"جبران مسّوح"

إنَّ جميعَ أعداءَ داهش سوفَ ينكسرون ،

وأحطَّ ما في إنكسارهم هذا أَنَّهم سوف يخملونَ إلى قُبُورِهم .

لأنَّ هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواءِ ، ولا تذوبُ عناصرها .

في الفضاءِ . فهي ترافقُ مُرتَكِبيهَا ، ملتصقةً بهم ، مندمجةً

بخلاياهم ، فَتُذكرُ كلَّما ذُكروا ، ويُذكرونَ كلَّما ذُكرت ،

فهم وهي عظةٌ وذكرى للأجيال القادمة .

 

نَشَر جُبران مَسُّوح هذه الكلمةِ في مجلّتهِ “المختصر”، الصادرة

في بونس إيرس في العدد 10 مِنَ السنةِ الأولى أيلول 1946.

التأثير والتأثُّر

الإتِّجاه الرُّوحيّ

محاضرةٌ ألقاهاَ
صاحبُ ومديرُ مدرسة النهضة العلميّة

الحمد لله الذي كرّمنَا بنبيّه

كيف آمنتُ بالداهشيّة

كيف آمنتُ بالداهشيّة

محاضرةٌ ألقاهاَ صاحبُ ومديرُ مدرسة النهضة العلميّة المختلطة في قاعة المحاضرات في المدرسة ، وذلك في 20 نيسان 1972

 

نعيد نشر فقرة من العريضة التي قدّمتها السّيدة ماري حدّاد الداهشيّة للرئيس كميل شمعون ضد زوج شقيقتها في شهر أيلول 1952 والتي نشرتها مجلّة “العالم العربي ” المصريّة في عددها السابع من سنتها السادسة أوّل يناير 1953.

 

قالت ماري حدّاد في عريضتها :

” والآن … آمل أن يصغي فخامة الرئيس لهذه الحادثة التاريخيّة التي يعرفها ولا ريب … وها هي :

عندما أُدخلت السّيدة (زينب) ابنة علي بن أبي طالب أمام – ابن زياد – وكان أمامه رأس أخيها (الحسين) الذي قُتِل في معركة “كربلاء” المشهورة .

 

بادرها قائلاً :

” الحمد لله الذي فضحكم ، وقتلكم ، وأبطلَ أحدوثتكم !”

فلم تمهل زينب (ابن زياد) بل ثارت صائحة بوجهه قائلة له :

” الحمد لله الذي كرّمنَا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً . إنّما يُفضحُ الفاسقُ الغادر ، ويُكذّب الفاجر الذي هو أنت !..”

ولو أحَبّ (ابن زياد) لبطش بها ، أو أمر فسجنت ، وهو صاحب الدولة والصولجان، والقدرة والسلطان . ولكنه رغما عن سوء أخلاقه ، وانعدام أدبه ، فإنّ نفسه أبت عليه أن يعتدي على امرأة ضعيفة ، وهو صاحب الحول والطول ، وأمر بإطلاق سراحها …

جئت بهذه الحادثة التاريخيّة لأقارن بين ما صنعه (ابن زياد) بمن يعتبرها عدوّةَ له ، وهي غريبة عنه ، لا تربطها به أيّةُ رابطة …. وبين ما فعله معي (بشارة الخوري) المطرود من الشعب اللبناني ، هذا الوصولي ، الذي هو زوج شقيقتي لور ، شريكته بالجريمة الدنيئة …

وسوف تُدهش فخامتكم إذا أعلمتكم بأنّ بشارة المذكور أمر فأوقفت في (النظارة) شهراً كاملاً كنت أنام خلالهُ على (طاولة خشبيّة) وبرفقتي عشرات من الحرّاس والموظفين ، فضلاً عن الرجال الموقوفين . وذلك تشفياً وانتقاماً مِنّي لأنّي فضحت بكتبي السوداء جريمتهم النكراء ضِدَّ الدكتور داهش البريء .

إنّني من صلبهم ، وذات صلة رحم بهم ، وعاملوني هذه المعاملة الدنيئة التي لا تشرّفَهُم ، والتي سجّلها التاريخ لعنة مقوضة مزلزلة ، يقرأها الجميع فيلعنون حتى ذكر أسمائهم البغيضة من الله رَبِّ العالمين . والناس أجمعين .”

 

مجلّة العالم العربي – العدد 67-

 السنة السادسة – يناير 1953

 صفحة 22-23-24

الإهداء

إلى كلّ من يرفع سوطه ويَسُوط به الحاكم الظّالم

عندما يعتدي على دستور البلاد وقوانينها .

فلذعات هذا السّوط المُلعْلع تردع هذا المُعتدي

الأثيم وتشهّره فينكص على عقبيه وينكمش

منزوياً في دهاليزه المعوجّة الدّجوجيّة الظّلمات .

 

 

 

أنا القويُّ الجبّارُ … والعنيفُ البتّار

فمهما حاولتُ الأحداث أن تتغلّبَ عليَّ

أو تخضعني بجبروتها

فإنّها لن تعود إلاَّ بصفقة الخاسر المغبون .

ولن تتمكّنَ من إماتَةِ ما يجيشُ في نفسي من نزعاتٍ

تبغي الإنطلاق من هذه القيود

كلاَّ !… أنا لن أتقاعس عن نيل أهدافي وبلوغ

اتجاهاتي التي أطمح إليها

وسأحقّق أمانيَّ عاجلاً أم آجلاً .

وسأسحقُ مَن يقف في طريقي مِن عقبات كأداء

وسأردّمها ترديماً

وسأهزأ بالإنسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !

وسأبلغ آمالي . وأُحقّق أحلامي!…

وأنف الحياة في الرغام

 

                                                داهش

تقديم

الرسالاتُ الروحيّة عبر التاريخ لها رجالُها العظام ، لها مفكّروها ولها مبادئها السامية . فعظمة هؤلاء الرجال تجلّت في عقولهم وكتاباتهم وسيرتهم وخاصّة في جهادهم وتضحياتهم ، ولكن لا طمعاً بجاهٍ ومال ، ولا بسلطة وسلطان ، وإنّما مِن أجل غاية شريفة هي : إعلان الحقيقة عالياً ورفع لوائها ، ونشرُ بذور المحبّة والإيمان في نفوس أبنائها .

هكذا كان في الماضي ، وما أشبه اليوم بالماضي ؛ إنّ الداهشيّة ، الرسالة الروحيّة السامية ، لها مبادئها وفضائلها ورجالها ومفكّروها ، منهم من لبّى نداء الجهاد متحمّلاً اضطهاد الحكّام وأسرَ السجون ، متخطّياً بسموِّ أفكاره متاهات الدنيا وحُثالاتِ البشر .

فالداهشيّة نارٌ ونور : هي نارٌ للمكابرين المنافقين الكاذبين المرائين ، تحرقهم بسعيرها وتحوّلهم أشلاءَ ، وتنثرهم رماداً وهباء .

هي نور للجبابرة المنافحين المجاهدين ، المكافحين ، الثابتين في عقيدتهم الحقّّة ، تنير سُبُلهم وتُضيء ما هو ظلامٌ في حياتهم ، فيشقّون طريقهم بجرأةٍ وجبروت ، حاملين مشاعل الهداية الروحيّة للعالمين ، واهبين السعادة الأبديّة للأنقياء الصالحين .

فالداهشيّة تبني الإنسان بناءً سليماً ، وتنفخُ فيه روح الشجاعة : شجاعة العقل مقرونةً بشجاعة القلب ، لأنَّ شجاعة العقل تستند إلى التفكير السليم والحجّة القويّة والرأي السديد ، والإقبال القادر الواعي على التضحيات الجِسام ….

ومثلما أنّ الرسالة الداهشيّة عقيدة روحيّة ، فهي أيضاً سيرةٌ ومَسْلك . وبسيرتنا ومَسْلكنا الشخصيّين ، وبتمسّكنا بتعاليم الأنبياء عبر الرسالات السماويّة المقدّسة ، نستطيع أن نغزو العالم أجمع ، لأنّنا لا نؤمن بالمواعظ والإرشادات والكلمات الحماسيّة فقط ، بل بالعمل الجدّي والجهاد والاستشهاد في سبيل عقيدتنا الداهشيّة الحقّة ، لأنّ الداهشيّة لا ولن ترضى في صفوفها أشخاصاً جبناءَ متسكّعين مُستَزلمين معتوهين رعاديد ، بل تَرضى وتَفتخر بأشخاصٍ مُثقّفين أصِحّاء في أفكارهم ، أقوياء في عقولهم ، جبابرة في جهادهم وتضحياتهم ، يعملون من وحي ضميرهم ومعرفتهم بجباه شامخة ، لا ينحنون إلاّ لخالقهم ، ولا يخضعون إلاّ للحقيقة وحدها فقط .

هذا ما علّمن إيّاه (داهش) مؤسِّس عقيدتنا الروحيّة إذ إنّه أعلنها حرباً ضارية على (بشارة الخوري)  الباغية الذي اختلس جنسيّة داهش ظلماً وافتئاتاً . وعندما كانت أكبر الرؤوس تنحني مطأطأةً أمام بشارة الخوري مُذلّةً نفسها أمامه ، كان داهش يمطره بقنابله الكلاميّة في كتبه السوداء التي أربى عددها على (65) كتاباً أسود و(165) نشرةً سوداء أيضاً ، عدّد فيها ارتكابات بشارة الخوري وذلك بوثائق زنكوغرافيّة فأصبح اسم بشارة الخوري مضغةً في الأفواه ، وأسفر ذلك عن طرد الشعب لبشارة الخوري ، فسقط عن كرسيّ حكمه غير مأسوف عليه وأعيدت الجنسيّة لداهش .

وهكذا نحن نسير على خطى مؤسّس عقيدتنا ، لا ننحني أمام أي مخلوق مهما ظنّ نفسه كبيراً وما هو إلاّ أصغر من صغير وأحقر من حقير . فالسفينة الداهشيّة تمكث ماخرة عباب الأوقيانوسات غير عابئة بالأمواج الثائرة ، وبتجهّم الأجواء مجتازةً الصعاب ، محطّمة الحواجز حتى تبلغ مرفأ الطمأنينة والسلام .

كما أن الجميع يعرفون بأنّ داهشاً شرح في كتبه السوداء مراحل جريمة بشارة الخوري وزوجته لور وميشال شيحا شقيق لور وهنري فرعون ، هذا الأقنوم الرباعيّ الذي تآمر على جريمة نزع الجنسيّة . ولم يكتفِ هذا الرباعيّ المعتدي على دستور البلاد وقوانينه بهذا التجريد المجرم ، بل سخّروا وسائل الإعلام ضدّ داهش ، فراحت وسائل الإعلام تنهشه نهش الذئاب المفترسة مكيلةً له التُّهم المختلقة التي لا تستند إلى أيّة حجّة أو دليل (وما هو إلاّ كلام يلقى على عواهنه لتسويد صفحته).

كما أنّ بشارة الخوري كلّف أربعة صويحفيّين مُتَعيّشين على المثالب الكاذبة ، فأَلّفوا ضدّه أربعة كتب ملأوها بالأقذار التي تنضح بها بيوتهم وبيت بشارة الخوري ، وما كانوا إلاّ واصفين عائلاتهم ونساءهم وشقيقاتهم ، وشتّان ما بين الصدق الواضح والكذب الفاضح . وقد ظنّ بشارة الخوري أنّه قد قضى بهذه الكتب وبوسائل الإعلام على داهش ، وأنّ الداهشيّين سينفضّون عنه .

ولكن خاب فأله وفأل هنري فرعون وميشال شيحا ولور زوجة بشارة الخوري ، إذ زاد تمسّك الداهشيين بمؤسّس عقيدتهم وخصوصاً المرحوم السيّد جورج حدّاد وزوجته الأديبة (ماري حدّاد ) وهي شقيقة لور التي يعرف الجميع كيف أوصلت زوجها إلى أريكة الحكم ثمّ طرده الشعب طرداً شنيعاً موجعاً .

وكان نتيجة هذه الكتب السوداء المفعمة بالوثائق وبالحجج المدعومة بلوحات زنكوغرافيّة أن أدخل بشارة الخوري شقيقة زوجته ماري حدّاد إلى السجن عاماً كاملاً ذاقت فيه الأمرّين ، كما إزداد إيمانها بداهش والداهشيّة . وهكذا ملأت الأحقاد صدور هذا الأقنوم الرباعيّ المجرم وتلظّوا بغيظهم فذكّرنا هذا بالآية الكريمة القائلة :” موتوا بغيظكم”.

وهكذا دخلوا إلى قبورهم حزناً وألماً وكمداً بعد أن أفتُضِحَت سيرتهم وهتكت سريرتهم ، وأصبحوا مضغة في أفواه الشعوب وليس الشعب اللبنانيّ فقط . ومثلما تلعن الأرض (بيلاطس) الذي حكم على (السيّد المسيح البريء)، هكذا ستلعن الشفاه والألسن بشارة الخوري وزوجته وميشال شيحا وهنري فرعون على جريمتهم النكراء التي لم يسجّل القرن العشرون فاجعة تعلو عليها . وملايين ممّن سيولدون سيقرأون الكتب السوداء والكتاب الذي سيطبع عن جريمة هؤلاء الأربعة فيلعنون هؤلاء المرتكبين المرعبين مُسْتَمْطرين عليهم شآبيب اللعنات المزلزلات ، فتنتفضُ عظامهم في قبورهم وتؤرّقهم لعنات أبناء البشر فيندمون على جريمتهم الساقطة ، ولات ساعة مندم .

 

يطالع القارئ بعض المقالات التي نشرها الكاتب المهجري (جبران مسّوح) في مجلّته “المختصر” التي كانت تصدر في “بونيس أيرس” بالأرجنتين مندّداً فيها بالجريمة الشنعاء التي ارتكبها بشارة الخوري ضد دستور البلاد وقوانينها . وسنصدر كتاباً خاصاً عما نشرته صحف المهجر حول هذه الجريمة النكراء التي هي وصمة عار أبدي ضدّ مرتكبها الوصولي .

 

 ويومذاك كتبت صحف المهجر شاجبةً هذه الجريمة الدنيّة، وها نحن ننقل بعض المقالات التي كُتبت في ذلك الوقت .

