إستسلام
عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة
فحوادث الدهور قد مرّت و هي تواكبهم
والقبور فغرت أفواهها و ضمَّت من الانام مواكبهم
الكلُّ فانٍ، و ليس من خالدٍ سوى الله والسماء
ومقاصده الخفيَّة في خلْقنا خُفِيَتْ حتى على الأنبياء
فلنَخْشع، و لنَضْرع، كي نرتع في جنَّاتِه السرمديّة
داهش من كتاب ” بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
نجوى سلام براكس
ماجستير في اللغة العربيّة وآدابها
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
حليم دمّوس والاتّجاه الرّوحيّ في أدبه
حليم دمّوس والاتّجاه الرّوحيّ في أدبه
التراث الداهشيّ
الكتاب الأوّل
حليم دمّوس والاتّجاه الروحيّ في أدبه
نجوى سلام براكس
ماجستير في اللغة العربيّة وآدابها
هذه الدراسة حازت صاحبتها بموجبها شهادة الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها من كليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة .
حنين الروح
أنا من أنا يا ربُّ إن قارنت قولي في فعالك
أنا نسمة مرّت على هذي الرُّبى وعلى جبالك
أنا من ضبابك قطعة بيضاء ترقد في تلالك
أما موجة من بحر جودك ترتجي صافي نوالك
أنا نجمة لمعت وغابت فجأةً والليل حالك
أما رملة صغرى تقلّبها الرياح على رمالك
أنا دمعة سالت على خدّ الطبيعة من زلالك
أنا ظلّ طيف عابر في ممرّ وعر المسالك
يجتاز في وادي الحياة ولا يرى إلاّ المهالك
ويخوض في بحر المنى متمسّكاً بعرى حبالك
حليم دمّوس
من ديوان “يقظة الروح”
لقد جهلوا قدر الفتى في حياته فمات شقيّاً وهو للغمِّ شيّقُ
فتىً خدم الأوطان عشرين حجّة وذاب كمصباح به النّور يخفق
وما أدباء الشّرق إلاّ كأنجم تُرى في ظلام الليل إذ تتألّق
وكم من أديب عاش في الأرض مُهملاً وبعد الرّدى في ظلمة القبر يُشرقُ
حليم دمّوس
من كتابه “رباعيّات وتأمّلات ”
يا حبيبي ، أنت داويت جراحي أنت روحي ، أنت ريحاني وراحي
فأعِن ضعفي قليلاً لأرى وجهك الوضّاح من خلف الوشاح
أنت في فردوس ربّي ، وأنا طائر حلّق من غير جناح
أطيب السّاعات للرّوح متى حان عن دنياي للخلد براحي
حليم دمّوس
من كتابه “رباعيّات وتأمّلات”
مرفوعة إلى الدكتور داهش
إهداء
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
حيث العدالــــة الإلهيّة تقتصّ مــــن ظُـــــلاّم البشريّــــة
والسّعـــــــادة تسكب من توهّج الأنـــــوار السّرمديّــــــة
إلى السَّيَّال الذي اهتدى بالداهشيّة وبنارِ إيمانها التهبا
فاستلّ مرقمه سيفــاً توقّد في سماء الهـــدى كوكبـــــاً
اضطُهد ، جُلدَ ، سُجن ، أُهين ، عُذّب … لكنّه ما كبا
إلى المجاهد البارّ صاحب القلم الحقّاني البتّار
الذي دافع عن هاديه ” داهش” بعزم جبّار
أرفع هذه “الرسالة” فهي من وحي حياة شاعر “تمرّد وثار”
فالسّلام على روحه الراتعة بين الأطهار الأبرار .
نجوى
تقدير وشكر
تعاقب في الإشراف على هذه الرسالة عدد من الدكاترة ، كان بعضهم – وللأسف – ينكص دونها تهيّباً أو تعصّباً . لكنّني تجلّدت وثابرت وصبرت حتى قيّض الله عزّ وجلّ لي أستاذاً مشرفاً تُختصر الحياة عنده بكلمات ثلاث :” وقفة جرأة وحقّ ” هو الدكتور غازي براكس . وما كنت لأنتظر منه ، بعد أن قرن حياته بحياتي ، التساهل في العمل ، بل على العكس ، فإنّ شهرته الصرامة إزاء طُلاّب الماجستير – لما يكلّفهم به من عمل دائب مضنٍ لتخرج دراساتهم على المستوى الأكاديمي الرفيع – جعلتني أتوقّع شهوراً بل سنين من العمل الشاقّ في ظلّ إشرافه . وفي الواقع ، ما كان يرضى عن هذه الدراسة إلاّ بعد أن بذلت في إعدادها حوالي ألفي ساعة . وقد رافقني فيها ، رافعاً مشعل أصغريه ، مضيئاً لي بإرشاداته الثمينة طريق البحث المعتمة . فله عرفاني وعظيم شكراني .
كذلك أتقدّم بخالص الشكر للدكتور وجيه فانوس الذي استقبل رسالتي بالترحاب ومدّني بالنصائح المفيدة ، فكان موقفه جريئاً ومشجّعاً ومشرّفاً ، في حين اعتذر سواه ! وذكّرني موقفه المشرّف بموقف طه حسين القائل :
” يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربيّ وتاريخه أن ننسى عواطفنا القوميّة وكلّ مشخّصاتها ، وأن ننسى عواطفنا الدينيّة وكلّ ما يتّصل بها ، وأن ننسى ما يضادّ هذه العواطف القوميّة والدينيّة “.
نجوى
مقدّمة
بقلم نجوى براكس
لقد استهوتني أشعار حليم دمّوس مذ كنت يافعاً ، فاستظهرتها ، ورويتها . وما إن اضطلعت بمهمّة التعليم ، حتى انبريت ، بدوري ، أعلّمها ، لسهولتها وعذوبتها ومعانيها الوطنيّة والروحيّة والإصلاحيّة . وعندما واجهت مسألة تسجيل موضوع لرسالة الماجستير ، لمع اسم الشاعر الداهشيّ في ذاكرتي ، فأدبه الروحيّ لم يتناوله أيّ باحث بجرأة وجدّيّة ومنهجيّة ، وحياته في ظلّ الداهشيّة لم يتصدّ لتفاصيلها أيّ قلم جامعيّ . وهذا الجانب الروحيّ في أدبه وحياته هو الذي أحببته وأكبرته ورأيت فيه دواءً ناجعاً لكثير من أمراضنا النفسيّة والاجتماعية.
وشاءت الأقدار أن تنشب الحرب اللبنانيّة بعد بضعة أشهر من تسجيلي الموضوع ، فازداد حبّي للشاعر وإكباري له ، لأنّ صوته كان صوت الضمير الأنقى في هذا الوطن ، وأدبه كان النذير المدوّي بما سيضرب الشعب من ويلات وأهوال إذا اجتاحته أنواء الصراع الطائفيّ . بين يديّ كان أدب المحبّة التي تجمع الصفوف وتوحّد القلوب وتسمو بها إلى الخالق عزّ وجلّ ، وفي البلاد كان البغض الذي يفرّق الصفوف ويمزّق القلوب ويهبط بها إلى جحيم الشياطين . لولا سنوات الحرب وما جرّته وما تزال تَلِدَه من شقاءٍ ونكباتٍ لما استطعت أن أدرك مدى العمق والسّموّ في فكرِ حليم وأدبه ، ولما انجلت لي حقيقة قيمته العظيمة ، لأنّ الأحداث الرهيبة والظروف القاسية التي عصفت بنا كانت ترجمةً حيّة للرؤى التي حملها شعره نقلاً عن تنبّؤات مؤسّس الداهشيّة .
كانت الدكتورة نبيلة إبراهيم أوّل من أشرف على هذه الرسالة . تحمّست للموضوع ، وشجّعتني، ووافقت على المخطّط الذي أعددته ؛ فلها الشكر . ولكن الحرب الداهمة حالت بيني وبينها ، فغادرت لبنان إلى القاهرة ، وخلّفتني وحيدة .
لكنّني لم أقف ، بل صمّمت على متابعة المسير . فمشيت بتؤدة ، مُقتحمة سدود المصاعب ، متجاوزة حدود المتاعب . وكأنّما كُتب عليّ أن أخترق حصناً منيعاً لم يجرؤ طالب قبلي على اقتحامه .
ورحت طوال السنة الأولى من الأحداث الدامية أتردّد إلى منزل آل حدّاد الكائن في حيّ القنطاري من بيروت ، والذي أصبح مقرّاً للدعوة الداهشيّة . والحقّ يقال إنّني ولجت عالماً جديداً نقيّاً رحباً تجتمع فيه شتّى الملل والنّحل إخوة متحابّين ، متضامنين ، بينما نيران الاقتتال الطائفيّ تتعالى ألسنة لهبها في الخارج ، مُدمّرة ، قاتلة ، مُرمّلة ، مُيتّمة ، وباسم الأديان ، وربّ الأديان ، وأصحاب الأديان ، يُقتل بنو الأديان !
تعرّفت عن كثب إلى مؤسّس الداهشيّة وإخوان الحليم في الإيمان الذين لازموه سحابة خمس عشرة سنة ، فكانوا عائلته الروحيّة التي آثرها على أسرة الرّحم . أصغيت إليهم يتحدّثون عن مُؤرّخ رسالتهم وعن دفاعه المُستميت لنصرتها ، تلك الرسالة التي وقف عليها حياته وقلمه وعقله ولسانه ، رافضاً أن تضطهده ظلماً وجهالة !
وتكرّرت زياراتي للمنزل الداهشيّ ، حيث كانت تفتح لي ، في كلّ زيارة ، الوثائق والمخطوطات ، فضلاً عن الصّحف والمجلاّت التي كانت متوافرة بجميع أنواعها وعشرات الألوف من أعدادها منذ بدء صدورها ؛ لكنّي ، وللأسف ، لم أستطع الإطّلاع عليها بأكملها بسبب نقل المكتبة الداهشيّة الضخمة المُذهلة إلى خارج لبنان . ثم قصدت مكتبة الجامعة الأمريكيّة ، فاطّلعت على جريدة “الأقلام” بطريقة ” الميكروفيلم” . كما تسنّى لي الإطّلاع على بعض آثار المرحلة الأولى من حياة حليم من مُخلّفاته المخطوطة المتواضعة في منزله الذي يشغله حاليّا ابنه فؤاد .
وأقولها حقيقة عاريةً : ” إنّ رؤيتي عن كثب للدكتور داهش وأتباعه كانت مخالفة لما يشاع عنه وعنهم في الخارج ! فالناس ما عادوه إلاّ لأنّهم جهلوه ، فتناولته ألسنتهم بالمتناقضات والإشاعات والمفتريات ! ولا عجب ، فكلّ حقيقة لا بدّ من أن تشوّه قبل أن تنتصر ويكتب لها الخلود !
وكانت محطّة السلام الأولى لقطار الحرب مع بداية سنة 1977 . ففتحت الجامعة أبوابها ، وعُيّن الدكتور أسامة عانوتي مشرفاً جديداً على رسالتي . وإنّني أقولها بجرأة ودونما مُواربة : لقد ذقت مرارة ” الإعنات” في ظلّ إشرافه . فبعد أن اطّلع على مُخطّط بحثي الذي باشرت توسيعه ، بناء على موافقة الدكتورة نبيلة إبراهيم ، أبى التوقيع حتى يوافق عليه رئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها الدكتور الشيخ صبحي الصالح .
وأيم الحقّ ، لقد صدمني موقفه ! فأين الجرأة الأدبيّة التي يجب أن يتحلّى بها أساتذة الجامعات؟! وما علاقة رؤساء الأقسام والإدارات بالموافقة على موضوعات الرسائل ومخطّطاتها وهي ، في العرف الأكّاديمي العالميّ ، من صلاحيّات الأساتذة المشرفين عليها فقط (1)؟!
حملت مُخطّط رسالتي وقصدت رئيس القسم ، فما إن ألقى نظرةً عليه حتى صرخ “الداهشيّة”؟! لا ، لن يُسجّل هذا الموضوع في قسم الأدب العربيّ ؛ سجّليه في فرع الفلسفة !”
أدركت فوراً أنّه إنّما قال ذلك من أجل إعناتي وإحراجي وتغيير موضوعي . فأجبته :” وكيف يكون ذلك والاختصاص يجب أن يكون متكاملاً مع شهادة الإجازة ؛ وإجازتي هي في الأدب العربيّ وليست في الفلسفة ؟ ثم إنّني سأعالج موضوع الداهشيّة معالجة أدبيّة من خلال إنتاج حليم الأدبيّ ، وحليم دمّوس شاعر مشهور وليس فيلسوفاً “. فأردف قائلاً :” هناك من يعتبر الدكتور داهش Charlatan ومن يعتبره نبيّاً ! فيكف نوفّق بين هذا وذاك ؟” أجبته :” جميع الأنبياء والمُصلحين والهُداة والعُظماء لهم أنصار ومحبّون ولهم أيضاً أعداءُ ومبغضون ! فحقيقة الشخص لا تحدّدها مواقف الناس منه . وهل حرّمت الجامعات دراسة المتنبّي ، لأنّ فريقاً من الناس زعم أنّه ادّعى النبوءة ؟ ثم ما يهمّ كلّ ذلك إذا كانت الدراسة منهجيّة علميّة ؟”
وكان جدال طويل … وكانت زيارات متكرّرة … أخيراً ، بعد جهد جهيد ، ألزمني بأن أغيّر مُخطّطي الأوّل الذي صدّقت عليه الدكتور نبيلة إبراهيم ، وأعيد كتابة بحثي .
من هنا بدأ يُستضام في حرم جامعة وطنيّة ؛ لكنّي تجلّدت وصبرت ، فاختصرت التصميم الذي سأبني عليه صورة الحليم الداهشيّ . وشعرت أنّ الأستاذ المُشرف ، أصبح أشرافه مُجرّد صورة ، وأنّ سياسة الأمر الواقع فرضت عليّ أن أتعامل مع الشيخ الصالح . لكنّ الشيخ لم يكتف بذلك ، بل تناول قلمه وشطب كلمات “الداهشيّة” ، و”الرسالة” وكلّ ما يستشفّ منه معنى “العقيدة الروحيّة ” و”الهداية” وهي المحاور الضروريّة التي ستقوم عليها رسالتي الجامعيّة ، ثم … وقّع إمضاءه بتاريخ 1/7/1977 . إذ ذاك أسرع الأستاذ المُشرف إلى المُوافقة على المُخطّط !
وهكذا غدت رسالتي ، وأنا معها ، كطائر قُصَّ جناحاه ، ثمّ سُجن في قفصٍ التزمّت والأغراض غير الأكاديميّة ؛ ومع ذلك أوعز إليه بأن يطير !
حاولت أن أطير بدون جناحين ، لكنّي عجزت عن ذلك . فالدكتور عانوتي طلبَ إليّ أن أتحدّث عن شعر حليم دمّوس الداهشيّ من دون أن أتحدّث عن الدكتور داهش ، وأن أبحث في أدب حليم الداهشيّ من غير أن أتكلّم على الداهشيّة بأكثر من أربعة أسطر !
هذا مع العلم أنّ الدكتور أسامة تعرّف إلى مؤسّس الداهشيّة ، وعقدت له جلسة روحيّة اجترحت خلالها الخوارق والمُعجزات الدامغة ؛ وقد ألّفَّ حموه الشيخ العلاّمة عبد الله العلايلي كتاباً في مؤسّس الداهشيّة عنوانه ” كيف عرفت الدكتور داهش “(2).
وقد تبيّن لي ، بعد تعمّقي في درس آثار الحليم ، أنّ “الاتّجاه الروحيّ في أدبه” لا يمكن ، على الإطلاق ، مُعالجته بدون التوضيح الكافي للداهشيّة ، لأنّ معظم ما كتبه بعد اعتناقه هذه العقيدة الروحيّة يتمحّور حولها ، وكذلك يستحيل أن نتحدّث عن الداهشيّة بدون الكلام على الدكتور داهش ، إذ هو مؤسّسها وحامل لوائها ، وتأثيرها الشخصيّ جدّ بارز في أدب حليم دمّوس ؛ فضلاً عن أنّ الشاعر لازمه خمس عشرة سنة ، جنّد في خلالها قلمه للتبشير بمبادئه ، وللمنافحة عنه ، وعانى السّجن والاضطهاد من أجله .
ثمّ كيف تقبل أستاذة جامعيّة مُخطّطاً وتصدّق عليه مُرحّبة بموضوعه البكر ، ثم يأتي آخر فيحذف ما شاء له الحذف ممّا وافقت عليه ؟! فوالحالة هذه أين النهج الأكاديمي المُوحّد ؟ وأين المبدأ الذي يسير عليه الأساتذة ؟ بل أين الجرأة الأدبيّة الصادعة بالكلمة الحقّانيّة ؟
فالجامعات يجب أن تكون المهد الذي تولد فيه الحقائق وتنمو وتحتضن ، لتصدّر بفخرٍ واعتزازٍ إلى العالم أجمع . ويجب أن تُصان فيها الحريّات المُقدّسة التي هي هبة المنّان للإنسان ، وأن يُطلق فيها العنان لشتّى الآراء والأفكار والمُعتقدات ، شرط أن تُعالج بمنهجيّة أكاديميّة موضوعيّة لا تُراعي العواطف والأهواء الدينيّة أو السياسيّة أو الشخصيّة ….
فإذا فقدت الجامعات مرتكزاتها الأكاديميّة القائمة على البحث المنهجيّ ، وعلى الحريّة ونشدان الحقيقة ، فقدت شرف رسالتها النيّر ، وتحوّلت إلى شبه معاقل وسجون تُنفى إلى غياهبها الكلمة الجريئة وتُستعبدُ فيها الحريّات ، ثم … تدرّ على نفسها الويلات والنكبات !
وإذا كانت مثل هذه الجامعات الوطنيّة وسيلةً لطمس أنوار الحقائق ، ألا فالسلام على البلاد الجائرة السائرة نحو الذبول والغائرة في ضبابِ الأفول .
ولست أدري لماذا تخاف الجامعات في لبنان موضوع الداهشيّة الذي اقتحم جامعات أمريكا وأوروبا . تُرى ، ألأنّ الداهشيّة دعوة روحيّة شاءت العناية الإلهيّة أن يكون منبعها لبنان ؟! وأن يتفرّد بها هذا البلد عن سائر البلدان ؟ حقّاً ، لا كرامة لنبيّ في وطنه ، ولا مسند لرسالةٍ روحيّة في مسقطِ رأسها !
إنّ جون ستيورت مل الهادر صوته بقدسيّة الحريّة وضرورة صونها ، يعلن أنّه لو ظهر امرؤ ينادي بأنّه اكتشف أنّ في الحجر إلها ، وأنه سيدعو إلى عبادة الحجر ، ثم تألّب الناس ضدّه ليمنعوه عن التصريح برأيه ، لتوجّب على الحكومة العادلة أن تحميه وتصون حريّته في الجهر بعقيدته ، ولو كلّفها ذلك سجن شعب بأكمله ، لأنّه من يدري بأنّ المستقبل لا يكشف عن أنّ مزاعم ذلك الرجل تحمل نواةً حقيقيّة قد تفيد البشريّة كلّها !
والحقُّ يُقال إنّني أضعت سنوات وأنا أتأرجح بين هذا وذاك ، فما حدث معي لا أتمنّاه لطالب جامعيّ ، ولا تُغبط عليه جامعة حريصة على أن تصون مستواها الأكاديمي بعيداً عن الأهواء والأغراض غير الأكاديميّة .
وكأنّما أراد الله تعالى أن يكافئني على صبري وثباتي ، فقيّض لي الدكتور غازي براكس ، المعروف بجرأته ومنهجيّته الصارمة ، مُشرفاً جديداً في أواخر 1981، فنشطت الدراسة بسرعة ، وشعرت معه أنني أبني على أرض صخريّة يعلو عليها البناء فلا تزعزعه الأواء والأهواء .
وما إن أنجزت رسالتي وتدبّرها القارئ الثاني الدكتور وجيه فانوس برويّة وموضوعيّة ، حتى أُعجب بها وهنّأني ، وطلب إليّ أن أزيد الداهشيّة إيضاحاً . فشتّان ما بين الناس !
وها أنذا فخورة بالكنوز التي نبشتها بمعولِ الدأب والتعب ؛ أقدّمها للقارئ ثمرة طيّبة من دوحة الداهشيّة التي كان حليم دمّوس غصناً من خير أغصانها .
نجوى سلام براكس
بيروت ، مطلع آب 1983
توطئة
مُبَرِّرُ الدراسة
قليلون من الأحداث لم يستظهروا لحليم دمّوس ، على مقاعد الدراسة ، قصائد في حبّ الوطن ، واستنهاض الهمَمْ ، وتمجيد اللغة العربيّة ، وحنان الأمّ ، وتهذيب النفس الخ ….
وأنا ، إذ كنت طريّة العود ، استهوتني أشعاره الرقيقة السهلة العذبة ، فحفظت كثيراً منها . وهكذا تأصّل حبّه في نفسي ، حتى إذا ما كبرت واضطلعت بمهمّة التعليم ، رحت أعلّم ، بدوري ، قصائد الحليم . فهو بحقّ ، شاعر الناشئة الأوّل في لبنان . وبصفته هذه ذاع اسمه في المعاهد والأندية والجمعيّات في الثّلث الأولّ من هذا القرن (3).
لكنّ لحليم جانباً شعريّاً آخر طغى على شخصيّته في المحافل الأدبيّة حتى سنة 1942، وهو الجانب الاتّباعيّ الذي برز في قصائد المدح والرثاء ، وسائر شعر المناسبات والمجاملات ، فغضّ من قيمته الإبداعيّة ، لا سيّما أنّ النزعات القوميّة والوجدانيّة كانت تشتدّ في الشعر العربيّ ، وأنّ المذاهب الأدبيّة الحديثة من رومنسيّة ورمزيّة وغيرهما أخذت تظهر ملامحها على أقلام الأدباء .
لكن ، في حين أنّ حليم دمّوس تحوّل سنة 1942 إلى منعطفٍ جديد في حياته وأدبه ، فانتقل من الماديّة إلى الروحانيّة ، ومن شعر التكسّب إلى شعر الهداية ، فاكتسب إنتاجه الجديد بُعداً خطيراً وقيمةً جُلّى ، فإنّ دارسيه ظلّوا واقفين عند حدود سنة 1942 ، فما تجاوزوها ، وبقيت أحكامهم على الشاعر تُرسل مقصورةً على عهده الأوّل مُتجاهلين عن عمدٍ أو عن عَجزٍ أهميّة إنتاجه في عهده الروحيّ .
وقد يُردُّ تجاهلهم إلى تخوّفهم من الغوصِ في العقيدة الروحيّة الجديدة التي اعتنقها حليم دمّوس ، وهي الداهشيّة ، إذ اكتنفتها الأسرار ، ورافقت ظهورها وانتشارها الخضّات الدينيّة والسياسيّة ، فارتدّ الدارسون عنها هيّابين . لكنّني أقدمت من حيث أحجموا ولم أكن بنادمة . فقد اكتشفت عالماً جذّاباً ، ونبشت كنزاً ثميناً كان مدفونا .
وإذا كانت قيمة الأدب ، على الصعيد الإنسانيّ ، لا بدّ من أن تعظُم بقدر ما تزداد حاجة الأمّة إلى صوته ، إذ إنّ المشعل الذي يحمله يحتاج شعبه إليه أكثر عندما يخوض في الظلمات ، فإنّ حليم دمّوس – أديب الهداية الروحيّة والوحدة الدينيّة والأُخوّة الوطنيّة والمحبّة الإنسانيّة – لا بدّ من أن يعلو شأنه اليوم وتمسّ الحاجة إلى دراسته ، لا سيّما في بلد تناهشته الفتن والأحقاد ، وتقاسمته النعرات والعصبيّات ، وجعلت حكمه فوضى ، وشعبه شراذم ، وعمرانه خراباً ، ومصيره على فوهة بركان .
قال الأديب لبيب الرياشي في حليم ، في الثلاثينات :
” لو كنت أُسقفاً أو رئيس كنيسة أو شيخ دين ، لأسميتك (شاعر الكنيسة ) أو (شاعر الجامع) ، ورسمت أشعارك في ذاكرات النّشء ” (4).
وإنّما قال ذلك ، لأنّ حليم – وهو المسيحيّ – كان يدخل الجوامع ، مُلقياً القصائد الروحيّة والوطنيّة ، مُبشّراً بوحدةِ الأديان ، ومُنادياً بالإخاء الإنسانيّ ، بدافعٍ من أصالته الروحيّة ، قبل أن يعتنق العقيدة الداهشيّة ، ويتفرّغ لدعوة المحبّة والوحدة الدينيّة . وإن صحّ كلام الرياشي في حليم – وهو يخوض حياته الماديّة – فالأحرى أن يصحّ فيه ، وأن يُسمّى “شاعر الروح والهدى والمحبّة”، وهو يحيا في ظلال الروحانيّة .
قال الدكتور غازي براكس في المهرجان التكريميّ الذي أقيم لحليم في زحلة بتاريخ الثاني من تشرين الأوّل سنة 1966:
” ظُلمٌ وأيّ ظلم أن لا يعرفَ الناس في حليم دمّوس ، بعد تسع سنوات من خلعه ثوب التراب ، إلاّ شاعر مدح وتعزيةٍ وتهنئة ، شاعر مُجاملات ومُناسبات ، ذاك هو الوجه الهزيل الزائل من الحليم الذي ولده لبنان التجارة. حليم الذي يخلّد ويُكرّم هو الذي ولدته ، ذات يوم ، لا مشيئة اللحم والدم ، بل مشيئة الرُّوح ، مشيئة لبنان الرسالة (5).
وقال الدكتور محسن جمال الدين الأديب العراقيّ ، وأحد أساتذة الأدب العربيّ في جامعة بغداد:” إنّ هذا الشاعر كان مظلوماً حيّاً وميّتاً ، منسيّاً في وطنه الذي أحبّه ، مُهملاً في دراسات الجامعات العربيّة ومدارس العالم العربيّ “(6).
يُستنتج من القولين أنّ دراسة حليم دمّوس بصورة عامّة قد تكون ضرورة أدبيّة ، وأنّ دراسته في عهده الروحيّ لها الأفضليّة . وهذا ما اعتزمته هذه الرسالة . ذلك بأنّ الأبحاث التي كُتبت فيه لا تعدو أن تكون مقالات وجيزة تناولت نُبَذاً من حياته ، أو أرسلت أحكاماّ سريعة في أدبه، وخصوصاً الذي وضعه قبل سنة 1942 ، باستثناء دراسة جامعيّة أعدّها رضوان وديع أبو فيصل ، عنوانها “حليم دمّوس : حياته وآثاره”، وقد وضعها لإنجاز مُقرّرات شهادة الكفاءة في اللغة العربيّة وآدابها ، بإشراف الدكتور كمال اليازجي ، وذلك في كليّة التربية بالجامعة اللبنانيّة سنة 1979.
تقع هذه الرسالة في 161 صفحة ، يشغل المُلحق منها – وهو يضمّ منتخبات من شعر دمّوس العائد إلى المرحلة الأولى من حياته – ثلاثين صفحة . وتنطوي الدراسة على ثلاثة فصول ، تناولت الباحث في الأوّل منها مراحل حياة الشاعر ، عارضاً أحداثها عرضاً سريعاً في مقطّع السياق ، مارّاً على الداهشيّة مروراً خاطفاً لم يستغرق سوى بضعة أسطر ، مع أنّ هذه العقيدة الروحيّة استأثرت بكلّ اهتمامه ، وشغلته عملاً وكتابةً سحابةَ خمسة عشر عاماً .
ومع أنّه جعل عنوان رسالته يتضمّن حياة حليم دمّوس وآثاره ، فقد أهمل دراسة شخصيّته ، أما آثاره فقد عرضها عرضاً سريعاً هو أقرب إلى التعداد منه إلى التعريف ، باستثناء “قاموس العوامّ” الذي عرّف به في سياق حديثه عن نشاط حليم اللغوي ، و”في سبيل التاج “، و”من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى ” اللذين عرّف بهما في أثناء معالجته القصص المُترجم والقصص الملحميّ .
وعلى تأكيده أنه أورد “أسماء جميع آثاره المطبوعة وغير المنشورة “(7)، فقد غفلَ عن ذكر عدد غير قليل من مؤلّفات الشاعر المطبوعة أو التي ما تزال مخطوطة والعائدة إلى مرحلتي حياته . ويبدو أنّه تنبّه لهذا الأمر ، فاعترف قائلاً في خاتمة دراسته : “هنالك الكثير الكثير من الأمور التي لم أستطع التعرّف إليها ، لا تقصيراً ، وإنّما نتيجة لعدم توفّر كامل نتاج الحليم ، وخاصّة المقدّمات التي قدّم بها كتب داهش وما نظمه ، وكان نثراً ، من الكتبِ التي تتعلّق بالداهشيّة (8)؛ وهو تبرير غير كافٍ ، ولا مُقنع .
أما الفصل الثاني فقد تناول فيه شعر دمّوس وشاعريّته . فعرض ، أوّلاً ، نزعاته التقليديّة ، والوجدانيّة ، والملحميّة ، والداهشيّة التي خصّها بصفحةٍ واحدة ، ثم درس أسلوبه وخصائصه حسبما تمثّلت في شعره العائد إلى ما قبل اعتناقه الداهشيّة ، بالدرجة الأولى .
أمّا الفصل الثالث فقد عرض فيه أغراض حليم الشعريّة ، معرّجاً إلى المنحى التأمّلي الروحانيّ في بضع صفحات .
وخير ما توصف به دراسة أبي فيصل قوله فيها إنّها :” إنارة بسيطة لحياة رجل أعطى كثيراً وجاهد أكثر من سبيل بلاده “(9).
ميزة الدراسة وخطّتها
تطمح هذه الدراسة ، أوّلاً ، إلى تقصّي حياة حليم دمّوس ، في معالمها ودقائقها ، من المهدِ إلى اللحد ، تقصّياً موضوعياً منهجيّاً ، فلا تدع أيّ وجه ذي بال من وجوه حياته إلاّ تقف عنده ، فتنعم النظر في أسرته ، ودراسته ، وهجرته ، وزواجه ، وسجنه ، وفجيعته بابنه ، وفي خوضه الحياة العمليّة ، مُنضوياً تحت لواء الصحافة ومُنخرطاً في سلك الجمعيّات .
وإنه لمن العدل القول إنّ تفصيل البحث في حياة حليم دمّوس ، بعد اعتناقه العقيدة الروحيّة الداهشيّة ، لمن أعسر الأمور وأشقّ المهمّات ، لما يحتاج إليه من وثائق ومخطوطات ومقابلات دونها خرط القتاد .
وهذا القطاع الروحيّ من حياته ، إن ألمع إليه بعض الباحثين ، فإنّ أحداً ، من قبل ، لم يقتحم حصنه ويرفع الحُجب عن هيكله ، إمّا حذراً أو تهيّباً ، للغموض الذي أحاط بشخصِ مؤسّس الداهشيّة ، وللضجّة العظمى التي أثارها وما يزال يثيرها في الأوساط جميعها ، علماً بأنّ قطاع حليم الحياتيّ هذا هو الأخصب والأعمق والأبلغ تأثيراً في شخصيّته وأدبه ، حسبما سيتضح من سياق هذه الدراسة .
وترمي هذه الرسالة ، ثانياً ، إلى دراسة شخصيّة الشاعر الزحليّ دراسة لا تستند إلى ركام اتّفاقيّ من الوقائع أو الشواهد التاريخيّة السطحيّة ، بل تعتمد القواعد السيكولوجيّة ، فتفصّل الكلام على سماته النفسيّة الثابتة المتمثّلة في قدراته واستعداداته كما في سماته المزاجيّة وسماته الأسلوبيّة ، ثم تخوض في الحديث عن سماته النفسيّة المتطوّرة وفق تطوّر مثلها العليا من الماسونيّة إلى الداهشيّة ، شاملة مكوّنات شخصيّته الإرثيّة والاكتسابيّة ، ومقوّماتها الثقافيّة .
ويستهدف هذا البحث ، ثالثاً ، عرضاً شاملاً لآثار الحليم مطبوعة ومخطوطة ، في عهديه . ولن يكتفي هذا العرض بذكر عناوين مؤلّفاته ، بل سيكون له جولة سريعة في مضمون كلّ منها ورأي في أهمّها .
وبهذه الفصول الثلاثة تتّضح خطوط حياته وشخصيّته وآثاره ، ويقفل الباب الأوّل من هذه الرسالة .
أما الباب الثاني منها فيهدف إلى دراسة الأتّجاه الروحيّ في أدب الحليم ، وهو الذي ساد المرحلة الثانية من حياته (1942-1957). وقد تمثّل بإيمانه بالعقيدة الداهشيّة وما أوحت إليه من مُثُل عُلّيا وقيم مثلى ومواقف وآراء في شعره ونثره . وهذه العقيدة ، إن التقت الأديان والفلسفات في كثير من موقفها ، فهي تبقى دعوةً روحيّة قائمة بذاتها . وتأثّر حليم بها هو تأثّر مباشر لا يمكن أن يردّ إلى حركات روحيّة أو شبه روحيّة سابقة لها في الزمن ، ولا سيّما التصوّف والإسماعيلية أو البوذيّة أو غيرها .
وقد انبسط البحث في هذا الباب على ثلاثة فصول :
تناول أوّلها جذور الاتّجاه الروحيّ في أدبه ؛ ذلك بأنّ الحياة وإن توزّعتها المراحل ، يبقى فيها خطّ جوهريّ يوحّدها .
وتناول الفصل الثاني محاور أدبه الروحيّ الداهشيّ ، في أربعة أقسام : قسم يتناول شخص مؤسّس الداهشيّة وكيفيّة تجلّيه – بقيمه العليا وميزاته الفريدة وأعماله الخارقة ، ثم اضطهاده ومصرعه – في شعر حليم ونثره .
وقسم ثان يتناول ما استتبع اعتناق الشاعر العقيدة الروحيّة الجديدة من سجنه وحملته على الظالمين والمتخاذلين .
وقسم ثالث تناول العقيدة الداهشيّة نفسها التي أصبحت أهمّ محور في أدبه . فكان لا بدّ من إفاضة الكلام على خصائصها وآثارها المتجلّية في شعره ونثره ، ومن أهمّها ما تميّزت به من دعوة إلى العودة إلى الروحانيّة الدينيّة الحقيقيّة ، وممارسة الحياة الفاضلة ، ومناداة بتوحيد الأديان ، والإيمان بالتقمّص ، وحضّ على إصلاح وطنيّ وإنسانيّ انطلاقاً من إصلاح الفرد لنفسه .
وقسم رابع خُصّص للدراسات الوجيزة التي عقدها حليم دمّوس على أدب الدكتور داهش ، وهي عبارة من مقدّمات لعدد من كتبه ، فكشفت عن مضامينها وميزاتها .
أما الفصل الثالث والأخير فقد عالجت فيه الصياغة الفنيّة في أدب حليم الروحيّ . فأظهرت فيه معالم الكلاسيكيّة ، وومضات الرومنسيّة ، كما كانت لي وقفة عند خاصّة السخرية في بعض كتاباته ، وعند خاصّة أخرى برّز بها وكاد يتفرّد ، وهي تحويل النثر إلى نظم ، وقد استنفدت منه جهداً عظيماً ، إذ حوّل الكثير الكثير من كتابات مؤسّس الداهشيّة النثريّة إلى شعر .
مصادر الدراسة
لقد اعتمدت في دراستي ، على المصادر التالية :
- معظم آثار الحليم المطبوعة والمخطوطة ، والتي ستُذكر مفصّلاً في فصل آثاره .
- عدد من المقالات والقصائد المنشورة في الصّحف (10).
ج- طائفة من المقدّمات تصدّرت عدداً من الكتب التي وضعها الدكتور داهش .
د- بعض القطع النثريّة للدكتور داهش عقدها الحليم شعراً ؛ علماً بأنّ مُعظم ما ألّفه مؤسّس الداهشيّة ، قبل وفاة حليم – وهو كثير – حوّله الشاعر الزحليّ إلى شعرٍ منظوم ، ولكنّنا لم نتمكّن من دراسته بمجمله ، لوجوده في المكتبة الداهشيّة (11)التي نُقلت في أوائل الأحداث الدامية الأخيرة إلى خارج لبنان .
ه- مقابلات شخصيّة مع شهود لازموه حوالى خمس عشرة سنة ، إذ أصبحوا أسرته الجديدة، ومستودع أسراره ، وهم إخوانه في العقيدة الداهشيّة ؛ منهم الأديبتان ماري حدّاد وابنتها زينا ، والدكتور جورج خبصا وفريد أبو سليمان والأديب جوزيف حجّار (12). فقد كانوا يتساكنون في منزل واحد (منزل آل حدّاد) ، فعرفوا عاداته وأخلاقه ووقائع حياته .
كذلك اجتمعت بابنه فؤاد ، لكنّه للأسف – لم يفدني بشيء جدير بالذكر ، عدا بعض مخطوطات الحليم التي خلّفها في منزله ، وهي تعود إلى عهده الأوّل .
أوّلاً : حياته في العهد الأوّل (1888-1942)
الفصل الأوّل
أ- أسرته:
ولد حليم بن إبراهيم بن جرجس دمّوس في زحلة عاصمة البقاع وعروس المدن اللبنانيّة ، في شهر أيّار ، سنة 1888.
تنتمي أسرتا والديه إلى آل عيسى المتحدّرين من بني غسّان ، وقد نزحتا من الكرك إلى ضهر الأحمر من حوالى ثلاثة أجيال ونصف ، فإلى زحلة من نحو مئتي سنة (13).
وكان آل دمّوس – استناداً إلى قول فؤاد حليم دمّوس (14)- يحمون أملاك آل حرفوش ويعتنون بها (15)، فينالون أجرهم قطعاً من الأراضي . وكان نصيب إبراهيم دمّوس (1844-1921) أرضاً في مجدلون (16).
كان إبراهيم – حسبما يظهره حليم – قنوعاً – يعيش من موارد الأرض ومساعدات أبنائه في البرازيل . كما كان حميد الأخلاق ، يحرص على الإخلاص في مودّته ، والتسامح مع الناس ، ويميل إلى التنكّب عن زخارف الدنيا وبهارجها (17).
ويبدو أنّه كان شاعراً ينظم باللهجة الشعبيّة (قوّال معنّى) ، ومن مؤسّسي جمعيّة بزوغ شمس الإحسان (18).
أمّا أمّ حليم سيّدة نعمة عبّود (توفيت سنة 1940) فكانت مُلمّة بالقراءة إلماماً قليلاً ، ولكنّها تروي الشعر والأناشيد القوميّة (19).
ورزق الله إبراهيم أربعة أنجال هم : حليم وفارس ومخايل وجورج (20)، وابنتين هما سليمة ونجلا .
- التلميذ النابه :
تعلّم حليم دمّوس ، على نحو ما ذكر جرجي باز (21) بزحلة في المدرسة الأميركيّة ، فمدرسة الروم الأرثوذكس ، فالكليّة الشرقيّة التي تابع دراسته فيها حتى سنة 1904 (22). من أساتذته : بولس الكفوري ، جرجس همّام ، بطرس مختارة ، عيسى المعلوف ، إبراهيم غزالة ، وفي الخطّ نجيب هواويني .
وقد نال الشهادة على عهد الأستاذ بولس الكفوري الذي بعث إليه حليم دمّوس من البرازيل في 15 نيسان 1906 بقصيدة “من وراء البحار” ، وقد جعلها تتصدّر ديوانه ، مع أنّها القصيدة الثانية من حيث تاريخ نظمها ، ومطلعها :
أرض الأحبّة ما أبهى مغانيها وما أُحيلى زماناً لي مضى فيها
إلى أن يذكر مدرسته وفضلها عليه :
معاذ ربّي أن أنسى عوارفها وإن نأيت فبالذكرى أُناجيها (23)
وقد عُرف ، بأثناء دراسته في الكلّية الشرقيّة ، بنباهته وانفتاحه على النقد ، ومُطالعة الصّحف .
جاء في رسالة بعث بها الشيخ إبراهيم اليازجي (1847-1906) من القاهرة بتاريخ 14/6/1905، إلى الأستاذ بولس الكفوري ، وكان يومذاك رئيس الكلّية الشرقيّة في زحلة :
“….قد وقفت على ما انتقده أحد تلامذتكم النجباء حليم أفندي دمّوس على ما مرّ في بعض أجزاء الضياء ، فسرّني ذلك غاية السرور ، أكثر الله من أمثاله عندكم . غير أنّ كلّ ما ذكره وارد في كلام مكاتبي الضياء ، وليس كلّ من كاتب الضياء يجوز لي أن أبدّل في كلامه ، ومع ذلك فرقعته راجعة وعليها جواب لبعض ما انتقده . وفي الختام أرفع إلى حضرتكم واجب احترامي ؛ وأطال الله تعالى بقاءك “(24).
وإليك ما قاله جرجس همّام في تلميذه الحليم :
” نعلم من أيّام تخرّجكم في المدرسة أنّكم امتزتم عن أقرانكم قبل سنّ التمييز . وحام خاطركم وقتئذٍ على صوغ القريض ، فجاش صدركم وفاضت قريحتكم به مراراً (25).
أمّا تكوين حليم الثقافي فسأفصّل الكلام عليه في أثناء دراستي لشخصيّته ، في الفصل الثاني من هذا الباب .
- حليم في البرازيل :
هاجر حليم في السابعة عشرة من عمره إلى البرازيل ليلتحق بأخوته ، وكانت هجرته في تشرين الثاني عام 1905 إلى كورومبا عاصمة ولاية ماتوغروسو (26).
وفي الباخرة التي أقلّته إلى البرازيل نظم أولى قصائده المنشورة ، وعنوانها : “من بحرٍ إلى بحرٍ في بحر”(27).
في البرازيل تعلّم اللغة البرتغاليّة فترجم بعض أشعار كازمير دي أبراو إلى العربيّة ، ونشر قسماً منها ومن منظوماته العربيّة في صحف الوطن والمهجر (28).
وأولى قصائده المنشورة والمنظومة في المهجر عنوانها “لبنان”؛ وقد كان عمره عندما نظمها ثماني عشرة سنة ، وهي تفيض بالشوق إلى وطنه وأحبابه ؛ ومطلع هذه القصيدة :
ذكر الأحبّـــة والغـــرام فبكى كمــا يبكي الغـلام
إلى أن يأتي ذكر “هيفاء” فيقول :
فإذا جرت في خاطـري جرت المدامع بانسجام(29).
ولعلّ من آثار هجرته في أدبه مقارناته – في بعض قصائده – بين الشرق والغرب (30).
وقد أسّس حليم في كورومبا جمعيّة أدبيّة (31).
لكن يبدو أنّ شاعر البردونيّ لم تستهوه البرازيل (32)؛ بل كانت عاطفته الوطنيّة (33)وحنينه إلى زحله والأهل والأصدقاء ، وشوقه إلى لغة الضاد ، تعجّل في رجوعه إلى لبنان .
وقد مرّ في طريق عودته ، ببونس إيرس – الأرجنتين ، في حزيران 1908 (34)، فنزل مدّة وجيزة عند ابني عمّه نايف وجورج (35).
زواجه وأولاده
في كانون الأوّل 1912 ، على الأرجح ، تزوّج حليم دمّوس بهيفاء سليم تبشراني (36). ويستوقفنا حول هذا الزواج أمران :
– عاطفة تجذبه إلى الحبيبة متمثّلة في قصيدتين نظمهما في أيلول ثم كانون الأوّل عام 1912.
ومن الأولى :
أوّاه لو أنّ شعري طيف سرى في المنام
لزار جفنك يروي عنّي حديث غرامي (37).
ومن الثانية :
أوّاه حتى الجماد الميت يرفق بي وأنت يا زينة الأحياء تشقيني ؟
فأسعديني بصوت منك يُنعشني إنّي نظيرك من ماء ومن طين (38).
- وعقل يدفعه إلى التهيّب من الزواج وما قد ينجم عنه من وخيم العواقب . وخير ما يمثّل موقفه هذا قوله :
بين العزوبيّة والزواج قلب يصارعه التعاج
ويلاه إن هوي الفتاة وفي طبائعها اعوجاج
أو راح يطلب كفّ جاهلة بها سوء انتهاج (39).
وقد يعلّل موقفه الحذر بتخوّفه من خيانة النساء ، تلك الخيانة التي ألحّ عليها في ما ترجمه من منظومات برازيليّة سنة 1908 . فمن قوله قي قصيدة “المرأة الخادعة”(40) التي نظمها شاعر برازيلي في زوجته التي خانته في أثناء غيابه :
فيا لك من أفعى سمعت فحيحها وقد لسعتني وهي طيّ ثيابي
فما أنتِ للأطفال إلاّ بليّة وما أنت لي إلاّ مرارة صاب
ومن قوله في قصيدة “دُفنّا معاً ” (41) وهي قصّة كُتبت بالبرازيليّة عن رجل أعمى خانته ابنته الوحيدة ، بعد أن تبادلا المحبّة الخالصة :
نادى بها يوماً ، وإذ مثلت قال : اكتبي ما جال في فكري :
“لو كانت الأكوان تخضع لي يوماً فأصبح صاحب الأمر
لجمعت كلّ نسائه بيدي وطرحتهنّ بلجّة البحر “.
أمّا الأمر الثاني فهو انقطاعه عن الغزل بعد خمسة أشهر من زواجه ؛ ذلك بأنّ آخر ما كتبه فيه كان قصيدته “الحبّ بلسان أصحاب المِهن”(42) التي يجعل للحبّ فيها مفاهيم ومقوّمات تختلف باختلاف طباع البشر ومهنهم . وقد أثبت في ديوانه بيتين جعلهما في التسلسل الزمنيّ ، بين قصيدتين ، أرّخ أولاهما بآذار 1913 ، والثانية بنيسان من العام نفسه ، أي بعد زواجه بنحو ثلاثة أشهر ، وهما :
كثرت شقوة الورى من قديم وتوالت على النفوس الرزايا
والبلايا عديدة في البرايا غير أنّ النساء أصلُ البلايا (43).
فهل يعني ذلك أنّ الزواج كان صدمةً لحليم خيّبت آماله ؟
وقد رزق حليم ثلاثة بنين وبنتاً واحدة ، وهم : فؤاد (7 آذار 1914)، شوقي الأوّل (9 تشرين الثاني 1916) ، شوقي الثاني (16آذار 1919) ، وسلوى (9آذار 1923).
ه- سجنه
عام 1915 ، أيّام الحُكم العُرفيّ العثماني ، وإبّان الحرب العالميّة الأولى ، قبض على عدد كبير من أحرار العرب ، وزجّ بهم في ظلمة السجون ، ثم نفّذ بهم حكم الإعدام شنقاً في بيروت ودمشق بأمر جمال باشا . وكان الشاعر مُهدّداً بأن يلقى مصير الشهداء ، لكن يبدو أنّ الشفاعات أفلحت ، فاقتصر نصيبه من موجة الطغيان على سجنه ليلةً واحدة خلّدها في قصيدته “ليلة في سجن عاليه (44). ولم يوضّح حليم الأسباب المباشرة لسجنه ؛ لكنّ ابنه فؤاد دمّوس أوضح لنا (45)، نقلاً عن والده ، أنّ شبل دمّوس ، ابن عمّ حليم – وكان يتعاطى الشؤون السياسيّة – كتب ، ذات يوم ، مقالة ضدّ الدولة العثمانيّة ، ومهرها بإمضائه ، ثم سافر إلى أميركا . وما إن اطّلع الأتراك عليها حتى جدّوا في البحث عنه . ولمّا فشلوا ، ألقوا القبض على حليم . فحاول إقناعهم ببراءته ، لكنّ محاولاته باءت بالفشل . فعقدت المحكمة لمحاكمة الشاعر ؛ وكان من بين الحضور حسين بك الأحدب (46)، فعزّ عليه أن يرى الحليم مظلوماً ؛ فما كان منه إلاّ أن طلب من رئيس المحكمة تأجيلها للتثبّت من القضيّة ؛ فأجّلت . لكنّ الحليم زجّ به في السجن ليلةً واحدة .
ومن أبيات قصيدته المُشار إليها :
مهمل في غرفة مظلمة لو مشى السفّاح فيها لا يراني
وببابي عصبة غادرة من جنود السوء رامت خفض شاني
ليس لي ذنب سوى حريّة سبّبت سجني وقهري وهواني
أبحكم العُرف قتلي جائز أبحُكم العُرف صار الحرُّ جاني ؟!(47).
و- فجيعته بابنه الثاني
كانت الصدمة الثانية التي أصيب بها حليم ، بعد سجنه ، وفاة ابنه الثاني ، شوقي ، إذ قصفت يد المنيّة غصنه اللدن في تمّوز 1917، وله من العمر ثمانية أشهر ، فبكاه والده في قصيدتين : الأولى ، غبّ موته ، وعنوانها “شوقي الصغير”(48) ومنها :
يا لشوقي إلى ابتسامة شوقي بلبل الدار ، سلوة الأقرباء
واحنيني إليه كلّ صباح واحنيني إليه كلّ مساء ..
في نهوضي وفي المنام أراه في حديثي وساعة الإصغاء ….
حرقة الوالدين في فقد نجل ليس يدري بها سوى الآباء …..
يا دفيني الصغير ، يا رمز حبّي يا حبيب الأموات والأحياء …..
والثانية بعد نحو أربعة أشهر ، وهو في معرض وصفه “عين عابد” (49)، ومنها :
ذروني أفرّج كربتي قرب مائه فإنّ حبيب القلب ليس بعائد ….
أحنّ إليه بكرةً وعشيّة وأذكره في خاطراتي الشوارد …
أناجيه ، فأشهد أيّها الروض عبرتي ألست تراها من خلال قصائدي ؟
أناجيه فاسمع أيّها الغاب زفرتي تحاكي هدير الماء بين الجلامد….
ويبدو أنّ هذا المصاب ، مضافاً إلى ويلات الحرب العالميّة الأولى ، قد هزّ الشاعر ، وألقى على فكره ظلاّ من التشاؤم لن تُبدّده أفراح المولود الجديد . فهو يناجي وليده الثالث الذي سمّاه باسم فقيده – شوقي – مناجاة لا بدّ من أن تجدها غريبة ، إذ تصدر عن شاعر له من العمر واحد وثلاثون عاماّ فقط . ممّا قاله :
لا أهنّيك بالحياة – فإنّي قد قتلت الأيّام ، يا طفل ، خُبرا
فرأيت الحياة حلماً سريعاً ذاق فيه الأنام حلواً ومُرّاً
لا أهنّيك (بالطفولة)- أخشى من أذاها وأنت لم تأت نُكرا
لا أهنّيك (بالشباب)- ففيه نار حبّ تُذيب قلبك قسرا
لا أهنّيك (بالكهولة) – إنّ الكهل يلقى مع الكهولة قهرا
لا أهنّيك (بالمشيب)- ففيه يسكن الشيخ وهو في الحيّ قبرا(50).
ز- حليم يخوض الحياة العمليّة
بعد ثلاث سنوات قضّاها الحليم في بلاد المهجر عاملاً في التجارة ، عاد إلى بيروت ، وعُيّن سنة 1909، أستاذاً لتعليم مبادئ اللغة العربيّة ، في الكليّة العلمانيّة الفرنسيّة ، على عهد مؤسّسها “ديشان”.
وفي عام 1910 عاد إلى زحلة حيث حرّر في جريدة “المهذّب” لمنشئها الخوري بولس الكفوري، وظلّ يُحرّر فيها حتى عام 1915 (51).
بعد عمله في “المُهَذّب” تولّى إدارة ” جفتلك عمّيق” ، في البقاع ، إلى ما بعد الحرب العالميّة الأولى (52).
ونُقل عن الدكتور كمال اليازجي ” أنّ حليماً عمل في الجامعة الأميركيّة في تصحيح بعض المسابقات كمساعد للأساتذة دون أن يدرّس فيها “(53).
وفي عام 1919 عُيّن حليم رئيس قلم المحاسبة في السكّة الحجازيّة بدمشق . وفي عام 1921 عُيّن رئيس قلم المخابرات في السكّة المذكورة . وفي سنة 1924 نقلت إدارة السكّة الحجازيّة إلى بيروت ، وأُلحقت بإدارة سكّة بيروت ، فعُيّن حليم في دائرة المراقبة في مديريّة الشركة (54).
ويبدو أنّ المال توافر بين يديه في هذه المرحلة ، فجدّد سنة 1925 بناء منزله الأبويّ المجاور لكنيسة نيقولاوس الارثوذكسية في زحلة . وقد نقش فوق مدخل المبنى هذين البيتين :
نُشيّد للأحفاد ذكراً مخلّداً كما شيّد الأجداد ذكراً مخلّداً
بنوا فهدمنا كي نجدّد ما بنوا وغاية هذا الكون أن يتجدّدا (55).
وفي عام 1926 انضمّ إلى الشركة الكهربائيّة التي اضطلعت بمهمّة إنارة جونية وملحقاتها (56).
لكنّ حليماً لم ينعم بوظيفته في السكّة الحجازيّة طويلاً ، فقد أُقيل سنة 1931؛ ولاقالته قصّة جديرة بالذكر .
فقد مدح حليم صديقه الشاعر شارل قُرم صاحب الديوان الفرنسيّ “الجبل الملهم” بقصيدة نظمها يوم فاز شارل في أوروبا بجائزة الشعر الدوليّة . ومن بين الأبيات التي تضمّنتها قصيدته المعنونة “الجبل المُلهم “:
يؤخذ استقلال شعب عُنوةً من يد الغاصب لا يُمنح منحاً (57).
فما كان من مدير الشركة إلاّ أن ترجم القصيدة إلى اللغة الفرنسيّة ، وأبلغ الفرنسيين – وهم المنتدبون على البلاد – أنّ الشاعر دمّوس يدعوهم “عتاة” وينعتهم “ظالمين”.
فما كان من الفرنسيّين إلاّ أن وضعوه أمام أمر واقع : أن يأخذ تعويضه ويستقيل .
فتدخّل بعض النوّاب ، ومن بينهم ابن عمّه شبل دمّوس ، متشفّعين له ، ولمّا باؤوا بالفشل ، ترك الحيم عمله مُرغماً (58).
ح-حليم الصحافيّ
إنّ خروج حليم من وظيفته في “السكّة الحديديّة”، كان سبباً مباشراً لانضوائه تحت لواء صاحبة الجلالة (الصحافة) وإنشائه صحيفة جديدة باسم “الأقلام”.
ولنكن قبل أن نفضّل حكاية هذا الحدث الذي يكتسي ببعض الأهميّة في حياة الشاعر الزحليّ ، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أولى محاولات حليم في الكتابة الصحافيّة ترقى إلى عهد إقامته في البرازيل ، حيث كان يترجم بعض القصائد من البرتغالية إلى العربيّة ، وينشرها في صحافة المهجر أو الوطن .
وبعد عودته إلى لبنان ، واظب على مدّ جريدة “المُهذّب” ببنات أفكاره نثراً وشعراً طوال ستّ سنوات (1910-1915) . وهذه الصحيفة أنشأها الأديب المؤرّخ عيسى اسكندر المعلوف سنة 1901 في الكليّة الشرقيّة بزحلة ، بُغية تمرين طلاّبها على صناعة الإنشاء ، وكانت تُطبع على “الجلاتين”. ثم استقلّ الأب بولس الكفوري مدير الكلّية بالجريدة والمطبعة . وهذه الصحيفة تُعدُّ أولى الصّحف التي أنشئت في عروس البقاع (59).
وإنّ في كلمة الأديب محمّد علي الطاهر التي صدّر بها “يقظة الروح” ما يُلقي ضوءاً على دور “المُهذّب” ونهجها وإسهام حليم فيها . قال “زرت الأستاذ دمّوس في لبنان منذ ثلث قرن ، إذ كان في تلك الأيّام يحرّر في جريدة “المُهذّب” التي يصدرها الخوري بولس الكفوري في مدينة زحلة . وسبب هذه الزيارة أنّنا كنّا ، ونحن فتيان ، نقرأ تلك الجريدة الأدبيّة وعقولنا مأخوذة بأسلوبها ، فقد كانت خالية من أنباء السياسة وأعاصيرها . فكانت أذهاننا الفتيّة تسرح على صفحاتها معجبة بما كان يكتبه ذلك الخوري الفذّ من فصول إصلاحيّة حرّة ، وما ينشره فيها الشاعر المجدّد حليم دمّوس من طُرَف وقصائد رقيقة . فلمّا مررت في سنة 1914 بزحلة ، وأنا في طريقي إلى دمشق ، كانت زيارة جريدة “المُهذّب” أوّل شيء قمت به ، فلقيت فيها الأستاذ دمّوس ، بطلعته اللطيفة وسمته المُهذّب ، فكان سروره بتلك الزيارة عظيماً ، لأنّها زيارة فتى جاء يعلن تقديره للشعر والأدب “(60).
وهكذا كان الحليم مزوّداً بالتمرّس الصحافيّ المنشود والعُدّة الأدبيّة المطلوبة لإنشاء صحيفة ، حتى إذا ما تهيّأت الدواعي الملائمة ، ظهرت “الأقلام ” إلى حيّز الوجود . فلنستمع إلى حليم يروي لنا بنفسه حكاية ظهورها ، قال :
” شاءت حكمة مديريّة “السكّة الحديديّة” أن تسلخني – مع سواي- من “الخطّ الحجازي” لدوافع اقتصاديّة …
فغادرت مكتبي ، بعد خدمة اثنتي عشرة سنة ونيّف قضيّتها بين الرفاق بإخلاص ووفاء .
والتفتّ إلى من حولي من الأنصار ، فإذا هم قلوب خافقة ، وعواطف بالحبّ دافقة .
ورأى بعضهم أنّ المناصب يضيق نطاقها وتنضب موارد ميزانيّتها ، فاقترحوا عليّ إصدار جريدة تبحث في “السياسة والأدب والأخلاق” لاعتقاد الطبقة الراقية منهم أنّ البلاد بحاجة إلى “سياسة رشيدة وأدب راق وأخلاق كريمة “.
فنزلت عند رغبتهم ، وأصدرت هذه الجريدة في مطلع السنة الجديدة ، وأنا واثق من حسن النتيجة “(61).
ولاقى رامز سركيس ظهور جريدة “الأقلام” بالترحاب والحماسة فقال :
“التحيّة الأولى للأقلام أوجّهها بكلّ نزاهة إلى المسيو “ندله” المدير العامّ لشركة سكّة الحديد في لبنان وسورية ، لأنّه كان – ولو عن غير قصد منه – الواسطة الفعّالة لظهور جريدة الأقلام إلى عالم الوجود ، ذلك لأنّ الإدارة أقالت الصديق حليم أفندي دمّوس من وظيفته التي عمل فيها بضعة أعوام بإخلاص رغبةً منها في الاقتصاد في مثل هذه الأزمة الخانقة . فكان عملها وسيلةً لانخراط الصديق في سلك الصحفيّين ، وإن كان منهم لخدمات سابقة ممتازة أدّاها إلى الأدب العربيّ …
فأرحّب بالأقلام صحيفة لا تسير مع الهوى ، وإنّما يُسيّرها لمصلحة قومه وخدمة بلاده “…(62).
كانت “الأقلام” تصدر أسبوعيّاً في ثماني صفحات . وقد عرّفها الحليم في افتتاحيّة العدد الأوّل بقوله :
“هي الأقلام !…
صحيفة تبرز إلى الميدان ، وتنضمّ إلى أخواتها في الجهاد الوطنيّ ، متّكلة على إيمان في النفس ، وميل إلى الأدب ، وحُبّ لكلّ جديد مفيد “…(63).
وكان الحليم ينشر فيها ، فضلاً عن الوقائع السياسيّة ، بعض القصائد والفُكاهات والانتقادات ، مخصّصاً في الصفحة الأخيرة زاوية للرباعيّات ، كما كان ينشئ مقالات تحت اسم “القلم الحديديّ”.
وتميّزت كتابته ، ولا سيّما افتتاحيّاته ، بالصراحة والجرأة . فمن افتتاحيّة عدده الأوّل :
” سنجرّد هذا القلم الحديديّ ونشحذ غراره في سبيل حقّ ضائع ، فيصرّ بين أناملنا غير هيّاب ولا وجل ، ويصيح بوجه الظالم ويصرخ عالياً وعالياً جدّاً ، ويقول للمحسن لقد أحسنت ، وللمسيء لقد أسأت .
هذه صرخة أولى تليها صرخات “….(64).
ومن افتتاحيّة العدد السابع :
” وإنّنا لسياسة الاستثمار والمستثمرين لبالمرصاد . وسنفضح أسرار كلّ من يريد بالبلاد شرّاً . والأمور مرهونة بأوقاتها “(65).
هذه الاستقامة والصراحة والجرأة عبّر عنها حليم شعراً بقوله :
سلا قلبي هواك وأنت تُسلى …. فلا تقرب لظاه فذاك أسلم
وسر واختر هوى غيري فقلبي سوى قول الصراحة ما تعلّم
تكشّفت الحقيقة من يراع يمجّ حلاوةً ويصبّ علقم
تقلّب في يديك فسال سُمّاً وكم من مرقم قد صار أرقم !….(66).
وبصورة عامّة يمكن القول إنّ حليماً تناول في مقالاته المواضيع الوطنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والتربويّة والاقتصاديّة والأدبيّة بأسلوب لبقٍ جريء ، ومنطق سليم .
وقد أبدى الكونت فيليب ده طرازي إعجابه بجريدة “الأقلام” التي تُعدّ برأيه “على حداثة عهدها – سبّاقة في حسن ترتيبها وغزارة مادّتها وإتقان طبعها وسلامة الذوق في اختيار مواضيعها”.(67).
لكنّ “الأقلام” ، لم تعمّر طويلاً ، فقد صدرت حوالي سنتين ، ولم يكن بالمستطاع تحديد التاريخ الدقيق لاحتجابها ، لفقدان أعدادها الأخيرة . أمّا دواعي وقفها عن الصدور فتُردّ إلى مواقفها الجريئة التي ورّطت صاحبها في مآزق مع السلطات ، كما إلى الظروف الماليّة القاهرة التي أسهمت في الحيلولة دون استمرارها (68).
لكنّ اضطرار حليم إلى وقف “الأقلام” لم يمنعه من أن يمدّ صحف الوطن والمهجر بمقالاته وقصائده وخواطره . فقد انضمّ ، عام 1935، إلى جريدة “الاتّحاد اللبناني” التي كان يصدرها الأب أنطون عقل ، فتولّى فيها أصدار صفحة أدبيّة ، وظلّ فيها إلى أن تخلّى عنها الأب عقل وباعها إلى إسكندر البستاني وشكري داغر “(69).
ويقول الدكتور محسن جمال الدين أنّ حليم دمّوس كان ينظّم ويرسل إنتاجه الشعري إلى (الحضارة) و(الهاتف) و(البيان) و(الغري) و(العقيدة) في العراق (70).
وقد عثرت على عدد من جريدة “الهُدى” النيويوركيّة (71)، خُصّصت صفحته الخامسة لقلم حليم دمّوس ، على أن يكتبها أسبوعيّاً ، وجعل عنوانها “صفحة أدب تمثّل الحركة الفكريّة والأدبيّة في الأقطار العربيّة “. وهي تنطوي على العناوين التالية :
“الصراحة في النقد بين العقّاد ومارون عبّود ” ، “أتوارد خواطر أم سرقة بين شاعرين؟” (72)، “الشاعر توفيق عوّاد ” ، “إلى بائعة شوك: من الشعر الجديد”، “الأستاذ داود مجاعص”.
ويثني “الصحافيّ التائه” على حليم بقوله :” هو رأينا فيك منذ نشرت أوّل عدد صدر لك في جريدة “البردوني” ثم في (وطنك الثاني) في المهجر ، ثم المقالات الشائقة في الرصيفة “زحلة الفتاة” وسواها تحت عنوان (مذكّرات صحفي) ، فقد خُلقت لتكون صحافيّاً فنّاناً مبتكراً مبتدعاً وكفى “(73).
ط- حليم والجمعيّات
يبدو أنّ الانتماء إلى الجمعيّات ، خيريّة كانت أم اجتماعيّة أم أدبيّة ، كان يستهوي حليم دمّوس ، فقبل أن يلقي الشاعر مرساته في ميناء الداهشيّة ، تقاذفته أمواج عدد من الجمعيّات كان أبرزها الماسونيّة ، ولا بدّ من إلقاء نظرة سريعة عليها تباعاً .
1- الجمعيّة الخيريّة العثمانيّة :
إنّها تجربته الأولى في العمل التعاونيّ الاجتماعيّ . ويبدو أنّه أسّسها مع أعضاء آخرين ، في كورومبا (البرازيل) . وبين مخطوطاته محاضرة ألقاها في اجتماع عقدته هذه الجمعيّة بتاريخ 14 آذار 1908 (74)، وقد جاء في خاتمتها :” ولنقصم عن ضمير حيّ أنّنا نذود عن حياضها ، ونبتعد عن أعدائها وأضدادها . ولنصرخ كلّنا بلسان واحد : لتعش الجمعيّة العثمانيّة ، ليعش أعضاؤها وليحي مناصروها “.
2- جمعيّة بزوغ شمس الإحسان :
إنّها جمعيّة خيريّة عائدة لطائفة الروم الأرثوذكس في زحلة ، وقد انتمى حليم إليها بُعيد عودته إلى الوطن . وفي كلمة مخطوطة له قالها في الذكرى الثلاثين لتأسيس هذه الجمعيّة (لعلّها سنة 1913) يذكر “أنّ هذه الجمعيّة الكريمة هي أثبت وأقدم مشروع خيريّ أُسّس تحت سماء زحلة “(75).
3- الرابطة الأدبيّة في الشام :
قال الحليم في سنة إنشائها عام 1921:
ورابطة في سيرها أدبيّة وأعضاؤها شهد العلوم تذوّقوا
وفي رسمهم معنى اتّحاد كأنّه يقول لهم : بالله لا تتفرّقوا (76).
وقد انتسب إلى هذه الجمعيّة عدد من الأدباء ، نذكر منهم : محمد الشريقي ، خليل مردم بك ، الشمّاس إبيفانوس الكرمي ، عبد الله النجّار ، شفيق جبري ، الأمير مصطفى الشهابي …(77).
وكانت غايتها طبع الكتب العربيّة ، وإنشاء مجلّة أدبيّة ، وإقامة الحفلات لإكرام المجيدين من الأدباء .
ولكنّ الرابطة الأدبيّة لم تعمّر إلاّ يسيراً ، “لأنّ السلطة الفرنسيّة أوجست منها خيفة ، فأمرت بإلغائها وهي لا تزال نبتة غضّة ، وظلّت الرابطة التعليميّة ، تعمل على إعلاء كلمة الأدب العربيّ في جوّ من الحريّة والإبداع “(78).
4- جمعيّة مأوى العجزة في بيروت :
رئيس هذه الجمعيّة هو جرجي فرنيني . وقد جاء في مخطوطة للحليم أنّ هذه الجمعيّة شاءت أن تختاره ليكون من العاملين فيها ، فلبّى طلب أعضائها . ويضيف قائلاً :” إنّ من جملة مميّزات هذا المأوى أنّه أنشئ لجميع أبناء الطوائف بدون استثناء ، لا لطائفة واحدة “.
وفي الليلة الخيريّة لمأوى العجزة ببيروت التي أقيمت على مسرح الكورسال بتاريخ 12-12-1924 ، ألقى حليم قصيدة ختمها بالأبيات التالية :
يا بني اليُسر وأرباب الغنى رحمة بالعاجزين الضعفاء
منظر العاجز في محنته منظر يدمي قلوب الرحماء
هو في مأواه يرجو نظرةً وعليكم قد بنى ذاك الرجاء
مثل فرخ الطير لا أمّ له حطّمت جانحه أيدي الشّقاء (79).
5- الماسونيّة : (80).
كانت الماسونيّة أوّل ما اجتذب الشاعر من جمعيّات في الوطن . وأغلب الظنّ أنّه انخرط في أوّل محفل لها أُنشئ في زحلة . وقد يكون ذلك في صيف 1910 ، إذ أُسّس محفل “الحريّة والاعتدال” العثمانيّ ، وبواسطته شاعت المبادئ الماسونيّة في عروس البقاع (81).
وكان لحليم نشاط بارز في الماسونيّة ، إذ أسهم في تأسيس محفلين : نجمة لبنان في زحلة ، وقيسون في دمشق (82) . وكانت الحفلات والمناسبات الماسونيّة معرضاً لمدائحه وتهانئه ومراثيه . فبين أوراقه رسالة من أديب قازان يهنّئ فيها الشاعر بمحفل “الهدى” الجديد ، آملا أن يطّرد نشاطه بمعونته . وفي مخطوطاته قصيدة ألقاها في هذا المحفل ، مطلعها :
إلى النور ، يا ابن النور والعلم والهدى
فإنّ سنا الأنوار في محفل الهدى
كذلك في ديوانه مراث قيلت في عدد من الماسونيّين (83). وقد تركت أفكار الماسونيّة ومبادئها آثارها في شعره وشخصيّته ؛ وهو أمر سيفصّل عليه في الفصل الثاني من هذا الباب .
أمّا مصطلحات الماسونيّة فقد ظهرت رموزها وتورياتها في تضاعيف شعره . فمن عبارة “مهندس الكون ” ، إلى “المحفل” ، إلى “الأنوار” ، إلى “الباب” و”الدخول” و”الإقفال” وغيرها (84).
تُرى ، ما الدرجة التي بلغها حليم في الماسونيّة ، وما المهمّة التي كان يضطلع بها ؟
ليس بين كتاباته ما يمكن القطع به عن الدرجة التي بلغها ، وإن ذهب الظنّ إلى أنّه لم يبلغ درجاتها القصوى ، استناداً إلى نوع الكتب والكراريس الماسونيّة التي خلّفها في مكتبته ، وإلى أقوال بعض عارفيه (85) . أمّا مهمّته فيبدو أنّها كانت ذات وجه عامّ ، يتمثّل في إلقائه الشعر المناسب في الحفلات الماسونيّة التي كان يشترك فيها أو يدعى إليها (86) ، وذا وجه خاصّ لعلّه أمانة السرّ أو أمانة الصندوق (87).
ومن الراجح أنّ الماسونيّة احتلّت الشطر الأكبر من حياته (1910-1942((88)، لكن ليس الشطر الأنضج والأغنى . ومع انخراطه المزمن في سلكها ، حذّر ابنه فؤاداً من الانتساب إليها أو إلى أيّة جمعيّة اخرى قائلاً :” إيّاك والإنتساب إلى أيّ حزب أو الاشتراك في أيّة جمعيّة ، حتى الماسونيّة نفسها ، لأنّها تسرق وقتك وتهدر مالك” (89).
ثانياً : حياته في العهد الداهشيّ (1942-1957)
أ- كيف آمن بالداهشيّة ؟
يقول حليم دمّوس :” أمّا معرفتي بالدكتور داهش فتمتدّ إلى عام 1936 (90)”.
وقد أفادني الدكتور فريد أبو سليمان الذي آخى الحليم في العقيدة ورافقه حوالي خمس عشرة سنة ، أنّ لقاء الشاعر الزحلي الأوّل لمؤسّس الداهشيّة تمّ في بلدة سوق الغرب حيث كان يصطاف رجل الخوارق (91). لكن يبدو أنّ الجانب الأدبيّ في شخصيّة الدكتور داهش هو الذي اجتذب الشاعر ، آنذاك ، بقدر ما اجتذبته أخبار أعماله الخارقة التي لم تكن قد ذاعت بعد في الجمهور اللبناني ولا استأثرت باهتمامه . وكان كلّ ما احتفظ به الشاعر من ذلك اللقاء بضعة كتب ألّفها الدكتور داهش وأهداها إليه (92).
كان حليم ، كما مرّ معنا في المرحلة الأولى من حياته ، لا يترك مناسبة أدبيّة أو اجتماعيّة تفلت منه ، فهو يمدح ويهنّئ ويرثي …. ويلقي الخطاب والمحاضرات والقصائد ، ويدخل الكنائس والجوامع والمجامع …. وها هو في 12 أيار 1942 يلج نادي المهاجرين في شارع المعرض ببيروت ، ليستمع إلى الخطيب الأديب يوسف الحاجّ الذي كان كالحليم قد دخل في سلك الماسونيّة . وكان موضوع محاضرته جاذباً لاهتمام جمهور الأدباء ، إذ كان يدور حول الدكتور داهش وخوارقه . ويروي المحاضر أنّه عقدت له “جلسة روحيّة “، اجترحت في أثنائها خوارق عجيبة ، من بينها : تكوين قطعة أدبيّة بطرفة جفن ، عنوانها “الضباب”، وقد أوحتها روح جبران خليل جبران ؛ وفحوى القطعة نذير بتدمير العالم . وهذه هي :
الضباب
ضباب !
ضباب كثيف يحيط بنفسي … ويكبّلها بقيوده !
ضباب متلبّد … في سماء حياتي !
يحتاطني مثلما يحتاط السّوار معصم الحسناء !
ضباب جميل يتجمّع ليعود ثانية فيتبدّد !
خيالات ، وطيوف غريبة تتراءى لي من خلال الضّباب …
وآلاف من العيون الناريّة ترمقني !
ويتبدّد هذا الضباب المكفهرّ
ليعود ويتجمّع بألوان بيضاء مشوبة بالصّفرة
كالقطن المندوف !
ومن خلاله تظهر لي وجوه ناعمة ، ولكنّها حزينة !..
وعيون ذابلة كأنّها تستجدي العطف ممّن تنظر إليه !..
وأياد … لا يمكن معرفة عددها لكثرتها !
بعضها منبسط القبضة !
والآخر مقفل !
وأصابع متشنّجة ، والأعصاب ثائرة ،
وهي متوتّرة كالحبال الغليظة !
وأياد أخرى هادئة ، وادعة ، مستكينة ، لا يبدو عليها أيّ أثر للحياة …
لولا بعض الرّعشات بين الفترة والفترة !…
ويعود هذا الضّباب فيتبدّد ،
ليعود إلى التجمّع بصور وألوان أخرى : غاية في الغرابة !
وأنا باق في مكاني ، أنعم النّظر في هذه المشاهد الغريبة !
وفجأة تراءت لي سحابة كثيفة تجمّعت واتّحدت
مع قطع من (الضباب) السابح في الفضاء !!.
حتى إذا ما ائتلف الجميع ، تكوّن من هذا (الضّباب) جبّار رهيب ،
وهو متمنطق بالغيوم ،
ويضع مكان عينيه كوكبين ، يخطف بريقهما البصائر والأبصار !…
وصاح بي قائلاً :
يا ابن الأرض !
بلّغ رسالتي هذه لأبناء قومك ،
هؤلاء الأقزام الذين يظنّون أنهم بلغوا من المعرفة والحكمة
الغاية التي ينشدونها .
قل لهم ، يا ابن الطبيعة ، ما أعطيكه الآن .
… دوّى صوته كهدير المياه وهي تتدافع في الأودية الصامتة !…
ثم قال :
يا أبناء الأرض المساكين !
منذ عشرات الآلاف من السنين ،
وأنا أشاهد أعمالكم ، وأسمع أقوالكم ،
وأراقب أفعالكم ،
وأقرأ ما يجول في أفكاركم .
وإذا هي هي لا تتغيّر !
فأنتم تفنون في حبّ (المرأة) !
وتتهالكون على (المادّة)!
وتعبدون (السلطة)!
وتقدّسون (السطوة)!
وتعتدون على (الضعفاء)!
وتكفرون (بالسماء)!
وتموّهون (الحقائق)!
وتخادعون بعضكم بعضا!..
قويّكم يعتدي على ضعيفكم !
وخبيثكم يعتدي على آمنكم !
قسسكم يتظاهرون بالتقوى وهم الأبالسة المتجسّدون !
دستم على الوصايا !
وهزأتم بالشرائع الإلهيّة !
وكفرتم بالسماء !
وقدّستم الأباطيل !
هزأتم بالتعاليم السامية
واتّبعتم شهوات قلوبكم الدنيئة !
قرأتم ما أوصاكم به سيّد الأطهار ،
ولكنّكم ، لغلاظة في قلوبكم ، ولعدم إيمان في أعماقكم ،
لم تفعلوا بما جاء في هذه التعاليم السامية !
حتى …. ولا ببعضها !
لا ، بل كانت أفكاركم لا تدور إلاّ حول الجرائم والشّهوات ،
والأماني الساقطة والنّزوات !
وقد راقبتكم طويلاً ،
وصبرت عليكم صبراً جميلاً … أجيالاً وآجالاً…
علّكم تعودون وتصلحون خطأكم ،
وعلّ (النّدم) يجد له مكاناً في قلوبكم .
ولكن عبثاً كان انتظاري هذا !…
فالأجيال المملّة قد مضت وانقضت
وأنتم ما زلتم على حالكم !
لا ، بل ازدادت آثامكم أضعافاً مضاعفة
عمّا كان يقوم به آباؤكم ، وأجدادكم …
لهذا ……
صمّمت ، اليوم ، أن أبلّغكم (أمري) الذي لا يردّ ،
والقاضي بتدمير (عالمكم) الحقير هذا
الذي لوّثتموه بجرائمكم ، وأطماعكم ، وشهواتكم ،
وأصدقكم ، يا أبناء (الأرض) القول :
إنّ (روحي) قد سئمت كلّ ما هو كائن في عالمكم الوضيع .
لقد مللت شمسكم وقمركم ، أفلاككم ونجومكم ،
هضابكم وأوديتكم ، أرضكم وسماءكم ، أشجاركم وأطياركم ،
سهولكم وجبالكم ، بطاحكم ووهادكم …
وكلّ ما تراه العين ، ويصل إليه الإدراك في عالمكم الملوّث ،
المصاب بأعمالكم الوضيعة وأفكاركم الشائنة .
سأمحو (عالمكم) من (الوجود)،
وأجعله نسياً منسيّاً ؛
لأنّ الاختبار أكّد لي أنّه محال أن تسمو (أرواحكم) المثقلة بالأوزار ،
فهي ستزداد سوءاً على سوء !
إنّ (إرادتي ) قد قضت : أن تلاشي (أرضكم)،
لتعود فتغمرها (بالضباب)…
(الضباب) الذي سيسود هذا (العالم).
وسأجول أنا في (عبابه) طوال الأجيال القادمة ،
من دون أن أدع لأيّ عنصر من العناصر المعروفة الآن عندكم …
أن يشاركني البقاء .
أمّا (الأطفال)…
هؤلاء الذين لم يلوّثوا بعد بأوزار هذه (الأرض) وشهواتها الدنيئة
فسألمس (جباههم) بأناملي (السحريّة ) ،
فيرقدوا رقاداً عميقاً !…
حتى إذا ما (استيقظوا)…
وجدوا (أنفسهم ) في (مكان) آخر أسمى من (عالمهم) القاسي !
أمّا (أجسادهم) الغضّة ، البريئة،
فسأحوّلها إلى (ضباب)….(93).
إنتابت الحليم رعشة دهش (94). وما إن فرغ يوسف الحاجّ من محاضرته حتى هرع الشاعر إليه مستزيداً . ومساء اليوم نفسه ، قصد منزل المحاضر مستطلعاً ، فشرح له يوسف غاية المعجزات ومبادئ الداهشيّة ، فما كان من حليم إلاّ أن تزوّد بعنوان الدكتور داهش .
وفي اليوم الثاني ، أي بتاريخ 13 أيّار 1942 ، زار الشاعر مؤسّس الداهشيّة في حيّ المزرعة قبالة مستشفى رزق القديم بصحبة يوسف الحاجّ والأرشمندريت بولس الخوري . وعاود زيارته في اليوم التالي ، فعقدت له “جلسة روحيّة” عاين فيها سبع ظاهرات ، رأى أنّه لا يمكن دحضها أو إنكارها أو تصنيفها في غير قاموس الخوارق والعجائب . فتأثّر تأثّراً بالغاً لما أبصر ، وانتحى جانباً ، وعبّر عن شعوره بلغة البكاء (95).
أجل ، لقد دخل الحليم منزل الداهشيّة عابد مال ، وخرج منه شخصاً روحيّاً يزدري المادّة ليرنو إلى السماء ، وهو يقول بنفسه :” كنت ماديّا محضاً ، فأصبحت روحانيّاً محضاً” (96). تُرى أتكون قد تمّت فيه تلك الولادة الجديدة التي قال المسيح عنها :” الحقّ الحقّ أقول لكم ، ما لم يولد الإنسان ثانية ، لا يستطيع معاينة ملكوت الله “؟ (97).
ب- من هو الدكتور داهش ؟
جاء في كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش ” تأليف لطفي رضوان رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة سابقاً ما يأتي :
” ولد الدكتور داهش في مدينة القدس في أوّل حزيران عام 1909 . وإنّ اسمه الأصليّ سليم موسى العشّي ، واسم أسرته محرّف عن “أليشع” اسم أحد أنبياء العبرانيين . وقد انتقل والداه به صغيراً إلى لبنان حيث أقاموا في حيّ “المصيطبة” من بيروت .
وكان ما يزال في المهد عندما أصيب بمرض خطير . وقلق والده الذي كان يعمل في المطبعة الأميركيّة في بيروت ، واتّصل على الفور بطبيب أميركي اسمه الدكتور سميث ، فتولّى فحص الطفل سليم الذي كان في غيبوبة تامّة قيل إنّها “غيبوبة الموت ” …. ولم تشفه أو تُحسن حاله العقاقير التي عالجه بها الطبيب الأميركي ….
فبدأت الأمّ في وجه الطبيب وتقول :
– ابني مات … ابني مات ….
وفجأة ، ينهض الطفل سليم ، ويتحدّث بالإنجليزيّة إلى الطبيب الأمريكي ، ويقول الطفل للطبيب :
– كان يجب عليك أن تعالجني بالدواء كذا وكذا ..
وأسقط في يد الطبيب ، وكاد يُغشى عليه من المفاجأة ؛ كذلك كاد يغمى على الأمّ التي سمعت الطفل ،” يرطن” باللغة الإنجليزيّة ، وهو يجهلها تماماً .
وتكلّم داهش في المهد صبيّاً ، بالإنجليزية ، كان المعجزة الأولى التي تُروى عنه “(98).
وأخذ داهش ينمو ، وتنمو معه أخبار خوارقه ، والضجّة التي تحدثها في محيطه (99).
ولكن قد لا تعنينا ، في هذا المقام ، سيرة الدكتور داهش قبل لقائه حليم دمّوس ، بقدر ما يعنينا شخصه يوم تعرّف الشاعر الزحليّ إليه ، فوقف حياته وشعره على الجهاد من أجل عقيدته والتبشير بمبادئها والكتابة فيها ونظم الأشعار ، داخلاً السجون ، مقتحماً الأخطار .
والدكتور داهش ، حسبما أفاد حليم لرئيس البوليس العدلي في بيروت الأستاذ إدوار أبي جوده ، بتاريخ 23 شباط 1944، هو :” إنسان صالح ، طاهر السيرة ، عفّ اليد واللسان ، يعيش عيشة السيّد المسيح وتلامذته ، والنبيّ محمّد وسحابته ، ويعمل الخير حبّاًً بالخير …(100). و” إنّ كثيرين من رجال ونساء كانوا منغمسين في حمأة الرذيلة ، أصبحوا اليوم بفضل تعاليمه السامية الجليلة ، سالكين طرق الصلاح والفضيلة “(101).
إذن حليم دمّوس كان يرى في داهش صاحب “رسالة ” روحيّة ذات تعاليم سامية . وهذه الرسالة أعلن عنها داهش في كلمة كتبها في مطلع 1937، قال فيها :
” أقسم بك يا خالقي أنّه لو وجد ملايين
من الأغبياء المارقين أو الخونة المماذقين ،
وملأوا طروس الأرض ،
لا ، بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره قائلين بها :
“إنّ رسالتي هذه غير صادقة “،
لمشيت رافع الرأس ، موفور الكرامة.
وسأبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي
حتى تعمّ الأرض وتنتشر في السماء أيضاً
ولن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها ، يا الله ،
ما دمت أنت تمدّني بقوّتك الإلهيّة “….(102).
وباستنطاقنا الصّحف العربيّة ندرك مدى الشهرة التي حازها مؤسّس العقيدة الداهشيّة من جرّاء الأعمال الخارقة التي كان يقوم بها ، قبل تعرّف حليم دمّوس إليه .
قالت جريدة “الصباح” المصريّة في عددها رقم 221 الصادر بتاريخ 19 ديسمبر ، سنة 1930 :
” ذاعت شهرة الدكتور داهش وطبّق صيته الأفاق ، وراحت أمّهات الصّحف الفرنسيّة والمصريّة تكتب عنه الفصول الطوال … ولم يقتصر الأمر على ذلك ، فإنّ لجنة جمعيّة المباحث النفسيّة الفرنسيّة أرسلت إلى الدكتور كي يقوم أمامها بتجاربه العجيبة ، ومنها أن يدفن نفسه لمدّة سبعة أيّام بلياليها ، وقد نشرنا هذا الخبر أيضاً ، فلبّى الدكتور طلب اللجنة المذكورة ، وسافر على متن طيّارة أُرسلت خصّيصاً كي تقلّه بسرعة ، تصحبه شقيقته الآنسة الحسناء أنطوانيت …
” وبعدما قام بالتجربة ، دهش الحاضرون ، وأدركوا تماماً أنّه يتمتّع بقوّة فائقة ، وللقوانين الطبيعيّة خارقة ، فما كان من معهد LE SAGE إلاّ أن منحه في 22 أيّار عام 1930 شهادة الدكتوراه ، وبعث داهش من الموت شهده أكثر من 150 مراقباً إختصاصيّاً !”(103).
وقالت الصحيفة المصريّة نفسها في عددها رقم 243 الصادر بتاريخ 22 مايو سنة 1931:
“زار مصر كثير من العلماء الروحانيّين …. فلم يجد المصريون بين هؤلاء جميعاً مثل ما وجدوه في الدكتور داهش ، ولم يظفروا بمثل قدرته على إتيان الأعاجيب “.
وقالت جريدة “الدفاع” الفلسطينيّة في عددها الصادر بتاريخ 12/4/1935 إنّ الدكتور داهش اجتمع في رومه “بسعادة وزير العراق المفوّض مزاحم بك الباجه جي الذي ما إن سمع بوجود الدكتور داهش في رومه حتى دعاه إلى إقامة حفلة ساهرة قام فيها الدكتور بالغرائب والمدهشات “.
ويقول يوسف الحاجّ إنّ الدكتور داهش عندما سافر إلى العراق عام 1938 “كتبت الصحف المقالات المشبعة عن أعماله الغريبة المدهشة “(104).
من هذه التصريحات الصحفيّة لنا أنّ الدكتور داهش ، قبل أن يتعرّف إليه حليم دمّوس سنة 1942 ، كان مشهوراً في العواصم العربيّة بصفته رجل أعمال خارقة . لكن منذ محاضرة يوسف الحاجّ عنه في 12 أيّار 1942 ، بدأ الرجل الخارق يُعرف في لبنان بصاحب “رسالة روحيّة” أيضاً ، وهذه الناحية هي التي اجتذبت اهتمام الشاعر الزحليّ ، فلازمه حتى فرّق بينهما قاصف الأعمار . فما هي هذه “الرسالة” الروحيّة التي بسطت سلطانها على نفس حليم دمّوس ، كما على نفوس كثيرين من المثقّفين ، واستطاعت ببراهينها الإعجازيّة ومضامينها الفكريّة أن تغيّر مجرى حياة الشاعر الزحليّ ؟
ما هي الداهشيّة ؟
إنّ الدعوة الروحيّة الجديدة التي أطلقها الدكتور داهش عرفت “بالداهشيّة “.
وهي عقيدة روحيّة لم تؤسّس على اجتهادات دينيّة أو فلسفيّة ، ولم تقتبس تعاليمها من العلوم أو التيّارات الروحيّة أو الفكريّة القائمة ، ولكنّ مصدرها طاقة روحيّة كونيّة تهيمن على البشر ، وتسيطر على القوانين الطبيعيّة فتخرقها بمعجزات مادّية ملموسة إثباتاً لوجودها ، ذلك بأنّ “المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة لا يمكن أن يعتبرها المنطق السليم إلاّ برهاناً حاسماً على وجود قوّة روحيّة تتخطّى العالم المادّيّ ولا تخضع للنواميس الأرضيّة “(105).
يقول الدكتور غازي براكس :
” في الإسلام أنّ “روح” أو الملاك جبريل هو الذين أوحى إلى النبيّ العربيّ الكريم آيات القرآن الشريف . ولمّا كان الوحي عمليّة إلهاميّة باطنيّة ذاتيّة لم تجاوز شخص الرسول العربيّ ، فقد اتّهمه المشركون والكافرون – وكانوا يومئذٍ الأكثريّة – باختلاق القرآن وافتراء آياته . فكان ردّ الروح ” أم يقولون افتراه قلّ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإلّم يستجيبوا لكم فاعلموا أنّما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلاّ هو فهل أنتم مسلمون “(106).
“لقد أراد “الروح” أن يخاطب الرسول العربيّ عقول قومه حتى ينتبّهوا لكون السّور القرآنيّة ببلاغتها ومضامينها معجزة معنويّة حقيقيّة تخرق العاديّ المألوف وتتخطّى مستواهم الأدبيّ والذهنيّ ، عصرئذٍ ، وليس في مقدور البشر صنع المعجزات . لكنّ عقولهم الغافلة وقلوبهم المختوم عليها رفضت هذا البرهان ، وطالبت النبيّ بمعجزة ماديّة ، كأن تنزل الآيات مكتوبةً في القراطيس بغير يد ، حتى يصدّقوا بالوحي . فكان جواب الروح ” ولو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذي كفروا إن هذا إلاّ سحر مبين “(سورة الأنعام ، آية 7) . ذلك لأنّهم غلاظ الأفهام لا يستطيعون أن يميّزوا بين المعجزة الحقيقيّة والشعوذات الكاذبة . والله قادر على أن يفعل ذلك ، ولكنّه عزّ وجلّ ، هو الذي يوقّت المواقيت ويختار معجزاته .
” إنّ ما طالب به الكفّار والمشكّكون منذ نحو 1400 سنة ، شرع “الروح” يحقّقه في الجلسات الروحيّة الإعجازيّة التي يعقدها الدكتور داهش ، حتى لا يبقى من حجّة ، بعد اليوم ، لمنكري وجود الروح وجاحدي وجود الله .
فلقد أتيح لي مراراً ، كما أتيح لمئات غيري ، أن نشهد بأمّ العين كيف ترتسم الكتابة أجوبة أو رسائل أو إرشادات روحيّة … من غير أيّة وسيلة مادّية ، على قراطيس فارغة تكون مبسوطة في أيدينا أو مطويّة ، أو مغلقاً عليها ضمن ظروف .
” ذاك ما عنيته بمصدر “الوحي” الإعجازي الذي لا يمكن العاقل إنكار وجوده ما دام قد تمّ فعلاً ، وتأكّد مادّياً لدى كثيرين من المحقّقين ، كما لا يمكنه تجاهل النتائج الخطيرة التي يفضي إليها إثبات وجود القوّة الروحيّة الكونيّة المتخطّية للطاقة البشريّة .
” فانطلاقاً من الخوارق الداهشيّة والمعرفة الروحيّة المقرونة بها تحصّلت مجموعة من المبادئ تكوّن نظرة تعليليّة تفسيريّة شاملةً للحياة والكون والإنسان في مختلف نشاطاته “(107).
ويعلّق الدكتور براكس على ذلك موضّحاً :
” مراراً ، كنت أطوي ورقة بيضاء وأجعلها في قبضتي ، فإذا الدكتور داهش ، وقد ارتعش بالروح ، يخطّ عليها ، من بعيد ، ما أختاره أنا من عبارات ، أو يمتلئ القرطاس الفارغ كتابةً ، بلمح البصر ، وأنا قابض عليه . ومن أضخم هذه المعجزات ما حدث للمحامي والوزير السابق إدوار نون : فإنّه بعد أن شاهد الكثير من معجزات الدكتور داهش المحسوسة الدامغة ، أراد الاستزادة من المعرفة الروحيّة ، فكتب في منزله اثنين وسبعين سؤالاّ تتعلّق بتاريخ البشريّة وأصولها المبهمة ، وأمور غامضة عن الإنسان والأديان ممّا لم يتوصّل العلم بعد ، إلى تقرير حقائقه النهائيّة ، وقد وزّعها على نحو ثلاثين ممّا لم يتوصّل العلم بعد ، إلى تقرير حقائقه النهائيّة ، وقد وزّعها على نحو ثلاثين صفحة من الورق الكبير المستعمل في الطباعة على الآلة الكاتبة ، وترك فراغاً بين السؤال والآخر ، مفسحاً المجال لكتابة الأجوبة . ثم قصد منزل الدكتور داهش . وكان الحاضرون كثيرين ، منهم : آل الحدّاد ، وحليم دمّوس ، والأطبّاء فريد أبو سليمان وجورج خبصا ونجيب العشّي . وقد أطّلعوا جميعاً على أسئلة الأستاذ نون المعقّدة . ثم وضعت الأوراق في ظرف ، وسرعان ما عقدت الجلسة الروحيّة . وفجأة لمس الدكتور داهش الظرف المحتوي على الأوراق قائلاً :” أتتك الأجوبة”. وكانت دهشة الجميع عظيمة حينما فتحوا الظرف ، ورأوا اثنين وسبعين جواباً قد خطّت بوضوح ، وبلمح البصر ، تحت الاثنين والسبعين سؤالاً الموزّعة على نحو ثلاثين صفحة . هذه الوثائق العجائبيّة ما يزال المحامي الكبير يحتفظ بها حتى الآن ، وهي تحتاج إلى أكثير من يومين لمجرّد نقلها (108).
أمّا سبب ظهور الدعوة الداهشيّة فيوضّحه مؤسّسها بجوابه على سؤال وجّهته إليه مجلّة “بروق ورعود” . قال :
” أمّا عن وجود الداهشيّة فابتداء عهدها كان في 23 آذار 1942 ، في مدينة بيروت . وأمّا عن سؤالك ما هي ، فإنّي أجيبك بأنّ القرن العشرين ، قرن النور والمعرفة ، القرن الغريب العجيب الذي أطلع المراكب الفضائيّة يحاولون بها بلوغ القمر والكواكب ، وأوجد التليفزيون الذي تضاهي سرعة صورته المتلفزة سرعة النور ، أي ثلاثمئة ألف في الثانية (300 ألف كلم)، هذا العصر بقدر ما يحيط العلم والعقل بالأمجاد ، يملأ الأرض بالإلحاد والفساد . فالعلوم والاختراعات التي أصبحت بمتناول الجميع ، بدل أن توقظ نفوس الناس على الحقيقة ، زرعت الشكّ فيها من الناحية الدينيّة . وتبعاً لذلك ، تلاشت القيم الروحيّة ، فما عاد يؤمن بها أحد ، وأصبحت الأكثريّة الساحقة من أبناء البشر تقول : إنّ الإنسان أشبه بسيّارة ، ما إن يتقادم عليها العهد حتى تلقى بين أكوام النفايات لا يأبه لها أحد ؛ وهكذا الإنسان ما إن يعتريه الموت حتى يصبح كتلك السيّارة المهملة ، كما تتفكّك هي يتفكّك هو وينحلّ ، إذ لا روح فيه تكون مسؤولة عمّا ارتكبه من موبقات وحسنات ، وما دام بغير روح فلا يوجد إذن ثواب وعقاب ، كما ليس من جحيم أو نعيم . ونتيجة لهذا المنطق الفاسد أصبح هؤلاء الكفّار ، في عصرنا الحاليّ ، يجحدون الكتب السماويّة المنزلة ، ويجرّدونها من كلّ قيمة . في هذا الوقت الذي أصبح الشكّ والإلحاد فيه دين معظم الناس ، ظهرت الداهشيّة ، لتبرهن للجميع ممّن لا يؤمنون بوجود الروح وبالقيم الروحيّة ، عكس ما يعتقدون تماماً .
” هذا البرهان القاطع الحاسم يلمسه كلّ إنسان يحضر إحدى الجلسات الروحيّة التي أعقدها . ففي أثناء الجلسة تتجسّد روح يمكن أن يخاطبها المرء وتخاطبه من غير لبس أو غموض ، وبقدرتها أن تحدث خوارق ومعجزات دلالة على وجودها . ولنفرض أنّ ساعتك التي تعرفها جيّداً كانت في منزلك ، وكان منزلك في أميركا أو الصين أو القاهرة أو بيروت – فبُعد المكان لا أهميّة له على الإطلاق ، وإذ ذاك يطلب حاضر الجلسة من الروح أن تحضر له ساعته .
” ويكون الجواب مدهشاً سريعاً ، إذ إنّه في أقلّ من ثانية يجد ساعته في معصمه . وهذا برهان ماديّ دامغ لا يمكن دحضه على الإطلاق . فإذا كان حاضر الجلسة مسيحيّاً ترسّخ إيمانه بأناجيله ، وإذا كان مسلماً ازداد إيمانه بما أنزل في القرآن الكريم ، وإذا كان يهوديّا قوي إيمانه بتوراته ، وهلمّ جرّا . فالغاية من الجلسة الروحيّة ، إذن ، هي مساعدة الناس على العودة إلى الإيمان الدينيّ بالتمرّس بالخير والفضيلة . وهذا يعدّ انتصاراً للروح على المادّة في عصر تغلّبت فيه المادّة على الروح . وليس الأمر مقتصراً على هذه الظاهرة فقط ، بل تحدث في أثناء الجلسة خوارق عديدة كلّ منها من شأنه أن يرسّخ الإيمان في قلوب الحاضرين لها “(109).
وفي العدد الثالث من مجلّة “بروق ورعود” يجيب الدكتور داهش على سؤال وجّهه إليه أحد القرّاء ، موضّحاً ماهيّة ، “الجلسات الروحيّة ” التي يعقدها في ضوء النهار ، أو تحت أضواء الكهرباء الساطعة ، دون تعتيم أو سدل حجب ، ودون حرق بخور أو تمتمات :
“الجلسات الروحيّة التي أعقدها ليست علماً ؛ وما كنت لأستطيع القيام بها من غير إذن الله ؛ فهي منحة سماويّة خصّني تعالى بها في هذا العصر ، ليكون فيها مساعدة للتائقين إلى الحقيقة وللراغبين في الإيمان والاستقامة والتوبة .
“أمّا “الوساطة الروحيّة” التي تسأل عنها والتي يدّعيها بعض الناس المحترفين ، كوسيلة مزعومة لاستحضار الأرواح ، فهي بعيدة عن الجلسات الروحيّة التي أعقدها بُعد الأرض عن السماء ، وما عليك إلاّ أن تحضر ، بعينين مفتّحتين وذهن نابه ، جلسةً من جلسات أولئك القوم ، ثم تحضر جلسة روحيّة ، حتى تدرك الفرق العظيم وكيف يختلط الظلام بالنور ويلتبس الحقّ بالباطل في أذهان الناس ، ذلك بأنّ ” الوساطة الروحيّة” المزعومة ليست في الحقيقة إلاّ شعوذة وتدجيلاً قد ينطليان على بسطاء العقول ، إنّما لا ينطليان على الأذكياء المستنيرين . وليس من غاية لدى الذين يدّعونها إلاّ غاية ابتزاز الأموال من السذّج . والداهشيّة تُفنّد ، ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها ، سفسطات أولئك المشعوذين المحترفين الذي يضلّلون الناس بتوافه الحيل والمخرقات ، والذين هم أعجز من أن يعطوا حتى دليلاً ضئيلاً واحدا على صحّة أعمالهم الاحتياليّة “(110).
أمّا مبادئ الداهشيّة فقد أجملها الدكتور براكس في محاضرته “الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات “(111)- التي ألقاها في 21 أيّار سنة 1971 في قاعة الاحتفالات الكبرى في كليّة الحقوق اللبنانيّة – بأربعة مبادئ :
- وجود الروح وخلودها .
- السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون وقوام كائناته .
- السببيّة الروحيّة والجزاء العادل .
- التقمّص .
أمّا المبدأ الأوّل فيبدأ كلامه عليه بقوله :
” الكتب الدينيّة كلّها تحدّثت عن وجود الروح ، كذلك أكثر الفلاسفة . ومع ذلك ، فليس من عصر شاع فيه الإلحاد والتشكيك بوجودها كهذا العصر . ذلك بأنّ الناس باتوا لا يؤمنون بالمجرّدات . فهم يطالبون بإثبات مادّي لوجود الروح يكون بمستوى العصر ، لأنّ العلم المنتشر في أرجاء المعمور رسّخ في أذهانهم منهج التحقّق المادّي ألاختباري .
“وليس ثمّة من برهان مادّي ساطع على وجود الروح إلاّ المعجزة . فهي بخرقها قوانين الطبيعة الأزليّة التي تحكم البشر جميعاً تثبت أنّ القدرة التي تصنعها لا يمكن أن تكون قدرةً بشريّة “(112).
وبعد أن يذكر عجز العلماء في القرن العشرين عن صنع معجزة واحدة ، ذلك “بأنّ المنجزات العلميّة ليست سوى أعمال بشريّة يستفيد بعضها من بعض ، ويُبنى اللاحق منها على السابق ، ومهمّتها الكشف عن المزيد من أسرار الطبيعة والاستفادة منها ، وهي لا تستطيع خرق قوانينها ، بل تجاريها …” وبعد أن يعرض عدّة معجزات ونبوءات قامت بها القوّة الروحيّة بواسطة مؤسّس الداهشيّة ، يخلص إلى القول :
” كلّ تلك الخوارق والنبوءات تلزم الواعين من البشر الإيمان بوجود الروح وقدرتها . وذلك يستتبع ، لزاماً ، التسليم بثلاثة أمور :
- الإيمان بوجود الله ، عزّ وجلّ ، لأنّ الروح تشهد له ، فهي نفثة إلهيّة من ذاته ، لا يشوبها دنس ، ولا تلطّخها أيّة كثافة “ماديّة”. وهو مبدعها ومعادها . ولأنّها من جوهره الخالد فهي خالدة .
- الإيمان بوحدة الأديان لأنّ روحا عليّاً واحداً أوحاها ، وغاية سامية واحدة حرّكتها ، وبالتالي السعي نحو تحقيق هذه الوحدة في وجود واقعيّ حيّ .
- التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأسرار كافّة ، والعمل بإرشاداتها الخيّرة “(113).
أمّا المبدأ الثاني فيقول فيه :
“السيّالات الروحيّة تعني قوىً إشعاعيّة حيّة غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم الماديّة .
