حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
على الجَدَثِ المُنفَرد
يا زائرًا جَدَثي المُنفرد، قِف أمامي صَامِتا
لكَ الله!… خفِّف السير، فإنَّ فيهِ ما فيَّ مِنَ الأماني
واخشعْ أمام لحدٍ يجمعُ بينَ حُبِّي وحَناني
وقِفْ مُتأملاً في فتًى كان مِلءَ بُردَيهِ الشباب
لكنَّه توارى كالسَّحاب وتلاشى كالضباب
بعدَ أنْ قسا عليهِ كلُّ بَشَريٍّ وكان بهِ شامِتا!
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
آراء ودراسات في كتاب كلمات
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
آراء ودراسات في كتاب كلمات
كلمات للدكتور داهش
تحت هذا العنوان نشرت مجلّة “المصوّر”
في عددها 767 الكلمة التالية:
” إلى كلّ ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف ،
“إلى كلّ من يخفق فؤاده بالكراهية لهذه البشريّة الكاذبة ،
“إلى كلّ من يحمل بيمينه معولاً ليقوّض به بناء هذه الجامعة الفاسقة …
أهدي هذا الكتاب”.
بهذه الكلمات الثائرة الصاخبة ، وبكثير غيرها أشدّ ثورةً وأكثر صخباً ، قدّم الدكتور داهش كتابه إلى القرّاء . فإذا ما أنت بدأت تطالع ما فيه من “كلمات” ، لم تشكّ في أنّ ثورة هائلة تضطرم في نفس كاتبها ، فلم يجد غير القلم يشكوه همّه ، والقرطاس يسجّل فوقه شكواه !
ولكمات الدكتور داهش ثمرة عام كامل ، هو عام 1936 كما يقول . فقد أحبّ أن يدوّن في كلّ يوم من أيّام ذلك العام كلمة يقولها فيودعها بعض ما يختلج في نفسه . فلمّا انتهى العام ، تجمّعت لديه هذه المجموعة ، فآثر أن ينشرها في كتاب ، فجاء كتابه صورةً عن تلك النفس الثائرة على المرأة ، وعلى الصداقة ، وعلى الإنسانية والبشريّة والحياة جمعاء .
حول كتاب "كلمات"
تأليف الدكتور داهش
أرسلت الآنسة (سميحة) هذا المقال إلى مجلّة “الأماني”
بتاريخ 15 أيار 1939
بقلم (سميحة)
الكلّية الأميركيّة للبنات- بيروت
إنها قنابل وليست “بكلمات” تلك التي ضمّنها الدكتور داهش كتابه . وأيم الحقّ ، ما قرأت أيّ كتاب فيه ذلك الغلوّ والتطرّف في كافّة المواضيع التي عالجها حضرة المؤلّف . فالقارئ يلمس لمس اليد أنّ المؤلّف يرمي إلى نسف الأوضاع والقوانين والشرائع التي سنّها البشر وساروا عليها ؛ ثم يطعن في المرأة طعناً قاسياً أليماً بالغاً أقصى ما يصل إليه قلم سخص موتور من هذا الجنس الناعم . إنه لا يؤمن بوجود فضيلة عند أيّة امرأة مهما كان أمرها ، ومهما كانت تربيتها ، ومهما كانت بيئتها . وهو لا يرى من الحياة غير ناحيتها السوداء ، وينظر إلى كافّة مشاهد هذه الدنيا بمنظار شديد الحلكة ؛ ومن ثمّ يصفها بقلمه المخيف فيأتي على الأخضر واليابس معاً .
وما دام حضرته قد شطّ عن الطريق السويّ ، ونعت جنسنا بكلّ نقيصة ، واتّهمنا بكلّ موبقة ، فإنني أنبري كي أفنّد ما زعمه وأقوّضه له .
وبنفس الوقت تراني متأكّدة أن حضرته ، ولا شكّ ، قد صدم بحبّه ، وخاب أمله بمن وهبها فؤاده ، فبيّت لبنات جنسها كراهية هائلة وحقداً دفيناً ، وراح ينفث سمّه بواسطة قلمه , وينشر مذهبه الذي لا يدين به سواه .
