حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
نهايةُ الأحياء
حَملني الفِكرُ وسِرتُ في سكون الليل وظُلمةِ الحَلك
غادرتُ غرفتي الصغيرة وهمتُ بين الحقول والغابات
ولَبثْتُ سائرًا وحدي حتى بلغتُ مدينةَ الأموات
وهناكَ وقفتُ أتأملُ الأنصابَ القائمة
وشتَّى الأفكارِ تتنازعُني، وتملأُ شِعابَ نفسي الهائمة
فقلتُ لنفسي: هُنا العدالة، وهنا المِسكينُ والمِلك
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
آراء ودراسات في كتاب أسرار الآلهة
- في الطريق إلى ينابيع الداهشية
- هطل الروح في قحط النُفوس
- إشادةٌ برجلٍ عظيم
- رأيٌ في الظاهرة الداهشية
- الدكتور داهش من خلال مؤيديه
- داهش: ظاهرةٌ روحية يحاصرُها الجهل
- نظرية التقمُّص ومفهوم الميتافيزيق
- لَمَحاتٌ من مفهوم التقمُّص في العقيدة الداهشيَّة
- الداهشية نزعةٌ إنسانية1
- الدكتور داهش كما لا أزال أذكرُه
- العقيدةُ الداهشيَّةُ لَيْسَت مُشكلة بل هي الحلّ
- كلمةٌ في المئوية الأولى
- زمنٌ خارجَ الزمان
- الفكر الداهشي
- مئويَّةُ ميلاد داهش: تأبينٌ أَم تقريظ!
- داهش... الحكمة العظيمة
- الدكتور داهش منارةٌ إنسانية
- المجذافُ والبحر
- إطلالةٌ داهشيَّة
- الدعوة إلى وَحدة الأديان وبُعدُها الحضاريّ
- كان رائدًا بإنسانيته
- الدكتور داهش بين الرؤيا وشموليَّة الوجود
- الداهشية: نداءُ الفكر والحوارِ والروح
- ما قلَّ ودلَّ عن تميُّز الدكتور داهش
- الدكتور داهش كما عرفتُه
- حين يتكلم العقلُ الداهشي
- داهش... كما أذكُرُه
- قصتي مع الدكتور داهش
- تعرفي على عالم الدكتور داهش
- نُتَفٌ من ذكرياتٍ داهشية
- ذكريات
- خطواتٌ في رفقة الدحكتور داهش
- فضلُ الدكتور داهش عليَّ
- وليمةٌ روحية
- اللقاءُ الأخير مع الدكتور داهش
- لماذا الاكتفاءُ "بالعجائب"
- داهش...
- أديبٌ لم يُنصِفْه الأُدباء
- أضواءٌ على نظريَّة السيالات الروحية
- حول الشعر الداهشي
- "نشيد الأنشاد"
- قصيدة الحبِّ الخالد
- ضجعة الموت
- عبر الرؤى والفنِّ والحرية
- داهش واحدٌ من عُظَماءِ الأرض
- ملاحظاتٌ تأسيسيةٌ
- دنيا الكلمات الداهشية
- راعي الفن من أجل رِفعةِ النفس
- اللغة في النص الداهشيّ
- أضواء على أدب الدكتور داهش
- تجربةُ الدكتور داهش الإبداعيَّة
- إطلالةٌ على الأدبية الداهشية
- مناجاةُ الموت في أدب الدكتور داهش
- داهش الغريب العجيب
- حروف ذاكرة
- الصوتُ المئوي الداهش
- عودة الفادي
- بالحبِّ أَوصانا
ثالُوث التَّذكُّر الأَزلي فِي ذكْرى الـمِيلا د، اكْتمال الـمِئويَّة، وَفلكِ الأنتقال
ومَضَتْ الأيَّام
ذوب عاطفة وعصارة روح
بقلم الكاتب الكبير سامي السرّاج
في الطريق إلى ينابيع الداهشية
الأستاذ عبد القادر الحصني
شاعر سوريٌّ. عمل في الصحافة الأدبية محررًا في مجلة “الثقافة” السورية. رأس تحرير جريدة “الأسبوع الأدبي” الصادرة عن “اتحاد الكتاب العرب” في سورية. وهو حاليًا مديرٌ لتحرير مجلة “الموقف الأدبي” وعضوُ المكتب التنفيذي في “اتحاد الكتاب العرب” في سورية. شارك في عدة مؤتمراتٍ أدبية ومهرجاناتٍ شعرية في داخل الوطن العربي وخارجه. مما صدر له: “ماء الياقوت” (مجموعة شعرية 1993)، “الشجرة وعشق آخر” (مجموعة شعرية 2000)، “سرُّ المدينة النائمة” (مجموعة قصصية للأطفال 1985)، “أوقفني الورق وقال لي” (مقالات 2005).
في الطريق إلى ينابيع الداهشية
صرحٌ وعواصف
حين هممتُ بمقاربة عالَمِ الدكتور داهش في حياته ورؤياه وإبداعِه وجدتُني أمام صرح باذخٍ لعطاءِ رجلٍ استثنائيٍّ ومختلف… صرحٍ له أبراجُه العالية، وبواباتُه الفارهة المشرعة، ورحباتُه اللامتناهية.
على جنبات هذا الصرح تتلاطمُ الأحداث، فتضطرب، وتضطرم، وتتكسَّرُ دون النيل من قواعده الراسخة.
وبأسواره تعصفُ الريح العاتية فلا تزيد على أن تؤرجحَ قناديلَه، فتنسكبُ أنوارُها على نحوٍ يجعل معالِمَ ذلك الصرح أكثر بهاءً وسطوعًا وائتلافًا، ثم لا تجد تلك الريحُ بدًّا من أن يمارسَ حقدها الغيبة والنميمة، وربما التشهير والافتراء، فتبوح مضطرة بما حملته من شذا الورد وتغريد البلابل وشقشقةِ العصافير وسجع الحمام. فهي عندما عصفت، عصفَت بما انداح في أرجاءِ ذلك الصرح من حدائق غنَّاء وجنَّاتٍ شهاء وينابيع تمزجُ النماءَ بموسيقا الماء، فيذكرنا مُجتنى تلك الجناية بقول أبي الطيب المتنبي، أولاً:
ربَّ أَمرٍ أتاكَ لا تَحمَدُ الفعـــــــــــــــــال فيـــــــــــــــــــه، وتحمَـــــــــــــــــــدُ الأَفعـــــــــــــــــــــــــالا
وبقول أبي تمام ثانيًا:
وإذا أراد الله نشـــــــــــــــر فضيلــــــــــــــــــــةٍ طُويَت، أتاح لهـــــــــــــا لسانَ حَسودِ
لولا اشتعالُ النارِ في ما جاورَتْ ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العودِ
تعرُّفاتُ أُولى
تعرَّفتُ، أوَّلَ ما تعرَّفتُ، إلى الدكتور داهش في ذلك اللقاء الروحيِّ العالي الذي ضمَّني والصديق الشاعر علي محمود جمعة، حين زرتُه في بيته بـ”علي النهري” في لبنان، 2008، ففتحَ لي نافذةً على الدكتور داهش، بل قل: وضعني على مطلةٍ استشرفتُ منها آفاقاً حافلةً بما هو إنسانيٌّ ووجوديٌّ وكونيّ، حين استرسلَ في تأمُّلاته، واستفاضَ بالإفصاح عن مكنوناتِ نفسه، نثرًا وشعرًا وحديثًا عذبًا وبسيطًا وعميقًا، وعزا كلَّ ذلك إلى ما تشبعت به روحُه من فلسفة الدكتور داهش وتعاليمه ورؤياه، في الحياة وما وراءَ الحياة، ثمَّ وضع بين يديَّ ما تيسَّر له آنذاك من نصوصِ الدكتور داهش وفنِّه، لتبدأ بعد ذلك رحلتي مع ذلك الرجل الاستثناء، سفرًا في أسفاره، و”كلُّ سَفَرٍ لا يُسفِر لا يعوَّلُ عليه،” 1 على حدِّ قول ابن عربيّ، فأسفرَ ذلك السفرُ عن حبٍّ وإيمانٍ وشمسٍ لها مشرقٌ وليس لها مغرب.
وتعرَّفتُ إلى الدكتور داهش في ما كتبَه مريدوه وحَواريّوه ودارِسوه، شهادةً، وتأريخًا، وتحليلاً، فتعرفت إلى كواكب متألقة في فضاء الداهشية الرحب: يوسف الحاج، ماري حدّاد، حليم دمُّوس، جورج حدّاد، جورج خبصا، فريد أبو سليمان، عبد الله العلايلي، إسكندر شاهين، وآخرين.
وتعرَّفتُ إليه أيضًا في ما افتَراه خصومُه، ولفَّقه حاسِدوه، وشنَّع به المرجفون عليه والمتآمرون على أفكارِه وحياته ممَّن يترفَّعُ القلمُ عن أن يسوِّد وجهَ الورقِ بأسمائهم، فكان هؤلاء أيضًا بمثابةِ الليلِ الذي أحاطَ سوادُه بنورِ الفجر، فبدا النورُ أبهى وأكمَلَ وأجمل. “النورُ يضيءُ في الظلمةُ لم تدركه”2.
——————————————–
1 ابن عربي: “الرسائل”، رسالة لا يعوّل عليه (دار صادر، ط1، بيروت 1997) ص 248.
2 إنجيل يوحنا 1/5.
——————————————–
مَدينٌ أنا، إذًا، لكلِّ هؤلاء بتعرُّفي إلى الدكتور داهش.
وها أنذا أتطلَّع إلى أن أخطَّ ما يُمليه عليَّ ذلك التعرُّف، فإذا لم يؤْتَ أحدُنا أن يكون هون النورَ، فليكن شاهدًا له.1
من أين أبدأ؟
هل أبدأُ من معجزاته وخوارقه؟
لا… فما أظنُّ المعجزاتِ والخوارقَ إلاَّ لمَن تطلَّبوا شهادةً من كثافة المادَّة على رهافةِ الروح، ومن مبنى الكلمة على معناها. أولئك يذهبون إلى الهيكل ليتعرفوا إلى الربّ، أمَّا الذين عرفوه، فيذهبون إلى الهيكل لأنَّ الهيكلَ مُعرَّفٌ به. وقد لا يذهبون إذا اكتشفوا أن الربَّ فيهم، وأنَّهم هيكلُه.
سمعان وأخوه أندراوس، ويعقوب بن زبدى وأخوه يوحنا لم يتركوا شباكهم ويتبعوا المسيح لأنهم رأوا معجزاته، بل لأن الرب قال لهم اتبعوني.
أبو بكر الصديق رضي الله لم يتلق معجزةَ الإسراء والمعراج كآيةٍ، تزيده إيمانًا بمحمد (ص)، بل اتخذ من قول محمد (ص) آيةً على صدق وقوعها.
وبعد ذلك ما أكثر الممارين بالمعجزات، والجاحدين لها، والمشككين فيها!
فهي مرهونةٌ بزمنها، ومقصورةٌ على مَن عاينها، ومحتاجةٌ إلى صدق مَن ينقل خبرَها… ثم شتان بين مَن وقفَ تصديقُه على ما رأت عيناه، أو عندما رأت، وبين من أناطَ تصديقه بما رأى قلبُه. فرؤيةُ العينِ للبصر، وتكتفي بمفعول واحد، في ما يرى النحويُّون، أما رؤيةُ القلب فهي للبصيرة، وتتعدَّى إلى غير مفعولٍ من المفعولات… ولها الرؤيا أيضًا.
وإذا كانت المعجزاتُ والخوارق عُرضةً لمحاولات الدحض، وفيها فسحةٌ لمَن يُثيرُ اللُّبسَ، ومَدعاةً للمنازلة: (وإن كنتم في ريبٍ مما نزّلنا على عبدنا، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين،)2 فإن رؤية القلب لا تقع في إطار هذا الأخذ والردّ: (ما كذب الفؤاد ما رأى* أفتمارونه على ما يرى. )3
1 إنجيل يوحنا 1/8 “لم يكن هو النور بل كان ليشهدَ للنور”.
2 القرآن الكريم، البقرة/ 23.
3 القرآن الكريم، النجم/ 11 -12.
——————————————–
هل أبدأ من معاناتهِ وعذاباته؟
لا… فالمعاناة والعذابات إنما هي معالِمُ لا بدَّ منها ف مسيرة كل نبيٍّ ووليٍ ومصلح، بل هي معالمُ في سيرةِ كل من نبذ الباطل وأرادَ الحق على هذه الأرض. قال محمد رسول الله (ص): “أشدّ الناس بلاءً: الأنبياء ثم الصالحون”.
وقال: “أشد الناسِ بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل…”2
وها هي ذي معاناةُ الأنبياء والأولياء الصالحين وعذاباتُهم مسطورةٌ في كتب الأولين والآخرين، شاهدةً على ما لا قوه من عنَتٍ وظلمٍ واضطهاد وألونِ قَتْل:
أُضرمَت النارُ لإبراهيم عليه السلام.
ونُفي إسماعيلُ عليه السلام إلى أرضٍ قفرٍ لا ماءَ فيها ولا زرع.
وابيضَّت عينا يعقوب عليه السلام من الحزن.
ورُميَ يوسفُ عليه السلام في البئر، ومكثّ سنين في السجن.
وحُملَ رأسُ النبيّ يوحنَّا على طبق.
“والنبيُّ زكريا عليه السلام ذُبح ذبحًا أو نُشر بالمناشير.”3
وحَملَ المسيحُ صليبَه إلى الجلجلة.
ولاقى ما لاقى محمَّد (ص) من أهله وقبيلته، وهُجِّر، وأتهم بالسحرِ والشعوذة والجنون.
ولاقى ما لاقى الأنبياءُ القديسون والأولياءُ الصالحون والمُصلحون:
قُتلَ عمر وعثمان وعليّ، رضي الله عنهم، وصُلب الحلاَّج، وسُلخَ جلد النسيمي، وقُتل السهرورديّ صبرًا، ورُميّ القديسون في النار وإلى الوحوش المفترسة، وتجرَّع سقراط السُمَّ… وقُتلَ غاندي.
فلماذا لا يعاني ما عاناه الدكتور داهش؟!
“بل كيف لا يكون غريبًا عن البشر مَن كانت ميولُه غير ميولِهم، واتجاهاتُه غير
———————————————
“نوادر الأصول” 14 – 20
2 من حديثٍ ذكره المتقي الهندي في “كنز العمال” ج3/ ص 3329 وعَزاه لابن حيان من حديث أبي سعيد الخدريَّ.
3 “نوادر الأصول”، ص 717.
———————————————
اتجاهاتهم، ومذهبُه غير مذاهبهم، وحنينُه غير حنينهم، ومطامحُه غير مطامِحهم، وصلاتُه غير صلاتِهم؟!
“وكيف يأتلفُ السَّاعون للنساءِ والخمر والجاهِ والمال، والنفوذِ والسلطان والحياة، والساعي مدى العمرِ للَّه والسماء، والحقِّ والمعرفة، والعدالةِ والمجهول، وللاندماجِ بالقوة الموجدة؟!”1
حُقَّ عليكَ العناء
أجل. إنَّه العناء.
وإنَّ الحقَّ والباطل لا يأتلِفان
بل دعني أقول في حضرة روحِك النبيلة، أيُّها الدكتور داهش: لقد حُقَّ عليك العناء.
أنتَ يا مَن تأمَّلت وجودَك بين الموجودات، لتجيبَ عن السؤال الكبير: “أنا مَن أنا؟ ومَن كنتُ في غابر الأزمان؟”2
فكان أن طوَّفتَ في رحابات عوالم وجودِك في قطرةِ الماء وحبَّةِ الرمل وزهرةِ البَيلسان وشجرةِ التفَّاح والخمرةِ المعتَّقة والعصفورِ الغرِّيد والنَّهرِ المتدفِّق والصخورِ الصَّماء… وفي النجم والسماء والملاك والشيطان والنحلة والفراشة والبنفسجةِ والنرجسة والنسر والسلحفاة والدوحة الغنَّاء… وفي العقرب والزجاج والقاتل واللصِّ والمدينة والمنارة والريشة والجبَّار العنيد والقديس المُستنير بهدي السماء…
وكان أن وضعتنا بصدقِ تجربتك وما اعتراها من شوقٍ وحنين وحيرةٍ ورجاء على شُرفةٍ مأنوسة، فيها ما فيها من العَزاء، على الرغم من آلامِ الحياة وما فيها من شقاء، لنتطلع من مكاننا، أيًّا كان هذا المكان، إلى لا نهائية ما كان، ولا نهائية ما يكون، ولنُصغي لصرختِكَ المُفعمةِ بالألَم والرُؤيا العميقةِ والمتشحةِ بالنُّور والأسَى الشفيف. نُصغي إلى السؤال الذي تستحقُّ إنسانيَّةُ وجودنا وما نعانيه في هذا الوجود أن نُجيب عنه:
“أمْ كنتُ عدمًا رهيبًا فوهبَني اللَّه كياني؟
——————————————–
الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعية” (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 15 – 16
2 الدكتور داهش: “قيثارة أورفيوس” (دار النسر المحلَّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 119.
———————————————
وَيحَ قلبي!… أين أصبحتُ الآن، وأين محطُّ أمانيّ؟
نعم، أنا مَن، ومن كنتُ، واليوم هذا مكاني”.1
سلامُه علينا
تُرى إلى كَم من العناءِ كانت منذورةً هذه الروح؟!
وكم من المكابدة كان لا بدَّ أن يكابدَ من حملَ اللانهايةَ إلى المركوسين في حمأةِ ماديتَّهم المُستَسلمين لصغائر أقفاصهم وقيودهم وأغلالهم، وما يستتبعُها من أحقادهم وضغائنهم ومكائدهم له ولمَن آمن بحكمته! فَلندَعْ آلامَه وعذاباته، مُكبِّرين، مُقدِّرين؛ فقد كان جديرًا بها، شأنه في ذلك شأن كلِّ عظيم مرَّ بهذا الكوكب، ولنتلقّ سلامَه علينا:
” سلامٌ على مَن اضطُهدوا وعُذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقة!
سلامٌ على مَن ذاقوا الهوان، وشربوا كأسَه المريرةَ حتى ثمالتها!
سلامٌ على أرواحنم السعيدة من الأزل إلى الأبد!
سلامٌ أنثرُه على هذا الطرس
من قلبٍ كسيرٍ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزّق”2
ولنتطلع إلى خلاصِنا وسلامنا الأبدي في العالَم الأسمى، فمملكةُ المسيح، عليه السلام، لم تكن من هذا العالَم، ومملكةُ الدكتور داهش التي يبثُّها حنينَه، ويرسلُ إليها سلامَه ليست من هذا العالَم أيضًا:
“سلامٌ على عالَم غيرِ عالَمنا الماديِّ المَرذول!
سلامٌ عَبِقٌ فوَّاحٌ عطريٌّ، لا ماديٌّ موبوءٌ قَذِر!
سلامٌ أبديٌّ إلى أحكامِه العادلة النافذة!
سلامٌ من عالَمي الحقيرِ هذا،
أُرسلُه إلى ذلك العالَمِ العظيمِ السَّامي!”3
نرفعُ سلامَنا معك، أيُّها المعلِّم بمعاناته وعذاباته، إلى ذلك العالم الحقِّ العدل، إلى ذلك الحُلم الإنسانيّ بمدارجَ للنفس الإنسانية، ترقاها درجة، بالثوب الذي يليقُ بكلِّ درجة، حتى تعودَ إلى الروحِ الكليِّ في براءته ونقائه وصفائه وعليائه، وحتّى تصيرَ الكينونةُ والصيرورةُ واحدًا في الكون والتكوين والكائنات؛ ذلك الحلُمِ المُنقذ من تدلي النفس إلى ما يُسِفّ، وينحطّ، فترسُف في ما لا يُطاق من أثوابِ ماديتها. وقد طالما أمعنتُ النظر في هذه الرحلة، من قبل، فقلتُ في صديقٍ رحل:
“يا راحلاً،
والسنديانُ رفيقُ رحلتهِ الأبيدُ
إنْ رثَّ ثوبٌ
يصطفيكَ لنفسِه ثوبٌ جديدُ
متنزلاً في الخلقِ
حسبُك، لا تُراد ولا تُريدُ
أو صاعدًا درجَ الوجودِ
وفي المدى نجمٌ بعيدُ”1
هذا ما قلتُ من قبل. وقد يكون ما أقوله من بعد شيئًا آخر.
ولكن لا بدَّ من المضيِّ مع الدكتور داهش. فما زلتُ في أوَّل الطريق. وما زلت أتلمَّس من أين أبدأ.
هل أبدأُ ممَّا كُتِبَ عنه؟
لا…
فما كُتِب عنه ليس هو.
ما كُتبَ عنه صورتُه في مرايا الآخرين، وللمرايا طبائعُها وأوضاعُها، تستضيفُ المرئيَّ على النحو الذي تستطيعُه، فتُريكَ ما تُريك.
صحيحٌ أنَّ بعض هذه المرايا كان صقيلاً ومُستويًا ونقيَّ الجوهر، ولكنَّ بعضَها الآخر لم يكن كذلك، فابدَت تشوُّهَها في ما تراءَى فيها. ولمَّا المرايا/ النفوس غيرَ
———————————————
1 الحصني، عبد القادر: “ينام في الأيقونة” (دار الكنوز الأدبية، ص 1، بيروت 2000) ص 104.
———————————————
حيادَّيةٍ، فقد جاء التشويهُ مقصودًا، ومفتعلاً، ومُفترًى في بعض تلك المرايا/ النفوس.
وأنا لن أخوضَ هنا في تُرَّهات ما صدرَ عنها. فما زلتُ في أوَّل الطريق.
قلت: فلأبقَ مع صورته في المرايا التي كانت أكثرَ قُربًا وصَدقًا، فقرأتُ، وقرأت، وكِدتُ أشتبكُ في مداخلاتٍ مع ما تبدَّى فيها، ولكني أرجأتُ ذلك لأسباب:
أوَّلها: ضرورةُ الإطِّلاع على المزيد ممَّا رشحَ من الأقلام عن الدكتور داهش.
وثانيها: حضورُ جبران خليل جبران وكتابه “يسوع ابن الإنسان”، فقد أبدى لنا في هذا الكتاب صورةَ المسيح لدى مَن عاينوه وعايشوه، فإذا هي صورٌ لهم مثلما هي صورٌ لتصوُّرِهم عنه.
وثالثُها: أنَّ رجلاً كونيًّا كالدكتور داهش، يتحدَّر من الأزليَّة، ويتشوَّق إلى الأبدية، ويتطلَّعُ إلى الاندماج بالنير فانا، فيقول:
“هناك في الأعالي.
نورٌ متوهِّجٌ متلالي.
بهاؤُه مُذهل!… ولستُ أُغالي
فمتى أندمجُ به فتُحقَّق أحلامي وأمالي؟”1
مِثلُ هذا الرجل جديرٌ بأن تكونَ مقاربتُه بالاقترابِ منه، لا بالتقرُّب إليه بوسيط.
مِثلُ هذا الرجل النهر، جديرٌ بنا أن نذهبَ إلى ينابيعه، وأن نمكثَ طويلاً هناك…
هناك في الكلام البعيد، لنرى حقيقتَه، ولنرى حقيقتنا فيه، ولنستطيعَ أن نقولهَ من جديد، على النحو الذي يتُيحُه لنا اقترابُنا منه، فنتعرَّفُ به، ويتعرَّفُ بنا:
“الكلامُ البعيدْ
سوف يلقَى على طرفِ الأرض شيخًا على شكل نهرٍ،
فيأخذَه في شعافِ الجبالِ إلى بركة علَّقَتها الينابيعُ
في حيث لا فوق لا تحت إلاّ يد الشيخ،
تنْزعُ عنه ادِّعاءاتِه واحدًا واحدًا، ثمَّ حتَّى إذا هو عريانُ
قالَ له الشيخ: انظرْ
—————————————-
1 الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 160.
———————————————
فلمَّا رأى الماءَ، لم يرَ في الماءِ صورته
قال:اصغِ، فأصغي لصمتٍ مديدْ
صدِّقوني: هو الآن في البابِ
لا يتذكَّرُ ماذا يريدْ
إلا إذا قلتُه من جديدْ
الكلامُ البعيدْ”1
رحلةٌ إلى الينابيع
إلى الينابيع، إذاً. إلى حيث أستطيعُ أن أقولَ للدكتور داهش، على طريقةِ الصوفيين: “ما دلَّني أحدٌ عليك”، مؤمنًا بأن لا مرآة للنور إلا ما فينا من نور:
“لأنَّ كتابَ المرايا يقول:
بشمسِ ترى الشمسَ، لا بسواها”.2
—————————————-
ها أنذا في الأعالي، أمام الينابيع، فأيُّها أقصد؟ ومن أين أبدأ؟
* فلسفةٌ وجوديَّةٌ إنسانية تسلكُ كائناتِ الوجود والحياة في أنساقٍ محكومةٍ بسيالاتها الروحية، وماضيةٍ في ظهوراتها من أفقٍ إلى أفقٍ أعلى، ومن دركٍ إلى دركٍ أدنى،
في دوراتٍ من عناءِ الوجود، متاقُها أن تتحرر من التقيُّد والتعين والتحيُّز، وأن تعانقَ المُطلق الذي هو روحُ الكون، فتكون فيه، وتكونـَ(ـه).
هل على هذا أثرٌ من تصورُّرِ أنكسيمندرس الفلسفيّ، حيث رأى “أنَّ هناك جوهرًا غير مُتناهٍ سبقَ الاشياء جميعًا، وأنَّ هذه الأشياء تخرجُ من مادَّته الأولية حينما يتحرَّكُ تحرُّكَه الخاصّ، أي أنَّ الجواهرَ خرجت منه بانفصالِها عنه، وهي تعودُ إليه بعد تحلُّلِها، وأنَّها تقومُ بذلك مرَّة بعد مرَّة، ممَّا يعني أنَّ هناك دورًا حقيقيًا تمرُّ العناصرُ به”،3
——————————————-
1 ينام في الأيقونة”، مرجع سابق، ص 65.
2 الحصني، عبد القادر: “كأني أرى” (اتحاد الكتاب العرب، ص1، دمشق 2006) ص 60.
3 شيخ الأرض، تيسير: “الفحص عن أساس التفكير الفلسفي!”، (اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 1993) ص 276.
أم أثرٌ من فيثاغورس الذي رأى “أنَّ الروحَ الحقيقيةَ ليست هي التي نجدُها في الموجودات فقط، بل تلك التي تسودُ الكونَ كلَّه أيضًا، فالكونُ روحٌ وحياة. ويبدو حضورُ الروحِ في النظام الذي يسودُ كلَّ شيء. فالكونُ منظَّمٌ بحيث تترابطُ أجزاؤُه بعضُها مع بعضٍ بروابط متناسقة. لهذا كان تناسقُ الروح يبدو في أفعالها كلِّها”؛1
أم أثرٌ من التفكير الإلهيّ لدى أفلاطون؟ و”وحدة الوجود” لدى ابن عربّي؟ و”مراتب الوجود” لدى عبد الكريم الجبليّ؟ ونظريَّه “الفيض” لدى ابن سينا والفارابيّ والسهر ورديّ؟ ونظريّات الطاقة الكونيّة الحديثة؟
أعتقدُ بتفاعُلِ هذه الآثار جميعًا في فلسفة الدكتور داهش. وإنَّه لتفاعلٌ وجوديٌّ حيّ أنجزَته روحٌ كبيرةٌ في تواصُلِها مع الحياةِ والوجود والكون، وتركته لنا لنكشفَ أبعادَه الثقافية بما أُوتيناه من علم في مجالاتٍ معرفيةٍ متعددة. ولكن الطريق طويلة، والزاد قليلٌ، والينابيعَ عالية… ولكن السماءَ أعلى منها.
* عالمٌ من الفنِّ التشكيليّ الرائع، صوره الخيالُ الفذُّ للدكتور داهش. هذا العالَمُ هو ينبوعٌ آخر، تأخذُنا فيه الألوانُ والأشكال إلى مراتب الوجودِ الأربعة في ممالكها الزاهية:
الجمادُ والنبات والحيوان والإنسان، فيشرقُ فينا انسجامُ هذه الممالِك وتناغُمها، وكأننا نباشرُ، توًّا فطرتنا الأولى؛ تلك الفطرةُ التي لم تعرفْ بعدُ انقسامَها على ذاتها، فهي ما زالت في ملَكوتها المنزَّهِ المُبرَّأ.
لوحاتٌ لا تحسبُ أنَّ الألوانَ بأخضرِها وأحمرِها وأزرقِها وأصفرِها و… قد صنعَت فتنتَها، بل تَخالُ أنَّ فجرًا لاحَ، وصباحًا انداح، وماءً انساب، وربيعًا همسَ في أُذنِ الأرض، فأخرجَت كلَّ ما استودِعَت من كنوزِ زينتِها وزُخرُفِ حَيواتها… وترى فيها روحًا تبلَّج، وتألَّق، وشفَّ، ورفَّ، وراقَ، ورقَّ، وسكبَ بَهاه وسَناه في كلِّ ما تراه، فيقول لك: أنا النُّور. فتُدهَش، وتَمتلئُ غبطةً، ويسكنُ سؤالُ الحيرة في عينيك: تُرى. ما لونُ النور؟!
* وتراثٌ إبداعيٌّ ثَرٌّ، خطته يراعُه بمِدادِ الصدق، وارسلَته بين منظومٍ ومنثور، يعبقُ بالحقِّ والخير والجمال، ويسجل الخلجات والمشاعر والأحسايسَ لروحٍ استثنائيٍّ مرَّ بهذا الكوكب، وعاش غريبًا، غربةَ الناي التي لا يفقَهُها إلا الصوفيون أولئك الذين حَكَوا لِمَن اعترض على إدخالهم الناي في طقوسِ تسبيحهم ومواجيدهم وإنشادِهم، فقالوا له: أتعرفُ ما تقولُ هذه الناي؟
قال: إنها تصفرُ، وتنغم، وترنِّم، ولا تقول غير ذلك.
قالوا: بل هي تروي سيرةَ حياتها، فتقول: لقد كنتُ قصبةً خضراءَ بين مثيلاتي من القصبات على ضفة النهر، وكنت أتمايلُ مع الهواء، وأرتوي بالماء، وأبتهجُ بزقزقةِ العصافير وتغريد البلابل وسجع الحمام… ولكنني قُطعت، وغُرِّبت عن ضفة النهر، ورُميتُ في العراء تحت وهج الشمس، فجفَفتُ، ويبستُ، ثم قطعوني بالسكين، وأحْموا السيخَ على النار وجوَّفوني، وثقبوني، وكَوَوا فَمي، فصِرتُ كما ترى.
ولكن على الرغم من ذلك ما زلتُ أتذكَّر ماضيَّ البعيد ومن أين أتيت، وكلَّما وضعَ أحدُهم شفَتيه على شفتيّ يثورُ فيَّ الحنين، فأتنهَّد وأبثُّ وأبثُّ أنيني، وأقول لنفسي: ما أقسَى غُربتي وما أشدَّ ألمي!! والى متى سأبقى في أوجاعي؟ وهل يا ترى أعودُ مرَّةً أخرى إلى ذلك المكان الذي غُرِّبتُ عنه، قصبةً خضراءَ على ضفَّة النهر.
أجل إنَّه الحنين… حنينُ الأشياء إلى أصلِها الذي تحدَّرت منه… حنينُ قصبةٍ إلى ضفَّة نهر…
فكيف إذا كان هذا الحنينُ حنينَ إنسان غلى مُوجِده؟
وكيف إذا كان هذا الإنسان متحدِّرًا من جوهرِ الحقِّ والخير والجمالِ كالدكتور داهش؟! وكافُ التشبيه، هنا، مُقحَمةٌ إلى درجةٍ كبيرة. فما أندَرَ أمثالَ الدكتور داهش في هذا العالم!
***
هنا في الأعالي، أمام هذه الينابيع أقِف، أتأمَّلُها بعيني الدهشة، أقرأ خطوطها الكبرى، وأستقرئُ ما فيها من أبعادٍ إنسانية، وأحاولُ أن أتقرِّى ما بين هذه الينابيع من وشائج، تستجمعُ خلاصةَ ما في الأرضِ من حكمةٍ وجمالٍ وشعر، وتنهضُ بها إلى أفقٍ عالٍ وفضاءٍ رحب، على أجنحةٍ ملوَّنة من الحبِّ والشوقِ إلى معانقةِ وجودِنا الأسمى.
هنا في الأعالي سأمكثُ طويلاً لأجيبَ عن سؤالين ليسا حول الفلسفةِ أو الفنّ أو الشعر، بل حول الحياةِ والموت. سؤالين هما:
مَن هو الدكتور داهش؟
ما هي الداهشية؟
هطل الروح في قحط النُفوس
الدكتور علي منير حرب
كاتب وباحث في شؤون التربية والتعليم والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والمرأة والطفل. حائز الإجازة التعليمية في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية (1971) ودبلوم الدراسات العُليا (1972) وشهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (1986). مارس التعليم والإدارة المدرسية. علَّم في جامعتي كونكورديا ومونتريال في كندا. له عدَّة كتابات وأبحاث وبرامج تلفزيونية وإذاعية توجيهية وتعليمية. يعمل حاليًّا على إنجاز سلسلةٍ تربويةٍ لتعليم اللغة العربية إلى غير الناطقين بها.
هطل الروح في قحط النُفوس
في الذكرى المئوية الأولى لولادة الدكتور داهش
يقفُ العالمُ هذه الأيام على بُعد مئة عام من ولادة رجلٍ أقل ما يُقال عنه إنه أثار جدلاً عريضًا، واختلفت في فك أسرارِ شخصيته آراءُ العلماء والفلاسفة والمُفكرين، وأحدثَ هزةً عنيفةً في مألوفِ الحياة، وأعاد عقاربَ الزمن إلى ما قبل آلاف السنين، وفضحَ زيفَ السؤال الرَّاسخ في ضمير الكائن الإنسانيِّ منذُ بدء الخليقة: هل يبحثُ الإنسانُ صادقًا عن الحقيقة؟ أم إنَّه يعمدُ دائمًا إلى خطفها وتغييبها، وقد تجلَّت مرات في نفسه وفِطرته، وأمامَ عقله وناظريه، ليجعلها علَّةً من علَلِ صراعه المستمرِّ مع الوجود؟
هل كُنَّا بحاجةٍ إلى رُبع قرنٍ آخرَ، على الأقلِّ منذ رَحيلِ الدكتور داهش، من جاهليةٍ مُتوارثةٍ مُتجددة، تأسست على الشهوات والأحقاد والضغائن والأطماع، وتغذى فيها الأخُ على لحم “أخيه حيا”، حتى نعيّ أنَّ الحقيقةَ المُغيبة مسجونةٌ تحت جُلودنا وداخلَ قشرة أجسامنا، قابعةٌ مقموعةٌ “داخل القفص” ووراءَ القناع الجسديِّ الذي نرتديه ليعطينا شكلنا الآدمي المادي، فنبحر صباحَ مساء في فضاءٍ من الضلالةِ والخداع، ونسافر معه إلى عوالمَ ريائيةٍ من صُنع فوكايا (فرانسيس) وهنتغنتون (صموئيل) وأمثالهما، ونظريات عالم جديد تحكمُه شبكة معقدة تنسجُ خيطوها حولَ رقاب الخلق وتجرهم نحو وجود وهمي يلفظ قذراته الأرضية في حق الله والأنبياء، وجرائمه في حق الإنسانية والأبرياء، ليثبت مرةً بعد مرةٍ ألواهية مخلوقٍ قاصرٍ وضعيفٍ ما يزال يُخفي حقيقته وراءَ حُجب الأضلاع ليُتابع معركته الخاسرة التي بدأها منذُ أيام آدم؟
ليس من شأن هذه البحث البسيط أن يسجل أو يؤرِّخ أو يتتبع حياة الدكتور داهش والأعمال الخارقة التي تهيأت له. فقد امتلأت بها صفحاتُ الكتب ووسائلُ الإعلام ومراكزُ الأبحاث والدراسات، وشهدتها عيانًا نُخبةٌ واسعةٌ من مُختلف الفئات الاجتماعية المشهود لها بالثقافة العالية وعلمها وموضوعيتها وفكرها ومنطقها في لبنان والعالم العربي وما وراءَ البحار.
الغايةُ من هذه الصفحات مُحاولةٌ متواضعةٌ للإمساكِ بـ”المفتاح العام” الذي يمكّن من الدخول إلى عالم الدكتور داهش، فيربطُ بين طبيعته الإنسانية وقدراته ومهاراته الخارقة، ونتاجه الفكري والأدبي، وصولاً إلى حقيقة رسالته ودعوته، في مُحاولةٍ لقراءة هذه الظاهرات وإخضاعها لدراسةٍ مقارنةٍ وتحليلٍ غير اعتياديٍّ وُصولاً لفهمها ووضعها في إطار المنطق الإنساني.
كنا كمؤمنين، ونحنُ نعبرُ النصف الثاني من القرنِ الماضي، قد أُشبعنا تعاليمَ ودروسا وقراءات في عقائدنا وعلومنا الروحية والفلسفية والنفسية والطبيعية، وفي شتى مجالات فنوننا وآدابنا، حتى خُيل لنا أن ما عرفته البشريةُ في مجال الخلق والأديان والفلسفةِ والماورائيات والمعجزات التي أيَّد بها الله تعالى المصطفين من أصحاب الرسالات السماوية قد اكتمل عقدُهُ، واختتمت فصوله، وانتهت أحداثه. فالزمنُ ارتوى بما مَنَّ عليه الخالقُ العظيمُ من ديَمِ الإيمان والتقوى التي أنعشت روحه الظمأى إلى معرفته، وأترعت وجدانه الالحائر في عُبوديته، وطهرت نفسه القلقةَ من آثامِ الشك في وجهِ اليقين الناصع كوجهِه جلَّ وعلا. وتحوَّل الإنسانُ ليضربَ في دُنياه ويسخرَ عقله وعلمَه ومعارفه في البحث عن فُتوحاتٍ وإبداعاتٍ جديدةٍ في دنيا العلوم والتقنيات: (اليوم أكملتُ لكم دينكَم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلام ديناً) (المائدة: 3).
بيد أن مُسلسل الخطايا التاريخي المتكرر منذُ المعصية الأولى، وما تَلأاها من محُاولات الردة عن الإيمان والرُشد، والغرق في لُجة الغي والشركِ والظلم، عبرَ الأحقابِ المتالية، لم ينتهِي فصولاً، وأن المعركة الأبدية التي أعلنها إبليسُ الشر على المخلوق الذي أبى أن يسجدَ له لن تتوقف حتى قيام الساعة، آخذةً مع كُلِّ عصر لونًا جديدًا ونمطًا مختلفا من أشكالِ الصراع والحروب. وكان لا بد من “باعث عزاء” بين فترةٍ وأخرى، يهزُّ في الإنسان أسَّ الكيان، ويُقلِّمُ “الأغصان المُتيبسة” في داخله، ويعيدُ مدَّة بنُسغٍ حي يجدد فيه إنسانيته ويعيدُ إليهن بوصلة الاتجاه التي فقدها نحو السماء.
مُعجزاتٌ ومواهبُ وقُدُرات
ثلاثةٌ أنواعٍ من الأعمالِ تندرجُ تحت تسمياتِ الأعمال غير الطبيعيةِ وغير المألوفة، أو ضمن مفهوم المعجزات والعجائب التي عرفها الإنسانُ حتى زمن الدكتور داهش:
الأول: يتمثل في المعجزات الإلهية العظيمة التي أيَّدَ الله سُبحانه وتعالى بها الأنبياءَ والمُرسلينَ والمُصطفين من عباده من أجلِ نشرِ كلمتهِ والدعوةِ لعبادته إلهًا واحدًا لا شريكَ له في هذا الكون.
تجلَّت هذه المعجزات أعمالاً خرقَتِ المُتعارفَ عليه في الأزمنة التي بُعثوا فيها. ولا أحدَ يجهلُ ما وردَ في الكُتبِ السَّماوية من قَصص الخلق والأنبياء، وما جرى من أحداثٍ وخوارقَ منذُ هبوطِ سيدنا آدم على هذه الأرض، مُرورًا بكُلِّ أصحاب الرسالات والدعواتِ وختامًا بالنبي محمد، عليهم جميعًا أفضل الصلاة. وجاء تأييدُ الله عز وجل لهؤلاء المصطفين بأنواع وأشكالٍ مختلفة، كلٌّ حسبَ ظروفِ بيئته وثقافة مُجتمعه وإدراكِه. فكما أوحى ببناءِ الفُلكِ (السفينة المعجزة) لِنوحٍ يَعبرُ بها الطوفان، وأفارَ التنُّور في وجوهِ الكافرين، وأخرج الناقةَ من الصَّخر أمام قومِ صالح وضربهم بالصيحة العظيمة، وأحالَ نارَ الملكِ النّمرود بَردًا وسلامًا على إبراهيمَ، ونفخَ في فَرجِ مريمَ من روحِه، فكان السيِّدُ المسيحُ، صاحِب المُعجزاتِ الكبيرةِ في إحياءِ عازَرَ، وشِفاء الأبرصِ والأبكمِ والكسيح – المسيحُ الذي أعادَ الله بعثه بعدما توفَّاه ورَفعه إلى السَّماء – وأيَّد محمَّدًا بـ “جُنُودٍ لَم ترَوها”، ونصَرَه على القومِ الظالمين، وخصَّه وميَّزه بمُعجزةِ القُرآنِ الكريم وهو الأُمِّيُّ اليتيم.
الثاني: اكتِسابُ بعضِ النَّاسِ مهاراتٍ بفعلِ الدراسةِ أو الممارسة والتدريب، جعلتُهم قادرين على أداء بعضِ أعمالٍ غيرِ مألوفةٍ أمام جمهورةٍ من المشاهدين، تحُوزُ دهشتَهمُ وإعجابَهُم، كأعمالٍ تُعزى إلى السحر وخفةِ اليد، أو السيطرةِ والتنويمِ المِغناطيسي، والتأثيرِ والخداعِ والشعوذةِ وغيرها. وقد راجت تلك على مختلف عُصورِ العالم، ولكن ضمن حيزٍ زمنيٍّ مُحدَّد وبنمطٍ خاصَ، وتنتهي بعد أدائها دون أن تترُك أيَّ أثرٍ ما.
الثالث: ادَّعاءُ نَفرٍ بقُدرتِهم على قراءةِ المستقبل ومعرفة أسراره وخفاياهُ، والتنبُّؤ بالأحداثِ التي تحملها الأيام القادمة، سواءٌ كانت سياسيّةً أو طبيعية أو غيرها. ومع شيوع مثل هذه المزاعم وتأثيرها في الرأي العام منذُ فجر التاريخ، وتفسيرها بأنها جزءٌ من علوم الفلك والأبراج، فإنها بقيت دون مستوى التصديق ولم تحُز ثقة الناس، لأنها اتصفت بالتنجيم، أي الاستدلال بوسائل فلكية على الأحداث الأرضية، أو بالبراعة في قراءة بعض الأحداث السابقة والجارية وتحليلها واستخلاص التوقعات والافتراضات التي يمكن أن تنشأ عنها في المستقبل. لذا سادَ القولُ المألوف: “كذب المنجمون ولو صدقُوا”.
النوع الأول من الأعمال العصية على قُدرات الناس عامةً يكون بفعل عاملٍ خارجي لا إراديٍّ، وهو من الله سُبحانه وتعالى، ولا يستطيعُ فاعِلوها تأديتها متى يشاؤون، لأنها تُوكلُ لهم، وليست مُلكَهم أو غبَّ طلبِهم. كانت الغايةُ منها خِدمةَ كلمةِ الله وطاعتَه وعبادتَه ونشرَ رسالتِه، وتأييدَ المُصطفين في ردِّ اتهامات التكذيب والجُنونِ المُوجَّهة إليهم، ونُصرتَهم على المُشركينَ والكافرين. هذه المعجزات، مع ما تنطوي عليه من قدراتٍ لا تدركُها العقول، لن ينسبها المؤيدون بها لأنفسهم، ولم يدعوا الإتيان بها إلا بأمرٍ من العليَّ القدير.
النوعانِ الآخران مُكتسبانِ بالتعلُّم والتدريبِ والخبرةِ والمُمارسة. ساهمَ تطوُّر العلوم النفسية والتقنية برواج بعضها من أجلِ الكسب الماديَّ. قد يكونُ هذا الأمر مشروعًا في بعض نواحيه، طالما أنَّه لا يدَّعي قدراتٍ فائقة ولا يَرمي إلى إيقاعِ الأذيَّة بالناسِ والإضرار بحياتهم ومصالحهم. وهما لا يختلفان في مُجمَلهِما عن أصحابِ المواهب الفنية أو الأدبية أو الغنائية التي منَّ الله بها على بعض خَلقِه، وطوروها بالعلمِ والتدريب، وأصبحَت مصدرَ معاشِهم في الحياة.
طاقات خلاقةٌ متنوِّعةٌ غيرُ اعتيادية
وُلِدَ الدكتور داهش في القُدسِ الشريف، ونشأ يتيمًا فقيرًا. لم يتسنَّ له التعليم إلا لأشهرٍ معدوداتٍ في ميتم في بلدةِ غزير اللبنانية. ومع الأمية والبؤس، فقد تمكن داهش أن يتتلمذَ على ذاته ويثقف نفسه ويطورَ مدارِكَه، بالإكبابِ على مُطالعةِ شتى مصادرِ المعرفةِ الدينية والزمنية، وأن يؤلفَ ما يَقرُبُ من مئة وخمسين كتابًا، تنوَّعت ما بين التأمُّلات الفلسفية والروحية، والقصة والرواية والشعر. كما قام بعددٍ كبيرٍ من الرحلات قادته إلى أقاصي الشرقِ والغربِ…
عُرِفَ عن الدكتور داهش، بشهادةِ كبار المفكرين والمحامين والقضاةِ والأطباء والأدباء والصحفيين وغيرهم من أبناء الطبقة المثقفة، أنَّه أتى أمامُهم وبحضورهم، وفي خلالِ جلساتٍ روحيةٍ جرت على الملإ وتحت الأضواء، في منزله كما في منازلَ أُخرى، بأعمالٍ خارقةٍ عجيبةٍ، تفوقُ قُدراتِ الناسِ وتتجاوزُها بما لا يقاسُ من الطاقات، وتستعصي على التفسير العقلي والعلميّ. كما رُوي عنه تميُّزُه بخاصِّيةٍ مُذهِلة، وهي تمكُّنه من التماهي والتماثُلِ الكاملِ مع شخصياتٍ متعددةٍ لتُصبحَ صورًا منسوخةً عنه يستحيلُ التفريقُ بينها وبين هيئته وملامحه وسيماءاته، تتحرَّكُ وتنتقلُ معه، وتجوبُ المدنَ والقاراتِ وتتجسَّدُ أمام الناسِ في وقتٍ واحد.
من بين الأعمالِ الخارقةِ والعجيبةِ التي تُنسَبُ إلى الدكتور داهش، أختارُ هنا، على سبيل المِثال، بعض النماذج التي تنتمي إلى عدةِ أنواع، دون التعرُّض للكثير ممَّا تناقلته الأخبار، كي لا يجنحَ بحثُنا إلى اتجاهاتٍ ليست من مقصَدِنا:
*أُصيبَ الطفلُ سليم العشِّي (قبل أن يتخذَ اسمَه الروحي “داهش) بمرضٍ أدخلَه في غيبوبةٍ حيَّرتِ الأطبَّاء. ولمَّا عجزَ طبيبٌ أميركيّ، أحضره والدُه الذي كان يعملُ آنذاك في المطبعة الأميركية في بيروت، عن علاج الطفلِ وهمَّ بالانصراف، فإذا بسليمٍ يستيقظُ سليمًا مُعافىً، ويُخاطِبُ الطبيبَ بلغةٍ إنكليزية، ويُملي عليه اسمَ الدواءِ الذي كان يجبُ أن يقرِّرَه لعِلاجه.
*تمكَّن من السير على سطحِ الماءِ في بِرَكِ النبيِّ سليمانَ قُرب بيتَ لحم، كأنه يمشي على اليابسة.
* في إحدى جلساته الروحيَّة، حوَّل رسمَ عُصفورٍ إلى طائرٍ حيٍّ، وبِقيَّ العصفور في قفصٍ لمدَّة عامين عند إحداهُنَّ. وأمام مُحامٍ وصحافيٍّ، حوَّل قطعة ورقٍ إلى ورقةٍ نقديةٍ صُرِفَت في السوق. وأمام رئيس المجلس النيابي وعددٍ من النواب والسياسيين آنذاك، استحضر قطعًا نقديَّةً ذهبية، بقيت في حوزةِ الرئيس، وباعها لاحقًا إلى أحدِ الصرافيين.
* في دعوةِ عشاءٍ عامَّةٍ، حول السائِلَ من صُنبورِ ماءٍ أمام المدعوين، ومن ضمنهم أحدُ الوزراء اللبنانيين، إل خمرٍ ملأ منها الحاضرونَ كُؤوسهم وشربوها.
* قدَّم له أحدُ المحامين لائحةً تتضمَّن اثنين وسبعين سؤالاً تتعلق بشؤون خاصةٍ وعامةٍ،
وطلبَ منه الإجابةَ عنها. وسُرعانَ ما عقد الدكتور داهش جلسةً روحيَّة تمكَّن فيها من تقديم اللائحة نفسها إلى المحامي فيها الإجاباتُ الصحيحةُ التي أذهلته.
* بعد أن جرَّدتِ السلطاتُ اللبنانيَّةُ الدكتور داهش من جسيته، وأثناءَ نفيه خارج البلاد، أُدينَ في أذربيجان بعقوبةِ الموتِ رميًا بالرصاص. وفي تموز 1947، نُفِّذَ فيه الحُكم، ونشرَتِ الصُّحفُ صورَ إعدامِه. وما إن وصلً الخبرُ الفجيعةُ بيروتَ حتى خيَّم حزنٌ عميق ولا سيما على مُريدي داهش وعارفيه. والحقيقة أن الدكتور داهش كان على قيد الحياة في لبنان يتابعُ معركته مع الأجهزة المسؤولة لاسترداد جنسيته.
* تمكَّن من شِفاءِ فتاةٍ أتَت من القُدسِ بصُحبةِ شقيقتها في 14 شباط 1944، اصيبت بالبَرَصِ. كما شفى طفلاً عمرُه ستُّ سنواتٍ من شللٍ أُصيب به بِسببِ مرضِ التهابِ السحايا عام 1964.
* تنبأ الدكتور داهش بوقُوعِ الحربِ الأهلية في لبنان وتعرُّض البلادِ إلى دمارِ وويلاتٍ بقطعةٍ كتبها عام 1948، بعنوان: “الويل للمجرمين من يوم الانتقام المروِّع”؛ وقد نُشِرَت تلك النبوءة في بعض الصُحُف. وحدَّد فيها بشكلٍ صريحٍ أنَّ عام 1975 سيكون عامَ الحربِ الأهلية التي “لا تُبقي ولا تَذر”.
* في أواخِرِ الستينياتِ من القرن الماضي، وفي خلالِ زيارةِ مجموعةِ طلابِ إحدى المدارسِ الثانوية منزلَ الدكتور داهش، استقبلهم بثلاثِ شخصياتٍ. كانت الأولى للدكتور داهش عند مُلاقاتهم مُرحبًا بهم، وسُرعان ما تلاشت، لتحلَّ مكانها شخصيَّةٌ ثانيةٌ للدكتور داهش رافقتهم إلى بهوِ المنزل لتغيبَ بَدورِها، وتأتي مكانها ثالثةٌ تجلِسُ خلفَ مكتبٍ أنيقٍ، راحت تشرَحُ للطلبةِ الزائرينَ أسُسَ الداهشيَّةِ ومبادئَها ودورَ الإنسانِ في الكون والحياة.
مفتاحُ الأقفال الغامضة
يقولُ الدكتور داهش في كتابه “كلمات”: “أشعرُ بأني أحوي في أعماقي قوىً روحيَّة خفيةَّة هائلةً تودُّ الانطلاق لتقوم بعمل خطيرٍ عظيم”.
ويقول في مجلة “بروق ورعود” إن هناك عوالمَ فوقنا وعولامَ تحتنا. نحنُ لم نأتِ من العدَم، ولَسنا ذاهبينَ إلى العدم. نحن ككُلِّ الموجودات طاقةٌ لا تزولُ بل تتحول من حالةٍ إلى حالة. ويؤكد في موضع آخر أن كل ما قام به وما صدر عنه لم يكن من عنده، إنما حصل عن طريق قوىً روحيةٍ علوية سامية: “دُون إرادةٍ مني، بل بإذنٍ من الله”.
يقولُ الدكتور الأديبُ غازي براكس، أحدُ أبرزِ تلامذةِ الدكتور داهش والمؤمنينَ بدعوَته، والمُشرفُ على رئاسةِ تحريرِ مجلة “صوت داهش” في هذا الصَّدد” “منذُ أكثر من ستين سنة، أكَّد مؤسسُ الداهشية أن كيان الإنسان النفسيَّ الأساسيَّ الذي يبثُّ الحياةَ فيه لحظةَ يُولد، ثم يكوِّنُ السِّماتِ الأبرزَ في شخصيته، يتأتى بفضلِ سيَّال رئيس… هذا السيَّالُ الرئيسُ قد يكون عاديًّا في مُستواه الرُّوحيِّ… وقد يكونُ، أحيانًا قليلةً، مُميزًا بمستواه الرُّوحيِّ، فتبرزُ موهبةٌ متلقيَّةٌ، فيبدو كأنما هو طفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ تكثرُ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية”.
يؤكد الداهشيون أن هذه القوى الروحية ليست وقفًا على بني الإنسان، إنما هي شاملة عامَّةٌ لكل مظاهر الكونِ وعناصرِه، أحيائها وجمادها، معلومِها ومجهولها. قد تختلفُ في المظهر والفعالية، لكنها واحدةٌ في الجوهر والطبيعة. فهي التي تُعطي للإنسان شخصيته وتميُّزه، كما تعطي للحيوانات والأشجار والزهورِ والجماد ما يشكِّلُ طبيعتها وصفاتها.
ويردِّدُ أتباعُه بإجماعٍ أنه مؤيدٌ بروحٍ مقدسةٍ يستمدُّ منها القوة على صُنع المعجزات، ويُضيفُ موسى المعلوف (أحدُ الباحثين عن الحقيقةِ وقد وجدَ ضالَّتَه مع داهش) أنَّ الدكتور داهش هو: “واحدٌ من أولئك الذين مُنحوا قوَّةً روحيَّةً خارقةً لإثباتِ وجودِ الرُّوحِ من خلالِ صُنعِ الخوارق”. كما يصفُه أحدُ المؤمنين به، السيِّد حسن بلطجي، بأنَّه كان: “من طينةٍ بشريةٍ مُختلفةٍ”.
أمَّا عن شخصياته الأخرى التي تتكون من سيالاتٍ روحية هي أيضًا، فقد وُصفت بأنها لا تخضعُ لنوامسيِ الأرضِ وقوانينها؛ فهي تخترقُ الجدران، وتنتقلُ كلمعِ البرق من مكانٍ إلى آخر، وتسيطرُ على الجاذبية وترتفعُ في الهواء وتمشي على الماء. وتتجسدُ أحيانًا على الأرض لأداءِ مهماتٍ تساعدُ على نشرِ العقيدة.