فقد كتب عبد المسيح حدّاد في مجلّته “السائح” هذه الكلمة التي نقلها جبران مسّوح في مجلّته “المختصر” عدد 18 تمّوز 1946 وها هي :

 

” كلّ ما ندركه في حادث الدكتور داهش أنّ الفكرة الجديدة لا تعيش طويلاً إذا كانت غير صالحة للحياة ، ولكنّها تعيش طويلاً إذا تناولتها أيدي الاضطهاد . أمّا إذا كانت صالحة للوجود ، فلا الحكومة ، ولا أكثريّة الشعب يستطيعون اقتلاعها من تربة نفوس الأقليّة ، ولنا في التاريخ عِبَر كثيرة تضع أمام أبصارنا الحقّ الخالد .

إنّنا لا نستطيع السكوت عن مقاومة داهش ومقاومة دعوته من قِبَل بشارة الخوري وحكومته ، في حين أنّه لم يقم بدعوته شاهراً سيفه ولم يطلق سهمه إلاّ للجمع بين الأديان .

فإذا كان نبيّاً مزيّفاً فلماذا لم يُترك وشأنه لتموت دعوته من تلقاء نفسها .

فالباطل لن يثبت طويلاً ، ولكنّ الاضطهاد يُحدِث في تابعيه عوامل جبّارة تحملهم على الثبات الأبديّ “.

 

ونشرت أيضاً جريدة “المختصر” بعددها الرابع عشر من السنة الأولى كانون الأوّل 1946 وفي الصفحة التاسعة منه ما يلي :

“فهمت من متابعة حادث الدكتور داهش أن الرجل يدعو لتوحيد الأديان ، وفي اعتقادي أنّ هذا عمل عظيم للغاية في تاريخ البشر ، ويمكن أن يكون تتمّة لما أسّسه جميع المصلحين .

فأنا أحبّذ الفكرة مع معرفتي أنها لا تخلو من صعوبة . فهي تقضي بجمع الأديان الثلاثة في دين واحد ، وجعله على صورة تلائم هذا العصر ، وتطابق ما اكتشفه العلم من الحقائق ، وتؤدّي بكلّ تعاليمه إلى إيجاد الألفة والسلام .

وأتمنّى من كلّ مفكّرينا أن يدرسوا هذه القضيّة بنزاهة وإخلاص وتسامح ، لأنّها أحسن دواءٍ لأمراضنا الطائفيّة ، وهو حادث عظيم يفيدنا ويفيد العالم في المستقبل البعيد .

وإنّنا لا نستغرب ما تصادفه هذه العقيدة من المقاومات الجبّارة ، فالأعمال العظيمة في التاريخ لقيت بأجمعها اضطهادات ومعاكسات متسلسلة .

إذاً قضيّة العقيدة الداهشيّة وداهش تسير سيراً طبيعيّاً من حيث المقاومات المتتالية من رجال الدين والحكّام .

ومن حيث التفاف أفراد حولها يدافعون عنها إلى حدّ الاستماتة لاعتقادهم بصحّتها .

وفي النهاية تربح الحقيقة ، والحقيقة تنتج خيراً .

إنّ المسألة تستحقّ الدرس الجديّ والعناية التامّة ، والمتابعة حتّى النهاية .

ويكفي الدكتور داهش فخراً أنّ قصده نبيل ، وأنّه لقي لأجله التعذيب والاضطهاد والتشريد ، كما لقي غيرُه مِن جميع المصلحين في التاريخ “.

 

                                                      سليم خبّاز – كولونيا البيار-

 

 

وقد علّق جبران مسّوح في مجلّته “المختصر” في العدد السادس من السنة الثانية 1947 من الصفحة (1) حتى (3) على الغاية الإنسانيّة من الداهشيّة الهادفة إلى أيقاظ الضمير والقيم الروحيّة في العالم حتى يعمّ العدل والإخاء ويقضي على الاستعمار والاستثمار بقوله :

“… وكان الرجل (داهش) سائراً في جهاده ينتقل من فوز إلى فوز ، غير عارف أنّه يحمل جريمة لا نقدر أن نغفرها له ، (وهي أنّه ابن بلادنا) …. فلو جاءنا بهذه التعاليم أحد رهبان فرنسا وإيطاليا ، أو أحد مبشّري الإنكليز والأمير كان لتلقّيناها بالرضا والقبول ، ولأُعجبنا بها ، ثم لنشرناها بسرعة قصوى بين الملأ لأنّها من مصدر أجنبي .

أمّا أن ينادي بها رجل وُلد تحت سماء شرقنا ، ويقولها لنا باللغة العربيّة ، فهذا إنّما هو دجّال ، يريد أن يستولي على عقول الناس … وبما أنّه كذلك ، فيجب أن نجرّده من جنسيّته فوراً ، دون أيّة محاكمة ، ولا نقبل أن يدافع عنه أيّ محام ، وأن نسلّمه لأقسى رجال البوليس ، وأكثرهم بربريّة ، وأشدّهم همجيّة ، لكي يشتموه ، ويحقّروه ويجلدوه، بعد أن يصفعوه ، حتى يتمزّق لحمه ويصبح كتلةً مشوّهة من الدماء وأخيراً نطرحه على الحدود التركيّة عرضةَ لجميع الأخطار المفجعة .

وقد توهّمت لور كما توهّم بشارة الخوري الغائص بهذه الجريمة حتى أرنبة أنفه ، قلت توهّما أن العقيدة الداهشيّة قد انتهت هناك ، وظنّا أنّهما انتصرا على داهش بهذا الجلد المزري والإبعاد القسريّ ، ولهذا أصبح بإمكانهما أن يناما ملء أجفانهما .

ولكنّ المبادئ في العالم لها طبيعة لا تتغيّر ، فهناك على الحدود التركيّة حيث ترك الرجل بين مخالب الشقاء والمخاوف ، هناك بدأت حياة داهش الحقيقيّة ، هناك انتهت مصالح حكومة خاضعة خانعة لبشارة الخوري الباغية ، وبدأت مصالح إنسانيّة تعيسة ، هناك صمتَ الوزراءُ والحكّام والنوّاب ورجال الأمن والصحافة ، ورجال الدين ، صمتوا جميعاً وهم يتأكّدون أنها جريمة مرعبة قد ارتكبها بشارة الخوري ولكنهم آثروا الصمت المفجع ، وخيّم على رؤوسهم الطير الأبابيل ، ومهّدوا بصمتهم المعيب لكي يتكلّم رجلٌ عظيم . إذ لم يُترك داهش وحده وراء تلك الحدود ، بل التقى في ذلك القفر بضمير الأمّة التي اضطهدته .

هذا غرض داهش من الناحية الإنسانيّة . وله مقصدٌ آخر من الناحية الشرقيّة لا يقلّ عن الأوّل شرفاً ونبلاً :

فهو يريد أن يجعل أبناء العربيّة أمّة واحدة بازلة كلّ ما بينهم من سوء التفاهم .

وهنا يتعرّض إلى أمر خطير لم يسبقه إليه أحد ، وهو : أن يُخبر جميع نصارى الشرق من هو محمّد . لأن جميع نصارى الشرق لا يعرفون محمّداً إلى الآن . والصورة التي له في أذهانهم لا تنطبق على الحقيقة ، لأنّها صورة استعماريّة وضعها في عقليّتنا قسوس روما وباريس ، ووعّاظ لندن وواشنطن وبرلين .

فالمستعمر لم يسلبنا ما في أراضينا من الأغلال والذهب والبترول فقط ، بل وضع في أذهاننا دروساً سامّة تجعل بين المسلمين والنصارى نفوراً لا ينتهي ، وخصومةً تنمو مع مرور الأيّام .

فأراد داهش أن يُجلي العدوّ عن عقولنا أيضاً كما انجلى عن أراضينا ، بأن ينزع عن هذه الشخصيّة ما أحاطه الأجنبيّ بها من الأكاذيب ، ويعطينا عن محمّد الصورة الصحيحة التي نحن بأشدّ الحاجة إلى معرفتها في هذا العهد …

وداهش يتكلّم عن النبيّ العربيّ كثيراً ، ويُبيّن رسالته وفضلها على التفكير الإنسانيّ ، كما ينصح كلّ مسيحيّ أن يدرس هذا الموضوع بإخلاص ونزاهة ووداعة ، فتتكشّف له حقيقة جديدة وتزول جميع الفوارق بينه وبين أخيه المسلم ، ويكون زوالها حقيقيّاً هذه المرّة لأنّه قائم على درس وإنصاف وإمعان ورويّة تامّة “.

وحينما اغتال بشارة الخوري جنسيّة داهش ، كانت الأقلام الصحافيّة ملجومة إذ كانت مأجورة . فلم يظهر أيّ صحفيّ نزيه ليشجب هذه الجريمة النكراء ، ولم يبرز أيّ صاحب جريدة أو رئيس تحرير ليندّد بهذه الفعلة النكراء . كما لم يعلُ صوتُ أيِّ نائب تحت قبّة البرلمان مستنكراً هذا الاعتداء على دستور البلاد وقوانينه واأسفاه ! هذا ما سيدع التاريخ يدوّن جريمة هذا التخاذل الإجماعي إرضاءً لرئيس الجمهوريّة الذي أجرم بحقّ الدستور ، قلت سيدوّن التاريخ بأحرف من العار المزري أنباء هذا التقاعس سواء من رجال الصحافة ومن نوّاب البلاد .

 

ولكن تعالت أصوات جريئة في المهجر إذ راحت تندّد بالطغيان الذي أراد أن يحجب الحقّ بقمعه للحريّات وبزجّه للداهشيّين الأبرياء في السجون ، وكان من أبرزها صوت جبران مسّوح صاحب مجلّة (المختصر) الصادرة في بونس أيرس ، إذ إنّه تتبّع قضيّة اضطهاد الداهشيّة ، وسجّل مراحلها ودقائقها بأمانة ، وقد نشر في العدد السابع من السنة الثانية الصادر في شهر تمّوز عام 1947 وفي الصفحة الثالثة منه ما يلي :

 

” وماري حدّاد ، هذه التلميذة الأمينة للمبادئ الداهشيّة ، وهي شقيقة (لور) زوجة بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة المعتدي على داهش ظلماً وافتئاتاً ، يمكنها (أي ماري حدّاد) بواسطة هذه الصلة أن تحصل على ما تريده من سيادة ونفوذ فيما لو انفصلت عن داهش . ولكن ، لا ، لا ، إنّ السيّدة ماري لا تستظلّ بأحد ، كما أنّها ليست طالبة سيادة ونفوذ . إنّها لا تتنازل عن حريّتها لقاء كلّ ما في العالم مِن زخرف وبهاء ، حريّة القول والفكر والعقيدة ، بل إنّها تدافع عنها حتى الموت .

وها هي في السجن تُعذَّب وتُهان ، وتُجلد ، وهي تستغيث فيصل صوتها إلى الأقطار الأمريكيّة .

هي تطالب بحريّة رجلٍ أوجد قضيّة لسعادة العالم .

وهي تعتقد بهذه القضيّة وتصدّقها ، وهي لا تريد أن تخون ضميرها ، ولا تريد أن تكون مستعبدة . هي تكتب تاريخ الحريّة بدمها ليقرأه الذين سيأتون بعدنا .

ولا شكّ أنَّ أبناء العربيّة بعد خمسين سنة سوف يقرأون هذه السطور :

مند نحو خمسين عاماً مضت ، تعذّبت المرحومة ماري حدّاد وسُجنت لأجل دفاعها المستميت عن الحريّة . ثمّ … ثمّ … لا للأثمة المجرمين ، جُلدت حتّى سال دمُها ، فاستغاثت بجميع مفكّري العرب ، وكتّابهم ، وشعرائهم وصحافيّيهم . ولكنّ صوتها كان صرخة في واد ، لأنّ رجال الذهن في ذلك العهد الممقوت كانت حواسّهم من أقذار ، وضمائرهم من جيف نتنة .

ومحدّثنا اليوم ، أخي في العقيدة الداهشيّة الأستاذ ماجد مهدي ، اتخذ أيضاً الداهشيّة له رسالةً ، وسار على هدي تعاليمها الروحيّة . بشّر بها في فرنسا ، حاضر في جامعاتها تحمّل المتاعب ، وتخطّى المشقّات والمصاعب بصبر وطول أناةٍ وحكمة . ثبت في عقيدته السّامية ، جاهد ولا يزال يُجاهد ضحّى ولا يزال يُضحّي بكلّ نفيس ورخيص من أجل إعلاء كلمة الله عالياً غير مبالٍ بأعاصير الشرور والرزايا مهما هبّت عليه من أيّة جهة كانت . وهو سيحدّثنا في هذا الحفل عن بعض ذكرياته في الرسالة ، تحت عنوان :” كيف آمنت بالداهشيّة.” وأملنا أن تجدوا في ذكرياته ما تتّخذونه نبراساً لكم في مدلهمّات الحياة ، مردّدين معه قول الشاعر :

قف دونَ رأيك في الحياة مجاهداً

                                 إنّ الحياة عقيدة وجهاد

                                                                  نقولا ضاهر

                                    (مجاز في التاريخ العام ومجاز في الآثار والفنون)

 

  

قلنسوة على رأسه وقبّعة في يده ، وخيوط على صدره ، والتلفون والقفاز على أذنه ، وإشغال الصوف مع السنانير أمامه … وماذا تحت الجاكتّة ؟…

صورة بشارة الخوري الفوتوغرافيّة وهو في أحد مواقفه الجنونيّة وقد لفّ الخيوط على رأسه وكلّله بشتّى الخرضوات الكركوزيّة . وقد التقط هذه الصورة الدجّال “طهرا” واسمه الحقيقي “كريكور كالفيان”.

إنّ بشارة الخوري وعائلته كانوا يؤمنون بمقدرة “طهرا” التدجيليّة بدليل أنهم احتضنوه “ولور” زوجة بشارة الخوري كانت تؤمن به إيماناً أعمى واسألوا الأستاذ المحامي إدوار نون عن إيمانهم بطهْرا فينبئكم الخبر اليقين .

كما كان الشيخ خليل الخوري من أشدّ المؤمنين بخزعبلات هذا المحتال الأرمني “طهرا” أكبر دجّال وأعظم مُشعوذ ومُمخرق في القرن العشرين .

