حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
أطلالُ وظِلال
أيْن أحلامُ الشبابِ الرائعة؟
وأيْنَ ثِمارُ الصِّبا اليانعة؟
وأينَ باقاتُ وُرُودي العطرة؟
وأينَ آمالي العّذبةُ النضرة؟
سألتُ القدر العاتي: “زهرةُ عمري أين صارت؟”
أجابني ساخرًا هازلاً: “أسفي عليها، ذَبُلَتْ وتَوارَتْ”.
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
دراسة في كتاب " مُذكَّرات دينار
الجامعات أُسِّست لنشر العلم وإظهاره، وليس لحجبه والتعتيم عليه لغايةٍ في نفسها
أطروحة فوزي أ. برجاس لنيل درجة ماجستير في الأدب
هذه الأطروحة
بقلم الدكتور فريد ابو سليمان
هي هذه الأطروحة الجامعية عن كتاب ” مذكرات دينار ” التي قدمها الأديب فوزي برجاس الى جامعة مانكاتو – مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية ، ونال بموجبها شهادة الماجستر في الأدب الانكليزي صفعة مدوية تنزل على وجه جامعة القديس يوسف في بيروت ، ذلك بأن الطالبة الجامعية إلين ضاهر كانت قد قدمت الى جامعة اليسوعيين المذكورة موضوع أطروحة للماجستر في الأدب العربي عن « مذكرات دينار » ، فرفض المشرفون على الجامعة قبوله – بعد عدة أشهر من تسجيل الموضوع رسمياً ورضى الأستاذ المشرف والادارة المعنية به – رفضوه لأن كتاب « مذكرات دينار » هو من تأليف الدكتور داهش !
فهؤلاء اليسوعيون ترتجف فرائصهم عند ذكر اسم مؤسس الداهشية ، وتزلزل الأرض زلزالها وتخرج من جوفها أهوال أثقالها . إنه كابوسهم المخيف و « رابوصهم » المدوّي العنيف.
وبرفضهم كانوا كالباحثين عن حتفهم بظلفهم ، إذ كشفوا القناع عن وجوههم فظهروا على حقيقتهم . وإذا بالألسنة تلوك سلوكهم حول هذا الرفض . فقد عرف الجميع أن السبب هو اسم الدكتور داهش الذي ندَّد برجال الاكليروس ، وقال بهم ما قاله مالك بالخمر ، وذلك بكتابه مذكرات دينار . إن حرية الفكر مصونة ، والإنسان حرٌّ بأن يعتقد ما يتراءى له أنه الحقيقة . وداهش يُندّد برجال الدين ، فيقول إنهم يقطنون في القصور الضخمة الفخمة ، ويُطلقون عليها اسم الأديرة ، ويملأون بطونهم بأشهى طعام ، ويُفرغون بكر وشهم أعتق أنواع الخمور ، ويتاجرون بالأيقونات والصلبان ، ويزعمون كذباً ونفاقاً أنّ صور القديسين ترشح بالزيت ، وأن مريم العذراء ظهرت حيناً على قمة الكنيسة الخارجية ، وهي تتخطر عليها بتؤدة ، وتارة ظهرت بمكان آخر…
أما حقيقة الأمر فإنها اختراعات سفسطائية واختلاقات وهمية ؛ وقصدهم الضحك على ذقون الأغبياء من البله المعاتيه ليفرغوا ما جنوه بعرق الجبين وتعب الأيدي في صناديق رجال الدين تلامذة السيد المسيح المزعومين ! إذ أصبح المسيح لديهم شركاً محبوكاً بمهارة يصطادون بواسطته السذج من المعاتيه والأغبياء ممن يُصدقون بأكاذيب حقيرة كهذه : أكاذيب ظهور العذراء مريم ، وأعاجيب ومعجزات شربل الذي مات وشبع موتاً ، وهو بريء من اجتراحه للمعجزات كبراءة من وراء إذاعة هذه الأراجيف المضحكة الذئب من دم ابن يعقوب . ولكن ، على من تقرأ زبورك يا داوود ؟
إننا في عصر الحريات والدساتير ، وداهش وغير داهش أحرار بأن لا يؤمنوا بهذه الخزعبلات التي يُشيّعها رجال الدين الكاثوليك لغاية ملء خزائنهم بأموال المصدقين لهذه الإشاعات المؤذية ، إذ يدخلها رجال الدين بنفوس البسطاء ، فتسري فيها كالسم في الدسم.
قلت إن الدكتور داهش حرّ بأن لا يُصدق هذه المفبركات الاكليروسية وله الحرية التامة بأن لا يؤمن بالطوباويين والطوباويات الذين تطوبهم روما التي أصبحت وكأنّها الديّان تُضفي بُردة القداسة على كل من ترغب بإلباسه حلة الطهارة ، وتلقي برداء الدعارة على من تشاؤه .
وعدم إيمان مُؤسّس الداهشيَّة بهذه الترهات الوهمية لا يُجيز للقائمين على شؤون جامعة القديس يوسف أن يرفضوا قبول كتابه « مذكرات دينار » الذي قدمت الطالبة إلين ضاهر موضوع أطروحتها عليه.
فبرفضهم لكتابه ظهروا أمام الملا على حقيقتهم ، إذ تأكد للجميع أن اتهام الدكتور داهش إيّاهم بما ذكرتُ هو السبب لرفضهم كتابه.
وهذا الرفض لم يضره بشيء ، بل أثر عليهم هم بكل ما تعنيه هذه الكلمة وما ترمي إليه .
إن جامعة مانكاتو – مينيسوتا العالمية رحبت بهذا الكتاب الفذ . كما إنَّ جامعة السوربون بفرنسا أعجبت بموضوعه الشائق.
وقد صدر كتاب عدد صفحاته يربو على ٥٠٠ صفحة ، وهي ملأى بمقالات كبار الأدباء الذين قرظوا الكتاب المذكور وأبدوا إعجابهم الشديد بموضوعه الاجتماعي الشامل.
وإذ نهنىء الأستاذ فوزي برجاس على أطروحته هذه ، نُنحي بالملامة على جامعة القديس يوسف التي كشفت القناع عن وجهها برفضها لكتاب أدبه شامل عام . وعرف الجميع أسباب هذا الرفض فراحوا يرشقون القائمين على الجامعة بألسنة حداد ما كان أغناهم عنها.
فالجامعات أسست لنشر العلم وإظهاره وليس لحجبه والتعتيم عليه ـ لغاية في نفسها –
ولكن ! … قاتل الله الغايات والحدها في رمسها المظلم . وإنّي أتمثل بالشاعر القائل :
“وإذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسان حسود”
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت ، الساعة 9 من صباح ٣١ كانون الثاني ۱۹۸۰
"مذكرات دينار" ، أطروحة ماجستر في الولايات المتحدة الأمريكية
بقلم : نجوى براكس الداهشية
مجازة في الأدب العربي
إنَّ سيرة الدكتور داهش لتنضح بالأسرار ، وتعج بالخوارق والمعجزات . فقد تخطى منذ طفولته حدود الزمن ، وخَرَقَ القوانين الطبيعية ، وأدهش البشرية ، إذْ زُوِّدَ بقُوَّة روحية لتأسيس عقيدة سماوية تقوم على توحيد الأديان ، والعودة الى عبادة الديان ، وتأخي الإنسان والإنسان ، فاضطهدته الدولة اللبنانية ظلماً وعدواناً ، وشددت الخناق على طَبْعِ مؤلفاته الأدبية ونشرها ودرسها ! فكان التضييق سبباً في بروز اسمه الداهشي والأدبي بأحرف من نور ونار في لبنان والعالم .
وكان المعتدون الأثماء ، كلَّما أغلقوا الأبواب للتضييق عليه وعلى أتباعه ، شهر مفتاح الروح ، فتُغلق عليهم ، وتهوي على رؤوسهم ، وتسكن حركاتهم ، ليُشرع للظافر مصراعا المجد والانتصار .
وقد أبت السَّماءُ إلا أن تنصر رجُل الروح ، لأن ديانته الداهشيَّة كالديانات المنزلة ، شعلات مقدَّسة من النيران الإلهية والأنوار الأزلية السرمدية لا يزيدها الاضطهاد إلا اشتعالاً وانتشارا !
وبعدما انغمست كلمته بالحق وعمدت أفكاره بالروحانية ، انتضي قلمه البتَّار ، مطلقاً كلمته الصارخة في سماء هذا العالم ، سامقة الذرى ، مجلجلة فوق رؤوس الورى .
فأدبه معجز بغزارة إنتاجه ، وعُمق أفكاره ، وتنوع أساليبه ، وتشعب فروعه ، وأصالة جذوره ، وصدق شعوره ، وغرابة خياله ، وعظيم تصوراته ، ورقي أوصافه ، وتدفق أسراره ، فإنَّ ما وراء صفحاته نفحات أقبلت الى عالمنا من كواكب قصية لا يبلغها خيال المتأملين ولا تكتحل بها عيون الحالمين !
وتتلاحق أقلام الدارسين لتستضيء بتراث الدكتور داهش . والأستاذ فوزي برجاس أهدى دراسته عن ” مذكرات دينار ” إلى المصطفى الحبيب ، من أمريكا ، من بلاد الحرية المستقطبة عقول الأحرار ، تاركة لغيرها سفسطائية الحوار ، وثعلبانية النيات والأفكار .
وقد تعددت الدراسات في هذا الكتاب المعجز الذي قال الشاعر الداهشي حليم دمُّوس في مقدمته :
نعم . إن هذا السفر الضخم الذي ألم فيه الدكتور داهش بكل صغيرة وكبيرة في أكثر شؤون الحياة وأدقها ، والتي غاص إلى أعمق أعماقها ، وحللها تحليل الخبير الماهر ، لم يستغرق في تأليفه من ألفه إلى يائِهِ أكثر من سبعة أيام لا تزيد ساعة واحدة (1) )
لقد شرح المؤلف من خلال هذا الكتاب المجتمع الإنساني ، كاشفاً عن حقيقة الأمراض التي تصيبه وتذويه شيئاً فشيئاً لتقضي عليه قضاء مُبرماً .
إستهل الدارس أطروحته بعرض موجز لسيرة الدكتور داهش ، وأعماله الخارقة ، واضطهاد الدولة له قائلاً :
إن رجال الدين المسيحي الأثرياء المترفين شنوا حملة على داهش وفي هذه المعركة لم تقف الحكومة حكماً ، بل تحيزت مناصرة الكنيسة .
فبشارة الخوري ، رئيس الجمهورية الأسبق زج نفسه في الصراع ضد داهش (2).
دون الدكتور داهش مؤلّفه عام ١٩٤٦ إبان الاضطهاد الذي استمر من عام ١٩٤٢ حتى ١٩٥٢ . وتنبه الدارس إلى أنَّ المؤلّف خص فصولاً من هذا الكتاب ضد معتدين اشتركوا في جريمة الاضطهاد الشنعاء :
” ومن الجدير بالذكر أن عدداً من الأشخاص في القصة هم أناس عاشوا في الواقع وعرفهم الناس ” (3).
فصب عليهم الدكتور داهش جام قلمه المزلزل ، وأبرزهم على حقيقتهم الباطنية ، مسلّطاً الأضواء على مُعَمَّيات دقائق في حياتهم ، وخاصةً رجال الدين ، تلك الطغمة المتشبثة بهذا العالم تشبث الدود بالأرض فالكاهن طوم ، مثلاً ، بعدما أبن المطران الراحل ووارى جدثه الثرى ، قال في نفسه :
“ليكن الجحيم مثواك أيُّها المطران الأثيم ! ” (4)
لقد عرض الباحث حبكة القصة ، ذاكراً انتقال الدينار من جيب الى جيب ، في البر والبحر ، إلى أن شهد الحرب العالمية الثانية ، عائداً الى عالمه الذهبي بعودة الإنسان الى مثواه الترابي وسلط الأستاذ برجاس الضوء على الدينار ، فأبرزه كراوية ، يشهد رذائل البشر وسفال مساوئهم.
كما جعل ” ميزان العدالة مُعلَّقاً فوق كل سطر من سطور القصة “(5) ، داعماً قوله بأمثلة مقتطعة من بعض فصول الكتاب . فلا وجود للصدفة على هذه الأطروحة الإطلاق ، وكل ما في الوجود تجري عليه العدالة الربانية ، فرغبة هذا الدينار في زيارة الأرض عاقبته بتعرفه على الشر المهيمن عليها ! فيثور ثورة عنيفة ، إزاء الجرائم الهائلة ، ويتمنى الاقتصاص من المجرمين ، ولكن تكوينه ونظامه لا يسمحان له بذلك ، فيحن الى وطنه الساكن في الأعماق قائلاً : فيا ساعات السكينة التي تمتَّعتُ بكِ في وطني الثاوي في الأعماق ، لقد فقدتك عندما تمنيت مشاهدة كوكب الأرض (6) .
كما أبرز الدارس الصيغة الملحمية في هذا الكتاب ، لأن المؤلف يتناول الحياة البشرية بنظرة شاملة فاحصة ثاقبة ؛ مثلما أبرز العنصر التصويري وحكم عليه حكماً سيكولوجيا من أسارير الناس وانطباعاتهم وحركاتهم التي تعكس نفسياتهم .
وبيَّن أن المؤلف إنّما يعرض للحياة اليومية في مختلف الطبقات الاجتماعية ، محدداً بعض الأحداث بتواريخها الدقيقة .
وقد ذكر المؤلف اسم شخص بارز هو غاندي ، مثنياً عليه . وتجدر الملاحظة هنا إلى أن الدكتور داهش نادراً ما يُعجب بشخص بشري ويمدحه . لكن الدارس مرَّ مروراً سريعاً بهذا الإسم الذي يزخر بأسمى الصفات الإنسانية ، وأرفع الأخلاق ، وأسمى الأهداف ، فاسمع الدكتور داهش ماذا يقول في القديس المجاهد :
“إن حياة هذا الرجل الكامل لهي أعجوبة جديرة بأن تسجل بأقلام سماوية على طروس فرودسية” (7) .
وأشار الباحث إلى أنَّهُ على النقيض من هذه الشخصية المعجزة ، برزت الخيانة الواضحة الفاضحة في شخص عبدالرحيم الشريف الخليلي الذي خان سيده الدكتور داهش – كما سبق وخان يهوذا الاسخريوطي السيد المسيح – فطرد طرد الكلاب.
والأستاذ برجاس يُشكَر على دراسته هذه ، خاصة أنه قام بعملية ترجمة کتاب « مذكرات دينار » إلى اللغة الانكليزية.
تطالع أطروحته ، فتحسبها دونت باللغة العربية ، والفضل في هذا يعود الى المترجم الدكتور غازي براكس ، الممتلك ناصية اللغة.
وهكذا فقد عالج الأستاذ فوزي برجاس ناحية معينة من كتاب « مذكرات دينار » كما طرق غيره نواحي أخرى، ومع خرى ، ومع هذا فهناك أبعاد يمكن معالجتها في دراسات أخرى ، نذكر منها :
الأبعاد السيكولوجية في تحليل نفسيات الأشخاص ، والأبعاد التاريخية والسياسية والدبلوماسية الخ الخ .. فمنظمة الأمم المتحدة لم تجد في نشر السلام العالمي ، وخطر الحرب لما يزل قائماً ، وشريعة الغاب ما زالت سائدة…
فاصغ أيها القارئ الكريم الى هذا المقطع البليغ من فصل ” صوت من وراء الغيب يتكلم “:
إنَّ دساتيركم تقدس القوي الذي ينتزع اللقمة من فم الضعيف ، وتمجد الغني الذي يطأ رقاب الفقراء ويُسخرهم لإرادته .
أنا لا أنكر بأنكم ملأتم المجلدات الضخمة بقوانينكم ، واشترعتُم البنود المنمقة العبارات ، ورصفتُم بها سجلات طافحة بنظرياتكم الجميلة التي لو نفذتم بعضها بإخلاص لاستحالت الأرض الى سماء .
ولكن لا يسعني أيضاً إلا الاعتراف بالواقع الملموس ، وهو أن هذه القوانين مكثت وستمكن حبراً على ورق حتى الأبد.
هذه هي قوانينكم يا سادة القانون ! فهل يسعكم الإنكار ؟
وعندما عزَّت عليَّ العدالة في أرضكم الفاسدة نشدتها في الموت، لأنَّني سأجدها بانتظاري هناك… عند الله. (8)
أيُّها الدينار :
إن مذكراتك لمذكرات المجتمع البشري بتفاوت طبقاته ، إذ أصبحت رب هذا العالم المادي الفاسد ، ومطمح سكانه وقبلة صلواته . في سبيل الحصول عليك تُراقُ الدِّماءُ ، وتُزهق الارواح ، وتُشن الحروب ، وتُقلب المفاهيم ، وتداس الفضيلة ، وتُبجَلُ الرَّذيلة ، ويُنحر الحب ، ويُعصفُ بحرمة الموت ، فتحفرُ القُبور للبحث عنك حتى بين هياكل الموتى العظمية !!!