“والسيّالات جميعها ذات إدراك وإرادة ونزعات ، لكن على درجات متفاوتة .
“وقد تأكّد لنا ، من مئات المعجزات التي شاهدنا وشاهد مثلها الألوف غيرنا ، أنّ السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون وقوام كائناته ، هي الجوهر الخالد الذي يوحّد الموجودات وإن اختلفت مظاهرها المحسوسة . وليست الطاقة الكهربائيّة المغنطيسيّة التي اكتشف العلم أنّها في أساس الوجود كلّه إلاّ صفة من صفاتها .
“فخصائص الحياة النفسيّة ليست في الإنسان فقط ، بل هي ، أيضاً ، في الحيوان والنبات وكلّ ما يسمّى “مادّة”.
“ووجود السيّالات في البشر ، على تفاوت في العدد والميزة والدرجة بين فرد وفرد ، هو الذي يسبّب تباين القدرات الجسديّة والعقليّة ، واختلاف الميول والمواهب النفسيّة عندهم . كما إنّ انسجامها وسموّها في الإنسان يبعثان السلام والاتّزان في نفسه ، وتناقضها وانحطاطها يسبّبان الاضطراب والاختلال . كذلك فإلى تشابهها أو تباينها في الأشخاص والجماعات يعود التجاذب والتحابّ أو التنافر والتباغض .
“هذه القضايا البشريّة ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول إلى تفسيرها ، جاهدين ، من غير أن يطمئنّوا إلى رأي صائب يتّفقون نهائيّاً عليه . بينما أدركت الداهشيّة حقيقتها وسرّها من زمن بعيد .
“وقد أتيح لي كما للكثيرين غيري أن نتيقّن من أنّ الفناء الذي يطرأ على الأشياء إنّما هو تبدّل محصور في مظهرها الحسّي النسبيّ ولا يمسّ جوهرها الحيّ .
“فمراراً كنّا نحرق أشياء مختلفةً ، بينها أوراق ماليّة وسندات أو صور ومخطوطات ، أو تحطّم أمامنا كؤوس بلّوريّة ، وما أشبه ، ثم يعيد الدكتور داهش تكوينها ، كما كانت ، بلمح البصر ، وبقوّة الروح العليّ . وشهود هذا النوع من المعجزات يعدّون بالمئات .
“وسبق أن فصّلت ، في محاضرة الجامعة الأميركيّة ، معجزة إحياء العصافير الميتة أمام الشيخ منير تقيّ الدين والصحفيّ إسكندر رياشي .
” فهذه المعجزات التي تعيد الحياة إلى الميت ، والشيء الذي احترق أو تحطّم إلى وجوده السابق نفسه ، إنّما تؤكّد أنّ السيّالات الروحيّة خالدة سواء كانت في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد .
” أمّا الحقيقة الأغرب التي أوضحتها الداهشيّة فهي أنّ كلّ كائن ، بل كلّ عمل أو رغبة أو فكر ، يكون لها نموذج حيّ أو صورة أو تسجيل تُحفظ روحيّاً في عوالم خاصّة ، كشهود على حياة الكائن وسلوكه وأعماله .
“كذلك فعشرات هي المرّات التي كان يفاجأ فيها زائرو الدكتور داهش باطّلاعهم عنده على أحاديثهم مسجّلة بحرفيّتها ، وأفكارهم الصامتة مدوّنة بخلجاتها ، وأوضاعهم المختلفة مصوّرة بتفاصيلها “(114).
ويدعم الدكتور براكس كلامه برواية عدّة معجزات توضّح ما يشرحه مع ذكره شهودها ، ثم يخلص إلى القول :
” بهذه المعجزات وحدها نفهم الآية القرآنية :” وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلاّ بقدر معلوم “(الحجر:21)، والآية القائلة :” يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون “(النور :24) . كما يتحقّق أمامنا ما قاله السيّد المسيح :” أقول لكم إنّ كلّ كلمة بطّالة يتكلّم بها الناس يعطون عنها جواباً في يوم الدين :(متى 12:36). ويضيء في أذهاننا قوله تعالى :” أم يحسبون أنّا لا نسمع سرّهم ونجواهم ، بلى ورسلنا لديهم يكتبون “(الزخرف: 80).
أمّا المبدأ الثالث القائم على السببيّة الروحيّة والجزاء العادل ، فيقول فيه الدكتور براكس :
” إنّ الأحداث اليوميّة التي تقع ، من مرض وموت وخسارة ، أو شفاء ونجاة وربح ، وغير ذلك ، يعلّلها معظم الناس بأسبابها الماديّة المباشرة ، وإن جهلوها ، فبالصدفة . فان تدهورت سيّارة ، مثلاُ ، وقتل فيها فرد ، وجرح ثان ، وسلم آخر ، علّلوا اختلاف مصاير الركّاب بالصدفة أو بأسباب مادّية محضة .
” وفضل المعجزات الداهشيّة أنّها توضّح أنّ مصاير البشر ونتائج أعمالهم تشرف عليها قوّة روحيّة عادلة حكيمة مدبّرة ، لا يفوتها شيء مهما صغر ودقّ ، ولا يعجزها أمر مهما عظم وتعقّد .
“فالصدفة لا وجود لها ، على الإطلاق ، والسببيّة قانون كونيّ شامل ، لكنّ الإنسان لا يدرك منها سوى الوجه المحسوس ، والذي يستطيع عقله وعيه ، بينما تبقى العلّة الحقيقيّة ، وهي دائماً علّة روحيّة ، محجوبة عنه . فالمرء سواء مات في فراشه ميتة هنيئة ، أم في حرب ، أم إثر حادثة معيّنة ، فتحديد أجله إنّما يكون بموجب نواميس روحيّة ، وفق استحقاقاته ودرجة سيّالاته . فان حان أجله ، فاجأه الموت أينما كان ، ولم يعصمه حصن ولا بحر ولا جوّ ولا طبيب في أيّ مكان . وإذا لم يحن أجله أُنقذ ممّا لا يُنقذ منه سواه “(115).
ثم يدعم كلامه بعدّة معجزات يسردها ذاكراً شهودها ، وهي تبيّن :” أنّ ما يزرعه الإنسان يحصده ، وأنّ أعمال البشر جميعاً وعلاقاتهم بعضهم ببعض تترتّب عليها نتائج من شأنها أن تقيم العدل الإلهيّ بينهم :” فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره “(سورة الزلزال :7و8)(116).
أمّا المبدأ الرابع القائم على الإيمان بالتقمّص ، فيذكر الدكتور براكس ، بشأنه ، أنّ فلاسفة كثيرين آمنوا بالتقمّص ، وأنّ عقيدته تشكّل حجر الأساس في البوذيّة ، والأديان الهندوسيّة ، وهي مذكورة ، على تفاوت في الوضوح والغموض ، في التوراة والأناجيل والقرآن ، ويلخص إلى القول :
” لكنّ الداهشيّين إن آمنوا بما أنزل في الكتب المقدّسة ، فهم يدعمون إيمانهم بمعجزات محسوسة تؤكّد التقمّص ، بانتقال السيّالات الروحيّة من جسد إلى آخر في الأرض ، إنساناً كان أو حيواناً أو نباتاً ، أو جماداً ، أو بانتقالها إلى كوكب آخر علويّ أو سفليّ ، حسب درجة استحقاقها “(117).
ثم يروي عدّة معجزات توضّح التقمّص ، ويختم كلامه بقوله :” فالحياة تعمّ الكون بأسره ، وذلك بأنّ الحياة هي المبرّر الوحيد لأيّ وجود ، وما النعيم والجحيم سوى الكواكب والنجوم كلّها مرئيّها وغير مرئيّها .
” وقد حان الوقت لندرك ، بفضل الداهشيّة ، إن الإنسان ليس مقياس الحياة ، كما كان يظنّ ، ولا حتى مقياس مظاهرها العاقلة ، ولا هو ذروة تطوّرها ، إنّما الإنسان كائن بسيط ضعيف ، ومظهر متخلّف نسبيّاً من مظاهر الحياة الكونيّة التي لا حصر لها . وعليه أن يعرف حدّه وقيمته في سلّم الحضارات الكونيّة التي لا يستطيع أن يرقى إلى عظيم مجدها ومعرفتها وقدرتها وسعادتها ، حتى بالخيال . فإذا ما أدرك أنّ ميوله وأعماله في حياته السابقة هي التي أوصلته إلى هذه المرتبة الزريّة بين الكائنات السامية ، توجّب عليه أن يسعى إلى ترقية ذاته في المعرفة الحقيقيّة والروحانيّة ، لأنّ أمجاد العوالم العلويّة لا تُنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة ، لكن بارتقاء روحيّ داخليّ يؤهّل الإنسان ، بعد موته ، للتجسد في الكوكب العلويّ الذي يستحقّ . وإلاّ فإنّه إذا سفل نفسه ، وتشبّث بالدنيويّات يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة ، فتتجسّد سيّالاته ، بعد موته ، في كوكب يعظم فيه الجهل ويتفاقم الشرّ ويشتدّ الشقاء والعذاب .
” وإنّنا ما كنّا لنبصر شخصيّات الدكتور داهش والتجسّدات الأخرى لو لم يأت تجسّدها ضمن مقاييس الأرض . وهذا ما يفسّر عجزنا عن رؤية الروح كما هي أو رؤية الملائكة وسائر الكائنات العلويّة على حقيقتهم .
” فالعالم نفسه أكّد أنّ الإنسان محدود إدراكه الحسيّ بشبكة من الحواس لها حدود عُليا وحدود دُنيا لا يمكنه تجاوزها . فالعين لا تُبصر من الموجودات إلاّ التي تتراوح ذبذباتها بين 20و40 ذبذبة في الثانية ، والتي تتحرّك بسرعة أدنى من سرعة النور . والأذن البشريّة لا تسمع من الأصوات إلاّ التي تتراوح بين 15 ونحو 20000 ذبذبة في الثانية .
” ولذا فالروح تبصرنا وتسمعنا ، ونحن لا نبصرها ولا نسمعها “(118).
ونظراً لأهميّة عقيدة التقمّص أرى من الفائدة أن أزيدها وضوحاً ، بالرجوع إلى ما قاله فيها مؤسّس الداهشيّة ، تقديماً لكتابه “قصص غريبة وأساطير عجيبة” ، الجزء الثاني (119).
“ القصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص إيماني بوجودي ، أي إنّ الإنسان يتكرّر مجيئه إلى الأرض ليتطهّر من أوشابه ويتخلّص من أوزاره .
” والتوراة تذكر في “سفر الخروج” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر إذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثم يذرّون رماده في الفضاء ؛ كما كانوا يحكمون على البهيمة ، إذا ضاجعها رجل ، بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .
” فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنهما مسؤولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حواء لأنه يفهم مسؤوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيحاكم ويُحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الإجرامي .
” والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن إيليّا النبيّ قائلين له إنّ النبوءات تؤكّد أنّ إيليّا النبيّ سيعود إلى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟ فأجابهم إنّ إيليّا النبيّ قد عاد إلى الأرض ، وهو يُعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .
” ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وإن أردتم أن تقبلوا ، فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي “(متى 11:14).
” وسأله تلاميذه أيضاً عندما شفى الضرير ، فقالوا له :” يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه ، ولكن لتظهر أعمال الله فيه “(يوحنا 9:1-3).
” واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الإنجيل :” وقال آخرون إنّه (أي المسيح) إيليّا ، وآخرون إنّه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس ، قال : إنّ يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات “(مرقس 6: 15-16).
” أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريراً أو كسيحاً أو مصاباً بأيّة عاهة … فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة إذا كان لم يرتكب وزراً ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا ؟
” ولكننا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنّه ارتكب شروراً جسيمة جعلته يولد ضريراً أو كسيحاً كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق ، لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .
” إذا ، على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مراراً وتكراراً حتى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك إلى عالم بعيد سعيد ، مخلّفاً وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها .
” والدين الإسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28:” كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون “.
” وفي سورة غافر ، آية 11 :” قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ، فاعترفنا بذنوبنا ، فهل إلى خروج من سبيل ؟”
” وفي سورة الواقعة ، آية 6 :” نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون “.
” وفي سورة المائدة ، آية 60 :” قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكاناّ وأضلّ عن سواء السبيل “.
” والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيداً تامّاً . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مراراً وتكراراً ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنباً وقدّم نفسه طعاماً للأسد .
” والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون لها أمامكم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفاً من الإضرار بها ،لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي إلاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشراً ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيوراً ، وما شاكل ، وكلّ منها تجوّل إلى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .
” ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ((CLEVE BACSTER، وهو من أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالإنسان تماماً ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .
” ويقول هذا العالم (باكستر) إنّ الزهرة تعرف إذا كان الشخص سيقتطفها ، وإذ ذاك يغمرها الخوف . وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ؛ فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر إحساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة ، وخلافه ….
” وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيراً عميقاً في تفكير البشر ونظرتهم إلى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .
” والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا إلى الأرض- لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .
” إنّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الإنسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .
” وعندما يتوفّاه الله يذهب إلى النعيم إذا كانت أعماله صالحة ، أو إلى الجحيم إذا كانت أعماله شرّيرة .
” ويعمّر الإنسان 70أو80أو90 عاماً . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيّها بالنوم ، و 4 سنوات بالمرض ، و15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . إذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .
ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّاً إذ إنّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في أشراكها التي لا ينجو منها ناج . فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ؛ وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ … جميع ما ذكرت تقوده إلى مهاوي الهلاك المؤكّد .
” إذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم إلى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر إلى دهر ، ومن أزل إلى أبد . وهذا أمر غير جائز إطلاقاً ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا إيّاها 6000 مرّة ، نعود فيها إلى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .
” ففي خلال هذه التقمّصات الـ 6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وإيابه . فإذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، إذا يستحقّ ، إذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلاّ وحقّاً .
” هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيباً أم مخطئاً . وإنّي أعلن على رؤوس الأشهاد إيماني بالتقمّص كإيماني بحقيقة وجودي والسلام “(120).
ذلك هو موجز عن التعاليم الداهشيّة . وإذا كان من نتيجة عمليّة للإيمان بهذه التعاليم على فهي أنّها دفعت المؤمنين بها – وبينهم حليم دمّوس – إلى تغليب القيم الروحيّة في حياتهم على القيم الماديّة وجعل مواقفهم من القضايا ونظراتهم للأشياء والأحداث متأثّرة كلّ التأثّر بأنّ قيمة الإنسان الحقيقيّة هي في ما يقوم به من أعمال مفيدة خيّرة ترتقي بها نفسه ويرتقي المجتمع .
” ذلك بأنّ الحضارات لا تقوى على البقاء إلاّ بغذاء القيم الروحيّة ، وكلّ شعب تخلّى عنها مصيره الانحلال والتبدّد ، مهما تعاظم وشمخت مدنيّته ، ومهما صال وجال الباطل فيه ، فالباطل دولته قصيرة ، والتاريخ شاهد على ذلك . والقيم الروحيّة لا سياج لها إلاّ الرسالات السماويّة والدعوات الإنسانيّة النقيّة .
” حتى الحركات الاجتماعيّة الثوريّة تستمدّ مقوّمات إصلاحها من تلك القيم ، فالعدالة والأخوّة والتعاون ، ورفع الظلم والاستثمار التي تنادي بها تجد أصولها في الرسالات الروحيّة الصحيحة . والقيمة الحقيقيّة لكلّ حركة إصلاحيّة تكون بنسبة تطبيقها عمليّاً تلك القيم الروحيّة .
“وإذا كان المتّجرون بالقدسيّات قد أفرغوا الأديان من معناها الروحيّ القويم كوجود حيّ سام فاعل في الإنسان فرداً وجماعة ، ليجعلوها نظريّات وغيبيّات وأدوات لكسب المغانم وبسط النفوذ ، فإنّ الداهشيّة ، بمشيئته تعالى ، ظهرت لتدعو إلى إعادة الأديان لنقائها الأصليّ ، وتأثيرها الخيّر الحيّ ووحدتها الروحيّة ، فتبني نفوس الناس فرداً فرداً ، مواطنين شرفاء أنقياء السريرة ، أبطالاً أحراراً متعاونين متحابّين عادلين ، أناساً تسامى فيهم الإنسان وتصاغرت البهيمة .
” فالأنظمة مهما كانت صالحة لا تؤدّي وحدها إلى أيّ إصلاح حقيقيّ إذا كان الإنسان فاسداً . فالإنسان وُجد أوّلاً ، والنظام من أجله وُجد . وهل يمكن بناء صرح قويّ ، مهما كانت عبقريّة مهندسه ، إذا كانت حجارته سريعة التفتّت ؟ وماذا ننتفع بالكأس ، وإن تكن ذهباً ، ما دام الماء فيها سُمّاً زعافاً ، ونحن عطاش ؟ وهل تتبدّل قيمة اللوحة التافهة إذا ما أحيطت بإطار ثمين ؟ فكلّ إصلاح جذريّ لا يبلغ هدفه ما لم يصلح الفرد نفسه “(121).
د- ظاهرات روحيّة عاينها حليم
يتبيّن من ” الوقائع الداهشيّة “، التي دوّنها حليم دمّوس أنّه حضر عشرات “الجلسات الروحيّة” التي كان يشهدها غالباً كثيرون من الأدباء والأعيان ورجال الدنيا والدين ؛ وهكذا أتيح له أن يعاين ويلمس مئات الخوارق التي اجتُرحت على يدي الدكتور داهش بين سنة 1942 و1957.
وفي الإفادة التي أدلى بها لرئيس البوليس العدليّ إدوار أبي جودة بتاريخ 23 شباط 1944 ، يقول عن الدكتور داهش :” وقد أتى أمامي بمعجزات خارقة : فمن نقل أشياء ، وشفاء أمراض ، وكتابة مؤلّفات مُلهمة وسواها من نبوءات عن حوادث تمّت في أوقاتها تماماً “(122).
وإيضاحاً لنوعيّة هذه الظاهرات الروحيّة التي كان لها أبلغ التأثير في حياة الحليم وفكره وأدبه ، يحسن إيراد ثلاثة نماذج منها :
يذكر الدكتور غازي براكس أنّ مؤسّس الداهشيّة “قصد ، مرّة ، بصحبة الدكتور خبصا ويوسف الحاج وحليم دمّوس ، غابة الشبانيّة ، حيث كان يملك يوسف الحاجّ أرضاً . وجلس الجميع على صخرة يتجاذبون الحديث . وكتب دمّوس على الصخرة بيتين من الشعر هما :
جلسنا على صخر وفي ظلّ غابة شربنا على ذكر (المؤدّب) ماءنا
أقول لصحبي (والحبيب) بجانبي على صخرة الإيمان نبني رجاءنا
وبعد أن عادوا إلى منزل الدكتور داهش ، قال الرفاق الثلاثة له :
” حبّذا لو كرّرنا الجلوس معك على تلك الصخرة “. فقال :” وما يمنع أن نجلس عليها الآن ، ما دامت هذه رغبتكم ؟ ” فقالوا :” وكيف يتمّ هذا الأمر ، والغابة في الشبانيّة ونحن في بيروت ؟ ” أجاب :” أنظروا إلى فضاء الغرفة “. وإذا بهم يرون كتلةً ضخمة تتهادى في هبوطها اللطيف ، حتى كأنّها قطعة قماش في الهواء . وما إن حطّت على أرض الغرفة ، حتى أمسكوا بها ، فإذا هي صلبة لا تزحزح . وبعد أن تفحّصوها ووجدوا عليها بيتي الشعر ، تأكّد لهم أنّها نفس الصخرة التي جلسوا عليها . فخشعوا ومجّدوا الله ، وفهموا قول السيّد المسيح :” لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هاهنا إلى هناك فينتقل ولا يعسر عليكم شيء “(متى 17: 19)(123).
أمّا الظاهرة الروحيّة الثانية ، فرواها الشيخ عبد الله العلايلي نقلاً عن لسان حليم ، قال :
” فروى حليم : أنّه في عام 1942 بينما هو في نفر يتنسّمون هنا النّسم الروحيّ ، أطافت بهم روح جبران خليل جبران ، وذكّرت حليماً بالصلة الأدبيّة بينهما ، وترتدّ إلى عام 1910، وما درى إلاّ بورقة بيضاء تسقط وقد انطوت على ثلاثة أبيات من قصيدة حليم فيه (124)، وهي :
أخا “الثورة البيضاء” في الشرق لفتةً إلى بقعة في الشرق بيض عبيدها
عبيد تقاليد تقادم عهدها وأغلالها مشدودة وقيودها
فأشرف علينا من سمائك ساعة عسى عظة قبل الردى نستفيدها …(125).
وهذه ظاهرة ثالثة روتها الأديبة ماري حدّاد . قالت ، في معرض حديثها عن زيارتها لمؤسّس الداهشيّة وما شاهدت على يديه من خوارق :
” طفقنا نتجاذب أطراف الأحاديث ، حتى تطرّقنا إلى موضوع تمضية فصل الصيف ، فذكرنا أنّنا في (جورة الترمس)؛ وإذا ملامح المفاجأة ترتسم على وجوه الحاضرين ؛ وكان بينهم الدكتور خبصا ويوسف الحاجّ وحليم دمّوس . فأخذ حليم يروي حادث البالون الغريب ، قال :” كنت سائراً في المدينة برفقة الدكتور داهش ؛ وعلى مقربة من مركز البريد ، خاطبني الدكتور قائلاً :” أنظر ، هناك في الفضاء بالونات الدفاع الموقّت ، لقد شُدّت إلى الأرض ، بحبال فولاذيّة غليظة “. أجبته :” نعم ، إنّها بالونات الدفاع الموقّت ، للجيش البريطاني”. ثم تابع :” أنظر هذا البالون”؛ وأشار باصبعه إلى أحدها . وفي اللحظة نفسها ، رأيت البالون المُشار إليه يطيعه فيقطع حبله الفولاذيّ ويطير بعيداً حتى يغرب عن عينيّ . سألته ، مدهوشاً ، عن سبب الحادث ، فأجابني :” دوّن في مفكّرتك تاريخ هذا النهار ، واعلم أنّ البالون سيحلّق إلى ما فوق قرية لبنانيّة حيث يهبط . سبب ذلك أنّ في تلك القرية تنزل أسرة ستؤمن بالرسالة الداهشيّة ، وستقوم فيها بدور خطير . وقد دوّنت الحادثة لنبقى متذكّرين اليوم الذي فيه ستدخل تلك الأسرة هيكل الرسالة الداهشيّة .
“لدى سماعنا الخبر ذهلنا وصرخنا :” إنّ البالون هبط ، أمامنا ، في السادس عشر من آب ، وهو تاريخ النهار نفسه الذي فيه ، وبإشارة من الدكتور داهش قطع البالون حبله ، وانطلق محلّقاً في الأجواء ، حتى هبط في جوار الفندق حيث كنّا نصطاف في (جورة الترمس)…(126).
ه- إضطهاد مؤسّس الداهشيّة
ليس مستغرباً في بلد ضاربة جذوره في الإقطاعيتين المتحالفتين السياسيّة والدينيّة أن تحدث الأفكار الروحيّة الجديدة التي أطلقها الدكتور داهش مدعّمة بالخوارق – ولا سيّما ما يتعلّق منها بالدعوة إلى الوحدة المسيحيّة الإسلاميّة – أن تحدث هزّة عنيفة في أوساط الاكليروس والحكم ، خصوصاً إذا عرفنا أنّ المتحمّسين للأفكار الجديدة أخذوا يتوافدون إلى دار الداهشيّة أفواجاً أفواجاً ، وجلّهم من أعيان المجتمع ومشاهير المحامين والأطبّاء ؛ فقد ضمّوا، فيمن ضمّوا ، شقيقة عقيلة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري (1943-1952) السيّدة ماري حدّاد ، الأديبة المعروفة ورئيسة نقابة الفنّانين عهد ذاك .
هذه الهزّة – في تفاعلها بين الرئيس وعقيلته يؤيّدهما رجال الدين المسيحيّ وعدد من المتملّقين للسلطة أو النافذين في الحكم من جهة ، وماري حدّاد ومؤسّس الداهشيّة وأنصاره من جهة أخرى – أدّت إلى إضطهاد تعسّفيّ شنّته السلطات الحاكمة عهد ذاك – بايعاز من الرئيس – على الدكتور داهش وأنصاره . فأوقف موسّس العقيدة الروحيّة الجديدة – بعد عدّة محاولات فاشلة لاغتياله ، وسجن ، ثم جرّد من الجنسيّة اللبنانيّة وأُبعد عن وطنه ، وذلك دون إجراء أيّة محاكمة (127). وقد دفع هذا الإجراء الاستبداديّ الدكتور داهش إلى تجريد قلمه البتّار وشنّ حملة تشهيريّة فضّاحة على الرئيس وأعوانه ممّن تآمروا عليه ، بشكل كتب وبيانات سوداء ، بلغت 66 كتاباً ، و165 منشوراً (128) وزّعت ، خفية ، في جميع الأوساط الدبلوماسيّة والأجنبيّة والعربيّة ، كما في الأوساط المحليّة شعبيّة كانت أم سياسيّة أم دينيّة أم ثقافيّة أم إداريّة ، بحيث إنّها كانت حرباً ضروساً عجيبة وصفها رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة السيّد لطفي رضوان بقوله إنّها ” تُعدّ أغرب حرب شهدها العالم حتى اليوم : حرب مظهرها غير متكافئ الأطراف ، إذ إنّها بين رجل واحد أعزل ورئيس جمهوريّة – بكلّ ما تحت يد أي رئيس جمهوريّة – وخاصّة إذا كان رئيساً دكتاتوراً – من سلطات وبرلمان وقضاء وجيش وشرطة وصحافة ومؤسّسات .
وأعلن داهش قبوله التحدّي الصادر من بشارة الخوري وسلطاته … وكانت الحرب التي امتدّ أثرها على طول البلاد العربيّة ، وانتقلت نتائجها إلى أوروبا وإلى المهجر في أميركا الجنوبيّة “(129)….
وفي المهجر تعالت أصوات صحفيّة تستنكر الاضطهاد المنكر ، صارخة بوجه الحكّام ، مندّدة بهم ، وكان بينها أصوات جبران مسّوح صاحب مجلّة “المختصر” ، ويوسف كمال صاحب مجلّة “الرفيق” ويوسف قهوجي صاحب جريدة “الصباح”. وكان أبرزها وأعلاها صوت مسّوح الذي ما انقطع عن إذاعة أخبار الاضطهاد وتفاعلاته زهاء سنتين .
أمّا الصّحافة اللبنانيّة فيصف مسّوح أقلامها ، عهد ذاك ، بأنها “ملجومة إذ كانت مأجورة …كما لم يعل صوت أيّ نائب تحت قبّة البرلمان مستنكراً هذا الاعتداء على دستور البلاد وقوانينها ، واأسفاه !”(130).
ولعلّ أفضل عرض للاضطهاد بأسبابه ونتائجه قام به جبران مسّوح إذ قال :
” وكان الرجل (داهش) سائراً في جهاده ينتقل من فوز إلى فوز ، غير عارفٍ أنّه يحمل جريمةً لا نقدر أن نغفرها ، وهي أنّه ابن بلادنا …
” فلو جاءنا بهذه التعاليم أحد رهبان فرنسا وإيطاليا ، أو أحد مبشّري الإنكليز والأميركان لتلقيّناها بالرضى والقبول ، وأعجبنا بها ، ثم نشرناها بكلّ سرعة لأنّها من مصدر أجنبيّ .
” أمّا أن يُنادي بها رجل ولد تحت سماء شرقنا ، ويقولها لنا باللغة العربيّة …. فهذا دجّال مشعوذ … يريد أن يستولى على عقول الناس … يحاول خداع النساء وسلبهنّ الأموال !… وبما أنّه كذلك فيجب أن نجرّده من جنسيّته بلا محاكمة …. ولا نقبل أن يُدافع عنه أحد … وأن نسلّمه لأقسى رجال البوليس وأكثرهم بربريّة ، ليشتموه ويحقّروه … ويصفعوه ويجلدوه حتى يتمزّق لحمه … ثم نطرحه على الحدود التركيّة عرضة لجميع الأخطار .
” وتوهّمت الحكومة أنّ الحركة الداهشيّة انتهت هناك ، وأنّها انتصرت على الرجل بهذا الإبعاد، وصار يمكنها أن تنام ملء جفنيها ، ولكنّ المبادئ في العالم لها طبيعة لا تتغيّر . فهناك على الحدود التركيّة حيث تُرك الرجل بين مخالب الشقاء والمخاوف … هناك بدأت حياة داهش الحقيقيّة . هناك انتهت مصالح حكومة ، وبدأت مصالح إنسانيّة تعيسة . هناك سكت الوزراء والحكّام ورجال الأمن ليتكلّم رجل عظيم . فلم يُترك داهش وحده وراء تلك الحدود ، بل التقى في ذلك القفر بضمير الأمّة التي اضطهدته .
هذا غرض داهش من الناحية الإنسانيّة . وله غرض آخر من الناحية الشرقيّة لا يقلّ عن الأوّل هدفاً ونبلاً . فهو يريد أن يجعل أبناء العربيّة أمّة واحدة بإزالة كلّ ما بينهم من سوء التفاهم .
” وهنا يتعرّض إلى أمر خطير لم يسبقه إليه أحد ، وهو : أن يُخبر جميع نصارى الشرق من هو محمّد … لأنّ جميع نصارى الشرق لا يعرفون محمّد إلى الآن .
والصورة التي له في أذهانهم لا تنطبق على الحقيقة ، لأنّها صورة استعماريّة وضعها في عقليّتها قسوس روما وباريس ووعّاظ لندن وواشنطن وبرلين .
” فالمستعمر لم يسلبنا ما في أراضينا من الأغلال والذهب والبترول فقط ، بل وضع في أذهاننا دروساً سامّة تجعل بين المسلمين والنصارى نفوراً لا ينتهي ، وخصومةً تنمو مع مرور الأيّام .
” فأراد داهش أن يجلي العدوّ عن عقولنا أيضاً كما انجلى عن أراضينا ، بأن ينزع عن هذه الشخصيّة ما أحاطه الأجنبيّ بها من الأكاذيب ، ويُعطينا عن محمّد الصورة الصحيحة التي نحن بأشدّ الحاجة إلى معرفتها في هذا العهد “….(131).
و- ملاحقة السُلُطات اللبنانيّة لحليم دمّوس
نتيجة لاضطهاد الدكتور داهش ، لاحقت السُلطات اللبنانيّة حليم دمّوس الذي سُجن ثلاثمائة يوم ويوم (132)، على حدّ قول الدكتور فريد أبي سليمان .
ولكن ما سبب سجن الحليم ؟
لقد اتُّهم زوراً بكتابة الكتب والنشرات السوداء التي كان يكتبها مؤسّس الداهشيّة ويصدرها باسم ماري حدّاد الداهشيّة . وإنّما سجنته السلطة ، مراراً ، لتوهن إيمانه القويّ الراسخ ، لكنّ محاولاتها كانت بدون جدوى .
والدكتور داهش يصرّح بأنّه هو منشئ الكتب السوداء ، إذ يقول في مقدّمة احد كتبه ، إنّه من أراد أن يعرف أسباب ومسبّبات الجريمة ” فليطالع كتبي السوداء التي أصدرتها يومذاك فتتكشّف له حقائق هائلة ويطّلع على أسرار مرعبة عن ذلك العهد البغيض “(133).
وفي 15 أيّار عام 1945- يوم وزّعت الكتب السوداء للمرّة الأولى – أُلقي القبض على الشاعر حليم دمّوس وعلى جورج حدّاد في منزل الأخير (134).
وتقول الأديبة ماري حدّاد بتاريخ 4 آب 1945:
” لقد مكثت مُعتقلة بطريقة الظلم الغاشم مدّة 75 يوماً في مستشفى الأمراض العقليّة ، كما إنّ زوجي والأستاذ حليم دمّوس الشاعر اللبناني المعروف مكثا في سجن الرمل مدّة 55 يوماً كاملاّ دون أن يقدّموهما إلى المحكمة “(135).
وفي 28 كانون الثاني 1946 نشر حليم دمّوس في جريدة “الحياة” هذه الكلمة :” في الصيف الفائت أوقفوني لغير سبب ، وفي أعماق السجون زجّوني ، وبقيت 55 يوماً دون أن يحاكموني . فهل يوجد من يُحلّل لنا هذه المعاملة بوضوح وجلاء؟”(136).
ولم تطُل المدّة حتى جرت محاولة لاعتقال الشاعر مرّة أخرى . وإني أورد وقائعها مُقتبسة بحرفيّتها من كتاب “الداهشيّة تدعو المسيحيّة إلى الإيمان بنبوّة محمّد المُرسل وقرآنه الكريم المُنزل ” الصادر باسم ماري حدّاد الداهشيّة عام 1946 (137).
” بعد ظهر يوم الجمعة في 15 آذار 1946 استلم الأستاذ دمّوس من الأمن العامّ تُبلُغه فيها بوجوب حضوره إلى الدائرة ، فطار الأستاذ إليها وقابل مديرها إدوار أبي جودة الذي بادره قائلاً :
” وردتني تقارير رفعها إليّ الرجال الذي يراقبون منزل السيّد جورج حدّاد ، وهذه التقارير تتّهمك بأنّك تزور الأحياء الإسلاميّة مع سواك ، وتجتمعون مع العائلات الكبيرة وتبثّون دعايةً تبشيريّة خلاصتها دعوة المسيحيّين للإيمان (بمحمّد)…
وهنا ثار عليه الأستاذ دمّوس بصوت جهوريّ وقطع عليه الكلام قائلاً
” يجب عليك أن تطهّر فمك بألف طنّ من العطور قبل أن تتفوّه شفتاك باسم نبيّ الإسلام الكريم . ونحن أحرار بأن نزور جميع الأحياء الإسلاميّة والغير الإسلاميّة عندما نريد . ثم متى كان التبشير بالنبيّ العربيّ الكريم جريمة نؤاخذ عليها ؟ ومتى كان الإيمان بالنبيّ الأمين جريمة يستحقّ معتنقها مطاردة دائرتكم ؟
” وأخيراً ، هل أنا الذي أذعت البيان الذي أذاعه آل حدّاد ؟ فهم الذين فضحوا به بشارة الخوري وأظهروا للملإ إنّه اضطهد (داهش) لأنّه جعلنا نؤمن بنبوّة محمّد وقرآنه .
” نعم ، إنّ الذي نشر هذا البيان هو جورج حدّاد وزوجته وبتوقيعهما . إذن ، لماذا استدعيتني ، ولم تستدع أقرباء الرئيس بشارة مع أنّ واجبك يدعوك للتحقيق معهم هم وليس معي أنا ؟ ثم لماذا لا تعترف بأنّ بشارة الخوري هو الذي أوعز لك بعدم استدعائهم ، ليس عن عفّة بل عن خوف ، لأنّه يعلم بأنّهم سيفضحونه بما سيذيعونه من أسرار هذه المؤامرة الرهيبة ضد الديانة المحمّدية المنزلة ؟”.
وهنا برزت عينا إدوار من وراء النظّارات ، وحملق بوجه الأستاذ دمّوس وهو يصيح :” كفاك ، كفاك … فأنت موقوف ، موقوف ، موقوف …” وضغط على زرّ الكهرباء فأجابه الأستاذ حليم :
” إذا كنت حقّاً مديراً ، فإنّك تفعل هذا الأمر ، أيها المؤتمر بأمر الرؤساء الذين يحاربون (دين محمد وقرآنه )”.
وهنا استعان إدوار بموظّفي دائرته الذين هرعوا يستقصون الخبر وهم من شتّى الطوائف وأخذوا يسترضون الأستاذ ويلاطفونه ، ويكسرون من شوكة حدّته وثورة نفسه الملتهبة .
وبعد خروجه معهم من الغرفة انفجرت ثورته من ذكر الحقائق المجهولة ، وراح يعدّد مراحلها النكراء ، ويظهر لهم أسبابها ومسبّباتها ، وأنّ الدافع إليها وإلى سجن الدكتور داهش وتجريده من جنسيّته هو لأنه جعل أنسباء الرئيس يؤمنون بمحمّد وقرآنه .
وكان عدد الموظّفين كبيراً هناك ، وأصغوا لحديث الأستاذ دمّوس بكلّ حذر وانتباه ، وبينهم كلّ من الكوميسار أحمد البلطجي والمفتّش ناصيف عطيّة ، وميشال زهّار ، ومحمّد جمعة ، وبهيج راشد عليوان ، وسواهم كثيرون ممن سمعوا بعض الحديث أو عرفوا عنه .
وهكذا فهم الجميع الأسباب والمسبّبات ونقلوها لجميع رفاقهم الجالسين في بقيّة الغُرف المجاورة . وهذا ما كان يتحاشاه بشارة وعائلة بشارة ، ولكنّهم باستدعائهم للأستاذ دمّوس ازدادت بقعة الزيت اتّساعاً مثلما اتّسع على الراتق الرقع .
ملاحظة : عندما بدأت وانتهت هذه المحاجّة في غرفة أبي جودة ، كان من حاضريها الحاجّ توما الموظّف المعروف ، فاسألوه فعنده الخبر اليقين “(138).
وفي رسالة بعث بها حليم إلى صاحب مجلّة ” المختصر”(139) بتاريخ نيسان عام 1947 يقول :
” بالأمس – 16 نيسان – حضر رجال التحرّي إلى منزل الرسالة الداهشيّة ، وقبضوا على الأخت ماري حدّاد وزوجها جورج حدّاد وصهرهما جوزيف حجّار واعتقلوهم .
واتّصلت تلفونيّاً بوزير الداخليّة ، وأفهمته سوء مغبّة هذا الأمر ، فأجابني :” إنّ النيابة العامّة نظّمت مذكّرة توقيف ضدّك وضدّ الدكتور فريد أبو سليمان “. فقلت ” مرحباً بالظلم يأتيني ويأتي إخواني في سبيل عقيدتي الراسخة “.
أكتب إليك هذه العجالة وأنا أتأهّب لدخول السجن مع إخواني وأخواتي بين الساعة والساعة ، في سبيل مبدإ نبيل نحيا في سبيله ، وثغورنا تبتسم . وإذا متنا جميعاً ، فعقيدتنا حيّة خالدة لا تموت ، ولن تموت ، لأنّها الحقّ ، وهل يفنى الحقّ ؟”(140).
ويبدو أنّ السلطة لم تتأخّر في توقيفه إذ أودع السجن في شهر أيّار . تقول مجلّة “الفجر”:
” في أيّار 1947 ، سُجن الشاعر حليم دمّوس بسجن الرمل في بيروت على أثر ملاحقة “الداهشيّين”. وقبل خروجه ، ودّع السجناء بهذه القصيدة ، وهي تنشر لأوّل مرّة في “الفجر” ومطلعها :
يا رفيق الروح زين الأصدقاء أنا في السجن رفيق البؤساء (141).
ويبدو أنه بقي مسجوناً حتى شهر تموز من السنة نفسها (142).
ز- تفرّغه للداهشيّة
في اليوم الثاني لاعتناق حليم دمّوس الداهشيّة ، أي في 14 أيار 1942 ، وعلى أثر الزيارة الأولى ، أصبح الشاعر الزحليّ مؤرّخ الوقائع الداهشيّة ( بعد الأديب يوسف الحاجّ الذي استمرّ في التأريخ من 23 آذار 1942 حتى 13 أيّار من السنة نفسها ), فإعطي اسم حسّان(143)، وصار يوقّع : حسّان حليم دمّوس .
دخل دار الداهشيّة ولازم مؤسّسها زهاء خمسة عشر عاماً اضطلع في أثنائها بمهامّ كثيرة :
أوّلاً – جنّد قلمه لتدوين الظاهرات الروحيّة التي عاينها ولمسها لمس اليد مع إخوانه في العقيدة الداهشيّة يوما فيوماً ، حتى ألّفت “الوقائع الداهشيّة”.
ثانياً- عقد شعراًً معظم المؤلّفات الأدبيّة التي كتبها الدكتور داهش حتى سنة وفاته 1957، وهي تزيد على العشرين مؤلّفاً .
ثالثاً- وضع مقدّمات لعدد من مؤلّفات الدكتور داهش .
رابعاً- كان يبيّض بخطّه الجميل كلّ ما يكتبه مؤسّس الداهشيّة ، وهو كثير جدّاً (144).
خامساً- كان ، إضافةً ، إلى جميع أعماله ، يجمع قصاصات المجلاّت والجرائد التي يقرأها الدكتور داهش ، فيؤرّخها ويضعها في مجلّدات ضخام .
سادساً- راسل عدداً كبيراً من الأشخاص ليعرّفهم بالداهشيّة أو بقضيّة الاضطهاد الذي شُنّ على الدكتور داهش وعلى دعوته . نذكر منهم : نسيب البكري أحد نوّاب دمشق (145)، وروبي روبنصن(146)، وسليمان ظاهر(147)، ورئيس تحرير مجلّة الجامعة السريانيّة فريد نزها (148) وجبران مسّوح صاحب “المختصر”(149) وسامي الكيالي …(150).
كما راسل عدداً كبيراً من الشعراء والأدباء والصحفيّين ، وكانت رسائله بمثابة ردود على المهاجمين للدفاع عن الدكتور داهش .
سابعاً – كان يساعد في نشر مؤلّفات الدكتور داهش ، ويوزّع نُسخاً من كتبه التي تُبصر النور فيهديها إلى الأدباء والكتّاب والصحفيّين ، فيبدون آراءهم بالمؤلّف والمُؤلّف (151).
ثامناً- بلغ من اهتمام حليم بشؤون الروح أنّه كان ينشر في بعض الصّحف العربيّة ، في المهجر مقالات عن الداهشيّة (152)، حتى قال له الدكتور جميل جبر :
” إنّ اهتمامك ، يا أستاذي العزيز ، مؤرّخ الرسالة الداهشيّة ، بشؤون الروح ، لممّا يثلج الصدر في زمن كثُر فيه عبّاد المادّة حتى أصبحوا الكميّة الساحقة في عالمنا الدنيويّ “(153).
تاسعاً- جمع آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين والأطبّاء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقُضاة بمؤسّس العقيدة الداهشيّة (154)، بين عامي 1944 و1948.
كذلك جمع باقةً من المراثي بمؤسّس الداهشيّة ، بعد أن أُعدمت “شخصيّته” في أذربيجان الايرانيّة في مطلع تمّوز 1947 ، بينما كان الدكتور داهش حيّاً يُرزق في منزله ببيروت يتابع نشر دعوته الداهشيّة (155).
كما جمع طائفة من الدراسات والخواطر والآراء والمقالات في أدب الدكتور داهش بعدما كان يُرسل إلى الصحفيّين والأدباء نُسخاً من كتب الدكتور داهش المطبوعة (156).
عاشراً- كان الشاعر دمّوس رسول الدكتور داهش إلى الصحفيّين والحكّام والأدباء ، وكان في ذهابه وإيابه مراقباً ، بل معرّضا لخطر الدولة . جاء في مجلّة “المختصر” عام 1947:
” إنّ الأستاذ حليم دمّوس كتب إلينا رسالةً بتاريخ 17 نيسان من هذه السنة ، وأخذها بيده إلى دائرة البريد ، ولكنّ رجال التجسّس السرّيين كانوا يقتفون أثره ، وهو غير عالم بذلك ، فما كاد يضع الرسالة في صندوق البريد وينصرف حتى أسرعوا واستولوا عليها …”(157).
حادي عشر- من مهامّ حليم أنّه كان يروي للزائرين معجزات الدكتور داهش ويهيّئهم لحضور الجلسات الروحيّة ، ويشرح لهم الدعوة الداهشيّة ، من أبرزهم الشيخ عبد الله العلايلي (158).
كما كان الحليم يبشّر بالداهشيّة أينما حلّ وكيفما اتّجه ، يذيع أنباء معجزاتها بجرأة وإيمان ، هنا وهنالك ، إلى إن قادته قدماه ، ذات يوم ، إلى عيادة النطاسيّ الشهير الدكتور جورج خبصا ، في شارع المعرض ، فعرّفه إلى الدكتور داهش ، وكان لقاء ، وكان المؤمن الثالث .
وتقول الأديبة ماري حدّاد :” كان الشاعر المُلهم حليم دمّوس أوّل من أوصل إلينا أخبار الدكتور داهش مكتسية بثوب غريب عجيب . كان ذلك الرجل الطيّب صادقاً لا يعرف الخبث إلى قلبه سبيلاً . أخبرنا بما رأت عينه وسمعت أذنه ، ولكن كان محالاً ، بادئ الأمر ، أن نتناول أنباءه بجديّة ، فكنّا نتابع الإصغاء إليه …غير أنّ إيمانه الوطيد بحقيقة ما يروي ، وتأكيده البطوليّ لصحّة ما يُخبر ، جعلانا ، على شكوكنا ، نتحسّس نبرة الصدق وهي تهدر في عباراته ، فقرّرنا زيارة الدكتور داهش (159).
وبعد زيارتهم لمؤسّس العقيدة ، اعتنقوا الداهشيّة . وكان للأديبة ماري حدّاد دور بطوليّ بارز ، أيّام الاضطهاد .
ويذكر عجاج نويهض أنّه اجتمع بالشاعر حليم في بيت المقدس عام 1944 . ويزيد قائلاً :” فكانت كلّ أحاديثه لي عن الداهشيّة ، وهو وقتئذ مستغرق فيها ، وهي شاغلته عن كلّ شيء ، سوى الشعر الروحانيّ “(160).
ثاني عشر- كان يلقي الخطب الداهشيّة وينشد القصائد التي يمدح بها النبيّ محمّداً ، وتعبقُ من كلماتها وحدة الأديان .
وقد دخل الجوامع – على حدّ قول مرافقيه جوزيف حجّار ، والدكتور فريد أبو سليمان – في بيروت (161) وطرابلس ودمشق (162) وحلب (163) والقاهرة (164).
لكنّ الخطبة التي أحدثت ضجّة عظيمة واستحساناً هي تلك التي ألقاها ، في الجامع العُمريّ بشارع المعرض ، وألحقها بقصيدة يقترن فيها أسم محمّد بالمسيح (165). وما إن انتهى من إنشادها حتى علا التصفيق ، وهرع إليه الحاضرون يقبّلونه ويهنّئونه ، حتى بلغ تأثّر بعضهم حدّ البُكاء .
وبعد مضيّ أسبوع ، دخل حليم وجوزف حجّار الجامع نفسه للاستماع إلى خطبة الجمعة ، فما كان من الشيخ إلاّ أن تعرّض للحليم وللداهشيّة .
وانتهت الخطبة ، وعلت أصوات الخارجين بين مدافع عن حليم ومؤيّد للشيخ ، إلاّ أنّ مناشير “محمّد سيّد الخلق” التي كان يوزّعها الدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد ، رجّحت كفّة الحليم .
ثالث عشر- كان الحليم يدخل المدارس ، ويلقي فيها بعض القصائد التي يفوح منها عبير الداهشيّة ، فيذكّر الناشئة بظلم رئيس الجمهوريّة الأسبق واضطهاده لمؤسّس الداهشيّة وأتباعه .
كتب توني سابا عائداً بذاكرته إلى تشرين الثاني 1956 في معهد لبنان ، بناية اللعازارية :
” وبينما كنّا نتابع أحد الدروس في الصفّ الخامس ثانوي ، يُطرَقُ الباب فجأة ، ثم يُفتح ، ويدخل غرفة صفّنا مدير المعهد الأب حنّا الفاخوري ، ومعه رجل كهلٌ ، مربوع القامة ، متهدّل الجسم . وقفنا . جلسنا . ومباشرةً راح الزائر المجهول يُلقي على مسامعنا قصيدة سياسيّة ضمّنها نقداً لاذعاً للشيخ بشارة خليل الخوري ، بينما صوته المتهدّج يرتفع بنبرة الثورة بل والحقد كلّما لفظ اسم الرئيس الراحل . انتهى .
هنّأه الأب حنّا الفاخوري وتطلّع بنا مبتسماً متسائلاً :” هل عرفتموه؟” وصمتنا نفياً . فقال :” إنّه الشاعر حليم دمّوس ، وهذه القصيدة واحدة من مجموعة فاضت بها قريحته وهو قابع في سجون العهد الماضي ، لا لشيء إلاّ لكونه من أتباع الدكتور داهش (166).
رابع عشر- كان يسافر إلى خارج لبنان للتبشير بالداهشيّة ، مع بعض إخوانه . وقد سافر إلى حلب ، بضع مرّات ، مع أخيه في العقيدة الأديب جوزيف حجّار ، فكانت تُقام لشرفهما حفلات في الجامع الكبير ، وجمعيّة البرّ والأخلاق الإسلاميّة ، والكليّة الخِسرويّة ، وجمعيّة الإخوان المسلمين وسواها .
وقد شرح الخطيبان في هذه الاحتفالات الخطابيّة ، وفي بعض المآدب التكريميّة أهداف الداهشيّة التي ترمي إلى توحيد الطوائف ، بدعوة العالم المسيحيّ إلى الاعتقاد بنبوءة محمّد وبالقرآن الكريم “(167).
خامس عشر- أدّى حليم دوراً خطيراً بارزاً في أثناء عمليّة اضطهاد الدكتور داهش . فقد كان يجتمع بأركان الدولة ، مدافعاً عن مؤسّس الداهشيّة ، وشارحاً دعوته . فعندما سقطت وزارة رياض الصلح ، ذهب الشاعر إلى منزل حبيب أبي شهلا وزير العدليّة السابق ، وعاتبه على توقيعه مرسوم الإبعاد . فاعترف بأنّه قام بهذا العمل نزولاً على طلب بشارة الخوري وزوجته ، وتحقيقاً لأملهما وسعيهما المتواصل (168).
كذلك اجتمع بالوزير يوسف سالم مطالباً بإعادة الجنسيّة إلى الدكتور داهش (169).
وإثر صدور مرسوم تجريد الدكتور داهش من الجنسيّة اللبنانيّة ، رفع دعوى على رئيس الوزارة ووزير الداخليّة ، بصفته وكيلاً شرعيّاً للدكتور داهش “(170).
كما قام بزيارة البطريرك الماروني (171)، وتوفيق عوّاد (172)، وإدوار أبي جودة (173) مدير الأمن العامّ ، وحبيب أبي شهلا (174)، ونجيب ليان مدير قلم المطبوعات (175) ، كما اجتمع بالقاصد الرسوليّ ، والكردينال تبّوتي ، والمطران مبارك ، فحذّرهم وأنذرهم أنّه سينشر فضائح شخصيّة عنهم لا تسرُّهم بشيء ، لأنّه تأكّد له أنهم تآمروا على الدكتور داهش (176)؛ كما رفع قضيّة على منير وهيبة (177)، بسبب كتاباته المفترية على الدكتور داهش .
ومن بين الذين اجتمع بهم بخصوص قضيّة الداهشيّة الفنّان قيصر الجميّل (178).
كذلك كان يجيب الصّحفيّين على مقالاتهم التي يختلقون فيها الأكاذيب ضدّ مؤسّس الداهشيّة (179).
وبعث الشاعر دمّوس بعريضة شكوى إلى السيّد صبري حماده بخصوص سماح الحكومة بنشر الحملات والافتراءات على صفحات الجرائد ضدّ الداهشيّين ومنع هؤلاء من نشر أيّة كلمة دفاعيّة عن أنفسهم (180).
وبتاريخ 3 كانون الثاني 1945 قصد وكيل الدكتور داهش دائرة البوليس المركزيّة ، واجتمع بعُمر طبّارة ومحمّد علي فيّاض وعارف إبراهيم ، وأخبرهم بأنّه سيرفع قضيّة عليهم تنظُر فيها محكمة الجزاء (181).
ح- علاقته بأهله بعد اعتناقه الداهشيّة
أحبّ الحليم أفراد عائلته حُبّاً جمّاً ، وأتى على ذكرهم مراراً ، كما سلف أن ذكرت ؛ ولأنّه أحبّهم ، فقد أراد أن يفهمهم الحقائق الروحيّة والتعاليم السماويّة ، علّهم ينعمون بما أُنهم عليه ، ويعتنقون عقيدته فيهتدوا كما اهتدى . لكنّ محاولاته كانت عبثاً ؛ إذ جافوه ، ولم تثمر مساعيه إلى حفر هوّة تزداد عمقاً كلّما استقى الحليم الداهشيّ من النبع الروحانيّ وحاول إرواءهم . فهل يقنعهم بالقوّة ؟ ويجيب الحليم الحكيم : ” من الحماقة أن تُقنع سواك بكلّ ما تؤمن به أنت”(182). إذاً فليتركهم يعيشون على هواهم ، وليعش كما يريد ، ولن يلوم أحداً :” لماذا تلوم دودة العراء إذا لم تحلّق كنسر الفضاء ؟”(183).
لكنّه مع هذا كلّه ، يبدو حنينه إليهم في مختارات من شعره المنظوم قبل الداهشيّة وبعدها “(184).
وتردّد عليهم بضعة أشهر ، بعد اعتناقه الداهشيّة ، على حدّ قول الدكتور فريد أبو سليمان ، وبما أنّهم لم يستجيبوا طلبه ، بل تصامّوا عن نداءاته الروحيّة لهم ، فقد تركهم وشأنهم .
ط- وفاته
توفّي الحليم بعد حياة فائضة بالعطاء الأدبيّ ، زاخرة بالنشاط الروحيّ ، وبعد أن أذبله جهاده في سبيل معتقده الداهشيّ الراسخ .
وقد اختطف الموت الشاعر في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة الواقع في 27 أيلول 1957 في مستشفى الجامعة الأمريكيّة ، وله من العمر 72 سنة ، بعد أن أجريت له عمليّة جراحيّة لاستئصال أورام سرطانيّة في كبده (185).
وقد ألمع نقيب الصحافة الأستاذ زهير عسيران إلى البذل والإجهاد اللذين اعتصراه حيث قال :
“…. إنّها هذه مشاكلنا ، هي التي كان شاعرنا يعيشها منذ ربع قرن ، كانت تضغط على صدره فتخرج مجروحة وصائحة ، كانت قلقاً مصيريّاً يمتصّ أعصابه ودمه ، مشت له إلى المصحّ هالك الجسد لكن عظيم الروح “(186).
وإنّه لجدير بالذكر أن أورد هنا وصيّة الحليم الداهشيّ ، إذ قال فيها :
” أنا حليم إبراهيم دمّوس الداهشيّ ، أطلب أن أدفن بطريقة متواضعة لا بهارج تحيطها ولا فخفخة مصطنعة تكبّلها تكبيلاً لتضفي عليها كبرياء مزيفة تكرهها نفسي وتعافها روحي ، وذلك بعدما استقرّت تعاليم الداهشيّة في قرارة نفسي ، وامتزجت بروحي فخلقتني شخصاً جديداً بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى ومبنى .
إنّ هذه التعاليم السامية تأمر بالتواضع التامّ وتنهى عن الكبرياء اللئيمة رأس الغرور ، وأمّ المعاصي والشرور .
فإذا لم يرضخ أهلي لرغبتي فإنّني ألعنهم من أعماق رمسي . حتى من وراء عالم الغيب ستلحقهم لعنتي التي أصبّها عليهم صبّاً لا رحمة فيه ، ولا شفقة تشفع فيه ، لأنّهم إذ ذاك يكونون قد أشبعوا غرورهم الدنيويّ الباطل على حساب جثّتي التي تكون ، ساعتذاك ، قد انطلقت منها روحي ، ليحاسبها الديّان على ما اقترفته من شرّ وخير . والله العليّ القدير بيده أمر حسابي وعقابي حسب استحقاقي . فبأمره أتيت إلى عالم الأرض ، وبأمره أعود إلى عالم الروح “(187)
لكنّ أفراد أسرته رفضوا العمل بوصيّته ، فصلّي على جثمانه في احتفال كنسيّ كبير . وفي أثناء ذلك تعرّض رجال الدين بالتجريح للعقيدة الداهشيّة التي آمن بها الحليم إيماناً راسخاً ، ووقف حياته على التبشير بها والدفاع المستميت عن مؤسّسها . وقد دفنت جثّته في “مقابر البيادر” في زحلة .
ي- مهرجان حليم دمّوس
أقام نادي النهضة الزحليّة مهرجان إحياء الذكرى التاسعة لحليم دمّوس (1957-1966) في قاعة سينما أمبير – زحلة ، قبل ظهر يوم الأحد الواقع في 2 تشرين الأوّل 1966(188).
وقد اشترك في هذا الاحتفال كلّ من السادة : شوقي فاخوري ، زهير عسيران ، موسى المعلوف ، فوزي سابا، غازي براكس ، خليل فرحات ، والشيخ عبد الله العلايلي ، وأذيعت مقتطفات من شعر الشاعر .
وقد حضر هذا المهرجان حشد غفير من محبّي أدب الحليم ، والمناصرين لعقيدته (189).
تلك كانت حياة حليم دمّوس . ذاعت شهرته بين الناس ، أيّام كان شاعر مناسبات ومجاملات ، أيّام كان منخرطاً في جمعيّاتهم ، مرتاداً أنديتهم ومجامعهم ، يدغدغ غرورهم ، وينقر على أوتار تروقهم نغماتها . لكن حينما بدأ زهده ، منسحباً من الحياة الدنيويّة ، راغباً عن شهوات الناس وميولهم ، موجّهاً شعره إلى عالم الروح والقيم السامية ، فقد غفل الناس عنه ، بل أغفلوه ، حتى كان المهرجان التكريميّ الذي كان بداية لإعادة الاعتبار إليه . شاعر مثل حليم عاش حياتين ، وتقلّب في عهدين ، لا بدّ أن تكون له شخصيّة مميّزة جديرة بالدرس . فكيف كانت شخصيّته ؟
الشاعر حليم دمّوس
تمهيد
للشخصيّة تحديدات مختلفة ، لكنّ معظمها يوضّح أنّ الإنسان مزوّد بمادّة خام ، وراثيّة أو فطريّة ، وخصائص مختلفة تكوّنها عوامل البيئة بمختلف وجوهها . فهو ” بعد أن تتقدّم به الحياة فترةً ما ، ينمّي تراكيب سيكولوجيّة فريدة تجعله يستجيب بصورة مختلفة إلى حدّ ما عن أيّ شخص آخر في نفس الموقف . وعلى ذلك ، فإلى جانب المثيرات البيئيّة التي يتعرّض لها الناس ،فإنّ تراكيبهم السيكولوجيّة المختلفة يجب أن تدرك كمحدّد هامّ لكيفيّة سلوكهم “(190).
والشخصيّة تتكوّن من مجموعة سمات سيكولوجيّة . وإذا كانت هذه السمات هي أنماط السلوك التي تصف شخصاً ما بطابع ثابت لمراحل مديدة من حياته ، فإنّها عبارة عن مفاهيم ” تشير إلى نزعات للفعل أو الاستجابة بطرق معيّنة . وهناك سمات الدافع التي تشير إلى أنواع الأهداف التي يتّجه نحوها السلوك ، وسمات القدرة التي تُشير إلى القدرات والمهارات العامّة والخاصّة ، والسمات المزاجيّة كالنزعة إلى التفاؤل والاكتئاب والنشاط وغيرها ، والسّمات الأسلوبيّة التي تتضمّن الإيماءات وأساليب السلوك والتفكير غير المرتبطة وظيفيّاً بأهداف هذا السلوك “(191).
إنطلاقاً من هذه القاعدة الإيضاحيّة ، يحسن أن يُتّبع في دراسة شخصيّة حليم دمّوس منهج السّمات السيكولوجيّة . وقد استرعى انتباهي أنّ عدداً من هذه السمات احتفظ بخطّ ثابت اخترق حياته بمرحلتيها ، فلم يتغيّر بتغيّر المواقف والاتّجاهات ، وهو يشمل سمات القدرة والمزاج والأساليب السلوكيّة والتفكيريّة والتعبيريّة . في حين أنّ سمات الدوافع أصابها التطوّر والتبذّل لارتباطها بالمثل العليا التي تغيّرت لدى الشاعر بتغيّر انتمائه العقديّ واتّجاهاته النفسيّة . فبينما كانت الماسونيّة تلقي ظلّها على المرحلة الأولى ، طابعة شخصيّته بطابعها ، إذا بالداهشيّة تُلقي ضوءها على المرحلة الثانية ، صاهرة شخصيّته بحرارتها .
وتبعاً لذلك رأيت أن تقسم دراسة شخصيّته قسمين رئيسين : الأوّل تُعرض فيه سماته النفسيّة الثابتة ، والثاني تعالج فيه سماته المتطوّرة .
أوّلاً :
سماته النفسيّة الثابتة
أ- سمات القدرة :
أبرز سمات القدرة التي تعنينا في هذا المجال اثنتان : الاستعداد الأدبيّ والاستعداد الخطابيّ ، وكلتاهما طبعتا شخصيّة الحليم بطابع لا يمحى طوال حياته .
أمّا الاستعداد الأدبيّ ، فراجح الظنّ أنّ له جذوراً نفسيّة وراثيّة نلقاها عند والده . فإبراهيم دمّوس كان “قوّال معنّى”. وقد أثّر في تعزيز روح الشاعريّة في نفس ابنه ، إذ كان يسمعه – وهو دون العاشرة من عمره – مقطّعات وأناشيد من الشعر الشعبيّ على نغم “المعنى”، فنبّه خاطره إلى الشعر . يقول حليم ، بإعجاب ، عن أبيه :” ولو تحوّلت معانيه الزجليّة إلى شعر فصيح ، لكان لها عند عشّاق المعاني الوقع الحسن والمقام الرفيع “(192).
وقد وقع بين يديّ كرّاس لإبراهيم دمّوس ، عنوانه “زيارة القدس الشريف سنة 1899″، ومن يطالعه يستشفّ منه الأسلوب الأدبيّ والخطّ الجميل . وليس مستبعداً أن يكون استعداد حليم للخطّ الجميل له جذوره في خطّ والده (193).
ويبدو أنّ استعداده الأدبيّ برز منذ صباه ، إذ كان ما يزال على مقاعد الدراسة . فقد اجتذب أسلوبه الأدبيّ وتفوّقه على رفاقه اهتمام أساتذته وانتباه بعض الأدباء ، فجرجس همّام (1856-1921) الذي يقول عنه شاعرنا :” بفضله ظهرت وبأنوار علمه استنرت “(194)، ما إن اطّلع على ديوان تلميذه الذي صدر سنة 1919 بطبعته الأولى ، حتى كتب إليه قائلاً :” نعلم من أيّام تخرّجكم في المدرسة أنّكم امتزتم عن أقرانكم قبل سنّ التمييز ، وحام خاطركم وقتئذ على صوغ القريض ، فجاش صدركم وفاضت قريحتكم به مراراً . وجاء منظومكم دليلاً ناطقاً بالاستعداد الفطريّ ، وصفاء الذهن ، وسلامة الذوق ، وكان لكم من غريزتكم الشعريّة وسعة المدارك في العلوم بعد ذلك أصدق نصير ، وأوفى مدد . فلا غرو إن أطلقتم العنان ، هذه الأيّام ، لجواد القريحة ، وزاحمتم فوارس الشعر في حلبة الخيال ، فسموتم إلى مرتبة شعراء العصر المعدودين في لطف التخيّل وحسن السّبك وبراعة النظم (195).
ويجدر بالذكر أنّ الشيخ إبراهيم اليازجيّ بعث برسالة إلى رئيس الكليّة الشرقيّة بولس كفوري ، بعدما انتقد حليم – وهو ما يزال تلميذاً – مقالات نُشرت في عدد من مجلة “الضياء” . وقد أشار فيها إلى نجابة حليم وسروره بانتقاده الأدبيّ . وقد ألمعت إلى ذلك ، في أثناء كلامي على حليم “التلميذ النابه”(196).
ويذكر حليم أنّه نظم الشعر في العاشرة من عمره ، قبل أن يتعلّم أصوله على أستاذيه جرجس همّام وعيسى اسكندر المعلوف (1869-1956)(197). وقد تجلّت سليقة الشعر فيه بالسهولة والسرعة الكبيرتين في نظمه ، حتى كاد الشعر والنثر يتساويان عنده في مقدار الجهد المبذول (198).
وقد تجلّى شغف الحليم باللغة العربيّة في قصائده المتعدّدة التي غنّى فيها لغة الضاد . وفي ظنّي أن ليس من شاعر عشق العربيّة ، وتغنّى بها ، وأبرز مزاياها وفضائلها ، ودعا إلى صونها ، وآثرها على جميع اللغات ، وأحاطها بمظاهر الجمال والجلال كحليم دمّوس ، حتى إنّه ليُنكر ابنه إذا لم يعشقها :
“….وأنت يا ولدي يا من أحبّ ومن أهفو له كلّما وجه الصباح بدا
لا تعشقنّ سوى أم اللغات ، وكن فيها ، كما أتمنّى ، شاعراً غردا
فإن نشأت ولم تعشق بلاغتها لا كنت لي أملاً ، لا كنت لي ولدا (199).
وقد نمّت هذا الاستعداد الأدبيّ البارز في شخصيّة حليم روافد ثقافيّة متعدّدة :
ففضلاً عن ثقافته العربيّة ، مدّته مدرسته “الشرقيّة” بالثقافة الفرنسيّة التي تتجلّى آثارها في ترجمته لرواية ” في سبيل التاج” لفرنسوا كوبه (200)، وفي قصائد أو مقتطفات شعريّة ، نقلها نظماً إلى العربيّة (201).
كما مَدّته إقامته في البرازيل (1905-1908) باللغة البرتغاليّة ، فنقل بعض القصائد منها إلى العربيّة ، خصوصاً للشاعر البرازيلي كازيميرو دو أبراو DO ABREU CASIMIRO(202) الذي يعترف حليم بأنّه ” ولع ولعاً شديداً بمطالعة آثاره … واستفاد عدّة أساليب وتخيّلات شعريّة من منظوماته “(203). وقد نشر طائفة ممّا ترجم في صحف الوطن والمهجر . وربّما زاد الشاعر الزحليّ تعلّقاً بكازمير نقاط التشابه الكثيرة بينهما (204).
ومن أبرز الأدلّة على ثقافته المتعدّدة الألسن المقال المستفيض الذي عقده حول “الشعر والشعراء” جامعاً فيه آراء وتحديدات كثيرة اقتبسها من خمسة وسبعين أديباً (205). وقد علّق الأستاذ عجاج نويهض عليه بقوله :
” ولا نعلم شاعراً أو أديباً آخر في العربيّة أتى بمثل هذا السّلك الجديد النوع من حبّات عقود تجاورت فتآخت ، فكان منها هذا المقال النفيس ، تقرأه فتحسبه لأديب ما وهو لخمسة وسبعين أديباً ، كلّ أديب له سهم فيه . كان الشعراء في القرن الماضي إذا تعالوا وتباهوا في فنون الشعر ، أتوا بأبيات على حساب الجمّل تتضمّن تاريخاً . ونرى عمل حليم دمّوس هنا إبداعاً ، فإنّه بهذه الطريقة المبتكرة ، سبق وغبّر ، وجدّد وغيّر . ومن أولئك الأدباء والشعراء نحو عشرة تكرّر الاقتباس منهم من مرّة إلى عشر مرّات “(206).
ومما لا ريب فيه أنّ تكوين حليم دمّوس الثقافيّ الذي بلور استعداده الأدبيّ أسهمت في صوغه بيئات متداخلة بمختلف وجوهها الطبيعيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ، وهي : المجال الزحليّ ، والمجال اللبنانيّ ، والمجال العربيّ ، والمجال العالميّ ، علماً بأنّ المحيط الذي يعنينا هو الذي كان له تأثير في أدبه ، “ذلك بأنّ بيئة المرء الحقيقيّة لا يدخل فيها إلاّ ما له تأثير في خبرات الفرد الشخصيّة “(207).
فزحلة ، مسقط رأس الحليم ، كانت مسرحاً لذكريات صباه وشبابه ، ومن طبيعتها الجميلة اختزن أبهى الصّور وألطف المشاهد ، وطالما جوّل خياله بين برودنيّها العذب الخرير ، ودواليها الذهبيّة ، وأشجارها المتنوّعة ، ومتنزّهاتها الجذّابة ، وطيورها الصدّاحة ، ورياضها الغنّاء ، وعيونها الدفّاقة ، وهوائها الطيّب ، وسمائها الصافية ، وظبائها السارحة ، فظهر كلّ ذلك في شعره (208).
ومن الطبيعي أن تؤثّر في نفسه ، وبالتالي في أدبه ، الروايات التي كان يتناقلها الزحليّون وكتب التاريخ آنذاك (209) عن الأحداث الحزبيّة والطائفيّة التي شهدتها زحلة في القرن التاسع عشر ، ولا سيّما مذابح سنة 1860 ” التي ارتعدت لها فرائص الإنسانيّة جزعاً”(210). غير أنّ تلك الحوادث لم تكن سلبيّة التأثير في نفسه ، بل ألهبت فيه روح التسامح الطائفيّ ، ورغبة شديدة لتوحيد الأديان كوّنت فيه أحد الجذور الروحيّة للمرحلة الداهشيّة (211).
أمّا المجال اللبنانيّ فأهمّ ما رفد به تجربة الشاعر الفكريّة الوجدانيّة ثورته على الفساد والتفسّخ والتخلّف التي كانت مستشرية في ربوع وطنه ، ثم ثورته على طغيان السياسيّ والدينيّ في عهد الشيخ بشارة الخوري ، وهو ما سيشكّل محوراً من محاور أدبه في المرحلة الداهشيّة (212).
في حين أنّ المجال العربيّ مدّه بتراث السّلف المجيد ، فأفاض تغنّياً به وافتخاراً واستنهاض همم لاستعادة الأمجاد (213) وبين الكثيرين من ممدوحيه الباهتي الوجوه ، أشرقت صورة فيصل بطلاً عربيّاً تعقد عليه الآمال الكبار (214)، كما أضاءت وجوه جبران (215) والمتنبّي (216) وابن سينا (217).
وأمّا المجال العالميّ فأهمّ ما مدّه به أحداث الحربين العالميّتين وما خلّفتاه من فواجع ونكبات صوادع (218).
أمّا استعداد حليم الخطابيّ ، فقد تضافرت على تعزيزه عدّة عوامل شخصيّة يمكن إجمالها : بتحكّمه باللغة العربيّة ، وسرعة خاطره ، وصوته الجهوريّ ، وحسن إلقائه ، وحرصه على طرق الأبواب التي تلقى هوىً في نفوس السامعين . وهذا العامل الأخير كان فعّال الأثر في نجاحه في الحفلات والأندية الاجتماعيّة والأدبيّة . ويبدو أنّ الحليم كان يدرك تماماً أهميّة هذا العامل ؛ فهو يقول في محاضرة (219) ألقاها في حفلة أقامها القسّ روبرت أوغرن ، مقارناً بين الصحافيّ والخطيب :” أمّا الخطيب فالويل له ثم الويل إذا طرق باباً لم يقع موقع الرضى والاستحسان في نفوس الحضور ، ولا سيّما والناس مختلفون أذواقاً وعقولاً كما هم مختلفون أشكالاً ووجوهاً على حدّ قول الشاعر :
مثلما نحن في اختلاف وجوه هكذا نحن في اختلاف عقول
والطابع الخطابيّ عنده شمل حتى الشعر ، فإنّك لا تقع عنده على شعر نُظم ليُقرأ بل ليُلقى ويغنّى . وقد تنبّه الأستاذ كرم ملحم كرم لذلك فقال :” وإنّ من يطالع ذلك الشعر الرصين ويسمعك تُلقيه على الجمهور يتمنّى لو كنت في جيش وطنيّ توقد الحماسة في الصدور “(220).
هذه الحماسة ليس مصدرها الموضوع بقدر ما مصدرها الصياغة الشعريّة الخطابيّة وجودة الإلقاء . فقصيدته التي ألقاها في تأبين أمير الشعراء في مصر بتاريخ 27 تشرين الثاني 1932 قوبلت ، على حدّ وصف جريدة “الشعب” المصريّة ، في كلّ بيت من أبياتها بالإعجاب والتصفيق “(221).
كذلك يصف علي حيدر النجاري إلقاءه قصيدته في مهرجان حافظ إبراهيم ، بمصر عام 1936 ، بقوله :” وبلغ الذروة في روعة إلقائه “(222).
فليس عجيباً إذا ، أن يُلقّب “ببلبل المنابر” أو “شاعر المنابر” على حدّ قول الرئيس فارس الخوري (223)، أو أن يُسمّى “الشاعر ذو الحنجرتين”(224).
ب- السِّمات المزاجيّة :
يمكن إجمال أهمّ هذه السمات في شخصيّة حليم بالجَلَد والنشاط ، وروح الدُّعابة والفُكاهة ، ونزعة انبساطيّة تفاؤليّة .
إنّ جَلَده ونشاطه يظهران في دأبه المتواصل على العمل والإنتاج ، لا يمنعه ولا يؤخّره تنقّله في البلدان ، ولا تقدّمه في العمر ، ولا تقلّب الأحوال وسيادة الطغيان . وهما يبرزان بأجلى مظهر في سنواته الخمس عشرة الأخيرة التي لازم فيها مؤسّس الداهشيّة ، إذ كان يعمل ، دونما كلال ولا ملال ، في ميادين كثيرة سبق تفصيلها في حياته .
وقد تنبّه فليكس فارس لهذه الناحية ، وما لها من تأثير إيجابيّ في شعره ،فقال : “وبقي دمّوس يتمشّى على مهل ، ونجمة إلهامه ساطعة فوق جبينه تزداد بالظلمات توهّجاً ولمعاناً . تعالى القلم الهادئ فوق اليأس ، واستقوى على النائبات ، فإذا ما حسبناه بروداً في دمّوس عند أوّل الطريق رصانة وجدّ وجَلَد : صفات سلّمته أعنّة الشعر وقد أفلتت من أيدي الكثيرين “(225).
أمّا روح الدُّعابة والفُكاهة ، فكانت غالبةً عليه ، حتى إنّ حبّه الظّرف كان يدفعه ، كلّما طرق سمعه حديث طريف إلى عقده شعراً يذكّرنا بدُعابات ابن الرومي (226). إسمعه يقول في دوام الموظّفين :
عبثاً تُفتّش عن دوام ثابت لموظّف ومعاشه مضمون
الشهر يمضي ثم يأتي غيره ومعاشه إن غاب فهو مصون
وإذا انتهى الشهر الأخير رأيته يجري لقبض المال وهو أمين
هذا حديث في السراي سمعته عند الصباح … وللحديث شُجون (227).
أمّا نزعته الانبساطيّة التفاؤليّة فتتجلّى ، في المرحلة الأولى ، بانتمائه لكثير من الجمعيّات ، وارتياده الجمّ من الأندية والحفلات ، ومجالسته أو مراسلته عددا وافراً من الأدباء (228) ، وحبّه مخالطة الناس ؛ وتظهر ، في المرحلة الثانية ، على العذاب والاضطهاد الذي عاناه ، بإيمانه الراسخ الوطيد بأنّ العقيدة التي يؤمن بها لا بدّ منتصرة ، وأنّ الليل مهما طال لا بدّ منجل .
ولعلّ من أفضل ما يمثّل نزعته تلك بيته القائل :
حسبي من الدهر أن ألقاه مبتسماً وإن تغيّر من حال إلى حال (229).
ج- السِّمات الأسلوبيّة :
يحسن أن تقسم قسمين : أساليب السلوك ، وهي تشمل عند الشاعر الجرأة والصدق والدماثة ، وأسلوب التعبير والتفكير وهو يضمّ الأسلوب الوعظيّ الحكميّ وعفّة اللسان .
وجرأة حليم دمّوس مشهورة مشهود لها ، فقبل العهد الداهشيّ كان ينتقد على صفحات “الأقلام” الذي يدافعون عن السيطرة الأجنبيّة ضدّ الحكم الوطنيّ ، ويهاجم بقلمه الحديديّ رجال السياسة المنحرفين في سوريا ولبنان ، واضعاً مصلحة الوطن فوق كلّ مصلحة (230).
وقد رأينا في العهد الداهشيّ ، بأيّة جرأة يواجه رئيس البوليس العدليّ ، ويجبه رجال الحكم . حتى إنّ سجنه لم يمنعه من التبشير بالداهشيّة داخل القضبان الحديديّة (231).
ومن أبرز مواقفه الجريئة أنه طلب بتاريخ 22 آذار 1946 تأشيرة دخول إلى فلسطين ، فأحيط رئيس الجمهوريّة الشيخ بشارة الخوري بالأمر ، فاتّصل بادوار أبي جودة طالباً منعه من السّفر . فهدّدهما حليم برسالة أنفذها إلى إدوار أبي جودة ، خاتماً إيّاها بالملاحظة التالية :
” إذا لم أُعطَ التصريح بالسّفر ، فإنّّني مستعدّ لأن أنشر بياناً بالحادث وأذيعه على الرأي العامّ كي يعلم ما هي مهازلكم الحقيرة . كما إنّني سأبلغ الصّحف المحليّة والخارجيّة بتفاصيل هذه المهزلة الملوّثة “(232).
فحليم هادئ ، مُسالم ،” لكنّه في قضيّة داهش يتحمّس كثيراً ، وينقلب من خروف أنيس إلى نمر ، فتظهر فيه غيرته على الحقّ ، كما يظهر اعتقاده الراسخ بعقيدة داهش “(233).
أمّا صدق الحليم فيشهد له كلّ من عرفه . فلم يكن قلبه يعرف الغشّ أو الخبث أو الخداع . كان صريح اللسان والمعتقد ، حتى إنّ صراحته الخالصة كانت تجني عليه أحياناً (234). وقد لازم الصدق شخصيّته منذ عنفوان شبابه ، فتغنّى به في عدد من قصائده (235)، وأهاب بامرأته أن تغرسه في أولاده (236). وصدقه هو الذي غرس الوفاء في نفسه لمدرسته وأساتذته ، والإخلاص لأصدقائه .
فقد أحبّ مدرسته الشرقيّة ، وأشاد بفضل معلّميه ، وأقرّ بجميلهم ، فنظم قصائد الشوق والحنين للمعهد الذي غذاه بلبان العلم :
فكيف يجحد مثلي فضل مدرسة تسير في دمه دوماً مباديها ؟(237).
بل إنّه حافظ على إخلاصه لخلاّته حتى بعد انقلابهم عليه :
حسبي من الدهر إخلاصي لمن غدروا حسبي ابتسامي لحسّادي وعُذّالي (238)
إنّها نقاوة السريرة ، وخلوص النيّة ، وبساطة النفس رافقته طوال حياته . ولعلّها ساعدته في التحلّي الدائم بدماثة الطبع ، فكان لطيفاً في مجالسه وأحاديثه ، متسامحاً مع مخالفيه في العقيدة والمسيئين إليه :
أنا أهوى ، ما عشت قتل التعصّب أنا أهوى الإخاء والحُرّيّة (239).
إنّها محبّته الغامرة نفحته بالأناة والحلم ، فعشق السلام وكره الحرب :
نفسي على حبّ الورى نشأت واعتادت الإخلاص والحلما
توّاقة للخير مذ خلقت تهوى السلام وتعشق العِلما (240)
تلك أساليب السلوك عند حليم ، لم تتقلّب بتقلّب الزمان ، ولم يغيّرها مجرى الحدثان ، لأنّها سمات نفسيّة لازمة لازبة . ونظيرها في الديمومة أسلوب التعبير والتفكير عنده . فعفّة لسانه يعرفها كلّ من جالسه أو مازحه أو عاشره . وكثيراً ما كان إخوانه يستثيرونه أو يستفزّونه علّ كلمة نابية تخرج من فيه ، لكنّهم لم يظفروا منه إلاّ بالصبر والحلم وبكلّ حلوة من بنات الشّفاه (241).
ومن خير ما يمثّل سماته المحمودة تلك قول فيه لصديقه الأديب الرياشي ، إذ خاطبه قائلاً :” أنت ، يا صديقي ، رقيق الأخلاق ، سليم النيّة ، عفيف اللسان ، محبّ الاتقان ، مجوّد الأعمال ، وهل يكون شعرك غير ممثّل صادق لهذه الأخلاق المحترمة ؟ ولهذا تطهّر قلبك من الهجاء والحقد والحماسة الخصوميّة والحرب والثورة ، فكان أقرب لشعر السلام والتقوى والدين (242).
أخيراً من سمات التعبير والتفكير التي لازمته ، منذ بواكير كتاباته حتى وفاته ، الأسلوب الوعظيّ الحكميّ ، فالمعانيّ الحكميّة تبرز في شعره منذ عنفوان شبابه . وليس غريباً أن يقول الشعراء الحكمة وينثروها في تضاعيف نظمهم ، لكنّ الغريب في أن يهتمّ بها شاعر فتيّ ، فتصبح أحد المجاري المهمّة التي ينساب شعره فيها وهو ما يزال طريء العود . فعهدنا بالشيوخ ، أو على الأقلّ بالكهول من الشعراء ، يُعنون بالحكمة . ولكن ، أن تصبح الحكمة من ميزات شاعر بين العشرين والخامسة والثلاثين من عمره ، فهذا يعني أنّ كيانه النفسيّ يتميّز باستعداد روحيّ لن يطول له الزمن حتى ينضج ويؤتى أكله .
والحكم والخواطر التي تنتثر في ديوانه (243) تغلب عليها المعاني العقليّة ، وفي معظمها حثّ على الفضيلة والصلاح ، وذمّ للرذيلة ، ممّا يؤكّد أن خطّ حليم الحِكميّ الذي رافقه منذ إبّان شبابه حتى شيخوخته ، إنّما هو خطّ روحانيّ أملاه عليه سيّال راق ، سيّال كان يُذكر بوجوده من حين إلى آخر في عهده الأوّل الذي طغت عليه النزعة الماديّة ثم أصبحت له الهيمنة في عهده الثاني حينما تعزّز بطاقة روحيّة رفدته بها الداهشيّة وجلساتها الروحيّة .
إذ هذه الشرارات ما هي إلاّ للنزعة الروحيّة الإنسانيّة التي ظهرت في اعتناقه الداهشيّة عام 1942 .
وكما في الديوان ، كذلك في جزءي ” مثالثه ومثانيه ” تتلألأ حِكَمُه وخواطره (244). وتعبق “رباعيّاته وتأمّلاته ” بالحكم ، أيضاً ، فرباعيّاته “الشعريّة فائضة بالإلهام والجمال والروح والفنّ ، و(تأمّلاته) النثريّة منهملة بالحكمة العميقة والوعي النافذ والإيمان الصافي صفاء الملاك المجنّح بإشراق الوحي وطهر السماء “(245).
وقد قال نقولا حدّاد في حليم الحكيم :
” فهنيئاً أيّها الشاعر المفطور بما بلغ إليه خيالك من السّموّ ، وما أحاطت به بلاغتك من آيات الحكمة “(246).
ثانياً:
سماته النّفسيّة المتطوّرة
إذا كانت السّمات السيكولوجيّة الخاصّة بالقدرة والمزاج ، وأساليب السلوك والتعبير والتفكير ، سمات ثابتة في الإنسان ، أو على الأقلّ تنزع إلى الثبات – كما الحال عند حليم – فإنّ الدوافع النفسيّة الواعية التي تفيض عنها العواطف والنزعات والرغبات تكون عادةً ، متطوّرة ، تتأثّر بظروف الحياة والطوارئ النفسيّة .
ودوافع الإنسان الواعية ، وبالتالي اتّجاهاته في الحياة ونظرته للأشياء والقيم ، شديدة التأثّر بالمثل الأعلى الذي يتّخذه (247):” فالذات لا يوحّد قواها الحيويّة في كلّ متناغم ، ولا يشكّل المنبّه المناسب لها الذي يحرّكها نحو الاكتمال إلاّ المثل الأعلى . غير أنّ الإرادة لا تُلبّي نداء أيّ مثل أعلى عرض لها ، فهي تعصى المثل العُليا المنافية لطبيعة الذات وجبلتها . ولذا كان لكلّ شخصيّة مثلُها الأعلى الخاصّ الكفيل بتنبيه نشاطها . بيد أنّ المثل الأعلى قد يثير الذات ، أحياناً ، ويوهمها بأنّه سيبلغها درجة التحقّق المعافى ، وبالتالي السلام ، لكنّه ، في الواقع ، يبقيها بعيدة عن المحجّة المرتجاة ، ويقتصر فضله على تحريك طاقات الإنسان ، إذ يبدو لعينيه محرّكاً صادقاً ومنبّهاً مناسباً في حين أنّه ، أصلاً ، زائف ، كاذب “(248).
فحليم دمّوس ما إن استقلّ وجدانيّاً وعاطفيّاً عن أمّه وأبيه ، وبدأ يخوض الحياة الاجتماعيّة ، حتى واجهته الماسونيّة ، وهو في ريعان الشباب ، فاجتذبته ، مُشبعةً فيه دافعاً أساسيّاً قويّاً هو حبّ الظهور والشهرة ، لا سيّما أن هالة دعائيّة عُقدت حول الماسونيّة بأنّها ملتقى الأكابر والمشاهير (249). فرأى فيها مثلاً أعلى له ، استوحى منه قيمه ومواقفه وآراءه ، ونظرته إلى الأشياء ، طوال المدّة التي فصلته عن حدوث التحوّل النفسيّ الكبير فيه باعتناقه الداهشيّة واتّخاذه مؤسّسها مثلاً أعلى له .
أ- مرحلة الماسونيّة:
منطلق حليم في هذه المرحلة كان مفهوماً خاصّاً للمطلق تبنّاه . والمطلق رمز ينطوي على مجموعة من القيم العليا والمعاني السامية . بعضهم ينظر إليه نظرة صحيحة فيراه نقيض الجزئيّ والنسبيّ والمتحوّل ، ويسمّيه الله أو القدرة الموجدة ، أو ما شابه ، وبعضهم يرى فيه الحياة أو الطبيعة أو الدولة أو الأمّة أو غير ذلك ممّا ليس فيه الكمال ولا الثبات ولا معنى الإطلاق الصحيح . وكلّ في ما يذهب إليه يودع “مطلقه” الأمل ، ويجعله نقطة ارتكازه ، ومعقد أحلامه وأشواقه ، ومنبع قيمه (250).
وإنّه لبيّن لدارس أدب الحليم أنّ الشعر برز في مرحلته السابقة للداهشيّة قيمة عليا وقوّة سامية لا تجاريها أيّة قيمة أو قوّة ، بل أصبح الشعر ، عنده ، البداية والنهاية ، وغدا الشاعر فكرة الأزليّ وكلمة الأبديّ :” يا خافقاً في كلّ جنان وماثلاً في كلّ مكان ، سر كما تشاء ، فأنت الألف وأنت الياء “(251).
ولعمري إنّما الصفات التي يطلقها حليم على الشعر والشاعر هي صفات المطلق ذاته بكماله وأزليّته وأبديّته وملئه الحياة بحضوره الدائم .
وكأنّما تعبّد حليم للشعر في مرحلة الماسونيّة هو تعبّد لذاته التي كان يكرمها ويجلّها بإجلاله الشعر ، فانظر إلى قوله هذا :
الشعر موهبة علياء ما هبطت إلاّ على نابغ في وحيه ثمل (252)
وإسباغه على الشعر صفات المطلق يشبع دافعه القويّ في هذه المرحلة المتمثّل بحبّه المحموم للظهور والشهرة . فكما الخالق عزّ وجلّ يتّجه الإنسان المؤمن إليه ليحقّق له أمنياته وآماله ، فالشعر كان حليم يتوجّه إليه ليحقّق فيه رغباته وأحلامه ، وأغلاها جميعاً كان هوسه بالاشتهار بين الناس . ولذلك نراه يعالج من فنون الشعر ما يحقّق له بغيته .
فقد كان يدرك أنّ المدح والرثاء فنّان تقليديّان لا يجدر بالشاعر الكبير أن يقف لهما جُلّ شعره (253)؛ كما كان يعي تماماً مجالات الشعر الوجدانيّة في الحياة والطبيعة ، وليست نادرة محاولاته التجديديّة فيها ؛ ولكنّه مع ذلك ، لا يتخلّى عن المدح والرثاء – وإن متكلّفاً كاذباً – وعن شعر المناسبات الأخرى . فكأنما تدفّق أنهار هذه الفنون التقليديّة قوة ضاغطة لا قبل له على ردّها . فإدراكه كان يُهيب به للتخلّي عنها ، وحبّ الظهور المحموم كان يدفعه دفعاً قاهراً لكلّ موقف يمدّ توقه الشديد إلى الشهرة بالغذاء ، وليس لذلك أفضل من المواقف “الجماهيريّة “.
حتى إنّنا لنرى حبّ الظهور عنده يتجلّى في كيفيّة إخراج كتبه وتصديرها بصوره ، والتوسّل بنماذج من خطوط المشاهير أو رجال الدين والدنيا لاجتذاب بضعة أسطر تدور معانيها حول شاعريّته أو شخصه . وإنّ ملأه “المثالث والمثاني ” في حزءيه بصور رجال المال والإعمال، فضلاً عن أهل الدين والأدب ، إنّما يؤكّد هوسه بسيرورة شعره في مختلف الأوساط بأيّ أسلوب أو ثمن . والدافع نفسه أراه يكمن وراء انخراطه في الجمعيّات الكثيرة ، واشتراكه بالمهرجانات والحفلات وكلّ ما يشكّل مناسبة لإلقاء محاضرة أو قصيدة أو خطبة .
كلّ ذلك سنراه يتخلّى عنه في المرحلة الثانية ، بعد اعتناقه الداهشيّة .
ويمكن إجمال القيم العليا التي سادت عهده الماسونيّ بسبعة أركان رأى أنّها باجتماعها تولّد السعادة ، ولذلك سمّاها “ثريّا السعادة” ، ونجومها هي الصحّة والمال والإيمان والعلم والأخلاق الحميدة والاستقلال والعائلة (254).
أمّا الصحّة فحليم يُلقي نصائح في كيفيّة الاحتفاظ بها عن طريق تأمين نقيّ الهواء ، وعذب الماء ، ونظافة الرداء ، وجودة الغذاء ، والابتعاد عن التدخين والصهباء . ومضارّ التدخين والخمرة كتب الحليم فيهما نثراً وشعراً (255).
وأمّا المال فيقول حليم إنّه ” سبب رئيسي من أسباب السعادة وركن متين من أركان الهناء ، فاقتصد منه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً ، فهو خير سند لك في شيخوختك وعند حلول الشدائد “(256).
وأمّا الإيمان ” فليس في كثرة المعابد والأقوال والصلوات ، بل بالمحبّة والأعمال والحسنات”، فهو تصرّف اجتماعيّ دنيويّ لا تصرّف دينيّ .
والنجم الرابع هو العلم ” ذلك الكوكب الدُريّ الساطع المتألّق في ثُريّا السعادة “(257).
والنجم الخامس هو الأخلاق الكريمة التي “تعلّمنا التواضع والوداعة”.
والنجم السادس هو الاستقلال ، وهو على أنواع ، أشهرها الاستقلال الفكريّ وحريّة القول والعمل “(258).
أما النجم السابع والأخير في ثريّا سعادته فهو العائلة ” وهي تتناول الوالدين والزوجين والأولاد والأحفاد ، فكلما كانت العائلة منتظمة أفرادها ، مثقّفة قلوبها ، كان الهناء أعمّ والسعادة أتمّ “. ولذلك فليس غريباً إذا رأينا الحليم يطبّق هذا المبدأ في حياته وشعره ، فتكثر قصائده في أمّه وأبيه وأولاده وأنسبائه (259).
تلك الأركان السبعة التي جعلها حليم قوام السعادة الدنيويّة يمكن الوقوف عليها منتثرة في الكتب التي تعرض لمبادئ الماسونيّة (260)؛ فهي تمتدحها ، وتدعو إليها ، وتجعلها من شروط الانخراط فيها (261).
الحقّ يقال إنّ كتاباته في مرحلة الماسونيّة تنضح بالقلق والاضطراب ، القلق الذهنيّ والاضطراب الحياتيّ . فلا الشهرة التي سعى وراءها حليم ونالها رفدته بالسلام النفسيّ ، ولا المال الذي عدا وراءه وجمعه مدّه بالراحة ، ولا العلم الذي تحمّس له تمكّن من حسم قلقه ، ولا عائلته التي غنّاها ولازمها واحتضن أفرادها أن تبعث العزاء في نفسه .
فمن يسمع الحليم يقول ، على حبّه المال :
قل للغنيّ الذي غصّت خزائنه بالذكر تخلد لا بالماس والذهب (262)
أو:
وبين جنبيّ نفس بات يؤلمها ظلم الغنيّ وأنّات المساكين (263)
ومن يسمعه يقول :
أترتجي صفو دار وهي قد نشأت منذ الخليقة من ماء ومن طين ؟(264)
أو يقول وهو في عنفوان شبابه وإبّان نشاطه :
عشرون عاماً وعام قد وهى جَلَدي بها وبتّ حليف اليأس والألم (265)
أو يقول مستقبلاً مطلع العام 1910:
سأقضي لبانات الشبيبة راصداً نهاية عيش بالعنا متلاطم
فإن طال حبل العمر فالموت بعده مطلّ وإن يقصر فلست بنادم (266)
من يسمعه يرسل أنّاته وتساؤلاته تلك ، عالية أو مكبوتة ، في عهد كان يظنّ فيه أنّ أركان السعادة جميعها أصبحت ملك يديه ، لا يسعه إلاّ أن يتوقّع له الفشل في مسعاه والخيبة في آماله ، وذلك بأنّ حياته في ظلّ الداهشيّة ستكشف له عن أنّ السعادة لا وجود لها في الدنيا وأنّها يراود الإنسان ولا يتحقّق إلاّ في الآخرة .
ب- مرحلة الداهشيّة :
ثلاثة وثلاثين سنة (1909-1942) أوهم حليم نفسه أنّه لا بدّ من أن يلاقي السعادة في هذه الدنيا ، فعمل على تجميع روافدها حسبما تبدّت له . وقد رأى في الماسونيّة خير ما يمدّه بتلك الروافد ، فاتّخذها مثلاً أعلى له ، حتى إذا تعرّف إلى مؤسّس الداهشيّة في الثالث عشر من أيّار 1942. وعقدت له الجلسات الروحيّة تترى استيقظ من حلمه ، وأيقن أنّه كان سادراً في وهمه ، فانقلبت له المقاييس والقيم ، وتكشّفت الحقائق الروحيّة ، فحدث في نفسه الانقلاب الكبير ، والتحوّل العظيم ، فإذا الدنيا أصبحت وراءه ، والآخرة أمامه ، وعلى شاطئ الدنيا انتصب مؤسّس الداهشيّة له مناراً يطلّ على الأبديّة ، أفلا يتّخذه إذ ذاك ، مثلاً أعلى له ، وقد رأى فيه كلّ الهداية ، ومعقد آماله الجديد ؟
عليك ألقيت يا (هادي) الورى أملي بعد الإله ، فكم سدّدت من سبلي (267)
لقد اهتدى حليم إلى فلكه الجديد ، وحول شمسه الهادية سيدور خمسة عشر عاماً ، فيها يتجنّد للداهشيّة ، ملازما مؤسّسها ، مخلصا لها ، متفانيا في سبيلها ، مؤرّخاً وقائعها ، مبشّراً بمبادئها ، لا تزعزع إيمانه صولة الباطل وهجمات الأعداء ، ولا مغريات المجد الزائل وأموال دار الفناء (268).
يقول الشيخ عبد الله العلايلي فيه وقد عرفه بين إخوته الداهشيّين :” عرفته في فئة قليلة برّة ، غمست قلبها في كبد الشعلة لتنشره ضياء في كلّ مكان ، فئة تحسّست الحريّة في الفكر والقلب والمجتمع ، وشملتهم حماستها فانطلقوا وبأيديهم معول الهدم وشاقول البناء يمتحنون قداسات الهيكل العتيق ، هيكل الراسفين في الأغلال ، هيكل الظلاميّين الرجعيّين الذي يحملون المقابر في قلوبهم وعلى ظهورهم ، ويحرّكون حجارته ، فلعلّ اليد التي وضعتها لم تكن أكثر من يد أسطوريّة بلهاء “(269).
لقد مدّته الداهشيّة بأجوبة شافية عن أسئلة كثيرة كانت ما تزال تقلق ذهنه ، خاصّة فيما يتعلّق بالجحيم والنعيم ، والولادة والحياة والموت وتفاوت الناس وائتلافهم واقتتالهم الخ … فاطمأنّت نفسه ، وارتاح عقله ، وهدأ اضطرابه .
بل إنّ ممارسته الحياتيّة اتّجهت وجهةً روحيّة بعد وجهتها الماديّة ، فإذا بنكران الذات يحلّ في نفسه دافعاً قويّاً رئيسا محلّ دافع حبّ الظهور . وكلّ من عرفه في حياته الداهشيّة الجديدة لمس هذه النزعة الروحيّة في تصرّفاته وكتاباته (270).
وهكذا عاد الله عزّ وجلّ يتمركز في دائرة المطلق الصحيح في نفسه ، فتتوجّه إليه قواه وأفكاره وآماله . يخاطب نفسه التي سادها السلام بعد الاضطراب ، قائلاً :
يا نفس سيري كما أوصاك خالقنا فنحن منه ، ومنه الشهد نشتار
واستسلمي لإله المجد كي تصلي إلى نعيم به للروح أسرار (271).
وبعد أن كان الشعر هو “البداية والنهاية ” ، أصبح الله هو “الألف والياء”(272).
ومن المثل الأعلى الجديد يستمدّ حليم قيمه الجديدة ومعاني حياته وأهداف مساعيه وتصرّفاته ، فإذا نجوم “ثريا السعادة” السبعة تتغيّر معانيها أو تنقلب إلى ضدّها :
فحبّ المال يغدو زهداً بالدنيا واحتقاراً للأصفر الرنّان ، والامتناع عن الخمر والتدخين يكتسب بعداً روحيّاً . والإيمان يمدّ جذوره في عقيدة جديدة تلتقي فيها الأديان كلّها . والعلم البشريّ ينكّس للمعرفة الروحيّة . والأخلاق الكريمة تتّسع دائرتها لتشمل كلّ فكر وقول وعمل . وحرّية الأوطان يعمق معناها ، فتستمدّ قيمتها من حريّة الإنسان الداخليّة القائمة على تحرّر النفس من الأوهام والعبوديّات الدنيويّة . والعائلة يتمخّص مفهومها بمعنى روحيّ تتولّد عنه العائلة الروحيّة التي لا تنفصم أواصرها ولا تفسد الألفة بين بنيها .
وحسبي الإلماع هنا إلى هذه التحوّلات ، لأنّني سأتناول بالبحث المفصّل انعكاساتها في كتابته في الباب الثاني من هذه الدراسة .
تلك كانت شخصيّة حليم دمّوس . إتّخذ والده قدوة له سحابة طفولته :” إذ إنّ الأطفال يتّخذون ، عادة ، من أبائهم قدوة لهم ، وينزعون إلى محاكاتهم بتصرّفاتهم وطباعهم ، وهي عمليّة تغلب عليها الآليّة اللاشعوريّة أكثر من الاختيار الواعي ، ومنطلقها عجز الطفل الماديّ والمعنويّ إزاء والده ، وشعوره الغامض بكسبه الأمان والقوّة باتّحاده الماهيّ به “(273).
وما إن بدأ يخوض الحياة العمليّة حتى اتّخذ من الماسونيّة مثله الأعلى ، لأنّه رأى فيها ما يشبع رغباته ومطامحه . حتى إذا ما تعرّف إلى مؤسّس الداهشيّة ، حدث انقلاب جذريّ في حياته ، فأصبح رجل الخوارق تجسّداً لمثله الأعلى الجديد ، واحتلّت مبادئه نفس الحليم وذهنه ، فترسل له ، ووقف شعره ونثره على الأمور الروحيّة التي أكسبت شخصه اتّزاناً وسلاماً وأدبه معاني جديدة خالدة . فما كانت آثاره في العهدين ، وما هي أغراضها ؟
الفصل الثالث آثاره
تمهيد
بما أنّ الهدف الأساسيّ من هذه الدراسة هو الاتّجاه الروحيّ في أدب حليم دمّوس ، ومظاهر هذا الاتّجاه تكاد تنحصر في إنتاجه “الداهشيّ”، فإنّي أرى ، تيسيراً لتصنيف مصادر الدراسة ، أن يقسم أدبه قسمين : ما قبل اعتناقه الداهشيّة – المحدّد في 13 أياّر 1942- وما بعده . ولن أعنى بأدب العهد الأوّل إلاّ بقدر ما يمدّنا بجذور العهد الداهشيّ . وقد رتّبت أثاره حسب التسلسل الزمنيّ ، مشفوعة بنبذة عن كلّ منها ، وجعلت في آخر كلّ قسم ما خلا من التاريخ .
والجدير بالذكر أنّ كثيراً من مؤلّفاته ما زال مخطوطاً ، وأنّ قسماً لا يستهان به منشور في مختلف المجلاّت والجرائد ولمّا يضمّه كتاب .
أمّا مخطوطاته فمعظمها محفوظة بين الوثائق الداهشيّة ، إلاّ أنّ هناك أشياء بسيطة تعود إلى ما قبل عهده الداهشيّ موجود معظمها في المنزل الذي كان يسكنه حليم في بيروت بعهدة ابنة فؤاد .
وكلّما أنعم القارئ نظره في آثار الحليم ، بدت له هوّة الفرق عميقة بين مرحلتي إنتاجه . فبعد أن كان شعره في مرحلته الأولى (1905-1942) يقتصر على الشعر الاتّباعي والقصائد الوطنيّة والمنظومات الاجتماعيّة والموضوعات الوصفيّة ، وبعد أن عرفه الناس شاعر مدح ورثاء ، وتهنئة وتعزية ، ومناسبات ومجاملات ، حتى لقّب “بالشاعر التاجر” فقد أحدث اعتناقه الداهشيّة سنة 1942 انقلاباً واضحاً في حياته وأفكاره وسلوكه وإنتاجه ، حتى ليعتبر هذا العام تاريخ ولادة حليم الروحيّة . فإذا به شاعر الروح والتأمّل الإنسانيّ والهداية والتبشير والصلاح والإصلاح والتسامح والتآخي والعطاء والمحبّة ، حسبما سيتّضح من سياق هذه الدراسة .
وهكذا غدا حليم دمّوس شاعر الدعوة الداهشيّة ومؤرّخها ، وناشر مبادئها وتعاليمها ، فارتفع صوت الشاعر الثاني ليختفي تماماً صوت الشاعر الأوّل .
