نشيدُ مُؤمن
سبحي الله، ( أيتها الأفلاك) السابحة في أقاصي السماوات!
واشدي بعجائبه، أيتها ( الريح) الطواقة في أرجاء هذا الكون الشاسع!
و حدثي بمعجزاته الخالدة، أيتها (الشمس) البهية!
و أشرف، أيها ( البدر)، من عليائك،
واسكب على أرضنا أضواءك الشعرية!
و رنمي أيتها ( الطيور) ترانيم الغبطة الهنية للعزة الإلهية!
واصدحي يا بلابل الغاب!
واطربي، و اثملي، في كل فجر و عشية!
و تيهي يا أزهار الحقول بخيلاء!…
و أنت ترتدين حللك القرمزية!
و أنت أيها ( الكون) العنيف، الصخاب، الهدار!
إخشع أمام خالق الأكوان القدير الجبار!
و تغني ، أيتها( العوالم) المعروفة و المجهولة بصنع يديه!
* * *
و لتصمت( الملائكة)،
و لتخشع( الارواح) ، و لتستكن( العناصر)،
و ليغمر هذا ( العالم) صمت عميق أخرس،
و ليبق في خشوعه، و صمته السحيق السائد،
حتى أنتهي من ترديد نشيدي للخالق!
بيروت، صباح 22 كانون الثاني 1943
الإتِّجاه الرُّوحيّ
الدكتور داهش
رجل الأسرار
إسكندر شاهين
- تمهيد
- الشاعر حليم دمُّوس
- معجزاتٌ داهشيَّة يعاينُها الشاعر حليم دمُّوس
- السيِّدة ماري حدَّاد
- مُعجزاتٌ داهشيَّة تعاينُها الأَديبة ماري حدَّاد
- العلَّامة الشيخ عبد الله العلايلي
- العلاَّمة العلايلي يشهدُ لظاهرات الدكتور داهش الروحيَّة
- الدكتور غازي براكْس
- ظاهرات روحيَّة للدكتور داهش يرويها الدكتور غازي براكْس
- الصحفيّ لُطفي رضوان
- الصحفيّ لُطفي رضوان والخوارقُ الداهشيَّة
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
ملف جريدة "الديار" اللبنانية
الدكتور داهش رجل الأسرار
مـــقـــدِّمـــة
حينَ عهدَتْ إليَّ جريدةُ “الديار” بإعداد بابٍ فيها أَطلقَتْ عليه اسم “الملفّ” وخصَّتْ به العقائدَ الفكرَّية والسياسيَّة والدينيَّة في لبنان، شعرتُ بعِظَم المسؤوليَّة الـمُلقاة على عاتقي نظرًا لخطورة المواضيع المطروحة وما تقتضيه الأَمانةُ من دقَّةٍ وحَذَرٍ شديدَين.
على أَنني اضطلعت بهذه المهمَّة منتهجًا فيها سبيلين اثنين: الأوَّل الاعتماد على المراجع الموثوق بها، والثاني التزام الموضوعيَّـــة والحياد التامّ.
ولما أَقبلتُ على إعداد “ملفّ” الدكتور داهش والداهشيَّـة، لم يَدرْ في خلدي قطّ أَنه من الضخامة بحيث يستحيل عليَّ الإحاطة به كلّه في خلال أَعداد محدودة من الجريدة؛ هذا بالرغم من أنّ صدر “الملفّ” قد اتَّسع وفاض عمَّا هو مرسوم له في الجريدة، إذ تجاوز أَربعين حلقة (من 18/11/1998 إلى 18/1/1999). ولقد شجَّعني على المضيِّ قدماً فيه اهتمام الرأْي العامّ به وإقبال القرَّاء الشديد عليه ووفرة ما أُتيح لي من موادّ مهمَّة تستدعي النشر، وإن يكن منها ما حالت الظروف دون نشره.
ولا بدَّ لي من الاعتراف ههنا بأَنَّ معرفتي بالداهشيَّـة كانت محدودة أَوَّل الأَمر، وكانت تعوزني المراجع الصحيحة عنها إلى أَنْ قيَّض لي الاهتداء إلى المنزل الذي أَقام فيه الدكتور داهش – ويدعوه أَتباعه “منزل الرسالة الداهشيَّة”. وهناك جالستُ عدداً من الداهشيِّين، في طليعتِهم الدكتور فريد أَبو سليمان والأَديبة زينا حدَّاد؛ وهما من أَوائِلِ الـمُؤمنين بالداهشيَّـة، عايشا مؤسَّسها قُرابة نصف قرن، وبذلا من أَجلها تضحيات جليلة.
تحدَّثتُ طويلاً إلى الداهشيِّين، واستمعتُ إلى شهاداتهم في مؤسِّس عقيدتهم. ثـمَّ بادر بعض القرَّاء من غير الداهشيِّين إلى الاتصال بي، والإدلاء بشهادتِهم فيه أَيضًّا. ولقد تسنَّى لي، في أَثناء ذلك، الاطلاع على ما ألَّـفَه الدكتور داهش وما أُلِّفَ حوله، فضلاََ عمَّا نُشر من مُقابلات صحفيَّة، سواء معه أَو مع شُهود ظاهراتِه الـمُذهلة؛ ولم يكونوا جميعًا من أَتباعه. ولقد تحصَّلَ لي من ذلك كلّه أنَّ ما أُشيعَ عن الدكتور داهش من اتّهِامات مُغرِضة كان القصدُ منه تشويه سمعته. الرجلُ صاحب عقيدة إنسانيَّـة روحيَّة قام بأَعمالٍ غير مأْلوفة لا يجوز الاستهانة بها أَو الوقوف منها موقف اللامبالاة. وهو أَيضًا أَديبٌ غزير الإنتاج ينحو في أَدبه منحى مثاليًّا إصلاحيًّـا. وفضلاً عن ذلك كلّه، فقد كان شغوفًا بالفنون الجميلة دَؤوبًا على جمع آثارها، خلَّف متحفًا فنيًّـا يقوم الآن في قلب مدينة نيويورك.
ولقد رأَيت اليوم أَن أُصدرَ تلك الحلقات من “الملفِّ” الداهشيّ في كتاب يصونُها من الضياع أَو النِّسيان، ويقدِّم للقرَّاء صورةً جليَّة عن قضيَّـةٍ شَغَلت المجتمع اللبنانيّ طويلا، وما تزال، وقد يُسهم في نَزْع ما عَلقَ في الأَذهان من زورٍ وبُهتان. ولقد اقتضى منِّي ذلك:
- تقسيمُ الكتاب إلى أَربعة أَقسام، وترتيب الحلقات أَو الفصول بحَسبِ هذا التقسيم لا بحَسب صدورها الزمنيّ في الجريدة، وذلك حرصًا على حُسن التبويب، وخِشية من تداخل المواضيع بعضها في بعض؛
- إضافة فصول جديدة تجمَّعت عندي مراجعها، لكنَّه لم يتسنَّ لي آنذاك نشرها في الجريدة لضيق الحيِّز المتاح؛
- ضبط النصوص على أُصولها، وردُّ المعلومات أَو الوقائع إلى مصادرها الرئيسيَّة مع تذييلِها بالحواشي؛
4.تهذيبُ اللغة، وتصويبُ الأَخطاء، سواء اللغويَّة منها أَو غير اللغويَّة، وحذف التكرار الذي تقتضيه الضرورات الصِّحافيــَّـة أَحيانًا.
وكلُّ ما أَرجوه أَن أَكون قد وفِّقت في مسعاي. والسلام.
بيروت، 4 أَيَّار 2000
إسكندر شاهين
تمهيد
في منطقة القِنطاري في بيروت وعلى بضعِ خطوات من “بُرج الـمُرّ” يقعُ منزل جورج حدَّاد، عديل رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشارة الخوري (1943-1952)، وهو مقرُّ “الرسالة الداهشيَّة” منذ اعتناق السيِّد حدَّاد وعائلته تعاليم سليم العشِّي المعروف باسم “الدكتور داهش”.
أَربعون مترًا هي المسافة الفاصلة بين القصر الرئاسي في عهد الرئيس الخوري ومنزل آل حدَّاد. وعلى رقعة هذه المساحة الضيِّقة دارت معارك طاحنة بين الفريقين، أَي عهد بشارة الخوري من جهة وداهش وأَتباعه من جهة أُخرى. الفريق الأَول، أَي العهد، ساق اتهامات شتَّى بحقِّ داهش والداهشيِّين من تحضير للأَرواح إلى الشعوذة وإلى ما هنالك. ولم يقف الأَمر عند هذا الحدّ، بل تعدَّاه إلى اعتقال الدكتور داهش وسجنِه وتجريدِه من جنسيَّـتِـه اللبنانيَّة ونَفيِهِ إلى الحدود التركيَّـة بالاتفاق مع محافظ حلب عام 1944.
وبعد فترةٍ وجيزة، تمكَّن الدكتور داهش من العودة سرًا إلى بيروت. وبعد أَن فشل في استردادِ حقوقه الـمُغتصبة، بالطرقِ القانونيَّة، شنَّ على مُضطهِديه حملة قلميَّة ضارية بهدف إظهار الحقيقة وتوضيح ملابسات الجريمة التي ارتُكِبَتْ بحقِّه. فأَصدر 66كتاباً و165 منشوراَ أَسود تناول فيها عهد الرئيس الخوري، فأَثارت العديد من الفضائح داخل دوائر الدولة آنذاك. جميع هذه المنشورات كانت موقَّعة باسم “ماري حدَّاد الداهشيَّـة”، وهي شقيقة لُور (زوجة الرئيس الخوري) وميشال شِيحا. وقد عمدت السلطة اللبنانيَّة إلى سجن الـمُؤمن الداهشيِّ الأَول، الأَديب يوسُف الحاجّ، والشاعر حليم دمُّوس، والدكتور جورج خبْصا، والسيِّدة ماري حدَّاد وزوجها السيِّد جورج حدَّاد، وكل من أَعلنَ أَو عُرِفَ عنه بأَنَّه داهشيّ. وممَّا زاد في أوار الحرب هذه قيام ماجْدا ابنة عديل الرئيس الخوري بالانتحار احتجاجًا على ما تقوم به السلطة تجاه داهش وأَتباعه. ولم تنتهِ هذه الحرب إلَّا مع سقوط الرئيس الخوري. واللافت في تلك المرحلة أَنَّ السلطات الإيرانية اعتقلت داهش في 28 حزيران 1947، إثْرَ فتنةٍ دامية قامت في أَذربيجان، لعدم وجود ما يدل على هوِّيته، فاتُهمَ بالجاسوسيَّة وتـمَّ إعدامه في أَول تمُّوز من العام 1947. وقد سلَّمَ رهنما، السفير الإيراني في لبنان في تلك المرحلة، تقريراً رسميًّا للسلطات اللبنانيَّة يُثبتُ إعدام داهش رمياً بالرصاص مُرفَقًا بصور تنفيذ الحُكم فيه. فكتبَت عنه الصحافة مراثي كان أَبرزها لمطران صور وصيدا وتوابعها، بولس الخوري، والشاعر حليم دمُّوس ونقيب الصحافة رياض طه والمحامي وجدي الملَّاط والمرشد العامّ للإخوان المسلمين حسن البنَّـا.[1]
ولكنَّ الحقيقة أنَّ من أُعدِمَ كان إحدى شخصيَّات الدكتور داهش. فلمؤسّس الداهشية ستّ شخصيّات مقرّها في عوالم أُخرى من الكون. وقد تجسَّدت هذه الشخصيّات مرارًا وتكرارًا، وشاهدها الكثيرون في مناسبات متنوّعة عديدة. وقد ذكرت الصّحف أخبار ظهورها، وعقدت الفصول الطويلة حول تجسُّداتها.[2]
وعندما أُعدم داهش رميًا بالرصاص، أي عندما أُعدمت شخصيَّته بأَذربيجان، كان الدكتور داهش في منزل الرسالة بين أتباعه الداهشيّين. وقد واصل حربه ضدّ السلطات إلى أن قامت ثورة الشعب اللبنانّي وأَطاحت بالحكم. ومع وصول الرئيس كميل شمعون إلى الحكم استعاد الدكتور داهش جنسيَّته اللبنانيَّة وتابع مسيرتـه التي يصفها الداهشيُّون بأَنَّها سيلٌ من المعجزات والخوارق.
وهنا يُطرح السؤال: من هو داهش؟ ما هي تعاليمه؟ لماذا تعرَّض للاضطهاد؟ ماذا صنع من معجزات؟
جميع هذه الأَسئلة سيجيب عنها “الملف” بالاعتماد على مصادرها.
[1] راجع كتاب “مراثي الأدباء والشعراء والصحفيين…. بمؤسس العقيدة الداهشية”، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979؛ وكتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة “المصور” المصرية سابقًا، الطبعة الأولى، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979.
[2] ورد تفسير ذلك لاحقًا في الفصل الثالث من القسم الثاني في هذا الكتاب تحت العنوان: “في السجن وخارجه في آن”.
[1] راجع كتاب “مراثي الأدباء والشعراء والصحفيين…. بمؤسس العقيدة الداهشية”، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979؛ وكتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة “المصور” المصرية سابقًا، الطبعة الأولى، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979.
[2] ورد تفسير ذلك لاحقًا في الفصل الثالث من القسم الثاني في هذا الكتاب تحت العنوان: “في السجن وخارجه في آن”.
القسم الأوّل: حياة الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة
الفصل الأول
حياة الدكتور داهش
الطفل المعجزة[1]
في حيّ باب العمود من مدينة القدس،[2] مدينة الأنبياء، ولد الدكتور داهش، في أَول حزيران سنة 1909.
والده موسى إلياس أَليشي (نسبة إلى أَليشع النبيّ) من أُسرة موسرة، ووالدته شموني ابنة حنَّا مراد كانون.
عاشا، قبل زواجهما، في شماليّ ما بين النهرين، الأَب في بلدة إسفِس، والأُم في بلدة آزِخ، والبلدتان متجاورتان في السفح الشرقيّ من “طور عبدين”. وكانا ينتميان بالمولد إلى الطائفة السريانيَّـة الأرثوذكسيَّـة، تلك الطائفة التي تتكلّم الآراميَّة، لغة المسيح، وفقًا لما يذهب إليه كثيرون من المؤرخين. وكان سكَّان تلك المنطقة يعدُّون من رعايا السَّلطنة العثمانيَّــة.
ثم اعتنق موسى البروتستانتيَّـة الإنجيليَّة، وأنشأَ مدرسة، في مسقط رأْسه، انصرف فيها إلى تعليم الناشئة بنفسه.
وكانت شموني إحدى تلميذاته، فاجتذبت نظره باستقامتها وصلابتها وذكائها، فمال قلبه إليها، واقترن بها، بعد أن اعتنقت البروتستانتيَّة بدورها.
ثـمَّ رَحَلا إلى فلسطين عام 1906، في ظروف خطرة ومؤلمة، مدفوعَين بيَدٍ روحيَّة خفيَّة لزيارة الأَماكن التي وُلِدَ فيها يسوع المسيح وصَنَعَ عجائبه واضطُهِدَ وتأَلَّـم، وسكَنا في بيت لحم ثـمَّ في القدس، حيث وُلِدَ لهما صبيّ، بعد ثلاث بنات.
وتشاورا فيما يسمِّيانه. وإذ تَحيَّرا، أُلهِمَ الوالد بأَن يفتحَ الكتابَ المقدَّس، عفويًّا، ويضع إصبعَه، دونما نظر، على احدى الصفحتَين. وإذا بأُنمُلتِه تقع على عبارةٍ وردَت في العهد القديم:
“فولَدَت ابنًا، فدعاه سليمان وأَحبَّه الربّ” (سِفر الملوك الثاني24:12). فسمَّيا طفلَهما سليمان، ثـمَّ خَفَّفا اسمَه، فصار (سليم).
وما إن أَخذَ الصبيُّ يدرُجُ حتّى تركَ والداهُ القُدسَ إلى حيفا. وعامَ 1911، انتقلا مع أَولادِهِما، إلى بيروتَ حيثُ سكنوا في حيّ المصيطبةِ، بملكٍ لجُرجي ناصيفٍ.
وفي فلسطين، حُرِّفَ اسمُ العائلةِ من (أَليشي) إلى (العشّي) مثلما يجري في كثيرٍ من الأَسماءِ. وجرى هذا التحريفُ قبل ولادةِ الصبيِّ.
الشفاء العجائبيّ
كان الطفل ما يزال في المهد عندما أَصابه مرض عضال. فقلق عليه والده الذي كان يعمل في مطبعة الجامعة الأَميركيَّة ببيروت، واتَّصل بطبيبٍ أَميركيٍّ اسمه الدكتور جون سميث كان قد تعرَّف إليه بمناسبة مرض ابنته الثالثة وديعة. فحضر، ووجد الطفل في غَيبوبةٍ، فعالجه بالعقاقير حتَّى يستردَّ وعيَه، لكنَّه فشل. وإذ بدأَ اليأْس يتسرَّب إلى نفس الوالدَين، وهمَّ الطبيبُ بالانصراف، نهض الطفل فجأَةً، وقد شُفيَ بصورةٍ عجائبيَّة، وأخذَ يتحدَّثُ إلى الطبيب الأميركيّ بالإنكليزيَّة بطلاقةٍ عجيبة، ذاكرًا الدواء الذي كان عليه أَن يعالجه به، عِلمًا بأنَّ الطفل ابن الأَعوام الثلاثة لم يكن ليُجيد الكلام حتَّى بالعربيَّة. فكان عجَبُ الطبيب أَعظم من عجب والدَيه، وراح يحدِّثُ معارفه بما رأَى وسمع.
تكلّمه بالهنديّة
روى السيِّد أنَطوان بارود أَنَّه بينما كان واقفًا مع جماعةٍ في محلَّة المصَيطبة ببيروت يتحادثون، وذلك قُبيل الحرب العالميَّة الأُولى، إذا برجُلٍ غريبٍ يمرّ، فيطرح عليهم أَسئلةً بلغةٍ لَم يفهموها، فيلتفُّ الناس حوله يحاولون التفاهم معه، دونما جدوى.
وإذا بصبيٍّ في حوالى الخامسة من عمره يدخل بينهم، متقدِّمًا إلى الرجُل الغريب الزيّ واللسان، ويروح يحدِّثُه بطلاقةٍ باللغة نفسها التي كان يتكلَّم بها. وتبدو علامات السرور على وجه الغريب، فيشكر الطفلَ، ويمضي في سبيله، بينما تأْخذ الدهشة الناس، فيسأَلون الطفل كيف استطاع أَن يتفاهم معه، وبأَيَّة لغة؟ فيجيبهم: “إنّه هنديٌّ ضلَّ الطريق، فهديتُه إليها.”
ويسأَل الناس المدهوشون الصبيَّ عن اسمه، فيعرفون أَنَّه سليم العشِّي.
الطفولةُ البائسة
في 25 كانون الأَوَّل سنة 1920، توفّي والد الطفل، بعد أَن أُصيبَ بالسلِّ، وأَعيا داؤُه الأَطبَّاء، فدُفن في مصحِّ هَمْلِن، في الشبانيَّــة (لبنان).
فوُضِعَ سليم وشقيقته أَنتوانيت في مدرسةٍ للأَيتام تابعة للإِرساليَّـة الأَميركـيَّـة بغزير، إحدى قرى لبنان.
لكنّ الصبيَّ ساءت صحَّتُه بعد مضيّ أَشهرٍ قليلة، فترك المدرسة، وكان ذلك آخِرَ عهده بها.
وقد لازمه داء الربو حوالى ثلاث سنوات، حتَّى قارَبَ الموت، لكنَّ العناية الإلهيّة أَنقذَته وعافَته.
الفتى الشغوف بالمعرفة
كان سليم شغوفًا بالمعرفة، لكنّ وضع أسرته الاقتصادي لم يسمح له بمتابعة دروسه في مدرسة كبيرة، ولا بابتياع الكتب. فما أن تحسَّنت صحته مع بداية عام 1923 حتّى أَخذ يستأْجر الكتب من المكتبات، فيطالعها ويطيل السهر عليها. فحصَّل مع الزمن معرفة واسعة شاملة بنفسه دونما استعانة بأَحد. وفي 7/3/1923، حصل سليم على تذكرة هوِّيَّة الجنسيَّـة اللبنانيَّة، بعد أَن حازتها والدته قبل عام ونيِّف.
عينان تشعَّان نورًا
ذات ليلة من عام 1923، أَطال الفتى العجيب سهرَه، في منزل خالته بالقدس، وهو يطالع أَحد الكتب المقدَّسة. فما كان من خالته الأُمِّيَّة إلَّا أَن أَسرعت وأَطفأَت قنديل الكاز الذي يستضيء به ودَعَته إلى النوم، حرصًا على صحَّتِه وعلى زيتِ الإنارة.
امتثل الفتى لرغبتها. لكن، لَم يمضِ هزيعٌ من الليل، حتَّى استيقظَت الخالة، فرأَت نورًا يُضيء زاوية الغرفة، والفتى جالسٌ يقرأ. فنهضَت مغضبة، وفي نيَّتها إطفاء القنديل وإخفاؤه، وأَيقظَت زوجها ليؤدِّبا معًا الفتى العاصي.
لكنَّهما سرعان ما تسمَّرا في الأرض مشدوهَين، مذعورَين، إذْ كان القنديل غير مضاء، ونورٌ ساطعٌ غريب يشعُّ من عينَي الفتى العجيب.
لم يفهما من الأمر شيئًا، ولم يحصِّلا منه إلَّا الخوف. فاتَّصلا، عند الصباح، ببعض رجال الدين المسيحيِّين، وشرحا لهم ما حدث للفتى. فأَكَّد رجال الدين لهما أَنَّ “مسََّا شيطانيََّـا” قد أَصابه، وأَنَّ الكتاب الذي يطالعه قد يكون تلبَّسه روح شرِّير.
عادت المرأَة وزوجها إلى المنزل، والفتى غائب، فبادرا إلى الكتاب الذي كان يطالعه، وأَحرقاه في احدى زوايا المنزل.
وما إنْ عاد الفتى حتَّى طالبهما بالكتاب، فأَنكرا أَن يكونا على علمٍ به. فتوجَّه غاضبًا إلى حيث آثار الرماد، وضرب بيَدِه عليها، فإذا الرماد يتجسَّد كتابًا كما كان.
وشاع الخبر في الجوار، زارعًا في نفوس الناس الجاهلين الخوف من الفتى الخارق.
داهش يمشي فوق الماء
بَدءًا من سنة 1926، أَخذَت عجائبُه تتكاثر، ويزداد شهودها. وفي عيد مار إلياس، من هذا العام، صنع خوارقَ كثيرةً أَمام جمعٍ غفير، في بيروت، حتَّى أصبحت أخبار معجزاته موضوعاً يوميًّا في أَحاديث الناس.
ثـمَّ انتقل إلى بيت لحم. وذات يوم، كانت ضفافُ بِرَكِ النبيّ سليمان التي تقوم قرب المدينة التي شهدَت ولادة المسيح تغصُّ بالروَّاد والمتنزّهين، وفيهم كثيرون من السريان، بينهم السيِّد كوريَّة ملكي عبد الله. وكان الفتى المعجز حاضرًا؛ فذكر أَحدُهم مشيَ المسيح على الماء؛ فقال الفتى الخارق:
ماذا تقولون عنّي إذا مشَيتُ فوق ماء البحَيرة، ذهابًا وإيابًا؟
فاستعظموا الأَمر، واستبعدوه.
وعلى التوِّ، بدأَ يسير على صفحة الماء رويدًا رويدًا، كأَنَّما يسير على الأَرض، حتَّى اجتاز البحَيرة كلَّها، ثمَّ عاد أدراجه إلى نقطة انطلاقه.
وفحص الشهود المشدوهون الكثيرون حذاءَه، فوجدوه غير مبلَّل، فازداد عجبهم. وسأَله كوريَّة عبد الله كيف حَدَثَ ذلك؟
فأَجابه: “أَنا أَسير ُفوق المياه كما أَسيرُ على اليابسة.”
وقد روى كوريَّة ملكي عبد الله هذه الحادثة في مقابلة مع مجلَّة “اللواء” الصادرة في بيروت في العدد 97، تاريخ 6 تشرين الثاني 1964، وقد وردَت في المقابلة أسماء شهود للحادثة هم: ديمو هيمو وعزيز عيسى ويوسُف شاشان ويوسُف حنُّو.
داهشُ الناس
عندما بلغ الفتى سليم العشرين من عمره أَخذ يلتفُّ حوله عددٌ من المثقَّفين الفلسطينيِّين ويتتلمذون على يَدَيه، ومنهم الشاعر مُطلق عبد الخالق وتوفيق العسراوي، أَحد وُجهاء فلسطين الذي قضّى حياته بعد ذلك متنسِّكًا في أَحد الكهوف البتراء في الأُردنّ بعدما وزَّع ثروتَه على الفقراء؛ والاثنان توفّيا عام 1937.
وذات يوم من سنة 1929، أُلِهمَ الفتى العجيبُ أَنَّه يجبُ أَن يغيِّرَ اسمَه، ويتَّخذَ اسمًا روحيًا، ولَقَبًا، وبأَنَّه سيُعطى الاسم الجديد واللقب عن طريق القرعة. فأَخبَرَ تلاميذَه بذلك؛ فعمدوا إلى كتابة أَسماء كثيرة على قُصاصات من الورق، ثـمَّ طووها وخلطوها. واختيرَت واحدة منها، فإذا فيها اسم (داهش). ثـمَّ كُتبَت أَلقابٌ كثيرة، وطُويت أوراقها وخُلطَت، ثـمَّ اختيرَت واحدة منها، ورافَقَه لقب “دكتور” مثلما رافق لقب “الحكيم” سليمان النبيّ.
في قعر السين
بعد أَن اتسعت شهرةُ داهش، وتناهَت أَخبار معجزاته إلى المحافل العلميَّة في فرنسا، أَرسَلت إليه “الجمعيَّة النفسيَّة الدوليَّة” في باريس تستضيفه على نفقتها. فسافر إليها برفقة شقيقته أَنتوانيت، وذلك على يقينه بأَنَّ تلك الجمعيَّة وغيرها ممَّا يماثلها بعيدةٌ عن فهم الحقائق الروحيَّة بُعْدَ السماء عن الأَرض.
وإذْ طُلِبَ إليه أَن يُريَ المجتمعين معجزةً من معجزاته، أَجابهم أَنَّه سيُريهم آية يونان النبيّ. فطَلَبَ أن يوضَع في صندوقٍ حديديّ، ويحُكَمَ إغلاقُه، ويُدفَنَ في قَعْرِ نهر السين، سبعة أَيَّام، تحت الحراسة المشدَّدة.
أَجفلَ المجتمعون، أَوَّلاً، لخطورة العرض لكَّنهم عادوا فقبلوا، عندما كتب لهم إقرارًا بأَنَّه هو المسؤول عن عاقبة طلبه. وبعد أَن فحصَته لجنة طبيَّة، استحضروا صندوقًا حديديًّا، وأَنزلوه فيه، وأَغلقوه عليه إغلاقًا مُحكَمًا، ثـمَّ أَسقطوا الصندوق إلى قَعْرِ نهر السين.
وبعد مضيَّ سبعة أَيَّام من الحراسة المشدَّدة مدى الليل والنهار، وأَمام 150 شاهدًا من المهتمِّين بالأُمور النفسيَّـة، رُفعَ الصندوق، وفُتح. وإذا بالجثمان الساجي يتحرَّك، وبالوجه الواجم يبتسم.
بعد هذه المعجزة المذهلة، مُنِحَ داهش شهادةَ العلوم النفسيَّـة من قِبَل “الجمعيَّة النفسيَّـة الدوليَّة Internationale Psychique Société، بتاريخ 6 أَيَّـار 1930، ثـمَّ شهادة التخرُّج من قبل “معهد ساج” Institute Sage الأَميركيّ في باريس، بتاريخ 22 أَيَّار 1930.
الأديب المعجز
بدأَ الدكتور داهش بتدوين أَفكاره وعواطفه سنة 1927؛ حتَّى إذا بلغ أَواسط العام 1933، كان قد أَنهى تأْليف كتابه الأَوَّل “أَسرار الآلهة” بجزءَين. وقبل تمام العام نفسه، أَنجزَ كتابه الثاني “قيثارة الآلهة” بجزءَين، فالثالث “ضجعة الموت”.
وما بين 1933 و1950، توالت مؤلَّفاته حسب الترتيب التاريخيّ التالي :”القلب المحطَّم”، “نشيدُ الحبّ”، “الإلهات الستّ”، “كلمات”، “جحيم الذكريات”، “الدهاليز”، “النعيم”، “الجحيم”، “بروق ورعود”، “عواطف وعواصف”، “مذكّرات يسوع الناصري”، “نشيد الأَنشاد”، ” ناقوس الأَحزان أَو مراثي إرميا”، “عشتروت وأَدونيس”، “نبال ونصال”، “بريء في الأَغلال أو يوميَّاتُ سجين الغدر والخيانة”، “من وحي السّجن والتجريد والنفي والتشريد”، “أَوهام سرابيَّـة وتخيُّلات ترابيَّة”، “قيثارة الأَحزان أو روحٌ تنوح”، “ابتهالات خشوعيَّــة”، “مذكّرات دينار”.
وبين عام 1950 و1983، أَلَّف الدكتور داهش عشرات الكتب الأُخرى التي تضمُّ، في ما تضمُّ مجموعة “قصص غريبة وأَساطير عجيبة” بأَربعة أَجزاء، وسلسلة “حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيَّة” في عشرة أَجزاء، وسلسلة “فراديس الإلهات يُرصِّعها اللينوفار المقدَّس” في عشرة أَجزاء، وسلسلة “الرحلات الداهشيّـة حول الكرة الأَرضيّة” في اثنين وعشرين جزءًا، بحيث ناهزت مؤلَّفاته المئة والخمسين. وقد خاض الدكتور داهش معظم الميادين الأَدبيَّـة، وجلَّى فيها.
الرسالةُ الإلهيَّــة
إنَّ المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غايةً بحدِّ ذاتها، بل وسيلة، وبكلمة أَصحّ شهادة على صحَّة الرسالة الإلهيَّة التي كان الدكتور داهش يشعر بإرهاصاتها، ويرتقب بشوق عظيم أَن يحقِّقها الله على يديه، منذ حداثته، حتَّى إذا ما بلغ السابعة والعشرين، سنة 1936، سجَّل في كتابه “كلمات” شعوره قائلاً: “أَشعر بأَنّي أَحوي في أَعماقي قُوىً روحيَّة خفيَّة هائلة تودُّ الانطلاق، لتقوم بعملٍ خطير عظيم؛ ولكنّي أَكـبتُها إلى أَجلٍ معلوم. ولن يمضي غير قليل حتَّى تتفجَّر ينابيعُها، وتجتاح في طريقها كلَّ ما يعترضها من حواجز وعقبات، ثـمَّ تبرز للعيان جليَّــةً، واضحة، لا لبس فيها ولا غموض.”
وما أَنْ انقضى العام المذكور حتَّى أَثبت الدكتور في كلمة استقباله للعام التالي هذا القَسَم:
القَسَمُ العظيم
“أُقسِمُ بكَ، يا خالقي، أَنَّه لو وُجد ملايين
من الأَغبياء المارقين، أو الخَوَنة المماذقين،
وملأوا طروس الأَرض،
لا، بل لو نَقَشوا حجارة هذا الكون بأَسره، قائلين بها:
“إنَّ رسالتي هذه غير صادقة”،
لمشَيْتُ رافع الرأْس، موفور الكرامة.
وسأَبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي،
حتَّى تعمَّ الأَرض، وتنتشر في السماء أَيضًا.
ولن تثنيني البرايا بأَسرها عن أَدائها، يا الله،
ما دُمتَ أَنت تمدُّني بقوَّتك الإلهيَّة.
وهذه يميني يا خالقي،
أَرفعها لك من أَعماق قلبي
الذي لا يخفق إلَّا بذكر اسمك القدُّوس،
برهبة وخشوع كلّـِـيَّين”.
وكان على الأَرض أَن تنتظر حتَّى 23/3/1942، لتشهد تمام الحديث الجلل، إذْ إنَّ الأرواح العلويَّة تنزَّلَت، في هذا اليوم، على الدكتور داهش، بحضور الـمُؤمن الأَول الأَديب يوسُف الحاجّ، مُعلنةً قيام الرسالة الداهشيَّـة، وبَدْء التاريخ الداهشيِّ في العالم، وذلك في أَوَّل جلسة روحيَّة[3] عقدها مؤسِّس الداهشيَّــة.
اضطهاد مُؤسِّس الداهشيَّــة وأَتباعـه
بعد اعتناق الأَديب يوسُف الحاجّ الداهشيَّة، تتابَع المؤمنون بها من رجال الأَدب والعلم، وأَعيان المجتمَع. وكان بينهم رئيسة نقابة الفنَّانين، الأَديبة ماري حدَّاد، شقيقة زوجة رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة الأَسبق بشارة الخوري، فآمنت هي وزوجها وأَفراد عائلتها، بعد معاينتهم معجزات الدكتور داهش الدامغة.
وبدأَت الداهشيَّـة تغزو المجتمع اللبنانيّ، في مختلف طوائفه، محُدِثَةً ضجَّة مدوِّية في الصحافة اللبنانيَّة والعربيَّة، فخاف ذَوو ماري حدَّاد ولا سيَّما شقيقتها لُور وشقيقها ميشال شيحا والرئيس بشارة الخوري من العقيدة الجديدة التي اعتنقتها عائلة عديله جورج حدَّاد، فحاولوا أَوَّلاً إقناع ماري حدَّاد بالتخلِّي عن عقيدتها الجديدة، لكنَّ مساعيهم تحطَّمَت. والمدَّعي العامَّ المركزيّ الأُستاذ ديمتري الحايك – الذي كلَّفه رئيس الدولة بهذه المهمَّة – فضَّلَ أَن يُقال من منصِبه على أَن يُصدِرَ اتّهاماً بحقِّ الدكتور داهش، وآمن برسالته. حينئذٍ عمدَت السلطات إلى استمالة النُّواب بمختلف الأَساليب، ليُقِرُّوا مشروعَ قانونٍ يمنع “مناجاة الأرواح”، وبالتالي يمنع الدكتور داهش من ممارسة نشاطه، واجتراح معجزاته، ذلك مع العلم بأَنَّ معجزات داهش لا علاقة لها “بمناجاة الأَرواح”. غير أَنَّ السلطة أَصرَّت على تسمية “الجلسات الروحيَّة الداهشيَّـة” بـ”مناجاة الأَرواح” لتتسنَّى لها ذريعةٌ لملاحقته. لكنَّ مشروع الحكومة سقط أَيضًا. عندئذٍ نَشَطَت السلطات إلى تشويه سُمعة داهش، بتلفيقِ الشائعات عليه، ونَشْرِها بين الناس وفي الكنائس والمدارس والصحف. ومُنِعَ الداهشيُّون من الردِّ على تلك الحملات.
أَخيرًا، لجأَت السلطات إلى إلقاء القبض على الدكتور داهش في 28 آب 1944، ودونما محاكمة زجَّت به في السجن؛ ثـمَّ ما لبثَت أَن سجَنَت الداهشيّين البارزين تباعًا، وبينهم الأَدبية ماري حدَّاد نفسها دونما محاكمة أَيضًا.
وفي 9 أَيلول، أَبعدَتْ السلطات مؤسِّس الداهشيَّـة إلى خارج الحدود اللبنانيَّة، بعد أَن جرَّدَته من جنسيَّـــتـِه اللبنانيَّة، ثمَّ أُبعِدَ، باتِّفاقٍ بين بشارة الخوري ومحافظ حلب، إلى الحدود التركـيَّــة.
بعد مُضيِّ شهرٍ واحد على نَفْي مؤسِّس الداهشيَّـة، تمكَّن رجُل الروح من العودة سرًّا إلى لبنان. ومن عرينه، قام بشنِّ حملةٍ إعلاميَّة، فوضع ووَزَّع، على نطاقٍ واسع، 66 كتابًا أَسود و165 منشورًا تناولَت رجالَ الحُكم ممَّن تآمروا عليه.
وقد ساعدت هذه الكتب والبيانات السوداء على إيقاظ الشعب وإثارته ضدَّ حكَّامه فأُسْقِطَ بشارة الخوري من على كرسيِّ الرئاسة سنة 1952، وانتُخِبَ كميل شمعون رئيسًا للجمهوريَّة، فردَّ الجنسيَّـة اللبنانيَّة للدكتور داهش، في أَول عهده، سنة 1953.
أَمَّا عن سني الدكتور داهش الأَخيرة، فقد قضَّاها في السفَرِ حول العالَـم، وفي نشاطٍ دَؤوب وعملٍ مستمرٍّ لا يهدأ من أَجل إِغناء تُراثه الفكرِيّ والفنِّيّ، وإرساء قواعد رسالته الروحيَّة. وقد توفيَّ في نيسان 1984، مخلِّفًا تُراثًا فكريًّـا وفنّــِيًّـا ضخمًا.
[1] أكثر معلومات هذا الفصل مُستقاة من كتاب “مدخل الى الداهشية” للدكتور غازي براكس، الدار الداهشية، نيويورك، 1992.
[2] كانت سوريا ولبنان وفلسطين آنذاك تحت الحكم العثماني، ولم تكُن قد استقلَّت بعد كَكيانات ٍسياسيَّة.
[3] انظر شرحًا عن “الجلسة الروحيَّة” في الفصل الثالث من القسم الثاني، في هذا الكتاب.
القسم الأوّل: حياة الدكتور داهش وظاهراته الروحيّة
الفصل الثاني
ظاهرات الدّكتور داهش الرّوحيّة
تمــهــيــد
إنَّ المعجزات التي اجترحها الدكتور داهش، كما يقول أَتباعُه، لا تُعَدُّ ولا تُحصى وسوف نسردها تباعاً وفقَ شهودها الأَحياء أَو عبر البحث والتنقيب في الكتب التي تناولَتْها، ومُعظم ُكتَّابها من الداهشيِّين أو المحايدين الذين شهدوا لتلك الظواهر. إضافةً إلى ذلك، نعود إلى أَرشيف بعض الزميلات من الصحف والمجلَّات التي واكَبَت داهش وخوارقه في فترات الأربعينيَّات والخمسينيَّات والستينيَّات، وُصولاً إلى مرحلة مغادرته لنان وتنقُّله بين مختلف العواصم والمدن الأُوروبيَّة والأَمريكيَّة والهنديَّة حتَّى وفاته عام 1984. فقد تناوَلَتْ تلك الصُّحف والمجلَّات معجزاته في كثيرٍ من التحقيقات؛ وكان بعضُها يَحدُث في حضور صحافيِّين وتحت عدسات آلات التصوير.
ومن المعروف أَنَّ الدكتور داهش كان ظاهرةً استقطبَت معظم رجال الفكر والثقافة في أَيَّامه، وأَنَّ دارتَه كانت مقصداً للمثقَّفين والأَطبَاء والمفكِّرين وتحوَّلَت إلى مجلس من مجالس الفكر يتناقش فيه روَّادُه في مختلف القضايا الدينيَّة والفلسفيَّـة وحتى السياسيَّـة منها. بعضهم ارتبط مع داهش بعلاقة صداقة وثيقة، ومنهم مَن آمن به واعتنَقَ أَفكارَه. ولعلَّ البارز في الموضوع أَنَّ “المجلس الداهشيّ”، إذا جاز التعبير، تحوَّلَ إلى موقعٍ لاجتراح “المعجزات”، كما يقول الداهشيُّون، وإلى ملاذٍ يلجأُ إليه بعض الناس على اختلاف طبقاتهم وأَديانهم طلبًا ـلما يُسمِّيه الداهشيُّون، “المساعدة الروحيَّة”، خصوصًا أَهل السياسة الذين وجدوا في تلك “المساعدات” دفعاً لوصولهم إلى المراكز التي يَصْبون إليها، فيما يعتبر الداهشيُّون بأَنَّ ما فعله الدكتور داهش لَـم يكن يصبُّ إِلَّا في زاوية دَفْع الناس إلى الإيمان بوجود الله ووحدةَ الأَديان من خلال القدرات الروحيَّة التي منحَتْها القدرة الإلهيَّة للرجُل الظاهرة.
في هذا الفصل، نستعرض بعضًا من تلك الظاهرات الروحيَّة العجيبة. وقد استقَيناها من كُتُبٍ مختلفة لكتَّابٍ مشهودٍ لهم بعِلمهم وثقافتِهم وأَدبِهم وفنِّهم، وجميعهم عرفوا الدكتور داهش عن كَثَب وعاينوا معجزاته وتَيقَّنوا من صحَّتِها ومن القدرة الإلهيَّة التي تجترحُها. ومنهم مَن آمن برسالة الدكتور داهش وضحَّى بكلِّ مرتخصٍ وغالٍ في سبيلها، وتحمَّل من أَجلِها المتاعب والمشقَّات، وفي طليعتهم المؤمن الأَوَّل الأَديب يوسُف الحاجّ، والمؤمن الثاني الشاعر حليم دمُّوس، والمؤمن الثالث الدكتور جورج خبصا، والمؤمن الرابع السيِّد جورج حدَّاد وعقيلته الأَديبة الفنَّانة السيَّدة ماري حدَّاد، والمؤمن الخامس جوزف حجَّار، والمؤمن السادس الدكتور فريد أَبو سليمان.
فالشاعر حليم دمُّوس كان يُدوِّن، منذ اليوم الأَوَّل لاعتناقه الداهشيَّة، ظاهرات الدكتور داهش الروحيَّة وتعاليمه وكلَّ ما يتَّصل برسالته. كما كان يحضرُ كثيراً من الجلسات الروحيَّة الـمُهمَّة فيشاهدها ويَشهَد لها، ثمَّ يدوِّنُ وقائعَها؛ وله في ذلك كتابان مطبوعان، هما: “معجزاتُ مؤسِّس العقيدة الداهشيَّة ومُدهشاتُه الخارقة”، و”الـمُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّـة الـمُذهلة”. والسيَّدة ماري حدَّاد وضعَت كتابًا بعنوان: “مُعجزات الدكتور داهش وظاهراتُه الروحيَّة”. والعلَّامة الشيخ عبد الله العلايلي وضعَ كتابًا أَسماه: ” كيف عرفتُ الدكتور داهش”. والدكتور غازي براكْس وضع كُتُبًا عديدة عن الدكتور داهش والداهشيَّـة، منها كتاب “مدخل إلى الداهشيَّـة”. كما وضعَ الصحفيُّ لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلَّة “المصوَّر” المصريَّـة كتابًا بعنوان: “مُعجزاتُ وخوارقُ الدكتور داهش”. وقد رأَيتُ من المفيد أَن أَختار مقتطفاتٍ من الظاهرات الروحيَّة المذكورة في هذه الكُتب، مُـمهِّدًا لها بنبذةٍ عن حياة كلّ ٍمن أُولئك الكُتَّاب، كما استقَيتُها من مصادرها، نظرًا لأَنَّ أَهميَّة تلك الشهادات مَنوطةٌ بمكانتهم الفكريَّــة والخُلقيَّــة والاجتماعيَّـــة.
الشاعر حليم دمُّوس (1888-1957)
من كبار شُعراء العربيَّةِ وكُتَّابها. ولد عام 1888، في مدينة زَحْلَة بلُبنان، وفيها نشأَ وتَلقَّى علومَه وكتبَ بِداياتِه الشعريَّة والنثريَّة.
شَهِدَ مرحلة التململ والانبعاث التي أَحدثَها الانفتاحُ على الثقافة الغربيَّة في مطلع القرن العشرين ومُحاولات الخروج من صَدَفة القديم والانطلاق بالشِّعر والنثر إلى آفاقٍ جديدة رَحْبَة.
هاجرَ إلى البرازيل عام 1905، لكنَّه ما لَبِثَ أَن عاد إلى الوطن لينصرفَ إلى الصحافة والأَدب، ويوزِّع نشاطاته الأَدبيَّة والاجتماعيَّة على أكثر من صحيفة ومجلَّة وجمعيَّة خيريَّة.
وقد شارك في تأْسيس “الرابطة الأَدبيَّة” في دمشق عام 1921، وأَصدر جريدة “الأَقلام” عام 1932.
كان حليم دَمُّوس شاعراََ مُـجَلِّيًـا وخطيبًا بارعًا، غَزيرَ الإنتاج، ذائعَ الصِّيت، جَهْوَريَّ الصوت، قويَّ الحضور، ساحر الإِلقاء، فَتَنَ الخاصَّة والعامَّة. شَغَفَ الكبار، ورافقَ الصغار إلى مَدارسهم وصفوفهم عَبْرَ أَناشيده الوطنيَّة وصُداحه الجميل، وقد لُقِّبَ ب “بُـلـبـُل المنابر”.
كان العام 1942 عامَ التحوُّل الكبير في حياة حليم دمُّوس وشِعره، بل كان عام “وِلادته الجديدة” يومَ التَقى الدكتور داهش واعتنقَ عقيدتَه الروحيَّة. وقد عبَّر عن كيمياء هذه الحالة بقوله: “كنتُ مادِّيًّا محضًا فأَصبحتُ روحانيًّــا محضًا.”
كان تحوُّل حليم دمُّوس من المادِّيَّة إلى الروحانيَّة مُعجزةً تُضافُ إلى مُعجزات الدكتور داهش. وقد وقف الشاعر الروحانيُّ حياتَه الجديدة بأَكملها على العقيدة الداهشيَّة مُبَشِّرًا ومُكافِحًا ومُقاسِيًـا شتَّى أَنواع العذاب، في مرحلةِ ما عُرِفَ “بالاضطهاد”. وقد أُطلِقَ عليه لقب “مؤرِّخ الرسالة الداهشيَّـة ” في 14 أيار 1942، حين بدأَ بتدوين الوقائع الداهشيَّة (بعدَ الأَديب يوسف الحاجّ، المؤمن الأَوَّل). كما لُقِّبَ حليم بـِ”حسَّان” تيـمُّـنًا بالشاعر حسَّان بن ثابت الأَنصاريِّ، وصار يوقِّع باسم “حسَّان حليم دمُّوس”.
قام حليم دمُّوس بدورٍ بارزٍ إبَّان “الاضطهاد”، فكان يكتب المنشورات ويُنظِّم العرائض والبرقـيَّات ويتَّصل بكبار المسؤولين، مُستنكرًا الحملات الظالمة، ومُطالباً بالاحتكام إلى القانون، شارحًا المبادئ الداهشيَّة ومُوَضحًا الدوافع الأَساسيَّة لعمليَّة الاضطهاد، والحقائق التي زَيَّفها المسؤولون الذين تجنَّبوا محاكمة الداهشيِّين خوفًا من فَتح ملفِّ فضائح العهد. ولـمَّا اضطرُّوا لإحالتهم على المحاكمة، انقلَبَت محاكمة الداهشيِّين إلى محاكمة الحُكم، ووُضع الحاكم مكانهم في قفص الاتِّـهام.
في المجال الأَدبيِّ، كان لا بُدَّ أَن ينال شِعر حليم دمُّوس القسط الأَوفر من عمليَّة التحوُّل بتأْثيرٍ من معتقده الجديد الذي زوَّده بالعُمق والسَّعة والنضج، فتحوَّل شِعر الـمُناسَبة إلى شِعر القضيَّة الذي ينبض بأَرقى المشاعر، ويُعالج قضايا الإنسان، فيَنْصُر المظلوم، ويدافع عن الحقِّ، ويدعو إلى المحبَّة والسلام.
قام حليم دمُّوس بنقل معظم كُتُب الدكتور داهش من صيغة النثر إلى صيغة الشِّعر (وكانت تزيد عن العشرين كتابًا)، ولَـم يكن لينجزَ هذا العمل الشاقَّ لو لَـم يعِشِ الداهشيَّة قلبًا وقالبَا حتَّى اقتربَت نفسُه من نفس مؤسِّسها وتوحَّدَت بينهما الحالة الشعوريَّة والشِعريَّة.
عام 1983، صدرَت مقتطفات من هذه الأَشعار، مع أَصلها النثريِّ، عن “دار النَّار والنُّور”، في بيروت، في ثلاثة مجلَّدات، تحت عنوان “ناثر وشاعر”. وقد ترك حليم دمُّوس، إضافةً إلى ذلك، تُراثًا شعريًّا ونثريًّا ضخمًا يتعذَّر حصره؛ فأَكثره مخطوط، وموزَّع بين الصحف والمجلَّات اللبنانيَّة والعربيَّة. فقد طغى همُّه في الدفاع عن الرسالة ونشْر مبادئها، ومَنَعَه من الاهتمام بكتبه ونشْرها. كتابُه “رباعيَّات وتأَمُّلات” في عشرين جزءًا، لَـم يصدر منه سوى جزءَين، وديوانه “المثالث والمثاني” قـرَّظه أَمير الشعراء أَحمد شَوقي بقصيدةٍ مطلعها:
أَجزاءُ وَشْيِ يَـماني أَم ذي فصوُل بيانِ
من الكتابِ الـمـُحلَّى مَــــــثالـــثـــــــًا ومَـــــــــثاني
توفِّي حليم دمُّوس في 27 أَيلول (سبتمبر) 1957، وقد أَوصى بدفنِه بطريقةٍ متواضعة، انسجامًا مع التعاليم الداهشيَّة “التي تأْمر بالتواضع التامِّ وتنهى عن الكبرياء.” ونَعتْه الأُسرة الداهشيَّة بكلمةٍ مؤثِّرة جاء فيها:
“إنَّ الحياة بَعدَك يا حليم ظلمةٌ قاتمة.
ودُجُــنَّــة دُنيانا مُفزعةٌ بعد انطلاقكَ الرهيب عنَّا …
ويا شاعر الأَرواح العُلويَّـة،
انظمِ الأَشعار في جَنَّة خُلدكَ البهيَّــة،
فقد اصطفاكَ الله شاعرًا لجنَّــته الإلهيَّــة”.
معجزاتٌ داهشيَّة يعاينُها الشاعر حليم دمُّوس
هبوطُ دفتر الوقائع الروحيَّــة[1]
(14 أَيَّــار 1942)
لـمَّا كنَّا قد عزمنا على أَن نشرَعَ في تدوين جميع الظاهرات الروحيَّة التي فَتحَت أَمامنا عالَمًا جديدًا لم نكن لنؤمنَ به ولا نشعر بمثله، قبل اليوم، ولا نصدِّق شيئًا عنه … فلمجرَّد مرور هذه الخاطرة السريعة في رؤوسنا ظَهَرَ أَمامنا بطريقةٍ عجائبيَّة دفترٌ كبيرٌ جميل!
ففتحنا الدفَّة الأُولى، فإذا مدوَّن عليها بيدٍ غير منظورة الكلمات الثلاث الآتية:
“المؤرِّخ حليم دمُّوس”
وفي تلك اللحظة انخطف الدكتور داهش بالروح،[2] وأَعلن أَنَّ الوقائع التي ستَحدثُ في الرسالة في شتَّى المناسبات، وفي أَيِّ زمان ومكان، يجب تدوينها بواسطة الأَخ المؤرِّخ المؤمن الثاني، الأُستاذ الشاعر حليم دمُّوس.
هذه سبع ظاهرات[3] جَرَت في اليوم الأَول لإيماني فَعزَّزَتْه وأَيَّـدَتْـه، ولروحي فأَنعشَتْها وجَدَّدَتهْا.
وللحال وجدتُني قد طويتُ العهدَ الماضي بما كان يحملُه من جَشَعٍ في المادَّة، وطمعٍ في المجد الزائل.
وها إنّي قد فتحتُ لنفسي صفحةً جديدةً بيضاء، أَخطُّ عليها بيَدِ العقيدة القويَّة، والإيمان الصحيح، والهداية السَّمْحة، كلَّ ما يقع أَمامي وأَشعر به في هذه البقيَّة الباقية من الحياة، تحت عَلَم هذه الرسالة المقدَّسة. ولن أَتقاعس عن أَدائها مهما اعترضتني الخطوبُ وصادمتني النوائب.
والله خير الشاهدين على ما أَقول.
الدكتور داهش في شخصيّتين
“يا أَخي قيصر لا تلمسْني!”[4]
بتاريخ 2 حزيران 1942، استيقظتُ في منزل الدكتور داهش متأَخِّرًا، لأَنَّني أَمضيتُ الليل في تدوين بعض الظاهرات التي تَـمَّت معي خلال الأَيام السابقة. وكانت الساعة التاسعة والنصف عندما استيقظتُ.
وإذا بي أَسمع الدكتور داهش، وكان نائمًا بالقرب منّي، يردِّد العبارة التالية:
“يا أَخي قيصر لا تلمسْني! … لا تلمسْني! … “
فدهشتُ من ترديد هذه العبارة، وظننتُه يرى رؤيا؛ فلم أَشأْ إيقاظَه.
وبعد نصف ساعة نهض الدكتور داهش وارتدى ثيابه؛ ثمَّ جلس يُـملي عليَّ أَحدَ مؤلَّفاته الأَدبيَّة لأَجل التبييض والطبع.
وعندما انتهينا من التبييض قصَّ عليَّ حلمًا رآه يتعلَّق بصديقه الفنَّان قيصر الجمَيِّل فقال:
“شاهدتُ نفسي في الحُلم كأَنَّني في محترف الفنَّان قيصر الجمَيِّل، عند ساحة النجمة. فرحَّب بي وقال: “حسنًا فعلتَ بمجيئك إليَّ في الساعة التاسعة والنصف، قبل أَن يتكاثر الأَصدقاءُ عليَّ فيلهونني عن إنجاز رسمكَ الزيتيّ”.
فأَجبتُه: “هذا ما دعاني للمجيء إليك الآن …” وجلست أَمامَهُ. فجعل يُنجز لي رسمي الزيتيّ بريشته الساحرة. ولم يمضِ عليَّ نصف ساعة حتَّى شعرتُ بضيقٍ واضطراب، وامتقعَ وجهي دون سببٍ معروف؛ فنهضتُ واقفًا، وأَسرعتُ نحو الباب أُريدُ الخروج، فدُهش قيصر، وقال لي:
– ماذا بكَ؟ ماذا بكَ؟ وهل تريد شيئًا؟
أَجبته:
كلَّا. كلَّا …
وحاول أَن يُـمسك بيدي لأَنَّه شاهدني أَكاد أَتهالك على نفسي … فصحتُ به قائلاً: “يا أَخي قيصر لا تلمسْني! …”
وكرَّرتُـها له فدهش، وابتعد باستغراب …
وهنا شاهدتُ نفسي أَسبَحُ في الفضاء اللانهائيّ، وأَنا أَشعرُ بغبطةٍ لا مثيل لها. ثمَّ استيقظتُ …”
أَمَّا أَنا فدهشتُ من هذا الحلم، وقلتُ للدكتور:
– ما دام الواجب يدعوك لأَن تذهب إلى صديقك قيصر بناءً على الموعد الذي ضربَهُ لك، ولم تستطع، فدَعْنا نذهبُ الآن إلى منزله”.
فقال:
– لا مانع.
وما بلغنا الفنَّان، ودخلْنا، حتَّى بادر قيصر بالسؤال قائلاً:
– عساك تحسَّنْتَ، يا دكتور داهش، ممَّا أَصابك صباحًا؟
وهنا ظهرتِ الدهشةُ جليَّةً على أَسارير الدكتور وأَساريري؛ ولكنَّه أَجابَه:
– وأَيّ شيءٍ أَصابني؟
قال:
– لا أدري ماذا أَصابك … ولكنَّني شاهدتُك تطلب الخروج من الغرفة، وكان وجهك شديد الاصفرار! …
وهنا تدخَّلْتُ أَنا بالأَمر، وأَقسمتُ لقيصر بأَن الدكتور داهش لَـم يخرج في هذا اليوم، وكان ملازمًا المنزل برفقتي. ونحن لَـم نغادر المنزل إلَّا الآن فقط!
فأَبى قيصر أَن يصدِّق، وقال بقليلٍ من الحِدَّة:
– وهل تريد أَن أُكذِّبَ نفسي وأَنا الذي صوَّرتُه في الصباح بيَدي؟!
تعالَ معي إلى المحترف كي أُريك صورتَه التي بدأتُ بها. ولنفرض أَنَّني متوِّهم، فهل الصورة تتوهَّم، أَيضًا؟ إنَّ وجودها دليلٌ قاطع على صدق حديثي. ولأَزيدكَ إيضاحًا وتأكيدًا، فإنَّني عندما شاهدت (داهش) يريد الخروج دون سببٍ معروف، أَردتُ أَن أَمسكَ بيَدِه لأَعلمَ السبب الذي من أَجلِه يُريد مغادرتي دون سلامٍ أَو كلام. فإذا به يصيح بي بصوتٍ غريبٍ لَـم أَعهدْهُ به سابقًا، ويقول لي:
“يا أَخي قيصر لا تلمسني! … لا تلمسني! …”
وما ذَكَرَ قيصر هذه الجملة التي سمعتُها صباح اليوم بأُذني من الدكتور داهش، وهو نائمٌ على مقربةٍ منّي، ثمَّ الحلم الغريب الذي قصَّه عليَّ قبل خروجنا من البيت … حتَّى تأكَّدَ لي أَنَّ شخصيَّة الدكتور داهش الثانية هي التي زارت الفنَّان قيصر الجميِّل، وهي التي جلسَتْ بقربه عندما رسمَها بريشته.
وها إنَّني أَضعُها في الصفحة اللاحقة ليراها القارئ كما أَخرجَتْها ريشةُ الفنَّان. ومَن تمعَّن بها يلاحظ أَنَّ صاحبها من سكَّان عالَـمٍ آخَر لا يَـمُتُّ إلى عالَمِنا المادِّيِّ بصِلَة!
[1] حليم دمُّوس: “معجزات موسِّس العقيدة الداهشيَّة ومُدهشاته الخارقة”، (دار النار والنور، بيروت 1983)، ص 49.
[2] انخطف بالروح: أَيْ احتلته الروح، فصار قولُه وفعلُه بإيحاءٍ منها.
[3] ظاهرة هبوط دفتر الوقائع هي المعجزة الأَخيرة في سياق سبع ظاهراتٍ روحيَّة حصَلت تِباعًا أَمام الشاعر حليم دمُّوس.
[4] حليم دمُّوس: “معجزات موسِّس العقيدة الداهشيَّة ومُدهشاته الخارقة”، (دار النار والنور، بيروت 1983)، ص 60. انظر شرحًا عن شخصيات الدكتور داهش الروحية في الفصل الثالث من القسم الثاني في هذا الكتاب.
هبوطُ أَحَدِ سكَّان العوالِـم وحديثُه معنا[1]
(أَوَّل آب 1942)
كنَّا ثلاثة: أَنا والأُستاذ يوسُف الحاجّ والدكتور داهش، وذلك في منزلي، في رأْس بيروت، مُلْك الدكتور يوسُف أَبي مراد.
وكانت الساعة العاشرة ليلاً عندما انتصبَ الدكتور داهش واقفًا، وحدَّق من نافذة مكتبتي إلى القمر في مسارح الفضاء. فشعرْنا بهمسٍ خفيٍّ يطرقُ آذانَنا. وتكوَّنت شبهُ ضبابة أَمامنا، أَخذَت تتكاثفُ شيئًا فشيئًا. وإذا بها تنجلي عن شخصٍ أَحمر الوجه، غريب التكوين، يتأَلَّقُ وجهُه كصفحةِ مرآةٍ صقيلة، ولا يزيدنا بالطول.
اقتربَ منَّا وأَخذَ يحدِّثُنا بسرعةٍ عجيبة، ولكن بلغةٍ غريبةٍ لا عهدَ لنا بها.
فجعلْنا نطلبُ إليه أَن يُحدِّثَنا بلُغتِنا العربيَّة، إذا كان هذا بإمكانه، لأَنَّنا لا نفهم أَقوالَه!
وهنا تقدَّم الدكتور داهش ووَضعَ يَدَه على فمه، فإذا به يُحدِّثُنا بالعربيَّة الجليَّـة. فقال:
“إنَّني أَحدُ سكَّان عالَـمٍ من العوالِـمِ الغير المنظورة بأَعينكم البشريَّـة. وقد سبق لي وكنتُ أَحدَ أَبناءِ أَرضِكم، وذلك منذ آلافٍ خَلَتْ من الأَعوام. فحدَثَ لي ما تُسَمُّونَه أَنتم “الموت”؛ ولكنَّه في حقيقته “انتقال” من عالَـمٍ إلى عالَــمٍ آخَر. وما كدتُ أُغمضُ عينَـيَّ نهائيًا في أَرضكم، وأُخلِّفُ جسدي الزريِّ طعمةً للديدان الحقيرة حتَّى وجدتُ نفسي في عالَـمٍ بهيٍّ رائع الفتنة.
“أَمَّا إذا سأَلتموني: “وكيف لا نستطيع نحن الأَحياء أَن نشاهدَكم أَنتم الذين خلعتُم عنكُم رداء المادَّة الغليظة وارتديتم اللباس الروحانيّ الشفَّاف اللطيف؟ …” فهذا شرحُه يحتاج إلى مجلَّدات عديدة، ويحتاج إلى وجودي بينكم ساعاتٍ طويلة غير ممكنة التحقيق، لأَنَّ ساعة رحيلي من بينكم قد أَزِفَت وشارفَت على الزوال. ولكنَّني أَشرحُ لكم عن هذا الأَمر، وأُعطيكم برهانًا واحدًا؛ فأُفهِمُكم أَنَّ لكلِّ بشريٍّ جسمَين: أَحدُهما “مادِّيٌّ” والآخَر “روحانيٌّ.” ويوجَد في عالَمكم المادِّيِّ اهتزازاتٌ موجيَّةٌ؛ كما إنَّّه يوجد للعالَـم الروحانيِّ اهتزازاتٌ موجيَّةٌ أَيضًا. ويوجد فارقٌ عظيمٌ بين الموجات الاهتزازيَّة المادِّيَّة والموجات الاهتزازيَّة الروحيَّة، من ناحية سرعتها في الاهتزازات.
“فالموجات الاهتزازيَّة في عالَمكم “المادِّيِّ” تقلُّ جدًّا عنها في الموجات التي تتمُّ في عالَـم “الأَرواح”.
“فعندما يحدُثُ عندكم “الموت” ينفصل ُالطّيفُ “الروحانيُّ ” الذي يُـمَثِّلُ شخصيَّتكم الثانية، وينطلقُ نحو عالَمه الذي تأْتلفُ اهتزازاتُه وموجاتُه باهتزازات وموجات هذا الطَّيف.
“ومن هنا يتعذَّر عليكم مشاهدة هذا الطَّيف؛ لأَنَّ نظرَكم “المادِّيِّ” يخضعُ لقانون عالَمكم “المادِّيِّ” ولموجاته البطيئة بالنسبة إلى العالَـم الروحيِّ وموجاته السريعة. ومن هنا تستحيل الرؤية عليكم.
“ولأُقـــرِّبَ لكم الأَمر زيادةً كي تفهموه، أَقولُ لكم:
“هَبُوا أَنفُسَكم وُقوفًا في شارعٍ ما، وهَبُوا أَنَّ سيَّارةً ما تسير بسرعةٍ جنونيَّة دون أَن تتمكَّنوا من معرفة مَنْ هم في داخلها نظرًا لسرعتها الخاطفة. أَمَّا لو قُيِّضَ لكم امتطاءَ سيَّارةٍ ثانية وتبعتموها حتَّى تبلغوها، ثمَّ سِرتُم جنبًا إلى جنب، فمهما كانت السرعة التي تسيرون بها فإنَّكم ستشاهدون مَنْ هم في داخلها، مثلما يشاهدونكم هم بدورهم، لأَنَّ سرعَتيَكما متساويتان. وهكذا عالَمُنا “الأَثيريّ” لا يمكنكم مشاهدته بعيونكم التي ما تزال خاضعةً لناموس المادَّة الأَرضيَّة وموجاتها التي هي أَبطأُ جدًّا من موجات عالَمِنا الروحانيّ …”
وهنا جعلنا نُلقي عليه أَسئلةً عديدة، فنُعطى عنها أَجوبةً مُحْكَمة. وما لبث أَن استأْذنَ منَّا، وجعل يتلاشى من أَمامنا شيئًا فشيئًا حتَّى طواه المجهول.
فكانت غَيبتُه عجيبةً، كطريقةِ ظهورِه الغريبة.
استحضارُ صخرة من غابة الشبانيَّة[2]
(5 آب 1942)
ذهبنا إلى أَرضٍ يملكها المؤمن الأَوَّل يوسُف الحاجّ في غابة (الشبانيَّـة). وكنَّا أَربعة: الدكتور داهش والدكتور خبْصا ويوسُف الحاجّ وأَنا.
وجلسنا في الغابة، عند النبع، على صخرةٍ متوسِّطة الحجم. وجعلنا نتجاذب أطراف الحديث بمواضيع روحيَّة.
ثمَّ ما عتَّمنا أَن عدنا وزرنا الدكتور داهش في (غرفة الوَحْي). وأَخذنا نتحدَّث عن تلك النزهة الجميلة التي قمنا بها، وعن جلوسنا على تلك الصخرة بين أَحضان الطبيعة الفتَّانة.
وقلنا له: “حبَّذا لو كـــرَّرنا الجلوس معك على تلك الصخرة!”
فقال: “وما يمنع أَن نجلسَ عليها الآن ما دامت هذه هي رغبتُكم؟
فقلنا: “وكيف يتمُّ هذا الأَمر، والغابةُ في الشبانيَّة وليست قي بيروت؟”
قال: “انظروا في فضاء الغرفة …”
ففعلنا. وإذا بكتلةٍ ضخمة تتهادى في نزولها بلطفٍ ظاهر. وظننَّاها كتلةً من قماشٍ خفيف نظرًا لنزولها البطيء في الهواء.
وما بلَغَت أَرضَ الغرفة حتَّى أَمسَكْنا بها، وإذا بها صلبةٌ وغايةٌ في الـــثِّـقل. وتَـبَـيَّن لنا عندئذٍ أنَّها الصخرة التي جلسنا عليها في الغابة.
وكنتُ أَنا قد كتبتُ عليها هذَين البيتَين من الشِعر ساعةَ جلوسي، بقلمٍ رصاصيٍّ:
جَلَسْنا على صَخْرٍ وفي ظِلِّ غابةٍ شَربِْنا على ذِكْرِ (المؤدِّبِ) ماءَنا
أَقولُ لصَحْبي و(الحبيبُ) بجانبي على صَخْـــرَةِ الإيمانِ نَــبْــني رجاءَنا
فإذا بهما ما يزالان مكتوبَين بالخطِّ نفسه. فخَشَعْنا، مع أَنَّه سبقَ لنا وشاهدنا أَمثالَ هذه الظاهرات مرَّاتٍ عديدة.
وفي جلستي الروحيَّة الأُولى كان قد سقط حجرٌ ضخم. كما إنَّه سقط حجرٌ آخَر للمدَّعي العامّ ديمتري الحايك … ومثله للمستر أُوليڤر، وأَمين نمر، ويوسُف الحاجّ، والدكتور جورج خبصا في جلسته الأُولى، وهكذا الكثيرين بعدهم.
ولكنَّ مجيء هذا الصخر الأَصمّ الهائل الحجم، ونزولَه مُتهاديًا كأَنَّه قطعةٌ من شاشٍ شفَّاف، وظهورَه فَورَ تحدُّثِنا عنه … كلُّ ذلك ترك أَثرًا لا يُـمحى في أَعماق نفوسنا!
وهنا جلس الدكتور داهش عليه، وقال:
– هيَّا شاركوني في الجلوس …
وضحِكَ. ففعلْنا، ونحن نسبِّحُ الله القدير!
أعجوبة الشرشف[3]
(18آذار 1943)
أَحَبَّ الدكتور فريد أبو سليمان، المؤمن السادس، أَن يقضيَ ليلتَه في منزل الدكتور داهش.
وعندما حان وقت النوم، وضع الفِراشِ في الغرفة المقدَّسة (غرفة الوَحْي). وعَبثًا حاولنا البحثَ عن الشرشف كي نضعَه على الفِراش.
وعندما يئسنا من وجوده، جلسنا نحن الثلاثة على الفِراش – أَنا، والدكتور داهش، والدكتور فريد – وأَخذنا نتجاذب أَطراف الحديث، ونحن متعجِّـبون لعدم عثورنا على الشرشف.
وإذا بداهش يقول لنا:
– أَتريدون معرفة مكان الشرشف؟
فأَجبناه: هذا ما نبتَغيه.
فقال:
– أُنظروا تَحتكُم، فهل تشاهدونه؟
فنظرنا مَليًّــا وقلنا له:
– لا يوجد شيء.
فمَسَحَ بإصبعه على عيوننا، ولَمَسَها لَمْسًا لطيفًا، بعد أَن مَسَحَ بيَده على الفِراش؛ ثـمَّ قال: والآن انظروا.
وإذا بنا نجدُ الشرشفَ تحتنا، ونحن جالسون فوقه، وهو مبسوطٌ على الفِراش.
فدَهِشْنا من هذه الظاهرة الجديدة.
اندماج المادّة بالمادّة[4]
(18 أَيلول 1943)
جلس الدكتور داهش يشرح لنا كيفيَّة حدوث الظاهرات الروحيَّة، ويُردِفُ حديثَه بالبرهان الواقعيِّ، فقال:
“إنَّ الروح لا يعوقُها عائقٌ مادِّيّ! إذ بالاستطاعة أَن تندمج المادَّةُ بمادَّة ثانية. وهذا ما يؤكّدُ القوَّة الروحيَّة ببرهانٍ قاطع.”
وهنا طَلَبَ إلينا أَن نُعطيَه أَيَّ شيء نرغب فيه.
فسلَّمَه أَحدُنا محفظةً؛ فوضعها على المقعد فاندمجَتْ فيه، ولَـم يَظْهَرْ لها بعد ذلك أَيُّ أَثَـــر!
وسلَّمَه آخَرُ مِديَةً؛ فوضعها على سجَّادةٍ معلَّقة على حائط فاندمجَتْ فيها، ولم تعد تَبدو لأَعيننا على الإطلاق.
وهكذا أَكَّدَ لنا عمليًّـا اندماجَ المادَّة بالمادَّة كامتزاج السائل بالسائل.
وردَّدَ أَحدُنا، عندئذٍ، هذه العبارة القرآنــيَّـة: ﴿ويخلقُ اللهُ ما لا تَعلمون﴾.
دُيوك تصيحُ وتضُجّ[5]
(20 أَيلول 1943)
جَلسَ الدكتور داهش على شرفة منزل السيِّد جورج حدَّاد (منزل الرسالة)؛ وكانت بجانبه الآنسة ماجْدا حدَّاد وشقيقتها زينا؛ وكانت الساعة التاسعة والنصف ليلاً. وهنا التَــفَتَ إليهما قائلاً:
– أَتريدان أَن تصيح ديوكُ الحيِّ وتَضُجّ؟
فأَجابتاه: نعم، إنَّنا نريد يا دكتور.
فأَشار بيَدِه إلى الفضاء.
وإذا بصياحٍ وضجيجٍ هائلَين يتعاليان من سائر ديوك الحيِّ. وجعلَتْ تلك الديوكُ تصيحُ مرارًا وتكرارًا بأَصواتٍ غايةٍ في الشِدَّة، مـمَّا أَزعج أَهلَ الحيّ. وقد تسابقَت وتوافقَت الديوكُ على الصياح المتواصل.
وهنا أَعاد الدكتور يَدَه؛ فسكتَتِ الديوكُ بغتةً، ولم تُسمَعْ صَيحةُ ديكٍ واحد!
فعجِبَتْ الشقيقتان كيف أَنَّ الديوكَ تُطيعُه في صياحها دفعةً واحدة، وتَسكُتُ بإشارةٍ منه دفعةً واحدة.
فسبحانَ مَن أَوحى إلى مختاريه وأَصفيائه ما أَوحى!
اختفاءٌ وظُــهـور[6]
(30 تشرين الثاني 1943)
كنتُ أُرافقُ الدكتور داهش بزيارته للسيِّد فيليب حدْشيتي في منزله الكائن في جادّة الإفرنسِيِّين ببيروت. وعندما انصرفنا، هبط السيِّد حدشيتي الدرج مودِّعًا إيَّـانا.
وما بَلَغْنا نهاية الدرج حتَّى شاهدْنا الدكتور قد اختفى من أَمامنا، ولَم نَعُدْ نراه!
وفي اللحظة نفسها، شاهدْنا، من بُعْدٍ شاسعٍ، سيَّارة قادمة، وهي تنهبُ الأَرضَ في سَيرها السريع. ووقفَت في المكان الذي كنتُ واقفًا فيه مع السيِّد حدشيتي وفُـتِحَ بابُـها. وإذا بنا نُشاهد الدكتور داهش يُشرفُ علينا، ويَستدعيني قائلاً لي:
– لماذا تأَخَّرْتَ هكذا، ونحن ننتظرك، منذ مدَّة، في منزل الأَخ جورج حدَّاد؟
فنظرتُ بدوري إلى السيِّد فيليب، وأَنا أَشعُرُ برعشةٍ عظيمة شاركَني فيها السيِّد حدشيتي، ولا شكّ.
فمَنْ في استطاعته أَن يُفسِّرَ لنا هذه الـمُعضَلة الروحيَّة الرائعة؟!
وكيف تمَّ الاختفاء العجيب، وهذا الظهورُ الغريب؟
حقًّا، إنَّ الإنسان مهما سَمَتْ مداركُه، واتَّسعَت دائرةُ عِلْمِه، لأَعجزُ من أَن يُدركَ أَسرار الكون وقدرةَ القادر القهَّار!
تصغيرُ حَـمامَـةِ الأَب نُــوح[7]
(27 كانون الأَوَّل 1943)
في مساء 11 حَزيران من العام الحاليِّ 1943، عُقِدَتْ جلسةٌ روحيَّةٌ خاصَّة للسيِّدة آندريه حجَّار، كريمة السيِّد جورج حدَّاد، وفيها هبطَتْ حمامةٌ بيضاءُ جميلةٌ على كتفها، هي حمامة الأَب (نُــوح).
وكان ذلك بحضوري وحضور زوجها الأَخ المؤمن الخامس جوزف حجَّار.
وكانت الحمامة تحمل في فمها غصنَ زيتونٍ أَخضر.
فهذه الحمامة العجيبة مكَثَت، منذ هبوطها حتَّى اليوم، في (منزل الرسالة). وكانت تطير في الغُرَف، وتهبط أَحيانًا على أَكتاف الإخوة والأَخوات، وتأْكل من أَيديهم بطمأنينةٍ ولُطفٍ ووداعة.
ففي صباح اليوم، بينما كان الدكتور داهش يهمُّ بمغادرة (منزل الرسالة)، شاهدْنا، ونحن حَوله، حمامةَ الأَب (نُوح) تحومُ حول رأسه، فظـنَـنَّا أَنَّها ستقفُ على كتفه؛ ولكنَّها جعلَت تحوم في فضاء البيت، فوق رأْسِه وكَـتِـفَيه؛ وفي كلِّ مرَّةٍ يصغرُ حجمُها!
وهكذا، جعَلت تتضاءَلُ شيئًا فشيئًا … حتَّى أَصبحَت بحجمِ النحلةِ الصغيرة، ولكن على شكل حمامة.
وبعد لَـحَظات، أَصبحَت صغيرةً إلى درجةٍ لَـم تَعُدْ معها أَعيُنـُنا لتتمكَّن من رؤيتها.
وكان هذا آخِرَ عهدٍ بها؛ إذ إنَّ روحها النقيَّة ودَّعَت هذه الأرضَ الزريَّــة، مرتفعةً إلى مسارحها العُلويَّـــة!
[1] “معجزات موسِّس العقيدة الداهشيَّـة ومُدهشاته الخارقة”، ص 89.
[2] “معجزات موسِّس العقيدة الداهشيَّـة ومُدهشاته الخارقة”، ص 98.
[3] “المعجزات والخوارق الداهشية الـمُذهلة” (دار النار والنور، بيروت، 1983) ص 30.
[4] “المعجزات والخوارق الداهشيـَّـة الـمُـذهلة”، ص89.
[5] “المعجزات والخوارق الداهشية الـمُـذهلة”، ص 90.
[6] “الـمُـعجزات والخوارق الداهشيَّـة الـمُذهلة”، ص 102.
[7] “المعجزات والخوارق الداهشية الـمُذهلة”، ص 107.
السيِّدة ماري حدَّاد (1889 – 1973)
أَديبةٌ لبنانيَّة كتبت بلُغةٍ فرنسيَّةٍ رفيعة، وفنَّانة مُبدعة ترأَسَت نقابةَ الفنَّانين للرسم والنَّحت في لبنان، وعُرِضَت لوحاتُـها في باريس ونيويورك.
في الثامن من أَيلول 1942، تعرَّفت ماري حدَّاد وزوجها جورج حدَّاد وبناتُـها وصهرُها إلى الدكتور داهش، وعاينوا ظاهراته الروحيَّة وأَعلنوا اعتناقَهم لرسالته، وتعاهدوا على الجهاد في سبيلها.
أَثارَ إيمانُ ماري حدَّاد وعائلتُها بالداهشيَّة أَنسباءَها، وكان على رأْسهم شقيقُها ميشال شيحا، وشقيقتُها لور وزَوجُها بشارة الخوري، وقامَت قيامتهم عليها؛ وهم من الأَرستقراطِيّين الطامحين إلى حُكْم لبنان. حاولوا إقناعَها بالعدول عن إيـمانها، استرضاءً لرجال الدِّين وطلبًا لدعمهم للوصول إلى الرئاسة. وسَعَوا لدى رئيس الجمهوريَّة أَلفرِد نقَّاش (تشرين الثاني 1941 – آذار 1943) لإخراج الدكتور داهش من البلاد. لكنَّ نتائج التحقيقات السِرِّيَّة التي أَمَرَ النقَّاش بإجرائها حول نشاطاته لم تكن لصالحهم.
في 21 أَيلول 1943، انُتخِبَ بشارة الخوري رئيسًا للجمهوريَّة اللبنانيَّة، فجعلَ في سُلَّمِ أَولويَّاتِ حُكْمِه اضطهاد الدكتور داهش بشتَّى الوسائل. وإذ لَـم يتمكَّن من النَيل منه بالطُرُقِ القانونيَّة، لجأَ إلى طُرُقٍ اعتسافيَّـة وجرَّده من جنسيَّتـِه اللبنانيَّة وأَبعدَه عن البلاد بتاريخ 9 أَيلول 1944. فهَبَّ الداهشيُّون، ومعهم ماري حدَّاد وعائلتُها، يطالبون المسؤولين بإعادته وإرجاع حقوقه إليه.
الأديبة ماري حداد
في 10 تشرين الأَوَّل 1944، تمكَّن الدكتور داهش من العودة سرًّا إلى بيروت وأَعلن حربَه القلميَّة على رئيس الجمهوريَّة ومؤازريه، فأَصدرَ 65 كتابًا و166 منشورًا أَسوَد طافحةً بفضائحهم الرهيبة. وكانت موقَّعةً باسم ماري حدَّاد، تضليلاً للسلطة التي كانت تسعى لمعرفة مَقَرِّ الدكتور داهش بهدف القضاء عليه. وقد أَسهَمت ماري حدَّاد بنفسها في كتابة بعض العرائض إلى المراجع المسؤولة، سواءٌ في لبنان أَو خارجه، مطالبةً إيَّاها بالسعي لإعادة حرِّيَّة الدكتور داهش وحقوقه المغتصَبة والتي تَكفلُها الشِّرَع الدوليَّة لحقوق الإنسان.
وبالرغم من أَنَّ تلك الجريمة أَودَت بحياة الأَديبة ماجْدا، ابنة ماري حدَّاد، التي انتحرَت احتجاجًا على تلك المظالم بحقِّ مؤسِّس عقيدتها، فإنَّ بشارة الخوري استمرَّ في تعـنُّـته، فأَمَرَ بإلقاءِ القَبض على ماري حدَّاد وزَجِّها مع المجانين في مستشفى الأَمراض العقليَّة الـمُسمَّى “العُصفوريَّة”، حيث أَمضَت فيه مدَّة 73 يومًا حافلةً بالأَهوال التي لا يـُمكن تخـيُّلها، والتي دوَّنتها في مذكِّراتها عن تلك الفترة.
وقد أُوقفَت ماري حدَّاد، عدَّة مرَّات، في دائرة الأَمن العام دون إصدار مذكِّرات توقيفِ بحقِّها. وسُجن زوجُها جورج حدَّاد والشاعر حليم دمُّوس والأُستاذ يوسُف الحاجّ في “سجن الرمل” في بيروت. ولدى محاكمتها، أَقرَّت ماري حدَّاد بالتُّهَم الموجَّهة إليها، من تحقيرٍ لرئيس الجمهوريَّة وزوجته وعائلته ومَن آزروه، وكتابة الكُتُب السوداء ضدَّهم، وأَعلَنت أَمامهم نـيَّـتَها بمواصلة الكتابة والنشر حتَّى تعودَ حقوقُ الدكتور داهش إليه. وقد حُكِمَ عليها بالسجن ستَّة أَشهُر، وذلك في 11 حزيران 1947.
وَصَلَت أَصداءُ حربِ القلم إلى ما وراء البحار، ولَقِيَت مواقفُ ماري حدَّاد البطوليَّة صدًى كبيرًا في بعض صحف المهجَر، وخاصَّةً لدى الصحافيِّ جبران مَسُّوح، صاحب جريدة “الـمُختصر” الصادرة في بونس أَيرِس – الأَرجنتين، الذي انبرى للدفاع عن الدكتور داهش وعن ماري حدَّاد بكتاباتٍ تُعَدُّ مثالاً في الدفاع عن قضايا الحريَّة وحقوق الإنسان.
وقد واصَلَت ماري حدَّاد نشاطَها الداهشيّ بترجمة كُتُبِ الدكتور داهش إلى اللغة الفرنسيَّة. ولم يتوقَّف قلمُها عن ذلك إلَّا بعد أَن خانَتها يَدُها. وتُوفِّيت في الأَوَّل من كانون الثاني 1973.
مُعجزاتٌ داهشيَّة تعاينُها الأَديبة ماري حدَّاد
نُبوءَةٌ بموت خليل مَعْتوق[1]
بتاريخ 12 أَيلول 1943، سلَّم الدكتور داهش إلى المؤمن الرابع، زوجي جورج حدَّاد، رمزًا مقدَّسًا كَتَبَ ضمنَه نبوءَةً بأَمرٍ لم يُخبرْ عنه أَحدًا.
ومنذ أُسبوع، ذكَّرَ الدكتور زوجي بالرمز الـمُعطَى إليه قديمًا، وقال له: “احتفظْ بهذا الرمز، إذْ ستعلم، بعد أُسبوع، ماذا يتضمَّن”.
وفي 17 نيسان 1944 انتقل السيِّد خليل مَعتوق إلى رحمته تعالى في فندق (سان جورج).
وبُلِّغَ زوجي بوجوب فَتحِ (الرمز المقدَّس) الذي كان يحتفظ به. ففتحه، وإذا قد دُوِّنَ فيه ما يلي:
“سيَنتَقِلُ خَليل معتوق إلى عالَـمِ الأَرواحِ في اليوم السابع عشَر من شهر نيسان، وفي الساعة السابعةِ مساءً مِنه”.
وبالفعل، تحقَّقت النُبُوءَة، إذ تُوفّي صديقُنا مَعتوق في مساء اليوم نفسه. فليتَغَمَّده الله برحمته الواسعة.
مسبَحَةٌ من كَرْبَلاء[2]
(20 نيسان 1944)
حضَرَ، اليوم، الشيخُ مُنير عسَيران زعيم الطائفة الشيعيَّة؛ وكان يحملُ مسبَحَةً سوداء.
وفي معرض الحديث، قال لنا:
“إنَّ هذه المسبحةَ من تراب أَرض كربلاء، مَقام سيِّدنا الحسَين بن عليِّ. وهناك أَسواقٌ خاصَّةٌ وتجارةٌ واسعة لبَيع هذه السُّبحات على اختلاف أَنواعها.”
وهنا، تناولها منه الدكتور داهش؛ فاذا بها تزدَوِجُ، بلَمْحِ البَصَر. فسلَّم إليه المسبحتَين. وكانت الجديدة الـمُستَحضَرة كسُبْحةِ الشيخ تمامًا، سواء في لونها وطولها أَم بعدد حبَّاتها.
فدَهِشَ الشيخ؛ ولكنَّه أَحَبَّ التحفُّظ، فقال للدكتور داهش:
– إذا كنتَ، حقيقةً، استطعتَ أَن تأْتيَ بهذه المسبحة من كربلاء، فزِدني إيماناً بك، وأَحضِرْ لي مسبحةَ اليُسْر ذات الحبَّات الكبيرة التي أَعطيتُها، هذا الصباح، إلى صديقٍ لي، كي يُسلِّمَها في المدينة إلى أَحد الذين يُعنَون بإصلاح السُّبحات، وذلك بقصد تغيير خَيطها وشرَّابتها.
فأَجابه الدكتور داهش بسرعة:
– قد أَصبحَتْ ضمنَ جَيبك.
فأَدخلَ الشيخُ يدَه إلى جَيبه، وعاد فأَخرجها وضِمنها السُّبحةُ التي أَراد استحضارها.
وهكذا خرج مؤمنًا بقوَّة الدكتور داهش الخارقة، وطلب أَن تُعقَدَ له جلساتٌ روحيَّة لتتكشَّفَ له حقائقُ هذه الأَسرار الإلهيَّـة.
ظهورُ خمس شخصيَّـاتٍ معًا[3]
(6 أَيَّــار 1944)
في مساء اليوم كنتُ جالسة مع الأَخ المؤمن الأَوَّل يوسُف الحاجّ والأُستاذ حليم دمُّوس. فأَشار علينا الدكتور داهش بوجوب كتابة (رمز مقدَّس) وحَرْقِه.
فقُمنا بما طلبَه منَّا بكلِّ دِقَّـةٍ وعناية.
وما انتهينا من إحراق الرمز في الغرفة المقدَّسة حتَّى قُرِعَ الباب، ودَخَلَتْ، على الأَثَر، شخصيَّـةٌ من شخصيَّات الدكتور داهش،[4] وحيَّتْنا. وكانت ترتدي نَفْسَ الثياب التي كان يرتديها وهو معنا!
وفُتِحَ بابُ غرفة النوم، ودخلَتْ علينا منه شخصيَّـةٌ ثانية وهي ترتدي ثيابًا أُخرى!
ثم قُرعَِ الباب المؤدِّي إلى الحمَّام المجاور لغرفة النوم، وظهرتْ منه شخصيَّــةٌ ثالثة ترتدي ثيابًا مختلفة أَيضًا.
ولَمَحْنا من غرفة الطعام مرور شَبَحٍ ما لبثَ أَنِ اقتربَ رويدًا رويدًا، وإذا به شخصيَّـة رابعة، وكانت ترتدي “پـيجاما” ذات خطوطٍ مستطيلة!
وأَخيرًا، برزَتْ أَمامنا من صحن الدار الداخليِّ، شخصيَّـةٌ خامسة، وهي ترتدي بدلةً تختلفُ عمَّا ارتدتْه بقيَّةُ الشخصيَّات!
وقد ألََّـفَت هذه الشخصيَّاتُ الخمس حلَقَة. وجعلَ كلُّ شخصٍ منها يُحادثُ رفيقَه وزميلَه وشبيهَه بشتَّى الشؤون الروحيَّة العُلويَّة التي لها أَسمى صلةٍ بهذه الرسالة الداهشيَّة.
أَمَّا نحن فكُنَّا نُصْغي خاشعين، وكلُّنا عيونٌ مشدوهةٌ وقلوبٌ خافقةٌ لِما نراه ونلمسُه ونسمعُه. وليتَ شعري! هل باستطاعتنا إنكارَ مثل هذه الحقائق، وكلُّها واقعيٌّ وعجيبٌ وخارق؟!
أَمَّا الدكتور داهش فقد جلس على كرسيِّه بجانب المكتب، وجعل ينظر إلى شخصيَّاته الخمس وهو يبتسم لها. وكان، في بعض الأَحيان، يُشاركُها أَحاديثَها المتعدِّدة المتفرِّعة بكلِّ يَقَظَةٍ وانتباهٍ وارتياح.
لقد كانت هذه الشخصيَّات صورةٌ طِبْقَ الأَصل عن شخص الدكتور داهش، سَواءٌ أَكان ذلك في تقاطيع وجهه، أَم في نَبَرات صوته، أَم في حركاتِه وسَكَناتِه وتنسيق شعره وتصفيفه!