خرجت من جوف الأرض فنصبوك إلها وعبدوك ، ولو تبصروا فيما يفعلون لازدروك ، والخالق – جلَّت عظمته – رافع السموات وباسط الأرضين نسوه !!
ويسرني أن أقتطف مقطعاً من قطعة « المال المال » .. للدكتور داهش ، والملحقة بكتابه النفيس ) مذكرات دينار » . إنها من عيون الأدب العربي ، لا تُجارى في معانيها ولا تبارى :
آه یا مال !
في سبيلك خرَّتْ صُروح ، ودكت حصون
وتحت موطئ قدميك تدحرجت تيجان ، وتطايرت أذقان
وعلى مذبحك زهقت أرواح ، وطاحت رؤوس
وبين سراديب هيكلك تدحرجت عمائم ، وتناثرت قلانس
نعم ، نعم وتحت أروقة جهنمك صهرت أكباد ، وتحرقت قلوب .
نعم ، وطي هزيم رياحك ، تمايلت مفاصل ، وتقطعت أوصال
نعم، نعم .. وأنت ما زلت حيث أنت ، لا ترتوي من ظماء ،
ولا تشبع من جوع (9).
والعقيدة الداهشية ستغزو هذا العالم ، بإذنه تعالى ، وستتسابق الأقلام في التأليف حول هذا الدين المزيل كل خلاف بين الأديان ، والموضح أموراً استعصت على العقل البشري ، والواصل الأرض بكواكب تغور في الأعماق الفضائية.
أما تُراث الدكتور داهش البالغ حتى الآن مئة مصنف بين مطبوع ومخطوط ، فتتعدد فيه الدراسات ، ويُترجم ليدرس باللغات الأجنبية .
وشخصية الدكتور داهش الفذة ، تتناولها الأقلام بدراسات تفصيلية توضيحية ، متابعةً علامات التعجب بعلامات الاستفهام .
بينما ترفض الجامعة اليسوعية في لبنان دراسة عن كتاب « مذكرات دينار ، لأن مؤلفه هو الدكتور داهش، شاهر سيف الحق والحقيقة فوق أعناقهم :
فبئست عاقبة اليسوعيين
وأنت أيتها الأقلام الحرة الجريئة :
المسي أديم الصفحات ، ونقبي عن الكنوز ، أعدي بذوراً داهشية للزارعين ، فغداً ستنثر في مختلف جامعات العالم .
وغداً ستجنى الغلال ، فتُغذّي عُقول الأبرار الأحرار ، أما كيد الحُسَّاد الأشرار فيعود الى نحرهم.
نجوى براكس الداهشية
بيروت في ۱۹۸۰/۱/۳۰
(1) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ٦ .
(2) أنظر : الصفحة ٢٤ من هذه الأطروحة
(3) انظر : الصفحة ٥١ من هذه الأطروحة .
(4) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ٣١ .
(5) أنظر : الصفحة ٤٣ من هذه الأطروحة .
(6) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ٤٠ .
(7) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ۹۷ – ۹۸ .
(8) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ٤٩ – ٥٠ .
(9) الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ط ١٩٤٦ ، ص ٣١٣
خلاصة الأطروحة
تستهدف هذه الأطروحة عرض بعض الوقائع الخاصة بحياة الدكتور داهش ، ودراسة قصته العربية : “مذكرات دينار “.
وقد استلزمت هذه الرسالة ترجمة القصَّة ، وقراءة كتب مختلفة بعضها بقلم الدكتور داهش ، والأخرى دراسات عنه.
أما النتيجة التي أفضت اليها هذه الدراسة فهي أن الدكتور داهش مُخلِّص سماويّ ، إنه الروح المعزي ، و ” مذكرات دينار” هي بوق من أبواق نبوَّته . والحكايات التي تنطوي عليها هذه القصة هي أمثال روائية بسيطة مُستمدة من الحياة الواقعية ؛ والموضوع العام إعلان مُقنَّع لرسالته في العدالة والجزاء.
فوزي برجاس
مقدمة
بقلم فوزي برجاس
إن تقويماً نقدياً لهذه القصة لا بُدَّ من أن يحملنا بعيداً عن نصّها الى حياة مؤلّفها ومعتقداته الفلسفية . فبدون هذا الاتجاه لن يكون التحليل سوى عرض لاحدى المهارات في كيفية تحليل قصة ما ونقدها ؛ وفي نهاية المطاف سيتم الظفر بدرجة جامعية.
وسأتحاشى في هذه الدراسة أن أتبع نهجاً ـ طالما اتّبع ـ كان يأسر الحياة في إحدى الزوايا الجامعية ، ويقلّصها الى قطرات من المداد تشكل صوراً وأشكالاً جديدة.
وفي أي حال ، لا بدَّ لمحاولتي من أن تكون أكاديمية منهجية بقدر ما تتيح هذه المنهجية أن تخدم أهدافنا المنشودة لا أن تحلَّ محلها . ذلك بأن الأوقيانوس المظلم إذا لم تحرك مياهه أصابع ملاك ، فإنَّ عملنا سيكون مزيداً من التخبُّط في الظلمة .
عامل آخر اضطرَّني لأن أُولي حياة المؤلّف وفلسفته اهتماماً خاصا في تقديري لقصته هو طبيعة هذه القصة نفسها . فهي مفتاح لشخصيَّته ؛ إذ إنَّ كثيراً من وقائعها – حتى تلك التي تكشف عن مغازيها بنفسها – توافق او ترمز الى الكثير من الأحداث التي وقعت في حياة المؤلف.
إذن يدخل في خُطّة هذه الدراسة معالجة حياة المؤلف وتسجيل بعض أحداثها التي تساعد على فهمنا القصة عامةً وبعض وقائعها خاصةً.
إن تقويم كل أثر أدبي يبقى غير منصف وغير واف ما لم ينظر الى الصنيع الأدبي كله كوحدة . ولذلك توجب عرض موجز لحبكة القصة يساعدنا على احتواء مجمل الكتاب بنظرة واحدة . وهذا الموجز سيتيح لنا تقويم المؤلف كعمل روائي والخروج من الدراسة بنتيجة .
أما فلسفة الدكتور داهش فلا بد ، في معالجتها ، من اتباع منهج استقرائي يسمح لنا استخلاص نظراته في الحياة من مراحل الكتاب.
ولا يسعني إلا أن أختم هذه المقدمة لا بكلمة شكر عابرة، بل بالأحرى بعرفان عميق للجميل أبديه للدكتور روبرت رأيت الذي أظهر استعداده الدائم لمساعدتي ولتحسين صيغة ترجمتي . كما أشعر بفضل الدكتور هجالمار لوكنسغارد في ما أسداه الي من نصائح قيمة وفي ما نفحني به من تشجيع خلال إقامتي في جامعة مانكاتو . أخيراً ، لا بد من تقدير صداقة الدكتور جوزف موصلي وقبوله ان يكون من أعضاء اللجنة الفاحصة.
أولاً ـ الدكتور داهش : موجز عن سيرته
“هلمي معي من لبنان ، يا عروس ، معي من لبنان … ( نشيد الانشاد (٨:٤ ) ” التينة أخْرَجَتْ فجها .. انهضي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي ” ( نشيد الأنشاد ١٢:٢).
” فمن شجرة التين تعلموا المثل . متى صار غصنها رخصاً ، وأخرجت أوراقاً تعلمون أن الصيف قريب ” . ( انجيل مرقس ۱۳ : ۲۸ ) .
إنَّ قصة « مذكرات دينار ) بوسعها أن تكشف لنا النَّزر اليسير عن ذهنية مؤلّفها ، لأنها ليست سوى واحدة من بذور كثيرة يحاول الدكتور داهش ان يزرعها في القلب البشري . وفي أي حال مهما كانت يد الزارع قادرة ، والبذرة سليمة صحيحة ، فهي تبقى لصيقة بالتربة لتفهم فهماً أفضل معنى الهبة الحرَّة التي تمنحها اليد المُحِبَّة . وفي الواقع ، فان المؤلف قادر بطريقته الخاصة ان يُوضّح لنا عن قصته أكثر مما توضحة أية طريقة أخرى ، ذلك لأنه كما الشعاع الواحد الصادر عن شمعة مضاءة ليس سوى تعبير باهت عن نور الشمعة كله ، هكذا شأن هذه القصة بالنسبة الى مجمل مؤلفات الكاتب.
زد الى ذلك أنَّ الأنبياء والمصلحين وأعلام الرجال تكتسي كلماتهم وكتاباتهم بمدلولات خطيرة ، ومرد ذلك ، خاصةً ، الى طباعهم وحياتهم . وتلك هي حال الدكتور داهش . فليس إلا بدراسة حياته نستطيع ان نتغلغل أكثر في فهم قصته . وإذ ذاك يُصبح بوسعنا أن نقدم تحليلاً وتقديراً كاملين لأثره الأدبي المعني .
فمن هو الدكتور داهش ؟
أتى هذا العالم في أول حزيران عام ۱۹۰۹ . وكانت ولادته في مدينة أورشليم ( اسم القدس القديم ) ، وسمّي بسليمان ، وعُدِّل اسمه ، تخفيفاً الى سليم، لكن إقامته في المدينة المقدسة كانت أشبه بزيارة حجّ ، إذ إنَّ عائلته غادرتها بعد ان اقامت فيها بضعة أعوام . ثم عادت إلى أورشليم وذلك في عام ۱۹۲۳ . ومكثت قاطنة بالقدس حتى عام ۱۹۳۷ ؛ وبهذا العام غادر الدكتور داهش ووالدته وشقيقتاه وديعة وأنتوانت الديار المقدَّسة وقطنوا ببيروت.
لكن ، للمرة الأولى بعد ألفين من السنين ، يبدو أنَّ أيَّام طفولته غيرت مجراها العادي . فكثيرة هي الأعمال التي ليس لها أي تفسير والتي لا تقرأ إلا في كتب الأنبياء . حدثت معه ، واجتذبت اليه انتباه انسبائه الأقربين وجيرانه . وهكذا فان الطفل ابن السنوات القليلة بدا كأنه أكبر من الزمن ومتفلّت من قيوده وقوانينه.
ولكنْ ، ليس قبل الخامسة عشرة من عمر هذا الفتى الناشئ تركَّزت أنظار الصحافة وعامة الجمهور على عجائبه الخارقة . وفي هذه المرحلة سُمِيَ ( داهش ) . ومنذ ذلك الحين أصبح لا يُعرف إلا بهذا الاسم .
ولكن إذا كان الشعب والصحافة قد انفتحت عيونهم على هذه المعجزات ، فإن أذهانهم ، على ما يبدو ، لم تكن تهتم بمغزاها . وفي هذه الأثناء ليس إلا القليلون الذين تألّبوا حوله عرفوا أن داهشاً يكشف عن رسالة روحية جديدة.
في ٢٣ آذار ١٩٤٢ ، عندما بلغ داهش الثالثة والثلاثين من عمره ، أعلن أن الساعة قد أزفت للتبشير علناً بالكلمة الجديدة . وفي هذا العام نفسه آمن برسالته الروحية كثيرون بينهم شخصيات بارزة مشهورة .
وجه داهش دعوته الأولى للناس لكي يعودوا الى تعاليم أنبيائهم ، ويحيوا وفقاً لمبادئ الكتب المقدسة لأنها ليست كتب فلسفة بل كتب حياة . فداهش لم يكن يرى أنه يُؤسّس ديناً جديداً ، لأنَّ الداهشية ، في نظره ، هي الأديان جميعها موُحَّدة . وفي الواقع ، لم ينطق بأية كلمة تختلف عما قاله الأنبياء من قبل . فجميع المفاهيم الدينية – أمثال العدالة الإلهية ، والموت ، والنعيم والجحيم – التي تُركَتْ بلا إيضاح في الكتب المقدسة ، ليست سوى بذور . وتفاسير مؤسس الداهشية لهذه المفاهيم إنما هي تلك البذور نفسها وقد نَمَتْ وأعطت زهوراً جديدة .
لم يكن الأنبياء القدامى بحاجة لايضاح مفاهيمهم . غير أن إنسان القرن العشرين بدأ يُشكك بصحتها ، ولذلك ظهرت رسالة داهش في الوقت المناسب لتفسر وتجلو غوامضها .
إن رسالة داهش الروحية تؤكّد أن لا شيء فيها يختلف عما في الرسالات السابقة . فالمعجزات الجديدة ليست برهاناً علمياً محسوساً ، في هذا العصر العلمي ، عن وجود الروح فحسب ، بل هي أيضاً تُثبت وتؤكد أن هذه المعجزات نفسها قد اجترحها ، حقيقةً ، الأنبياء السابقون.
أن يكون الأنبياء صادقين : هذا من صلب عقيدة داهش . ألم يقل أشعيا النبي :
أليس في مُدَّة يسيرة جداً يتحول لبنان بستاناً ، والبستان يُحسَب وَعْراً ؟ ويسمع في ذلك اليوم الصم أقوال السفر وتنظر من القتام والظلمة عيون العمي ، ويزداد البائسون فرَحاً بالرَّب ، ويهتف مساكين الناس بقدُّوس إسرائيل » . ( أشعيا ۲۹ : ۱۷ – ۱۹ ) .
وتفضي رسالة داهش الى الأسئلة التالية :
أيمكن أن نفشل ، في أيامنا هذه ، بمعرفة ما اهتدى اليه أشعيا قبل ثلاثة آلاف سنة ؟!
أيمكن أن نبقى منتظرين مجيء الروح المعزي ، في حين أنه قد أتى فعلاً ، وهو يحيا بيننا ؟! أيمكن أن نفشل في معرفته ؟
ولكن مع أننا أخفقنا في معرفته فإننا لم يفُتْنا اضطهاده.
والرسالة الروحية الجديدة لم تختلف عن سابقاتها في هذا الأمر الأخير : فقد نالها الاضطهاد مثل جميع الرسالات السابقة.
وإنَّ الوقائع أكدت ، بلا ريب ، أن الجميع كانوا ينتظرون.
نعم ، جميعهم كانوا ينتظرون أن يرجموه.
إنَّ رجال الدين المسيحي الأثرياء المترفين شنُّوا حملة على داهش وفي هذه المعركة لم تقف الحكومة حكماً ، بل تحيزت مناصرة الكنيسة . فبشارة الخوري ، رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق زجَّ نفسه في الصراع ضد داهش ، ذلك بأن شقيقة زوجته ، ماري حداد ، رئيسة نقابة الفنانين سابقاً ، آمنت بالرسالة الروحية الجديدة مع جميع أفراد عائلتها.
وكان الاضطهاد طويلاً ومريراً : فدرب الصليب المؤدي الى الجلجلة التي كانت تنتظر داهش امتد احد عشر عاماً منذ ١٩٤٢ حتى يوم طرد الشعب بشارة الخوري في ١٨ أيلول ۱۹۵۲ . فبشارة الخوري عندما كان رئيساً للجمهورية لم يغسل يديه بالماء ، ولكن بدم داهش . وأعلن أن مؤسس الداهشية هو خطر عظيم يهدّد الدين.
ورد داهش على الحملات ضده ، بعنف وجبروت صارمين.
وليس عجيباً أن تحدث مثل هذه الأمور الساخرة في التاريخ البشري.
ألم يُصلب المسيح ، رجل الدين العظيم ، باسم الدين ؟ ألم يحكم على سقراط ، أعظم أخلاقيّ في جميع العصور ، باسم الاخلاق ؟
وفي قصيدة شكسبير ” أدونيس ” ، ألم تسأل فينوس مُتعجبة كيف أنَّ خنزيراً برياً قتل أدونيسها ، إذ قالت :
-” أيكون قد صرع ؟! … آه ! لا ، هذا محال !
فإذا نظرت الى جماله لا يُمكنك أن تُسدِّد اليه أية ضربة لكن … آه ! نعم ، هذا ممكن ، فليس لك عينان لترى ،
فقد طعنته حقوداً ، أعمى ” .
لقد كانت حملة مدبَّرةً مُنَظَّمة ضد المؤلف : فبينما كانوا يضطهدون شخص داهش بزجِّه في السجون الرهيبة وسومه مختلف أنواع التعذيب ، وتجريده ظلماً وعدواناً من جنسيته اللبنانية ، كانوا ، في الوقت نفسه ، يضطهدون اسمه وسمعته في الصحافة.
لكن رغم ذلك ، فإنَّ بعض الصحف والمجلات التي أسَّسها لبنانيون مهاجرون في المغتربات ، دافعت عن قضية داهش ، وعلى الأخص جبران مسوح في مجلته « المختصر » بالارجنتين . فقد رفع صوته عالياً ، طالباً ممن يزور لبنان أن يلقي نظرةً مليةً على السجن بلبنان ، لأنه أصبح مشهداً تاريخياً کالپاستیل ، فيه صَفِعَتْ الحقيقة وسُجِنَتْ وعُذِّبَتْ وفعلوا بها ما شاؤوا.