وفي ما يأتي عرض لآثاره المنشورة والمخطوطة موزّعة على عهدين :
أوّلاً :
ما قبل العهد الداهشيّ
1- زبدة الآراء في الشعر والشعراء (274):
صدر في دمشق عام 1910 (275). يُعتبر باكورة آثاره المنشورة . جمع فيه كثيراً من أقوال الأدباء الإفرنج والعرب في تعريف الشعر والشاعر . يقع في حوالى الخمسين صفحة . ويبدو أنه عاد فصدّر “بزبدة الآراء” هذه ديوانه في طبعتيه .
2- الأغاني الوطنيّة :
هو عبارة عن كرّاس نشرته إدارة مجلّة “الحسناء” وطبع في مطبعة “حديقة الأخبار” ببيروت ، في مطلع حزيران عام 1910 .
جاء في كلمة الناظم في الصفحة الثانية منه :” اقترح عزّت أفندي الجندي في جريدة “المفيد” الحرّة نظم أناشيد وطنيّة تتداولها الألسنة في المجتمعات والمدارس ، فكنت من عداد الملبّين للاقتراح ، فنظمت عدّة ألحان أحبّ صديقي جرجي أفندي نقولا باز أن يجعلها في كرّاس لطيف “….
وقد أضاف الناشر إليه حكما وآراء في المرأة والرجل له ولمشاهير الغرب ، صدر منه الجزء الأوّل .
يقول عجاج نويهض في “الأغاني الوطنيّة” إنّها ” أصابت من الذيوع حظّاً كبيراً في لبنان ، وأظنّ أنّ أغانيه هذه وسّعت عليه الآفاق “(276).
3- درجات الماسونيّة الثلاث
يقع في ثلاثة كراريس ، وقد ترجمها ” لمحفل نجمة لبنان ” الذي طبعها بنفقته ، في زحلة عام 1914 (277).
4- ديوان حليم
أخرجت إصداره الأوّل مطبعة ديوان الشورى الحربي بدمشق عام 1919 . وهو يقع في قسمين : الأوّل – واسمه ” من منظومات المهجر”- يتضمّن مقدّمة فنيّة طويلة حول الشعر والشعراء تقع في خمسين صفحة ، يتبعها شعر حليم من سنة (1905-1908). والثاني – واسمه ” منظومات الوطن”- يتضمّن شعره من سنة (1909-1920).
وصدر الديوان ، في طبعة ثانية ، عن مطابع دار الأيتام السوريّة بالقدس عام 1920 . وهي تختلف عن الطبعة الأولى بانطوائها على مجموعة قصائد نُظمت بعد الإصدار الأوّل (278) وبخلوّها من الرسوم والصّور (279).
ويمكن أجمال الموضوعات التي دارت حولها أشعار الديوان بأنّها – على حدّ قول حليم -:” ابتسامة وعبرة ، وبشرى وعبرة ، ويأس ورجاء ، وتهنئة وعزاء ، إلى ما هنالك من البدوات الشعريّة الغزليّة والمواضيع الوطنيّة والشؤون العمرانيّة والمغازي الاجتماعيّة التي يحوم حولها طائر الفكر بين إدبار الأيّام وإقبالها وآمال النفس وأميالها …”(280).
وقد ضمّ هذا الديوان عددا من القصائد التي حوّلها من نثر إلى شعر (281)، وعددا من الأبيات المبتدهة “(282).
كما أكثر الحليم من التشطير (283)، والترجمة (284)، والتأريخ (285)، ناهيك بحسن التعليل (286)، والتشخيص(287)، والإرصاد (288).
وفي شعره مدائح وتهانئ كثيرة خصّ بها رجال السياسة والأدب والدين (289). وإذا تضمّن بعض قصائده تشبيهات جاهليّة وأوصافاً قديمة مكرّرة ، فقد ظهرت في غيرها نفحات رومنسيّة (290). وختم الحليم ديوانه بمقالة :” كيف أنظم “.
وقد قال فيه نقولا الحدّاد منشئ مجلّة “السيّدات والرجال” في مصر :” إنّ ديوانك ، أيّها (الحليم) ، جمع جميع ضروب الشعر هذه . فلا بدع أن يحرز قصب السبق في مضمار الجوائز . ولا غرو أن يؤخذ به فؤاد الشاعر حتى الذي لا ينظم ، ولبّ الحكيم حتى الذي لا يعقد أقوال حكمه “(291).
كما قال فيه أستاذه جرجس همّام :
وقد اعتبرت ما ظهر لكم من القصائد في أغراض مختلفة من وصف ومدح ورثاء إلى غير ذلك ، فوجدت ما طالعته طاهرة أذيال فصاحته من أدران الركاكة ، ومناهج بلاغته متنزّهة عن شوائب الكلفة . وإن وقفتكم (ليلاً) مع (الشاعرة الحسناء) بين (الشرق والغرب) تندبون (الوردة الذابلة) لتشفّ عن غزارة مادّة وقوّة عارضة ورقّة عصريّة وحسن انسجام إلى غير ذلك ممّا يملك قلوب الأتراب ، ويستلب الألباب ، ويحفظ لكم جميل الذكر يوم الانتساب “(292).
- قاموس العوامّ (293)
يقع هذا القاموس في 313 صفحة ، من القطع العاديّ . صدر عن مطبعة الترقّي بدمشق عام 1923. وقد أهداه الحليم “إلى كلّ من نطق بالعربيّة ، ووقف على فاسدها ، وصحيحها ، وميّز بين عامّيها وفصيحها “.
والمؤلّف عبارة عن معجم مدرسيّ يُستعان به في تمييز الفاسد والصحيح ، الأعجمي والفصيح ، من الكلمات والعبارات الشائعة ، جمعها صاحبه ورتّبها على حروف الهجاء .
وخير ما يعرّف هذا القاموس ما قالته فيه مجلّة “الهلال”، تحت عنوان :” في عالم الأدب والفنّ كُتُب جديدة :
” طالما شعر المتأدّبون بافتقارهم إلى قاموس يهل المنال يستعينون به في تمييز الفاسد والصحيح من الكلمات والعبارات الشائعة . وقد عُني غير واحد من رجال اللغة بذلك ، ولكن فات كلاّ منهم أشياء كثيرة . وإنّه ليسرّنا أن نبشّر المتأدّبين بصدور “قاموس العوامّ” هذا الذي جمعه الشاعر الأديب المعروف حليم دمّوس ، وضمّنه ما انتقدته أقلام الأدباء منذ سنوات مع ما قيّده هو من هذا القبيل ، ورتّب ذلك كلّه ترتيباً حسناً على حروف الهجاء يُقرّب فائدته إلى الطالب . وهذا القاموس يحتوي على : كلمات وعبارات عاميّة لها مترادفات في اللغة الفصحى ، لكما إفرنجيّة وأعجميّة درجت على الألسن كثيراً ، كلمات طبيّة وألفاظ لمستحدثات عصريّة جديدة لها مرادفات عربيّة ، لكمات تستعمل في غير معناها الأصليّ الفصيح الخ … وجملة القول إنّ هذا القاموس يسدّ ثلمة في بناء نهضتنا الأدبيّة الحديثة ، وإنّ صدوره لخدمة جليلة جديرة بالشكر والثناء “(294).
- في سبيل التاج (295)
رواية تمثيليّة وضعها الأديب الفرنسيّ فرنسوا كوبه . وترجمها إلى العربيّة مصطفى المنفلوطي عام 1920 . ثم أقدم حليم دمّوس على تحويلها إلى رواية تمثيليّة نثريّة شعريّة ذات خمسة فصول (296). قال عنها الأب لويس المعلوف مدير “البشير”:
“فجاءت كما يهوى محبّو الأدب الراقي من حين تنسيقها وارتباط حوادثها ، فجمع فيها بين محاسن الأصل وجمال الترجمة . وتصرّف في بعض مشاهدها تصرّفاً ممدوحاً ، وزيّنها بطائفة لطيفة من شعره العصريّ (297) الرائق الذي اشتهر برقّته وعذوبته وانسجامه ، فزادها رونقاُ وجمالاً حتى يمكننا أن نجاهر ، بعد أن قرأناها صفحة صفحة ، وتتبّعنا مواقفها المتسلسلة مشهداً مشهداً ، أنّها من خير الروايات التمثيليّة التي ستعرض على مسارحنا العربيّة وتنال الإعجاب الباهر من حيث نثرها الرفيع وشعرها البديع وموضوعها الوطنيّ الخالد ، فضلاً عن موافقتها لروح كلّ عصر واشتمالها على العبر الرائعات والدروس المفيدة لأبناء الوطن وناشئة اليوم ورجال الغد “(298).
- المثالث والمثاني (299).
مجموعة من المنظومات الشعريّة بصور لمشاهد لبنانيّة ، ورسوم لنخبة من أدباء العصر وأديباته ، مع أمثلة من خطوطهم وتواقيعهم .
صدر في جزءين أخرجتهما مطابع العرفان بصيداً ، الأول سنة 1926، والثاني سنة 1930.
صُدّر الجزء الأوّل بمقدّمة للشيخ أحمد عارف الزّين ، جاء فيها :
” وجلّ مثالثه ومثانيه من الجيّد ، وقد جاءت مثالاً بارزاً لرقيّ الخيال الشعريّ في هذا القطر وهذا العصر “(300).
يشتمل شعره في “المثالث والمثاني” على وصف ومدح ورثاء ومناسبات وانتقادات ومجاملات ، كما على حكمة “مزدانة” بعدّة خيالات مبتكرة في “الحقّ للحقّ” و”مكارم الأخلاق ” و” دولة الشعر أعظم الدول “(301). والمقطّعات الشعريّة يفوق عددها القصائد الطّوال . وفي الكثير من هذه المقطّعات ومضات وصفيّة ناجحة (302). لكنّ الذي أفسد المجموعة هو كثرة قصائد المناسبات من تهانئ ومراث ومجاملات الخ ….
وينطوي الجزء الثاني على عدد من المنظومات التي حوّلت من النثر إلى الشعر (303)، كما يضمّ قصيدة ” وقفة أمام قيسون “(304) التي نشرها مستقلّة عام 1923، وقد نظمها احتفاءً بتأسيس “محفل قيسون” الماسوني بدمشق ، وضمّنها وصف جبل قيسون وعاصمة الأمويّين الغنيّة بآثار مجدها التليد ، وختمها بدعوة أحرار سوريا إلى الاتّحاد بالقلب لا باللسان .
- أقوال في المسكرات :
هو عبارة عن كرّاس يقع في 44 صفحة . طبع في المطبعة الأميركانيّة في بيروت بنفقتها ، عام 1931، وقد جمع فيه حليم دمّوس أقوال كبار المصلحين والأطبّاء والمفكّرين والشعراء في الأضرار الناجمة عن المسكرات .
- افتتاحيات الأقلام :
إنّها مجموعة افتتاحيّات جريدة “الأقلام” الأسبوعيّة (1931-1932) أدرجها حليم في قائمة مؤلّفاته ، لكن لم يضمّها كتاب . وهي تتضمّن موضوعات سياسيّة ووطنيّة ، ومحادثات صحافيّة مع الرجال البارزين ، ونظرات إصلاحيّة ، وانتقادات جريئة ، وعرضاً لآراء المهاجرين …(305).
10- من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى :
كتيّب يضمّ النشيد الأوّل من “الملحمة العربيّة الكبرى ” مع ” نشيد القرآن” ، ومقدّمة تنطوي على ظروف نظم النشيد الملحميّ ودوافعه ، وقصيدة ” في ذكرى المتنبّي” مع قصائد أخرى . وقد نشر في بيروت بين عامي 1940-1941، حسبما أعلن على الغلاف (306).
أمّا الملحمة العربيّة الكبرى ” نفسها فلم يتح لي العثور على مخطوطاتها ، إلاّ ثلاثة أبيات جعلها حليم في رسالة أرسلها إلى الدكتور سليمان حماده (307).
وليس بين أيدينا ما يمكن القطع به في أمر إنجازها . على أنّ جريدة ” مرقد العنزة” ذكرت في عدديها 9و10 السنة الأولى ، 1 حزيران 1937، ص 6:” نبشّر الأقطار العربيّة بقرب ظهور مجموعة شعريّة كبيرة ذات 1500 صفحة لشاعر البردوني المشهور الأستاذ حليم دمّوس “…
كذلك يقول محمّد على الطاهر عن “الملحمة العربيّة” بأنها ” أشبه بالياذة هوميروس شاعر اليونان ، وشاهنامة الفردوسي شاعر إيران ، وستكون أشبه بدائرة معارف شعريّة عن تاريخ العرب والتغنّي بأمجادهم وبطولتهم من عهد الجاهليّة ، فظهور النبيّ العربيّ سيّد قريش محمد (ص) إلى يومنا الحاضر “(308).
11- المُستظهر لتلامذة الصفوف الابتدائيّة
سلسلة منتخبات شعريّة في ستّة أجزاء ، جمعها حليم دمّوس – عندما كان في الشام – بالاشتراك مع سليم الجندي وخليل مردم بك وشاكر الكرمي وشفيق جبري وأبو الخير القوّاس وسعيد مراد .
12- فاجعة بيروت
صدر في بيروت ، وهو عبارة عن رواية اجتماعيّة خلقيّة تدور حوادثها في بيروت .
13- الروايات العشر (309).
صدر في بيروت ، وهو مجموعة قصص اجتماعيّة ، خُلقيّة ، تهذيبيّة تدور حول إصلاح الإنسان ، فتحثّ على الفضيلة وتقبّح الرذيلة (310).
وفي ما يأتي آثاره التي ما زالت مخطوطة ، وهي تعود أيضاً إلى العهد السابق للداهشيّة .
- ألف فكاهة وفكاهة
مشروع كتاب لم ير النور . ويبدو أنّه كان سيضمّ مجموع الفكاهات التي كان ينشرها أسبوعيّاً في جريدة “الأقلام” تحت باب “إضحك تضحك لك الدنيا “.
- إلى أولادنا
عثرت بين أوراق الحليم على دفتر يحمل عنوان ” إلى أولادنا”، وقد وضع له فهرساً ضمّ عدداً من أسماء الأدباء ، وأدرج فيه هذه الكلمة :
” هي مجموعة فريدة في بابها ، فريدة في تبويبها وترتيبها . ستظهر قريباً في عالم الأدب مشتملةً على أرقّ القصائد والمقاطع الشعريّة والأقوال النثريّة البليغة التي أنشأها نخبة الشعراء وأنتجتها قرائح الأدباء المتقدّمين والمتأخّرين في أبنائهم وبناتهم ، وأنسبائهم ونسيباتهم في عهد الطفولة والفتوّة والعزوبة والزواج وغيرها من أدوار الحياة .
… فالمرجوّ من حملة الأقلام وإخوان الأدب ونخبة الكاتبات الفاضلات في سورية ولبنان وفلسطين ومصر والعراق والمهجر وسائر المناطق العربيّة إتحافنا بما جادت به قرائحهم وقرائح سواهم شعراً ونثراً – قليلاً كان أم كثيراً – والتكرّم برسومهم ورسوم من نظمت الأشعار وأنشئت الأقوال من أجلهم .
لكنّني أتساءل ، تُرى هل جميع تلك القصائد فألّفت “إلى أولادنا ” أم إنّه لم يتمّ عمله ؟
- ثريّا السعادة
مقال مخطوط نُشر موجز عنه في مجلّة “النفائس” ، الجزء التاسع ، العدد الثامن ، 13 أيلول 1921، ص 265-268. وهو يدور حول السعادة التي يراها تقوم على أركان سبعة هي : الصحّة والمال والإيمان والعلم والأخلاق والاستقلال والعائلة .
- خطاب : فتّشوا عنها
ألقي في حفلة أقامتها جمعيّة “الراعي البارّ” في دمشق سنة 1922 ، وهو يدور حول موضوع المرأة ، وقد جمع فيه بين النثر والشعر ، بأسلوب فكه .
- الشجاعة الأدبيّة
ورد هذا العنوان في قوائم مؤلّفاته المعدّة للطبع . لكنّني لم أعثر على أيّ وجود له ، إلاّ على مقال في مجلّة “الكرمة”(311) تحت عنوان :” من الملك إلى الملك ” ، وقد أشار إليه الحليم وكتب على هامشه :” الشجاعة الأدبيّة “.
تُرى ، أكان في نيّته أن يجمع بعض حوادث تاريخيّة تظهر فيها الشجاعة الأدبيّة ، فلم يُتح لمشروعه أن يكتمل ؟(312).
- صدى الجنان
مجموعة مجاملات وإخوانيّات ، يقول حليم :” وقد حذفت من الديوان معظم قصائد التهنئة والمراسلات التي دارت بيني وبين بعض الإخوان ، وحفظتها في مجموعة على حدة سميّتها “صدى الجنان” . وربما توفّقت إلى طبعها بعد نشر الديوان “(313).
- محاضرة بعنوان :
“مُربّي الروح”، تقع في تسع عشرة صفحة . والمقصود بمربّي الروح أستاذ الحليم : جرجس همّام (1856-1921).
يتحدّث فيها عن قريته “الشوير” وأسرته ومولده ، ثم حياته العلميّة فأخلاقه وأسلوبه ومؤلّفاته . ويذكر رثاء عيسى المعلوف لجرجس همّام ، وقد كان زميله . وفي الختام يؤرّخ ضريحه بأبيات مطلعها :
هذا ضريح فيه جسمك ناما مذ فجّع الأوراق والأقلاما
- محاضرة “أضرار المُسكرات”:
أُلقيت في حفلة جمعيّة “الاعتدال” (314) النسائيّة في بيروت ، نهار السبت في 21 أيّار 1932. بعد مقدّمة طويلة أبان فيها مضارّ الخمرة ونتائجها الوبيلة ، أتى على ذكر بعض أقوال الافرنج والعرب في المُسكرات .
- محاضرة “الحلقة المفقودة”:
وهو تدور حول ملكة الكتابة واختلاف الأساليب الإنشائية باختلاف الكتّاب ، والنزاع بين المحافظين والمجدّدين ، والكشف عن الحسنات والسيّئات في كتابات كلّ منهم (بلا تاريخ).
10- النثر المنظوم
هو عبارة عن مجموعة قصائد وأفكار إفرنجيّة عرّبها نثراً بعض أدباء العصر ، فعقدها الحليم شعراً (1905-1922).
وقد ذكر رضوان بديع أبو فيصل في رسالته أنّه وقع على مخطوطة تحتوي على قطعة قرأها حليم في العدد 3130 من جريدة “المقتبس”، وعنوانها “رحلة جرثومة إلى عالم الإنسان “، فأعجب جدّاً بمعانيها ، ونظمها شعراً (315).
لكنني لم أعثر بين أوراق الحليم على المخطوطة المذكورة ، بل عُثرت على دفتر آخر لا يتضمّن إلاّ بضع منظومات هي :” إلى الطيّار دوكور”، لويس الخامس عشر “، ” الجنّة تحت ظلال السيوف “، أنتم ملح الأرض “(316)، و”الأمّ وطفلها “.
11- هؤلاء الأطفال : خطبة
خطبة أُلقيت في مدرسة الأحد بعاليه – لبنان ، بتاريخ 4 شباط 1917، وهي تدور حول قصّة بول وفرجيني .
تقع في تسع صفحات . لكنّ المخطوطة سقطت منها صفحتان الثالثة والثامنة .
12- يوميّاتي
مشروع لمّا ينجز . يقول حليم :” منذ عدّة سنوات بدأت في كتابة بعض الخواطر والأفكار تحت عنوان (يوميّاتي)، دوّنت فيها ما يعرض لي من العبر والحوادث والتأثيرات النفسيّة والملاحظات الأدبيّة التي تمرّ أمامي أو أسمع عنها في كلّ يوم ….
وقد آليت على نفسي أن لا أعلّق في (يوميّاتي) إلاّ ما يوحيه إليّ الضمير الحيّ ….
حتى إذا ما قرأ أديب سطوري عرف من خلالها نفسي ، وما انطبع عليها من الانفعالات ، وما هي الحوادث التي جرت أمامي أو سمعتها بأذني ، ومن هم الأشخاص الذين عاصروني وعاصرتهم ، وحادثوني وحادثتهم عمداً أو عرضاً “(317).
وكان حليم يدوّن يوميّاته في رحلاته إلى البلاد العربيّة . ففي عام 1936 زار فلسطين في طريقه إلى مصر وأمضى فيها خمسة أيّام دوّن أثناءها مشاهداته وملاحظاته عن احتفالات عيد الفصح وعن بعض المدن والقرى الفلسطينيّة التي مرّ بها (318).
وفي مفكّرته لنهار الأحد 27 تشرين الثاني 1932 جاء :
“منذ ودّعت بيروت ، شرعت في تدوين مفكّراتي اليوميّة . وبعث بها شبه رسالة خاصّة ، فوجدتها تستحقّ النشر ، وهذه هي بحروفها “…(319).
13- دفتر يضمّ مجموعة شعريّة
دفتر صغير دوّن على غلافه : نيسان 1936 . وهو ينطوي على قصائد يبدو أنّه كان ينشرها أو ينوي نشرها في “الدبّور” ، إذ كان يوقّع في ذيل بعضها “شاعر الدبّور الخاصّ”. وهي بصورة عامّة غير جيّدة الصياغة . من قصائد الدفتر :” قبل الربيع ، وفي الربيع ، وبعد الربيع “، أيّار 1936، “القدسيّة سلطانة وشركاؤها “، 8 أيار 1936 ، ” درجات الحياة “(في تسع مراحل من سنّ العاشرة إلى التسعين)،” بائعة الزهور “….
ثانياً :
في العهد الداهشيّ
- يقظة الروح أو ترانيم حليم
صدر في مصر بين عاميّ 1948و1950 (320). وهو يضمّن مختارات من المنظومات العائدة إلى مرحلتي حياته ، بين سنة 1905و1948 ، بينها عدد كبير من القصائد التي نُشرت في ديوانه ، وقصيدته “في ذكرى المتنبّي”، التي كان قد أصدرها في كرّاس مستقلّ سنة 1936 عن دار الخطيب في بيروت ، وكذلك “نشيد القرآن”، والنشيد الأوّل من “الملحمة العربيّة”.
ويبدو أنّ الحليم لم يضمّن “يقظته” إلاّ ما يمتّ إلى نزعته الروحيّة الجديدة بصلة . فكانت مختاراته القديمة أشبه بأحلام ورموز ليقظته الروحيّة في عهده الداهشيّ “(321).
- رباعيّات وتأمّلات (322).
تنطوي على مجموعة مختارات شعريّة وتأمّلات نثريّة . هي زبدة آرائه في الخالق والخلق ، في السماء والأرض ، في الروح والمادّة ، في البقاء والفناء …. دوّنها صاحبها ، بمعظمها ، في العهد الداهشيّ ، وما يرقى منها إلى العهد السابق يتّسم بصبغة روحيّة ، بحيث يمكن القول أنّها جميعاً صهرت بمصهر الداهشيّة . صدر منها عن دار الإنصاف جزءان : الأوّل سنة 1952 ، والثاني سنة 1953، من أصل عشرين جزءاً كان صاحبها يعتزم إصدارها (323).
جاء في مقدّمة الجزء الأوّل لهاشم الدفتردار المدنيّ :
” وكم شبابنا في حاجة ملحّة إلى التقاف نور السماء الشارد ، وهم يوغلون في بركان الأعاصير الهوجاء ، التي تتقاذف بهم بين شتيت المبادئ الماديّة ذات الأحقاد الجهنّميّة ، التي لو تُركت وشأنها تغلبهم على أمرهم السماويّ جميعاً ، وتُخرجهم منه جميعاً .
يا لها من رباعيّات وتأمّلات نسجتها من محض نور السماء يد التجاريب الواعية التي عانت الحياة المكتظّة بالانقلابات المتحاجزة والأوضاع الشاذّة المتناقضة ، لتكون لنا اللباس الاجتماعي الواقي ، الذي نقتحم به جحيم المبادئ الماديّة الحقودة ، ولا نحترق ؛ لأنّ له في أعماق مجموعاتنا النفسيّة ، روحاً مجلجلاً بالإلهام والإيحاء والتوجيه تستجيب “(324).
- مقدّمات لمؤلّفات الدكتور داهش
تناولت مقدّماته كتب الدكتور داهش التالية :
“عشتروت وأدونيس”، “مذكّرات دينار “، ” الجحيم”، “القلب المحطّم”،” الالهات الستّ”،” نزوات قلب أو ناثر وشاعر “”بروق ورعود”، ضجعة الموت “،” آراء الأدباء والشّعراء … بمؤسّس الداهشيّة “.
وجميع هذه الكتب منشورة .
- الرسائل
- رسالة مستفيضة جامعة تقع في ثلاثين صفحة يردّ فيها على توفيق ضعون ، إثر انتقاده لكتاب الدكتور داهش “مذكّرات دينار” فيفنّد حليم أقواله ، ويدحض آراءه ، ويوضّح الغوامض . وقد نُشرت في كتاب “صواعق مدمّرة انقضّت على الفرسان الأربعة ” الصادر عن دار النسر المحلّق في بيروت ، سنة 1979 ، وكذلك في كتاب “دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في مذكّرات دينار ” الصادر عن الدار نفسها سنة 1980 .
- رسالة تقع في تسع عشرة صفحة يردّ فيها على سعيد تقيّ الدين بأسلوب بارع ساخر إثر تحامله على أدب الدكتور داهش . وقد نُشرت أيضاً في كتاب “صواعق مدمّرة انقضّت على الفرسان الأربعة “.
- بضع رسائل إلى محمّد حسين هيكل يعرض فيها قضيّة اضطهاد مؤسّس الداهشيّة ونحر الحريّة وخرق الدستور في لبنان ، وقد نشرت في كتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور حسين هيكل باشا ” الصادر عن دار النسر المحلّق ، سنة 1980.
5- الوقائع الداهشيّة
إنّها وقائع يوميّة متسلسلة تتناول الظاهرات الروحيّة التي كانت تحدث على يدي مؤسّس الداهشيّة ، كما تتناول أحداث حياته . وقد بدأها حليم في الرابع عشر من شهر أيّار 1942، إثر تسميته “مؤرّخاً للداهشيّة “. وواصل كتابتها باطّراد حتى قبيل وفاته في أيلول 1957. وقد نُشر قسم لا يستهان به منها في أعداد مجلّة “الدبّور” العائدة لسنة 1948، تحت عنوان “أغرب الأسرار الداهشية”، وكذلك في أعداد مجلّة “عالم الروح” المصرية العائدة لعامي 1949و1950(325).
6- ناثر وشاعر (326).
هي منتجات شعريّة نظم فيها مختارات نثريّة من مؤلّفات الدكتور داهش ، ومنها الكتب التالية : بروق ورعود ، أوهام سرابيّة ، روح تنوح ، النعيم ، الجحيم (في جزءيه)، ضجعة الموت ، مذكّرات دينار ، الالاهات الستّ ، عواطف وعواصف ، نبال ونصال ، أسرار الآلهة، القلب المحطّم ، جحيم الذكريات ، كلمات ، دهاليز ، مذكّرات يسوع الناصري ، عشتروت وأدونيس ، من وحي السجن ، إنجيل الحبّ ، نشيد الأنشاد ، ناقوس الأحزان ، ابتهالات خشوعيّة ، قيثارة الآلهة .
مجموع القطع المختارة 648 . نظم أولاها في 15 1942 ، وآخرها في 6 آذار 1950.
وفي ما يأتي آثاره الداهشيّة التي ما تزال مخطوطة ، وهي محفوظة بين الوثائق الداهشيّة :
- من وحي الروح
مجموعة شعريّة مدارها حول القيم الروحيّة والمبادئ السامية التي ألهمته بها الداهشيّة . نُشر بعض قصائدها في الصّحف ، ولا سيّما الجرائد الزحليّة .
- أمثال المتنبي وحكم حسّان
مجموعة شعريّة تضمّ زهاء 300 بيت من أمثال المتنبيّ ، جعلها حليم دمّوس في نحو 900 بيت ، بعد أن زاد على البيت الواحد بيتين اثنين : البيت الأول والثاني من نظمه ، والبيت الثالث للمتنبّي .
ويبدو أنّ الشاعر بدأ نظم هذه المجموعة في عهده الأوّل وأتمها في العهد الداهشيّ ، إذ إنّ الروح والمعاني والقيم الداهشيّة تهيمن على معظمها .
قال فيها الأستاذ بديع شبلي مُنشئ مجلّة “الورود”:
“كان في نيّة شاعرنا الأستاذ دمّوس طبع هذه المجموعة الفريدة في بابها والاستعانة ببعض أدباء العصر لنقلها إلى أشهر اللغات الأجنبيّة .
كما فعل المغفور له الأستاذ أمين الريحان بلزوميّات أبي العلاء المعرّي ، إذ نقلها إلى اللغة الانكليزيّة ، ونالت إعجاب المفكّرين من أبناء الغرب ، وقرأها أكثر من أربعمئة مليون من أبناء اللغة الإنكليزية . وسننشر سلسلة مختارة من هذه الأمثال الغالية ، والحكم العالية التي دعاها الأستاذ دمّوس (أمثال المتنبّي وحكم حسّان )؛ وموعد نشرها تباعاً اعتباراً من هذا الجزء ، إن شاء الله ، في زاوية خاصّة من الورود ، فنلفت إليها الأنظار . ولأوّل مرّة تُنشر أمثال وحكم خالدة بين المتنبّي وحسّان “(327). وقد تابعت “الورود” نشر نماذج منها في عدّة أعداد من المجلّة ؛ لكنّ قسماً كبيراً من الأمثال والحكم ما يزال مخطوطاً .
- قصائد في مناسبات داهشية مختلفة
مجموعة من القصائد نظمها بمناسبة مولد مؤسّس الداهشيّة في مطلع حزيران أو في مناسبات داهشيّة أخرى ، ابتداءً من سنة 1944 وحتى سنة 1957 ، وقد ضمّنها مشاعره وآراءه في الدكتور داهش والداهشية ، وجميعها مخطوطة .
والجدير بالذكر أنّ آثار حليم دمّوس تحوّلت مضامينها وأغراضها ، تبعاً لتحوّل صاحبها من المادّية إلى الروحانيّة . فبعد أن كانت كتاباته ، في المرحلة الأولى من حياته ، تلبّي حاجاته النفسيّة وتصوّر القيم التي كان يمجّدها من خلال الأغراض الشعريّة الاتّباعيّة كالمدح والرثاء والتهنئة وبعض النزعات الوطنيّة والاجتماعيّة والاهتمامات اللغويّة ، نرى أدبه في المرحلة الثانية يتمحور حول شخصيّة الدكتور داهش وعقيدته الروحيّة ، ملتزماً في شعره ونثره خطّاً فكريّاً ووجدانيّاً جديداً . ولا شكّ ، عندي ، بأنّ هذا القسم من أدبه يبقى الأغنى والأهمّ والأكثر جدارةً بتخليده . ولذا اعتزمت هذه الدراسة أن تفصّل البحث فيه ، فخصّصت له الباب الثاني وجعلته في ثلاثة فصول : في الأوّل عرضت لجذور أدبه الروحيّة المغروسة في تُربة العهد الأوّل ، وفي الثاني تناولت محاور أدبه الروحيّ الداهشيّ ، وفي الثالث عرضت لأسلوبه في مرحلته الجديدة التي امتدّت سحابة خمس عشرة سنة .
جذور الاتجاه الروحيّ في أدبه
الفصل الأوّل
تمهيد
إذا كانت الهيمنة للنزعات الماديّة في عهد حليم الأوّل ، فإنّ الطاقة الروحيّة كانت تُسمع صوتها جليّاً من حين إلى آخر ، قبل اعتناقه الداهشيّة ، وليس ثمّة تناقض في الأمر ، لكنّه واقع حليم النفسيّ . فبطرس الرسول الذي عنّفه السيّد المسيح لتشكيكه (328)، والذي خاطبه قائلاً :” اذهب ورائي ، يا شيطان ، فأنت عقبة دوني ، لأنّ أفكارك ليست أفكار الله بل أفكار البشر “،(329) هو نفسه الذي خاطبه المسيح بقوله :” أنت صخر ، وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي “(330).
كذلك فبولس الرسول الذي اضطلع بالعبء الأكبر والفضل الأعظم في تبشيره بالمسيحيّة ومعاناته العذاب والاضطهاد والسّجن من أجلها ، هو نفسه الذي كان يضطهد المسيحيّين قبل اعتناقه رسالة الناصريّ (331).
فشاول وبوليس ليسا شخصين ، إنّما هما رمزان لطاقتين روحيّة وماديّة اجتمعتا في شخص واحد ، وقيّض لكلّ منهما الهيمنة على الأخرى في فترة من الزّمن معيّنة (332).
وهكذا فالتحوّل في حياة الحليم من المادّية إلى الروحانيّة لم يحدث بدون جذور وعوامل ساعدته على أن يتمّ . فالنزعة الروحانيّة التي برزت منذ عام 1942 كانت جذورها متغلغلة في نفسه ، ونداءاتها خافتة ، إذ كان يطغى عليها صوت النزعة المادّية .
هذه النبرات الروحية المهموسة التي كانت تُسمع من حين إلى آخر في أدبه ، وتنعكس في سلوكه ، هي الجذور الروحيّة التي ستعلو عليها دوحة الحليم . وقد تنبّه لها فيما بعد ، فلملم شتاتها ، إذ رآها تنسجم وروحانيّة المرحلة الثانية ، فضمّها إلى كتاب “يقظة الروح “، وترنّم بها ترنّمه بأدبه الداهشيّ . ويمكن إجمالها بالعناوين التالية :
السيّال الحادس ، وحدة الأديان ، النزعة الروحيّة الإنسانيّة ، والنزعة الإصلاحية .
أوّلاً :
السيّال الحادس
سنة 1922 يكتب حليم قصيدة بعنوان :” مناجاة طيف”، تنشرها في العام نفسه مجلّة “الرابطة” الصادرة بدمشق في جزئها التاسع (333).
ولا يسع الباحث في انتقال حليم من عهد تغلب عليه النزعات المادّيّة إلى عهد روحانيّ إلاّ التساؤل : تُرى ، طيف من ذاك الذي يناجيه حليم بحيرة ، ويستكشفه بإلحاح عن هويّته ، فلا يرى فيه إلاّ سرّاً عجيباً هو روح النظام ، والنور في الظلام ، وهو الجمال والبهاء ، والداء والدواء ، يلازمه في وحدته ، ويلهيه عن خلاّنه ، ويضيء نفسه وهو يقرأ فيشغله عمّا سواه ، ومع ذلك فهو يشعر به حدساً ولا يدري من هو ولا ماذا يريد :
يا طيف ، أنت لنفسي داءٌ وأنت الطبيب
وأنت أنت أنيسي وأنت أنت الغريب
ذوى ربيع شبابي وأنت سرّ عجيب
لم أدر (من أنت ) حتى لم أدر (ماذا تُريد)!
إنّ الصفات التي يخلعها حليم على طيفه العجيب إنّما هي الصفات نفسها التي سيخلعها فيما بعد على من اعتبره طبيبه وطبيب الإنسانيّة ، وعلى من رآه غريباً في العالم غربة النور عن الظلمة ، وعلى من وجده السرّ العجيب الذي حيّر العقول جميعها ، على الدكتور داهش :
إذا وقفت وحيداً أراك دوماً أمامي
وإن أردت نظاماً فأنت معنى نظامي
وإن سريت بليل فأنت نور ظلامي
يا طيف ، بالله قل لي من أنت ؟ ماذا تريد ؟
تُرى ، أيكون سيّاله الأرقى هو الذي حدس فيه ذلك الحدس العجيب ، قبل إيمانه بمؤسّس الداهشيّة بعشرين سنة ؟
إذا صحّ ذلك ، فإنّ هذه القصيدة تكون النداء الروحيّ الأقوى الذي هتف به ضميره ، ولنقل سيّاله الروحيّ الأسمى ، في مرحلته الماديّة .
ولعلّ هذا السيّال الحادس هو الذي دفعه إلى أن يخاطب وليده الأصغر شوقي ، بتاريخ 26 آذار 1919 ، بهذا القول النافذ إلى جوهر الحياة ، المحطّم عنها زخارفها وقشورها ، والمبصر شقاءها وتفاهتها :
يا وليدي وأنت خير وليد جئت أهدي إليه مذ جاء شعراً
فاستمع صوت والد لا يبالي عاش شهراً في الكون أو عاش دهراً
لا أهنّيك بالحياة – فإنّي قد قتلت الأيّام ، يا طفل خُبرا
فرأيت الحياة حُلماً سريعاً ذاق فيه الأنام حلواً ومرّاً
لا أهنّيك (بالطفولة)- أخشى من أذاها وأنت لم تأت نُكراً
لا أهنّيك (بالشباب)- ففيه نار حب تُذيب قلبك قسراً
لا أهنّيك (بالكهولة)- إنّ الـ كهل يلقي مع المكهولة قهراً
لا أهنّيك (بالمشيب)- ففيه يسكن الشيخ وهو في الحيّ قبراً(334).
كذلك فلعلّ هذا السيّال الحادس الذي كشف له القناع عن وجه الحياة فبدت حقيرة – تلعن الصلاح وتضمر الإثم وتحلّل الظّلم (335)، وإذا البشر فيها مخادعون حاسدون ، الشرّ رائدهم ، والفسق ديدنهم ، والكذب مأكلهم ، والظلم مشربهم ، وبهذه الصفات يفتخرون (336) – هو الذي دفعه لتمنّي هجران الأرض وأهلها إلى مواطن النجوم :
لو استطعت هجرت الأرض منفرداً وطرت نحوك حتى لا أرى أحداً
فقد خبرت طباع القوم منتقداً فلم أجد غير خبّ يضمر الحسدا
وضارب من أخماس وأسداس (337).
ثانياً :
وحدة الأديان
ليس عسيراً على قارئ شعر حليم ، في المرحلة الأولى ، أن يتحقّق من نبذه التعصّب الطائفيّ ، بل إنّ مناداته بالوحدة الدينيّة تسمع أصداءها في كثير من قصائده . فما الدوافع التي حفزته للمناداة بوحدة الأديان ، يا تُرى ؟
أتكون أحداث زحلة الدامية المتمثّلة باقتتالها الطائفيّ ، وتمزّقها الشنيع ، وحريقها على أيدي الدروز سنة 1860 ، قد طبعت خياله بصورة قاتمة نبذها وجدانه التوّاق إلى السلام ، فدعا إلى مزج الأديان في بوتقة روحيّة الأهداف تؤدّي إلى ما سمّاه “بالدين الوطنيّ” الذي يوحّد الصفوف المختلفة ويؤلّف بين القلوب المتنافرة ؟ إذ لولا اختلاف الزحليّين فيما بينهم لما بلغوا أشنع مصير :
فدعوت الكلّ شخصاً واحداً أحمديّاً موسويّاً عيسويّاً
هكذا الأوطان ترقى عندما نمزج الأديان مزجاً كيمويّاً
فنرى في الشرق ديناً واحداً هو ما ندعوه (ديناً وطنيّاً)(338).
أو تكون الماسونيّة التي انتمى إليها في إبّان فتوّته قد دفعته لأن يحترم ديانته وديانة الآخرين دون تفريق ، وأن يتجنّب المجادلات بشؤون الدين لأنّ الدين لله وحده ، وبذلك يحفظ الإنسان علائقه الودّية بالمواطنين ، ويقدّم الجميع ولاءهم للوطن الواحد (339)؟
لك دين وله دين ولي آخر والكلّ دين محترم
كلّنا حرّ بما يعبد في هذه الدنيا ، ومولاك الحكم
فاحسبوا أدياننا واحدة واجعلوا قبلتكم هذا العلم (340)
مهما كانت الدوافع ، يبقى مؤكّداً أن لا أحد من الشعراء العرب دعا في شعره إلى وحدة الأديان ونبذ التعصّب الطائفيّ كحليم دمّوس . فهو يغتنم كلّ فرصة شعريّة ليعبّر عن هاجسه الدينيّ ، بل يعتبر أنّ قضيّة الأديان من صميم رسالة الشعر :
رسالة الشعر للأجيال خالدة بها نقرّب أدياناً لأديان …
فلا محمّد بالتفريق قال ، ولا عيسى ابن مريم أو موسى بن عمران
فقلّ لمن أفسدوا في الشرق واختلفوا وفرّقوا بين أديان وأديان
(لا فرق ما بين بوذيّ يعيش به ومسلم ويهوديّ ونصرانيّ)(341).
ويطبّق ما يؤمن به على الصعيد التربويّ . ففي قصيدته :” إلى ولدي فؤاد في عامه الثاني “، يهدي إليه النصائح ليعمل بها في حياته ، ويحذّره قائلاً :
….إيّاك والأديان والجدلا – أصلاً
لو شاء ربّك وحّد المللا – قبلا
الدين بين الله والعبد – لا غير
فالزم طريق الحلم والرشد – والخير …(342).
وفي قصيدة “إلى العلم ” التي أنشدها في حفلة خيريّة أقامتها جمعيّة “مآثر التربيّة” الإسلاميّة على مسرح “زهرة سوريا” في بيروت ، أجرى مقابلة بين الشرق والغرب : فالشرق هبط هبوطاً مفجعاً بينما سما الغرب بالاختراع ونيل المنى . ويردّ سبب تأخّر الشرق للتعادي الدينيّ بين أبنائه :
وأقمنا في شقاق دائم وعداء بين عيسى والنّبي (343).
فالطائفة إذا إنّما تجرّ إلى الجفاء وتسحب إلى العداء ، إذ الاختلاف في الأديان يتمخّض بالنار والدمار ، بينما تكون الوحدة مرقاة للشعب :
إنّ تروموا قوّة فاتّحدوا فاتّحاد الشعب مرقاة الهمم
واختلاف الشعب داء معضل وهو في أدياننا خطب عمم
هو بركان إذا هيّجته ملأ الآفاق ناراً وحمم (344)
ويلعن الذين يتاجرون بالدين :
بئس النفوس التي باسم الوظائف بل باسم الطوائف والأديان تختلف (345)
ويرى حليم أنّ توحيد الأديان لا يمكن تحقيقه إلاّ بمباشرة إزالة الحدود بينها ، وبهذا الحلّ يمكن الخلاص من ويلات الحروب وأهوالها ، ومن العداوات والضغائن :
أزيلوا حدود الدين فهي حواجز غدت لبني الدنيا شقاء مجلّلاً
أزيلوا حدود الدين ، فالدين واحد ولست ترى عند الاله تفضّلاً
أزيلوا حدود الدين ، فهي عداوة تفرّق جيراناً أقاموا على الولا
أزيلوا حدود الدين ، فهي حقائد تفرغ من آرائنا ما تأصّلا
أزيلوا حدود الدين تسعد حياتكم وإلاّ فيبقى الحال ، يا قوم ، مخجلاً (346)
أراد الحليم إزالة الحواجز الدينيّة لأنّه آمن بجوهر الأديان الواحد المتمثّل بتعاليم الأنبياء والمرسلين والهداة .
ويبدو أنّ وعيه المبكّر هذا دفعه إلى إعمال فكره في كلّ ما يفرّق الأديان بعضها عن بعض ، فرأى أنّ بعض المذاهب يتّخذ من صنع القدّيسين واختلاق العجائب على أيديهم تجارةً رائجة رابحة ، فإذا به يفضح هذه الناحية التدجيليّة .
فقد عثرت بين أوراقه على أرجوزة بخطّه عنوانها “القدّيسة سلطانه وشركاؤها “. ويبدو أنه أعدّها لتنشر خصّيصاً في مجلّة “الدبّور”، إذ وقّع في نهايتها “شاعر الدبّور الخاصّ”. وجاء في البيت الثاني :
نشرح هذا اليوم للجمهور رواية تنشر في الدبّور
وهي كناية عن قصّة شعريّة قصيرة بطلتها امرأة يسمّيها “سلطانة القدّيسة “(347)؛
وفحواها أنّ امرأة محتالة تقيم في إحدى القرى اللبنانيّة ادّعت القداسة ، واستطاعت أن تخدع الكثيرين ؛ فكان يؤمّها الزوّار من مختلف أنحاء لبنان لتبجيلها وتكريمها والتبرّك بها ؛ وكثيرون جاؤوا ابتغاء الشفاء من علل أصيبوا بها ، لكنّهم لم يعودوا إلاّ بالخيبة والفشل . ولم يقض على أوهام الناس وخداع هذه المشعوذة إلا حريق شبّ في منزلها فقضى على كلّ ما فيه . وإذا حليم يسخر بقوّتها العجيبة التي لم تستطع إطفاء الحريق في بيتها ، وإليك بعض ما جاء في هذه الأرجوزة :
وصلّبت ودهّنت وتمتمت وشكرت وذكرت وهمهمت
وبقيت عجوزنا أيّاما تُعالج الآلام والأسقاما
جاؤوا وكلّ قصده الشفاء لكنّهم عادوا كما قد جاؤوا
وشبّت النار بقلب بيتها فاحترق الفرش بفضل زيتها
فأين تلك القوّة العجيبة لتنقذ الكوخ من اللهيبه ؟!
وهكذا قدّيسة مهبولة قد ظهرت في قرية مجهولة
خلط بخلط نحو كلّ فرد وزعبرات ما لها من حدّ
أهكذا الأديان صارت مسخره وقدرة الديّان أمست زعبره ؟!…
… فأهملوا التلبيس والتلبيسة وودّعوا سلطانة القدّيسة !
والحليم ينتظر يوماً تنتصر فيه المحبّة ، وتتوحّد الأديان ، وتعمّ لذلك الأفراح ، ولكنّه يعلم أنّ الاتفّاق المرجوّ يحول دونه زعماء الأديان ، لأنّهم هم يؤرّثون الأحقاد لتبقى مغانمهم ومطامعهم موزّعة بين العباد . يقول :
حبّذا اليوم فيه ألقى اجتماعاً وأرى الدين واحداً في ازدهاره
فتموت الاحقاد من كلّ صدر يتلظّى في ليله ونهاره
أيّ يوم أرى اتّفاقاً أكيداً عيدنا (348) واحد على رغم كاره
إنّ دين الجميع لا شكّ يمسي طبق قولي لو شاء بعض كباره
بشّروني بذلك العيد ، قومي ، لنقيم الأفراح في تذكاره (349).
وكلّما قرّبته السنون من عام 1942 تأكّدت النزعة الروحانيّة فيه ، متجلّية بدعوته لوحدة الأديان في أناشيد “الملحمة العربيّة الكبرى ” التي نشرها بين عامي 1940-1941 ، وقد جاء فيها :
وأقسم لو يدري الورى كنه دينهم لما فرّقوا ما بين (عيسى وأحمد)
ولا أطلقوا يوما قنابل مدفع ولا صقلوا للحرب حدّ مهنّد
لعمرك ما الأديان إلاّ نوافذ ترى الله منها مقلة المتعبّد …(350)
ونادى في هذه الأناشيد بالإخاء الإنسانيّ :
فأنت أخي ما دامت الأرض مهدنا وأنت أخي بالروح قبل التجسّد
….. ولو شاء ربّ الكون توحيد خلقه لقال لهاتيك الشعوب :” توحّدي”!
ولكنّه أوصى جميع عباده بعيش على صخر (الإخاء) موطّد (351)
وقد أضاف الشاعر إلى ملحمته نشيداً أتى فيه على ذكر سور القرآن الكريم جميعها – أي 114 سورة – مسلسلة الترتيب ، فذكر في كلّ بيتين اسم السورة مع ميزاتها وروح معانيها ، مفتتحاً إيّاها “بالفاتحة”:
أنا باسم ربّ العالمين وبنفحة الروح الأمين
أتلو على سمع السنين آيات قرآن مبين (352)
وقد وعى الحليم أنّ رئيس البلاد يلعب لعبة خطيرة في زرع الطائفيّة ، لذلك عرض رأيه في صفات الرئيس المقبل عام 1932 قائلاً :” …إنّنا نريد رئيساً ( لا طائفيّاً) (353).
ويبدو تسامحه الدينيّ في المرحلة الأولى من حياته ، بتزويجه ابنته سلوى لسوريّ مسلم (354)
كما يظهر في دخوله المساجد في القاهرة (الأزهر) وبيروت( الجامع العمريّ) ملقياً فيها الخطب والقصائد . وخير ما يمثّل موقفه هذا قوله :
وأُلقي بذور الحبّ في كلّ بيعة وأُلقي بذور الحبّ في كلّ مسجد
فألمس في “القرآن” عيسى بن مريم وألمح في “الإنجيل “روح”محمّد “(355).
ثالثاً :
النزعة الروحيّة الإنسانيّة
أوّل ما تتمثّل هذه النزعة عند حليم ، في المرحلة السابقة للداهشيّة ، بدعوة خافتة الصوت ، لكن واضحة ، إلى النظر شطر النفس لا شطر الجسد ، في كلّ اهتمام وتفاخر . وما دام الإنسان يتعلّق بالبقاء ، فلماذا لا يولي عنايته نفسه وهي سرّ الوجود :
دعوا الزخارف حيناُ إنّها عرض والسرّ في النفس لا في الهيكل البالي (356)
فالتزويق والتنميق كالتزيّن والتبرّج أعراض لا دوام لها ، ولذلك يحسن التفات الناس وخصوصاً إلى الجوهر ، فتفخر الحسناوات بجمال نفوسهنّ وحميد فضائلهنّ ، لا بالحرير والعبير :
فليت سجاياها وحسن خصالها يضوع شذاها قبل طيب ردائها (357)
ويبدو أنّ اهتمام حليم بجمال الفتاة النفسيّ بعيد الجذور فيه ، فإنّك تسمعه يتغنّى بالفتاة الطاهرة رافعاً إيّاها على سائر النساء ، منذ ميعة شبابه . فاسمعه يخاطب “أسماء” ، من البرازيل ، بقصيدة عنوانها “أرى جمالك”:
أحببت نفسك قبل الجسم إنّ لها حسناً يفوق على الأشباح والصّور
نفس تعالت عن الأدناس من صغر ولم تزل من بنات الطهر في الكبر (358)
ذلك لأنّ مسألة الأخلاق كانت عند حليم بمنزلة الفقار من ظهر الأمّة ، إن استوت استوى ، وإن تعافى تعافت :
فان ملنا عن الأخلاق نهوي وإن ملنا إلى الأخلاق نرقى (359)
أمّا المظهر الثاني لهذه النزعة الروحيّة الإنسانيّة فيتمثّل في العواطف السامية كالرحمة والعطف والحنان والكرم والمحبّة . فهو يُهيب بالبخلاء ، عابدي الدينار ، إن لم يستطيعوا الارتقاء للتشبّه بالأفضل ، أن يتشبّهوا بالجماد والزّناد ، ففيهما عبرة لهم .
يتساءل في قصيدة “الجراد الجراد” قائلاً :
فكيف تنام مغتبطا هنيئا وحولك جائعون بلا وساد ؟!
ألا لُطفاً بهم وارحم صغاراً عُراة عند بابك في ارتعاد
لقد خارت عزائمهم وغارت عيون ثمّ شكت ألم السهاد
فيا من يعبد الأموال بُخلاً تشبّه بالزّناد أو الجماد
فكم سالت حياة من جماد ! وكم خرجت شرار من زناد !(360)
وإزاء المتشدّقين المتحدّثين عن الحبّ وهم بعيدون عنه بعد السماء عن الأرض ، يروح حليم يذكّرهم بمعنى الحبّ وحقيقته علّ ضمائرهم تستيقظ :
… هو مقلة ترنو إلى متوجّع هو مهجة بأخي الأسى تترفّق
هو أن تحنّ على يتيم ماسحاً من وجنتيه دمعة تترقرق (361)
هذا الحبّ الذي يجمع القلوب ويؤلّف بين النفوس هو الراية الوحيدة التي تؤثّر في الناس وتهزّ ضمائرهم ومشاعرهم وتوحّد صفوفهم :
لا راية غير المحبّة راية خفقت لها الأرواح في الأبدان (362)
بل هو الدين السابق لجميع الأديان ، يفيض من كلام الأنبياء أجمعين ويسري في عروق المؤمنين الصادقين :
دين تدين به القلوب جميعها قبل المسيح وقبل مولد موسى (363)
وكأنّما شعر حليم أن الحبّ الذي يتغنّى به ويمجّده لا وجود له في عالم البشر ، فراح يستكشف مظاهره ، ويتلمّس آثاره في الطبيعة ، متعزّياً :
أيّها الحبّ الذي أنشده أنر القلب وسدّد طرُقه
أنت في كلّ مكان خافق كخفوق الأنجم المؤتلقة
أنت في البحر وفي شاطئه موجة مقبلة منطلقة
أنت في الروض شذا زهر الربى ونسيم هزّ قلب الورقة !(364)
ولا عجب إن كان للنزعة الروحيّة الإنسانيّة جذور في عهد غلبت عليه الصبغة الماديّة والاهتمامات الدنيويّة ، ذلك بأنّها تتّفق والكثير من سمات شخصيّة حليم الثابتة . فالإقامة على الوفاء والإخلاص والتسامح واللطف والحلم من الصفات السامية التي تحلّى بها وغنّاها :
حسبي من الدهر أخلاق عُرفت بها ما بين قومي وأترابي وأشبالي
حسبي من الدهر إخلاصي لمن غدروا حسبي ابتسامي لحسّادي وعذّالي (365)
كذلك فهو ، على حبّه المال وحرصه على جمعه ، لا يتحرّج من أن يقول في قصيدة يخاطب فيها صهره “عبّود”:
فأنت قد نلت ما يكفيك جانبه والمال في الكون لم يُعبَد كتمثال
أمّا أنا … فقليل منه يقنعني ما دمت أشهد أسحاري وآصالي (366)
ومهما تكن الدوافع التي وراء البيتين السابقين ، فما لا ريب فيه أن لا شيء يتكوّن من عدم في هذا الوجود الأرضيّ ، والزهد الذي سيستحوذ على نفس حليم في العهد الداهشيّ من حياته لا بدّ من أن يكون له جذر حاولت ظروف الدنيا أن تخنقه ، لكنّ قيّض له أن يعيش ثم ينمو ويقوى .
ولعلّ ملامح النزعة الروحيّة الإنسانيّة في مرحلته الأولى تجد خير تمثيل لها بصورة جامعة مصغّرة في هذين البيتين :
نفس على حبّ الورى قد نشأت واعتادت الإخلاص والحلما
توّاقة للخير مذ خُلقت تهوى السلام وتعشق العلما (367).
رابعاً :
النزعة الإصلاحيّة
تتمثّل النزعة الإصلاحيّة عند حليم في أصوات الحقّ والسلام والعدل والخير التي تُسمع أحياناً في شعره ، قبل العهد الداهشيّ . ففي عدد من المواقف يسجّل الشاعر حزنه واستياءه من أن تكون هذه الفضائل قد انقلبت إلى ضدّها سواء في العالم أو في بلاده .
فعلى الصعيد العالميّ يؤلمه أن يكون الحقّ ملازماً للقوّة . هذا الواقع المأساويّ يلمع إليه في مثل شعري :
نبّهني من مرقدي بلبل مروّع في غصنه الأملد
فاجأه عند الضحى أجدل واستلّه بالمخلب الأسود
ناديته وهو به طائر : – الحقّ للقوّة يا سيّدي !(368)
وفي قصيدة “دُمدُم والحرب ” التي أرسلها إلى صديق مهاجر ، يفيض في وصف فجائع الحرب العالميّة الأولى وأهوالها ، مندّداً بدوافعها الأشعبيّة وعواقبها الوخيمة :
ما الحرب في الدنيا سوى طمع يدني الغرور ويُفسد الحزما ….
حملوا السلاح لقتل بعضهم بعضاً وساقوا القطر والبُهما
يتسابقون إلى مآتمهم والسيف يحسم هامهم حسماً (369)
وأنظر إلى استفظاعه أعمال الإنسان وكيف جعلها ابن آدم تنحطّ به عن الحيوان :
يُردي أخاه وهو مبتسم ويكاد يقضم خصمه قضماً
ويلاه من مدنيّة جعلت وحش الفلا من خلقنا أسمى (370)
وفي هذه القصيدة يتمنى أن يُعقد مؤتمر عالميّ تتصالح فيه الأمم وتنزع السلاح .
لكنّه يرى أنّ الأرض التي يبغي لها السلام والوئام لن تعرف الطمأنينة إلاّ إذا أصلح البشر نفوسهم ، واعتنقوا المبادئ النبيلة الصحيحة ، وطبّقوا أقوالهم وأفكارهم ممارسات . تُرى ، أيحقّق أمله :
حلم يمرّ بخاطري ، وغداً شمس الحقيقة تنسخ الحلما
فيظلّ حبل الأمن مضطرباً والهفتاه ! وسلمنا وهما !(371)
تبصّره بالواقع ، وتدبّره دوافع الحروب جعلاه يعود بالسراب ، لأنّ ما يجري بين الناس إنّما هو إسقاط نفسيّ لما يختلج في نفوسهم ، وما لم تستأصل العلّة من النفس فالنتيجة ستبقى نفسها :
يا من يبشّر أنّ الحرب قد خمدت نيرانها ، لا تصدّق كلّ مبتدع
فما المدافع في الدنيا بساكتة ما دام في كلّ نفس مدفع الطّمع (372)
وكأنّه يستصرخ المستحيل أو يستغيث بمن في سلطانه قدرة العجائب ليغيّر طبائع البشر التي لا أمل في تغييرها :
من لي بنزع الشرّ من بشر عبدوا السلاح وقدّسوا الجُرما (373)
أمّا على الصعيد الإقليمي والوطنيّ فأكثر ما أفتقده استقامة الحكّام ، وحريّة الأقلام ، والعدل والعلم . فالحكّام في البلاد العربيّة لا يعرفون الصدق ، فكيف تحيا أممهم وبظلّ أيّ ناموس ؟
تبّا لمملكة في الشرق كاذبة تمسي وتصبح في زور وبهتان
لا يعرف الصدق يوماً قط ساستها كأنّهم خلقوا في بدء نيسان !(374)
والصحافيّ الجريء الواعي بات قلمه ملجما ومصيره مهدّداً ، ذلك بأنّ الاستبداد لا تقيّض له الحياة مع انتشار الحقائق :
وترى الصحافي الجريء مهدّداً بالضيم من رقبائه الظلاّم
يبغي التقدّم للبلاد فينثني عن عزمه لمفاسد الأقوام
تلقى يراع الحرّ معتقلاً فلا يحيا بغير المدح والاكرام
إن خطّ آيات الحقائق مرّة قامت عليه قيامة الحكّام (375)
وبأيّ حزن ، يتأمّل حليم حال شعبه ، لا سيّما لدى مقارنته بالشعوب الغربيّة الناهضة وما حقّقته من منجزات في مجالات الحريّة والتقدّم :
ولكنّني بكيت على بلادي على ضعف بروح الشعب باد (376)
وفي مقارنته بين الشرق والغرب يقول :
هم يفعلون ، ونحن في أقوالنا ما بين أحمد والمسيح وموسى (377)
فالعدل قوام القوم ، ولذلك يستصرخ ضمائر الحكّام بأن يفهموا هذه الحقيقة ويرحموا الشعب ، لأنّ الظلم دفعاً بالأمّة نحو الشقاء والبلاء . إسمعه يقول في جريدة “الأقلام”:
متى استتبّ العدل استتبّ الأمن ، واطمأنّت الأمّة وانكشفت عنها كلّ غمّة . فالعدل العدل أيّها القائمون بالأمر فينا ، فبوجود حياة للفرد وللمجموع ، وبدونه شقاء الرعيّة ودنوّ المنيّة “(378)
وطالما شدّد حليم على أهميّة العلم ، فدعا إلى الأخذ به في شعره ونثره ، وتغنّى بمنجزاته العظيمة في الحفلات والأندية والمدارس . ذلك أنّ بالعلم وحده تبدّد الأوهام والخرافات وتتقدّم سبل الحياة ، وبدونه يعمّه الناس في جهالاتهم فيصدّقون بالأباطيل ” والترهات والخزعبلات كالسحر والعرافة والبخت وغيرها “… (379) وانظر إلى تحليله وما ينطوي عليه من نظر ثاقب وجلاء بصيرة سيمهّدان له طريق الداهشيّة . يقول معلّقاً على المؤمنين بأوهام سواهم ، ولو أنّ في مثل هذه العلوم الباطلة فائدة حقيقيّة لوجب على الكبير والصغير أن يتعلّمها ويتفهّمها ويمتحنها قبل كلّ أمر “(380).
محاور أدبه الروحيّ الداهشيّ
الفصل الثاني
تمهيد
قبل الخوض في الكلام على محاور الأدب الروحيّ الداهشيّ ، عند حليم دمّوس ، يحسن إلقاء نظرة محلّلة على إنتاجه قبل اعتناقه الداهشيّة .
إنّ عمود الشعر العربيّ الذي بقي كثير من أدباء العربيّة يلتزمونه حتى الثلث الأوّل من القرن العشرين ، حصر الأغراض الشعريّة في عدد معيّن قلّما حاد الشعراء عنه : من مدح ورثاء وهجاء وفخر وغزل وعتاب وشكوى إلى ما هنالك … أمّا الوصف فكاد يقتصر على الخمرة ومظاهر الطبيعة جامدة أو حيّة ، صحراويّة أو ريفيّة ، وعلى بعض معالم العمران والمشاهد الحربيّة .
ومعظم هذه الأغراض الشعريّة تناولها حليم ، قبل عهده الداهشيّ . فالرثاء أفاض فيه وتفنّن ، ووفّق في عدد من قصائده (381) ، والمدح اتّخذ عنده ، وجهتين :
وجهة القصائد الطوال التي لم تخل من بضع روائع ، كقصيدتيه في جبران (382)والمتنبّي (383) ووجهة التهانئ والمجاملات المصوغة في أبيات قليلة ، وهذه أسرف الحليم فيها ، وأسفّ .
أمّا الغزل فلم يقف عنده إلاّ قليلاً ؛ بينما كاد الفخر يختفي من أدبه ، وإن سمعت منه نبرات ، فلا علاقة لها بالمعاني الشائعة في المفاخر القديمة . والهجاء لم يطرقه لأنّ طبع الحليم السّمح كان ينبو عنه . أمّا الطبيعة فقد جال وصفها جولات أبدع فيها وجلّى (384)
لكن ، إلى جانب الأغراض الشعريّة القديمة ، كانت تبرز في شعره موضوعات مستحدثة تصدّى لها غير قليل من شعراء النهضة والمهجريّين : كالوطنيّات ، وهي غزيرة عند ، وقد امتاز فيها بمدحه اللغة العربيّة وافتخاره بمزاياها ، واستنهاض الهمم ، والمقارنة بين الشرق والغرب ، وتوحيد الشعوب بوحدة أديانها ، وهو موضوع خاض عُبابه ، واشتهر به ، حتى شكّل أحد الجذور المهمّة لأدبه الروحيّ في العهد الداهشيّ . كذلك ، وصف المخترعات الحديثة ، وتحمّس لها . أمّا في الاجتماعيّات فقد تناول موضوع المرأة ، واستنهضها ، وحفزها على التعلّم ، وحثّها على الفضائل التي تساعد في رقيّها ورقيّ الأوطان (385)
ومقارنة بسيطة بين حياته قبل سنة 1942 وحياته بعدها توضّح لنا الفرق الشاسع بين المرحلتين ، وانعكاس ذلك في أدبه شعراً ونثراً .
ففي المرحلة الأولى وجّه جلّ أدبه نحو أغراض تدرّ عليه مكاسب ماديّة أو شهرة دنيويّة ، حتى لقّب “بالشاعر التاجر” ، كما مرّ بنا . وإذ حدث الانقلاب في حياته باعتناقه العقيدة الداهشيّة ، ترفّع عن سفاسف الماديّات ، محلّقاً في أجواء لروحانيّات . فاكتسب أدبه أبعاداً روحيّة إنسانيّة جديدة ، واكتنز بمعاني الروح الخالدة ، وتألّقت فيه فكرة وحدة الأديان ، والإخاء الروحيّ ، واشتدّت نقمته على الفساد المتفشّي في جهات الكرة الأربع ، حتى صار شعره وسيلة ليس للتعبير عن خوالج نفسه وخطرات فكره فحسب ، بل للتبشير بالعقيدة الروحيّة التي آمن بها . ولم يكن شعر حليم الذي قاله في العهد الداهشيّ كلّه شعراً التزاميّاً ، سلك فيه نهج الروحانيّة ، فقد كان أحيانا قليلة يتذكّر أصدقاءه خصوصا الأدباء ، فيرسل إليهم ما يشبه الاخوانيّات ، أو يقرأ ديواناً فتختلج أفكاره وعواطفه ، فينظم كلمة في الديوان شعراً (386).
ولكن يلاحظ أنّ المستوى الفنّي في شعره هذا ، ينخفض دون مستوى شعره الروحيّ ألالتزامي .
كتب حليم ، أيضاً ، في العهد الداهشيّ خواطر حكميّة عامّة لا علاقة لها مباشرة بالداهشيّة والاتجاه الروحي ، وأنشأ ، كذلك ، تأمّلات اجتماعيّة ، ولكنّها من حيث الغزارة قليلة بالنسبة لما اكتسى بالصّبغة الروحيّة .
وإن بقيت النزعة الوطنيّة تُسمع نبراتها ، من حين لآخر (387)، في المرحلة الداهشيّة ، فقد تضاءل كثيراً اهتمامه بها ، لأنّ الداهشيّة نزعة روحيّة لا تفرّق بين إنسان وآخر على صعيد الأوطان والقوميّات .
زد إلى ذلك الصبغة الروحيّة وسمت نفحاته الوطنيّة القليلة تلك . فالوحدة الوطنيّة لا بدّ لها من وحدة دينيّة ، وفلسطين المنكوبة تذكّره بفلسطين التي أنكرت المسيح وقتلت الأنبياء ، والمسيح الذي اضطهد في فلسطين منذ ألفي سنة يذكّره (بمسيح بلاده )، بالمعزّي الذي وعد له المسيح ، وجاء فأنكروه في وطنه (388).
كذلك اكتسب حبّه لوطنه لبنان بُعداً روحيّاً جديداً ، فتعلّق به لأنّه أصبح مهد العقيدة الداهشيّة ، منه ستنطلق إلى العالم بأسره . وكان يأمل أن يتبّوأ هذا البلد مركزاً روحيّا مقدّساً ، مركزاً خلّده النبيّ سليمان ، منذ نحو ثلاثة آلاف سنة ، حين ناجى عروسه قائلاً لها :
” هلمّي معي من لبنان أيّتها العروس ، معي من لبنان “…(389)
والحليم إذ يرى في الداهشيّة عروس لبنان ، يدعوها إلى تأدية دور جليل في لبنان إذ هو مرتعها الأفيح (390).
أمّا جذور الاتّجاه الروحيّ في أدبه السابق للداهشيّة ، فقد ربت ، بعدما أخصبت الداهشيّة تربتها بأمواه الحقائق الروحيّة ، فبانت ثمارها طيّبة ، وألوانها زاهية ، وروائحها ذكيّة ، حين تغيّر تكوينه النفسيّ بتغيّر مثله الأعلى و” انتصار الأسمى على الأدنى فيه “، شأنه شأن جبران خليل جبران (391).
ويرجّح سيكولوجيّاً ، أنّ الإنسان يبقى مضطرباً ما دامت تسيطر عليه الطاقة الحسّية ؛ لكنّه ما إن تتعزّز عنده الطاقة الروحيّة ، حتى يسيطر السلام على نفسه ، وبالتالي على أدبه ، رغم الاضطهاد والسجن والتشريد والتعذيب التي قد يعانيها ، لأنه إذ ذاك يجد المجد والسعادة الحقيقيّتين في العالم الروحيّ الذي يشتدّ حنينه إليه (392).
وبعدما كان حليم دمّوس يعيش كسائر الناس ، يجامل ويقرّظ ، يبذل ما في وسعه للحصول على المال ، إذا به فجأة يطمئنّ ويهتدي إلى النور الذي استضاء به ، فكشف له أسرار السماء ، بعد أن كان يجهل سرّ وجود الأرض ! وراح يدافع عن الداهشيّة وينشرها بمذياع شعره :
هذا طريق النور يهديني إلى (دار السلام) مطهّراً آثامي (393)
ومن الإنصاف أن نقول إنّ الحليم ما “أضاع نفسه يوم أن سار في دوّامة (الداهشيّة)”(394) بل على العكس ، فقد اطمأنّت نفسه ونعمت بالهداية والحريّة . ولنصغ للحليم يقول :
” لا طمأنينة ، ولا سلام ، ولا حريّة ، ولا راحة فكريّة إلاّ بالحياة الروحيّة . فهي الحلقة المفقودة بين عالم الأرض وعوالم الأرواح . نعم ، لا راحة ولا هناء إلاّ بالالتجاء إلى الرسالات الروحيّة التي تبعد الإنسانيّة من المطامع الدنيويّة الماديّة ، فهي وحدها الدواء لهذا الداء العياء “( 395).
ولم تصرفه الداهشيّة عن نهجه الحكيم القويم ولم تبعد بينه وبين المحبّين على نحو ما قال يوسف غندور المعلوف (396).
أمّا فيما يتعلّق بعائلة الحليم ، فقد فضّل أسرة الروح على أسرة الرّحم ، عاملاً بقول المسيح (397) لذلك آثر حليمنا أن يتبع معلّمه الذي تجسّدت في شخصه مثل الحليم العليا . فسما عن الدنيا بقلبه ولسانه ومرقمه ، وآثر ملازمة هاديه على أن يلازم عائلته التي لم يتخلّ عنها بل ظلّ يمدّها بكلّ ما تحتاج إليه .
وبعد الضياع الذي تخبّط فيه الحليم ، وأمواج التساؤلات التي لاطمته ، إذا بسفينة الداهشيّة توصله إلى شاطئ اليقين الأمين وميناء الاطمئنان ، فيجاب عن تساؤلاته المقلقة الكثيرة بعدما آمن بخلود الروح وببارئها وعمل لإرضائه تعالى :
أرضيت ربّي بُكرة وعشيّة فأنا كما يرضى الإله أكون (398)
وبعد أن كان “الهادي ” طيفاً يزور خيال الحليم (399) فيناجيه بسيّاله الحادس ، إذا به يتجسّد بشخص الدكتور داهش ، فيقف عليه حياته وفكره وقلبه ولسانه وقلمه .
وقد ارتأيت أن أجعل الفصل – الذي هو بمثابة العمود الفقريّ لهذه الدراسة – في أربعة أقسام : أعالج في القسم الأوّل منه محور شخص داهش بوجهيه الهادي والمؤدّب معاً ، حسبما تبدّى في أدب الحليم ، ثم أتناول خوارق داهش وظاهراته الروحيّة التي شدهت الشاعر ، فأرّخها نثراً ، وتغنّى بها شعراً ، ليكون لي ، بعد ذلك حديث عن اضطهاد مؤسّس الداهشيّة ، فمصرعه ورثائه في أدب الحليم .
أمّا القسم الثاني فأتناول فيه سجن شاعرنا الذي بشّر داخل قضبان الظلم بالداهشيّة ، ثم تنديده بالمعتدين وتعريضه بالمتخاذلين عن نصرة الحقّ .
أمّا في القسم الثالث فسأتطرّق إلى موضوع الداهشيّة ، تلك “الحقيقة المضطهدة “، والدعوة الهادية التي قادت الحليم إلى طريق اليقين ، وإلى الروحانيّة سبيلاً للخلاص والسعادة ، وإلى إيمانه العظيم بخالق الأكوان .
وقد أبان الحليم الحكيم أنّ الحياة الروحيّة تُعاش بتهذيب النفس وتنزيهها عن الرذائل والعادات السيّئة ، وفي رأسها السّكر والقمار وعبادة المال … وبممارسة الفضائل والقيم الروحيّة فكراً وقولاً وعملاً ، والزهد بالدّنيا الذي أفضى به إلى الغربة الروحيّة فقادته بدورها إلى التوق للموت ، فحنّ إلى عالم الروح وعوالم النعيم التي أبان له معلّمه عن أسرارها ، فرفع الصلوات الحارّة والابتهالات الصادقة إلى الخالق تعالى ، متأمّلاً في بديع صنائعه ، ممجّداً العزّة الإلهيّة .
ورأيت من الحريّ أيضاً أن تعالج في هذا القسم مقوّمات العقيدة الداهشيّة ، حسبما ظهرت في أدب الحليم ، ومنها وحدة الأديان التي تجلّت في تمجيده الكتب المقدّسة ، وحملته على التناحر الدينيّ البغيض الذي عدّه سبباً من أسباب شقاء البشر .
أمّا التقمّص فمبدأ مهمّ من مبادئ الداهشيّة التي اعتنقها الحليم ، وقد تطرّق إليه ، عارضاً في شعره ونثره مفهومه للإنسان جسماً وروحاً ، ولانتقاله من عالم إلى آخر حسب استحقاقاته .
وينطوي مفهومه للداهشيّة على نزعة إصلاحيّة برزت على صعيدين ، صعيد الوطن وصعيد العالم : فعلى صعيد الوطن وعى الواقع الفاسد ؛ فالظلم هائم ، والتناحر قائم ، والجشع جاثم ، ولا سبيل إلى خلاصه إلاّ بوحدة أديانه والثورة على الطغيان من أجل العدالة ، والمحبّة في الحكم ، والتآخي في الشعب ، والحريّة ، والجرأة في إعلان الحقّ ونصرته على الباطل .
وقد وعى أيضاً خطورة الوضع العالميّ الراهن ؛ فمن حروب إلى أطماع تقود إلى حروب … لذا فالفناء وشيك ، وعلى البشر أن يتهيّأوا له بإصلاح نفوسهم ، لكنّ خطورة الداهية التي يراها حليم ، كأنّما تفتح في نفسه نافذة للأمل صغيرة يطلّ منها على المحبّة الشاملة والسلام والعدالة .
أمّا في القسم الرابع من هذا الفصل فسأعالج موضوع الدكتور داهش الأديب ، فأعرّف بالمقدّمات التي وضعها الحليم لبعض مؤلّفات مؤسّس الداهشيّة ، عارضة رؤيته لمزاياه الأدبيّة ، من خلال تلك المقدّمات وشذرات من نثره وشعره .
أوّلاً :
شخص داهش في أدب حليم دمّوس
ليس عسيراً على الباحث في أدب حليم دمّوس الروحيّ المنبسط على خمسة عشر عاماً (1942-1957) أن يتحقّق أنّ شخص مؤسّس الداهشيّة يهيمن عليه ، ويلهمه بقيمه ومبادئه ومزاياه الروحيّة .
وإن خلع حليم على داهش ، في شعره ونثره ، أسماء وألقاباً وصفات متنوعة ، كالفادي ، والمصلح ، والحبيب ، وطبيب الأرواح ، والمنقذ ، والفيلسوف ، الخ … فإنّه يمكن إجمالها ميزات وقيماً بعنوانين رئيسين : داهش الهادي وداهش المؤدّب .
ولا يمكن إيفاء شخص داهش حقّه من البحث ، في أدب حليم ، ما لم نعرض لخوارقه واضطهاده ومصرعه ورثائه حسبما تجلّت آثارها في إنتاج دمّوس . وإنّي سأتناول هذه النقاط ، تباعاً ، بشيء من التفصيل .
أ- داهش الهادي :
رأى الحليم العالم بحراً تمخر عبابه بسفينة الحياة ، على غير هدى ، وفي كلّ وقت يمكن أن نواجه الأرياح وتجهّم الأمواج ، وداهش ، في نظر الحليم ، ربّان سفينة الهداية ، يقودها إلى شاطئ الإيمان وميناء الخلاص . وطوبى لركبه ، إذ لهم النجاة ، مثلهم مثل أتباع نوح ، بفلكه خلصوا ، والويل لمن تخلّف منهم :
أنت رُبّاننا ونجم هدانا فأعدنا إلى القلاع الحصينة
وإذا هبّت الرياح علينا أنزل الرّكب في الشطوط الأمينة
وإذا ما تجهّم البحر يوما ألق في اليمّ ما يعيق السفينة (400).
هذا القبطان الروحيّ تتّحد صورته ، في كثير من شعر حليم ، بصورة النجم الهادي .
فحليم ، بعد أن تخبّط بين أمواج البشر ، مستقلاً تارة مراكب الجمعيّات التائهة في بحر الغايات ، ومعتلياً مرّة أخرى زورق الماسونيّة ، يؤكّد لنا أنّه بلغ ، عام 1942، مرفأ السّلام ، فاهتدت نفسه إلى مبتغاها ، واطمأنّت روحه القلقة التائهة ، بعدما غمرتها أضواء النجم الهادي :
يا حبّذا نجم ينير سبيلنا وبه نطلّ على خصيب مراعي
أهدافه روحيّة تهدي الورى لتجنّب الشهوات والأطماع (401).
وهذا النجم سطع في لبنان ، في البلد الذي تتنازعه الأديان وتتناهشه الطوائف ، ظهر ليستضيء الشعب به ولتهتدي بواسطته هذه البلاد المسكينة :
أنت في موكب الحقيقة نجم جاء يهدي بلاده المسكينة (402)
وفي قصيدة “تحية الهادي” التي نظمها الحليم بمناسبة ذكرى مولد داهشه عام 1955 ، قال :
هذا حزيران يروي في أوائله عن كوكب بشعاع النور وقّاد
عن بلبل طار م روض النعيم إلى (باب العمود) ليشدو خير إنشاد (403).
كما جاء على لسانه نثراّ في مطلع حزيران عام 1957:
“منذ 45 عاماً لمع في سماء لبنان نجم جديد يريد تحيّتنا وهدايتنا ، فرأى الظلام يغمر أبناء أرضنا الشقيّة ، فعطف علينا ، وبعث إلينا بأنواره السنيّة البهيّة …
…. فيا له من (هاد) عظيم ، وملاك كريم ، جاءنا بآياته الساحرة وعجائبه الباهرة ، فكان هدىً للعالمين “(404)
لقد كان الدكتور داهش للحليم رمزاً للهداة والمصلحين الحقيقيّين ، كان النور الروحيّ الذي أضاء له السبيل ، وأبان له مصير الدنيا الوبيل :
نسير في النور والدنيا تهدّدنا بعد الزلازل بالطوفان والشُّعل (405).
وقرن الحليم الهداية بالفداء ، فهما توأمان يسريان في جسد واحد ، ومنحدران من أصل واحد ؛ فالهداة إنّما يهدون البشر بعد أن يفتدوهم بأنفسهم ويضطهدون من أجل البشريّة الضالّة :
قل لي بحقّك ، هذا مولد (الهادي) في مطلع الشهر أم ذا مولد (الفادي)
لا فرق بينهما ، فالفرقدان هما كفرقد منذ آزال وآباد
كلاهما واحد والروح واحدة وإن غدت ذات أرواح وأجساد
سرّ (الوجود) وأسرار (الخلود) هنا والأصل منحدر من كفّ جوّاد (406).
كذلك قرن الحليم الهداية بالعزاء ، فأينما حلّ شاعرنا وكيفما اتّجه ، رأى الناس يلهثون وراء الدنيويّات . وقد وعى أنّ الحقّ في هذا العالم للأقوياء وإن كانوا ظالمين ، والسيطرة للحكّام المستبدّين . فالذئاب تسرح في غاب الأرض ، والإنسان إلانسان يكاد ييأس من الحياة . إلاّ أنّ حليمنا اكتشف فجأة كنز العزاء ، ومنه ينبعث النور الهادي الذي يبدّد الظلماء ، ويضيء طريق الخلاص للأمم جمعاء :
جاء (المعزّي) بأمر منه فانتعشت أرواحنا واستنار العُرب والعجم
لقد (هدانا) إلى النهج القويم على نور الهدى بالفدى ، فانجابت الظلم (407)
وإذا كان يحقّ للعالم أن يتهلّل بميلاد الهادي المُعزّي ، فكيف ببلاد الأرز موطنه ومنطلق دعوته ، فلا شكّ بأنّه سيجدّد الروح فيها ويدحر جيش الفساد وطغمات الاستبداد ، ويطلع في سمائها فجر الرجاء ، فيبزغ معه عهد محبّة جديد ، وينهلّ ماء الروح العليّ ، فتخضوضر القيم الروحيّة مجدّداً :
هذا (الحبيب الذي من بدء مولده تجدّدت أرض آبائي وأجدادي
في عيده اليوم قد تمّ الرجاء لنا بفجر عهد سيمحو ليل إلحاد
فقل للبنان أبشر فالصباح دنا والأرز في طرب والسهل والوادي (408)
ولا شكّ بأنّ كلّ هداية تحمل دعوة إصلاحيّة . وممّا ترمي إليه عقيدة داهش تشذيب الفساد من الإنسان والمجتمع . فلا معنى للحياة من غير قانون ينظّمها ، ولا للدولة من دون عدالة ، ولا للإنسان بلا كرامة . فالإصلاح غاية الدعوات الهادية ،وحليم ، كسائر إخوانه في الداهشيّة ، ينظر إلى مؤسّس العقيدة “كمصلح عبقريّ شاهد أمراض هذا المجتمع الماديّ ، البعيد كلّ البعد عن القيم الروحيّة ، فأراد أن يعيد إلى ذاكرة ذلك المجتمع تلك القيم السماويّة التي ، بدونها ، لا أخلاق ولا رقيّ ولا إصلاح ولا صلاح “(409).
لكنّ مؤسّس الداهشيّة – الذي توافد إليه الزّوّار أفراد وجماعات ، فكان يجالسهم ويشرح لهم الحقائق الروحيّة علّهم يهتدون إلى الطريق السويّ – لم يلق بين جموعهم الغفيرة إلاّ قلّة استطاعت أن تفهم الحقيقة . أمّا الباقون فلم يعثر بينهم إلاّ على كاذب ومداج :
وكم رام إصلاح النفوس بروحه فلم يلق إلاّ كاذباً ومداجياً
فذاق كؤوس النائبات مريرة كذا أنبياء الله ذاقوا الدواهيا (410)
لقد اختار حليم حياته الداهشيّة الجديدة مذ أبصر المعجزة الأولى ، فطلّق حياته الماديّة ، وولد من جديد بين يدين انتشلتاه من ظلمات مدلهمّة كان يتخبّط فيها كسائر البشر تخبُّط عشواء ! أفيمكن أن تكون تانك اليدان إلاّ يدي “منقذ” روحي ؟- لا ، ولذا لبّى الحليم نداء الروح ، ووضع يده الثابتة على المحراث دون أن يلتفت إلى الوراء ، بل راح يبذر بذور الداهشيّة حينما قادته قدماه علّها تنمو وتثمر خيراً :
فيا نفس سيري في حياة جديدة عليها إلهي بردة العطف يسبغ
لقد لاح لي طيّ الدُجى طيف (منقذ) محيّاه بالإشراق والحسن مفرغ
فيا من سمعنا في الظلام حديثه سننشر أسرار الهدى ونبلّغ
هنيئاً لمن من مائه العذب يرتوي وطوبى لمن من خبزه يتبلّّغ
فآياته أشهى من الشّهد عندنا وأفصح من آي الدهور وأبلغ !(411)
وعرك الحليم الحياة ، فألفى أبناءها يغوصون في مستنقعات الرذيلة والفساد ، ويغرقون في خضمّ الضياع ، لذا ، فهم بحاجة إلى خشبة خلاص ، إلى من يقيلهم من العثرات ويقودهم إلى طريق الصلاح ، الطريق المؤدّية بهم إلى السعادة الروحيّة الداخليّة التي تجدّد الحياة في الإنسان ، وليس من منقذ لهم سوى مؤسّس الداهشيّة :
أنت الذي نجيّتنا ورفعتنا من بؤرة ملئت بكلّ فساد
جدّدتنا ، ولذا نجدّد عهدنا لرسالة الإصلاح والإسعاد (412)
وللحكمة في آثار حليم دمّوس العائدة إلى العهد الأوّل ومضات سريعة ، إلاّ أنّها تكشف عن نفسيّة الشاعر وحبّه للمعرفة الحقيقيّة ، فهو ، في شعره ، يتساءل عن سرّ خلق الإنسان ، مستفهماً عن العالم الآخر ، طارحاً السؤال لصق السؤال ، لاهثاً وراء الحكمة الحقّة التي تكشف له عن أسباب الوجود وسرّ الخلود . لكنّه يؤكّد أنّه لم يعثر على الأجوبة الكافية الشافية إلاّ من لسان داهش وقلمه السيّال . وإذا ما سألنا الحليم نظرته إلى مؤسّس الداهشيّة ، أجابنا نثراً :
“ننظر إليه كفيلسوف حكيم شاهد شقاء الإنسان وتعاسته المتأتّية من جهله لمصيره ، فأراد أن يذكّره بخلود روحه ، وأنّ الأرض مرحلة قصيرة ، وأنّ الحياة الحقيقيّة تبدأ بعد الانتقال من هذا العالم ، لأنّ الروح خالدة “(413)
ويرى حليم أنّ عالمنا تتناهشه الأنظمة المتعدّدة ، وكلّ نظام يدافع عن مبادئه وغاياته ، ويستأسد كأنّه موحى من السماء ، ويتنمّر كأنّه مشعّ من ضلع ذكاء ، لكنّ الأنظمة جميعها تتصادم متخبّطة في متاهات الضياع ، فيعمّ الأرض التفكّك ويسيطر عليها التنافر . وسط هذا الخضمّ الصخّاب هدأت نفس الحليم ، بعدما رأى هاديه يستلهم ديمقراطيّة الخلفاء الراشدين العادلة ، الديمقراطيّة القائمة على الأخلاق ، فبها يرقى المجتمع وتنهض الأوطان . فداهش ، برأي الحليم ، “مشترع إنسانيّ شاهد إفلاس الأنظمة الجائرة التي ترزح تحتها البشريّة … فأراد العودة إلى الديمقراطيّة السمحاء المبنيّة على أخلاق الفرد والمجتمع ، والمنبثقة من سنن السماء التي هي من صنع الرحمان ، والتي أنبتت عهوداً عادلة كعهد أبي بكر وعمر وعليّ وأمثالهم “(414)
وقد ظهر داهش في عصر يوسّع فيه رجال الدين الهوّة بين الديانات ، وتتكاثر المذاهب فتتضارب الآراء وتتباين الأفكار … وتطمس الحقيقة ! “فأراد أن يجمع كلمة الشعوب وقلوبها حول الكتب المنزلة في جوهرها الأصليّ وحول القرآن … وقد كلّفته هذه الثورة الفكريّة التي أراد أن يشعلها أنواع الاضطهاد والسّجن والنّفي والتشريد ، كما تحمّل أتباعه عبثاً كبيراً من هذه الاضطهادات المتوالية (415).
والشاعر دمّوس يُكبرُ هذا القائد المجاهد الكبير الذي يصل أطراف الليل بآناء النهار ، لنشر عقيدته الداهشيّة ، ويستمدّ منه القوّة والصبر طالباً المعونة الروحيّة للجهاد المتواصل :
يحمل الأعباء في وحدته وهو لا يعرف معنى التّعب
يسهر الليل كليث خادر في عرين الأرز بين الصّحب
قونا ، يا من لمسنا مجده في سماء الخلد فوق السحب
قوّنا ، يا أيّها الهادي ، فكم هزّنا الدهر ولم ننقلب (416)
لكنّ أبناء لبنان إن أغفلوا داهشاً الهادي وأهملوا أقواله وكلماته ، فبعملهم هذا إنّما يهملون الحجر الذي سيصير رأس الزاوية ، إذ لا كرامة لهاد في بلد . وغداً سيندم الظالمون ، ولات ساعة مندم :
هذا (مسيحك) يا بلادي أغفلوا أقواله ومشوا وراء الزانية
كلماته وحي السماء وإنّما لم يسمعوا كلماته المتسامية
حجر كريم أهملوا آياته وبأمر ربّك صار (رأس الزاوية)(417)
وإذا تضافرت هذه الصفات التي كلّل بها الحليم اسم داهش ، كوّنت “الشخصيّة العبقريّة العالميّة “، تلك التي جسّدت له مثله الأعلى في الحياة ، فمال إليها لأنّها تميل إلى الخلاّق وحده ، وأعجب بمظهرها المتواضع إعجابه بجوهرها السامي . فداهش ، بنظر حليم ، هو “شخصيّة عبقريّة من تلك الشخصيّات الفذّة العالميّة ، وإلى مثلها تميل روحي ميلاً شديداً تقديراً لمادّتها ومظهرها ، وجمال معناها ومغزاها ، وجلال مبناها ومرماها !”(418)
ب- داهش المؤدّب :
من غمد الروح يشهر داهش سيف التأديب الصقيل رنّاناً فوق رؤوس الأعداء ، صالاً بكلمة الحقّ ، صادعاً بالداهشيّة :
سيفه الحقّ وهو سيف صقيل كم سمعنا صليله ورنينه
قوّة الروح طهّرت أصغريه ويديه وصدره وجبينه (419)
ويجاهد صاحب العقيدة قوّات الشرّ المعتدية على حرّيته وحقوقه ، وهو الفرد الأعزل ، وبقوّة الروح يردّ كيد الحسّاد إلى نحورهم :
لقد تعذّبت أعواماً مسلسلة من عصبة الشرّ والإجرام والحيل
فكنت لا تنثني عن ردّ كيدهم إلى نحور هوت في لجّة العلل (420)
والشاعر يثني على مؤسّس الداهشيّة الصامد أمام هوج الافتراءات ، والثابت أمام تلاطم التعدّيات ، بسلاح الشجاعة الفائقة التي تنمو مع مرور السنين فتبثّ الذُعر في نفوس المعتدين :
جاوزت حدّ (الأربعين ) ولم تزل كالنسر ، كالرئبال ، كالبتّار
تفري بحدّك كلّ وغد ظالم فإذا به كالثعلب المتواري (421)
وفي التفاتة إلى الوراء يستشرف حليم فلسطين ، طاوياً ألفين من الأعوام ، رابطاً ما بين رسالة المعلّم الناصريّ ورسالة الدكتور داهش ، وكلاهما شهدت الأراضي المقدّسة مولدهما ، ومولد دعوتيهما ، وكلاهما لم يخل تلاميذه من خائن ، بل إنّ من خان السيّد المسيح منذ ألفي سنة عاد فتقمّص ، في فلسطين نفسها ، رجلاً خائناً آخر ، ومثلما نُبذ يهوذا المسيحيّة ، نُبذ يهوذا الداهشيّة : عبد الرحيم الشّريف الخليليّ (422) . لقد طرده معلّمه العظيم من صفوف الداهشيّة ، وأدّبه تأديباً رهيباً ، لأنّه ، بقدرته الروحيّة الخارقة ، عرف أنّ الخليليّ اليوم أنّما هو يهوذا الأمس ، أدّبه كالطود الأشمّ تتدافع الأمواج على أقدامه لتنال منها ، فتتحطّم دونها :
لا تعجبي إن شذّ منّا واحد فلكلّ قاعدة هناك شذوذ
هذا (يهوذا) خان سيّده ، وها هو في الرسالة (خائن منبوذ)
سيّرت في بحر الجهاد سفينتي وأنا بأنوار الهدى مأخوذ
كم موجة هجمت لكسر معلمي فتكسّرت وأنا له تلميذ (423)
كان الحليم يستلهم نبوءات الدكتور داهش ، فيعلن ، عبر رؤى شعريّة ، انتصار الداهشيّة ، ودحر كلّ ظالم . والشعب الذي طالما نبّهه فلم يلق منه أذناً صاغية ، يراه الحليم يشعل ثورة تعمّ البلاد وتسقط الطاغية :
وهوى الظالم عن كرسيّه وتجلّى الجدّ بعد اللعب
وانبرى الهادي لتأديب العدى ناشراً أعلام عصر ذهبيّ (424)
والشاعر التلميذ يضفي على أستاذه صفة النابغة ، والهادم الباني ، إذ إنّ صرح العدالة الأشمّ لا يبنى على البُطل ، بل تقوّضه من أسسه أيد لا ترتجف للباطل ، بل تؤسّس أعمدة العدل الجبّارة ، لترفع عليها صرح الحقّ الذي لا تزعزعه معاول الهدم وآلات الخراب . فهذا مثل الدكتور داهش الذي يصفه الحليم بأنّه :
يبني العدالة في الأوطان (نابغة) ويهدم البُطل .. نعم (الهادم الباني) (425)
ولسيف مؤسّس الداهشيّة مهمّة مزدوجة : فمع تأديبه الاعداء من الخارج ، كان يحارب قوّات الشرّ داخل الإنسان . فإذا كان الله تعالى ” لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم “، فمؤسّس الداهشيّة إنّما يعمل سيفه اللامرئيّ في نفوس الداهشيّين ، ليتخلّصوا من أدرانهم وأوزارهم . وخير وصف لداهش المؤدّب قول الحليم في كلمته “مولد الهادي الحبيب ” بمناسبة مطلع حزيران عام 1957 (426)
” فبالرغم من جميع هذه المتاعب والمصاعب ، نراك دائماً أنت أنت تحارب قوّات الشرّ من الداخل ومن الخارج .
“ويعزّ علينا كثيراً أن نرى أنفسنا عاجزين عن مساعدتنا إيّاك في هذا الصراع العنيف مثلما كنّا نرغب . ولكن ، يا للأسف ، فإنّ مساعدتنا ضئيلة جدّاً ، وغالباً تأتي بنتائج معكوسة نسبة لضعفنا وجهلنا . فيتحتّم عليك ، والحالة هذه ، أن تخلّصنا من زلاّتنا وتناضل القوى الشّريرة الخارجيّة في ذات الوقت “…
ج- خوارق داهش في شعر حليم و”وقائعه الداهشيّة”
ممّا دفع حليم دمّوس إلى اعتناق الداهشيّة لمسه الظاهرات الروحيّة التي تجلّت أمامه بصورة مادّية ، خارقة القوانين الطبيعيّة (427). وتصديقه بها تصديقاً راسخاً دفعه لأن يجاهد في سبيل معتقده الجديد جهاداً زجّه في غيابات السجون ، وحمّله المتاعب ، وأثقله بالمصاعب . إلاّ أنّ هذا كلّه لم يزده إلاّ إيماناً فوق إيمان . ولذا فخوارق داهش هي امتداد لصاحبها في أدب الحليم ، حيثما يُذكر تُذكر :
وفي نهضة (الهادي) هداية أنفس إلى ظاهرات باهرات صوادق
تنزّلها الأرواح وحياً وحكمة وآياتها مدعومة بالخوارق
عجائب من أمر الإله بمثلها أتى أنبياء الله هديا لآبق (428)
وقد جنّد مؤرّخ الداهشيّة قلمه لتدوين الخوارق التي عاينها ، ليخلّدها الزمان في كتابه ، فتقرأها الأجيال القادمة وتردّدها السنون وتخشع لها الأمم :
سجّل على الطّرس ما تختار يا قلم فلم يعد لفؤادي في الثرى ألم
عاينت من مجد ربّي كلّ ظاهرة وسوف تخشع من آياته الأمم
ذكرت (بولس) في أرض الشام وقد رأى (المسيح) يناجيه ويبتسم (429)
فمنذ اليوم الأوّل لاعتناقه الداهشيّة ، تفتّحت عيناه على ظاهرات أرته أسرار السماء وسخافات الأرض ، فتمنّى أن يكون من داهش ما كانه بولس من المسيح . فلم يأل جهداً في نشره معتقده حتى داخل قضبان السجن الذي زُجّ به في غيابات ظلماته من أجل إيمانه . يقول حليم :” إنّ الظاهرات الروحيّة التي تجلّت أمامنا بواسطة الدكتور داهش قبل إبعاده عن لبنان (1944) أرتنا أسرار وأسرار ، وأشعّة وأنواراً ، وحوّلت ليلنا نهاراً . إنّ تلك الظاهرات العجيبة ذكّرتنا بذلك النور السماويّ الباهر الذي تجلّى لبولس الرسول على طريق دمشق يوم خاطبه السيّد المسيح فهداه إلى نور الحقّ “(430)
أمّا “الوقائع الداهشيّة” التي استغرقت عدّة أجزاء ، فقد حرص حليم على أن يدوّن فيها ، يوماً فيوماً ، أسماء الأشخاص الذين كانوا يزورون مؤسّس الداهشيّة ، وفيهم المحامون والأطبّاء والأساتذة ورجال الدين والسياسة والصحافة ، وأهل الفكر والأدب والقانون . وقد وصف الجلسات الروحيّة التي كانت تعقد لهم ، والظاهرات العجيبة التي كان الدكتور داهش يجريها أمام عيونهم الذاهلة (431)، والأسئلة التي كانوا يطرحونها عليه ، والأجوبة التي كانوا يتلقّونها منه ، وكلّها تبعث على التعجّب والدهشة . وكم من زائر يصفه حليم أنّه دخل إلى منزل مؤسّس الداهشيّة مشكّكاً معانداً ، وخرج منه مصدّقاً مؤمناً !(432)
د- اضطهاد داهش والداهشيّين
يستفاد من “الوقائع الداهشيّة ” العائدة لصيف 1942، أنّ من بين الذين سمعوا صوت الحليم وآمنوا بمعتقده الروحيّ الأديبة ماري حدّاد ، شقيقة لور زوجة رئيس الجمهوريّة الأسبق بشارة الخوري (1943-1952) وزوجها جورج حدّاد ، وأفراد عائلتهما .
وبما أن الداهشيّة تدعو إلى وحدة الأديان ، وبالتالي إلى أن يؤمن المسيحيّون بالنبيّ العربي إيمانهم بالمسيح , فقد أثار اعتناق ماري حدّاد لهذه العقيدة نقمة أختها لور وأخيها ميشال شيحا . فدبّرا مع رئيس الجمهوريّة ورجال الدين المسيحيّ مؤامرة للقضاء على رجل الخوارق (433)، بعد أن يئسوا من ثنيها عن اعتقادها الجديد .
وشُنّ الاضطهاد على مؤسّس الداهشيّة الذي عانى السّجن والتشريد والنّفي والتجريد من جنسيّته اللبنانيّة . ولا يعجب حليم من هذا الاضطهاد ، فيقول :
كلّ هاد يلقى اضطهاداً وجوراً من أناس يطوون جمر الضغينة
آن للعدل أن يسود البرايا ويؤاسي منّا النفوس الحزينة
آن للحقّ أن يصون عيوناً داميات تذري الدموع السخينة (434)
وتطايرت شظايا الاضطهاد فأصابت الأتباع . يصرّح حليم قائلاً :
“الظلم وقع عليّ كما وقع على الذي جرّدوه من جنسيّته اللبنانيّة وسجنوه وأبعدوه دون أن يحاكموه . والسبب في ذلك أنّ له صداقة مع آل حدّاد من أنسباء القائمين بالأمر فينا . وهم لا يريدون وجود هذه الصداقة … وهكذا فعلوا بعدد كبير من الداهشيّين والداهشيّات (435)
ويتحصّل من “الوقائع الداهشيّة” أنّ الاعتداء على الدكتور داهش تمّ بتاريخ 28 آب عام 1944 ، إذ أرسل الرئيس بشارة الخوري شرذمة من “الرعاع المأجورين” ليغتالوه داخل منزله . ولمّا فشلوا ، تدخّل رجال السلطة فأوقفوه بدل إيقاف المجرمين .
وهكذا جرّده الحاكمون من جنسيّته من غير وجه قانونيّ ، وسجنوا البريء دون أن يحاكموه أن يسمحوا له بأن يقول كلمته ، وشرّدوا المواطن عن وطنه سالخينه عن أهله وأتباعه ، وجلدوه وعذّبوه … بعد أن تألّبت الدولة عليه بجميع أجهزتها (436)
وأعقب ذلك انتحار مجدا حدّاد (437) احتجاجاً على ما يلاقيه معلّمها ومؤسّس عقيدتها . يقول حليم دمّوس ، في رسالة بعث بها إلى رئيس تحرير مجلّة الجامعة السريانيّة فريد نزها ، إن مجدا حدّاد – بعدما أبعدت السلطات داهشاً نهائيّاً إلى حدود تركيّا – “استولى عليها اليأس من هذا الظلم ، فانتحرت احتجاجاً وذهبت شهيدة إخلاصها للدعوة الداهشيّة … إنّ اضطهاد الحكومة للدكتور داهش ما كان ليحصل لو كان الدكتور داهش رجلاً عاديّا … ولكنّهم قاوموه وأبعدوه بعد أن عذّبوه وسجنوه ، وسجنوا عددا كبيراً من أتباعه دون أن يتجرّأوا على محاكمته ومحاكمتهم “(438)
ه- مصرع الدكتور داهش ورثاؤه
يقول الدكتور فريد أبو سليمان رفيق حليم دمّوس في جهاده ، إنّ مؤسّس الداهشيّة ، بعد أن جرّدته السلطات اللبنانيّة من جنسيّته ، وأبعدته عن بلاده ، وشرّدته ، اضطرّ في 28 حزيران 1947، إلى دخول أذربيجان “فألقى القبض عليه لأنّه لم يستطع إثبات هويّته ، إذ لا أوراق رسميّة لديه بعد نفيه ، فظنّت السلطات أنّه جاسوس ، خصوصاً أنّ فتنة دامية كانت قد قامت في أذربيجان وجرّت ذيولاً خطيرة ، فأُعدم رميا بالرصاص بتاريخ أوّل تموز 1947 ؛ وذكرت الصحافة العربيّة والعالميّة أنباء إعدامه ودفنه “(439)
وفي هذه الأثناء كان الشاعر الزحليّ في سجن الرمل ، يعاني ظلم الحكّام ، فبلغه نعي مؤسّس الداهشيّة في اليوم السادس لمصرعه ، ففاضت نفسه التي صهرتها الآلام بقصيدة طويلة بلغت سبعة وخمسين بيتاً (440)؛ وقد بدأها بأسئلة ممضّة تعبّر عن هول المصاب وعدم تصديقه النبأ المزلزل الصّادع :
أحقّاً قضى من كان للروح هاديا فألهب أشجاني وأدمى فؤاديا ؟
أحقّاً مضى من كنت أرجو لقاءه لأبلغ من أهل الزمان مراديا ؟
أحقّاً توارى عن بني الأرض داهش ولاح شهاباً في دجى الليل هاوياً ؟
وتتلاحق الأبيات ، بل حرّى الآهات والزفرات ، تعبّر عن أشباح المأساة التي أخذت تمشي على صدره كالجبال الرواسي ؟
وطفق يقصّ على رفاق سجنه قصّة الجريمة الرهيبة التي أوقعوها في معلّمه وهاديه :
تعالوا تعالوا كي أقصّ عليكم حديثاً كدمع العين ينهلّ جاريا
وكانت القصّة بالغة التأثير تتناول مراحل العذاب التي اجتازها مؤسّس الداهشيّة ، كما تتناول مطامحه ومراميه العلويّة مقارنة بمفاسد الدولة ومسالكها الزريّة ، كذلك ضمّنها وصفاً يفيض باللوعة والأسى لتلميذات داهش المؤمنات بعقيدته كيف يندبن وينحن عليه . أمّا موقف الشاعر ، فعلى حزنه ومرارته ، لا يخلو من أمل ، إذ يقول :
وحقّك ما حُزني لوضعك في الثّرى فقدرك في الآفاق زاد تساميا
ولكنّ قوما أنكروك جهالة وتاهوا ضلالاً واستبدّوا تعاميا
فلا بدّ من يوم يجيئون خشّعاً لعهد جديد بات بالمجد حاليا
وما (ضجعة الموت) التي قد رقدتها سوى يقظة للروح تحيي الأمانيا
وينظم حليم عدداً من المقطّعات والقصائد (441) في هذا الحادث الفاجع ، وجميعها تسيل رقّة وأسى ، محاولاً أن يتعزّى بتذكّر كلمات معلّمه وهاديه , وبالتمسّك بفكرة خلود الروح ، وبأنّ الموت إنّما هو انتقال من حال إلى حال ، بل هو بالنسبة لمؤسّس الداهشيّة تطهّر من أدران الأرض :
قالوا :” قضى زين الشّباب بغربة ونأى عن الأحباب والأصحاب “
لا ، لم يمت … فالروح في جنّاتها وخلودها سبب من الأسباب
الروح مرجعها إلى خلاّقها فلك النعيم بروضة وشباب
طهّرت ثوبك من رجاسة أرضنا نم هانئاً يا طاهر الأثواب !!