ماذا يعني كل هذا الكلامِ وهذه الأوصافِ والتأكيداتِ التي تتعلقُ بشخصية الدكتور داهش وكيانه؟
يعني أولاً أن الدكتور داهش قد اختُصَّ بقوى خفية غير منظورةٍ، تلازمُه في حياته، وهي في حالة نشاطٍ دائم، تتحفزُ باستمرارٍ للانطلاق به نحو حالاتٍ وعوالمَ غريبةٍ، وتمدُّه بإمكاناتٍ غيرِ طبيعية، يستطيعُ من خلالها وبها، وبإذنٍ من مانِحها، تحقيقَ مُعجزاتٍ وعجائب، والقيامَ بما يفوقُ القُدُراتِ البشرية المعروفة؛ وأنَّ هذه القُوى رُوحيَّةٌ عُلويَّةٌ مُنبثقةٌ من شلالِ السيالات التي تحكمُ الكونَ وتتحكمُ بالكائنات جميعًا، في ماضي الخلقِ وحاضِرِه ومُستقبلِه، وهي تسكُنه وتسيلُ به كما يسكنُ الدمُ الشرايينَ ويجولُ بها في دوراتٍ متلاحقةٍ تضُجُّ الحياةَ وتبعثُ الوجود.
ويعني ثانيًا أن مسألةَ الرُّوح، و”سُكناها” في أجسامٍ بشريَّةٍ أو غير بشريةٍ، كانت ولا تزالُ مدارَ جدَلٍ طويلٍ، وعُرضةً للكثيرِ من الأقاويلِ والتفسيرات المتناقضة، كما كانت موضُوعًا دسمًا لدى كثيرين من المفكرين والفلسفة، شرقًا وغربًا، الذين بنوا عليه العديد من النظريات والفرضيات والنتائج، لأنه يدخُلُ عميقًا في مسائِل الإيمان والأديانِ وأسرارِ الوجودِ والخَلق. فالرُّوحُ الإلهيَّةُ وأرواحُ الملائكة والأرواحُ العُلوَّيةُ الأُخرى تُحدِّدُ النطاق الأهم في مفهوم الدين، كما تُشكلُ الشاهد الأكثر إقناعًا لدى المؤمنين من خلال حدوث المعجز أو الإعجاز بها.
دعُونا نقرأ ما كتبَ المفكر أديب صعب، الذي اشتهر بدراسةِ موضوع الفكرِ الديني وفلسفة الدين ووحدة الأديان منذُ أواخرِ القرن الماضي، في كتابةِ “وحدةٌ في التنوُّع” الصادر في طبعته الأولى عام 2003 عن دار النهار للنشر في لبنان: “كثيرونُ من الناس في كُلِّ الأديان، وحتى خارج النطاق الديني التقليديِّ، يُصدقون حُصولَ أحداثٍ خارقةٍ قد يستتبعُ الإيمانُ بها مزيدًا من الخوارق… تشتركُ كلها في كونها تخرقُ المألوف أو المعتاد. من هُنا درجتِ العجيبةُ في أذهان الناسِ على أنها خرقٌ للقانون الطبيعي. وهذا هو تحديد العجيبة المقبولُ على أسوع نطاق.
إن الاستغناء عن المعجز هو الاستغناء عن الدين والإيمان الديني. فالإيمان إما أن يكون إيمانًا بمعجزٍ، والدين، إما أن يدورَ على مُعجزٍ، وإلا لا يكون ثمة دينٌ ولا إيمانٌ على الإطلاق… المُعجزُ يجعلُ الدين دينًا أو يعطيه صفته الأساسية. نطاقُ الدين هو نطاقُ الإعجاز”.
يُتابعُ صعب قائلاً: “الخبرة الدينية كلها خبرةُ مُعجزة: “إنها اختبارُ الإعجاز في العالم. وإذا كان الإنسانُ يختبرُ الأشياء حوله بحواسِّه المختلفة، فما هي الحاسَّةُ التي تحصل بها الخبرةُ الدينية؟
أنت تلمسُ باليدِ وترى بالعين وتسمعُ بالأذنِ وتشمُّ بالأنفِ وتذوقُ باللسان. لكن ليس من حاسةٍ كهذه الحواسِّ – يقولُ بعضُ المفكرين الذين يدَّعون الاحتكام إلى العِلم – يختبرُ بها الإنسانُ حُضورَ الله في الكَون. الجوابُ هنا أن العِلمَ لا يُقدِّمُ ولا يؤخِّرُ في هذا النطاق. المهمُّ النظرةُ إلى العالم: أهوَ كونٌ موجَد وكفى، أم مخلوقٌ من خالِق؟ الجوابُ الدينيُّ هو الثاني – العالمُ مخلوق. هكذا إذ تلمسُ وترى وتسمعُ وتشمُّ وتذوق، فإنما تختبرُ بحواسِّكَ هذه جميعًا صورةَ الخالِق في المخلُوق، فتقولُ مع الكتاب: “ذُوقوا وانظروا ما أطيبَ الربَّ.” إذ ذاك يتجلى لك العالمُ كلُه أيقونةً تنضحُ زيتُا بلا انقطاع. لكن كيف يستطيعُ أن يرى الزيتَ مَن لا يرى الأيقونة؟”( ص: 71-74).
بناءً على ما تقدم، لا يستغربُ الباحثُ قولَ الدكتور براكس في وصفِ تشخصياتِ السيالِ الروحيِّ المتفوق والفعالِ وتمظهرها أمام الخلقِ بأنه “طَفرةٌ غيرُ طبيعيةٍ وتتناقضُ في أسبابها التأويلاتُ الاعتباطية”. فكلُّ ما يتجاوزُ القُدُراتِ الإنسانية على استقبالِ المظاهرِ والأحداثِ والوقائع وإخضاعها إلى المعايير المتاحةِ عقلاً وإحساسًا يمكنُ أن يكونَ مدعاةً للاستهجانِ والاستغراب. كما لا نعجبُ حين نقرأُ ما وردَ في مُذكراتِ جبرا إبراهيم جبرا “البئرُ الأولى” عن الدكتور داهش إذ يقول: “سُرعان ما تحوَّلَ هذا الشابُّ، الذي علَّم نفسَه بنفسِه، إلى أسطورةٍ بما يقومُ به من خوارق ]….[
وذلك بعد رحيله إلى القدس، ثم إلى بيروت، حيثُ دعا نفسه “داهش بِك”، ثم الدكتور داهش، وأسس طريقةً عُرِفت بالداهشيَّة”. وما يهمُّنا في هذا الحديث العبارةُ التي لجأ إليها الأديبُ جبرا ليصفَ الدكتور داهش وأعمالَه: “الأسطورةُ”، مُختتمًا قولَه بأنه “أسَّس طريقةً” (على سبيل التشبيه بما يُعرفُ عن أصحاب الطُرِق الروحية، كالصوفية وغيرها).
أستدركُ هنا لأقول إن موضوعَ الروح يرتبط أساسًا بموضوع الخَلقِ ويدخلُ في صميم كينونةِ الجنسِ البشري خصوصًا، ويحملُ في تكوينه روحَ الخالقِ العظيم: (فإذا سوَّيتُه ونفَختُ فيه من رُوحي) (سورة الحجز: 29)، وفي ذُريته من بعِده فنفخ الرُّوحَ في الجنين، ثُمَّ في الخلقِ المعجزِ للسيد المسيح: (فأرسلنا إليها رُوحنا فتمثل لها بشرًا سويًّا* قالَت إني أعُودُ بالرَّحمنِ مِنكَ إن كُنتَ تَقيًّا* قال إنما أنا رسُولُ ربِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زكيًا* قالَت أّنَّى يكُونُ لي غُلامٌ ولم يَمْسِني بَشَرٌ ولم أَكُ بغيًّا) (سورة مريم: 17 – 20). ثم في سورة (الأنبيا: 91)، حيثُ يقولُ تعالى في كتابه العزيز: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من رُوحنا وجعلناها وابنها آيةً للعالمين). فالروحُ الصادرةُ من الله تعالى أو من ملائكته بإذنه، إنما هي نُسغُ الحياةِ الجاري فينا منذُ لحظة الخلقِ الأولى، وهي الحقيقةُ السابقةُ كلَّ الحقائق الكامنة في أسرارِ الإيمانِ والوجود.
فالروحُ إذًا ليست مفهومًا طارئًا على الإنسانية، وليست ظاهرةً جديدةً عليها، وليست أمرًا مستحدثًا في عصرٍ ما. إنها جزءٌ من سر!ِ الخلقِ الإلهي، مزروعةٌ فينا وفي مَن حَولنا، مغروسةٌ في صُلبِ كينونتنا تُلازمنا وتُرافقنا وتحركنا وتُوحي إلينا وتحدِّدُ مدى قُدُراتنا ومساحتها وسقفها. فلماذا نعجبُ من تجلياتها في شخصٍ ما! أو في ظاهرةٍ طبيعيةٍ ما! أو مما يحدثُ من عجائبَ أو معجزاتٍ أو خورق! فإذا أدركنا هذه الحقيقةَ الإيمانية الساطعة، نستطيعُ معها أن نفهمَ ونفسِّر ونستوعبَ كلَّ ما يخرجُ عن نطاقِ تجربتنا الحسية، لأنه آتٍ من شيءٍ مركبٍ فينا أساسًا، ومتوافقٌ مع قولِه تعالى: (قال كذلك قال رَبُّك هُو علَيَّ هيِّنٌ وقد خلقتُكَ من قبلُ ولَم تَكُ شيئًا)(سورة مريم: 9). وفي قوله تعالى أيضًا، في السورةِ نفسها، آية 21: (قال كذلك قال ربُّك هُو عليَّ هينٌ ولنجعله آيةً للناس ورحمةً منَّا وكان أمرًا مقضيًا). ويقعُ ضِمنَ التسليم بسلطان الله تعالى وإرادتهِ: (ينزلُ الملائكة بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يَشاءُ من عباده) (سورة النحل: 2)، وقوله أيضًا في السورة نفسها، آية 40: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقُولَ لَه كُن فيكون).
إذا كانت الروح مفتاحًا يمكننا من فتح الأقفالِ المستعصية في شخصية الدكتور داهش، وإذا كانت الروح، لا بماهيتها التي هي المعجزُ الإلهيُّ الأكبرُ: (ويسألونك عنِ الروح قُلِ من أمرِ رَبِّي وما أُوتيتُم من العِلمِ إلا قليلاً) (الإسراء: 85)، بل في تجلياتها في الخَلقِ والرُسُلِ والأنبياء، هي مولدةُ الطاقةِ الحياتية في الكائنات، فالسؤالُ الذي يجبُ أن يطرحَ في هذا المجال ليس التحقُّق ممَّا فعلَ الدكتور داهش، ومتى كيف وأين، وغيرها من أسئلةٍ تبقى سطحيةً وظاهريةً مع ما تضفيه على شخصيته من شُهرةٍ وبُروزٍ وتألُق، لأن ذلك يُعتبرُ بمثابةِ إصدار حُكم مُسبقٍ بتركِ الرجُلِ أسيرَ الإطار الأرضيِّ التقليديَّ النفعيِّ والآنيِّ، وتحويل صنائعه إلى مشهديةٍ مسرحيةٍ تستقطبُ المشاهدين لرؤيتها والمتع بفنونها الخارق، وبالتالي تسجنُ مبدعها في خانة اللاعبين والسحرة والماهرين الذين يُقدمون مهاراتٍ ذاتية وشخصيةً صادرةً عن عوالمهم وعلومهم وقُدُراتهم المحدودةِ والضيقة التي تُدهِشُ وترفِّهُ، كغايةٍ بحدِّ ذاتها، ولأهدافٍ شخصيةٍ أو فنية أو مادية، لكنها أبدًا لن تترك منهاجًا فكريًا وعقيديًا، ولا رسالةً خُلُقية أو اجتماعية، ولا مذهبًا فلسفيًا إصلاحيًا، وأتباعًا وجمهورًا وتراثًا، كما هي حالُ الدكتور داهش، ولم تكوِّن لمثلِ هؤلاءِ مضبطة تحقيقٍ وسجن وإضطهاد ومُلاحقةٍ ونفي.
لذا فالسلوكُ العلميُّ والموضوعيُّ الواجبُ اعتمادُه في مسألةِ الداهشية يكونُ في اعادةِ تصويب مسار النقاش وتصحيح الوجهةِ التي سُحبَ إليها قصدًا أو عفوًا، وعمَدَ الكثيرون، حتى من بعض مؤيديه، الذين أذهلتهم التجربة الإعجازيةُ الداهشية، ووقعوا تحت تأثير غرابتها، إلى التوقف عند حدود الفعل الحدثِ والاستغراق في وصفه وبيان عظمته وقوته وفرادته، دون التفكُّر في مصادر هذه الأفعال ومنابعها ومآلها وأهدافها، الأمرُ الذي ساهمَ في الإساءة إلى الرجل من ناحية، وتحويلِ مسارِ البحثِ إلى وجهةٍ أخرى، وتضليل السعي نحو جوهرها وحقيقتها ومفاعيلها.
السؤال الصحيح يجب أن يتوسل الإجابة عن الأهداف والغايات والعلل التي تتوخاها الداهشية، والدوافع التي من أجلها سُخرت هذه القوى وهذه الظاهرات. بمعنى آخر، هل جاءت أقوالُ الدكتور داهش وأفعالُه التي ينسبُها إلى قوةٍ روحية عُلويةٍ مُقدسةٍ على مُستوى هذه العلوية والقُدسية والسموِّ؟ هل هي من نسيج صفاء هذه الرُّوح وبهائها وطهارتها؟ وهل جاءت من وحيها خالصةً صادقةً لوجهِ الله، أم لغير ذلك ودونه؟ هنا، في رأيي، يكمُنُ سرُّ الحُكم لهذا الرجلِ أو عليه.
للإجابة عن هذا السؤال، أبدأُ من بعض المزايا الشخصية والفكرية والخلال الخلقية والاجتماعية التي كان يتمتع بها الدكتور داهش، والتي شاعَت من خلال معارفه وأتباعِه، وما نُشرَ عنه في المؤلفات والصُّحُفِ والمجلاّت. فقد كان الدكتور داهش يؤمنُ، كما صرَّح دائمًا، إيمانًا مُطلقًا بالرُّوحِ، ووجودها وديمومتها ودورها الأساس المؤثر في الحياة، كما جاءَ في سياق هذا البحث.
وكان يؤمنُ بالأديانِ جميعها وبكلِّ الأنبياء والكُتبِ والرُّسلِ والمصلحين والهداةِ والفلاسفة في العالم أجمع، ويقدرهم ويجعلهم ويحترمُ الرسالات التي كلفوا بها، لأنها أساساً تشكلُ التواصل الروحي الذي يعتبرُ العنوان الأكبر في موضوع إيمانه.
بناءً على ما جاء به من أدلةٍ وشواهدَ وآياتٍ وأقوال، كان الدكتور داهش على معرفةٍ عميقةٍ ودرايةٍ واسعةٍ بكل الأديانِ السماوية وغير السماوية، ومنها استمدَّ مرجعية دعوته ورؤيته ونظرياته. وكان على إطلاعٍ وافرٍ بمضمون الفلسفاتِ الدينية وأبعادها وتفاسيرها وفقهها، الأمر الذي مكَّنه من بناءِ منهاج دعوته ومحتوى رسالته بالارتكاز على أسُسِ هذه الأديان، ولا سيما في أبعادها الروحية الإيمانية، وفي توجهاتها الخلقية والإنسانية. لكن إيمانه هذا لم يكن إيمانًا تقليديًا موروثًا، ولم يقتصر على مظهر الدينِ وطقوسه ومُمارساته، إنما كان نابعًا من قناعةٍ راسخةٍ وتسليم تامٍّ بأن الإيمانَ فطرةٌ إنسانية لا يمكنُ للفردِ أن يتخلَّى عنها، وبأنه بنيةٌ روحيةٌ متكاملةٌ تعوِّلُ على الجوهر في الأديانِ أو كما يقولُ أديب صعب: “على الدين في الأديان”.
أضِف إلى ذلك أن الدكتور داهش عُرِفَ بين أهلِه وأصدقائِه ومعارِفهِ بأنه كان صادقًا عفيفًا متواضعًا، ومحبًّا مُتسامحًا مع الجميع، وكريمًا، وعلى ثقةٍ كبيرةٍ بنفسه وعلمه وقدراته. لذا، تعددت الألقابُ التي أُطلقت عليه، سواءٌ من أتباعه أو من سواهم الذين شاهدوا أعمالَه الخارقة، والتي تشيرُ بوضوح إلى خصائصه الروحية وإمكاناته العالية وخصالِه الخلقية الرفيعة. فقد عرفوه بأنه “نسرُ السماوات”، و”نبيُّ القرنِ العشرين”، و”النبيُّ الأديب”. ووصفه الصحافي كميل قبيسي في جريدةِ “الشرق الأوسط” (عدد آب/ أغسطس 2001) بأنه مؤسسُ أكبر حركةٍ روحانيةٍ في الشرق. وأطلق معتنقو دعوته على أنفسهم لقب “المؤمنون”، حتى أن الشاعر حليم دموُّس، مؤرخ الرسالة الداهشية، عُرف بحسان، تيمُّنًا بحسانِ بن ثابت، شاعر الرسول العربي.
نصلُ الآن إلى حقيقة الدعوة التي أبقاها الدكتور داهش في نطاق ضيق بادئ الأمر، بين صفوةٍ من مُريديهِ المواظبين على حضور جلساته الروحية في منزله، ثم أعلنها على الملإ بعد أن أيقن أنه استحوذ على ثقة حشدٍ كبيرٍ من العامة.
لن أخوضَ عميقًا في تفاصيل الدعوة الداهشية ومقوماتها ومبادئها، ذلك أمرٌ يستوجبُ بحثًا خاصًا، ولكن لا ضيرَ في إلقاء بعض الضوء على معالمِ الإجابة عن السؤال المطروح.
من أهمِّ الأسس والأركان التي ارتكزت عليها الرسالةُ الداهشيةُ مسألةُ العودة إلى الجذورِ والأصول من أجل اكتشاف الجوهر النقي في الإنسان والطبيعة والمخلوقات جميعًا، والذي غيِّب وطُمِس تحت تراكُم الفساد والطمع والغرائز الدنيوية التي تحكمت بالإنسان وحولته إلى آلةٍ من لحمٍ ودمٍ خاويةٍ من الروح المنزهةِ التي نفخها الله بها ليكون خليفته على هذه الأرض، فعاث فيها فساداً بدلاً من أن ينشر فيها الخير والصلاح، وأثار فيها الحروبَ والقتل والدمار عوضًا عن نشر السلام والطمأنينةِ والاستقرار، وسيَّد عليها الظُّلم والقهر والاستبداد مكان المحبة والعدل والتسامح. فامتلأ العالمُ جورًا وظلمًا وحقدًا وكراهيةً، وأشرفَ على السقوط في هاويةٍ سحيقةٍ من الشرور والآثام. وبذلك، فقد الإنسانُ روحَ إنسانيته ومبرر بقائه واستمراره. وقد لخص ذلك الدكتور براكس: ” كلُّ وجودٍ حياتي له مبررٌ لبقائه كامنٌ في طاقته الجوهرية، فإذا فنيت هذه الطاقةُ الداخلية التي بها قوامُ وجود الشيء، في الشيءُ حتمًا. ووجودُ الإنسان الحياتيُّ، كنوعٍ من الكائنات، رهنٌ بوجودِ الطاقة الإنسانية فيه”.
لذلك انطلقت الدعوةُ الداهشية على خطين متوازيين، الأول ذو منحًى إيماني دجيني خالصٍ، والثاني ذو توجُّهٍ إصلاحي لمفهوم الدين من ناحية، ولإعادة تكوين مجتمعٍ صالحٍ من ناحيةٍ أخرى.
تناولَ الجانبُ الدينيُّ في دعوةِ الدكتور داهش “إيقاظَ الرُّوح في النفوس”، بعد تسلط النزعة المادية عليها، لتعود إلى أصالتها في الإيمان بالله الواحد وعدم الشركِ به، والطاعةِ له، والإيمان بملائكته وكُتبه ور”ُسله واليوم الآخر، والتمسُّك بأهداب الدين وتطبيق تعاليمه الصحيحة من مصادرها الأصلية النقية، والتمثلِ بالأنبياء والمرسلين في ممارسة العبادات، وعدم الأخذ بادعادءات الملحدين والكافرين، للعودة إلى وثنية جديدة، وصُنعِ أربابٍ على قياس مصالح المستبدين والأقوياء والظالمين.
في الجانب الإصلاحي الديني، تتلخصُ الدعوةُ الداهشيَّةُ بضرورةِ تنقية الأديانِ من الشوائبِ التي اعترتها وأفرغتها من جوهرها وغناها، وأخضعَتها لمصالحَ دنيويةٍ مختِلفة، فتحولت بذلك إلى مجموعةٍ من الطقوس والممارساتِ والاحتفالات، ومناسبة للاستعراض والتباهي، على حساب العقيدة نفسها، ثم بالعمل على مُصالحةِ الأديانِ والمذاهب (“وحدة الأديان”) التي بتخاصُمِها واستعداءِ واحدِها على الآخر، ومحاولاتِ احتكارِ الله ووعودِه كوَّنت فِرقًا مُتناحِرة شوَّهت معنى الرسالات، وجرَّت على العالم حروبًا طاحنةً مدمِّرة. فالأديانُ كلها واحدةٍ، وإن اختلفت في بعضِ مظاهرها وأشكالها تبعًا لتغيُّر الأزمنة والناسِ عندَ نُزولِ كلِّ رسالةٍ سماوَّية. وقد أبدعَ الشاعرُ حليم دمُّوس في وَصف ذلك، حين قال:
فيـــــــــا رَبُّ قــــــــــد تاهَت بليلٍ مراكبٌ وهـــــــــــــــــــــــــــا هي لــــــــــــــم تغرق ولَـــــــــــــــــــــــــم تتوحــــــــــــــــــــــــــدِ
فهل تلتقي في شاطىء الحُب والهُدى سفائنُ مُوسى والمسيحِ وأحمَدِ!
ومن قصيدةٍ ثانية له:
فأنت أخي ما دامَتِ الأرضُ أمَّنا وأنت أخي بالرُّوح قبل التجسُّدِ
لعمرُكَ ما الأديانُ إلا نوافِـــــــــــــــــــذٌ ترى الله منهــــا مُقلةُ المتعبــــــــــــــــــــد
أما في الجانب الخلقي والاجتماعي، فتركزت الدعوةُ الداهشية على محاربةِ الجهل قبل كل شيءٍ لكونه آفةً تهدِّد الأفرادَ والمجتمعات، ومصدرً للشرورِ التي تجتاح العالم. وتوجهت إلى التزام المثل العالية والقيم السامية في المعاملات والعلاقات بين الناس وبين الدُّول، والحرص على الحرية التي بدونها لا حياة للشعوبِ ولا أملَ في التقدم، والتمسُّكِ والتعاونِ والبُعدِ عنِ الرذائلِ والفواحشِ والخطايا، ورفضِ العنفِ والدماءِ والأحقاد.
فرادةٌ الإعجاز
ويمكنُ في إيجازٍ استخلاصُ الحقائق التالية:
أولاً: إنَّ أحدًا من المشككين في أعمالِ الدكتور داهش لم يُنكرِ وقوعَها وحدوَثَها ويكادُ الجميعُ من عامَّة الناسِ ومن مؤيديه ومناوئيه يُجمعونَ على وصفِ أعمالهِ بالخارقة.
ويبقى الخلافُ في كيفيَّة حدوثِ هذه الخوارِقِ وتفسيرِها ومصدرِها والغايةِ منها.
ثانيًا: إنَّ أغلب أعمالهِ الخلاقةِ تحوَّلت إلى تجسيدٍ ملموسٍ متداولٍ بين الناس، ويمكثُ معهم، ويستمر وجودُه بينهم إلى ما بعد انتهاء الجلسة الروحية التي أسفرت عن هذا الوجود.
ثالثاً: أسست هذه المعجزات ركيزة دعوته وإعلان رسالته الروحية.
رابعًا: لم يتخذ هذه “الخوارق” وسيلةً لعملٍ مأجورٍ وسبيلاً للكسب، ولم يبتغِ منها شُهرة أو ملكًا، ولم يستغلها لتحقيق مآربَ شخصية.
خامسًا: لم يذكر أحدٌ، حتى من أشد مناوئي دعوته وخصومه، أنه توسَّل قواه لإيقاع الشر أو الأذية بأحدٍ؛ بل على العكس من ذلك، فما أُشيع عن حادثةِ انتحار ماجدًا حداد المعروفة بـ”الشهيدة الأولى” في الدعوة الداهشية يُثبتُ جنوحَ الدكتور داهش للسِلم والتسامحِ ورفضِ العنف والحقد والانتقام. فقد تركت ماجدا حداد رسالةٌ ذكرت فيها أنها أقدمت على انتحار بسبب الاضطهاد الكبير الذي مُورِس على الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش وأتباعه، ولأن الدكتور داهش نفسه منعها من تنفيذ قرارها باغتيال رئيس الجمهورية، أنذاك، الذي كان وراء الحملة التي شُنَّت عليه وتجريده من جنسيته.
سادسًا: استثمر قدراته لخدمةِ الفكرِ والأدبِ والفنِّ، فقد ترك ذُحرًا هائلاً من المؤلفات والمقتنياتِ الفنية والأثرية. وهذا ما لم يفعله أحدٌ من قبله.
سابعًا: لم يكتفِ بواقعه المميز، بل صاغه ضمن منهاج حياةٍ وتفكيرٍ وفلسفة. وإن اختيارَ اسم روحيٍّ له بديلاً من اسمه الأصلي يندرجُ ضمن سياق هذا المنهاج.
ثامنًا: هو الأهمُّ من بين كل هذه الأسباب، توظيفُه كل هذه القوى والطاقاتِ من أجلِ إطلاقِ دعوتِه التوحيدية الروحانية الجديدة. ولا شكَّ أنه شاءها لخدمة الإنسانية واسقرارها وخيرها، ومن أجل إتمام المصالحة بين الأديان جميعها، وبين الإنسانِ وذاته، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان وعناصر الكون الأخرى.
تاسعًا: حظي الدكتور داهش باهتمامٍ واسعٍ من كبارِ المفكرين والأدباء، في مختلف بلاد العالم العربي، الذين كتبوا عنه وسجلوا خوارقَه، ومنهم الشيخ عبد الله العلايلي في كتابه “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، والدكتور محمَّد حسين هيكل مؤلفُ كتابِ “حياة محمد”، وزيرُ المعارف ورئيسُ مجلسِ الشيوخِ المصري آنذاك، والصحافي المصري لطفي رضوان، رئيسُ تحرير مجلة “المصور” في كتابة: “خوارقُ ومعجزاتُ الدكتور داهش”، والشاعرُ اللبنانيُّ حليم دموُّس في كتابه: “المعجزاتُ والخوارقُ الداهشيةُ المذهلة”، إضافةً إلى ما وردَ عن أخباره وأعمالهِ المدهشةِ في مذكراتِ اثنين من أدباءِ العالَم العربي ومفكريه، هما جبرا إبراهيم جبرا وهشام شرابي، فضلاً عن عشراتٍ أخرى من المؤلفات والمقالات واللقاءات والمقابلات التي شغلت الأوساط الثقافية والمؤسسات العلمية والصحافة اللبنانية والعربية والعالمية لسنواتٍ طويلة.
عاشرًا: نعرفُ من سِيرَ الأنبياءِ والمصلحين، عبر التاريخ، أنَّ من أسبِق أتباعهم والمؤمنينَ بدعواتهم ورسالاتهم أبناءَ الطبقة الفقيرة والمظلومة والمقهورة، المتطلعين إلى هادٍ ومنقذ. الأمرُ الجديدُ في دعوةِ الدكتور داهش أن أوائلَ المؤيدين لها والمضطهدين بسببها كانوا في أغلبهم الساحق من اهل النخبة الفكرية والثقافية والعلمية.
وأخلُصُ من ذلك، تاركًا أمام القارئ سؤالاً واستلهامًا.
أما السؤال، فهو هل يجدُ المؤمنون الصادقون اليوم علاجًا للقضاء على القحط الروحي الذي تعانيه الإنسانية، وللتخاصم العقائدي الذي تشهده الأيانُ والمذاهبُ والعوزِ الأخلاقي الذي يضربُ الأفرادَ والمجتمعات، أفضل من تلك الكلمةِ السواء التي أطلقها الدكتور داهش قبل ستين سنةً ونيف؟
أمَّا الاستفهامُ فهو في تقدير الحُكمِ في ما إذا كان الدكتور داهش جديرًا بالمنحةِ التي وُهبت له، وما إذا كان وفيًا وعلى مستوى جسامةِ المهمة التي من أجلها حدثت تلك الأعمالُ الخارقة، وما إذا كانت عجائبُه قد انتهت بوفاته، أم أنها تحولت إلى صرخةٍ داويةٍ، لو تسنى لها أن تجد آذانًا قبل نصفِ قرن، لوفرت على الإنسانية جمعاءَ كثيرًا من مآسي جنون الصراع بين الحضارات والأديان، وهَوسِ نهايةِ التاريخ، وموجاتِ البرابرةِ الجدُد.
إشادةٌ برجلٍ عظيم
الدكتور مرسي سعد الدين
كاتب مصري باللغتين العربية والإنجليزية. حاز شهادة الدكتواره في علم اللغات المقارن من جامعة لندن.
شغل عدة مناصب سياسية ودبلوماسية في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان الناطق الرسمي باسم الرئيس أنور السادات خلال محادثات “كمب دايفيد”. اعتزل العمل السياسيَّ عام 1981، وانصرف إلى الصحافة، فرأس تحرير عدة مجلات باللغة الإنجليزية، منها Egypt today و World Tourism. وهو اليوم من محرري الصفحة الثقافية في جريدة Al-Ahram Weekly من مؤلفاته “نشوء الأحزاب السياسية” و”حفيدتي… وأنا” وPlain talk.
إشادةٌ برجلٍ عظيم
لا أدري كيف أبدأ بالحديث عن الدكتور داهش. هل أكتبُ عنه كمفكرٍ ومؤلف لأكثر من مئة عمل أدبي من الشعر والنثر أم أكتب عنه كرسول للسلام والحب بين الناس بصرف النظر عن دياناتهم وأوطانهم أم كمصلح اجتماعي يريد أن يرى العالم حوله يعيشُ في سلام وعدالة؟ الواقع أن الدكتور داهش هو كل هذه الأشياء مجتمعةً.
كانت معرفتي الأولى بالدكتور داهش في الثلاثينيات من القرن العشرين. وكنتُ في ذلك الوقت تلميذًا في المدرسة الثانوية، وكان والدي أستاذًا للعلوم، وكان يصحبني دائمًا إلى منزل صديقٍ له، هو أيضًا أستاذ علوم، لكنه من المؤمنين بـ “تحضير الأرواح”. فقد كان يعقد في منزله الذي يقع في “الروضة”، أحد أحياء القاهرة جلساتٍ يحضرُها عددٌ من الأصدقاء، ووسيط كان يتمتع بما يطلقون عليه “الجلاء البصري”. وفي إحدى تلك الجلسات قدمني والدي إلى شابٍّ في منتصف العشرينيات من عمره، يتسمُ بالوسامة وبعينين لا تستطيع أن تحدِّق إليهما أنت طويلاً. وتُحسُّ، وهو ينظرُ إليك، أنَّه يحاول أن يصلَ إلى قرارة نفسك. وتذكرتُ أني رأيتُ صورةَ هذا الشاب، وهو الدكتور داهش، في الجرائد المصرية، وعرفتُ في تلك المقابلة سرَّ نظرته النافذة.
وزارنا الدكتور داهش عدة مرات في منزلنا. وكان، هو ووالدي، يدخلان في مناقشاتٍ حول الروح والخليقة ومصير الإنسان، وفي موضوعاتٍ كانت، في ذلك الوقت، أعلى من قدرتي على الفهم. وترك الدكتور داهش مصر، ومرَّت سنواتٌ كثيرة…
وفجأةً اتصل بي صديقٌ من القاهرة لا أذكر اسمه، وقال إن لديه رسالةً من الدكتور داهش – وكنتُ في تلك الأثناء قد تخصصتُ في اللغة الإنجليزية للإذاعة المصرية برنامجًا بعنوان “تحت سحر مصر”، وأخرَ بعنوان” ديوان الشعراء” كنتُ أقدم فيه قصائد عربية حديثةً قمتُ بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. ولعل هذا ما دعا الدكتور داهش، عن طريق الصديق اللبناني، أن يطلب إليَّ ترجمةً أحد كتبه من العربية إلى الإنجليزية.
لم يكن وقتي يسمحُ بالقيام بتلك الترجمة، فاعتذرتُ، وترك لي الصديقُ اللبنانيُّ مجموعة من مؤلفات الدكتور داهش بدأْتُ بقراءتها. ولكن لا بد لي من الاعتراف بأنني لم أستطع أن أقرأها جميعها؛ وتجدرُ الإشارة إلى أنها تزيد على مئة كتابٍ ما زلتُ أُداوم قراءتها. قرأتُ أشعارَه في “أسرار الآلهة” و”قيثارة الآلهة”، وفيهما يستعمل ما يُطلَق عليه الآن “الشعر المنثور”. كما قرأتُ له أشعارًا كلاسيكية، لكنها قليلةٌ جدًّا في مؤلفاته. منها:
أيُّهـــــــــــــــــا العصفــــــــــــور غــــــــــــــــــــــنِّ تُبعــــــــــــــــــــــدِ الأشجــــــــــــــــــــــانَ عنّــــــــــــــــــــــــِي
غنِّنـــــــــــي لحنًــــــــــــــــــــــا شجيًّــــــــــــــــــــــــا وأَعِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدْه وادنُ منّــــــــــــــــــــــــــــــِي
***
أيُّهــــــــــــــــــــا العصفـــــــــــــــــــــــورُ حلِّقْ واشدــــــــــُ حُــــــــــــــــــــــــــرًّا في الفضــــــــــــــــــــــــاءْ
ليتنــــــــــــــــي مثلـــــــــــــك أَشــــــــــــــــدو إنَّ قلبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي في عنــــــــــــــــــــــــــــاءْ
وكان من الطبيعي أن أقرأ الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور محمد حسين هيكل؛ وهي أكثرُ من مجرَّد رسائل عاديَّة. إنها تعكس فلسفةً عميقة ورشحًا لمفهوم الاضطهاد في عصرنا الحديث. إنَّ ما تعرَّض له الدكتور داهش على يد رئيس جمهورية لبنان الأسبق بشاره الخوري يذكرنا بمحاكم التفتيش في العصور الوسطى. وقد بيَّن مؤسس الداهشية في رسائله أسبابَ ذلك الاضطهاد ومراحلَه القانوية والتعسفية.
ولكنها (أي الرسائل)، في الوقت نفسه، تعكس عظمة الدكتور داهش في مقاومته ذلك الاضطهاد واسترداده لحقَّه بيده.
وهناك أيضًا كتبٌ تعالج الروحانيَّات، ومنها “ابتهالاتٌ خشوعيَّة” الذي يضمُّ صلواتِ الدكتور داهش وأناشيده الروحية التي يتوجه بها إلى الله، إلهِ جميع الأديان التي كان يؤمن بها. وهو يستهلُّ صلواته بأحد عشرَ ابتهالاً اقتبس معناها من مزامير النبي داود، وصاغها بأُسلوبه. وفي تلك الصوات يعترف بالضعف البشري واصطراع الخير والنشر في نفسه، ثم يستغفرُه تعالى ويستنجدُه في سحق الميول الوضيعة. ومن الأناشيد الروحية ما يناجي فيها المؤلف عالم الروح حيث النقاء والبهاء.
وبالإضافة إلى هذا العدد الكبير من المؤلفات الرائعة، فإن الدكتور داهش كان مهتمَّا بالفنون الجميلة بكل أشكالها. وقد استطاع أن يقتني ما يزيدُ على 2000 عملٍ فني، وكان أمله أن يستطيع أن يُنشئ منها في بيروت متحفًا لا يقل شأنًا عن المتاحف العالمية. ولكن أمله تحطم حين قامت الحربث الأهلية في لبنان، وصارت بيروت أطلالاً بائسة. وقد استطاع الدكتور داهش أن ينقل مُتنياته الفنية إلى الولايات المتحدة حيث قام بعضُ أصدقائه ومريديه بتحقيق حُلمه، فأقاموا “متحف داهش للفن” في شارعٍ من أكبر شوارع نيويورك. وكان على رأس هؤلاء الأصدقاء السيدة الفاضلة مرفت زاهد وابنتها أميرة. وقد وُصِف المتحف في إحدى المجلات بأنه “صندوق مجوهرات”.
وقد دخل القائمون على المتحف في معركةٍ حين أرادوا الانتقال إلى مكانٍ أوسع من المقرِّ الأول، وكان أمامهم عددٌ من كبار رجال الأعمال، وكان التسابُق محاولةً جادةً وقومية. كانت بمثابة خط الدفاع العربي الأخير. وبالرغم من أن المُتحف كان الأكثر إيفاءً للشروط المطلوبة، وكان في طليعة المؤسسات المتسابقة، وفقًا لكلام الصحف، ولا سيما “النيويورك تايمز”، حتى لقد ذهبت إحداها إلى القول إن السباق بين “متحف داهش” والمنافس الأقوى هو أشبَهُ ما يكون “بمنازَلة داود لجُليات الجبار” – بالرغم من ذلك كله، لم يكسب المتحفُ المعركة – وقد دامت ست سنوات – وكسبها مُتحف آخر مغمورٌ لم يكن أصلاً في عداد المؤسسات المتسابقة. كلُّ ذلك يفيد أن الدول المتقدمة لا تخلو، هي أيضًا، من التمييز العنصري.
وليس “مُتحف داهش” مقرًا للوحات والتماثيل فقط، لكنَّه أصبح مؤسسة فنية عالمية تُلقى فيه المحاضرات، وتُنظمُ المعارض المختلفة للفن. وقد كان لي حظٌّ وشرفُ إلقاء محاضرةٍ في المُتحَف عن الاستشراق الحديث، وكان ذلك بمناسبة إقامة معرض الفنِّ الاستشراقيِّ وتأثير مصر ودول شمال إفريقيا على عددٍ من الفنانين الأوروبيين، وخاصة فناني إنجلترا وفرنسا.
وأَودُّ أن أُدوِّنَ هنا أنَّ دارًا للنشر في نيويورك باسم “الدار الداهشية” أصدرت وتُصِدر جميعَ مؤلفات الدكتور داهش، بالإضافة إلى إصدار كتبٍ بأقلامِ آخرين؛ وقد شرفني أنها نشرت لي أحد كتبي بالإنجليزية Plain Talk.
وأودُّ في النهاية أن أشارك أصدقاء الدكتور داهش ومُريديه في الاحتفال بمرور مئة عامٍ على ولادته. لقد كان الدكتور داهش عبقريًّا قلَّ أن تجود بمثله الدنيا.
رأيٌ في الظاهرة الداهشية
السفير فؤاد الترك
دبلوماسي لبناني. شغل منصبَ سفير لبنان في عدَّة دُوَلٍ منها الأرجنتين وإيران وفرنسا وسويسرا. تبوأَ منصبَ الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية (1983 – 1988). ترأس الوفد اللبناني الرسمي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وإلى جامعة الدول العربية في دوراتٍ متعددة، وشارك في مؤتمراتٍ واجتماعاتٍ كثيرة، إقليمية ودولية. نُشرت له محاضراتٌ ومقالاتٌ في موضوعاتٍ تاريخية واغترابية ودبلوماسية، ونُشِر عنه عدَّةُ كتب منها “سعادة السفير” (1996) و”فؤاد الترك” (2007).
رأيٌ في الظاهرة الداهشية
كنا في مقاعد الدراسة يوم طرقت أسماعنا أخبارُ الدكتور داهش وما أثاره، في أربعينيات القرن الماضي، من أخذٍ وردٍّ في الصحافة اللبنانية، ثم ما عقب ذلك من إبعادٍ أثار جدلاً ولقد اقترنَ اسمُه بما رُوي من أعمالٍ غير مألوفة كانت تجري على يديه.
والحق أن الرجل كان، ما يزال، مثارًا لكثيرٍ من الأسئلة. وليس من مطمح هذه الكلمة، في المئوية الأولى لمولده، بسطُها والإجابةُ عنها. بحسبي، في هذه المناسبة، الإشارة إلى ثلاثة أمور:
الأول أن الدكتور داهش لم يلجأ إلى فرض آرائه بالقوة أو العنف، بل كان من دُعاة حرية الفكر، بعيدًا عن الإكراه والتعسِّف. إلا أنه وُوجِه بغير ما ارتضاه، وتحديدًا في أول عهدِ الاستقلال، فجرِّد من جنسيته اللبنانية، وأُبعد من لبنان. لكن ذلك كله لم يَفُتَّ عن عضُدِه، بل زاده مَضاءً وإصراراً على ما يدعو إليه. وإذا كان قد أعاق، إلى حينٍ، نَشْرَ فكرته، فإنه لم يقضِ عليها. وهوذا التاريخ أمامنا شاهدٌ أن فكرتَه ما تزال نابضةً في قلوب أشياعه.
الأمر الثاني أن الظاهرة الداهشية لم تُدرَسْ، إلى الآن، دراسةً علميةً موضوعية برغم ما صدر في موضوعها من مؤلفات. فقد غلبَ على كثيرٍ منها النزعةُ التبشيرية، أو المقاربة الأدبية، أو المعالجة الصحافية. ولعلَّ خيرَ خطوةٍ تُتخذُ، بعد انقضاء قرنٍ على مولده، الشروع بها. وإلى أن يُقام بهذه الخطوة الضرورية، فإنه من الصعب جدًا أن يُحكم له أو عليه. ذلك أن الأحكام المرتجلة والافتراضات السطحية أمورٌ لا يُعتدُّ بها، ولا يُبنى عليها.
أما الأمر الثالث فهو أن الرجل كان ذا أبعادٍ كثيرة لا يجوزُ ردُّها إلى بُعدٍ واحد أو حصرها فيه. فإذا اختلف الناسُ في تعليل أعماله “الغريبة”، فما أحسبهم مختلفين في ثلاثةِ أبعادٍ أخرى تفرد بها: “بُعدٍ أدبيٍّ، وبُعدٍ فكريٍّ، وبُعدٍ فني. فهو، أولاً، أديبٌ خلَّف تراثًا أدبيًا لا يُستهانُ به. ولا يتسع المجالُ هنا للبحث في أدبه وتقويمه. على أننا نكتفي بالقول إنه إذا غلب على أدبه منحًى رومنسيٌّ ربما انقضى زمنُه، فإنَّ الإبداع لي وقفًا على المدرسة الأدبية التي ينتمي إليها الأديب. وما يزال البابُ مُشرعًا أمام النقاد للبحث عن مكامن الإبداع في أدبه.
ثم إنَّ الرجل هو، ثانيا، صاحبُ اتجاهٍ فكريٍّ روحيٍّ يُنسَب إليه، وله مؤيدوه الكُثر. وإذا كان لكَ أن تُخالف آراءه، فإنَّ عليك أن تحترمَها، ولا سيما تلك التي تنطوي على مَنْزَعٍ إنسانيٍّ وتوحيدٍ دينيّ ما أحوجَ هذا الزمن إليهما.
وهو، أخيرا، واضعُ اللبنات الأولى لمُتحفٍ فني أقيم في قلب مدينة نيويورك. ولئن دل ذلك على شيء، فعلى توجُّهه الحضاريِّ في مخاطبة العالَم.
نأمل أن تكون هذه الذكرى مناسبةً يُبادَر فيها إلى دراسة الظاهرة الداهشية، في كل أبعادها، بتجرُّدٍ وحيادٍ وموضوعيَّة.
الدكتور داهش من خلال مؤيديه
الدكتور جوزف صايغ
شاعر ومفكر لبناني. حاز دكتوراه في علم الاجتماع الأدبي من جامعة السربون بإشراف المستشرق جاك برك. عمل صحافيًا ومُنتجًا لبرامج ثقافية في إذاعة باريس العربية، ثم معلقًا سياسيًا في “الملحق” الأسبوعي لجريدة “النهار”، ومُشرفًا على القسم الأدبيِّ والفني في “النهار العربي والدولي”. أسس “الملحق” الأدبي لجريدة “الأنوار”. زاول التعليم الثانوي والجامعي في بيروت وباريس. شغل منصبَ الملحق الثقافي في مندوبية لبنان لدى اليونسكو بباريس. مُنِح وسامَ الفنون والآداب الفرنسيَّ من رتبة ضابط (1993). صدرت مجموعتُه الشعرية عام 1994 في 4 أجزاء تضمُّ 13 ديوانًا. من مؤلافاته النثرية المطبوعة “معيار وجنون” و”المجرة الأبجدية”.
الدكتور داهش من خلال مؤيديه
لم أُصادف الرَّجلَ إلا مرَّةً واحدةً، خلال لقاءٍ وجيز لم يترك، مع الأسف، في خاطري ذكريات أسردُها، ولا سمح بالكلام مباشرةً عليه. الواقع، يعسُرُ الكلام على الشخصيات التي هي خارج المألوف، أمثال الدكتور داهش.
بخلاف ذلك، يسهلُ الكلام على تأثيره في الجماعات التي عرفته عن كثب، أو كان لها معه تجارب استثنائية، أو تعمقت في ما خلفه من مؤلفاتٍ مرموقة لا تترك الإنسان حياديًّا بإزائها. من هؤلاء، عرفتُ مَن يمكن اعتبارُهم مُثُلأاً ورموزًا وقُدوة، ويمكن، بالتالي، الكلام على القيم التي نمتهم، أو التي بنورها اهتدوا، أو كانوا فقط من الميالين إليها وغلى إعلائها في تصرفهم وحياتهم.
أوَّل ما لفتني أن معظمهم كان من النخبة، لا سيما على صعيد المناقب الحميدة، والتصرف القويم، والكلمة الصادقة. هذا، إلى ميزةٍ فريدة في أيامنا أفردتهم عن غيرهم، ألا وهي تنزههم التام عن الطائفية والمذهبية وما إليه. فهم من مختلف الأديان والطبقات على تآخٍ لا يَرقى إلى سلامته شكٌّ، وعلى تصافٍ في المودة يُشعرُك بأنك، معهم، أنت في حضرةِ غير المألوف من الناس. فتحترمهم، وتكنُّ لهم المودَّة. كل ذلك دون أن يحملك الفضول على البحث عن السبب، أو عن الغاية: فلا غاية ولا سبب غير أنهم من هم، تبدَّلوا هكذا!
فنِعمَ ما هم عليه، ونِعمَ الأسباب.
داهش: ظاهرةٌ روحية يحاصرُها الجهل
الأستاذ سليمان تقي الدين
كاتبٌ لبنانيٌ، ومحامٍ بالاستئناف، وصحافيٌّ في جريدة “السفير” البيروتية. نائب رئيس لجنة الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة المحامين اللبنانية. ورئيسُ “المركز المدني للمبادرة الوطنية”. حقق عدة مخطوطاتٍ تاريخية، منها “الأُسر في تاريخ الشوف”، “دراسات في تاريخ الشوف”، “سجل الأحكام المذهبية الدرزية”. وله، أيضًا، عدة مؤلفات في القانون والفكر السياسي والتاريخ والأدب، منها “المسألة الطائفية في لبنان”، “العرب والمسألة السياسية”، “تحوُّلات المجتمع والسياسة”، “القضاء في لبنان”، “سيرة الأديب سعيد تقي الدين”.
داهش: ظاهرةٌ روحية يحاصرُها الجهل
لم أتعرَّف شخصيًا على الدكتور داهش (سليم العشي) لأنني من جيلٍ آخر. عندما صارت ظاهرةُ الدكتور داهش في أربعينات وخمسينيات القرن الماضي على كل شفةٍ ولسان، ومدار الجدل في الأوساط السياسية والثقافية، لم أكن قد وُلدت. لكن هذا الاسم كان يطرقُ سمعي دائمًا، ويحفزُني بداعي الفضول للتعرف على أفكاره وتراثه. وفي ظل الظروف السياسية والأمنية التي عصفت بلبنان على مدى عقدين من الزمن، تراجع الاهتمام بالكثير من القضايا المثيرة على الصعيد الفكري والإنساني نتيجة الانغماس بالشأن السياسي اليومين الطاغي. ومع الاستقرار النسبي، عدنا نبحثُ عن “الحقيقة” في أمورٍ كثيرة، وليس أقلها هذه الظاهراتُ الروحية الخارقة. وفي هذا المجال، لي علاقةٌ خاصة من المهم عرضُها؛ فهي ما يمكن أن يضيء على حكاية الدكتور داهش. قصتي الشخصية هي، إذاً، من صُلب الموضوع الذي نحن بصدده، أعني شهادتي في تجربة داهش.
ولدتُ في أُسرةٍ عريقة من أُسَر لبنان لها عمقٌ تاريخيٌّ ثقافيٌ ورحي؛ أسرة اشتُهرت بوجود علماء الدين فيها والمرجعيات الروحية الكبرى. فجدُّ هذه الأسرة منذ خمسمئة سنةٍ له مؤلفات فلسفية مُشتهرة. تنتمي هذه الأسرة إلى مذهب ديني هو مذهبُ “الموحدين” (الدروز) الذي له نظرتُه الخاصة والمُميزة إلى الله والكون والإنسان، وله طرائقُه الخاصة في العبادة، ويؤمنُ بالعرفان والطاقة الروحية. وفي مكتبتنا العائلية كثيرُ من الكتب (المخطوطة) التي تعالجُ قضايا علوم الفلك والفراسة وقراءة الكف وحساب الأبراج وسوى ذلك. وهذا الطائفة تؤمن وتعتقد بالتقمُّص على كثيرٍ من الغموض في أسرار هذه الفكرة.
في سنوات طفولتي الأُولى، قيل لي إنني “متقمص” لشخصٍ آخر أو إنني “نطقتُ” بذلك. أنا لم أعد أذكر هذه الواقعة. غير أن فكرة التقمّص سائدةٌ في بيئتنا الثقافية التقليدية.
وقد كنتُ، وما زلتُ أسمعُ نوادرَ عن ذلك. وقد قرأتُ فلسفةَ هذا المذهب، ولي رأيٌ خاصٌّ فيه. أما أحدُ أدباء العائلة المعاصرين المشهورين، وهو الأديب خليل تقي الدين، فكتب روايةً حول هذا الموضوع تحت عنوان “العائد” تروي إحدى قصص التقمُّص الذائعة في هذه البيئة الجبلية والتقليدية والمذهبية.
في بيئتنا هذه نسمعُ يوميًّا رواياتٍ وطرائفَ واعتقادات تكوِّن الوعي الأوليِّ لدى الجماعة. تندرجُ كل هذه الظواهر تحت عنوان القدرة الإلهية وتدخلها في حياتنا، وظواهر الروح وقوتها ودور الأولياء في استحضار أو استدعاء الملائكة في مواجهة الشر والشياطين. وفي المأثور الشعبي، تختلطُ هذه الأفكار وتتداخل.
هذه هي خلفيَّة المسرح الشخصي. لكن تجربتي كانت من نوع آخر. لقد كنتُ أشعرُ دائمًا بأنني مزاجيُّ الطبع، أتغيرُ، ولا أدري لذلك سببًا، من حال فرحٍ إلى حال حزين، أو العكس. أشعرُ باقتراب كثيرٍ من الحوادث ولو بصورةٍ ضبابيةٍ وغامضة. أهتمُّ لعلم الفلك ولِعلم الفراسة ولَما يُسمَّى الميتافيزيك والظاهرات الروحية. تأتي بعضُ الأحداث أو الوقائع لتُقوِّي لديَّ الفضولَ في خَوص ميدان البحث عن “الحقائق الروحية”. وقد أعادني ذلك إلى وجوب الاطلاع على تجربة الدكتور داهش.
في مخيلتي كان داهش (“رجل الأسرار”) شخصيةً شبه أسطورية. كان يُشاع أنها “تلاعبت” بمصاير بعض الشخصيات اللبنانية المهمة، سلبا كالرئيس بشاره الخوري وأنسبائه من آل شيحا وفرعون، وإيجابًا كما هي حالُ الشاعر الكبير حليم دمُّوس، أحدِ أركان هذه المدرسة، وآلِ حدَّاد. وكا كنتُ أسمعُه عن هذا الرجل (داهش) أنَّه ذو شخصياتٍ عدة حاضرةٍ في أكثر من مكان في آنٍ معًا، وأنَّ له خوارق للطبيعة أو معجزات، كما يُقال.
تابعتُ سيرة الدكتور داهش، كما تابعتُ تراثَه وقرأتُ كثيرًا من أدبه، وتعرفتُ إلى بعض أصدقائه. ما يمكن أن يستنتجه دارسُ هذه التجربة وهذا التراث هو أن داهش مدرسة روحية وظاهرةٌ وصاحبُ طاقةٍ روحية، وأن أفكاره يمكنُ إدراجُها في تيارٍ كبير، وأن هذه الأفكار كانت، وما زالت، في دائرة الاختبار المعرفي الذي يتقدم من غير أن يصل بعدُ إلى مرتبة العلم اليقينيّ. لكن المؤكد أن الظواهر التي ارتبطت بالدكتور داهش تدلُّ على حقيقةِ وجودِ “الطاقة الروحية”. إلا أن الجهل قد حاصر هذه الظاهرة، وقاومَها، بدلاً من الانصباب على الإفادة منها ورعايتها. الغريبُ في الأمر أن هذه الأفكار لا تخرجُ عن دائرة الإيمان بوجود الله، والروحِ وخلودِها، والسيالات الروحية أو ما يمكنُ اعتبارهُ “الهالة” أو الطاقة، والسببية الروحية، والعدل الإلهي، والتقمُّص، ووحدة الأديان الجوهرية.
هذه الأفكار موجودةٌ لدى مذهب “الموحدين” الذين هم فرقةً دينية تعتقدُ بالكشف التدريجي التطوريَّ! للمعرفة الدينية، وبإتمام الحقيقة عبرَ هذا التطور. وبهذا المعنى، يقول أصحابُ هذا المذهب إن الدين واحد (“ينبوعٌ واحد وجداول متعددة”، كما يقول داهش)، وإنَّ المعرفة هي “بركةٌ واحدة يجتمع من حولِها المؤمنون. كلٌّ يشربُ من هذه البركة، ويقول: ما أعذَبَ ماءَها!”.
لكنَّ الأهمَّ هو نظريَّةُ الانبثاق الكوني العظيم منذ ملايين السنوات، وأن الحضارات البشرية تندثر وتعودُ في نظام هائل القوة والتنظيم. أمَّا وحدةُ الوجود فهي جزءٌ مهمٌّ من فكر العِرفان الشرقيّ. ولعلَّ توقعات الدكتور داهش عن وجود الروح في النبات والجماد فكرةٌ يتقدم العِلم نحو إثباتها. يُقال إن الله يُعطي الحشرة غذاءها وهي في كنفِ الصخر!
لقد رأيتُ حشراتٍ حيَّةً في قلب الصخر، فهل كانت هذه روحَ الحشرة أم روحَ الجماد؟!
من الواضح أن سيرة داهش تدلُّ على ظهورِ علائم الطاقة الروحية لديه منذ الصغر. يعني ذلك أنها طاقةٌ فظرية لم يكتسبها، ولم يتعلمها، ولم يعرف فنون السحرة والمشعوذين. فهو، إذاً، من طرازٍ خاصٍّ، بل هو يجزمُ بعدم اقتناعهِ بالتنويم المغناطيسي، ولا بضرب المندل، ولا بمعرفة الغيب بالمعنى الذي يُمارسُه المنجمون والمبصرون. لكنه، بالتأكيد، يؤمن بوحدةِ الكون والوجود، وبجزئية وجود الإنسان الفرد أمام الخلود للنوع الإنساني. وهو يؤمن بوجود كائناتٍ عاقلة على كواكب أخرى غير الأرض. كما إنه يؤمنُ بالعدل الإلهي، ويرى في انتقال النفس، أو السيالات، من قميصٍ إلى قميص، ومن جسدٍ إلى جسد، على دورات، هو السبيلُ الوحيدُ لتحقيق العدالة ومحاسبة الإنسان على خياراته.
