حِسْرَة
لَهْفَ نَفْسي على الشَّباب يَهْوِي كالشُّهُب!
يمضي… وكأَنَّهُ البَرقُ قد وَمَضَ!
يا لَهُ مِنْ حُلُمٍ جَميلِ رَاوَدَني ثمَّ مَضى!
يا لَبُردةِ الشبابِ القشيبةِ وقد غابَتْ!
يا لأناقتها الفتانةِ وقد ذابتْ!
لقد مرَّتْ وتلاشتْ كتلاشي السُحُب!…
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
أنّ السُّجود والخضوع لغير الله كفرٌ وزندقةٍ وشعوذةٌ
وغرُبت الشمس
توطئة
يضمُّ هذا الكتاب بين دفّتيهِ مجموعة أفكار وأحاسيس وخواطر بدأ بترجَمَتِها المؤلّف ووضْعِها ضمن الإطار الأدبي بدءاً من العام 1974. هذا العام الذي شهد التحوّل الروحي والفكري في حياة الكاتب وذلك بعد تعرّفهِ إلى الدكتور داهش وتقبّله له هادياً ومرشداً ومخلّصاً،.. وهو العام الذي أعلن فيه المؤلف عن ولادته الثانية حيث نراه يودّعه بهذه الكلمات:
“ إمضِ يا عام،
إمضِ بما حملته لي من جواهر لا تُقدّر بثمن،
إمضِ فلن أنسى بهاءك مهما حييت،
وكيف أنسى وبك ولدتُّ، ولدتُّ وكان عمري الأرضيُّ 25سنة.
25سنة قضيتها في صراعاتٍ رهيبةٍ لاتُغني عن الحقِّ شيئاً، قضيتها وكأنها لم تكن.
وهكذا نرى، أخي القارىء، أنّ تعرّف الكاتب إلى الدكتور داهش لم يكن أبداً بالأمرِ العادي في حياته، إذْ أنّه أفرغ جعابه من زاد ماضيه حيث كانت تتصارع بداخله صراعات رهيبة بحثاً عن نفسه وعن حقيقة وجوده.. واختار درب داهش،فراحَ يتهادى عليه متلمّساً الحقائق الروحيّة، ناهلاً من عينها ما استطاعت سعة قدرتهِ أنْ تستوعب وتتحمّل، ومعلناً على الملأإيمانهِ برسالته:
وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ
“فلكلِّ قومٍ هادْ”،
نعم هو الدكتور داهش بأفكاره وتعاليمه مَنْ يقف خلف كلّ كلمةٍ خطّها المؤلف في هذا الكتاب. وهو الدكتور داهش مَنْ دفعَ بهِ إلى رأس الجبل، ومِنْ ذلك العلو، ومن خلال عينيه وفكره وقلبه، نظر إلى العالم وإلى كلّ ما يدور من حواليه نظرةً ثاقبة وأخذ ينقل المشاهد التي يراها ويحسّها مشهداً مشهداً كشاهدٍ رفض الواقع المؤلم وآلمه وقعهِ على مستقبل البشرية الروحي:
“لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي ..”
نعم هو الدكتور داهش مَنْ أغدقَ عليه بالمعارف والحقائق عن واقع الحياة وأسرار الموت وخفايا العوالم المعروفة والمجهولة، وهو لا ينكر له ذلك، لا بل نراه يثبّت داهش في حياته معلّماً أنار له درب الله ومحبّة رسلهِ وهداته:
“علّمْتَني حبَّ المسيح الفادي
علّمْتَني عشق الرسول الهادي،
علّمْتَني لله وحده العبادة
علّمْتَني لصادق الأعمال وحده القيادة،
علّمْتَني الكثير والوفير
علّمْتَني للحقِّ أنْ أكون نصير،
لذا بحبّكَ قلبي نابض
ويداي لمحراث الحقيقة قابض،
فالشكر لله الواحد الأحد
على ما علّمْتَني يا داهش الأبد.”
وأخيراً، أخي القارىء، “وغربت الشمس” نضعها الآن بين يديك وفاءً للكاتب بعد مرور عام على وفاته (توفي في 20 تموز 2015)، وقد تمَّ اختيار هذا الإسم من وحي المناسبة بعد أن غَربت شمسه عنّا لتسطع في مكانٍ آخر.
ملاحظة: نرجو أنْ لا يُؤخذ علينا ورود أخطاء في إعداد هذا الكتاب، إذ آلينا على أنفسنا أن نترك الأمور على حالها إلّا في بعضٍ منه حيث عملنا على ما استدعى التدقيق.
أسام محمود عطوي
20/6/2016
أبي الغالي
مقدمة بقلم ماجدة عطوي (الإبنة الوحيدة للمؤلف ولها ثلاثة أشقّاء). كتبتها بعد أن علمت بمرض والدها المميت، فعبّرت بوجدانية وعفويةٍ من خلالها عن شكرها وامتنانها لوالدها مختصرة كلّ ما أرادت أن تقوله له بأنّه في نظرها “العالم بأكمله”.
أبي الغالي
أبي، أنا لستُ شاعرةً ولا أديبةً لكي أُلبِسَ كلماتي لِباساً منمّقاً محبوكاً بخيوطٍ لغويّة بليغة لكي أًعبّر لك عن شكري وامتناني لك طوال مسيرة حياتي..
كيف أبدأ بشكري لك ومِن أين أبدأ!!
أبدأ بشكرِك والدي الحبيب عندما استقبلْتَني في هذه الحياة لحظة ولادتي، وحضنْتَني وفرحْتَ بمجيئي..
أشكرك عندما أخذتَ بيدي، وعلّمتني أن أقف على قدميَّ، وأن أخطو خطواتي الأولى..
أشكرك عندما أمسكتَ يدي، وساعدتني لأخطّ حروفي الأولى، وكيف أُوصلها بعضها ببعضٍ لتشكّل أُولى كلماتي ..
أشكرك على خوفِك وحرصِك عليَّ، ولأنّك كنت حارسي في كلِّ خطوة من خطوات حياتي..
وأشكرك، يا والدي الحبيب، على الطريق الذي أرشدتني إليه لكي أخلُصَ من شرور هذه الحياة وأنقذ نفسي من وهدة الهلاك، ولعلّي، بإذنٍ من الله عزّ وجل، أكون من عباده الصالحين..
نعم، أشكرك يا أبي الحبيب، وكل ذرّة من ذرّات نفسي تشكرك، مع يقيني بأنّ لا من شيء يقدر أن يفيكَ حقّك، ولا من كلمات مهما عظمت تستطيع أن تعبّر لك عن عمق حبّي وتقديري وإخلاصي لشخصِك أنت يا مَنْ فتحتُ عينيّ على مرأى وجهك اللطيف الساطع..
أحبّك يا أبي كثيراً كثيراً..
أحبّك، أبي، يا مَنْ أنتَ في نظر كل العالم أبي، وفي نظري أنا أنت العالم بأكملهِ..
ماجدة محمد عطوي 26/5/2015
خلجات نفس
ليس ما أحلم به أجده في هذه الحياة……..فأنا أبغي السّعادة والخلود.
**********
سخافةٌ هي حياة الدّنيا…. فكأسها مُرُّ المذاق…. وعيشها شقاءٌ ونكدٌ وألم .
**********
يستقبل النّاس عامهم الجديد بزغاريد الفرح تلوكها السنتهم، وأمّا أعماقهم فتكون مُمزّقة ، ومُتمنيةً أن تسكت هاتيك الألسنة وإلى الأبد.
**********
في بداية كلّ عام، يخرج النّاس من حجابهم الكثيف، فيُظهرون بواطنهم، تلك البواطن التي لو قُدِّر للشيطان رؤيتها لولّى هرباً وفزِعاً منها.
**********
ألليل سكينة أرادها الله لعباده، وأراده الشيطان بركاناً فائراً مُتأجّجاً، فيا للهول ويا للبشاعة، ففي مطلع كلِّ عام تنتصرُ إرادة الله من على لسان البشر، وتنتصرُ إرادة الشيطان في قلوبهم.
31/12/1974
إمضِ يا عام
إمضِ يا عام،
إمضِ بما حملته لي من جواهر لا تُقدّر بثمن،
إمضِ فلن أنسى بهاءك مهما حييت،
وكيف أنسى وبك ولدتُّ، ولدتُّ وكان عمري الأرضيُّ 25سنة.
25سنة قضيتها في صراعاتٍ رهيبةٍ لاتُغني عن الحقِّ شيئاً، قضيتها وكأنها لم تكن.
فامضِ يا عام، فلا ولن تمضي من قلبي المفعم بحبّك، ونفسي المملوءةِ بودِّك.
فيك يا عام وجدتُ ذاتي، وجدتُ نفسي، وجدتُ ما ضاع منّي في عالمي المليء بالشّقاء، الرّاتع في أحضان الرّذائل، والمُحاطِ بأسلاك الِرِّياء والدَّجل والخِداع، والمُقيّد بسلاسل الدّنس والسُّفل.
بوركتَ عاميَ الطّاهر، بوركتَ كونك فتحت أمامي أبواباً كانت ما تزال موصدةً، بوركت لأنه خلال حُكمك وجدتُّ سبيلاً قويماً ودعوةً سنيّة، بوركت لأنه معك استعدتُّ ما فُقِدَ منّي في سنيَّ أل 25.
جزاك الله خيراً أيّها العام، وزادَ نورُك ضياءً في عالمك الجديد، وجعل خلفكَ ووارث أيامك مباركاً مثلك.
أمّا أنت أيّها العام الجديد القادم، بربّك ماذا تحملً لي، أشقاءً ورياءً، أم صفاءً وهناءً وبهاء!! فكلُّ أملي أن تكون كسلفك بي رحيماً، وبضعفي وقلّة حيلتي وكثرةِ آمالي مُحبّاً وعطوفا.
مُنى نفسي أيّها العام القادم لتحكم أن أرى خلال أيامك من أتوق لمشاهدة أنواره المشرقة،وأن ينتصر الخيروتعلو رايات الحقِّ وتُسبّح ألسنةُ الطُّهرِ خلال ثوانيك ودقائقك وساعاتك وأيامك وشهورك، وأن يُهزم الباطل ويُدحض، ويتقهقر شيطان الطّمع والجشع والحقد والحسد في نفوس البرايا، وتسطع أنوار الرّوح المباركة، فيُدَكُّ وإلى الأبد سلطان إبليس الزّنيم.
31/12/1974
إليكِ
حينما أعود إليك يا فرحة القلب الزّاهر
سأُغنّي أُغنيةً حالمةً صافيةً لعينيك السّاهرتين
وأضُمُّ ذاتي إلى حضنك المُحي بشوقٍ فائق
فأحتمي بين جنبيك كما تحتمي فراخ الطّيرِ تحت جناحيّ أُمّها
وما ذلك إلاّ لأنّي منكِ انبثقتُ وإليك لا بُدَّ أن أعود.
الطريق إليك يا فرحة النّفس وزهرة والفؤاد
مفروشةٌ هي بالشّوك والسّهد والعذاب
لكنني بحقٍ وجدٍ سأسيرها لأبلغك
لأنه بكِ سعادتي وفرحة نفسي
لذا لابدَّ أن أسير ما يصعب من طرق
وأحطّم ما يعترضني من أصفادٍ وقيود.
أيّتها الرّوح النّقيّة البهيّة التّقية!
يا من اعطيتني كياني منذ الأزل،
ويا من تحافظين على وجودي إلى الأبد،
إليكِ لا بدّ أن تكون عودتي،
وفي قصرك المنيع السَّني سيكون مسكني وحتّى الآبد.
14/6/1975
لبنان إنسانك اليوم
هُنا وهُناك،
في بيروت وطرابلس، في زحلة وصيدا وصور،
شبابٌ وشابّات،
رهبانٌ وشيوخ،
متعلّمون وجهلة،
فُقراء وأغنياء،
بُسطاء وزعماء،
جميعهم للسلاحِ حملوا، وبالخناجرِ تمنطقوا، وللقنابل كدّسوا، وللخنادقِ حفروا، وللمتاريسِ أقاموا، فانقسم الميدان بين يمينٍ ويسار، و(مسيحية) و(إسلام)، فلعلع الرّصاص، هدرت المدافع، وتفجّرَ البارود، وسال الدّم سيلان بركانٍ غاضبٍ فائر، وكُشِّرت الأفواه عن أنيابٍ أين منها أنيابُ الذِّئابِ السِّيبيرية، وطالت الأظافرفكانت كمخالبِ أشرسِ الحيوان، وكان ذلك كلّه لتقتل دون رحمة، وتفتك دون شفقة.
أتباع يهوذا، ذاك البائع سيّده(سيّد المجد) الطّاهربرنين الفضّة، يريدون بيع الإنسان في لبنان، ناهجين نهج سيّدهم ومُعلمهم الأسخريوطي اللّعين.
وأ تباع يزيد السِّكير المُعربد، قاتل حفيد رسول الله ببريق السُّلطةِ،يذبحون الإنسان اليوم في لبنان، وهم بذلك مُخلصين وأوفياء لمرشدهم وسيدهم يزيد الشّيطان.
وأتباع شهوات الحسِّ والحواس، أولئك الجاعلين من القرن العشرين أنهار دماءٍ قانية، فإنهم يريدون نحر الإنسان في لبنان، وهم ما خرجوا بذلك عن درب سادتهم الجزّارين بعدما لنفوسهم السّادية تقمّصوا.
وأمّا أتباع الجلاد فرنكو، فإنك تراهم يستميتون في تنفيذ كلّ طرق الجلاد وأساليبه الدّكتاتورية البغيضة.
هؤلاء هم المتصارعون اليوم في لبنان، تراهم أخصاماً في الظّاهر، وحُلفاء في الغاية والهدف، والكلّ، نعم الكلّ، شيطانُ الأرضِ يسيرهم، ونفوسهم الخبيثة المملؤة مكراً وخداعاً ودمويةً هي وحدها الّتي تنير لهم دروبهم، وكم كان وصف الكتاب المُقدس صادقاً حين وصف أجدادهم، وما هم إلاّ امتداداتهم اللعينة، فقال بهم وبأمثالهم:
- ما من أحدٍ بار، لاأحد
- ما من أحدٍ يبتغي وجه الله،
- ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.
- ما من أحدٍ يعملُ الصّالحات، لاأحد،
- حناجرهم قبورٌ مُفتّحة، وبألسنتهم يمكرون،
- سمُّ الأصلالِ على شفاههم،
- أفواههم ملؤها اللعنةوالمرارة،
- أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء،
- وعلى طرقهم دمارٌ وشقاء،
- سبيل السلام لا يعرفون،
- وليست مخافة الرّبِ نصبَ عيونهم*
فيا هداكم الله، أفيقوا، إنهضوا من سباتكم العميق، اخرجوا منْ ظلام كهوفكم العفنة، ولتستنيروا بنور الحق السّاطع.
أيّها الضّالون المخادعون، قايين لم يكن شيطاناً مارداً قطْ، ولا هابيل ملاكاً سماوياً مُتجسداً، بل هما كانا من أبناء أدم السّماوي، وتقاتلا، والباعث كان الحسد والحقد، فكانت صفة إبليس لقايين كونه خضع بخنوعٍ لرغباته السُّفلية السّاقطة، وكانت الشَّهادة صفة هابيل وما ذلك إلاّ لخضوعه لميوله النّفسية العلوية الرّاقية.
أيّها التائهون الحائرون :
الإنسان أخو الإنسان،أأحبَّ ذلك أمْ كان له كارهاً، هذه هي الحقيقة، فلا أسْودَ ولا أبيض، ولا مؤمن ولا كافر، ولا عالمٍ ولا جاهلٍ، ما كلِّ هؤلاء إلاّ بشراً، والله يشرق شمسه عليهم جميعاً ويرزقهم جميعاً، ويهب لهم الحياة جميعاً، وهو، نعم وحده هو، الحق له بأخذ ما أعطى، واسترداد ما وهب، وليس إطلاقاً لغيره من حق.
أيها المبجّلون المحترمون:
غاية الطّالب من الجامعة تحصيل المعرفة، وعندما يتناسى الطالب غايته وهدفه، فلا يكترث إلاّ بالنّدوات والمؤتمرات والمباريات والإضرابات والمظاهرات، عندها لن يكون حصاده غير النّدامة والخيبة والفشل الذّريع..
فيا رعاكم الله،
لا شكّ أنّ هناك غاية لوجودنا الإنساني على ظهر هذا الكوكب التّعيس الشّقي بقاطنيه، وهو الذي وصفه رسول الله بنار المؤمن وجنّة الكافر، ووصفه يسوع ا لفادي بالعالم الزّائل الفاني، والغاية أيها الضّائعون المتبلبلي العقول ما هي إلاّ تنقية النّفس من شوائبها وأدرانها، والارتفاع بها حيث البهاء والسّمو والتّعالي، (فما خلقت الأنس والجن إلاّ ليعبدون) أي يعرفون، وللحقِّ يخضعون وبطرقه يسيرون، وطريقة ذلك ممارسةٌ للفضيلة وتمسّكٌ بأهدابها، ونبذٌ للرذيلة قولاً وعملاً وتطبيقاً، وصقلٌ للنفس بمحاربة خصائص الغرور والكبرياء، والخضوع لمحبّة السّلطة والتّسلط. وعندما ننسى غاية الوجود الأصلية، فلا بدّ ساعتذاك من حصادٍ مخيف، وفشلٍ ذريع.
لبنان انسانك اليوم سلك دروب الشّيطان، وها هو يحصد نفوس المعذّبين التّائهين الضّائعين، وما خوفي إلاّ على إنسان هذا الكوكب من أن يسلك هو الأخر درب انسان لبنان، وعند ذاك سيمضي ويلٌ ليحلَّ مكانه ويلات. فهل من يسمع؟ وهل هناك (مِنْ ذوي الحلّ والرّبط) مَنْ يعي؟ أمْ أنّه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون؟
20/3/1976
سلام الأرض
مضحكٌ هو سلامك أيّتها الأرض،
هزليٌ ومُمثلٌ متفوقٌ إنسانكِ أيّتها الحياة،
فهو لأجل السلام لاينثني عن إزهاق الأرواح، وإغراق أديمك بالقاني من الدّماء، وزرع الحقول بالجماجم، وتدمير العمران، وتهجير السّكان، وفعل فعل كلّ ما يخطر من خطرات الفكر للشيطان.
سلامه يظنُّ أنّه لن يتحقق إلاّ إذا فعل ما سبق وصفه منْ فعال، ولا يوطّد إلاّ إذا أثمرت يداه كلّ شائنٍ ومسخٍ وقميءٍ. لكنّ الحقيقة، نعم الحقيقة،والتي لا بُدّ للعقلاء من إدراكها، ولبني الإنسان وعيها وتفهّمها تقول بلسانٍ واضحٍ ومبين:
إسمعْ أيّها البشريُّ المسكين، منفاك لا ولن يكون نعيماً لكَ ولأبناء جنسك، فالمنفى قدِ اخترته أنت بإرادتك وميولك ورغائبك، إذاً فلتحصد مرارة النّفي ولتَذقْ آلمه بصبرٍ وثباتٍ ولتُعفّر جبينك تذللاً أمام سُدّة الْعليّْ، فعسى لك يرحم ويغفر.
ها هوذا يسوع الفادي يخاطبك عبر الأجيال قائلاً: عالم الأرض عالم فانٍ، فاصنع للفاني ما هو فان، واعمل للآبديّ ما هو دائمٌ وباق (إعطي ما لقيصرٍ لقيصر، وما لله لله).