لكن الصحافة في لبنان منعت أن تنشر ردود داهش السريعة التي يدحض فيها الافتراءات الآثمة الكاذبة الموجهة ضده . وقد اضطر ذلك مؤسس الداهشية للتحوّل الى المنشورات السرية ليدافع عن نفسه ويردّ كيد أعدائه على نحورهم . فأصدر ووزّع بطريقة سرية مئة وخمساً وستين نشرة سوداء وستة وستين كتاباً أسود ضدَّ عهد بشارة الخوري وزبانيته.
وكتاب « مذكرات دينار » الذي كُتب عام ١٩٤٥ ، أي في المرحلة نفسها ، ينبغي أن يُضاف الى أدب الاضطهاد نفسه . لكن ، لا بد من الإشارة الى نقطة اختلاف هي أنَّ مقصد « مذكرات دينار » كان ضمنيا غير مباشر ، في حين أنه كان صريحاً مباشراً في الكتابات السرية الأخرى .
وفي الواقع كان كتاب مذكرات دينار » باباً خلفيا استطاع الكاتب أن ينسل منه أشبه بغاز نجا بنفسه تحت جنح الظلام بعد أن نفذ مأربه . فما هي الخطة التي دبرها هذا الغازي تحت ستار الليل ؟(١)
وكتاب مذكرات دينار ( بالصفحات ۲۰۸ حتى ٢١١ منه ) يحتوي على فصل تحت عنوان : هيرودس وهيروديا ـ أي بشارة ولورا ـ فيوم طُبع الكتاب كان بشارة الخوري متربعاً بكرسي الحكم كرئيس للجمهورية ، لهذا حوَّر داهش اسميهما لهيرودس وهيروديا ، وقد سلقهما بلسان حاد مرارته علقمية وحنظليته أبدية.
كما إنه نشر بمذكرات ديناره من الصفحة ۲۰۳ حتى ۲۰۸ فصلين ناريين افتلذهما من جهنم النَّار المتأجِّجة الأوار . وهذان المقالان ضد الخائن المطرود عبد الرحيم الشريف الخليلي الذي كان خادماً بمنزل الدكتور داهش بالقدس ، وقد سرق من نقود داهش مبلغ ٢٠ ألف جنيه فلسطيني في عام ١٩٣٥ ، فطرده داهش بعد خيانته النذلة ، وإذ ذاك راح هذا الخائن المطرود ينشر أكاذيب ، واختلاقات ، وافتراءات وضيعة أثيمة في الصحف ، ثم أصدر كتاباً سفيها ببيروت بالاشتراك مع الأشوري يوسف ملك طريد السلطات العراقية ، ونزيل سجونها الدائم . وها إني أُعيد ما نُشِرَ عن هذا الخائن المطرود ، نقلاً عن كتاب مذكرات دينار لتتوضح حقائق ، ولتنكفى أضاليل الخائن المطرود :
كما نُشر بمذكرات دينار ( من الصفحة ٢٥٥ حتى الصفحة ٢٦٠ ) فصل اسمه «کرکوز فلسطين البهلواني عبد الرحيم الشريف الألعباني » ، ثم فصل آخر من الصفحة( ٢٦١ حتى الصفحة ٢٦٧ ) ، تحت اسم « الخليلي يساق الى جامعة الأمم ليضحك أعضاءها » ، وهو فصل ممتع وغريب عجيب لم يسبق أن كُتب له مثيل بالتهكم الذريع والهجاء القاذع اللاذع ، وبالفضيحة التهتكية المخزية لمن قيلت فيه بعد خيانته وطرده الأبدي.
وسأكتفي باعادة نشر الفصل المسمّى ” البغض وشهوة الانتقام الجارفة ” ، وفصل « مندوب جريدة الشيطان الرجيم » ، وهما من الصفحة ۲۰۳ حتى الصفحة ٢٠٨ . وها هما :
البغض وشهوة الانتقام الجارفة
أخرجت يولاند مفكرتها كي تُدوّن بعض مشاهداتها فكان حظي السقوط دون أن تنتبه لأمري.
وصادف مرور أحد الذين لا أخلاق لهم وكان اسمه عبد الرحيم الخليلي . ومع أن واجبيْ الشرف والاستقامة كانا يدعوانه لاعادتي الى مالكتي يولاند عندما شاهدني سقطت من محفظتها ، فإنه لم يفعل بل احتفظ بي.
وأصدق القارئ بأنه لو كان لي قدمان لوطئت بهما عنق هذا السارق النذل خصوصاً لأنني شاهدته يرتدي فاخر الثياب مقلداً الأغنياء.
وعندما تمعنت في وجهه وجدتُ أنّ عينيه القرديتين ضيقتان ، وهما لا تستقرآن على مشهد . وهذا في علم الفراسة يعني أن صاحب هاتين العينين ( خائن ) من الطراز الممتاز لا يُؤتمن على شيء مهما كان تافهاً.
استمر هذا اللص سائراً بي حتى وصل الى منعطف ولجه ، ثم آخر فسار حتى نهايته . وإذا بباب خشبي أدار فيه مفتاحه ودخل . وكان في الغرفة شخص آخر حياه وقال له :
ما وراءك أيها ( الشريف ) . . . من الأخبار ؟
لا شيء . . . اللهم سوى حظي الذي قادني الى صيدة دسمة شاهدت هذا الدينار المحترم يسقط من محفظة إحدى السيدات وأظنها أجنبية ، دون أن تنتبه هذه المغفلة لسقوطه . فأسرعت والتقطته . وسيفيدنا في حملة الافتراء ضد عدونا ( داهش ) .
لي نصيحة اريد أن أهبها لك مجاناً خالصة لوجه الله الكريم يا عبد الرحيم…
ما هي يا صديقي ؟ . . تكلم بالله عليك.
لقد راقبتك منذ عشرة أعوام كاملة فإذا بك تبيع دينك ودنياك في سبيل الاقتصاص من عدوك . وقد بذلت ، يا صديقي ، في هذا السبيل الشيء الكثير من أوقاتك ومن دخلك التافه الضئيل . ومما زاد في الطين بلة طردك من وظيفتك بعدما افتضح أمرك بما نشره عدوك عنك من أمور ما كان أغناك عن نشرها بين الناس من أهل قريتك الخليل . ففي مضي الأيام كان يزداد حبك للانتقام بازدياد جمرات الغيظ التي كانت تتأكل منك فؤادك وتفري لك كبدك . فنحل عودك ، وذوى لحمك ، واضمحل شحمك ، فأصبحت أقرب الى الخيال منك الى البشر يا صديقي .. ومما زاد في بلبالي عليك هجرانك للنوم ، وتمتمتك اسم عدوك في كل يوم ، سواء في أوقات صحوك أم رقادك ، مما دعا اصدقاءك أن يقلقوا على عقلك الذي مزقته ضربات هذا العدو الصارمة فبعثرته شذر مذر . وكم فاجأتك وأنت تذرف الدموع وتتأوه على ما فات . فالذي فات قد مات أيها المنكود الحظ .
تقول بأنك كنت له عبداً ذليلاً تتمسح على قدميه بعد أن تغسلهما له وتحتفظ بذلك الماء كي تغتسل به .. إن حديثك غريب ، يا صاحبي ! فما الذي كان يدعوك لمثل هذا العمل ؟! إنتبه الى نفسك وإلا فغادر فلسطين ، وإياك البقاء في هذه البلاد التي أصبحت فيها مهزلة بين آلك وذويك ، فكيف بالغرباء منهم ؟ . . . لقد شططت ، يا هذا ، بدليل أنك أصبحت لا تتورع من استدعاء الاشخاص كي يجتمعوا في منزلك ، للاجتماع بشقيقتك لقاء وعدهم إياك بمساعدتك لتشهير عدوك ، وعدوك يا صديقي يزداد في كل يوم بأساً وصولة….
خفف عنك الأمر أيها المغتاظ !… ولا تأبه للأحداث التي هزأت بك وجعلتك عبرة العبر لكل من رأى واعتبر فقد كنت إذ ذاك صغير السن. إذا فلا حرج عليك ، فصغر سنّك كان يشفع بك ، وإلا ما كانت لك شفاعة . أما الآن وقد شبت وأعلنتني بأنّك استوليت على دينار ، وعرفت من هي صاحبته ، فهذا عمل منكر لا يُقدم عليه إلا الرعاع . وعدم إعادتك إياه يدل على الزيغ الذي اصبح يقطن في عقلك ويسيرك مثلما يشاء.
بالأمس اخبرني أقرب الناس اليك بأنك أقدمت على خيانة صديق قديم لك بصورة تأنف منها النفوس ولا يرضى بها أدني الناس أخلاقاً ، فكان ما نالك من بلاء . وها أنت ما زلت فيه وستبقى فيه أ فيه أبداً . فما كان أغناك عن هذه المشاكل أيها المسكين..
أنا أرثي لك وللحالة التي أصبحت تُعانيها . ولكن ماذا يسعني عمله لك والكل ينحي عليك بالملامة ، ويقول إنّ خيانتك المستمدة من ( يهوذا الاسخريوطي ) هي التي خلقت لك هذه الأتعاب الفادحة ، وإن خصمك العنيد البطاش لا يمكنك أن تقف بوجهه ؛ فقد جعلك مهزلة للعموم يتفكهون على حسابك طوال أيام العام بينما النجاح يسير في ركاب هذا الذي تواصل سعيك منذ أعوام لأذيته !
فكلمتي الأخيرة إليك أن تترك من اتخذته ذريعة ودريئة لك تختبى وراءه كي تسدد من مكانك سهامك الطائشة التي يفلها لك قبل بلوغها اليه بمراحل ، ويسدد لك سهامه الصائبة المهلكة القاتلة فيصميك ؛ وها أنت تتمنى الموت قبل الاوان . فإذا أردت أن تسمع نصيحتي فاترك المستحيل كي تعيش براحة وأمان.
أجابه عبد الشيطان الرجيم :
– هذا ما لا أستطيع تنفيذه. هذا لن يكون ، فإنني قد نذرتُ حياتي ودمي ، ورهنت قلبي وأعصابي في سبيل الانتقام ممن أحال نوري الى ظلام…
إذن ماذا تريد مني القيام به ؟
– أريد تدبير خطة الانتقام.
– أنت الآن باشرت حملة صحفية شننتها عليه
– نعم ، هو ما تقول.
وأنا مستعد أن أساعدك بهذا الأمر .
– إذن أنت صديق مخلص.
ولكن هذا يحتاج الى بذل نقود.
إني مستعد لأن أبذل آخر فلس أملكه في هذا السبيل.
إذن اسمح لي بالدينار كي أدفعه كقسط أوّل لصاحب جريدة محترمة لها قراء كثيرون .
-خذه هذا هو . فلتبارك له السماء به فهو ملكه الحلال . وعندما يصدر المقال الأول أعدك بأن أسلمه ديناراً آخر.
حسناً . سأنقذ لك رغبتك مع علمي بأنها تجرك الى الفقر دون أن تحقق النتيجة التي تتوخاها .
– إما الموت وإما الانتقام إما الموت وإما الانتقام . . .
قال هذا مردّداً إياه بضع مرّات . ثم انفجر يعول وينتحب بمرارة شديدة وهو يقضم أصابعه …ثم يعود ليرطم بقبضتيه قمة رأسه حتى أسال دمه النجس.
مندوب جريدة الشيطان الرجيم
كان مندوب جريدة ( الشيطان الرجيم ) في مدينة القدس وقد أتى من بيروت بمهمة صحفية . وعندما انتهى من أداء مهمته استقل احدى السيارات في طريق عودته الى عاصمة لبنان . وقبل أن تتحرك به السيارة تقدم منه أحدهم وقال له :
– ألست أنت مندوب جريدة ( الشيطان الرجيم ) ؟
أجابه :
أنا هو بعينه . فماذا تريد مني ؟
هاك هذا الدينار الذهبي أجراً لنشر هذه المقالة في جريدتك ضد داهش . فمن كانت صحيفته تحمل هذا الاسم لا خوف عليها ولا هم يحزنون.
هو ما تقول . ولكني أرى غلواً فاحشاً في هذا المقال وسباباً مُبتذلاً لا أظنُّ أن شيطاني يستطيع مصاولة عباراته السفلية وتعبيراته الدنيئة . فمقال كهذا يلوث جريدتي ولا يستطيع غسلها إلا دينار ذهبي آخر يعيدها الى سابق عهدها .
أقسم لك يا صاحب ( الشيطان الرجيم) بأنني لا أملك الآن إلا هذا الدينار الرنان . وسل شيطانك الذي لا تخفاه خافية فينبئك الخبر اليقين عن ولكني اعدك منذ الآن بأنه عند نشرك هذا المقال الأول صدقي سأشفعك بشقيقه . كما أنني لن انسى إرسال توأم الدينار الذي أصبح ينعم بالدفء في جيبك المحصن إذن تم الاتفاق بيننا ؟
– نعم تم الاتفاق على أن لا نتفق إلا بواسطة الدنانير التي ستكون الرباط المقدّس الذي يشد بعضنا بعضاً.
وقطع هدير المحرك حديثهما . ثم انطلقت السيارة تنهب الريح وهي تطوي الفيافي طيا ووجهتها مدينة بيروت.
***
ورأي مؤسس العقيدة الداهشية برجال الدين لا يسرّهم بقليل أو بكثير فهو يحمل عليهم حملة ضارية شعواء ، مندِّداً بهم ، مفنِّداً ادعاءاتهم ، مظهراً تجاوزاتهم ، وواضعاً لهم النقاط على الحروف ، مُبرهناً للملا بأسره أنهم قد شطّوا عن الطريق القويم ، وانحرفوا عن الخطّ المستقيم ، ولم يترسموا خطوات السيد المسيح ، بينما يدعون بأنهم تلامذته رياء ، ولغاية في نفس يعقوب .
إن من يقرأ ما كتبه داهش في الفصول المتعلقة برجال الدين والمدرجة في « مذكرات ديناره » ، يُشده ويبده لما يقرأه عنهم مثلما شُدِهْتُ وَذَهِلتُ
لهذا فإني أحيل القارئ للفصول التالية ليقرأها « بمذكرات دينار » القيم :
في المطرانية ( صفحة ٢٦ ) – الكاهن طوم يؤبن المطران الراحل ) صفحة ٢٩ ) – سيامة الكاهن مطراناً ) صفحة (۳۱) – عند البطون ضاعت العقول ( صفحة) (۲۲۲) ظلموك أيها الثعلب المسكين (صفحة ٢٢٦) – بين مطران وراهبة ( صفحة ٢٣٠ ) .
كما إنه ندد تنديداً قاسياً ومُحقًا بالمدعي الاستئنافي العام ( يوسف شربل ) ، عندما كان بوظيفته القضائية هذه في عهد الشيخ بشارة الخوري خلال أعوام ١٩٤٣ حتى ١٩٥٢ ، وذلك بالفصل المزلزل الموسوم باسم (حاميها حراميها ) وهو من الصفحة ۲۱۰ حتى الصفحة ۲۱۲ . فهذا المدعي العام سخر منصبه لمحاربة الدكتور داهش، نزولاً على رغبة بشارة الخوري ، فلاحقه ملاحقة متواصلة شهوراً طويلة ، بفرضه رقابةً من رجال التحري الذين كانوا يتبعونه كظله ، وقد كانت تقاريرهم صفحة مجد وفخار عن مؤسس الداهشية ، رغماً عن مراقبتهم الصارمة له . فأسقط بيد بشارة ويوسف شربل – وإذ ذاك هاجمت داهش شرذمة من الرعاع مرسلة له لاغتياله بعقر منزله ، ففشلوا بغايتهم الإجرامية ، إذ أنقذه الله من مؤامرة أسيادهم الجانية . وتبع ذلك اعتقاله وسجنه بالظلم والعدوان ، ثم تجريده وتشريده .
ومن يود معرفة حوادث تلك الحقبة السوداء فليطالع الكتب السوداء التي دبجتها يراعة داهش ، فتنكشف له أسرار رهيبة هي لطخة عار في صفحة من اضطهدوه سجلت لهم حتى أبد الآبدين.
ثانياً - حَبَّكَةُ القِصَّة
بعيداً في عالم المناجم كانت قطعة من الذهب تعيش في سعادة وأمان وكانت الأعوام بعد أن تطوف حول العالم تمضي إلى المناجم راوية أغرب الأخبار عن شر العالم وشقاء الناس وعبادتهم للذهب . وقد اختلجت في قطعة الذهب هذه وفي أخواتها رغبة ليرين ما كُنَّ يسمعنه من أخبار الأعوام فاستُجِيبت رغبتهن بعد خمسة آلاف ومئة سنة .
