حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
بشرية ضالَّة
أيَّتُها (الحقيقةُ) الضائعةُ في خِضَمِّ هذا الكونِ الحَرُون
نحنُ نخافكِ ونهابُك ولا نريدُ أن ندنُوَ منك
تسعينَ إلينا وتُناديننا كالأمِّ الحنونِ ونحن نُوغِلُ في البُعدِ عنكِ!
نعَم، أيتها الحقيقةُ الغرّاء، كم نفَرتْ نُفُوسُنا مِنْ مراكِ!
وكم أنكرَتْ أُممُ الأرضِ روائعَ مزاياكِ!
أنتِ تُريدين هدايتنا، ونحنُ في ضلالِنا عامِهُون!
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
دراسات ومقالات للأدباء والكتّاب والصحفيّين
- دينارُ داهش صوتُ الديَّان النذير
- لماذا طبعتُ هذا الكتاب
- معجزةٌ أدبيَّة
- هو الدينار كم سحرَ الأناما
- الكتاب الذي نال الجائزة الأولى
- غاية "مذكّرات دينار " إصلاح المجتمع
- كتابٌ صغير ولكنَّه سِفْرٌ ضخم
- داهش في "مذكّرات دينار " جبَّار من جبابرة الإصلاح
- قصَّة الإنسانيَّة في هذا العصر
- نظراتٌ فلسفيَّة في حقيقة الوجود
- ثورةٌ على خِداعِ البشر
- كتابٌ يقدِّس جميع الأديان السماويَّة
- حكمٌ قاسٍ على البشر ولكنه صحيح
- قلمٌ مُلهَمْ
- قنابل ذريَّة أطلقها داهش
- رسالة داهشيَّة وجوابها
- رسالة داهشيَّة
- أفضل ما قرأت
- خارطة مدرسة فكريّة
- كتابٌ فذّ في نوعه وأسلوبه
- أسلوبُهُ يُحاكي أسلوب جبران خليل جبران
- صورةٌ صادقة جليَّة للنفس البشريَّة
- حسن خيال ودقّة وصف وسعة اطّلاع
- دينارٌ فيلسوف يدعو إلى حياة أسمى وأفضل
- أعظم كتاب ظهر منذ سنوات
- داهش قصَّاصٌ وخطيب ومؤرّخ ومُحاضر
- أغرب ما أخرجته المطابع ، بل أعجزه
- كتابٌ فلسفيّ عميق ذو طابع عالميّ
- خيالٌ شيِّق ومعرفة بالحقيقة
- خطراتٌ ونظرات
- رسالةُ مهاجر
- نعم ، هو معجزةٌ أدبيَّة رغم كلّ مكابر
- كتابٌ يصوِّر الرذيلة بثوبها العاري
- روحٌ جديد في عالم الأدب
- شاعر المنابر ومذكّرات دينار
- دروسٌ في الوطنيَّة والتاريخ الوطنيّ
- أُوذيسَّة القرن العشرين
- خطرات أفكار في "مذكّرات دينار"
- كتابٌ فريد
- تصويرٌ لحياة الأمم
- حكمةٌ جليلة الأثر
- على كلّ ناطق بالضَّاد أني يقتني هذا السِّفر
- لو لم يكن لداهش إلاَّ (مذكّرات دينار) لكفاه فخراً
- الدينار الفيلسوف
- دينار داهش يحرّر العقليّة الشرقيَّة
- دينارٌ متفلسف وقصّاصٌ ماهر
- كتابٌ فريد وتُحفةُ عقل داهشيَّة
- كتابٌ أضفى على العصر أحسن وصف
- اندفاعٌ لخدمة فكرة
- تحفةٌ رائعة ومجموعة حِكَم
- رأي الدكتور محمد حسين هيكل
- مذكّرات دينار (للدكتور داهش )
- خيرُ معلّم للنفس البشريَّة
- كلمة جريدة SUD-OUEST الفرنسيَّة
- "مذكّرات دينار" ذلك الإِله الأصفر
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
دراسات ومقالات الأدباء والكتَّاب والصَّحفيين في مؤلَّفات الدكتور داهش
دينارُ داهش صوتُ الديَّان النذير
بقلم ماجد مهدي
صاحب ومدير ثانويّة النهضة العلميّة
أتُراه معجزةً حتى في أدبه !
نعم ! أقولُها ، وكفى بالله شهيداً . فمؤلَّفاتُه التي أغنت الأدب العربيّ والعالميّ منذ أكثر من نصف قرن قد شقَّت طريقها إلى المجد رغم مساعي الطغاة والحاقدين والحاسدين الذين ساءهم أن يتبوّأ داهش – نعم ، داهش الذي لم يدخل المدارس والجامعات ، ولا تتلمذَ على أحد ، بل كانَ تلميذ نفسه ومعلِّمها، ومؤَدّب نفسه ومهذِّبها – ساءهم أن يتبوّأ عرش الأدب . فهم قد شاؤوا هذا العرش سلعةً تُباع وتُشرى ، أو تاجاً يتوارثه حَمَلةُ الألقاب والأوسمة المستزلمون لمن بيدهم السلطانُ والصولجان ..
لكنَّ الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه . فداهش الذي ظَلَمه الأدبُ العربيّ عشراتٍ من السنين ولم يَفِهِ حقَّه ، قد اغتصَبَ هذا الحقّ بقوَّة يُراعته وجبروت كلماته وغزير أدبه .
إنَّ ( داهش ) الذي ملأ مسامع الدنيا بمعجزاته وخوارقه ، والذي أعجز دولة الظُّلاّم ممثَّلةً بشخص رئيسها ومرؤوسيها وكامل أجهزتها ودوائرها طيلة عشر سنوات ، غير متهيِّبٍ إلاَّ الله سُبحانه ، وغير مُتسَلِّح إلاّ بإيمانه وبقلمه ليستردَّ منها حقَّه المغتَصَب ، داهش نفسه يُعجزُ أيضاّ وأيضاً دنيا الأدب ، فتَنثُرُ ريشتُهُ الملهَمة في سمائها ألواناً تتَّحدُ وتتآلف برشاقة عجيبة فتتولَّدُ عنها لوحاتٌ رائعةٌ تتمثَّل فيها بفخرٍ واعتزاز كلُّ الفنون الأدبيّة ، وتستحقُّ أن توضَعَ في صدر المكتبة العربية والمكتبات العالميّة ، وأن تدخُلَ رحاب الكليّات والجامعات لتُدرَّس فوق منابرها .
وما “مذكّرات دينار” إلاّ واحدةٌ من لوحاته ، ومعجزةٌ من معجزاته . فكتابتُهُ ، من ألِفِه إلى يائه ، لم تستغرق غير أسبوع واحد ، يشهدُ بذلك عديد من الأدباء والشعراء الذي عاينوه في ساعات كتابته . وهذه الظاهرة الغريبة ما زلنا نشاهد مثلها اليوم ، فنشهدُ صادقين للدكتور داهش بسرعته في الكتابة مع حِفاظه على روح الموضوع وعمقه ، وإخراجه بالأسلوب الذي يليقُ به .
ويكفي أن نعرف في أية مرحلة من حياته كَتبَ داهش مذكِّرات ديناره لنُدرك أيضاً جانباً آخر من جوانب هذه المعجزة الأدبيّة .
لقد كانت هذه المرحلة فترة اضطهاد للدكتور داهش والداهشيّين ممّن اعتنقوا عقيدته ، الداعية فيما تدعو ، إلى الإيمان الصحيح بالله عزَّ وجلّ ، والاهتداء بتعاليم رسالته السماويّة دون الاكتراث لمواعظ المتاجرين باسم الله ورُسُله ورسالاته .
وكأنَّما شاءت العناية الإلهيّة أن يُخلّد اسمُ داهش بالمجدِ والفخار وأنْ يذهبَ هو ، على الأجيال ، رمزاً للبُطُولة والاستبسال في وجه الظالمين الطغاة ، بينما يُخلّد أعداؤهُ بالعارِ والشنار ويذهبون أبد الدهر مثلاً أعظم للفاسدين العتاة ولانهزام شرورهم ، فراحَ طاغيةُ لبنان ، بكلِّ سلطته وتسلّطه ، ومن خلفه زُمرةُ الإكليروس التي أرعبَها أن يُعيدَ داهش إلى أذهان البشر حقائق الإنجيل المُقدّس ، وأن يُجسّد في شخصه صورة الناصريّ الثائر الذي ساطَ باعة الدين وتجَّار الأصنام وطردهم من هيكل الله المقدّس ، راح هذا الطاغية يسوم داهش شتّى الاضطهادات . فبعد ملاحقته وسجنه جرَّده من جنسيّته اللبنانيّة ، مُرتكباً بذلك جريمةً لم يعرف التاريخ البشريّ مثيلاً لها ، وشرَّده على وجهه . فأصبحَ داهش إنساناً غريباً ، وُلِدَ في الأرض لكنْ ليسَ له وطنٌ ينتمي إليه ، ولا أُمّةٌ يعيشُ معها وإنْ كان يتكلَّمُ لغَتَها . أصبح غريباً عن الأرض وقاطنيها كأنّه جُبِلَ من غير طينتها .
لكنَّ داهش لم يسكت عن الظُّلم الذي حاقَ به فعاد إلى لبنان وأقام على بُعدِ 50 متراً من قصرِ الباغية الذي ظَلَمهُ ، فشهَّره بكُتُبه السوداء أمام الملإِ ، وفضحَ ارتكاباته ، ومزَّق أستار الخِداع والرياء التي اختبأت خلفها تلك الطُّغمة الابليسيّة التي كانت تدفعُهُ وتُحرّكه .
وقد استمرَّت هذه الحالة مدَّة عشر سنوات إلى أن أُعِيدت الجنسيّة اللبنانيّة للدكتور داهش .
في هذا الجوِّ المشحون بالقلق ، وحيثُ كان الموتُ مُترصِّداً لداهش في كلِّ مكان ، وسط إجراءات الأمن المشدّدة والعيون والجواسيس التي بُثَّتْ في كلِّ مدينة وكلِّ شارع وأمامَ كلِّ منزل ، نعم ، في هذا الجوِّ الذي تصطكُّ منه الركاب وتخورُ من هوله العزائم ولِدَ كتاب (مذكِّراب دينار) كما ولِدَ سواه من بواكير داهش الأدبيّة وأُنشئ المتحفُ الداهشيّ الذي ضمَّ روائع الفنون العالميَّة . فكأنَّما كان على داهش أن يُعاني المظلمة ، وأن يؤَدِّبَ الظُّلاَّم ، وأن يُكْملَ في الوقتِ نفسه مسيرته التي بدأها منذ طفولته فيوصل إلى الدنيا صوت رسالته الإلهيّة التي بعثته بها السماء .
كانت السيوفُ المسمومة والرماحُ المسنونة تُحيطُ بداهش ظُلماً وعدواناً ، وكان داهش هناك ، بين جدران غرفته المتهيِّبة لجبروته وصُمُوده ، يُطوِّف ديناره العجيب في أرجاء الكرة الأرضيّة ليشهدَ أعمال البشر والأُمم والدول ، ويُسجّل عليهم جميعاً حسناتهم وسيّئاتهم ، فيكون لهم من ذلك عِبَرٌ ودروس إذا شاؤوا أن يعْتَبِروا ويتَّعِظوا . وإنَّ في ذلك لأمراً مُعجزاً بحدِّ ذاته . على أنَّ السرعة التي كُتبَ بها الكتاب ، والمرحلة الزمنيّة التي رأى فيها النور لا يشكّلان إلاّ مظهراً من مظاهر هذه المُعجزة التي لا تكتملُ إلاَّ بما أتى في الكتاب . “فمذكِّرات دينار ” بمضمونه وأُسلوبه هو خَلْقٌ جديدٌ في عالم الأدب ، وقد أطلقَتْ عليه بحقّ الأديبة والفنّانة ماري حدّاد الداهشيّة أسم :” أُوذيسَّة القرن العشرين “.
ولا عجب ، فرحلةُ الدينار شبيهةٌ برحلةِ عوليس ، بطل الأُوذيسَّة . فإذا كانَ عوليس يُعتبر من أعاظمِ أبطال الإِغريق ويُمثِّل في شخصه مطامح وبطولات شعب ، فإنَّ دينار داهش ليس بطلاً ، بل هو إلهٌ معبودٌ يخشعُ له البشر من دون الله ويُجسِّدُ أبعد طُموحاتهم وأبهى أحلامهم وأمانيهم .
وإذا كان عوليس قد طوَّف في بقعة معيَّنة من بقاع الأرض تائهاً عن جزيرته ، متعرِّضاً للأهوال والمخاطر ، فإنَّ دينار داهش قد تنقَّل في جميع أنحاءِ المعمور ، وتعرَّض لمخاطرِ الضياع والتحوُّل ، ودوَّن في نفس الوقت ، وبصدقٍ وأمانةٍ تفاصيل الحياة اليوميّة التي يحياها الأفرادُ والشعوبُ والأمم ، وما يمرُّ في الأفكار ، وما يحدثُ في الدهاليزِ ووراء الكواليس من مآثم وجرائم ، وما تعمُر به الدُّول الراقية من فنونٍ وآدابٍ أو ما تتمتّعُ به من حرّيات .
والدينارُ في كلِّ ذلك قصَّاصٌ ماهر وناقدٌ صارم في انتقاداته واحكامه لا يخافُ معها لومةَ لائم ، علماً بأنَّ آراء الدينار وخواطره ، وهدأته وثورته ، ومديحه وهجاءه ما هي إلاّ عمّا يجيشُ في خاطر الدكتور داهش وما يعتمل في نفسه من مشاعرِ الثورة على شرورِ البشر ومفاسد مجتمعاتهم ، ومشاعر الاغتباط بكلِّ ما يشتمُّ منه عبير الفضائل وما يرى فيه ولو ظلاّ من ظلال الخير .
ولعلَّ أول ما يُفاجئ القارئ ويُثير تساؤله هو أنَّ الدينار ، بعد خروجه من منجمه وتحويله في دار سكّ النقود ، قد استهلَّ رحلته بزيارة ديرٍ من أديرة الاكليروس ، وصوَّر بسخريةٍ لاذعة حياة رجال الدين فيه ، ومطامعهم ودجْلهم واستلابهم لخيرات البُسطاء والمساكين الذي يُخدعون بمظاهرهم المزيّفة . ثم عاد غير مرَّة عبر تجواله الطويل يُفنِّد أكاذيبهم التي يفبركونها باسم معلِّم الأمم ، ويكشفُ الأستار عن المحرَّمات التي يرتكبونها على مرأى من صورة الناصريّ المصلوب .
هذا الموقف من رجال الدين يندرج في الخطّ الفكريّ العامّ الذي ينتهجه مُؤَسِّس العقيدة الداهشيّة والمَطْبوع بعدم الثقة بهذه الطُغمة الفاسدة ، وبالدعوة إلى كشفِ جرائمهم والثورة عليهم وهدم مُؤَسَّساتهم .
ولرجال السياسة نصيبٌ كبير من ثورة الدينار ونقمته ، بل قُلْ من ثورةِ داهش ونقمته . فالبلايا والشرور التي تعُمُّ العالم هي ، في مُعظمها ، نتيجةٌ لازمة لأطماعهم في التوسّع ، والحروب التي تندلعُ وتكونُ نتيجتُهَا الخراب الشامل ، إنَّما يُشعلونها لأجل الكسب والسيطرة .
لكنَّ الدينار وإن احتقر مستغلّي السياسة ، فإنّه يُمجِّد منهم أصحاب الوطنيّة الصادقة ، ويمتدح “سعد زغلول” وغيره ممّن يُدافعون بصدقٍ وإخلاص عن أوطانهم لردِّ المستعبدين المستعمرين الذين يريدون إذلالها .
فردٌ واحدٌ يتهلّل الدينارُ لرؤيته حتى ليقولُ فيه :” إنَّ حياةَ هذا الرجل الكامل لهيَ أُعجوبةٌ جديرةٌ بأنْ تُسجَّلَ بأقلامٍ سماويّة على طروسٍ فردوسيَّة “. إنه “غاندي” قدّيس الهند المجاهد الذي تملَّك قلب داهش وحلَّ فوق عرشه السامي حتى أنّ أحداً قبله أو بعده لن يرتقي مكانته أو يجاوره . إنه يقول فيه على لسان ديناره :
” لقد أحببتُ غاندي وسأمكُثُ على حبّي إيّاه لأنه يُمثِّل الرجل الروحانيَّ الكامل ، وهذا أندر ما في هذا الوجود الماكر والعالم الزائل “.
ويُكمل الدينار جولته فيُمجِّدُ الشعوب التي نهضَتْ ببلادها ، ويمتدح الحريّة التي تسودُ ربوع أمريكا . فلقد أحبَّ أمريكا لأنها تُقدِّس الحُريّات ، رغم تعلُّقها بالمادّة . وإنه ليتطلّع بشوقٍ إلى ساعة يستفيقُ فيها الشرقُ من رقاده ويُحطِّم قيود العبوديّة ويسير في ركاب الأمم المتحرِّرة .
وللمرأة أيضاً نصيباً من ثورة الدينار وثنائه . فالمرأة في رأيه ” هي المرأة في كلِّ زمان ومكان “. فهي لا شأن لها إلاَّ التحدُّث بالأزياء والطعن بأعراض الصديقات . وكم منهن تاجرن بأعراضهنّ لقاء ذلك الدينار الذهبيّ فتفجّرت ثورته عليهنّ . لكنه يمجّد المرأة التي تصونُ عفافها وشرفها . فهو يحزن على (لوسي) الشريفة التي اعتدى عليها صيدليٌّ نذل ، ويطربُ لما أصاب ذلك القاضي الفاسق الذي حاول أن يستبيح شرف امرأة مسكينة ويشتريها به (أي الدينار)، فصفعته تلك المرأة الشريفة وخرجت معتزَّة فخورة ، ثم أنشدت “نشيد الشرف”.
وإذا كان الدينار يمتدحُ الإخلاص والوفاءَ النادرين في دنيا الأرض ، فإنّه يصفع الخيانة ، ويراها مجسَّدة بأحطّ مظاهرها في شخص “الخائن المطرود عبد الرحيم الشريف “(1) الذي خانَ سيّده داهش خيانة عظمى بعد سنوات خمس قضّاها في خدمته . فذلك الصلُّ الأرقم والثعبانُ الحقُود الذي ينفثُ سمَّه في أوّل فرصة تُتاح له للانقضاض ، أصبحَ على لسان الدينار مادّةً للتندُّر والتفكُّه ، فيضحك القارئ مليّاً وهو يقرأ أخبار رقصاته وتخلُّعاته الكركوزيَّة التي كان يقومُ بها أمام سيّده داهش وعددٌ من رجال المجتمع آنذاك .
عِبرَ هذه المشاهدات والمواقف ، ومن خلال التسلسُل القصصيّ المحكم يتأكّد لنا أنَّ الدينار هو صوتُ “العدالة الإلهيّة “، ويَتَبيَّن لنا أنَّ هذه العدالة تحكُم عالم الأرض بكلِّ كائناته مثلما تحكُم عوالم السماء . فلئن كان ظاهرُ الأمور والأحداث التي تمرُّ بحياة الأفراد والجماعات يتبدَّى منه الظُّلم البشريّ ، فإنَّ الدينار يؤكّدُ أنَّ عين العناية الإلهيّة الساهرة تُعطي كلَّ إنسانٍٍ ، بحسب استحقاقه، ثواباً أو عقاباً ، وإنْ كان البشر لا يشعرون كيف تُنفّد فيهم أحكامُ هذه العدالة . فمَنْ يزرع خيراً يحصد خيراً . ومَنْ يزرع شرّاً يحصد ألماً . فالجزاءُ يكونُ من نوعِ العمل (2).
ولا بدَّ في النهاية مِنَ القول إنّه إذا كان عوليس في الأُوذيسّة يرمزُ إلى قوّة النفس وصُمودِها في وجهِ التجارب الحياتيّة ، فإنَّ الدينار يقفُ بجبروتٍ ويطلُّ من علاه إطلالة الديّان الذي يحكُم على أعمالِ البشر أفراداً وشعوباً ، مُسْتَعرِضاً جنى الأجيال . فمنذُ ألفين من الأعوام جاءَ سيّد المجد ورمى بذوره في تربة النفوس ، وتَبِعَهُ النبيّ العربيّ مُؤدِّباً ومُقوِّماً لاعوجاجاتها . وقد حان الآن وقت الحصاد . وما هذا الدينار المتعالي على تجاربِ الحياة وغير الخاضع لها إلاّ صوتُ النذير الذي يَئِسَ من البشرِ وحياتهم . فنفوسهم هي هي لم تتغيَّر ، وأطماعهم قد ازدادت زيادةً مُطّردة ، والجشع حفر أخاديده في أعماقهم . فهم يفْنون بحُبِّ المال ، ويقدّسون المرأة ، ويسجدون لظلِّ القويّ ، ويعيشون على المظالم ، ويدجّلون على السماء ؛ وهو يرى من عليائه كابوس الفناء الذرّي جاثماً على هذه الكرة ليعصف بها وبقاطنيها الأشرار ، جزاءً عدلاً .
وبعد , فما قلتُهُ ليس إلاَّ صفحةً من مذكِّرات ذلك الدينار العجيب . ومن يقرأ آراء وخواطر ودراسات الأدباء الألبّاء في هذا الكتاب سوف يجد فيه “خارطة مدرسة فكريَّة ” على حدِّ قول العلاَّمة الشيخ عبد الله العلايلي ، أو يرى فيه “صورةً صادقةً جليّة للنفس البشريّة ” كما قال نقيب الصحافة اللبنانيّة الأستاذ رياض طه .
ولئن قلنا مع السيّد محمد طاهر الكردي ” إِنّه لو لم يكن لداهش إلاّ مذكِّرات دينار لكفاه ذلك فخراً”، فماذا نقول إذن ونحنُ أمام عشراتٍ وعشراتٍ من كُتُبه التي تقدّمها المكتبة الداهشيّة لأبناءِ العروبة والعالم وتضعُها في خدمةِ الإنسانيّة ولأجل هدايتها ؟ لا نقولُ سوى أنها ستخلد في قاموس الآداب الإنسانيّة العالميّة ما بقيت الأرض وخلُدت السماء .
ماجد مهدي
بيروت ، في 29/1/1980
لماذا طبعت هذا الكتاب
مأخوذة من كتاب “مذكّرات دينار”، صفحة 296 بقلم السيّدة ماري حدّاد
|
بتاريخ أول شباط 1946 استلمتُ بالبريد نسخة (مذكِّرات دينار) المخطوطة . وقد بعث بها إليَّ الدكتور داهش ، وأشار عليَّ بالاحتفاظ بالمجموعة وعدم طبعها .
ولكنني ما كدتُ أُطالع محتويات الكتاب حتى رأيتُ أنَّه من الحرام أنْ أَحْرِمَ قرَّاء العربيّة من هذا الكتاب النفيس الذي يحتوي كلُّ فصلٍ منه على حكمةٍ بالغة الأثر ، شديدة الوَقْع على نفس مُطَالع هذا السِِفْر .
ولمّا كانت العِبَر التي يضمُّها بين دفّتيه قد أَخذت من نفسي مأخذاً عظيماً، رأيتُ عليَّ واجباً ، ليس أنْ أطبعَ هذا الكتاب الجليل باللغة العربيّة فَحَسْب ، بل بذلتُ مجهوداً شاقّاً حتى تمكّنتُ من ترجمتهِ إلى اللغة الفرنسيّة ليُترجم بعد ذلك إلى سائر اللغات الأجنبيّة الحيّة .
وبعد ، فها إنّي أضعُ أمام أنظار القُرَّاء نصَّ التحرير الذي بعث به إليَّ الدكتور داهش يوم أرسلَ إليّ (الدينار) مخطوطاً . قال :
“حضرة الأخت المجاهدة ماري حدّاد حرَسَتْهَا العناية :
تحيّة أخويّة صادقة .
وبعد ، فإنني أُحيّي بسالتكِ الرائعة التي تناقلت أنباؤها الصحافة كافّة في العالمين الشرقيّ والغربيّ . لهذا ترينني أَنحني أمامَ شجاعتك الفائقة الوصْف ، وأُشِيدُ باندفاعك الجبّار وشهركِ لسيف العدالة الرهيف كي تصرعي بواسطته الظُّلم المُخيف المكشّر الأنياب بلؤمٍ ونذالةٍ بالغين . ولتعلمْ الأخت النبيلة أنَّ صوت الحقّ لا تستطيع أن تخنقه جميع قوّات الطغيان العالميّة ، ولو تآزرت وتكاتفت وكان بعضُها لبعض ظهيراً .
وثقي أيَّتها الحكيمة بين النساء والشريفة المبادئ أنَّ العدالة ستنتصر ، وسيكونُ انتصارها شاملاً ، وسيكونُ انتصارها جازماً حاسماً .
والويلُ كلُّ الويل يومذاك للّذين شطّوا عن الطريق القويم ، واتَّخذوا لهم العُسف والخساسة دستوراً ، فحسابُهم سيكونُ عظيماً وعسيراً . وعقابُهم الرهيب ستتحدّث به الشفاه بروعةٍ وذعرٍ عظيمين . هذا ما سيتمُّ أيتها الأخت الفاضلة ، مهما طالت الأيام ، ومهما تصرّمت الأعوام . وكلُّ آتٍ قريب .
داهش
ملاحظة- أرسلتُ إليكِ مخطوط كتابي (مذكِّرات دينار). فالرجاء أن تحتفظي به لديك لأنّني لا أُريد طبعه ونشره مطلقاً . وقد بعثتُ به كي تتصفَّحيه، فيتأكّد لكِ من خلالِ سطوره أنَّني أحمل فكرةً سوداء عن البشريّة التي لا تهتمُّ بلذاذاتها الفانية ، ومادياتها الجانية . أما المبادئ السامية والتعاليم العلويّة ، فإنَّها تدوس عليها بأقدامها وهي تضحك منها وتهزأُ بها كما تضحكُ الأبالسة في عوالم جحيمها …
فيا للهول المرعب !… وداعاً وإلى اللقاء إن شاء الله …”
1 شباط 1946
معجزة أدبيّة
رأي الشاعر الغرِّيد الإستاذ حليم دمُّوس بكتاب “مذكّرات دينار” مأخوذة من كتاب “مذكّرات دينار” ص 5 بقلم الشاعر حليم دمّوس |
هي الحقيقة التي لا رياءَ في روحها فيلوِّثها ويجعلها مهزلة المهازل .
وما أنا إلاّ شاهدٌ أمينٌ صادقٌ أنقلُ مشاهداتي بأمانةٍ تامّة ، مُعلناً استغرابي الشديد لحدوث هذه المعجزة الأدبيّة المُلهمة .
يشهد الله أنّها معجزةٌ فريدة ، من معجزاته العديدة .
فإنَّ الدكتور داهش صمَّم على تأليف كتابه “مذكّرات دينار” وأراد أن ينفِّذ فكرته بصورةٍ جدّيّة عمليّة .
وإذا بي أراه يجلسُ وراء مكتبه في أحدى خلواته ، ويبتدئ في الكتابة بسرعةٍ عجيبةٍ غريبة هي سرعةُ الطائر المتنقّل من غصنٍ إلى غصن ، ومن دوحةٍ إلى دوحة .
ومكثَ تسعَ ساعاتٍ كاملة مُكبّاً على تدوينِ أفكاره بصورةٍ متواصلة .
ثم قدَّم لي ما أخرجه قَلَمُه من صفحاتٍ بل نفحاتٍ لأبيِّضها كعادتي في كلِّ ما يكتبه ، فأعود لأنظمَه شعراً عربيّاً لأبناء بلادي .
ومضى أسبوعٌ كاملٌ خرَجَ في نهايته كتابُ ” مذكِّرات دينار” ناجزاً تامّاً رائعاً ، بعد أن أبدعَ فيه بوصْف أمراضنا الاجتماعيّة من شرقيّة وغربيّة .
ففكَّك أوصالها وذرّاتِها ، ودقائقِها وفقراتِها ، بعد أنْ وضع هيكلَها على مائدة تشريحه الهائلة الحدّ ، المخيفة البَتْرِ في ساعات الجدّ .
نعم . إنَّ هذا السِفْر الضخم الذي ألمَّ فيه الدكتور داهش بكلِّ صغيرةٍ وكبيرة في أكثر شؤون الحياة وأدقّها ، والتي غاص إلى أعمق أعماقها وحلّلها تحليل الخبير الماهر ، لم يستَغْرِقْ في تأليفه من أَلفِهِ إلى يائه أكثر من سبعةِ أيّامٍ لا تزيدُ ساعةً واحدة !
ورُبَّ قارئٍ يستهزئُ بما أقول لاستحالة تَصْدِيقه ما هو عندي حقيقةٌ واقعيّةٌ راهنة .
وعلى رغم أنَّ كثيرين سيتَّهمونني بالمبالغة والتهوُّر وعدم التصديق فإنّني لا ألومهم ، ولا يسعني أن أعتبَ عليهم . لأنّه لو روى لي أيُّ مخلوقٍ ما أرويه الآن للرأي العامّ لاتّهمْتُه في الحال بأنّه المحابي الأوّل ، أو أنّه قال ما قال لغايةٍ في نفسِ يعقوب . أَلا فَلْيَثِقْ كلُّ مَنْ يُطالع مقدِّمتي هذه بأنَّ “مذكّرات دينار” ليس هو الأوّل ، وليس هو الأخير من المجموعة الداهشيّة المتّصلة الحَلَقات التي ألَّفها ويُؤَلِّفها الدكتور داهش في فترات متسلسلة .
إنّها قد أربتْ حتّى اليوم على تسعين مؤلّفاً قيِّماً تناولَ فيها شتّى شؤون الحياة الدنيا ، وأمورِها الكثيرة التعقيد والتداخل . وجميعُها دوّنها بالسرعة التي لا يصدِّقها إلاَّ مَنْ رآها فرواها .
فأعظم كتاب وأضخمه لا يتطلَّب معه مدّةً تتجاوز عشرة أيّام على أكثر تقدير .
إنَّ كتاباً حيويّاً كهذه “المذكِّرات ” إذا انكبَّ على تأليفه أحدُ المؤلّفين الأفذاذ ، الذين قطعوا المرحلة الخامسة من أَعمارهم ، يحتاجُ لإِنجازه إلى بضعة أعوامٍ بالرغمِ من خبرته الدنيويّة ، وحَلْبه لشطريها ، وتذوُّقه حلاوة الأيّام ومرارتها . فكيف بالدكتور داهش وهو بعد في منتصف عقده الثالث ؟
وبحمد الله فهناك كثيرون من أَصدقاء الدكتور داهش ومحبِّيه ، وأنصاره ومريديه ، قد شاهدوا ما شاهدتهُ ، ولمسوا ما لمستُه ، وهم يؤكِّدون أقوالي ويؤيِّدون ، ومثلما شهدتُ أنا فهم بدورهم يشهدون .
حليم دمّوس
بيروت ، 1946
هو الدينار كم سحر الأناما ؟
بقلم الشاعر حليم دمّوس
|
هـو الدينار كم سَحَر الأنامـا وكم صَلَّى له شعب وصاما
أمَـا عبـدوهُ دون اللـه حتى حَنَوا من أجلـهِ رُكَباً وهاما
لقد سجدوا لهُ من عهد موسى وعيسى والأُلى نشروا السلاما
نعم سكروا به مـن غير خمـرٍ وباتوا حولَهُ مثــل النُّدامى
ولـو ملك الكلامَ لقـال بيتاً يردّدهُ الورى عامـاً فعامـاً :
– أنـا الدينارُ يفتنكم بريقـي وقد خدّرتكم فابقوا نيامـا !
حليم دمُّوس
2 آذار 1946
1/1/5 داهشيّة
الكتاب الذي نال الجائزة الأولى
مذكّرات دينار الكتاب الذي نال الجائزة الأولى وانتُخِبَ من بين 100 كتاب أدبيّ بقلم صبحي عبد الخالق
|
صدر كتاب “مذكّرات دينار”- هذا الكتاب العجيب الغريب الذي لم يترك ناحيةً من نواحي الحياة إلاَّ واخترق حُجُبَها الكثيفة واستخرج لنا منها العَبرة والعِبرة .
كتابٌ يُحلِّل نفسيّات الأُمم والشعوب والأفراد ، ويضع على مشرحته البتّارة مساوئهم ، ويهتك تدجيلهم ، ويُفكّك لهم ذرّات غشهم وتدليسهم ذرّةً ذرّةً ، عارضاّ إيّاها على أنظار الملإِ بأسره ، فيقوّض أرائك ، ويُحطّم التيجان ، ويبعثر أصحاب الصولجان ، ويدوس على العرف والتقليد ويعصف بهما عصفاً مأكولاً .
كتابٌ فيه أسرار الأجيال ، بل الأجيال وأسرارها يحتويها هذا الكتاب .
كتابٌ يضمُّ بين دفّتيه النار والنور ، وتحتوي صفحاته على أروع ما يذهب إليه الخيال .
كتابٌ يفهمك حقيقة رجال الدين وأهدافهم وتمنّياتهم وأمانيهم ويهتكُ لك ما خفي من بواطنهم وظواهرهم .
كتابٌ يرفعك إلى قمم النعيم ، ليعود فيهبط بك في الحال إلى أسفل دركات الجحيم .
كتابٌ هو السيف البتّار تشهره يد جبّار فولاذيّة فوق رأس كلّ خائن أثيم ومجرم أفّاك لئيم .
كتابٌ تضمَّن الحِكْمَة والفلسفة والشعر وأسرار الموت والحياة ، والحُبّ والبغض ، والهناء والشقاء ، والفرح والترح ، والفُقْر والغِنى ، والنبالة والنذالة ، والكَرَم الحاتمي والطَمَع الأشعبي ، والوفاء النادر في دنيانا الدنيئة والخيانة الاسخريوطيّة .
كتابٌ يُغْنِيك عن مُطالعة مكتبة كاملة تعجّ بآلاف المؤلّفات القيّمة .
كتابٌ غريب ، بل كتابٌ رهيب ، بل كتابٌ عجيب ، ولكنه يُشفي أمراض نفسكَ كأمهر طبيب .
كتابٌ فيه البلْسم الشافي لأتعاب الرُّوح ، وترياقٌ مُحْيٍ لأوصاب النفس ، وكوثرٌ يسري مع الدماء في أعصابِ الثائرين .
كتابٌ بل طلسمٌ ، بل سرٌّ ، بل لغزٌ ، بل حكمةٌ ، بل فلسفةٌ ، بل اختبارٌ يقرأه الكبار فيزدادون معرفةً بأسرار الحياة ، ويطالعه الشّبان فيستفيدون خبرةً وإطّلاعاً فيحذرون الأنام .
كتابٌ يُدهش بل يُبده بل يُشده
هذا هو الكتاب الفلسفي الثمين ، بل الحلم الواقعي الرائع الفتنة الذي جعله الدكتور داهش حقيقة راهنة تتلقّفه الأيدي بشوق ، وتلتهمه العيون بشغفٍ، لتستمتع بمحتوياته التي تضجّ بالحياة التي بعثها فيه قلم داهش الجبّار ، بصورةٍ لم يسبقه إليها أو يُجارِه فيها أيُّ أديبٍ أو مؤلّفٍ سواه .
صبحي عبد الخالق
أيّار 1947
غاية "مذكّرات دينار" إصلاح المجتمع
ورفع مستوى الإنسانيّة إلى أوج الكمال بقلم نديم كرم
|
قالت مجلّة “الجامعة السريانيّة” في عددها 7-8 الصادر بتاريخ (تمُّوز –آب 1947) ما يأتي : مذكّرات دينار
|
وصل هذا الكتاب أخيراً ، فأوكلنا مطالعته إلى الأديب نديم كرم ، فكتب الكلمة التالية :
مذكّرات دينار : هو مؤلَّف أدبيّ ثمين للدكتور داهش الذي جرّدته حكومة بشارة الخوري من الجنسيّة اللبنانيّة بعد أن سجنوه وعذَّبوه وأهانوه لأمورٍ لا محلّ لذكرها الآن ، ثم طردوه خارج البلاد فقتله السوفييت على الحدود الروسيّة .
والدكتور داهش ، على ما يظهر من كتابه الذي يصف لنا به أمراض المجتمع في عصر طغت فيه المادّة على الروح ممّا يدلُّ على أنَّ أطماعَ البشر كلّها تحوم حول الدينار …. غايته من كتابه هذا إصلاح المجتمع ، ورفع مستوى الإنسانيّة إلى أوج الكمال . فهو من هذه الوجهة غيورٌ على الإنسانيّة ككلّ المُصلحين الذين ضحّوا حياتهم لأجل سعادة وهناء الجنس البشريّ .
والكتاب منسوج بعباراتٍ نثريّة ولغةٍ عربيّة من النمط العالي . وهو مزيّن ببعض الرسوم ، وعلى إحدى دفّتيه يرى القارئ صورَة المؤلّف ، وعلى الثانية صورَة العائلة البشريّة من كلِّ الألوانِ والأجناس ، وتهافتهم على (الدينار) رمز المادّة المُسيطرة على العقولِ والنفوس .
فإلى روح المؤلّف الشهيد احترامنا مع إسداء الشُكْر لحضرة الكاتبة الجريئة والسيّدة الفاضلة ماري حدّاد ناشرة الكتاب ، وللَّجنة الداهشيّة التي أتحفتنا بنسخةٍ من هذا المؤلّف الثمين .
نديم كرم
1947
كتابٌ صغير ولكنَّه سِفْرٌ ضخم
مذكِّراتُ دينار كتابٌ صغير ولكنَّه سِفْرٌ ضخم بقلم عبد الرحمان العطَّار |
اطّلع الأديب عبد الرحمان العطّار وهو في سجن الرمل على نسخة من كتاب (مذكّرات دينار). فلم يتركه حتى أتى على آخر صفحة منه في ليلة واحدة . وفي صباح اليوم الثاني كتب الكلمة الآتية :
|
قرأتُ كتاب “مذكّرات دينار ” للدكتور داهش ، فدهشتُ وأكبرتُ ؛ دهشتُ من روح فيه لم توجَد في أيّ كتاب .
روحٌ سامية تُزهّدك بالدنيا ، وروحٌ علويّة تقرّبك من الملإِ الأعلى ! روحٌ تتأجّج ناراً حمراء ، وتفيض نوراً فيه الهدى وفيه الرشاد !
روحٌ جامحةٌ ثائرة تحرق في طريقها ما تراه من رذائل ، وتترك أنفس الفَجَرة الكَفَرة إمّا أنفساً قد تطهّرَت من أدرانها وخلصَتْ ممّا يُدنّسها ، فغدَتْ نقيّةً صافية يُشرق عليها نورٌ بهيّ هو نور الفضيلة ، وإمّا أنفساً قد عظمَتْ لديها رذائلها ودناءَاتها ، وتكشَّفَتْ لها نقائصها وحقارتُها فهشَّمَتْ نفسها قبل أن تسحقها هذه الثورة .
روحٌ تريد أن تسمو لا بنفسها فحسبْ ، بل أن تدعو البشريّة جميعها إلى كسر قيود المادّة وتحطيم أغلال عوامل لا تجرُّ عليها إلاّ الوبال والفناء لترتفع معها إلى حيث تشعر بعظمةٍ هي عظمة التجرّد والتسامي ، وبسرورٍ هو سرور انتصارها على المادّة .