هذه الفلسفة ليست، في مبادئها، العامة جديدة، كما قلنأ، لكنها، مع ذلك، تتفرد بإيضاحات وتفصيلات خاصة بها. على أن المهم في تجربة داهش إيمانه بوجود طاقةٍ روحيةٍ عند الإنسان لا تتحصلُ من التعليم أو المجاهدة أو سلوكِ طُرُقٍ معينةٍ، مثلاً، يسلكُها العِبادُ الصالحون ليكتسبوا بواسطتها نوعًا من المعرفة الإشراقية (العِرفانية)، كما يعتقدون.
داهش اعتقدَ أنَّ الله وهبَه هذه القدرة، وهو حاول بواسطتها إثباتَ وجودِ الله، وإثباتَ الطاقة الروحية التي يبثُّها في بعض البشر. هو لم يدَّعِ أنه يُؤسِّسُ دينًا جديدًا أو مذهبًا، بل قال إن ظاهرةٌ من ظاهر وحدةِ الأديان وتقاطعها العميق في المسائل الجوهرية غير الطقوسية. لم يستخدم الرجلُ هذه القوة لأغراضٍ سلبية في حياته. هو لم يُسئ إلى أحد- وهذا ما يبدو في أعماله و”معجزاته” – لكنه أراد إثباتَ نفسه ووجودِه من خلال إظهارِ عناصر هذه القوة بتحويل ورقةٍ عادية إلى ورقةٍ نقدية، أو بمعرفة ما يفكر بهذا الإنسان وما يُضمِرُه أو من خلال محاطبة الآخرين من دون تواصُلٍ مادي.
إن تخلف السلطة السياسية في لبنان حاصرة، وأراد أن يطمس هذه الظاهرة، فشوهها إعلاميًا، وحاول قتلها معنويًّا وماديًّا. لكن داهش صمد وعاش عمره برغم حكاية إعدامه في إيران. لقد آمن به عددٌ من كبار القوم، واقروا بقوته، وشهدو أمثلةً حسية على هذه الطاقة الروحية.
لقد كان حَرِيًّا أن يتحول داهش إلى قيمةٍ إنسانية وعلمية، ويُصارَ إلى الإفادة من تجاربه وأفكارِه، ودرسِها والبناء عليها حقائقَ وقيمًا أخلاقية تتعلقُ بطبيعة الإنسان، والروح، ومستقبل البشرية، لكنَّ العكس هو الذي حصل.
نظرية التقمُّص ومفهوم الميتافيزيق
الأستاذ نعيم تلحوق
صحافيٌّ وشاعرٌ لبناني. مُجازٌ في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية. عمل في الصحافة سحابة عشرين عامًا، وشغل فيها مناصب متعددة، منها إدارة تحرير مجلة “البناء”، وإدارة تحرير مجلة “فكر”. رأس “جمعية الشباب الوطني في لبنان”، وهي جمعية ثقافية. يرئس دائرة الإنتاج الفكري والأدبي في وزارة الثقافة اللبنانية.
له عدة مجموعات شعرية، منها “هي القصيدة الأخيرة”، “وطن الرماد”، “أظنُّه وحدي”، “يُغني بوحًا”. وله كتب أدبية فكرية تتعاطى النقد والشأن الأدبي والثقافي.
نظرية التقمُّص ومفهوم الميتافيزيق
في الأدب الداهشيّ
إن مفهوم العدالة الإلهية الذي تكلَّم عليه الدكتور داهش، في مرحلةٍ بدت فيها البيئات الاجتماعية والسياسية في موقع شكِّ تجاه معنىت الروح وأبعادِ الوجود برمته، هو مفهومٌ تجذيريٌّ، أراد منه في الثلث الأخير من القرن العشرين أن يعيدَ الاعتبار إلى فكرة التناغم المادي – الروحيّ مع الحياة الإنسانية (والوجود).
إنَّ أهمَّ تجربةٍ يخوضها العقل هو كيف يتحدى خوفه، لا سيما الخوفُ من الموت. ويبدو أنَّ من جملة ما قامت به الديانات السماوية أنها عاقبت الحياة بالموت دون خلق مبررات الطمأنينة للنفس البشرية. فبالاطمئنان تنمو الروح وتكبر وتمتد، وتخلق ذاتها مجددًا لتعيد استقلالها مرة أخرى.
يُستفاد من هذا الكلام ما قرأتهُ من “قصص غريبة وأساطير عجيبة” عند الدكتور داهش الذي جسَّد فهمه للحياة من منظورٍ إنسانيٍّ خالص، منبثقًا من القدرة التي تعني – فيما تعني – العدالة الإلهية التي هي محطُّ أنظار المكنوناتِ البشرية والحيوانية والنباتية، حتى كلِّ ما هو جماد قطعًا … بسبب أنَّ الهيولى الأّولى هي النار التي منها خُلِقت الأشياء، وإليها تعود. هنا يأخذ الإنسان صفة الارتقاء. لهذا قيل في فلسفة المسيحية: “يسوع ابن الإنسان”، أي الشامل من الوجود.
الدلالةُ الساطعة على مفهوم العدالة الإلهية هي نظريَّةُ التقمُّص التي أوضحها الالدكتور داهش عبر رسالته الإنسانية، وضمنَ أقاصيصه المنثورة منها والشعرية، ليفتحَ الباب واسعًا على قضيةٍ ذهنية يُستفاد منها في الفعل العقلي كمادةٍ تخرج من العناصر الضيقة والحوادث المُضحكة أو المبكية، ليُناط بها الفعلُ المعرفيُّ عن أسباب وجودنا:
الحكمة والتأمل والاستبصار والتجربة والتمرين للغوص في معنى السر وكشف الحجاب… فكلما أمعنا التبصر وأوغلنا في كُنه المعنى بالعقل، تكشف لنا ما في قلوبنا وغريزتنا من معنًى جدبد لأخذ العبر والعِظات. وقد يكون ذلك من خلال أدوارٍ سبعة، كما تدل عليه الفلسفةُ التوحيدية، أو قد يكون 6000 مرةٍ، كما عند الدكتور داهش، بغية تطهير النفس البشرية من أدرانها. هنا يكون الله قد أعطى الفرصة الكبيرة لنا كي نقابله.
وبالتأكيد لن نعرف ماذا يُقصَد بالدور عند الموحِّدين، ولا بالـ 6000 مرة كعددٍ أو كخطوة؛ وما هو مفهومُ الرقم؛ وماذا تعني مسافة الخطوة التي يجب أن يقطعها البشريُّ للوصول. ربَّما المقصود هو عدد ذرَّات البصمة – النعمة التي تجتمع في إبهام الآدميّ ليُحقِّقَ معنى البصمة الواحدة على مدار الوعي الإنساني!…
كيف كشفّ الدكتور داهش، باكرا، هذه المعرفة الكبرى؟
من المؤكد أنه قرأ بعقلٍ واصب؛ كتبَ بروحٍ صادقة وبقلبٍ واسع، فاعتبر أن العدالة الإلهية تتجسد على الأرض مُنطلقًا لترسيخ عالم الوعي للانتقال من الدُّونيّ غلى السما العُلوي، فحاول إدراك الغامض بالسعي للوصول إليه عملاً بالآية الكريمة: (مَن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يرَه). فالله لا يمكن أن يستقبل الأنفُسَ البشرية إلا بصفائها الكلي.
لذا، لا تحقُّ عدالته إلا إذا أعطى الإنسان فرصةً أن يكون حرًّا ليَعي، وليتعلم من أخطائه. فإذا رسب في الامتحان، أكمله في القميص الأخرى، أي في لباسه الآخر، كي يُحرِّرَ عقدَه الدونيَّة ليرتقي، عبر استبداله مبناه ليكتمل معناه.
وأنا أُؤمن، كما الدكتور داهش، بأن هذا العالم الكبير هو صورةٌ لنا لتمتد آفاقُنا وقراءتنا وسعينا نحو السموّ. وليس بالضرورة أن يكون البشريّ منقولاً من بشريٍّ إلى آخر، كما في عقيدة الموحدين، وإنما يمكنُ أن يكون باستبدال قميصه ببينةٍ أخرى كالحيوانات والنباتات، كما في الفسلفسة الإسماعيلية والعلوية؛ وهذا ما تثيره المدرسة الداهشية في معتقدها (النسخ والمسخ والرسخ). وقد عبر عن ذلك الدكتور داهش شِعرًا في فندق بدفورد في باريس من خلال قصيدةٍ له بعنوان “العدالة الإلهية”، حيث يقول:
“جوزي فمُسِخَ كلبًا هزيلاً تعيسًا شريدًا.
عواؤه دوَّى في الآفاق، ونباحه أزعج الخلائق.
لو كان مستقيمًا لما انقلب كلبًا طريدًا،
ولَكان يرفل بفتوَّةٍ نضارتُها رائعةٌ وجمالُها فائق”.1
من هذا المطرح، ندرك أبعاد المشهد المُناط بنا تفسيره. وقد ذكَّرتني هذه القصيدة بكلام لأبي عن جدي كان يردِّدُه لي دائمًا قبل أن تعياني مصيبة: “يا بنّي، لا تخشَ من نيَّة الناس عليك. إن جُلَّ ما يجب أن تخشاه هو من نيتك على الناس”؛ أي أن لا تُضمِرَ سوءًا الأحد، ولو ضمَرَ الآخرُ لك هذا السوء. لا تعذرْ، لا تقتلْ، لا تكذبْ، لا تسرقْ، ولا تشكَّ… لا تخفْ من أحد إذا غدرَ بك، أو سرق منك، أو كذب عليك. هذا يستتبع مقولةً شهيرة في عمق الفلسفتين المسيحية والمحمدية والديانات الأقدم التي تؤكد أن الجنة والنرا هما مساحةٌ أرضية نعيش عليها، وأن الدينَ معاملة، وأن مقولةَ إرساء الحق والخير، الباطل والشر، هي لاختبار النفس البشرية في دونِها الأرضيّ إلى سماها العلوي حتى بلوغها إلى الارتقاء الإنساني. إذًا، الموضوع متعلقٌ بفكرة الوعي والارتقاء للخلاص من الشوائب التي تعتري الأنفس.
ولكثرة الأسئلة التي يجب طرحُها دائمًا كي نحظى بأسلئة الوجود والمصير، تبلغُ المدرسة الداهشية مكانها المُتاح لتقولَ بجرأةٍ ما ليس يقوله الباطن في الأشياء.
“وهل سنلتقي بأحبائنا الأعزاء؟
أم تراني أهيمُ في متاهةٍ شوهاء؟
أسرارٌ مغلقة موصودةُ الأقفال
لن يستطيع حلَّها أحكَمُ الحكماء!”2
وهذه، دون شك، هي مساحةٌ رحبةٌ للاعتراف بقدرةِ الخالق في الخلق. وإذا كان
——————————————————
1 الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلق للطباقة والنشر، بيروت 1984)، ص244.
2 المصدر السابق، ص 246.
—————————————————–
الميتافيزيق – الغامض قد أحلناه إلى غموض الروح انسجامًا مع الآية القرآنية الكريمة:
(يسألونك عن الروح قُل الروح من أمرِ ربِّي، وما أوتيتُم من العلم إلاَّ قليلاً) (سورة الإسراء: 85)، فإنَّ تفسير الظاهر بعلميةٍ ومنطقٍ دعانا إليهما الدكتور داهش في “قصصه وأساطيره”، وأدبه، نثرًا وشعرًا، لاستجماع مكنونه الدافق وفكره الواسع، ورسم حقيقةِ المشهد من حيث هو إطارٌ وعلم. وما نظريَّةُ التقمُّص التي آمنَ بها والقصص التي أرادها بدءًا بقصَّة “الملك الكلب” إلى “جبار الثلوج المرعب”، 2 وصولاً إلى “عظُم ذنبه فقطع ذنبه”3 سوى الدليل الساطع على أن أجبه متحفٌ يليقُ به العالَم، ليطلع ويرى أهمية الوجود وعدالةَ الإله.
وقد يبدو واضحًا أن التقمُّص، كنظريةٍ، أثبته العلم بما لا يقبل الشكّ، وذلك عبر فكرة الاستنساخ (الصورة والأصل). وقد كتب الباحث البريطاني جون راي كتابه “التقمُّص في الشرق الأوسط”، وأشار فيه إلى اعتقاد الشرق والغرب بهذه المسألة التي تنطوي على أبعاد سرٍّ عميق من أسرار الوجود (الحياة والموت). ولم يزل الفلاسفة والعلماء يعتقدون أنَّ الفيزياء والميتافيزياء تؤكِّدان حضور الأبعاد المابعد الخمس في ترسيخ صورةِ تجزئة الروح إلى صُوَرٍ متعدِّدة تخدم أبعادَ الحركة في نورها وظلِّها.
——————————————————–
1 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 13.
2 المصدر السابق، ص 18.
3 المصدر السابق، ص 31.
لَمَحاتٌ من مفهوم التقمُّص في العقيدة الداهشيَّة
الأستاذ طوني شعشع
كاتبٌ لبنانيُّ الأصل مقيمٌ في الولايات المتحدة. نال شهادة الكفاءة في الفلسفة العامة من كلية التربية في الجامعة اللبنانية (1974). زاول التدريس الثانوي في زحلة عدة سنوات، ثم هاجر إلى نيويورك حيث عمل، وما يزال، محررا في الدار الداهشية للنشر. ترجم من الفرنسية “قصة تقمص” لزينا حداد، ومن الإنكليزية “لعازر وحبيبته” لجبران (نُشرتا في مجلة “صوت داهش). وله دراسات ومقالات وقصائد منشورةٌ في صُحُفٍ لبنانية ومهجرية، وديوانٌ شِعريٌّ مُعدٌّ للطبع.
لَمَحاتٌ من مفهوم التقمُّص في العقيدة الداهشيَّة
لا يعدو هذا المقال ما يُشيرُ إليه بعنوانُه. ذلك لأنَّ الخوض في النظرة الداهشية إلى التقمُّص وما يتصل به من مفاهيم أُخرى، فضلاً عن مُوازَنتها بما سبقَها من نظرات، يقتضي بحثًا مُسهبًا يضيقُ به الحيز المُتاح في كتاب تذكاريٍّ أسهمَ فيه رهطٌ كبيرة من الكتاب.
والحق أن ما يحدوني إلى معالجة هذا الموضوع سببان: الأول أن التقمُّص هو من المفاهيم الرئيسة في العقيدة الداهشية، فلا يصعبُ على القارئ الاطلاعُ عليها من خلاله؛ والثاني أنَّ كثيرين يسألون: ما وجهُ الجِدَّة في النظرة الداهشية إليه؟ وعليه، فسأُحاول عرضَها في نطاق الوِسْع، مُشيرًا إلى بعض ملامح الجدة فيها، مُعوِّلاً على نصوصٍ بقلم مؤسس الداهشية، مجتنبًا الاجتهاد ما أمكن. وإذا أُلجئتُ إليه، رجَّحتُ ولم أقطعْ.
التقمُّص والغاية منه
لا يتردد الدكتور داهش في الجزم أنه يؤمن بالتقمُّص إيمانه بوجوده.1 فما سرُّ إيمانه المطلق به؟ وكيف كانت نظرتُه إليه؟
———————————————————–
1 انظر الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2 (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 12.
———————————————————–
السائد في العقائد أو الفلسفات القديمة القائلة بالتقمُّص أن النفس الإنسانية تعودُ إلى الأرض في أدوارِ حياةٍ متعاقبة حتى تبلغ درجة التطهُّر، فتفارقها. ولكنها إذا اتفقت في عودة النفس إلى الأرض، فهي تختلفُ في مآلها بعد تطهرها. منها ما يقول بأنها ترجعُ إلى العالم الذي هبطت منه (“عالم المُثُل” الأفلاطوني، مثلاً)، ومنها ما يدعي أنها تبلغ حال “النيرفانا” (وفي تأويلها مذاهبُ شتى)، ومنها ما يدعي أنَّها تنتقلُ إلى الكواكب، منازلِ النفوس الخالدة…
والحقَّ أن مؤسس الداهشية لا يخالفُ التصوُّرَ العامَّ للتقمُّص، فيوجزُه بالقول إنه “تكرارُ” مجيء الإنسان إلى الأرض “ليتطهر من أوشابه ويتخلص من أوزاره”1. ولكنه لا يقصرُه على الأرض؛ ففي اعتقاده أن النفس قد تتقمَّص في كواكب أُخرى وفقا لمُستواها الروحيّ. ولا ريبَ في أن حصر التقمص بالأرض يعودُ إلى التصور القديم للكون. فقد كان الشائع أنها مركزُ الكون، وأنها “عالمُ الكون والفساد” حيث الكائناتُ المادية في حين أن الكواكب هي من طبيعة “أثيرية” غير مادية.
أما اليوم، وقد استوت الأجرام كلُّها في المادية حتى بات الكلامُ على حضاراتٍ كونية أمرًا ممكنًا، فقد بات في ميسور واحدِنا أن يتمثل الاعتقاد القائل بتقمص النفس في كواكب أخرى. وللدكتور داهش نصوص كثيرة تؤكد ذلك، أكتفي بواحدٍ منها: “ولا شك أننا سنزورُ عوالمَ القمر وبقية الكواكب لنعرف كل شيء، ونمرَّ بالتجارب المختلفة في كل عالم وكوكب، حتى يأذن الله بأن ندخلَ إلى فردوسه الإلهي، فنمجده ونُسبحَ باسمه القدُّوس…”2
يتضح من هذا النص عدة أمور. منها أن التقمُّص ممكنٌ في عوالمَ وكواكب مختلفة، لا على الأرض وحدها. ومنها أن لكل عالم وكوكب تجاربه – وليس شرطًا أن تكون متماثلة – وأَنَّ مَن ينتصر عليها يأذن له الله بالدخول إلى “فردوسِه الإلهي”؛ وإلا كُتب عليه أن يعاودَ تقمصاته. فإذا صح هذا، لزمَ أن السقوط ممكنٌ حتى في العوالمِ والكواكب
————————————————————
1 المصدر السابق، ص 7.
2 الدكتور داهش: “خيال مجنح أو حياة الأحياء في القمر” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 47. لا بد من التنويه هنا بأنَّ بعض المذاهب “الروحانية” لا تنفي التقمُّص في الكواكب.
أنظر، مثلاً: (Allan Kardec: Le livr des Esprits (Edition de l’Union Spirite Belge 1954).
———————————————————-
الراقية. ويبدو من النص أن التقمصات تكفُّ أو تنقطع بعد ولوج “الفردوس الإلهي”. وللقارئ أن يسأل: ما هو هذا “الفردوس”؟
الأغلب أنه تمثيلٌ حسيٌّ للعالم الروحي؛ وهو عالمٌ بريءٌ من المادة. ذلك أن الروح، في التعاليم الداهشية، لا تلازم الأجسام أو المادة، بل إن لها عالمها المفارق. هي أشبهُ بالنفس الكلية عند أفلوطين، منها تنبثقُ النفوس الجزئية – أو ما تدعوه الداهشية “السيالات”1 – وإليها تعود. وعليه، فإنَّ التقمُّص لا ينسحبُ على عالَم الروح، لأنه، كما سبق القول، عالمٌ مفارقٌ، خالٍ من كل آثرٍ مادي. ولكن هل نخلصُ من ذلك إلى أنَّ الغاية الأخيرة من التقمصات هي ولوجُ العالم الروحي؟
لا، بل الغاية في رأي الدكتور داهش، أبعدُ من ذلك؛ الغايةُ هي”الاندماج في القوة الموجدة”. لنسمعه يقول: “حياة المرء لا تنتهي بالموت… فإذا كانت أعمالُه صالحةً وكان سلوكُه في عالم المادة خيرًا، انطلقت روحُه2 إلى عالمٍ مادِّيٍ آخر… وهكذا يتدرج من عالمٍ إلى عالَم… حتى يندمجَ بالقوة المُوجدة، فتكتمل سعادتُه المُبتغاة”3. ولربما خُيِّل إلى بعضهم أن هذا “الاندماج” هو ما يُعرَف عند البوذيين بحال “النيرفانا”. والحق أنه يصعبُ جدًا القطعُ بالأمر، وإن ترجح القولُ بأنها (أي النيرفانا) تُفيدُ “الدخول” إلى العالم الروحي، لا “الاندماج” بالقوة المُوجدة؛ ذلك بأنها ثمرةُ “الاستنارة” أو “المعرفة”، والانعتاقِ من رِبقة الأدوار التقمصية.4 أمَّا “الاندماج بالقوّة الموجدة” فهو
————————————————————
1 هي ما ينبثقُ من عالم الروح، مفردُها السيال؛ وهو وحدة مستقلة مدركةٌ مريدة مسؤولة. وتحل السيالات في الكائنات كافة على تفاوُتٍ في العدد والنوع. قد يحلُّ في الإنسان، مثلاً، عدة سيالات، وقد تُفارقُه في مواقيت مختلفةٍ من عمره. ويكون الموتُ عندما يغادرُه آخرُ سيال منها.
2 الروح هنا تعني النفس، لا الجوهر المفارق. والدكتور داهش يستخدمها أحيانًا بمعنى النفس على نحو ما هو شائعٌ عند الناس. ولا يصعبُ التمييزُ بين المعنيين من خلال سياق الكلام.
3 الدكتور داهش: “نهر الدموع” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 9 – 10.
4 للدكتور داهش مقالةٌ قد تؤيد ما نذهب إليه، عنوانها “واندمجا بالنيرفانا”، وفيها يتحدث عن حبيبين “يحلقان في فراديس إلهية عُلوية لا تمتُّ بصلةٍ لعالم المادة بشيء”. ثم يختم بقوله: “لقد بلغا النيرفانا، وهذه غايتهما القصوى!…” (“آمالنا أوهام” في سلسلة “فراديس الإلهات يُرصعها اللينوفار المقدس”، دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 56 – 57). وَلنفطن هنا إلى استخدامه عبارة “فراديس إلهية” ووصفِه إيَّاها بأنها عُلوية” مفارقة للمادة. ألا يوافق ذلك كلامه على العالم الروحي؟
————————————————
بلوغ درجة الكمال التام. يقول الدكتور داهش على لسان يسوع الناصري مخاطبًا تلميذه بطرس: “لا، بل سترتقي من كوكبٍ إلى آخر حتى تبلغَ درجةَ الكمال التام”.1 ألا يتردد في هذا القول صدى كلام السيد المسيح في الإنجيل: “كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل.” (متى 48:5) ولما كان تحقيقُ الكمال في خلال حياة واحدة أمرً مستحيلاً، فقد لزم الإيمانُ بأدوار حياةٍ متعددة.2
وفي النظرة الداهشية إلى التقمص أن الأجساد تختلف طبيعتها باختلاف العوالم أو الكواكب. فإذا كان العالم أرقى من الأرض، كان الجسد ألطف وأشف. ولكنه ما دام “جسدًا”، فهو لا يخلو من أثرٍ ماديٍّ لا يندثرُ تمامًا إلا في عالَم الروح. يقول الدكتور داهش: “وستُهرَع فتياتُ الكوكب البهي ليُرحِّبن بقدومي بعدما خلعتُ عني جسدي المادي الفاني، وتسربلتُ بجسدٍ روحي بهي”3
وقد تستوقفُ القارئ عبارةُ “بجسدٍ روحي” لِما تنطوي عليه من تناقضٍ لا سبيل إلى رفعه إلا بتحميل “الجسد” مدلولاً غير بشريٍّ، وحمل “الروحي” على معنى الشفوف أو اللطافة.
ويبدو أن “للجسد الروحي”، في القاموس الداهشي، مرادفات أخرى، منها “الرداء الروحي”4 و”البُردة الروحية”5 و”الثوب الروحاني”6. والراجح أن جميع هذه الأردية عرضة للتلاشي.
———————————————————-
1الدكتور دانش: “مذكرات يسوع الناصري” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 39.
2 Annie Besant. The Necessity for Reincarnatikon. The theosophical Publishing House Adyar 1984, p. 18.
3 الدكتور داهش: “أناشيد عابد” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 94.
4 الدكتور داهش: “التائه في بيداء الحياة” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 30.
5 الدكتور داهش: “عاشق الغيد الصيد” في سلسلة “فراديس الإلهات يُرصعها اللينوفار المقدس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 28.
6 الدكتور داهش: “نهر الملذات” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 61.
———————————————————–
التقمص والعدالة الإلهية
سبقَ أن طرحتُ، في مستهل المقال، السؤال الآتي: ما سرُّ إيمان الدكتور داهش المطلق بالتقمص؟ والجواب أن سِرَّه إيمانه المطلق بحقيقتين: العدالة الإلهية والحرية الإنسانية، وبأنهما لا تستقيمان إلاَّ به. لا سبيل، في اعتقاده، إلى نفي صفة الظلم عن الله إلا إذا آمن واحدُنا بأن ما يُصيبه وقفٌ على إرادته. لنسمعُه يقول: “أليس من الظلم العظيم أن يولد طفلً ضريرًا أو كسيحًا أو مصابًا بأية عاهة؟ فما ذهبُه ليولدَ بهذه العاهات الرهيبة إذا لم يرتكبْ وزرًا؟ وهل يقبل الله بظلمٍ عظيمٍ كهذا؟”1 وعليه، فما أصاب الطفل إنما هو حصيلةُ ما أقدم عليه في دورٍ سابق. وهو مُخيرٌ في ما يقدم عليه، والاَّ انتفى العدلُ الإلهي.
والحقَّ أن مؤلفات الدكتور داهش حافلة بالإشارات إلى الحرية الإنسانية، سواء في بعدها الميتافيزيقي أو الاجتماعي. ولا يتسع المقام للخوض فيها. بحسبي هنا الاستشهاد بقوله: “الإنسان مسؤول عن أعماله… المرء يصنع الخير أو الشر لنفسه، وليس الشر أو الخير بتبعاته، بل هو مسبب اتصالهما به أو انفصالهما عنه بالنسبة لأعماله”2
ولما كان الإنسانُ حرًّا في أعماله، فقد لزمَ أنَّه يستحق كل ما يصيبه من جرائها؛
أقول: من جرائها، لأنه إذا صح أن مفهوم الاستحقاق هو، في العقيدة الداهشية، من لوازم قولها بالتقمص، فإن قصره عليه غفولٌ عن اندراجه تحت مفهومٍ أعمَّ هو النظامُ الروحي. ولما كان من المتعذر الوقوفُ على هذا النظام وما ينطوي عليه من وشائج متشابكةٍ، معقدة قديمة، لا بين البشر فحسب، بل بين الكائنات جمعاء، فقد وجب أن يُقارَب مفهوم الاستحقاق في شيءٍ كثيرٍ من الحذر.
وممَّا يتصفُ به مفهومُ التقمص في العقيدة الداهشية ارتباطُه، لا بالعدالة الإلهية فحسب، بل بالرحمة الإلهية أيضًا يقول الدكتور داهش: “التقميص هو رحمةٌ من الباري عزَّ وجل…”3 ذلك بأنه لما كان من المتعذر على الإنسان التطهر فعلاً في خلال حياةٍ واحدة، فقد أتاحت له الرحمةُ الإلهية فرصةً ثانية، بل فُرصَاً قد تبلغُ ستة آلاف عدًا. ولعل
———————————————–
1″قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2، ص 8.
2 المصدر نفسه، ص 120 – 121.
3 المصدر نفسه، ص 10.
‑—————————————————————–
وفي ربط التقمص بالرحمة الإلهية توفيقًا بين نظرية “الكرما” Karm” في المعتقدات الهندية وفكرة العناية
التقمُّص ناموسٌ شامل
ليس التقمُّص، في العقيدة الداهشية، وقفًا على الإنسان فحسب، بل هو يشملُ الكائنات كافةً. وإذا صحَّ أن للإنسان عالمه، وأن لسائر الحيوان عوالمه – وقسْ على ذلك النبات والجماد – فلا يبعدُ أن يحصل التقمُّص في العالَم الواحد، أو بين العوالم المختلفة. فقد تنتقل النفسُ إلى إنسان، أو إلى حيوان أو نباتٍ أو جماد؛ وهذا ما يُعرَف، في بعض المذاهب الإسلامية، بالنسخ والمسخ والفسخ والرسخ.1
ولا يخرجُ عن ناموس التقمص، في رأي الدكتور داهش، ما يطرأ على النبات من تحولات في خلال الفصول. فهو يقول: “أليس هذا تقمصًا؟ أوليست عودةُ الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة، ثانيةً إلى عالم الوجود؟”2 وقد يحمل على محمل التقمص، أيضًا، ما يلحق بالجماد من تحول. يقول الدكتور داهش على لسان “الدينار” الذهبي بعد أن صِيغَ خاتمًا: “هذا ما يُطلق عليه البشرُ اسم (الموت). فعندما يقفُ قلبهم عن ضرباته، ويُلقونهم في أجداثهم، تستحيل صورتهم المادية إلى شكل آخر”.3 وعندما يُصاغ الخاتمُ دينارً فرنسيًا يقول (أي “الدينار”): “وهكذا بُعثتُ مرةً ثانية، ولكنني تقمصتُ في هذه المرة الجنسية الفرنسية”.
على أن الداهشية لا تذهب مذهبَ العقائد الدينية أو الفلسفية القائلة بأن انتقال النفس من إنسان إلى حيوان عقابٌ لها، وأن المسوخية طورُ تكفير أو تطهُّرِ فحسب. كل دورٍ تقمصي، في أي عالم من العوالم، هو، في رأيها، طورُ اختبار أو امتحان تكون فيه النفسُ عُرضةً للترقي أو التسفل.
——————————————————–
1 من الآيات القرآنية التي يحتجون بها على الرسخ (انتقال النفس إلى جماد): (قل: كونوا حجارةً أم حديدًا) 0الإسراء: 50).
2″قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2، ص 10.
3الدكتور داهش: “مذكرهات دينار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 242.
4 المرجع السابق، ص 267.
——————————————————–
يلزمُ من هذا الاعتقاد عدةُ أمورٍ خطيرة تجدرُ الإشارةُ إليها؛ منها، أولاً، أن الكائنات جميعًا تتمتع بملكات إدراك خاصة، وأنها مخيرة في ما تقدم عليه، وأنها، من ثمة، مسؤولة. والدكتور داهش يؤكد ذلك تأكيدًا مطلقا واضحًا، فيقول: “نحن الداهشيين نؤمن إيمانًا راسخًا بأن الحيوانات مسؤولة عن أعمالها… وكذلك الجماد والأشجار والنباتات، كل منها مسؤول بالنسبة لعالمه كمسؤوليتنا بالنسبة لعالمنا”1. ومما يؤكده أيضًا أن من قوى الإدراك عند الحيوان ما يسمحُ له بمعرفة تقمصاته السابقة، الأمر الذي حُرِمَه الإنسان: “ونظرية التقمص تؤكد أن المرء، عندما يتقمصُ كحيوانٍ أو طيرٍ أو سواه يُعطى سيال معرفة الماضي، فيعرف أنه كان بتقمصه السابق رجلاً أو امرأة، ولماذا تقمص الآن بالصورة الحيوانية”2.
ومنها، ثانيًا، أن عالم الإنسان هو واحدٌ من تلك العوالم، وليس أرقاها جبرا. ومن ثم، فليس انتقال النفس من إنسان إلى حيوان، مثلاً، عقابًا بالضرورة. قد يعاقب الإنسان بعودته إلى الأرض إنسانًا، لا حيوانًا. “فلا شك في أن المجازى يخلقُ إنسانًا لا كلبًا”3 وعليه، فليس الارتقاء إلى ما فوق الأرض يستوجب المرور بدرجة الناسوت. يخاطبُ الدكتور داهش وردةً جورية قائلاً: “سريعًا ما يطالُك الموت، يا مليكة الرياحين، وإذ ذاك تحزن المروج… وتتجسدين في عالم آخر وردةً سماوية…”4
ومنها، ثالثاً أن لكل عالمٍ من عوالم الحيوان والنبات والجماد معنى وجوده؛ فلا يكتسبهُ من سواه، ولا سيما من عالم الإنسان. والراجحُ أن الاختلاف بين عالم وآخر اختلاف بالطبيعة، لا بالدرجة. فلا يقال، مثلاً، إن الوعي في عوالم الحيوان “أقل” مما هو
—————————————————–
1″قصص غريبة…” ج2، ص 263. ينفي “الموحدون” (الدروز) حلول النفس الإنسانية في الحيوان، لأنها جوهرٌ عاقل، وكيف للعاقل، في رأيهم، أن يحل في غير العاقل! ولا تذهبُ الداهشية هذا المذهب، لأن الكائنات جميعًا، في رأيها، داركةٌ مسؤولة.
2 المرجع السابق، ص 39. ربما خالج الإنسان “شعورٌ” صادر بسبق المعرفة، لكنه لا يستطيع التحقق منه يقينًا.
3 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج 1 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 132.
4 الدكتور داهش: “أناشيد عاشق” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 12 – 22.
——————————————–
عليه في عالم الإنسان، بل هو “مغايرٌ” له. ولعل من أكثر الأساليب المنهجية خطًا اقتباس المعايير من عالم الإنسان، وتطبيقها على سائر العوالم من أجل فهمها.
إيضاحات داهشية
لئن وقفَ الدكتور داهش على شرح نظرته إلى التقمص بضع مقالات، فإن الاكتفاء بها يفوتُ على الباحث إيضاحاتٍ كثيرةً بثها في ثنايا مؤلفاته، ولا سيما في “قصص غريبة وأساطير عجيبة” بأجزائه الأربعة.
من تلك الإيضاحات أن العلاقات القائمة بين البشر بعضهم ببعض، أو بينهم وبين سائر المخلوقات على الأرض، لا تندثر. ورُبَّ علاقةٍ “حصلت اتفاقاً” تدومُ “أدوارًا وأجيالاً…”1
ومنها أن العواطف أو الرغبات لا تندثرُ، هي أيضًا؛ فقد تتعدى الدورَ الواحد إلى أدوارٍ آتية. خوفُ القط، مثلاً ظل يلازمُه في تقمصه الجديد،2 والرغبة في الانتقام رافقَت السيَّال الذي تقمَّص لوحًا خشبيًا3. أما الحبُّ فقد تظلُّ شُعلتُه مضطرمةً في النفس حياةً تلو حياة4.
ومن الإيضاحات الداهشية أن من الآلام والآثار البدنية ما ينتقل من دورٍ إلى دور؛ وقِسْ على ذلك المواهبَ الفنية. الألمُ الناشئُ من اختراق الشوكة بطنَ الضفدعة لازمَها في تقمصها الجديد؛ والخلاسية وأبناؤها تقمصوا قططًا سوداء؛6 والحائكة الدقيقة في عملها الفني “كانت في عصورٍ سحيقةٍ بارعةً في العمل اليدوي”7 ويبدو أن من أسماء
—————————————————-
1″ قصص غريبة…” ج2، ص 121.
2 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 4 (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)، ص 68.
3 “قصص غريبة…” ج 2، ص 205.
4 كتاب “قصص غريبة واساطير عجيبة” حافلٌ بقصص تدور على الحب والتقمص.
5 أنظر قصة “زولا السوداء” في “قصص غريبة…” ج2، ص 117.
6 انظر قصة “زولا السوداء” في “قصص غريبة…” ج 2، ص 117.
7 الدكتور داهش: “جبل المسرات” في سلسلة “فراديس الإلهات يُرصِّعُها اللينوفار المقدس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 157.
—————————————————–
العلم ما له مدلول تقمصي.1 ولكن هل ينسحبُ ذلك على جميع الأسماء العلمية؟ ليس في مؤلفات الدكتور داهش ما يؤكد الأمر تأكيدًا مطلقًا. والجدير ذكره هنا أنه لا يجوز الاعتماد على الأمثلة السابقة لاستخراج أحكامٍ عامة أو اتخاذ موقفٍ إطلاقي.
خاتمة
تلك كانت لمحات خاطفة من مفهوم التقمص في العقيدة الداهشية أردتُها إسهامًا متواضعًا في المئوية الأولى لمولد مؤسسها. وليس يفوتني أن جوانب كثيرة منه ما برحت تحتاجُ جلاء، ومنها مفهوم الاستحقاق. ثم إنني أغفلتُ عمدًا موضوع السيالات، على صلته الوثيقة بالتقمص، لأن الايجاز في الكلام عليه يثير أسئلةً كثيرة تستوجبُ بحثًا مستقلاً ليس ههنا مكانه. حسبي ما توخينهُ من المقال، وما في حسباني أنني وفيتُ به.
—————————————————–
1 تُراجع، على سبيل المثال، قصة “هدهد وهدى” (“قصص غريبة…” ج1، ص 46)، وقصة “رباب ترقص على أنغام الرباب “المصدر نفسه، ص 48).
الداهشية نزعةٌ إنسانية1
الدكتور أسعد دياب
قاضٍ لبناني، حاز دكتوراه دولة في الحقوق (كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية). زاول التدريس في معهد الدروس القضائية وفي عدة جامعات بلبنان. تولى رئاسة معهد القضاء (1984 – 1992)، ورئاسة الجامعة اللبنانية (1993 – 2000)، ووزارتي المالية (1992) والشؤون الاجتماعية (2000 – 2004).
من مؤلفاته: “ضمان عيوب المبيع الخفية” و”السجل العقاري” و”التأمينات العينية” و”العقود الخاصة”.
الداهشية نزعةٌ إنسانية1
في التاريخ لحظاتٌ بهيةٌ تجدد فيها الإنسانية إيمانها بالله. فهي نظامُ الطبيعة كاملاً قبل أن شوهناه، ووجودُنا البشري قبل ضعفٍ ورِثناه، والعافية الأولى التي يصلُنا منها بعض الوجوه فندنو من الجوهر.
ومن تلك الوجوه كان الدكتور داهش الذي أُوتي قوةً روحية أثارت جدلاً حولها، فملأت الدنيا وشغلت الناس. وككل قوةٍ يمكن استعمالها للشر كما يمكن استعمالها للخير, ولكن داهش لم يستعمل هذه القوة لغايةٍ دنيئةٍ أو مادية، بل استعملها في سبيل الروح بهمةٍ شماء لا تعجزُ ولا تيأس، واندفع في عدوِه الصاعد لا تلينُ له عزيمة، وذلك برغم الاضطهاد والظُّلم اللذين نزلا به، متمثلاً بقول جمال الدين الأفغاني:
أنا إن عشتُ لستُ أعدمُ قوتًا وإذا متُّ لستُ أعـــــــــــــــــــــدَمُ قبــــــــــرا
همتي هِمَّةُ الملــــــــــــــــوك، ونفســــــــــــي نفسُ حُرٍّ لا ترتضي الأسرَ قسرا
فكل من يرغبُ في الأرضيات يتزلف ويُداهن للوصول إلى غايته. أما رجلُ العقيدة الراسخة، ورجلُ الإيمان بالله وبالحق وبالعدالة والقيم الروحية فهو جبارٌ لا ينحني ولا يُراوغ، بل يصمدُ ويصبر حتى تسطعَ الحقيقةُ أمام الملإ دون كلال أو ملال، فيصحُّ في
—————————————————
1 لعل هذه الشهادة هي آخرُ ما خطه قلمُه؛ فقد وافته المنية والكتاب في طور الإعداد للطبع. (الناشر).
—————————————————-
لذلك قولُ الشاعر:
زفا كم جدَّ في أمرٍ يحاوله واستخدمَ الصبرَ إلا فاز بالظفر
ولذا آمن الدكتور داهش بصلاح الروح أساسًا لكل إصلاح.
فالأنظمةُ مهما كانت صالحةً لا تؤدي وحدها إلى الإصلاح الحقيقي إذا كان الإنسان فاسدًا (إنما الأعمال بالنيات). فالإنسانُ وجِدَ أولاً، والنظامُ كان من أجله. وهل يمكن بناءُ صرح متين مهما كانت عبقريةُ مهندسة، إذا كانت حجارتُه سريعة التفتت؟ وماذا تنفعُ الكأسُ وإن تكن ذهبًا، إذا كان الماءُ فيها فاسدًا؟ وما نفعُ اللوحة البشعة إذا أحيطت بإطارٍ ثمين؟
فالإنسان مزيجٌ عجيب من روحانية عميقة وعقل متطلب وجسمٍ مادي. فقد روى آندريه مُوروا في كتابه “أشياءُ عارية” هذه الطرفة. قال ما مضمونه: معلومٌ أن العلامة آنشتاين انصرفَ في آخر أيامه إلى التفتيش عن قاعدةٍ كونيةٍ واحدة تشملُ كل أحداث الطبيعة وأسسها العلميَّة، فجند لهذا الغرض عددًا من الأدمغة الإلكترونية. وبينما هذه الآلات تدورُ وتقذفُ بالصفحات المشحونة بالأرقام، مات آنشتاين، وظلَّت تلك الآلاتُ تدور، وحُرِم العالمُ، في موته، هذا العمل.
ويقول مُوروا: ربَّما كان سرُّ الكون المنشودُ بين هذه الصفحات التي لا يُحسِن قراءتها أحد. ثم يُنهي موروا طُرفتَه بقوله: قد تتوقف هذه الآلاتُ يومًا بعد أن تكون قد طبعت على إحدى هذه الصفحات أحرفا أربعة لا غير “ا.ل.ل.هـ”.
هذا ما آمن به الدكتور داهش.
وانطلاقاً من حقيقة جوهر الروح، يتبنى داهش وجوهَ الأديان في عُمقها وجوهرها. فالأديان جميعُها من إرادة الرحمن، ويُقتضى احترامُها على السواء، فلا تستعمل أداةً لبغضاء أو تفرقة، بل هي أداةُ تقاربٍ وتسامُح ومحبة، كما جاء في القرآن الكريم: (إنما المؤمنون إخوة)، وكما قال السيد المسيح: “كلكم إخوة”. وكما جاء في الحديث الشريف: “الإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كرِه”.
ولذا دعا داهش إلى الانفتاح الفكري والديني القائم على مبداٍ وحدةِ الأديان. وقد عبر عن ذلك الشاعرُ الداهشيُّ حليم دمُّوس في ديوانه “يقظةُ الروح”.
حقائق إنجيلٍ وآياتُ مُصحَفٍ لتعزيزِ أديانٍ حِسانٍ شقائق
تعاليمُ موسى والمسيح وأحمــــــدٍ كينبوعِ نـورٍ بالسعادةِ دافقِ
فإصلاحُ المجتمع والإنسان يكون بالحل الذي أوحاه الله بالعودة إلى جذور الإيمان الصحيح بوحدة الأديان وجوهرِ تعاليمها دون الالتزام بالفروق غير الجوهرية. وبذلك يقوى المسيحيُّ بمسيحيته والمسلمُ في إسلامه متى سارا على قيمٍ روحية ثابتة.
“فالله ينبوعٌ، والأديان جداولُه”.
ما يلفتُك بالدكتور داهش ولَعُه بالثفافة الواسعة والفن والجمال. فقد اقتنى مكتبةً من أكبر المكتبات الخاصة في لبنان، وعزَّز رسالتُه بتأليف العديد من الكتب. ومَن يطلع على عبقرية هذا الشخص وثقافته الواسعة يتعجب كيف تأتى له ذلك بالرغم من أنه لم يدخل المدارسَ سوى بضعة أشهُر كانت كل فترةِ دراسته، الأمر الذي يدلُّ على موهبته الفذة. فقد تميزت كتاباته بالنزعة الوجدانية والروحية وأدب الخاطرة والأدب القصصي والديني وأدب الرحلة والسيرة الذاتية وأدب المراثي والهجاء. وكتب في النثر والشعر. وقد بلغت مؤلفاته في النثر ثلاثةً وخمسين كتابًا، وبلغت في الشعر عشرة دواوين على الأقل.
وقد أولى الفنونَ الجميلة اهتمامه، فجمع ما أُتيح له من كنوزها التي يضمُّها “متحفُ داهش للفنون” في مدينة نيويورك. وكان يهوى تزيين كتاباته باللوحات الفنية التي ابتدع فكرها بنفسه ورسمها مشاهيرُ الفنانين الغربيين.
إن من يطلع على هذا الفكر الوقاد وعلى موهبةِ هذا الرجل وعلى ثقافته الواسعةت ورغبته في الإصلاح يأخذه العجب كيف جرت محاربته واضطهاده بدل أن يشجع ويُساعَد ويُسنَد ليُعطي؛ وما أكثر عطاءه في سبيل الإصلاح والإبداع وخيرِ البشرية، ولا سيما أنه من يد الله تلقى قيثارة عطائه.
فأعمالهُ فرح إلى ربِّة ثم طريقٌ إلى الخير، فما أقربه إلى حاجات الناس.
وأبلغُ وصف جاء على لسان الدكتور نجيب عشي الذي قال فيه:\
“أراه مثال اللطف والأخلاق العالية والعواطف النبيلة.
رأيته رجلاً دأبه الصلاح والإصلاح.
رأيتُ نفسه جياشة لإعانة الفقير والمظلوم.
وحدتُه رجلاً وديعًا رصينًا هادئًا.
ألفيتُه ناسكًا للروحانية والحكمة،
عاشقًا للكتب المقدسة على اختلافها.
عرفتُه أديبًا فكاتبًا ففيلسوفًا.
عرفته رجلاً مصلحا داعيًا الجميع إلى المحبة والخير”.
لقد وقف الدكتور داهش عند إصلاح المجتمع، يقرأ على صفحات الكون وعينُه في وجنه الناس، فبدا في قلب الذين يتوقون إلى رضى ربهم فراح يُشرفُ من عَلٍ على حقبةٍ من تاريخ الروحانية الفاعلة في هذا الشرق العربي.
كان من كبار الساهرين في غفوات الناس، ومن العيون الواعية في ليلِ الإنسانية الطويل.
صديقُ الإنسانية هو، يسقطُ أمامه كلُّ سلاح. فمعه لا يصحُّ الانتقامُ ولا الظُّلم، بل إشاعةُ سماح وسمو تعاليم. فله بسطةٌ على الأيام، ففتح أمام أهل زمانه أبوابَ هياكلِ الحقِّ والمعرفة والجمال.
الدكتور داهش كما لا أزال أذكرُه
العميد الدكتور أنيس مُسَلِّم
صحافيٌّ وجامعيٌّ لبنانيّ. يحمل دكتواره دولة في العلوم السياسية من جامعة باريس (1974). تولى عمادة كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، وإدارة فروعها في البقاع. رأس تحرير جريدة “البلاد” الزحلية (1952 – و1979)، وكان صاحبها. حاضر وشارك في عدة مؤتمرات عُقدت في لبنان وخارجه. من مؤلفاته: “الصحافة اللبنانية محطات ومفارق” (1984)، “هواجس” (1998)، “تساؤلات” و”سلة الفاكهة” لطاغور (1999). وله أبحاثُ ومقالات كثيرة منشورة في الصحف.
الدكتور داهش كما لا أزال أذكرُه
سمعتُ الكثير من أخباره الطريفة، وتحدثتُ غير مرةٍ عنه، وزرتهُ في بيته برفقة الزميل الصديق جان بخاش والمرحومين: الشاعر خليل فرحات والزميل جميل ألوف. ومن يومها وأنا أترجحُ بين الوهم والحقيقة، ولا أجدُ الحد الفاصل بين التخيل والتذكر. وما أكتبه، الساعة، لا يشذُّ عن هذا المنحى.
لم أعد أذكر هل حدثني عنه الشاعر حليم دمُّوس؛ وقد كان يتردد، أواخر الخمسينيات، إلى مكتبي في زحلة، أيام الصيف. على أنني لا أنسى، أبدًا ما كان ينقله إليَّ من أخباره نسيباي الدكتور موريس معلوف – رحمهُ الله – وموسى دياب المعلوف – مَدَّ الله بعمره. فقد سأل الدكتور داهش موريس ذات يوم: من هو أحب إنسانٍ رحل عنك عنكَ وتودُّ رؤيته؟” فأجابه على الفور: “جدتي سليمة.” فقال له الدكتور داهش: “سأريك إياها شرط ألا تلمسها أو تتحدث إليها. “قبل موريس الشرط. وما هي إلا دقائق حتى رأى جدته سليمة تدخلُ من الباب، كما اعتادَ أن يراها في بيت والديه، وبالرداء عينه!
لدى الدكتور داهش، كما لدى معظم العظماء من فنانين وأُدباء وشعراء ورجالِ فكر، نزعةٌ قوية إلى العدالة، يرفدُها حِسٌّ إنسانيٌ سامٍ يُعبِّرونَ عنهُ، غالبًا، بازدراءِ الكبرياء واحتقار المال وعطفٍ لا يحد على الفقراء والبسطاء والمنبوذين. لنسمعه يردد في إحدى قصائده النثرية:
“أنا أحتقر شرائعكم وقوانينكم، آراءكم ومعتقداتكم.
أنا أحتقر مطامعكم ومطامحكم، بواطنكم وظواهركم…
أنا أحتقر فضَّتكم وذهبكم، نارضكم ودخانكم.”1
يؤكد الذين يوثقُ بكلامهم أن الدكتور داهش كان يتصرفُ كفنانٍ وقياديٍّ يطمأنُّ إلى شجاعته وبصيرته ورجاحة رأيه. لم يتحدث، يومًا، عن شاعريته وطاقاته الهائلة، بل كان يدعُ الآخرين يبوحونَ بما أتاه من أعمالٍ خارقةٍ لا يأتيها غيرُ الموهوبين, ويعجزُ العاديون عن فهم طبيعتها ومختلف أبعادها.
اللافتُ، فعلاً، في هذا الرجل النادر النظير هو الإخاءُ، البينُ والثابت، بين أتباعه، وهو الذي صارَ يسيرًا وعسيرًا في أيامنا المُترعة بالأذى وسوءِ الظنِّ. ولعل هذا ما حمل الشيخ عبد الله العلايلي على تشبيه الداهشيين بإخوان الصفاء، مُبديًا عميقَ إعجابه بأُلفتهم وصفوِ نفوسهم ومتانةِ علاقتهم، فقال: “لقد امتلكني، حقًا، ما تواصلَ بينهم ] رفاق داهش وأتباعه[ من إخاءٍ، وما تعاقد بين قلوبهم من وِدٍّ… في دُنيا جمحت بالإنسان عن قاعدةٍ إنسانية، لتستوي به على قاعدة دناوتها.”2
ولأنه رفضً بحزمٍ أن يُخضع الإنسانُ إلى حالاتٍ خاطئةٍ وحاجاتٍ مختلفة ومزورة، فقد سعى، على مدى حياته، إلى أن يعيش وأتباعه الحاضرَ بكثافةٍ ورويةٍ لا تتجاوزان الحدود، ولا تُسيئان إلى توازُن الشخص النفسيِّ والاجتماعي.
الزُّهدُ والتقشُّفُ والبساطةُ في العيشِ… لم تُبعدهُ عن الرواقية، ولا أفقدته روحانيته المثلى وإيمانه العميق بالله. فهو، من حيثُ زُهْدُه وتقشُّفُه ورزانتُه وصلابةُ مواقفه، أقربُ إلى الرواقيين. ولأنه عانى حالاتٍ عسِرةً ومعقدةً، ثابرَ على البحث عن الطرق والأساليب التي تجعلُ الحياة أسهل على الناس ومحتملةً في الظروف الصعبة.
——————————————————–
1 الدكتور داهش: “ناثر وشاىعر”، والجزء الأول (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1984)، ص 231.
2- الشيخ عبد الله العلايلي: “كيف عرفتُ الدكتور داهش” (دار النسر المُحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 46.
—————————————————-
لهذا حاول، جاهدًا، أن يؤمن لتلامذة أوفر شروط الطمأنينة والسالم الروحيين، أي أن يُعينهم على التحرر من الرعب الوراثي من القدر والموت، ويبسط لهم فهم قيمةِ الزمن. فمن يتغلب على الخوف ويعلُ على جراحه وآلامِه، يستمتعُ بوجوده. إن مثل هذه “السعادة” يستحيلُ أن يبلغها إلا من تألم كثيرًا، كما يقول نيتشه الذي عانى، بدوره، أشد الآلام. ومن يقرأ كتاب الدكتور داهش “ناثر وشاعر” يدرِكُ ما عناه نتشه. لنسمعه:
“نفسي حزينةٌ في صباحي وفي ديجوري
وشعورٌ غريبُ من الأسى يهيمن على كياني وىفاقي”1
فهو، حينًا، المؤمنُ المتألمُ المحزون:
“آه! تباركَ اسمُك، يا الله، يا مُخففَ حزني.
يا إلهي، لقد تحطم قلبي، وناحت مناحي نفسي في غمرة الجهاد…
يا إلهي، ولكنني بشريٌّ ضعيف؛ ورحمتُك شاملة، وحنانُك عميق، فارحمني”.2
وهو، حينًا، المُدرِكُ لزوال كل شيءٍ في الكون المادي:
“كلُّ ما في الكون يسيرُ إلى التلاشي والعدم والفناء…
والأرض بما حوَتْ من حيوانٍ وإنسانٍ سيكون نصيبُها التلاشي والنسيان والعفاء”3
الأمر الذي ينسحبُ على الإنسان نفسِه:
“هكذا هي حياةُ الإنسان المسكين تتلاشى
وإذا به مفقودٌ غير موجود!”.
وهو: حينًا، المتوحدُ المنتظرُ إرادةَ الله تُبعدُه عن بني البشر:
“حزينةً نفسي في أشد حزن، وملتاعةٌ في أعمق لوعة وعناء!…
وإن أيامي على هذه الأرض ليستْ إلا سلسلةً من الألم الذي استنزف دموعَ آماقي، إلى أن تشاءً (الإرادة) ردي إلى دار البقاء، دار العزاء”.
—————————————————-
1 “ناثر وشاعر”، ج1، ص 180.
2 المرجع نفسه، ص 189.
3 المرجع نفسه، ص 63.
4 المرجع نفسه، ص 93.
5 المرجع نفسه، ص 203.
————————————————-
على أنه لم يغرق في المادية المحضة . وعلى غرار إبيقور، لم يرَ المرأة من خلال الرحم، بل كان يحترمُها ويتعامل معها تعامل الند:
“عندما تتغلب الأحزان على نفسي المحطمة وقلبي الحزين
وعندما تتملك روحي التعسة أحزانُ الحدثان وتُرهقني بأحمالها…
أهرعُ إلى (رسمك) وأتملاَّ بنظري بعد بُعدك عني”.1
وهوَ، لفرطِ وفائه، لا يرى، بعد رحيل الحبيبة، حسنًا على الأرض:
“لا أرى أية روعةٍ، بعد الآن، للطبيعة التي كانت بها النضارةُ تحف”.2
إنه لا يحيا بدون الحب: من “إلى معبودتي” و”إلى من أهواها” فـ” دعوني أنساها” و”الظبيةُ النافرة” و”مُناجاةٌ في سكون الليل” و”أسمُكِ” و”أين أنتِ” و”رسمك…” ففي غزله براءةٌ وصدقٌ مجبولان بالحزن والألم. إنه يحبها في جميع الفصول، ويرى في كل فصل دعوة إىل الحب: في الربي والصيف والخريف والشتاء.3
كان يتقن تنشق طيب الأرض ونسم السماء. لهذا، جاء شعره الغزلي تعبيرا راقيا عن وجودية متسامية، عن هذا الزواج المدهش بين الأرضي والسماوي. تألم وتحمل آلامه بقدرِ ما تنعمَ بخيراتِ الأرضِ وخيورِ السماء.