وقد نظم حليم دمّوس بضعة أبيات أُرسلت مع بعض الداهشيّين لتحفر على ضريح مؤسّس الداهشيّة في إيران ، ويزاح عنها الستار في الحفلة التذكاريّة التي يُقام مثلها في التاريخ نفسه في كلّ من بيروت وأذربيجان وبغداد والنّجف الأشرف ودمشق وسان باولو . وهذه هي الأبيات :
هنا في ذمّة الأقدار داهش هوى وثوى فصدر الشرق جائش
نأى عن (أرزة) الأوطان ظلما فرنّ صدى المصاب كسهم رائش
فيا ليت السهام رمت سواه وليت السهم فيه كان طائش
لئن ذاق الرّدى بالجسم غدرا ففي أتباعه بالروح عائش
غريباً عاش في الدنيا ، لهذا غريباً مات في إيران داهش (442)
أمّا موضوع بعث مؤسّس الداهشيّة من الموت وعودته إلى متابعة التّبشير بدعوته فلا ترى له أثراً في شعر حليم ؛ لكنّ “الوقائع الداهشيّة” التي دوّنها تنطوي على ظاهرات روحيّة كثيرة فيها تفسير لهذا الحدث على ضوء تعدّد “شخصيّات” الدكتور داهش ، وتجسّدها ، وهذا يفسّر انتفاء آثار هذا الحدث المهمّ في شعره . ولعلّ أفضل شرح وجيز لتجسّد الشخصيّات نلقاه في ما كتبه الدكتور غازي براكس في المحاضرة التي ألقاها في الجامعة الأميركيّة سنة 1970 ، تحت عنوان “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان “(443).
ثانيا :
سجن حليم
وحملته على الظالمين والمتخاذلين
أ- سجن حليم :
أفضى اضطهاد الدكتور داهش إلى اعتقال الداهشيّين الأوائل (444)، وكان بينهم الشاعر حليم دمّوس الذي أتّهم بإنشاء الكتب والنّشرات السوداء التي كان يدوّنها مؤسّس الداهشيّة ، خفيّة في لبنان ، بينما تظنّ السلطة أنّها أبعدته وقضت عليه (445) ! وقد بلغ عددها 66 كتاباً أسود و165 منشوراً ، جميعها حافلة بفضائح العهد ورجاله .
وقد سجن حليم ، مراراً ، بين عامي (1945-1947) حتى بلغ عدد الأيام التي قضّاها في غيابات السجون ثلاثمئة يوم ويوم (446). لكنّه ، على كلّ العذابات التي عاناها ، والآلام التي قاساها ، والسجون التي أودع زواياها ، والشتائم التي قذف بها (447) ، لم يتحوّل عن عقيدته الراسخة “قيد شعرة ولا مغرز إبرة”(448)، بل استمرّ في التبشير بها داخل القضبان الحديديّة ، غير هيّاب للسلطة وحكّامها ، لأنّه مؤمن إيماناً راسخاً بأنّه سيطلع يوم تنتصر فيه الحقيقة رغم المقاومات الشديدة والاضطهادات العتيدة . ولنسمعه يقول :” نحن نستقبل كلّ اضطهاد وعذاب بصبر جميل إذ إنّ كلّ فكرة إصلاحيّة جديدة لا بدّ من مقاومتها إلى أن تتجلّى الحقيقة لكلّ ذي عينين “(449).
وإلى أن تتجلّى الحقيقة التي يكافح لأجلها الحليم وينافح ، فإنّه يجنّد قلمه لمحاربة كلّ معتد ، وللتفريج عن آلامه المضغوطة في نفسه الصابرة ، وهو ، منذ انطلاق الدعوة الداهشيّة سنة 1942، يتحمّل وإخوانه في العقيدة الاضطهاد الذي لم يثنهم عن مواصلة نشاطهم . وقد نشرت مجلّة “المختصر” بتاريخ كانون الأوّل عام 1946 رسالة لحليم دمّوس ، جاء فيها :
” إنّنا نتحمّل الاضطهاد من عام 1942 بصبر وثبات … وثق أنّ عزيمتنا لن تهن ، وقناتنا لن تلين ، لأنّنا طلاّب حقّ وحقيقة ، وعشّاق مبدإ صحيح وعقيدة سامية … هيهات أن تقوى الظلمة على النور ، وهيهات أن تنهزم نسور الفضاء ، أمام خفافيش الظلماء “(450)
وقد أودع الحليم السجن للمرّة الأولى عام 1945 ، بعد توزيع المناشير والكتب السوداء (451) التي تكشف عن مساوئ الحكم ورجاله ، وتفضح المتآمرين على الحريّات والمعتدين على القوانين ؛ علماً بأنّ مؤسّس الداهشيّة هو الذي كتبها ولم يكن لحليم أيّ ضلع فيها .
وفي 28 كانون الثاني عام 1946 نشر حليم دمّوس في جريدة “الحياة” هذه الكلمة :
” في الصيف الفائت أوقفوني لغير سبب ، وفي أعماق السجون زجّوني ، وبقيت 55 يوماً دون أن يحاكموني ، فهل يوجد من يحلّل لنا هذه المعاملة بوضوح وجلاء ؟(452)
واعتصر السجن فؤاد الحليم ، فأسال منه مقطّعات وقصائد صهرتها وصقلتها نار التجربة المضنية التي بوتق الحليم فيها إيمانه . يقول عبد العزيز الحلفي في كتابه :
“أدباء السّجون “:
” ويتذكّر الشاعر (حليم دمّوس) وهو سجين في سجن الرمل حوادث الاضطهاد وما رافقها من ضروب القمع والتنكيل ، فيتألّم ويقول :
هنا بقلب كئيب تدور في السّجن عيني
فقلت هذا نصيبي ما بين قومي وبيني
صبرت صبراً جميلاً لكنّ للصبر حدّاً
ما كنت عبداً ذليلاً لأرهب المستبدّا (453)
لا ، إنّه لن يذلّ ، ولن يركع للطّغاة ، فله من عظيم إيمانه ما يعزّيه وينفخ القوّة فيه ، ويفرّج عنه . ثم يعتقل مرّة أخرى ! فينادي العدالة لتبرّئه . لكن ، كيف تأخذ العدالة مجراها ، والظلم مستشر في البلد الذي تغنّى به ؟! لقد زُجّ به في غياهب السجون خمسة أشهر دونما محاكمة ! فيستصرخ ذوي الضمائر ، إن وجدوا ليجروا محاكمته حتى يثبت براءته ويكشف نيّات السوء تجاه الداهشيّة ؛ لكنّ لا حياة لمن ينادي :
صمتُّ أمام السجن ، والصمت أبلغ فمن ذا أناديه ومن ذا أبلّغ ؟
لقد حكموا ظلماً بخمسة أشهر وكم مؤمن من عقرب الظلم يلدغ !
ولا ذنب لي – والله أعظم شاهد سوى (دعوة) ثوب الفضيلة تُسبغ (454)
وكانت الدولة تبثّ عيونها ورجال تحرّيها لاعتقال الداهشيّين ، فيقبض عليهم ويجلدون ويسجنون دون محاكمة ولا سؤال . وكلّ ما في الأمر أنّ الرئيس أراد ، ولتنفّذ إرادته ! لكنّ حليمنا لم يتذمّر أو يتأفّف ، بل تقدّم جريئاً مرحّباً بالظلم ما دام يأتيه في سبيل عقيدته التي آمن بها وبأعاجيبها ، ولنستمع إلى هذا المقطع من رسالة بعث بها حليم إلى مجلّة “المختصر” في عام 1947:
” بالأمس – 16 حزيران – حضر رجال التحرّي إلى منزل الرسالة الداهشيّة ، وقبضوا على الأخت ماري حدّاد ، وزوجها جورج حدّاد ، وصهرهما جوزيف حجّار واعتقلوهم . وهم الآن في سراي البرج التي تحوّلت إلى مديريّة الأمن العامّ ….
” هذه مأساة جديدة من تلك السلسلة التي لها بداية وليس لها نهاية …
” وكلّ ذلك لأنّهم لم يعيدوا إلى الدكتور داهش جنسيّته ، ولأنّ ماري حدّاد لا تسكت إلى أن يعود الحقّ إلى نصابه والعدل إلى أربابه .
” واتّصلت تلفونيّاً بوزير الداخليّة وأفهمته سوء مغبّة هذا الأمر ، فأجابني :” إنّ النيابة العامّة نظّمت مذكّرة توقيف ضدّك وضدّ الدكتور فريد أبي سليمان “. فقلت : ” مرحبا بالظلم يأتيني ويأتي إخواني في سبيل عقيدتي الراسخة “(455)
هذا الترحيب بالسجن يتحوّل إلى مفاخرة به تبرز قيمة الجوهر وتفاهة العرض في التفاتة جميلة تنطوي على حكمة للمتنبّي ، إذ يقول في إحدى ثلاثيّاته التي تضمّها “أمثال المتنبّي وحكم حسّان “:
السجن في الرمل منتهى شرفي وإن يكن في أسرهم تلفي
بين رفاقي قبلت مظلمة والظلم يرمي الألوف في الغرف
لو كان سكناي فيه منفعة لم يكن الدرّ ساكن الصّدق “(456)
وفعلاً سجن حليم مجدّداً في شهر أيّار (457) من السنة نفسها بسجن الرّمل في بيروت ، على أثر متابعة ملاحقة الداهشيّين . وقبل خروجه ودّع السّجناء بقصيدة نُشرت أوّل مرّة ، في صحيفة “الفجر” ومطلعها :
يا رفيق الروح زين الأصدقاء أنا في السّجن رفيق البؤساء (458)
يبدو الحليم في هذه القصيدة وحيداً ، يعاني ألماً صارخاً ألهب دماءه فانبرى قلمه يصف الغرفة التي طُرح فيها مع قطيع السجناء الودعاء ، وقد شدهوا لرؤية الشاعر مقيّداً بالحديد :
أنا في السجن أعاني ألماً صارخاً أجّج ناراً في دمائي
وفراشي غرفة مظلمة رطبة فاحت بموبوء الهواء
سجناء في ثراها انطرحوا بحديد القيد قيد الأشقياء !
وهو ينادي ، من بين القضبان الحديديّة ، الليل ليبسط سدوله ، إذ كلّما تكاثفت طبقات الظلام بدت النجوم أشدّ تلألؤاً وسطوعاً . فهو ساهر يرقبها بنفس وفيّة تقيّة .
فمثله في السجن مثل الطائر الغرّيد الذي قبضت عليه يد الظلم وزجّته في قفص يقيّد حرّيته ، ولكنّ الصدّاح لا سلطة للقيد عليه ، فالبغاة :
قيّدوا الجسم وقد أعجزهم قيد روح صانها ربّ السماء
والحليم يتأمّل السّجناء بعين العطف والشّفقة ، فيرى وراء ضعفهم اعتداء الأقوياء الظالمين ، فيعزّي من شاركوه المحنة بالصبر ، ويدعوهم إخوته ، ويهبهم محبّته :
أجمل الأيّام في عيني إذا مسحت كفّي دموع الضعفاء
واستوى الحقّ على محرابه ناشراً في الناس أعلام الإخاء !
ويؤلمهم بفجر عهد جديد ، عهد حريّة تطلعه الداهشيّة على العالم (459)، مبتهلاً للخالق أن يجيب دعاءه ويحقّق أمنيّته :
وقريباً ينجلي الفجر لكم عن حياة حرّة ذات هناء
يا الهي اسمع دعائي رحمة بنفوس لمحت فجر الضياء
أنا ناديتك في جنح الدجى فاستمع ، يا ربّ ، في الليل ندائي
ومواقف الحليم الجريئة جعلته لا يهاب الحُكّام ، فهاجم بقلمه السيّال جميع من اشتركوا في الجريمة ، فرنّ صوته في آذان المثقّفين والصحفيّين ليبلغهم نبأ الاضطهاد (460).
وحليم كره نفاق الناس الذين تجاهلوا وحي السماء وهاموا في دياجير الدنيا . ففي رباعيّته ” من شعر السجن ” يسأل عروس الشعر أن تسمعه قافية قدسيّة الروح تبلسم جراح المحابيس :
في ظلمة الليل والأحياء هاجعة سمعت أنغام تسبيح وتقديس
شجيّة كصلاة فوق مئذنة رنّانة مثل أصوات النواقيس
فأسمعيني ، عروس الشعر ، قافية قدسيّة الروح رفقا بالمحابيس
فقد كرهت رياء الناس حين نسوا وحي السماء وهاموا بالدياميس (461)
ودمّوس السجين في الدياميس يعزف تارة على أوتار نفسه الرقيقة ، وأخرى يقرع على باب الظلم قرعات شديدة ثائرة على قيود الأرض ، وهو يبغي أن يحلّق كالنسر في سماء وطنه حرّاً طليقاً ، لأنه نسر ، والأسر لن يغيّر طبيعته (462) لكنّ قيثارته الداهشيّة التي أراد أن يصعّد منها نغمات الروح لتهدي بلاده ، هذه القيثارة العذبة حطّمها له جهل أبناء بلاده الذي عاقبوا على الإحسان بالإساءة :
وهذا يراعي في سبيل أحبّتي يجري وفيه للبلاد حنين
لكنّهم جهلوا هواي وحطّموا قيثارتي ، وإذا الجزاء سجون (463)
ومن قصائد المنظومة في السجن قصيدة “سجّلي يا شهب” (464)، ومطلعها :
هوذا الأحرار بين الأثمه في زوايا حجرات مظلمة
ومن أبياتها تنبعث روح ثائرة على أنظمة بلاده ، التي يختلط فيها الجاني بالبريء ، فقد نزل وإخوانه الداهشيّون في غرف السجن الموبوءة لأنهم ناصروا الحقّ ولم ينزلوا عند الرئيس . فصوت الشاعر المتألّم يردّده صدى الليل ، وأرقّه تشاهده نجوم السماء ، وليله لا بدّ من أن يبدّده فجر جديد !
واشهدي يا شهب سهدي فغدا تُشرق الشمس وراء الأكمة !
وهو يُسائل نفسه : أمن العدل أن أحسب في عداد المجرمين في هذه البلاد المنقسمة ؟ لكنّ العدل سيكافئ البريء ، ويعاقب المجرم ، ولو بعد حين :
قل لمن حلّ لديه سقمي سيلاقي بعد حين سقمه
لكن ، لا قيود السجن ، ولا أوامر المتنفّذين في الدولة ستسكت فمه أو فكره ، لأنّه لن يتخلّى عن حقّ الحريّة حتى في سلاسل العبوديّة ، وهو يكرّر طلبه إلى الشّهب أن تسجّل شعره إذ لا بدّ من شروق شمس الحقيقة بعد الليل الطويل .
وحليم لم يعثّر السجن خطاه في سبيل الداهشيّة التي ترسّم فيها آثار مؤسّسها ، بل نراه يكمل الطريق بخطى ثابتة ، حاملاً لواء الجهاد حتى اللحظة التي وافته فيها المنيّة . أنظر إلى عزمه الجبّار المتجلّي في قوله :
وقد عاهدنا الله أن لا نلتفت إلى الوراء ، بعد أن وضعنا أيدينا على المحراث ، وبعد أن حملنا صليب الصبر وعلم الجهاد إلى النهاية ، وحسبنا عزاء أنّنا سائرون بحراسة الله ورعاية مرشدنا المختار وهادينا الجبّار ، الذي نهض وسار وثار ، وأدهش البصائر والأبصار ، وقلب الأفكار ، واصلاً في ذلك آناء الليل بأطراف النهار ، حرسه لنا وللرسالة وللعالم القدير القهّار “(465)
ب- الحملةُ على الظالمين والمتخاذلين عن نصرة الأبرياء :
في أثناء المرحلة التي شهدت اضطهاد الداهشيّة ، وقف الحليم وقفة جريئة ، فشنّ حملة مثلّثة الأبعاد : على الحُكّام الظالمين وعلى الصّحفيّين المأجورين ، وعلى الشعب المتخاذل .
ندّد بالحكّام البُغاة الذي يصدرون الأوامر ليشفوا غلّ نفوسهم ، ويبعثون برجال تحريّاتهم ليقتحموا منازل آمنة ، غير مراعين حرمة البيت وحرّية الإنسان . ثم يقبض على الأبرياء ويزجّ بهم في السجن دونما محاكمة ! يقول في جريدة “الحياة”:
” في 28 آب 1944 اعتدي على الدكتور داهش في عقر داره ، وبدلاً من توقيف المعتدين أوقفوه ، ثم أبعدوه دون أن يحاكموه ، ومن جنسيّته جرّدوه وشرّدوه ، فهل في بلاد الناس حكومات تجرّد وتشرّد دون تحقيق ولا محاكمة ؟ إذن لماذا القضاء والمحاكم ؟”(466)
ولكن حتى في حال إحالة بعض الأبرياء على المحاكم ، فلن ينتظر منها أن تقضي بالحقّ والعدل ، ما دامت مجرّد آلة بيد الطاغية :” لا تشتموا (الجلاّد) إذا شنق بريئاً جرّمته المحاكم ، بل اشتموا ذلك الحاكم المستبدّ الظالم “.(467)
وثورة حليم على الطغيان سيكون لي معها وقفة أطول فيما بعد .
أمّا الصحافيّون المأجورين الذي باعوا أنفسهم وأقلامهم للدولة الطاغية ، فقد شنّ الحليم عليهم حملة عنيفة مزّقت قناع صاحبه الجلالة المتربّعة على عرش العبوديّة .
فالصحفيّون المأجورين رموا الداهشيّة بسهامهم العشوائيّة دون أن يتحقّقوا من الأمر ويحقّقوا فيه ، وسلّطوا أقلامهم المسمومة على الداهشيّين دون أن يفكّروا فيما ينشرون . فقال الحليم :
” أنا أريد من كلّ من يبحث عن حقيقة الداهشيّة من مغترب أو مقيم أن يتفهّمها أوّلاً … وألاّ يكون مثله كمثل من يجهل لغة من اللغات ، ثم يناقش في أدب أدبائها وشعر شعرائها …أو كمثل مهاجر يريد مخاطبة ذويه في الوطن أو إلقاء محاضرة في الراديو وهو ليس أمام آلة هاتفيّة (تلفونيّة) أو محطّة إذاعة .
” لكلّ إنسان الحقّ بحريّة الكلام والقلم . ولكن على من يتكلّم أن يفكّر كثيراً ويدرس كثيراً قبل تكلّمه ، وإلاّ خانه المنطق ، وأعوزته الحجّة وابتعد رأيه عن موطن الصواب ، وحاد سهمه عن الهدف “(468)
ودعا الشاعر الزحليّ الصّحفيّين المأجورين أن يكسروا أقلامهم الباطلة ، لأنّ لمهنة الصحافة رسالة إذا لم تؤدّ خذلها الله وأصحابها ،” فمن حارب الحقيقة والحقّ ، خذله الله الحقّ “(469)
ورجل الخوارق البريء (470) الذي رأى حليم فيه مثله الأعلى ، وفي دعوته عقيدته المثلى كيف يجوز للصّحفيّين أن يرشقوه بنبالهم ، مع علمهم أنّه رجل الشهامة والنبل والسموّ !” فعوضاً عن الافتخار به والاعتزاز بما وهبه الله إيّاه ، وإحاطته بالتكريم التامّ ، انقضّت عليه الصواعق ، ورجمته الصّحف بافتراءات وأكاذيب قذرة ما أنزل الله بها من سلطان … إنّهم دجاجلة ماكرون ، وخونة مخاتلون ، وانتهازيّون مماذقون ، وكذبة أفّاكون “(471).
ولا عجب ، فهؤلاء الصّحفيّون قبضوا ثمن نشرهم الأكاذيب ضدّ مؤسّس الداهشيّة ، فباعوا بها ضمائرهم وأقلامهم ” ولوّثوا شرفهم بواسطتها ، ومرّغوا كرامتهم بدناءة مدنّسة لأجلها “…(472)
وقد أجاب حليم على بعض الصّحف التي اختلقت الأكاذيب ولفّقت الأخبار عن مؤسّس الداهشيّة . فبتاريخ 28 تموز 1944 بعث برسالة مضمونة إلى الأستاذ إبراهيم سليم النجّار ردّاًً على ما نشره قبل يومين تحت عنوان ” في مملكة الجنّ ” ، جاء في ردّه :
ولمّا كانت تلك التّهم محض كذب وافتراء واختلاق ، فنحن نتحدّى كلّ صحيفة ، ونتحدّى “اللواء” أيضاً لاثبات ما نشرته على صفحاتها زوراً وبهتاناً ، دون أن تتلمّس مواطن الحقيقة “(473)
كما ردّ على الصّحافي كمال عبّاس صاحب مجلّة “الحقيقة المصوّرة ” على مقال نشره تحت عنوان :” يدّعون الغيب ، ويسلبون الناس “(474)
والجدير بالذكر هنا أنّ الحكومة كانت تسمح بنشر الحملات والاختلاقات والافتراءات ضدّ الدكتور داهش ، على صفحات الصّحف اليوميّة والأسبوعيّة ، وتمنع الداهشيّين من نشر أيّة كلمة دفاعيّة عن أنفسهم !(475)
كما ندّد حليم دمّوس بأصدقائه من الصّحفيّين الذين وقفوا على قضيّة اضطهاده الشنيع وسجنه المريع دون أن يحرّكوا أقلامهم بكلمة ، فعاتبهم برسائل تتضمّن تعريضاً بالمتخاذلين عن نصرة الحقّ ، ومن بينهم توفيق ضعون صاحب مجلّة “العصبة الأندلسيّة” في سانباولو- البرازيل ، إذ يقول له :
” فهمت من جوابكم في “العصبة ” أنّكم واقفون على ما أصابني في سبيل عقيدتي الداهشيّة من اضطهاد شديد وسجن وتشريد … ولم أدر هل دافعتم عنّي بقلمكم الجريء على صفحات الصّحف العربيّة في المهجر .
” … ولقد ذكرت في رسالتك أنّ عهد صداقتنا يمتدّ إلى أربعين سنة خلت …
فهل اندفعت فدافعت عنّي ، وقد سجنوني أكثر من تسعة أشهر دون أيّة بيّنة أو علّة عليّ ، وأنا منذ أكثر من أربعين سنة أخدم أمّتي وبلادي بقلمي ولساني ، وبياني وجناني ، وضميري ووجداني ؟!
” إذن ، فسلام على الاستعمار البغيض إذا كانت هذه مكافأة أدباء البلاد وشعرائها في العهد الوطنيّ الدستوريّ ، وإذا كانت أقلامكم الحرّة في المهجر تصمت ولا تحرّك ساكناً ، ولا تهتزّ أو تغضب لأيّة جريمة مهما عظمت وضخمت .
ولكنّ حريّة الأقلام – واأسفاه ! – يُفسح لها المجال العريض الطويل للتبخير والتبجيل في هذا الوطن المسكين … الذليل “(476)
وهكذا فإنّ الصّحف المحليّة كانت ملجمةً لأنّها كانت مأجورة ، إلاّ أنّ هناك أصواتاً تعالت في المهجر تستنكر هذا الاعتداء على دستور البلاد وقوانينها . من هؤلاء الصّحفيّين ذوي الأقلام الجريئة : جبران مسّوح صاحب مجلّة “المختصر” ، ويوسف كمال صاحب مجلّة “الرفيق” ويوسف قهوجي صاحب جريدة “الصباح” ، والدكتور محمّد حسين هيكل الأديب المصري الكبير وغيرهم … فراحت أقلامهم تشجب الجريمة النكراء ، مستجيبة لطلب حليم ، صارخة في وجه رجال الحُكم أن كُفّوا عن التمادي في ارتكاب الجرائم ضدّ الحقّ والحُريّة .(477)
كما تعرّض الحليم بشعره لقيصر معلوف أحد معارفه من الشعراء الزحليّين ، فراح يعاتبه لسكوته عن الدفاع عنه ؛ إذ بينما كان الحليم يتجرّع مرارة السجون ، كان قيصر يسير بين القصور في وادي زحلة مسقط رأس الأديبين ، وما إن حلّت ذكرى تنصيب الرئيس حتى اندفع قيصر يكيل المدائح للشيخ بشارة الخوري ، ناسياً المظالم الكثيرة التي اجترحها :
أنسيت أنّ السجن ذقت عذابه ظلماً أراعي النجم في ديجوره
ما السجن عيب للرجال فطالما حجبت غيوم الأفق نور بدوره “
لكن سكتّ عن الدفاع وأنت في (وادي السلام)(478) تسير بين قصوره
تهفو إلى (عيد الجلوس) مكبّراً لله من غرد ومن تكبيره !…(479)
لم تقتصر حملة الحليم على الحكّام الظالمين ، والصحافيّين المأجورين أو الملجمين ، والأدباء المتخاذلين ، بل جاوزتهم لتشمل مجمل الشعب اللبناني الذي وقف على جريمة اضطهاد مؤسّس الداهشيّة وأبتاعه من خلال الصّحف ؛ ومع ذلك ، سكت عن الظلم ينزل بالبريء ، فكان بسكوته ، يشجّع الباغي على التمادي في بغيه . يقول الحليم :” فخمول الشعب سبّب الاعتداء على الحريّات ، ولا من يتحرّك “(480).
وحملة حليم على الشعب اللبنانيّ لها مدلول بعيد . فإنّه في الرابع من كانون الثاني 1948 نشر في بعض الصّحف اللبنانيّة ، وبينها جريدة “الحياة” البيروتيّة نبوءة تلقّاها من مؤسّس الداهشيّة ، مفادها أنّ لبنان سيصاب بالخراب والدمار من أقصاه إلى أقصاه ، وأنّ بيروت ستحترق بالكبريت والنار ، وذلك عقاباً للشعب المتمثّل بحكّامه ونوّابه وقضاته وصحافيّيه على سكوته عن الظلم الذي نزل بالأبرياء (481). لكنّ أصحاب الصّحف علّقوا على هذه النبوءة بالتهكّم ، زاعمين أنّ المجنون وحده يصدّق أقوال حليم .
ولكن تُرى ، ماذا يقول حليم في تلك “النبوءة” لو بعث اليوم حيّاً ، بل مادا يقول الصّحفيّون أنفسهم الذين استقبلوها منذ خمسة وثلاثين سنة بالسخرية ، ولبنان قد حلّ فيه من الدمار ما حلّ ، وبيروت قد احترقت فعلاً “بالكبريت والنار “؟!
وقد ردّد حليم ، عهد ذاك ، أبياتاً تذيع النبوءة وتحذّر الشعب ، لكنّها بقيت بين مخطوطاته . منها هذان البيتان اللذان حملا عنوان “النار المطهّرة “:
قل لشعب بات عبداً ومن الإرهاق ذلاّ
كلّ من فيك استبدّا فبنار سوف يصلى
كذلك يقول في قصيدة أخرى مخطوطة عنوانها ” من قبل الوقوع “:
يا خجلتي من خلافات مدمّرة لاحت على الأفق بين الصّحف والكتب
الله الله من خطب يهدّدنا ونحن في موقف بالهول مضطرب
نبهتهم فإذا في سمعهم صمم والشرق والغرب في مستوقد اللهب
يقول الدكتور فريد أبو سليمان في الذكرى العشرين لوفاة الشاعر حليم (1957-1977):” وتستوقفني اليوم في قصائدك رؤى شعريّة كتبتها في أزمنة الصّفو ، ولكنّك استبقت بها ما حلّ بلبنان الجميل (482) . يتهيّأ لي أنك كنت تتمثّل خراب الوطن آن قلت :
أرى وطناً تهدّده الليالي كبيت بالعواصف قد تداعى
وما الباني على رمل بناء كمن يبني على صخر قلاعا
وآن قلت :
سمعتني أبكي لحال بلادي فاستفاقت مذعورة مستجيره
يزرع الزارع الحكيم بذوراً وهنا جاهل أضاع بذوره (483)
لقد نصح الحليم ، لكنّه لم يلق جواباً ؛ فما عساه يقول اليوم ، يا تُرى ، بعد أن حلّت النكبات في الشعب وشرب لبنان كأس الدماء والنار ؟ قال في مقطوعته الشعريّة “بئس المصير” عام 1950 (مخطوطة) متمثّلاً لبنان وقد نكبته الفواجع وجعلته على شفير الهاوية :
يا ليت قومي يعلمون مصيرهم فمصيرهم في كفّة الأقدار
وسيذكرون نصيحتي يوم الوغى وسيندمون بمدمع مدرار
بئس المصير لكلّ شعب خانع يبني الصروح على شفير هار
سبحان من جعل العباد بأمره وأمامهم حُكمُ العدالة جار
من لاذ بالرحمان فاز ومن عصى يُسقى الحميم مذوّباً بالنار
وإنّا لرؤيا عجيبة ، تلك التي يستبق فيها الزمن بثلاثين سنة ، فيرى بعين إيمانه ما عجزت عن رؤيته عيون الملايين من أبناء بلاده ، يرى وطنه وقد ضاع ودال مجده :
ضاعت بلاد كنت أرقب مجدها كمراقب أنوار نجم لامع
نبهت ، لكن لم أجد من ساهر وصرخت ، لكن لم أجد من سامع (484)
لقد تراكم الباطل في لبنان كثيراً … ولكن “مهما ارتفع وتراكم ثلج الباطل، فإنّ حرارة شمس الحقّ ستذيبه “(485).
ثالثاً :
الداهشيّة
لئن اتّخذ حليم دمّوس داهشّا مثلاً أعلى له ، فأبرز في أدبه فريد صفاته ، وتحدّث عن عجائبه وخوارقه ، وعن ظلمه واضطهاده ، مشاركاً إيّاه في معاناة بعض آلامه ، فإنّه ما كان ليفعل ذلك لولا يقينه بأنّ هذا الرجل إنّما هو صاحب رسالة روحيّة إصلاحيّة شغلت من الحليم فكره ، وملأت نفسه ، ألا وهي العقيدة الداهشيّة . وهذه العقيدة تظهر في أدبه بأبعاد كثيرة : فهي الرسالة الهادية ، والحقيقة المضطهدة ، وهي الطريق السديد المفضي إلى الخلاص والسعادة والإيمان الصحيح بالله ، وإلى الحياة الروحيّة الحقيقيّة القائمة على تهذيب النفس وممارسة الفضائل والقيم الروحيّة والزّهد بالدنيا ، والمنطوية على الغربة الروحيّة والحنين إلى عوالم النعيم وتمجيد الخالق ، وهي السبيل القويم إلى وحدة الأديان ومعرفة أسرار الحياة والموت ، والوجود وما رواءه ، وهي المشعل المضيء الذي نبصر على نوره الواقع الفاسد وكيفيّة إصلاحه .
أ- الرسالة الهادية :
لا يرى حليم في الداهشيّة مذهباً علميّاً أو فكريّاً ، لكنّه يؤكّد أنها دعوة روحيّة ، بل “رسالة ” شاءت العناية الإلهيّة أن يكون مهبطها لبنان ، وقد اختاره الله موطناً لها منذ آلاف السنين على لسان النبيّ سليمان إذ قال في “نشيد الأناشيد” مخاطباً عروسه الروحيّة :
هلمّي ، يا عروس معي من لبنان “(486)
ويلمع الشاعر الزحليّ إلى عروس سليمان في إحدى رباعيّاته ، معتبراً أنّ السيّد المسيح قد بشّر بمجيئه الثاني ، وأنّ تغنّي الأنبياء القدامى بالأرز إنّما هو تغنّ غير مباشر بها ، إذ إنّ الأرز رمز لبنان ، ولبنان مرتعها الأوّل :
هلمّي ، يا عروستنا ، هلمّي ففي لبنان مسرحك الفسيح
بأرزتك ابن داود تغنّى وحنّ إلى مغانيك المسيح
و(عازار) لأجلك قام حيّاً كما شُفي المخلّع والكسيح
فداك دمي ، فداك أبي وأمّي فداك الشعب والحمل الذبيح !(487)
هذه “الرسالة” التي تستحقّ الفداء من أجلها إنّما هي حقيقة مقدّسة تستحقّ أن يتجنّد لها قلم الحليم وتوقف لها شاعريّته . أمّا الآخرون الذي لم يستطيعوا إدراك كنهها والسّموّ إلى جوهرها فليبقوا لاهين في أباطيلهم :
فجرى يراعي في سبيل حقيقة نغماتها قدسيّة الإيقاع
ويراع عذّالي لمجد باطل شتّان بين يراعهم ويراعي (488)
وهو دعوة هداية روحيّة بيديها مفتاح أسرار الخلود (489) ، كما بيديها مطرقة الثورة الإصلاحيّة التي تدكّ عرش الطغيان وتهدم حواجز التقاليد وسدود الفوارق بين المذاهب والشعوب ، ثم تبني على أنقاضها صرح العقيدة الروحانيّة الموحّدة :
رسالة إصلاح وبعثة ثورة على كلّ طاغ مستبدّ ممالق
تدكّ تقاليداً وتبني عقائداً وتهدم ما شاد الورى من فوارق
وتنشر (روحانيّة) فاح طيبها كعرف نسيم بالأزهار عابق (490)
وهذه الدعوة الروحيّة الثوريّة يرى حليم فيها تجديداً لمجد الشرق (491)، وترياقا شافيا ليس لأمراض الشرق فحسب ، بل لأدواء العالم بأسره (492)
ولكن ما هي أهداف “الرسالة الداهشيّة”؟
يجيب حليم دمّوس :
“أهداف الداهشيّة عديدة ، وفي مقدّمتها إصلاح الفرد ، أوّلاً ، من شوائبه النفسيّة والماديّة ، وبعدئذ يصار إلى إصلاح المجموع الحائر ، وتقريبه من ربّه وبني جنسه والإنسانيّة ، واحترام جميع الأديان السماويّة ، والكتب المنزلة ، وسائر الأنبياء والمرسلين ، والسّير على طريق النور والحقّ واليقين .
ومتى آمن الإنسان حقيقيّا بخلود الروح بعد فناء هيكله الجسديّ وانحلال عناصره وذرّاته ، عرف للحال أنّ هناك دار نعيم ودار جحيم ، وآمن بالوجود والخلود ، والثواب والعقاب ، وبحياة جديدة ثانية ، بعد مرحلة هذه الحياة القصيرة الفانية “(493)
ومن أهداف هذه الرسالة الهادية مزج الأديان السماويّة في بوتقة روحيّة واحدة ، وتنقيتها ممّا علق بها من مسائل خلاف لا تتعدّى القشور إلى الجوهر .
فمنذ اعتناق حليم للداهشيّة ، آمن بأنّ الأنبياء جميعهم عيون لله في هذا العالم ، تنظر إليه نظرة شفقة وحنان ، وتعلّمه على سلوك طريق الجنان . وقد تحقّقت أحلام الحليم في اعتناقه هذه العقيدة الروحيّة التي يقول فيها :
عطفت عليّ (رسالة روحيّة) فتحقّقت بجمالها أحلامي
بالداهشيّة قد عرفت (محمّداً) وتلوت (قرآن الهدى) المتسامي
وعرفت (نصرانيّتي) و(مسيحها) لمّا عرفت (حقيقة الإسلام )
فطرحت خلفي كلّ شرّ في الورى وجعلت (إنجيل المسيح) أمامي (494)
وتتلاحق في شعره الداهشيّ أسماء الأنبياء ، وتتوالى أسماء الكتب المنزلة ، ليؤكّد حقيقتها ويثبت صحّتها من خلال عقيدته الموحّدة لجميع الأديان الشقائق :
ولم أر مثل (الداهشيّة) ذرّة مباركة تدعو لكشف الحقائق
حقائق إنجيل وآيات مصحف لتعزيز أديان حسان شقائق
تعاليم عيسى والكليم وأحمد كينبوع نور بالسعادة دافق (495)
إذا ، الداهشيّ’ هي مصبّ جداول اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام في بحر المساواة والعدالة والمحبّة . وبتعبير أدقّ ، حسب تحديد الحليم لها :” هي الإسلام النيّر العامل المتدفّق نشاطاً وروحانيّة ، كما تجلّى في عهد الخلفاء الراشدين . والداهشيّة تهدف إلى خلق صرح جديد يدين بهذا الإسلام المجيد ، فيقيم العد بين كافّة الطّبقات ، والمساواة بين الرعيّة والرعاة . أمّا البلد الأوّل الذي سيتمّ فيه هذا التطوّر وذلك التبلور فهو لبنان مهد الداهشيّة … وللوصول إلى هذه النتيجة العظيمة ، يقوم الداهشيّون بدعوتهم العالم المسيحيّ إلى الإعتقاد بنبوءة محمّد وقرآنه المنزل ، حتى إذا ما تمّت هذه المرحلة عاجلاً أم آجلاً ، بدأت مرحلة التنفيذ في الحقل الاجتماعي “(496)
والداهشيّة تدعو إلى الإخاء الإنسانيّ ، فتقرّب الإنسان من الإنسان ، وتزيل الفروق الإجتماعيّة والوطنيّة والقوميّة ، لتبقى رابطة واحدة هي رابطة الروحانيّة والمحبّة المتمثّلة بالداهشيّة :
ما مصر ، ما النيل ، ما السودان في وطني إلاّ كلبنان في شوقي وتحناني
و(للجزيرة) حبّ وهو في كبدي كحبّ قومي وأبنائي وإخواني
هي (العروبة) نهواها بوحدتها فإنّ وحدتها مجد لأوطاني
و(الداهشيّة) فيها خير رابطة للمؤمنين بإنجيل وقرآن
أهدافها لبني الأوطان قاطبة ودينها (حب إنسان لإنسان)(497)
لكنّ هذه “الرسالة” مثلما أتت بشير هداية ، أتت كذلك نذيراً للبشر الضالّين المكابرين ، تنذرهم بالأهوال والأرزاء ؛ فإن كفّوا عن الشرور نجوا ، وإن لم يفعلوا غرقوا في بحر العقاب الروحيّ ، بينما يكون الحليم في فلك داهش الشبيه بفلك نوح المنقذ :
وما عقيدته ، طول الحياة ، سوى رسالة من سماء الوحي غرّاء
الله أرسله والله أرسلها ليحذر الناس من هول وأرزاء
بعد الثلاثين مرت ستّة جمعت ما في الرسالات من آيات أضواء
ونحن نجري ونجري تحت رايته في مركب خائض في لجّ دأماء
لكن سفينتنا ، والله حارسها مع (الحبيب) ستأتي خير ميناء (498)
يتّضح ممّا تقدّم أن عدّة أبعاد ومفاهيم تنطوي عليها نظرة الحليم للداهشيّة “كرسالة” هادية . وقد أجملت خطوطها الكبرى في ما سبق ، وسأعمد إلى تفصيلها تباعاً .
الحقيقة المضطهدة :
آمن الحليم بالداهشيّة “رسالة” روحيّة مؤيّدة بالخوارق . وإذ رآها مضطهدة في وطنها ، حمله خياله إلى كلّ زمن ظهرت فيه حقيقة روحيّة . فإذا بها تلاقي دائماً المصير نفسه : الاضطهاد !
وقد عزّ على الشاعر أن يرى الحقيقة غريبة في هذا العالم المادّي الضالّ ، منبوذة حتى من قبل المثقّفين ، تائهة في صحارى العمه ، وحيدة فريدة ، لا يؤبه لها ، ولا يقتفى أثرها . لكنّ عزاءه في أنّ قلّة من الناس اكتشفوا كرامتها وقداستها ، وأحلّوها في نفوسهم منزلة رفيعة ؛ وهذه القلّة يراها حليم تتمثّل ، اليوم ، في الداهشيّين الذين بثّ فيهم مؤسّس عقيدتهم “روح التفاني في سبيل الحقيقة المنبوذة والتائهة في صحراء هذا العالم “(499)
ولعلّ أروع ما يتجلّى وجه هذه الحقيقة المضطهدة في قصيدة عنوانها ” تلك الحقيقة “. وقد نظمها في مطلع حزيران سنة 1944 (500)
ففي هذه القصيدة تبدو “الحقيقة” عروساً إلهيّة حجبت وجهها دون البشر ، لكنّ جمالها الفتّان شعر به الشاعر فحرّك عاطفته السامية حتى حوّله إلى عاشق لها يتعذّب في سبيل وصالها . إنه يحسّ بوجودها ، ولكنّه لا يستطيع العثور عليها في ظلام الأرض ، فيلوي على نفسه وما جنى إلاّ الدموع .
يا أخت شمس الحقّ هيّا زحزحي عنك النقاب ، فمهجتي تتلهّب …
ما زلت أسأل عنك في جنح الدُجى حتى رجعت ولي دموع تسكب
فتّشت عنك فلم أجدك كأنّني في جوف هاوية وأنت الكوكب !
إنّها الكوكب المضيء في ظلمة الحياة ، أمل العاشقين الروحانيّين ، وحبيبة الزاهدين الغريبين عن الأرض . وشدّ ما يحزن الحليم أنّ البشر إن جهلوا جوهرها ، فهم لا يجحدون جمالها ، لأنّ كلاّ منهم يريد الاتّجار بمحاسنها . وهكذا أساؤوا إليها بدل أن يُحسنوا ، واشتركوا في تعذيبها وقتلها على مرّ العصور .
قالوا : حبيبتك (الحقيقة) قد ثوت والشرق هام بحبّها والمغرب
عجباً لهم !… لا ينكرون جمالها ولكلّ قلب بالمليحة مأرب
هم كفّنوها حيّة في مهدها وتآمروا لعذابها وتعصّبوا
وبأسى ومرارة يعرض الحليم بعضاً من صور اضطهادها وتعذيبها عبر العصور . فمنذ فجر التاريخ ، كلّما أشرق وجه الحقيقة بنوره الإلهيّ ، أشرأبّت له أعناق الظّلام وشهرت عليه سيوف الظلاّم ! فبسبب الحقيقة ومن أجلها ، عانى الأنبياء والهداة والمصلحون عذاب الاضطهاد والتشرّد ، وما نكصوا :
موسى وأحمد يهجران حماهما باسم الحقيقة ، والحقيقة تندب
ولأجلها سقراط يُسقى سمّهم ولأجلها عيسى ابن مريم يصلب …
ولأجلها سجنوا وأقصوا داهشاً ولذا يُشرّق تارةً ويُغرّبُ !
وكأنّما الحليم الوديع يفرغ صبره ، ويطفح كيله ، فيذكّر الله سبحانه ، مستغفراً إيّاه ، بأنّ الأشرار يجب أن يعاقبوا ليرتدعوا ويكفّوا أذاهم عن الهداة والأبرار :
أتظلّ تغضي عن شرور بني الورى ويظلّ طرفك من بعيد يرقب ؟!
الأمر أمرك في السماء وفي الثرى فاحكم ، فحكمك ليس منه مهرب
أين (المؤدّب) والعصا بيمينه طوراً يهشّ بها وطوراً يضرب ؟! (501)
ج- الروحانيّة طريق الخلاص والسّعادة :
وإذا كانت الداهشيّة “رسالة” روحيّة ، وحقيقة مضطهدة ، في نظر حليم ، فإنّها أيضاً ، برأيه ، تنطوي – ككلّ دعوة روحيّة حقيقيّة ، كما يقول حليم – على روحانيّة صادقة ؛ وهذه الروحانيّة هي وحدها طريق الخلاص والسعادة .
ولا شكّ بأنّ الناس جميعاً ينشدون السعادة ؛ فهي ضالّتهم منذ وجدوا ، ولكنّهم ، على سعيهم الدائب من أجل الحصول عليها ، لا نراهم إلاّ متذمّرين من الشقاء ، شاكين من التّعس الذي يكتنفهم . والسبب في ذلك هو أنّهم أخطأوا الطريق المفضي إلى السعادة .
فهل السعادة في اكتناز المال واتّساع الثراء ؟
إنّ أغنى الأغنياء ، في نظر حليم ، هو الفقير بالمادّة ، الزاهد بأباطيل الدنيا ، الذي لا يتزلّف للحكّام المسيطرين ولا للأغنياء المتكبّرين ، ولا ينكّس هامته إلاّ للخالق وحده . وأفقر الفقراء هو الغنيّ الذي يجمع النّضار ، ويتّخذه وسيلته وغايته ، وفي سبيل الحصول عليه يتذلّل لكلّ إنسان (502)
بل إنّ الحليم يستشفّ من الفقر المتحلّي بالزّهد معنى الفضيلة المنقذة التي يفتقر إليها الأغنياء الذي ينامون على حرير الأنانيّة ، دون أن يمدّوا يد المساعدة لإخوانهم الفقراء ؛ فأولئك الأثرياء لن يكون نصيبهم الأخير إلاّ السعير (503).
وإذا كانت السعادة في تكديس النضّار ، فهل هي ، تُرى ، في الملذّات المادّية التي يقدّمها الحبّ الشهوانيّ ؟
يقول حليم :” مسكين من يعيش مادّة لا فكراً ، وجسداً لا روحاً “(504)، ذلك بأنّ الحبّ الحقّ ، في نظره ، هو فرع من دوحة الأنبياء ، لأنّ فيه معنى الوداعة والنقاء ، في حين أنّ الشهوة الهمجيّة ملتصقة بقذارات التراب ، ويكمن فيها سمّ الثعبان ، دناءات الشيطان . يقول الحليم :” بين الحبّ العاطفيّ والشهوة الهمجيّة ما بين الثريّا والثرى ، وما بين الحمامة والثعبان ، والملاك والشيطان “(505).
السعادة الحقيقيّة ، في رأي حليم ، لا تُنال خارج الإنسان فهي حالة سلام تتحقّق داخل النفس المرتقية معراج الروحانيّة دونما التفات إلى المادّيات الزائفة : “يفتّشون عن السعادة ، والسعادة في نفوسهم ورؤوسهم … لو يعقلون !” (506).
إنّها كنز الحكماء والهداة الذين يحيون حياة روحانيّة حقيقيّة :” من عاش عيشة الحكماء الأتقياء ، كان من ورثة الرّسل والأنبياء “(507).
لكنّ الإنسان في هذا الكوكب المادّي إذا خُيّر بين سبيلين : سبيل مادّي يودي به إلى الهلاك ، وآخر روحيّ يرتقي به إلى الأفلاك ، لآثر الاتّجاه الأوّل ، مستسهلاً سلوكه . وما أصوب كلمة الحليم في هذا المعنى ، إذ يقول :” ما أسرعنا في ميادين المادّة وما أبطأنا في ميدان الروح !”(508).
فالغوايات منتشرة في ثنايا هذا العالم ، والشرور معشّشة في تلافيف أدمغته ، والحقارات مزدحمة بين خلائقه ، و”الحكيم الحكيم من صان روحه من الشرّ كما تُصان العيون بأهداب الجفون وكما يُصان الطفل الرضيع في حضن أمّه الحنون “…(509)
ومخطئ من ظنّ أنّ بإمكانه أن يجمع بين المادّة والروح ، فطريق الروحانيّة لا يقوى على سلوكها إلاّ من طلّق الحياة الماديّة ، غير مأسوف عليها ، ذلك بأنّ “اجتماع الليل والنهار ، والماء والنار ، أسهل من تفاهم عابد الروح وعابد الدينار “(510).
لقد رأى الحليم أنّ الإنسانيّة تتخبّط في دياجير المادّة ، وقد أسكرتها المطامع ورنّحتها الشهوات ، فنامت نومة الجهل ، فأراد أن يوقظها يقظة روحيّة لتتفتّح فيها البصيرة ، وتتفهّم حقائق الروح المنيرة . إسمعه يقول :
” قالت لي أديبة : إنّ أجمل مقالة قرأتها ، أمس ، في صحف أميركا عنوانها “إستيقظ أيّها النائم “. فقلت لها :
” ليت الإنسانيّة المسكينة تستيقظ بالروح بعد أن طغت عليها المادّة “(511).
لكن ، إذا سلك الإنسان طريق الروحانيّة ، فيجب أن يواظب عليها ويثبت فيها حتى آخر رمق من حياته ، وإلاّ لأضحى عمله سخرية من النفس واستهزاء بالذات . ذلك بأنّ ” مثل الذين لا يريدون تحسين حياتهم الروحيّة وإكمالها ، مثل الذين يكتفون بالقول :(لا تقربوا الصلاة) ، ويتناسون بقيّة الآية (… وأنتم سكارى) ! أو كمثل الذين يكتفون بالقول (المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) ، وينسون بقيّة الآية (والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخير مردّا “(512).
والروحانيّة المثلى يراها الحليم في العقيدة الداهشيّة التي بيدها مفتاح السعادة الحقيقيّة (513)، لأنّها تكشف للإنسان عن سرّ الوجود وأسباب الخلود ، وتدفعه لأن يسلك – في حياته الأرضيّة – طرق الفضائل ليبلغ عالم الروح حيث تقوم ، على حدّ قول الحليم ،” صلى غريبة بين الأرض والسماء شاهدها عدد كبير منّا ، وسمعنا مخاطبتها لنا . والتقطنا تلك الأقوال الروحيّة مراراً وتكراراً …. ولولا ذلك لما قاسينا العذابات والاضطهادات ، وتحمّلناها بصبر ورحابة صدر وابتسامة ثغر . ولولا ذلك لما تبعنا الدكتور داهش وتعاليمه ، وترسّمنا خطواته الجبّارة تأييداً لرسالته الروحيّة السامية . وسنبقى على عقيدتنا الراسخة ما دام لنا قلوب خافقة ، وألسنة بالحقّ ناطقة “(514).
وإذا ما ارتاح الإنسان روحيّاً ، نال السعادة القصوى ، السعادة التي تتصاعد فوّاحة وسط ركام التفاهات والسخافات ، لأنّ “السرّ براحة الروح وسعادتها لا بمظاهر الحياة المادّية الفارغة التافهة السائرة بالعالم إلى الاضطراب والبيان والخراب “(515).
” ومهما قويت شوكة المادّة ، فالغلبة الأخيرة لسلطان الروح “(516).
د- الإيمان الصادق بالله :
إذا كانت الروحانيّة قوام الداهشيّة وسبيلها الأقوم إلى الخلاص والسعادة ، فالإيمان الصادق بالله هو نسغ الروحانيّة في رأي الحليم . وهذا الإيمان كان بلسماً لجراح نفسه أيّام اشتدّت المحنة عليه وقوي الاضطهاد ، فتحمّل العذاب صابراً شاكراً ، دونما تذمّر ، ولو استوضحناه عن الإيمان لأجاب :” الإيمان ؟ وما أدراك ما الإيمان : هو مزيل الكروب ، ومخفّف الخطوب ، في السلم والحروب ، بل هو خير مقوّ للقلوب ، وللشعوب “(517).
والمؤمن الحقّ هو الذي يستخلص من الأحداث العَبر ، فتعذّيه وتنمّيه كالتربة الصالحة للشجر ، وإذ ذاك يرى ببصيرته ما لا يراه الملحد بالبصر (518).
أمّا من لم يؤمن إيماناً صادقاً بالخالق ، فإنّه يفقد الرادع الخُلقيّ الأعلى الذي ينهاه عن المنكرات ويحضّه على الخير والفضائل ، فيعصى صوت ضميره ، ويخون وطنه ، وأعماله الطالحة تدفع أقرب المقرّبين إليه إلى إنكاره ، وهكذا يخسر الدنيا والآخرة (519).
فالإيمان سبيل مضيئة ، تهدي التائهين وترشدهم إذا ادلهمّت الحياة في وجوههم وأظلمت الأماني :
إيمان قلبك نور تستضيء به إذا دهتك دياجير العشيّات (520).
فالمؤمن من يمتنع عن الشرور لأنّ إيمانه ينبئه أنّ ما من أمر – مهما دقّ وصغر – يخفى على الله تعالى . و”إذا كنت تؤمن بأنّ الله يراك في كلّ لحظة ، فلماذا تخطئ وتعمل الشرّ أمام الله ولا تحفظ وصاياه ؟”(521).
إنّ حليم دمّوس ، بعد أن أطمأنّت نفسه للحقيقة الروحيّة الهادية التي رفدته الداهشيّة بها ، استسلم لإله المجد استسلاماً كلّياً ، متخطّياً العثرات بقدم لا تتراجع قيد أنملة عن مسيرته الروحيّة :
يا نفس سيري كما أوصاك خالقنا فنحن منه ومنه الشهد نشتار
واستسلمي لإله المجد كي تصلي إلى نعيم به للروح أسرار (522)
عمل الحليم بوصايا ربّه فأرضاه ، ورضيت نفسه بما قسم لها ، واستقبل “دولة الإجرام” برحابة صدر ، لعلمه أنّ كلّ فكرة روحيّة إصلاحيّة لا بدّ لها من مناوئين . فإن بالغ الأعداء في العداء فهو يزداد هياماً بذكر ربّه القادر القدير :
من كان باري الكائنات رجاءه هيهات يخشى دولة الإجرام
إن أمعنوا في غيّهم وضلالهم فبذكر ربّي صبوتي وهيامي
كم نجمة في الليل وهي تنيرني بشعاعها وبثغرها البسّام
وتبثّني شوقاً يجدّد خاطري لأرى منار الحقّ طيّ ظلام (523).
ه- الحياة الروحيّة :
إذا كانت الداهشيّة قوامها الروحانيّة ، ومنطلقها الإيمان الصادق بالله ، فإنّ ميدانها العمليّ – حسبما يتجلّى في أدب حليم دمّوس – هو الحياة الروحانيّة ممارسة في بعدين : تهذيب النفس بتنزيهها عن الرذائل والعادات السيّئة وبرأسها إدمان الخمرة والقمار ، وشهوة المال والمرأة ؛ والإقبال على ممارسة الفضائل والقيم الروحيّة العليا . وتحقيق هذين البعدين أفضى بالحليم إلى الزهد بالدنيا فالشعور بالغربة الروحيّة . وسأتناول كلاّ من هذه النقاط ببعض التفصيل .
حملة حليم على السّكر والقمار قديمة العهد ، لكنّها في المرحلة الداهشيّة تشتدّ وتكتسب بعداً روحيّاً جديداً . فهو إذا اعبر السّكر والقمار آفتين اجتماعيّتين في قوله :
إدمان الخمر والقمار ، طريقان لشقاء العيال ، ومدفنان رهيبان للصحّة والمال “(524)
أو في قوله :” يقولون :” الشباب حرّاس الوطن”. وكيف يحرسونه وهم اليوم بين شُرب العرق ولعب الورق ؟!”(525) فإنه يلمع أيضاً ، إلى العاقبة الروحيّة الوخيمة التي تنتظر أولئك الذين يستسلمون لما يسلب عقولهم وينهب أوقاتهم “فيجلسون حول مائدة ، هي نار الجحيم ، ومنها يحلمون يندى النعيم !!” (526)، فهاتان الآفتان هما أبو الرذائل وأمّها ، ومهما تتوالد سيّئات وتتناسل شرور . وإذا كان السكّير شخصاً مسلوب النُهى ، يعيش في دوّامة من سراب ، وينتهي به الدوار إلى وادي الانهيار ، فالمقامر مجنون يطرح من يده كأس شراب ، ليبحث عن كأس من سراب “(527).
ومن أجل إنقاذ التوأمين الضائعين المقامر والسكّير ، وإنقاذ المجتمع منهما ، يتمنّى الحليم لو تهبط ريح هوجاء على قلب الأوّل ” لتبعده عن خطر الموائد الخضراء “، وعلى فم الثاني “لتنقذه من كؤوس الصهباء”(528).
ولمّا كان المقامر يدفعه الطمع إلى الاستزادة من المال ، فأنّنا نرى الشاعر يمجّد حياة الفقير التي تفوح منها رائحة القناعة والفضيلة ، ويذمّ البخل والطمع ، داعياً الأغنياء للكفّ عنهما ، إذ إنّ قليلاً من المال يكفي لسدّ حاجة الإنسان ، وعلى الموسر أن يُحسن إلى أخيه المعوز ، وإلاّ كان المال وسيلة هلاكه بدل إنقاذه :” قل للغنيّ المتكالب على جمع المال اقنع بما لديك وهوّن عليك ، قبل أن يداهمك الموت . إنّك بقليل من الماء تعيش وتنتعش ، ولكن إذا غمرك الماء الكثير في أحد البيوت تغرق فتختنق فتموت !”…(529).
وقد قرن الحليم شهوة بشهوة المرأة ، وجعلهما حاجزاً لتحقيق الارتقاء الروحيّ والسعادة ، إذ قال :” شهوتان … لولاهما لتحقّقت الآمال ، وتطهّرت الأميال ، وصلحت الأحوال : شهوة المرأة وشهوة المال “!(530).
والإنسان الروحانيّ ، في رأي حليم ، لا يكتفي بالإعراض عن الرذائل وسفاسف الدنيا ، بل يقبل على ممارسة الفضائل والقيم الروحيّة التي ترقى بروحه وتحرّرها من جاذبيّة الأرض . وتتحقّق تلك الفضائل والقيم في الأهداف النبيلة ، وعمل الخير ، والتمتّع بصفات الصبر ، والتسامح والجهاد ، والإخلاص ، والوفاء ، وطيب القلب ، وعزّة النفس ، وحبّ الآخرين ، والعفّة والعمل بما نصّت عليه الكتب المقدّسة فكراً وقولاً وعملاً . يقول الحليم :” ليس الأشراف والنبلاء في أمّة أو قبيلة إلاّ أصحاب الأهداف النبيلة “(531).
ويدعو إلى الجهاد بالأقلام ، فللقلم تأثير كبير في الحياة لا يقلّ أهميّة عن جهاد السيوف . والجهر بالحقّ يوجب على المرء أن يتسلّح بالجرأة والشجاعة لينشر الحقيقة في جميع الأوساط فتؤثّر فيها تأثير الأسلحة الفتّاكة ، يقول بهذا المعنى :” شهادة المجاهدين بأقلامهم ، كشهادة المجاهدين بحسامهم “…(532).
وهو يدعو كلّ إنسان لأن يكون عزيز النفس لا يذلّه المسيطرون والنافذون في الحكم . فصاحب الحقّ يجب أن يكون سلطاناً لا يتراجع ولا يركع ولا يجبن ولا يخضع ، لأنّ “من رضي أن يعيش ذليلاً كان مطيّة ذلولاً !”(533).
فحليمنا التزم قضيّة داهش ، فسلك طريقها مخلصاً وفيّاً ، لا يُغرى ولا يرشى .
وهو يعترف بأن “لا خلاص إلاّ بالإخلاص”(534). وهو ثابت على وفاته حتى لحظة تخطفه المنيّة (535).
صبر إذا ما الدهر جاء بنكبة فالصبر في أرض الشقاء طبيب
لولا رجاء المؤمنين وصبرهم لقضت شعوب فوقها وشعوب (536).
وحليم خاض حياته ، تذيبه حرارة الاضطهاد ، شيئاً فشيئاً ، لكنّه رفع مشعل الهداية داعياً التائهين للسّير في نوره ؛ ففي هداية الآخرين فضيلة الفضائل . ويؤكّد الحليم أنّك “لا تقترب من (جنّة الله ) إلاّ إذا كنت في حياتك كشمعة تذوب قطرات لتهدي سبيل البائسين والسالكين في الظلمات “(537).
وهو يقتدي ، في حياته ، بأقوال الرّسل والهداة والمصلحين ، الداعية للمحبّة والتسامح ، فيجمع أقوالهم المتقاربة بالروح ليظهر أنّ تعاليمهم واحدة وغاياتهم واحدة ، كأنّما الكلّ منحدرون من نبع الواحد القهّار وقد جرى في بضعة جداول وأنهار . يقول جامعاً كلمات بوذا والمسيح ومحمّد وغاندي ، ومتسائلاً :
” من أقوال بوذا لتلاميذه :” إقهروا الغضب بغير الغضب “.
وقال المسيح :” أحبّوا بعضكم وأحسنوا لمن أساء إليكم “.
وقال محمّد :” والكاظمين الغيظ “.
وقال غاندي :” التّسامح من صفات الروح !”.
فهل سمع الناس وصيّة بوذا ، وهل أصغوا إلى تعاليم الناصريّ ومحمّد ، وكلمات غاندي الروحيّة ؟”(538).
فالداهشيّة تدعو كلّ مؤمن بها إلى أن يتمسّك بتعاليم دينه ، لأنّ الأديان كلّها ذات أهداف سامية واحدة . ولا يكفي المرء أن يطالع الكتب السماويّة ليخلص ، بل عليه أن يعمل بوصاياه ويطبّق ما جاء فيها . يقول الحليم الحكيم :” من عمل بحسب الوصايا العشر في هذا العصر ، كان في عقيدتي أفضل من الذين يطالعون جميع الكتب السماويّة المنزلة ولا يعملون بها “…(539).
ويتبوّأ النقاء وطيب القلب منزلة عالية في سلّم الفضائل ، ويؤثر الحليم الأميّ النقيّ على من استظهر الكتابات المقدّسة دون أن يطبّقها عمليّاً (540).
وإجلاله شأن النقاء دفعه إلى أن يلتفت نحو المرأة قائلاً :” كثيرة تلبسها المرأة في أدوار حياتها ، وأجملها وأكملها (ثوب الطهارة والعفاف )”(541).
والعمل بالوصايا السماويّة تصل الإنسان بالله سبحانه فكراً وقولاً وفعلاً (542).
والحكيم الحكيم ، في رأي الحليم “من قلبه عن جوهر الحقيقة راض ، وعاش بين قومه وهو شديد الإعراض عن السفاسف والأعراض “(543).
ويطلب من كلّ غنيّ يبغي السعادة ويتوخّى الهناء أن يمدّ يد العون إلى أخيه الفقير ، حيثما كان ، إذ ليس للإحسان والأعمال الخيريّة حدود جغرافيّة “(544).
فلكي يُدعى الإنسان إنساناً بحقّ ، عليه أن يحسن إلى الفقراء ، بغضّ النظر أكانوا غرباء أم أقرباء ، لأنّ الإحسان الحقيقيّ ليس له لسان ، وإنّما تنطق ألسنته بالكتمان (545).
ولعلّ خير قصيدة جامعة تدعو لتهذيب النفس وممارسة الفضائل بغية تحقيق حياة روحيّة مثلى هي أرجوزة ” مشاكل الشباب”، إذ تجمل الفضائل التي يدعو إليها ، ومنها :
ومن بهم بالمنهج الصحيح فلا يجد عن منهج المسيح
وليبتعد عن هوّة الرذائل وليقترب من جنّة الفضائل
فدولة الأخلاق أقوى دوله وصولة الآداب أسمى صوله
من خدم الناس يكن كسيّد مرتفع القدر رفيع السؤدُد
ورفعة الإنسان خفض الجانب وليس بالأموال والمناصب
أحبب جميع الناس في الحياة فالحبّ فيه غاية الغايات
والدين بالحبّ وبالإخلاص يقودنا لشاطئ الخلاص (546).
ولا عجب لمن سلك طريق الروحانيّة أن تتوق روحه إلى العلاء ، ويبغي الانعتاق من جسد الفناء ، فينظر إلى الدنيا من خلال منظار الزهد . يخاطب الحليم أخاه الإنسان اليائس قائلاً له :” يا أخي اليائس ! لا تطلبنّ السعادة والهناء في أرض لعنتها السماء !”(547).
إذا فهي أرض الشقاء . ولماذا يتشبّث بها البشر تشبّث الذّباب بالجيفة اللاصقة بالتراب ؟ فالإنسان الحكيم هو من يشيح بوجهه عنها ، ويعمل لأخراه ، إذ “كلّما أعرضت عن دنياك ، نلت من أخراك مُناك “…(548).
والحليم الزاهد بأباطيل الدنيا ، التوّاق للعالم الثاني ، هدته الداهشية إلى طريق النور واليقين ، فعمل بوصاياها بعدما اقتنع بمبادئها ، وأبصر عجائبها ، فهذّب نفسه واطمأنّت روحه حتى غدا الروح قبلته والسماوات وجهته :
تلك روحي هذّبتها فاطمأنّت أيّ حال كحالة المطمئنّ
كم تمنّيت غبطة لفؤادي فإذا الروح رغبة المتمنّي (549).
وبعد أن كان حليم في العهد السابق لاعتناقه الداهشيّة ، يعتبر الرشاد والسعادة في الإقبال على الدنيا (550)
والحكيم الحكيم من زاد زهدا بحياة سرورها آلام (551).
وكأنّما العقيدة الروحيّة الجديدة التي اضطلع بها الحليم ، حمّلته مهمّة نشرها بين الناس ، فخاض غمار المجتمع اللبناني متأمّلاً تصرّفات أفراده على ضوء مبادئه ، فإذا بمعظمهم يخوضون في أباطيل تعود بالإنسان إلى ظلمات الجاهليّة . وراح يبشّر بالظاهرات الروحيّة التي عاينها علّها تحرّك فيهم فضول المعرفة الروحيّة ، لكنّه وجدهم متعلّقين بالفانية ، فتولّد في نفسه ، إذ ذاك ، شعور حادّ بالغُربة الروحيّة .
ومن دوافع هذه الغربة تأثّره بمؤسّس الداهشيّة الذي تبرز في كتاباته ، منذ ريعان صباه ، الغربة الشديدة عن هذه الأرض الدنيّة ، وتوقه إلى الموت (552).
يقول الدكتور غازي براكس في دراسته لغربة جبران الروحيّة :
وبصورة طبيعيّة ، كلّ ذات تحقّق وحدتها واتّزانها وتنعم بالسلام ، تداخلها غربة روحيّة تتميّز ، بعض الشيء ، عمّا يشعر به الفنّانون العظام من غربة . فهذه قد تنشأ عن مخالفة المحيط في الرؤيا والإحساس والمفاهيم ، بينما تنشأ تلك عن مغايرة أساسيّة في التكوين النفسيّ . إنّها غربة الاتّزان وسط الاضطراب ، والانتظام وسط الفوضى ، والرسوليّة الروحيّة وسط التنازع المادّي “(553)
وتلك كانت غربة الدكتور داهش وبالتالي غربة تلميذه الأمين حليم دمّوس .
و- الحنين إلى عالم الروح :
كان حليم يشعر بغربة روحيّة حادّة تبعده عن محيطه في النظرة والمفاهيم والقيم ، وتميّزه بنظام نفسيّ تخضع فيه القوى الحسيّة للقوى الروحيّة خضوعاً تامّا ، وسط أكثريّة ساحقة من الناس تستعبدهم الشهوات المادّية ، ومن كانت هذه حاله وصفاته ليس غريباً أن يشعر أنّ عالم الروح هو وطنه الحقيقيّ ، فيحييه حنين قويّ إليه ، ويلهبه اشتياق عظيم إلى الموت ، ذلك الجسر الجميل المفضي إلى وطنه الأصلي .
ولمّا كان في الروح معنى البقاء ، وفي الجسد معنى الفناء ، ناجى خالقه ليحلّه من قيود جسده الفاني ، ويدخله نعيم الجنان حيث يتحقّق ما يختلج في نفسه الزاهدة من الأماني :
أنا في ظلالك ، يا إلهي ، راحتي ولدى جلالك أستطيب مقامي
إنّي صرخت إليك في جنح الدُجى لتحلّني من عالم الأجسام (554)
ويرفع حليم دعاءه إلى الخالق ، مشتاقاً إلى عدله في السماوات ، بعدما لاقى من الظلم الطاغي ما زجّ به في غياهب السجون مئات الأيّام وجرّعه كؤوساً دهاقاً من الآلام . وهو يرى الأرض سجناً كبيراً يحاول التفلّت منه والتخلّص من دياجيره والانعتاق من أغلاله . إذا لا وجود للسعادة في هذه الدنيا التاعسة ، لذا ابتغاها في ظلّ الخالق :
روحي تحنّ إلى ظلالك وفمي يحدّث عن جلالك
سبحانك اللّهم في كون يدل على كمالك
الملك ملكك في السما- وات العلى وهنا كذلك
أين السعادة في الدنى والمرء في دنياه هالك
شوقي إلى عدل الملائك لا إلى ظلم الممالك
فاجعل حياتي في يديك فكلّها من بعض مالك (555).
وفي بعض رباعيّاته الشعريّة يخاطب الأرواح العلويّة وأرواح الداهشيّين وروح مؤسّس الداهشيّة الذي بلغه نعيه (556)، فيهنّئهم بخلاصهم من هذا الدّرك المادّي وبمنازلهم الروحيّة الخالدة . ويتألّم عندما يذكر أنّه ما يزال في عداد البشر الذي يقضّون أيّامهم بين آهات الشكوى والأنين والحنين ، الشكوى من الظلم ، والأنين من الألم ، والحنين إلى الخلاص . يقول مخاطباً الراحلين من الداهشيّين :
قل لمن يسأل عن أرواحهم إنّها في درجات الخالدين
يا هداة الروح طبتم سكناً وعليكم نفحة الروح الأمين
ينطوي العام ويأتي غيره ويغيب العمر في بحر السنين
فانظرونا واسمعوا آهاتنا بين شكوى وأنين وحنين (557).
وقي قصيدته “يا رفاق الأرواح ” يحنّ إلى رفاقه الحقيقيّين وإلى عوالمهم العلويّة ، فيخاطبهم بلسان الشوق ، ويبشّر بهم الألى يتعطّشون للحقائق الروحيّة ، إذ كان الحليم لسان حال الداهشيّة ، يرى فيخبر ليتّعظ السامع . وهو في هذه القصيدة يكفر برفاق الجسد ، بائعاً الغبراء بمن فيها وما عليها ليكسب مقاماً رفيعاً بين إخوته بالروح . من أبيات هذه القصيدة :
…كطيور السماء نرقى إليكم وسنعلو ، لكن بغير جناج
بجناح من الخيال المصفّى كشعاع الصباح فوق البطاح
فاسمعونا مع الأثير نغنّي والمحونا على متون الرياح
وانظرونا نحنّ نحن إليكم بحنين ونشوة وارتياح
قد رضينا أن نهجر الأرض كيما نتلاقى في (نجمة الملاّح)
وسمحنا وفي السّماح رباح ثم بعنا الغبراء بيع السّماح
وربحنا دار الخلود مقاماً حيث نحيا في (عالم الأرواح)
هي من نعمة الإله علينا كيف ننسى عطيّة المنّاح ؟!(558).
وبما أنّ السنين سريعة الانطواء ، فحليم أصبح موقناً بأنّ حلمه سرعان ما يتحقّق ، فينتصر النور على الديجور ويتمّ اللقاء في جنّات الله :
إليّ إليّ يا نور الرجاء فروحي تستعدّ إلى اللقاء
غداّ تتعانق الأرواح نشوى وينتصر الصباح على المساء (559).
كانت الجلسات الروحيّة التي يعقدها مؤسّس الداهشيّة ويحضرها الحليم قد فتحت عينيه على حقائق عالم الروح ، فعظمت في نفسه تلك الأسرار حتى بات يرى كلّ بصر قاصراً وكلّ بصيرة محدودة في هذا العالم ، فقال :” ما رأيت بصراً إلاّ وله حدّ ينتهي إليه ، وهكذا البصيرة “(560).
ويتّضح إجلاله وإعظامه لعالم الروح في قوله :” أصغر ذرّة في عالم الروح أقوى من أكبر جرم في عالم المادّة “(561).
ولا ريب في أنّ الحليم جعلته الداهشيّة زاهداً حقيقيّاً ، والزاهد بهذه الدنيا يحنّ إلى الصلاة ، فهي صلة الوصل بين الخالق والمخلوق ، تُذكِّر الإنسان بالعقاب والثواب ، فيهاب الشرّ ويتّجه صوب الخير . يقول الحليم :” يحنّ الزاهد العابد إلى الصلاة في المعابد ، حنين الزارع الحاصد إلى سماع خفيف السنابل ، ورنين المناجل “(562).
وتُشرق طائفة من قصائد الحليم بابتهالات لله تعالى مفعمة بالإيمان ، فوّاحة بالصدق والإخلاص والتوق للخلاص . فهو يحنّ ، بملء مشاعره وأحاسيسه ، إلى بارئ الأكوان ، تائقاً للاندماج بأنواره ، باغياً الانعتاق من حياته الماديّة لحياة روحيّة أسمى .
ففي قصيدة “يا إلهي” تتصاعد نسمات روحه محلّقة بعيداً عن عالم الشقاء ، وعن حياة تغوص بالدواهي وتغصّ بأشباه الرجال ، وبقوم سوّدوا بيض الجباه ، وبكلام معسول متصاعد من قلوب مريضة … فيتنهّد ويتأوّه :
آه ! لو يدري الورى كم كفروا آه ! لو عادوا إلى (الإيمان) آه !
آه ! لو يدرون كم تحرسهم مقلة الباري بعطف وانتباه !
يا إلهي ، غمرتني نعمة أنعشت (روحي) بفيض متناه
يا إلهي ، أنت لي كلّ المنى أنت كنزي ، أنت عزّي ، أنت جاهي
أنت نوري ، يا إلهي ، فاستمع كلماتي ، وتقبّلها ، فها هي :
أنا سيّال أناجي وطناً ثانياً فيه أرى وجه إلهي !(563).
أمّا في قصيدة “حنين الروح” فيعتلي الحليم صهوة سيّاله الروحيّ دالفاً إلى ظلال الله بفم يتحدّث بجلاله ، وبصيرة تتأمّل الخلائق الناطقة بكماله ، وبشوق ملتهب إلى عدله ورحمته . ويستوحي الحليم أيمانه وحدسه ، فيرى نفسه نسمة عابرة في جبال الله ، وفلذة راقدة في تلاله ، وموجة مؤمّلة في بحره ، ونجمة غابت في سمائه ، ورملة صغيرة تعبث بها الرياح في صحرائه ، ودمعة سالت من زلاله ، وطيفاً عابراً في مهمه الأرض …
ثم يبدو الحليم تعباً من أساليب الحياة ، بعدما أرهقت نفسه عاديات الزمان وحقارات الإنسان ، فحنّ إلى الانسحاب ، من طبقات الظلام والظلاّم للاندماج بأنوار الجنان ، فيبتهل لله :
يا ربّ أنقذني سريعاً إن أكن أهلاً لذلك
إنّي تعبت من الحياة فهل أرى باهي خيالك ؟
وإذا النفوس تطهّرت حنّت إلى مرأى جمالك
أنا أكتفي سكناً بقربك بين شمسك أو هلالك
يا حبّذا الأرواح تصبح في الأعالي من عيالك
هي حول عرشك كالملائك عن يمينك أو شمالك
نور على نور تدفّق بين جنّات هنالك
أشهى مناي ظلالها فاجعل نصيبي في ظلالك (564).
أمّا في قصيدته النثريّة “اللهمّ ” فيمجّد الخالق عزّ وجلّ ، مبيّناً حقارة الإنسان ، طالباً من الله هدايته وعونه وحلول روحه فيه ، مؤكّداً رسوخ عقيدته وعظيم إيمانه بالدعوة الجديدة :
اللهمّ لا عظمة لي بسواك
وكلّنا بدونك عظمة ، بل سواك !
الّلهمّ إنّ إيماننا برسالتك راسخ لا يتزعزع
مهما عصفت حولنا الريح الزعزع !(565).
ويستعطف الإله أن يرحم العباد ، فيتعهّد ثمرات عقولهم ، لأنّ بالعقل يرتقي الإنسان ، وبه يعرُج نحو الجنان ، وبه يفرق بين المعجزات والشعبذات . ثم نراه ينحني بخضوع لموجده ، مقبّلاً بخشوع أقدام عرشه ، متمنّياً أن ينعم بأسراره الروحيّة على المؤمنين المختارين ، ويقوّي عزائم الخائرين ، ويرشد عقول الضائعين الحائرين ، خاتماً صلاته بالدعاء لتحقيق هذه الأمنية الداهشيّة :
الّلهمّ حوّل رسالتنا الجديدة إلى الجهاد
وجهادنا إلى استشهاد
واستشهادنا إلى شهاد (566).
وكانت الطبيعة عونا للحليم في انعتاقه من عبوديّة الحياة ، بما تقدّمه له من مادّة رائعة للتأمّل في صنائع الله . إنّها ملاذ له من أذى البشر ، ولكنّها أيضاً سفر عظيم مجيد يكشف عن عظمة الله ومجده . يقول :
ألقيت من بعد الجهاد حُسامي ورميت بين أحبّتي أقلامي
وطرحت أعباء الحياة مهادنا وخلعت بعد ربيعها آلامي
ووقفت في طيّ الظلام مناجيا شهب النجوم وبدرهنّ أمامي
وسبحت في بحر الفضاء كطائر يبغي التغلّب من أذى الآنام
تلك الطبيعة لو قرأت كتابها لهتفت باسم الواحد العلاّم !(567).
تأمّل الحليم الطبيعة ، فرأى كلّ ذرّة فيها ترتعش بالحياة ، وتنطق بحكمة الخالق في خلقه . فالنظام مهيمن ، ووراء كلّ نبتة عقل مدبّر ، وخلف كلّ فصل يد تأمر ….
فهي تموج بالأسرار وتضجّ بالعجائب ليل نهار . و”من تعمّق بدرس أسرار الطبيعة لمس عظمة الله “(568) . فعندما يتنفّس الصبح بالأنوار ، منسلخاً عن الدياميس ، مبرزاً نظام المبدع الدائم ، وكاشفاً عن ذرّات الحقائق … يمجّد الحليم عظمة الخالق .
وعندما يثور البحر ، وتغزو جحافل الضباب السماء لتنحسر أشعّة ذكاء في خدرها النورانيّ ، إذ ذاك يلفّه الاكتئاب وتغمره الأحزان متذكّراً وضاعة الإنسان (569).
ويرنو الحليم بعين بصيرته إلى الفضاء ، فيتيه في عجائب السّدم والمجرّات وما يدور في السماء من عوالم طيّ عوالم ، فيخشع قاصراً عيّا ، ويسجّل القلم شعوره : “لا نهاية للأرقام والأسماء عند العدّ والإحصاء ، وهكذا لا نهاية للفضاء ، ولا حدّ لعظمة خالق الأرض والسماء “(570).
وهكذا تصبح الطبيعة بنظامها ونجومها وأفلاكها منبّهاً للإنسان من غفلته ، ومعلّماً يقيله من جهالته ، وقدوة روحيّة تدلّه على طريق وحدته :
لا تطلبوا إلاّ الحقيقة عُدّة فوجودكم حلم من الأحلام
وتطلّعوا نحو السماء لتعلموا كيف النجوم تناثرت بنظام
هي وحدة روحيّة مرّت بكم بالنور بالأرياح والأنسام
ستجيبكم تلك الكواكب فاسألوا ماذا وراء أشعّة وغمام (571).
ز- وحدة الأديان :
وعى الحليم أنّ التناحر الدينيّ سبب رئيس من أسباب شقاء البشر . فاللبنانيّون عانوا عواقب التعصّب الطائفيّ البغيض الناشئ عن تفسّخهم وتبلبلهم مذاهب وشيعاً وبدعاً . وكما الشرق كذلك الغرب ؛(572) فإنّهم لم يعملوا بتعاليم الأنبياء ، بل زاغت المذاهب وتباينت الأديان السماويّة تباين التفسيرات والاجتهادات التي تناولتها ، مع أنّ جوهرها واحد وغايتها واحدة . فهي ، في أصلها ، منبع الراحة ومصبّ السلام ، بل هي بحيرة صافية هادية هبّت عليها رياح الانشقاقات ، ودهمتها عواصف النيّات السيّئات ، فتنازع البشر ضالّين النهج القويم :
أرى في بحار الشرق والغرب ثورةً وأمواجها العظمى تروح وتغتدي
وفي بحرة الأديان هبّت عواصف ستطرح أهل الأرض في كلّ فدفد (573).
وحليمنا ، في خضمّ ضياع البشر ، يبتهل إلى الخالق أن تسطع ، على شاطئ الداهشيّة ، منارة الحقّ ، لتهتدي بها وتلتقي عند ميناء المحبّة والهدى مراكب الأنبياء ، بعد تيهانها في ظلمات التاريخ ، وصيرورتها ألعوبة لأنواء الأهواء البشريّة :
فيا ربّ قد تاهت بليل مراكب وها هي لم تغرق ولم تتوحّد
فهل تلتقي في شاطئ الحبّ والهدى سفائن موسى والمسيح وأحمد ؟(574).
ولا شكّ بأنّ أسباب الفساد المستشري في العالم لا يعود إلى الأنبياء ، لأنّهم دعوا إلى الإخاء الإنسانيّ ، هذا الإخاء الذي عاد الدكتور داهش ليذكّر به في وقت نحن بأمسّ الحاجة إلى مذكّر ، بعدما قلب البشر الإخاء إلى عداء ، والمحبّة إلى كراهية ، يخاطب حليم مؤسّس الداهشيّة معيداً إلى الأذهان أصوات الأنبياء المنادية بالتآخي :
فأنت الذي ألقيت في كلّ مسمع دروساً كنور الشمس تطوي الأعاليا
وعلّمتنا حبّ الأنام كإخوة لوحدة أديان تشدّ التآخيا
تعاليم موسى والمسيح وأحمد وقفت لديها هاديا ومنادياً (575).
وإيمان الحليم بأنّ الأنبياء جميعهم ثمار لشجرة الخير أدّى إلى تمجيد أغصان هذه الشجرة المتمثّلة في الكتب المقدّسة الناطقة بسير رجال الله وتعاليمهم السمحاء ؛ وتصديقه بوحدة الأديان ما كان ليتمّ لو لم يجمعها هاديه تحت لواء وحدة روحيّة مقدّسة :
فترى من التوراة في أوراقه وترى بها القرآن والانجيلا
هي وحدة روحيّة بيراعه تجري فتنعش أنفساً وعقولاً (576).
وفي العقيدة الداهشيّة التوحيديّة تحقّق حلم الحليم التوحيديّ الذي طالما نادى به وصبا إليه ، قبل العهد الداهشيّ :
عطفت عليّ (رسالة روحيّة) فتحقّقت بجمالها أحلامي
بالداهشيّة قد عرفت (محمّداً) وتلوت (قرآن الهدى) المتسامي (577).
لكنّ الحليم لم يوضّح في شعره ، ولا في نثره ، كيف يمكن أن تزول الاختلافات الحادّة بين الأديان أو حتى بين المذاهب المتعدّدة ضمن الدين الواحد ؛ فالوحدة الدينيّة التي دعت إلهيا الداهشيّة لم تبرز في أدبه بأسلوب توضيحيّ إقناعيّ ؛ لكنّها ظهرت عبر صور شعريّة واندفاعات عاطفيّة . ذلك بأنّ أسلوبه غلب عليه التغنّي في العهد الداهشيّ ، كما في العهد الأوّل .
فالمسيحيّون والمسلمون ، في رأيه ، لما كانوا اختلفوا لو أدركوا حقيقة الدينين الكبيرين ، ولكن ما هي هذه الحقيقة ؟ يجيب حليم :” الأديان السماويّة طائرات روحيّة متعدّدة ، ولكنّها تتّجه إلى هدف واحد ، هو الله “(578).
وكان الحليم ، قبل تفهّمه الداهشيّة ، قد ألمع إلى أنّ رقيّ الأوطان يتوقّف على مزج الأديان “مزجا كيمويّاً” يؤدّي إلى “الدين الوطنيّ”(579). لكنّه ، بعد عام 1942، تأكّد له أنّ مزج الأديان لا يكون إلاّ روحيّاً ، وبقوّة إلهاميّة إلهيّة ، وليس بإرادة بشريّة .
وتوحيد الأديان نعمة ، لو استحقّها البشر في أحدى الأمم ، لاستيقظت الأمّة من سكرتها ، وتفتّحت بصيرتها ، وتحرّرت من ربقة ظلاّمها ، وتوحّدت أهدافها ، وتطلّعت إلى الحقّ :
وإذا أراد الله (وحدة) أمّة كانت من الإيقاظ لا النوّام
ومشت إلى أسمى المراتب حرّة وتخلّصت من ربقة الظلاّم
وتعانقت أديانها وتوحّدت أهدافها في موقف الإقدام
وتطلّعت للحقّ من حرم الهدى وهفت لسرّ الروح والإلهام (580).
وعملّيا ، آمن الداهشيّون المسيحيّون بالإسلام ، كما آمن المسلمون منهم بالمسيحيّة ، وعلى ضوء هذه العقيدة التوحيديّة ، كان سيّان عند حليم دمّوس أسمّي مسلماً أم مسيحيّاً .
جاء في مجلّة “الغري” العراقيّة أنّه كان لإيمان عدد كبير من الأسر المسيحيّة بالإسلام “صدىّ بالغ في الدوائر الإسلاميّة العليا . ومنهم الشاعر الكبير حسّان حليم دمّوس ، وقد تلقّت إسلامه صحف مصر بكثير من الحماسة والتقدير “(581).
وتتعانق في نفسه السمحة أصوات المآذن ورنّات النواقيس شجيّة متصاعدة أنغام تسبيح وتقديس لربّ الكون الواحد :
في ظلمة الليل والأحياء هاجعة سمعت أنغام تسبيح وتقديس
شجيّة كصلاة فوق مئذنة رنّانة مثل أصوات النواقيس (582).
ح- التقمّص :
ألحّت على الحليم الحكيم – قبل اعتناقه الداهشيّة – أسئلة كثيرة ، لكنّها كانت علامات استفهام لا تتلوها أجوبة : أين كنّا قبل المجيء ، وإلى أين الرحيل ؟ ما خطيئة الطفل المولود أعمى أو فقيراً ؟ وكثير غيرها من أسئلة فلسفيّة وما ورائيّة تحيّر ذوي الأفهام ، فتدعهم في دوّامة الإبهام (583).
وبعد أن تفهّم الحليم العقيدة الداهشيّة ، رأى أنّه اهتدى بواسطتها إلى الأجوبة الشافية والبراهين الكافية في مبدإ التقمّص العادل ؛ فإذا الموت انتقال وتبدّل من حال إلى حال ، وإذا عمر الإنسان فسحة تتيح له أن يترقّى روحيّاً أو يتسفّل مادّياً . وإذا الكواكب تعجّ بالمخلوقات الحيّة ، وإذا الأرض تلقّي معرفة واجتياز امتحان. ” فدخول الإنسان إلى هذا العالم كدخول الطالب إلى صفّ جديد في المدرسة . فإمّا أن يرتفع عدّة درجات وإمّا أن يهبط عدّة دركات “(584).
والسؤال الذي يطرح نفسه حالاً : ما هو الإنسان في نظر الحليم ؟
حاول علماء الدين ، واجتهد الفقهاء والجهابذة والحكماء في فضّ لغز الوجود والخلود ، لكنّهم ، في رأي الحليم ، باؤوا بالفشل ، وكان مثلهم مثل من يبحث عن الحقائق في خضمّ الأباطيل ؛ إذ المعرفة الروحيّة لا يبلغها أيّ بشريّ بجهده العقليّ ، وقد ” أضاع الإنسان وقته لمعرفة سرّ الوجود ، وسيضيّع حياته عبثاً لمعرفة سرّ الخلود “(585).
فبعدما تكشّفت الحقائق الروحيّة الداهشيّة للحليم ، استصغر شأن الإنسان وقدر منجزاته العلميّة، ذلك بأنّ أسرار الله لا يدركها إلاّ أنبياء الله وحيا . يقول حليم :
” أنت من أنت يا من يحاول أن يستكشف بمرصده الفلكيّ المحدود أسرار الله وعظمة الفضاء وحدود السماء الغير المحدودة ؟ “(586).
وتكثر أقوال الحليم في أنّ الإنسان عبارة عن ملاك وشيطان معاً ، لكنّه منح القدرة على الإختيار ، فإمّا أن يحتار طريق الملائكة فيسير على هدى الله ، ممارساً الفضائل ، بالغاّ أقصى الدرجات ، وإمّا أن يؤثّر سبيل الشياطين المؤديّة إلى الضلال وممارسة الرذائل ، هاوياً إلى أدنى الدركات :” أيّها الإنسان الأثيم ، سر على الصراط المستقيم ، فنصف جسمك الأعلى (ملاك كريم ) ونصفك الأدنى (شيطان رجيم) فاختر لنفسك ما يحلو “(587).
لكنّ الحليم يرى أنّ نفس الإنسان أمّارة بالسوء ، ولذا يغلب الشرّ على طبعه .
فالشيطان يغري ابن آدم ، فينقاد له ، ويأمره فيطيعه ، حتى ليتدنّى الإنسان عن الشيطان أحياناُ ، إذ “يقوم الإنسان ، في بعض الأحيان ، بأعمال شائنة تؤكّد لنا أنّ الشيطان أفضل من الإنسان !”(588).
وقد مدّت الداهشيّة شاعرنا بإيضاحات ومفاهيم جديدة لتكوين الإنسان لم تكن ظاهرة في أدبه ، من قبل ، فالإنسان يتكوّن من جسد وروح وسيّالات ، أمّا الجسم فعبارة عن قيد مادّي يشدّ الإنسان إلى عوالم المادّة ، إنّه سجن النفس ، مدى العمر الزمنيّ على الأرض ، لا يتحرّر الإنسان منه إلاّ بقرار الموت :
والجسم سجن النفس فهي أسيرة والموت تحرير وفكّ إسار
والموت ينقلها إلى جنّاتها ويعيدها للواحد القهّار (589).
وما دام الجسم متبدّلاً زائلاً زوال أوراق الخريف ، فليعتن بالجوهر الخالد ، بالروح :
وازهد بجسم ناحل متبدّل واحفل بروحك ، فهي لا تتبدّل (590).
وقد ميّز الحليم بين الروح والسيّالات التي يضمّنها معنى النفس ، فالسيّالات في الإنسان هي قوام حقيقته النفسيّة الأرضيّة . ولذا يقول حليم :
أنا سيّال أناجي وطنا ثانيا فيه أرى وجه إلهي (591).
ويحاول أن يكون أوضح في تقديمه معنى “السيّال” فيقول في قصيدة أخرى :
فما أنت من هذا الثرى غير ذرّة تعود إلى الباري بشتّى الطرائق
كهارب تجتاز الأثير ، ونورها يشعّ كعقد لامع متناسق (592).
ولا يخفى أنه سعى ، في البيتين السابقين ، إلى إعطاء تعريف يمتزج فيه جانب من المفهوم العلميّ بالصورة الشعريّة الموحية (593).
هذه الوسيلة التصويريّة تذرّع بها أيضاً في موضع آخر . لايضاح معنى السيّالات ، فشبّهها بالأوتار التي باهتزازها تبعث أنغاماً مختلفة قد تكون مؤتلفة منسجمة أو متنافرة . قال ملمعا إلى سيّاله الأخير الذي إذا ما نطلق من جسده تم انتقاله إلى العالم الأرقى الذي يستحقّه :
يا رنّة الوتر الأخير تهلّلي فالروح قد سمعتك عند الباري (594).
وأمّا الروح فترفع في عالمها الروحيّ المنبثق عن العزّة الإلهيّة ، هنالك حيث لا وجود للزمان والمكان ، ولا نواميس كونيّة تقيّد أو قوانين طبيعيّة تستعبد :
ليس الزمان بمدرك أرواحنا ما دامت الأرواح مُلك الباري !…(595).
والأرواح هي أمّهات السيّالات التي تحيي الكائنات وتقوم بجولات لها في تقمّصاتها بعوالم متباينة الدرجات والدركات ، إلى أن تسمو تدريجيّاً وتندمج بمصدرها الأصليّ . فالسيّال الراقي ينجذب نحو الروح ، لأنّها “ظمآنة أبداً إلى كوثر السماء “.(596).
وفرحة الروح العظمى تكمن في رجوع سيّالاتها – المنبثقة منها – إليها ، وفي عودتها هي إلى الله عزّ وجلّ :
الروح منك فردّها كيما ترى دار النعيم ومصدر الإنعام (597).
وكما للسيّالات درجات في عوالم المادّة ، كذلك للأرواح درجات في عوالمها ، إذ إنّ سيّالات الإنسان تؤثّر على روحه ، فترتقي الروح بارتقاء سيّالاتها ، وتنحطّ بانحطاطها ، فالروح “فراشة في مهبّ رياح الأهواء: فأمّا أن تسبح في الأماكن الرفيعة ، وإمّا أن تنحدر إلى المواطن الوضيعة “(598).
قال الدكتور جميل صليبا عام1985:
” … ولعلّ حليم دمّوس أكثر الشعراء الشاميّين المقيمين تحدّثاً عن الروح الإنسانيّة ، فهو يسأل ، كايليّا أبو ماضي ، من أين جئنا وأين كنّا قبل المجيء ، ففكره يحنّ إلى معرفة حقيقة الروح ، ويريد أن يستنطق الأرواح في أفلاكها لاعتقاده أنّ الروح تتكمّل بعد رجوعها إلى خالقها ، وهو يدعو إلى الزهد بالجسم الناحل المتبدّل ، وإلى الإقبال على الروح التي لا تتبدّل إلاّ لتكتمل “(599).
وإذا كان حليم يؤمن بأنّ الحقيقة لا وجود لها في عالم الروح ، فإنّه كان دائم الحنين إليها :
أبداً يحنّ إلى الحقيقة خاطري فالروح بعد رجوعها تتكمّل (600).
ذلك بأنّ في الروح المفارقة لعوالم المادّة معنى الوحدة والكمال ، كما في المادّة معاني الكثرة والنقص . ولا يبلغ الإنسان الظّفر إلاّ بالعودة الروحيّة إلى خالق البشر والطير والشجر :
نعود إليه بأرواحنا وعند رضاه بلوغ الظفر
وعمري وعمرك في ظلّه سطور كتاب كثير العِبر (601).
وقد تأكّد للحليم وجود عوالم الأرواح الخالدة بواسطة الجلسات الروحيّة التي كان يعقدها مؤسّس الداهشيّة ويحضرها الشاعر الزحليّ وغيره من الأدباء والمثقّفين ، والتي كانت تتجلّى ، في أثنائها ، الأرواح العلويّة خارقة قوانين الأرض بعجائبها الباهرة ، إذ هي لا تخضع لنواميس الأرض الطبيعيّة (602). ويذكر الحليم مخاطبة بعض هذه الأرواح بقوله :
“… وهنالك في عالم الروح – بفضل القوّة الموجدة – صلة غريبة بين الأرض والسماء شاهدها عدد كبير منّا ، وسمعنا مخاطبتها لنا ، والتقطنا تلك الأقوال الروحيّة مراراً وتكراراً .
” وكما يصدّق الناس اليوم بوجود الآلات الأرضيّة الموصلة ، هكذا يجب على كلّ مؤمن التصديق بوجود الصّلة السماويّة بين الله والناس “(603).
وهذه الأرواح لا تعرف فناء الأجساد وتبدّلها ، لأنها جوهر روحيّ سرمديّ :
هيهات تفنى الروح فهي سليمة من كلّ كارثة وكلّ عثار (604).
وفي العقيدة الداهشيّة أنّ عمر الإنسان تحدّده سيّالاته . ولذا فالحياة على الأرض – مهما طالت – قصيرة جدّاً . ولو فقه الإنسان أنّ سنواته الأرضيّة وسيلة لارتقائه أو هبوطه الروحيّ ، لاستفاد من كلّ ساعة :
فمن أنت يا ابن الأرض تحت سمائها وعمرك فيها عمر زهر الحدائق ؟(605).
وما أجمل هذه الصورة :” عمرك في دنياك أشبه بتمثال من ثلج : يذوب بعضه ثم يذوب كلّه ، ويتقلّص إلى الأبد ظلّه “(606).
ولكلّ مخلوق أجلٌ يقف عنده ، ولا يسلّط إنسان على حياة آخر بعدالة إلهيّة وسببيّة روحيّة :”وما دام للسّمكة أجل فلن تموت ولو قذفتها الرياح الهوجاء إلى قلب الصحراء “(607).
أمّا الموت ، حسب العقيدة الداهشيّة ، فوسيلة انتقال من مرحلة حياتيّة إلى أخرى . ومنزل الإنسان الآتي تحدّده أفكاره وأقواله وأعماله متمثّلة في سيّاله . ونادراً ما يبلغ الإنسان درجة روحيّة سامية ترقى إليها سيّالاته غير مشوبة بقذارات التراب ومتطهّرة من آثار الاضطراب . ولنصغ لما قاله حفّار القبور للحليم :”قال لي حفّار القبور وقد اجتمعت به اتّفاقاً في أحد شوارع المدينة : أنا قادم من (مدينة الأموات)، وبالأمس تدحرجت أمامي جمجمة وأنا في داخل المقبرة الصامتة ، وسمعتها كأنّها تخاطبني بهذا البيت :
ستهيم ما بين الثريّا والثرى ومن التراب إلى التراب تعود (608).
فالسيّالات تبقى تنتقل ، حسب استحقاقها ، بين الكواكب والنجوم ، بينما ينحلّ الجسد عائداً إلى عناصره الترابيّة الأصليّة . وسيّال الإنسان المنطلق منه قد يتجسّد في الحيوان أو الجماد أو النبات ، لأنّها تنطوي كالإنسان على سيّال الإدراك والشعور . فالأشكال تتبدّل ، لكنّ السيّالات تنتقل من حال إلى حال ، ترافقها المسؤوليّة أجيالاً تلو أجيال (609). وقد يتحوّل السيّال إلى قطرة ماء ، أو حبّة رمل ، أو نسمة … وقد عبّر الشاعر عن هذه التحوّلات بصور شعريّة موحية ، فقال :
أنا من أنا ، يا ربّ ، إن قارنت قولي في فعالك
أنا نسمة مرّت على هذي الرُبى وعلى جبالك
أنا من ضبابك قطعة بيضاء ترقد في تلالك
أنا موجة من بحر جودك ترتجي صافي نوالك
أنا نجمة لمعت وغابت فجأة والليل حالك
أنا رملة صغرى تقلّبها الرياح على رمالك
أنا دمعة سالت على خدّ الطبيعة من زلالك
أنا ظلّ طيف عابر في مهمه وعر المسالك (610).
والتقمّص في العقيدة الداهشيّة ، لا يحدث في الأرض فحسب ، بل يمكن حدوثه في الكواكب وسائر الأجرام الفلكيّة ، فجميعها عوالم آهلة بسكّان لهم صفات وخصائص تلائم تلك العوالم (611). وقد ألمع حليم في شعره إلى ذلك بقوله :
أكثرت من ذكر النجوم لأنّها مثوى جدود في الخلود كرام
أرواحهم همست بأذني فانتشت روحي وهزّت بالحنين عظامي (612).
كذلك يقول في “رباعيّاته”:
” الله روح وموجود في كلّ مكان ، قبل أن كان الإنسان .
هذه حقيقة راهنة لا ريب فيها ، والويل لمن ينكرها وينفيها .
إذن لماذا ينكر علماء الفلك وجود حياة وأحياء ، في المجرّة وكواكب السماء ، ما دامت روح الرحيم الرحمان ترفّ في كلّ زمان ومكان ؟”(613).
وإيمان الحليم الوثيق بالتقمّص ، كان له سبب عزاء أيّام الاضطهاد ، فعندما بلغه إعدام مؤسّس الداهشيّة ، في أذربيجان ، وكان حليم ، وقتذاك ، نزيل سجن الرمل ، قال :
أناجيك من سجني وإني لمؤمن بربّي وأنّي سوف ألقاك ثانياً (614).
ط- النزعة الإصلاحيّة
كلّ دعوة روحيّة تحمل في طيّها نزعة إصلاحيّة . والدعوة الداهشيّة تحمل – حسبما تجلّت في أدب حليم دمّوس – نزعة إصلاحيّة ذات بعدين : وطنيّ وإنسانيّ ، وفي كليهما جولة هدم وجولة بناء .
1- على الصّعيد الوطنيّ :
أ- الواقع الفاسد
فعلى صعيد الوطن ، راع الحليم أن يرى بلده غائصاً حتى النواصي في بحر الفساد والمعاصي ، متخبّطاً في دياجير الظلم والجشع والغدر والخيانة والعبوديّة ، وتمجيد القيم الماديّة ، فبكى على وطنه الغريق ، متمنّياً له خشبة إنقاذ ، وبصيص نور يقوده إلى شاطئ الإصلاح والفلاح .
أدرك الحليم أنّ زعماء البلاد يؤدّون دوراً جليلاً في بناء الوطن أو هدمه ، فهم قوّاده ، وعليهم أن يعملوا لخيره ومصلحته بدافع من ضمائرهم وشعورهم الوطنيّ لينهضوا به . إنّهم للشعب بمثابة الأساس للبناء ، إن وطّد على صخر ارتفع وعلا ، وإلاّ تصدّع وهوى :
إلى من أهملوا الحقّ المضاعا أسدّد نحوهم هذا اليراعا
أرى وطناً تهدّده الليالي كبيت بالعواصف قد تداعى
وما الباني على رمل بناء كمن يبني على صخر قلاعا
وكلّ سفينة بالركب تنجو إذا ربّانها حرس الشّراعا (615).
تُرى ، هل حرس ربابنة لبنان الشراع ؟ لا ، بل مزّقوا أشرعته من خونة يرفعون باسمك الحناجر … ثم يطعنون شعبك الآمن بحدّ الخناجر !”(616).
وهؤلاء الخونة ، ما همّهم إن وهبوا الكلام في سوق المجلس النيابي ، ما دام كلامهم حبراً على ورق ، لا يعمل به ولا يطبّق ، يخاطبهم الحليم بجرأته المعهودة قائلاً :
” قلت لرئيس وزارة ، بعد أن قرأ بيانه الإصلاحيّ في المجلس النيابيّ :-” إذا استطعت فحقّقه ، وإلاّ فاستعف ومزّقه “(617).