ودهشتُ من شعورٍ فيه هو شعورُ متشائم يعرف أنه فاشل في طريقه … إلاّ أنّه قد أصرّ على المسير رغم الهزيمة لأنه يريد أن يُعطي مثالاً أعلى للآخرين كي يتجرّدوا كتجرّده ، ويتساموا كتساميه ، ثمّ ليُجاهدوا جهادَه ويضحّوا تضحيته .
شعورٌ جامحٌ قويّ : جامحٌ في انتقاده ، قويٌّ في صولته على أعدائه .
شعورٌ لا يعرف الخديعة ولا المحاباة .
شعورٌ كالخطّ المستقيم لا يعرف تعرّجاً ولا اعوجاجاً .
شعورٌ يضرب ، ويضرب بشدّة ، لا يهمّه ملكٌ أو أمير أو نبيل .
ويضرب برحمةٍ وشفقة فقيراً أو مسكيناً أو جنديّاً قد ابتُزَّت جهودهم ، وامتُصَّت دماؤهم ، وغرَّر بهم قادتهم .
شعورٌ يريد توحيد الشعور وصهره في بوتقة واحدة هي بوتقة الخير والفضيلة والحبّ والعدالة .
ودهشتُ من قوّة فيه :
قوّةٌ تخلق من الضعيف أسداً ، ومن الذليل شهماً أبيّاً ، ومن الخائن قوميّاً مخلصاً ، قوّةٌ تجبر القويّ أن يُدركَ ضعف ظلمه ، وتُري الباغي دورة الدهر ، وتترك المقامرين بأرواح أبناء وطنهم عِبرةً لمن اعتبر . قوّةٌ تُصغِّرُ الملوك ، وتُذلُّ النبلاء ، وترذل “الشرفاء”، وتفضح القضاة ، وتكفّر المتديّنين . قوّةٌ تُري جميع هؤلاء صغارتهم رغم تيجانهم التي سلبوها ، وذلَّهم رغم نبلهم الذي تصنّعوه ، ورذالتهم رغم شرفهم الذي تستّروا به ، وكفرهم رغم تديّنهم الذي جعلوه وسيلةً للتغرير بالمؤمنين الضعفاء وابتزاز أموالهم ، وجداراً يقي دناءَتهم وسفالتهم من أن تراها العيون .
دهشتُ من رحمةٍ فيه :
رحمة تمنح اليائس أملاً ، وترشد الغارق في لُجَج معاصيه إلى شاطئ السلامة ، وتكون للمظلوم عزاءً ، وللمصاب سلواناً . رحمة هي رحمة الله لعباده الضعفاء . رحمة تذكّرهم بأنَّ الله غفور رحيم . رحمة فيها شدَّة ، هي شدّة تريها لمن لا يتّعظ ومن لا يرعوي .
وأكبرتُ فيه كاتباً قد كَتبَ ما يُدهش ؛
كاتباً قد كَتبَ ما يُريح ضميره ؛
كاتباً قد قام بعبء الهداية والإرشاد ، وهو يجفل في طريقه من هول ما يرى وما يسمع ، إلاّ أنه ثابر وواصل طريقه .
لقد آمن بنفسه وبتجرّده ، وآمن بصدق رسالته وسموّها ، فما عليه إلاّ أن يؤمن بنجاحه في أدائها رغم العقبات والصعاب في مجتمع بل مجتمعات قد نخرها سوسُ الرذائل فأتى على جوهر فضائلها ، ومُثُلها ، وإنسانيّتها ، وحوَّطتها ثعابينُ الشرّ والخداع فبدَتْ عاجزةً عن الحِراك إلاَّ كما تحركها هذه الثعابين ؛ وغرقت في بحار صخبت أمواجها وعصفت رياحها ، بحار لا تترك سبيلاً للنجاة ولا أملاً للخلاص ، بحار هي بحار الشهوات الدنيئة والميول الوضيعة والغرائز الحيوانيّة .
دهشتُ من غنى فيه : غنى فيه فقر المادّة وفقر المال ، غنى فيه قناعة ، وفيه كرم ، وفيه حياة ، غنىً يتّخذ المال والمادّة وسيلةً لا غاية كما قال ديناره ؛ غنىً يجعل الفقراء يتباهون بغناهم الروحيّ : غناهم في فضائلهم وأخلاقهم وشرفهم على أغنياء فقراء بفقرهم الروحيّ ، فقرهم من الفضائل والأخلاق والشرف .
إنّ صفحات الكتابة عنه تزيد على صفحاته ، بل إنّها لا تكفي لأنّه كتاب قد أشار إلى أحداثٍ قليلة ، ولكنّها كثيرة بأمثالها ، وإلى حقائقٍ صغيرة ولكنّها جسيمة بأهوالها ، وإلى بعض الصغائر ولكنها تفوق الكبائر .
إنه كتاب صغير ، ولكنه سِفْرٌ ضخم ، صغيرٌ بحجمه وضخمٌ بمعانيه وحقائقه وأهدافه .
إنّه كتاب قد شابه بمعانيه وحقائقه وأهدافه كُتُبَ الفلاسفة والقدّيسين ، وماثَلَ بلغته كُتُب أمراء البلاغة والبيان . فلقد جمع ما عجز عنه الكثيرون .
وكما أني تأثّرتُ من روحه ، ومن قوّة هذه الروح ، ومن أهدافه ومن سموّ الأهداف ، فإنّني أعلم أنَّ كلَّ قارئ سيتأثّر هذا التأثّر ، وأنّه سيسمو إن كان وضيعاً ، ويتسامى من سموّ إلى سموّ إن كان رفيعاً ، وأنّه سيرى الدركات التي لم تروّعه أعماقُها قبل قراءَته ؛ وأنّه سيحلّق في أجواء لم يحلم بها بعد قراءَته .
أو هو كما قال الشاعر حليم دمُّوس في مقدّمة الكتاب إنّه “معجزة أدبيّة “… وكفى .
عبد الرحمان العطّار
نزيل سجن الرمل – بيروت ، الثلاثاء في 26 آب 1947
داهش في "مذكّرات دينار"
داهش في “مذكّرات دينار” جبّارٌ من جبابرة الإصلاح ونابغةٌ من نوابغ الحقِّ والفلاح بقلم أديب هاشم |
إنَّ المصوِّر السجين أديب هاشم هو من الأُدباء المفكِّرين . وقد استعار كتاب “مذكّرات دينار” من صديقه (ممدوح آغا حسن الدندشي) من (مشتى حسن) وأحد نزلاء سجن الرمل . وقد كتب المصوِّر الأديب الكلمة الآتية: |
كنتُ أُحبُّ (داهشاً) ، وأُغالي باحترامه قبل أن أقرأه ، لأنَّ النخبة المنتخبة من كُبراء وعُلماء وأطبّاء وأُدباء وعُظَماء ومفكّرين قد التفّوا حول الدكتور داهش ، وتفانوا في أداء رسالته العالية للمجتمع الإنساني .
وإنّي أنستُ بهذا الصوت الداوي في محاكم الطغاة والعتاة ؛ وفي مجالس الساسة المستبدّين ، وفي هياكل الكهنة المرائين ، ومعابد المؤمنين المتعصّبين الضالّين ، وأندية الأشرار السفّاحين الظالمين .
لهذا كلّه أيقنتُ بسموّ المبدإِ الداهشيّ ؛ وكنتُ أردُّ على كلِّ المطاعن والمثالب بجرأةٍ وشجاعة كأنَّ روحاً سماويّة تُفهمني ما أقول ، وتعُلّمني أن (داهش العظيم) هو جبّارٌ من جبابرة الإصلاح ، ونابغةٌ من نوابغ الحقِّ والفلاح .
إنّي ممن شربوا كؤوس الذلّ والهوان مُترعَة . وقد عانيتُ من ظُلمِ الحُكَّام وعسف الأنظمة وجور التقاليد ما يحملني على الترحيب والهتاف ، لا بل على تقديس هذا المُصلح الفذّ داهش العظيم .
وإنّي أُهنّئ كلّ شابّ شريف يبتاع كُتُبه ويقرأها ، لأنه يجد في كلِّ صفحةٍ عِبَراً عالية ، ومواعظ سامية ، ودروساً باقية ، وتعاليم خالدة .
أديب هاشم
نزيل سجن الرمل- بيروت، في 29 آب 1947
قصَّةُ الإنسانيَّة في هذا العصر
مذكّرات دينار قصَّةُ الإنسانيَّة في هذا العصر
بقلم الأديب قدري قلعجي |
يقصُّ هذا الكتاب قصَّةً رائعة ، لعلَّها قصَّة الإنسانيّة كلّها في هذا العصر الرأسمالي ، الذي جعل المال المحور الذي يدور حوله نشاط الإنسان ، ويبذل في سبيله وقته وموهبته وكرامته جميعاً ….
وهو يبدأ هذه القصَّة بالمشهد المُفجع الذي يُمثِّله الغلاف ، مشهد دينار ذهبيّ يجري ، ومن حوله وخَلفه تتزاحم ألوف الخلائق من جميع الشعوب والطبقات ، كُلٌّ منها يريد أن يحظى به دون الآخرين . وقد عبَّرت وجوههم وحركاتهم أروع تعبير عن الجشع والهوس والرغبة في الافتراس .
إنّها صورة مؤثرة لحياة البشريَّة في ظلِّ الحضارة الراهنة ، حضارة الدينار والدولار ، التي لا قيمة لديها إلاّ للمال وللمال وحده . فهي تسعى إليه من كُلِّ سبيل ، وهو وسيلتها إلى كُلِّ غاية .
هل تساءَلتَ يوماً ، وأنت تقبض بيدك ديناراً : تُرى ما هي الطريق التي اجتازها حتّى وصل إليك ، وما هي الأيدي التي تداولته قبل أن ينتقل إلى يديك؟… لقد ألقى مُؤَلّف هذا الكتاب الطريف هذا السؤال على نفسه ، ثم تمخَّض ذهنه المولِّد عن رحلة عجيبة قام بها دينار ذهبيّ مُذْ كان راقداً في أعماق الأرض قطعة صمّاء من الذهب البرَّاق ، إلى أن امتدَّت إليها يدُ الإنسان فانتزعتها من مَنْجَمِها ، وصَهَرتْهَا وسوَّتها ، وسكبتها نقداً ، ووضعتها قيد التداول ، فإذا هي تنتقل من قطرٍ إلى قطر ، ومن بيئةٍ إلى بيئة ، ومن يدٍ إلى أخرى ، في زحمة المنافسة واحتدام الصراع وصخب الحياة …
ويقصُّ الدينار قصَّة رحلته هذه ، ويروي ما شاهد خلالها من مآسي الحياة ومهازلها . فبينا هو في يد ملك خطير ، إذا هو في خزانة ثريٍّ بخيل ، ثم إذا بهذه الخزانة تتحطّم ليذهب ما فيها إلى جيوب اللصوص ، ويكون الدينار من نصيب أحدهم ، فَتَسْتَولي عليه غانيةٌ فاجرة في حانة داعرة ، ثم تشتري به خاتماً الماسياً ، ويأخذه الصائغ ليُقدِّمه بعد أيّام لأحد الكهنة ثمناُ لصليب ابتاعه منه ، فما لبث كاهن آخر أن سرقه ودفع به إلى امرأة أغواها بالمال ، ورآه زوج المرأة فعرف خيانتها وأَلْقَى به من النافذة ، فالتقطه شابٌّ فقير وابتاع به دواءً لأمِّه المريضة ، فما عتَّم الصيدلي أن أغرى به فتاةً بائسة جاءت تتوسَّل إليه أن يتصدّق عليها بعلاجٍ لأخيها المُشْرف على الموت ، فأخذته الفتاة وخرجَتْ تندب عفافها وترثي طهارتها . ويشعر أخوها بتضحيتها فيموت قهراً ، ويعزُّ على المسكينة أن تعيش بعد فاجعتها المزدوجة فتنتحر . وكانت الفتاة لذهولها قد اشترت شيئاً من الفاكهة ، ونسيت أن تنقد صاحبها الثمن . فاستصحب هذا شرطيّاً وجاء للقبض عليها . فلمّا رآها ميتة اكتفى بالقبض على الدينار ، ولكنّ الدينار ما لبث أن سقط من ثقبٍ في جيبه ووقع على قشرة برتقال ، فمرَّ به حمارٌ كان يلتهم ما يصادفه في طريقه من نفايات الخضار ، فما هي إلاّ لحظات حتى كان يقطن في جوفه الكبير …
وتنفجر الحرب العالميّة الأُولى … وبينما كان أحد شبّان الإنكليز يستعدُّ للرحيل إلى الجبهة ، إذا بخطيبته تريه ديناراً قد عثرت عليه بينما كانت مُكبَّة على أغراس الأزهار تتعهَّدها بالسماد ويرويها خطيبها بالماء . فاستبشر بذلك ، وعدَّه فألاً طيباً . فطلبت منه الاحتفاظ به كذكرى سعيدة لحبِّهما السعيد . فأخذه الشاب ومضى إلى الحرب فخاض غمارها ، ثم وقع أسيراً لدى الألمان وقضى نحبه في الأسر . وبقي الدينار مدفوناً معه حتّى أرسلت الحكومة البريطانيّة بعثة لتكريم رفات صرعى الحرب . فاكتشف أحد أعضاء هذه البعثة الدينار الذهبيّ بين ضلوع الجندي القتيل ، فأخذ يهيل على الجثَّة التراب ، حتّى إذا ما انتهت مراسيم التكريم والتعظيم ، وانصرفت الجنود التي ساهمت في الاحتفال ، رجع الضابط إلى حيث مثوى القتلى وأزاح التراب ، وعالج ضلوع الصدر الذي تسرَّب الدينار في فراغه وانتزعه من مثواه ، ثم قفل عائداً من حيث أَتى ليُعيَّن بعد حين مُلحقاً عسكرياً لدى نائب الملك في الهند .
وتتاح للدينار بذلك أن يشهد مرحلة كبيرة من مراحل القضيَّة الوطنيّة في الهند ، ويطَّلع على أدب شاعرها طاغور ، وحكمة زعيمها غاندي ، ويرى ما تحفل به من عجائب ومتناقضات …
ومن الهند ينتقل الدينار الذهبيّ إلى مصر ، وهو لا يزال حيث وضعه الضابط الإنكليزي في غطاء ساعته ، ولم يجدّ في أمره سوى أن هذه الساعة قد أهداها الضابط إلى خطيبته ، فحافظت عليها وقتاً غير قصير .
وكما شهد الدينار الرحَّالة نضال الهند وتحرَّى عجائبها ، حَضرَ طرفاً من نضال مصر في سبيل استقلالها بقيادة زعيمها الخالد سعد زغلول ورأى وجوهاً شتى من حياتها الاجتماعيّة .
وكانت الفتاة الإنكليزيّة قد فقدت ساعتها التذكاريَّة ، فوقعت في يد أحد الشبَّان ، فباعها من أحد الصاغة ، فعثر هذا على الدينار المُخبّأ في غطائها ، فانتقل منه إلى عدّة أيدٍ . وقتل رجلٌ أخاه في سبيله ثمَّ وقع في يد حفَّار القبور ، وانتقل منه إلى يدِ أحد الصاغة ، فصهره وجعل منه خاتماً بديعاً قدَّمه لشقيقته الشابّة . وتزوَّجت الفتاة وسافرت إلى نيويورك . وهناك ، في نزهة بحريّة قامت بها المرأة مع أحد عشَّاقها ، وبينما كانت تلقي بيدها في الماء مرحةً عابثة ، انسلّ الخاتم من إصبعها وابتلعه البحر ، أو ابتلعته على الأصح سمكة كبيرة … وبدأ رحلةً جديدة في جوف السمكة ، ثم في جوف الحوت الذي ابتلعها ، انتهت به إلى اليابان حيث اصطيد الحوت ، واشترى أحد اليابانيين قطعةً من لحمه فعثر على الخاتم فيها ، وأهداه لصديقته فتاة الجيشا . وانتقل من هذه إلى أحد الدبلوماسيين الفرنسيين ، فطاف به أكثر عواصم العالم ثم عاد إلى باريس ، حيث وهبه إلى وزير المال ، فسكبه من جديد ديناراً فرنسيّاً وقدّمه إلى قرينة السيّد بيدو فانتقل معها ومع زوجها إلى إيطاليا وبرلين ثم إلى فلسطين ، فوقع من محفظتها وبدأ رحلة أخرى خلال الحرب العالميّة الثانية ….
ولا تقتصر مزية هذه القصّة الرائعة ، التي يقصُّ بها الدينار سيرة حياته العجيبة ، على ما يتجلَّى فيها من خصيب الخيال وجمال الفن وطرافة المفاجأة ، بل تتعدَّى ذلك إلى استخلاص العِبَر الاجتماعيّة ، وتوجيه العظات الإنسانيّة ، والحضّ على القيم الرفيعة ومكارم الأخلاق .
وفي الكتاب حملة تستحقُّ الثناء على الحرب الظالمة ، التي تُضحِّي بالشعوب البريئة لمصلحة الأسياد الغاصبين الذين لا يهمُّهم سوى مطامعهم الشخصيّة الحقيرة ، وعلى الاستعمار الغاشم الذي يفتتح البلدان لاستثمار خيراتها واستبعاد أبنائها بالحديد والنار بحجّة التمدين والتعمير وتحضير الأقوام المتأخِّرة ، وعلى التعصُّب القومي الأعمى الذي يُؤلِّب الناس بعضهم على بعض ويُذكي بينهم نار الحقد والبغضاء ، وهم ، لو علموا ، إِخوة لا فضل لأحدهم على آخر ولا مزية يمتاز بها قومٌ من قوم ، وإنّما هي التعاليم الاستعماريّة تنفث بينهم سمومها لتحقيق مآربها المجرمة .
ولا يستثنى المؤلِّف من حملته الصادقة رجال الدين الذي يتَّخذون الدين ستاراً للتضليل والخداع وابتزاز الأموال ، ويُسخّرونه زوراً وظلماً لخدمة الطبقة الحاكمة مهما استبدَّت وجارت .
وإنّي إذ أثني على المؤلِّف لما تجلَّى في الشطر الأوّل من كتابه القيّم من إبداعٍ فني وتوجيهٍ أخلاقي وعرضٍ للمعضلات البشريّة الكُبرى ، هذه المعضلات التي أعتقدُ بأنَّ الإنسانيّة لن تجد لها حلاًّ إلاَّ متى حلَّ نظام العدالة والمساواة محلَّ نظام العسف والاستثمار ؛ أتمنَّى عليه أن يستغني في طبعته الثانية عن الفصول الأخيرة التي تعرَّضت لبعض الأشخاص بأسلوبٍ لا يتَّفق ومستوى الكتاب ، كما أُمسك عن مجادلته في التنبؤات التي تخيَّلها لمستقبل العالم ونهايته ممّا لا يتَّفق مع روح العلم الذي لا أؤمن بشيء سواه .
قدري قلعجي
في 10/9/1947
نظرات فلسفيّة في حقيقة الوجود
مذكّرات دينار نظرات فلسفيّة في حقيقة الوجود جريدة اليوم البيروتيّة |
كتبت جريدة “اليوم” في عددها الصادر بتاريخ 18 أيلول 1947 ما يلي : مذكّرات دينار
|
أُهدي إلينا كتاب “مذكّرات دينار” لمؤلّفه الدكتور داهش الذي أُثيرت حوله في الأيّام الأخيرة ضجَّة قيل فيها إنه لقي حتفه في أذربيجان .
والكتاب مطبوع بشكلٍ مُتقن ، وتبويبٍ جميل ، ويتضمَّن نظراتٍ فلسفيّة في حقيقة الوجود . كما يصفُ بأسلوبٍ شائق نهم المادّة وجشعها ومصائب العالم التي تسبِّبها .
جريدة اليوم
18 أيلول 1947
ثورة على خداع البشر
مذكّرات دينار ثورة على خداع البشر ولؤمهم وطبيعتهم الشرّيرة بقلم أديب مروَّة |
عُرِفَ الدكتور داهش في مؤلّفاته السابقة بأسلوبٍ خاصّ يمتاز بالخيال ، والجمل المتقطّعة ، والعِبَارات المُنمَّقَة . وقد كان يسلك في كتاباته طريقة رمزيّة يغطّي بها أفكاره ويضمّنها أراءه ونظراته .
أمّا في هذا الكتاب الجديد فقد كان واقعيّاً يتحدّث بطريقة قصصيّة خلاّبة عن مذكّراته ورحلاته ، وما مرَّ عليه من الحوادث والشؤون السياسيّة ، وما زاره من البلدان العديدة في الشرق والغرب كالهند وبلاد فارس وفلسطين ومصر والعراق وفرنسا وغيرها من بلاد أوروبة .
والطريف أنّ المؤلّف لم يدع حادثاً إلاّ وعلّق عليه بأسلوبه الخاصّ الذي يتضمّن ثورته على خداع البشر ولؤمهم وعلى طبيعتهم الشرّيرة .
وفي الكتاب فصل ممتاز عن مرحلة من تاريخ مصر الحديث الذي كان محوره المرحوم سعد زغلول وعلاقته (بهدسن) حين كان نائباً للملك في الهند .
كما أنّ فيه بحثاً لبعض الحوادث العالميّة الأخيرة .
والكتاب يُشكِّلُ قصّةً طريفة عن حياة رحّالة فيها من التعليقات والأقاصيص والآراء ما لا يخلو من متعة وفائدة .
أديب مروَّة
بيروت ، نشرت في جريدة “الحياة” بتاريخ 19/9/1947
كتابٌ يُقدِّسُ جميع الأديان السماويَّة
كتابٌ يُقدِّسُ جميع الأديان السماويَّة بقلم الشيخ منير عسيران |
أهدى إليَّ صديقي الأستاذ الشاعر حليم دمُّوس كتاب “مذكّرات دينار ” فطالعتُه من أوّله إلى آخره ، فوجدتُه حسن الأسلوب ، متين العبارة ، وإن يكن موضوعه خياليّاً ، إلاّ أنه يكشف عن حقائق ناصعة يتخبّط بها المجتمع … فضلاً عن عِبَاراته الأنيقة الرشيقة البليغة وابتكار موضوعه الذي يقدّس فيه مؤلّفهُ الدكتور داهش جميع الأديان السماويّة .
وقد استرعى نظري قوله (ص 282) في القرآن الكريم “انه لغة الملائكة يتخاطبون بها فيفتنون النجوم ببلاغتها ، ثمّ روعة سبكها ، وعذوبة سحرها ، كقوله تعالى :
“الله نور السماوات والأرض
مَثَل نوره كمشكاة فيها مصباح
المصباح في زجاجة
الزجاجةُ كأنها كوكبٌ درِّي
يوقد من شجرة مباركة
زيتونة لا شرقيَّة ولا غربيَّة
يكادُ زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار
نورٌ على نور
يهدي اللّه لنوره من يشاء
ويضرب اللّه الأمثال للناس
والله بكل شيء عليم …”
فأنا أشكره على هذا الاستنباط الجديد لأنَّ جميع آيات القرآن متماثلة بإعجازها وبلاغتها وإيجازها .
أما قوله في ختام الكتاب من أنَّ الضعيف هو فريسةٌ للقويّ الذي يتغنّى بالديمقراطيّة الصحيحة ، فليست إلاّ كالأسماك التي يأكل كبيرها صغيرها .
وعسى أن لا تقع الحرب العالميّة الثالثة التي يتنبّأ بها المؤلِّف كما تنبّأ غيره من أرباب الصُحُف نقلاً عن أساطين السياسة .
وإني سألُ الله أن يوفِّق من بيدهم الحلّ والعقد إلى تلافي هذا الخطر رحمةً بالبشر .
والله على ما أقول وكيل ، وبالهداية كفيل .
بيروت ، حرّر في 24 ذي القعدة 1366
الأربعاء 8 تشرين الأول 1947
الشيخ منير عسيران
القاضي السابق للطائفة الشيعيّة
في المحكمة الشرعيّة
حكمٌ قاس على البشر ولكنَّه صحيح !
حكمٌ قاس على البشر ولكنَّه صحيح !
رأي الدكتور عمر فرُّوخ في “مذكّرات دينار” بقلم عمر فرُّوخ دكتور في الفلسفة |
يتخيَّل المؤلّف (ديناراً ذهبيّاً) يتنقَّل من يدٍ إلى يد ، ويقصُّ ما يرى من أَخلاق الناس التي يسترها الفقر ، ويفضحها الغنى . ويروي أخبار الفضائح التي يحمل على ارتكابها (المال) إمّا حيال الاضطرار والحاجة ، أو حبّاً بالوجاهة والترف .
ولقد تتبَّع المؤلِّف (رحلة الدينار) في جميع البلاد ، وفي كلّ طبقات الناس، فإذا فعله واحد ، في كلّ زمان ومكان .
ولا ريب قطُّ في أنّ الفكرة موفَّقة تستحقُّ كتاباً .
ومع أنَّ (فعل المال) معروفٌ مشهورٌ فإنَّ أسلوب السَرْد الذي اختطَّه المؤلِّف لنفسه قد خلع على الموضوع طرافةً وجدَّة .
وهنالك أَحوال لحبّ المال اختارها المؤلِّف في أبسط مظاهرها وأقوى أثرها ، ثمّ ساقها في أسلوبٍ قريب ، وعالجها بصراحةٍ وجرأة .
فالكتاب من هذه الناحية ذو شأنٍ كبير ، إذ هو يكشف عن نفاذ بصيرة وعن اختبارٍ مُرّ عرفه المؤلّف في حياته ، فإنَّ تأثير هذا الكتاب في نفس القارئ يدلُّ على أنّ المؤلّف لم يتخيَّلْ فقط ، بل سَرَدَ اختباراً واقعيّاً مَسَّ حياتَه مسّاً غير رفيق ….
ولكنَّ في الكتاب مآخذ منها :
- السَرْد غير متعانق . فالمذكِّرات مدوَّنةٌ تدويناً متَّصلاً أحياناً ومنفصلاً أحياناً أخرى .
- وكذلك نطاقُ هذه المذكِّرات متَّسعٌ جدّاً :
فبينما يأخذ المؤلّف أحوالاً شخصيّة بحتاً إِذا به يسْردُ وقائع في مجالس النوّاب ورسائل بين الوزراء . وهذا يُخرج الكتاب من صفّ كتب المطالعة المثقّفة ، ويقطع الصلة بين الحوادث ، ذلك لأنّ هذه الرسائل المتبادلة تملأُ صفحات كثيرة لا تتّفق كثيراً مع غاية الكتاب .
- وقوف المؤلّف عند بعض الحوادث بالتعليق واستنتاج العِظَة . وهو لو ترك ذلك لكان للحوادث نفسها وَقْعٌ أكبر .
على أنَّ الكتاب بجملتهِ طيّب ، يحسن بكلّ إنسان أن يقرأه ، فيقرأ فيه موضوعاً قديماً بأسلوبٍ جديد ، ويرى فيه درساً صريحاً لأخلاق البشر وحُكْمَاً قاسياً عليهم …. ولكنَّهُ صحيح !
عمر فرّوخ
بيروت ، في 25/10/1947
قَلَمٌ مُلْهَم
قَلَمٌ مُلْهَم رأي الأستاذ بولس سلامه في كتاب “مذكّرات دينار” للدكتور داهش
بقلم القاضي الشاعر بولس سلامه |
اللغة جسرٌ تجوز عليه الفكرة من النفس إلى صعيد الحسّ المشترك . ولكنّ هذا الجيش العرمرم الذي يختلج في (عالم الرُّوح) لا يعبرُ منه إلى الضفّة الظاهرة إلاّ أقلّة لضيق الممرّ ووهنه .
أمّا هذا الكتاب – مذكّرات دينار – الدي يُطلُّ عليك بمقدّمته إطلال الشفق الزاهي مليئاً بالمباهج والسحر ، فقد اتّسع فيه المجال للرُّوح لأنَّها خفَّتْ خفَّة الأنفس المجنّحة التي تجوز الصراط فلا تتردّى في الهاوية ….
فاذا أنتَ أنعمت النظر في هذا القلم المُلهم أطللتَ على آفاق كلَّما بلغت واحداً منها أشرفتَ على آخر ، واكتحَلَتْ أجفانك بالسحر على قدر استعدادك . فإنَّ ما وراءَ السطور أعجب ممّا في السطور نفسها .
فإذا تساقطَتْ هذه الحُجُب انطلقَتْ بصيرتُك ، واحتلَّتْ نفسُكَ مكانةً كانت ولم تزل حَرَماً على العقل الذي استبدَّ بالحكم من دون القلب .
أجل . حينئذٍ فقط ينشرح صدرُكَ للحقّ ، وتعلم أنَّ الله هو الحقّ والطريق والحياة .
بولس سلامه
الأشرفيّة ، بيروت ، في 25 تشرين الأول 1947
ملاحظة :
عندما كتب الأستاذ سلامة هذه الكلمة وهو على سرير آلامه المبرِّحة ، أتى على ذكر الدكتور داهش وكتابه وأعماله ورسالته . فالتفت الأستاذ سلامه إلى السماء مناجياً السيّد المسيح بهذه الكلمات :
- يا سيّد المجد ! إذا كان داهشُ منك ، فَلْيكُنْ شفيعي لديك …
قنابل ذريَّة أطلقها داهش
مذكِّرات دينار قنابل ذريَّة أطلقها داهش على الفسق والفاسقين والرياءِ والمرائين
بقلم الأستاذ سليم غازي |
… وسأنظم قصيدةً خاصّةً في رثاء ذلك الروحانيّ والناقد الفيلسوف السامي (داهش) بعد الانتهاء من اجتناء ثمار الزيتونة المقدَّسة ، شجرة الأولين والآخرين ، أو بعبارة أُخرى شجرة السماحة والخلود .
نعم ، سأختلي قريباً بروح داهش العظيمة المنعتقة ، فأُناجيها وأصوِّرها بعمقٍ وهدوء . تلك (الرُّوح) التي هيهات أن يُدرك كنهها ويسبر غورها أولئك (الماديُّون) السطحيُّون …. الأموات الأحياء …
فالحقّ يُقال ، لقد ادهشتني من “مذكّرات ديناره” تلك (القنابل الذريّة) التي أطلقها على الفسق والفاسقين ، والرياء والمرائين ، والمتاجرة والمتاجرين في كلّ دواوين الأرض ، ورئاساتها ، وسياساتها وهلمّ معي جرّاً .
ألا فليرحمه الله ، فهو مُعطى من فوق ما هو فوق متناول البشر العاديّين المتلهيّن بجسومهم عن أرواحهم ، والذين لا ترتفع رؤوسهم أبداً لفوق ليتفهّموا عظمة الربّ الخالق .
أخي الحليم !
أرجو تقديم آيات الإعجاب والوفاء عني وعن الحبيب الأستاذ فيليب مفرّج لآل حدّاد المنعتقين والمتنعّمين بلذائذ الرُّوح رغم اتزانهم (المادي) العالي .
وأخيراً أؤكّد بأنّ الاصدقاء العديدين الذين تمتّعوا بالاجتماع بكم والاستماع المنعش لبدائعكم وروائعكم لم يزالوا سكارى حتى الآن وهم يُقدّمون ولاءهم وأشواقهم لكم ولكلّ روح داهشيَّة وفيَّة .
سليم غازي
بشمزّين ، في 26 تشرين الأول 1947
رسالة داهشيّة وجوابها
رسالة داهشيّة وجوابها (مذكّرات دينار ) بقلم توفيق ضعون جاء في مجلّة “العصبة الأندلسيّة “ (الصفحة 680 من العدد الثامن من سنتها الثامنة ، تشرين الأول 1947): |
أخي الأستاذ حليم دمُّوس
شاءَت الأقدار أن تكون البادئ في تجديد عهد الصداقة السطحيّة التي ربطتنا في بيروت منذ أربعة عقود من السنين .
فأصبحتُ ، بعد أن تعالى نجمُكَ وازداد تلألُؤاً وسطوعاً ، أُفاخرُ بها مُفَاخرةَ من عرفَ الزهرة الجميلة العَطرَة بُرعُمَة .
وقد كان يزدهيني – لولا اقتناعي من ضعة مكاني – تسنيمُك إيّاي مرتبةً يقعد بي عرفاني قصوري عن الطموح إليها .
ولكنْ إنْ هي إلاَّ سجيّتكَ الطيّبة التي شاءَت أن تُريَك الدرهم (ديناراً) كما أرتْكَ وتُريكَ (داهشاً) رسولاً ، فحملَتْكَ على اعتناق (مذهبه) والتبشير به، فكأنَّك آليتَ على نفسِكَ بعد وفاته أن تكون منه كما كان بولس من السيّد المسيح .
لا تغضَبْ لهذه المفاجأة يا أخي !… فقد سألتَني رأيي في كتاب داهش (مذكرات دينار) ، وكأنّكَ سألتَني رأيي في مُؤلِّفاته . ولا بدْعَ فقد قال السيّد المسيح :” من ثمارهم تعرفونهم “.
ولا تحسَبْ أنّي بقولي هذا أنتقدُكَ ضمناً أو أحطّ من قدرك . فالواقع هو العكس ، لأنني من المؤمنين بالروح ، المقدّسين للعقيدة الصادقة ، الصادفين عن المادَّة . ولذلك كنّا من هذه الجهات كلّها على وِفاق .
وإنّي أهنِّئكَ بالنعيم الذي أنتَ فيه والذي أغناكَ عن أوهام الناس وتعشّقهم للمظاهر وأخذهم بقشور الحياة دون لبابها . فصغرَ في نظرك هذا الكون بما فيه ، وأعرضتَ عن زخارفه وأباطيله ، واستهنتَ بكلِّ ما أصابك في سبيل مبدإكَ من ازدراء واضطهاد وسجن وتشريد .
ولكنّني على خلاف وإيّاك من حيث رأيك في (داهش) الذي سمعتُ وقرأتُ عنه الشيء الكثير من (المُدهشات) دون أن أُؤخَذ بشيء منها لأنه لم يأتِ بجديد أُضيفه إلى معلوماتي أو أُوسِّعُ به أفقَ تفكيري . فأنا منذ عهد بعيد قد وجدتُ ضالَّتي ، ورسمتُ لنفسي في الحياة خُطَّة ارتاح إليها وجداني . فلم أعدْ في حاجةٍ إلى مَنْ يدلُّني على طريقٍ جديدة أو يهديني سبيلاً يعتقدُه هو قويماً .
مع ذلك أحببتُ أن أُجاريك ، فطالعت الكتاب . وهاكَ رأيي فيه :
إذا كانت شخصيّة (داهش) فذَّة أخّادة – كما يجب أن أستنتج من تأثيره فيك وفي طائفة من المتعلّمين الأذكياء أمثالك – فقد أساءَ التعبير عنها .
وإذا نحنُ طبّقنا على كتابه القول المأثور “الكتابة صورة الكاتب”(3)، بدا لنا جبّارُكم شخصيّةً كلُّ مزيّتها أنها تستهوي وتوحي عن قرب ما تعجز عن إيحائه عن بُعد . وما أشبهها بصاحب خطٍّ سقيم يجب أن يُرافق الرسالة كي يحلّ للقارئ رموزها .
وفي رأيي أنّ في ميسورنا أن نعثر بين آلاف الأُدباء على مَنْ في استطاعتهم أن يُجاروا داهشاً .
و(داهش) حكمَ على الإنسانيّة جمعاء بالسقوط والانحطاط ، مستثنياً أفراداً لا وَزْنَ لهم ولا فاعليّة . إذْ أيّة فرية لم يلصقْها بسواد الناس ، أفراداً وجماعات ، ومُؤسَّساتٍ وشعوباً .
وإذا كان هذا رأيه في الإنسانيّة ، فأيّ تأثير يُمكن أن يكون له كذرَّة ميكروسكوبيّة من الصلاح في هذا الجُرم المجهريّ الفاسد في زعمه ؟
ولا تُكلّفني الدرس والتحليل لأنهما يقتضيانني قسراً الاستشهاد بأقوال الكاتب الذي فجَّر صواعقه على الأرض بمن فيها .
لذلك كان لا بُدَّ لي من الاقتصار على الإجمال والتعميم .
وما شأني وشأن سواي من نزواتٍ تشاؤميّة تدفع أحد الناس إلى تصوير العالم الذي نعيش فيه بأفظع الأشكال وتُفقِدنا كلّ رجاء بالإنسانيّة التي نحن على رغمنا جزءٌ منها ، ويجب أن يهمّنا أن يصلح حالها لكي يصلح حالنا .
لا أنكرُ أنَّ في عالمنا نقائص عديدة يجب أن لا نتغاضى عنها ، وأن نعمل بكلِّ وسيلةٍ في طوقنا على إزالتها أو تخفيف وطأتها . ولكنَّ ما لا أجيزه لنفسي ولا لسواي هو التغاضي عمّا في هذا العالم من حسنات وأخذ الأبرياء من أبنائه بجريرة المذنبين . عليَّ وعلى سواي أن نُوجّه النظر إلى النقاط السوداء في حياة الناس .
ولكنْ حرامٌ عليَّ وعلى سواي أن نُحيل الصفحةَ كلّها إلى قتام بأن نَدْهَقَ عليها الدواة !
وهذا ما فعله (داهشُك) في (مذكّرات دينار).
والأديب الحقيقيّ هو من راعى كلَّ هذه الشروط لأنّ العنف يعكس النتيجة التي يتوخّاها طالبُ الإِصلاح .
ولا يفوتُك ، مثلي ، أنَّ لكلّ شيء حسناته وسيّئاته .
ولا أستثني الاستعمار البغيض الذي أسرف داهش في تقبيحه . وأُولى حسناته في نظري هي معاقبة الشعب المستعبَد على خموله وانحطاطه ، وإنْ هو إلاَّ بمثابة مدرسة لهذه الشعوب لا تختلف عن دور العلم التي تستنير فيها الأذهان ويخرج منها التلاميذ بعد أن يُقاسوا الأمرَّين ، من جهدٍ وعناءٍ وكبت ، بالحكمة والاختبار اللذين يعينانهم على مجابهة مصاعب الحياة وتذليلها .
وإذَنْ ، لم يكن الاستعمار كلُّه شرّاً ما دام هو مقادة إلى الخير .
وكم من أُمّة استفادَتْ منه وصلحَتْ حالها بسببه . وكفانا على ذلك شاهداً ما آل إليه حالُ الشعوب العربيّة قاطبةً ، وسَرَتْ عدواه آخراً إلى الهند فنجتْ من جحيم الاستعباد .
وأخيراً أقولُ لك :
إنَّ مُلتمسَ الجوهر يعثر عليه في بضع كلماتٍ فاه بها المسيح أو محمَّد . وأسلَمْ لصديقك ومُحبِّك .