وكانت نتيجة احتضان عائلة بشارة الخوري لهذا الدجّال (أي طهرا) أن التقط هذا الرسم للمخبول بشارة في إحدى ساعات جنونه . وبعدما اسقطه الشعب عن أريكة حكمه بادر طهرا وسلّم الصورة لمجلّة “الحريّة” فنشرتها في العدد 25- السنة الأولى ، الصادر في 3 تشرين الثاني 1953 . وها نحن نعيد نشرها ليراها من لم يُسعده الحظ بمشاهدتها ، فيتأكّد إذ ذاك للجميع أن نتيجة اضطهاد داهش من قبل بشارة الخوري وتجريده من جنسيّته أن عُوقِب بشارة روحياً فأصيب بالجنون المطبّق .

المحاضرة

محاضرة الأستاذ ماجد مهدي 

كيف آمنت بالداهشيّة

 

ذكرياتي في الرسالة هي سنوات قضيتها في ظلّ الرسالة الداهشيّة التي أحببت .

هي أيّام سطع فيها نور داهش فغزا فؤادي وانطبع في روحي .

هي ساعات بل دقائق ملتهبةٌ بشُعُلات الإيمان ، مضاءةٌ بلهبِ الرّوح المقدَّس . أحسست فيها بالسعادة الروحيّة تارة وبعذاب الأرض طوراً .

هي قصّة الشراع الصغير الذي رأى نور الكوكب الهادي فسعى إليه . ثم هبّت عليه العواصف ، وتقاذفته الأمواج ، فكسرت المجاذيف ونثرت الألواح . ولم يبق غير ربّان يُصارع الأمواج العاتية مُسلّماً أمره للعناية الإلهيّة المُوجدة . وإذا بروحِ العليّ يستلّ سيفه الناريّ فتضمحلّ الظلمة وتتهادى السفينة باطمئنان على صفحات الماء تعلوها راية الداهشيّة وعلى دفّتها تتكسّر أمواج الظلم العاتية فتنحسر .

هذه هي ذكرياتي : أيّام خطّتها يد داهش القويّة فإذا بها إيمان وصراع فانتصار . وكذا ستكون أيّامي المقبلة حتى أصل مرفأ الأمان حيث لا عذاب ولا شقاء ، بل كلّ سعادة وهناء ، في ظلّ الخالق جلّ جلاله .

تناهت إليّ أخبار الدكتور داهش عبر جريدة “النهار” في الملحق الصادر بتاريخ 21 آذار سنة 1965- العدد 8986- ثمّ تتبّعتها في الجرائد والمجلاّت الأخرى (1). وكان لي من العمر ستّة عشر عاماً . ولم يكن المنزل الذي نشأت فيه إلاّ صورة مصغّرة للمجتمع الكبير المطبوع بالرياء البشري ، وبشتّى الأكاذيب والأضاليل . هذا المجتمع الذي باع نور السماء بظلمات الماديّات وارتضى أن يكون قفراً تتصارع فيه الذئاب الخاطفة بدلاً من واحة للمحبّة والإخاء . هذا المجتمع الذي قوّضت الطائفيّة أُسس صلاحه ، فحفل بمشاهد الكفر والإلحاد وتألّه العباد . وصار الإيمان فيه كلمات تردّدها الشفاه ولا تحسّ بها القلوب … أجل كان البيت الذي نشأت فيه صورة لهذا المجتمع الكبير الفاسد .

قرأت عن معجزات الدكتور داهش ، فإذا بي أمام غيب تنفضّ أسراره ، ومادّة طوع بنانه ، يأمرها فتطيع . معجزات شهِدَ لها العلماء والأدباء ، وخشعت لها نفوس المتواضعين الحكماء .

وما أن بدأت أفتّش عن الحقيقة ، حتى وجدتُني أمام آراء متضاربة ، قاسمها المشترك أنها جميعها تقرّ بوجود قوّة فائقة ، تتجلّى في خوارق مذهلة . وتختلف فقط في تفسير هذه القوّة ، من حيث منشأها ، وطبيعتها ، وغايتها . لقد كان إجماع الآراء المختلفة على الاعتراف بقوّة الدكتور داهش الخارقة ،

يؤكّد وجود هذه القوّة . أوَلم يقل المثل :” والفضلُ ما شهدت به الأعداءُ”.

ولكن ، إذا كانت شهادة الأعداء يُؤخذ بها ، فإنّ اتهاماتهم يجب تجاوزها . فلا يمكن معرفة حقيقة السيّد المسيح ، له المجد ، من فم قيافا ، ولا حقيقة النبي محمّد من فم أبي لهب ، ولا حقيقة سقراط من فم مضطهديه ….

لذلك ، صمّمتُ أن أتعرّف شخصيّاً بالدكتور داهش والداهشيّة . وقد تمّ لي ذلك . فشاهدت ، كما الكثيرون غيري ، معجزات تحقّقتُ منها بحواسيّ وعقلي . وقرأت كتب الدكتور داهش ، وتفهّمت مبادئه ، فوجدتها زاخرة بالإيمان ، عابقةً بروحانيّة يفتقر إليها عصرنا المادّي . كما جالست الدكتور داهش ، وعايشته ، فوجدت فيه المثال الأعلى لتلك المبادئ ، فهو قلبها النابض وصورتها الحيّة .

لقد استوقفتني أخبار الدكتور داهش ، ومنذ اللحظة الأولى ، شعرت أنّني أمام حدث عظيم . فمن أيّام طفولتي كنت أسمع بمعجزات الأنبياء ، وكم تمنّيت في قرارة نفسي لو كنت معهم أشاهد نِعَمَ الله ، وأسمع تعاليم السماء الهادية ، وأُجاهد مستميتاً في سبيلها . كنت أتمنّى ذلك صادقاً . أمّا حينما قرأت عن الدكتور داهش والداهشيّة ، فقد أحسست فجأة أنّ أمانيَّ بدأت تتحقّق . وأحسست أنني أُولد من جديد، وأن عهداً جديداً بدأَت أنواره تغمر روحي .

لقد فتحت معجزات الدكتور داهش عيني على واقع عظيم ، إذ إنّها كانت تؤكّد وجود الله تعالى ، وتُظهر حقيقة قوّته اللانهائيّة ، وتؤكّد وجود العالم الثاني نعيماً كان أو جحيماً . فالأرض ليست مركز الكون كما يُظنّ ، ولا هي الدرجة الأسمى للحضارات الكونيّة . ومصير الإنسان فيها بعد الموت يكون رهن أعماله : فالصلاح وعمل الخير يسموان به إلى الدرجات ، والإنغماس في المفاسد والشرور ينزل به إلى الدركات (2).

وتربّع إبليس على عرشها كاهناً ، ولم تعد إلاّ كشجرة عفنة آن لها أن تُقطع وتُلقى في النار .

حقائق كثيرة علّمتنيها الداهشيّة يضيق المجال بسردها . إنّما لا بدّ لي من الاعتراف بفضلها في استئصال سوسة الطائفيّة البغيضة كليّاً من جذور نفسي . فقد جعلتني أؤمنُ إيماناً راسخاً بوحدة الأديان ، وبأُخوة الإنسان للإنسان . وفي ظلّ الداهشيّة صرت أهزأ بتجّار الطائفيّة ، وأسخر من مستغلّيها ، وأُشفق على ضحاياها .

وما أن أشرق نور الرسالة الداهشيّة في نفسي حتى داخلتني فرحة روحيّة لا توصف . وانطلقتُ منذ اليوم الأوّل لإيماني أزفُّ بشراها إلى الأهل والأقارب والأصدقاء . كان ذلك في صيف عام 1965.

لم يكن الأهل في هذه الفترة ليهتمّوا بالأمر إذ كانوا يظنّونه مجرّد خبر عارض أنقله .

وفي شهر تشرين الأوّل من العام نفسه دخلت ثانويّة زحلة الرسميّة لأُكمل فيها دراستي . وكنت في صفّ الرياضيّات .

فالتقيت بالأخ فارس زعتر صديق المدرسة القديم ، والمحامي حاليّاً . كما تعرّفت بالأخ إبراهيم شكر الموجود الآن في روسيا ، وقد أصبح مهندساً . ولم أكن أعلم بعد أنّهما يؤمنان بالداهشيّة ، إلى أن انقضى الأسبوع الأوّل من المدرسة ، فتهجّم أحد الأساتذة على الدكتور داهش بكلمات يُعوزها العقل والمنطق ، فوقف فارس وناقشه حتّى أفحمه . ولمّا أحسّ الأستاذ ضعف حجّته ، استشاط غيظاً ، وانتفض بحدّة قائلاً :” الداهشيّين طلعوا لبرّا “. وفي أثناء الفرصة مِنَ اليوم نفسه كانت الداهشيّة موضوع نقاش بين الطلاّب في الملعب . فناقشتهم معلناً رأيي بكلّ صراحة . وفي تلك السنة الدراسيّة ، تكرّرت مثيلات هذه الحادثة . وقد بلغ الأمر بأحد الأساتذة أن أحال الأخ إبراهيم شكر إلى المجلس التأديبي ، فقط لأنه دافع عن معتقده الداهشيّ إزاء تهجّماته . وما يُؤسَف له حقّاً ، أن نكون في صرح علميّ ويكون الأسلوب الذي وُوجهنا به مِن بعض الأساتذة والمسؤولين هو أُسلوب الترهيب والإكراه ، لا أُسلوب المحاورة والإقناع . وبدل أن نُعطى درساً في احترام حريّة المعتقد والرأي المنصوص عنها في المادّة التاسعة من الدستور اللبنانيّ ، فقد انطبعت في نفوسنا صورة سوداءُ للتعصّب الفكريّ ولاضطهاد هذه الحريّة المقدّسة .

منذ ذلك التاريخ ، بدأ الأهل يتخوّفون من أمر إيماني بالمعتقد الجديد ، فوقفوا في وجهي شأنَ الكثيرين من الشرقيّين الذين يريدون دوماً طبع أولادهم بأفكارهم وأخلاقهم غافلين عن قول الإمام عليّ :” لا تُكرهوا أولادكم على أخلاقكم، لأنَّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم “، ومتناسين قول جبران خليل جبران :

” أولادكم ليسوا أولاداً لكم .

” إنّهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها .

” ومع أنّهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكاً لكم .

” أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبّتكم ، ولكنّكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم لأنّ لهم أفكاراً خاصّة بهم “.

وقف الوالد في وجهي لأنّه ، كما قال ،” لا يرضى أن تكون أخلاقي كأخلاق الأنبياء”. يريدني أن أتلذّذ بالحياة كما يتلذّذُ سائر البشر . فإذا أصبحت طبيباً ، كسبتُ المال الكثير والجاه الدنيويّ شأنَ الكثيرين من الأطبّاء . وهذا بالطبع ما تفتخر به العائلة في المنطقة . أمَّا أن أُصبح طبيباً ومؤمناً بالداهشيّة ، فهذا مِمّا يتعارض وآماله الكبرى بجمع المال واقتناص المجد الدنيويّ . ولذلك تصعّدت حملاتُ الإضطهاد ضدّي ، فأصبح ممنوعاً عليّ قراءة القرآن والأناجيل . مِمّا اضطرّني أن أُخفِيَها تحت سريري ليتسنّى لي مطالعتها قبل النوم . كما أُحرقت كتب عديدة لي ، داهشيّة وغير داهشيّة . ومُنعت من مقابلة بعض أصدقائي في القرية ظنّاً أنَّ هذا المنع يقف حاجزاً في وجه نشاطاتي المتزايدة لإعلاءِ شأن الرسالة الداهشيّة ونشرِ كلمتها .

ولكنَّ مَدَّ الإيمانُ في نفسي كان أقوى من كلّ الحواجز وقضبان السجن التي أسكتت فمي عن التبشير بعظائم الداهشيّة لم تستطع أن تخنق شعاع النور الذي دخل فؤادي فأيقظه ، وامتزج بروحي فأشعرها بطمأنينة السعادة الروحيّة .

واستنجد الوالد بالشيوخ ، فبدأوا يرِدون المنزل ويُسدون إليّ النصيحة بضرورة طاعة الأهل طاعةً عمياء ، والخضوع لإرادتهم ، لأنّ طاعتهم كما قالوا هي من طاعة الله ، وعصيان أمرهم عصيان لأمره . ولكنّني كنت أفكّر وأتساءَل :

تُرى ، أمن الواجب طاعة الأهل في كلّ شيء ؟

وَلنفتَرض أن الأهل كافرون ، أفيجب أن نطيعهم ونكفر مثلهم ؟

ولنفترض أنّهم على ضلال ، أفيجب أن نطيعهم في ضلالهم ؟

طبعا هذا لا يرضى به العقل ويأباه الضمير الواعي .

ثم إذا كانت طاعة الأهل واجبة ، أليست طاعة الله أوجب ؟

وكنت أفتح القرآن الكريم ، فإذا بالعناية الإلهيّة تهديني إلى آيات تدعو الإنسان إلى عصيان إرادة الأهل إذا كانوا يريدون منه الكفر والشرّ . فقد ورد في سورة العنكبوت الآية 8:

” ووصّينا الإنسان بوالديه حُسناً . وإن جاهداك لتُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تُطعهما . إليّ مرجعكم فأُنبّئكم بما كنتم تعملون “.

أوَلم يقل السيّد المسيح :” أعداءُ الإنسان أهلُ بيتِه”؟

(متّى 10: 36) أوَلم يعلن الإمام عليّ أنَّ “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “؟

فهل أعصى إرادة السماءِ الخالدة إرضاءً لإرادة بشريّة زائلة ؟ هل أعصى مشيئة الله في رسالته المقدّسة من أجل مباهج دنيويّة فانية ؟

وكان طبيعيّاً أن لا أرضخ لإرادة الوالد . بل لقد فضّلت أن أُرضي ضميري ، وربّي الذي خلقني قبل كلّ شيء . ولذلك صمّمت أن لا أَتراجع عن إيماني بالداهشيّة لأنّني رأيتها رسالة الله المقدّسة وسفينته المنقذة .