لكن ، كيف يستعفي وهو في منصب مرموق ، يستقوي به على الضعفاء من أفراد الشعب ،جاعلاً من شرائع البلاد شريعة غاب ! وما أشدّ نفاذ قول الحليم :
“شرّ الظالمين الأقوياء … من يعتدي بغطرسة وكبرياء على جماعة آمنة ضعيفة فقيرة ، ويأمر ، بعد ذلك ، بسحقها كما تسحق الحشرات الحقيرة “(618).
والرعيّة المسحوقة تزحف بمهانة وتدين بسياسة حكّامها ، خاضعة ذليلة ، تتزلّف إلى الغريب تزلّف رئيسها للوصول إلى منصبه ، ويخدع بعضها بعضاً كما يخدعها حاكمها ، وفي غمرة سكرتها تترنّح بالكذب فتحسبه صدقاً . ومثل هذا الشعب مصيره الضياع وسط غابة تسرح فيها الذئاب والضباع . ولنستمع إلى جواب الحليم للمغترب الأميركي :
قابلني مغترب وهو عائد إلى أميركا ، وقال لي :
“- لم أعامل شخصاً في الوطن إلاّ تزلّف إليّ ، ثم خدعني وكذب عليّ …”
فقلت له : ” صدقت ، صدقت “(619).
ورأى حليم أنّ الشعب اللبنانيّ بات يرسف في أسوأ العبوديّات ، ذلك بأنّ كلّ مواطن أصبح عبدين : عبداً لشهواته الأخطبوطيّة ولذاذاته المادّية ، وعبداً للحاكم الظالم . يقول :” ما دمنا عبيد شهواتنا ولذّاتنا ، وعبيد القويّ المسيطر على مقدّراتنا ، فكيف ندّعي بأنّنا مستقلّون أحرار “؟(620).
وقف الحليم على شرفة بلاده المعرّضة للانهيار ، وتأمّل الواقع الفاسد بعينه البصيرة ، فبكى ، أجل بكى على جهلاء تفانوا في عبادة المادّة الفانية ، مهملين الروح الباقية ، مفجّرة الحقائق من ينابيع الخالق ، فأنشد بحسرة ودمعة :
سمعتني أبكي لحال بلادي فاستفاقت مذعورة مستجيرة
لا تخافي ، يا أخت روحي ،فنفسي في هناء والعين مني قريرة
غير أنّي أبكي على جهلاء يتفانون سيرة وسريره
أهملوا الروح واستهاموا بدنيا ليس فيها سوى ظلام الحفيرة
يزرع الزارع الحكيم بذوراً وهنا جاهل أضاع بذوره (621).
تلك كانت صورة الواقع المظلم الفاسد للبنان ، حسبما ظهرت في أدب حليم دمّوس . لكن كيف يرسم الحليم الحكيم لوطنه طريق الإصلاح والخلاص ؟
في يقين الحليم أنّ إصلاح الوطن يتمّ بارتقاء درجات أربع ، تتمثّل أولاها بوحدة الوطن عن طريق وحدة أبنائه وأدبائه . وتتحقّق الدرجة الثانية بالتعاون التامّ من أجل قيام الثورة الواحدة على الظلم والطغيان فتسود العدالة ، ولا يبقى في نفوس المواطنين أيّ خوف إلاّ الخوف من الخالق الديّان . أمّا الدرجة الثالثة فترتقى بالمحبّة في الحكم ، المحبّة الحقّة البعيدة عن الضغائن والأحقاد والانتقام ، والتي تزيد اللحمة وثوقاً وتدفع بالوطن للخلائق . وآخر تلك الدرجات يرقى إليها بالجرأة في إعلان الحقّ ونصرته على الباطل . فالجرأة الأدبيّة إنما تحفظ للإنسان كرامته وتصون عزّته ، فلا يهاب صولة الأقوياء بل يمزّق بيديه الحقّانتين ستائر الرياء . وبما أنّني أفضت الكلام على الدرجة الأولى ، في ما تقدّم ، فسأتناول كلّ من الدرجات الأربع الباقية ببعض الإيضاح ، تباعاً .
ب- الثورة على الطّغيان من أجل العدالة
ثار الحليم على الظلم بجرأة يشهد لها الجميع ، وتمرّد على الطغيان بنفس أبيّة لا تخضع لبشريّ . فهو صاحب العقيدة الراسخة لا ينكّس رأسه إلاّ لخالقه ، لذا عاش موفور الكرامة ، مستعلياً بالحقّ على كبرياء المنافقين وغطرسة المستبدّين ، حتى كلّفته عقيدته غياهب السجون والجَلَد والجوع … فخير للمؤمنين الأحرار أن يتحمّلوا العذاب من أن تطأطأ منهم الرقاب للمجرمين الذئاب . يخاطب الذليل بعجب :” كيف تطأطئ رأسك لمخلوق منافق ، وفوقك ربّ الأرباب ، وخالق الخلائق ؟!(622).
فالمؤمن الحقّ ، إذا وجد في أرض الطغيان ، عليه أن يثور ثورة بركان دائم الغليان ، لتصبّ الحمم فوق رؤوس المفترين ، ويذرّ رمادها في عيون المكابرين . فالتّقيّ ، بثورته الروحيّة ، يرتقي ، لأنّه يبغي نشر مبادئ السلام في أرض الشقاء والخصام . ولنسمعه بأيّ أنفةٍ وإباء يقول :
إن يسألوا عنّي فقولي :” ثائر للحقّ في زمن يهان به التّقي “(623).
فهو لا يرى أمام عينيه إلاّ الحقيقة ، في سبيلها يدخل السجون مبتسماً ، غير هيّاب دولة الساعة ، وهو عالم القضبان الحديديّة ، لنصرة الحقيقة ” بنت العالم الثاني “. فبعدما تكشّفت لبصيرته الحقائق والتّرهات تخدعه ، ولا العبارات المنمّقة تقيّده ولا شعائر الأديان وتقاليد الأحزاب تلجمه . فالخالق واحد في السماء ، وليكن الدين واحداً على الأرض :
تركت كلّ عزيز في دياركم لأدفع الجور عن (حقّي وإيماني )
كم صرخة من وراء السجن قمت بها باسم (الحقيقة) بنت (العالم الثاني)
فلا المظاهر بعد اليوم تخدعنا ولا الأباطيل تروي قلب ظمآن
ولا زخارف أقوال تقيّدنا ولا تقاليد أحزاب وأديان …(624).
ثار مرقم الحليم ومقوله على الظلم الطاغي في بلاده ، علّ الشعب يستيقظ من غفوته ، ويصحو من سكرته ، وينهض من كبوته ، فيثور كما ثار ، فيطرد من لبنان كلّ حاكم مكّار . ولأنّ حليم دمّوس أحبّ لبنان واللبنانيّين ، فقد أراد أن يطهّره من الأدناس ، حاثّاً الذليل على الثورة ليحيا موفور العزّة والكرامة . فاسمعوا الحليم الذي اضطرّ لهجرة وطه وفي قلبه صورة لبنان :
لا تحسبوني هجرت (الأرز) عن ملل فالأرز أرزي وأهل الأرز إخواني
لكن رأيت حياة الذلّ منقصة لمرتضيها فلم أذعن لطغيان
فأينما سرت سار الأرز يتبعني وأينما كنت ألقي وجه لبنان (625).
فإن لم يثر المواطنون ، فستموت الثورة في نفوسهم لتحقن حقداً يقذف الحمم من الأفواه المكمومة ، وينفث البغض لحاكم ظالم لا يطول الوقت حتى يحصد الندم . يخاطب هذا الحاكم قائلاً :
يا من حكمت ولم تنصف بني وطني أذللت شعباً عزيزاً يشتكي الألما
في صدره نار حقد لا انطفاء لها يكاد يقذفها من صدره حُمما
كأنّما ورياح البغض تلفحها نار المجوس أو البركان محتدما
فغارس العدل يجني كلّ مكرمة وزارع الظلم فينا يحصد النّدما (626).
فطريق الإصلاح يقتضي من الشعب أن يتسلّح بالجرأة ويباشر استئصال الظلم قبل استفحاله في البلاد ، وقضائه على العباد . فالمريض إذا لم يُسعف بالدواء ربّما قضى عليه الداء شيئاً فشيئاً ، إذ “كلّ حاكم ظالم إنّما هو بثرة خبيثة في وجه العدالة والحقّ ، ولذلك يجب سرعة استئصالها قبل استفحالها “(627).
لكنّ حُكم الطاغية لا يعمّر طويلاً ، فإذا ما غضب الشعب تفجّرت غضبته ثورة ألهبت البلاد :
الله أكبر كيف الأمر ينقلب ودولة الظّلم في الظلماء تحتجب
إرادة الشعب حكم لا مردّ له فانصفوه ففي إنصافه الأرب
لا تغضبوا الشعب فالأحقاد كامنة حتى الجمادات فيها يكمن الغضب
لا تلهبوا الشعب إنّ النار عاصفة والعود ينفث ناراً ثم يلتهب (628).
وتتكرّر إنذارات الحليم للشعب ليتنبّه من مصّاصي الجيوب ويمزّق قناع الحاكم الملثّم فيحذّره من مغبّة التمادي في المعاصي بعدما دهمت لبنان المظالم وتراكمت فيه المآسي :
أيّها الفارس الملثّم حاذر قد بلغنا إلى جسور المخاطر
دهمتنا مظالم ومآس ودهانا ما لم يمرّ بخاطر
فتنبّه يا أيّها العشب ممّن مصّ منك الحياة مصّة غادر
وامتصاص الأموال من جيب شعب كامتصاص الدماء من قلب طائر !(629).
ووراء ثورة الحليم مطالب لو استجاب لندائه الشعب وتبنّاها لصلحت بلاده . من هذه المطالب العدالة التي يتساوى في ظلّها الجميع دونما تمييز طائفيّ . نشد العدالة التي رفع لواءها عمر بن عبد العزيز فسوّى بين رعيّته ، ووزّع الصّدقات على المعوزين فأنصفهم حتى لا يبقى فقير . يقول حليم :
قرأت اليوم كلمة تاريخيّة أتمنّى أن يسمعها حكّام البلاد رحمة بالعباد . قال يحيى بن سعد :” بعثني أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لأفرّق الصدقات على الفقراء والمساكين . فلم أجد في البلد فقيراً ، ولم أجد من يأخذ منّي شيئاً من تلك الصدقات “. فللّه أنت يا عمر لقد أغنيت بعدلك الناس !”(630).
فهو يطلب من أهل السلطات المسؤولة أن يقتدوا بمن سبقهم لا أن يملأوا جيوبهم من قروش الفقراء :
وإذا سألت عن الغنيّ وبذخه فاسأل بحقّك (أين قرش فقيره)؟(631).
وفي خطّ الثورة على الطغيان ، يكتب حليم قصيدة عنوانها “شاعر متمرّد”(632).
يستشفّ من بعض أبياتها أنّه نظمها يوم زجّ به في سجن الرمل ، وقد يكون بعث بها رسالة إلى ابنته سلوى التي يذكرها في البيت الأخير منها .
هذه القصيدة ذات أهميّة مميّزة بين قصائده الروحيّة ، لأنّه يشذّ فيها عن خطّ السلام الذي التزمه في شعره في المرحلة الداهشيّة وما قبلها .
حليم فيها شاعر الغضب المقدّس ، إنه إبليس ثوب المسيح إذ يدخل الهيكل هاوياً بسوطه على رؤوس الذين دنّسوه من عبيد الدنيا . فيوم يصبح حوار السلام قاصراً لا بدّ من حوار السّيف :
قرأوا وقالوا :” شاعر متمرّد ” صدقوا ، فشعري غضبةٌ تتجدّد
حطّمت أقلام السلام ، لأنّني جرّدت سيفاً في الجوانح يُغمد !..
إنّ غضب الحليم بات العدل الآخر للمظالم في بلاده ، يتجدّد بقدر ما تتجدّد . وإذا كان الظلم يولّد الظلام . فغضبه يولّد النور ، لأنّ بيراعته سينشقّ حجاب الظلمة .
وإنّك لتستشفّ من كلمات الحليم الطافحة بالسّخط أنّه يتحسّس العار إذا ما التزم السكوت ، ما دام الأحمق يعتلي سدّة الحُكم ، والعبقريّ يسام ذلّ القيد أو التشرّد :
أقسمت لن ألقي اليراعة من يدي حتى يطلّ على الجموع الفرقد
أيُهان نابغة ويسجن شاعر وأخو الجهالة في البلاد يمجّد ؟
وكأنّما روح الحليم الوديعة تقمّصت في هذه القصيدة رئبالاً يبرق ويرعد ويزأر ويزبد ولا يرتاح حتى ينتقم للعدالة والحقّ :
قولي لمن طرحوا البريء مكبّلاً : يوم الجناة كليل سجني أسود …
ج- المحبّة في الحكم وحريّة المعتقد
مجّد الحليم المحبّة ، واعتبرها “صلة السماء بالأرض ، ورابطة الأرض بالسماء “(633).
والحكم العادل الصحيح يستحيل أن يقوم إلاّ موطّداً على دعائم المحبّة الصادقة التي تؤلّف بين القلوب المتنافرة ، فيتجاور الشعب والحكّام تجاوراً بعيداً عن الحفائظ والضغائن ، فيتنزّه الحكم ويعمّ الشعب الراحة والاطمئنان ، وتصطلح أحوال البلاد :
لا حكم إلاّ لدين (الحبّ) نقبله فطهّروا الحُكم من حقد وأضغان (634).
ولكنّ المحبّة لا تكتمل إلاّ إذا احترم الحاكم عقيدة المحكوم ، وأمّن له جوّاً من الحريّة يكفل ممارسة شعائره والتصريح بمعتقده . لكنّ الحليم رأى أنّ الشعب في بلده يرزح تحت نير الحُكّام ، مقيّداً بسلاسل العبوديّة الثقيلة ، بعد أن سلخت منه حريّة الاعتقاد قولاً وعملاً ، وهي رأسمال وجوده ومعنى استقلاله .
ولذا ، يرى حليم أنّ حريّة المعتقد يجب أن تصان ، فهي حقّ مقدّس منحه الله عباده ، ولذلك فاضطهاد مؤسّس الداهشيّة والداهشيّين جريمة لا تغتفر . فالإنسان حرّ في اعتناق العقيدة التي يراها صحيحة ، خصوصاً أنّ كلّ الأديان هدفها واحد و” من الحماقة أن تقنع سواك بكلّ ما تؤمن به أنت “(635).
والشعب ، من الكفر أن تُنزع منه الحريّة المقدّسة ، فلو وهبها لأبدى رأيه فيما يجري حوله ، مادّاً يد العون للحكم ولإخوانه الأحرار من أجل إحياء عمران هذا البلد وإنعاش الازدهار :
(حريّة الشّعب) في الدنيا مقدّسة فلننقذ الشعب من زور وبهتان
والشعب إن يتّحد يوماً لنهضته يُحيي البلاد بتجديد وعمران (636).
د- الجرأة في إعلان الحقّ ونصرته على الباطل
وإذا صال الحكم بالجور والطغيان ، فعلى الشعب أن يجول بالجرأة والشجاعة الأدبيّة لإعلاء كلمة الحقّ ونصرته على الباطل . فالباطل مهما امتدّ سلطانه ، وتشعّبت جذوره ، وتكاثف ضبابه ، فسينكسر أمام الحقّ الصادع الساطع . والحليم يستصرخ الشعب قائلاً :” لا تخافوا من جيش الباطل … إنّه سينهزم “(637).
فالخوف منقصة تحمّل صاحبها مساوئ الحكّام المستبدّين ، فينوء بثقلها المذلّ ، في حين “ينعصر قلب (الحقّ) كمداً عندما لا تطالب به النفوس الحرّة بقوّة وعزيمة “(638).
فما دام الإنسان بريئاً فلم لا يكون جريئاً ؟ فصاحب الحقّ يعلو فوق كلّ سلطان ، وصاحب الباطل مآله إلى الخسران . إذاً الجرأة الأدبيّة ضرورة للحياة الكريمة الشريفة ولحفظ المبادئ السليمة . ولنسمع الحليم يخاطب البريء قائلاً له :” ما دمت بريئاً نزيهاً فلا تخف أحداً ولو كان من أقوى الأقوياء “(639).
وقد طبّق حليم ما دعا إليه . فالرئيس بشارة الخوري حاول أن يخنق صوت الشاعر الداهشيّ بسجنه ، لكنّ الحليم كان ، كلّما أوقف ، يرفع صوته أكثر فأكثر ، ممزّقاً قناع الرياء ، مبشّراً بالداهشيّة التي آمن بمبادئها ، مدافعاً عن مؤسّسها بإيمان لا يتزعزع ، صارخاً في وجه كلّ جبان أن ” كن جريئاً في قول الحقيقة ، ودافع عن وجهها السافر ولا تتقنّع بقناع الرياء ، أنّه قناع لا بدّ أن يتمزّق “(640).
2- على الصّعيد العالميّ :
أ- الواقع الفاسد
بعدما أرسل الحليم الزّفرات ، وأطلق الآهات على وطنه الحبيب الذي هشّمته أيادي الظّلم ، وفسّحه تناحر المذاهب والأحزاب والحكّام ، وشوّهته أفاعي المطامع … امتدّت تجربته الشعريّة حتّى وسعت العالم بأسره ، فاستنتج أنّ الإنسان هو هو في كلّ زمان ومكان ، والبشرُ ، جميعهم ، متساوون في الأباطيل ، فانبعثت من نفسه التوّاقة للإصلاح تأوّهات تُردّد :
كرهت أباطيل الأنام ودجلهم ولم أر في أخلاقهم أيّ فارق
فما رنّ في أذني سوى صوت خادع ولا سمعت إلاّ حديث منافق
ولا وقعت عيني على غير آثم ولا لمست كفّي سوى كفّ فاسق (641).
فالمفاسد تسري في شرايين المدن الكبرى سريان الأمواه في أراضينا ، والمطامع تعشّش في نفوس الجميع ، والمظالم تتهاوى ، والشرور تتنادى … فتفغر الماديّة فاها شبقةً نهمة ، حتى صار الحليم لا يسمع ركزاً للروح . وتتسابق المدن في اختراع آلات الدمار والخراب لتشنّ بها حروباً همجيّة مخلّفة عداوات لا تزول ما دام أرض وسماء .
وفي هذا الواقع العالميّ الفاسد ، أحبّ الحليم خلاص نفوس الناس ، لكن عبثاً كان مسعاه . يقول :” وجاء داهش يصرّح بأنّ العالم فاسد موبوء ، ويحتاج إلى عمليّة جراحيّة كبرى “(642).
تُرى ، ما هي أعراض ذلك الداء العالميّ الذي يقتضي هذه العمليّة ؟
كان الحليم في العهد السابق للداهشيّة يمدح الغرب ، ويذمّ الشرق لأنّه لم يلحق بركب الحضارة الغربيّة . لكنّه ، بعد اعتناقه الداهشيّة ، تغيّر الأمر عنده ، إذ نظر إلى الخافقين نظرة إنسانيّة قوامها الأخلاق والقيم الروحيّة ، وإذا الشرق والغرب سواء في الفساد :
ممالك عن سبيل الحقّ قد خرجت وفي سبيل الهوى والمال تصطدم
ما أبعد (الشرق) عن نهج الهدى ! فغدا سيتبعون الألى في الغرب قد ندموا (643).
فالشرق والغرب بحار هائجة أمواجها العظمى تنذر بما لا يحمد عقباه :
أرى في بحار الشرق والغرب ثورة وأمواجها العظمى تروح وتغتدي (644)
رأى الحليم العداوات بين الناس تتفاقم ، والجرائم تتعاظم ، وموجات القتل تتصارع ، و”في كلّ يوم بل في كلّ جيل وجيل ، يمثّل هذا العالم الوبيل رواية (قايين وهابيل)!(645).
والحليم الوديع المحبّ السلام تشمئزّ نفسه من حالة الضياع الروحيّ الذي تتخبّط فيه البشريّة تخبّط عشواء ، وهو الداعية إلى الإخاء والمبشّر بالمحبّة ، والمنادي بالوحدة الإنسانيّة :
بئس العداوات تفني كلّ مملكة فألّفوا بين (قايين … وهابيل (646).
في سبيل إشباع النّزوات الدنيويّة ، يتقاتل البشر ، وتنمو في نفوسهم بذور النّفاق والخداع التي ترتفع أغصانها فتستظلّ بها البشريّة جمعاء :” ما دمت عائشاً على سطح هذه الكرة الأرضيّة ، فأنت إمّا خادع وإمّا مخدوع “(647).
بعد أن تفهّم حليم دمّوس الحقائق الداهشيّة ، وضع على عينيه نظّارات الروحانيّة . تأمّل البشر فألفاهم غارقين في أطماعهم الأشعبيّة التي ستوردهم موارد التهلكة ، فهم يخطّطون بأعمالهم الزريّة طريق هلاكهم . ” الرؤيا المفجعة التي احتلّت عيني حليم والتي كان يشعر أنّها سرعان ما ستتحقّق ، لن يخفّف العلم من وطأتها ، ولا الفلسفة ، ولا الإشاحة عنها . عزاؤه الوحيد فيها ومنفذ أمله الفرد أن يحطّ التفاتة رجاء لدن القابض على المصاير المسيّر النواميس “(648). يخاطب الحليم الخالق عزّ وجلّ ، قائلاً :
أنظر إلى عللي ، يا علّة العلل فقد غدوت من الدنيا بلا امل
طغت على الناس أطماع ستوردهم موارد اليأس بعد الخلف والجدل
يمشون في غمرة عظمى تهدّدهم بالسّيل بالويل بالنيران بالوجل
هم الذئاب وأبناء الذئاب ، فهل عفّوا عن الشّاة أو عفّوا عن الحمل (649).
فالظلم يذبح الضعفاء والمساكين على عتبة الأنانيّة التي يتشبّث بها الإنسان تشبّثاً يجعله عبد مطامعه الأخطبوطيّة التي تبلغ به حدّ سحب اللقمة من فم جاره المتبلّغ بها :
والمرء في الأرض لا يلوي على أحد وكم تراه كهرّ يأكل الحسكا
وليس يشبعه مال ولا طمع ولو رأى جاره من جوعه هلكا (650).
فجرثومة الطمع تفشّت في جسد الكرة الأرضيّة بأسرها ، فأصاب سكّانها داء حبّ المال حبّا بلغ ذروة العبادة . فانظر إلى قول الحليم الذي وصف فيه الدينار وصف الإله الممجّد على الأرض . كرّمه الناس منذ فجر التاريخ وعظّموه ، وأشركوه في عبادة الله عزّ وجلّ ، ووهبوه عقلهم وقلبهم وهمّهم ، واستسلموا له عبيداً قانتين :
هو الدينار كم سحر الأناما وكم صلّى له شعب وصاما
أمّا عبدوه دون الله حتى حنوا من أجله ركباً وهاما !
لقد سجدوا له من عهد موسى وعيسى والألى نشروا السلاما
نعم سكروا به من غير خمر وباتوا حوله مثل الندامى
ولو ملك الكلام لقال بيتاً يردّده الورى عاما فعاما :
“أنا الدينار يفتنكم بريقي وقد خدّرتكم فابقوا نياما “(651).
أيقن الحليم أنّ السعادة تبتغى في تنقّي النفس من ميولها الدنيويّة ، وتطلّعها إلى عالم أسمى وأرقى . وعليه ، فليست المدنيّة الماديّة أساس السعادة ، ” فما هذه المدنيّة الزائفة المدنّسة إلاّ كتلك القبور المكلّسة “(652).
وليست المنجزات العلميّة والاختراعات الآليّة بقادرة على تحسين حياة المرء الروحيّة (653). ما دام هوى الناس معلّقاً بهذه الحياة الضالّة :
وجمال الأرواح طهر وحبّ وهما في بصيرة مستنيرة…
فبنو الأرض في ضلال مبين وهواهم هذي الحياة الحقيرة (654).
فهيهات للناس أن يدركوا جمال القيم الروحيّة وقد هاموا بهذه الحياة الزريّة ، حتى يمكننا أن نقول في هذا العصر المادّي الفاسد : لقد أصبحت القلوب مستودع الذنوب والعيوب ، عند جميع الأمم والشعوب “(655).
فكأنّما أغمضت بصائر البشر بعصائب الشرّ . وإذا كان رجال الدنيا زاغوا بالدنيا كأنّهم فيها خالدون ، فقد حذا حذوهم رجال الدين ، بعدما انحرفوا عن الدين الحقّ ، ومالوا للمكايد لاصطياد الطرائد بنفوس جشعة بشعة دفعت الحليم إلى القول :
” إذا كفر الناس برجال الدين … فلأنّهم تناسوا جوهر دينهم ومالوا إلى عرض المال والكيد والجشع .
وإذا كفر الناس برجال الدنيا … فلأنهم أهملوا الشعب وملأوا دنياهم بالمادّة ، والظلم ، والطّمع “(656).
وتساوى رجال الدنيا والدين بكمّ أفواه الحرّيات ، والاستبداد بالرعايا ، وخنق أفكارهم … في عصر العبوديّة المظلمة الظالمة .” وموهوم ومغرور كلّ من يظنّ أنّ حريّة الفكر وحريّة الكلام وحريّة العقيدة موجودة في هذا العالم المادّي المخيف “(657).
والرعيّة على دين راعيها . تسكت عن المساوئ والرذائل لتنطلق ألسنتها بالنميمة ، منخرطة في سلك المفاسد الأرضيّة الذي لا ينقطع دابره وتستأصل شأفته إلاّ بفناء العالم :” سئلت النميمة الأثيمة : متى تنقطعين عن العالم ؟
أجابت : متى انتهى العالم “(658).
فكانت النتيجة انعدام الثقة بين القريب والقريب ، واحتلال الشكوك للنفوس حتى تدخل ظلمات الرموس ، وإذا حليم ، إزاء هذا الواقع المأساويّ ، يعترف قائلاً :
“علّمني اختباري أن لا أثق كلّ الثقة حتى بأقرب الناس إليّ ، وأعزّهم عليّ . وقد قال السيّد المسيح : أعداء المرء أهل بيته “(659).
وأعداء الأرض أبناؤها الذي استبدّت بهم المطامع دافعة القويّ إلى ابتزاز قرش الضعيف . “فالسّمكة الكبرى لا تزال منذ الأزل تسطو على السمكة الصغرى وتبتلعها .
” وهكذا الدّول الكبرى تهضم حقوق الدول الصّغرى بلا خجل ولا وجل .
“سنّة الله في خلقه ولن تجد لسنّة الله تبديلاً “(660).
ومّما زاد في ضعف الدول الصّغرى واستسلامها ، خيانة زعمائها الذين زجّوا برعاياهم بين أشداق الدول المستبدّة ، فسيقت إلى الموت سوق النعاج إلى الجزّار . والحليم يؤكّد قائلاً :
” ما رأيت أمّة ضعيفة حائرة ، إلاّ وزعماؤها عمّال أذلاّء لدولة مستبدّة قادرة “(661).
وإيمان حليم العميق بالعدالة الإلهيّة يجعله موقناً بأن لا مناص للظالم من عقاب يكون كالمرآة تنعكس على صفحتها صور جرائمه .
إسمع قوله :
” ليست الدماء التي صبغت وجه نيرون الظالم ، عند مصرعه الفاضح ، إلاّ مرآة لنيران روما التي أحرقها فارتسمت على وجهه المجرم الكالح “(662).
ذلك بأنّ قاتل النفس ” شرّ من الحيوان ، لأنّ الحيوان لا يُقدم على قتل نفسه ، ولا يقتل حيواناً من نوعه وجنسه “(663).
وها هي الأرض ، كلّما تقدّمت بها السنون ، كلّما اتّسعت فيها دائرة الحروب ، وانداحت دوائر المطامع والجيوب ، حتى يسائل الحليم نفسه وقد أشرف على اليأس :
وأجراس بجنح الليل رنّت وقد حنّت إلى فادي الانام
وأهل الأرض تشعل نار حرب تُشيب الطفل من قبل الفطام
تُرى ، أفقبل أن نرد المنايا يرنّ صداك ، يا جرس السلام ؟(664).
كيف يكون سلام ، والحروب على الأرض لا نهاية لها ، حتى لو صعد البشر إلى القمر ، فسينقلون معامعهم بويلاتها وأهوالها إليه . إسمعه يرثي للقمر بكلمات تنضح منها طيبة نفسه :
” مسكين القمر !…
يريدون افتتاحه واستعماره بقنبلة ذريّة أو طيّارة صاروخيّة ، وعندئذ تبدأ المعارك الدوليّة والمطامع القوميّة ، وعندئذ يقول البشر (كما في الأرض كذلك في القمر !)”(665).
وبكلمة مختصرة ، فإنّ أبناء الأرض يعيشون همجيّة جاهليّة بكى لها أبناء السماء أنفسهم :” ليس الندى المتساقط على الأزهار إلاّ دموع السماء حزناً على همجيّة أبناء الغبراء “(666).
ويرفع الحليم شكواه إلى فادي البشر ، سيّد الأطهار :
يا سيّد الأطهار شعبك ذاهل وقويّه يعدو على مسكينه (667).
ولا ريب بأنّ حليم دمّوس تأثّر تأثّراً بالغاً بكتابات مؤسّس الداهشيّة التي يبدي فيها مفاسد الناس ، نساء ورجالاً ، وينتقد المجتمع انتقاداً لاذعاً بغية هدمه وإصلاحه ، فأحبّ الحليم أن ينهج النهج نفسه ، علّ البشر يغيّرون ما بأنفسهم فيتغيّر سير الأرض ، بعد أن ترذل أسمالها الماديّة متّجهة صوب الخالق . ويؤكّد الحليم أنّ “الداهشيّة تعلّمنا أنّ البشريّة قد فسدت وضلّت واعتلّت . ولذلك قام الدكتور داهش وانتقد المجتمع بصراحته المعهودة ، بلا خوف ، ولا وجل ، وبالسلطة الروحيّة الجبّارة المعطاة له منذ الأزل “(668).
وإيمان الحليم بالعدالة الإلهيّة جعله يؤمن إيماناً راسخاً بأنّ ما يزرعه الإنسان يحصده . فراح يوقظ الناس الغافلين ، منبّهاً إيّاهم ليعوا هذه الحقيقة التي تتجلّى فيها السببيّة الروحيّة ، مظهراً الفرق بين ما تدعو الداهشيّة إليه وما تدعو إليه القوّة الماديّة الغاشمة التي استعبدت البشر :
فمن جاء شرّاً نال نقمة قادر ومن جاء خيراً نال نعمة رازق
ومن عاش في الغبراء رهن مطامع يظلّ أليف الهمّ رهن الطوارق
فذرّتهم تدعو إلى الشرّ والأذى وذرّتنا للخير بين الخلائق (669).
وبدون وجود عقيدة روحيّة إصلاحيّة يعتنقها البشر فكراً وقولاً وعملاً ، فتعيد تنظيمهم على ضوء الرقيّ الروحيّ ، لا يمكن البشريّة أن تنهض من شللها الأخلاقي ، فيحذّر الحليم الناس ويهيب للعودة إلى مصدر الحياة والخير :
يا أيّها الناس ساد الخُلف بينكم والجهل حطّمكم والدهر والدّول
يا أيّها الناس قد طاف الدمار بكم وأنتم بين ساحات الوغى همل
يا أيّها الناس هل تنسون خالقكم وكلّ أرواحكم بالله تتّصل ؟(670).
ولكن ، هل من يسمع صوت الحليم ؟
ب- الفناء الوشيك وضرورة التهيّوء له
يقول حليم في تأمّلاته :” لقد أصبح (الأرض) شجرة نخرة لا تُعطي جيّد الثمار ، وقد آن لها أن تقطع وتُلقى في النار “(671).
إنّ سرّ البقاء ، في نظر حليم ، يكمن في الطاقة الروحيّة المحيية التي هي القوام الجوهريّ للكائنات . فإن لم يعتن الإنسان بهذه الطاقة ويسقها مياهاً خيّرة عرّض وجوده للفناء .
يقول الدكتور غازي براكس في معرض حديثه عن أدب حليم :” بما أنّ إنسان اليوم أخذ يتنازل عن كيانه النفسيّ الذي به أستمراره كإنسان ، أي عن وجوده كمجموعة من القيم السامية والمثل العليا ، فإنّ تلاشي جوهره الإنسانيّ الخيّر سيؤدّي حتماً إلى فناء خارجيّته أي فناء الأجساد والحضارات وبالتالي الحياة “(672).
أجل ، لقد نضب في البشريّة ماء الإنسانيّة ، ويبست أزهار معنويّاتها ، وتهرّأت ثمار نفوسها ، ففقدت مبرر استمراريّتها في الحياة واشتاقت لألسنة النيران تبتلعها لقمة سائغة (673).
وما عاد الحليم يرتجي أملاّ من حقيقة الأرض المفجعة . فالعلم يُسيّر في طريق الشرّ والدمار ، والطاقة الذريّة تُستعمل في الشؤون الحربيّة لتفتك بالذريّة ، مقرّبة ساعة الدينونة , والبشريّة الجدباء تعود بماديّاتها إلى الوراء نائية عن القيم الروحيّة بعد الثّرى عن الثّريّا . ولنسمع الحليم بأيّة خيبة أمل يردّ على توفيق ضعون :
” فماذا ترتجي وتتأمّل من هذه الأمم التي سيطرت المادّة الغاشمة على عواطفها وشعورها وإحساسها ، وصنعت القنابل الذريّة لخراب العالم وفناء الذريّة ؟
“… ما دام العالم الظالم تمتسّكاً بهذه المطامع الماديّة ، مهملاً المُثُل العليا والقيم الروحيّة ، فلن تقوم له قائمة ، ولن تكون هذه الغبراء إلاّ أرض شرّ وشقاء “(674).
ويصف الدواء الناجع لهذا المصير الفاجع ، بالعودة إلى الإيمان الصحيح بالله ، وارواء ظمإ النفس من مياه الخير ، وإشباع جوع الروح من قوت المحبّة ، والتسربل ببرد الإخاء ، ونبذ كلّ ما يتعلّق بالأرض من دناءات وتفاهات . وبكلمة موجزة ” لا بدّ من يقظة روحيّة شريفة وثورة فكريّة قويّة عنيفة . وهذا ما دعت وتدعوا إليه الداهشيّة في حياة مؤسّسها وبعدها ؛ لأنّ الحروب الذريّة الرهيبة ستقضي فجأة على مدنيّة المادّة والمادّيين ، مدنيّة القرن العشرين …”(675).
إنّه يحذّر البشر من الانهيار الخُلقيّ الذي سيجرفهم في وادي الأحزان إن لم يحي فيهم الإنسان . وذلك بعد أن تيقّن من فساد الوضع العالميّ الراهن ، بعدما خاطبت الأرواح العلويّة الداهشيّين ، على لسان داهش ، مزوّدة إيّاهم بنبوءات وآيات حقائق يؤمنون بتنفيذها بحذافيرها . “وكلّها أكّدت لنا قرب الساعة ووشك قيام الدينونة ، وأنّ الألف عام في نظر الله دقيقة .
“…. في حين أنّ الأرواح تنذرنا بقرب الفناء ، معلنة أنّ كلّ آت قريب “(676).
ولأنّ الأكثريّة الساحقة من المجموعة البشريّة تحيا حياة الدنيا الدنيّة ، فإنّ ساعة الفناء وشيكة . يتخيّلها الحليم – وقد دهم الأرض الطوفان الناريّ – ولم ينج منه إلاّ العدد الضئيل من أبناء هذا العالم الوبيل :
“حزنت على أرض يعدّ سكّانها بالملايين ولن يخلص منهم في هذا الدور (بحسب نبوءة الرؤيا) سوى مئة وأربعة وأربعين ألفاً “(677).
لقد تمثّل الفناء لعيني الحليم ، فبادر إلى تنبيه بني الإنسان للتهيّؤ الروحيّ له ، وحثّهم للاقبال على تربية النفس قبل أن يبتلع الرمس الجسد . فالأيّام في سباق ، والعمر يمضي ، وجمر الخطيئات في التهاب واتّقاد تحت وتطء الأجساد :
أقبل على النفس يا ابن الأرض مرتقباً فناء جسمك في المستقبل الآتي
واضرع إلى الله فالأيّام مسرعة وأنت تمشي على جمر الخطيئات
إيمان قلبك نور تستضيء به إذا دهتك دياجير العشيّات (678).
وفي تنبيه بني الغبراء إلى الفناء الوشيك ، يميّز بين صلاح الإنسان وطلاحه ؛ فساعة الحساب أزفت بالعقاب والثواب ، وصانع الخير سيلقى ثوابه في الملإ الأعلى ، ومقترف الشرّ سيعاقب في الدرك الأدنى :
تنبّهوا يا بني الدنيا فقد قربت دينونة الخلق حيث النور والضّرم
فصانع الخير يرقى نحو خالقه وصانع الشرّ قد زلّت به القدم
خواطر في ظلام الليل أسكبها باسم الحقيقة ، فاشهد أيّها القلم (679).
ويعلو صوت الحليم منذراً بأنّ لظى العقاب الرهيب باتت وشيكة الهبوب على جهات الكرة الأرضيّة الأربع لتحرقها وتدمّرها شرّ تدمير ، مؤديّة بها إلى أسوأ مصير ، فهو يكرّر دعوته لكلّ امرئ ، بأن يحاسب نفسه قبل استسلامه لسلطان النوم ، وأن يحلم بالخلود في العالم الثاني لا في هذا العالم الفاني :
فاستفيقوا ، يا قوم ، قبل التنادي إنّ في الأرض حادثات خطيرة
ولظاها يشبّ شرقاً وغرباً وشمالاً إلى جنوب الجزيره
لا تناموا قبل الحساب وسيروا كحكيم يُهدي إلى الخلق نوره
ليس هذا الوجود دار خلود إنّما الخُلد في الحياة الأخيرة (680).
وأيّة حضارة تلك التي ستنقذ الإنسان من دياجير آثامه ، وتقيله من عثراته الرهيبة ؟
حضارة واحدة تسعفه هي “حضور الروح الدائم في فكره وشعوره وسلوكه ، فرداً وجماعة ، وحضور جوهره الخيّر فيه “(681)، لتنطلق النفس راضية إلى خدرها الأبديّ السطوع :
تهيّأ فإنّ الأرض تفنى وأهلها كطوفان نوح زاهقاً بعد زاهق
تهيّأ ونقّ النفس من نزعاتها لترتع في نجم مع الشمس شارق (682).
وإذا لم يرد الإنسان تغيير نفسه ، ألا فليتمثّل الفاجعة الكبرى التي ستقضي عليه بين ليلة وضحاها .
ج- نوافذ الأمل
في هذا الواقع العالميّ المأساويّ الحالك بقي لشاعر الروح بصيص من نور . إنّه بصيص الأمل الذي يمكن أن ينبعث من ثلاث نوافذ تفتحها أيادي المحبّة الشاملة والسلام والعدالة التي إذا تحقّقت ، أطلّت الرحمة الربّانيّة مغيّرة المصير الفاجع ، شرط أن يغيّر الناس ما في نفوسهم . هذا الشرط الخُلقيّ عبّر عنه حليم بقوله :
حذار يا قوم فالدنيا تخادعكم فهذّبوا أنفساً زادت مآسيا
أخلاقهم..إنّ في الأخلاق إن صلحت سعادة لشعوب لستُ أحصيها (683).
أمّا المحبّة فهي درب الخلاص الذي رسمه السيّد المسيح ، وعلى البشر أن يسلكوه سائرين على هدي من فدى البشريّة بالآلام ، مضحّياً بنفسه في سبيل نشر لواء السلام ، عاطفاً على جميع الأنام ، علّ مسرّة السماء تزور نفوسهم . والمحبّة تنطوي على الأخوّة الشاملة الكاملة . إنّما تتحقّق بالعودة إلى ينابيع الأديان الصافية :
سفك المسيح دماءه من أجلنا إنّ الضحيّة رمز الاستشهاد
بصليبه شمل الجميع بعطفه وحنا على الضّعفاء والأسياد
وبموته جلب الحياة لأنفس نسيت تعاليم ” الكتاب” الهادي
فبه الخلود … به المحبّة والهدى وسعادة الأرواح والأجساد (684).
فآية واحدة للمسيح لو طبّقها أبناء الأرض عمليّاً ، لتحوّلت مجريات حياتهم ، وصفت أجواء علاقاتهم ، فأشرقت السماء رحمة وعطفاً عليهم . يقول حليم :” جميع مشاكل العالم تُحلّ حالاً إذا طبّق الناس الآية الإنجيليّة القائلة :” أحبّوا بعضكم بعضاً “(685).
أجل ، التآخي الإنسانيّ الذي تنادى له الأنبياء ، منذ فجر التاريخ ، يقرّب الإنسان من الإنسان ، مزيلاً من سيّالاته الأدران ، رابطاً المجتمع بوحدة بشريّة أبوها آدم وأمّها حوّاء :
وإن لم تكن بين الشعوب أخوّة فسوف نرى الأشلاء ملء الخنادق (686).
وبشروق شمس الإخاء ، تغرب الأحقاد والضغائن ، وتغيب الرياح عن بحار العالم ، فتهدأ وتطمئنّ ، وتمخر عبابها سفينة تلوّح أشرعتها البيضاء بالبشائر ، مردّدة مع حليم دمّوس :
أقول لمن أتى الأرضا أنا بالحقد لا أرضى
وأنت أخي بلا جدل فهل أخفي لك البغضا ؟
فلا تطوِ القِلى ، إنّي أرى حبّ الورى فرضا
أما قال المسيح لنا : “أحبّوا بعضكم بعضا “؟(687).
فباستلهام الروح ، واسترشاد الأنبياء ، واستهداء إنسانيّة الإنسان ، يُقال الجميع من العثرات ، فتدرّ عليهم من عند الإله الخيرات :
يا قوم غرّتكم الدنيا بزخرفها فاستلهموا ربّكم كي تأمنوا الزللا
لا تغفلوا طرفة عن هدي بعضكم بعضاً إلى الخير ، يا ويل الذي غفلا
توحّدوا مثلما قال (المسيح) لنا : فأنتم إخوة لا تعرف الحيلا …(688).
أمّا الشرط الثاني لنجاة السفينة البشريّة المهدّدة بالغرق في طوفان الكبريت والنار ، فيتمثّل في السلام ما فتئ الشاعر يبشّر به ، من قبل اعتناقه الداهشيّة ، إذ كان يردّد :
سأنشد ألحان السلام لموطن مثلّث أقنوم به كالموحّد (689).
يقول الدكتور غازي براكس :
“مآسي العالم وأزماته كان يعانيها حليم ، فاكتشف في عقيدته الجديدة حلاّ لها ومنبعاً للسلام في نفسه ، فلم لا ترفد العالم بما رفدته به ؟”(690).
ويشترط الحليم لسيادة مبدإ السلام العالميّ ، تثبيت مبدإ الإخاء المساوي بين الجميع مساواة المشط لأسنانه . ويقول مؤكّداً :” لن يصلح العالم ، ولن يسود السلام فيه ، حتى يتساوى الناس بالحقوق والواجبات ، كأنّهم أخوة سواسية من أب واحد وأمّ واحدة “(691).
تُرى ، أتتحوّل سلبيّة “لن” إلى إيجابيّة “أجل”، فتنتفي الحروب من الوجود وتسود الطمأنينة والأمان ؟
إذا الغرب لم يعطف على الشرق قلبه ولم يتساو الناس مثل الزنابق
فلا الأمن مأمول بسيف محرّر ولا العدل منصوب بميزان رافق (692).
عطف الدول الغنيّة على الدول الفقيرة شرط أساسيّ للسلام . فإذا لم توجّه الدول المتطوّرة اختراعاتها واكتشافاتها لمصلحة البشريّة ومنفعة الإنسانيّة ، فلن يكون هناك راحة وأمان .
هذه الناحية يوضّحها حليم بقوله :” ولو أنّ الدول من كبيرة وصغيرة وحّدت كلمتها وحوّلت جهودها وجنودها عشر سنوات لاستثمار آخر من الكرة الأرضيّة لسعدت البشريّة … وتمتّعت بسعادة أرضيّة سماويّة .
فهل فعلوا وارتاحوا وتعاونوا وأراحوا ؟
وهناك ثروة الأعماق والأغوار … إذ بإمكانهم أن يحوّلوا غوّاصاتهم واختراعاتهم الحديثة إلى استخراج كنوز البحار ، ومناجم الجبال والقفار ، والغابات والأنهار ، فتزداد الثروة والسعادة في سائر الأقطار والأمصار .
هذا إذا كانوا إخوة لا أعداء ، فيقتسمون تلك الثروات الطائلة والخيرات الهائلة على السواء .
ولكن أين أين الإخاء ، وأين الحبّ والوفاء ، ليعيشوا براحة ورخاء “؟(693).
تُرى ، هل يتحقّق الشرطان الأوّل والثاني في المحبّة والسلام لتصطلح البشريّة ؟
يجيب الحليم منكراً وجود هاتين اللفظتين السماويّتين في أرض الشقاء ، يائساً من مسألة الإصلاح ، قائلاً في تأمّلاته :
“الحبّ والسلام … لفظتان جميلتان خياليّتان ، ومن رأيي حذفهما من قاموس عالمنا الفاني ، وإعادتهما إلى سكّان العالم الثاني “(694).
أمّا العدالة التي رآها حليم مرّة تطلّ على العرب مع الخلفاء الراشدين ، وتمنّى عودتها ، فإنّه قانط من انتشارها في العالم إلا بعد انتشار شمس الحقيقة الداهشيّة بأشعّتها النورانيّة على كلّ شبر من هذا الكوكب الدوّار . إسمعه يقول :
كم أنفس في الورى تمشي مواكبها إلى جنان المُنى تستعذب السّبلا
ترنوا إلى فجر عهد باسم بهج كأنّه الشمس تحيي السهل والجبلا
عهد يقول لأهل الأرض قاطبة ليعدل القوم فالبُشرى لمن عدلا
إنّا نسير ولا نلوي على أحد والله يحرس منّا الفرد والدُّوَلا (695).
فالداهشيّة تبغي أن تصهر العالم كلّه في بوتقة روحيّة واحدة ، فتصبح الأمم أسرة واحدة يعمل فيها كلّ فرد بدافع من إخائه وإخلاصه ، ويتّجه الجميع صوب الله الواحد ، يعبدونه ، وأقدامهم تطأ الأرض الفانية التي هي مُلك للجميع ، يقول حليم :
” تريد الداهشيّة المساواة الشاملة ، والأخوّة الكاملة والأحكام العادلة ، أي أن يصهر العالم كلّه في بوتقة واحدة من (حقّ وواجب)، حقّ الحياة وواجب العمل ، كأسرة واحدة يحبّ بعضها بعضاً ، وشعارهم (أبوهم آدم والأمّ حوّاء )، ولواؤهم الإخاء ، ومعبدهم السماء ، أمّا الأرض الفانية فملك الجميع على السواء (696).
فمتى انتشرت المبادئ الداهشيّة وعاملت الحكومات ” جميع الطبقات معاملة واحدة ، حقّ لنا أن نقول المسيحيّة سائرة بحسب تعاليم مسيحها ، والموسويّة بحسب تعاليم كليمها ، والمحمّديّة بحسب تعاليم نبيّها الرسول العربيّ ، وهكذا قل عن بقيّة الأديان السماويّة وتعاليم هداتها وأنبيائها ومرسليها “(697).
فما أحوجنا في هذا الزمن إلى المحبّة الخالصة تصهرنا في بوتقتها فتطهّرنا من الأدران ، فيعرف الإنسان كيف يحيا كإنسان .
رابعاً :
داهش الأديب
لئن تمحور الاتّجاه الروحيّ في أدب حليم دمّوس حول شخص مؤسّس الداهشيّة وحول عقيدته الروحيّة ، فمن الطبيعيّ أن يتّخذ من أدب الدكتور داهش محوراً له أيضاً . ذلك بأنّ أدبه امتداد لشخصه وتعبير عن عقيدته . لكنّنا سنرى أن دراسة حليم لهذا الأدب لم تكن دراسة علميّة منهجيّة ، بل طغت عليها الانطباعيّة والروح الشعريّة ، والمعالجة السريعة الانتقائيّة . فهي تعريفات وجيزة تناولت ثمانية من كتب الدكتور داهش في :” الالاهات الستّ”، و”ضجعة الموت”و”عشتروت وأدونيس”، و”مذكّرات دينار “، و” القلب المحطّم”، و” نزوات قلب”(698)، و”الجحيم”(699)، و”بروق ورعود”. كما تناولت مصنّفاً جمعت فيه ،” أراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “.
وسأجعل كلامي على هذا المحور في قسمين : الأوّل يتناول مضامين المقدّمات التي وضعها حليم ، بصورة عامّة ، والثاني يتناول فضائل أدب الدكتور داهش ، وميزاته الفنيّة والروحيّة تجلّت لعيني شاعر زحلة .
أ- مضامين المقدّمات
1- القلب المحطّم
عنوان مقدّمة الحليم لهذا الكتاب “أهلاً بالقلب المحطّم الملهم “؛ دوّنها بتاريخ 12 حزيران 1942؛ وهي تقع في ثلاث صفحات (700).
يفتتحها بالحديث عن الدكتور داهش “الرائع الساحر بأسراره ، فمن بساطة متناهية إلى عبقريّة لا متناهية “(701). فهو لم يدخل عليه مرّة إلاّ خرج مأخوذا من عجائبه الباهرة وآياته الساحرة . فمن مطالعات دائمة ، إلى كتابات متسابقة ، إلى ظاهرات متلاحقة … ثم ينتقل إلى الحديث عن هذا الكتاب الذي بيّض مخطوطته ، مبيّناً أنّ فيه الشعر والنثر في عمق معنى ورشاقة مبنىً ، وأنّ هذه الوجدانيّة مفعمة بالذكريات والثورات ، والألم والأمل ، وحوادث وتنبّؤات ، إلى غير ذلك ممّا يأخذ بمجامع القلوب .
ويُثني حليم على الآلام ، مرحّباً بمصائب الأيّام إن كان بقدومها إشراق مثل هذه الكلمات “الأدبيّة المذهّبة “، ويُعيد ذكر بيت قاله لسنوات خلت وهو :
لم أشكُ من وقع المصائب مرّة إنّ المصائب هذّبت أخلاقي (702).
ويختم هذه المقدّمة بقوله :
“أهلاً بالقلب المحطّم الملهم
أهلاً بالقلب الخافق الدافق
فمنه ستتفجّر مياه الرحمة والحبّ والحنان
… وحبّذا صخرة (اليأس)
تغالبها الرياح الهوجاء
وتشقّها عواصف الأرض والسماء
فتحيينا بمثل هذه الينابيع الروحيّة الصافية .
وتُنعشنا وتقوّينا بالأسرار الإلهيّة الشافية .
2- الالاهات الستّ
” تعريف بكتاب الالاهات الستّ” عنوان مقدّمة الحليم التي حبّرها بتاريخ 31 تموز 1943؛ وهي تقع في صفحتين (703).
يرى الحليم أنّ الكتاب تأمّلات علويّة تحلّق بجناحي الحقيقة والخيال ، وصاحبها ينشد فيها الحقيقة ، فلا يجدها في هذه الحياة ، ولكن في الحياة الثانية .
ويختم هذه المقدّمة ملمّحاً إلى أنّ وراء كتابات الدكتور داهش مرمى علويّاً لن يفقه سرّه إلاّ من صفت نفسه من الأدران وسمت روحه إلى ما وراء الألحان والأوزان .
3- ضجعة الموت
وضع الحليم لهذا الكتاب ، بعد أن نظمه شعراً (704)، مقدّمة شعريّة تحت عنوان :
“غداً تمرّ شعوب الأرض”، بتاريخ 30 تمّوز 1942(705). وقد جعلها في تسعة أبيات ، يبدأها بمخاطبة “ضجعة الموت” التي رأى فيها “سرّ الحياة “.
غير أنّ التقديم الحقيقي للكتاب جعله في قطعة نثريّة عنوانها ” لماذا نظمت الضجعة “(706)؛ يبدأها بالإشارة إلى أنّ “الكتب : أنواع وطبقات كالزهر والشجر ، وأصناف ودرجات كأجناس البشر “(707).
فالإنسان قد يمرّ على حديقة غنّاء فلا تستهويه من أنواع أزهارها وألوانها وروائحها إلاّ زهرة واحدة يقطفها بيد الغبطة والسرور ، وقد يعرّج على بستان موشّى بالأشجار المثمرة ، فلا يشتهي إلاّ تفّاحة شهيّة ، كذلك قد يمرّ بك أشخاص فتميل إلى أحدهم وتقترب منه وتحبّه ، هكذا أيضاً شأن الكتب المختارة التي نبتاعها ، فمنها ما يستهويك عند مطالعته ، ومنها ما تنفر منه نفسك ، وتشمئزّه يداك ، فتطرحه جانباً . ثم يعترف الحليم بأنّ كتاب “ضجعة الموت” الذي عقده شعراً هو “زهرة نديّة من تلك الروضة القدسيّة ، وثمرة شهيّة من تلك الشجرة الإلهيّة ، من نتاج شخصيّة عبقريّة من تلك الشخصيّات العالميّة “(708).
4- عشتروت وأدونيس
تمهيد حليم لهذا الكتاب وضعه في 3 أيلول 1943 ، وجعله في أربع صفحات (709) . وهو يذكر فيه أنّ عدداً من الأدباء والشعراء الشرقيّين والغربيّين تناولوا هذه الأسطورة ، فهاموا بخيالهم ، إلاّ أنّ أحدهم لم يمط اللثام عن أسرارها ، ” فلا بيان شكسبير اكتشفها ولا خيال بيرون عرفها ، ولا يراع شيللي وصفها ، ولا سواهم من الغابرين زحزحوا بدائع أستارها ، ولا غيرهم من المعاصرين كشفوا روائع أسرارها “(710).
أخيراً أطّلع داهش الأديب عليها في مجلّة “الرسالة المصريّة ” وغيرها ممّا دبجه الكتّاب ونظمه الشعراء فيها . إلاّ أنّ كلّ ما كتب فيها وجده مختصراً ؛ فأحبّ زيارة مغارة أفقا حيث وقعت أحداث الأسطورة ، كما يقال ، وهناك في خضمّ جمالات الطبيعة من طير وشجر ونهر وصخر ، كتب داهش مقدّمته ” في موطن عشتروت”. ثم زار “أفقا ” ، ثانية ، ماخوذاً بفتنة الطبيعة هناك . ويذكر الحليم أنّه رافق مؤسّس الداهشيّة في المرّتين مع بعض الإخوة “المؤمنين بعبقريّته الإلهاميّة وظاهراته الروحانيّة “(711).
5- بروق ورعود
هذه الأوراق “، عنوان المقدّمة الشعريّة التي وضعها الحليم لهذا الكتاب ، بعد أن نظمه شعراً. دوّنها بتاريخ 6 أيلول 1943 ، وجعلها في أربعة عشر بيتاً (712).
هذا الكتاب عبارة عن مئتي قطعة من الشعر المنثور المسجّع ، تحوم معانيها حول رجال الدين ، والمرأة ، والجمال ، والمال ، والحقيقة ، والعدالة ، والصداقة ، والحياة ، والموت ، والنزعات النفسيّة المتصارعة ، وغير ذلك من شتّى الموضوعات الوجدانيّة .
هي حيناً زهرات هي حيناً ثمرات
وهي حيناً قطرات وهي حيناً جمرات
وهي للبعض وعيد وهي للبعض وعود
فهي إن شئت بُروق وهي إن شئت رعود (713).
6- الجحيم
قدّم الحليم لهذا الكتاب بثمان وثلاثين صفحة ، لم يذكر تاريخ وضعها . والأرجح أن يكون قد دوّنها عام 1945 ، لأنّ “الجحيم” صدر في هذا العام ، عن مطابع صادر وريحاني – بيروت .
بعد شرحه لفظة “الجحيم” ، عرض للمؤلّفات التي سبقت الدكتور داهش في طرق هذا الموضوع كرسالتي “الملائكة” و” الغفران ” لأبي العلاء المعرّي ، و “الكوميديا الإلهيّة ” لدانتي ، وكتاب “التوهّم ” للحارث بن أسد المحاسبي ، وقدّم نبذة عن كلّ منها . ثم تحدّث عن “جحيم” الدكتور داهش بإيجاز كلّي حتى كاد كلامه عليه ينحصر في قوله :” ينقسم جحيم الدكتور داهش إلى ثلاثة أجزاء متساوية الفقرات والسطور . وكلّ جزء يشتمل على خمسين دركاً مظلماً من تلك الدركات المرهبة ، والعوالم السّفليّة المرعبة .
وكلّ درك يحتوي على أربعة وعشرين سطراً مسجّعة على أسلوب طريف مبتكر يدركه القارئ اللبيب بعد إطّلاعه على هذه المجموعة وقراءته إيّاها من الدفّة إلى الدفّة “(714).
7- مذكّرات دينار
“معجزة أدبيّة”: إنّه عنوان المقدّمة التي وضعها حليم دمّوس “لمذكّرات دينار “، عام 1946 . وقد جعلها في ثلاث صفحات (715).
وهي تدور حول “معجزة أدبيّة ” شهدها الحليم فنقلها بأمانة تامّة ، على حدّ قوله . ومفادها أنّ الدكتور داهش يكتب بسرعة عجائبيّة ، وكتاب “مذكّرات دينار” لم يستغرق في تأليفه سوى عدد قليل من الساعات موزّعة على أيّام أسبوع واحد . وهو لا يلوم القارئ ولا يعتب عليه إذا لم يصدّق كلامه ، لأنّ كتابه المؤلّف أشبه بالمعجزة ، وجميع مؤلّفاته “دوّنها بالسرعة التي لا يصدّقها إلاّ من رآها فرواها “(716).
ثم ذكر أنّه لو أكبّ مؤلّف فذّ على تدوين مثل هذا الكتاب ، فإنّه “يحتاج لإنجازه إلى بضعة أعوام بالرغم من خبرته الدنيويّة ، وحلبه لشطريها ، وتذوّقه حلاوة الأيّام ومرارتها . فكيف بالدكتور داهش وهو بعد في منتصف عقده الثالث “؟(717).
ومؤسّس الداهشيّة – في رأي حليم – لا يُعيد النظر في كتاباته لتشذيبها وتهذيبها ، وإنّما يصبّها دفعة واحدة .
8- نزوات قلب (718)
وضع حليم مقدّمته لهذا الكتاب تحت عنوان “نزوات” ، عام 1949 ، وجعلها في خمس صفحات (719).
وما “نزوات قلب” سوى مختارات من كتب الدكتور داهش عقدها الحليم شعراً . وممّا جاء في مقدّمته :” وهذا ما تمتّعت به منذ سنوات خلت إذ فزت بأشهى أمنيّة :
فلقد مررت مع إخوتي وأخواتي بحديقة الدكتور داهش الأدبيّة ، ودخلت خاشعاً إلى كرمته الروحيّة الشهيّة .
وأصغيت إلى نغمات الأطيار الشجيّة في غابته الغبياء الغنيّة ، وترشّفت بكأس شفّافة بعض ما ينسكب من خمرة آياته الكوثريّة “(720).
ويذكر حليم أنّه تذوّق أسفار داهش الأدبيّة فطرب وعجب . وهو يدعو عشّاق الأدب لمطالعتها فيستطيبوها كما استعذبها ، لأنّ فيها سيلان الإلهام من المساقط العلويّة ، فهذه النزوات “عبرات في عبارات ، وبسمات في نسمات “(721). وهذه العواطف سيّالات روحيّة “سكبتها يد العناية لأنبل رسالة وأشرف غاية “(722).
9- آراء الأدباء والشّعراء والصّحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة
جعل حليم عنوان مقدّمة هذا الكتاب ،” جريمة القرن العشرين “، وقد دوّنها بتاريخ 28 آب 1948 ، في صفحتين (723).
أوضح الحليم فيها أنّ الكتاب يضمّ عشرات العشرات من الآراء بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، وهو “ضربة قاصمة وقاضية على مضطهد داهش الباغية “(724).
وتمتاز هذه المقدّمة عن رفيقاتها بأسلوبها اللاذع الذي سلّطه صاحبها فوق رؤوس مضطهدي داهش وأتباعه ، ذاكراً أنّ التاريخ ” سجّل هذا الاضطهاد بأحرف من نار متأجّجة اللهيب ، تقرأ الأجيال أنباء هذه الجريمة المزلزلة فتلعن مرتكبها وتضعه في مصافّ القتلة والسفّاحين “(725).
بعد ذلك يذمّ الصحفيّين لقبضهم ثمن اختلاقهم الأكاذيب ضدّ الدكتور داهش . ثم يعرض حكاية عربيّة لاذعة تنطبق عليهم (726).
ب – ميزات أدب الدكتور داهش
يتجلّى الدكتور داهش ، من خلال كتابات الحليم ، أديباً روحانيّاً ملهماً ، فوق الأدباء ، يُناجي السماء ، فتجيبه الأرواح في العلاء . أدبه يهدف إلى التعبير عن نفسه وقيمه ونشر مبادئ دعوته الداهشيّة . منه تتفاوح عواطف هادئة ، تارةً ، وعواصف هدّارة بغضبتها على هذا العالم المتخبّط بالفساد تارةً أخرى ، ولعلّ خير ما يجمل نظرة حليم له قوله في قلمه :
قلم جرى فوق الطروس لداهش ناجى به وحي السماء طويلاً
ببدائع هبطت عليه من عل وروائع قد نزّلت تنزيلا
كلمات إلهام وآية حكمة تُملى عليه بُكرة وأصيلا
فترى من التوراة في أوراقه وترى بها القرآن والإنجيلا
هي وحدة روحيّة بيراعة تجري فتنعش أنفسا وعقولاً (727).
لكنّ حليم دمّوس لا يُعنى في مقدّماته بتحليل كتابات الدكتور داهش ، ويكاد لا يلتفت البتّة لصيغه الفنيّة وطريقته التعبيريّة ، فجلّ ما يدور حوله خصائص فريدة تُشارف الإعجاز تتميّز بها مؤلّفاته سواء في وضعها أم في معانيها (728) . ويمكن إجمالها بميزات ستّ :
سنة 1946 يذكر حليم أنّ لمؤسّس الداهشيّة أكثر من تسعين كتاباً ، بيّض بقلمه أكثر من نصفها (729) . ويعيد سبب العزارة في إنتاجه إلى السرعة العجائبيّة التي يكتب بها . ولعلّ خير برهان على طريقة كتابته ما أورده حليم في مقدّمته لكتاب “الجحيم ” إذ قال :
” فكان المؤلّف يضع أمامه عدّة ورقات بيضاء ، ولا يلبث أن يكتب الورقة إثر الورقة بخطّ سريع عجيب غامض تعوّدت فكّ رموزه وحروفه ، ثم لا ألبث أن أختار دفتراً جديداً فأبيّض في كلّ يوم ما يكون قد أنشأه في ذلك اليوم بسرعة لا يتصوّرها فكر بشريّ فكأنّها مستمدّة من الإلهام لا من أطراف الأقلام “(730).
ويعترف حليم الذي لازم مؤسّس الداهشيّة مدّة خمس عشرة سنة أنّ الدكتور داهش ، إذا صمّم على تأليف كتاب ما ، فإنّه فوراً ” ينفّذ فكرته بصورة جديّة عمليّة “(731). وعندما ألّف “مذكّرات دينار “، رآه الحليم يجلس وراء مكتبه ، ” ويبتدئ في الكتابة بسرعة عجيبة غريبة هي سرعة الطائر المتنقّل من غصن إلى غصن ، ومن دوحة إلى دوحة “(732).
تلك هي الميزة الفريدة الأولى في كتاباته . أمّا الميزة الثانية ، فيراها حليم في تشعّب الأغراض والموضوعات ، واتّساع الميادين والفنون التي تناولها ، إذ كتب في الإجتماع ، والفلسفة ، والحكم ، والقصّة الواقعيّة والخياليّة ، والرحلة ، والغزل ، والرثاء ، والهجاء ، والدين … وعالج في مؤلّفاته مختلف شؤون الحياة الدنيا وأمورها الكثيرة التعقيد والتداخل ، كلّ ذلك بنجاح مبين (733).
أمّا الميزة الثالثة التي تتجلّى في أدبه فهي “عبقريّته الإلهاميّة “(734) . فمؤلّفاته تحمل دعوة روحيّة تطلّ على الأرض من السماء . ومن طالعها برويّة ” أدرك بفطنته الشفّافة أنّها وحي جديد لمرمى علويّ بعيد ، بل نافذة فريدة يُطلُّ منها على أرض جديدة وسماء جديدة ، ولن يزحزح الستار عنها ، إلاّ من اقتربت روحه منها “(735).
ومقاربة كتابات داهش لا تعني كسباً ثقافيّاً أو فنيّاً عاديّاً ، بل تعني اكتساباً روحيّاً يُغيّر النفس ويجدّد فيها الحياة ، فهي لقاح يحيي الموات في الإنسان . يقول حليم :
” ولو لم نتذوّق ذلك اللقاح الجديد في كتب داهش وتعاليمه وأهدافه لما التفّ حوله وحولها عدد لا يُستهان به “(736).
وفي مطلع مقدّمة “الجحيم” يقول حليم :” أمّا مؤلّف “الجحيم” هذا فهو مثابر على نشر سلسلة كتبه تأديةً لرسالة أدبيّة روحيّة سامية سيزحزح الستار عنها عاماً فعاماً . والمستقبل كشّاف “(737).
حتى كتابات داهش الوجدانيّة المُشبعة بالعواطف والآلام لا يرى حليم فيها ” سوى سيّالات روحيّة سامية هامية سكبتها يد العناية لأنبل رسالة وأشرف غاية ، ولقد أنزلتها القدرة القهّارة ، على يد شخصيّة جبّارة ، وعبقريّة روحيّة مختارة “(738).
أمّا الميزة الرابعة التي يلقاها حليم دمّوس في مؤلّفات الدكتور داهش فهي الأثر الروحانيّ السامي الجميل الذي تحدّثه في نفس قارئها ، فيسبح في العوالم العلويّة التي تُبدعها يراعة مؤسّس الداهشيّة ، فينتشي بالأوصاف الفنيّة والهمسات الروحيّة حتى ليُسافر مع المؤلّف إلى حيث ظلال الجمال فينسى الأرض وشواغل البال .
يقول الحليم إنّ القارئ عند مطالعته “ضجعة الموت” يشعر “بهمسات روحيّة قدسيّة ، ولمسات سحريّة خفيّة ، حتى إذا انتهى من آخر كلمة فيه … هبط فجأة من تلك الجنان الخالدة ، متفيّئاً ظلال أشجارها الباسقات ، راقصاً مع حواريها الفاتنات . وإذا به في عالم الأرض الصّلد القاسي ، يُقاسي من آلامه ما يقاسي “(739).
ويقول مأخوذاً بعد قراءته “للقلب المحطّم”: وأنت إذا طالعت هذه المجموعة من الألف إلى الياء كما طالعتها أنا ، خشعت نفسك مثلي لمثل هذه الرسائل البديعة ، والتأمّلات الرفيعة ، والأحكام الصريعة “(740).
ويُعتبر حليم دمّوس كُتُب الدكتور داهش خالدة بمعانيها ومراميها ومبانيها (741) ؛ وهو يدعو عشّاق الأدب الأصيل الجديد إلى أن يطالعوا كتاباته ليدركوا ” كيف يرصّع البيان بالجمان ، وكيف تسيل الأقلام بالإلهام ، وكيف يقذف البحر درّاً ، ويقطر اليراع فكراً ، ويجري البيان سحراً !”(742).
أمّا الميزة الخامسة التي تبرز في أدب داهش ، فهي بحثه الدائب عن الحقيقة ، بحيث باتت له الإهة وعشيقة . فهو دائم التّوق إليها ، مستمرّ التفكير فيها . يقول حليم إنّ مؤسّس الداهشيّة “أهدى كتابه” الالاهات الستّ” إلى الحقيقة ، تلك الشعلة العظمى المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم “(743).
وحرصه على رؤية الحقيقة عارية من كلّ ثوب كاذب ، ومجرّدة من كلّ زخرف زائف ، صبغ نظرته إلى العالم بالقتام والسوداويّة وهو ما يزال في ريعان الشباب .
وهذا الأمر دفع الحليم إلى القول سنة 1943 :” وهذا ما يدعو إلى الغرابة والتساؤل ، إذ إنّه ما يزال في مقتبل العمر ، وعنفوان الصّبا “(744).
والحقيقة هيمنت – برأي حليم – على مؤلّفاته حتى الخياليّة منها . ذلك بأنّ الخيال عنده ليس مجرّد تخيّلات وصور وهميّة ، إنّما حقيقة مكتسبة ثوب الخيال . يقول حليم في أناشيد “الالاهات الستّ”: تصفّحت هذه المجموعة فظننتها خيالاً في خيال … ثم بيّضتها بقلمي بعد إن امتزجت روحي بروح مؤلّفها العجيب ، فإذا هي حقيقة في خيال (745).
كذلك فالحقائق الروحيّة العجيبة وأسرار العوالم الغريبة التي جاءت بها الدعوة الداهشيّة مغلغلة في آثار مؤسّسها الأدبيّة . وقد ألمع الحليم إلى أنّ فقرات “الجحيم” هي “قطع حقيقة وإلهام ، لا قطع خيال وأوهام ، وهنا ما سيدوّنه التاريخ وتردّده ألسنة الأجيال والأيّام “(746).
وحبّ داهش للحقيقة دفعه في “مذكّرات دينار” إلى أن ينزع القنع عن وجه الأرض فتبدو في مفاسدها وقبائحها ومساوئها التي لا تصدّق . ويرى حليم أنّه أبدع في هذا الكتاب “بوصف أمراضنا الإجتماعيّة من شرقيّة وغريبة . ففكّك أوصالها وذرّاتها ، ودقائقها وفقراتها ، بعد أن وضع هيكلها على مائدة تشريحه الهائلة الحدّ ، المخيفة البتر في ساعات الجدّ “(747).
أمّا الميزة الأخيرة التي يراها حليم في مؤلّفات الدكتور داهش فهي تتعلّق بالناحية الفنيّة ، فقد اهتمّ داهش بإخراج مؤلّفاته بحلّة قشيبة ، تجمّلها آيات الفنّ من رسوم ، وخطوط ، وإتقان طباعة . يقول حليم :
” من راجع مؤلّفات الدكتور داهش ، لمس في أكثرها آيات الجمال والإتقان ، وعرف أنّ للمؤلّف رغبة شديدة في تشجيع رجال الفنّ الموهوبين .
” فهذه “ضجعة الموت ” وما فيها من رسوم المصوّر “مورللي”، وخطوط مشاهير الخطّاطين في هذا العصر ، كالهواويني ، وحسني ، والسيّد إبراهيم ، والشّهابي ، وسواهم من أبناء الأقطار العربيّة .
” وهذه “الالاهات الستّ” و” نشيد الأنشاد ” ففيهما ريشة قيصر الجميّل وماري حدّاد ، وخطوط مكارم والعنداري والهواويني وأمثالهم من الفنّانين والفنّانات . أمّا ” عشتروت وأدونيس ، فرسومها الثمانون مأخوذة من أشهر اللوحات الفنيّة الموجودة في المتاحف العالميّة .
وهكذا “الجحيم” اليوم فسيشترك فيه فنّ الخيال وفنّ الريشة وفنّ الطباعة “(748).
***
تلك كانت الميزات الستّ التي رآها حليم دمّوس متجلّية في أدب الدكتور داهش : غزارة مذهلة في الإنتاج الأدبيّ ، تشعّبٌ كبير في الموضوعات والفنون المطروقة بنجاح ، عبقريّة تستمدّ غذاءها من إلهام روحيّ ، تأثير خيّر يحدث في النفس رعشة الجمال ، بحث دائم عن الحقيقة ، وعناية كبرى بالإخراج الفنّي الرائع .
الصّيغة الفنيّة في أدبه الدّاهشيّ
الفصل الثالث
تمهيد
ورد في “معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة”(749) عن حليم دمّوس :” ولع بالأدب والشعر يافعاً ، فأجاد إجادة مهّدت له شهرة وحسن سمعة في هذا المسلك ، وهو من الأدباء المكثرين في نظمهم ونثرهم ، فلا تقلّب صفحات كبريات جرائد ومجلاّت العرب في الشرق والغرب ، إلاّ وترى له فيها القصائد والمقطوعات والكلمات والمقالات ، وبالخاصّة في الفترة التي بين 1910 و1914″.
لقد انطوى هذا الرأي على كثير من الخطوط الكُبرى التي ترسم شاعريّة حليم ، خصوصاً في عهده الأدبيّ الأوّل السّابق لاعتناقه الداهشيّة والتزامه الكتابة فيها .
فالشاعر الزحليّ نظم الشعر في العاشرة من عمره ، قبل أن يتعلّم أصوله (750).
ومردّ ذلك إلى سليقته الشعريّة وحسّه الموسيقيّ اللذين ساعداه كثيراً في التعبير عن أفكاره وعواطفه بسهولة تامّة ، دونما إجهاد فكر ولا إرهاق خاطر . وهاتان الأصالة والسهولة جعلتا الشيخ هاشم دفتردار المدنيّ يشبّهه “بالينبوع الذي خلق ليفيض أبداً من نميره الصّافي “(751)؛ وقد وسمتا كتاباته كلّها ، نثراً وشعراً ، في العهدين ، وكان من نتائجهما غزارة إنتاجه . لكنّ هذه الغزارة لم تحالفها الجودة الفنيّة دائماً . فشهرة حليم ، في عهده الأوّل ، لم تقم على أبداعه الفنّي بقدر ما قامت على الأغراض الشعريّة والموضوعات التي عالجها . فقصائد المدح والرثاء ، وأشعار الوطنيّة والاجتماعيّات تروق الكثيرين . فإذا زدت إليها وصف المخترعات الحديثة ، وتسجيل الحوادث التي مرّت بلبنان والعالم العربيّ ، لما استغربت أن يترك الكثير من شعر حليم دمّوس في أذهان معاصريه صفة “الشاعر المجيد والأديب المجدّد “(752).
لكنّ نجاح حليم في الكثير من شعره ، في عهده الأوّل ، لا يمكن إن يردّ كلّه إلى مراعاته ذوق العامّة واستهوائه الجمهور ، فبين قصائده عدد غير قليل حاز الجوائز في المباريات الشعريّة التي كانت تُقيمها الصّحف ، وتُرشف لجان من الأدباء المرموقين على الحكم فيها (753).
من قصائده الفائزة يجدر بالذكر :
-” المهاجر” التي ربحت جائزة مستشفى ربيز السنويّة لعام 1927 (754).
-” الرائد” التي نظمها تلبيةً لاقتراح مجلّة “المقتطف” المصريّة ، ونال جائزتها (755).
-” ليلة الإعدام ” (أو كارولين الحسناء ليلة إعدام وحيدها ) ، وهي تشتمل على 90 بيتاً ، وقد أحرزت الجائزة الأولى في مباراة أقامتها جريدة “الرصد”(756). وكانت اللجنة المحكمة تتألّف من شوقي ومطران وحافظ إبراهيم (757).
لكنّنا إذا استثنينا بضع قصائد طويلة أهمّها في العهد الداهشيّ “الذرّة والذرّة الداهشيّة “(758)، و” ابن سينا في مهرجانه الألفيّ “(759) ، يصحّ القول إنّ الحليم قد أجاد في نظم المقطّعات الشعريّة والقصائد القصيرة أكثر ممّا أجاد في نظم القصائد الطّوال ، ونجح في تدبيج الحكم والخواطر والتأمّلات القصيرة أكثر ممّا نجح في تدبيج المباحث والمقالات المسهبة ، وشأنه بذلك في العهد الداهشيّ كشأنه في العهد السابق ؛ وذلك لأنّ القول الوجيز السريع يحتفظ بحرارة تجربته وصدق عاطفته وفورة إحساسه ؛ فضلاً عن أن العمل الفنّي فيه أيسر ممّا هو في الصنيع الأدبيّ الطويل ، وأبعد عن التكلّف والتصنّع والانجذاب إلى طريقة السّلف في الكتابة وما فيها من سنن أحاطها الزمن المديد بالهيبة والإجلال القسريّين .
ويبدو أنّ حليم دمّوس كان مدركاً لهذا الأمر في إنتاجه ؛ فقد سأله أحد الأدباء : “لاحظنا أنّكم في “ديوانكم” الأوّل وفي الجزء الأوّل والثاني من “المثالث والمثاني ” تؤثرون المقطّعات الشعريّة على القصائد الطويلة ، فلماذا ؟”
فأجابه حليم :
” فنحن نجيب حضرة الأديب السائل أنّ هذا الميل فطريّ فينا منذ نشأتنا الأدبيّة الأولى . وهذا لا يعني أنّنا لم ننظم القصائد الطويلة . كلاّ ، ولكنّنا نشعر من نفسنا أنّ الإنسان يميل إلى المختصر المفيد أكثر من المطوّل المملّ . وعلى هذا النحو جرينا في إصدار “الأقلام”، وقد استقبل الناس هذا الأسلوب المختصر بالرضى والارتياح . وبهذه المناسبة نورد هنا ما قال الكاتب الكبير الأستاذ العقّاد عن فوائد المقطوعات القصيرة ردّاً على مقالة لمجلّة “المقتطف” الراقية على أثر ظهور ديوانه ” وحي الأربعين “. وممّا جاء في ردّه على صفحات “الجهاد” قوله :
” أنا أعتقد أن المقطوعات تكون مطلوبة مأثورة ، لأنّ المقطوعة تسجّل الإحساس المفاجئ أو الخاطر المستقلّ المنفصل عن شتّى الخواطر الأخرى . فهي بهذه المثابة أصدق وأقرب إلى الفطرة “.
وقال في ختام مقاله :
“… فقد تغني المقطوعة غناءها . وقد تكون في بعض الأحيان أصدق وأقرب من القصيد المستفيض “(760).
ولئن انطبقت أكثر السمّات الفنيّة على كتاباته في العهدين ، بحث يصحّ القول إنّ التحوّل النفسيّ الذي أصاب الشاعر اقتصر على الموضوعات والقضايا والمواقف التي تناولها في أدبه دون صياغة ذلك الأدب ، فإنّه لحريّ بالذكر أنّ خاصّة الصّدق طبعت كلّ ما كتبه في العهد الداهشيّ . فأدبه الروحانيّ يصحّ فيه ما قاله حسّان بن ثابت الأنصاري (ت 674م):
” وإنّ أحسن بيت أنت قائله بيت يقال ، إذا أنشدته :” صدقا”
على ضوء هذا التمهيد سأتصدّى ، في هذا الفصل ، لصياغته الفنيّة الشعريّة والنثريّة ، جاعلة البحث في أربعة أقسام : الأوّل يتناول الكلاسيكيّة في أسلوبه ، والثاني ملامح الرومنسيّة ، والثالث يعالج بالأسلوب السّاخر في بعض كتاباته ، والرابع تحويله النثر إلى نظم .
أوّلاً :
الكلاسيكيّة
عماد أسلوبه الأوّل
قبل أن نعالج مظاهر الكلاسيكيّة في أدب حليم دمّوس يحسن بنا أن نعرض ، بإيجاز ، لمقوّمات الكلاسيكيّة العربيّة .
كان عصر النّهضة العربيّة ، في القرن التاسع عشر ، عصر بعث اللغة العربيّة وإحياء التراث والدين . وموقع حليم في النهضة كموقع البارودي وحافظ وشوقي والرصافي والزهاوي (761)، فإنهم حملوا لواء الكلاسيكيّة الجديدة على ما داخل شعرهم من تجديد في الموضوعات ورقّة نسبيّة في العبارات ؛ ذلك بأنّ طريقة معالجتهم للقضايا وكيفيّة تعبيرهم عنها وصياغتهم الفنيّة لتجاربهم ظلّوا يقتفون بها آثار من تقدّموهم من أئمّة الشعر العربيّ ونثره . و” حين نتحدّث عن الكلاسيكيّة العربيّة إنّما نتّخذ روح المنهج الكلاسيكي ، ومنهجيّته إزاء الأشياء ، وطبيعة الفكرة والصّور والعبارة فيه ، والموازنة بين الانفعال والخيال والعقل ، من دون المضمون ذاته الذي قام على المنهج العامّ والنظرة الشاملة “(762).
ومن المعروف أنّ كلّ عمل إبداعيّ يقوم على تضافر طاقات نفسيّة ثلاث :
الطاقة الإدراكيّة ، والطاقة الوجدانيّة ، والطاقة التخيّليّة التي تتفاوت قوّة وضعفاً من أثر إلى آخر . والأعمال الأدبيّة تتنوّع أساليبها الفنيّة بمقدار ما يبرز فيها عنصر أو أكثر من هذه العناصر النفسيّة .
ولقد سبق لنقّاد الأدب عند اليونان أن شبّهوا الشعر ” بعربة يجرّها جوادان هما الشعور والمخيّلة ، ويقوم على قيادتها حوذي حاذق واع هو العقل . ولا ريب أنّ في ذلك دليلاً أكيداً على حضور العناصر الثلاثة كقوىً عاملة في إبداع الفنّ والأدب وحضور هذه القوى هنا ، في هذه الصورة التشبيهيّة المأثورة عن الإغريق ، هو حضور لا يتحقّق التوازن فيه تامّاً بين عناصره ، لأنه لا يزال للقوّة العاقلة فيه الحضور الأقوى ، باعتبار أنّ العقل هو قائد تلك العربة ، وبيده زمام التّوجيه ، كما أنّ له دوراً رئيسيّاً في ضبط سير المخيّلة والشعور ، حتى لا يجمع أيّ من الجوادين عن دربه ، فيختلّ اتّجاه الشعر ، كما فهمه اليونانيّون ، ومارسوه ، في إطار الاتّجاه الأصوليّ الكلاسيكيّ المشهور ، من غير أن يعني حضور العقل بهذا البروز وهذا الثّقل في آثارهم الأدبيّة والفنيّة ، غياب عنصري العاطفة والخيال ، وانتفاء دورهما الرؤيويّ والشعوريّ ، كما في آثار الفكر الخالص والعلم المحض .
” والحقيقة أنّنا إذا أنعمنا النظر في روائع الآثار الأدبيّة ذات الاتّجاه الكلاسيكي ، والمعروفة تماما بهذه الصفة ، فإنّ أوّل ما نتبيّنه من خصائص التوازن بين مقوّماتها ، حضور العقل بشكل أوّلي ملحوظ ، ومن ثمّ نتبيّن ، من بعد ، حضور عنصري الخيال والشعور حضوراً ملازماً ورديفاً لجذور العقل ، أي حضوراً هو أقرب إلى خطّ التوازن بين عناصر الفنّ ومقوّماته ، منه إلى الإختلال الذي يطغى العقل فيه على عنصري العاطفة والخيال طغياناً يمّحي فيه من العمل الإبداعيّ كلّ أثر إلاّ أثره ، فيتحوّل معه عندئذ هذا العمل ، من نوعيّة فنيّة جماليّة إلى نوعيّة فكريّة أو عمليّة خالصة “(763).
على هذا الضوء يمكن استجلاء سمات الكلاسيكيّة في أدب حليم دمّوس عبر أربعة مظاهر : إمارة العقل ، التعبير الواضح الدقيق ذي الرونق التقليديّ ، الصورة الجليّة القريبة المتناول ، الموسيقى المحافظة .
أ- إمارة العقل
يستخلص من كلام فيليب فان تيغيم على مقوّمات الكلاسيكيّة أنّ العقل هو “الحسّ السليم” و” الحُكم” ، وهدفه لا ينحصر في كبح جماح الخيال والانفعالات فحسب ، بل يتعدّى ذلك إلى التصعيد بالعمل الفنّي ، جهد المستطاع ، نحو الكمال . وهذا لا يتمّ بدون غاية خلقيّة شريفة ينطوي عليها كلّ أثر أدبيّ ناجح (764).
وسلطة العقل ، بهذا المفهوم ، تركت آثارها في الكثير من أدب حليم الروحانيّ . فلها انقاد جواد الخيال ، فما رأيناه يجمح في شعره على الإطلاق ، ولها خضعت الأهواء والنزوات ، فإذا المعايير الخلقيّة والقواعد الروحيّة هي السائدة والموجّهة .
وقد نظم حليم ، في العهد الداهشيّ ، الشعر الوجدانيّ ، كما نظم الحكم والخواطر رباعيّات ، ومقطّعات وقصائد قصيرة . فكان لسان حاله في معظم ما نظم هذين البيتين :
وسراج الحياة عقل بصير وإتّباع الهوى كعين ضريره
وجمال الأرواح ظهر وحبّ وهما في بصيرة مستنيرة (765).
وأبرز ما تتجلّى آثار العقل عنده في حكمه الشعريّة والنثريّة التي تضمّها مجموعتان “: الرباعيّات والتأمّلات ” و” أمثال المتنبّي وحكم حسّان “.
حسبنا أن نتأمّل في بضعة نماذج من “تأمّلاته “:
- كم حيّ وهو في الحيّ ميت ، وكم ميت وهو في اللحد حيّ .
- من الحماقة أن تقنع سواك بكلّ ما تؤمن به أنت .
- أضاع الإنسان وقته لمعرفة سرّ الوجود ، وسيضيّع حياته عبثاً لمعرفة سرّ الخلود .
- لا نهاية للأرقام والأسماء عند العدّ والإحصاء ، وهكذا لا نهاية للفضاء ، ولا حدّ لعظمة خالق الأرض والسماء .
- كما أنّ النهر الصغير لا يستطيع أن يحمل السّفن الكبيرة ، هكذا ذو العقل الصغير لا يستطيع أن يقوم بالأعباء الخطيرة .
- المطالعة ؟ مفتاح باب المعرفة والرحمة ، ومصباح هيكل الأدب والحكمة .
- كلّما أعرضت عن دنياك نلت من أُخراك مُناك .
- أفراد الأسرة كخلايا النحل : فخليّة تقطر عسلاً شهيّاً مصفّى ، وخليّة فارغة جافّة لا خير فيها .
- أنت لا تقترب من (جنّة الله ) إلاّ إذا كنت في حياتك كشمعة تذوب قطرات لتهدي سبيل البائسين والسالكين في الظّلمات (766).
***
جميع هذه الحكم أحكام عقليّة على أحوال وأحداث موضوعيّة ، منها آراء في الواقع المحسوس الحيّ ، ومنها في موضوعات نظريّة أو ما ورائيّة ، ولكنّها جميعاً ترمي إلى غاية خلقيّة نبيلة ، وبعضها يلوّنه الخيال فيُكسِبُه رونقاً .
ذلك بأنّ الحكمة ، أصلاً ، من الأنواع الأدبيّة النظريّة ، لكنّها أكثرها ” استيعاباً للفنيّة الجماليّة ، وإن تكن لا تبلغ فيها مرتبة الأدبيّ الوجداني . ذلك أنّها مزيج من عقل وشعور ، من موضوعيّة وذاتيّة ، موضوعيّة في أساس الفكرة ومنطلقها من الوجود الواقعيّ المحسوس ، وذاتيّة في إخراجها بالصّور ، وتلوينها بألوان الخيال والتصّور .
لذا ترى الحكمة في الأدب تترجّح على قدمين ، تارة تستوي عليهما معا ، قدما في أرض الفكر وقدما في أرض الفن ، وتارة تجديها مائلة ، مرتكزة إلى أرض الفكر ، من غير أن تنقطع كلّياً عن تربة الفنّ ، بل تظلّ في ظلّه وفي كنفه ولو من بعيد .. من هنا أنّها ممكنة في قالب الشعر ، وممكنة في قالب النثر على حدّ سواء “(767).
هذا الوضع نفسه المترجّح بين التقرير العقليّ المجرّد والرأي الملوّن بالخيال نلقاه ، أيضاً ، في رباعيّاته الشعريّة الحكميّة ، وقد عرضنا الكثير منها في سياق هذه الدراسة .
أمّا “أمثال المتنبّي وحكم حسّان “، فهي عبارة عن مختارات حكمية تضمّ حوالى 900 بيت ، من أصلها نحو 300 بيت للمتنبّي ، أي إنّ الشاعر الزحليّ زاد على كلّ بيت للمتنبّي بيتين من نظمه . وكان ، أحياناً كثيرة ، يفرّع من حكمة المتنبّي حكمة جديدة أو أكثر . ولا حاجة للقول إنّ العقل يبدو مهيمناً على حكمه هذه التي اتّخذت شكلاً تقريريّاً ، في الغالب ، إذ إنّها وليدة اختبار وملاحظة . يقول في ثلاثيّة :” خليل الإنسان نفسه “:
أرى قوماً وليس لهم ذمام وليس يسودهم إلاّ اللئام
وليس بصاحب لك ترتجيه وكلّ حديثهم داء عقام
“خليلك أنت لا من قلت خلّي وإن كثُر التجمّل والكلام (768).
لكنّه استطاع ، أحياناً ، أن يبتكر صوراً جارى فيها الفنّ التصويري عند المتنبّي ، ولقّحها بلقاح وجدانيّ ، مثالها ثلاثيّة “متى يؤلم الحرمان “؟:
وتؤلمني أمّ خلت من عواطف على ولد رهن الضّنى والطوارق
إذا حُرم الطفل ابتسامة أمّه كما يوجع الحرمان من كفّ رازق”(769).
هذه الخصائص تجعل معظم شعر حليم الروحانيّ الاتّجاه ينضوي تحت لواء الكلاسيكيّة الجديدة التي عرفتها بواكير النهضة الأدبيّة العربيّة قبل أن تكون الهيمنة للرومنسيّة ثم للرمزيّة .
ب- التعبير الواضح ذو الرونق التقليدي
1- الوضوح
يقول حليم :” إذا كانت اللغة عبارة عن مجموع ألفاظ ، وبكلمة أخرى إذا كانت الكتب مؤلّفة من كلمة ثمّ من جملة ، فلماذا ننتقي تلك الكلمات ونختار تلك الجُمل ؟ ونتّفق على أفضل الطّبقات ، ونبتعد ، جهد الطاقة ، عن تلك الألفاظ النافرة والعبارات القلقة ، والأساليب العقيمة ؟”(770).
والحقّ يقال إنّ أوّل ما يلاحظه القارئ من أدب الحليم الوضوح التامّ في كتابته ، شعراً ونثراً . وهذه الخاصّة استرعت انتباه قارئيه ومراسليه وناقديه على السواء . يقول الأب رفائيل نخله اليسوعي إنّ أدب حليم يمتاز “بالوضوح الكامل والانسجام اللذيذ ، فضلاً عن نبذ الألفاظ المماتة التي نراها في الإنشاء كالحجارة الضخمة على طريق معبّدة “(771).
وهذا الوضوح يتأتّى من مصادر أربعة :
أوّلاً – كون العقل هو الموجّه والآمر الناهي في معظم ما يكتب ، ولغة العقل – خاصّة إذا كان صافياً – ينبغي أن تمتاز بالوضوح . ولا حاجة ، في هذا المقام ، لمزيد من الإيضاح ، فقد أفضت الكلام عليه في ما تقدّم من هذا الفصل . حسبي ، هنا ، أن أذكر لحليم هذين البيتين:
وإذا تصفّى الفكر كان كقائد يحمي الفيالق في مقرّ أمنع
وكذا الحكيم إذا تراءت علّة يهدي النفوس إلى الدواء الأنجع (772).
ففيهما إيمان حليم بأهليّة العقل الصافي لقيادة الناس ولقيادة الأدب .
ثانياً – سلاسة أسلوبه وبساطته ، وهنا ناتجتان عن العفويّة والطّبعيّة في التعبير اللتين تجعلانه يكتب دونما تعقيد ولا تكلّف . فإنّك تشعر وأنت تقرأ شعره أنه يفيض فيض الماء الغزير من النبع النمير . وقد استرعت كتابته السهلة أنظار الكتّاب ، فقال جورج شميعة فيها :” كأنّها في سلاستها مياه الينابيع الصافية يتموّج عليها فكره البعيد كتموّج ألوان قوس الغمام على صفحات الماء “(773). ولا شكّ بأنّ ممارسته الدائمة للكتابة ، خصوصاً الشعر ، أكسبته المزيد من السلاسة والسهولة في التعبير . ويبدو أنه وعى هذه الحقيقة ، فقال :
” إنّ الكتابة ملكة غريزيّة في نفس صاحبها ، تقوى بالمزاولة وتضعف بالإهمال “(774). كما قال :
تعوّدت نظم الشعر سهلاً ، وهكذا “لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا “(775).
ولسنا بحاجة لشواهد شعريّة تؤيّد قوله ، فكلّ ما ذكر في هذه الدراسة يؤكّد ذلك .
ثالثاً – دقّة التعبير في ما يكتبه ؛ فهو يضع العبارات في مواضعها الصحيحة ، ويستخدمها في مدلولاتها الأصليّة ، وإن استخدم المجاز فلا يحجبه بضباب الغموض .
رابعاً – تبسيط المعاني التي يتناولها ، وإن تكن عميقة المغازي بعيدة المرامي . فالفكرة الفلسفيّة ، أصلاً ، كالفكرة المألوفة اليوميّة ، سيّان عنده في طريقة العرض ، والقارئ يفهم الأولى كما يفهم الثانية ، دونما كدّ ذهن أو جهاد نفس .
وسأكتفي للدلالة على هذه النقاط الأربع المنطوية تحت خاصّة الوضوح في أسلوبه بنموذج شعريّ وآخر نثريّ .
قال من قصيدة بعنوان ” عهد الرسالة “(776).
فأهلاً (بهادي) الأرض ، أهلاً بعهده فلا أمل لي بعده فأؤمّل
جلست إليه أشهراً بعد أشهر وروحي بصهباء (الرسالة) تثمل
وفي كلّ يوم لي إليه زيارة ومنه لنا وحي من الخلد منزل
رسائل إلهام وأسرار حكمه لها الأفق لوح والكواكب مقول
(وقائع) من وحي السماء تناثرت علينا كأنداء على الزهر تهطل
(مظاهر) من روح الإله وفضله تقول لنا :” توبوا إلى الله واعدلوا”
فلا شكّ بأن القارئ لهذه الأبيات يدرك أنّه أمام دعوة روحيّة سامية الأهداف ، بعيدة المرامي ، عميقة الدلالات ، ولكنّه مع ذلك ، يفهم بسهولة تامّة كلّ ما يعرضه الشاعر ، لأنّ السلاسة والسهولة ، والدقّة في التعبير ، والتبسيط في العرض ، كلّها أسهمت في تقريب الفكرة من متناول القارئ .
وإليك نموذجاً نثريّاً من ” الوقائع الداهشيّة” التي تجري كلّها – بمئات صفحاتها – على المنوال نفسه . وقد دوّن هذا النصّ بتاريخ أوّل آب 1942 تحت عنوان “هبوط أحد سكّان العوالم وحديثه معنا ، ونشر في مجلّة “الدبّور” بتاريخ 12 نيسان 1948:(777).
” كنّا ثلاثة : أنا والأستاذ يوسف الحاجّ ، وبرفقتنا الدكتور داهش . وذلك في منزلي ، في رأس بيروت ، ملك الدكتور يوسف أبي مراد .
” وكانت الساعة العاشرة ليلاً ، عندما انتصب الدكتور واقفاً ، وحدّق من نافذة مكتبي إلى القمر الهائم في مسارح الفضاء ، فشعرنا بهمس خفيّ يطرق آذاننا .
” وتكوّنت شبه ضبابة أمامنا ، أخذت تتكاثف شيئاً فشيئاً . وإذا بها تنجلي عن شخص أحمر الوجه ، غريب التكوين ، يتألّق وجهه كصفحة مرآة صقيلة ، لا يزيدنا بالطول .
” اقترب منّا ، وأخذ يحدّثنا بسرعة عجيبة ، ولكن بلغة غريبة لا عهد لنا بها ، فجعلنا نطلب إليه أن يحدّثنا باغتنا العربيّة ، إذا كان هذا بإمكانه ، لأنّنا لا نفهم أقواله .
” وهنا تقدّم الدكتور داهش ، ووضع يده على فمه ، فإذا به يحدّثنا بالعربيّة الجليّة ، فقال :
“إنّني أحد سكّان عالم من العوالم الغير المنظورة بأعينكم البشريّة ، وقد سبق في وكنت أحد أبناء أرضكم . وذلك منذ آلاف خلت من الأعوام . فحدث لي ما تسمّونه أنتم “الموت” ولكنّه في حقيقته “انتقال” من عالم إلى عالم آخر . وما كدت أغمض عينيّ نهائيّاً في أرضكم وأخلّف جسدي الزريّ طعمة للديدان الحقيرة ، حتى وجدت نفسي قد فتحتهما في عالم رائع الفتنة .
أمّا إذا سألتموني : وكيف لا نستطيع ، نحن الأحياء ، أن نشاهدكم أنتم الذين خلعتم عنكم رداء المادّة الغليظة وارتديتم اللباس الروحانيّ ، الشفّاف اللطيف ؟…
فهذا شرحه يحتاج إلى مجلّدات عديدة ، ويحتاج إلى وجودي بينكم ساعات طويلة غير ممكنة التحقيق ، لأنّ ساعة رحيلي من بينكم قد أزفت ، وشارفت على الزوال . ولكنّني أشرح لكم من هذا الأمر ، وأعطيكم برهاناً واحداً الخ “…
فقارئ هذه الواقعة العجيبة تستوقفه مراميها الماورائيّة ، ومغازيها الفلسفيّة ، وهي معان تقتضي ، عادة ، أسلوباً معقّداً شائكاً للتعبير عنها ، ولكنّ الحليم روى خبرها بوضوح ودقّة في السرد ، فذكر أسماء الشهود والزمان والمكان ، واستخدم جُملاً قصيرة ذات ألفاظ فصيحة مأنوسة رائقة ، لكنّها جزلة دقيقة الدلالات ، سليمة اللغة ، محكمة الترتيب . وبلاغتها لم تحل دون سلاستها وبعدها عن التعقيد . فهي تصيب هدفها إصابة مباشرة سديدة ، دونما لجوء إلى تأنّق متصنّع ، أو غموض متكلّف ، أو رموز بعيدة المتناول .
وقس على ذلك جميع كتابات حليم دمّوس النثريّة والشعريّة ، فهي تمتاز بوضوح ودقّة وسهولة لا يحتاج معها القارئ إلى مراجع فلسفيّة أو متخصّصة لفهم معانيها ، ولا إلى معاجم لفكّ ألغاز ألفاظها ، وإنّما هي عبارات قريبة المتناول ، مستساغة ، تنساب انسياب الجدول الرقراق .
2- الرونق الحييّ التقليديّ :
لم يسرف حليم دمّوس قطّ في استخدام البهارج التعبيريّة والمحسّنات البديعيّة ؛ فجمال أدبه أقرب إلى الحسن الطبيعيّ الذي لم يفسده التبرّج . ولكنّه عرف كيف يفيد من تلوين تعابيره وبعث الحياة فيها . ولعلّ أهمّ وسائله لبلوغ هذه الغاية استخدامه الخبر والإنشاء بكثرة في أدبه شعراً ونثراً ، وتوسّله بالمحسّنات البديعيّة المعنويّة التي تضفي الرونق على جوهر التعبير من غير أن تُفسد طبيعته . وطريقته هذه تجري ضمن قناة الكلاسيكيّة الجديدة .
فاستخدامه الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة من أهمّ العوامل على أنجاح تعبيره الفنيّ . فهو كثيراً ما يفتتح البيت بجملة إنشائيّة ثم يعمد إلى الصيغة الخبريّة ، كقوله :
أخلاقكم … إنّ في الأخلاق إن صلحت سعادة لشعوب لست أحصيها (778).
أو على العكس ، فهو يستهلّ بالخبر لينتهي بالإنشاء ، كما في البيت التالي :
ذئب الخيانة يرعى في مرابعكم فدافعوا عن خراف راح يُرديها (779).
وتكثر في أشعار الحليم مثل هذه الصيغ :
فتعهّدوا أرواحكم قبل الردّى فصلاحكم في الأرض خير سلاح
حطّمتم جنح الإخاء وقد هوى أيطير طائركم بغير جناح ؟(780).
فالشاعر الزحليّ يحيي أدبه بتنويع قوالبه محدثاً فيه تغييراً وتلويناً ، فلا تنساق أبياته الشعريّة على قرار واحد راتب (781).
من صيغ الإنشاء الطلبيّ الذي يتكرّر ، في أدبه ، الاستفهام الذي تتالت علاماته بمعان عديدة كالاستخفاف والإنكار والرجاء والتوبيخ والتقرير …
فقد يقصد بالاستفهام الاستخفاف ، كقوله :” ماذا نعرف من تاريخ الأرض وأسرارها وعمرها ملايين من السنين ؟”(782).
أو يهدف إلى الإنكار :
هم الذئاب وأبناء الذئاب فهل عفّوا عن الشاة أو عفّوا عن الحمل ؟(783).
كما يقصد بالاستفهام الرجاء والشوق :
تُرى ، أفقبل أن نرد المنايا يرنّ صداك يا جرس السلام ؟(784).
كذلك استخدم الاستفهام بمعنى التوبيخ :
” كيف تطأطئ رأسك إلى مخلوق منافق ، وفوقك ربّ الأرباب وخالق الخلائق ؟”(785).
وإذا كان التقرير هو الإخبار بالواقع ، فلنسمعه يقول :
” لقد خدعتني نفسي مراراً ، فكيف لا تخدعني نفوس الناس مراراً وتكراراً ؟”(786).
ومن تنويعه في أساليب الإستفهام قرنه بمعاني التعجّب :
أتروم قتلي واقتناصي يا مطلقاً حُمم الرصاص !
ماذا جنى (الشادي) وأنت تخوض في بحر المعاصي ؟!(787).
وفي بعض الأحيان ، يطرح السؤال على نفسه ، فيجيب هو عليه ، كما في قوله :
” من هو (الشخص) الذي لا (شخصيّة) له ؟
- هو ذلك الجبان الذي يوافق على كلامك بحضورك ، فيقول :” نعم ، نعم “، وإذا خرجت يقول :” لا ، لا “(788).
وكما أكثر من إنشاء الاستفهام ، فقد أكثر أيضاً من إنشاء النداء في أسلوبه النثريّ والشعريّ .
فهو ينادي خالقه ضارعاً إليه أن يوحّد الأديان (789) أو مبتهلاً إليه أن يدخله جناحه :
فيا ربّ أدخلني جناحك إنها محطّة آمالي ونجوى سوابقي (790).
وتكثر مخاطبته لربّه عزّ وجلّ في معظم أدعيته وصلواته .