توفيق ضعون
من العصبة الأندلسيّة سانباولو- البرازيل
رسالة داهشيّة
رسالة داهشيّة إلى صاحب (ذكرى الهجرة) إلى مجلّة العصبة الأندلسيّة بقلم حليم دمّوس ردّ الشاعر الداهشيّ حليم دمّوس على رسالة توفيق ضعون |
- أخي الأستاذ توفيق ضعون
أهلاً بأعداد العصبة الأندلسيّة
تُطلُّ عليَّ بالبريد الجوّي من الربوع البرازيليّة ،
وإذا في الصفحة (680) من العدد الثامن رسالتك المفتوحة إليَّ ، وهي تدور حول (مذكّرات دينار) ومؤلِّفه داهش رَجُلِ العبقريّة ومُؤَسِّس الداهشيّة . وفيها ذكرياتٌ لعهد مضى وانقضى هيهاتِ أن ينساه الخاطر مهما توالت عليه الأيام وتراخت الأعوام .
وكم خفقَ فؤادي سروراً إذ صرَّحتَ لي في صدر جوابك “أنك من المؤمنين بالرُّوح ، المقدِّسين العقيدة الصادقة ، الصادفين عن المادّة “. وقد أثنيتُ عليكَ بين إخواني الداهشيين لتهنئتِك إيّاي “بالنعيم الذي أنا فيه ، وقد أغناني عن أوهام الناس وتعشّقهم للمظاهر ، وأخذهم بقشور الحياة دون لُبابها ، والإِعراض عن حقارة هذا الكون وزخارفه وأباطيله ، والاستهانة بكلِّ ما أصابني في سبيل هذا المبدإ الداهشيّ من ازدراء واضطهاد وسجن وتشريد”.
- نقطة الخلاف بيننا
عجبتُ من هذه التهنئة التي أتبعتها فجأة بانتقاد داهش وكتابه (مذكرات دينار)، وتحدُّثك عن أخطاء وبلبلة واختلاق حوادث وفروض فاسدة ليست معقولة ، وقولك إنه هدم بكتابه وقوَّض دعائم المبادئ الصحيحة ، وحكم على الإنسانيّة بالسقوط والانحطاط والانحلال … وصوَّر العالم بأفظعِ الأشكال ، وإنَّ العُنف في الكتابة يعكس النتيجة التي يتوخّاها صاحبُ الإصلاح ، وإنَّ مُلتمس الجوهر يعثر عليه في بضع كلمات فاه بها السيّد المسيح أو النبيُّ محمّد .
- اتّفاق غريب !
ومن غريب الاتّفاق أنني ما كدتُ أنتهي من قراءَة مقالك في ذلك العدد حتى حمل إليَّ البريد نسخةً ثانية منه بعثَ بها إليّ زميلٌ أديب زار ربوعكم حديثاً، وهو يلفت نظري إلى مقالك ويقول في رسالته : إنَّ ما حَمَلك على الطعن بداهش انتقاده لرجال الدين ورجال الحُكْم والقُضاة ، وفصل (هيرودس وهيروديا) ، وأخيراً كيف أنّ (داهشاً) قد أثَّر في كثيرين من أُدباء ومُفكّرين ، وأطبّاء ومُحامين ، وهو غير معروف ، وليس له مكانته حسب زعم الناس … والناس أجناس !…
فعندئذ فهمتُ سببَ حَمْلَتك الشعواء ، وقد انزاح من أمامي ستارٌ جديد دفعني لفتح باب المُناقشة على مصراعيه ، كي تنجلي الحقائق لإخواني المُهاجرين ولقرّاء “العصبة الاندلسيّة” ، هذه المجلّة الراقية التي صرَّحتْ في إحدى مقالاتها الافتتاحيّة الأخيرة أنّها أُنشئَتْ لتنوير الأذهان وكشف عللنا ، وَدَعتْ لأنْ نعمل على أن نُصارح بمعايبنا ونُكافح آفاتنا الداخليّة ، ونُحطّم أصنام الماضي . وقالت، أيضاً ، إنها تأبى “التغرير والتضليل والنفاق والتدجيل “، وبذلك تؤدّي رسالتها القلميّة الأدبيّة على وجهها الأتمّ ، كما تفعل “العرفان” في صيدا ، وبقيَّةُ الصُحف الثقافيّة في أقطارنا العربيّة .
- ثوب المدنيَّة الممزَّق
عجبتُ بل دُهشتُ لعدم عثورك على عِبارة واحدة في الكتاب تبعثُ على التأمُّل والاعتبار . وها هوذا المؤلّف يُحلّل لك هذه الأنسانيّة الجانية في القرن العشرين . وهل تُريد أروع وأفظع من مقتل مسيح الهند غاندي ونحن في القرن العشرين ؟
وهذا ثوبُ المدنيّة قد تمزَّق لكثرة الجرائم والويلات بين الأفراد والجماعات، والدُوَل والدُويلات .
وإذا كنتم تذكرون الاستعمار البغيض وتعتبرونه مدرسةً للشعوب ، فثقوا أنَّ الاستعمار يكاد يكون أفضل من حالة (لبنانك) اليوم ، وإنْ كنّا نكره كلمة (الاستعمار) ونرتجف لذكرها ، ولا نُريد أنْ يكون لها ذكر في معجم الرسالة الداهشيّة التي تُبشّر بالحريّة والعدل والوئام ، وتُنادي بالإِخاء والحبّ والسلام .
أقولُ ذلك لا مجاراةً لكَ بل إظهاراً للحقيقة ، والحقيقة واحدة لا تتجزّأ .
فخمولُ الشعب سبَّبَ الاعتداءَ على الحرّيات ولا من يتحرَّك ، إلاّ بعض أحزاب معارضة . ولكنْ ليس هناك هَدَف إصلاحيّ عامّ . فهم يثورون ويصخبون ، ويُرغون ويُزبدون كموجة على الشاطئ ، ثم يرتدّون فاشلين مخذولين دون أن يُواصلوا الكفاح على منهجٍ واحد صريح له غايته المدروسة ، وفائدته المحسوسة .
فإذا استفادت الأُمَم من الاستعمار ، فلبنان لم يستفد حتى الآن . ولذلك لا بدَّ من يقظةٍ روحيّةٍ شريفة وثورةٍ فكريّةٍ عنيفة . وهذا ما دَعَتْ وتدعو إليه الداهشيَّة في حياة مُؤَسِّسها وبعدها ، لأنَّ الحروب الذريّة الرهيبة ستقضي فجأةً على مدنيّة المادَّة والمادَّيين ، مدنيّة القرن العشرين ، والويل يومئذ للغالب والمغلوب ، والناكب والمنكوب !….
- خُطَّتكم في الحياة
ما دمتم قد رسمتم خُطَّةً في الحياة يرتاح إليها وجدانكُم ، فيحسنُ عرضُها وإعلانُها للناس عسى أن تكون ضالّة العالَم المنشودة وراحةً لوجدانهم القلِق .
أمَّا نحنُ فقد أعلنّا خُطَّتنا للناس ولم نخجل بها .
وجاء داهش يُصرّح بانّ العالَم فاسد موبوء ، ويحتاج إلى عمليّة جراحيّة كبرى ، فاعترضتَ أنتَ في رسالتك على هذه الجريمة النكراء ، وقلت “هذه بلبلة … وهلمّ جرّا…”.
فإمَّا أنّنا باكتشافنا داهش وتعاليمه الإصلاحيّة نكون على ضلال ، وإمّا أنكم أنتم بآرائكم على صواب ، وعندئذ سنُعلن لكم السبق في مضمار الحقيقة التي هي بنت البحث ووليدة الاختبار .
وإذا كنتم قد اكتفيتم بجوابكم المقتضب (على الإجمال والتعميم)، فنحن نُريد الإِسهاب والتطويل (التحليل والتفصيل) خوفاً من (الإيهام والتضليل) . وليكنْ قُرَّاء “العرفان” الحكَم بيننا وبينكم وبين إخوان “العصبة الأحبّاء”. والله من وراء القصد .
- حاجتُنا إلى لقاحٍ جديد
كلُّ رسالة إصلاحيّة فكريّة في العالم هي لقاحٌ جديد . وهذا اللقاح لا يأتي إلاّ عند حاجة الإنسانيّة إليه . فاللقاح الأدبيّ الجديد بالأفكار والمعاني والأساليب والمباني ، ذلك اللقاح الخصب الذي بَحَث عنه حَمَلةُ الأقلام في الوطن والمهجر ، ذلك اللقاح الشرقيّ الغربيّ الذي بحثتم وتبحثون أنتم عنه في “العصبة الأندلسية” وسواها هو الذي حامت حوله الرسالة الداهشيَّة من عام 1942 إلى اليوم ، ولكنْ على طُرُقٍ أرحب وألْحب ، وأهدافٍ أوسع وأشبع ، ومناهجٍ أخصبَ وأروع .
ولو لم نتذوَّقْ لذَّة ذلك اللقاح الجديد في كُتُب داهش وتعاليمه وأهدافه لما التفَّ حوله وحولها عدد لا يُستَهان به ، كما يلتفّ إخوان العصبة حول العصبة ، وأعوان العرفان حول العرفان . ولذلك لا أُريد أن أشتمَّ من وراء كلماتك رائحة التحامل على شخصيّة أو مبادئ قبل أن تدرس الأمور درساً دقيقاً من جميع أطرافها ونواحيها .
فالوقوف بجانب الحقّ هو المطلوب بل هو الواجب المقدَّس على كلِّ فرد في هذا العالم الحائر الخائر .
بالأمس أراد بعض الصحافيين في مصر ولبنان انتقاد كتابك الأخير (ذكرى الهجرة) . وقال بعضهم إنكَ استجديتَ الناس حتى طبعتَه . فقامت قيامتي عليهم ، وأفهمتُهم بالأدلّة الدامغة ما هو شمَمُكَ وإباؤكَ وتضحياتُك الأدبيّة منذ عهد بعيد .
وأيقنْ بأنني ما حملتُ لواء الدفاع عنكَ ومعك ، بل عن الحقيقة ومعها . والحقيقة مقدَّسةٌ عندي وعند كلّ أخٍ داهشيّ .
فقد بثَّ فينا مُؤَسِّس الداهشيّة روح التفاني في سبيل الحقيقة المنبوذة والتائهة في صحراء هذا العالم .
وإذا كان بعضُ الناس يعدّون حقائقنا أوهاماً أو فروضاً فاسدة ، فما ذلك إلاّ لضعف تخيّلهم وتَصوُّرهم ، وضيق عَطَنهم وتفكيرهم . ولذلك فهم يجدون المعقول غير معقول ، والمعلوم كأنه مجهول !
- هل دافعتم عنّي يوم سجني ؟
فهمتُ من جوابكم في “العصبة” أنكم واقفون على ما أصابني في سبيل عقيدتي الداهشيّة من اضطهادٍ شديد وسجن وتشريد … ولم أدْرِ هل دافعتم عنّي بقلمكم الجريء على صفحات الصحف العربيّة في المهجر .
أحببت أن أطرح عليكم هذا السؤال لأنّ الظُّلم وقَعَ عليَّ كما وَقَعَ على الذي جرَّدوه من جنسيّته اللبنانيّة وسجنوه وأبعدوه دون أن يُحاكموه ، والسبب في كلِّ ذلك أنّ له صداقةً مع آل حدّاد من أنسباء القائمين بالأمر فينا . وهم لا يُريدون وجود هذه الصداقة … وهكذا فعلوا بعدد كبير من الداهشيين والداهشيّات .
ولقد ذكرتَ في رسالتك أنّ عهد صداقتنا يمتدّ إلى أربعين سنةً خلَتْ …
فهل اندفعتَ فدافعت عني ، وقد سجنوني أكثر من تسعة أشهر دون أيّة بيّنة أو علّة عليّ ، وأنا منذ أكثر من أربعين سنة أخدم أمّتي وبلادي بقلمي ولساني ، وبياني وجَناني ، وضميري ووجداني!…
إذَنْ ، فسلامٌ على الاستعمار البغيض إذا كانت هذه مكافأة أدباء البلاد وشعرائها في العهد الوطنيّ الدستوريّ ، وإذا كانت أقلامكم الحرَّة في المهجر تصمت ولا تُحرّك ساكناً ، ولا تهتزّ أو تغضب لأيّة جريمة مهما عَظُمَتْ وضَخُمَتْ .
ولكنَّ حريّة الأقلام – واأسفاه – يُفسح لها المجال العريض الطويل للتبخير والتبجيل في هذا الوطن المسكين – الذليل .
- كيف أساءَ التعبير
لم أدْرِ ، والله كيف أساءَ داهش التعبير عن شخصيّته ومتى وأين ؟
فهل أذنب الدكتور داهش وأجرم في نظركم ؟ هل أذنب وأجرم لأنّه أعلن على رؤوس الأشهاد ، بلا مداجاة ولا رياء “أنّ العالَم مريض محموم مُهدَّد مُهدَّم يحتاج إلى إصلاح أعضائه الفاسدة ونظامه الاجتماعي لكثرة ما فيه من نقاط سوداء شوهاء “؟.
إنَّ ما ذكره هو أقلُّ من الأمر الواقع .
فمن قايين القاتل الأوّل إلى قاتل غاندي إلى اليوم وعيوبُ المجتمع هي هي . وما هذه المدنيّة الزائفة المدنّسة إلاّ كتلك القبور المكلّسة . فالسرُّ براحة الرُّوح وسعادتها لا بمظاهر الحياة الماديّة الفارغة التافهة السائرة بالعالَم إلى الاضطراب واليباب والخراب . والدكتور داهش كان يتوقّع قيامة بعض الأقلام على صراحته الفكريّة . ولذلك قال في ختام مقدّمته :
” وبعد فهذا هو جُهدي أُقدّمه لهذا المجتمع . وتلك هي صُوَرُه الجَشِعَة البَشِعَة …. فإن صادف كتابي هذا هوىً في نفوس القرَّاء فإنني أكون قد توفَّقت لما صبوتُ إليه . وإن لم يُصادفْ هوىً في نفوسهم فإنَّ هذا لا يضيرني في شيء ، ولا يُغيّر من حقيقة الواقع الصادعة . فحسبي أنني أرضيتُه تعالى مثلما أرضيتُ ضميري “.
|
- آراء وأفكار في الدينار
لو أردتُ أن أُدَوِّن ، هنا ، جميع الآراء والأفكار التي جاءَت في وصف كتاب الدينار لاحتجتُ إلى عدد كامل من العصبة أو العرفان .
فقد قال عنه الشيخ عبد الله العلايلي إنَّ “مذكّرات دينار قصَّة الناس والحياة “.
وقال الأستاذ أنيس المقدسي في جامعة بيروت الأميركيّة إنه أُعجِبَ برشاقة هذا الأسلوب القصصي وما يرمي إليه من إصلاحٍ اجتماعيٍّ عامّ .
وقالت جريدة “الحياة” البيروتيّة :” والطريف أنَّ المؤلِّف لم يَدَعْ حادثاً إلاّ علَّقَ عليه بأسلوبه الخاصّ الذي يتضمّن ثورته على خِداع البشر ولؤمهم وعلى طبيعتهم الشرّيرة . ولله درُّ المتنبِّي حيث قال :
والظُّلمُ من شِيَم النفوس فانْ تَجِدْ ذا عفَّة فلعلَّه لا يُظلمُ !”..
وقال القاضي الشاعر الأستاذ بولس سلامة صاحب ملحمة “عيد الغدير”: ” وإذا أنتَ أنعمتَ النظر في هذا القَلَم المُلهم أطللتَ على آفاقٍ كلَّما بلغتَ واحداً منها أشرفتَ على آخرٍ أجمل وأروع “.
وقال الأستاذ جورج أبو سعدى :” ومن خلال سطوره يتجلّى ظلُّ الحقيقة وشبحُ الرُّوح العلويّة المترفّعة عن الأغراض الماديّة “.
وقال الشاعر الأرمنازي الحلبي :” يا لهذا الدينار !… إذ يُسطّر على البشريّة الخزيَ والعار…
يا عبيدَ الأطماع والمال مهلاً هل تَرَوْنَ الأكفانَ للمرءِ عارا
هكذا الحــرُّ نفسه تتسامى ثمَّ تغشى الوجـود أو تتوارى “
وقالت مجلَّة ” الحديث” الحلبيّة : ” وهو يُقدّس الروحيّات ، ويهزأ بالماديَّات ، ويُصوّر الرذيلة بثوبها العاري لتبلغ العظةُ والعِبْرة قرارةَ النفوس “.
وقال الأستاذ الشاعر سليم غازي (بشمزّين) :” تلك (الروح) التي هيهات أن يُدرك كنهها ويسبر غورها اولئك (المادّيون) السطحيّون ، الأموات الأحياء !… فيا لصرخته الجبّارة ضدّ رجال الدين وأولئك المادّيين …”
هذه عبارات ، بل فقرات قليلة قليلة عن كتاب الدينار العظيم . فأين دليلُك يا صاحب الدليل ؟
وليس يصحُّ في الأفهامِ قولٌ إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ
10- أقوال في مُؤَلِّف الدينار
لو أردتُ تدوين كلّ ما نُشِرَ عن داهش ومؤلَّفاته لاحتجتُ إلى عدَّة أعداد من هذه المجلّة ، لأنَّ للدكتور داهش أكثر من تسعين مجلّداً . وهي كُتُبٌ دينيّة ، روحيّة ، أدبيّة ، اجتماعيّة . وقد تُرجِم بعضها إلى الافرنسيّة والإنكليزيّة، منها ضجعة الموت ، كلمات ، بروق ورعود ، الجحيم ، عشتروت وأدونيس ، نشيد الأنشاد ، قيثارة الآلهة ، أسرار الآلهة ، من وحي السجن ، مذكرات دينار، مذكّرات يسوع الناصريّ ، والوقائع الداهشيَّة …. وغيرها من الكُتُبِ الفريدة التي تُؤَكّد لمن يتفهّمها أنَّ للدكتور داهش رسالة عالميّة يستفيد من روحها كلُّ إنسان ، ونقطةٌ دائرتها لبنان . وقد قال ، قديماً ، الحكيم سليمان :” هلمّي يا عروس من لبنان “….
وستصدر مجموعةٌ كاملة في وصف هذه الكنوز الداهشيّة الرائعة التي تدلُّ على عبقريّة داهش في عالَم التأليف العجيب الخصيب فحسب ، بل بظاهراته الروحيّة ومعجزاته الخارقة التي كانت سبباً رئيسيّاً لالتفاف عدد كبير حوله واعتناق مذهبه الإصلاحي العظيم والإيمان برسالته الجديدة ، رغم المقاومات الشديدة والاضطهادات العديدة .
11- هل قال عن المجتمع أكثر من العصبة الأندلسيّة ؟
لقد تسنّى لي أن أُطالع هذا الأسبوع أعداد “العصبة” الثمانية التي وصلتني دفعةً واحدة ، فإذا (روح الداهشيّة ) متغلغلة في صفحات “العصبة” التي تكره المناحرات الدينيّة ، وتكره أن تُحصَر رئاسة الأُمّة في عنصر دون آخر ما دام الجميع إخوة ، وتنتقد بشدّة “هذا المجتمع الذي يسير من سيّئٍ إلى أسوإ “.
وتقول في إحدى افتتاحياتها الرئيسية إنّ تحرير الأوطان ليس بجلاء الأجنبيّ بل بتحرير النفوس من العدوّ الداخليّ الذي لا يبرح جاثماّ على صدر الأمّة ، وهو أشد خطراً من العدوّ الخارجي لأنه كالجرثومة المرضيّة تفتك بفريستها ولا تُرى . وهذا العدوّ الداخليّ “قابعٌ في معابدنا، وعائثٌ في مدارسنا ، وكامنٌ في طيالسنا وعمائمنا ، ورابضٌ في صحافتنا “.
هذا بعض ما قرأته في “العصبة” بقلم رئيس تحريرها (الحبيب) البليغ الجريء وضيف لبنان اليوم .
ثم ألم تقرأ ما ذكره أحد أمراء الزجل اللبناني نزيل البرازيل الآن في حديثه عن الاقطاعيّة ، والتعصّب الديني ، والخنوع أمام الأسياد والمستبدّين ، تلك الجراثيم الفتّاكة الواجب معالجتها في كلّ مكان ، واستئصال شأفتها من لبنان ، بل ومن صدر كلّ إنسان ؟
12- من شعر العصبة الأندلسيّة
ثم ألم تُطالعوا عن وصف البشريَّة وشرّ البشر في قصائد إخوان “العصبة” كالشاعر القرويّ ، والمدني ، وشفيق ، ورياض ، وفرحات ، والجرّ ، وسمعان ، وزيتون ، وحسني غراب ، والشيخ سعيد اليازجي ، ونسيم الخوري ، وسواهم وسواهم ؟
ثم ألم تقرأوا أبيات الشاعر الياس أبي شبكة التي ذكرها الأديب فيليب لطف الله وكأنه يُصوّر لنا فيها انعكاسات الناس والكون على نفسه ؟ إنَّ الشاعر إنّما ينشد النفس عارية دون أن يحنّطها ثوبُ الرياء . وكأنه يقول عن هذا المجتمع المخيف ما قاله في الإنسان الفيلسوف الشاعر أبو العلاء :
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذْ عوى وصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ
أو ما قاله بعده اليازجيّ الكبير (الشيخ ناصيف) من قصيدةٍ مشهورة :
ولقد رأيتُ الأُسْدَ أكرمَ خلّةً من فعل هـذا الناطق المتمرّد
الناسُ تقتلُ كلَّ يومٍ بعضَهـا والأُسْدُ تقتلُ غيرها إذْ تعتدي
والعجيبُ الغريب في أمرك يا أخي أنَّ هذه (النزوات التشاؤميّة) من البشريّة لم تجدها مجسَّمة وهائلة وفظيعة إلاّ في (مذكّرات دينار). وها هي مالئة الأسماع والأفكار والأسفار والأشعار في سائر الأقطار والأمصار . فهل قال داهش ضدَّ المجتمع في (الدينار) إلاّ ما قاله هؤلاء الشعراء الأحرار ؟
13- كلمة لا بُدَّ منها ولا غِنى عنها
أنا أُريد من كلِّ من يبحث عن حقيقة الداهشيّة من مُغتربٍ أو مُقيمٍ أن يتفهّمها أوّلاً … وألاّ يكون مَثَلُه كمثَل من يجهل لغةً من اللغات ، ثمّ يُناقش في أدب أُدبائها وشعر شُعرائها … أو كمثَلَ مهاجر يُريد مخاطبة ذويه في الوطن أو إلقاء محاضرة في الراديو وهو ليس أمام آلة هاتفيّة (تلفونية) أو محطّة إذاعة .
لكلّ إنسان الحقّ بحريَّة الكلام والقلم . ولكنْ على من يتكلّم أن يُفكّر كثيراً ويدرس كثيراً قبل تكلّمه ، وإلاّ خانه المنطق ، وأعوزته الحجّة ، وابتعد رأيه عن مواطن الصواب ، وحاد سهمه عن الهدف .
وبهذه المناسبة أرجو من أخي توفيق أن يُراجع ما جاءَ في “العصبة” عن آلات (تِلبرنتر)، وهي لاقطة الكلمات بواسطة اللاسلكي ، وتسجيلها كالآلة الكاتبة دون أن يكون هناك أحدٌ من البشر يساعدُها ….
وهناك في عالَم الرُّوح – بفضل القوَّة الموجِدَة – صلة غريبة بين الأرض والسماء شاهدها عددٌ كبيرٌ منّا ، وسمعنا مخاطبتها لنا . والتقطنا تلك الأقوال الروحيّة مراراً وتكراراً .
وكما يُصدّق الناس اليوم بوجود الآلات الأرضيّة الموصِلة هكذا يجب على كلّ مؤمن التصديق بوجود هذه الصّلة السماويّة بين الله والناس .
ولولا ذلك لما قاسينا العذابات والاضطهادات ، وتحمّلناها بصبرٍ ورحابة صدر ، وابتسامة ثغر . ولولا ذلك لما تبعنا الدكتور داهش وتعاليمه ، وترسَّمنا خطواته الجبّارة تأييداً لرسالته الروحيّة السامية .
وسنبقى على عقيدتنا الراسخة ما دام لنا قلوبٌ خافقة ، وألسنةٌ بالحقّ ناطقة . وخيرٌ لداهش أن يكون “ذرَّة مكروسكوبيّة” من الصلاح ، ولا يكون جبلاً فاسداً من الطلاح .
وإذا كان الناس لم يتفهّموا أهدافه العلويّة الإنسانيّة ، فالذنبُ ذنبهُم لا ذنبه . وما يزرعه الإنسان فإيّاه يحصد .
14- أهمُّ الأهداف الداهشيَّة
أهدافُ الداهشيّة عديدة .
وفي مقدّمتها إصلاح الفرد أولاً من شوائبه النفسيّة والماديّة ، وبعدئذ يُصار إلى أصلاح المجموع الحائر ، وتقريبه من ربّه وبني جنسه والإنسانيّة ، واحترام جميع الأديان السماويّة والكُتُب المُنزلَة ، وسائر الأنبياء والمُرسَلين ، والسير على طريق النور والحقّ واليقين .
ومتى آمن الإنسان إيماناً حقيقيّاً بخلود الروح بعد فناء هيكله الجسديّ وانحلال عناصره وذرّاته ، عَرِفَ للحال أنّ هناك دار نعيم ، ودار جحيم ، وآمنَ بالوجود والخلود ، والثواب والعقاب ، وبحياةٍ جديدةٍ ثانية ، بعد مرحلة هذه الحياة القصيرة الفانية .
فهل البشريّة ، اليوم ، سائرةً تماماً على هذه التعاليم السماويّة التي جاءَ لأجلها موسى والمسيح ومحمَّد وسائر الهُداة والمُصلحين الذين مرّوا على أرضنا منذ ألوف السنين ؟
إنّ الداهشيّّة تُعلّمنا أنّ البشريّة قد فسدَتْ وضلَّتْ واعتلَّتْ . ولذلك قام الدكتور داهش وانتقد المجتمع بصراحته المعهودة ، بلا خوف ولا وَجَل ، وبالسلطة الروحيّة الجبّارة المعطاة له منذ الأَزَل .
والداهشيّة تُحاول في دعوتها الجديدة محاولة عنيفة وَعِرةَ المسالك ، كثيرة المخاطر والمهالك . فإذا فشِلَتْ رسالتها فالذنبُ ذنبُ أبناء الأرض المساكين الذي يصمّون آذانهم عن سماع وحي السماء وصوت السماء .
تُريد الداهشيّة المساواة الشاملة ، والأخوّة الكاملة ، والأحكام العادلة ، أي أن يُصهرَ العالَم كلّه في بوتقة واحدة من (حقّ وواجب)، حقّ الحياة وواجب العمل ، كأسرة واحدة يحبُّ بعضُها بعضاً ، وشعارهم (أبوهم آدم والأُمُّ حوّاء)، ولواؤهم الإخاء ، ومعبَدُهم السماء . أمّا الأرضُ الفانية فمُلكُ الجميع على السواء . وإلاّ فعلى البشر أن يكونوا دوماً على حَذَر ، وفي خوفٍ ورعبٍ وخطر . كما قال أحد الشعراء الأقدمين :
إجعلِ الناسَ كشخص واحد أو فكُنْ من كلِّ شخص حَذِراً
15- مُهمَّةُ الدُّوَلِ الكبرى
هذا الحلمُ الذهبيّ بامكان الدول الكبرى تحقيقهُ حالاً لو كان العدلُ رائدها ، والإخاءُ قائدها .
فمتى تفاهمت هذه الدُّوَلُ أوَّلاً ، وعاملت جميع الطبقات معاملةً واحدة حقَّ لنا أن نقول إنَّ المسيحيّة سائرة بحسب تعاليم مسيحها ، والموسويّة بحسب تعاليم كليمها ، والمحمّديّة بحسب تعاليم نبيّها الرسول العربيّ . وهكذا قُلْ عن بقيّة الأديان السماويّة وتعاليم هُداتها وأنبيائها ومُرسَليها .
ومتى أصبحت (الجامعة الأميركيّة )، مثلاً ، تحترم جميع الأديان على السواء ، وتقرأ من آيات القرآن في كنائسها كما تقرأ من آيات الإنجيل ومن مزامير داود وحكمة سليمان ، وكما تقرأ من كتاب (النبيّ) لجبران ، ومن أقوال بوذا ، وبرهما ، وكنفوشيوس ، ولاوتسو ، وسقراط ، وفيثاغورس ، وأفلاطون ، وسواهم … فعندئذ يصبح الناس عالماً واحداً ، وروحاً واحداً ، وشعباً واحداً لوطن واحد …. هو هذه الكرة الأرضيّة التي نمشي على سطحها مدّة وجيزة من الزمن .
16- عُمر الأرض والمدنيَّة
أعلن بعضُ العلماءِ المحقّقين أنّ عمر الأرض أكثر من 76 مليون سنة ، وأنَّ البشر كانوا على الأرض قبل مجيء آدم . ولديهم أدلّة علميّة . ولدينا أدلّة روحيّة على صحَّة ذلك .
ومن الأرواح التي خاطَبَتْنا وأكَّدت لنا ذلك روح النابغة جبران وسواها . وكلّها أكَّدَتْ لنا قربَ الساعة ووشك قيام الدينونة ، وأنّ الألف عام في نظر الله دقيقة .
ويزعم بعضُ الناس – هداهُم الله – أنّهم سائرون على سُنَّة النشوء والارتقاء ، في حين أنّ الأرواح تُنذرنا بقرب الفناء ، معلنةً أنّ كلَّ آتٍ قريب ، وفي حين أنّ السمكة الكبرى لا تزال منذ الأزل تسطو على السمكة الصغرى وتبتلعها .
وهكذا الدول الكبرى تهضمُ حقوق الدول الصغرى بلا خجل ولا وجل .
سُنَّة الله في خَلْقه ولن تجد لسُنَّه الله تبديلاً .
وبالأمس ، قرأتُ حديثاً طريفاً عن أوراق الميثاق الأتلنتيكي ، وبنوده الأربعة من حيث حريّة الفكر والمعتقد وإزالة الخوف والفقر . فقد جاءَ أنَّ هذه الأوراق غرقت فجأةً في لُجَجِ بحر الظُّلُمات … وقد أضحكتني هذه النكتة حين قرأتها . وشرُّ البليّة ما يُضحك .
وقرأتُ ، أيضاً ، أن بعض الموظّفين الأميركان ورؤساء بعض المعاهد استقالوا محتجّين لتحيُّز أميركا وسواها ضدّ العرب مساعدةً لليهود … فأين هو هذا النشوء وذلك الارتقاء ؟ وهل هو تقدُّمٌ إلى الأمام أم هو رجوعٌ إلى الوراء؟… كما قال أحد الشعراء ، وهو العلاّمة اليازجي صاحبُ “الضياء”:
تعجَّبَ قـومٌ من تأخُّر حالنا ! ولا عَجَبٌ من حالنا إن تأخّرا
فمُذْ أصبَحت أذنابُنا أرؤساً لنا ، غدونا بحكم الطبع نمشي إلى الورا
هذه حالة أبناء الأرض السائرين إلى الفناء .
ولن يأخذوا معهم إلى آخرتهم ولا قطرة ماء .
وقد تذكّرت الآن حديثاً شريفاً للرسول العربيّ إذْ قال لمن حوله من آل قريش :
“مثلُ الدنيا والآخرة مَثَل رَجُلٍ وضَعَ إصبعه في البحر : فما علقَ باصبعه فهو الدنيا ، وما بقي فهو الآخرة “.
فيا ليت الناس ، يا أخي توفيق ، يتَّعظون ثم يعظون …
أفلم تقلْ أنتَ في قصيدتك “شباب القلب” عند مخاطبتك لميّ :
حُلُـمٌ عيشـي وغيـرُ الحلـمِ وهـمٌ فاطمئنّـي ؟!
فإذا كنتَ تعتقد أنَّ هذه الحياة حلم ، وأنّه لا بُدَّ من حياةٍ روحيّةٍ آتية ، فهل تغضب إذا جاءَك مُصلحٌ وفتحَ أمامك نوافذ السماء ، وأبواب الرجاء والسعادة والهناء ؟!…
17- يقدّرونهم بعد الموت
والغريب عندنا وعند سوانا أنهم لا يقدِّرون الإنسان إلاَّ بعد موته ، فيُزيّنون نعشه بالأوسمة والأكاليل .
وقد قرأتُ في العصبة ، أيضاً ، ما نشره الأستاذ اسكندر كرباج عن أولئك الشعراء الذين لم يتسنّموا مراكزهم في تاريخ الأدب العربيّ إلاّ بعد وفاتهم إذْ إنَّ معاصريهم لم يُدركوا قيمة مواهبهم الفنّية وهم أحياء .
هذا ، يا أخي توفيق ، نصيب كلّ مصلح وكلّ عبقريّ وكلّ مؤسّس رسالة إصلاحيّة في العالم .
وهذا نصيب داهش من بني قومه . وكان عليهم أن يدرسوه عن كثب ، ويتعمّقوا في تحليل تلك النواحي الجبّارة والمزايا الخارقة التي جعلتْه موضوع إعجاب كلّ مَنْ لمَسَ أطواره العجيبة وقوَّته الخفيَّة الغريبة .
18- يا ليتني كبولس
تقول إنني آليتُ على نفسي أن أكون من داهش كما كان بولس الرسول من المسيح ابن البتول.
لقد ألبستَني ثوباً قدسيّاً فضفاضاً أكاد أتعثَّر به لأنَّني لا أستحقُّه . بل لا أستحقّ أن أقترب من الأرض المقدَّسة التي هي بين بيروت ونهر إبراهيم ، أي من (طبرجا) ذلك المرفإ – الوارد ذكره في “سِفْر أعمال الرُسُل” كما وردت أسماء صور وصيدا وصرفند في الإنجيل – ذلك المرفأ التاريخي الذي منه ركب الرسول بولس ليُبَشِّر الغرب بإنجيل سيّد السلام بل سيّد الأطهار عيسى أبن مريم . وهذا المرفأ قريب من قرية (البربارة) مسقط رأس الأخ العبقريّ الشاعر القرويّ صاحب “الأعاصير”. ولعلّ شرارة الروح البولسيَّة سَرَتْ إلى شعره الحيّ فألهبَتْه وطنيَّة وحماسة ، وراح يبثّه في صدور المغتربين والمقيمين .
إنَّ هذه النعمة الروحيّة تُعطى من فوق منذ الأزل وإلى الأبد . ولكنّها تُعطى للمستحقّين المختارين ، لأنَّ المدعوين إلى وليمة الحقيقة كثيرون ، أمّا المختارون فقليلون ، بل قليلون جدّاً !…
ولكنْ ثِقْ أنَّ الظاهرات الروحيّة التي تجلَّت أمامنا بواسطة الدكتور داهش قبل إبعاده عن لبنان (1944) أرَتْنَا أسراراً وأسراراً ، وأشعّةً وأنواراً ، وحوَّلت ليلنا نهاراً . إنَّ تلك الظاهرات العجيبة ذكّرتنا بذلك النور السماويّ الباهر الذي تجلَّى لبولس الرسول على طريق دمشق يومَ خاطبَه السيّد المسيح فهدَاه إلى نور الحقّ .
ومهما يكنْ من الأمر فإذا كانت المدنيّات الأولى قد بَزَغَ نورُها على العالَم من شواطئنا وسواحلنا وتلالنا وجبالنا ، ومن أوديتنا وصحرائنا ورمالنا ، فسيرى العالمُ غداً حركةً روحيّة جديدة باهرة . وهذا ما نؤمن به إيماننا برسوخ جبالنا التي لن تتزعزع مهما هبّت الأعاصير وزحفت عليها الرياح الزعزع .
19- احتضار الشعر في الغرب
حتى الشعر يا توفيق !…
حتى الشعر الذي هو لغة الروح وترانيم الآلهة بل لغة الملائكة ، حتى الشعر في الغرب أصبح في دور النزع والاحتضار بعد أن هجمَتْ جيوشُ (المادّة) عليه ، وأطبقَتْ بكلاّبتها الحديديّة على شفتيه ، فذَوَتْ روضة الشعر وخمدت أنفاسُ الشعراء في عصر الرادار والراديو والتلفزيون والقنابل الذريّة …
ألم يخرج جبران من (الأرز)، من ظلال تلك الغابة المقدَّسة حاملاً بخور إلهامه إلى تلك الملايين المتكالبة على ملايين الدولارات ، فهبَّتْ عليهم نفحاتُه السحريّة فأنعشتهم ، حتى أخذوا – بسبب فقرهم الروحي ، يردّدون في الكنائس والمعابد كتابه (النبيّ) الذي هبَط عليه في خلواتِه ، فيتلونه كما يتلو المتعبّد المتبتّل بخشوع كتاب صلواته ؟
فماذا ترتجي وتتأمَّل من هذه الأمم التي سيطرت المادَّة الغاشمة على عواطفها وشعورها وإحساسها ، وصنعت القنابل الذريّة لخراب العالم وفناء الذُريَّة ؟
ثم ، أما قرأتَ ما نقله أحدُ إخوان العصبة الأستاذ يوسف البعيني عن الناقد العالمي (استيفان زفايغ) ، إذ قال :
“إنَّ الغرب المتشنِّج الأنانيّ نحَرَ أقداسه تحت دواليب المطامع “.
وأنا أقول لك :
“ما دام العالم الظالم متمسكاً بهذه المطامع الماديّة ، مهملاً المُُُثُل العُليا والقِيَم الروحيّة ، فلن تقوم له قائمة ، ولن تكون هذه الغبراء إلاَّ أرض شرٍّ وشقاء”.
20- لِنخشعْ أمام أسرار الروح
ألم تقرأ ، يا توفيق ، ما نشره الأستاذ اسكندر المرّ في “العصبة” عن اختراع القنبلة الذريّة ؟..
فثِقْ ، يا أخي ، أننا من عام 1942 إلى 1944 شاهدنا من أسرار الروح ، وعجائب الروح ما يجعل القنبلة الذريّة وقوّتها وتأثيرها كنور شمعة ضئيلة أمام نور الشمس وأشعّتها المتوهّجة وحرارتها المتأجّجة .
وقد فهمنا في بعض جلساتنا الروحيّة أنَّ أبسط روح علويّة لو سُمِح لها لفعلت أكثر ممّا قال السيّد المسيح ، أي نقل جبل من مكان إلى مكان بأسرع من ارتداد الطرف . وباستطاعة تلك الروح أن تُحرق عالماً بكامله كأرضنا مثلاُ ، كما تُحرق أنت في سانباولو لُفافة دخان بين أصابع يدك الواحدة .
كلُّ هذا شاهدنا أمثلة مصغَّرة منه ، ولمسنا ما يدلُّ على صحَّة القول ويُثبته عمليّاً ، بفضل التعاليم الداهشيَّة والظاهرات الروحيّة التي أصبحنا بعدها وبعد تكشُّف أسرارها نحتقر الأرض وما فيها ، ونحنُّ إلى حياة روحيّة هنيئة خالدة ، بعد انطلاقنا من هذه الأرض الزائلة الباطلة البائدة .
فما الأرض في هذا الفضاء اللانهائيّ إلاّ كرملة صغيرة من رمال صحراء مترامية الأطراف . وهي تكاد لا تُذكر أمام عظمة الخالق الجبّار ، ومخلوقاته الكثيرة ، وعوالمه الوفيرة ، وكواكبه المنيرة .