وما كنَّا لنستطيع أَن نميِّزَه من بينها لو لم يسبقْ ويجلس على كرسيِّه المنفرد عن الشخصيَّات التي وافتْنا بالتتابع، بغتةً، كما سبقَ وذكَرْنا.
ولو قُيِّضَ لأَحد أَصدقائه الحضور في هذه الدقيقة الرهيبة، وشاهدَ ما شاهدناه في تلك الغرفة المقدَّسة، لأُصيبَ بخَبَلٍ دون رَيب. أَمَّا نحن فقد أَلِفْنا مثلَ هذه الـمَشاهد العجيبة الخارقة.
وبعد مرور عشرين دقيقةً من الوقت، وقَفَتِ الشخصيَّاتُ الخمس، وودَّعتْنا مُسلِّمةً علينا يدًا بيَد.
ثمَّ توارت عن أَعيُننا، مثلما ظهرَت، ونحن نُشَيِّعُها بنظراتنا الشاخصة ونفوسنا الخاشعة.
فيا للأَسرار السماويَّــة! ويا لَـمعُجزاتها الإلهيَّــة!
إنَّ هذه الظاهرة (أَيْ تعدُّد الشخصيَّات في وقتٍ واحد) لم ننفرد نحن بمشاهدتها، فقد سَبَقَ ووَرَدَ ذِكرُها في سياق الحديث عن معجزات الدكتور داهش. وقد شاهدتُها أَنا وزوجي وكريماتي، مثلما شاهدَها الدكتور خَبْصا وزوجتُه أُوديت، ووالدتها ماري، وشقيقتاها، والأُستاذان يوسُف الحاجّ وحليم دمُّوس، والدكتور فريد أَبو سليمان، والدكتور نجيب العشِّي، والمدَّعي العامّ المركزيّ ديمتري الحايك، والمحامي إدوار نون وزوجته إيزابيل، والسيِّدة فكتوريا سْليم، والسيِّد إميل قساطلي وزوجته، والمستر أُوليڤر، والسيِّد أَمين نمر، وآل الصليبي، وغيرهم وغيرهم كثيرون؛ ممَّا يُبرهنُ أَنَّ معلومات الإنسان ما تزال قاصرةً عن إدراك أَسرار السماء التي ما تزال مكتومةً إلَّا عن أَفرادٍ قلائل يأْتوننا بعد مرور قرون وأَجيال لغايةٍ إلهيَّة، وبإرادةٍ سرمديَّة، فيرون ما لا يراه سواهم، لأَنَّ المختارين قليلون، والمدعوِّين كثيرون. فسبحان الله مالكِ السماوات، والمسيطر على كافَّة العوالـِم بما فيها من كائنات.
حَجَرٌ يتمركزُ مكان برتُقالة[5]
(13 أَيــَّـار 1944)
دعا المدَّعي العامّ المركزيّ ديمتري الحايك صديقَه الدكتور داهش، والدكتور خَبْصا، والشاعر حليم دمُّوس، لزيارته في محلَّة (سنِّ الفيل).
وبعد التئام الشمل، جلس الجميع في الحديقة يتحادثون.
وحانت من الدكتور داهش التفاتةٌ إلى شجرة برتقال تحملُ ثمرًا منه، فأَحَبَّ أَن يقتطفَ منها برتقالةً جميلةً كبيرة الحجم. فأَمسكَ حجرًا وقذفَ به البرتقالةَ كي يُسقطها. وإذا بها تهوي أَرضًا.
ولكنَّ الحجرَ استقرَّ مكانها تمامًا، وعلقَ بالعُنُق الذي كانت البرتقالة معلَّقةً به، كأَنَّه سُمِّرَ هناك تسميرًا.
فدُهش الحايك، وجعل يُلقي بالحجارة على هذا الحجر المعلَّق في الغصن مكان البرتقالة بهذا الوضع العجيب.
أَمَّا دمُّوس وخَبْصا فقد تبسَّما، وعَرَفا السرَّ الخفيّ، لأَنَّـهما شاهدا من الظاهرات العظيمة الشيءَ الكثير.
ولو أَردنا أَنْ نقيسَ هذه الظاهرة البسيطة بما تمَّ أَمامنا من أَعاجيب، فإنَّـها لا تتعدَّى المداعَبة البريئة.
ذَبْحُ الحمامةِ كُوهاتيتي وإعادتُـها إلى الحياة ثانيــةً[6]
(18 أَيَّــار 1944)
منذ مدَّةٍ قريبةٍ أَحضرَت السيِّدة أُوديت زوجة الدكتور خَبْصا حمامةً بيضاء إلى منزل الدكتور داهش.
واليومَ زارَتْه برفقة بعض الإخوة، وسأَلتْه عن الحمامة؛ فجاء بها من الغرفة الثانية.
ثـمَّ طلب من الأُستاذ يوسُف الحاجّ أَن يُحضِرَ له قصعةً وسكِّينًا؛ فأَحضرهما. إذ ذاك، سلَّم إليه الحمامة، وطلبَ إليه أَن يفصلَ رأْسَها عن جسمها؛ ففصَلَه. وجعل الدمُ القاني ينزفُ ضمن القصعة النحاسيَّة.
وهنا حضرَتْ روحٌ، فجأَةً، ولَمَسَتِ الحمامة، فإذا بالحياة تعودُ إليها، فتطيرُ وترفرف في فضاء الغرفة.
وأَفهَمَتْنا الروح، بلسان الدكتور داهش، أَنَّ هذه الحمامة الجميلة اسمُها (كوهاتيتي). وأَكَّدَتْ لنا أَنَّ الحيوانات لها أَرواحٌ كالناس، وأَنَّ أَرواحَها تَخلدُ ولا تَفنى بفناء الجسد، مَثَلُها مَثَلُ الأَحياء من أَبناء البَشَر. فما يسري عليها من النظام الروحيِّ يسري علينا، من ناحية بقاء الروح الخالدة بعد فناءِ هذا الجسد الأَرضيِّ الحقير.
استحضارُ كِتابٍ
وتجليدُ ودَمْجُ كِتابَين في تجليدٍ واحد[7]
(14 تمّوز 1944)
كان الأُستاذ ديمتري الحايك قد وُعِدَ بجلسةٍ روحيَّة؛ فعُقِدَتْ له اليوم. وفي أَثنائها قال للدكتور داهش:
– قبل أَن أَزورَكَ، كنتُ في زيارة صديقٍ لي. وقد طلب إليَّ أَن أَبتاعَ له كتاب “ماجدولين”، ترجمة الأُستاذ لطفي المنفلوطي الأَديب المصريّ. وقد أَحضرتُ معي، أَيضًا، من هذا الصديق، رواية “في سبيل التاج”، ترجمة المنفلوطي أَيضًا. فهل لك أَن تُريحني من الذهاب إلى المكتبات والبحث بين كُتُبِها عن “ماجدولين”، فتُحضره لي، على أَن أَدفعَ ثمنَه؟
وما أَنهى طلبَه حتَّى كان كتاب “ماجدولين” بين يدَيه.
ولَـم يكتفِ الدكتور داهش بهذه المعجزة، بل قال له:
– سأُريك أَغربَ من هذا …
وهنا طلبَ إلى الأُستاذ الحايك أَن يضع “ماجدولين” على المكتب؛ ففعل. ثمَّ عاد فطلب إليه أَن يضعَ كتاب “في سبيل التاج” فوقه؛ فوضعه.
وبأَسرع من ومضةِ الخيال، وجدَ الأُستاذ الحايك وجميع الحاضرين أَنَّ الكتابَين قد اندمجا معًا، وتجلَّدا بغلافٍ جميلٍ متين.
فتحيَّرَ الحضور وأَبَوا أَن يصدِّقوا أَعينَهم!
ولكنَّهم، عندما فحصوا رواية “في سبيل التاج” التي كان الأُستاذ ديمتري الحايك قد أَحضرَها معه، وشاهدوا اسمَه الذي سجَّلَه بخطِّه على النسخة من الداخل والقطعةَ التي أَخرجها بالمقرض من إحدى الصفحات، عرفوا، عندئِذٍ، أَنَّهم يُشاهدون الحقيقة الواقعة، وآمنوا بأَنَّ زمان المعجزات قد عاد ثانيةً إلى العالَـم؛ فخرجوا من منزل الدكتور داهش وهم يـُمجِّدون الله!
[1] ماري حدَّاد: “مُعجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّـة” (دار النار والنور، بيروت 1983)، ص 89.
[2] مُعجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّـة”، ص 90.
[3] مُعجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّـة”، ص 96.
[4] انظر الفصل الثالث من القسم الثاني في هذا الكتاب.
[5] مُعجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّة”، ص 99.
[6] “معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّــة”، ص 103.
[7] “معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّـة”، ص 120.
العلَّامة الشيخ عبد الله العلايلي (1914 – 1996)
وُلد الشيخ عبد الله العَلايلي في بيروت عام 1914، وانتسب إلى مدرسة المقاصد الإسلاميَّـة في العام 1920. وفي العاشرة من عمره سافر إلى القاهرة لدراسة الشريعة الإسلاميَّـة في جامعة الأَزهر. ثمَّ التَحقَ بجامعة فؤاد الأَوَّل لدراسة الحقوق، وتخرَّج منها في أَواخر الثلاثينيَّات.
أَصدرَ في القاهرة، عام 1938، كتابًا بعنوان “مقدِّمة لدرس لغة العرب”، أَثار ضجَّةً في الأَوساط الثقافيَّة المصريَّة، وتناولتْه الصحف بين مؤيِّد ومُندِّد. وبعد عودته إلى بيروت عام 1940 بادر إلى إصدار سلسلة “إنّي أَتَّـهِم”، انتقدَ فيها الَأوضاعَ السياسيَّـة والإداريَّة في عهد الانتداب. ومع انبعاث فكرة القوميَّة العربيَّة ونشوء الحركات القوميَّة، أَصدرَ، عام 1941، “دستور العرب القوميّ”، ومن خلاله خاض غمار السياسة بوجهَيها النظريِّ والعمليِّ، فأَسهمَ في النشاط السياسيِّ بفعَّالــــيَّـةٍ وقــوَّةٍ حتّى أُطلِقَ عليه لقبَ “الشيخ الأَحمر”.
إلَّا أَنَّه عاد إلى الاهتمام بالشأْن اللغويِّ فأَصدر أَربعة أَجزاء من “المعجم الكبير” الذي كان مقدَّرًا له، لو أُنجِزَ بكامله، أَن يسدَّ فراغًا كبيرًا في مجال المعاجم العربيَّة. كذلك اشتغل العلايلي – يُعاونه آخرون – بوَضع “المعجم العسكريّ”.
وبالرغم من انشغاله المزدوج بالشأْنَين اللغويِّ والسياسيِّ، فقد عمل العلايلي على وضعِ مؤلَّفات “سِيَر أَعلام الإسلام” على نحو ما جرى عليه العقَّاد وهَيكل وطَه حسين. صدر منها: “تاريخ الحسن” عام 1940، و”مَثَلَهُنَّ الأَعلى السيِّدة خديجة” عام 1947، و”أَيَّـام الحسين” عام 1948، إضافةً إلى كتاب ” أَين الخطأ” الذي مُنِعَ من التداول لاحتوائه اجتهاداتٍ فقهيَّة جريئة. وفي العام 1944، أَصدرَ “المعرِّي ذلك المجهول” مُحاولاً دراسة المعرِّي وِفقَ نهجٍ جديدٍ قائمٍ على التحليل اللغويِّ واستِكناه الرموز. وللعلايلي مقالات عديدة متفرِّقة في مختلف الصحف والمجلَّات لم يُعمل على جمعِها حتَّى الآن.
وثمَّةَ جانبٌ آخَر من اهتمامات الشيخ عبد الله العَلايلي لم تُسلَّط عليه أَضواء كافية، هو الجانب الداهشيّ. ففي العام 1942، تعرَّف العلايلي بالدكتور داهش فرأَى فيه صديقًا “لصداقته طَعم الصِّدق، وفي كتاباته أَدبًا فوق الأَدب …”. وقد انعكس هذا الإعجاب بالدكتور داهش والداهشيَّة لدى العلايلي مواقفَ جريئةً في امتداح المبادئ الداهشيَّة والدفاع عن الدكتور داهش في أَكثر من مناسبة، كردِّه العنيف على جريدة “البشير” اليسوعيَّة عام 1942، عندما شنَّت حملَتَها الافترائيَّة على الدكتور داهش، وكلمة الحقِّ التي أَطلقها في وجه الرئيس اللبنانيّ الأَسبَق، بشارة الخوري، في رسالته التاريخيَّة التي دافع فيها عن الدكتور داهش وندَّد بحملات الاضطهاد التي تُشَنُّ عليه.
وحين تناهَت إليه أَنباءُ مصرع الدكتور داهش في أَذربيجان عام 1947، رَثاهُ بكلمةٍ شُجاعةٍ مؤثِّرة، يوم كان مجرَّد التلفُّظ باسم الدكتور داهش يقود إلى غياهب السجون. ومنها قوله:
“أَي أَخي داهش، في حكاية مأْساتك حكاية مأْساة الحرِّيَّة في كلِّ جيل … فأَنت وإنْ ظنُّوا أَنـَّهم هزموك … إنـَّما واقع الحال ينادي: إنَّك أَنت الذي هزمتهم، بل هدَّمتَهم، بل هشَّمتَهم …”.
وإضافةً إلى كلِّ ذلك، وضع العلايلي كتابًا صدر في بيروت عن “دار النسر المحلِّق”، عام 1980، بعنوان ” كيف عرفتُ الدكتور داهش” تحدَّثَ فيه عن علاقته به ومُعاينته لبعض أَعماله الخارقة. كما قدَّم لكتابه “عواطف وعواصف”، وقَيَّمَ كتابه “مذكِّرات دينار”. على أَنَّ مأْثِرته الداهشيَّـة الكُبرى كانت في نَظْم كتاب “جحيم الدكتور داهش” شِعراً يُحاكي شِعرَ الملاحم. وعند صدور هذا الأَثر الأَدبيّ الكبير سوف يتَّضحُ جانبٌ هامٌّ من شخصيَّـة العلايلي، ويضطرُّ قلمُ النقد أَن يضعَه في خانة كبار شعراء العربيَّة، إضافةً إلى كَونه من كبار أُدبائها وفقهائها ولغويِّيها.
ترك أَدبُ الدكتور داهش أَثرًا عميقًا في نفس العلايلي. ولعلَّ في هذه الكلمات المقتطفة من مقدِّمته لكتاب “عواطف وعواصف” ما يُجسِّد هذا الإعجاب:
“…فهذه رسالةُ أَدبِ الصِّدقِ دون ما زورِ أَضاليلَ ينطق به أَدبُ البهتان.
فإنَّ في الأدب الحقِّ قِوىً تنزع من النفس أَلوانًا وتجيءُ إليها بألوان،
وتبعثُ الإنسانَ بعثًا جديدًا حتَّى يجيءَ كائنًا حيََّا أَسمى بين الإفتانِ والافتتان،
وتتناول المجتمعَ فتصوغه صوغًا آخر
حتَّى يجيءَ كائنًا اجتماعيََّا أَكملَ بين الإتقان والإحسان.
فليس إلَّا (أَدبُ الصدق) خالدًا على لسان الدهور والأَزمان.
وهل لغير أَدبِ الخلود قدرةٌ على استبدال ما ينبغي أَن يكون
في الحياة والأَخلاق والفكر بما هو كائن وما قد كان؟ …
تلك غاية (الدكتور داهش)،
وفي سبيلها يرسل نفثات صدره الـمُنـبَـثِق بشعلاتِ الإيمان.
فجاءَت أَدبًا فوق الأَدب بما تميسُ به مَيَسان حالياتِ الأَفنان!
وجاءَت صوفــيَّةً فريدةً بما فيها من مِثالِــيَّة الضمير الريَّان!
وبرَزَتْ في أُلْفَتِها صورةً من نضارٍ تراكَبَ عليه درٌّ ومرجان!
أَلا سِرْ في طريقك غيرَ عابئٍ بما يصدُّونك به من صارمٍ أَو مُرَّان؛
فالناسُ في هذه (الأرض) في مِثلِ مسبَح التماسيح والحيتان.
وعسى أَن يعود الكون ويبتسمَ ثغرُ الزمان،
والمجدُ لله في العلاءِ، وفي الناس المسرَّة، وعلى الأَرض السلام والأَمان.”[1]
[1] الدكتور داهش: “عواطف وعواصف”، (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت، 1971)، ص 6-9.
العلاَّمة العلايلي يشهدُ لظاهرات الدكتور داهش الروحيَّة
في الطريق[1]
يومذاك … لا أَذكر جيِّدًا، لِـمَ وقفت؟ أَنا الذي من عادة قدمي أَنَّها لا تقف حتَّى في الوقوف نفسه … فهي لا تفتأُ تتحرَّك على نفسها، وتشتدُّ بها الحركة أَحيانًا، في مثل رجفةٍ جمدت على عضو، أَو رعشةٍ انعقدت على مَقْرور …
وانتبهتُ بَغتَةً على دنيا الطريق والناس، كمن ارتدَّ من أَعماق حلم كثيف، بيدٍ سقطت على كتفي كانت يد “حليم”[2] وكان صديقًا قديمًا …
فأَلقى عليَّ وأَلقيتُ عليه ما تعوَّدناه من عبارات تقليديَّة لا تحمل معنًى، ولا تقصد إلى أَكثر ممَّا تقصد حركةُ اليد للسائر الـمُجِدّ … وحين تُعتَمد لتُعبِّر عن معنى، فــثِــقْ إنَّ حظَّ الصِّدق قليل.
ولقد استرعى انتباهي أَنَّني رأَيتُ حليمًا على غير ما أَعهد … فبَصَرَهُ سادر أَو يكاد، وهو مع خواطره كمَن هو في شأْنٍ مع نفسه.
فصَمَتَ وصَمَتُّ … ومرَّ وقتٌ قبلما أَخذتُه بقَولي: “فيمَ؟ أَنتَ كالمأْخوذ أَو الغريب التائه …”. فردَّ: “أَحقََّا تجدُني غريبًا؟ …”. قلت: “على ما أَرى، أَظُنُّ أَنَّك غريب حتَّى عن وجودك، عن ماضيك، بل عنِّي أَنا …”. وكأنـَّما استخفَّه أَنَّه كذلك، أَو استخفَّه أَنِّي اكتشفتُه، لا أَدري … ولَم يزِدْ على الأَخذ بيدي وأَشار إلى “فتًى” كان لا يبعد عنه إلَّا لَفْتَةَ الرائي لأَوَّل ما تقع …
ثـمَّ قال:
“إنَّه هو …”
وتبيَّنتُ الفتى، فعرفتُ في ملامحه ملامحَ رجُلٍ رأَيتُه لِـهُنَيهة في المرآة، كان يحمل بَلْسَماً … فعَقَلَتْني الدهشةُ كالمذعور المستبشر … فابتسم حليم لِما ساوَرَني ولَـم يَدْرِ سرَّه.
وانصرفتُ … ولَـم أَدرِ إلى أَين.
وكان هذا أَوَّل لقاء …
أَطلالٌ تتهامس[3]
كالسائر مع خَطْوِه، طفِقْتُ أَسعى وأَضربُ في الدرب … الذي أحسَستُه وكأَنَّ ما خَلَّفْتُ منه، يرتدُّ وينطوي فيما استقبلتُ، فهو أَبدًا يمتدّ …
وأَفضَتْ بي أَخيرًا إلى ركن يتفرَّع منه شارعٌ عريض، انتثرَت فيه – كيفما ذهبتُ أَمدُّ الطرف – أَطلالٌ تتحرَّك، أَو هكذا خُيِّل إليَّ … وكانت تتدانى فتتهامس في أَمرٍ يبدو أَنَّه خطير. وتسقَّطْتُ أَطرافَ الحديث، الدائر في شيءٍ كثير من الذعر وفي شيءٍ مثله من الدهَش … فإذا هو نَبَأٌ عن رجُلٍ عظيم كما دَعَوه، في أَنباءٍ كالأَساطير من آياته …
وبصُرتُ بحليم من قريب، فأَوسعَ الخطوةَ إليَّ وقال: ” لَـم أَزل أَجدُك حيث غادرتُك في أَسباب الطريق؟ …”. قلت:
“نعم لَـم أَزل في الطريق إلى البيت … أَو في الطريق إلى …..” ولَـم أُتِـمّ … فقد ذهب يشدُّني وأَشار يقول: “إنَّه بيتُه ولَـم تُخطئه فأَنت عنده ….”. ولَـم ينتظر رَدِّي، فقد وَلَجَ الباب إلى المنزل، ويدُه لَـم تسقط عن يدي إلَّا عند مقعدٍ هناك.
إتَّخذتُ مقعدي هناك، إِزاءَ نافذة تشرف على بناء يجثِمُ كالطود …
ما كان إلَّا بعض وقت حتَّى أَقبلَ من يَدعو الحضورَ إلى غير مكانهم … وسَرَت بينهم همسةٌ طويلة كانت تدور ولا تنقطع، تمرُّ من لسانٍ إلى لسانٍ إلى لسان، وكان فيها بِشْرٌ، وكان فيها رهبة …
واتَّصلَتْ أَسبابُ الحديث بين الحضور والتقَت مذاهبه، وضجُّوا مُوسِعين على طيَّتهم، مُوغِلين في مناسباته كيفما اتَّفق وعرضَ لهم. وعلى تَشَعُّبِه وتشعُّبهم فيه، كان يدور في الكثير الغالب على سَرْد جوانب ممَّا وقع لهم في هذه الغرفة التي يقف – على ما قال أَحدهم – عند الساحل الأَدنى من خضمِّها الواسع الإدراكُ البشريُّ حائرًا مشدوهًا.
روحُ جبران خليل جبران
فروى حليم أَنَّه في عام 1942، بينما هو في نَفَرٍ يتنسَّمون هنا النَسَمَ الروحيَّ، أَطافَتْ بهم روح جبران خليل جبران وذكَّرَتْ حليمًا بالصلة الأَدبيَّة بينهما، وترتدُّ إلى عام 1910، وما درى إلَّا بورقةٍ بيضاء تسقط وقد انطوَتْ على ثلاثة أَبيات من قصيدة حليم فيه وهي:
أَخا الثورة البيضاء في الشرق لفتةً إلى بقعةٍ في الشرق بِيضٌ عبيدُها
عبيدُ تقــــــــــــاليد تقــــــــــــــادمَ عهدُهــــــــا وأَغلالهـا مشــدودةٌ وقيودُهــــــــــــــــــــا
فأَشرفْ علينا من سمائـــك ساعةً عسى عِظةً قبل الرَدى نستفيدُهــــــا[4]
حجر يسقط بغتة[5]
واستدار “يوسف الحاجّ” إلينا، وكان منصرفًـا يكتب ولا أَدري فيما يكتب … وأَخذ بيَده ثُقبًا كبيرًا في سجَّادة وَسِعَتْ أَرضَ الغرفة، وانطلق يقصُّ نبأَ الحجر الذي سقط هكذا بَغْتَةً، ولُطفُ ربِّك حالَ دون سقوطه على أَحدنا، وكنَّا عددًا نتوزَّع الغرفة على أَطرافها وخلالَـها … وأَراني الحجر وكان ضخمًا كبيرًا، وقال إنَّ له به قَرابةً قريبةً فهو من بَلَدِه، وليس فقط، فإنَّه من حقلِه.
ومضى الدكتور “خبصا” يشرح مستخدمًا أُسلوبًا له حظٌّ علميّ ونَسَبٌ موصولٌ بالمعرفة، وإنْ لَـم يكُ يخلو من قَطعٍ وتأْكيدٍ وحماسة، ولكنَّها حماسةٌ مفكِّرة فيها من العاطفة بمقدار ما في الفكرة لدَيه من الصِّدق.
والدكتور “خبصا” كما تعلم، عليمٌ نابغٌ في فنِّه، ولكنَّك تعجبُ إذا علِمتَ أَيضًا أَنَّه عليمٌ واسعُ الثقافة الروحيَّة على فروعها كمَنْ لم يفُـتْه في الموضوع بحثُ باحث … وأَخبرني، بعدُ، أَنَّـــه وَقَرَ في نفسه هذا الشغَف قبلما انتهى إليه نبأُ هذه الدار.
وكان بينه وبين نفسه لا يرتاب في تفسير شغَفه المفاجئ بأَنَّه استجابة خفيَّة لنداء الدار الروحيِّ الذي لا تفتأُ تـبـثُّـه وتطلقه مثل مصدر وإرسال، وتتلقَّاه أَوعيَةٌ بشريَّـةٌ هُيِّـــئَتْ لتكون أَجهزةً لاقطةً تحسُّ جيِّدًا وتهتف بما أَحسَّت جيِّدًا.
قلتُ له أَستزيده: “إذا كنت كما تقول، جهازًا لاقطًا، فما حاجتك إلى غَشَيان الدار؟ وهي – بكلِّ ما يَعْـتَمِلُ فيها – في أَعصابك، غيرَ حائلةٍ عن حسِّك …”. أَجاب:
“كما تقول، ولكن ولأَكنْ أَكثر وُضوحًا بالتِماس الـمَثَـل المادِّيِّ واستخدامه. فشأْنُ الأَجهزة الحيَّة حتَّى الصالحة منها شأْنُ هذه الآلات التي تراها، لا تخلو من الطُّفَيلـيَّات “پرازِيت” وتطفح بها أَحيانًا فتطغى على نقائها، وتُـحيل ما فيها من صفاء ماتع عذب إلى كُدورة مؤذية ونَشازٍ يتكسَّر على نَشاز …”
قلتُ: “إذن فأَنتَ تغشى الدار لتصنع في نفسك الأُعجوبة التي عجزَت عنها العبقريَّة الآلـيَّة في محيطها الماديّ …”
قال: “إنَّه ما عَنَيْتُ نفسه، فهذا القرب صَقْلٌ وإرهافٌ وتَجَوْهُر … إنَّه يزوِّد المرءَ بمِثل “ورق النشَّاف”- إذا استقام هذا التعبير – يمتصُّ من جوِّك أيَّ سيَّالٍ يـَمتدُّ إليه فــيُلَـطِّخُه …”.
وكان وجوم … فقد أَطلَّ “الرجل المنتظَر” وأَقبل حتَّى اتَّخذ مجلسَه إزائي … أَمَّا هم فتعلَّقوه بأَبصارهم تعلُّق الظامئ، وأَمَّا أنا فذهبت أَتـبيَّن وأَتأَمَّل …
تقع منه العين أَوَّلَ ما تقع على خَلْقٍ استوى بُـنيانُه، وانتصب في قامةٍ هي أَقرب إلى الطول – إذا كنتُ أَنا أَو صاحبُنا يوسُف الحاجّ مقياسَه – ورُكــِّب عليه وجهٌ صبيحٌ جاء نموذجًا جميلاً للطابع الشرقي، واضح التقاسيم ينطقُ بالعذوبة والبراءَة والبِشْر، دون ما تعقيد يعبِّر عمَّا وراءه في أَعماق الروح من تعقيد … لو رأَيته خارج هذه الدار أَو خارج إطارِ ما يُروى عنه لَـحـسِـبْـتَهُ “فتى زينة” من فتيان جيلكَ الذي يَعْــبَث …
ولا تحسبْ أَنَّه يبالغ مَنْ ذَهَبَ يُحدِّثك بأَنَّ لِمَوجات لَـحْظه هديرًا يُسْمَعُ ماردًا فـوَّارًا، يتَّصل بهديرٍ عميقٍ عُمْقَ الأَبديَّـة والمجهول.
ومالَ عليَّ يقول: “لَظننتُ أَنَّـك تزورنا وما شككتُ في أَنَّـك فاعل…”
قلتُ: “يسرُّني أَنَّي كنتُ عند ظنِّك، وأَنّي واقعٌ من نفسكَ هذا الموقع …”
ظاهرةُ العصافير
وتولَّاني دَهَشٌ … طَفِقَ يراودُني عنه “يوسُف الحاجّ” ويُريني جانبَ اليُسر فيه، وقصَّ عليَّ قصَّة “صورة العصافير” وكانت معلَّقةً غير بعيد … وكيف هبَّتْ بحياةٍ وزقزقة من مكانها في الظلِّ المطبوع، تتواقَعُ على كَـتِفَي سيِّدة أَسماها وإن لَـم تخنِّي ذاكرتي بعد هذا الأَمد الطويل، فالسيِّدة قرينة صحَفيٍّ مشهور في البلد اللبنانيّ، أَمَّا اسم هذا الصحافيِّ فتائهٌ الآن عنّي …
ورأَيتُ في إقبالِه عليَّ ببشاشةٍ تـارةً ودُعابةٍ تـارةً ما شجَّعني على أَن أُطالبَه بما يسمُّونه بينهم “جلسة روحيَّة”،[6] وسبق لي أَن أَسميته “جلسةَ تَنَسُّمٍ روحيٍّ”. فأَطرق قليلاً ثمَّ أَجاب: “عزيزٌ عليَّ ردُّكَ، وعزيزٌ عليَّ الآن أَنِّي أُجيبُك، وعسى أَن يكون في الأَيَّام بيننا متَّسَع …”
600 ليرة تهبط أَمامي[7]
فاستقرَّ “الرجل” وأَنا تنفَّسْتُ الصُعَداء. على أَنَّه انبعثَ يقول- في حركة سريعة بدأَت كانتفاضةٍ كبيرة وذهبَتْ تتناهى في رعشات خفيفة:
“ما تشاء من دنيا وثروة ونفائس الأَحجار الكريمة، مبذولٌ لكَ …”. فأَظهرتُ إعراضًا وأَظهرَ إلحاحًا. وقيل لي: “إيَّـاك وشيئًا من هذا، فقد تلبَّسَتْه روحٌ دنيا. “فالرجُل” كما تعلم “سنترال” روحيٌّ أَعظم”؛ وهذه كانت عبارتهم. وأَتى من يده بحركة، بدأَت من الهواء وانتهت على النَّضَد، وإذا فوقه ستُّمائة ليرة لبنانيَّة في ستِّ قِطَع من ذوات المائة …
فأَفاق وكانت بهجة، وكان حديثٌ موصولٌ بِوِدّ.
وما هو حتَّى أَخذ بَصَرَه النَّضَد وعليه الستُّمائة ليرة فقال: “ما بالكَ لَـم تأْخذها! …”
أَجبتُ: “أَبَـيْتُ على الروح أَيَّ شيء ليس من طبيعتها، وأَبَتْ عليَّ إلَّا شيئًا من طبيعتي، وما حاجتي إلى الزيادة، وأَنا أُريد التخفُّف، ولن أَدع لها أَن يكون إباؤُها أَكبرَ من إبائي …”
قال: “يروقني هذا منك، في ناس انصرفَت إنسانيَّتهم تَنْشُد الروح وليس هربًا من طبيعتها، وتراب طبيعتها، بل زيادة في حساب الكثيب. شأْنهم في ذلك شأْن مَن يريدون سرعة النفاذ في الصحراء إلى ما وراءَها، وهم يحملون كُثبانها. وكلَّما مرُّوا بكثيب، تحرَّكَت فيهم شهوة جديدة إليه، ولا يزالون به ويزال بهم حتَّى تدفنهم، في شهوة الرمال، الكُثبانُ التي يحملونها …”
هبوطُ القرآن الكريم من سقف الغرفة
وخنجرٌ صغير يصبح كبيرًا[8]
ونهض، ونهض الجمع، وانصرفتُ لأُقبِلَ في صباح يوم آخر … وكان بصحبتي صديق شاقه خبر الدار … وعلى العهد بالغرفة المدهشة، كانت مُكْتَظَّةً بالحضور … ودار حديث الجماعة اليوم على الأَديان وما بينها في منابت تنوُّعها من التقاء وما بينها في أَحواض مَصابِّها من تباعدٍ وتَــرَدُّمٍ في الأَقنية الموصلة بينها.
وكانت الجماعة ترشح ثقةً بمبدإ الدِّين لترتدَّ فترشح ثقةً بأَديان الناس ذات العَبَق السماويّ … وأُمنيَّتهم: لو في الناس مهندسٌ معماريٌّ يُصْلِح في الأَقنية، المتردِّم منها، لا سيَّما وهذه الأَديان في جَوهرها محبَّة وتَواصُلٌ واستعلاء … وتَرادُفُ الأَسماء للشيء الواحد لا يجعل منه أَشياء إلَّا في حدِّ ما يُـجْحَد من لُبابه ويُتَعَّلق بقشوره. والحرفُ يكون أَحمق الوجودِ كلَّما استُـنْبِتَ في غير أَرضه، وكُسِرَ على غير طبيعته، وأُفْرغَِ في خَلْقٍ غير خَلْقِه … والحرف الأَحمق يصعد بحماقة ويهبط بحماقة دائرًا ممتدًّا في عقل الناس وقلب الناس … إلَّا فيمَنْ يردُّ إلى الحرف عقْلَه، أَو مَن يردُّ الناس عن حماقة حروفهم.
بهذا تحدَّثتُ يومذاك، ومرَّ في خاطر صديقي الـمُرافق آيةٌ من التنزيل تدلُّ على أَنَّ العبرة ليس بنوع الدِّين، بل بروحـيَّة التديُّن التي تَــثْــبُتُ وحدها في ميزان القلب، وتَلا:
﴿إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فلهم أَجرهم عند ربِّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.
وأَظهر الحضور شغفهم بأَن يعرفوا في أَيَّة سورة هي من سور القرآن الكريم. فأَجبتُ بأَنـَّها في سورة البقرة.
وأَداروا الحديث – وهو ذو مُفارَقاتٍ تتدانى مع المناسبة من قرب أَو من بُعد – وأَفاضوا حول الروح وعالَمها وغموض هذا وهذا، فعاد صديقي واستشهد بآية: ﴿ ويسأَلونك عن الروح، قل من أَمر ربِّي، وما أُوتيتُـم من العلم إلَّا قليلا﴾ … وسُئلتُ أَيضًا فأَجبتُ بأَنهَّا في سورة الإسراء.
واستمرَّ الحديث واستمرَّ الانتقال، إلى أَن أُجريَ ذِكرُ السيِّد المسيح وظهوره … وهنا عاد صديقي فقال:
– إنَّ القرآن يجعل ظهوره علامةً على القيامة وقرب انتهاء أَجَل الحياة الدنيا، وتَلا: ﴿ وإنَّه لَـعِلْـمٌ للسَّاعة فلا تَــمْتَــرُنَّ بها﴾.
وضجَّ ضجيج الحضور – وبوغِتُّ ولَـم أَدرِ لماذا – وانطلق بعضهم إلى مكتب قريب يسجِّل الآية وآخَر إلى “مفكِّرة جيبه” يقيِّدها … وتعلَّقوا بي يسأَلون ويلحُّون: “في أَيَّة سورة هو منزلها …” والغريب أَنَّ ذاكرتي فيها خانتني خيانة قصيرة، فتردَّدتُ بين أَن تكون في “الزخرف” أَو في “الدخان”، وهما سورتان متعاقبتان بمحلِّهما من القرآن … وتمنَّى بعضُ من حضر لو كان ثَـمَّ قرآنٌ ليتحقَّق من مَنزلها في أَيَّــة سورة.
وانقطع الحديث، فقد أَطلَّ “الرجُل” وأَلَـمَّ ببعض ما دار منه وأُحيط ببعضه، واتــَّجه نحوي اتِّـجاهه يوم أَمس.
وهَيمَن على الحضور صمت، كأَنَّه يُـرْهِفُ أُذنَه ويمدُّها ليتسقَّط حتَّى النأْمةَ مع النَفَس … فقد نام “الرجُل” وغدا مَصدراً لأَعاجيب.
فقد رأَى صديقي على منضدة بقربه خنجراً صغيراً، فإذا هو يطول ويَـثْـبُت على ما انتهى إليه من طول فافـتَلَتَها صرخةً تلجلجتْ في شفتَيه، فأَنْـبَهني وأَنْـبَـهَ سواي، ورأَينا الخنجر في خَلْقه الجديد.
ومَادُوا في عجب، قطَعَه عليهم، في هذه المرَّة، صوتُ “الرجُل” نفسه يقول: “في زاوية الغرفة روحٌ تحملُ شيئًا أَحمر …” فالتَفتنا ولم نَرَ الروح، ولكن رأَينا كتابًا أَحمر الجِلد يهبطُ ويثبتُ على الطاولة، وكانت دهشتي كبيرة، فقد كان القرآن.
واستبدَّت به رعدة، وهتف ولـم يزل في حُـمـّـََى رجفتِها – يخاطبني:
“أُنظر للصفحات”، فإذا بأَوراق القرآن تُفتَح بقوَّة روحيَّة، وإذا كلُّ آية قد أُحيطتْ بدائرة حمراء جرى بـها “قلم تلوين”، وهي الآيات المختلَف عليها.
ورقة بيضاء تتحوَّل إلى رسالة[9]
فماج الحضور بعضٌ في بعض …وإنَّـهم في دهشتهم حين عطف، وأَخذني: بأَن أُطبق يدي على ورقة بيضاء … وكان أَنِّـي فتحتُ كفِّي فإذا بالورقة صارت إلى رسالة، ورسالة إليَّ من “ناحوم” صاحب النبوءة المعروفة في “العهد القديم”. وكانت واضحة الحروف وإنْ لَـم تكن جميلتها. وفيها: نبأٌ عن مصيرٍ لا أَطمعُ في أَن أَنتهي إلى مثله، وفيها عظةٌ وتذكيرٌ أَرجو لــنُــزُوعي أَن يُصيب حظًّا منهما.
وكان قد أَخذ التعب من “الرجُل” مأْخذَه، فبادرتُ إلى إيقاظِه وردِّه إلى الصَّحْو – صحْو الناس – إذا كان الصّحْوُ والإغفاءُ معنَـيَـيْنِ في الجفون والأَهداب.
رَجعَـةُ إخوانِ الصفاء[10]
غدَوتُ لا أُطيق صبرًا عن الدار وتلك الجماعة، فلها ولهم عندي حنِينٌ … حنينٌ استعلى على نفْسه، وجاز حدَّه إلى نوع من التعلُّق … بات وله في الِحسِّ معنى لا ينتهي بذكرى، ويُغفي على حلاوة وَقْع، بل يُلـِحُّ فيك بهوًى ويدور عليك من نواحيك بخيوطٍ تستفيقُ منها على شِباكه …
لَقِيتُ جماعةَ هذه الدار فأَحسَستُ بأَمَلٍ ضائع، يوم وَجَدْتُ – ما كنتُ أَظُنُّ أَنَّني أَجد – جماعةً تصافَوا هذا الصفاء، وتوَادُّوا هذا النحو من الوِدِّ، وتوحَّدوا على مَنازعَ رأَوها ومهما تكن – تَوَحُّد التجرُّد …
إنَّهم جماعة تأَمَّلَت، وضربَت في خيال التأَمُّل وآفاق خياله ما وَسِعها، وارتدَّت بأَفكارٍ التَمَسَتْ لها صيَغَها، ونظَمَت منها مدرسةً للتأَمُّل والفكر والأَخلاق، وتمذهَبت على طريقتها ومنهجها …
وميزاتهم هذه مجتمعةً ليس تجدها – إذا التمسْتَ – إلَّا عند “إخوان الصفا”، يوم نفروا من مجتمعهم هذا النفور، وتأَمَّلوا هذا التأَمُّل، وفكَّروا على هذا النَّحو من الفكر، ونظَموا أَنفسَهم في مدرسة على هذه السُّنَّة من النَّظْم، وتمذهبوا في هذا الأُسلوب من التَمَذْهُب، وحاولوا أَخْذَ المجتمع والحياة وَفْقَ مناهجهم … جاعلين، مثل هؤلاء، قاعدة كلِّ ذلك الأُخُوَّة، بمعناها المثاليِّ وغاياتها العُليا كروح فلسفة، والصداقة بمعناها التناصريّ ِكعصبـيَّـة عَمل وعَضَلِ حياة وأَليافِ وُجود.
فخِلْتُ رجعة هؤلاء الإخوان في إخوان هذه الدار، وتمثَّلْتُ إخوان الصفاء في مدينتهم السعيدة، وكيف كانوا بوجودهم، وبما يحلُم به وُجودُهم من آفاقٍ رفيعة، أَكبر من كلِّ دنياهم التي جرَت وعجَّتْ في السفوح وبين مُلْتَقياتها … أَمَّا هم، فكانوا حُلُمَ القمَّة أَو القمَّة التي باتت تحلم بكبرياء.
[1] الشيخ عبد الله العلايلي: “كيف عرفت الدكتور داهش”، (دار النسر المحلِّق، بيروت، 1979)، ص 11. وتجدُرُ الإشارة إلى أَنَّ بعض عناوين هذا الفصل هي من وضع المؤلف.
[2] الشاعر الداهشي حليم دمُّوس.
[3] “كيف عرفت الدكتور داهش”، ص 15.
[4] ورد نصُّ هذه الظاهرة في كتاب “معجزات مؤسس العقيدة الداهشية ومدهشاته الخارقة” لحليم دمُّوس، الصادر عن (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 81.
[5] انظر تفصيل هذه الظاهرة كما رواها حليم دمُّوس في الفصل الثاني من هذا الكتاب.
[6] انظر شرحًا عن “الجلسة الروحيَّة” في الفصل الثالث من القسم الثاني قي هذا الكتاب.
[7] “كيف عرفت الدكتور داهش”، ص 37.
[8] “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، ص 42 و43.
[9] “كيف عرفت الدكتور داهش”، ص 43.
[10] “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، ص 44.
الدكتور غازي براكْس
وُلد الدكتور غازي براكْس في بلدة جزِّين (جنوبيّ لبنان) في 2 أَيَّـار 1936. نشأَ في مدينة زحلة وتلقَّى دروسه الثانويَّة في الكلِّـيَّـة الشرقـيَّـة. نال الكفاءة في اللغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللبنانيَّة عام 1958، ودكتوراه دولة في الآداب من معهد الآداب الشرقـيَّة في جامعة القدِّيس يوسُف ببيروت، عام 1973. أَحرز جائزة “ابن طُـفَيل” العربيَّة الإسبانية لقصَّته “دروب النار والنور” عام 1984.
اعتنق العقيدة الداهشيَّـة عام 1963، وقام بنشاطٍ واسع لنشرها عبر كتاباته ومحاضراته. فقد أَلقى عددًا كبيرًا من المحاضرات عن الدكتور داهش والداهشيَّـة كان أَبرزُها المحاضرة التي ألقاها في المنتدى الكبير في الجامعة الأَمريكيَّة ببيروت، بتاريخ 12 أَيَّـار 1970، والمحاضرة التي أَلقاها في كلِّـيَّة الحقوق في بيروت، بتاريخ 21 أَيَّـار 1971، وكان لها صدى عميق في مختلف الأَوساط الثقافيَّة والفكريَّة، إذْ إنَّ السلطات الرسميَّة آنذاك حاولَت مَنْعَها بالقوَّة، فاصطدمت بموقف عميد الكليَّة الدكتور إدمون نْعِيم الذي قال: “إنَّ كلِّـيَّة الحقوق تُعَـلِّمُ طلَّابَها أَن يدافعوا عن الحقِّ … فإذا أَلغَـيْتُ هذه المحاضرة فماذا سيكتب التاريخ عنّي؟ والتاريخ لا يرحم! أَلا يدوِّن هذا التاريخ أَنَّني بعتُ ضميري، وخنتُ وجداني، ورضختُ للباطل، مضحِّيـًّا بالحقِّ في سبيل تحقيق رغبةٍ شخصيَّــة؟”
مارسَ الدكتور غازي براكْس التعليم الثانويَّ والجامعيَّ زهاء 26 سنة (1959 – 1986)، أَي حتَّى تاريخ هجرته إلى الولايات المتَّحدة، حيث تابع نشاطه الأَدبيَّ والفكريَّ، ورأَس تحرير مجلَّة “صوت داهش” التي تصدر في نيويورك باللغـتَين العربيَّة والإنكليزيَّة.
وقد وضع مُؤلَّفاتٍ عديدة في مجال الشعر، والدراسة الأَدبيَّة، والمسرح، والدِّين، والترجمة. وصدر له ديوان شِعر عام 1963، بعنوان “أَنا والله والعالَـم”، وكتاب “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة – تركيبيَّة لأَدبه ورسمه وشخصيَّـتِه”، مع مُلحق بدراسة جبران النفسيَّة في ضوء المبادئ الداهشيَّة، عام 1973؛ وكتاب “الدكتور داهش الأَديب الـمُعْجِز: مقارنة بين كتابَين عملاقَين “جحيم داهش” و”جحيم دانتي”، عام 1981؛ و”حدائق الآلهة وفراديس الإلهات” (دراسة عشرين كتابًا للدكتور داهش)، عام 1981؛ و”في هيكل الدكتور داهش ومحراب أَدبه”، عام 1982؛ و”فنُّ الكتابة الصحيحة”، عام 1985؛ ومحاضرة “أَضواء على الدكتور داهش والداهشيَّة”، عام 1986، أُلْـقِيَتْ في جامعةAntwerpen في بلجيكا باللغة الإنكليزيَّة. وله دراسات سيكولوجيَّـة وأَدبيَّة صدرَت في كُتبٍ مشتركة التأْليف. كما شارك في الكتب “أَضواء جديدة على الدكتور داهش والداهشيَّـة”، وأَصدر عددًا كبيرًا من الروايات التمثيليَّة التي بُـــثَّت من التلفزيون اللبنانيّ وإذاعات لندن والبلاد العربيَّــة.
ظاهرات روحيَّة للدكتور داهش يرويها الدكتور غازي براكْس
ندى تتجسَّد[1]
حدثَت هذه المعجزة سنة 1943، أَمام الأُستاذ إدوار نون والدكتور خبْصا والسيِّد جورج حدَّاد والأَديبة ماري حدَّاد وغيرهم؛ وهي في غاية الغرابة.
فبينما كانوا مجتمعين بالدكتور داهش، في جلسةٍ روحيَّة، إذا بصبيَّة حسناء تتجسّّدُ فجأَةً أَمامهم، تحت النور الساطع. فيبهتُ الجميع، ويظنُّون أَنَّهم يتوهَّمون. فتُفاجئهُم الفتاةُ بقولها: “لا تظنُّوا أَنَّـكم واهمون، فما ترَون هو حقيقةٌ أَكيدة. إسمي نَدى، وقد أَتيتُ من عالَـمٍ مادِّيٍّ آخَر إليكم.” فلم يُصدِّق الحضورُ أَعيُنَهم حتَّى سارعوا إلى تَحسُّسِها بأَيديهم، فإذا هي لحمٌ ودمٌ كالبَشَر. لكنَّها كانت تَلبِسُ فستانًا وتحملُ حقيبةً لَـم يكونا من الزيِّ الدارج في الناس سنة 1943.
وبعد تسعةَ عشرَ عامًا، تزورُ الدكتور داهش الصبيَّةُ نفسُها، وقد أَصبحَت في عِداد سكَّان الأَرض. وكانت بالعمر نفسه الذي تجسَّدَت فيه قبْلَ تسعةَ عشَرَ عامًا، وتلبسُ الثوبَ عينَه، وتحملُ الحقيبةَ عينَها.
وقد أَوضح الدكتور داهش للمجتمعين، إذْ ذاك، وفيهم مَن شاهدَها قبل تسعةَ عشرَ عامًا، أَنَّ هذه المعجزة الإلهيَّة تؤكِّد تأكيدًا حاسمًا استمرارَ الحياة وتقمُّصَ النفوس، وانتقالها بعد الوفاة، مِن دَورٍ حياتيٍّ إلى دَورٍ حياتيٍّ آخَر في الأَرض، أَو مِن كوكبٍ إلى كوكبٍ آخَر، حسب درجة استحقاقها.
قصَّة ورقة اليانصيب[2]
في مقابلة مع مجلَّة “اللواء اللبنانيَّة” العدد 84، تاريخ 7 آب (أَغسطس) 1964، تحدَّث النائب السابق محسن سْلِيم عن قُدرة الدكتور داهش وتحويله ورقة يانصيب خاسرة إلى ورقة تربح مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانيَّة. وقد تَـمَّت هذه المعجزة بحضوره. ولعلَّ الضجَّة الكبرى التي حدثَت بعد ذلك عندما تحوَّلت ورقة يانصيب أُخرى من خاسرة إلى رابحة لمبلغ عشرة آلاف ليرة أَمام القاضيَين محمود البقاعيّ ومحمود النعمان والمحامي شفيق السردوك، رئيس بلديَّة بيروت، والدكتور فريد أَبو سليمان، بحيث اضطرَّت مديريَّة اليانصيب الوطنيّ إلى تكذيب الخبر خَوفًا من عدم إقبال الناس على شراء أَوراق اليانصيب. ولكنَّ المديريَّة اضطرت أَيضًا إلى دفْع مبلغ عشرة آلاف ليرة للدكتور أَبي سليمان حينما قدَّم إليها الورقة، وذلك بعد أَن قامَتْ بفحصِها والتـثـبُّتِ من صحتِّها بعد عدَّة أَيَّـام.
72 جواباً ترتسمُ بلَمْحِ البَصَر تحت 72 سؤالاً[3]
إنَّ الوزير السابق الأُستاذ إدوار نون، بعد أَن شاهد كثيرًا من مُعجزات الدكتور داهش المحسوسة الدامغة، أَرادَ الاستزادة من المعرفة الروحيَّة، فكتبَ في منزله اثنَين وسبعين سؤالاً تتعلقُّ بمستقبل البشريَّة والأَنظمة السياسيَّة، وأُمورٍ غامضةٍ عن الإنسان والأَديان مـمَّا لم يتوصَّل العِلْمُ، بعد، إلى تقرير حقائقه النهائيَّة. وقد وزَّعها على نحو ثلاثينَ صفحة من الوَرَق الكبير المستعمَل في الطباعة على الآلة الكاتبة، وترك فراغًا بين السؤال والآخَر، مُفْسِحاً المجالَ لكتابة الأَجوبة. ثـمَّ قصد منزل الدكتور داهش. وكان الحاضرونَ كثيرين؛ منهم: آل الحدَّاد، وحليم دمُّوس، والدكاترة أَبو سليمان وخبْصا وعَشِّي. وقد اطَّلعوا جميعًا على أَسئلةِ الأُستاذ نون الـمُعَـقَّـدة. ثـمَّ وُضِعَـتْ الأَوراق في ظَرْف؛ وسرعان ما عُقِدَتْ الجلسةُ الروحيَّة. وفجأَةً لَمسَ الدكتور داهش الظرف الـمُحتوي على الأَوراق، قائلاً: “أَتتْكَ الأَجوبة”. وكانت دهشةُ الجميع عظيمةً حينما فتحوا الظرف، ورأَوا اثـنَين وسبعين جوابًا قد خُطَّتْ بوضوح، وبلَمْحِ البَصَر، تحت الاثـنَين والسبعين سؤالاً الـمُوزعَّة على نحو ثلاثين صفحة. هذه الوثائقُ العجائبيَّةُ ما يزال المحامي الكبير يحتفظُ بها حتَّى الآن، وهي تحتاجُ إلى أَكثر من يومَين لـمُجرَّد نقلها.
وعشراتٌ هم الذين أَعرفُهم ممَّن تـمَّتْ لهم معجزةُ الأَجوبة الكتابيَّة، فضلاً عن نفسي.
الأوراقُ تتحوَّل إلى عملةٍ لبنانيَّــة
أَمَّا تحويل الأَوراق البيضاء إلى عملة لبنانيَّة من فئاتٍ مختلفة فقد حدث ذلك عدَّة مرَّات وأَمام المئات؛ منهم: مندوب مجلَّة “الأُسبوع العربيّ”، كما ورد في العدد 263، تاريخ 22 حزيران (يونيو) 1964، وحافظ خير الله، مندوب جريدة “النهار”، كما ورد في الملحق، العدد 8986، تاريخ 21 آذار 1965.[4]
شفاءُ مَرضى من الـبَـرَص[5]
أَخبرَني الدكتور جورج خبصا، نطاسيُّ الأَمراض الجلديَّة الأَشهر في لبنان والدكتور فريد أَبو سليمان والدكتور نجيب العشِّي المعروفان أَنَّ أَخبار المعجزات الباهرة التي تَحدُثُ على يدَي مؤسِّس الداهشيَّة، بعد أَن انتشرَت في مختلفِ الأَوساط اللبنانيَّة والعربيَّة، بَلَغَت مسامعَ السيِّدة مريم مزراحي القاطنة في مدينة حَيفا (فلسطين).
كانت مريم مصابةً بمرض البَرَص المستعصي المؤكَّد رسميًّا. وقد عالجَها أَطبَّاء اختصاصيُّون في القدس، ولكن من غير جدوى. فالمرض الرهيب اجتاحَ جسدَها، والتهرُّؤ أَصاب أَناملَها وأَنفَها وبعض شفتَيها وأُذُنَــيها.
وبعد أَن يئِسَت من العلاج البشري، صمَّمت على القدوم إلى لبنان، لعلَّها تحظى بالشفاء على يد مؤسِّس الداهشيَّة. فحضرَت إلى منزله في 14 شباط (فبراير) عام 1944، بصحبة شقيقها. وكانت هيأَتها منفِّرة مرعبة.
وإذا الدكتور داهش يعقد لها جلسةً روحيَّة فوريَّة، فيتجلَّى فيه روح علويَّة، ويعلن أَنَّ المريضة استحقَّت بإيمانها الشفاء، إذْ أَوصلَت سيَّالاتها، بعد المعاناة الطويلة، إلى درجة الاستحقاق، ولكن يجب أَن يُعْقَد لها، بعد يومَين، جلسة روحيَّة ثانية، وبإذنٍ من الله تعالى، يُبرئها من علَّتها المستعصية المخيفة.
وطلب الروح أَن يُدعى إلى الجلسة الروحيَّة العتيدة عدد كبير من الأَطبَّاء ليعاينوا بأَنفسهم المريضة وكيفيَّة شفائها الروحيّ.
فعمَّم الدكتور خبصا والدكتور أَبو سليمان الدعوة على كثيرين من الأَطبَّاء، لكنَّهم بمعظمهم امتنعوا عن المجيء تهـيُّـبًا من الحضور الروحيّ، إلَّا خمسة أَطبّاء هم: عبد الأَحد، وخوري، ونجيب العشِّي، فضلاً عن الطبيبَين الداعيَين.
وعند الساعة التاسعة والنصف من يوم الأَربعاء الواقع في 16 شباط (فبراير) 1944، حضرت مريم مزراحي. فعايَنها جميع الحاضرين الذين زاد عددهم على الثلاثين شخصًا من المتمتِّـعين بثقافة عالية، وفحصها الأَطبَّاء الاختصاصيُّون الموجودون فحصًا مدقَّـقًا؛ وكان بين الحاضرين أَفراد عائلات حكيم، ومرَّاش، وصائغ، وطوبيَّا، وحاجّ، وحجَّار، وحدَّاد، وتأَثروا جدًّا من رؤيتهم وجهها وأَطرافها المشوَّهة المتهرِّئة. وسرعان ما عُقدت الجلسة الروحيَّة، وما إنْ لَمَسَ الدكتور داهش وَجْهَ المريضة وأَطرافَها حتَّى اختفَت آثارُ البَرَص منها، وتَجدَّدَ لحمُها، وامتلأَت فجواتُه؛ وكلُّ عضوٍ مصابٍ فيها عادت إليه العافية والنضارة بقوَّة إلهيَّة.
وقد أَحدثَت معجزة الشفاء هذه تأْثيرًا بالغًا في نفوس الحاضرين، فآمنوا بأَنَّهم أَمام قوَّة روحيَّة إلهيَّة، وهادٍ صادِق، كما آمنَت مريم مزراحي بمؤسِّس الداهشيّة، وعادت إلى فلسطين تُري نفسَها مَن عرفوها في مرضها الـمُنفِّر الـمُستعصي، وتعرضُ حالها على الأَطبَّاء الذين كانوا قد عاينوها قبل شفائها.
وفي أَواخر صيف 1944، قَدِمَ وَفْدٌ من أَطبَّاء القدس إلى بيروت ليزوروا الدكتور داهش، فوجدوا أَنَّ السلطات قد اعتقَلَـتْه، وجرَّدَتْه من جنسيَّـتِه ونَفَتْه خارج الحدود اللبنانيَّة من دون محاكمة، ومن غير أَيِّ ذَنبٍ أَتاه!
ذَكَرَ الحُضورُ عُرْسَ قانا فقال الدكتور داهش
“اذْهبوا حيثما كان ماء واملأُوا نبيذًا”[6]
أَخبرَني الوزير السابق، الـمُحامي إدوار نون، أَنَّه في ربيع سنة 1944، بينما كان جمهورٌ من الداهشيِّين يُجالسون مؤسِّس الداهشيَّة حول المائدة، شرع الأُستاذ نون يتحدَّث عن تحويل السيِّد المسيح الماءَ خمرًا، في عُرْسِ قانا الجليل.
وإذا بالدكتور داهش يرتعشُ بالروح العليِّ قائلاً لهم: “اذهبوا حيثما كان ماء في المنزل، وامْلأُوا منه ما شئتم نبيذًا”.
لم يصدِّق الحاضرون ما سمعوا أَوَّل وَهْلة. لكن سرعان ما رأَوا الماءَ الذي في الكؤوس والآنية التي على المائدة يتحوَّل كلُّه إلى نبيذ.
حينئذٍ قَصَدَ الحاضرون المطبخَ وفَتَحوا البرَّاد، فإذا الماءُ في الزجاجاتِ كلِّها قد تحوَّلَ إلى نبيذ.
وفتحَ آخَرون حنفيَّاتِ الماء المرتبطة بمجاري مياه الشرب العامَّة في بيروت، فكلَّما وضعوا تحتها كأْسًا أَو إناءً امتلأَ نبيذًا بدلَ الماء.
إنَّ ما رأَوه تعدَّى حتَّى الخيال، حتَّى إنَّ عدَّة داهشيِّين، بينهم جوزف حجَّار – الذي أَكَّد لي هذه المعجزة – ملأُوا عدَّة زُجاجات من الخمرة العجائبيَّة، وحملوها إلى منازلهم. وكانت هذه الظاهرة الروحيَّة محصورةً في المنزل، أَي إنَّ الماءَ في المجاري العامَّة بَقِيَ ماءً، لكنَّه ما إنْ يَصِلُ إلى داخل المنزل حتَّى يتحوَّل إلى نبيذ. وهذا يزيد الخارقةَ غرابةً على غرابة.
ولَـم يَذُقْ أَحدٌ منهم نبيذًا أَلَـذَّ وأَعْجَب؛ فهو نبيذٌ من غير هذه الأَرض.
إنَّ تحويل الماء إلى نبيذ تكرَّرَ عشرات المرَّات في مناسباتٍ مختلفة، أَمام عشرات الشهود، وفي كلِّ مرَّة كانت تَحْدُثُ الـمُعجزة بطريقةٍ تختلف عن الطريقة السابقة. فتارةً يأْتي الشاهدُ وقد أَخفى في جَيبه زجاجةً صغيرة ملأَها ماءً، كأَنَّـما يُريد أَن يمتَحِنَ الروح؛ فيقولُ له الروح العليّ: “الماءُ الذي تُـخْفيِه في جَيـبِك تحوَّلَ إلى نبيذ”. وطَوراً تَفْرَغَ الكأْسُ وهي بيَدِ أَحَدِ الشهود، فيتمنَّى لو تمتلئُ نبيذًا، فإذا بها تَطْفَحُ به، وثالثةً يذكرُ الشاهدُ عُرْسَ قانا، فيتحوَّلُ الماءُ أَمامه إلى نبيذ، وهلمَّ جرًّا … وفي جميع هذه المعجزات كان تدخُّلُ الروحِ الإلهيِّ ساطعًا، ولا مجالَ لأَيِّ شكٍّ على الإطلاق.
[1] الدكتور غازي براكْس: “مدخل إلى الداهشيَّـة” (الدار الداهشيَّـة، نيويورك، 1993)، ص 74.
[2] نقلاً عن “مدخل إلى الداهشيَّة”، بتصرُّف، ص 70.
[3] “مدخل إلى الداهشيَّة”، ص 68.
[4] انظر تفصيل هاتَين المقابلتَين الصحافيتَين في الفصل الثاني من هذا الكتاب.
[5] الدكتور غازي براكس، الدكتور ملحم شُكر،ـ المحامي فارس زعتر: “أَضواء جديدة على الدكتور داهش والداهشيَّــة” (بيروت، 1997)، ص 48.
[6] “أَضواء جديدة على الدكتور داهش والداهشيَّـة”، ص 50.
الصحفيّ لُطفي رضوان
كاتبٌ صحفيٌّ بدأَ العمل في مجلَّة “المصوَّر” المصريَّة عام 1945. ويُعتَبَرُ واحدًا من مؤرِّخي الفنِّ رغم امتداد كتاباته إلى سائر نواحي الثقافة والمجتمع، وأَحدُ نجوم الصحفيِّين والكُتَّاب في مصر والعالـَم العربيّ.
امتدَّ نشاطُه في مجال الكتابات النقديَّة والفنيَّة والأَدبيَّة في كلِّ المجلَّات التي تُصدرُها “دار الهلال” ومنها مجلَّة “الإثنين” و”الدنيا” و”الكواكب” ومجلَّة “الهلال” الشهريَّة، و”حوَّاء” حيثُ قَدَّمَ فيها باب “من رصيد الذكريات” الذي حكى بالكلمة والصورة علاقاته بكلِّ نجوم المجتمَع والفنّ خلال فترة الأَربعينيَّات والخمسينيَّات والستينيَّات، وباب “بدون مُجاملة”.
طاف لُطفي رضوان العالَـمَ كلَّه تقريبًا، وكتب عن بلدانه وشعوبه وفنونه. كما أَجرى أَحاديثَ وحواراتٍ مع معظم رؤساء وملوك الدوَل العربيَّة. وكانت تربطه بهم صداقاتٌ حميمة.
كتب مذكرِّات الفنَّان الموسيقار محمَّد عبد الوهَاب عام 1954. وقد تعرَّف إلى الدكتور داهش عام 1970، وشاهدَ من مُعجزاته العديدة ما دَفَعَهُ إلى وَضْعِ كتابٍ بعنوان “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش” دوَّنَ فيه تلك الظاهرات التي لـمَسَها بنَفْسِه، وأَجرى مقابلاتٍ مع بعض شهودها. كما عَرَضَ لبعض مراحل الاضطهاد الذي تَعَرَّضَ له الدكتور داهش على يَد رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة بشارة الخوري (1943 – 1952)، مُطْلِقًا عليه لقب “المضطَهَد رقم 1″، وأَبرزَ شخصيَّـــتَـه الأَدبيَّة وما يتمتَّعُ به من قُدرةٍ بشريَّـة وروحيَّة فائقة. وقد كَتَبَ عنه لاحقًا مقالاً مُسهَبًا في مجلَّة “المصوَّر”، العدد 2642، تاريخ 30 أَيَّـار (مايو) 1975، تحت عنوان: “هل هذا صحيح؟ هذا الرجُل يَُحوِّلُ البرُونْزَ إلى ذَهَب!” وقد ضمَّنه بعضًا من المعجزات التي شهدَها على يدَيه.
مـمَّا جاءَ في ختام كتابه عن الدكتور داهش:
“ساءَلتُ نَفْسي: ما هو هدفُ الدكتور داهش من اجتراحه هذه المعجزات؟ هل هو يُريدُ مالًا؟ إنَّه في غِنى تمامًا عن المال، بل هو عَزوفٌ عن المال. هل هو يُريدُ جاهًا؟ إنَّه رجُلٌ بسيطٌ لا يهمُّهُ الجاه، بل إنَّه يُحاربُ المتكبِّرين من ذوي الجاه.
هل هو يُريدُ شُهرةً؟ وماذا تُغْني الشهرة؟ ما فائدتُها إذا كانت لن تُستَخدمَ للحصول على مالٍ وجاه؟
“هل يُريدُ أَصدقاءَ وأَعوانًا؟ إنَّ إنسانًا في مثل وداعة الدكتور داهش وأَدَب الدكتور داهش يستطيعُ أَن يستميلَ إليه عشرات المئات من الأَصدقاء؛ ثـمَّ هو نَفْسُه – كما لَمَسْتُ فيه – عَزوفٌ عن الناس، مُحِبٌّ للعُزلة، لأَنَّه مُحِبٌّ للتأَمُّل والتفكير والكتابة، كرجُلٍ من روَّاد القلم السَلِسِ الرقيق. إذن، أَنا أَستبعدُ أَن يكون الغرضُ من عرض هذه المعجزات – التي حقَّقْتُ بنَفْسي في بعضٍ منها وتأَكَّدَتْ لي صحَّتُها – أَيًّــا من هذه الافتراضات الكثيرة.
“إذن، للمرَّة الثانية – ما هو الغرضُ المباشَر وغير المباشَر لهذا كلّه؟
“قد أَقول:
“إنَّ ما يتمُّ من هذه الظاهرات الغريبة التي يقومُ بها الدكتور داهش إنـَّما هو من صُنْعِ قوَّةٍ روحيَّةٍ غير أَرضيَّة لا تخضعُ لقوانين هذا العالَـم الذي نعيشُ فيه، وإنَّ هذه القوَّة قد اتَّخَذَتْ من هذا الرجُل وَسيطًا لكي يُـثْبِتَ وُجودَ الروح وخُلودَها، ومن أَجل إثبات وُجود الخالق، وما وَعَدَ به سُبحانه وتعالى من ثَوابٍ للتائبين وعقابٍ للمارقين على الدِّين والأَخلاق، ولوَقْفِ التعصُّبِ الدينيّ الأَحمق، والعَودة إلى الإيمان الصحيح، والعَيش حياةً عادلة فاضلة في ظِلِّ الدِّين الواحد، لأَنَّ الأَديان الثلاثة هي نَبْعٌ من الله سُبحانه وتعالى.
“وإذا كان الدكتور داهش قد قام بهذه الخوارق على مدى خمسين عامًا لكي يدعو البشريَّـة إلى العدل والمساواة ونُبْذِ الأَحقاد بين الشعوب والدوَل والأَفراد، وعلى التمسُّك بأَهداب الدِّين العَفِّ النظيف الصحيح، فإنّي أَعتقدُ أَنَّ هَدَفَهُ هذا هو من الأَهداف السامية التي يتوقُ كلُّ مُصلحٍ على الأَرض أَن تتحقَّقَ لصالح البشريَّـــة”.
الصحفيّ لُطفي رضوان والخوارقُ الداهشيَّة
زار الصحفيّ لُطفي رضوان داهشًا للمرَّة الأولى يرافقه الزميل وليد عوَض. وقد سأَله داهش بعد الترحيب إن كان يحمل مفكِّرةً في جَيبه، فأَجابه رضوان: “نعم”، فطلب منه أَن يقصَّ منها ورقةً بحجمِ ورقةٍ ماليِّة من أَيِّ فئةٍ أَراد. فقَصَّ لُطفي ورقةً بحجمِ ورقة فئة المئة ليرة لبنانيَّة وَهَمَّ بتسليمها لداهش، فصاحَ به الأَخير: “ضَعْها في جيبِك وضَعْ عليها تَوقيعك.” ففعل الصحافيُّ المصريُّ ذلك. وبعد ثوانٍ طلب الدكتور داهش منه إخراج الورقة من جَيبه، فإذا بها ورقة عملة من فئة المئة ليرة لبنانيَّة صحيحة مئة في المئة وعليها توقيعه. ولكي يصحو من شكوكه قصد بائع سجائر، واشترى منه علبة طالباً إليه أَن يتأَكَّد إن كانت الورقة الماليَّة مزوَّرةً. وبعد فترة من التمحيص مع أَصحاب المخازن قال له البائع:” إنَّها صحيحة وعلى مسؤوليَّتي.” وأَعطاه بقية المبلغ.
لم يكن اللقاء الأَوَّل بين الدكتور داهش ورئيس تحرير “مجلَّة المصَّور” المصريَّة كافياً لإقناع الأَخير بمعجزات داهش، كما يقول، خصوصاً وأَنَّ الشكَّ هو مرض الصحافيِّين وفي صلب مهنتهم، فقرَّر زيارته مرَّةً ثانية. كان يخاف في سِرِّه أَن تكون الورقة التي انتزعها من مفكِّرته في اللقاء الأَوَل وحوَّلَها داهش إلى عملة لبنانيَّة من فئة المئة ليرة قضيَّة لُعبة من أَلعاب الخفَّة، على الرغم من أنَّ داهش لم يلمسها؛ فالصحافيّ بطبعه أَكثر ما يخشى المطبَّات. فاتصل بالزميل وليد عوض الذي وافاه إلى مكان إقامته.
ويتابع لطفي سرد وقائع اللقاء الثاني مع داهش وتفاصيله فيقول:
المقابلةُ الثانية[1]
وجاءني صديقي وليد مبتسمًا، وقال لي:
– كيف الحال؟!
قلتُ:
– شخصيَّة غريبة! … ويبدو الرجُل في بساطة متناهية، ومع ذلك فهو قريبٌ إلى قلبي … أُحسُّ أَنَّني أَعرفه منذ سنوات طويلة.
قال:
– إنَّه فعلاً يتمتَّع بجاذبـيَّة فريدة من نوعها.
وعاد يسأَلني:
– لعلَّك تتوق لزيارته مرَّةً أُخرى؟
قلتُ:
– بل أَنَّني أَتوق إلى زيارته كلَّ يوم.
وضحك وليد وقال:
– ولكنَّك لن تتمكنَّ من رؤيته كثيرًا. فقد تكون أَنت توَّاقاً إلى زيارته، ولكنَّه قد يكون عزوفًا عن مقابلتك. ومع ذلك، قُم ْواتَّصلْ به تلفونيًّا، وحاوِلْ.
وفعلتُ.
وسمعتُ صوته عبر الأَثير يُرحِّبُ بي ويقول:
– البيت بيتك، تفضَّل الآن إذا شئتَ.
وعندما توجَّهتُ إليه، كان أَوَّل ما نطق به قوله:
طبعًا أَنتَ ذهبتَ إلى التاجر واسمُه …
وذَكَرَ اسمَه، ثمَّ تابع قائلاً:
– واشتريتَ علبة سجائر، وأَعطاك 98 ليرة … وعدتَ إليه، بعد دقائق، ترجوه أَن يُعيد النظر في الورقة الماليَّة. واختلط الأَمر على التاجر، فاستعان بزميلٍ له يُدعى أَلبير، وهذا أَكدَّ له أَنَّ الورقة ذات المئة ليرة صحيحة، غير مزيَّفة”.
يا إلهي! … كيف عرف كلَّ هذا؟!
إنَّ التاجر الذي ذهبتُ إليه يبعد عن بيت الدكتور كثيرًا. بل هو في حارةٍ صغيرة غير مطروقة كثيرًا. كيف عرف؟! وكيف عرف اسمه واسم جاره؟ وكيف؟ وكيف؟ وكيف؟ …
وكان الدكتور ينظر إليَّ باسمًا…
وبعد فترةٍ قال:
– ماذا يحدُثُ إذَنْ، لو أَعطيتُك ذهبًا مُـحـوَّلاً من نحاس ورصاص؟”
وقرأَ في وجهي أَنَّني لن أَحتمل هذه المفاجأَة. ولكنَّه قال:
– المسأَلة بسيطة يا صديقي المصريّ القادم من البلد الذي أُحبُّه وأَتمنَّى أَن أَعيش فيه فترةً من حياتي … ولسوف يحدث هذا عاجلاً أو آجلاً.”
وشربتُ القهوة معه …
وكان يرتشف القهوة قطرةً قطرة، حتَّى أَنَّه انتهى من شُرب الفنجان الصغير في ربع ساعة أَو أَكثر قليلاً. ثمَّ فاجأَني بسؤال:
– أَتُفضل الجُنيهات الذهبيَّة المعروفة باسم “جورج” أَو المعروفة باسم “إليزابيت”؟
قلتُ:
– سيَّان عندي.
قال:
– الجنيه ماركة “جورج” أَغلى قليلاً من جنيه “اليزابيت”، أَلا تعلم ذلك؟
قلتُ:
– أَعرف.
قال:
– إذَنْ، كم عدد الفرنكات اللبنانيَّة التي في جَيبك؟
قلت:
– لا أَعرف.
قال:
– إذنْ حاوِلْ أَن تَخرج الآن وتبحث عن “فراطة” – أَي كمِّيَّة من النقود اللبنانـيـَّة ذات “ربع” الليرة، وهي حمراء اللون، أَي نحاسيَّة اللون.
وخرجت من عنده، وعدت ومعي 30 ربعًا تقريبًا.
وقال لي مبتسمًا:
– أَنت متواضع جدًّا في مطالبكَ يا صديقي.
وسألته:
– كيف؟
قال:
– أَهذا هو طموحُك؟!
قلتُ:
– أَنا لا أَفهم.
قال:
– عندما تفهم، أَرجو أَن لا تعضَّ بنان الندم وتقول لنفسك: ليتني أَحضرتُ أَلفَ قطعة.
وطلب قهوةً لي وهو يقول للساقي:
– القهوة التي يُـحـبُّها الصديق المصريّ.
وجاء الرجل بالقهوة.
وجلس الدكتور يتأَمَّلني وأَنا أَشرب القهوة، وهو صامتٌ تمامًا لا ينبس ببنت شفة، حتَّى إذا ما انتهيتُ من القهوة سمعتُه يقول بصوتٍ “غائر” كأَنَّه قادمٌ من بعيد:
– والآن، بلا “زعل” أَو “اندهاش” أَخرج “الفراطة” التي في جَيـبك.
وأَخرجتُها … وكاد يُغمى عليَّ!
إنـَّها جُنيهاتٌ ذهبيَّة!
يا إلهي! كيف حَدَثَ هذا؟!
إنَّ أَحدًا لم يلمسني … لَـم يقتربْ منِّي! ثـمَّ إنَّ “الفراطة” كانت في جَيب البنطلون، أَعني لا يمكن “ليَدٍ” أَن تصلَ إلى الجَيب، وإلَّا لَمَسَتْ مواضعَ من جسدي…
وقال الدكتور:
– كم عددها؟ أَي عدد “الفراطة” يعني “الفكَّة”.
قلتُ:
– ثلاثون.
قال:
– إذَنْ تفضَّل بِعَدِّ ما في يدك.
وعَدَدتُها … فإذا هي ثلاثون جنيهًا ذهبيًّا.
قال:
– ولأَنك تردَّدتَ في الاختيار بين الـمَلِك جورج والـمَلِكة إليزابيت، فقد أنقسم العدد إلى نصفَين متساويَين من هذا وذاك.
وعددتُ. كان هناك 15 جُنَيهًا ماركة الملك، و15 جُنَيهًا ماركة الملكة.
وابتسم الدكتور وهو فَرِحٌ لدهشتي البالغة، وقال لي:
– لقد حذَّرتُكَ من الندم، يا صديقي، فأَنت تقول لنفسكَ الآن: “ليتني أَحضرت أَلف “ربع” ليرة”. أَليس كذلك؟
وكما فعلتُ بالورقة ذات المئة ليرة، كرَّرتُ فعلتي بهذه الثروة المفاجئة التي في جيبي. ذهبتُ إلى محلِّ جواهرجي في “باب إدريس”، وقدَّمتُ إليه 5 جُنَيهات، وسأَلتُه:
– كم سعر الـجُنَيـه؟
ففحصها، وقال:
– الـجــُنَيه بمئة وعشرين ليرة لبنانيَّة. أَتُريد إبدال هذا المبلغ؟
قلتُ له:
– افحَصْه جيِّدًا، أَوَّلاً.
وفحص الجواهرجي الجنيهات بدقَّة متناهية، وسأَلني:
– فيها إيه؟ إنَّها لَـم تُتَداولْ بعدُ.
يعني…”جديدة خالص”.
وأَعطاني 600 ليرة لبنانيـَّـة.
وكما فعلتُ معه، فعلتُ مع أَربعة جواهرجيَّة حتَّى حصلتُ على حوالى 3600 ليرة لبنانيَّة. ولَـم يتوانَ واحدٌ منهم عن فحص كلِّ جُنَيه إنجليزيِّ بعين الخبير المتمكِّن من مهنته وعمله.
المقابلةُ الثالثة[2]
وقد بادرني الرجُلُ المتسامح الغامض الهادئ بقوله عندما زرتُه للمرَّة الثالثة:
– ماذا تريد منِّي أَن أَقوله لك حتَّى تقتنع بأَنَّ هناك قوَّةً إلهيَّةً مُهَيمنةً يحبو بها الله بعضًا من عباده؟
قلت:
– والله لقد زادتني أَفعالُكَ حيرةً على حيرة.
قال:
– ولِمَ الحيرة؟ إنَّ القرآن الكريم والإنجيل فيهما الكثير ممَّا أُفضي به إليك.
قلتُ:
– وهل تقرأ القرآن؟
قال:
– إنّي أَحفظه عن ظَهر قلب وهو نبراسُ ومَدخلُ قوَّتي.
قلتُ:
– ولكنَّكَ مسيحيّ!
قال:
– وهل هذا يمنع أَن أَحفظ القرآن وأتَمعَّن بكلِّ كلمة فيه. إنَّه من كلام الله. ثـمَّ إنَّني مسيحيّ من نوع لا يُقرُّه هنا المسيحيُّون. فأَنا، في نظر الأَكثريَّة منهم، شارد عن الدين المسيحيّ، إِذْ إنَّني لا أَذهب إلى الكنيسة أَبدًا.
قلت: ولماذا؟
قال:
– لأَنَّني مؤمن بأَنَّ أَصْلَ الأَديان واحد، وبأَنَّها كلَّها، في أُصولها النقيَّة، تحضُّ على التسامح وتنبذ التعصُّب. والدين الإسلاميّ دِينُ العدْل والمساواة، والدين المسيحيّ دين التسامح والرفق بالبشريَّة. وإنَّ هذه العناصر معاً تُكَّوِّنُ الناموس الذي يجب أَن يسير عليه الإنسان، فيَصلحُ حالُه، ويعيش مستقرًّا كما يُريد الله له … ولكنَّ التعصُّب المسيحيّ، وخاصَّة في بلدي لبنان قد أَفسَدَ ما أَراده الله لعباده. وهذا هو مبعث غضب كنيسة لبنان بمختلف مذاهبها على شخصي.
وتابع قائلاً:
– وقد أَعلنتُ في الصحف، وفي الندوات التي أَعقدُها، وفي الجلسات الروحيَّة التي تُقام في منزلي، بل وفي المحاضرات العلنيَّة عن الداهشيَّة، أَعلنتُ كلَّ هذا، وقلتُ أَنْ لا خلاص للبشريَّة ممَّا تعانيه من عثرات ومتاعب وآثام إلَّا إذا آمن البشر بأَنَّ الإسلام هو دينُ الحقِّ، وأَنّ المسيحيَّة الحقَّة هي دِينُ الله المتسامح. وإنَّني أُحاول بقدر جهدي الضعيف أَن أُوفِّق بين أَفكار هؤلاء وأُولئك، ابتغاءَ مرضاة الله، سبحانه وتعالى.
ثمَّ قال:
– وهذا الذي تراه منِّي كخوارق ومعجزات ما هو إلَّا السلاح المتواضع الذي أَشهره في وجه مَنْ يكذِّب دعوتي هذه، وهي دعوة الحقِّ والتسامح وامتزاج الأَديان، بكلِّ ما فيها من عناصر طيِّبة تبشِّر بالطمأْنينة في الدنيا، وبالسعادة ما بعد الرحيل عن هذه الدنيا.
وتحدَّث الرجل كثيرًا … وسمعتُه يستشهد بآياتٍ قرآنيَّة جمَّة. وقد قال لي، مستدركًا، ردًّا على سؤالي:”هل تقرأ القرآن؟”:
– إنَّني أَحفظ القرآن كلَّه، ويمكنكَ امتحاني فيه، وفي تفسير ما جاء بآياته البيِّنات.
وعندما كادت جلستي الثالثة تنتهي عند هذا الحدِّ، فاجأَني بقوله:
– متى تسافر؟
قلتُ:
– لقد طلبتُ “ترنك” – أَي خطًّا هاتفيًّا – للقاهرة منذ أَمس، وقيل لي أَن أَنتظر أَيَّامًا أُخرى حتَّى أَتمكَّن من الاتِّصال بأُسرتي لأُخبرها عن موعد سفَري.
فقال على الفور:
– أُطلب الآن من هذا التلفون الرقم الذي تُريده من عامل التلفون، وسوف تتَّصل بالقاهرة فورًا.
ولما همَمْتُ بالإمساك بالتلفون قال لي:
– على فكرة، ستجد ضيوفًا في بيتك الآن، وهم فلانة، وزوجها فلان، وابنتهما فلانة، وسيتناولون طعام الغداء، وسيكون مكوَّنًا من كذا وكذا …
لـم أَصدِّق…
ولكنَّ الاتصال مع القاهرة تمَّ في دقائق!
وسمعتُ صوتَ زوجتي يسأَلني:
– هل أَنتَ تتحدَّث من مطار القاهرة؟
قلتُ: طبعاً لا. أَنا في بيروت.
قالت: إنَّ الصوت واضح جدًّا، وكأَنَّـه من داخل القاهرة.
وقالت لي:
– أَتعرف مَنْ عندنا؟
قلتُ:
– أَيوَه … فلان وفلانة وفلانة.
وصرخَتْ زوجتي عبر الأَثير:
– يا نهار إسود … عرِفت منين؟!
قلتُ:
– والأُسطى عبد العزيز الطبَّاخ يقوم الآن بطهو كذا وكذا …
وزاد صراخها … بل وأَحسستُ أَنَّها تكاد تُصاب بالإغماء!… فأَسرعتُ أُقول لها:
– ده الدكتور داهش هو الذي أَخبرني بكلِّ هذا.
فصاحت:
– من هو الدكتور داهش هذا؟!
قلتُ:
– والله أَنا شخصيًّا … مش عارف مَن هو، وأَنا جالس إلى جواره!… ولكنَّني لا أَعرف هل هو من البشر حقًّا؟!
الوسواس؟! ..[3]
والحقُّ يُــقال بلا تردُّد أَو خَجَل.
لقد خرجتُ من مقابلاتي الثلاث مع هذا الرجل العجيب الغامض وأَنا أَكثر بلبلةً، فكرًا وقلبًا، وقد انتابني وسواسٌ غريب:
كنتُ أُسائل نفسي: كيف أُعـلِّل هذا الذي حدث في مقابلاتي الثلاث، وكيف يَــقبل عقلي الواعي، وتَــقبل دراستي وتهضم خبراتي الطويلة هذا الذي حَدَثَ أَمامي.
هل كنتُ تحت تأْثيرٍ مغناطيسيّ؟
هل استطاع هذا الرجُل أَن يحوِّل تفكيري وبصري إلى لعبة سحريَّة تَــقبلُ بلا تردُّدٍ ما عرَضَه أَمامي؟!
هل كنتُ في “غفلةٍ” مستحكمةِ الحلقات؟!
هل وقعتُ بسذاجة صبيانيَّة في حبائل ساحرٍ شاطر؟!
هل … وهل… وهل؟ وأَلف هل … وهل … وهل أَبعدَتْ عنِّي النوم أَيّـَـامًا وليالي.
وقلت لنفسي: ” ثـمَّ ماذا؟ ماذا بعد هذا التفكير الـمُضني؟”
ووجدتُ الجواب.
وجدتُ الجواب في عرض ما شاهدتُه على عديد من الأَصدقاء الذين هم صفوة أَهل الفكر والعقيدة، ودائمًا كانت أَحكامهم مُستمدَّةً من واقعٍ ملموس، مرتكزةً على منطق سليم معقول.
وذهبتُ إلى صديقي المحامي النابه المعروف، وعرضتُ عليه في إسهاب ما شاهدتُه من الدكتور داهش، مؤكِّدًا له أنَّني لَـم أَكن في غيبوبة ذهنيـَّة، بل بالعكس، كنتُ في موقف المتحفِّز المتـنـبِّه لكلِّ وَمْضَة، لكلِّ هَفْوَة قد تُنير وتكشف سرَّ ما يُقدِّمه أَمامي من معجزات.
وقال لي الصديقُ المحامي بعد صمتٍ طويل:
– اسمَعْ، يا صديقي. في فتراتٍ متباعدة في سياق الأَحقاب يظهر في الأَرض أُناسٌ يُكشَفُ عنهم الحجاب، بمعنى أَنَّ لهم صِلات مباشرة مع الله، سبحانه وتعالى، وهو، عزَّ وجلَّ يُعطيهم من قدراته ما يُـعــزِّز به موقفهم، ويُــقـوِّي به نفوسهم ليكونوا دُعاة سلام وخير للبشريَّة. وأَنا أَعتقد أَنَّ هذا الرجل من هؤلاء.
وعاد يقول، بعد فترة صمْت:
– أَلا يمكن أن أَراه؟
قلتُ:
– سأتّصل به وأَستأْذنه.
وقمتُ إلى التلفون. وردَّ عليَّ واحدٌ من منزله، وأَفهمني أَنَّ الدكتور في مكانٍ يبعد عن بـيـته بأَكثر من مئتَي كيلومتر، ولكنَّه سوف يعود بعد ساعةٍ واحدة.
وانتظرتُ، ثـمَّ عاودتُ الاتِّصال به.
وقال لي الدكتور عندما سمع باسم المحامي النابه:
– أَهلاً وسهلاً … ليتفضَّل معك غدًا في العاشرة صباحًا.
وفي الموعد المحدَّد، صحبتُ صديقي، وتوجَّهنا إلى حيث نقابل الدكتور داهش. فماذا حَدَث؟
* * *
استقبلنا الدكتور داهش ببشاشةٍ مُـحبَّـبة. وما إن انتهينا من تناول القهوة حتَّى قال الدكتور داهش موجِّهًا كلامه إلى صديقي المحامي:
– يا أُستاذ، إنَّ الكاتبة على الآلة الكاتبة في مكتبك قد أَخطأَتْ وهي تكتب المذكِّرة التي في حقيبتك. والخطأ في الصفحة الثالثة. إنَّـها بدَلاً من أَن تكتب رقم المادَّة 97، كتبتها المادَّة 67.
وأُسقط في يد الصديق … وأَسرعَ بلا وَعْيٍ يفتحُ حقيبة أَوراقه. وأَخرجَ المذكِّرة، وتصفَّحَ الصفحة الثالثة، فوجد أَنَّ ما قاله الدكتور داهش حقيقيّ، وقد أَخطأَتِ الكاتبةُ فعلاً.
وكان الدكتور داهش يبتسم وهو يرى اضطراب المحامي الصديق، وعاد الدكتور يقول:
– والفرق واضح تمامًا بين المادَّتين. ولو كنتَ سلَّمتَ المذكِّرة كما هي الآن لَـما حُكِمَ في صالح موكِّلك.
ثـمَّ قال:
– لقد خسرتَ سبع قضايا خلال هذا العام. والقضيَّة التي هي محجوزة للحُكم سيُحكَم فيها لصالحك، وستنال جزاءً مادِّيًّــا وأَدبيًّــا لا بأْس به.
وزادت دهشة الصديق. ولكنَّ دهشته أَفقدته النطق، فلم ينطق بكلمة واحدة لعدَّة دقائق، بل كان ينظر إلى وجه الدكتور داهش وهو مذهول.
وبعد فترة، تكلَّم المحامي. قال:
– ولكن، كيف تُفسِّر ما تقوم به يا سيِّدي الدكتور؟
قال الدكتور:
– أَنا بَشَــرٌ مثلك، يا سيِّدي، وإنَّها نعمةٌ من نِعَمِ الله عليَّ.
عاد المحامي يسأَل:
– ولكن …كيف؟
قال الدكتور داهش ببساطة متناهية:
– إنَّ الله قد حباني بنعمته … لقد وَهَبَني “سيَّالاً روحيًّا” خاصًّا.
ونطقتُ في وقتٍ واحد مع الصديق المحامي:
– وما هو هذا “السيَّال الروحيّ”؟
قال:
– إنَّه “بعض قوَّة” من قوَّة الله … لا أَكثر ولا أَقلّ”.
ولم يَزِدْ.