من يطلع على قصائده الغزلية، يدرك كم تشي هذه برهافةِ حِسه ورحابةِ قلبهِ. وهذا، في ظني/ مؤشر يُنبئُ بأن الرجل كان كبير القلب بقدر ما كان راجح العقل ونقي الروح. ومن أروعِ ما كُتب عنه هذه الخلجةُ البهيةُ لعبد الله العلايلي: “تقع منه العينُ، أو ما تقعُ، على خلقِ استوى بنيانه (…) ورُكب عليه وجهٌ صبيح جاء نموذجًا جميلاً للطابع الشرقي، واغضح التقاسيم، ينطق بالعذوبة والبراءة والبشر”.4
ما لا أزالُ أذكُره عن الرجل مثاليةٌ مُخضَّبةٌ بكآبةٍ مُحببةٍ وغيرِ مُدَّعية؛ مثالية جعلت رِفقتَه سائغةً، لذيذةً، ولكم أنست نديمة مواعيده. وبقدرِ ما كان يعير كلامه الانتباه، كان الدكتور داهش يرُدُّ ذلك أضعاًفا مُضاعفة. أما قراءتُه، فلها نكهةُ المغامرة، وأرجُ السعترِ البري الذي لا يُنسى بالهين.
———————————————————
1 المرجع نفسه، ص 39.
2 المرجع نفسه، ص 42.
3 المرجع نفسه، الصفحات: 55 – 58.
4 “كيف عرفتُ الدكتور داهش”، ص 29.
العقيدةُ الداهشيَّةُ لَيْسَت مُشكلة بل هي الحلّ
الدكتور علي مرهج أيوب
كاتبٌ لبنانيٌّ. حاز إجازاتٍ في علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والحقوق، ونال دكتواره في الفلسفة. مارس التعليم الثانوي، وزاول الصحافة في جريدة “النضال” البيروتية. شغل وظيفة رئاسة ديوان المحاكم الشرعية. من مؤلفاته “الوظيفة العامة في لبنان: واجبات وحقوق” (جزءان)، “توطئة إلى الدستور اللبناني”، “المنطق الصوري، هل هو جزءٌ من الفلسفة أم عِلمٌ مستقلٌ بذاته؟”، “القضاء الشرعيّ وفق المذهبين السنيَّ والجعفري”. وله مؤلفاتٌ مخطوطة قيد الطبع.
العقيدةُ الداهشيَّةُ لَيْسَت مُشكلة بل هي الحلّ
داهش يرتفع إلى مرتبة العلِّيِّين والربَّانيِّين
إذا اعتبرنا الداهشيَّة مذهبًا أو طريقةً في التديُّن، نخشى أن نُغفل حقيقة ما عبَّر عنه مؤسسُها، أعني الدكتور داهش: “أشعر بأني أحوي في أعماقي قُوًى روحية خفية هائلةً تودُّ الانطلاق لتقومَ بعملٍ خطيرٍ عظيمٍ، ولكني أكبتُها إلى أجلٍ معلوم”.
فالداهشية ليست ابتكارًا نابعًا من الذات أو تزايدًا في الوعي، أو محاكاةً لنماذج عُلويَّة؛ إنما هي وعيٌ بقُوًى روحيةٍ هائلة تريد أن تنطلق لتقومَ بعمل خطير وعظيم، تدمِّر ما هو كائنٌ وتبني ما يجب أن يكون. وهي قد تحمل في انطلاقها ملامحَ أو خصائصَ قد تكون وليدةَ ما نستطيع أن نسميه الطابعَ الإلهيِّ الربّانيَّ والشخصيَّة الإصلاحية التي هي، كما نعرف، حالَّةٌ أو كامنةٌ في أعماق الإنسان المصطفى أو المختار قُوًى روحيَّةً خفية.
وإذا كنا نتفق على وجود خصائصَ مميزةٍ “للشخصية” في مضمار الوجود البشري العادي، فما الذي يمنع أن تتحد هذه الخصائص أو بعضٌ منها في المضمار الروحيِّ لتؤكد مباشرةً الملامح الربانية عند شخصٍ معين كمشروع إصلاحيٍّ رساليّ، يدعوه الله ليُنذرَ الناسَ شارحًا، ومحرضًا ومشددًا على الثبات في شريعته تعالى؟
وما الذي يمنع أن يتباطأ، في هذه الملامح الإصلاحية، كلُّ مُصلحٍ أو داعٍ، في نشر أو إطلاق دعوَتِه رَيثما يأزفُ وقتُها؟ فهل تتحكَّم بالإنطلاقِ والظهور الإرادةُ الذاتيةُ لداهش أمِ الإرادةُ الإلهية؟
المنطق يقول: إن مَن أوجدَها أولى بها ممَّن يحملُّها! في حقيقة الأمر لا نستطيع أن نفصل بين إرادة الفرد المُعين إلهيًّا لوظيفةٍ إلهية، وبين إرادة الله، لأنَّ الإلهام الإلهي هو صاحبُ السلطة والمحرك الفاعل، ولا ينبغي لنا أن نتحدثَ عن قُوًى فوق مستوى البشر، كونُ المعينِ الملهَمِ إلهيًّا هو فوق المخلوقِ ودون الخالقِ المتعالي. وفي الوقت الذي نجهل المصدر، علينا أن لا نُنكِرَ الرؤيا ولا الرأي؛ بمعنًى آخر، أن لا نُنكِرَ الرسالةَ كونَها إصلاحية. ومع ذلك، فإنَّ اختلافَ الشخصيةِ الروحيةِ عن البشرية العادية يعني، على كل حال، أن الأُولى تسلكُ مسلكًا مغايرًا لبني جلدتها البشر، فإن اتفقا بالجلدةِ حتمًا اختلفا بالروح.
ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ تُراثَ داهش الهائل يُشير إلى أن ثمة اتفاقاً مبدئيًا على الأقل حول ما يمكن ان يكون اتجاهًا إصلاحيًا متفقصا مع ما سبقَه من حيثُ الدعوةُ لإعلاءِ. كلمة الله. هنا تُصبح التعاليم والأفكار الدينية عنصرًا مشتركًا بين داهش والرسالات السماوية، إذ إن الغاية والهدف واحد. وفي هذه المنزلة والغاية والهدف يرتفع داهش إلى مرتبة العليين والربانيين.
قَسَمُ الدكتور داهش وعهدُه
لذلك كان قَسَمُ الدكتور داهش تُرجمانًا لِما تقدَّم، ودلالةً على أن ما يقوم به من عملٍ سام إنما يقوم به دون ترددٍ أو تأفُّف، استجابةً للإرادة الإلهية دون سواها:
“أُقسمُ بك، يا خالقي، أنه لو وُجد ملايين من الأغبياء المارقين، أو الخونة المماذقين، وملأُوا طروسَ الأرض، لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره قائلين بها:
” إن رسالتي هذه غير صادقة،” لمشيتُ رافعَ الرأس، موفورَ الكرامة. وسأبقى على تبشيري وإذاعة رسالتي حتى تعُمَّ الأرض، وتنتشرَ في السماء أيضًا. ولن تثيني البرايا بأسرها عن أدائها، يا الله، ما دمتَ أنتَ تمدُّني بقوتِك الإلهية.
وهذه يميني، يا خالقي، أرفعُها لكَ من أعماق قلبي الذي لا يخفُقُ إلا بذكر اسمِك القدُّوسن برهبةٍ وخشوعٍ كليين”1
ولكن الأمرَ لا ينتهي عند هذا، فالدكتور داهش يقول على لسان الناصري: “… وأنا لا أصطدمُ سوى بكلِّ نقيصة، وكلِّ رذيلة… فقد قطعتُ على نفسي عهدًا: أن أسيرَ على طريق الحق، طريق الحب الإلهي، طريق النور السماوي، مهما اعترضتني الخطوبُ والنائبات… فمهما اضطهدت، ومهما عُذبتُ، ومهما شقيتُ، ومهما بكيتُ، ومهما أصابني من رزايا وكروب، فلن أترُكَ من يميني مِشعلَ الحقيقةِ المُعطى لي من أبي السماويّ، كي أُنيرَ به جنبات هذا العالم الكثير لظلام”2.
وبهذا نجدُ أنفسنا وبعُمق، أمام شخصية داهش وي تحمل صفاتٍ إنسانية خارقةً للعادة، ليس كغيرها من بني البشر. هي شخصيةٌ أعدَّت لتنير جنبات هذا العلام الكثير الظلام. فالدكتور داهش، ذو القدرات والاستعدادات التي خصة الله بها، لا نملك إلا أن نربط بينه وبين السلفِ الصالح من الهداة وبين آخرين قليلين من قبله ممن ساروا على دربِ الجُلجُلة، درب الهداية الخالصة لوجهن الله.
الداهشية عقيدةٌ إيمانية، فكرية، متكاملة
لا يهمنا، الآن، أن نبحث هل دفع الدكتور داهش ثمنًا يزيد أو يتساوى أو ينقصُ عما كان ينبغي أن يكون. فهو قد بدأ فقيرًا، يتيمًا، يتيمَ الأب الدنيوي، ولكن هو ابن بارٌّ لخالقه ولأبيه السماوي الذي منحه نعمة الأبوة الإيمانية. لم يخلص إلا له. لا أدعي معرفته شخصيًا وإنما عرفته في آثاره وفي ما قرأتُ عنه. فمُعايشتهُ لأتباعه ليس فيها غموضٌ أو إبهامٌ أو ظلال، وليس فيها خبايا أو زوايا مُظلمة. كما قرأتُ عن ظاهراته الروحية الكثيرة، وقرأتُ ما قيل فيها من أنها شعوذاتٌ أو غيرُ ذلك. يمكن أن نختلف في تفسيرها ولكن لا نستطيع إنكارَ حُدوثَها. فهي، كما قرأتُ عنها، خَرقٌ دامغٌ لقوانين الطبيعة المألوفةِ عند العامة والخاصة على السواء. وهي متولدةٌ، لدى من آمن بها، عن
———————————————————
1 الدكتور داهش: “ذكريات الماضي” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 57 – 58.
2 الدكتور داهش: “مذكرات يسوع الناصري” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 14 – 15.
—————————————————
قوى خاضعة لقوانين متعالية على قوانين الطبيعة، لا تخضع لمقاييس مادية قع تحت قوى خاضعة لقوانين متعالية على قوانين الطبيعة، لا تخضع لمقاييس ماديةٍ تقع تحت الحواسّ أو أدواتِ المعرفة العلميَّة، أو البرهان العقلي، إنما حدوثُها يدلُّ على مصدرها الروحيِّ لاثبات وجود الله والروح وأصلِ الإنسان ومعنى وجودِه، والخيرِ والشر، والحياةِ والموت، وارتباط النفس بالبدن، والروح بالمتعالي مُبدعِ الكون، وارتباط الإنسان بربه، وغيرِ ذلك… وهي منظومةٌ من القيم الأخلاقية تُخاطبُ الفرد والجماعة في نفسٍ توجيهي وإرشادي. تلك الظاهراتُ قد عززت العقيدة الداهشية التي هي عقيدةً إيمانية، فكريةٌ، متكاملة.
وفي اعتقادي أن الظاهرات الداهشية لا تخضع لخفةِ يدٍ وليست مُكتسبة أو خاضعةً لقواعدَ مهنيةٍ أو حرفيةٍ أو علمية، تلقن من إنسانٍ لإنسانٍ، بل مصدرها قوة روحية ينبوعها “الروحُ” كمعرفة كاملةٍ لخير مطلقٍ. فهي وسيلةٌ بحد ذاتها لغاية إثبات العقيدة الداهشية ليؤمنَ بها البشرُ فيعملوا بمقتضياتٍ ما جاءت لأجله. فإن صح ما قرأتُ عنها (تحويلُ النحاس إلى ذهب خالصٍ ثابتٍ باقٍ ما دام حفظُه، أو معرفةُ المستقبل بتفاصيله، أو زرعُ بذرةٍ في الأرض فتنمو في الحال شجرةً مثمرةً وارقةَ الظلِّ وتستمرُّ في العيش كأي شجرةٍ بذرةٍ في الأرض فتنمو في الحال شجرةً مثمرةً وارفةَ الظلِّ وتستمر في العيش كأي شجرةٍ أُخرى، إلخ…) نقول: أين الشعوذةُ والصدفةُ من هذه الظاهرت التي يصحُّ أن نطلق عليها “معجزات” والله أعلم.
وعلى هذا، نصل إلى نتيجةٍ مفادها أن لا نستغرب أن ينكرها بعضُ العقول وينسبها إلى الغش والخداع لأنها خرجت عن المألوف وعن القوانين الطبيعية. ومن المسلم به أن نرى الناس ينقسمون حول الدكتور داهش بين مؤيدٍ مؤمنٍ به وبين عدوٍّ حاقدٍ عليه. ولم يكن ذلك إلا إظهاراً لعظمةِ هذا الإنسان الذي انقسم الناسُ فيه فريقين، أو صمتوا يومَ شنتِ الدولةُ الطائفيةُ حربها الشعواءَ عليه تجاوبًا مع بعض رؤساءِ الطوائف وحسادِه.
هنا تُصبح المعجزة أو الظاهرة ضرورةً يصعبُ إغفالُها كونها حُجة دامغة على صحَّة المصدر الروحي للعقيدة الداهشية، لأن المعجزة هي أقصرُ الطرُقِ التي يمكن أن تؤدي إلى حقيقة الإيمان. وبالتالي يمكن التحقُّق من وجود الروح عن طريق المعجزة.
فالمعجزة من آثارها؛ وآثار الشيء تُنبئُ عن وجوده. إنك لا ترى الريح، ولكنك تشعر بوجودها إذا ما رأيتَ الغصن يتحرك. فمن طريق أعمالها المعجزة يمكن أن تتحقق من وجودها وقدرتها الفائقة.
يقول الدكتور داهش: “الظاهراتُ الروحية إنما تتمُّ لأجل إدخال الإيمان في القلوب، وليس للأفادة، المادة، والاستفادة على الإطلاق؛ أي إن الظاهرة لا تحصل ليبتهج المشاهدُ بما شاهدَ، لكنه يدخلُ كافرًا ليخرج مؤمنًا بربه وبيومه الآخر”.
داهش مؤسسةٌ فكريةٌ قائمةٌ بذاتها: “السيالات قوامُ الموجودات كلها”
والذي يستعرض آثار هذا الرجل الخارق يجدُه مؤسسة فكريةً قائمةً بذاتها. فكيفما سألت تجدُ جوابًا، كمحرابٍ يدعوك بقوةٍ إلى الإيمان به لكون صاحبن متحررًا من قيود الزمان، وحدود المادة والمكان؛ كأنما اللهُ قد خلقه لكل زمانٍ ومكان. كلُّ زمانٍ ومكان. كلُّ هذا لم يكن إلا مظهرًا من مظاهر شخصيته العجيبة في أفكاره وأعماله وأقواله، في توجيهه وتعليمه، الأمر الذي جعل منه معلمًا، وهاديًا وحبيبًا.
يعتبر الدكتور داهش أن الروح قوةٌ عظيمة مفارقة لا يشوبها أي تكثيف “مادي”. وهي، بهذا المعنى، لا توجد إلا في عالمها وراءَ الأفلاك المادية كلها. وهي من أمرِ الله تعالى. وإلى ذلك أشار القرآن الكريم إذ قال: (يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أُوتيتُم من العلم إلا قليلاً) (الإسراء: 85).
ويقول داهش إنَّ الإنسان لا تسكنهُ روحٌ بهذا المعنى، وإنما ينطوي جسدُه على “سيالات” روحية، أي قوى إشعاعية روحية منبثقة من الروح، ومظهرها المكثف هو ما نسميه “مادة”، وإن “السيالات” الروحية ليست وقفًا على الإنسان، بل هي قوامُ الموجودات كلها، وما الوحدةُ التي اكتشفها العلمُ بين الإنسان والحيوان والنبات والجماد إلا نتيجة وجودِ هذه السيالات في مظاهر الكون جميعًا. ويتابع أن الاختلاف بين الأشياء والكائنات في تكوينها وطبائعها يعودُ إلى تباين السيالات التي تكونها في لطافتها وكثافتها وقوتها وضعفها، وبتعيرٍ آخر إلى رقيها الروحي أو انحطاطها؛ الأمر الي يستلزم مراتبَ ودرجات عند السيالات. ولولا ذلك، لكان الإنسان والحيوان والنبات والجماد واحدًا.
وللسيالات الروحية، في رأي الدكتور داهش، استمرارية البقاء، لأن الحياة هي صفة لإ ملازمة لها. وإذا كان كلُّ كائنٍ حيٍّ يتألف كيانُه النفسي من مجموعة سيالات، فالموتُ يحصل آنَ يغادرُ آخِرُ سيالٍ روحيٍّ الشكل الجسمي. أما كيفية الموت التي نعرفها في الأرض، فليست هي نفسها التي تحدث في الكواكب والنجوم الأُخرى، فلكل كوكب أو نجم طرُقهُ وأنظمتُه الخاصة في الموت كما في الحياة. ولكن مع اختلاف الكيفية، يبقى الموتُ في جميع العوالم يعني لحظةت الانتقال من طورٍ آخر بعد أن يفقد الشكلُ السابق ليتخذ شكلٌ جديد قد يكون قريبًا أو بعيدًا من ذلك، ولكنه لا يكون في أي حالٍ نفس الشكل السابق تمامًا.
ولكل سيَّالٍ رغباتٌ وميولٌ لاصقةٌ به كونه قُوًى حيَّةً فاعلة، وبالتالي لا تندثرُ بعد الانتقال من طورٍ حياتيٍّ إلى طورٍ آخر، بما اصطُلِحَ على تسميته “بالموت”. هذه الميول والرغبات ترافقث السيَّالَ الذي تكون فيه، كجُزءٍ منه، إلى اتخاذ الشكل “المادي” الجديد؛ وفي وضعها الحاص تكون غير واعية تؤثر في سلوك الكائن وفي طريق حياته، وفي تعيين ثوابه وعِقابه، من غير أن يتذكر شيئا منها. ويجب على الإنسان أن يهذِّبَ رغباتهِ ويسموَ بأفكاره، ويُرقي مجموع سيالاته ابتغاء مَرضاةِ المتعالي، لأن لا شيءَ يفني مما تحمل النفسُ لحظةَ الموت، بل كل الأفكار والميول سيكون الإنسان مسؤولاً عنها في دَوره الآتي.
والداهشيةُ تؤمن بخلود النفس وبالآخرة والثواب والعقاب وبالتقمُّص حتى التظهُّر الأعلى الذي يحولُ دون رجوعنا إلى العوالم السفلية والذي يجمعنا مع الله سبحانه في عالَمٍ طاهرٍ سام، لا دنسَ فيه.
المجتمعُ الداهشي أو الأُسرةُ الإنسانية
ومهما يكن من أمر، فإنَّ المجتمع الإنساني في عقيدة داهش يختلف كليًا عما هو كائنٌ الآن. فعلى ذلك نقرأُ الإنسان عنده ماهيةً روحيةً قبل أن يكون جسدًا ماديًا، ترتفعُ نحو المتعالي ليخرج من شرنقة المادة فيظهر في الوجود نتيجة للإرادة الروحية. وفي رأيه أن قيامً العلاقات الإجتماعية وفق السنن الإلهية تساعد على قيام مجتمع إنسانيٍّ مثالي كما أرادَه الله سُبحانه. وتتمثل هذه العلاقات الإيجابية في الحب والعدل والحق وما إلى ذلك من روابط ساميةٍ تساعد على خلقِ ونشأة وظهور الجماعات الربانية. ونظرًا لأن هذه العلاغقات الإيجابية هي علاقاتُ سلام بالضرورة، فإنه يتعينُ على الأفراد أن يكونوا مؤمنين بالله ومقيمين في مجتمع سام لا دنسَ فيه.
ولم يكن داهش “المعلم” أو من نادى به، وإنما نجد ما يُماثله عند أصحاب الرسالات السماوية؛ فنجد أفكاره في الديانة اليهودية والمسيحية من خلال “الوصايا العشر”، وفي تعاليم الديانة الإسلامية. ولكن الذي يميِّزُ الدكتور داهش هو أنَّه يجمع بين الديانات لأن منشأها واحدٌ، هو سُبحانه الذي أنشأ التشريع الاجتماعيَّ والتفسير الكونيَّ والاستباقَ. وفي هذه الديانات فوق ذلك الدينُ الحق، وفيها جوهرُ العقيدة الداهشية القائمة على دعوة توحيد الأديان لأن الشرائع السماوية تتلاقى بدينٍ واحدٍ وبدعوتها إلى توحيد الله والإيمان به. وفيها إقرارٌ بالحق والأخلاق الفاضلة التي تلاقت عليها جميعُ الشرائع. لذلك تتوحد الشرائعُ في الأحكام المشتركة بينها. فهي تعاليمُ مختلفةٌ باختلافِ الأُمم من حيث أحوالُها ومصالحُها ومدى استيعابها وتقبُّلها للأحكام الإلهية. وهي محدودةٌ بما هو الأهمُّ والمناسبُ لحالِهم والموافقُ لمبالغِ استعدادهم.
وقد بيَّن الله تعالى ذلك بقولهك (شرَّع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى). (الشهورى: 13) فاللازم من هذه الآية أن الدين واحدٌ، ومنه كانت الشرائع. ولكل نبيٍّ شريعةٌ خاصةٌ به موافقةٌ لحالِ قومه ومصالحهم: (لكلٍّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا). (المائدة: 48).
إذا أردنا معرفة “ماهية” الواقع الاجتماعي وطبيعته عند “داهش” نجد أن المجتمعَ الإنساني خارج عقيدته، وما هو عليه الآن، يختلف كليًّا عما هو عليه هذا المجتمع في الدعوة الداهشية الذي لا يطلب صاحبُها من الداهشيين إلا أن يؤمنوا بالله وبرُسله وبملائكته وباليوم الآخر، وأن يكرسوا أنفسهم لعمل الخير حتى آخر رمقٍ من حياتهم حتى ولو لاقوا في سبيل ذلك اضطهادَ الملاٍ كلِّه.
ففي كتابه “مذكرات دينار” عالج الدكتور داهش نمطين من الحياة الاجتماعية بأسلوب مقارنٍ بين الخير والشر بمنهجٍ استقرائي، مبينًا حقائقَ العلاقاتِ الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع الذي عايشه؛ ذلك المجتمع الذي تنخرُه الصراعات، ويسودُه التفكُّك والتفسُّخ، فتولدتِ الحروب الطاحنة على امتداد الكُرةِ كلها. فأصبحتِ المادة هي الأداةُ القاتلة للقيَم، وأصبحتْ سِمةَ العصرِ، وأصبح الناس غُرباءَ بعضُهم عن بعضٍ.
ولكنْ هناك حلولٌ يقدِّمُها الدكتور داهش في كتابه “مذكرات دينار”. فهو يخاطب ساسة العالم:
“إن على ساسة العالَم في أربعة أقطارِ المعمو أن يبنوا (عالمًا) واحدًا) إذا رغبوا في أن يسودَ السلام العامُّ أرجاءَ هذه الكرةِ اللعينة… فالاتفاق العامُّ بين زعماء الممالك الكبرى وملوكِ الدول القوية؛ وإجماعُ الآراء المخلصة، لا المزيفة، حول هذا الموضوع البالغ في خطره وجلال قدره وشأنه؛ وطرحُ الأطماع جانبا من الجميع في سبيل سعادة الأُسرة الإنسانية؛ وعدمُ التكالب على المادة بجشعهم الجارف الخطير؛ وبنيانُهم قانونصا عالميًّا شاملاً يُدخلون فيه الدول الصغرى التي تنقادُ إلى آرائهم؛ وتوحيدُ أهدافهم السامية ومُثُلِهم العُليا… هو ما يؤدي إلى السلام العام”1
والذي يريد “المعلم” داهش أن يخلص إليه، من هذا كله، هو عالمٌ واحدٌ تسودُه العدالةُ والسلامُ الشامل في سبيل سعادة الأُسرة الإنسانية.
————————————————
1 الدكتور داهش: “مذكرات دينار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 108 – 109.
كلمةٌ في المئوية الأولى
الدكتور عمر حلبلب
جامعي لبناني. يحمل دكتواره دولة في الاقتصاد والمالية العامة من جامعة الإسكندرية. تولى إدارة كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. وهو اليوم المديرُ العام لوزارة الثقافة اللبنانية. مستشار سابق في الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية. عضو جمعية الديمغرافيين العرب.
شارك في عدة مؤتمرات. من مؤلفاته “مدخل إلى التنمية الاقتصادية في الدول العربية” (1983)، و”المالية العامة” (1985). وله عدَّة أبحاث منشورة.
كلمةٌ في المئوية الأولى
إن الدخولَ إلى عالم داهش الروحيِّ يتطلبُ كثيرا من التفكير والتأني والتبصُّر، ولا سيما إذا علمنا أن الذي نتكلَّم عليه ليس شخصًا اعتياديًّا بالمطلق.
يُخبروننا أنَّ داهشًا قلب أوهامنا إلى آمال، وجعل “فراديس الإلهات” مرصَّعةً باللينوفار المقدس. فـ”قصصُه الغريبة وأساطيرُه العجيبة” استوقفت كثيرين من الناس حتى بدت “بروقُه رعودًا”، وشِعرُه المنثور حياةً، و”قيثارةُ أُورفيوس” مكانًا آمنًا لنا لنحيا بحبٍّ وحرية. لهذا قالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمرة.
لقد أسس الدكتور داهش مدرسةً روحيةً وأدبية تماسكت مع تفاصيل حياتنا اليومية، حتى بدت الآمالُ أفكاراً حقيقيةً تُجسدُ تطلعاتِ إنساننا نحو الوعي المطلق؛ وذلك في محاولةٍ راسخة لتكوين طاقةٍ كبيرة جعلته مَحطَّ أنظار الأدباء والشعراء والصحافيين… من خلال كتابه “ضجعة الموت”، يُفاجئك الدكتور داهش بحبِّه للموت على غير ما يألفُه الناس. فم من أشخاصً ماتوا وهم خالدون أحياء! وكم من أحياءٍ أموات وهم لا يُدركون!
وإذا تعمقنا في الأدب الداهشي، وحدنا أن الدكتور داهش يحس بالأحزان، ويُدرك الوقع قبل حدوثه. وهذا من ضمن قوةٍ خاصةٍ أعطاها ربُّ العالمي لشخصٍ أراد التوصلُ مع السماء، فعرف الحزين والأليم والكليم، وكأنه يتواصلُ مع الوجع قبل حضوره.
هذا ما يمكن أن نتحدث عنه من معجزات السماء. وكأنه القدر قد أتاح لنا فرصةَ أن نعرفَ كي نؤمن بالطاقة والعقل. وكلُّ ما توصل إليهن العقل ينزعُ إلى فكرة الإيمان بوحدة الوجود والحياة.
زمنٌ خارجَ الزمان
الشاعر طلال حيدر
شاعرٌ لبنانيٌّ. له عدة مسرحيات قُدمت في “مهرجانات بعلبك الدولية” وعلى “مسرح بيروت”، منها مسرحية “الفرمان” (1970).
من دواوينه الشعرية “بياع الزمان” و”أوراق المطر، و”آن الأوان” و”خيال برج الأسد”. وله ديوان بالفرنسية. كتب سيناريوهاتٍ وحواراتٍ سينمائية. غنى قصائده مشاهيرُ المغنين والمغنيات اللبنانيين.
زمنٌ خارجَ الزمان
كان بحاجةٍ لأكثر من جسدٍ كي تلتقي به أقانيم الروح المتعددةُ الأنوار. هذه الأقانيمُ تبدلُ فيه أجسادً متشابهةً؛ فهي، لأنها ترتدي ذاتًا واحدة، تبدلُ جسدًا ما كلما وقع الموتُ على أحدها، أو كلما اجتازت الروحُ مسافاتها عبر الأزمنة. أما المعجزات والخوارق التي عاينها معاصروه، فقد كانت أموراً بديهية لأنها تعبر عن التقاء الأقانيم الروحية العابرة للأزمنة في جسدٍ كان مركزًا تلتقي فيه الموجاتُ الروحية وهي في طريقها لعبور زمنٍ خارجَ الزمن الواحدِ المألوف.
قيامةُ المسيح من الموت في اليوم الثالث، والحياةُ الدائمة عبرَ الزمان للمهديِّ المنتظر الذي يتجولُ في الأزمنة، حسبَ المذهب الجعفريِّ الإسلاميِّ، وموسى الذي كلمه الله إذ راح يلتمسُ نارًا في النور الإلهي – كل ذلك دعا داهشًا إلى التبشير بوحدةِ الأديان، لأن التيارات الروحية السماوية اجتمعت فيه تجسيدًا جعل من شعره رؤًى لا هي صوفية، ولا هي لاهوتية، ولا هي دينوية، إنما هي “أزمُنية”، إذا جاز لي أن أبتكر التعبير.
فلا بد من جسدٍ للُّغة كي تنتقل من الرائي إلى المرئي. فشعرُه أبعدُ من الرموز التي تُوحيها، لأنها، للمرة الأولى، تُشيرُ إلى معانٍ هي بين الماهية والوجود.
الشعر، بالمطلق، يتجاوزُ المنطقَ الشكلي ليقعَ في الكشف الحدسي. وشعر الدكتور داهش، سليم موسى العشي، برزخٌ بين البساطة والإعجاز. من يقرأه، كما ألف أن يقرأ الشعر الذاتي، يستهجدن بساطته. ومن أنعمَ النظر في الغوص وراءَ جسدِ الكلام يصلُ إلى الاتحاد بذات الشعر، فيخرجُ منه إليه، ويتحدُ بذات الشاعر، ويخافُ ألا يعودَ إلى ذاته فيصيبه خبَلُ تعدُّدِ الذات، ويضيع.
ربَّةَ الشعر، الهميني معجزاتٍ خالداتْ
وادْني مني تُسعديني أَنتِ يا سرَّ الحيـاةْ
كانت ربةُ الشعر صِلتَه بالملاٍ الأعلى، لأنه أدركَ أنها سرُّ الحياة. ومن قبضَ على السر، دانت له تفاصيلُ الزمن اليوميِّ، فامتلكها، وسيطر عليها، فأصبحت ساحةً لممارساته الروحية التي أدهشت، فكان الداهش.
في ديوانه “القلب المحطم” يُلقي الضوء على وجوده في عالم لا يُنالُ، ولا يصلُ إليه إلا المختارون؛ فهو بعيدٌ موغلٌ في البعد: “… إذ إنني أكون بعيدًا، موغلاً في البعد عن عالمك هذا. وسأكون، يا أخي، في عالمٍ لا أستطيعُ له وصفاً وتعريفًا”. ولذا يصلُ به الانفصالُ إلى الثورة. ففي قطعته “أنا ثائر” التي كتبها في القدس عام 1939 يقول:
“أنا ثائرٌ على الطبيعة، شمسها وقمرها وأفلاكها.
“أنا ثائرٌ، وسأظلُ ثائرًا حتى تثور لثورتي الكائنات”
إنه يريدُ أن يغير وجهَ هذا العالم، معتمدًا على التيارات الروحية المتعددة التي تتقاطعُ فيه: “يا أشباح نفسي الخفية، أيتها الطيوفُ الأثيرية، أيتها المادةُ المجهولة…
أضرعُ إليك أن تُلهميني السير على النهج القويم”.
وهكذا، لا يُمكن أن نلِجَ مساحاته الشعرية قبل أن نحاول أن ندركَ كُنه ذاته العصية على الفهم والمكشوفة كالضوء الروحاني.
وفي ديوانه “أناشيدي” يفتحُ أمامنا بابَ معراجه إلى “مدينة الأنبياء والرسُل” حيث ينهلُ من هناك رؤاه التي لا تخطرُ على بال، ولا يُدركها إلا من أُلهم المنال الأعلى والرؤيا الصاعقة التي إن أُخِذ إليه من غير أهلها صُعقَ، ولا عادَ إلى نفسه فكان (المخبول) الذي رادَ (المجهول).
يقول داهش: “ويستمرُّ اختراقي لأجواز الفضاء اللانهائي، مشاهدًا كواكبَ سماوية وعوالمَ عُلوية”. فمَن كانت هذه رحلتَه، فما هي آفاقُ شِعره…؟! البعيد البعيد. ويقول:
“أيّثها القمر،
يا ابن السماء ويا رسول الله،
أيّثها السابحُ في أوقيانوس الفضاء،
يا سميرَ العشاق والشعراء،
أيّثها الزروقُ الإلهي يسري سابحًا في ممالك الزرقاء…”
هكذا يرى القمر. وللمرة الأولى في الشعر الكوني يكونُ القمرُ رسولاً إلهيًّا وزورقًا يسري في ممالك السماء.
يقف العقل عند عتبةٍ يجتازُها داهش ليعبر، بجسدٍ يتسعُ لأرواحٍ كثيرة، إلى مكان لا تُدركُه الجهات، ولا يحدُّه وجودٌ كثيفٌ آخر.
في 21/4/2009
الفكر الداهشي
الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر
أديبة لبنانية وأستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية. حازت دكتوراه دولة الأدب الفرنسي (الجامعة اليسوعية ببيروت 1987)، ونالت الإجازة في الفلسفة (1987) والحقوق (1993). رئيسة “مجلس الفكر” منذ 1992 وعضوٌ في عدة مؤسسات ثقافية. شاركت في عدة ندوات ومؤتمرات ومحاضرات في لبنان وخارجه. اشتركت مع الأب نجيب بعقليني في تاليف “المرأة والتنمية”، “كي نبقى معًا” و”لقاء وعهد”. من ترجماتها “الشيء الصغير” Le petit chose لألفونس دوديه.
نشرت عددًا كبيراً من المقالات في كبريات الصحف والمجلات اللبنانية.
الفكر الداهشي
مَن يدخل العوالمَ الداهشية يتمنى استيطانها، علهُ يغدو جزءاً من ذرات أفلاكها. رُبَّ معترضٍ يقول: “وهل يمكن للأفلاك ملامسةُ أرضِ البشر؟” نُجيب كل مُشككٍ: “يستحيلُ التحليق على مَن آخى الأرض إن لم يتطهر من ترابته”.
إيكاريٌّ هو، من أرضعته الشمسُ حليبُ الارتقاء، فكسَّر قضبانَ سجن الأرض، وهوى صعودًا! عفوًا، ما مِن صفة للحُبَّ الماهويّ، ما من وجهةٍ لِمَن تخطى حدود المعمورة. وحدَه الكون يناديه، ودأبه مَركزُ الدائرة المقدسة. فالتشظي الجسدي موتٌ فانٍ لانبعاثٍ حقيقي.
كلُّ رحَّالةٍ في الفكر الداهشي يتسسيغُ المغامرة، فيعتقدُ لوَهلةٍ أنه ملك ما رأته عيناه؛ تمامًا كَمَن يعتلي أعلى قمة، فتترسخُ في ذِهنه نشوةُ استيعاب العالَم ضمًّا بصريًا! فاللوم لا يطالُه، بل يقعُ على تأثير المرتفعات! عشرات المؤلفات، ناهزت المئتين، والمئتان نداهاتان لدراسات تسعُها الكتب، إلا أنها تقفُ متسائلةً عند عتبة المعبد الداهشي!
المؤمنون كُثُر، إلا أن الإيمان الحقيقيَّ ما زال مشروعَ ولادةٍ يحلم باحتضان حبٍ حقيقي ليرى النور، مكللاً هامته بألقِ العارف وجرأة الهادي وشجاعة المبشر المؤمن بخلاص العقل ومعجزة تخطي الحواسّ.
لُقِب بالـ”داهش” لأنه خرج عن المالوف، وما تفرده الإدهاشيُّ سوى لونٍ من قوس قُزحِه الإبداعي. أحببته أم لا، وافقته أم لا، فرأيُك لن يزيل أثر من طبع حِقبةً زمنية بمحيطيه معرفته، ووفرةِ كتاباته، وشموليةِ ثقافته، وسيل معجزاته وخوارقه. آمنتَ به أم لا، فتجاهُلُك أو حتى إزراؤك لن يُلغيا مسارَ جدولٍ تدفق نهرًا، وفاض بحرًا، واهتاج محيطًا، وهدر شلالاً، “فتشلل” فكراً إنسيابياً لا تدفئُه سوى نار المعرفة اللابروماثية بعد أن تبركنت قذفًا حمميًا يتوق لحرق ذاتٍ وعدت بلذة الاحتراق، ورمادًا يكسو الحي الميت المتشوق لِكَفَنٍ لعازريٍّ ينتشلُه من هبائية العدم، فيهبه ماهية الوجود.
———————————————————–
دكتور داهش،
يا من زرعتَ الأمل تخطيًا، عجيبٌ أمرُك! وأنت من أنت، وقد هِمتَ في فضاءاتٍ أثرية، لامستَ المابَعدَ ارتحالاً ذهنيًا، وتخطيًا جسديًّا. إلا أنك لم تتنكر لطبيعتك البشرية، ولَم تلبس رداءَ الزيف، وخُبثَ الاستكبار، وقناعَ الادعاء، وازدواجية الكذب! أحببتَ كمعظم البشر؛ لَوَّعك الهوى وإن لَم تَهوِ: “عبدتُكِ عبادةً… أنتِ متجهي وقبلتي”.1 تألمتَ كمعظم البشر، بل أكثر؛ وهذا ما دفعكَ إلى ما قد يُعدُّ مُبالغةً، دينياً، إذ قلتَ: “لقد طفح كأسي بشرابٍ كريه، مرارته العلقمية تتفوق على كأس المر الذي سقوه للسيد المسيح وهو يقاسي آلامه الهائلة”،2 الأمر الذي جعلكَ تُناجي الموتَ بقولك: “حبيبي الموت”، ثم تُضيف: “تمنيتُ أن تمرَّ بسرعةِ الخاطر دقائقُ حياتي، لتدنوَ ساعةُ مماتي.”3
إلا أنَّ الموت بالنسبة إليك هو مجردُ عبورٍ إلى الكمال الذي طرّز روحك، فوهبتها تُحفةً فكريةً تُبهج العين، تُمنطق العقل، تُجنِّح الفكر، وتُنطِق مَن صَمَتَ وهو بعدُ حيّ!
————————————————————
1 الدكتور داهش: “آمالنا أوهام” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 86.
2 المرجع السابقن ص 94.
3 المرجع السابق، ص 98.
———————————————————–
دكتور داهش،
حَسِبوكَ صومعةً مداريَّة، إذ قرأُوك فتصوفوا. آمنوا بكَ، فتحلقوا في هزارٍ دُواريٍّ، اسكَرَهُم انتشاءً ما بعديًّا، قربهم لدقائقَ ميسانية من تشهب فكرك الوقاد.
إلا أن أولئك لم يرد على بالهم، ولو للحظات، أن النار تشتهي الاحتراق، أن الدكتور داهش يتمنى لو أنهن يحلقُ للنجوم1 ويندمجُ بالشمس ليتذوَّقَ لذَّة الألوهية!2 لا، لا تحكموا عليه بسرعة، وإن خُيِّل إلى بعضهم أن في كتاباته شيئًا من مخالفة المُسلماتِ الدينية. فهو يؤكد أن الله “هو الألف والياء، إذ هو البداية وهو النهاية”3.
جميعُنا، والحقُّ يُقال، خُلِقنا على صورة الله، إلا أن البعضَ محظيون بنعَم ربانية تفردوا بها، فاستفردهم تميُّزُهم. فإن قالوا نطقوا، وإن كتبوا زلزلوا، وإنْ تمرَّدوا هُدِر دمُهم، وإن صمَدوا جُوبهوا، وإن تحلَّوا بمشاعرَ إنسانية كُذبوا، وإن هدوا كُفِّروا. هذا هو قدر الاستثنائيين، نبوغُهم لعنة، تحررهم قيد، غيريتُهم مرفوضة، لا اعتياديتهم منبوذة، ونقاؤةُ تعاطيهم محجوزة.
والدكتور داهش فُسِّرَ غالباً بطريقةٍ مغلوطةٍ أساءت إلى هيكله الفكري، وأخافت كل من أراد اختبار تطلعاته غير الاعتيادية. لقد سمى الأشياءَ بأسمائها، لم يوارب، لم يساير، لم يُذعن للخطأ والمتسلطين، لم يُخفِ قدراته المذهلة، وعملَ على نشرِ دعوته الروحانية والفكرية والأدبية والفنية بأُسلوبٍ راقٍ ورائع. انفتح الدكتور داهش على جميع الشعوب، هَمُّه الإنسانُ النقيُّ والمُحِبُّ والمُكِبُّ على الخير الداعمِ للسلام الداخليِّ والخارجيّ.
أظنُّ أنَّه في تجلي صفاءِ روحه، شَعَر بالتماهي الأُلوهيّ، فأنشده على طريقة الحلاج الذي قال في قمة الوجد:
حوَيتُ بكلِّي كّلَّ كُلِّك، يا قُدْسي تُكاشفُني حتى كأنــــــــــــــــــك في نفســــــــــــي
أُقلِّبُ قلبــي في سِواكَ فـــــــــــلا أرى سوى وحشتي منه وأنتَ بـــــــه أُنســـــــــــي
فها أنــــــــا في حبسِ الحيـــــــــــــاةِ مُمَنَّعٌ عن الأُنس، فاقبِضني إليكَ مِنَ الحَبسِ
———————————————————
1 انظر الدكتور داهش: “أناشيد البحيرات” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 29.
2 انظر”آمالنا أوهام”، ص 48.
3 المرجع السابق، ص 65.
مئويَّةُ ميلاد داهش: تأبينٌ أَم تقريظ!
الأستاذ أحمد عيد مراد
أديبٌ وشاعر، عميدُ الصحافيين العرب الكنديين، رئيس المركز العربي الكندي للصحافة والإعلام في أوتاوا، نائب رئيس سابق لمؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي، رئيس لجنة المنح للدراسات الصحافية في مؤسسة نادي الصحافة الوطني الكندي.
مئويَّةُ ميلاد داهش: تأبينٌ أَم تقريظ!
لستُ طويلَ عهدٍ بمجلة “صوت داهش”. ولا غضاضةَ في أن أقولَ إنني لم أقرأ كتابًا للدكتور داهش قطّ، فكيف لي أن أُجيزَ لدلوي أن يرافقَ دلاءَ العارفينَ في تخليد عبقري إن جاز لي الوصف، وأُشاركهم في ذكرى ميلاده المئوية الأولى!
قبل سنواتٍ، على ما أذكر، بينما كنتُ في مكتب صديقٍ في أُوتاوا، العاصمة الكندية، مدينتي التي اخترتُها وفيها أٌقيم، أنتظرُ قدومَه، وقعَ نظري على مجلةٍ أنيقةٍ بدت وكأنَّ يدًّا لم تمسها بعدُ. لم أدرِ لِمَ لفتت نظري وشدتني إليها، فتناولتُها وبدأتُ أتصفحُها، وسرعان ما شعرتُ أنَّ يدًا سحريةً أمسكت بي ولا تريدُ فكاكًا. لحُسنِ حظي أن الصديقَ لم يقرأها، والاَّ، على أغلبِ الظنِّ، لما وافق على طلبي بأخذها، وحُرمتُ من أن أطلعَ على “كنزٍ لغوي” وأدبيٍّ وفكريٍّ ثمينٍ. فـ”ما أجمل اللقيا بلا ميعاد!” بعد اللقاءِ، استجابَ الصديقُ لطلبي، وأذنَ لي أن أحتفظ بالمجلة. هكذا كانت البدايةُ، وتحولتِ العلاقةُ إلى رباطٍ وثيقٍ وشغفٍ في الاستزادةِ من مَعينِ” صوت داهش”، وأصبحتُ أحدَ أسراها. وعلى حدِّ قولِ مَالئ الدنيا وشاغلِ أهلها: “ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قيدًا تقيدًا”.
لَمْ يَدُرْ بخلَدي أنني، بعد سنواتٍ، سوف يُتاحُ لي شرفُ الكتابةِ فيها، وفي ذكرى مئوية من تنتسبُ إليه تحديدًا! لقد كنتُ طوالَ عهدي بـ”صوت داهش” تلميذًا وفيًا، أنتظرُ قدومها بشغَفٍ وتلهُّفٍ. وكمْ أعدتُ قراءةَ موضوعٍ فيها أسرني أسلوبُه الساحرُ، ونقاءُ لغته وسلامتها وسلاسةُ عباراته وروعتُها مراتٍ ومراتٍ! حقًا “إن من البيان لسحرًا”. وها أنا أتخرجُ في “معهد صوت داهش” وأتحوَّلُ بسحرها الذي أمسكَ بي أول مرةٍ، وما يزال، إلى “معلم” يوفى التبجيلا!
قدم لي لغةً عربيةً سليمةً، وأنا حريٌّ بأن أجد في موضوعك، مهما اكتنفه الغموض، القصدَ والمعنى اللذين تريدُ إيصالهما لي. فعندي أن سمو الفكر وروعته ونبله من سلامة اللغة وصونها من العجمة والعامية والابتذال. فالمعنى السليمُ في القول السليم. ولا ريب في أن أنحدارَ قومٍ في تفكيرهم وسلوكهم ونمط حياتهم يتزامنُ مع تهاونهم بلغتهم، ويكونُ بداية انحدارهم من على سلم الحضارة والرقي، وعدم القدرة على مُجاراة الآخرينَ في مضمار الحياة. ولا أغالي إذ أقولُ إن ما نشاهدُه الآن من انحطاطٍ في شتى ميادين حياتنا مردُّه سُهولةُ هوانِ لغتنا علينا، والقبولُ بتعليلاتٍ مريضةٍ وذرائعَ واهيةٍ تلُخصُ بقول:
“خطأٌ شائعٌ خيرٌ من صحيح مهملٍ أو ضائع”. لا وألفُ لا. صحيحٌ راجعٌ أفضلُ ألف مرةٍ من خطإٍ شائع وإن استمرأته ألسنةُ العامة، واستجابت له على مضضٍ أو قبولٍ ألسنةُ المتعلمين أو المثقفين. ومتى كان أسهلُ الأمورِ أفضلها!
قلما تقرأُ كتاباً أو مجلةً أو منشوراً أو مخطوطًا على شبكة الـ”إنترنت” أو تسمعُ ما تبثُّه الإذاعاتُ العربيةُ المسموعةُ والفضائياتُ دون أن تُصابَ بالغثيان والدُوارِ لفاحة الأخطاء وتبريرها، لا من أنصاف المثقفين الذين يتباهون بـ”إجادة” لغةٍ أجنبية، وهُم في مُجملِ الحال ليسوا بمجيديها، بل من أساتذةٍ ومفكرين تقعُ على كواهلهم مهمَّةُ تنشئة أجيالٍ تتعلم أخطاءهم ظنًا منها أنها تتلقى الصحيح السليم! ورحم الله إبراهيم ناصيف اليازجي حين نبه إلى تدني لغة الصحافة في مطلع القرن العشرين وبيَّن في كتابه “لغة الجرائد” ما يقعُ فيه الكاتبون والصحافيون من أخطاءٍ لغويةٍ ونحويةٍ تادُ تشوه جمال لغةِ الضاد وتمسخُها. فكيف به لو اطلعَ على ما يُنشرُ في معظمِ الصحافة المكتوبة وما يُقالُ في الإذاعات والفضائيات الآن! أما عن “الشعر” الحديث، فحدث بلا حرج. تحررٌ من الومن والقافية واللغة قواعد ونحوًا وصرفًا وإعرابًا، ومع ذلكَ يُصرُّون على أنها من متطلباتِ العصر الحديث ومن ضرورات مُجاراةِ التقدم والتحديث.
وفي هذا، أستعيرُ بيتين من قصيدةٍ لي أنشأتها بعد أن امتلأت الصحفُ بفاسد القول لغةً ومضمونًا بما سُمِّي زورًا واستخفافًا الشعرُ الحديث”، أو “شعرُ التفعيلة”، وشفت الآذان بكلماتٍ اختلطت معانيها، وبجملٍ لا رابط بينها ولا معنى واضحًا فيها:
قلو سَمعَ الخليلُ عجيبَ لفظٍ لخالَ كلامهم مـــن غيرِ لِسنِ
وأنبأهُــــــــــــــــــم حدثتُهُم هجينٌ على رَملٍ قُصورَ الوَهْم تبني
أما عن الكتابة عامةً، والصحافية تحديدًا، والصحافية تحديدً، فقد لخص اليازجيُّ، رحمه الله، كل ذلك حين قال: “ما نزالُ نرى في بعض جرائدنا ألفاظًا قد شذت عن منقولِ اللغة، فأنزلت في غير منازلها، أو استعملتْ في غير معناها، فجاءت بها العبارةُ مشوهةً، وذهبت بما فيها من الرونق وجودةِ السبك، فضلاً عما يترتبُ على مثل ذلك من انتشار الوهم والخطإ، ولا سيما إذا وقع في كلام من يُوثقُ به، فتتناولُه الأقلامُ بغير بحثٍ ولا نكير. ولا يخفي أن الغلط في اللغة أقبحُ من اللحنِ في الإعراب، وأبعدُ من مظانِّ التصحيح، لرجوعها إلى النقل دونَ القياس، فيكونُ الغلطُ فيها أسرعَ تفشيًا وأشدَّ استدراجًا للسقوط في دركاتِ الوهم”. ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نشر النور والمعرفة في صحفهم، قال: “ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلك ممَّا يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكلِ إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ…”.
لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قَصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم واسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظانِّ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دركاتِ الوهم”. ولما اشتد به الحنقُ والغيظُ على هؤلاء الذين أمسكوا بزمام نَشر النورِ والمعرفة في صُحُفهم، قال: “ولمَّا كان الاستمرارُ على ذلكَ مما يُخافُ منه أن تفسدَ اللغةُ بأيدي أنصارِها والمُوكل إليهم أمرُ إصلاحِها، وهو الفسادُ الذي لا صلاحَ بعدَهُ…”.
لا جَرَمَ أنَّ الصحافة كان لها، وما يزال، قصبُ السبقِ في تثقيفِ الناس. فقد أثرت في ألسنتهم وأسلوبِ تخاطُبهم، وغدا الخطأُ فيها أسرعَ من صوابِ اللغة، فابتعدَ عن مظان!ِ التصحيح واستعصى على التقويم. ومع مرور الزمنِ، اشتد المرضُ وتفشى، فانحدرَ التفكيرُ وهبطَ مستواه إلى دَركاتِ الوهم. و”بعضُ” الجرائد التي أشار إليها اليازجيُّ غدت، بعد مرور قُرابة قرنٍ، “جُلَّها”. فكلما كَبُرَ الخطأُ، صَغُرَ الصواب. وقياسًا على ذلك، يضمحلُّ الصوابُ تمامًا، ويُمسي الخطأُ صَوابًا، وأسلوبَ حياة؛ وهذا ما نشاهده ونحياه الآن.
ومهما قيل في ذكرى الراحل الكبيرِ الدكتور داهش، ومهما تعدَّدت صفاتُه، فلا شكَّ في أنَّه تركَ تُراثًا يجدُ الباحُ فيه ضالَّتَه على اختلافِ مَرماها وتنوُّعٍ في مُبتغاها.
وليس عبثًا أن قيل: “إنَّ قوة صُنعِ الأفكارِ أوَّلُ شيءٍ وأهمُّه في الأدبِ العظيم، وإنَّ العظمةَ الأدبية صدًى للشخصية العظيمة”. فصدى “الهادي الحبيب”، كما يسميه أحدُ مريديه، يرتجع قويًّا مع تقادم العهد. ولأن هذا الصدى فنٌّ رحيبٌ وارفٌ، يُمسي الرواقَ الذي ندخلُ فيه إلى معبدٍ تحومُ حولَه فروعُ المعرفةِ مهما كثُرت. ومع تراثِ داهش، تقفُ الفلسفةُ في ساحةِ المعبد، وتستقرُّ فيه، وتغدو بعضَ مكوناته.
ما إن وافقتُ على طلب الكتابة عن الدكتور داهش في مئويتهن حتى اعترتني رهبة.
فكيف بي وأنا، كما أسلفتُ، لم أقرأ له واحدًا من عشراتِ وعشرات كتبه التي اشتملت على مُعظم أنواعِ الفنون وشتى ميادين الآداب، وهو، كما قيلَ وثبتَ، لم يتلقَّ تعليمًا مدرسيًّا يؤهلُه أو يُمكنه من تركِ تُراثٍ هائل من المعرفة بلغةٍ عربيةٍ سليمةٍ في زمنٍ غلبت فيه العُجمةُ والعامية وأصبحً القابضُ عليها كالقابضِ على الجمر؟ لَم تطُلْ بي الحيرةُ، فقد تذكرتُ أنني احتفظُ بملفٍّ بملفٍّ كبيرٍ أُدون فيه منقتطفاتٍ واقتباساتٍ من “صوت داهش”، فبدأت صفحاتٌ غزيرةٌ منها تنسابُ في ذاكرتي تتكشفُ عن كنوزها اللغوية ومواضيعها الشائقة والمتعة التي كنتُ أعيشُ فيها وأنا أقرأُ بقبولُ يساوره الشكُّ أحيانًا عن سيرةِ رجلٍ، مهما قيلَ فيهن قد أُوتيّ من العلم حظًّا عظيمًا لا يُمكن له، لولا سرٌّ إلهيٌّ، أن يتبوَّأَه. لم يغب عني أبدًا أن الله قد يضعُ سرَّه في أضعفِ خلقه، وينزلُ عليه من روحه ما يضعُه في منزلةٍ فوق الآخرين. (رفيعُ الدرجات ذُو العرشِ يُلقي الروحَ من أمره على من يشاءُ من عباده لينذرَ يوم التلاق). (غافر: 15). ولا ريبَ أن ما خُصّ به داهش، كما ثبت وأيدته الأدلةُ والبراهينُ والشهودُ الثقاةُ، لا يخرجُ عن كونه من فعلِ الرحمنِ وإرادته. فالله، جل جلاله وعلت قُدرتُهُ، يُعلمنا: (ينزلُ الملائكةَ بالرُّوحِ من أمرِه على مَن يشاءُ من عبادِه أن أنذرُوا أنه لا إله إلا أنا فاتقُونِ). (النحل: 2). وليست حكايةُ السر الإلهي أو الإلهام السماوي أو السيالات العلوية بغريبةٍ عن تراثنا أو جديدةً فيه. وسواءٌ وجدَ المؤمنُ بها تبريراتٍ أو تفسيراتٍ دينية لها أم لا، فهي تبقى، في كُنهها، لغزًا ربما لا يُدرِكه العقلُ البشري. وعدمُ إدراكهِ لا يعني استحالةَ وجودِه. وأمرُ داهش مهما اختلطت في أسطورتِه رواياتٌ، تبقى حقيقتُها أكبرَ من ظنِّها أو ما يعلقُ بها من أوهام. فمن القراءاتِ التي طالعتُها عن هذه الشخصية الغريبة المحيرة، يؤكدُ مُريدو الدكتور داهش أنه صاحبُ رسالةٍ تؤمنُ بالرسالات السماوية، وتتبعُ تعاليمها، ولكنها تنفردُ بخصوصيةٍ لم يألفها أبناءُ جيله، لذلك كانت الشكوكُ تحومُ حوله، وتقللُ من شأنها، أو تتجاهلُها أو تحاولُ القضاء عليها. لم يأتِ خصومُ داهشَ بما يُثبتُ زعمَهم، بل اكتفوا برفضها والنيل من صاحبها. وفي المقابل، انبرى مؤيدوه للدفاع عن رسالته بإصرارٍ وعزيمةٍ وإيمانٍ مع ما كانَ يمكنُ ان يُحيقَ بهم من جرَّاء ما يفعلون. لقد أدركوا أن في شخصِ داهش اجتمع “الذكاءُ البشريُّ المتوقد والإلهامُ الروحيُّ والسيالاتُ العلوية”. ومما احتفظُ به في “ملف صوتِ داهش” وصفٌ رائعٌ في حضرةِ “صاحبِ الرسالة” من قالس للأديب ياسر بدرِ الدين بعنوان “خطواتٌ في رفقةِ الدكتور داهش”، يقولُ فيهك “كنا نشعرُ في حضرته أننا في عالمٍ علويٍّ؛ فالآياتُ الفنيةُ في كل مكانٍ، وجوٌّ من الأمانِ يرينُ، وهو جالسٌ كقبسٍ من الضوء في الممر الشرقي، أو متنقلاً بين الغُرف، تطربُ لخطواتِه الجدرانُ والمقاعدُ وسائرُ الأشياء، فتنطلقُ أغاريدُ لا تعيها آذانُنا الصماءُ، بل تسمعها القلوبُ وتُحسُّ بها الأرواح”.