تصوَّر أنَّ لبنان بسهوله وجباله وساحله وتلاله كرومٌ من عناقيد العنب المتلألئة ، وفي أحد العناقيد حبّة واحدة متهرِّئة . فهل تفكّر بتلك الحبّة التافهة وأنت أمام المساحات الواسعة من العناقيد الحسناء والدوالي الخضراء الغبياء ؟ فما تلك الحبّة العجفاء السوداء القَذِرَة المتهرِّئة إلاّ أرضنا الدنيّة بالنسبة إلى عناقيد النجوم السماويّة والفراقد الدريّة التي تزيّن صدر القبّة الفلكيّة .
فلنخشعْ قليلاً أمام أسرار الروح . ولنلتفِتْ قليلاً إلى فوق ، إلى الفضاء ، إلى العلاء ، إلى السماء .
21- شهادة فادي البشر بالبشر !
تقول إنَّ الدكتور داهش أساءَ التعبير في ديناره إذْ طالب بالإِصلاح بعنف ، ونظر إلى السيئات دون الحسنات في البشر .
وأنا هنا أُذكِّركَ ببعض ما قاله ابن البشر وفادي البشر بهؤلاء البشر …
ألم يقل المسيح إنهم زاغوا وليس من يعمل الصَّلاح حتى ولا أحد ؟
ألم يقلْ :” لماذا تدعونني صالحاً وليس من صالح إلاّ الله “؟
فهل كَفَر داهش عندما تألَّم من حالة البشر ومن سوء أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم ، وتمنّى في (ديناره) أن يكونوا أسعدَ حالاً وأحسن مآلاً ، فشخّص حقيقة مريضه المشرف على الخطر فعالجه بعمليّة جراحيّة مستعجلة تُعيد إليه الحياة ، ولم يكتفِ بالمسكّنات والمخدّرات كما تريد أنتَ وسِواك ، والعالم مهدَّد بالخراب والهلاك ….
22- شهادة شاعر برازيلي
وقرأتُ في “العصبة” أيضاً ، كلمةً للشاعر البرازيلي (فيسنتي دي كارفالير) بقلم الأستاذ البعيني ، قال فيها عن الأرض :” إنها عالم موبوء بالمعاصي والشرور، عالم لا يُنبت إلاّ العوسج ولا يَلد إلاّ الأفاعي والغيلان “…
والدكتور داهش لم يقلْ أكثر من ذلك في كتابه “مذكّرات دينار” ، وفي كتابه “الجحيم” ، وفي كتابه “بروق ورعود” ، وفي كتابه “كلمات”، وفي بقيّة كتبه التي ستظهر قريباً ك”قيثارة الآلهة” ، و”أسرار الآلهة”، “ومن وحي السجن”، و”روح تنوح”، و”عواطف وعواصف”، و”نبال ونصال”، و”مذكّرات يسوع تنوح”، “عواطف وعواصف” ، “ونبال ونصال”، و”مذكّرات يسوع الناصري”، و”الهادي”….
راجعوا “خطبة الدينار”، راجعوا “صوت من وراء الغيب يتكلّم” (48،83) تجدوا أنّ الدكتور داهش فكَّك ذرّات البشر ، وحلَّل طباعهم وأعلن أعمالهم ، وشرح ميولهم ، وفضح مطامعهم .
وأنا أقول إنّ للدكتور داهش في تحليل البشريّة أقوالاً لم يقلها مصلحٌ فيها، وهي في كتابه “الصواعق الداهشيَّة”. وعندئذ تعلم كيف يكون الجرّاح الاجتماعي ، وكيف يستأصل الأعضاء الفاسدة من جسم البشريّة المتهدّم المتردّم !
23- شهادات المعلوف والراعي وسواهما
وفي العصبة أيضاً – وأنت ركنٌ من أركانها – مختارات شعريّة ونثريّة بقلم أستاذنا العلاّمة المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف .
راجعها بتدقيق تنظرْ كم من بيت وبيت في ذمّ الزمان وأهل الزمان منذ كان الإِنسان حتى الآن …
وهذه بعض مقالات الأستاذ الراعي ، وترجمات الأستاذ فيليب لطف الله، ويوسف البعيني ، وغيرهم من الأدباء والمراسلين .
فكم من شكوى مُرَّة ، ونقدات حرَّة … كأنّها توارُد أفكار بين أقوالهم وأقوال مذكّرات دينار . وقد جاء في المثل السائر :
“وقد يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر “!
24- صوت من مصر
وقد جاءَ في العصبة (الصفحة 344) ، نقلاً عن رئيس تحرير مجلّة “المقتطف” في مصر ، وصفٌ لانحدار بعض حَمَلة الأقلام بسبب طغيان (المادَّة) الكريهة على الصحافة التجارية الأميركيّة وسواها في سبيل المال ، فضلاً عن مطامع قوّات الشرّ حتى أصبح (غشّ الجماهير) شعار كلّ دولة كبيرة سيطرتْ (مادّتها) على كلّ شيء حتى على الروح المقدَّسة التي هي ظلُّ الله على الأرض ، بل هي ، كما قال الدكتور داهش “الصلة بين السماء والأرض بل الشعاع السماويّ والغيث الإلهي الذي يفيض على الإِنسانيّة بدون انقطاع ، وإذا انقطع هذا الغيث الروحانيّ بل الندى السماويّ فني العالم واضمحلّ وغرق في أحضان الأبديّة “.
فهل تُريد أن نُغلّف الحقيقة ، ونستر عيوبنا الاجتماعيّة ، لكي لا نُغضب هذه البشريَّة التاعسة الغارقة في حمأة المعاصي والإِجرام والمفاسد والآثام ؟!…
25- صوت من الأندلس
ثم ألم يذكر الأستاذ كرباج في “العصبة”:” أنَّ استبداد ملك أسبانيا وصرامة مجلس التفتيش كانا يُسيطران على الأجساد والأرواح “. قال هذه الكلمة لمناسبة احتفال العالم بمرور أربعمئة عام على ولادة الأديب (سرفنتس) صاحب الكتاب الخالد (دون كيخوتي) . وكم دوَّن في كتابه هذا من عظات وذكريات .
أما منعوه في أسبانيا عن السفر عام 1590 فترك وطنه “المعذّب الحريَّة التي ينشُدها فلجأ إلى الخياٍٍٍل والشعر”؟.
ألم يصف البشر إجمالاً في عصره “أنهم آلات تُحرِّكها أيدي أصحاب السلطة”؟
قال كلمته هذه منذ مئات السّنوات أي في أواخر القرن السّادس عشر (1590)!
فيا ليت شعري ، هل تغيَّرت الحالة في أسبانيا ، أو عندنا ، أو عند سوانا بعد مرور مئات السنوات ؟
ألم يستعبده يومئذ الحاكم والكاهن والمحامي والتاجر والرجال والنساء وقُطَّاع الطرق والزعماء والإقطاعيون حتى وصل إلى القضاء ، وإلى السجون ، وإلى النفي والتشريد ؛ و”مرَّت عليه جميع المِحَن”… كما قال عنه الأستاذ كرباج؟
أما قال في آخر رواية له بلسان بطله :
“أتريد أن تكون بطلاً كريماً ، وصالحاً رحيماً ، في عصرٍ لا قوام لسعادة الحياة فيه إلاّ الدَّناءَة ، والمراوغة ، والبُطْل ، والشراسة “؟
افتَح أيّة صفحة من صفحات “العصبة” و”العرفان” وسواهما تلمسْ أنين الإنسانيّة ، وظلم البشريَّة ، ورياء البشر ، وتكالبهم على المادَّة الصفراء ، والشهوة الحمراء ، في الدمنة الخضراء ، في أرض الشقاء ، ووادي الدموع والنحيب والبكاء ….
نعم يا أخي ! إنَّ أعداد “العصبة” التي طالعتُها تعجُّ وتضجّ بمرارة وألم من هذا المجتمع الفاسد الذي يريد داهش إصلاحه بقوَّة وعنف لأنَّ العمليّة البسيطة لا تُجديه نفعاً ، بل تُرجعه إلى الوراء . فمن يُفكِّر بمثل هذا الإِصلاح العامّ فهو رجلٌ جبّار وليس بالقزم يا توفيق .
26- وشهدَ شاهد من أهله
وهذا الأستاذ نظير زيتون ، نزيل البرازيل .
وكأنه طالع (مذكّرات دينار) عندما وقف بالأمس وتكلَّم (في يوم الأموات) ، وذكر عن بعض الأنصاب والتماثيل المطليّة بالمغالاة والازدهاء ، والناطقة بالكبرياء والرياء …
أما أنحى باللائمة على تلك الذئاب الخاطفة ، والأفاعي النهّاشة نُزَلاء مدينة الأموات، وكانوا على الحياة ضيوفاً لئاماً ، ولطخة سوداء تهافتوا على الدنيا بمساوئها وأقذارها بما فيها من عبوديّة الأنانيّة السوداء ، والحقد والكبرياء ، والغرور والعنجهيّة ، والطمع والجشع ، وتَميُّع الأخلاق ، وما هنالك من التواء الشرائع ، وبهتان القضاة ، والجرائم الحمراء والسوداء والبيضاء التي هي من أسباب القوَّة على ما يزعمون .
أما خاطب الأحياء الأغنياء بقوله :
“جدران منازلكم ملطَّخة بجرائمكم ، وأرضها مخضَّبة بفحشائكم ، وهواؤها مُثقل بشهواتكم وأباطيلكم ، ومآسيكم ، ومهازلكم ، وفجوركم …”
فهل قال الدكتور داهش أكثر من ذلك يا توفيق في فصل “روح تتكلَّم ” على قبور شهداء الحروب في دنيا الأوهام ، وأرض المطامع والأحلام ، ودنيا الرذائل والآثام ؟!
27- شهادة طبيب مهاجر
والدكتور فضلو حيدر نزيل مدينة سان باولو (أي القديس بولس). ألم يقل في “العصبة” إنَّ نفس الإنسان ما تزال عبدة الشهوات والرّغائب ، ومفتقرة إلى الراحة والسعادة ؟
ألم يقل :” إنَّ إنسان اليوم … يترك الجنة لأجل حوّاء كما تركها بالأمس، ويقتل اليوم هابيل من أجل الرزق كما فعل بالأمس قايين “؟
أما قامت قيامة الدكتور حيدر على هذه المدنيّة الدمويّة في شرائعها ، ولَعَنَ تطاحنَها ، وجشعها ، ومطامعها ؟
أما قال :” إنَّ دواءَ البشريّة لن يكون إلاَّ بتذويب النفس في إكسير محبّة سواها ليُصبح الجشع طعاماً يُشبع الجائع ، والطمع قوَّة تُساعد الضعيف ، والشهوات محبّة شاملة تغمر آلام البشريّة فيزول الحسد ، ويتلاشى الطمع ، ويضمحلّ الخوف ، ويسود السلام “؟!
فهل قال داهش في كتبه غير ذلك ؟ وهل يُريد للبشريّة غير المحبّة والإخاء والسلام ليُنقذها من المهالك ؟
28- من فمكَ أدينُك يا أخي
وأنت يا أخي توفيق ، نعم أنتَ بعينك !
أما نشرتَ مقالةً في العصبة (الصفحة 527) نقلاً عن مجلّة إنكليزيّة جاء فيها ما يأتي :
“تلك المشاهد الدّالَّة على ما كان للحروب من الأثر في تداعي الأخلاق ، وما عقبها من الفوضى الأدبيّة في البلدان الأوروبيّة دون استثناء”!
فما قولُكَ في هذه الشهادة من رجل إنكليزي أوروبيّ غربيّ ، ومترجمة بقلمكَ الرشيق الزحليّ اللبنانيّ العربي ؟
وفضلاً عن ذلك ، فهل نسيتَ أم تناسيتَ مقالكَ البديع :” هذا العالم المحموم”؟
أما قلتَ فيه :” إنَّ البشريَّة تسير في هذا العصر صُعُداً … وإننا نسير قفزاً …”
فقُلْ لي ، بربّك ، ماذا كانت نتيجة هذا الارتقاء ، وذلك الصعود ، وذيّالك القفز ؟
كانت النتيجة ما قلت بعد ذلك (الصفحة 588) بالحرف الواحد :
“إنَّ ارتقاءَنا قد اقتصر على المادَّة . وإنّنا تقهقرنا تقهقُراً مخجلاً في مضماري الفكر والروح ، بدليل أنّنا لم نأتِ فيهما بجديد “!
ألستَ بكلامكَ هذا تؤيِّد مُؤسّس الداهشيَّة في كلّ ما كَتَب وقال ؟
ثم قلتَ وما أحسنَ ما قلتَ :
“فارتقاؤنا إذَنْ مُزَيِّف مزعوم ؛ لأنَّ الحياة بجوهرها لا بمظهرها ، والعِبرَة بالنوع لا بالكميّة … فهل نحن بوسائلنا اليوم أسعد حالاً وأهنأ بالاً ؟”.
ثم تهكَّمتَ في مقالك ، كما تهكَّم داهش ، على منظَّمة الدول بما يتعلَّق بمشاكلها العالميّة ، والقضيَّة الفلسطينيّة ، وختمتها بعباراتك التهكّميَّة الصاخبة إذ قلتَ :” رحم الله قراقاش”!…
والعالم العربي يعرف ما هو حكم قراقاش السافل ! وقضاءَه العادل ! ثم قلتَ وما أصدَقَ ما قلتَ :
“وكانت نتيجة الحرب بمثابة نكسة أصابت البشريَّة … فأفسدَتْ الضمائر، وزادت شقَّة الخلاف بين الشعوب والدول الغالبة والمغلوبة ، فغمر الكونَ سيلٌ عرم من الرذائل أغرق الفضائل ، وسرى الفساد إلى الشعوب والجماعات والأفراد . فأصبح كلٌّ يستهون ما يرتكبه من موبقات … ما دامت الدول الكبرى ترتكب أضعافه “!
ثم أصدرتَ حكمك البتّار فقلت :
” والنتيجة أنَّ العالم اليوم محموم لا تجد لسلوكه الجنوني تفسيراً سوى أنه يتمخّض بانقلاب هائل إذْ لا عهد للعصور السابقة ببعض ما يجري اليوم من تدمير وتقتيل وظلم وإجحاف ممّا لا يُصبَر عليه ولا يطاق . ويجب أن نخجل اليوم من أشدّ شعوب الأمس السحيق همجيَّة “.
وأخيراً ختمتَ بقولك :
” إنّ الانقلاب المنتظر سيكون عامل فناء بالنسبة لما يُقاسي الإنسان من أسباب الآلام والشقاء”.
فلماذا – يا رعاك الله – فقدتَ الرجاء من صلاح المجتمع وإصلاحه ، ولا تسمح لسواك أن يفقد رجاءَه ويُعلن آراءَه ؟!
فالدكتور داهش لم يقل أكثر من ذلك في ديناره ، وفي غير ديناره . فكيف يحقّ لتوفيق ضعون أن يقول كلَّ هذا ! ولا يحقّ للدكتور داهش أن يذمّ البشريّة ويُنذرها بالدمار والبوار والفناء والعفاء ، إذْ إنَّ “أطماعهم الدنيويَّة تقودهم إلى مصير موجع فاجع تتردَّم فيه الأرض وتنحلُّ عناصرها وتتناثر أشلاؤها بواسطة القنبلة الذريّة ” كما قال في آخر فصلٍ من ديناره .
وها أنت – ويا للاتفاق الغريب ! – قد ختمتَ مقالك بمثل مقاله تماماً إذْ قلتَ بالحرف الواحد :” فأيّة أعجوبة يمكن أن تُنقذ هذا الكون من الدمار ، وشعوبه من الفناء ، إذا أدَّت الأحقاد التي تضع الشعوبُ اليوم أُسُسها الراسخة إلى حرب ذريّة لا تُبقي ولا تَذَر “!
وفي كتابكَ النفيس (ذكرى الهجرة) شواهد وشواهد على تشاؤمك الغريب من البشريّة وفسادها نضرب عنها صفحاً الآن . وحسبنا العصبة العزيزة .
29- أين الطمأنينة والسلام ؟
لا طمأنينة ، ولا سلام ، ولا حريّة ، ولا راحة فكريّة إلاّ بالحياة الروحيّة . فهي الحَلقة المفقودة بين عالم الأرض وعوالم الأرواح . نعم ، لا راحة ولا هناء إلاَّ بالالتجاء إلى الرسالات الروحيّة التي تُبعد الإنسانيّة عن المطامع الدنيويّة الماديّة ؛ فهي وَحدها الدواء لهذا الداء العياء .
وهنا أُحيلُكَ إلى آخر عدد قرأتُه من العصبة (الصفحة 614) وفيه كلام طريف يُريح كثيراً فكرك ما دمتَ من المؤمنين بالروح ، وهو قوله :
“كلُّنا نخاف الموت ونرهبه إلاَّ الذين يملكون إيماناّ روحيّاً قويّاً يُدركون به أنَّ الموت ليس نهاية وإنما هو نهاية مرحلة وبداءَة مرحلة “.
وهذا الإيمان ، يا أخي توفيق ، هو في قلب كلّ داهشيّ وداهشيّة . وهو الذي يجعل الطمأنينة تغمر أفكارنا وقلوبنا ، ولا سيّما عندما نعود إلى تعاليم مُؤسِّس الداهشيَّة العَظيم ونُردّد كلمته الخالدة المدوَّنة تحت رسمه في صدر كتابه “ضجعة الموت” وهي :
” أنا ظلٌّ سُرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى … والموت يقظةٌ فتّانةٌ يحنُّ إليها كلُّ من صَفَت نفسُه وسَمَتْ روحه ، ويخافها من كثُفَت أفكارُه وكَثُرت أوزارُه . وبعد موتي سيقرأ هذا الكتاب أشخاص يأتون بعدي من ذلك العالَم السحريّ الذي سأنطلق إليه “.
30- آخر شهادة لرئيس الجامعة الأميركية
وهذا الرجل الإنسانيّ الدكتور داهش ضودج وقد ألقى على مسامعنا بالأمس كلمته الوداعية في حفلة توزيع شهادات الجامعة الأميركيّة بمناسبة اعتزاله الرئاسة بعد 25 سنة كاملة قضاها في بلادنا مُعَلِّماً ورئيساً . فاسمَعْ ماذا قال :
“لقد مضى على جامعتنا 82 سنة وهي تغذّي طلاّبها بالعلوم … ولكنّ هذه الجامعة ستكون لعنةً لا بركة إن لم تجعل هدفها الأوَّل تنمية الأخلاق وتغذية روافد القوى الروحيّة ، لأنَّ أعقد مشكلة في العالم اليوم هي التوسُّع المادّي والقوّة الهوجاء .
ولذلك فمن جرّاء هذا التوسُّع المادّي الذميم ساد العالم فوضى يجب على بلدان الشرق العزيزة تجنّبها مهما كلَّفها الأمر “.
ثم ختم خطابه بهذه الكلمة الكاملة الشاملة إذ قال :
” وأخيراً ، وقبل أن أُودِّعكم أقول لكم إنَّ الاستقلال الثابت والعظمة الحقيقيّة لن تتثبّت دعائمهما إلاّ على شرط واحد وهو متى رافق نموَّهما النموُّ الروحيّ ، والاندفاع الأخلاقي السامي نحو الفضيلة الصحيحة ، والخدمة العامّة لجميع بني الإنسان “.
فهل قال الدكتور داهش خلاف هذا في كتابه “مذكّرات دينار”؟
فلا تبخس الناس أشياءَهم وآراءَهم يا أخي .
وكان عليك أن تدرس الكتاب من الدفّة إلى الدفَّة . فجادل مع الحقّ بنظرٍ دقيق وفكرٍ حرّ طليق . وكنْ عنيفاً إذا شئتَ ، وانقضَّ بكلماتك كالصاعقة ، ولكنْ كنْ منصفاً . ولا خوف من جَدَل الأحرار ، إذْ من هذه الطريقة يلمع بريقُ الحقيقة . وثِق أنّ ثمار داهش طيّبة شهيّة ، وإناءَه ينضح بكوثر الحكمة وماء الحياة ، وكتابته صورة نفسه العالية وأهدافه السامية الغالية .
31- مذكّراتُ دينار كتاب هَدم
لقد أنشأ الدكتور داهش “مذكّرات دينار” وجعله كتاب تهديم لا كتاب ترميم ، ومعول تحطيم وترديم لتشييد صرح إصلاح عظيم . ولذلك فمن البديهي أن يتعجّب القارئ لأوَّل وهلة من التشاؤم الذي يتجلّى فيه بأوضح مظاهره ومجاليه .
ففي جميع ما وصفه (الدينار) من مساوئ هذا المجتمع وعيوبه ، لم يشأ أن يصف الحسنات التي لا يمكن نكرانها مع أنه أشار بطرف خفيّ إلى بعضها كما صرَّحتم أنتم في جوابكم . وهذه حسنة من حسناتكم .
ولهذه الخطّة التي اتّبعها الدكتور داهش في كتابه هذا أسبابٌ حكيمة لا بأس من بيان بعضها هنا إتماماً للبحث :
أوّلاً – إنَّ البشريّة – ويا للأسف – غائصة في الشرور والجرائم كما بيّنا وبيّنتم . والفضيلة يكاد لا يُرى لها ظلّ إلاّ في بعض الأفراد النادرين ، لأنّ البشريّة رغم رقيّها الماديّ لم تستطع حتى هذه الساعة أن تتغلّب على أطماعها وتبني نظاماً عادلاً يُوحّد الحقوق والواجبات لجميع أفراد البشر . بل نرى الناس كلّهم يتناحرون ويتحاربون للاستئثار بهذه الأرض مُضحّين في هذا السبيل بكلِّ شرفٍ ونبالة . وهذا أمر يتجلّى بوضوح لكلّ من يطّلع على الصحف ويسمع الإذاعات ، فلا تُخفى عليه حقائق التنازع الدولي ، والتنازع الفردي ، في كلِّ مكانٍ وزمان .
إذن فالصورة الأولى التي تتجلّى من هذه البشريّة هي صورة التشاؤم لا التفاؤل ، خصوصاً وقد أصبحنا نلمس نهاية هذه الأرض بواسطة الآلات الجهنميّة الحديثة التي تستعمل جميعها للهدم والتدمير ، أكثر بكثير ممّا تستعمل للبناء والتعمير .
ثانياً – إنَّ مُؤَسِّس الداهشيَّة يعرف ، مثلكَ ومثلي ، أنّ في هذه الدنيا أفراداً (إنسانيين) يعملون للصلاح والخير العامّ :
فهو لا يجهل ، مثلاً ، سيرة بعض الأطبّاء النبلاء الذين يُعرِّضون أنفسهم وحياتهم للأخطار ، ولاكتشاف الطُرق الصالحة لمعالجة الأمراض المستعصية خدمةً لبني الإنسان ولو اقتضى الأمر بذل حياتهم في هذا السبيل . وهذه فضيلة .
ومُؤَسِّس الداهشيّة يعرف أكثر مني ومنكَ سيرة الأحرار الثائرين على النُظُم العوجاء والمظالم الهوجاء ، والأحكام العرجاء ، وسيرة أولئك المنافحين في سبيل الحريّة المفقودة والعدالة الموؤودة ، غير هيّابين ولا وجلين ممّا يلاقونه من اضطهادٍ وتشريدٍ وموت . وهذه فضيلة .
ومُؤَسِّس الداهشيّة يعرف كلّ المعرفة سيرة الفنّانين والأدباء والصحافيين الأحرار الذين يُناضلون في كلّ بلد في سبيل المُثُل العليا والقيم الروحيَّة ، وهم لا يتوخَّون من وراء جهادهم المتواصل إِلاَّ رفع مستوى البشر بفنّهم العالي وأدبهم الغالي . وهذه أيضاً فضيلة .
وهو يعرف أيضاً من يُضحّون في سبيل تخفيف آلام الإنسانيّة وعذاباتها من زهّادٍ ونُسّاك ، وراهباتٍ ونساءٍ مترمّلات ، وأوانسٍ عوانسٍ متطوّعات ، ورجالٍ غيارى مندفعين اندفاعاً جنونيّاً في خدمة المشاريع الإنسانيّة والعقائد الدينيّة . وهذه أيضاً فضيلة .
ومَنْ من الناس ، يا أخا المعرفة ، لا يُميّز بين الرذيلة وسيّئاتها والفضيلة وحسناتها ؟
ولكنَّ مُؤَسِّس الداهشيّة لم يشأ في “مذكّرات دينار” أن يأتي على ذكر هؤلاء الأفراد ، لأنهم – ويا للأسف الشديد – نفرٌ قليل ضئيل لا وزْنَ له بالنسبة للأكثريّة الساحقة الجارفة الزاحفة إلى مهاوي الهلاك … ولأنه أراد أن يجعل كتابه – كما قلنا – كتاب تهديم وترديم ، لا كتاب ترميم ، ومعول تحطيم للإصلاح والتنظيم .
ولذلك صوّر لنا المساوئ والمآثم والشرور والجرائم .
ذكر لنا أسبابها ومسبّباتها وهي (المادّة) في جميع مظاهرها الغريبة ومخاطرها الرهيبة .
فعلَ الدكتور داهش ذلك لكي يدرك القارئ المعتبر ما في هذه (المادَّة) الكريهة القذرة من طغيان جارف أثيم ، وخطر جسيم عميم على حياة الإنسان، علّه يعود إلى الصواب والاتّزان ، فيُعطي ما لقيصر وما لله لله .
وكلُّ هذا يكون متى أقام كلُّ إنسان النسبة العادلة والتوازن الحكيم بين القيم الروحيَّة ومُستلزمات المادَّة . فتبتسم له الأرض والسماء ، وينعم بحياة عتيدة في كواكب السناء والبهاء .
وزبدةُ القول إنّ مُؤَسِّس الداهشيّة جاءَ ليهزَّ العالَم هزَّةً عنيفة لا هزَّةً خفيفة ، وإلاّ فهيهات أن تستيقظ هذه الخليقة من رقدتها العميقة ، بعد أن سكرت الأُمَم والشعوب بخمرة المادّة ونشوتها …وغمرة المطامع وشهوتها .
32- البَشرَ كالشَّجَر
لا يُخفى على فطنتك الشّفافة ، يا أخي توفيق ، أنّ الأُمَم والشعوب كالأشجار التي تنمو وتُزهر وتعقد وتُثمر ، ثمَّ تجفُّ فروعها وجذوعها إذا لم يتعهّدها البستانيّ الماهر بالتهذيب والتشذيب .
وهكذا هذا “العالم المحموم…” على حدّ تعبيرك ، يجب تنقية بذوره واحدة واحدة واستئصال جميع جذوره النخرة الفاسدة ، وخلق عالم جديد ، وبذور جديدة ، وفسائل نَضِرَة ، وغِراس حيّة … وإلاَّ فكلُّ محاولة ذاهبةٌ سُدىً بعد أن تكالب الصغار والكبار على الفرنك والدولار والدرهم والدينار ….
والأمثال على ذلك كثيرة لديك ، وكلُّها ماثلة أمام عينيك . وما ضُربت الأمثال إلاَّ لذي اللبّ الحكيم من مغتربٍ منّا ومقيم .
33- حاشية لا بدَّ منها هنا
هل (المعاهد الأميركية) التي جرى الجَدَلُ عليها في (العصبة) بين الطبيب فضلو حيدر والشاعر القرويّ تسير في بلادها وخارج بلادها على تعاليم السيّد المسيح ؟
وهل حكومتها تُعامل سكّانها البيض والسود على السواء من حيث الهناءة والرفاهية والحقوق والواجبات ؟
وهل تعتقد أنهم عدلوا أو سيعدلون في قضيّة فلسطين ؟
أما قال السيّد المسيح :” كلُّكم إخوة”؟
أما قال القرآن الكريم :” إنما المؤمنون إخوة “؟
أما قال النبيّ محمّد :” الإنسان أخو الإنسان أحبَّ أم كره “؟
فأين الإِخاء ، وأين الوفاء ، وأين الهناء ، وهذه الدول القويّة تتحفّز وتستعدّ لحروب ضروس طاحنة أين منها حروب 1860 و 1870 و 1914و 1939 وغيرها من الحروب الهائلة التي دوّنها التاريخ في صفحة الأدهار وكتبها بأحرفٍ من نار ؟
34- على ذكر الحروب
ولمّا كان الشيء بالشيء يُذكَر . فقد تذكَّرتُ الآن أستاذنا الجليل عيسى اسكندر المعلوف الذي وضع لنا (تاريخ زحلة) ونشرته جريدة “زحلة الفتاة” منذ أربعين سنة . وفي هذا التاريخ ذَكَر علاَّمتنا المؤرّخ عن حوادث سنة الستين أي المناوشات أو الوقعات التي جرت عام 1860 بين النصارى والدروز لغايات ونعرات سياسيّة ودوليّة أكثر منها طائفيّة … (لا أعاد الله ذلك الدور الكريه). ولا أزال أذكر أنه جاء على ذكر (الوقعة الكبرى ) في ضهر البيدر حيث قُتل من الطرفين بالمقلاع أربعة أشخاص !
هذه هي (الوقعة الكبرى ) في تاريخ زحلة . وسيمرُّ عليها نحو تسعين سنة، لأنها جرت عام 1860 ، ونحن قريباً سنطرق عام 1950 . فتصوَّرْ ، يا أخي ، مواقعنا اليوم ونحن في القرن العشرين . وما أدراك ما هي حروب القرن العشرين ؟
فكم من ملايين ذهبت وتذهب إثر الملايين … أهذه هي نتيجة الحضارة ومظاهر المدنية والتمدين التي يتباهى بها أبناء الأرض المساكين ؟
فأيّ منتوج حربيّ أو اكتشاف علميّ حوَّلوه لمنفعة البشريَّة ، وراحة الإنسانيّة ؟
ولو أنَّ الدول من كبيرة وصغيرة وحَّدَتْ كلمتها وحوّلت جهودها وجنودنا عشر سنوات لاستثمار ثُمْن آخر من الكُرَة الأرضية لسعدَت البشرية … وتمتَّعت بسعادة أرضيَّة سماويَّة .
فهلاّ فعلوا وارتاحوا وتعاونوا وأراحوا ؟
وهناك ثروة الأعماق والأغوار … إذْ بامكانهم أن يحوّلوا غوّاصاتهم واختراعاتهم الحديثة إلى استخراج كنوز البحار ، ومناجم الجبال والقفاز ، والغابات والأنهار ، فتزداد الثروة والسعادة في سائر الأقطار والأمصار .
هذا إذا كانوا إخوةً لا أعداء ، فيقتسمون تلك الثروات الطائلة والخيرات الهائلة على السواء .
ولكن أين أين الإِخاء ، وأين الحُبُّ والوفاء ، ليعيشوا براحة ورخاء ؟
إنَّهم يحاولون الاتصال بالمرّيخ والقمر ومخاطبة سكَّانها وزيارة تلك الكواكب والأقمار ، في هذا الفلك الدوّار ….
فأنا – والحديث بيننا – أصبحتُ أخاف على سُكّان المرّيخ والقمر ، إذا وصل إليهم البشر …
أفلا توافقُني على ذلك ؟
35- لندرسْ نوابغَنا قبل الحكم عليهم
لقد طال نَفَس ُحديثي معك يا أخي فعذراً .
ولكنْ أحببتُ أنْ أُريكَ الحقيقة سافرة من جميع وجوهها وأطرافها حتى إذا أحببنا أن نحكم على شخصيّة لامعة نادرة وجب علينا باسم العلم والحقيقة أن ندرسها عن كَثَب إذا كانت تُجالسنا وتُحادثنا ، أو ندرسها على نور البحث أو بشهادة من جالسوها وحادثوها ، وراقبوا حركاتها وسكناتها ، وتكشَّفَتْ لهم أسرارها الخفيّة … ومعجزاتها الروحيَّة .
والفرق بين جاهل حقيقة شخصيَّة وعارفها كالفرق الذي تراه بين رجل من سكّان الأسكيمو يجهل مثلاً نابغتنا جبران خليل جبران ، والشاعرة الأميركيّة (بربارة يانغ) التي عرفت جبران في نيويورك مدّةً طويلة ، ثم زارت متحفه في بشرّي عام 1939 ، وأخذت تروي لنا معلوماتها عن جبران ، وكيف كان يملي عليها بعض كتبه النفيسة وآثاره الخالدة .
فهل بامكانك أن تكتشف حقيقة جبران ، وعبقريّة جبران ، وروحانيّة جبران من القادم من الأسكيمو أم من هذه الشاعرة الأميركية التي رافقته وجالسته ، وهي تعرفه في البيت والمُحْتَرف والسيّارة والباخرة والطائرة ، وتتذكّره في صحّته ومرضه ، وفي سروره وكآبته ، ودمعته وابتسامته ، وفي شرحها لبعض صوره وروائعه ، كما جاء ذكر ذلك في “العصبة” (الصفحة 573) بقلم الأديب الناضج الأستاذ فؤاد أفرام البستاني ، ولا سيّما صورة رمز الحزن والفرح ، فضلاً عن الصورة التي تحتفظ بها في حقيبتها ، وقد كَتَبَ عليها جبران بالعربيّة تلك الكلمات الخالدة التي لا يتفهّمها ويتذوّقها إلاّ من تكشّفت له أسرار الروح وهي :
“وإذا ماتت الأرضُ تحوَّلَتْ ماءً
وإذا مات الماءُ تحوَّل هواءً
وإذا مات الهواءُ تحوَّل ناراً “!
هذه كلمتي الأخيرة ، أخي توفيق ، أُخاطبك بها بلسان القلم .
لِنكُنْ منصفين في كلِّ كلمةٍ نقولها أو عبارةٍ نخطّها . فالكرامات الفكرّيَة والروحيَّة والإصلاحيَّة عزيزةٌ عزيزة كالكرامات الشخصيّة والقوميّة والإنسانيّة .
وسلام الله عليك وعلى إخوان “العصبة الأندلسيّة”.
حليم دمّوس الداهشيّ
بيروت ، 25 حزيران 1948
أفضل ما قرأت
أفضل ما قرأت جريدة”النضال” كتبت جريدة النضال في عددها الصادر بتاريخ 5 تشرين الثاني 1947 ما يلي :
|
منذ أسابيع قليلة أهدت إلينا الرسالة الداهشيّة نسخةً من كتاب “مذكّرات دينار” تأليف الدكتور داهش .
والكتاب عبارة عن دينار يتكلّم ويتحدّث عما رأى وسمع ولمس في هذا المجتمع الإنسانيّ منذ خروجه من الأغوار إلى إن توارى عن الأنظار .
وفي صدر الكتاب رسم دينار يتدحرج ، والناس يتسابقون ويتهالكون للوصول إليه والحصول عليه : حالة العالم اليوم في هذا العصر الماديّ الموبوء . وفي الدفّة الأخيرة من الكتاب رسم مؤلّفه وهو في ريعان الشباب .
ويقول الأستاذ حليم دمُّوس في فاتحة الكتاب إنه “معجزةٌ أدبيّة فريدة ، وإنَّ مؤلّفه أنجزه في سبعة أيام لا تزيد ساعةً واحدة ، فكان يكتبه على الأوراق بسرعةٍ عجيبة هي سرعة الطائر المتنقّل من غصنٍ إلى غصن “.
خارطةُ مدرسة فكريَّة
مذكّرات دينار خارطةُ مدرسة فكريَّة
بقلم الشيخ عبد الله العلايلي
|
كان مصادفةً أنه انتهى إليَّ هذا الكتاب …
وكان عفواً أني انصرفتُ إلى تقليب صفحاته فِعْلَ المتظاهر بأمر ، وهو نفسه في أمرٍ آخر أو في غير شيء واضح لنفسه .
فلبثتُ أمداً أُطبقُهُ تارةً وأفتحُهُ تارةً ، ولا أستقرُّ فأطمئنً إلى حالٍ من حالين .
على أنه (رأي هذا الكتاب) ظلَّ في هوى العبث ليدي كأنَّ إحساساً غامضاً يُراودني وأنا ألوذُ بوجهٍ غير وجهه .
ولكنَّه تمادى بي شيئاً بعد شيء ، وأتّضح أيضاً شيئاً بعد شيء … فوجدتُني فجأةً وقد أعطيتُهُ منّي وراح يُعطيني منه .
فتعلَّقتُه مثل لقية بعد فَقْد ، وتمادى بي التعلُّق مثل تجسُّد حلمٍ بعد صحو .
وأمضي غير متلبّث .. وأظمأ مع النُقلة ظمأ المستشفّ المستكشف إنْ في التأمُّل أو في الفكر ، وقد اتَّصل ببصره خيط حائر من خيوط ومضة باتَ يترصَّدها .
والصنيع الفنّي الحقّ شأنُه أنه يُظمئ ، وقيمتُه تجيء في مقدار ما يُعين عَمَلَ الظمإ … بما فيه من لَفتات لا تفتأ تعرض وتشرد ، أي لا تفتأ تتكشّف وتتوارى … وبما فيه من بَدَوات لا ينقطع دفقُها . فهي أبداً تنبضَ نبضَ الألَق في الشعاع الحيّ الذي إذا جمدَتْ طبيعتُه عن إعطائه ، فقد جمدت طبيعةُ الشعاع فيه، وغدا صورةً وليس شعاعاً .
هذا النوع الذي أحسَّ به بوضوح ، ورام أن يكشف عنه بوضوح أيضاً أبو نوّاس في قوله :
يزيدُك وجهه حُسناً إذا ما زدتَه نَظَراً…
وهو إدراكٌ عميقٌ عند أبي نواس استجلى به عُقدة الجمال أو عقدة الحسن – كما ذهب يُعبّر – في معنى أسره واستهوائه وسرِّ استيلائه واستعلائه ….
وليس من فرقٍ إلاّ فرق التسميات بين هذا الحسن من يد الطبيعة – الطبيعة الحيّة – وبين الحسن من يد الفنّ الصنَّاع المعبِّر على أيِّ نحو وبأيّة أداة .
فأنا ، من زاوية حسّي ، أُفكّر ، كما قلت ، بأنَّ الأثر الفنّي تنحصر قيمتُه في مقدار ما يُظمئ لا في مقدار ما يُروي .
والظمأُ فيه عنوانُ حياته وإنه يتجدَّد تجدُّدك كلما طالعتَهُ بالتأمُّل .
أمّا الأثر الفنّي المُرْوي ، فالريّ فيه عنوان بروده ، وإنّه متجمَّد فنّ لا يملك حيويّته بل حظّاً منها …
وبهذا المقياس الذي أراه أخذتُ الكتاب فشاقني حقاً .
لقد أمتعني هذا الدينار الذي سجَّل حكاية أيّامه مُذْ كان حفنة تغطُّ وتحلم في منجم إلى أن تناولته أيدي الناس بشكل دينار إنكليزيّ خلال الحرب العامّة الأولى وبعدها … مضطرباً بين السادة والسوقة ، وضارباً بين شرق الأرض وغربها … واصفاً من دنيا هؤلاء وهؤلاء ، ومن الحياة هنا وهناك …. ناقباً الأسوار إلى الدخائل من هذا المجتمع أو ذاك ، ينظم المآسي وينثر المساوئ .
ثمّ استحالَ خَلْقَاً آخر في شكل خاتم . وتطوّح في رحلة كبيرة بين قديم العالم وجديده … على أنّه عاد إلى خلقه الأوّل كرَّة أخرى ، ولكن بشكل دينار فرنسيّ طوَّف كثيراً خلال الحرب العامّة الثانية وأرهقه التطواف .