وقويت المجابهة ، واتّخذت في هذه المرّة طابع العنف . فتشابكنا مراراً بالأيدي ، ومرّة تضاربنا بالكراسي في قاعة المحاضرات هذه . تركت المنزل أيّاماً وأسابيع ، وتكرّر الطرد دون فائدة إلى أن قرّرت السفر إلى فرنسا لدراسة الطبّ . فهذا الاختصاص كان يستهويني وفرنسا كانت تستميلني لتكون لي مسرحاً واسعاً لنشر المبادئ الداهشيّة . إذ إنّها إحدى البلدان التي تفتح ذراعيها للفكر الحرّ . وهي التي دفعت غالياً ثمناً لهذه الحريّة وللحفاظ عليها عبر العصور .

لكنّ فرنسا هذه ، هي نفسها التي ارتمت في أحضان الرذيلة واستعذبتها . فاندفع شيبها وشبّانها ، عجائزها وفتياتها إلى الملاهي والمقاهي يملأُونها بأنواع الإفك والفجور : فالجنس هو الخبر اليومي ، وشهوة الحسّ والبهيمة قد قضت على كلّ معالم الفضيلة والقيم المثلى ، والعلوم على تقدّمها والفكر الفلسفيّ على تباين آرائه وتناقضها ، أصبحت عاجزة كلّها أن تعيد إلى ذلك المجتمع إيماناً واثقاً بالله كمثل أعلى ومصدر للفضائل والقيم ، وبالثواب والعقاب …

كانت فرنسا بالنسبة لي ملجأً ومسرحاً للحريّة  قصدها حاملاً في ذاتي آثار تلك الاضطهادات والمظالم التي تعرّضتُ لها . ولكنّي قصدتها أيضاً وأنا أحملُ إلى جانبِها آمالاً عظيمة بضرورة نشر كلمة الله في هذه الأرض الغريبة .

كنت وحيداً في فرنسا ولكن كان الله معي ، الله الذي لازمني عَبرَ إيماني .

فانطلقتُ أنشرُ اسم الداهشيّة لعلمي أنّها وحدها التي تقدِّم إثباتاً ملموساً محسوساً لوجود الله تعالى ، وللقوّة الروحيّة التي لا تحدّها قيودُ الزمان والمكان ، ولعلمي أنّها مصدر السعادة الحقيقيّة الوحيد في عالم ينتابه الضياع والقلق .

تعرّفتُ إلى الكثيرين من رفاق الدراسة في كليّة الطبّ وإلى طلاّب من كليّات أخرى ، ككليّة العلوم والهندسة والصيدلة والطبّ البيطريّ والآداب والحقوق وهم ينتمون إلى جنسيّات مختلفة . ففيهم اللبنانيّون والسوريّون والكويتيّون والمراكشيّون والتونسيّون ومنهم الإفريقيّون من تشاد والكامرون وساحل العاج ، ومنهم اليونانيّون والأميريكيّون الذين يحملون جنسيّات فرنسيّة ، ومن جزر مدغشقر والإتّحاد ، عدا الفرنسيّين أنفسهم الذين كانوا يزورونني في منزلي ويدعونني لزيارتهم رغبة منهم في تفهّم الداهشيّة وعرضها على أهلهم وذويهم . أذكر أن شاباً فرنسيّاً اسمه جاك جو Jacques GAU زار لبنان في صيف 1969 وكان تلميذاً في كليّة الطبّ في السنة الخامسة من الدراسة . وخلال زيارته سمع عن الدكتور داهش والداهشيّة . فاتصل بالدكتور فريد أبي سليمان ، واستطلع الخبر ، لأنّ الدكتور داهش كان مسافراً في تلك الفترة . ولمّا عاد جاك جو إلى فرنسا أخذ يحدّث أصحابه بما سمع وقرأ ، إلى أن تناهت أخباره إلى صديق له كان يحضّر الدكتوراه في علم النفس . فأحبّ هذا الأخير أن يتعرّف إليّ عن قرب ويسمع منّي أخبار الدكتور داهش ، عارضاً عليّ أن أزوره أو يزورني كما أرغب . ذهبت مع جاك جو لزيارته . فقضينا أربع ساعات كاملة ، نتحدّث فيها عن المعجزات والمبادئ . وحين كنت أودّعه ، قال لي بالحرف الواحد :”أؤكّد لك أنّه لو كان لبنان مكان أندرو (3) ANDORRE ، لما انتظرت يوم غد لأذهب وأرى هذا الرجل ، فالبشريّة تنتظر دوماً ألفين من الأعوام لترى مثيلاً له “(4).

وفي خلال عطلة صيف 1970 ، بدأت تردُني رسائل الأصدقاء مؤكّدة إعجابهم بالمبادئ الداهشيّة وبشخصيّة الدكتور داهش . منها رسالة وردتني من طالب فرنسي في كليّة الطبّ اسمه تييري فور THIERRY FAURE قال لي ما ترجمته :” أنت تعلم يا صديقي العزيز كم أنا معجب بإيمانك بالداهشيّة . وها أنذا أؤكّد لك مجدّداً إعجابي وصداقتي متمنّياً أن يكون لي في المستقبل مثيل شجاعتك وأملك اللذين يطبعان إيمانك “(5).

أمّا جاك جو فقد كتب إليَّ ما ترجمته :” لكم أتمنّى أن أكون بقربك في بيروت لأتفهّم أكثر الروح التي تُحييك . لأنّني في الحقيقة أُعجب بإيمانك وبكلّ ما يحمله إليك هذا الكائن العجيب الدكتور داهش . إنّ أُمنيتي الكبرى هي أن أعرفه ، وشخصيّاً إذا أمكن “(6).

إزداد النشاط التبشيريّ إلى أن قرّرت في أواخر عام 1970 إقامة محاضرة عامة . فنشرت الصحف الفرنسيّة خبر إقامتها . كما أُجريت معي مقابلة في راديو “فرانس انتير”FRANCE-INTER بتاريخ 4 كانون أوّل سنة 1970 ، لإعطاء الشعب الفرنسي فكرة عن موضوع المحاضرة قبل موعدها . ثم قمت بتوزيع المناشير على جميع غرف المدن الجامعيّة وبلصقها على واجهات الجامعات والمدارس والمحلات التجاريّة والمقاهي في شتّى أنحاء مدينة تولوز . وكانت ردود الفعل لهذا العمل عديدة : منها أنّ الكثيرين من اللبنانيين في تولوز لم يتصوّروا أنّ يوماً سيأتي يكون فيه مدّ الداهشيّة قد طغى على إلحادهم وعلى فسقهم وفجورهم . فقد سخروا وتندّروا في اجتماعاتهم على كلّ ما أفعله في سبيل المعتقد الجديد . ولكنّهم ما ظنّوا بأنّ الداهشيّة ستكون حديث المجتمع المثقّف بأكمله ، يتصفّح أخبارها عشرات الألوف من مختلف الجنسيّات . لقد أقاموا حفلات الدعاية للبنان وأعلنوه بلد الانفتاح على مدينة الغرب بكلّ مظاهرها الخليعة الفاسدة . أمّا الداهشيّة فقد كانت إعلاناً بأنّ لبنان هو موطن الوحي ، وأن من ربوعه سوف تشرق شمس الروح والهداية على العالم الغارق في ظلمات الماديّة .

أُلقيت المحاضرة في الساعة التاسعة من مساء 7 كانون الأوّل سنة 1970 واستمرّت المناقشات حتى منتصف الليل . وكان من الحضور صحافيون عن أكبر جريدتين في المنطقة وهما جريدة SUD-OUEST  وجريدة LA DEPECHE . وقد ظهرت الصحف إثر المحاضرة مُصدّرة أحداث الرسالة الداهشيّة في أعلى صفحاتها الثقافيّة . فمنها جريدة SUD-OUEST التي كتبت عن الخبر تحت عنوان “محاضرة هامّة عن الداهشيّة” Une interessante conference sur le Daheshisme . ثم نقلت جريدة “النهار” في عددها رقم 10926 تاريخ 11 كانون الثاني 1971 خبر المحاضرة عن الصحف الفرنسيّة . كما بدأت تردُني رسائل ودعوات لتفهّم العقيدة الجديدة ، منها رسالة أتتني من سيّدة اسمها مدام جان مارتينللي تقول فيها :” إنّ صديقة قد أهدتني كتاب محاضراتك التي ألقيتها حول معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان . لقد أثار هذا الموضوع أشدّ اهتمامي وأتمنّى من اللقاء بك للتحدّث بهذا الأمر “(7).

من جهتي غمرتني فرحة روحيّة لا توصف لأنّني أدّيت بعضاً من واجبي تجاه الرسالة المقدّسة التي أحيتني بنعمة هدايتها ، وتجاه الهادي الحبيب الذي هبط من أقصى أقاصي السماوات طائعاً مختاراً رحمة بعالمنا الشقيّ الضلول . فوسط تناحر الدول وتطاحنها ، ووسط الأجواء التي تنبعث منها رائحة الموت ، وفي غمرة الأصوات المنكرة التي ترتفع تحدّياً صوب السماء ، شعّت نجمة الداهشيّة ودوّى بوقها المقدّس يبشّر أبناءها الضائعين بعودة الراعي ، وباهتداء القطيع .

ولكنّ الحدثَ نفسَه الذي ملأ نفسي بالعزم على حمل مبادئ الداهشيّة إلى أقصى أقاصي الأرض ، هو نفسه كان له أسوأ الأثر في نفوس الأهل والأقارب والأصدقاء . ولا عجب فالوالد – فضلاً عن شغفه بالشهرة وتعلّقه بالثروة – كان قد قرّر إرسالي إلى فرنسا لسببين ، أوّلاً : إبعادي عن جوّ الإخوة الداهشيّين اعتقاداً مِنه أنّ ذلك يقضي على إيماني بالداهشيّة .

وثانياً : أنّه عرف فرنسا بكلّ مغرياتها ورذائلها ، وأنّ ما مِن أحد أتاها مهما كان له من مناعة الخُلُق ورفعة المبدأ إلاّ انجرف في حمأة الشهوات الساقطة التي تزخر بها . فكان واثقاً بأنّني ما أن أدخل فرنسا حتى انجذب إلى غانياتها وأطرح إيماني بالله وبالداهشيّة . لقد تردّد عليّ ذلك مراراً قبل سفري بحضور شاب لبنانيّ يدرس في فرنسا وكان قد سبقني إليها . وكان هذا الشاب يزيد مِن اقتناع والدي بأنّ التبدُّل سيطرأُ عليّ فور دخولي إلى فرنسا . أمّا أنا فكنت أسخر من أفكارهم في قرارتي ، راجياً الباري تعالى أن يحميني من التجارب الرهيبة وأن يحفظني من العثرات وأن يدفعني لأحمل لواءَ رسالته المقدّسة حيثما اتّجهت وأينما سرت .

لذلك خابت الآمال ، واشتدّت حميّة التأر في نفوس الجميع، من أهل وأقارب وأصدقاء . فالشاب اللبناني الذي ذكرته ، راح يمزّق المناشير الكبيرة التي أُلصقت على واجهات المطعم ومداخل البنايات في كليّة الطبّ البيطري التي كان يدرس فيها . كما راح يوهم الطلاّب الأجانب بأنّ موضوع الداهشيّة لا يتعدّى كونه ضرباً من السحر والشعوذة والأوهام . وذلك لكي يمنعهم من حضور المحاضرة . ثمّ سارع في الكتابة إلى الوالد يبثّه آخر الأنباء مضمّناً رسالته منشوراً عن المحاضرة ليؤكّد به صحّة أقواله وليزيد في توسيع الشقّة بين العائلة وبيني .

وإذا بالرسائل تنهال عليّ من لبنان صباح كلّ يوم ، معبّرة عن سخط عظيم ، ونقمة لا حدود لها . فالوالد كتب إليّ في رسالة يمطرني بشتّى أنواع السباب واللعنات ، ويبلغني قرار المقاطعة ” فلا محبّ لي في المنزل بعد اليوم”، والمعاش ستنقطع وإرادته وعليّ أن أتدبّر أمري بنفسي منذ اليوم .

صديق لبناني قديم كتب إليّ بإيعاز من الوالد مصوّراً ردود الفعل ، منبّهاً أنّه من الصعب أن يثور المرءُ على البيئة وتقاليدها قال :” لقد طالعت في صحيفة النهار منذ مدّة خبر محاضرة ألقيتها في قاعة المحاضرات في تولوز . وموضوع المحاضرة كان الداهشيّة فلسفة وسُنَّة حياة . فأُعجبت للأمر ، وتمنّيت لو كنت هناك لأُخبرك عن الوقع السيئ الذي تركه الخبر في نفس والدك . لقد زرته منذ مدّة لأعطيَه عقد تأمين المدرسة والسيّارة . فأراني الجريدة والغضب الأحمر قد صبغ عينيه ، لا سيّما وقد أتاه اللوم من الأقارب والأصحاب والمعارف . وقد سمعته يُهَدّدُ بقطع الدراهم عنك وبالتخلّي عن التزاماته نحوك . إذن يا ماجد إنّني أرى أن مستقبلك صار على شفير الهاوية ، والعزوة التي كانت تساندك من أقارب وأصحاب وأهل قد هدّدت بالضياع عنك وبالتخلّي عن محبّتك . أنا أحترمُ أصحاب العقائد يا ماجد . من هنا احترامي لك . ولكن في الأمر خطورة قصوى تحوق بك . وليس مِنَ الحكمة بشيء أن تطعن نفسَكَ بخنجر سامّ يسمّمُ طمأنينتك وارتياحك ونجاحك ومعارفك . البيئة قاسية جدّاً يا ماجد . إنّها لا تسالم ولا تنسى بل أقول أيضاً ليس لها المعطيات النفسيّة والاستعدادات الروحيّة للتسامح مع أيّ شخص يطعنها في تقاليدها العزيزة عليها ، دينيّة كانت أو اجتماعيّة أو سياسيّة أو اقتصادية .

مستقبلك قَبل كلّ شيء ، ولا تنسَ أنّه رهن بتصرّفك . فيا ماجد فكّر بالأمر مليّاً ، لأنّ قضيّة الخروج مِنَ الأهل والأقارب والمجتمع أمر عسير لا يطيقه إلاّ الفدائي الذي يريد إحراق حياته”.

