حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

حقيقةُ الحياة

 

وَهْمٌ هي الحياةُ وضَرْبٌ مِنَ الخَبَلْ

كلُّ ما فيها رُسُومٌ حَائِلةٌ يَسْري فيها الخلل

الناسُ تهيمُ كالأشباح وقد أصابها الفشلْ

وفي بطاحِها الجرداءِ تعشِّشُ شتَّى العِلَلْ

سَئِمتُ فيها عيشي، وأصابني منها الملَلْ

فمَنْ يَرتَحِلُ عنها سريعًا هو في مذهبي البطل

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من يدي المزلَزلَة

أعظم هبات الله

 

أعظم هبة منحها الله للانسان هي العقل ! ومع العقل ، تعمل أدق وأخطر آلة في الوجود … اليدان اللتان ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بكل ما يعتمل في عقل الإنسان وبكل ما يملأ رأسه من أفكار … فيدا الإنسان هما اللتان صنعتا الحياة منذ كانت هناك حياة !

هذا ما يقوله لورانس هوسمان ، الشاعر والكاتب المسرحي والمؤلف الانكليزي ( ١٨٦٥ – ١٩٥٩) فهو يصف هذه الآلة في إحدى مسرحياته ، يقول : « لولا اليدان ، لما استطاع الإنسان أن يتقدم ويتقدم عبر ملايين السنين .. ولما تحققت نظرية التطور والارتقاء التي حدثنا عنها داروين … عند أهل الكهف ، استخدم الإنسان يديه في اقتناص صيده والدفاع عن نفسه … ثم زرع بهما. الأرض عندما بدأ يستقر !

واليوم ، نتحرك ونبتكر ونكتب ونخلق ، ونبدع بيدينا … يكفي أن ترى يدي الطبيب وهما تساعدان المولود الصغير على الخروج من بطن أمه للقاء الدنيا ، لكي نعرف قيمة هذه الآلة التي منحها الله لنا … لو خيروني بين أن أفقد عيني ، أو أفقد يدي لاخترت الظلام . فقد رأيت من صور الحياة والدنيا ما يكفيني. ولكنني لا أحتمل أن أرى يداً أخرى تمتد لتطعمني» !

 

نقلاً عن مجلة العربي :

العدد ۲۱۱ ، حزیران 1976

مقدمة

 

بقلم : الدكتور داهش

 

بتاريخ ١٦ نيسان ١٩٧٦ – وكنتُ إذ ذاك في أميركا – أحببت أن أشترك في مباراة ركض. وكان منافسي في السباق صبية بعمر الورود لا تجاوز الثمانية عشر عاماً ، في حين أني بلغت خريف عمري . وقد اتفقت معها على أن أدفع لها مئة دولار اذا سبقتني ، أو تدفع لي المبلغ نفسه اذا فزت عليها .

وكنتُ مُعتدَّاً بنفسي ، واثقاً بتفوقي عليها في ميدان الركض. إذ كنتُ في المدرسة – وأنا في سن الطفولة – أفوز بالسباق على زملائي من التلامذة الذين هم بعمري .

 

وانطلقنا نعدو… واندفعت بكل ما لدي من قوة ، أريد الفوز والانتصار . وفجأةً اصطدمت رجلي اليمنى بيسراي وأنا بعنفوان ركضي البالغ بسرعته الحد الأقصى.

وإذا بي أهوي بجبروت صارم على الأرض الصلدة ، وتصطدم ذقني بالأرض حتى خلتها تحطمت تحطماً مروعاً.

وأسرع الجميع وأنهضوني ، وإذاني لا أستطيع السير إطلاقاً . فقد تمزقت عضلات فخذي ، وجُرح وجهي ، وتَدَمَّت شفتاي ، وشعرت بألم هائل في خنصر يدي اليسرى . فحملت الى السيارة ، وأسرعوا بي الى المستشفى وأنا بحالة مؤسفة للغاية.

وفي المستشفى أُخِذَتْ لي ثماني صور كهربائية تبين منها أن إصبع يدي اليسرى قد انحرفت عظمته عن مكانها. وكان ألمي عظيماً ومتواصلاً، وأنيني لم أستطع إيقافه.

وقال الطبيب : ” من العجيب أن حوضك لم يتحطَّم ، فسنُّك تحتم أن يتحطَّم الحوض حتى في حال السقوط البسيط ، فكيف والسقطة بالغة الشدة ” وأكمل قائلاً : ” يظهر أنَّ عظمك فولاذيّ المتانة ! ” .

 

غادرت المستشفى وأنا بحالة محزنة…

فالسَّيْرُ مستحيل عليّ ، فضلاً عن الآلام التي كانت تنوشني نوش النسور الكاسرة .

ومضت الأيام، وتبعتها الأسابيع فالشهور ، وخنصر يدي اليسرى يتفاقم المه ويتعاظم تورمه !

٢٠ طبيباً زرتهم في أمريكا ، فلم يجدني طبهم نفعاً إطلاقاً !