إنّ المرأة ، يا سيّدي ، أسمى بكثير ممّا ذهبت إليه ، ولا يهمّها أن تنعتها بما يروق لك . ويكن تذكّر دائماً أنّك دون المرأة لا يمكنك أن تكون شيئاً . ولا يغرب عن بالك أنه لولا المرأة وعدم مبالاة من أحببت لما استطعت وضع كلماتك عن جنسها ، لأنّه لا يمكن لأيّ قارئ أن يطّلع على ما كتبته عنها إلاّ ويتأكّد له أنك مغتاظ منها ، ولهذا تودّ سحقها ، وأنت أعجز من أن تستطيع عمل شيء سوى نفثك سمّك الزعاف بواسطة النشر ؛ وهذا ما كان يجب عليك أن تترفّع عنه كلّ الترفّع .
أنا أحتجّ عليك أصالة عن نفسي ، ونيابة عن بنات جنسي ، هذا الجنس اللطيف الذي تغنّى به أعاظم الشعراء في كافّة أقطار العالم ، معروفها ومجهولها ، منذ أوّل يوم أوجد الله فيه هذا الكون . هي من نشدها الجميع ، ومن نعم بعطفها وحنوّها كلّ فظّ القلب عديم الإحساس ، فاضطرّ لأن يؤمن بقوتها التي وهبتها السماء إيّاها . هي من تغنّى بلطفها ودلالها ، وجمالها وكمالها عظماء المفكّرين في جميع انحاء المعمور !…. فمن تكون أنت ؟
وما هو شأنك ؟ ومن يقيم لكلماتك عنها أيّ وزن ؟ ثق بأنّك قد حفرت جدثك بيدك ، والأجدر أن ترقد فيه ، وأنت تضمّ كتابك الذي لن يؤثر على مركز المرأة بقليل أو كثير . وإنّما جلّ ما هنالك أوجدت لك ألوفاً ممن سيحملون عليك حملات شعواء يا ما كان أغناك عنها ! ويكن من يدري ؟ لعلّ هذا كان مسطوراً لك في لوحة القدر . إذاً انتظر الحمم التي ستنزل عليك نزول الصواعق بواسطة أقلام ربّات النقاب ، وأنصار هذا الجنس الناعم . وعندها سترى كم هو خطأك ، وكم هي كلماتك ليست بذات قيمة ، ولا يأبه لها سوى كلّ من نزع الله منه نعمة العقل ، وأنت زعيمها وحامل لوائها , وإلى اللقاء .
سميحة
الكلّية الأميركيّة للبنات- بيروت
15 أيار 1939
حول المرأة
تحت هذا العنوان نشرت مجلّة “الأماني”
في العدد 40 الصادر بتاريخ 2 حزيران 1939
الكلمة التالية ردّاً على المقال الذي أرسلته الآنسة (سميحة)
تلقينا كلمة من الآنسة “سميحة” (الكلّية الأميركيّة للبنات – بيروت) .
وهذه الكلمة غضبة نبيلة للمرأة لمناسبة صدور كتاب للدكتور داهش بك اسمه “كلمات”.
وصلنا كتاب الدكتور داهش منذ أيّام وسنكتب عنه كلمةً في باب نقد الكتب ؛ ولكن كلمة الآنسة “سميحة” حملتنا على أن نعرض لهذا الكتاب هنا أيضاً . فالمؤلّف شديد النقمة على المرأة إلى ما لا حدّ له من النقمة ، والآنسة سميحة شديدة النقمة على المؤلّف ، شديدة الدفاع عن المرأة . أمّا نحن فنعتقد أنّ المرأة مخلوق كالرجل ، وأنّ الرجل والمرأة متساويان مساواة تقابل وتكامل . فإذا غدرت بي امرأة لم ألعن جميع النساء من أجلها ، وإذا خانني رجل لم أكره سائر الرجال ، فإنّ ذلك لا علاقة له بالجنس . وهنالك تحليل لهذا سنتركه لنقد الكتاب قريباً إن شاء الله .