أقرأُ مقتطفاتٍ من أقوالِ الدكتور داهش من مقالاتٍ كُتبت عنه واقتُبِسَت من كُتبِه، فأشعرُ بأنني في رحلةٍ أجولُ معها، كما وصفها مَقالٌ في “صوت داهش”، و”في النورِ والمعرفةِ في رحلةٍ محفوفةٍ بالشعر والعِطر”. ومع كل المتعةِ والانتشاء، أُحسُ بندمٍ او تقصيرٍ لأنني آخُذُ من تفرُّعاتِ هذا العطاءِ الثرِّ، لا من معينه. ومع كل زيادةٍ في الاطلاع، أزدادُ رغبةً ولو في قراءة كتابٍ واحدٍ لهذا النابغة العبقريِّ الذي أُلهِمَ ما كَتبَ، وما هو فيه إلا ناقلٌ آمينٌ.
قوةُ الروح الخارقةُ لنواميس الطبيعةِ، والمتجاوزةُ حدودَ العقلِ البشري، والمستعصيةُ على الأفهام ليستْ ضربًا من الخيال أو أضغاث أحلام؛ فعلى مرِّ العصور، أكد الإنسانُ الذي أُوتي من الحكمة والنبوغِ ما لم يؤتَه سوادُ البشر أنَّ خالقَ الكونِ يُنعمُ بها على مَن يجتبيهم من عباده. فسقراطُ، على سبيل المثال، يقولُ بأن خيال الشاعرِ ضربٌ من “الجنون العُلوي”. واعتقد أفلاطونُ أن الشعراءَ متبوعون بأرواحٍ عُلويةٍ تُملي فيكتبون.
وفي تراثنا العربي نجدُ للشاعر قرينًا أو خليلاً، أملاكًا كان أم شيطانًا، يُلقنه أو يلهمه فيكتبُ. وها هو الفرزدق يزعُمُ بأنه كان صديقًا لإبليس وابنه، وفي ذلك يقول:
هُما نفثا في فِيَّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
ولتأكيد أن الدكتور داهش كان يُملى عليه فيستجيبُ ويكتبُ، أعودُ مَرةً أخرى لمقالِ “خطواتٍ في رفقة الدكتور داهش” حيث وردَ: “ينفقُ الأديبُ سنةً أو سنتين من عمرهِ لكتابةِ قصةٍ أو تأليفِ كتاب. وقد أنفق دانتي أليغييري أكثر من عشر سنين في تاليف “جحيمه”. فكيف لا نعجبُ إذا علمنا أن الدكتور داهش أنجر كتابه “الجحيم” خلال أيام معدودة! وكتاب “مذكرات دينار” الذي وُصِف بـ”أوذيسة” القرنِ العشرين في ما يُعادلُ يومين كاملين فقط! وبحضورنا نحن، كان يكتبُ القصة القصيرة خلال ساعةتٍ واحدةٍ، تزيدُ أو تنقص. لقد رأينا بأمِّ العين كيف كانت الريشة تسيرُ على أوراقِه واثقةً بنفسها بلا تردُّد ولا توقفٍ؛ فلا شطبًا ولا حذفًا ولا إضافةً أو إعادةً، بل حفرٌ وتنزيلٌ وثقبُ جُمَان! والكلمةُ في أمانٍ من اللحنِ وزلاتِ القلم وهنفوات اللسان.
كيفَ لا نعجبُ، وكتاباتُه جميعُها، منذ سنة العشرين، في بداياتها المشرقة إلى آخر كتاب كتبَهُ، هي في المستوى الفني والأدبي نفسه من حيثث العمق والنضج والنظرةُ الصائبةُ إلى الأمور. وآراؤه ثابتةٌ لم يطرأ عليها تعديلٌ أو تبديلٌ وفقًا لمقتضيات الظروف في مختلف شؤون الحياة وما بعد الحياة. فكأنَّ الزمنَ قد توقف بين كتابه الأول وكتابه الأخير، فلم تُشرق الشمسُ بينهما ولم تَغبْ”.
وإذا كان لا بد من تعليل ذلك، فحسبنا هنا شهادةُ الدكتور غازي براكس حين يقولُ بأن السيال وحدةٌ نفسية ذاتُ طاقةٍ حيويةٍ انفعالية وإدراكٍ نسبي ونزعةٍ نوعيةٍ وخصائص وطيفية. والسيالاتُ منها ما هو فطري ومنها ما يطرأُ على تكوين الإنسان الجسدي خلال مراحل نموه. وكل سيالٍ لا بد أن يلقى جزاء عمله خيراً أم شرًا. ونفسُ كل إنسانٍ تتكونُ من سيالات، لكن الهُداةَ الروحيين تمتازُ سيالاتهم بأنها علويةٌ موهوبةٌ قوًى روحية خارقة من لدنه تعالى.
أمَّا اليسيرُ الذي قرأتُ من “مزامير” داهش في مقالاتٍ أتت على ذكرها، فهي عندي تُضارعُ أو تُضاهي مزاميرَ داوودَ التي أجدُ متعةً رائعةً وساميةً في قراءتها يوميصا. وكما أسررتُ لزميل ذي علاقةٍ وطيدةٍ بـ”صوت داهش”. ربما إذا أُتيحَ لي أن أحصل على كلِّ “مزامير داهش” أن أستعيض بها عن مزامير داوود!
لستُ أدري أأنا، في ما كتبتُ في ذكرى مئوية هذا الفذ الذي ما تزال عقولٌ كثيرةٌ وكثيرةٌ تحارُ في ما تسمعُ عنه أو تقرأ له، مؤبنٌ أو مقرظ! فإذا ماتَ الإنسان، وداهش في كل ما قيلَ عن شخصياته المتعددة قد مات فعلاً، فما يُكتب عنه تأبينٌ، فكيف لي أن ألبس ما أكتبُ في داهش وأنعتُه بالتقريظ؟ قبل أن أجيب عن سؤال افتراضي لا إخالُ القارئ إلا سائله، أودُّ أن أذكر أن كلَّ ما قرأتُ عن الراحل الكبير من أقوالٍ لمستُ فيها شغاف قلب فاضت منه سجيةً، وحرارةَ صدقٍ عبرت عن روحٍ إنسانية علويةٍ، ومشاعرَ إنسانٍ مؤيدٍ بروحٍ لَم تدركها العقول. رسالةٌ ما تزالُ حيةً في روحِ قائلها، أو ما تزالُ روحُه حيةً فيها.
رسالةٌ تنسابُ كلماتُها من السطور إلى القلبِ فأُحسُّ بها بردًا ينعشُ النفسَ، ويُعطي الروحَ معنًى سرمديًّا في الحياة.
سيان إن كانَ ما كتبتُ في داهش هذا أم ذاك، أُحسُّ فيما أقرأُ له نبضَ حياةٍ ودفقَ روح.
فإلى الذي جعلَ الكتابَ خليله في يومه وسميره في ليله؛
إلى الذي ترك مُجلداتٍ خالدةً تراثًا منه لأجيالٍ مُقبلةٍ لن يقوى الزمانُ على طمسها ولا المشككون على رمسها؛
إلى الذي قال: “لا يعرفُ لذة الحياة من لم يسحقه الألمُ العميقُ المشبع، ولا يعرفُ أسرارَ الوجودِ مَن لم تتكأكأ عليه حادثاتُ الزمن”؛
وإليه حين يقولُ: “إن قلبي يخفقُ بالحبِّ للجمال، ومَن أدركَ سرَّ الجمال فإنه قد خطا خطواتٍ واسعةً في فهم أسرارِ الأزل والخلود”؛
وإليه حينَ قال: “تُرى ماذا سيقولُ الناسُ عني بعد موتي وزوالي؟”
أقولُ: أنا لستُ مؤبنًا، فأنت فيما تركت حيٌّ تتنفسُ في كلماتٍ خالداتٍ تكادُ تبيضُ من وهجها الصفحاتُ. وأزيدُ: “تالله إني فيما أتيتُ مقرظ، كي من سُباتٍ بعضَ قومٍ أوقظ. فنم قريرَ العين، ولا تبالِ بشانئيك”.
وفي الختام، أذكرُ ما قال أحمد شوقي، رحمه الله وإياك، في روايةِ “مصرعِ كليوباترا”، وأتمثله لك:
تمنيتُ رأسين لا واحــــــــــــــدًا إذا مستِ الأرض هامُ الرجال
أُطأطئُ رأسًا لِمجدِ النُبوغ وأخفِضُ رأسًا لِمجدِ الجَمـــــالْ
أوتاوا – كندا، 3/5/2009
داهش... الحكمة العظيمة
الدكتور محمد قبيسي
باحث لبناني. نال شهادة الدكتوراه في الإعلام. خبيرٌ بالتوثيق وترميم وصيانة الوثائق والكتب. يُدرِّس في كلية الضباط مادة منهجية البحث العلمي للمجازين في كلية الحقوق. قام بدراسات ومشاريع توثيقية في عدة مؤسسات رسمية وصحفية. وهو عضوٌ في اتحاد الكُتاب اللبنانيين، واتحاد الكُتاب العرب في دمشق والأردن. من مؤلفاته “مراحل التدوين عند العرب”، “عِلم التوثيق والحفظ في الوطن العربي”، “القرآن الكريم: الوثيقة الأولى في الإسلام”، “شعوب وتقاليد: قصص وحكايات” (في جزأين)، “كيف جُمع القرآن الكريم”.
داهش… الحكمة العظيمة
إنَّ الكتابةَ عن شخصية الدكتور داهش مهمَّةٌ عسيرة لِما تواجهُه من استحالة الإحاطة بالجوانب الغنية المتعددة التي سكنتْ تلك النفس الكبيرة. فالمزايا والصفاتُ الإستثنائيةُ الخارقة التي يجدها الكاتب، أينما توجه في رحاب ذلك التاريخ الأغرِّ الذي أضاءته مواهبُ داهش وطاقاتُه وأقوالُه وأعماله، هي مما يعجز عن الإحاطة به أي كاتب ونحن هنا إذ نحاول، فلن يُخجلنا الاعترافُ بالعجز عن إدراك تلك الأبعاد البعيدة، ولن يُخجلنا أن نقول: إن ما نبذله من جهد وما نقدمه لا يعدو أن يكون فصلاً من سِفرٍ أو غرفةً من نهر.
إنَّ تلك المزايا والقُدرات الفريدة لشخصية داهش تتكامل كوَحدةٍ في إطار من التجلي ذي وجهين: وجهِ البناء النظري المعرفيِّ الراسخ والديناميكيِّ في آنٍ معًا، ووجهِ الممارسة المستندة إلى ثبات مبدئيٍّ مشتقٍّ من ذلك البناء النظري دون أي تراجُعٍ أو انحراف، مع مرونةٍ مدهشةٍ في التعامل مع الأحداث والمتغيرات، حيث تكون النتائج دائمًا في صالح ما تريدُه وتراه هذه الشخصية الفذة من مصلحة للأمة وللوطن على حدٍّ سواء.
ولأن الحكمة هي الخلاصةُ لتفصيلات ذلك كلِّه، فإن الكتابة فيها تقع في حدود الصعوبة التي أشرنا إليها. وهي مقاربةٌ للألق لا دخولٌ في الدوهر أو إحاطة به، لأن مثل هذا الدخول أو الإحاطة متعذر فعليصا أمام هذه الشخصية الحكيمة العظيمة النادرة.
إن كلِّ من عرف الدكتور داهش لمس فيه هذه الشفافية الإنسانية الرقيقة وذلك التواضعَ الجمَّ الأصيل، تعززهما ثقةٌ عاليةٌ بالنفس. إنَّ هذه الثقة الآسرة، وهي أحدُ العناصر السامية التي تكوَّنت منها شخصيةُ داهش منذ بدء تكوُّنها، امتدت أبعادُها واتسعَت جوانبُها لا تستطيع أن تضيف على الطبائع أو تحذفَ منها، في حين أن الطبيعةَ الفذة المميزة هي التي تصنع السلطة، وتصوغ منها الأنماطَ الاجتماعية.
إنها الأخلاق النبيلةُ السمحة والتواضعُ المعبر عن أصالةِ التكوين وأصالةِ الإعداد. ومن ذلك كلِّه تكاملَت لدى داهش هذه الشخصيةُ العظيمة التي تقوم على قاعدة رائعة من حبِّ الناس ورعاية شؤونهم ومصالحهم، فبادلوه حبًّا بحبٍّ وولاءً بولاء. وتلك هي غاية الحكمة ومبتغاها في نهاية المطاف.
وإذا كانت هذه الرؤية لمعنى الحياة ومعنى المسؤولية هي إحدى مفردات “الحكمة” بمعناها الكلي، فإن هذه “الحكمة المفردة” تظلُّ صالحةً على امتداد الأزمان واختلاف الأمكنة ما دامت الحياة الإنسانية قائمة، لأن في أساس كينونتها: صراع العدل ضد الظلم، والحق ضد الباطل، والخير ضد الشر… ومن يتعمق في أقوال الدكتور داهش يجد ما لا يُعدُّ من مثيلات هذه المقولة المتضمنة للحكمة ذات المضمون الذي يصحُّ وصفُه بأنه “مطلق” قياسًا إلى عموم الحياة البشرية. وها نحن نعرض نماذجَ من هذه الأقوال الحكيمة الفريدة مع تعليقاتٍ موجزةٍ عليها تبينُ مدى ما فيها من عُمق اتصال بحقائق الحياة البشرية، على تنوعها وتمايُزِ مجتمعاتها وثقافاتها ومشاكلها وطموحاتها وقضاياها.
إن هذا الفهم العميق للترابط الشديد بين حرية الفرد وقدرته على العطاء، إيجابًا وسلبًا، يبين بعد المدى الذي وصل إليه داهش في فهم طبائع الأفراد والمجتمعات، إذ أطلقَ حكمته لتكونَ دستورًا أزليًّا يُحكم الرابطة بين الحكمة والحكم. فالعدل أساس المُلك، ولا أدَلُّ على فقدان العدل من فقدان الحرية. كما لا يُنتظر العطاء ممَّن فقد حريته.
ولا تطوُّر لمجتمعٍ رسفَ أبناؤه بالأغلال. وفي مكان آخر يؤكّد الدكتور داهش وُجوبَ انطلاق الكائن الإنسانيِّ من حتمية التغير الذي هو جوهرُ صيرورة الحياة، كما يصمد بجدارةٍ أمام الهزات التي قد تنتابُه أو تُحيق بمجتمعه ريثما تتغير الظروف والأحوال، فيتبدل وضعُه ووضعُ الجماعة التي يعيش بينها من سيءٍ إلى حسن.
وهنا نجد العِبرة الأساسية التي أرادت حكمة الدكتور داهش أن ترسخها في ذهن المتلقي. هذه العبرة فحواها أن على الإنسان أن يصبَّ جُهدَه المبدع الخلاق بكل أمانةٍ وتفانٍ وإيمان في سياق حركة الحياة المتغيرة، ليجعل التغير نحو الأفضل مستمرًا قدر الإمكان. فالتفاؤل ليس مجرد (وضع نفسيٍّ) عابر، وإنما هو إيمانٌ وصبرٌ وفعلٌ مبدعٌ باتجاه تحقيق الوضع الأفضل للذات وللمجموع.
فلنتأمل عظمة هذه الحكمة، ومدى ما فيها من عبرةٍ وموعظةٍ تخصُّ بني البشر جميعًا على اختلاف أمكنتهم وعصورهم.
من يتأمل سيرة داهش، من حيث الشمولية الفكرية والممارسة الأخلاقية وأدواتها ومرتكزاتها، يجد أنه يجمعُ ذلك كله في شخصيته العملاقة التي تتنوع فيها مكوناتُ العظمة الإنسانية بأعلى أشكالها. فهو المفكر، والمنظر الأخلاقي. ولكنه، فوق هذا كله، امتلكَ القدرةُ المدهشة على إدراك أسرار الحكمة، بواطنها وظواهرها، خفاياها وأسرارها، قُدراتها المذهلة على صياغة نظرياتٍ متكاملةٍ في شؤون الحياة ومناحيها. كل هذه القدرة الهائلة من الامتلاك المعرفي والأخلاقي عند الدكتور داهش صاغت الشخصية الحكيمة القادرة على إبداء الرأي الصحيح والوصول إلى النتائج الصحيحة. والحق أن امتلاك هذه الدرجة العُليا من الحكمة والقدرة على التعامل مع مكوناتها جعل من داهش شخصية تاريخية قل نظيرُها في التاريخ الإنساني.
حين تُمسكُ القلمَ لتكتبَ عن داهش أعظمِ شخصيةٍ لا بد أن ينتابك شعورٌ من الزهوِ والفخار، ليس لأنك تتأمل في أنبل الإنجازات التي تحققت على يده فحسب، بل لأنك تُعايشُه فعلاً وتحيا في عصره الذي يشهد تجذُّرَ فِكرِه وصوابية قرارته، وعظمة حِكمتِه وسُموَّ أخلاقه.
الكتابة، إذاً، عن الدكتور داهش هي بطبيعة الحال كتابةٌ عن صانع المجد والشرف والمؤسس للمستقبل الزاهر على مدى أجيال كثيرة. والواقع أنه ليثس وقفًا على ما أدهشَ به فحسب؛ فإن عزمه أصلبُ من صخور الجبال التي كأنما قُدَّت منها أرادتُه التي لا تتزعزع، وحِكمتَه أعمقُ من كل الآراء التي عاصرها بثباته على الموقف، ونهجَه أنه الأكبر بلا منازعِ، تهزُّك مواقفُه من الأعماق، لأنها تتجاوب مع الفكر.
إنَّ الحفاظَ على البقاء البشري هو غاية الحضارة، أما أساسُ الحضارة فهو الإنسانُ عمومًا، والإنسان الفرد على وجه الخصوص والتحديد. ولكن الإنسان الفرد هو، في نهاية الأمر، ابن وطن وابن مجتمع وابن امَّه. والأمم يتمايزُ بعضها عن بعض، وتتميز الواحدة عن الأخرى بمقدار ما يقدم أبناؤها من إسهامٍ في عملية الارتقاء الإنساني، ومن خدمةٍ لتفتح الشخصية الإنسانية وانطلاقها نحو آفاقٍ جديدةٍ من التسامي والسموّ.
ويُحسُّ المرء، وهو يقرأ هذه العبارات أو يسمعُها، بعظمةِ السموِّ في فكر داغهش وفي أخلاقه ونُبل مقاصده. فنحن في الواقع أمام حالٍ من نُكران الذات قل نظيرُها، وأمام مُثُلٍ وقيم تحدد أنواعًا يندر أن تجد لها شبهًا إلا لدى القلةِ القليلةِ من حُكماء التاريخ وعُظمائه.
وممَّا يُثير الانتباه والدهشةَ المقرونةَ بالاعتزاز أن كثيرين هم الذين يفكرون بمثالية، لكنها تسقط عند أولِ اختبار لها بالممارسة. أما الدكتور داهش فقد تفوقت ممارساتُه – وهذه أحدُ أسرار عظمته – لتُشكل أفقًا لتجسُّدِ مُثُلِه وقيمه الرفيعة والعظيمة حقًا. فكان هذا التطابقُ المذهل والخلاق والمتفرد بين الفكر والممارسة.
إن الإحاطة بشخصية داهش تحتاج إلى دراسة طويلة ودقيقة لمسيرة أعماله على كل الصعد. فالقائد المعلم شخصيةٌ متعددةُ الأوصاف والأعراف، يصعبُ على أي كاتب أن يعالجها في كتاب واحد؛ فهو حكيمٌ وماهر، عزَّ نظيره في مواجهة الأحداثن وإنسانيٌّ يلامس شغافَ القلوب في توجهاته وتطلعاته.
إن وصف الدكتور داهش بأنه “حكيم” هو وصفٌ يليق بأنه عبقري ونادرٌ مثله. فالحكمة كما اتفق على توصيفها، وكما هي بالفعل، مجموعُ السمات العبقرية المتفردة للشخصية الإنسانية في أعلى درجاتِ ارتقائها الفكري والعقلي، سواءٌ كان هذا الارتقاء على مستوى السلوك والمواقف أم على مستوى الفكر والمعرفة والنموع الأخلاقي القيمي في أعمق تجلياته الإنسانية.
وفي الجانب الروحي من دلالات ذلك التعبير تنبثق قوة الإيمان لديه عندما يتلمس معالِمَ الطريق الصحيح، فيؤكد أن معرفة سرِّ قدرة الخالق في خلق الأرض وما عليها وما فوقها وما تحتها، يؤهل الكائن للتقرب الروحي من عالم السماء. فالعلم يقوانين الخلق هو في ذاته تبعُّد، (وإنما يخشى الله من عباده العلماء) كما قال سبحانه في مُحكَم التزيل. (فاطر: 28).
إذاً ثمة صراعٌ دائمٌ من أجل إحقاق الحق والعدل وحمايتهما. والحق والعدلُ كلاهما ضمانٌ لكرامة الحياة الإنسانية وشرفها ومهمة بناء الإنسان بناءً مُبدِعًا قائمًا على تفتُّحِ شخصيته تفتُّحًا حرًّا، وهي طريق الانتصار النبيل.
حين يواجهُ الدكتور داهش منهجه الفلسفيّ التاريخي العلمي، ويدفعُه باتجاه صناعةِ الحاضر بالقدر الذي يكفلُ ضمان ولادة مستقبلٍ مُشرقٍ مُزهر، فإنه بذلك يصبُّ اهتمامه على ما ينبغي أن يكون بالاستناد إلى كليات ما كان، حيث يترابط جوهرث الثقافة مع ما هو جوهري في الثقافات الإنسانية كلها. المجتمعُ والفردُ هما دائمًا في صُلب هذه العملية الواقعية؛ فلا بد منهما لتحقيق الترابط وإنجاز مقوماته كافة.
لقد شاهد الدكتور داهش إفلاسَ الأنظمة الجائرة التي ترزح تحت أثقالها البشريةُ، شيوعيةً كانت أم رأسماليةً أم دكتاتورية… كلها بدون استثناء، فأراد وهو المشترعُ الإنسانيُّ العودة إلى الديموقراطية السمحاء المبنية على أخلاق الفرج والمجتمع، والمنبثقة من سُننِ السماء وشريعتها والتي أنبتَت ثمارًا رائعةً وحكمةً وجهودًا عادلةً كجهودِ أبي بكر وعثمان وعليّ…
إننا في الحقيقة ننظرُ إليه على أنه فيلسوف حكيمٌ نظرَ إلى الإنسان فشاهد تعاسته وشقاءه. هذا الشقاءُ يأتي بسبب جهله لمصيره. لذلك أراد أن يُذكر الإنسان بخلود الروح. أما الحياة الأرضية فهي مرحلةٌ قصيرةٌ آيلةٌ إلى زوال، والحياةُ الحقيقيةُ تبدأ بعد الانتقال من هذا العالم؛ فالروحُ باقيةٌ… خالدة.
من أقوال الدكتور داهش إن من أسباب الحروب التكالبَ على المال وعلى المقتنيات، وطمعَ الإنسان بما عند سواه؛ وهذا ما يُسمُّونه الاستعمار والاستثمار. وهو يسمِّي كل ذلك انهماكَ الإنسان بالمادة، وابتعاده عن الروح، ويرى أن المادة وحدَها تجعلُ البشرَ بمُستوى الحيوان وربما أدنى قليلاً، في حين أن الروحانيات تجعلُ الناس يرتقون إلى عالمٍ أسمى، كلُّه سعادةٌ ونعيم. إذن يجب أن نعودَ بالناس إلى الروحانيات.
وكمجاهدٍ كبيرٍ ننظرُ إليه؛ شاهدَ تنافرَ الأديان وتفاوتَ المذاهب وتضاربَ الآراء الفلسفية، فأراد أن يجمعَ كلمةَ الشعوب وقلوبَها حول الكتبِ المُنزلة في جوهرها الأصلي، وحول القرآن خاتم الوحي والإلهام… لقد كان داهش من الرجال الذين يحملون مسؤوليةَ شقاءِ الإنسانية، وكان الواجبُ الإنسانيُّ يدعوه إلى خوض معركةِ الحق وأداءِ الرسالة. فمذ بدأ يفكر، أخذ يهتمُّ بهذه الناحية، ناحيةِ إصلاح البشر…
المسألةُ ليست مثلما يُظنّ. إنها مسألةٌ صعبةٌ جدًا، إذ إنّ إدخال التعاليم الروحية إلى الأذهان غايةٌ في الصعوبة. ربما كان ذلك سهلاً في الماضي، أما اليوم فأصبح صعباً. أفكارُ الناس تغيَّرتْ، ودرجةُ وعيهم اختلفت. والمبشرُ ينبغي أن يأتي بهذه التعاليم من باب العلم لكي يتم الإصغاءُ إليه. والدكتور داهش خاض المعركة بكلِّ ما فيها من الأخطار، وأراد أن يعودَ الناس إلى الروحانيات بأدلةٍ وبراهين يقبلها العقل ولا تصطدمُ مع العلم. فهو، بواسطة علومة الروحية، عرف السارقَ وأرشدَ إلى مكان المال المسروق… فاسترده. هذا ما رواه شقيقُ الشخص الذي سُرِقَ منه المال.
يرى الدكتور داهش أن “النبي هو الذي غرضُه في الحياة إنقاذُ الحق من بين أنياب الباطل. وبقدر ما ينصرف إلى هذه المهمة ويضحي في سبيلها ويثبتُ أمامها، تكون نبوتُه أعظم. وإن كل حركةٍ يقوم بها الإنسان دفاعًا عن الحق وغيرةً عليه، سواء كانت قولاً أو فعلاً أو فكرصا، هي كركةٌ فيها شيءٌ من روح النبوة”.
كلُّ الأنبياء الذين ظهروا كانوا يحملون أغراضًا نبيلة. وإذا اختلفوا في تعاليمهم، من بعض النواحي، فذلك مردُّه إلى اختلاف العصور والظروف؛ فلكل عصرٍ حُكمُه. ولو قُمنا بجمع تعاليمهم، لأمكننا أن نستخرج منها عقيدةً روحيةً جديدة تكفلُ للإنسان سعادتَه، وتعملُ على محوِ كل الفوارق بين الإنسان وأخيه الإنسان. وعند ذلك فقط يعمُّ السلام والرخاء، وتنسى القلوبُ أحقادَها، وتذهبُ الضغائنُ الموجودةُ فيها.
هذا غيضٌ من فيضِ تعاليم الدكتور داهش… وكان الرجُلُ سائرًا في جهاده ينتقل من فوزٍ إلى فوز، لكننا لم نستطع فهمه ولم نقدره. لو أن أحد رهبان فرنسا جاء بهذه التعاليم لكنا قدرناه؛ أو لو أن داهش كان مبشرًا إنكليزياً أو أمريكياً، لتقلينا تعاليمه، من دون إعمال الفكر ولو للحظةٍ واحدة، بالرضا والقبول؛ كنا تلقيناها، وكانت أثارت أعجابنا.
الدكتور داهش منارةٌ إنسانية
الأستاذ محمد عبد الرحمن محمد
صحافي لبناني. صاحب مجلة “حضارتنا” ومديرُها العام (وهي مجلة تُعنى بالشؤون الإنسانية والحضارية عامة، وبخاصة ما يتصل منها بالعالمين العربي والإسلامي). وهو صاحب مجلة “قطر الندى” ومديرُها العام (وهي مجلة ثقافية اجتماعية على وشك الصدور).
الدكتور داهش منارةٌ إنسانية
إن الكتابة عن عظماء الإنسانية وعباقرتها، وهم أشبهُ بالفصوص الألماسية التي تزينُ عقد التاريخ بألوانها المختلفة، هي معاناةٌ ما بعدها معاناة تعترضُ سبيل أي كاتب بمجرد تفكيره بالكتابة عن هذه النخب الإنسانية، وتحديدًا النخب التي طبعت مسيرة الإنسان، منذ فجر الخلق وبدء التكوين الآدميِّ، ببصماتٍ حضاريةٍ رائعة، والتي هي أشبهُ ما تكون بالمنارات التي تهتدي بها كلُّ نفسِ تائهة في لُجَج العتمة والظلمات.
ولئن تبسط القرطاسُ أمام ناطريك فذلك سهل؛ وأسهلُ منه امتشاقُ اليراع. فمكمنُ المعاناة سينحصرُ في زوايا الكيف والأين من كيفية عمل الفكر والعقل، وفي إيفاء هؤلاء العظماء ولو اليسير مما يستحقون. نعم، فلو أراد أيُّ كاتبٍ أن يتناول أي موضوعٍ أو مادةٍ ليكتب فيها، فما علي سوى أن يترك العنانَ لعقله ليستنبط، ولأنامله أن تمسكَ القلم، فترتسم الأفكارُ لوحاتٍ فكريةً أو أدبية أو علمية أو وجدانية. ولو أراد الكاتبُ نفسُه، أو أي كاتبٍ آخر يمتلكُ الحرفية في الكتابة، أن يتناول بحثًا ما، فما عليه سوى الغوص في أعماق هذه البحث وسَبْرِ أغواره عبرَ المراجع الوافرة والغزيرة التي تتناولُ كل مفصلٍ من مفاصل تطور الإنسانية منذ البدجء وحتى عصرنا هذا…
أما عندما يُطلب من الكاتب أن يكتب عن عظيمٍ من عظماء كوكبنا الأرضي أو علَمٍ من أعلام التاريخ والإنسانية، فدون ذلك صعابٌ وصعابٌ تنتصب أمامه، ولا سيما إذا كان يتصف بالحياد والتجرُّد، ويتسلح بالحجة والمنطق والدليل. وتبدأ المعاناةُ عندما يحاولُ الفكرُ لملمةَ ما يمتلكُ من علوم حول هذا العلم أو ذاك النجم أو غيره ليحاولَ التحليقَ لمُلامَسة حقيقة تلك الشخصيات الإنسانية، وخاصة تلك التي حباها الله بنعمٍ إلهية ومكرُماتٍ ربانية بانت حقائقها لكل ناظرٍ إليها، ولامستها كل يدٍ أراد عقلُ صاحبها أن يستيقن؛ فمنهم من استيقن وآمن، ومنهم مَن استيقن وكابر. فما إن يبدأ الكاتب حتى تغزو الحيرةُ عقله وتقتحمَ أفكاره وتدهم خواطره. ويكاد يشعرُ بالشلل الفكري، إذ تجتاحُه الرهبة، ويتملكُه الخوفُ من أن يخطئ في التقدير أو يُنقص في التقييم، فلا يُوفي المصنفَ حقه من التصنيف. وتتملكُ الأنامل الرجفةُ لإدراك صاحبها أن مساحة اليراع والمداد والقرطاس أضيقُ من مساحة هذه المنارات الإنسانية العظيمة!
ولكم أنبأنا التاريخ عن تلك المنارات الإنسانية التي ما خلت الأرض منها لا عصرلًا ولا دهرًا بدءصا من أول الخلق آدم، عليه السلام، وابتلائه بقتل أحدِ ولديه الولدَ الآخر – وكان ذلك تجربةً رهيبةً مرَّ بها أبو البشر زادته إيمانًا على إيمان ونورًا على نور، وما استطاعت هذه البليةُ أن تنال من صبره وإيمانه العظيمين – إلى سيدنا لوط، عليه السلام، وابتلائه بقومه الذين كلما ازدادوا فسادًا في الأرض ازداد صلاحًا في النفس والروح. وثمة سيدنا نوح الذي أنذر قومه من غضب الله أو يصلحوا أنفسهن، فاستهزأ أكثرهم، فأتى أمرُ الله، وصدَقَ وعدُه؛ وسيدنا أيوب، عليه السلام، الذي صبر على كل بلاء أُصيب فيه في الجسد والرزق والولد، لنتعلم منه الصبر الذي راح مضرب المثل إلى وقتنا هذا؛ وسيدنا يونس، عليه السلام، الذي ابتلعَه الحوت. ولا ننسى تجربة الإيمان مع خليل الله وولده إسماعيل، عليهما السلام؛ وسيدنا عيسى ابن مريم، عليهما السلام، وقد كانوا يزرعون الآلام في جسده الشريف، فتنبت وردودٌ تعبقُ برياح الحب وأريج التسامح؛ وسيدنا يوسف، عليه السلام، الذي لا يقلُّ صبره على المظالم بإيمانٍ عظيم – لا يقلُّ عظمةً عن مجابهة سيدنا موسى، عليه السلام، لجبروت فرعون وطغيانه. وأختمُ بالهادي محمد، عليه وعلى إخوانه النبيين من قبلُ ألفُ صلاةٍ وسلام، وقد تحدى بإيمانه الإلهي غطرسةَ المُشركين الذين أطلقوا عليه سهام الافتراءات الظالمة والأحقاد، فردَّ بتضرُّع لله وابتهال أن يغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون. والأمثلة بالآلاف من نُخَب هذا الكوكب الذي نحيا عليه.
والحق أن الصراع بين الخير والشر لم يتوقف عند الرسل والأنبياء والمكرمين فقط. فلقد شهد التاريخُ الإنسانيُّ صداماتٍ كثيرةً ومبارزاتٍ بين جبابرة التاريخ العُتاة والمنارات الإنسانية والحضارية التي لم تخلُ منها الأرضُ يومًا لا في زمان ولا في مكان. فما دام النقيضان موجودَين، أعني الخير والشر، النور والظلام، الإيمان والكفر، الرحمة والقسوة، الموت والحياة، الليل والنهار – أقول: ما دام هذان النقيضان مستمرين، فالصراع بينهما لم ينته – ولن ينهي – حتى في عصورِ ما بعد النبوة؛ ولنا من كربلاء الحسين شاهد، فضلاً عن كثيرٍ ممَّا مرّ به عبادُ الله الصالحون ورجالاتُه المؤمنون. ونحن إذا كنا لم نحي في تلك الحقبات السالفة، ولم نُعايش أو نعاين أحداثها لنستذكرها فكرًا وبصرًا، فإن التاريخ قد أخبرنا عن منارات الخير والنور، تلك التي جابهت رموز الشر التي ما فتئت تُحاول النيل من إيمانهم وهديهم بقصد هدم مناراتهم المُضيئة لإطفاء نور الله (ويأبى الله إلا أن يُتمَّ نورَه ولو كرهَ الكافرون).
ولكن ما عذرُنا نحن الذين عايشنا وعاصرنا معركةً ضاريةً دارت رضحاها بين هذين النقيضين التاريخيين، ومن يمثلهما. نعم، في الأمس القريب عايشنا إحدى جولات الحق مع الباطل. وكان رمزُ الحق رجلاً أتى دنيانا الفانية كومضةِ نور: في عقله نور، في قلبه نور، في يده نور. نورانيًّا كان في علمه وعلومه، في أدبه وأدابه، في خُلقه وأخلاقه. والنور قد يصبح خطرًا على مَن كانت بصيرتُه مظلمةً، وعقلُه مُظلمًا. رجلٌ حباه الله بأنعام إلهية ليكون حُجَّة على من ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة. قابلوه بالكذب فازداد صدقًا. انهالوا عليه بافتراءاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، فكان سلاحَه الحُجةُ والدليلُ والبرهان. وصفُوه بما يتصفون هم به، وهو من وصفهم براء، فكان أيضًا وأيضًا يصدُّهم بالعلم والمنطق والبيان. هتكوا بظُلمهم له كل عُرفٍ وكل شرع، فكان يزداد تمسُّكًا بالأعراف والشرائع. هددوه تنكيلاً وسجنًا، بل قتلاً، فردَّ عليهم مُشفقًا على نفوسهم الضائعة والتائهة. عليةُ القوم يأتونه، فيرونه أكبرَ منهم. يأتيه المعذبون من فقراءِ القوم، فينفتحُ لهم ذراعيه، وبنعَم الله الإعجازية وبإذنه يشفي هذا ويُبرئُ تلك. يزيده الله تعالى إعجازًا وأنعامًا ومقدرة، فيزدادُ تواضعًا وطيبة وتسامُحًا. إنَّه الدكتور داهش الذي أتى إلى هذه الدنيا الفانية كما سبقه الكثيرون من رجالات الله على الأرض، الذين ينطبقُ على كل واحدٍ منهم وصفُ “المعلم” بحق. انساب الدكتور داهش إلى دنيانا كما تنسابُ بضعُ الشمس المُشرقة على شجرةٍ وارفة، فيها من الوريقات المفعمة بالحياة التي تنهلُ من إشراقات النور ما يزيدها اخضرارًا وحياةً، وتطلعُ ثمرًا طيبًا؛ وفيها من الوريقات الصفراء التي تختبئُ من بضع الشمس، فيصيرُ مثلها مثل السقيم الذي يزدادُ سُقمًا والدواءُ بين يديه لا يَقربُه. هكذا هي النفوسُ الخضراء المورِقة والمخضوضرة، تستمدُّ العافية من تعاليم العُظماء ونواميسهم لتبقى مناراتُهم شامخةً في كلِّ آنٍ وزمان، تنيرُ الدروبَ أمام المعذبين والمتعبين. أما الصفراء من الوريقات، فهي واهيةٌ ديدنها السقوطُ على الأرض لتدوسها كل قدَمٍ تطأُها.
فمثلُ شجرةٍ مثمرةٍ تحمل ثمرةً طيبة تُنبتها لتُطعم كل جائعٍ، فترجمُها كلُّ يدٍ بحجر، فلا تغضب، ولا تتوقف عن الحمل المثمر، بل تعاودُ حَمْلها في كلِّ عامٍ غيرَ آبهةٍ بالأحجار التي تُرجَم بها – مثلُها مثلُ رجلٍ طيبٍ يحمل بذورَ الصلاح رسالةً زرعها في كل نفسٍ تائقةٍ للصلاح، وفي كل أرضٍ خصبةٍ لتُزهر إنسانيةً نورانية إيمانية تتجذر كجذور الشجرة الطيبة. فكما إن الشجرة المثمرة لا ينفع لها أحيانًا ثمرُها الطيب، كذلك الرجال الصالحون لا يشفعُ لهم صلاحُهم عند الظالمين مهما بلغت الخوارق على أيديهم، ومهما بلَغت العطاءاتُ الإلهية لهم. ودعُونا من سبر أَغوار التاريخ لتقديم الأدلة على ما نقول من رُسُلٍ وأنبياء مكرمين، ومن أئمةٍ طاهرين، وصحبٍ مُنتجبين… فالأمسُ القريب، كما ذكرنا قبل هذه السطور، يقدمُ عينةً راقية، ونموذجًا حضاريًا، ساميًا ونبيلاً؛ نعني به الدكتور داهش الذي كانت جريمتُه الوحيدة أنه قدَّم للإنسانية المعاصرة باقاتٍ إنسانية في شتى مجالات الفكر والأدب، وكانت له لمساتُه الإعجازية التي بهرت كل من عايشه، ورأى ولمس.
المجذافُ والبحر
الأستاذ غازي قَيس
كاتبٌ لبنانيّ. يحمل الإجازة في الآثار والفنون من الجامعة اللبنانية. شغلَ أمانة سرِّ “ندوة الخميس” في بعلبك، وأسس فيها صالون “مجلس الأدباء”. شارك في عدة ندوات ومؤتمراتٍ ثقافية. صدر له كتاب “رحلة في الغرف السبع” (دراسة جمالية لشعر جورج غريب)، و”ظلال فوق بحيرة النور” (رواية). له مقالات منشورةٌ في الصحف، وكتابٌ قيد الطبع.
المجذافُ والبحر
تحيَّة إلى روح الدكتور داهش
… ويأتي العام 2009 حاملاً إلينا مناسبتين اثنتين أعادتا إلينا شيئًا من كبريائنا التي نُباهي بها أمام العالم، ونتباهى بها في محيطنا الشرقي، أمام الشمس الفاضحة. هاتان المناسبتان هما: إعلانُ بيروت عاصمة عالميةً للكتاب، والاحتفاء بمرور مئة سنةٍ على ولادة مُبدعٍ كبيرٍ من الشرق تحدى الجاذبية في الصعود والتحليق، قاهرًا حتمية الوقوع في سراب هذه الدنيا الدنيئة، مرتفعًا ومترفعًا كطائر الأسطورة… إنه الدكتور داهش. وفي المناسبتين الحديثتين فخرٌ لنا بأننا أمةٌ ترفعت بعزها ومجدها وتاريخها ورجالاتها الرؤيويين الذين أدهشوا العالم بعقولهم المتوجهة وحدسهم الصائب ورؤاهُم المحققة. وبمناسبة إعلان بيروت عاصمةً عالميةً للكتاب، أُهديى هذه التحية إلى روحِ الدكتور داهش الذي لم يتسنَّ لي التعرُّف إليه شخصيًا، فاقتصرت معرفتي به على قراءة البعضِ القليل السخيِّ من نتاجه الأدبي والفكري الضخم.
أيُّها الغريب المُترفعُ عن قضايا البشر المادية، أيّثها الساخرُ من دنيانا البراقة، أيها القويُّ في انتصاراتك الرائعة على كل سراب، أيها الناشدُ الحق في الملإ الأعلى، أيها العاشقُ الروحانيُّ السخيُّ في عشقك، كم أتلفتَ من جسدِك وأنت تبني لروحك أبراجًا لتُسكِنَ إلهةَ عشقِك ومعبودتك “ديانا”.
في وُجومِ أبي الهول حزنٌ على “ديانا”، وفي هرم خوفو رصدٌ لروحها النقية، الطاهرة، إذ تحول الانتظارُ لديك إلى عملية تفكيكٍ للزمن الهارب ومعه أعمارنا المحسوبة علينا عبثًا. معك عِشنا أعيادَ الكلمات بفرحٍ لا يشبه الفرحَ الأرضيَّ بشيء، بل يتعالى كهيمنات النسائم على رؤوس أشجار الغاب الذي تاقت روحُك إليه، لتنطلق إلى معبودتك الساكنة خلف غيوم الحياة رافلةً في غلالاتٍ ورديةٍ من عقيق الشمس في ساعات الأُفول.
في مئويتك الأولى، نقرأُ أدبًا فيه من الرفعةِ ما يجعلنا نحلقُّ بأجنحةٍ خفية إلى أعراس الكلمات، حيث الموسيقى الكامنة بين الأحرف تعيدنا إلى زمن المتصوفة الذين نقرأُهم بشغفٍ، فنتذكر جلال الدين الرومي القائل في كتابه “المثنوي”.
لي حبيبٌ حُبُّه يشوي الحشا لو يشا يمشي على رمشي مشَى
راحٌ بفيهـــــــا والروحُ فيهــــــــــــــا لي أشتهيها قُــــــــم فاسقنيهــــــــــــــــــــا
وتقولُ أنت:
“وصاحت الأحجار والأشجار، ومن فوقها الأطيار:
إن الحبَّ دعانا لأن نرى جمال “ديانا”.
ونشعرَ بسلطانه القاهر يغمُرنا، فنصرع أن لا تُغادرَنا…”.
إنَّ الجدلَ القائمَ اليوم حول ماهيَّة الشعر، حديثه وقديمه، سببه عدمُ العودة إلى الينابيع التي شربتَ منها حتى الارتواء، وقدمت لقارئيك من كوثرها العذب كؤوسًا شعشعانية تُعلم الأجيال ماهية الشعر الساكن الأبراج على هديلِ حَمامٍ وتصفيقِ يمام وتغريد طير.
أيُّها الساكنُ شغفنا، المالئُ توقنا إلى السعادة التعي هي هدفُ الأهداف، كم تفانيت في البحث عن السعادة خارج هذا العالم، منطلقًا من نقطة الزوغان الوحيدة، ألا وهي الحُبُّ، إلى نقطة الذوبان الكلي بالمعشوق تمامًا كما المتصوفة.,
نقاط التقائك بين المبدعين الخالدين من البشر كثيرةٌ على خصوصيةٍ واضحة؛ فبينك وبين جبران رأيٌ في المحبة، إذ يقول جبران: “المحبة لا تعرف عُمقها إلا ساعة الفراق”. وتقول أنت: “حانت ساعةُ الفراق لأني سأُغادرُكم بعد ساعة، فيكون فراقًا لا لقاءَ بعده”.
وبينك وبين المتنبي رأيٌ ثابت في البشر، إذ يقول المتنبي:
ولما صار ودُّ النـــــــــــــاس خبًّــــــــــــا جُزيت على ابتسامٍ بابتسامِ
وصرتُ أشــكُّ في مَن أصطفيه لِعلمي أنـــه بعضُ الأنـــــــــــــــامِ
وتقولُ أنت:
“أخبرها بأن لا تأتمِن أيًّا من بني البشر، إذ إنَّ أصدقَهم هو الخائن”.
وبينك وبين “رونسار” كلامٌ في السعادة. يقول رونسار في قصيدة à Ode Cassandre : “إقطفي، إقطفي شبابك، لأنه كهذه الوردة التي تتفتح يومًا واحدًا، فتذبُل ثم تذوي”. وتقول أنت: “كلُّ ما في الكون من صاخب وصامت سيعتريه الذبول فالأفول”.
يقول إميل زولا: “عابرةُ سبيلٍ هي الحقيقة، ولا حقيقة إلاَّها!” وتقول أنت في كتابك “قيثارة الآلهة”: “الحُبُّ هو السعادة الحقيقية، إنها الحقيقةُ بعينها!”.
في كلامك على الحبِّ ترفُّعٌ عن المادة وعودةٌ إلى الحبِّ الخيالي، حيث تتعانقُ الأرواح في الارتفاعات الشاهقة: “مَن حصلً على معبودتهِ فقد فقدها إلى الأبد…”.
قرأتُ الأناشيد في كتاب “ضجعة الموت” فخِلتُ قلمَك ينقرُ على وتر الحروف، فإذا الموسقى تُلغي الضجر وتحيلُ السكون إلى صمتٍ بليغ في حركات الخيال التي توقعُها الكلمات الآتية من الألم وجعًا مقدسًا ينقل القارئ من المكان إلى اللامكان حيث الروح هائمة كجنيةٍ خرجت من الفردوس لتُقيمَ على الأرض فردوسًا آخر!
في هذا المقطع بالذات:
“والحواري الجميلات خشعنَ وهنَّ جاثيات،
وهِمن في فضاء الذكريات، الحافلِ بشتى المغريات…
ديانا… الممشوقةُ القوام، الفتانةُ الانسجام…
واقتربتِ الملائكة الأطهار حيث مليكةُ الأزهار
لتستشعر السعادةَ العُلويَّة الكاملة،
والغبطة السرمدية الشاملة”.
في هذا المقطع موسيقى كامنةٌ بين الكلمات سبق أن استوحاها رافيل من الغابة، فأتى برائعته “البوليرو”؛ هي هنا سيمفونيةٌ خالدة.
أما الطبية في الأناشيد، فهي تجدد دائم وحركةٌ متكاملة كرقصةٍ فالس. أمواجٌ من الموسيقى الهادئة تهزُّ القارئ هزًّا خفيفًا، فتنقلُه من واقعه إلى الطبيعة في لوحةٍ خالدة تعجزُ عن إبداعها ريشةُ سيزان، أو جان كلود مونيه، أو مانيه.
“النسيمُ الطروب الساكن ابتدأ يهُبُّ ملاعبًا رؤوس الأشجار المنتشية من فرط ما شعرت به من الغبطة بتأثير ذلك الصوت السماويِّ الذي يخترقُ الجمادَ فيبعثُ فيه روحًا…
نعم، إنَّ الأشجار استيقظت بعد أن كانت غائبةً عن نفسها طوالَ تلك المدة التي استغرقتها الأنشودة. كلُّ ما في الروضة جائشُ العواطف، مُهتاجٌ، يشعر بأنه قد ملك ناصية السعادة السرمدية”.
***
وبعد، إن رأيك في السعادة يشكلُ صفعةً لكل من يتوهم أنه سعيدٌ في هذا الكوكب الأرضي. أتى ذلك في كتاب “مذكرات دينار” حيث تتوالى القصص شواهد على استغلال الإنسان واحتكاره وطمعه وجشعه وتوهمه الحصول على السعادة التي تشبه سراب الصحراء؛ عفو السراب، فإنه يختزن في لمعانه الشعر الذي هو طريقٌ فرعيةٌ نحو السعادة!
إن احتقارك كل اهتماماتِ بني البشر هو رأيٌ صائب. فها هم يتقاتلون منذ وُجدوا على “اليابسة”، اليابسة بتفاهاتهم وذُلِهم وخسيسِ مطلبهم، كأنهم لم يتعلموا من الحياة شيئًا.
نوافُقك الرأي في كلامك على السعادة حين تقول إنَّ السعادة لا وجود لها في كوكبنا الأرضي. إنها هناك في الملإ الأعلى “حيث لا مكر ولا حسد، ولا كبرياء ولا دناءة، ولا سفالة ولا جريمة، ولا بُغض ولا نقيصة، بل حُبٌّ شاملٌ وسرورٌ كامل، إذ يُظللنا العليُّ القدير، ، ويرعانا بحنانه اللانهائي…
فلنصرعْ إلى الله تعالى أن يُرشدَنا إلى الطريق القويم كي نقوى على محاربة الأدران والشرور، فنقربَ وقتَ خُلودِنا، حيث السعادة مع الأتقياء الأنقياء…”.
إن المعاناةَ التي تزهقُ أجسادَ المفكرين في هذه الأمة مستمرةٌ ما دام بريقُ الدنيا يعمل تخريبًا في شؤون الناس وغاياتهم، ذاهبًا بعقولهم بعيدًا عن الحقيقة إلى عالَم المادة البشع حيث الرذيلة هي المسيطرة على القرار الذي أصبح كما القدر المحتم، لغياب العقل الإنساني عن التحكم بمصير الإنسان كقيمةٍ واستخدامه كآلةٍ تعملُ وتُستعبَد، لتصبحَ الحرية نشيدًا خيالياً لا مكان له على الأرض ولا في المجتمعات.
ما كتبه أبو العلاء المعري وأوصى بأن يكتبَ على قبره:
هــــــــــــــــــــــذا جنـــــــــــــــــــاء أبي علـــــــــيَّ وما جنيتُ على أحـــــــــــــــــدْ
إن هو غلا الألم الذي يختزنه المفكرون والفلاسفة، وعلى أساسه يصنفون الإنسان والقيم. ألم يصنف أبو العلاء الناس إلى صنفين:
إثنان أهلُ الأرض: ذو عقلٍ بلا دين وآخرُ دينٌ لا عقل له
وبعد:
لقد أعادتنا هذه المئوية – المحطة – إلى التفكر في واقعنا المرير، وذكرتنا بأننا بشرٌ نسبحُ في بحر الخطيئة، فتبتلعُنا لُججُها لتلقي بنا في العدم، ثم تبصقنا على شواطئ الخيبة والانكسار، وتُعلمنا أن الظلم هو سلاحُ القوي يشهرُه دائمًا في وجه الضعيف، وأن العالم غابةٌ، والحضارة كذبةٌ، والحرية أمنية غير قابلةٍ للتحقيق، وأن قوانين حيواناتِ الغاب أرأف من قوانين الإنسان.
إنَّ العالم الذي نعيش في كنفِه مملوءٌ بالليل، والعدالةَ المنشودة ليست موجودةً على الأرض. فهنيئًا لك في عالَمٍ رحلتَ إليه في تحرُّقٍ منذ أدرتَ حقيقةَ هذا العالَمِ المُشوَّه والحافلِ بالموبِقات.
يرحلُ الإنسانُ ويبقى ما أبدعتْ يداه من سكبِ فِكرِه على الورق. وأنت أردتَ أن يكون ورقُ كُتبِك صقيلاً وجميلاً يليقُ بفكرك، فكان لك ما أردت. بقي هذا الورق، وبقي هذا الفكرُ كلماتٍ تقُضُّ مضاجعَ الطامعين الساعين إلى كل بريقٍ كاذبٍ؛ وهذا يعني أنك كنتَ جميلاً.
رحلَ قلبك غاندي، فاعتبرته آخِرَ نبيٍّ يغادر الأرض. فالحكماءُ هم تمامًا كالأنبياء، يفتقدهم العالمُ وتفتقدهم القيم كمعلمين حقيقيين في ورشة بناء الإنسان.
شكرًا لكواكبةٍ شاءت أن أخوضَ فيك أيها البحر، بالرغم من عدم درايتي بالسباحة، فمجذافي قلمٌ قصير كهذا العمر القصير.
بُورِكَ فِكرُك ودامَ أدبُك!
إطلالةٌ داهشيَّة
الأستاذ عبد الكريم الناعم
شاعرٌ وناقدٌ سوري عمل في التعليم، والصحافة، والإذاعة. إنخرط باكرًا في النشاط الحزبي السياسي، ثم انصرف عنه إلى النشاط الأدبي، فشارك في عدة مؤتمرات ومهرجاناتٍ أدبية شعرية دُعي إليها، داخل سورية وخارجها. صدر له تسع عشرة مجموعة شعرية، وكتابان في النقد التنظيريِّ التطبيقيِّ، وكتاب “سيرة زمن” (سيرة ذاتية)، وكتاب “الحزن والناي” (بالمحكية البدوية).
إطلالةٌ داهشيَّة
ذات يوم من أواخر شهر آب 2009 اتصل بي الصديق الشاعر عبد القادر الحصني، وأبلغني أن كتاباًا سيصدرُ بمناسبة مرور مئة سنةٍ على ولادة الدكتور داهش. واقترح عليَّ أن أكتبَ مساهمةً ما فيه، مُراهنًا على تلك الجُذوة الروحية التي في داخلي، من خلال حُسنِ ظنِّه بي، ومن خلال جلساتٍ نادرة وقليلة وجدنا فيها متِّسعًا لشيءٍ من الكلام عن ذلك الَّلوبان والحنين إلى ما لسنا ندرك، ومن خلال قصائدَ لي حملتْ رائحة ذلك الحريق. هو يُحسن الظن بي، وأنا أعلَم بنفسي وكم فيها من النواقص والعيوب التي كم تمنيت لو أنها لم تكن، ولكن ما كان كان. فوعدتُه خيرًا.
لعلَّه من المقيد هنا الإشارة إلى أنني من جيلٍ فتح عينيه على الوعي، فوجد الدعوات والأفكار الفلسفية والسياسية مفرودةً بين يديه، فانتميتُ إلى ما قدرتُ أن فيه وحدةَ العرب وقوتهم وتحقيق العدالة الاجتماعية. وما زلتُ شديد الميل لكل ما يحملُ بذرةَ “العدل النسبي”، لأن العدل المطلق هو شأنٌ إلهيٌّ بضحت، لا طاقة لنا، كبشرٍ، بتحقيقه، في المساحات المعروفة والمتاحة، وذلك بسبب نواقصَ هي جزءٌ من تكويننا الإيجادي، ومن ترتيبنا الوجودي. وما زلتُ أنحاز لأي موقفٍ أرى فيه أنه هو الحق، مبتعدًا قدر ما يسَع التعليل عن “الجبرية” التي هي من توليفات حاجات ذوي التسلُّط الدنيوي، والخالية من نُسميات العدل الإلهي، (ولا يظلمُ ربك أحدًا). ونظرُنا كبشرٍ هو نظرٌ نسبيٌ، وعلى قدنا، ونحن مسؤولون عما نراه ونعقلُه وليس عمَّا لم نُكلفْ به؛ وتلك منطقةٌ لم تُترك غُفلاً، بل ثمة فيها شيءٌ من التكليف الإلهي، والفعل الذي يرفع صاحبَه نحو الأعلى حين يتحقق. فقد جاء في الحديث النبويِّ: “الخلق كلهم عيالُ الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.” فالخلق “عائلة” الله، بمعنى الرعاية، والمخلوقية، لا بمعنى المجانسة؛ وهو ما عبر عنه الإمام علي (ع) بقولهك “الخلق إثنان، إما نظيرٌ لك في الخلق، أو أخٌ لك في الدين.” وهذا يوجب على كل ذي وجدان حيٍّ أن يسعى لرفعِ الظلم الذي يقع على عائلة الله.