حاول الصديق المحامي، وحاولتُ أَنا معرفة المزيد عن هذا “السيَّال الروحيّ” لكنَّ الدكتور داهش كان ينظر إلينا مبتسمًا وهو يُردِّد: “السيَّال الروحيّ …السيَّال الروحيّ، إقرأْ كُتبي…إقرأْ كُتبي …”
رئيسُ وزراء لبنان يتحدَّث تليفونيًّا بعلبة كبريت بقوَّة داهش[4]
السيِّد حسين العوَيني، رئيس وزراء لبنان السابق، زار الدكتور داهش. وفيما هما يتحادثان، أَمسك داهش علبة عيدان ثقاب صغيرة (علبة كبريت)، وقال له مقدِّمًا إليه علبة الثقاب:
– أَتريد أَن تتحدَّث مع منزلك؟
– وبـِمَ أَتحدَّث؟
فأَجابه داهش:
– بعلبة الكبريت هذه.
فضحك رئيس الوزراء. فقال له الرجل العجيب:
– هيَّا تحدَّث.
وشرع السيِّد حسين العوَيني يتحدَّث مع أَهل منزله بواسطة … علبة الثقاب، وهو في غاية العجب!
لكنَّ أَهل بـيــته لَـم يصدِّقوه بعد أَن أَخبرهم بما حَدَثَ أَمامه، مُقْسِمًا الأَيمان المغلَّظة!
تُرى لو حدثتْ معك هذه الخارقة، أَيُّها القارئ الكريم، أَكان صدَّقك ذووك؟
أَغلب الظنِّ أَنَّـهم ما كانوا ليصدِّقوك أَيضًا، لأَنَّ أَعمال الدكتور داهش وراء حدود العقل، ووراء حدود العِلم، مهما تقدَّم … إنَّـها تكاد تصعق العقل البشريّ بجبروتها!
شخصيَّتان للدكتور داهش تتجسَّدان في آنٍ معًا
جلستُ إلى الدكتور غازي براكْس، وبدأْنا الحديث. فقال لي[5]:
كـنَّا مجموعة لا تقلُّ عن خمسة عشر شخصًا جالسين متقابلين في الممرِّ الواسع الطويل الذي يقود إلى القاعة الكبرى في منزل الدكتور داهش. وكنت جالسًا قبالة رَجُلِ الروح. ورحنا نتحادث. ومرَّ بخاطري كتاب معروف باسم “إنجيل برنابا”، وما كنت قد اطَّلعتُ عليه بعد. فسأَلتُ الدكتور داهش إن كان قد اطَّلع على الكتاب. فإذا به يقول لي:
– هوذا الكتاب.
وبلَمْحِ البصر رأَيتُ “إنجيل برنابا” يتكوَّن بين يدَيه.
ناولَني إيَّــاه وطلبَ إليَّ أَن أُوقِّع اسمي على صفحته الأُولى مع تاريخ اليوم، ثـمَّ أَن يُوقِّع أَيضًا جميع الحاضرين أَسماءهم.
ثـمَّ أَخذتُ أَقرأُ فقراتٍ منه. وبينما نحن في هذه الحال، نهض الدكتور داهش يهمُّ بالدخول إلى القاعة الكبرى التي كان بابها مفتوحاً بجانبي. وفي اللحظة نفسها سمعنا صوته آتيًا من أَوَّل المدخل، أَي على بُـعد حوالى عشرين مترًا، وهو ينادي إحدى الداهشيَّات:
– زينا …
فالتفتنا جميعنا إلى مصدر الصوت … ودُهشنا! إنَّه الدكتور داهش نفسه، ولكنَّه بثياب تختلف عمَّا كان يرتديه قبل ثانيَتَين إذ كان يجلس معنا. ولمع في خاطري وخاطِرِ الكثيرين في الحال أَنَّه لا بدَّ من أَن تكون شخصيَّة من شخصيَّاته وقد تجسَّدتْ بوَمْضَةِ عَين. ونهضنا مسرعين نحوها، وكنتُ في الطليعة. وسار الدكتور داهش – أَو شخصيَّـتـة – إلى غرفة الاستقبال الأُولى، ونحن نتبعه. وما إن وصل إلى وسطها حتَّى اختفى من أَمام أَنظارنا.
وفي اللحظة نفسها، والعجَبُ آخذٌ منَّا، رأَينا الدكتور داهش يخرج من باب غرفة نومه المفتوح على الاستقبال، وكان يرتدي البيجاما، والتعبُ بادٍ على وجهه. فسأَلَـنا مستغربًا تجمُّعَنا وضجيجنا:
– ماذا حَدثَ؟! ومتى جئتم كلُّكم إلى المنزل؟!
وما هي إلَّا دقائق حتّى انجَلَتِ الحقيقة: لقد كان الدكتور داهش مريضًا ملازمًا فراشَه، بينما نحن نظنُّ أَنَّنا مجتمعون به. فمَنْ جالَسْناه وحادَثْناه وتكوَّن “إنجيل برنابا” بين يدَيه بصورة عجائبيَّة إنـــَّما كان إحدى شخصيَّاته غير البشريَّة، ومَنْ نادى “زينــا” وتبعناه ثمَّ توارى فجأَةً عن أَنظارِنا إنــــَّما كان شخصيَّــةً أُخرى من شخصيَّاته العجيبة التي لا تَـخْضَعُ للقوانين الأَرضيَّـــة!
[1] لطفي رضوان: “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش” ط1 (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت، 1979)، ص 22.
[2] “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش”، ص 28.
[3] “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش”، ص 32.
[4] “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش”، ص 190.
[5] “مُعجزات وخوارق الدكتور داهش”، ص 144.
القسم الثاني تحقيقات ومقابلات صحافيّة مع الدكتور داهش ومع شهود ظاهراته الرّوحيّة
تمــهــيــد
لا يخفى على أَحد أَهـمِّـيَّة الدور الذي تلعــبُه الصحافةُ في الأَحداث، سواءٌ منها السياسيَّة أَو الدينيَّة، في كلِّ بلدٍ من بلدان العالَـم. وهو دورٌ ينحو للإيجابيَّة أَو السلبيَّـة بقدر ما تتمتَّعُ به البلاد من حرِّيَّات عامَّة وحرصٍ على تطبيق القوانين، وما يتحلَّى به رجالُ صحافتها من رُوح المسؤولـيَّـة والوعي والشجاعة. فإذا فُقدَت هذه المقوِّمات في أُمَّـةٍ، حادَت الصحافة فيها عن مسارها الصحيح، وتخلَّت عن رسالتها في مُـجاهدة الظلم ونُصرة الحقِّ لتتردَّى في مهاوي التبعيَّـــة والتزلُّف.
والأُممُ الراقية سَعَتْ منذ فجر تحرُّرِها إلى إبقاء صحافتها بمنأًى عن الضغوط السياسيَّة، وأَطلقَت يدَها في إظهار العيوب وانتقاد المساوئ، حتَّى وإنْ كانت صادرةً عن رئيس الدولة نفسه وكبار مسؤوليه، دون أَن تخافَ لَومَةَ لائـم. وما على المسؤول إلَّا التقدُّم لتوضيح الأُمور، إنْ كان مُـحقًّا، أَو الـمُسارعة إلى تقديم الاعتذار، إنْ صحَّت الــتُّهمة الـمُوجَّهة إليه. وقد يُــضطرُّ بعضُهم إلى الاستقالة من مناصبهم، ويتعـرَّضُ بعضُهم الآخَر للمحاكمة وتلـقِّي أَشدِّ الأَحكام.
ولا شكَّ في أَنَّ موقف الصحافة من قضيَّةٍ ما يُـعطي الصورة الحقيقيَّـة عن تلك الصحافة، وعن صواب نـهجها أَو خطــئه. وقد رأَيتُ في قضيَّـة الدكتور داهش المثالَ على ذلك. فلبنان، في تلك الحقبة من تاريخه، كان حديثَ العهد بالاستقلال، وكان يفاخرُ الدولَ المتحضِّرة برقيِّ دستوره وحرِّيَّـة صحافته وبـمشاركته في وضع الشرعة العالَـميَّة لحقوق الإنسان. لكنْ في هذه القضيَّـة ثَـــبُتَ انحيازُ معظم صحافته إلى جانب رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشارة الخوري، وصمْتُ البعض الآخر عن قول الحقيقة فيها. وقد أَطلق الرئيسُ العنانَ لتلك الصحف الممالئة له، كما يقول الداهشيُّــون، فراحت تـُمـعِنُ تشويهًا في سُـمعة الدكتور داهش وكلِّ مَن أَعلنَ إيـمانَه به، بـمـَنْ فيهم ماري حدَّاد، شقيقة زوجة الرئيس، وعائلتها وصهرها. وكان الهدفُ من هذه الحملة الصحفيَّة إثارةَ الرأْي العامّ ضدَّهم، تـمهيدًا لاضطهاد الدكتور داهش والانتهاء من أَمره. وعَمَدَ الدكتور داهش والداهشيُّون على الفور إلى الردِّ على تلك الحملات، فاصطدموا بقرار مديريَّــة رقابة المطبوعات القاضي بـمَنع نشر تلك الردود. وهو قرارٌ اتــــُّخذَ بأَمرٍ مباشر من رئيس الجمهوريَّة ووزير عدلـيَّــته، حبيب أَبي شهلا.
وبالرغم من تجاوزِ رئيس الجمهوريَّة صلاحـيَّاته الدستوريَّـة في قضيَّـة الدكتور داهش، فإنَّ صحافــيًّا واحدًا في لبنان، كما يقول الداهشيُّون، لم يتحرَّك للدفاع عن الرجُل البريء. وقد شجَّع ذلك الرئيسَ وأَعوانَه على التمادي في ظُـلمهم لــيَشمَلَ الشعبَ بأَكمله، بكافَّة طبقاته، فسلبُـوهُ مالَـه وحرِّيـــــَّته وحقوقَه دون أَيِّ وازعٍ من ضمير، الأَمر الذي أَدَّى إلى اشتعال الثورة الشعبيَّـة التي انتهَت بسقوط الرئيس الخوري.
وبعد أَن أَصدرَت حكومة الأَمير خالد شهاب، وهي الحكومةُ الأُولى التي أَعقبــَت الثورة، قرارها الرسميّ بإعادة الجنسيَّة السليـبــَــة إلى صاحبها، عاودَ الدكتور داهش حياته الاجتماعيَّة، فاستحالَت دارتُه في بيروت إلى مجلسٍ جَـمَعَ الكثيرين من المفكِّرين والأُدباء. كما صارت هدفًا لأَهل الصحافة بحيث أَنَّ جميع الــزُّملاء الصحافيِّين الذين التَقَوا داهشًا، وإنْ لم يَـخرجوا مؤمنين بعقيدته، فقد أَجمعوا تقريبًا على أَنَّ الرجُل هو ظاهرةٌ بكلِّ ما تعنيه الكلمة، لا سيَّما وأَنَّه اجترحَ “مُعجزاتٍ” أَمامهم، وَفقَ ما كَــتبَه هؤلاء في صُحُف الخمسينيَّات والستينيَّات والسبعينيَّات. ولعلَّ الأَغرَبَ في هذه الـمعجزات ما حصل مع الزميل حافظ إبراهيم خير الله الذي قام داهش أَمامه، وتحت عدسة الكاميرا، بتحويل ورقةٍ بيضاء إلى ليرةٍ لبنانيَّة، بعد أَن كتب حافظ اسمَه عليها ووضعها في كفِّه وأَطبقَ يدَه عليها. كما قام أَمامه بتحويل 300 ورقة بيضاء إلى 30 أَلف ليرة لبنانيَّة[1] بعد أَن وضعَها حافظ في مُغلَّفٍ تأَكَّد من أَنـــَّه فارغٌ ووضعَه في يَدِه. ويقول أَتباعُه إنَّــه إذا كان البعضُ يشكُّ بأَنــَّـه يقع تحت تأثيرٍ مُعيَّنٍ وإيحاءٍ في جلسته مع داهش، فإنَّ الكاميرا لا يمكِنُ أَن تقعَ تحت تلك التأْثيرات والإيحاءات.
في تلك الحِقبة غدا الدكتور داهش نجمَ الصحافة الأَوَّل في لبنان. وكانت أَخبارُه تملأُ صُحفَ “النهار” و”الجريدة” و”البَيرق” و”الهدف” و”الحريَّة” و”الجهاد” و”لو سوار” و”الدايلي ستار” … ومجلَّات “اللواء” و”الأُسبوع العربيّ” و”صباح الخير” و”الأَحد” و”الدبُّور” و”كلّ شيء” و”ريڤي دي ليبان” و”ماﭼازين” وسواها. وامتدَّت إلى الصحافة المصريَّة وبعض الصحافة العربيَّة، فنقرأُ في مجلَّة “العالَـم العربيّ” المصريَّة عن “أَوَّل قضيَّة ضدَّ رئيس جمهوريَّـة لبنان! الداهشيُّون ومفاسد العهد الماضي في لبنان” وعن “الحقيقة الكبرى في قضيَّة الداهشيِّين ضدّ رجال العهد اللبنانيّ البائد”. ونقرأُ في مجلَّة “عالم الروح” المصريَّة مقالاتٍ متسلسلة للشاعر حليم دمُّوس عن معجزات الدكتور داهش. وتُطالعُنا مقابلاتٌ مع الدكتور داهش في مجلَّة “هذا الأُسبوع” الكويتيَّة وسواها مـمَّـا تيسَّـرَ لي الحصول عليه. وقد اخترت بعضًا من تلك المقابلات والمقالات الصحفيَّة وأَدرجتها في كتابي لـما فيها من فائدة عميمة. فهي تُــتيحُ للقارئ، مثلما أَتاحَتْ لي، أَن يرى صور بعض الـمُعجزات في مـُختلف مراحل حدوثها، وأَن يُصغي إلى الدكتور داهش مباشرةً أَو إلى شهود ظاهرتـــه، الداهشيِّين منهم أَو غير الداهشيِّين.
[1] كانت كلُّ ثلاث ليرات لبنانيَّة آنذاك تساوي دولارًا أَمريكيًّا واحدًا تقريبًا.
الفصل الأوّل تحقيقات صحافيّة
قصَّـــةُ المدَّعي العامّ ديمتري الحايك
نشرت مجلَّة “الدبُّـــور” في عددها رقم 1183،
الصادر بتاريخ 23 شباط 1948، المقالة التالية للشاعر حليم دمُّوس:
ها أَنا أَذكرُ هنا ما جرى أَمامي في 23 أَيـــَّار من عام 1942 فأَقول: الأُستاذ ديـمتري الحايك هو المدَّعي العامّ المركزيّ سابقًا في مدينة بيروت. وقد تسلَّمَ هذا المنصبَ منذ أَعوامٍ طويلة حتَّى عام 1944. وتربطه رابطةُ الصداقة الـمتينة مع الدكتور داهش منذ سنواتٍ عديدة.
والأُستاذ الحايك يعرف أَنَّ الدكتور داهش موهوب قوَّة روحيَّة وله خبرة واسعة في عالَـم الروح.
أَمَّا في خلال الأَشهر الأَخيرة من عام 1942، فإنَّ ضجَّـــةً عظيمةً سَرَت في الأَندية والـمُجتمعات، وهي تــؤكِّد أَنَّ الدكتور داهش يمكنه استحضارَ الأَرواح واجتراحَ العجائب والتحكُّمَ بالـمعجزات والخوارق. وهذا ما جعل المدَّعي العامّ يهرعُ إلى منزل الدكتور داهش في 23 أَيـــَّار 1942، ويجتمع به. وكنتُ بزيارته إذ ذاك مع الشاعر الدكتور حبيب ثابت والسيِّدة إلڤـــيرا لطُّوف، صاحبة جريدة “الـمستقبل” الطرابلسيَّـة، وبعض الإخوان الأُدباء.
وما استقرَّ المدَّعي العامّ في مجلسه حتَّى التفتَ إلى الدكتور داهش قائلاً له بنبراتٍ حادَّةِِ ونظراتٍ لامعة:
– ما هذه الضجَّةُ العظيمة التي أَثـــَرتَـــها يا دكتور في المدينة والجبل؟ وهل حقيقةٌ َأَنَّـه بإمكانكَ استحضارَ الأرواح. وكيف هذا الأَمر؟ وهل ذلك وَهْمٌ أَم حقيقة؟ وهل لك غاية خاصَّة تتوخَّاها من مثل هذه الإشاعات الغريــبة”؟
داهش: أَنتَ تعرفني منذ 18 عامًا، وتتأَكَّد أَنَّـني لا أَتعاطى ولا أُؤمِن بالتنويم واستحضار الأَرواح، وليس لي أَيَّـة غاية كما ترى. أَمَّا من حيث الحدثُ الروحيُّ الجديد، فهو حقيقيٌّ وواقعيّ، ولا بدَّ من حكمة إلهــيَّة أَحــبَّــت أَن تظهره وتعلنه في هذه الأَيــَّام، وإلَّا لما تــمَّت هذه المعجزات التي بلغَت مسامعَك والتي ترافقُ غالبًا الرسالات الروحيَّــة.
ديمتري الحايك: أَنا لا أُؤمن إلَّا بالواقع الملموس، والبرهان المحسوس، فهاتِ برهانك إذا كنتَ تريدني أَن لا أَتــــَّهمك بأَنـــــَّـك تشيع هذا لغايةٍ أَجهلُها. وقد أَتيتُـــك الآن، ليس بصفتي صديقك … كلَّا … بل كمدَّعٍ عامّ يُهمُّني إظهار الحقيقة التي يحــتِّــمُها عليَّ منصبي وواجبي وضميري. وثِـــقْ بأَنَّــك قد خلقتَ بلــبَلَــةً عظيمةً جدًّا في المدينة والقرى. فلا حديث إلَّا حديث داهش، وعجائب داهش، وظاهرات داهش… فهاتِ أَقنعْني، وإلَّا فإنَّني باسم القانون أُحيلُك منذ الغد إلى المحقِّق. وهذا واجبي المفروض عليَّ. والواجب فوق الصداقة.
الدكتور داهش: إذن اجلسْ بجانبي، وحدِّق بعينيَّ جيِّدًا، فإنَّني أُريد أَن أَعقد لك جلسةً روحيَّةً بناءً على رغبتك، ولأُريك الحقيقة كاملة، لا لُـــــبْسَ فيها ولا غموض …
وجلس المدَّعي العامّ … ونظر بعينيه الواسعتَين إلى عينَي الدكتور داهش … وبعد قليل، غرق “الدكتور داهش” في سُباتــه الروحيّ. وإذا بروحٍ تَظهَرُ وتُلقي حجرًا ضخمًا في الغرفة. ثـمَّ هبطَت روح والد الأُستاذ الحايك، وهو الشهيد الخوري يوسُف الحايك الذي استُـشهد بواسطة السلطة التركــيَّة في دمشق، في الحرب السابقة 1914 – 1918، ونُــقل جثمانُه إلى مسقط رأسه في سنِّ الفيل بجوار بيروت منذ سنوات.
فجعل الوالد يحدِّثُ ابنَه ديمتري، ويُلقي عليه بلسان الوسيط النصائحَ الثمينة، ويذكِّره بأُمورٍ خاصَّة يعرفُها وحده، ويطلب إليه أَن يحكم بالعدل وينصر المظلوم على الظالِم …
وهنا طلب الأُستاذ الحايك إلى أَبيه أن يُــعلِمَه عن المكان الذي ذهب إليه اليوم كي يزداد إيمانُه رسوخًا وثباتًا.
فأَجابه والده: إنَّك ذهبتَ اليوم إلى صديقك الطبيب الاختصاصيّ بالأَمراض الجلديَّـــة (وهنا ذكر له اسمَه)، وذلك بخصوص مرض جلديٍّ مستعصٍ ظَهرَ على جسدك بغتَةً (وكان ذلك صحيحًا).
ثمَّ قال له والده: ولكن في منزلِكَ يا ولدي علبة صغيرة فيها نوعٌ من المرهم، إذا دلَّــكْــتَ به جسمك يذهب عنك ما أَلَـــمَّ بك حالاً.
فسأَله الابن: وأَين أَجدُ هذه العلبة يا والدي؟
فقال له: مُــدَّ يدك إلى جيبك، فها إنَّني قد أَتيتك بها الآن لتعرف كم هي قــوَّة الروح وتدركَ شيئًا من أَسرار عالَــم الروح.
فدُهِشَ الأُستاذ الحايك دهشة عظمى عندما أَخرجَ العلبة من جيبه، وخشعَ أَمام هذه المعجزة. ورفع صلاة شكر لله القدير الذي كشف أَمام بصره وبصيرته طريق الحقِّ والنور. ووعدَ روحَ والده الشهيد أَنــَّــه سيسير على طريق الفضيلة التي يرضاها الله ويَقنَعُ ضميرُهُ بها.
وهكذا انتهت هذه الجلسة وقد دخل الإيمان والاطمئنان إلى قلبه. وهنَّــأَ الدكتور داهش بالموهبة التي خصَّــتْه بها العناية.
وعندما فحص قطعة الحجر الذي هبط في الغرفة، أَكَّــد لنا أَنَّــه من الحجارة الموضوعة أَمام منزل شقيقه، الدكتور سليم الحايك، في سنِّ الفيل.
وهكذا دخل الأُستاذ الحايك منزل الدكتور داهش محتجًّا مشكِّكًا كافرًا، وخرج مؤمنًا وخاشعًا لما رأَى ولمسَ وسمع.
كلمةُ صاحبةِ “المستقبل”
ذكرتُ في هذا المقال أَنَّ السيِّدة إلڤــيرا لطُّوف، صاحبة جريدة “المستقبل” الطرابلسيَّـة، كانت في زيارة الدكتور داهش عندما زاره الأُستاذ الحايك.
وقد أَثـــَّرت في نفسها الحسَّاسة تلك الجلسة الروحيَّـــة وما تمَّ فيها من ظاهرات وأَسرار نَشرَتْ خلاصتَها في العدد 183 من جريدتها تحت العنوان الآتي:
“في عالَـم الأَرواح”
” كثيرًا ما حدَّثَنا الأَقدمون، وروى الرُواة عن عجائب “التنويم المغناطيسيّ” وتفــوُّق أَرباب هذا الفنِّ في إتيان المعجزات.
وكنتُ على ريبٍ من كلِّ ما قيل ورُوي إلى أَن جمعتني الصُّدفة بالدكتور داهش، الطائر الشهرة في عالَـم الروح، وضمَّنا معًا مجلسٌ كــنَّا فيه خمسة، بيننا الطبيب والحاكم والصحافيّ والشاعر. وطال بنا الحديث عن عجائب التنويم إلى أَن انتهينا إلى عالَـم الأَرواح.
وهنا أَخذ الدكتور داهش يسرد لنا الوقائع التي صادفها أَثناء تجاربه في مناجاة الأَرواح، ويُــثبتُ معجزاتها بالأَدلَّة الملموسة والبراهين المحسوسة.
وكان بيننا من صدَّق الخبر وآمنَ بظهور الأَرواح، وآخَر مَن ساير في التصديق، وغيره مَن أَصرَّ على القول بأَنَّ هذا ضرْبٌ من الوَهم إلى أَن حمل الدكتور داهش على القيام بجلسة روحيَّة، واختلى معه الموظَّف المشكِّك في غرفةٍ ثانية.
وبعد قليل سمعْنا دويَّ حجارةٍ تتساقط في صحن الغرفة. فأَسرعنا نستطلع الخبر، فرأَينا الحجارة مبعثرةً هنا وهناك.
وكان الدكتور داهش جالسًا على مقعدٍ، معصوبَ العينين، يتكلَّم بهدوء ووداعة، ورفيقه المدَّعي العامّ بالقرب منه يصغي ويجيب على كلِّ سؤال يوجَّه إليه باسم الأَرواح العُلويَّــة، وهو مأْخوذٌ بالدواء الذي وجده في جيبه، وبالمعجزات التي بَدَتْ له، والتي خرج منها مؤمنًا”.
وختَمتْ الصحافــيَّــة اللبنانــيَّــة “ابنة الشمال” مقالَـها الرصين بالفقرات الآتية:
“…وكانت في تلك الجلسة معجزاتٌ شاهدناها بأُمِّ العين نقف عن ذِكرها الآن، تاركين الدكتور داهش يواصل مهمَّته الروحــيَّة التي واظب على دَرْسها وتتَـــبُّعِها منذ كان يافعًا …
وهو إلى ذلك أَديب. وله مؤلَّفاتٌ عديدة أَودعَها شعورَه وتَـخـُّيلاتِه في العالَـم الفاني وعالَـم اللانهاية. وهذا نتركه إلى الرأْي العامِّ الـمُطَّلِع والـمتــتبّــِع تجاربه أَن يقول كلمته الأَخيرة فيه، على أَن نعود إلى هذا الموضوع الخطير والبحث الممتع في فرصة أُخرى.”
قصَّةُ أُوليڤر
نشرت مجلَّة “الدبُّور” في عددها رقم 1193،
الصادر بتاريخ 3 أَيّاَر 1948، المقال التالي للشاعر حليم دمُّوس:
في العاشر من شهر كانون الثاني من عام 1944، عُقدت جلسةٌ روحيَّة في منزل الدكتور داهش. وكانت جلسةُ ذلك اليوم التاريخيّ عامرةً بـمَن حضرها من داهشيِّين ومن زائرين مشاهدين، وكانت غريبةً بما تـمَّ فيها من ظاهراتٍ باهرات.
ويُحسن بي أَن أَذكـــرَ أَسماء الأَشخاص أَو بالحريِّ أَسماء مَنْ أَزال أَذكرهم. فقد حضرها كلٌّ من الدكتور جورج خبصا، السيِّد جورج حدَّاد، السيِّد جوزف حجّار، الأَطباء: شاهين صليبي، نجيب العشِّي، فريد أَبو سليمان، المحامي الأُستاذ إدوار نون، السيِّد ناصر رزُّوق، سكرتير القنصليَّة العراقــيَّة في بيروت، السيِّد بولس فرنسيس، السيِّد أَمين نـمْر بشارة، صاحب فندق شاغور حـمَّـانا، المستر دانيال أُوليڤر الإنكليزيّ (من رأْس المتن) ، الشيخ منير عسيران، رئيس الطائفة الشيعيَّة في بيروت، الدكتور توفيق إبراهيم رزق، الجرَّاح المعروف، الدكتور أَنطوان جدعون، ” كوميسار” (مفوَّض) البوليس شريف البيضاوي، السيِّدة روز صليبي، السيَّد جورج نجَّار، السيِّد طانيوس مجدلاني، وسواهم من زائرين وزائرات وإخوة وأَخوات حتَّى غصَّت بهم الغرفة، واضطرَّ كثيرون أَن يبقوا وقوفًا أَو يجلسوا في الغرفة المجاورة .
“وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا عُقدَت الجلسة الروحيَّة، فارتعش الدكتور داهش بالروح، والجميع سكوتٌ كأَنَّ على رؤوسهم الطير … وإذا الروح تخاطب الحضور بلسانه قائلةً:
– مَن يريدُ شيئًا فليطلبه.
وإذا المستر أُوليڤر يقول للروح الزائرة:
– بما أَنَّ الحرب العالَـميَّة قائمة على قدمٍ وساق، فإنَّ الإعانات المالـيَّـة التي كانت تُرسَل إليَّ لأَجل الـمَيتم من أَميركا لم تصلني منذ أَكثر من عامَين، بسبب عدم وجود مواصلات مضمونة. لهذا أَطلب من الروح أَن تساعدني وتستحضر لي مبلغًا من المال المرصود في الجمعيَّة في أَميركا كي أَستطيع الاستمرار في إيواء الأَيتام في مدرستي برأْس المتن. وإنَّني على استعداد لأَن أُسدِّد المبلغ الذي يأْتيني عندما أَتمكَّن من ذلك.
وما كاد ينتهي المستر أُوليڤَر من كلماته هذه حتَّى قالت له الروح الزائرة:
– إذن، مُدَّ يَدَك إلى أَيِّ جيبٍ من جيوبك فتجد مطلوبك …
وهنا شاهدنا أَنَّ المستر أُوليڤَر قد اضطرب قليلا ًواختلط الأَمر عليه من تأْثير هذه المفاجأَة، ونظر إلى الدكتور داهش مبهوتًا مرتبكًا دون أَنْ يحرِّك يده أَو يضعها في جيبه. وإذا بالدكتور يقول للأُستاذ نون القريب من أُوليڤَر:
– هيَّا وأَخرج أَنت له الأَوراق المالــيَّــة من جيوبه على مشهد من الجميع. …
وهنا أَدخل الأُستاذ نون يده في جَيب السيِّد أُوليڤَر وأَخرج منها كَدْسةً من القراطيس والأَوراق المالــيَّة من فئة المئة ليرة.[1] ثـمَّ أَدخلَ يده إلى جيبٍ آخَر، وإذا بكَدْسة ثانية، وهكذا رزمة ثالثة فرابعة من الأَوراق النقديَّـة.
وطُلب مِن الأُستاذ نون ومَن حوله أَن يـُحصوا المبلغ، فكان 23 أَلف ليرة سوريَّة.[2] فدُهش الجميع من هذه الظاهرة الباهرة وأَخذوا ينظرون إلى داهش متعجِّبين مَبهوتِين …
ولَـم يكْتفِ المستر أُوليڤَر بطلبه الأَوَّل، بل طلبَ من الروح أَن تستحْضر له دبُّوسًا ثمينًا كان قد نُشِلَ منه وهو قادمٌ في القطار الكهربائيّ، وذلك منذ عدَّة أَيــَّام، فكان له ما أَراد إذْ استُحضِرَ له الدبُّوس في الحال، ووضَعه في مكانِه.
وفي هذه الجلسة حدثَتْ عدَّة ظاهرات لبعض الموجودين أَتجاوزُها الآن لأَنَّ ظاهرة المستر أُوليڤَر كانت حديث الجميع، ولذلك اكتفيتُ بتدوينها.
مقالةُ الصحافيّ التــائــه
وكانت نتيجة هذه الجلسة العجيبة أَن تناقل أَنباءها الغريـبة كلُّ مَن حضرها ومَن سمع بها في بيروت وسواها، فضجَّت الأَندية والمجتمعات بها، وراحت الأَلسنة ترويها كما تشاء لها ميولها وأَغراضها العديدة المختلفة. ونشرت أَخبارها أَكثرُ الصحف اليوميَّة والأُسبوعيَّة، نقلاً عن الذين حضروا تلك الجلسة الروحيَّة. وها نحن ننشر بعض ما وَردَ في جريدة “الصحافيّ التائــه” بتاريخ 15 كانون الثاني 1944، بقلم صاحبها الظريف، قال:
27 ألف ليرة للمستر أوليفر
يراها عشرات الملاحظين تحترق بالنار
يقول الأُستاذ المعروف إدوار نون:
– لماذا لا يذهب أَهل العلم للدكتور داهش ويقولون لنا: ما هذه المدهشات التي يعملها؟ ولماذا لا تذهبون أَنتم فترون المعجزات بدلاً من أَن تقضوا أَوقات الفراغ بلعب الورق أَو شرْب العَرَق؟ …
ولَمَّا سأَلناه ما هي هذه المعجزات، قال:
– داهش يعرف كلَّ شيء، ويُريك كلَّ شيء … ويقول لك كلَّ شيء …فهو يقرأُ ما في فكرك، ويدلُّك على الضائع، ويطمئـنُك عن الغائب … ويساعدك للقبض على السارق، وينــبِّهُك على الخطر، ويُريك السعادة والسَّعة، ولكن بقوَّة غريبة ونباهة كاملة.
هكذا تحدَّث الأُستاذ نون …
والأُستاذ نون من أَكبر المحامين الحكماء في هذا البلد …
وهكذا يتحدَّث غير الأُستاذ نون من رجال الحصافة والصحافة والمعرفة. ومن تلامذة الدكتور داهش اليوم المستر دانيال أُوليڤَر. وهو أَيضًا عالِـمٌ علَّامة ورجلُ حكمةٍ ورصانة.
ويتحدَّثون أَنَّ الدكتور داهش قال للمستر أُوليڤَر في جلسةٍ روحيَّـة:
– افتح محفظتَك تجدْ فيها 27 ألف ليرة …[3]
وفعل المستر أُوليڤَر ووجد المبلغ في محفظته التي لَـم يكن فيها قبلاً غير خمسين ليرة.
وخاف المستر أُوليڤَر على نزاهته واستقامته، وقال:
– قد يكون هذا مال حرام فلا أَستطيع حمله…
وأخذ الدكتور داهش المال، وأَحرقه بكامله أَمام الحضور من دعاته وزائريه وتلاميذه.
وهكذا يزداد حديث الدكتور داهش نموًّا وانتشارًا واتِّساعًا. والأُستاذ حليم دمُّوس يسمِّيه اليوم (المسيح الجديد). وقلَّما في البلد مجلسٌ لا يقصُّ حكاياتٍ غريبة صحيحة أَو مخترَعة عن الدكتور داهش.
وكنَّا قُلنا في عددنا الغابر أَنَّ المعارضين في المجلس النيابيِّ التجأوا إلى الدكتور داهش، طالبين منه مساعدتهم ضدَّ الاستقلال ورجاله. وعرفنا اليوم أَنَّ الدكتور داهش قال لهم أَخيرًا إنَّ رسالته “رسالة إصلاح” لهذا فهو فوق جميع هذه الأُمور.
بيروت، 15 كانون الثاني 1944 “الصحافيّ التائه”
إسكندر الرياشيّ
ظاهرة 20 كانون الثاني 1944
يتابع الأُستاذ حليم دمُّوس سرد الظواهر التي شهدها فيقول:
بتاريخ 20 كانون الثاني من عام 1944، حضر الأُستاذ إسكندر الرياشي، صاحب جريدة “الصحافيّ التائـه” إلى منزل الدكتور داهش، وبصحبـته الشيخ منير تقيِّ الدين. وحين وصولهما كان الدكتور داهش غائبًا عن المنزل.
قصَّــةُ العصافير
فجلستُ أَنا والأَخ الأُستاذ يوسُف الحاجّ نحدِّثهما عمَّا شاهدناه من الظاهرات الرائعة. فتمنَّى الزائران لو يشاهدان ظاهرةً واحدة فقط.
وبينما نحن نتجاذب أَهداب الحديث، حضر الدكتور داهش، فكان سرورهما شديدًا بعد ذلك الانتظار، وطلبا إليه أَن يمكِّنهما من مشاهدة أُعجوبــة واحدة بعد أَن سمعا عن أَعماله الشيء الكثير.
فتناول الدكتور داهش ورقةً بيضاء، ورسم عليها الرمز المقدَّس، ثـمَّ كتب تحت الرمز هاتَين الكلمتَين: “لتنطلق أَرواحها”. ثـمَّ نظر إلى حائط الغرفة، وكان عليه رَسْمٌ فنــــــِّـــيٌ يمــثُّـل امرأَةً حسناء تحمل جرَّةً من الخَـــزَف وطيورًا تحوم حول كـتفَيها وباقاتٍ من الأَزهار تحفُّ بها. فتمعَّن الدكتور داهش بالرسم جيِّدًا، ثـمَّ أَخذ أَربع قِطَع من الورق، فكتب على الأُولى (امرأَة)، وعلى الثانية (أَزهار)، وعلى الثالثة (جرَّة)، وعلى الرابعة (الطيور)، أَي أَنَّــه كتب ما هو مرسوم في تلك اللوحة الزيتــيَّة المعلَّقة.
وعندما انتهى من الكتابة، طوى الورقات الأَربع بعناية، ثـمَّ خلطها بين راحتَيه خلطًا جيِّدًا، وأَلقى أَمام الشيخ منير تقيِّ الدين، وقال له:
– انتخب الورقة التي تريدها، فإنَّ المعجزة ستـتـمُّ بعد انتخابك الورقة.
فتناول الشيخ منير إحدى الورقات المنثورة أَمامه وفتحها، فكان المكتوب عليها كلمة (الطيور). فقال له الدكتور داهش:
– لقد سبق وكتبت تحت (الرمز المقدَّس) عبارة “لتنطلق أَرواحها”؛ وها أَنت الآن قد سحبت، بطريقة القُرعة، هذه الورقة، فإذا المكتوب عليها “الطيور”. فإذا ضمَمْتَ ما كتبتُه أَنا إلى الكلمة التي انتخبتَها أَنت، تكون الجملة قد أَصبحَت هكذا:
“الأَطيار لتنطلق أَرواحها”؛ وما دام الأَمر كذلك، فانظر إلى القفص الذي يضمُّ العصافير لتتأَكَّد وصديقك الصحافيّ من حدوث المعجزة …
فتوجَّها مع الدكتور داهش إلى حيث القفص، وحذا حذوَهما جميع الحاضرين، وإذا بنا نشاهد العصافير الثلاثة قد أَصبحَت في عالم الأَموات، وكـلٌّ منهما وضع رأْسَه الصغير تحت جناحه اللطيف بعد أَن انطلقَت روحُه إلى العالَـم المجهول.
فدُهش الصديقان مثلما دُهشنا.
إذ ذاك التفَتَ الدكتور داهش إلى الزائـرَين اللذَين سبق أَن سأَلاه تُـــرى ماذا يكون جوابُــه لو بدأَتِ السلطةُ بتنفيذ حملةٍ اضطهاديَّة ضدَّه، وقال لهما:
– وهكذا نفعل بالرجال الظالمين.
ولَــم تنتَهِ الأُعجوبة عند هذا الحدّ.
فبعد ظُهر اليوم، وبحضور الأُستاذ إدوار نون، عُقدت جلسة روحيَّة طلبنا فيها من الدكتور داهش أَن يعيدَ الحياةَ إلى العصافير. فكتبَ رمزًا مقدَّسًا ثـمَّ أَلقاه على القفص، فإذا بالعصافير الـمَيتة تهبُّ فجأَةً، وتعود تغرِّد كسابق عهدها، مالئــةً جوَّ المنزل بهجةً وطربًا. وسبحان الخالق الـمُحيي الـمُميت، والـمُميت الـمُحي!”
حَولَ الدكتور داهش
تحت هذا العنوان نشرت مجلَّة “كلُّ شيء” في عددها رقم 648،
الصادر بتاريخ 4 آذار 1967، هذا المقال للصحفيِّ الأُستاذ وفيق العلايلي:
رغم مَيلي إلى العلوم الروحانيَّة، ورغم قراءتي لمئات، بل لآلاف الكتب في هذا الموضوع، ورغم معرفتي بكلِّ العاملين في هذا الحقل، ورغم صداقتي للدكتور الإنسانيِّ الصديق جورج خبْصا، فإنّي لم أُقابل الدكتور داهش إلَّا في هذا الأُسبوع.
والحقيقة أَنّيِ لا أَعرف سبب هذا التأْخير، سوى أَنَّ الظروف هي التي كانت السبب في ذلك.
وعندما قابلتُه هذا الأُسبوع، ظهر لي بابتسامته الرقيقة ووجهه البشوش، وبساطته الطبيعـيَّـة، وعدم التكلُّف الظاهر بوضوح.
وقد قام أَمامي بعدِّة عمليَّاتٍ لم أَستطع أَن أَجد لها تفسيرًا عمليًّا، رغم نباهتي في هذا الموضوع، ورغم تفتُّح ذهني ويَقَظتي التامَّة.
والحقيقة أَنّي لم أُشاهد أَحدًا قَـبـْلَه يقوم بمثل هذه الأَعمال، رغم معرفتي للكثيرين قَــبْلَه في هذا الميدان.
والدكتور داهش يؤمن بالروح إيمانًا كـــلِّــــيًّا، ويقول إنَّها الطريق إلى الإيمان بالله، وبخالق هذا الكون. كما يؤمن بنظريَّة التقمُّص الفلسفيَّة التي تقوم على أُسسٍ علميَّة ودينيَّة ثابتة.
وأَنا أَستطيع أَن أَجزم بأَنَّ الدكتور داهش ليس بمشعوذ وليس بدجَّال، كما يدَّعي بعض المغرضين، لأَنَّــه لو أَراد جمْعَ ثرواتٍ طائلة بالأَشياء التي رأَيتُها من على مسارح أُوروبا والعالَـم، لركض إليه بالمال وتدفَّــقَت عليه العطايا.
وهو يقول إنَّ هذه الظواهر الروحيَّة التي يشهدُها المقرَّبون ليست إلَّا برهانًا أَكيدًا على قـوَّة الروح وسُـموِّها، وتأْكيد وجودها في عصرٍ طَغَت فيه المادَّة على كلِّ شيء.
ويزيد قائلاً إنَّ هذه الظواهر الروحيَّة تزيد المسلم إيمانًا بقرآنه، وتزيد المسيحيّ إيمانًا بإنجيله، وتزيد اليهوديّ إيمانًا بالتوراة.
ويؤمن الدكتور داهش بأَنَّ الكواكب كلَّها مسكونة ومأْهولة ببشر قد تختلف مناظرهم وأَشكالهم عنَّا، نظرًا لاختلاف العوامل الحيويَّة والطبيعيَّة.
ويقول إنَّه إذا كان سكَّان القارَّات عندنا يختلفون في الشكل والمنظر وهم على كوكبٍ واحد، فكم بالـحَريِّ هؤلاء الذين يعيشون على الكواكب والأَفلاك الأُخرى.
فسكَّان إفريقيا سود، وسكَّان آسيا صُفْـر، والباقون بِيض، وكلُّهم يختلفون في الشكل والمنظر.
إنَّ الله القوَّة الخالدة، فهو هذا الذي يرعى مئات المليارات من النجوم والكواكب التي تسير بدِقَّــة عجيبة غريبة تؤكِّـد وجود الخالق الجبَّار؛ هذه الدقَّة التي لم تضطرب لحظةً واحدة منذ ملايين السنين.
وبعد … إنَّ العالَـم مليءٌ بالأَشياء الغامضة المجهولة، وبالطلاسم والأَلغاز التي لا نستطيع أَن نجد لها تفسيرًا.
ولا شكَّ أَنَّ الدكتور داهش يملك قــوَّةً روحيَّة لا شكَّ فيها. أَمَّا ما هي هذه القوَّة، وما هي حدودها، وتأْثيرها، فإنَّنا ندخل عندئذٍ في عالَـم المجهول الذي لا نستطيع أَن نلِـمَّ بطلاسمه.
[1] كانت كلُّ ثلاث ليرات لبنانيَّة آنذاك تساوي دولارًا أَمريكيًّا واحدًا تقريبًا.
[2] كان النقد مُوَحَّدًا آنذاك بين سوريا ولبنان.
[3] الحقيقة أَنَّ مجموع المبلغ الذي استُحضر روحيًا هو 23 أَلف ليرة. وقد ظهر في جيوب المستر أُوليڤَر وليس في محفظته.
الفصل الثاني مقابلات صحافيّة
مع الدكتور داهش
وشهود ظاهراته الروحيّة
هذه السيّدة استردَّت في جلسةٍ روحيَّة
خاتمًا برلنت بقيمة 2000 ليرة،
وهذه الطفلة وُلدَت في ظروفٍ تنبَّــأَ بها الدكتور داهش
تحت هذا العنوان نشرَت مجلَّة “اللواء “في عددها رقم 75،
الصادر بتاريخ 5 حزيران 1964، المقابلة الآتية:
هذه هي العمليَّة الروحيَّة رقم 2 التي تسجِّــلُها “اللواء” للدكتور داهش.
إنَّ العمليَّة الخارقة هذه المـرَّة تترك مدير اليانصيب في أَمان، ولا تحرق أَعصابه، بل تعيد إلى سيِّدة من كرام الأُسَر البيروتــيَّة خاتمًا من “البرلَنت” ثمنه حوالى الأَلفي ليرة لبنانيَّة،[1] بعد أَن ضاع منها، ودقَّت أَبوابَ المنجِّمين والفلكــيِّــين وضاربي الـمَندل طوال عام كامل دون أَن تستعيد الخاتم الضائع، حتَّى التقَت بالدكتور داهش، فعاد إليها الخاتم، وحظــيَت بنبوءةٍ لابنة شقيقتها فوق مستوى البشر!
السيِّدة هي فاطمة، قرينة محمود البلطجي رجُل الميناء المعروف.
إنَّها هي التي تذيع سرَّ الجلسة الروحيَّة العجيبة!
هذا الحديث كان في منزل محمود البلطجي الفخم المطلِّ على الشاطئ. وكون صاحب الحديث من عائلة ميسورة، وعريقة الأَصالة، فإنَّ لكلِّ كلمة تخرج من شفتَيها في هذا الموضوع قيمةً واعتبارًا، خصوصًا وأَنـــَّها تقول إنَّ الدكتور داهش رفض أَن يتقاضى منها أَيَّ مبلغ؛ غَضِبَ وهو يسمعها تُحدِّثُه عن المادَّة!
تقول فاطمة البلطجي:
– انظروا إلى هذا الخاتم الذي في يدي الـيُمنى، إنَّه عزيزٌ على نفسي، ولذلك تطـيَّرتُ وتشاءمتُ كثيرًا حينما ضاع منّي صيف عام 1960، ولم أَترك وسيلةً للتحقيق في طريقة اختفائه إلَّا ولجأْتُ إليها. حقَّقتُ مع الخدم، مع الطـبَّاخين، مع البــوَّاب، دون أَن أَهتديَ إلى أَثر!
وتتوقَّف فاطمة عن الكلام حتَّى تستعيد الذكريات كما حدثَت، ثـمَّ تتابع قائلةً:
– ولا أُخفي عليكم بأَنَّـني بعد ذلك لم أَرضَ بفقدان الخاتم، بل اتَّصلتُ بالكثيرين من العــرَّافين والمنجِّمين، منهم فاطمة الفلسطينيَّة. وكانوا جميعًا ينثرون عليَّ الوعود، وأَنثـرُ عليهم ما تيسَّر من النقود، حتَّى قطعتُ الأَمل من مساعدتهم، واكتشفت أَنـــَّهم ليسوا في مستوى إعادة الخاتم، ولا أَيَّ شيء آخَر، ولم يعُد أَمامي إلَّا الدكتور داهش الذي أَسمعُ عن كراماته وعلمه الروحانيّ منذ زمن بعيد. ولكن كيف الوصول إلى الدكتور داهش؟ فالرجُل بلا عنوان، وجلساته الروحيَّة تُعقد كالقضاء والقدَر، دون سابق إنذار …
وقد أُتيحَت لي في النهاية فرصة الاجتماع به عن طريق أَحد الأَقارب.
ونـثـبِّت هنا الحوار الذي دار بين السيِّدة وبين الدكتور داهش …
سأَلها العالـِم الروحانيّ:
* هل أَنتِ واثقة من أَنَّـني أَستطيع أَن أُعيد إليك الخاتم؟
قالت: كلُّ الثقة!
* وهل تؤمنين بقوَّة الروح؟
– كلُّ الإيمان …
* يا أُخت، إنَّ إرجاع هذا الخاتم أَو عدم إرجاعه أَمرٌ بيَدِ الروح، ولا تأْتي الروح بهذه الخوارق المادِّيَّــة التي هي فوق العلم والناموس الطبيعي إلَّا لإثبات خلودها وعدم فنائها بفناء الجسد. فإذا تبدَّى للروح أَنَّ هناك فائدة روحيَّة من الظاهرة المادِّيَّــة أُعيدَ إليكِ الخاتم بكلِّ سهولة. ولكن يجب إرجاء ذلك إلى أَوَّل جلسة روحيَّة نعقدُها فنسأل عندئذٍ إذا كان بالإمكان إعادة الخاتم!
ومرَّ على ذلك اللقاء خمسةَ أَشهر كانت فاطمة تتردَّد خلالها على الدكتور داهش، وتسأَله في التلفون عمَّا جدَّ من أَمر الجلسة الروحيَّة، حتَّى كان يوم اتَّصل بها ودعاها مع زوجها محمود البلطجي وعدد من الأَقارب إلى حضور جلسة روحيَّــة تُعقد خصِّيصًا لها ولأَقاربها. وكان من حضور الجلسة الجديدة كلٌّ من: فاطمة وزوجها محمود البلطجي وابنه علي وصلاح وحسن البلطجي ووفيق زنتوت والدكتور فريد أَبو سليمان.
وكانت الجلسة بتاريخ 20 آب من عام 1961!
عودةُ … الخاتم!!
صحيح أَنَّ الحادثة ليست حديثة العهد، ولكنَّ قــوَّتها في أَنَّها تُذاع لأَوَّل مرَّة على لسان السيِّدة التي انعقدَت من أَجلها الجلسة الروحيَّة، في وقتٍ أَخذَت فيه مديريَّــة اليانصيب الوطنيّ تشكِّك في قــوَّة الدكتور داهش، وتــتَّهمه بالشعوذة، وتُهدِّدُه بإقامة الدعوى عليه بتهمة التشكيك في أَوراق اليانصيب، ثـمَّ تتراجع عن إقامة الدعوى عليه حتَّى لا تتسبَّب في توريط إثنَين من كبار قضاة قصر العدل كانا من حضور الجلسة التي تحوَّلَت فيها ورقة اليانصيب الخاسرة إلى ورقة يانصيب رابحة!
لم يكن الدكتور داهش في حاجة إلى وسيط. بل كان هو نفسُه الوسيط، بعد أَن تمَّ احتلاله روحيًّا – والتعبير للدكتور فريد أَبو سليمان، رفيق الدكتور داهش. وبعد محاورة ودِّيَّــة للدكتور داهش، والكلام هنا لفاطمة البلطجي نفسها، سمعته يصرخ:
– أَنا لست داهش … أَنا آخَر!
ومضت فاطمة تقول:
– ثـمَّ تلفَّتَ الدكتور داهش إلى زوجي محمود وقال له: “افتحْ كفَّك جيِّدًا،” ففعل، ثــمَّ قال له: “اقفلْها جيِّدًا”، ففعل. ثمَّ ضرب له يده المطــبَــقة وقال له: “الآن افتحْها”. ولمَّا فتح زوجي يده، غارت عيوننا في وجوهنا. فقد كان الخاتم الضائع فوق كفِّه. وقد ظلَّ زوجي يشكو من أَلـمٍ في يده نتيجة ضغط الخاتم على راحته المقفَلَة من الداخل. وكان أَن آمنَّا جميعًا بقوَّة الدكتور داهش الخارقة، بعد أَن وجدنا أَنفسنا أَمام ظاهرة ليست كباقي الظواهر!
ولكن هل هذا كلُّ شيء تعرفه فاطمة البلطجي؟
أَبدًا …إنَّ هناك نبوءة لا تقلُّ أَهـمّـِـــيَّة عن الجلسة الروحيَّـة …
والنبوءة تكاد تكون متَّصلة بقصَّة الخاتم من بعيد!
فما هي هذه النبوءة؟
في فترة الخمسة أَشهُر التي تردَّدَت خلالها السيِّدة فاطمة على الدكتور داهش، قبل عقدِ الجلسة الروحيَّة اصطحبَتْ معها ذات مرَّة ابنة شقيقتها وضُــرَّتها السيِّدة “رويدة”، وكانت حاملاً في شهرها السابع، فسأَلته:
– قل لي يا دكتور، ماذا ستُنجب رويدة؟
وابتسم الدكتور داهش، وأَجاب:
– يا أُخت، هل يُسأَل البشَر هذا السؤال وما أُوتوا من العِلم إلَّا قليلاً؟
قالت: بالله عليك يا دكتور، خبِّرْنا!
واعتذر الدكتور داهش عن إجابة طلب السيِّدة. ولكنَّه في اجتماع آخر كتب لها [على] ورقة صفراء اللون، ولـفَّها جيِّدًا، ثـمَّ طلب منها أَن تضعها داخل قماشة، ثـمَّ تخيطها بالإبرة، ثـمَّ تحتفظ بها، ولا تضيِّعها، على أَساس أَنَّها تــتَّصل بموضوع إعادة الخاتم!
النبوءةُ الخارقة!
واقترب موعد وضْع السيِّدة “رويدة”.
ونقلوها إلى مستشفى الدكتور فؤاد طراد، فإذا هو متغيِّب عن البلاد، لكنَّ ولده الطبيب كان هناك، وكان يستطيع أَن يقوم بالمهمَّــة، إنْ آلام المخاض اشتدَّت على الأُمِّ الحامل، وتعسَّـرَت الولادة. وفي هذا الوقت جاءَ مَن يقول إنَّ الدكتور فؤاد طراد يصل إلى بيروت بالطائرة ليلاً، فانتقل محمود البلطجي وأَقرباؤه إلى المطار ليحملوا الطبيب على جَناح السرعة إلى مستشفاه، ويقوم بعمليَّة التوليد العسيرة. فلمَّا وصل المستشفى، سارع إلى نزع ثياب السفر، ورجا أَفراد العائلة أَن يعودوا إلى المنزل، لأَنه لن يُجــريَ الولادة في تلك الليلة، بل سيُرجئها إلى الصباح. ثـمَّ حقَنَها بإبرة من شأْنها أَن تخفَّف وطأَة الأَلم!
وانصرف الجماعة من المستشفى، وكانت الساعة الواحدة والنصف صباحًا …
وفي الوقت الذي كانوا في الطريق إلى المنزل، كان الدكتور طراد يُـجري عملـيَّة توليد رويدة البلطجي، فتضع طفلة في جمال الملائكة! وفي الصباح وصلَت فاطمة البلطجي إلى المستشفى، وبادرَت، بعد تقبيل الوالدة والمولودة، إلى الاتِّصال بالدكتور داهش، وأَخبرته بأَنَّ “رويدة” وضعت طفلة جميلة، فسأَلها أَن تُـخرج الورقة المغلَّفة بالقماش، وتفتحها، ثـمَّ تقرأَها. فلمَّا فعَلت، عقدَتِ الدهشةُ لسانَـها، وسقطت سمَّاعة التلفون من يدها …
فهل تعرفون ماذا كان في الورقة؟
لقد حَوَتِ الورقة العبارات التالية: “في صباح أَوَّل حزيران 1961 ستحلم عنِّي السيِّدة رويدة بأَنـــَّني زرتهم في منزلهم، وتصدَّرتُ الصالون، وفي فجر 2 حزيران وحوالى الساعة 2 منه ستلد رويدة بعد آلام المخاض طفلة جميلة. وأَنتِ يا فاطمة لن تحضري حوالى الساعة الواحدة ونصف بعد وضع الطفلة لأَنَّك ستغادرين المستشفى منتصف الليل. ولكي يخفِّف الطبيب آلام المخاض سيعمل لرويدة إبرة، أَي الدكتور فؤاد طراد؛ كما إنَّ زوجة أَحمد وزوجة يوسُف ستغادران المستشفى معكِ قبل أَن تلد رويدة …”
وقد سأَلْنا الدكتور أَبو سليمان، رفيق الدكتور داهش:
– أَوليس هذا كُــفْــرًا؟ فالقرآن الكريم يقول إنَّ الله عنده عِلْمُ الساعة، ويُــنزل الغيث، ويعلمُ ما في الأَرحام، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، ولا تدري نفسٌ بأَيِّ أَرضٍ تموت. إنَّ الله عليم خبير.
قال الدكتور أَبو سليمان:
– ومَن قال لكم إنَّ الدكتور هو الذي عَلِمَ ما في الأَرحام؟ إنَّها الروح، والروح هي من عند الله، والآية القرآنــيَّــة تقول: ويسأَلونك عن الروح، قل الروح من أَمر ربِّي، وما أُوتيتم من العلم إلَّا قليلا!
وغاب عنَّا الدكتور داهش …
ولم نعد نعثر له على أَثــَـــر …
بشير العُثمان يفوزُ عن عكَّار ويُحرزُ 11856 صوتًا
بنبوءةٍ من الدكتور داهش
تحت هذا العنوان نشرت مجلَّة “اللواء” في عددها رقم 76،
الصادر في حزيران 1964، المقابَلة الآتية:
كلُّ الدلائل كانت تشير إلى أَنَّ بشير العُثمان سيفوز بالمقعد النيابيِّ عن عكَّار في انتخابات 5 نيسان الفائت، بعد أَن تفرَّق سليمان العلي وعلي عبد الكريم، حليفا الأَمس، في لائحتَين، ولكنَّ أَحدًا من الناس لم يكن ليعرف كم هو عدد الأَصوات التي سينالها بشير العثمان في تلك الانتخابات!
إلَّا أَنَّ الأُعجوبة الخارقة كانت هناك في محفظة نقود بشير العُثمان نفسه …
نائب عكَّار ووزير البريد والبرق سابقًا، بشير العُثمان، صديق الدكتور داهش منذ عام 1959، ولكنَّ أَواصر الصداقة لم تشتدّ بينهما إلَّا في عام 1961. وهو حين خاض انتخابات 1960، لم يكن يتبادل الزيارات بينه وبين العالـِم الروحانيّ، وكانت حساباته يومذاك تؤكِّد أَنَّــه سيفوز بالنيابة بعدد من الأَصوات أَكثر بكثير من الأَصوات التي أَحرزها هذه المــرَّة، فإذا النتائج تمنح المقعد النيابيَّ لكلٍّ من خصمَيه سليمان العلي وعلي عبد الكريم، ويبقى هو خارج البرلمان!
تغيَّرت المقاييس الانتخابيَّة في دورة 1964 …
فقد استعاد الرجُل عددًا من المناطق التي سقطت في أَيدي خصومه وكانت الحسابات هذه المــرَّة أَكثر دقَّــةً من حسابات عام 1960.
سلاح …المال
لكنَّ الموضوع ليس هنا …
إنَّه هناك، خلال اليوم الذي خطر فيه لبشير العثمان وزوجته السيِّدة عواطف أَن يمرَّا على منزل الدكتور داهش قبل أَن ينتقلا إلى عكَّار، وكان التاريخ السبت 29 شباط 1964!
ولم يكن الدكتور داهش لحُسن المصادفة خارج المنزل كعادته، بل كان داخل إحدى الغرف يطالع في أَحد الكتب …
الساعة تدقُّ النصف بعد الرابعة مساءً …
الدكتور داهش يسارع إلى استقبال زائريه، ويقول إنَّه سعيد بهذه الزيارة، فتفتح عواطف العثمان موضوع الانتخابات التي ستجري في عكَّار يوم 5 نيسان، وتقول إنَّ هذه الانتخابات تأْخذ منهما كلَّ الوقت، لا سيَّما وأَنَّها ستشهد صراعاً انتخابيًّا لم يمرّ على عكَّار قبل الآن. ويسأَل الدكتور داهش صديقه بشير العثمان:
– كيف شايف؟؟
فيقول بشير:
– لابدَّ من التحسُّب للمفاجآت، وإن كنتُ على العموم واثقًا من أَنَّ عكَّار لن تخذلني هذه المــرَّة، رغم الأَموال التي بدأَت تتدفَّق في المنطقة على يد مَن كنتُ لهم بالأَمس أَوفى صديق ونصير!
وتقول عواطف:
– المال هو السلاح الذي يخيفنا في المعركة.
وهنا قال الدكتور داهش:
– اطمئنّي يا سيِّدتي.
وبحضور بشير العثمان وزوجته وقريب لهما اسمه حيدر سعد الله محمَّد رشيد، والدكتور فريد أَبو سليمان، “جوكر” الجلسات الروحيَّة، عقد الدكتور داهش جلسة روحيَّة، فكان هو كالعادة موضوع الاحتلال الروحيّ، وإذا به يمسك بيد العثمان، ويقول له بنبرات غريبة:
– اطمئن يا أَخي، واهدأْ نفسًا!
ثـمَّ كتب الدكتور داهش على ورقة صفراء بعض العبارات، وأَقفل الورقة. ثـمَّ طلب من بشير العثمان أَن يغلِّف الورقة بورقة ثانية، ويكتب على هذه بخطِّ يده تاريخ الجلسة الروحيَّة، فكتب بشير العثمان عبارة: 29 شباط 1964، ثمَّ احتفظ بالورقة المطويَّة المغلَّفة داخل محفظة نقوده، ونهض مع السيِّدة زوجته وقريبهما وودَّعوا الدكتور داهش والدكتور فريد أَبو سليمان متوجِّهين إلى عكَّار.
ولم يعد الدكتور داهش يرى للثلاثة ظلًّا!
وفي هذه الفترة جرت الانتخابات في شماليّ لبنان، وفاز بشير العثمان وقائمته بالمقاعد النيابيَّة الأَربعة في عكَّار، أضي فاز هو وبهيج القدُّور عن السُّــنَّة، ورشدي فخر عن الموارنة، ويعقوب الصرَّاف عن الروم الأُرثوذكس، وكان مجموع الأَصوات التي أَحرزها العثمان، وهو رئيس القائمة، ما تعدادُه 11856 صوتاً!
من …. هو؟؟
ومرَّتِ الأَيـــَّـــام..
وتجمعني الصدفة مساء السبت الماضي بالدكتور داهش، فيقول لي:
لقد تنــبَّأْتُ لنائبٍ من الشمال، من منطقتك، بالفَوز، وبعدد الأَصوات التي سيحرزها. وهذه النبوءة مكتوبة على ورقة يحتفظ بها دون أَن يفتحها، وهو حين سيفتح الورقة سيُفاجأُ بدوره أَكثر مـمَّا سيفاجأُ أَيُّ إنسانٍ آخر!
وسأَلــتُه:
– مَن هو هذا النائب؟؟
فلم يُـحِــرْ جوابًا، بل اكتفى بالابتسامة.
– متزوج؟؟
قال:
– نعم …
– كان نائبًا سابقًا؟؟
قال:
– نعم …
– هل هو من طرابلس؟؟
– لا.
– من منطقة قرب طرابلس؟؟
– نعم.
– هل هو بشير العثمان؟؟
ولَـم يـُحـِـــرْ الدكتور داهش جوابًا مرَّةً أُخرى، وقال:
– ستزور هذا النائب بنفسك يوم الإثنَين، ويكون معك الدكتور فريد أَبو سليمان الذي سيطلب من صاحبنا أَن يفتحَ الورقة، ويقرأَها بنفسه!
وكان مساء الإثنَين …
الدكتور أَبو سليمان يتَّصل بي بالتلفون، ويقول لي:
– أنتظرك بسيَّارتي أَمام مدرسة “اللايــيك” للبنات في محلَّة ” كركول الدروز”، مع دقَّات الساعة الثامنة والنصف!
وفي الموعد المحدَّد كنت هناك مع المحرِّر رياض جركسي، ومصوِّر المجلَّة “ڤاسكين”.
وإذا بنا ندخل مع الدكتور أَبو سليمان منزل النائب بشير العثمان نفسه، فأُفاجأُ بأَنَّ سبب انقطاع الرجُل عن الظهور في الحفلات التي يحضرها النوَّاب هو أَنــــَّــه طريح الفراش بعد أَن داهمه مرض “اليرقان”، وأَلــزَمَــهُ المنزل حتَّى يستكمل فترة العلاج!
وفوجئ بشير العثمان بنا …
واعتذر عن عدم وجود أَحد في المنزل سواه، لأَنَّ العائلة ذهبَت إلى المطار لاستقبال قريب لها عائد من الولايات المتَّحدة. وسأَلــتُه:
أَلا تشترك في المباحثات النيابيَّة التي تدور الآن حول معركة الرئاسة؟
قال:
– بلى لقد كان عندي اليوم كلٌّ من الرئيس رشيد كرامي والأَخ رينيه معوَّض!…
وهنا يتابع الرواية الدكتور فريد أَبو سليمان فيقول:
– أَتذكَّرُ أَنَّني نقلتُ مع الصحافيّ، الأُستاذ وليد عَوَض، تهاني الدكتور للنائب بشير العثمان. فسأَلَـنا: كيف حال الدكتور؟ أَجبــتُه: “إنَّه بخير، وإنَّه أَرسلَنا لكي نذكِّـرك بالرمز الداهشيِّ الذي كَــتَــبَه لك عند زيارتك له في 29 شباط.”
فكَّر النائب العثمان، ونادى على أَحدهم. ثـمَّ نهض وجاء بمحفظة نقوده، وفَتح الرمز الداهشيَّ، وصرخ بأَعلى صوته: “إنَّ الأَمر لا يُــصدَّق. يا أَلله …الــفَوز أَمرٌ معقولٌ، أَمَّا أَن يحدَّد لي الدكتور داهش عدد الأَصوات التي نلـتُها قبل الانتخابات بشهر ونيِّف …
وانعقد لسانه من الدهشة. لقد كان العدد 11856 صوتًا.
أَنا داهش أَتحدَّثُ إلــيكــم
تحت هذا العنوان نشرت مجلَّة “الأُسبوع العربي” في عددها رقم 263،الصادر بتاريخ 22 حزيران 1964، المقابلة التالية التي أَجراهاالصحفيّ داود أ. الصائغ مع الدكتور داهش. وقد استَهَلَّها بقوله:”قابلتُ الدكتور داهش 3 مرَّات ليقدِّم لكم نفسَهُ وفلسفَتَه وخوارقَه.”
“تُرى ماذا سيقول الناس عنّي بعد موتي وزوالي؟
إنَّ البعض سيستمطرون على اسمي اللعنات والنقمات.
كما إنَّ آخرين سيردِّدون ذكري بالتقديس والرحمات.
وستخرجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القلوب والصدور،
بعضها آهاتُ غبطةٍ وحبور، وبعضها غصَّاتٌ لِساكِن القبور.
أَمَّا أَنا، فحسبي أَن أَكونَ بين يدَي الديَّــان لعرض أَعمالي؟”
مَن ذا الذي يفكِّرُ بأُمور الحياة والآخرة، ويتوقَّع أَن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات. أَتُــراهُ قام في حياته بما يستَوجِب أَن ينقسِمَ الناس حول أَعماله فئــتَين، فخرجَ عن دائرة الرجل العاديّ الذي يُــقال عنه في حياته وبعدها “إنَّــه رجلٌ آدميٌّ”؟
لعلَّ الأَسواء لم تُنسَبْ مرَّة إلى إنسانٍ كما نُسِبَتْ إلى قائل هذه الكلمات. دولةٌ بأَسرها بكامل أَجهزتها، وقــفَت في وجهه، من رئيسها الأَوَّل، إلى هيئتَيها التنفيذيَّة والتشريعــيَّة إلى جميع المأْمورين عندها، إلى جهاز الإعلام فيها الذي تولَّى قيادة الحملة وقال للناس: ارجموا هذا الرجل، أَلصقوا به النقائص، أَرفقوا اسَمه باللعنة والشتــيمة، ضعوه على هامش مجتمَعكُم، فهو عميلٌ للشيطان … ولَغَطَ الناس بأَخباره، وقالوا عنه: ساحر، مُشعوِذ، مُنوِّم مغناطيسيّ، سَلَبَ الناسَ عقولَـهم وأَموالَـهم، وأَلْحــَــقَ بهم الويل. وهزأَ المجتمع بكلِّ من تبعَه وآمن بما يقوله ويفعله.
قصَّـةٌ قديمة، ترجعُ إلى أَبعد من عشرين سنة. ومنذ ذلك الزمان، لم يتبدَّل بعد رأْيُ الناس فيه أَو تتغيَّر صورتُـه في أَذهانهم. فإذا ما سأَلتَ أَحدًا عنه ردَّد على مَسامعكَ هازئًا ما حفظَه من أَخبار السوء عنه، وأَردفَ يقولُ بكثيرٍ من اللامُبالاة: “تُــرى، ماذا حلَّ به اليوم. يقولون إنَّه قُــتِلَ في طهران [أَذربيجان]، وإنَّ الحكومة أَبعَدَتْه منذ مُدَّةٍ طويلة وحظَّـرَت عليه دخول البلاد ثانيةً … الرجل انتهى منذ زمن بعيد، وأَحابيلُه انكَشَفَت للناس …”.
حسبُـنا أَن نعلَم أَنَّ أَكثر الذين يعرفونه عن كَثَب، ويعتبرون أَنفسهم من الـمُقرَّبين إليه ويعترفون بمقدرته في افتعال الخوارق، ويحدِّثونك بإعجاب عن خُلُقِه وإنسانيَّته ومبادئه، وبراءته مـمَّـا نُسِبَ إليه، يستحلفونَك في نهاية حديثهم أَلَّا تنقل شيئًا عن لسانهم بخصوصه، وأَن تحفظَ ذلك في سرِّكَ ولا تذيعَه؛ فهم يخجلون ويخافون أَن يجاهروا برأْيٍ صالحٍ عنه مَخافَةَ أَن يحسبهم الناس من أَتباعه، فينبذوهم كما نبذوا أَمثالهم من قبل.
أَمَّا هو، فيعرفُ ذلك ويقول لك: “أَنا أَعذرُهم، فالإنسان مهما علا شأْنُـه، مطبوعٌ على الضعف.” ولعلَّ ابتعاد الناس عن هذا الرجل [هو] ما جعله يبتعد عنهم، هو أَيضًا.
داهش، الرجل الأُسطورة، أَين هو؟ مَن هو؟ كيف يعيش؟ مَن هم الداهشيُّون؟ ما قصَّة خوارقه؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعلُ الناس يؤمنون بمقدرته الروحيَّة إذا كان من غير طينة البشر العاديِّين؟ أَو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأَقلّ، فيسيطر على عقولهم، وينزع منها صورة الشرّ التي طُــبِعَت في مخيِّلاتهم عنه؟
ونحن، في تحقيقنا عنه، لا نتوخَّى إنصاف الرجل أَو الدعوة للإيمان به بقَدرِ ما نتوخَّى القيام بتحقيقٍ موضوعيٍّ مع داهش وعَنه. سنَدَعُه يتحدَّث إليك لأَوَّلِ مرَّة، يشرحُ لك مبادئه، يروي لك أَسبابَ النقمة التي أُثيرَت عليه، يُبدي آراءَه المختلفة، ويُطلِعُك على طريقة عَيشِه وأَسرار مقدرته غير العاديَّة. وسينقلُ إليك بعضُ الداهشيِّين بعضَ الأَخبار عنه، ويكشفون عن الأَسباب التي حدَتْ بهم لاعتناق الداهشيَّة والـمُجاهرة بها.
داهش، من هو؟
اسمه الأَصليّ سليم العشِّي، لبنانيٌّ مسيحيٌّ بروتستانتيٌّ، وُلـِدَ [في القُدس]، ونشَأَ في حيِّ المصَيطبة عام 1912.[1] وكان والــدُه موسى العشِّي رجلاً تقيًّا صالحًا، توفّــيَ عام 1920، تاركًـا لزوجته أَربع بنات وصبيًّا. وكانت العائلة فقيرة الحال، زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية. فلم تجدِ الأُمُّ بدًّا من إدخال الصبيّ أَحد المياتِم. فقضى سليم في الـمَيتَم بضعة أَشهر، كانت كلَّ عهده بالدراسة، وخرج بعدها مُلِمًّا بالقراءة والكتابة، ولم يدخل المدرسة ثانية.
ويروي الدكتور فريد أَبو سليمان “أَنَّ مقدرة سليم هذه قد تجلَّت عنده في سنٍّ مُبكِّرة. وتعــوَّدَ رفاقُــه في اللعب أَن يشاهدوه وهم يلعبون معه في “الكِلَل”، يضعُ يده فوقها فتختفي فجأَةً. كما استطاع مرَّةً، وهو في العاشرة من عمره، أَن يحوِّلَ الرماد إلى كتابٍ، كتابٍ كان خالُـه قد حرقَه له ليحمله على تخفيف الـمُطالعة خوفًا على صحَّته من الإجهاد”. وطارت شُهرتُـه في الحيّ أَوَّل الأَمر، وانطلق الناس يتحدَّثون بدهشةٍ عن مقدرة الصبيّ الروحيَّة، ويتناقلون أَخبارَه. وانكَبَّ سليم على المطالعة ليعوِّضَ ما فاتَه تحصيلُه زمنَ الدراسة؛ فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأَكبر.
وسافرَ سليم العشِّي إلى الخارج، وطافَ في البلاد العربيَّة والأُوروبيَّة، واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة [معهد] لوساج [Sage Institute] في باريس عام 1930. على أَنَّ مقدرة الدكتور داهش الروحيَّة، كما يقول الداهشيُّون، لَـم تبرُز بشكلها الواضح القويّ إلَّا ابتداءً من عام 1942. وفي تلك السنة بالذات اعتنقَ كثيرون الداهشيَّة. فكان أَوَّلَهم يوسُف الحاجّ، ثـمَّ حليم دمُّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أَبو سليمان وجورج حدَّاد وزوجته [ماري حدَّاد] وجوزف حجَّار وآل نـعَيمــة. كما آمن كثيرون بمقدرته دون اعتناق الداهشيَّة. والجميع يقــرُّون بقـوَّة الرجل غير الطبيعيَّــة.
يقول الدكتور فريد أَبو سليمان: “أَنا أُؤمنُ بأَنَّ الدكتور داهش فوق مستوى البشر، يقوم بالأَعاجيب والخوارق. قـوَّتُــه تتحدَّى العلم والناموس الطبيعيّ، وليس في العالَـم كلِّه مَن يتمتَّع بمقدرةٍ كمقدرته، ووجوده في لبنان حدثٌ بشريٌّ كبير ونعمةٌ ما بعدها نعمة.”
تعرَّف الدكتور أَبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاجّ، عام 1942. وهو يُـعتَـبَـرُ اليوم من أَكثر الداهشيِّين إيمانًا بداهشيَّتهم، وبداهش، وأَكثر الـمُقرَّبين إليه. يخبِـرُكَ أَنَّــه، أَثناء المدَّة التي تعرَّضَ فيها الدكتور داهش للملاحقة، تعرَّض هو أَيضًا مع سائر الداهشيِّين للضغط والـمُضايقة من قِــبَل السُّلطة، وأَنــــَّــه خُــيّــِرَ عام 1944 بين الاحتفاظ بوظيفته الحكوميَّة التي كانت تدرُّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر، أَو تَــرْك داهش. يومذاك قال للذين خَــيَّــروه إنَّه مستعد للتضحية بكلِّ شيء مُقابل عدم التخلِّـي عن عقيدته. والدكتور أَبو سليمان يحفظُ كلَّ شارِدةٍ ووارِدة من أَخبار داهش، ويُسجِّلُها كلَّها في سجلٍّ خاصّ، ويقوم بمهمَّة صلَةِ الوصل بين الدكتور داهش والناس.
والدكتور جورج خبْصا داهشيٌّ منذ عام 1942 أَيضًا. عرَّفه على داهش المرحوم حليم دمُّوس. أُعجِب بالرجل منذ أَوَّل وهلة، وآمن بقوَّته الروحيَّة العجيبة منذ أَوَّل ظاهرة. على أَنَّ رأْيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأْي الدكتور أَبو سليمان. يقول عنه: “الدكتور داهش رجلٌ مثل سائر الناس، يتميَّزُ عنهم بالقوَّة الروحيَّة الخاصَّة التي يتمتَّع بها، والتي يمارسُها لغايةٍ مُعيَّنة، وهي إظهارُ قــوَّة الروح واللامنظور. فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوَّة مــرَّةً لغايةٍ دنيويَّــة أَو مادِّيَّــة. ومبادِئُه مثل كلِّ المبادئ، لها مؤيِّدون ومعارضون … وهي لـم تنتشر حتَّى الآن بشكلٍ واسع لأَنَّ عالَمَنا هو عالَـمٌ مادِّيٌّ، وتفكيرُ الناس مادِّيّ. فالمادَّة طَغَت في عصرنا الحاضر على كلِّ شيء، وغَدَت الروحانـيَّـات في “المرتبة الثانية”. وابتعاد الدكتور داهش عن الناس، في رأْي الدكتور خبصا، مَردُّه إلى عدم رغبته في تنفيذ الرغبات المادِّيَّــة التي يطالبُه بها هؤلاء، “لأَنَّ قــوَّتَــه لا يجب أَن تُستَعمَل إلَّا لغاياتٍ روحيَّــة.”
مع الدكتورَين خبصا وأَبو سليمان، تعالَ معنا لــنُدخِلَك إلى محراب داهش، ونكشِف الداهشيَّة.
تَـخَـالُ نفسَك في مُتحفٍ وأَنت تدخلُ إلى منزل داهش. يستلفتُ انتباهَك أَوَّل ما يستلفتُ اللوحات الزيــتــيَّــة العديدة التي تُــزيِّــنُ الجدران، والــتُّحَف الصغيرة الـمُوزَّعة على الطاولات وفي الزوايا وعلى الحيطان. تدخل المكتب أَوَّلاً، وتستريح قليلاً قبلَ أَن يجيءَ الخادم ويُــعْــلِمُك بأَنَّ الدكتور بانتظارِك. يقودُك ممشى طويل إلى باب الصالون، حيث يقف رجلٌ مربوعُ القامة، يستقبلُك بحرارة ولُطف مُتناهيَين، ويدعوكَ للدخول والجلوس. تتأَمَّلُ في وجهه مَلــيًّا لتحاولَ أَن تــتــبـيَّنَ بعض ملامح القسوة والشرّ التي انطبَعَت في ذهنِك عنه لكثرة ما سمعتَ من أَخباره: وجهٌ أَسمر مستدير يوحي بالطيـبة والـثِّـقة، ذو تقاطيع مُـتـناسقة، عينان سوداوان واسعتان، جبهةٌ فسيحة، صدغان بيضاوان وشاربٌ رفيع. وتكتشفُ شيئًا فشيئًا أَنَّ الرجلَ لا يختلفُ عن سائر الناس في شيء، وأَنَّ أُسطورَتَــه هي مـُجــرَّد أُسطورة. ثـمَّ يزولُ تَعجُّـــبُــك حين تسمعُه يرحِّبُ بك مُـجدَّدًا بصوته الهادئ الخافت، وتحسُّ أَنَّــه مُرتبكٌ بعض الشيء لِمُجالستك ارتباك الصغير الذي يشعرُ بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم. يستوي في جلسته، ويجيبُ على أَسئلتك بهدوءٍ ودون أَيِّ انفعال، أَو يجيبُ عنه أَحد الداهشيِّين الحاضرين … “تفضَّل، اسأَل.”
“قــوَّتي هِــبَــةٌ وليسَت عِلْـمًا”
الله، الروح، المادَّة، الدين، الثواب، العقاب، خلود النفس، الجلسات الروحيَّة، أَكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.
داهش: “عصرُنا هو عصرُ المادَّة، عصرُ الآلة والاختراعات، عصرٌ أَضعَفَ إيمان الإنسان بالقـيَم الروحيَّة وجعَلـه يولي المادَّة اهتمامه الأَوَّلي [الأَوَّل]. في الجلسات الروحــيَّــة نــتحقَّقُ بأَنَّ قــوَّةَ الروح تفوقُ قــوَّة المادَّة، لأَنــَّها خالدة لا تزول، وأَنَّ هنالك ثوابًا وعقابًا. فباستطاعة الروح مثلاً، في جلسةٍ روحيَّــة، أَن تحوِّلَ صحنَ السجائر الزجاجيّ هذا إلى صحنٍ ذهبيٍّ، ويبقى هذا الصحن أَبدًا …أَن تُعيدَ إليك شيئًا فَقدْتَــه منذ مدَّةٍ طويلة، وفي أَيِّ مكانٍ كان؛ أَن تحوِّلَ لك ورقة عاديَّة إلى ورقة مائة ليرة؛ أَن تحملَك من مكانك إلى مكانٍ آخَر، إلى خارج البلاد مثلاً، في نفس الظرف؛ أَن تستحضرَ إلى قربك أَيَّ شخصٍ أَو شيءٍ تريده؛ وبكلمةٍ، تـــُجيــبُ الروح على كُلِّ مطالبك ورغباتك.”
ويــؤكِّــدُ الدكتور داهش أَنَّ الظواهر هذه إنـــَّما تحدث لــتُــبَـيِـّنَ أَنَّ القوَّة الروحيَّة هذه ليست من صنع البشر. “قــوَّتي هبةٌ وليست عِلْمًا، والظواهر تجري بدون إرادتي”. والجلسات الروحيُّة وسيلةٌ لا غاية، هدفُها إظهار تــفَــوُّقِ النفس وحمل المرء على التــثــبُّت من خلودها، وجعله يؤمن بأَنَّ هنالك ثوابًا وعقابًا، وتدفعه إلى الإصلاح من حاله والسير على قواعد مستقيمة.
والداهشيَّة، كما يقول داهش، لا تـتـنافى مع الأَديان مطلقًا، فهي تــقوِّي المسيحيّ في مسيحـيَّـته، والـمُسلم في إسلامه؛ وتعاليمها مَثَلٌ لكلِّ إنسان يريد السير على قيمٍ روحيَّة ثابتة، فالداهشيُّون يقولون: “الله ينبوع والديانات جداول.”
وهذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أَثنــاء الجلسات الروحيَّة. وحضور هذه الجلسات يتطـلَّب شروطًا. فعلى الراغب في ذلك أَن يرسم على ورقة نجمة خماسيَّة، ويكتب في زواياها الخمسة أَحرفًا لو جُـمـِعَت لكانت كلمة “جذبوها”؛ وعلى الورقة تكتب “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي أَن يُسمَحَ لي بجلسة روحيَّــة.” ثـمَّ تُوقِّع، وتضع التاريخ، وتطوي الورقة بطريقة خاصَّة، ثـمَّ تحرقها.
وعليك أَن تكــرِّر هذه العمليَّة مدَّة ثلاثين يومًا متوالية. إذَّاك تُدعى لحضور الجلسة، وتشهد “المعجزات” بنفسك.
الدكتور خبصا: “أَنا أُمارس الطبَّ منذ خمسة وثلاثين عامًا، ولا أُؤمن إلَّا بالأَشياء الحسيَّـة الملموسة. في عام 1930، حين كنت لا أَزال أَدرس الطبّ في باريس، فقدتُ مُفكِّرة صغيرة كنتُ أُدوِّنُ عليها بعض الملاحظات اليوميَّة. وعبثًا حاولت البحث عنها. وفي عام 1942، بعد أَن اجتمعتُ بالدكتور داهش وحضرت أَوَّل جلسة روحـيَّـة، طلبتُ إليه أَن يُعيدَ إليَّ، بواسطة الروح المفكِّرة التي فقدتـــُها في باريس، فقال لي: ضعْ يدك بيدي، ففعلتُ، وإذْ بالمفكِّرة نفسها في يدي. أَخذتـُها، تفحَّصتُها، وهي لا تزال معي حتَّى الآن.”
الدكتور أَبو سليمان: “اسمَعْ هذه القصَّة. كنتُ ذاهبًا مـرَّة مع الدكتور داهش لزيارة أَصدقاء. وعندما وصلنا، رأَيته يسبقني على السلَّم ويخترق الباب في أَعلى الدرج. وحين تبعــتُه وحاولتُ الدخول بدَوري، اصطدمتُ بالباب المقفَل، وارتطم رأْسي به. إذَّاك قرعتُ الجرس، ففتح لي أَحدهم بعد دقيقتَين وقال لي: رأَينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأَةً ونحن جالسون، دون أَن نراه يدخل من أَيِّ باب. إذَّاك علمتُ أَنَّ الباب الخارجيَّ كان مُقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش، وعندما حاولتُ أَن أَدخل أَنا أَيضًا.”
واستطرد الدكتور أَبو سليمان قائلاً:” بإمكان الدكتور أَن يدخل والأَبواب مُـقفلة، وكثيرًا ما فعل ذلك معنا. وله ستُّ شخصيَّات، فبإمكانه أَن يكون موجودًا مرةً واحدة في مكان واحد أَو في ستِّ أَمكنة مختلفة.”
وعن ظاهرة شخصيَّات الدكتور داهش هذه، روى المرحوم حليم دمُّوس في مجلَّة “عالَـم الروح” المصريَّة، لصاحبها أَحمد فهمي أَبو الخير، في نيسان 1951، ما يلي:
” … وهذه الظاهرة غريبة في بابها، أُدوِّنُـها كما وقعت بتاريخ 6 أَيَّــار من عام 1944، فليطالعها القارئ بدقَّــةٍ وعناية:
“في مساء ذلك اليوم (6 أَيَّــار) كنتُ جالسًا مع الأُستاذ يوسُف الحاجّ، صاحب مجلَّة “الأَنوار” المحتجبة، فأَشار علينا مؤسِّس الداهشيَّة (الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمز مُقدَّس وحرقه في الغرفة التي نحن فيها، وهي غرفة الجلسات الروحيَّة. فقمنا بما طلبه منَّا تمامًا. وما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدَّس وتحويله إلى رماد حتَّى قُرعَ باب الغرفة التي نحن فيها، ودخَلَت على الأَثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش وحَـيـَّــتــْــنا، وكانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها. وفُــتِحَ باب غرفة النوم المجاورة، فإذا بشخصيَّةٍ ثانية تدخل علينا وهي ترتدي غير ثيابه، ثـمَّ قُـرِعَ باب الحمَّام الـمُقابل تمامًا لغرفة النوم، وإذا بشخصيَّة ثالثة تظهر وهي مرتدية ثوبًـا لا يشبه ثياب الشخصيَّة الثانية ولا الأُولى. وما هي إلَّا لحظة حتَّى لـمَحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أَن اقترب رويدًا رويدا من الغرفة التي نحن فيها، وإذا به شخصيَّـة رابعة، وكانت ترتدي بدلة نوم (پيجاما) ذات خطوط مستطيلة.
“وأَخيرًا برزت أَمامنا من صحن الدار الداخليّ شخصيَّــةٌ خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمَّا ارتدته بـقيَّــة الشخصيّات … فهذه الشخصيَّات الخمس أَلَّــفتْ شبه حلقة، وجعل كلُّ شخص فيها يحادثُ رفيقه وزميله وشبيهه بشتَّى الشؤون الروحيَّة العُلويَّة التي لها أَسمى وأَقوى صِلة بهذه الرسالة الداهشيَّة. أَمَّا نحن فكنَّا نصغي خاشعين وكلُّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لِما نراه ونلمسه ونسمعه. وليت شعري هل باستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق، وكلُّها ظاهرات واقعيَّة تجري أَمامنا! أَمَّا مؤسِّس الداهشيَّـة نفسه، فقد جلس على كرسيِّه بجانب مكتبه الخشبيِّ، وجعل ينظر إلى شخصيَّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقَفَت الشخصيَّات الخمس وودَّعَتنا مسلِّمةً علينا يدًا بيَد.”
وكان المرحوم حليم دمُّوس من أَكثر الداهشيِّين إيمانًا بداهش وبتعاليمه. وضع تآليفَ عديدة، ونظم قصائد لا تـُحصى عن الداهشيَّـة. وكان يدوِّنُ الوقائع التي يشهدها في كتاب اسمه “الوقائع الداهشيَّـة”، ويراسل مجلَّة “عالَـم الروح” المصريَّـة، ناقلاً إليها أَخبار الرجل وخوارقه. نشر في هذه المجلَّة مـرَّة واقِــعــةً عن نقْل مسبَحة من كربلاء، في جلسة روحيَّة، للشيخ منير عسيران، وكيف في جلسة أُخرى، طلب المحامي إدوار نون إلى داهش أَن يتحوَّل الماء إلى نبيذٍ مُعتـَّـق، وكيف تنبَّأَ داهش بموت خليل معتوق، وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حماده فوضع له في يده نموذجًا مادِّيــَّـا من ذلك الفكر، وكانت “خمس دنانير ذهبيَّة، تاريخ ضربها قديم”، كنموذجٍ ملموس عن الصناديق الذهبيَّة التي كان صبري حمادة يعتقد أَنــَـَّها مــُخـبَّأَة في مكان ما من جرود عكَّار منذ زمن الحرب.
“نحن نـؤمنُ بالـتــقمُّـص”
والداهشيَّـةُ فكرةٌ روحيَّة قبل كلِّ شيء يؤمن الذين يدينون بها بالـتقمُّص. يقول داهش: “التقمُّص” رحمة إلهيَّة، ولو لَـم يكن هنالك تقمُّص لهلك جميع الناس، ولَما كانت قــوَّة إلهيَّة. فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلِّ الميول والنزعات: المرأَة، المال، الكبرياء، الكذب، الخ … فالتقمُّص يكون بنسبة أَعمال الإنسان، والإنسان يتقمَّص بنسبة أَعماله. والذين يولدون من أَصحاب الأَمراض والعاهات يكونون قد أَوصلوا أَنفسهم لهذه الحالة في تقمُّصهم الجديد، بالنسبة لأَعمالهم الشريِّرة في تقمُّصهم السابق. ما ذنب الولد الأَعمى مثلاً؟ هو لم يولد أَعمى إلَّا لأَنَّـه أَوصل نفسه لأَن يكون أَعمى بالنسبة لأَعماله السيِّئة بدوره السابق.
الدكتور خبصا: “كلُّ شيء يعود إلى تأْثير الروح. حتَّى الأَمراض الجسديَّة سببها حالات نفسيَّة، وحتَّى السرطان نفسه!”