لقد أعجبني من الآنسة سميحة أنّها فهمت “كلمات الدكتور داهش” حينما قالت :” ثمّ يطعن على المرأة طعناً أليماً قاسياً بالغاً أقصى ما يصل إليه قلم شخص موتور من هذا الجنس الناعم … وهو لا يؤمن بوجود فضيلة عند امرأة ما مهما كان أمرها ، ومهما كانت تربيتها ، ومهما كانت بيئتها “.
وبعدئذ تنذره شديداً فتقول :” انتظر الحمم التي ستتساقط عليك كتساقط الصواعق من أقلام ربّاب النقاب وأنصار هذا الجنس الناعم وحماته الصِيد “.
هل تريد أن تكون صاحب السلطان المُطلق
على المرأة فتأتمر بما تريد ؟!
هل تريد أن تعرف ما هي أهداف المرأة
واتجاهاتها في هذه الحياة ؟!
نشرت بجريدة “فلسطين”، في 10 تمّوز 1939
هل تريد أن تعرف بماذا تفكّر المرأة وبماذا تحلم ، ولأيّة غاية تشبّثها في هذه الدنيا ؟
هل تريد أن تتّصل إلى أعماق ما تتمنّاه المرأة ، وتتوق إليه بشوق وحنين ولهفة وأنين ؟
هل تريد أن تعرف ما هي أمنية كلّ فتاة تعيش في هذه الأرض ؟
هل تريد أن تعرف لماذا أوجد الله لنا هذه المخلوقة الجميلة في تكوينها ؟
هل تريد أن تعرف ما هو السرّ في جمالها ولطفها ودلالها ؟
هل تريد أن تعرف أسباب قسوتها وتجافيها ؟
هل تريد أن تعرف مَن مِن الرجال تفضّل ومن منهم تكره ؟
هل تريد أن تعرف ما هو الشيء الذي تبطنه وما هو الشيء الذي تظهره ؟
هل تريد أن تعرف ما هي آمال المرأة المتزوّجة والفتاة العزباء ؟
هل تريد أن تعرف إذا كانت المرأة ملاكاً أم شيطاناً ؟
هل تريد أن تعرف إذا كانت صالحة أم طالحة ؟
هل تريد أن تعرف إذا كانت رسولة السماء أم هديّة الجحيم إلينا ؟
هل تريد أن تعرف ماذا هي بدايتها وماذا ستكون نهايتها ؟
هل تريد أن تعرف لماذا أوجدها الله لنا وما الغاية من ذلك ؟
هل تريد أن تعرف ما هي علي حقيقتها دون لبس أو غموض ؟
إذا كان هذا ما ترغب فيه فما عليك إلاّ قراءة كتاب :
كلمات
الذي صدر في هذا الأسبوع فتطلع على حقيقة المرأة كما صوّرها قلمه فأتت على أحسن صورة وأصدقها .
عرفت فيه الروح الوثّابة
الدكتور داهش
عرفت فيه الروح الوثّابة
والنفس العالية الطموحة
بقلم الكاتب الفلسطيني
أحمد خليل العقّاد
لم أعتد نقد الكتب أو تقريظها ، إذ لست بالكاتب الذي يحقّ له أن يتناول حتى أصغر المؤلّفين بالنقد أو التقريظ ؛ إلاّ أني تشجعت في هذه المرّة بصورة لم أعهدها في نفسي من قبل ، فرأيتني أمسك القلم لأخطّ كلمة لا أسميها نقداً أو تقريظاً ، وإنّما هي وحي من شعور صادق عن كتاب صديقي الدكتور داهش الذي أصدره مؤخّراً بعنوان : كلمات الدكتور داهش .
والقارئ الذي يعرف المؤلّف معرفة شخصيّة ، باستطاعته أن يتفهّم معاني كلماته وما يقصد فيها ، لأنّ ما يخطّه الإنسان هو مرآة صادقة التعبير عن عواطفه ومشاعره وأماليه . ولذا فإنّني إذا ما كتبت عن الدكتور داهش ، فإنّما أكتب عن معرفة تامّة ودراسة قويّة .