وشهد الحرب العامّة الثالثة التي وقعت بكلّ أهوالها – وعفو التاريخ والناس – فإنّما وقعَتْ في مذكّرات هذا الدينار .
وكانت حرباً ذريّة مَسَّتْ روح التآلف الكوني …. فتفكَّك وذهب بعثرة في الزوبعة .
والمؤلّف ، أو بالأحرى القاصّ ، كان عذباً في استرساله وسرده ومجالات انتقاله … فهو يُدني إليك مفارقات ما رأى حتى لتحسبها عندك جادَّة حيثُ الجدّ ، عابثة حيثُ العَبَث …
ولعلّي – بعد ذلك – لا أغلو إذا أنا قلتُ إنه قصّة من بضع قصص ، لا يفوّت اليد عددها …يقع تصميمها في حدود فكرة ، ويقوم هيكلها بكلِّ ما يعجُّ وِفْق “خارطة مدرسة فكريّة” إذا صحَّ هذا التعبير .
فحوادثها تدور في حدود الأفكار التي بشّر بها المؤلّف وشقي كثيراً في سبيل نشرها … هذه الأفكار التي تعلّل نظريّة الخلق والحياة ، وألوان السلوك فيها بأنّها سلسلة كبرى من تقمُّصات وانتقالات وسيّالات خفيّة تمتدُّ إليها وتصرفها على ما شاءت .
والمؤلّف وُفّق في إدارة قصَّته داخل هذه الحدود في أكثر مراحلها . ولو استقامت لها هذه الحبكة واطَّردت في سائرها أيضاً لأتَتْ بدعاً أيَّ بدْع بل البدع كلّه .
ولكنّها مع ذلك لم تُخطئ منزلتها بين قلّة من القصص النادرة الماتعة بل لم تُخطئ الصفات التي أضفاها عليها الأستاذ حليم دمُّوس في مقدّمته وإنْ خُيِّلَ أنّها مبالغة تقريظ ومغالاة استهواء …
الشيخ عبد الله العلايلي
بيروت ، في 17 تشرين الثاني 1947
كتاب فذّ في نوعه وأسلوبه
مذكّرات دينار كتاب فذّ في نوعه وأسلوبه رأي “بنت بطّوطة” بكتاب “مذكّرات دينار” بقلم الأديبة المصريّة “بنت بطّوطة” |
حضرة المحترم الأستاذ حليم دمّوس
بصفتي مصريّة أُهديك تحيَّاتي وتحيَّات مصر ، القُطْر الشقيق ، تسلَّمتُ بواسطة مطبعة “حلبي” بدمنهور ، التي أَطبعُ فيها مؤَلّفاتي ، خطابك مع كتاب “مذكّرات دينار ” للدكتور داهش بك .
….إنَّ مؤلَّفاتي بالنسبة لمؤلّفات الدكتور داهش ومعلوماتك التاريخيّة والثقافيّة ، التي لمستُها من خلال كلماتك ، لا تُعَدُّ شيئاً ، ذلك لأنّي ، في الواقع، مجرَّدُ مؤرِّخةٍ بسيطة استطاعَتْ أن تُنتج قَدْراً يسيراً من الكُتُب التاريخيّة .
قرأتُ كتابَ الدكتور داهش بك فوجدتُه فذّاً في نوعه وأسلوبه ، بما حواه من نقدٍ لاذعٍ بريء لما يحدث في تلك الحياة الصاخبة . وممّا يُدْهشني ويُدْهش كُلَّ قارئ أنّ المؤلِّف استطاع ، بمقدرةٍ لا تُبارى ، وبطريقةٍ فريدة أن يُصوِّر للإنسان ما يرتكبُه من حوادث ، وما يقترفه من جرائم بشتّى الدوافع . وقد لمستُ براعته الفائقة وهو يُحلِّق بخياله إلى أبعد مدى ، فيقصُّ للقرّاء ذلك الحوار العجيب الذي يدور بين (جماعة الحمير)، وقد سخروا من بني الإنسان ، فجعلوه في الدَرَك الأَسفل من الانحطاط ، وآثروا أن يظلُّوا حميراً أوفياء …
ورأيي أنَّ طريقة الدكتور داهش بك فريدةٌ لم يَسْبُقْه إليها أحدٌ غيرُ الكاتب اليونانيّ القديم (إِيزوب) .
لذا أتمنَّى أن أقرأَ له شيئاً من مؤلَّفاته الأخرى .
وختاماً أتمنَّى لك كلَّ توفيق في عملك مع شكري .
بنت بطّوطة
مطبعة حلبي – دمنهور – مصر
18/12/1947
أُسلوبه يحاكي أُسلوب
أُسلوبه يحاكي أُسلوب جبران خليل جبران مجلَّة الدنيا الدمشقيَّة |
قالت مجلَّة “الدنيا” الدمشقيَّة في العدد 68 من سنتها الثالثة (ص19) ما يلي : مذكّرات دينار تأليف الدكتور داهش – 320 صفحة – طبع بيروت
|
لم يعد في العالم العربيّ من يجهل الدكتور داهش صاحب (المذهب الداهشيّ) المعروف . ونحن بصرف النظر عن مذهبه هذا والضجَّة الكبيرة التي أُثيرت حوله ، نعتقد أنَّ الدكتور داهش أديب مُلهَم ، له آثاره الرائعة في عالم الأدب وله أسلوبه الأخّاد في دنيا الكتابة .
وأمامنا الآن كتابه “مذكّرات دينار” الذي وضعه في أسبوع واحد – كما يقول الأستاذ حليم دمّوس في المقدّمة – وبه يصبُّ جام غضبه على المجتمع وعلى كثيرٍ من مفاسده وأخلاق بنيه .
والحقّ أنه كان موفّقاً في كثيرٍ ممّا كتب .
وأسلوب الكتاب يُحاكي كثيراً أسلوب جبران خليل جبران من حيث القوّة والخيال وطريقة الكتابة .
صورةٌ صادقةٌ جليَّة للنفس البشريَّة
مذكِّرات دينار صورةٌ صادقةٌ جليَّة للنفس البشريَّة بقلم الأستاذ رياض طه نقيب الصحافة اللبنانيَّة حاليّاً |
نُشرت في الصفحة (90) من مجلَّة “العروبة” العدد العاشر من عام 1947 كلمة للأديب رياض طه في كتاب”مذكِّرات دينار” وهذه هي :
مذكّرات دينار للدكتور داهش |
هو كتابٌ ضخم مزيَّن بالرسوم ومطبوع على ورق أبيض من تأليف الدكتور داهش .
يتناول المؤلّف في كتابه هذا عيوب البشر وشهواتهم الدنيئة وتكالبهم على المادَّة القذرة ، بطريقة عذبة لا تكلُّف فيها ولا صنعة ، فيُثير شعور القارئ بما يعرضه من صُور لمآسي الحياة ومهازلها ، ويأسره بجمال أُسلوبه وبساطته المحبَّبة .
والحقّ يُقال إنّ في هذا الكتاب لَعِبَراً بيِّنة للناس وصورةً صادقة جليَّة للنفس البشريَّة .
رياض طه
1947
حسنُ خيال ودقَّة وصف وسعَة إطّلاع
مذكِّرات دينار حسنُ خيال ودقَّة وصف وسعَة إطّلاع ورشاقة في الأسلوب القصصيّ بقلم الأستاذ أنيس المقدسي |
حضرة الأستاذ الفاضل السيّد حليم دمّوس المحترم
شكراً على تقدمتك لي كتاب “مذكّرات دينار” وعلى طلبك مني أن أُبدي رأيي فيه .
وقد طالعتُ هذه المذكّرات فأعجبتني رشاقة أُسلوبها القصصي وما ترمي إليه من إصلاحٍ اجتماعيّ .
ووجدتُ في كثيرٍ من فصولها ما يُذكر من حسن خيال ودقّة وسعة إطّلاع .
على أني آخذُ عليها ما يشوبُها أحياناً من غُلوٍّ في الوصف وما يسودها من تشاؤم لا يرى في المجتمع غير الظلام والفساد .
وختاماً أُكرّر شكري وأرجو المعذرة على تأخّري . ودمت للمخلص
أنيس المقدسي
(مدير الآداب العربيّة في جامعة بيروت الأميركيّة)
رأس بيروت ، 12 كانون الثاني 1948
دينارٌ فيلسوف يدعو إلى حياة أسمى وأفضل
دينارٌ فيلسوف يدعو إلى حياة أسمى وأفضل بقلم أبو الخير نجيب |
قالت جريدة “النداء” بقلم رئيس تحريرها الأستاذ أبو الخير نجيب في عددها 39 بتاريخ 24 شباط 1948 : مذكّرات دينار
|
هذا كتابٌ من تأليف الدكتور داهش .
ومن ذا الذي لم يسمع باسم الدكتور داهش …. الذي أحدث في لبنان منذ أعوام ديناً ، وأثار ضجّة لا يزال لها حتى اليوم دويّ وصدى …
وقد نشر هذا الكتاب الشاعر اللبناني حليم دمّوس ، صفيّ الدكتور داهش وصاحبُه وحامل رسالته .
والكتاب – كما يدلّ عليه عنوانه – حديث دينار ! يقصُّ قصّته منذ كان قطعة معدن في جوف الأرض حتى خرج إلى طهرها فعمَلَتْ فيه النار والمطارق في (دار السبك) حتى صار ما صار ، وتداولته الأيدي !
ولكنّه (دينار) فيلسوف ، له حسٌّ ووعي وقوَّة حُكْم ، فهو يصف حياته بين الناس الذين تداولته أيديهم ، وتنقّلوا به في البلاد بين مشارقها ومغاربها … ناقداً ، ساخطاً ، إنسانيّ النزعة ، إصلاحيّ الفكر ، يريد أن يرتقي بالجماعة البشريَّة إلى مرحلة أسمى وأعلى وأرفع ….
وهو فيما يصف من صور الناس وينتقد من أحوالهم لا يقتصر على بلد دون بلد ، ولا جماعة دون جماعة ، ففيه حديث عن مصر ، وعن الشام ، وعن الهند ، وعن مشاهير الرجال ، وعن المعارك الحربيّة بين الحلفاء والألمان في شتّى الميادين ….
دينار (فيلسوف)…. لأنّ مؤلّفه …. يدعو المؤمنين به إلى حياة أسمى وأفضل .
أبو الخير نجيب
رئيس تحرير جريدة “النداء” المصريّة
أعظمُ كتاب ظهر منذ سنوات
أعظمُ كتاب ظهر منذ سنوات بقلم حسن إبراهيم |
أخي الفاضل الأستاذ حليم دمّوس
أهديك خالص تحيتي وسلامي .
وبعد فقد وصل خطابكم وكتاب “مذكّرات دينار” وأنا مسافر بالأقصر وأسوان في إجازة ، وعلى ذلك يصل إليكم ردّي متأخّراً .
وقد استجبتُ لما في الكتاب من تحليل واسع وتنقيب عميق حول القيم الإنسانيّة ، ورأيتُ في كلّ فصوله رمزيّةً عظيمة .
ولولا إخراجُ الكتاب الضئيل لقلت إنَّه أعظم كتاب ظهر منذ سنوات .
ورأيي أنَّ الإخراج الفنيّ لهُ قيمتهُ في استقبال النفس لما فيه من تأثيرات قويّة نظراً لما في الكتاب من غزارة فكريَّة ، فأنا قد رأيت :
أوّلاً – رسم غلاف للكتاب على أن يوضع اسم الكتاب والمؤلّف في المكان الذي عيَّنته تماماً وهو بالأبيض والأسود ولون واحد أصفر يكفل سهولة تنفيذه في الزنكوغراف وسهولة الطبع دون أن تتقاتل الألوان .
ثانياً – رسم صور رمزيّة SYMBLIC في بداية كل فصل مع عمل ميزانيّة إِخراج الصفحة ، وهذه أهم ناحية في الاتجاه الحديث في الإخراج الفنّي للكتب ، وهي مسألة معدومة للأسف في الكتاب .
ثالثاً – صوَر واقعيّة REALISM كما في صورة هيكل بك .
وأرى أنَّ الكتاب يحتاج إلى حوالي 30 صورة . ويمكن إنهاؤها في شهر وإِرسالها إِليكم على مرَّتين .
رابعاً – ما هو عدد الألوان التي تطلبونها ، لأنّ هذه مسألة جوهريّة بالنسبة للناشر من ناحية التكاليف ومن ناحية تصميم الموضوع حتى يكون قابلاً للتنفيذ .
خامساً – ما هو حجم صفحات الكتاب بالضبط حتى أختار تكبير الصوَر حسب نوع الصوَر نفسها ؟
وأخيراً ، هذا الغلاف يكلِّفكم خمسة جنيهات فقط ، أرجو إِرسالها مع الردّ على عنواني أو ردّ الصورة بالتالي . وإلى اللقاء .
وحتى يصل إليكم بسرعة أرجو أن يصلني الردّ متضمِّناً الآتي :
- إذا كان لديكم كتاب جديد وأردتم فعلاً أن أتعاون معكم :
إِرسال أصول الكتاب وأنتم تعرفون عملي الآن .
وقد أرسلتُ في خطابي هذا التكاليف أيضاً . وعلى ذلك يمكن بسهولة – إن أردتم – أن نتعاون دون تضييع الوقت في المكاتبات حتى تستطيعوا أن تتمّوا رسالتكم دون أدنى إبطاء .
وأخيراً – تهانئي على تلك النظرات الحقيقية التي تضمَّنها كتابكم “مذكّرات دينار”.
ويقيني أنّ الكتاب الجديد لو تضمَّن صورة للدكتور داهش مرسومة واضحة لقضيتم حاجة يودُّ المعجبون به أن تتمّ .
ولكم احترام المخلص .
القاهرة ، 25 شباط (فبراير)1948 حسن فؤاد إبراهيم
داهش قصَّاصٌ وخطيب ومؤَرِّخ ومُحاضر
داهش في (مذكّرات دينار) قصَّاصٌ وخطيب ومؤَرِّخ ومُحاضر بقلم جعفر الخليلي
تحت هذا العنوان نشرت جريدة “الهاتف” النجفيَّة في العدد 483 الصادر بتاريخ 27 شباط 1948 كلمةً لصاحبها الصحافي العراقي الأستاذ جعفر الخليلي . وهذه هي : مذكّرات دينار
|
هي مذكّرات دينار بالمجاز .
أمَّا الحقيقة فهي طواف حول الدنيا وعرضٌ شامل لما يجري فيها من أنظمة فاسدة فرضها التَرف والجدَّة وسوء التربية ، وحكمٌ جائر أمضاهُ الاستعمار والاستعباد .
هي قصَّةٌ ألَّفها الدكتور داهش على لسان دينار ، وبعث بمسودة هذا المؤلَّف إلى السيّدة ماري حدَّاد فقامت بطبعه .
وقد قدَّم لهُ الشاعر الكبير حليم دمّوس تقدمة أوجز فيها رأيهُ في الكتاب وأتى على وصف كيفيَّة هذا التأليف التي شهدها بنفسه والتي لم تتجاوز مدَّتها سبعة أيام .
والقصَّة مرويَّة على لسان (دينار) منذ أن كان قطعةً ذهبيَّة خليطةً بالتراب وفي أعماق معدنه ، إلى خروجه وصهْره وسَبْكه وانتقالِه من جيب إلى آخر .
وتمرُّ بهذا (الدينار) ظروفٌ توقفهُ على ألوان من الحياة المستهترة ، ثم ينتقل كتذكارٍ في جيب ضابط من خطيبته إلى ساحة الحرب .
ويشهد هذا الدينار صفحةً من الحرب العظمة الأولى ويسمع محاورات البعض حولها ، والغاية منها ومن غيرها من الحروب ، حتى إِذا انتهت الحرب ، إِذا بتلك النداءَات التي وُجِّهَت لسكَّان الأرض بمحاربة الطغيان والقضاء على الظلم والعدوان لم يبقَ لها أثرٌ في الوجود … فالدول التي كانت تهيب بالناس إلى القيام في وجه الظلم والاستعباد لم يكن في الحقيقة غيرها من ظالم ومستبدّ .
وتُطَوِّح الصدَف بالدينار إلى الهند ، ويستعرض هنالك حال الهند في صفحة من حياة المهاتما غاندي وجهاده ، ثمّ ينتقل إلى مصر ، وفي مصر يعرض لقضيّتها الأخيرة في موقف زعيمها (سعد زغلول) ، وقضيّة مقتل السردار ستاك، ويصف أُسلوب السياسة الإنجليزية واستعمارها للشعوب وكيفيَّة تحكُّمها بهم . ثم ينتقل من هناك (وقد صار خاتماً) إلى أميركا ، ويضيق بالحياة الأميركيّة الماديّة . وبصورة من الصور الفنيَّة يسقط هذا الخاتم الذهبي في البحر ، ويصل إلى اليابان من طريق الحيتان ، ويطوف هنالك بالصين وروسيَّا وإيران والعراق ، ويتصدَّى هنا إلى المغفور له جلالة الملك فيصل الأوّل فيطري مجهوده ومسعاهُ في نهضة العراق .
وهكذا يجوب جميع بلاد العالم ثم يتحوّل إلى عملة ذهبيّة إفرنسيَّة .
وتقوم الحرب العالميّة الثانية بنفس الأسلوب الذي قامت بهِ الحرب الأولى ونفس النعرة ، ثم تضع أوزارها عن أربعين مليون قتيلاً . وإذا بالناس هم الناس ، وإذا بالدول التي كانت تهيب بالعالم أن ينهض في وجه الظلم والاستعباد لم يكن هنالك غيرها من ظالم ولم يكن غيرها من مستعبد .
هذه خلاصة (مذكّرات دينار).
أمّا غايته فقد لخّصها المؤلّف في ملاحظته التي كتبها إلى السيّدة ماري حدّاد حين قال :” وقد بعثتُ به كي تتصفّحيه فيتأكَّد لكِ من خلال سطوره أنني أحمل فكرةً سوداء عن البشريّة التي لا تهتمّ إلاّ بلذاذاتها الفانية ، وماديّاتها الجانيَة . أما المبادئ السامية والتعاليم العلويّة فإنها تدوس عليها بأقدامها ، وهي تضحك منها وتهزأ مثلما تضحك الأبالسة في عوالم جحيمها “.
أمّا من حيث الفكرة واللغة والأسلوب بالإضافة إلى سرعة التأليف فشيء يستدعي الإعجاب بكلّ معناه ….
والكتاب من الوجهة الفنيَّة منسجمٌ في عرض الحوادث ، إذ كان المؤَلِّف في كثير من المواقف يجعل من الدينار قاصّاً وخطيباً ومؤَرِّخاً ومحاضراً . إنّه تُحفةٌ من التُحف الاجتماعيّة والأدبيَّة ؛ أفكارٌ صحيحة ومبادئ سامية ، ودعوةُ حقٍّ ترمي إلى التهذيب والمحبَّة والعمل .
وهو يقع في نحو 300 صفحة ، مطبوع طبعاً متقناً في بيروت .
وقد شرع الشاعر البليغ الأستاذ حليم دمّوس بنظم الكتاب شعراً ، فشكرنا لحضرته وللسيّدة ماري حدّاد التي أخرجت هذا الكتاب المفيد .
جعفر الخليلي
أغرب ما أخرجته المطابع ، بل أروعه
مذكّرات دينار أغرب ما أخرجته المطابع ، بل أروعه بل أعجزه ، بل أصحّه بقلم إدمون حمصي |
بين يديَّ الآن أغرب كتاب أخرجته المطابع حديثاً ، بل أروعه ، بل أنفسه ، بل أعجبه ، بل أعجزه ، بل أشدّ المؤلّفات شذوذاً ، لا بل أَصحّها على الإطلاق .
هو كتاب وليس كالكُتُب ، وكاتبه ليس كالكُتَّاب .
إنَّه عاصفة هوجاء هبطَتْ من أعلى عليين فاجتاحت في طريقها الجميع ، وجرفت المُسِنَّ والطفل والرضيع .
إنّ كتاب “مذكّرات دينار” الغريب بقلم مؤلّفه الدكتور داهش العجيب هو نسيجٌ قائم بذاته ، بل عوالم تغصّ بما تزخر فيه حياتنا الدنيا من شرٍّ فادح ، وإثم طافح ، ولؤم لافح .
ومن كان بوسعه ، يا ليت شعري ، غير الدكتور داهش أن يجد لديه الجرأة لطرق المواضيع الحسّاسة الخطيرة التي طرقها ، ثمّ حلَّلها تحليل الخبير الماهر ، بعد أن وضعها على مشرحته الداهشيّة ، وفكّك ذرّاتها الدقيقة ، ثمّ عرضها على الرأي العام بعجرها وبجرها ، فإذا بها تبدو على حقيقتها .
هذه هي حقيقة الحياة التي لم يجرؤ أيّ كاتب قديم أو عصريّ أن يعرضها للناس كما هي ، حتى قيضَت لنا الأقدار (داهشاً) الذي مزَّق تلك الأقنعة الوهميّة، وانتزع تلك الأغلفة الخياليّة التي كانت تنمّق وقائع الحياة الكامنة وراءَها، وسرعان ما تبدَّدت أيدي سبأ . وإذا بحقائق الحياة مخيفة مفزعة ، بل محزنة مُبكية .
إنّ الدكتور داهش حمل حملة شعواء مزلزلة بكتابه الرائع على الهيئة الاجتماعيّة بأسرها ، ففكَّك أوصالها ، فهو لا يؤمن بالقضاء النزيه ، بل يتّهمه اتّهاماً معيباً شائناً . ويقول عن القضاة إنهم قطيع من العبيد الأذلاّء الخاضعين الخانعين لأسيادهم من أصحاب السلطان وحملة الصولجان ، فما يوعزون به إليهم يأتمرون به طائعين صاغرين وعلى أمرهم مكرهين . وهكذا يُبرَّأ المجرم ويُجرِّم البريء !
وينتقل إلى كبار رجال الدين فيعرض للأنظار الفضوليَّة مباذلهم ، ويدلّل على أقواله بالبراهين الطريفة المقنعة ، ولا ينفكُّ من هتيكتهم حتى يدعهم يجودون بالروح أمامه فيشفي رغبات روحه بشفاء نزاعهم .
ثم يهاجم كبار رجال الدولة وأصحاب السلطان ، فيصطرع معهم وهو الفرد وهم كُثُر . هو أعزل إلاّ من قلمه الجبّار بل القهَّار بل البتَّار ، وهم أصحابُ البنادق والبيارق والفيالق ، وتحت أمرتهم رجال الشرطة الخفيَّة والظاهرة، يقولون لهذا اذهب فيذهب ، ولذاك قف فيقف صاغراً .
يحلُّون ما يريدون ، ويحلِّلون ما به يرغبون ، شاء المستنكرون أم رفضوا ، ورغماً عن سلطتهم وسيطرتهم ، فإِننا نجد (داهشاً) الفرد الأعزل لا يتهيّبهم ، لا بل ويدأب على محاربتهم حتى يطحنهم ثم ينثني فيعصف بهم .
وهكذا يرى متتبّع فصول هذا الكتاب القيّم أنّّ المؤلّف ينتقل لمحاربة الرذائل في جميع الهيئات الاجتماعيّة وهو يُطيح بحدّ مهنّده المشهَّر بيمينه آلاف الرؤوس فيجندلها أمام قدميه دون وجلٍ أو خجل .
ولكي أُشرك معي القارئ بلذَّة ما طالعت وأُمتِّعُهُ ببعض ما أخذ عليّ لبّي وحاز إِعجابي وحبّي، ولكي أنتزع إعجابَهُ برغبته ورضاهُ ، أعرضُ عليه فصلاً من فصول هذا المؤلّف الثمين ، وهو يتعلَّق بفتاة فقيرة أرغمَهَا نذلٌ منحطُّ الأخلاق على أن تهبَهُ أثمن ما تحتفظ بهِ العذراء لقاءَ دينار ذهبيّ كي تنقذ بواسطته شقيقها المريض المحتضر . فنزلت على رغبة المجرم الوحشيّ إِكراماً لشقيقها ، ثم ما لبثت أن انتحرت وتركت رسالةً مؤثّرةً تصفُ حقيقة الحياة الواقعيّة .
وهذا الفصل أطلق عليه (داهش) اسم :
صوت من وراء الغيب يتكلّم
ونشر النائب العام رسالة المنتحرة ، فإذا فيها ما يلي :
إلى الهيئة التشريعيّة المكلَّفة بوضع القوانين وسنّها للهيئة الاجتماعيّة ،
وإلى المكلفين بالسهر على تنفيذ هذه القوانين التي يزعمون أنها مقدّسة لأنها تساوي بين الرئيس والمرؤوس ، بين الغني والفقير ، وبين الظالم والمظلوم ، فيسير الجميع تحت لوائها العادل .
يا رجال التشريع ، وجهابذة القانون ، وفطاحل القائلين بوجوب خلق عالم تسود فيه العدالة الشاملة ، والضلعاء في وضع دساتير المساواة والحرية والإِخاء .
إنّ شرائعكم أيها السادة هي إِحدى مهازل هذه الدنيا ، ومسخرة من مساخرها . وإن اجتهاداتكم التي تولونها غاية عنايتكم لهي باطلة وقبَض الريح ، فالقوانين ليست إذا طبّقها أولياء الأمر على الضعفاء دون الأقوياء ، والفقراء دون الأغنياء .
فالحرّة يا سادة ترغمونها إرغاماً وتُكرهونها إكراهاً على الأكل من ثديَيْها ، ثم تطلبون محاكتمها .
وسارق الرغيف ليسدّ له جوعه تُلقونه في غياهب السجون بعدما تُشبعونه من إهاناتكم الكثيرة وسخرياتكم المريرة . أما سارق الألوف فإنكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم ، ثم تطلقون سراحه .
والغنيّة الداعرة المتظاهرة بالشرف تحيطونها بهالة من الإعجاب لقاء قضاء لباناتكم الخسيسة . أمّا الفقيرة الشريفة النفس الأبيّة الممتنعة فإنكم تطلقون ألسنتكم القذرة ناهشين عرضها المحصّن ، محتقرين عفّتها البعيدة عن متناول رغباتكم المدنَّسة .
إِنّ سيّدكم أيُّها العبيد الأرقّاء هو من يبزّكم بأساليب الدسّ والوقيعة .
وأشدّكم في ارتكاب الجرائم هو السائد على أمركم والمسيطر على شؤونكم ، والعامل سيفه في رقابكم .
إِنّ دساتيركم تقدّس القويّ الذي ينتزع اللقمة من فم الضعيف ، وتمجّد الغني الذي يطأ رقاب الفقراء ويسخّرهم لإرادته كما إنّها تعجز عن وضع المجرمين أمثال الصيدلي النذل في قفص الاتهام . فهي لا تطاله بل تترك له حبله على غاربه فيعيد تمثيل جرائمه المخيفة ثانية .
أنا لا أُنكر بأنكم ملأتم المجلّدات الضخمة بقوانينكم ، واشترعتم البنود المنمّقة العبارات ، ورصفتم بها سجلاّت طافحة بنظريّاتكم الجميلة التي لو نفّذتم بعضها بإِخلاص لاستحالت الأرض إلى السماء .
ولكن لا يسعني أيضاً إلاّ الاعتراف بالواقع الملموس ، وهو أنّ هذه القوانين مكثت وستمكث حبراً على ورق حتى الأبد .
هذه هي قوانينكم يا سادة !… فهل يسعكم الإِنكار ؟
وعندما عزَّت عليّ العدالة في أرضكم الفاسدة نشدتُها في الموت ، لأني سأجدها بانتظاري هناك … عند الله .
* * *
هذا نموذج من هذا الكتاب النفيس .
وهكذا بقيّة فصوله البالغة 114 فصلاً بصفحاتها 320 . ومن يبدأ بمطالعته لا يسعهُ إلاّ الاستمرار بالتهامه حتى يأتي عليه بأكمله وهو مأخوذ بروعة ما تحتويه من حقائق الحياة التي لم يصفها لنا أيّ كاتب أديب بهذه الصراحة التامّة مثلما فعل الدكتور داهش .
وقد مهّد المؤلّف لكتابه بهذه المقدمة الوجيزة البليغة ، فقال :
هذا المجتمع
اعتاد الكتَّاب والأُدباء الشّرقيّون عندما يريدون انتقاد نقيصة من نقائص المجتمع أن يُبطّنوا تلك النقيصة ببارع العبارات المزخرفة بصناعة التلاعب بالألفاظ يصوغونها في قوالب لغويَّة بعد أن يُشذّبوها ويهذِّبونها ويتفنّنوا في سبكها بمهارة .
وقصدهم من هذا التأنّق اللفظي أن يخفوا وراءَه مآسي هذه الحياة القاسية ويخفّفوا من وقعها البشع في النفوس بتبطينهم المأساة الاجتماعيّة المفجعة بذلك السبك اللفظي المحكم الأناقة .
إنّ هؤلاء الأدباء الألبّاء بالرغم من حسن نيتهم ونبل مقصدهم ، وبالرغم من لفتهم أنظار المجتمع وتحذيرهم إياه من الاندفاع في خضمّ رذائله ، وبالرغم من محاولتهم توجيههُ الوجهة الصحيحة فإِنّهم أساؤوا إليه من حين لا يدرون ، وذلك بعدم عرضهم لمساوئ مجتمعهم مثلما هي والدخول إلى البيوت من أبوابها .
فالحقيقة أتت عارية ، وهي لا تلتحف بالخفاء .
إنَّ تفنّنهم في التأنّق اللفظيّ وعدم إبرازهم النقائص المطروحة على مشرحة انتقادهم ووضعها تحت مبضع أقلامهم وقنابل نقدهم كي يفكّكوا ذرّاتها ذرّةً ذرّة قد أضاع عليهم الغاية التي يهدفون إليها ويريدون إيصالها إلى آذان المجتمع الذي تفتك به جراثيم هذه النقائص الخطيرة فتكاُ ذريعاً .
نعم ، إنّها حقيقة يا سادة ولا غبار على صحّتها .
فإذا كان السَّواد الأعظم من الكتَّاب لا يريدون إظهار حقائق الحياة والخوض في خضمّها المترامي الداجي الظلمات رحمة بالبقيّة الباقية على ما اصطلح وتعارف عليه الناس من قواعد الفضيلة ، فإنني رأيتُ أن أشذّ عن هذا الاصطلاح وأخرج من دائرة هذا التعارف .
فالحقيقة هي بنت البحث مهما كابر المكابرون ، ومهما عَلَتْ صيحات من للفضيلة يدَّعون .
ويشفع بي حسن نيّتي وما أتوخّاهُ من تقويم اعوجاجاتنا الأخلاقيّة . هذا إذا قُدِّر لهذه الاعوجاجات أن تتقوَّم .
ورغم تأكّدي أنَّ هذا الحلم الذهبيّ بعيد المنال فإِنني دوَّنتُ آرائي بإِخلاص، وعرضتُها على الأنظار دون أن ألحفها بالأستار .
وبعد فهذا هو جهدي أقدِّمُهُ لهذا المجتمع ، وتلك هي صورهُ الجشعة البشعة .
فإِن صادف كتابي هذا هوىً في نفوس القرّاء فإنني أكون قد توفَّقت لما صبوتُ إليه .
وإِن لم يصادف هوىً في نفوسهم فإنّ هذا لا يضيرني في شيء ولا يغيّر من حقيقة الواقع الصادعة .
فحسبي أنني أرضيتُهُ تعالى مثلما أرضيتُ ضميري . وهذا غاية مبتغاي .
الدكتور داهش
وبعد فهذا الكتاب تجتمع فيه أجيال ، بل أجيال يحتويها هذا الكتاب بجميع ما يزخر فيه من أفراح وأتراح ، وصدقٍ وكذب ، وفضيلة ورذيلة ، وحبّ وبغض ، وذلّ وهوان ، وسيطرة وعنفوان ، وخوف طاغ ، ومن ثمَّ أمان .
وبهذا المؤلَّف زُوِّدت المكتبة العربيّة بكتاب ثمين كانت بأشدّ الحاجة إليه تضمّهُ بين رفوفها بفخر وإِعجاب ، وتحنو عليه حنوّ المرضعة على الفطيم .
بقي الآن أن نُطالع نقد الأدباء ومهاجمتهم (داهشاً) دون رحمة أو لين لأنهم يظنُّون أنهم هم الأدباء الألبّاء ، والمفكّرون الأذكياء ، فكيف يرضون أن يهشِّمهم شابٌّ لم يجلس على مقاعد المدارس ، ولم يتثقَّف في الكليّات ، ولم تطأ قدماهُ عتبة الجامعات ، وهم هم أصحاب (الرؤوس).
وأظن أنّ (داهشاً) لن يُعيرهم التفاتةً بل سيوكّل بهم الشاعر المعروف الأستاذ حليم دمّوس ، وإذ ذاك سنرى على مَنْ ستدور الدوائر .
إدمون حمصي
مجلّة العرفان – الجزء 4- المجلّد 34
شباط 1948
كتاب فلسفيّ عميق ذو طابع عالميّ
كتاب فلسفيّ عميق ذو طابع عالميّ بقلم سمير رافع |
حضرة الفنّان الشاعر الأستاذ حليم دمُّوس .
تحيَّة واحتراماً .
وبعد …. لقد انتهيتُ منذ وقتٍ طويل من قراءَة كتابكم العظيم “مذكّرات دينار” للدكتور داهش .
وما أخَّرني عن الاتّصال بكم هذه المرَّة إِلاَّ عدم تسلُّمي إلى الآن (علم وصول) خطابي السابق الذي أرسلته إليكم في أواخر ديسمبر 1947 مسجِّلاً بالطائرة .
في ذاك الخطاب أرسلتُ كل ما طلبتموهُ من معلومات عني وبعض الصور الفوتوغرافيّة لبعض أعمالي مع التفاصيل الخاصة بها . وقد أجّلت ما يخصّ الكتاب إلى حين قراءَتي لهُ قراءَة وافية .
الكتاب كما قلت : فلسفيّ عميق يمتاز بالطابع العالميّ والسهولة في التوجيه المرتّب الرزين .
لقد شعرت أنَّ هذا الكتاب جزءٌ منّي ! …. لأنّ ما أوحتهُ إليّ سطورهُ الخصبة من صوَر هو أغنى ما يمكن أن يوحيه كتابٌ إليّ نظراً لما فيه من خيال مركّب متعدّد الألوان ، مبنيّ على فلسفة واقعيّة عميقة . الفلسفة والاتجاه الأدبيّ – كما أعتقد – من أهمّ دعائم الفنّ الحديث ومن أهمّ مميّزات هذا الفنّ على الفنّ (الكلاسيكي ) وما قبلَه من فنون .
لقد رأيت أنّ الكتاب يحتاج إلى حوالي خمسين صورة متوسطة الحجم 17×22س . بعض هذه الصور بالرغم من أنّها تسجّل مقاطع معينة في الكتاب إلاّ أنّها يمكن اعتبارها في نفس الوقت صوراً مستقلّة في حدّ ذاتها ، لها معانٍ واضحة وموضوعات جوهريّة عامّة يمكن فهمها من رؤية الصورة على حدة (فهماً فلسفيّاً) بغير الرجوع إلى المقطع المرتبطة به .
والبعض الآخر من الصور لهُ ارتباط شكليّ بحوادث الكتاب . ولا يمكننا فصلهُ عنها كما اعتدنا في الصور التسجيليّة للقصص والموضوعات العامّة في الجرائد والكتب والمجلاّت .
وكما أنّ بعض هذه الصور سيكون فلسفيّاً محضاً فإِنّ بعضها سيهتمّ بالفكاهة إلى حدٍّ ما ليُدخل على القارئ العادي بعض السرور فلا يتسرَّب إليه الملل.
وسأعمل على أن يكون الغلاف بالألوان له صورة رمزية للكتاب في مجموعه.
هذا ويمكن وضع بعض الصور التخطيطيّة البسيطة عند نهاية بعض الأبواب كفاصل طريف بين باب وآخر مساحتهُ ستة سنتمترات مربعة تقريباً وسيكون إرسال الصوَر لكم عن طريق (البريد الجوّي) بمعدَّل ثلاث صور كلّ أسبوع تقريباً ، على أن ترسلوا إليَّ جنيهين مصريَّين مقابل كل صورة نظراً لكثرة الصور التي يحتاج إليها الكتاب بما في ذلك تصميم الغلاف وجهاً وظهراً ، وبعد غضّ النظر عن الصور التخطيطيَّة الصغيرة التي ستوضع بين الفصول .
هذا ولا أكون مبالغاً إذا قلتُ : إنّ الصور سوف يكون لها طابع فنيّ خاصّ بها مخالف لما نشاهده في كثير من الصوَر الأُخرى على صفحات الكتب والمجلاّت والتي أثَّرت عليها الروح التجاريّة والنزعة السهلة في التفكير العاميّ نظراً لشدَّة اتصال الكتاب بتفكيري ونفسي كما لمحََّتُ إلى هذا من قبل .
وختاماً لكم أَخلص الآمال في نجاحكم في الرسالة الفنيّة الأدبيَّة التي نعمل من أجلها جميعاً ، والسلام .
سمير رافع
القاهرة – شارع النزهة – 43 (بالسكاكيني)
4 آذار (مارس) 1948
خيالٌ شيِّق ، ومعرفة بالحقيقة
خيالٌ شيِّق ، ومعرفة بالحقيقة بقلم الشيخ محمّد الحكيم إمام الجامع الكبير في حلب
|
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الأديب الفاضل الأخ السيِّد يوسف الحجّار ،
والأستاذ الشاعر الكبير الأخ السيّد حليم دمّوس حفظهما المولى .
السلام عليكم .
وبعد فإنَّني غادرتُ بيروت صبيحة الليلة التي اجتمعنا فيها ، إلى دمشق وبقيتُ هناك بضعة أيَّام ، ثم قدمتُ حلب . وهنالك فَضَضْتُ غلاف الكتاب “مذكّرات دينار” المُهْدَى إليَّ ولقد قرأتُ منه مقدار ثمانين صفحة .
ولكن اضطُررْتُ أثناء هذا ، لإِعارته لإِلحاح أصدقائي عليّ بقراءَتِه ، ولمّا كنتُ حريصاً جدَّ الحرص على نشر فرائده ، وإذاعة فوائدهِ ، أعرته . ولقد طُلبَ إليَّ كثيراً إعارته إلى عديدين . ونصحتُ البعض بشرائه . واشترى بعضهم ذلك .
هذا وقد تلقَّيْتُ رسالة الأخ الحجَّار ، وفهمتُ محتوياتها ، وشكرتُ لكم عواطفكم الطيّبة . وسوف أقدم بيروت في الفرصة السانحة .
أمّا بخُصوص حكمي على هذا الكتاب فقد علمتم أنَّني لم أُتمَّ قراءَته . ولكن الذي أَستطيع إيجازَه من هذا المقدار اليسير الذي أنهيتُهُ أنّ المؤلّف – واأسفاه عليه – قد عالج أَهمَّ أمراض الحياة الأخلاقيّة من شخصيّة واجتماعيّة وسياسيّة ، ومن شرقيّة وغربيّة ، بصورة واضحة ، وخيال شيّق ، وفهم للأوضاع على حقيقتها ، وتقليبٍ للأمر على عدّة وجوه ؛ مع تتويج تلك البحوث وتأسيسها على مبدإ الحقيقة الأزليّة . فهو مؤمنٌ بالله تماماً ، مؤمن بسموّ الروح ، وقوّة آثارها ، ورفعة فضائلها . كما أنه عارفٌ بقوانين الله التي لا إحصاءَ لها والتي هي أثرٌ من جمال الله وكماله الذي لا يُحَدُّ ولا يُستقصى .