واسمعه بأيّ أسلوب ينادي هيكله العظميّ بل التُرابيّ :
” أيّها الهيكل العظميّ والقفص التُرابيّ . متى تنطلق روحي منك “؟(791) كما ينادي فادي الشعوب لينقذ وطنه :
فيا فادي الشعوب فدتك نفسي أغث وطني من القوم الطّغام (792).
ويلتفت إلى صحاب روحه الذين يحنّ دائماً إليهم ، ليخاطبهم :
يا صحابي ، لا تسألوا الناس عنّي أنا أدرى منهم بريشة فنّي
يا صحابي ، روحي تحنّ إليكم من بعيد فقرّبوا الناي منّي (793).
وقد يستخدم النداء المكرّر للتأكيد واجتذاب الانتباه ، كما في الرباعيّة التالية التي يكرّر نداءه فيها إلى الناس ، لترسيخ صوته في أذهانهم وتقرير تحذيره إيّاهم مما ينهال عليهم من قذائف الدهور ، وما يتهدّدهم من الشرّ المستطير وسوء المصير :
يا أيّها الناس ساد الخُلف بينكم والجهل حطّمكم والدهر والدول
يا أيّها الناس قد طاف الدمار بكم وأنتم بين ساحات الوغى همل
يا أيّها الناس قد ناديتكم زمناً فهل أذكّركم أم ضاعت الحيل ؟
يا أيّها الناس هل تنسون خالقكم وكلّ أرواحكم بالله تتّصل ؟!(794).
أمّا الظالم الحاكم فيخاطبه ، لكن بمرارة واشمئزاز :
يا من حكمت ولم تُنصف بني وطني أذللت شعباً عزيزاً يشتكي الألما (795).
ويقول له في موضع آخر ، منذراً :
أيّها الفارس الملثّم حاذر قد بلغنا إلى جسور المخاطر (796).
وإلى جانب إنشاء النداء والاستفهام ، فقد استخدم النهي والتمنّي والترجّي والتحضيض وسائر الأنواع الإنشائيّة (797)، بغية بعث الحيويّة في أسلوبه .
كذلك ، زخر أدب الحليم ، ولا سيّما خواطره وتأمّلاته النثريّة بالفنون البديعيّة المعنويّة ، وأهمّها الطّباق والمقابلة . وسر الحسن فيهما يكمن في جمع الأطراف المتقابلة والمتكاملة أو المتضادّة بلوحة واحدة . وكثيراً ما يلجأ الأنبياء والخطباء إلى هذه الطريقة لأنها تساعد على ترسيخ المعنى المنشود في الذهن ، ذلك بأنّ الحياة قائمة على المتناقضات .
حسبي عرض بضعة نماذج منها :
- كم حيّ وهو في الحيّ ميت ، وكم ميت وهو في اللحد حيّ (798).
- ما أغناها بالأقوال ، وما أفقرنا بالأفعال (799).
- طلب الحاجة من الكريم عزّة وكرامة ، ومن البخيل ذلّة ندامة (800)
- من عجيب أمر المقامرين : أنّهم يجلسون حول مائدة هي نار الجحيم ، ومنها يحلمون بندى النعيم (801).
- يوم القيامة ، وما أدراك ما يوم القيامة : دمعة وابتسامة ، وذلّة كرامة !..(802)
- اجتماع الليل والنهار ، والماء والنار أسهل من تفاهم عابد الروح ، وعابد الدّينار(803).
- أيّها الإنسان الأثيم ، سر على الصراط المستقيم ، فنصف جسمك الأعلى (ملاك كريم)، ونصفك الأدنى (شيطان رجيم) ، فاختر لنفسك ما يحلو (804).
- الموت قائد منتصر منكسر :
ينتصر على الأجسام البائدة .
وينكسر أمام الأرواح الخالدة (805).
- ما أسرعنا في ميادين المادّة ، وما أبطأنا في ميدان الروح !(806).
ج- الصورة الواضحة القريبة المتناول
بما أنّ حليم دمّوس نحا في كتاباته منحيين : كلاسيكيّاً ورومنسيّاً ، فمن الطبيعيّ أن نلقى في شعره ونثره نوعين عامّين من الصور ينسجمان مع مقتضيات كلّ منحى . والصورة المنسوجة على المنوال الاتّباعي هي المعنيّة في هذا المقام .
هذه الصورة لا تزيد عن كونها وسيلة بيانيّة تزيد في إيضاح الفكرة المنشودة . وقد حافظت على وضوحها وقربها من متناول القارئ . فالشاعر لا يوشّحها بضبابيّة الغموض ولا بإيحاءات الرمزيّة ، ولا يبطّنها بأبعاد سيكولوجيّة ، أي إنّ الشاعر في هذا النوع من الصور ، يلجأ ، في الغالب ، إلى المحسوسات ليزيد بها إيضاحاً المعقولات أو المحسوسات الأقلّ إشتهاراً عند الناس في بعض صفاتها . وأكثر ما يستخدم حليم من أنواع الصّور التشبيه . أمّا الاستعارة والكناية وسائر الأنواع فحظّها قليل في أدبه النازع إلى الكلاسيكيّة .
فمن أمثلة التشبيه المفرد الطرفين قوله :
– من نصف قرن قد بعثت خواطري فوق الطروس كجدول يترقرقُ (807)
– فتى خدم الأوطان عشرين حجّة وذاب كمصباح به النور يخفق (808).
– أعود إليك ، يا وطني ، نقيّاً كأزهار الربى طيبا وعطرا (809).
– وكم من شاعر يهذي بشعر يمرّ على المسامع كالمواء
– وذاك يهزّ أفئدة العذارى كما ارتعشت بلمس الكهرباء (810).
فمن الملاحظ أنّ جميع هذه الأمثلة – وهي كثيرة في شعره – ينتقل فيها من المعقول إلى المحسوس . فالخواطر ، وذوبان الحياة ، والنقاء ، والشعر السخيف ، والشعر الوجدانيّ ، وجميعها صور معقولة ، توضّحها صور محسوسة مستقاة من الطبيعة والحياة ، ومشهورة عند الناس : الجدول المترقرق ، والمصباح المنازع ، والأزهار العطرة ، والمواء ، والكهرباء .
وقد يأتي وجه الشّبه في صوره مركّباً ، متعدّد الأبعاد ، مثال ذلك :
– وما أدباء الشرق إلاّ كأنجم تُرى في ظلام الليل إذ تتألّق (811).
– كأنّ في روحه للبكم ألسنة والصمّ سمعاً وللعميان أبصار (812).
– وامتصاص الأموال من جيب شعب كامتصاص الدماء من قلب طائر (813).
ففي البيت الأوّل شبّه أدباء الشرق بالنجوم ،فهم في حياتهم لا يظهر شأنهم ويكاد الناس لا يدركون وجودهم ، أمّا بعد موتهم فإنّهم يتألّقون ويبرزون لكلّ ذي عينين . وفي البيت الثاني جعل روح الشاعر الكبير متعدّدة التأثيرات ، إذ يصبح أدبه بمنزلة الألسنة للخرس ، والسمع للصمّ ، والبصر للعميان . وفي البيت الثالث جعل استثمار الحكّام للناس أشبه بامتصاص الدم ، ولكن ليس أيّ دم ، بل الدم المنزوف من قلب الطائر .
ومن الملاحظ أنّ جميع التشابيه التي استشهدت بها حتى الآن هي مرسلة (أي ذكرت فيها أدوات التشبيه ). لكنّ لحليم دمّوس تشابيه أخرى كثيرة يسقط فيها أداة التشبيه . وحسبي ، هنا ، إيراد هذين المثلين :
يتبادلون خمور حبّك لذّة بكؤوس فكر لا كؤوس مدام
واشرح لسكّان النعيم حديثنا فحديثنا جرح البلاد الدامي (814).
فالقارئ يلاحظ أنّ الشاعر استخدم التشبيه البليغ ، في البيت الأوّل ، في صورتين مضيفا المشبّه به إلى المشبّه ، وأنّه حذف أداة التشبيه في عجز البيت الثاني .
أمّا الكناية فهذان شاهدان عليها :
– هم الذئاب وأبناء الذئاب ، فهل عفّوا عن الشاة أو عفّوا عن الحمل ؟(815).
– ذئب الخيانة يرعى في مرابعكم فدافعوا عن خراف راح يرديها (816).
كذلك ورد في شعره التشبيه التمثيليّ التفريعيّ ، وهو ما كان فيه وجه الشّبه هيئة منتزعة من متعدّد ، وقد أطنب الشاعر في إيضاح دقائقها وصفاتها زيادةً في جلاء المشبّه ، مثاله :
وما سفن أمراسها قد تقطّعت تصارع أهوالاً توالى كرورها
تغير عليها موجة إثر موجة وأنّاتها تعلو ويعلو زفيرها
وتهوي بمن فيها إلى اللجّ تارة وتطفو ولا تدري أيأتي نصيرها
بأفجع من أرض تصيح شعوبها وتسمعها الدنيا ولا من يجيرها (817).
إفلا تذكّرك هذه الصورة بصورة النابغة الذبياني ، إذ شبّه النعمان بنهر الفرات إبّان زخره وجيشانه ، كما بصورة الأخط المماثلة لها ؟(818).
جميع هذه الصور ، مفردة كانت أم مركّبة ، مرسلة أم بليغة أم كناية أم تمثيليّة ، ترد في شعره مفردة ، مستقلاً بعضها عن بعض . وهي تعتمد التخيّل الاستحضاريّ الذي يُعيد نقل مشاهد الطبيعة والحياة ، بتوسّل الذاكرة .
على أنّ لحليم قليلاً من المحاولات التصويريّة التي تتضافر فيها لتبدع مشهداً أو لوحة واقعيّة . ولعلّ خير مثال عليها وصفة للآلة الطابعة . من قوله فيها :
لله تلك الطابعة بين المحابر قابعة
سوداء حالكة الجبين وبالصحائف لامعة
أعجب بها من آلة صمّاء وهي السامعه
تدوي إذا حرّكتها كرحى لأمرك تابعة
وهدير موج البحر في حركاتها المتدافعة
أو كالخيول تراكضت فوق الرّبى متسارعة
فإذا رست فكقلعة وإذا سرت فكدارعة
هي من جماد إنّما منها الحقائق نابعة الخ …(819).
ولا شكّ بأنّ القارئ قد استرعت انتباهه كثرة الصور في هذه الأبيات ، وجميعها تتعاون متلاحقة لتبرز صورة للطابعة أكثر وضوحا وواقعيّة . فسوادها وصممها وصوتها ، وحركتها المتدافعة المتسارعة ، وتوقّفها عن الحركة فسريانها مجدّداً ، جميع هذه الصفات والحالات كانت توازيها صور حسيّة تتكامل بها اللوحة الفنيّة الواقعيّة .
د- الموسيقى التقليديّة المحافظة
من خصائص الصياغة الفنيّة في أدب حليم دمّوس الإطراب ( أي البعث على الطّرب ، والطّرب هو الاهتزاز تأثُّراً من فرح أو حزن ).
وهذه الخاصّة التي تكاد تعمّ الشعر العربيّ الكلاسيكيّ ، ألمع إليها كثيرون ممّن أثبت حليم نماذج من خطوطهم في “المثالث والمثاني ” بجزءيه (820).
والإطراب لا يقوم إلا بتضافر عدّة عناصر أدبيّة ، منها الوضواح والسهولة والسلالة – وقد سبق الكلام عليها – والموسيقى الجليّة البارزة في اختيار الأوزان الرنّانة في إيقاعاتها وقوافيها وتزاوج كلماتها وحروفها . وفي شعر حليم ونثره ما يوضّح أنّه كان يولي النغم أهميّة خاصّة في الشعر . يقول :
والشعر روح وإلهام وعاطفة وهمس لحن الهوى للمُغرم العاني
فردّدوه ففي آياته نغم يجدّد الوحي ما كرّ الجديدان (821).
ومفهومه للشعر الجيّد ينطوي على قدرته على الإطراب والتأثير في النفس :
وكم من شاعر يهذي بشعر يمرّ على المسامع كالمواء
وذاك يهزّ أفئدة العذارى كما ارتعشت بلمس الكهرباء (822).
ويعترف الحليم قائلاً :” فإنني أقرأ لبعضهم عدّة قصائد ومقطوعات فلا تهزّني ولا تطربني ، ولا تؤثّر معانيها في نفسي امتزاج الماء بالرح “(823).
ولهذا فشعره بمعظمه كان تطبيقاً لهذا المفهوم . والإطراب عنده كان مصدره الأهمّ الموسيقى التقليديّة المتعارف عليها عند الشعراء في عصره وما قبله . ولذا اختار الأوزان الخليليّة الرنّانة الواضحة الجرس . أمّا في يقوله عن صقله شعره (824) ، فيجب أن يفهم بالمعنى البلاغيّ القديم الأقرب إلى المفهوم الزهيري منه إلى المفهوم الرمزيّ ، إذ إنّ الرمزيّة لم تكن قبل الثلاثينات قد تغلغلت في الأدب العربيّ ، وحينما تغلغلت فيه كان حليم دمّوس قد شقّ طريقه واختار مذهبه الشعريّ (825).
وقارئ شعر حليم يلاحظ أنّ معظم قصائده تنساب انسياباً ساحراً ، حتى لتغدو كلماته أشبه بالنّغمات الموسيقيّة المجرّدة لسلاستها وحسن موقعها ، وتآلفها . فاسمعه في قصيدة “الشاعر والفن ” كأنّه يعزف على الوتر :
ليؤمن بآياته من كفر فقد همت بالفنّ منذ الصّغر
وهل هو إلاّ نشيد الوجود ولوح الخلود وسفر العِبر ؟
وما العبقريّ سوى مُلهم من الخلد يبدع أبهى الصّور
يحرّك بالفنّ حتى الجماد ويرقص بالفنّ حتى الوتر
ويستنزل الوحي من جوّه ويستنطق الطير فوق الشجر …(826).
وهو يستفيد من الخاصّة الموسيقيّة التي تمتاز بها حروف اللين ، فيكثر من استخدامها في شعره ، فلنستمع معاً لهذه الشواهد الشعريّة التي تتوافر مثيلاتها في جميع قصائده ومقطّعاته :
– يا فاتح النور ، في السودان عاطفتي كنفحة الأرز من أكناف لبنان …
– ما مصر ؟ ما النيل ؟ ما السودان في وطني إلاّ كلبنان في شوقي وتحناني (827).
– من أين جئنا ؟ أين كنّا ، يا ترى ، قبل المجيء ؟ وأين كان المنزل؟(828).
– يا حبيبي ، أنت داويت جراحي أنت روحي ، أنت ريحاني وراحي(829)
فلا يخفى على كل ذي سمع رهيف الايقاعات المديدة العذبة المنبثقة من توالي حروف اللين (الألف والواو والياء ) في الأبيات السابقة . زد إلى ذلك ما يبعث النداء والاستفهام من تموّجات نغمية .
كذلك يستفيد حليم من قدرته على مؤاخاة الألفاظ وتزويجها في صيغ تؤلّف وحدات موسيقيّة قائمة بذاتها تعزّز موسيقى التفاعيل المألوفة . فلننظر إلى هذه الأبيات :
– يمشون في غمرة عظمى تهدّدهم بالسيل بالويل بالنيران بالوجل (830).
– كن آسيا لجراحهم ، ومؤاسياً لنواحهم ، واسمع لشعري الطيّع
هو دفقة من مقلتي ، هو خفقة من مهجتي ، هو أنّه من مضجعي (831).
تُرى ، ألا تذكّرك الوحدة النغميّة التي تطالعك في عجز البيت الأول بالوحدة النغميّة الجميلة التي في بيت المتنبّي القائل :
“الخيل والليل والبيداء تعرفني “….
ثم ألا يجتذب سمعك ما في البيتين الأخيرين من ترصيع وتسجيع وموازنة بين الألفاظ والفواصل ؟
ويؤدّي الجناس والسجع دورهما في تعزيز النّغم الموسيقيّ عند حليم . وأكثر ما يتجلّيان في خواطره وتأمّلاته النثريّة ، إذ تتجاوب الموسيقى من خلالهما في الجمل والفقرات القصيرة .
يقول في إحدى خاطراته :
“حلمت بالأمس كأنّ هاتفاً يقول :
” أيّها الناس الأغبياء ، إنّ إخوانكم الفقراء الذين يفترشون الغبراء ، ويلتحفون الزرقاء سيدخلون السماء ، حيث الهناء والبهاء . أمّا أولئك الأغنياء المياسير الذين ينامون على الحرير ، في فراشهم الوثير ، ولا يفكّرون بحالة أخيهم الفقير ، فسيصلون نار السعير ، وما أدراك ما نار السعير !”(832).
وانظر كذلك إلى هذه التأمّلات والخواطر :
- لا خلاص إلاّ بالإخلاص (833).
- أثبت على الوفاء حتى الوفاة (834).
- أيّها الوطن المسكين العاثر والكثير المعاثر ، كم من خونة يرفعون باسمك الحناجر ، ثم يطعنون شعبك الآمن بحدّ الخناجر (835).
- الحكيم الحكيم من قلبه عن جوهر الحقيقة راض ، وعاش بين قومه وهو شديد الإعراض عن السفاسف والأعراض (836).
- الاغتيال صورة قبيحة من صور الاحتيال (837).
- عندما تسير الأمّة على طريق الارتجال ، فبشّرها بالفوضى والانحلال والارتحال (838).
لكنّ شعره لم يخل من موسيقى الجناس ، وإن يكن فيه أقلّ منه في النثر . فمن أمثلته :
– هوى من سما عليائه بعد أن سما فسالت عليه دمعة الأرض والسّما (839)
– أنا من لبنان حيّيت (الشّعاعا) عندما شعّ على الأرز وشاعا
– فيراع العلم كم راع النُهى وحسام العزّ كم دكّ القلاعا (840).
وقد اختار حليم دمّوس من الأوزان الخليليّة أغناها موسيقى وأوحاها إيقاعاً ، ليكثر من النظم عليها . فقد تحصّل لديّ – من عمليّة إحصائيّة قمت بها للأبحر الشعريّة التي تظم عليها رباعيّاته الخمسين التي يضمّها كتابه “رباعيّات وتأمّلات “… بجرءيه – أنّه نظم خمس عشرة رباعيّة على بحر الكامل (841) ؛ ومثاله :
فأنا الغنيّ عن الجميع بمرقمي وأنا عليهم دائماً أتصدّق (842).
وخمس عشرة رباعيّة على بحر البسيط (843) ؛ ومثاله :
يا من قضيت بعيداً عن مرابعنا سقيت أرواحنا غيثاً فأحياها (844).
وسبع رباعيّات على بحر الطويل (845) ، ومثاله :
لقد جهلوا قدر الفتى في حياته فمات شقيّاً وهو للعلم شيّق (846).
وسبع رباعيّات على بحر الوافر (847) ، ومثاله :
وفي الأقلام والأرواح سرّ يحار بوصفه أهل الذكاء (848)
وثلاث رباعيّات على بحر الرمل (849) ، ومثاله :
ينطوي العام ويأتي غيره ويغيب العمر في بحر السنين (850).
وثلاثاً أخرى من بحر الخفيف (851) ؛ ومثاله :
جرت الفلك بالمهاجر فانظر عبرات الوداع فوق السفينة (852).
وهذه الأبحر الستّة هي الأكثر استعمالاً في سائر منظوماته ، أيضاً ، أي في القصائد التي يضمّها كتابه “يقظة الروح” أو القصائد المنشورة في الصّحف أو التي ما تزال مخطوطة .
على إنّه نظم ، أيضاً ، على قلّة من الأبحر الأخرى ، أهمّها المتقارب ، والرّجز ، وهذا الأخير تفنّن في طرق نظمه عليه . ففي أرجوزته “المرأة والفن “، يجيء كلّ بيت مصرّعاً ، ومختلفة قافيته مع البيت الذي يليه . ويُعرف هذا النوع من الرّجز بالمزدوج .
من أبيات القصيدة :
إسمان من ينبوع ماء بارد كفر قدين من صعيد واحد
ما اختلجت روح لغير الحسن في غادة أو في جميل الفنّ …(853).
أحياناً يلتزم حليم ، في أرجوزته ، قافية واحدة في جميع الأعاريض والأضرب ، كقوله في “حفيدتي في عامها الثالث “:
في عامك الثالث بعد الثاني تطيب فيك يا (منى) ألحاني
أنا بسجن الرمل مع إخواني وأنت تصطافين في لبنان
جوّابة في (الجبل) الفتّان كأنّها فراشة البستان (854).
وقد أكثر حليم من التشطير في عهده الأوّل (855) ، لكنّه استخدمه أقلّ في العهد الثاني . والتشطير هو أن يأخذ الشاعر أبياتاً لغيره ، فيجعل مرّة لصدر البيت عجزاً ، ومرّة لعجزه صدراً ، مراعياً المعنى واللفظ بين الفرع والأصل .
ويأتي تشطير الحليم سهلاً دون كلفة ولا حشو ، بل إنّه يزيد الأصل وضوحاً وجمالاً .
ومن خير أمثلته قصيدته ” عظمة القرآن ” التي يعمد فيها إلى تشطير أبيات للشاعر أحمد الصافي النّجفي ، منها :
(متى رمت تحليقاً إلى العالم الثاني ) تعاليت في فكري عن العالم الفاني
وإن نزعت نفسي إلى جنّة الهدى ( تِخذت جناح النفس آية قرآن) …(856).
تلك كانت خصائص النّمط الكلاسيكيّ الجديد الذي اتّبعه حليم دمّوس في قسم جليل من إنتاجه الأدبيّ الروحيّ : عقل مؤتمر على الصّنعة الفنيّة ، وتعبير واضح دقيق تُستخدم المحسّنات البديعيّة فيه على خفر ، وصورة واضحة قريبة المتناول ، وموسيقى تقليديّة محافظة لكنّها عذبة موفّقة .
على أنّ لحليم قطاعاً لا يُستهان به من أدبه الروحيّ تظهر فيه ملامح الرومنسيّة . فكيف تتمثّل فيه ؟
ثانياً :
ملامح رومنسيّة
في أدب حليم الروحيّ
إنّ التجربة الرومنسيّة مكتملة نفسيّاً وشبه تامّة فنّياً في أدب حليم دمّوس ، وخصوصاً في ما أنتجه من شعر ونثر سحابة المرحلة الداهشيّة من حياته .
وإنّك قد تذكر الشعراء الأندلسيّين وأنت تقرأ شعره في الطبيعة الذي تظمه قبل سنة 1942 ، أو قد تتبادر إلى ذهنك وجدانيّة المتبنّي أو ابن الرومي وأنت تُنشد بعض مدائحه أو مراثيه ، ولكنّك إزاء شعره الروحيّ الداهشيّ ، تقف حيال نبع بكر يتفجّر من قلب مؤمن بعقيدة روحيّة جديدة ذات مضامين وأبعاد فلسفيّة جديدة .
يقول إيليّا الحاوي :” وما بين عام 1890 وعام 1930 ظهر في الشعر اللبنانيّ وديع عقل وأمين تقي الدين والأخوان شبلي وتامر الملاّط وحليم دمّوس ونفرٌ من آل الخطيب ، وكانت ديباجتهم عربيّة على إحساس رومنسيّ خفر ، وقد تآلقت الطبيعة في شعرهم وسطعت دون أن تذوب في التقمّصات والتعقيدات والانثيالات الأخرى التي عُرفت في الرومنسيّة فيما بعد “(857).
فهذا القول ينطبق على كثير من شعر حليم الذي يرقى إلى ما قبل الداهشيّة (أي قبل 1942 ) ؛ لكنّه ينطبق أكثر على ما فاض به قلبه وتدفّقت به ينابيع عواطفه في عهد تجدّده الروحيّ وجهاده العقديّ .
” إذا كانت الكلاسيكيّة نتيجة توازن العقل والمخيّلة والشعور توازناً واعياً يكون الحضور الأكثف فيه للعقل ، بالإضافة إلى حضور العنصرين الآخرين ، فإنّ الرومنطقيّة اتّجاه فنّي في الأدب ، يتميّز أساساً بطغيان العاطفة على ما عداها من مقوّمات . والقول هنا بطغيان العاطفة يعني تفجّر الأحاسيس والمشاعر وتماديها ، بحيث يغرق في لججها الصاخبة كلّ تفكير عقليّ منطقيّ ، وبحيث يصبح الخيال المشحوذ ، والمتلهّب ، في خدمة الغرض العاطفيّ بدلاً من أن يكون في خدمة الغرض العقليّ ، كما هي الحال في المذهب الكلاسيكي “(858).
أمّا موجة الأدب الرمزيّ فلم يُتح لها أن تغزو قطاعاً واسعاً من الأدب العربيّ إلاّ بعد أن شقّ حليم دمّوس طريقه الأدبيّ وبلغ أوجه . زد إلى ذلك أنّه كان يمكن أن يتأثّر بها ، بعد عام 1942 ، لولا يقينه بأنّ مؤسّس الداهشيّة الذي آمن بتعاليمه وأقواله وتوجيهاته الأدبيّة يؤثّر الأدب الواضح العفويّ الصادق (859).
وفي أيّ حال ، كان حبّ التجديد والأخذ بالأسلوب “العصريّ” يخالجان نفس حليم منذ عهده الأوّل . فهو يقول في محاضرة له ترقى إلى تلك المرحلة ، عنوانها “الحلقة المفقودة”:
” وأرى أن لا سبيل إلى توحيد الخطّة والوصول إلى الغاية إلاّ إذا اعترفت الفئة المحافظة للفئة المتجدّدة ، وهذه لتلك ، بما في كلتا الطريقتين من الحسنات أو السيّئات . وإلاّ فستظلّ الفوضى ضاربة أطنابها ونكون في إنشائنا العصريّ أشبه بقيثارة كثيرة الأوتار ، وكلّ ضارب يوقّع على وتر ويجيء بلحن يخالف لحن الآخر . وما أبعد الأنغام عن الذّوق إذا اختلفت وتنافرت ، وما أصعب سماع ألحان الفرح والتّرح والنوح والهتاف في آن واحد !…
” …. حاجتنا اليوم إلى أدب عصريّ خالد يكون أنموذجاً جديداً لبيان عربيّ بديع الاتّساق لا غموض فيه ولا التباس .
” حاجتنا إلى طريقة من الإنشاء يستوي في فهمها الخاصّ والعامّ .
” حاجتنا إلى حلّ خيوط كثيرة من ثوب لغتنا القديم ونسجه بخيوط جديدة تزداد معها اللغة جمالاً ومتانة .
” حاجتنا إلى أسلوب يحيط بالموضوع من جميع أطرافه من أسهل طرق الكلام ، فلا هو بالطويل المملّ ولا بالقصير المخلّ .
” حاجتنا إلى جعل لغتنا تنمو نموّاً دائماً ، لفظاً وبياناً وأسلوباً مع المحافظة على روحها السامية التي اشتهرت بها .
” حاجتنا إلى لغة يترقرق في مبانيها ومعانيها ماء الحياة والسلاسة والابتكار غير مكتنفة بسلاسل التقاليد القاسية ولا مُحاطة بأدغال الاستعارات الشائكة .
” حاجتنا إلى المحافظة على كلّ قديم فتّان وإدخال كلّ جديد رائع ، فليس كلّ قديم بمضرّ ولا كلّ جديد بنافع ، فلا بدّ لنا من الجديد المختار ، لأنّ اللغة لا تحيا على قديمها فقط . ولقد شبّه صاحب “المقتطف” اللغة بالأسرة التي لا بدّ لأعضائها من التزوّج من أسرة أخرى ، وإلاّ انحطّت وتلاشت مهما كانت قويّة غنيّة .
” حاجتنا إلى تلك الشعلة الفكريّة الملتهبة التي تكهرب نفس القارئ ، إذا قرأ كتابة أديب كبير ، وهو إذا تحوّل إلى قراءة كاتب ثان شعر ببرودة أين منها برودة المحيط المتجمّد ، وبجمود لا يرى مثله من هام وحيداً في أرض قاحلة جدباء .
” حاجتنا إلى معان رشيقة تفرغ في قوالب عصريّة جديدة تشتاقها النفس ويميل إليها القلب والعقل معاً ، ويجمع عليها جمهور المتأدّبين أين نزلوا وأيّان رحلوا ، فيقتربون من تلك الحلقة المفقودة التي طالما تلمّسوها وفتّشوا عنها “(860).
لقد كان الحليم يضيق ذرعاً بالمفاسد التي تغوص فيها المجتمعات البشريّة ، فيلوذ بالطبيعة ، منذ إبّان شبابه ، يبثّها آلامه وأحزانه ، تائهاً في فسيح جمالاتها ، وناقلاً إحساسه إزاءها بصدق .
فالطبيعة لم تكن ، في الغالب ، مجالاً “لمتعته ولا لتجوال عينه في مباهجها ولا للقاء مع الحبيبة بين ناضر أزهارها ، بل أصبحت تمتزج بالإنسان ، ويمتزج بها “(861).
كان ينفذ بحدسه إلى جوهر الأشياء ، فيدرك الجوهر الحيّ في الطبيعة عن طريق الحدس ، إذ الشعر – على حدّ قول هوغو-” هو صميم ما في كلّ شيء من جوهر “(862). وتبدو هذه المشاركة واضحة ، في عهده الأوّل ، بمقطّعة “شكوى البحر “:
مررت ببحر الروم ذات عشيّة فساءلته : يا بحر مالك تُزيد ؟
فقال : رأت عيناي حالة أمّتي لذاك ترى صدري يقوم ويقعد !..(863).
أمّا في العهد الداهشيّ فقد اكتسبت مشاركته معنىً جديداً ، إذ آمن بأنّ سيّالات حيّة مدركة ترتعش في مظاهر الطبيعة وعناصرها نابضة بالحياة . إسمعه يقول في إحدى تأمّلاته :” أعجب ما في الطبيعة أنّك تحسبها ساكنة صامتة ، في حين أنّها في حركة دائمة . وهي في مملكة الحيوان والنبات ، كما في عالم السوائل والجوامد … والماء والهواء “(864).
فالحليم اتّخذ الطبيعة مادّة تضجّ بأسرار الخالق ، فانطلق منها ، إلى إكتشاف عظمة الله ، ومعرفة أسرار الوجود وألغاز الخلود . وهو يرى أنّ ” من خلا بأمّه (الطبيعة) رأى في كلّ لحظة حكمة بديعة “(865).
لقد هام بالطبيع ، لأنّ فيها يكمن الشباب الدائم ، فهي روح للأرواح ، وأمّ للأفراح :
أنا في حضن الطبيعة ومعانيها البديعه
هي أمّ فاعشقوها قبل أن تهوي صريعه
هي للأرواح روح عانقت أختاً وديعة
ذكّرتني بشباب سلب الدهر ربيعه (866).
أحبّ حليم لبنان ، وعشق طبيعته المدرارة بالجمال الفتّان ، فهو إن هجره ، فإنّما هجر الطغيان الذي يُغشيه لا الطبيعة توشّيه ، فهي تواكبه في حلّه وترحاله :
فأينما سرت سار الأرز يتبعني وأينما كنت ألقى وجه لبنان (867).
وقد تفتّقت شاعريّة ابن الوادي في سكون الليل ، لذلك فقد ناجى الليل ، عام 1913 ، بقصيدة ” أنا والليل”(868) التي تُعتبر في صميم الرومنسيّة بما فيها من تأمّلات مسائيّة ، يؤاسيه فيها القمر وتجالسه الشّهب ، فيستلهمها ويشكو لها ظلم الناس وحسدهم وبخلهم وكذبهم … فليله إيجابيّ ، يحاوره فيكشف له الحقائق المكتومة ، ويوحي إليه بالأخيلة المبدعة . فمن شدّة ظلامه ينبثق نور نفس الشاعر .
وفي العهد الداهشيّ ، كم من المرّات ناجى الحليم ، ليلاً ، مؤسّس الداهشيّة ، من داخل قضبان السجن ، بقصائد تفيض عاطفة وتسيل ألماً .
وقد اتّخذ الحليم من الليل وقتاً مناسباً لنظم الشعر ، إذ يعترف قائلاً :
” ثم إنّ للظلام فضلاً عليّ لا أنساه ، فهو سمير أحلامي وأقلامي ، ومهبط وحيي وإلهامي .
فمتى عزمت على نظم قصيدة جديدة عمدت إلى قلم رصاصيّ وعدّة ورقات بيضاء أضعها تحت وسادتي عند ذهابي إلى النوم .
فإذا سادت السكينة في غرفتي ، واشتدّ سواد الليل ، صفا خاطري ، وانطلقت قريحتي ، وتوافدت عليّ صور المعاني ، وأطاعتني القوافي ، وحامت عرائس الخيال ، فأختار ما أريد وأُبعد ما لا أريد .
“والحقّ أقول : إنّني لم أنظم قصيدة من قصائدي إلاّ ولليّل منها نصيب ! ويجب – عند انصرافي إلى كتابة أبياتي – أن أبتعد جهد الطاقة عن كلّ حركة مزعجة ، أو ضجّة مقلقة ، فأعتزل عن الناس ، وأتجرّد بالفكر عن كلّ أمر مؤلم “(869).
وإذا كانت ملامح الرومنسيّة قد ظهرت في عشقه للطبيعة ، واتّخاذها ملاذاً له وأنيساً ، فقد تجلّت أيضاً في تطلّعه وحنينه إلى عالم الرّوح . فقد أحبّ الحقائق الروحيّة المنبثقة من أنوار الأبد ، فنبذ اللذائذ المادّية ليتعرّف إلى أسرار الوجود . من هذا الحبّ كان يتصاعد حنينه إلى العوالم العلويّة ، إذ إنّ المحبّة “صلة بالأرض ورابطة الأرض بالسماء “(870).
لقد ضاق ذرعاً بالبشر الظالمين الذين اضطهدوا معلّمه واضطهدوه فسّجن مراراً ، وجُلد وأهين … وقاسى الأمرّين ، فكان من الطبيعي أن يحنّ إلى عالم الروح – الذي تكشّفت له أسراره – بغية الخلاص من جحيم الحياة الأرضيّة . وهو بهذه الظاهرة لا يختلف عن الرومنسيّين ، إذ إنّ الشاعر الرومنسيّ يحسّ “بفراغ من حوله لا يملأ ؛ إذ إنّه ينشد سعادةً قد قوّض هو نفسه أسبابها ، وأبعد وسائلها ببعده عن واقع الحياة من حوله . وذلك أنّ له أهدافاً هي بطبيعتها فوق طاقة الإنسان ، ولأنّه يتطلّع إلى خير محض وعالم لا يفنى “(871).
ولا عجب ممّن يحنّ إلى عالم لا يفنى أن يشعر بالغربة الروحيّة في عالم الأرض الفاني ، تقوده بدورها إلى طلب الموت لا خوفاً من الخوض في غمار الحياة ، بل لتفاهتها والظلم السائد فيها .” وهذا ما يفرّق بين تمنّي الموت على لسان العاجزين القاعدين وبين التطلّع إلى الخلود في خواطر المجاهدين من الرومانتيكيّين “(872).
إستمع إلى الحليم يطلب من خالقه أن يعجّل بساعاته على الأرض :
فيا ربّ أدخلني جنانك إنّها محطّة آمالي ونجوى سوابقي
بقيّة روحي في يديك جعلتها فعجّل بساعاتي هنا ودقائقي
فقد سئمت نفسي الحياة وأرضها وأصبحت مشتاقاً إلى ظلّ خالقي (873).
وقد عزّ على الحليم أن يرى الظّلم مخيّماً على المجتمع البشريّ ، فثار حتى رأى نوافد الأمل لا تفتحها إلاّ أيادي المساواة والمحبّة الشاملة بأصابع الإخاء ؛” فجميع مشاكل العالم تحلّ حالاً إذا طبّق الناس الآية الإنجيليّة القائلة :” أحبّوا بعضكم بعضاً “(874).
وينظر إلى المجتمع نظرة ملؤها العطف والحنان ، فيعطف على ضحاياه البريئة . فتلك غريبة أفضت للحليم بسرّها ، إذ في حضنها طفل ذاو وقد فقدت معيلها :
بكت وجرى شعري على الطرس باكياً ومدمعها الهتّان أفصح من شعري (875).
فالرومنسيّون يتغنّون ” هياما بجمال النفوس عظيمة كانت أم وضيعة وتأخذهم الرحمة بالجنس البشريّ كلّه ، فتفيض عيونهم بالدموع لضحايا المجتمع منادين بانصافهم ، مهاجمين ما استقرّ في المجتمع من قواعد ، ومشيدين بالحياة الوديعة الجميلة في الطّبقات البسيطة التي تحظى بما لا يحظى به ذوو الجاه من الطبقات الأرستقراطيّة “(876).
وما أجمل كلمة الحليم القائلة :
” أنت لا تقترب من (جنّة الله) إلاّ إذا كنت في حياتك كشمعة تذوب قطرات لتهدي سبيل البائسين والسالكين في الظّلمات “(877).
وقدّس الحليم الألم ، شأن الرومنسيّين ، ورحّب بالمصائب والنوائب لأنها هذّبت أخلاقه :
لم أشك من وقع المصائب مرّة إنّ المصائب هذّبت أخلاقي (878).
ومن ملامح الرومنسيّة ، في أدبه الداهشي ، عودته إلى الكتاب المقدّس ، والتاريخ الدينيّ يستوحي منهما معانيه ورموزه ورؤاه .
فقايين قاتل هابيل ، يتّخذه الحليم رمزاً تاريخيّاً للعداوة تُفني كلّ أمّة ، إذ يقول في رباعيّته ” قايين … وهابيل “:
بئس العداوات تُفني كلّ مملكة فألّفوا بين (قايين … وهابيل )(879).
وتتكرّر رواية ” قايين وهابيل ” في تأمّلاته النثريّة ، فكأنه اتّخذها رمزاً للقتال في كلّ جيل :” في كلّ يوم ، بل في كلّ جيل وجيل يمثّل هذا العالم الوبيل رواية (قايين وهابيل)”(880).
وتعبير “الأرز” لا يعني به الوطن ، بل يحمّله مدلولاً توراتيّاً مقدّساً ، أي أرضاً تغنّى بها الأنبياء ، ويقول في باعيّته “عهدنا الجديد “:
هلمّي يا عروسنا هلمّي ففي لبنان مسرحك الفسيح
بأرزتك ابن داود تغنّى وحنّ على مغانيك المسيح
و(عازار) لأجلك قام حيّاً كما شُفي المخلّع والكسيح (881).
ولا يخفى ما في البيت الثاني والثالث من إلماعات غنيّة إلى سليمان الحكيم ، وإقامة المسيح عازار من الموت ، وشفائه المرضى … وربطه بين معاني هذه الأحداث ، والرسالة الروحيّة الداهشيّة التي آمن بها .
كما إنّ نيرون ، أصبح ، في أدبه ، رمزاً للظلم الطاغي الآتي على بلد بأكمله :
” ليست الدماء التي صبغت وجه نيرون الظالم عند مصرعه الفاضح ، إلاّ مرآة لنيران روما التي أحرقها فارتسمت على وجهه المجرم الكالح “(882).
وتتكاثر في شعره رؤى الفناء الشامل منطلقة من مفهومه الداهشيّ ومرتبطة برؤيا يوحنا :
وقنبلة ذريّة ذرّ قرنها على جبل في مطلع الشمس شاهق
.. أطلّت على الدنيا على حين غرّة عرفنا بها كيف انقضاض الصواعق
… تهيّأ فإنّ الأرض تفنى وأهلها كطوفان نوح زاهقاً بعد زاهق (883).
وها هو لنبوءة الرؤيا حزين :
” حزنت على أرض يعدّ سكّانها بالملايين ولن يخلص منهم في هذا الدور (بحسب نبوءة الرؤيا) سوى مئة وأربعة وأربعين ألفاً “(884).
اما تعبير “دار السلام” الذي جعله عنواناً لرباعيّة يقول فيها :
هذا طريق النور يهديني إلى (دار السلام) مطهّراً آثامي
دار السلام … إليك طارت مهجتي فعليك يا (دار السلام) سلامي (885).
فهذا التعبير ورد في “رؤيا يوحنا” و” نبوءة أشعيا”، وهو رمز “لأورشليم الجديدة ” التي تعني عالم السلام الجديد ، وهو عالم روحيّ يتخطّى عالم الأرض .
وتتتابع في أشعاره أسماء الأنبياء التي يضمّنها معنى واحداً لرسالة روحيّة واحدة :
فهل تلقتي في شاطئ الحبّ والهدى سفائن موسى والمسيح وأحمد ؟(886).
إلاّ أنّ “المسيح” عنده أصبح رمزاً لمؤسّس الداهشيّة :
هذا “مسيحك”، يا بلادي ، أغفلوا أقواله ومشوا وراء الزانية
… حجر كريم أهملوا آياته وبأمر ربّك صار (رأس الزاوية)(887).
و “بولس ” أيضاً أضحى رمزاً للمؤمن المجاهد الذي بشّر بالحقّ بعدما عاين العجائب :
ذكرت (بولس) في أرض الشام وقد رأى (المسيح) يُناجيه ويبتسم (888).
وبما أنه يرى أنّ أعداء الأنبياء يتجسّدون في شخص (يهوذا) ، فاسمعه في رباعيّته ، “الخائن المنبوذ” يقول :
هذا (يهوذا) خان سيّده وها هو في الرسالة ، (خائن منبوذ) (889).
وفي معرض كلامه على الحقيقة المضطهدة يقول :
موسى وأحمد يهجران حماهما باسم الحقيقة ، والحقيقة تندب
ولأجلها سقراط يُسقى سمّهم ولأجلها عيسى ابن مريم يُصلب
ولأجلها سجنوا وأقصوا داهشاً ولذا يُشرّق تارة ويغرّب(890).
ولن أدخل في تفاصيل الملامح الرومنسيّة لأدب حليم ،لأنّ القارئ يجدها مفصّلة في محاور أدبه الداهشيّ الذي ينتمي بمعاناته ومواقفه ونظراته إلى الرومنسيّة أكثر مما ينتمي إلى الكلاسيكيّة . ذلك بأنّ أدب الحليم الروحيّ هو أدب وجدانيّ في الدرجة الأولى ، “قوامه رؤيا ذاتيّة إلى الأشخاص والأحداث وأشياء الكون والوجود … فالسماء في أدب الوجدان غير السماء ، والشمس غير الشمس ، والليل غير الليل … إنّها كائنات ، تحييها الذات الإنسانيّة وتشعّ عليها أضواؤها العجيبة ، فتشخّصها بالفنّ الأدبي لوحات ورسومات وتماثيل باللفظ رائعة طريفة “(891).
على أنني ، بغية الإيضاح ، سأقف عند نموذجين من تلك الصور التي تنحلّ فيها الذات الإنسانيّة في مظاهر الطبيعة وعناصرها ، متجاوزة بها الاستعارات البيانيّة إلى حلوليّة وجدانيّة نفسيّة يؤمن الشاعر بمضامينها ومراميها . فهو إذ يقول :
لا تُغضبوا الشعب ، فالأحقاد كامنة حتى الجمادات فيها يكمن الغضب
لا تلهبوا الشعب ، إنّ النار عاصفة والعود ينفث ناراً ثم يلتهب
يؤمن إيماناً حقيقيّاً بأنّ “الجمادات” يمكن أن تغضب ، ذلك بأنّ عقيدته تعلّمه ذلك .
وعلى ضوء هذا الإيمان الاحيائي يجب أن ننظر ألى أبيات كهذه يخاطب حليم بها الله عزّ وجلّ :
أنا نسمة مرّت على هذي الرّبى وعلى جبالك
أنا من ضبابك قطعة بيضاء ترقد في تلالك
أنا موجة من بحر جودك ترتجي صافي نوالك
أنا نجمة لمعت وغابت فجأة والليل حالك
أنا رملة صغرى تقلّبها الرياح على رمالك
أنا دمعة سالت على خدّ الطبيعة من زلالك (892).
يقول الدكتور غازي براكس في تحليله لبعض قصائد الدكتور داهش النثريّة ، ولا شكّ في أنّ انهيار الحواجز بين الإنسان والطبيعة يحمل مدلولاً أبعد من أن يكون مجرّد لعبة بيانيّة . إنّه الإيمان بالتفاعل الحيّ بين السيّالات الروحيّة التي هي نسيج الكون وقوام كائناته طرّاً . فكلّ شيء يشعر ، وكلّ شيء يعقل ، وكلّ شيء له نزعاته الخاصّة “(893).
وما ينطبق على المعلّم ينطبق على التلميذ الأمين الحليم .
ثالثاً :
ظاهرة السّخرية
في بعض كتاباته
عرف الأدب العربيّ الأسلوب الساخر قديماً وحديثاً . فمن أعلامه القدامى الجاحظ وابن الرومي ، ومن أعلامه المعاصرين مارون عبّود .
والأسلوب الساخر يتميّز بخصائص تقرّبه ، في بعض النواحي من التصوير “الكاريكاتوري”، إذ يعمد فيه الكاتب إلى تضخيم بعض المعايب الجسميّة أو المعنويّة في من يريد السخرية منه ، وذلك بطرق مختلفة قد تشمل استعماله ألفاظاً أو أوصافاً مثيرة للضحك .
و ” الكلمة اليونانيّة ايرونياeironeina التي اشتُقّ منها المصطلح الأوروبيّ ، كانت وصفاً للأسلوب في كلام إحدى الشخصيّات بالملهاة اليونانيّة القديمة ، المسمى بـ “ايرون EIRON
وكانت الشخصيّة تتميّز بالضعف والقصر مع الخبث والدهاء ، كما كانت دائماً تتغلّب على شخصيّة الالازون alazon الفخور الاحمق ، وذلك عن طريق الخداع وإخفاء ما يمتاز به من قدرة وذكاء . وبقي المصطلح الأوروبيّ يحتفظ بذلك المعنى . فسخرية سقراط في محاورات أفلاطون تتميّز بالتظاهر بالجهل وإخفاء الذكاء وباستعداده للتسليم بآراء مختلفة عن رأيه بغية الوصول إلى البرهنة على الذكاء وباستعداده للتسليم بآراء مختلفة عن رأيه بغية الوصول إلى البرهنة على بطلانها . فتتمثّل السخرية السقراطيّة إذن في منهج جدليّ يعتمد على الاستفهام ، مع التظاهر بالجهل بقصد جعل الطرف الآخر في المحاورة يدلي برأي خاطئ يضطرّ إلى تصحيحه بنفسه “(894).
أ – السخرية في أدب دمّوس عامّة :
والسخرية ليست خاصّة “عامّة” يتميّز بها أسلوب حليم دمّوس ، ولكنّها ظاهرة طارئة عليه ، نلمحها في العهدين من حياته . فقد عرفت في بعض أشعاره الراقية إلى المرحلة الأولى ، ولعلّ أبرزها أرجوزته “القدّيسة سلطانه”(895).
لكنّ خصائص أسلوبه الساخر تختلف في مرحلتي إنتاجه ، فبينما نراه يعتمد في المرحلة الأولى الألفاظ البسيطة ، وروح النكتة ، والظرف والدّعابة ، إذا به ، في العهد الداهشي ، يتقمّص العنف ويتمنطق في منهج جوابيّ يعتمد على براهين عقليّة لدحض الأراء الخاطئة ، فيصحّحها ويوسّعها ، مجيباً على كلّ نقطة بدقّة ومنطق كاملين (896).
فالشاعر دمّوس الدّمث الأخلاق ، يتّصل بالناس ليفهمهم الحقائق الروحيّة ، لكنّه ، ينطبق عليه ، أحياناً ، قول إيليّا أبو ماضي في “الشاعر”: يعمد إلى تبكيتهم حيناً ، وإلى نصحهم حيناً ، وأحياناً إلى السخر من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم ، ولا سيّما إذا لاحت له قشوراً وأباطيل “(897).
ولم تكن غاية السخرية ، عند حليم دمّوس ، إضفاء جوّ من التفاؤل والضحك ، بل أراد أن يبرهن أن المؤمن الراسخ بإيمانه لا يهون عليه أن يرشق مؤسّس عقيدته بأضاليل وأراجيف وافتراءات … إنه يبغي من السخرية إلقاء درس قاس على كلّ من تسوّل له نفسه النيل من الأبرياء ، فتوسّل بها ليردّ كيد الحاسد إلى نحره .
إذا كانت سخريته وسيلة للتأديب وللترهيب . لذا فقد تنمّر قلمه واستأسدت كلماته الدفاعيّة التي تجلّت في ردوده على المهجّمين على أدب الدكتور داهش ورسالته .
فكم من ردّ عنيف بعثه الشاعر إلى قلم المطبوعات دفاعاً عن الدكتور داهش وتوضيحاً لمبادئ عقيدته ، وذلك قبل اعتقاله بتاريخ 28 آب 1944 ، لكنّ رسائله كانت تُحاط بالكتمان ليقفل عليها من صندوق الطغيان ، فيسمح لكلمات المفترين فقط بنشرها في معظم الصّحف المحليّة بحروف عريضة ونفوس مريضة . لكنه لم يسكت ، فها هو في مقدّمته لكتاب “آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ” يسلّط قلمه الحادّ على رؤوس الصحفيّين ، فيسخر منهم بسبب الأكاذيب التي قبضوا ثمن نشرها ” فباعوا ضمائرهم في سبيلها ولوّثوا شرفهم بواسطتها ، ومرّغوا كرامتهم بدناءة مدنّسة لأجلها . فيا لقذارتهم ويا لانحطاط أخلاقهم ، وانحلال وجدانهم ، وانعدام مرؤتهم .
” لقد تمرغوا بحمأة الرجاسة ، وخاضوا مستنقعات النجاسة لأجل مادّة حقيرة ملوّثة بالعار الأبديّ والشّنار السرمديّ “(898).
إنها متفجّرات كلاميّة لم نعهدها ، في عهده الأوّل ، لأنّها صادرة عن فس ثائرة على التوافه والأباطيل .
ب- السُخرية في ردّه على سعيد تقيّ الدين :
أما ردّه على سعيد تقي الدين فقد وضعه ، بعد أن هاجم المذكور بعض مؤلّفات الدكتور داهش ، بأسلوب ساخر ، فأراد أن ينافسه ، بل يبزّه في أسلوبه ، محارباً إياّاه بالسّلاح نفسه .
يبدأ حليم ردّه بقوله إنّه بينما كان ينظم قصيدة وطنيّة بتاريخ 12 كانون الثاني 1948 ، إذا بصوت بائع الصّحف يلعلع باسم جريدة “بيروت المساء” و” شمدص المبارك”(899). وما إن سمع الحليم بهذا الاسم حتى هرول لابتياع الصحيفة ، لأنّه علم بأنّ “شمدص” ما هو إلاّ سعيد تقيّ الدين .
راح يتأمّل الصورة الكاريكاتوريّة الساخرة من سعيد تقيّ الدين التي نشرتها الصحيفة ، إذ تبرزه بهلواناً يرقص على أفعوان وإلى جانبه حمار طروب لهذا المشهد الضحوك .
وفجأة يُشعرنا حليم دمّوس أنّه أحسّ بنعاس ، فدخل مملكة الأحلام حيث يتحقّق فيها ما يبغيه من صور وكلام . انسّلت ” بيروت المساء” من يده فسقطت ، بمن فيها ، أرضاً . وقد سمع لسقوطها دويّ عنيف ذعرت منه شعوب فوق العدّ والحصر . وإذا بعيني الشاعر الزحليّ ، من عالم الكرى ، تجحظان لرؤية ملايين البوم والغربان تنعق فيشقّ نعابها الفضاء ، وإذا بمخلوق كريه ، هو عبارة عن خرطوم مبعثر التركيب ، له رأس جبليّ ، يقول للحليم إنّ الضجّة التي أحدثها سقوط الجريدة سبّبتها رسوم الجريدة . وهنا يدخل الحليم في الحوار مع هذا المخلوق الكريه ومع غيره ، وتتوالى الرؤءى المضحكة بأسلوب غاية في السخرية .
لقد اعتمد الحليم ، في هذا الردّ ، على الحلم ، لأنّ مقاييس الواقع لا تراعى في عالم الأحلام ،بل يُترك للتخيّل أن ينطلق حرّاً ، في ملاعب التصوّرات . وتتلاحق المشاهد الغريبة المضحكة ، وتتعدّد الشخصيّات ، ويعتمد حليم أسلوب الحوار الذي يضفي على النصّ حيويّة تحملك على تخيّل المتحاورين دون الشعور بملل . يظهر لنا الحليم ، من خلال أسلوب الحوار ، أنّ مقاييس عالمنا تختلف عن مقاييس العالم الآخر . فقد سأل الحليم المخلوق الكريه الذي تبدّى له في بداية الحلم ، عن الضجّة التي أحدثها سقوط الجريدة ، مع أنّ الرسوم لا وزن لها ، لأنها على الورق ، فأجابه :
هذا في عالمك المادّي . أمّا في عالمنا فالأمر يختلف كلّ الاختلاف ، إذ تُعكس الآية تماماً . وما دام (الحمار)(900) موجوداً في المقال ، فبمقدار ثقله يكون الصوت شديداً ساعة اصطدامه بالأرض “…(901).
ثم يستفهمه الحليم عن وزن رأس سعيد ، فيجيبه :
” ليست كلّ الرؤوس رؤوساً . فبعضها وزنه ثقيل ، والبعض الآخر أخفّ من بعوضة المستنقعات . أما هذا الرأس فقد حذفته من حسابي ، لأنه لا يزن حتى ولا مثقال ذرّة ، لهذا فهو لا يقدّم أو يؤخّر في كثير أو قليل “(902).
في هذا الأسلوب الساخر ، يعتمد حليم على التشبيه للحطّ من قدر المسخور منه . فحتى وجه الشّبه بينه وبين البعوضه قد انتفى ، لأنّه لا يزن حتى مثقال ذرّة .
وإذا كان المسخور منه في غاية الغباء ، فالحليم يلجأ إلى التغابي للسخرية منه ، خاصّة أنّنا نرى الحليم يستحلف الغريب عن هويّته فيجيبه :” فإنّني أعلنك بانني أنا هو (طعبروس) إله الغلوّ والإدّعاء “(903).
والآن لا بدّ من طرح السؤال الآتي : ما هي المحاور التي اعتمدها الحليم في ردّه على تقي الدين ؟
إنّنا نلحظ اعتماده على محاور الكلمات ، والحركات ، والهيئات :
1- محور الكلمات
مما لا شكّ فيه أنّ اللغة تؤدّي دورها المهمّ في إبراز السخرية . والحليم يقهر خصمه بالسخرية من أدبه القائم على ألفاظ ممجوجة وتعابير مضحكة باستخدامه الألفاظ نفسها . حسبنا أن نقرأ عنوان ردّ الحليم الذي جعله :” إلى التاجر الفيليبّيني شمدص أو (طلمس جهجاه) مثلما أطلق هذا الأسم الكركوزي على نفسه . فليهنأ به .
لا حظ كيف تشرح كلمات الحليم بالسخرية ؛ إنّه يكرّر استعمال ألفاظ غريبة كان قد استعملها سعيد تقيّ الدين ، ليعيد إلى الأذهان أدب “شمدص”. فتأمّل قوله : ” وإذا بي أشاهد (طعبروس) بجسمه (المكنفش) ومنظره (المخنفش) على نسج شمدص ومنوال جهجاه “(904).
كما يستخدم حليم دمّوس أسلوب المدح في معرض الذمّ ، إذ يقول عن سعيد تقيّ الدين :” إنّ كاتب المقال ذو روح فكهة ، ونفس مرحة “… ليعود فيقول عن هذا الأديب الفكه :” يُصارع النكتة وتصارعه حتى تبطحه ، فيظنّ أنه هو الذي بطحها ، وهكذا يطرحها على القرّاء بثقلها وسماجتها “(905).
كذلك يضمّن مقاله الساخر بعض الأمثلة والنّكات والأبيات الشعرية . فرأس سعيد تقي الدين يجعله “أفرغ من فؤاد أمّ موسى ” ، ” وولوعه بالحمير يعود إلى أنّ “شبه الشيء منجذب إليه “.
2- محور الحركات :
إنّ المظهر الخارجيّ المتمثّل بالحركات يزيد من وقع السّخرية والفكاهة ، لا سيّما إذا كان المسخور منه قنصلاً وتاجراً يقهقه “بعصبيّة المجانين” و “يتمحدل”… إلى ما هنالك من حركات تخالف مقتضى حال المجتمع ، فتعدّ شذوذاً يعجب حليم كيف لا يفطن له سعيد تقيّ الدين ! وهنا يتذكّر حليمنا معنى الآية القرآنيّة الكريمة القائلة :
]ختم الله على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة[… (906).
3- محور الهيئات :
إنّ الحليم يضخّم البشاعة تضخيماً لا يتيسّر إلاّ لذي الموهبة القديرة ، حتى تتفوّق صوره الساخرة من سعيد على رسوم “الكاريكاتور”.
فظهر سعيد شبيه “بالجبال والأودية”، ويده الصغيرة هي أشبه ” بكارت فيزيت” منها بيد . وما إن مدّ سعيد لسانه حتى “استطال أكثر من عشرة أمتار “.
وتتوالى الصور الهجائيّة الساخرة المادّية والمعنويّة ، وتتعدّد حتى تحملك على تخيّله هيئة عجيبة غريبة ، إذ هو ” من شدّة ثقالته وسماكته وسماجته ورقاعته وتفاهته وبلاهته أصبح كدينصور عملاق يمحق مدينة بأسرها “(907).
أخيراً إنّ إسلوب الحليم الساخر ، وان كان لاذعاً ، خلا من الألفاظ الوحشيّة والبذيئة .
رابعاً :
تحويله النّثر إلى نظم
تمرّس الحليم بتحويل النثر إلى نظم في العهد السابق للداهشيّة . ودواوينه الأولى تنطوي على عدد لا يستهان به من القطع الأدبيّة التي عرّبها نثراً بعض أدباء العصر فعقدها الحليم شعراً (908). ويبدو أنه كان في نيّته أن يجمع هذه المنظومات مع أخرى غيرها في كتاب يسمّيه “النثر المنظوم”. وليس في اللغة العربيّة من مارس تحويل النثر إلى نظم أكثر ممّا فعل حليم ، بحيث إنّ هذه الظاهرة الأدبيّة الجديدة تستحقّ الوقوف عندها .
يقول أحمد عارف الزين :
” وممن عرفناهم وأعجبنا بأسلوبهم ونظمهم من شعراء سورية شاعر تفنّن في صوغ القريض ونقل المعاني الافرنجيّة مصوغة بقالب عربيّ أي إنّه ألبسها العمامة دون القبّعة ، هو صديقنا “حليم أفندي دمّوس “(909).
وإذا كان الحليم قد أعجب ببعض القطع النثريّة فنظمها شعراً في عهده الأوّل ، فإنّه ، في عهده الداهشيّ ، لم تستهوه الرسالة الداهشيّة وشخصيّة مؤسّسها ، فحسب ، بل شغف ، أيضاً ، بمصنّفات الدكتور داهش الزخّارة بالروحانيّة ، الكشّافة للحقائق الإلهيّة . وقد أكبّ ، طوال سنوات ، يبيّض بقلمه هذه المؤلّفات ، ليعود فينظم كثيراً منها . وقد واظب على عمله هذا حتى لفظ سيّاله الأخير عام 1957.
ممّا نظمه الكتب التالية أو مقتطفات منها : أوهام سرابيّة ، روح تنوح ، النّعيم ، الجحيم ، ضجعة الموت ، مذكّرات دينار ، الإلهات الستّ ، عواطف وعواصف ، نبال ونصال ، بروق ورعود ، أسرار الآلهة ، قيثارة الآلهة ، القلب المحطّم ، جحيم الذكريات ، كلمات ، دهاليز ، مذكّرات يسوع الناصريّ ، عشتروت وأدونيس ، من وحي السجن ، نشيد الأنشاد ، ناقوس الأحزان ، ابتهالات خشوعيّة ، إنجيل الحبّ ، وقد ضمّ الكثير منها كتاب “نزوات قلب “، أو “ناثر وشاعر ” حسب تسميته الأخيرة (910).
وسألقي الضوء على قطعتين نثريّتين للدكتور داهش عقدهما الحليم شعراً :
الأولى هي ” الإندماج بالحقّ” ، والثانية “الدرك المظلم الأوّل “. وسأقارن النثر بالشعر ، ليتّضح مدى تصرّف الشاعر بالأصل . وقبل دراسة “الإندماج بالحقّ” يُستحسن عرض القصيدتين النثريّة فالشعريّة .
الإندماج بالحقّ(911).
سأعتلي قمم المجد الرفيع الذُرى ،
وسأطاول بروج السماء المشمخرّة ،
وسأخترق حصون الشرّ اللعينة ، وأصل إلى الشواطئ الأمينة ،
وسأبلغ الجوزاء ، وأتخطّر بين النجوم والمذنّبات ،
وسأرتع في عوالم الأفلاك الحصينة الجنّات ،
وسأجوس في فراديسها العجيبة ، وأقتطف من ثمارها الغريبة ،
وستنساب أمام تخطّراتي أنهار وغياض الأبرار والأطهار ،
وستنبثق ينابيعها الكوثريّة المذاق كي أرتوي بالمعرفة الروحيّة ،
وسأشدو مع حواري العوالم المضيئة الدائمة الفتنة والبهجات ،
وسأرقص مع ربّات (الأولمب) ذوات العيون النواعس ،
وسأقيم بينهنّ إذ لن يعتريني ألم أو يلمّ بي هاجس ،
وسأنتقل ، يا صاحبي ، من كوكب إلى كوكب فكوكب ،
وسأمرّ بمواكب الأدهار طاوياً موكباً إثر موكب ،
وستمرّ عجلة أوقيانوسات اللانهاية الأزليّة ،
وستوغل في مسافات الأزمان الدوّارة السرمديّة ،
وأنا أواكبها في بروجها العلويّة وأخدارها الإلهيّة ،
من جيل إلى جيل ، ودور إلى دور …
وعندما تحطّ بي الرحال في “مدينة السلام” والطمأنينة الهنيّة ،
إذ ذاك تتمّ لي المعرفة السماويّة ،
بعد أن أكون قد خلّفت ورائي أسمالي البشريّة ،
وعندئذ أندمج في القوّة الموجدة الإلهيّة ،
فتتمّ سعادتي ، فيا لسعادتي الأزليّة !
الإندماج بالحقّ(912)
(منظومة شعراً) لحليم دمّوس
سأعتلي قمم المجد الرفيع غداً مطاولاً كلّ برج قد سما صُعدا
وسوف أخرق حصن الشرّ مقترباً فيا لسعدي بجنّات النعيم غدا !
إلى النجوم إلى الجوزاء حيث أرى مذنّبات عليها النور قد عُقدا
وفي (عوالم) أفلاك محصّنة ألقى فراديسها كالفجر حين بدا
أجوس فيها مع (الأرواح) متقطفاً ثمارها مثلج الأحشاء مبتردا
هناك أشدو أغاريدا مخلّدة مع الحواري بلحن خالد أبدا
وسوف أرنو لربّات (الألمب) وقد رقصن رقصاً يزيل الحزن والكمدا
وبينهنّ سأبقى مدّة وأنا لا أعرف السُقم والآلام والنكدا
هناك أصبح طول العمر منتقلاً من (كوكب) لسواه منشداً غردا
مواكب الدّهر أطويها وأنشرها وكلّما زدت إيغالاً أزد رشدا
تلك المسافات كالآزال أقطعها خلال أبراجها لا تاركاً جلدا
مواكباً كلّ جيل في بدائعه مرافقاً كلّ دور قد مضى بددا
حتى إذا بلغت (نفسي) برحلتها (مدينة الله) حيث السلم قد خلدا
إذ ذاك تكمل عند (الله) معرفة (نفسي) وقد خلعت في أرضها (الجسدا)
فأغتدي أبداً (بالروح) مندمجاً فيا لسعدي بجنّات النعيم غدا !
أوّل ما يسترعي الانتباه محافظة الشّاعر دمّوس على تسلسل الأفكار ، وأصل الكلمات ، وتتابع الصّور ، بغضّ النظر عن تصرّف الشاعر ، إذ يجوز له ما لا يجوز لغيره في هذه الحال ، فقيد الوزن وقيد القافية الواحدة يضطرّانه إلى الاقتصار في مكان وإلى الإطناب في مكان آخر ، مع بعض التّلاعب في المفردات .
قال حليم دمّوس في مقدّمته لكتاب “نزوات قلب” أو “ناثر وشاعر”:
” ولقد أحببت في كلّ ما نقلت ونظمت ، أن أحافظ ، جهد الطاقة ، على أصل الكلمات ، وعلى نصّ العبارات الواردة في قطع النزوات . وما ذلك إلاّ لأسهّل على القارئ اللبيب أن يراجع الأصل والفرع مراجعة المدقّق الدقيق ، الواثق بصدق الرواية ، وصحّة النقل ، وأمانة النظم ، واتّجاه الروح إلى أسمى الدرجات الفكريّة ، والنّزوات القلبيّة ، والنزعات الروحيّة “(913).
ويبدو لي أنّ من أولى شروط هذا الفنّ ، أن يتفهّم الناظم تماماً روح القطعة النثريّة وصياغتها وذوق صاحبها ، ويبتعد عن التكلّف حتى يدع القارئ يشعر أنّ الناظم يبدع شعراً ولا يحوّل عن نثر .
أمّا تسلسل الأفكار في القصيدة المذكورة ، فإنّ الناظم يتقيّد به ، مبتدئاً بالعبارة الأولى نفسها ، ثم متدرّجاً فكرة فكرة ، وصورة صورة . وإذا ألزمته ضرورة الوزن ، أحياناً ، الإختصار ، فإنّه لا يدع البناء المتماسك يتصدّع أو ينهار .
كذلك حاول الحليم في نظمه التقيّد بأصل النصّ اللفظيّ ، إلاّ أنّه استحال عليه ، أحياناً ، استعمال الألفاظ نفسها ، فعمد إلى مرادفات لها . وقد بلغ به حدّ المحافظة على العبارات أنه استهلّ الشطر الأوّل من قصيدته بألفاظ النّاثر نفسها تقريباً حين قال :
سأعتلي قمم المجد الرفيع غدا مطاولاً كلّ برج قد سما صُعدا
في حين أنّ الناثر قال في مطلع قطعته :
“سأعتلي قمم المجد الرفيع الذُرى
وسأطاول بروج السماء المشمخرّة “
وقد جعل الحليم الجمع مفرداً في لفظة “برج”. وبروج داهش “المشمخرّة” سمت صُعدا ، عند حليم .
كذلك فإنّ “حصون الشرّ اللعينة ” صارت في شعر حليم “حصن الشرّ”، والشواطئ الأمينة أصبحت “شاطئاً آمنا “، و”مواكب الأدهار”، غدت “مواكب الدهر”.
والناثر قال :” سأبلغ الجوزاء وأتخطّر بين النجوم والمذنّبات “، في حين حذف الشاعر الفعلين مستبدلاً بهما حرفي جرّ :
إلى النجوم إلى الجوزاء حيث أرى مذنّبات عليها النور قد عُقدا
كما حذف الشاعر بعض النّعوت ، فربّات أولمب داهش “ذوات العيون النّواعس” لم نعثر عليها في شعر حليم .
والكاتب استخدم التكرار اللفظيّ ، مظهراً انتقاله :” من كوكب إلى كوكب فكوكب “، بينما نرى الحليم قد انتقل من كوكب لسواه . و”مدينة السلام” صارت في الشعر “مدينة الله” ، “والأسمال البشريّة ” غدت “الجسد”.
أمّا من حيث تتابع الصور ، فقد أخلّ الحليم في نقل بعض الصّور شعراً . فهناك صور بديعة أمهلها تماماً ، وهي قول مؤسّس الداهشيّة :
“وستنساب أمام تخطّراتي أنهار وغياض الأبرار والأطهار .
وستنبثق ينابيعها الكوثريّة المذاق كي أرتوي بالمعرفة الروحيّة “.
ولنتخيّل صور الكاتب في هذا المقطع :
“وسأمرّ بمواكب الأدهار طاوياً موكباً إثر موكب ،
وستمرّ عجلة أوقيانوسات اللانهاية الأزليّة ،
وستوغل في مسافات الأزمان الدّوارة السرمديّة ،
وأنا أواكبها في بروجها العلويّة وأخدارها الإلهيّة ،
من جيل إلى جيل ، ودور إلى دور “…
لقد عقدها الحليم شعراً ، مختصراً صورها الجميلة ، مبقياً على المعنى . وإن أغفل الشاعر بعض الصور ، فقد أبدع من المعنى المطروح صوراً لا تقلّ جمالاً عن تلك التي في الأصل النثريّ ،” فالطيّ والنشر” لمواكب الدهر تحيي الصورة ، و”الإيغال” يزيدها حركة .
أما النموذج الثاني ، فمقتطف من “الجحيم” الدكتور داهش الذي بُني كلّ “درك” منه على أربع مقطّعات سداسيّة ، أي ما مجموعه 24 سطراً . ويبدو أنّ مؤلّف الكتاب عاد فاختصر هذه الدركات كلاّ منها إلى ثمانية أسطر حوت المعاني كلّها مكثّفة . وسأقارن بينها وبين أرجوزة الحليم “للدرك الأول” ، وهي تقع في ثمانية أبيات .
ويحسن بنا ، بادئ ذي بدء ، أن نعرض “الدرك المظلم الأوّل ” المقتصر للدكتور داهش : وهو مقتبس من كتاب “نزوات قلب ” أو ” ناثر وشاعر “:
الدرك المظلم الأوّل
أنا الآن في الدرك الأوّل أسعى كالأفعى
في عالم الظلام الدامس ، حيث أمر بكلّ وجه كئيب عابس ، وأسمع النحيب العنيف وهمهمة الوجيب المخيف .
واخترقت كافّة طبقات الأرض ، منقّباً مع الأشباح في الطول والعرض .
واجتزت الدهاليز العجيبة ، بمناظرها الهائلة وأشباحها الرّهيبة .
وشاهدت الجمر الخالد يُسكب على الرؤوس ، وتهوي عليها الأيدي بالفؤوس .
ويدوّي الجحيم بالصخب والضجيج ، والهول والعجيج .
وتمطرهم السماء رصاصاً مصهوراً ، وتبقى على انهمارها أعواماً ودهوراً .
وها هي قصيدة حليم التي عقدها عن النثر في كانون الثاني 1943 :(914).
في الدّرك الأوّل قمت أسعى كأنّني أنساب مثل الأفعى
في عالم فيه الظلام دامس وكلّ وجه كالح وعابس
وأسمع النّحيب مثل الدمدمة وأسمع الوجيب مثل الهمهمه
حتى اخترقت طبقات الأرض منقّباً في طولها والعرض
واجتزت في أودية عجيبه وطفت في أشباحها الرهيبه
حيث أرى جمراً على الرؤوس يهوي على الخطاة بالفؤوس
فيصخب الجحيم بالضجيج والناس بالهول وبالعجيج
ألقى رصاصاً فوقهم مصهوراً يبقى على انهماره دهوراً .
إنّ نظم الحليم للجحيم أراجيز شعريّة ، متنوّعة القوافي ، أتاح له أن يحاكي سجع الدكتور داهش (915).
فحليم ، في نظمه للنصّ النثريّ ، حاول جهد استطاعته ، أن يحافظ على أمانة الأصل ، وها هو يستخدم الألفاظ نفسها التي استعملها النّاثر :” الدرك الأوّل ، أسعى ، الأفعى ، ظلام دامس ، وجه عابس ، النحيب ، الوجيب ، الهمهمه ، اخترقت طبقات الأرض ، منقّباً في طولها والعرض ، العجيبة ، الرهيبة ، الجمر ، الرؤوس ، الفؤوس ، الخطاة ، الضجيج ، الهول ، العجيج ، الرصاص المصهور ، الانهمار ، الدهور “.
وكما يتّضح فإنّ الحليم حافظ على أصل الكلمات ، وقلّما أضاف إليها ألفاظاً غريبة . لكنّه إذا عصاه وزن لفظة ، استخدم مرادفاً لها ينوب منابها (كاستعماله أودية بدل دهاليز). كما أضاف لفظة على أخرى تحاكيها في المعنى للتوكيد في قوله : ” وجه كالح وعابس “، والدّمدمة مع الهمهمه” ، أو استبدل فعلاً بآخر ، كاستخدامه فعل “انساب” للأفعى بدل “أسعى” التي استخدمها الناثر . كما حافظ الحليم على الصور نفسها .
وإنه ليحسن أن أورد ، في هذا المقام ، ومن أجل فائدة المقارنة نظم الشيخ عبد الله العلايلي للدّرك الأوّل نفسه ، علماً بأنّ الشيخ قد نظم “جحيم الدكتور داهش ” كلّه شعراً . فقد اعتمد العلايلي على النصّ النثريّ المبنيّ على أربع مقطّعات سداسيّة ، ونظم قصيدة مطوّلة في كل مقطّعة ، ووسّعها ، فكان كثير التصرّف ، متلاعباً بالألفاظ ، مضيفاً الصّور الإبداعيّة ، حتى إنّ الحليم نفسه قال عن عبد الله العلايلي :
” واجتمعنا مراراً بالصديق الحميم والعربيّ العبقريّ الصميم الشيخ عبد العلايلي ، وقرأنا على مسمعه ، في عدّة جلسات ، بعض قطع ، من هذا الجزء العجيب والأسلوب الغريب ، فأُخذ مثلنا بما سمع ، فالتهم فقراته التهاماً ، وشعراً أنّ في هذا النثر المسجّع نظاماً بل إلهاماً ، فانبرى إلى نظمه شعراً عربيّاً لم يُنسج شاعرٌ على منواله ، ولا جرى قلم متقدّم على خياله أو متأخّر على مثاله ، حتى إنّ الألفاظ كادت تضيق أمامه مع الكلمات بما وسّع خياله الرّحب الخصب في دائرة الدركات ، فجاء وصفاً دقيقاً بعيد الأغوار والآفاق ، سحيق الجنبات ، فجاءت أبياته كأنّها صور متحرّكة تبدو أشباحها ماثلة للعيان ، وتجلّت حوادثها المتسلسلة الرهيبة بديعة المعاني ، عديدة الألوان ، فكانت تلك الصور المبتكرة خليقة بمثل هذا الشعر وذلك البيان “(916).
وإليك نظم العلايلي للسداسيّة النثريّة الأولى من “الدرك الأوّل “(917):
ظلام غير محدود الجواء من القار المُذاب مدى السماء
سخامٌ قد تكاثف في فضاه وذُرّ بجوّه ذرّ الهباء
هناك الشمس من أبنوس صيغت ملمّعة كظهر الخنفساء
ويلتمع الظلام بها التماعاً يضاعف حلكة الجوّ الفضاء
فهذا عالم الظلم الدواجي أسير به كأفعى في العماء
وإنّي الآن أنساب انسياباً كما ينساب أسروع الدماء
هنالك مشهد يبدو رهيباً ودوني منظر لاشى ذمائي
أرى وجهاً كئيباً قد علته وملء غضونها هول اللظاء
ظلام جاثم كالرعب دوّى به صوت النحيب بلا انثناء
هنا نوح ومن كلّ النواحي علت صيحات زمزمة الضراء
على مثل النصال على النّصال تكسّرت القلوب بلا انتهاء
وجيبٌ كالعويل فأيّ أُذن تُطيق سماع نوكى في العناء
وأروع ما رأيت هنا عجوز تولول وهي تُقعي في انكفاء
قرون الدهر قد طبعت عليها رموزاً في تجعّدها النّشاء
على سطح الخدود مشت قرون وفي الأغوار أدهار البداء (918).
ولا يخفى على القارئ أنّ الأسطر النثريّة الستّة قد أصبحت ستّة عشر بيتاً . وقد أكثر العلايلي من استعمال الألفاظ المصحوبة بالشروح لفكّ مغاليق معانيها ، “كالأسروع ، والذّماء ، والنوكى ، والنشاء “…
وهكذا فقد أخذ العلايلي سطراً وجعل منها 50 بيتاً عامراً بالصور المستقاة من مخيّلته لا من مخيّلة صاحب النصّ . أمّا حليمنا فكان أكثر أمانة للنصّ ، إذ عقد ثمانية أسطر بثمانية أبيات بسهولة وعفويّة تامّتين . فكان لحليم دمّوس فضل الأمانة ، وكان لعبد الله العلايلي فضل الإبداع .
خلاصة وخاتمة
جعلت الباب الأوّل من هذه الدراسة في ثلاثة فصول تناولت عرضاً وتحليلاً حياة حليم دمّوس وشخصيّته وآثاره :
أمّا حياته فقد مرّت في عهدين مختلفين : عهد أوّل استغرق الشطر الأكبر من عمره (1888-1942)، وفيه استجاب حليم لجاذبيّة الدنيا ، فخالط الناس ، وجاملهم ، وأغدق المدائح عليهم أحياء وأمواتاً ، فطارت شهرته بينهم ، لأنّهم هكذا أرادوه ، شاعراً يتغزّل ويمدح ويرثي ، ويحدّثهم في موضوعات تهمّهم وتوافق دوافعهم وميولهم وقيمهم ؛ وعهد ثان استغرق خمسة عشر عاماً من حياته (1942-1957)، لكنّها الأعوام الأنضج والأعمق والأسمى ، إذ اتّجه فيها إلى نفسه ، وإلى ربّه ، وأراد من الناس أن يتحوّلوا كما تحوّل ؛ فانكمشوا عنه ، لتعلّقهم بحاضرهم ، وتشبّثهم بقيمهم ، وحرصهم على تحقيق رغباتهم الدنيويّة ، ولتخوّفهم من أن يمدّ الحدث الداهشيّ الخطير – الذي أوقع انقلاباً في نفس حليم – عدواه إليهم فيحدث انقلاباً في نفوسهم ، وهذا ما لا يريدونه بأكثريّتهم ، لتمسّكهم بنزعاتهم وعقائدهم وأنماط حياتهم . ولذا أهمله الأدباء والدارسون تزمّتاً أو خوفاً . وكان على نفر من ذوي الشجاعة الأدبيّة والسماحة الفكريّة أن يقوموا بمغامرة كشفه واكتشافه ، وكان لي الحظّ أن أكون منهم .
وأمّا شخصيّته فكانت الميزان الموجّه لحياته : سيطرت عليها في العهد الأوّل دوافع ورغبات أملتها مثل عُليا أزهرت في شجرة الدنيا ، وأبرز ما تمثّلت في الماسونيّة التي انتمى إليها واستوحى مبادئها في سلوكه ومعاملته للنّاس ، ونظرته إلى السعادة وأركانها ؛ وسيطرت عليها في العهد الثاني دوافع ونزعات أوحتها مُثُلٌ عُليا أزهرت في دوحة الروح ، وتمثّلت في العقيدة الداهشيّة التي آمن بها إيماناً راسخاً ووقف فكره وقلبه وقلمه عليها ، واستمدّ منها نظرته الجديدة للحياة ولمختلف القيم . ولكن ، على هذا التطوّر ، فقد تجلّت في شخصيّته صفات نفسيّة ثابتة تمثّلت في سمات القُدرة عنده الظاهرة في موهبته الأدبيّة واستعداده الخطابيّ ، كما في سماته المزاجيّة المتمثّلة في جلده ونشاطه وروح الدّعابة والفُكاهة عنده ونزعته الانبساطيّة والتفاؤليّة ، وكذلك في سماته الأسلوبيّة سلوكاً وتعبيراً وتفكيراً .
وأمّا آثاره فكان من الطبيعيّ أن تكون ترجمة وصورة لحياته في عهديها ولشخصيّته في وجهيها . فإذا مؤلّفاته قبل الداهشيّة تغلب علهيا الموضوعات الشعريّة الاتّباعيّة ، مع خروج ، أحياناً ، عنها إلى الأغراض الوطنيّة والاجتماعيّة والوصفيّة والوجدانيّة ؛ وإذا بها ، في العهد الداهشيّ ، تتّجه اتّجاهاً روحيّاً التزاماً خالصاً شعراً ونثراً .
وعرضت ، في الباب الثاني من هذه الدراسة ، الاتّجاه الروحيّ في أدبه منبسطاً على ثلاثة فصول :
في الأوّل منها تصدّيت لجذور الاتّجاه الروحيّ حسبما ظهرت في عهد الشاعر الأوّل ، فإذا هي أصول حقيقيّة نمت منها وشمخت دوحة الروحانيّة ، بعد أن عزّزت نُسغَها الداهشيّة بجلساتها الروحيّة وتعاليمها المثاليّة . وهكذا أوضحت أنّ حياة حليم دمّوس ، وإن تألّفت من شطرين هما أشبه بمعزوفتين مستقلّتين ، فإنّ فيها ألحاناً واحدة تتكرّر تكرّر القرار الموسيقيّ الذي يكون خافتاً أوّلاً ثم يتصاعد تدريجياً ليبلغ ذروته ، بعد أن تشترك في العزف جميع الآلات الموسيقيّة .
أمّا الفصل الثاني فهو بمنزلة العمود الفقري لهذه الدراسة ، إذ عرضت فيه جميع المحاور الفكريّة الوجدانيّة التي دار حولها أدب حليم الروحيّ الداهشيّ ، شعراً ونثراً . وإذا هي أربعة محاور : أوّلها شخص مؤسّس الداهشيّة الذي آمن الشاعر بدعوته ، فأطلّ ، من خلال أدبه ، هادياً يزفّ البُشرى والعزاء للمؤمنين والأنقياء ، ومؤدباً نذيراً للمكابرين والفاسدين اللاجّين في الغواية . وقد شكّلت موضوعات خوارقه واضطهاده ومصرعه هالات إشعاعيّة انداحت دوائرها في أدب حليم .
وثانيها سجن الشاعر ، وما عاناه من آلام الاضطهاد ، ثم حملته على الحكّام الطُغاة والمتآمرين معهم والمتخاذلين عن نصرة الحقّ والأبرياء .
وثالثها العقيدة الداهشيّة نفسها حسبما تجلّت مظاهرها في شعر حليم ونثره . فإذا هي رسالة هادية تتوجّه إلى الناس جميعاً في عصر فُقد الإيمان الصحيح فيه ، وحقيقة مضطهدة مثلها مثل الرسالات والهدايات قبلها . وإذا هي مجمع للقيم الروحيّة وملتقى للفضائل السامية وطريق للخلاص والسعادة الحقيقيّين . وانطلاقاً منها عاد للحليم إيمانه الصادق بالله عزّ وجلّ، وممارسته للحياة الروحيّة المستقيمة ؛ كما أحياه حنين دائم إلى عالم الروح وشعوره بغربة عن العالم الأرضيّ . كذلك فقد أكسبته الداهشيّة الإيمان الحقّ بوحدة الأديان ، وتعاليم أنبيائها ، ومدّته بمفاتيح كثيرة لفضّ مغاليق الحياة والموت عن طريق عقيدة التقمّص . كلّ ذلك ظهرت آثاره في أدب الشاعر الزحليّ . وعلاوة عليه كان للداهشيّة مظاهر في شعره ونثره تمثّلت في نزعة إصلاحيّة استهدفت الثورة على الواقع الفاسد وطنيّاً والدلالة على طريق الحكم الصالح القائم على المحبّة والعدل واحترام الحرّيات الأساسيّة وخاصّة حرّية المعتقد ، وتقرير الواقع الفاسد عالميّاً وما يحمله من نُذُر تُهدّد بفناء شامل وشيك إن لم يرعو البشر عن مفاسدهم وتنقذهم خشبة الخلاص الداهشيّة التي قُدّمت للعالم الموشك على الغرق .
ورابع تلك المحاور صورة داهش الأديب في مقدّمات كتبها حليم لعدد من مؤلّفات مؤسّس الداهشيّة ، وقد غلبت على هذه المقدّمات الروح الشعريّة والخاصّة الانطباعيّة . أمّا ميزات أدب الدكتور داهش – حسبما ظهرت في دراسات حليم السريعة – فقد تبدّت في سرعة تأليفه التي تُقارب الإعجاز ، وغزارة إنتاجه المدهشة ، وتشعّب الأغراض والفنون التي كتب فيها بنجاح دائم ، وعبقريّته الملهمة التي تغذّيها القُوى الروحيّة العلويّة ، وما في أدبه من تأثير روحيّ سام وجميل ، وبحث دائب عن الحقيقة ، يُزاد إلى كلّ ذلك الاخراج الفنّيّ الرائع لجميع مؤلّفاته .
أمّا الفصل الأخير من هذه الدراسة ، فقد خصّصته للبحث في الصياغة الفنيّة التي اتّصف به أدب حليم دمّوس الروحيّ . فإذا هي صياغة تنحو منحيين : أحدهما كلاسيكي غالب ، بما ينطوي عليه من هيمنة للعقل ، وتعبير واضح دقيق ، وصورة تقليديّة قريبة المتناول ، وموسيقى خليليّة محافظة ؛ والآخر رومنسيّ تُشرق فيه وجدانيّة الشاعر في مواقفه الروحيّة الالتزاميّة ، وتتجلّى حلوليّة الصورة ، عبر انصهار الذات الإنسانيّة في مظاهر الطبيعة وعناصرها .
أخيراً ، تصدّيت لمعالجة ظاهرتين أدبيّتين في إنتاج حليم : إحداهما طارئة غير عامّة تمثّلت بأسلوبه الساخر الذي لجأ إليه في بعض كتاباته سلاحاً يُحارب به سلاحاً من مثله ، ليفلّه ويبزّه ؛ والثانية تحويله النصوص النثريّة إلى قصائد ومقطّعات شعريّة ، وهو سبيل خاضه متميّزاً ومجلّياً في مرحلتي حياته .
أمّا وقد وصلت إلى نهاية المطاف في هذه الدراسة ، فإنّي أقول : ليت الجيل الصاعد في هذا العالم المتخبّط في الرذائل والمحموم بالتناحر ، والملتهب بالحروب ، والرازح تحت نير المطامع والمظالم ، ليته يستجيب لنداء الحليم الداهشيّ الصادع بكلمة الروح .
” أجل ، في عصر يركبه شيطان الشهوة ويتربّع الكذب على عرشه ملكاً ، والمال إلهاً معبوداً ، لم تعد حاجتنا إلى من يصف الشمس والقمر ، والقطر الزهد ، والنهد والخصر ، ويجيد نقش الحرف كما الحجر ، كحاجتنا إلى من يُسهم في مدّ يد المعونة إلى الجيل الغريق “(919).
فحليم صاحب العقيدة الثابتة الذي كان فرحه في إبلاغه الرسالة التي آمن بها إيماناً لا تزعزعه أعاصير الأرض ، تمنّى توحيد الإنسانيّة بكلمة الأنبياء الواحدة ، “فعندئذٍ يصبح الناس عالماً واحداً ، وروحاً واحداً ، وشعباً واحداً لوطن واحد … هو هذه الكرة الأرضيّة التي نمشي على سطحها مدّة وجيزة من الزمن “(920).
يقول رئيس تحرير “العالم العربي” في ختام مقدّمته للجزء الثاني من “رباعيّات وتأمّلات “:
” إنّ الشعراء الملهمين هم من نرجو في نهضتنا العربيّة الحاضرة أن يكونوا لسانها الناطق ، وقلبها الخافق ، وترجمانها الصادق ….
” وعالم الغد ، العالم المغمور الذي ننشده ، العالم الذي نحلم فيه بمساواة كاملة ، وعدالة شاملة ، وسلام دائم ، وإخاء وطيد … يحتاج إلى هؤلاء الشعراء الملهمين ليرسموا بريشتهم السّاحرة ذلك الجمال الموعود وتلك الأماني المبتغاة ، في المبادئ الجديدة التي سوف تضمن للعالمين جميعاً الحُريّة المطلقة ، والمعيشة الهانئة ، والتضافر لرفعة الإنسانيّة “(921).
ودّعنا حليم دمّوس ، إلاّ أنّ أشعاره المرتعشة بالروح والناطقة بالحكمة ستبقى حيّة ما دام في الأرض عقائد روحيّة ، وما دام فيها مجاهدون مخلصون . ولعلّ خير ختام لهذه الدراسة رباعيّة الحليم “رعشة الروح “:
ودّعتكم وفؤادي أنّ منتحباً فاصغوا إليه ففي أنّاته حكم
لا تُنصفوني ولكن سجّلوا كلمي ، فقد نصحتكم والثغر يبتسم
وفي ابتسامته روح تمرّ بكم كما يمرّ على أحيائكم نسم
هذي ارتعاشة روح قبل فرقتها جسماً سيمشي إليه الموت والعدم(922)
أملي أن تكون هذه الدراسة قد سدّت ثغرة في الأدب العربيّ ، وأن يقوم بعدي من يجمع تراث الحليم ويتمّم ما بدأت به .
ملحق
يضمّ القصائد والنصوص النّثريّة المخطوطة أو المنشورة
في الصّحف ممّا يرقى إلى العهد الداهشيّ (1942-1957)
أو جذوره ، والتي أقتطف منها شواهد في سياق الدّراسة .
وجميع هذه المخطوطات محفوظة في المكتبة الداهشيّة .
تستثنى القصائد والنصوص التي ذكرت كاملة في مواضعها
من البحث .
القدّيسة سلطانة وشركاؤها
(باسم الإله خالق الأكوان وناصب الميزان للإنسان)
نشرح هذا اليوم للجمهور رواية تُنشر في الدبّور
رواية ويا لها رواية لها ابتداء ولها نهاية
بطلها (سلطانة القدّيسه) من جلست في بيتها (عريسه)
وكم لها من شركاء في البلد يعرفهم ، يا صاحبي ، كلّ أحد
فتارةً تزورها أنيسة لعلّها تبني لهم كنيسة
وتارة من حولها يحني الرّكب من حضروا من حدث أو من حلب
وسارة أمينة الصندوق كما روى الدبّور عن توفيق
وبطرس ينفح ذاك السرّا وهو الذي بما رآه أدرى
حتى إذا أصبح ضمن البيت لم يلق شيئاً من عجيب الزيت
قدّيسة لكنّها خرساء وأذنها عند النّدا صمّاء
لها رشيد قدّم السلاما وقال : بيعي زيتنا يا ماما …
فإن شفيت العُرج والعميانا فالزيت من شقائنا نجّانا
فابتسمت بثوبها الجديد (سلطانه) لنجلها رشيد
وصلّبت ودهّنت وتمتمت وشكرت وذكرت وهمهمت
وبقيت عجوزُنا أيّاما تُعالج الآلام والأسقاما
جاؤوا وكلّ قصده الشفاء لكنّهم عادوا كما قد جاؤوا
وشبّت النار بقلب بيتها فاحترق الفرش بفضل زيتها
فأين تلك القوّة العجيبه لتنقذ الكوخ من اللهيبه
وهكذا قدّيسة مهبوله قد ظهرت في قرية مجهوله
خلط بخلط نحو كلّ فرد وزعبرات ما لها من حدّ
أهكذا الأديان صارت مسخره وقدره الديّان أمست زعبره
فلتنظر الحكومة السنيّه لمثل أعمال بنا زريّه
وليصنعوا من علمهم غرائبا فالفقر ليس يُظهر العجائبا
ونحن في الدبّور بالمرصاد لمن يخون قادة البلاد
فخائن البلاد لا نرضاه وخادم الأوطان لا ننساه
نشكره في جهرنا والسرّ والله في القلب الطهور يدري
فأهملوا التلبيس والتلبيسه وودّعوا سلطانه القدّيسه
8 أيّار 1936
(مخطوطة)
عهد الرسالة
لقد مرّ من عهد (الرسالة) أوّل وأقبل ثان وهو طلق يهلّل
فيا لك من عام جميل مقدّس تجلّى به نور من الله يُرسل
(ضياء) من العلياء أنزل وحيه (هدىً) بسناه موعد الله يكمل
فأهلاً (بهادي) الأرض . أهلاّ بعهده فلا امل لي بعده فأؤمّل
جلست إليه أشهراً بعد أشهر وروحي بصهباء (الرسالة) تثمل
وفي كلّ يوم لي إليه زيارة ومنه لنا وحيٌ من الخلد منزل
رسائل إلهام وأسرار حكمة لها الأفق لوح والكواكب مقول
(وقائع) من وحي السماء تناثرت علينا كأنداء على الزهر تهطل
(مظاهر) من روح الإله وفضله تقول لنا :” توبوا إلى الله واعدلوا”
سأبقى وفيّاً للرسالة ما شدا على (الأرز) في جنة (الخلد) بلبل
فمن زهرها القدسيّ ، يا قوم ، فاقطفوا ومن نهرها الروحيّ ، يا قوم ، فانهلوا
4 تموّز 1943
(مخطوطة)
تلك الحقيقة
عرفت الهادي الحبيب ، من عهد ليس بالقريب ، فمنذ عشر سنوات ، قابلته بضع مرّات ؛ ومنذ سنتين كاملتين ، اجتمعت به مرّتين ، وفي السنة الأخيرة ، أصبحنا لا نفترق إلاّ في فترات قصيرة ؛ أمّا منذ الآن ، فعسانا نتلاقى في كلّ زمان ومكان .
إنّ في الاجتماع بهذه الشخصيّة الفذّة ، لذّة عظيمة ما بعدها لذّة ، اللهمّ لا ….
بل هناك لذّتان رائعتان : لذّة عقليّة غالية ، ولذّة روحيّة عالية . وإنّ بين هاتين اللذتين ، سعادتين خالدتين ، وهما لأبناء الإنسانيّة رسالة روحيّة إلهيّة .
فهنيئاً لمن ابتعد بروحه عن مواطن الغبراء : بؤرة الشرور والعناء والفناء ، وطوبى لمن اقترب بروحه من مساكن السماء : جنّة السرور والبقاء والهناء …
أنا لست أوّل عاشق يتعذّب إنّ العذاب فدى الحقيقة يعذُب
يا أخت شمس الحقّ ، هيّا زحزحي عنك النقاب فمهجتي تتلهّب
حجبوك عن هذي الحياة لعلّة ولعلّة وجه (الحقيقة) يُحجب
ما زلت أسأل عنك في جنح الدجى حتى رجعت ولي دموع تُسكب
فتّشت عنك فلم أجدك كأنّني في جوف هاوية وأنت الكوكب
قالوا حبيبتك (الحقيقة) قد ثوت والشرق هام بحبّها والمغرب
عجباً لهم … لا ينكرون جمالها ولكلّ قلب بالمليحة مأرب
هم كفّنوها حيّة في مهدها وتآمروا لعذابها وتعصّبوا
صور العداوة جمّة ، وأشدّها وقعاً إذا قتل الحمامة عقرب
تلك (الحقيقة) نفحة علويّة لم يبق لي إلاّ هواها مطلب
جهلوا محاسنها فراموا وأدها ظلماً وليس سوى الجهالة مركب
موسى وأحمد يهجران جماهما باسم الحقيقة ، والحقيقة تندب
ولأجلها سقراط يُسقى سمّهم ولأجلها عيسى ابن مريم يُصلب …
ولأجلها سجنوا وأقصوا داهشاً ولذا يُشرّق تارة ويغرّب (923)
يا ربّ عفوك إن خطئت ، فزفرتي في طيّ أبياتي تجيء وتذهب
أتظلّ تغضي عن شرور بني الورى ويظلّ طرفك من بعيد يرقب ؟
الأمر أمرك في السماء وفي الثرى فاحكم فحكمك ليس منه مهرب
أين (المؤدّب) والعصا بيمينه طوراً يهشّ بها وطوراً يضرب ؟(924).
أوّل حزيران 1944
(مخطوطة )
جُرح المسيح ودمعة الإسلام
إلى روح الشيخ أنطون جميّل
رئيس تحرير “الأهرام”
واهاً لعمرك يا فتى الأهرام ومعيد مجد قديمها المترامي
سهم أصابك في الكنانة راعفاً في أرز لبنان ووادي الشام
وسرى صداه في البسيطة حاملا هول الخطوب وغمرة الآلام
بالأمس جبّار النهار تحجّبت أنواره في ظلمة الأيّام
واليوم يتبعه (الجميّل) هاوياً في قلب معركة ورشق سهام
علم بأفق الشرق رفرف وانطوى وحنت عليه خوافق الأعلام
وتحطّم القلم الرهيف بكفّه فاستلّ منه الموت أيّ حسام
أفتاة (بكفيّا) الحزينة أجملي صبراً فشبلك سيّد الآجام
هجر العرين وفي صرير يراعه سجع الحمام وزأرة الضرغام
شيخاً يُرى بين الشيوخ وإن خلا للعلم قام لديه شبه غلام
جمع البيان تليده وطريفه كشذا الورود ونفحة الأكمام
مترفّعاً كالنسر وهو محلّق فوق الجبال الشّمّ والآكام
هو خالد بحياته ومماته كالشمس في الإصباح والإظلام
يهوى السلامة والسلام لقومه فعليك يا رجل السلام سلامي
يا ناسج الآيات نسج مدرّب ذكراك ما مرّ الزمان أمامي
أيّام في (الأهرام) بين أحبّتي تهفو إليّ بثغرك البسّام
كم مرّة عرّفتني بنوابغ وجمعتني بأعاظم وكرام
وتقول لي :” مصر العزيزة موطني والأرز أرزي في دمي وعظامي
وسرى هوى أمّ اللغات بمهجتي ورضت ثدي (الضاد) منذ فطامي”
كنت السموأل ، في الوفاء ، فيصلاً للحقّ عند تعقّد الأحكام
ترنو إلى وجه السياسة ناقداً دولاً تسير بلا هدىً ونظام
ضاعت وضاع الحقّ بين شعابها يا للضعيف بزحمة الأقدام
لولا المواهب في الرجال لما بكت مُقل الملوك عليه دمع غمام
يا راحلاً أدمى القلوب رحيله لمّا رماك من المنيّة رام
قسماً بحبّك ما ذكرتك مرّة إلاّ ذكرت بدائع الالهام
في النثر أو في الشعر أو في النقد كم لك من شعار لامع ووسام
تلك “الزهور” مع (الأمين) نشرتها بروائع النّفحات والأنسام
وجرت سطورك في الصحائف كوثراً تسقي بسلسلها ذوي الأفهام
والصّحب حولك ينصتون لحكمة أو نكتة عربيّة الاحكام
يتبادلون خمور حبّك لذّة بكؤوس فكر لا كؤوس مُدام
والفكر والأخلاق مرآة الفتى وهما لأهل العلم خير دعام
كنت الأمين على اليراعة فاغتبط بعد الجهاد ، وسر لدار سلام
واذكر لداود الوفيّ ورهطه غدر الزمان ، وصولة الأعوام
واشرح لسكّان النعيم حديثنا فحديثنا جرح البلاد الدامي
واذكر فلسطين الشهيدة إنّها صبغت دماء كالغيوث هوامي
في المسجد الأقصى طلائع ثورة وعلى (القيامة) قاذفات ضرام
هذا جناه الغرب في مدنيّة تبني حضارتها يد الظّلاّم
ويل لعصر النور يشقى أهله يا ليته قد كان عصر ظلام
يا نيل كم من نفحة أدبيّة أرزيّة النّسمات والأنغام
مرّت على تلك الضفاف فحرّكت قلب النخيل وذروة الأهرام
فاحرص على هذي الودائع إنّها صلة مقدّسة من الأرحام
خلعت بقاياها بقربك وارتقت أرواحها للخالق العلاّم
هذا سبيل الثائرين على الثّرى فحياتهم حُلمٌ من الأحلام
والذكر أغلى ما يُصان ، فرحمة بعظام قوم كالملوك عظام
عاد الحبيب إلى التراب بجسمه والروح تسبح في المقام السامي
وبحبّه اتّحد الجميع لأنّه رمز لأشرف وحدة ووئام
فرأيت يوم وداعه كيف التقى جُرح المسيح ودمعة الإسلام
لولا التجلّد في الأسى لهوت يدي وصحائفي ، وتكسّرت أقلامي
15 كانون الثاني 1948
(مخطوطة)
مولد الهادي
في مثل هذا اليوم من أوّل حزيران (1912)(925)، ولد داهش في القدس في حيّ (باب العمود).
وفي هذا النهار يدخل في عامه السابع والثلاثين ، ونحن ملتفّون حول رسالته الداهشيّة المقدّسة بإيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع ولا تلين .
وكيف تلين عقيدتنا ويتزعزع إيماننا ، ونحن قد رأينا النور ، ولمسنا الحقائق الغرّاء ، وتكشّفت لنا ، ونحن على الأرض ، أسرار السماء ، وخاطبتنا الأرواح من عوالمها ، وفتحت لنا الرسالة ، بفضل مؤسّسها الحبيب الهادي ، آفاقاً واسعة ، وفتحت لنا السماء نوافذها وشقّت لنا كواها ومنافذها .
ولقد عاهدنا الله أن لا نلتفت إلى الوراء ، بعد أن وضعنا أيدينا على المحراث ، وبعد أن حملنا صليب الصبر وعلم الجهاد إلى النهاية . وحسبنا عزاء أنّنا سائرون بحراسة الله ورعاية مرشدنا المختار وهادينا الجبّار ، الذي نهض وسار وثار ، وأدهش البصائر وقلب الأفكار ، واصلاً في ذلك آناء الليل بأطراف النهار . حرسه لنا وللرسالة وللعالم القدير القهّار .
أرنو لفجرك يا يوم الثلاثاء ففيك مطلع إلهامي وإيحائي
اليوم مولد (هادينا) ومرشدنا إلى حقائق أفكار وآراء
يطوي الحياة بعيداً عن زخارفها كأنه البدر فوق السّحب والماء
ويستميت دفاعاً عن عقيدته كقائد ليس يخشى نار هيجاء
وما عقيدته ، طول الحياة ، سوى رسالة من سماء الوحي غرّاء
الله أرسله والله أرسلها ليحذر الناس من هول وأرزاء
بعد الثلاثين مرّت ستّة جمعت ما في الرسالات من آيات أضواء
ونحن نجري ونجري تحت رايته في مركب خائض في لجّ دأماء
لكن سفينتنا ، والله حارسها ، مع (الحبيب) ستأتي خير ميناء
فهي المنار لمن ساروا بغير هُدى وآثروا أن يسيروا طيّ ظلماء
وهي الحياة التي أهفو لها أبداً قُرب (النبيّ) وإخواني الاعزّاء
إلى الجهاد ، إلى نفع العباد ، إلى نشر الحقيقة سيروا يا أحبّائي
أوّل حزيران 1948
(مخطوطة)
الميلاد
حبّذا عام جديد لنبي حبّه يسري كعرف طيّب
فاطربي يا نفس ، هذي ساعة أنعشت شعري وأحيت أدبي
كلّما ” الميلاد” وافى ، صفّقت ربّة الشعر لشعري العربي
ودوت ألحاننا فوق الرّبى بين لبنان وبين الشّهب
إخوتي سُرّوا جميعاً واهنأوا إنّ بالإيمان نيل الأرب
ونبيّ الله يرنو نحوكم باسم الثغر شريف الحسب
يحمل الأعباء في وحدته وهو لا يعرف معنى التّعب
يسهر الليل كليث خادر في عرين الأرز بين الصّحب
في الثلاثين وتسع قد بدا وهو عمر الموعد المرتقب
وإذا ما الأربعون ابتسمت فرّج الله صنوف الكرب
وهوى الظالم عن كرسيّه وتجلّى الجدّ بعد اللعب
وانبرى الهادي لتأديب العدى ناشراً أعلام عصر ذهبي
قوّنا بالروح يا من روحه تتجارى كالزلال العذب
قوّنا يا من لمسنا مجده في سماء الخلد فوق السّحب
قوّنا يا أيّها الهادي ، فكم هزّنا الدهر ولم ننقلب
ومشيناها خطىً جبّارة وبلغنا بك أعلى الرُتب
فتقبّل من بياني نفحة يا حبيب الله ، يا خير نبي ….