أخيراً، عرفت أن مدينة بلتيمور الأمريكية فيها مستشفى يُعد أشهر المستشفيات ، وأطباؤه من أقدر النطاسيين العالميين. فزرت هذه المدينة ، وأجريت الكشف على إصبع يدي المردم، لكني لم أفز باية نتيجة مفيدة إطلاقا .

 

وقد مضى ، حتى الآن، عامان وعشرة أشهر على حادث سقوطي سقطة الموت المزلزلة ، وما زال خنصري لا أستطيع إطباقه على كفي . كما أن كف يدي ما زال حتى الآن متورّماً ، بعد مضي هذه الاعوام الثلاثة على وقعتي المروعة المشؤومة .

إذاً ، على القارئ أن لا يستغرب صدور كتاب خصَّصته بأكمله ليدي ، فوصفت آلامها ، واستمرار حالتها المفجعة ، واستحالة برئها .

أخيراً ، أقول : ربما أستيقظ ، يوماً ، فأراها قد شفيت . فليس على الله شيء عسير .

 

الدكتور داهش

بيروت ، صباح ۱۹۷۹/۱/۱۷

سترافقني حتى أزورَ أرماسي

 

الآلامُ سرتْ من أسفل قدميّ حتى قمّة رأسي

وامتزجت بدمي، وحطّ كلكلُها عليّ فكتم أنفاسي

أنهكني، روّعني، مزَّق وقطع أمراسي

زارني عضوًا فعضوًا، فزلزل كياني وهدَّم أساسي

فصحتُ من الآلام المُرعبة، وليس من يؤاسي

لله! يا ألم الهول! كم تُراك عليّ قاسي

أفقدتني لذة الحياة، وجرّدتَ إحساسي

أنا لا أستطيع حراكًا لأرتدي لباسي

عفتُ الطعام والشراب فحطَّمتُ كاسي

لله، ما أرهبَ ما حفَّ بي من أفظع المآسي

الداهشيون أين هم ليلمسوا آلامي، أين أُناسي؟

أنا – ولو شُفيتُ – فآلامي الهائلة لستُ بناسي

وسترافقني ذاكراها الفظيعة ولو ثويتُ في الأرماس

 الولايات المتحدة الأميركية

الساعة 9 ونصف من صباح 25/4/1976

فرحتُ أجري

 

في الساعة الرابعة كتبتُ القطعة التالية

أصف بها وقعتي المشؤومة  بتاريخ 16/4/1976

 

وبعدَ أن فكرتُ بأمري                          أحببتُ تقصير عمري

                                    فرحتُ أجري

وطرتُ فكأني فتيّ                               مع أن عمري عتيّ

                                    وبالي خليّ

وإذا بي كالصخر أهوي             والموتُ مقبلٌ نحوي

                                    قائلاً للبيد دعنا نطوي

وانبثق في فمي دمُ                               وحولَ عيني كَدَمُ

                                    وبشفتي جرحٌ يسمُ

وذَقْني بالأرض ارتطمتْ             فصحتُ لقد تحطَّمتْ

                                    لله! أعضائي قد تهشَّمَتْ

ويدي من قوَّة الصدمة سُحِقَتْ     وروحي لعِظم آلامي زُهِقَتْ

                                    وحالتي شفَّتْ ورُقَّتْ

وساقي تمزقت عضلاتها              فاشتدتْ آلامها وتفككت صلاتها

                                    وإذا بموسيقى الآلام تعزف أناتها

وظهري لمعَتْ بروقه                             فإذا هو يُعلنُ أوجاعه ببوقه

                                                والعودة إلى العافية تشوقه

تفكَّكت ذرّاتُ جسمي                         وعُجنَ لحمي بعظمي

                                                ترى ألمْ يكنْ من يعظني؟

وحُمِلْتُ إلى المستشفى                           لعلَّ وعسى أن أُشفى

                                                فرشفتُ الدواء رشفة إثر رشفة

وبغرفةِ المرضى وضعوني              ولغرفة الكهرباء أدخلوني

                                                وفيها ثمانية صوّروني(1)

وقلبي خططوه                                               وفمي رطبوه

                                                كأني حملٌ قد طَهَوه

وأسناني اصطكتْ وعلا صريرُها     كأنها مريضة تحتضر على سريرها

                                                أو مُقنبلات تفجر عويلها

وحُمِلْتُ لمنزل العزيزة فوته            أطلبُ من ربي غوثه

                                                وأصوات خفية تردِّد: اليوم يوم موته

وليلة ليلاء قضيتُها                              بأنينها وموتها

                                                ولست أدري كيف طويتها

ويدي تورمتْ فأصبحتْ مُخيفة      بعد وقعتي الرهيبة العنيفة

                                                فحمدتُ ربي إذ بقيت حيًّا ولم أستحِل لجيفة

واليوم مضى على الحادث أيام عشرة فقد تغيرتْ معالمي وتشققت البشرة

                                                فمتى يا خالقي أشفى إذ هذه هي البشرى

الولايات المتحدة الأميركية

الساعة 4 بعد الظهر تاريخ 25/4/1976

 

وَغَرَّدَ طائِر الجنة يُبشرُني

 

هذا هو اليوم الثاني عشر لسقطة الموت التي انقذني الله منها ووقاني.