الدكتور أَبو سليمان: “البرهان على ذلك أَنَّ أَشخاصًا من بِــنــيـةٍ واحدة، أَشقَّاء مثلاً، يتعرَّض بعضهم لمرضٍ دون سواهم، وسبب ذلك حالة نفسيَّة لا جسديَّة. فالمريض مريض بنسبة أَعماله.
الدكتور داهش: “الإنجيل نفسه يذكر شيئًا عن التقمُّص (إنجيل متَّى). فعندما شفى المسيح الخاطئة، فال لها مغفورةٌ لكِ خطاياكِ. أَليسَ ذلك دليلاً على أَنَّ خطاياها كانت سبب مرضها؟
“التنويـمُ المغناطيسيُّ أُكذوبةٌ عالمـيَّــة”
التنويم المغناطيسيُّ في رأْي الدكتور داهش تدجيلٌ وكذب. ولا أَحد في العالَـم يستطيع أَن يؤَثِّرَ على غيره. وبين النائم والمنوَّم اتِّفاقٌ مُسبَق على كلمات مُصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها. كما إنَّ الاتّصال الفكريّ المسمَّى télépathie، لا وجود له الــبتَّــة. ولعلَّ في رأْي الدكتور داهش هذا ما يدعو للاستغراب، لأَنَّ الكثيرين يظــنُّــون أَنَّ الظاهرات الروحيَّة التي يدعوها هو وأَتباعه خوارقَ، ليست في الواقع سوى نوع من التأْثير على النظر يجعل المشاهد يتخيَّل حدوث الظواهر.
ولكي يثبتَ الدكتور داهش أَنْ ليس في أَعماله ما يتَّصل بالتأْثير المغناطيسيِّ، قال لي: “سأُجري أَمامك تجربةً بسيطة.” فقام وجاء بورقةٍ بيضاء، وأَخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة الخمس ليرات ]لبنانيَّة[، وقصَّ من الورقة البيضاء قطعةً على قياس الورقة النقديَّة، ثـمَّ طواها بعناية، وقال لي: “ضعها في يدك.” أَخذتُ الورقة المطويَّــةَ، تأَمَّــلتُها، ثـمَّ وضعتُها في يدي اليُسرى، وأَطبقتُ عليها. ثـمَّ قال: “اكتُب اسمَك على ورقة ثانية واحرقها”؛ فكتبتُ وحرقتُ الورقة في صحنٍ للسجائر أَمامي، ويدي اليُسرى ما تزال مُطبقة على الورقة الأُولى. ثـمَّ جاء بمجلَّة فوضعها على يدي اليُسرى لحظة، ثـمَّ قال: “انقُل الورقة إلى يدك اليُمنى،” ففعلتُ. ثـمَّ قال لي: “افتح يدك”؛ ففعلتُ. ووجدتُ الورقة البيضاء قد تحوَّلت إلى ورقةٍ من فئة الخمس ليرات جديدة، مطويَّـة على نفس الشكل والحجم وعليها اسمي، نفس الاسم الذي كتبته على الورقة المحروقة. وكانت الخمس ليرات الأُخرى التي أَخرجَها من جيبه لا تزال على الطاولة.
لم أُفسِّر الحادثة بأَيِّ تفسير، ولم أَسعَ لِفهم أَسرار تحوُّلِ الورقة البيضاء إلى ورقة مالـيَّـة. قال لي داهش: “احتفظ بها. فستتمكَّن بواسطتها من حضور جلسة روحيَّة.” أَخذتُ الخمس ليرات المطويَّة، ولا تزال معي واسمي عليها.
لماذا قامت القيامة على داهش
تأْثيرٌ مغناطيسيٌّ، سحر، شعوذة، قـوَّة روحيَّة، … لعلَّ عدم فهم الناس لشخصيَّة داهش الحقيقيَّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقتِه قضائــيًّا وقانونــيًّا في عهد الجمهوريَّة الأُولى. ولعلَّ قصَّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنَّ به ويتَّهمونه “بخراب البلاد، وإلحاق الشرّ بها.” فماذا يقول هو عن هذه القصَّة:
“أَنا لم أَتجاوَز مــرَّةً القوانين الموضوعة. وأَسبابُ نقمة الشيخ بشارة الخوري عليَّ، ومن ورائه نقمة السُّلطة وبعض الناس، هو أَنَّ شقيقة زوجته، السيِّدة ماري حدَّاد، اعـتـنَـقَت الداهشيَّة على أَثَر جلسة روحيَّة، كما اعتنقها زوجُها وأَولادُها وصهرُها. وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيِّدة ماري حدَّاد بالتخليّ عن مُعتقدها الجديد هذا، فكان جوابُــها لهم أَنَّ الدستور اللبنانيّ يكــفَــلُ حرّيَّــةَ الـمُعتقَد، وأَنَّ لها بالتالي حريَّــة اعتناق أَيِّ مذهبٍ تريده.
“وعندما وجد الشيخ بشارة أَنَّ جهود الإقناع لَم تـُجـْدِ نفعًا، عمَدَ أَوَّل الأَمر إلى محاولة استصدار قانون يـُحظِّــرُ عقد الجلسات الروحيَّــة في لبنان، لكنَّ المجلس النيابيّ رَدَّ مشروع القانون بعد مناقشةٍ عنيفة. وصدرت الصُّحُف الـمُواليـة في اليوم التالي تقول إنَّ داهش قد سيطــرَ على النـوَّاب، وإنَّ وجودَه خطرٌ على البلاد، لأَنــَّه يتلاعب بالعقول.
“وزارني بعد مدَّة إسكندر رياشي ومنير تقِّي الدين ليسأَلاني عن رأْيي في ذلك، فقلتُ لهما: أَنا عرفتُ منذ مدَّة، وفي جلسةٍ روحيَّة، أَنَّ مشروع قانونٍ سَــيُــعدُّ ويُــرسَل إلى مجلس النوَّاب ويُـــردّ. وهكذا لَـم تجد السلطة مـَخرجًا قانونــيًّا لـمُلاحَقتي، لأَنــَّها لم تأْخذ عليَّ أَيَّ مأْخذ، لكنَّها أَرسلت عصابةً من القبضايات لاغتيالي. ولم يتمّ هذا الاغتيال لأَنَّ مُساعدة روحيَّة قد حصلت، فاكــتفوا باعتقالي.”
وعن تلك الفترة كتبَ حليم دمُّــوس في جريدة “الجمهوريَّة” السوريَّـة، في 9 أَيَّــار 1948، ما يلي:
“أَنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء. وسأُغادرها قريبًا إلى أَحد الأَقطار العزيزة للالتجاء إليها والدفاع عن القضيَّة الداهشيَّة ومؤسِّسها … بالأَمس اعتقلوا في بيروت فريقًا من إخوتي الداهشيِّين، وبينهم السيِّد جورج حدَّاد، عديل رئيس الجمهوريَّة، وصهره الأَديب الحَلَبيّ المعروف، السيِّد جوزف حجَّار، والدكتور المشهور فريد أَبو سليمان. ولم يجدوا السيِّدة ماري حدَّاد في منزل الرسالة، وهم جادُّون في طلَبِها وطلب سِواها بحسب الأَوامر الـمُعطاة لهم من جبل (الطور). وهذه هي المرَّة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أَيِّ مُبرِّر.”
ولَمَّا لم يتمكَّن الداهشيُّون من الردِّ على الاتّهِامات التي كانت تُـــوَجَّه إليهم في الصُّحُف، لأَنَّ هذه الصُّحُف لم تقبَل بنشر الردود، عَمدوا إلى نَشرِ كُتُبٍ سوداء عن الشيخ بشارة وعهده. وعام 1952، نشرت السيَّدة ماري حدَّاد مذكِّراتها الداهشيَّة في جريدة “النهضة”. ومـِمَّـا قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها: “أَيــــُّـها اللبنانيُّون، يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريـَّـتكم الخائن الذي سرقَ أَموالكم، واغتصبَ حقوقكم، واعتدى على قانونكم، وبَعْثَر أَشلاء دستوركم … ولَمَّا كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم، وشرَّدَ الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيَّته، وسبَّب فاجعتَنا الهائلة، أَلا وهي موت ابنتنا ماجْدا، الضحيَّة التي سيدفع ثمنًا لها دماً بدَم كي يذوقَ مقدار الأَلـــَـم والحزن العميق الذي غمر حياتنا حتَّى ساعة مماتنا …ولَمَّا سخَّر القوانين لِمَنفعتِه ومنفعة ذويه …”
ماجدا …لـِماذا انتحرَت
والقصَّة التي لَغَطَ بها الناس يومذاك أَكثر من سواها هي قصَّة ماجدا حدَّاد، ابنة جورج وماري حدَّاد، التي اعتنقت الداهشيَّة أَيضًا، والتي قال الناس بعد موتها إنَّها انتحرت بسبَب داهش. داهش يروي القصَّة كما يلي: “تضايقَت ماجدا كثيرًا من محاولات الشيخ بشارة لِـمُحاربتي. وعندما شاهدَتْ أَنَّ والدَيها وصهرها قد أُدخِلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشيَّة، قــرَّرت الانتقام من بشارة الخوري وفكَّــرَت في اغتياله. يومذاك كُنتُ مبعدًا في حَلَب، فأَرسل إليَّ الدكتور خبصا يُــنْــبِــئُني بعزم ماجدا هذا، فأَرسلتُ أَقولُ لها إنَّها إذا فعلَت ذلك فلن تكون داهشيَّة، وإنَّ الشيخ بشارة ستُكسَرُ يدُه قريبًا، وسيخرج من الحُكْم بصورةٍ مُذِلَّة. غير أَنَّ توتُّر أَعصابها الذي نشأَ نتيجة الصراع بين رغبتها في اغتيال الرئيس وبين مَنعي لها حملها على الانتحار، وبنفس المسدَّس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة.”
داهش اليوم
كيف يعيشُ الدكتور داهش اليوم، ماذا يفعل، كيف يقضِّي أَوقاته. ” كما يفعل سائر الناس”، يقول لك؛ “أُقضِّي أَوقاتي في استقبال الأَصدقاء والداهشيِّين والمطالعة والتأْليف، وأَخرجُ لزيارة الأَصدقاء، وأُرافقُ ابنة شقيقتي إلى السينما أَحيانًا كثيرة.”
وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته. من صالون إلى صالون، كقصور أَلف ليلة وليلة، ثراء وتُحف وذوق رفيع في الديكور، يرشدك داهش إلى مكتبته وإلى الكتب الموزَّعة في مختلف أَنحاء البيت الفسيح: “عندي أَربعون أَلف مجلَّد لكتبٍ إفرنسيَّة وإنكليزيَّة وعربيَّة، وستماية نوع من المجلَّات والجرائد العربيَّة القديمة والحديثة، الـمحلِّـــــيَّـة والـمهجريَّـــة، ومجموعات كاملة لأَعدادها منذ تاريخ صدورها. كما إنّي مُتعاقدٌ مع ثلاثمائة مكتبة أُوروبيَّة وأَميركيَّة لتزويدي بأَحدث الكُــتُب وأَثـمنها … ثـمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة.” يخرجه من الخزانة ويتفحَّصه أَمامك بإعجابٍ وسرور. “هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو. هذه الإنسكلوبيديا حصلتُ عليها بصعوبة بالغة، بعد أَن أَعلنتُ في الصحُف عن رغبتي في اقتنائها، لأَنَّ المكاتب العامَّة لا تحتوي عليها …كلُّ ما تطلبه من كتب ومجلَّات تحتويه مكتبتي.”
وإذا ما سأَلتَ الدكتور داهش كيف يؤمِّـنُ معيشته، أَجابك: “من واردات الكُتُب التي أَلَّــفتها.”
وبابتسامة وكلمة لطيفة يودِّعُك الدكتور داهش كما استقبلك، ويُعرِبُ لك عن أُمنيته بالاجتماع بك ثانية، وفي جلسة روحيَّــة.
3 ظواهر روحيَّة في منزل داهش
لرئيس وزراء سابق
تحت هذا العنوان نشرت مجلّة ” اللواء ” في عددها رقم 83،
الصادر بتاريخ 31 تمّوز 1964، المقابلة التالية:
الأَمير خالد شهاب والدكتور داهش صديقان من زمان … بل هي صداقة تعود إلى حوالى الثلاثين سنة، عندما التقى رئيس الوزراء السابق، وكان يومها في عزِّ الشباب، بالدكتور داهش. وكان الزمان صيف عام 1936، والمكان مصيف سوق الغرب الغنيّ بالخمائل، حيث كان يصطاف كلٌّ من … الاثنين!
يومها كان المير خالد أَشبه بالقدِّيس توما …
بمعنى أَنَّه لم يكن يؤمن بالشيء حتَّى يجسَّه بكلتا يديه، ويناقش فيه، ويقلِّبه على عدَّة وجوه!
بهذه الصفات واجه رئيسُ الوزراء السابق الدكتور داهش وكأَنَّه يتحدَّى الرجُل أَن يأْتي له بظاهرة تدلُّ على اتِّصاله بالأَرواح. وكان معه جلال الأَحدب. وقَـبِل الدكتور داهش التحدِّي، وبعد أَن خلا بنفسه قليلاً، دون أَن يغادر الغرفة، قال العالِـم الروحانيّ للمير خالد الذي كان يصطاف وحيدًا، بينما العائلة في “حاصبيَّا”:
– أَنا أَعلم الآن أَنَّ بالك مشغول على العائلة في “حاصبيَّا”.
قال الأَمير خالد:
– هذا صحيح … بالي مشغول جدًّا.
ظاهرةٌ في سوق الغرب
وهنا قال الدكتور داهش:
– أُخبرُكَ أَنَّ العائلة بخير. هناك ولدٌ لك نام باكرًا، والولد الآخر ما زال يضايق والدته بعفرتته! …
وحتَّى يتأَكدَّ الأَمير خالد من هذا العِلم بالغَيب، قام إلى جهاز التلفون، وطلب “حاصبيَّا” بسرعة … وإن هي إلَّا دقائق حتَّى رنَّ جرس التلفون، وكانت “حاصبيَّا” على الخطّ.
وأَمسك المير خالد بالسمَّاعة، وسأَل السيِّدة قرينته:
– كيف الحال؟
أَجابته على الطرف الثاني من الخطّ:
– الحمد لله …كلُّنا بخير!
وهنا أَراد المير أَن يتأكَّد ممَّا أَخبره به الدكتور داهش، فسأَل زوجته:
– شو قصَّة الولد نايم بكِّير؟؟
وأَجابته من “حاصبيَّا” بدهشة:
– يا أَلله … كيف عرفت؟
قال لها:
– دعيكِ من هذا وأَخبريني أَيضًا هل ما زال ولدنا الثاني …يعذِّبك؟؟
وأَجابت بالدهشة نفسها:
– عجيبٌ أَمرك أَيـــُّها الرجُل … كيف عرفت أَنَّـه “يعذِّبني؟”
قال:
عرفت … والآن قولي له إنَّ أَباك يريد أَن تكفَّ عن العفرتة وتنام!
كان ذلك في صيف عام 1936 …
ثـمَّ تمنَّى لزوجته ليلة سعيدة وأَقفل الخطَّ وهو ينظر إلى الدكتور داهش بعينَين فيهما الكثير من … الإعجاب!
وإذا بالأَيام تمرُّ بعد ذلك، وبالأَمير خالد يُصبحُ رئيسًا للوزراء، ثـمَّ نائبًا عن حاصبيَّا؛ كلُّ ذلك وهو منقطع عن الدكتور داهش، بل يقرأُ عن أَخباره في الصحف، ويطمئنُّ على أَحواله من بعيد؛ حتَّى كان الأُسبوع الأَسبق، وكان الأَمير خالد قد جاء من حاصبيَّا لإنجاز بعض أَعماله في العاصمة، فساقته قدماه تلقائيًّا إلى منزل الدكتور داهش وراء قصر فرعون. وجمع الله بذلك بين الشَّتيتَين بعد أَن ظنَّا كلَّ الظنِّ أَنْ لا …”تلاقيا”!
سؤال وجواب
وتعانق الرجُلان …
وأَثارا ذكريات سوق الغرب؛ وقال الأَمير خالد لصديقه العالـِم الروحانيّ:
– عندي سؤال …
قال الدكتور داهش:
– تفضَّل واكتبْهُ على ورقة … فما زال هناك سيَّال روحيٌّ من جلسة روحيَّة عُقدَت هذا الصباح.
وأَخرجَ الأَمير خالد من جَيبه قلمًا وورقة، ثـمَّ كَتَبَ سؤالاً معيَّنًا (لعلَّه عن معركة رئاسة الجمهوريَّة)، وقال لصديقه العالـمِ الروحانيّ:
– خلاص … كتبتُ السؤال!
وهنا قال له الدكتور داهش:
– اطوِ الورقة وأَغلقْ عليها وعلى قلم الحبر كفَّك!
ففعل المير خالد …
وهنا ردَّد الدكتور داهش عبارته التقليديَّة:
– بحقِّ الله أَن يأْتي الجواب روحيًّا! …
ثـمَّ التفَتَ إلى صديقه رئيس الوزراء السابق، وقال له:
والآن افتح يدك أَيُّها الأَمير.
وفعل المير خالد، فاذا الدهشة تعقد لسانه … لماذا؟؟ لأَنَّ الجواب كان مكتوبًا تحت السؤال مباشرة، وبغير الخطِّ الذي كتب به رئيس الوزراء السابق سؤاله!
ونُحبُّ أَن نقف هنا قليلاً لنذكر أَنَّ المير خالد رفض أَن يصرِّح بالسؤال الذي طرحه على الدكتور داهش، قال باسمًا:
– ما دام الأَمير خالد قد تكتَّم السؤال، فهذا يُـلزمني بمشاركته هذا التكـتُّم!
ولكن هل انتهت زيارة المير خالد للدكتور داهش؟
أَبدًا … لقد كانت هناك ظواهر روحيَّة أُخرى تمَّت في الزيارة نفسها!
وقد كانت الظاهرة الأُولى عندما طلب الدكتور داهش من صديقه رئيس الوزراء السابق أَن يُخرج من جَيبه بطاقة، أَيَّة بطاقة، ثـمَّ يغلق عليها يده. ولَمَّا فعل المير خالد، قال له الدكتور داهش:
– افتح الآن يدك أَيُّـها الأَمير.
وما إن فعل حتَّى اختفى الكارت من يد المير خالد وسط دهشة مستمرَّة. وهنا طيَّب الدكتور داهش خاطره، وهدَّأَ من رَوعه، ثـمَّ ناوله مفتاحًا، وقال له:
– في آخر هذا الرواق، يا أَمير، غرفة مقفلة؛ افتحها بهذا المفتاح، وانظرْ ماذا في داخلها على الترابيزة!
وأَخذ الأَمير خالد المفتاح، وعالج به باب الغرفة، ثـمَّ دفعَه بِرفقٍ إلى الأَمام. وما إن انفتح الباب حتَّى عقدت الدهشة لسان الأَمير من جديد. فقد كانت البطاقة التي اختَفَت من يده على الترابيزة داخل الغُرفة …
واستعاد الرجُل البطاقة، ثمَّ عاد إلى الصالون … حيث كان الدكتور داهش ينتظره بظاهرة جديدة!
ليرة …بالمقصّ!
جاء الدكتور داهش إلى صديقه “بطلحيَّة” من الورق، وبمقصّ، وسأَله أَن يقصَّ من “الطلحيَّة” مساحة بحجم الليرة اللبنانيَّة. فأَمسك الأَمير خالد بالمقصِّ، ثـمَّ قصَّ من “الطلحيَّة” المساحة المطلوبة وعند ذلك طلب إليه الدكتور داهش أَن يكتب بخطِّ يده اسمَه على الورقة؛ ولَمَّا فعل، وأَمسكها بين يديه، امتقع وجهه وهو يشاهد الورقة البيضاء تتغيَّر بالأَلوان شيئًا فشيئًا حتَّى تأْخذ اللون الفخَّاريّ، لون الليرة اللبنانيَّة، وتستحيل ليرة لبنانيَّة بالفعل، عليها اسم رئيس الوزراء السابق الأَمير خالد شهاب. وهنا قال له الدكتور داهش إنَّه يستطيع الاحتفاظ بها كذكرى لهذه الظاهرة الروحيَّة!
هذا ما جرى لشيخ حاصبيَّا السياسيِّ في منزل الدكتور داهش …
ما هو تفسير هذه الظواهر؟ وما هي آراء العلماء فيها؟
اسأَلوا الأَمير خالد شهاب، إنَّه يحدِّث عنها الآن زوَّار منزله الكثيرين في “حاصبيَّا”. وحتَّى يزدادوا تأَكُّدًا، تراه يُخرج لهم الليرة التي وُلدت بين يديه ويعرضها أَمامهم جميعًا!…
عائلةُ الحدَّاد …تتكلَّم
سرُّ المطاردة بين رئيس الجمهوريَّة، بشارة الخوري، والدكتور داهش …
تحت هذا العنوان، نشرت مجلَّة “اللواء” في عددها رقم 88،
الصادر بتاريخ 4 أَيلول 1964، المقابلة التالية:
الدكتور داهش واسم آل الحدَّاد وَجْهان لعملة واحدة، كما يقول الداهشيُّون؛ بمعنى أَنَّه كلَّما ذُكِرَ داهش، لا بدَّ من ورود اسم آل الحدَّاد، أَي عائلة جورج حدَّاد، عديل الرئيس بشارة الخوري، بعد الصراع العنيف بين الطرفَين، والذي اتَّخذ طابعًا مأْساويًّا من نفي داهش تعسُّفاً، كما يضيف الداهشيُّون، وصولاً إلى انتحار ماجدا حدَّاد احتجاجًا على ما قاساه داهش، فاعتبروها “الشهيدة الداهشيّةَ الأُولى”.
ما هي خلفيَّة هذا الصراع القاسي بين آل الحدَّاد الذين أَصبح مقرًّا “للرسالة الداهشيَّة”؟ هل هو صراعٌ طبقيٌّ أَم عقائديّ؟
من أَجل هذه العائلة قامت قيامة رئيس الجمهوريَّة الراحل، الشيخ بشارة الخوري، على يد الدكتور داهش عام 1944، فحرَّك ضدَّه مجلس النوَّاب، واستنفر رجال التحرِّي والأَمن العامّ، وساقه إلى السجن، ثـم َّ إلى الحدود الشمالـيَّة؛ ومن هناك، أَرسله منفيًّـا إلى بلدة “إعزاز” السوريَّـة، القريبة من مدينة حلب!
ما سرُّ هذه العائلة … عائلة الحدَّاد؟
إنَّه تحقيقٌ جديد عن العالِـم الروحانيّ الذي تتحدَّث عنه المدينة الآن من أَقصاها إلى أَقصاها!
تسأَلوننا ولا بدّ: لماذا ننبش هذا الموضوع الآن من غياهب الماضي؟؟
السبب هو أَنَّ الكثيرين من الناس يسأَلوننا: ماذا حدث بين الدكتور داهش، صاحبكم، وبين المرحوم الشيخ بشارة الخوري، رئيس جمهوريَّة عهد الاستقلال، حتَّى نفى الأَوَّل من البلاد، وتعرَّض الثاني لخمسة وسبعين كتابًا أَسود[1] بإمضاء ماري شيحا حدَّاد؟ قد يكون هناك جيلٌ يعرف بالحكاية؛ وهو جيل الذين تتراوح أَعمارهم بين الخمس والأَربعين والخمس والستِّين سنة. ولكن في الأَمر كذلك جيلان: الأَوَّل هو الجيل الذي تتراوح أَعماره بين الثلاثين والخمس والأَربعين، ومعلوماته عن الحكاية كالصورة المهزوزة؛ والثاني جيلُ الذين تتراوح أَعمارهم بين الرابعة عشرة والثلاثين، وهم معزولون عن الحكاية كلَّ العزلة، ويسمعون بها كأَيِّ حكايةٍ من حكايات الماضي!
وهذا الكلام صحيح …
ومن أَجل هذَين الجيلَين نقدِّم هنا العائلة التي كانت وراء اضطهاد الدكتور داهش وإلقاء الداهشيِّين في غياهبِ السجون. ونترك الحديث لاثــنـتَين من العائلة، هما: زينا حدَّاد التي تعتبر الآن سكرتيرة الدكتور داهش وكاتمة أَسراره، وأَندريه حدَّاد، المتزوِّجة من المواطن جوزف حجَّار.
العالمون بالأَنساب وشجرات العائلات يقولون إنَّّ ماري حدَّاد التي آمنت بالدكتور داهش، هي وبناتها الثلاث: “أَندريه” و “زينا” و”ماجدا”، هي واحدة من ستِّ أَخوات للأَديب اللبنانيّ الراحل ميشال شيحا. منهنَّ المرحومة “أَليس دو فرَيج”، أُمُّ الماركيز موسى دو فرَيج، التي كانت رئيسة الصليب الأحمر؛ وأُمُّ المليونير سامي شقير؛ و”لور”، زوجة رئيس الجمهوريَّة الراحل الشيخ بشارة الخوري؛ و”ماري”، زوجة التاجر جورج حدَّاد، وكانت ولا تزال واحدة من أَديـبات لبنان الأَوائل باللغة الفرنسيَّـة، ولها لوحتان بريشتها في متحف “اللوڤر” بباريس، وقد أَحدث كتابها “الساعات اللبنانــيَّــة” ضجَّةً في محافل الأَدب الممتدَّة من بيروت إلى باريس!
كانت ماري حدَّاد، إذن، أُخت زوجة الرئيس بشارة الخوري. فكيف تخرج من ذلك الجوّ المغلَّف بالأَرستقراطـيَّـة والدم الأَزرق لتعتنق الداهشيَّـة، هذا المبدأَ الذي يَعترف بكلِّ الأَديان، ويُكرِّس وجود الروح والثواب والعقاب؟؟
من هنا … انطلَـقَت حملـةُ اضطهاد الدكتور داهش!
وهذه زينا حدَّاد تروي لكم كيف اعتنقَت العائلة بكاملها العقيدة الداهشيَّـة …
البالون … المقطوع
قالت زينا:
– كنَّا نصطاف، والدايَ ونحن، في بلدة “جورة الترمس” القريـبة من “غزير” في كسروان. وكان التاريخ 15 آب عام 1942، وكـنَّا نحتفل أَثناءها بعيد السيِّدة، حول مائدة الغداء، عندما تناهى إلى أَسماعنا صوت همسات كثيرة في الخارج، وضوضاء وشَوشَرة. فخرجنا إلى شرفة الفندق نستطلع الأَمر. وقد رأَينا الناس ينظرون إلى أَعلى، فإذا في الفضاء بالون من تلك البالونات المستعملة في الحرب ضدّ الطائرات، والموزَّعة في الأَماكن الستراتيجيَّـة، حتَّى إذا أَرادت إحدى طائرات العدوِّ ضرْبَ الهدف عن علوٍّ منخفض، اصطدمَت بأَحد هذه البالونات وتحطَّمت!
ثـمَّ مضت زينا تقول:
وقد تنبَّهنا إلى أَنَّ هذا البالون فَقَدَ رباطَه بالأَرض، فهام في الفضاء، واستقرَّ في النهاية على رأْس إحدى التلال. وما كان من المختار الذي لم يكن سوى صاحب الفندق الذي ننزل فيه إلَّا أَن اتَّصل بالمراجع المختصَّة ليخبرها بأَمر البالون الهارب من … مركزه!
وقبل أَن نسأَل “زينا”: وما دخْلُ البالون هنا … أَردفَت قائلةً:
– احفظوا حكاية هذا البالون … فستجدون لُـغـزَها بعد قليل …
ثـمَّ بدأَت تروي حكاية معرفة العائلة بالدكتور داهش، فذَكَـرَت أَنَّ شقيقتها “أَندريه” انتقلَت إلى مستشفى الدكتور توفيق رزق في محطَّة النويري، وكان التاريخ 29 آب 1942، لتضع مولودها البِكر. وبحكم تردُّد العائلة على هذا المستشفى، التقى بها ربُّ العائلة – الذي هو جورج الحدَّاد – بصديقه الشاعر الراحل حليم دمُّوس، وكان من كبار الداهشيِّين، فأَخبره شاعر زحلة أَنَّه يزور الدكتور داهش، جار المستشفى. ودعاه بدوره إلى مشاركته هذه الزيارة. فلمَّا فعل جورج الحدَّاد ومعه زوجته الأَديبة ماري، ما لبثَت “زينا” و”ماجدا” أَن لحقت بهما إلى منزل الدكتور داهش!
واسمعوا “زينا” تروي أَوَّل ظاهرة داهشيَّة في حياتها، قالت:
– حينما استقرَّ بنا الجلوس في صالون الدكتور داهش، كانت نفسي تهفُّ إلى فنجان شاي، لا إلى أَيِّ شيءٍ آخر، لأَلمَ في معدتي. ولكنَّني بالطبع لَـم أُبدِ هذه الرغبة، بل حبستُها في نفسي. وكم كانت مفاجأَةُ عظيمة لي حينما أَبصرتُ الخادم يأْتي بصينيَّة قهوة يتوسَّطها فنجان شاي، فيقول الدكتور داهش مبتسمًا: “فنجان الشاي لكِ، يا آنسة “… لقد قرأَ الرجُل أَفكاري من أَوَّل مـرَّة!
قَطْعُ الحديد … بالإصبع
وعادت “زينا” تقول:
أَمَّا الشيء العجيب في الموضوع، فهو أَنَّ الشاعر حليم دمُّوس روى على مسامعي، في جلسةٍ أُخرى حول مائدة عشاء، حكاية لا يصدِّقُها المرء الغريب عن هيكل الدكتور داهش. فقد أَخبرَنا أَنَّـه منذ أَسابيع، كان يمرُّ والدكتور داهش قرب مبنى البريد، وكانت معالـِم الشارع تختلف عمَّا هي عليه الآن كلّ الاختلاف. عندما وصلا قرب محطَّة بنزين (نفس المكان الذي يقوم فيه الآن مبنى بنك إنترا في باب إدريس)، شاهد مجموعةً من البالونات المضادَّة للطائرات تستقرُّ في الفضاء، فالتفت الدكتور داهش إلى صديقه الشاعر حليم دمُّوس، وقال له: “أُنظر … بحركةٍ من إصبعي، سينقطعُ جنزيرُ الحديد الذي يشدُّ ذلك البالون، ويذهب إلى البعيد البعيد ليكون سببًا في اعتناق إحدى العائلات الكبيرة للداهشيَّة.” وبحركةٍ من إصبعه، ابتعد البالون عن ناظرَينا – قال حليم. وعند ذلك كانت وجُوهُنا جميعًا، نحن عائلة الحدَّاد، في شبه ذهول. وقد سأَلتُ الشاعر حليم دمُّوس بالمناسبة: “في أَيِّ تاريخ حَدَثَ كلُّ هذا؟” قال: ” 15 آب 1942. وهنا هتفت أُمِّي ماري حدَّاد: إبتهجْ يا شاعري … فنحن العائلة التي تقصدونها دون أَن تدروا … لقد شاهدنا البالون المقطوع بأُمِّ عيوننا وهو يستقرُّ فوق تلَّة “جورة الترمس”!”
ثـمَّ قالت:
– ثـمَّ رأَيت شيئًا يختلف عمَّا رآه غيري من الناس. لقد رأَيتُ الدكتور داهش أَمامي أَربع مرَّات في منزل عائلتي. رأَيتُه يتكلَّم مع دكتور داهش آخر. وحَدَثَ أَن دخلتُ غرفة الطعام، فرأَيت داهشًا ثالثًا يتناول الطعام. ورنَّ جرسُ الباب، فذهبتُ لأَفتحه، ولأَجدَ داهشًا رابعًا يصعد السلَّم بعد أَن اخترق الباب قبل أَن أَفتحَه!…
هكذا تكلَّمَت عائلة الحدَّاد.
العائلة التي تحمَّلَ الدكتور داهش من أَجلها فوق ما يحمل البَشَر على يد عهد الرئيس الراحل بشارة الخوري!
هذه هي ماري حدَّاد
صاحبةُ الكُتُبِ السوداء
ضدَّ رئيس الجمهوريَّة الراحل بشارة الخوري!
تحت هذا العنوان، نشرت مجلَّة “اللواء” في عددها رقم 89،
الصادر بتاريخ 11 أَيلول 1964، المقابلة التالية مع السيِّدة ماري حدَّاد:
من أَجل إيمانها بالدكتور داهش، تحمَّلَت هذه المرأَة تُـهمةَ الجنون، وبقـيَت في مستشفى الأَمراض العقلـيَّة بضعةَ أَشهُرٍ، مغلوبةً على أَمرها، تمامًا كما حَدَثَ للأَديبة الخالدة مَي زيادة!
من أَجل إيمانها بالدكتور داهش، فُتحت لها أَبوابُ سجن النساء، حيث أَمضَت سنة كاملة ابتداءً من عام 1945. ومن أَجل إيمانها نفسِه، لقيت من ظُلمِ ذوي الــقُربى ما لم تَــرَهُ امرأَةٌ غيرها!
هذه المرأَة هي ماري حدَّاد، صاحبة الكتب السوداء الخمسة والستِّين[2] ضدَّ عهد الرئيس الراحل بشارة الخوري!
هي الآن في الخامسة والسبعين. عجوزٌ عاقلةٌ لم تترك حتَّى الآن صناعة القلم. ولكنَّها قلَّما تقابل الزوَّار، بل تقبع في غرفتها داخل المنزل الهادئ المطلِّ على حيِّ الوطواط، وتسبح في صفحات كتاب جديد قادم من باريس، وتحاول أَن تتحرَّر من …الذكريات.
لَمَعَ اسمُ ماري شيحا حدَّاد بين عام 1933 وعام 1940. ففي عام 1933، كتبَت عنها جريدة “الدايلي ميل” اللندنيَّة الناطقة باسم حزب المحافظين: “كأَنَّ لوحات هذه الفنَّانة خميلةٌ تكاد تنطق لو أُعطيَت قدرة النطق، أَو انعكاساتُ ضوءٍ، أَو نماذجُ حيَّة لبَشَر، وهي نماذج حاول فنَّانونا دراستَها طويلاً. إنَّ اللوحات تعكس سوريا بسمائها الغارقة في لون الشفق، وجبالها، وغابات صنوبرها العملاقة، وأَشجار برتقالها، وغابات أَرزها المترامية الأَطراف التي غنَّاها “لامارتين”. وقد نقلَت مدام حدَّاد كلَّ ذلك بأَمانة. إنَّ فنَّ مدام حدَّاد فنٌّ قويٌّ، متمكِّنٌ من نفسه!”
أَمَّا جريدة الباريسيّ الصغير” الفرنسيَّة، فقد كتبت في 21 تشرين الأَوَّل من العام نفسه: “إنَّ مدام حدَّاد تفرض شخصيَّتها بفنِّها الذي هو نسيج وحده، وتودع إحدى لوحاتها عواطف الحبِّ للقرية ولبلدة “عشقوت” (قضاء كسروان)…”
هكذا كانت ماري حدَّاد، ولا تزال واحدة من فنّانات لبنان اللواتي امتدَّ صيتُهنَّ عبر المتوسِّط إلى “المانش”، إلى “الأَطلنطي”. وقد اشترت الحكومة الفرنسيَّة منها لوحـتَين تمثِّلان إثنَين من أَبناء القرى، وأَودعتهما متحف “اللوكسمبورغ” حيث لا تزالان تُعرضان إلى الآن. وهي أَوَّل من ترأَّس جمعيَّة الفنَّانين اللبنانيِّين للرسم والنحت. وقد خلَفَها في هذا المنصب، بعد ذلك، الشيخ قيصر الجميِّل الذي توفَّاه الله منذ سنوات. كما إنَّـها لا تزال، حتَّى الآن، واحدةً من فارسات الأَدب الفرنسيّ. وقد أَحدثَ كتابُـها “الساعات اللبنانيَّة” ضجَّةً في أَكثر المحافل الأَدبيَّــة.
شجرةُ المشمش
إنَّ ماري حدَّاد لم تكن إذن إنسانًا عاديًّا حتَّى يغفرَ لها أَقاربها الإيمان بالدكتور داهش …
وقد اقتحمنا عليها عزلتها هذا الأُسبوع، وسأَلناها:
– هل نعيش مع ذكرياتك؟
– دعونا من الذكريات …إنَّها أَليمةٌ على نفسي!
– حتَّى ذكريات الدكتور داهش؟
قالت، وابتسامةٌ على محيَّاها:
بالعكس … هذه الذكريات حبيبةٌ إلى نفسي!
ومضَت ماري حدَّاد تروي حكايةَ لقائها بالدكتور داهش.
كانت واحدة من ستِّ بنات وصبيَّين خلَّفهم المرحوم أَنطوان شيحا. وهم: لور (زوجة بشارة الخوري)، أَليس (زوجة الماركيز دو فرَيج)، أَديل (أُمُّ المليونير سامي شقير)، ماتيلدا (أُمُّ بيار حدَّاد وجدَّة زوجة خليل الخوري). والصبيَّان هما المرحومان ميشال شيحا، مؤسِّس جريدة “لو جور”، وجوزف شيحا. وقد انتقلوا جميعا إلى رحمة الله، ولم يبقَ بينهم سوى ماري حدَّاد نفسها. وقد ذكرنا في الأُسبوع الماضي أَنَّ الطفل الذي وضعته أَندريه حدَّاد، ابنة ماري حدَّاد، في مستشفى رزق في محطَّة النوَيري، هو الذي كان وسيلةَ التعارف بين آل الحدَّاد وبين الدكتور داهش الذي كان يُقيم مقابل المستشفى.
واسمعوا ماري حدَّاد تروي أَوَّل ظاهرة روحيَّة حدثَت لها مع الدكتور داهش … قالت:
– خرجنا ذات مرَّة إلى حديقة منزل الدكتور داهش في محطَّة النويري … وهناك أَمسَكَ الدكتور داهش بعجوة حبَّة مشمش، ووضعها على الأَرض، وقال: “بحقِّ الله أَن تتحوَّل هذه النواة إلى شجرة مشمش مزهرة.” ولم يُكمل الدكتور داهش كلامَه حتَّى رأَينا أَمامنا شجرة مشمش تأْخذ في الارتفاع شيئًا فشيئًا حتَّى أَزهرت، ثمَّ تحوَّل الزهر إلى ثَـمَر. وعند ذلك أَكلنا المشمش منها، وكان من أَطيب ما ذُقــنا. وما تزال الشجرة قائمة في الحديقة حتَّى هذا التاريخ!
قلنا بدهشة:
– هذا شيء عجيب!
قالت:
– لا تعجبوا للحقيقة … الشجرة موجودة أَمامكم!
ثـمَّ رَوَت ماري حدَّاد ظاهرة ثانية، فقالت:
– ذات صباح، أَخبرني الدكتور داهش بأَنَّني رأيتُ فيما يرى النائم حُلمًا مزعجًا، وأَنَّني تضايقتُ منه كلَّ الضيق. فقلت له: “هذا صحيح”، فأَخبرني أَنَّني نتيجةً لهذا الحُلم ستزلُّ بي القَدَم، ويصطدم رأْسي بالجدار، ولكن بمساعدة روحيَّة سوف تُكتَبُ لي النجاة … ثـمَّ طلب إليَّ أَن أَكتب الرمز الداهشيَّ المقدَّس حتَّى يُرفعَ عنِّي الأَذى، ففعلت. وإن هي إلَّا ساعات معدودة حتَّى زلَّت بي القَدَم، واصطدم رأْسي بالجدار. ولكن خرجتُ من الحادث سليمةً معافاة!…
المعطفُ … الضائع!
ولم تكن آخرَ ظاهرة رأَتها ماري حدَّاد، فهي تروي كذلك أَنَّها رسَمت، ذات يوم، لوحةً لمنظرٍ طبيعيٍّ تظهر فيه شجرة وعليها عصفور مغرِّد. ولَمَّا كانت قد سمعَت بأَنَّ الدكتور داهش قد أَنطقَ اللوحات الزيتيَّة غير مرَّة، فقد سأَلتْه أَن يُحضرَ لها العصفور الغرِّيد من اللوحة. وإنْ هي إلَّا لحظات حتَّى دبَّت الحياة في العصفور الغرِّيد. فأَخذته ماري حدَّاد، وارتاح بين يديها. وقد بادرَت، بعد ذلك، إلى وضعه في قفصٍ خاصٍّ عاش فيه سنتَين ….
ثـمَّ كانت الظاهرة الأَكثر عجبًا …
الحادث يتَّصل بزوجها التاجر جورج حدَّاد الذي ذهب إلى فلسطين عام 1941، ومن هناك اشترى معطفًا من الجوخ. ولكن لسببٍ من الأَسباب، فُقِدَ منه المعطف، أَو سُرِق. فجاء بيروت وهو كاسف البال لضياع المعطَف. فلمَّا جمعوه بالدكتور داهش، وأَخبروه أَنَّ الرجُل يستطيع في إحدى الجلسات الروحيَّة أَن يُعيدَ الأَشياء الضائعة إلى أَصحابها، اغتنم فرصة انعقاد إحدى الجلسات الروحيَّة، وطلب إلى الدكتور داهش أَن يُعيدَ إليه المعطف. وأَخبره الدكتور داهش أَنَّه من غير الحكمة تحديد موعد استعادة المعطف، ولكنَّه لا بدَّ أَن يعود إلى صاحبه في يومٍ من الأَيَّام!
وتمضي أَيــَّام قليلة ….
ويكون الرجُل (السيِّد جورج حدَّاد) مارًّا بباب إدريس، حينما يُفاجـأُ بـثِـقَلٍ على ذراعه الأَيمن، وإذا به يُـبصر المعطف الضائع قد استقرَّ على …الذراع!
وهنا كان لا بدَّ من أَن نطرح على ماري حدَّاد سؤالاً مهمًّا هو:
– أَنتِ المـثقَّـفة المتعلِّمة … تؤمنين بهذه الأَشياء؟؟
قالت وهي تشدُّ على كلِّ عبارةٍ تقولها:
– ماذا في وُسْعِ المرء أَن يفعلَ أَمام رؤية هذه الحقائق … غير الإيمان بصاحبها؟؟ أَنا هنا أُؤمنُ بما أَبصرَتْـه عيناي، لا بما التقطَته أُذناي …وكيف في وسعي أَن أُكذِّبَ عينيَّ … وقدرتي على تمييز الأَشياء؟؟
إنَّ داهش رجُل معجزة … معجزةُ القرن العشرين!
3 ساعات داهشيَّــة مع الغرائب
تحت هذا العنوان، نشرت جريدة “النهار” في عددها رقم 8986،
الصادر بتاريخ 21 آذار 1965، المقابلة التاليةالتي أجراها الصحفيّ
حافظ إبراهيم خير الله مع الدكتور داهش:
في ملحق “النهار” العدد 8986، الصادر يوم الأَحد بتاريخ 21 آذار 1965، وعلى الصفحات 4 و5 و6، يروي الزميل حافظ إبراهيم خير الله قصَّة لقائه مع داهش وما شاهده بأُمِّ العين وما التقطته عين الكاميرا الساهرة، فماذا يقول:
– “مسكين … بلَّش يرنَّها …. شو كان صاير عليه؟”
– “ولك شو كان حاشرك… حدا بيروح لعند داهش؟”
– “ولك شو يا عمِّي بيتكم مسعد … بعد بدَّك شويّ بتصير بالعصفوريَّة!”
حتَّى الأُسبوع الماضي، أَيْ منذ أَن بدأْتُ أُلاحق قصَّة طهرا بك والداهشيِّين، كنتُ أَعتقد بأَنَّ الدكتور داهش لا أَثَرَ له في البلاد، خاصَّةً بعدما سمعت أَنَّه أُعدم لحوالي عشرين سنة خَلَتْ، لأَسبابٍ قيل إنَّـها خضَّت لبنان في تلك الأَيـَّـام.
إلَّا أَنَّ الدكتور فريد أَبو سليمان، وهو من كبار الداهشيِّين، حرص على القول إنَّ الدكتور داهش مقيم في بيروت – بالضبط في حيِّ الصنائع، على مقربة من القصر الجمهوريِّ القديم في مُلْك الدكتور حـنَــيْـنِه – وأَنَّه مستعدٌّ لتدبير موعد لي معه لأَطَّلع بنفسي على كلِّ ما يجري في ذلك البيت.
بوَّابةٌ حمراء
المبنى من طبقتَين، والدكتور داهش في الطبقة العُليا. والمدخل خاصٌّ، وهو ذو بوَّابة حديديَّة حمراء. وعلى الداخل أَن يشدَّ حبْلاً رفيعًا قربها، فيتطَّلع أَهلُ البيت من علٍ ثـمَّ يشدُّون بدورهم حبْلاً رفيعًا فتنفتحُ البوَّابة.
نمرٌ على الحائط
الغرفة الأُولى التي يدخلها الزائر تجلب الرهبة إلى النفس. أَوَّل ما تصطدم به العين جِلْد نـَمِرٍ على الحائط بشكلٍ يجعل رأْس النمر المصبَّر ناتـئًا ومركَّزًا إلى أَمام، ثـمَّ جلدُ دُبٍّ أَسوَد وقد ركِّز الرأْس عند أَسفل، على طريقة رأْس النمر. وبين الرأْسَين وُضعت الكرسيّ التي يجلس عليها الدكتور داهش وراء مكتبٍ أَنيق. يضاف إلى ذلك كلِّه، في تلك الغرفة الصغيرة، عدد وفيرٌ من الحيوانات المصنوعة بالبورسلين ولوحات زيـتــيَّــة مختلفة في عصور فنِّها.
الدكتور أَبو سليمان كان بالانتظار، لأَنَّ الدكتور داهش كان لديه بعض الزوَّار في غرفةٍ أُخرى. أَعترفُ صراحةً بأَنَّ الانتظار في تلك الغرفة أَدخلَ الضيقَ إلى نفسي. لقد تضافرَت عواملُ عديدةٌ لتجعلَ دقائق الانتظار القليلة تلك نوعًا من التحضير لما يشبه الحفاظ على النفس، أَو أَيّ شيء من هذا القبيل، إذ لا أُخفي أَنَّ كثيرين ممَّن علموا بمشروع المقابلة حذَّروني من “صرعاتٍ” أَنا بغنًى عنها.
حنطيُّ اللون
المهمُّ أَنَّه بعد الدقائق، وصل الدكتور داهش ففتح الباب بهدوء، مرحِّبًا مسلِّمًا ببساطةٍ لم أَكن أتَصوَّرها في شخصه. إنـَّـه في حوالى الخمسين من عمره، مربوع القامة، حنطيُّ اللون، بشوش، لطيف، باسم، أَي بكلمة مختصرة رجُلٌ طبيعيٌّ جدًّا في مظهره، وخاصَّةً في طريقة تطلُّعِه وتركيز عينَيه – إذ إنَّ هذه الطريقة هي التي توهِمُ الناسَ عادةً بأَشياء كثيرة – فسلَّمتُ أَمري إلى القدِّيس جاوُرجيوس الدائم الظفَر، وراعي بلدتي بحمدون، وقلتُ إنـَّها ساعة واحدة معه، فماذا يمكن أَن يحدُث؟
تماثيل وحيوانات
وانتقلنا من الغرفة الأُولى إلى غرفة ثانية عبر ممرٍّ أَشبه بمكتبات الجامعات، رُصفَت الكتب فيه من الأَرض حتَّى السقف. وإذا بالغرفة الثانية أَشبه بالمتحف: الجدران الأَربعة مغطَّاة باللوحات الفنيَّة، وتحتها هنا وهناك على الطاولات حيواناتٌ كاسرة وأَليفة من البورسلين، وتماثيل رخاميَّة وجفصينيَّة …
وقعَدنا وامتدَّ قعودُنا ثلاث ساعاتٍ كاملة.
– ما سرُّك يا دكتور؟
– لا أَسرار هناك، ودعني أُفسِّرُ لك الأَمر بشيء عِلميٍّ يقرِّبه إلى ذهنك. خُذِ التلفزيون، مثلاً: سرعة الصورة فيه من محطَّة الإرسال إلى الجهاز في البيت تبلغ ثلاثمئة أَلف كيلو متر في الثانية؛ وهذه ظاهرة طبيعيَّة علميَّة لها علاقة بالإلكترون والتموُّجات القائمة في هذا الفلك. فهذه التموُّجات، إذن، تنقل شخص المذيع أَو المغنِّي في محطَّة التلفزيون إلى الجهاز لتعيدها صورة واضحة.
أَنا أَعتقد، وأَنت حرٌّ في أَن تصدِّق أَو لا تصدِّق، أَنَّ فيَّ روحًا بلغَت من القوَّة حدًّا تستطيع معه أَن تنقل إليَّ ما يجري، لا في أَعمال الناس فحسب، بل في تفكيرهم أَيضًا. والروح عندي هي العمود الفقري لكلِّ شيء في العالَـم، وهي خالدة ومسؤولة عن أَعمالها، وتوجِبُ على صاحبها أَن يتقيَّد بقيَمٍ سامية معيَّنة، وإلَّا فضَحتْه. وأَنا أَعتقد بأَنَّ الروح خالدة لا تفنى بفناء الجسد، بل هي قادرة على الانفصال عن الجسد وعلى التصرُّف تصرُّفًا مستقلاً كاملاً لا علاقة للجسد به. وأَنا في الجلسات الروحيَّة التي أَعقدُها أَعتبرُ نفسي وسيلةً إلى غاية، فتَحْدُثُ لي ولِـمَن معي ظاهرات تخرقُ الناموسَ الطبيعيّ.
– وما هي قصَّة تحويل مادَّة معيَّنة إلى مادَّة أُخرى، كتحويل قطعة الخشب إلى قطعة ذهب مثلاً؟
– كلُّنا يعلم أَنَّ الخشب ليس خشبًا إلَّا بسبب سرعة الذبذبات في الذرَّات التي تتأَلــَّـف منها مادَّته والتي تحتِّمُ عليه أَن يكون خشبًا، وهذا شيء علميٌّ وليس جديدًا على أَبسط تلميذ بكالوريا. ما هو دوري إذن؟ أَنا أَستطيع، بما لي من قوَّة روحيَّة خارقة، أَن أَجعلَ سرعةَ الذبذبات التي في ذرَّة الخشب كسرعة الذبذبات التي في ذرَّة الذهب، وعندئذٍ تتحوَّل قطعة الخشب إلى قطعة ذهب.
من برلين إلى بيروت
– قيل لي، أَيضًا، إنَّك تستطيع أَن تنقل ساعة اليد، مثلاً، من برلين إلى بيروت. فهل هذا صحيح، وكيف تعلِّلُه؟
– هذا صحيح بالطبع، وإليك تعليله: عندما تكون الساعة في برلين، أَفرِضُ قوَّتي الروحيَّة عليها، فأُحوِّلُ مادَّتَها إلى ذرَّاتٍ تنتقل إلى بيروت مع تموُّجات الأَثير، وأَعودُ هنا فأَجمعُ هذه الذرَّات. وبذلك تكون الساعة نفسها قد وصَلَت إلى بيروت.
– وهل تُريدني أَن أُصدِّق هذا أَيضًا؟ …
هل معك ليرة؟
وعدنا إلى موضوعٍ آخر. أَثــَرتُ أَمامه موضوع تحويل الورق إلى عملةٍ لبنانيَّة، أَو دولارات أَو أَيَّة عملة أُخرى. وابتسمَ وقال: هل معك ليرة لبنانيَّة أَو دولار؟ قلت هذه ليرة لبنانيَّة.
قال: ما دام مصوِّرُ “النهار” معك، فَدعْهُ يصوِّرُ لك جميعَ مراحل هذه العمليَّة.
واستعدَّ “همبار” وبدأْنا نحن الثلاثة العمل.
أَخذ الدكتور داهش الليرة ووضعها على ورقة بيضاء، وأَخذ القلم وقاس على الورقة البيضاء مقاسَ الليرة ثـمَّ أَعاد ليرتي إليَّ. فصارت أَمامنا إذن ورقة بيضاء بمساحة الليرة.
طلب أَن أَكتب اسمي على الورقة البيضاء، ففعلتُ. ثـمَّ طلب أَن أَطويها بنفسي، وأَن أُطبِقَ راحتي وأَصابعي عليها جيِّدًا، ففعلتُ أَيضًا.
السيَّالات الروحيَّــة[3]
وهنا أَخذ الدكتور داهش ورقة صفراء، قال إنَّ فيها “سيَّالاً روحيََّا” من إحدى الجلسات الروحيَّة، ورسم عليها نجمًا خماسيًّا وزَّع فيه أَحرف كلمة “جذبوها”. ثـمَّ كتب في الجزء الأَعلى منها: “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي.” وكتب في الجزء الأَسفل منها: “أَن يُسمح للأَخ حافظ بظاهرة روحيَّة فتتحوَّل هذه الورقة البيضاء إلى ليرة لبنانيَّـة.”
وبدأْنا الخطوة الثانية في المشروع: طوى الدكتور داهش الورقة التي كتب عليها هذه العبارات، ثـمَّ وضعها فوق منفضة السكاير وأَحرقها، وقال: ردِّدْ من بعدي “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي أَن يُسمح لي بظاهرة روحيَّة فتتحوَّل هذه الورقة البيضاء إلى ليرة لبنانيَّة.”
قال: أُنقلْ ورقتك الآن من اليد اليُمنى إلى اليد اليُسرى، ففعلتُ.
قال: افتحْ يدك اليُسرى تجد ورقتك قد تحوَّلَت إلى ليرة لبنانيَّــة.
وفتحتُ يدي اليُسرى فإذا بالورقة البيضاء ما تزال بيضاء.
ولا أَقول إنَّّه اغتاظ، وربما الأَجدر القول إنَّّه تأَثَّــر.
وأَعاد الكرَّة ن فكتبَ ورقةً أُخرى وأَحرقها. وأَعدتُ على مسمعه العبارة التي يتوجَّب عليَّ أَن أَقولها. وأَشهدُ في هذه المناسبة أَنَّه لم يتطَّلع فيَّ على النحو الذي كنتُ أَتصوَرُه في مخيَّلتي بالعينَين المفتوحتَين المسمَّرتَين، بل إنَّه كان في هذه الأَثناء يتطلَّع في الأَرض ويبدو وكأَنَّــه في حالة صراع مع نفسه.
وبعد لحظات قليلة، قال: إفتحْ يدك تجد ورقتك البيضاء قد تحوَّلت إلى ليرة لبنانيَّة. وفعلتُ، وبالفعل وجدتُ الورقة البيضاء قد تحوَّلت إلى ليرة لبنانيَّة وعليها اسمي كما كتبتُه بخطِّ يدي.
والليرة ما تزال معي حتَّى الآن.
وانتقلنا إلى موضوعٍ آخر.
– إن كنت، يا دكتور، تستطيع أَن تقرأَ في أَفكار الناس ماضيهم وحاضرهم، فما هو موقفك من أُمور المستقبل؟ هل بإمكانك أَن تعتبر نفْسَك حجَّة في ذلك أَيضًا؟
كان الجواب أَنَّه لا يكشِفُ لا عن الماضي ولا عن الحاضر ولا عن المستقبل، وإنـَّما يعقد جلسات روحيَّة تحلُّ المشكلة. وهنا عدنا من جديد إلى الكتابة على الورق. أَخذتُ ورقةً صفراء قال لي إنَّ فيها “سيَّالاً روحيًّا” وكتبتُ عليها ما أَملاه عليَّ: “ما هي الطريقة ليتحسَّن مستقبل حافظ.” ثـمَّ طويتُها ووضعتُها في يدي، وأَحكمت ضغطَها بأَصابعي. أَمَّا هو، فقد أَخذ ورقة صفراء أُخرى فيها “السيَّال الروحيّ”، وصوَّر عليها النجمة الخماسيَّة، ووزَّع فيها أَحرف كلمة “جذبوها”. ثمَّ كتَبَ في أَعلاها:” بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي”، وفي أَسفلها: “أَن يُسمح بمساعدة روحيَّة للأَخ حافظ فيأْتيه الجواب مدوَّنًا على الورقة الموجودة بيده ردًّا على سؤالِه عن مُستقبله.”
وأَخذ ورقته هذه وطواها، ثـمَّ أَحرقها وطلب إليَّ أَن أَطلب حصول المساعدة الروحيَّة لي، ففعلتُ. وفتحتُ يدي، فإذا الجواب مكتوب على الورقة: “إذا أُتيح لحافظ أَن يعقد جلساته الروحيَّة العشر، إذ ذاك يُساعَد روحيًّا فيُصبح مستقبله …” كذا وكذا.
أَعترفُ بأَنَّني، عند هذه النقطة، بدأْت أَرتابُ في المرامي المقصودة وما يمكن أَن يكون عمليَّة جرٍّ مقصودة إلى اجتماعات دوريَّة تُعقَدُ عنده ليست في حسابي، ولستُ مستعدًّا لها في تفاصيلها. قال: خفِّف عنك، فأَنا لا أَدعوك إلى عشر جلسات روحيَّة، ولكنَّك، على سبيل الفضول، تستطيع أَن تكتفي بجلسة واحدة تتفرَّج فيها على ما يحدث، والباقي متروك لك. والواقع أَنَّ الرجُل لم يُصرّ على شيء، فلماذا الاعتقاد بأَنَّه يستدرجني …
30 أَلـــف لـيرة
أَتى بكتلةِ ورق أَبيض، وقطعها بمساحة ورقة المئة ليرة لبنانيَّة؛ ودعاني إلى امتحانها. ثـمَّ طلب إليَّ أَن أَضع هذه الأَوراق في مغلَّفٍ تحقَّقتُ من أَنَّه فارغ، وتركَ هذا المغلَّف في يدي. ثـمَّ كتبَ على ورقةٍ صفراء أَن يُسمحَ له بتحويل الأَوراق البيضاء إلى مئات الليرات، وأَحرقَها.
النتيجة: فتحتُ المغلَّف، فإذا كلُّ ورقةٍ من الأَوراق البيضاء أَصبحَت مئة ليرة.
عدد الأَوراق ثلاثمائة. إذن في يدي 30 أَلف ليرة.[4]
تحسَّستُ هذه الأَوراق وتفحَّصتُها، فإذا هي أَوراق المئة ليرة، ولها جميع مواصفات الأَوراق النقديَّة اللبنانيَّة من فئة المئة ليرة؛ حتَّى الأَرزة غير المنظورة في الدائرة البيضاء كانت في مكانها.
ووقفتُ أَستودعُه بعد ثلاث ساعات من الحديث.
وكلَّما شرحتُ لزملائي في “النهار” ما حدثَ لي، ازدادت شتائمهم “قِرد ياخْدك … لماذا لم تعُد إلينا بكمِّــيَّة من أَوراق المئة ليرة هذه؟”
وأَظنُّ أَنَّ هذا من الأَسباب الجوهريَّة التي حملتهم على وصفي بأَنّي “بلَّشت رِنّها …” و”يا حَرام …بدُّو عصفوريَّـة!”
على كلِّ حال، هذا ما حدث لي في مقابلة مع الدكتور داهش، فصدِّقوا أَو لا تصدِّقوا.
ما هي حقيقةُ الرجُل الغامض
تحت هذا العنوان، نشرت مجلَّة “اللواء” في عددها رقم 133،
الصادر بتاريخ 23 تمَّوز 1965،
المقابلة التالية التي أَجراها الزميل صلاح سلام مع الدكتور داهش:
“يلقِّبه أَتباعُه برسول الداهشيَّة ونبيِّ القرن العشرين. ويُشيع عليه أَخصامُه وحسَّادُه بأَنَّه ساحر، في حين يعتبره فريقٌ من أَهل العِلم والأَدب بأَنَّه عالِـمٌ روحانيّ، أوتيَ من القدرة الخارقة ما تعجز بقيَّة البشر عن القيام به. ولكن ما هي حقيقة الرجُل الغامض ….
في دارته الواسعة كانت مقابلتي معه، وكان هذا الحديث.
… قبل الوصول إلى ربِّ الدار، يجتاز الزائر سلَّمًا لولبيًّا مُظلمَ الجوانب، تضيء درجاتِه مصابيحُ شرقـيَّـة أَنيقة، تساعد على الوصول إلى المكتب حيث تطالعه جلود بعض الحيوانات المحنَّطة أَبرزها رأْس السبع المكشِّر عن أَنيابه، وجمجمة النمر الجاحظ العينَين، اللذان يحيطان بكرسيِّ المكتب الفخم. وللوصول إلى الصالون، يجتاز ممرًّا طويلاً ضاق بخزائن الكتب والمجلَّدات النفيسة على رحبه. وأَثناء تجواله في الدار الفسيحة، يشعر مع السكينة المهيمنة على أَرجائها بخشوع المعابد ورهبة الزيارة لقبور الرسل والأَنبياء. وما هي إلَّا دقائق حتَّى أَطلَّ صاحب الدار علينا مرحِّبًا، ومدَّ يده مصافِحًا. ولا أَدري لماذا تردَّدتُ قليلاً في ملاقاة اليد الممدودة، وكأَني خشيتُ لمسها …لكنَّ بشاشة صاحبها أَفاضت شيئًا من الاطمئنان في نفسي …
وراح الدكتور داهش، بصوته الهادئ وعبارته السلسة، يحدِّثني عن طفولته الأُولى … والظواهر الغريبة التي انتابته، ولم يكن قد تعدَّى العاشرة بعد.
“وُلدتُ في مدينة القدس في الأَوَّل من حزيران سنة 1914،[5] وانتقلتُ مع العائلة إلى بيروت. كنت لَـم أَزل في الشهر الخامس من عمري … ونزلنا في المصيطبة حيث وعيتُ طفولتي الأُولى … توفِّي والدي أَثناء الحرب، فدخلتُ مَيتمًا في بلدة “غزير” كان تحت إشراف الأَميركان. وبقيتُ هناك مدَّة شهرَين فقط تعلَّمتُ خلالها أُصول الكتابة والقراءة، رجعتُ بعدها إلى منزلي العائليّ لأَعيش مع والدتي …
“وكانت هذه المدَّة البسيطة كلَّ عهدي بالمدرسة … وبقيَتْ الحياة مدرستي الأُولى.
“وعلى الرغم من ابتعادي عن المدرسة، فقد بقيتُ شغوفًا بالمطالعة وحُبِّ العلم. إلَّا أَنَّ إمكانيَّات العائلة والإملاق الذي كانت عليه لم يكن ليسمح لي بذلك، فبقيتُ في المنزل أَستأجر الكتب والمؤلَّفات، وأَغيبُ بين صفحاتها دارسًا ومـنـقِّـبًـا…
كانت أَوَّل ظاهرة روحيَّة شعرت بها في بيت لحم …حيث كنت أَنزلُ في ضيافة خالتي …وحَدَثَ أَن صادفتني بعضُ الظاهرات الروحيَّة، فكانوا يُرجعونها إلى “الكتب السحريَّة” التي كنت أَقرأُها، على حدِّ زعمهم، بعد أَن استغربوا تعلُّقي بالمطالعة …
“وحاولَت خالتي، ذات ليلة، أَن تمنعني من المطالعة، فقامت وأَخفَت سراج الزيتِ الذي كنت أَستعين بضوئه في الليل … إلَّا أَنَّها أخبرتني صباح اليوم التالي، وهي ترتجف ذُعرًا، أَنَّها استيقظَت في الليل على وهج نورٍ وضَّاء استغربَت وُجودَه، مع أَنـَّها كانت قد خبَّأَت السراج في الصندوق وقــفَّـلَت عليه …ولكنَّها يا لهول ما رأَت … فقد كان هذا النور ينبعثُ من عينيَّ على صفحات كتاب كنت أَقرأُه وأَنا مستلقٍ … هذا على حدِّ قولها طبعًا …
“وظاهرة أُخرى حَدَثَت معي في تلك الحقبة أَيضًا … فبعدما رَوَت خالتي ما شاهدَته في تلك الليلة لزوجها … قام هذا بحرق جميع الكتب التي كنت قد استأْجرتُها من مكتبة القدس …
“وعند عودتي إلى المنزل … وقفتُ أُمسكُ رمادَ هذه الكتب متحسِّرًا … فكان أَن عاد هذا الرماد أَوراقًا وكُـتُـبًا كما كان …وكان لهذه الحادثة ضجَّة واسعة … نشرَتها عدَّة صحف، منها جريدة “فلسطين” التي كانت تصدر في القدس بإشراف صاحبها عيسى العيسى.”
– وما هي أَهمُّ حادثة اعترضَتك في “تبشيرك” أَو نشر أَفكارَك؟
– لقد كان اصطدامي مع المرحوم بشارة الخوري من أَهمِّ الحوادث التي اعترضَتني في حياتي.
والمعروف أَنَّ بداية صراع الدكتور داهش مع المرحوم بشارة الخوري كانت بسبب اعتناق ماري حدَّاد، شقيقة زوجة الرئيس الراحل، وعائلتها المبدأَ الداهشيَّ … وكان أَن أَمَرَ الشيخ بشارة الخوري بتجريد الدكتور داهش من جنسيَّته، وقامت حملة اضطهاد عنيفة ضدَّ الداهشيّين، أَصدر خلالها سلسلة نشرات تهاجم العهد وتنشر فضائحه، دعوها “بالكُتُبِ السوداء”. وقد بلغ ما كتـبَـته ماري حدَّاد من هذه السلسلة لوحدها حوالى 65 كتابًا[6] تناولَت فيها “فضائح” العهد “السوداء”.
– قيل إنَّك غادرت لبنان في تلك الفترة … فإلى أَين التجأْت؟
– كثُرَت الإشاعات وتعدَّدت الأَقاويل حول هروبي إلى إيران تارةً، ونفيي إلى الخارج تارةً أُخرى، ولكنّي في الحقيقة لَـم أُبارح لبنان، وبقيتُ في بيروت بالذات طوال تلك الحملة، إلى أَن أُقيل بشارة الخوري عن الرئاسة وأُعيدَت لي جنسيَّتي بمرسومٍ جمهوريّ أَلغى المرسوم الذي أَصدرَه الرئيس الراحل.
الداهشـــيــَّــة
وسأَلــتُه:
– في مقدِّمة كتابك “بروق ورعود” تذكر أَنَّك نبيٌّ مرسَل جئتَ تقضي على الفساد المنتشر بين البَشَر … فما هي مبادئ الدعوة التي تبشِّر بها؟
– لم يعد من السهل بمكان ارتداد إنسانِ اليوم إلى صفاء الإيمان، بعد طغيان المادَّة على حياتنا، وانتشار الفساد في مجتمعاتنا. فجاءت “الرسالة الداهشيَّـة” تؤكِّد خلودَ الأَرواح على مرِّ الأَجيال، وفناء الأَجسام وكلّ ما يتعلَّق بها من موادَّ ومركَّبات … أَي إنَّ الداهشيَّـة تبشِّر بقيمة المعنويَّات وتمقتُ بَهرجة المادِّيــَّـات … وفقًا لما جاء في مختلف الأَديان السماويَّـة … وتُعتَبر قوَّة الأَرواح الخارقة كمعجزة لهذه الرسالة ووسيلتها الأُولى لإقناع الناس بمبادئها … و”الداهشيَّـة” لا تتعارض مع أَيٍّ من الأَديان السماويَّـة … فكلُّنا يعرف أَنَّ جوهر الأَديان واحد … إنَّما الشعائر فقط تختلف … فالمسلم يزداد تعلُّقًا بإسلامه بعد اعتناق “الداهشيَّـة”، كالمسيحيِّ الذي يزداد إيمانًا بديانته الروحيَّة بعد اتِّباعه المبدأ َالداهشيّ.
الكواكبُ مأهولة
وسأَلتُ الدكتور داهش:
– تقول الأَنباء إنَّه تمَّ تصوير سطح المرِّيخ … هل تعتقد أَنَّ الوصول إلى “الكوكب الأَحمر” وغيره من الكواكب الشمسيَّة الأَخرى ممكن الحدوث؟
– إنّ الوصول إلى المرِّيخ وغيره بات ممكن الحصول، خاصَّة بعد التطوُّرات العلميَّة الأَخيرة في ميدان الفضاء … ولعلَّ نجاح تصوير سطح المرِّيخ هو أَحد الدلائل على هذا الرأْي … “
– وهل تعتقد أَنَّ هذه الكواكب مأْهُولة؟
– أَجل، وبكلِّ تأكيد … وإنّي لأَعجب فعلاً من أَمر العلماء الذين يؤكِّدون بين الحين والآخر أَنَّ هذه الكواكب ميتة ولا حياة فيها نظرًا لارتفاع شدَّة الحرارة على سطح عُطارد مثلاً، وطغيان موجة البرودة على المرِّيخ مثلاً، دون أَن يدركوا أَنَّ وجود الله خير دليل لوجود حياة على مثل هذه الكواكب … فكما إنَّه سبحانه عزَّ وجلَّ قد خلق أَجسامنا بشكلٍ يتحمَّل حالة الجوّ على سطح الأَرض، كذلك فهو قادرٌ على خلق الأَجسام المناسبة التي تستطيع تحمُّلَ تلك الأَجواء … وإنْ اختلفَت أَشكالــُـهـا عن المخلوقات التي اعتدنا النظر إليها …”
– وهل تؤمنون بوجود الله؟
– طبعا فهو موجود … وهو خالق هذه الدنيا وباني نظامها الدقيق!
وراء أَبواب داهش
تحت هذا العنوان، نشرت جريدة “الجريدة” في عددها رقم 4000،
الصادر بتاريخ 19 كانون الأوّل 1965، المقابلة التالية مع الدكتور داهش:
شارع حسين بَيهُم، زقاق البلاط.
بابٌ من الحديد الأَحمر اللون في جدارٍ قديم لبناء قديم. من الصعب أَن تتنبَّه إلى وجود هذا الباب المطِلِّ مباشرةً على رصيف الشارع الضيِّق، الآهل بحركة المرور والسير.
يخيَّل إليك لأَوَّل وهلة أَنَّه باب مهجور لم يُستعمَل منذ الحرب الأَخيرة، وأَنَّه لا يمكن أَن يُخفي وراءه أَيَّ سرٍّ أَو أَيَّة حياة … لكنَّ هذا الباب بالذات، إذا كنتَ على موعد، يُخفي وراءه … الدكتور داهش!
نقرعُ الجرس.
فوق رأْسك مباشرةً على علوِّ 8-9 أَمتار، تُفتح نافذة. رأْسٌ يطلُّ من فوق. يُحدِّق بك من هذا العلوّ. يتأكَّد من هوِّيَّتك بسؤال استفسار وبصوت عال. ويوجد حبل يَشدُّ قفلَ الباب القديم التصميم.
تدخل وتغلق الباب الحديديّ. مجموعة من الصناديق الخشبيَّة تحضنها فسحة الدرج الداخليّ الذي يؤدِّي إلى الطابق الثاني. رائحةٌ عطرة تتسرَّب إلى خياشيمك، وتساعد على نقلك إلى الجوِّ الجديد.
أَنت الآن في عالَم الدكتور داهش الذي يقودك إليه غالبًا الدكتور الداهشيّ فريد أَبو سليمان!
غرفة الاستقبال التقليديَّة وَصَفَها صحافيُّون سبق أَن زاروا المكان وتحدَّثوا عن النمر والدبِّ المصبَّرَين على الجدار، واللوحات العالميَّة والسجَّاد الفاخر. يمكن إضافة “ملاحظة كهربائيَّة”: التمديدات واصلة إلى “طاولة النصّ” وآنية الزهور قرب مقاعد الزوَّار …
يستقبلك الدكتور فريد أَبو سليمان مثلاً. يتجاذَب معك الحديث. يضعك بالاختصار “في الجوّ”.
في الموعد المحدَّد تمامًا، بالساعة والدقيقة، يدخل عليك الدكتور داهش …
أَين الأُبَّهة؟ أين العَظَمة؟ أَين السحر؟ أَين القوَّة الخارقة؟ أَين الطلَّة التي تعقد اللسان وتأْسر النظرات؟ لا شيء!
الدكتور داهش ليس أَكثر من إنسانٍ عاديِّ المظهر تمامًا. تميل قامته إلى القِصر والبدانة. لكن لا تفوتك حيويَّة ظاهرة في حركات يديه ومشيَـتـِه.
يستقبلُك بحديثٍ عاديٍّ. يستمعُ إليك أَوَّلاً. يُعطيك أَفضليَّة الكلام. يقطع عبارةً كان باشر النطق بها ليتيح لك استهلال جملةٍ بدأَت حروف الكلمة الأُولى منها تتجمَّع على شفـتَـيك بتردُّد!
يجعلك تتقدَّمه في ممرٍّ طويل إلى الصالون الآخر الأَشدِّ اتِّساعًا، حيث وُزِّعَت المقاعد والرياش بشكلٍ ينمُّ عن الذَّوق والدقَّــة.
هذا الصالون الشديد الاتِّساع، ذو الجدران العالية، يكاد يكون في مجمله تحفةً متكاملة: لوحات زيتيَّة رسمها رسَّامون عالميَّون تغطِّي الجدران. سجَّاد نادر. تُحفٌ من العاج والأَبنوس وخشب الأَرز. تماثيلُ صغيرةٌ ومتوسِّطةٌ من الرخام والخشب والموزاييك والبورسلين من صنع مشاهير المثَّالين في إيطاليا وفرنسا. مجموعة من الفراشات الملوَّنة النادرة التي تأْسر القلوب.
قال لي الدكتور فريد أَبو سليمان إنَّني محظوظ. لماذا؟ لأَنَّ الدكتور داهش أَنهى للتوِّ جلسة روحيَّة، ولا يزال “في الجوِّ الروحيّ.” لذلك توقَّعَ لي أَن تحدث ظاهرات بقدرة روحيَّة خارقة …
ناولني الدكتور داهش مجموعة من الأَوراق الزرقاء المصنوعة من الورق المقوَّى؛ قرابة 15-20 ورقة كُـتِب على كل واحدة منها اسم طير أَو حيوان: هدهد، حصان، غزال، الخ …
قال: أضمرْ على واحدة.
نظرتُ وضمرتُ (على ورقة الحصان).
اخلط.
خلطتُ.
– الآن، ابحثْ عن الورقة التي ضمرتَ عليها.
غريب. إنَّني لا أَجد الورقة التي ضمرتُ عليها.
نعم، لم تكن الورقة هناك! أَي اختفت من بين المجموعة. كنتُ على وشكِ إعادة مجموعة الأَوراق الزرقاء إليه حين لاحظتُ أَمامي على الكنبة مفتاحًا قديم الصنع كالذي يُستخدم في أَقفال أَبواب الأَبنية القديمة.
“أَمَـرَني”:
– خُذِ المفتاح.
أَخذتُــه.
– إذهبْ إلى تلك الغرفة. إفتحْ تجد ورقة الحصان التي ضمرتَ عليها: إنَّها على “التربيزة”!
وهكذا كان!
عاد صوتــه يردِّد بتواضع:
– افحص الأَبواب والنوافذ … أَتلاحظ أنَّهَا مقفلة من الداخل؟!
ونظرتُ، وفحصتُ فإذا هي فعلاً مقفلة من الداخل.
عدنا إلى الصالون الأَوسع:
تناول الدكتور داهش ورقة بيضاء، وطلب منّي ليرة لبنانيَّة وضعها على الورقة البيضاء ورسم حدودها، وأَعاد الليرة لي. قطع من الورقة قطعةً بحجم الليرة. كتبتُ اسمي عليها وطواها. قال ضعها في يدك وأَقفل يدك عليها ففعلتُ.
تناول ورقةً أُخرى صفراء اللون رسم عليها الرمز الداهشيّ وكتبَ عليها:
“بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي أَن تتحوَّل هذه الورقة إلى ليرة لبنانيَّة.”
ثمَّ حرق الورقة الصفراء. قال: إفتحْ يدك إصبعًا إصبعًا … ففعلتُ. كانت هناك ليرة لبنانيَّة عليها اسمي كما هو على الورقة البيضاء التي اختفت من يدي بقدرة قادر. ولاحظتُ أَنَّ رقمها كان مختلفًا عن رقم الليرة التي أَخذها منّي.
حدَّق الدكتور داهش قليلاً في عينيَّ بنظراتٍ خُيِّل إليَّ أَنَّها نظراتٌ ناعمة، وقال:
- دوِّن عندك رقم الليرة ورقم “السيري” Série.
وطلب منِّي أَن أُعطيه أَعدادًا كيفما أَشاء تشبه أَرقام العملة المسلسلة وأَرقام “السيري”. وعندما انتهيت من إملاء الأَرقام عليه، وكان يكتبها على أَوراق صغيرة منفصلة، طوى هذه الأَوراق وخلطها، وطلب منّي انتقاء واحدة منها.
فتحتُها وقرأْت الرقم. وفتحت الليرة التي كنت أَضغط عليها كلَّ الوقت بإصبعي ضمن كفِّي، فإذا بها تحمل الرقم نفسه! … وهي غير الأَرقام التي كانت أَساسًا على الليرة عند تحويلها … وكان اسمي لا يزال مكتوبًا عليها. وهي الآن بحوزتي وبإمكان أَيّ ِِكان الاطِّلاع عليها.
الدكتور أَبو سليمان قال لي تعليقًا على هذه “الظاهرة الروحيَّــة”:
حظُّك يفلق الصخر! هذه الظاهرة لم تؤتَ لسواك …
لكن عرفتُ فيما بعد أَنَّ “الظاهرة” حدَثَت لعدَّة أَشخاص، بينهم موظَّفة ممشوقة في وزارة البريد لكنَّها لم تحدث أَمام أَيِّ صحفيٍّ آخر.
كانت مقدِّمة لا بدَّ منها للتساؤل:
من هو الدكتور داهش؟
“أَنبيٌّ” كما يقول الداهشيُّون أَم منوِّم مغناطيسيّ داهية كما يقول الخصوم، أَم رجُـلٌ يتمتَّع بمزايا خارقة وذكاء نادر؟ …
ولاحظْنا أَخيرًا أَمرين:
أَوَّلاً: أَنَّ الداهشيِّين شنُّوا حملةً على المشعوذين وفضحوا فيها أَلعاب الشعوذة التي لم تكن معروفة عند الناس.
ثانيًا: أَنَّ الداهشيَّة تحاول استرداد المواقع التي خسرتها خلال حربها الطويلة ومحنتها في عهد الرئيس الراحل بشارة الخوري.
أَهو نبيٌّ أَم منوِّمٌ مغناطيسيّ؟
كثيرون طرحوا السؤال على أَنفُسِهم وأَجابوا عليه بطُرُقٍ مختلفة: قسمٌ صدَّق، وقسمٌ أَنكرَ، وقسمٌ ذهب إلى الدكتور داهش “ليضع إصبعه” على طريقة توما!
كنتُ من هذه الفئة الأَخيرة، خاصَّةً بعد أَن انقطع عن مقابلة الناس مدَّة عشرين يوماً لأَنَّـه، كما قيل، كان مصابًا بحُمَّى غريبة أَتَت فجأَةً وذهبت فجأَةً!
ومهما يكن من أَمر الدكتور داهش، فليس بوسع مَن يقابله إلَّا أَن يخرج بنتيجة واحدة هي أَنَّ هذا الإنسان ظاهرة غريبة في مجتمعنا. يقوم بأَعمال لا تقع ضمن نطاق التفسير العاديّ والمنطقيِّ لنواميس الحياة. وليس أَمرًا سهلاً أَن تضع بنفْسِك ورقة بيضاء مطويَّة وتقفل يدك عليها، ثـمَّ تفتحها من جديد دون أَن يلمسك أَحد أَو تنتقل من مكانك أَو يتغيَّر أَيّ شيء في وضعِك، لتجد بدلاً منها ليرة لبنانيَّة عليها اسمك الذي كُـتِبَ على الورقة. ثـمَّ تُقفل يدك من جديد عليها وتفتحها لتجد أَنَّ أَرقامها المسلسلة تغيَّرت، فتذهب إلى الصرَّاف فيؤكِّد لك أَنَّها ليرة لبنانيَّــة لا شكَّ فيها، قابلة للتداول!
ونتيجةً لهذه الظاهرة الروحيَّة الخارقة آمـنَت فئةٌ من الناس، بينها أَشخاص مرموقون من أَطبَّاء ومهندسين ومحامين وشعراء، بهذا الرجل، وبالأَعمال الخارقة التي تَصدرُ عنه، وأَطلَقَت على نفسها صفةً مستمدَّة من اسمه المستعار: (الداهشيَّـــة)…
داهش يفضحُ الشعوذةَ والمشعوذين
تحت هذا العنوان، نشرت مجلَّة “صباح الخير” في عددها رقم 185،
الصادر بتاريخ 16 آذار عام 1970، المقابلة التالية مع الدكتور داهش:
إنسانٌ بسيط هانئ، طيِّب، بعيد عن مظاهر الوجاهة المصنوعة واستعلاء الموهبة، غاية في الصراحة.
يحدِّثُك بلسانه وسبحته، وبكلامٍ مرسَلٍ لا تحفُّظَ فيه ولا تَردُّدَ ولا وَجَل.
تأَكد لي خلال ساعتَين أَنَّ الدكتور داهش مظلوم في ما ينحلونه إيَّـاه وينسبونه إليه زورًا.
وضعتُ أَمامه ستَّة وثلاثين سؤالاً، أَجاب عنها ببساطة وجرأَة وموضوعيَّـة كاملة، وردَّ بها على الاتِّهامات التي تُلصَقُ به وبحركته. وبِـ 36 سؤالاً، ذروة في الجرأَة، وأَكاد أَقول القِحَة، تكشفُ “صباح الخير” لأَوَّل مرَّة الوجوه الحقيقيَّــة للداهشيَّــة وللداهشيِّين وللُغْزٍ كبير اسمه داهش.
* هل تؤمن بالتنويم المغناطيسيِّ؟ وبكلِّ صراحة: يُقال إنَّك تسيطر على الناس بتنويمهم مغناطيسيًّا، وبأَنَّك تجعلهم يرون غير الحقيقة، وبالتالي ما تريد أَنت أَن يشاهدوا؟
– أَنا لا أُؤمن بالتنويم المغناطيسيّ، لا كعلم ولا كتفوُّق بشريّ على الإطلاق، وإلَّا لاستعملَته الدول في أَسرار حربيَّـة وعلميَّة خطيرة.
أَمَّا ما يشاهده الناس على المسارح ويعتقدونه تنويمًا، فهو اصطلاح بين المدَّعي التنويم والمتناوِم، وتلقين للأَجوبة على الأَسئلة المطروحة بموجب اصطلاح، وشيفرة، وتآمرٍ بينهما.
وأَنا أَتحدَّى أَيَّ منوِّم عالميٍّ أَن يُثبت قدرته على تنويم أَيّ شخص عاديّ. ويقيني أَنــَّـه أَعجز من أَن يستطيع ذلك.
أَمَّا اتِّهامي بأَنَّني أَخدع الناس بتأْثير تموُّجات مغناطيسيَّة، فهو قول مردود لا يستند إلى أَيِّ أَساسٍ علميٍّ. وإنَّني أُوردُ مثالاً على صحَّة رأْيي الجلسة الروحيَّة التي عُقدت للرئيس صبري حمادة فاستُحْضِرَ له، بناءً على تفكيره، خمس ليرات عثمانيَّة بقيَت معه، ثـمَّ الخاتم المفقود الذي أُحْضرَ بيد محمود البلطجي.
عدا أَنَّ الأَشخاص الذين كانوا شهودًا للخوارق هم من خيرة المفكِّرين وذوي العقول الراجحة والذين لا يمكن أن يُـخدَعوا.
* يتهمونك بأَنَّك تدَّعي النبوَّة، ويوردون مثالاً على الرمز الذي يكتبه طالب عقد الجلسة الروحيَّة، وهو “باسم الله والنبيِّ الحبيب الهادي”. فهل أَنت المقصود بكلمة النبيِّ الحبيب الهادي؟
– إنَّني أَستغرب أَن أُتـَّهم بشيء لَم يَرِدْ مرَّةً في حياتي. وهو من صُنع ذوي المآرب ومن تضخيم العامَّة. فالمقصود بالتسمية المسيح إذا كان طالب الجلسة مسيحيًّا، ومحمَّد إذا كان طالب الجلسة الروحيَّة مسلمًا. هذا كلُّ ما تعنيه العبارة. فما عدا ذلك فهو من الاختراع الغبيّ.
* يقولون إنَّك تصنع الخوارق. فما هي طاقاتك حتَّى تتمكَّن من ذلك؟
– أنا إنسانٌ عاديٌّ كأَيّ ِكائن حيّ، ولا فضل لي في اجتراح الخوارق والمعجزات. وهي هبة من الله مُنحتْ لي بحيث أَكون واسطة الروح، وهي تقوم بالمعجزات. وإنَّني أَعتبر نفسي كجهاز الراديو الذي تتجمَّع فيه الموجات، فيُنسِّقها ويُرسلها. إنَّه احتلالٌ روحيٌّ يتملَّكني فيحملني على إتيان المعجزات.
* ما رأْيك بالشعوَذة، ومَن هم المشعوِذون؟
– أَعتقد أَنَّ عهد الشعوَذة قد انطوى في عصرٍ تنامى فيه الوَعيُ والعلم بحيث لا يمكن خداع غير ذوي العقول الأَقلّ من عاديَّة … والشعوَذة هي الاحتيال على الحقائق بعلمٍ يمكن الجميع أَن يتعلَّموه، وهو خفَّة اليد والآلات التي تُصنع في الفبارك لمحترفي هذه المهنة. وشتَّان ما بين الظاهرة الروحيَّة الثابتة، والتي يمكن آلة التصوير أَن تسجَّلها، وبين الشعوَذة التي تستند إلى السرعة والخفَّة اليدويَّة، وهو ما تكشفه عدسة التصوير.
* يقولون إنَّك توجِّه طاقاتك للانتقام من خصومك، وإنَّ لك قدرة لإيقاع الضرر بـمَن يؤذونك. فما قولك في هذا؟
– الذين قالوا هذا لا يعرفون حقيقتي وطبيعتي الإنسانيَّة المحبَّة. هذا بحُكمِ واقعي ونفسيَّتي ونشأَتي. عدا أَنَّ الطاقات الروحيَّة تمنعني من الإيذاء، وإلَّا فقدتـُها. فالملَكة الروحيَّة هي للنفع وليست للضرر. وبعد، وما دمتَ قد طرحتَ عليَّ هذا السؤال، أَنتهزُها مناسبة لأُؤكِّد إيماني بالإنسانيَّة الرحبة وبفعل المحبَّة في تحقيق مكاسب لا يمكن للشرِّ وللحقد أَن يحقِّقاها. وبعد، أُريد أَن أَسأَل: من هو الشخص الذي آذيتُه في حياتي؟ وأَنا من تعرَّضَ للاضطهاد وللحملات الظالمة ولتشويه سمعتي. فكنتُ أُقابل كلَّ ذلك برحابة الصدر وبالسماح، لإيماني بأَنَّ الحقيقة ستَظهر، لأَنـَّها كالشمس لا يمكن أَن يبتلعها الكسوف ولو غشيَها بعض الوقت.
* هل تعلَّمت ما تتمتَّع به وتمارسه من طاقات على يد أَحد؟ وهل أَنمَيْتَه؟ وهل في العالم شخص يملك طاقاتك ومواهبك نفسها؟
– لم أَتعلم شيئًا من أَحد. ولم أَعمل على إنماء مواهبي، فهي، كما قلتُ، لا فضل لي فيها. وقد نشأَت عندي وأَحسستُ بها كاملة، كما الغريزة، منذ طفولتي، فجعلتني أَشعرُ بأَنَّني من المختارين، وأَنَّ عليَّ واجبًا يجب أَن أُؤدّيه ومسؤوليَّةً عليَّ أَن أَضطلع بها. وقد أَنمى ذلك عندي إحساسي بالتبعة الكبيرة.
أَمَّا قولك عن رجُلٍ آخر في نفس مواهبي، فلا أَعرف هذا الشخص. وهو، لو كان موجودًا، لظَهَرَ، ولكـتبَتْ عنه صُحف العالَـم.
* ما هي الجلسة الروحيَّة؟ وهل هي وقْفٌ على أَشخاص معيَّنين؟
– الجلسة الروحيَّة هي لحظات تتجلَّى فيها الروح وتجترح المعجزات التي لا تقبَلُ الدحض على الإطلاق. وهي دقائق من الانخطاف والسماح عند الروح تُحقِّقُ خلالها طلبَ الشخص الذي عُقدت الجلسة من أَجله، وتجري الاستجابة بصورة آنيَّة. وعلى وجه المثال: لو طلبَ الشخص ساعته أَو خاتمه من منزله، وكان منزله في أَقاصي الأَرض بأَميركا أَو روسيا أَو أَيِّ مكانٍ آخر، فيُستجاب طلبه ويجد خاتمه في إصبعه وساعته في معصمه. وقد حدثَت هذه الأُمور مع مئات الأَشخاص المعروفين، وهم لا يزالون أَحياء يرزقون، كالوزير السابق الأُستاذ إدوار نون الذي استُحضر له قلم كان هو قد فقده، فوجده في جَيبه. وكان قد أَضاعه قبل سنوات في اللقلوق.