أوّل حزيران 1950
(مخطوطة)
في فجر الأربعين
أو
مولد الهادي
العيد حرّك خاطري وفؤادي لمّا تجلّت ساعة الميلاد
ميلاد هادينا إلى نهج الهدى ومقيل عثرتنا من الإلحاد
الأربعون اليوم شعّ شعاعها وبها ظهور رسالة الإرشاد
هو دعوة روحيّة كشفت لنا سرّ الخلود بفضل نور الهادي
عشر من السنوات مرّت قربه قدسيّة النفحات للمرتاد
يحنو على أرواحنا برعاية كالأمّ حانية على الأولاد
يا أيّها الهادي الحبيب تحيّة شعريّة عن إخوتي وبلادي
ساروا بركبك ظافرين بنعمة تبقى مدى الأجيال والآماد
هي نعمة علويّة ما نالها إلاّ الألى أصغوا لصوت الفادي
شدّد سواعدهم فعطفك قوّة للمهتدين بنجمك الوقّاد
أنت الذي نجيّتنا ورفعتنا من بؤرة مُلئت بكلّ فساد
جدّدتنا ، ولذا نجدّد عهدنا لرسالة الإصلاح والإسعاد
أوّل حزيران 1951
(مخطوطة)
بعد الأربعين
أهلاً بعامك والربيع يزينه بنوافح النّسمات والأزهار
جاوزت حدّ (الأربعين) ولم تزل كالنسر ، كالرئبال ، كالبتّار
تفري بحدّك كلّ وغد ظالم فإذا له كالثعلب المتواري
فاطلع على الدنيا شهاباً ثاقباً يهدي العقول بأسطع الأنوار
ويبثّ في الغبراء أقدس دعوة أسرارها من أغرب الأسرار
ومتى تكشّفت الحقائق لامرئ أمسى أمام العرش قرب الباري
أوّل حزيران 1953
(مخطوطة)
فردوسنا المفقود
رأيت فردوسنا المفقود مردوداً لمّا لمحت بجنح الليل داودا
يشدو بمزماره في الحلم مبتسماً مردّدا في الدجى هذي الأناشيدا:
إليك يا خالق الأكوان تسبحتي ما غنّت الطير في الفجر الأغاريدا
أنت الرجاء لأهل الأرض قاطبة وقد غدا الكون بابن الله موعودا
إليك أضرع في سرّي وفي علني فعوده سوف يُمسي للورى عيدا
أرسله ، يا ربّ ، إنّ الأرض قد فسدت والعمر بات على الغبراء محدوداً
فردوسنا أن نرى (الفادي) على عجل فهو الذي عمّنا في حبّه جودا
فردوسنا أن يُنجّي الناس ثانية وهكذا يصبح المفقود مردودا
أوّل حزيران 1954
(مخطوطة)
عيد مولد الفادي
قل لي بحقّك : هذا مولد (الهادي) في مطلع الشهر أم ذا مولد (الفادي)
لا فرق بينهما ، فالفرقدان هما كفرقد ، منذ آزال وآباد
كلاهما واحد والروح واحدة وإن غدت ذات أرواح وأجساد
سرّ (الوجود) وأسرار (الخلود) هنا والأصل منحدر من كفّ جوّاد
ونحن من (آدم) أوراق دوحته منذ الخليقة في جمع وأفراد
واليوم نمشي وأسرار الحياة لنا تكشّفت بعد إرهاق وإجهاد
فلنبتسم لحياة كلّها أمل بكوكب في سماء السعد وقّاد
ولنشكر الله في سرّ وفي علن فقد بلغنا المنى في مولد (الهادي)
أوّل حزيران 1954
(مخطوطة)
السفينة الداهشيّة
أقبل اليوم من يقود السفينه وهي تجري إلى الشطوط الأمينه
إنّ رُبّانها الحكيم تجلّى ورأته عيوننا في المدينة
وسيهدي لنوره كلّ نفس تتمنّى سعادة وسكينة
سيفه الحقّ وهو سيف صقيل كم سمعنا صليله ورنينه
قوّة الروح طهّرت أصغريه ويديه وصدره وجبينه
أرسل الله للأنام هداة ليعزّوا تلك النفوس الحزينه
أيّها الناس إنّكم في ضلال فاستعدّوا إلى حياة ثمينه
واستنيروا بنور (هاد) أمين أقبل اليوم كي يقود السفينه
1954
(مخطوطة)
أحلام
قصري الهمّ فالحياة منام والأماني في أرضنا أحلام
وابدلي الأرض بالسماء ، ففيها لا شقاء ، لا خدعة ، لا خصام
أنا ، يا فتنة الزمان ، خيال في خيال تلفُّني الأوهام
حطّمتني الأيّام بعد اكتهالي فأنا رمّة هنا وحطام
فانظريني في الرسم ظلاّ خفيّاً سوف تبدي أسراره الأيّام
كغريب أو سائح في ربوع كلّ آثارها أسى وانتقام
والحكيم الحكيم من زاد زُهداً بحياة سرورها آلام
يشهد الله أنّني باشتياق لمكان سكّانه لا تضام
رافقيني إليه يا أخت روحي فبدار الخلود يحلو المقام
إنّ روحي تحنّ دوماً إليه فعليه تحيّة وسلام
23 آذار 1955
1-1 14 داهشيّة
(مخطوطة)
تحيّة الهادي
إن كان في بيت لحم مولد الفادي ففي سما القدس لاحت طلعة الهادي
(فاد) و(هاد) هما كالفرقدين ومن نوريهما تهتدي أرواح زهّاد
هذا حزيران يروي في أوائله عن كوكب بشعاع النور وقّاد
عن بلبل طار من روض النعيم إلى (باب العمود) ليشدو خير إنشاد
هذا سليمان في آيات حكمته هذا ابن موسى الذي يحيا باسعاد
هذا (النبيّ) الذي صحّت نبوءته بظاهرات رآها الرائح الغادي
هذا (الحبيب) الذي من بدء مولده تجدّدت أرض آبائي وأجدادي
في عيده اليوم قد تمّ الرجاء لنا بفجر عهد سيمحو ليل الإلحاد
فقل للبنان أبشر فالصباح دنا والأرز في طرب والسهل والوادي
إن كان في القدس قد لاحت أشعّته ففي سما بيت لحم مطلع الفادي
أوّل حزيران 1955
(مخطوطة)
مولد كوكب
1912 (926)
منذ 45 عام لمع في سماء لبنان نجم جديد يريد تحيّتنا وهدايتنا . فرأى الظلام يغمر أبناء أرضنا الشقيّة ، فعطف علينا وبعث إلينا بأنواره السنيّة البهيّة … وأخذ يبحث وينقّب بلهفة وحنين عن خيوط نورانيّة قديمة تشعّ من حين إلى آخر في زوايا تلك الدركات المظلمة والدهاليز الرهيبة ، فتتألّم روحه ، وتتلهّف نفسه لجذب تلك الذرّات وهي نجيمات متناثرة في جنبات عالمنا الأرضيّ المظلم السحيق الأغوار .
وفجأة تفجّر نوره الوهّاج ، فلفت الأنظار ، وبهر الأبصار ، وحيّر الأفكار بهبوطه السعيد . فيا له من (هاد) عظيم ، وملاك كريم ، جاءنا بآياته الساحرة ، وعجائبه الباهرة ، فكان هدى للعالمين .
وهنا بدأ يطوف الأمصار ، ويجوب الأقطار بعناية أب حنون رحيم ، وعاطفة حليم عليم . فكان يدعو إليه تلك الخيوط النورانيّة لتلتفّ حوله ، ويزداد نوراً على نور حتى تألّفت كويكبات صغيرة تدور اليوم في فلكه العظيم . وهي تتمتّع بظلّه الظليل مفتّشة عن هيكل الحقيقة لتسمع فيه صوت الحقّ وأناشيد الروح . وكانت كلّما سمعت تلك الترانيم العلويّة السماويّة ، تسكر بنشوة خمرتها ، فتزداد غبطة وإشعاعاً ، فكانت أشعّتها النورانيّة تتكسّر وتتفجّر لتسمع صوتاً رحيماً يهتف قائلاً :
“هلّلوا للهادي ، وسبّحوا للفادي “.
وهنا كانت النّجيمات الأرضيّة تمتدّ نورانيّة لدى الكوكب ، فتكتسب منه القوى الروحيّة ، وتستمدّ من عطفه اللانهائيّ البهجة السرمديّة ، والغبطة الأبديّة .
فأمام عيدك السعيد ننحني ونخشع .
وأمام شخصيّتك الجبّارة نهتف ونخضع ، سائلين المولى القدير أن يمدّ بحياتك الثمينة في ظلّ كوكبك الخالد السطوع .
فسلام عليك .
وسلام على نورك الدريّ السحريّ .
وسلام على عهدك الجديد .
وألف تحيّة وسلام على عيدك السعيد وميلادك المجيد .
1 حزيران 1957
(مخطوطة)
مولد الهادي الحبيب
منذ 45 عاماً في مثل هذا اليوم ، شهدت جميع الكواكب حدثا عظيماً ، لقد سمح العليّ العظيم خالق جميع الكائنات بهبوط الهادي الحبيب على أرضنا الشقيّة ، كي يضمّد جراح البشريّة . ها إنّ الـ 45 سنة قد مضت منذ ذلك التاريخ ، وأنت أيّها الهادي الحبيب تصارع قوى الشرّ في مدّ وجزر ، وكرّ وفرّ ، بلا هوادة ولا كلل .
ها قد سجّلت انتصارات عديدة ، ولكنّ الثمن غالياً جدّا ، فالعذابات التي تحمّلتها على اختلاف أنواعها لا توصف ، وليس بإمكان أيّ كان أن يتحمّل ولا جزءا ضئيلاً منها . فبالرغم من جميع هذه المتاعب والمصاعب نراك دائماً أنت أنت تحارب قوّات الشرّ من الداخل ومن الخارج . ويعزّ علينا كثيراً أن نرى أنفسنا عاجزين عن مساعدتنا إيّاك في هذا الصراع العنيف مثلما كنّا نرغب . ولكن ، يا للأسف ، فإنّ مساعدتنا ضئيلة جدّاً . وغالبا تأتي بنتائج معكوسة نسبة لضعفنا وجهلنا . فيتحتّم عليك ، والحالة هذه ، أن تخلّصنا من زلاّتنا وتناضل القوى الشرّيرة الخارجيّة في ذات الوقت .
ففي هذا اليوم ذكرى سعيدة لنا ومريرة لك : سعيدة لنا لأنّك جئت لتخلّصنا من جميع الشوائب اللاصقة بنا منذ أجيال وآجال ؛ ومريرة لك لأنّك تتحمّل مساوئنا وأخطاءنا أكثر منّا .
فمنذ هبطت على هذه الأرض – مرتع إبليس الرجيم – لم تذق طعم الراحة ، ولهذا نحن نُعيد اليوم هذه الذكرى السعيدة ، وليس أنت ، ونتمنّى ونطلب من الباري تعالى أن يبقيك معنا إلى الأبد درعا منيعاً ، وصخرى صلبة تتكسّر عليها نبال الأعداء روحيّا وبشريّاً ، وتتحطّم عليها أمواج الشرّ وتضمحلّ ، وأن تبقى معنا إلى أن تأتي الساعة الكبرى ، حيث نشاهد معاً غاية الغايات وسبب كلّ الكائنات ، ألا وهي العزّة الإلهيّة . ونضرع إلى الله أن يجعل هذا العام المقبل عليك وعلينا عام انتصار ، بإذنه تعالى .
ميلاد الهادي (927).
(1912-1957)(928)
عليك ألقيت يا (هادي) الورى أملي بعد الإله فكم سدّدت من سبلي
واليوم عيدك أحياناً وأبهجنا والناس في غمرة الأحزان لم تزل
نسير في النور والدنيا تهدّدنا بعد الزلازل بالطوفان والشّعل
تقودنا لمراعي الخير عن ثقة ونحن حولك مثل الجند والرّسل
لقد تعذّبت أعواماً مسلسلة عن عصبة الشرّ والإجرام والحيل
فكنت لا تنثني عن ردّ كيدهم إلى نحور هوت في لجّة العلل
أنت العظيم الذي نرجو كرامته ليرتع الناس في أمن وفي جذل
أنت الزعيم علينا بعد أن ظهرت منك العجائب بين السهل والجبل
وسيّد القوم كم يشقى لغيرته على بني قومه في الحادث الجلل
فاطلع علينا سريعاً كي نسير معاً إلى ربوع الهدى والمجد والأمل
بيروت (منزل الرسالة) السبت في 1 حزيران 1957
10-3-16 داهشية
(مخطوطة)
نجاة السفينة
ألق في اليمّ ما يعيق السفينه وهي تجري إلى نواحي المدينة
أنت في موكب الحقيقة نجم جاء يهدي بلاده المسكينه
كلّ هاد يلقى اضطهاداً وجوراً من أناس يطوون جمر الضغينة
آن للعدل أن يسود البرايا ويؤاسي منّا النفوس الحزينه
آن للحقّ أن يصون عيونا داميات تذري الدموع السخينة
أيّها العائد (الحبيب) تدارك مهجات رهن العذاب سجينه
يا طيب الأرواح عالج قلوباً واشف منها تلك الجراح الثخينة
أنت ربّاننا ونجم هدانا فأعدنا إلى القلاع الحصينه
وإذا هبّت الرياح علينا أنزل الركب في الشطوط الأمينة
وإذا ما تجهّم البحر يوماً ألق في اليمّ ما يعيّق السفينة
(مخطوطة)
بلا تاريخ
شارع متمرّد
قرأوا وقالوا :” شاعر متمرّد ” صدقوا ، فشعري غضبة تتجدّد
من لم تهز العبقريّة شعره هيهات يُتهم في الخيال وينجد
وإذا تمرّد شاعر فيراعه يوم الجهاد على الرقاب مهنّد
حطّمت أقلام السلام لأنني جرّدت سيفاً في الجوانح يُغمد
يا أخت روحي لم أكن متمرّداً لولا مظالم في الحمى لا تحمد
أأكون ظمآناً ووحيك جدولي وهواك في قلبي يقوم ويقعد
أقسمت لن ألقي اليراعة من يدي حتى يطلّ على الجموع الفرقد
أيهان نابغة ويسجن شاعر وأخو الجهالة في البلاد يمجّد ؟
ضاقت بوجهي الأرض وهي رحيبة لمّا رأيت المصلحين تشرّدوا
وأبوك في سجن الرمال مقيّد لكنّ فكر الحرّ ليس يُقيّد
قولي لمن طرحوا البريء مكبّلاً يوم الجناة كليل سجني أسود
إن يسألوا ، يا سلوتي ، عن والد قولي لهم : هو شاعر متمرّد
(مخطوطة)
بلا تاريخ
حيّيت الشعاعا
أنا من لبنان حييت (الشعاعا) عندما شعّ على الأرز وشاعا
سر على (الإخلاص) يا ناشره قد مددنا لك بالإخلاص باعا
كن (عصاميا) كما سمّيت من من أسرة تجري إلى المجد سراعا
واعشق (الضاد) فكم قد زحزحت وأماطت عن بني الدنيا القناعا
وأخدم الأوطان في محنتها وأحمل اثنين : حساما ويراعا
فيراع العلم كم راع النّهى وحسام العزم كم دكّ القلاعا
أفتديها ثورة فكريّة تنهض الشرق هجوماً ودفاعا
فاعتصم بالحقّ وانبذ معشراً أفسدوا حتى غدا الحقّ مضاعا
إنّ من كان ” عصاميّ الهدى” يتّخذ من مطلع النور “الشعاعا”
حسّان حليم دمّوس
مجلّة “الشعاع” العراقيّة ، عدد تموز 1948
يا رفاق الأرواح
يا رفاق الأرواح عصراً فعصراً قد تجلّت أسماؤكم كالصباح
وعرفنا مكانكم في الأعالي وقرأنا حديثكم للملاح
لملاح الأخلاق في كلّ أرض تترجّى نور (الهدى) الوضّاح
واكتشفنا أسراركم فطربنا مذ عرفنا حياة أهل الصّلاح
كطيور السماء نرقى إليكم وسنعلوا لكن بغير جناح
بجناح من الخيال المصفّى كشعاع الصباح فوق البطاح
فاسمعونا مع الأثير نغنّي والمحونا على متون الرياح
وانظرونا نحنّ إليكم بحنين ونشوة وارتياح
قد رضينا أن نهجر الأرض كيما نتلاقى في (نجمة الملاّح)
وسمحنا وفي السّماح رباح ثم بعنا الغبراء بيع السماح
وربحنا دار الخلود مقاما حيث نحيا في (عالم الأرواح)
هي من نعمة الإله علينا كيف ننسى عطيّة المنّاح ؟
حسّان حليم دمّوس
العدل الإسلامي ، كانون الأوّل 1948
سجّلي يا شهب
هوذا الأحرار بين الأثمة في زرايا حجرات مظلمة
نزلوا في غرف موبوءة تتنزّى بأكفّ مجرمة
غير أنّ السجن فخر للألى ناصروا الحقّ وهزّوا الظّلمة
فاشهدي ، يا شهب ، حالي ، وغداً تُشرق الشمس وراء الأكمه
***
بلغ اليأس بقومي حدّه وبلادي أصبحت منقسمة
وسجين الظلم في أصفاده وهو لا يدري الذي قد ظلمه
فاستمع ، يا ليل ، شجوي وارتقب فجر عهد فيه كلّ المرحمه
واشهدي ، يا شهب ، سهدي فغداً تُشرق الشمس وراء الأكمه
***
قل لمن حلّ لديه سقمي سيلاقي بعد حين سقمه
أمن العدل بأن يحسبني في عداد المجرمين الأثمة ؟
إنّ من قيّدتهم لن تسكتوا فمه أو فكره أو قلمه
سجّلي ، يا شهب ، شعري فغداً تشرق الشمس وراء الأكمه
الدبّور 4/4/1949
روح الفادي
طلع الفادي علينا مشرقاً كطلوع الشمس من برج الحمل
نفحة من رحمة قد غمرت هذه الدنيا فوافاها الجذل
المعزّي لقلوب تكتوي بلظى الظلم ونيران الوجل
منقذ المحزون من أحزانه ومعيد العدل ما بين الدول
وهو آسي كلّ مجروح الحشا ومؤاسي كلّ ذي خطب جلل
سكن البحر خشوعاً ، وعلى موجة الشطّ حنين وقبل
وانجلى عن أرز لبنان الأسى مذ تجلّى في البرايا ونزل
جبل يهفو إلى ساحله ساحل يهفو إلى ذاك الجبل
وعذارى الأرز غنّت نغمة ذكرتنا بأناشيد الأول
فافرحي يا أمم الأرض به والبسي من روحه أبهى الحلل
النشرة ، ج4، مجلد 80، نيسان 1949.
زورق الإيمان
نهضت غداة الفجر والشمس تبزغ فهبّت نسيمات لوجهي تدغدغ
وذكّرتني بعض الصّحاب بفترة من العمر فيها أرقم الشكّ يلدغ
وذكّرني عهد المسيح ورسله يرون الورى بالموبقات تمرّغوا
فكم نشروا الإيمان في كلّ بقعة إلى أن غدا في كلّ قلب يسغسغ
فيا نفس سيري في حياة جديدة عليها إلهي بردة العطف يسبغ
لقد لاح لي طيّ الدجى طيف (منقذ) محيّاه بالاشراق والحسن مفرغ
فيا من سمعنا في الظلام حديثه سننشر أسرار الهدى ونبلّغ
وما زادنا إلاّ عصير رسالة يباركها (فادي الأنام) فتنبع
هنيئاً لمن من مائه العذب يرتوي وطوبى لمن من خبزه يتبلّغ
فآياته أشهى من الشّهد عندنا وأفصح من آي الدهور وأبلغ
وما نحن إلاّ كوكب ننشد الهدى وأكؤسنا ليست من الحبّ تفرغ
نخوض بحار العمر لا نرهب الردى وفي زورق الإيمان للخلد نبلغ
النشرة ، ج8-9، مجلّد 80، آب وأيلول 1949
متى أنطلق إلى الفردوس العتيد ؟
متى إليك ، أيا ربّاه ، أنطلق فقد براني الأسى واليأس والقلق
أسير في الأرض لا ألوي على أحد لأنّني ببني الغبراء لا أثق
سئمت من عالم فان أمرّ به على أناس تفشّى فيهم الملق
فلا صديق إليه أشتكي ألمي ولا رفيق عليه اليوم أرتفق
هم الذئاب وقلبي بينهم حمل فكيف أصحبهم بل كيف نتّفق ؟
كلّ يهيم بواد لا صباح له وكم يضلّ وقد ضاقت به الطرق
دنيا تدور وأيّام تمرّ بنا كالخيل في رحبات البيد تستبق
إذا بدا سحر تغتاله ظلم وإن بدا قمر يغتاله الشّفق
هيا هنائي إذا يوم المنون دنا ولم يعد لي على هذا الثرى رمق
فترتقي الروح في الأفلاك سابحة وتلتقي بنفوس ليس تفترق
هناك في الملإ الأعلى تواكبنا جند السماء ومنها النور ينبثق
نصغي إلى نغمات الحبّ تنشدها عرائس الخلد حيث الطهر والعبق
ونستقي خمرة من كوثر عذبت مياهه وهو في الفردوس يندفق
وننهل الحكمة الغرّاء تسكنها روح من الله تهدي من بها التحقوا
فيسبحون بنجوى لا فناء لها والخالدون ببحر الحبّ قد غرقوا
أجب ندائي ، أيا باري الأنام ، فلي شوق ملحٌّ لدار كلّها ألق
أجب دعائي وقل يا خالقي عجلا متى إليك ، أيا ربّاه ، أنطلق ؟
النشرة ، ج11 ، مجلّد 80، تشرين الثاني 1949
الآلة الطّابعة
لله تلك الطابعة بين المحابر قابعه
سوداء حالكة الجبين وبالصحائف لامعه
أعجب بها من آلة صمّاء وهي السامعه
تدوي إذا حرّكتها كرحى لأمرك تابعه
وهدير موج البحر في حركاتها المتدافعه
أو كالخيول تراكضت فوق الرّبى متسارعه
فإذا رست فكقلعة وإذا سرت فكدارعه
هي من جماد إنّما منها الحقائق نابعه
تهدي إليك جنى النهى ومن اليراع روائعه
ومن البنان ظريفه ومن البيان بدائعه
أمذيعة الحدث الجديد – إليك نفسي خاشعه
كم رنّ صوتك عالياً حتى السماء السابعه
لولاك ما عرف الورى أسرار أرض واسعه
ولظلّت الغبراء في ليل الجهالة ساكعه
ومضى الزمان بأهله كجذوع نخل واقعه
بُشراك ناشرة الهدى أصبحت أنت الجامعه
كم تنشرين قصائداً منها المعاني الرائعه
وتدوّنين خواطراً بين الشعوب الطامعه
تخذوك آلة صيدهم عند الرؤوس الخانعه
فحذار من أشراكهم كي لا تحلّ الفاجعه
يا ويل دولتهم إذا وقعت هناك الواقعه
فتوقّفي أو نبّهي تلك النفوس الهاجعه
التلغراف 1949
الأمل
العام أقبل فاستقبل به الأملا واعمل جميلاً فخير الناس من عملا
وانظر إلى الأكوان ، كم في الكون من عبر والعمر يمضي كطيف مرّ وارتحلا
أو طائر يتغنّى فوق أيكته ويهجر الغاب نحو القفر منتقلا
ولّى الشباب وفاتتني نضارته كزهرة ذبلت أو كوكب أفلا
أقول للنفس والستّون قد عبرت : أين المفرّ وركب الشّيب قد نزلا
هل نوقف الشمس في الأفلاك ثانية وهل نردّ الردى أو ندفع الأجلا ؟
لا شيء (كالأمل) البسّام يرفعنا إلى العلاء فنغدو في الورى مثلا
وربّ أمنية في النفس تنعشنا فنهزم اليأس والآلام والعللا
يا قوم غرّتكم الدنيا بزخرفها فاستلهموا ربّكم كي تأمنوا الزللا
لا تغفلوا طرفة عن هدي بعضكم بعضاً إلى الخير ، يا ويل الذي غفلا
توحّدوا مثلما قال (المسيح) لكم فأنتم إخوة لا تعرف الحيلا
ما أجمل العام ، إن حلّ السلام به كالغيث فوق الرّبى والروض قد هطلا
كم أنفس في الورى تمشي مواكبها إلى جنان المنى تستعذب السّبلا
ترنو إلى فجر عهد باسم بهج كأنّه الشمس تحيي السّهل والجبلا
عهد يقول لأهل الأرض قاطبة ليعدل القوم ، فالبشرى لمن عدلا
إنّا نسير ولا نلوي على أحد والله يحرس منّا الفرد والدّولا
نطوي الحياة وفي أرواحنا (أمل) فصافحوا عامكم واستقبلوا (الأملا)
النشرة ، ج1 ، مجلّد 81، كانون الثاني 1950
مشاكل الشباب
كثيرة مشاكل الشباب في موكب الكفاح والصّعاب
قوافل الشباب كالدهور سائرة من أقدم العصور
فنحن مثل ذلك البستاني إذ يعتني بالغرس والأغصان
أو عالم يبحث عن جرثومة لقتلها بفطنة معلومه
أو كطبيب لاجئ لآخر كي ينقذ الأهل من المخاطر
لكنّما الجاهل ليس يهتدي إلى طريق الخير طول الأمد
والفرد كالمجموع في حياته وسيره وراء مشكلاته
ومن يهم بالمنهج الصّحيح فلا يحِد عن منهج المسيح
ولينبذ الشّباب حبّ المال فهو طريق الشرّ والوبال
وليقتصد في الليل والنهار مستنكراً موائد القمار
ويُسعف المسكين والفقيرا كيما ينال الأجر والتقدير
وليبتعد عن هوّة الرذائل وليقترب من جنّة الفضائل
فدولة الأخلاق أقوى دوله وصولة الآداب أسمى صوله
أمّا الزواج فهو بالمحبّه سرّ مقدّس لدى الأحبّه
وللشباب شأنه في المجتمع وخير من نكرمه الذي اتّضع
من خدم الناس يكن كسيّد مرتفع القدر رفيع السّؤدد
ورفعة الإنسان خفض الجانب وليس بالأموال والمناصب
ولا تخف إذا منيت بالفشل فاثبت فكم من فشل أحيا الأمل
أحبب جميع الناس في الحياة فالحبّ فيه غاية الغايات
والدين بالحبّ وبالاخلاص يقودنا لشاطئ الخلاص
ففتّشوا الكتب بغير ملل وبعد ذا تمسّكوا بالأفضل
فالدين فيه صلة الخلائق بمبدع الكون القدير الخالق
فلنطلب التهذيب والتأديبا ولنذكر المسيح والصّليبا
ولنمش بالشّباب للأمام ولنتّحد بالحبّ والسلام
النشرة ، ج2، مجلّد 81، شباط 1950
بعد الجهاد
ألقيت من بعد الجهاد حُسامي ورميت بين أحبّتي أقلامي
وطرحت أعباء الحياة مهادناً وخلعت بعد ربيعها آلامي
ووقفت في طيّ الظلام مناجيا شهب النجوم وبدرهنّ أمامي
وسبحت في بحر الفضاء كطائر يبغي التفلّت من أذى الأنام
تلك الطبيعة لو قرأت كتابها لهتفت باسم الواحد العلاّم
يا ربّ عفوك إن دعوتك خاشعاً فأنا أسير مواكب الأوهام
أنا في ظلالك ، يا إلهي ، راحتي ولدى جلالك أستطيب مقامي
إني صرخت إليك في جنح الدجى لتحلّني من عالم الأجسام
الروح منك فردّها كيما ترى دار النعيم ومصدر الإنعام
أنا من أنا ، يا ربّ ، في هذي الدّنى أنا قطرة من بحرك المتسامي
أنا رملة عصفت بها ريح النّوى وهباءة في جوّك المترامي
قل للأثير لكي يضمّ وديعتي لحماك بعد جراح قلبي الدامي
أنت القريب لمن يراك بقلبه وأنا لمحت سناك بالإلهام
وعرفت أسرار الوجود وعانقت نفسي الخلود برعشة الإعظام
من كان باري الكائنات رجاءه هيهات يخشى دولة الإجرام
إن أمعنوا في غيّهم وضلالهم فبذكر ربّي صبوتي وهيامي
كم نجمة في الليل وهي تنيرني بشعاعها وبثغرها البسّام
وتبثّني شوقاً يجدّد خاطري لأرى منار الحقّ طيّ ظلام
وأخاطب الأفلاك في دورانها وأرى دبيب الروح في الأرحام
هذا حديث الروح أسمعه ولا يدري به إلاّ ذوو الأفهام :
يا من لهوتم في الحياة تنبّهوا إنّ الحياة قصيرة الأيّأم
لا تطلبوا إلاّ الحقيقة عُدّة فوجودكم حلم من الأحلام
وتطلّعوا نحو السماء لتعلموا كيف النجوم تناثرت بنظام
هي وحدة روحيّة مرّت بكم بالنور ، بالأرياح ، بالأنسام
ستجيبكم تلك الكواكب ، فاسألوا ماذا وراء أشعّة وغمام
أكثرت من ذكر النجوم لأنّها مثوى جدود في الخلود كرام
أرواحهم همست بأذني فانتشت روحي وهزّت بالحنين عظامي
هذا طريق النور يهديني إلى دار السلام مطهّراً آثامي
دار السلام إليك طارت مهجتي فعليك ، يا دار السلام ، سلامي
صدى النواعير ، 30/3/1950
من السّجن
يا رفيق الروح زين الأصدقاء أنا في السجن رفيق البؤساء
أنا في السجن أعاني ألماً صارخاً أجّج ناراً في دمائي
وفراشي غرفة مظلمة رطبة فاحت بموبوء الهواء
سجناء في ثراها انطرحوا كقطيع من خراف وجداء
عجبوا لمّا رأوني بينهم بحديد القيد قيد الأشقياء
يا ظلام السّجن خيّم فأنا ساهر أرقب لألاء الضّياء
وبنفسي نفثات حرّة في حنايا الصدر تروي عن وفائي
حرموا الصدّاح من ألحانه هكذا في الأرز حظّ الشّعراء
قيّدوا الجسم وقد أعجزهم قيد روح صانها ربّ السماء
أجمل الأيّام في عيني إذا مسحت كفّي دموع الضّعفاء
واستوى الحقّ على محرابه ناشراً في الناس أعلام الإخاء
يا رفاق السجن صبراً أنتم ، في اعتقالي واحتمالي ، شركائي
كلّكم رُغم الليالي إخوتي فاسمعوا آيات حبّي وولائي
إنّ في السجن لكم مدرسة وهي تُغني عن دروس الحُكماء
وقريباً ينجلي الفجر لكم عن حياة حرّة ذات هناء
يا إلهي اسمع دعائي رحمة بنفوس لمحت فجر الضياء
أنا ناديتك في جنح الدّجى فاستمع ، يا ربّ ، في الليل ندائي
الفجر ، 25/5/1950
أجنحة الرّوح
حياتك سفر كثير العِبر وفي دفّتيه شؤون البشر
وللروح أجنحة لا تُرى تحفّ حفيف غصون الشّجر
فهذا جناح بطيء المسير وذاك جناح سريع السّفر
وهذا يصادم هوج الرياح وذاك يخاف نسيم السّحر
وذلك يلمح نور النعيم وذلك يلمس نار سقر
رأيت الحياة تمرّ سريعاً فتمضي الجسوم وتبقى الصّور
وكم من جناح يرفّ ويعلو ولكنّ في الروح كلّ الخبر
ففيها الوجود وفيها الخلود وفيها الحياة وفيها الأثر
وفيها البقاء وفيها الشقاء وفيها النواة وفيها الثّمر
فحلّق بروحك دون جناح وأذعن وسلّم لحكم القدر
وناج الإله القدير الحكيم فمنه النجوم ومنه القمر
ومنه الشموس ومنه النفوس تشعّ كعقد هوى وانتشر
ومنه الحياة ومنه الممات ومنه الغيوم ومنه المطر
نعود إليه بأرواحنا وعند رضاه بلوغ الظّفر
وعمري وعمرك في ظلّه سطور كتاب كثير العِبر
النشرة ، ج12 ، مجلّد 81، كانون الأوّل 1950
ميلاد المسيح
ولد المسيح فشعّ نور جبينه وامتدّ في الغبراء فجر يقينه
روح أطلّ على البريّة منقذا أرواحنا بحنانه وحنينه
هبط الثّرى وعلى الثّريّا عرشه والشُّهب تقبس من بريق عيونه
يا للوداعة من مليك قادر تتدحرج التيجان عند أنينه
لم يبغ إلاّ مزوداً مهداً له وكواكب الجوزاء بعض حصونه
لم يمتلك حجراً ليسند رأسه والأرض والأفلاك ملك يمينه
يا سيّد الأطهار شعبك ذاهل وقويّه يعدو على مسكينه
أنت العزاء لشيبه وشبابه أنت الرجاء لطفله وجنينه
الأمر أمرك في مجيئك ثانياً يا من نحنّ لكافه ولنونه
فاطلع على الدنيا وبارك موطني من أرز لبنان إلى صنّينه
وانشر سلامك في البحر وفي الثّرى فلك الوجود بغابه وسفينه
من كان من روح الإله ونوره فالكون صُنع يديه من تكوينه
مجلّة “هوليوود “، السنة الثانية ، آذار 1951
عيد المسيح الفادي
نيسان يا ملك الشّهور بزهره فيك البلاد زهت بعيد (الفادي)
الفصح فيك توحّدت أهدافه للخير والبركات والإسعاد
والنصر في نشر السلام سلامة لبني الورى من رائح أو غاد
سفك المسيح دماءه من أجلنا إنّ الضحيّة رمز الاستشهاد
بصليبه شمل الجميع بعطفه وحنا على الضّعفاء والأسياد
وبموته جلب الحياة لأنفس نسيت تعاليم (الكتاب) الهادي
فبه الخلود … به المحبّة والهدى وسعادة الأرواح والأجساد
والجسم إن نزل الثّرى بعد الرّدى فالروح خالدة مدى الأباد
مجلّة “النشرة” ، عدد نيسان ، 1957
الهوامش
- تأكيداً لذلك نصّ مرسوم تنظيم شهادة الدكتوراه في الجامعة اللبنانيّة ، في مادته التاسعة ، على أنّ موضوع الأطروحة يسجّل بعد أن يوافق عليه الأستاذ المشرف فقط ، ولم يذكر رئيس القسم .
- صدر عن دار النسر المحلّق ، بيروت ، سنة 1979.
- يقول نعيم صوايا مؤسّس المدرسة الوطنيّة في بعبدات عن حليم دمّوس : أستعين بذكره وذكر أشعاره مثلا رائعاً أرسمه في محاضراتي التعليميّة لطلبة مدرستي الوطنيّة في بعبدات حين أباحثها في الشعر الصحيح وشعرائه “…(حليم دمّوس : المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 166).
- حليم دمّوس : المثالث والمثاني ، الجزء الثاني ، ص 14.
- نقلاً عن تسجيل صوتيّ ومخطوطة هما في حوزتي . كذلك راجع جريدة “الهدف” بتاريخ 11/10/1966.
- مجلّة الأديب ، سبتمبر وأكتوبر ، 1980 ، العددان 9و10 ، السنة 39 ، ص 24.
- رضوان أبو فيصل : حليم دمّوس : حياته وآثاره ، ص 1.
- المرجع السابق ، ص 126.
- المرجع السابق نفسه .
- أنظر الصحف في ثبت المصادر والمراجع ، وأهمّ القصائد في “ملحق” الدراسة .
- تضمّ المكتبة الداهشيّة حوالى مئتي ألف كتاب في عدّة لغات ، وعشرات المخطوطات .
- أنظر تعريفاً بكلّ منهم في “معجم الأعلام” الملحق بهذه الدراسة .
- جرجي باز :” خاتمة الديوان ” المثالث والمثاني ، ج2 ، ص335.تفرّغ آل عيسى إلى ثماني أسر هي :” بنو دمّوس وغنطوس وعبّود ولاوند وواكيم والحاجّ يوسف وسلّوم وبطرس وجبّور . وأوّل من جاء زحلة منهم دمّوس بن يوسف عيسى نحو 1770 ، ثم تبعه بعض أبناء عمّه بأوقات مختلفة ، وكانوا يتاجرون يومئذ بالقطن . وقد هاجر معظمهم إلى أميركا الشماليّة والجنوبيّة وأوستراليا منذ ابتداء تاريخ الهجرة ، ولهم تجارة واسعة في تلك الجهات ، وعددهم كبير يُعدّ بالمئات . (الديوان ، ط1، ص163، الحاشية).
- مقابلة أجريتها معه في نيسان 1982.
- ورد في “إعرف لبنان ” ، موسوعة المدن والقرى اللبنانيّة ، تأليف عفيف بطرس مرهج ، المجلّد الخامس ، 1971-1972، ص427:” ففي سنة 1750 م نزل زحلة كثير من اللبنانيّين ، بينهم آل المعلوف الذين عُرف الحيّ باسمهم ،”حارة المعالفة”. كما نزح إليها بعض أهالي رأس بعلبك هرباً من جور آل حرفوش ، وأقاموا في منطقة عُرفت فيما بعد باسم :” حارة الراسيّة “.
- وهي قرية صغيرة تبعد عن بعلبك مقدار خمسة كيلومترات لجهتها الجنوبيّة الغربيّة .
- المثالث والمثاني ، الجزء الأوّل ، ص4-6.
- المثالث والمثاني ، الجزء الثاني ، ص 335 :” خاتمة الديوان ” بقلم جرجي باز .
- المصدر السابق نفسه .
- جاء في مقطوعة “اجتماع الشمل” ،” الديوان، ط1 ص296″: ولي إخوة لا شتّت الله شملهم ثلاثة أقمار تضيء وتُشرق
- المثالث والمثاني ، الجزء الثاني ،ص 335 :” خاتمة الديوان ” بقلم جرجي باز .
- جريدة الوادي ، السنة 28 ، العدد 29، تشرين الثاني 1957 ، ص 3:” حليم إبراهيم دمّوس “، بقلم يوسف غندور المعلوف .
- ديوان حليم ، ط1، ص 53-54.
- المثالث والمثاني ، الجزء الثاني ، ص ع.
- محاضرة “مُربّي الروح ” لحليم دمّوس ، ص 14 (مخطوطة)
- يبدو أنّ الحليم كان من أوائل المهاجرين من زحلة ، إذ بدأت حركة الهجرة إلى الاميريكيتين ، في لبنان ، في منتصف القرن التاسع عشر ، في حين أنّ أوّل زحليّ هاجر إلى أميركا كان حبيب أبو جودة ، وذلك سنة 1884 م. (راجع عفيف بطرس مرهج : اعرف لبنان ، موسوعة المدن والقرى اللبنانيّة ، المجلّد الخامس ، ص 430).
- قدّم حليم لقصيدته هذه بالكلمة التالية : كانت مجلّة “البيان” لصاحبيها العلاّمتين المغفور لهما الشيخ إبراهيم اليازجي والدكتور بشارة زلزل قد اقترحت على قرّائها تحويل عدّة أبيات من قصيدة ابن سناء الملك من البحر الطويل إلى البحر الكامل ، مع المحافظة على القوافي والمعاني ؛ فاطّلع الناظم على ذلك الاقتراح المبتكر ، وحوّل القصيدة المذكورة كلّها ، وهو على الباخرة الإفرنسيّة التي تحمله من الوطن إلى البرازيل ، في تشرين الثاني عام 1905 ؛ ولذلك جعل العنوان ” من بحر إلى بحر في بحر”. (ديوان حليم ، ط1 ، ص 56).
- المثالث والمثاني ، الجزء الأوّل : شاعر البرازيل ، ص 17-26.
- ديوان حليم ط1 :” لبنان” ص 58-59 . انظر إيضاحاً عن “هيفاء” في الصفحات التالية :
- مثال ذلك قوله :
إنّي خمست بأذن الدهر أسأله وليته حين أدعوه يلبّيني :
أصوّر (الغرب) من ماس ومن ذهب وصوّر (الشرق)من ماء ومن طين
(حليم دمّوس :جريدة الأقلام ، السنة الأولى ، العدد 25و18 حزيران 1932،ص8)
- المثالث والمثاني ، الجزء الثاني ، ص 636 :” خاتمة الديوان “بقلم جرجي باز .
- قال فؤاد دمّوس إنّ والده لم يكن ، أوان وجوده في البرازيل ، مطمئنّ البال مرتاحا ، فعاطفته كانت دائماً متّجهة إلى وطنه لبنان ، ولا عجب أن يقول :
ولا تدفنوا هذا الشباب بهجرة فثروتكم : هذا الثرى وشبابه…
(الأقلام : السنة الأولى ، العدد 11، ص 8).
(33) تزخر قصيدة ” من وراء البحار” بعاطفته الوطنيّة ؛ ومطلعها : أرض الأحبّة ما أبهى مغانيها وما أحيلى زماناً لي مضى فيها
حيث المسرّة لا بؤس يمازحها ولا بلاد بطيب العيش تحكيها
(ديوان حليم ، ط1 ،ص 53-54).
(34)- المصدر السابق ، ص 72.
(35)- ذلك تبعاً لما قاله ابنه فؤاد في مقابلة معه ، نيسان 1982.
(36)- على دقّة حليم في تأريخ وقائع حياته ، فإنّه لم يترك لنا ما يمكن القطع به في تاريخ زواجه . وقد جعلته في كانون الأوّل عام 1912 ، استناداً إلى قول ابنه فؤاد .(مقابلة معه في نيسان 1982). وممّا أوضحه حول هذا الزواج ، نقلاً عن والده ، حسب زعمه ، أنّ أباه تعرّف إلى أمّه في أثناء معرض للصناعات الوطنيّة (الحرف اليدويّة ) أقامه فارس مشرق في زحلة ، وكانت هيفاء ، ابنة أخته ، في صحبته . فأُعجب لها وخطبها وتزوّجها في بضعة أسابيع من أواخر 1912 . لكنّ عيسى اسكندر المعلوف يذكر أنّه ” في أول آب 1909 ، أنشأ فارس أفندي مُشرق الشّويري اللبناني مع لجنة وطنيّة معرضاً عامّاً في زحلة إلى جنوبي نزل “لوكندة” عين الذوق .وقد جمع نفائس الصناعات الوطنيّة من فلسطين وسوريا ولبنان ، وتقاطر الناس إلى زحلة في ذلك الصيف . أقفلت أبوابه في أوّل تشرين الأوّل “(تاريخ زحلة ، ص 226). ولم يذكر المؤرّخ أيّ معرض للحرف اليدويّة أقيم في زحلة بعد ذلك التاريخ . بناء عليه ، يكون تعرّف الشاعر إلى هيفاء يعود إلى صيف 1909 . وقد يرقى إلى تاريخ أبعد من ذاك إذا صحّ افتراض أنّ نظمها في البرازيل في تشرين الثاني 1907 ، إنّما هي “هيفاء” استناداً إلى أنّ الشاعر استبدل اسم “هيفاء” باسم “أسماء” في القصيدة نفسها عندما طبعها في مجموعته “يقظة الروح” (ص 39). وقد توفّيت هيفاء سنة 1978.
(37)- ديوان حليم : ط 1 ، ص 151.
(38)- المصدر السابق ، ص 153.
(39)- المصدر السابق ، ص 149.
(40)- المصدر السابق ، ص 80.
(41)- المصدر السابق ، ص 82.
(42)- المصدر السابق ، ص 174-182.
(43)- المصدر السابق ، ص 163.
(44)- المصدر السابق ، ص 232-233.
(45)- مقابلة في آذار 1982.
(46)- بتاريخ 25 شباط 1915 ، نظم حليم مقطوعة شعريّة هنّأ بها حسين بك الأحدب بمناسبة نيله الوسام المجيدي الثالث الفضّي :
إن يحل الفضّي صدر “حسين” فلديه من أصغريه مذهّب
أو تلالا التاريخ باسم حُسين فعليه من الفضيلة كوكب
(ديوان حليم ، ط1 ، ص 217).
(47)- المصدر السابق ، ص 232.
(48)- المصدر السابق ، ص 279-282.
(49)- المصدر السابق ، ص 283.
(50)- المصدر السابق ، ص 309-310.
(51)- إبراهيم الأسود : تنوير الأذهان في تاريخ لبنان ، ص 636. وقد ذكر أبو فيصل في دراسته أنّ شاعر زحلة استمرّ في تحريره “المهذّب” حتى عام 1916 ، من دون أن يذكر المرجع الذي اعتمده .
(52)- رضوان وديع أبو فيصل : حليم دمّوس حياته وآثاره ، ص 9 : لكنّه لم يذكر المرجع .
(53)- المرحع نفسه ، ص 11.
(54)- إبراهيم الأسود : تنوير الأذهان في تاريخ لبنان ، ص 636.
(55)- عاينت المبنى والبيتين بأمّ العين ، فإذا هو ذو طابقين من حجر . وتاريخ تجديد البناء ذكره أيضاً إبراهيم الأسود في “تنوير الأذهان “، 637 . ونقل إليّ فؤاد بن حليم دمّوس أن ورثة والده باعوا المنزل ، بعد وفاة حليم ، لسعيد عقل الذي سكن في الطبقة العُليا منه .
لكنّ حليماً لم يستقرّ في منزله الزحليّ طول حياته ، ففي أثناء عامي 1926 و1930 ، سكن حليم وعائلته في منزل العتيّق بشارع كليمنصو ، ثم انتقل عام 1931 ، إلى المنزل الكائن في شارع المكحول الذي يقطن فيه ابنه وقرينته حاليّاً . ومنذ اعتناقه الداهشيّة عام 1942 لازم مؤسّس الداهشيّة في “منزل الرسالة ” ببيروت حتى وافته المنيّة سنة 1957.
(56)- إبراهيم الأسود : تنوير الأذهان في تاريخ لبنان ، م2 ، ص 637 ؛ وقد ذكر أبو فيصل في دراسته أنّ حليماً أسهم في الشركة عام 1929 ، مستنداً في تقرير ذلك إلى فؤاد بن حليم ؛ ولا شكّ بأنّ هذا التاريخ من أخطاء الذاكرة .
(57)- يقظة الروح ، ص 132-135.
(58)- مقابلة أجريتها مع فؤاد حليّم دمّوس ، بعد الظهر 2/3/1982. وممّا قاله السيّد فؤاد دمّوس :” إنّ مدير حليم في الشركة كان يحقد عليه ، لأنّ حليماً عُيّن له راتب يفوق راتب مديره : وكان للأمير فيصل فضل في ذلك ، إذ كان يحبّ الحليم ويقول عنه :” هذا الشاعر النصراني لا أنساه “.
(59)- أنظر عيسى اسكندر المعلوف : تاريخ زحلة ، ص 239 . كذلك عفيف بطرس مرهج : إعرف لبنان (موسوعة المدن والقرى اللبنانيّة) ، م 5، ص 429.
(60)- حليم دمّوس ، يقظة الروح أو ترانيم حليم ، الصفحة الأولى من التصدير .
(61)- إفتتاحيّة جريدة “الأقلام” بقلم حليم دمّوس ، العدد الأوّل من السنة الأولى ، بيروت في 1 كانون الثاني 1932.
(62)- جريدة “الأقلام ” العدد8 ، السنة الأولى ، ص 2.
(63)- حليم دمّوس : تمهيد العدد الأوّل من جريدة الأقلام “، بيروت ، أوّل كانون الثاني 1932 ، ص 1 .
(64)- المصدر السابق نفسه .
(65)- حليم دمّوس : إفتتاحيّة “الأقلام” ، العدد 7 السنة الأولى ، بيروت ، 13 شباط 1932.
(66)- حليم دمّوس :” الأقلام” ، العدد 9، السنة الأولى ، بيروت 27 شباط ، ص 8ز
(67)- “الأقلام” ، العدد 13 ، السنة الأولى ، بيروت 26 آذار 1932 ، ص 4.
(68)- مقابلة مع فؤاد حليم دمّوس في نيسان 1982.
(69)- يوسف أسعد داغر : مصادر الدراسة الأدبيّة ، ج3 ، القسم 1، ص 433.
(70)- أنظر مجلّة “الأديب” سبتمبر ، وأكتوبر 1980 ، العددان 9و10 ، السنة 39 ،ص25.
(71)- وهي جريدة يوميّة جامعة أنشأها نعوّم مكرزل عام 1897 . وبين يديّ العدد 49 ، السنة 38 ، السبت في 20 نيسان 1935.
(72)- يذكر الحليم ، في هذا الخبر ، أنّه طالع في جريدة أسبوعيّة بيروتيّة قصيدة “رائيّة” للسيّد حسين شعبان أحد موظّفي حكومة دمشق ، تُشبه معاني أبياتها قصيدة “داليّة” نظمها ، منذ سنوات ، الشاعر إيليّا أبو ماضي ، صاحب “السمير” . ثم يأتي على ذكر بعض أبيات إيليّا أبي ماضي ، ويُظهر كيف أنّ السيّد حسين شعبان استرق المعاني ، معنىً معنىً ، ويختم مقالته بقوله :” يا نفس هذي خلّة البشر ، فرفقاً أيّها الشعراء بخواطر إخوانكم الشعراء “.
وكان حليم دمّوس ينشر لنعّوم مكرزل مُنشئ “الهدى” بعض المقالات (انظر “الأقلام” ، العدد 12، السنة الأولى ، 21 آذار 1932 ، الصفحة الأولى تحت باب “الصرخة”).
(73)- “الأقلام” ، العدد 19 ، ص6 . وصاحب “الصحافيّ التائه” هو إسكندر الرياشي.
(74)- التاريخ المدوّن في المخطوطة هو 14 آذار 1909 . وأرجح الظن أنّه خطأ كتابيّ ، لأنّ حليم دمّوس كان قد غادر البرازيل إلى لبنان ، قبل هذا التاريخ . والمخطوطة في عهدة فؤاد دمّوس .
(75)- يذكر عيسى إسكندر المعلوف في “تاريخ زحلة” ص 233، أنّ “جمعيّة بزوغ شمس الإحسان” أُسّست سنة 1884 ، بينما يذكر حليم دمّوس في كلمته المخطوطة أنّ راعي الأبرشيّة أسّسها عام 1883 ، وأعضاؤها المؤسّسون هم : إبراهيم الدوماني ، أبو زخّور مقبعة ، إبراهيم دمّوس ، أديب هاشم ، أسعد المعلوف ، أسعد المنير ، الياس لاوند ، عيد سابا ، موسى حافظ ، نقولا الأبرص ، يوسف عبّود ، يوسف بو شهلا . ويزيد حليم قائلاً :”كلّما سافر عضو إلى أميركا دخل في سلكها واحد مكانه . أمّا الأعضاء الحاليّون فهذه أسماؤهم بحسب حروف الهجاء أيضاً : أسعد نكد ، الياس المصوّر ، جرجس غنطوس ، جرجس صوايا ، حليم دمّوس ، خليل الحاجّ ، طانيوس مرعي ، عبد الله بو منصور ، فارس سابا ، مخائيل الأبرص ، نايف الطبّاع ، يوسف بوليّون “.
(76)- المثالث والمثاني ، ج1 ،ص118.
(77)- المصدر السابق نفسه .
(78)- الدكتور جميل صليبا : محاضرات في الاتّجاهات الفكريّة في بلاد الشام وأثرها في الأدب الحديث ، جامعة الدول العربيّة 1985 ، ص 47-48.
وتقول الأديبة ميّ زيادة : ” لم تشتغل هذه الرابطة إلاّ سبعة شهور ثم انحلّت بأمر الحكومة . وعُطّلت مجلّتها ، لأنّ أحد أعضائها اشترك في حركة ثوريّة وألقى قصيدة اعتُبرت مهيّجة . فلم ينفسح لهذه الجمعيّة الوقت لترينا ميلها بجلاء . إلاّ أنّها كانت تُعنى بجدّة المعنى في الشعر , ومتانة المبنى ، وتنقل إلى العربيّة شيئاً من آثار الافرنج ، وتتعهّد النزعة الأدبيّة الحديثة وجانباً من النقد الأدبي مع تمسّك بأصول اللغة ومميّزاتها . وقد تشتّت الآن أعضاؤها ، وما زالوا يعالجون كلّ ما يميل إليه بطبيعته من شعر وأدب ونقد “.(باقات من حدائق مي”، جمعها فاروق سعد ، ص 150).
(79)- يبدو أنّ الحليم كان يهتمّ بالجمعيّات التي تُعنى بالضعفاء والفقراء والمرضى ، وفي الحفلة الخيريّة لجمعيّة أصدقاء العميان التي أقيمت في ضهور الشوير ، نهار الأحد الواقع في 23-8-1925 (مخطوطة) ، قال في القائمين والقائمات بهذا المشروع الإنسانيّ لمساعدة العميان :
حسبهم فخراً إذا ما ذكروا أنّهم جاؤوا يؤاسون الفقيرا
كلّ من خفّف أوجاع الورى كان في عيني عظيماً وكبيراً
وأجلُّ الناس من رقّ لمن كان في الدنيا فقيراً وضريراً
كما عثرت على مخطوطة له طُبع في أعلاها اسم “جمعيّة دفن الموتي وتسفير الغرباء وإيواء العجزة “. ممّا جاء فيها :” … فهذه أخر مرّة أقف بها أمامكم وقفة الخطيب ، فدعوني أختتم مقالي ببيتين من الشعر نظمتها كتأريخ للجمعيّة هما :
قد قلت أوّل جلسة فيما مضى عشتم وعاشت فيكم الجمعيّة
واليوم أُنشد فلتعش أرّخ بنا جمعيّة للبرّ عثمانيّة
وجميع هذه المخطوطات في عهدة فؤاد دمّوس .
(80)- سيُعرض الأهمّ من مبادئها في أثناء دراسة شخصيّة الشاعر . أمّا تعريف الماسونيّة ، فيمدّنا به يوسف الحاجّ الذي بلغ فيها الدرجة القُصوى ، ثم تركها ليعتنق الداهشيّة . قال : الماسونيّة معناها “البناء الحرّ أو البنّاؤون الأحرار . وهي ثلاث فرق : الأولى الماسونيّة العامّة ، الثانية الملوكية ، الثالثة الكونيّة .
فالماسونيّة العامّة ذات الـ 33 درجة رمزيّة بحتة ، هي جمعيّة خيريّة غايتها ترقية الفكر البشريّ وممارسة عمل الخير ، مبدؤها حرّية الضمير المطلقة والتضامن البشريّ ، وهي تحترم ما لكلّ واحد من أعضائها من المعتقد الديني والمنزع السياسي .
فالماسوني من هذه الفرقة رجل حرّ ذو أخلاق حسنة يؤثرُ العدالة والحقيقة على كلّ شيء ، ولا يميّز بين الناس مهما تفاوتت درجاتهم العلميّة والماليّة إذا كانوا متساوين في عمل الفضيلة”. (يوسف الحاج : في سبيل الحقّ : هيكل سليمان أو الوطن القوميّ لليهود ، بيروت ،1934 ، ص25.).
(81)- أنظر عيسى اسكندر المعلوف ، تاريخ زحلة ، ص 227.
(82)- راجع “وقفة امام قيسون”، قصيدة نظمت في 3 كانون الثاني سنة 1923 ، ليلة تأسيس محفل قيسون بدمشق ، ومطلعها :
أهلاً بوفدك (فادخل) (فالباب) ليس (بمقفل)
(83)- منهم يوسف النمير رئيس محفل البقاع الماسوني ، وجرجي ديمتري سرسق ، ومحمّد أبي عزّ الدين ، وجبران لويس ، انظر الديوان ، ط1 ، ص 135و164، 166، 271-274و336-337.
(84)- تردّدت عبارة “مهندس الكون ” في قصائده . انظر الديوان ، ط1، ص135و153 . كذلك لفظة “محفل”. انظر الديوان ، ط1 ، ص 136و138و165و273و337. والديوان ، ط2 ، ص 298و299 . والمثالث والمثاني ، ج1 ، ص67 ،وج2، ص 43. وعبارتا “مهندس الكون” “والمحفل ” تردان في قسم الماسونيّة الذي مطلعه :” أنا … بين يدي مهندس الكون العظيم ، وبحضرة أعضاء هذه المحفل ” (رسوم البناية الحرّة : الدرجة الأولى للطريقة الاسكوتلانديّة تعريب شكري الفاخوري ، مطبعة البلاغة ، طرابلس الشام ، 1923).
(85)- نقل إليّ الدكتور فريد أبو سليمان أنّ الشاعر الزحليّ أبلغه أنه وصل إلى الدرجة السابعة عشرة .
(86)- بين أوراقه (في منزل ابنه فؤاد) رسالة وردت إليه من الدكتور فريد أبو سليمان حماده رئيس “محفل الأحرار” جاء فيها :” … لمّا كان محفلنا قرّر بجلسة ماضية إقامة حفلة بيضاء (في الدار الماسونيّة بشارع المعرض) يتكلّم بها بعض الأدباء ، فقد وضعنا اسمكم في البرنامج لنسمع قطعة من ملحمتكم الشهيرة ، ونستأنس بسماع صوتكم اللطيف “…
(87)- بين مخطوطات الشاعر(في منزل ابنه فؤاد) رسالة بعث بها إلى الياس بحمدوني ، جاء في مطلعها : ” نصافحك ونُحيّيك تحيّة الإخاء . وبعد فقد اجتمعنا مساء السبت الواقع (في 26 أيلول)، في جلسة رسميّة حضرها فريق من الأساتذة والإخوان بينهم حضرة الأخ المحترم طنّوس بك شحادة الذي سلّمنا حسابكم مع المحفل وهو عبارة عن قطعتين نقديّتين الأولى حوالة على بنك مرقده بقيمة مئة ليرة فرنساويّة ، والثانية كمبيالة بقيمة (16976) ستة عشر ألف وتسعمائة وستة وسبعون غرشا فسجّلناها رسميّاً في دفتر الوقائع “…
(88)- ورد في كتاب حنين قطيني “البنّاؤون ” ما يظهر أنّ علاقات حليم بأركان الماسونيّة كانت ما تزال قويّة في عام 1940 . قال :” في عام 1940 عُقد في بيروت اجتماع هامّ ضمّ أقطاب الماسونيّة في لبنان وسوريّة برئاسة المغفور له جورج بك رزق الله ، وتولّى أمانة سرّ الاجتماع الأستاذ حنين قطيني ، واتّخذ المجتمعون قراراً تاريخيّاً يقضي بتأسيس سلطة ماسونيّة مستقلّة لها صلاحيّة استصدار القوانين والتشريعات والتنظيم … وعندما لازم المغفور له جورج بك رزق الله فراش المرض ، واشتدّت وطأة الداء عليه ، كان في زيارته الأخان العزيزان الأمير سعيد الجزائري والمرحوم حليم دمّوس الشاعر المعروف “…
(البنّاؤون – تواريخ – دساتير – رسوم آثار – ، بيروت ص 74-75).
(89)- مقابلة مع فؤاد دمّوس في نيسان 1982.
(90)- يوسف الحاج : الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 213.
(91)- بمراجعتي مؤلّفات الدكتور داهش تبيّن لي أنّه كتب في سوق الغرب قطعاً أدبيّة مؤرّخة في 6و7 آب 1936 . (راجع “مختارات من كتب الدكتور داهش “، ص 222-223). ولقاؤه الأوّل هذا يظهر أيضاً في تمهيده “الوقائع الداهشيّة”.
(92)- مقابلة مع الدكتور فريد أبو سليمان ، ربيع 1982.
(93)- الدكتور داهش : جحيم الذكريات ، ص 265-274.
(94)- أفادني الدكتور أبو سليمان (ربيع 1982) أن الشيخ بشارة الخوري – الذي سيسلّم رئاسة الجمهوريّة بعد سنة ونيّف من هذه المحاضرة – كان بين الحضور ، وكان يستهزئ بما جاء فيها .
(95)- الوقائع الداهشيّة ، ج1 ، اليوم الثالث عشر والرابع عشر من شهر أيّار 1942.
(96)- يوسف الحاجّ : الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 216، ولطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ص 61، والجزء الأوّل من الوقائع الداهشيّة ، يوم 14 أيّار 1942.
وقد كتب في فاتحة اليوم الرابع عشر من أيّار في “الوقائع الداهشيّة”:
“سيكون هذا اليوم 14 أيّار 1942 فاتحة عهد جديد لحياتي الروحيّة . هو يوم انعتاق روحي من التكالب على المادّة ، هذه المادّة الخسيسة التي كانت تغمرني (من قمّة الرأس حتى أخمص القدم ..)”
(97)- إنجيل يوحنّا ، الاصحاح 3 ، الآية 3.
لم يكن حليم دمّوس وحيداً في تأثّره العظيم بهذه العقيدة الروحيّة ، بل شاركه في ذلك عدد من الأدباء والمفكّرين منهم : الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق ، والأديب الحاجّ ، والنطاسي الشهير الدكتور جورج خبصا ، والأديبتان ماري وزينا حدّاد ، والأستاذ المُشرف على هذه الرسالة الدكتور غازي براكس . أنظر نُبذاً عنهم في “معجم الأعلام “.
(98)- لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ص 65-66.
(99)- انظر المرجع السابق ، ص66-76.
(100)- يوسف الحاجّ : الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 216.
(101)- المرجع السابق ، ص 215.
(102)- حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيّة ، الجزء الأوّل المُعنون “ذكريات الماضي” ص 57-58.
(103)- للمزيد ، راجع لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ص 74-76.
(104)- يوسف الحاج : الدكتور داهش والروحانيّة . ص 76.
(105)- أنظر غازي براكس : جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة – تركيبة لأدبه ورسمه وشخصيّته ، المُلحق : “دراسة جبران النفسيّة على ضوء المبادئ الداهشيّة ص 501؛ وذلك استناداً إلى C.S.LEWIS,
Miracles, Collins, Fontana Books 1968, P. 8-66.
(106)- سورة هود ، آية 13.
(107)- غازي براكس : جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة – تركيبيّة لأدبه ورسمه وشخصيّته ، المُلحق ، “دراسة جبران النفسيّة على ضوء المبادئ الداهشيّة”، ص 501-514.
(108)- المرجع السابق ، الحاشية ، رقم 14 ، ص 512-513 . ويوضّح الدكتور براكس الهدف الخفيّ من زيارة الوزير السابق الأستاذ إدوار نون لمؤسّس الداهشيّة ، قائلاً :” كان الأستاذ نون قد أرسلته السلطات اللبنانيّة خصّيصاً ليتجسّس أخبار الدكتور داهش . وقد عرف مؤسّس الداهشيّة بأمره ، قبل أن يزوره ، في أثناء جلسة روحيّة ، وإذ قدم نون إليه ، عُلّم كتابة “الرمز الداهشيّ” وعُقدت له جلسة روحيّة حضرها كثيرون . وكانت قرينة الأستاذ نون السيّدة إيزابل قد أضاعت بين الثلوج ، وهي في أثناء التزلّج باللقلوق ، قلم حبر ذهبيّاً ، وذلك قبل تعرّفها وزوجها إلى الدكتور داهش بعدّة سنوات . وكانت ترافقها ، يومئذ في رياضة التزلّج ، السيّدة رينه قرينة الشيخ فؤاد الخوري شقيق الرئيس اللبناني الأسبق . وفي الجلسة الروحيّة ، وبناء على طلب الأستاذ نون ، استُحضر القلم الضائع بطرفة عين . فكان ذلك كافياً ليُخبر الأستاذ نون الرئيس اللبناني بأنّ ما يصنعه الدكتور داهش ليس أوهاماً وخداعاً لآل الحدّاد وغيرهم ، إنّما هو حقيقة ثابتة لا تقبل الشكّ ، والبرهان على ذلك استحضار القلم الذي أضاعته زوجته ، قبل سنوات ، وقد كانت ترافقها قرينة شقيقه الشيخ فؤاد “.(المرجع السابق ، الحاشية ، رقم 14، ص 513).
(109)- مجلّة “بروق ورعود”، العدد الأوّل ، السنة الأولى ، 23 آذار 1968 ، ص 4-5 .
(110)- بروق ورعود ، العدد الثالث ، السنة الأولى ، 23 أيّار 1968 ، ص 230.
(111)- صدرت عن دار النسر المحلّق في تاريخ إلقائها نفسه .
(112)- غازي براكس : الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات ، ص 10.
(113)- المرجع السابق ، ص 13-14.
(114)- المرجع السابق ، ص 15-18.
(115)- المرجع السابق ، ص 19.
(116)- المرجع السابق ، ص20.
(117)- المرجع السابق ، ص 23-24.
(118)- المرجع السابق ، ص 26-27.
(119)- صدر عن دار النسر المحلّق ، 1979.
(120)- الدكتور داهش : قصص غريبة وأساطير عجيبة جزء 2 ، ص 7-12.
(121)- غازي براكس : الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات ، ص 28-29.
من أراد مزيداً من الإطّلاع على الخوارق والمبادئ الداهشيّة ، فليراجع بالإضافة إلى المحاضرة المذكورة :
- معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان ، محاضرة ألقاها الدكتور غازي براكس في المنتدى الكبير بالجامعة الأميركيّة ، بيروت ، 12 أيّار ، 1970.
- ملحق دراسة جبران النفسيّة على ضوء المبادئ الداهشيّة ، مُرفق بكتاب جبران خليل جبران للدكتور غازي براكس ، بيروت 1974.
- معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفيّ لطفي رضوان رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة سابقاً ، بيروت 1979.
- كيف عرفت الدكتور داهش للشيخ عبد الله العلايلي ، بيروت 1979 . كذلك يفيده الإطّلاع على المجلاّت والصحف التالية :
- مجلّة “بروق ورعود” الأعداد من 1-5 ، الصادرة عن دار النسر المحلّق 1968.
- مجلّة “اللواء ” من العدد 75-97، والأعداد 102-111-133-143.
- مجلّة “الأحد”، 10 تمّوز 1966.
- جريدة “الجريدة” ، العدد 4000.
- ملحق “النهار” ، 21 آذار 1965.
- Revue du Liban N, 347
ويحصّل القارئ ، أيضاً ، معلومات كثيرة عن شخصيّة الدكتور داهش وأعماله وأفكاره باطّلاعه على الكتب التالية :
- آراء الأدباء والشعراء والصّحفيّين والأطبّاء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقضاة بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، دار النسر المحلّق ، بيروت 1979.
- أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت لمؤلّفه الدكتور داهش ، دار النسر المحلّق ، بيروت ، 1980.
3) تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة بأقلام أدباء وشعراء وكتّاب وصحافيّ البلاد العربيّة ، دار النسر المحلّق ، بيروت ، 1980.
4) دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصّحفيين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش ، دار النسر المحلّق ، بيروت ، 1980.
5) مراثي الأدباء والشعراء والصحفيين ، بمؤسّس العقيدة الداهشيّة دار النسر المحلّق ، بيروت 1979.
(122)- يوسف الحاجّ : الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 216.
(123)- د. غازي براكس ، معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان ، ص 35-36.
(124)- هذه الأبيات الثلاثة مقتطفة من قصيدة :” تحت ظلال الخلود”، ألقاها حليم دمّوس في الحفلة التأبينيّة الكبرى التي أُقيمت لجبران في بيروت ، ومطلعها :
جرى دمعها لمّا توارى عميدها كثكلى حيال القبر مات وحيدها
وقد نُشرت في كتاب “جبران حيّاً أو ميّتاً ” الذي جمعه حبيب مسعود ، دار الريحاني ، بيروت ، ط 2، 1966 ، ص 698-700. كما نشر الحليم هذه الأبيات الثلاثة في العدد الثالث والعشرين من جريدته “الأقلام” السنة الأولى ، بيروت في 4 حزيران 1932 ، ص 8.
(125)- عبد الله العلايلي : كيف عرفت الدكتور داهش ، ص 27.
(126)- أنظر مجلّة “بروق ورعود” ، عدد 5 ، السنة الأولى ، تمّوز- آب 1968، ص 459-460.
(127)- القضيّة بمختلف مراحلها معروضة في كتاب “وثائق تتكلّم حول قضيّة داهش ” 1945 ، و” الكتاب الأسود: أنا أتّهم “، 1945. وقد أعيدت الجنسيّة اللبنانيّة إلى الدكتور داهش ، بعد سقوط الشيخ بشارة الخوري واعتلاء الرئيس كميل شمعون سّدة الرئاسة 1953.
(128)- يجد القارئ عناوين الكتب السوداء كلّها في جدول ملحق بمؤلّفات الدكتور داهش الصادرة عن دار النسر المحلّق سنة 1979 و1980 ، وهي تُعدّ بالعشرات .
(129)- أنظر معجزات وخوارق الدكتور داهش ، يرويها لطفي رضوان ، ص 87-88.
(130)- جبران مسّوح : مجلّة “المختصر” السنة الثانية ، 1947 ، ص 1-3.
(131)- جبران مسّوح مجلّة “المختصر” ، العدد 6 ، السنة 2، حزيران 1947، ص 1-3.
(132)- ويقول الدكتور غازي براكس في “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان “، ص 18-19،” الشاعر حليم دمّوس أمضى في السجن والعذاب زُهاء سنة من أجل تمسّكه بإيمانه وإيثاره الروحيّات على الماديّات “.
(133)- مختارات من كتب الدكتور داهش : ص 2.
من الأسباب المهمّة التي دفعت مؤسّس الداهشيّة إلى إصدار الكتب والنشرات السوداء أنّ مقالاته وردود أعوانه التي كانت تُبعث إلى الصّحف لنشرها يرفضها قلم المراقبة في دائرة المطبوعات . وقد راجعت ماري حدّاد الداهشيّة مدير قلم المطبوعات (نجيب ليان) واستوضحه الأسباب لعدم سماحه بالنشر ، فقال بالحرف الواحد :” لديّ أوامر صريحة من (وزير العدليّة) حبيب أو شهلا برفض كلّ ما يرسله الدكتور داهش أو أحد أعوانه ردّاً على ما يكتب ضدّه . راجع “عريضة شكوى إلى مجلس النوّاب اللبنانيّ حول قضيّة الدكتور داهش ” الصادرة باسم ماري حدّاد ، ص 3.
(134)- انظر بيان “إسمعي يا بريطانيا وأصغي يا أميركا “، ص 2-3.
(135)- فضائح وقبائح يوسف ابن شربل لمعالي وزير العدليّة والأمّة اللبنانيّة ، ص 21.
راجع أيضاً منشور “حول قضيّة الدكتور داهش : عريضتنا الشكوى اللتان رفعتهما السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة إلى جلالة الملك فاروق وجامعة الدول العربيّة “، 1945، ص 7.
(136)- راجع أيضاً : آراء الأدباء والشعراء والصحفيين …. بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 148.
(137)- انظر ص 39-41.
(138)- اتّصلت بعدد من الشهود الذين وردت أسماؤهم ، فأكّدوا صحّة الوقائع المذكورة .
(139)- يبدو أنّ الحليم كان معجباً بجبران مسّوح وقلمه الصريح ، إذ قال في جريدته “الأقلام” عام 1932 في زاوية :” من أقلام المهاجرين”، وتحت عنوان :” الإنسان وأعداؤه”: في بونس ايرس زميل ، له في كتابته الصحافيّة أسلوب خاصّ لا يجاريه به قلم صحافيّ . ويزيد به جبران أفندي مسّوح صاحب جريدة “الإخاء”.
وقد نشر له مقالة عنوانها “الإنسان وأعداؤه” نقتطف منها ما يلي :
“… علينا أن لا نسعى لأذيّة أحد مهما كانت الأسباب عظيمة …
علينا أن نطفئ كلّ خصام يقع بين عدوّين نعرفهما “. أنظر “الأقلام” ، العددان 49و50 السنة الأولى ، ص 3.
(140)- أنظر كتاب : آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ،ص 207-208.
(141)- مجلّة “الفجر ” 25/5/1950.
(142)- في تمّوز 1947 ، قال عبد الله العاقل من سجن الرمل :” شاءت الصّدف أن أجتمع في سجن الرمل بالأستاذ الشاعر حليم دمّوس والوجيهين جورج حدّاد وجوزف حجّار الذين قد اضطهدوا من قبل الحكومة لاعتناقهم الديانة الداهشيّة ، وتبشيرهم بها في الأوساط الإجتماعيّة “. راجع : آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 33.
(143)- عرف الحليم فيما بعد ، في جلسة روحيّة ، أنّ اسم “حسّان” الذي أعطي ليس مجرّد تيمّن بشاعر الرسول ، إنّما لأنّ فيه “سيّالاً” روحياً من حسّان الشاعر الإسلامي .
قال أحمد حلمي باشا في الحليم :
حسّان أبشر بالحياة بسيمة والشمس مشرقة بنور الله
وحي من الإيمان جاءك هاتفاً بسعادة جلّت على الأشباه
(أنظر تصدير يقظة الروح) . راجع أيضاً “الداهشيّة تدعو المسيحيّة إلى الإيمان بنبوّة محمّد المسل وقرآنه الكريم المنزل ” ، ص 42. وكان دمّوس في عهده السابق للداهشيّة ، يذكر اسم حسّان ، وهذا يدلّ على إعجابه بهذا الشاعر المدافع بشعره عن الحقيقة . (أنظر “الديوان” ، ط1 ، ص 66 ، و”من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى “، ص 43). وكان قبل اعتناقه الداهشيّة يوقّع كتاباته ، أحياناً باسم ابن الوادي (يقظة الروح ، ص 88) أو شاعر البردوني .
(144)- يقول حليم في الإفادة التي أدلى بها إلى رئيس البوليس العدلي في بيروت الأستاذ إدوار أبي جودة بتاريخ 23 شباط 1944 :” وأنا منذ عشرين شهراً متّصل به (أي بالدكتور داهش ) لتبيض عدّة كتب أدبيّة له جاهزة وماثلة للطبع “. (راجع الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 215).
(145)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 16-17.
(146)- المرجع نفسه ، ص 21-23.
(147)- المرجع نفسه ، ص 117-123.
(148)- المرجع نفسه ، ص 133-134.
(149)- المرجع نفسه ، ص 207-209.
(150)- المرجع نفسه ، ص 100.
(151)- يقول الأستاذ سليم نادر :” في ساعة مباركة تلقّيت بيد الغبطة والسرور كتبكم الثلاثة : مذكّرات دينار ، بروق ورعود ، والدكتور داهش والروحانيّة “… (أنظر تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ، ص 33).
وقالت جريدة “الأحرار” : أهدى إلينا الشاعر حليم دمّوس نسخة من كتاب “بروق ورعود” تأليف الدكتور “داهش” (أنظر تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ، ص 186).
راجع أيضاً “دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار” ، ص 47- 50-111-113-114-116-132-133-134-171-172-173-174-175، 176-177-170.
(152)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 124-128.
(153)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 175.
(154)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة . راجع أيضاً مجلّة “العرفان” ، الجزء السادس ، المجلّد السادس والثلاثون ، حزيران 1949 ، ص 621.
(155)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين والأطبّاء والمحامين ورجال الدين والحكّام والقضاة بمؤسّس العقيدة الداهشيّة . أمّا إعدام “شخصيّة” الدكتور داهش فسيوضّح أمرها فيما بعد .
(156)- راجع كتابي “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ” و” دراسات ومقالات الأدباء بكتاب مذكّرات دينار “.
(157)- مجلّة “المختصر” ، العدد 6 ، حزيران 1947 ، راجع أيضاً “آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “، ص 207 .
(158)- كيف عرفت الدكتور داهش ، ص 33-43.
(159)- مجلّة بروق ورعود ، العدد 5، السنة الأولى ، تمّوز – آب 1968 ، ص 458.
(160)- مجلّة الأديب ، الجزء 3 ، آذار ، السنة 37 ، ص 32.
(161)- في جامعي العمريّ الكبير والمجيديّة .
(162)- ألقى خطبة في جامع بدمشق بحضور الشيخ أحمد كفتارو الذي تعرّف إلى مؤسّس الداهشيّة.
(163)- ألقى خطبة في الجامع الكبير عام 1945.
(164)- في الجامع الأزهر .
(165)- نسى مرافقاه عنوان القصيدة ، إلاّ أنّنا نرجّح أنّها من “الملحمة العربيّة “: الشاعر وربّة الشعر “، إذ كان يميل إلى إنشادها ، ومطلعها :
تغنّي عروس الشعر بإسم محمّد وهزّي بني الدنيا بسيرة أحمد .
وهذا النشيد ألقاه للمرّة الأولى في نادي وست هول في جامعة بيروت الأميركيّة احتفاء بمولد النبيّ العربيّ العظيم ،” فقوبل بعاصفة شديدة من الهتاف وتصفيق الإعجاب “(جريدة “المجالس” السنة الأولى ، العدد 16، 3حزيران ، 1937 ، ص 6-7).
(166)- مجلّة “الساخرة” تموز 1970 . لكنّ يبدو أن السيد سابا قد خانته ذاكرته في ما يخصّ قامة حليم دمّوس . فالشاعر الزحليّ كان طويل القامة وليس مربوعاً ؟
(167)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 111.
(168)- أنظر حول قضيّة الدكتور داهش :” عريضتنا الشكوى اللتان رفعتهما السيدة ماري حدّاد الداهشيّة إلى جلاله الملك فاروق وجامعة الدول العربيّة ” ، ص 5.
(169)- المرجع نفسه ، ص 9.
(170)- بتاريخ 12 تشرين الأوّل 1944 ، بعث الدكتور داهش من منفاه بحلب برسالة إلى وكيله الأستاذ إدوار نون . وفيها شرحٌ مؤلم لما أصابه من ظلم وإرهاق ، جاء في نهايتها :
” أطلب منك يا أخي إدوار أن تدع الأستاذ دمّوس ينقل رسالتي هذه على نسخة ثانية ويرفع بواسطتها بدوره قضيّة على الحكومة وعلى المعتدين “… (أنظر عريضة شكوى إلى مجلس النوّاب اللبنانيّ حول قضيّة الدكتور داهش ، ص 18).
(171)- راجع “الداهشيّة تدعو المسيحيّة إلى الإيمان بنبوّة محمّد المرسل وقرآنه الكريم المنزل ” الصادر باسم ماري حدّاد ، سنة 1946 ، ص 27.
(172)- المرجع نفسه ، ص 27.
(173)- المرجع نفسه ، ص 39.
(174)- المرجع نفسه ، ص 41 . وأنظر أيضاً “وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش “، ص 11 .
(175)- “عريضة شكوى إلى مجلس النوّاب اللبنانيّ حول قضيّة الدكتور داهش “، ص 3 . وأنظر أيضاً “وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش “، ص 40 وص72.
(176)- كشف الستار وفضح أسرار العصفوريّة وما يرتكب فيها من جرائم رهيبة باسم العطف على البؤساء والمنكوبين “، الصادر باسم ماري حدّاد الداهشيّة ، ج 1، ص 19.
(177)- متفجّرات جهنّميّة أو خناجر في حناجر ” ج1 ، ص 20 . ومنير وهيبه (الخازن) هذا عاد بعد حوالى أربعين سنة ليطلق لسانه بالسوء ضدّ مؤسّس الداهشيّة ، مختلقاً أكاذيب وافتراءات عليه وضيعة ، فما كان من الدكتور غازي براكس إلاّ أن تصدّى له وألقمه حجراً ، وذلك في مجلّة “النهار العربي والدولي “، تاريخ 15-21 آب 1983 ، السنة السابعة ، العدد 328.
(178)- “وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش “، الكتاب الرابع ، 1945 ، ص 27-28.
(179)- راجع “وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش ” ، ص 48-49.
(180)- المرجع نفسه ، ص 61-62.
(181)- الكتاب الأسود ، بغداد ، ص 66-67.
(182)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ،ص32.
(183)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 38.
(184)- فقد أعاد نشر القصيدة التي دوّنها في البرازيل عام 1907 ، وعنوانها :” أرى جمالك “(يقظة الروح ، ص 39)؛ كذلك ضمّن “يقظة” قصيدة ابنه الفقيد العزيز المعنويّة ” الدفين الصغير ” (يقظة الروح ، ص 49)؛ كما أحبّ أن يزيّن كتابه بمرثيّته إلى والده ” على قبر أبي “(يقظة الروح ، ص 53)؛ كما نشر في الديوان نفسه مرثيّة لأمّه “ذكرى وفاة والدتي سيّدة رحمها الله “(يقظة الروح ، ص 160) ، ويقول فيها :
ولم يبكني في الدهر إلاّ (أمومة) حمتني من الآلام والسّقم والحمى
وبتاريخ 23 حزيران 1947 ، أرسل من سجن رمل بيروت إلى إبنته سلوى قرينة فيصل شيخ الأرض تهنئة لصغيرتها مُنى بعامها الثالث ، وهي تصطاف في ضهور الشوير ، ممّا قاله لها :
أنا بسجن الرمل مع إخواني وأنت تصطافين في لبنان
(يقظة الروح ، ص 177-178).
(185)- أنظر جريدة “النهار” 28/9/1957، تحت عنوان “مات الشاعر حليم دمّوس “.
وقد ذكر الدكتور فريد أبو سليمان لي (ربيع 1982) أن حليم دمّوس أصيب بريقان عام 1957 ، فامتقع وجهه ، وتغيّرت سحنته ، وبدأ عليه الهزال ، فأشار عليه هو والدكتور جورج خبصا بأن يدخل المستشفى ، فدخله وبقي فيه بضعة أيّام . وظلّ مؤسّس الداهشيّة مهتمّاً بحليم حتى اللحظات الأخيرة ، فكان يبعث إليه بعصير المانغو ، ويتلقّى أخبار صحّته .
(186)- من كلمة مسجّلة ألقاها زهير عسيران في مهرجان إحياء الذكرى التاسعة للشاعر الزحليّ بتاريخ 2 تشرين الأوّل 1966.
(187)- الوصيّة مثبتة في ورقة نعيه الداهشيّة . أنظر صورتها في الصفحتين التاليتين .
(188)- راجع جريدة “النهار ” العدد 9454 ، 28/9/1966، تحت عنوان “زحلة تعيد الاعتبار لحليم دمّوس “.
(189)- يجدر بالذكر إبداء ملاحظة حول مهرجان الحليم : تتعلّق بكلمة خليل فرحات . فبينما كان يُلقي كلمته ، أتى على ذكر البيت الأخير من القصيدة التي مدح أحمد شوقي بها حليم دمّوس :
عش يا حليم وأنشد ما أنت إلاّ ابن هاني
(راجعها في الجزء الثاني من المثالث والمثاني ، ص 153)، وحاول أن يقنع السامعين بأنّ شوقي إنّما قصد التعريض بشعر دمّوس ، إذ سمّاه “ابن هاني” وهو الإسم الذي عُرف به الشاعر الأندلسي المعروف الذي لقّب بمتنبّي الأندلس . لكنّ رأيي أنّ فرحات كان على خطأ ، إذ لو كان شوقي يقصد حقّاً التعريض بشعر حليم قد نظم قصيدة “تحيّة شوقي” وألقاها في حفلة أدبيّة كبرى في المطعم الفرنساوي الكبير ترحيباً بقدوم أمير الشعراء إلى سوريا ولبنان ، ومطلعها :
هزّهُ الشوق فطارا وانتحى لبنان دارا
إلى أن يقول :
إيه يا كرم ابن هاني لا عدمناك مزارا
ويذكر حليم في الحاشية أنّ “كرمة ابن هاني اسم أطلق على منزل الشاعر شوقي وحديقته الغنّاء في المطرية بمصر “( المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 153).
تُرى ، هل كان أحمد شوقي يساوي بينه وبين الحليم خصوصاً إذا عرفنا أن “كرمة ابن هاني ” إنّما هي “كرمة شوقي “؟ علماً بأنّ دارة أمير الشعراء في مصر ما تزال تُعرف بهذا الأسم حتى اليوم .
وهل كان أمير الشعراء يُقدّم لحسّان حليم دمّوس ، مجاملة ، إمارة الشعر ؟
وتابع خليل فرحات في كلمته يُجرّد شعر حليم من كلّ قيمة ، إلى أن قال :” وإني لأتساءل منذ متى كانت القيمة في الكميّة ؟
وهنا انتصب إسكندر دمّوس ، نسيب حليم ، وقال :
” منذ جئت أنت يا خليل لتُهين الناس . أنت موجود على هذا المنبر ، فقبل أن تتكلّم عن الأدب كن أديباً على الأقلّ”.
وتلاسنا ، وعلا صوت الجمهور الذي أيّد إسكندر ، ومنع المستمعون خليل فرحات من الإستمرار في إلقاء كلمته ، فاضطرّ إلى مغادرة المنبر (وقائع المهرجان مسجّلة على شريط أحتفظ به ).
(190)- لازاروس : الشخصيّة ، ص 21 .
(191)- المرجع السابق ، ص 54 .
(192)- أنظر الديوان ، ط1 ، ص 340.
(193)- كان جورج دمّوس شقيق حليم يُتقن عدّة لُغات ، كما كان مولعاً أيضاً بالأدب ، وذا شغف خاصّ بشعر طاغور (مقابلة مع فؤاد دمّوس ابن حليم في ربيع 1982 ). كذلك اشتهر ابن عمّه شبل دمّوس بأنّه أديب وخطيب مفوّه . وهو صاحب القصيدة المطوّلة “النابولياذة”.
(194)- مربّي الروح ، ص 3 . وهو عبارة عن محاضرة لحليم ما تزال مخطوطة . وقد استمرّ جرجس همّام في تعليمه بالمدرسة الشرقيّة في زحلة من سنة 1903-1910، علماً بأنّ الحليم تخرّج عام 1905 .
(195)- المرجع السابق ، ص 14 .
(196)- للرسالة صورة زنكوغرافيّة في “المثالث والمثاني ” ، ج2 ، ص ع.
(197)- راجع ” كيف أنظم ” في ” الديوان” ط 1 ، ص 339 .
(198)- يتأكّد ذلك بشهادات عارفيه وخصوصاً الدكتور فريد أبو سليمان ، كما بغزارة إنتاجه المنظوم .
(199)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 144 . أنظر أيضاً المرجع نفسه ص 36-40 :” لغة الأجداد”، وص 58و82و98و133. وفي خطبة ما تزال مخطوطة ألقاها حليم في حفلة مدرسة البنات الأميركانيّة بتاريخ 20/6/1930 ، يدعو الطالبة العاقلة ” أن تحبّ لغة بلادها حبّاً يتغلغل في صميم فؤادها ويجري في عروقها مع دمها ، فاللغة عنوان الوطنيّة ومظهر القوميّة”…
(200)- ترجمها بتصرّف واستعان بترجمة المنفلوطي السابقة له . وقد صدرت في بيروت سنة 1926 .
(201)- إنّها للشعراء : سللي بريدوم وفيكتور هيغو وبول درولاد وغيرهم ممّن لم يذكر أسماءهم . أنظر الديوان ، ط 1 :” لو كان لي نفساً “، ص 84-85 ، ” حفيد الشاعر ” ص 123-124، “لويس الخامس عشر ، ص 189-190،” الأمّ وطفلها “، ص 206-212،”ضريح الطفل “، ص 250 ،” صيد النفوس “، ص 260 ،” الفكر ، الحقد ، الأمل “، ص 266-268،” الحزين الهادئ”، ص 282.
(202)- في الديوان تسع قصائد أو مقطّعات معرّبة نظماً عن الرازيليّة ، وهي :” تخيّلات شاعر”، ص 68-69 ،” الأندلسيّة”، ص 72 ،” جرى الحساب عليها “، ص 78،” الطفل الراحل” ص 79، “المرأة الخادعة “، ص 80-81،”دفنا معا” ،ص 82، ” بين الوردة والحياة” ص 107-108، “الشاعر السجين “، ص 113-114 ، “الوردة الذابلة”، ص 139-141.
(203)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 17.
(204)- أنظر مقال حليم في كازمير في “المثالث والمثاني ” ج1، ص 18-23.
(205)- انظر المقال في صدر الديوان .
(206)- مجلّة الأديب : الجزء 3 ، السنة 37 ، مارس 1978 ، ص 32.
(207)- د غازي براكس : جبران خليل جبران ، ص 26.
(208)- على سبيل المثال ، أنظر الديوان ، ط1 ، ص 63و66و103و104و119و120.
(209)- أنظر عيسى اسكندر المعلوف : تاريخ زحلة ، ص 198.
(210)- المرجع السابق نفسه . وفيه أنّ الزحليّين قبل محاصرة مدينتهم وإحراقها ، شهدوا عدّة مواقع أبلوا فيها بلاء حسناً ، وهي موقعة ضهر البيدر ، وموقعة كفرسلوان ، وموقعة السهل ، وموقعة الفرزل وبساتين الكرك ، وموقعة كسارة .
(211)- من الطريف أن تُعقد مقارنة بين الموضوعات الوطنيّة والروحيّة الالتزاميّة التي عالجها حليم دمّوس في شعره ، ومجموعات الغزل الكثيرة التي نظمها عقل لهواً وترفاً ، علماً بأنّ هذا الأخير عاش فترى الصّبا والشباب في الطابق الأعلى من المنزل نفسه الذي عاش فيه الحليم بزحلة . فذلك ممّا يؤكّد أنّ التكوين النفسيّ للأديب أقوى تأثيراً في أدبه من البيئة التي يعيش فيها .
(212)- سيعالج هذا الموضوع في الباب الثاني من الدراسة .
(213)- على سبيل المثال أنظر الديوان ، ط1 ، ص 98، 293-299 ، 314-327، 330-332.
(214)- يقظة الروح ، ص 70-78.
(215)- أنظر حبيب مسعود ، جبران حيّا أو ميّتاً ، ص 698-700.
(216)- يقظة الروح ، ص 100-111.
(217)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 2، ص 67-76.
(218)- لم يُخصّص حليم قصائد طويلة كثيرة لويلات الحربين ومآسيها ، لكنّه تحدّث عن نكباتهما في عدد لا يُستهان به من المقطّعات والقصائد . أنظر على سبيل المثال ، الديوان، ط1:
” دمدم والحرب ” ص 218-222، ” الجراد الجراد” ، ص 228-230، “أفجع ما رأيت ” ص 308، ” سيف أبيه “، ص 212-213، ” المرأة والحرب ” ص 216-217، ” إلى عام 1916 ” ص 226، ” الدكتور مرقّدة” ص 236-237، كذلك ص 242-244 ، 245-247، 261-264، 279-282.
(219)- مخطوطة في المكتبة الداهشيّة .
(220)- المثالث والمثاني ، ج 2 ، ص 235.
(221)- جريدة الأقلام ، العددان 49و50.
(222)- مجلّة الأديب ، العددان 5و6 ، السنة 39 مايو ويونيو 1980 :” رسالة من علي حيدر النجاري إلى الأستاذ عجاج نويهض ” . ويقول النجاري إنّ أمين تقيّ الدين بعد أن سمع في المذياع حليم دمّوس يلقي قصيدته أرسل برقيّة إلى اللجنة يطلب فيها أن لا يُلقي قصيدته في المهرجان إلاّ حليم . فألقاها الحليم في اليوم الثاني وأبدع .
(223)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 33 . ويبدو أنّ لقب “شاعر المنابر ” أسبغه عليه أمير الشعراء أحمد شوقي ، على حدّ قول رشاد دارغوث . أنظر “دراسات ومقالات الأدباء …في كتاب مذكّرات دينار “، ص 132و236.
(224)- مجلّة الأديب ، العددان 9و10 ، السنة 39 سبتمبر وأكتوبر 1980 ، ص 58 ،”رسالة من عجاج نويهض إلى علي حيدر النجاري “.
(225)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 13.
(226)- راجع الديوان ، ط1 ، ص 102، 123، 138، 160، 174.
والمثالث والمثاني ، ج1 ، ص 129 ، 145 .
(227)- من وثائق المكتبة الداهشيّة : التراث الداهشيّ ، المجلّد الأوّل ، ص 86.
(228)- يقول حليم :” ممّا لا ريب فيه أنّني استفدت من مجالسة الأدباء ومطالعة الشعر وقراءة دواوين الشعراء أضعاف ما أفادتنيه المدرسة ” (الديوان ، ط1 ، ص 340).
(229)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص ز .
(230)- أنظر مثلاً على ذلك في “الأقلام” : العدد السابع ، 13 شباط 1932 .
(231)- مقابلة مع السيّد جوزف حجّار رفيقه في السجن ، حزيران 1981 .
(232)- أنظر “الداهشيّة تدعو المسيحيّة إلى الإيمان بنبوّة محمّد المُرسل وقرآنه الكريم المُنزل “، وهو صادر باسم ماري حدّاد الداهشيّة عام 1946 ، ص 54-56 .
(233)- راجع ” آراء الأدباء والشعراء والصّحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “، ص 148 . وأنظر أيضاً مجلّة “المختصر” ، العدد العاشر ، أيلول 1946.
(234)- مقابلة مع الدكتور فريد أبو سليمان ، ربيع سنة 1982 .
(235)- أنظر الديوان ، ط1 ،ص 91، 216 ، 264 .
(236)- يوصي إمرأته هيفاء بأن تُنشئ ابنه “فؤاد” على الصفات الحميدة قائلاً :
…. وتُلبسيه نشاطاً وهمّة لن تخورا
وتنشئيه بصيراً على الزمان صبورا
وتغرسي الصدق فيه عشيّة وبُكورا
(237)- الديوان ، ط1 ، ص 53-54.
(238)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص “ز”.
(239)- المثالث والمثاني ، ج2 ص 22 .
(240)- الديوان ، ط 1 ، ص 218.
(241)- مقابلة مع الدكتور فريد أبي سليمان ، ربيع سنة 1982 .
(242)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 14.
(243)- راجع “دمعة على غريق “، ص 162 “فتّش عن المرأة” ، ص 163 ، “نفسي والدهر”، ص 150 ، “إلى حاكم عادل “، ص 200 ، “إتّق شرّ من أحسنت إليه” ، ص 257، “مدفع الطمع” ، ص 278 ، ” سبب التخاصم “، ص 286 الخ …
(244)- أنظر المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 46-61-63-183؛ وج 2 ، ص 282.
(245)- رباعيّات وتأمّلات ج1 ، ص 10 ، عن المقدّمة بقلم هاشم الدفتردار المدني .
(246)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 16.
(247)- W.DAIM, Transvaluation de la psychanalyse , L’Homme et L’Absolu , trad. De L’alle –mand par JUNDT , Paris , Albin Michel, 1956, pp. 129-173.
كذلك هادفيلد : علم النفس والأخلاق ، ترجمة أبو العزم ، القاهرة ، مكتبة مصر ، 1953 ، ص 97-108.
(248)-في ذكرى جبران :” جبران ونعيمة دراسة سيكولوجيّة مقارنة للدكتور غازي براكس” ص 101-1-2.
(249)- أنظر شاهين مكاريوس : كتاب فضائل الماسونيّة ، المقتطف ، مصر ، 1899 ؛ كذلك حنين قطيني : البنّاؤون – تواريخ ، دساتير – رسوم – آثار – بيروت .
(250)- أنظر W. DAIM , Transvaluation de la psychanalyse, l’homme et L’Absolu, pp. 129, 73.
(251)- المثالث والمثاني ، ج 2 ، ص “ث”.
(252)- المصدر السابق ، ص “ت”.
(253)- يقول في ذلك :
وقفنا بحور الشعر للمدح والرثا فضاع بليغ الوصف بينهما سُدى
على أنّ أغراض الحياة كثيرة أراها من التمداح أنبل مقصدا
إذا كان في التقليد قبح فشرّه بمن كان في فنّ القريض مُقلّداً …
وقولوا لمن يهوى القديم بشعره لقد حان للأشعار أن تتجدّدا
(المثالث والمثاني ، ج 2،ص 78-79)
(254)- أنظر مجلّة النفائس :” ثريّا السعادة” ، الجزء 9 ، العدد 8 ، القدس 13 أيلول 1921، ص 265- 268 . وقد عثرت على المخطوطة الأصليّة بين أوراقه ، وهي أوسع تفصيلاً من المنشور في “النفائس “.
(255)- جمع حليم أقوالاً كثيرة في مضارّ المُسكرات في كرّاس مستقلّ . وله غير قليل من الشعر فيها . منها :
قالوا عليك بخمرة فأجبتهم إنّ الشراب مضلّة الألباب
ما الخمر من شأن “الحليم” ، وإنّما خمر “الحليم” نفائس الكُتّاب
(الديوان ، ط1 ، ص 152).
أنظر كذلك الديوان ، ط 1، ص 85و261 ؛ والمثالث والمثاني ، ج1 ص 153و 167. وعن التدخين أنظر الديوان ، ط1 ، ص 184 .
(256)- ويورد حليم في المقال نفسه أمثلةً تؤيّد رأيه في قيمة المال الكبرى ، منها :” قيل إنّ نابليون سُئل مرّة : بماذا تفتح العالم ؟ أجاب : بثلاثة أشياء : أوّلاً المال ، وثانياً المال ، وثالثاً المال . وهو قول جدير بالاعتبار وإن كان من المغالاة في فيه “.
وقد أخبرني الدكتور أسامة عانوتي ، نقلاً عن الشيخ عبد الله العلايلي ، أنّ الحليم كان يقول :” أنا الذي بنيت من بيوتي بيوت “.
(257)- قال في حفلة مدرسيّة للفتيان عام1930 :
يا شباب الغد هذا يومكم فاعشقوا فيه يراعاً وكتاباً
واطلبوا العلم فتاة وفتى تُدركوا المجد شيوخاً وشباباً
(عن مخطوطة بين أوراقه)
أنظر كذلك قصيدته “إلى العلم” في الديوان ، ط 1، ص 97 . وجدير بالذكر أنّ حليم دمّوس كان يُكثر من الحواشي “العلميّة” لشرح بعض قصائده ، كما كان لا يدع اختراعاً حديثاً إلاّ قال فيه شعراً .
(258)- من قوله في قصيدة “أنا الحريّة:”
قالت : أنا ملك يبشّر بالهنا أنا بلبل ينفي عن القلب العنا
أنا زهرة كم أنعشت أرواحاً أنا قوّة كم أنتجت إصلاحاً
أنا شمس علم نورها قد لاحا أنا زينة الدنيا ، أنا الحرّية.
(الديوان ، ط1 ، ص 94).
(259)- أنظر ، على سبيل المثال ، المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 4-6و7 ؛ والديوان ط1 ، ص 60-62 و206-212 و309-310؛ والمثالث والمثاني ، ج2 ص 18-23 ، 33، 117، 313 .
(260)- أنظر حنين قطيني : البنّاؤون ، ص 85-89 .
(261)- ممّا جاء في “الدستور الماسوني ” الذي وضعه أندرسن – وهو يتألّف من 45 بنداً – البنود التالية :
1- قدّم العبادة والإكرام لله مدبّر الكائنات ومبدع الموجودات .
2- أحبب قريبك كحبّك لنفسك .
3- لا تفعل شرّاً حتى مع من أساء إليك .
4- إفعل الخير حبّاً بالخير نفسه .
6- إتّبع قواعد ديانتك واحترم ديانة الآخرين .
14- لا تشتم أحداً ، وتجنّب المشاجرات ، واحكم دائماً بالحقّ .
20- إجتهد أن تكسب ولدك مبادئ صحيحة ، وعلّمه أن يخاف الله في عمله ، وأن يحبّ وطنه ، وشرائع بلاده ، ولقّنه الأخلاق الفاضلة ، لتجعله أهلاً للمحبّة والإحترام .
30- لا تكن حسوداً حتى لا تكون محتقراً ، لأنّه لا سيادة لحاسد .
31- إحتمل النوازل بالصبر .
34- تجنّب المجادلات بأمور الدين ، لأنّ الدين لله وحده ، وبذلك تكون حفظت العلائق التي تربطك بمواطنك ، لأنّ الوطن للجميع على السواء .
42- لا تكن سكيّراً لئّلا تكون محتقراً ، ولا مقامراً فتكون مهاناً .
44- إحترم أمّك وأباك ، وقدّم لهما الطاعة ، والانقياد ، وأحسن إليهما فيحسن الله إليك في رزقك وطول حياتك “.
(المرجع السابق ، ص 85-89).
(262)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص171.
(263)- الديوان ، ط1 ، ص150.
(264)- الديوان ، ط1 ، ص 236.
(265)- الديوان ، ط1 ، ص 104.
(266)- المصدر السابق ، ص 99.
(267)- مستهلّ قصيدة مخطوطة كتبها بمناسبة ميلاد الدكتور داهش في مطلع حزيران 1957، بضعة أشهر قبل وفاته (أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 15).
(268)- أخبرني الدكتور فريد أبي سليمان ، رفيق حليم في جهاده الداهشيّ ، أنّ رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري ، أرسل من يُغري حليماً بالمال ليُعيد إصدار جريدته المحتجبة “الأقلام” شرط أن يتخلّى عن معتقده الجديد ، ويبتعد عن الدكتور داهش ، لكنّ حليم رفض طلبه بعزّة وإباء رفضاً باتّاً .
(269)- من كلمة الشيخ عبد الله العلايلي التي ألقاها في مهرجان حليم دمّوس بزحلة في 3 تشرين الأوّل 1966. (مسجّلة على شريط).
(270)- يقول الأديب عجاج نويهض :” لمّا كنت أجتمع به (بحليم) في القدس 1944 ، كان روحيّاً محضاً ، وممارسته الروحيّة كانت بواسطة الشعر”(مجلّة الأديب ، عدد آذار ، ص32).
(271)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 53.
(272)- مختارات من كتب الدكتور داهش ، أنظر “اللهّم ” ، لحليم دمّوس ، ص(ز).
(273)- غازي براكس :” جبران ونعيمة دراسة سيكولوجيّة مقارنة”، في كتاب “في ذكرى جبران” ، ص 102.