عرفت داهشاً في فلسطين منذ سنوات خلت . وقد عرّفني فيه صديقي وزميلي في الصحافة الشاعر الفيلسوف المرحوم مطلق عبد الخالق .
عرفت فيه الروح المرحة الوثّابة ، والنفس العالية الطموحة ، والميل إلى صداقة الناس ومعرفتهم ، وحبّه للمرأة وعطفه عليها والمدافعة عنها في كلّ مجلس أو نادٍ .
ومنذ أيّام قليلة يطلع علينا الدكتور داهش بكلماته الأخيرة ، فقرأتها مثنى وثلاث ورباع . وفي كلّ مرّة ، وفي قراءة كلّ سطر ، بل كلّ كلمة ، أقف مستغرباً دهشاً .
يا لله ، لقد تغيّرت نفسيّة الدكتور وعواطفه وأماليه . لقد أصبح ناقماً ، ثائراً على هذا الكون ، على الناس ، على الأصدقاء ، على المرأة ، وحتى على نفسه أيضاً .
يقول الدكتور في أولى كلماته :
“حين تشكّ بأقرب المقرّبين إليك تبدأ في فهم حقائق هذا الكون“.
تلك لعمري كلمة فلسفيّة لم يسبق لي أن سمعتها أو قرأتها لغير الدكتور داهش .
ليس من واحد في هذا العالم إلاّ وله عليه نقمة أو غضبة . ولكنّه لا يستطيع التعبير عنها ، فجاءت صحيحة كاملة في كلمة الدكتور الخالدة .
جرت العادة عند المؤلّفين أن يكتبوا في الصفحة الأولى من مؤلّفاتهم كلمة تُعرف “بإهداء الكتاب”. وهذا يكون طبعاً إما لشخص عظيم أو لعزيز . ولكنّ الدكتور اختطّ لنفسه طريقاً جديدة ، فأهدى كتابه :
” إلى كلّ ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف “.
” إلى كلّ من يحمل بيمينه معول الهدم ليقوّض به بناء هذه الجامعة البشريّة الكاذبة”.
” إلى كلّ نفس عطشى بحبّ الانتقام الرهيب “.
من خلال هذه الكلمات المسطّرة يتبيّن للقارئ مبلغ حقد الدكتور وكراهيّته لهذا العالم ، وما فيه من أكاذيب ورياء . وكلّ شخص تعمّق في دراسة هذا العالم واختبر الحياة لا شكّ بأنّه يقف موقف الدكتور الشديد ، إذ ليس من شك بأنّ هناك من الحوادث الهامّة المروّعة التي مرّت بحياة الدكتور ما أثار حفيظته على ما فيه من مخلوقات ، فراح يعمل على الانتقاص من شأنها ، ولو استطاع لقوّضها .
يتحدّث الدكتور في كلماته عن المرأة فيقول عنها :
“ هي شبح لا تتخيّل أمامها سوى طيف شهواتها وأمانيها “.
” هي شيء الحبّ كلّ ما تحلم به وتتوق إليه “.
” هي غضبة الطبيعة وكلمتها الهدّامة “.
” هي الشيطان الرجيم اتّخذ جسدها ملجأ حصيناً ومعقلاً أميناً “.
” لا يوجد في هذه الحياة من هو أشدّ قذارة من المرأة “.
” المرأة بؤرة نتنة ، والرجال خنازير قذر دائم التمرّغ فيها “.
” لا تأمن المرأة ، حتى التي قذفت بك إلى هذا العالم “.
” كلّما ابتعدت عن المرأة ازددت قرباً من السماء “.
” المرأة سبب شقائي الدائم “.
هنا … هنا يظهر لنا السبب واضحاً جليّاً في حملة الدكتور الشعواء على المرأة . فقد اعترف تماماً بكلماته الأخيرة :
“ المرأة سبب شقائي الدائم“.