وها هوذا محمّد الهادي يخاطب فيك العقل قائلاً:( أنت في عالمٍ هو جنَّةٌ للكافر ونارٌ للمؤمن). وها هي الحقيقة قد صَفَت لمن له لبٌ يعي وعقلٌ يُفكّر، فكانت كلمة السّماء مُشرقةً ومُنيرةً وجليةلأبناء الأرض حيث قالت: (زُيّن للناس حُبُّ الشّهواتِ من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة منَ الذّهبِ والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث …ذلك متاعُ الحياة الدّنيا …والله عنده حسنُ المآب.)
وبعد كُلِّ هذا، ها هي الأرض قد جذبت إليها بنيها،وتزيّنت كعروسٍ مجليةٍ، وأبانت كلّ شهواتها لامتلاك منْ يرغب فيها. لكنّ العاقل منْ آثرَ السّلامة فتغلّب على شهواتها الدّنية ورغباته الزّرية، وعرف كيف يخْلصُ منْ أشراكها الّتي له نصبت، ويأخذ منها ما يزوده فقط للوصول إلى شاطئ الأمان الحقيقي، وبرِّ الأمان الذّهبي. وأمّا المجنون الفاقد العقل فهو الباحث عن الشيء في غير موضعه والرّاجي للماء وسط السّراب.
لقد جاء من السّماء، ان السّلام منْ أسماء الله الحُسنى، فهناك فقط نجدُ السّلام، لأنّ الله هو السّلام ، ومنه وحده السّلام، وإليه مرجع السّلام.
12/3/1977
رسالة إلى جبران
جبران! أيّها الحكيم وصاحب النفس التّقيّة النّقيّة، ويا من حَكَمَتْ عليك رغباتك فتجسّدت في أرضنا الزّريّة الشّقيّة، فنقشت خلال أيامك القصيرة إسمك بإحرفٍ من نورٍ على وجه الزّمن.
جبران! بدوري اليوم أنا أُبلغك بعد إنتقالك للعالم السّامي حيث تقيم هانىء البال، سعيد النفس، تُحيطك الغبطة الإلهية، أُبلغك ما جدَّ في عالمنا الأرضيّ الزّريِّ من أحوالٍ وأخبارٍ، مع يقيني أنّك أخبرُ منّي بذلك وبمراحل.
جبران، يوحنّاك المجنون ما يزال في عرف الناس مجنوناً، لأنّه ما زال يبحثُ بنفسه عن الحقيقة المُقدّسة بين دفّتيّ الكتاب المُقدّس، وكهنة الدّير ما زالوا بسياط ألسنتهم الإبليسية يجلدونه.
جبران، يُوحنّاك المجنون وجد أنّ السُّجود والخضوع لغير الله كفرٌ وزندقةٍ وشعوذةٌ، وكهنة الدّير يصرّون بعنادٍ على بيع صكوك الغفران، وإصدار الحُرمِ على من يخالفهم شعوذاتهم ومُعتقداتهم التّدجيلية من ركوعٍ وسجودٍ لتماثيل خشبيّةٍ هم وأسلافهم من الهراطقةِ صنعوها ونحتوها.
جبران، يوحنّاك المجنون ما زالت تشعُّ في حنايا نفسه كلمات يسوع الخالدة:… لاتعبدوا ربيّن، الله والمال….وكهنة الدّير ما زال يراهم سُجّداً ورُكّعاً بتبتلٍ لصنمهم العجل الذّهبي، وما زال أيضاً يرى أقبية قصورهم المُسمّاة أديرةً مملؤة بأموال اليتامى والمساكين والفُقراء والأغنياء الأغبياء ممّن يتبعونهم من المخدوعين.
جبران! خليلك الكافر لايزال في عُرفِ النّاس كافراً، وما ذلك إلاّ كونه ُيشاهد الكهنة كعجولِ الحقول نهماً وانتفاخاً، ويرى الفقراء والمحتاجين في الوقت ذاته يتضوّرون جوعاً ويتألّمون حرماناً.
جبران، خليلك الكافر مازال كافراً، لأنّه بكُلِّ نفسه أصغى لصوت المسيح الهادرِ القائلِ:…لاتكنزوا لكم في الأرضِ كنوزاً…وتراه يرى بأُمِّ عينيه كيف هي الأديرة فاقت ببذخها قصور الجنِّ وقصور ألف ليلةٍ وليلة.
جبران، خليلك الكافر مايزال كافراً،كونه فتح عينيه فرأى المسيح في إنجيليه يحملُ سوطاً مجدولاً يطرد به بائعي الحمام والحملان،ويجلد به الصّيارفة داخل الهيكل، وما زالت كلمات سيّد المجد ماكثةً في ذهنه وتحفظها نفسه حين وبّخ الدجاجلة قائلاً: … بيتي بيت صلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص…
اليوم خليلك الكافر يرى كهنة الدير وقد استبدلوا بيع الحمائمِ ببيع أوهامٍ خرافيّة وآمالٍ سرابيّة للمساكين والعجائز، وبدلّوا الصيرفة فجعلوها ذخيرة كاذبة وشفاعةً مدنّسة.
جبران، يسوعك الناصريّ في كتابك “النبيّ” ما زال حيّاً في أحلام الزمن القادم، ويسوع النصارى اليوم أضحى صنماً معلّقاً وسط كنيسة، يسوعك ما زال روحاً لم تلده بتول، ويسوع النصارى اليوم عجلاً ذهبيّاً تُقدّمُ إليه القرابين من أنّات اليتامى وزفرات المفجوعين.
جبران، عبّاسك في “أرواحك المتمّردة” لا يزال قويّ العزيمة شديد البأس متسلّطاً متمرّداً، والبسطاء من الناس ما زالوا حملان وودعاء ومخدوعين.
عبّاسك ما زال قادراً ونشيطاً، وكاهن الدير ما زال أفعى غادرةً في أنيابها السمّ الزعاف، والفقراء البسطاء لا زالوا كالحمائم وداعةً.
جبران، “راحيلك” ما زالت لخليلها ترى، وهو قد غطّاه الثلج وسط العاصفة العاتية، وبدل المبادرة بإنقاذه كما تصوّرت أنت، تخاذلتْ وتجاهلتْ وإلى كوخها البارد التجأت مرتقبةً عودة زوجها الراحل والّذي يقينها أنْ لا عودة له، فالمسافر كزوجها سفرهُ أبديّ وغيابه سرمديّ.
جبران، “محبّتك” التي أنشدتها وأنشدها بعدك عبر الأثير كلُّ ذي صوتٍ رخيمٍ ونفسٍ ساميةٍ تراها اليوم مُنشدةً في الكنائس والمعابد، ولكن ويا للمأساة، فإنّ أناشيد البلابل وتغاريد الحساسين لا ولن تستطيع الغربان النسج على منوالهِ، وحينما يفترُّ ثغرُ أمُّ عامرٍ عن ابتسامةٍ فإنّ الواعي للحقائقِ لا يُخدعُ أبداً بحسنِ طويّتها.
جبران، هذه هي رسالتي إليك، فالواقع المُعاشُ غير الواقع المتصّور والمنشود، وأنت أنت سيّد منْ يعرف ذلك.
24/10/1977
أأعْجَبَنا أم لا!
هل نعيشُ من الزّمانِ آخر الأيام؟
وهل تفتّق الشرُّكما الورد مفتّق الأكمام؟
فلفّت سمومه الأرضوراشت نفوسه بالسّهام.
فما نجت منه نفسٌ
فترنّح الجمع كترنّح شارب المدام،
واعتمر تاج (بابا) الروم
وأُلبِس عمامة (الإمام).
ودخل منازل الناس
أساهرون كانوا أو نيام،
فلوّث كل ما في الحياة من جميل
جاعلاً إيّاه شوهةً من ركامِ.
الزّيف والبهتان والمفاسد كلّها
انفلتت ملؤها قذر السخام.
حقيقةٌ هي ما وصفتُ
وقاطعةً كحدِّ الحسام.
أأعْجَبَنا هذا الوصفُ أم لا
فكلّنا سفلة، كلّنا قومٌ طغام.
فلِمَ التّخفّي
ولِمَ للرؤوسِ ندفنُ كما يفعل طيرُ النّعام؟
21/8/2002
مَنْ ذا الذي؟!
بين أترابه تراه جالساً
دافعاً بصدره إلى الأمام..
فهذا يقدّم له “النرجيلة”
وذاك يعطيه الشاي باحترام،
وآخر يُسمعه آخر (نكتةٍ)
والكلّ يُصغي حين يبدأ بالكلام،
وحقيقة (الضبع) هذا
السارق مُقارنةً به يُدعى إمام،
فهو لصٌ زنيمٌ، ووغدٌ أثيمٌ
وتصنيفه الحقيقي في زمرة اللئام،
وهو لا يستحقّ ما يُقدّم له
بل جزاؤه الرّجم أو حدّ الحسام،
ولكن من ذا الذي يقيم الحدّ عليه
وكلّنا في نفوسنا يتحكّم سيّال الظلام؟!
21/8/2002
زمرة الشرِّ
تراه بالأخلاق يعظُ
شافعاً أعماله بالصلاة والصيام،
وتراه مع زمرة الإفك ساهراً
وجالساً على موائد الطغام،
لسانه الشهدُ يقطر منه
داعياً بالناس أيقظوا النيام،
ومع الزمرة الشريرة تراه
لاعناً للحياة وما حوله من حلالٍ وحرام،
آكلاً مال اليتامى والأرامل
وطافئاً لظمئه الأبدي بشراب الُمدام،
وغدٌ، خسيسٌ، رجيمٌ..
سفير إبليس هو، بل قل هو سيِّد اللئام،
تعبت الأرض من حمله وشيله
من زمرة من تسمّوا ببطركٍ، وكاهنٍ، وشيخٍ، وإمام،
ويقيني بعدما أنفاسهم يلفظون
الغسلين مأكلهم ولباسهم من سخام.
21/8/2002
فما همّني
كلّ ما في أرضنا سخيفٌ
بل باطلٌ ووهمٌ وسرابْ،
فلا القصور الشّامخات بباقية
ولا المتبرّجاتِ ولا ذواتِ النِّقابْ،
ولا الطيرُ، ولا الزهرُ، ولا النهرُ
ولا الطفولة، ولا الصِّبا، ولا الشبابْ..
نأتيها مُكْرَهِين، مُطْلِقين صرخة البُكاء
ونعيشُ فيها شاربين كؤوس العذابْ،
وحين الانتقالِ الذي لا مهرب منه
نُوَدّعُ بالعويلِ، بالصراخِ، بندبِ النّدابْ،
والقليل منّا حسراتٍ يترك في النفوسِ
والكثير منّا باللعناتِ يُرجمُ، وبأقذعِ السُّبابْ،
فما همّني إنْ انتقلت اليوم أو غداً
من عالمِ الشتائمِ، والكربِ، والمخالبِ، الأنيابْ.
18/2/2003
قارعُ بابه
من الآخرين ترانا دائماً نسخر
فالحسد “فينا” له مكانٌ رحيبْ،
بوعيٍ أم بجهلٍ رقابنا له نُحني
ولصوتِ “الحكيم” فينا لا نُجيبْ،
للناجحين في الحياةِ تجدنا نهنئ
والحسد في القلوبِ يأكلها لهيبْ،
فآهٍ من قوّة الشّر إذْ تحكّمت في النفوسِ
لحظةٌ من سعادةٍ لنْ تجد أو تُصيبْ،
فهيَّا لها بقوّةِ العزم نقهر
وعلى الله القادر نتوكّل ونسعى
فقارع بابهِ لا يُردُّ أبداً ، لا ولن يَخيبْ.
19/2/2003
وليتني
يا زهرة البيلسان الجميلة
ألْبَستي الأرض حلّةً من بهاء،
لونكِ الأمل يُعطي
يا غادة الطبيعة الحسناء،
لحينٍ يُنسي في النفوسِ
ما تعانيه من لوعةِ الشقاء،
سيّالكِ من علوٍ أتى
من جنّة الفردوس في السماء،
على طهركِ حافظي واعملي
وليتني مثلكِ في النقاء،
وليتني بعد انقضاء عمري
أُجَسَّدُ في عالم الحبِّ والهناء،
وألبسُ في عالم الحبِّ هذا
قميص زهرةٍ حلوةٍ صفراء.
23/4/2003
كي نعيد
لقائلٍ يقول لماذا
نصابُ بالهزائم والخسران!!
طغاة البشر يفتكون بنا
كأنّما دماؤنا دماء حيوان.
أرزاقنا، أموالنا يسرقون
ونخرج من هوانٍ لنقع في هوان،
تُرى أبالعدلِ نُحاسبُ
والعدل اسمٌ من أسماء الرحمن؟!
انّه الظلم ما نقاسيه
فعلة الشرّ من بني الإنسان،
جذبناه بفعالٍ أتينا بها
بمجانيّة الطاعة لله،بالإيمان.
فكان ما كان من أمورٍ
فكافر اليوم يتسلّط عليه الشيطان،
فلنصحّح ما في النفوس من ختلٍ
كي نعيد الأمل للصبية والفتيان،
فالله لا يُغيّر ما بقومٍ
حتّى يُغيّروا ما في النفوس من زيغان.
23/4/2003
نَبِيِّ الحبيب
فكرّتُ كثيراً
ماذا أكتبُ عنكَ.
وماذا أكتبُ إليكْ،
فأنا ضعيفٌ
ومُنْيَتي أنْ تَرْضَني خادِماً
أجلسُ بالقربِ من نعليك،
طاهرٌ أنتَ،
والطهارةُ مِنْكَ استُمِدَّتْ.
فليتني تراباً كُنْتُ
يُدَاسُ بِطاهرِ قدَميك،
أتيتَ دُنيانا الزريَّة.
مُضحيّاً وباذلاً،
كي تَضُمَّنا إلى جِنَاحيك،
ونحنُ فَرِحْنا بِكَ.
سُرِرْنا بمقدمِك.
ونُخْبَةً كُنَّا بينَ يديك،
لكنّنا ويا للمأساةِ
لم نُقدّر فداءَك كما يجب
وبذا أضحيْنا عالةً عليك،
إرْفقْ بنا يا حبيبيَ الهادي
وانْتشلْنا انتشِلْنا
بحقِّ اللهِ القدُّوسِ، وبحقِّ عينيك..
وأنقِذْنا مِنْ وهْدَةِ الهلاكِ
فمن بسَفينتِكَ لمْ يركبْ
صار وليّاً للشيطانِ..
فَخُذْنا بين راحَتيك..
يا نبيِّ الحبيب،
بِضَعْفي أمامكَ أعترفُ
وحُصني الوحيدُ أنتَ
فاقبَلْني خادِماً بين يديك.
16/5/2003
وبظلِّه
وبداهشٍ أنا مؤمِنٌ
“فلكلِّ قومٍ هادْ”،
لمحمّدٍ أُعطي دمي
والنفسَ منّي والفؤادْ،
ليسوع قلبي يخفقُ
وبحبّهِ نُلْتُ المُرادْ،
لموسى في نفسي مكانٌ
أعطاني نوراً للجهادْ،
لبوذا إنّي أحترمُ
فالحقُّ واحدٌ يا عِبادْ،
لله أسعى كادِحاً
يا سعد مَنْ نالَ الودادْ،
الربُّ لي حصنٌ منيعٌ
آوي إليهِ وقتَ الشِّدادْ،
وبظلّهِ دوماً أعيشُ
فهو الحبيب وهو المعادْ.
21/5/2003
هيَّا
للداهشيّة أنا مُحبٌ
في قلبي تجري مع الدِّماءْ،
فلظُلمتي هيَ بدّدت
أخذتْ بنفسي للضياءْ،
جعلتني أعرفُ غايتي
لله أرجو بالدُّعاءْ،
قرآن إنجيل العليّ
بطيّها كلّ الشفاءْ،
للداهشيّة مهجتي
فهي بها كلّ السّناءْ،
مِنْ هَدْيها أوحتْ إليَّ
محبّتي للأنبياءْ،
هيَّا إليها يا أخي
قبل النِّهاية والفناءْ،
فالله أحبَّ عباده
أوصى إليهم بالسَّواءْ،
بالصالحاتِ توحَّدوا
فالشرُّ مُجلبٌ للشقاءْ،
“بالهادي” إنْ آمنتمُ
عشتم حياة السُّعداءْ.
22/5/2003
هي
الداهشيّة هي سفينة الخلاصِ
لمساكينِ الأرضِ والمتربين الضُّعفاءْ،
على متنها أبداً لا تَقْبَلُ
طغاة الأرضِ وزُمرةَ السُّفهاءْ،
للمخلصين ربّ الكون قد أعدّها
للعابدين الطّيبين والمؤمنين الرّحماءْ،
تُقلّهم حيثُ خالدين يحيوا
العمر سعداً وحلاوة وهناءْ،
وللكافرين عدلاً هي تتركُ
ليذوقوا نارَ الذُّلِّ وألمَ الشّقاءْ.
23/5/2003
وغيرك
باسمك اللهمَ قلبي يلهج
فأنت ربّي
وأنا عبدك المطيعْ،
هديتني لنورِك المبهج
فأنت مُحبٌ
بهديك أبداً أنا لن أضيعْ،
بين يديك لنفسي أضعُ
فأنت حُصني
وحصنك أبد الدهر مَنيعْ،
لرزقي أطلب من راحتيك
فأنت الكريم
وغيرك لن أقبل لي شفيعْ.
23/5/2003
حلم
تحت شجرةٍ وارفةٍ جلستُ
أحتمي من وهجِ ذُكاء الحارقْ،
فهبّت نسائم الطّيب،
فوجدتني في موقعي مسمّراً عالقْ،
أخذني النُّعاس فاستسلمتُ لهُ
فإذاني حالماً بحلمٍ رائعٍ شائقْ،
رأيت نفسي في عالمِ السّعدِ أحيا
حيث الجمال الجميل والحسن الفائقْ،
سمعت أصواتاً لها طربتُ
وبنشوةٍ شعرتُ ما كان لها سابقْ،
في عالمي الجديد السّعادة مشاعٌ
تغشى الخلائق وكلّهم لها ذائقْ،
الحزن هَهُنا ليس له وجودٌ
فالشرّ معدومٌ والشّقاء نافقْ،
هانئ الحياةِ هَهُنا مجسّدٌ
فكلٌّ لفعله ماهر حاذقْ،
لا غباءٌ لا ادعاءٌ لا رجاسة
ففاعل الخير هنا لا يجد عائقْ،
وفجأةً من غفوتي صحوتُ
فوجدت أنّي ما زلت في دنياي عالقْ،
فتساتلت من عيناي الدموع
ورفعت صلاتي لربّي الخالقْ،
رجوته منحي بعد انتقالي
عالم حلمي الذي له بتُّ عاشقْ.
24/5/2003
عدّو الهادي
(وجعلنا لكلِّ نبيِّ عدوّاً من المجرمين… قرآن كريم)
هو الباغية الطاغية
وألعوبةً بيد السّفهاء،
بل كان كالجرو يعوي
من سطوة الدّاعرة الرّقطاء،
ولمن تربّعوا على كرسي عيسى
أولئك المتلونين كما الحرباء،
إليه كانوا كذباً يقدّمون احترامهم
وفي داخلهم ما كان له سوى الازدراء،
كلّ هؤلاء جعلوه مطيّتهم
للوصولِ إلى بُغيتهم الشّوهاء،
وبُغيتهم ما كانت تمتُّ لشرفٍ
بلْ النيل من سيِّد النبلاء،
ذاك الذي من السماء مُرسلٌ
لينير دنيا غشتها الظلماء،
وخفافيش الليل دائمة الخوف
من النورِ المشعِّ من سلطة الضياء،
فكان ما كان من اضطهادٍ
لهادينا الحبيب ملهم الرحماء،
وكان ما كان من ثورةٍ
هدّمت أركان البغي والبغاء،
فداهش ما كان إلاّ مُحبّاً
للمساكين، للطاهرين، للودعاء،
وداهش ما كان إلاّ مزلزلاً
للطغاةِ، للبغاةِ، للظلماء،
وداهش ما كان إلاّ كما الريحَ
نسائمُ لطفٍ للمتعبين السمحاء،
وعاصفةٌ مردّمةٌ مدمرةٌ هو
للمدجّلين المماذقين السّفلاء.