* وإذا طلب مكتبه أَو أَثاث بيته؟
– يمكن ذلك. وتنتقل هذه الأَشياء بلحظة واحدة بحيث تحتاج إعادتها إلى سيَّارات الشحن.
* ما رأيك في أَن ننُشئ معًا شركة شحن ونقليَّات نضارب بها “الميدل إيست” والـ”تي إم إي”؟
– هذا عمل تجاريٌّ وليس عملاً روحيًّــا.
* وإذا طلب أَثاث بيت جيرانه الأَغنياء؟
– هذا لا يمكن، لأَنَّ الروح، كما قلتُ، لا تأْتي الأَفعال المضرَّة. وليس مهمَّة الروح أَن تشجِّع على السرقة، والَّا فهي ليست روحًا، بل أَداة تخريب.
* هل يمكن أَن تسمِّي أَشخاصًا، ونحن نسألهم، ممَّن شاهدوا هذه الخوارق؟
– الرئيس صبري حمادة، والنائب بشير العثمان، والدكتور فريد أَبو سليمان، محمود البلطجي، الأُستاذ إدوار نون، شفيق السردوك، المحامي محمود النعمان، المحامي محسن سْليم، الشيخ عبد الله العلايلي، وغيرهم …
* أعود إلى القسم الثاني من سؤالي: هل الجلسة الروحيَّة وقفٌ على أَشخاص معيَّنين؟
– كلَّا. إنَّ الجلسة ليست وقفًا على أَحد. وهي بمتناول كلّ شخص شرط أَن يُهَيَّأَ لهذه الجلسة بدعاءٍ مُعيَّن للقوَّة الموجدة. وهذه التهيئة تتمُّ خلال شهر، سواء كانت نفسيَّـة طالبها شرِّيرة أَو صالحة، وسواء كان مصدِّقًا أَو رافضًا.
* يقولون إنَّك تعقد الجلسات الروحيَّة في أَجواء من البخّور وفي غرفة مظلمة حتَّى تتمكَّن من خداع النظر البشريّ عند حاضري الجلسة، وإنَّك لا تجري الجلسات الروحيَّة إلَّا في الليل وعبر الشبابيك الموصَدة. فهل هذا صحيح؟
– هذا حديث لا يمتُّ إلى الحقيقة بأَيَّة صلة، ويدلُّ على أَنَّ الذين يحكمون على الدكتور داهش إنَّما يفعلون ذلك بناءً لشائعات وأَوهام يروِّجها بعض الحاقدين. والواقع – ولا تندهش ممَّا أَقول – أَنّ الجلسات الروحيَّة تنعقد في وضح النهار، وفي غرفة مفتوحة النوافذ وتطلُّ منها الشمس. أَمَّا التمائم والتعاويذ، فهي أَعمال شعوَذة لم أَعرفها مرَّة في حياتي.
* هل يمكنك أَن تُقيم خليفةً لك فتنقل له الطاقات الموهوبة لك؟
– أَبدًا، فالطاقة الروحيَّة التي أُعطيَت لي، والتي تجعلني آتي الخوارق، ليست ملْكاً لي. وهي هبة لا إرث. وهل استطاع موسى أَن يُورِّثَ طاقته الروحيَّة لسواه؟!
* هل تحارب الديانات وتفرض على أَنصارك أَن يتخلُّوا عن معتقداتهم؟
– بالعكس تمامًا. فالذي يرى الخوارق يتمسَّك أَكثر فأَكثر بدِينه لأَنَّه يلمس فعل الروح وقدرتها؛ وهو ما تعلِّمُه الأَديان. عدا أَنَّ المشاهَدة تنمِّي عنده المسؤوليَّة الذاتيَّــة واليقين بالثواب والعقاب.
* ما معنى الرمز الذي اخترتَه للداهشيَّــة؟ ولماذا جاء على هذا الشكل؟
– الرمز هو دعاء وتوجُّه إلى القوَّة الكبرى: الله. فالنجمة المخمَّسة مع أَحرف “ج. ذ. ب. و. ه. ا.” (جذبوها) معناها أَنَّ طلبك يأْتي إليك في جلسة روحيَّة تطلب أَن تنعقد لك بعدما تكتب “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي أَن يسمح لي بجلسة روحيَّــة”.
أَمَّا لماذا اخترتُه، فقد نُصحنا روحيًّــا باختياره.
* يقال إنّّك تصنع هذه المعجزات بقوَّة شرِّيرة. فما جوابك عن هذا؟
– إنَّ الكتابة المدوَّنة في الرمز تدحض هذا الاتِّهام. وأَنا لا أَعرف أَحدًا استطاع بالشرِّ أَن يأْتي عملاً.
* ماذا تفهم بالعمل الذي يخرق النظام؟
– المعجزة وكلُّ معطياتٍ حياتيَّة تتجاوز أَو تناقِضُ النواميس المعمول بها هي خرقٌ للنظام. وهي وليدة قوَّة روحيَّة تتجاوز الأُمور العاديَّة. وهي شاهد على وجود العالَـم الآخَر وعلى فعل الروح الخالدة التي لا تفنى.
* هل للداهشيَّة صلاةٌ معَّينة؟
– نعم هناك صلاةٌ اسمها “صلاةُ النبيِّ الحبيب الهادي”.[7]
* هل الداهشيُّون جماعة تخلُّوا عن تفكيرهم وسلَّموا قناعتهم لك شخصيًّا، تصنعها على هواك؟
– كلَّا، بل هم قومٌ عاديُّون لا يقعون تحت أَيِّ تأْثير إلَّا عقلهم وقناعتهم. وهم فئة آمنوا بالقوَّة، بعدما لمسوها، إيمانًا علميًّا عقلانيًّا لا فعل للعاطفة في توافره.
* لماذا لم تتزوَّج؟
– لأَنَّني لم أَرغب في ذلك، ولَـم يكن لي مَيلٌ إليه. وقد صرفَتْني دعوتي والشؤونُ الروحيَّــة عن الاهتمام بشؤون الزواج.
* ما رأْيك في تحضير الأَرواح، وهل هناك فعلاً من يستطيع استحضار روح رجُل ميت؟
– كلُّ كلامٍ عن هذا يُعتبَر شعوَذة، كما الحديث عن المندل وكشْف الغيب وقراءة الأَفكار. فهذه أُمور غير صحيحة. وإنَّ أَحدًا لم يستطع أَن يُعطي برهانًا واحدًا على ذلك. وإنَّني أَتحدَّى أَيـًّـا كان أَن يُـثبِتَ فسادَ نظريَّتي، ويقيني أَنَّه سينكشف فورًا.
* هل لك أَهداف سياسيَّــة؟
– كلَّا. لم أَنصرف يومًا إلى السياسة، ولا استهوتني في حياتي كلِّها. فالأُمور الروحيَّــة تضع الإنسان في عالَـمٍ آخَر.
* هل تؤمن بفعل الغنى والثروة؟
– للمال فعلٌ مادِّيٌّ فحسب. أَمَّا على الصعيد النفسيّ، فليس له أَيُّ تأْثير. وتلاميذ المسيح كانوا في حالة إملاق، ومع ذلك كانوا أَسعد الناس وأَقواهم لأَنهم مؤمنون وأَصحاب نفسيَّة عالية.
* هل من شروط الداهشيَّة أَن لا يتزوَّج الداهشيُّون إلَّا بعضهم من بعض؟ وهل يتزوَّجون على الطقوس الداهشيَّة؟
– بل يتزوَّج الداهشيُّون حسب القوانين والنُّظُم القائمة. وحتَّى الآن، ليس هناك طقوس داهشيَّة تبارك بها هذا الزواج بعد حصوله.
* وعند الوفاة؟
– بل يُصلَّى عليهم داهشيًّــا، وننعاهم داهشيًّــا.
* ما رأْيك بالذين يكشفون الغَيب وعلماء الفلك والمنوِّمين بالمغناطيس والذين يرون الطالع والمستقبل في فنجان الزيت والذين يُعِدُّون الحجابات والمندل والكتابة؟
– كلُّ هذه الأُمور، جملة وتفصيلاً، تدجيل واحتيال. يبقى التنويم لأَنَّه يُعطي نفسه هالة علميَّة تجاه الرأْي العامِّ، وهو نفسه تدجيل لأَنَّه، كما سبق وقلتُ، نتيجة عبارات اصطلاحيَّـة بين المنوِّم والمنوَّم. وإنَّنا نُعِدُّ كتابًا نفضح فيه كلّ هذه الشؤون.
* هل تعتبر نفسك من أَصحاب الرسالات والدعوات والتبشير؟
– أَنا همزة وصل بين عالَـم الروح والعالَـم البشري ّكما الراديو الذي تُنقل بواسطته الذبذبات.
* هل تستطيع أَن تطيل أَعمار البَشَر؟
– كلَّا، فهذا أَمرٌ بيَدِ الله. وإذا ادّّعَيتُ هذا كنتُ مشعوذًا.
* هل تعتقد أَنَّ بإمكان الإنسان أَن يعرف مستقبله؟
– كلَّا. فهذه أُمورٌ غير واردة. والروح تَبرأ ُمنها.
* بعد موتك، هل تنتقل طاقتك لسواك؟
– حتماً لا. فهي هبةٌ تموت بموت حاملها. وإنّي سأَموت مثل كلِّ الناس.
* يقال إنَّ لك ستّ شخصيَّات، فما معنى هذا؟
– صحيح، فإنَّ هناك سيَّالات روحيَّة على ستِّ درجات مختلفة تتجسَّد عند أَية حاجة روحيَّة. وقد شاهدها المئات من البشر: عدَّة شخصيَّـات تتجلَّى مرَّات كثيرة.
* هل تشرب الخمرة وتدخِّن؟
– كلَّا. لا هذه ولا ذاك. فلم أَعتد الأَمرَين.
* هل أَنت غنيٌّ؟
– كُنْ غنيَّ القلب واقنعْ بالقليل. والغنى هو غنى الروح.
* هل للداهشيَّة ميثاق مكتوب؟
– كلَّا. بل هناك الرابطة الروحيَّة تشدُّ الداهشيِّين الواحد إلى الآخر. وهم انتظموا نتيجةَ إيمانٍ تأَكَّّد بتعاليم.
* هل العقيدة الداهشيَّــة باطنيَّــة؟
– بل علنيَّة، تنطلق من الإيمان بوجود العالَـم الآخر وبخلود الروح والثواب والعقاب وبوَعي أَفرادها العالي لمسؤوليَّتهم عن أَعمالهم.
* هل الداهشيُّ إنسانٌ مختار ومتفوِّق؟
– بنسبة علمه وتحصيله وقدرته. وهو إنسان مثل كلِّ البَشَر. وأَعماله هي التي تصنِّفه حيث يجب أَن يكون.
* هل تؤمن بالعُنف؟
– من ناحية روحيَّــة لا وجود للعنف. وهي تتصدَّى للعنف وتدينه.
* أَنت أَديب، وقد عملتَ في التأْليف، فما هي مؤلَّفاتك؟ وهل كلُّها ملتزمة داهشيًّــا؟
– كلُّ كتبي أَدبيَّة محض. أَمَّا كتاب العقيدة، فهو لم يُطبع حتَّى الآن. وقد طُبع لي 12 كتابًا: “ضجعة الموت”، ” كلمات”، “مذكِّرات دينار”، “الإلهات الستّ”، “عشتروت وأَدونيس”، “نشيد الأَنشاد”، “بروق ورعود”،”نشيد الحبّ”،”مذكّرات عتَّال”، “الجحيم”، “نبال ونصال”، “أَسرار الآلهة”.
وهناك أَربعون كتابًا مهيَّأً للطبع؛[8] منها كتاب عن رحلتي الأَخيرة إلى 20 بلدًا. وربَّما أَعدتُ طبع بعض الكتب وقد نفذَت كلُّها.
* لماذا لا تطلُّ على الصحافة؟
– لأَنَّ الصحافة لَم تسلِّفني ما يشجِّعُني على ذلك. وهي لم تنصفني، بل كانت تقسو عليَّ قسوةً في غير موضعها.
* وإذا دُعيتَ إلى مناظرة أَو محاضرة أَو مؤتمر صحفيِِّ أَو الردّ ِعن تحدٍّ بشأْن نَفيك لتحضير الأَرواح والتنويم المغناطيسيِّ، فهل أَنت مستعدّ؟
– أَنا مستعدٌّ لَأيِّ مناظرة أَو محاضرة أَو مؤتمر صحفيٍّ. أَمَّا بشأْن التنويم أَو مناجاة الأَرواح، فأُطمئنك سلفًا أَنَّ أَحدًا لن يتقدَّم مدَّعيًا هذه الطاقة.
وهكذا انتهى الحديث مع الدكتور داهش.
السيِّد نقولا ضاهر يتحدَّث عن شخصيَّات الدكتور داهش
مُقابلة نُشِرَت في أَوّل كانون الأَوَّل 1998
كان الدكتور داهش مولَعًا بالثقافة والفنِّ والجمال، كما يصفه الأُستاذ نقولا ضاهر، المسؤول عن المعارض الدوليَّة لدى “الدار الداهشيَّة للنشر” في نيويورك، والذي زار لبنان الأُسبوع الفائت للمشاركة في معرض الكتاب العربيّ في بيروت بعد غياب 13 عامًا على وجه التقريب. وقد التَقَتْهُ “الديار” ليتحدَّث عن رحلته مع الدكتور داهش التي بدأَت في الستِينيَّـات. وقد واكبه في جَولاته الأَخيرة حول العالَـم، كما يقول.
يقول ضاهر: لقد تعرَّفتُ على الدكتور داهش في الستينيَّـات. وكانت شقيقتي “إيلين” قد سبقتني في اعتناق الداهشيَّـة. وهي من شهودِ كثيرٍ من “المعجزات” التي وقعَت أَمامها. فقد حوَّل لها نقطة عطر إلى قنِّينة عطر، والخاتم الفضيّ إلى خاتمٍ ماسيٍّ، وإلى ما هنالك.
يضيف ضاهر: في العام 1964، أَي في بداية لقائي بالدكتور داهش، تلقَّيت من الكويت أَربع رسائل. ولكنِّي فقدتُ إحداها. وكان إحراجي كبيرًا، إذ تقضي الأَمانة بتسليمها إلى أَصحابها. فما كان منِّي، وبعد كلِّ ما سمعتُه وعاينتُه مع أُختي، إلَّا أَن قصدتُ الدكتور داهش وشرحتُ له الوضع، فاضطرب بالروح ووضع يده على ركبتي، فظهرَت رسالةٌ بيده أَلقاها إليَّ قائلاً: “هذه هي رسالتك المفقودة”. وبالفعل تسلَّمتُها هي نفسها وأَعطيتُها بدوري إلى مَن أُرسِلَت إليه. يتوقَّف ضاهر عن الكلام بغتةً ليقول: كلُّ هذه المسائل هي أُمور قد تبدو بسيطة إذا قيست بتعدُّد شخصيَّات الدكتور داهش. فهو رجُلٌ منَحَته القدرة ستَّ شخصيَّات عُلويَّة تتجسَّد في مراحل وظروف معيَّنة ولأَسباب عند ربِّ العالمين. وصدِّقني لقد كنت من شهود إحدى شخصيَّـاته التي رافقتني ذات مرَّة؛ وإليك الرواية:
كنتُ أَقود سيَّارتي وبقربي الدكتور داهش في أَحد شوارع بيروت، فطلب منِّي علبة كبريت أَو قدَّاحة. ولَمَّا أَجبته بالنفي، أَخرجَ يده اليُمنى من نافذة السيَّارة، فإذا به “يِسْتلَّقَى” قدَّاحة من الفضاء أَحرق بها رمزًا داهشيًّا، ثمَّ أَلقى بالقدَّاحة خارج السيَّارة فاختفَت.
ولدى وصولنا إلى منزل الدكتور داهش، صُعقتُ وأَنا أَمشي خلفه، إذ رأَيتُ داهشًا آخر يستلقي على سريره بثياب النوم ويطالع، وبقربه يجلس الدكتور فريد أَبو سليمان. فنظرتُ إلى الدكتور الذي معي، وكان يلبس طقمًا أَنيقًا، فصافحَ الحاضرين الموجودين آنذاك، وصافح الدكتور الذي يلبس ثياب النوم، واختفى أَو بالأَحرى تبخَّر حتَّى كدتُ أَفقد وعيي. وأَدركتُ أَنَّها إحدى شخصيَّاتـه العُلويَّــة.
يضيف ضاهر: تعدُّد شخصيَّات الدكتور يعرفها جميع الداهشيِّين وغيرهم. وقد حصل ذلك مع الفنَّان قيصر الجميِّل والشاعر حليم دمُّوس. وحَسبي الإشارة إلى قصَّة إعدام إحدى شخصيَّاته في إيران، وقد كُتِبَتْ فيها المراثي. وكان الدكتور داهش أَثناءها بين أَتباعه، وقد صرَّح للصحف بأَنَّهم أَعدموا إحدى شخصيَّاته في إيران.[9]
لقد عاينتُ من الظاهرات والخوارق الروحيَّة ما يحتاج إلى صفحاتٍ وصفحات يضيقُ بها المقامُ هنا. الظاهرة الروحيَّة، مهما كانت مرهونة ٌبنوعيَّتها وماهيَّتها، وما هي إلَّا خرقٌ لنواميس الطبيعة. فمَن استطاع أَن ينقلَ محفظتي من دُرج مكتبي في منزلي إلى منزل الرسالة في بيروت – وهذا ما حصل معي في عام 1964 – قادرٌ على أَن ينقل الجبلَ من مكانٍ إلى آخر!
ويضيف الأُستاذ نقولا ضاهر: إنَّ الظاهرات الروحيَّة، على مختلف أَصنافها، ليستْ غايةً في حدِّ ذاتها، لكنَّها وسيلةٌ لإثبات وجود الروح وقوَّة الروح وخلود الروح في هذا العصر الذي فُقِدَتْ فيه القِيَمُ الروحيَّة، وبات الإنسانُ فيه بعيدًا كلَّ البعد عن جوهر الدين الصحيح، وبالتالي عن الله سبحانَه وتعالى.
وإذا تأَكَّد للإنسان أَنَّ ثمَّةَ قوَّةً روحيَّة جبَّارة تجترحُ تلك المعجزات، فقد باتَ لزامًا عليه أَن يعيدَ النظر في مسلَّماتِه وقِيَمِه وغَرَضِه من الحياة. وهذا ما حصل معي. فقد هزَّتْ خوارق الدكتور داهش الروحيَّة كِياني، وقلبَتْ مفاهيمي، فبتُّ إنسانًا جديدًا يُقيمُ حياتَه وسلوكَه على أُسِسٍ روحيَّة سليمة. لقد رسخَ أَوَّلاً إيماني بالله تعالى، كما ازددتُ إيمانًا بأَنَّ لكلِّ ما أُقدِم عليه في الفكر والقول والعمل، حسابًا عادلاً لا مُحالة.
وبعد أَن وعَيتُ الحقيقة الروحيَّة أَدركتُ أَنَّني وثيقُ الصِّلَة بعالَـم الروح، وأَنَّ ثمَّة عوالَـم ماديَّة أُخرى أَرقى من كوكبنا الأَرضيِّ هذا، وأَنَّ حياتَنا على الأَرض ما هي إلَّا جزءٌ ضئيلٌ، وضئيلٌ جدًّا، من الحياة الروحيَّة الكبرى.
وكان من نتائج إيماني بالقوَّة الروحيَّة الخارقة التي تجترح المعجزات على يد الدكتور داهش أَن اتَّسَعَت آفاقُ نظرتي إلى الأَديان، فأَصبحتُ أُؤمن بأَنَّ فيها كلِّها – حتَّى في الأَديان الوثنيَّة القديمة – أَقباسًا من الحقيقة، وغدوتُ، أَنا المسيحيُّ النشأَة، لا أَقُلُّ إسلامًا عن المسلمين، وبوذيَّةً عن البوذيَّين، الخ … وهنا يحضرني بيتان شِعريَّان للشاعر الداهشيِّ الكبير حليم دمُّوس يقول فيهما:
بالداهشيَّة قد عرفتُ محمَّدًا وتلَوتُ قرآن الهُدى الـمُتسامي
وعرفتُ نصرانيَّتي ومسيحَها لَـــمَّا عرفتُ حقيقـــةَ الإسلامِ
آمنتُ بأَنَّ الدكتور داهش هو مختارُ الله الحبيب، وهادٍ من هُداة الله، وبأَنَّه مُصلحٌ اجتماعيٌ عظيم، وطبيبٌ للنفوس المريضة التي ترزحُ تحت نير ميولها الوضيعة ورغباتها الدنيئة، فتقدِّس المادَّة وتعبدُ المال وتتهالكُ على الجنس وتعشق الباطل وتُسيءُ إلى كلِّ ما هو صالـحٌ لنفسها في هذا العصر الرهيب، عصرِ سادوم وعامورة، بل قلْ: بابِل القرن العشرين.
هذه الحقائق الروحيَّة التي آمنتُ بها لا ترمي إلَّا إلى هدفٍ واحد: إصلاح الفرد إصلاحًا جذريًّـا في سبيل بناء مجتمعٍ فاضل، أَركانُه المحبَّة والحقُّ والخير والجَمال.
أُوقِفَ في “سجن الرمل”
وقام بزيارة أَصدقائه في آن معًا
مقابلة مع العميد المتقاعد محمَّد ضاهر
(2 1كانون الأَوَّل 1998)
أَمَّا العميد المتقاعد في قوى الأَمن الداخليِّ، محمَّد ضاهر، فله حكاية طويلة مع الدكتور داهش تعود إلى 18/1/1971، يوم قام ضاهر بزيارةٍ للدكتور طالبًا معجزة. وقد حمل قصَّته ليرويها على صفحات “الديار” في الأَوَّل من أَمس، حاملاً بين يديه رمزًا داهشيًّا أَصفر احتفظ به منذ زيارته الأُولى واليتيمة للدكتور داهش. فماذا روى العميد ضاهر؟
– تعود معرفتي بالدكتور داهش إلى عام 1957 على ما أَظنُّ، إن لَـم يكن في عام 1956، بحيث ُكنتُ على مقاعد الدراسة في مدرسة البرِّ والإحسان في الصفوف التكميليَّة. وكان أَحد رفاقي المدعوُّ مطلق عبد الخالق، من أَصل فلسطينيٍّ، تربطني به صداقة حميمة وتَزاوُر. وفي إحدى المرَّات كنتُ عنده في منزله في حيِّ قَصقَص، حيث سَكَنُ عائلته، وشاهدتُ أَحد الرجال الذي كان في الخمسينات من عمره يحضر إلى ذاك المنزل لزيارة الأُستاذ صبحي عبد الخالق، والد مطلق؛ وكان مديرًا لمدرسة “الملك سعود” في برج البراجنة الـمُنشأَة لتعليم أَبناء فلسطين في تلك المنطقة.
وقد تكرَّرت زيارة هذا الرجُل إلى المنزل مـِمَّا دعاني لسؤال صديقي مطلق عن اسم هذا الشخص، فأَعلمني صديقي قائلاً: إنَّ هذا الرجل يدعى الدكتور داهش، وهو صديق عمِّي الشاعر الفلسطينيّ مطلق عبد الخالق الذي سـمِّيتُ باسمه.
وكان عمِّي مناضلاً في فلسطين، استشهد عام [10]1936 بحادث تدهور قطار على طريق الساحل الفلسطينيّ. فانتقلَت الصداقة بوفاة عمِّي إلى والدي، والآن هو صديق الوالد. أَلَـم تسمع بمعجزاته؟ فأَجبته: “بلى، سمعتُها من الكبار ومن والدي بالتحديد، لكن هذا لا يصدَّق.”
أَردفتُ هذا إلى صديقي مطلق، واستوضحتُه قائلاً: ” هل صحيح ما يقال عنه من حكايات وأَخبار؟” فأَجاب بالإيجاب. وأَضاف: “الدكتور داهش قضى ردحًا من الزمن في فلسطين في زمن الانتداب البريطانيّ. وهو من أَصل لبنانيّ، ويُدعى سليم العشِّي من محلَّة رأْس النبع في بيروت. وإنَّ لعمِّي المتوفَّى الشاعر مطلق عبد الخالق ديوانَين من الشعر مزيَّـنـيـَن برسوم رائعة، آية في الجَمال، تحيطُ بكلِّ صفحة. وقد أَخرج عمِّي هذين الديوانَين بمساعدة الدكتور داهش. الديوان الأَوَّل اسمه “الرحيل”، والديوان الثاني يُدعى “ضجعة الموت”.[11] وبالفعل أَحضر صديقي الديوانَين واطَّلعتُ عليهما وقرأْتهما فيما بعد عندما تيسَّر لي الوقت الكافي لمطالعتهما.
وفي إحدى المرَّات، طلبتُ من صديقي المذكور أَن نذهب إلى منزل الدكتور داهش ونطرح عليه ما يحلو لنا من أَسئلة. وبالفعل ذهبنا في تاريخٍ اتـــَّـفقنا عليه إلى منزله، وكان يقع في محلَّة النوَيري على طريق خطِّ الترامواي، فلم نجده.
ماجد حمادة سأَلني
ويضيف العميد ضاهر: ومرَّت الأَيَّـام، وافترقنا أَنا وصديقي، إذ دخلتُ في السلك العسكري في قوى الأَمن الداخليّ.
وفي عام 1971، بينما كنت أَتسوَّق الكُتب لمكتبتي من بيروت، صادفتُ على إحدى البسطات كتابًا للدكتور داهش تحت عنوان “مذكِّرات دينار”، وكتابًا تحت عنوان “مُعجزات الدكتور داهش ووحدة الأَديان”، لمؤلِّفه الدكتور غازي براكْس، فاطَّلعتُ عليهما، ولَـــفَـتَني ما جاء في كتاب “مُعجزات الدكتور داهش” من سردٍ لأَحداث ووقائع تضمَّنها هذا الكتاب مع أَسماء الشخصيَّات التي حصلَت معها. حتَّى أَنَّ صديقي المرحوم الأُستاذ ماجد حمادة استوضحني عن هذا وعن وُرود اسم والده فيه، فأَكَّدتُ له ذلك وأَهديتُه إيَّـاه. والسبب في ذلك أَنَّ والده المرحوم الرئيس صبري حمادة كان قد اشترى “تلّ حزّيِن” وأَحبَّ أَن يعرف ما تناهى إليه من أَقوال العامَّة أَو إشاعات تقول بوجود كنز وآثار في باطن الأَرض. وعندما اجتمع الرئيس حمادة بالدكتور داهش سائلاً إيَّـاه: “أُريدك أَن تعرف ما في ضميري،” أَجابه الدكتور داهش: “ضَعْ يدك في جَيبك وأَخرج منها ما فيها، وَفْقَ ما تضمرُ أَو تفكِّرُ فيه.”
وبالفعل، وضع الرئيس حمادة يده في جَيب سُترته[12] وأَخرجَ منها خمس ليرات ذهبيَّة (أُمّ حصان). وأَجابه الرئيس حمادة بدهشة: “فعلاً عرفتَ ماذا أَضمر.”
ونعود إلى العام نفسه 1971، إذْ ذهبتُ بعد قراءتي الكتابَين إلى منزل الدكتور داهش، فأُخْبرتُ بأَنَّه انتقل إلى منزلٍ آخر لا يعرف أَحد عنوانه. فتوجَّهتُ إلى عيادة الدكتور فريد أَبو سليمان في بناية سينما روكسي بالقرب من ساحة البرج، وعرَّفتُه عن نفسي وعن صداقتي لمطلق، وطلبتُ منه أَن يجمعني بالدكتور داهش للتعرُّف عليه عن كثب وطرحِ بعض الأَسئلة، وبالتالي للتحقُّق ممَّا يقال عنه. فأَعطاني موعدًا في اليوم التالي. وصادف هذا الموعد بتاريخ 18/1/1971، في الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر، على أَن أَحضر إلى عيادته المذكورة وننتقل سويًّا إلى منزل الدكتور داهش. وبالفعل حصل ما اتفقنا عليه وانتقلنا إلى المنزل الذي يقيم فيه الدكتور داهش، وهو مُلك آل الحدَّاد، ويقع بالقرب من برج المرِّ؛ وهو عبارة عن بناء قديم العهد، لا يزال قائمًا حتَّى الآن.
وعندما صعدنا إلى المنزل وطرقنا الباب، فُتح تلقائِـيًّا، ثـمَّ حضرَت امرأَة عجوز وأَجلستنا في غرفة جلوس، بعد المدخل مباشرةً، حيث تركني الدكتور أَبو سليمان على الفور وتوجَّه إلى غرفة أُخرى ضمن ممرٍّ، بينما بقيتُ أَنا أَنتظر. وخلال انتظاري لاحظتُ رفوفًا على جدران هذه الغرفة تزدحم فيها التماثيل لأَنواع كثيرة من الحيوانات المحنَّطة. وعلى الأَرائك توزَّعَت جلود لحيوانات مفترسة كالفهد والنمر والسباع. وبعد برهة من الوقت، عاد الدكتور أَبو سليمان واصطحبني إلى صالون داخليّ حيث حضر الدكتور داهش إلى هذا الصالون بعد جلوسنا بقليل في غرفة داخلـــيَّــة.
عرَّفتُه عن نفسي وأَخبرتُه أَنَّني صديق لمطلق، فسأَلني عنه وعن أَخباره. ثـمَّ باشرتُ بطرح الأَسئلة التي كنت مستعدًّا لها.
لكَ ما تريد
ويستطرد العميد ضاهر: وعلى سبيل المثال، طلبتُ منه إحضار كتاب من مكتبتي في منزلي إلى جلستنا وإحضار شخص متوفٍّ عزيز عليَّ إلى مجلسنا، فأَجابني بأَنَّ ذلك يستوجب جلسة روحـيَّــة.
حتَّى إنَّني طلبتُ منه أَن يساعدني بتلبية حاجات مَن يقصدني من الناس بقصد إسداء المعروف إليهم، فكان رَدُّه بمثابة سؤال لي: “مَن خلق الكون؟” فأَجبتُه: “الله سبحانه وتعالى.” عندئذٍ قال: “مَن خلق الكون والناس هو أَولى بهم، وأَنت على قدر استطاعتك تُسدي المعروف إلى مَن يقصدك.” وفي نهاية الأَمر قلتُ له: “أُحبُّ أَن أَرى شيئًا من معجزاتك ولا نعود بخفَّي حُنَين.”
فأَجابني: “حسنًا، لك ما تريد.”
وكان يوجد أَمامي على المنضدة مجموعة من الأَوراق الصغيرة المنفردة الصفراء اللون يقارب قياسها 10× 15 سم. طلب منِّي أَن أَكتبَ على أَربع وريقات اسم نبيٍّ على كلٍّ منها، وحكمة أَو بيت من الشعر أَو أَيَّة عبارة أُخرى. ففعلتُ بواسطة قلم حبر أَزرق. وعندما انتهيتُ، طلبَ منّي أَن أَعطيه الوريقة التي أُريد. فاخترت إحداها، وقد كُتِبَ عليها “سليمان”، والـمثَـل: “مَن راقبَ الناسَ مات همـََّـا.” فطلبَ منّي مُجدَّدًا أَن أَتناول وريقة من الرزمة التي أَمامي وأَضعها في كفِّي قابضًا عليها. ففعلتُ بعد أَن تفحَّصتُها مليًّا على الوجهين وتأَكَّد لي عدم وجود أَيِّ أَثر من أَيِّ نوع كان عليها.
وأَخذ الدكتور داهش يقرأُ ما في الوريقة التي سلَّمتُه إيَّـاها ويكتبُه في الهواء، وقد كتب “غمًّا” بدل “هـمًّـا”. فصحَّحت له ذلك بقول: “لقد كتبتُُ هـمًّـا وليس غمًّا.” فشطَبَ كلمة “غمًّا” في الهواء واستبدلها بـ “هـمًّـا”. ثـمَّ أَرَّخ تاريخ 19/1/1971، فذكَّرته بأَنَّ تاريخ ذلك اليوم هو 18/1/1971، وليس 19/1/1971، فأَعاد تصحيح التاريخ، وفي الهواء أَيضًا.
وأَضاف على ما كتبت: “أَهلاً بالملازم محمَّد ضاهر.” ثـمَّ طلب منّي الدكتور داهش فَتْحَ يدي وقراءة ما في الورقة. وكم كانت دهشتي عظيمةً عندما وجدتُ فيها مكتوبًـا بحبر أَحمر وبخطٍّ غير خطِّي ما كتبه الدكتور داهش في الهواء. وما جعلني أَحتفظ بهذه الورقة شكِّي بأَنَّ هذه الكتابة ستزول بعد مغادرتي المنزل، لأَتأَكَّد بأَنِّني لم أَكن تحت أَيّ تأْثير مغناطيسيّ أَو إيحاء معيَّن. ولا زالت هذه الورقة بحوزتي، وقد عرضتُها عليكم واستحصلتم على صورة طبق الأَصل عنها.
حفلة الريڤولي
ويضيف العميد محمَّد ضاهر بعد أَن يأْخذَ نفسًا عميقًا من سيجارته، وهو يوغل في استحضار ذكريات تلك المرحلة، خصوصًا ما يتعلَّق بموضوع طالما حيَّر كثيرًا من المسؤولين، وهو تعدُّد شخصيَّـات داهش الهيوليَّة أَو الروحيَّة، والبالغة ستَّ شخصيَّات عدا شخصيَّـتـه الحقيقيَّة المادّيَّة. وقد كثُر الحديث عن الشخصيَّـات أَثناء توقيفه عدلـيًّـا في سجن الرمل. يقول العميد ضاهر: ” كان داهش مَوقوفًا في سجن الرمل، وتحت الحراسة التي تقضي بمنع مغادرة السجناء مَقَرَّ السجن كما هو معلوم، بينما كان داهش يتواجد في الوقت نفسه لدى أَصدقائه ومعارفه، ساهرًا أَو زائرًا، وسط دهشة هؤلاء الذين كانوا على علم بأَمر توقيفه وسجنه، ممَّا حدا بالمسؤولين إلى الاستيضاح عن هذا الأَمر، فكان الـمُولَّجون بالحراسة يؤكِّدون ويُـثبتون فعليًّا أَنَّ داهشًا لم يبارح السجن بتاتًـا خلال مدَّة توقيفه …”
وينهي العميد المتقاعد محمَّد ضاهر بالقول: “بقيَّة القصص والمعجزات التي قام بها داهش معروفـة ومدوَّنـة في كثيرٍ من الكُتُب …”
“أُنظرْ إلى السقف يا موسى”
مقابلتان مع الشاعر موسى المعلوف
في 9 و18 كانون الأوّل 1998
الشاعر موسى المعلوف من الرعيل الثاني الذي عايش ظاهرة الدكتور داهش. فهو من نفس رعيل الدكتور غازي براكْس، هذا الرعيل الذي يُـعتبر شاهدًا من شهود “الخوارق” التي اجترحها الدكتور داهش، كما يقول أَتباعه ويُـضيف هؤلاء الأَتباع: هناك عدَّة “خوارق” حدثَت أَمام الشاعر المعلوف، يحدِّثُ عنها إذا سُئِل، وهو لا يزال يحمل الكثير من الرموز الداهشيَّـة مكتوبة بخطِّ داهش. منها ما يعود إلى أَواخر الخمسينيَّات والستينيَّات والسبعينيَّات. وكان أَن التقينا الشاعر موسى المعلوف الذي رحَّب بنا دون معرفةِ ما الذي نريده منه ضبطًا.
لم يفاجإ الشاعر المعلوف بسؤالنا إيــَّـاه عن مسيرته مع الدكتور داهش، ولكنَّ المفاجأَة كانت من قِبَلِنا، إذ سرعان ما اختلَفت شخصيَّـتـه وانطلق يسردُ علينا الكثير من المحطَّات التي عايشها في مسيرة الدكتور داهش و”الخوارق” التي كان من شهودها. كان المعلوف ينساب في حديثه كشلَّالٍ هادرٍ وبما يشبه الانخطاف، وكأَنَّـه في عالَـمٍ غير العالَـم الذي نعيشه. “السيَّالات الروحيَّة” سِـمَةٌ بارزة في كلام الشاعر المعلوف الذي بدا وكأَنَّ في أَسئلتنا ما أَيقظَ فيه الحنين إلى المستقبل وليس إلى الماضي، مع العلم أَنَّ الداهشيَّة لا تفصل بين المرحلَتين. فالماضي لا يعني مسأَلة الزوال أَو الفناء، بل هو مقدِّمة للمستقبل من خلال إيمان الداهشيِّين بالتقمُّص، فلا شيء يزول أَو يُمحى، بل كلُّ شيء مسجَّل لدى القدرة الخارقة من حيث مبدأُ الثواب والعقاب وِفق العقيدة الداهشيَّـــة.
* كيف التقيتَ الدكتور داهش لأَوَّل مرَّة، بالصُّدفة أَم كانت لديك دوافع معيَّنة؟
اندفع الشاعر المعلوف للإجابة بحماسٍ يُطيح الجمود والرتابة، وأَجاب بأُسلوبه الشعريّ الراقي:
“هُنيَهة بعد – لمحة استراحة على الريح – وتلدُني امرأَةٌ أُخرى.”
بهذه العبارة – اللغز – ختم المصطفى في كتاب “النبيِّ” لجبران خليل جبران رحلة من رحلاته في كوكب الأَرض، وبها كذلك كان عبوري في مرحلة الشباب إلى محور تساؤلات ماورائـيَّـة حول ذاتي الكليَّة، ساعيًا للكشف عن ماضٍ لي قبل هذه الدورة الحياتـيَّـة، واستشراف غد مجهول أَرنو إليه بعين الروح، وأَحدس في طلوعه عبر أَسلاك القلب والحاضر.
وجنحَت بعنفواني ثورة جبران على ما رَثَّ من تقاليد وعادات، إلى رفضِ طقوس وشرائع جعلَت من شعلة الهداية في الدين رمزًا لمذاهب وطوائف متناحرة، متنافرة، يحكمُها التعصُّب والجهل، وتسودُها مصالح فئويَّة مادّيَّة في توجُّهاتها وأَبعادها، ممَّا قد أَساء إلى جوهر الحريَّة وإلى قدسيَّـة العلاقة بين الخالق ومخلوقاته الآدميَّة حيث تجلَّت فيها النظرة التوحيديَّة إلى الكون عبر الديانات السماويَّــة.
وبينما أَنا في غمرة التجاذبات بين الشكِّ واليقين مندفعًا لفضِّ لُغز ولادتي الراهنة، ومعرفة مصيري آن ينطفئ سراج العمر، تعرَّفتُ إلى زميلٍ معلِّم غدا صديقًا صفيَّ الودِّ، نادر الطيبة والوفاء، هو الأَديب المرحوم جورج أَبو سعدى. فقد شرَّع أَمام عصفِ الحيرة والقلق داخل نفسي نافذةَ يقينٍ وسلام، مؤكِّدًا لي ريادة جبران في إضاءة جانب من ليل معاناتنا المشترَكة، وإجابتِه عن بعض تساؤلاتنا المضنية، وموجِّهًا ساريةَ فكري ناحية شطٍّ أَمين أَلقيتُ فيه مرساةَ العقل والفؤاد على دَهشةٍ وفرح.
فكان اللقاء الأَوَّل بالدكتور داهش في أَيــَّــــار 1959.
وها إنّي أَعترف، بعد ذلك اللقاء الحديث، بحقيقةٍ لا لُبْسَ فيها، هي التغيير في المسلك الروحيّ والخلقيّ الذي ثـبَّتَ مسيحيَّتي بالمحبَّة، وإسلامي بالحقِّ، وإيماني بأُخوَّة البَشَر، وبوحدة الأَديان في الجَوهر.
أُنظًر إلى فوق
* ما هي الداهشيّـــة؟ وكيف تنظر إلى شخصيّــة الدكتور داهش؟
– الداهشيَّـة رسالة روحيَّة ترتكز تعاليمها على مبدإ وحدة الأَديان في جوهرها، والإيمان بالله الواحد الصمد، بارئ الأَكوان والخلائق. وهي تؤمن بقيمة المسلك الروحيِّ والخُـلُـقيِّ في علاقة الإنسان بنفسه، وبأَخيه الإنسان، وبوَعـيِه معادلةَ الخير والشرِّ، والثواب والعقاب، وذلك بالنسبة لدرجة معرفته وارتقاء سيَّالاتــه.
وإذا كان لكلِّ عصرٍ هادٍ ومُصلح، أَمثال بوذا وسقراط وغاندي، فالدكتور داهش هو من أُولئك الهداة الذين زوَّدتهم العناية الإلهيَّة بقوَّة روحيَّة، غايتها إثبات وجود الروح، وتأْكيد ما جاء في الرسالات السماويَّـة الـمُنزلة. فالظاهرات والخوارق التي شاهدها الكثيرون، بل الأُلوف من ذوي العقول الرشيدة والبصائر النَيِّرة، هي أَسطع برهان وأَصدق دليل على أَنَّ دعوة الدكتور داهش هي حـــقٌّ ونور وهدى.
* عشتَ فترةً إلى جانب الدكتور داهش، ما هي الخوارق التي عاينتَها شخصيًّــا؟
– في أَحد الأَيـَّـام زرتُ الدكتور داهش، وكان متوعِّكًا. دخلتُ غرفة نومه لأَعودَه، فنهض من فراشه وجلس قربي على المقعد. فدار الحديث بيننا حول سبب الوعكة التي أَلَمَّت برجله الـيُسرى، فأَوضح لي ذلك بقوله: “يا أَخي، ما دُمنا على هذه الأَرض، فعلينا أَن نتحمَّّل نتائج أَعمالنا في تقمُّصاتنا السابقة.” فتابعتُ الحديث متسائلاً: “دكتور، أَنا كلّ ليلة أَتأَمــَّـل المجرَّة والكواكب السيَّارة في الفلك، وهي لا تُحصى ولا تُعدُّ، متعجِّبًا كلَّ العجب من قانون الجاذبيَّة الذي يحكم دورانها، فلا يصطدم بعضُها ببعض، ولا يختلّ مسارهم المنتظم.
ما أَعظم هذا النظام الإلهيِّ الذي يسود الأَكوان والعوالِـم!”
فارتعش الدكتور داهش بعصبيَّـة وقال: ” أُنظر إلى السقف يا موسى.” فنظرتُ وأَجبته على الفور: “لا أَرى ما يَلفت النظر.” ثـمَّ أَردف بنبرة لا تخلو من الحدَّة: “الآن التفتْ إلى سقف الغرفة.” فإذا بي أُشاهد ما لا يوصف بعين الخيال. فقد انشقَّ السقف في تلك اللحظة مساحة ذراع تقريبًا، وتناثر الطين والجصُّ من خلال أَلواح الخشب لكون المنزل من الأَبنية القديمة، وهو ما يزال منتصبًا كالحصن قبالة برج المرّ.
وإذا بالروح العليِّ يخاطبني: “هل فهمتَ يا موسى؟ في هذه اللحظة التي انشقَّ فيها السقف، هناك ملايين من الكواكب تولد وملايين تذوب وتنطفئ! إعملْ رمزًا، وارفعْهُ صلاة شُكر إلى الله عزَّ وجلَّ للسماح لك بهذه الظاهرة الروحيَّة، طالبًا منّي أَن أَنفض نثار الطين عن ثياب “الحبيب” ورأْسه وكتفَيه، ثـمَّ أَن أُخبرهُ بعد لحظات بما حصل.
مُــهَــنَّــد
ويضيف الشاعر موسى المعلوف قائلاً: إليك هذه الظاهرة الأُخرى:
“حين أَنعمَ الله علينا، زوجتي وأَنا، بمولود ذكر (في مستشفى مار يوسُف، الدورة)، أَحببتُ أَن أَزفَّ البشرى السارَّة إلى الدكتور داهش لصلة قربى بينه وبين زوجتي. صباح اليوم التالي، حاولتُ الاتِّصال بمنزل الدكتور عبر الهاتف، فلم أَتمكَّن لانشغال الخطِّ مدَّة نصف ساعة تقريبًا، وباستمرار. عندئذٍ قرَّرتُ الانتقال إلى منزله الكائن في محلَّة الوتوات، واستقبلني الدكتور كعادته ببشاشة، وسأَلني عن سبب الزيارة، ولماذا لم أَتَّصل به من قبل بواسطة التلفون. فأَجبتُه بأَنّ خطَّه كان مشغولاً لفترة طويلة. دخل غرفة نومه لحظةً ثمَّ عاد ليعلن مستغربًا أَنَّ سمَّاعة الهاتف كانت مرفوعة وملقاة إلى جانب السرير، رغم حرصه الشديد على وجود السمَّاعة في موضعها المعهود.
“بعد ذلك، أَوضحتُ له سبب زيارتي الصباحيَّة، ورغبتنا، زوجتي ليلى وأَنا، في أَن يُطلقَ اسمًا على مولودنا الجديد. فأَجابني والبسمة تعلو ثغره: “قُمْ معي إلى المكتب نسأَل روحيًّا، فعسى أَن يُستجاب طلبك.” ودخل معنا إلى المكتب بعضٌ من الداهشيِّين.
فأَشار الدكتور بيده إلى مجلَّة فوق أَحد الرفوف، طالبًا منّي إحضارها إليه. فإذا بأَحد الإخوة يمدُّ يده لتناول المجلَّة، فسقط منها ظرفٌ مختومٌ فوق المقعد حيث كان الدكتور داهش جالسًا. فأَشار إليَّ بأَن أَفتح الظرف، وإذا به يحتوي على ورقة صفراء دُوِّنَت فيها النبوءة التالية:
“سيطلب منك موسى معلوف صباح 12/9/ 1971 أَن تطلق اسمًا على المولود في الساعة (11) وثلث من ليل (11) (9) (1971). إنَّ اسم المولود هو (مهنَّد).
4/9/71 عليّ “
فشكرتُ الله عزَّ وجلَّ ورسوله الحبيب داهش على هذه الظاهرة النبوءة. فكان وَقْعُ هذا الاسم (مهنَّد) على الأَهل والأَصحاب مَدعاة دهشة وتساؤل، تاركًا دويًّا عاصفًا لغرابته عن المتوارَث من أَسماء الجدود والآباء في المفهوم العائليِّ والمذهبيّ.”
* * *
وفي جعبة الشاعر المعلوف حكايات ظواهر لا تنضب. فهو إذا ما سُئل عنها فليس بحاجة أَن يتذكَّر إذ ينطلق بسرد ما عاينه من “معجزات” وكأَنَّها حصلَت البارحة أَمامه. في هذه الحلقة يروي الشاعر المعلوف “للديار” عن ظاهرة حدثت معه هي نسخة طبق الأَصل عن “قصَّة شبح” التي وردت في مجلَّة “المختار” عام 1947، فيقول:
شهادة مؤمن بالحقِّ في رسالات أَنبيائه وهُداته إذا أَنت آمنت بما سمعت وقرأت، فهذا يرتكز أَصلاً على درجة وَعيَك الروحيّ، وذلك إثباتًا لآية السيِّد في إنجيله: “طوبى للذين آمنوا ولَـم يروا”. أَمَّا إذا سمحَت لك العناية الإلهيَّة بأَن تُـتمـِّـمَ ما قاله السيِّد بظواهر وخوارق تتلمَّسها بضوء اليقين، فتشهد عليها البصيرة والبصر لكونها من تجسُّدات السيَّالات وأَشعَّة الروح، ولا غشاوة على عينيك، ولا زَوَغان في قلبك، فهذا ما أُعطي لك من فوق ثوابًا على مآتي ماضيك قبل هذه السياحة الأَرضيَّة، وما تخلَّــلَها من فصول المآسي، وما احتوَتها من الأَحداث الجسام.
وإلى الذين يحدِّقون بالشمس معترفين بسلطان هدايتها، وقد مزَّقوا عن أَعيُنهم حُجُب الشكِّ والخوف، ورفعوا عن وجوههم وضمائرهم أَقنعة رغباتهم السرابـيَّـة، ما سأَرويه لهم بأَمانة الشاهد للحقِّ، وهو المسجَّل على اسمي في لوح الحياة الأُخرى، حين أَخلع عن سيَّالي هيكل الطين وأَمثل عاريًا أَمام ذاتي الكلِّــــيــــَّــة.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف ليل الأَوَّل من تـمُّوز 1963 حين طرق باب منزلي في جونية أَحد الأَنسباء، العقيد المتقاعد نظمي المعلوف، وهو رفيق عصبة من روَّاد الصبا والشباب. مكث لديَّ زُهاء ساعة، تجاذبنا فيها طرائف الحديث على حلاوةٍ وظُرْف، ثـمَّ ودَّعني عند الحادية عشر على أَمل أَن نلتقي غداً صباحاً حوالى السابعة، فنترافق معًا في سيَّارته إلى العاصمة بيروت.
وكان الأَهل يومئذٍ في زحلة لقضاء موسم الصيف، وقد فضَّلت أَنا التقلُّب على لفح أَنفاس تـمُّوز وحيدًا لشوقٍ في النفس إلى الالتقاء بالدكتور داهش أَو بأَحد المؤمنين من أَتباعه كالدكتور جورج خبصا، والدكتور فريد أَبو سليمان، وسواهما، ولو لدقائق معدودة كلّ يوم.
بعد مغادرة النسيب نظمي، أَطفأْتُ الأَنوار ودخلتُ غرفة النوم، فتذكَّرتُ ما أَوصتني به الوالدة برَيِّ أَحواض الزهور على الشرفة المطلَّة فوق الشارع. فنهضتُ من الفراش بسرعة لتأْدية الواجب قبل بدء رحلة الأَحلام. أَضأْتُ مصباح قاعة الاستقبال، وما إن بلغتُ صحنها للعبور إلى الشرفة الخارجيَّة حتَّى انفجر في فضاء القاعة شلَّالٌ من الذرَّات الكهربائيَّة، تناثرَت كالغبار أَو كالأَسهم الناريَّة في رحاب المنزل، وإذا بالمذياع ينطلق منه صوت المغنِّية “صباح” راعدًا وصاعقًا: “جينا الدار نسأَل عالحبايب لقينا الدار تبكي عللي غايب.” وبينما أَنا في رحلة لا توصف من انعدام الوزن، متأَرجحًا بين الوعي والغيبوبة، غارقُا في تلك السُحُب المكهربة، رسمتُ بإصبعي الرمز الداهشيِّ المقدَّس عدَّة مرَّات، واندفعتُ نحو الباب الخارجيِّ مثل الهارب من أَلسنة النيران أَو أَذناب العقارب، مردِّدًا: “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي” مرّات متتابعة …
وبعد مكوثي ساعتَين على الدَرج الخارجيِّ، مسترجعًا قواي وأَنفاسي، ومحلِّلاً أَسباب الحادث الغريب وانعكاسه على ما فـيَّ بعد من سلطة العقل، تذكَّرتُ أَنَّ “الراديو” كان منطفئًا، وقد أُلبِس ثوبًا من القماش والتفَّ سلكُه تحته، غير موصول البتَّة بمصدر الطاقة. وها إنّي أَعترف بحقيقة شعوري وأَنا تحت تلك المظلَّة الكهربائيَّة أَنَّ سيَّالاتي كادت تنطلق من جسدي. تُرى أَلـم تكن بتلك الحال شبيهة بالاحتضار أَو الانتقال من “وادي الدموع” هذا كما وصَفَه جبران؟!
وبعد انقضاء ساعتَين، نزولاً وصعودًا على الدرج الذي يُفضي إلى الشارع، حاولتُ جاهدًا أَن أَدخل المنزل، فكنت أُحسُّ بقوَّة كأَنَّها يدٌ راحت تدفعني إلى الوراء، ضاغطة على صدري لتحول دون ولوجي عتبة المدخل، فظللتُ على هذه الحال حتَّى الثانية بعد منتصف الليل. عندها تملَّكتني جرأَةٌ غريبة، فقرَّرتُ العبور إلى داخل البيت وأَنا أَرسم بإصبعي كالسابق الرمز الداهشيَّ المقدَّس، مردِّدًا: “بحقِّ الله والنبيِّ الحبيب الهادي”، مجتازًا قاعة الاستقبال إلى الشرفة الخارجيَّة المطلَّة على الشارع، وتاركًا الباب مُشْرَعًا لكلِّ طارئ ليل.
القزم
وقفتُ متأَمِّلاً القمر فوق رابية “حريصا” والمتموَّجة أَنواره على شحوب خلال أَغصان الشجر في الحديقة الممتدَّة في الجهة المقابلة لمنزلنا. فإذا بقزم يمرُّ تحت الشرفة، مُحدَودب الظهر، مُنكَر السحنة، مُنفرج الساقَين على اعوجاج، يحدِّق بي لاويًا رقبته. فأَشرتُ إليه بيدي، فلم يُجب بحركة، ثـمَّ تابع سيره هازًّا برأْسه، فتوجَّست به شرًّا.
انقضى الهزيع الثاني من تلك الليلة المشؤومة، الراعبة، وأَنا أَدور في فلك من التساؤلات حول المصير وجدوى تلك اللحظة الحاسمة بين أَن تكون أَو لا تكون، وما في ماضيك الغابر من أَسرار، وحاضرك من أَوهام، وما يحمل لك الغد من خُلَّب الآمال. وها إنَّ أَعصابي قد أَخذ ينحسر توتُّـرُها، وخافقي راح يستعيد ظلاًّ من السكينة مع انبلاج الصباح، إذ لم تعرف جفونك سرحةَ طَرفَةٍ أَو رفَّة إغفاءة، فشرعتُ أُمنّي النفس بلقاء الدكتور الحبيب علَّني أَنال منه جلاء ما حدث لي، فيكون لديه البرء والطمأْنينة.
وعند السابعة صباحًا أَطلَّ النسيب “نظمي”، فجلستُ إلى جانبه في السيَّارة. فنظر إلى وجهي وصاح بعجب: ما دهاك يا ابن العمّ؟ هل أَصابك مكروه ليل أَمس؟ فأَجبتُه بنبرة فاترة: أَمضيتُ ليلة مريرة لم أَنم فيها … وسوف أُخبرك لاحقًا بما حدث. وإذا ألَـحَّ عليَّ بلهفة وقد رفضتُ الإفصاح عمَّا فضحَته صفرةُ وجهي وامتقاع لونه، فتوقَّف هو بحكم الصابر على مودَّة، ورضيتُ أَنا بصمت العارف الذي يؤمِّل الفرج.
اتَّصلتُ بالدكتور داهش، فحدَّد لي موعد الزيارة السادسة مساءً. وصلتُ إلى دارته وبي إحساسُ مَن كان “ميتًا فعاش أَو ضالًّا فوُجد”؛ تُراها ولادة ثانية أَم عمري تجدَّد؟ جلستُ على المقعد إزاءه وأَخذتُ أَسرد على مسامعه شريط ليلة البارحة بدقَّة في وصفِ ما حلَّ بي. وما إن انتهيت حتَّى غادر غرفته للحظات، ثـمَّ عاد ممسكًا بيده كتاب “المختار” المطبوع سنة 1947 في مصر، طالبًا أَن أَقرأَ فيه “قصَّة شبح” حيث وضع علامة بقلمه على زاوية صفحتها الأُولى.
بعد قراءتي لتلك القصَّة، التفتَ نحوي قائلاً: أَليس ما حدث لك في الأَمس شبيهًا بما جاء في هذه الأُقصوصة؟ أَجبتُه: نعم دكتور، إنَّه لكذلك حقًّا. فقام الدكتور من مقعده، وتوجَّه إلى خزانة في زاوية غرفته، ثـمَّ فتح أَحد أَدراجها وناداني: تعال يا أَخ موسى. فمدَّ يده إلى داخل أَحد الجوارير، واستخرج منه ورقة صفراء بشكل مثلَّث وناولـنيها قائلاً: افتح هذه الورقة واقرأْ ما دُوِّن فيها. فقرأْت ما خطَّه الروح العليّ:
“عندما يحدِّثك الأَخ موسى المعلوف عن حادث الأَمس، والراديو وأُغنية صباح، أَرِه ِكتاب “المختار” “قصَّة شبح” … وبعد قراءته، ناول الورقة الصفراء ليرى ما كُتب فيها وليضع رمزاً وليتبخَّر به.
أَوَّل تـمـُّوز 1963 الساعة (12) ليلاً.”
قمتُ بما طُلب منّي، حامدًا الباري تعالى على مساعدته إيَّاي وإنقاذي من خطر كاد يودي بحياة عبدِه موسى. فقد دفعني الفضول لأَستعلم عن السبب، فكان جواب الحبيب الهادي:
“في جلسة روحيَّة، إذا سُمح لك بها، عندها تسأَل الروح فيُجيبك وينجلي السرّ.”
ومرَّت سنوات، فطُبعَت مجموعة قصص للدكتور داهش، وكان من بينها “قصَّة شبح”، فقد أَعاد صياغتها ببيانه الممتنع على نضارةٍ جاذبة. وهي تنطبق على ما جرى معي وكأَنَّ الشبح الذي رأَيت هو نفسه الذي شاهده اللورد “دوفرِن” في باريس. وقد سقط مصعد الفندق بركَّابه، ومعهم ذلك الشبح حيث مات الجميع بما فيهم الشبح الغريب.[13]
الدكتور ملحم شكْر والظواهرُ الداهشيَّة
مُقابلة نُشرَتْ في 8 كانون الثاني 1999
الدكتور ملحم شكر توجَّهت إليه “الديار” بأَسئلة حول الداهشيَّـة، ومنها الفارق بين الشعوذات والظاهرات الداهشيَّـة وكيفيَّة تفسيرها، وهل الداهشيَّـة دينٌ جديد وما علاقتها بالأَديان، بالإضافة إلى السؤال الكبير عن الغموض والشبهات في أَذهان الكثيرين حول حياة الدكتور داهش. فتناول الأَسئلة تباعًا، وكانت إجاباته غاية في الصراحة ودون اعتماد أَيّ هامش للمناورة. فماذا قال؟
* يعتقد كثير من الناس أَنَّ ما تسمُّونه الظاهرات الداهشيَّة هي من نوع الشعوذة وأَلعاب الخفَّة وخداع البصر، وليس لها حقيقة في ذاتها؟
– هذا رأْي الذين لم يروا هذه الظاهرات ولم يتحقَّقوا منها، وهو ردُّ فعل طبيعيٍّ ومعقول، وأَكاد أَقول ضروريّ للوهلة الأُولى، علمًا أَنَّ بعض هذه الظاهرات، كمعرفة المستقبل بكامل تفاصيله، على سبيل المثال، وهي مـمَّا يستحيل تفسيره أَصلاً بالخداع أَو الإيهام أَو المصادفة أَو غير ذلك من الأَساليب المشابهة. وأَنا نفسي، لو لَم أَرَ بعينيَّ بعضًا من هذه الظاهرات، وينقُل إليَّ بعضها الآخر مَن أَثقُ بعقله وفطنته وثقافته وأَمانته، لأَنكرتُها ونسبتُها إلى الخداع والغشِّ، ونسبتُ التصديق بها إلى الغفلة والجهل. هذا لأَنَّ الظاهرات الداهشيَّـة هي من الأُمور المستحيلة حسب قوانين الطبيعة ومجرى العادة. أَمَّا الذين رأَوا هذه الظاهرات بأُمِّ العين وتحقَّقوا منها، وهم يُعدُّون بالآلاف، وليسوا جميعًا من الداهشيِّين، فلا خلاف بينهم على أَنَّها ظاهرات حقيقيَّة ثابتة قد حدثَت فعلاً.
* إنَّ بعض الذين رأَوا هذه الظاهرات وتحقَّقوا منها لا يُنكرون حدوثها، ولكنَّهم يفسِّرونها بالسحر أَو التنويم المغناطيسيِّ أَو البارابسيكولوجيا أَو مناجاة الأَرواح، أَو بأَنَّها من أَعمال الجنّ …
– إنَّ الظاهرة الداهشيَّـة شيء وتفسيرها شيءٌ آخر. إنَّ الظاهرة الداهشيَّـة مُعطًى واضح موضوعٌ أَمام أَعين الجميع، مُستقلٌّ عن الأَفراد ومعتقداتهم، وهي تُحدَّد موضوعيًّـا بأَنَّها خرقٌ دامغ لقوانين الطبيعة المعروفة. وليس لها أَيّ تفسير علميّ. كلُّ إنسان يفسِّر هذه الظاهرة حسب مستوى ثقافته ومدى علمه وتبعًا لمعطيات البيئة الفكريَّة والدينيَّة التي ينتسب إليها، والتي تتحكَّم برؤيته للعالَـم. إنَّ التفسيرات التي ذكرتُها هي جميعاً تفسيرات قَــبْلـيَّـة تُطرح على الظاهرة الداهشيَّـة من خارجها. وهي من جهة أُولى متولِّدة عن مفاهيم خاطئة بحدِّ ذاتها بصرف النظر عن تطبيقها على الظاهرة الداهشيَّـة؛ وهي من جهة ثانية، حتَّى لو كانت متولِّدة عن مفاهيم صحيحة، عاجزةً عن تفسير الظاهرة الداهشيَّــة.
أَقول إنَّها خاطئة بحدِّ ذاتها لأَنَّ السَّاحر أَو المنوِّم أَو المنجِّم أَو سواهم يدَّعون أَنـَّهم يقومون بما ينسبونه إلى أَنفسهم من المخاريق التي لم يتحقَّق من صحَّتها أَحد، بواسطة علوم تعلَّموها وتقنيَّات احترفوها، بل يدَّعون أَنَّ السحر والتنويم والبارابسيكولوجيا وسوى ذلك هي علوم، وهذا هو الكذب المفضوح الذي لا ينطلي إلَّا على الجاهل. إنَّ العلوم معروفة مباحة للجميع، تُدرَّس في الجامعات، ومصادرها معروفة، وطرائقها معروفة، وليس هناك، من وجهة نظر علميٍّ بحتة، شيء اسمه السحر أَو التنويم أَو البارابسيكولوجيا. وإنَّما هي حِرَفٌ وصناعات يتكسَّب بها المشعوذون في الأَوساط الشعبيَّــة.
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى، فإنَّ مفاهيم السحر والتنويم المغناطيسيّ والبارابسيكولوجيا وغيرها، كما يقول بها من يقول بها، جهلاً وغباءً أَو كذبًا ومتاجرة، لا تفسِّرُ الظاهرة الداهشيَّـة. فالمنوِّم المغناطيسيّ مثلاً، عند الذين يؤمنون بالتنويم المغناطيسيّ، لا يحوِّل النحاس الحقيقيّ إلى ذَهَبٍ حقيقيٍّ تحويلاً ثابتًا باقيًا على وجه الدهر، ولا يعرف المستقبل، ولا يُعيد الحياة إلى الحمامة الذبيحة التي نزف دمها كلُّه، ولا يغرس بذرةً في الأَرض وتنمو في الحال، وتتحوَّل على الفور، أَمام الشهود، إلى شجرة وارفة مثمرة تعيش ما تعيش الأَشجار، عشرات السنين، وهو ما كان يحصل على يد الدكتور داهش أَمام مئات الأَفراد. أَضف إلى ذلك أَنَّ هذه الظاهرات رافقَت الدكتور داهش منذ طفولته، وكانت أَحيانًا تحصل على غير إرادة منه، وأَحيانًا على غير علم منه، فها هنا إذن شيء آخَر.
* كيف تفسِّرون الظاهرة الداهشيَّـــة إذن؟
– إنَّ الظاهرة الداهشيَّـة التي لم تكن تحصل بالصُّدفة أَو بشكل عشوائيّ أَو حين الطلب فَسَّرتْ نفسها بنفسها. إنَّ القوَّة التي كانت تُحدِثُ تلك الظاهرات على يد الدكتور داهش، وهي قوَّة عاقلة واعية مسيطرة على قوانين الطبيعة تتصرَّف بها تصرُّفـًا واعيًا، خاضعـًـا هو أَيضًا لقوانين متعالية على قوانين الطبيعة، أَعلَنت عن نفسها وشرحَت كيفيَّة حدوث تلك الظاهرات وأَسباب حدوثها والغاية من حدوثِها. إنَّها القوَّة التي أَطلقت عليها الأَديان والفلسفة اسم “الروح”، ينبوع المعرفة الكاملة والخير المطلق. وهذه الروح قد علَّمَت الرسالة الداهشيَّـة، وهي عقيدة فكريَّة متكاملة في تفسير المعضلات الميتافيزيقيَّة الكبرى: الله، والروح، والمادَّة، وأَصل الإنسان ومعنى وجوده، والحياة والموت، والخير والشرّ، وارتباط النفس بالـبَدَن، وعلاقة الفكر بالعالـم، وقيمة المعرفة الإنسانـيَّـة وحدودها، وغيرها من المشكلات الفلسفيَّـة؛ عقيدة فكريَّة تترتَّب عليها منظومة من القيَم والمعايير الأَخلاقـيَّـــة، موجَّهة للفرد والمجتمع.
ليس للروح وجود مادِّيٌّ يقع تحت الحواسِّ أَو أَدوات المعرفة العلميَّة أَو البرهان العقلي المجرَّد. لذا فإنَّ الروح كانت تُحدِثُ تلك الظاهرات لإقامة الحجَّة الدامغة على وجودها، وعلى صحَّة المصدر الروحي للرسالة الداهشيَّـة. إنَّ المسأَلة جدِّيَّـــة وخطيرة، ويجدر بالمثـقَّـفين أَن يولوها ما تستحقُّه من الاهتمام.
فالظاهرة الداهشيَّـة لم تكن مجرَّد حادثة خارقة تثير الدهشة والعجب، بل هي لقاء مع قوَّة مقدَّسة مثيرة للرهبة والخشوع غيَّرَت مجرى حياة الكثيرين وقلــبَـتها رأْسًا على عقب، وأَضاءت فيها نورًا هاديًا دائمَ الاشتعال.
هذا هو السبب الذي دعا البعض إلى محاربة الداهشيَّـة، فهؤلاء كانوا مستعدِّين تمامًا لقبول الظاهرة الداهشيَّـة كحادثة طريفة غريبة مسلِّـيـة، لكنَّهم لَمَّا رأَوا أَنَّه يوجد في أَصل الظاهرة الداهشيَّـة عقيدة فكريَّة وفلسفة أَخلاقيَّة تتناقض مع عاداتهم وتقاليدهم ومعاييرهم وأَفكارهم وأَساليبهم في الحُكم وسياسة المجتمع وتربية الناشئة، رفضوها وأَنكروها ونسبوها إلى السحر أَو الشعوذة، وحاولوا استئصال الداهشيَّـة كما هو معروف، وقد فشلوا كما هو معروف أَيضًا.
* هل الداهشيَّـــة دينٌ جديد؟ وما علاقتها بالأَديان؟
– إنَّ الإجابة على هذا السؤال تفترض أَن نتَّفق مسبقًا على معنى كلمة “دين”. وهذا يُدخلنا في مناقشات يستحيل التوصُّل معها إلى إجابات فاصلة إلَّا إذا رجعنا إلى المعنى الأَنثروبولوجيّ لكلمة دين، وهو ما لا يقبل به المؤمنون بالأَديان. وهؤلاء ليس لديهم تحديد واحد لمفهوم الدين، بل مفاهيم متنوِّعة جدًّا باختلاف الأَديان التاريخيَّة الشديدة التنوع التي عرفها البَشَر منذ عشرات الآلاف من الأَعوام. وكلُّ فئة دينيَّة تقرأُ العالَـم والآخرين والعقائد الأُخرى وكلَّ معطًى جديد على ضوء المعطيات اللاهوتيَّة الخاصَّة بها. ففي هذه الحال تستحيل الإجابة على السؤال.
إنَّ الحلَّ الأَنسب هو في أَن نقلب المسأَلة. لنترك الأَلفاظ والتسميات والقوالب الجامدة والأَفكار المسبقة والأَحكام القبليَّة جانبًا وننطلق ممَّا هو قائم في الوجود: لقد وُجد في لبنان رجُلٌ طاهر السيرة، نقيُّ السريرة، كانت تَحدثُ على يدَيه ظاهرات خارقة لقوانين الطبيعة تـؤكِّـد وجود عالَـم الروح وتفتح للمعرفة بابًا لا تحدُّه الآفاق، وتَخلق في الإنسان معايير أَخلاقــــيَّـة واجتماعيَّة وثقافيَّة وفنيَّة سامية. أَطلِقْ على الإنسان ما شئت من التسميات، وأَطلِقْ على ظاهرته ما شئتَ من التسميات. وأَطلِقْ على العقيدة التي أَسَّسها ما شئتَ من التسميات، لا مشاحَّة في الأَسماء.
إنَّ ما نلاحظه عمليًّا هو أَنَّ الداهشيَّـة تسمح بقراءة جديدة للأَديان والفلسفات الدينيَّة، إذ تُعيد المسلم إلى الإسلام الأَوَّل، وتُعيد المسيحيَّ إلى المسيحيَّـة الأُولى، وغيرهما إلى الولادة من جديد في أَديانهم الأَصلـيَّـة، بالمعنى الروحيِّ وبالمعنى النفسيِّ وبالمعنى الأَخلاقيّ. هذه القراءة الجديدة للأَديان تجعل من الداهشيَّـة فسحة تنفتح فيها الأَديان والعقائد بعضها على البعض الآخر، ويتلاقى فيها المؤمنون، نازعين ما في صدورهم من الغلِّ الذي تراكم خلال الأَحقاب. هذه الفسحة للسلام والوحدة بين الأَديان نطرحها كبديل لساحة الحقد والدم بين الطوائف. وهذا هو ما يـميِّز الداهشيَّـة: الانفتاح الفكريّ والدينيّ القائم على مبدإ وحدة الأَديان. وهو ما عبَّر عنه، منذ خمسين سنة، الشاعر الداهشيّ حليم دمُّوس ببساطته المعهودة، إذ قال في ديوانه يَـقظةُ الروح”:
ولَم أَرَ مـــثــــلَ الداهشيَّــــة ذرَّةً مباركة تدعو لكشف الحقائقِ
حقائق إنجيلٍ وآيات مصحفٍ لتعزيز أَديانٍ حسانٍ شقائقِ
تعاليمُ موسى والمسيحِ وأَحمدٍ كينبوع نورٍ بالسعادة دافقِ
* إنَّ حياة الدكتور داهش يحيطها الغموض والشبهات في أَذهان الكثيرين. فهل عرفتم الدكتور داهش شخصيًّــا؟
– من الصحيح أَنَّ أَقاويل شتَّى وإشاعات مختلفة تدور بين الناس حول الدكتور داهش. وكذا كلُّ صاحب فكرة، ينقسم الناس حوله بين صديقٍ مؤيِّد وعدوٍّ حاقد. أَضف إلى ذلك أَنَّ غرابة أَعماله جعلَت الناس ينسبون إليه كلّ أَمر عجيب من بنات الخيال، ويفسِّرون أَعماله شتَّى التفسيرات الوَهميَّة. أَمَّا الشبهات فيعود تاريخها إلى تلك الحرب الظالمة التي شنَّتها عليه في بداية عهد الاستقلال الدولة الطائفيَّة الناشئة، إذ سلَّطَت عليه وعلى الداهشيِّين أَجهزتها البوليسيَّـة والإعلاميَّة، وروَّجَت عليه الشائعات والشبهات التي وصفها الصحافيّ بيار روفايل في حينه بأَنَّها مختلَقة سافلة. ولا يزال البعض ممَّن كان يتكسَّب بالصحافة في ذلك العهد، وممَّن اشترك في تلك الجريمة ضدَّ حرِّيَّة الفكر، ينفث في الحين بعد الحين، هنا وهناك، من تلك الأَقذار، وهناك أَيضًا مَن ينهل من تلك الأَوحال ويهاجم الداهشيَّـــة باسم الدفاع عن الطائفة.
لقد عرفتُ الدكتور داهش شخصيًّـا عن كثب كما عرفه كثيرون سواي، فترة طويلة من الزمن، وبحثتُ في أَصله وسيرته وأَعماله وكتاباته الغزيرة. لقد كان رجُلاً شفَّافًا في سائر شؤون حياته، في نهاره وليله، في إقامته وأَسفاره، في علاقته بأَصحابه وبأَعدائه. لقد عرفتُه في كهولته وإلى أَواخر أَيَّـامه بعدما ذرَّف على السبعين، وحتَّى في ذلك الحين، كانت لا تزال في سكناته وحركاته بقايا من براءة الطفولة. والذي يقرأُ مؤلَّفاته العديدة، يلاحظ فورًا أَنَّها التعبير الكامل للبساطة والوضوح. إنَّ وقائع حياته مدوَّنة منذ عامه الثاني عشر، يومًا بـيوم، بل ساعة بساعة، ليس فيها غموض وليس فيها إبهام وليس فيها ظلال وليس فيها خبايا وزوايا مظلمة. وإنَّك لا تجد سيرةً أَشدَّ وضوحًَا وأَشدَّ نصوعًا من سيرة الدكتور داهش.
لقد كوَّن الدكتور داهش نفسه بنفسه. كان يتيمًا فقيرًا، ولم يعرف الجامعات والمدارس، لكنَّه أَُوتي تلك القوَّة الروحيَّة السامية وإرادة جبَّارة، وأُعطيَ حبَّ الأَدب والثقافة والفنون، فتعلَّم القراءة والكتابة على يد نفسه، وطوَّع القلم فأَنشأَ الكتب والمؤلَّفات وخلق أُسلوبًا أَدبيًّا خاصًّا به بمنأَى عن حضانة التراث. وكانت داره منذ مطلع شبابه في فلسطين، ثـمَّ في بيروت، أَشبه بالمتحف وبالمكتبة الوطنيَّة لما زيَّن قاعاتها من اللوحات والأَعمال الفنيَّة الرائعة وخزائن الكتب. وكانت أَيضًا أَشبه بالمنتدى الأَدبيّ يلتقي فيه أَعلام الفكر والثقافة من كتَّاب وقضاة وأَطبَّاء وصحافيِّين وفنَّانين وسياسيِّين وغيرهم. لقد كان الدكتور داهش مؤسَّسة فكريَّــة وفنيَّــة قائمة بذاتها.
بيدَ أَنَّ هذا النشاط لم يكن إلَّا مظهرًا من مظاهر شخصيَّـتـه العجيبة الآسرة. إنَّ تلك القوَّة الروحيَّة السامية التي أُوتيها، والتي كانت دائمة الحضور والسطوع في دقائق حياته، في أَعماله وأَفكاره وأَقواله، في توجيهه وتعليمه، في نفاذه إلى بنات الصدور وما تُخفي الأَنفس، في سهولته ولطفه، وفي مضائه وصرامته، في معرفته بأَسباب الحياة ومشارب الناس، وفي عنايته بأَصحابه وحبِّه لهم ومساعدته إيَّـاهم وصبره على إقامة موازين الخير والشرّ وجهاد النفس أَمامهم، جعلَت منه معلِّمًا هاديًا وحبيبًا، وجعلَت من تلك الدار محرابًـا غريبًا يكاد يكون منفكًّا عن قيود الزمان وحدود المادَّة والمكان، تشيع فيه الطمأْنينة والسلام، حتَّى لتكاد تسمع حفيف أَجنحة الملائكة في فضائه. تفنى السماء والأَرض ولا يفنى حـبُّـنا لذاك المعلِّم العظيم.
[1] عددُ الكُتب السوداء هو 66كتابًا.
[2] عددُ الكُتب السوداء هو 66كتابًا.
[3] وردَت في الأَصل “السيلان الروحي”. وهذا خطأٌ مطبعيٌّ، فاقتُضيَ التصويب.
[4] كانت كلُّ ثلاث ليرات لبنانيَّة آنذاك تساوي دولارًا أَمريكيًّا واحدًا تقريبًا.
[5] هذا التاريخ هو خطأ مطبعيّ، والصواب هو 1909.
[6] عددُ الكُتب السوداء هو 66كتابًا.
[7] يطالعها القارئ في ملحق هذا الكتاب.
[8] تناهز مؤلَفات الدكتور داهش الآن مئة وخمسين كتابًا بين مطبوعٍ ومُعَدٌ للطبع.
[9] راجع ما ذُكر عن إعدام الدكتور داهش في إيران في “مراثي الأُدباء والشعراء والصحفيِّين…. بمؤسِس العقيدة الداهشيَّــة”.
[10] الصواب عام 1937.
[11] “ضجعة الموت” هو من تأْليف الدكتور داهش ونَظْم الشاعر مطلق عبد الخالق.
[12] الصواب أنَّ الليرات الذهبيّة وُلِدت في يده.
[13] يطالعها القارئ في ملحق هذا الكتاب.
[1] هكذا وَرَدَت في تذكرة هويتَّه. والحقيقة أنَّه ولد عام 1909.
[1] كانت كلُّ ثلاث ليرات لبنانيَّة آنذاك تساوي دولارًا أَمريكيًّا واحدًا تقريبًا.
الفصل الثالث في تعليل الظاهرات الداهشيّة
تمـهـيـد
لقد تناولنا في الحلقات السابقة للملفِّ الكثيرَ من “الخوارق” و”المعجزات” كما رواها بعض الداهشيِّين وبعض شهودها من الذين حدثَت أَمامهم، من تحويل الأَوراق البيضاء إلى عملة لبنانيَّة، وأَرباع الليرة إلى جنيهات ذهبيَّة، واستحضار دنانير عثمانيَّة مخبوءة للرئيس صبري حمادة، إلى نبوءة فوز النائب بشير العثمان وبالأَرقام الدقيقة قبل شهر من الانتخابات … هذه “الخوارق” شغلَت الصحافة اللبنانيَّة ردحًا من الزمن حتَّى اتُّهِمَ بعض الزملاء بالداهشيَّـة، آنذاك، كما يقول الزميل وليد عوض في مجلَّة “اللواء” عام 1964. من هذه الأُمور التي تدخل في ما يُسمَّى “اللامعقول”، كان إطلاق تسمية الرجُل – الظاهرة في “ملـفِّـنـا” على الدكتور داهش. وهنا لا بدَّ من الانتقال إلى ظواهر أُخرى وقعَت على يدَي داهش وفق أَتباعه. ولكن كيف ينظر الداهشيُّون إلى ما يسمُّونه بــ “الخوارق” تحت المنظار العلميِّ الصرف؟
الدكتور غازي براكس يُجيب: “إنَّ الوجود، بالنسبة لعامَّة البَشَر، هو الوجود المنظور والمسموع والملموس والمشموم والـمَذوق، حسبما تتمثَّـلُه الحواسُّ البشريَّـة. ولا يخطر في بال عامَّة الناس أَنَّ هذا الوجود يمكن أَن يكون له شكلٌ آخر.
فوجود كلِّ شيء مرتبط بشكله المأْلوف في أَذهانهم، بحيث يصعب عليهم أَن يتصوَّروا أَنَّ شيئًا ما يمكن أَن يكون أَمامهم ولا يرونه.
ومع ذلك، فالأَبحاث العلميَّة التي قام بها العلَّامة آينشتاين وغيره من علماء الفيزياء أَكَّدَت أَنَّ حجم الشيء وشكله وطبيعته تتغيَّر بتغيُّر سرعة تَحـــرُّكــه أَو سرعة تَردُّدِه الذرِّيّ. وهذا يعني أَنَّ كيان الشيء المادِّيّ نسبيّ، ومظهره مرتبط بقدراتنا الإدراكــيَّـة الحسيَّــة.
لكنَّ العِلمَ، على التقدُّم البارز الذي أَحرزه، لا يستطيعُ أَن يخُفيَ صخرةً أَو سيَّارة أَو كتابةً ما من غير أَن يستخدمَ أَدواتٍ وعناصرَ مادِّيَّة، من جهة، ومن دون أَن يُـتلف الكيان المادِّيّ لهذه الأَشياء، من جهة أُخرى. وهو إذا أَخفاها بإتـلافها، لا يستطيع إعادة تكوينها نفسها تمامًا مثلما كانت، لكنَّه قد يُعيد تكوين أَمثالها باستخدام عناصر مادِّيــــَّــــة جديدة.
وهنا تَبرزُ قدرةُ الروح الإلهيّ الخارقة. فالروح باستطاعته أَن يُخفيَ الشيء عن حواسِّنا جميعًا إخفاءً نهائيًّا أَو مؤقَّـتًا، بدون تحطيمه أَو إتلافه، ومن غير استخدام أَيَّة وسيلة مادِّيــَّـة، مثلما يستطيع إظهاره بعد إخفائه، تمامًا مثلما كان قبل إخفائه، بالشكل ذاته وبالذرَّات والجزيئات أَو الخلايا نفسها منظَّمة التنظيم عينه.
إنَّ السيطرة على الجاذبيَّة كما على الأَشياء تأْخذ بُعدًا جديدًا في معجزات النقل الفوريّ للأَشياء عبر المسافات والحواجز. ففي هذا الصنف من الخوارق، ينقلُ الروحُ الإلهيّ الشيءَ خفيفًا كان أَم ثقيلاً، من مكان إلى آخر بعيد عنه، بلمح البصر. وبين بداية هذه الرحلة الإنتقالـيَّـة الفوريَّة ونهايتها، تجعل القدرة الروحيَّة شيئًا مادِّيـًّـا يخترق حواجز مادِّيـــَّـة صلبة، مهما تعدَّدَت وتنوَّعَت، من غير أَن يُصاب أَيٌّ من الطرفَين بأَذى.
هذا الأَمر مـُحال في الواقع الطبيعيّ. فالإنسان، مثلاً، لا يمكن أَن يخترق جدارًا صلبًا من غير أَن يتحطَّم قبل تحطُّم الجدار. والكتاب كما الحقيبة لا يمكن أَن يخترقا سقفًا صلبًا من دون أَن يتمزَّقا ويتلَفا. كذلك لا تسمح القوانين الطبيعيَّة بأَن ينتقل أَيُّ شيءٍ من مكان إلى آخر، حتَّى بقوَّة آلـيَّـة أَو إلكترونـيَّـة أَو نوويَّة دافعة، إلَّا ضمن حدود سرعة معـيَّنـة. فالطيَّارة كما الصاروخ كلاهما ذو سرعة محدودة تستوجب استغراق وقت معيَّن لاجتياز أَيَّــــة مسافة.
لكن بالرغم من ذلك، فمئات هي معجزات النقل الفوريّ التي أَجراها الروحُ العليّ على يدَي مؤسِّس الداهشيَّة، قاطعًا بلمح البصر المسافات الشاسعة، ومخترقـــًا الحواجز الصفيقة، من غير أَن يصابَ الشيء المنقول بأَيِّ ضرر.
فكيف يمكن إيضاح ذلك لتستَوعبَه الأَفهام البشريـَّـة؟ وما هي الحقائق التي تكشف عنها هذه الخوارق في ماهيَّــة الوجود؟ ….
كلُّ مثقَّف ثقافة علميَّة صحيحة يعرف أَنَّ العالَـم محكوم بقوانين طبيعيَّة ثابتة. فقانون الحركة، وقانون الجاذبيَّة، وقانون النسبيَّـة، وقانون حفْظِ الطاقة، وغيرها كثير، كلُّها كائنة في الوجود، مُذْ الوجود المادِّيّ كان. وكلُّ ما يستطيعه العقل الإنسانيُّ هو أَن يرفع الحُجُبَ تدريجيًّـا عن القوانين التي ما تزال مستورة. لكنَّ الإرادة البشريَّة مهما تكن لا تستطيع خرْقَ القوانين الطبيعيَّة. وهذه حقيقة يؤكِّدها العالِـم الفيزيائيُّ الكبير ماكْس بلانك الحائز جائزة نوبل، والمكتشِف نظريَّة الكوانتا، كما يؤكِّدها سائر العلماء. فنواميس الطبيعة لا تخضع لإرادتنا، إذ إنَّها كانت موجودة قبل ظهور الحياة على الأَرض، وستبقى بعد زوالها …
إنَّ ما يتمُّ من ظاهرات غريبة على يَدَيّ الدكتور داهش هو خوارق ومعجزات حقيقيَّة لا يُمكن أَن تُصنَّف بين أَلعاب الخفَّة، أَو الإيهام، أَو السحر، أَو الفقر الهنديّ، أَو مناجاة الأرواح، أَو التنويم المغنطيسيّ، أَو أَيّ شكلٍ من أَشكال الباراسيكولوجيا المزعومة. وليس الدكتور داهش هو الذي يصنع تلك الخوارق، بمشيئـتـه، لأَنَّ إرادته، كإرادة أَيِّ إنسان، خاضعة لقوانين الأَرض التي فيها وُلِدَ، إنـَّما يصنع تلك المعجزات قوَّة روحيَّة غير أَرضيَّـة، لا تخضعُ لقوانين عالَمنا، لأَنَّها خارجة عنه، متفوِّقة عليه، وهذه القوَّة اتَّخذَتْه وسيطًا روحيًّا بين الأَرض والسماء، وإناءً مختارًا، ورسولاً هاديًـا.
ومثلما أَنَّ الريح يمكن إثبات وجودها من جرَّاء تحريكها بعض الأَشياء، وأَنَّ الطاقة المغنطيسيَّـة يمكن تأْكيد وجودها من جرَّاء تأْثير جاذبيَّتها على بعض الأَجسام، مع أَنَّه لا يمكن رؤية الأُولى ولا الثانية، ولا القبض عليهما، هكذا لا بُدَّ من التسليم بأَنَّ وراء كلّ معجزة قوَّة روحيَّة هي سببها، قوَّة تتخطَّى المعرفة البشريَّــة و”تخرق” القوانين الطبيعيَّــة.
غير أنَّ “خَرْقَ” القوانين الطبيعيَّة يجب أَن يُفهَم فهمًا نسبيًّا، إذ إنَّه يبدو هكذا بالنسبة إلينا نحن البَشَر، في حين أَنَّ المعجزة، بـنَـظَر الروح الإلهيّ والكائنات الفردوسيَّة، إنَّما هي نتيجة قدرة ومعرفة فائــقـتَين تتخطَّى العلم والقدرة البَشَريَّين بأَبعادٍ لا تُـحَـدُّ.
وقد أَوضح مؤسِّس الداهشيَّة هذه الناحية في أَثناء إيضاحه أَمْرَ الجلسات الروحيَّـــة بقوله:
“يمكنك، مثلا، أَن تحُضر معك صحن الطعام الذي تتناول فيه طعامك بمنزلك، وهذا الصحن مادَّته بورسلين. فعندما تتجسَّد الروح، بإمكانك أَن تطلب إليها أَن تـحـَـــــوِّلَ لك مادَّتَـــه إلى خشب.
“وللحال، يتحوَّل الصحن، وأَنت ممسكٌ به بكلتا يدَيك، إلى صحن خشبيٍّ يبقى عندك بمادَّته الخشبيَّة طوال الأَيـَّـام والأَعوام. كما بإمكانك أَن تطلب إلى الروح أَن تحوِّلَه، مثلاً، إلى مادَّة حديديَّة، وبلحظة يَـثقلُ وزنُه، إذ يتحوَّل إلى صحن حديديٍّ، بينما أَنت ممسكٌ به جيدًا بكلتا يدَيك. وهكذا يمكنك أَن تطلب إلى الروح أَن تحوِّلَه لأَيِّ نوعٍ تحبـــُّــه أَنت، إلى قصدير أَو كريستال الخ …”
“تعرفون أَنَّ لكلِّ مادَّة اهتزازًا [تردُّدًا ذرِّيـًا] ذا سرعة معيَّنة؛ فللخشب سرعة معيَّنة، وللحديد سرعة أُخرى، وللفولاذ كذلك، وهكذا لسائر الموادِّ، إذ لكلِّ مادَّة منها سرعة اهتزاز تختلف عن سرعة المادَّة الأُخرى. فعندما تطلبون أَن أُحوِّلَ منضدة خشبيَّـة، مثلاً، إلى منضدة حديديَّة، أَرفع ذبذبة المادَّة الخشبيَّـــة إلى مستوى ذبذبة المادَّة الحديديَّــــة، فيتحوَّل الخشب إلى حديد.”