وإذا سكينة العصور المحيطة بالمناجم يخرقها ، للمرة الأولى ، ضجيج الحفارات ، وهكذا أصبح عالم الذهب ، فجأةً ، مستباحاً لغزوة سكان الأرض . وهاجرت قطعة الذهب برفقة سائر أخواتها الى عالم البشر . وما أن وصلت الى سطح الأرض حتى رأت آلات ضخمة هائلة المنظر . وفي هذه الآلات وضعت قطعة الذهب ومن معها ثم خرجن دنانير ذهبية ، وهكذا اتخذت قطعة الذهب في تقمصها الجديد شكلاً مشوهاً جديداً ، شكل دينار .
ويتنقل الدينار من يد الى أخرى ، ومن مكان الى آخر ، راوياً لنا قصة اكتشافاته على سطح الأرض . فهو ينتقل من ملك انكلترا الى صائغ بخيل ، ويبقى مسجوناً في خزنته مدة طويلة ، الى أن يقع في أيدي لصوص استولوا بلحظة على المال الذي أمضى الشحيح حياته في جمعه . وكان من نصيب ( جلبرت ) أحد اللصوص . وفي الحانة التي يُمضي فيها جلبرت معظم وقته ، يُراقب الدينار باشمئزاز حياة الدنس والتهتك التي يعيشها الرعاع.
ثم ينتقل الدينار الى كتي ( عشيقة جلبرت) ، ومنها الى صائغ اسمه ( جيمس ) . وهذا الأخير يُغوي بكلامه المعسول وببعض المال إحدى قاصداته ، فتسلّم شرفها له . ويُصدم الدينار لاكتشافه مثل هذه الدناءات في العلاقات البشرية ، وإيثار الانسان المال على الفضيلة.
ولا يلبث أن يدخل أسقف الى حانوت الصائغ ، وينجح في خدع جيمس وبيعه صليباً بخمسة وعشرين ديناراً ، دفعت للاسقف ، وكان بينها الدينار الراوية . وفي دار الأسقفية يستمع الدينار الى المحادثات الحميمة التي تدور بين المطران وصديقه الكاهن ( طوم ) ، ويكشف لنا عن ريائهما.
وبعد أن ينتقل الدينار الى جيوب كثيرين من الناس ، كاشفاً عن حياة الشقاء التي يكابدونها ، يلتقطه حمارٌ عابر في الطريق ، بعد ان يكون قد وقع على قشرة برتقال من ثقب في جيب أحد باعة الثمار.
هوذا الدينار ، الآن ، في إسطبل الحمير يصغي لحكايات زملائه الكثيرة التي تعني ، من وجهة نظر الحمير ، إنسانية الحمير وحيوانية البشر.
في هذه الأثناء نشبت الحرب ، وصعق الدينار ما سمعه عن وحشية البشر .
ثم يُصبح الدينار في حوزة أحد الجنود ، بعد أن يكتشفه في بعض السماد ، وهكذا يرافقه في المعارك ويصف أهوالها . وبعدئذ ينتقل الى ملكية ( هدسن ) ، وهو ضابط في الجيش يُعيّن مُلحقاً عسكرياً لنائب الملك في الهند ؛ وهكذا تتاح للدينار فرصة استكشاف حياة الشعب الهندي ، ومراقبة كفاحهم السياسي من أجل الاستقلال . وللمرة الأولى يؤخذ الدينار بالاعجاب والاجلال لرجل حق : إنه غاندي الذي يُسجل الدينار نبذة عن حياته ومحاكمته.
وبفضل الخبرة التي حصلها هدسن في موضوع الثورة التي ألهبها الهنود من أجل استقلالهم ، عينته وزارة الخارجية ملحقاً بمكتب المندوب البريطاني في القاهرة ، وذلك بمناسبة نشاط الحركة الوطنية المصرية من أجل الاستقلال . فكان ذلك فرصة للدينار للاطلاع على التعليقات والوثائق السرية الخاصة بالمندوب البريطاني ، ولروايته ، بدقة المؤرخ ، تلك الوثائق والأحداث الخطيرة المتعلقة باستقلال مصر عن الحكم البريطاني في ذلك العهد.
وينتقل الدينار الى أيدي الكثيرين كاشفاً لنا عن وجوه حياتهم السرية ويسقط في البحر ويروي لنا مغامرات الحياة البحرية الخفية.
وعندما يعود ، ثانيةً ، الى اليابسة تتاح له مشاهدة موسوليني وهتلر ، فيسجل ملاحظاته عنهما وعن أحاديثهما
وفيما بعد سقط الدينار في مدينة القدس من إحدى السيدات اللواتي كن يقمن بحج الى الأراضي المقدسة ، فالتقطه رجل وضيع اسمه (عبدالرحيم الشريف الخليلي ) . وما لبث هذا الدنيء أن سلّمه الى محرِّر صحيفة في بيروت يرشوه به لينشر مقالاً ضد رجل يدعى ( شهاد ) أي داهش.
وفي بيروت ينتقل الدينار الى يدي هيروديا التي تفوز بالثراء بتحويل منزلها الى دار للقمار . وتأخذ هذه المرأة المتهتكة تحلم بايصال زوجها الى رئاسة الجمهورية.
ويتابع الدينار رحلته من يد الى أخرى حتى تنشب الحرب العالمية الثانية ، وإذ ذاك تتاح له الفرصة ، ثانيةً ، ليتحدث حديث المؤرخ عن جرائم هذه الحرب ، وعن ولادة الجمعية العامة والأمم المتحدة .
وهنا يقفز الدينار الى المستقبل ، ويصف لنا أوضاع الألمان وقد اخترعوا إحدى القنابل الشيطانية الرهيبة ( القنبلة الدفيلية ) ، وأجبروا جنود الحلفاء على الجلاء عن أراضيهم . ويُعلن الألمان وجود ابن لهتلر بينهم اسمه ( هلموت فون هتلر ) . ويصرّح هلموث في إحدى خطبه أن الذكرى الخمسين لوفاة والده ستكون يوم الانتحار الجماعي للبشريّة بأسرها .
ويُصبح الدينار ، أخيراً ، في حوزة عالم جيولوجي ينحدر الى منجم الذهب نفسه الذي كان الدينار ينتمي اليه ، علّه يكتشف فيه مكاناً بعيداً عن أخطار الحرب ، لكن سرعان ما تنفجر القنابل الرهيبة ، ويعود الانسان الذي هو من التراب الى التراب ، ويعود الذهب الى الذهب .
ثالثاً ـ تقويم نقدي
في فن أدبي كثير التنوع كالفن القصصي ، ليس بوسع النقد ، لأسباب عملية إلا أن يُصنف القصص في أنماط عامة . وجودة القصة يجب أن تقاس بمقارنتها بسائر القصص المنتمية لنمطها . لكن محاولتي في هذه الدراسة ستكون أكثر تحديداً وحصراً إن لم تكن أكثر اختلافاً عن معظم المحاولات التي اتبعت في تقويم القصة . فنقدي سيستهدف ، بالدرجة الأولى، فهم غاية المؤلف الكامنة وراء كتابته قصته ، ثم قياس مدى نجاحه او فشله في إدراك غايته بواسطة هذه القصة . وفي حجتي أنه باتباع هذا النهج النقدي نتحاشى إصدار أحكام اعتباطية على المؤلف ، إنما نزن كتابته بميزان مقاصده ، وليس بمقياس لا يمت الى أهدافه بصلة.
ولذلك سنعتمد بعض ما نشره المؤلّف او بعض ما كتب حول شخصه وأدبه للحصول على مزيد من الشهادات التي تُعزّز فهمنا لغاية المؤلف ، كما سنستند الى عدد من الكتب التي تُعالج طبيعة القصة بصورة عامة.
إنه لمن حسنات الفن القصصي أن يستوعب وينسق ضمن مخطط متلاحم واحد أغراضاً مختلفة ، ويدمج في هيكله عدداً من الأنواع الأدبية الأخرى مثل الرسائل ، والأغاني ، والتاريخ ، وغير ذلك . ونتيجة هذه الدراسة ستسمح لنا بأن نستشف من خلال « مذكرات دينار » نموذجاً لهذا النوع من القصص استخدمه المؤلّف ذريعةً ليؤدي لنا رسالته في العدالة والجزاء.
– الدينار الراوية
مع أن الوجه الجمالي من القصة ينبغي ألا يولى اهتماماً خاصاً إلا بقدر ما ينعكس على الموضوع العام ، فلا بُدَّ من دراسة الجانب الجمالي كوسيلة تجديدية في الكتاب .
أن يكون الدينار راويةً يقص ذكرياته لفكرة غير مألوفة ، لكنها وسيلة مناسبة جداً وجديدة كل الجدة في مؤلف روائي انتقادي.
وليس سوى إله بوسعه أن يمتلك معرفةً كلّية ما لم يدع ذلك الروائيون في قصصهم الخيالية . ولكن بما أن الروائيين ليس لديهم تبرير معقول لادعاء مثل هذه القوة واستخدامها في رواياتهم ، فقد أدخل المؤلف الدينار على مسرح أحداثه أشبه بحصان طروادي ليقتحم به الحواجز التي تحيطه ويكسب نصراً مبيناً . واذا ما جعل المؤلّف الدينار راوية قصته الكلي المعرفة ، فإنما ينسب القوة الى من يمتلكها حقا ، ينسبها الى إله يطيعه ويخدمه مئات الملايين من الكائنات البشرية . فمن هذه الوجهة استخدم الدينار كأداة عمل انتقادية لبناء هذه القصة الانتقادية.
ولا يتركنا الدينار لنستنتج بأنفسنا أو نتساءل عن معرفته الكاملة ، إذ إنه يؤيد كلامه بسلطان النبوة في نهاية الكتاب ، عندما يخطو خطوته الواسعة الى المستقبل ، ليروي لنا عن حرب عالمية ثالثة وأخيرة تحمل الإبادة للجنس البشري . وهو يعلن رؤيته للمستقبل بالكلمات الآتية : « إنها نبوءة لقد
تكلمت … (۲)
زد الى ذلك أنَّ الدينار بطبيعته معصوم عن الرذائل البشرية ، وهو بالتالي مؤهل تماماً في مؤلّف انتقادي ليشهر بأخطاء البشر وسيئاتهم.
وكما الحال مع غوليفر في أرض ( الهوينمز ) حيث – يبدو كل شيء ، عند المقابلة ، هائل الحجم ، هكذا تبدو الأشياء الأرضية هائلة إذا ما قورنت بقطعة الذهب الصغيرة ، وبامكان القارئ أن يلمس حس الغرابة في وصف الدينار – حسب رؤيته – لآلات سك النقود ، إذ يقول عنها إنها « آلات معقدة غريبة الأوضاع عجيبة الأحجام » (۳).
وبما أن الدينار يروي الأحداث كما يراها بمنظاره الخاص ، فإن كل تضخيم يبطل أن يكون تضخيماً ، وكل صورة جديدة يجب أن تختبر بطريقة مختلفة جديدة.
فقطعة الذهب الصغيرة تذكر قائلة :
“وسلطت علينا أنوار عجيبة من أجهزة غريبة ، فخطف بريقها المتألق أبصارنا وطغى على أنوار مادتنا “(٤) …
ثم تقول : « واذا بنا نشاهد البئر اللولبية الهائلة العمق التي حفرها هؤلاء البشر حتى بلغوا عاصمتنا المنيعة ) (٥)
وتصف عملية إدخالها في آلة سَك النقود بقولها : « ودفعونا في فوهة فولاذية فاغرة الفم » (٦)
ويدهشنا تصور الطائرة وتحليقها في هذا الوصف الجديد الرؤية للدينار ، إذ يقول : ( وفي الساعة المعينة ، استقل أفراد البعثة طائرة جبّارة ذات ثلاثة محركات ، فصعدت بهم في الأجواء العليا ، وراحت تشق بجبابرة جناحيها الهواء ، وتخترق مواطن نسور الفضاء ) (۷)
إن بين عالم الدينار وعالمنا تناقضاً حاداً . والدينار ، بابرازه هذا الاختلاف العميق ، يُدهشنا إذ يعرض واقعاً جديداً ممكن التحقق ، إنما تخفيه عنا ماجريات الحياة العادية المألوفة وحجاب العادات والتقاليد الصفيق .
لكن الراوية في ) مذكرات دينار ( ليس قصاص القرون الوسطى الكلاسيكي الذي يستهدف الدور الذي يمثله تسلية القارئ وإسداء النصائح الخلقية له ، بل هو البطل نفسه يروي لنا بلسانه ما يُصادفه من مفاجآت حياة جديدة تختلف كلياً عن عالمه الخاص ، وهي حياة ملوثة بالأدناس وبما تسبب من مآس يتولد بعضها من بعض . وبانتقال الخيط الروائي الى يدي البطل ، فإن القصة ، وإن تكن أخلاقية النزعة ، قد تحاشت الوعظ الخلقي الغير السائغ والمتصنّع الذي كان يقوم به القصاص غير المنخرط في وقائع القصة.
إنَّ البطل ليس كائناً بشرياً ، ولذا فهو غير مصاب بمساوى الناس والأخبار التي تحملها الأعوام عن الكائنات البشرية تبدو شديدة الغرابة للدينار . فهو يبدي دهشته وعجبه إذ يروي لنا أنباء السنين قائلاً :
فقد كانت تُحدثنا بأعجب الأنباء ، وأمتع الأخبار ، وأعنف الحوادث التي حدثت في خلال أيام إقامتها.
وكانت حوادث بعض الأعوام تتفوق على أحداث غيرها بما وقع فيها من فوادح الأمور وعظائم الشرور ) (۸)
ولا يسعنا إلا أن نؤمن بصدق الملاحظات التي يبديها الدينار علـى الصعيد الخُلقي بصفته ينتمي الى عالم طاهر بريء وسعيد هنيء .
٢ – رسالة العدالة والجزاء
إن السؤال الرئيس الذي ما زال يقتضي الإجابة عليه هو : « إلى أي حد ألقي الضوء على رسالة المؤلف في العدالة والجزاء التي هي محور قصة مذكرات دينار » ؟
إن في ما يرويه الدينار عن الحياة البشرية أكثر مما تراه العين . فميزان العدالة معلق فوق كل سطر من سطور القصة ، ولا بد له من أن يعود الى استقامته في آخر كل مرحلة من مراحلها . وفكرة العدالة تجلت منذ بداية الأحداث . فرغبة الدينار الملحة في زيارة الأرض ، وفي أن يستزيد بنفسه من المعرفة عن شرور الحياة البشرية كانت له معثرة ، إذ جعلته يتذوق ثمرة معرفة الشر المرة ، ذلك الشر المهيمن على الأرض . ولكن ، مع أن الدينار سقط في التجربة فإنه أصبح أشبه بإله . إنه لم يصر مساوياً الله في أي حال ، بل غدا إلهاً خلقه جشع الانسان ودنسه . ومثلما أنَّ الحجر يكون بريئاً من دم الأطفال الذين يضحيهم عليه الآباء الوثنيون ، هكذا الدينار ، فإنه بريء من الجرائم التي يقترفها البشر من أجله .
إن قصور الدينار وعجزه عن القيام بأي عمل لأمر كثيراً ما يردد ، بحيث يُصبح أشبه بلازمة في القصة . فهو يُظهر نفسه حزيناً يائساً إزاء المنكرات شأنه شأن الضحايا الآخرين . فالأرملة التي دفعتها الظروف المتآمرة الــى الأسقفية تطلب فيها المعونة ، سرعان ما طُردت منها غير مصحوبة إلا ببركة الأسقف ! وكأن الدينار كان يرغب في أن يقفز الى كف الأرملة ليساعد على مؤاساتها ، فإذا به يقول :
وكم كنت أتمنى أن تحدث أعجوبة سماوية تمكنني من الصياح لأملأ أرجاء المكان قائلاً :
أيتها المرأة المسكينة ، إيّاكِ أن تُصدقي هذا المطران الكاذب ، فإنَّ خزانته مكدسة بالذهب الوهاج.
ولكن المعجزة لم تتم…
وهكذا انصرفت المرأة الفقيرة وهي كسيرة القلب حزينة النفس (9)
وغالباً ما تغمر الدينار رغبة عارمة لمعاقبة أثيم ما ليعود فيرثي لعجزه عن تنفيذ رغبته . فعندما استعاد ) پول ( صاحب متجر الفاكهة الدينار من جيب ( لوسي ) المنتحرة ، هتف الدينار بنفسه : “
فتمنيت لو كان لي أسنان حادة قاطعة كي أنشبها في كف هذا اللعين غارساً إياها في لحمه ، مقضقضاً عظمه . ولكن ماذا تجديني هذه التمنيات ما دام الله لم يمنحني مثل هذه القواطع” ! (١٠)
ومرة أخرى يؤكد الدينار رغبته في اختراق كف پول إذ يكون قابضاً عليه ، فيقول :
“فتمنيت للمرة الثانية لو استطعت تمزيق كف هذا الشرير . . . ولكن كيف يمكنني تنفيذ فكرتي ، وأنا لا أملك الوسائل التي تكفل لي تنفيذ ما أتمناه ؟” (١١)
ويزهق الدينار من حجزه في صندوق البخيل إذ يقول :
وعندما تذمرت من استمرار حبسي بعد أن ضقت ذرعاً من هذا السجن القسري . . . » (١٢) . لكن الدينار لا يستطيع أن يفعل أي شيء لتغيير نصيبه من الحياة ، حسبما ينصحه زملاؤه.