هذا ما قاله لي صديقي حرفيّاً . ولكن كم أحبّ أن أتساءَل اليوم : هل احترقتُ بما فعلت ؟ وهل خضعت للبيئة وتقاليدها أم أن البيئة قد خضعت لما آمنت به وأخفقت في كلّ مساعيها ومؤامراتها ؟ هل خضعت لإرادة الوالد بترك الداهشيّة أم صمدت فتمّت مشيئة الله وأصبح المنزل داهشيّاً يهتدي أفراده بتعاليم الرسالة ؟

أمّا بعض الشيوخ ، فقد كتبوا واستفاضوا عن طاعة الأهل وتساءَلوا :” مَن هو داهش ؟ ومَن يكون ؟” كأنّ داهشاً في بلاد وهم في بلاد أخرى . لماذا لا يطّلعون على الحقائق ويلمسونها بدل التساؤل والتخمين وإطلاق الأحكام الخاطئة .

أحدُ الشيوخ من جنوب لبنان كتب إليّ قائلاً :” إنّ الاتجاه الطبيّ أولى من الاتجاه الداهشيّ لسببين : الأوّل حاجتك الملحّة لإتقان الطبّ الذي تؤمّن عن طريقه إحراز المعنويّات الشخصيّة والماديّات التي لا يُستغنى عنها بحال إذ إنّها عصب الحياة . والثاني : هو عدم الجدوى من حمل الرسالة الداهشيّة والتبشير بها . والغريب في الأمر أن تستحوذ عليك مفاهيم الداهشيّة إلى حدّ جعلك تمتهن والدك كأنَّه لم يكُن علّة وجودك وسبباً لوصولك إلى بيت الحكمة . وإذا كانت هذه المفاهيم تحيل الفرد من إنسان أخلاقيّ يكنُّ الطاعة المطلقة لمن كانا علّة وجوده إلى نُكران جميلهما ، والتنكّر لهما ، كأنّهما لا شيء يُذكر . فبئس هذه المفاهيم التي تُجرّد معتقدها من أهمّ الواجبات الشخصيّة والتفاعل الوجدانيّ الحقّ . ثم ما هي رسالة داهش ؟ هذه التي أفعمت قلبك حبّاً ونفسك عجباً ؟… فاجعل هدفك كسب رضاءِ والديك عليك ، إذ لا راحة لضمير مَنْ غضّ من شأن والديه …. ودُمْ لأخيك المخلص والداعي لك بالتوفيق والرشاد – خادم الإنسانيّة -….”

شيخ آخر كتب إليَّ قائلاً :” وبعد يبلغ بي الأمل أوْجَه عندما أكتب إليك هذه الرسالة بعد إطلاعي عن نبذة من محاضرة لك قدّمها لي والدك ، تدور حول روحانيّة كبيرة لمستها خلال السطور الصغيرة . فإنّها وإنْ أثارت حفيظة والدك إلى أبعد الحدود ، فإنّي نفذت خلالها إلى نفس طيّبة من معدن أصيل . ذلك أنّ الإيمان هو الإيمان كاشف عن حقيقة يحملها الإنسان مهما كانت نوعيّته … ولكن ما معنى الداهشيّة ؟ وما هي تعاليمها ؟ هل هي نبوّة مِنْ عند الله سبحانه كما يوحي ذيل النبذة من المحاضرة ؟ حيث جاء :” لم يكتسبها صاحبها باستنباطه الشخصيّ ، بل أُعطي إيّاها من علٍ من روح الله تعالى “. وأمّا إنْ كانت دعوة للأخلاق المثلى مع ظهور بعض الكرامات ، فهذا شيءٌ جميل جدّاً . ولكنّه لا يستحقُّ هذه العقيدة التي تَظهر خِلال بعض الكلمات .”

رسائل الشيوخ هذه ، بكلماتها المنمّقة ، لم تحمل شيئاً جديداً، وليس فيها ما يقنع . ولا بدّ من إبداء بعض الملاحظات عليها :

أوّلاً : لم يكتب الشيوخ هذه الرسائل بدافع من نفوسهم ، بل بإيعاز وطلب من والدي . فهي لذلك كلمات كُتبتْ لترضي والدي لا لتخدم الحقيقة .

ثانياً : يظهر من رسائل الشيوخ أنّهم لا يعرفون شيئاً عن الداهشيّة . وهم لم يستندوا إلى كتب الدكتور داهش ، أو إلى المحاضرات التي أُلقيت عن الداهشيّة ، أو إلى عمل خارق من أعمال الدكتور داهش ليُظهروا عدم جدوى الدعوة الجديدة . ولذلك ، فدعوتهم للإبتعاد تفتقر إلى الموضوعيّة ، وبالتالي فهي غير منطقيّة . كان على الشيوخ أن يطّلعوا على الداهشيّة قبل إطلاق أحكامهم عليها . ألم يقل الإمام عليّ :” الإنسان عدوُّ ما يجهل “.

ثالثاً – يجعل الشيخ ، صاحب الرسالة الأولى ، الهدف الأمثل طاعة الوالدين . مع أن الدين يأمر بطاعة الله أوّلاً وقبل الوالدين .

رابعاً – يطلب صاحب الرسالة الأولى منّي أن أهتمّ بدراسة الطبّ قَبْل أيّ شيء ، وبالمنافع الماديّة . ولكن من قال إنّني لم أكن أهتمُّ بدراسة الطبّ ؟ إنّ الداهشيّة لم تمنعني عن متابعة دراستي ، بل على العكس دفعتني إلى العمل والإجتهاد والاستزادة من العلوم البشريّة … ولكنّني مع ذلك أرفض دائماً أن أبيع الآخرة بالدنيا .

أمّا عن القرار بقطع العلاقات العائليّة ، وقطع المساعدة الماليّة عنّي ، فقد كان الرصاصة الأخيرة اليائسة التي تطلق في وجهي للقضاء على إيماني بالداهشيّة . ولكنّها وإن انطلقت في الأساس إلى صميم إيماني بها ، فقد دخلته برداً وسلاماً . كيف لا وأنا أذكر قول السيّد المسيح ، له المجد :” مَنْ أحبَّ أباً أو أُمّاً أكثر مِنّي فلا يستحقُّني “(متى 10-37). كيف لا وأنا أذكر صبر الرسل في الماضي وتضحيات الصحابة أيّام النبيّ العربيّ . كيف لا وأنا أرى طريق التضحية مفتوحاً أمامي ، وهذه لعمري من أصغر التضحيات !

لقد أتى هذا القرار في وقت لا أملك فيه إلاّ مئة وخمسين فرنكاً تكفيني لمدّة أُسبوع . فكتبتُ إلى الإخوة الداهشيّين في لبنان أطلب منهم إمدادي بالمبالغ اللاّزمة . ولكنّ الثلوج الكثيرة التي تراكمت على منطقة تولوز وإغلاق البنوك بسبب عطلة عيد الفصح أخّرا وصول الرسالة . فنفد منّي المال ، واضطررت للإنقطاع عن المطعم الجامعيّ ، وتناول أبسط الأطعمة التي ادّخرتها سابقاً دون خبز . وكنت أتمنّى لو أن الموقف أصعب ولو أنّه لم يعدْ أمامي سوى الموت البطيء أُواجهه بقلب فرح في سبيل الرسالة الحبيبة . ولكن لم يمض وقت طويل حتى وصلتني المبالغ اللازمة من الإخوة في لبنان ، وقرّرت إتمام دراستي بمساعدتهم دون الاحتياج إلى أحد سواهم . فسيّال الجهاد المتيقّظ في نفس كلّ أخ داهشيّ أحسّ بأن الاضطهاد قد نال منه ، وأن الجوع قد تملّكه ، وأن فرحة الإيمان الكبرى لا تكون إلاّ في ساح الشهادة . كتب لي الأخ المهندس إبراهيم شكر من روسيا وقد عرف بالأحداث التي أمرّ فيها ، فقال : “شرف عظيم . شرف كبير أن تصلك رسالة التهديد . وشرف أكبر أن تقوم القيامة عليك من معشر بشر مِنْ بني الإنسان . فطوبى للمضطهدين من أجل البِرّ . أجل ليس كلّ إنسان مستحقّاً أن ينالَ هذا الشرف … أن تقوم قيامة الناس عليه لأنّه مؤمنُ بالله وبرسل الله … هذا الشرف هو تلك الكأس التي تجرّع منها سقراط السمّ … هي تلك الخشبة التي علّقوا عليها سيّد المجد ونبع المحبّة … هي تلك النبال التي استقرّت في جسد الحسين بن عليّ … وفي حياة الأنبياء جميعاً وحياة هادينا الحبيب . الحقُّ أقول لك إنّنا لا نعرف كلّ المحن والاضطهادات والمصاعب التي تعرّض لها داهش العالمين العظيم … ومنذ آلاف الأعوام إلى يومنا ، والبشريّة الأفّاكة الجلفاء العمياء الضالّة تتنكّر وتضطهد كلّ من يسمو بفكره عن أفكارهم ويعلو بنظره عن أنظارهم . فإمّا الصلب وإمّا القتل … لكن هيهات … يريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ، ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون “.

أمّا الأخ المحامي فارس زعتر فقد كتب لي حديثاً دار بينه وبين صديق لي في لبنان قال له :” إنّ ماجد لن يسكت في هذه الحياة . سيبيع الحياة من أجل ما هو أغلى منها . إنّ الحكمة تقضي بتهدئة الوضع بينه وبين أبيه . ولكن لا بدّ في النهاية وفي هذا الصيف عل ما أعتقد أن يظهر كلُّ شيء . حينها إمّا أن يتقبّل هذا الوالد أنوار الحقيقة الكبرى وإمّا أن يبقى وشأنه . إمّا أن يستمرّ في تحمّل مصاريف ابنه وإمّا أن يتخلّى . وفي هذه الحال سوف نتحمّل نحن مصاريف تعليمه . ما عدنا بحاجة إليه ولا إلى أحد . نحن سنتكفّل ببعضنا وليكن ما يكون …”

أمّا الأخ الدكتور غازي براكس فقد كتب لي في بعض رسائله :” فرحي لجهادك في فرنسا لا يوصف . إنّك تعيد أيها الحبيب حياة الترسّل المضيئة ، وتبعث أيّام المجاهدين الأبرار .

أولئك الذين غيّروا مجرى التاريخ في العالم القديم . فاستمرّ في نشر كلمة الحقّ غير متقاعس أو هيّاب ، فحسبك رضى الهادي الحبيب وعون الله عزّ وجلّ . دع زعانف اللبنانيين يزحفون على بطونهم وحلِّقْ في سماء فرنسا عالياً عالياً . فالحشرات طعامها التراب . أمّا أنت فخبزك من عجين الآلهة . تابع شقّ طريق النور وإن وحدك ولست وحدك . وكن مغتبطاً وأشكر الله لأنّه اختارك لتكون بين الذين يُبلغون صوت الحقّ سواء سمع الناس أم كانوا صمّاً . وأعلم أنّ أمامك طريقاً طويلاً ، طريق مجد وشوك ، وفرح وحزن ، إنّما طريق انتصار “.

ورويداً رويداً أصبحت الداهشيّة تدخل البيوت والجامعات والمكتبات ، فقد تناولت جريدة SUD-OUEST كتاب “مذكّرات دينار” بالبحث وكتبت عنه أعجاباً فقالت :” هذا الكتاب هو للدكتور داهش . لقد كتب خلال بضعة أيّام بإلهام روحيّ . والدكتور داهش ، منذ صغره ، مزوّد بقوّة روحيّة عظيمة ، وتحصل على يديه معجزات باهرة تدهش جميع الناس “. باختصار ، أخذت الداهشيّة تفرض نفسها بالحجّة الحاسمة وبصفاء المبادئ .

انتهى العام الدراسي 70-71 ، وكان عليّ أن أعود إلى لبنان لقضاء عطلة الصيف ، وكانت المياه قد عادت إلى مجاريها بيني وبين الوالد ، بعد أن تصرّفت معه بطريقة حكيمة . عدتُ إلى لبنان بتاريخ 18 تمّوز 1971 . انقضت الأيّام الأولى بسلام تامّ . وكانت زيارتي للدكتور داهش يوم الأحد 25 تمّوز 1971 . وهنا أذكر لكم تفاصيل ما حدث : حين كنتُ أُغادر منزل الهادي الحبيب ، خرج كعادته لوداعي عند أوّل الدرج ، فخاطبني قائلاً : ” أبقى سمّعنا خْبارك” ثم كرّرها عدّة مرّات . ولدى عودتي مررتُ بالقرية قبل ذهابي إلى المنزل في ريّاق ، فأسرع الأقارب إليّ بأخبار المنزل السّيئة . فالوالد قد تضايق من خروجي، وأعتقد أنّني ذهبت للقاء الدكتور داهش والداهشيّين ، فضرب إخوتي انتقاماً ، وبدأ يرمي أثاث المنزل إلى الطريق العام ، تعبيراً عن نقمته الصارخة . ونصحني الأقارب بعدم العودة إلى المنزل والبقاء عندهم فرضيت ، ولكن بعد أن قضيتُ الليل بأكثره هائماً على وجهي وسط الحصاد في السهول . سرت فيها متأمّلاً نجوم السماء ، مستمطراً غيث الرحمة الإلهيّة لتُطلقني من قيود العبوديّة الرهيبة إلى سماء الحريّة . فما الذي تفرضه الحكمة أنّ أفعاله حيال هذا الوضع ، وهل يمكن أن أكون مسيّراً كالطفل ، في الوقت الذي قطعت فيه سنّ الرشد ، وبتّ أميّز بين ما هو صالح وما هو سيّء ؟!

صباح اليوم التالي قرّرت الاتّصال بالدكتور داهش لإعلامه بما حصل (وإسماعه أخباري) كما طلب . ولكنّني تأخّرت حتّى مساء اليوم نفسه . وما كدت أرفع الهاتف حتّى بادرتني الأخت زينة حدّاد الموجودة في منزل الدكتور داهش بقولها : ” الدكتور منتظر تلفون منك من الصبح وهو الآن غير موجود “.

واتّصلتُ مجدّداً بعد ساعة وأخبرت الدكتور داهش بما جرى فأجابني :” كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام . الحرب خدعة . استعينوا على قضاء حاجاتكم بالكتمان “. أجبتُ الهادي الحبيب قائلاً :” هل أقول لهم بأنّني سأبقى داهشيّاً حتّى وإن طُردت من المنزل ؟” – إذ كان ذلك في الحقيقة مجالاً للخلاص من الجوّ المؤلم الذي أعيش فيه . ولكن حينذاك ، وعكس ما توقّعت ، يجيبني صوت الروح العليّ عبر الهادي الحبيب ، باللغة الفصحى ، وبنبراته القدسيّة :

” لا ، لا تَقُل حتّى تأزفَ الساعة “.

