة العامة نظمت مذكرة توقيف ضدك وضد الدكتور فريد أبو سليمان . فقلت : مرحباً بالظلم يأتيني ويأتي إخواني في سبيل عقيدتي الراسخة .

أكتب إليك هذه العجالة وأنا أتأهّب لدخول السجن مع إخواني وأخواتي بين الساعة والساعة في سبيل مبدأ نبيل نحيا ونموت في سبيله ، وثغورنا تبتسم . وإذا متنا جميعاً ، فعقيدتنا حية خالدة لا تموت ، ولن تموت ، لأنها الحق وهل يفنى الحق ؟

عذراً لهذا الاختصار ، فأشياء كثيرة نريد تحضيرها قبل دخول سجن الرمل . وهناك سنجتمع بكثيرين من السجناء الأبرياء .

                                                              حليم دمّوس

                                                            17 نيسان 1947

قبل وضع الرسالة في البريد صدرت الجرائد الصباحية وفيها خبر اعتقال من ذكرتهم وإليك ما قالته جريدة “تلغراف”:

قالت – ” بعد ظهر أمس أوقف السيد جورج حدّاد وقرينته الأديبة والمصوّرة الفنّانة السيّدة ماري حدّاد ، وصهرهما السيد جوزيف حجّار . وهم الآن رهن التحقيق في دائرة الأمن العام بتهمة إذاعة مناشير وكتب تتعلّق بالدكتور داهش وقضيته .

وقد أصرّوا أثناء التحقيق على موقفهم الجديد وقالوا إنهم لن يكفّوا عن أعمالهم واحتجاجاتهم الصارخة إلا بعد إعادة الجنسيّة للدكتور داهش الذي يشاع أنه سيعود إلى لبنان قريباً .

وسنوافي القراء بما سيكون في هذه القضية التي يتحدّث الناس كثيراً عنها في كل مكان .

الذي أرسل إلينا رسالة الأستاذ دموس بعد الحصول عليها يقول :

اليوم 9 حزيران ولا يزال الأستاذ حليم دموس وجورج حدّاد ورفيقة حياته ماري حدّاد النبيلة وصهرها جوزيف حجّار – لا يزالون سجناء ضمن أربعة جدران .

 

                                         سيّدة تستغيث

                 العدد السادس من “المختصر” السنة الثانية ، حزيران 1947

نشرنا في هذا العدد رسالة الأستاذ حليم دمّوس وماذا جرى لها . ثم وصلت إلينا رسالة غيرها من أحد الأدباء يقول إنّ أولئك المسجونين التعساء يقاسون عذاب الجوع والشتم والجلد . وقد كتبت السيدة ماري حدّاد من السجن بعض سطور تمكنت بعد جهد جهيد من إرسالها إلى أحد ذويها ، وهذا أرسلها إلينا عن غير طريق بيروت . وهذه هي الرسالة بحرفيتها :

” إنني أستصرخ ضمير العالم المتمدن على الجريمة المرعبة التي ارتكبها الأنذال ضد امرأة عزلاء بريئة … لقد جلدوني بضعة أيام باستمرار حتى تمزّق لحمي وتدفّق دمي وأصبحت أقرب مني إلى الموت من الحياة … وقد جلدوا قريني جورج حدّاد وصهري جوزيف حجّار … كما أنهم جلدوا الشاعر حليم دمّوس … لقد وضعونا بزنزانات منفردة وهم يشتمونا ويهينوننا ويجيعوننا … وكان انتقامهم الدنيء هذا لأنني كشفت جرائمهم سلسلة كتبي السوداء … بلّغوا صحافة الشرق والغرب أننا نكاد نلاقي حتفنا …

أليس من عدالة … ألا يوجد ضمير حي … ألا يوجد صاحب حمية يندفع لإنقاذ أبرياء من جلد السياط … بلغوا جبران مسوح كي يذيع للمهاجرين أنباء جلدنا المحزن … واطلبوا منه أن يذيع خبر هذه الجريمة في صحافة المهجر … إن جبران نبيل القلب ، نقي الروح ، طاهر الوجدان … استنجدوا به لأن صحافتنا يديرها زمرة من العبيد المنقادين للماديات … بلّغوا مسّوح … بلّغوا مسّوح …”

                                                    المعتدى عليهم ماري حدّاد

والذي أرسل إلينا هذه الرسالة قال :” إن بعض أنصار الحق رفعوا برقية بهذا الحادث إلى رؤساء وزعماء وحكومات وصحافة العالم العربي يطلبون النجدة ولكن الحكومة منعت إدارة البرق من استلام هذه البرقيّة “

ثم يقول المراسل : إن الحكومة بذلت كل جهدها في إخفاء خبر هذه المعاملة للمسجونين ولكن جهودها لم تنجح لأن الخبر قد ذاع ووصل إلى الصحف التي لم تتجرأ أن تنشره .

وعندما شعرت الحكومة بانفضاح الأمر عرضت على السيّدة ماري حدّاد أن تطلق سراحها بشرط أن تكتم خبر جلدها وتعذيبها . ولكن السيّدة رفضت هذا الشرط .

مجلّة المختصر

بونس أيرس

وبعد، من هو الدكتور داهش؟

مِمّا سَبَق عَرْضُهُ، تتضّح صورة الدكتور داهِش :

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!