حتى في ذروة « ثورة الدينار الكاسحة » ضد الصيدلي ، فهو يقر بعجزه عن تحقيق رغبته المتأججة بقوله :
“ولو كان بامكاني سحق هذا الشيطان القاطن في عالم الأرض لكنت مثلت بجسده النتن ولنكلت به تنكيلاً تتحدث به الأجيال الآتية برعب مروع”. (۱۳)
إنَّ الدينار الذي رفعه البَشَرُ إلهاً ، عليه أيضاً ، شأن عابديه ، أن يؤدي حساباً عن آثامه . فرغبة الدينار الأثيمة في أن ينتقل الى عالم البشر الوضيع سببت له أن يحكم عليه بجحيم الشر في الأرض ، وذلك بعد خمسة آلاف ومئة من السنين.
والجزاء النازل بالدينار هو جزء من خطة المؤلّف الهادفة الى إبراز إيمانه بنظام معقد لعدالة كونية ، عدالة عميقة الى حد أنها تشمل رغبات الفرد وأفكاره الخفية ؛ وهذا النظام الكوني العادل ليس محدوداً بزمان معين ، بل هو يُحيط بالأزمان كلها.
إنَّ القانون الطبيعي الذي يجعل الانسان يحصد ما يزرعه إنما هو مظهر من مظاهر العدالة الكونية . فالأحبولة التي يعدها صاحب المكيدة لغيره تصبح الأداة نفسها التي يشنق بها نفسه . لقد ألقى المطران شبكته ليصطاد بها المزيد من المعونات المالية من الحكومة ، لكنه علق بشبكته ، ولم يستطع الافلات من الفخ الذي نصبه بيديه.
لكن أعمال العدالة الإلهية لا تكون دائماً خارج متناول الادراك البشري . فأحياناً يمكن تكوين صورة جليّة عن هذه العدالة المتناهية في دقتها حتى من ظروف الحياة اليومية المألوفة . وقد يرى الكاتب أن لا سبيل يجعل مفهومه للعدالة أقرب لمداركنا وأوضح في أذهاننا أفضل من إدخاله في قصته نماذج من وقائع الحياة اليومية . ففي الفصل المعنون « العدالة الإلهية المراقبة » نرى أن خيانة ( هلدا ) لصديقتها باقامة علاقات غرامية مع زوجها كان لها ما يعادلها في إقامة هذه الصديقة ، في الوقت نفسه ، علاقات غرامية مع زوج هلدا . والأمر المفاجئ هو أن صديقة هلدا لم تحصل وحدها على دينار ذهبي لقاء هذه العلاقة ، بل إنَّ هلدا أيضاً حصلت على دينار ذهبي ، وإن يكن من الكاهن طوم .
وحكاية اللورد وزوجة رئيس ( جمعية الرفق بالحيوان ، مع حكاية ابنة اللورد ورئيس خدَمِهِ هما أيضاً فلذتان من الحياة الواقعية أدرجتا في سياق القصة لتزيدانا يقيناً بوجود نظام كوني للعدالة ، ولتثيرا فينا الدهشة حيال هذا النظام . فقد جعل اللورد من الاسطبل مسرحاً لعلاقاته الغرامية مع زوجة ضيفه ؛ لكن الإسطبل كان في الوقت نفسه المكان الذي مارس فيه رئيس الخدم الحب مع ابنة سيده اللورد . وهذه الحكاية القصيرة الأخيرة ( ابنة اللورد ورئيس الخدم ) تبدو كأنّها تُعرقل سياق القصة الطبيعي ؛ فوظيفتها تنحصر في إقامة التعادل مع حكاية علاقة اللورد الأثيمة بزوجة ضيفه ، من أجل أن يستقيم ميزان العدالة.
إنَّ هذا الاستخدام المتعمَّد للصدفة في القصة يمكن أن يُسيء الى هيكلها الروائي لو لم يُدرج موضوعها كذريعة من ذرائع المحور القصصي.
فما يُسمّى ويُعرف ، عادةً ، ( بالصدفة » يجب ألا يُفسر ، هنا ، كضربة عمياء من ضربات الزمن ، بل كمظهر يتجلّى من مظاهر عدالة كونية لا تخطى . فالصدفة في ( مذكرات دينار ) – كشأنها في بعض القصص الفلسفية الموجهة – يجب أن تفهم على أنّها حلقة متصلة بسلسلة من العلاقات السببية تبعاً لنظام فكري يؤمن به المؤلف.
وبصورة عامة ، رُتَّبَتْ أحداث ” مذكرات دينار ” ترتيباً من شأنه أن يُذكر دائماً بفكرة المؤلّف عن العدالة . فحتى التفاصيل التي تبدو تافهة في القصة إنما أدرجت لتوجيه انتباهنا الى نظام كوني شامل . مثال ذلك أن الدينار يروي لنا أن القاضي ( نديم ) أصدر حكماً ظالماً ضد امرأة فقيرة ليشبع حقداً شخصياً يكنه لها . ولا نلبث أن نعرف أنَّ هذا القاضي قصد طبيباً للعيون ، بعد بضعة أيام ، ليفحص عينيه ويبتاع نظارات جديدة بسبب ضعف شديد مفاجئ طرأ على بصره.
إنَّ هذه النادرة وكثيراً من أمثالها في القصة إنما قدمت كدليل من الحياة الواقعية على صحة معتقد المؤلّف في وجود قانون كوني للسببية . فالضعف المفاجئ الذي أصاب نظر نديم ينبغي أن يُنظر اليه كحكم عادل صادر عن الناموس الكوني اللامنظور بسبب حكم القاضي الظالم ضد المرأة البائسة.
ومن أجل أن يُقدّم لنا المؤلّف صورةً عن واقع الكون بعيدة عن صورته الفوضوية التي في أذهاننا فإنه يُطلق في مذكراته » أمثلةً متتابعة يمكننا أن نكون من خلالها فكرةً سريعة عن التدبير الالهي للنظام الكوني العادل فليس ثمة قدر سابق يحكم حيواتنا ، ذلك بأن نظام العدالة يقضي أن يكون كل منا هو الذي يكون مصيره بنفسه . فالضعف الشديد الذي أصاب نظر ندیم فجأةً ليس إلا دلالةً ـ حسب اعتقاد المؤلف – على أن المصائب والأمراض التي تحل بنا نكتبها نحن بأيدينا على أنفسنا.
وفي الواقع فإن أحداث ( مذكرات دينار » جميعها تطرق موضوع الظلم على الصعيد الفردي والقومي والعالمي مقارناً بالعدل المقام بتدبير إلهي .
ولذلك فصورة الظلم لا يطرأ عليها أي تحسن عندما يتعرض الدينار للعدالة في المؤسسات القضائية . فهذه المؤسسات صورة عن المتولين شؤونها . وغالباً ما تكون المحاكم مرآةً لفساد المجتمع بدل أن تكون أجهزة للتأديب او لاصلاح المفسدين . والقاضي نديم مثال على ذلك.
ثمة أيضاً حادثة الفتاة التي دفعتها رغبتها في أن تنقذ حياة أخيها الى أن تكون ضحية لدناءة الصيدلي . وإذ فقدت إيمانها بالحب والعدالة الانسانيين أقدمت على الانتحار ، مخلّفةً رسالةً موجهة الى السلطات المخولة تطبيق العدالة في المجتمع . ومفادها أنَّ الشرائع غالباً ما تكون مهزلة العدالة ، لأنَّ رجال القانون يُطبقونها ( على الضعفاء دون الأقوياء ، والفقراء دون الأغنياء (١٤) . والمحاكم ليس لها أية قوة في أن تعيد الحقوق الى أصحابها المظلومين . تقول الفتاة المنتحرة في رسالتها :
“إن دساتيركم تقدس القوي الذي ينتزع اللقمة من فم الضعيف وتمجد الغني الذي يطأ رقاب الفقراء ويسخرهم لارادته . كما أنها تعجز عن وضع المجرمين أمثال الصيدلي النذل في قفص الاتهام “(١٥) . وحدها الكلمات الخارجة من فم الحاكم المستبد تصبح القوانين المطبقة والنافذة تماماً وليس ثمة أي أمل ، في المستقبل ، بأن تُهيمن العدالة على المجتمع ، ما دام الحاضر ليس أفضل بعدالته من الماضي . والرسالة تعبر عن هذه النظرة القائمة بالكلمات التالية : « ولكن لا يسعني أيضاً إلا الاعتراف بالواقع الملموس ، وهو أن هذه القوانين مكثت وستمكث حبراً على ورق حتى الأبد (١٦) . لكن العدالة السماوية هي تعزية الفتاة الشهيدة التي تجعلها أكثر رضى بموتها منها بحياتها . كانت كلماتها الأخيرة : « وعندما عزت علي العدالة في أرضكم الفاسدة نشدتها في الموت ، لأنني سأجدها بانتظاري هناك عند الله (۱۷)
ويزور الدينار ، أيضاً ، أعلى مؤسسة دولية ، فيرى أن عدالة الأمم المختلفة ، بعضها تجاه بعض ، قد سلم أمرها الى السياسيين ، وأن أسمى المثل العليا المرجوة لعالم عادل حر – حسبما تلخص في أعلى مؤسسة عالمية ، أي منظمة الأمم المتحدة ـ يُمكن أن تحمل أي معنى ، هذا اذا كانت نيات السياسيين طيبة ؛ لكن هذه الطيبة لا يلمس الدينار لها أثراً ويجعلنا الدينار نفهم ظلم السياسيين الكبار الفادح من استمرار وجود الأمم المستعبدة والحروب.
ويرى مكنزي وجلبرت في محاوراتهما الطويلة أن الحروب هي من اختراعات السياسيين . فباسم العدالة يرتكبون جميع أنواع المظالم .
لكن العدالة لا تعني العقاب فقط ، بل المكافأة أيضاً . فالشاب الذي انطلق في سبيله باحثاً عن عمل يُمكنه من ابتياع دواء لأمه المريضة المسنة حياه الدينار الساقط عليه من النافذة بعد أن قذف به صديق جيمس الناقم على زوجته الخائنة (١٨).
وبالرغم من أنَّ الدافع الخُلُقي الإصلاحي هو الذي كان يُحرك الكاتب في إنشاء قصته أكثر من الدافع الفنّي الجمالي ، فإنه لواضح أن القصة لا تفتقر الى ذرائع فنّية تستخدمها حفاظاً على استمرار التشويق الروائي ومثلما يعود ( أوليس ( في الأوذيسة الى وطنه بعد رحلة تتخللها أعجب الأخطار هكذا يعود الدينار . لقد كان انطلاقه من المنجم بداية سفرته وعودته اليه نهايتها . ويُخالجنا شعور إزاء الدينار وهو في رحيله على سطح الأرض أشبه بشعورنا إزاء صحن طائر قادم الينا من عالم آخر . فالدينار ينتمي الى عالم سعيد يختلف عن عالمنا كل الاختلاف . فهو يصف وطنه بأنه « تكتنفه المهابة ، ويحتاط به السكون الأبدي ، والصمت السرمدي (١٩) . وكانت حياة الدينار يغمرها صفاء وطمأنينة عظيمان حسبما يبدو من كلماته التالية :
“فالكرى المعسول ألقى علينا إكسيره السحري ، فاستسلمنا لسلطانه العذب ، وغرقنا في محيطاته العجيبة ، وجعلنا نُحلّق في فراديسه الغريبة ” (٢٠)
إنَّ هذا المقيم السعيد في الربوع الذهبية لا بد من أن تبدو الأرض لعينيه كمنفى محكوم بالشقاء والعذاب . ولذا فهو يكتسب عطفنا ويستثير اهتمامنا.
ونحن نسمع ، على الدوام ، بأخبار مغامراته الجديدة ، ولا تضيع آثار خطواته . ذلك بأنَّ جميع الحكايات ، على تعددها وتنوعها ، تنتظم ضمن القصة الواحدة في سلك واحد من الفلسفة الخلقية.
وتتوشح لهجة الدينار بالسخرية تارةً وبلمعات الفطنة طوراً ، وتتنوّع في نماذج مختلفة من التشابهات والتناقضات . فإننا نلمس سخرية مثيرة في كلمات العرفان بالجميل التي يُوجّهها الشقيق المريض للمفضل الطيب الذي يتخيل أنه مد شقيقته بالنقود لتبتاع الدواء ومختلف أصناف الفواكه . كذلك نلمس سخرية مأساوية في موت شقيقته إثر ابتلاعها عشرين قرصاً منوماً كان يستخدمها شقيقها لتلطيف آلامه . كما نرى السخرية في الحكاية نفسها متمثلة بوضع الشقيقة المنطرحة ميتة ، بينما يُهدد رجال الشرطة باقتحام المنزل بالقوة وفتح الباب عنوةً ، لأخذها الى المحقق وربما الى السجن.
– الصيغة الملحمية
إن كتاب ” مذكرات دينار ” ينبغي أن يُصنَّف كقصة ذات نمط ملحمي خاص يتناول الحياة البشرية والمجتمع الانساني كله بنظرة واسعة شاملة .
ولذا ، فمن الطبيعي أن نجد في تركيب الكتاب مزيجاً عجيباً من مختلف الاساليب الفنية والمؤثرات البيانية.
ويلاحظ في بعض فصول القصة عنصر تصويري واقعي . ففي الفصل المعنون « في بلاط أحد الملوك ) (۲۱) ، يصف الدينار مشية السياسيين الوافدين الى القصر الملكي وملامح وجوههم وما تعكسه من خصائص طباعهم . هذا الحكم السيكولوجي على طباع الناس بالاستناد الى تصرفاتهم وتعبيرات مظاهرهم نجده مطبقاً في فصل آخر من القصة يُظهر فيه المؤلف الخصائص النفسية التي تُميّز الشعوب بعضها عن بعض (٢٢).
ومع أن المؤلّف يُعالج مثلاً عليا رومنسية ، فهو يحقق غايته بعرضه المفاسد الاجتماعية عرضاً واقعياً . فأحداث الحياة اليومية العادية المدرجة في القصة استخدمها المؤلّف مادة يُثبت بها معتقده في وجود ناموس كوني لعدالة سرمدية . وفي الكتاب أيضاً شبه واقعية تتفق مع مدى الصدق التاريخي لأحداث القصة ، فضلاً عن عرض للوقائع يشبه التسجيل اليومي لها ، إذ إنَّ الكثير منها حدد حدوثه باليوم والساعة .
ومن الجدير بالذكر أنَّ عدداً من الاشخاص في القصة هم أناس عاشوا في الواقع وعرفهم الناس . فالمستنطق نديم ويوسف القاضي اللذان عُرض بمسلكهما الفاسد وتجاوزاتهما للقانون في القصة هما في الواقع الإسمان الأولان لقاضيين معروفين اشتركا في المؤامرة على الدكتور داهش في مرحلة اضطهاده (۲۳)
كذلك فهيرودس وهيروديا الشخصان اللذان جمعا ثروة كبيرة بتحويل منزلهما الى دار للقمار من أجل ان تُتيح الثروة لهما سبيل الوصول الى رئاسة الجمهورية هما اسمان رمزيان لرئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق بشارة الخوري وزوجته لور . هذه التهمة نفسها بجمع ثروة من القمار وجهت الى بشارة الخوري في أحد الكتب السوداء (٢٤).
كما إن زعيماً دينياً كان بين رجال الدين الذين شنوا حملة اضطهاد على المؤلف يحمل الاسم نفسه الوارد في القصة ، مع بعض التحريف . إنه المطران ( مبروك ) الذي وصف في القصة بأنّه لص جعل من بيت الرب مغارة له ولزملائه اللصوص.
أن يكون ” مذكرات دينار ” ملحمة لأمر يكاد لا يحتاج لإثبات . فالدينار يُحيط مسرحه بالأرض كلها . وهو يرفع الحجب عن مفاسد البشر كما عن الآلام الناتجة عنها.
وقد نجح المؤلف في إضفاء الصبغة العالمية على موضوعه بجعله أشخاص قصته يمثلون النوع البشري عامةً . وإنما أعطاهم أسماء معينة للضرورة القَصَصَيَّة ؛ ومعظمهم يُعرفون بأسماء مهنهم ؛ فالشخص لا يُمثل نفسه الفردية بقدر ما يمثل مهنته بصورة خاصة والبشرية بصورة عامة.