26/5/2003
لكلٍّ منّا
إحدى المنغّصاتِ في حياة الإنسان
آلامُ الأسنانِ المرعبةِ الرهيبة،
فالمرءُ إنْ أُصيب بأوجاعها
ليلهُ أضحى نهاراً وثوانيه كئيبة،
يشعرُ بأن دهره قد توقَّف
لِما يحسُّ بهِ من آلامٍ مُذيبة،
من العلاجات يأخذ أفضلها
فلا تخفّف عنه فيأخذ بعويلهُ ونحيبه،
ويلعن الأيام وما رمتْهُ بهِ
فيا تعسها من دنيا عذاباتها عجيبة،
هذا جانبٌ ممّا نُصابُ بهِ
في حياتنا من أوجاعٍ كريهةٍ مُريبة،
فلْنتّعظ فلا هناء في دنيا الدّنايا
لكلّ منّا ناره فيها ولهيبه،
ولْنضرع إلى الله كي يحفظنا
لنقضي عمرنا فيها بطاعةٍ وأعمالٍ نجيبة.
29/5/2003
وبعونهِ
دعوت الله أن يطيل عمري
لكي أُكفّر عن ذنوبي وآثامي،
ودعوته راجياً كي يعين ضعفي
لأخلص من نيري وأوهامي،
ودعوته مخلصاً كي ينير دربي
فلا أتردّد بين إقدامٍ وإحجامِ،
ودعوته كما يدعو الصغير أباه
فأنا به مؤمنٌ وبعونه يُحْسِن عملي وإسلامي.
31/5/2003
فلا إيمان
أدينُ بدين الحبِّ لا شيء غيره
فالحبُّ للخلقِ ديني وروح إيماني،
فإنْ أنا آمنتُ بالله وحده
ولم يخفق القلب منّي بمعنى إنساني،
كنتُ للكفرِ أقرب من الإيمان فعلاً
فلا إيمان دون الحبّ قطعاً ودون إحساسٍ ووجدانِ.
31/5/2003
في عينيك
إليكِ يا حبيبتي يا رجيتي سأغنّي
وبحبّكِ سأنظمُ أجمل الكلمات،
فأنتِ لديّ الحبيبة الأثيرة
وإنْ أنساكِ هيهات هيهات،
وهل لمرءٍ نسيان نفسه
فأنت منّي نفس نفسي والذّات،
سأذكركِ يا حُبّ نفسي ما دمتُ حيّاً
سأذكركِ أَفَرِحَاً كنتُ أم في المكربات،
فلتطمئن منكِ النفس يا نجيتي
فحبّي لك خالٍ من الدنايا، من الشهوات،
في عينيك أُبصرُ صفاء السماءِ
وبين راحتيك اسيح في الفلوات،
فلتحفظك السماء لي يا صبيّتي
يا ذات الدلِّ والحسن، يا جالبة المبهجات،
ولتبعد عنك الرزايا والبلايا يا أخت نفسي
فما أنت في عينيّ إلاّ أجمل الزهرات،
وليغدق الربّ علينا بعد الإنتقال
مسرّة اللقاء الدائم المشمول بالرحمة والبركات.
31/5/2003
علّمْتَني
علّمْتَني يا داهش الأكوان
علّمْتَني محبّة الإنسان،
علّمْتَني لنفسي أصون
علّمْتَني للخيرِ أنْ أكون
علمتني للنور أدعو للفضائل
علّمْتَني الجهلُ أسٌّ للرذائل،
علّمْتَني سعادتي بالحبِّ
علّمْتَني شقائيَ بالكذبِ،
علّمْتَني فضائل الإنجيلِ
علّمْتَني بحكمةِ التنزيلِ،
علّمْتَني حبَّ المسيح الفادي
علّمْتَني عشق الرسول الهادي،
علّمْتَني لله وحده العبادة
علّمْتَني لصادق الأعمال وحده القيادة،
علّمْتَني الكثير والوفير
علّمْتَني للحقِّ أنْ أكون نصير،
لذا بحبّكَ قلبي نابض
ويداي لمحراث الحقيقة قابض،
فالشكر لله الواحد الأحد
على ما علّمْتَني يا داهش الأبد.
3/6/2003
هو
هو الباغية الطاغية
والبغل البليد العنيد،
هو مطيّة الإثم
وهيرودس القرن الجديد،
هو كرشه زاد انتفاخاً
وعقلهُ أصابهُ الصديد،
هو ألعوبة “الكذبة”
وساقوه بلجامٍ من حديد،
هو ناكبُ لبنان
وجاعله كالكلبِ مسعوراً وشريد،
هو محارب النّور
ومجوّع الفقير وآكلٌ للثريد،
هو السّارق المتباهي
وفعاله فعال السّافل الرعديد،
هو “بشارة” الشؤم
مَنْ داسه بنعلهِ الهادي الصنديد.
6/6/2003
لور
هيَ الداعرة الفاجرة
والأفعى البشعة الرقطاء،
هي النتانة والقذارة
المتلوّنة دائماً بتلوّن الحرباء،
هي الأفّاكة الغادرة
وبصقة الأزمنة السوداء،
هي هولة الجحيم
وابنة إبليس والفحشاء،
هي الطريق المظلم
ومليكة المتهتّكات والسُّفهاء،
هي مسكنها الهاوية
مع بعلها سيّد الأذلاّء،
هي ركوبة الشيطان
يمتطيها في ناره الرمضاء،
هي “لور” أم الخبائث
ملعونةٌ أبداً من ربّ السماء.
6/6/2003
سيِّدتي
الطّهر من عينيكِ تفجّر
فكنتِ الطاهرة بين النساء،
والفنّ من يديكِ تشكّل
فتجسّد آيات حسناء،
والجهاد في نفسكِ توطّن
فكنت الأمثولة للنبيلاتِ والنبلاء،
مباركة من الله أنت يا “مريم”
يا تقيّة، يا نقيّة، يا ذات البهاء،
سأذكرك ما دمت في الأرض حيّاً
وكذا جمعنا من نجيباتٍ ونجباء،
فأنتِ منارةٌ تشعُّ دوماً
مخلّدٌ اسمك في سفر العظيماتِ والعظماء،
ولك في قلوبِ الأعزّة موطن
يا سيِّدتي، يا ملاكاً رافق الأنبياء.
7/6/2003
وركام الجثث
“كلام النبييّن الهداة كلامنا”
وفعالنا مملوءةً بالشرِّ الطافحْ،
فلا المعوز من الناس نحنُّ إليه
ولا عن الحقّ والحقيقة ننافحْ،
نصلّي، نصوم، نحجُّ، نخمّس
ألبسةً نلبسها رياءً والله لنا فاضحْ،
فالأديان للإنسان يا قوم وُجِدَتْ
والكلُّ للمعدمين مضطهدٌ وذابحْ،
نتستّر وراء تسابيح نلوكها دجلاً
في بحرِ الرذائلِ الكلُّ سابحْ،
فيا ويلنا من يومٍ مهولٍ
الولدانُ تشيب منه والجمع فيه نائحْ،
يوم الغضب الآتي من القهّارِ
كعاصفةِ الهولِ المدمرةِ شرّها طافحْ،
فلا تتركُ خلفها إلاّ البلقع الخراب
وركام الجثث ريحها النتّن الفائحْ،
فهل من متّعظٍ قبل الفوات
والله بهديه كان لنا نعم الناصحْ.
9/6/2003
إختر لنفسك
أيّها الحاكم الجالس على كرسي الرعيّة
يا مَنْ بيدِك صولجان العدل الساطع،
كيف تكتسي الخزّ وفتاة الحيِّ عاريةٌ
وكيف تشبعُ واليتيم والمسكينُ جائعْ،
إنْ لهذا أنتَ عرفتَ، ثمَّ فعلتَ،
فأكيدٌ لديّ إنّك للضمير بائعْ،
وإنْ أبيتَ إلاّ العيش كما
يعيشُ المُعْدَمينَ فأنت نجمٌ لامعْ،
فتاريخ الأمس مَثَلينِ لنا أعطى
“عليٌ” ذو الشهامة المغوار النافعْ،
ونقيضه من بين الناس كان
“معاوية” الرجس النجس، صاحب المطامعْ،
فأيّ الاثنين تحبّ أن تكون أنتَ
اختر لنفسك ما تراه لها مُنجي ورائع.
9/6/2003
الكِبَرُ والتواضع
إنْ كُنْتَ العلمَ أُعْطِيْتَ
فلِمَ لا تُعطي للآخرينَ علمكْ؟!
وإنْ لميزة الحُكمِ وُهبْتَ
فلِمَ التعاطي مع الناسِ بغير حلمكْ؟!
وإنْ حثوتَ التراب صارَ مالاً
فلِمَ لا تُنفقُ بل أضحى إلهَكَ قرشكْ؟!
وإنْ أغدقَ عليك السّلطانُ
فلِمَ لا تُذيق الفقراء حُكمَ عدلكْ؟!
وإنْ للسلامِ قد دُعيتَ
فلِمَ لا تحتكم غيْرَ بحدِّ سيفكْ؟!
وإنْ بالحكمة والتعقّلِ جُوبِهْتَ
أبيتَ الإصغاء لغيرِ جهلكْ؟!
أهو الكِبَرُ قدْ حكمك
فما الكِبَرُ إلاَّ سائقك لحتفكْ!
فالتواضع يا أخي صفةُ الملائكِ
والغطرسةُ الفارغةُ أتونها مُهلكْ!..
11/6/2003
الدجّال
أيّها الدّجال صاحب السلطة المتعالِ
على دماء الأحرار بنيت مجدك وعلى قوتِ الأيتامْ،
فشمختَ مع عصبةِ الإثم من أمراء الحرب
وأحاطك الغوغاء الجهلة وكانوا لك أزلامْ،
سرقتَ، نهبتَ، فجرتَ، وكنزك أتخمتَ
فما همّك أكانَ ما جمعته من حلالٍ أو حرامْ،
دستَ العدالة بل كنتَ لها وائداً
والمحزنُ أنَّ أتباعك يتزلّفونك كقطيعٍ من الأنعامْ،
فهل لهم بسحرك الأسود قد سحرت
فتعلّقوا بأخيلةٍ وتعبّدوا للأوهامْ،
يا للمهزلة المبكية يا سيِّداً بالإفكِ
أيّها الرعديد الذي أوصلته الأيّامْ،
فكان ما كان من فِعال السوء التي فعلتها
ما يجعل الحرَّ يدعو ربّه أن لا يكون من بين الأنامْ.
13/6/2003
ثمَّ أنّي
إنَّ في نفسي لَضُعْفٌ
إنَّ في نفسي جنون،
ولذا يوماً تراني
داعياً ربّي الحنون،
ثُمَّ أنّي بعد هذا
أتشوّقْ للمنون،
ضاحكٌ للسنِّ حيناً
شارباً كأسَ المجُون،
مؤمناً أنَّ مصيري
ليس للصدفة يكون،
بعدها أُلقي بذاتي
في بحارٍ من ظنون،
ربّي فاشفي ما في نفسي
من حماقة وجنون.
30/6/2003
وما لي
رغباتُ نفسي في صراعٍ
وأنا بينها ضائعٌ حائر،
تارةً لنفسي أجدها محلّقةً
وأُخرى أراها كمركبٍ في الجحيم ماخر،
تحبُّ حيناً فعل الخيرات وتفرح
وحيناً آخر لا تسعدُ إلاّ بمصاحبة فاجر،
لهفي عليها كعصافةٍ في مهبّ الرّيح هي
تتلاعب بها أنَّ رَغِبَتْ وبذا أنا الخاسر،
فيا ليتها لها دوامُ حالٍ
أصعوداً أم هبوطاً وليست كماءٍ فاتر،
فما أضْيَعَ العيشَ في تقلُّبٍ
كجالس الصحراء المحرقة وهو حاسر،
وما لي من خلاصٍ في تقلُّباتِ نفسي
سوى السجود والركوع أمام ربٍّ قادر،
طالباً بتوسلٍ كي يرحمني
وإلى شاطئ الأمان يُرسي قلبي العاثر،
فتفرح حين ذاك نفسي وتشدو
لربِّ الحياة إنشادها وبه تُفاخر.
1/7/2003
كَذَبَة
يُنَمّقون الكلام ويجعلون الحلم حقيقة
فيأسرون سامعيهم بما يرون من أوهام،
وطبيعة الإنسان فيها طفلٌ
فمن يُحْسِن دغدغته يقظته يحّولها لنيام،
والكاذبون ماهرون في تلفيق أخبارهم
لذا تراهم على الغفّلِ مسيطرين على الدوام،
فالغُفّل من الناس متبلّدون كُسَالى
وعقولهم طمروها في الرمالِ كطير النعام،
لذا تجد الأوغاد الثعالبة الماكرة
يصطادونهم بأرخصِ ما صُنِعَ من سهام،
يدجّلون ويأفكون وليس من رادعٍ لهم
وشباكهم نسجوها من أقوال “سيِّد السلام”،
الحسابُ لا بدَّ يا زمرة الإفك آتٍ
فأنتم على الأرضِ للشياطين أزلام،
وغداً في عوالم الظلماتِ ستحيون
فالدركات أُعدّت لكلّ منافقٍ نمّام،
عاديتم “الحقيقة” وعارفون انتم لها
فلتتمرّغوا في جمراتِ النّارِ متسربلين بالسّخام.
2/7/2003
وغرُبت الشمس
وغرُبت الشمس بعد كفاحٍ دام ساعاتٍ
فمتى يا ربّ تغرب شمسي وأزول،
لقد تعبتْ منّي الحياة ومنها أنا تعبتُ،
فمتى يا إلهي رحيلي وساعة الأفول،
الدنيا أراها كحيّةٍ ملمسها ناعمٌ
ومن غرزت به أنيابها أصابه العويل والنحول،
نأتيها لسنا مرغمين بل بما فعلنا
فيا ويلنا من آكلٍ أو مأكول..
لا الغنيّ فيها بمنجاةٍ من منغّصاتٍ
ولا الفقير الذي حياته لا فيها عرضٌ ولا طول،
اللهمّ يا رحمان يا رحيم إليك أدعو
فخلّصني من عذابي وقابل دعائي بالقبول.
5/11/2003
لستُ أدري
احتلّني يا ابن أمي القلق
وتصارعت فيَّ الأفكار
فالنهار يلحقه ليلٌ
والليل يتبعه النهار
وبحقّك يا أخي
أصابني من هذا الدّوار
فمتى يا ربّ تراه
لي آخر المشوار
أيكون بعدُ بعيداً
وكم سأمكثُ بانتظار
أم تراني سأصلُ غداً
ثمَّ ألوذ بالفرار
أُحجية الدهر هي
لأغبياء الناس والشطّار
ولفلاسفةٍ الدّهر عاشوا
ولمن كتبوا قصائد الأشعار
فعلى أرضنا الشقية
تلاحقت أدوارٌ وأدوار
وكلّ دورٍ كان ينتهي
بالذلّ، بالعار، بالشّنار
وكذا مخلوقات كلِّ دورٍ
النهاية كانت في جهنم النار
فالحياة في دُنيا الدنايا
مملوءة بالألغاز والأسرار
وعيناك لا تكاد تقع إلاّ
على كاذبين، آثمة، وفجّار
وشواذ قاعدة الحياة أن تجدَ
صادقين، مخلصين، وأطهار
فالأرض في يومنا هذا
مملوءة بالغشّ والأقذار
فالعالِم جاهلٌ وكافرٌ
بالله، وبالمسيح مؤدّب الكفّار
والفيلسوف بغبائه قد فاق
معاتيه البشر والحمار
والعُهّار من النساء تراهنّ
لا يلدنَ غير أطفالٍ فُجّار
وجميع من على الأرض بالشرِّ تساووا
فأحنوا الرقاب حُكماء كانوا أم تجّار
والليل أمَدَهُ قد طال
ويقيني أنه سيمحوه النهار
وحينها يفرح المؤمنون المخلصون
وعلى الأفنان تغرّد الأطيار.
12/11/2003
النهاية الوشيكة
البشر إسم أشتُقّ من الشرّ، فالدنيا موطنهم والدًّنايا سجيّتهم، وأرضهم لا تساوي جناح بعوضة بميزان القوة الموجدة . وحوش شرسة هم، وأطماعهم لا حد لها ولا نهاية، لو إمتلك أحدهم نصف المعمورة لكان النصف الآخر غايته وهدفه، ولا لن يُشبع جوفه إلا حفنة من التراب.
مغرورٌ متعجرفٌ (وصدره نافخٌ) كديك المزبلة، همَّه إيقاع الأذى بأبناء بجدته، والسعادة لا تزوره إلاَ على أشلاء ضحاياه من المساكين المعوزين. صراخ الأطفال يطربه، ونواح الثكالى سمفونيّته المفضَّلة، حكمته الحماقة بعينها، وذكاؤه من الشيطان إستمده، ظاهره خيَّرٌ وباطنه مملوءٌ بأقذر الموبقات، منه الأبالسة ضجَّت في جحيمها، والملائكة تستعيذ بالله مما يفعل.
شواذ القاعدة هم الأنقياء الأتقياء من أبناء البشر، هؤلاء الذين يدركون إدراك اليقين أنهم في سجن المنفى يحيون ، وبهم الشوق للخلاص والإنطلاق الىفضاء الحرية ، إلى عوالم الهناء والحبور ، وترك الأرض عالم القذارة والشرور ، فقد قال رسول الله محمد (ص) ” الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ” وفي آيات القرآن الكريم ” زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب …“ آل عمران آية 14 كما جاء عن الناس في سورة الفرقان من القرآن “أمتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلاً“ آية 44.
وإذا أخذنا الحكمة النبوية الذهبية القائلة ” كما تكونوا يولَّ عليكم ” عرفنا عندها روح كلمات رسول المسيح بولس في رسالته إلى أهل روما حينما قصد رعاة العالم من ملوك وسياسيين فقال:
ما من أحد بار، لا أحد .
ما من أحدٍ يدرك.
ما من أحدٍ يبتغي وجه الله .
ضلّوا جمعياً ففسدوا معاً .
ما من أحدٍ يعمل الصالحات ، لا أحد.
حناجرهم قبورٌ مفتَّحة .
وبألسنتهم يمكرون .
سمُّ الإصلال على شفاههم..
أفواههم ملؤها اللعنة والمرارة..
أقدامهم تخف إلى سفك الدماء
وعلى طرقهم دمار وشقاء
سبيل السلام لا يعرفون ، وليست مخافة الله نصب عيونهم .