لم أفهم معنى هذا الجواب . وكذلك لم يفهمه أحد من الإخوة . وعدت إلى البيت متحمّلاً جميع أنواع الإهانات والضغوط . وفي اليوم التالي والذي تلاه ، كنت كلّما زرت الهادي الحبيب ، يسألني :” ما هو عمر والدك ؟” فأُجيبه في كلّ مرّة :” خمسون عاماً”، حتّى عجبت من تكرار السؤال في أوقات متقاربة .

وفي هذه الفترة ، حضر الدكتور غازي براكس لزيارتنا برفقة بعض الإخوة الداهشيّين ، ليُطلعوا والدي على حقيقة الداهشيّة ، لعلّه يرعوي عن موقفه المعادي لي ، ويعود السلام إلى المنزل الذي انقلب جحيماً لا يُطاق العيش فيه . ذكّره الدكتور براكس بالإمام عليّ ، حين كان في كنف النبيّ ، ولمّا يبلغ الحلم . فحين دعاه الرسول للإيمان بالرسالة ، استمهله حتّى يشاور والده أبا طالب . ثم عدل عن استشارته بعد صراع عنيف لازمه الليل بأكمله ، وأجاب دعوة رسول الله قائلاً : ” لقد خلقني الله من غير أن يشاور أبا طالب ، فما حاجتي أنا إلى مشاورته لأعبد الله “.

لقد وعى الإمام عليّ ، بسموّ نفسه العظيمة ، في سنّ مبكرة، مبدأً مطلقاً كرّسته القوانين الحديثة باسم “حريّة المعتقد “. ثم ارتضى إيماناً غمر نفسه وأضاء بصيرته . واندفع في عقيدته كالليث ، لا يخاف فيها لومة لائم ، ولا يهاب من أجلها حدّ الصوارم . فعلاقة الإنسان بخالقه هي علاقة تتمّ عبر الضمير ، وبالتالي فهي علاقة شخصيّة فرديّة ، لا يجوز فيها التدخُّل بالإكراه والإلزام . أوَلم يؤكّد القرآن الكريم أن :” لا إكراه في الدين” (سورة البقرة ، الآية 256).

حاول الدكتور براكس أن يلفت والدي إلى أنّني لست صغيراً ، وأنّ الذي يدرس الطبّ في جامعات فرنسا ، مؤهّل لتكوين قناعته الشخصيّة في أمر دينه ودنياه ، وأنّ تصرّفاته معي لا تتناسب مع سنّي وثقافتي .

بالإضافة إلى ذلك ، فقد أوضح الدكتور براكس لوالدي ، أنّ مخاوفه وهواجسه لا مبرّر لها إطلاقاً ، وحاول أن يُفهمَه كيف أنّ الداهشيّة إنّما جاءت لتعيد البشر إلى أديانهم المُنْزلة .

جاءَت لتعيد المسلم إلى إسلامه الصحيح وتعاليم قرآنه ، والمسيحيّ إلى مسيحيّته الحقّة وتعاليم إنجيله . كما جاءَت لتزيل الفوارق بين البشر والطوائف ، ليحيا الجميع إخوة في ظلّ ربّ واحد وإله واحد ، خالق السماوات وفاطر الأرض ….

ونبّه الدكتور براكس والدي إلى أنّ الاضطهاد لا يمكنه أن ينالَ من إيمان الداهشيّ ، لأنّ هذا الإيمان مبنيٌّ على الصخر ، ” وأبواب الجحيم لا تقوى عليه”. وضرب له مثلاً، ما لاقاه كبار الداهشيّين كالدكتور خبصا ، والأديبة ماري حدّاد ، والشاعر الكبير حليم دمّوس ، والدكتور فريد أبو سليمان وغيرهم ، وكيف أنّ الاضطهاد أضرم إيمانهم بدل أن يخمده ، وكيف أنّ الطاغية بشارة الخوري ، ارتدّت السهام التي أطلقها في وجه الداهشيّة إليه ، فزلزلته ووصمته وزبانيّته بعار أبديّ . أوضح الدكتور براكس لوالدي كيف أنّ الداهشيّة هي كالشمس الساطعة في وجه خفافيش الليل ، وكالنار الصاهرة على المعتدين ، وكالجبال الراسخة أمام قبضات المصارعين . لقد انتشر لواؤُها ، واندفع إليها الواعون المخلصون من أرجاء العالم كافّة . أمّا أعداؤها فمصيرهم جميعاً إلى زوال .

انتهت الزيارة بسلام ، ولكنّني لم أسلم من نتائجها . فما أن غادر الإخوة المنزل حتى قامت قيامة والدي عليّ ، وانبرى يمطرهم بالسباب والشتائم ، ويهدّدني إذا استمرّيت في إيماني . وفي مساء اليوم نفسه ، قويت المشادّة ، فشملت والدي من جهة ، وإخوتي وبعض أقاربي من جهة أخرى . فالشرح لم ينفع ، والتنبيه لم يردع ، والحيلة قد ضاعت ، وعليّ أن أسلّم أمري للعناية .

وجاء الوالد بعد أيّام يجبرني على إقامة محاضرة عامّة ضدّ الداهشيّة ، وكتابة مقالات معادية لها في الصحف والمجلاّت اللبنانيّة . حرت في الأمر ، واتّصلت بالهادي الحبيب تلفونيّاً لأُبلغه ما حصل . فقال لي :” أيريدُ أن يفعل مثل بشارة الخوري ؟! سوف يزول … سوف يزول … فظننت أنه عنى زوال الباطل وانتهاءَ سلطانه .

ثمّ مرّت أيّام قلائل ، والطرفان متأهّبان ، واحد للهجوم ، وآخر للدفاع . ولدى اندلاع المعارك ، كانت تنطلق الشتائم فأحتملها ، وترتفع الكراسي فأصدّها ، ويتدخّل الأقارب فتهدأ الأوضاع .

وقد بلغ اضطهادي الذروة في يوم 5 آب سنة 1971 . وعلى إثر مشادّة عنيفة صرخ والدي قائلاً :” إذا كان الدكتور داهش صاحب قوّة ، فليُمتني إذا استطاع “، وردّد هذه العبارة مرّات عديدة ….

وأتى يوم السادس من آب سنة 1971 ، وكان الوالد يهيئُ لمهرجان كبير ، داعياً إليه شيوخاً من بعلبكّ وبيروت ومفتياً كبيراً في لبنان ، ليقوموا “بتفنيد” الداهشيّة ومحاربتها يوم السبت في 7 آب . ولكن ، تقدّرون فتسخرُ الأقدار … إذ توفّي الوالد في الساعة السادسة من مساء يوم الجمعة السادس من آب . وما إن اتصلت بالدكتور داهش أُعلمهُ بالخبر حتّى طلبَ إليّ أن أفتح ورقة سلّمني إيّاها منذ زمن . فإذا بها نبوءة خطِّية بأنّ الوالد سوف يُتوفّى بتاريخ السادس من آب ، وبأنّ اليوم الذي سيأتي فيه الشيوخ لتفنيد الداهشيّة سوف يكون يوم مأتمه .

وبالفعل حضر الشيوخ للمهرجان ، فإذا بهم أمام المأتم . فصعقوا للأمر وخافوا خوفاً عظيماً . حينذاك أدركت أنّ الساعة قد أزفت وبأنّها آتية لا ريب فيها ، وأدركت أن الباطل سوف يزول ، وأنّ سيف العناية المرهف قد وضع حدّاً لجبروته ، وأدركتُ أنّ الروح الإلهيّ قد نزّلَ على الهادي الحبيب من علمه الوسيع ما لا نعلم ، فكشف له أسرار الغيب التي لا ينزّلها إلاّ على أنبيائه ورسله المختارين ، وأنّ المدرسة التي كانت تحارب الداهشيّة قد أصبحت صرحاً من صروح الرسالة المقدّسة . وفرحت أيضاً أن السماء قد سمعت شكواي ، واستجابت لنداي ، فمدّت إليّ يدها ، وانطلق الشراع من جديد بقوّة الروح الأمين تعلوه نجمة الصبح ، ومن على سطحه ، تنطلق ترنيمة الشكر والفرحة .

نعم ، هكذا تتبدّل الأحوال وتنقلب الأمور ، ” فمن صبر ظفر ، ومن لجّ كفر “.

أيها الحضور الكرام

منذ تسع سنوات تعرّفت إلى الداهشيّة . وما تضمّنته هذه المحاضرة كان موجزاً لبعض الأحداث التي نتجت عن إيماني بها . تجارب عديدة اعترضتني ، ومصاعب كثيرة احتاطت بي . كلّها علّمتني شيئاً واحداً : أن أزدادُ تمسُّكاً بالحقِّ ، وإيماناً بالله وبالرسالة الداهشيّة .

أنا أعلم أنّ طريق الجهاد ما زالت طويلة ، وأنّ ما قمتُ به حتّى الآن ، بمساعدة الله تعالى ، ليس إلاّ البداية . ولكنّ سفينتي ستمخر عباب المستقبل ، وبإذن العناية ستستقرُّ على شاطئ الأمان .

بروق ورعود

بروق ورعود “العدد الأوّل السنة الأولى 23 آذار 1968

 

– أودّ أن تعطيني فكرةً واضحة عن الداهشيّة ، ما هي ومتى وُجدتْ ؟

أمّا عن وجود الداهشيّة فابتداء عهدها كان في 23 آذار 1942 في مدينة بيروت . وأمّا عن سؤالك ما هي ، فإنّي أجيبك بأن القرن العشرين قرن النور والمعرفة ، القرن الغريب العجيب الذي اطلع المراكب الفضائيّة يحاولون بها بلوغ القمر والكواكب ، وأوجد التليفزيون الذي تضاهي سرعة صورته المتلفزة سرعة النور أي ثلاثمئة ألف كلم في الثانية (300 ألف كلم) هذا العصر بقدر ما يحيط العلم والعقل بالأمجاد ، يملأ الأرض بالإلحاد والفساد . فالعلوم والإختراعات التي أصبحت بمتناول الجميع بدل أن توقظ نفوس الناس على الحقيقة زرعت الشكّ فيها من الناحية الدينيّة . وتبعاً لذلك تلاشت القيم الروحيّة ، فما عاد يؤمن بها أحد ، وأصبحت الأكثريّة الساحقة من أبناء البشر تقول : إنّ الإنسان أشبه بسيّارة ما أن يتقادم عليها العهد حتى تُلقى بين أكوام النفايات لا يأبه بها أحد ، وهكذا الإنسان ما أن يعتريه الموت حتى يصبح كتلك السيّارة المهملة ، كما تتفكّك هي يتفكّك هو وينحلّ ، إذ لا روح فيه تكون مسؤولة عما ارتكبته من موبقات وحسنات ، وما دام بغير روح فلا يوجد إذن ثواب وعقاب كما ليس من جحيم أو نعيم . ونتيجة لهذا المنطق الفاسد أصبح هؤلاء الكفّار في عصرنا الحالي ، يجحدون الكتب السماويّة المنزلة ويجرّدونها من كلّ قيمة . في هذا الوقت الذي أصبح الشكّ والإلحاد فيه دين معظم الناس ، ظهرت الداهشيّة ، لتبرهن للجميع ممّن لا يؤمنون بوجود الروح وبالقيم الروحيّة ، عكس ما يعتقدون تماماً .

الجلسات الروحيّة

هذا البرهان القاطع الحاسم يلمسه كل إنسان يحضر إحدى الجلسات الروحيّة التي أعقدها . ففي أثناء الجلسة تتجسّد روح يمكن أن يخاطبها المرء وتخاطبه من غير لبس أو غموض ، وبقدرتها أن تُحدث خوارق ومعجزات دلالة على وجودها . ولنفرض أن ساعتك التي تعرفها جيّداً كانت في منزلك ، وكان منزلك في أمريكا أو الصين أو القاهرة أو بيروت ، فبعد المكان لا أهميّة له على الإطلاق . وإذ ذاك يطلب حاضر الجلسة من الروح أن تحضر له ساعته .

ويكن الجواب مدهشاً سريعاً ، إذ أنّه في أقلّ من ثانية يجد ساعته في معصمه . وهذا برهان مادي دامغ لا يمكن دحضه على الإطلاق . فإذا كان حاضر الجلسة مسيحيّاً ترسّخ إيمانه بأناجيله ، وإذا كان مسلماً إزداد إيمانه بما أنزل في القرآن الكريم ، وإذا كان يهوديّاً قوي إيمانه بتوراته ، وهلمّ جرّا . فالغاية من الجلسة الروحيّة إذن هي مساعدة الناس على العودة إلى الإيمان الديني بالتمرّس بالخير والفضيلة . وهذا يُعدُّ انتصاراً للروح على المادّة في عصر تغلّبت فيه المادّة على الروح . وليس الأمر مقتصراً على هذه الظاهرة فقط بل تحدث في أثناء الجلسة خوارق عديدة كلّ منها من شأنه أن يرسّخ الإيمان في قلوب الحاضرين لها . يمكنك مثلاً أن تحضر معك صحن الطعام الذي تتناول فيه طعامك بمنزلك . وهذا الصحن مادته بورسلين ، فعندما تتجسّد الروح بإمكانك أن تطلب منها أن تحوّل لك مادته إلى خشب .

وللحال يتحوّل الصحن ، وأنت ممسك به بكلتا يديك ، إلى صحن خشبي يبقى عندك بمادته الخشبيّة طوال الأيام والأعوام . كما بإمكانك أن تطلب من الروح أن تحوّله مثلاً إلى مادةٍ حديديّة ، وبلحظة يثقل وزنه إذ يتحوّل مثلاً إلى صحن حديديّ ، بينما أنت تمسك به جيّداً بكلتا يديك . وهكذا يمكنك أن تطلب من الروح أن تحوّله لأي نوع تحبّه أنت ، إلى قصدير أو كريستال .