وكان نهوضي يصحبه ألمٌ كبير، فساقي ألمها هائل، ويدي أوجاعها رهيبة، وورمها عوضًا من أن يخف ازداد منظره هولاً. وقد أوحى لي الألم بكتابة هذه القطعة.

 

وإذا التمعت بروقُ آلامي،

وازدادت أوجاعي، وعظمتْ أشجاني،

وإذا قضيتُ الليل ساهرًا أجترُ أحزاني،

رفعتُ صلاتي الحارة لخالقي وأنا ساجدٌ في مكاني،

شاكيًا إليه، مَن أذلَّني ومن ابتلاني،

ضارعًا لسدَّته أن يعصفَ بمن شجاني،

ومن لبَّدَ سمائي بالغيوم وأزال اطمئناني،

وإذا بطائر الجنَّة الغريد يبشرني بحنانِ

بأنّ يدي قد أصبحتٍ قويةً كاليماني،

فدُهشتُ للمُعجزة وتوطَّد إيماني،

وفرَّتْ الآلام مذعورةً مُطلقةَ العنانِ،

فسجدتُ خاشعًا مُتبتلاً شاكرًا خالقَ الأكوانِ.

                                                                                                الولايات المتحدة الأميركية                      

الساعة 8 ونصف من صباح 27/4/1976

وتضعُ على رَمسي باقاتٍ منَ الزهر

 

والآن ليسَ لي سوى الصَّبر

على شيء حلاوتُه أمرُّ من الصبر

رفعتُ شكواي لربي من ظلم الدهر

أذاقني أشد البلوى، فبتُّ رهين القهر

تُرى هل ستوردني يدي مواردَ القبر

فتزورني فوته وتضع على رمسي باقاتٍ من الزهر

والشتاءُ يبكيني ثم يصبُّ ماءَهُ في النهر

واهًا على حياة قضيتها شقيًّا في طريقٍ سهولها وعثاء كالوعر

عشرون يومًا مضتْ وآلامها في دمي تسري

أصبحتُ رهينَ فراشي مُعذبًا فيه، فيا لأسري

أئنُّ فيه مُتوجعًا مُلتاعًا، والآلام كبدي تفري

لذا أضرع لخالقي أن يرحمني فيضع حدًّا لعمري.

                                                                                                الولايات المتحدة الأميركية

 الساعة 10 ونصف من ليل 3/5/1976

 

كأنَّ قِطارًا قد داسني 

 

  يدي ارتطت، ومصيبتي عظُمتْ

لله! ما ارهبَ آلامها، عروقها قد قطعتْ

وصحتُ من الألم،

ومن وجنتي انبثقَ الدمْ

وذقني أصيبَ بأشد الكدّمْ

وتمزقَ عضلي في القدمْ

لله! كم شعرتُ إذ ذاك بالألم

وقد أُصبتُ بوجوم، وندم

وقرَّعتُ نفسي وأنحيتُ عليه بكلِّ ذمّ

وقلتُ لها كم نصحتِ أن ترعوي، كم وكمْ

والجدال بيني وبين نفسي احتدَّ واحتدمْ

فقلتُ أنا جنيتُ على نفسي وسأسجِّلُ هذا بالقلم

فالسباقُ في سني جريمةٌ، قصاصها عدمْ

أنا لست فتيًا لأطمع بأن أفوزَ وأصبح نجمْ

يردِّدون انتصاري فأشتهرُ كالنار تسري بعلم

ركضتُ فجوزيتُ بسحق يدي وانتفاخها بالورمْ

وباوجاعها الرهيبة واستمرار الألمْ

شعرتُ كأنَّ قطاراً داسني عندما بي اصطدمْ

رحماكَ ربي واشفني، واسبغ عليّ ذي النعمْ

الولايات المتحدة الأميركية

الساعة 11 ليلاً تاريخ 6/5/1976

رُحَماكِ لا تقسي

 

فُجِعتُ بُيسراي إذ تحطمتْ، فهلعتْ نفسي

واضطربتْ روحي، فرحتُ أندبُ أمسي

وارتجفتُ وجلاً، وكدتُ أفقدُ حسي

وعلا أنيني، وأنيني وألمي يختلطان بصراخي وهمسي

ذُعرتُ إذ شاهدتُ ورمها، فقلتُ لقد غربتْ شمسي

إذا لمستُها خلتُ شياطين الجحيم يحشونها بالجمر من لمسي

آلامها ترافقني ابدًا إذ أُصحب فيها وأُمسي

شاهدتْها الطبيبةُ وأرادتْ لمسها، فاستحلفتها لا تجسي

إذ لا طاقة لي لشدة آلامها، فتذكري ولا تنسي

ومضت الأيام تترى، وأوداعها بازدياد، رحماكِ لا تقسي

وإذا أبيتِ إلا الجموح بقسوتكِ فأطرتِ نعسي

وأطبقتِ على صدري بشباكك فضيقتِ نفسي

إذْ ذاك أرجو العلي أن يأذن لي بدخول رمسي.

الولايات المتحدة الأميركية

الساعة 10 ونصف من صباح 7/5/1976

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!