وها هو ذا صوت أشعياء النبي يصرخ مجلجلاً عبر الأجيال قائلاً : فقال السيَّد لأن هذا الشعب قد اقترب إلي بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فأبعده عني وصارت مخافتهم مني وصية الناس مُعلَّمة،لذلك هاأنذا أعود أصنع بهذا الشعب عجباً وعجيباً، فتبيد حكمة حكمائة ويختفي فهم فهمائة. ويلٌ للذين يتعمّقون ليكتموا رأيهم عن الربّ فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا، يا لتحريفكم. هل يحسب الجابل كالطِّين حتى يقول المصنوع عن صانعه لم يصنعني، أو تقول الجبلة عنجابلها لم يفهم… الآيات 13-16. الأصحاح 29
ولنسرخطوة إلى الإمام، ولنتفحّص بعين ثاقبة واعية واقعية حالة العالم وبنيه في عصرنا الحالي فما يا تُرى نَرى؟!! العقل على كرسي مجده أُجلس، وثماره باتت لا تحصى، فمن ذرة إنقسمت فإذا بها من الطاقة الشيء المهول، إلى مراكب إنطلقت لتسبر أقاصي الفضاء وتغوص إلى أعمق أعماق المحيطات، عيون آلية ترى ما لم يُرَ، نبشٌ لكنوز الأرض المخبوءة منذ آلاف السنين، فمعرفة في كل مدينة وقرية ودسكرة في متناول كل يد.
ولكن هذه الصورة المشرقة والفريدة المزايا للأسف لم تبق بهيَّة نقيَّة طاهرة، بل أبى الشيطان في الإنسان إلا أن يخطَّ توقيعه عليها، فإذا النفوس مريضة، والأخلاق ترذَّلت فأضحت في عوالم الدرَّكات، وإذا الوثنيَّة بارزة إلى الوجود ثانية بمسميات جديدة، فالحزب إله، والجنس إله، والمال إله، والسلطة والشهوة والرغبات الدنية والآمال الترابية آلهة، ولها ولظلمات كثيرة في النفوس الرِّقاب أحنت، والهامات خضعت، وإذا الكل في وهمهم سادرون،ولآلهتهم الجدد يعبدون، وبها يعمهون.
أسلحة دمار شامل خُزّنت بعد أن تطورت، ومظالم ومآس إرتُكبت ولا تزال من أمم الأقوياء للشعوب والبلدان الضعفاء، تمزّق سياسي مرعب، وتناحر مذهبي شيطاني، وبلبلة فكرية مهولة، ضياع، فضياع، فضياع!!
يقول بيلي غراهام في كتابه ( العالم يحترق): ” قبل أن يلاقي السيد داج همرشولد حتفه في حادث تحطم طائرته بزمن قصير، زرته في مكتبه بالأمم المتحدة. ووجدته في أثناء الحديث في حالة قنوط عميق. أطلَّ من نافذة غرفته إلى نيويورك وقال بهدوء:” إنني لا أرى رجاءً لسلامٍ عالمي دائم، لقد بذلنا كل جهودنا ولكننا فشلنا فشلاً ذريعاً .” ثم صمت لحظة والتفت إليَّ وقال:- “ما لم يحصل العالم على ولادة ثانية في السنوات القليلة القادمة, فالحضارة تفنى.”- العالم يحترق 15- 16
ويقول محمد سعيد الزعبي في كتابه( السيد المسيح يلوح في الأفق)…
ينقسم الجنس البشري إلى أصناف ثلاثة: إنساني, ظالم وأظلم. والظالم هنا هو الظالم نفسه، وهذا التقسيم ينطبق على الأمم كما ينطبق على الأفراد، وبما أن الإنسان – الإنساني- بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى- مفقود أو شبه مفقود في هذا العصر، لذلك لن يبقى إلاَّ الظالم والأظلم منه، وفي هذه الحالة يصلّت الله الأمة الأظلم على الأمة الظالمة لعلَّها تصحومن غفلتها وترجع إلى إنسانيّتها فيبدَّل الله ضعفها قوة، وذلَّها عزاً، وخذلانها نصراً على ظالمها، لعلّ الأخرى ترجع إلى الله وترتاح البشرية بعدها من هذا الشقاء، وهذه الآلام التي تصيبها غير أن الواقع يشير إلى عكس ما قلناه، والأمل في الرجوع كاد يصبح مستحيلاً، لذا بات البلاء متوقعاً، والساعة قريبة. “ المسيح يلوح في الأفق 9-10″.
وها هو الزعيم الأديب كمال جنبلاط في كتابه ” أدب الحياة” يقول:- في إيضاح الخطر المحدق على وجه الأرض وبالإنسان يقول العالم الإيكولوجي الدكتور(كول):” إن الجنس البشري قد يكون في حالة إضطراب وخطر أكثر مما نستطيع أن نتصور ذلك. ويمكن أن لا يدرك الإنسان هذا الخطر إلا بعد أن يكون تجاوز به نقطة اللارجوع، أي حيث لا يعود يفيد أي تدبير“… أدب الحياة صفحة 143-144.
وفي صفحة أخرى من الكتاب نفسه يقول جنبلاط:” إن الأديان والمعتقدات الروحية التقليدية أخذت تفقد من تأثيرها على النفوس وعلى المجتمع، فيتحول الناس عنها وقد إلتبست مفاهيمها وقيمها الأصلية الأولية على كهنتها ومشايخها والمبشرين بها… فإذا القوم في حيرة من أمرهم، كالمركب الذي فقد فيه البحارة بوصلتهم في عرض البحار الهائجة”…. أدب الحياة صفحة 190.
ومع باحث آخر, إشتهر بعقله الناقد, وزاده شهرة كتابه المعنون” الانسان ذلك المجهول” ومما جاء في هذا الكتاب الصفحة 35 يقول كارليل:” يبدو أن الحضارة العصرية عاجزة عن إنجاب قوم موهوبين من ناحية الخيال والذكاء والشجاعة، ففي كل بلد يوجد تناقض في المستوى العقلي والأدبي لأولئك المسؤولين عن الشؤون العامَّة…
لقد بلغت المؤسسات المالية والصناعية والتجارية حجماً هائلاً، وهي لا تتأثر بأحوال البلد الذي تنشأ فيه فحسب، بل أيضاً بحالة البلاد المجاورة والعالم بصفة عامة.. فالاحوال الإقتصادية والإجتماعية لجميع الأمم تتعرّض لتغييرات سريعة للغاية.. ففي كل مكان تقريباً أخذ الناس يناقشون شكل الحكومة القائمة، وهكذا تجد الديموقراطيات نفسها وجهاً لوجه أمام مشاكل ضخمة، مشاكل تحصل بكيانها نفسه، وتطلب حلاً سريعاً ونحن ندرك أنه بالرغم من الآمال العريضة التي وضعتها الإنسانية في الحضارة العصرية، فقد أخفقت هذه الحضارة في إيجاد رجالٍ على حظٍ من الذكاء والجرأة يقودونها عبر الطريق الخطر التي تتعثر فيه… لأن بني الإنسان لم ينموا بنفس السرعة التي تثب بها الأنظمة من عقولهم.. ومن ثم فإن أكثر ما يعرض الأممالعصرية للخطر هو النقص العقلي والأدبي الذي يعاني منه الزعماء السياسيون.”
ويضيف هذا الباحث في الصفحة 37 من الكتاب نفسه:” إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ أنه تولدت من خيالات الإكتشافات العلمية، وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا… ولو أن جاليلو أو نيوتن أو لا فوازييه وجهوا أقوالهم العقلية نحو دراسة الجسم والوجدان، لكان من المحتمل أن يختلف عالمنا عما هو عليه الآن”…
ولنذهب إلى الماضي لنرى كيف إستشرف يسوع الناصري المستقبل، وكأنه يخاطب الإنسان في هذا الزمان حيث قال:” وكما حدث في عهد نوح، فكذلك يحدث في عهد إبن الإنسان، كان الناس يأكلون ويشربون، يتزوّجون ويزوّجون بناتهم، إلى يوم دخل نوح الفلك، فجاء الطوفان وأهلكهم أجمعين. كما حدث في عهد لوط، إذ كانوا يأكلون ويشربون، ويشترون ويبيعون، ويغرسون ويبنون، ولكن يوم خرج لوط من سدوم، أمطر الله ناراً وكبريتاً من السماء فأهلكهم أجمعين، فكذلك يجري يوم يظهر إبن الإنسان في مجده”. لوقا- 17/26-31.
فما تراه كانت حالة الناس أيام نوح ولوط.
جاء في سفر التكوين 6/13 ” فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت أمامي. لأن الأرض إمتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض”.
وجاء أيضاً في سفر التكوين 19/12-13″ وقال الرجلان للوط من لك أيضاً هَهُنا. كل من لك في المدينة أخرِج من المكان. لأننا مهلكان هذا المكان. إذ قد عظم صراخهم أمام الرب فأرسَلَنَا الربّ لنهلكهم”.
فهل الأرض وبشرها الآن أطهر ممَّا كانت عليه أيام نوح أو لوط!! أم أن مخازيهما تُعدُّ فضائل مقارنة بما يحدث اليوم في عواصم الدنيا وحواضرها؟! والله إن أمهل يا قوم رحمةً منه وعطفاً فانّه قد لا يُهمل كونه قدّوس وعادل. يقول بولس رسول يسوع سيد المجد في رسالته الثانية إلى تسالونيكي عن مجيء ضد المسيح ذلك العدو الخطير للناس،” الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم، في الهالكين.” 2/9 و 10.
إن الأفلام والتلفزة والراديو والروايات الجنسية الشهوانية، والمجلات الرخيصة، كلها قد إتحدت معاً، لتجعل من المتعذّر على الناس أن تفكر أي تفكير فردي حقيقي. والآن بعد إنهيار المؤسسة الأولى- وإنعدام التدريب والتهذيب في البيت،وبعد إنصباب شلّالات الشر المتدفّق عبر الوسائل الحديثة لتسميم الحياة اليومية، فلا عجب أن عقول الناس قد باتت أسيرة الوهم الكاذب، ذاك الدجال المقنّع بقناع العلم والحداثة.
وصوت السماء ثانية لأبناء الأرض كان، فها هو رسول الله محمد ( ص) عبر القرآن الكريم ينذر مما هو آتٍ، محدّداً للناس علامة يعرفون منها أن الحصاد قد حانأوانه،وكما يعرف الناس أن الصيف قادم حينما يرى أكمام التين قد خرجت، هكذا هو، فقد جاء في القرآن الكريم هذه الآية البينة: ” إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت. وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلاً او نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك يفصل الآيات لقوم يتفكرون ” يونس آية 24 .
وعلامة أخرى من علامات النهاية، القنبلة الذرية الإبليسية، التي غشى دخانها الألوف من الناس فأوردهم موارد التهلكة والعذاب، واحتل قلوب الناس خوف وذعر مما سيحل بكافة المعمورة لو أن “العدو” يملك من هذا السلاح الذي ضُرب به، ولكن … أمهل الله عباده ثانية برحمته الواسعة وإلى حين . ومن يقرأ هذه الآيات الواردة في القرآن الكريم بوعي المتبصر للأمور يعرف كم هي باتت وشيكة نهاية الناس والمعمور:” فإرتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذاب أليم – ربنا أكشف عنا العذاب إنّا مؤمنون – أنّى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين – ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون – إنّا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون – يوم نبطش البطشة الكبرى إنَّا منتقمون.” سورة الدخان –10-11 .
وفي مضمون هاتين الآيتين الكريمتين السابقتين إنذار وبشارة، فمن له قلب فهيم فليعتبر ويتدّبر، ويخلّص نفسه قبل فوات الأوان، فالشمس في كبد السماء لا تظهر إلا للمبصرين، والعميان دائماً في الظلمات غارقون إلى الأذقان.
الإمارات العربية المتحدة – قطعة من المعمورة هي، بنيانها شامخ الذرى، والرفاهية المادية احتلتها وطوقتها كما تطوق الإسوارة يد الحسناء، فهل لهذا الواقع المعاش من علاقة بما يُسرد في هذا المقال ؟ والجواب على هذا السؤال … تمعَّن معي حديث رسول الله محمد (ص) ذاكراً فيه إحدى علامات الساعة حيث قال :
” إذا رأيت الحفاة العراة العالة، رعاة الشاة، يتطاولون في البنيان، فارتقب الساعة … ”
فهل بعد من بلبلة أو سؤال؟ أم أن الأمور واضحة جليّة لا لبس فيها ولا غموض؟ ولكن كما جاء في الأثر … لهم عيون ولكنهم لا يبصرون، ولهم آذان ولكنهم لا يسمعون، ولهم قلوب ولكنهم لا يفقهون . ….!!
وها هو عليّ سيد المتّقين وإمام المؤمنين والصديق لرسول ربّ العالمين، ها هو يخاطب من حوله قاصداً ثلّة الآخرين، وباللوعة يصف أمم الحاضرين في عصرنا اللعين فيقول في نهج البلاغة الحكمة 369 من باب الحكم ” يأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا أسمه ومساجدهم يومئذ عامرة من البناء منهم تخرج الفتنة وإليهم تأتي الخطيئة يردُوّن من شذّ عنها فيها ويسوقون من تأخر إليها ” فيا هداك وهدانا الله ، أليس الحال كما جاء في المقال ؟
وها هو قديس الهند، بل قديس العالم غاندي العظيم، ينظر نظرة المتحسّر إلى عالمنا ويقول : ” ما لم يعتنق العالم مبدأ اللاعنف فأنه حتماً سائر إلى نهاية الجنس البشري ” مجلة العرفان – المجلد 254 تـ 1966 . فهل اتعظ العالم من كلمات هذا القديس، أم أن العنف زاد وما زال في اضطراد؟
وها هو المؤرخ العالمي الحالي أرنولد تويني يدلو بدلوه في مصير هذا الجنس البشري وما وصل إليه من سفاسف ومهاوي فيقول : ” إن البديل لفناء الجنس البشري هو الإنصهار الاجتماعي الشامل الكامل لكل القبائل والشعوب والحضارات والأديان عند الإنسان ” – العالم يحترق صفحة 289 .
فهل ما تمارسه اليوم البشرية إلا عكس ما جاء على لسان توينبي؟ وها هي المذاهب تتناحر، واتباعها إبليس اللعين قد صاروا من الأزلام، وبدل التوحد والإنصهار نجد التنافر والتباغض في كل مضمار .
وفي مجلة بروق ورعود اللبنانية الصفحة 461 تقول الأديبة السيدة ماري حداد ” البشرية لن تبقى طويلاً , وكل هذه الاختراعات الحديثة الهدّامة ليست سوى دليل على نهايتها المقبلة “.
وفي محاضرة حول معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان الصفحة 34 يقول المحاضر الكبير الدكتور غازي براكس ” ” المصير الفاجع الذي صار الإنسان إليه ما كان استحقه لو لم يختره راضياً … لقد فضل الإنسان، لإنحلاله النفسي وتقاعس الإرادة السامية فيه، مدنيّة مادية صخّابة سطحية، تُمتع حواسه وتُرهق نفسه، على حضارة روحية هادئة عميقة تجذب السفلي فيه إلى العلوي، والخارجي العرضي إلى الداخلي الجوهري وتغمره بسلام وسعادة دائمين.”
لذا لن يكون الجزاء إلا من نوع العمل فقد جاء في القرآن الكريم ” من يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.” الزلزلة …
وكما جاء في الإنجيل المقدس: ” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد” وواقع الحال أصْدَق من أي مقال واحسرتاه.
ورجل الله والروح في عصرنا الحالي، الذي وهبه اجتراح المعجزات الباهرات، وأيّده بالآيات الساميات وأعني به الدكتور داهش في ردّه على أحد الأسئلة التي طرحت عليه عبر مجلة بروق ورعود اللبنانية أجاب قائلاً : “إن الإنسان حر، وبحريته الموجهة نحو الخير أو الشر يصنع مصيره، وللأسف، فإن إرادات البشر كانت وما تزال تدفعهم نحو المظالم والمطامع الدنيوية، فلا يشبع واحدهم وإن اتخم، ولا يكفّ عن الاستزادة والأذى وإن امتلك الأرض كلها. بإرادتهم الحرة النازعة بهم إلى الاغتصاب والعدوان والنافحة فيهم الشر والكبرياء أوقدوا الحرب العالمية الأولى، ولم تعظهم المآسي والمصائب التي ولّدتها، وبإرادتهم الحرة أوقدوا الحرب العالمية الثانية ولم تعظهم الفواجع والكوارث الفادحة التي سبّبتها.
فرغم مؤتمرات السلام ونداءات الوئام نراهم يتسابقون في تطوير اسلحة الموت والدمار، فمن قنبلة ذرية إلى قنبلة هيدروجينية… إلى قنبلة جهنمية. ولا شيئ يشير إلى أن الحكمة والقناعة والوداعة ستملك على نفوس الناس.
نعم إنَّ البشر أحرار، وبإرادتهم يستطيعون إن شاؤوا أن يُبعِدوا شبح الحرب الإفنائية عنهم ولكن إذا هم استأصلوا من نفوسهم ميول الشرور ورغبات العدائية، وإذا هم تنازلوا عن مطامعهم وخفضوا غرورهم وكبرياءهم، وإذا أقفلت مصانع الأسلحة أبوابها وسرّحت الدول جنودها وضباطها، وأوقف العلماء أبحاثهم في تطوير أسلحة الهلاك، وإذا توحّد العالم في دولة واحدة وتآخى في دين واحد وحل الحب والسلام في كل قلب مكان البغض والخصام .
إن فعل البشر بإرادتهم الحرة ذلك فسيغيرون مجرى تاريخهم الأسود، ويحوّلون عنهم مصيرهم الرهيب الزاحف نحوهم زحفاً حثيثاً .
ولكن إن لم يفعلوا ذلك ؟؟ … ” بروق ورعود العدد الخامس صفحة 453-454 حقائق كالشهب كانت كلمات الدكتور داهش ، فهل من قلوب تعي، أم ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
في المزمور التاسع من سفر المزامير وها هي : ” تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم . معروف هو الرب . قضاء أمضى الشرير يعلق بعمل يديه. الأشرار يرحبون إلى الهاوية كل الأمم الناسين الله، لأنه لا ينسى المسكين إلى الأبد رجاء اليائسين لا يخيب إلى الدهر. قم يا رب. لا يغتـّر الإنسان لتحاكم الأمم قدامك يا رب إجعل عليهم رعباً ليعلم أنهم بشر… سلاه “.
البشر أشرار وفجار ، يعرفون ما يعملون مساقين بنزعة الكبرياء المتمكن في نفوسهم، لذا خاتمة الكلمات دعاء للقويّ القادر العادل ترفعه كل نفس مؤمنة تقية مشاركة لنبي الله نوح حيث جاء في القرآن الكريم على لسانه ” قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً” سورة نوح 26-27-28.