وهنا مهارةٌ وقدرةٌ وإنصافٌ ومعرفة بالحقيقة . إذ إنّه لم يقتصر على الروح فقط ، وإلاّ لكان مجرَّد خيالٍ لا صلةَ له بالحقيقة خصوصاً بواقعنا الراهن .
ولم يقتصر على (المادَّة) ، بل ينعى على الجماعة المادّيين الذي يقتصرون عليها صارفين النظر عن المبدإ الفيّاض بالنعم . ولذا تراهم قد أسفُّوا بأنواع الشهوات من فسقٍ وفجور ، ومن بغي وضلال ، وجور وعدوان حتّى على أبناء جنسهم . وكلٌّ يلبس ثوباً من حرباء يخدع به الجماهير سواء رجال الدين أو المال أو السياسة ، حتّى الخطيبة مع خطيبها .
والخلاصة فإنَّه وفَّى الأمور ، وقتلها خبرةً ، وصوَّر ذلك بتسلسلٍ جميل … فبينما هو في الغرب في أقصاه ، إذا هو في الشرق في الهند . وبينما هو في السّلم إذا هو في الحرب . وبينما هو لدى الملوك والساسة ، إذا هو لدى الرعيَّة . وبينما هو في الشارع لدى المتاجر والمقاصف ، إذا هو في الكنائس والأديرة ….
كلُّ هذا أتى بعبارة سهلة فصيحة ، وألفاظ مشرقة ، وأساليب منسجمة ، مع تشبيهات واستعارات جدّ بليغة .
والمهمّ إنّما هو سموُّ الهدف ، وشَرف الغَرض الذي قصدَهُ من إصلاح الإنسانيّة ، ورفع كيان البشريّة ، وردّها إلى الجادَّة المثلى . وأكثر ما أعجبني منه تصويره (غاندي) ذلك التصوير الفذّ لا من حيث أخلاقه وإنسانيَّته ومنهاجه ، فطالما تكلّم الناس عنها ، وهي الأمر البديهيّ ؛ ولكن تصويره قوَّة (غاندي) وهو ضعيف ، وانتصاره وهو أعزل مسالم ، وتغلُّب مبادئه لدى خصومه وأصدقائه في حين أنها لا تدعو إلى العنف بل تدعو إلى غاية المسالمة والإنسانيّة .
لقد عرف كيف يصوِّر الموقف تصويراً استعان فيه ببعض مبادئ (غاندي) وبما كتبه عن الإنجليز وسواهم . وألّف بين ذلك تأليفاً لعبَ فيه الخيال الأنيق دوراً جعله قطعةً من الحقيقة التي يجهلها الكثيرون …
وأخيراً يا أخي ! …..
إنني أكتب بسرعةٍ عظمى ، والوقت غَيْر متَّسع لي الآن . وإذا سنحت الفرصة فلسوف أكتب إن شاءَ الله .
غير أنّي ، وقد اقتصرتُ على هذا القَدْر ، لا يسعني إلاّ أن أَبثَّكم شوقي وأُهدي سلامي إلى جميع الأصدقاء .
وأسألُ الله أن يُكثر في عالم الأدب والأخلاق أمثالَ هذه الأقلام العلويَّة والأخيلة السامية ، وأن يوفّقنا لخدمة الإنسانيّة ورَفْع منار الوطن المفدَّى .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المخلص
محمّد الحكيم
حلب ،في 6/3/1948
خطرات ونظرات
خطرات ونظرات في كتاب “مذكّرات دينار” بقلم الشاعر حسن فطين الأرمنازي
|
كلاّ لا وَزَر .
فلا سفسطة تُغني ولا هَذَر !
سِفْرٌ يفضحُ في ثنايا سطوره باطلَ القول وزوره .
فإذا بالنفوس عاريةٌ إلاّ من سجاياها .
وإذا بالقلوب آمنةٌ إلاّ من خطاياها .
وإذا بالنقد الصريح يرفع للحقّ ميزانه .
وإذا بالباطل يتأرجح ليهوي بما فيه .
لم يُغْنِ عنه التواءُ الجَدَل ، وادعّاءُ الخير والعمل .
وإذا بالحكم يصدر وإنّما هو الحقّ . وكفى به حكماً !….
* * *
يا لهذا الدينار !
إذ يُسطّر على البشريّة الخزيَ والعار .
وهو لو لم ينظر … لما قال ما قاله .
وهو لو لم يتألّم … لم يشكُ لنا ما ناله .
ولكن …. من الذي استنطقه فأجاب ، واستدعاه فأناب ؟
فأرّخَ لنا بالحسّ الرهيف ، والنقد العنيف ،
تلك الجولة المضطربة في ركاب الحياة ؟
إنّ في أمراضنا الاجتماعيّة ما يدفع بالناقد لأن يقول فيجول .
وأمّا تلك (الجولة) التي تأخذ على الحياة طريقها ، فتنتزع من أحداثها الأسواء لتظهر خزي هذه النفوس المتستّرة المستهترة …
وأمّا تلك (الجولة) التي تكاد أن تأتي على خبايا النفوس فتبرزُ منها ما تجنّ، وتزيل عن سيمائها أصباغ الخديعة ، فلن يُوَفَّق لها إلاّ من سَمَتْ روحه عن الهوى ، وكان في نفسه وحسِّه قدوةً وهدىً !
أيّ نفس لا تحسّ باختلاج الضمائر القلقة ، ورائحة الفضائل المحترقة ، عندما تقرأ (مذكّرات دينار) ؟
ألا ويلٌ لكِ أيّتها الفضيلة إذ الكونُ في حمأة الخنا يدور .
أرأيت الريح العاتي الهوجاء تعالج ذلك الغصن ، ولا همَّ لها إلاّ أن يتحطَّم ! حتى إذا كان لها ما أرادت أشجت السحبَ بعويلها فاستبكتها عليه .
رحمة الله لهؤلاء التعساء . إنّما هم مع قادة الإنسانيَّة ودعاتها …. كهذا الغصن مع الريح الجانية المتباكية …. إنّهم لم يرعوا – في كوارث الإنسانيَّة التي خلقوها والنفوس التي أزهقوها – إلاًّ ولا ذمّة !
بل إنّهم يضنّون عليها بالدمعة أن تُراق ، فيستبكون ولا يبكون ! ويهزأون بالفضيلة … ثمّ يُثيرون لها الناس ويقعدون !… حتى إذا ما أُصيبت مصالحهم بحادث ملأوا الأرض دُعاءً ونداءً :
-يا حُفَّاظَ الفضيلة وأبناءَها !… دونكم مُنتَهِكَ الحقّ ، الخِِبّ الخِِبّ ، فخذوه أخذاً وبيلاً !…
أرأيتَ ذلك الضابط الفارع القامة ، كيف داس الكرامة ؟
وغادَر وقارَه ، مُتحسِّساً أضلاع الشهيد ليسلبه ديناره ؟
وما كان أغناه لو قنع وعفَّ واتَّعظ !
ألا ما لهذا الردى يخترم روح ذلك الجنديّ الذي ملأته عواطف الرحمة ، وهزّته نوازعُ الإِنسانيّة ، فكان لها ضحيّةً وقرباناً . ثم تولّى ، فبات نسياً مَنسِيّاً؟!
ألمثل هذه النفوس الخبيثة النكراء يقضي الجنديُّ زهرة شبابه ، بين الحديد والنار والهول والفَزَع ؟
لله ما أروع التضحية ، وأروع منها ما كانت في سبيل المصلحين !!…
* * *
أَرأيت ذلك القسّ الذي قلَبَ مفاهيم الحياة ، وغيَّرَ قِيَمَ الأخلاق ، فجعل الرذيلة كالفضيلة ، لقليل لذّة ، وزائل متاع ، فوصفها بالخير ، وجمَّعَ لها الأعذار ، وضرب لها الأمثال خداعاً ونُكراً ، ورغَّبَ فيها من صَدَفَ عنها وصدّ ، جاعلاً إيّاها طريقاً لوعظه وإرشاده لينال من المُذنبة الزانية المستغفرة خسيساً من هواه ومبتغاه .
أرأيتَ ذلك الصيدليّ الذي مزَجَ بقطرات الدواء دموع العفاف التي سكبَتْها الفقيرةُ الحسناء ؟
أرأيتَ خداع السياسة في مظاهر اللطف والكياسة ؟
أرأيتَ جبروت المستعمر ، والمدنِيّة الزائفة ، والألفاظ الوارفة ، والأيدي الراعفة ؟
أرأيتَ من ضلَّ وغوى ، فتبع الهوى ، كأنَّ الله ليس يرى ! أرأيتَ ، أرأيت ؟
إنّها (مذكّرات دينار) قصّة الحياة ، بما فيها من خير وشرّ ، ورضى وطماعية ، وغيريّة وذاتيّة ، وقناعة وشرَه .
إنّها (مذكّرات دينار) عِظَةُ الروح للمادَّة ، قد أُفرِغَتْ في قصّةٍ على لسان ذلك المُصلح العظيم الراحل (4) الدكتور داهش !
إنّها (مذكّرات دينار) صوت الإنسانيَّة المعذَّبة في خضمّ هذا الوجود المضطرب المتكالب !
إنّها … صوت الحقّ . وهل بعد الحقّ من مذهبٍ أو مطلب ؟
كلاّ لا وَزَر . فلا سَفْسَطَة ولا هَذَر .. لو كانوا يعقلون !
حسن فطين الأرمنازي
حلب ، في 12 آذار 1948
ملاحظة :
سيكون لهذه الكلمة توابع تتعلَّق بالفلسفة الداهشيَّة ومرادِها ، وما توخَّاه المؤلّف العظيم الراحل الخ … وسأُوافيكم بها تباعاً إنْ شاءَ الله .
رسالة مهاجر
رسالة مهاجر بقلم جوزيف فاخوري في مطلع عام 1948 وردت رسالة بالبريد الجويّ من الأديب المهاجر في البرازيل جوزيف فاخوري إلى الأستاذ حليم دمُّوس ننشرها بحروفها مع جواب الأُستاذ دمُّوس عليها إتماماً للفائدة .
|
أخي الأستاذ دمّوس .
تحيَّة قلبيَّة وضمَّة برازيليّة من أخ مخلص يشتاق إليك كثيراً ويحبّك أكثر ، ولا يريد اسمهُ الآن أن يظهر … ولكن يريد بهذه الرسالة المختصرة أن يصارحك ويفتح لك صدرَهُ لكي لا تَخدع ولا تنخدع …
- ما هذه المعجزة الأدبيَّة ؟
- لقد طالعت الكتاب ، واتّهمتكَ بالمبالغة والتهوُّر ، وكذلك اتَّهمك سواي من الإِخوان الذين قرأوا “الدينار” . ولا أدري كيف ستدافع عن نفسك بعد هذه (المقدّمة) الغريبة التي صدّرت بها (مذكّرات دينار)؟
- أنت حرّ يا أخي حليم في عقيدتك (الداهشيّة) . ولا يحقّ لأحد أن يعارضك في حرّيتك الفكريّة . ولكن … كيف تريد أن نصدّق أنّ كتاباً نفيساً كهذا الكتاب يتمّ بمثل هذه السرعة ، أي بسبعة أيّام ؟
أنا توما …. لا أصدّق ، ولن أصدّق ، إلاّ إذا حضرتُ ووضعتُ إصبعي ليس مرة واحدة بل عشرينَ مرّةً (لأننا نحن اليوم في القرن العشرين ، وتوما عاش في القرن الأول للميلاد…).
وأخيراً قل لي بصراحة – لو جاز لك أن تعمد إلى الاختصار في الطبعة الثانية من “مذكّرات دينار” فأيّ فصل من فصولهِ تستغني عنهُ ليكون الكتابُ كامِلاً في اللغة العربيّة ، بل ليكون كما قلتَ (معجزة أدبيَّة)؟
وعلى كل حال أنتظر جوابك الصريح السريع ، والسلام عليك .
جوزيف فاخوري
سانباولو – البرازيل
30 آذار 1948
نعم ، هو (معجزةٌ أدبيَة) رغم كلِّ مكابر
نعم ، هو (معجزةٌ أدبيَة) رغم كلِّ مكابر ردّ حليم دمّوس على رسالة جوزيف فاخوري لا تُعدَمُ الحسناء ذامّاً – مثلٌ عربيّ
|
أيُّها الأخ الأديب المهاجر ،
أهلاً برسالتك الرقيقة البليغة .
ومرحباً بصراحتك وجرأتك الأدبيّة في عصرٍ قلَّتْ فيه الصراحة ، وعزَّتْ الجرأة ، وضعفتْ الشجاعة الأدبيّة . وها أنا نزولاً عند إرادتك سأردُّ على كلّ فقرةٍ من فقراتِ رسالتك المُخْتَصرة المفيدة .
ولولا طلبك لما أقدمتُ على هذا الردّ لئلاّ تحملهُ على محمل التحامل والنقد . فإليك جوابي وفيهِ الصراحة كلُّ الصراحة .
- نعم هو (معجزة أدبيّة ) رغم كلّ مكابر . وأنا كما قلتُ في مقدِّمتي “شاهد أمين صادق أنقل مشاهداتي بأمانة تامَّة مُعلناً استغرابي الشديد لحدوث هذه المُعْجِزَة الأدبيّة الملهمة “.
- تتَّهمني بالمبالغة والتهوّر لقولي إنّ الدكتور داهش ألّف “مذكّرات دينار” بسبعة أيام …فأنا أتوقَّع هذه التهمة من ضِعافِ الإيمان . ولذلك عذرت القرّاء سلفاً إذ قلتُ في المقدّمة “أنا لا ألومهم إذا اتّهموني ، ولا يسعني أن أعتب عليهم “.
وكان عليك أن تفطن إلى هذا الاستدراك (وهو في آخر الصفحة السادسة من الكتاب ) . وأنتَ لو فطنت لما عذلتني بل كنت عذرتني وذكرتني بالخير لا بالويل والثبور وعظائم الأمور …
3- ليس هو الكتاب الوحيد الذي كتَبهُ الدكتور داهش أمامنا بهذه السرعة الغريبة العجيبة.ولذلك فليس هناك من توهُّم أو تأثير،بل هناك حقائق واقعيَّة محسوسة ملموسة شهدها عشرات بل مئات ، وكلّهم من أهل المعرفة والعلم والطبّ والمحاماة والثقافة والفنّ والأدب .
فمراراً شاهدنا الدكتور داهش يكتب مقالةً طويلة في بضع دقائق ويكون أتباعهِ قد كتب في نفس المدَّة عدَّة أسطر على مكتب آخر بالقرب منهُ .
ومراراً عديدة شاهدناه يكتبُ كرّاساً كاملاً في ساعة بل أقلّ من ساعة .ولو شئت أنتَ أنْ تنقل ما كتبهُ في تلك الساعة لاحتجت إلى عدَّة ساعات لتبييض ما كتبهُ داهش بتلك السرعة الخارقة التي لا تُجارى ولا تُبارى …فهو يكتبُ ويكتب – عند هبوط الوحي عليه – بلا كلل ولا ملل ولا انقطاع ولا توقف . وقلمهُ البتَّار يجري على الأوراق ويجري بتدفق واندفاع حتى إذا انتهى الموضوع توقَّف القلم بغتةً … فترى الدكتور داهش ينظر إليك كمن استيقظ من نشوةٍ روحيَّة ، ووقف متعجباً مما كتبَ وحبَّر ، وترجمَ وعبَّر … وأنشأ بالقلمِ وسطَّر … والقلم وما يسطرون …
هذه حقائق يا أخي الحبيب !… وينبغي أنْ تؤمن بها لأنها واقعيّة كما قلتُ لكَ . ولماذا أغشّك وأخدعك ؟ وهل تريد أنْ نكذّبَ الواقع ونحن أمام أمرٍ واقع ونورٍ ساطع من نجمٍ لامع ؟
وهل تريدُ أنتَ أنْ تكذِّبَ جميع الذين شهدوا هذه الحقائق الراهنة مراراً ، ووقفوا أمام الدكتور داهش وأمام ظاهراته وآياته صامتين خاشعين ومدهوشين مشدوهين ؟!
بل هل تريد أن أقول لإخواني :” كذّبوني وكذّبوا عيونكم التي رأَتْ وأيديكم التي لمستْ وآذانكم التي سمعتْ لأنَّ لنا أخاً مُهاجراً وراء البحار في ربوع البرازيل …. لا يُصدّق ولا يُريد أنْ يصدّق إلاّ إذا رأى مثلكم وسَمِعَ ولمس ؟!”.
4-وأخيراً ، ها قد وصلت الآن إلى فقرتك الرابعة والأخيرة ….وسأجعلها خاتمة الجواب بل فصل الخطاب في هذا الباب ، بعد أن حاولت أن تسدَّ عليّ جميع النوافذ والأبواب …
فقد قلتَ لي :” لو جاز لك أن تعمد إلى الاختصار في الطبعة الثانية من مذكّرات دينار فأيّ فصل من فصولهِ تستغني عنهُ ليكون الكتاب كاملاً في مكتبة اللغة العربيّة بل ليكون كما قلت معجزةً أدبيّة ؟”
فقبل إِجابتك على سؤالك الدقيق أقولُ لكَ : إِنَّ (الكتاب الكامل) لم يصدر حتى الآن لا في مطابع الشرق ولا في مطابع الغرب إِذ لا حدَّ للكمال على هذه الأرض ، ولا نهاية للفنون الرفيعة والمثُل العلويَّة في هذه الحياة القصيرة الأمد .
ولكنّ “مذكّرات دينار” منْ حيثُ هَدفه الاجتماعي السامي أقرب من سواهُ إلى الكمال الإصلاحيّ الذي يرمي إليه الدكتور داهش في دعوتهِ الداهشيّة الجديدة .
ولو أنَّ الناس ساروا على وصايا (الدينار) لعمّ الحبّ والوئام ، وانتشر لواء العدل والسلام بين الأنام ، وعرفوا عندئذ عظمة قول السيّد المسيح (كلكم أخوة) ، وعظمة الحديث النبويّ القائل (الإنسان أخو الإنسان) .
أمّا إذا جاز لي ، أو كان لي ملء الاختيار في أن أعمد إلى الاختصار من الدينار فأول عمل أقوم به وأنا مرتاح الضمير منشرح الصدر هو أن أتناول بيدي مقصّاً حادّاً أو خنجراً مرهف الحدين وأقصّ بل أبتر بل أنزع تلك الملزمة الكريهة الممتدّة من الصفحة 255 إلى 266 ، وفيها العناوين الآتية :
(كركوز فلسطين البهلواني عبد الرحيم الشريف الخليلي . رسم بهلول فلسطين . الخليليّ يُساق إلى جامعة الأمم ليُضحك اعضاءَها . طريقة الهنّ نقلاً عن كتاب الجحيم … رسم الشريف وهو يرقص في جامعة الأمم ….) .
فهذه الفصول كرهتها نفسي ، ونَبَتْ عنها عيني ، ولم يستلطفها ذوقي ، وشقَّ عليّ أن أراها في هذه “المعجزة الأدبيّة” .. فكنت دائماً أتخيّل هذه الفصول كأنّها شوكة الخيانة في وردة الأمانة ، بل لطخة العار والشنار والانكسار في صفحة المجد والفخار والانتصار ….
ولكن لا ، لا يا أخي المهاجر !….
فلن أبتر هذه الملزمة الشوهاء ولن أنتزعها .
ولن أحذف هذه الفصول السوداء ولن أقتطعها .
لندع شوكة الخيانة ولطخة العار ماثلة أمام الأنظار
ليسطع أمامها جمالُ وردة الأمانة ،
ويتجلّى تاجُ المجد والفخار على صفحاتِ الدينار
كأكاليل من الغار ، غار الانتصار .
فقديماً سجَّل التاريخ اسم مَنْ خانَ سيّدهُ وهو (الاسخريوطيّ).
وها إنّ التاريخ يُعيد نفسهُ اليوم .
فليسجَّل إذن في الدينار بأحرف من نار خيانة (الخليليّ) القَذِر ،
مثلما سجّلت الأناجيل خيانة يهوذا (5) الإسخريوطيّ ،
الذي تجسّد بعهدِ داهش
باسم عبد الشيطان الرجيم . لعنه إبليس الزنيم .
نعم يا أخي المهاجر ،
هذا هو رأيي في الكتاب ،
وهذا هو ردّي على الجواب .
وهذه هي الحقيقة التي لا يسري الرياء في روحها .
أجل ، إنّه نفحةٌ داهشيَّة .
….إنّهُ معجزة أدبيَّة !….
حليم دمّوس
بيروت ، نيسان 1948
كتاب يصوّر الرذيلة بثوبها العاري
كتاب يصوّر الرذيلة بثوبها العاري لتبلغ العظة قرار النفوس بقلم الأستاذ سامي الكيّالي منشئ مجلّة “الحديث” |
مذكّرات دينار للدكتور داهش – بيروت مجلّة الحديث عدد آذار 1948
|
مذكّرات في أُسلوب قصصيّ ، أو هي قصَّةٌ قد انتُزعت صُورها من صميم المجتمع ، تشرحُ مآسيه وتُصوِّر مخازيه .
كتبها الدكتور داهش الذي أراد أن يصوِّر انغماس الناس – على مختلف طبقاتهم – بعبادة (المادّة) التي هي أساسُ شرور المجتمع .
فهو يقدِّس (الروحيِّات) ويهزأ (بالماديّات).
وهو إذ يُصوِّر الرذيلة ومخازيها وشرورها يُصوِّرها بثوبها العاري لتبلغ العظة قرار النفوس .
والكتاب في 320 صفحة . وقد قدَّم له الشاعر الأستاذ حليم دمّوس ، فنشكر له هديَّته .
سامي الكيّالي
روح جديد في عالم الأدب
مذكّرات دينار روح جديد في عالم الأدب بقلم جورج أبو سعدى
|
هو صوتُ الحقّ الزاعق في فضاء هذا الوجود المظلم !
خرج من حنجرة روح علويّة حاملاً نغمة اليقظة وأنشودة المعرفة ورسالة الحكمة ….
هو صوتُ الحقيقة الصارخ في داخل كلّ أذن .
صوتٌ لطيف يحبُّ أن يسري متناثراً كقطر الندى في أعماق كل زهرة متفتحة الأكمام ، ويأبى أن يكون خامداً هامداً كرماد الموت ، ضئيلاً كلهثة المنايا .
وهو صوت العاصفة والثورة … قبل السلام .
صوت هدّار تفجّر من صدر شبح جبّار ، وانتثر فوق كل أكمّة وكل قمَّة حاملاً طيّ كل مقطع شرارةً مشتعلةً من بركان صدر الله …. طاوياً ضمن كلّ رنّة معنى لرعشة من رعشات الفكر والحكمة والمعرفة !
ولكن الفكر الإنسانيّ استمرّ بعيداً عن المعرفة التي تقترب منهُ في كلّ لحظة ، وتغلغل بين أشباح العصور المظلمة ورفض ذلك الفكرُ سماعَ صوت الحقيقة الأزليّة الجارف بعاصفته أشلاءَ الوجود المنتنة ، تلك الأشلاء التي أبت في كل حين أن تصغي لصوت الحقّ والكمال الآمر بالمحبّة ، الناهي عن المنكر ….
أمّا المجتمع الإنسانيّ فلم يزل إلى الآن يخضع لمختلف ألوان التقاليد الرثَّة منذ أن قذفَتْ بهِ الأرحام المظلمة إلى أحضان البيئة المشوّهة التي كانت في جميع العصور تقف دائماً ذلك الحاجز بين مختلف الطوائف والعقائد والمذاهب .
فخيّم ليل الجهل وظلمة العبوديّة والاستسلام الغاشم ، وظهر الضعف والتشبُّث بأذيال المعتقدات الباطلة والخرافات الدينيّة التي يضحك منها العقل المنير، وينفر من تكهُّنها وتدجيلها الفكر البعيد .
وُلدَ كتاب “مذكّرات دينار ” عن فكر “الدكتور داهش ” المثقل بالآلام من هذا العالم المتخبّط في دياجير الظلمة ، الغارق بأوحال المادّة إلى ما فوق أُذنيه، الطامسة على عينيه ستائر الانقياد وغبار الخمول . فتسلَّمته أيدي الأنصار بأكفّ الإِيمان والإِعجاب ، وابتسامة الغبطة تُغلّف شفاههم .
أمّا الدكتور فكان يعرف ، إذ ذاك ، هذا العناء الذي تطلَّبته وقاسته روحه الساهرة السائرة في طريق الإصلاح والخلاص .
غير أنّ روحَه الواعية التي أدركت سرّ المعرفة وجوهر الحقيقة ومعنى الكمال ، ما زالت عطشى إلى ذلك المنهل الروحي الصافي الذي ارتوت منه ، ذلك المنهل الذي مرَّت وتمرُّ على جنباته أشباح العالم ولم تلتفت ، بل ظلَّت سائرةً بتيَّار أعمى إلى بواطن الهاوية . فهي تدأبُ أبداً إلى الارتواء من مياه المستنقع النتنة والتمرُّغ في أوحال علله الخبيثة .
أجل . لقد بعث الدكتور داهش بكتابه “مذكّرات دينار” روحاً جديداً في عالم الأدب ، وكشَفَ بعقله الصائب عن أمراض هذا المجتمع ، وأعلن للعقول المتعشّقة للنور واليقظة والحريّة الرجوع إلى ذاتها ، والإصغاء دائماً إلى صوت الله في هيكل كلّ قلب وضمير .
لم يكتفِ بكلّ هذا راضياً بإظهار أمراض الوجود والخطأ الغارق فيه ، بل تحوّل إلى تشريح الشهوة والدناءَة والفجور والطمع والأنانيّة والخبث والرياء والقتل والكذب والنفاق والتدجيل والزنى والشكوك والنميمة والمُنكر ومحبّة المال إرضاءً للأغراض الأرضيّة الفانية ، والمطامع الجسديّة ، تلك المصادفات التي تقع بين الفترة والفترة تحت يد كل كاهن ورئيس دين ، وما أكثر هذه الأشياء في الشرق وما أوفرها في روما وأوروبا وسواهما !
حقّاً إنها لبدعة من بدائع العصور . وأي بدعة كهذه تحمل النور للذي يحبّه ويتعشّقه . فإِنّ صاحبها عالج هذه الأمراض والعلل المتفشِّيَة منذ القدم حتى اليوم ، وعرف كيف يأتي بهذا الكتاب النفيس شاهراً سيف العدل والنور واليقظة والحريّة ، رافعاً حربة النقمة على مثل هذا العالم الخانع الضعيف .
ولكن كم هو بحاجة مجتمعنا اليوم وشبابنا الواعي إلى مثل هذه النبذة التاريخيّة ، والمعجزة الأدبيّة ، ليصهر نفسه بنار الوعي والحقّ والخلاص كي يحظى بالألوهة ، ويلقّن روحه التائقة إلى المعرفة من كنوزها ، فعليه في كلّ فترة أن يروي ظمأ روحه المتعطِّشة إلى الحريّة والجبروت ، من منهل هذا الكتاب الذي يظهر من خلال سطوره ظلُّ الألوهة وشبحُ الروح الكلّي المترفّع عن أغراض المادّة والشهوة والطمع والأنانيّة ، ومنازع هذه الأرض الغارقة عوالمها في دياجير الظلمة والضلال .
جورج حنّا أبو سعدى
جونيه ، في 4 نيسان 1948
شاعر المنابر ومذكّرات دينار
شاعر المنابر ومذكّرات دينار بقلم رشاد دارغوث
|
في حياة المرء لحظاتٌ لا تُنسى . ومنها ، في حياتي المتواضعة ، جلسةُ تعارفي إلى الشاعر حليم دمُّوس .
كان ذلك منذ سنين …. وكان شاعرُنا يُصدرُ مجلَّة “الأقلام”. وكان ينعمُ بلقَبٍ ضَخم أسبغَهُ عليه أميرُ الشعراء فسمَّاه “شاعر المنابر”.
والواقع أنّ حليم دمُّوس ، حينما يفنى الناس ولا يبقى إلاّ نتاجُ الأشخاص وما خلَّفوه من صالح الذِّكر أو خيِّرِ الأدب والعِلْم ، منبرٌ في إلقاءِ الشّعر ، لا يسمو إليه إلاَّ كلُّ ذي صوتٍ جهوريٍّ وصدرٍ عامر .
وكانت جلستُنا للتعارف لحظةً لا تُنسى . فقد جَبَهني شاعر المنابر بقوله :
-كنتُ أتخيَّلكَ ، من خلال ما تكتب وأقرأُ لك ، رجلاً كبيراً …. في السِّنّ بالطبع .
ولم أبرح منذ ذلك الحين أنظر إلى الشاعر نظرتَه إليّ ، وأنا في ذلك العمر، برغم كلِّ شيء .
وأخيراً أَهدى إِليّ “مذكّرات دينار”- هذا الكتاب الضخم في صفحاته الـ(320) . فإذا بمؤَلِّف الكتاب قصَّاص لَبِق وفيلسوفٌ صوفيّ . وإذا هذا الكتابُ الضخم يحتوي على قصَّة الحياة القائمة ، في المجتمعات المتفكِّكة ، على قواعد المادِّة وحدها .
دينارٌ يخرجُ من ظُلُمات التراب إلى ظلام الخزائن ، وظلال الترف ، وموبقات الرذيلة ، ورياض الفضيلة ، فيرى ويسمع ويتحدَّث ، هذا هو باختصار موضوعُ الكتاب .
فما أروعَ الرؤية ، وما أبدعَ السرد ! إِنها مشاهد الحياة في عريها ، وسردُ الفيلسوف في اتّزانه .
ولئن عابَ هذا السرد تشاؤمٌ يطغى عليه ، فإنَّ الروح الشعريَّة والنزعة الفلسفيَّة اللتين تصاحبانه لتشفعان بهذا التشاؤم ، فضلاً عن إشراق الديباجة وما في الأُسلوب من سهولة تُغري بالمطالعة .
رشاد دارغوث
بيروت ، 6/4/1948
دروس في الوطنيّة والتاريخ الوطنيّ
مذكّرات دينار دروس في الوطنيّة والتاريخ الوطنيّ بقلم الدكتور فؤاد مهنّا
|
عزيزي الأستاذ حليم دمُّوس .
أصدق التحيّات .
وبعد ، فقد تسلّمت هديتكم القيّمة “مذكّرات دينار” وتلوتُها مقدِّراً الطريقة المبتكرة التي اتّبعها المؤلّف في عرض الوقائع التاريخيّة الصحيحة وبثّ الأفكار الوطنيّة ، والمبادئ السامية في هذه الصورة الشيّقة الجذّابة .
فبمثل هذه الطريقة يسهلُ على الشباب وجمهور الشعب أن يتلقّى دروساً في الوطنيّة والتاريخ الوطنيّ في أسلوب سهل . وهذه ولا شكّ خدمة كبرى يؤدّيها المؤلّف لأبناء العروبة في هذا الجيل …
وإني إذْ أُقدّم خالص شكري على هذه الهدية القيّمة يسرّني أن أُهدي لكم كتابي في القانون الإداري المصري .
ويؤسفني تأخّر الجواب والإهداء إلى اليوم لأسبابٍ لم تكن متوقَّعة .
وأُكرِّر لكم في الختام أحسن تحيَّاتي .
الدكتور فؤاد مهنّا
أستاذ مساعد القانون العام بكليّة الحقوق
في جامعة فاروق الأوّل – الإسكندرية
الإسكندريّة ، في 8/4/1948
أُوذيسَّة القرن العشرين
أُوذيسَّة القرن العشرين مقدِّمة ماري حدَّاد لكتاب “مذكّرات دينار” مترجمةً عن اللغة الفرنسيَّة
بقلم الأديبة والفنَّانة ماري حدّاد
|
إنّ قسماً من مؤلّفات الدكتور داهش الكثيرة يتذوَّقه لفيفٌ من الفئة المختارة المثقَّفة .
أمَّا كتاب (مذكّرات دينار) فهو لجميع الطبقات .
وبالرغم من ذلك فهو يفوز بإعجاب أرقى الأقلام وأرفعها .
فهذا الكتاب الذي يفهمه الكبير والصغير هو بوقُ العدالة وصوت الحقيقة المقدَّسة ، وكأنّه كُتِب لهذه الأيّام . فهو يردّد أصداء الصرخات التي ترتفع من كلّ مكان ومن مصادر عديدة متنبِّهة ، فيدعو الجميع إلى الإخاء العالميّ ليس تنفيذاً للوصيِّة الإِنجيليّة فحسب ، بلا لاستمرار الحياة على هذه الأرض المهدَّدة بخطر الفناء مثلما تتجلّى هذه الحقيقة من تطوّرات الحوادث العالميّة والاختراعات الذريّة الفتّاكة .
ويبسط المؤلّف أمام أنظارنا مشاهد هذا المجتمع اللاذعة ، كاشفاً أمام أعيننا عن السرطان الذي يتأكّل أنفس الناس ، فنتابع هذه المشاهد وكأننا أمام (فلم) من (الأفلام) الجبّارة . ولكن … مَنْ يشفي البشر من دائهم الدهريّ المزمن وهم يأبون الشفاء منه ؟
إنَّ هناك حقيقة !
وهي أنّ أقلّ نزوة تصدر من إحدى الدول في هذه الساعة ستجرّ الأرض إلى كارثة الفناء . وهذا ما برهنه العلم . ومثل هذه النزوات نشاهدها كلّ يوم . والحوادث تتراكم بين أحقاد الشعوب وضغائنها ، وكأنها تريد استعجال الوصول إلى نهاية العالم .
* * *
سائح كبير ورحّالة عظيم في هذه الأرض .
هذا هو الدينار الذي شاهد كثيراً ، وتعلَّم كثيراً في جولاته العجيبة ، فضلاً عن أنّه يتمتّع بهبَةٍ خاصّة لمعرفة أعماق الناس وخفاياهم ، فيحكم عليهم على ضوء حقيقتهم الكامنة لا على مظاهرهم .
يهاجم (الدينار) صروح الأنظمة (الماديّة) في أسحق أُسُسها لأنّ (الماديّة) تبعث الأحقاد وتولّد الانشقاقات ، وهي ينبوع جميع الرذائل فينقضّ على آلهة تلك (المادَّة) الممثّلين بالعجل الذهبيّ رمز القوّة والثراء ، فيحطّمهم ويردّمهم .
وقد شاهد (الدينار) في اختباراته أَنَّّ الذهب هو سيّد العالم الأوحد الذي لا ينازعه مُنازع . فهو الإِله الذي تتّجه إليه عباداتُ الإنسانيّة جمعاء . فالكلّ يسعون وراءَه بنَهَم وجَشَع ملحاحين ، وقد جعلوه هدف حياتهم وغاية غاياتهم . ولذلك تراهم يتسارعون إلى اقتناصه واصطياده بجميع الوسائل لأنَّ الذهب هو الكلمة السحريَّة ، والمفتاح العجيب الذي تتفتّح أمامه أبواب ملذّات هذا الموجود .
فبه يفوز الإنسان بالرفاهيّة والغنى واللذّة الشهوانيّة التي تُشرى وتُباع .
ويُسجّل هذا الفاتح الجبّار الانتصارات تِلو الانتصارات ، مستعبداً الذِمَم والضمائر معما بلغت من الرقيّ والسموّ .
فالجمال ، والفتوّة ، والفضيلة ، والشرف ، وعزَّة النفس … كلّ شيء يسقط هاوياً أمام إغراء الذهب .
نعم . الذهب هو حجر العثرة الذي تتعثّر به البشريَّة قاطبةً ، واأسفاه ! فالأديان تنصب الهياكل لمختلف القدّيسين ، ولكنّ (الإله) الذي يُعبَد ويُمَجَّد فوق الجميع ، والذي تُرفع له الهياكل في كلّ القلوب هو (الذهب) .
فالأحبار ، والكهنة ، والملوك ، والأمراء ، وسائر المخلوقات يقدّمون له أذلَّ تضرّعاتهم ، ويرفعون إليه أحرّ ابتهالاتهم الوضيعة وكأنّهم عبيد أرقّاء . ولذا تراهم يحتقرون الشقاء والأشقياء ويعيّرون الفقراء مهما بلغوا من النبالة والعفاف .
الذهب خليقة الجحيم وبدعتها لإغراء الإنسان واستهوائه . فيا ليت شعري كم من الناس استطاعوا أن ينتصروا على هذه العقَبَة الخَطِرة ؟!
إنَّ الشعوب والأفراد يدوسون أقدس المبادئ ويتناحرون بمجازر عنيفة دامية في سبيل الفوز بالذهب .
وقد مرّت عظاتُ التاريخ فلم تهدهم إلى رُشدهم . وتوارت عبر الأجيال فبقيت بدون طائل .
والعصر الحاضر معما تبجَّح بالمدنيّة الرفيعة لم يُفلح في تحسين نزعات الطبيعة البشريّة ، بل أفلح وانتصر في تحسين أسلحة الخراب والدمار . هذا ما شاهده الدينار . وهذا ما يسردُه علينا في أُوذيسَّتِه العجيبة منذ أن خرج من منجمه فاتَّصل بهذه البشريَّة الفاسدة التي لا يُرجى إصلاحها . فيثور على كثير من الأمور ، ويرفع صوته الجَهْوريّ باسم المستَعْبَدين مطالباً بالحقّ والعدل ، مستنزلاً غضب الله المنتقم . إنّه يثور على رجال الدين الأدنياء ، ويصبُّ جام نقمته عليهم ، لأنّهم تناسوا أعباءَ مهمّتهم الروحيَّة ، فانصرفوا إلى جَمْعِ الأموال والتكالب على المناصب العالية .
إنه يشجب القضاة أصحاب الضمائر الميتة الذين يبيعون العدالة والوجدان لقاءَ ذهبٍ خسيس أو التمتّع بامرأةٍ دَنِسَة ، فتأتي أحكامهم نتيجة لهذه النذالات .
أنه يدعو جميع البشر إلى الاتّحاد بمحبّة أخويّة دون فارق بين الأوساط والأجناس والأديان .
تلك كانت صرخة السيّد المسيح موقظة الثورة النبيلة في العالم . وتلك كانت صرخة (غاندي) المنتقض على الأنظمة الجائرة ، والمُطالب باسم مواطنيه ولا سيّما المنبوذين التعساء منهم بحقوق الجميع من حياةٍ وحريّة .
وهذه هي الآن الصرخة (الداهشيّة) الجبّارة التي تردّد أصداء الصرخات الإنجيليّة الحقّة وتعمل على تنفيذها حقّاً . فالدينار الذي يتكلّم باسم (الداهشيّة) ينبّه الشعوب المستعبَدة ويحثّها على تحطيم السلاسل مثلما دعا (غاندي) . وهو يستحثّها لأن تنهض وتسير في طريق الرقيّ فتنفض عن كاهلها نيرَ الأُمَم الغاشمة القويّة المذلّة بطغيانها المتعجرف . وهو يحرّضها على التحرّر بعد ذلك الانحناء الشائن تحت أثقال الظلم المستبدّ . ويثور (الدينار) على تلك الدول التي تكبّل الشعوب وتستغلّها لمصلحتها الخاصَّة فيصبّ جام غضبه على الدول المذلَّلة التي ترضى بالخنوع فتسجّل اسمها في سفر الأموات لأنّها لا تستحقّ الحياة .