ولا يَخفى أَنَّ اختلاف التردُّد الذرِّيّ بين الأَجسام، سواء أَكانت عناصر بسيطة أَم موادّ مركَّبة، ملازمٌ لاختلاف تركيبها الذرِّيِّ…”
في السجنِ وخارجَه في آن
يؤمن الداهشيُّون بوجود ستِّ شخصيَّات عُلويَّة للدكتور داهش عدا شخصيَّتـه المادِّيَّة الجسديَّـة، وأَنَّ ظهور هذه الشخصيَّات غالـبًا ما حصل أَمام الكثير من الشهود. وحادثة إلقاء القبض عليه في إيران بعد تجريده من جنسيَّتـه اللبنانيَّة ونفيه في عهد الرئيس بشارة الخوري وإعدامه هناك هي واحدة من معجزات هذه الشخصيَّات التي تَفوق العقل البَشَريّ، كما يقول الداهشيُّون. وهم ينظرون إلى الأَمر من زاوية دينيَّة وردَت في القرآن الكريم حول عمليَّة صلب السيِّد المسيح: ﴿وما قتلوه وما صلبُوه ولكن شُــــبِّـه لهم﴾ كما ورد في سورة النساء، آية 157.
فالداهشيُّون يؤمنون أَنَّ إحدى شخصيَّات داهش قد أُعدمَت في إيران. وهذا ما أَعلنه داهش نفسه في مقابلة مع مجلَّة “صباح الخير”، الاثنين 16 آذار 1970، العدد 185 منها. وسنتناول هذه المسألة في حلقة لاحقة.
ولكنْ كيف ينظر الداهشيُّون إلى تعدُّد شخصيَّات داهش وإلى ظروف هذا التعدُّد وأَسبابه؟
يقول الدكتور غازي براكْس:
“لقد تبيَّن لي ولعشرات غيري أَنَّ للدكتور داهش ستَّ شخصيَّات أُخرى غير شخصه البَشَريّ. وهذه الشخصيَّات كناية عن سيَّالات، أَيْ قوى روحيَّة هي امتداداتٌ له كائنة في عوالِـمَ عُلويَّة متباينة، وبإذن الله يُسمح لها، أَحيانًـا، أَن تتجسَّد لإتمام أُمورٍ أَو غايات روحيَّة خطيرة، فتتَّخذَ شكلَه البَشَريّ تمامًا بحيث تُصبح “شبهَه”. وإذ ذاك، يُمكن مَن كان حاضرًا أَن يجالسَها، ويحادثَها، ويتحسَّسَها، ويؤاكِلَها، لكَّنه قد لا يستطيعُ أَن يـُمَــــيِّـزَها عن داهش الـبَشَريّ إلَّا إذا كانت ترتدي ثيابًا مختلفة، وكان الناظرُ يعلَمُ، سابقًا، ما يرتديه الدكتور داهش. وكثيرةٌ هي المرَّات التي تَظهر فيها فجأَةً، وتتوارى فجأَةً، بينما تكون أَمامنا، ونحن ننظر إليها أَو نسلِّم عليها. وقد يجتمع منها شخصيَّتان أَو أَكثر حتَّى الستّ، في مكانٍ واحد، وقد تتجسَّد في اللحظة نفسها في أَماكنَ مختلفةٍ متباعدة. وقد تأَكَّد لي ولكثيرين غيري، ممَّن شاهدوها، أَنَّها لا تخضع إطلاقًا لنواميس الأَرض. فهي تخترقُ الحواجزَ والجُدران، وتنتقلُ لَمْحَ البرق من مكان إلى آخر، وإنْ يكن من أَقصى المشارق إلى أَقصى المغارب، وتسيطر على الجاذبيَّة، فترتفع في الهواء، وتمشي على الماء، وتُـثـقِـلُ وزنَها أَو تُخـفِّـفُـه حتَّى تلاشيه. وهي قادرة، بإذن الله، على صُنعِ ما تصنعُه الروح العُلويَّة من معجزات.
ومن عجائبها الباهرة أَنَّه في 28 حزيران سنة 1947، أُلقِيَ القبض على إحدى الشخصيَّات في أَذربيجان من أَعمال إيران، فقُتلَتْ رميًّا بالرصاص، ودُفنَتْ في البلد عينه، في أوّل تمّوز من العام نفسه، وذلك لأَنَّ فتنةً داميةً كانت قائمةً في أَذربيجان، ولم يستطع الدكتور داهش إثبات هوِّيـَّـته، إذ إنَّ السلُطات اللبنانيَّة جرَّدته من الأَوراق الرسميَّة، بعد حُكمها عليه بالنفي، ظُلمًا.
وقد نشرَت الصحف في لبنان وجميع البلاد العربيَّة نبأَ مقتل الدكتور داهش وصُوَرَ مصرعه. وأُنشِئَت فيه مئاتُ الـمَراثي. ولَمَّا ذاع الخبرُ وشاع، أَراد الحُكمُ أَن يزدادَ تـثـــبُّـتًا من الأَمر، فأَرسل بطلب السيِّد رهنما، سفير إيران في لبنان يومذاك، واستوضحه حقيقةَ مقتل مؤسِّس الداهشيَّـة. فسأَل السفير وزارة الخارجيَّة الإيرانيَّة عن حقيقة الحادث، فأَتاه تقريرٌ رسميٌّ يؤكِّدُ مصرع الدكتور داهش ويوضحُ تفاصيلَه، فرفع السفيرُ هذا التقرير الرسميّ إلى بشارة الخوري.
ولكن أَنَّى للرئيس أَن تطمئنَّ نفسُه لو عَلِمَ أَنَّ مؤسِّسَ الداهشيَّـة كان ما يزال بين أَتباعه يعلِّم طُرُقَ الحقِّ ويضعُ “الكتبَ السوداء” ضدَّ العهد على مرمى حَجَرٍ من القصر الجمهوريّ! أَمَّا شخصيَّتُه التي أُعدِمَت في أَذربيجان، فسرعان ما بُـعِـثَت. فهي لا تخضعُ لنواميس الأَرض، لأَنَّها ليست من الأَرض.
لقد تأَكَّد للداهشيِّين من خلال ما شاهدوه من معجزات دامغة ومن تعدُّد شخصيَّات الدكتور داهش أَنَّ الحياة كائنة في ملايين الكواكب في رحاب الكون اللانهائيَّة، هذه الحياة التي بدأَ العلماء يؤكِّدون وجودها خارج الأَرض. كما تأَكَّدَ للداهشيِّين أَنَّ كلَّ إنسانٍ له سيَّالات – أَي امتدادات روحيَّة حيَّة – متجسِّدة في بعض الكواكب. لكنَّ تلك السيَّالات لا يُسمَحُ لها بالتجسُّد في الأَرض، إذ هي تخضع لقوانين العالَـم الذي تكون فيه. أَمَّا السيَّالات التي يُسمَحُ لها بأَن تتجسَّدَ في الأَرض فهي نادرة جدًّا، وتجسُّدُها يكون لأَداء مَهمَّةٍ روحيَّة، تغادر الأَرض إلى عالَمِها بعد إتمامها. وهذا ما حصل لشخصيَّة السيَّد المسيح التي صُلبتْ كما لشخصيَّات مؤسِّس الداهشيَّـــة.
كذلك تأَكَّد للداهشيِّين من خلال المعجزات الملموسة أَنَّ النسبيَّـة التي قال بها آينشتاين هي حقيقة واقعة على مختلف الأَصعدة في الكون كلِّه؛ فلكلِّ عالَـمٍ نظامُه الذي يرتِّبُ مسؤولـيَّـةً على قاطنيه تكون بالنسبة لذلك النظام، ولكلِِّ من عالَـمِ الإنسان وعالَـم الحيوان وعالَـم النبات وعالَـم الجماد نظاُمه الخاصّ الذي يُرتِّبُ مسؤولـيَّـةً على كلِّ فردٍ فيه تكون بالنسبة لذلك النظام. وإنَّ نسيج المادَّة نفسِها التي يتشكَّلُ منها الكون وما فيه من موجودات ذو جَوهر عقليّ، أَيْ إنَّه جَوهرٌ مُدرِك، لكنَّ إدراكَه هو نسبيٌّ أَيضًا. وهذا الجَوهر العقليّ الروحيّ هو الذي يوَحِّدُ ما بين الكائنات على اختلاف مظاهرها ودرجاتها الإدراكيَّـــة.
إنَّ العلمَ بمختلف حقوله بدأَ يؤكِّد كلَّ ما أَعلَنه مؤسِّسُ الداهشيَّـة منذ أَكثر من نصف قرن. فالعلماء اكتشفوا أَنَّ الحياة في الأَرض منذ ملايين السنين، وأَنَّ للحيوانات شعورًا وإدراكًا، وأَنَّ للنبات حياة عقليَّة، وهم في طريقهم لتأْكيد أَنَّ الجماد له مثل تلك الحياة. كما اكتشف علماء البيولوجيا أَنَّ المقوِّمات الأَساسيَّـة لشخصيَّـة الإنسان كائنة في جيناته (مورِّثاته)، وأَنَّ تأْثير البيئة على تكوين طباعه ومواهبه ومستوى إدراكه ونوعيَّة نزعاته هو تأْثير محدود. وهذه المقوِّمات الفطريَّة هي التي تُـثبِتُ وجود الطاقة النفسيَّة الخالدة التي تسمِّيها الداهشيَّة “السيَّالات”. والسيَّالات لا تموت، بل تنتقل من الوالدَين إلى أولادهما عبر الجينات، ومن هؤلاء إلى الأَحفاد، وهكذا دواليك…
لكنَّ المعرفة الروحيَّة الداهشيَّة تزيد بأَنَّ السيَّالات تنتقل ممَّن يموت بدون ذرَّيَّة إلى أَجنَّة أُخرى تكون السيّاَلات المنطلقة بمستواها الروحيِّ وتمتُّ إليها بِصِلَةٍ تقمُّصيَّـة، وذلك وفق نظامٍ روحيٍّ شامل مبنيٍّ على السببيَّـة الروحيَّة والعدالة الإلهيَّة التي لا تشوبُها شائبة، أَو هي تنتقلُ، تبعاً لاستحقاقها، إمَّا إلى كوكبٍ عُلويٍّ أَو كوكبٍ سُفليِِّ، أَي إلى عوالِـم جَرَتِ المصطلحاتُ الدينيَّة على تسميتها بالجحيم والنعيم.
فمن تَبَصَّرَ في هذا الأَمر، أَدرك أَنَّ البشريَّـة كلَّها عائلةٌ واحدة، من طينةٍ واحدة ومن أَصلٍ واحد. والخالق الذي هو كمال الصلاح لا يفضِّلُ إنسانًا على آخر إلَّا بنسبة أَعماله الصالحة وبنسبة الخير الذي يقدِّمُه لمجتمعه وللعالَـم. وعلى أَساس معرفة الإنسان ونوعيَّة أَعماله سيُثابُ أَو يُعاقبُ. فلا يحتاج البَشَرُ إلى أَكثر من إدراك هذه الحقيقة حتَّى يتآخوا ويسود التسامح الدينيّ والاحترام المتبادَل عالَـمهم. لكنَّ الجهلَ يمنع الناسَ من إدراك الحقائق، فيتعصَّبون، إذ ذاك للأَوهام والأَباطيل وهم يعتقدون أَنَّها حقائق. فإذا عمَّ الجهلُ شعبًا رمى به القهقرى وجعله يعيش في عصبيَّـة عمياء هي أَشبه بالأُحبولة التي تُطبِقُ عليه ويزداد خناقُها له بقدر ما يزداد تعصُّـبُـه وانعزالُه عن الآخرين، حتَّى تقضي عليه في النهايــة.
ذاك جانبٌ من الدكتور داهش كما عرفتُه، وكأَنَّني أُعرِّفُكَ البحرَ بقطرةٍ منه. مَن عايَن معجزاتِه، لا سيَّما الكثير منها، لا يمكنُه الشكُّ بصحَّتها على الإطلاق. فهي ساطعةٌ سطوعَ الشمس في رابعة النهار، وهي تَحدُثُ مع إحراق الرموز الداهشيَّـة وبدونها، وتَتِمُّ في منزله وفي غير منزله، وأَمام المؤمن والجاحد على السواء. ومَن قال إنَّها عِلمٌ، فلـيُخبرْنا عن الكتب التي تُعلِّمُ صُنعَ المعجزات والجامعات التي تُدَّرِسُ هذا العلم، ولكـنَّـه لن يفعل لأَنَّ كلامَه هراءٌ بهراء!”
خوارقُ شُهودُها قُضاةٌ والوزيرُ نون
تناول الدكتور غازي براكْس موضوع المعجزات والأَحداث الخارقة بقوله:
إنَّ شهود المعجزات التي تمَّت على يد الدكتور داهش بقوَّة الروح العليِّ كانوا بأَكثريَّـتهم الساحقة رجال علم وفكر وقانون وأَدب وسياسة وصحافة أِو رجال أَعمال بارزين محنَّكين، وليسوا من جَهَلة العامَّة الذين يحبُّون التلهِّي بسرد الأَخبار الخارقة أَو نَسْجِها. بل إنَّ معظمهم اجتمعوا بمؤسِّس الداهشيِّـة وهم مشكِّكون في حدوث المعجزات، رافضون للإيمان بها، وبالرغم من موقفهم حدثَتِ المعجزات أَمامهم تكرارًا، ولم يستطيعوا الهروب من الشهادة لها. بعضُهم اجتمع بالدكتور داهش بصفته مدَّعيًا عامًّا للتحقيق معه في حقيقةٍ ما، كالأُستاذ ديمتري الحايك. وبعضُهم كان مُرسَلاً من قِبَلِ السلطة اللبنانيَّة في عهد الرئيس بشارة الخوري، وذلك للتحقُّق من صحَّة ما يُشاع عن الخوارق التي أَصبحَت شُغل المجتمَع اللبنانيِّ الشاغل وعن الغاية منها، كالوزير السابق المحامي إدوار نون. وبعضُهم كان مُرسَلاً من قِبَل دولة أَجنبيَّة لتجسُّسِ أَخبار الدكتور داهش وأَعماله، كالمستشرق دانيال أُوليڤر، صاحب معهد “الفرندز” في (رأْس المتن) بلبنان … وإذا بهم جميعًا ينتهون، بعد زيارتهم المتعاقبة له ومعاينتهم المتكرِّرة لمعجزاته، واستخدامهم مختلف وسائل الحذر، إلى الإيمان بصحَّة الخوارق والشهادة لها.
وكثيرون ممَّن عاينوا المعجزات آمنوا إيمانًا ثابتًا بمؤسِّس الداهشيَّـة، وضحَّوا من أَجل عقيدتهم بكلِّ غالٍ، حتَّى أَنَّ فريقًا منهم آثَرَ تحمُّل السَّجن والإهانة والعذاب على التخلِّي عن إيمانه، في أَثناء ملاحقة بشارة الخوري لمؤسِّس الداهشيَّـة والمؤمنون به، كماري حدَّاد، شقيقة زوجة الرئيس ورئيسة نقابة الفنَّانين اللبنانيِّين سابقًا، وزوجها جورج حدَّاد، عديل الرئيس، والشاعر حليم دمُّوس، مؤِرّخ الوقائع الداهشيَّـة، والدكتور فريد أَبو سليمان، والأَديب جوزف حجَّار. فجميعُهم دخلوا السجون من أَجل عقيدتهم، وأَمضى بعضُهم شهورًا كثيرةً فيها.
وكثيرون أَيضًا ممَّن عاينوا المعجزات لم يؤمنوا برسالة صاحبها، لأَسبابٍ كثيرة، ولكنَّهم، على ذلك، لم يستطيعوا إنكار ما عاينوه من أَعمال خارقة، فشهدوا لها في مقابلات صحافيَّـة. وبين هؤلاء عشرات من السياسيِّين البارزين، كرئيس المجلس النيابيِّ اللبنانيِّ صبري حمادة، ورئيس الوزراء الأَمير خالد شهاب، ورئيس الوزراء حسين العوَينيّ، ونوَّاب كثيرين، منهم بشير العثمان، وأَديب الفرزلي، ومحمَّد العبُّود، ومحسن سْليم. فضلاً عن رجال القانون والقضاء ورجال الصحافة الذين مثَّلوا معظم الجرائد والمجلَّات اللبنانيَّة البارزة، منها “الأُسبوع العربي” و”اللواء” و”الشراع” و”ريڤي دي ليبان” Revue Du Liban، وصُحُف “النهار” و”الجريدة” و”لو سوار” Le Soir.
ولم يكن لحدوث المعجزات مكان محدَّد. فقد تمَّت في منزل الدكتور داهش ببيروت، وفي منزل آل حدَّاد الذي أَصبح مقرًّا للرسالة الروحيَّة الجديدة في العاصمة اللبنانيَّة. كما حَدَثَت في عشرات المنازل الأُخرى التي كان أَصحابها يدعون الرجُل الخارق إلى زيارتهم.
وجميعُها تمَّت في وضح النهار أَو تحت الأَضواء الكهربائيَّة الساطعة، من دون استخدام ستائر أَو اللجوء إلى إحراق البخور والتمتمة أَو تلاوة تعاويذ أَو صلوات. غير أَنَّ بعضها كان يسبقه أَحيانا كتابة “الرمز الداهشيّ”، وهو كناية عن ابتهال إلى الله تعالى يُكتَبُ بطريقة معيَّنة ويُطلَبُ فيه المساعدة الروحيَّــة المنشودة، أَي بدل أَن يكون الدعاء للخالق شفويًّــا يكون كتابيًّــا.
وكثيرٌ من المعجزات خلَّف آثارًا باقية ونتائج ثابتة. فالورقة البيضاء التي تحوَّلَت وهي في قبضة صاحبها إلى ليرة لبنانيَّة أَو مئة ليرة، بقيَت مع صاحبها، وقطعةُ النَّقد النحاسيَّـة التي تحوَّلت إلى ليرة ذهبيَّة بقيَت ذهبًا، والساعة التي فُقِدَت قبل سنين عديدة أُحضِرَت وسَوَّرَت معصمَ صاحبها بطرفة عين، والكتابة الروحيَّة التي كُوِّنَتْ على ورقة فارغة والشاهد قابضٌ عليها بقيَت مثلما ظَهرَتْ … وأَسماء الشهود وتواريخ المعجزات مدوَّنــة كلُّها.
وكثيرةٌ هي الخوارق التي صَوَّرَت الكاميراتُ الصحافيَّـة مراحلَ حدوثها، ونُشرَت عنها في الصحف اللبنانيَّــة تحقيقات مذهلة.
وكثيرٌ منها أُخضِعَ للامتحان العلميِّ: ورقة يانصيب كانت خاسرة، فتحوَّلَت بقوَّة الروح العليِّ إلى ورقة رابحة لجائزة كبيرة أَمام القاضيَين محمود البقاعي ومحمود النعمان والمحامي شفيق السردوك، فأَثارت ضجَّةً كبيرةً، وأُخضِعَتْ لتحليل مختبريٍّ دقيق قبل تسليم الجائزة. ومرضى استفحل داؤهم بعد أَن عالجهم الأَطبَّاء وأُدخِلوا إلى المستشفيات حتَّى قُطِعَ الأَمل من بُرئهم، فإذا معجزة الشفاء تَحدُث. وأَوراق بيضاء تحوَّلَت إلى مئات الليرات فحصها الخبراء فوجدوها صحيحة.
وأَمثال هذه المعجزات كانت تَحدُث بصورة عفويَّة وبلحظة خاطفة أَمام الراغبين في معاينة معجزة ما، سواء كانوا بزيارة الدكتور داهش في منزله أَو كانوا في منازلهم أَو في أَيِّ مكان آخر. لكنَّ المعجزات، أَحيانًا، كانت تَحدُث في أثَناء انعقاد جلسة روحيَّـــة.
فما هي الجلسة الروحيَّــة؟
الجلسة الروحيّـــة
تُعقد الجلسة الروحيَّة في ضوء النهار، أَو تحت الكهرباء الساطعة، ودون إحراق بُخور، أَو إقامة سواتر، أَو سدل حُجُب. وتتمُّ المعجزات فيها بوضوح كلِّيٍّ ويقين ملموس، وبكلِّ بساطة. ولا يهمُّ إذا كان حاضروها قليلين أَو كثيرين، مؤمنين أَو ملحِدين، ذلك بأَنَّ الخوارق التي تَحدُث فيها لا تتأَثَّر بإرادة شهودها، لأَنَّها حقيقيَّة، والقوَّة الروحيَّة التي تجترحها بواسطة الدكتور داهش، لا شيء يصدُّها أَو يثنيها، لأَنَّها إلهيَّــة.
وقد أَوضح مؤسِّس الداهشيَّة الفرق بين الجلسة الروحيَّة و”الوساطة الروحيَّــة” المزعومة التي ما زالت تخدع كثيرين بقوله:
“الجلسات الروحيَّة التي أَعقدُها ليست عِلمًا، وما كنتُ لأَستطيع القيام بها من غير إذنِ الله، فهي منحةٌ سماويَّة خصَّني تعالى بها في هذا العصر ليكون فيها مساعدة للتائقين إلى الحقيقة وللراغبين في الإيمان والاستقامة والتوبة. أَمَّا الوساطة الروحيَّة التي يدَّعيها بعض الناس المحترفين كوسيلة مزعومة لاستحضار الأَرواح، فهي بعيدة عن الجلسات الروحيَّة التي أَعقِدُها بُعدَ الأَرض عن السماء. وما عليك إلَّا أَن تحَضَرَ، بعينَين مفتَّحتَين، وذِهنٍ نابهٍ، جلسةً من جلسات أُولئك القوم، ثـمَّ تَحضَر جلسة روحيَّة، حتَّى تُدركَ الفرق العظيم، وكيف يختلط الظلام بالنور، ويلتبسُ الحقُّ بالباطل في أَذهان الناس! ذلك بأَنَّ “الوساطة الروحيَّة” المزعومة ليست، في الحقيقة، إلَّا شعوذةً وتدجيلاً قد ينطليان على بُسطاء العقول، إنَّما لا ينطليان على الأَذكياء المستنيرين. والداهشيَّـة تُفنِّدُ ببراهين ساطعة لا يمكن النيل منها سفسَطات أُولئك المشعوذين المحترفين الذين يضلِّلون الناس بتوافه الحِيَل والمخرقات، والذين هم أَعجزُ من أَن يُعطوا حتَّى دليلاً ضئيلاً واحدًا على صحَّة أَعمالهم الاحتياليَّـــة…”
مُعجزةُ صحيفة “لو جور” Le Jour
ويستطرد الدكتور براكْس قائلاً: “في 28 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1943، يدخل السيِّد فيليب حدشيتي، وهو شابٌّ مثقَّف كان يعيش في باريس، إلى منزل الدكتور داهش في بيروت، وبيده صحيفة “لو جور”Le Jour اللبنانيَّة اليوميَّة التي تصدُر باللغة الفرنسيَّـة. أَتى يريد التثبُّتَ ممَّا ملأَ الأَسماع من أَخبار المعجزات الداهشيَّـة. أَتى جاحدًا وجودَ الله عزَّ وجلَّ، منكِرًا وجودَ الروح، نافيًا وجودَ الخلود والثواب والعقاب. دخل منزل الهداية ممثِّلاً معظمَ البَشَر. مع فيليب حدشيتي، كانت الإنسانيَّـة بأَسْرِها تـــُمتَحن، وضميرها وعقلها في الميزان.
وُعد الزائر بجلسةٍ روحيَّة كان قد سمع أَنّ فيها تتنزَّل الروح العُلويَّة، وتتجلَّى القوَّة الإلهيَّة، لكَّنه لمَ يُصدِّق. فأَخذ يتصفَّح جريدتَه، ويكتب على هوامشها ما يخطر في باله من أَسئلة مختلفة، ليطرحَها في أَثناء انعقاد الجلسة العتيدة.
وسرعان ما عُقدَت الجلسة الروحيَّة: تسامى الدكتور داهش بسيَّاله الأَسمى حتَّى اتَّصلَت به وتجلَّت فيه روحٌ قدسيَّـةٌ هي نسمةٌ إلهيَّةٌ، عالمةٌ كلَّ العِلم، قادرةٌ كلَّ القُدرة.
ولكن، ما يُثبتُ ذلك؟
دار بين الروح القدسيَّـــة، تنطق بفَمِ الدكتور داهش، والحدشيتي هذا الحوار:
– هل تُؤمن بالله تعالى؟
– أُصدقُك القول، يا دكتور، إنَّني لا أُؤمن بوجوده.
– وماذا تريد حتّى تؤمنَ ويظهرَ خطأُكَ الفادح؟
– أُريد معجزة.
وحَدَثَتِ المعجزة بكلمةٍ قالتها الروحُ القدسيَّـــة.
– أُنظرْ إلى الجريدة التي معك.
وإذا العدد الذي أَحضَرَه الحَدشيتي معه، وهو يحمل تاريخ 28 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1943، يتحوَّل إلى عدد آخر يحمل تاريخ 3 كانون الأَوَّل (ديسمبر)، أَي عددٍ سيصدرُ بعد خمسة أَيــَّـام. لقد تغيَّرَتِ النصوص كلُّها: تغيَّرَتِ الموضوعات والعناوين والأَحداث والإعلانات والصوَر …
تغيَّر كلُّ شيء عدا ما كَتَبَه الحدشيتي في هوامش الصحيفة؛ فوجده بَقِيَ مثلما خطَّه بيده!
لقد حصل حَدَثٌ عظيم: قوَّة لا شكَّ بأَنَّها غير بشريَّـة، لأَنَّها قامت بعمل غير بَشَريّ،ٍ قوَّةٌ قدرتهُا خارقة، وعِلمُها خارقٌ، سَخَّرت عناصرَ الكون وقوى الطبيعة، واستطاعَت أَن تمحوَ كلَّ ما في الصحيفة، مُبقيَةً على خطوط الشاهد فقط، لـتُـنـزَلَ محلَّ ما مَـحَت نصوصًا وموادَّ جديدةً، مرتَّـبةً ترتيبًا جديدًا.
لو كان في يدك ورقة عاديَّة مطبوع عليها بضعة أَسطر، فاختفَت منها هذه الأَسطر، بلمح البصر، ودون اللجوء إلى أَيَّة وسيلة مادِّيـَّـة، لكان عليك أَن تقول، إذا كنتَ من ذوي العقول الصحيحة: هذا عملٌ غير بَشَريّ! ولكن، إذا إمـــَّـحَتِ الأَسطر، وحلَّت محلَّها أَسطرٌ أُخرى، طُبِعَت بدون اللجوء إلى أَيَّة وسيلة مادِّيــَّـة، فلا شكَّ بأَنَّ خشوعَك سيزداد، وسيعظُمُ يقينُك بأَنَّ القوَّة التي أَحدثَت هذه الظاهرة هي قوَّةٌ روحيَّةٌ تسمو على قوى الـبَشَر ومداركِهم وعلومِهم بما لا يـُحَدُّ! فكيف بك إذا امـَّـحَت نصوصٌ مطبوعةٌ، منبسطةٌ على عدَّة صفحات كبيرة، لتحلَّ محلَّها نصوصٌ أُخرى مختلفة عنها كلّ الاختلاف، ومرتَّبة ترتيبًا دقيقًا آخر!
ولكن، حتَّى الآن، لم تـتَّضح، بعد كلُّ أَبعادِ المعجزة التي حَدَثَت. ذلك أَنـــَّـه بعد خمسة أَيــــَّـام، صَدَرَ عدد “لو جور” Le Jour، حاملاً تاريخ 3 كانون الأَوَّل 1943. وقابلَ الحدشيتي عددَه العجائبيّ الذي احتفظَ به بالعدد الجديد، وإذا المفاجأَةُ العُظمى! إنَّه العدد نفسه من كلمته الأُولى حتَّى الأَخيرة!
قبل خمسة أَيــَّـام، كثيرٌ من أَحداث العالَـم لم يكن قد وقع بعد. وكثيرٌ من الأَحاديث والوقائع السياسيَّـة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّـة والثقافيَّة والعسكريَّـة والإجراميَّة … الـمحلـيَّـة والعالـميَّـة لم يكن قد تـمَّ بعد. قبل خمسة أَيــَّـام، جميع الأُمور التي ظهرَت في عدد الثالث من كانون الأَوَّل كانت ما تزال في ضمير الغَيب؛ ومع ذلك، عُرِفَت وهي في عالَـم الغَيب، بتفاصيلها ودقائقها، أَفكارًا وأَقوالاً وأَعمالاً وأَحداثًا، وصيغَت، ونُظمَت، وطُبعَت؛ وكلُّ ذلك بلمح البَصَر، وبغير يَدٍ ولا آلةٍ! وما دامَت عُرِفَت بتفاصيلها، وتطوُّراتها، وتشابكاتها، فهذا يعني أَنَّها قد وُجِدَتْ بالنسبة للروح القدسيَّــة قبل أَن توجَد بالنسبة للبَشَر.
أَيُمكنُ أَن يقوم بهذا العمل غير قوَّة إلهيَّة؟ إذ ما الفرق بين تكوين كوكب بكلِّ ما فيه من أُناسٍ يتفاعلون ويتعاملون، وتكوين هذا العالَـم الذي انطوَت عليه الصحيفة، خمسة أَيَّام قبل أَن يوجَد؟!
لقد طلبَ الحَدشيتي معجزةً ليؤمن، فأَتَــــــتْـهُ المعجزة. أَتــَـــــتـْهُ بهذه القوَّة الجبَّارة لتُخاطِبَ عَـــبْـرَهُ البَشَرَ جميعًا ممَّن هم معاندون ومكابرون، حتَّى لا تبقى لديهم أَيَّــة حجَّـة.
الرئيس صبري حمادة والليرات الذهـبـيَّـة
ولعلَّ الغريب ما حدثَ مع رئيس المجلس النيابيِّ السابق صبري حمادة والذي جاء في مقابلة أَجرَتهْا معه مجلَّة “اللواء” العدد 91 تاريخ 25 /9/1964، ما يلي:
إبـَّان حـَــمْـلَةِ الاضطهاد ضدَّ الدكتور داهش، قرَّر رئيس المجلس النيابيِّ، صبري بك حمادة أَن يزور الدكتور داهش، ليـتـثـــبَّـتَ بنفسه من حقيقة خوارقه. فـعُـقِـدَت له جلسةٌ روحيَّة، وكان الشهود يربون على الثلاثين؛ بينهم النوَّاب، يومئذٍ السادة: أَديب الفرزلي، ووديع شقَير، ومحمَّد بك العبُّود، والسيِّد بهيج بك الخطيب رئيس دولة سوريا السابق، والسادة فيليب أَندراوس، وخليل بك معتوق، وجورج نجَّار، والشيخ حسن المكِّي من علماء الأَزهر، والسيِّدة غوين زوجة قنصل أَميركا القديم، وغيرهم من سيِّدات وسادة.
الـتَـفَتَ الدكتور داهش إلى رئيس المجلس النيابيِّ، وسأَله ماذا يريد؟
فطلب صبري بك حمادة استحضار شيء يفكِّرُ فيه ولا يقولُه. فأَجابه الدكتور داهش: “عرفتُ بما تفكِّر تمامًا، فهل تريد إحضار الشيء الذي تفكِّرُ فيه بأَكمله؟ فإذا قُلْتَ: نعم، يـَحضــرُ فورًا”. فأَجاب رئيس المجلس: ” كلَّا، لا أُريدُه بأَكمِله، بل أُريد منه شيئاً كبرهان ٍملموس.” فقيل له: “إفتحْ كفَّك”، ففتحَها. ثـمَّ قيل له: “أَغلِقْ كفَّك”، ففعل. وإذ فَـتَحَها، ثانيةً، وَجَدَ فيها خمسة دنانير ذهبيَّة عثمانيَّة قديمة التاريخ. وفي غمرة الدهشة، سأَله الحضورُ بماذا فَكَّرَ؟ فأَجابهم: “فكَّرتُ في صفائح خُــــــبـئَـت في أَراضينا، أَثناء الحرب العالميَّة الأُولى، وهي، كما فهمتُ، ملأَى بالدنانير الذهبيَّة، لكنَّهم يجهلون مكانها تمامًا.” وعندما سأَله أَحدُ الحضور: “لماذا لم تطلب استحضار الذهب بأَكمله؟” أَجاب صبري بك: “خوفًا من أَن يوزَّعَ على الجميع فيكون لي فيه شركاء.”
واحتفظَ رئيسُ المجلس بالليرات الذهبيَّة ثـمَّ عاد وباعها إلى أَحد الصيارفة.
مَنْ هو داهش؟
إذا كنَّا قد تساءلنا في السابق مَنْ هو داهش، وتركنا الحُكمَ للقارئ، محاولين التركيز على الداهشيَّـة، فإنَّنا لم نوفِّر الدكتور براكْس من السؤال، وبالفم الملآن: وبعد فمَنْ هو داهش؟ وأَجاب:
– إنَّنا لا نؤمن به إلهًا، بل نؤمن بأَنَّه هادٍ من هُداة الله طبقا للآية القرآنيَّة الكريمة: ﴿ولكلِّ قومٍ هادٍ﴾ (سورة الرعد: 7). ونحن قومٌ تَــبَـلـبَلَت أَفكارُنا، وتجزَّأَت أَديانُنا وتناحرَت مذاهبنُا، وشاع الكُفرُ فينا، وتَغلَّبَ النفاقُ على الإيمان، فتَدَخَّلَت رحمةُ الله، وأَرسلَت إلينا هاديًا يهدينا إلى سبيلٍ يُخرِجُنا من حيرتنا واضطرابنا ومآسينا، ويُعيدُ إلينا الثقة بالمسيح والأَنبياء والإيمان برَبِّ العالَمين.
ومن الُهداة مَن وهبَهمُ الله عقلاً نيِّرًا ونفْسًا نقيَّة، كسقراط وغاندي والإمام عليّ، ومنهم مَن أَيَّدَهُم تعالى بروحٍ من لدنه، فصنعوا المعجزات بقدرة العليّ، تصديقًا لدعوتِهم الروحيَّة. والروح، كما قال السيِّد المسيح: “يهبُّ حيثُ يشاء” (يوحنَّا 3 :8)، وقد شاءَ أَن يهبَّ في لبنان. أَفنرفُضُه فنكون من الأَغبياء الخاسرين! والخالقُ سبحانه هو الذي يختار مَن يريد من الناس لإحلال روحه فيه، تصديقًا لقوله: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش، يُلقي الروحَ من أَمْرِه على مَن يشاء من عباده لـيُنْذِرَ يومَ التلاقي﴾ (غافر: 15). وقد شاءَ أَن يُلقيَ الروحَ على رجُلٍ من أَرض الأَنبياء هو داهش. أَفننـاقشُ الله ونرفضُ مشيئتَه؟
لَم يباركِ التاريخُ مضطهدي سقراط وبوذا والمسيح والرسول العربيّ وغاندي، بل لعنَهم، وخلَّد أُولئك الـهُداة والرسل والمصلحين، وخلَّدَ رسالاتِهم. أَمَّا المؤسَّساتُ والتكتُّلاتُ والدولُ كلُّها التي قاومَتْهم، فقد قضى التاريخُ عليها بالفناء، ودَمَغَها باللعنةِ الأَبديَّــة.
ذلك بأَنَّ الحضارات لا تَقوى على البقاء إلَّا بغِذاء القِيَمِ الروحيَّة. وكلُّ شعبٍ تخلَّى عنها مصيرُهُ الانحلالُ والتبدُّدُ، مهما تَعاظَمَ وشَمخَتْ مدنيَّـــتُـهُ، ومهما صالَ وجالَ الباطلُ فيه؛ فالباطلُ دولتُه قصيرةٌ، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك. والقِيَمُ الروحيَّــة لا سياجَ لها إلَّا الرسالاتُ السماويَّــــة والدعواتُ الإنسانــيَّـــةُ النــقيَّـــة.
حتَّى الحركات الاجتماعيَّة الثوريَّة تستمِدُّ مقوِّماتِ إصلاحها من تلك القِيَم. فالعدالةُ والأُخوَّةُ والتعاونُ ورفْعُ الظُّلمِ والاستثمار التي تُنادي بها، تجدُ أُصولَـها في الرسالات الروحيَّة الصحيحة. والقيمة الحقيقيَّة لكلِّ حركةٍ إصلاحيَّـة تكون بنسبة تطبيقها تطبيقًا عمليًّا تلك القِيَم الروحيَّـــة.
وإذا كان بعضُ المتاجرين بالقدسـيَّـات قد كادوا يُفرِغون الأَديان من معناها الروحيّ القويم، كوجودٍ حيٍّ سامٍ فاعلٍ في الإنسان فردًا وجماعة، ليجعلوها نظريَّاتٍ وغيبيَّاتٍ وأَدواتٍ لكَسْبِ المغانم وبَسْطِ النفوذ، فإنَّ الداهشيَّـة، بمشيئته تعالى، ظَهَرَت لتدعو إلى إعادة الأَديان لنقائها الأَصليّ وتأْثيرِها الخيِّرِ الحيِّ ووَحدَتِها الروحيَّة، فـتَبني نفوسَ الناسِ فردًا فردًا مواطنين شُرَفاء، أَنقياء السريرة، أَبطالاً أَحرارًا متعاونين مُتحابيِّن عادلين، أُناسًا تسامى فيهم الإنسان وتصاغرَتِ البهيمة.
فالأَنظمةُ مهما كانت صالحةً لا تؤدِّي وحدَها إلى أَيِّ إصلاحٍ حقيقيٍّ إذا كان الإنسانُ فاسدًا. فالإنسانُ وُجِدَ أَوَّلاً، والنظام من أَجْلِهِ وُجِد. وهل يُمكنُ بناءُ صَرْحٍ قويٍّ، مهما كانت عبقريَّة مُهندسِه، إذا كانت حجارتُه سريعة التفَتُّت؟ وماذا ننتفعُ بالكأْس، وإن تكن ذَهَبًا، ما دام الماءُ فيها سـمًّا زعافًا، ونحن عِطاش؟ وهل تتبدَّلُ قيمةُ اللوحة التافهة إذا ما أُحيطَت بإطارٍ ثمين؟ فكلُّ إصلاحٍ جذريٍّ لا يبلُغُ هدفَه ما لَم يُصلحِ الفردُ نفسَه.
أَلا فلنرفع الغشاوةَ عن بصائرِنا، ولْـنَعِ أَنــَّــنـا لسنا وحدَنا في الكون، فَنكِفَّ عن الاستكبار والتأَلُّه. ولْنُدرِكْ أَنَّ الارتقاءَ الصحيحَ يقضي بأَن نتَّخذَ لنا مُطلَقًا صحيحًا، فنجعلَ الله كمالَنا وغايتَنا الأَخيرة، لتستقيمَ الطريقُ التي تُبلِغُنا السعادة العُظمى. أَلا فْلنَفهَمْ أَنَّ اضطراباتنا وضَعفَنا وتَخلُّفَنا ومشكِلاتـنِـا وحيرتَنا وشقاءنا سببُها كلِّها نحنُ، ونحن ُمختارون ومسؤولون. وما لم نُغَيِّرْ أَنفسَنا، فلن تُغَيَّرَ أَوضاعُنا. أَما قال العليّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأَنفُسِهم﴾؟ (سورة الرعد: 11).
القسم الثالث التعاليم الداهشيّة
تمــهــيــد
إنَّ المعجزات التي اجترحَها الدكتور داهش، خارقًا بها كلَّ القوانين الطبيعيَّة التي يخضع لها عالَمُنا منذ بَدء تكوينه، كما يقول الداهشيُّون، لم تكنْ غايةً في حدِّ ذاتها، وإنَّما كانت إثباتًا دامغًا لحقيقةٍ إلهيَّة عُظمى، يريدها أَن تجد سبيلاً إلى نفس مُشاهِدها وفكره، كي تُــــبَوتـقَه – إذا شاء – إنسانًا جديدًا يتطلَّع إلى ما هو أَسمى وأَبعد من حدود عالَمِه الفاني، الغارق في الشرور والمآثم.
هذه الحقيقة هي جملة تعاليم روحيَّة مبثوثة هنا وهناك في مؤلَّفات الدكتور داهش العديدة، ولا سيَّما في مؤلَّفه “قصص غريبة وأَساطير عجيبة” بأَجزائه الأَربعة، وكتاب “مذكِّرات يسوع الناصري”، و”مذكِّرات دينار”، و”الرحلات الداهشيَّـة حول الكرة الأَرضيَّـة” بأَجزائِه الإثنين والعشرين. ففي هذه الكُتب، يوضِّح الدكتور داهش مفهوم الداهشيَّـة في العدالة الإلهيَّة والثواب والعقاب والتقمُّص والسيَّالات الروحيَّة، وكلِّ ما يتعلَّق بشؤون الحياة والموت والحبِّ والبُغض، وغوامض الحياة الأُخرى والعوالـِم المجهولــة.
ولَمَّا كان من العَسير الإلمام بكلِّ ما جاء عن التعاليم الداهشيَّـة، فإنَّنا نكتفي ببعض ما شرحه “مؤرِّخ الرسالة الداهشيَّـة”، الشاعر حليم دمُّوس، والدكتور غازي براكْس.
الفصل الأوّل التعاليم الداهشيّة
بقلم “مؤرّخ الرسالة الداهشيّة”
حليم دمّوس
دأبَ الشاعر حليم دمُّوس على تأْريخ الوقائع الداهشيَّة منذ اليوم الأَوَل لاعتناقِه العقيدة الجديدة. وقد لازم مؤسِّسَها الدكتور داهش ملازمةً تامَّةً حميمةً حتَّى اليوم الأَخير من حياته، الأَمر الذي أَتاح له التعرُّفَ على كثيرٍ من الحقائق الداهشيَّة والإلمام بدقائق الأُمور، فتطوَّع، على حدِّ قوله، لنشرها “كي يتَّعظَ بها كلُّ إنسان، ويعود إلى الطُرق العادلة النَيِّرة التي يرغبُها الله، والتي فيها وَجدْنا الدواءَ الناجع لأَمراض هذا المجتمع الإنسانيِّ، والسبيل الأوحد للخلاص الأَبدي”.[1] وقد تناول حليم دمُّوس التعاليم الداهشيَّة في أَكثر من مجلَّة وصحيفة، نقتطف منها ما يأْتي.
الرُوحُ والسيَّالات
الحلقة 61، مجلَّة “الدبُّور”، 20 حزيران 1949
الروح والجسد في عراكٍ دائم.
هذا ما علـــِمناه من الدكتور داهش في جلساتـه الروحيَّـــة.
وكانت الروح القدسيَّـة التي كانت تحتلُّه في تلك الأَثناء تأْتي وتكشف لنا النقاب عن أَسرار هذا الوجود.
وقد فهمنا أَنَّ في كلِّ دين من أَديان الأَرض قبسًا من الحقائق الإلهيَّة، وأَنَّ هذه الأَديان كالأَجناس والأَلوان البشريَّـة متَّصلة ببعضِها بعضًا، متمِّمةٌ لبعضها بعضًا.
فمن الدين الأَوَّل البدائيِ إلى الأَديان السامية حلقة من التعاليم التي تزداد رقـيًّا وروحانـيَّـة كلَّما ازدادت البشريَّـة أَو كلَّما ازدادت فئةٌ منها رقـيًّا واستعداداً لتقبُّل الحقائق الخالدة. مثلاً:
إنَّ رجُل الغابات لا يمكنه – بالنسبة لتطوُّره الروحيّ – أَن يتقبَّل تعاليم المسيح، له المجد. فرجُل الغابات الخارج من الحيوانيَّة هو بميوله وغرائزه – وهذه كلُّها سيَّالات روحيَّة مسؤولة – قريب كلَّ القُرب من الأَرض والمادَّة، بعيد كلَّ البُعد عن السماء والروح.
ورجُل الغابات هذا قد تناسلَ، فإذا بسيَّالاته تنتشر في أَجسام جديدة. وتتبع هذه السيَّالات تطوُّراتِ العصور والدهور. ويأْتي الأَنبياء والمرسَلون ويشيِّدون الأَديان بموجب خطَّة مرسومة منذ الأَزل من العناية الإلهيَّة الضابطة لكلِّ شيء. فرجُل الغابات هذا، أَو من تناسل منه – وهو سيَّالٌ منه – ينال نصيبًا من التفهُّم والرقيِّ الروحيِّ بصورةٍ تدريجيَّة.
الروح البشريّة
وقد علمنا أَمرًا مهمًّا جدًّا، وهو أَنَّ الروح لا تتمركز في الجسم، بل هي في مكانها العُلويّ. ومن ذلك المركز تُسيِّرُ الروحُ الجسدَ أَو الأَجسادَ المتعلِّقة بها.
أَمَّا في هذا الجسد فلا يوجد إلَّا نَفْسٌ للحياة وسيَّالاتٌ مختلفةٌ نشعرُ بها في ميولنا. فالبُخلُ سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤولٌ؛ وهكذا الكَرَم. والظُْلمُ سيَّالٌ مسؤولٌ؛ وهكذا العدل؛ والكسل والنشاط، والبُغض والُحبُّ، والشراهة والاعتدال والطمع والقناعة، وهكذا قُلْ عن بقيَّــة النزعات والنزوات التي يشعرُ بها كلُّ إنسان …
والحرب مشتعلة بين الحَسَنِ والقبيح، أَي بين الخيِّر والشرِّير. ومصير الروح متعلِّق بنتيجة معركة سيَّالاتها الأَرضيَّـة. فإمَّا أَن تتغلَّبَ السيَّالات الطـــيـّـِبـة على السيَّالات الشرِّيرة، فترتقي الروح وترتفع في سلَّم السماوات. وإمَّا أَن تتغلَّب السيَّالات الشرِّيرة على السيَّالات الطيِّــبــة، فتتدنَّى الروح وتهبط إلى الدركات السفليَّـــة.
وعلمنا أَيضًا أَنَّ هذه الأرض قديمة جدًّا يعود تاريخ خليقتها إلى 76 مليون من الأَعوام. وقد مرَّ عليها 760 دورًا من الأَدوار التجديديَّـــة، ونحن الآن في دور نوح، أَي دور الطوفان.
وكانت المخلوقات في العصور الأُولى أَقلَّ رقيًّا ممَّا هي عليه الآن، أَي إنَّ نزعاتها الشرِّيرة كانت هي المتغلِّبة على النزعات الطيِّبة تغلُّبًا تامًّا. وهذا الوضع يتجلَّى في أَشكالها الجسديَّة إذ كانت تلك الأَجساد قبيحة المنظر، مرعبة الهيئات، تحيا طويلاً على الأَرض. وكانت في حربٍ دائمة، كالديناسور والأُكتيوزور والجبابرة والماموث الخ…
وعلى مرِّ العهود وتوالي الأَجيال، وبعد الآلام والـمِحن التي مرَّت بها الأَرض ومَن فيها، ارتقَت تلك السيَّالات نوعًا، فكان من نتيجتها أَنِ ارتقَتِ الأَشكال الجسديَّـة التي تأْخذها هذه السيَّالات في عصرنا الحاليّ. ونحن في تقدُّمٍ دائم بفضل التلقيح السماويّ الذي يأْتينا بصورةٍ مستديـمة من السماء، والـمُتجلِّي بالأَنبياء والمصلحين والُهداة والعُلماء والحُكماء الذين يأْتون إلى الأَرض في كلِّ أُمَّةٍ من الأُمم وفي كلِّ شعبٍ من الشعوب وفي كلِّ دورٍ من أَدوار التاريخ الأَرضيّ، إلى أَن يحلَّ ملكوت الله المتَنبَّأُ عنه والذي سيتمُّ بعد انتصار الخير الساحق على الشرِّ الباطل.
أَمَّا نحن، معشر البَشَر، فعمَّالٌ في هذا العراك الغير المنظور. ومن نتيجة أَعمالنا، إمَّا أَن يتأَخَّر مجيء ذاك العهد الروحيّ العادل، وإمَّا أَن يتقدَّم أَجَلُه.
والقضيَّـة مهمَّة جدًّا بالنسبة إلى كلِّ فردٍ منَّا، إذ لا يمكِـنُنا التملُّصَ من نتائج الأَحوال العامَّة التي يخلقُها في المجتمع انتصار الخير أَو انتصار الشرّ. هذه هي مسؤولـــيَّـتـنـا الجَمَاعيَّـــة.
أَمَّا مسؤولـــيَّـتـنـا الفرديَّة، فهي تامَّةٌ ثابتة بموجب قوانين غير منظورة نُعطي عنها شرحًا قليلاً، فنقول:
لكلِّ روح سيَّالات. ومن هذه السيَّالات مَنِ ارتقى إلى السماء وتتجلَّى آثارُه فينا بالنزعات الطـيّـِبــة.
ومن هذه السيَّالات أَيضًا من هو باقٍ على الأَرض، وتتجلَّى آثارُه بنزعاتنا المادِّيَّة. ومن هذه السيَّالات من تدنَّى وعصى فاستحقَّ العقاب والجحيم، وتتَجلَّى آثارُه فينا بالنزعات الشرِّيرة.
وكلُّ إنسان يشعر بهذه النزعات الثلاث: نزعات طيِّبة، ونزعات مادِّيَّة تسمِّرُه في الأَرض، ونزعات شرِّيرة تدفع به إلى ارتكاب الشرور.
أَمَّا جسدُنا فهو المستودع وآلة التجربة التي تأْتي إليها هذه السيَّالات لتتجرَّبَ وتـُمتَحن. وظروف الحياة المختلفة التي نمرُّ فيها هي التي تــــَخـلقُ ذاك الامتحان.
فإذا انتصرَت سيَّالاتُ الخير على النزعات الشرِّيرة في الإنسان، انسحقَت تلك السيَّالات الشرِّيرة، ثـمَّ تهذَّبت وارتقَت إلى السماء لتتَّصل بأَخواتها. والعكسُ بالعكس. وهذا يُعطيك فكرةً عن أَسباب تنوُّع الناس في نزعاتهم وميولهم.
فمنهم مَن تُسيطُر فيهم الميولُ الروحيَّة كغاندي مثلاً أَو جبران الخ … وهذا ناتجٌ عن انتصار السيَّالات الصالحة فيهم على تلك الميول الجسديَّـة والميول الشرِّيرة في محنتهم الأَرضيَّـة، فأَصبحَت معظم سيَّالاتهم أَو كلّــيَِّــتها صالحة للسماء.
ومن الناس مَن تُسيطرُ فيهم الرغباتُ الأَرضيَّـة والسيَّالاتُ الشرّيِرة على السيَّالات الصالحة، فيتجلَّى ذلك في اتـِّجاه حياتهم وأَعمالهم وأَفكارهم، إذ كلُّها تتَّجه نحو الأَرض أَو الشرّ. وكلَّما ازداد في الإنسان عددُ سيَّالاته الصالحة، أَصبح ميَّالاً للخير أَكثرَ فأَكثر. وكلَّما ازداد فيه عددُ السيَّالات الشرِّيرة، أَصبح مــيَّــالاً للشرِّ أَكثرَ فأَكثر. وهذا هو سببُ تنوُّع الناس نزعاتهم.
وعندما تنطلقُ هذه السيَّالات من الجسم بواسطة الموت، تَرى في لحظةٍ واحدةٍ نتيجَة تصرُّفِها في المدَّة التي أُعطيَت لها كي تتجرَّب على الأَرض. فإمَّا صعودٌ وهناء، وإمَّا هبوطٌ وشقاء.
النظام الروحيّ والمسؤوليَّــــة الخلقيَّــــة
الحلقة 62، مجلَّة “الدبُّور”، 4 تمُّوز 1949
أَمَّا اختلافُ الأَديان والأَلوان البَشَريَّـة فهو ناتج عن اختلاف هذه السيَّالات وما يخلقُه هذا الاختلاف من أَهلــيَّات واستحقاقات في المرء.
فمن الأَديان مثلاً ما هو قريب إلى المادَّة، وهو صالحٌ لفئةٍ من الناس. ومن الأَديان ما هو في نصف الطريق بين المادَّة والروح، وهو صالـحٌ لفئةٍ أُخرى من الناس. ومن الأَديان ما هو روحيٌّ محضٌ، وهو صالحٌ لفئةٍ أُخرى من الناس.
ولكنَّ جميع هذه الأَديان ضروريَّـة تُتَمِّمُ بعضها بعضًا، ويتدرَّجُ فيها البَشَر على مرِّ العصور، فيأْتي كلُّ امرئٍ في اللون والدين الذي يستحقُّه ويتقـبَّلُه ويستطيعُ أَن يسيرَ بموجب تعاليمه، إذ إنَّ رحمةَ الله وعدالته تغمُران الكائنات بأَسرِها ولا تستثنيان أَحدًا على الإطلاق.
ولكلِّ دورٍ من أَدوار الأَرض يومُ حساب. ففي ذلك اليوم الرهيب تتلاشى المادَّة وتضمحلُّ العناصر وتبقى الأَرواح ماثلةً أَمام الديَّـان. فمنهما مَن فاز وانتصر، فجنى ثمارَ أَعماله بانتقاله إلى عوالِـم سعيدة. ومنها مَن شطَّ واندحر، فهبط إلى درجات الشقاء التي استحقَّها.
فاعلمْ، أَيـُّها القارئ، أَنَّ كلَّ فكرٍ وكلَّ عَمَلٍ وكلَّ قولٍ تقومُ به في يومك يترتَّبُ عليه مصيرٌ رهيبٌ بنتائجه: فإمَّا مصيرٌ سعيدٌ عظيم، وإمَّا مصيرٌ شقيٌّ ذميم.
فالله الذي خلق لأَتـفِه الموجودات قوانينَها وأَنظمتَها الثابتة،
والله الذي يُـثـــبِّـتُ بإرادته الأَنظمة التي تُـثبـِّتُ الحياة في الأَجساد، وتُسيِّرُ كلَّ جزءٍ دقيقٍ من هذه الأَجساد اللانهائــيَّـــة العدد،
إنَّ الله -جلَّ جلاله وتباركَت أَسماؤه الـحُسنى- قد خَلَقَ نظامًا دقيقًا جبَّارًا يُحصي عليك كلَّ عَمَلٍ من أَعمالك وكلَّ اتِّجاهٍ من اتّـِجاهاتك.
فهنيئًا لك إذا أَقلعتَ عن الشرور وخلعتَ عنك النزوات المادِّيــَّـة واتَّجهتَ إلى الخالدات الباقيات. الويلُ ثـمَّ الويلُ لك إذا تمرَّدتَ على إرادة العادل الديــَّــان.
فما هي قيمة الحياة، يا تُرى، وهي لمحةٌ قصيرةٌ ومرحلة ٌحقيرةٌ تتلاشى كتلاشي الغيوم والأَحلام؟
وما هي قيمة الحياة إذا قضَّيناها في كلِّ تافهٍ وضيعٍ، تاركين تلك الغاية العظيمة النبيلة التي أَعدَّتها لنا العناية، ومتمسِّكين بتلك النفايات الدنيئة والزائلات الدنيويَّــــة؟
فالعمرُ مهما طال، فهو قصيرٌ كبرقٍ خاطف. والأَيَّـام تَكُرُّ والأَعوامُ تَــمُـرُّ، والطفلُ يشُبُّ، والشابُّ يشيب، والموتُ في المرصاد، وعينُ باري الأَنام لا تنام.
فهل نبقى في جهلنا السخيف الأَعمى، أَم هل نستيقظ إلى معرفة حقيقتنا فنتوب ونثوب ونعود إلى الحظيرة الإلهيَّة ذات الصدر الرحب والأَمل العذب والأَحلام الهنيئة والحياة السرمديَّـة، فنقَضِّي حياتنا الأَرضيَّـة بما هو شريف رفيع نبيل، ثـمَّ ننتقل إلى مواطن النقاء والصفاء والبهاء الـمُـعَدَّة لكلِّ بَطَلٍ صنديد قهرَ الشرَّ وتغلَّبَ في أَروع معركةٍ يمكن أَن يمرَّ بها المرء، أَلا وهي معركةُ “الروح والجسد”؟
ليس مَن يقطعُ طُرْقًا بَطلاً إنَّما من يــــتَّــــقي اللهَ البـــــطلْ
وليس مَن يتعامى عن حقيقة وجوده وخلوده بالعاقل الحكيم. فالعاقل مَن يتَّعظُ بحادثات الزمان. وما الرسالةُ الداهشيَّـة إلَّا ذاك الحدث العنيف الحنيف الذي مزَّق الأَستار، وكشَفَ الأَسرار، ووضَعَ الإنسانيَّـة أَمام مسؤولـيَّتها. فهنيئًا لمن يتَّعظ ثـمَّ يعظ …
بين أَبناء الجسد وأَبناء الروح
الصراع العنيف بين الأَنظمة الماديَّــة والأَنظمة الروحيَّــة
أَيـُّها القارئ العزيز،
لقد لمستَ معي في سلسلة المقالات التي نشرتُها في هذه الصحيفة “الحَدَثَ الداهشيَّ” الذي هو أَهمُّ الأَحداث العالميَّة في الساعة الحاضرة في نظرِ الروحيِّين المؤمنين بخلود الروح بعد انعتاقها من هذا الجسد الترابيِّ البالي.
فما اختراع القنبلة الذرِّيَّة، وما اكتشاف أَشعَّة جاما، وما اختراع التلفزيون والرادار وسواها من الاختراعات الحديثة الباهرة التي توصَّلَ إليها الإنسان إلَّا أَحداثٌ ضئيلةٌ، بل طفيفةٌ تافهةٌ، إذا قيسَت بذاك الحدث الجليل العظيم الذي يكشف لنا عن الآفاق اللانهائــيَّـــة.
نعم، إذا فكَّرتَ قليلاً فستُضطَرُّ للوصول إلى هذه النتيجة مرغمًا خاضعًا خاشعًا أَمام الحقيقة الساطعة التي خَفيَتْ أَسرارُها عن جميع أَبناء العصور الخاليـة لحكمةٍ إلهيَّـــة.
فهذه الاختراعات العصريَّـة الحديثة التي ذكرتُها لك يُـمكِنها أَن تــؤَثِّـرَ على حياة الإنسان على الأَرض وعلى تطوُّره الاجتماعيّ. ولكنَّها ليست جوهريَّة على الإطلاق لأَنَّ البشريَّـة قد عاشَت بدونها مئات الأَجيال وملايين السنين – قبل آدم وبعده – دون أَن تشعر بالحاجة إليها وضرورة استعمالها. وفضلاً عن ذلك، يمكِننا القول بكلِّ صراحة إنَّ هذه الاختراعات وأَمثالها، مهما بلَـغَت من الخطورة والأَهميَّة، فهي لا تتجاوز نطاق عالمنا الأَرضيّ الصغير المحدود، وهي لا تفكُّ لُغزًا ولا تحلُّ طلسمًا واحدًا من أَسرار هذا الوجود لأَنَّها لا تتناول إلَّا العلل، ولا يمكنها أَن تتوصلَّ إلى السبب الجوهريّ.
أَمَّا الحدث الداهشيُّ فهو يتجاوز محيط هذا العالم البسيط.
نعم، إنَّه يتجاوز عالَـم المادَّة الملموس المنظور ليتناول العالَـم الغير المنظور: عالَـم الغَيب، عالَـم الروح.
فمنذ أَجيال وأَجيال واجتهادات البَشَر موجَّهةٌ لتحطيم ذلك الحاجز المنيع الحصين القائم بين الروح والمادَّة.
ومنذ أَجيال وأَجيال وهذه الاجتهادات البَشَريَّـة مندحرة منكسرة لأَنَّه كُتِبَ علينا نحن معشر البَشَر، منذ البداءة وإلى النهاية، أَن لا نمدَّ يَدَنا إلى ما هو فوق الأَرض وتحتها. وقد قال الله لأَبينا الأَوَّل في سِفر التكوين: “تسلَّط على الأَرض وعلى حيواناتها وطيورها.” ولم يسمح للإنسانيـَّــة أَن تتسلَّطَ على ما وراء الأَرض.
وإذا برجُل المعجزة يَظهَر.
وإذا بروائع آياته ينبلجُ فجرُها، ويسطعُ بدرُها.
وإذا بتلك السدود المنيعة تتحطَّم وتتهدَّم.
وإذا بنا أَمام عوالِـم ما وراء الطبيعة ومعرفة قوانينها وأَنظمة سكَّانها.
وكلُّ ذلك بطُرُقٍ عمليَّة واقعيَّة مادِّيـــَّـة يخشعُ أَمامها المرءُ مَرُوعًا، بل يبتهج لها ويهلِّل، لأَنَّها فَتْحٌ جديد لا تُـقْدَرُ قيمتُه. وسوف يكون له أَثرُه المجيد في توجيه الفكر البَشَريّ عامَّةً نحو الحقائق الروحيَّة، وتغيير كثيرٍ من أَنظمة هذه الأَرض الجائرة.
وما مَثَلُ الدكتور داهش ونشأَتـُه العجيبةُ الغريبةُ وما تحمَّلَه من اضطهادٍ ومشاقّ، وتعذيب وإرهاق، في سبيل عقيدته الساميـة المقدَّسة إلَّا برهانٌ ساطعٌ وبــيـِّنـةٌ دامغة على تجرُّد الغاية ونُـــبْــلِ المقصد وسموِّ الهدف وحرارة الإيمان وطهارة الوجدان.
فكلُّ مَن يرغبُ في الأَرضيَّات، يتذلَّلُ ويتزلَّفُ ويراوغُ ويصانعُ ويتوصَّلُ إلى أَهدافه بالطُرُقِ الثعلبانيَّة المأْلوفة المعروفة عند أَبناء هذه الأَرض من سياسيِّين واقتصاديِّين وغيرهم من رجال دنيا ودين.
أَمَّا رجُلُ العقيدة الراسخة، أَمَّا رجُلُ الإيمان بالله، أَمَّا رجُلُ الايمان بالحقِّ الخالد والعدالة السرمديَّـة والقيَم الروحيَّة المقدَّسة، فهذا الرجُلُ الجبَّار لا ولن يلتوي، ولا ينحني، ولا يُراوغ، بل يصمدُ في وجه أَعدائه إلى أَن ينصرَه الله وتسطعَ حقيقتُه الباهرةُ أَمام الملإ.
[1] حليم دمُّوس، مقال بعنوان “أَغرب الأَسرار الداهشيَّـة” مجلَّة “الدبُّور”، 20 حزيران 1949.
الفصل الثاني الحقائق والتعاليم الداهشيّة
في محاضرات
الدكتور غازي براكس
الحــقائــقُ الداهشيَّـــة
أَمَّا الدكتور غازي براكْس فقد تناول الحقائق والتعاليم الداهشيَّـة في عددٍ من كُتُـبِه ومحاضراته التي كان يُلقيها بين الحين والحين في المنتديات والجامعات. وفي كتابه “مدخل إلى الداهشيَّـــة”،[1] يقول:
قبل أَن أُقدِّمَ خلاصةً عن الداهشيّـة وحقائقها الروحيَّة، لا بدَّ من إيضاح. لقد ذكرتُ عددًا وافرًا من خوارق الرجُل العظيم، وكلُّها محسوسٌ دامغُ الحجَّة، ثابتٌ على الزمن وفي الصور، مؤيَّدٌ بأَسماء عشرات الشهود من الاختصاصيِّين والمثقَّفين النابهين، وذلك يصفعُ شكوكَ المفترين والمكابرين والمؤوِّلين المعجزاتِ الحقَّة تأْويل خداعٍ أَو إيهام.
إنَّ المحاكم المدنيَّة والجزائيَّة تُصدِرُ حكمَها في أَيَّة قضيَّـة – وقد يترتَّب على الحكم حياة أَو موت – إذا ما تهيَّأَ لديها بضعة إثباتات مادِّيَّة وبعض شهود. وخوارق الدكتور داهش معروضةً أَمام محكمة العالَـم منذ نصف قرن، وأُلوفٌ هم الشهود الذين يؤكِّدون صحَّتها، وفيهم مدَّعون عامُّون، وقضاة ٌكبار، ومحامون لامعون، وأَطبَّاء مشهورون، وأُدباء، وأَساتذة جامعيُّون، وصحافـيُّون من مختلف الجنسيَّات. أَفلا يكفي هذا الحشد من الشهود لتـتـنبَّـه الضمائر الحيَّة، وتتجرَّأَ النفوسُ الشريفةُ فتعلن الحقيقة الروحيَّة الكبرى، بصوتٍ مدوٍّ في كلِّ أَنحاء العالَـم! خصوصًا أَنَّ بين الشهود مئات ممَّن يجمعون إلى الكفاءات الثقافيَّة العالية سِيَرًا نقيَّة وأَخلاقًا سامية، إذ فضَّلوا التخلِّي عن مناصبهم ومكاسبهم المادِّيَّـة، ودخول السجون، ومعاناة الاضطهاد والآلام، على أَن يتخلُّوا عن إيمانهم بحقيقةٍ تيقَّـنَت منها عيونُـهُم، واقتنعَت بها عقولُــهـُم، واهتزَّت لها قلوبـــُـهم.
فإن كانت الكفاءة العلميَّة لا يوثَقُ بأَهلها، والكفاءة المسلكـيَّـة لا يُطمَأَنُّ إلى شهادة أَصحابها، فما الذي يجعلُنا نؤمن بالحقائق العلميَّة وهي أُلوفٌ، ولَـم يختبرْها منَّا إلَّا القلائل؟ إذ مَن يجرؤ على الزعم بأَنـــَّـه قاس سرعة النور بنفسه، وفحصَ تكوين الذرَّة بعينه، وحلَّق بين الكواكب، وغاص في أَعماق البحار، ودرس ما فيها من أَسرار، مطَّـلِـعًـا بنفسه على كلِّ الحقائق العلميَّـــة التي يسلِّم بها دونـما جدال؟!
وما الذي يجعلُنا نؤمن بمعجزات السيِّد المسيح، ونحن لَـم نَرَ منها معجزةً واحدة، ولم يُخبرْنا بها أَحدٌ من المؤرِّخين أَو المعارضين، إنَّما عددٌ قليلٌ جدًّا ممَّن آمنوا بها، بعد أَن رأَوها أَو سمعوا عنها؟!
إنَّ المنطق السليم يجعلُنا نؤمن بالحقائق العلميَّة كما نؤمن بمعجزات المسيح، لأَنَّ الذين خبروها وشهدوا لها كانوا يتمتَّعون إمَّا بكفاءة ثقافيَّة أَو بأَمانة خُلُقيَّة، فكيف بنا والشهاداتُ على معجزات الدكتور داهش تتواتر وتتكاثر حتَّى الأُلوف، من أَنصاره وأَخصامه على السواء، ومن عددٍ كبيرٍ من الذين يجمعون العلم الرفيع إلى الخُلُق النبيل! وكيف بنا ورجُلُ الخوارق ما زال حيًّا بيننا، يستقبل عشرات الوافدين يوميًّا، فيصوِّر عجائبه المصوِّرون، ويحتفظ بإثباتاتها المادِّيَّة الزائرون، ويخرج الكافرُ من لدُنه مؤمنًا بالله وأَنبيائه دونما تفريق، ويخرج المعاند المكابر شاهدًا لحقيقة المعجزات، وإن لم يؤمن، لعلَّةٍ فيه، بدعوة صاحبها. ولا عِبرةَ بقلَّةٍ ممَّن زاغَت قلوبهم، وعميَت عيونُهم، واستؤجرَت أَقلامهم، فآثروا الباطلَ على الحقِّ، فدولةُ الباطل ساعة، ودولةُ الحقِّ إلى قيام الساعة.
من المعجزات التي ثبتَت، إذن، لدى الأُلوف، ننطلق لإعلان الحقائق الروحيَّة الداهشيَّـة، فيكون سيرُنا، لا في فضاء النظريَّات والتخمينات الفلسفيَّـة أَو اللاهوتــيَّــة، بل على أَرض الواقع الصامد.
لئن استطاع العلماء أَن يكشفوا النقاب عن بعض أَسرار الوجود، فما يزال مغلقًا دونهم ما لا يُحصى منها. ولذا فهم يقفون وسط بحار المجهول المحيطة بهم حائرين خاشعين.
لقد أَثبتوا، بعد مراجعاتٍ كثيرة، وتجارب طويلة، وجهود جبَّارة، أَنَّ الجماد ليس جمادًا، فالحركةُ تُحييه، كما تُحيي غيرَه من أَنواع الكائنات، وأَنَّ في أَساس تكوينه، كما في أَساس تكوينها، الطاقة الكهربائيَّة المغنطيسيَّـة، وأَنَّ هذه الطاقة لا تفنى، فهي محفوظة في الكون.
ولكن، ما سرُّ هذه الطاقة؟ وما مصيرُها بعد زوال مظاهرها المحسوسة؟ وما صلةُ الإنسان الجوهريَّة بغيره من الكائنات؟ وكيف تتطوَّر الحياة؟ وماذا قبل الولادة وبعد الممات؟ هذه الأَسئلة ومتفرِّعاتها، ما برح العلمُ عاجزًا عن الإجابة عليها.
أَمَّا الاجتهادات الفلسفيَّـة، والتأْويلات المذهبيَّة، فتناقـضاتهُا تزيد الإبهام والبلبَلة، وقيمتها تَلزَمُ صعيدَ التخمينات والنظريَّـات، فلا تكتسبُ قوَّةَ الحقائق الواقعيَّــة.
أَمَّا الداهشيَّـة فليست نظريَّـات وافتراضات، بل حقائقُ روحيَّة مدعومة بالبراهين المحسوسة. فما هي خلاصةُ هذه الحقائق؟
يُمكِنُ إجمالُـهـا بخمس:
- وجودُ الروحِ وخلودُها.
- السيَّالاتُ الروحيَّــة هي نسيجُ الكون وقَــوامُ كائناتـه.
- السبـبـيَّـــةُ الروحيَّـــة والجزاءُ العادل.
- التقمُّص.
- وَحدَةُ الأَديان الجوهريَّـــــة.
الحقيقةُ الأُولى:
وُجودُ الروحِ وخلودُها
الكتب الديـنيـَّــة كلُّها تحدَّثَت عن وجود الروح، كذلك أَكثر الفلاسفة. ومع ذلك، فليس من عصرٍ شاع فيه الإلحاد والتشكيك بوجودها كهذا العصر. ذلك بأَنَّ الناس باتوا لا يؤمنون بالمجرَّدات. فهم يطالبون بإثباتٍ مادِّيِِّ لوجود الروح يكون بمستوى العصر، لأَنَّ العلم المنتشر في أَرجاء المعمورة رسَّخَ في أَذهانهم منهجَ التحقُّق المادِّيّ الإختباريّ.
وليس ثمَّة من برهانٍ مادِّيٍّ ساطعٍ على وجود الروح إلَّا المعجزة، فهي “بـخَـــرْقِها” قوانين الطبيعة الأَزليَّة التي تحكم البَشَرَ جميعًا، تُثبتُ أَنَّ القُدرةَ التي تصنعُها لا يمكن أَن تكون قدرةً بَـشَريَّــة. فأَعظمُ الاختراعات، وإن تكن الصواريخ والسفن الفضائــيَّـة، لَتبدو ضئيلةً باهتةً لصاحب البصيرة النيِّرة حيالَ أَيَّـــة مُعجزةٍ من أَيِّ نوعٍ كانت. ذلك بأَنَّ المنجزات العلميَّـة ليست سوى أَعمالٍ بَشَريَّــة يستفيدُ بعضُها من بعض، ويُــبــنى اللاحقُ منها على السابق، ومهمَّـتُـها محاولةُ الكشف عن الـمَزيد من أَسرارِ الطبيعة والاستفادة منها؛ وهي لا تستطيعُ خرق قوانينها، بل تُـجاريها. وكلُّ إنسانٍ بوُسعه القيام بالأَعمال العلميَّــة إذا ما راعى الشروط والظروف والوسائل المادِّيَّـــة المقتضاة. أَمَّا المعجزة فليست من قدرة البَشَر، وإن احتشدَ لها علماؤهم من جهات الأَرض الأَربع.
فهل استطاع الأَطبَّاء، على التقدُّم العظيم الذي حقَّقوه، أَن يشفوا أَيَّـــة علَّة أَو إصابة عضويَّــة بغير عقاقير، أَو دونما لجوء إلى عمليَّات جراحيَّــة لدى الاقتضاء؟ هل استطاعوا أَن يقفوا، مثلاً، أَمام برصاء متهـرِّئــة اللحم ويقولوا لها: فَلْتَشْفي، وتَشفى على الفور؟
أَو هل يستطيع العلماء مجتمعين أَن يُحوِّلوا ورقةَ يانصيب خاسرة إلى ورقةٍ رابحة بمجرَّد أَمْرِها؟ أَو أَن يكوِّنوا صحيفة، قبل صدورها بعدَّة أَيَّـام، بمجرَّد قولهم: كوني، فتكون؟
ذاك لـَم يحدُثْ ولن يحدُث، لأَنَّـــه لو جرى، لخرج الإنسان عن طبيعته البشريَّـة، وأَصبح إلهًا، أَو روحًا تطيعُه المادَّة وتخضعُ له القوانين التي ما أَرادها الله أَن تَخضَعَ إلَّا لمشيئتِه، لأَنَّــه مُبدِعُها وحافظُها.
أَمَّا الدكتور داهش فقد استطاع ذلك، ويستطيعُـــه يوميًّـــا، لكن ليس بقدرتــه البشريَّــة، بل بقوَّة الروح العليّ الذي اتـــــَّخذه إناءً مُختارًا ليصنعَ معجزاتِ الهداية على يدَيه…
كلُّ تلك الخوارق والنبوءات تُــلزِمُ الواعين من الــبَشَر الإيمان بوجود الروح وقدرتها، وذلك يستتبع، لزامًا، التسليم بثلاثة أُمور:
1- الإيمان بوجود الله عزَّ وجلَّ، لأَنَّ الروح تشهدُ له، فهي نفثةٌ إلهيَّة من ذاته، لا يشوبُها دَنَسٌ، ولا تُلطِّخُها أَيَّــــة كثافـةٍ “مادِّيَّـــة”. وهو مبدعُها ومعادُها، ولأَنـــــَّها من جوهره الخالد فهي خالدة.
2- الإيمان بوَحدَة الأَديان، لأَنَّ روحًا علــيًّــا واحدًا أَوحاها، وغايةً ساميةً واحدةً حرَّكتْها، وبالتالي السعيُ نحو تحقيق هذه الوَحدَة في وجودٍ واقعيٍّ حَيّ.
3- التسليم بمعرفة الروح الخارقة المحيطة بالأَسرار كافَّـــةً، والعملُ بإرشاداتها الخــيـِّرة.
ومن إرشادات الروح أَلَّا يُضيعَ البـَشَر وقــتَهم في البحث عن جَوهرِ الأُلوهيَّة، والاختلاف حولها، لأَنَّ من وُلِدوا في الأَرض لَـم يُعطوا أَن يعرفوها. ولسان حال الداهشيِّين، إزاء هذا الأَمر، قولُ هاديهم:
“عَـبـَـثًـا يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الأُلوهيَّـــة.
فحوادثُ الدهور قد مرَّت وهي تواكبهم،
والقبورُ فَغَرَت أَفواهها، وضمَّت من الأَنام مواكــبَهم.
الكلُّ فانٍ، وليس من خالدٍ سوى الله والسماء،
ومقاصدُه الخــفيَّــةُ في خَلقِــنا حتَّى على الأَنبياء.
فلْنخشَعْ، ولْنَضرَعْ، كي نرتعَ في جنَّاتِـــه السرمديَّــــة.”[2]
الحقيقةُ الثانيةُ:
السيَّالات الروحيَّة
السيَّالاتُ الروحيَّـــةُ هي نسيجُ الكون وقوامُ كائناته.
والسيَّالاتُ الروحيَّـــة تَعني قوًى إشعاعيَّــة حيَّةً غير منظورة هي امتدادٌ للروح في العوالـمِ المادِّيَّــة.
والسيَّالاتُ جميعُها ذاتُ إدراكٍ وإرادةٍ ونزعات، لكن على درجاتٍ متفاوتــة.
ولقد تأَكَّد لنا، من مئات المعجزات التي شاهدناها وشاهد مثلها الأُلوف غيرنا، أَنَّ السيَّالات الروحيَّــة هي نسيج الكون وقوام كائناتـه، هي الجوهر الخالد الذي يوحِّدُ الموجودات، وإن اختلفَت مظاهرُها المحسوسة. وليست الطاقة الكهربائــيَّــة المغنطيسيَّــة التي اكتشف العلم أَنَّها في أَساس الوجود كلِّه إلَّا صفة من صفاتها.
فخصائص الحياة النفسيَّــة ليست في الإنسان فقط، بل هي أَيضًا في الحيوان والنبات وكلّ ما يُسمَّى “مادَّة”.
ووجود السيَّالات في الــبَشَر، على تفاوتٍ في العدد، والميزة، والدرجة، بين فردٍ وفرد، هو الذي يسبِّب تباين القدرات الجسديَّــة والعقلــيَّــة، واختلاف الميول والمواهب النفسيَّـة عندهم. كما أَنَّ انسجامها وسموَّها في الإنسان يبعثان السلام والاتِّــزان في نفسه، وتناقضها وانحطاطها يسبِّبان الاضطراب والاختلال. كذلك، فإلى تشابهها أَو تبايُنها في الأَشخاص والجماعات يعود التجاذبُ والتحابُّ، أَو التنافر والتباغض.
هذه القضايا البَشَريَّـة، ما يزال المشتغلون في علم النفس يحاولون الوصول إلى تفسيرها، جاهدين، من غير أَن يطمئنُّوا إلى رأْيٍ صائب يتَّفقون نهائيًّا عليه، بينما أَدركتِ الداهشيَّــة حقيقتَها وسرَّها من زمنٍ بعيد.
وقد أُتيح لي، كما لكثيرين غيري، أَن نتيقَّنَ من أَنَّ الفناء الذي يطرأ ُعلى الأَشياء إنّمَا هو تبدُّلٌ محصورٌ في مظهرها الحسِّيّ النسبيّ، ولا يمسُّ جَوهرَها الحيّ.
فمِرارًا كنَّا نحرق أَشياءَ مختلفةً، بينها أَوراقٌ ماليَّــة، وسنداتٌ أَو صورٌ أَو مخطوطات، أَو تُحطَّمُ أَمامنا كؤوسٌ بلَّوريَّــة وما أَشبه، ثـمَّ يُعيدُ الدكتور داهش تكوينها، كما كانت، بلَمْحِ البصر، وبقوَّة الروح العليّ. وشهود هذا النوع من المعجزات يُعدَّون بالمئات …فهذه المعجزات التي تُعيدُ الحياة إلى الميت، والشيء الذي احترق أَو تحطَّم إلى وجوده السابق نفسه، إنَّـما تؤكِّدُ أَنَّ السيَّالات الروحيَّة خالدة، سواء كانت في الإنسان أَو الحيوان أَو النبات أَو الجماد.
أَمَّا الحقيقة الأَغرب التي أَوضحَتها الداهشيَّة، فهي أَنَّ كلَّ كائن، بل كلَّ عملٍ أَو رغبةٍ أَو فكرٍ، يكون لها نموذجٌ حيٌّ أَو صورةٌ أَو تسجيلٌ تُحفظُ روحيًّا في عوالـِم خاصَّة ٍكشهودٍ على حياة الكائن وسلوكه وأَعماله.
الحقيقةُ الثالثة:
السببيَّــةُ الروحيَّــةُ والجزاءُ العادل
إنَّ الأَحداث اليوميَّــة التي تقع، من مرض وموت وخسارة، أَو شفاء ونجاة وربح، وغير ذلك، يعلِّــلُها معظم الناس بأَسبابها المادِّيَّــة المباشرة، وإن جهلوها، فبالصُّدفة. فإن تدهورَت سيَّارة، مثلاً، وقُتل فيها فردٌ، وجُرح ثانٍ، وسَلِمَ آخر، علَّــلوا اختلافَ مصاير الركَّاب بالصُّدفــة، أَو بأَسبابٍ مادِّيَّــة محضة. وفضلُ المعجزات الداهشيَّــة أَنَّها توضح أَنَّ مصاير الــبَشَر ونتائج أَعمالهم تُشرفُ عليها قوَّةٌ روحيَّــةٌ عادلـــةٌ حكيمةٌ مدبِّــــرة، لا يفوتُها شيء، مهما صَغُـــرَ ودَقَّ، ولا يُعجزُها أَمرٌ، مهما عَظُمَ وتعــقَّد.
فالصُّدفةُ لا وُجودَ لها، على الإطلاق، والسبــبــيَّـــةُ قانونٌ كونيٌّ شامل، لكنَّ الإنسانَ لا يُدركُ منها سوى الوجه المحسوس، أَو الذي يستطيع عقُله وَعْـيَـــهُ، بينما تبقى العلَّــةُ الحقيقيَّــة، وهي دائمًا علَّــةٌ روحيَّــة، محجوبــةً عنه. فالمرءُ سواء مات في فراشه ميتةً هنيئة، أَم في حرب، أَم إثْــــرَ حادثــة معيَّنــة، فتحديدُ أَجَلِه إنــــــَّـــمـا يكون بموجب نواميس روحيَّــة، وفق استحقاقــه ودرجــة سيَّالاتــه. فإن حان أَجَلُه، فاجأَه الموتُ أَينما كان، ولم يعصمْه حصنٌ، ولا بحرٌ، ولا جَوٌّ، ولا طبيب في أَيِّ مكان. وإذا لم يحنْ أَجَلُــه، أُنقِذَ ممَّا لا يُــنــقَــذُ منه سواه. وبُــغْــيَــةُ الإيضاح الواقعيّ، سأُعطي مَثلَين عجائـبـيَّـين:[3]
بَطِّيختان ترتفعان ثـمَّ تسقطان بصورةٍ عجائـبيـَّـة
خلاصة المعجزة الأُولى أَنَّـــه بينما كان الدكتور جورج خبصا بصحبة الدكتور داهش وراء صيدليَّــة حمادة في بيروت، إذا برجُل الخوارق يرتعش بالروح ويخاطب رفيقَه قائلاً: “أنظرْ إلى هذا البائع الجوَّال.” وكان إزاءهما على بضعة أَمتار بائعٌ أَمام عربةٍ عليها بطِّيخ. فأَشار الدكتور داهش بيده، فإذا بطِّيخةٌ ترتفع في الهواء، وتقع على الأَرض محطَّمةً. ثـمَّ أَعاد الإشارة، فارتفَعَتْ بطِّيخةٌ أُخرى، وسقطَت محطَّمةً. فسأَله الدكتور خبصا، متأَثـــِّـــرًا: “لكن، لـِمَ ذلك؟ فهذا البائع مسكين، وهذه الخسارة تكلِّـــفُــه غاليــًا.” فأَجابه الروحُ العليُّ بفم الدكتور داهش: “أَجريتُ ذلك أَمامك لأُعلمَكَ أَنَّ العدالةَ تجري على جميع الكائنات، كبيرها وصغيرها، بصورة طبيعيَّـــة، من غير أَن يــتنبَّهوا لكيفيَّــة سَيرِها. فهذا البائع رَبِحَ أَكثرَ ممَّا يجبُ له في هذا النهار، ورِبحُهُ غيرُ الحلال، وإن يكن ضئيلاً، خَسِرَهُ بتحطُّمِ البطِّيختَين. ولو لم أُرِكَ ذلك بالمعجزة، لِــتَــتــنــبَّــهَ، لكانت العربــةُ سقطَتْ في حُفرةٍ من غير انتباه صاحبها، ولتدحرَجَتْ البطِّيختان نفسُهما من فوقها وتحطَّمَتـا.” هذه المعجزة وكثيرٌ من أَمثالِها وضَّحَت للداهشيِّين أَنَّ ما يزرعُه الإنسان يحصدُه، وأَنَّ أَعمالَ البـَشَر جميعًا، وعلاقاتِهم بعضهم ببعض، تتــرتَّبُ عليها نتائجُ من شأْنها أَن تُقيمَ العدلَ الإلهيّ بينهم. ﴿فَمن يعملُ مثقالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه، ومَن يعملُ مثقالَ ذرَّةٍ شرًّا يَرَه﴾ (سورة الزلزال: 8،7). و ﴿إنَّ اللهَ لا يَظلمُ مثقالَ ذَرَّةٍ﴾ (سورة النساء: 40).
الحقيقــة الرابــعــة:
الــتــقمُّــص
لقد أَدركَ حقيقةَ التقمُّص فلاسفةٌ عديدون، منهم فيثاغورس وأَفلاطون، وآمن بها، اليوم، مفكِّرون كثيرون، بينهم نابغة لبنان، جبران خليل جبران. وكانت عقيدةُ التقمُّص قوام البوذيَّـــة والأَديان الهندوسيَّــة عامَّــة.
وصرَّح بها القرآن الكريم، دونما تفصيل، في قوله: ﴿كيف تكفرون بالله، وكنتم أَمواتًا فأَحياكم، ثـمَّ يُميتكُم، ثـمَّ يُحييكم ثـمَّ إليه تُرجَعون﴾ (سورة البقرة: 28)، وفي آياتٍ كثيرة أُخرى اعتمدَتها عدَّة مذاهب إسلاميَّـة لإعلان إيمانها بالتقمُّص. كما أَلـمَعَ إليها السيِّد المسيح في مواقف كثيرة، منها قوله لتلاميذ يوحنَّا المعمدان الذين سأَلوه عمَّن يكون معلِّمُهم، فقال لهم: “إذا أَردتم أَن تَقبَلوا فهو إيليَّا المزمع أَن يأْتي”، (متَّى 11: 14)، وكذلك جوابه لتلاميذه، بعد أَن سأَلوه لماذا تقول الكـتَـبَـةُ إنَّ إيلــيَّــا ينبغي أَن يأْتي أَوَّلاً؟ فقال لهم: “إنَّ إيلــيَّــا قد أَتى، ولكنَّهم لم يعرفوه، بل صنعوا به كلَّ ما أَرادوا … ففهِمَ التلاميذ، حيـنـئذٍ، أنَّــه عَنَى بكلامه يوحنَّا المعمدان”، (متَّى: 17: 12 و13).
لكنَّ الداهشيّين إن آمنوا بما أُنزلَ في الكتب المقدَّسة، فهم يَدعمون إيمانَهم بمُعجزاتٍ محسوسة تؤكِّدُ التقمُّــص بانتقال السيَّالات الروحيَّــة من جسدٍ إلى آخَر في الأَرض، إنسانًا كان أَو حيوانًا أَو نباتـــــًا أَو جمادًا.[4]
يقول مؤسِّسُ الداهشيَّة:
“نظريـَّــتـــُنا في التقمُّص هي الآتية:
“إنَّ الأَديان قاطبةً تقول، بل تؤكِّد أَنَّ الإنسان يولَـدُ على هذه الأَرض، وفي أَثناء حياته الأَرضيَّـة يقوم بأَعمال صالحة وأُخرى طالحة. وعندما يتوفَّاه الله، يذهب إلى النعيم إذا كانت أَعمالُه صالحة أَو إلى الجحيم إذا كانت أَعمالُه شرِّيرة. ويعمِّر الإنسان 70 أَو 80 أَو 90 عامًا. ومن هذه الأَعوام، يذهب من عمره 35 سنة يقضِّيها بالنوم، و4 سنوات بالمرض، و15 عامًا هي سنوات الطفولة غير المسؤولة. إذًا الأَعوامُ القليلةُ الباقيةُ من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه.
“ومن المؤكَّد أَنَّــه لا يستطيع أَن يكون سلوكه مثاليًّا، إذ إنَّ دنيانـا حافلةٌ بشتَّى المغريات التي تُسقطُه في أَشراكها التي لا ينجو منها ناجٍ. فالمرأَةُ له بالمرصاد، تستهويه فيندفع في خضمِّ الشهوات العارمة، وحُبُّ المال يكَــــبِّــلـــُه بكُبولِــه التي لا تُقاوَمُ فيستعبده، والعَظَمَةُ، وحُبُّ الوَجاهة، والكبرياء، الخ…. جميعُ ما ذكرتُ تقودُه إلى مهاوي الهلاك المؤكَّد.
“إذًا بالنسبة لـِما أَكَّده مؤسِّسو الأَديان، سيذهبُ الــبَشَـرُ جميعُهم إلى جهنَّم النار المتَّقدة، ويمكثون مخلِّدين فيها من دهرٍ إلى دهر، ومن أَزلٍ إلى أَبد. وهذا أَمرٌ غير جائــزٍ إطلاقًا، وظُلمٌ رهيب، فرحمةُ الله عظيمةٌ وعميمة. لهذا أَعطانا فرصةَ إصلاحِ أَنـفُسِنـا والارتقاءِ بأَرواحِـنـا، فمَنَحَـنـا نعمةَ التقمُّص. وربَّما أَعطانا إيَّاها 6000 مرَّة، نعود فيها إلى عالَـم الأَرض، لـنـتـغلَّبَ، في خلال هذه التقمُّصات الأَلــفيَّــة، على ضَعفِنا البشريّ، والارتقاء بأَرواحنا لــنَبلُـغَ جـنَّــةَ النعيم.