ونجد في القصة ، فضلاً عن الأشخاص الذين يمثلون الأحداث اليومية العادية ، شخصيات تاريخيّة جدّ بارزة . فغاندي يحتفظ بمزية البطولة في القصة . وحركته التي استهدفت تحرير الهند روحيا وسياسيا قد وصفت في بعض تفصيل . ووثائق محاكمته تُظهر صورته البطولية مثلما تصف سائر وقائع حياته.
وفي الجانب الآخر ، وعلى النقيض من غاندي ، مثلت الخيانة في أحد الأشخاص تمثيلاً بولغ في إبرازه الى حد جعله مساوياً ليهوذا الاسخريوطي في التاريخ . هذا الشخص كان صديقاً للدكتور داهش ، لكنه خانه فيما بعد مثلما خان الاسخريوطي السيد المسيح . وقد ذكر في القصة باسمه الواضح الكامل : عبدالرحيم الشريف الخليلي الخائن المطرود . ومن الخصائص الملحمية البارزة في القصة موضوع الحرب . فقد أحيا المؤلف وقائع حربين عالميتين بما فيهما من المآسي.
وإذا ألقينا نظرةً كلية على القصة لرأينا أسلوبها يتنوع تنوع الأغراض الأدبية المتعددة فيها . فالأناشيد التي تمتدح وتدافع عن الشرف والعفة ، كما الخطب الطويلة ، تبدو كأنّما أوحتها الروح الفنّية نفسها التي أوحت في الماضي الأناشيد لشعراء الملاحم الكلاسيكية.
فالتاريخ ، وفن الرسائل ، والأمثال التي ينخرط في وقائعها الانسان والحيوان ، جميعها وغيرها من الأنواع النثرية الفنية تميز أسلوب « مذكرات دينار »
وإنه ليصح أن ننظر الى معظم فصول ) مذكرات دينار » كمجموعة من الأمثال القصصية ، وحكمة كلّ مثل كائنة في كل فصل . وعناوين الفصول أسطورة الخ أمثال : « غيرة مصطنعة » ، « هذه هي العدالة » » ، « الطهارة » ، « أ الصدق » ، « عدالة الفقر » ، « نذالة ونبالة » ، « البخل المتجسد » تلقى معانيها موضحة بحكاية بسيطة مستمدة من واقع الحياة.
والمثل القصصي يمد جذوره في الأديان و « مذكرات دينار » يستوي في دائرة المؤلفات الدينية ، ويكتسب أبعاداً ملحمية أكثر بمشاهده الأخيرة ذات الطبيعة الرؤيوية المفجعة . فالدينار ينطق بلغة النبوءة في نهاية الكتاب . إذ إنه في ومضة من الزمن ، وبمناسبة الذكرى الخمسينية لوفاة هتلر ، يُنفذ ابن هتلر تهديده للعالم ، وهو تهديد تلقى وصفه في الكتاب ، ويرمي الى شن حرب عالمية نووية تقضي على العالم قضاء تاماً.
ويُختم ” مذكرات دينار ” بطريقة دائرية تتَّصل فيها النهاية بالبداية .
فالدينار يصبح في حوزة عالم جيولوجي ، وبعد أن يسمع هذا العالم تهديد هلموث فون هتلر – ابن هتلر – يبحث عن ملجأ له في المنجم نفسه الذي استخرج الدينار منه . لكن الانفجار يزلزل الأرض ، وإذا البشر الذين من التراب يعودون الى التراب ، كما يعود الدينار الذهبي فينصهر مندمجاً بتربته الأم .
حقا ، لقد عاد الدينار ، رمز الذهب ، الى عالمه ، لكن بعد أن سجل مصيرنا المفجع.
(1) غازي فؤاد براكس – جبران خليل جبران : دراسة تحليلية – تركيبية لأدبه ورسمه وشخصيته . أطروحة دكتوراه ) بيروت ، دار النسر المحلق ، ١٩٧٤ ) ، ص ٥٠٤ – ٥١٥ . إن هذه الدراسة كانت المرجع الأول لمعلوماتي عن حياة المؤلّف بملحقها المسمّى : « دراسة جبران النفسية على ضوء المبادئ الداهشية » .
(۲) الدكتور داهش – مذكرات دينار ، بيروت ١٩٤٦ ، ص ٢٧٩ .
(۳) مذكرات دينار ، ص ۱۸ .
(٤) المصدر السابق ، ص ١٦ .
(٥) المصدر السابق نفسه
(٦) المصدر السابق ، ص ۱۸ .
(۷) المصدر السابق ، ص ۸۱ – ۸۲ – .
(۸) المصدر السابق ، ص ١٤ .
(۹) المصدر السابق ، ص ۲۷
(۱۰) المصدر السابق ، ص ٤٥ .
(۱۱) المصدر السابق ، ص ٥٠
(۱۲) المصدر السابق ، ص ۲۱ .
(۱۳) المصدر السابق ، ص ٣٩ – ٤٠ .
(١٤) المصدر السابق ، ص ٤٨
(١٥) المصدر السابق ، ص ٤٩ .
(١٦) المصدر السابق ، ص ٤٩
(۱۷) المصدر السابق ، ص ٤٩ – ٥٠
(۱۸) انظر المصدر السابق ص ٣٤ – ٣٥ .
(۱۹) المصدر السابق ، ص ۱۳ .
(۲۰) المصدر السابق ، ص ۱۳ .
(۲۱) انظر ( مذکرات دينار ، ص ۲۰ – ۲۱
(۲۲) انظر الفصل المعنون ( پسيكولوجيا الجنسيات » ، ص ۸۸ – ۹۱ .
(۲۳) ماري حداد : الكتاب الأسود ، بغداد ١٩٤٥ ، ص ٥ . وقد ذكر فيه أن القاضيين هما يوسف شربل ونديم حرفوش .
(٢٤) المصدر السابق ، ص ٤٠ .
في الزريبة مع الحمير
وجعلت أصغي لحوادث الحمير الطريفة يقصّها جديدهم لعتيقهم ليعود القدماء منهم فيسردون ما وقع لهم .
وهكذا كانوا يقطعون ساعات الليل في استعراض أمسهم الغابر ويومهم الدابر .
فقال الحمار الذي أقطن في جوفه لزميله وهو يقضم الحشيش ويزدرد التبن :
– كيف كان يومك ؟
فأجابه الحمار الآخر – ويظهر أنه كان هزيلاً للدرجة القصوى ومريضاً وهذا ما استنتجته بالنسبة لخفوت صوته وبحّة غير موسيقيّة ممتزجة في أوتار حنجرته مما يدع الآذان تتأذى من وقع صوته المنكر – قال :
– لقد كان يومي أسوأ منه بالأمس . فإن مالكنا الظالم (جسب) لم تأخذه بي رأفة وأنا المريض منذ شهر . ومع أن واجبه يقضي عليه بإطعامي بعض الشعير فإنّه لم يفعل بل استمرّ على تقديم الحشيش التافه الثمن مع مقدار ضئيل من التبن كان يضعه أمامي كلّ ثلاثة أيّام .
فأجابه الحمار الذهبي البطن :
- خفّف عنك قليلاً يا صديقي فإنّ أمرك أصلح مني أنا الذي أتحيّن الفرص لالتقاط أخسّ نفايات الشوارع كي أملأ بطني الخاوي . وإلاّ لكان يقضى عليّ من الجوع .
وارتفع صوت حمار ثالث فقال :
- أمّا أنا فقد استأجرني منذ عام أحد المزارعين كي أنقل له عشرة أحمال من الكرنب . وساقني إلى مزرعته . وإذا بالمئات منها ملقاة تنتظر نقلها إلى السوق . فلم أستطع التغلّب على شهوة القضم والبلع من هذا الطعام الشهي … وما كدت أدخل (كرنبة) بين شدقيّ المتلهفين لاحتضانها بشوق وعجنها بين أضراسي حتى فوجئت بضرب أليم جدّاً أنساني لذّة طعمها السكّري الشهي .
واستمرّ هذا المزارع الوحشي القلب يهوي بعصاه الصلبة الغليظة على أم رأسي وظهري ورجلي وجنبي حتى خلت أن عظامي قد دقّت دقّاً واستحالت إلى عجين ليّن . وأصبت بكسر خطير في ترقوتي . وعطبت أربعة من ضلوعي . واستحال طعم (الكرنبة) التي حشوتها في فمي إلى الصاب المرير والعلقم المثير …
فاهتجت وطار صوابي . ولهول ألمي اندفعت إلى ذلك الشرير أقضم ذراعه ، وأنهش بأضراسي رأسه ، ثم عجنته ورفسته وأطلقت ساقيّ للريح وعدت إلى زريبتي بعد أن غادرت جلادي يعالج سكرات الموت .
وبهذا أعطيته درساً لا ولن ينساه بوجوب التقيّد بآداب الحمير . وأكمل هذا الحمار الذكي روايته قائلاً :
- عندما شاهدني صاحبي (جسب) عائداً بمفردي تولاه العجب فإنطلق إلى المزارع ليستطلع الخبر . وإذا بمناحة . وأستقبله سكّان المزرعة بعصيهم الغليظة وهراواتهم المدببة الرؤوس . ولو لم يصادف مرور أحد الشرطة لكان قضي عليه . فحمل إلى المستشفى بين حي وميت . ولم يغادر المستشفى قبل أربعة شهور قضاها يتقلّب على فراش الألم المستمرّ وخرج في نهايتها بعاهة لم تنجع فيها حيلة الأطبّاء إذ حضر بعين واحدة . لهذا ترونه يا رفاقي الأعزّاء يرمقني بها شزراً عندما يزور الزريبة .
وسمع صوت حمار فتي منتظم النبرات وهو يقول :
– ليتك تخطف (كرنبة) ثانية علّه يفقد عينه الثانية .
وأكمل مداعباً :
- أم ربما يغادر هذه الفانية فيريح ويستريح .
ويظهر أن هذه المداعبة المليحة أعجبت الحمير مثلما أعجبتني …
فضجّوا ضاحكين صاخبين . ولو استطعت لشاركتهم في الضحك . ولكن … أين الحنجرة التي تساعدني ؟
وارتفع صوت متزن ظهر لي من براعته في الأسلوب أنه شيخ محنّك عرك الأيام وعركته وحلب من الدهر شطريه بل أشطره . فقال :
- أما أنا فقد كنت قبل أن أنتقل إلى مالكنا الجديد – الذي أصبح أعور بفضلك أيها الزميل – ملك أحد اللوردات الذين يهوون غواية إقامة حفلات يتسابق فيها الحمير . وقد ابتاعني من قروي وأنا في السنة الأولى من عمري وسلّمني للمدرّبين .
فبرعت في فنون السبق . وأكسبته جوائز التفوّق في حلبات السباق ستّ مرّات متواليات . وهذا ما دعاه أن يغدق عليّ عطاياه السنيّة السخيّة مما كان يقدّمه إليّ من أنواع الأطعمة الشهيّة . حتى السكّر الثمين ، كان يطعمني إيّاه بيده .
وكنا اثني عشر حماراً في الزريبة . ولما شاهدوا معاملتي الممتازة دبّت الغيرة في قلوبهم . وتآمروا على الإيقاع بي ، مقتبسين هذه الرذيلة مما كانوا يشاهدونه من مؤمرات البشر وإيقاعهم ببعضهم البعض بدسائسهم المتواصلة في سبيل أذيّة إخوانهم . وهذا ما حفّزني أن أقوم بينهم خطيباً وأنصحهم بإخلاص خوفاً من وقوعهم في هذه الجريمة النكراء ، وتخلقهم بأخلاق البشر ونسيانهم لنبالتنا الرفيعة نحن معشر الحمير .
ولما كان عنصرنا غاية في الشهامة ، وتربيتنا الأساسيّة بالغة المتانة ، أصاخوا لي سمعاً وندموا ندماً بالغاً . واعترفوا بخطاياهم ، ثم أقسموا على التوبة الصادقة . فعفوت عنهم وشكرتهم .
وماذا أحدثكم يا زملائي الأعزّاء عن المآسي التي كنّا نشاهدها تمثّل على مسرح هذه الطبقة التي يطلقون عليها لقب “النبلاء”!…
هذه الطبقة التي تدّعي بأنها متحدرة عن دماء شريفة …
هذه الفئة التي تزعم أنها أرفع من طبقات الفقراء والمساكين …
هذه الجماعة التي تفاخر بأنها من طبقة الشرفاء وهي لا تعرف من الشرف سوى اسمه …
ففي إحدى ليالي الربيع المقمرة فتح باب الزريبة . وكانت الساعة التاسعة مساء .
وتقدّم (اللورد) من مكاني وبجانبه إحدى النبيلات القادمة من (اسكوتلندة) لتقضي في ضيافته أسبوعين . فانتخبني مع زميل لي حديث السن وجعل يربت بيده على ظهري مداعباً ومشجعاً .
وعندما قادني الخادم إلى خارج الزريبة امتطاني اللورد مثلما امتطت النبيلة ظهر زميلي . وانطلقا بنا نحو الريف كي يتمتعا بمشاهدة الأشجار الكثيفة وهي تعانق أشعّة البدر الفضيّة . واتجهنا نحو الغابة وتخللناها .
ولم ألبث أن ذعرت عندما سمعت عبارات المغازلة البذيئة التي سمعتها بإذنيّ الطويلتين المرهفتين عندما كان هذا اللورد المنتحل النبالة يلقيها على تلك (النبيلة) التي كانت تقهقه طروبة لما تسمع من فاحش الاستعارات التي يأنف من التلفّظ بها كل متمسّك بأصول الفضيلة وشرف الضيافة ….
وقد شجعت ضحكات النبيلة المستهترة اللورد . فخلع عنه عذار الحياء ، وطرح عنه وشاح الشهامة … وإذا بعبارات خدشت فضيلتي فلم يسعني إلا أن أعلن استنكاري . فأطلقت العنان لنهيقي كي أمنع بلوغ صوته المتصابي إلى أذن الضيفة الصبيّة .
ولما ضاق اللورد بي ذرعاً أهوى على مؤخرتي بعصاه ذات القبضة الفضيّة الموشّاة بالذهب .
فأخرجت من حنجرتي صوتاً خاصاً نفهمه نحن الحمير وأنتم تعرفونه مثلي . ففهم زميلي الحمار إشارتي وإذا به يحرن ، ثم يتقاعس عن اللحاق بي ، بينما انطلقت أنا بكلّ قواي مخترقاً الغابة المتشابكة الأغصان … وعبثاً ذهبت محاولات اللورد في إيقاف نشاطي فكأنني في حلبة السباق .
وبعد نصف ساعة وقفت بعد أن أمنّت لرفيقي فرصة العودة إلى القصر . وبعد أن أضعت على اللورد فرصة تبذله الجميلة .
وعاد اللورد الحانق يبحث عن رفيقته الضالة في أحشاء الغابة وهو يشتمني بغيظ شديد وأنا أتصنّع الغباء كي لا يبطش بي ….
وبعد أن نقّب الغابة ساعات متعددة دون جدوى عاد إلى القصر . وكان الليل قد آذن بالانتصاف . وإذا بالنبيلة طريحة الفراش للرعب الذي استولى عليها عندما قفز بها حمارها قفزات شيطانيّة عائداً بها إلى زريبته .
وما شاهدت اللورد حتى راحت تلعن الحمير ، ومن يقتنون الحمير … ومن يركبون الحمير …
فقال لها اللورد وهو يهديء من ثورتها ويلطف من حدّة أعصابها :
- إنني لفي حيرة مما حدث … فلو كانت الحمير تفهم مثلما يفهم البشر لقلت أن هناك مؤامرة تمت على حسابنا ولكن … أنّى للحمير أن تفهم !
وفي صباح اليوم الثاني زارني اللورد ، وأهوى على مؤخرتي بعصا غليظة آلمتني .
وقبل أن يغادرني رفسني على مؤخرتي عدّة رفسات قويّة كي يشفي حقده ، ويبرّد نيران غيظه لإفسادي نزهته الليليّة .
وتفشّت سورة الغضب في صدري ، وأحببت أن أثأر لنفسي … ولكنني كظمت غيظي خوفاً من الانتقام الصارم الذي سيوقعه بي بواسطة خدمه فيها لو اعتديت عليه .
وقبل مغادرته للإسطبل أخرج من جيبه قبضة من السكر وأدناها مني ثم قال متهدداً متوعداً :
- هذا آخر عهدك بهذه القطع اللذيذة أيها الحمار الغبي !
ولكي يثير بي الشهيّة جعل يقضم بعض القطع وهو ينظر إليّ بعينين … وكأنهما جمرتان متقدتان .