وهكذا تسمع (الدينار الداهشيّ) يزمجر كالعاصفة المهدّدة وكالبراكين الهائجة ، حاملاً طوال حديثه على إشعال نيران الثورة العالميَّة المبنيَّّة على الحقّ والعدالة والقِيَم الروحيّة . وهو يطعن الرذيلة والكذب والفساد في أوكارها مهما كانت . وهو يمزّق قناع الطغاة المتستّرين وراء ستار دجليّ يُظهرهم بمظهر الفضيلة .
أمّا الطُرُق التي يستعملها لبثِّ دعوته فهي طريفة للغاية . منها أنّه أدخل في حديثه بعض الحمير الحكماء أصحاب الآراء الصائبة ، وقد أصبحوا من النقّادين اللاذعين بعد معاشرتهم للبشر ، فرأوا أن يُبْدوا آراءَهم في الناس ، وبصورة عادلة . وقد أعلنتْ هذه الحمير بعد الاختبار الطويل المرير ، أنّها تفضّل أن تبقى في مصافّ الحمير … وأن تُذعن لعبوديّة جنسها التاعس مهما كانت قاسية ، مستغنيةً عن الحياة البشريَّة الدنيئة الملطَّخة بالعار ، المغلَّلة بالذلّ والشنار ….
وينتقل (الدينار) إلى المحتكرين الأنذال ، والأثرياء البخلاء الذي يتشبّثون بذهبهم الخسيس ويتكالبون عليه ، فيهزأ به ويسخر منهم ، لأنّ الأقدار تؤدّب هؤلاء الرعناء ، فتنتزع منهم تلك الأموال بطرقها فيسطو عليها اللصوص ، أو يأتي الموت فيقصف أعمار هؤلاء المحتكرين دونما رحمة أو شفقة ، فيتركون وراءَهم ثرواتهم وأنوفهم معفَّرة بالرّغام .
ويتطرَّق (الدينار) إلى موضوعات شتّى ، ويُرينا مشاهد الحياة المختلفة حسب ملامساته المتعدّدة :
فهو يقطن تارةً في قصر ملكيّ وينبّه أنظارنا إلى تلك التُّحَف الفنيّة الرائعة التي تزيّن ذلك القصر فيمجّد الفنّ ينبوع النزعات السامية التي ترفع الروح وترقيها .
ويقطن طوراً في أعماق البحار ، بأحشاء أَحد الحيتان ، فيصف لنا ما يشاهده من غرائب تلك الأغوار بطريقته الواقعيّة الجذّابة . وممّا لاحظه أنَّ طباع الحيوانات لا تختلف شيئاً عن طباع البشر . فسُنَّة البطش تُسيطر هناك كما تُسيطر هنا على الأرض ، والحيوانات القويّة تلتهم الضعيفة .
وينتقل (الدينار) فيزور بلاداً عديدة : انكلترة ، الهند ، مصر ، فرنسا ، اليابان الخ … فيُبدي فيها ملاحظاته العادلة الحكيمة . فيحلّل أخلاق الشعوب وصفاتها الموروثة ، وتأثيراتها على مجرى الحوادث العالميّة ، وينتقد المدنيّات التي تحمي الرذيلة وتُحلِّل الخنا بقبولها إيّاه . وقد زار (الدينار) كثيراً من الشخصيّات الفذّة ، وتعرَّف إلى (هتلر) و(موسوليني) وسواهما . فجذَبتْه ديمقراطيّة الملك (فيصل) السمحاء ، مثلما أشعلت إعجابه الأنظمة الأميركيّة الرائعة التي تضمن الحريّة الشخصيّة التامَّة لكلّ فردٍ من الأميركيين ، فتغنّى بها ونشَدَها وتمنّاها بحرارة للبلاد الشرقيّة التي ما تزال ترسف بقيود العبوديّة .
ويُسمعنا (الدينار) صوت (غاندي) و(طاغور) شاعر الهند ، فتخشع أرواحُنا لسموّ تحليقهما الروحيّ السامي .
ويعود (الدينار) مرّة أخرى إلى السيّد (المسيح) فيجلجل صوتُ الثائر العظيم الباذل نفسه لتحرير العالم المكبَّل بالشرور . ويتعذّب (الدينار) ويتألَّم لأنّ ابن السماء لم يجد من يسمعه إلاّ بعض البسطاء الذي فتَنَتْهم تعاليمه العلويّة . أمّا الأكثريّة الساحقة فقد تآمرت عليه وعلّقته على خشبة الصليب جزاءَ نضاله المستميت وعذاباته المريرة في سبيل تحريرها وإنقاذها .
ويلاحظ (الدينار) أنّ البشر هُم هُم في جنونهم وشرورهم أية كانت أسماؤهم . فكلّ نبيّ يأتي ، وكلّ مُرسَل يهبط يصطدم باضطهاداتهم الرهيبة . فيتّهمونه بأشنع الاتّهامات ، ويسجنونه ، ويطرودنه أو يقضون عليه ، فيتوصَّل (الدينار) أمام هذه المشاهد المجرمة إلى استنتاج أنّ المرسَلين السماويّين يجب أن يتمنطقوا بالسيف مثلما فعل النبيّ محمّد (ص) ، لأنَّ الخوف والرهبة هما اللغة الوحيدة التي يستحقّها الجنس البشريّ ويفهمها .
ويصل (الدينار) إلى نهاية الحرب الأخيرة ، فيحضر ، في عام 1945 ، المؤتمرات الدوليّة ويراقب ما يجري فيها ، فيُلقي خطابه الأخير ، ويعلن ثورته الكاسحة على كذب المعاهدات الدوليّة ورياء تلك المؤتمرات السياسيّة التي تَعِد بالمساواة والحريّة والتوزيع العادل لثروات الأرض بين الجميع … ثمّ تعمل بعكس ما تتبجَّح به . فينتقض على إساءَة استعمال القوى في وجه الحقّ ويفضح نيّات الدول العظمى وأعمالها المبنيَّّة على مصالحها الماديّة الخاصَّة وتكالبها الرهيب لبسط سيطرتها على المستعمرات واغتصابها والاستيلاء على البترول وسائر المعادن والخيرات .
لقد اجتمعت هذه الدول لبناء صرح السلام وتشييد قلعة الاطمئنان ، فإذا بها تشحذ سيوفها في الظلام ، وتتأهّب لحربٍ جديدة تفنى فيها البشريّة العمياء المنقادة لهؤلاء الساسة دونما تفكير ولا مقاومة . وكلّ شيء له نهايته …. حتّى الأرض . فالبشر المحمومون بالأطماع الأشعبيّة يهيّئون بأيديهم حلول الكارثة الرهيبة عوضاّ من أن يعيشوا كإخوة بعد أن يطردوا من أفئدتهم الحسَد والأهواء .
نعم ، إنّ العالم سيخرب ، ويضمحلّ ، بعد أن تنتهي المختبرات العلميّة من وضع اختراعاتها الجهنّمية التي في سبيلها تضحّي الدول بسعادتها ونشاطها وثرواتها وحياة أبنائها . وكلّ ذلك كلي يُفني الواحد الآخر ويمحقه محقاً أبديّاً .
فالنتيجة محتّمة لا مناص منها لهذه المدنيّة الحمقاء .
وستتردَّم الأرض ومن فيها بواسطة الرقيّ الماديّ الآليّ ، لأنَّ البشر هن في الساعة الحاضرة مجانين خَطِرون مُهَوَّسون مُزَوّدون بجميع آلات التدمير وأدوات الخراب ، ولن يتراجعوا عن استعمالها .
ولا شكّ أنّهم استحقُّوا شجب (الدينار) وإشفاقه .
وماذا يبقى من هذا الكوكب الأرضيّ ؟
رؤيا عنيفة مرعبة …
ضباب كثيف تتصاعد منه أشعّة زرقاء ترتفع في الفضاء اللانهائيّ بأعمدتها الهائلة .
ماري حدّاد الداهشيّة
بيروت ، نيسان 1948
خطرات أفكار في "مذكّرات دينار"
خطرات أفكار في “مذكّرات دينار” بقلم الدكتور فريد أبو سليمان
|
لم أَجد كتاباً حبَّبَ إليَّ اللغة العربيّة مثل كتاب “مذكّرات دينار” . وما كدتُ أنتهي من قراءَته حتى اندفعتُ إلى كتابة هذه الخطرات الفكريّة الآتية :
الخاطرة الأولى :
-كلّ ما جاءَ في المقدّمة عن سرعة الدكتور داهش العجيبة في الكتابة هو صحيح ، لأنّني طالما دخلتُ عليه في عامي 1942و1943 ، فكنتُ أراه مستغرقاً في الإنشاء والكتابة ، والصفحات تمتلئ أمامه حالاّ كأنّه يكتبها بغير مداد ، فيتحوّل بياضها إلى سواد …
الخاطرة الثانية :
– في جمع اجتماعاتي بالدكتور داهش كنتُ أراه قليل الإيمان بالمدنيَّة الحاضرة . وأملُه ضعيف بتقويم اعوجاجاتها الأخلاقيّة ما دامت منصرفةً للمادّة والدولار وجمع الدينار ، وهذا ما صرَّح به في مقدّمته حيث قال :
“ ورغم تأكُّدي أنّ هذا الحلم الذهبيّ بعيد المنال ، فإنني دوَّنتُ آرائي بإخلاص وعرضتُها على الأنظار دون أن أُلحفها بالأستار “.
الخاطرة الثالثة :
– أعتقد أنّ كتاب “مذكّرات دينار” بعد انتشاره باللغات الأجنبيّة سيتمُّ إخراجه كأعظم (فلم) عالمي لأنه يجمع بين الحقيقة والخيال . ويمكن تمثيله وعرضه في جميع أقطار العالم فيهتمّ به الشرقيّ كما يهتمّ به الغربيّ لأنّه يُصوّر ويشخّص جميع أمراضنا الاجتماعيّة في الشرق والغرب .
الخاطرة الرابعة :
– عندما وصلتُ إلى الصفحة 280 ، قرأتُ بدهشة هذه الفقرات :
” فرد أعزل إلاّ من الإِيمان واليقين باليوم الأخير … دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة” . ثم قرأتُ في الصفحة نفسها ما يلي :” لم ييأس ، ولم يقنط ، ولم يتراجع ، ولم يُلقِ سلاحه …”. فقلت في نفسي : يا سبحان الله ! كأنّ الدكتور داهش يصوّر نفسه ، ويصف مواقفه الجبّارة في سبيل رسالته الداهشيّة المقدّسة . فكان قبل أن انضممنا إليه (فرداً أعزل إلاّ من إيمانه بربّه وبأهداف رسالته الجديدة). ثمّ إنّه لم ييأس ، ولم يقنط ، ولا تراجع إلى الوراء ، ولا ألقى سلاحه حتى النفس الأخير . وها هو حتّى هذه الساعة يكافح مكافحة الجبابرة ، ويحارب طغمات الشرّ والعدوان دونما كلل أو وجَل .
إنّ في “مذكّرات دينار” دروساً مفيدة للعالم أجمع ولنا نحن الداهشيّين . وحسبنا أن نراجع هذا السِفْر الثمين في ساعات فراغنا . ويكفي أن لا نيأس ، ولا نقنط ، ولا نتراجع … ولا نُلقي سلاحنا … بل أن نجعل شعارنا على الدوام :” إلى الأمام” ، حسبما علّمنا قائدنا الثابت في جهاده الجبّار . والسلام .
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت ، نيسان 1948
مذكّراتُ دينار كتاب فريد
مذكّراتُ دينار كتاب فريد بقلم جوزف حجّار
|
إنّ الحروب الكونيّة وما ينتج عنها من تطوُّرات اجتماعيّة هائلة ، والثورات الدامية وما أحدثَتْهُ من انقلابات جسيمة ، وفتوحات القياصرة والأباطرة ، وأعمال الملوك وأساطين السياسة وما أدخلوهُ من تغييرات عظيمة في مجاري تواريخ الشعوب والأمم تتضاءَل بل تتلاشى بل تفنى بالنسبة لما تركتهُ بعض الكتب الفريدة من آثار بليغة في حياة الإنسانيّة جمعاء .
بل قُل إنّ هذه الكتب الفريدة وما انطوت عليه من أفكارٍ فذَّة هي التي كيَّفت التاريخ وغيَّرت مجرياته . فمنذ أول يوم من الخليقة والإنسان يتطلّع إلى السعادة المفقودة التي ينشدها دوماً وأبداً ، وهو ينتظر القبس النوراني الذي يطفئ ظمأ روحه المتعطشة إلى معرفة حقيقتها ويرشدهُ إلى الطريق التي يبلغ فيها تلك السعادة المرتجاة .
ويدور الدهر دورتهُ ، فيظهر المرسَل السماويّ ، أو الفيلسوف العبقريّ ، أو البنّاء الفذّ ، وفي ضميرِه تختلج الأفكار التي يراها أنّها تحقّق حُلم الإنسانيّة في نيل السعادة ، فتتطلَّع إليه الشعوب ، وتلتفّ حوله الجماعات والأفراد ، ويسير الجميع في موكب كتابه المبدع الذي شقَّ الطريق وأنار الظلمات وهدى البشريَّة إلى هدفها الدائم .
وهكذا نرى في سماء الفكر بعض الأسماء اللامعة التي كان لها أثرها البليغ في حياة الأفراد وفي تلك الكتب التي سارت وتسير كمنارة أو شعلة يتبعها العديدون من جميع الجنسيّات والألوان ، وهم يرون فيها الحقيقة المثاليّة التي توصل الإنسان إلى هدفه .
ثم تأتي الكتب الفلسفيّة ، نذكر منها مؤلّفات (أفلاطون) و(أرسطو) اللذين أنارا بتعاليمهما رحاب العالم اليوناني القديم ، وقد انتقلت هذه التعاليم من اليونان إلى روما ، ثمّ إلى المدارس الفلسفيّة المسيحيّة ثمّ إلى المدارس الفلسفيّة الإسلاميّة ، وهكذا كان لهذه المؤلّفات ولم يزل تأثيرها العظيم في تكييف الفكر البشري ، وفي إحداث التطوُّرات الجلَّى في جميع الميادين الرُّوحيَّة والعلميَّّة والأدبيّة والفنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة .
وفي العصور الأخيرة حاول الإنسان أن يجد سعادتهُ في الانصراف إلى تعظيم المادَّة بخلق كيان اجتماعي ماديّ عادل .
فلمعت مؤلّفات جان جاك روسّو التي كانت فاتحة الثورة التحريريّة الافرنسيّة وما تبعها من ثورات وانقلابات شملت كثيراً من الشعوب وغيّرت كثيراً من الأنظمة والقوانين .
وتطوَّر الأمر وظهر (كارل ماركس) ، فكان كتابهُ ” الرأسمال” المبنيّ على الأسُس الماديّة الصرفة من تلك الكتب الفريدة التي تركت أثراً عظيماً في تاريخ الشعوب ، فكانت تعاليمهُ فاتحة الثورة الشيوعيّة التي ما لبثت أنْ تحقَّقت ، ثمّ امتدت فطغت على أممٍ كثيرة ، واجتاحت بلداناً عديدة ، وتشعّبت شرايينها فإذا بها متغلغلة في كلّ بيئة وفي كلّ مجتمعٍ وفي كلّ شعب .
في هذا العصر الآليّ الماديّ الرهيب ، في هذا العصر الذي تلاشت فيه القيم الروحيّة ، واضمحلّت الحقائق السماويّة ، وأصبحت المادّة ديناً ومعبوداً لكلّ فرد … يظهر الدكتور “داهش” ويقف بجبروت في وجه التيّار “المادّي” الجارف ، ويعلن حربه على تلك الأوضاع المادّية الهدّامة ، فيعيد إلى الأذهان حقائق الروح وقيمها المقدَّسة التي بدونها لا يمكن أن يوجَدَ عدل أو سعادة أو حقيقة في هذه الأرض . ويتطلّع إلى الدنيا فإذا بها كلّها قد تلوَّثت بالمادَّة وغابت عنها أنوارُ الروح بصورة نهائيّة .
فالفرد لا يرمي من وراء نشاطه ومهنته ، وأعماله وأفكاره واتّجاهاته ، إلاّ إلى الحصول على المنفعة المادّية مهما تدنَّت الوسيلة . وهكذا قُلْ عن الجماعات .
فالسياسة العالميّة ، والسياسات الوطنيّة الخاصَّة لا تدور ولا تحوم إلاّ حول (المادّة) ومشتقّاتها : كفرض السيطرة واستغلال الثروات الأرضيّة لمصلحة فئة معيّنة .
وينتج عن هذا التكالب الرهيب على الأرض تلك المآسي والجرائم الاجتماعيّة التي نشاهدها كلّ يوم والتي تطغى على حياتنا جميعاً …
وينتج عن هذا التكالب الرهيب تلك الحروب والثورات والمخاوف الجسام التي تجثم على صدور الشعوب ، والتي بثَّت الرعب والهلع في أفئدة قاطني الأرض من كلّ ملّة وبقعة . والجميع أصبحوا يعيشون وكأنهم في حرب دائمة تتطاحن فيها عواصف الأطماع الجهنميَّة .
ويتألّم “داهش” لهذه المشاهدة المؤثّرة …
ويُشفق على الإنسان ، التائه في ظلمات هذه الدنيا ، فيعلن حقيقة الروح، ويحاول أن يرفع أنظار البشر من أقذار الأرض إلى أنوار السماء .
وتختلج هذه الأفكار السامية وهذه الحقائق الجليّة في صدره الرحب فيسكبها على الورق بقلمه الفيّاض الملهم ، وإذا بها مؤلَّفات جليلة جميلة جذّابة تأسر القلوب بروعتها فتصهرها في بوتقة حقيقتها ، وتستهوي الأفكار بسموّها فتشذّبها وتهذّبها .
وما “مذكّرات دينار” إلاّ حلقة من تلك السلسلة القدسيّة التي سوف تكون لعهد جديد في تاريخ هذه البشريّة .
ففي هذه المذكّرات جال الدينار في أرجاء الدنيا ، متنقّلاً من جيبٍ إلى جيب ، ومن صندوق إلى صندوق ، وهو يصف ما يشاهده مُمَثَّلاً على مسارح الحياة ، وفي بيوت الملوك والأمراء ، والأغنياء والفقراء ، فإذا بنتيجة جولته واحدة لا تتغيَّر : الكلّ يعبدون هذا الدينار ، والكلّ يُضحّون في سبيله بالنبالة والشهامة والشرف ، والكلّ يقدّسون ذكره ، والكلّ يستميتون في سبيل الوصول إليه والحصول عليه .
وقبل أن ينتهي الدينار من جولته ليعود إلى التراب مع اضمحلال العناصر في الحرب الذرّية المقبلة التي سوف تقضي على هذه الأرض ، يُرسل صيحته وهي النذير الأخير للبشريّة أن يا قوم !…توبوا ، توبوا ، وإلى ربّكم عودوا وثوبوا ، وتمسّكوا بأهداب الفضيلة وبقيم الروح الخالدة قبل فوات الأوان …
هذا هو الكتاب الفريد :
فريد بأسلوبه ، فريد بأفكاره ، فريد بكلماته ومبانيه ، فريد بأهدافه ومراميه . فهو العظة البليغة الموجَّهة للناس أجمعين . وهو العبرة الأخيرة قبل أن تحلّ النهاية .
جوزف حجّار
بيروت ، نيسان 1948
يوميَّاتُ الدينار تصوير لحياة الأُمم
يوميَّاتُ الدينار تصوير لحياة الأُمم بقلم صبحي شفيق |
نشرت مجلّة “العالم العربي” في عددها الرابع من السنة الثانية ، الصادر في 10 يوليو سنة 1948 ما يلي :
أمّا مذكّرات دينار فهي عرض شامل لجوانب من الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في أقطار متعدّدة . تبدأ المذكّرات بالدينار وهو قطعة من الذهب في باطن منجم ، ثمّ تتناقله الأيدي وتتقاذفه ، فهو يشهد محاكمة غاندي في صورة دقيقة شاملة يصوّرها المؤلّف ، وهو في اليابان بين يدي فتاة الجيشا ، وهو في مصر يرقب عن كثب الثورة المصريّة ، ويرقب أعمال سعد زغلول الخالدة الفذّة ، وهو يطوف من يد إلى يد ومن بلد إلى بلد … يصوّر في كلّ يوميّة من يوميّاته زاوية من حياة هذه الأمّة أو تلك .
والأسلوب الذي يكتب المذكّرات أسلوب قصصي ممتع بليغ فيه أصالة وفنّ ، ولكننا نأخذ عليه ازدحام الكتاب بالأحداث مما أدَّى إلى سرعة اللمسات في كل مذكّرة من مذكّراته .
وفكرة الكتاب هي الإِحاطة بما دار في العالم من صراع وأحداث ، وهذه تتطلَّب أُفقاً واسعاً من التفكير والإطّلاع ، وأَحسب أنَّ هذا ما يتميّز به الدكتور داهش .
صبحي شفيق
مجلّة “العالم العربي” المصريّة
عدد 4 ، سنة 2 ، تاريخ 10 تمّوز (يوليه) سنة 1948
حكمةٌ جليلةُ الأثر
في كلِّ فصل من فصوله حكمةٌ جليلةُ الأثر بقلم رامز المقدّم صاحب جريدة “النضال”
|
أَهدى إلينا الأخ الكريم والصديق العزيز الدكتور جورج خبصا كتاب “مذكّرات دينار” ، تأليف الدكتور داهش .
تصفَّحناه فصلاً فصلاً ، فإِذا بنا أمام عظات فلسفيّة بالغة ، كما يحتوي كلّ فصل منه على حكمة جليلة الأثر ، شديدة الوقع على كل نفس تودّ مطالعة هذا الكتاب .
والجدير بالذكر أنّ الدكتور داهش – طيَّب الله ثراه وتغمَّده (6) برحمته ورضوانه – عالج في كتابه هذا موضوع المال ، وأخذ يتنقل به من وصف إلى آخر ، قائلاً عنه – أي المال :” إنّه نذل ، نتن ، قذِر ، به بطُل الحقّ وحُقَّ الباطل، وبه فضلَت الرذيلة ورذلت الفضيلة ، وبه فحشَ الطهر وطهر الفحش “… إلى ما هنالك من إبداع في التعبير وإيجاز في القول .
وأنا أنصح كلّ لبنانيّ ولبنانيّة ، بل كلّ عربيّ أن يطالع هذا الكتاب النفيس ، إذ إنّه سيهدي سبيله إلى الحقّ ويهديه الصراط المستقيم .
رامز المقدّم
بيروت ،15 تمّوز 1948
على كلّ ناطق بالضاد أن يقتني هذا السِفر النفيس
على كلّ ناطق بالضاد أن يقتني هذا السِفر النفيس بقلم عبد الأحد
|
صدر كتاب “مذكّرات دينار ” ، تأليف الدكتور داهش الذائع الصيت في العالمين الشرقي والغربي ، ومؤسّس الديانة الداهشيَّة التي انبثقت من عاصمة لبنان الأشمّ ، واعتنقها جمعٌ غفير من أرفع الطبقات المعروفة في البلاد لها مكانتها ووزنها .
ثم اضطُهد ونُفي لأجل عقيدته وتعاليمه الدينيّة السامية من حكومة العهد الحاضر . وهناك في أرض منفاه بقي شريداً طريداً متنقلاً من مكان إلى آخر حيث لاقى حتفه أخيراً في مدينة أذربيجان من أعمال إيران .
فالويلُ ثم الويل لحكومة كهذه تضطهد نوابغها وتُشرِّد عباقرتها .
والآن لننتقل إلى وصف هذا الكتاب الممتع النفيس !
في العصور الغابرة كانت المادّة مسيطرة على الناس ، وما زالت منذ ذلك العهد حتى يومنا هذا تسيطر على العقول بصورة جنونيّة يكاد لا يصدّقها العقل .
وهنا الطامة الكبرى إذ ليس من كاتب فذّ أو عبقريّ فيلسوف اهتمّ بهذا الأمر ، أو بالأحرى استطاع أن يُحلّل هذه المُعضلات ويفكّك ذرّاتها ذرّة ذرّة ، وإظهارها كما هي بصورتها الحقيقية المخيفة المرعبة .
فقام الدكتور داهش بهذه المهمّة العظمى ، وذلك لإِصلاح البشريّة الطاغية الباغية ، وعن طريق الحقّ نائية ، وفي المادّة منغمسة وغائصة ، وفي الرذائل غارقة وهائمة ، فوصف في كتابه هذا تكالب الناس على المادّة وسيطرتها على العقول ، واستفحالها في النفوس ، وعبادتهم لها كإِله ثانٍ على الأرض ، وابتعادهم عن الروحانيّة التي تسمو بالروح وتُطهّرُ النفس ، من عللها ، فتحلّقُ بعيداً إلى أجواز السماوات .
ويسرد حوادث وقصص الدينار (أي المال) منذ أن كان في بطن الأرض، ثم إخراجه وسكَّه في دار النقود ، ثم تجوّله من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة ، وتنقُّلاته بين أيدي الملوك والأمراء والقادة والزعماء والعظماء والشعراء ورجال الدين والأغنياء والفقراء ، وإلى آخر ما هنالك من شتّى أجناس الأمم من عليّة القوم وأدناهم ، وأرفع المراكز وأحقرها ، ومشاهداته (أي الدينار) لما يُرتكب من الجرائم والموبقات التي تضجُّ منها أبالسة الجحيم . فيصف كل ذلك وصفاً مُسهباً شاملاً ، ويعصف بهم عصفاً شديداً فيُصيبهم الإعصار لتفانيهم في سبيل المال ؛ هذا المال الذي هو سبب كلّ جريمة ورذيلة ونقيصة .
وأما أسلوبه فهو سهلٌ بسيط ، ولكنه بليغٌ للغاية وممتعٌ لحدّ بعيد .
هذا هو باختصار كتاب “مذكّرات دينار” الفلسفيّ الأخّاد ، فعلى كلّ ناطقٍ بالضاد أن يقتني هذا السِفر النفيس .
عبد الأحد
بيروت ، السبت في 17/7/1948
لو لم يكنْ لداهش إلاّ (مذكّرات دينار) لكفاهُ فخراً
لو لم يكنْ لداهش إلاّ (مذكّرات دينار) لكفاهُ فخراً بقلم محمّد طاهرالكردي خطّاط المعارف العامّة في مكّة المكرّمة
|
لقد سرَّحتُ النظر في “مذكّرات دينار” ، وقرأتُها فقرةً فقرة ، وفصلاً فصلاً ، فوجدتُ حقّها أن تُكتَب بماءِ الذهب ، ويدرسها أهلُ الرئاسة والعلم والأدب .
ولئن نطق الحكماء بلسان الجمادات بكلّ معقول مقبول ، فقد نطق (داهش) بلسان(الدينار) بما أدهش الحكماءَ أنفسهم بَلْهَ الناس .
وإذا كانت الحاجيّات تُشترى بالدينار ، فبأيّ نقد يُشتَرى هذا (الدينار الناطق) المضروب في دار الحكمة والفضيلة والإصلاح ؟
الحقُّ أنَّ هذا (الدينار) أصبح درَّةً يتيمة فاخرة في جبين الدهر والتاريخ ، وجدير بأن يُلقَّب بملك الدنانير .
إنَّ هذا الدينار الفريد قد بعث بمذكّرته إلى العالم أجمع في قالب قِصَصٍ سهلة ، وفكاهةِ ممتعة لذيذة ، ليلفت إليها أنظار الرئيس والمرؤوس ، والأمير والفقير ، والكبير والصغير ، والعالم والمتعلّم .
وفي الوقت نفسه مغزاها جليل ، ومقصدها سامٍ ، ومرماها بعيد .
دعا الناس في مذكّراته هذه إلى العمل بالشرائع السماويّة ، والتمسّك بأهداب الفضيلة والخصال النبيلة . دعاهم فيها إلى ترك الخداع والمكر ، وإلى نبذ الباطل والنهوض بالحقّ ، وإلى التعاون والتعاضد وخدمة الإنسانيّة بكلّ معناها .
فهذه (المذكّرات ) هي منار البشريّة ، ودستور الإنسانيّة ، إذا تمعّنوا في قراءَتها خرجوا منها بقانون ونظام لم يروا مثلهما .
ويا ليتها في مدارس الأقطار الشرقيّة والغربيّة درساً أساسيّاً . فلا تُقرأ في المدارس الابتدائيّة كما تُقرأ القصص والأخبار ، وإِنّما تُدرس بالكليّات والجامعات في فصولها النهائيّة على تلامذتها الدكاترة العلماء قراءَة تدبّر وتمحيص، وتذكّر وتفكير ، حتى يحيطوا ينتيجتها السامية …
لا أدري ماذا أكتب عن “مذكّرات دينار” مرشد الأحرار ، وأنا قاصر الباع ، ضعيف الإنشاء .
ولو أردتُ مع هذا أن أكتب عنها ، لألّفتُ فيها كتاباً لا يقلُّ عن حجم نفس “المذّكرات ” أتناول فيه مفرداتها وموادها واحدة واحدة ، لأنّها حقّ الإنسانيّة على الإنسانيّة ، وحقّ العباد بعضهم على بعض .
ومع ما لهذه “المذكّرات ” من قيمة ، فإِنّنا لا ننسى فضل واضعها الحكيم الكبير الدكتور داهش الذي لو لم يكن له إلاّ “مذكّرات دينار” لكفاه فخراً . فكيف وله مؤلّفات أخرى عديدة ؟
حقّاً لقد أدهش (الدكتور داهش) العالم بمؤلّفاته الفذّة وطريقته العجيبة . فإنّ كتابه ” مذكّرات دينار” برهان قاطع ، ودليل واضح على خصوبة ذهنه ، وعظيم براعته ، وكبير همّته ، وقوّة تفكيره ، وبُعد نظره …
نعم ، إِنَّ طبع هذه “المذكّرات ” لميسورٌ ، وإنّ قراءَتها سهلة . ولكنّ وضعها وإِخراجها في مدَّة أسبوع لعسيرٌ جدّاً جدّاً . وإِنّ ترتيب أبوابها وفصولها وإِحكام المناسبات بين قصّة وأُخرى لأشدّ تعباً وأعظم مشقَّةً خصوصاً إذا كان كلّ ذلك بدون مراجعة لها وبقلمٍ واحد يجري على شريط ممهّد كأنهُ يكتب ما يُملى عليهِ من عالم الغيب …
حقّاً إِنّ هذا (لمعجزة أدبيّة) وليس ذلك في قدرة كلّ عالم ، ولا كلّ أديب، ولا كلّ حكيم .
وإنّ ما كتبهُ الأستاذ حليم دمّوس في المقدّمة عن الدكتور داهش لا مبالغة فيه ولا ممالأة ، وأنا مصدّق به لأمور ثلاثة :
الأوّل – إِنّ الله سبحانهُ وتعالى الخلاَّق العظيم والفتَّاح العليم قادرٌ على كلِّ شيء يهبُ ما يشاء لمن يشاء ويرزق من يشاء بغير حساب سواء أكان الرزق مالاً أم علماً أم ملكاً أم غير ذلك .
الثاني – إِنّ عصرنا عصر العجائب : فقد ظهر فيه من الأشياء والمخترعات مما كان لا يُصدِّق الإنسان بوجوده لو وُصف له ما رآهُ … فهذه المخترعات الحديثة المدهشة التي عادت على البشر إمَّا بالخراب والدمار ، وإِمّا بالخدمة والعمار ، لم تخترعها الملائكة أو الجان ، وإِنّما اخترعها الإنسان بعقله الجبَّار .
وسواء أدار المخترع هذا العمل المكهرب إلى ناحية الآلات الميكانيكيَّة ، أم إلى ناحية المباحث العلميّة والفنيّة فإنّهُ يرمق إليهِ بعين الاحترام والإعجاب ، والتقدير والإكبار ، ويقال لهُ إنّه أتى بشيء (خارق العادة).
الثالث – لقد رأيتُ في مصر منذ عشرين سنة ولداً أُميّاً في نحو الخامسة عشرة من عمره لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعلّم قط . إذا قيل له :
اضرب عشرات الأرقام في عشرات الأرقام ، فإنّهُ يخبر عن حاصل الضرب في لحظة واحدة بدون توقف ، ولا استعمال قلم ولا ورق . فإذا ما شرع أحد الحاضرين في ضرب هذه العمليّة الحسابيّة على الورق يجد جواب هذا الصبي صحيحاً لا يختلف أبداً .
وهكذا أيّ سؤال أُعطي له في الضرب لا يخطئ قطّ .
ولا شكّ أن هذا أمرٌ (خارق للعادة) . وهو من (غرائب) الطبيعة . وكم رأينا في كتب التاريخ وفي بعض المجلاَّت والجرائد أُموراً هي في موضع العجب والاستغراب .
لهذا كلّه فإنّي أصدق ما جاء في المقدّمة التي هي في أوّل المذكّرات عن الدكتور داهش بك . فإنّ للطبيعة غرائب ومعجزات … ولكلّ قاعدة شواذ . وفي قوانين الحكومات استثناءَات .
إنِّني أكتب هذا وأنا معترفٌ بأنّني لم أوفِ حقّ الدكتور داهش بك ولا حقّ دينارهِ ومذكّراتهِ . ولو كنتُ معدوداً ضمن الأدباء الممتازين في بلادنا المقدّسة لجرى قلمي بغير هذا الأسلوب . ولكنّهُ لم يألف إلاّ الطريق العلميّ والمسلك الفنيّ بعبارات هي أقرب إلى العصور الماضية ، فأرجو غضّ النظر .
محمّد طاهر الكردي
مكّة المكرّمة ، 1948
الدينار الفيلسوف
الدينار الفيلسوف بقلم الدكتور نجيب العشّي
|
هذا آخر كتاب صدر حتى اليوم من “المكتبة الداهشيّة “…
فإذا هو دينارٌ ذهبيّ الفم ، يتكلَّم … ويتألّم !…
هذا فتحٌ جديد في عالم التأليف ، بل أثرٌ خالد للدكتور داهش الذي جعل من الخيال حقيقة ، وحوَّل قطعة من (الذهب) إلى فيلسوف حكيم وسائح نقَّاد ، يطوف الدنيا ويحكم عليها بأنّها ذاهبة إلى النار ، إلى الفناء والدمار ، بسبب تكالبها على الدرهم والدينار …
بحقّك أيها القارئ العزيز !… هل تريد أن ترافقني لأريك سياحة هذا الدينار ، وماذا رأى وماذا سمع ؟…
كان كتلةً دهبيّةً في الأغوار ، فتمنّى أن يخرج من عالمٍ إلى عالم ، فودَّع جوف الأرض إلى ظهرها ، وخرجَ من دار سكّ النقود ، ودخلَ في ظلمة صندوق حديديّ ، وزار بلاط أحد الملوك ، ثمّ ارتمى في معترك هذه الحياة الصاخبة فغرق فيها كما تغرق سمكة صغيرة بين أشداق أُلوف وملايين من حيتان الأوقيانس الكبير ….
تعال معي يا قارئي لنرافقهُ بعين الفكر وهو ينتقل من كفٍّ إلى كفّ بين طبقات البشر ؛ من مجرمٍ أثيم إلى سكّيرٍ زنيم ، إلى رجال دين ودنيا لا يؤاسون القلوب الحزينة ، إلى راهبة دير لا ترحم لوعة فقيرة مسكينة ، إلى صيدليّ نجس يريدُ أن ينحر العفاف على مذبح شوقه المجرم وشبقِه الجامح ، فيسمع تلك الحمامة النقيّة تنادي ربّها وتقول :
“إنّني اجثو يا ربّ السماء تحت موطئ عرشك طالبةً أن تصبَّ جام نقمتك على الذئب الضاري الذي افترس عفافي “.
وأسمع هنا الدينار ماذا يقول في ثورته الكاسحة بعد أن شاهد هذه الجريمة الفادحة الفاضحة :
” لو كان في جوفي دمٌ لثار ، وتفجّر جسدي الصلب إلى فلذاتٍ لهول هذه الجريمة النكراء “.
تعال وانظرْ !…
حتى (الحمير) حَمَدَتْ ربّها لأنّه لم يغضب عليها ويمسخها بشراً بعد أن استعرضت بعض أعمال البشر وما يرتكبونهُ كل يوم من الجرائم المدنَّسة النكراء .
أمَّا ثورة (الدينار) العُظْمَى فكانت نتيجة لما شهدهُ من عواقب المطامع البشريّة في حرب 1914 ، من معارك بريّة وبحريّة وجويّة ، وأكَّد أنّ ساسة العالم مسؤولون عن جميع هذه المجازر الكاسحة ، ويجب أن يتخلّوا عن أطماعهم إذا كان عليهم أن يبنوا (عالماً واحداً) ورغبوا أن يسود السلام العام أرجاء هذه الكرة الأرضيّة الشقيّة المهدّدة بالفناء .
وقد استخلص (الدينار) هذه النتيجة حيث قال :
“إنّ الأرض التي كوَّنها الله ، والخيرات التي ملأت أرجاءَها تستطيع أن تُغرق كل حيّ على ظهرها وتكفيه مؤونة الاعتداءات ، هذا إذا سَلُمَتِ النيَّات وأخلصتِ القلوب . وإذا طردنا – نحن البشر- شياطين الأطماع التي تقطن في داخلنا مثلما تقطن الأفاعي في الشقوق والنخاريب “.
ما أصرح هذا الدينار الفيلسوف ، وما أقدرهُ على النقد وإعطاء النتيجة الحاسمة بلسان يتيمٍ يُخاطب أُمَّه وقد مات والده في ساحة الحرب ولم يرجع . وقد سمع الدينار روحاً تتكلّم ، وكاد قلبه يتمزَّق عند سمعها تقول :
” لقد أَصبحنا الآن ننتمي إلى جنسيّة روحيّة واحدة بعد أن نبذنا أضاليل الأرض وسخافات الحياة . فهنا لا سائد ولا مسود ، لأنّ قانون السماء قد وحّد بين المجتمع “.
وكانت مقدرة (الدينار) عظيمة بدرسه نفسيّات (الجنسيّات البشريّة) . فبصفحات قليلة حلّلها واستعرضها ، فمرَّ على الألماني والإِنكليزي والإِفرنسيّ والهندي وسواهم … وقد أعجبتني كلمتهُ الصريحة عندما جاء يحلّل بلاد إيطاليا ، أرض دانتي وميكال آنج ورافائيل ، فقال لها :
“إنّكِ لم توجدي كي تخوضي ساحات المنايا .
إنّ أبناءَكِ ما اعتادوا إلاّ التحليق في عوالم الأدب والفنّ والموسيقى والشعر .
فليتكِ لم تدفعي بأبنائك بين أحضان الموت .
وليتكِ قنعتِ بما وهبتكِ إيّاهُ ربّابُ الفنون .
يا مدينة الفن والفتنة والجمال ، والشعر والروعة والخيال “.