اللبنانيّون يصغون إلى الدكتور داهش كما إلى المسيح

نشرت جريدة “نوستراداموس – NOSTRADAMUS ” الفرنسيّة المقال التالي وهو يصف خوارق الدكتور داهش وعقيدته الروحيّة . وهذه هي ترجمة المقال الفرنسي :

  

اللبنانيّون يصغون إلى الدكتور داهش كما إلى المسيح

لا يتحدّثون في لبنان إلاّ عنه ، حتى أنّ الصحف تشير إلى ” ظاهراته” الروحيّة أكثر ممّا تشير إلى الصراع العربي – الإسرائيلي. فقد بات الدكتور داهش ، في نظر اللبنانيّين ، مسيحاً حقيقيّاً قادراً على صنع الخوارق والمعجزات جميعها .

إنّ معجزته تتعلّق ، قبل كلّ شيء ، بشخصه ذاته وتجعل منه كائناً لا تحيط به المدارك . كثير من اللبنانيّين يشهدون أنّهم رأوه ، في اليوم نفسه والساعة نفسها ، في سبعة أماكن مختلفة . إنّ الرقم (7) هو رقم مقدّس وسرّي وإلهي، على غرار أيّام الأسبوع السبعة أو عجائب الدنيا السبع ، وعلى صورة داهش الذي يؤكدّون أنّه عُدِمَ رمياً بالرصاص سنة 1947 على أيدي جنود إيرانيّين ، ومع ذلك ما زال حتى الآن حيّاً .

ويؤكّد تلاميذ الدكتور داهش أنّه قُتِل وأخترق الرصاصُ جسَدَه ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره ، ولكنّه بعد ذلك قام من الموت ، إذ ليس للموت سلطان على هذا الرجل صاحب الطرف الحزين والكتفين المثقلين بأعباء العمر والمصير . وهكذا عليه أن يموتَ ستّ مرّات ثم يُبعثُ كلّ مرّة من جديد ، وفي المرّة السابعة يموت حقّاً وإذ ذاك يصبح دينه دين الإنسانيّة كلّها .

يُكثِرُ الدكتور داهش من صنع المعجزات حتّى يقنع أشدّ الناس شكّاً في حقيقة رسالته . تلك هي حال المرأة الفلسطينيّة مريم مزراحي التي أصيبت بالبرص . فقد عُنيَ بها خمسة أطباء ، إلاّ أنّها كانت تزداد سوءاً ، وكانت يداها ووجهها في حالة من التهرّؤ ، ومزق من اللحم تتدّلى على خديها ، بحيث صعب على أولادها أنفسهم أن يتعرفوا بها . وقد كانت السيدة مزراحي في يأس من شفائها عندما تناهت إلى أسماعها أخبار الدكتور داهش ومعجزاته ، فقرّرت أن تزوره بصحبة شقيقها . وعقدت جلسة روحيّة حضرها الأطبّاء الخمسة وثلاثون شخصاً آخرون ، فمد الدكتور داهش يده ومسح وجه المريضة ، فإذا اللحم يتكوّن من جديد وهكذا في بضع دقائق استعادت جمال محياها أمام أنظار الأطبّاء الخمسة الذين أعلنوا أنّها غير قابلة للشفاء .

ولا يقتصر الدكتور داهش على شفاء الأمراض المستعصية، بل إنّ مواهبه الروحيّة تسمح له أيضاً أن يغيّر طبائع الأشياء ، فينقلب الحجر والبورسلين إلى ذهب ، أو الأوراق البيضاء إلى ليرات لبنانيّة .

ويروي الداهشيّون حادثة تعود إلى طفولة معلّمهم ، وتثبت أنّ قوّة روحيّة تحتلّه منذ صغره ، مؤداها أنّ الدكتور داهش فقد والده وهو بعد صغير ، فأمضى فتوّته في كنف خالته ، وكان يقضي معظم لياليه في غرفته يطالع الكتب على ضوء شمعة نحيلة ، ولكن خالته كثيراً ما كانت تحرمه من مصدر النور خوفاً عليه من فقد بصره ، وفي أحد الليالي ، وفي حدود الساعة العاشرة مساءً ، رأت نوراً يتسرّب من تحت باب غرفته ، فتعجّبت قليلاً واستدعت زوجها وتوجها معاً إلى الغرفة ليؤنّبا هذا الشقي الذي تجرّأ على سرقة الشمعة ، ولكن ، شدّ ما كانت دهشتهما عظيمة عندما دفعا الباب فشاهدا داهشاً الفتى جالساً في سريره يقرأ والنور يشع من عينيه .

ومرّت بضع شهور اهتدى فيها الفتى داهش إلى كتاب كان بالنسبة إليه وحياً حقيقيّاً ألا وهو القرآن ، وهنا أيضاً اعترضت خالته وزوجها ، وهما المسيحيّان المواظبان على ممارسة الطقوس الكنسيّة ، دون قراءته ، ويطلع داهش على نيّتهما بواسطة أحد رفاقه فيهرع إلى الحديقة ، إلى حيث يحرق الكتاب ، ولكن ويا للأسف سبق السيف العذل، إذ إنّه لم يجد ثمّة غير الرماد . ومع ذلك فقد مدّ يده إلى الجمرات القليلة التي ما برحت تؤج ، واستخرج منها الكتاب ، وكان كتاباً جديداً ! لقد أعطى الوجود لشيء كان قد زال تماماً .

ولكن الدكتور داهش  بالإضافة إلى كونه صانع معجزات ، هو أيضاً نبيّ ، جاء ينشر كلمة الصلاح ورسالته التي تقوم على سبعة مبادئ أساسيّة :

  • السببيّة الروحيّة ، إذ لا شيء يعود إلى الصدفة، ولكن كلّ شيء هو ثمرة قوّة تتخطّى قدرة الإنسان .
  • السيّال الروحي الذي هو أساس كلّ كائن محدّث .
  • التقمّص حقيقة واقعيّة .
  • وجود الروح .
  • خلود الروح .
  • وحدة الأديان .
  • موت المسيح الجديد سبع مرّات حتى يُنقذَ الإنسانيّة .

 هل الدكتور داهش هو المسيح الجديد ؟ كثيرون هم اللبنانيّون الذي يقتنعون بذلك لأنّ هذا الرجل قد مات مرّة ، ومع ذلك فهو حيّ يرزق .

                                                                                                            باتريك مانون

 

هنا لا حزن مرير أم شقاء

حلّقت نحو الأعالي أجوب سباسب الفضاء

موغلاً قصياً في إرتفاعي نحو كلّ بعيد وناء

وشاسع الفلوات بهرتني كلّما ارتقيت في العلاء

كواكباً خلبت نظري بأنوارها المتألّقة بسناء

ورجوماً وسدماً اجتزتها مسرعاً نحو عالم الضياء

ومجرّات مهيبة مذهلة الأبعاد تشيد حمداً لمبدعها صباحاً ومساءً

متاهات يا لها من متاهات قصيّة في قبّة السماء

واجتزتها بسرعة روحيّة وتوقي لكوكب النور والبهاء

وأخيراً بلغته فيا لسعادتي ، كوكباً يتألّق ما رآه الدهر راء

غمرتني سعادة كبرى فبت من أسعد السعداء

أنغام روح وعزفت فطربت لها وطرحت خلفي كلّ بلاء

هنا لا حزن مرير أم شقاء أو نشيج وبكاء

فرح هائل احتلّ كياني فشكرت خالقي مفجّر الزلازل ومثير الأنواء

أنا بلغت جنّة الخلد فيا لسعادتي إذ فيها كلّ غبطة وهناء

منتظراً أحبّتي فيها لنحيا أبد الدهر بحبور وزهاء .

 

                                                             داهش

إفادات ثلاث

للحقيقة والذكرى والتاريخ

 

هذه إفادات ثلاث قُدّمت خطيّاً إلى رئيس البوليس العدلي في بيروت الأُستاذ إدوار أبي جودة بطلب رسميّ منه ، إذ كلّف الرئيس بشارة الخوري المدّعي العام ألاستئنافي يوسف شربل أن يحقّق مع الأديبة ماري حدّاد والشاعر حليم دمّوس والأُستاذ يوسف الحاج عن كيفيّة إيمانهم بالدكتور داهش واعتناقهم مبادئ رسالته الروحيّة .

وقد كلّف المدّعي العام يوسف شربل رئيس البوليس العدلي إدوار أبي جوده الذي ذهب إلى منزل الأديبة ماري حدّاد شقيقة لور قرينة الرئيس بشارة الخوري ، وقد أدلت ماري حدّاد وحليم دمّوس ويوسف الحاج الداهشيّون بالإفادات التالية وذلك بتاريخ 23 شباط سنة 1944 وهي على الوجه التالي :

 

  • إفادة الأديبة السيّدة ماري حدّاد
  •  

سمعت الناس يتحدّثون عن الدكتور داهش وعن معجزاته . وسمعت ذلك من أشخاص يستحقّون كلّ الثقة فذهبنا لزيارته .

وكنت أعتقد وفي الوقت نفسه كنت على حذر وشكّ :

كنت أعتقد لأنّ كلّ شيء في الحياة معجزة إذا فكّرنا قليلاً بالحبّة التي تنمو في الأرض . وبالكهرباء . وبالاختراعات العلميّة . وبالولادة . والحياة . والموت . وما شاكل .

وكنت على حذر وشكّ لأنّ الحذر والشكّ ، وفكرة افتراض الشرّ قبل الخير هي نتيجة ضروريّة للاختبار . ولا سيّما في هذا العصر الذي نجد فيه (المال) هو سيّد العالم حتى إنّ أدنى وأخسّ إنسان غنيُّ يكون محترماً من الجميع … فهل هناك شخص فوق (المال) وفوق (الوجاهة) وفوق (المقامات العالية )؟ كلاَّ . لم أعرف أحداً كهذا .

إنّ الجهة الروحيّة في الحياة . والاتجاهات العالية نحو المثل العليا يظهر أن وجودها ضئيل جدّاً .

وكذلك وجود الأشخاص الذين عندهم الفكر العاقل الكامل .

ولكنّني وجدتُ نفسي أمام حادث فريد وغريب في بابه :

إنّ الدكتور داهش (الذي تسألونني عنه ) هو أعجوبة هذا العصر .

لأنّه يضع كلّ شيء في مكانه ويُعطي كلّ شيء قيمته الحقيقيّة .

وهذا أمرٌ غير منتظر . ولم يسمع بمثله . ولا يُصَدّقْ . ولكنّه صحيح وواقعيّ .

هو يرتكز على إنجيل (السيّد المسيح) له المجد . هو الشخصيّة العليا لهذا الإنجيل .

كنّا نعرف هذا (الكتاب المقدّس) ونعتبره عملاً إلهيّاً عبقريّاً نعجب به .

ولكنّ معرفتنا إيّاه غير كافية لتجعل حياتنا مطبّقة عليه تماماً .

إذن . نحن مطمئنّون بأنّ الدكتور داهش هو رجل الإنجيل .

وبعد ذلك وجدنا أنفسنا فجأة أمام قوّة فوق الطبيعة .

لأنّنا شاهدنا ثانية عودة المعجزات الإنجيليّة :

فالماءُ يتحوّل إلى خمر كما في (قانا الجليل)- وهي أوّل معجزة للسيّد المسيح وعندها آمن به الجميع .

ثم تعداد الخبز . وتكثير السمك .

وكذلك نظرنا مضاعفة أشياء أمامنا .

وشاهدنا أيضاً شفاء أمراض وتحقيق نبوءات .

وهنا لا شيء يكون مخبّأً . فلا الفكر ولا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل .

ولا توجد أيضاً مسافات . ولا صناديق حديديّة مقفلة .

وشاهدنا أيضاً كيف تنزل العقوبات بالذين يتهجّمون أو يعتدون على الدكتور داهش .

وشاهدناه يأمر عناصر الموت والحياة فتطيعه للحال .

وعرفنا الدكتور داهش كيف يتكلّم .

وعرفناه بكتاباته . وبتأليفه . وبمعجزاته . وبصلاته مع الناس . فهو عندما يتكلّم فليس من حجّة مهما كانت بليغة وقويّة تقف أمام حجّته .

لقد شاهدناه بين كبار الرجال . والكتبة والصحافيّين . وجماعات من ذوي الثقافة العالية . فكانوا كلّهم معجبين به حتّى أنّهم يصبحون بتفكيرهم أمامه صغاراً .

وكانوا كلّهم يطلبون منه إرشادات وتعاليم . فكان يعطيهم إيّاها ببساطة كاملة ووداعة متناهية .

هو أكمل تعبير للعبقريّة من حيث سموّ وجهة نظره . ونبل فكره وصفائه .

هو أيضاً الشخص الحقيقي لاستعمال الأشياء العمليّة الراهنة التي يمكن وجودها . لأنّه يعلّمنا ويتركنا نقدّر الأشياء وحدها كما تستحقّ . تلك الأشياء الأزليّة وليس الأشياء الفانية …

أمّا تعاليمه فيتركنا نلمس بها بالإصبع حقيقة الروح . ويفتح لنا نافذة واسعة على العالم الثاني الذي لم يتمكّن أحد من اختراقه واجتيازه حتّى الآن .

وإذا كنّا آمنّا به فلأنّنا وجدنا براهين ملموسة لا تنكر عن رسالته الروحيّة . وإلاّ فلماذا لم نكتف بالكهنة والأحبار الذين ينتسبون إلى الإنجيل ؟

لكن هذا الستار ولو كان جميلاً جدّاً فإنّه لا يمكنه تغطية أكاذيبهم وأعمالهم التي تضرّ بالعقيدة أكثر ممّا تنفع ….

فقد تعوّد الناس المعاملات والدفع في المسائل الدينيّة …

فالكنيسة – وخصوصاً كنيسة رومية – كلّ شيء عندها يدفع ثمنه :

كالغفرانات . والألقاب … والتحليلات … وما شاكل .

ولذلك . فكلّ حذرٍ يزول . وكلّ شكّ يسقط من تلقاء نفسه عندما تتعرّف إلى شخصيّة الدكتور داهش . ونجد أنفسنا مخجولين من الأفكار الدنيئة التي تساورنا .

إنّ الدكتور داهش هو معجزة هذا العصر .

ومنذ (السيد المسيح) لم يوجد تجسّد إنسانيّ بهذه العظمة .

إنّ الدكتور داهش قضى بضعة أشهر فقط من حياته في مدارس بسيطة وصغيرة في غزير وصيدا . ولم يتلقّن العلوم . وهو يقول عن نفسه : أنا ابن الحياة .