وللمرة الثانية رفسني بضع رفسات ، ثم بصق عليّ وخرج .
وهنا توقف هذا الحمار الذي يقصّ ما حدث له وتنفّس الصعداء . وقال للحمير رفاقه :
– غداً أكمل لكم ما تمّ معي وهذا اللورد …
وإذا بأصوات الحمير الأربعة عشر تدوّي وكأنها صوت واحد طالبة منه متوسلة إليه أن يكملها الآن .
وكنت مأخوذا بحديثه مثلهم . فطلبت منه طلبهم بالرغم من تأكيدي أن صوتي الصامت لن يبلغ إلى أذنيه الطويلتين .
فنزل على إرادتهم وقال :
- إنّ ما شاهدته من ضروب التبذّل الذي كان يقوم به هذا اللورد لممّا يحتاج إلى مجلّدات ضخمة . وليت الأمر وقف عند هذا الحد … إذن لهان الأمر ولتضاءلت المصيبة .
فقد كان له ابنة يانعة . وكما يظهر أنها تلقحت بأخلاق والدها لما كنت تشاهد من مباذله المتواصلة .
فما كان منها إلاّ أن علقت بحب رئيس الخدم .
ولما كان يستحيل عليها الاجتماع به في إحدى غرف القصر أو مرافقته إياها في نزهاتها ، كانت تجتمع به سرّاً في الإسطبل ويتغازلان على مرأى ومشهد منا .
وإليكم المسرحيّة الأخلاقيّة الكبرى التي تمّ بواسطتها انفصالي عن خدمته بعد تأديبه البالغ العبرة .
استضاف هذا اللورد رئيس “جمعيّة الرفق بالحيوان” ترافقه زوجته . وكانت تربطه به رابطة صداقة قديمة . وهما يزوران بعضهما البعض بين الحين والآخر .
واتفق الضيف والمضيف على قضاء متعة على ظهور الحمير . ففي الساعة الثامنة مساء دخل اللورد وبصحبته زوجة ضيفه . وقد دهشت عندما شاهدته يغلق الباب ويثبته بالمزلاج … ولم ألبث أن عرفت السبب . فقد بدأ في مغازلتها ومطارحتها بوقاحة بذيء الكلام .
ويظهر أنه كان ذا صلة سابقة معها . وهذا ما فهمته مما تسقطته من الحديث الذي كانا يتطارحانه .
فاستأت من هؤلاء البشر اللؤماء الذين يدنسون إسطبلنا الشريف . واحتججت على هذه الخطّة المستنكرة برفعي لعقيرتي وإطلاقي النهيق المتواصل كي أنبّه سكّان القصر .
فذعر الإثنان . وهرول اللورد بعصبيّة متناهية رواح يركلني بقدميه ، ويرطم فمي ووجهي بقبضتيه المقفلتين .
فثرت لكبريائي العزوفة ، وما كان مني إلاّ أن بادرته برفسة مزلزلة أطارت له فكه وتساقطت على الأثر كميّة من أسنانه وأضراسه .
فهال الضيفة الأمر ، وأطلقت من حنجرتها صرخة عنيفة وسقطت مغمى عليها … وهنا هرع سكّان القصر إلى الإسطبل وكان على رأسهم الضيف . فتكشفت لهم الحقيقة الهائلة بعدما شاهدوا زوجة الرئيس نصف عارية ….
وشده القوم وروّعوا من هول الفضيحة .
وتقدّم كبير الخدم يريد تحطيم رأسي بقضيب حديدي . وإذا برئيس جمعيّة الرفق بالحيوان يصفعه على خدّه وينقذني من شرّه .
ثم تقدّم مني وفكّ عقالي . فتبعته مثلما تتبع النعجة راعيها .
وقبل أن يغادر الرجل الإسطبل التفت إلى امرأته التي ابتدأت تستيقظ من هول الحادث وقال لها :
- إن خير مكان لك تقيمين فيه هو هذا الإسطبل !
ثم رمق اللورد بنظرة احتقار عميقة وقال :
– أما أنت ، فقد نلت جزاءك العادل .
وعندما انتهى الحمار الفيلسوف من قصّته الطريفة كان الفجر يرسل أوّل خيط من خيوطه العسجديّة . فالتفت إلى زملائه وقال لهم :
- لقد سمعت البعض منكم في شتّى المناسبات ينحون باللائمة على الأقدار التي لم تكونهم بشراً ليعيشوا برغد ورفاهيّة ، ويتمتعوا بالطيبات ، ويناموا على أسرّة باذخة ، أنيقة الوسائد ، دافئة الفراش . فهل ما زلتم مصرين على رأيكم أيها الإخوان الأعزّاء؟
وجلجلت جدران الإسطبل بدويهم الصارخ قائلين بصوت واحد خرج من حناجرهم وكأنّه الرعد القاصف :
- إنّنا نحمد العناية التي رحمتنا وخلقتنا حميراً . ولم تغضب علينا وتمسخنا بشراً ! فنحن معشر الحمير لا يمكن أحدنا أن يقدم على إرتكاب مثل هذه الجرائم النكراء المدنّسة .
الروح تتكلّم
- وانطلقت المدفعيّة تحمحم وتزأر زئير الهول . وضجّت الموسيقى العسكريّة تعزف لحن الأبطال الخالدين تحيّة لرفات هؤلاء الشهداء البواسل .
فرفع الجميع قبعاتهم إجلالاً للأرواح الخالدة .
وتقدم رئيس البعثة العسكريّة فحيا الأموات الأحياء باسم ملك بريطانيا العظمى ومجّد بطولتهم وشكر لهم افتداءهم للوطن .
وبينما كان مستمرّاً في قراءة خطابه الطويل شاهدت ، أنا الدينار ، مشهداً عجيباً ملك عليّ مشاعري ، واستولى على حواسي .
فقد هبطت روح جلبرت الذي أصبحت يوماً ملكاً له ، هذا الشاب الذي سقط قتيلاً قبل خمسة أعوام ونصف بشظيّة قنبلة .
ومع أن روحه انتصبت أمام هذا الحشد العسكري ، ومع أن الآلاف من أرواح زملائه القتلى احتاطوا به وأحاطوه بأرواحهم ، وكانوا وجهاً لوجه أمام البعثة العسكريّة وفرقة الجنود … فإنّ هؤلاء الأغبياء لم يشاهدوا روحه وأرواح رفقائه .
ولفت نظري بصورة خاصة أمر عجيب دهشت له . فإن جلبرت وبقيّة الأرواح لم يلتفتوا حيث وضعت هياكلهم حتى ولم يعيروها أقل اهتمام . فكأنها لا رابطة كانت تربطهم بها طوال أيام حياتهم على هذه الأرض السخيفة .
وبينما كان رئيس البعثة ماضياً في خطابه التمجيدي التقليدي دوّت روح جلبرت بكلماتها الجهوريّة . فقالت :
– أيها القوم المداسّون!
إنّ حياتكم لهي سلسلة من المهازل آخذ بعضها برقاب البعض .
ولكن أشد مهازلكم وقعاً في الأرواح هذه الحفلة التكريميّة التي تخادعون فيها بعضكم . لا بل وتدلسون بواسطتها على نفوسكم . فهل أنتم تؤمنون الآن بما تقولون وما أنتم إلاّ كاذبون !
أعلنتم الحرب يا قوم بعدما أن خدعتم الأمة بأسرها وانتزعتمونا من بين أهلنا وعشيرتنا وحرمتمونا نعمة الراحة وطمأنينة النفس التي وهبها لنا خالق السموات والأرضين بما تحتويانه .
لقد لعلعت صيحاتكم . ودوّت مجالسكم الرسميّة . وانطلقت قنابل خطبكم تدوّي في الشوارع .
حتى الأزقة الحقيرة لم تسلم من أكاذيب دعاتكم الذين هم على شاكلتكم .
زعمتم – وما أكذب مزاعمكم – أنكم ستمنحوننا الحريّة التامة .
وستملأون أهراءنا بالحبوب … وأنكم ستحرروننا من الخوف والقلق الدائمين . وغيرها كثير من الوعود العرقوبيّة التي هي فرع عن الأصل كالعدالة والإخاء والمساواة . فماذا كانت النتيجة الواقعيّة بعد الانتصار ؟
لقد كانت مهزلة دنية واأسفاه . إنّ الملوك والوزراء والقواد والساسة بعدما دفعونا إلى خنادق الموت الزؤام نبذوا من كتبت له الحياة نبذاً شنيعاً . فما يكاد الجندي يطلب مقابلة أحدهم حتى يجد أعراضاً مخجلاً . ناهيك بالخدود المصعّرة والأنوف العالية صلفاً وكبرياء .
نعم أيها الكذبة نعم ! فها هي الحرب قد انتهى عهدها البغيض .
وقد مضى عام ونصف العام منذ صمت دوي آخر رصاصة أطلقتها بندقيّة .
فهل حقّقتم أيها الصادقون وعودكم الكثيرة ؟ وهل نالت الشعوب الضعيفة حرياتهم ؟ وهل ستمكنونها من حكم نفسها بنفسها مثلما قطعتم لها العهود إذ بذلت لكم مساعدتها العظيمة التي قامت في تنفيذها بإخلاص عميق ؟ وهل ملأتم أهراء عيالنا بالحبوب ؟ وهل زال القلق والخوف من عالمكم بعد تضحياتنا الجسيمة ؟
قلتم أنكم تعلنونها حرباً شعواء وتثيرونها جحيماً فيه بلاء وأي بلاء رحمة باليائس ، واشفاقاً على البائس ….
فهل أطمأنّ هذا اليائس . وهل زال ما يشكو منه البائس بعد ما كسبتم الحرب ؟
إننا معشر الأرواح الذين بتنا في ملاء علويّ شفاف من كافة الجنسيات التي جعلت الأطماع الدنيويّة منّا أعداء الداء قد اجتمعنا هنا ونزعنا من أرواحنا أدران الأرض وخباثاتها .
وكم كانت دهشتنا عندما تكشّفت لنا الحقيقة وذعرنا كيف كنا عبيد غاياتنا وروّعنا بكيفيّة قبولنا الاعتداء على بعضنا البعض ، وكيف كنا أعداء دون أن يكون هنالك سبب معقول ولكنها الغايات تعمي البصائر والأبصار .
لقد اجتمعنا هنا وكوّنا أسرة روحيّة واحدة . فأعداء الأمس الذين كانت تغمر قلوبهم الكراهيّة أصبحوا أصدقاء اليوم تعمر أرواحهم المحبّة الحقيقيّة .
فالألماني والبريطاني والإفرنسيّ والتركي والبلجيكي واليوغوسلافي والبلغاري والروسي والزنجي والأميركي والأسترالي وغيرهم من مختلف الجنسيات التي فرضتها غايات الأرض فرضاً على الأمم أصبحت الآن تنتمي إلى جنسيّة روحيّة واحدة بعد أن نبذت أضاليل الأرض وسخافات الحياة .
فهنا لا سائد ولا مسود . لأن قانون السماء قد وحد بين الجميع . والحقيقة الإلهيّة كشفت عن أعينهم غطاء الجهل . فأصبحوا يخجلون مما كانوا يقومون به في عالمهم المشتق من الجحيم …
إن سعادتنا أيها الممثلون المهرجون المتلوّنون لهي تامّة السعادة .
أو ما كفاكم ما أوقعتموه بنا في عالم الأرض حتى أتيتم تزعجون أرواحنا في عالم السماء والنقاء .
فإذا كنتم – يا من يسمونكم سادة – تظنّون أنّكم بهذا الاستعراض المسرحي تكرمون أرواحنا فيا ما أبعد ظنونكم عن الحقيقة الواقعة .
إنني أؤكّد لكم بأنكم تهينوننا إهانة عظمى . وأنكّم تغصبون الحق سبحانه بعملكم المجرم .
إنّ هذا العالم الذي أصبحنا فيه هو عالم لا يعرف ولا يعترف بعظيم وخطير . ولا يأبه بتحيّة ملك أو وزير .
فإذا كان لديكم من هذه البضاعة الشيء الكثير … فاحتفظوا بها لمناسباتكم الأرضيّة الكثيرة . ودلّسوا بها على بعضكم البعض لأننا تأكدنا أنه من العبث تقويم اعوجاج نفوسكم وطرح أطماع قلوبكم .
أما هذه الموسيقى التي تعزفونها لتكريمنا مثلما تزعمون ، وتظنونها أنها شيء عظيم فإنني أصدقكم القول أننا نفضّل على أنغامها نباح الكلاب .
أما الخطب الملكيّة التي تظنون أنها تولينا شرفاً فإنها أتفه من أن تبعث في أعطافنا السرور بعد ما أصبحنا نعاين مليك الحق والعدالة الخالدين .
وثقوا أيها المغرورون المغرّرون بأنكم في اليوم الذي تخلصون فيه من جسدكم المادي وتتحررون من قيوده الكاذبة التي تكبلكم تكبيلاً وتفرض إرادتها الشيطانيّة عليكم ، ويوم تعاينون فيه الحق بعدما تصبحون فيه أرواحاً شفّافة مثلنا ، ويوم بتمّ الله سبحانه نعمته العظيمة عليكم ، ويسبغها على أرواحكم التي كانت رهينة رغبات أجسادها الترابيّة … إذ ذاك ستتأكدون أن مهازلكم كانت غاية في الحقارة ، وأنكم كنتم في غياهب الجهل تعمهون .
فهل تندمون منذ الآن يا أبناء وطني السابق وبذلك تكفرون أم تراكم أيها الأغبياء لا ترعوون ولا تأبهون !….
طاغور فيلسوف الهند وشاعرها المبدع
- وتمّت حفلة خطبة السيد هدسن على الشابة مدلين .
فأقيمت حفلة نادرة تدفّقت فيها أنفس أنواع الخمور وأعتقها .
وقرعت الكؤوس الكؤوس . وشرب كبار المدعوين نخب هذه الخطبة السعيدة . وكان الخطيبان يتنزهان مساء كل يوم في الضواحي حيث تكثر الأشجار والأزهار يمتعان الطرف بمشاهدة الطبيعة الفتّانة وهي تستلم رويداً رويداً لقوّات الظلام . فتمتليء نفساهما بسحر الخيال بعد مراقبتهما للتغيرات الخياليّة التي تطرأ على الجو كلّما غمرت دياجي الليل فضاء بلاد الهند بلاد الهياكل والمعابد والمعتقدات .
وأبدت مدلين ذات يوم رغبتها في زيارة طاغور فيلسوف الهند وشاعرها الأكبر ، وأديبها العميق التأملات . وكان يقيم يومذاك في مدينة بنغال من أعمال الهند . فلبّى خطيبها رغبتها .
ولما كان لا يستطيع التغيب عن مركز عمله أرسلها مع صديقتها مسز برون .
وثاني يوم وصولهما إلى بنارس استقلتا عربة انطلقت بهما إلى دارة الشاعر الفيلسوف . وكانت لحيته الأنيقة المرسلة تزيده مهابة ، وتضفي عليه روعة خلابة فيها السحر وفيها الخيال .
وأعلنت مدلين للشاعر العظيم بصراحة وبساطة ما تركه تأثير رؤيتها إياه على نفسها من عوامل . فقالت :
- ما كان لي أن أصدّق لو بلغني عن مبلّغ الهيبة التي تتمكّن من نفس مشاهدك . فإن الروعة تحتل أعماقه من أوّل نظرة يلقيها على هيكلك الذي أبدع الله صنعه . فضلاً عن أغانيك العذبة التي طافت ممالك الأرض ، وتغنّى بها أبناء الأقطار والبلدان بكلّ شفة ولسان . وهم خشّع لروعة معانيها المسكوبة والمسبوكة في قالبك التصوفي العجيب .
فأنت يا سيدي الشاعر تعطي العالم صورة صادقة عن الأدب الهندي الصميم ، وما ينتاب شعبه من آلام وأسقام ، وما يسامر نفوس أبناءه من تمنيات وآمال وأحلام . وبهذه المناسبة أتمنّى لو تنازل سيدي الشاعر العظيم وتفضّل علينا كرماً منه بتلاوة بعض آياته الخالدة كي ننتقل بواسطتها من عالم الأرض السخيفة ، ونحلّق بعد سماعنا إياها إلى عوالم سعيدة لا تعرف معنى للشقاء .
- شكراً لك يا صديقي في الإنسانيّة . فأنا أنزل عند طلبك ، وألبيه بسرور وسأنشدك أغنية أرمي بها إلى هدف لا شك ستعرفينه بعد إصغاءك لكلمات الأغنية :
أغنية طاغور
عندما تطلبين إليّ أن أغنّي
يخيّل إليّ أن قلبي يكاد يثب لعظم الكبرياء
فأمعن النظر متملياً بأنوار وجهك المشرق
فتتساقط دموعي من فرط حبي لك
وتتحوّل قسوتي إلى عطف ولطف
فتذوب متحطمة أمام موطيء قدميك .