وما أروع ما جادت به قريحة الشاعر الروحي الملهم حليم دموس حيث قال:
إذا الغرب لم يعطف على الشرق قلبه ولم يتساو الناس مثل الزنابــــــــق
فلا الأمن مأمول بسيف محــــرر ولا العدل منصوب بميزان رافــــــق
وإن لم تكن بين الشعوب أخـــوة فــسوف نرى الأشلاء ملء الخنادق
فتجرفنا حرب ضروس جديـــــدة تدير المنــــايا في صفوف الفيالـــق
وتنتشــــــر الذرات فوق كتائـب وتفتك فـــي هامــاتهم والمفـــــارق
وتزرع فوق البر والبحــر هولها وتغدق بالنيــــران بين المضــــــائق
فنبكي على سلم تألــــق وانطوى ونكسب دمعاً كالنــــــــدى المتسابق
كرهت أباطيــــــل الأنام ودجلهــــم ولم أر في أخلاقهــــــم أي فـــــارق
فما رنّ في أذني سوى صوت خادع ولا سمعت إلاّ حــــديث منافــــــــق
ولا وقعت عيني على غير آثـــــم ولا لمست كفي سوى كفُّ فاســـق
يقظة الروح أ و ترانيم حليم صفحة 168-169
21/11/2003
أنوارٌ دائمة السطوع
حالك هو ظلام العالم اليوم، والإنسان فيه ظالمٌ ومتعجرفٌ صلف، لا الغربي ببصيرته يُبصر ولا الشرقي بأفضل منه حالاً. تساوى الجمع بالضياع، والميازين التي يزنون بها أعمالهم وأفكارهم اختلّت، بل قل فُقِدت، الجميع إلى العجل الذهبي أحنى الرّقاب، وأيديهم لا تعرف سوى سفك الدّماء، وألسنتهم لا تنطق غير الأكاذيب، وأفكارهم لا تتغذّى إلاّ من سيّدهم، سيّد عوالم الظلمات الشيطان الرجيم. وكم هو صادقٌ قول الكتاب المقدّس حين وصف الأجداد وكأنّه يصف أحفادهم اليوم حينما قال:
ما من أحدٍ بارٌ، لا أحد.
ما من أحدٍ يُدرك.
ما من أحدٍ يبتغي وجه الله.
ضلّوا جميعاً ففسدوا معاً.
ما من أحدٍ يعمل الصالحات، لا أحد.
حناجرهم قبورٌ مفتّحة
وبألسنتهم يمكرون.
سمُّ الأصلال على شفاههم
أفواههم ملؤها اللعنة والمرارة
أقدامهم تخفُّ إلى سفك الدّماء
وعلى طُرُقِهم دمارٌ وشقاء
سبيل السلام لا يعرفون
وليست مخافة الله نصب عيونهم.
“رسالة بولس الرسول إلى أهل روما. الآيات 3-10 الإصحاح 18”
ورغم هذه الصورة المأسويّة لعالم اليوم، لا تزال في سمائه أنوارٌ مضيئة، وستبقى كذلك، لأنّها من لدن الله لنورها استمدّت، فكانت دائمة الإشراق، وفي كنفها الكثير من بني الإنسان أُنقذ، والكثير منهم إنْ هم رغبوا سينقذون.
من بين هذه الأنوار الساطعة دائماً نور موسى نبيّ الله الكليم، ونور داوود صاحب المزامير، ونور سليمان المُعطى الحكمة من لدن الله، ونور المسيح يسوع الفادي، ونور محمد الرسول العربي الكريم، ونور داهش رجل الله والهادي الحبيب للقرن العشرين وما يتلوه من قرون.
أوّلاً: موسى النبي كليم الله
كلماته تشعُّ مشرقة بأنوارها منذ أطلقها لتنير الدّرب لكلِّ إنسان نفسه توّاقة للخلاصِ من سجن الأرض للإنطلاق في ملكوت السماء، حيث الهناء وحيث الصفاء، وحيث السرور والحبور. فهل هناك ما يعادل وصاياه العشر التي تلقّاها من الله الرحمن الرحيم؟ وإنْ سار الإنسان على نورها فهو أبداً لن يعثر.
ولمن لم يحفرها في قلبه لتكون نبراساً له طوال حياته فهو في الظلمات يعيش، وها هي وصايا موسى الذهبيّة فلنتأمل بوعيٍ وإدراك كلَّ كلمةٍ من كلماتها:
الوصيّة الأولى: أنا هو الربّ إلهكَ. لا يكُنْ لكَ آلهةٌ أُخرى أمامي.
الوصيّة الثانية: لا تصنعْ لكَ تمثالاً منحوتاً صورة ما ممّا في السماء من فوقُ وما في الأرض من أسفلُ وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنَّ لأنّي أنا الربُّ إلهكَ إلهٌ غيُورٌ. أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ حتّى الجيلِ الثالثِ والرابعِ من الذين يبغضونني. وأصنعُ إحساناً إلى ألوفٍ من محبِّيَّ وحافظي وصايايَ.
الوصيّة الثالثة: لا تنطق باسم الربّ إلهكَ باطلاً.
الوصيّة الرابعة: إحفظ يومَ السّبتِ لتقدّسهُ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.
الوصيّة الخامسة: أكرم أباكَ وأمّكَ كما أوصاك الربُّ إلهكَ.
الوصيّة السادسة: لا تقتل.
الوصيّة السابعة: لا تسرق.
الوصيّة الثامنة: لا تزنِ.
الوصيّة التاسعة: لا تشهدْ شهادةَ زُورٍ.
الوصيّة العاشرة: لا تشتهِ بيت جارك ولا زوجتهُ، ولا عبدهُ، ولا أمتّهُ، ولا ثورهُ، ولا حماره، ولا شيئاً ممّا لهُ.
ثانياً: داوود صاحب المزامير
النفس المتعبة من هموم الدّنيا، والنفس القلقةُ ممّا يحمله الغدُ، والنفس الخائفةُ من غدر الظلمة والظالمين، والنفس التي ترزحُ تحت أحمال الذنوب التي اقترفتْ، والنفس المتوجّعة من آلام المرض وفقد الأحبّة، والنفس الناشدة لخلاصها من أتّون العالم المرعب.. كلُّ هذه النفوس لن تجد عزاءها بأروع ممّا فاضت به قريحة نبيّ الله داوود في مزاميره المدوّنة في الكتاب المقدّس. فهي نورٌ مضيءٌ أبداً ليبلسم الجروح ويطمئن النفس ويعطي الأمل. ومن بين مزاميره القدسيّة هذا المزمور:
المزمور الرابع: الموضوع: الإبتهاج بحماية الله وسلامه.
استجب لي عندما أدعوكَ يا إله برِّي، فقد أفرجت لي دوماً في الضّيق، فأنعمْ عليَّ وأصغِ إلى صلاتي.
إلى متى يا بني البشر تُحوّلونَ مجدي عاراً ؟ وإلى متى تُحبّون الأمور الباطلة، وتسعونَ وراء الأكاذيب ؟
اعلموا أنّ الربّ قد ميّزَ لنفسهِ تقيَّهُ؛
الربّ يسمع عندما ادعوه.
ارْتعدوا ولا تُخطِئوا. فكروا في قلوبِكم على مضاجِعِكمْ مُعتصمين بالصمتِ.
قدّموا ذبائح البرِّ، واتّكلوا على الربِّ.
ما أكثر المتسائلين: ” من يُرينا خيراً؟” أشرقْ علينا أيّها الربُّ بنورِ وجهكَ. غرست في قلبي فرحاً أعظمَ من فرحِ من امتلأتْ بيوتهم وأجرانهم بالحنطة والخمر الجديدة.
بسلامٍ اضطجع وأنامُ. لأنّكَ وحدكَ يا ربُّ تُنعم عليَّ بالطمأنينة والسلام.
ثالثاً: سليمان الحكيم
الحكمة نبراسٌ للسائرِ في الظلمة كان وسيبقى إلى أبد الدهور. ففي الحكمة يهتدي الضّال إلى طريق الصّواب، وبالحكمة يعرف العاقل أن يميّز الخير من الشرّ، وبالحكمة تنال النفس طمأنينتها وتبلغ محطّ خلاصها، فالحكمة شمسٌ دائمة التوّهج وثمنها يفوق كلَّ جواهر الدنيا. ولذا الله سبحانه وتعالى أنعم على نبيّه سليمان بنعمة الحكمة. فكان أن نطق بآيات خالداتٍ الزمن يفنى أمّا هي فباقية، ومن بين روائعه الحكميّة الذهبيّة الخالدة هذه الحكمة الواردة في سفر الأمثال الإصحاح السادس الآيات 16-17-18-19. حيث جاء فيه:
ستّةُ أمورٍ يمقتها الربُّ، وسبعةٌ مكروهةٌ لديه:
عينان متعجرفتان،
ولسانٌ كاذبٌ،
ويدان تسفكان دماً بريئاً
وقلبٌ يتآمر بالشرِّ
وقدمان تسرعان بصاحبهما لارتكاب الإثمِ
وشاهدُ زورٍ ينفثُ كذباً
ورجلٌ يزرع خصوماتٍ بين الإخوة.
وفي الإصحاح 12 من سفر الأمثال الآيات 1-2-3-4-5-6-7-8-9 جاء:
من يُحبّ التأديب بحبّ المعرفة، ومن يمقت التأنيب غبيٌّ. الصالح يحظى برضى الربّ، ورجل المكائد يستجلب قضاءه. لا يثبتُ الإنسان بالشرِّ، أمّا أصل الصدّيق فلا يتزعزعُ. المرأة الفاضلة تاجٌ لزوجها، أمّا جالبة الخزي فكنخرٍ في عظامه. مقاصد الصدّيق شريفةٌ، وتدابير الشريّر غادرةٌ. كلام الأشرار يتربّص لسفك الدم، وأموال المستقيمين تسعى للإنقاذ. مصير الأشرار الإنهيار والتلاشي، أمّا صرحُ الصدّيقين فيثبتُ راسخاً. يحْمَدُ المرءُ لتعقّلهِ، ويُزْدرى ذو القلب الملتوي. الحقير الكادح خيرٌ من المُتَعاظِم المفتقر للقمة الخبز.
رابعاً: المسيح يسوع الفادي
كلمة الله العليّ، وروحٌ منه ألقاها إلى مريم المقدّسة، كلّم الناس في المهدِ، وبشّرَ المساكين بالروح بأنّ لهم ملكوت السموات، والحزانى بأنّهم سيُعزَّون، والودعاء بأنّهم سيرثون الأرض، ولأنقياء القلوب لأنّهم سيرون الله ولصانعي السلام فإنّهم سيُدعون أبناء الله.
مدّة من الزمن جال فيها أرض الأنبياء، بشّر وأنذرَ، وكلّم الناس بسلطةٍ روحيّة لا تقاوم، فكان له منهم بضعٌ ويزيد، أخلصوا لله إيمانهم، وساروا على طريق الهدى الذي رسمه لهم، وأمّا أبناء الضلالة والظلام، فقاوموه واضطهدوه وطاردوه، فيا ويلهم من قساة أجلاف، ويا ويلهم حينما يحشرون إلى جهنّم النار، طعامهم من غسلين ولباسهم من قار.
فيا سيّدي وسيّد كلّ نفسٍ هدفها في الحياة خلاصها، ويا سيّدي وسيّد كلّ قلبٍ يسعى للحبِّ الصادق المنير، كلماتك الذّهب النقيّ، وعباراتك أسلاك النّور المحي. وهل هناك ما يعادل هذه الكلمات التي أطلقتها في عظة الجبل مخاطباً جمهرة الناس ومن خلفهم البشريّة كافّة، ومن كلماتك في هذه العظة الخالدة هذه الفقرة الرائعة المعاني، المربيّة للنفوس، والمزيلة عنها تراب الوهم، وسراب الأنانيّة.
وسمعتم أنّه قيلَ: تُحبُّ قريبك وتبغض عدوّكَ. أمّا أنا فأقولُ لكمْ: أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنّه يُشرقُ بشمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار وغير الأبرار. فإنْ أحببتم الذين يحبونكم فأيّة مكافأةٍ لكم؟ أما يفعلُ ذلك حتى جُباةُ الضرائب؟ وإنْ رحبّتم بإخوانكم فقط، فأيُّ شيءٍ فائقٍ للعادة تفعلون؟ أما يفعل ذلك حتى الوثنيّون؟ فكونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم السماويّ هو كاملٌ! العين مصباح الجسد، فإنْ كانت عينكَ سليمةً يكون جسدك كلّهُ مُنوّراً. وإنْ كانت عينكَ سيّئةً يكون جسدكَ كلّهُ مُظلماً، فإذا كان النور الذي فيك ظلاماً، فما أشدّ الظلام!
خامساً: محمّد الرسول العربيّ الكريم
الجزيرة العربيّة غارقةٌ في الجهالة العمياء، ظلمٌ وظلام، قتلٌ ودماء تهرق، أمّهات ثكلى، وطفولةٌ بريئة ملائكيّة تؤود لا لشيءٍ أو لذنبٍ اقترفت، بل لكونها أُنثى، وفي إمبراطورية فارس وروما فسادٌ لا يعلوه فساد، وهرطقاتٌ دينيّة ومذهبيّة ما أنزل الله بها من سلطان، وسط هذا العمى الذي غشى العالم المعروف آنذاك، سطع نور وأشعّت شمس، إنّه نور محمّد (ص) وشمس الإسلام، جاءا ليطردا ظُلمة العالم، وينيرا بصائر الناس إلى طرق الحق والخير والعدل، ويصحّحا ما اُخلط على العقول فهمه من كتب ومعارف روحيّة سابقة، ومن أروع ما حمله القرآن الكريم لوصف القوّة الموجدة أي الله سبحانه وتعالى كانت هذه الآية التي لو لامست الحجارة الصلدة لخرّت ساجدةً مسبحّةً للمهيمن الرحيم.
“الله نور السماواتِ والأرض، مَثَلُ نورهِ كمشكاةٍ فيها مصباح، المصباحُ في زجاجة، الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرّيٌّ، يوقدُ من شجرةٍ مباركةٍ، زيتونةٍ لا شرقيّة ولا غربيّة، يكادُ زيتها يضيءُ ولو لم تمسسهُ نار، نورٌ على نور، يهدي الله لنورهِ من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكلِّ شيءٍ عليم.” النور الآية 35…
وانظر بتفكّرٍ وتدبرٍ هذه الحكميّات الذهبيّات والتي لا تقدر بأثمانٍ ماسيّة أو ذهبيّة فانية، فهي لها الخلود الدائم، وهي العقد الفريد الذي من طوّق عنقه به فقد فاز في حلبة السبق الفوز المبين، فقد جاء في القرآن الكريم “إنّما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم واتقّوا الله لعلّكم ترحمون، يا أيّها الذين آمنوا لا يسخرُ قوم من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيّها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنِّ إنَّ بعض الظنِّ إثمٌ، ولا تجسّسوا، ولا يعتب بعضكم بعضاً، أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، واتقّوا الله إنَّ الله توّابٌ رحيم. يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ الله عليمٌ خبير.”
واسمع لمحمّد (ص) حين يقول في حديثٍ شريف: ” الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر” “لو كانت الدنيا تعدلُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء.” ويقول أيضاً ” لو إنّكم تتوكّلون على الله حقَّ توكّلهِ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً” . وعن المساواة في العدالة ما أروع ما قاله الرسول الكريم ” إنّما أُهلكَ الذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنّ فاطمةً بنت محمّد سرقت لقطعت يدها.” وما أروع هذا الوصف النوراني للمجتمع المتعاون أفراده على الخير والبر ” مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” وهذه الكلمات الرائعات التي يبيّن فيها النبيّ أن لا شيء للإنسان يصيبه إلاّ نتيجة لاستحقاقه: “يا غلام، إنّي أُعلمكَ كلماتٍ، احفظ الله يحفظك الله تجده تجاهك، وإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعون بشيءٍ لم ينفعون إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.” وإليك هذه الحكمة البيّنة التي نورها يشّع كماسٍ مصقول: “يتبعُ الميت ثلاثةً أهلهُ ومالهُ وعملهُ، فيرجعُ إثنان ويبقى واحد، يرجع أهلهُ ومالهُ، ويبقى عملهُ.”
سادساً: رجلُ الله الدكتور داهش الهادي الحبيب
القدس مدينة الأنبياء، ومنها في آخر الأيّام يخرج الهادي الحبيب وبها يولد، ففي حي العمود من هذه المدينة وفي الأول من حزيران العام 1909 وُلِدَ سليم موسى العشّي، والذي بإلهامٍ روحي قدسي أُختير اسمه الذي يُعرفُ فيه بين الناس اليوم بداهش، فأعطاه الله القدير نعمة اجتراح المعجزات الباهرات والتي تناقلت أخبارها معظم صحف العالم العربي والأوروبي فاستدعته الجمعيّة النفسيّة في باريس ليريها ما يثبتُ صحّة ما تناقلته الأقلام، فكان لها معجزة يونان النبيّ، إذْ وُضِعَ داهش في تابوت مُحكم الإغلاق ومختوماً بالشمع وأُنزل في قاع نهر السين مدّة أسبوعٍ من الزمن، وفي نهاية أيّام الأسبوع أُخرِجَ التابوت بعدما حُرِسَ بصرامةٍ قاسية من أعضاءٍ في الجمعيّة النفسيّة فإذا المسجّى فيه يتحرّك نابضاً بالحياة، فكان هذا الحدث دافعاً لهذه الجمعيّة أن تعطيه شهادة الدكتوراه في العلوم النفسيّة، ومن حينها عُرِفَ سليم موسى العشّي بالدكتور داهش، وكما عُرِفَ سابقاً سميّه بإسم سليمان الحكيم.
وفي هذا القرن، العلم في مختلف ميادينه تبوّأ عرش المجد، وكشف من المخبوء ما كان مستوراً طوال قرونٍ من الزمن، سطّر الإنسان الكثير الكثير من القوانين وسخّرها لمصلحته وزيادة الرفاه له، ولكن رغم هذا الكشف الباهر، بدل أن يقترب الإنسان من ربّه ويتعبّد إليه بعقله وقلبه، بدل ذلك للأسف، وجدته الرافض الأول لكلِّ ما لا يقع تحت كشفه الحسّي، فإذا به يرفض الله سبحانه ويرفض كلَّ غيبيٍّ تحدّثت عنه كتب السماء، وبدل أن تنمو فيه حاسّة الإنسانيّة، وجدته عابداً للأنانيّة الممقوتة، فاتّخذ له العجل الذهبيّ معبوداً لا يباريه معبود آخر، فأُحنيت له الرقاب، وتذلّلت له النفوس، وشُغِفَتْ به الأنفس شعوباً وأفراداً، رافضين للغيب ومؤمنين به، الكلّ أصبح له عابداً خاشعاً عاشقاً. فكانت ثمراته العلقم المرير، والدماء المهراقة، والنفوس المزهقة، واليتامى والثكالى، فمن حربٍ كونيّة أولى إلى حربٍ كونية ثانية، إلى حروب استقلال واستغلال، مُدنٌ هُدِمت، وبلدانٌ روّعِت، فتّوج كلّ ذلك بحربٍ ذريّة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً في هيروشيما وناكازاكي، بكلّ هذا، النفوس في شبكة الحيرة والقلق علقت، وها هي تتخبّط تخبّط العاجز الفاقد للقوّة.
وسط هذا الضياع الذي غشى المعمور، وفي الثالث والعشرين من آذار العام 1942 أطلق الدكتور داهش بأمرٍ من السماء صرخته المدوّية، وأطلّت على العالم شمسه القدسيّة بأنوارها الأزليّة الأبديّة، داعيةً كلَّ النفوس للخلاص، مُثبِتَةً لكلِّ ذي بصيرة حقيقة وجود العالم الروحيّ الخالد بما أُوتي الهادي الحبيب من قوّة اجتراح المعجزات، فكان لكلماته السند السماوي الذي لا يقاومه إلاّ الجهّال من بني البشر الأغبياء، وكم هم كثرٌ اليوم في عالمنا. لقد كان في صوته صوت موسى وداوود وسليمان والمسيح ومحمّد وبوذا وغاندي وسقراط و…، فرسالته السنيّة فريدة المزايا، فهي العروس التي تغنّى بها سليمان الحكيم حيث قال في سفر نشيد الأنشاد “أختي العروس جنّةً مُغلقة، عينُ مقفلة، ينبوعٌ مختوم”، وشريعته هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله قبل موته في سفر التثنية الإصحاح ال33 حيث قال:” وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعةً لهم”. والدكتور داهش هو الذي عناه سيّد المجد يسوع حين قال في إنجيل يوحنّا الفصل الرابع عشر ” إنْ كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد”. وهو الذي قال فيه إشعياء النبي مُعزّياً الأمم جميعها في الخلاص المُرتقب من الله سبحانه وتعالى فقال “الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والمقيمون في أرض ظلال الموت أضاء عليهم نورٌ. كثّرت الأمة وزدتْها فرحاً، ابتهجوا في حضرتك كما يبتهجون في أوان الحصاد، وكما يبتهج الذين يتقاسمون الغنائم. لأنّك قد حطمّتَ كما في يوم مديان، نيرَ ثقله وعصا كتفه وقضيب مُسخّرهِ. إذ كلّ سلاح المتسلّح في الوغى وكلّ رداءٍ ملطّخٍ بالدماء، يطرح وقوداً للنار ويُحرق لأنّه يولدُ لنا ولدٌ، ويُعطى لنا ابنٌ يحمل الرّياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبديّاً، رئيس السلام.”.