“ففي خلال هذه التقمُّصات الستَّــة آلاف، ممكنٌ لأَيِّ بَشَريٍّ أَن يُحسِّنَ سلوكَه في خلال دوراته الحياتــيَّــة، وتكرار ذهابه وإيابه. فإذا تكرَّر مجيئه 6000 مرَّة، وبقَيت أعمالُـه شرِّيرة، إذًا يستحقُّ، إذ ذاك، أَن يُخلِّدَ في جهنَّم النار الخالدة بنيرانها، وهذا يكون عدلاً وحقًّا.
“كذلك يُمكنُ أَن تتجاوزَ السيَّالاتُ الأَرضَ، في انتقالها من تقمُّـصٍ إلى آخر، فــتـنـتقلُ إلى كوكبٍ عُلويٍّ أَو سُفليِّ، حسب درجةِ استحقاقها.”[5]
الحقيقة الخامسة:
وَحدَةُ الأَديانِ الجوهريَّــــة
روحُ الإلـهِ الواحد هو الذي أَوحى الشريعةَ إلى موسى النبيّ، وجعلَ المسيح مصدِّقــًا ومُتمِّمًا لما قبله: “لا تظنَّوا أَنِّــي أَتيتُ لأَنقضَ الشريعةَ والأَنبياء، لكن لأُتـَـمِّـم” (متَّى 5 :17)، قال السيِّد. وهو الذي جعل القُرآن مصدِّقـًا لما قبلَه: ﴿نـــزَّل عليكَ الكتابَ بالحقِّ مصدِّقــًا لما بين يديه وأَنزلَ التوراةَ والإنجيلَ من قبلُ هدًى للناس﴾ (سورة آل عمران: 3). وكما أَلــزَمَ المسيحُ الإيمانَ بموسى طريقًا للإيمان به، بقوله: “فلو كنتُم تؤمنون بموسى، لكنتُم تؤمنون بي، لأَنَّه كَتَبَ عنّي. فإن كنتُم لا تؤمنون بكُتُبِهِ، فكيف تؤمنون بأَقوالي؟” (يوحنَّا 5: 46 و47)، أَلـــزَمَ القُرآنُ المؤمنين الإيمانَ بالأَنبياء جميعًا، دونما تفريق: ﴿إنَّ الذين يكفرون بالله ورُسُلِــهِ، ويريدون أَن يُــفرِّقوا بين اللهِ ورُسُلِــهِ، ويقولونَ نــؤمنُ ببعضٍ، ونكفُرُ ببعضٍ، ويريدون أَن يتَّخذوا بين ذلك سبيلاً، أُولئكَ هُمُ الكافرون حقًّا، وأَعْتَدنا للكافرينَ عَذابـًا مُهينـًا. والذين آمنوا باللهِ ورُسُلِهِ، ولم يُــفرِّقــوا بين أَحدٍ منهم، أُولئكَ سوف يــؤتيهم أُجورَهم، وكان اللهُ غفورًا رحيمًا﴾ (سورة النساء: 150-152).
هذه الوَحدَةُ الروحيَّــةُ الدينيَّــة نَسيَها الــبَشَر، أَو تناسَوْها، ولا سيَّما في هذه البلاد، بلاد الأَنبياء. بأَيديهم نَسَجوا غشاوةً على عيونهم، خيوطُها من المطامع الأَرضيَّـة والمصالح الشخصيَّـة والطائفيَّـة. فإذا الإلـهُ الواحدُ يتنازعونه آلهةً، ودِينُ الروحِ الواحد يُـمَـزِّقونَــه طوائفَ مـتنابذةً متناحرة، ممَّا دفع فئاتٍ من العاملين في القضايا الوطنيَّــة الاجتماعيَّــة، بعد أَن يئسوا من العودة إلى الوَحدَةِ الروحيَّــة، والعمل بجوهر الدين القائم على المحبَّــة والفضيلة إلى الدعوة لطرح الولاء الدينيّ جانبًا، وإحلال الولاء الوطنيّ محلَّه، أَو للتخلِّي نهائيًا عن العقيدة الدينيَّــة واتخاذِ الإلحادِ مذهبًا وسبيلاً …
ما الحلُّ، إذن، يقول الـمُـتَحمِّسون للقضايا الوطنيَّــة الاجتماعيَّــة، أَنُــبقي على العَصبيَّات الطائفيَّـة تُقسِّمُ الوطن أَشلاء، ويدَّعي كلٌّ منها مُلكـــيَّـة الله والسماء، حتَّى نَفقد الدينَ والدُّنيا معًا؟
الحلُّ أَوحاه الله ذاتُه … إنَّه العودةُ إلى جذور الإيمان الصحيح بوَحدَةِ الأَديان وجوهر تعاليمها، عَبْرَ رسالةٍ روحيَّــــةٍ جديدة مؤَيَّــدة ٍبالمعجزات …
فالروحُ الإلهيُّ الذي يُجري المعجزات على يَدَي الدكتور داهش، إنَـّما يهبطُ من عليائه ويصنعُ الخوارق باسم الله والمسيح، وباسم الله ومحمَّد، وباسم الله وموسى. فالأَنبياءُ جميعًا أَصابعُ الرحمةِ الإلهيَّة مُنبسطةً في هذه الأَرض الشقيَّــة.
في حضرة الروح الإلهيّ، وفي حضرة الـمُعجزات، يشعرُ الإنسانُ أَنَّــه أَخو الإنسان، وأَنَّــه لا فرقَ بين أَبيضٍ وأَسود، وبين غنيٍّ وفقير، وعظيمٍ وحقير، ومُسلمٍ ومسيحيّ، وموسَويٍّ وبوذيّ ….
وقد يحتجُّ بعضُهم قائلاً: “لئن آمنَّا بوَحْدةِ الأَديان، فكيف نُوفِّــق بين الـمُتناقضات في العقائد؟”
وجوابي أَنَّ الرسالة الداهشيَّــة قدَّمت حلاً لكلِّ مُعضِلة، حلاً لَم تخترعْه اختراعًا، بل أَوحَـتْـه الروحُ حقيقةً مُنــْـزَلــة. ولضيق المجال، أَكتفي بعَرْض قضيَّـة خلافٍ واحدةٍ بين المسيحيِّين والمسلمين هي قضيَّـة صَلْب المسيح. ففي الأَناجيل أَنَّــه صُلِب، وفي القرآن: ﴿وما قَتَلوه وما صَلَبُوه ولكنْ شُــبِّــهَ لهم﴾ (سورة النساء: 157). فأَيُّ الكتابَين على صواب؟ الحقُّ أَنَّهما كلاهما على صواب؛ لكنَّ الحقيقةَ لا يمكنُ أَن توضَّحَ إلَّا من ضمن الداهشيَّــة، وتوضيحُها يــتمُّ ببرهانٍ مادِّيٍّ محسوس.”[6]
مـفاهـيـم داهــشيَّــــة[7]
ليس في التعاليم الداهشيَّــة ما يُسمَّى “بالأَسرار” ولا بالباطنيَّــة، وكلُّ ما فيها يَـــقبَلُهُ المنطقُ السليم، منطق الإنسان المثقَّف ثقافةً شاملة تجمع بين الدين والفلسفة والعلوم، بمختلف حقولها، والمنفتح على الحقائق الجديدة التي تفاجئ العالَــم كلَّ يوم.
اللَّـــــه
تؤمنُ الداهشيَّـة بأَنَّ الله هو القوَّةُ الموجــدةُ للكون، معروفِــهِ ومجهولِــهِ، وهو البداية والنهاية، وسرُّ الحياة، وربُّ الثواب والعقاب، وأَصلُ كلِّ معرفة وقـوَّة ومحبَّــة. إليه يرفـعُ الدكتور داهش والداهشيُّون صلواتهم، ومنه يطلبون الرحمة والمعونة، وفيه يرون أَبًا عطوفًا لهم وللبرايا كلِّها.
أَمَّا الأُلوهيَّة فيمتنعُ الداهشيُّون عن البحث في ماهيَّتها، لأَنَّهم موقنون أَنَّها وراء متناول الإدراك البشريّ، ولا ينتجُ عن زيادة البحث فيها إلَّا زيادةُ البَلبلة الفكريَّــة.[8]
عالَـــمُ الأَرواح
هذا العالَـم هو بداية الخلائق ونهايتها، وهو العقلُ الإلهيِّ المدبِّـر للكون والضابط لنواميسه؛ وهو أَزلـيٌّ أَبدي، خارج عن قيود المادَّة الزمانيَّــة-المكانيَّــة، قوامه السماوات وكائناتــه الأَرواح القدسيَّــة، أُمـَّهاتُ الكائنات كلِّها، وهي نقيَّــة، مجيدة، خاليـة من كلِّ شائبـة أو دَنَس أَو أَثَــرٍ للمادَّة. ولذا لا يدخلُ عالَــمَ الكمال هذا إلَّا مَن بَلَــغَ الكمالَ الروحيّ.
من أَجلِ ذلك، تؤمن الداهشيَّــة بأَنَّ كلَّ كائنٍ يجبُ أَن تكونَ غايتُــه السعي، بمختلف الطرق، إلى الارتقاء الروحيِّ المستمرِّ، في سبيل التجــرُّد من جاذبيَّــة النزعات المادِّيَّـة، لبلوغ العالَـم الروحيّ السماويّ حيث السعادةُ الحقيقيَّــةُ الـمُطْلقة.
الحضاراتُ الكونيَّــة أَو النعيمُ والجحيم
تُفرِّقُ الداهشيَّةُ بين السماء Heaven (ذات الوجود الروحيِّ البحت والعظَمَة الإلهيَّة والسعادة الروحيَّة اللامتناهية) والنعيم Paradise المشتمل على عوالِـم مادِّيَّــة مجيدة تتمتَّعُ بحضاراتٍ راقية جدًّا ذات أَديانٍ وآدابٍ وفنونٍ وعلومٍ واختراعاتٍ لا يرقى إليها خيالُ الـبَشَر، وذات غبطةٍ عظيمةٍ وهناءٍ معنويٍّ ومادِّيٍّ كبير.[9]
والنعيمُ يضمُّ بلايين النجوم والكواكب موزَّعة على مئة وخمسين درجة روحيَّـة.
أَمَّا الجحيم فيشتَمل على عوالِـمَ مادِّيَّــة تَتقهقَرُ فيها الحضارة ويَعظُمُ الجهلُ والغباءُ والعذابُ المادِّيِّ والمعنويّ. وهو يضمُّ بدوره بلايين الكواكب موزَّعة على مئـةِِ وخمسين درجة روحيَّـــة.
وتستوي الأَرض على عتبة الجحيم الروحيَّـــة.
وليس محتومًا أَن تكونَ الإقامةُ أَبديَّــةً، لا في النعيم ولا في الجحيم. ففي كلٍّ منهما تعترضُ الكائنَ مغرياتٌ وتجاربُ تكون بنسبة رقـــيِّـه الروحيّ، وتبعًا للأَنظمة الروحيَّـة التي يخضعُ لها عالَمُه. فإذا نجح في اجتياز التجارب والامتحانات، يرتقي إلى عالَـمٍ ذي درجة روحيَّـة أَرقى، وإلَّا فإنَّه يُعرِّضُ نفسَه للسقوط بنسبةِ أَعمالــه وأَفكارِه ونزعاتِــه.
الـروحُ والـنـفــس
إنَّ السيَّالات – سواء كانت في الإنسان أَم في غيره من الكائنات القاطنة في العوالِـم المادِّيَّــة النعيميَّــة أَو الجحيميَّــة – هي غير الأَرواح. فالأَرواحُ كائناتٌ إلهيَّـــةٌ لا تُخالطُ الأَبدان، ولا تشوبُها أَيَّــة كثافةٍ مادِّيَّــة، لأَنَّ المادَّة عَرَضٌ نَـــتـــَجَ عن نقصٍ ودنسٍ طارئَين، بينما الأَرواحُ موطــنُها عالَـمُ الكمال.
وكلُّ روحٍ أُمٌّ لسيَّالاتٍ كثيرةٍ انبثقَت منها، وهذه السيَّالاتُ كائنةٌ في تجسُّداتٍ متفاوتــةٍ في درجات رُقــيِّها الروحيّ، ومُــنـبـَــثـــَّــــــةٌ في عوالِـم مختلفةٍ من النعيــم والجحــيم، وهي ترتبطُ بأَصلها الأُمّ بوشائجَ إشعاعيَّـــة غير منظورة.
قـيـمـةُ الأَعمالِ بــنــوعـــيَّــــةِ دوافِــعـها
إنَّ الأَعمال الصالحة كالإحسان إلى الفقراء، ونشر الإيمان بالله بين الناس، والصلاة، والصوم، وغيرها، جميعها من شأْنها أَن تُــرقِّي سيَّالات الإنسان إذا اقترنَت بدوافعَ ساميـة. ولكنَّ هذه الأَعمال نفسَها إذا كان الدافع إليها حُــبُّ الظهور ونَــيلُ المجد الدنيويّ، أَو غير ذلك من الدوافع الخسيسة، فإنَّها تَــفقِدُ معناها السامي وجزاءها الروحيّ.
الرحـمــةُ والــنعـمــة
معاملةُ الله تعالى للـبَشَر قاعدتُـها العامَّـة هي العدالة، فما يزرعُه الإنسان إيَّـاهُ يحصد. ولكنَّ السماوات رحيمة، ورحمتها لا نهائــيــَّـة. ولذا كان التقمُّص للناس.
وتتجلَّى الرحمةُ الإلهيَّة بمظاهرَ كثيرةٍ، فقد تكون في تأْجيل العقاب للخاطئ، وإتاحة فرصة التوبة أَمامه، أَو بتلطيف العقاب بتوزيعه على أَزمنة متعدِّدة، أَو بإبداله بآخَر، أَو في غير ذلك. لكنَّ الرحمة، في رأْي الداهشيَّــة، لا تعني إطلاقـــــًا مـَحْوَ الخطيــئــة نهائيـــًّـا وإزالـة العقاب، وإلَّا اختلَّ ميزانُ العدالة الإلهيَّــة.
أَمَّا النعمة فهي مساعدة روحيَّـة خاصَّة يـُمنَحُها المستحقُّون فقط. ولا يكون الاستحقاق إلَّا ببذل الإنسان جُهدًا ممــيَّــزًا لإصلاحِ نفسه وترقيتها بقيامه بأَعمالٍ سامية الأَهداف، أَو بنزوع نفسه منزعًا روحيًّا طويل الأَمَد.
المــوتُ والولادة
يحدثُ الموتُ للإنسان عندما يغادرُه السيَّال الحـَيويّ الأَخير. لكنَّ الموت، في أَغلب الأَحيان، يحصل بصورةٍ تدريجــيَّــة في سياق عمر الإنسان. فكلَّما غادرَه سيَّالٌ من سيَّالاته، تناقصَت طاقتُه الجسديَّــة أَو المعنويَّــة. ولحظة الموت يُحدِّدُها النظامُ الإلهيّ للإنسان، منذ ولادته، بنسبـة تقمُّصاتـه السابقـة ودرجة سيَّالاتـه. لكنَّ الإنسان يمكنه أَن يقدِّمَ لحظةَ موته أَو يؤخِّــــرَها، بنسبة ما تكون أَعمالُه الإراديَّــة الحرَّة قد عملَت، في خلال حياته الراهنة، على انحطاط درجتـه الروحيَّــة أَو رقـــيِّها. وليس الموت فناءٍ، بل هو انتقالُ السيَّالات من شكلٍ إلى آخَر.
وعندما يتحرَّرُ السيَّال من قيود الجسد، تـَحدُث له يَــقَظَـــةٌ روحيَّــة. يقول الدكتور داهش: “الموتُ يَــقَظَــةٌ فــتَّانـة يحنُّ إليها كلُّ من صَـفَتْ نفسُه وسَـمَتْ روحُه، ويخافُها مَن كــثــُــفَتْ أَفكارُه وكَــــثُــرَت أَوزارُه …”
وفي العوالم الأُخرى، خارج الأَرض، يختلف شكلُ حدوثِ الموت باختلاف الأَنظمة التي في كلِّ عالَـم. فقد يكون الموتُ اختفاءً فوريََّا لشكل الكائن، أَو تقلُّصًا تدريجيًّا حتَّى التلاشي، أَو غير ذلك.
أَمَّا الولادة، فلا يولَــدُ إنسانٌ في الأَرض ما لَـم يكن لأَحدِ أَبوَيه سيَّالٌ بدرجة الأَرض، أَو سيَّالٌ يُــتاحُ له أَن يهبطَ إلى الأَرض، وإلَّا فالمولود لا يأْتي.
أَمَّا في العوالِـم الأُخرى غير الأَرضيَّــة، فتختلفُ كيفيَّــة الولادة باختلاف أَنظمة العوالِـم الكونـيَّــة، شأْنها شأْن الموت. وقد تكون من التجسُّد المفاجئ، أَو بطريقة القدوم من كوكبٍ إلى كوكبٍ آخر، أَو غير ذلك.[10]
حــفظُ الأَشكالِ وتسجــيلُ الأَفكار وتصويــرُ الأَعمال
من الحقائق الداهشيَّــة أَنَّ كلَّ كائنٍ حيٍّ، بل كلَّ شيء يكون له نموذجٌ يُـحـفَـظُ روحيًّــا في عوالَـم خاصَّة، بعد انطلاق سيَّاله الحيويّ وزوال شكله. كذلك يكون لكلِّ عملٍ صورتُـه، ولكلِّ فكرٍ أَو رغبـةٍ أَو حلمٍ تسجيلُـه، جميعها تُـحفظُ في تلك العوالـِم شهودًا على حياة الكائن وسلوكه وأَعماله، بحيث لا يضيعُ شيءٌ ممَّا وُجِد، مهما كان تافهًا.
الإنسانُ والكَــون
تؤمنُ الداهشيَّـة بأَنَّ سيَّالات الـبَشَر متحدِّرةٌ من الإنسان الأَوَّل الذي سُـمِّيَ آدم. وآدم، قبل أَن تُـجسِّدَه المشيئــةُ الإلهيَّـة في الأَرض، كان مجموعةً كبيرةً من السيَّالات الملائكــيَّـة الكائنة في مختلف درجات النعيم. وبعد عصيانٍ للأَوامر الإلهيَّـة اشتركَت فيه هذه السيَّالات، حُكِمَ عليها بالهبوط إلى الأَرض مجتمعةً في كيانٍ بشريّ ٍهو آدم.
ومن سيَّالات آدم كانت حـوَّاء، ومن الاثنيَن تناسلَتِ البشريَّــة الجديدة…
ومن أَجل دَفْعِ الحضارة الإنسانيَّــة إلى الأَمام، سمحَتِ المشيئــةُ الإلهيَّــة لسيَّالات الأَنبياء والُهداة والحُكماء والمصلحين الحقيقيِّين أَن تعملَ عملَها الخيِّر في الأَرض، ولكنَّها سمحَت أَيضًا لكائناتٍ تنتمي إلى عوالِـم أُخرى أَكثر رقـيًّـا أَن تزور الأَرض من حينٍ إلى آخر، وتُسهِمَ في تلقيح الـبَشَر بسيَّالاتٍ تساعد على رقيِّهم الحضاريّ عن طريق الاقتران ببعض بناتهم.
ومن هنا نشأَتِ الأَساطيرُ الميثولوجيَّــة الأُولى التي لا تخلو من نواة واقعيَّـــة، فسَّرَها الـبَشَر حسب قُدُراتهم العقليَّـــة، وأَحاطوها بنسيج أَخيلتهم.
وبعض الآثار الحضاريَّـة الكبرى التي ما تزال ماثلةً للعيان في العالم، منذ آلاف السنين، هي من آثار تلك الزيارات الكونيَّــــة، ومنها هياكل بعلبكّ.[11]
وفي العهد القديم من الكتاب المقدَّس إشاراتٌ إلى التدخلُّ الكَونيّ، منها ما ورد في سفر التكوين (1:6-4) عن أَبناء الآلهة الذين اتَّخذوا من بنات الناس نساءً لهم، ومن نسلهم كان الجبابرة والأَبطال العظام في الأَزمنة السحيقة. ومنها ما ورد في الفصل الأَوَّل من سفر حزقيال عن المركبة الفضائـيَّـة العجيبة التي حطَّت أَمام النبيّ. وبرأْي الداهشيَّــة أَنَّ مَن ظــنَّهما لُوط ملاكَين إنــَّما هما رسولان أَرسلهما حاكمُ أَحد الكواكب الراقية في مركبة نوريَّــة، وذلك بأَمرٍ إلهيٍّ، فدمَّرا سَدوم وعمورة بعدما تمادى سكَّانُـهما في الرذائل، ورفضوا كلَّ إنذارٍ روحيّ.
في هذا الضوء، لا بُــدَّ للإنسان العاقل من أَن يَفهمَ حقيقةَ منزلتــه بين الكائنات الكَونــيَّـــة، ويَعدِلَ عن الغرور والتأَلُّــه.
أدوارُ التكـوين والرسالاتُ الروحـيَّـــة
تؤمن الداهشيَّــة بأَنَّ الأَرض مرَّت في أَدوار تكويـنـيَّـة كثيرة كانت الحياةُ تندثــرُ فيها لتعودَ فتنتشر مجدَّدًا. هذه الأَدوارُ التكوينيَّــة الحضاريَّــة تَـبلُـغُ، حسب الوحي الروحيِّ الداهشيّ، 760 دورًا استغرقت عشرات الملايين من السنين، وهي الأَدوارُ التي سبقَت دَورَنا التكوينيّ الحاليّ الذي بدأَ بنُوح.
كلُّ دورٍ ينتهي عادةً بالوصول إلى درجة عالية من التقدُّم العلميِّ والتكنولوجيّ، وبظهور رسالةٍ روحيَّــةٍ جديدةٍ تكون البداية لدَورٍ آخَر. وآدمُ الذي يشيرُ إليه سِفْرُ التكوين سبقَـتـــه عشراتٌ من تجسُّداته في الأَدوار التكوينيَّـة السابقة. والداهشيُّون يؤمنون بأَنَّهم في ختام الدور الحاليّ، وليس أَدَلُّ على ذلك من تخزين أَسلحة الإبادة الشاملة.
الإنسان والكائــنـاتُ الأَرضـيَّـــة
لكلِّ كائنٍ دَورُه الخاصّ في دورة الحياة الكونيَّــة، فَلم يُـخْلَقْ عَـبَـثـًا أَيُّ كائنٍ مهما كان تافهًا في عين الإنسان.
ولئَن كان الإنسان يغتذي بكثيرٍ من الحيوان والنبات، فإنَّ جراثيمَ كثيرةً تغتذي منه، وتتوالد على حسابه وهو حَيٌّ، وديدانُ الأَرضِ تغتذي منه بعد موته.
وكتابات الدكتور داهش حافلــةٌ بمناجاتـه الأَزهار والأَشجار والأَطيـار وعناصرَ الطبيعـة القويَّـة والجميلة. وهذه المناجاة ليست من قِبَلِ الـمَـجاز والاستعارات الأَدبــيَّــة. إنَّها مُعايشةٌ واقعــيَّــةٌ لتلك الكائنات والعناصر. فالداهشيَّــةُ تؤمنُ بأَنَّ الأَطيارَ ومختلفَ أَنواع النبات، بصورةٍ عامَّـة، تــتَمتَّـعُ بسيَّالاتٍ راقيـة قد تفُوقُ، أَحيانـًا، سيَّالات الـبَشَر.[12]
[1] يضمُّ هذا الكتاب محاضرتين ألُقيَتا في بيروت عاميّ 1970 و1971.
[2] الدكتور داهش “بروق ورعود” (مطابع روطوس، بيروت 1964)، ص 108.
[3] أكتفي هنا بمثلٍ واحد.
[4] راجع الدكتور داهش: “قصص غريبة وأَساطير عجيبة” بأجزائه الأَربعة، (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت)، فهي ملآى بأخبار التقمُّص الواقعيَّـة، والسببيَّـة الروحيَّـة، والعدالة الإلهيَّـة. انظر مُلحَق هذا الكتاب: “الكلب الشريد الطريد” و”والدة لم يسجِّل التاريخ قسوةً كقسوتها وإجرامًا كإجرامها”.
[5] الدكتور داهش: “قصص غريبة وأَساطير عجيبة”، الجزء الثاني، ص 11 و12.
[6] يعتقد الداهشيون أَنَه كما كان للدكتور داهش شخصيَّات روحيَّـة متعددة (انظر القسم الثاني، الفصل الثالث وما يليه من هذا الكتاب)، كذلك كان للسيِّد المسيح. “والأَناجيل، إذ تؤكِّد صلب المسيح، إنَّما تؤكِّد صلبَ شخصيَّـة من شخصيَّاته… والقرآن الكريم إذ يقرِّر عَدَم صَلب المسيح، إنَّما يعني عَدَمَ صَلب عيسى بن مريم الشخصِ البشريّ المولود…”
[7] نقلاً عن مُحاضرة بعنوان “أَضواء على الدكتور داهش والداهشيَّـة” أَلقاها الدكتور غازي براكْس بالإنكليزيَّــة عام 1986 في “معهد الدراسات الدينيَّة المقارنة” في آنفرز ببلجيكا، (الدار الداهشية للنشر، نيويورك، 1986).
[8] تراجع قطعة “الله” للدكتور داهش في ملحق هذا الكتاب.
[9] تحدَّث الدكتور داهش عن تلك الحضارات في عدَّة قطعٍ وقصصٍ له، منها “قصة خياليّة كوكبيَّة”؛ وقصة “رحلة وردة جورية”؛ وقصة “الكوكب ڤومالزاب” (ملحق هذا الكتاب).
[10] انظر قصة “أَسرار الموت والحياة” في الملحق.
[11] انظر في الملحق قصَّة “الكوكب ڤومالزاب”.
[12] للدكتور داهش قِطَعٌ وقصص كثيرة وضَّح فيها أَنَّ للحيوان والنبات والجماد قوىً إدراكيَّـة، وأَنَّ لها معاييرها الخلقيَّة (الخير والشرّ). انظر في الملحق، على سبيل المثال، قصَّة “الشجرة المشطورة لقسمَين”؛ وقصَّة “حديث بين افعوانتَين”؛ وقصَّة “حديث بين بصلَتَين خضراوَيْن؛ وقصَّة “الكونتينار وصناديقه الـ25”.
القسم الرابع قضيّة اضطهاد الدكتور داهش
“جريمةُ الــقــرنِ الــعشريــن”
لقد استعرضنا بعض الزوايا من حياة الدكتور داهش من حيث اجتراحه “للخوارق والمعجزات”، وفق رواية أَتباعه وعلى لسان بعض شهود تلك الظاهرات، وما رافقها من ضجَّــةٍ بَلَغَت حدَّ الدويّ في لبنان بحيث تحوَّل منزلُ داهش إلى مقصدٍ لرجال الفكر والسياسة والمواطنين العاديِّـين والفُضولـيِّين أَيضًا. منهم مَن قصده لأَجلِ “مساعدة روحيَّــة”، كما يقول الداهشيُّـون، ومنهم مَن أرَاد أَن يضعَ إصبعَه في الـجُرح من حيث مصداقــيَّــة “الخوارق” التي تأتي على يدَيه، وبعضُهم مَن أَرسلَته السلطات اللبنانــيَّــة آنذاك للتحقُّق من الوضع. أَمَّا النتيجة التي حصلَ عليها زوَّارُه، وبالإجماع تقريبًا، كما يقول الداهشيُّون وكما وَرَدَ في صُحُفِ تلك المرحلة ” كاللواء “و”النهار” و”الأَحد” و”صباح الخير” وغيرها، فهي أَنَّ البعض منهم شَهِدَ للظواهر ولم يؤمن. ومنهم مَن شَهِدَ وآمَن، وأَصبحوا من الداهشيِّين. ومنهم مَن أُرسِلَ للتحقيق، كالمدَّعي العامّ ديمتري الحايك، فخرجَ مقتنعًا بقُدرات داهش وتنحَّى عن الملفِّ القضائيِّ الذي فتحَتـهُ السلطات آنذاك في وجه داهش.
قضيَّـة داهش بَلَـغَت ذروتَها القانونــيَّــة في عهد الرئيس بشارة الخوري وانتهَت بإسقاط الجنسيَّــة اللبنانيَّــة عنه بمرسومٍ جمهوريٍّ ونفـيِـه إلى الحدود التركــيَّـة. وقد أَشعلَت حربًا لا هَوادةَ فيها ضمن “أَهل البيت الواحد” لم تَـخْلُ في بعضِ مَـحطَّاتها من فواجعَ تمـثَّـلَـت بانتحار ماجدا حدَّاد، ابنة عديل الرئيس الخوريّ، التي انتحرَت احتجاجًا على المسأَلة. بالإضافة إلى تَـعَــرُّض الداهشيِّين للاعتقالات التعسُّفيَّــة بشكلٍ لم يُعرَف له مثيلٌ، كما يقول المحامي خليل زعتر الذي وضع كتابًا لا يزال قيد الطبع ويحتوي على 800 صفحة يتناول فيه، وفق عنوانه، “جريمةَ القرن العشرين”، أَي قضيَّـةَ داهش في القانون اللبنانيّ.
المحامي فارس زعتر، شقيق خليل، وهو أُستاذ مساعد في جامعة لونغ – آيلاند في نيويورك يدرِّسُ “الأَنظمة الجنائيَّة الدولــيَّــة المقارنة”، تناولَ القضيَّــة بدوره قائلاً: ” يُـشكِّلُ الاضطهاد الذي تعرَّض له الدكتور داهش جريمةً كُــبرى من جرائم القرن العشرين في لبنان. ولا يَسَعُ من يطَّــلِعُ على قضيَّــة داهش، إذا كان يتحلَّى بَحدٍّ أَدنى من المسؤولــيَّــة والإنسانــيَّــة وحِسِّ العدالة الموضوعيَّــة، إلَّا أَن يثورَ مُستنكِرًا لها أَشدَّ الاستنكار.”
ويُضيف المحامي زعتر:
“إنَّ الشعوب العظيمة تؤكِّدُ عَظَمَـتَـها وتُــثبِتُ جدارتَها بالحياة، وذلك بما تُـظهرُه من شجاعة ونزاهة خُـلُـقـيَّــة عندما تواجه أَخطاءها وتعترفُ بها، وتعملُ على تقويمِها وعدم معاودتِها، مُحدِّدَةً بذلك ميثاقَها مع مُــثُلِ الحقِّ والعدلِ والحــرِّيَّــة. هذا ما فعلَتهُ فرنسا عندما نقلت رُفات الكاتب المبدع إميل زولا، عام 1908، إلى مَثوى عُظمائها في مبنى “الپانثيون” في احتفالٍ رسميٍّ وشعبيٍّ، اعترافـًا بفضله عليها، لأَنـــَّـــه تصدَّى لطُغيان الرأْي العام المضلَّــل وللسلطات الحكوميَّـة والعسكريَّـة والقضائـيَّـة في دفاعه التاريخيِّ الشهير عن الإنسان البريء في قضيَّــة دريفوس. لقد دافع زولا عن إنسانٍ بريء ليس له به أَيـــَّـــةُ معرفة، ولا تربطُه به أَيــَّـــة رابطةٍ من روابطِ القُربى أَو الدين أَو العِرق أَو العقيدة، ما خلا رابطة المواطنــيَّــة والإنسانــيَّــة، فبَذلَ في هذا السبيل حياتَـه العائلــيَّـة واستقرارَه وراحتَه وصحَّــتَه ومالَــه، وواجهَ الأَخطار، واضطُــرَّ إلى نَفْيِ نفسِه، متخفِّـيـًا في إنكلترا، وتَحــمَّلَ من الــعَـنَـتِ والإرهاق ضروبًا وأَلوانًا. ومع ذلك كان له من نفاذ الرؤيــة والبصيرة ما جعلَه يرى أَنَّ قضيَّــةَ دريفوس هي قضيَّــةُ فرنسا بـرُمَّــتِــها، وأَنَّ فرنسا تحكُـمُ على نفسِها بالزوال كأُمـَّــــةٍ حضاريَّــــةٍ إذا ارتضَتِ التضحيـة بإنسانٍ بريءٍ على مذبح التعـصُّب الدينيِّ والعرقيِّ الأَعمى، حِفظــًـا لماءِ وجهِ السلطات الضالعة في جريمة الظلم بحــقِّ دريفوس. كان زولا يعتبر أَنَّــه يدافعُ عن المبادئ الإنسانــيَّـة التي كرَّسَتها الثورةُ الفرنسيَّــةُ في شرعة حقوق الإنسان والمواطن، وكان يقول: “إنَّ فرنسا ستشكــــرُني يومًا على إنقاذي لشَرَفِـها.” وقد تـمَّ ما تَـوقَّـعــَه، فشكرَته فرنسا باعترافها به عظيمًا من عُظمائها بسبب مَوقــفـه البطوليّ في قضيَّــة دريفوس، وليس بسبب عبقريَّــتـه الأَدبـيَّــة. لكنَّ فرنسا لَـم تَــزِدْ زولا قيمةً ولا عَظَمَةً بتكريمها له واعترافها بفضله، بل إنَّها بعملها هذا رفــعَت ذاتَها، وأَثــبـتَت عظمَـتَها وجدارتـَهـا بالحياة بين الشعوب المتحضِّرة الحـيَّـــة.”
ويضيف فارس زعتر: “فالرئيس الأَسبق بشارة الخوري، مع مَن مالأَهُ وتكافلَ معه وانقادَ إليـه ونــفَّذَ رغباتِه في قضيَّــة الدكتور داهش، ما لجأَ إلى الطُــرُقِ غير المشروعة وإساءةِ استعمال السلطة باتِّـخاذه لإجراءاتٍ مخالفةٍ فاضحةٍ للدستور والقوانين كأَدواتٍ للاعتداء على حـرِّيَّــة فردٍ وتجريدِه من جنسيَّــتِــه اللبنانـيَّــة وتشريدِه، مع ما رافــقَها من أَعمالٍ بـربـريَّــةٍ تشجـبُها القوانين والأَعراف الداخلــيَّــة والدُّولـيَّــة – نقولُ إنَّ الرئيسَ الأَسبق ما لجأَ إلى ذلك إلَّا بعد أَن تـبـيـَّنَ وتأَكَّـد له، من خلال التحقيقات العلـنيـــَّــةِ والسرِّيـَّـــة، أَنَّ الرجُل لم يأْتِ عَمَلاً يؤاخَذُ عليه قانونـًا ويُـمكنُ، على أَساسه، تجريـمُه وإدانتُه قضائــيًّــا.
“كان داهش فردًا، مواطنًا، لا يحملُ إلَّا قلمًا ودفترًا وكتابًا وفلسفةً وعقيدةً لا يُــرغِــمُ عليها أَحدًا. وكان الأَفرادُ الــنُّخـبـةُ الذين انجذبوا إلى أَفكاره مواطنين من ذوي الأَخلاق الكريمة والمراعين للقوانين والأَنظمة، وكانوا من حَـمَــلَــةِ الأَقلام، لا الـمِدى والخناجر والمسدَّسات والبنادق وغيرها من الأَسلحة. فلو لم يكن داهش بريــئــًا البراءةَ كـلَّها من كلِّ تُهمةٍ، بل لو لم يكن هو البراءةَ بعينها، لما عجز بشارة الخوري، رغمَ تَسخيرِه أَجهزة الدولة، عن اختلاق تُهمة، واختلاق دليل، يستطيعُ على أَساسِهما إدانـتَــه.”
ويختم زعتر: “الأَقلامُ الحقَّة لم تكنْ، في يومٍ من الأَيـَّــام، ولا يُمكــنُها أَن تكون أَبدًا أَداةَ تطبيلٍ أَو تزمير، أَو مَجامِرَ لحرقِ الـبَخور ِاسترضاءً للحكَّام الفاسدين الظالمين؛ والأَقلامُ المنيرةُ هي التي تَشجُبُ الجريمةَ لا التي تمتدحُها وتحضُّ عليها وتُـبـرِّرُها؛ هي التي تُـدافعُ عن حقِّ كـلِّ إنسان، بدون تمييز، بالتمتُّع على قَــدَمِ المساواة بالحقوق والحرِّيــــَّــات التي كــفِلَها له الدستورُ والقوانينُ والأَنظمةُ المشروعةُ الـمَـرعيَّــة؛ هي التي تُدافع دفاعًا مستميتـًا عن حريَّــــة الفكر والعقيدة حتَّى لو اختلفَت مع ذلك الفكرِ وتلك العقيدة، لا التي تعتدي على تلك الحريَّـــة وتَــثمَلُ طربًا على أَشلائها؛ هي التي تَــزأَرُ بالحقِّ بوجهِ كلِّ مَن تُسَــوِّلُ له نفسُه أَن يحنثَ بأَقسامِه الدستوريَّــة والقانونيَّــة سبيلاً للاعتداء على الـمُواطن الذي لم تكن القوانين إلَّا لحمايته؛ هي التي تُــشْهَرُ كالسَيف القاطع أَو السَوط اللاذع بوجه الطغاة الــبُغاة الـمُفـتَـئـتين على الحقوق والحريَّات. الأَقلامُ المنيرةُ حقًّا هي تلك التي تأْتــمُّ بقلم المحرِّر العظيم ڤولتير في دفاعه في قضيَّــة كالا وتصدِّيـه للسلطَتين السياسيَّــة والدينيَّــة ولطغيان الرأْي العامِّ المجروف بــتـيَّار التعصُّب الدينيّ الـمَقيت، أَو التي تأْتــمُّ بقلم زولا في دفاعه التاريخيِّ في قضيَّــة دريفوس؛ هي الأَقلام التي تتصدَّى للـطغيان أَيـًّــا كان مصدرُ هذا الطغيان، وسواء أَكان طغيانَ سلطةٍ أَو حتَّى طغيان مجتمع بأَكــملـــِه.”
* * *
ثنائيٌّ في الدم والمهنة والعقيدة، و”إستـثـنائـــيَّــان”، إذا جاز التعبير في الحديث معهما، إلى حدٍّ يرى فيهما الـمُحاورُ توأَمَين على الرغم من الفارق في السنِّ بينهما. إنَّهما المحامي خليل زعتر وشقيقه المحامي فارس زعتر.
التقَتهما “الديار” في دارتهما في زحلة فاستضافاها على كَــرَمٍ وسخاء، أَكان من زاوية الضيافة التقليديَّــة أَم من زاوية ما تريدُه من معلومات حول قضيَّــة الدكتور داهش، خصوصًا وأَنَّ المحامي خليل له كتاب قيد الطبع حول هذه القضيَّــة، بالإضافة إلى أَنَّ المحامي فارس شاركَ في وَضْع ِكتاب “أَضواء جديدة على مؤسِّس الداهشيَّة ومعجزاته الروحــيَّــة” وتناولَ في مشاركته الزاويـة القانونـيَّــة في هذه القضيَّــة، وخصوصًا الشقَّ المتعلِّقَ بمسأَلة “مناجاة الأَرواح” الواردة في القانون اللبنانيّ. فماذا يقول الأَخَوان زعتر؟
بدون مقدِّمات ولا أَسئلة يتناول المحامي فارس زعتر الموضوع بشكلٍ له وقعٌ في النفس يتجسَّدُ بحركاتِ أَصابعِه، وحتَّى في تعابير عينيه التي يلتمعُ فيها بريقُ الغضب أَحيانًا والحزنُ أَحيانًا أُخرى. وإذا ما سَها عن شيءٍ أَسهبَ خليل في مُداخلةٍ بعد استئذانه. فكيف يقدِّمُ الأَخَوان زعتر للقضيَّــة الداهشيَّــة من زاويـة قانونــيَّــة بحـتـة؟ يقول المحامي فارس زعتر: “قبل الولوج إلى الزاويـة القانونــيَّــة الصرفـة في قضيَّــة الدكتور داهش، لا بدَّ من الحديث عن الظروف التي أَحاطَت بهذه القضيَّــة والتي ولَّدَت مآسيَ كــمَوت الأَديــبــة الشابَّــة ماجدا حدَّاد وهي في عامها السابع والعشرين بتاريخ 27 كانون الثاني 1945.
فماجدا الابنة الكُبرى لجورج وماري حدَّاد، كانت أَديبةً واعِدَةً باللغـة الفرنسيَّــة. وقد آمَنت بالعقيدة الداهشيَّــة مع جميع أَفراد أُسرتـِها في شهر أَيلول عام 1942. ولم يكن إيمانُ هذه الأُسرة بالعقيدة الداهشيَّــة سطحيًّـا أَو عاطفيًّا. فأُسرتُـها كانت تنتمي إلى الطبقة الصاعدة في لبنان في النصف الأَوَّل من هذا القرن، أَي طبقة أَصحاب النفوذ وذوي رؤوس الأَموال المثقَّفين ثقافةً غربـيَّــة عالـيــة؛ وهي طبقةٌ يمكنُ نعتُها مَجازًا بالأَرستقراطـيَّــة اللبنانـيَّــة الجديدة. فماري حدَّاد هي شقيقة ميشال شيحا، صاحب جريدة “لو جور” Le Jour الفرنسيَّــة الصادرة في بيروت، ونسيـبةُ الثريّ هنري فرعون، وشقيقة لور زوجة الرئيس بشارة الخوري. وكلُّ مطَّلعٍ على تلك الحقبة من تاريخ لبنان الحديث يعلَــمُ ما كان يـُمــثِّــلُــه المثلَّث شيحا – فرعون – خوري، والدورَ الذي لعـبَـه، وارتباطاته الداخلـيَّــة والدولـيَّــة، وأَثــرَه في إرساء النظام الطائفيّ والتوازُنات الطائـفـيَّــة في هذا البلد. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت السيِّدة ماري حدَّاد أَديـبةً مَرموقـةً باللغـة الفرنسيَّــة، وفنَّانةً على مستوًى عالميّ، أَقامَت لِـلَـوحاتِها معارضَ في باريس ولبنان؛ وإحدى لوحاتها معروضةٌ بصورةٍ دائمةٍ في متحف اللوكسمبورغ في باريس، كما كانت رئيسةً لنقابة الفنَّانين اللبنانيِّين آنذاك. أَمَّا زوجُها السيِّد جورج حدَّاد فقد كان وجيهًا من وُجهاء بيروت، وتاجرًا من تـجـَّـارها المعروفين، وقنصلاً فخريـــــًّــــــا لرومانــيــا في لبنان. ودارةُ آل الحدَّاد الرحبة كانت مقصدًا للأُدباء والفنَّانين والـوُجهاء، وفيها عَـقَـدَ اليسوعيُّون عام 1941 اجتماعَ خرِّيجيهم السنويّ. وبالتالي، فقد كانت تلك الأُسرةُ المنتميةُ إلى الــنُّخبة والصَّفوة في المجتمع اللبنانيّ تتمتَّع بجميع مُعطيات النجاح، من وعيٍ وذكاءٍ وعلمٍ وثقافةٍ وانفتاحٍ وروابطَ عائلــيَّــة واجتماعـيَّــة. وهذه الـمُعطيات تؤهِّلُها التأْهيلَ الأَمثلَ لـمُمارسة حقوقها الطبيعـيَّــة والقانونـيَّــة البديهـيَّــة في الفكرِ والعقيدةِ والإيمانِ الدينيّ، وهي حقوقٌ وحـرِّيــــَّـــاتٌ تكفلُها الدساتير والشِّــرعَُ العالمــيَّــة والقوانينُ بدون تمييزٍ لكلِّ فردِ، أَيـًّــا تكن قُـدُراتُـه الفكريَّــة والثقافـيَّــة أَو انتماءاته العِرقـــيـَّـة أَو الطبقـيـَّـة أَو الوطنيـَّــة أَو سوى ذلك من الفروق؛ فهي من الحقوق الأَساسيـَّــة الجوهريـَّــة البديهيَّــة التي يتمـتَّـعُ بها الإنسانُ بحُكمِ كونِه إنسانـًا.
وهكذا فإنَّ إيمانَ أُسرةِ جورج وماري حدَّاد بعقيدةٍ روحـيَّــةٍ أَتى بها رجُــلٌ نشأَ يتيمًا، وكابدَ في طفولـتِه وفـتـوَّتِـه الضيقَ والمشقَّاتِ المعيشيَّــة، وشقَّ طريقَه في الحياة مُعتمدًا على مَواهبِه وعبقريَّــتــِه، فَـدَرسَ على نفسِه وكــوَّن ذاتَه بإرادتِـه وتصميــمِه، وهو، فوق ذلك، لا ينتمي إلى أُسرةٍ لبنانــيَّــة ٍكبيرةٍ أَو صغيرةٍ ذاتِ نفوذ، ولا هو من أَصحاب المطامح السياسيَّـةِ أَو العاملين في الحقل السياسيّ ولا ممَّن يُــعيرونَ المقاييسَ أَو المعايــيــرَ الاجتماعيَّــة الطبقيَّــة المأْلوفة أَيَّ اعتبار، لأَنَّ مقاييسَهُ ومعاييرَهُ روحـيَّــة خُلُـقـيَّــة بحتة – إنَّ إيمان أُسرة جورج وماري حدَّاد بعقيدةٍ أَتى بها هذا الرجُلُ الفَذّ كان فِـعْلَ اختيارٍ حُــرٍّ واعٍ، لأَنــــَّــه اختيارٌ تخطَّى الحواجزَ والموانعَ الطبقـيَّــة والاجتماعـيَّــة والمذهبـيـَّة الزائفة، وقامَ على تــقــبُّــل عقيدةٍ روحـيَّـــةٍ ساميـة رأُوا فيها حقيقــةً مُخلصةً كبرى لخير الفرد والمجتمع.”
قصَّــــةُ الحـــقّ الإلــــهيّ
ويضيف المحامي فارس زعتر: “وما درى آلُ الحدَّاد أَنَّهم، بمُمارستِهم لـحُــريَّــةٍ طبيعـيَّــةٍ أَسبغَها الخالقُ على جميع عباده واعترفَت بها شِرَعُ الحقوقِ العالمـيـَّـة والدساتيرُ والقوانينُ لجميع الناس بدون تمييز، كانوا يقترفون جريمةً لا تُــغـتـَــفَرُ في عُرفِ بعض المراجع المذهبـيَّــة وعُرفِ أَنسبائهم وأَقربائهم. وجريمتُهم تكمنُ في عدمِ استئذان هؤلاء وأُولئك في إيمانهم الجديد؛ جريمتُهم أَنَّهم تصـرَّفــوا بشكلٍ طبيعيٍّ كمواطنين يتمتَّـعـون بحقوقٍ وحُـريَّات، وفي ضوء نورِ عقولهِم ونفوسِهم، ولـم يُدركوا أَنَّ هناك قومًا ما زالوا يعتبرون أَنفسَهم أَولياء وأَوصياء مفروضين فرضًا إلزامــيًّـا بحقٍّ إلهيٍّ مطلَق على عقول الناس وأَفكارِهم. ما درى آلُ الحدَّاد أَنَّ إيمانَهم بعقيدةٍ اقـتنعَت بها عقولُهم وارتاحَت إليها نفوسُهم، وأَدخلت الطمأنينةَ والسعادةَ إلى حناياهم – أَنَّ إيمانَهم ذاك سيكون مِـحـَكًّا لأَنسبائهم ولسواهم ممَّن سيشتركُ معهم في اضطهاد داهش، وامتحانًا يكشفُ زَيـفَ شعاراتِهم السياسيَّــة المناديــة باحترام الدستور والقوانين وحمايــة الحقوق والحرِّيَّـات، ويُسقطُ قناعَ ريــائهم الفكريّ، فــيَبـدُون على حقيقتِهم الجوهريَّــة أُناسًا قَــبَـليِّين بتفكيرِهم واتِّجاهاتِهم. أَجل، فمن إيمان أُسرة جورج وماري حدَّاد بالرسالة الداهشيَّــة ومعارضة أَنسبائهم من آل شيحا وخوري وفرعون لهم، لأَسبابٍ مرتبطةٍ بغاياتٍ دنيويَّــة شخصيَّــة ومصالـحَ سياسيَّــةٍ متعلِّـقةٍ بغَـرَضِ الوصولِ إلى سدَّةِ الرئاسةِ الأُولى وبما يستدعيه ذلك الوصول من إرضاءٍ للقوى المذهبـيَّــة الطائفـيَّــة وكسبٍ لدعْمِها وتأْيـيدِها، من كلِّ ذلك تَولَّـدَتِ الشرارةُ التي أَشعلَت نيرانَ اضطهادِ الدكتور داهش، خصوصًا بعد وصول بشارة الخوري إلى سدَّة الرئاسةِ الأُولى، وهَيمَـنـتِـه مع مُحازبيه وذويه وحاشيته على مُقدَّرات السلطة في البلاد. ولذلك، كان لاضطهاد الدكتور داهش وَقعٌ هائلٌ بآلامه على أُسرة جورج وماري حدَّاد لأَسبابٍ، منها أَنَّ آلَـــهُم وذويــهم هم المنفِّذون لهذا الظلم والجرم، وقد اتَّخذوا من إيمان آل حدَّاد بالداهشيَّــة مُـبـرِّرًا لاضطهاد مؤسِّسها. ناهيك عن أَنَّ ما كان يُوجَّــه إلى الدكتور داهش كان يطالُهم بالضرورة بطريقةٍ أَو بأُخرى، بصورةٍ مباشرة أَو غير مباشرة. كان أَلَـمُ آل حدَّاد مزدوجًا ومضاعفًا. فمن جهة، كان يؤلـمُهم ما ينالُـهم وينالُ الدكتور داهش من ضُروبِ الافتراءاتِ والاختلاقاتِ الرخيصةِ والـمَظالِـم. ومن جهةٍ أُخرى، كان يؤلـمُهم أَيضًا ويحــزُّ في نفوسِهم ما يُرتِّــــبُــه آلُــهم وذووهم على أَنفسِهم من تِبعاتٍ ومسؤولــيَّاتٍ جسامٍ، وما تستــتـبـعُـه أَفعالُـهم من كوارثَ وفواجعَ يجلبونها على البلاد وعلى أَنفُسِهم وعلى بيوتهم نتيجةَ اضطهادهم الظالـِم.
الـمُؤامرةُ
وبينما لا يجدُ أَصحابُ النفوس الضعيفة غضاضةً في تبديل ولاءاتـِهم وقَناعاتِـهم تبعًا لتبدُّلِ اتجاهاتِ رياحِ مصالِحهم بسرعةٍ تفوقُ سُرعةَ الِحرباء في تبديلِ أَلوانها، غير مفتقرين في ذلك إلى اختلاق الأَعذار وتَـمَحُّلِ الـمُبرِّرات، خصوصًا متى كان ذلك سبيلاً لـلـتقرُّب من أَصحاب السلطة والنفوذ أَملاً بـمَنصبٍ أَو جاه دنيويٍّ أَو طَمَعًا بمكاسبَ ماديَّــة عن طريق صرف النفوذ أَو استغلاله، فإنَّ تلك الحال لم تكن حالَ أُسرةِ جورج وماري حدَّاد على الإطلاق، إذ إنَّهم هزأُوا بالـمُغريات، وداسوا المصالـحَ الشخصيَّــة، قاطعين صِلاتـِهم بذَويهم، وهؤلاء في أَوجِ سلطانِهم ونفوذِهم عندما كان القاصي والداني يتمنَّى التقرُّبَ منهم ونَيلَ حظوتهم، وفضَّلوا أَن يتحمَّلوا أَفدحَ الخسائر، وأَن يضحُّوا بالغالي والنفيس، من أَجلِ مبدإ الحريَّــة وعقيدةٍ آمنوا بها بصدقٍ وإخلاص.
وعندما نفَّذ المتآمرون، بعد إلقائهم القبض التعسُّفيّ على الدكتور داهش، جريمةَ تجريدِه من جنسيَّــتـِه وتشريدِه خارجَ الأَراضي اللبنانـيـَّــة بطريقةٍ بوليسيَّـةٍ سرِّيــَّــــة، وبإجراءاتٍ مُـخالفةٍ للدستور والقوانين والأَعراف الداخلــيَّــة والدولــيَّة، وبأَفعالٍ وحشيَّـــةٍ بربريَّــة، استفظعَ آلُ حدَّاد أَن يقعَ كلُّ ذلك في بلدٍ دستوريٍّ ديموقراطيّ، وأَن تبقى الاستكانةُ مخــيِّمةً على المسؤولين وقادة الرأْي العامّ، فكأَنَّ هناك مؤامرةَ صمتٍ رهيبةً لــفَّت الجميع. وقد تملَّك نَـــفْسَ ماجدا حدَّاد، من جــرَّاء ذلك، يأْسٌ جارفٌ من القانون والعدالة في هذا البلد، فصمَّمَت على الانتقام، وعقدَت النــيَّــة تحديدًا على اغتيال الشيخ بشارة الخوري الذي اعتبَرتــه، بحُكمِ موقعِه وما لعبه من دورٍ أَساسيٍّ في هذه القضيَّــة، المسؤولَ الأَوَّل عن ارتكاب الجريمة بحقِّ الدكتور داهش. فاحتازَت مسدَّسًا لهذه الغاية، وبدأَت تترصَّد حركاتِ الرئيس، وكان بإمكانها الوصول إليه بسهولةٍ لو أَرادت تَـمَحُّل عذرٍ ما، فهو زوجُ خالــتِها. ولكن ما إن بَـــلَــغَ إلى الدكتور داهش نبأُ ما اعتزمَت تنفيذَه حتَّى بادرَها فورًا برسالةٍ أَرسلَها إليها بتاريخ 15 كانون الثاني 1945، ينهاها فيها عن المضيِّ قُـدُمًا في ما خَطَّطَت له وعن “الإقدام على أَيِّ عملٍ عدائيٍّ ضدَّ الشيخ بشارة أَو سواه”، مثلما جاء في الرسالة.
لم تستطعْ ماجدا تجاهلَ هذه الرسالة، ولكنَّ الحالة النفسيَّــة والعصبيَّــة الحادَّة التي هي نتيجةٌ تُراكُميَّــةٌ مباشرةٌ خَلـقَتْها سلسلةُ حوادثِ الاضطهاد المتلاحِقة على مَدًى ينيفُ على سنتَين جعلَتها تفكِّــرُ بطريقةٍ أُخرى للانتقام من ذويها المسؤولين عن الاضطهاد، وذلك بقتلِ نفسِها وتحميلِهم مسؤولــيَّــة دمها المهراق احتجاجًا على ما يرتكبونه من جرمٍ بحقِّ الدكتور داهش والداهشيِّين، وتنبيهًا للرأْي العامّ إلى فداحة الظلم والطغيان الـمُمارَسين من قِــبَـلِ المسؤولين في هذه القضيَّــة. وهكذا، ففي 27 كانون الثاني 1945 أَطلَـقَت ماجدا رصاصةً على صُدغِها فسقطَت شهيدةَ الظلمِ واضطهادِ حريَّـــــةِ الفكر والعقيدة في هذا البلد الذي يتغنَّى فيه الكُــتَّابُ والصحفيُّون والسياسيُّون كثيرًا بحضارته العريقة، وبالِحرص فيه على الحريَّــــة، وبأَنـــــَّــه ملجأُ المضطَهَدين. إنَّ المسؤولين عن سلسلة الأَفعال والإجراءات التعسُّفـيَّــة التي تُشكِّل بمجموعِها تنفيذًا لمؤامرةِ اضطهاد الدكتور داهش والداهشيِّين هم المسؤولون مسؤولــيَّــةً مباشرةً عن استشهاد ماجدا، لأَنَّ الصلةَ السببـيَّــة بين أَعمالِهم غيرِ المشروعة والجو الذي خلقَ هذه الأَعمال، والحالـةُ النفسيَّـةُ الحادَّة التي أَحدَثَها هذا الجو في الأَديبة الشابَّــة ماجدا، هي التي أَدَّت مباشرةً إلى استشهادها. ومذكِّرات ماجدا التي ترجمها الأَديب اللبنانيُّ الكبير كَرَم ملحم كَرمَ من الفرنسيَّــة إلى العربيَّـــة، ونشَرَها في مجلَّتِــه “أَلف ليلة وليلة”، تَشرحُ ذلك بوضوحٍ تامّ.
الداهشــيُّــة تحتَ مـِجهَـرِ القانون
كثيرةٌ هي الأَسئلة التي دارت حول قضيَّــة تجريد الدكتور داهش من جنسيَّــتِـه اللبنانـيـَّـة وإحالة قَيدِه إلى سجلَّاتِ الأَجانب، وحصرًا إلى التابعـيـَّـة الفلسطينـيـَّـة. فإلامَ استندَ الرئيسُ بشارة الخوري قانـونـيـًّـا لإصدار مرسومه المشهور؟ ولماذا تـمَّ إبعادُ داهش إلى الحدود السوريـَّـة – التركـيــَّـة بدلاً من ترحيله إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانــيَّـة – الفلسطينـيـَّـة طالما اعتَبَرهُ الرئيس الخوري من التابعيَّة الفلسطينــيـَّـة؟ وماذا كان موقف الداهشيِّين وما هي الظروف التي أَحاطَت بانتحار ماجدا حدَّاد؟ وما هي صحَّـةُ الإشاعات في تلك المرحلة؟ هذه الأَسئلة حَـمَلَـتـها “الديار” في لقائـها مع المحامي فارس زعتر الذي أَسهَبَ في الردِّ عليها، وافـتـتـحَ حديـثَـه بالقول:
“قبل الدخول في تفاصيل الصراع بين الرئيس الخوري والدكتور داهش وما نتجَ عن هذا الصراع من سَجنِ الداهشيِّين وانتحار ماجدا حدَّاد … لا بدَّ من إلقاءِ الضوء أَوَّلاً على المسأَلـة الأَساسيَّـة التي اتَّخذها الرئيس الخوري وجعل منها “حصان طروادة” لارتكاب سابقة لم تُعرف في تاريخ لبنان، وهي تجريد إنسانٍ من جنسيَّـتِـه ونَـفيِه بلا أَوراق ثبوتـيَّـة. وهذه المسأَلة هي قضيَّـة “مُناجاة الأَرواح”. ويُضيفُ المحامي فارس زعتر: “إذن قضيَّـة “مناجاة الأَرواح” كانت الجسرَ الذي استعمله الرئيس الخوري للعبور إلى تحقيق مؤامرته ضدَّ داهش، محاوِلاً تغطية “السماوات بالقبوات”، كما يقولون. من هذه الزاوية سنتناولُ قضيَّـةَ “مناجاة الأَرواح” وَفقَ القانون اللبنانيّ، مع العلم أَنَّ الداهشيَّـة لا تُسلِّـمُ بوُجودِ عِلمٍ صحيحٍ اسمُهُ علم “مناجاة الأَرواح”، ولا تعتقد بوجود أَشخاصٍ يتمتَّعون بمزايا أَو بمواهبَ طبيعيَّة تمكِّنُهم من إخضاع قوانين الطبيعة لإرادتهم أَو الاتِّصال بالأَرواح أَو الإتيان بأَعمالٍ خارقةٍ لقوانين الطبيعة المعروفة. فالظاهراتُ الروحيَّةُ الخارقةُ لا تتمُّ إلَّا بإذنٍ وإرادةٍ إلهيَّين، ولا تُجريها إلَّا قوَّة روحيَّةٌ علويَّةٌ على يدَي فردٍ من الناس تختارُه المشيئةُ الإلهيَّة ليؤدِّي رسالةً روحيَّةً لأَبناء البَشَر. فالأَرواح، بالمفهوم الداهشيّ، ليسَت من أَمر الإنسان ولا تخضعُ لإرادتِه، بل العكس تمامًا، إذ هو مَن يَخضعُ لسلطانِها ويعملُ ويتصرَّف وَفقَ إرشاداتهِا وتوجيهاتِها، لأَنَّها كائناتٌ قديرةٌ نقيَّةٌ إلهيَّةٌ، وهي تحيا في عوالِـمَ روحيَّةٍ أَزليَّةٍ أَبديَّةٍ لا يشوبُها دَنَسٌ ولا ضَعفٌ ولا تخالطُها أَيَّة مادَّة. لكنَّ الناسَ يذهبون مذاهبَ شتَّى في تفسير الظاهرات الروحيَّة الخارقة وتأْويلِها، حتَّى لو ثبتَ حدوثُها بالبراهين والأَدِلَّة القاطِعةِ الحاسمة، وذلك تبعًا لميولهِم ورغباتهِم ومستوياتهِم الروحيَّة والفكريَّة وتكوينِهم النفسيّ والخُلُقيّ والعقليّ والثقافيّ، وسوى ذلك من المعالِـم التي تدخل في تشكيل درجة صفاء الرؤية أَو مدى نفاذ الإدراك والوعي. والقاعدة العامَّة التي لا يبدو أَنَّ لها استثناء في التاريخ المعروف هي أَنَّ جميعَ الـمُصلحين، بمَن فيهم الأَنبياءُ والـمُرسَلون والُهداة، لاقَوا مقاوماتٍ عنيفةً ظالمةً، خصوصًا في مطلع عهد دعوتِهم. ولم يَسلَمْ أَيُّ رسولٍ أَيَّدتْهُ العنايةُ الإلهيَّةُ باجتراح الخوارقِ والمعجِزات من شتَّى التُّهَمِ الحقيرة، بما فيها تُـهَمُ السحر والشعوذة والكُفر، إلَّا أَنَّ الغلَبة في النهاية كانت دائماً للحقيقة: ﴿فأَمَّا الزبد فيذهب جُفاءً، وأَمَّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأَرض﴾ (سورة الرعد: 17).
ويضيف المحامي زعتر: “حاولَ مُناوئو الدكتور داهش، أَوَّل الأَمر، النيلَ منه ومنعَه من إجراء ظاهراتِه الروحيَّة الخارقة بوسائلَ، منها تحريك العامَّة للأَمر بتحقيقات سريَّـة، توصُّلاً لمعرفة هل الدكتور داهش يقوم بما يُخَالفُ القانون، وخصوصًا القانون الصادر في 9 أَيَّـار 1939، المتعِّلق بمنعِ امتهان التنجيم وقراءة الكَفّ ومُناجاةِ الأَرواحِ والتنويم المغنطيسيِّ وكلِّ ما له علاقة بعلم الغَيب. هذا القانون الخاصّ المؤلَّف من مادَّتَـين ينصُّ على ما يلي:
قانون
يَـمنَعُ امتهانَ التنجيم ومُناجاةَ الأَرواح
وقراءةَ الكَفِّ وقراءةَ ورقِ اللعب والتنويمَ المغنطيسيّ
أَقرَّ مجلسُ النوّاب، ونشر رئيس الجمهوريَّــة القانون الآتي نصُّه:
المادَّة الأُولى: يُـمـنع في أَراضي الجمهوريَّة اللبنانيَّة امتهانُ التنجيم ومَناجاةُ الأرواح وقراءةُ الكفِّ وقراءةُ ورق اللعب والتنويم المغنطيسيّ وجميعُ الـمِهَن التي لها علاقة بعِلم الغَيب على اختلاف أَسمائها والوسائل الـمُستخدَمة فيها.
المادَّة الثانية: كلُّ مخالفةٍ لهذا القانون يُعاقَبُ مُرتكِبُها بالحبس من أُسبوع إلى ستَّة أَشهر وبجزاءٍ مقدارُه مائتا ليرة لبنانيَّة سوريَّة أَو بإحدى هاتَين العقوبتَين.
بيروت في 9 أَيَّار 1939
الإمضاء: إميل إدّه، صدرَ عن رئيس الجمهوريَّـة
الـوُسَطاءُ الروحيُّون
ويُضيفُ زعتر: “وتجدرُ الإشارةُ في هذا المجال إلى ما يأْتي:
أَوَّلاً: إنَّ نِطاقَ تطبيق قانون 9 أَيَّـار 1939 واسعٌ جدًّا. فهو لا يقتصرُ على أَعمالٍ معيَّنةٍ فيه بشكلٍ محدَّد، بل يشملُ أَيضًا، عملاً بصريحِ نصِّه، “جميع المِهَن التي لها علاقة بعلم الغَيب على اختلاف أَسمائها والوسائل المستخدَمة فيها.” يُضاف إلى ذلك أَنَّ تعبير “مناجاة الأَرواح”، وإن كان يتعلَّق بما كان شائعًا في القرن التاسع عشر والنصف الأَوَّل من القرن العشرين، خصوصًا في الغرب، مِن زعمِ أُناسٍ – أُطلِقَ عليهم اسم “الوسطاء الروحيِّين”- أَنَّهم يستطيعون الاتِّصال بالأَرواح في “جلساتٍ روحيَّة” مزعومةٍ كانوا يعقدونها، فإنَّه تعبيرٌ واسعٌ يمكنُ استخدامه ليشملَ أَيَّ اتِّصالٍ بالعالَـم الروحيِّ الخفيّ المجهول وأَيَّة ظاهرة روحيَّة خارقة، لأَنَّ الظواهر الخارقة – أَي المعجزات – لا تتمُّ إلَّا بتدخُّلٍ روحيٍّ وعبر اتِّصالٍ روحيٍّ إلهيّ. وفي نهاية المطاف ليس الأَنبياءُ والـمُرسَلون والُهداةُ الروحيُّون إلَّا وُسَطاء – بمعنى الواسطة والوسيلة – بين العالَـم الروحيِّ العُلويّ وعالَـمِنا، إذ بواسطتِهم ومن خلالِهم تُبلِّغُ العنايةُ الإلهيَّة كلماتِها ورسالاتهِا لأَبناء الـبَشَر. ولكنَّ مفهومَ هذه الواسطة أَو الوساطة الروحيَّة هو مفهومٌ دينيٌّ يختلف اختلافًا جذريًّا بيِّنًا عن مفهوم “الوساطة الروحيَّة” في ما هو متعارَفٌ عليه في مذاهب “مناجاة الأَرواح” المعروفة.
ثانيًا: إنَّ القانون اللبنانيَّ، قانون 9 أَيَّار 1939، أَو المادَّة 768 من قانون العقوبات، على حدٍّ سواء، لا يمنع تعاطي “مناجاة الأَرواح” أَو كلَّ ما له علاقة بعلم الغَيب أَو سوى ذلك من الأَعمال المذكورة رغم أَنَّها من أَعمال الشعوذة والدجل المعروفة، بل يمنع فقط “امتهان” هذه الأَعمال، أَي تعاطيها قصد الربح (لقاء بَدَل).
ثالثًا: إنَّ الظاهرات الداهشيَّـة الروحيَّة الخارقة لا تدخلُ في عداد الأَعمال المنصوص عليها في قانون 9 أَيَّار 1939، لأَنَّ القوَّة التي تُجريها هي قوَّة روحيَّة عُلويَّة مُستَمَدَّة من الخالق عزَّ وجلَّ، والغاية التي ترمي إليها هي غايةٌ ساميةٌ تهدفُ إلى إعادةِ الإيمان النقيِّ بالله تعالى إلى النفوس، وبما يبشِّرُ به الأَنبياءُ والـمُرسَلون جميعًا. لكنَّ الذين لا يستطيعون أَو يرفضون الإقرار بالـمَصدر الروحيِّ الإلهيّ لهذه الظاهرات الخارقة، وخصوصًا إذا كانوا من مُناوئي الدكتور داهش، قد لا يرَون حَرَجًا على الإطلاق، من خلال منظورهم الخاصّ، في تصنيف هذه الظاهرات الروحـيَّـة الدااهشيَّـة الخارقة في عداد الأَعمال المنصوص عليها في قانون 9 أَيَّار 1939، وفي إدخالها ضمن نطاق “مناجاة الأَرواح” المزعومة، مثلاً، أَو ضمن نطاق الأَعمال التي “لها علاقة بعلم الغَيب.”
ويضيف زعتر: “نجحَ مُناوئو الدكتور داهش ، وبينهم ميشال شيحا وهنري فرعون والشيخ بشارة الخوري، في المرحلة السابقة لانتخاب هذا الأَخير رئيسًا للجمهوريَّة اللبنانيَّة بتاريخ 21 أَيلول من عام 1943، وهُم على ما هُم عليه من مكانةٍ ماليَّةٍ واجتماعيَّةٍ وسياسيَّـة – نجحوا، عن طريق استعمال نفوذِهم في ظلِّ حملة صحافيَّـة جانية، في حَمْلِ المسؤولين على تحريك النيابة العامَّة التي أَمرَت بفتحِ تحقيقاتٍ سريَّـة بحقِّ الدكتور داهش، الغايةُ منها التحقُّق ممَّا يقوم به وهل يقعُ تحت قبضةِ القوانين الجزائيَّة، وخصوصًا هل كانت أَعماله مُخالِفةً لقانون 9 أَيَّار 1939. وأُجريَت التحقيقاتُ التي شمَلَت مُراقبةَ منزل الدكتور داهش بصورةٍ سريَّـة، ولكنَّ نتائجَ جميع هذه التحقيقات المتعاقبة جاءت سلبيَّـة لتؤكِّدَ أَنَّ الدكتور داهش لم يأْتِ عملاً يؤاخَذُ عليه قانونــًا.”
إفادةُ ماري حدَّاد أَمامَ الـمُحقِّق
يتابع المحاميان خليل وفارس زعتر مطالعتهما القانونيَّة في قضيَّة الدكتور داهش ومسأَلة مناجاة الأَرواح فيقولان:
“مع تسلُّم الرئيس بشارة الخوري الحُكمَ إثرَ انتخابه رئيسًا للجمهوريَّة في 21 أَيلول 1943، فُتِحَ ملفُّ الدكتور داهش مُجدَّدًا، فأَرسلَت له الأَديبة ماري حدَّاد، وهي شقيقة زوجته لور، رسالةً احتجاجيَّة على التحقيقات السريَّـة تدعوه فيها إلى وضعِ حدٍّ لها بولوج المحاكم الـمُشرَعةِ الأَبواب. وهذا بعضُ ما جاء في رسالة الأَديبة حدَّاد:
“إنَّ حريَّة الدين وحريَّةَ نشرِه حقَّان معتَرَفٌ بهما في الدستور اللبنانيِّ الذي تخضعون ونخضعُ نحن له. فها إنَّ السنِّـيَّ والبروتستنتيَّ والشيعيَّ والكاثوليكيَّ والدرزيَّ والأُرثوذكسيَّ وسواهم يعيشون في هذه البلاد، ولم يخطر على بالِ أَيِّ رئيسِ حكومةٍ أَن يضطهدَ أَيـََّـا منهم لأَنَّهم لا ينتمون لعقيدته الدينيَّة. وها إنَّ الدعاية البروتستنتيَّـة منتشرةٌ في طول البلاد وعرضها، ولم يجرؤ أَيٌّ من رؤساء الحكومة اللبنانيَّة الكاثوليكـيَّـة على منعها، إذ إنَّ هؤلاء الرؤساء يعرفون أَنَّ هذا التعدِّي يكونُ إهانةً لبلادهم وصفعةً في وجه القانون.
“وإنَّ الداهشيَّـة ستعيشُ وتنمو في لبنان وخارج لبنان رُغم جميعِ الـمُحاولاتِ لقَمعِها والوقوفِ دون انتشارِها، فيجب أَن تَعلَموا ذلك!
“وإذا كانت يدُ الأَقدار قد أَجلستكُم على كرسيِّ الرئاسة لوقتٍ مُعيَّن، فاعلموا أَنَّه من الخطإ الظنُّ بأَنَّ الرئاسةَ أُعطيَت لكم لتتصرَّفوا كما تشاؤون لإشباع الضغينةِ التي في قلبكم ضدَّ الدكتور داهش. فإنَّ الدستور يَحمي المعتقدات، ونحن من الذين يُجاهرون بفاعليَّــة القانون، ويطالبون بتطبيقِه بالحرفِ الواحد.
“فإنَّ للدكتور داهش ولأَتباعه، من أَفرادٍ وجماعاتٍ ذوي مكانةٍ اجتماعيَّة، هدفـًا دينيًّا نبيلاً هم أَحرارٌ في اعتناقه ونَشْرِه، وليس لأَحدٍ سلطةٌ عليهم البتَّة ما داموا سائرين في دائرة الحقِّ والعدل، وما دام القانونُ يضمنُ حريَّــةَ المعتقدات والأَديان اليوم وغدًا وإلى ما شاء الله.
“فكفى استجواباتٍ سريَّـة ومُحاولاتٍ فاشلة. فإنْ كان لكم على الدكتور داهش أَيُّ لَومٍ، فها إنَّ المحاكمَ مفتوحةٌ، والقانونَ صريحٌ، والحقوقَ مَصونةٌ، ولا داعي للاستجوابات الغافلة بين الجدران الصامتة.”[1]
يضيف زعتر: “التحقيقات الجديدة تولَّاها مدير البوليس العدليّ، إدوار أَبو جودة، بنفسه، ورغم أَنَّ غايتَها لم تكن مختلفةً عن غاية سابقاتها، إلَّا أَنَّها كانت أَكثر اتِّساعًا، وكادت تتناول حياةَ الدكتور داهش ونشاطاته بجوانبها كافَّة. ولكنَّ نتيجتَها، مع ذلك، لم تأْتِ مختلفةً عن النتيجة التي اقترنَت بها التحقيقات السابقة. وبالتالي فهي لم تؤدِّ إلى ما كان يأْملُ ويتمنَّى مُحرِّكوها أَن يحصدوه منها. ونكتفي، فيما يلي، بعرضِ نَصِّ الإفادة التاريخيَّة التي أَعطَتها السيِّدة ماري حدَّاد ردًّا على أَسئلةِ مديرِ البوليس العدليّ، إدوار أَبو جودة:
إفادةُ السيِّدة ماري حدَّاد الداهشيَّة
“حدَّثَنا بعضُ الــثِّـقات بأَخبار الدكتور داهش وأَخبار معجزاته، فقُمنا بزيارته.
“ولقد كان يتجاذبُني الإيمانُ والارتيابُ في الوقت نفسه.
“أَمَّا الإيمان، فلأَنَّ كلَّ ما في الحياة، إذا نَظرْنا فيه قليلاً، معجزة: الحبَّةَ الناميـة، والكهرباءَ صنيعةَ العِلم، والولادة، والحياة، والموت ….
“وأَمَّا الارتياب، فلأَنَّه (أَي الارتياب، وهو تقدير الشرِّ قبلَ الخير) حصيلةُ الاختبار الطبيعيَّـــة والضروريَّـــة.
“فهل في هذا العصر الذي يسودُ فيه المالُ العاَلَم، ويتمتَّع أَخَسُّ الناس، إذا كان غنيًّا، باحترام الجميع – هل فيه مَن يتعالى عن المال والمكانة الاجتماعيَّة وما إليهما؟ هذا ما أَجهلُه.
“يبدو الـمَنحى الروحيُّ في الحياة، بل أَيُّ مَثَلٍ أَعلى، موضعَ ازدراء، فلا يتَّصف به إلَّا أُناسٌ مُفتقِرون إلى العقل السليم. ولكن، ها أَنذا أَمامَ حَدَثٍ فريد.
“ذلك أَنَّ الدكتور داهش ظاهرةٌ تتحدَّى هذا العصر. فهو يُعيدُ القِيَمَ إلى مَنازلها؛ وهذا أَمرٌ غريبٌ غيرُ مُتَوقَّع، ولكنَّه ثابت.
“يعتمدُ الدكتور داهش على الإنجيل، بل هو الإنجيل مُجسَّدًا.
“كنَّا، ولا رَيب، نعرف هذا الكتاب، ونَعدُّه عملاً إلهيًّا فذًّا رائعًا. لكنَّ معرفتَنا به لم تكنْ كافيةً لتجعلَ حياتَنا موافِقةً له. ولذلك نحن مُوقِنون بأَنَّ الدكتور داهش رجُلُ الإنجيل.
“ثـمَّ سرعانَ ما نجدُ أَنفسَنا أَمام قوَّةٍ تفوقُ الطبيعة، فنُشاهدُ المعجزات الإنجيليَّة تحصلُ ثانيةً: تحويلُ الماء إلى خَمر (وهو معجزةُ يسوع الأُولى، وبسببِها آمن بها الجميع)، وتكثيرُ الخبز والسمك.
“لقد شاهدنا شتَّى أَنواع التكثير، كما شاهدنا معجزاتِ شفاء، وتَحقُّقَ نبوءات.
“ثـمَّ إنَّه لا شيءَ، ههنا، بِخافٍ: لا الفكر، ولا الحاضر، ولا المستقبل.
“وما ثـمَّة مسافاتٌ، ولا صناديقُ حديديَّــة مُقفَلـة.
“وقد شاهدنا كيف تحلُّ الرزايا بمَن يفترون عليه.
“كما شاهدناه يتحكَّمُ بعناصر الطبيعة تَحَكُّمَه بالموت والحياة.
” لقد عرفنا الدكتور داهش بما يقولُه، وما يكتبُه، وما يؤلِّـفُه، وما يأتيه من معجزات، وما يُــقيمُه مع الناس من صِلات.
“إذا تكلَّم، انهارَتِ الحُجَجُ أَمام حُجَّتِه. فقد شاهدتُه في لفيفٍ من الجَهابِذة والأُدباء والصحافيِّين والـمُتبحِّرين في الثقافة، فإذا كلُّهم مُعجَبٌ به، وصغيرٌ جدًّا في حضرته. كانوا يطلبون الاستنارةَ بشروحه، فكانَ يـَمدُّهم بها في بساطةٍ غايةٍ في الاتِّضاع والكمال.
“إنَّه، في سموِّ مَقاصدِه وما يتَّصفُ به فكرُه من نُبلٍ وصفاء، أَسمى تعبيرٍ عن العبقريَّة. وإلى ذلك، فلا يمكنُ أَن يكونَ في الناس مَن يفوقُه موضوعيَّـةً وواقعيَّةً عمليَّة، ذلك أَنَّه يجعلُنا نعرف ونَقدِّرُ الأُمورَ الجديرةَ بأَن تُعرَف وتُقدَّر؛ وهي أُمورٌ خالدة، لا فانية.
“وهو، في ما يعلِّمُنا إيَّـاه، إنَّما يَدَعُنا نلمسُ حقيقةَ الروح لَمْسَ اليد، فيُشرعُِ لنا نافذةً عريضةً على العالـَم الثاني الذي يتعذَّر حتَّى الآن ارتيادُه.
“وإذا نحن آمنَّا به، فلأَنَّ في مُتناوَلِنا البراهينَ الملموسة القاطعة على صحَّةِ رسالته؛ وإلَّا فما بالُنا لا نكتفي بالكَهَنة والأَحبار، وهم أَيضًا يدَّعون الاعتمادَ على الإنجيل!
“بيدَ أَنَّ هذا الحجاب، على جَمالِه، لن يستُـرَ أَكاذيبَهم وأَعمالَـهم المخالفة لدعوة السيِّد المسيح.
“إنَّنا لم نألَفِ التجرُّدَ من المكاسب الماديَّة، إذ إنَّ كلَّ شيءٍ مدفوعٌ ثمنُه، وبخاصَّةٍ في كنيسة روما، كغُفران الخطايا، والأَلقاب، والتحليلات في مختلف أَنواعِها.
“إذًا، عندما نعرفُ شخصيَّةَ الدكتور داهش، تسقطُ شتَّى الـمَحاذيرِ والشكوكِ والظنون من تلقاء نفسها، ويعترينا الخجلُ ممَّا يُراودُنا، في هذا السبيل، من أَفكارٍ خبيثة.
“إنَّما الدكتور داهش معجزةُ هذا العصر. فما من تجسُّدٍ إنسانيٍّ في مثل هذه العَظَمة منذ عهد السيِّد المسيح.
“لقد قضَّى بضعةَ أَشهرٍ من حياته فقط في مدارسَ وضيعة، في غزير وصيدا، فلم يُحَصِّلْ تعليمًا؛ فهو على حدٍّ قَولِه، ابنُ الحياة.
“ومع ذلك، فإنَّ مؤلَّفاتِه تناهز التسعين. وهي صَرْحٌ عظيمٌ يَفي بشرحِ شخصيَّته. أَلـــَّـفها في سرعةٍ مُذهِلة؛ وأَنا عاينتُه في ساعاتِ إلهامِه ويَراعتُه كأَنَّها تطيرُ على الطِّرْس.
” لقد كنَّا شهودًا لحياته اليوميَّة؛ وعددُنا كبير. فقد خَبِرناه، ودرسناه، فاطَّلَعْنا في شأْنه على كلِّ شيءٍ منذ ساعةِ مَولِدِه.
“فالمعجزاتُ لم تُفارِقْهُ قَطُّ. وكلُّ ما يتَّصلُ به مُدوَّنٌ منذ عامه الثاني عشر؛ مُدوَّنٌ يومًا فيومًا، في كلِّ دقيقة.
“أَمَّا تعاليمُه، فحصيلتُها انتفاءُ الشكِّ والسكينـةُ النفسيَّـةُ واليقينُ بما ينتظرُنا بعد الموت. وإذا بنا نرتفعُ فوق كلِّ الصغائر، وما كان بالأَمس ذا شأنٍ عندنا ينقلبُ لا شأنَ له. فما ثمَّةَ هُموم، بل حياةٌ سعيدة – إذا صحَّ أَنَّ في الأَرض سعادة.
“أَمَّا إذا انتقلنا إلى حيِّز العِلم، فالدكتور داهش هو الـمَعهَدُ الحقيقيُّ الوحيد. فلقد تأَتــَّى لنا على يدَيه وَحْيٌ في شتَّى ميادين العِلم: في التاريخ منذ أَصلِ الأَرض، وفي علمِ النجوم، وفي الطبِّ وأَسبابِ الأَمراض وأَسبابِ شفائها، وفي أَسرار الحياة والموت – وهي أَسرارٌ لا يمكنُ أَن تُراودَ فِكرَنا. بيدَ أَنَّ ساعةَ نَشْرِ ذلك كلِّه لم تَحِنْ بعد.
“فلو كانت حكومتُنا حكومةً مستنيرة، لأَدركَت أَنَّ في شخصِ الدكتور داهش طاقاتٍ لا تُقدَرُ ولا تُحدُّ أَبعادُها، ولَسَعَت إلى الانتفاع بها من قَبْلِ أَن تسبقَها أُمَمٌ ناهضة إلى تجديد قواها بتلك القوَّة الخارقة التي لم تكن مُتوقَّعة حتَّى الأَمس القريب، تلك القوَّةِ التي ينحني أَمامها كلُّ شيء، كلُّ شيءٍ بلا استثناء، لأَنــــَّها قــوَّةُ الله.
“على أَنَّني لا أَرثي فقط لِمَن يَفترون عليها، بل لِمَن يقفون منها موقفَ الحياد، فلا يسلكون في ركبِها. ولكن إذا صحَّ اليوم ألَّا نبيَّ في وطنِه، فإنَّنا لـمُكذِّبون يومًا هذا القول.
“وإذا سأَلتَني كيف يعيشُ الدكتور داهش، أَجبتُك أَنــَّني رأَيتُ عنده من الأَموالِ أَكداسًا أَكداسًا، وربَّما عزَّ على أَيِّ مصرفٍ أَن يَحوزَ مثلَها.
“وقد رأَيتُه يسخو على الفقراء، ولكنَّه يقتصدُ على نفسِه.
بيروت 23 شباط (فبراير) 1944
ماري حدَّاد ”
مواقف النوَّاب من قضيَّــة داهش
عجزَت السلطاتُ اللبنانيَّةُ عن إيجاد أَيِّ مخالفةٍ قانونـيــَّـة ارتكبها الدكتور داهش، كما يقول الأُستاذ فارس زعتر، في مرحلة الأَربعينيَّات. وعندما وجد الرئيسُ الخوري نفسَه على واجهة الإفلاس، أَصدر مرسومَه الظالـِم بنفيِ الدكتور داهش من لبنان مُخالفًا جميع الشرائع المعمول بها في جميع الدول والبلدان في العالَــم ويُضيفُ زعتر:
“إفادةُ السيِّدة ماري حدَّاد أَوضحَت بـجَلاءٍ كلِّيٍّ حقيقةَ الظاهراتِ الداهشيَّةِ الروحيَّةِ الخارقة، وماهيَّةَ القوَّةِ الروحيَّة التي تُـجريها، ومَصدرَها العُلويّ الإلهيَّ، وغايتَها السامية، وأَنَّ القضيَّـة هي قضيَّـةُ رسالةٍ روحيَّةٍ ومعتقَدٍ ومدرسةٍ فكريَّةٍ إصلاحيَّـةٍ جديدة، وَأنَّها أَرفعُ كثيرًا وأَبعدُ ما تكون عن تفاهةِ وسخافةِ ما كان مُناوِئو الدكتور داهش يأْملون تحقيقَه عن طريق التحقيقات المزعومة.
أَدركَ رئيسُ الجمهوريَّة بشارة الخوري والمتحالفون معه في هذه القضيَّـة أَنَّ التحقيقات التي كانوا وراءها، والتي شارفَت مُنتهاها، مصيرُها كمصيرِ سابقاتِها، وأَنَّها أَدَّت إلى عكس النتيجة التي كانوا يأْملونها ويرجونها. كما أَدركوا أَنَّه لا يُمكنُ النَّيلُ من الدكتور داهش بواسطة الإجراءات القانونيَّة أَو القضائــــيَّـة، مهما أُسيءَ استعمالُها، في حالة التشريع اللبنانيّ الساري والأَنظمة المشروعة النافذة. وبما أَنَّ غايتَهم لم تكن أَبدًا دراسةَ الظاهرة الروحيَّة الداهشيَّـة، ولا تَـفهُّمَ حقيقتها، ولا احترام حريَّة الناس وحقِّهم المشروع بدراستها والتعرُّف عليها، أَو حريَّة الدكتور داهش وحقِّه في الفكر والعقيدة والتعبير، بل كانت غايتُهم الحقيقيَّة مَنْعَ الظاهرة الروحيَّة الداهشيَّـة، وقَـمْعَ انتشارها تحت ستارٍ شرعيٍّ، لذلك، بعد أَن تأَكَّد لهم أَنَّه من المستحيل إمكانُ التوصُّل إلى تجريم الدكتور داهش في ظلِّ التشريع السائد المعمول به، عَمَدوا إلى اقتراح مشروع قانون يعدِّلُ أَحكام قانون 9 أَيَّـار 1939، ويَستبدلُ بها أَحكامًا تجعلُ الأَعمالَ المنصوص عليها فيه مُحظَّرةً تحظيرًا مطلَقًا مهما كانت الغاية من إجرائها، سواء أَكانت “ببَدَلٍ أَو بغير بَدَل”. وقد أَحال رئيسُ الجمهوريَّة، بشارة الخوري، مشروعَ القانون الذي أَقرَّه مجلسُ الوزراء إلى المجلس النيابيّ بموجب المرسوم رقم 790، تاريخ 1/3 /1944، وعُرِضَ على لجنة العدليَّة لدراستِه وإقرارِه قبلَ عرضِه على المجلس النيابيِّ في جلسةٍ علنيَّة. وفيما يلي نَصُّ مشروعِ القانون المذكور المؤلَّف من ثلاث موادّ:
المادَّة الأُولى: يُمنع في أَراضي الجمهوريَّة اللبنانيَّة امتهان التنجيمُ وُمناجاةُ الأَرواح وقراءةُ الكفِّ وقراءةُ ورق اللعب والتنويم المغنطيسيّ وجميع الـمِهَن التي لها علاقة بعِلم الغَيب على اختلاف أَسمائها سواءٌ كان هذا الامتهانُ ببَدَلٍ أَو بغير بَدَل.
المادَّة الثانية: كلُّ مُخالفةٍ لهذا القانون يُعاقَبُ مُرتكِـبُها بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات، وبجزاءٍ نقديٍّ من مئتَي ليرة إلى أَلفَي ليرة أَو بإحدى هاتَين العقوبتَين.
إذا رافق هذا الامتهان أَعمالٌ تَـمَسُّ بالآداب والأَخلاق، فلا يمكِنُ أَن يكونَ الحدُّ الأَدنى أَقلَّ من سنة حبس، فضلاً عن العقوبة المنصوص عنها في قانون الجزاء لمثلِ هذه الأَعمال.
المادَّة الثالثة: أُلغيَت جميع الأَحكام الـمُخالِفة لهذا القانون والتي لا تتَّفقُ مع مضمونه، وبصورةٍ خاصَّة القانون الصادر في 9 أَيَّـار سنة 1939.