أمّا عدد مؤلّفاته فأكثر من 60 مؤلّفاً . وستكون بناءً عظيماً لشرح شخصيّته … وكلّها كُتبت بسرعة لا تُصدّق .

وأنا شاهدته مراراً في ساعات إلهامه وكأنّ القلم بين يديه يطير على الورق .

وقد شاهدنا حياته اليوميّة (ونحن كثيرون نشهد بذلك ). وقد عاشرناه . ودرسناه . وأطلعنا على كلّ شيء يخصّه منذ ساعة ولادته إلى اليوم .

أمّا (المعجزات) فكانت دائماً تحتاطه . وكلّ ماله علاقة به مدوّن من عامه الثاني عشر . حتى أنّ كلّ دقيقة من حياته مكتوبة يوماً بعد يوم .

أمّا نتائج تعاليمه فليس فيها ظلٌّ من الشكِّ . بل كلّها حقائق واطمئنان وثقة بكلّ ما ينتظرنا بعد الموت .

إنّنا بتعاليمه نترفّع عن الصغائر . والأشياء التي كان لها قبلاً في نظرنا أهميّة أصبح لا أهميّة لها على الإطلاق .

وليس هناك من هموم تساورنا . بل حياة سعيدة وكفى .

هذه هي المدرسة الوحيدة التي توحي إلينا أشياء عظيمة في سائر العلوم : كتاريخ الأرض وعلم الفلك والنجوم . والطبّ . وأسباب الأمراض وكيفيّة شفائها . وأسرار الولادة . والموت . والخلود . وأشياء أخرى لم نكن نعرف عنها شيئاً . ولكن ساعة نشر هذه الأمور لم تأتِ بعد … ولو كان عندنا حكومة حكيمة متنوّرة لأدركت أنّ في شخصيّة الدكتور داهش ينابيع لا تنضب ولا تثمن . وكان بإمكانها الاستفادة منه قبل أن تسبقها الشعوب التي ترغب في تجديد قواها بمثل هذه القوّة العجيبة التي لا يمكن العاقل أن يشكَّ فيها . إنّها قوّة ينحني أمامها كلّ شيء بدون استثناء لأنّها قوّة (الله).

أنا لا أُشفق على الذين يحاربون الدكتور داهش . ولكن أُشفق على أولئك المتحايدين الذين لا يتدخّلون لدرس هذه القوّة الخارقة .

ولكن ليس من كرامة لنبيّ في وطنه .

ونحن سنكذّب يوماً هذا المثل …

وهنا تسألوني : (وكيف يعيش الدكتور داهش )؟

فالجواب :

إنني شاهدت عنده من الدراهم أكداساً مكدّسة .

ولا يوجد عند (بنك) ما يوجد عنده من المال .

وقد شاهدته يعطي الفقراء بدون حساب .

ولكنّه لنفسه بكلّ دقّة يعمل الحساب .

فعسى أن يرى الناس هذه القوّة العجيبة التي ستبدّد أنوارها ظلمات الجهل من سماءِ بلادي .

 

بيروت 23 شباط 1944                  السيّدة ماري حدّاد

 

                  

 

 

 

 

  • إفادة الشاعر الأستاذ حليم دمّوس
  •  

أوّلاً – سبق وأدليت بمعلوماتي عن الدكتور داهش في التحقيق الأوّل الذي أجراه المفوّض العدلي فاضل عازوري منذ سنة خلت .

وأظنّ أنّ تلك الأوراق قد تحوّلت في حينها إلى المدّعي العام الأستاذ ديمتري الحايك .

فإذا شئتم مراجعتها ففيها الكفاية .

ثانياً – أمّا معرفتي بالدكتور داهش فتمتدّ إلى عام 1936 وليس له من مهنة سوى تأليف كتب أدبيّة اجتماعيّة صدر منها كتاب (ضجعة الموت ) و(كلمات) و(الإلهات الستّ) وقريباً يظهر (عشتروت وأدونيس) و(نشيد الأنشاد) و( جحيم الدكتور داهش) و(بروق ورعود).

وهناك كتب أخرى مذكورة بتفصيل في مؤلّفاته المطبوعة ولا سيّما في كتبه الأخيرة (الإلهات الستّ ونشيد الأنشاد والجحيم) وهو ممنوح قوّة روحيّة منذ طفولته .

ثالثاً – أمّا سؤالكم عن أمواله . وأين هي ؟ فهذه أمور شخصيّة يمكنكم أن تسألوه عنها رأساً .

رابعاً – هو يعيش بكلّ بساطة . وأعرف تمام المعرفة أنّه مستغنٍ عن جميع الناس . ويُفرّق الزائد عنه في كلّ شهر على عائلات مستورة . وأحياناً يفرّق ذلك في كلّ أسبوع . ولو شاء الثروة بما عنده من مواهب وقوى خارقة لأصبح في مدّة قصيرة رو كفلر لبنان . بل قارون هذا الزمان .

خامساً – اعتنق السيّد جورج حدّاد وزوجته وكريماته الداهشيّة – ولي الشرف أن أكون منهم – وذلك طلباً للحقيقة ورغبة في معرفة الكون العجيب الغريب . ووصولاً لإدراك كلّ مجهول كما يفعل كل باحث أو عالم . وكلّ مكتشف أو مخترع اتّسعت دائرة علمه وفنّه .

وأن من ينشد (الحقيقة) السامية كالدكتور داهش يجب تنشيطه لا تثبيطه خصوصاً وأنّ كثيرين من رجال ونساء كانوا منغمسين في حمأة الرذيلة أصبحوا اليوم بفضل تعاليمه السامية الجليلة ، سالكين طرق الصلاح والفضيلة .

سادساً – لم أجده تناول بارة واحدة أو قبل هديّة تذكر من أحد . بل بالعكس إنّه يرفض الهدايا ويكرهها .

وأنا منذ عشرين شهراً متصل به لتبييض عدّة كتب أدبيّة له جاهزة وماثلة للطبع . وطالما أرسل من ماله الخاص هدايا إلى كثيرين ممّن دعوه إلى وليمة عائليّة أو حفلة أدبيّة . وطالما ألبس العراة . وأطعم الجياع . وخدم البائسين سراّ . وهداهم إلى الطريق القويم … إنّه رجل صلاح . وتعاليمه روحيّة بحتة . وهي تعاليم شريفة عالية تستند على الكتب المنزلة ولا سيّما الأناجيل (الأربعة) التي يعتبرها الدكتور داهش زبدة (الكتاب المقدّس) وروح الكتب الإلهيّة المنزلة . خصوصاً وهي من أقوال السيّد المسيح وتعاليمه السماويّة .

سابعاً – الدكتور داهش يعيش مع عائلته على نفقته الخاصّة ومن ماله الخاص أمّا الذين يعتقدون بأعماله الروحانيّة ويؤمنون بها فإنّهم يستفيدون منه ومن تعاليمه دون أن يفيدوه .

فأنا مثلاً كنت ماديّاً محضاً . فأصبحت روحانيّاً محضاً .

وما ذلك إلاّ بفضل الدكتور داهش وروحانيّته الممتازة .

فقد تكشّفت لي حقائق سماويّة عظيمة لا يستطيع هذا القلم الضعيف وصفها .

ثامناً – وأخيراً … إنّ شهادتي هذه بالدكتور داهش مجرّدة عن كلّ غاية . فهو إنسان صالح . طاهر السيرة . عفّ اليد واللسان . يعيش عيشة السيّد المسيح وتلامذته . والنبيّ محمّد وصحابته . ويعمل الخير حباً بالخير . وقد أتى أمامي بمعجزات خارقة :

فمن نقل أشياء . وشفاءِ أمراض . وكتابة مؤلّفات ملهمة وسواها من نبؤات عن حوادث تمّت في أوقاتها تماماً .

وأعتقد كلّ الاعتقاد أنّ ما قام به الدكتور داهش مِنْ الأعمال الحسنة والظاهرات الروحيّة الخارقة يساعد الحكومة والشعب على تهذيب الأخلاق . وتقريب النفوس البشريّة إلى المبدع الخلاّق .

فهو في نظري يستحقّ إعجاب لبنان وتمجيد الإنسانيّة لعبقريّته النادرة . ومعجزاته الروحيّة الباهرة . التي تسيّرها قوّة خفيّة إلهيّة قادرة …

فليدرسها كلّ عامل أمين ،

رحمةً بعشّاق الحقيقة وطلاّب النور واليقين ،

وخدمة خالصة لأبناء الأرض المساكين .

    بيروت 23 شباط 1944                 الأستاذ حليم دمّوس

 

 

 

 

 

3- إفادة الأستاذ يوسف الحاج

(أوّل من اعتنق الداهشيّة )

 

سؤال الرئيس العدلي – متى تعرّفت بالدكتور داهش ؟

جواب يوسف الحاج – تعرّفت بالدكتور داهش منذ ثلاث سنوات تقريباً . وكان الدافع إلى هذا التعرّف شهرة الدكتور في البلدان العربيّة كافّة فضلاً عن البلاد الأوروبيّة ممّا كان يأتيه فيها من الأعمال الروحيّة .

سؤال – هل يتقاضى الدكتور داهش بدلاً عن أعماله وتعاليمه ؟

جواب – كلاّ . بل إنّه يفرّق ما يفيض عن النفقات التي يدفعها على طبع كتبه من ماله الخاصّ إلى الفقراء على أيدي آخرين منهم الجرّاح المعروف الدكتور توفيق إبراهيم رزق صاحب مستشفى رزق ، وسواه .

سؤال – من أين يعيش الدكتور داهش ؟

ج- ممّا لاحظته كلّ هذه المدّة أنّه يعيش من بيع مؤلّفاته الأدبيّة .

س – اذكر لي شيئاً من عجائبه .

ج- أذكر لك ثلاث حوادث أو ثلاث ظاهرات (وهنا ذكر الأستاذ يوسف الحاج له مفصلاً ظاهرة الدكتور شاهين الصليبي وشجرة الليمون . وظاهرة المستر أولفر والمال والدبوس ورسالة السيّد جورج النجّار . وكذلك موت العصافير الثلاثة أمام صاحب جريدة (الصحافي التائه) الأستاذ اسكندر الرياشي والشيخ منير تقي الدين والأستاذ حليم دمّوس . ثمّ إحياء تلك العصافير بعد الظهر بوجود الأستاذ إدوار نون وبعض الإخوة الداهشيّين .

وفضلاً عن ذلك فقد أتى الأستاذ الحاج على ذكر مؤلّفات الدكتور داهش التي بلغت الستين تقريباً بين أدبيّة وروحيّة . وذكر في إفادته كيف يعيش الدكتور داهش .

وصرّح الأستاذ يوسف الحاج في إفادته أنّ كلّ من تقرّب إلى الدكتور داهش شعر بتجرّد كلّي . وراحة نفس تامّة . وأنّ جميع تعاليمه التي تعلمناها تنفّرنا من المال ومن الحياة الماديّة القلقة القذرة .

وهنا قدّم للمحقّق عدداً من جريدة (العالم العربي) العراقيّة . وفي مقالتان ممتعتان عن الدكتور داهش وأعماله الخارقة :

الأولى بلسان الجريدة .

والثانية نقلاً عن جريدة (الأهرام) المصريّة .

وهكذا انتهى الاستنطاق عن مفاخر الدكتور داهش وروحانيّته اللامعة .

وقد أكّد الأستاذ يوسف الحاج له في الختام أنّ الحكومة اللبنانيّة الوطنيّة إذا درست بتدقيق مميّزات الدكتور داهش ومواهبه الخارقة وجب أن تستفيد منها عاجلاً أم آجلاً ).

 

بيروت 23 شباط 1944                   الأستاذ يوسف الحاج

الهوامش

1- راجع محاضرة الدكتور غازي براكس :” معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان” التي ألقيت في الجامعة الأميركيّة بتاريخ 12 أيّار سنة 1970 – منشورات دار النسر المحلّق – بيروت – لبنان .

 * مجلّة “بروق ورعود” (الأعداد 1-2-3-4-5) سنة 1968- الصادرة عن دار النسر المحلّق .

* مجلاّت “اللواء” (من العدد 75 حتى العدد 97. والأعداد 102-111-133-143).

* مجلّة “الأسبوع العربي”( العدد 263-310).

* جريدة “الجريدة” (العدد 4000).

* REVUE DU LIBAN No. 347

2- راجع * محاضرة الدكتور غازي براكس :” الداهشيّة حقيقةٌ روحيّة تؤيّدها المعجزات” التي أُلقيت في كليّة الحقوق – الجامعة اللبنانيّة – بتاريخ 21 أيار سنة 1971- منشورات دار النسر المحلّق .

           * مجلاّت “بروق ورعود” (من 1إلى 5).

3- “أندرو” هي مدينة تقع عند سفح جبال البيرينيه ، بين فرنسا وإسبانيا . مساحتها 465 كيلو متراً مربّعاً ، وعدد سكّانها 12000 نسمة .

4- هذا نصّ ما قاله حرفيّاً باللغة الفرنسيّة :

Je vous assure , si le Liban est a ANDORRE, je ne resterai jusqu`au lendemain pour aller voir cet homme, Car , l`humanite’, dans deux milles ans , attend voir un homme pareil .                                                              

5- هذا نصّ المقطع من الرسالة باللغة الفرنسيّة :

<< Tu sais cher ami combien j`admire ta foi envers le Dahe’shime , et je te renouvelle mon admiration et mon amitie’ aujourd`hui , en ne souhaitant pour moi-meme qu`un courage et une esperance qui soient aussi grands que ta fois, pour les jours a` venir .>>                                    

                                                                                         6- هذا نصّ المقطع من الرسالة باللغة الفرنسيّة :

<< Cher Majed,                                                                                           

A combien je desirerai me trouver aupres de toi a` BEYROUTH afin de mieus comprendre l`esprit qui t`anime et te fait vivre . Car , reellement , j`admire la fois avec laquelle tu crios et tu vis tout ce que t`apporte cet etre fantastique que semble etre le DOCTEUR DAHESH, Mon plus grand desir serait de le connaitre et en personne si possible.>>                   7- هذا نصّ الرسالة حرفيّاً :

<< Monsieur,                                                                                              

Une amie m`a prete le livre de la conference que vous avez faite sur   

  

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!