إذاً فالدكتور ينقم على المرأة لأنها سبب شقائه . ولكن ، يا دكتور ، إذا كانت أحداهنّ قد سبّبت لك الشقاء ، فليس لك أن تحكم عليهنّ جميعاً هذا الحكم القاسي . وهل بإمكاننا جميعاً أن نبتعد عن المرأة كما تريد ، ونستغني عنها ؟! سنأخذ الجواب على ذلك من كلمات الدكتور ، فاسمعوه ماذا يقول :
” من يكون ذلك القدّيس الذي لم تخطر المرأة بباله ؟ لو وجد هذا لشبّهته بالآلهة “.
يا لسلطان المرأة ما أعظمه على نفسي ، ويا لجمالها ما أعذب رؤيته إلى عيني ، وما أشدّ حاجتي إلى عطفها وحنانها “.
“أيّتها المرأة العظيمة بقوّتك ، الهائلة بجبروتك ، كم أنت تمرّين بخاطري . ولا بدّ لي من يوم أرتقي بسببك إلى قمم المجد والفخار ، أو أنحدر إلى لجج النار “.
” المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السطان . وهي تحمل بيدها سيفاً قاطعاً لو حاول رجال الأرض قاطبة انتزاعه منها لباؤوا بالفشل والخذلان “.
“ الرجال حكموا على المرأة بالضعف ، والحقيقة تخالف هذا ، إذ إنّهم جميعاً عبيد أذلاّء أمامها“.
تبيّنت لها الحقيقة جليّة ؛ فإن الاضطراب في كلمات الدكتور ومناقضة نفسه لنفسه قد فضحاه ، فهو يكره المرأة ويحبّها ، وهو يحتقرها ويحترمها .
أعتقد تماماً بأنّه سيأتي عمّا قريب اليوم الذي يتغيّر فيه الدكتور وتذهب من نفسه تلك العوامل والمؤثّرات التي أوحت له بما كتب ، وإن كنت أشاركه الرأي في كلّ ما كتبه عن المرأة حاضراً ومستقبلاً .
ويأتي بعد ذلك دور الأصدقاء فيقول الدكتور :
“إنّ الصديق الحقيقيّ لا وجود له في هذا العالم الكاذب “. هل يختلف اثنان في هذا ؟ وهل باستطاعة أحد أن يقول غير ما قال الدكور ، ويثبت أن له صديقاً حقيقيّاً ؟ … لا أظنّ ذلك …
ويقول الدكتور في هذا الصدد أيضاً :
” الرجل الذي يؤمن بوجود الصداقة الخالصة على وجه هذه الأرض جدير به أن يعلّق في عنقه بسلاسل من فولاذ ، وأن يموت كالكلاب شرّ ميتة”.
“سأحاذر ، ما حييت ، الأوغاد الأدنياء ، من يدّعون الصداقة وهم ذئاب خونة “.
“الصداقة ، الولاء ، الإخاء ، نكران الذات … كلمات شعريّة نستعملها في الكتابة فقط ، والحقيقة أن لا وجود لها أبداً “.
هذا رأي الدكتور في الأصدقاء . وأعتقد أنّ الجميع يشاطرونه الرأي في ذلك .
ويأتي بعد ذلك الدكتور فيتكلّم عن العالم وما فيه من غرائب وتناقضات ورذالات ، ويستهلّ كلماته قائلاً :
” لا بارك الله في تلك الساعة التي فتحت فيها عينيّ فإذا بي في مكان يطلقون عليه اسم العالم “.
“لا سلام في هذا العالم “.
” الحياة سلسلة شرور متّصلة الحلقات “.
“الحياة سفينة عظيمة رائعة تمخر في بحر ماؤه الآثام ، وأمواجه الشهوات البهيميّة ، وشطآنه النهاية المؤلمة “.
” نأتي إلى هذا العالم باكين معولين ، ونغادره باكين معولين . فواهاً لك يا عالم البكاء والعويل !”.
” من قال لك إنه سعيد ، قل في نفسك إنه مجنون …يهذي “.
” أنا ِأشكّ بالملائكة ، فكيف أؤمن بالبشر”.