وفي القرآن الكريم وضعه الربّ موضع قسمه إذ جاء في سورة البروج ” والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهدٍ ومشهود” فهو الشاهد في هذه الآية المعني بها، وظاهراته الخارقة ومعجزاته الباهرة هي المشهود. فهل من عقولٍ تعي حقيقة الهادي الحبيب ورسالته المقدّسة المنيرة؟؟…
ومن بين كلماته التي قيلت وكتبت في ما يزيد على المئة والخمسين كتاباً اخترت هذه الأنوار من كتابه المعنون “كلمات الدكتور داهش” :
- “المرأة بؤرةٌ نتنة آسنة، والرجل خنزير قذر دائم التمرّغ فيها” فالمرأة المعنيّة من هذا القول هي المتهتّكة البائعة لعرضها في سوق النخاسة، والرجل المذكور هو البائع لشرفه في سبيل شهوته الجنسيّة القذرة.
- ” المرأة سببُ شقاء وهناء هذا الكون المترامي الأطراف” فهل يستطيع إنكار هذه الحقيقة ناكر، فإن وُجد، فما عليه عندها سوى بقراءة التاريخ.
- ” المرأة تحمل بيمينها مفتاح السعادة، وبيسارها معول التدمير والشقاء.” فحنان المرأة لا يعادله حنان في الوجود، وغيرتها أشدّ تدميراً من زلزالٍ مدمّرٍ مردّم.
- ” أنا أشكّ بنفسي ولا أثقُ بها، فكيف تريد منّي أن أثقَ بكَ ثقةً عمياء لا حدّ لها، أوَلا يُعدُّ هذا منك منتهى الغباء، وغاية الجنون؟!” والشكّ المقصود هنا هو الذي يقود الإنسان إلى الحقيقة الساطعة ليخلق بالنفس السكينة والطمأنينة.
- ” أُحبُّ الكتب حُبَّ السكارى للخمر، لكنّي كلّما ازددت منها شرباً، زادتني صحواً.” المعرفة زادُ الواعي في الحياة، والكتب هي المائدة العامرة التي من غذائها تنمو النفوس وتسمو.
- ” الحريّة: منحة السماء لأبناء الأرض. فمهما حاول ( الحاكم الوصوليّ ) أن يعتدي على ذمارها، فإنّها تعود لتنقلب عليه ، وتُعميه برشاش غبارها.” القيد ممجوج للنفوس الحرّة حتّى لو صيغت سلاسله من الذهب والماس، فالله جلّت قدرته وهب من نعمهِ الكثير الكثير لمخلوقاته، وأعظم العطايا كانت نعمة الحريّة. حتّى أنّه في القرآن الكريم أوحى إلى صفيّه محمّد (ص) قائلاً: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وقال ” لست عليهم بمسيطر” وقال: “وهديناه النجدين فأمّا كافراً وأمّا شكوراً” فهل بعد هذا سيطرة ظالمة لفردٍ على آخر؟ فإن وُجد فقانون الحياة يلفظه، وإلى دركات جهنّم يأخذه.
- ” الجبان- في شريعتي- ليس أهلاً للحياة مُطلقاً. فإمّا أن (نجبن) فيستعبدنا القويّ الغاشم، وإمّا نُظهر (شجاعتنا)، ونُطلقُ (بطولتنا) فننتزع بواستطها (حريّتنا) المقدّسة الخالدة.” وكم هذا القول الحكميّ يذكّر بالبيت الشعري الخالد للشاعر أبي القاسم الشابي حيث يقول: ” إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر” كما أنّ ذاكرة التاريخ حفظت لنا بطولة شعب صيدا عندما حاصرها الطاغية أرتحششتا، وكيف فضّل هذا الشعب المقدام الموت حرقاً وبيده على أن يُسلّم بذلٍّ وانكسار نفسٍ مدينته إلى الحاكم الظالم الجائر. وفي ذاكرة التاريخ عبرٌ وعبر لكلّ من أراد لنفسه أن تسمو وتخلص من ربقة الطغاة والمستبدّين.
- ” يا رجال التشريع والقضاء!.. إنّ شرائعكم هي إحدى مهازل هذه الدنيا ومساخرها. فالقوانين ليست بقوانين إذا طُبِّقَت على الضعفاء والفقراء دون الأقوياء والأغنياء. فالحرّة ترغمونها على الأكل من ثدييها ثمّ تطلبون محاكمتها. وسارق الرغيف تلقونه في غياهب السجون…. أمّا سارق الألوف فإنّكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم، فيا للعار!” وليس أدلّ على صدقيّة ما جاء إلاّ “الأمم المتّحدة” وعدالتها التي لاكتها ولعنتها جميع أمم الأرض- فيا للمهزلة من الإنسان الذي بمحض إرادته ورغبته صار عبداً للشيطان.
- ” إنّ كرسيّ الحكم لا يُشرّف صاحبه ولا يرفعه، بل الجالس عليه هو الذي يرفع من قدره. أمّا فاقد الشرف، الخالي الوفاض من الفضيلة، المسوق كالدّابة بواسطة امرأةٍ مستهترةٍ فاجرةٍ منغمسةٍ بالرذيلة، فإنّه يهوي بهذا الكرسيّ الهزيل إلى دركات الإنحطاط، فيدنّسه بجراثيمه الطاعونيّة ويلوّثه.” ومثلين لما جاء أضرب: هيرودس زوج الداعرة هيروديا والقاتل ليوحنّا النبّي، وبشارة اللعين زوج البائعة الشرف لور، والمضطهد للحبيب الهادي.
10 ” أُشبّه الحياة بقفصٍ رهيبٍ هائل، والبشر بالطيور الرازحة فيه، ومهما بذلت الطيور من مساعٍ وجهودٍ لاجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتّى يأتيها داعي الموت ويحررّها من تلك العبوديّة الصارمة، ويعتقها من ذلك القيد الثقيل.” حواسنا المعطاة لنا في هذه الحياة هي السلاسل المشدودين إليها، وعقلنا لا يتغذّى إلاّ من خلال هذه الحواس، فكما هي محدودة، كذلك هو، وعند الموت تتحطّم تلك السلاسل، فنعي ونعرف ما لم يكن بالمستطاع، وما أروع الآية القرآنيّة الكريمة الواصفة النفس حين موتها فتقول:” وكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد”.
- 11. ” كُنْ حذراً من تقلّبات الأيّام وتغّيرات الأعوام، لأنّ قانون الحياة هو الاستمرار على التحوير، ونظام الكون دائبٌ أبداً على التغيير.” فكم من ملوكٍ ورؤساء باتوا ليلهم وهم في عزِّ مجدهم، فأفاقوا وهم بأذلّ حال، وفي التاريخ المدّون عبرٌ وعبر. فسبحان الله المحوّل من حالٍ إلى حال والمنذر للناس أن كلَّ شيءٍ إلى زوال.
- 12. ” أنا أؤمنُ بأنّه توجد عدالة سماويّة، وأنّ جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغّصاتٍ وأكدارٍ إنْ هو إلاّ جزاءً وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور، ولهذا يجب علينا أن نستقبل كلّ ما يحلُّ بنا من آلام الحياة ومآسيها، غير مُتبرّمين ولا متذمّرين، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمها السامية.” وما جاء في القرآن الكريم عن النفس ها هو”كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة” ، وجاء أيضاً في موقف عدم التذمّر حين التعرّض للمحن والتجارب “وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون”. وجاء أيضاً على لسان عليّ (ع) “لا يلومنّ لائمٌ إلاّ نفسه”. وعلى لسان محمّد (ص) حيث قال “ما من عثرة قدمٍ، ولا عرقٍ محمومٍ ولا الشوكة تُشاكها إلاّ بذنب”.
هذه هي الأنوار الدائمة السطوع أبد الدهر ولا ولن يرى نورها المحي سوى ذوي البصائر السويّة والعقول النيّرة. فهل يا أخي منهم أنت ؟!…
15 كانون الثاني 2004
مركبةُ الرّوح والمركبة الفضائيّة
وتسامى عقل الإنسان، فبلغ بما أنجزه كوكب المريخ، وكان قبلها وطئتْ قدماه قمر الأرض.
غاص إلى قعر المحيطات محاولاً اكتشاف المجهول فيها، وسلّط مناظيره إلى الفضاء محاولاً التقاط ما ينير له الدّرب فيكشف عن مستورٍ لم تعرفه قبل نفسٌ بشريّة. للذرّة شطر، وأخرج منها قوّةً هائلةً مدمّرةً مُردّمة. أشاد من البنيان ناطحات السّحاب، وأبراجاً متشامخة في السّماء، قصّر المسافات بين أطراف المعمور، ووضع بين يدي الناس أجهزةً وأدوات لم يكن في عزِّ مجدهم يحلم بها عباقرة القرون الغابرة.
للجسد درس تراكيبه، فعرف من الأسرار الكثير الكثير، وهداه إلى إصلاح أعضاءٍ لم يكن بالمستطاع قبل قرونٍ الاهتداء إلى سبب علّتها فأصلحها.
كلَّ هذا وكثيرٌ من مثل هذا أوجده العقل الإنساني في قرننا الحالي والقرن الذي سبق.. ولكن هل وجد الإنسان بما أوجده عقله من منجزاتٍ مُذهلة الرّاحة القلبية، والطمأنينة النفسية، أمْ أنّ قلقه زاد، وحيرته بلغت مداها، واضطرابه أضحى لا مدى له ؟!..
وهل اختفت من حياته المآسي، وزالت المنغّصات، واختفت من بين الناس والشعوب والدّول الحروب وإهراق الدماء؟!..
وهل تنامت في ذوات النّاس خصائص الخير والفضيلة ومحبّة الجمال الإلهي؟!..
وهل قدّمت هذه الاختراعات المُذهلات للإنسان المعرفة الروحيّة الدافعة لمعرفة الله والعيش في تقواه والتعبّد لذاته المقدّسة القدسيّة؟!..
هي أسئلة كثيرة تُطرح والجواب واقع الحياة يجيب عنها. فافتح عقلك بوعيٍ وإدراكٍ تجد لديك الجواب الشافي.
عليٌّ (ع) إمامُ المُتقين وسيّد المؤمنين في كلمةٍ ذهبيّةٍ من كلماته يقول: “بالعلم يُعرفُ اللهويُوحّد.” فهل ينطبقُ الحال البشريّ على ما قاله عليّ (ع) ؟!
السعادة يا أخي الإنسان لا تُنالُ بأطنانٍ من ذهبٍ وأكداسٍ من جواهر ماسيّة. ومجد السّماوات لا يُنالُ بصاروخٍ ولا بمركبةٍ فضائيّة. وطمأنينة النفس لن تجدها بكثرة مالٍ ولا ولد.
وما أروع ما نطق به سيّد المجد يسوع حين قال: “بماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخَسِرَ نفسه!” (إنجيل متّى 16/26 )
وما أجمل وأحلى آيات القرآن الكريم مخاطبةً الإنسان كي يعرف مصدر هنائه وكنزه الذي يبحث عنه فتخاطبه قائلةً: “زُيّن للناس حبُّ الشهوات من النساءِ والبنين والقناطير المقنطرةِ من الذهب والفضّةِ والخيل المسوّمةِ والأنعامِ والحرث ذلك متاعُ الحياةِ الدّنيا والله عنده حسن المآب. قل أأنبئكم بخيرٍ من ذالكم للذين اتقوا عند ربّهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواجٌ مُطهّرةٌ ورضوانٌ من الله واللهُ بصيرٌ بالعباد. الذين يقولون ربّنا إننّا آمنّا فاغفر لنا ذنوبنا وَقِنَا عذاب النّار. الصابرين والصّادقين القانتين والمُنفقين والمستغفرين بالأسحار.” (سورة آل عمران/ الآيات 13-14-15-16)
وما أصدق قول العارف لحقائق الوجود ومنزلة الإنسان في الأكوان ومسكنه في دنيا الدنايا وكيفية الوصول إلى حضن الرحمان. لقد نطق بحكمةٍ ودرايةٍ ومعرفةٍ أبديّة أزليّة إمام المؤمنين وسيّد المتقين عليّ (ع) فقال: “يا دُنْيا يا دُنْيا، إليكِ عنّي، أَبي تعرّضتِ؟ أمْ إليَّ تشوّقتِ؟ لا حانَ حينكِ! هيهات! غُرِّي غيْري، لا حاجةَ لي فيك، قد طلّقتكِ ثلاثاً لا رجعةَ فيها! فعيشُكِ قصيرٌ، وخطرُكِ يسيرٌ، وأمَلُكِ حقيرٌ. آه من قلّة الزاد، وطولِ الطريقِ، وبُعْدِ السّفرِ، وعظيم الموردِ.” (نهج البلاغة/ الحكمة 77 من باب الحكم والمواعظ)
وكلماتٌ قدسيّة قرأتها في كتاب أناشيدي الصادر عن دار النّار والنور فوجدت فيها الحقيقة لكلِّ قلبٍ يسعى إليها كي يتبعها، ونفسه تنشد الرّاحة وتبحثُ عن طمأنينتها وها هي:
“رُحماكَ ربِّي!
إنَّ أجسامنا الماديّة ستمتدُّ إليها يدُ الأقدارِ فتُحطّمها؛
ثمَّ تعملُ فيها أناملُ الدّهرِ فتغيّرُ معالمها،
وتجعلها مَهزَلةً مرذولة؛
أمّا الأعمال الصالحة والاتجاهات النبيلة السامية
فهي هي التي تبقى، أبد الدهرِ، باقةً نضرةً باسمة،
يتنسّمُ ملائكةُ الله عبيرها الخالد؛
ثُمَّ يُكلّلُ بها رأسُ من استطاعَ جمْعَها
وإيصالها إلى عالم الخلود الدّائم المسَرّات.
وهذه الباقةُ الفتّانةُ لا تستطيعُ يدُ الفناءِ
أن تمتدَّ لأيّةِ زهرةٍ من زهراتها الدّائمةِ النضارة والأريج.
فاجعلني يا الله، أحدَ الذين ستُكلَّلُ هامتُهم بها،
ساعة انتهاءِ أجلي من عالم الأرض،
وانتقالي إلى عالم السماء.”
(أناشيدي/ ص 81-82)
وختام القول حديثٌ شريفٌ لنبيٍّ كريمٍ وهو محمّد (ص) الصادق الأمين والذي بكلماته الحقّ يبرز كما الشمس في شهر حزيران. فما أروعها من كلمةٍ جامعةٍ لا قبلها ولا بعدها: ” الدّنيامزرعة الآخرة.” وبهذا الجواب اليقين وبه النفس تسْلِمُ لربِّ العالمين. فمركبة الروح بك تصل إلى أعلى عليّين ومركبة الغرور البشريّ تودي بك إلى أسفل السافلين، فأيُّ مركبةٍ لك وحدك الخيار بالصعودِ إليها، وبعدها إمّا أن تكون من الفائزين، وإمّا أن تكون من الخاسرين!.. ومركبة الروح صُنعت من أعمالٍ صالحةٍ وفضائل، ومركبة البشر صُنعت من حديدٍ وموادٍ جميعها لا بدَّ زائل!..
31/1/2004
أيُعقلُ تدمير الحياة بإسم الحياة
اليوم الثاني من شهر آذار 2004م (العاشر من محرّم ه) ،ولِدَ هذا اليوم حاملاً معه ذكرى، والذكرى أليمة، مملوءة برائحة الدّم المُراق منذُ ما يزيد على ألفٍ واربعمائة من الأعوام، لكنّ الأيام بتكرارها لم تقدر على أن تُزيل فوح الرائحة وعطرها، فرائحة دمُ الحسين وصحبه مُستمدّة من رائحة الحقّ والحقيقة،والعدل والعدالة، والتضحية ونكران الذّات في سبيل المُثل العليا السّامية،وموطن هذه الملكات النّفسية عوالم سعدٍ وهناءٍ وحبور،وهذه لا تزور أرض الشّقاء والشرور إلاّ لماما،ولذا عبير أريجها يبقى مهما طال به الدّهر أو مضت به ألأيام.
الثاني من آذار 2004م يوم عاشوراء كان،وللشيطان المتجسّد في الإنسان كان موعداً،فأفلت من مخزونه المملوء ظُلماً وظلاماً أدوات شرٍ وجريمة،ففتك دون رحمةٍولا شفقةٍبعامةٍ من الناس كانوا يُحيون بعاطفةٍ قلّما يكون للعقل فيها دور المرشد، كانوا يحتفلون بذكرى الشّهادة والإستشهاد،فكان لهم الشّر رابضاً،فحصدهم لا لذنبٍ أتوه أو فعلوه،بل هي آلة الضّغائن والأحقادوالقلوب المملوءة خُبثاًوحقداً .
في العراق مسرح الجريمة كان،وكذلك هو في الباكستان،والفاعل في المسرحين واحد،والمفعول به أيضاً واحد.
فإلى متى سيبقىالدّين مطيّة للشّر؟ وإلى متى سيظّلُّ الجهل على الأفئدة رابضاً؟وإلى متى نقتل ونُدمّرونقتلع الحياة بإسم الحياة؟ أما كفى عبرَ الدّهر لكلّ ِمُتبصرٍ واعٍ ذا فهم؟ أم أنّه ران على القلوب ما كُسِبَ من إثمٍ وشرٍّ؟
هيّا نفيق من السُّبات،وهيّا ننفض غبار الجهل،وهيّا نجعل العقل لنا قائداً ومرشداً،وآيات المقدّسات في التوراة والإنجيل والقُرآن أنوارٌ نسيرُ وفقها دون تعصّبٍ أو بغضاءٍ أو مشاحنة.
ألله يا أخي الإنسان رحمة هو ومحبّة وقدّوس وعادل ورحمان ورحيم.
فهيّا نجعل من ظلال أسمائه الحسنى فضائل لنا نتنسّم أريجها،ونترجمها حركة حياةٍ إجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ وقانونيةٍ وأخلاقية.
بهذا وحده ولا شكّ لديّ نستبدل عالم الشّقاء والشرور بعالمٍ ملؤه السّعد والسرور.حين هذا تُظلّنا ملائكة الكريم، وتدفع عنّا قُدرة القادر كلّ شيطان خبيثٍ كان أم حقير.
هيّا لنغيّر مفاهيمنا أيّها الناس، وحينها تتغيّر حياتُنا، ولنستبدل أخلاقنا فتُستبدل أحوالنا، فقد جاء بالكتاب الكريم “ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركاتٍمن السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون .” الأعراف…96…
وجاء أيضاً: “أنّ ألله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم .”….الرّعد… 11….