أما عشقي لك وعبادتي إليك
فينشران أجنحتهما كطير فتّان صادح
يسبح مع الرياح فوق البحار الفيروزية
شادياً أمتع أغانيه قائلاً :
- يا مليكة روحي
أنا أعرف بأن غنائي يطربك
لهذا أرسل أناشيدي التي تعبّر عن آمالي
كي تلثم بأطراف أجنحتها الشفّافة قدميك
هاتين القدمين المعبودتين اللتين أقدسهما
وعندما أترنح من عذوبة الأغنية
أطيل النظر إلى عينيك الدعجاويين
وأنسى نفسي …
وعندما أعود إلى عالم المادة
أناديك بشغف وشوق عميقين ، قائلاً :
- أنت سيدتي … بل أنت معبودتي !….
أناشيد صوفيّة
- وفعلت معاني هذه الأغنية بنفس مدلين فعل الترياق تقدّمه الآلهة بأكواب من النور لمن استحقوا البلوغ إلى مواطن النعيم الخالدة في الفراديس الإلهيّة العجيبة .
وشاركتها هذه النشوة صديقتها . فذهلتا عن نفسيهما بعد ما تذوقتا نعيم هذه الأغنية الصوفية العذبة المعاني .
فنظرنا إلى طاغور مثلما ينظر العابد إلى معبوده وطلبتا منه المزيد . فغناهما هذا النشيد :
أنا طوع رغبتك
يا معبودة الروح !
بك أصبحت لا نهائياً
وهذا يثير رغبتك وسرورك .
إن أنغام هذا الناي العذبة
تعبر عن غبطتها لقربك
وهذا الناي اللطيف العقد
المصنوع من قصب الغاب
المنتشر على ضفاف الأنهار البلوريّة المياه
يستمدّ طربه وبهجته من طربك وبهجتك .
فيهب أروع أنغامه ويجيد اهتزازاتها
فترتفع نفوس المصغين إلى الملاء العلوي
وتجوس مواطن ملائكة السماء الأنقياء
وتتمتّع بالحقيقة التي ينشدها أبناء البشر
في دنياهم المشبعة بالأتراح “
أغمضت مدلين عينيها وقالت للشاعر :
- يا لمفعول أناشيدك في النفس أيها الحاكم . فباسم الحب الطاهر أطلب إليك أن تغنيني أنشودة تصف بها الطهارة .
فأنشدها طاغور ما أرادت إذ قال :
الطَّهارة
إن هدفي من الحياة
محافظتي على جسدي نقياً طاهراً .
لأن لمساتك الخالدة قد طهرتني
إذ سرى تأثيرها في نفسي وتيارها في روحي
فأجتثّت الميول الوضيعة التي كانت تسيطر على تفكيري
لأنك أنت هي الحقيقة الضائعة في عالمنا
وأنت هي الشعلة التي أنارت عقلي فبهرتني
وطردت السيئات من نفسي فطهرتني
فاحتفظت بحبي في أكمام زهرة نقيّة
لأنك علّمتني معنى الحب النقي
الذي ينعم به أولئك الأبرار
حديث طاغور
- وهنا تقدّمت مدلين وصديقتها مسز برون وهنأتا الشاعر العظيم على بلاغته الصوفيّة وروعة معاني أناشيده السحريّة ومفعولها في النفوس . وقالت :
- عندما كرمتك الحكومة البريطانيّة في عام 1915 بأنغامها عليك بلقب (سير) إنما كانت تكرّم الأدب الحافل بأعمق العواطف النبيلة التي تحضّ على الخير ، وتهدف إلى الإخاء الإنساني الشامل . هذا الأدب الممتع الغني بالصور ، الذي يمثّله طاغور بالنيابة عن إخوانه الشعراء والأدباء . فأمتنا البريطانيّة تكرّم الأدب الصحيح وتعلي من شأنه بقطع النظر عن جنسية الأديب الذي تكرّمه .
فأجابها طاغور :
- إن حكومة بريطانيا قطعت عهوداً على نفسها أن تمكث في بلاد الهند حقبة من الزمان كي تدرّب أبناء قومي على دساتير الحكم الأوروبيّة وقوانينها السارية . وعندما تجدهم قد أصبحوا ملمين بأساليب الحكم العصري وطرقه الدستوريّة إذ ذاك تسلّمهم مقاليد الحكم . ومضت الأعوام ومكثت الوعود حبراً على ورق مما أثار نفوس الوطنيين . فثارت ثائرتهم وقامت مظاهرات في (البنجاب) تطالبهم بوفاء العهود المقتطعة … فما كان من الإرادة البريطانيّة إلاّ أن قمعتا بالشدة والبطش الهائلين . فذهبت ضحايا أبرياء ما كان أغناهم عن سفك دماءها لو أخذوها بالترفّق واللين .
- واحتجاجاً على هذا القمع البالغ في قسوته أرسلت تحريراً إلى نائب الملك في عام 1919 تنازلت فيه عن لقب (السير) الذي منحتني إياه الحكومة البريطانيّة . وبهذه المناسبة أؤكد لكما يا سيدتي بأنني منذ تلك الساعة ما عدت أؤمن بأي وعد سواء أكان شفهياً أم رسمياً دوّنته المذكرات والتقارير .
إن الصدق يطوف في عالم الأرض ولكن ليس من يجرأ على دعوته واستضافته تحت سقف منزله . فهو ما زال وسيبقى غريباً في صحراء هذا العالم الكاذب وحيداً في ربوعه الكئيبة .
فليس من يقبل أن يتخذه صديقاً ، أو يقبل به رفيقاً . لأننا جميعنا معشر البشر نهاب الصدق لشتّى الأسباب والمسببات .
ومع أن أساطيرنا القوميّة تمجد الصدق وتدعو إليه بأساليبها الشعريّة التي تحببها إلى النفوس ، وتقربها إلى الأرواح ، فإن الكذب هو الذي كانت له الغلبة في النهاية .
فقالت مدلين :
- أيها الشاعر ! لقد أفحمتني ببلاغة عبارتك وبصدق برهانك فليس لي ما أقوله سوى رجائي إليك أن تسمعني أسطورة من الأساطير الهندية التي تمجّد الصدق لأرى الفرق وأقارن بينها وبين الأساطير اليونانيّة الشهيرة .
فقال طاغور :
أسطورة الصدق
اختفت الشمس على شاطئ نهر الكنج الغربي بين أشجار الغابة المتعانقة . وعاد أولاد النساك مع قطعانهم إلى دورهم .
وجلسوا في حلقة حول النيران يصطلون ويصغون إلى المعلم جومايا وعند ذلك أقبل غلام غريب يحمل تحيّة إلى المعلّم وروداً وأثماراً وبعد أن انحنى عند قدميه خاطبه بصوت كزقزقة العصافير قائلاً :
- مولاي ! جئتك كي تقودني إلى طريق الحقيقة وأسمي ساتيا كاما فأجابه المعلّم :
- لتحلّ عليك البركان يا بني ! إلى من تنتسب ؟ إنّ الكمال الروحي لا يحاول الوصول إليه إلا البراهمة .
قال الغلام :
- لست أدري يا سيدي أبن من أنا . وسأذهب لسؤال والدتي عن ذلك .
ولما فرغ من كلامه هذا استأذن ساتياكاما منصرفاً وعرج في طريق النهر الصغير إلى أن وصل إلى كوخ أمه الذي قام في أحد أطراف الأراضي الرمليّة الخاوية على حدود القرية الوسنانة .
وقفت الأم على عتبة ضوءه في حجرتها الصغيرة . وضمّت الأمّ ولدها إلى صدرها وألقت يدها على شعره ثم غمرت وجهه بقبلاتها التي أمطرتها دون حساب واستفسرته عن نتيجة مقابلته للمعلّم .
فبادرها الغلام :
- أماه !… ما اسم أبي ؟ فقد أنبأني المعلم أن الذين يتوصلون إلى الحكمة العميقة والكمال الروحي هم من نسل البراهمة دون سواهم ….
فأسبلت جفنيها بهدوء ، وقالت بصوت ضعيف خافت :
– في مطلع صباي عضني الفقر المدقع بنابه المخيف . وكان لي معجبون كثيرون … ولما أتيت أنت إلى حضن أمك جابالا لم يكن لها زوج معروف ….
وعندما غمرت أشعة الشمس رؤوس الأشجار الشامخة ، واخترقت صومعة الغابة المقدسة ، احتاط تلامذة الناسك الزاهد معلمهم المتعبد وجلسوا تحت شجرة الجميز العتيقة ، وتطرات مياه نهر الكنج المقدّس تقطر من شعورهم التي لم تكن قد جفّت منذ اغتسالهم عند الفجر .
وأشرف عليهم ساتيا كاما وانحنى أمام الناسك دون أن يبدي أو يعيد .
وتكلّم المعلّم :
- من أية قبيلة أنت أيها الشاب الطالب الحكمة ؟
فأجاب الغلام بصراحة تامة :
- لست أدري أيها المعلّم . فقد قالت لي أمي أنها كانت في إبان فتوتها وأشخاص كثيرين . وحينما وضعتني كانت بدون زوج معروف . فارتفعت بين الجالسين همهمة كدويّ النحل استنكاراً . ورمق آخرون الغلام شرراً . ولعن سواهم هذا الطريد البريء .
عند ذلك تقدّم الناسك جوتاما وفتح ذراعيه وضم الغلام إلى صدره وقبّله بلهفة ثم قال :
- أنت تفضّل على البراهمة بكثير يا بني . فإنك ورثت أنبل وأسمى فضيلة ألا وهي الصدق …
فلسفة الصدق والكذب
- كان القطار ينهب الأرض نهباً في طريق عودته إلى مدينة سملا وكانت الآنسة مدلين وصديقتها ما زالتا مأخوذتين ومبهورتين بما سمعتاه ورأتاه من فيلسوف الهند وشاعرها طاغور .
قالت مدلين لصديقتها :
- إن ما سمعناه حقيقة راهنة . فالصدق يا عزيزتي مطارد من أفراد البشر ، ومرذول من أممهم . فنحن ندعي أننا نرحب به ، وننزله منزلة الإكرام والاحترام التامين ، بينما نتأكد بأننا والكذب مندمجان دون انفصال . وعندما يكذب أحدنا لا يتصل النبأ إلا لأفراد قلائل ممن وقع عليهم الحيف من هذا الكذب . ولكن الحكومات عندما تقدم على هذه النقيصة ، فإنها تفتضح ، وتنشر الصحف السيارة أنباء عدم صدقها وتكشف مراوغاتها ، فتصاب أمتها في صميم عزتها وشرفها .
فقالت رفيقتها :
- ماذا تقصدين يا عزيزتي مدلين ؟
مدلين – خذي مثلاً حادث الشاعر طاغور ، وإعادته لقب (السير) الذي منحته إياه حكومتنا . فقد أعاد هذا اللقب احتجاجاً على وعود قطعتها حكومة بلادنا ولم تنفذها . فجاء تنازله بواسطة رسالته إلى نائب الملك كذريعة تشبث بها أعداء إمبراطوريتنا فملأوا الصحف بأنبائها وطيروا أخبارها بواسطة أسلاك البرق ، ولم يبق لسان إلا وردّد أخبارها . ومثلها كثير من الحوادث التي وقعت وشاعت أسرارها في العالم .
- إنك مغالية في آرائك يا مدلين ! وإنك تنظرين إلى العالم بمنظار صيغت مادته من عالم لا يمتّ إلى عالمنا بصلة . فلو تبنت الحكومات نظريتك وسارت على ما دفعتك إليه رغبتك إذن لتقلّص نفوذ هذه الدول ، ولتفكّكت أوصالها ، ولاندثرت واندرست وعفت آثارها دون أن تعود فتقوم لها قائمة .
إن قانون الحياة يا عزيزتي الحديثة السن ، القليلة الخبرة ، لا يقوم إلا على أساس صيغت حجارته من مادة الكذب دون سواه . فأكثر الأشخاص نجاحاً في هذا العالم أشدهم كذباً ، ومن ترينه أشدهم صدقاً فهو أقلّهم نجاحاً .
هذا هو قانون الحياة . وهذا هو دستورها الذي لا يمكننا أن نحور في مواده المدروسة بدقّة طوال أجيال وأدهار .
إن الأمم الكبيرة ، والدول العظيمة ، والشعوب الراقية ، حتى القبائل الضاربة في بطون الأدغال ، البعيدة عن مرابع العمران ، لا تستقيم أمورها إذا لم تمزج الصدق بالكذب . ولكن يكتب لها الفوز إذا لم توفق بين هذين العنصرين . فعندما يفترق أحدهما عن الآخر تهوي الأعمدة وتتحطّم متمزّقة الأوصال ، منتثرة الأشلاء . فالكذب بمفرده لا يمكن أي مخلوق أن يعيش بواسطته ، وكذلك الصدق لا يمكنه أن يأتي بثمرة ناضجة دون أن يستمدّ القوّة من الكذب .
فالهواء يا مدلين أحد عناصر الحياة ، تستطيعين الحياة بواسطته إلى مدّة دون حاجة إلى الماء . ولكن إذا طال الوقت فلا يمكن إلاّ العودة إلى طلب الماء .
فبهذين العنصرين تستمر الحياة في الإنسان .
وهاك برهاناً وإن يكن سخيفاً ولكنني أتخذه كوسيلة لأجل غايتي :
خذي مثلاً عصير ابنة الكرم ، وأجرعيه . فإن فعلت فإنّك تفعلين هذا بصعوبة عظيمة . ولكن إن مزجت هذا العنصر الشوكي المذاق بقليل من الماء فإنك إذ ذاك تشعرين بلذته التي يستسيغها الكثيرون ويدمنون عليها بشوق شديد وخصوصاً في الشرق .
حتى الأدب يا مدلين والشعر أيضاً لا يمكنهما أن يستحوذا على المشاعر ويتملكا الألباب ما لم يدخل في صلبهما الخيال الذي يعطيهما روعة أخّادة ويبعث فيهما حياة جديدة .
والأدب الذي يستطيع مزج الخيال في الحقيقة ويسكبها بروعة ألفاظه وسلاستها ومتانتها وتسلسلها هو الذي يتملّك بواسطتها الأفئدة ويسيطر على النهى .
ولنأخذ مثلاً الأساطير الإغريقيّة واليونانيّة فإنها آيات رائعات من الأدب العميق الأغوار السحيق القرار .
فإذا الكاتب اللبق أو الكتاب الألباء سبكوا الحكم التي يريدون غرسها في النفوس بقوالب جذابة غاية في الروعة وألبسوها حللاً مزركشة رصّعوها بيواقيت خيالهم الشاسع فخرجت بصورة بليغة تحفّ بها المهابة ويسير في ركابها الجلال التام ، وحفظتها المجلّدات بفخر ، وطرب لها التاريخ فخلدت أسماء واضعيها وتمجّدت أممهم بهم على تراخي الأيام والأعوام .
فلو كان يا مدلين هؤلاء الأدباء العظماء كتبوا حكمهم عارية ، أي صاغوها بمادة الصدق ولم يمزجوا بها الخيال – ولنسمه الكذب – إذن لما عاشت هذه الأساطير ، ولما مكثت أروع الكتب حيّة ترزق حتى يومنا هذا ومثلما ستمكث أبداً .
وهكذا شأن الدول والأمم والشعوب والحكومات .
إنهم مرغمون يا مدلين أن يمزجوا الصدق بالكذب كي تستمر سيطرتهم بصفتهم الغالبين على الأمم المغلوبة على أمرها .
وخذيها نصيحة ثمينة لحمتها الصدق وسداها الإخلاص فإن هذه الحياة لا يمكنها أن تستقبل الصدق دون الكذب . وعندما تنتهي حياة الإنسان ويقضى على هذا الكون ، وتفنى آثاره وتطوى أخباره ، إذ ذاك نبلغ إلى عالم آخر وتتحقق أمانينا بمشاهدتنا الصدق وقد امتدّ نفوذه في ذلك العالم وغمره بنوره الساطع بعد أن يكون قد قضى على الكذب قضاء نهائياً فلا تقوم له بعدها قائمة .
مراجع الدراسة
1 – الدكتور داهش مذكرات دينار ، بيروت ، ١٩٤٦
2- الدكتور غازي براكس : معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان ، بیروت ، ۱۹۷۰
3- الدكتور غازي براكس : الداهشية حقيقة روحية تؤيدها المعجزات ، بیروت ، ۱۹۷۱
4- الدكتور غازي براكس : جبران خلیل جبران : دراسة تحليلية – تركيبية لأدبه ورسمه وشخصيته – بملحقه الداهشي دراسة جبران النفسية على ضوء المبادئ الداهشية » ، بيروت ، ۱۹۷۳
5- ماري حداد : الكتاب الأسود ، بغداد ، ١٩٤٥