لم يكن القصدُ الحقيقيُّ من وراء مشروع القانون هذا سرًّا خفيًّا على أَحد، بل كان معلومًا لدى الجميع، داهشيِّين وغير داهشيِّين، أَنَّه يستهدفُ الدكتور داهش بعد أَن أَثبتَت التحقيقاتُ المتعاقبةُ أَنَّه لا يبتغي ربحًا ولا يتقاضى بَدَلاً من إجرائه لأَعماله الروحيَّة الخارقة، وبالتالي فقد كان مستحيلاً اتِّهامُه أَو توقيفُه أَو محاكمتُه أَو الحكمُ عليه أَو مَنعُه من إجراءِ ظاهراته الخارقة في ظلِّ قانون 9 أَيَّـار 1939. ولذلك فقد وَسَّعَ مشروعُ القانون الجديد نطاق المنع وجعلَه عامًّا مطلقًا بنَصِّه على مَنْعِ تعاطي “مناجاة الأَرواح” وكلِّ ما له علاقة بعِلمِ الغَيب والأَعمال الأُخرى المعيَّنة فيه سواءٌ كان تعاطيها “ببَدَلٍ أَو بدون بَدَل،” مثلما جاء حرفـيًّا في نصِّه، إضافةً إلى تشديدِه العقوبة. والنتيجة العمليَّة الوحيدة لمشروع القانون هذا، في حال أَنَّ المجلسَ النيابيَّ وافقَ على إقراره، هو مَنْعُ الظاهرة الروحيَّة مَنعًا تامًّا، مهما كانت الغايةُ التي تَهدِفُ إليها، حتَّى لو أُجريَ لأَشرفِ الأَهداف وأَسماها كالتنقيبِ العِلميِّ مَثَلاً، أَو الإصلاحِ الخُلُقيِّ والروحيّ، أَو إثباتِ الحقائقِ الروحيَّةِ التي شَغَلَت الفلاسفةَ والحُكماء والعُلماء والمفكِّرين منذ أَقدمِ العصور، إذ يكفي أَن تَعتَبرَ السُّلطةُ، أَو متسلِّمُ السُّلطة، أَو الموظَّف صاحب الصلاحيَّـة، أَنَّ الظواهرَ الروحيَّة الخارقة التي تتمُّ على يدَي الدكتور داهش مثلاً تَدخلُ في نطاق “مناجاة الأَرواح” أَو في نطاق الأَعمال التي “لها علاقة بعِلم الغَيب”- وَفق فهمِ المسؤول لهما أَو تبعًا لما يريد أَن يَفهم – لكي يُلقي القبضَ عليه بتُهمةِ ارتكابِ جُرمِ تعاطي هذه الأَعمال، مهما كانتِ الغايةُ من تعاطيها.”
الأنبياءُ والاتِـّــهامات
ويُضيف زعتر: “فضلاً عن ذلك، وعلى سبيل المثال، لو افترضْنا جدَلاً أَنَّ مشروع القانون المذكور الذي أَحاَله الرئيسُ بشارة الخوري إلى مجلس النوَّاب بموجب المرسوم 790 /44 كان قانونًا ساريًا ومعمولاً به زمن السيِّد المسيح ، فهل كان هيرودُس ومِن ورائه هيروديا وأَرهاط رجال الدين اليهوديّ الـمُناوئين للسيِّد المسيح، والـمَعنيِّين بالمحافظة على سلطاتِهم، والـمُتقوقعين في تعصُّبهم، والـمَحمومين بعدائِـيَّتهم لابْنِ السماء، المصلح العظيم، والذين لم يتردَّدوا عن اتِّـهامه بالسحر وبأَنَّه بروح رئيس الشياطين يُخرِجُ الشياطين، وبمعاشرةِ الزناة والخطأَة، وبمخالفة وصايا موسى النبيّ والتجديف والكُفر – هل كانوا يتردَّدون لحظةً واحدةً عن اتِّـهام السيِّد المسيح، إضافةً إلى اتِّـهاماتهم الأُخرى، بـجُـرْمِ مخالفةِ القانون الذي يمنع مُناجاةَ الأَرواح وكلَّ ما له علاقة بعِلمِ الغَيب، واعتبارِ ظاهراته الروحيَّة الخارقة إمَّا من قبيل “مُناجاة الأَرواح” أَو من قبيل الأَعمال التي لها علاقة بعِلم الغَيب؟ فلو كانوا يؤمنون بأَنَّ مَصدرَ مُعجزاتِه وعجائبِه قوَّةٌ روحيَّةٌ عُلويَّةٌ مُستَمدَّةٌ من الله عزَّ وجلَّ لَما اضطهدوه، ولَما عذَّبوه وحكموا عليه بعقوبةِ الإعدام صَلْبًا كمُجرِم مع الـمُجرمين. فيا لَلعار ويا لَلمهزلة!
من جهةٍ أُخرى، بالإضافة إلى أَنَّ مشروعَ القانون هذا مُخالفٌ لمبادئَ أَساسيَّـةٍ في الدُّوَل الدستوريَّـة الديموقراطيَّة تتعلَّقُ بالحريَّةِ الشخصيَّـةِ وحريَّة الفكرِ والاعتقادِ وحريَّةِ البحثِ والتنقيبِ العِلميَّين في جميع المجالات، بما فيها المجال الروحيُّ، كما هو مُخالِفٌ لمبدإ افتراضِ حُسْنِ النيَّةِ في الأَعمال حتَّى إثباتِ العكس مـمَّن يدَّعيه، فإنَّ اللجوءَ إلى سَنِّ قانون ليكونَ أَداةََ لـمُعاقبةِ فردٍ معيَّنٍ والانتقام منه يُعتَبَرُ من أَبشع صُوَرِ الطغيانِ والديكتاتوريَّة الـمَقيتَـةِ الـمُخالِـفَـةِ لروح التشريع والغايةِ منه.
رافقَ إحالةَ مشروعِ القانون إلى المجلسِ النيابيِّ تحريكُ حملةٍ صحافـيَّـةٍ جانيةٍ من الافتراءاتِ والأَكاذيبِ بحقِّ الدكتور داهش غايتُها خَلْقُ حاجةٍ مُصطنَـعـةٍ لإقرارِ المشروع والضغطِ على النوَّاب للقيام بذلك.
وبالـمُقابل، قامَت جماعةٌ من أَصدقاء الدكتور داهش ومُحبِّـيه بتقديمِ عريضةٍ احتجاجيَّةٍ إلى المجلسِ النيابيِّ ضدَّ المشروع المذكور، مُحذِّرين فيها من اعتمادِه بسببِ مُخالفتِه أَبسطَ المبادئِ الديموقراطيَّةِ في حريَّةِ البَحثِ والفكرِ والاعتقاد، ولأَنَّه لا يستهدفُ إلَّا فردًا واحدًا هو الدكتور داهش. وجرى تَوزيعُ هذا الاعتراضِ على النوَّاب. وقد أَحدَثَ مشروعُ القانون ضجَّةً في صفوف النوَّاب، فقام رئيسُ المجلس النيابيّ، آنذاك، السيّد صبري حمادة، يرافقُه النائب أَديب الفرزلي، بزيارة الدكتور داهش في 23 آذار 1944، وكانت دارتُه تغصُّ بجمهورٍ من الشخصيَّات والنوَّاب الآخَرين. وفي تلك الزيارة شاهدَ المجتمعون ظاهراتٍ روحيَّـــة خارقة لقوانين الطبيعة.
ورُغم الضغوط الشديدة التي لا بدَّ من أَن يكون مُقدِّمو مشروع القانون قد مارسوها على النوَّاب، فإنَّ هؤلاء امتنعوا عن مُماشاتِـهم لأَنَّ لا منطقيَّةَ المشروع الصارخة وهَدفَه المفضوح يجعلان من إقرارِه فضيحةً، ومن الموافقين عليه أُضحوكة. وربَّما كان الانتقادُ العنيفُ الذي وجَّهَه إليه النائبُ جبرائيل المـرّ مُعبِّـرًا عن الجوِّ العامّ لدى النوَّاب، إذ قال: “إنَّ مشروع قانون مَنْعِ قراءة الأفكار ومُناجاة الأَرواح والتنويمِ المغنطيسيّ مشروعٌ سخيفٌ لا يُمكِنُ إقرارُه، إذ لا المجلسُ النيابيُّ ولا القوَّاتُ البشريَّةُ يُمكِنُها أَن تَقِفَ أَمام العلم وأَمام تطــوُّرِه الروحاني.”
وبالنتيجة، لم يخرجْ مشروعُ القانون من دائرةِ لجنةِ العدليَّة، بل ظلَّ عالقًا فيها عدَّةَ أَشهُر، الأَمرُ الذي اضطَرَّ الحكومة أَخيرًا إلى سَحْبِه. وبذلك، حصدَ الرئيسُ بشارة الخوري والمتحالِفون معه في هذه القضيَّة خَيبةً مريرةً، وأُصيبوا بهزيمةٍ لم يكونوا يتوقَّعونها.
يُمثِّلُ اقتراحُ مشروع القانون المعروض أَعلاه المحاولة القُصوى التي لجأَ إليها خصومُ الدكتور داهش في مُـخَطَّطِ مَنْعِ الظاهرةِ الروحيَّةِ الداهشيَّـةِ الخارقةِ من خلال تسخير القانون واستخدامِه أَداةً قمعيَّةً لمآربِهم وغاياتِهم الشخصيَّـة. فمشروع القانون هذا هو مرآةٌ تعكِسُ بوضوحٍ كلِّيٍّ نيَّاتِهم ومقاصدَهم وتُـعَـرِّيها تَعريَةً تامَّة. وبفَشَلِ هذه المحاولة لَم يبقَ أَمامهم، تحقيقًا لِما لَـم يستطيعوا تحقيقَه تحت ستار التغطية القانونيَّة مهما كانت واهية، إلَّا وُلوجُ الطُرقِ غير المشروعة بشكلٍ سافر، حتَّى لو كانتِ التغطيةُ لها غيرَ مشروعة بحدِّ ذاتها ولا تستندُ حتَّى ظاهريًّـا إلى أَيِّ قانون. وكان منهم، في تلك المرحلة من القضيَّـة، مَنْ لَـم يتورَّعْ عن الدعوة الصريحة، على صفحاتِ الجرائد، إلى خَرْقِ القانون ومخالفته إذا كان ذلك ضروريًّا للنيلِ من الدكتور داهش. فهل هناك احتقارٌ أَكبر للدستور والقانون ولإرادة الشعب اللبنانيِّ ولجميع القِيَم الديموقراطيَّة من تلك الدعوة التي تَظلُّ في مُطلَقِ الأَحوال أَقلَّ خطورةً من أَعمال المسؤولين الذين تصرَّفوا وفقًا لها، فتَمَّ ما تـمَّ من اعتداءٍ على الدكتور داهش واعتقالٍ اعتسافيٍّ له، وهو الضحيَّة بينما تُرِكَ الجُناةُ أَحرارًا، ثمَّ جُرِّدَ سرًّا من جنسيَّـتـه اللبنانيَّة وشُرِّد بوسائلَ مُخالفَةٍ للدستور وللقوانينِ والأَعراف الداخليَّة والدوليَّة ولأَبسطِ المبادئِ الإنسانيَّـة والقانونيَّة، بل حتَّى لمبادئِ العدالةِ الطبيعيَّةِ البديهيَّة، وبوَحشيّـَةٍ لم يَسبِقْ لها مثيل، على ما سنوضحُه في الفصل التالي؟
في دعوى الإبطال لتجاوزِ حدِّ السُّلطةِ التي قدَّمها وُكلاءُ الدكتور داهش القانونيُّون إلى مجلس شُورى الدولة اللبنانيِّ، بتاريخ 4 تشرين الثاني 1944، ضدَّ الحكومةِ اللبنانيَّة طَعنًا بمرسومِ إخراجه من الأَراضي اللبنانيَّة (المرسوم رقم 1842K تاريخ 8/9/1944)، وجَّه هؤلاء الوُكلاء اتّهامًا صريحًا ومُباشَرًا إلى الحكومةِ اللبنانيَّة مفادُه أَنـَّها “عندما لم تنجحُ باستصدار القانون الذي فكَّرت باستصدارِه، وهو مشروع قانون مَنْعِ مناجاةِ الأًرواح الذي لم يكن المقصود منه سوى مَنْعِ الدكتور داهش من إجراء ظاهراتِه الروحيَّة الخارقة، لجأَت إلى وسائلَ أُخرى مُخالِفةٍ للقانون للوصول إلى هذه الغاية،” مثلما جاء حرفيًّا في الصفحة الأُولى من استدعاء الدعوى. وبعد أَن بَيَّنَ وُكلاءُ الدكتور داهش أَوجُهَ اللامشروعيَّة التي تعتَوِرُ مرسومَ الإبعاد، والكافية بحدِّ ذاتها لإبطاله، مضَوا على سبيل الاستطراد والإفاضة في البحث إلى التأكيد في صفحة 5 من استدعاءِ الدعوى بأَنـــَّـه:
“لا يُمكِنُ القولُ بأَنَّ وُجودَ الدكتور داهش في الأَراضي اللبنانيَّة هو خَطَرٌ على الأَمن ما لم يرتكِبْ جُرْمًا أَو يكُنْ ممَّن اعتادوا الجرائمَ ويُخشى أَن يُكرِّروها. وفخامةُ رئيس الجمهوريَّة لم يَـقُلْ، في مرسومِ الإبعاد، إنَّ الدكتور داهش قد ارتكب جُرمًا أَو أَ نـــَّـه من الـمُجرمين الـمُخيفين. ولكنَّه قال: “إنَّ وُجودَه في الأَراضي اللبنانيَّة من شأْنِه إحداثُ اضطرابٍ وإخلالٍ في السكينة العامَّة،” دون بيانِ أَيِّ سبب ٍكان يحملُ على التسليم بصحَّةِ هذا الزعم.
“ولا يَسَعُ فخامةَ رئيس الجمهوريَّة أَو غيرَه أَن يقولَ بأَنَّ الدكتور داهش قد اقترفَ جُرْمًا أَو أَتى حركةً مُـخِلَّـةً بالنظام أَو الآداب إلَّا إذا اعتُبرَِت مُناجاةُ الأَرواح جريمةً أَو عملاً مُخلًّا بالنظام أَو الآداب، وعوقِبَ بالإبعاد لأَنَّه وسيطٌ روحانيٌّ يتَّصِلُ بالأَرواح. وهذا ما لا يمكن التسليم به.”
لم تستطِع الحكومةُ اللبنانيَّةُ أَن تقول، بواسطة ممثِّلها القانونيّ في ردِّها على هذا التحدِّي الصريح الوارد في الدعوى المذكورة أَعلاه، إنَّ الدكتور داهش قد اقترفَ جُرمًا ما أَو أنَّه أَتى حركةً مُـخِلَّـةً بالنظام أَو الآداب، وهذا كافٍ بحدِّ ذاتِه لدَحْضِ جميع الافتراءات والتخرُّصات الـمُغرِضة التي ملأَ بها خصومُ الدكتور داهش صفحاتِ جرائدِهم الصفراء. والغريبُ أَنَّ الحكومةَ اللبنانيَّة اعترفَت في ردِّها ذاك بأَنَّ مُبَـرِّر إبعادِ الدكتور داهش عن لبنان هو مُمارسَتُه لما تُسمِّيه “مناجاة الأَرواح” وبالتالي فغايةُ الإبعاد لم تكنْ إلَّا مَنْعَه من إجراءِ ظاهراتِه الروحيَّة في الأَراضي اللبنانيَّة. والحكومةُ اللبنانيَّةُ باعترافها هذا إنـَّما تعترفُ بمُخالفتِها لأَحكام قانون 9 أَيَّـار 1939، المتعلِّقة بـ”مناجاة الأَرواح” و”كلِّ ما له علاقة بعِلمِ الغَيب”، ذلك القانون الذي عجزَت عن اتِّهام الدكتور داهش بمخالفتِه، كما تعترفُ، في الآن نفسه، بمُخالفتِها للمبدإ – القاعدة في النُّظُمِ الديموقراطيَّة الحديثة، أَلا وهو مبدأ شرعيَّـة الجرائم والعقوبات. فالحكومة اللبنانيَّة بإبعادِها للدكتور داهش بحجَّة ممارستِه لما تسمِّيه “مناجاة الأَرواح” تكون قد أَنزَلَت به عقوبةً من دون مُحاكَمةٍ ومن أَجلِ أَعمالٍ يُبيحُها القانون ولا يعاقبُ عليها إلَّا إذا كانت غايتُها الكَسبَ المادِّيَّ، وهو ما لم تستطِع اتِّهامَه به أَو تقديمه للمحاكَمة من أَجله. ولا يُمكنُ اعتبار المرءِ مخلًّا بالنظامِ العامِّ إذا كان يُمارسُ حقوقَه وحريَّـاته القانونيَّـــة في حدودِ القانونِ وأَحكامِه.
الحقيقة
هذه هي حقيقةُ مسأَلة “مُناجاة الأَرواح” في القانون اللبنانيّ، وحقيقةُ الدوافعِ والأَسباب لإثارتِها في قضيَّـة الدكتور داهش. وإذا كان مُحامو الدكتور داهش أَو بعضُ أَصدقائه ومُريديه قد لجأُوا إلى تذكير الحكومة اللبنانيَّة بموقِفِ الحكومات، في الدول الديموقراطيَّة المتقدِّمة، من البحوث النفسيَّة والروحيَّة، وبإطلاقها الحريَّة لها، وبأَنَّ هناك عُلَماءَ مرموقِين اهتمُّوا بالبحث في مَيدان الشؤون النفسيَّـة والروحيَّة الماورائيَّة وبدراسة الظاهراتِ الروحيَّة و”مناجاة الأَرواح”، فما ذلك إلَّا لإيقافها عن متابعةِ اضطهاد الدكتور داهش والظاهرة الروحيَّة الداهشيَّـة، وبالتالي حفاظًا على حقِّ الدكتور داهش وحريَّـتِه في إجراء ظاهراته الخارقة في إطار القانون، وتأْمينًا لحقِّهم وحقِّ كلِّ باحِثٍ عن الحقيقة في دراسةِ هذه الظاهراتِ الروحيَّة الداهشيَّـة الخارقة. ولا ينتقصُ من حجَّةِ أَنصار الدكتور داهش أَو مُـحبِّـيه، إذا كان بعضُهم يؤمنُ حقًّا بإمكان “مناجاة الأَرواح” التي تنَفيها العقيدةُ الداهشيَّـة نفيًا قاطعًا، أَو يعتقدُ فعلاً بوُجودِ علمٍ صحيحٍ اسمه عِلمُ “مناجاة الأَرواح”، إذ إنَّ المسأَلةَ المطروحةَ لم تكنْ مسألةَ صحَّة “مناجاة الأَرواح” بشكلٍ عامّ أَو صحَّة وجود عِلمٍ صحيح اسمه عِلم “مُناجاة الأَرواح” بل المسأَلة المطروحة هي مسأَلة حقّ الدكتور داهش المشروع بإجراء ظاهراتِه الروحيَّة الخارقة في ظلِّ التشريع المعمول به. والأَمر المهمُّ أَنَّ الحكومة عَجِزَت بتحقيقاتِها المتكرِّرة عن تقديم الدليل على مُخالفة الدكتور داهش لقانون 9 أَيَّـار 1939، أَو أَيِّ نَصٍّ قانونيٍّ قضائيٍّ آخَر، لأَنَّ الظاهرة الروحيَّة الداهشيَّـة لا تَقَعُ تحت قبضةِ القوانين السارية، وهي ظاهرةٌ واقعيَّةٌ ملموسة. أَمَّا أَمْرُ تفسيرِها وتحديدِ مَصدَرِها، فمتروكٌ للباحث ولمدى تَجرُّدِه، يمارس في ذلك حقَّه، في إطار الحريَّة المعتَرفِ له بها قانونًا بموضوعيَّـةٍ ومن دون الانحدار إلى السفاسف وتفاهاتِ التهجُّم الرخيص والآراءِ الاعتباطيَّة التي لا تستند إلى دليل، والتي قد تُعبِّرُ عن عَمًى تعصُّبيّ أَو مركَّبات نَقصٍ وأَمراضٍ نفسيَّـةٍ متأَصِّلةٍ لدى بعض الحاقدين.”
المرسومان 1822 و1842
والـمُخالَــفـةُ الصارخــة
يتابعُ المحاميان خليل وفارس زعتر مطالعتهما القانونيَّة في قضيَّـة الدكتور داهش مُعتَبِرَين أَنَّ تجريدَه من الجنسيَّة إجراءٌ تعسُّفيٌّ أَقدمت عليه السلطةُ اللبنانيَّةُ آنذاك، إذ قام الرئيس بشارة الخوري بإصدارِ المرسوم رقم 1822 في 6 أَيلول 1944، وقضى فيه بإسقاط الجنسيَّـة اللبنانيَّة عن داهش وإبعادِه خارجَ الحدود، مُغتصِبًا بذلك مبدأَ الفصلِ بين السلطات، ضاربًا بالسلطةِ التشريعيَّـةِ عَرْضَ الحائط، وكذلك بالدستور اللبنانيِّ وبالمادَّة السادسة التي تنصُّ على الجنسيَّـة اللبنانيَّة وطريقةِ اكتسابِها وحِفْظِها وفقدانِها، فيقولان:
“ما يؤكِّدُ أَنَّه لم يُعْتَقَلْ إلَّا لتنفيذ مؤامرةٍ لتجريدِه من جنسيَّتِه وتشريدِه خارجَ لبنان هو أَنَّ معاملة التجريدِ من الجنسيَّة بدأَت بصورةٍ سِريَّـةٍ بتاريخ إلقاء القبضِ عليه في 28 آب 1944. وعندما صَدَرَ قرارُ الإبعاد بصورةٍ سِريَّـة أَيضًا، استُردَِّتْ مذكِّرةُ التوقيف في 9 أَيلول 1944. إلَّا أَنَّ قرارَ استردادِها لم يَعْرِفْ به الدكتور داهش أَو مُمثَّلاهُ القانونيَّان، بل سُلِّمَ إلى رجالِ البوليس الذين حَضَروا في الساعة العاشرة ليلاً إلى “سجنِ الرمل”، فأَخذوا الدكتور داهش تنفيذًا لإخراجِه من البلاد.
وخلاصةُ الأَمرِ أَنَّ الرئيس بشارة الخوري أَصدَرَ في 6 أَيلول 1944 المرسوم رقم 1822 الذي يُعطي، بموجبِه مثلما جاء في نصِّه حرفيًّا: “لرئيس دوائر النفوس أَن يَشطُبَ القيودَ الـمُدرَجةَ بغير حقٍّ بعد إجراء التحقيق وأَخْذِ موافَقَة وزير الداخلـيَّـــة.”
ومع أَنَّ المراسيمَ التي لها شكل المراسيم العامَّة لا تُنفَّذ، وبالتالي لا تُصبِحُ ساريةَ المفعولِ إلَّا بِنَشْرِها في الجريدة الرسميَّة، ومن تاريخ هذا النَشْر، فإنَّ المرسوم 1822 الذي صدر بتاريخ 6 أَيلول 1944 “بصيغة” المراسيم العامَّة لم يُنْشَرْ في الجريدة الرسميَّة إلَّا في 13 أَيلول 1944، ومع ذلك فقد طـبَّـقَه رئيسُ دوائر النفوس على الدكتور داهش في اليوم التالي لصدوره، أَي في 7 أَيلول 1944، قبل ستَّة أَيَّـام من نَشْرِه ونَفاذِه. هذا التطبيقُ الباطل قانونًا لمرسومٍ باطلٍ شكلاً وأَساسًا يؤكِّدُ أَنَّ المرسوم 1822 قد صدرَ ليُطبَّق خِصِّيصًا على الدكتور داهش.
وفي اليوم التالي مباشرةً لتطبيق رئيس دوائر النفوس في 7 أَيلول 1944 للمرسوم 1822، الصادر في 6 أَيلول 1944، أَصدرَ الرئيسُ بشارة الخوري المرسومَ 1842، بتاريخ 8 أَيلول 1944، يأْمرُ فيه بإخراجِ الدكتور داهش من “أَراضي الجمهوريَّـــة اللبنانـيَّـــة”.
وفي 9 أَيلول 1944، وهو اليومُ التالي مباشرةً لصدورِ مرسومِ الإخراج من البلاد، رقم 1842، تاريخ 8 أَيلول 1944، استُرِدَّت مذكِّرة توقيف الدكتور داهش بالقرار رقم 940 /235، وسُلِّمَت مُذكِّرةُ الاستردادِ إلى عناصر الشرطة الـمُكلَّفين بتنفيذ مرسوم الإخراج من البلاد. فحَضَروا ليلاً إلى “سجنِ الرمل” – باستيل لبنان – وبمخالَـفَـةٍ صريحةٍ لقوانين السجون وأَمكنةِ التوقيف، أَخذوا الدكتور داهش، لا ليُطلِقوا سراحَه عملاً بقرار استرداد مذكِّرةِ التوقيف، بل لإخراجه من البلاد وتشريدِه عَمَلاً بمرسومِ الإخراج رقم 1842.
ومع أَنَّ هذا الـمَجالَ ليس الـمَجال َالمناسِبَ لإجراء دراسةٍ قانونيَّةٍ للإجراءاتِ المذكورة أَعلاه لا بدَّ لنا، تَوَخِّيا للفائدة، مِنَ الإدلاءِ ببعض الملاحظات الإيضاحيَّـــة على سبيلِ المثالِ لا الحَصر:
صورة المرسوم

صورة المرسوم 1842
مُخالَــفَــةُ المبادئِ والــقوانين
أ – إنَّ المرسوم 1822، تاريخ 6 أَيلول 1944، مُخالِفٌ بصورةٍ صريحةٍ للمادَّةِ السادسةِ من الدستورِ اللبنانيِّ التي هي أُولى مَوادِّ الفصل الثاني من الدستور المتعلِّق بحقوق اللبنانييّن وواجباتِهم، والتي تنصُّ:
المادّة 6: إنَّ الجنسيَّة اللبنانيَّة وطريقةَ اكتسابِها وحِفظِها وفقدانِها تُـحَدَّدُ بمُقتضى القانون.”
فالمرسوم 1822 ليس قانونًا، بل هو مرسومٌ تنظيميٌّ، من حيثُ الشكل على الأَقلّ. وهو بنَصِّهِ على طريقة لفقدان الجنسيَّـة اللبنانيَّة يكون مُخالِفًا للمادَّة 6 من الدستور.
ب – المرسوم 1822 مُخَالِفٌ لمبدإ فصل السلطات، ويُشكِّلُ اغتصابًا لصلاحيَّـة السلطة الاشتراعيَّـة ولمبادئ أَساسيَّـةٍ في الدول الحديثة تجعلُ حقوقَ المواطنين وحرِّيـَّـاتِهم في حِمى القانون والقَضاء، وهذا ما أَكَّدَهُ مجلسُ شورى الدولة في قراره رقم 29، تاريخ 12 حزيران 1945، في هذه القضيَّـــة.
ج – المرسوم 1822 مُخَالفٌ للمبادئ القانونيَّة العامَّة وللقوانين والأَنظمة التي ترعى مناعةَ قيودِ سجلَّاتِ الإحصاء والأَحوال الشخصيَّـة، والتي بموجبها يُـحَظَّـرُ على الإدارةِ أَن تُغَيِّرَ في قيودِ السجلَّاتِ التي تُـمثِّـلُ حقوقًا مُكــــتسبَـةً لأَصحابها إلَّا بواسطةِ أَحكامٍ قضائـيَّـةٍ تَصدُرُ وَفقَ الأَصول والإجراءات القضائــيَّـــة المرعيَّـــة، وبعد تأمينِ جميع الضماناتِ لأَصحاب العلاقة.
د – إنَّ صدورَ المرسوم 1822 في 6 أَيلول 1944، وتطبيقَه في اليوم التالي لصدوره، أَي في 7 أَيلول 1944، من قِبَلِ رئيسِ دوائرِ النفوسِ على الدكتور داهش، قبل ستَّـة أَيَّـام من تاريخ نَشرِه في الجريدة الرسميَّة، ونَفاذه في 13 أَيلول 1944 – كلُّ ذلك يؤكِّدُ أَنَّه قد صَدَرَ “بصيغة” مرسومٍ عامٍّ لـيُطَــــبَّـقَ على الدكتور داهش، أَي إنَّه عَمَلٌ فرديٌّ تحت ستارِ مرسومٍ عامّ، الأَمر الذي يشكِّلُ إساءةً فاضحةً لاستعمالِ السُّلطة.
ه – إنَّ الهدف من معاملةِ التجريدِ الإعتسافيِّ من الجنسيَّـة عن طريق إصدار المرسوم 1822، ومن تطبيقِه في اليوم التالي، قبل نَشرِه وسَرَيانِه قانونًا، على الدكتور داهش، هو تحقيق إخراج الدكتور داهش من الأَراضي اللبنانيَّة، إذ لا يـُمكِنُ إخراجُ الـمُواطِن من وطنِه عَمَلاً بالقوانين الداخليَّة والدوليَّة التي تُـحَظِّـرُ ذلك. ولذلك كان ضروريًّـا إزالةُ العَقَبَةِ التي تقفُ دون تحقيقِ الرغبةِ بإخراج الدكتور داهش من لبنان، والمتَمثَّلَةُ بجنسيَّتـه اللبنانيَّة. ولو لم تكن جنسيَّـةُ الدكتور داهش ثابتةً، ولا رَيبَ فيها، لما لجأَ بشارة الخوري إلى مُخالفةِ الدستورِ واغتصاب سُلطةٍ تشريعيَّـةٍ وإلى مُخالَفةِ كلِّ القواعد العامَّة والقوانين والأَنظمة المشروعة التي تكفلُ حمايةَ الجنسيَّـة ومَناعَةَ قُيودِ السجلَّات المتعلِّقةِ بها، وذلك بإصداره للمرسوم 1822 ليُطبَّقَ خصيِّصًا، في اليوم التالي لصدورِه، رُغم عدم نفاذِه ونَشْرِه، على الدكتور داهش، وليُسارعَ في اليوم التالي لتطبيقِه إلى إصدارِ مرسومِ الإخراج من البلاد (المرسوم 1842، تاريخ 8 أَيلول 1944).
و – إنَّ هذه الأَعمالَ (أَي المرسوم 1822، تاريخ 6 أَيلول 1944، وقرار رئيس دوائر النفوس، تاريخ 7 أَيلول 1944، والمرسوم 1842، تاريخ 8 أَيلول 1944) صَدَرَت بصورةٍ سريَّـةٍ تامَّة، ونُفِّذَت بصورةٍ سريَّـةٍ تامَّة أَيضًا، ولم يعلَمْ بها إلَّا المشتركون بإصدارِها وتنفيذِها. وقد أَكَّد مجلس الشورى أَنَّ صاحبَ العلاقة، الدكتور داهش، لم يعلَمْ بها قبل تنفيذِها بحقِّه. فهل هناك أَفظَعُ من ذلك: أَن يـُجرَّدَ إنسانٌ بشَطْحَةِ قَلَمٍ من أَقدَسِ حقوقِه، ويُشَرَّد، فيجدَ نفسَه بدون جنسيَّـةٍ وبدون ملجإٍ، بعيدًا عن بلادِه وأَهلِه وأَصدقائِـه، وذلك من دونِ أَن يعلَمَ بالإجراءاتِ المتَّخَذَةِ بحقِّه إلَّا بعد تنفيذها!
ز – والأَسوأُ من كلِّ ذلك هو أَنَّ الحكومةَ رَفَضَت إعطاءَ صورةٍ أَو نُسخةٍ عن قرارِ رئيسِ دوائرِ النفوسِ إلى وُكَلاءِ الدكتور داهش في لبنان لتقديم القرار مع اعتراضِهم عليه إلى مجلس شورى الدولة. وقد رَفَعوا الشكوى من ذلك صراحةً في لوائحِهم أَمامَ مجلسِ شورى الدولة عَبَثًا. وعدمُ إعطاءِ نُسخةٍ عن قرارِ رئيسِ دوائرِ النفوسِ هو مَوقِفٌ اعتسافيٌّ خطيرٌ يُعبِّرُ أَبلغَ تعبيرٍ عن عدائيَّة انتقاميَّة، وهو مُخالِفٌ لأَبسطِ مبادئ القانون. فمن حقِّ الدكتور داهش ووُكلائه القانونيِّين أَن يطَّلِعوا على هذا القرار لممارسةِ حقوقِهم المشروعةِ في الطعنِ به أَمام مجلس شورى الدولة، ومن واجِبِ رئيسِ دوائرِ النفوسِ أَن يُعطيَهم نُسخةً عن القرار، كما من واجبِ الحكومةِ ومجلسِ الشورى أَن يأْمرا بتقديمِ نُسخةٍ عنه. ومن قرارِ مجلس شورى الدولة، رقم 29، تاريخ 12 حزيران 1945، يتبيَّنُ بوضوحٍ أَنَّ قرارَ رئيسِ دوائرِ النفوسِ لم يقدَّمْ إلى مجلس الشورى. وموقفُ الإدارة المتعنِّت هذا الذي لا مُبرِّرَ له على الإطلاق تنكشفُ أَسبابُه بجَلاءٍ تامٍّ لدى الاطِّلاع على معاملة الشطب. فمِنَ الاطِّلاع عليها يَظهَرُ ما يلي:
إنَّ قرارَ (أَو مطالعة) رئيس دوائرِ النفوس (الإحصاء والأَحوال الشخصيَّـة) الذي ارتأَى بموجبه شطْبَ قيودِ الدكتور داهش وعائلتِه من سجلَّات اللبنانيِّين ونَقْلِهم إلى سجلَّات الأَجانب، وهو القرار الصادر بتاريخ 7 أَيلول 1944، تطبيقًا للمرسوم 1822، تاريخ 6 أَيلول 1944، قَـبْلَ نَشْرِه ونَفاذِه بتاريخ 13 أَيلول 1944، لم يقترنْ بموافقةِ وزيرِ الداخليَّةِ إلَّا في 14 أَيلول 1944. أَمَّا معاملةُ الشطبِ فلم تــَجـْرِ إلَّا بتاريخ 22 أَيلول 1944.
وبالتالي، فإنَّ الدكتور داهش كان، حتَّى من الوجهة الشكليَّـة، ما زال لبنانيًّا استنادًا إلى قيود سجلَّاتِ الـمُقيمين اللبنانيِّين عندما صَدَرَ مرسومُ إخراجِه من لبنان (المرسوم 1842)، بتاريخ 8 أَيلول 1944، وعندما نُفِّذَ هذا المرسوم بتاريخ 9 أَيلول 1944. وبتعابير أُخرى، فإنَّ مرسومَ الإبعاد، رقم 1842، يكون قد صَدَرَ في 8 أَيلول 1944 بحقِّ مُواطِنٍ لبنانيِّ، ونُفِّذَ في 9 أَيلول 1944 بحقِّ هذا الـمُواطِن اللبنانيِّ أَيضًا.
المرسومُ الباطِل
وبما أَنَّ صحَّةَ الأَعمالِ الإداريَّة ومشروعيَّتَها تُقدَّران بتاريخ صدورِها، فإنَّ المرسوم 1842 وتنفيذه بحقِّ مُواطنٍ يُعتبَران عَملَين غير مشروعَين وباطلَين. وهذا سببٌ ومصدرٌ إضافــيَّـان من أَسباب ومصادِر لا مشروعيَّـة مرسوم الإبعاد وتنفيذه، ما كان بإمكان مجلس الشورى تـَجَاهلهما. ولذلك تمنَّعتِ الإدارةُ بتعنُّتٍ وتعسُّفٍ عن إعطاءِ نسخةٍ عن قرارِ الشطب، لأَنَّ من شأْنِه أَن يَكشفَ عن الكيفيَّة التي تَـمَّت فيها معاملةُ الشطب وعن تاريخِ إتمامِها، مع ما يترتَّبُ على ذلك من نتائجَ وآثار. ولذلك لم يذكُرْ مجلسُ الشورى أَيضًا في قرارِه رقم 29، تاريخ 12 حزيران 1945، أَنَّه اطَّلعَ عليه.
وتعميمًا للفائدة، نُورِدُ فيما يلي نَصَّ “قرارِ الشطب” بالمعاملة رقم 1543:
قرار الشطب بالمعاملة رقم 1543
بنــــــاءً على المرسوم رقم 1822 تاريخ 6 أَيلول 1944.
بناءً على تحقيقات مفوَّضِ الأَمن تحت رقم 1209، تاريخ 7 /9/1944.
بناءً على مُطالعةِ رئيسِ الإحصاءِ والأَحوالِ الشخصيَّـــةِ، تاريخ 7 /9/1944.
بناءً على موافقةِ مدير الداخليَّة ووزيرِ الداخليَّة رئيسِ مجلسِ الوزراء تحت رقم 10471، تاريخ 14/9/1944.
تـمَّ شَطْبُ اسم سليم موسى العشِّي وعائلته من سجلَّاتِ الـمُقيمين ونُقِلوا إلى سجلِّ أَجانب المصيطبة برقم 1063 /3071، من التابعيَّة الفلسطينيَّـة بالمعاملة رقم 1543، تاريخ 22/9 /1944.
وإذا كان شرُّ البليَّةِ ما يُضحِكُ، فإنَّ ممَّا يُضحِكُ في قرارِ الشطب هو عدم الاكتفاء بتجريد الدكتور داهش وعائلته من الجنسيَّـة اللبنانيَّة عن طريق شطبِ قيودِهم من سجلَّاتِ المقيمين (اللبنانيِّين)، بل اعتبارهم من التابعيَّة الفلسطينيَّـة ونقلِهم إلى سجلِّ أَجانب المصيطبة من التابعيَّة الفلسطينيَّـة. لقد اعتبرتهم الإدارة الجانية من التابعيَّة الفلسطينيَّـة تغطيةً لمسؤوليَّتِها وتستُّـرًا عليها حتَّى لا ينكشفَ للرأْي العامّ بالعين المجرَّدة أَنَّ الدكتور داهش قد جُرِّدَ بهذه الطريقة الإعتسافيَّـة غير المشروعة من جنسيَّتـه الوحيدة التي هي الجنسيَّـة اللبنانيَّـــة، وتُرِكَ بدون جنسيَّـة، وشُرِّدَ خارج الأَراضي اللبنانيَّــة.
فالإدارةُ الـمُرتكِبةُ لهذه الجنايةِ كانت تعلَمُ عِلْمَ اليقين أَنَّ ما دوَّنَتْهُ بشأْنِ التابعيَّة الفلسطينيَّـة المزعومة للدكتور داهش غير صحيح، مثلما كانت تَعلَمُ أَنَّ تجريدَه من جنسيَّـتِـه لا يرتكزُ على واقعٍ أَو قانون.
المنشوراتُ السوداء
ويُضيفُ الأَخوان زعتر: “لم يقِفِ الدكتور داهش ولا الداهشيُّون مكتوفي الأَيدي إزاءَ هذه الجريمة. فالدكتور داهش عاد إلى لبنان، بعد أَن أَنقذَتهُ العنايَةُ الإلهيَّة، وشنَّ مع الداهشيِّين حملةً ساحقةً في محكمةِ الرأْيِ العامّ، فطَبعوا ونَشروا 66 كتابًا أَسود، و165 مَنشورًا أَسود، عَرَضوا فيها على الرأْيِ العامّ وَقائِعَ هذه القضيَّـة، وأَبطالَها وأَسبابَها ومُسَبِّباتَها ودوافعَها. ولم يكتفوا بذلك، بل كَشَفوا سلسلةَ الارتكاباتِ والفضائحَ التي غَصَّ بها عَهْدُ بشارة الخوري. وقد بَذَلَ الداهشيُّون في طَبْعِ هذه الكُتُبِ والنَشَرات وتوزيعِها أَموالهَم ووَقتَهم وراحتَهم، وتحمَّلوا أَقصى الاضطهادات دون أَن يَلينوا، لأَنَّهم كانوا على يَـقينٍ من أَنَّهم يُدافعون عن قضيَّـة الحَقِّ والحُريَّةِ في قضيَّـةِ الدكتور داهش. وعندما صَدَرَتِ الكُتُبُ والنَشَراتُ السوداء كان بشارة الخوري في أَوجِ سلطانِه، وكانت أَكبرُ الهاماتِ تنحني له في لبنان. وقد أَكَّدَ الداهشيُّون المرَّةَ تلوَ المرَّة في هذه المنشورات السوداء أَنَّ الحقَّ يؤخَذُ ولا يُستَجدى، وأَنَّ جنسيَّةَ الدكتور داهش ستعودُ إليه بقوَّةِ الحَقِّ وبقوَّةِ البأْسِ أَيضًا. وعلى سبيلِ المثال، فقد جاء في الصفحة 8 من النشرةِ السوداء “أَطلُبُ مُحاكَمَتي” التي صدرت عام 1945، باسمِ ماري حدَّاد ما يلي:
“ولكنَّني أُؤكِّدُ لهنري فرعون بأَنَّ الجنسيَّـة ستعودُ بالرُّغم منه وبالرُّغم من مُحاولاتِه الشائنة ومُحاولاتِ مَن يلفُّ لفَّه. والمستقبلُ الآتي سيُريهِ صِدقَ أَقوالي.”
وفي الكتاب الأَسود ” كشفُ الستار وفضحُ أَسرارِ العُصفوريَّـة وما يُرتَكَبُ فيها من جرائمَ رهيبةٍ باسم العطفِ على البؤَساء والمنكوبين” لماري حدَّاد، الصادر عام 1946، في بيروت، جاء في الصفحة 2 منه ما يلي:
“وليعلَمْ هؤلاءِ الكَذَبةُ الـمُراؤون، بل ليتأَكَّد لهم أَنَّ جنسيَّـةَ الدكتور داهش ستُعادُ إليه بقوَّةِ الحقِّ وبقوَّةِ البطشِ أَيضًا. فمَنْ أَخَذَ بالسيفِ فبالسيفِ يُؤخَذ.
والعبدُ الذليلُ هو مَن يَرضَخُ ويحني الهامة بمَذَلَّة مَعيبَة.”
وجاء في الصفحتَين 3 و4 من الكتاب نفسِه ما يلي:
“إنَّ دوامَ هذه الحالة مِنَ الـمُحال. وإنَّ فَوضى الحُكم التي أَصبحَ لبنان يتخبَّطُ بها بفضلِ بشارة الخوري وأَساليبِه سيكونُ لها شأْنٌ خطير، وسَتَظهَرُ نتائجُه قريبًا، فلينتظروها.
وأَخيرًا، إنَّ لكلِّ أَمرٍ غاية، ولكلِّ بدايةٍ نهاية. وعندما تأْتي بدايتُنا تَتِمُّ نهايتُهم، فتُقوِّضُ آرائكُ حُكمِهم، ويُرَدُّ كَيدُهم إلى نَحْرِهم.”
إستعادةُ الجِـنسيَّـــة
بعد سقوط عهد بشارة الخوري، عُرِضَت قضيَّـةُ الدكتور داهش على رئيس الجمهوريَّة الـمُنتَخَب، كميل شمعون، وعلى مجلسِ الوزراء. وبناءً على دراسةٍ قانونيَّةٍ أَعدَّها القاضي الدكتور أَنطوان بارود مُمثِّلاً دائرةَ القضايا والتشريع في وزارة العدل، بتاريخ 30 كانون الأَوَّل 1952، بَيَّنَ فيها لامشروعيَّـةَ الإجراءات الـمُتَّخَذة بحقِّ الدكتور داهش، أَصدرَ مجلسُ الوزراء اللبنانيّ، في 6 شباط 1953، قرارًا أَلغى بموجبه قرارَ رئيسِ مصلحةِ الإحصاء والأَحوال الشخصيَّـة الذي قضى بشَطبِ قَيدِ الدكتور داهش من سجلِّ المصَيطبة ونَقْلِه إلى سجلِّ الأَجانب، بموجب المعاملة المؤرَّخة في 22 أَيلول 1944، رقم 1543. وأَمَرَ مجلسُ الوزراء بقرارِه “إعادة قيد” الدكتور داهش وعائلته إلى ما كان عليه واعتبارهم من الجنسيَّـة اللبنانيَّة مثلما جاء حرفــيًّـا في قرار مجلس الوزراء.

وبعد إلغاء قرار الشطب وإعادة الجنسيَّة أَصدر رئيسُ الجمهوريَّة، الأُستاذ كميل شمعون، بتاريخ 24/3/1953، مرسومًا يحمل الرقم 1453 أَلغى بموجبه مرسومَ الإبعاد رقم 1842 الذي أَصدره بشارة الخوري بتاريخ 8 أَيلول 1944؛ وقد نُشِرَ هذا المرسومُ في مُلحَق العدد 13 من الجريدة الرسميَّــة، أَوَّل نيسان 1953.
وبعد استعادة الدكتور داهش لحقوقه السليـبة في أَوائل عام 1953، بقيَ مُقيمًا إقامةً دائمةً مستمرَّةً في وطنه لبنان حتَّى العام 1976، إذْ غادره في تلك السنة إلى الولايات المتَّحدة الأِمريكيَّة، ثـمَّ عاد إليه في العام 1978، وبقي فيه حتَّى العام 1980. وطوال هذه المدَّة كان منزل الدكتور داهش في بيروت مَقصَدًا للشخصيَّات والـمُثقَّفين والعامَّة وللصحفيِّين الذين قابلوه وعاينوا ظاهراتِه الروحيَّة، وصوَّروها بأَثناء حُدوثها، وكتبوا التقاريرَ عن زياراتِهم وأَحاديثِهم ومُشاهداتِهم في الصُّحف والمجلَّات التي يعملون فيها.”

مَنْ يُعيدُ سُـمعَةَ داهش؟
في كتابِه “جريمة القرن العشرين” تناول المحامي خليل زعتر قضيَّـة الدكتور داهش مُعتبِرًا أَنَّ إعادة الجنسيَّـة للدكتور لا تكفي لأَنَّها حقُّه الطبيعيّ. ولكن يتساءلُ المحامي زعتر هل استعادة داهش لجنسيَّـــــتِـه هي رَدٌّ لاعتبارِه، خصوصًا بعدما تعرَّضَت سُمعتُه للاغتيال عَبرَ الإشاعات الـمُلفَّقة التي خصَّصَ عهدُ الرئيس بشارة الخوري معظمَ وقتِه في سبييلها.
“صحيحٌ أَنَّ الجنسيَّـة اللبنانيَّة أُعيدَت إلى الدكتور داهش بعد أَن أَبطَلَ مجلسُ الوزراء برئاسةِ الأَمير خالد شهاب الإجراءاتِ التعسُّفيَّـةَ التي اتَّخذَها الشيخ بشارة الخوري، وأَظهرَ عدمَ قانونيَّتِها استنادًا إلى دراسة القاضي أَنطوان بارود القَـيِّمة.
وصحيحٌ، أَيضًا، أَنَّ داهش عاد إلى لبنان مُعزَّزًا مُكـرَّمًا بعد أَن خلعَ الشعبُ اللبنانيّ بشارة الخوري عن أَريكة حُكمِه، هذا الرئيسَ الذي أَصبحَ اسمُه مُرادِفًا لكلِّ أَنواعِ الفضائحِ والتجاوزات والظُّلمِ والفَساد.
ولكن، هل يكفي هذا؟ هل تُعتَبرُ إعادةُ الجنسيَّة إلى الدكتور داهش نهاية المطاف؟ وهل استردَّ الدكتور داهش حقَّه كاملاً غيرَ مَنقوص؟
ما أَراهُ هو أَنَّ وجهًا من وُجوه قضيَّـة الدكتور داهش قد تَحقَّق، وهو الوجهُ السلبيّ الـمُتمثِّل بَردِّ الجنسيَّـة إليه، وعودتِه إلى لبنان بإبطالِ مرسومِ الإبعاد الذي أَصدرَه بشارة الخوري. ولكن تبقَى لهذه القضيَّـة وُجوهٌ أُخرى لم يتحقَّق منها شيءٌ، مع أَنَّها أُمورٌ أَساسيَّـةٌ جوهريَّة، وفي الوقت نفسه بديهيَّة، وذلك بالرغم من بعض “العقبات”. إلَّا أَنَّها عقَباتٌ غير مُستعصيـة، بل يُمكِنُ تَذليلُها والتغلُّبُ عليها بإصدارِ تَشريعٍ خاصٍّ من المجلس النيابيِّ يُجيزُ إعادةَ النظر قضائــيًّـا في قضيَّـةِ الدكتور داهش، وإجراءَ مُحاكمةِ جميعِ الـمُشتركِين والـمُحرِّضين والـمُساهمين في جريمة تشريدِه وإبعادٍه، وذلك بصورةٍ عَلَنيَّة أَمامَ جميعِ أَفرادِ الشعب. ومن ثَـمَّ تُعلَنُ مسؤوليَّتُهم، ويُشهَّرُ بهم، ويُحكَمُ للدكتور داهش بالتعويضات المعنويَّة والمادّيَّة عن العَذابِ والتنكيلِ والاضطهادِ إبَّان حُكمِ بشارة الخوري.
هكذا، فقط، يكون الدكتور داهش قد وصلَ إلى بعضِ حقوقِه. وهكذا، فقط، نكونُ قد أَزَلنا بعضَ آثارِ تلك الجريمة النكراء.
قد يقولُ قائل: “ولماذا إعادةُ الـمُحاكمات ما دامَت إجراءاتُ بشارة الخوري أَصبحَت باطلةً وفي مطاوي العدَم؟”
وعليه أُجيب: “صحيحٌ أَنَّ إجراءاتِ الخوري أُبطِلَت، إنَّما الرأْيُ العامُّ ما زال متأَثِّرًا بالدعاياتِ أاـمُغرِضة، وما برحَ عالقًا في ذِهنِه بعضُ صُوَرِ الماضي السوداء، صُوَرِ تشويِه سُمعةِ الدكتور داهش في الـمَجالسِ العامَّة والخاصَّة وعلى صفحاتِ الجرائد. فإذا أُعيدَت المحاكَماتُ بشكلٍ مُجرَّدٍ ونزيهٍ أَمامَ الرأْي العامّ، يَظهرُ بُطلانُ الإجراءات وعسفُها قضائـــيًّــا، كما أَبطلَها مجلسُ الوزراء بشكلٍ إداريّ.
وإذ ذاك، يُنشَرُ الحُكمُ الذي يُصدرُه القضاءُ بكافَّةِ وسائلِ الإعلام، ونُعيدُ بعضَ الاعتبار إلى الدكتور داهش، ونَـفِيـهِ بعضَ حقِّه …”
وقد يقولُ قائل: “ولماذا إعادةُ النظَر وإعادةُ المحاكَمات ما دام الزمنُ قد طوى هذه الجريمة، ولَفَّها النسيان، وأَصبحَت في ذمَّةِ التاريخ “؟
كالاCallas ودريفوسDreyfus وڤوVaux
ويُضيفُ زعتر: “إنَّ العدالة توجِبُ الاقتصاص من الـمُجرمين، والتاريخَ يحوي، في طيَّاتِه وبين صفحاتِه، جرائمَ – وإن لم تبلغْ جسامتُها جسامةَ الجريمة النكراء التي ارتكبها بشارة الخوري – أُعيدَت الـمُحاكَماتُ فيها، وظهرَت براءةُ أَصحابِها على الملإ، حتَّى بعد أَن غيَّبَهم وضمَّهم الثرى، وأُعيدَ الاعتبارُ إليهم، وحُوكمَ خصومُهم، من جديد، وحُكِمَ عليهم.
والتاريخُ الحديثُ حافلٌ بـمُحاكَماتٍ من هذا النوع أُشيرُ إلى بعضِها باختصار، مع لَفْتِ النظَر مجدَّدًا إلى أَنَّ الدكتور داهش لم يُحاكَمْ، ولم يصدُرْ بحقِّه أَيُّ حُكْمٍ أَو عقوبة، بل اعتُقِلَ وأُوقِفَ مدَّةَ ثلاثةَ عشرَ يومًا حتَّى صَدَرَ مرسومُ الإبعاد. أَمَّا القضايا التي سأَعرضُها، فقد جرَت فيها مُحاكَمات، وإن كانت صُوَريَّة، أَو اعتورَتها الأَخطاء، ورافقَتها الإجراءاتُ التعسُّفيَّـة لغاياتٍ أَملَتْها السياسةُ الغاشمةُ أَو مصلحةُ الدولةِ أَو التعصُّبُ الدينيُّ الأَعمى. ومن تلك القضايا، قضيَّة جان كالا (1761) J. Callas.
اتُِّهمَ جان كالا زُورًا، وحُكِمَ عليه بالسَّجنِ المؤبَّد. وقد حملَ لواءَ الدفاعِ عنه الكاتبُ الفرنسيُّ الكبير ڤولتير الذي أَثارَ هذه القضيَّة في جميع الأَوساط، وأَصدر فيها كتابًا دعاه L’ Affaire Callas هاجمَ فيه الطريقة التي جَرَت فيها الـمُحاكَمة والإجراءاتِ التعسُّفيَّـة، والحُكمَ الذي صدرَ فيها بعيدًا عن مُقتضياتِ العدالة، لأَنَّه مجرَّدٌ من الأَسباب التي تُبرِّرُه. ونتيجةً لهذه المساعي، أُعيدَت مُحاكَمةُ جان كالا بعد سنتَين، وأُحيَلتِ القضيَّـةُ على محكمة التمييز التي أَعلَنت بالإجماع، في 9/3/1765، براءةَ المتَّهَم. وأَقرَّ الملِكُ للعائلة مبلَغًا من المال كتعويضٍ عادلٍ عمَّا لَِحـقَها من أَذًى وضررٍ وعذاب.
وثمَّةَ قضيَّـةٌ أُخرى هي قضيَّـةُ بيار ڤوP Vaux ، الذي حُكِمَ عليه بالأَشغال الشاقَّة المؤبَّدة رغم كونِه بريئًا، وزُجَّ في السجن، وتوفّيِ فيه. ولكنَّ أَحدَ أَولاده تابع حملاتِه لإظهارِ براءةِ والده. واستطاع، بعد مرور خمسٍ وأَربعين سنةً، أَن يُعيدَ الـمُحاكَمة حتَّى ظهرَت براءةُ والده. وأُعيدَ الاعتبارُ للضحيَّـة، رغم مرور خمسٍ وأَربعين سنة، لأَنَّ الضمير يأْبى على الإنسان أَن يقبلَ باستمرار حُكْمِ الظُّلم، ولا يني يُحرِّكُ الطاقة البشريَّـــة للعمل على رفعِه.
ومن أَشهر القضايا التي أُعيدَت فيها الـمُحاكَمة، في العصر الحديث، قضيَّـةُ الضابط الفرنسي أَلفرِد دريفوس الذي حَكَمَ عليه المجلسُ الحربيُّ الفرنسيُّ بالسَّجن، وجُرِّدَ من رُتبتِه العسكريَّـة، نتيجةَ محاكَمة سريَّـةٍ لم تتأَمَّن فيها الضمانات اللازمة لحقِّ الدفاع. وصدَر الحُكمُ استنادًا إلى وثائقَ سريَّـة مزوَّرة لم توضَع موضعَ المناقشة العلنيَّة،كما تقتضي الأُصولُ القانونيَّة، وذلك بتاريخ 11 كانون الأَوَّل 1894.
وبعد الحُكم، ظهرَت عناصرُ ودلائلُ جديدة ٌكلُّها تشيرُ إلى براءة دريفوس، وإلى ضلوع بعض الضبَّاط الكبار في الجريمة المنسوبة إليه. فتطوَّع الكاتب الشهير إميل زولا (1840 – 1902) للدفاع عنه. وأَطلقَ قنبلتَه في كتابٍ رفعه إلى رئيس الجمهوريَّة عنوانُه: “أَنا أَتـَّهِم”، ارتفعَ فيه من مستوى التوسُّل إلى مرتبة النُّصح والإرشاد والإتِّـهام. وقد نشَرَت جريدة “لورور” L’ Aurore الفرنسيَّة هذا الكتاب بتاريخ 13 كانون الثاني 1898. وممَّا جاء فيه:
“اسمحوا لي، يا فخامة الرئيس، وأَنا أَسيرُ الرعايةِ التي شملتموني بها يومَ استقبالِكم إيَّـاي أَن أَكون غيورًا على مجدكم، وأَن أَقول لكم، بكلِّ صراحة، إنَّ نجمَكم السعيد، لغاية الآن، قد أَصبح مهدَّدًا بأَفظعِ لطخةِ عارٍ لا يُمكِنُ أَن تُمحى. وسيذكُرُ التاريخُ أَنَّ مثلَ هذه الجريمةِ الاجتماعيَّة تـمَّت في عهدِكم.
“وإذا كان المجلسُ الحربيُّ قد تجرأَ على ذلك، فأَنا أَيضًا أَتجرَّأُ لأَقولَ الحقيقة، طالما يتغاضى القضاءُ عن الحُكمِ بالعدل، لأَنَّ واجبي يُلزِمُني الكلامَ لئلَّا أَكونَ مشترِكًا في الجريمة، وتكون لياليَّ المقبلة مشغولةً بطَيفِ ذلك الرجًلِ البريء الذي يُعاني، في سِجنِه البعيد، أَلوانَ العَذاب عن جُرمٍ لم يقترفه.
“ومتى تـمَّتِ المأْساةُ التي تتمثَّلُ بإدانة بريءٍ وبتبرئةِ مُجرمٍ، فقُلْ: سلامٌ على مجتمَعٍ أَصبحَ في طَورِ الانحلال.”
إلى أَن يقول:
“وما حركَتي هذه سوى وسيلةٍ ثوريَّة في سبيل الحقيقة والعدل. وإنَّ أُمنيَتي الوحيدة أَن تتجلَّى الحقيقةُ باسمِ البشريَّـة المتأَلِّـمة المتعطِّشة لمناهلِ السعادة، والتي تَعي نِدائي الـمُلتهب الصارخ من أَعماق النفس. فلتتجرَّإ السُّلطة على ملاحقَتي لكي يجريَ التحقيقُ في وضحِ النهار. إنِّي أَنتظر …”.
وعلى الأَثَر أُحيلَ زولا على الـمُحاكَمة بتُهمةِ تحقيرِ رئيسِ الجمهوريَّة والجيش. وحُكِمَ عليه بسنة سجن. ولكنَّ الرأْيَ العامَّ الفرنسيَّ ضجَّ وثار، الأَمر الذي دفع وزيرَ العدل إلى مطالبة النيابة العامَّة بإعادةِ النظر في قضيَّـة دريفوس، وكانت نتيجةُ الـمُحاكمةِ الجديدة إعلانَ براءته في 12 تمُّوز 1906، بقرارٍ من محكمة التمييز (الغرف مجتمعة)، فاستعاد دريفوس كرامتَه وكرامةَ عائلته، ومحا العارَ الذي لحقَه. والساحةُ التي شهدَت حفلةَ تجريدِه من رُتَـبـِه العسكريَّـة شهدَت من جديد حفلة إعادةِ الاعتبارِ إليه وتقليدِه وسام الشرف العسكريّ.
زولا في “الپانــثــيــون”
وفي اليوم التالي لبراءة دريفوس، اجتمع البرلمان الفرنسيّ، وأَصدر قانونًا خاصًّا بنقلِ رُفات إميل زولا إلى مقبرة “الپانـثـيـون” ليُدفنَ فيه إلى جانب عُظماء فرنسا، فارتفعَ، بدفاعه عن بريءٍ مظلوم، إلى مرتَبةِ الخلود.
فهل يجتمعُ مجلسُ النوَّاب اللبنانيّ، رأْسُ السُّلطةِ التشريعيَّـة، ويُصدرُ تشريعاً خاصًّا لإعادة النظر في قضيَّـة الدكتور داهش ومُحاكمة المسؤولين عنها؟
وهل يثورُ رجالُ الفكرِ والقانون والقُضاةُ وأَساتذةُ الحقوق مُطالبين بالاقتصاص من الـمُجرمين، ومُصادرة أَموالهِم التي جمعوها وثـمَّروها من استغلال المناصب وعلى حساب مصلحة الشعب، وضمِّها إلى أَموال الخزانة العامَّة أَو إنشاء مشاريع خيريَّة بها لمساعدة الـمُحتاجين والـمُصابين من أَبناء الوطن الذي كانت نكبتُه الكبرى في الحرب الأَهليَّة التي اندلعت في 13 نيسان 1975 نتيجةً لأَعمال أُولئك الذين ائتمنَهم على مُقدَّراته في العهد الاستقلاليّ الأَوَّل، وهؤلاء الذين ساروا على خُطاهم فيما بعد.
إنَّ السُّلطة التشريعيَّـة اليوم مدعوَّةٌ إلى الاعتراف بخطإ السُّلطة التشريعيَّـة في عهد بشارة الخوري لإهمالِها التامّ إثارة موضوع الجريمة المرتكَـبَـة بحقِّ الدكتور داهش والداهشيِّين، وعدم مُساءلتِه عنها وعن سواها من الجرائم والـمَفاسد الكثيرة التي تـمَّت، والتي تمتدُّ خيوطُها بطريقةٍ أَو بأُخرى إليه، وإلى مَنْ تَعاوَنَ وأَسْهَمَ معه فيها.”
ويختتمُ زعتر: “إنَّ حكوماتِ العالَـم، من شرقيَّـةٍ وغربيَّة، تُعيدُ النظر اليوم بأَخطاء وجرائم ارتكبَتها الحكوماتُ السابقة أَثناء الحرب العالميَّة الثانية وما قبلَها وما بعدَها، وتُقدِّمُ الأَعذار، وتُقدِّمُ حتَّى التعويضاتِ الماديَّة التي، مهما بلغت، تكون رمزيَّـــة، لضحايا تلك الأَخطاء والجرائم أَو لورثـتِهم.
هل سيُدرِكُ المسؤولون والمثقَّفون أَهميَّة قضيَّـة الدكتور داهش وارتباطَها الوثيق بحياة هذا الوطن ومستقبلِه؟
إنَّ اليوم الذي سيفتَح فيه مجلسُ النوَّاب ملفَّ هذه القضيَّـة، واليومَ الذي فيه سيُعلِنُ المجلس الظُلمَ الفادح الذي ارتُكِبَ بحقِّ الدكتور داهش، ذاك اليوم سيكون ولادةً حقيقيَّةً جديدةً للبنان، لأَنَّه في ذاك اليوم يكون قد انتصرَ الحقُّ والقانون – حمى الجميع مهما اختلفت آراؤهم – على التعصُّبِ الطائفيّ الأَعمى وما يرتبطُ به من عصبيَّـاتٍ حزبيَّة ظلاميَّة. في ذلك اليوم تتكسَّرُ وتتحطَّمُ الروحُ الرجعيَّةُ التي تولَّدَ عنها اضطهادُ الدكتور داهش، وتولَّدَت عنها مِحنةُ لبنان في حربه الـمُدمِّرة الدامية.
وبدون تحطيم هذه الروحِ الكامنةِ وراء جميع مشاكل لبنان وأَمراضِه في كافَّـةِ النواحي، فمِنَ العَبَثِ الخلاص، أَو التقدُّم نحو مستقبلٍ حَضاريٍّ بالفعل.
هل هذا سيحصل؟
إنَّنا ننتظر …”
الأَديب مسُّوح ودفاعُه عن داهش
يتابع المحامي خليل زعتر نظرتَه القانونيَّة في مسأَلةِ اضطهاد الدكتور داهش مُعتَبِرًا أَنَّ هذه القضيَّـة ليست قضيَّـةَ فردٍ، بل هي في جَوهرِها قضيَّـةُ الحريَّة والديمقراطيَّة والدستور في لبنان، خصوصًا وأَنَّ السلطات آنذاك استغلَّت القانون في سبيل الفساد والرشاوي وتزوير الانتخابات في 25 أَيَّـار 1947. إنَّ عهدَ بشارة الخوري هو العهدُ الذي ارتكبَ جريمة اغتيال الزعيم أَنطون سعادة عبر الـمُحاكَمة الصُّوَريَّــــة، المهزلة – المأْساة عام 1949.
لم تكن الجريمة الرهيبة التي اقتُرِفَت بحقِّ الدكتور داهش جريمة آنيَّة، بل كانت جريمةً مستمرَّةً امتدَّت فصولُها الـمُتَّصلةُ الحلَقات على مدى عشر سنوات (1942 – 1952)، وتأَلَّفت من مؤامرةٍ جُرميَّة، ومن أَفعالٍ جُرميَّةٍ، تـمَّت مساهمةً فيها وتنفيذًا لها. وما تزال ذيولُـها الوخيمةُ المروِّعةُ وانعكاساتُها السلبيَّـةُ على الدكتور داهش وعلى حياة لبنان والرأي العامّ فيه تتفاعلُ حتَّى اليوم.
ولم تكن هذه الجريمةُ جريمةً عاديَّةً اقترفَها فردٌ أَو عدَّةُ أَفرادٍ عاديِّين بحقِّ فردٍ أَو عدَّةِ أَفرادٍ أَيضًا، بل كانت جريمةً غير عاديَّة، اقترفها رأْسُ السُّلطةِ التنفيذيِّة الممثَّلة برئيس الجمهوريَّة بشارة الخوري.
ولم تتمّ هذه الجريمة بوسائلَ اعتياديَّة، بل كانت إساءةً لاستعمال السُّلطة، أَو بالأَحرى السُّلطات – عبر الحنْث بالأَقسام الدستوريَّـة والقانونيَّة، وتهشيم الدستور ودَوس القوانين، ومُخالفة أَبسطِ مبادئ حقوق الإنسان والـمُواطن، فتحوَّلت السُّلطاتُ بيَدِ المؤتَّمنين عليها إلى وسائلَ لخَرقٍ مُباشرٍ وصريحٍ لموادِّ الدستور والقوانين التي تحمي الإنسان والـمُواطن وحريَّاته الأَساسيَّـة. وهذا يشكِّلُ خيانةً كُبرى تؤدِّي في البُلدان الديمقراطيَّة الراقية إلى إسقاط الرؤساء والإطاحة بالحكومات، ومُحاكمة المسؤولين، وإلَّا ثارَ الشعبُ ثورةً عارمةً وجرفَ في سُخطِه المتقاعسين عن مُحاسبتِهم على حدٍّ سواء.
ولم يقتصرِ الاشتراكُ في هذه القضيَّـة على مُتسلِّمي زمام السُّلطات العامَّة من الشخصيَّات الرسميَّة ومَنِ انقادَ لهم مِنَ الموظَّفين والقُضاة ورجالِ الأَمن، ولم تكنِ الصحافةُ اللبنانيَّةُ، في هذه القضيَّـة، أَمينة على رسالتِها التاريخيَّة بإنارة الرأْي العامِّ، ومراقبة السُّلطات ومُتسلِّمي زمامها، وكشفِ تجاوزاتها، وانتقادها، بل على العكس من ذلك، فإنَّ وسائلَ الإعلام اشتركَت هي أَيضًا في هذه الجريمة، ولم تتطوَّع صحيفةٌ واحدة لشجبِها. وقد أَكَّد الدكتور داهش في مقدِّمة كتابه “مختارات” أَنَّ جميعَ الصُّحف من يوميَّة وأُسبوعيَّـة وشهريَّـة راحَت تُهاجمُه مُهاجمةً شعواء، وتُحاولُ النَيلَ منه بوسائلها المقيتة. كما أَكَّد: “وبأَسفٍ عظيم … لم يبرُز إلى الميدان – في لبنان – رجُلٌ واحدٌ يدافعُ عن الحقِّ الهضيم، وينافحُ عن العدالة تدوسُها سنابكُ الباطل”.
ولا يستطيعُ أَيٌّ من المسؤولين أَو المشتغلين في الحقل العامّ، أَو من قادة الرأْي العامّ، ممَّن عاصروا هذه الجريمة النكراء الـمُستمرَّة على مدى عشر سنوات متواصلات، أَن يدفع التَّبِعةَ عنه، لأَنَّ الجريمة الـمُقتَرَفة بحقِّ الدكتور داهش واضحة، والإجراءاتِ التي تـمَّ تنفيذُها بواسطتها مُخالَفةٌ فادحةٌ فاضحةٌ لنُصوصٍ دستوريَّـة وقانونيَّة صريحة ولأَبسطِ مبادئ القانون والحقوق والحريَّـات الأَساسيَّـة التي اعترفَت بها حتَّى الشعوب الهمجيَّة منذ أَقدمِ العصور. هذا من جهة؛ ومن جهةٍ ثانية، فإنَّ الدكتور داهش نفسَه أَذاعَ ونَشَرَ وقائعَ ودقائقَ هذه القضيَّـة بواسطة 66 كتابًا أَسود و165 منشوراً أَسود وُزِّعت مجَّانًا على الجمهور وعلى المسؤولين والصحافيِّين والكُتَّاب، والـمُعتَمدين الدبلوماسيِّين في لبنان، والسفارات والقُنصليَّات اللبنانيَّة في الخارج، وعلى الـمُنظَّمات الدوليَّة والإقليميَّة، كمنظَّمة الأُمم المتَّحدة والجامعة العربيَّة، ورؤساء الدول، والأُمراء، والملوك.
وعليه،
فقضيَّـةُ الدكتور داهش لم تكن قضيَّـةَ فردٍ وحسْب، بل كانت في حقيقتِها الجوهريَّة قضيَّـة الحريَّة المقدّسة في الفكر والاعتقاد والتعبير، قضيَّـة الديمقراطيَّـــة والدستور والقانون في لبنان.
قـضيَّــةُ كلِّ فرد
عندما تخونُ أَعلى سُلطةٍ في البلاد أَمانةَ المحافَظة على الدستور والقوانين وحقوق المواطنين وحريَّاتِهم، وتستغِلُّ سُلطتَها، وتُسيءُ استعمالَها، وتُسخِّرُها لمآرِبها وأَغراضِها الشخصيَّـة، وتَرتكبُ بواسطتِها الجرائم، عند ذاك من العَبَثِ القَولُ إنَّ القضيَّـة هي قضيَّـة فردٍ مُعتدًى عليه، بل إنَّها تُصبحُ، وبالضرورة الحتميَّة، قضيَّـة كلِّ فردٍ من أَفرادِ المجتمع، وخاصَّةَ قضيَّـة مُتسلِّمي زمام السُّلطات والصحافة وقادة الرأْي العامّ فيه.
ولأَنَّ القضيَّـة هي قضيَّـة اضطهاد حريَّة الفكر والعقيدة، فإنَّ الجريمة لا تقعُ فقط على الفَردِ الـمُضطهَدِ داهش، بل إنَّها تطالُ أَيضًا، ومن هذه الزاوية، المجتمعَ بأَسرِه الذي حرمَتهُ الجريمة من حقِّ البحثِ المجرَّد عن الحقيقة، ودراسة ما يدعو إليه هذا الفردُ المضطهَد، كما إنَّ الجريمة تطالُ الأَجيالَ القادمة أَيضًا. وقد أَشار إلى ذلك الفيلسوف الإنكليزيّ جون ستيوارت ميل في كتابه الرائع “الحريـــَّـة” (ترجمة طه باشا السباعي) حيث كَتب:
” …إنَّ الـمَضرَّة الناشئة عن إخماد الرأْي لا تقتصر على صاحبه، بل تتعدَّاه إلى جميع الناس حاضرهم وقادمهم. وما هي في الحقيقة إلَّا سلبُ النوع البشريّ برُمَّتِه وحرمان الإنسانيَّـة بأَسرها من شيءٍ فائدتُه لعائبيه ورافضيه أَوفرُ منها لمؤَيِّديه وقابليه. ذلك أَنَّ الرأْي إن كان صَوابًا، فقد حُرِمَ الناس فرصةً نفيسةً يستبدلون فيها الحقَّ بالباطل، ويبيعون الضلالةَ بالُهدى. وإن كان خطأً، فقد حُرِموا كذلك فرصةً لا تقلُّ عن السابقة نفاسةً وفائدة، وهي فرصةُ الازدياد من التمكُّن في الحقِّ والرسوخ في العلم على أَثَر مصادمة الحقِّ بالباطل، ومقارنة الخطإ بالصواب.”
لقد تفرَّد الصحافيُّ المهجريُّ النبيل جبران مسُّوح، صاحب جريدة “الـمُختَصَر” الصادرة في بونس أَيرس بالأَرجنتين، بإدراك أَهميَّة قضيَّـة الدكتور داهش وخطورتها ونتائجها وذيولها الوخيمة، ليس فقط على تاريخ لبنان، بل أَيضاً على مستقبل الحريَّة في الشرق كلِّه. وقبلَ أَن يبدأَ حملَته الصحافيَّـة بِنَشْرِ أَنباء القضيَّـة المروِّعة في “سلسلة مقالات ناريَّة”، بَعَثَ برسالتَين تاريخيَّتين: الأَولى بتاريخ 2 أَيلول (سبتمبر) 1946 إلى رئيس الجمهوريَّة بشارة الخوري، والثانية بتاريخ 10 أَيلول (سبتمبر) إلى رئيس مجلس الوزراء رياض الصلح. وقد جاء في مطلع رسالته إلى بشارة الخوري ما يلي:
“معالي الرئيس المكرَّم،
وصلَتني في هذا الأُسبوع رزمةٌ فيها أَوراقٌ ومنشوراتٌ ووثائقُ كلُّها تتعلَّقُ بقضيَّـة الدكتور داهش. وكنتُ أَنتظرُ مثل هذه المعلومات من مدَّةٍ طويلة لأَصِلَ إلى أَعماق هذه المسأَلة التي هي أَهمُّ حادثٍ جرى في الشرق في هذا الجيل. ومن رأْيي أَن تتناولَه أَقلامُ الكتَّاب بشيءٍ من الصراحة والغيرة على الحقِّ ليكونَ خطوةً إلى الأَمام في كلِّ الأَقطار العربيَّة. أَمَّا إذا لَم يَقُمِ المفكِّرون بواجبهم نحوه، فهو بدون شكٍّ خطوة إلى الوراء. ومعلومٌ أَنَّ كلَّ خُطوةٍ من هذا النوع – سواء كانت إلى الأَمام أَم إلى الوراء – تجرُّ وراءها خطواتٍ من جنسها”.
أَمَّا الرسالة الثانية التي أَرسلَها الأُستاذ مسُّوح إلى رئيس مجلس الوزراء رياض الصلح فقد جاء فيها:
سعادة رياض بك الصلح الأَفخم،
وصلَت إليَّ في المدَّة الأَخيرة منشوراتٌ ووثائقُ تقع في 792 صفحة تتعلَّقُ بحادث نَفْيِ الدكتور داهش. والذي يطالع هذه الأَوراق جميعَها يشعرُ أَنَّ هناك جُرْمًا لا تستطيعُ قــوَّةٌ أَن تُـغطِّيـه.
وطبيعيٌّ أَنَّ هذا الحادث كان صدمةً هائلةً لِما كنَّا نقيمُه من الآمال في مستقبل أَوطاننا بعد أَن نالت حريَّـتَها واستقلالَها. والأَوساط الأَدبيَّة هنا اهتمَّت بالأَمر. وسوف نُصدر كتابًا عن المسأَلة نشرحُ الحادثَ كما هو، ونُبَيِّنُ الخطرَ الذي فيه على روح العدالة وحريَّة الكلام واحترام العقيدة، وأَنَّه قد يكون خطوةً إلى الوراء لكلِّ الأَقطار العربيَّة، لأَنَّ الفسادَ شديدُ العَدوى إذا لم تؤخذْ ضدَّه الاحتياطات، بينما يمكن أَن يكون خطوةً إلى الأَمام إذا رُوعيَ الحقُّ فيه، وأُعيدَت إلى داهش حريَّـــتُـه، وأَخَذَ الحقُّ مجراه في الاقتصاص من الـمُجرمين.
في اعتقادي أَنَّ هذه المسأَلة هي أَعظم حادثٍ جرى من هذا النوع في الشرق كلِّه في هذا الجيل. ويجبُ أَن نضعَ لها تاريخًا صادقًا ليعرفَ الآتون بعدَنا كيف يجبُ أَن تكونَ الحكومات، وما هي نتيجة مثلِ هذه الجريمة على تاريخ البلاد كلِّها وعلى سُمعتِها بين بقيَّة الشعوب.
اغتيالُ الزعيم أَنطون سعادة
إنَّ السنوات أَثبتَت صحَّة كلمات الأَستاذ جبران مسُّوح الملهَمَة هذه وصوابيَّتها. فجريمةُ اضطهاد الدكتور داهش بدأَها بشارة الخوري والمشتركون الرئيسيُّون معه قبل وصولِه إلى سُدَّة الرئاسة الأُولى، واستأْنَفها بُعَيد انتخابه مباشرةً مثلما جرى عرضُه في الكتاب.
ولو كان في لبنان مَن وقفَ منذ البداية في قضيَّـة الدكتور داهش إلى جانب الدستور والقانون والحقِّ والعدالة لما كان لبنان عانى وكابَدَ سنوات حُكم بشارة الخوري السوداء الملأَى بالفضائح والـمَفاسد والرشاوى والجرائم واستغلال المناصب ونهبِ أَموال الأَمَّة وسرقة لُقمة عيش الفقراء والكادحين، ولربَّما كان – وعلى سبيل المثال- انتهى عن تزوير انتخابات 25 أَيـَّـار 1947 الشهيرة، وعن ارتكاب جريمة قَتلِ الزعيم أَنطون سعادة بواسطة المحاكمة الصُّوَريَّـة، الـمَهزلة – المأْساة، سنة 1949.
إنَّ قوى التعصُّب الطائفيِّ الأَعمى المتحالفة مع الفئات الإقطاعيَّة الفاسدة الحاكمة التي أَرسَت قواعد الدولة – المزرعة هي المسؤولة عن اضطهاد الدكتور داهش لأَنَّ نَهْجَه الأَبيَّ الحرَّ ومبادئه الإصلاحيَّـة المنفتحة هي النقيض لها جميعها. ونتيجة لانقياد المسؤولين وقادة الرأْي لبشارة الخوري، فإنَّ قوى التعصُّب وطُرُق الفساد ترسَّخَت وتجذَّرَت في تربة المؤسَّسات والمجتمع في ذلك العهد الاستقلاليّ الأَوَّل، الذي كان يجب أَن يكون مثالاً وقُدوةً عليه ترسو أُسُسُ الإصلاح، وعليه تُبنى تطلُّعاتُ الأَجيالِ ومستقبلُها. وما الحربُ الأَهليَّة اللبنانيَّة المدمِّرة التي ذَرَّ قرنُها سنة 1975 إلَّا ثمرةُ شجرةِ التعصُّب والفساد والإجرام التي ترعرعَت جذورُها الـمَقيتة في العهد الاستقلاليّ الأَوَّل.
أَجل، إنَّ القوى نفسها، والروحيَّة الإجراميَّة المتعصِّبة الكريهة ذاتها التي قامت بالمجازر الطائفيَّة البغيضة أَثناء الحرب الأَهليَّة، والتي ستبقى وصمةَ عارٍ أَبديَّة عليها، هي هي القوى والروحيَّة نفسُها المسؤولةُ عن اضطهاد الدكتور داهش. فحبَّذا لو تنبَّه المسؤولون وقادة الرأْي، آنذاك، لخطورة ما كان يُقترَفُ بحقِّ الدكتور داهش، ولنتائجِه على تاريخ البلاد. حبَّذا لو حاربوا روحَ التعصُّب الأَعمى، والفساد، والعَبَثَ بالقوانين، وبحقوق العباد في قضيَّـة الدكتور داهش، إذاً لكانوا قضوا عليها وهي في بدايتها ومهدِها، ولكان مسارُ تاريخ لبنان تغيَّرَ حتمًا، ولما كانت الحرب الأَهليَّــة الداميــة المدمِّرة لتقعَ فيه.
ومثلما حذَّر السيِّد المسيح – له المجد – الشعبَ اليهوديَّ من وخيمِ عواقبِ اضطهادِه بتدمير أُورشليم والهيكل فيها وتشتُّتهم، هكذا أَيضًا حذَّر الدكتور داهش بشارة الخوري والمسؤولين عن الجريمة من العقاب الإلهيّ الذي سيطالهم هم وذراريَّهم، كما حذَّر الرأْيَ العامَّ اللبنانيَّ والعالميّ من كارثةٍ دامية كبرى تُصيبُ لبنان، وتتجاوز حدوده إذا لم تُحَلَّ قضيَّـةُ جريمة اضطهاده حلًّا عادلًا.
ففي رسالة بعثَت بها السيِّدة ماري حدَّاد إلى المستشرق الإنكليزيِّ دانيال أُوليڤر، مدير مدرسة رأْس المتن، في شباط 1946، ونشرَتها في الكتاب الأَسود “ميشال شيحا المغرور” سنة 1946، (صفحة 26) وما يليها، كتبَت ماري حدَّاد ما يلي (صفحة 28):
” … وكُنْ على ثقة، أَيـُّـها العزيز، بأَنَّـنا سنطالبُ بها (أَي بحقوقنا) حتَّى نحصلَ عليها كاملةً غير منقوصة. وأَنتَ تعلَمُ بعد الاختبار كيف تتمُّ نبوءاتُ الدكتور داهش. وأَنا أَعرِفُ منذ زمنٍ بعيد أَنَّ هذه القضيَّـة ستتَّسعُ حتَّى تُصبحَ عالميَّة. وإنَّني عالمةٌ أَنَّ سَيلاً من الدماء سيُهرَقُ إذا تشبَّثوا في جريمتهم بدلًا من أَن يُكفِّروا عنها.
“وإنَّني لا أَرغبُ في أَن أَسردَ هنا جميع ما أَعرفُه. ولكنِّي أَعلمُ بأَنَّ المستقبلَ مشؤومٌ ورهيبٌ جدًّا عليهم إذا لم يندموا ويُكفِّروا.
“وقد أَنذرتُهم بذلك مرارًا وتكرارًا، فأَبَوا أَن يُصغوا إلى نصيحتي. ومن أَجل هذا سيتحمَّلون نتائجَ أَعمالهم.”
نبوءةُ خَرابِ لبنان
وفي عدد 4 كانون الثاني سنة 1948 من جريدة “الحياة” البيروتيَّة، نَشَرَ الشاعر حليم دمُّوس نبوءةً للدكتور داهش مفادُها أَنَّ الدمار سيعمُّ لبنان من أَقصاه إلى أَقصاه إذا لم تُحَلُّ قضيَّـــةُ الدكتور داهش حلًّا عادلًا.
وفي شهر تشرين الأَوَّل من سنة 1948، أَرسلَ الدكتور داهش إلى الجمعيَّة العامَّة للأُمم المتَّحدة المنعقدة في قصر “شايو” في باريس عريضةً طويلةً باللغة الفرنسيَّـة، وتحت توقيع السيِّدة ماري حدَّاد الظاهريّ نظرًا لظروفه الخاصَّة آنذاك، وفيها شرحُ وقائعِ الجريمة بحقِّه وبحقِّ الداهشيِّين. وتجاوزَها إلى انتهاكات حقوق الإنسان وفضائح عهد بشارة الخوري. وطلبَ من الأُمم المتَّحدة، بصفتِها محكمةً عالميَّةً عُليا، التدخُّلَ لإحقاقِ الحقِّ في قضيَّـتـه، وضمَّن نداءه التحذيرَ الآتي:
“إنَّ الداهشيِّين يطالبون بإعادة جنسيَّة الدكتور داهش إليه. وهم إذ يقومون بذلك بواجبٍ إلزاميٍّ، يلجأُون إلى محكمتكم العُليا، ويحضُّونها على دراسة هذه القضيَّة التي تتجاوز حدود لبنان بدقَّة. وبذلك تكون محكمتُكم قد قامت بعملٍ من أَعمال العدالة والإنسانيَّة، لأَنَّها تكون قد منَعَت هذا النزاعَ من التطوُّر أَكثر. وإنَّني أُؤكِّدُ لكم أَنَّ هذا النزاع يهدِّدُ، عمَّا قريب، بصبغِ لبنان بالدماء مثلما جرى في فلسطين. كلُّ ذلك سيتمُّ إذا لم تؤدِّ هذه العريضةُ الاتِّهاميَّة إلى أَيَّة نتيجة.”
وفي شهر تشرين الثاني من السنة نفسها 1948، أَرسلَ الدكتور داهش إلى لجنة الأُمم المتَّحدة للشؤون الاجتماعيَّة والإنسانيَّـة والثقافيَّة، المولَّجة بصياغة الشِّرعة العالميَّة لحقوق الإنسان، برسالةٍ أُخرى باللغة الفرنسيَّـة أَيضًا، وتحت توقيع السيِّدة ماري حدَّاد. وقد ضمَّن هذه الرسالة التحذيرَ ذاتَه المذكور آنفًا والذي تضمَّنته عريضتُه إلى الجمعيَّة العامَّة للأُمم المتَّحدة في شهر تشرين الأَوَّل 1948.
وممَّا لا شكَّ فيه أَنَّه لَم يُصغِ اللبنانيُّون، ولا العالَمُ الـمُمثَّل في الأُمم المتَّحدة، إلى هذه التحذيرات. كما إنَّه لَم تجرِ أَيَّة مُحاولاتٍ لرَفعِ الظلمِ عن الدكتور داهش وحلِّ قضيَّـتِـه حلًّا عادلًا. وفضلاً عن ذلك، فإنَّ موقف القوى المتعصِّبة في لبنان من الداهشيَّـة لم يتغيَّر، والنيَّات الخبيثة والأَفكار السوداء تظهر بين الحين والحين بأَفعالٍ وَأقوالٍ يسجِّلُها التاريخُ عليها وعلى مَن يأْتونها في سجلِّ العار الأَبديّ. ومن كلِّ ذلك يبدو أَنَّ القومَ لم يتَّعظوا، ولم يتوبوا. وكيف يتَّعظون ويتوبون وأَعمالهُم الـمُتجليَّـةُ في هذه الحرب اللبنانيَّة القذرة تشهدُ عليهم أَنَّهم مجرمون، بل شياطين متجسِّدون!
أَجل. إنَّ الحرب الأَهليَّة اللبنانيَّة هي غَضَبٌ إلهيٌّ. إنـَّما هذا الغضبُ الإلهيُّ لم يكن افتراءً من العناية الإلهيَّة، بل انبثقَ من النفوس التي ضلَّت سبيلَ الرشاد، ومَسَخَت التعاليمَ السماويَّـة في الأَديان الـمُنزلة، وسخَّرَتها لمآرِبها للوصول إلى المالِ والجاهِ والسلطانِ الدنيويِّ الكاذِب الزائل.
حتَّى الكُتَّابُ والمعلِّقون والصحافيُّون الأَكثر عقلانيَّة لم يَروا بُدًّا من أَن يُعلِنوا في كتاباتِهم، أَثناءَ استمرارِ الحربِ المدمِّرة وفشَلِ جميع الحلول في وقْفِها، أنَّ هناك لعنةً إلهيَّـــة.
وإذا كانتِ الشعوبُ شرقًا وغربًا تُعيدُ النظر بتاريخها، وتعترفُ بأَخطائها، لتستفيدَ منها في تقويمها وفي عدم معاودتها، فإنَّه على اللبنانيَّين أَيضًا أَن يُعيدوا النظر في تاريخهم، وفي هذه القضيَّـة بنوعٍ خاصّ، فيدركوا أَنَّ خلاصَ وطنِهم من محنته، وتأْمين مستقبلهم واستقرارِهم فيه، يتمُّ عندما يرجعُ الجميعُ إلى القيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّـة السامية، فيُقلعون عن الشرور والمظالم، وعن العصبيَّـة المذهبيَّة البغيضة، ويَقنَعون بأُخُوَّتهم بعضِهم لبعض، محترِمين حقَّ كلِّ فردٍ منهم في الفكر والعقيدة وسواها من الحقوق والحريَّات، نابذين الانقياد الأَعمى لتقاليدَ رجعيَّةٍ بالية، ومنفتحين على الأَفكار الإصلاحيَّـة الجديدة بشجاعة وثقة بالنفس وبالغد.
ويومًا بعد يوم، سيُدرِكُ اللبنانيُّون أَنَّه كما كان الحكم الظالِم على سقراط العظيم جريمة عصره، وكذلك محاكمة السيِّد المسيح والحُكم عليه، فإنَّ جريمةَ اضطهاد الدكتور داهش إنـــَّما هي: “جريمةُ القرنِ العشرين.”
[1] كتاب “الرسائل الـمُتبادلة بين الدكتور داهش مؤسِّس الداهشيَّـة والدكتور حسين هيكل باشا، رئيس مجلس الشيوخ المصري…”، (دار النّسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1981)، ص 222-223.