قد تأتي هذه الدرجة من عُمق الوعي تاليةً للاختيار، وهذا لا يقلل من أهمية أن يجيء الإنسان مفطورًا على الانحياز لكل ما هو عادل. ولذلك فقد كنتُ بجانب الدفاع عن الدكتور داهش الذي ظُلم على أيدي سلطات ذلك الزمن في لبنان، لا لشيءٍ إلا لأن له رأيً يختلف عن السائد، في واحدةٍ من تلك الخانات التي لا تعرف إلا ذاتها، ولا تقبل إلا بما هي عليه، تأخذُه دون تمحيص.
إنها “الأنا” في أدنى “دركات” مُثولها التعصبي الأعمى.
هكذا كانت تلك الأنا في أشد قتامات حضورها مع قابيل حين أراد الاستحواذ بغير حق، فلم يجد سبيلاً إلا الجريمةت الكبرى: قتل النفس التي حرَّم الله بغير حق. فلما ارتكب، دون أن يداخله الندم، وأضناه أن يحمل “الجثة”، ولم يؤرقْه أن يحمل جريرة القتل، جاءه غرابان، وعلماه ماذا يفعل؛ “غرابان” أسودان، رمز النعيق والتشاؤم، لأنه في “دَرَكٍ” لا يتلقى إلا مما هو من جنسه. والجنس لا يفهم إلا من جنسه، وعنه، ولو عن طريق المشاكلة. غرابان جاءاه. ولو جاءه ملكان، ولو على هيئةٍ بشرية، لما كان مستعدًا للفهم والاستجابة. فوصايا أبيه آدم، بذرةِ بدءٍ النشأة، بما فيه من صفاء الفِطرة الطبية، لم تؤثر فيه. وأنى لإشراقة النور أن تخترق الحجرَ الأصمّ، لا لعلَّةٍ في النور، بل لعلةٍ في الحجر!
غُرابان علماه كيف يواري سوءةَ أخيهن لا سوءته. ولو جاءه ملكان لأصدر قرارًا بنفيهما، وتعذيبهما، لأن موجة التلقي الرحماني مغلقة.
لا يحبُّ الظلم إلا الظلمة. ولذا كنت في صفِّ الدكتور داهش؛ (إن الله لا يحبُ الظالمين). وخلال ثلاثة أيام وجدتُني وقد قرأتُ أكثر من أربعة كتب من مؤلفاته، استطعتُ من خلالها أن أقفَ على تلك المشارف، وأن أعرفَ ما لم أكن أعرفُه عنها من قبل. وإذا أنا أمام صورةٍ جديدة للدكتور داهش لا علاقة لها بالصورة التي وصلتني بداية الشباب، فيما يصلُ من أنباءٍ أو حكاياتٍ هي أقربُ “للخرافة” منها “للأسطورة”؛ وشتان ما بين الاثنتين!
ففي “الخرافة” من الاستهانة بالعقل ما يجعلُه سِلعةً لتداول المنتفعين من تصاعد البخور في المعابد، أيا كانت، ومن خداع الشعوذة أنى كانت؛ وفي “الأسطورة” صناديق رموز لا تعالج رموزٌ إلا بمفاتيحها. و”الملكية” المالكة، لا المملوكة، لا تمنح شرف حملِ أختامِها إلا لمؤتمنٍ جدير.
خلال هذه الفترة شعرتُ بشيءٍ من الإنهاك لأنني كنتُ ما إن أستريح حتى أتابع القراءة… وها أنا أتوقف عند نقاطس يشتبك ما فيها اشتباكًا نسيجيًا بين القارئ والمقروء:
1- لفت انتباهي أن معظم أتباع الدكتور داهش، بحسب ما وصلني، هم من المثقفين، ومن علية القوم ثقافةً ومواقع اجتماعية، من أدباء، وفنانين تشكيليين، ,أطباء، وصحفيين، وأصحاب مناصب. وكان مميزًا، في هذا السياق، أن يُصدر ذلك الأديب والعلامة الشيخ عبد الله العلايلي كتابًا بهذا الخصوص: “كيف عرفت الدكتور داهش”، وهو من هو عقلاً، وثقافة، وعمق نظر، وقد اخذته الدهشة من الدكتور داهش، لِما رآه منه، وخبره؛ وعلى مَن يريد المزيد أن يبحثَ عن ذلك الكتاب، ويطلع عليه.
هذه النخبة تُشير إلى أنها ليست ممن يمكن أن يخدعها لاعبُ خدع. وإذا كان من الجائز أن يخدع بعضُهم، فليس من المعقول أن يسري ذلك على هذا الجمع من هؤلاء الرجال.
2- الخوارق التي سردها أكثر من واحد، وقد أجراها الدكتور داهش أمام من شاهدها، أو لنقُل أنها شوهدت، وقد أجريت على يديه، وهو يقول إن الفعل لصاحب الفعل، وليس له – هذه الخوارق لا شك أن لها وظيفةً عميقة الدلالة. ففي العصر الذي تسود فيه الماديات، ويجري الجميع وراء المال والملذات الجسدية، وتنحدر بعض المجتمعات في “دركاتٍ” تبلغُ حد التشريع للزواج المثليّ، ويصبح الكلام عن الغيب أو عوالمِ الله الأخرى مدعاةً لإثارة الضحك، والسخرية، والاستخفاف، والغمز واللمز، وإلصاق التهم بالقصور العقلي، أو بـ”الرجعية”، كحدٍّ أدنى – في هذا الزمن يأتي من يقوم بخوارقَ أكدها العديد ممن لا يُشكُّ في عقولهم. أقول “خوارق” وليست “مخرقات”. وذلك يعني أن هذا إيقادُ شعلةٍ ربانية تدعو الناس لعبادة الله الأحد، الذي لا يُحدُّ، ولا يُحاط ولا يُدرَك، ولا يُعلَم ما هو إلاَّ هو، جلَّت قُدرتُه. وهي دعوةٌ بعيدة عن التعصُّب، بل هي تنطلق من أنَّ جوهر الأديان واحد، وأنَّ اللواحق التاي غيَّرت وبدَّلت قد جاءت بفعلِ فاعل أغرقَته مُغرياتُ هذه الدنيا التي ما تلبثُ أن تزول.
“العُروش تزول، واللذاذات تنتهي وترحل، تذهب الشهوات ونتبقى التبعات”، على حد قول أمير الموحدين الإمام علي (ع). إن تلك الخوارق تجيءُ في زمنها المنتقى، لتُذكر مَن يُجيد التذكُّر بمعاجز الأنبياء الذين تفصلُ بيننا وبينهم آلافلإ من السنوات، ولتعيد وصل ما انقطع من صفاءٍ وفطرةٍ شوَّههُما تشويشُ الفكر وتخريبه الشيطانيُّ في نُزوعه المادي البحت النهبوي الظالم؛ تصلُ ما انقطع لتُعيدَ لتلك الخوارق طزاجتها الأبدية. وأعذبُ الماء ما وصلَك وأنت على شَفا هلاكٍ من الظمإ.
إنَّ أجيالاً بكاملها، لدى جميع الطوائف والمذاهب، شكَكَتْ في هذا العصر المادي، التدميري النهاب – شككّتْ بالإتيان بعرشِ بَلقيس من سبأ قبل ارتداد الطرف. فحين طلب سليمان (ع) إحضارَ عرشِ بلقيس، (قال عفريتٌ من الجن أنا آتيكَ به قبل أن تقوم من مقامك). حينئذ (قال الذي عنده عِلمٌ من الكتاب أنا آتيكَ به قبلَ أن يرتدَّ إليكَ طرفُك.) وأحضر العرش قبل ارتداد الطرف. هذه الخارقة الموجودة في القرآن الكريم تحوَّلت عند البعض من سببٍ للغيمان إلى سببٍ للشك، لأنها خارج منطقِ السبب والنتيجة والبرهان المادي المُمكن. وأحدُ مؤججات التشكيك أن أحدًا مِنَّا لم يرَها، والرويات هي قيلٌ عن قال. بيد أنه حين تحضرُ صخرةٌ، بلَمحِ البصر، من جبلٍ في لبنان، كان قد نقشَ عليها الشاعر حليم دمُّوس، قبل أيامٍ قليلة، بيتين من الشعر، بحضور الدكتور داهش وشخصٍ ثالث، وكانوا في نزهة – أن تحضرَ وتظلَّ في المكان حتى يعملوا على تكسيرها وإخراجها من البهو الذي كانوا فيه، ويجري ذلك في القرن العشرين، بحضور أناسٍ يؤكدوننه، وليس لهم غرضٌ مشبوه,، ولا منفعةٌ مباشرة، ويثبتونها لإنسان يقول عن نفسه إن هو إلا بشر، وأن ما يجري هو فِعلُ صاحبِ الفعل، لا فعلُه هو، وهو لا يبحث عن جاهٍ، ولا منصبٍ، ولا مال – حين يجري هذا، فإنه يقول بملء فم التحقق أن هذه أخُتُ تلك، وأنَّ الفاعل واحد: إنه صاحبُ القُدرة الذي لا يُعجزه شيءً في الأرض ولا في السماء.
أقول هذا وأنا مُقِرٌ بذلك القرآن القائم بين العقل والشك، أعني عقولنا نحن في هذه الأرض، مذكرًا بتلك الشواسع بين شك إيجابيٍّ من أجل الوصول إلى الحقيقة، وشك سُدَّته الشك، الذي حين يترسخ يُصبح أول درجةٍ في الهبوط الإبليسي إلى ظُلُماتٍ بعضُها فوق بعض.
لعلَّ من ثمار تلك الخوارق أنها تفتح الباب لإعادة النظر الجذري بالتشكيك الذي كاد أن يكون كتاب أجيالٍ برمتها، وربما كان هذا أحد الأهداف المنشودة في كل ما جرى، ودُوِّن.
نحن في زمن صنميةٍ عصرية لا تقبلُ إلا صنميتها، في كثيرٍ من مواقع المتدينين وغير المتدينين. ولعل أبرزها أن الغالبية، إن لم يكن ما هو أكثر، يتقبلون مقولات العلم على أنها “مطلقات” أو أشباهُ مطلقات، على الرغم من تبدُّلها الدائم، لأنها هي في الأصل ابنةُ المحدود والنسبي. وثمة من يتصنمون عند العقيدة، فيوغلون في التصنيم وهم يحسبون أنهم في الطريق، وأنهم نماذجُ تُحتذى للمتألهين!
لعل مَن يتساءل إذا كان الدكتور داهش قد قام بكلِّ تلك الخوارق، كما ورد، من مشي على الماء وهو طفل، إلى إحياء عُصفورٍ مَيت، إلى قطف سيدةٍ وردةً أعجبتها في لوحة، فقال لها: اقطفيها، إلى… إلى… فلماذا لم يدفع عن نفسه تلك الأذيات التي لحقت به من قبل أعلى سُلطةٍ رسمية في لبنان آنذاك، وهو رئيس الجمهورية بشاره الخوري، فضُرِبن وشُرِّد، وذاق ألوانَ النفي والعذاب؟!
يبدو لي أن الذين تكون تلك مهمتهم، عليهم أن يواجهوا ما يواجهون ليعلمونا كيف يكون الصبر على المكارِه في رحلتنا على ظهر هذا الكوكب الذي تحيط بنا أعباء حاجاته، وعذاباته، لأنه ليس موضع النعيم، بل هو، كما يقول كثيرون من أهل الحجا، دارُ الشقاء. فهذا محمد بن عبد الله(ص) يطردُه أهلُ الطائف حين ذهب ليدعوهم إلى دينه، ويغرون به صبيانهم، فيلاحقونه بالاستهزاء والحجارة، حتى أدموا كعبيه، فآواه أحدُ أصحاب البساتين، فيتوجه إلى مَنِ اختاره لحمل هذه الرسالة بهذا الدعاء الشكوى ورائحة آلام الروح تعيقُ في صدور مَن تتلبسُهم الحالة حتى الآن، فيقول:
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. أنت أرحمَّ الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تكلُني؟ إلى بعيد يتجهمُني، أم إلى عدوٍّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غي أن عافيتك هي أوسعُ لي.
أعوذُ بنور وجهك الذي أشرقت له الظُلمات، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن يحلَّ بي غضبُك، أو ينزلَ بي سُخطُك. لك العُتبى حتَّى ترضى. ولا حولَ ولا قوة إلا بك”. توجَّه بهذا الدعاء في لحظةِ شدَّة، وهو لو أقسمَ على الله لأبَرَّ اللهُ قسمَه، ولو دعا على أُولئك لاستجاب الله دعاءَه، غير أنه رضيَ باختيار الله؛ وهو اختيارٌ رسوليٌّ عالي المقاصد، ليس فيه منفعةٌ شخصية، ولا ربحُ تجارة.
نقطةٌ أُخرى لافتة في تلك الأعاجيب التي قرأتُها، وهي أن الدكتور داهش كان باستطاعته تصوير الذهب على الصيغة المطلوبة، أو المال الورقيّ، ولم يكن يعنيه من هذا “الصنم” المعبود ما يعني الآخرين، بل كان يعيشُ حياةً بسيطة لا بذخَ فيها ولا إسراف، وكأنَّ هذا السلوكَ هو إشارةٌ بعيدةُ الدلالة إلى خطوة “صنمية” الذهب/ المال.
قارون الذي وردَ ذِكرُه في القرآن الكريم، وكان يُضرَب بغِناه المثَل، خُسِفَ به وبِدارِه، فلم ينفعه ذهبُه؛
قومُ موسى (ع) حين غاب عنهم موسى، وأخذَتهم رِدَّتُهم عن التوجُّه للعلي الأعلى صنعوا صنمًّا من ذهب وعبدوه.
إحدى الطرق الصوفية حين تقيمُ المال/ الذهب… ترى أنه إن استعمل في طريق الشرور والمآثم والفجور، فهو مالٌ ذو شخصية إبليسيَّةٍ مَحضة؛ وإن صُرِف فيما ينفع الناس، فهو مِعراجٌ من مَعارج الرقيّ، وطريقٌ إلى باب الله الذي لا يوصد في وجه قاصديه بحقّ.
3 – المَفصِل التالي له علاقةٌ باللغة التي كتب بها الدكتور داهش مُناجياته الرحمانية. وأنا هنا أتكلَّم من موقعي كشاعر، تفتنُه الصورةُ الشعرية، والصياغةُ الجميلة، والبناءُ المُحكَم، الموحي، في النص، لدرجةٍ يكون فيها إشارات أو لطائف. وأنا هنا ابن ما أضافته الحداثة في الشعر العربي الحديث، وما افتتحته من آفاق، وابنُ التراث المشرق. كنت وأنا أقرأ نصوص تلك المناجيات أُقارنُ، بوعي، بين ما في الذاكرة وما في النزوع من جماليات وما بين يديَّ، فأجدُ نصوصَ الدكتور داهش تتقاطع، بشكلٍ ما، مع الأسلوب الجبراني، ربما لأنهما يمتاحان من بئرٍ واحدة، ولأَنهما في زمنٍ لُغويٍّ ناهض واحد ولربما استجرني إلى هذا أنني لا أقرأ لشاعر، ولا لِمَن همَّه الشعر، بل شاغلُه التوجه إلى القدرة الكلية، المُبدعة، الخالقة؛ فهو يؤدي صلاته، ويضرب بأجنحةِ التضرع، وهدفه رفع المناجاة وليس الصياغة الأدبية. بيد أننا نواجهُ، بوعي، بهذا القدر أو ذاك، أننا ما زلنا في أُفقِ مَن أدهشت خوارقُه كل مَن رآها، أو سمعَ بها، وطبيعةُ عقلنا البشريِّ أَنَّه عقلُ مقارنة؛ فـ”الضدية” أساسٌ في تركيبه. هذه المُفارقة بين إعجاز الخارق والصياغة الأدبية لا تستوقفُ إلا من سافر في عوالم الحرف والابتكار الفني، ومَن كان يحملُ طبيعة عين الصائغ الماهر الذي من طبيعته أن يمقل الزخرفة وتجويد الصنعة.
لربَّما لم يكن الدكتور داهش يعاني ما عاناه النفري والحلاج وبقيَّةُ الصوفيين الذين نشمُّ في كتاباتهم رائحة الشَّياط الداخلي. ولهذا كانت تكفيه المناجاة. ولربما كان من الأجوبة، في التقديرات المرضي عنها، الاهتداء لفكرة أن الخوارق كانت تتم بقدرة العلي القدير، وأن صياغة الكتابة كانت تقع في منطقة ما هو بشري. وهذه تفتح ورقةَ ما هو بشريٌّ في كل الذين رُويت عنهم الخوارقُ عبر التاريخ. فهم في تجسدهم يحملون قوانين أي جسدٍ بشريٍّ آخر دون إلغاء الفوارق الشخصية المميزة: إذ إنهم جميعًا “ماتوا” وربما استطعنا من خلال هذه الرؤية البشرية تفسير ذلك الغزل الأنثوي الذي نجدُه في كتابات الدكتور داهش. فهو في غزله ابنُ حنين الروح والجسد معًا. والتنبه لهذه النقطة ربما يؤنس تلك الوحشة عند الذين يعتقدون بتجليات سماوية في عالم الأرض. فالمسافة الهائلة بين الإتيان بالمعجز وتلمُّسِ كلِّ الماجريات البشرية في آن تقع بين تناقضين مذهلين لا يحل إشكالهما في التأولات المُريبة، في كثير من الأحيان، إلا القولُ بأن المظهر بشريٌّ بكل ما في البشرية من معنى، وأن المعجِزَ هو ابنُ القدرة المطلقة الكلية التي لا يُحاط بها. وإلا فأية قدرة “مخلوقةٍ”، عند المتألهين، قادرةٌ على أن تقبض مئاتٍ بل آلافَ الأرواح البشرية في لحظةِ كارثةٍ من الكوارث؟!
إنها ليست قدرة “عزرائيل” وحدَه المعهودِ إليه بذلك، في درجةٍ من الشرف عُليان بل هي قدرةُ العليِّ الكلية تتنزل، فتفعل.
4 – قبل أن أغادر هذه الوريقات، وهي كلها، في أبعاد ما طرحته، وما رمت إليه، لم تخرج من حدود أن مسلك الراغبين في العُروج الأخلاقي، أو الروحي، هو صدق التوجه إلى الله، دون إعراض عن واجبات المقتضيات اليومية، ومحاربةِ الظلم أيًا كان شكلُه، لأنها نوعٌ من أنواع الجهاد، حين التزامها بالاستقامة، الاستقامة التي هي ما ينفعُ الناس. هذا لا يكون دون نية؛ “إنما الأعمالُ بالنيات”. والنية لا تكون دون “معرفة”. وهذا يستدرج بدوره سؤالاً حادًا، وهو إذا كانت “المعرفة” أساسًا في النية، فكيف أهبطتِ “المعرفة” آدم، بحسب زعمِ البعض، حين أكلَ من شجرتها، وكيف حكمَت على سيزيف بأن يظلَّ دأبُه أن يحمل تلك الصخرة، في تكرارات سقوطها، وتدحْرُجها؟!
بظنِّي أن المركزية الأوروبية الغارقة بالمادية حتى القرف والإقراف، في المآلات، هي التي زرعت هذا التفسير في الأذهان، وعممته، بحكم قوةِ سيطرتها الطاغية. فليست “المعرفة” هي التي أهبطت آدم، لأن المعرفة علوٌّ، ورقيٌّ، وصعود، شريطةَ صدورِ الخير عن العارف؛ وإلا فهي ظرفلإ من المعلومات، والمحفوظات، لا مقامُ إشعاعٍ وهدايةٍ واقتداء. والذي أهبط آدم المعنيَّ بالهبوط، جدَّنا الأول، نحو البرزخ الذي تمتزج فيه الظلمة بالنور هو “عِصيانُ” الأمر الإلهي. والذي دجفع عقوبته بروميثيوس هو إذاعةُ الأسرار لغير مستحقيها، لا سرقة النار. فقد ألقى الجواهرَ بين أيدي الخنازير؛ وهذا عصيانٌ للأمر الإلهي الواجب الطاعة، لأننا لا نستطيع الإحاطة بالمَرامي الإلهية البعيدة، لأننا أبناءُ ما هو محدود. وحين يتأكدُ لنا الأمرُ الإلهي، علينا الالتزام بالاستجابة. والأوامرُ الإلهية هي كل ما خلا من الشر. وهنا من حق أي واحدٍ أن يسال: إذن ما دورُ (العقل) في هذه الحالة، (العقل البشريُّ) الذي ألهته مدنية الغرب في دورتها المسيطرة، فاحتكمت إلى مُنتجاته، على تناقضاتها، فحصدت تلك الصفقة مع الشيطان، التي كان أحدُ نماذجها صفقة فاوست؟
العقلُ في معظم الفلاسفات الغربية “إله”، والله من تصورات العقل. أما في عُمق روحاينة الشرق وبُكورته، فـ”العقل آلة، أُعطِيناه لإقامة العبودية، لا لإدراك الربوبية،” بحسب قول الإمام الصادق جعفر بن محمد.
وسيزيف ما زال يعاودُ تكرار رحلاته وعوداته. وستسمرُّ ما استمرت مخالفته…
لا أدري. لعلني، برغم هذا التخويض، لم أبتعد عن المرمى…
حِمص – سورية، أيلول 2009.
الدعوة إلى وَحدة الأديان وبُعدُها الحضاريّ
الأستاذ أُسامة سمعان
كاتبٌ وصحافيٌّ وباحث في تاريخ الفكر السياسي. مُجاز في التاريخ من الجامعة اللبنانية – الفرع الأول. يحملُ شهادة الماجستير في التاريخ الحديث من الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع. يستعدُّ لمناقشة أطروحة دكتواره في التاريخ الحديث في جامعة دمشق تحت عنوان: “اتجاهاتُ الفكر القوميَّ في المشرق العربي: 1945 – 1963”.
الدعوة إلى وَحدة الأديان وبُعدُها الحضاريّ
بمناسبة المئوية الأولى لميلاد الدكتور داهش الذي وُلِد في مطلع القرن العشرين ليدعو الناس للعودة إلى تعاليم الأديان السماوية الواحدة التي هبطت على الأنيباء من لَدُن إلهٍ واحد بهدفِ تعميم السلام على العالم وترقية النفس البشرية، وتعزيز الحياة الإنسانية لمستقبلٍ أفضلَ وأسمى.
لم تكنْ دعوةُ الدكتور داهش يتيمةَ السَّنَد، بل هي دعوةٌ مؤيَّدةٌ بالروح من خلال المعجزات التي قام بها أمام آلاف الناس من الرجال والنساء.1 وهذا ما أربكَ، يومذاك، السلطات السياسية اللبنانية التي عجزتْ عن فهم ظاهرة الدكتور داهش، فعجزت عن استمرارها في تجريده من الجنسية اللبنانية، وذلك عندما تراجعت عن قراراتها الخاطئة،2 الأمر الذي وسَمَها بالظُّلم والغباء في آن، وأعطى الدكتور داهش اعترافاً، ولو غيرَ صريحٍ، بصدقه في ما قام به من معجزاتٍ لا يتصوَّرُها العقلُ البشري.
هذا هو الدكتور داهش الذي كان يُصِرُّ على تقديم نفسِه بأنَّه إنسانٌ عاديُّ كأي كائنٍ حيٍّ، ولا فضلَ له في اجتراح الخوارق والمعجزات؛ بل هي هِبةٌ من الله مُنِحَ إيَّاها.
—————————————————-
1 راجع في هذا الشأن كتاب لطفي رضوان: “معجزات وخوارق الدكتور داهش” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997).
2 للمزيد من الاطلاع على قرارات السلطة اللبنانية وتراجعها، راجع اسكندر شاهين: “الدكتور داهش رجل الأسرار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 2001)، ص 313 – 328.
——————————————————
بحيث يكون واسطةَ الروح التي تقومُ بالمعجزات1.
وهو يُقدمُ للناس معجزاته، إنما يقدم لهم معها مزيدًا من المعرفة بأُمورٍ كانت غامضةً لديهم، أبرزها مسألةُ السيالات الروحية التي لا عدَّ لها، ولا حصر؛ فهي منبثقة من الروح، تسكن المخلوقات جميعها، من إنسانٍ وحيوانٍ وجماد، وهي كأشعة الشمس تتوزع في شتى الأرجاء، وكالمغناطيس الذي يسكنُ جزئياتِ الذرات المكوِّنة لكل عناصِر المادة. وهذه السيالات تتنقل من كائنٍ إلى آخر بفعل “التقمُّص”، وذلك بمُوجبِ قانون السببية الروحية والجزاءِ العادل.2
ترافقت دعوةُ الدكتور داهش إلى وحدة الأديان مع أزماتٍ دولية متعددة، كان أبرزُها الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام 1929، والأزمات السياسية بين ألمانيا والدول المجاورة التي كسبت أراضي ألمانية بموجب اتفاقية فرساي للعام 1919. ولم ترق هذه الأزماتُ إلى أسباب دينية واضحة، إذا اندلعت الحربث العالمية الثانية عام 1939 في أوروبا المسيحية، ولم يكن ظاهرُها كما كانت عليه الحروبُ الدينية التي شهدتها أوروبا في العصور الوُسطى بين البروتستانت والكاثوليك (1618 – 1648).3 فإيطاليا الكاثوليكية كانت متحالفةً مع ألمانيا البروتستانتية، وروسيا الأُرثوذكسية كانت متحالفة مع فرنسا الكاثوليكية وبريطانيا الأنغليكانية. ولذلك غلبت السمةُ السياسية على الحرب العالمية الثانية.
يومذاك لم يكن يدورُ في خلد الناس أن الحروبَ الدينية ستعود، وقد سيطرت الأسبابُ السياسية على الدينية، ولا سيما أن بُؤرَ التوتُّر الديني كانت محصورةً. ولكن الاستشراف الفذَّ للداهشية جاء مُغايرًا للمفهوم السائد. وهنا تكمنُ عظمةُ الدعوة الداهشية. إلى وَحدة الأديان.
لقد استنطقت الداهشيةُ التاريخ، فوجدته زاخرًا بالحروب الدينية، إذ الصراعُ الذي دار في الحربين العالميتين لم تكن أسبابُه الحقيقية سياسية بحتًا، زدْ أن ما تلا الحرب العالمية الثانية من حربٍ باردة بين الشيوعية والرأسمالية لم يكن إلا حدثًا سطحيًا زائلاً،
—————————————————-
1 مجلة “صباح الخير”، العدد رقم 185، تاريخ 16/3/1970.
2 يراجع “الدكتور داهش رجل الأسرار”، ص 254 – 261.
3 راجع محمد مخزون: “مدخل لدراسة التايخ الأوروبي” (دار الشمال، بيروت 1990)، ص 178 – 186.
—————————————————-
إذا ما قورن بالصراع بين المسيحية والإسلام. يقول جون إسبوسيتو John Esposito: “لقد ُوجدت المحركاتُ التاريخية للمجتمعين (المسيحي والإسلامي) في حالة تنافس دائم، وثُبتت في صراع قاتل للقوى والأرض والناس”1
سحابةَ قرونٍ طويلة، كانت نوباتُ انبعاث تصدر عن العقيدتين، المسيحية والإسلامية، تمثلت في اكتساح المسلمين لشمال إفريقيا2 وإيران وصولاً إلى شمال الهند في القرن السابع، بينما حدثَ انبعاثٌ مسيحيٌّ في أواخر القرن الحادي عشر بدأ بالحملات الصليبية التي حاول خلالها المسيحيون، ولمدة قرنين من الزمان، إقامةَ حُكمِ مسيحي في الارض المقدسة والمجاورة.3 وفي القرن الخامس عشر، كان الانبعاثُ الإسلاميُّ المتجدد على يد الأتراك الذين استطاعوا أن يُضعفوا بيزنطية المسيحية، ويستولوا على البلقان، ويحتلُّوا القسطنطينية، عاصمة الدولة المسيحية في العام 1453، ويحاصروا فيينا في قلب أوروبا عام 1529. 4 يقول برنارد لويس Bernard Lewis في هذا المجال: “لفترة قاربتْ ألف عام، كانت أوروبا تحت تهديد مستمر من الإسلام”.
وبالرغم من السمة السياسية العامة للحرب العالمية الأولى، فإنَّ ما حدث بين العامين 1757 و1909 هو 92 حالة استيلاء على أراضٍ إسلامية من قبل حكوماتٍ غير إسلامية. و”بحلول سنة 1920 لم يكنْ هناك سوى أربعة دُوَلٍ مستقلة على نحوٍ ما عن الحكم غير الإسلامي وهي: تركيا والسعودية وإيران وأفغانستان:”6 وهذا لا يلغتي حقيقةَ الصراع الداخلي في أوروبا الذي هدف إلى توحيدها من أجل السيطرة على العالم. ولقد تنبهت لهذا الأمر الولايات المتحدة الأميركية التي دخلت الحربين العالميتين من أجل منع
——————————————-
- John L. Esposito. The Islamic Threat: Myth: Myth or Reality. (New York Oxford university press, 1992) p. 46..
2 راجع ابراهيم بيضون: “الدورة العربية في إسبانيا” (دار النهضة، بيروت 1986)، ص 17 – 60.
- راجع كتاب أمين معلوف: “الحروب الصليبية كما رآها العرب”، تعريب عفيف دمشقية (دار الفارابي، بيروت 1989).
4 راجع في هذا المجال كتاب محمد فريد المحامي “تاريخ الدولة العلية العثمانية”، (دار النفائس، بيروت 1988)، ص 160 -215.
4Bernard Lewis. Islam and the west. (New york. Oxford University press, 1993) p. 13.
6 صامويل هنغتون: “صدام الحضارات”، تعريب طلعت الشايب (الطبعة الثانية، 1999)، ص 340.
——————————————-
توحيد أوروبا لتبقى وحدَها زعيمةَ العالَم؛ الأمر الذي حققته بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
أجل، لقد أدركَت الداهشية، بعُمقٍ، طبيعةَ الحروب التي سادت قرونًا متعدِّدة، وسببت كثيرًا من الضحايا البشرية والخراب العمراني. يقول الدكتور داهش بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1946: “إن سلسلة الحروب التي نشبت في خلال القرن البائدة، حتى أيامنا الحاضرة، اتخذ لها مُثيروها اسباباً واحدة لم تتغير رغم قدمها.
فهم يزعمون أنهم يُعلنونها حربًا مقدسة، ويخوضون غِمارها إعلاءً لكلمة الحق، ونشرًا لمبادئ الطمأنينة، إزالة الخوف، وإحلالِ السلام والوئام.”1 أما النتائج الحقيقية الصادرة عن هذه الحروب فهي مغايرةٌ للأهداف التي يُثيرها المتحاربون. يُردِف صاحبُ الدعوة الداهشية قائلاً: “ينتظرُ الشعبُ العدالة التي وُعدِ بها، فإذا كلُ ما سمعه كان عبارةً عن كلماتٍ خياليةٍ مثالية. والرخاءُ الذي أصبح لديه يقينًا، لكثرةِ ما ردده الساسةُ على مسامعه، قد استحال إلى جوعٍ جارفٍ يحتلُّ المدن والقرى، ويفتكُ بالعباد أكثر مما فتكت الحربُ الجنونية بجيوشها اللجبة. ويبقى القويُّ قويًا يُسيطر على الضعفاء، كعهده السابق، والغني يمكثُ متحكمًا بالفقير مثلما اعتاد قبل الحرب الضروس”. ويُتابع: “إن الحرب لا تجني في نهايتها إلا الخراب على الظافر والخاسر، سواءٌ بسواء”.2
والواقع أن يريطانيا، ومعها الدول الغربية التي كانت تشكل المجلس الأعلى لـ”مؤتمر الصلح”3 في باريس عام 1919، لم تهدف إلى تحقيق الحُلم اليهودي في “البيت الآمن” بقدر ما كانت تهدفُ إلى منع قيام نهضةٍ عربية وإسلامية، وذلك بزرع كيانٍ غريب في ظل رفض عربي كامل وإسلامي شامل متمثلٍ بالدول التي كانت منتسبة إلى الإمم المتحدة عام 1947 وهي: العراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، والعربية السعودية، واليمن، وتركيا، وأفغانستان، وإيران، وهذا مؤكد في قرارات الأمم المتحدة في التصويت على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود.4
——————————————-
1الدكتور داهش: “مذكرات دينار”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 105.
2 المرجع نفسه، ص 106 – 107.
3″ الدول الأعضاء في المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح هي: الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، واليابان؛ وهي التي اشتركت في جريمة تشريد شعب فلسطين من دياره بالتزامها وعدَ بلفور في مؤتمر سان ريمو 1920.
4John H. Davis. The Evasive Peace. (New York, New world Pres, 1970( p. 381
——————————————-
وبعد الحرب العالمية الثانية وبروز الاتحاد السوفياتي في العالمين الأوروبي والآسيوي ودوره في دعم حركات التحرر الوطني والقومي، وقدرته على إحداث التوازن العالمي مع القطب الأميركي وضعت الولايات المتحدة شِعارَها “التكنولوجيا في مواجهة الإيديولوجيا” في إطار حربها الباردة ضدَّ الاتحاد السوفياتي.
ولما انتصرت الولايات المتحدة في حربها فتفكك الاتحاد السوفياتي، أطلقت شعار “الديمقراطية والعولمة” الذي استهدفت منه فتح بلدان العالم أمام الشركات التجارية العملاقة. يقولُ رمزي زكي: “إن الخطر الذي تُفرزُه الرأسمالية المعولمة من جراء هذا التطور الفوضوي في البورصات والأسواق النقيدة العالمية يعد أشد خطرًا إذا ما حدث انهيارٌ اقتصاديٌّ عالميٌّ بسبب ضعفِ وهشاشة ضوابط الرأسمالية على صعيدها العالمي، وغياب ضوابطها على الصعيد المحلي”. 1
وها هي الأزمة الاقتصادية العالمية تلفُّ العالم، وتنذر بأشد العواقب الوخيمة على الرفاهية النسانية. وهذا ما نبهت إليه الداهشية منذ أكثر من خمسين عامًا، وذلك حين دعت إلى عولمة من نوع آخر: “إن على ساسة العالم، في أربعة أقطار المعمور، أن يبنوا (عالمًا واحدًا) إذا رغبوا في أن يسود السلام العام أرجاء هذه الكرة اللعينة”، محددة الكيفية في بناء العالم الجديد بـ”الاتفاق العام بين زعماء الممالك الكبرى وملوكِ الدول القوية، وإجماع الآراء المخلصة، لا المزيفة، حول هذا الموضوع البالغ في خطرة وجلال قدره وشأنه، وطرح الأطماع جانبصا من الجميع في سبيل سعادة الأسرة الإنسانية، وعدم التكالب على المادة بجشعيهم الجارف الخطير، وبنيانهم قانونًا عالميًا شاملاً يدخلون فيه الدول الصغرى التي تنقادُ إلى آرائهم، وتوحيد أهدافهم السامية ومُثْلهم العُليا… وهو ما يؤدي إلى السلام العام”.2
ثم عادت الولايات المتحدة لتطور شعارها السابق، فيصبح “التكنولوجيا الصليبية في مواجهة الأصولية الإسلامية”. وكان غزوُها لأفغانستان والعراق؛ وقد جندت عدة دول غربية إلى جانبها. وهذا ما حذرت منه الداهشية على لسان مؤسسها وباعثها بقوله:
——————————————-
1 رمزي زكي، في هانس بيتر مارتين وهارالجشومان: “فخ العولمة – الاعتاء على الديمقراطية والرفاهية” تعريب عدنان عباس علي (سلسلة “عالم المعرفة” عدد 238، الكويت 1998) ، ص 17.
2 “مذكرات دينار”، ص 108.
—————————————————-
” إن الحرب إثمٌ رهيبٌ فادح لا يغفرُ الله لمن ارتكب جريمته.”
تبين من خلال هذا العرض أن طبيعة الحروب على مدى ما يقارب ألف عام ونيفا
كانت في معظمها حروبًا دينية وصفتها الداهشية على لسانِ باعثها في قوله:
“يا أبناء الأرض المساكين،
منذ عشرات الآلاف من السنين
وأنا أُشاهدُ أعمالكم، وأسمع أقوالكم،
وأُراقبُ أفعالَكم،
وأقرأُ ما يجولُ في أفكاركم،
وإذا هي هي لا تتغير”2
ولأنها لم تتغير كانت الإرادةُ الداهشية في فعل التغيير الجذري وفق وسالات السماء. ألم تعترف المسيحية بالموسوية! والمسيحُ هو القائل: “لا تظنوا أني أتيتُ لأنقضَ الشريعة والأنبياء. إني لم آتِ لأنقض، لكنْ لأُتمم.”3
أوَلم تعترف المحمدية بما سبقها من رسالات السماء بقوله تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورُسله، ويقولون نؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، أُولئك هم الكافرون حقًا. وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا. والذين آمنوا بالله ورُسُلِه، ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم أولئك سوف يؤتيهم أُجورَهم. وكان الله غفورًا رحيمًا)4 أما الموسويون فلا يعترفون بالمسيحية ولا بالمحمدية، كما لا يعترف المسيحيون بالمحمدية؛ وهنا تكمن المشكلة. ولهذا يتابعُ صاحبُ الدعوة كلامَه في وصف الناكرين فيقول:
“ٌقُسسُكم يتظاهرون بالتقوى وهم الأبالسة المتجسدون!
دُستم على الوصايا!
—————————————————-
1 المرع نفسه، ص 117.
2 الدكتور داهش: “مختارات من كحتب الدكتور داهش” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت، 1970)، ص 270.
3 إنجيل متى 17:5.
4 القرآن الكريم، “سورة النساء”: 150 – 151.
——————————————————
وهزأتم بالشرائع الإلهية!
وكفرتم بالسماء!
وقدَّستم الأباطيل!
هزأتم بالتعاليم السامية!
واتبعتم شهواتِ قلوبكم الدنيئة!
قرأتم ما أوصاكم به سيد الأطهار،
ولكنكم، لغلاظةٍ في قلوبكم ولعدمِ إيمانٍ في أعماقكم،
لم تفعلوا بما جاء في هذه التعاليم السامية!
حتى… ولا ببعضها!”1
ولكن الداهشية لا تتوقف عند التشخيص والتوصيف، بل تنتقلُ إلى المعالجة الجذرية والمواجهة الفعلية. يقول “المؤدب” على لسان مؤسس الداهشية:
“صممتُ اليوم أن أبلغكم (أمري) الذي لا يرد،
والقاضي بتدمير (عالمكم) الحقير هذا…
الذي لوثتموه بجرائمكم، وأطماعكم، وشهواتكم!”2
أما كيف سيتمُّ تدميرُ هذا العالم (الحقير)؟ الجواب هو في الدعوة إلى وحدة الأديان، لا على أساس تبادُل الاعتراف وحسب، بل على أساس تصديق السابق للأحق كما صدقَ اللاحقُ السابق.
بتدمير العالم الحقير يعم السلامُ والأمن، ويسودُ العدلُ بانتقاء العصبيات الدينية التي لا يوازيها خطرًا إلا العصبياتُ العرقية؛ وهي عصبياتٌ تُناقي الدين والعلمَ والأخلاق.
هذا هو الهدفُ العظيم الذي سعَتْ إليه الداهشية بدعوتها إلى وحدة الأديان السماوية. وهي بذلك تضعُ على أكتافِ أتباعها حملاً ثقيلاً وعبئًا كبيرًا لا يضطلعُ به إلا جبابرةٌ كبار، ببعدٍ حضاريٍّ لا سابقة له في التاريخ. وهو في بُعده الإنساني هذا سينتصر بالإرادة الصلبة التي ستكون هي القضاء والقدر.
——————————————————-
“مختارات من كتب الدكتور داهش”، ص 271.
“المرجع نفسه، ص 272.
كان رائدًا بإنسانيته
الأستاذ مصباح محجوب
كاتب وباحث لبناني. عضو المجمع الثقافي العربي. عضو اتحاد الكتاب. نشر مقالات سياسية وعسكرية وفكرية كثيرة، وأعد وقدم عدة حلقاتٍ في برامج تلفزيونية. من مؤلفاته “رحلة المجانين في عالم الجن والشياطين” (دار شوق 2000)، و”أضواء على نبي الإسلام” (دار الانتشار العربي 2007).
كان رائدًا بإنسانيته
مع أن لي من المؤلفات ما يزيد عن العشرة، فإنني حين أمسكت بالقلم، وقررت الكتابة عن الدكتور داهش في الذكرى المئوية الأولى لميلاده، انتابني إحساسٌ بعدم القدرة على الارتقاء، بفكري وقلمي، إلى مَصافً قِمم الأدب الذين كتبوا عنه. كيف لا، وهو الذي مَنَّ الله عليه، لعمق وصدق إيمانه وصفاءِ ونقاء سريرته وعشقه وشوقه للقائه في عالم الصفاء والنقاء والمحبة والسلام والسكينة، بفيضٍ من نوره لا تُطفأُ مصابيحه، وسراج لا يخبو توقُّده، ومنهاجٍ لا يضل نهجُه، وشعاعٍ لا يُظلمُ ضوؤه؛ وجعل من أفعاله وأقواله بُنيانًا لا تُهدَم أركانه، وعزًا لا تُهزمُ أنصاره، وحقًا لا تُخذلُ أعوانُه هو بعضٌ من معدم الإيمان النقي ويُنبوعٌ من ينابيع العلم الصافية وركنٌ من رياض العدل!
لِمَ لا، وهو الذي أدرك أن أحبَّ العباد إلى الله المتأسي بنبية والمقتصُّ لأثراه!
لِمَ لا، وهو الذي أعرضَ عن الدنيا بقلبه، وأمات ذِكرَها في نفسه؛ خرج من الدنيا خميصًا، وورَدَ الآخرة سليمًا!
لكلٍّ هذا الذي أشرتُ إليه – وغيرُه لم أعلمْه – جاءت أقوالُه وأفعالُه أقربَ إلى الإعجاز، احتار القريبُ والبعيدُ في تفسيره أو فهم كُنهِه.
فالبعضُ ترجم حقدَه على الدكتور داهش بوصفه بـ”الساحر”، تمامًا كما وصفت قُريش نبي الإسلام (ص) قبل 1450 سنة (في بداية الدعوة إلى الإيمان بالله وعبادته) بأنه “ساحرٌ مجنون”.
والبعضُ من أصحاب العقول المظلمة والألسنة البلهاء رمَوه بالمشعوذ المشاغب والمدعي.
وفريقٌ ثالث (ختم الله على بصره وبصيرته) كبشاره الخوري الذي اشتط في أذاه للدكتور داهش الداعي إلى الإيمان المطلق بالله وأنبيائه وكُتبه، ولشقيقته البريئة. ولكن الله الذي يمهل ولا يهمل اقتصَّ للمظلوم من الظالم بشاره الخوري، فانتهى نهايةً بشعة لا تليقُ بالإنسان، بل هي إلى الحيوان أقرب.
حقيقةٌ لفتت انتباهي: أعترفُ بأنني في البدء لم أقصد الجد في تقليبي لبعض من مؤلفاته. إلا أنني ما لبثتُ أن غيرتُ رأيي حين اكتشفتُ عظمةَ هذا العبقري الفذّ من خلال ما قرأته عن الروح وخلودها، والحياة، والموت… فوجدتُ نفسي، كلما انتقلتُ من موضوع إلى موضوع، أُحسُّ بتغيير المشاهد. تارةً كنتُ أجدُ نفسي ي عالمِ يغمرُه من المعاني أرواحٌ عالية في حُللٍ من العبارات الزاهية تطوفُ على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية توحي إليها رشادَها، ةتنفرُ بها عن مداحض المذال إلى جواد الفضل والكمال. وطورًا كانت تتكشف لي الجُمل عن وُجوهٍ عابسة وأنيابٍٍ كاسرة وأرواحٍ في أشباه النمور ومخالب النسور قد تحفزتْ للوثاب، ثم انقضت للاختلاب، فخلبت القلوبَ عن هواها، واغتالت فاسدَ الأهواء وباطل الآراء.
وأحيانًا كنت أشهدُ عقلاً نورانيًا لا يشبه خلقًا جسدانيًا، فُصلَ عن المواكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة، وسما به إلى الملكوت الأعلى، ونماه إلى مشهد النور الأجلي، وسكن به إلى جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التدليس. وأحيانًا كأني كنت أسمع خطيبَ الحكمة ينادي بعلياء الكلمة إلى كل أبناء الله، يعرفهم مواقع الصواب.
بعد هذا الذي قلتُه بكل صراحة أودُّ أن أهمسَ للدكتور داهش وهو في عالمه العلوي النقي: يا عزيزي الدكتور داهش، أنا وأنت وكثيرون نعرف أن الإنسان العربيَّ المُبدع أو المفكر بشفافية بعيدًا عن المآرب معلق على المشنقة منذ عقود، إن لم نقل قرون؛ معلق على المشنقة منذ تحالفت السلطة الحاكمة مع الطبقة الدنيا من رجال الدين، وأنت القاتلُ للشيطان في كتابك “جحيم الذكريات”: “ها هم رجال الدين يتخذون من اسمك ستارًا يُخفون وراءه غاياتهم السافلة ومقاصدهم الشريرة…”.
وأنا إذْ تطرقتُ إلى هذه النقطة إنما لأقول إن الاضطهاد والممارسات الظالمة التي لحقت بالدكتور داهش، بدون وجه حق أو أي مسوغً قانوني أو إنساني، سبق أن ذاق مرارتها واكتوى بألمها عدد كبيرٌ من مُبدعي الأمة في الفكر والأدب والاجتهاد والإبداع، من الحسين بن منصور الحلاج، إلى أبن مسرة القرطبي إلى ابن الاقليلي الأندلسي، وابن عاصم والسنابسي… وغيرهم كثيرون.
بالعودة للدكتور داهش، أقول: لا بد لكل أديب ومفكر مهما علا شأنه من أن يعترف بأنه (أي داهش) عملاقُ فكر وبيانٍ وأدبٍ، وشخصية تتدفق بنور الوجدان؛ وأنه يستحق أن يتسنم أعلى القمم، لأنه مد العقول والضمائر بما لا ينضبُ له معين، وبما لا يؤثر فيه زمانٌ ولا مكان. فإذا به ملاذٌ يلجأُ إليه طُلاَّبُ الحق والعدل من الناس، وأبٌ يحتمي تحت عباءته الإنسانية من شعروا بالظلم بجورُ على العدل، وبالقسوة تكتسحُ العطف، وبالشر يفترس الخير، وبالإثم يعلو ويصبحُ له دولة وسلطان مصيرهما إلى زوال…
وحتى لا أطيل، أقول إن الدكتور داهش كان رائدًا بإنسانيته المتفجرة فكرًا وأدبًا وثقافةً وإبداعًا، سار على دروب العطاء متسلحًا بالمحبة والتسامح حتى ملأ سني عطاءاته صفحات وصفحاتٍ، بل كتُبًا ومجلداتٍ أفادت منها الملايين من الباحثين عن المعرفة الروحية الشفافة.
كان، رحمه الله، مناضلاً لا يعرفُ الانكسار أمام المحن والصعاب التي تعرض لها. وما كانت تضحياتُه إلا فعل إيمانٍ ومشروعَ عطاءٍ لا يحدُّه زمانٌ أو مكان. وهب نفسه لفعل الخير على صعيد مجتمعه والمجتمع الإنساني من غير أن ينتظر مقابلاً أو شهادة تقدير من أحد. فكانت محبة الناس له وتقديرهم لعطاءاته الفكرية النقية الإبداعية التي لم تكن لتنضب خيرَ وسام يُعلقُ على صدره في زمنٍ قل، بل ندرَ فيه امثاله من الداعين إلى التمسك بحبل الخالق وأديانه المنزلة.
نسجَ الدكتور داهش حروف أدبِه بخيوطٍ من الشفافية والروحانية، فإذا به مُبدعُ الألفية الثانية (المنصرمة) من دون مُنازع. وإذا بأعماله الأدبية تستقر في أشهر المكتبات والمتاحف العالمية، ويدرسُ بعضُها في عدد من جامعات العالم، ليتكرس اسمه في ذاكرة الأجيال وفي ذاكرة كبار المُبدعين حول العالم الذين استوحوا من إبداعاته الأدبية عشرات الكتب.
داهش واحدٌ من عباقرة الفن والأدب العالميين. لن يستطيع أحد أن يحاكيه في تجربته الفريدة، تجربة الارتقاء فوق العذاب والقهر والغش والخداع، تجربة الود والصفاء النفسي والانسجام مع كل ما هو طاهر ونظيف من سلوكيات أبناء البشر.
لقد أنعم الله على الدكتور داهش بموهبة فذة غربية حيرت كل من حاول فك شيفرتها، وتفجرت إبداعًا طار في الآفاق ليصبح عالمي الصفة الهوية.
هو روائي خلد تاريخ الإنسان ورسامٌ جسد روائع رؤاه في لوحاتٍ تقرأ وترى. إنه عالم من الخلق والإبداع النادر. لقد جسد الدكتور داهش حالته الروحانية في لوحات كتابية رائعة كشفت عن شفافية إنسانيته على إيقاع فلسفي صقلته السنونُ الطويلة التي أمضاها بحارًا يغوصُ في أعماق ذاته، ليخرج منها، بدلاً من اللؤلؤ والمرجان، إبداعاتٍ أديبة خالدةً امتزجت بالمحبة والصفاء اللذين يعتصر بهما قلبه الحنون.
لقد اعترف أعلام الفكر والأدب بمواهبة غير العادية، وسحر قلمه الذي أبدعَ في تحويل الأفكار إلى ألوانٍ تزين لوحاتٍ يقف الناظر إليها مندهشًا مشدوهًا حائرصا في نعمة الخلق التي أنعم الله بها على الدكتور داهش، فكان بحق قمة من قمم الأدب العالمي الدائم الإشعاع.
بقي أن أقولَ إن الكتابة عن الدكتور داهش هي بمثابة رحلة الأمس واليوم والغد. إنها بالنسبة لي، كالنحت في عالم الذكريات والحنين والتاريخ لتدوين الماضي والحاضر في ذاكرة المستقبل… ليبقى اسمُ الدكتور داهش رمزًا، بل نجمًا لا يخفتُ بريقه مهما طالت سنو غربته عن عالم أحبه وتمنى سرعةَ الوصول إليه، عالَمِ الروح، عالَمِ الخلود، إلى جانب أعظم خلقِ الله القائل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات…)
أخيرًا لك يا دكتور داهش ولكل محبيك أُقدم اعتذاري، إذ لم أوقف في الارتقاء إلى حقك ومقدارك.. مع أني حاولتُ.
الدكتور داهش بين الرؤيا وشموليَّة الوجود
الدكتور ميشال سليم كعدي
أديبٌ وباحثٌ لبنانيٌّ. أحرز الدكتواره في فقه اللغة العربية من الجامعة اللبنانية (1973). انصرف إلى الكتابة والتعليم في الجامعات والمعاهد والمدارس الكبرى. عضوٌ في عدة مؤسسات ثقافية منها “أكاديمية الفكر” في لبنان، و”اتحاد الكُتَّاب اللبنانيين”، وجمعية “أهل الفكر”. له مؤلفات كثيرة، منها “حبيبتي إليك أكتب”، “أجملُ الأجمل”، “القصور اللغوي، أسبابًا وحاجات”، “المرأة في شِعر الدكتور زياد نجيب ذبيان”، “خليل فاخوري، شاعرُ الشباب والاطلاق”، “معلِّمو العالم” (مسرحية)، “على دروب الحياة”. وله قصصٌ للأطفال، وسلاسل كتب مدرسية.
الدكتور داهش بين الرؤيا وشموليَّة الوجود
تمثلتُه ماردًا يقف بين الروح المتسامية في سامقاتِ السدرةِ وإنسانِ هذه الأرض.
عاش مع الناس مُماشيًا سُننَ الحياة وفروضَ العيش، وثار على الرغبات الفارغة، ومشى مع روحه بتؤدةٍ على انسجامٍ تامّ. ولعلَّ اسجامَه كان مصدرَ وفائه وطيبته، وقوامَ دوامِه واستمراريتَّه.
أحبَّه الناس لأنه عرف كيف يمرُّ عبرَ حياتهم، ويحيا أعمارَهم، ويفيهم الموداتِ والمُثُل. وساعةَ يخلو منفردًا بروحه، يُحبّونه أكثر، لأنهم يعرفون مُسبقًا أنه سيعود إليهم بشهوةٍ مُسَّت بروحٍ، وإذا الوقعُ والحقيقةُ من أهدافه وتعاليمه وتأملاتِه، والتمسكُ بعالياتِ المناف.
الدكتور داهش.
عِملاقٌ، طاب وقعُ الكلمة على يده ومجدُ الروح، فلا الكلمةُ هانت، ولا الروحُ ابتعدت. فكان صُيانةً في العالمين: عالم الناس، وعالم الروح. وإذا انفرد عنهم، فذلك ليعودَ إليهم بخُلاصةٍ من حياته وعالَمه، بمادةٍ هي بنتُ الوجودَين: الوجودِ الأساسي والوجودِ السماويّ الذي غلَّفه بأشعةٍ نورانية، فغدت على ثوابت، أقرتها الفلسفةُ حتى باتت في عُهدة الرؤيا والمنطقِ والشموليّة ورحابِ المجتمع.
لقد خاطب المرءَ، وطلع بثقاتٍ تمتاز بعجَبِ الطالع. ثم أدرك محتماتِ الدنيا، فعاش في أسرارها وأحكامها، ونَضاعنها الأسرار، ليطلَّ إلى عوالمَ لها مكانتها. وبرغم المحتمات، سار في كنهِ الزمان والمكان، وتخطى الحواجزَ المستحيلة. ففي يُمناه أسرارٌ داهشية، وفي يُسراه أدبٌ وروح، وغرائبُ مَلأى بالمعرفة والتجارب من أعماق الحياة، مستمدَّة من فوق.
أعمالُه الإعجازية قُدِّر لها حِسٌّ وإدراك يجتازان الأغوارَ والأبعادَ الزمنية، فإذا للرجُل، بجُمعِ كفِّه، معرفةٌ شاملة، وأدبٌ وشِعرٌ، ونفحاتٌ من المعجزات، ولا جدال.
الفكرُ الداهشيّ فيه نبضٌ وحياة.
والأدبُ الذي يؤمن بالقُدرة على الخلق، تُسعفُه الروحُ الفاعلةُ في الأرض وفي الأجواء، وتُلهمُه النظرة لبعثِ الفضائل في حياة الإنسان الاجتماعية. وإن لم يكن كذلك فهو باطل. كان هذا حال الدكتور داهش في كتابه “مذكرات دينار”، وفي كتابه “جحيم الذكريات”.
في الحياة، تبقى الكلمة صِنوَ العُمر، والحروفُ مهدَ اللحظات، وهي بعدُ مشوقةٌ إلى تعميق الفضيلة والاستقامة التي فوق جمعِ المال والطمعِ الذي يقود البشر إلى الهلاك والخراب القاتل.
هذا الرائد في مجال الروح يذكرُني بطاغور الذي أحببتُه كُفيًا، وهو الشاعر الذي ربط الأغوارَ بالقِمم. أمّا الدكتور داهش فقد أضاف إلى الصوفيّة والتأمُّلات والابتهالات الخشوعية مُشاهداتِه ومعجزاته التي نقلها بأمانة، ولعلَّها معجزاتٌ فريدةٌ وعديدة، مضيفًا في أدبِه قيمةَ محتِدِ الآدميّ ليكونَ عونًا على الاستمرار الناجح والنزوع إلى البقاء.