فهل نفهم ومن ثمّ نفعل؟ أم تُرانا سنبقى بالجهل والجاهلية عامهين ؟
شمسُ الحقيقة أيّها الانسان مُنيرة ٌ بجلالٍ لكلِّ من يسعى للحياة القدسية النبيلة السامية، وعطائها المُحيي لا يُعطى إلاّ لمن ببصيرته يرى قبل بصره ، ولمن لعقله يحتكم ُ قبل هواه .
أمّا إذا إن كان مستقبل الآتي من الأيام كماضيه، فليكن واضحاً للجميع أنّ لنا من الشّر عطايا،وله معنا مواعيد لاموعد .
هذا هو رأيي بوضوحٍ وصراحة ، وطوبى لمن علِم وعلّم ، وطوبى لمن فهِمَ وأفهم .
4/3/2004
تجربةٌ قاسية
عشقتكِ بالأمس واليوم وغداً
فحّبي لكِ دائمٌ ولا يقدر عليه الزّمان ،
منك أنبثقتُ فأنت أُمي
يا من وجدتِ قبل أن كان مكان،
أبعد عنك لغفلتي وضياع عقلي
فأراك تتقرّبين إليّ تقرّب الخلان،
فإلى متى يا هاديتي سأبقى غير وفيّاً
وإلى متى تصبرين عليّ يادرّة الأكوان؟
جميلٌ منك التضحيات يا رجوتي
والقبيح القبيح فعل السّوء ورائحة الظّربان،
عيناي عشقتك وعشق الروّح نورٌ
وقلبي خافقٌ بحبك خفقات ولهان،
تجربةٌ قاسيةٌ أعيشها أليوم أنا
وملاذي الواحد الأحد ألقادر ألرّحمان.
12/6/2004
وطوباك
أيتها ألوردة الحمراء ألجميلة ألسنيّة
يا نجمة سماوية هبطت أرضنا الشّقيّة
ياذات ألنفس ألنقيّة في دنيانا الزّرية
ويا من أتيت لنشاهد من خلالك مجد العوالم ألبهيّة
فنتذكر الهناء والحبور في هاتيك العوالم القصيّة
وتجذبنا الذكرى إلى فعل الصالحات
لننعم بالتجسّد هناك حيث المبهجات
فيا أيتها الوردة العطرية الرائعة الجمال
عندما تنظرك العين تدخل النفس البهجات
وحينما لعطرك المُحيي نشمُّ، تداخلناالمسّرات
وعندماتلامس الأصابع أوراقك النّاعمة
تسري في الحنايا أروع ممّا تفعل أنقى المسكرات
بوركتِ يا وردة زيّنت دنيانا
وأعمالكِ أدعو الله لكِ أن تسمو بكِ
فتعودين الى كوكبكِ الهنيّ
بعدما أدّيتِ رسالتكِ في كوكبنا الشقيّ
وخلّفتِ وراءكِ كل زنديقٍ ماكرٍ وبغي..
طوباكِ على ما أنتِ فيه اليوم
وطوباكِ على ما تصبين إليه يا مفرحة اليائس وهدية النبيّ.
14/7/2004
لكَ الشّكر
التاسع عشر من تموز،أيّها اليوم المتوّج ملكاًعلى باقي الأيام بالنِّسبة لي،ففي هذا اليوم المبارك،وخلال حكمك كانت لي الولادة الثانية، الولادة الحقيقية.
ففي مثل هذا اليوم من العام 1975م سمحت لي العزّة الإلهية بمشاهدة أقدس من وطأت أقدامهم أرضنا لإرشادنا،وأنبل النفوس التي تجسّدت لانتشالنا من هوّة الحياة بتضحياتهاالسّامية.
في مثل هذا اليوم قابلت النّبي الحبيب الهادي،ومن خلاله شاهدت مجد الله ومعجزات الرّوح القويّةالقادرة،فخرجتُ من رحم الأحياء الأموات وولدتُ ثانيةًحيث الحياة الحياة بكل معانيها وأبعد مراميها.
فشكراً لك يا خالقي يا صاحب القدرة الصّمدانية والمحبّة الأبوية والرّحمة الأزلية على عطاياك،هذه العطايا الّتي لايعادلها ما في الكون من جواهر ومقتنيات،وكيف لا وقد قال وقوله الصّدق أبنك الحبيب:”ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه.”
الشّكر لك يا واهبي الحياة على نعمك التّي أنعمت بها عليَّ،فأنا كنت أعيش قبل هذا اليوم أعمى بين عميان،وبرحمتمك أصبحت مُبصراً وبصيرا،وممجّداً لك يا خالقي بقلبي ولساني،وإليك خاضعاً بكلِّ كياني.
شكراً لك يا رب الأرباب،شكراً لسماحك للهادي الحبيب بالتّجسدفي أرضنا الشّقية،حيث لولا سماحك له لكنّا ما نزال ندبّ على وجه الأرض دبيب الأموات الأحياء،ولكنّا مانزال نعيش في دجوجية الظُّلمات.
داهش النّبي الحبيب الهادي،لقد أعطيت لي ولادتي الثانية،وها أنذا بك أستنجدُطامعاً بكرمك أللاّ محدود كي ترأف بي وترعاني،فأبقى لتعاليم رسالتك السّامية وفياً طوال ما بقي لي من أيام على وجه دُنيانا الزّريّة،وأن تهب لي عطايا روحية سنيّة تقوّي بها قلبي بروحالإيمان والفضيلة،وتغدق عليّ من سخائك ما يجعل قلمي داعياً للنور بإخلاصٍ وقوّة.
لك مني الشكر ألف الف مرّة يا واهبي الحياة، وشكراً لك منّي يا نور الحياة وسيّدها،يا داهش الأكوان، ياسيّدي ونبيِّ الحبيب الهادي.
19/7/2004
صلاة شكر
يومٌ جميلٌ آخر من ايام حياتي، بل هومن أجمل الأيام وذكراه لن تمحوه من نفسي الشّهور بتواليها ولا الأعوام بمآتيها.
إنّه التاسع عشر من شهر آب 1975م،ففي مثل هذا اليوم سمحت القوّة الموجدة لي للإجتماع ثانيةً مع أحبِّ النّاس إلى قلبي، ذلك الإنسان الّذي لن يجود الزّمن بمثله، والهابط إلى أرضنا الشّقية من عوالم البهاء والسّناء، من عليِّ ذُرى الجنان،هبط بعد استئذان الرّحمان ليكون للناس مُبشِّراً وشفيعاً وهادياً إلى طرق الخلاص، وكشمس الظّهيرة يكون لهم مُنيراً، فكان بهذا آية الأزمان والشاهد الأمين على فعال الإنسان، وكان كذلك المخلِّص للراغبين إنتشال نفوسهم من بحار الحيرة والغفلة إلى شواطىء الأمن والأمان.
غاية غاياته كانت جمع شمل ما فرّقه الناس بجهلهم من هُدى في رسالةٍ واحدةٍ مُقدّسة أطلق عليها اسم وحدة الأديان،فكان بهذا موسى وعيسى ومحمد وجمع الهداة عبر الزّمان،وبذا تجسّدت في شخصه الهداية الحقّة، فحقَّ أن يكون النّبي الهادي وداهش الأزمان والأكوان.
نعم في مثل هذا اليوم سمحت لي العزّة الإلهية بالوقوف بين يديه، فكان عطاؤها لي أوفر منأيّ عطاءٍ آخر، ومكرمته لي أعزّ على نفسي من أيّة مكرمةٍ يمكن أن أنالها.
صلاة الشّكر أرفعها إليك يا خالقي وموجدي لسماحك لي بمشاهدة أحبّ الناس إلى ذاتك القدسية، وشكراً لك يا واهبي الحياة على ما رأيته من ظاهراتٍ روحيّةٍ خارقةٍعلى يديِّ نبيِّك وصفيّك وحبيبك.
يا ربّي صلاةُ قلبي فلتتقبل منّي، ولتجعلني دائماً عبداً من عبادك المُخلصين، وخادماً من خدم رسالتك المقدّسة، الرّسالة الدّاهشية الموجّهة للناس أجمعين، ولتقبلني بعد إنتقالي في عالمٍ علوّيٍ بهيٍ سعيدٍ حيثُ الفرح والهناء، وحيث صلاة كائناته تسابيح شُكرٍ وتراتيل أناشيد.
19/8/2004
الحريّة
“أفضّلُ أن أكون زبّالاً في نيويورك،
على أن أكون زعيماً وطنيّاً في لبنان”
وليد جنبلاط /كلام الناس/ 23/9/2004
كلُّ شيءٍ في الكون معلومه ومجهوله له “روح”. وكلمات وليد جنبلاط “بروحها” هي لا “بحروفها”.
فروح هذه الكلمات النابضة هي “الحريّة”. ومَنْ مِنَ الكائنات لا يعشق الحريّة ويقدّسها، بل يتعبّد لها؟ إن وجِدَ هذا، فإنّه ذليلٌ سليلُ عبيدٍ أذلاّء.
فالحريّة “هديّة الخالق للخلائق”. وكلمات “سيّد المجد” لا تزال وستبقى ميزاناً للعقلاء في هذا الكون، والحافز الأكبر لكلِّ تائقٍ للخلاص، فما أروع آيته الذهبيّة القائلة :”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلِّ كلمةٍ تخرجُ من فمِ الله.” متّى 4:4
وكم هي رائعةٌ آية عمر بن الخطّاب حينما جلجل هادراً بصوته الجهوري قائلاً:”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً “.
وهذا هو عليٌّ أمير المؤمنين وسيّد المتّقين يُطلقها صرخة مزلزلة عبر الأجيال فيقول وقوله الصدق: ” لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حُرّاً “.
ورائعة القرآن بل أنشودة الأكوان، تخاطب بها القوة الموجدة مُصطفاها في عالم الإنسان بكلمات تزول السدمَ والمجرّات ولا يزول “روحها” الخالدة خلود الأبد، فلنعي ما تحويه، ولنبصر بالبصيرة أنوارها المتوهّجة كألف شمس : ” ولو شاء ربّك لآمن منْ في الأرض كلّهم جميعاً، أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟” يونس 99
وجبران خليل جبران- النابغة الفذّ المولود في لبنان، والذي اضطهده أبناء وطنه الأرضي، وأشعّت كلماته في العالم الغربي، لنسمعه بقلوبٍ مدركة وواعية كيف خاطب الحرية وقدّسها قائلاً: ” اسمعينا أيّتها الحرية، ارحمينا يا ابنة أثينا، أنقذينا يا أخت روما، خلّصينا يا رفيقة موسى، اسعفينا يا حبيبة محمد، علّمينا يا عروسة يسوع، قوّي قلوبنا لنحيا، أو شدّدي سواعد أعدائنا علينا فنفنى وننقرض ونرتاح.”الأرواح المتمردة- خليل الكافر- ص 163 المجموعة الكاملة العربية-
ومن مواقف الشعوب الحرة الأبيّة التي خلّدها التاريخ، فكانت صفحة رائعة المعاني، يتلوها كل إنسانٍ حرٍ أبيّ بعزّةٍ وفخار، كانت وقفة سكان “ليدن” المدينة الهولندية أيام شارل الخامس وابنه فيليب الثاني. فها هما بعدما أذلّهما الحاكمان الجائران الطاغيان وقفا موقف العزّ والكرامة وأعلناها مدوّية صارخة فقالا بصوتٍ واحد..”سنحارب من أجل الحرية حتى الموت.وإنّه وإن لم يبق منّا إلاّ طفلٌ واحد، إذن لحارب دون الحريّة حتى الموت! وما دمتم تسمعون نباح كلبٍ في المدينة، فاعلموا أنّ المدينة صامدة. سنأكل لحم أذرُعنا اليسرى ونحارب باليُمنى. وعندما نجدُ أنفسنا غير قادرين على الصّمود، فسنشعل النّار في المدينة ونحرقها حتى نجعلها رماداً، دون أنْ نتنازل عن حريّتنا”. (بين عليّ والثورة الفرنسية-ص 93)
وفي أيام أرتحششتا ملك الفرس أبتْ مدينة صيدا الفينيقيةأنْ تقع غنيمةً باردةً بيدِ هذا الجبّار العاتي، هذا الطّاغية الباغية، هذا السّفاك السّفاح الذي لا تعرف الرّحمة إلى قلبه سبيلاً. أقفل سكّان المدينة ابوابها وحصّنوها تحصيناً منيعاً تاماً، كي لا يأخذهم الظّالم على حين غرّة.
وتشاوروا بأمرهم، فقرّ رأيهم أنْ لا يستسلموا أبداً ولو كان هلاكهم عن بكرة أبيهم. فأُلقيت الخطب الحماسيةمن شبابهم وشابّاتهم، مُفضِّلين الموت على الذُّل والاستسلام، وكانت أشدّهم حماسة “عشتريم” التّامة الأنوثةِ الرّائعةِ الجمال، فوقفت خاطبةً في الحشود وقالت:” علينا أنْ نُبيد مدينتنا ونفنى معها، دون أنْ نُمكّنَ ذلك الوحش المفترس من بلوغ غايته. فما علينا إلاّ أنْ نحرق مدينتنا ونُلقي بأنفسنا في جهنّم نيرانها، فتفنى أجسادنا وتخلد أرواحنا في جنّاتٍ بهجاتها لا نهائية”. وعندما دُكّت الحصون وتفكّكت أوصال الأبواب الحديدية، واجتاحت الجيوش داخل المدينة، لم تجد أمامها إلاّ الرّماد، فقد تحوّلت صيدا بكلّ ما فيها منْ إنسانٍ وجمادٍ إلى تلالٍ منَ الرّماد لا تصلحُ لشيء. حينئذٍ عاد “ارتحششتا” أدراجه إلى فارس، فارغ اليدين، بعدما سبّب اندثار مدينة الفينيقين وإبادة شعبها عنْ بكرةِ أبيهم.
قصص غريبة وأساطير عجيبة،”1″،226-227
في العام 1969، وفي 18 أيلول، وقف رجل الله الدكتور داهش، أمام تمثال الحريّة في مدينة نيويورك، وخاطبه بهذه الكلمات الخالدات قائلاً:-
(..ويا أيّها التّمثال الشّهير!
أُشهُرْ سيف نقمتك،
واضرب به الخارجين والخارجات عن طريقك القويم وصراطك المستقيم،
وقوّم اعوجاج منْ سوّلتْ لهم نفوسهم السّير بطريق الباطل،
يا أيّها المانح النّعمة لملايين الملايين.
أيّها الجبّار المنتصب كالقدر المهيب!
دعْني أكون سوط نقمتك،
لأسوط به اللواتي أسأن إلى حريّتك،
ودعني أرفعُ هذا السوط وأُخفضه على أقفية المُخنّثين
من رجال هذا العصر وخنافسه الحقيرة؛
فالخنفسة تسحقها النّعال،
ومن تخنفس حاقت به اللعنة،
فأصبح بحاجةٍ للنعل كي يؤدّبه ويقوّم أعوجاجه،
فيعود إذْ ذاك صوابه إليه.
وداعاً أيّها التمثال العظيم!
يا رمز الحريّة العظيمة التي تتوق إليها نفسُ كلّ بشريٍّ يقطنُ هذه الغبراء!
وداعاً.)
وفي كتابه “كلمات الدكتور داهش”، يقول رجل الله:
( إنَّ للكرامة الشّماء وللحريّة الأبيّة ثمناً فادحاً من البذلِ والتضحيات. أمّا الاستسلام والخنوع والذّلُ وخضوع النفس لاسترضاء الطغاة البغاة والرضوخ لظلمهم الشنيع، فهو نذالةٌ فاضحة، ونكبةٌ فادحة لا ولن تنال منّي منالاً.)
ويقول أيضاً: ( الدّاهشيُّ يرى أنَّ الدفاع عن الحريّة، واجبٌ سماويّ مُقدّس. فهو يستميت في سبيل الذّودِ عنْ ذمارها، لأنّها،” هديّة الخالقِ لخلائقه” من مختلف الملل وشتّى النحّل). ص:90-97
فيا أيّتها الحريّة، من أعماق قلبي المفعم بحبّك المقدّس، كلماتٌ بها أُناشدك، فاصغي إليّ، يا حبيبة الرّسل والهُداة والمُصلحين:-
” أيّتها الحريّة
إنّ نورك يشعُّ أقوى من ألفِ شمس،
ونسائمك أرقّ وألطف من نسائم الجنان،
وصوتك كهديرِ بركانٍ كونيٍ مُتفجّرٍ،
,أنتِ تُهيبين بالمسحوقين والمظلومين والمقهورين أنْ:
هيّا أفيقوا من سبات ذلّكم،
ولتلقوا بعيدا نير ضعفكم عنكم،
فها أنا أُخاطبكم، وأُقوّيكم،
وها هم أبناء الظّلام وشياطين الدُّجنّة،
يجّرون مدحورين، أذيال اسمالهم البالية النّجسة،
فيا أيّتها الحريّة،
منَ الله أنتِ،
مُدِّ علينا من سيّالك العجيب،
فنركع حينها أمام محرابك المُقدّس،
ونُقدِّم نفوسنا قرابين إليك.
فهلاّ، يا طلبة كلّ نفسٍ إلينا تستجيبين،
وعلى ضعفنا تُشفقين؟
وهلاّ لأبناء المشرق العربيّ ترحمين،
ومن سبات الذّل والطغيان توقظين؟
أجيبي، بالله عليك أجيبي،
يا حبيبة الرسل والهداة والمصلحين،
أجيبي، أيّتها الحريّة!
24/9/2004
فكيف بنا
مُمدّدةٌ على سرير المرض شاهدتُها
فوجمت نفسي والحزن بقلبي سكن،
وتسارعت في خاطري أفكارٌ وأفكار
أهكذا الدّهر بالآلام يرمينا والمحن،
“فزينا” بريئة كطفلٍ ملائكي سامٍ
ومع هذا “سيّال” العذاب لها قطن،
فكيف بنا نحن الظَلَمةُ والظُّلام
ويا ويلنا من مآتي الأيام وما فيها من سُنن،
أحمالنا ثقيلة والجزاء لابُدّ آتٍ
ولن يحمينا مال ولا سلطة ولا مِجّن،
بل دعاءٌ مخلصٌ من القلب للرحمان
فوحده الحامي لنا من المصائب والفتن،
ربّاه نجّي عبدك المسكين الضعيف
واجعل أيامه القادمة في عالم الهناء حيث يحلو السّكن.
13/10/2004
ألمغبوط حقّا
جلستُ في سيّارتي قرب شاطىء البحر، وكان اليوم عاصفاً، فالرّياح تضرب سطح المياه بقوّةٍ وجبروت، فتتعالى الأمواجُ مُصطفقةًبعضُها ببعض، ورذاذ الموج النّاصع البياض يطفو على وجه الماء بنصوعٍ رائع.
إنَّ ما أُشاهده جزءٌ يسيرٌ جداً من قدرة الخالق جلَّ جلاله. فالعناصر المعلومة والمجهولة تأتمر بأمره الّذي لايُرَد.
على مسافةٍ ليست بالقريبة من الشّاطىء شاهدت طائراً من طيور البحر، الطّائر فَرَدَ جناحيه عالياً قليلاً فوق الماء، وفي دائرةٍ ليست بالواسعة كان يلفُّ، فحسبتُ وكان حسباني صادقاً بأنّه يبحث عن طريدةٍ يلتقطها كغذاءٍ شهيٍ له،إذْ ما مرّت فترةٌ وجيزةٌ حتّى شاهدته أغار من علو وسط الماء، وما كانت إغارته إلاّ بهدف التقاط سمكةٍ شاهدها بعينيه الثّاقبتي النّظر. فسبحان الله العاطي الأرزاق جميع مخلوقاته المعلومة والمجهولة، والميسّر كُلٍّ إلى ما يحفظ له حياته وعيشه.