وأنا أُضيف وأقول مع (الدينار الفيلسوف):
” بل ليت الدول جميعها من كبيرة وصغيرة تحجم عن الحروب ولا تدفع بأبنائها التعساء إلى ساحات الهيجاء وأَحضان الموت والفناء “.
ولكن … على من تقرأ زبوركَ يا داوود . فها إنَّ قايين لا يزال يبحث عن أخيه هابيل مرّةً ثانية في كل دقيقة وثانية ليفتك به طمعاً بهذه الأرض الفانية !…
وتعال يا أخي القارئ وانظر (الدينار) وقد زار غاندي وطاغور ، وشاهد فيصل وسعد ، وقابل هتلر وموسوليني ، وغيرهم من عظماء العالم ، انظر إليه واسمع إذْ يصف كلَّ شخص ، ويحلّل نفسيتهُ ، ومواقفهُ ومطامحهُ وآماله …
وما أجمل كلماته عندما قابل الملك (فيصل) ورأى ابتسامتهُ العربيّة الديمقراطيّة النبيلة ، فقال :
” وأحببتُ لو كان باستطاعتي تطويق إصبعه وتقديم نفسي إليه . فالنبالة تحبها وترغب فيها حتى الجمادات أمثالي …
فللّه درُّك يا مليك العرب ن ما أشدّ فعل ديمقراطيّتك في النفوس …”.
أمَّا ما جرى ويجري في القضاء من الرشوة والمظالم ، فهي حوادث واقعيّة لا خياليَّة .
ولكنَّ (الدينار) كشف الستار ، وفضح الأسرار ، وكان نقدهُ يصول ويجول كالسيف البتّار في وصف الأوغاد الفجّار …
وإليك مطلع “نشيد الشرف” يفضح جريمة ذلك القاضي الذليل الذي حاول أنْ يُغري بديناره تلك الفقيرة المسكينة ذات الشرف النبيل :
” النار ولا العار أيها الدينارُ الذهبيّ .
والجوعُ ولا الشبع أيها البرّاق الصغير .
والهزء مع السخرية والازدراء برغبة القاضي الشرّير …
لقد حاول النذل ذبح الحمل والولوغ بدمائِه النقية .
ذلك الذي قلّدوه صولجان العدالة السماويّة ،
فدنّس اسمها ، وعفى رسمها ، واتّخذها وسيلةً لغاياته اللئيمة ،
واستغلّها لقضاء لباناتهِ ، وأخضعها لنزواتهِ وشهواتهِ الأثيمة “.
فما أجمل “نشيد الشرف” ، وما أوقعه في النُّفوس الشريفة ، والقلوب الحسَّاسة العفيفة .
فطالعهُ يا قارئي الكريم ، ففيه عِبرةً وعَبرة….
أمّا (الدينار) ، في جمعيّة الأمم المتّحدة فقد فضح في زياراته أعمال رجال السياسة وأضاليل الدول ومناوراتها المُفعمة بالحيل ولا سيّما مناورات القويّ مع الضعيف ….
ويا ليت الدول القويَّة عَمِلَتْ ولو بفقرةٍ واحدة من الخطاب التاريخيّ الذي قالهُ جلالة الملك جورج السادس عندما افتَتَح جمعيّة الأُمم المتّحدة إذْ أوصى بالخدمة العالميّة العامّة والحُبّ والسلام في المنظّمة العالميّة .
بلْ ليتهم تذكّروا آخر فقرة من خطاب رئيس الوزراء البريطانيّة إذ قال :
” لقد عَرِفْنَا من ماضينا أخطاءَنا . فقد كانت عُصبة الأُمم القديمة تشكو من عللٍ كثيرة ، أهمّها عِلَّتَان هما أنَّ لا الولايات المتّحدة ولا الاتّحاد السوفييتي كانتا ممثّلتين فيها .
وليس غرضنا مجرّد إلغاء الحروب وإنّما هو خلقُ عالم حرّ يحكمهُ العدل والقانون الأدبيّ ، ويسودُ فيه الحقّ على القوّة والخير العامّ على الغايات والأنانيّة الفرديّة “.
أمَّا (الدينار الفيلسوف) فكان متشائماً ، ولم يُصدّقْ ولا فقرة واحدة من تلك الخِطَب الطنّانة والأقوال المعسولة الرنّانة ، وأنذر الناس بشرٍّ مُسْتَطير وحرب ذريّة طاحنة ستأتي على الكبير والصغير .
وهذه نبوءَة الدينار قد ظهرت بوادرها ولاحت مخاطرها ، فالويل للإنسان من أخيه الإنسان .
ونكتفي إِذْ نختم كلمتنا ببعض فقرات من خطبة الثورة يُلقيها (الدينار) على ساسة الأُمم بعد تلك الاجتماعات الصاخبة والمواعيد العرقوبيّة الكاذبة :
- إنّ اجتماعاتكم تتطلّب منكُم تنفيذ الأعمال تحقيقاً للأقوال .
- أتنبأ لكم منذ الآن بأنكم ستستيقظون قريباً على لعلعة قنابل ذَريَّة تعصف بكم وبالذُريّة .
- لقد رأيت نير القويّ يطوّق أعناقكم ، وسيف الجبّار يكمّ أفواهكم، وقنابله الفتَّاكة تردّم دياركم وتحصد أرواحكم .
- لو صحّت النيّات لما دعت الحاجة لاستدعائكم وتكبيدكم مثل هذه المشقّات لتخدير الأعصاب وشلّ الارادات .
- أيها الساسة المدلّسون ! تقطعون العهود ثمّ تعودون فتنكثون بعد أن يكون المؤمنون بعهودكم قد اغتالتهم يد المنون .
- أعيدوا لكلّ ذي حقّ حقّهُ ، وحرِّروا المُسْتَعْبَد من رقّه ، والمغبون من غبنِه ، ومكّنوا ربّ البيت من بيته ، فربُّ البيت أدرى بالذي فيه ، بظواهره وخوافيه …
- إنّ القيد لا يقبل له إلاّ الذليل الخاضع والخامل الخانع . ومهازل الاجتماعات لم يسجّل التاريخ لنتائجها إلاّ الفشل الذريع .
- ما دمتم مجتمعين لتقرير صرح سلام عالميّ تسودهُ العدالة الشاملة ، فلماذا شحذتم خناجركم ، وكلٌّ منكم شهر خنجرهُ المُرْهَف بيسراهُ ليطعن به أخاه ؟
- إنّني أُؤكّد لكم أنه لا المؤتمرات ولا القرارات ولا المداورات ولا المناورات تستطيع أن تمنع وقوع حرب فناء ثالثة …
- ما دامت شياطين أطماعكم لا تزال في أعماق أفئدتكم … وأدمغتكم … وكريَّات دمائكم …. فليست بعيدة تلك الساعة الرهيبة …وإِذْ ذاك تنطلق الشياطين الجهنميّة من عقالها ، وتُخرج فدائح أثقالها ، كي تدمّر الأرض وما فيها ، وتردّمها بمن فيها …”.
هذه كلماتٌ عشر تذكّرنا بالوصايا العشر …
تلك هبطت بواسطة (موسى) من وحي السماء ، وهذه هبطت على لسان (داهش) وقلمهِ تنبيهاً لبني الغبراء . فعسى أن يقع صداها في قلوبٍ واعيةٍ وآذانٍ غير صمّاء .
الدكتور نجيب العشّي
بيروت ، شارع مي زيادة ، 1948
دينار داهش يُحرِّرُ العقليَّة الشرقيَّة
دينار داهش يُحرِّرُ العقليَّة الشرقيَّة
بقلم الدكتور ميشال بولس |
الشرق والغرب ضدّان لا يجتمعان .
وعلى الرغم من سرعة المواصلات والاحتكاك الدائم وانتشار العلوم والكُتُب والجرائد والمجلاّت لا يزالان على طَرَفيْ نقيض لا يفهم واحدهما الآخر .
فالغربيّون يدّعون أنّ العقليّة الشرقيّة خاملة متواكلة كسولة ، لا يُرجى منها خير .
أمّا العقليّة الغربيّة فهي عصاميّة مبدعة نشيطة مجاهدة وفيها الخير كلّ الخير .
والواقع أنَّ هذا التقهقر والانحطاط والضعة التي يتخبّط فيها الشرقيّون منذ بضعة أجيال تثير الدهشة والحيرة والتفكير الطويل … فأجدادهم ملأوا الدنيا بنتاج عبقريّتهم الفذّة ، ووضعوا أُسس المدنيّات الواسعة الرحبة الرائعة ، وعلَّموا الناس كيف يكتبون ، وكيف يقرأَون ، وكيف يحسبون ، وكيف يتاجرون ويخترعون ويشترعون ، يُعمّرون المُدن والأمصار ويُخْضِعون البحار وينشرون المدنيّة والعلم والرقيّ والفنّ إلى أقاصي الدنيا .
ووضعوا أُسس الفلسفة (الروحانيّة) العالية السامية ، وأعطوا العالم دياناته، وآلهته ، وفلسفته وعباداته ، وعلّموه كيف ينظر إلى فوق ، إلى العلاء ، إلى الروح القدسيّة ، روح الحبّ والحنان التي لا نهاية لها … روح الله تعالى !…
ووضعوا أُسس الاجتماع وبنوه ، وطبّقوه على المبدإِ الخالد الإنسانيّ حقّاً :
“أحبّ قريبك كنفسك ؛”
أو “الإنسان أخو الإِنسان”.
ونشروا تعاليم (كنفوشيوس) و(لاوتسو) و(موسى) و(عيسى) و(محمّد) حتّى سيطرت على العالم الحاضر برمّته .
وتحكّمت في مقدّراته وأفسحَتْ له السُبل الواسعة نحو التقدّم والرقيّ والعظمة والمجد التي بها يتبجّحون وعلينا بها يمنّون !
ولكنّ الشاعر يقول :
“إنّ الفتى من يقول :” ها أنذا” ليس الفتى من يقول :” كان أبي “.
لنكن منصفين !…
فهذه الأمجاد الخالدة هي مفخرة الشرق والعالم أَجمع . وإذا وصلنا إلى هذا الدَرَك من الانحطاط فلأنَّ أعاصير الهمجيّة هبَّتْ علينا ، وطغت أجيالاً عدّة فخرَّبت وهدَّمت وقتلت ، ولم تبقِ ولم تذر .
إلى أن جاء الجيل العشرون ، فاستبدل الحديد والنار بالإرهاق الاقتصادي، والاستعمار والاستعباد والفقر والجوع والمرض …
وعلى الرغم من كلّ هذه الضربات الصاعقة المميتة لم تَمُتْ فينا روح الجدود !
فقد وجدت الفرصة السانحة ، فانتفضت ونفضت عنها غبار العبوديّة ، ونهضت تستعيد قواها الروحانيّة الهائلة الإِيجابيّة لتحرِّر العالم من الماديَّة الغاشمة .
فهذا غاندي بمغزلِه وصيامه .
وهذا طاغور بشعرِه وإلهامه .
وجبران “بنبيّه” وغيرهم وغيرهم … يعلنون الحرب الضروس على الماديّة فتقف أمامهم مدهوشة مشدوهة لا تُدرك مغزى هذه القوى الروحانيّة ولا مداها العظيم .
الشرق يتحرَّر ويتحرَّك ، والروحانيّة الشرقيّة تستعيد حرّيتها وتجدِّد أمجادها . وستستعيد عظمتها ومجدها ودعوتها الغابرة لخير الإنسانيّة جمعاء .
الغربيّون لا يفهموننا ، ولا يدركون مدى حيويتنا ومؤهِّلاتنا ، لأنّهم ماديّون برابرة فطريّون لم تتحرَّر بعد من قيود المادّة التي فيها يتمرّغون ….
فجميع أعمالهم وأفكارهم ومساعيهم وغاياتهم موجَّهة نحو المادَّة وحدها !…
إقرأ “الدينار” للدكتور داهش بك فتجد وصفاً رائعاً ودرساً دقيقاً محسوساً ملموساً لبربريّة الغربيّين وعقمهم وضيق صدورهم وفقر مواهبهم ، وانغماسهم في بؤرةِ الفساد والأنانيّة إلى قمّةِ الرأس .
علَّمناهم عِبادة الخالق الديّان ، فقالوا آمنّا وصدّقنا . ولكنّهم مسخوها وعبدوا الدينار لأنه في متناول أيديهم . واستثمروا فنوننا وعلومنا ليخترعوا الطيَّارات والأسلحة الجهنميّة ، لجمعه وادّخاره والحفاظ عليه .
قلنا لهم :” أحببْ قريبك كنفسك ” . فقالوا :” نحن مسيحيّون “!
ولكنّهم مسخوا المسيحيّة وجعلوها سلاحاً للتغلغل الاقتصادي والسياسيّ، لجمع الدينار .
واستبدلوا عمليّاً هذا المبدأ الإِنسانيّ السامي بمبادئ جوفاء فارغة لا معنى لها :(الحريّة والمساواة والأخوّة)؛ ونادوا بها أُسساً للمجتمع الراقي . ولكنّهم حجزوا الحريّات وقيّدوها وأنشأوا الطبقات ، طبقات السادة وطبقات العبيد ، لاكتناز الدينار .
حريَّة ، مساواة وأخوَّة !…
ولكنهم يخترعون الطائرات والقنابل المحرقة والذريّة والدبّابات والأوبئة ، والغازات السامّة والمدافع والأساطيل للفتك بإخوانهم وسلب أموالهم وحريّاتهم لرصف الدينار فوق الدينار .
- أحبّ قريبك كنفسك”!
- “الإنسان أخو الإِنسان “!
- “تنقلب في فلسفة الغربيين إلى مبادئ جهنميّة وحشيّة .
قايين يقتل هابيل ويعقوب يخدع عيسو !
ملايين قايين تصبّ جام جشعها وبربريَّتها على مئات الملايين من مثل هابيل وتحرقهم حرقاً لأجل الدينار وحدهُ .
إنني أنصح أبناء جلدتي الشرقيين أنْ يُطالعوا هذا السِفْر النفيس “مذكّرات دينار” ، فيكوِّنوا لهم فكرةً صحيحةً حقيقيّة واقعيّة عن مآسي الغربيين والمدنيّة الغربيّة ويعدّوا القوّة لمُحاربتها أو تلافي شرورها .
وكنتُ أتمنّى لو أنَّ الدكتور داهش وضعَ كتاباً آخر إنسانيّا للتنظيم الاجتماعي الروحانيّ الصحيح ، إذنْ لكان عمله كاملاً . ففي ديناره هدم الأوضاع الحاضرة ، ونشر عيوبها ومزَّق سترها وفضح شرورها .
أمّا وقد هدم فبقي التعمير ، وهذا الجوهريّ . فهل للدكتور داهش أنْ يُكمل هذه الدعوة فيضع أُسس التعمير العمليّة المُقْبِلة ؟…
الشرق يتحرَّر ، والحرب عوان بين الروح والمادَّة ، بين الخير والشرّ بين الشرق والغرب ، بين الله والدينار !
فلنكمل طريقنا آمنين مطمئنين …
فالنصر النهائي قريب وأكيد ، لأنَّ الحقَّ في جانبنا ، ولأنّ الله معنا !…
الدكتور ميشال بولس
طرابلس ، 1948
دينارٌ متفلسف وقصّاصٌ ماهر
دينارٌ متفلسف وقصّاصٌ ماهر بقلم محمد زكي بيضون
|
يمثّل الدكتور داهش فكرة (فيزيقيّة) لمحاولة تحرُّر النفس البشريّة في خصائص ما تتعلَّق به من مشاعر وأحاسيس مكانها من الحقيقة .
هذه النوازع الطبيعيّة التي ترمي دائماً إلى تصوير العلاقات الإنسانيّة بين البشر مُتمثّلة في هذه الإشعاعات النفسية التي تتعدّى حواجز الشهوات إلى ما وراء ذلك من خيرٍ محض ، ثم تعود بعد ذلك إلى سجنها المُظلم راسفةً بقيود (المادَّة) الثقيلة .
تلك هي الفكرة أو الخاطرة التي تلتمع في ذهن المُفكّر ثمّ تخبو الفترة بعد الفترة .
وحقوق الإنسان وما كان يجب أن يترتّب عليها من آثار تتألّف المجموعة البشريّة في وحدة (روحيّة) قوامها (الأخوّة) ، محبَّةً ورحمةً هي ما كانت تفترض تحقيقه الأحقاب المُتعاقبة في عمر الحضارات ، منذ أنْ انطلقت الفكرة الإنسانيّة تجوس خلال مجاهل الحياة إلى يومنا هذا .
ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقَّق .
وبقيت الفكرة الإنسانيّة ألفاظاً تُدار على الألسنة فتطبّقها أهواء الجشع والطمع في مفهوم السياسة على ما فيه عبوديّة الضعفاء للأقوياء .
وهذا (الدينار) المُتفلسف قصّاصٌ ماهر … أوتي دون غيره من الجمادات حظّاً من فصاحة اللسان ، وعذوبة البيان ، وتفهّم الحقائق ، ودرس المسائل وتحليلها ، والإِحاطة من ذلك بكلّ ما يعرض للنفوس البشريّة في بواطنها من شراهة تبلغ بها حدَّ الضراوة ، لا تُبالي في سبيل ذلك بما تفعل أحرقت أم أغرقت . ثم ما تكون عليه في ظواهرها من كاذب التصنُّع حتى لكأنَّها فيما يتراءَى لك من ظاهر أمرها قد أُودعت طبيعة خيّرة مفرغة في قالب الفضيلة تقرّبها من مثلها العليا وما هي من ذلك في شيء .
و(الدينار) النقّاد … لا يفتأ يجمع لك من هذه الصور المختلفة الألوان والأشكال مجموعةً تستعرض فيها الأفراد والجماعات ، والخاصّة والعامّة ، والشعوب والحكومات ، والساسة والسياسة ، كلّ ذلك بأسلوب جذّاب مُيَسَّر .
والدكتور “داهش” في “مذكّرات دينار” جدّ متشائم ، يتنبّأ لهذه الأرض ومَنْ عليها من هذه البشريّة المتكالبة … بالخراب والفناء …
أمّا ما يمكن أن يؤخذ على الدكتور داهش من بعض الهنات الهيّنات فهو أنّه يخرجُ بتراكيب الكلام أحياناً عن شروطه الصحيحة ، ويأخذ من ذلك بما رأيه أن يكون ترجمة حرفيّة للّغات الأجنبيّة …
على أنَّ عذره في ذلك هذه السرعة التي خرج منها هذا الكتاب تامّاً ناجزاً من بدايته إلى نهايته في مدَّة أسبوعٍ كما يقول الأستاذ حليم دمُّوس في مقدمته .
والأجدر بقارئ هذا الكتاب أن يتعمَّقهُ قراءَةً ليكوّن لنفسِه فكرةً عنهُ قبل أن يأخذ بأقوال المقرّظين والناقدين ويُعنى بآرائهم فيه .
محمد زكي بيضون
1948
كتابٌ فريد وتُحفةُ عقلٍ داهشيَّة
كتابٌ فريد وتُحفةُ عقلٍ داهشيَّة بقلم فايز محمود مكارم
|
حضرة الصديق المحبوب الشاعر الأُستاذ حليم دمُّوس وفّقك الله .
أبثّكم أشواقي القلبيّة ومحبّتي واحترامي عساكم تكونون بتمام العافية والصحّة والنجاح في جميع أعمالكم .
وبعد وصلتني رسالتكم الجوابيّة الكريمة مصحوبة مع هديّتكم الغالية عندي كثيراً وهي “مذكّرات” المرحوم داهش ، وقد سبق أنني كنتُ علمتُ عن مقدرته وخوارقه العظيمة وما أدَّاه هذا الرجل الفذّ من خدماتٍ نحو المجتمع الحالي الذي نراه يئنّ ويشكو عمّا يحدث فيه كلَّ يوم من شرورٍ وآثامٍ وتقلّبات . فتوجّهتُ بكلِّ شعوري إلى مطالعة الكتاب “مذكّرات دينار” وكلّي آذان صاغية وعيون ناظرة أَستوعب من كلماته وعظاته ، وهو بحقّ كتابٌ فريدٌ وتحفةُ عقلٍ داهشيَّة . وممَّنْ اطّلع على الكتاب المذكور بعضٌ من أصحابي بهذه البلاد فاستحسنوه وأُعجبوا بمقدرة مؤلّفه وسعة اطّلاعه في معالجة القضايا الاجتماعيّة كلّها بدون استثناء .
وأمّا ما يزعمه البعض من أنّ داهش كان أفّاكاً ودجّالاً ومشعوذاً ، فهذا زعمٌ لا يصدّقه عاقل ، بل الذي نراه أنّ داهشاً كان عبقريّاً فذّاً ، ومُصلحاً كبيراً، وشهماً حكيماً متفوِّقاً ، ومَنْ تكُنْ هذه صفاته لا يكُنْ مشعوذاً ولا دجّالاً ، بلْ عظيمٌ داعٍ إلى الإصلاح ، وهو لا فرق بينه وبين الأنبياء المُصلحين الخالدين وأعمالهم . وما أسلوبه إلاّ ظاهرة عجيبة فذّة فتقتها بصيرته ، واستهلّها شعوره على لسان ديناره . وما الدينار إلاّ ذلك الواسطة لعلاج قضايانا الاجتماعية ، وهو المادّة الغالية الوهّاجة التي يقتنيها الأغنياء وذوو المطامع من بني الإنسان ، إذ إنّ من هذه الفئة المثرية تنبعث الشرور والآثام ، وعنها تصدر الحروب والمصائب . وفي كلّ مرّة يكون ضحيّتها الشعب وفيه العامل والمسكين .
فيكون كتابه هذا خير كتاب ظهر من نوعه ، إذ توفَّرت فيه المادَّة الناجعة للنفوس ، والشافية للقلوب ، والمنقذة من الضلال وطوفان الجهل الذي يُقلق المُصلحين وأولي الغيرة على الأخلاق ، فإِنْ سلَّم المجتمع بهذه البيّنات الساطعة فلا شكّ بأنّها تحميه من مصائب الجهل والجشع وتكون له خير عبرة .
ولا يسعني ختاماً إلاّ أن أشكر غيرتكم ، وأُطري مجهودكم الضخم الذي تقومون به ، بعد وفاة الراحل الكريم ، ولا شكَّ أنَّ الفضل راجع إليكم الآن بطبعِ مؤلّفاته ونشرها وتوزيعها على الناس ، فتكونون ، والحالة هذه ، الصخرة التي عليها يتوقَّف اتّجاه هذه الدعوة التي تتسرَّب إلى كثيرين من الناس ، وستغزو طبقة العلماء وذوي الشأن من المتنوّرين الذين ينظرون بمنظار الحقائق ونور الإيمان .
أرجوكم أنْ تتحفونا بكتابٍ آخر من كُتُبِ داهش العظيم . ولكم منّا أصدق التحيّات وأصدق التمنيّات .
والسلام عليكم .
المخلص
فايز محمود مكارم
ماجياستيشن ، في 3 كانون الثاني 1949
كتابٌ أضفى على العصر ألذَّ وأجملَ وأحسنَ وصف
كتابٌ أضفى على العصر ألذَّ وأجملَ وأحسنَ وصف بقلم محمد سليم شومان |
عن يوني بنا فريتون
3-9-1949
سيّدي الجليل
جناب السيّد حليم دمُّوس المحترم لا عدمنا وجوده آمين :
تحيةً واحترام ، والدعاء لعزّته تعالى أنْ يمدَّكم من فضله توفيقاً وعلماً ، وأن يكثر أهل الخير من أمثالكم .
تناولتُ تحريركم الكريم والكتاب والسِِّفْر الجميل :” مذكّرات دينار” ، وقد تمنيّتُ بذلك اليوم – بعدما تلوتُ تحريركم الكريم ، وتصفّحتُ الكتاب – أنْ أكون من أهل العلم لكي أصف لحضرتكم شعوري وإيناسي ، وكم كان لي من الغبطة وانشراح الصدر ، وقد حصلت على بعض البصيرة ، وإنّني لعاجز عن شكركم لاهتمامكم بإنسانٍ مثلي جاهل العلم واللغة ، كما إنني أعلم أنكم تعملون فوق الواجب ، لا تطلبون أجراً سوى رحمته تعالى التي وسعت كلّ شيء . ثمَّ ويا للأسف إنَّ الناس هنا كمثل قوله تعالى :” كمَثَل الحمار يحمل أسفاراً”. وقد تأخّرتُ عن الجواب لحضرتكم ، حيث أريت الكتاب لجملة إخواننا هنا ، وقد طلبه مني بعض إخواننا في العاصمة فريتون وقد أرسلته .
جملة القول إنَّ الدين هنا عند إخواننا صار موضة عتيقة ، والمادَّة غطَّت العقول ، وكتاب “دينار” هو نعم الموضوع ولعمري أنه وصَفَ هذا العصر بألذّ وأجمل وأحسن وصف .
يا سيّدي زدنا بصيرة ، زادكم الله ، وأنِرْ طريقنا ، وأجرُك على الله تعالى .
محمد سليم شومان يوني بنا فريتاون
في 3/9/1949
مذكّرات دينار إندفاعٌ لخدمة فكرة
مذكّرات دينار إندفاعٌ لخدمة فكرة بقلم جميل جبر
|
حضرة الأُستاذ حليم دمُّوس المحترم ؛
وصلتني هديتكم “مذكّرات دينار” فطالعتُ بعض أجزائها . فسرَّني فيها هذا الاندفاع لخدمة فكرة ، ولذّني الأسلوب البسيط الأنيق الذي عولجتْ به قضايا المجتمع الإنسانيّ الغارق في المادَّة .
فالطريقة المباشرة في درس هذه القضايا هي الطريقة المُثلى لأنَّ الحقيقة تتحدَّى المواربات وتظهر عارية صارخة العري .
إنّ اهتمامكَ ، يا أستاذي العزيز ، مؤرِّخ الرسالة الداهشيّة ، بشؤون الرُّوح لممّا يُثلج الصدر في زمنٍ كَثُرَ فيه عبّاد المادّة حتى أصبحوا الكميّة الساحقة في عالمنا الدنيويّ . أقول الكميّة ولا أقول النوع .
أخَذَ الله بناصركم ، ووفّقكم بما إليه تسعون ، فإنّ الفكرة التي يعيشُها صاحبها لا بدَّ أنْ تتحقّق واقعاً ، ولا بدَّ أنْ يأتي يوم يُقدَّر فيه أمثال غاندي وطاغور أكثر من المضمَّخين بعطور الشهوات الراتعين بعرق المجاهدين من أبناء البشر .
وأسلم للداعي لكم
جميل جبر
2 حزيران 1950
الكتاب تُحفةٌ رائعة ومجموعة حِكَم
الكتاب تُحفةٌ رائعة ومجموعة حِكَم بقلم نقولا حلبي |
عزيزي الأُستاذ حليم دمُّوس الأفخم
أُحيِّيك ثمَّ أُبدي أنّني طالعت بإِمعانٍ ورويّة الكتاب القيّم المُسمَّى “مذكّرات دينار” ، للمرحوم الدكتور داهش .
ولما كنتَ تسألني أن أُبدي لك رأيي بموضوع الكتاب خطيّاً ، فنزولاً عند رغبتك أتقدّم بكلمتي هذه مُعْلناً أنَّ الكتابَ هو تُحفةٌ رائعة ، بل هو مجموعة حِكَم .
وفي الكتاب كثيرٌ من الحشو ، كخطاب جلالة ملك الإنكليز وخطاب رئيس وزرائه في حفلة افتتاح جمعيّة الأمم المتحدة ، ثم خطاب المسيو سباك الرئيس المنتخب للجامعة ، ثم رأي الجنرال أيزنهاور وهو حشو شبيه بالورم في وجنات وجه جميل ، والورم كما تعلم يشوِّه ويؤلم .
وليت شعري ما هي علاقة قصّة المطرود عبد الرحيم الشريف الخليلي وبهلوانياته ورقصاته ورسومه ، بموضوعٍ عالٍ وجليل كموضوع “مذكّرات دينار”؟
أراني قد أسهبت وأطلت الشرح فأرجو المعذرة ، وأرجو أن لا تكون صراحتي قد آلمتكم .
وقبل أن أختتم كلمتي هذه ، يسرُّني التأكيد بأنّ الفصل المختصّ بالمال والملحق بكتاب “مذكّرات دينار” نقلاً عن كتاب “القلب المحطّم” للمؤلّف نفسه هو قطعة خالدة تستحقّ التقدير ، وقد أحدثت عندي رغبة بمطالعة “القلب المحطّم” ، ولكنّها رغبة يتخلّلها الخوف من أن أجد بين حطام القلب المهدّم حطاماً غريباً لأجسام كريهة لا تجانس بينها وبين ذاك القلب الجميل .
وختاماً أهديك تحيّاتي الخالصة واحتراماتي الفائقة شاكراً لك هديّتك اللطيفة .
صديقك صاحب “الغريب”
نقولا حلبي
بيروت ، 21 آب 1950
من الأديب الكبير الدكتور حسين هيكل
من الأديب الكبير الدكتور حسين هيكل إلى الدكتور داهش
|
أخي الودود الدكتور داهش بك
تحيّتي الخالصة إليك . سلَّمني أَخونا الأستاذ حليم دمُّوس رسالتك الثانية . وكم وَدَدْتُ كما وَدَدْتَ لو أنّها كانت بخطّ يدك . فالخطُّ كالأسلوب عنوان صاحبه . شفاكَ الله ممّا ألَمَّ بك .
وقد طالعتُ كتابك (مذكّرات دينار) ، فأُخِذتُ بتصويره وانطلاق أسلوبه ، وشاقني أن أَطّلع على كتابٍ لكَ تُصوّر فيه دعوتك الإنسانيّة إلى عالَمٍ أفضل . وقد أخبرني الأُستاذ حليم أنَّ ذلك سيكون قريباً إن شاءَ الله . فالأمور مرهونة بأوقاتها .
حسين هيكل
ضهور الشوير ، في 16 سبتمبر(أيلول) 1951
مذكّرات دينار للدكتور داهش
كتب جديدة مذكّرات دينار للدكتور داهش تحت هذا العنوان ، نشرت جريدة “الأسواق” في عددها الصادر بتاريخ 11/1/1953 ما يأتي : |
أهدانا الشاعر المُبدع الأُستاذ حليم دمُّوس مُؤرخ الرسالة الداهشيّة نسخةً عن “مذكّرات دينار” التي وضعها الدكتور داهش في جلسةٍ واحدة كما جاء في المقدمة .
ويُعدُّ الكتاب قطعةً أدبيّةً تصويريّةً رائعة للنواحي الفاسدة المرائية في الحياة .
وجاءت المذكرات على لسان دينار من ذهب منذ أنْ كان تبراً في منجم حتى صار ديناراً . دار العالم من ايطاليا إلى اليابان إلى الهند إلى مصر إلى لبنان إلى أميركا إلى بريطانيا . ومن أيدي تجّار إلى أيدي مومسات إلى أيدي ساسة . وأخيراً استقرّ في “كجة” ابن ترغفي لي سركتير الأمم المتّحدة وظلَّ فيها خمسين سنة . وفي سنة 1995 خرج من “الكجة” ليشهد دمار العالم على يد ابن هتلر . ويذوب الدينار ويعود إلى جوف الأرض كل ذلك في ترسل سائغ وملاحظات عميقة دقيقة .
خير معلّم للنفس البشريّة
مذكّرات دينار خير معلّم للنفس البشريّة وخير مهذّب للأخلاق بقلم ملك قلعجي |
هذا الكتاب لَمعجزة أدبيّة أخلاقيّة نادرة ، فالأدب غالباً ما يكون صنعةً وأسلوباً ، والنصح والإِرشاد يأتي دائماً بكلماتٍ جافّة صارمة .
وهذه خير طريقة للإِرشاد الأخلاقي أتّبعتَها هنا في مزج الأخلاق بالأدب، وأيّ أسلوب ! إنّه ابتكار .
قصّة ذلك الدينار تدفع القارئ دفعاً لمتابعة أخباره بلذّة . وهنا تبدأ القصص المفعمة بالدروس الأخلاقيّة التي يستنتجها القارئ استنتاجاً عن طريق عرض نفسيّة البشر المنحطّة ، وأعمالهم الحقيرة ، وتكالبهم على المال ، وبيعهم في سبيله كل غالٍ ، وتخلّيهم عن الشرف من أجل مطامعهم ، ولجوئهم إلى المُداجاة، والمُكْر والبخل . دروسٌ أخلاقيّة تُستنتج من نفسيّات البشر وعلاقتهم مع بعضهم البعض في أسلوبٍ سهلٍ ممتنع ، مرح غير مُعقَّد ، بليغ ، فيه عنصر التشويق الذي يُجبر القارئ على المتابعة ، وفيه عنصر القصّة ، والعِبَر المستنتجة التي تجعل القارئ يؤمن بما تدعو إليه بطريقةٍ غير مباشرة عن طريق الوصف والحوار ، والنهاية التي تقود إليها الضالّين .
ولا تكتفي بسرد القصة وتترك للقارئ استنتاج العِبَر منها بل تُبيّن له أيضاً قصدك :
“وهنا تمَّت الحكمة القائلة …إنَّ الجزاء من نوع العمل “.
“إنّ العناية الساهرة تأبى إلاّ أنْ تُجازي كلاًًّ حسب أعماله . إنْ خيراً فتكافئه خيراً وإن شرّاً فتجازيه شرّاً “.
وفي الكتاب ترابط وانسجام . فبين حادثة وأخرى رابط وتسلسل منطقي، فانتقال الدينار من يدٍ لأخرى لا يتمّ بشكل متقطّع يجعل كلّ حادثة منفردة عن الأخرى بل يربط الجميع بتسلسلٍ وانتقالٍ طبيعيّين .
وكلّ حادثة تُظهر لنا معرفتك العميقة بالنفس البشريّة ، فمن مُدَّعي الإنسانيّة إلى مُدّعي الدين إلى مُدّعي السياسة ، وفي كلِّ هذا دعوة إلى الإنسانيّة الصحيحة والدين الصحيح والسياسة الحقّة كي يعمّ السلام العالم .
في الكتاب ثورة على الحرب ، على تطاحن البشر ، وهذه الثورة والدعوة إلى السلام لهي أجمل ما يتمتّع به إنسان .
الكتاب مُفعَم بالمعارف ، وهو على جدّته في الأسلوب خير مُثقِّف ومعلِّم للنفس البشريّة ، وخير مُهذِّب للأخلاق .
ملك قلعجي
في 12/4/1965
صدر حديثاً "مذكّرات دينار"
صدر حديثاً “مذكّرات دينار” للدكتور داهش تحت هذا العنوان نشرت جريدة SUD- OUEST الفرنسيّة ، الصادرة في بوردو – فرنسا ، في عددها الصادر في 26 كانون الثاني 1971 ، ما يأتي :
|
هذا الكتاب من تأليف الدكتور داهش ، وضعه في بضعة أيّامٍ تحت تأثيرٍ روحيّ . لقد زُوِّدَ ، منذ ولادته ، بقوَّة روحيَّة ، حتّى ليسهل عليه الإِتيان بمُعجزاتٍ مُذهلة تخلب ألباب الناس جميعاً .
يقصّ “الدينار” أُوذيسّتَه العجيبة ، منذ استخراجه من منجمه ، راوياً اتّصالاته المتعدّدة بهذه البشريَّة الفاسدة ، المُستعصية على الإِصلاح . فهو ينتفض، في مناسباتٍ جمَّة ، ويجهر باسم جميع المظلومين منادياً بالحقّ والعدالة ، مستنزلاً غضَبَ الله المنتقم .
لكلّ شيء – حتّى للأرض – نهاية . والبشر المسعورون يصنعون الكارثة بأيديهم . التاريخُ يُعيد نفسه ، والعالم سيتردَّم بالأسلحة العلميّة الجهنميَّة على يدِ فوهرر جديد …ولا يبقى من الكرة الأرضيَّة إلاّ ما يُشبه رؤيا يوحنّا المفجعة .
"مذكّرات دينار" ذلك الإله الأصفر
ذلك الإله الأصفر
كتَاب “مذكِّرات دينار” للدكتور داهش هو رسالةٌ من السماء إلى الأرض مكتُوبةٌ بحبرها النّقيّ الأزرق ، وموسُومةٌ بخاتم الشّمس والقمر والنّجوم .
ملحمةٌ موضوعها الحقُّ والفضيلةُ والحكمة ، أبطالُهَا النّاسُ في حياتهم اليوميَّة ومسرحُهَا الأرض . الأحداثُ المتسارعةُ والمتصارعة تجري تحت أشعّة النهار ، فلا أضواءٌ ولا ألوانٌ ولا زخارفُ ، ولكنَّ بعضُ الوهجَ واللهبَ والدّخان المنبعِث من احتراق ستائر الزّيف والنّفاق التي تغطّي جسَدَ الكُرَة الأرضيَّة .
أوّل ما يُكشَفُ السّتارُ عن مشهدٍ للدّينار وهو يُزيحُ الأقنعة عن وُجُوه الناس ويُشعلُ النار في أثوابهم ، فتظهر حقيقتهم العارية البعيدة عن الحقيقة .
ولا يكتفي بذلك بل ينتقلُ إلى ضمائرهم ونفوسهم ، ويُسلِّطُ عليها بعضها من بريقه المحبّب إليها ، فيضيء زواياها ويكشف خفاياها .
دينارٌ فيلسوفٌ ، وحكيمٌ مُجرّبٌ يحكي قصّته ، منذ أن كان في المنجم قطعةً من المعدن يَطمرُها التّراب ، إلى أنْ تتفَكّكَ ذَرَّاتُه في الحرب الذريّة ، ويَعُود مرّةً ثانيةً إلى التراب ، تماماً كالإنسان الذي خُلقَ من التراب وإلى التراب يَعُود .
هذا الدينارُ الذي يتكلَّم بلسانِ الدكتور داهش ويُعبّر عن مواقفه ، يُعلنُ في رحلته المُمْتعة حقيقةً ثابتةً هي أنَّ لا حقيقةَ على هذه الأرض ؛ وذلك عبر سياق قصصيٍّ شائقٍ وبارع ، ينقلكَ بسرعةٍ خاطفةٍ من موطنٍ إلى موطن ، ومن مناخٍ إلى مناخ ،ويضعُكَ برشاقةٍ في مهبِّ المتصارعات ، في أجواءٍ يغلبُ عليها الُحزنُ وتُسيّجُهَا المرارةُ والألمُ العميق .
ولا ينسى الدينارُ أنْ يمتدحَ القرآن الكريم ، ويصفَهُ بلُغةِ الملائكَة ، ويؤدِّي التحيَّة للمهاتما غاندي وبعض المجاهدين الشرفاء ، ويذرفَ على الناس دموعَ الأسى والتحسُّر ، إذْ يراهم يتساقطونَ على وهجِهِ كالفَرَاش .
عجيبٌ دينارُ الدكتور داهش ، ذلك الإلهُ الأصْفَر ، الذي تتحوَّل أشعّتهُ إلى أسلاكٍ وخيوطٍ تَربطُ وتشدّ إليه عُيُون الناس وقلُوبهُم إلى الأَبَد .
ياسر بدر الدّين 16/2/1980
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
إلى معبودتي
أي معبودتي الجميلة !