هذا الكبيرُ غنَّى ليستريحَ فيه النداءُ إلى الآخرين، وتهدأ الأعراق. ولغيرِه أن يؤمنَ بما يقول من شِعرٍ ونثرٍ وأسرار، أمّا هو فحسبُه أن يثبتَ تجاهَ الحقيقةِ والاكتفاء. وفي هذا الموقف تركيزٌ لا يُساويه شيء، ولا يوازيه أيُّ انتسابٍ أو قُدرة.
هو، هو، الناثرُ والشاعرُ والمُلهم، والمعجزة، والسريعُ في الإنجاز، والمحلل القدير. هذا فعلاً ما رأيتُه وقرأته وطالعتُه من مشاهداتٍ لأكبر المفكرين والشعراء في لبنان والعالَم العربي.
إذا قصدتَ دوحتَه المحلال، فستجدُ سماءه مصيحَّةً جَلواء، وزهرَه باقاتٍ مُنسقة، وأشجاره غيناء وارفةَ الظل، ثمراء يتدلى منها الرواء. أما الحصادُ في فوفير، وكرمتُه الروحيةُ مرفوعةٌ على مساويك الصدق والبساطة التي تفعل فِعلَها في النفوس.
ارتفعَ، وهو على الأرض، ليرى تفاهاتِ هذه الدنيا. وفي كل مرةٍ كان يزداد حُكمُه على سكان البسيطة قناعةً ورؤيةً، جاعلاً العدالةَ الإلهية مقياسًا للأخلاق والإيمان والابتهالات لله. وما فاته أن يذكرهم بالألم والقهر الذي لَحِقَه. فالدكتور داهش من أُولئك الذين صبروا على المكاره والظلم حتى صفت روحُه، ومشت على الجوَّانية الصارخة، الفاعلةِ في مدى الدهر.
تعالى على حياته البائسة التي غاصت في بحر العالَم، وكانت بمثابة زورقٍ تائهٍ، لا يعرف الهدوء، على صفحةٍ مضطربة، يتكاثف فوقها الضبابُ والرياحُ والظلامُ وزبدُ الأمواج والعتوُّ والارتطام. يقول:
أنَّى لمثلي شرْحُ حالي البائسَهْ والنفسُ من هذي الخليقةِ يائسهْ
وأرى الحيـاةَ كزورقٍ متقلِّبٍ ما بين أمواجِ البحــــــــــارِ الدامسَهْ
**************
وأرى الضبابَ مع الدُجى متكاثفًا من فوقِه، والريحُ تعصفُ قاصفَهْ1
الكبيرُ ، هذا، رفَعه العقل ليُدركَ أسرارَ الدنيا، أما القلب فقد أعطاه أن يتجاوزَ المِساحاتِ الكونية، فإذا هو أمام أشياءَ كثيرةٍ. ثم استطاع أن يؤمَّ أغوارَها بسهولةٍ، وقد عمقَ بقدرِ ما صفا، ولأن إزاء الأحداث والمصاعب، وإذا الفوزُ دهشٌ وداهشيةٌ، والقضايا فِكرٌ، وشوقٌ لمعرفة. على أن وجودَهُ في دُنياه أوسعُ من دنيا، وعقله أكبر من عقولٍ نافذةٍ.
فهذا الاعترافُ يحملُ على القبول بالقوى الداهشية والاستغراب.
تمكَّنَ من ضمِّ خيوط الفلسفة إلى أسلاك اللاهوت ليخلقَ من العمل نبراسًا يضيءُ للآخرين في غياهب اللاأدريَّة، ويستطيعُ الحقيقة لِمَن يريدُ الاطلاع.
———————————————————–
1 الدكتور داهش: “ناثر وشاعر”، ج1 (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 47. والكتاب مختاراتٌ نثيرية له نظمها شِعرًا الشاعر حليم دمُّوس.
—————————————————–
ومع الواقع الإنساني والألغاز الكونية، بسط الأمور، وراح يُفسر معالمَ الخفايا، وعجائبَ الدنيا فعلاً، على طَرَفِ الريشةِ الولوعِ بالله، وبما يوحيه إليه العقلُ من أبوابٍ وطرائقَ لفهم هذا الكيان.
وفي هذا الإطار، يلتقي مع عظيمين من عُظماء الأرض: غاندي الإنسان الروحانيّ، وطاغور الذي سجَّل في كتاب “قربان الأغاني” و”جنى الثمار” ملحمةَ الوجود والكيان، بأقلام نورانيةٍ سماويةٍ، على أبواب الجنة، راسمًا فرَحَ السماء على الوجه وفي النفس، ورافضًا ذهبَ الدنيا والمادة بكامل معطياتها وأشكالها، ولم يرضَ إل بفيض راحتَي الله.
يقولُ في ديوان “جنى الثمار”، وتحديدًا في الأُنشودة رقم (14):
“إنَّ حِصَّتي مِن خيراتِ هذه الدنيا هي
“ِن فيضِ راحتيكَ، بحسبِ ما وعدتني.
“لذلك يستطعُ نوركَ عبرَ دموعي.
“أتردَّدُ في أتباع الآخرين مخافةَ أن أفقدك
“… وحِصتي من خيراتِ هذه الدنيا ليست
“إلاَّ من فيضِ يديك”.1
أمَّا ابتهالاتُ الدكتور داهش، فإنها تلتقي بكثيرٍ مما قاله غاندي وطاغور، وبخاصةٍ عندما ينادي ربَّ الأرباب، طالباً إليه في الابتهال التاسع أن يسمعَ نداءً قلبِه وصَلاتِه، ولُهاثَه الشبيه برائحة البخور المتصاعد أمام جبلِ قُدِسه. اقرأ معي:
“يا ربَّ الأرباب، إليك ارفعُ ضراعتي،
“فاسمع نداءَ قلبي النائح.
“لتصعد صلاتي أمامَ عرشِكَ
“مثلما تتصاعدُ رائحةُ البخورِ أمام جَبَلِ قُدسِك.
“… فاشملْني بحنانكحَ، وارحمِ انسحاقَ نفسي.
“إنني نادمٌ الندامة كلها.
——————————————————–
1 رابندرانات طاغور: “سلة فاكهة” أو “جنى الثمار” (دار مكتبة حبيبي، بيروت) ص 30.
———————————————————
“بدمعِ عينيَّ النائحتين أطلبُ غفرانكَ،
“فاشملني ببركتك ورضوانك”.1
في أيِّ حالٍ، كوننا نحنُ يمتازُ بالعُقَدِ والمبهمات. فهناكَ المصير والنشوءُ والغايةُ والنهاية، وثمة قضايا كثيرة تجري بطواعيةٍ على مسارح الكينونة، فكان مِن السهل على الدكتور داهش بتقديري أن يفضَّ أقفالَها ليبدد القلق والحيرة، ويكشفَ ثوابتَ مذهلةً، تبرزُ في شخصيةٍ مميزة.
إنه يختلفُ عن أهل الفلسفة والفلاسفة، وبخاصةٍ أولئك الذين يشكُّون أو يعترضهم الشكّ. فمن هذه الناحية نراه مرتاحًا إلى مُعتقدِه وعلمه.
على أن شوقَ الدكتور داهش إلى المعرفة الكُبرى عرفتُه فيه شخصيًا، وعرفتُ أيضًا أنه لم يبلغْ حدودَ الارتواء؛ فقد بقيّ في ظمإ وتَوقٍ لاكتشاف الأسرارِ المخبأة، ولئن وُفقَ إلى بعض الحلولِ بإشاراتٍ من العقل.
ولا عجب، فداهش أعتبرهُ من الفلاسفة الكبار؛ وهو من مفسري الأسرار.
لقد قدر، بقدرةِ قادرٍ وهادفٍ، على أن يحل الألغاز والأبعاد وكل ما يسألُ عنه الإنسان في الكون منذ انبثاقِ الفلسفة حتى اليوم. أما عملُه فقد كان يمتازُ بالدقةِ والعنايةِ والثقة.
ومن قال إن العاطفةَ عدوُّ العقل أو الشعر عدوُّ المنطق في الوجودِ البشري؟ فالرجل شاعرٌ كبيرٌ، وناثرٌ مبدعٌ، يرتاحُ في عُمقِ الجمالية والمناجاةِ التي تجعلُ الحب قرب الروح والخاطر والسعادةِ التي تُرشفُ حتى الثمالة والأيام الخوالي. يقولُ في قطعة “إليك…”(وقد نظمَها الشاعر حليم دمُّوس):
إليك يــــــــــــــــــــــا أمنيةَ الحيــــــــــــــــاة أبهى مناجــــــــاةٍ إلى الممـــــــــــــــــــــــاتِ
أنتِ التي لا تبرحينَ خاطري ما دامتِ الروحُ بجسمي الخائرِ
أيتُهــــــــــا الحبيبةُ الفريــــــــــــــــــــــــــــدهْ لقد مضتْ أيامنــــــــــــــــا السعيدهْ
———————————————
2 الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعية” (دار النار والنور للطابعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983) ص 49 – 50.
————————————————-
تلك التي ذُقنـــــــــــا بها السرورا أذكرُهــــــــا واشكرُ القديـــــــــــــــــــــــــرا…
لذا وقعتُ بالهوى سريعــــــــــــــا مِن دَعَجِ العينِ فتًى صريعـــــــــــــــــــــــــا1
وسارَ بنا الوقتُ والعمرُ، وأقبلَ الدهرُ بمواكبه ومُخبآته ونظرياتهن المتطورة، وإذ بالدكتور داهش يسبقُ العصرَ بمحاولاتٍ كثيرة تجديديةٍ، وقد جعلنا نتفاعلُ معه في العقلِ والعاطفةِ، ناشطينَ معه إلى أدبٍ مُتماسكٍ رائدٍ يُنير.
فمع هذا الرؤيويِّ، نقلنا عنه العاطفةَ في الشعر والعقل ي رحاب الكون، والتواصل والتمادي، حيث بسط الفكرُ سلطانه واجتاز مسافاتِ الأسرار، ثم تعدى نطاق الفلسفة إلى الأدب الجميل والجمالية.
إنه من أدباء العقل والعاطفة معًا. فتجربة “التقشيب” التي لا بد منها أخضعها للعقل ليحلوَ الفكرُ ويغدوَ أدبًا يُستطابُ، مرصَّعًا بالألاعيب البيانية، والأقلام التي تجري في السلكِ، ونَسَقِ الدُرِّ.
على أن كلَّ ما كتبهُ كان نتيجة تجاربَ حياتيّة، ومرونةٍ في التطويع، حتى يجعلَ من الصياغةِ قضيةً بشريةً بعيدةً عن الجفاف. فهذا القديرُ هو من جبابرةِ الأدب أيضًا، ولا جدال.
قصيدتُهُ وكلامُهُ من روافدِ الحقيقةِ والمنطق.
جَرُّ يراعته من زَهوِ الخاطرِ، وبَهجةِ الذكاءِ، وانطلاق الذاتِ في مهرجانت الوعي المنتفصِ على الكسل.
مع كلام الدكتور داهش النثريِّ والشعريِّ والأسرار، نقيمُ للفنِّ المطلقِ عرسَ الإرادة التي تُثمَّنُ في الحياة.
ثمَّ رافق عملهُ الفني الأوزانُ الخليليةُ والبلاغةُ، فغدا قولُه جريًا مع طبيعةِ القائل الرصين والموهبة من دون أن يبعدَ عن مجرى الفلسفةِ والروحِ والإيمان. أما النتاجُ فقد بلغ الذروةَ المتوخاة.
على أننا إذا عُدنا نتفحَّصُ أسرارَ داهش العجائبية، فنشاهدُ السليمَ في العمل والمكانة في أعلى المَناط، مُتخذًا الأشياءَ ببساطةٍ، كما اتخذ أسرارَه طريقصا إلى كُنهِ
——————————————————–
1 الدكتور داهش: “ناثر وشاعر”، ج1، ص 83.
——————————————————-
الحياة… وهنا تطرُ السؤال، هل أدركَ الحاجة كُفيًا؟ وهل تعدى الحدودَ الكافية؟
الدكتور داهش.
طرقَ رِتاجَ وما كلَّتْ يدُه.
طرقَ أبوابًا لم يتيسرْ للعاديينَ من الناسِ والفلاسفةِ أن يصلوا إليها على مرِّ الزمنِ منذ أمَدٍ بعيد.
شغلَته قضيّةُ الإنسان، فسعى إلى تفسيرها. ولعلَّ ذلكَ تركَ أميرَ الفِقه في العالم العربي والقاموسيَّ العظيم الشيخ عبد الله العلايلي أن يثقَ به ويقفَ عند أسرارِه، وكذلك الشاعر الكبير حليم دمُّوس والدكتور فريد أبو سليمان والعشرات بل المئات غيرهم.
هذا “الداهش” أكبرُ من فيلسوف، وأكبرُ من عالِم.
الفيلسوفُ لا يحلُّ المعقدات، ولا يفسِّرُ قواعدَ الكون، ولا يتحقَّقُ من ما ورائيات الحياة. لكن داهش فسَّرها بطرائقهِ التي أنعم اللهُ عليه بها.
وفي مطلقِ الأحيان، أدهشتني النخبةُ المؤمنة. كما إنني لا أُخفي أبدًا، بعد قراءتي لبعضِ كتبِه، أنه مشى بنا إلى التفكير والغوص والتبحُّرِ بقدرةِ المرسَلين والنهايات والموتِ وألغاز ما وراءَ القبر، وخصوصًا عندما يُشيرُ من بعيدٍ إلى قَيمِ الروح والربطِ بين أسبابِ الأرض وأسبابِ السماء.
أمَّا إذا اعتبرنا الكتابةَ من الفنِّ، في التنسيقِ والفكرِ والتنقيهِ والنغم والموسيقى والفلسفة والطاقات الإيحائية في سياق الكلام، فإن الدكتور داهش هو الأوّل بين جماعة التطوُّر وأرباب الفِقه، لأنه ساوى الأقمطة الأدبية والروحية كما يشاء.
8/11/2009
الداهشية: نداءُ الفكر والحوارِ والروح
الأستاذ علي رفعت مهدي
كاتبٌ لبنانيّ. حائز على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية. من مؤلفاته. “الاتجاه الروحي في شعر العلامة السيد محمد حسين فضل الله” (2004)، “تقوى الصوم” (2005)، “مطارحاتٌ في الشعر والفن والأدب” (2006)، “معرفة الله في الفكر الإسلامي” (مخطوط). وله عشراتُ المقالات الشعرية والسياسية والأدبية في الصحف والمجلات.
الداهشية: نداءُ الفكر والحوارِ والروح
الحديثُ عن الفكر حديثُ شيِّق وغنيّ وممتع.
إنه حديثُ انفتاح العقل على العقل، والروحِ على الروح، والإنسانِ على الإنسان، والحجة على الحجة، والدليل على الدليل، والمنطق على المنطق.
والحديثُ عن الفكر عسيرٌ وشاقٌ وعصيٌّ، وربما قاسٍ!
عسيرٌ لأن الغوص في رحاب الحقيقة يحتاج إلى مهارةٍ ودقَّةٍ وموضوعية.
وشاقٌّ لأن الفكرَ إن لم يُتبع ويُرفَق بالحوار، فإنه يتحول إلى ملاكمةٍ قد يسجلُ فيه تقدم في بعض النقاط، ولكن لا ضربةٌ قاضيةٌ فيه بل قمعٌ واضطهادٌ وتسلط وجوز.
وعصيٌّ لأن الحقائق الكلية هي بيد الله تعالى و”الناس أعداء ما جهلوا”.
وقاسٍ لأن الفكر يتحول إلى تعصب وتزمُتٍ وتعنُّت، إن لم يقبل النقاش، والجدال، والحوار، والمواجهة، وإن لم يفتح صدرَه للرأي الآخَر الموافقِ له أو المعارض.
بهذه الروحية، يمكننا أن نطلقَ بحثنا.
وبهذه الخصوصية، يمكننا أن نستلهم تجارب السلَفِ ممَّن مضى، لنسترجعَ الفكرَ ونناقشَ في بعض مضامينه نقاشًا موضوعيًّا ودقيقًا وعميقًا وعادلاً فيما تفرضُه العدالةُ من التوازن في النظرة إلى الفكر أو المبدأ، وفي الاستقامة في الحُكم والشمولية في جوانب القضية المُثارة. وما القضيةُ المثارة؟ وما بحثُنا؟
إنه باختصارٍ مرورُ مئة عامٍ على مولد مؤسس الداهشية..ز بما في عناوينها من قضايا تتصل بغاية الوجود الإنساني، وماهية كثيرٍ من المسائل، وإطلاق الجم من المصطلحات التي شغلت الكثيرين كمصطلح: العقيدة، والرسالة، والمعجزة، والتقمُّص، والسيالات الروحية، والصلاة، والصوم… مما نزل وحيًا سماويًّا على الأنبياء في مسيرة دعوتِهم إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدالِ بالتي هي أحسن، والحوارِ، والبرهان، والدليلِ والحُجَّة… وطرحَته الداهشيَّةُ من منظورها معتقدًا آمنَت به، وسعَت إلى إرسائه، وجهدَت في سبيل إقناع الناس بمضامينه وغاياته، ولا سيما مضمون الوحدةِ الروحية والدينية بين أتباع الديانات السماوية: اليهودية والمسيحية والإسلام. ولعل خيرَ مَن يلخِّصُ هذا المضمون الشاعرُ الداهشيّ حليم دمُّوس في إحدى رباعيَّاته:
أرى في بحارِ الشَرِق والغربِ ثـــــــــــورةً وأمواجُها العُظمى تــــروحُ وتغتدي
وفي بَحرةِ الأديـــــــــــــــانِ هبت عواصفٌ ستطرحُ أهل الأرضِ في كلِّ فدفد
فيا ربُّ قد تاهت بليــــــــــــــــلٍ مراكبٌ وها هي لم تغـــــــــرق ولم تتوحــــــــــــــدِ
فهل تلتقي في شاطئ الحب والهُدى سفائنُ موسى والمسيحِ وأحمــــــــد؟
مئةُ عام مرَّت، والفكرةُ لا تزال تنمو، والداهشيةُ لا تزال تواجِهُ وتواجَه. فهل يُقمَع الفكر؟ هل يُصادر؟ هل يُطمَس ويموتُ ويندثرُ ويتلاشى؟ وما الأساليبُ التي يجب اتباعُها بين أبناء البشر الذين يكادون لا يتفقون على إنسانيتهم المشتركة، فكيف بقضاياهم الفكرية والثقافية والعقائدية؟
من هنا أسترجعُ فكرةً توجِبُها متطلباتُ البحثِ والمناقشة:
كنت فتًى في السابعة عندما هجَّرتنا “الحرب الأهلية اللبنانية” عام 1975 من منطقة برج حمود في بيروت إلى مسقط رأس آبائي وأجدادي في البقاع، حيث التحقتُ بمدرسة “النهضة العلمية” التي كانت حينها الملاذ – شِبهَ الوحيد – في المنطقة ثقافيصا وتربويًّا وفكريًا واجتماعيًا وخدماتيًا، وهي التي خرجت – ولا تزال – الكثيرين من أبناء هذا الوطن الذين باتت لهم الحظوة والمكانة في كافَّة الميادين، حتى الآن.
وممَّا كان يُلفتنا آنذاك – وقد أتتِ الحربُ على القيم الإنسانية والمعرفة الفكرية – أن كثيرًا من جدران صفوفنا وملاعبنا مزدانةٌ بلوحاتٍ جداريَّة، واقوالٍ خالدةٍ لِمَن نقِّدسُ من عظمائنا الأنبياء والأولياء والمصلحين، مما لا تزال الذاكرةُ تحفظُه وتردِّدُه في كل مناسبةٍ فيها دعوةٌ للحبِّ والتسامح والتسالم. ومن تلك الشواهد:
* الأنبياءُ إخوةٌ: أُمَّهاتُهم شتى ودينُهم واحد. (النبي محمد).
* الحسدُ يأكل الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطب. (النبي محمد)
* وصيتي أن تُحبوا بعضُكم بعضًا كما أحببتُكم. (السيد المسيح).
* ماذا ينفعُ الإنسانَ لو ربح العالم كله وخسر نفسه. (السيد المسيح)
* لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل، ولا ميراثُ كالأدب، ولا ظهيرَ كالمشاورة. (الإمام عليّ).
* لا تقسروا أولادَكم على أخلاقكم لأنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم. (الإمام عليّ) وإلى جانبها لوحاتٌ أُخرى كنا نردِّدُ اسم صحابها، ونشعرُ بتوأمتها مع الفكر الروحي الهادي إلى سُبل الحقِّ والخير والجمال، ومها:
* أحبُّ الكتبَ حبَّ السُكارى للخمر. ولكنني كلَّما ازددتُ منها شربًا زادتني صحوًا. (الدكتور داهش).
* المالُ ميزانٌ الشرِّ في هذا العالَم. (الدكتور داهش).
إضافة إلى نشيدٍ كَبُرَ في عقولنا وفكرِنا هو نشيدُ الملحمة العربية الذي صدرَ إدارة المؤسسة التربوية التي انتمينا إليها. وأذكرُه لأن له حدثُا حُفر بذاكرتي وطُبع ونُقِشَ، إذ كنتُ طالبًا في “حوزةٍ دينية” أتلقى العلومَ الشرعية والفقهية في بيروت سنة 1988، والمناسبة “المولد النبوي الشريف”؛ وقد طلبتُ الكلامَ بالنظام، فقلت: سأذكرُ بعض الأبيات لشاعر مسيحي آمنَ بالرسالات والأديان وَحدةً لا تتجزأ، وهو الشاعر الزحلي حليم دمُوس الذي أطلق على نفسه اسم حسان تيمنا بشاعر الرسول حسان بن ثابت الأنصاري. يقول حليم في النبي العربي محمد بن عبد الله (ص):
وأُقسِمُ لو يدري الورى كُنهَ دينهم لما فرقوا ما بين عيسى وأحمــــــــــــــدِ
ولا أطلقوا يومًا قنابلَ مِدفــــــــــــــــــــعٍ ولا صَقلــــــــــــــوا للحرب حدَّ مُهنَّدِ
فأنتَ أخي ما دامتِ الأرضُ أُمَّنا وأنتَ أخي بالروح قبلَ التجســــدِ
لَعمرُكَ ما الأديانُ إلاى نوافـــــــــــذٌ ترى اللهَ منهــــــــــــــــا مُقلةُ المتعبــــــــــــدِ
سأنشُرهـــــــــــــــا في الخافقين ملاحمًـا على نسج حسَّانٍ ونغمةِ مَعبـــــــــدِ
وأُلقي بُذورَ الحب في كـــــــــــل بيعةٍ وأُلقي بذورَ الحبِّ في كل مسجدِ
فألمُسُ في القرآن عيسى بنَ مريمٍ وألمـحُ في الإنجيل روحَ محمــــــــــــــــــدِ
وأنيتُ…
وإذا بصوتِ “علامةٍ” هو اليومَ من رؤساء المحاكم الشرعية الجعفرية في بيروت يُخاطبني: أَعِدْ، فأَعدتُ الأبياتَ ثانية، فكرَّر: أَعِدْ ثالثةً… وكانت المفاجأةُ أن ردَّدها بعدي وحفِظَها نتيجة السماعِ والتأثرِ بمضمونها… واعتبرها من روائع الشِعرِ الروحيّ.
يومَها أدركتُ أن الفكرَ الإنساني ينسابُ كاليُنبوع الذي يروي ظمأ العطاشى إلى المعرفة، فيُخصبُ الأرضَ ويمرعُ ويُعطي، دون وَسْمِه بنعتٍ أو وصفٍ أو حدٍّ.
بعد مئةِ عام تحتفي “الداهشيةُ” بولادة مؤسسها، والسؤال: أين القمعُ؟ والتسلُّطُ؟ والقيودُ؟ والحِرابُ؟ والأسنَّةُ والرِّماحُ التي شُهرتْ بوجهِ المعلمِ والمؤسِّس؟
لقد سقطَت جميعُها، لأنَّ الفكر، أيًّا يكُنِ الفكر، ينشرُ ويزدادُ رسوخًا وتجذُّرًا كلَّما تعاظمَت عليه النوائبُ والمشكلاتُ والمصائب، وهو ما يجعلُنا نتشبثُ بالأساليب التي أرسَتها كتبُ السماء والوحي في طرائق المحاجة والخصام والخلاف والنقاش، ومن أهمِّها أساليبُ الدعوةِ في القرآن الكريم، مُستلهمين قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادِلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، (قل هاتوا بُرهانكم إن كنتُم صادقين) (البقرة: 111)، (قل الله وإنا أو إياكم لعلى هُدًى أو في ضلالٍ مُبين) (سبأ: 24)، (فمَن شاء فليُؤمنْ ومَن شاءً فليَكفرْ) (الكهف: 29)، (وقُل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (الإسراء: 53).
كلُّ ذلك لمواجهةِ الفكرةِ بالفكرة، والدليلِ بالدليل، والبرهانِ بالبرهان، والرأي بالرأي، والكلمِة بالكلمة؛ وهو من أهمِّ الأساليب التي انتهجها أميرُ البيان الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) مع الخوارج، مثلاً الذين لم يبدأ معهم قتالاً إلا حين عاثوا فسادًا في الأرض، وقتلوا الصحابي خباب بن الأرت وزوجته. فحين أرسل الإمامُ عليّ عبد الله بن العباس للاحتجاج على الخوارج أمرَه قائلاً: “لا تخاصمهم بالقرآن، فأن القرآن حمَّالٌ ذو وُجوهٍ تقولُ ويقولون، ولكنْ حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها مَحيصًا”. فلا قتالٌ ولا حرابٌ بل فكرٌ يوجَّهُ ويُرشِدُ ويهدي.
وقد جاءَ في نهج البلاغة أنه (عليه السلام) كان جالسًا في أصحابه، فمرَّت بهم امرأةٌ جميلة، فرمقها القومُ بأبصارهم، فقال عليّ (ع): “إنَّ أبصارَ هذه الفُحولِ طوامحُ، وإن ذلك سببُ هبابها، فإذا نظرَ أحدُكم إلى امرأةٍ تُعجبُه، فليلامسْ أهلَه، فإنما هي امرأةٌ كامرأته.” فقال رجلٌ من الخوارج: “قاتلة الله كافرًا ما أفقههُ!” فوثبَ القومُ ليقتلوه، فقال الإمام: “رويدًا إنما هو سَبٌّ بسَبٍّ أو عفوٌ عن ذنبٍ”. (“نهج البلاغة”، ج4، ص 720 – “تحفُ العقول” ص 89).
لقد سبَّ الخارجيُّ أميرَ المؤمنين بالكفر، لكنَّ الإمام لم يسمح بقتله، بل قال: إما أن أسُبَّه – وهو ما لم يفعله الإمام قط، بل نهى وحذر أتباعه من السب واللعنِ والشتم – أو أن أعفو عن ذنبه، وهكذا كان.
فأين الإمامُ اليوم؟ وأني مَن عاداه وسَبَّه وشَتمَه؟
يجيبُ أحدُ الشعراء (مادحًا الإمام عليًّا):
قُمْ وارمُقِ النَجَفَ الأَعزَّ بنظرةٍ يرتدُّ طرفُك وهو باكٍ أرمَــــــــدُ
تلك العظامُ أعزَّ ربُّك شأنهــــــــا فتكادُ لولا خوف ربك تُعبدُ
وأين الدكتور داهش من المناوئين والظالمين والطُغاة الذين جرَّدوه من أسمَى مظهرٍ إنسانيٍّ روحيٍّ تجلَّى في نَزعِ الجنسيةِ الوطنية عنه؟ لقد تعملقَ وشمخَ بتعاليم السماء بينما ضاقتٍ الأرضُ بالطُغاةِ الأقزام…
ولداهش في تاريخ الأنبياء أُسوةٌ حسنة… فلقد تعرَّضَ الأنبياءُ المرسَلون – عبر تاريخهم الرسالي – لشتى صنوفِ القهر، والكيد، والحسد، والتعذيب، والتجريح، والأقاويل، والأكاذيب، والأباطيل، والاتهام بالسحر والجنون… وكذلك أتباعُهم ومريدوهم، وموالوهم، وكلُّ مَن اتخذ طريقَ الحقِّ والعدلِ والحرية والسلام والمحبة سبيلاً… وقد نصرَ الله مَن نصرَه صَدقًا والتزامًا ومنهجًا وأسلوبَ دعوةٍ.
لقد جوبِهَت الداهشيةً بالقمع، والسجن، والقيد، ومصادرة الحق المقدس في التعبير عمَّا يحاولُ الداهشيون التعبيرَ عنه، وهو الرأيُ الذي قيل فيه: “الفكر حر”، لأنه أثمنُ ما يملكُه الإنسانُ في حياته. ولا بد أن مَن يقارعُ الفكرَ لطَمسِه أو إلغائه أو مصادرته يكون مجنونًا؛ فهو لا يستطيعُ أن يفكرَ بحرية وأمانةٍ وموضوعية، ولا يمكنُه أن يأسرَ فِكرَ الآأخرين، لا سيما حين يتصلُ فكرُهم بنور السماء، ويعبرُ عن قُدسية الروح.
إن الميدانَ يتسعُ لكل الأفكار والطروحات، المقبولةِ منا والمرفوضة، شرط أن يبقى الاختلافُ والخلاف حواريًا. فالحوار منهجُ الرسالات والرسل، ومنهجُ وأسلوبُ الكتب السماوية؛ فهل من يحاورُ ويناقشُ بموضوعيةٍ وأمانةٍ ودقةٍ! الحقيقة بنتُ الحوار، “وليست ابنةَ الإرهاب الجسدي والفكري، والتحجُّر والانغلاق والعنف والظلم”. والفكرُ، كما يقولُ هيجو، قوةٌ فعالةٌ دونها كلُّ قوةٍ هائلة. وقد أكد كونفوشيوس أنه “لا يمكنُ للمرء أن يحصلً على المعرفة إلاَّ بعد أن يتعلم كيف يفكر”.
فهل يتعلمُ مَن قارعَ الداهشية بالبطش أنه كان ينبغي أن يكونَ “الحوارُ” وتكونَ “الحُجةُ” القاطعةُ هي الفيصلُ بين ما يدينُ به المرء، من معتقد فكريٍّ أو دينيٍّ أو سياسي أو ثقافي، والمبدأ الآخر؟ وقد ورد في المأثور الديني: “الطرقُ إلى الله بعدد أنفاسِ الخلائق”، وأنه (لا إكراهَ في الدين قد تبين الرشدُ من الغي). فالله تعالى قد بعثَ الأنبياء مبشرين ومنذرين، فمن شاء فليؤمنْ ومْن شاء فليكفر، وجعل مبدأ الثوابِ والعقاب بيده. ولو كان البشرُ المتخاصمون المتنابذون يملكون خزائنَ رحمةِ الله لأمسكوا خشية الإنفاق، ولبخلوا بالمحبة وبالتسامح والوِدِّ والرحمة الإنسانية. فلا يمكنُ لمخلوقٍ قط أن يعتقد أنه يملكُ الحقيقة المطلقة، وأنه من يمنحُ الناس صكَّ الإيمان، أو الكفرِ؛ فالإيمان نسبيّ، والكفرُ كذلك…
مئةُ عام، دليلٌ قاطعٌ على أن التعتيمَ أو المصادرة لمبدأ أو عقيدةٍ لا يمكنُهما إلغاءُ الكفر أو العقيدة، بل هو الحوارُ في الهواء الطلقِ وفي الصحوِ المبدع. فإذا التقتِ الداهشيةُ مع تعاليم السماء في دعوةِ الإنسان للعودة إلى أصالته وروحيته وإنسانيته، وفي الإلتزام بقيم الحق والعدلِ والحب والسلام والطمأنينة، شكل هذا اللقاءُ أرضًا صلبةً متينةً للانطلاق بركبِ الإنسانية في ما يأتي عليها بالخير والعزِّ والسعادة… وإذا اختلفت نظرةُ المريدينَ والأتباع لأيِّ مبدأ أو عقيدةٍ أو دينٍ أو مذهبٍ أو فكرٍ أو رسالة مع ما تُثيرُه من مصطلحات: كالمعجزة، والرسالة، والعقيدة، والصلاة، والصوم، والروح، والإيمان، والثواب والعقاب، والتقمص، والدين, فليكنْ حقُّ الاختلاف هو الذي يحكمُ حركيةَ هذه المصطلحاتِ ومدى انسجامها مع ما يؤمنُ به الفردُ من معتقدٍ، لا سيما أنه ندُرَ أن يتفقَ الناسُ على وَحدةِ المصطلحِ والمفهوم… فإذا كان طاغورُ الهنديّ العبقريّ ممَّن يرى ربَّه في لون الزهرِ، وحَبابِ الموج، وزُرقةِ البحر، وشموخِ الجبال، وفي تجلياتِ الطبيعة الخلابة، كان وصيُّ الأنبياء عليّ بن أبي طالب يقولُ: “ما نظرتُ إلى شيءٍ إلا ورأيتُ الله فيه”.
أيُّها الأحبةُ… المئوية الداهشية نداءُ السماءِ ودعوةُ الفكرِ وكلمة الحوارِ والانفتاحُ الروحيُّ السامي.
ليكُنِ الحوار، وأساليبُ الكتبِ السماوية، ورُسُلُ السماءِ مُثُلاً نستلهمها في حياتنا وواقعنا؛ فقد (كان الناس أُمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزلَ معهم الكتابَ بالحق ليحكمَ بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أُوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لِما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. والله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم). (سورة البقرة: 213).
إن رسالاتِ السماء قد شكلت حلقة متكاملة، وخُتمت وحيًا بالنبي العربي الهاشمي محمد بن عبد الله (ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسولَ الله وخاتم النبيين) (الأحزاب: 40)، واستمرت بأوصياء الرسلِ والتابعين والأئمة والصحابة والمبلغين والمفكرين والمصلحين، والذين غيروا وجهَ العالَمِ في توجيه العالَمِ الدنيوي البشريِّ نحو قيم الروح. فإذا بالأهواء والمطامع الكامنة في النفوس تسعى لاستغلال الرسالات والدين والقيم والمبادئ والأخلاق الرسالية، فنأى الإنسانُ عن المُثُلِ والشرائعِ، واستحكمت الرغباتُ والنزواتُ؛ الأمر الذي يوجبُ العودةَ إلى الينابيع الصافية العذبة.
وهو نداءٌ من نداءات الداهشية. وما أحوجنا إلى قراءة “مذكراتِ يسوعَ الناصري” لنطرد لصوصَ الفسادِ وتجارَ الطائفية البغيضة من نفوسنا، وقراءةِ “محمدٌ سيدُ الخلق” ليكون لنا البشير والنذير والسراج المنير، وقراءةِ “أناشيدي” كي نُنشدَ لحنَ المحبة والتسامح العالميين، بعيدًا عن أدران الأرض وشهواتها وملذاتها.
ما قلَّ ودلَّ عن تميُّز الدكتور داهش
السيدة آسيا الفيتوري
زوجةُ الشاعر محمد الفيتوري. من رائدات المسرح السوداني. حازت بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون في القاهرة، وماجستير معهد الخرطوم الدولي للغة العربية، وتُعِدُّ الدكتوراه في التربية في جامعة القاهرة. زاولَت التدريس والصحافة. أنشأتْ عدة مؤسساتٍ تعليمية منها “روضة أمّ إيهاب النموذجية” ببحري (1967)، و”مؤسسة أم إيهاب للتربية والتنشئة الاجتماعية” ببحري (1990). ومن المهرجانات التي شاركت فيها “مهرجان الأخطل الصغير” (لبنان 1969)، و”مهرجان جرش” بالأردن (1970)، و”مهرجان دمشق المسرحي” (1972). ولها عدة بحوث ودراسات.
ما قلَّ ودلَّ عن تميُّز الدكتور داهش
يسرُّني أن أبدأ بآياتٍ من الذكر الحكيم برغم أنها معروفة ومعلومة.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: (ق والقرآن المجيد) (ق: 1)؛ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا مُتصدعًا من خشية الله) (الحشر: 21)؛ (إنه لقولٌ فصلٌ، وما هو بالهزل) (الطارق: 13 – 14)؛ (حَم والكتاب المُبين. إنا أنزلناه في ليلةٍ مُباركة. إنا كُنا مُنذرين. فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيم. أمرًا من عندنا إنا كُنا مُرسلين. رحمةً من ربك إنه هو السميع العليم، ربِّ السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم مُوقنين. لا إلهَ إلا هو يُحيي ويُميت ربُّكم وربُّ آبائكُم الأولين) (الدخان: 1 – 8).
(قُل لو كان البحرُ مِدادًا لكلماتِ ربي لنفدَ البحرُ قبلَ أن تنفدَ كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مددًا. قل إنما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهُكم إلهٌ واحدٌ فمن كان يرجو لقاءَ ربه فليعمل صالحًا ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا) (الكهف: 109 – 110).
إن القرآن الكريم معجزةٌ من معجزات الله سبحانه وتعالى لكافة الخلق ولعامة البشرية ورسالةُ خاتم الرُسل والأنبياء سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم. فمعجزاتث القرآن هي الخالدة والوحيدة حتى يرثَ الله الأرضَ ومَن عليها. وإعجازُ القرآن لفظًا ومعنًى جاء بلغةٍ عربية فصيحةٍ حيةٍ متطورة أفصحت عن الماضي عن الماضي والحاضر والمستقبل.
قال تعالى (ومَن يَبتغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين) (آل عمران: 85).
فالدينُ الواحدُ الأوحدُ هو الإسلام. قال تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلمَ من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) (آل عمران: 83).
ومَن أرادَ الله به خيرًا فقهه في دينه وعلَّمه البيان: (الرحمنُ، علم القرآن، خلقَ الإنسانَ، علمه البيان) (الرحمن: 1 – 4). (افمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه) (الزُّمر: 22)
إن اختلاف ألوان البشر وتعدُّد لُغاتهم واختلاف أشكالهم وَسحناتهم من آياتِ قُدرة الله سبحانه وتعالى وحكمتِه البالغة في خلق السموات والارض وجميع المخلوقات وإبداعه في خلق الإنسان. قال تعالى: (ومن آياته خلقُ السموات والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآياتٍ للعالمين) (الروم: 22).
(يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكُم. إن الله عليمٌ خبير) (الحُجرات: 13).
لقد منَّ الله تعىل على خاتم الرسل والأنبياء بأنه رحمةٌ للعاملني، وخاطبه: (وكان فضلً الله عليكَ عظيمًا) (النساء: 113)، (وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم) وخصة (إن الله وملائكته يُصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا) (الأحزاب: 56).
فأفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسليم على هذا النبي الرؤوف الرحيم وعلى آألهِ وصحبِه أجمعين، والتابعين له بإحسانٍ إلى يوم الدين. كل ذلك متغلغلٌ في أعماق نفقوس المسلمين.
فالدكتور داهش استغرقه إيمانه بالله الحق الواحدِ الأحد، ورمزُ الداهشية هو “بحق الله والنبي الحبيب الهادي”. وقال تعالى: (والذي خلق فسوى والذي قدر فهدى).
فقد اهتدى الدكتور داهش إلى سواء السبيل، فحلق بوعيه وحسه تأملاً في عظمة الخالق الأعظم (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنتُ متخذ المضلين عضدًا) (الكهف: 51).
وليس تأملاً فحسب، بل تدبر وبحثٌ في معجزات الله تعالى والتحامٌ وتوحد. ولِذا حباه الله سبحانه وتعالى بقلبٍ عامرٍ بالعشق والمحبة المُطلقة للذاتِ الإلهية برغم المستجدات والتطورات في الحياة؛ فحبُّ الله ومحبته أعظم قوة، وما أشدها تأثيرًا في القلوب النقية والأرواح الزكية. لذلك تميز الدكتور داهش بشيم التواصل والتفاعل مع الإنسان؛ فالإنسانُ هو محور الكون، وأمتثاله لله تلقائيث وعفوي لأنه نابعٌ من ذاته. فخلقه الله في أحسن صورةٍ وفضله على جميع المخلوقات، ومنحه عقلاً وعلمًا وبيانًا. فروَّض الإنسانُ الطبيعة نُواةَ الحضارة الإنسانية، بإذن الله تعالى، حتى أصبح العالمُ قريةً صغيرة.
ومن ملامح شخصية الدكتور داهش الإرادةُ القوية والعَزمُ والمُثابرة والجدّ والثقة بالنفس والعقل، وفلسفته في الحياة والموت. ولا يخفي أن كل إنسانٍ يولدُ وتولدُ معه القُدرةُ الإلهية وتلازمُه. (وكل شيءٍ خلقناه بقدر). وكلُّ إنسانٍ مؤهلٌ لما خُلِق.
فقد وهبَ الله تعالى الدكتور داهش مقدراتٍ هائلةً وإمكاناتٍ كبيرةً ومواهبَ إبداعيةً متعددة، وآتاه الحكمة. قال تعالى: (يُؤتي الحكمة َمن يشاءُ، ومَن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا) (البقرة: 269)، (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكرُ أولو الألباب) (الزُّمر: 9).
فقد كرَّمَه الله بالعقل والعلم ليستثمره فكرًا منطقيًا وبيانًا للحقائق الكونية وهُيامًا في الملكوت الأعظم الذي ألهمه إبداعًا متفردًا وإنتاجًا غزيرًا بخيراتٍ ومعارفِ لا حدود لها، وأقسم الله تعالى: (نَ والقلم وما يسطرون) (القلم: 1). وقال تعالى: (وما أُوتيتُم من العِلمِ إلا قليلا.) سبحان الله ربِّ العرشِ العظيم، فكلنا مسؤولٌ فيما أفنى شبابه وقضى وقته وأنفقَ ماله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “إذا ماتَ ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له”. فالدُعاءُ معروف، ولكن هناك دعاءٌ آخر هو الاستمراريةُ بإحياء ذكرى الدكتور داهش العطرة بنشر إنتاجه والكتابة عنه وتبيان محاسنه والاستفادة من المعجزات، خاصة من محبيه وتلاميذه، لإبراز تاريخه، واستدامةِ علمِه للأجيال الحاضرة والآتية. فحكمةُ العارفين من القلوب التقية تصلُ إلى النفوس النقية، وهُم التلاميذُ والمُريدون والمحبُّون.
فجديَّةُ الدكتور داهش في غوصِه على الحقائق، وتفوقِه في عَصر العولمة والاختراع والفضاء. إذن هو ذاتُه المعجزةُ الحقيقية من معجزات الله سبحانه وتعالى التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. (له النعمةُ والفضلُ وله الثناءُ الحسن).
هذا هو سرُّ تميُّز الدكتور داهش الروحي والفكري والعلمي. وفي مُحكَم تنزيله تعالى: (إنما يخشى الله من عبادِه العُلماء). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “العلماء أُمناء الله على خلقه… ويوزنُ مِدادُ العُلماء ودماءُ الشُهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر”.
ونظرية الدكتور مصطفى محمد “أن قيمة الإنسان هو ما يُضيفُه للحياة من ميالده إلى موته.” ولا شك فقد أضاء وأضافَ الدكتور داهش الشيءَ الكثير، وذلك بخبراته وعِلمِه وتجاربه وتعلُّمه وتأمُّلاته وخياله وطموحاته وإخلاصِه لتحقيق أهدافه نحو الآفاق والقِمَم، بما منحه الله من قُدُراتٍ كامنةٍ في مُعجزاته. فهو كظاهرةٍ استفحلت في العقول وآمنَ بها الكثيرون من الفئات الثقافية والعلمية والفنية المختلفة.
وفي الصفحة 11 من كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش “للصحفي المصري لطفي رضوان (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، نجد هذا الإهداء بقلم فنان الشعب الدكتور يوسف وهبي: “السيد الدكتور داهش العظيم، إلى زعيم روحاني وشخصية من أحب الشخصيات التي شاهدتُ منها ما جعلني أؤمنُ بقدرة المولى على منحه المواهب الجبارة لمَن يشاء. أدعو لك بطول العُمر لخدمة الناس والإيمان”.
( الإمضاء: يوسف وهبي، في 29/3/1970).
وأثرت فلسفةُ الدكتور داهش ومعجزاته في أعماق المثقفين العرب في أواسط القرن العشرين وحيَّرت البعض. هل الدكتور داهش هو معجزةٌ أم علمُه الخطير بالروحانيات هو المُعجزة، ومُمارستُه للروحانيات بأدلةٍ محسوسةٍ وملموسةٍ وواضحةٍ وأمام مرأى الناظرين والمتأملين، وتناوله في معجزاته لشتى أوجُه الحياة المُختلفة بدءًا من المسائل الدينية والثقافية والطبية وحتى الجمادات والطيور وكل ما هو مرتبط بحياة ومحيط الناس في الماضي والحاضر والمستقبل؟
لقد أصبح المذهبُ الداهشي حقيقةً لها أعداء ومؤيدون ومُريدون. وحوربَ من رجال الدين والسياسة، إلا أن استمراريته إلى الآن هي الحقيقة والمعجزة. فالدكتور داهش تفرد بالوسطية والاعتدال. فإبداعه الشعريّ نابعٌ من صدق ذاته الحقيقية وأحساسيه الإيمانية وتوحيده وتوحُّده وفلسفته في الحياة والموت. كما إن هناك إشارات لأسراره الروحية وخفاياه الذهنية ومشاعره وأحاسيسه العميقة بالتعظيم والإجلال وتعلقه اللامحدود واستغراقه في جمال الله وكماله، جل جلاله.
فشعراءُ الصوفية كابن الفارض وذي النون المصريّ وابن عربي تناولوا، في شعرهم الصوفيِّ، صفات الذات العليا وأسماء الهل الحسنى. فالاختلاف في المذهبين واضح. ثم لا ننسَ حسان بن ثابت، مادحَ النبي الأكرم، أُسوتِنا في الحياة وشفيعنا يومَ القيامة. ولا ننسَ عظمة “البُردة” التي شملت شمائل المصطفى المعصموم صلى الله عليه وسلم. فهذه ومضاتٌ من ملامح شخصية الدكتور داهش، أستاذ الأجيال الروحي.
وفي الختام، إن الكون قرآن ناطق، والقرآن كونٌ ناطق في فضاءات سماحة النور الإلهي ورحمة الله الرحبة. والتميُّز رمزٌ لقوة الله، مالك المُلك، جلَّ جلاله. فأسأل الله العظيم التوفيق، وآمل أن أكون أصبتُ الهدَف المطلوب في حقِّ الدكتور داهش. كما إني أؤكد أني قابلتُه في السبعينيات من القرن المنصرم، مع الشاعر العظيم محمد الفيتوري، ببيروت، وشاهدتُ ما ذكره شاعر إفريقيا والأمة العربية مما شاهده في الجلسة الروحية، وكان معنا الأصدقاء الأستاذ الصحفي الكبير ياسين رفاعية وزوجته الشاعرة القديرة أمل جراح، والأستاذ المرحوم فاروق البُقيلي وزوجتُه. ولا شكَّ في أن هذه الجلسة الروحية تركت أثرًا كبيرًا في نفوس الجميع، خاصة في نفسية الشاعر الفيتوري الصوفية، علمًا بأن ديوانه “معزوفة لدرويش متجول” سابقٌ لمقابلته للدكتور داهش.
الدكتور داهش كما عرفتُه
الشاعر نزار الحُرّ
شاعرٌ لبنانيٌّ عمل في الإذاعة اللبنانية مراقبًا للنصوص. له تسعة دواوين شعرية، والعاشر قيد الطبع. كتب قصائد بالعامية وبالفصحى. غنى له كثيرون من المطربين والمطربات اللبنانيين والعرب. كرمته جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى العالمية في باريس بمنحه اليوبيل الذهبي تقديرًا لإسهاماته وعطاءاته كعضوٍ في الجمعية لمدة خمسين عامًا.
الدكتور داهش كما عرفتُه
تعودُ بي الذكرى إلى سنواتٍ وسنوات، حين بادرني في يومٍ من الأيام، وأنا في مكتبي، صديقٌ هو الآن في عالم الذكريات بالقول: “هل ترغبُ في التعرُّف إلى الدكتور داهش؟” فقلتُ: “بكل سرور.” فما كان من صاحبي إلا أن أمسك سماعة الهاتف، وتحدث إلى الدكتور الذي حدد لنا الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم موعدًا للقاء.
لا أخفي أنني كنتُ توَّاقًا إلى معرفة ذلك الرجل الذي سمعتُ عنه كثيرًا من القصص التي تقرُب من الخيال بقدبر ما تبعدُ عن الواقع. كانت الأحاديثُ عن الدكتور داهش تدور باستمرارٍ في مجالس تُعقدُ في منزلنا. وكنتُ على صغر سنّي أُصغي بشغفٍ إلى هذه الأحاديث من بعض الزائرين، ومن والدي الذي كان صديقًا لداهش ولم يكن داهشيًا.
وصلنا في الوقت المحدد إلى منزل الدكتور الكائن في محلة القنطاري ] ببيروت[، فدخلناه بعد أن أشرعت لنا زينة1 الباب الذي لا يُشرع عادةً الا لأصحاب المواعيد.
جلسنا في الصالون ننتظر وفي اعتقادي أنني سأقابل رجلاً ناهز الثمانين أو التسعين من العمر. كيف لا وجميع أصدقائه، ومنهم والدي، قد فارقوا الحياة منذ سنين طويلة لو أضيفت إلى الأعماء التي عاشوها لقارَبت المئة!
قامتْ زينة بواجب الضيافة، وقدمت لنا المشروبَ المفضل عند الدكتور، ألا وهو الشاي.
———————————————————
1 هي زينا حداد، ابنةُ الأديبة والفنانة الداهشية السيدة ماري حداد. (الناشر)
———————————————————
وتمر دقائق، حسبتها ساعات، ويدخل علينا رجلٌ معتدل القامة، سريعُ الخطو، يفيضُ حيوية ونشاطًا يُخيل للناظر إليه للمرة الأولى أنه لا يتعدى الخمسين من السنوات، ويُلقي التحية، فأحييه بمثلها، ويقدمني إليه صديقي على أنني من المعجبين بشخصه.
قلت في نفسي وأنا في بحر من الحيرة والدهشة: هل يُعقل أن يكون الدكتور داهش بذاته؟ وتتزاحمُ الهواجس، وتتوزعُ علاماتُ الاستفهام، وتكثُر الأسئلة التي هي بحاجةٍ إلى كثير من الأجوبة. أمام هذه التساؤلات والاسترسال في الأفكار التي تجاوزت بي حدودَ المساحة التي نحن فيها إلى اللاحدود، فاجأني الدكتور بسؤاله: “”بِمَ تفكر، يا أخ نزار؟” قلتُ: “لا شيء.” قال: “بل قل لي.” حينئذٍ لم أجدْ بُدًّا من البوح بما أُضمِر، فقلتُ له: “هل تعرف المرحوم الشيخ مصطفى الحر؟” قال: “بكل تأكيد… لقد كان صديقًا عزيزًا.” قلتُ: “إنه والدي. وأظنُّك تعلم أنه توفي منذ 15 سنة وله من العمر 83”. وهنا نظر إليَّ الدكتور بابتسامةٍ تُخفي كلامًا كثيرًا لم يشأ الإفصاح عنه. وابتسمت أنا بدوري دون أن أزيد شيئًا.
استمرتْ علاقتي بالدكتور داهش من دون أن ألتزمَ الخط الداهشي، فكنتُ أزوره بين الحين والحين، وكان يزورني في بعض الأحيان. وبلغت الصداقةُ بيننا ذروتها حين صرتُ مرجعًا لكثيرين من الراغبين في لقائه.
كانت الداهشية كمذهب، في ذلك الوقت، حديثَ الناس اليومي. فقد اعتنقها وآمن بها نخبةٌ من رجال الفكر والعلم والأدب والسياسة أمثال الدكتور البروفسور جورج خبصا، والدكتور فريد أبو سليمان، والأديبة الفنانة ماري حداد، والشاعر حليم دمُّوس، والوزير الأسبق المحامي إدوار نون، وغيرهم. وكان للظواهر المُدهشة التي ظهر بها الدكتور داهش والتي قيل عنها ما قيل وقع عند أكثر الناس. وها أنا أضعُ أمام الأعين وأُثبتُ في هذه الصفحات ما بقي منها في الذاكرة.
ففي أحد الأيام أتاني الصديق الفنان سعد عبد الوهاب راغبًا في تحديد موعدٍ لزيارة الدكتور مع آخرين. وفي الموعد المحدد دخلنا المنزل، فإذا الدكتور داهش جالسٌ في الصالون، ومُسترسلٌ في مخابرةٍ هاتفية. وقبل أن نجلس أومأ إليَّ بيده للتوجُّه نحوه وهو يرفعُ صوتَه سائلاً المُخابِر عن أسمائنا، نحن الزائرين، ثم يضعُ سماعة الهاتف على أذني لأسمع صوتَ داهش الذي تعوَّدتُه يذكر جميعَ الأسماء بدون عِلمٍ سابق ببعضها. وأسأله، وهو الحاضر بيننا، عن الأمر، فيجيب بأن المتحدث على الهاتف كان شخصية من شخصياته1.
زرتُه يومًا مع سيدة جاءت تستعلمُ عن سيارتها التي سُرقت. فقال لها: “الأمر بسيط”. وتابع حديثه الذي كان قد بدأه معي. وبعد مدةٍ قصيرة نظر إليها ليُعلمها أن السيارة قد استعملت لغرضٍ ما، وهي موجودةٌ الآن في آخر طريق الأرز. وفي صباح اليوم الثاني اتصلت بي السيدة لتخبرني بأنها وجدت السيارة في المكان نفسه، ولأبلغ الدكتور شكرها على جميله.
وفي إحدى الجلسات التي لا تُنسى، جاء الدكتور داهش بورقِ لعب مؤلف من 52 ورقة، وقال لي: “إختر واحدة من بينها”. فاخترتُ الـ 10 ديناري، ثم أعدتُها إلى مجموعة الورق من غير أن أُطلعه عليها. فقال: “دع الورق معك، وأمسِكه جيدًا”. ففعلتُ. ثم سأل: “هل اخترت الشاب؟” أجبتُ: “لا”. قال: “إذن الختيار.” قلتُ: “أيضًا لا.” فقال: “لم أعد أعرف”. وطلب إليَّ أن أُعطيه الورقة التي اخترتُها. قلبتُ ورق اللعب بحثًا عن الـ 10 ديناري، فلم أجدها. عندئذٍ قال لي: “قِفْ.” فوقفتُ وكل ظني أنني سأجدُ الورقة تحت المقعد، فإذا بنظري يقعُ على مفتاحٍ حديديٍّ قديم، فأُمسكُه بناءً على طلب الدكتور، أذهبُ به نحو غرفةٍ بعيدة عن الصالون، فأُشرع بابَها لأجد زهريةُ وُضِعت على طاولة، وفوقها الـ 10 ديناري!
والتقيتُه مرة مع ابن أختي الذي أراد التعرُّف به، فسألنا هل قرأنا ملحَق جريدة “النهار” الصادر في ذلك اليوم، فأجبنا بالنفي. فقدم لنا الملحق لنقرأ فيه مقابلةً أُجريت معه2. وأمضينا عنده ساعةً من الوقت عُدنا بعدها إلى شقة ابن أختي الكانئة في محلة الزيدانية. وما إن دفعنا باب الشقة حتى وجدنا عدد الملحق ذاته داخلها.