هذه هي الحياة في نظر الدكتور . ويتبيّن لنا مبلغ ما يشعر به الدكتور من يأس وقنوط . لا شكّ بأنّ الحياة هي كما وصفها الدكتور ، إلاّ أنّ فيها من وسائل السلوى وأسبابها ما يخفف عن المرء احتمال الحياة .
ونعود فنقول إنّ ذلك يرجع إلى ما يشعر به الدكتور في نفسه ، وإلى الصخرة التي ارتطم بها في حياته .
وأخيراً أتقدّم إلى الدكتور بالتهنئة الحارّة على كلماته الخالدة والتي جاءت ولا شكّ قاموساً يجب على المرء أن يقرأ ما فيه ليعرف شيئاً ما عن هذه الحياة الملأى بالشرور والآثام ، وليسير فيها على هدى وبصيرة وحذر ورويّة .
أحمد خليل العقّاد
فلسطين 1939
حقيقة صارمة لا يستطيع تكذيبها أيّ إنسان
“كلمات ” الدكتور داهش
حقيقة صارمة لا يستطيع تكذيبها أيّ إنسان
بقلم ملك قلعجي
ثورة تتفجّر ، وتوقٌ إلى السموّ ، إلى الحقيقة ، هما أوّل شيء يطالعنا به الكتاب . ولعمري هما ميزة الإنسان الإنسان الذي يهدم ليبني . ولا يعيش على فتات ما قدّمه إليه الأقدمون من أفكار ، بل لا يؤمن إلاّ بما يلمسه ويحسّه من تجرباته . وتلك هي ميزة لا يتحلّى بها سوى قلّة من الناس العباقرة : فأرسطو لم يؤمن إلاّ بما تعطيه إياه التجربة ، وديكارت قال :” أنا أشكّ في كلّ شيء ، لكنني لا أشكّ في أنّني أشكّ “.
من هنا ، من الشكّ ، من الثورة ، يبدأ الإنسان باكتشاف الحقيقة .
يقال إنّ هنالك صداقة ؛ ولكنّ الشكّ في ذلك ، وخوض التجربة هما وحدهما الكفيلان بقول الحقيقة : نعم أم لا .
وقد كنت كذلك وقمت بذلك العمل وعرفت أن لا صديق . لم تقل فقط :” ليس هنالك من صديق”، ذلك قول البسطاء . لكنّ العباقرة يحلّلون الطبائع البشريّة ؛ ولقد حلّلت نفوس البشر . عندما تقول لإنسان ما : ليس هنالك صداقة ، قد لا يقتنع . ولكنّ كلامك الذي يفسّر النفوس البشريّة أعمق تفسير ، ويخوض في خباياها مظهراً كلّ ما يختبئ فيها ، مبيّناً كلّ ما يعتمل بجوانبها من نزوات وأهواء ، يدفع القارئ دفعاً للإيمان بما تقول .
فقولك مثلاً :” أنا أشكّ بنفسي ولا أثق بها ، فكيف تريد منّي أن أثق ثقة عمياء لا حدّ لها .. أولا يعدّ هذا منتهى الغباء والجنون “؛
وقولك :” لا تثق بمخلوق ما ، إذ إنّنا جميعاً خاضعون لسنّة التغيّر “.
لقد عبّرت عن مشاعر البشر الذين لا يعرفون هم التعبير عنها ، بأساليب مختلفة : فمن قصة تروي فيها اضمحلال الصداقة ، إلى حكمة مفعمة بالمنطق :
” لا خير في صداقة تنميها الغايات”.
إلى أسلوب شعري يدخل القلب مباشرة :
“الصداقة كالزهرة الشذية عرضة للذبول والعفاء “.
أو مخاطبة الصداقة الحقيقية ، في التساؤل عنها ، في التوق إليها :
“بربّك أيتها الصداقة البريئة أنبئيني في أيّ أفق تحيين ؟”.