وطار بي الخيال، وسؤال سُجّلَ في نفسي، تُرى ألا تتشابه نفوسنا بالبحر وبما فيه؟!
كم أجد اليوم بما أُشاهده من وفرة التّشابه حينما يحتلُّ أحدٌ منّا سيّال الغضب فتراه مُرعداً مُزبداً مُتفلّتاً من رزانته، وتراه لا يعي أبداً ما يصدر عنه من فعال، وكذلك حينما ترى أحداً منّا وقد احتلّه سيّال السكينة فكم تراه يشبه البحر في هدوئه وصفائه.
ألا تجد أنَّ البحر في أعماقه الكثير الكثير ممّا نعرف وممّا لا نعرف من مخلوقاتٍ وأسرار؟! أوليست كذلك نفوسنا في أعماقها الكثير الكثير منَ الخصائص ممّا نعلمه وممّا لا نعلمه؟!
سؤالٌ قد يكون خيالاً جامحاً في التّفكير، ولكنّه جديرٌ بأن يطرحه كلٌّ على نفسه، فقديماً سقراط الحكيم قال:….ألمغبوط حقاً من عرف نفسه!….
26/11/2004
سجني اليوم
من هو ذاك المغبوط حقاً ؟ ومن يكون ؟
يقيني أنّه من لم يقذفه العدم إلى حيّزِ الوجودِ أمعلوماً كان أم مجهولاً!
وغبطته استمدّها كونه لم يعرف قطّ السّجن وزبانية الظّلمة، ومن لم يذق حياة البُعاد فهو وحده اللاعارف لمعنى الشّقاء والبلاء والألم.
أليوم هأنذا من جديد داخل جدران السّجنِ، وها هو قد مضى عليَّ بداخله 55 من الأعوام. وأُصدقُ نفسيَ القول على أنّه كم يا تُرى من المرّاتِ قد خلت من قبلُ دخلتُ فيها هذا السّجن فأنّي لا أعرف؟ وهل يا تُرى كنتُ دائماً وسط جدران السّجن الّذي أعيش داخله اليوم؟ أم تُراني كنت في سجونٍ مُختلفةٍ بالشّكل والمقاييس فأنّي قطُّ لا أعلم!
فعلميَ اليوم ومعرفتي فقط أنّي أعيشُ في سجنيَ الحالي، وبإرادتي الماضيةِ الحُرّةِ ا خترتُ لنفسيَ جدرانه، فأنا اليوم وريثُ ماضيَّ، ومُستقبلي سيكون وريثَ حاضري، فما كان الله سبحانه وتعالى قطُّ بظالمي ولكنّي كنت لنفسي ظالماً.
أنا اليوم أعيشُ في سجني رهينَ شهواتي السُّفلية ورغباتي السّاقطة الدّنيوية، وتسيّرني الأولى حسبما تُريد في أنانيةٍ شيطانية سافلةٍ، وتدفعني الثّانية لآمالٍ سرابيةٍ مُزيّفة، وأنا بينهما كريشةٍ في مهبِّ ريحٍ عاصفةٍ عاتية.
وفي نفسيَ اليوم بعضٌ من خصائص ونزعات السُّمو المنيرة، ولكنّي بغبائي ويا للأسف بيديَّ نسجت دون نورها ألف ألف حجاب كثيف، ورغم هذه الحُجب تراها تحاول جاهدةً اختراقها بنورها السّامي لتُضيء عليَّ إشراقةً مُحيية، ولذا تراني وبعد إتياني بأيّة نقيصةٍ شوهاء شاعراً بألمٍ نفسيٍ يقضُّ عليَّ مضجعي، ويسلبني ما ظننته بوهمي امتلاكاً لناصية السّعادة، وإذْ بهِ يُريني إيّاه على حقيقته فإذا به سرابٌ كاذب وخُرافةُ مُخادعة.
أنا في يوميَ هذا كما كنت بالأمس وكما أظُنني سأكونه غداً، وما شقوتي هذه إلاّ بسببِ استسلامي للظُلمةِ بداخلي، ولا ولن يتغيّر مصيري إن أنا لم أكسرقيودي وأُحطّم أصفادي وأُمزِّقَ حُجُبي الكثيفة عن ذاتي المنيرة القاطنة في نفسي، فأسمح لها بتنويري وإنارتي، ومن ثمّ أُعطيها السّلطة المطلقة على كامل خصائصي وميولي ورغائبي، فإن أنا فعلتُ هذا كنت ممن عناهم الله المُحبُّ حين قال 🙁 إنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأ نفسهم)، وإن لم أفعل كنت في فريقٍ آخر عناه المولى حين قال:( وحقّت عليهم اللعنة بما كسبوا).
تُرى أأبني لنفسي في عالمٍ أنقى وأرقى سجناً أكون بداخله أكثرُ معرفةً وراحةً وحُريّة؟ أم تُراني سأبقى مُستسلماُ لشرّي فأبني لذاتيَ سجناً أكثرُ جهلاً وشقاءً وعُبوديّة؟!
حريّتي بيديَّ، والله سبحانه وتعالى أعطى الكائنات كلّها المعلومِ منها والمجهول حريّاتها، وبممارستي وممارساتها أختار وتختار إمّا الصّعود إلى عوالمِ الإشراق والأنوار، أو الهبوط إلى دركات السُّخام والظّلام!
ربيّ، برحمتك وغفرانك ومحبّتك الأبويّة امنحني نعمة القدرة لأُحكِّم نوريَ على نفسيَ ملكاً عادلاً، وأعنّي كي أدوس الظُّلمة في قلبي فأُهذِّبها وأُشذِّبها فأُنقذها وأُنقذُ نفسي كلّها بعد أن طال عذابها في سجنها التُّرابي، وعافت من وهمها بسعادةٍ سُرابية.
أللهمَّ إليَّ يا قدّوس رُحماك استجب.
20/12/2004
لعنةُ القمار
وجلس الأربعةُ حول الطاولة الحمراء
كلُّ واحدٍ منهم ظنَّ بنفسه أنه الدّاهية الدّهماء
وأنه لا بُدَّ الرابح الأوحد بين جلسائه السُّفهاء
فهو بعد وقتٍ قصيرٍ سيجعل جيوب رُفقائه خواء
وجيبه سيصبح مملوءً بالثّروة والذّهبِ والفضّةِ البيضاء
أمّا الأخرون فسيملؤهم الحزن والهمُّ والبلى والشّقاء
هذا ظنُّ كلّ من جلس للمقامرة فظنُّ جميعهم سواء
ولو عقلوا وتفطّنوا لما ارتموا في أحضانها الرّقطاء
كونها جميعهم ستلدغُ إن لم يكن اليوم فغداً وتجعلهم تُعساء
فواهٍ من لعنة القمار وواهٍ لمن تُصبه هذه الخصلة الشّوهاء
ربّي انقذْ عبدك المسكين من رسولة الشّر، ومنْ مثيلاتها في الخداع والكذبِ والرّياء
26/12/2004
ليس حتماً علينا
* قيل أنّ رسول الله (ص) قال:- يوشك أن تتداعى عليكم الأُمم كما تتداعى الأكلةُ على قصعة الطعام، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. فقال قائل:- أومنْ قلّةٍ نحن يا رسول الله يومئذٍ؟ قال:- لا إنكم حينئذٍ كثير ولكنكم غُثاءٌ كغثاء السيل. فقال قائل:- وما الوهنُ يا رسول الله؟ قال:- حُبُّ الدنيا وكراهية الموت.*
من اندونيسيا إلى الباكستان، ومن نيجريا إلى إيران، ومن اليمن إلى الشيشان، أُمّة المسلمين انتشرت، وتُعدُّ بمئات الملايين، وعلى مساحةٍ شاسعةٍ وجدت بين البلدان.
ثروات هذه الأمّة لا تُعدُّ ولا تُحصى، وشعوبها تنوء من الفقر والحرمان. فالسودان أرضه الخصبة إنْ هي استُغلّت تكفي لإطعام الشعوب العربية كاملةً ولا تَعُدْ بعدها في خوفٍ من غدرِ الزّمان. وبترول العالم الإسلامي احتياط العالم كلّه، ومنها الشعوب حُصّتها تُصرف إليها كزوان.
عباقرةٌ بزغوا في مساحة هذه الأرض، وثمارهم قُطفت في غير بُلدان. الجهل مُرتفعةٌ جداً نسبته، ولذا يسود عالم المسلمين الغدر والكذب والبهتان، وتسيطرُ على مقاليده ثُلّةٌ منَ الصعاليك المفاليك، يسمّونهم أصحاب سُلطةٍ وتيجان، فتقوده من عتمةٍ إلى ظُلمةٍ حالكةٍ يكاد يفرُّ منها حتّى الشيطان. والأخلاق منها انعدمت وظلّت القشور، وزوراً تدّعي أنها مُتسربلةً بتاج الأديان.
خسئتْ مثل هكذا أُمّة، أطفالها تُرضعُ الجهل والذّلَ والعبوديّة وتحسبه منَ الإيمان. فالإيمان نورٌ وعلمٌ وحريّةٌ وحفاظٌ على كرامة الإنسان.
فمتى من غفوتها أُمّة المسلمين تفيق، وتزيح من على صدرها شعوذات الدجاجلة من حُكّام سوءٍ وعلماء كذبةٍ وزيغان؟
هلاّ هذا قريب؟ الله وحده يعلم! فالإنسان إنْ لم يُغيّر ما بنفسه أبداً لا ولن تتغيّر حاله ويعود فيضحك له ثغر الزمان!
وخلاصة القول، من هذه الأُمّة وفيها أنا ولدتُ، ومصيرها مصيري، واأسفاه، فجميعنا مُقيّدين مذْ ولدنا ببيئةٍ اخترناها بحريةٍ نحنُ، وبمجتمعٍ، وكذلك بالمكان. وليس حتماً علينا البقاءُ على ما وجدنا أباءنا عليه، بل واجبنا التغّير وكسر القيودِ والأصفادِ، ومحاولة العيش بعزٍ وكرامةٍ وعنفوان.
18/4/2006
الله
الله،( قوّة ) لا يمكن لكلام البشر المحدود تعريفها
الله،( نور) يتجلّى مُظهراً من نوره بذُكائه الوضّاءة
الله،( عظيمٌ) وعظمته تبدو بخلق السّماء ونجومها اللألاءة
الله،( محبّة) ومحبته تظهر بما تحمله النّسمة من وداعة ولطافة
الله،( قويٌ )وتُبان قوّته بما تحتويه الذّرة من طاقة
الله، (الحقيقة )، ليس كمثله شيءٌ، وكلمةٌ لا يمكن تكثيفها.
مُحمّد
أيّها الرّجل العظيم ذا النّفس النّقيّة
سيرتك المخطوطة بأحرفٍ من نورٍ أعطت الدّرس الأمثل
لكلِّ عظيمٍ وحكيمٍ وقائدٍ وفيلسوفٍ فزاهدٍ قد تبتّل
كشمسِ الظّهيرة خرجتَ على العالم تُبدّد الدّيجور
فقصمت ظهر الشّر وجعلته كثورٍ يخور
والأجيال ستذكرك بالخير وبسيرتك السّنية.
النّسبية
من تحسب نفسك يا إنسان؟
إن أنت سوى ذرّة في الغبراء
والغبراء هذه شبه الكلّة في مجرّتنا الفسحاء
ومجرتنا ككرةٍ بها يتلاعب أشبال اولادك
لمجراتٍ أخرى يعرفها عُلماء بلادك
فالنّسبية قانونٌ كونيٌّ يا حيران.
بيروت
شارع الحمراء منك عجَّ بالألوان
مقاهي ومحلاّت فمسارح ودار كتب
ولكلٍّمنها أزلامٌ لاتتركها إلاّ بعجُب
تتخلّلك أحياء رذائل كعامورة وسَدوم
وبجانبها أجراس كنائس ومنادٍ للصوم يقوم
حقاً فيك العجبُ والبشرُ بنوك بالاْلوان.
الوصايا
الأولى…….للرب إلهك وحده تسجد وتعبد
الثانية……قريبك كنفسك تُحبب وتشدد
الثالثة……إكرم أباك وأُمك من دون تردّد
الرابعة……لا تغضب، لا تحقد، لا تقتل، لا تحسد
الخامسة……للشهوة الحمراء إسِّ الخطايا وللزنى في النّفس تخمد
السادسة……محبّةٌ منْ نفسك كمطر الخير دعها تبرق ثمَّ ترعد.
حقيقة
ترى الإنسان كحملٍ في الإلفةِ والوداعة
يشاطرك الأيام وينمّق لك محاسن الكلام
هذا إذا كنت في رغد عيشٍ يلاقيك دوماً بابتسام
لكن…إن دار الزّمن بدولابه دورة
وبعد عيشٍ كريمٍ أصبحت بين النّاس حسرة
تجده كذئبٍ غادرٍ أضحى، لاتنفع معه لطافةٌ ولا ضراعة.
أُمُّ الحقائق
زهور الروض الفتّانة لأريجها تُعطي ثمّ تزول
وغيوم الخير للمطر تحمل بسخاءٍ بعدها يطويها الأُفول
والجبّار من النّاس يرقد في حفرته بعد أن يصول ويجول
والأرض بمن فيها ستذوي ولا مانع لذلك او ما يحول
والكون بمجرّاته الشاسعة سنابك الموت ستحصده عرضاً وطول
فالموت أُمُّ الحقائق أآمن بذلك عبقريٌ او رفضه كسول.
الجنس
أيتها القوّة البطّاشة الحاكمة لبني الإنسان
جبروتك قد أخضع كلّ سكان الغبراء
لا فرق فيهم بين ذكرٍ أو أُنثى فالكلّ بهذا سواء
آهٍ من سلطتك كم هي في النّفس رهيبة
وليتنا عبدنا الله كما نعبد قوتك العجيبة
لكان امّحى من عالمنا الخوف والطّمع والأشجان.
فريد
نجوم الليل لا تُحصى والقمرُ بينها فريد
يعكسُ نوراً فيُضيءَ ُسُبلَ الرّاحل والضّائع
ينحرُ ظُلمة فيُجلّي للساهرِ حُسنَ بدائع
وتظهرُ آيات الفنِّ تُمجّد الرّب القادر
فتسمو النّفس الطّاهرة وتُسبِّح بحمد الله وتُفاخر
القمر للأرض وحيد، وأنت بين النّاس فريد.
سقراط
*إعرف نفسك * كانت حكمتك الذّهبية
واليوم تُدرّس خالدةٌ ما دام بشرٌ في الغبراء
والسّر ما فتىء سراً فالجمع شقيق القدماء
*النّفس* أشعّة نورية لفظتها روح
هذا جواب *الهادي* اليوم للناس يبوح
لكنَّ العالم يتذلّل للقيم الماديّة .
عيسى
زوّده الله بنورٍ، وعلّمه حكمة توراته وإنجيله
فسار في مفاوز الدّنيا يعظُ ويشفي ويؤدّب
يؤنّب من كان بخيلاً أومُتكبّراً أو من كان يُكذّب
طاردوه وشتموه وكأنهم أفاعي النّخاريب
يخشون النّوروللظُلمةِ أرواحهم ألاعيب
فصدقاً وحقاً كان قولك :*لا كرامة لنبيٍّ في وطنه.*
عليّ
يا صهر رسول الله، يا روحاً ألبسه الله لباس رجل
سيفٌ مسلولٌ تبطش بالباطلِ وبأزلامه
درعٌ أسديٌّ تحمي الحقَّ لتعيش النّاسُ بظلاله
عقلٌ نيّر قد ضاء كنجومٍ في ظلام
قلبٌ خيّر يعطي كعطاء النّيل بدوام
هذا أنت ، فتراثك حِكَمٌ ومُثل.
غاندي
غاندي، أبشريٌ أنت أم ملكٌ هبط من عالمٍ روحيّ
ففي مفاوز الدّنيا سرتَ مُبشّراً بالمحّبة وبها تصول
فما أرهبتك جحافل الشّر وما ألان عزمك شيطان عزول
دعوت لأخوّة الإنسان للإنسان فلا تفرِّقهم أجناسٌ ولا مذاهب
فجابهوك بكبرياء الصّلفِ وقالوا: كيف إذاً نُحقق المآرب؟
لقد عشت عظيماً، فمُتَّ عظيماً، وستبقى للشُرفاءِ كنجمٍ بهيّ.
داهش
لفظ الله……فكانت لفظته هادي
للعالم أرسله، وببروق الرّوح عزّزه وبأصغريه
جرت المعجزات والخوارق على يديه لتُذكّي مايقوله بشفتيه
والعالم المحموم بالشّهوة الحمراء عربد وكفر
لا،لانبيَّ اليوم، لاهادي، فالعلم انتصر!
داهش، شاهد صدقٍ بُعثتَ، لكنَّ العالمَ خنزيرٌ سادي.
الكبرياء
الكبرياء كصلٍّ أرقم يعمل في النّفوس
يمضي بصلفٍ أحمق فيدعو بالويل والثبور
لكلِّ من خالفه الرّأي ولو كان صدقاً دون زور
يبقى هكذا لا عبرة أو عظة بتواضع تثنيه
عن مواقف كمواقف ديوك مزابل بالكبر تتيه
أتُراه لو دخل مقبرةً أيَعْقلُ ويفيق من الكابوس؟
الصّداقة
ألا لا خير في صداقة تنميّها الغايات والمآرب
وعيش الفرد وحيداً عندها أحلى وأعذب
هذه نصيحتي إليك أخي إنْ كنت بها ترغب
وإن رفضتَّ الإستماع إليَّ فلا تلومنَّ إلاّ نفسك
وبكاؤك عند التّجربة لن ينفعك ولن ينفع أهلك
فصاحبك اليوم عدوّ الغد والجاذب إليك شرّالنوائب .
غباء
من الغباء أن تثق الثّقة التّامة بأيّ إنسان
وإن فعلت لا شكّ ستبوء بالنّدم والخسران
فنحن إلى جُبلة الشرّ أقرب من الخير والإيمان
فيوسف بيع من إخوته ولم يوخزهم ضميرٌ أو وجدان
ويهوذا لمعلمه باع، ومعلمه ملك الملوك وسيد الأكوان
فكن دائماً على حذرٍ ولا تُسلم قيادك لأحدٍ، أصديقا كان أم من الإخوان.
جهنّم
جهنم ليست العالم المخيف المتأجج الأوار
بل الأفكار السوداء هي تلازمك ليلاً ونهار
فلا تعد تعرفُ يمناك من يُسراك وتصاب بدوار
وتنعدم لديك المقاييس، فلا تميّز الخيّرين من الأشرار
فتعيش عمرك أسيرظلامك فاقد البصر والإبصار
وبعد انتقالك تُرمى في مستنقع الهاوية، فتُحبس مدى عصورٍ وأدهار.
حكمة
بين الذّئاب لا تكن إلاّ كذئبٍ يمتلك الأظفار والأنياب
وبين الحملان كن حملاً وديعاً ينعمُ برفقة الأصحاب
فالشرّ لا يردعه إلاّ الشر بذا التاريخ يقول والأخبار
والوداعة لا تنفع مع العقرب ولا المنافقين والأشرار
يا حبّذا لو كانت الحياة نعيماً والناس يملؤهم الفرح والسرور
لكنّها للأسف عتبة الجحيم هي وملؤها الأفاعي والشرور