(274)- نُشر نقد له في “المشرق” 13:557.
(275)- حسبما ورد في مصادر الدراسة الأدبيّة ليوسف أسعد داغر ، القسم 1 ، ج 3، ص 435.
(276)- مجلّة الأديب ، السنة 37 ، الجزء 3 ، مارس 1978 ، “حليم دمّوس” ، بقلم عجاج نويهض ، ص 32.
(277)- جرجي باز : خاتمة الجزء الثاني من المثالث والمثاني ، ص 336.
(278)- القصائد هي التالية ، وقد نُظمت بين عامي 1920و1921 :” الربيع والشمس والبحر”،” رأيت قمر السماء “،” الخال وابن الأخت “،” أين السعادة ؟”” بين الأكليل والتعطيل “”تدشين خطّ معان “” بين غرناطة والشام”،” أمّا أنا “،” تمسّكوا بالأفضل “،” يا حاكم الصلح “،” بالتوفيق يا أملي”،” تكريم وليّ الدين يكن “” في معرض الشعر “،” عروس الأرز” ،” وطنيّات لا سياسيّات “.
(279)- عدد الرسوم والصور في الطبعة الأولى :39.
(280)- الديوان ، ط1 ، ص342.
(281)- المصدر السابق ، ص 83، 115، 124، 189، 206، 209، 277، 300، 305، 306، 308، 332؛ وفي الطبعة الثانية ، ص 287-288.
(282)- الديوان ، ط1 ، ص 305، 337.
(283)- المصدر السابق ، ص 57 ، 86 ، 291.
(284)- المصدر السابق ، ص 68، 72، 78، 79، 80، 82، 107، 113، 139.
(285)- المصدر السابق ، ص 192، 217، 335.
(286)- المصدر السابق ، ص 139- 166.
(287)- المصدر السابق ، ص 106.
(288)- المصدر السابق ، ص 148.
(289)- من رجال السياسة الذين مدحهم : الأمير فيصل والأمير فؤاد شهاب والسيّد ميشال لطف الله . ومن أهل الأدب : خليل مطران والأب لويس شيخو وشبلي الشميّل ونجيب مشرق وفيليب دي طرزاي وميّ زيادة والعلاّمة الشيخ أحمد عبّاس … ومن رجال الدين : البطريرك غريغوريوس الرابع والمطران باسيليوس قطّان .
(290)- الديوان ، ط1 ، ص 53، 154، 283.
(291)- المثالث والمثاني ، ج2 ، 16.
(292)- محاضرة “مربّي الروح” لحليم دمّوس ، ص 14-15 (مخطوطة) . نُشر نقد للديوان في مجلّة المجمع العلمي العربي 1: 352.
(293)- نقده طويلاً الأب شيخو في المشرق ، 21 (1923): 433 ، وسليم الجندي في مجلّة المجمع العلمي العربي 4: 138.
(294)- مجلّة الهلال :” في عالم الأدب والفنّ كتب جديدة”، ” السنة الحادية والثلاثون ، 1922، ص 991 .
(295)- نُشر نقد له في “المشرق” 24 (1926): 396.
(296)- نُشرت تباعاً في “البشير” ، قبل صدورها في بيروت سنة 1926 .
(297)- راجع القصائد التي زادها على الرواية في المقدّمة والصفحات التالية : 6، 7، 10، 12، 22، 23، 85، 86.
(298)- المثالث والمثاني : الجزء الأوّل ، كلمة لويس المعلوف مدير “البشير” ، ص 15. وممّا يبعث على العجب أنّ “البشير” اليسوعيّة بعد أن كانت تمدح حليم دمّوس ، راحت تهاجمه على أثر اعتناقه الداهشيّة ، كما حملت على الدكتور داهش ، فاستقال أخو حليم في الإيمان الدكتور جورج خبصا من منصبه كأستاذ للطبّ في المعهد الفرنسيّ ، احتجاجاً على تلك الحملة سنة 1942.
(299)- نُشرت طائفة من قصائد هذا الديوان في مجلّة المعارف ، ت 1، وت2 وك1 1922.
(300)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 11.
(301)- مقالات نقديّة على أدبنا العصريّ : رفائيل اليسوعي “حليم دمّوس في المثالث والمثاني “، مطبعة الإحسان ، حلب 1952 ، ص 54.
(302)- يقول رفائيل نخلة معلّقاً على “المثالث والمثاني ” :” معظم شعره الجدير بالشعر موضوعه الوصف ” (المصدر السابق ، ص 52).
(303)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 56، 58، 66، 67، 73، 143، 164.
(304)- المصدر السابق ، ص 41-44 .
(305)- يقول حليم في افتتاحيّة العدد الثاني عشر من السنة الأولى ، 19 آذار 1932 :” وجدير بأبناء البلاد والقائمين بالأمر فينا أن يصغوا لكلّ كلمة ترد من الخارج . فالمهاجر أنزه غاية وأصدق رواية وأكثر حريّة من المقيم . فهو يرسل النفثة إثر النفثة بعد أن يعرف حقيقة الداء ، ويصف ناجع الدواء “…
(306)- يذكر حليم أنّ فكرة نظم “الملحمة العربيّة الكبرى ” أوحاها إليه ابن عمّه الأديب والسياسيّ شبل دمّوس ، وذلك لدى زيارته إيّاه في زحلة ، إثر عودته من دمشق الذي أقيم فيها مهرجان تكريميّ للمتنبّي اشترك فيه ، سنة 1936 . وأوّل ما أتاه منها بيتان نظمهما وهو متّجه إلى ضهور الشوير حيث كان يصطاف ، وهما :
سأنشرها في الخافقين ملاحما على نسيج (حسّان) ونغمة (معبد)
فأنشد ألحان السلام لموطن مثّلث أقنوم به كالموحّد
(أنظر ” من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى “، ص 14-16).
(307)- عثرت على الرسالة بين أرواقه ، وقد أرسلها إلى رئيس محفل الأحرار الدكتور سليمان حمادة الذي طلب إليه إلقاء مقاطع من “الملحمة العربيّة” في الحفلة التي يقيمها المحفل في الدار الماسونيّة بشارع المعرض ، فأجابه شاعرنا برسالة مؤرّخة يوم الاثنين في 24 نيسان 1939 ، جاء فيها :
” هبطت الحكمة على (سليمان) من عهد بعيد . ومن الحكمة أن نلبّي اليوم صوت حكيمنا (سليمان) رئيس محفل الأحرار . ونزولاً عند رغبته أحدّثكم في هذه الحفلة البيضاء ، وأسمعكم بعض ما علق بالذاكرة من أبيات ملحمتي العربيّة التي أستمدّ وحيها من ربّة الشعر ، فأقول :
ربّة الشعر والهوى والعلاء أنت دنياي في الهوى وسمائي
منذ جئت الوجود حنّ فؤادي لمغاني الأجداد والآباء
أنا نجم في مهجة الليل سار فأريني مطالع الأضواء …
والجدير بالذكر أنّ هذه الأبيات لم تُطبع في الكتيّب المعنون ” من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى “.
(308)- تصدير يقظة الروح أو ترانيم حليم .
(309)- للأسف ، لم أعثر على نسخة مطبوعة لهذه الروايات ، ولا على أصل مخطوط لها ، بين مخطوطات الحليم المبعثرة وغير المفهرسة عند ابنه فؤاد . وقد أتى رضوان وديع أبو فيصل في رسالته على ذكر روايتين مخطوطتين هما :” في سبيل الكنز” ، و”الشرطي الأسير نائم- فلا تقلقوا راحته “..
وإنني لأتساءل : هل أدرج حليم هاتين الروايتين ضمن “الروايات العشر “، إذ إنّني لم أعثر عليهما بين المخطوطات ، أم إنّ يد الأذى قد امتدّت فسطت عليهما ؟
(310)- وفقاً لما نقل إليّ فؤاد حليم دمّوس (مقابلة في نيسان 1982).
(311)- مجلّة الكرمة ، ج2 ، مجلّد 14 ، شباط 1931 ، ص 13.
(312)- جاء في الحادثة التي أشار إليها :” طلب أحد الوزراء يوماً إلى الملك فيلبّس المكدوني أن ينصفه في قضيّة له ، فما كان من الملك إلاّ أن أصدر حُكماً مغايراً للشريعة والمعقول إذ كان في ذلك الحين سكران لا يعي ، فلم يجبن الوزير أمام حُكم مليكه ، بل التفت إليه وقال :
– إنّني أستأنف الحكم ، يا صاحب الجلالة .
– وإلى من تستأنف يا هذا ؟
فقال الوزير بكلّ هدوء :
- من فيلبُّس السكران إلى فيلبس الصاحي ، يا مولاي .
فعاد الملك لدى هذا الجواب إلى رشده وانصف للحال وزيره “.
(313)- الديوان ، ط1 ، من “الخاتمة” ، ص 342. لم أعثر على مجموعة “صدى الجنان” بين مخطوطاته ، عند ابنه فؤاد .
(314)- جاء في مجلّة “النشرة ” الأسبوعيّة ، عام 1932 :” تعقد هذه الجمعيّة حفلة في نادي جامعة السيّدات في عين المريسة ، نهار السبت الواقع في 21 أيّار الرابعة بعد الظهر ، وسيكون المتكلّم حليم أفندي دمّوس صاحب “الأقلام” الغرّاء “.
(315)- وهذه هي القصيدة :
إنّ الجراثيم قالت وهي هائمة : أنا التي عالم الإنسان يخضع لي
لقد تحصّنت في أكناف مملكتي فلست أرهب يوماً صولة البطل
فكم فتكت بأحشاء وأفئدة وكم نزلت بجسم الشارب الثّمل !..
في الصمّ والبُكم لي حول وسيطرة وفتكةٌ بذوي الأوجاع والعلل
فمن أمير إلى ذات السوار إلى متيّم هام بين الشّرب والقبل !..
فليحذر الناس من بطشي فإن يدري أقوى من الحرب إن شبّت مع الدّول
فليسمعوا كلماتي إنّها حكم وإن تكن كلماتي قرّبت أجلي !…
(راجع حليم دمّوس حياته وآثاره ص 47)
(316)- نظم الحليم قول المسيح :” أنتم ملح الأرض ، وإذا فسد الملح فبماذا يملّح ؟” في أيّار 1914.
وما أنت إلاّ الملح في الوطن الذي يُراد له العلياء والخير والنجح
فثابر على الإصلاح والعدل بيننا فلا تصلح الأوطان إن فسد الملح
(317)- ديوان حليم ، ط1 ، ص 338 ، تحت عنوان ” كيف انظم “
(318)- خمسة أيّام في فلسطين : مشاهدات وملاحظات (مخطوط).
(319)- أنظر جريدة “الأقلام” ، السنة الأولى ، العددان ، 49و50، ص 8 وما بعدها .
(320)- لم يذكر تاريخ الطبع في الكتاب . لكنّ ثمّة بعض القرائن على أنّ صدوره كان بين 1948و1950 .
أوّلاً ، فيه عدد من القصائد مؤرّخة سنة 1948 . ثانياً ، قالت مجلّة الشعاع العراقيّة في عدد 3و4 تمّوز 1948 :” ترقّبوا قريباً جدّاً يصدر في مطابع مصر ديوان يقظة الروح أو ترانيم حليم ، للشاعر اللبناني حليم دمّوس “… ثالثاً ، يصرّح الأستاذ محمّد على الطاهر في المقدّمة قائلاً :” فقد تولّيت الاشراف على جمع هذا الشعر وطبعه في أيّام محنة فلسطين التي بلبلت الذهن ” (يقظة الروح ، ص 2 ) . رابعاً ، ورد في مجلّة الدبور عدد 27 آذار 1950:” صدر في إحدى مطابع مصر ديوان “يقظة الروح ” لصديقنا الشاعر اللبناني المحلّق المحلّق الأستاذ حليم دمّوس “.
(321)- في بعض قصائده القديمة استبدل لفظة بأخرى . مثاله : ورد في الديوان ، ط1 ،ص132:
أيّ يوم أرى اتّفاقاً أكيداً عيدنا واحد على رغم كاره
فاستبدل في “يقظة الروح “( ص 44) بكلمة “عيدنا” كلمة” ديننا” . كذلك لفظة “هيفاء” الواردة في يقظة الروح (ص 39) كانت ” أسماء” في الديوان .
(322)- نقده الدكتور جميل صليبا في كتابه :” محاضرات في الاتّجاهات الفكريّة في بلاد الشام وأثرها في الأدب الحديث “، جامعة الدول العربيّة 1958 ، ص 181-182.
(323)- لم أتمكّن من الاطّلاع على مخطوطات الأجزاء الباقية ، لاخراجها مع الوثائق الداهشيّة من لبنان في أثناء الحرب اللبنانيّة .
(324)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 1 ، ص 10.
(325)- يقول جورج إبراهيم حدّاد الذي عاشر حليم دمّوس نحو خمس عشرة سنة :” والذين سيطالعون صفحات (الوقائع) المشوّقة التي أنشأها وسجّلها حليم دمّوس ، سوف يؤمنون ويوقنون أنّ السماء زارت هذه الأرض الشقيّة زيارة جديدة لتُرشد الإنسانيّة الضالّة إلى طريق الخلاص “. (آراء الأدباء والشعراء .. بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 15) . وقد بدئ ، مؤخّراً ، بطبع موجز عن “الوقائع الداهشيّة ” في أجزاء متسلسلة صادرة عن دار النار والنور ، بيروت ، 1983 . وقد صدر منها باسم حليم دمّوس جزءان : “معجزات مؤسّس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة ” و” المعجزات والخوارق الداهشيّة المذهلة “.
(326)- صدر الكتاب ، مؤخّراً ، وغُيّر عنوانه القديم ” نزوات قلب ” فأصبح ناثر وشاعر “؛ ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء صادرة عن دار النار والنور ، بيروت ، 1983.
(327)- مجلّة الورود ، أيلول ، السنة 32 ، الجزء 9 ، ص8 .
(328)- أنظر أنجيل متّى ، إصحاح 14 ، عدد 22-32.
(329)- المرجع السابق ، إصحاح 16، عدد 23.
(330)- المرجع السابق ، إصحاح 16، عدد 18.
(331)- راجع العهد الجديد ، إصحاح 9 ، عدد 1-22.
(332)- راجع غازي براكس ،: جبران خليل جبران ، ص 298 ، وكذلك :
- G. Jung , Psychologie de L’Inconscient , P 73.
(333)- المثالث والمثاني ، ج 2 ، ص 29-30.
(334)- الديوان ، ط1 ، ص 309-310.
(335)- أنظر قصيدة “دمدم والحرب” الديوان ، ط1 ، ص 218-222.
(336)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 250.
(337)- الديوان ، ط1 ، ص 156 . والجدير بالذكر أنّ مقطّعاته في موضوع الحسد والحسّاد قد تعدّدت . راجع على سبيل المثال : الديوان ، ط1 ، ص 102 ، والمثالث والماثني ، ج2 ، ص (ز) و135.
(338)- الديوان ، ط1 ، ص 332.
(339)- أنظر حنين قطيني : البنّاؤون – تواريخ – دساتير – رسوم – آثار ص 85-89.
(340)- الديوان ، ط1 ، ص 330.
(341)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 250.
والبيت الأخير لحافظ إبراهيم من قصيدته في لبنان المنشورة في الجزء الثاني من المثالث والمثاني ، ص 242-246.
(342)- الديوان ، ط1 ، ص 224 . ويقول في موضع آخر :
أبُنيّ دع جدل الديانات التي صدمت عقولاً في الورى ونفوساً …
(المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 46).
(343)- الديوان ، ط1 ، ص 97.
(344)- الديوان ، ط2 ، 276.
(345)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 5.
(346)- الديوان ، ط1 ، ص 146 .
(347)- أنظر نصّها الكامل في ملحق هذه الدراسة ، رقم 1 .
(348)- استبدل بلفظة “عيدنا” “ديننا” في “يقظة الروح” ، ص 44.
(349)- الديوان ، ط1 ، 132.
(350)- من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى ، ص 42.
(351)- المصدر نفسه . أنظرها أيضاً في “يقظة الروح” ، ص 32-33 . وقد استبدل فيها كلمة ” أمّنا ” بكلمة “مهدنا”.
(352)- راجع “من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى ” ص 20-39 .
(353)- راجع جريدة “الأقلام” العدد الرابع ، 23 ك2 1932 ، ص 1.
يقول في افتتاحيّة العدد العاشر ، السنة الأولى ، 6 آذار 1932 ، وتحت عنوان “رئاسة الجمهوريّة بعد ثلاثة أسابيع “:
“…. وإذا كان الدستور اللبناني لم ينصّ في موادّه عن دين رئيس الجمهوريّة ، فإنّ أيدي السياسة والرئاسة والطائفيّة والحزبيّة والسلطات الدينيّة والدنيويّة قد تغلغلت إلى قدس أقداس الدستور ونسجت حوله شبكة متينة منظورة لا تتّفق مع النظام الديمقراطيّ الذي بُني على أساسه دستور لبنان ، ذلك الدستور المستمدّ من صلب دساتير العالم ومن مؤيّدي حقوق الإنسان “.
(354)- هو فيصل شيخ الأرض .
(355)- من أناشيد الملحمة العربيّة الكبرى ، ص 43.
(356)- من قصيدة “صنّين ” المؤرّخة في 1/2/1927 (مخطوطة).
(357)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص 136.
(358)- الديوان ، ط1 ، ص 71، ولعلّ قوله التالي يدخل أيضاً في هذا الباب :
إذا لم ترتق الفتيات علماً وأخلاقاً توسّدان الحضيضا
وهل يقوى على التحليق طير إذا ألفيت جانحه مهيضاً ؟
(المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 89).
(359)- المثالث والمثاني ، ج1 ، 134.
(360)- الديوان ، ط1 ، ص 230.
(361)- يقظة الروح ، ص 116.
(362)- الديوان ، ط2 ، ص 293.
(363)- المثالث والمثاني ، ج1 ، ص46.
(364)- الأقلام ، العدد 15 ، السنة الأولى ، 9 نيسان 1932 ، ص 8.
(365)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص(و-ز).
(366)- المصدر السابق نفسه . كذلك أنظر “يقظة الروح ” قصيدة :” الطائر الأزرق ” ص 117.
(367)- الديوان ، ط1 ، ص218.
(368)- الأقلام ، السنة الأولى ، العدد 18 ، 30 نيسان 1932 ، ص 8.
(369)- الديوان ، ط1 ، ص 219.
(370)- الديوان ، ط1 ، ص221 .
(371)- المصدر السابق ، ص 222.
(372)- الديوان ، ط1 ، ص 278.
(373)- المصدر السابق ، ص 218.
(374)- المصدر السابق ، ص 62.
(375)- المصدر السابق ، ص 101.
(376)- الديوان ، ط1 ، ص 89.
(377)- المصدر السابق ، ص 90-91.
(378)- الأقلام ، السنة الثانية ، العدد 25 ، 18 حزيران 1933 ، ص 1 .
(379)- ثريّا السعادة (مخطوطة).
(380)- المصدر السابق نفسه .
(381)- ممّا وفّق فيه مرثاته لأبنه الثاني شوقي (الديوان ط1 ، ص 279-282-و283), ورثاؤه لفيصل (يقظة الروح) ، ص 70-78).
(382)- أنظر حبيب مسعود :جبران حيّاً أو ميّتاً ، ص 698-700.
(383)- يقظة الروح ، ص 100-111.
(384)- أنظر على سبيل المثال ، الديوان ، ط1 “مع البردوني” ، ص 103-104 ، “أنا والليل” ص 154-160، ” عين عابد” ، ص 283-286.
(385)- أنظر الديوان ، ط1 ، ص 216-217 ، والمثالث والمثاني ، ج1 ، ص 34 ، والمثالث والمثاني ، ج2 ، ص 22، 23، 24، 33، 89.
(386)- أنظر يقظة الروح :” العربيّة المجاهدة ” ص 176 ، و”إلى الشاعرين عمر أبي ريشة وحسن فطين الأرمنازي “، ص 199-201، و”المرأة والفنّ” أرجوزة شعريّة إلى مجلّة “المرأة والفنّ ” البيروتيّة الجديدة ، ص 202-204.
(387)- مثالها قوله :” بين مناهج المدارس الطائفيّة ، ومناهج المعاهد الأجنبيّة ، ضاعت الوطنيّة والقوميّة ، وضعفت العواطف الإنسانيّة “… (رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص34).
(388)- أنظر “رأس الزاوية ” بين عامي 1947-1948، يقظة الروح ، ص 197-198.
(389)- سفر نشيد الأناشيد ، الإصحاح الرابعة ، عدد8 .
(390)- أنظر رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص79.
(391)- أنظر د. غازي براكس ، جبران خليل جبران ، ص 327.
(392)- المرجع السابق ، ص 287-290.
(393)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص65.
(394)- مجلّة الأديب ، العددان 9و10 ، السنة 39 ، ص 25 . والقول لمحسن جمال الدين .
(395)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في “مذكّرات دينار” ص 77.
(396)- جريدة الوادي ، السنة 28 ، العدد 29 ، 15 ت2 1957.
(397)- من كان أبوه أو أمّه أحبّ إليه منّي ، فليس جديراً بي . ومن كان أبنه أو ابنته أحبّ إليه منّي فليس جديراً بي “… (إنجيل متّى ، الاصحاح 10 ، عدد 37-38).
(398)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص31.
(399)- أنظر قصيدة “مناجاة طيف” ، المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 29-30.
(400)- من قصيدة مخطوطة عنوانها :” نجاة السفينة ” . أنظر ملحق ” هذه الدراسة ، رقم 16. ويقول في قصيدة “السفينة الداهشيّة” ، في مطلع حزيران 1954 (ملحق الدراسة ، رقم 11):
أقبل اليوم من يقود السفينة وهي تجري إلى الشطوط الأمينة
إنّ رُبّانها الحكيم تجلّى ورأته عيوننا في المدينة
وسيهدي لنوره كلّ نفس تتمنّى سعادة وسكينة
(401)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص25.
(402)- من قصيدة “نجاة السفينة” . أنظر ملحق الدراسة رقم 16 .
قال أيضاً في قصيدة “بعد الأربعين” ، في مطلع حزيران عام 1953 (مخطوطة):
فاطّلع على الدنيا شهاباً ثاقباً يهدي العقول بأسطع الأنوار
ويبثّ في الغبراء أقدس دعوة أسرارها من أغرب الأسرار
أنظر القصيدة في ملحق الدراسة ، رقم 8.
(403)- أنظر الملحق ، رقم 13 . و”باب العمود” محلّة في مدينة القدس ولد فيها مؤسّس الداهشيّة . ومن مراجعتنا لقصائد حليم التي نظمها بمناسبة ذكرى ميلاد الدكتور داهش ، وجميعها ما تزال في مخطوطاته ، يتحصّل لدينا أنّه ولد في مطلع حزيران من سنة 1912. والصحيح هو أنه ولد في عام 1909.
(404)- أنظر محلق هذه الدراسة ، رقم 14، “مولد كوكب”.
(405)- من قصيدة “ميلاد الهادي” مطلع حزيران 1957 (مخطوطة) . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 15.
(406)- راجع قصيدة “عبد مولد الفادي” مطلع حزيران 1954 (مخطوطة) . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 10 وفي منظومته “تحيّة الهادي” (مخطوطة) ، مطلع حزيران 1955، يتكرّر المعنى نفسه تقريباً ، إذ يقول :
إن كان في بيت لحم مولد الفادي ففي سما القدس لاحت طلعة الهادي
(فاد) و(هاد) هما كالفرقدين ومن نوريهما تهتدي أرواح زُهّاد
وقال في قصيدة “فردوسنا المفقود” (مخطوطة) ، مطلع حزيران 1954 (الملحق ، رقم 9):
… فردوسنا أن نرى (الفادي) على عجل فهو الذي عمّنا في حبّه جوداً
كما وردت لفظة “الفادي” في قصيدة “روح الفادي” مجلّة النشرة ، المجلّد 80 ، الحزء الرابع ، نيسان 1949 ص 157 . وكذلك في منظومته “في فجر الأربعين أو مولد الهادي ” بتاريخ 1/6/1951. أنظر القصيدتين في ملحق هذه الدراسة ،رقم 21 ورقم 7.
(407)- يقظة الروح ، ص 188.
وقال في موضع آخر :
اللهمّ لقد وجدت عزّي بالمعزّي
وبالمعزّي وجدت كنزي
فأنت كنزي وأنت عزائي وعزّي ! (أنظر مختارات من كتب الدكتور داهش ، ص “ط”).
(408)- من قصيدة “تحيّة الهادي” مطلع حزيران 1955 (مخطوطة) أنظر “ملحق” هذه الدراسة ، رقم 13.
(409)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين .. بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 111-112 . يقول الشيخ عبد الله العلايلي في مؤسّس الداهشيّة : ” والنفس التي شاعت فيها ثورة الاصلاح تتمرّد حتى لتتحدّى كلّ الأوضاع ، وتتنمّر حتى لتجابه كلّ الأخطار ، مطمئنّة إلى أنّها قوّة لا تُدحر ولا تتغلّل ، وأنّها لا بدّ أن تتمدّد في المجتمع فيتجدّد بما فيه من النزعة الجديدة ، نزعة الاصلاح ، وبما فيه من الفكر الجديد ، الفكر المتحرّر “. (كيف عرفت الدكتور داهش ، ص59).
(410)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، 22.
(411)- مجلّة النشرة ، المجلّد 80 الجزءان 8-9 آب وأيلول 1949 ، ص 396. أنظر ملحق الدراسة ، رقم 22.
(412)- من منظومة “في فجر الأربعين أو مولد الهادي ” ، مطلع حزيران 1951 (مخطوطة) . أنظر ملحق الدراسة ، رقم 7 . قال ، أيضاً ، في قصيدة “رأس الزاوية” التي تكتسب بُعداً جديداً ، إذ ذكّرته نكبة فلسطين بالمسيح واضطهاده ، وبالمسيح الجديد :
ولقد ذكرتك يا ابن مريم ناظراً للقدس تندبها بعين دامية :
– مهلاً أقاتلة الأعاظم في الورى ظلماً وراجمة الرؤوس (الهادية)
(413)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص112.
(414)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 112.
(415)- المصدر السابق نفسه .
(416)- من قصيدة “الميلاد” مطلع حزيران 1950 (مخطوطة) . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 6 ، ويقول الحليم في قصيدته بمطلع حزيران “مولد الهادي” عام 1948:
اليوم مولد (هادينا) ومرشدنا إلى حقائق أفكار وآراء
يطوي الحياة بعيداً عن زخارفها كأنّه البدر فوق السحب والماء
ويستميت دفاعاً عن عقيدته كقائد ليس يخشى نار هيجاء
كما يخاطبه في قصيدة “ميلاد الهادي” ، مطلع حزيران 1957 ، قائلاً :
أنت العظيم الذي نرجو كرامته ليرتع الناس في أمن وفي جذل
أنت الزعيم علينا بعد أن ظهرت منك العجائب بين السهل والجبل
أنظر القصيدتين السابقتين ، وهما من مخطوطاته ، في ملحق الدراسة ، رقم 5 ورقم 15.
(417)- يقظة الروح ، ص 198.
(418)- أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت لمؤلّفه الدكتور داهش ص 44.
(419)- راجع “السفينة الداهشيّة” ، مطلع حزيران 1954 ، الملحق ، رقم 11.
(420)- من قصيدة “ميلاد الهادي”، مطلع حزيران 1957 ، الملحق ، رقم 15.
(421)- راجع قصيدة “بعد الأربعين” ، مطلع حزيران 1953، أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 8.
(422)- من أجل إيضاح قصّة طرد عبد الرحيم الشريف الخليليّ من صفوف الداهشيّة ، وارتباطه تقمّصيّا بيهوذا الاسخريوطي ، حسب الاعتقاد الداهشيّ ، راجع نبذة عنه في ” ذيل معجم الأعلام” من هذه الدراسة .
(423)- الخائن المنبوذ “، رباعيّات وتأمّلات ، الجزء الأوّل ، ص 69.
(424)- من منظومة “الميلاد” ، مطلع حزيران 1950 . وهي منظومة قبل سقوط الشيخ بشارة الخوري بأكثر من سنتين . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 6.
(425)- يقظة الروح ، ص 206.
(426)- أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 15.
(427)- الظاهرات الروحيّة – على حدّ قول حليم -:” كانت سبباً رئيسيّاً لالتفاف عدد كبير حوله واعتناق مذهبه الاصلاحيّ العظيم … رغم المقاومات الشديدة والاضطهادات العديدة “(دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش ، ص 59).
(428)- يقظة الروح ، ص 171.
(429)- المصدر السابق ، ص 188.
(430)- دراسات ومقالات الأدباء والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ص 67.
يقول الحليم عن مؤسّس الداهشيّة :” وقد أتى أمامي بمعجزات خارقة : فمن نقل أشياء وشفاء أمراض ، وكتابة مؤلّفات ملهمة وسواها من نبوءات عن حوادث تمّت في أوقاتها تماماً ” (أنظر الدكتور داهش والروحانيّة ، ص 216).
(431)- تُرى ، هل دوّن الحليم جميع الظاهرات التي كان يجترحها مؤسّس الداهشيّة ؟ يُجيب السيد جورج إبراهيم حدّاد الذي عاشره حليم دمّوس نحو خمس عشرة سنة :” إنّ قسماً فقط من المعجزات والخوارق التي شاهدتها بنفسي مدوّن في هذه الكتب ، لأنّه لو أراد أن يكتب بدون انقطاع وبدون راحة ، فإنّ الوقت لا يكفيه ليدوّن ما شاهدناه “(أنظر آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 15).
(432)- بإمكان الراغب في الاطّلاع على بعض تلك الظاهرات الروحيّة وأسماء شهودها أنّ يطالع ما كتبه الدكتور غازي براكس في هذا المجال ، وعلى الأخصّ “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان “،و” الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات “. ذلك بأنّ جميع ما ينقله الدكتور براكس من خوارق الجلسات الروحيّة بين سنة 1942 و1957 يستند فيه إلى ما دوّنه حليم في “الوقائع الداهشيّة”.
(433)- يقول فريد الياس نزها رئيس تحرير مجلّة الجامعة السريانيّة 1946 :” ولكنّ (دعوته) مهما كانت ، لا توجب قيام رجال الدين عليه ، ولا أن تضطهده الحكومة على هذا الأسلوب الوحشيّ ، طالما الرجل ذو فكرة إصلاحيّة سليمة . وإنّنا نستقبح كثيراً أن يصدر عن رجال الدين المسيحيّ- دين المحبّة والوداعة والسلام – مثل هذه الأعمال المعيبة المطويّة على اللؤم والوقيعة والانتقام ، وإذا كان لبنان قلب الشرق النابض ، فبئس الشرق الذي هو قلبه وهذه نبضاته : اضطهاد نوابغه … والقضاء على أحراره ” (أنظر آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 132).
(434)- من منظومة مخطوطة عنوانها “نجاة السفينة” . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 16. يقول في مخطوطة أخرى :
كذاك داهش يشقى في السجن رهن القيود
ماذا جناه ليلقى نفياً وراء الحدود ؟!
(435)- دراسات ومقالات الأدباء والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش ص 56.
(436)- أنظر أيضاً ماري حدّاد : الكتاب الأسود ، أنا أتّهم .
(437)- يقول جبران مسّوح في العدد 12 من مجلّة “المختصر” بتاريخ تشرين الأول 1946:” وجّهت مجدا المسدّس إلى صدغها وأطلقت الرّصاص … وماتت مجدا . وموت مجدا نقل الحادث من طور إلى طور . فعندما رأت ماري حدّاد أنّ بنتها صارت جثّة هامدة أمامها ، تحوّلت من سيّدة تُدافع عن قضيّة إلى لبوة مفترسة لا تُراعي في البطش قاعدة أو نظاماً . كانت تناضل بلسانها وقلمها بروابط وقيود ، فصارت تطاعن بلا روابط ولا قيود … وبلا وعي . ولماذا لا نلتمس لها عذراً ؟”… وقد انتحرت مجدا بتاريخ 27 كانون الثاني 1945 . وفي الذكرى الثالثة لوفاتها ذهب عدد من الداهشيّين إلى جونيه حيث زاروا ضريحها ، وكان من بينهم الشاعر دمّوس فألقى قطعاً نثريّة كتبها الدكتور داهش عندما بلغه نبأ مصرعها ، وختم الحفلة بأبيات ناجى بها الشهيدة ومؤسّس الداهشيّة :
هنيئاً لمجدا إذ رأتك حيالها وقد لبست ثوباً من النور غاليا
شهيدة إخلاص ، شهيدة دعوة مقدّسة تُدني الذي كان قاصيا
فدتك احتجاجاً يو أقصوك عُنوة فيا لك مفديّاً ويا لك فادياً !..
تطوف عذارى الطهر في الخلد حولها يرجّعن في دار النعيم الأغانيا
وأنت تناجيهنّ جذلان راضيا وتسقي وتُسقى كوثر الحبّ صافيا
(انظر مراثي الأدباء والصحفيّين بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ص 138).
(438)- أراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ص 133-134.
(439)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 7-8.
يذكر الدكتور فريد أبو سليمان في مقدّمته لكتاب المراثي ، ص 11 :” وعندما نشرت الصحف أنباء إعدام الدكتور داهش ، أرسل بشارة الخوري بطلب (رهنما) سفير إيران يومذاك في لبنان ، واستوضحه أمر إعدام الدكتور داهش . وقد أرسل رهنما سائلاً وزارة الخارجيّة الإيرانيّة عن حقيقة الحادث ، فأتاه الجواب مؤكّداً أنباء الاعدام بتقرير رسميّ يصف فيه المصرع بتفاصيله . وقد بلّغ رهنما بشارة الخوري الخبر ، مزوّداً إيّاه بهذا التقرير الرسميّ .
” حينئذ انفرجت أسارير بشارة الخوري ، وابتهج لخلاصه من عدوّه داهش الذي سبّب له آلاماً عظمى بسبب الكتب السوداء التي نشرتها شقيقة زوجته ماري حدّاد ، وفيها من الفضائح الهائلة ما يزكّم الأنوف . ” وهكذا أقضّت مضجعه ، وحرمته من النوم لكثرة ما أوجعته ..”.
(440)- عنوان القصيدة “أنّات سجين ” راجعها في مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 21-23. كذلك أنظر صورة لها بخطّ حليم دمّوس في أواخر هذه الدراسة ، ضمن “نماذج من مخطوطات حليم دمّوس “.
(441)- منها قوله في جواب شعريّ على سؤال أتاه من صاحب “كردفان” في السودان :
… يا ويح من حاربونا في محاكمهم وأصدروا الحُكم في زور وبهتان
جاروا على من هدانا في رسالته إلى حقائق أديان وإيمان
قضى بعيداً عن الأوطان ، والهفي ! وقد طواه الردى في (أذربيجان)
وسوف نذكره في (كردفان) وفي مشارق الأرض ما كرّ الجديدان
(يقظة الروح ، ص 184).
(442)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 17.
(443)- يقول في الصفحات 49-51 من هذه المحاضرة :” تبيّن لي ، ولعشرات غيري أنّ للدكتور داهش ستّ شخصيّات أخرى غير شخصه البشريّ ، وهذه الشخصيّات كناية عن سيّالات ، أي قوى روحيّة هي امتدادات له كائنة في عوالم متباينة ، وبإذن الله ، يسمح لها أحياناً أن تتجسّد لاتمام أمور أو غايات روحيّة خطيرة ، فتتّخذ شكله البشريّ تماماً بحيث تصبح “شبهه”. وإذ ذاك ، يمكن من كان حاضراً أن يجالسها ويحادثها ويتحسّسها ويؤاكلها ؛ لكنّه قد لا يستطيع أن يميّزها عن داهش البشريّ ، إلاّ إذا كانت ترتدي ثياباً مختلفة ، وكان الناظر يعلم سابقاً ما يرتديه الدكتور داهش ، وكثيرة هي المرّات التي تظهر فيها فجأة ، وتتوارى فجأة بينما تكون أمامنا ، ونحن ننظر إليها أو نسلّم عليها . وقد يجتمع منها شخصيّتان أو أكثر حتى الستّ ، في مكان واحد ، وقد تتجسّد في نفس اللحظة في اماكن مختلفة مبتاعدة . وقد تأكّد لي وللكثيرين غيري ممّن شاهدوها أنّها لا تخضع إطلاقاً لنواميس الأرض ، فهي تخترق الحواجز والجدران ، وتنتقل لمح البرق من مكان إلى آخر ، وإن يكن من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب ، وتسيطر على الجاذبيّة فترتفع في الهواء ، وتمشي على الماء ، وتُثقّل وزنها أو تخفّفه حتى تُلاشيه ، وهي قادرة ، بإذن الله ، على صنع ما تصنعه الروح من معجزات . ومن عجائبها الباهرة أنه سنة 1947 ألقي القبض على إحدى الشخصيّات في أذربيجان من أعمال إيران فقتلت رمياً بالرصاص ودفنت في البلد نفسه . وقد نشرت الصحف في لبنان وجميع البلاد العربيّة نبأ مقتل الدكتور داهش وصور مصرعه . ومع ذلك كان مؤسّس الداهشيّة ما يزال بين أتباعه يعلّم طريق الحق ، أمّا شخصيّته التي أعدمت في أذربيجان ، فسرعان ما بُعثت من الموت ، لأنّ الموت غير قادر عليها ، فهي لا تخضع لنواميس الأرض ، لأنّها ليس من الأرض “. ويؤكّد د. براكس ، في المرجع نفسه ، أن فهم تجسّد “الشخصيّات” يحسم قضيّة الخلاف في مسألة “الصّلب” بين المسلمين والمسيحيّين . أنظر أيضاً مقدّمة الدكتور فريد أبو سليمان لكتاب المراثي ، وعنوانها :” ما الدكتور داهش ودفن .. ثم بُعث حيّاً “.
(444)- أوّل المؤمنين بالداهشيّة في لبنان : الأديب يوسف الحاجّ والد الدكتور كمال الحاج ، ثم الشاعر حليم دمّوس ، فالدكتور جورج خبصا ، فجورج حدّاد ، عديل الرئيس بشارة الخوري ، وزوجته ماري شيحا وعائلتهما ، فالأديب جوزف حجّار ، فالدكتور فريد أبو سليمان . أنظر نُبذاً عنهم في “معجم الأعلام”.
(445)- انظر مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين …بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، مقدّمة الكتاب ، وهي بعنوان “مات الدكتور داهش ودفن … ثم بعثّ حيّاً “، ص 7-12.
(446)- مقابلة مع الدكتور فريد أبي سليمان (ربيع 1982).
(447)- كتبت ماري حدّاد من سجن الرمل رسالة إلى جبران مسّوح ، صاحب جريدة “المختصر” في البرازيل ، عام 1947 ، جاء فيها :
“… لقد جلدوني بضعة أيّام باستمرار حتى تمزّق لحمي وتدفّق دمي وأصبحت أقرب إلى الموت من الحياة … وقد جلدو قريني جورج حدّاد وصهري جوزف حجّار … كما إنّهم جلدوا الشاعر حليم دمّوس … لقد وضعونا بزنزانات منفردة وهم يشتموننا ويهينوننا ويجيعوننا …” (أنظر آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين ، بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 210).
(448)- عبد العزيز الحلفي :” أدباء السجون ” ص 429-430.
(449)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 134.
(450)- المصدر السابق ، ص 182-183. أنظر أيضاً مجلّة “المختصر” ، العدد 14 كانون الأوّل 1946.
(451)- مقابلة مع الدكتور فريد أبي سليمان (ربيع 1982).
(452)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 148.
(453)- عبد العزيز الحلفي ، أدباء السجون ، ص 431-132.
(454)- يقظة الروح ، ص 190.
(455)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين .. بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ص 207-208.
(456)- مجلّة الورود ، السنة 32 ، الجزء 9 ، أيلول 1979 ، ص 8.
(457)- نشرت جريدة “الحياة” البيروتيّة بتاريخ 12 حزيران 1947 ، تحت عنوان “الحكم بالسّجن على الداهشيّين “، قالت :” كان أمس موعد محاكمة الداهشيّين المعتقلين منذ شهرين بتهمة إعداد مناشير تمسّ بالأمن العامّ وبكرامة المراجع الرسميّة .
وقد طلب الدفاع تخفيف الحكم لأنّ رجال التحرّي صادروا المناشير وهي ما تزال قيد الطبع ، وبذلك لا يجوز اتّهامهم بتوزيع المناشير . غير أنّ المحكمة لم تأخذ بهذه النظريّة وأصدرت عليهم الأحكام التالية : ماري حدّاد ستّة أشهر ، جورج حدّاد أربعة أشهر ، جوزف حجّار ثلاثة الأول فقط . ومع ذلك جرفت الأحكام الأستاذ دمّوس أيضاً (راجع أيضاً “أراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “، ص 221). وقد نظم الشاعر دمّوس في سجن الرمل قصيدة “أنّات سجين” بتاريخ 6 تمّوز 1947 بعدما بلغه نبأ مصرع الدكتور داهش ، ومطلعها :
أحقّاً قضى من كان للروح هاديا فألهب أشجاني وأدمى فؤاديا
(أنظر المراثي ، ص 21-23)
وفي آب عام 1947 كان حليم ما يزال في سجن الرمل ، إذ نظم في الشهر نفسه ، بمعتقله ، قصيدة بعنوان “صدى الوصيّة الداهشيّة” ومطلعها :
بكى صاحبي لمّا درى بوصيّة رواها طبيب للجميع حبيب
(أنظر المراثي ، ص 49)
ويذكر قيصر معلوف عام 1947 في قصيدته “الداهشيّة” كيف أنّ الحليم رثى معلّمه من السجن إذ قال :
رأيت حليماً مرجع القلب باكيا ينظّم في من قد فقدنا القوافيا
فلا السجن يثنيه ولا غضبة القضا لتردعه عن أن يجيد المراثيا
أجاد بسجن الرمل في موقف الرثا وفاء حبيب أسلم الروح وافياً
… إذا ما حليم قام فينا مبشّراً سمعت له يا داهش الدهر راويا
(أنظر مراثي الأدباء والشعراء …ص 76-77)
وقد بقي حليم في السجن حتى شهر أيلول 1947 ، ذلك بأنّ أديب هاشم أحد نزلاء سجن الرمل وجّه إليه رسالة بتاريخ 4 أيلول 1947 جاء فيها :”… إنّ قلبي ينزف دما عندما أرى شاعراً إنسانيّاً اجتماعيّاً كالأستاذ حليم دمّوس في غيابات السجون . قد غضب على الأنظمة الجائرة ، وثار على مساوئ المجتمع ، وأبى الضيم ، وهو الحرّ الأبيّ ، فزأر في وجه أعداء الأمّة زأرة الأسد الجريح ، فنكّلوا به ، وساموه أمرّ ضروب العسف والإرهاق ، وقادوه إلى معقل الأبطال سجيناً ، بينما نراه رافع الرأس ، عزيز النفس ، موفور الكرامة ، لأنّ الآلهة وضعت بيمناه دستور الإصلاح ، وقانون حريّة الشعوب ، وألقت بيسراه سيف الحقّ المرهف لبتر رؤوس رجال الشر وأعناق الطغاة المستهترين بحقوق الشعب وبكاء الأيتام وأنّات الثكالى في هذه الأيّام السوداء التي عزّ فيها الرغيف ، وقلّ الانتاج ، ووقف دولاب العمل ، فعمّت الفوضى ، وكثرت لوعات الأمّة ، وراتفع عالياً صوت الشعب الجريح شاكياً متظلّماً ، ولكن ، واأسفاه ، ليس من يرحم ولا من يسمع ممّن رفعتهم الأمّة على كراسي الحكم ولا ممّن اختارهم الشعب للذود عنه “.
(أنظر مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ص 59).
(458)- الفجر ، 25/5/1950. أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 28.
(459)- يقول حليم في قصيدة أخرى :
ليس للسجن دوام فاعتقال وسراح
مثلما يأتي الظلام هكذا يأتي الصباح !
(عبد العزيز الحلفي ، أدباء السجون ، ص 432).
(460)- بتاريخ 10 كانون الثاني 1948 يخاطبه المحامي سليم عقل صاحب جريدة “الصاعقة ” في قصيدة ظلمنا كلانا ” فيقول :
إباؤك يأبى أن تكون موالياً ولاة يرى الرُقّاق فيهم موالياً
بلوك ولما أفحمتهم صلابة لرأيك سلّوا صارم البغي ماضيا
ألم يطعنوا الإلهام والوحي والحجى بسجنك ظلماً ، والقوافي الغواليا ؟
وسامك أن تشقى لتنصر مبدأ تراه قويما ينشر الحقّ هاديا
سيروي لنا التاريخ أروع حادث ويفضح للأيّام ما كان خافياً
(راجع آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ص 83-85).
(461)- الشاطئ ، 5/1/1052.
(462)- يقول في إحدى رباعيّاته :
ومهما طوّقوا بالقيد زندي سأخرج بعد طول الأسر حُرّاً
أعود إليك ، يا وطني ، نقيّاً كأزهار الرّبى طيبا وعطرا
أعود إليك ، منتصراً كنسر تحمّل في ظلام السّجن قهراً
لئن هبّت أعاصير الرزايا عليّ أظلّ طول الدهر نسراً
(راجع رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص79).
(463)- رباعايّات وتأمّلات ، ج2 ، ص31.
(464)- مجلّة الدبّور ، 4/4/1949.
(465)- من كلمته في مطلع حزيران 1948 (مخطوطة) . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 5.
(466)- أنظر جريدة “الحياة” بتاريخ 28 كانون الثاني 1946 . راجع أيضاً “آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة “، ص 148.
(467)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 28.
(468)- دراسات ومقالات الأدباء والشعراء والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش ، ص 61.
(469)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 26.
(470)- يقول الدكتور داهش في مقدّمة كتاب ” مختارات من كتب الدكتور داهش “، ص2 “فقد ظُلمت ظلماً رهيباً ، واعتدي عليّ اعتداء شائناً ، وجرّدت من جنسيّتي بطريقة اعتسافيّة لا مثيل لها ، وسلّط عليّ بشارة الخوري ، يومذاك ، وسائله الإعلاميّة من صحافة وإذاعة ، فراحت هذه الوسائل الإعلاميّة تنوشني نوش النسور الكاسرة ، لا لجريدة ارتكبتها أو جريمة أوقعتها ، ولكنّه الظلم المرعب البطّاش “…
(471)- من مقدّمة “آراء الأدباء والشعراء … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ” ، ص 7-8.
(472)- المصدر السابق نفسه .
(473)- وثائق تتكلّم حول قضيّة الدكتور داهش ، ص 48-49.
(474)- المصدر السابق ، ص 54-55.
(475)- المصدر السابق ، ص 61-62.
(476)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار لمؤلّفه الدكتور داهش ، ص 56.
(477)- يقول عبد اللطيف الخشن صاحب جريدة “العلم العربي” في بونس أيرس – الأرجنتين ، في رسالة بعث بها إلى حليم دمّوس :” … أمّا في القرن العشرين فقد كثر الفجور وعمّ الكفر ، وصارت كلّ رسالة إصلاح غرضاً لسوء الظنّ ، وصار كلّ مصلح ومرشد عرضة للشتيمة النميمة والقدح والتقريع والتأنيب . ولم نجد ، مع الأسف ، كاتباً حتى الآن يضع رسالة داهش على مائدة التشريح ويضع نظّارته على عينيه ، ويتجرّد من الأنانيّة والغرضيّة والغايات ، ويقول كلمته البريئة لوجه الله والإنسانيّة ، لأنّ الناس اعتادوا أن يكونوا تابعين في النكايات والبغي والشتيمة ، ولم نرهم كتابعين في حفظ الكرامة وإصلاح دات البين ، والهداية والإرشاد ” (مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 221).
(478)- وادي زحلة رأس الشاعرين .
(479)- يقظة الروح ، ص 179-180.
(480)- صواعق مدمّرة انقضّت على الفرسان الأربعة ، ص 58.
(481)- هذه النبوءة مستوحاة من قطعة كتبها مؤسّس الداهشيّة في أوّل كانون الثاني 1948 تحت عنوان “الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروّع ، وقد جعلها على لسان مارس إله الحرب . ومن يطالعها يستشفّ منها نشوب الحرب اللبنانيّة بويلاتها ونكباتها ، وتشريد السكّان ، وتدمير العمران ، وتيتيم الأطفال … وهو يذكر في ختامها أنّ هذه النبوءة ستتمّ ابتداءً من عام 1975، إذ ستندلع الحرب اللبنانيّة ، فلا تُبقي ولا تذر . (“أفراح وأتراح “، الجزء الثاني من سلسلة “حدائق الآلهة وفراديس الالهات ، ص 86-87).
(482)- جاء في قصيدة مخطوطة لريمون قسّيس عنوانها ” هوذا الحليم … ” وقد نظمها في ذكرى وفاته الحادية والعشرين (1957-1978)، في زحلة ، بتاريخ 21/9/1978:
… كم ضجّ صوتك يا (حليم) محذّراً هل كنت تقرأ في كتاب الحاضر ؟
رؤياك في مزق الشعوب تجسّدت آيا رواسخ في الهلاك الغامر
… هوج الرياح استوطنت أكنافها واعصوصفت ، وتلاعبت بمصائر
فإلام نخبط في دياميس الوغى ومتى يلوح صباحنا ؟ يا شاعري ؟
(483)- أنظر جريدة البيرق ، العدد 3773 ، 27 أيلول 1977.
(484)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 45.
(485)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 50.
(486)- دراسات ومقالات الأدباء … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 59 . أمّا عبارة النبيّ سليمان فانظرها في “نشيد الأناشيد” من “العهد القديم” ، إصحاح 4 ، عدد 8.
(487)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص79.
يقول الدكتور غازي براكس في مهرجان حليم دمّوس بزحلة سنة 1966 إنّ فرحتين غمرتا فؤاد الحليم :
“فرحة الاهتداء وفرحة أنّ لبنان موطن الهداية . وطن أرز الربّ الذي ولدت شواطئه نور المعرفة ووزّعته على العالم الغارق في ظلمة الجهل ، في الماضي السحيق ، لم لا ينهض اليوم بحجم القرن العشرين فيملأ دوره الإشعاعيّ ثانية ، فيصدّر إلى العالم المتخبّط في دياجير المادّة والفساد لا نور الكلمة البشريّة فحسب ، بل نور كلمة الله أيضاً ؟”…
(488)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص25.
(489)- يقول حليم :
هي دعوة روحيّة كشفت لنا سرّ الخلود بفضل نور الهادي
من قصيدة “في فجر الأربعين أو مولد الهادي” 1/6/1951 (مخطوطة) . أنظر الملحق ، رقم 7.
(490)- يقظة الروح ، ص 171.
(491)- المصدر السابق ، ص 207.
(492)- أنظر آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 113.
(493)- دراسات ومقالات الأدباء … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 62.
(494)- يقظة الروح ، ص 194.
(495)- المصدر السابق ، ص 170-171.
(496)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 112-113 . يقول حليم دمّوس ” إنّ مؤسّس العقيدة الداهشيّة الدكتور داهش نشر دعوته في لبنان عام 1942 ، فالتففنا حوله ، واعتنقنا مذهبه ، لأنه أوّل مصلح مسيحيّ جاهر بحقيقة الإسلام ، وأعلن أنّ من أهمّ تعاليم الداهشيّة وأهدافها السماويّة الإيمان بالقرآن الكريم أنّه كتاب سماويّ وأنّ النبيّ محمّداً مرسل من الله . وقد جاهرنا بهذه الحقائق بأقلامنا وألسنتنا في محطّات الإذاعة والصّحف والجوامع والجمعيّات ، فثار علينا رجال الدنيا والدين ، وحرّضوا الرئاسة والحكومة والقصر الجمهوريّ على خنق فكرتنا الداهشيّة في مهدها …” (أدباء السجون ، ص 429-430).
(497)- يقظة الروح ، ص 183-184.
(498)- من قصيدة مخطوطة عنوانها “مولد الهادي” 1/6/1948. أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 5.
(499)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ص 55.
(500)- تقع القصيدة المخطوطة في سبعة عشر بيتاً . وقد نشرها الشاعر سنة 1951 في مجلّة “هوليود” ، تحت عنوان ” الحقيقة المعذّبة” حاذفاً منها ستّة أبيات . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 3.
(501)- في هذا البيت إشارة لبيت ورد في قصيدة مخطوطة ليوسف الحاجّ ، عنوانها :
“جاء المؤدّب “، ويعني به مؤسّس الداهشيّة . وفيها يقول :
جاء المؤدّب فارتدع يا مذنب حتّام في تيه الجهالة تذهب ؟
(502)- يقول حليم :” أغنى الأغنياء : فقير زاهد لا يتزلّف إلاّ إلى الإله الرحمان . وأفقر الفقراء : غنيّ بخيل يتزلّف ، كلّ آن ، إلى كلّ إنسانيّة أو إنسان”.
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 42).
(503)- يقول حليم :” حلمت بالأمس كأنّ هاتفاً يقول : أيّها الناس الأغبياء ، إنّ إخوانكم الفقراء الذي يفترشون الغبراء ، ويلتحفون الزرقاء ، سيدخلون السماء حيث الهناء والبهاء ؛ أمّا أولئك الأغنياء المياسير الذين ينامون على الحرير في فراشهم الوثير ، ولا يفكّرون بحالة أخيهم الفقير فسيصلون نار السعير !!.. وما أدراك ما نار السعير !”
(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص72).
(504)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 24.
(505)- المصدر السابق ، ص 34.
(506)- المصدر السابق ، ص 38.
(507)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص56.
(508)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص16.
(509)- المصدر السابق ، ص 54.
(510)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص52.
(511)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص52.
(512)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص58.
(513)- يقول حليم :” من آمن بالروحانيّة إيماناً صحيحاً ، وفهم أهدافها السامية ، وتكشّفت له أسرارها ، سلّمته مفتاح باب السعادة “.
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص60).
(514)- دراسات الأدباء … في كتاب مذكّرات دينار ، ص61-62.
(515)- المصدر السابق ، ص57.
(516)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص66.
(517)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ،ص 68.
(518)- المصدر السابق ، ص60. كذلك يقول حليم :” عين المؤمن تنظر بواطن الغيب ، وتتحوّل عن مواطن العيب” (المصدر السابق، ص62).
(519)- يقول حليم :” من لم يكن مؤمناً بالله إيماناً صحيحاً ، خان وجدانه وأوطانه وخسر خلاّنه وأعوانه ، (رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص48).
(520)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص47 . يقول أيضاً بهذا المعنى :” من اتّكل على الحكيم العليم ، علّمه علماً بغير تعليم “(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص60).
(521)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 24 . وهو القائل :
فكن واثقاً بالله جلّ جلاله فأجمل ما في الروح إيمان واثق
(يقظة الروح ، ص 171).
(522)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص53. وقال في موضع آخر :
أرضيت ربّي بُكرة وعشيّة فأنا كما يرضى الإله أكون !
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 31).
(523)- من قصيدة “بعد الجهاد” راجع “صدى النواعير” بتاريخ 30/3/1950. أنظر القصيدة في ملحق الدراسة . رقم 27.
(524)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص18.
(525)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 44.
(526)- المصدر السابق نفسه .
(527)- المصدر السابق ، ص 40.
(528)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 22.
(529)- المصدر السابق ، ص20.
(530)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 72.
(531)- المصدر السابق ، ص 32.
(532)- المصدر السابق ، ص 34.
(533)- المصدر السابق ، ص 70.
(534)- المصدر السابق ، ص 36.
(535)- وهو القائل : “أثبُت على الوفاء … حتى الوفاة “. (المصدر السابق نفسه ).
(536)- المصدر السابق ، ص 73.
(537)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 54 . ويقول في المصدر نفسه ص 48 :” متى عملت الخير مع القريب والبعيد على السواء ، أصبحت من أبناء السماء “.
(538)- المصدر السابق ، ص 24.
(539)- المصدر السابق ، ص 48.
(540)- من أقواله :” الأميّ النقيّ خير ممّن استظهر الكتب السماويّة المنزلة ولم يعمل لها “. (رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 60).
(541)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 36.
(542)- وهو القائل :” إذا لم تتّصل بالرحمان فكراً وقولاً وفعلاً ، اتّصلت بالشيطان فكراً وقولاً وفعلاً “(رباعيّات وتأمّلات ، ج 1، ص 36).
(543)- المصدر السابق ، ص 58.
(544)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 32 ، وكذلك يتساءل :” كيف تُهنأ أيّها الغنيّ الخطير … وجارك مريض فقير ، لا يملك شروى نقير ؟! .(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص56).
(545)- يقول :” لكي تُدعى بحقّ (إنساناً) يجب عليك أن تبدأ بالإحسان إلى أبعد إنسان عنك ، كما تُحسن إلى أقرب قريب منك “(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 30).
ويقول في موضع آخر :” الإنسان الحقيقيّ ؟ من أقام المآدب للأيتام والفقراء ، قبل أن يقيمها للأغنياء والعظماء !” (رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص68).
(546)- مجلّة “النشرة ” المجلّد 81 ، الجزء الثاني ، شباط 1950 ، ص 80 . أنظر ملحق الدراسة ، رقم 26 .
(547)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 20.
(548)- المصدر السابق ، ص 28 . قابل قوله المُشار إليه أعلاه بهذين البيتين اللذين قالهما في العهد السابق للداهشيّة :
دخلتها ولهيب الشوق في كبدي وسوف أخرج منها غير ظمآن
إنّي أخذت لنفسي من محاسنها ما تأخذ النحل من أزهار بستان
(جريدة “الأقلام” السنة الأولى ، العدد 17 ، 23 نيسان 1932 ، ص 8).
(549)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 51.
(550)- لعلّ خير ما يمثّل ذلك قوله :
أقبل على الدنيا بنفس حُرّة تضحك لك الدنيا ووجهك مُشرق
فإذا رهدت بها فأنت مضيّع وإذا حفلت بها فأنت موفّق
(المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 227-228).
(551)- التراث الداهشيّ , المجلّد الأوّل . أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 12.
(552)- أنظر د. غازي براكس : مدخل إلى دراسة حدائق الآلهة وفراديس الإلهات ، ص 64-70.
(553)- د. غازي براكس : جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة – تركيبيّة لأدبه ورسمه وشخصيّته ، ص 418 .
(554)- من قصيدة “بعد الجهاد”، أنظر “صدى النواعير” 30/3/1950 (منشورة في ملحق الدراسة رقم 27 . وفي قصيدة أخرى يتمنّى على خالقه أن يقصّر عمره على الأرض التي سئمتها نفسه ونبذتها آماله ، ليلج الجنان ، وهو يبتهل إلى الخالق عزّ وجلّ قائلاً :
هنالك أرواح ترفّ سعيدة كأجنحة فوق الغيوم خوافق
منازل في رحب الفضاء كثيرة نسير إليها لاحقاً إثر لاحق !
أحنّ إليها بُكرة وعشيّة بأنّات محزون وآهات عاشق
فيا ربّ أدخلني جنانك إنّها محطّة آمالي ونجوى سوابقي
بقيّة روحي في يديك جعلتها فعجّل بساعاتي عنا ودقائقي
فقد سئمت نفسي الحياة وأرضها وأصبحت مشتاقاً إلى ظلّ خالقي
(يقظة الروح ، ص 172-173).
(555)- يقظة الروح ، ص 185 ، ويقول في قصيدة “أحلام”:
يشهد الله أنّني باشتياق لمكان سكّانه لا تضام
رافقيني إليه ، يا أخت روحي فبدار الخلود يحلو المقام
إنّ روحي تحنّ دوماً إليه فعليه تحيّة وسلام
(التراث الداهشيّ ، المجلّد الأوّل ، من محفوظات المكتبة الداهشيّة ). وهي منشورة في ملحق الدراسة , رقم 12).
(556)- أوضحت ملابسات مصرع الدكتور داهش في ما سبق . ولم يكن حليم يدري بأنّ الذي أعدم رمياً بالرصاص لم يكن مؤسّس الداهشيّة ، ولكن إحدى “شخصيّاته” الروحيّة ، ولذا خاطب روح الدكتور داهش بأبيات تسيل عاطفة :
يا حبيبي ، أنت داويت جراحي أنت روحي ، أنت ريحاني وراحي
فأعن ضعفي قليلاً لأرى وجهك الوضّاح من خلف الوشاح
أنت في فردوس ربّي ، وأنا طائر حلّق من غير جناح
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 27).
(557)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 47.
(558)- مجلّة “العدل الإسلامي ” كانون الأوّل 1948 . وهي منشورة في ملحق الدراسة ، رقم 19.
(559)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 49.
(560)- المصدر السابق ، ص 32.
(561)- المصدر السابق ، ص 54.
(562)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 54.
(563)- يقظة الروح ، ص 36.
(564)- يقظة الروح ، ص 186.
(565)- مختارات من كتب الدكتور داهش ، ص “ز” و”ح”.
(566)- المصدر السابق ، ص”ي” . ولعلّه أراد “الشهادة” بكلمة “شهاد”.
(567)- من قصيدة “بعد الجهاد” صدى النواعير 30/3/1950 . أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 27.
(568)- رباعيّات وتأمّلات ج2 ، ص 14 . ويقول في موضع آخر :” من خلا بأمّه (الطبيعة) رأى في كلّ لحظة حكمة بديعة “(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 80).
(569)- يقول حليم :” تنفّس الصبح ، فخشعت لعظمة الرحمان .
وثار البحر ، فعرفت حقارة الإنسان !”.
(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص38).
(570)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص48.
(571)- من قصيدة “بعد الجهاد”، صدى النواعير 30/3/1950. أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 27. ويقول قريباً من هذا المعنى :
يا من لهوتم في الحياة تنبّهوا إنّ الحياة قصيرة الأيّام
وتطلّعوا نحو السماء لتعلموا كيف النجوم تناثرت بنظام
(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 65).
(572)- يقول حليم :” والدول القويّة تتحفّز وتستعدّ لحروب ضروس طاحنة أين منها حروب 1860و 1870 و 1914و1939 وغيرها من الحروب الهائلة التي دوّنها التاريخ في صفحة الأدهار وكتبها بأحرف من نار ؟!”
(دراسات ومقالات الأدباء … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 83).
(573)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، 59.
(574)- المصدر السابق نفسه .
(575)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 23.
(576)- من قصيدة مخطوطة عنوانها ” كيف يكتب داهش ؟ “. أنظر أيضاً “عظمة القرآن ” في يقظة الروح “، ص 174-175.
(577)- يقظة الروح ، ص 194.
(578)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 14 .
إنّه لجدير بالذكر أنّ الشاعر قال ، قُبيل اعتناقه الداهشيّة :
وأُقيم لو يدري الورى كُنه دينهم لما فرّقوا ما بين (عيسى وأحمد)
لعمرك ما الأديان إلاّ نوافذ ترى الله منها مقلةُ المُتعبّد
(رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، 86-87)
(579)- قال في العهد الأوّل :
فدعوت الكلّ شخصاً واحداً أحمديّاً موسوياً عيسويّاً
هكذا الأوطان ترقى عندما نمزج الأديان مزجاً كيمويّاً
فنرى في الشرق ديناً واحداً هو ما ندعوه (دينا وطنيّاً)
(580)- يقظة الروح ، ص 193-194.
(581)- آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 115.
يقول حليم دمّوس على لسان الدكتور داهش إنّه قال بصهر الأديان في بوتقة واحدة وإزالة حدود الدين :
” إنّ الساعة ، أيّها الناس ، قد أتت ، لتقطيع هذه الحبائل الشيطانيّة ، ولفضح هذه الشعوذات الدينيّة ، والشعبذات السياسيّة ، وذلك بالدعوة إلى الإخاء والوئام والحبّ والسلام ، وإعلان حقيقة الإسلام أمام العالم المسيحيّ وسائر الأنام ، ودعوة الجميع إلى الاعتقاد بنبوءة محمّد نبيّ الله المرسل والاعتراف بقرآنه الكريم المنزل ، والإسراع برفع الحواجز والسدود والحدود التي وضعها المغرضون المتعصّبون لغاياتهم الدنيويّة الخسيسة “… (المصدر السابق ، ص127).
(582)- الشاطئ ، 5/1/1952.
(583)- من أمثلة ذلك :
إيه فتى الانشاه والنثر أرشد فتاك فإنّه حائر
قل لي بآي يراعك الحرّ الموت بدء أم هو الآخر ؟
ماذا وراء ضريحك الأبدي بعد انفصال الروح عن جسدك
فهنا أرى يومي نظير غدي أهناك يومك ، يا أخي ، كغدك ؟
(الديوان ، ط2 ، ص 299-301).
كذلك قوله :
حار في دائك السريع طبيبي حيرتي في الفناء ثم البقاء !
أوجود ثان وها أنت تفنى بتلاشي الأنفاس والأعضاء ؟
أوجود ثان وها أنت تبلى بانحلال في سائر الأجزاء ؟
فعلام الفناء بعد بقاء وعلام البقاء بعد فناء ؟
أهو الجسم إن تركّب حيناً غيّرته طبائع الأشياء ؟
(الديوان ، ط1 ، ص 281)
(584)- رباعيّات وتأمّلات ، جزء 2 ، ص 16.
(585)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 44.
(586)- المصدر السابق ، ص 58.
(587)- المصدر السابق ، ص 60.
ويقول في مواضع أخرى :” لكلّ إنسان ، شخصيّتان : شخصيّة ملاك ، وشخصيّة شيطان ، فكن ذلك الملاك الطاهر الرحيم ، ولا تكن الشيطان الفاجر الرجيم “(المصدر السابق ، ص 68) . وقوله “إذا تأمّلت قليلاً في أعضاء جسدك أيّها الإنسان ، تبيّن أنّك مزيج غريب مركّب من إنسان ، وحيوان ، وملاك وشيطان “( رباعيّات وتأمّلات ج2 ، ص 28).
(588)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 40.
(589)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 2 ، ص 21.
(590)- المصدر السابق ، ص 15.
(591)- يقظة الروح ، ص 36.
(592)- المصدر السابق ، ص 170.
(593)- إنّ مفهوم السيّالات في الداهشيّة هو مفهوم أساسيّ لادراك التقمّص ومعنى الثواب والعقاب والسببيّة الروحيّة وكيفيّة قيام العدالة الإلهيّة . وأوضح شرح له يمكن العثور عليه في “الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات ” للدكتور غازي براكس ، و” دراسة جبران على ضوء المبادئ الداهشيّة ” في “جبران خليل جبران ” للمؤلّف نفسه ، ص 516-519. وممّا ورد في المرجع الأخير :” إنّ نفس كلّ إنسان تتكوّن من مجموع سيّالات روحيّة . والسيّال هو وحدة ذات طاقة حيويّة انفعاليّة وإدراك نسبيّ وإرادة محرّكة ونزعة نوعيّة وخصائص وظيفيّة .
” وقوام السيّال جوهر روحيّ إشعاعيّ خالد ليس بالإمكان إدراكه إدراكاً حسّياً لاتّصافه بسرعة اهتزاز فائقة ، ولأنّ الإنسان محدود بشبكة من الحواسّ ذات حدود عُليا وحدود دنيا لا يسعه تجاوزها . ” ولكلّ سيّال نشاطه الخاصّ الذي قد يستقلّ عن نشاطات سائر السيّالات في وحدة الشخصيّة أو ينسجم معها انسجاماً معيّناً . وهذا الواقع يظهر في رغبات المرء ودوافعه المتضاربة حيناً ، والمتآزرة حيناً آخر ، وفي أفكاره المتنافرة تارة ، والمتلائمة طوراً ، بحيث يسوغ القول إنّ الشخصيّة البشريّة تتكوّن من مجموع شخصيّات جزئيّة هي السيّالات “.
(594)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 55.
(595)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 21.
(596)- المصدر السابق ، ص 54.
(597)- من قصيدة “بعد الجهاد” ، أنظر “صدى النواعير “، 30/3/1950 ، وملحق الدراسة ، رقم 27.
(598)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 48.
كذلك يلمع في موطن آخر إلى ما يشبه هذه الصورة ، فيقول :
حياتك سفر كثير العبر وفي دفّتيه شؤون البشر
وللروح أجنحة لا تُرى تحفّ حفيف غصون الشجر
(مطلع قصيدة “أجنحة الروح “، مجلّة النشرة ، المجلّد 81 ، الجزء 12 ، كانون الأوّل 1950، ص 689 . وهي منشورة في ملحق الدراسة ، رقم 29).
(599)- محاضرات في الاتّجاهات الفكريّة في بلاد الشام وأثرها في الأدب العربي ، جامعة الدول العربيّة ، 1985 ، ص 182.
(600)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 15.
(601)- من قصيدة “أجنحة الروح” مجلّة “النشرة” المجلّد 81 ، الجزء 12 ، ك1 1950 ، ص 689 . وهي منشورة في ملحق هذه الدراسة .
(602)- يمكن التثبّت من هذا الأمر بمراجعة “الوقائع الداهشيّة” التي خطّها حليم دمّوس ، ففيها من البراهين الملموسة ما يعدّ بالمئات ، أو مراجعة ما نشرته مجلّة الدبّور سنة 1948 ، تحت عنوان “أغرب الأسرار الداهشيّة ” ، وهي سلسلة خوارق اختارها حليم دمّوس من “الوقائع الداهشيّة “.
(603)- دراسات ومقالات الأدباء … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 61-62.
(604)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ،ص 21.
(605)- يقظة الروح ، ص 172.
(606)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 22.
(607)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 74. وردت كلمة “قذفتها ” في المصدر المذكور ،”مزّقتها” وهي خطأ مطبعيّ .
(608)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 50.
(609)- تتابعت تساؤلاته ، قبل اعتناقه الداهشيّة ، فيما يتعلّق بالأسباب الروحيّة ، والعدالة الإلهيّة ، فيخاطب الخالق عزّ وجلّ محتاراً :
أمهندس الأكوان عفواً إنّني متحيّر من حكمك الربّاني
أعلى مثالك قد خلقت بني الورى والبؤس عمّ قصيّهم والداني ؟
أتجوع أطفال ويشقى والد وتُهان أمّ وهي ذات حنان ؟
والوحش تشبع وهي في غاباتها والطير آمنة على الأفنان !
(الديوان ، ط1 ،ص 153)
ويُسائل نفسه عن سبب ولادة طفلين وجد أحدهما نفسه في جحيم والآخر في نعيم ، تُرى أيلعب الحظّ وتجول الصدفة في ميدان الحياة ؟
وطفلين : هذا بكوخ حقير يعيش ، وذاك بقصر عظيم
أطلاّ على الكون في ساعة فذا في جحيم وذا في نعيم
حظوظ تضعضع فِكر الأديب وحال تُحيّر لُبّ الحكيم !
(المثالث والمثاني ، ج1 ،ص 170).
(610)- يقظة الروح ، ص 185.
(611)- قد اكثر الدكتور داهش من التحدّث عن هذه الكواكب المأهولة بالأحياء في معظم مؤلّفاته الأدبيّة ، وعلى الأخصّ في “قصص غريبة وأساطير عجيبة” بأجزائه الأربعة .
(612)- من قصيدة “بعد الجهاد” ؛ أنظر صدى النواعير “، 30/3/1950 ، وملحق الدراسة ، رقم 27.
(613)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 32.
(614)- مراثي الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 22.
(615)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 29.
(616)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 48.
(617)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 28.
(618)- المصدر السابق ، ص 58.
(619)- المصدر السابق ، ص 42.
(620)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 76.
(621)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 5.
(622)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 66.
(623)- يقظة الروح ، ص 207.
(624)- المصدر السابق ، ص 205.
(625)- المصدر السابق ، ص 206.
(626)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 13.
(627)- المصدر السابق ، ص 60.
(628)- من قصيدة مخطوطة .
(629)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 17.
(630)- المصدر السابق ، ص 56.
(631)- يقظة الروح ، ص 180.
(632)- ما تزال مخطوطة بين أوراقه . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 17.
(633)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 58.
(634)- يقظة الروح ، ص 206.
(635)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 , ص 32.
(636)- يقظة الروح ، ص 205.
(637)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 50.
(638)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 58.
(639)- المصدر السابق ، ص 60.
(640)- المصدر السابق ، ص 58.
(641)- يقظة الروح ، ص 170.
(642)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ، ص 54.
(643)- يقظة الروح ، ص 188-189.
(644)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 1، ص 59.
(645)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 22.
(646)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 61.
(647)- المصدر السابق ، ص 80.
(648)- من كلمة الدكتور غازي براكس “حليم دمّوس ذلك الصوت المبارك ” التي ألقاها في مهرجان حليم بزحلة ، عام 1966.
(649)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 33.
(650)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 49.
(651)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ، ص 21.
(652)- المصدر السابق ، ص 57.
(653)- يقول حليم :” فكم من ملايين ذهبت وتذهب إثر الملايين … أهذه هي نتيجة الحضارة ومظاهر المدنيّة والتمدين التي يتباهى بها أبناء الأرض المساكين ؟
فأيّ منتوج حربيّ أو اكتشاف علميّ حوّلوه لمنفعة البشريّة ، وراحة الإنسانّية “؟ …(المصدر السابق ، ص 84).
(654)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 6.
(655)- المصدر السابق ، ص 34.
(656)- المصدر السابق ، ص 36.
(657)- المصدر السابق ، ص 20 . يقول في موضع آخر :” ما دمنا عبيد شهواتنا ولذّاتنا ، وعبيد القويّ المسيطر على مقدّراتنا ، فكيف ندّعي بأنّنا مستقلّون أحرار ؟” (رباعيّات وتأمّلات ج1 ، ص 76).
(658)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 54.
(659)- المصدر السابق ، ص 56.
(660)- دراسات ومقالات الأدباء و… في كتاب مذكّرات دينار ، ص 64.
(661)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ،ص 54.
(662)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 26.
(663)- المصدر السابق ، ص 50 .
(664)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 57.
(665)- المصدر السابق ، ص 74 . جاء في ردّ حليم على توفيق ضعون أنّ سكّان الأرض “يحاولون الاتّصال بالمرّيخ والقمر ومخاطبة سكانهما وزيارة تلك الكواكب والأقمار ، في هذا الفلك الدوّار …
فأنا – والحديث بيننا – أصبحت أخاف على سكّان المرّيخ والقمر ، إذا وصل إليهم البشر “…
(دراسات ومقالات في كتاب مذكّرات دينار ، ص 84).
(666)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 46.
(667)- من قصيدة “ميلاد المسيح” المنشورة في مجلّة هوليود ، السنة الثانية ، آذار 1951 . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 30.
(668)- دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 63.
(669)- يقظة الروح ، ص 171-172.
(670)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 33 .
(671)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، 50 .
(672)- من كلمة غازي براكس في مهرجان حليم دمّوس الذي أُقيم في زحلة عام 1966.
(673)- يقول هاشم الدفتردار المدني في مقدّمته للجزء الأوّل من “رباعيّات وتأمّلات” ، ص 13 :” يعلن (حليم دمّوس ) أنّ الإنسانيّة نخرت في هذا العصر ، لضعف الروح السماويّ فيها ، الذي يشتمل على قوام حياتها الاجتماعيّة والفرديّة ، بسلام وطمأنينة ومودّة وصدق وتفاهم ، وضعفها لا بدّ أنّه يفضي بها إلى التناحر فالهلاك “.
(674)- دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 68.
(675)- المصدر السابق ، ص 53-54.
(676)- المصدر السابق ، ص 64.
(677)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 44.
(678)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 1 ، ص 47. ويقول قريباً من هذا المعنى :” يا أخي ، يا أخي ، طهّر نفسك على عجل ، لأنّك لا تدري متى يوافيك الأجل “.
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 26)
(679)- يقظة الروح ، ص 189.
(680)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 6.
(681)- من كلمة الدكتور غازي براكس في مهرجان حليم دمّوس الذي أقيم في زحلة ، عام 1966.
(682)- يقظة الروح ، ص 172.
(683)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 63.
(684)- من قصيدة “عيد الفادي” ، مجلّة النشرة ، عدد نيسان 1957 . وهي منشورة في ملحق هذه الدراسة ، رقم 31 . والحليم يركّز على تعاليم المسيح التي أتى بمثلها جميع الأنبياء من منابع السماء :
حنين كلّ سانحة إليه وكلّ خواطري وقف عليه
هو (الفادي) الذي يحمي البرايا برحمته إذا خشعت لديه
أحبّ الناس حبّاً لا يُجارى وصان العالمين بأصغريه
تعاليم السماء جرت كشهد على شفتيه بل عن جانبيه …
(يقظة الروح ، ص 181).
(685)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 2 ، ص 44.
(686)- يقظة الروح ، ص 169.
يقول أيضاً :
فتعهّدوا أرواحكم قبل الرّدى فصلاحكم في الأرض خير سلاح
حطّمتم جنح الإخاء وقد هوى أيطير طائركم بغير جناح ؟
(رباعيّات وتأمّلات ، ج 1، ص75)
(687)- رباعيّات وتأمّلات ، ج 2، ص 19.
(688)- من قصيدة عنوانها “الأمل” مجلّة النشرة ، ج1 ،مجلّد 81 ، كانون الثاني 1950 .(أنظر ملحق هذه الدراسة ، رقم 25).
(689)- يقظة الروح ، ص 34.
(690)- من كلمة الدكتور غازي براكس في مهرجان حليم دمّوس الذي أقيم في زحلة عام 1966.
(691)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 54.
(692)- يقظة الروح ، ص 169.
(693)- دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 84.
(694)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 42.
(695)- من قصيدة عنوانها “الأمل” مجلّة النشرة ، ج1 ، مجلّد 81 ، كانون الثاني 1950 . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 25.
(696)- دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 63.
ويخاطب الناس دون تمييز في رباعيّته “يا أيها الناس “:
يا أيّها الناس ساد الخلف بينكم والجهل حطّمكم والدهر والدّول
يا أيّها الناس قد طاف الدمار بكم وأنتم بين ساحات الوغى همل ..
(رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 33)
(697)- دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 63-64.
(698)- غيّر اسمه فيما بعد إلى “ناثر وشاعر”.
(699)- مقدّمة حليم للجحيم تميّزت ببعض الطول ، إذ استغرقت 38 صفحة .
(700)- هذه المقدّمة منشورة في كتاب “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ” الصادر عن دار النسر المحلّق ، 1980 ، ص 95-97 ، كما تتصدّر كتاب “القلب المحطّم” الذي صدر عن دار النسر المحلّق 1984.
(701)- المصدر السابق ، ص 95.
(702)- المصدر السابق ، ص 97.
(703)- منشورة في كتاب “الالاهات الستّ ” بطبعتيه ، وفي “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش “، ص 112-113.
(704)- سبق الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق حليم دمّوس ، بنظمه “ضجعة الموت” . وقد صدرت نسخة عبد الخالق الشعريّة عن دار شنلّر في القدس ، سنة 1936 . أمّا نسخة حليم الشعريّة فما تزال مخطوطة .
(705)- وهي منشورة في كتاب “أقوال الأدباء والشعراء والصحفيّين بكتاب ضجعة الموت”، ص 41.
(706)- المصدر السابق ، ص 42-46.
(707)- المصدر السابق ، ص 42.
(708)- المصدر السابق ، ص 44.
(709)- وهو منشور في كتاب “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ” ص 233-236.
(710)- المصدر السابق ، 233-234.
(711)- المصدر السابق ، ص 235.
يبدو أنّ تلك المناظر الخلاّبة قد فتنت الشاعر الزحليّ ، فجادت قريحته بأبيات تسعة ، ختم بها مقدّمته ، ومطلعها :
أنا الآن في أفقا على صفّة النهر أراقب جري الماء من جانب الجسر
(712)- نُشرت في كتاب “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش “، ص 181-182.
(713)- المصدر السابق ، ص 181-182.
(714)- جحيم الدكتور داهش ، ص 27.
بعد ذلك تحدّث الحليم عن نظم “الجحيم” شعراً ، إذ ما كان يفرغ من تبييضه الجزء الأوّل من هذا الكتاب حتى سمع به عدد كبير من العلماء والأدباء ، فانبرى الشيخ عبد الله العلايلي إلى نظمه شعراً ؛ وقد عرض حليم بعض أمثلة منه . ثم تحدّث عن ترجمة “الجحيم” إلى اللغات الأجنبيّة ، إذ نقله الأديب جوزف حجّار إلى الفرنسيّة ، ويوسف مالك إلى الإنكليزيّة .
بعد الحديث عن “الجحيم” ، ختم مقدّمته بالحديث عن أجزاء “النعيم” الثلاثة للدكتور داهش أيضاً ، ثم عرض بعض الأمثلة من نظمه “للنعيم”.
(715)- نُشرت في كتاب “مذكّرات دينار ” الصادر عام 1946 ، في “دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار “، ص 18-20.
(716)- الدكتور داهش ، مذكّرات دينار ، ص 7.
(717)- المرجع السابق نفسه .
(718)- غُيّر اسمه ، فأصبح “ناثر وشاعر”.
(719)- وهي منشورة في كتاب ” تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة”، ص 143-47.
(720)- المصدر السابق ، ص 143.
(721)- المصدر السابق ، ص 145.
(722)- المصدر السابق ، ص 146.
(723)- نُشرت في كتاب “آراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص 7-8. وكذلك في “تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة “، ص 360-361.
(724)- أراء الأدباء والشعراء والصحفيّين … بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص7 . وهو يقصد “بمضطهده داهش الباغية” الشيخ بشارة الخوري .
(725)- المصدر السابق نفسه .
(726)- المصدر السابق ، ص 8.
(727)- نجوى براكس : الدكتور داهش الأديب العملاق بين كواكبه الأدبيّة ، ص 48 (نقلاً عن مخطوطة).
(728)- موقف حليم من شخص الدكتور داهش رجل الآيات والعجائب ، لا ينفصل عن موقفه من ثقافته الواسعة واهتماماته الأدبيّة والفنيّة ، فهو موقف واحد تسيطر الداهشيّة عليه . ولعلّه خير ما يتمثّل ، مجملاً ، في قول حليم التالي : ” ما دخلت مرّة على هذا الأخ العجيب ، والإنسان الغريب ، وهو في سرّ خلواته ، إلاّ خرجت من غرفته حائراً مدهوشاً لما أراه وألمسه من عجائبه وآياته ، فمن مطالعات دائمة ، ومراجعات ملازمة ، وظاهرات روحيّة علويّة ، إلى مباحث أخلاقيّة ، إلى نشر آثار قلميّة ، وألوان أدبيّة فنيّة ، هي بالإعجاب والدهشة حريّة “( تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص95).
(729)- المصدر السابق ، ص 13.
(730)- جحيم الدكتور داهش ، ص 39.
(731)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ، ص 18.
(732)- المصدر السابق نفسه .
(733)- المصدر السابق ، ص 19.
(734)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص 235.
(735)- المصدر السابق ، ص 113.
(736)- دراسات ومقالات الأدباء والكتّاب والصّحفيّين في كتاب مذكّرات دينار ، ص 55.
(737)- جحيم الدكتور داهش ، ص4.
(738)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص 146.
(739)- أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت ، ص 45-46.
(740)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش ، ص 97.
(741)- أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت ، ص 45.
(742)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص 144.
يقول الشاعر الكبير بولس سلامة :” فإذا أنت أنعمت النظر في هذا القلم المُلهم ، أطللت على آفاق كلّما بلغت واحداً منها أشرفت على آخر ، واكتحلت أجفانك بالسحر على قدر استعدادك . فإنّ ما وراء السطور أعجب ممّا في السطور نفسها “.
(نجوى براكس : الدكتور داهش الأديب العملاق بين كواكبه الأدبيّة ، ص 48. أنظر أيضاً دراسات ومقالات … في كتاب مذكّرات دينار ، ص 43).
(743)- الدكتور داهش ، الآلاهات الستّ ، ص9.
(744)- المرجع نفسه ، ص8.
(745)- المرجع نفسه ، ص 9.
(746)- جحيم الدكتور داهش ، ص 27.
(747)- الدكتور داهش ، مذكّرات دينار ، ص 6.
(748)- جحيم الدكتور داهش ، ص 36. وقد صدرت الطبعة الأولى من “الجحيم” ، من غير أن تتحقّق فيها العناصر الفنيّة التي أشار حليم إليها . لكنّ طبعة فنيّة أنيقة جديدة للكتاب هي قيد الإعداد .
(749)- جمع وترتيب يوسف اليان سركيس ، ص 884.
(750)- الديوان ، ط1 ، ص 339-340 . ولكنّه لم ينشر من منظوماته المبكّرة إلاّ التي ترقى إلى سنته السابعة عشرة وما بعدها .
(751)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 9.
(752)- يوسف أسعد داغر : مصادر الدراسة الأدبيّة ، ج3 ، القسم 1 ، ص433.
(753)- أنظر المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 197و 291- 294و 325.
(754)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص336.
(755)- أنظر يقظة الروح ، ص 85-88.
(756)- صاحبها وديع عقل .
(757)- أنظر جريدة “النهار” ، عدد 836، 12 حزيران 1936.
(758)- يقظة الروح ، ص 167-173.
(759)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ؛ ص 67-76.
(760)- مخطوطة . أنظر صورة لها بخطّ حليم في ملحق الدّراسة .
(761)- محمود سامي البارودي (1840-1904) ؛ حافظ إبراهيم (1872-1932)؛ أحمد شوقي (1868-1932) ؛ معروف الرصافي (1877-1945)؛ جميل صدقي الزهاوي (1863-1936).
(762)- إيليّا الحاوي : الكلاسيكيّة في الشعر الغربي والعربي ، ص 158.
(763)- ميشال عاصي : الفنّ والأدب ، مؤسّسة نوفل ، ط3 ، 1980 ، ص197-198.
(764)- أنظر PH. VAN TIEGHEM , Les grandes doctrines literaires en France, P. U. F., Paris, 1974, P40-41
(765)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص6.
(766)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 32و 44و 48و 54و 56 وج2، ص 28، و34، و54.
(767)- ميشال عاصي : الفنّ والأدب ، ص 115.
(768)- مجلّة “الورود” ، أيلول 1979، السنة 32، ج9، ص8.
(769)- من المخطوطة . ويمكن مراجعة المخطوطة الأصليّة للإطّلاع على كثير من الحكم المبتكرة الصور ، وخصوصاً ذات الأرقام التالية : 1-3- 4-8-18-26-41-60-64-66-67-70-80-83-155-161-166-199-200-208-214-215-247.
(770)- من محاضرة “الحلقة المفقودة” (مخطوطة).
(771)- رفائيل نخلة اليسوعي : مقالات نقديّة على أدبنا العصري ، ص54.
(772)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 72.
(773)- المصدر السابق ، ص 10.
(774)- من محاضرته “الحلقة المفقودة “(مخطوطة).
(775)- المثالث والمثاني ، ج2 ، ص 78.
(776)- مخطوطة في “الوقائع الداهشيّة”، بتاريخ 4 تمّوز 1943. أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 2.
(777)- مجلّة “الدبّور” ، العدد 1190 ، السنة 26، الأثنين في 12 نيسان 1948. “أغرب الأسرار الداهشيّة”.
(778)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 63.
(779)- المصدر السابق نفسه .
(780)- المصدر السابق ، ص 57.
(781)- وجملُهُ الإنشائيّة الأمريّة كثيرة في مصنّفاته . أنظر على سبيل المثال : رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 79 ، وج2، ص 6، 15، 17، 31، 47، 49.
(782)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص40. كذلك أنظر ص 58.
(783)- المصدر السابق ، ص33.
(784)- المصدر السابق ، 59 . يقول أيضاً في موضع آخر :
فهل تلتقي في شاطئ الحبّ والهُدى سفائن موسى والمسيح وأحمد؟
المصدر السابق ، ص 59.
(785)- المصدر السابق ، ص66.
(786)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 40.
(787)- يقظة الروح ، ص 187.
(788)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص76 ؛ أنظر كذلك يقظة الروح ، ص 35.
(789)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 59؛ ويقظة الروح ، ص 35، 36، 186.
(790)- يقظة الروح ، ص 173.
(791)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 62.
(792)- المصدر السابق ، ص57؛ أنظر أيضاً رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 47.
(793)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص51.
(794)- المصدر السابق ، ص 33؛ أنظر أيضاً رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص65، 72.
(795)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 13.
(796)- المصدر السابق ، ص 17.
(797)- أنظر يقظة الروح ، ص 70؛ ورباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 43، 51، 52، وقصيدة “الميلاد” (مخطوطة) أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 6.
(798)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 34.
(799)- المصدر السابق ، ص 34.
(800)- المصدر السابق ، ص 40.
(801)- المصدر السابق ، ص 44.
(802)- المصدر السابق ، ص 52.
(803)- المصدر السابق نفسه .
(804)- المصدر السابق ، ص 60.
(805)- المصدر السابق ، 70.
(806)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص16.
(807)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص31.
(808)- المصدر السابق ، ص 35.
(809)- المصدر السابق ، ص77.
(810)- المصدر السابق ، ص 51.
(811)- المصدر السابق ، ص 35.
(812)- المصدر السابق ، ص67.
(813)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص 17.
(814)- من قصيدة “جُرح المسيح ودمعةُ الأسلام” (مخطوطة) . أنظرها في ملحق الدارسة ، رقم 4.
(815)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص33.
(816)- المصدر السابق ، ص63.
(817)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص35.
(818)- يقول النابغة :
فما الفرات إذا هبّ الرياح له ترمي أواذيُّه العبرين بالزبد
يمدّه كلّ واد مترع ، لجب ، فيه ركام من الينبوت والخضد
يظلّ ، من خوفه ، الملاّح معتصماً بالخيزرانة ، بعد الأين والنّجد
يوماً بأجود منه سيب نافلة ولا يحول عطاء اليوم دون غد
كذلك نسج على منواله الأخطل في قوله:
وما الفرات إذا جاشت حوالبه في حافتيه وفي أوساطه العُشر
ودغدغته رياح الصيف واضطربت فوق الجآجئ من آذيّه غُدُر
مسحنفر من جبال الروم يستره منها أكافيف فيها دونه زور
يوماً بأجود منه حين تسأله ولا بأجهر منه حين يجتهر
(أحمد أبو حاقة وآخرون : المفيد في الأدب العربيّ ، ج1، ص113و260).
(819)- من قصيدة “الآلة الطابعة” ، منشورة في جريدة التلغراف “، 1949. أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 24.
(820)- يقول الأستاذ لبيب الرياشي في “المثالث والمثاني” ، ج2، ص 14: “لغتها متقنة مستحبّة، وأوزانها خفيفة ومعانيها لطيفة”..
(821)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2 ، ص55.
(822)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص51.
(823)- المصدر السابق ، ص26.
(824)- يقول حليم :” ومتى تمّت القصيدة ، أو كادت ، أُنشد أبياتها على انفراد، فأبدّل بعض الألفاظ ، متخيّراً ما كان أكثر موافقة للحسّ ، وأوقع في الأذن والنفس . وهكذا لا أزال أردّدها وأستعيدها كتابة وترداداً ، وهمساً وإنشاداً ، حتى أصقلها صقلاً جيّداً ، وأنسخها للمرّة الأخيرة بلذّة ، وارتياح ، كأنّني خرجت ظافراً من معركة كفاح “(رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص27). على أنّنا إذا عدنا إلى ما امتاز به حليم من سرعة وسهولة وعفويّة في النظم ، لاتّضح لنا في زعمه القيام بتلك العمليّة الطويلة من (الصقل) بعض المغالاة.
(825)- يقول لبيب رياشي عن حليم إنّه “شاعر يعمل الشعر عملاً ويجوّده معنىً ومبنىً : شاعر زُهيري “(المثالث والمثاني ، ج2 ،ص 15.).
(826)- يقظة الروح ، ص61.
(827)- يقظة الروح ، ص 183.
(828)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص15.
(829)- المصدر السابق ، ص 27.
(830)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 33.
(831)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 73.
(832)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 72؛ أنظر المصدر نفسه ، أيضاً ، ص 44، 60، 78.
(8334)- المصدر السابق نفسه ، ص 36.
(834)- المصدر السابق نفسه .
(835)- المصدر السابق ، ص 48.
(836)- المصدر السابق ، ص58.
(837)- المصدر السابق ، ص70.
(838)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص22.
(839)- يقظة الروح ، ص70.
(840)- من قصيدة “حييتُ الشعاع” المنشورة في مجلّة “الشعاع ” العراقيّة ، 7 تمّوز 1948. أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 18.
(841)- أنظر رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 31، 43 (مجزوء الكامل) ، 55، 65، 69، 71، 73، 75، وج2، ص 15، 21، 25، 31، 43، 45، 53.
(842)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 31.
(843)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص33 ، 41، 47، 53، 61، 63، 67؛ وج2، ص 13، 23، 33، 37، 41، 49، 55، 61.
(844)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 41.
(845)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 35، 37، 45، 59؛ وج2، ص35، 57، 79.
(846)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 35.
(847)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 49، 51، 57، 77، 79 (وج2، ص 19(مجزوء الوافر)، 29.
(848)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص51.
(849)- رباعيّات وتأمّلات ج1، ص 39(مجزوء الرّمل) ؛ وج2، ص27، 47.
(850)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص47.
(851)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 17، 39، 51.
(852)- المصدر السابق ، ص 39.
(853)- يقظة الروح ، ص 202.
وقد عرفت طائفة من الشعراء بنظم الأراجيز في مختلف الأغراض ، فسمّوا الرُجّاز . وقد وقف بعض الشعراء الأراجيز على الحكميّات ، كقول أبي العتاهية:
إنّ الفراغ والشّباب والجده مفسده للمرء أيّ مفسده
يا للشباب المرح التصابي روائح الجنّة في الشباب
(854)- يقظة الروح ، ص177. إلاّ أنّه ، في عهده الأوّل ، أكثر من التفنّن الموسيقي ، مع محافظته على أوزان الأقدمين . فأكثر من المزدوج (المثالث والمثاني ، ج1 ،ص161) والمخمّس (الديوان ، ط1، ص154) والتوشيح (الديوان ، ط1، ص199).
(855)- أنظر الديوان ، ط1، ص57، 86، وط2، ص 288، والمثالث والمثاني ، ج2، ص86، 150، 172.
(856)- يقظة الروح ، ص 174.
(857)- إيليّا الحاوي : الرومنسيّة في الشعر الغربيّ والعربيّ ، ص 150.
(858)- ميشال عاصي : الفنّ والأدب ، ص 200.
(859)- يقول الدكتور غازي براكس عن أدب الدكتور داهش :” أمّا الميزة الأولى في كتاباته فهي أنه يكتب بعفويّة عجيبة ، من غير كدّ الذهن ، ولا التذكّر ، ولا المراجعة ؛ فالأفكار والإنفعالات والعواطف تتزاحم في ذهنه وقد اتّخذت أجسادها من الصور والتعابير ، لتفيض منه كما يفيض من النبع الماء النّمير ، أو من الشمس الضوء المنير ، أو من الوردة طيب العبير ، وندر أن شهدته يمحو عبارة كتبها ؛ فكأنّ كتابته هي أحاديثه نفسها وقد أرسلت على سجيّتها ، تارة يُناجي بها نفسه ، وطوراً يناجي الله أو الروح أو القيم العُليا أو الحبيب أو الطبيعة . مرّة يُرسل رأيه في الناس والأحداث ، في الحياة والموت ، مباشرة ، ومرّة أخرى يُرسله ، مداورة ، بصوت غيره . إنّها الحياة سافرة عارية ، موحّدة الجوهر ، متعدّدة الوجوه ، وهي الجمال بسيطاً عميقاً أخّاداً يمسح الكائنات والأشياء ، الأحداث والأحوال ، المكان والزمان ، بأجنحته العجيبة”.
(في هيكل الدكتور داهش ومحراب أدبه ، ص14).
(860)- من محاضرة “الحلقة المفقودة ” وهي من مخطوطاته .
(861)- أنس داود : التجديد في شعر المهجر ، ص238.
(862)- PH. Van Tieghem, Les grandes doctrines litteraires en France P. 183.
(863)- الديوان ، ط1، ص166.
(864)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص66.
يقول الدكتور غازي براكس :” ومن المبادئ الداهشيّة أنّ الطبيعة في جميع عناصرها ومظاهرها ، ماء وهواءً وتراباً ونباتاً … فضلاً عن الحيوان ، تداخلها سيّالات روحيّة كتلك التي في الإنسان من حيث الجوهر ، لكنّها تختلف عنها وفيما بينها بالدرجة والوظيفة ..
إلاّ أنّ الشعراء خاصّة ، والفنّانين عامّة مكّنتهم نواميس الحياة – بما جعلت فيهم من سيّالات فنيّة قويّة الحساسيّة والالتقاط – من أن يتخطّوا الحواجز التي تفصل الإنسان عن سائر الكائنات ، ليكتشفوا بحدسهم أنّ في عناصر الطبيعة ومظاهرها جميعاً شعوراً وإدراكاً وجوهراً حيّاً “.
(جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة تركيبيّة لأدبه ورسمه وشخصيّته ص 535-536).
(865)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 80.
(866)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 39.
(867)- يقظة الروح ، ص 206.
(868)- الديوان ، ط1، ص 154-160.
(869)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 27.
(870)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 58.
(871)- محمد غنيمي هلال : الرومانتيكيّة ، ص 67-68.
(872)- المصدر السابق ، ص59.
(873)- يقظة الروح ، ص 173.
(874)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 44.
(875)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 37.
(876)- محمد غنيمي هلال : الرومانتيكيّة ، ص18.
(877)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 54.
(878)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص 97.
(879)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 61.
(880)- المصدر السابق ، ص 22.
(881)- المصدر السابق ، ص79.
(882)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 26.
(883)- يقظة الروح ، ص 167و 172.
(884)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 44. والنبوءة المُشار إليها وردت في “رؤيا يوحنّا”.
(885)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 65.
(886)- المصدر السابق ، ص59.
(887)- يقظة الروح ، ص198 . أنظر أيضاً رباعيّات وتأمّلات ، ج1 ، ص 57؛ وج2، ص 72-73.
(888)- يقظة الروح ، ص 188.
(889)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص 69.
(890)- من قصيدة “تلك الحقيقة” “مخطوطة” . أنظرها في ملحق الدراسة ، رقم 3.
(891)- د. ميشال عاصي : الفنّ والأدب ، ص 149.
(892)- يقظة الروح ، ص 185.
(893)- في هيكل الدكتور داهش ومحراب أدبه ، ص 49-50.
(894)- مجدي وهبه وكامل المهندس : معجم المصطلحات العربيّة في اللغة والأدب ، مكتبة لبنان ، 1979؛ ص 111.
(895)- مخطوطة . أنظرها في ملحق هذه الدراسة ، رقم 1.
(896)- أنظر ردّه على توفيق ضعون في كتاب “صواعق مدمّرة انقضّت على الفرسان الأربعة “، ص 56-85.
(897)- رباعيّات وتأمّلات ، ج1، ص3.
(898)- آراء الأدباء والشعراء والصّحفيّين …. بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ، ص7-8.
(899)- هو من الأسماء التي اخترعها سعيد تقيّ الدين في بعض كتاباته .
(900)- يظهر في الصورة رأس حمار ، بأذنين طويلتين ، يطلّ من مخزن كتب فوقه :” محلاّت سعيد جهجاه وشركاه – مانيلا- الفيلبين”. وسعيد تقيّ الدين كان يعمل تاجراً في البلد المذكور .
(901)- صواعق مدمّرة انقضّت على الفرسان الأربعة ، ص107.
(902)- المصدر السابق نفسه .
(903)- المصدر السابق ، ص 108.
(904)- المصدر السابق ، ص 112.
(905)- المصدر السابق ، ص109.
(906)- المصدر السابق ، ص 115. والآية من سورة البقرة ، عدد 7.
(907)- المصدر السابق ، ص 120.
(908)- أنظر الديوان ، ط1، ص 83، 115، 123، 124، 189، 190، 206، 212، 300-305-333؛ والديوان ، ط2، ص 287-288.
(909)- المثالث والمثاني ، ج1، ص11.
(910)- صدر في ثلاثة أجزاء عن دار النار والنور ، بيروت 1983 ، وذلك بعد إنجاز هذه الدراسة .
(911)- حدائق الآلهة توشيّها الورود الفردوسيّة ، أفراح وأتراح ، ص 70-71.
(912)- مجلّة “عالم الروح” ، عدد 10، آب 1949. وقد علّقت عليها بالكلمة التالية : ” قطعة نثريّة روحيّة تحوّلت إلى قصيدة شعريّة ، وهي من آثار مؤسّس الداهشيّة “.
(913)- تقييم مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة ، ص 146.
(914)- جحيم الدكتور داهش ، ص 36.
(915)- يتّضح لقارئ أنّ الدكتور داهش جعل كلّ درك ثمانية أسطر على الوجه التالي : الأوّل والسطر الأخير يتّفقان في السجعة نفسها ، أمّا الأسطر الستة ما بينهما فيتّفق كلّ اثنين متواليين منها بالسّجعة نفسها .
(916)- جحيم الدكتور داهش ، ص 28.
(917)- وها هو نصّ السداسيّة الأولى “للدرك المظلم الأوّل”:
أنا الآن أسعى كالأفعى
في عالم الظلام الدامس
وها إنّي أمرّ بوجه كئيب عابس
وأسمع النحيب العنيف
وهمهمة الوجيب المُخيف
وها عجوز دهريّة تولولُ وهي تقعى .
(جحيم الدكتور داهش ، ص48).
(918)- المصدر السابق ، ص 33.
(919)- من كلمة الدكتور براكس في مهرجان حليم بزحلة ، عام 1966.
(920)- دراسات ومقالات في كتاب مذكّرات دينار ، ص 64.
(921)- رباعيّات وتأمّلات ، ج2، ص 4-5.
(922)- المصدر السابق ، ص 61.
(923)- زيد هذا البيت على القصيدة عند نشرها في مجلّة “هوليوود”، السنة الثانية ، آذار 1951، كما حُذف منها عدّة أبيات هي : 4-5-6-8-10-11.
(924)- إشارة إلى قصيدة يوسف الحاجّ “جاء المؤدّب”، فبيتها الثاني هو الذي يُشير إليه حليم دمّوس في ختام القصيدة .
(925)- الصحيح أنّه ولد في أوّل حزيران 1909.
(926)- الصحيح 1909.
(927)- هذه القصيدة تتمّة لقطعة “مولد الهادي الحبيب” رقم 15.
(928)- التاريخ الصحيح 1909-1957.