كلّ قول ، كلّ فكرة هي جدّة في نوعها . فمن منطق إلى أقصوصة ، إلى شعر ، إلى رمز إلى مخاطبة ، إلى تساؤل ، إلى سرد ، إلى استنتاج :
“كم أكون أحمق … إذا تركت لأيّ مخلوق سلطة على فؤادي بعد أن شاهدت من لؤم الأصدقاء ورذالتهم ما ناء له صدري وضاقت به آمالي “.
هنا يستنتج معك القارئ أيضاً . فأنت تدفعه دفعاً للإيمان بما تقول إن عن طريق الوقائع ، والحقائق الدامغة نتيجة التجربة أو عن طريق الأسلوب الذي يدخل النفس بلا استئذان .
وأنت في كلّ ذلك متألّم ثائر لأنّك تريد الصداقة الحقّة ولا تجدها فتتحسّر عليها قائلاً جاعلاً كل من يقرأ لك يقول معك :
“ما أقبحك يا خيانة وما أرذلك أيّتها البغضاء اللعينة . وواهاً عليك أيتها الصداقة الذابلة !”
وينتقل معك القارئ إلى اسلوب هادئ صاخب ، كذلك الجبل الذي يخبّئ في أعماقه بركاناً .
ما أجمل ذلك التشبيه الذي قلت فيه :” والظلمة أراها تحيط بي إحاطة الكواكب بالقمر المشرق الوضّاء !”
يأس فأمل فيأس : سلسلة مستمرّة تؤلّف حياة الإنسان وتجعله كما قلت ” طيراً في قفص رهيب لا يستطيع النفاذ منه حتى يأتي الموت ويحرّره من تلك العبوديّة “.
الوحدة ، الإيمان ، الإبتعاد عن المادّة ، نهم الحياة وزيفها ، المجتعات ، الصداقة ، تقلّبات الحياة ، الإقبال عليها ثم اتشاف حقيقتها .
” أمجاد هذا العالم وهم باطل ، ولون حائل ، وظل زائل “.
” رغماً عن معرفتنا بأننا سنغادر هذه الحياة عاجلاً أم آجلاً ترانا متهالكين على سقطها ومتاعها كأننا مخلدون “.
كل حكمة ، كلّ قول تقوله ينطق بالحقيقة في كلمات قليلة موجزة ، في أسلوب سهل ممتنع موجز ، في عدّة كلمات ، فيؤثر في النفس مباشرة ويدخل القلب ويبعث على الاعتقاد .
فمن سرد للوقائع ، للإنسان كما هو :
“جميعنا مغترّ مخدوع ببعضه البعض”.
” ما أكثر القائلين بالعطف على البائسين وغوث الملهوفين والحنوّ على القانتين ، وما أقل تنفيذهم القول “.
إلى دعوة للإنسان كما يجب أن يكون :
“التربية القويمة خير واق”.
” القسوة الشديدة تأتي بنتائج لا نرضاها “.
وينتقل القارئ من جوّ الحياة القاتم إلى ما فيها من جمال حين تناجي الطبيعة وتعبر عن نفس حسّاسة ، صافية طاهرة :
” أنا أتوق للذهاب إلى إفياء الحزانى والموؤودين ، وأؤثرها على تلك الأفياء الصاخبة بالهازجين الضاحكين “.
وفي كلّ ما تقول حقيقة أعمق من أيّ عالم نفسيّ شرح وأعطى النظريّات المطوّلة عن النفس البشريّة ورغباتها . فأنت تدرك أدقّ الأمور التي تشرد عن عين البشر العاديّين لكنها لا تغيب عن نظرك .
” جميعنا نحبّ التملّق كالأطفال “.
” يتكلّم المرء بشفتيه ما ليس يضمره في فؤاده “.
” أنا اليوم غيري بالأمس “.
وبعد تلك المعرفة الدقيقة العميقة تنهى البشر :
“ازرع شرّاً تحصد ألماً “.
” اعمل الخير واعضد المساكين تحصل على السعادة “.
كل قول يسحر ، وفيه حقيقة صارمة لا يستطيع تكذيبها أيّ إنسان . وكلّ ذلك في أسلوب سهل ممتنع موجز بليغ .
ملك قلعجي
1965