ومن روايات الدكتور داهش لي أن شخصية من شخصياته أُعدمتْ بالرصاص على الحدود الإيرانية. وأطلعني، في أحد اللقاءات، على صورةٍ له في إحدى الصحف وهو واقفٌ معصوب العينين أمام عمود الإعدام. فقلتُ له: “أُمنيتي أن أرى شخصياتك
———————————————
1 للدكتور داهش ستُّ شخصيات علوية تشبهه تمام الشبه، لكنها تنتمي إلى عوالمَ أرقى من الأرض. وكان يُسمَح لها أن تتجسد على الأرض لاسباب روحية. (الناشر)
2 نشرت المقابلة في ملحق “النهار” الصادر ف 21/3/1965. (الناشر)
——————————————–
الستَّ مجتمعةً”. قال: “أَعدُك بذلك.” وبعد مرورِ شهرٍ أو أكثر اتصل بي ليلاً، وقال لي: “تعال الآن. نحن هنا ستةٌ في انتظارك”. لبستُ ثيابي وهممتُ بالخروج. وعند عتبة منزلي فكرتُ طويلاً بالمفاجأة التي تنتظرني، ثم قررت البقاء في المنزل.
وعن الحملة التي شنها عليه رئيس الجمهورية الأسبق الشيخ بشاره الخوري، قال “الأديبة المعروفة السيدة ماري حداد اعتنقت الداهشية ودانت بها، فأغاظ هذا التحول في حياتهاشقيقتها السيدة لور وزوجها الرئيس بشاره الخوري الذي أظهر لي العداوة، وحاول أن يوصل إليَّ الأذى بشتى الوسائل. فاضطررت بدوري لأن أدفعَ عني أذاه بوسائلي الخاصة. وكان ما كان”.
كان داهش يأنف من الأحاديث التي تُروى عنه وتُصورُه وكأنه يعبث أو يهرِّج. سألته يومًا عن قصته مع الحلاق الذي دخل صالونه لدقائق، ثم خرج تاركًا رأسه على الطاولة ليحلقه في أثناء غيابه، فما كان منه إلا أن أجاب: “أنا لست مهرجًا أو عابثًا… أنا صاحبُ عقيدةٍ، وأعمل للخير، وأكره أن يُلصَقَ بي مثل هذه الأكاذيب”.
ومما شاهدتُه من عجائب الرجل، تحويل الورق إلى مال. فكان يقصُّ أوراقًا على قدر ورقة المئة ليرة لبنانية، ويحوِّلُها إلى قِطَع نقدية من الفئة نفسها.
وكان يطلبُ إليَّ أن أضع ساعتي، قبل أن أزوره، في أي مكانٍ أريد. وعند حضوري إليه، يُسلمُها إليَّ. وأعود لأبحث عنها في المكان الذي خبأتها فيه، فلا أجدُ لها أثرا!
وفي إحدى زيارات الدكتور داهش لي، رن الهاتف في غرفةٍ ثانية. وقبل أن أنهض لأتكلم قال لي: “دعك منه، فالمخابرة لي.” وهكذا كان. وفي بعض الأحيان، كان يرنُّ، فأتأخر، فيقول لي: “المخابرة لك. قمْ وتكلم”.
وفي أحد الأيام أعطاني ثلاثين ورقةً رُسِم عليها “الرمز الداهشي”1 وفوقه عبارة “بحق الله والنبي الحبيب الهادي”. وطلبَ إليَّ أن أكتبَ كل يومٍ على كلِّ واحدةٍ منها التاريخَ والساعة، ثم أُحرقها. وبعد مرور ثلاثين يومًا زرتُه، فسألني هل أحرقت الأوراق، فزعمتُ أنني فعلتُ. فقال: “لا، لم تفعلْ. ولو فعلتَ، لجعلتُك تربح جائزة اليانصيب الوطني الكبرى كما فعلتُ مع القاضي محمود نعمان”.
——————————————–
1 الرمز الداهشي” نجمةٌ خماسية تُرسم بطريقةٍ معينة. (الناشر)
——————————————–
وأعود إلى حكايا ورق اللعب لأذكر حكايةً أخرى: طلب إليَّ الدكتور داهش أن أختار ورقةً من الأوراق، فاخترتُ البنت البستوني. وبقي الورقُ في يدي. فقال: “هل اخترت الشاب؟” قلت: “لا”. قال: “العشرة؟” قلتُ: “لا”. فادَّعى أنه لم يعد يعرف، وقال لي: “ارفع هذا التمثال (وهو واحدٌ من مجموعة تماثيل صغيرة كانت موضوعةً في الغرفة)”. فرفعتُه، ووجدت ورقة كُتِب عليها بالأحمر: “إن نزار الحر سيختار البنت البستوني”.
هذا بعضَ ما شاهدتُه من عجائب الدكتور داهش، فهل أستطيع أمام الواقع تكذيبَ عيني؟ لقد كان لي معه لقاءاتٌ متعددة حفلت بكثيرٍ من الآراء والتطلُّعات، ولم يُخفِ فيها نظرته في التقمص، واقناعَه الكلي بأن الأرواح غيرَ المطمئنة تتقمص لتكفرَ عن آثامٍ ارتكبتها، ولتصعدَ السماءَ بعد ذلك مُطهرة. وكانت الأديبة ماري حداد تشاركُنا في بعض الجلسات، وتُقضي معظمَ أوقاتها في مكتبة داهش الضخمة مُسترسلةً في المطالعة والتأليف على رغم تقدمها في السن.
والآن نسمعُ كثيرًا من أقوالٍ تردَّدُها الألسُن عن داهش. منهم مَن يقول إنها مات. ومنهم مَن يقول إنه لم يمت، وهو الآن في أميركا. ومنهم مَن يقول إنه ما زال في لبنان.
ورجال الدين، بشكلٍ عام، لم يُولُوا هذه المسالة منذ البداية أي اهتمام؛ فكانوا يتهمون الدكتور داهش بالشعوذة. وأمَّا هو، فكان يأنف من الاجتماع بهم.
ويطول السؤال من غير أن يحظى بجواب صحيح. وأذكرُ هنا أنَّ المرحوم الوزير الأستاذ ماجد حمادة سألني قبل وفاته ببضعة أشهر: “ما هي أخبار الدكتور داهش؟”
قلت: “إنه مات.”فقال لي: “أخبرني صديقٌ بأنه التقاه عدة مراتٍ في بيته القديم في محلة المزرعة”. فأجريت على الفور اتصالاً هاتفيًا بمنزله في محلة القنطاري وسألتُ عنه، فقالوا: “من يتكلم؟” قلتُ: “صديقٌ له. “قالوا: “كيف تكون صديقه ولا تعلم أنه مات!”
حين يتكلم العقلُ الداهشي
الدكتور سلوى الخليل الأمين
أديبة لبنانية ورئيسة “ديوان أهل القلم” في بيروت. حازت الدكتوراه في الحضارة العربية من جامعة بروكسل الحرة (بلجيكا) في العام 1986. عضوٌ مؤسس ومشارك في عدة جمعيات أدبية واجتماعية. شاركت في ندوات ومؤتمرات وأمسيات شعرية وأدبية وفكرية في لبنان وخارجه، ومثلت وزارة السياحة في عدة مؤتمرات دولية ومحلية. لها كتاباتٌ نثرية وشعرية وأبحاثٌ نُشِرت في غير مجلةٍ وجريدةٍ وألقيت من على المنابر الثقافية في لبنان والعالم العربي والغربي، فضلاً عن مقابلاتٍ صحفية وتلفزيونية وإذاعية كثيرة في لبنان وخارجه. نالتْ عدة ميداليات ودروع وشهادات تقديرية. من مؤلفاته: “ترانيم من بقايا الصمت” و”قطوف من ليل الواحات”.
حين يتكلم العقلُ الداهشي
يتحرك صوتُ الله… والضمير
حين تعرضُ الزمن الغابر، لا بد من التريث عند بعض المحطات، خصوصًا إذا ما كانت تلك المحطاتُ مثقلةً بمواقف الرجال الذين يضخون للمستقبل المواقف المعرفية الروحانية المطبوعة بغزارة البحث العلمي الفكري العقلاني، والمتدرج على منعطفات الحياة برؤية ثاقبة، هدفها نهضوي تنويري يشد الإنسان إلى حالات الوعي المعرفي، وإلى موطن الضعف والقوة في تراكيبه العقلية والنفسية، بهدف مؤانسة الحياة بطرقٍ سوية تختفي عثراتها في مندرجات الإرادة القادرة على مجابهة الصعاب والمعوقات، حين تنثالُ حِممُ براكينها أتُّونَ نارٍ يحرقُ كل مَن لا يستوىي على عرش المعرفة الحقة المُمسكة بحيثيات الحياة والموت، والقدر… وحقيقة الوجود.
الدكتور داهش واحدٌ من أولئك القِلَّة القادرني المقتدرين الذين آمنوا بالعقل نبراسَ هدايةٍ وانفتاحَ أنوار، تُضيءُ كلَّ الصفحات، عبر تفاعُلِه في ميادين السلوك اليومي العملي الاجتماعي. لذا لهَجتِ الألسُنُ في زمانه بخوارق عقله القادر على الفعل التأملي الروحاين بروحانية شفيفةٍ صافية تماهت بصفاء نفسٍ لا تعرفُ الزيف ولا حبك الأباطيل، بل على خلقِ حالةٍ من تجحليات استنفار الطاقة الإنسانية الروحانية السامية كي تجد سبيلها الآمن في الحياة انطلاقاً من شفافيةٍ في الحواس المتحركة ضمنًا بقدرةٍ ربانية تثبتُ حضور الذات في الواقع الدنيوي، إثباتًا لدور القيم المتفاعلة إبجابًا بالعمل على الحفاظ على دورها السامي القابل للحياة، من خلال تبيان أهمية الذات الروحية وتلازُمها مع واقع الحياة عبر حضورٍ إيجابي يتفاعل صُعدًا مع تموجات الذات الواعية المدركة، المُمسكة بطبقات الزمن المتغير عبر الحركة والتجاذب، حيث الإنسانُ بينهما هو القادر على ترسيخ عملية النشوء والارتقاء.
هذه المشهديات بل الأفعال التي كان يحركها الدكتور داهش أمام زواره بعقلٍ واعٍ، ظنها الناس، كل الناس، من أعمال السحرة الذين يتقنون الخفة والشعوذة، متجاهلين قدرة الإنسان على التفاعل مع عطيةِ الخالق، ميزته الأولى السامية التي ميزه بها الله عن سائر خلقه… ألا وهي العقل، بحيث تتمُّ من خلاله يقظةُ الفكر الدائمة للتعاطي مع الناس والعالم من حولهم، بحضورٍ متميز، عبر مستوياتٍ مختلفة من انعكاساتِ الوعي المعرفي الروحاني، المجبول بطاقةٍ جبارة على إقامة الفعل المدرك بتراكيبه المختلفة.
لقد أدهش الدكتور داهش الناس في بيروت وعبر العالم، في زمنٍ كانت وسائلُ الإعلام المرئية غير َ موجودة، وكانت وسائل الإعلام المقرةءة والمسموعة لا تصل إلى كل الناس، ولا حتى إلى كل المناطق اللبنانية. ومع هذا، فقد عمت سيرتُه الأماكن والمطارح والمجالس الفكرية والاجتماعية وحتى السياسية، فأنس به أهلُ الفكر والقلم ورجالاتُ العلم، وباتوا متحركين مع دوران عقله المفتوح عبر كل الاحتمالات. أما رجالات السياسة الذين هم كالزمن المتغير المتبدل باستمرار، فقد أخافتهم وأرعبتهم أرياحُ العقل وروحانياته السماوية، الهابطة من علُ على صفاء نفسٍ بشرية منحها الخالقُ نعمة هداية البشر عبر فعل المعجزات التي تحدث عنها كثيرون من رجالات العلم والفكر، فبات الدكتور داهش عنوانًا كبيرًا لحركةٍ ثورية نهضوية، هدفها الصالح العام لبني البشر. لهذا انتشرت الداهشية بين الناس بسرعة البرق؛ الأمر الذي جعل انتشارها بين طبقةت المتنورين من أهل العلم يشكل حالةً خطرةً على أهل السياسة ورجال الدين أيضًا، بحيث فعلت فعلها من اجل حياكة مساراتٍ تبشيرية حضارية نابعةٍ من الشرائع السماوية التي تدعو إلى وحدة الأديان عبر التعمق في مضامينها الرسولية الهادفة إلى تنشيط حركةِ الوعي عند الناس، من خلال خروجها إلى خارج الأسوار المغلقة والمتحجرة، خصوصصا تلك التي كانت تُحرم على المرأة الجهر بتطلعاتها الفكرية والأدبية وحتى الاجتماعية. لذا حاربَ أهلُ السياسة في لبنان الداهشية، عبر مُعاقبة الدكتور داهش الذي أقلقهم بنظرياته التوحيدية الإيمانية ومعجزاتعه الخارقة، فتم إصدارُ الحُكم بنفيه خارج البلاد.
كنتُ قد عرفتُ الدكتور داهش من خلال ما حدثتني به والدتي الشيخة مريم الفقيه، ابنةُ العلامة المجتهد الأكبر الشيخ يوسف الفقيه العاملي (قُدس سره) الذي كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية التي اعتبرت أعلى مركز ديني إسلامي شيعي على الساحة اللبنانية يومذاك؛ ذلك أنه، بعد استقلال لبنان، اتفق أركانُ الطائفة السنية والشيعية في لبنان على أن تكون رئاسة دار الفتوى للمسلمين السنة، ولهذا حمل كل من تولى هذا المركز لقب “مفتي الجمهورية اللبنانية”، ولا يزال.
لقد كانت الوالدةُ على معرفةٍ بأعمال الدكتور داهش، لهذا سعَت لزيارته مع صديقاتها، شأنها شأن كثيراتٍ من نساء بيروت المتميزات، آنذاك بسعة الأُفق والإدراك وحبِّ المعرفة. وقد قصت عليَّ وعلى أخواتي حكاية الدكتور داهش. كنا صغيرات، لم نستوعب يومها ما أختبرتنا به، إلى أن كبرتُ وباشرتُ الاطلاع على أماكن الفكر في بيروت. واتفق، في إحدى جولاتي في معرض الكتاب الذي كان يُقام سنويًا في القاعة الزجاجية في وزارة السياحة اللبنانية في منطقة “الحمراء”، أن لفتني الركنُ الخاصُّ بمنشورات الدكتور داهش. وقفت أتأمل الكُتُب الموقعة باسمه وأنا على عجب من الأمر. وقبل أن تتراكم الأسئلةُ في رأسي، اندفعتُ بحشرية اسألُ المسؤول عن المنشورات الداهشية كيف ظهرت هذه المنشورات التي اختفى ذِكرُ صاحبها بعد نفيه من الوطن! وأصابتني الدهشة حين علمتُ أنه لم يمت منفيًا، كما ظنتْ أمي، أو كما شاع الخبر يومذاك.
قبل أن أقصَّ ما حصل مع الوالدة عند الدكتور داهش، لا بد من التذكير بأن مركز جدي الديني والرسمي والاجتماعي المميز جعل كل ساسة البلاد من كل الطوائف يؤمُّون دارته في برج أبي حيدر في بيروت، للتباحث والتشاوُر وتبادُل الرأي في شؤون الناس. من هؤلاء الزعيم أحمد الأسعد والزعيم صبري حماده وغيرُهم من زعماء بيروت ووُجهائها.
وقد انعكست هذه اللقاءات علاقاتٍ وُدية بين النساء أيضًا، فكانت والدتي على صلةٍ مع نظيراتها من نساء آل الصلح والجارودي والبارودي والأسعد وحماده وغيرهم.
وكعادة النساء حين يقمن استقبالاتهن الدورية الأسبوعية، كن يتحدثن عن ذاك الرجل الذي يُدهش بما يُقال عنه من أنه يقوم بأفعالٍ خارقة لا يستطيعها إلا من أوتي من العلم عتيًا. يومها اتفقت والدتي مع سيدة من آل حماده وسيدة من آل البارودي على القيام بزيارةٍ استطلاعية للدكتور داهش. ذهبنَ إليه، وكان منزله، كما أذكر، في محلة النويري في بيروت. دخلن المنزل، وكان بناءً على الطراز القديم، تتوسطه صالة واسعة. جلست السيدات في طرف القاعة، ثم دخل عليهن الدكتور داهش سائلاً عن مغزى الزيارة. بعدما عرف قصد النساء، قال: “لِتحمل كل منكن ورقةً بيضاء، وتكتبْ عليها ما تشاء، ثم تلفها والقلم، وتضعها على أُذنِها وتهمس: أُريدُ الجواب”. قُمنَ بما توجه به اليهنَّ. عندئذٍ قال لهنَّ: “فلتفتح كل واحدةٍ منكن ورقتها”. وشد ما كانت دهشتهن عظيمة حين وجدن الجواب بخط يده مكتوبًا في أسفل الورقة… عدا والدتي التي كانت ورقتُها بيضاء. وقبل أن تنبسَ ببنتِ شفة، ضحك وسألها: “ورقتُك بيضاء، اليس كذلك؟” حتى إن السؤال الذي كتبته بخط يدها لم تجد له أثرًا. ثم قال لها: “أعيدي الكرة، واكتبي ما تشائين، فستجدين الجواب.” وفعلاً وجدت الجواب. ثم قال للسيدة البارودي: “أعطيني القرشَ المثقوب الموجود ف قعر جزدانك.” 1 فتحتِ الجزدان وهي مرتبكة، فأردف قائلاً: “القرش موجودٌ في الجهة اليسرى من جزدانك.” وجدته، ورمته إليه حيث كان جالسًا قُبالتهن في الجهة الأخرى من القاعة الممتدة طولاً. حكَّ القرشَ المثقوب بأنامله، ثم أعاده إليها رميًا. فتلقفته، فإذا هو ليرةٌ ذهبية عثمانية ضُربت في عام كذا وكذا. عندئذٍ دبَّت الفرحة مع الإعجاب من النساء لرؤية الذهب، لكنها استدرك قائلاً لهنَّ: “سيعود إلى أصله المثقوب بعد قليل. لو أردتُ لملأتُ هذا القاعة ذهبًا! لكن لا يمكن أن أفعل شيئًا مخالفاً لِما شاء الله.”
هنا بيتُ القصيد من كل ما ذكرتُ، ومن كل ما بقي ساكنًا في ذاكرتي، عن داهش المُدهِش الذي لم تنتهِ سيرتُه بانتهاء نفيه من قبل المسؤول السياسي في ذاك الوقت؛ والقصة متداولة ومعروفة كما روتها لنا أمي فيما بعد، خصوصًا أنها كانت تسجل إعجابها الدائم بقدرة الدكتور داهش ، وهي الشاعرةُ القارئة المتمكنة من بواطن العقل، والمتماهيةُ
———————————————-
1 كانت القروشُ المثقوبة من العملة المتداولة في لبقنان يوموذاك.
——————————————
مع مؤلفات الشاعر حليم دمُّوس الذي أدخلته إلى عقولنا تربية فكرية معرفية. كذلك كان كتابُ “ضجعة الموت” للدكتور داهش رفيقها الدائم بعد الزواج الذي حتم وجودها خارج بيروت، في منطقة الجنوب اللبناني حيث وسائلُ الاتصال ليست على حجم ما هي عليه اليوم من التطور التكنولوجي المتقدم.
أذكرُ حادثة أخرى وقعت حين كنتُ في التاسعة من العمر. حملتني والدتي يومًا إلى عيادة الدكتور خبصا في بيروت بسبب حالةٍ مرضية ألمت بي؛ ولم أكن أعرفُه إلا بهذا الاسم. سألته عن الدكتور داهش وهل صحيح أنه مات، أجابها بصوتٍ خافت: “لا أعلم.” وكانت تكرر زياراتها للدكتور جورج خبصا، ومن ثم للدكتور شمس، وأنا رفيقتها الدائمة، والحجة معالجة الطفح الجلدي الذي أصبتُ به بسبب اللعب المتواصل تحت أنوار الشمس القوية خلال عطلة الصيف؛ وهو ما يُشبه حاليًا عملية “البرونزاج” التي تتباهى بها النساءُ في هذه الأيام. وبما أن الأمر لم يكن من الأهمية التي تستدعي هذه الزيارات المتكررة، فقد أدركتُ مؤخرًا رغبة الوالدة في زيارة الدكتور جورج خبصا لاستفساره عن مصير الدكتور داهش. فلربما كانت مؤمنة سرًّا بالداهشية، ولاسباب عائلية تربوية محافظة لم تجهر بالأمر؛ ذلك بأن والدها كان في موقع ديني متميز، فضلاً عن أن التقاليد والأعرف في ذاك الزمن كانت تمنعُ على المرأة الحراك إلا من خلال قوامة الرجل المفروضة أمرًا واقعًا عليها. لكن بعد أن قرأت مؤلفاتِ الدكتور داهش، وما كُتب عنه، خصوصاً بقلم العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، أظنُّ أن والدتي كانت داهشية بالفعل، خصوصًا أنها امرأة متعلمة ومثقفة وكثيرةُ الاطلاع.
وأنا، اليوم، على تواصل جديد مع الدكتور داهش من خلال مؤلفاته المتعددة، أستعيد تلك الذكريات، فتسعدني. لكن ما يؤسف له وأودُّ الجهر به هو الآتي: لماذا يخاف القادةُ في بلادي من أبنائهم المبدعين؟ هل الوصول إلى المراتب العليا من الإدراك الروحاني الشفيف تهمةٌ يعاقب عليها القانون؟ وكيف للبشرية أن تتطور وتتقدم إذا تم الحرص على الانغلاق والتقوقع والعيش ضمن دوائر لا ينسلُّ منها الضوء مطلقاً؟ وهل امتدادات التطور المعرفي خطيئةٌ لا تغتفر؟
هنا يتماهي الفعل المدرك، حين تُخولُ حالاتُ الاستشراف المعرفي الإنسان القادر على رصد الحقيقة أن يتعاطى مع حوليات الزمان والمكان، وفكرة الوجود وأبعاده وتفاصيله المتجلية ضمن القوانين المدنية والدينية، عبر قُدرته على لجم الاضطرابات الذهنية والنفسية، من خلال بعث السلام الحقيقي والاطمئنان الفعلي في نفس الإنسان وذاته القادرة على التجلي.
لهذا، وبينما أنا أقرأ مجددًا ما قاله العلامة عبد الله العلايلي في الدكتور داهش – وهو الذي لا يستطيع أحدٌ مهما علا شأؤه وشأنه التسرب إليه بحالةٍ من الشك، أو الإشارة إليه بنقصٍ في المعرفة أو الوعي – فضلاً عما قاله الإعلامي لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلة “المصور” المصرية سابقً، وما آمن به الأديبُ الكبير حليم دمُّوس والدكتور جورج خبصا والسيدة ماري حداد وغيرهم وغيرهم من أصدقاء الدكتور داهش وزواره الذين وصلوا إلى المراتب العليا في قنص المعرفة والعلم، أُقِرُّ بأن هؤلاء الناس من أعلام الفكر والعلم واليقظة المعرفية لا يمكن أن يستسلمو للداهشية عن عبث – لهذا أسأل: هل يبقى الشك وسوءُ الظن، ساعتئذٍ، مرسومين ضمن دوائر القلق المفرط في عشوائية التفكير؟!
هنا لا بد من وُضوح الرؤيثة، وذلك حين يكونُ الرسمُ بالكلمات هو المنطلق لتأكيد حالةٍ علمية روحانية حاولتْ أن تغير وتبدل في حياة الناس، لتأخذ بيدهم إلى حدود يقظة النفس، عبر لمعات التحولات الفردية والاجتماعية، وحتى الإنسانية، بهدف الإصلاح الذي أراده الدكتور داهش نوراً يسكنُ المطارح قبل القلوب ومُهجِ الصدور؛ لأن فعل الإنسان، على وجه الخليقة، فعلُ إيمانٍ بقدرةٍ ربانية أعطته رحابة الغب من كنوز المعرفة الأسمى من أجل التواصل مع الحياة الأرقى والأنقى… و الأفضل.
هنا تتماهى التساؤلات المختلفة: تُرى لماذا يقهرُ الإنسان نفسه في الدخول إلى الحياة المادية ونزعاتها المدمرة المهلكة؟ تُرى، لو انطلق المرءُ إلى رحاب النفس الروحانية المتفانية في العطاء السمحِ، كما فعل الدكتور داهش، أما كان الفعلُ الأقوم والأسلم لسلام البشرية جمعاء من ويلات الحروب ونزعاتها الشريرة هو الحل الأنسب والأضمن؟ أما كان الهروبُ من حالات الفقر المُدقع وآلامه القاهرة، ومن الموت الفجائيِّ المجبول بأمراضٍ تُهلك العافية وتُبلي الجسد، ومن دوامه السعي وراء الرزق الذي يؤمن العيش الهنيء للإنسان، أسلمَ وأنفع؟
لقد أراد الدكتور داهش، كما ترأءى لي من خلال ما قرأتُ له وما قرأتُ عنه، التماهي مع بني البشر كي يرفع عنهم العبودية والاستعباد، والخضوع المطلق لشكليات السلطة والمال. لهذا أطلق العنان لأفكاره التنويرية الملونة بالعدالة الاجتماعية، والحب، والتسامح، والغفران، انطلاقاً من مسارٍ ودودٍ ينبذُ الشر، ويزرع الخير في جنبات الوطن عقيدة عمل جهاديةً من أجل الوطن والمواطن على حدِ سواء، بغض النظر عن المصالح الخاصة الشخصيانية الذاتية؛ وهذا ما حدا به إلى القول: “لو أردتُ لملأت هذه القاعة ذهبًا!”
من جملة ما قرأته عنه، وهو الصحيح بشكله والمضمونن ما خطه قلمُ المحامي حسني أبو ظهر حين قال: “كل عظيم في الدنيا ينقسم الناس فيه إلى قسمين. ولو لم يكن داهش عظيمًا وعبقريًا، لما اختلف فيه الناس، ولما أحدث هذه الضجة الهائلة”. هذا القول يؤكد لي مقولة “لا نبي في قومه.” والأمثلة على ذلك كثيرة منذ عهد الأنبياء الأول مرورًا بالمسيح عيسى بن مريم والفرنسيين ويهوذا الذي باعه بثلاثين من الضفة، إلى النبي الأكرم محمد بن عبد الله الذي ناهض دعوته أبناءُ عشيرته وقبيلته الأقربون وكان ما كان من هجرته ومخبئه الأول في “غار حراء”.
أزيدُ لأؤكد أن الكلمة الحرة الواثقة النصوح والرأي السديد لا مكان لهما تحت ضوء الشمس في وطني لبنان اليوم وقبل اليوم، وحتى على سطح المعمورة كلها الملونة بصراع البقاء، وبحُكم القوي للضعيف، فكيف في ذاك الزمن الذي عاش فيه الدكتور داهش بين أساطينَ من أهل السياسة المتحذلقين الخائفين على كراسيهم ورُتبهم ومراتبهم ومخلفاتهم، أُولئك الذين حملوا نظرية الاستئثار بالسلطة واستعباد الناس: سلطة حاكمة متحكمة ما زالت أشكالُها سارية المفعول حتى عصرنا الحاضر. لهذا بقي الدكتور داهش المسالمُ في آرائه ومعتقداته الربانية الموحدة الواقف الوحيد مع مريدية بقوةٍ ضد أخطاء الحكام بعبقريةٍ فذة ما عرفت التواءات الضمير، مؤسسصا بذلك لمساراتٍ إنسانية يعلو الحق على مراتبها، ولا تنوءُ مفاهيمها بأثقال الباطل، بل تدحضُه وتتصدى له عب مناشير تُقرأ يوميًا، فتقلق السلطة الحاكمة. وكان همّثه الأوحد من كل ذلك تعميم الإصلاح الجيد والمفيد بين الناس، في حين أن من حاربوه من أرباب السلطة كان همهم زرع الشقاق والنفاق والاسترزاق اللامسؤول المطعم بالفساد في قلب الوطن، بهدف إغراق المواطن في جحيم الجهل المؤدي إلى التبعية المطلقة التي تبني الرتب والمراكز لقبلية تنعم بخيرات البلاد بعيدًا عن مواطجن المعرفة والحس الوطني التي تُعلي مداميك المجد للوطن. لهذا كُثر مناصرو الدكتور داهش ومؤيدوه بين المفكرين والأدجباء والمتنورين من أبناء لبنان والعالم العربي والغربي، وما زالت الداهشية قائمة حتى اليوم؛ وهذا دليلٌ واضح على عمق استدراراتها وأبعادها وحيثياتها المقنعة، خصوصًا وسط هذا العالم المتهالك فوق أديم صراع البقاء، مُهلكًا بعضُه بعضًا، دون أي اعتبار للمبادئ الخلقية والإنسانية التي نادت بها الشرائعُ السماوية كلها، وحتى القوانين الوضعية دون استثناء.
تُرى لو وقف الزمانُ عند حدود التنافُس الحر، بعيدًا عن حالة القتل المر والمدمر التي دكت أسافينها بين الأخوين قايين وهابيل منذ بدء الخليفة – تُرى أكنا على ما نحن عليه اليوم من تطور وتقدم وارتقاء مفاهيم؟ كلنا يعلم أن الرسل والأنبياء والفلاسفة والعلماء وأهل المعرفة والتنوير هم أوتادُ الأرض التي ثُبتت أسسها، وارتفعت أبراجها، وتهادت راياتها؛ وهم الذين أرسو للبشرية مداميك تقدمها وتطورها اانبعاث حضاراتها. ولا غرو أن يكون الدكتور داهش أحد الدعاة المصلحين الداعيين لصلاح النفس توصلاً إلى صلاح المجتمع، عبر ثورةٍ روحانية بيضاء استصرخت الضمائر المؤمنة في سبيل التآخي بين الناس من اجل بناء الوطن السليم المعافى، ومن اجل بناء إنسانه الودود، المقبل على العمل بنفسٍ قابلةٍ للعطاء دون مشنة، بل عبر التضحيات من اجل الصالح العام والخير المفيد، ضمن حركة بشرية إنسانية تُسقط مفاهيم الربح والخسارة… ومقولة: “من أين لك هذا؟”
لقد آمن الدكتور داهش، فعلاً، بما تراءى له من حقائق الأمور التي لا تُسيء إلى الإنسان أياً كان، وإلى أية عقيدة انتمى؛ وبقي المؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، لا تغره الدنيا بمشهدياتها الملونة والمتلونة لثقةٍ عميقةٍ بما منحه الخالقُ من روحانية صافية شفيفة مكَّنته من اختراق العقول الجادة التي اخلصت له، وأيدته بجرأةٍ وصبرٍ برغم كل المتاهات التي أسبغت تلاوينها المؤذية نفيًا واضطهادًا عبر كل الحقب المتتالية، والتي مكنت النخب الواثقة برؤاه وسعَةِ فكره واطلاعه الروحاني من أن تحمل أفكارَه رسالةَ قيم ومبادئ، استوت تحت العنوان الكبير “العقيدة الداهشية” التي هي رسالةُ محبةٍ مثاليةٍ في طروحاتها وأفعالها وألقها المتفاعل البارز عبر العالم حتى اليوم.
هذا ما قرأته عنه، عن دعوته إلى وحدة الأديان المنزلة في إلهٍ واحدٍ أحد، إذ كان يقول: “إن الإسلام… دينُ القوة مع العدل والمساواة، والمسيحية الحقة… دينُ التسامح المطلق”. لهذا دعا الجميع إلى قراءة التوراة والإنجيل والقرآن بتمعنٍ وإدراك كي يحصلوا على الإيمان المطلق الصحيح، المنزه عن شهوات الدنيا وخزعبلاتها الشيطانية. ولهذا كله رفض مغريات الحياة ومشهدياتها الملونة، وعكف راضيًا بما هو عليه، يطلق دعوته الروحانية إلى إصلاح النفس البشرية، وصولاً إلى غصلاح المجتمع. حتى كتاباته الأدبية كانت تتمحور حول الذات، والنفس، والموت، والحب، والقيم، والمفاهيم الممنهجة عبر رؤي ونظريات شكلت أساساً لمشروع ثقافي معروفي روحاني، لا يكترث للنظريات المبطنة بالشر، والمضمرة بالتسلط والآثام. قال مخاطبًا الموت بإيمان مطلق:
“أيها الشاهدُ ما ترتكبه البشرية من مظالم،
وما ترمي إليه الإنسانية من أطماع!
أيها الموجود في كل زمان ومكان”
هذا الرجلُ المدهش الذي خاطب الموت بكل حريةٍ إيمانية، معتليًا الزهد مسارًا، اخترق الحياة بمواهبه وظاهراته الروحانية، وجعل حالةَ الالتفاف حوله ثابتةً وعميقة، فلم تنتف الحماسة إليه مع مرور الزمن، بل ازدادت فعاليته انتشاراً قائمًا على محاكاة العقل بروح سامية، وحكمةٍ ما زالت حولياتها متجلية عبر مُريديه الكثر، عنوانَ هداية لحياة مطمئنةٍ… آمنة.
هنا دعوني أختم هذا المقال بنفحة وجدان خاصة أهديها إلى روح الدكتور داهش الآمنة المطمئنة في رحاب الله، فأقول:
حين أبعدوك، كنت الوحيد المنتصر في ساحة الإيمان.
حين أبعدوك، لم يقرأُوا جيدًا بوارق الأمل بعودتك في صدور محبيك.
حين أبعدوك، كانت الكلمة هي العدو الأكبر، وكانت لغتثك الصادقة هي السيفُ المُصلَّت على الرقاب، رقاب مَن ظلم، وبغى، وتجبر.
أرادوا قتل الروح المتماهية عندك مع الضمير الحي بهدف قتل الكلمة الناطقة بالحقيقة، بدون علم منهم أن لغة الحق دومًا هي الغالبةُ مهما قست الظروف.
لم يصلوا إلى حدود استيعاب قدراتك الروحانية المتميزة التي مُنحَت إليك من رب العالمين. فحين أردت نشر أفكارك في زمن الردة، تنويرًا لمواطن ومجدًا لوطن، جوبهتَ بالنفي. لكن الروح بقيت جوالة من حي إلى حي داخل الوطن، وعبر كل الحروف الممغنطة على بطاقات الخلاص.
في نهاية المطاف، تنجلي الحقائق… تعلو الراياتُ البيضاء… تنحدر سنواتُ القهر… يرجعُ الصدى المندى بأغاريد النصر، فتهبُّ اللغات، لغاتُ الحق، مجلوَّةً ببرعاتٍ صادقة تشهدُ أن الكلمة الداهشية أمسكتِ الحقيقةت الوجودية والروحانية، عبر تفاعلاتٍ شفافةٍ صادقة، ارتسم من خلالها صوتُ الله، الكامنُ في الصدر، صدرِكَ، صوتًا للضمير، بلا مُنازع.
بيروت، 12/7/2009
داهش... كما أذكُرُه
الأستاذ ياسين رفاعية
روائي سوري. مارس الصحافة والتحرير في الصفحات الأدبية. عمل موظفًا في المكتب الصحفي في القصر الجمهوري (1960 -1961)، وسكرتير تحرير في مجلة “المعرفة” السورية. رأس القسم الثقافي في مجلة “الأحد” اللبنانية. عضو “جمعية القصة والرواية”. غزير الإنتاج. من مؤلفاته في القصة والرواية: “العالم يغرق” (1963)، “الممر” (1978)، “الرجال الخطرون” (1979)، “وردة الأُفق” (1985)، “إمرأة غامضة” (1993)؛ وفي الشعر: “أنت الحبيبة وأنا العاشق” (1978)، “كل لقاءٍ بك وداع” (1994).
داهش… كما أذكُرُه
كنت قد سمعتُ مراراً بخوارق الدكتور داهش. ولما كنت رجلاً علمياً وعلمانيًا، لم أكن أؤمن قط بالمعجزات وتحقيق ما لا يتحقق إلا بالعلم والحساب: واحد زائد واحد اثنانز وكنتُ أستغربُ كيف أن أساتذة جامعيين ورجالاً معروفين كانوا يتحدثون عن هذا الرجل النابغة الذي أعطاه الله نعمةَ الحاسة السادسة، بل النبوءة والمعرفة واستشراف المستقبل. وفي فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم تزايدَت الأحاديثُ عن هذا الرجل وعن خلافه مع الرئيس بشاره الخوري، والتقوُّلاتُ إن الرئيس الأسبق تآمر عليه ونفاه ليظهر في طهران، ويُقادَ إلى حبل المشنقة، وإن الصحافة الإيرانية والعالمية نشرت حادثة الإعدام ودعمتها بالصور بشكلٍ لا مجال للشك في حقيقتها. لكن الرجل سرعان ما ظهرَ ثانيةً كأنه بُعث من موته ليتمم رسالته التي نادى فيها بالتوحيد بين الأديان السماوية كافةً. وهي دعوةٌ جميلةٌن لو تحققت لنفت الحروب بين الشعوب ولتحققت وحدتُهم بما يشبه أنه عالمٌ واحد وإنسانٌ واحد وانتماءٌ واحد. إن دعوة داهش، من هذه الناحية، فيها بعدُ نظر: إن الشر والكراهية والاعتداء والعداوةَ التي يندفعُ العالم نحوها تنتفي كلها إذا تحققت الوحدةُ الروحية بين أبناء البشية في انتماءٍ واحد وعبادةِ إلهٍ واحد.
إذ أخذنا هذه الدعوة من وجهةِ نظرٍ سياسية، رأينا أن فيها من العقل والإيمان بالمستقبل ما يُنبئُ، لو تحققت، بسلام دائم بين الشعوب، فتنتصرُ البشرية على نفسها وتطردُ الرجالُ الطُغاة الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ويحتقرون الإنسان، ويتآمرون عليه. من هنا فإن دعوة الدكتور داهش لاقت حماسةً من فئةٍ كبيرةٍ من الناس، خصوصاً الذين يعيشون تحت وطأة الظُلم والتعسُّف وإهانة الإنسان… إنها دعوةٌ إصلاحيةٌ تنشدُ للبشرية حياةً أفضل قوامُها الحرية والديمقراطية وحقوقٌ الإنسان والتعالي على المصائب والسعي إلى حياةٍ حُرَّةٍ تدعمُها الرفاهية والسعادة. وهي دعوةٌ لو تحققت لانتفى من حياة البشر الحاجةُ والعوز، وانحسر الفقر؛ ذلك أن ثلثي العالم تحت سقف الفقر، بل أشدُّ من ذلك. فعندما تتساوى البشريةُ في الأخذ والعطاء وتتقاسم ثرواتها الزراعية والنفطية والعلمية بأشكالها، يأخذ كل ذي حق حقه.
لقد قرأتُ مظم كتب الدكتور داهش، منها الفلسفية والشعرية الداعية إلى حب الحياة والانتصار عليها؛ وكلها كتبٌ جميلة تُنعشُ النفس الإنسانية لِما فيها من نظرةِ تفاؤلٍ وأمل وتحقيق أمنياتز هذا ما دعا إليه معظم الفلاسفة والمصلحين والزعماء الوطنيين في كل أنحاء العالم، منها ما تحقق ومنها لم يتحقق. لكن الدكتور داهش بث في النفس الإنسانية هذا الطموح الذي لا بد، مهما تعقدت الحياة اليومية، من أن ينجزَ ما تمناه في حياته الثرة الغنية التي امتدت إلى خمسةٍ وسبعين عامًا من العمر.
وكنتُ أتساءلُ هل حقق الدكتور داهش ما كان يتمنا في كل ما دعا إليه. ربما تحقق بعضُ هذا التمني في القليل، والأملُ أن يتحقق في الكثير. ولكن ما يسترعي النظر أنه زرعض الفكرةَ التي تجذرتْ في الأرض، وما زالت تتوسع وتُثمر يومًا بعد يوم. وهذا كان منطقَ الأنبياء والمفكرين والمُصلحين الإجتماعيين منذ انبثقت البشرية إلى اليوم.
لقد رحل الرجلُ إلى مثواه الأخير، لكنَّ مبادئه وقيمه ومُثُلَه العُليا ما زالتْ تشقُّ طريقها إلى النور، وتجمعُ حولَها العديد الذي يتكاثرُ بإيمانه بهذه المثل والقِيَم طالما أن فيها خيرَ الإنسان وتقدمه وتطوره نحو الأفضل.
في السبعينيات من القرن المنصرم تكاثر الحديثُ في الأوساط الاجتماعية عن الدكتور داهش وأعماله وانجازاته بنا كانت هذه الأوساط تسميه معجزاتٍ في شفاء المريض، وإخراج السجين من سجنه، وحمْلِ المرأة العاقر بلمسةٍ من يده، وفي معرفة المجهول واكتشاف الأسرار والنبوءات التي تحققت مثل اغتيال الرئيس كندي وموت بشاره الخوري بمرضٍ عُضال ونشوبِ حروبٍ في هذا المكان أو ذاك. تقوُّلاتٌ كُثرتْ إلى أن أُتيحَ لي، عل يد الدكتور غازي براكس، الذهابُ إلى الدكتور داهش والتعرف عليه عن قُرب؛ وكان سببُ ذهابي التثبت من حقيقة هذه الأشياء، وبالتالي السؤال عن زوجِ أُختي الدكتور علوان الدليمي الذي اختفى في دمشق في منتصف السبعينيات من القرن العشرين في ظروفٍ غامضة، وهل يستطيعُ شفاءً زوجتي الشاعرة الراحلة أمَل جراح. ذهبتُ إليه يَحدوني الأملُ في أن أسمع منه الأخبارَ الطيبة.
ذهبتُ برفقة الدكتور براكس وزوجتي أمل إلى منْزل الدكتور داهش القريبِ من منطقة البطريركية أو القصر الجمهوري القديم في بيروت، وصعدنا درجاتٍ عدةً إلى الغرفة الواسعة التي كان يجلس فيها الدكتور داهش. كان بملابس البيت فاستقبلنا بابتسامةٍ رقيقةٍ فيها من التواضُع والاهتمام بالضيف الكثيرُ الكثير. وكان عنده عدَّة أشخاصٍ، أساتذة ودكاترة، لا تحضرُني أسماؤهم الآن، وكان انطباعي الأوَّل أن الرجل يُحاط باحترام كبير من الحضور، وما إن يتكلم حتى يصمتَ الجميعُ في تهيُّب مَن يجدُ نفسَه ضيفًا على رجلس خارقٍ ليس من طبيعة الناس العاديين. كان يتحدث في كل شيء: في السياسة، في الأخلاق، في فساد البشرية الذي يستشري في العالم كله.
لم يسألني الرجلُ عن اسمي، كما إنَّ الدكتور براكس لم يعرف ما جئت للسؤال عنه؛ فقد كتمتُ رغبتي هذه لأتحقق من صِدق الرجل فيما يدَّعي عنه الآخرون. وبعد جلسةٍ طويلة وشُرْبِ الشاي، قال: “هل تريدُ أن تعرف عني؟” قلتُ: “نعم.” قال: “خذْ ورقةً بيضاء واكتبْ فيها ما تشاء”. سحبتُ ورقةً بيضاء من على الطاولة، وكتبت فيها عبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” من غير أَن يرى أحدٌ من الحضور ما كتبتُ. فقال: “أطْوِها وضَعْها في جيبك.” ثمَّ إنه سحب ورقةً بيضاء، ورفعها عاليًا، وخطَّ بسبابته شيئًا عليها كما لو أنه يكتبُ بها، ثم طواها عدةَ طياتٍ، وأعطاني إياها قائلاً: “ضعها في جيبك”. ثم طلب إليَّ بعد قليل إخراج الورقتين من جيبي، وطلب فتحهما، ففتحتُهما، ويا لشدة دهشتي، إذْ قرأتُ في الورقتين ما كتبتُه أنا بخط يدي كما لو أنهما ورقتان لنسخةٍ واحدة، وبدقةٍ تامة!
كانت تلك الحركةُ المفتاح لشخصية داهش، فراح الحضورُ يتسابقون في الحديث عن معجزاته، ومنها شفاءُ طفلٍ من الشلل، أو إبلالُ إنسانٍ من مرضٍ خطير، أو الكشف عن مالٍ ضائع، وما أشبه.
وبعد قليل طلبَ إليَّ الدكتور داهش الذهاب إلى صدر الغرفة حيث تقومُ خزانةٌ بعدةِ جوارير وقال: “افتح أي جارور”. ففتحتُ واحدًا، فوجدتُ أوراقاً مطويةً بلا انتظام، يمكنُ أن يكون عددُها مئتين أو أكثر. فطلب إليَّ اختيارَ واحدة، فأخذتُ واحدة لا على التعيين. قال: “افتحها واقرأها”. ففتحتُها، وما كان أعظمَ دهشتي عندما قرأتُ ما يلي: “يحضر السيد ياسين عبدو رفاعية في يوم كذا (أي اليوم الذي جئتُ فيه) ليسأل عن صهره، زوج أخته الذي اختفى في سوريا في ظروف غامضة”. وبعد أن فرغتُ من القراءة. وأنا مدهوشٌ جدًّا، قال لي: “هذا الشخص الذي تسألُ عنه موجودٌ في سجن المزة في دمشق، ويتعرضُ للضرب والإهانات والتهديد. ومع ذلك، يواجهُ سجانيه ببطولةٍ نادرة تُثيرُ الإعجاب. وهذا الرجل الذي خُطِف من منزله في منتصف الليل قبل سنتين سيظلُّ مسجونًا سبعَ سنوات، وسيُعاد بعد ذلك إلى المنزل الذي خُطِف منه”.
في الواقع هزني الموقفُ، وشعرتُ بأن هذا الرجل من نِعَم الله، وأَنَّه موهوبٌ، وفيه سرٌّ من أسرارا لله بتواضعه الجمِّ، وحكمته، وإدراكه ما لا يُدرَك كما هو الحالُ عند المتصوفة بأنواعها. ولكنه لم ينعزل، إنما استخدام موهبته في نفع البشرية كلها.
وما حصلَ فيما بعد أن زوجَ أختي الدكتور علوان الدليمي خرجَ من سجنه كما تنبأ له الدكتور داهش تمامًا وفي التوقيت الذي حدده بالضبط.
في تلك الجلسة نظرَ الدكتور داهش إلى زوجتي أمَل جراح، وقال لها “أَنتِ مريضةٌ بالقلب. “قالت له: “نعم”. قال: “لو لم تُجري عملية في قلبك لكنتُ قادرًا، بإذن الله، على شفائك”. ولم يكن الدكتور داهش ولا الحاضرون على عِلم أن أمل أجرتْ عمليةً في القلب. ثم تابع الدكتور داهش يقول: “هذه العملية التي أُجريت لقلبك لم تكن ضرورية. كنتِ ستُشفين من تلقاء نفسك.” وهذا ما قاله، في ما بعد، الأطباء، إذ أجرت أمل جراحتها الأولى في لا يبزغ على يد جراحٍ ألماني كان عليه أن يوسع الصمام المتضيق قليلاً، ولكنه وسعه أكثر من المطلوب، فخربه؛ وهذا ما اضطُرَّ أمل لإجراء عملية ثانية على يد الطبيب اللبناني الأصل الدكتور مايكل دبغي الذي زرع لها صمامًا اصطناعيًا. ومما قاله دبغي: “إن عمليتها الأولى لم تكن بحاجة لها، إذ كان يكفيها 25 حقنة بنسلين تُشفى بعدها تمامًا من غير حاجة”. ذلك أن الصمام المذكور كان متكلسًا، و25 إبرة بنسلين كانت كافيةً لشفائها، تمامًا كما قال لها الدكتور داهش.
هذه الوقائع التي رويتها رويتها وأنا شاهدٌ شخصيٌّ عليها؛ الأمر الذي أكد لي أن ما قيل في الدكتور داهش كان حقيقةً واقعة. وما أتمناه الآن أن يُثابر مريدوه بإنجاحِ دعوته في توحيد البشرية تحت ظلِّ إلهٍ واحد لا نختلفُ فيه.
قصتي مع الدكتور داهش
المحامي الدكتور جوي تابت
دكتور في الحقوق. محامٍ في الاستئناف. أُستاذ جامعي في القانون الدستوري. مستشارٌ قانونيٌ في مجلس النواب اللبناني سابقًا. عين سفيرًا للبنان في شباط 1994، وشغل منصب مدير المحفوظات في وزارة الخارجية. اشترك في عدة مؤتمرات وندوات ولقاءات علمية، وله دراساتٌ واستشاراتٌ وتقاريرُ كثيرة في القانون الدستوري. نُشرت أطروحته في القانون المقارن “حقُّ رئيس الدولة في رد القوانين إلى البرلمان لإعادة النظر فيها” باللغة الفرنسية (2001)، وباللغة العربية (2008).
قصتي مع الدكتور داهش
معرفتي به
سمعتُ كثيرًا بالدكتور داهش منذ صغري وبما كان يأتيه من أعمالٍ خارقة. وسمعتُ أيضًا بأن له أتباعًا كُثرًا، منهم أشخاصٌ لامعون، أصحابُ مراكز مرموقة ومهنٍ حرة، كالمرحوم الدكتور جورج خبصا، صديق أُسرتنا، والمرحوم الدكتور فريد أبو سليمان. لقد حركت هذه الأخبار فُضولي، فقصدتُ يومًا عيادة الدكتور فريد أبو سليمان في بيروت (فوق سينما روكسي – ساحة البرج) وكنتُ ما أزالُ تلميذًا في الصفوف الثانوية في المدرسة اليسوعية. وتعرفتُن يومذاك، إلى الدكتور فريد، فأخبرني عن معجزات الدكتور داهش، ومنها أنه استحضر له خلالَ جلسةٍ روحية أحد قُفازين جلديين كان قد أضاعه في باريس، حين كان طالبًا في الطب. وأهدى إليَّ كتابً من تأليف الدكتور داهش عنوانُه “مذكرات دينار” ما أزال أحتفظُ به اليوم. ثم اشتريتُ فيما بعد اكثر كتب الدكتور داهش.
عندما تخرجت محاميًا متدرِّجًا التقيتُ بالدكتور أبو سليمان، وعرفتُ أنه يسكن قربَ منزلنا، في منطقة شارع عبد الوهَّاب الإنكليزي في بيروت، واصبحتُ على اتصالٍ معه مجددًا، وكان يزورنا ليسهر عندنا في البيت أُسوةً بسائر الأصحاب.
وفي أحد الأيام قصدتُ الدكتور أبو سليمان مع صديقٍ لي محامٍ متدرج، وطلبنا إليه أن يعرفنا إلى شخص الدكتور داهش، فضربَ لنا موعدًا معه في منزلِ شخصٍ من آل حجار. ولما التقينا به، صديقي وأنا، سُرِرنا بلطفِه وبحسنِ استقباله، وتواضعه، وطيبته، وحديثه المُشوق. ودام المقابلة أكثر من ساعة. لقد حدثنا الدكتور داهش – من جُملة حديثه – عن الجلسات الروحية. وقد التمسنا منه، صديقي وأنا، أن نُكرِّر هذه اللقاءات معه.
بعد مقابلةٍ ثانية مع الدكتور داهش في منزله، وافق على أن أسعى إلى حضور جلسةٍ روحية. فطلب إلى الدكتور أبو سليمان أن يعطيني الأوراق الصفراء المخصصة لعمل “الرمز الداهشي”، وأن يُعلمني كيف أكتبُ “الرمز” وأطويه وأُحرقه كي أعملَه يوميًا خلال شهرٍ كامل بدون أي خطأ. وعلى إثر ذلك يُحددُ لي موعدٌ لحضور جلسةٍ روحية خاصةٍ بي يمكنن في أثنائها أن أطلبَ ما أشاء من أمرٍ حلال، فيُستجابَ الطلب.
أخبرني الدكتور أبو سليمان أنَّ مواعيدَ الجلسات الروحية تحددُها الروحُ العُلوية، وتكتبُها هي روحيًّا في مفكرةٍ بحوزة الدكتور جورج خبصا الذي كان مسؤولاً عنها. وفي أول كل اسبوع يفتحثها للاطلاع على المواعيد المحددة من الروح العلوية، وإبلاغ الأشخاص المعنيين ودعوتهم إلى الحضور.
قصدتُ الدكتور جورج خبصا في عيادته في باب إدريس ببيروت، فأكد لي صحة ما أخبرني إياه الدكتور ابو سليمان. كما حدثني عن المعجزة التي صنعها معه الدكتور داهش بأن أنقذ له ابنه الوحيد من الموت بعد أن كان في حالةٍ خطرةٍ ميؤوسٍ منها.
أعطاني الدكتور فريد أبو سليمان الأوراق الصفراء (30 ورقة)، وعلمني كيفية صنع “الرمز”، فعملتُه مرَّةً كلَّ يوم، بدءًا من أول يومٍ في الشهر إلى آخر يومٍ فيه. ولكن لم يُحدَّدْ لي موعدٌ، لأني اقترفتُ خطأ في عملِه. وعرضَ الدكتور أبو سليمان عليَّ أن يُعطيني أوراقًا صفراء لشهرٍ آخر عندما أرغبُ بذلك. ومضت الأيامُ ولم أعدْ، بكل أسفٍ، الى عملِ “الرمز” لأحظى بجلسةٍ روحيةٍ خاصة بي. لكني نظرًا للصداقة والمودة التي قامت بيني وبين الدكتور داهش، على أثر زياراتي المتكررة له، لم أُحرَمْ من بعض الظواهر التي تحصلُ في أثناء ما يسميه الداهشيون “المناخ الروحي”، اي المناخ الذي يبقى قائمًا لمدَّةٍ من الوقت بعد انتهاء الجلسة الروحية.
بعضُ ما شاهدتُه
وذات يوم قصدتُ الدكتور داهش مع محام صديق لأُعرفه به. ويظهرُ أنه وافق وصولنا وجودُ “مناخ روحي”. أبدينا أمنيتنا، صديقي وأنا، بأن نُشاهد خارقةً روحية. وفي الحال طلب إليَّ الدكتور داهش أن أتناولَ مقصًا كان على طاولة في الصالون ، وأن أقص ورقةً بيضاء بمساحة الليرة اللبنانية. فأخرجتُ ليرةً من جيبي، وأخذتُ ورقةً بيضاءَ من دفترٍ كان في حوزتي (في حقيبة المحاماة)، وقصصتُ منها قطعة بمساحة الليرة اللبنانية. عندئذٍ طلب غلي الدكتور داهش أن أطوي الورقة المُقتطعة وأضعها في راحة يدي وأُطبق عليها اصابعي، ففعلتُ. وبعد لحظةٍ قال لي: “افتح يدك”. ففعلتُ، فإذا بالورقة البيضاء قد تحوَّلتْ إلى ليرة لبنانية! وقد شاهدها صديقي. أخذتُها معي، وأوصلتُ صديقي إلى بيته، وعرضتُ الليرة على والدته. فأكدت لي أنها ليرةٌ لبنانية. وكذلك أكد لي والدي عندما عدتُ إلى البيت وأريتُه الليرة. وبقيت هذه الليرة بحوزتي في مكتب المحاماة، خاصتي.
وقبل أَن نودع، أنا وصديقي المحامي، الدكتور داهش في ذلك اللقاء، طلب اليه صديقي أن يصنع أمامه شيئًا أُسوةً بي، فقال له: “فكر بورقةٍ من ورق اللعب.” ففعل. عندها قال له: “إذهب إلى الطاولة في آخر الصالون تجد الورقة التي فكرتَ بها، فأحضرها”. فذهب، فإذا بورقةٍ ملقاةٍ على الطاولة؛ وكانت، فعلاً، الورقة التي فكَّر بها.
وفي إحدى زياراتي للدكتور داهش، قال لي: “اختر بفكرك، يا أخ جوي، اسمَ أحد الأنبياء”. فاخترتُ اسمَ النبي موسى، ولم أُطلعه عليه. فقال لي: “إذهب وافتح الجارور الذي في الخزانة القائمة أمامك، قربَ الحائط، وأَحضِرت منه الورقةَ الصفراء الموجودة فيه.” ففعلت. وإذا بالورقة قد كُتِب عليها: “الأخ جوي سوف يختارُ النبي موسى.” وقد احتفظتُ بهذه الورقة، وأطلعتُ كثيرين عليها.
وفي صباح أحد أيام الصيف قبل حرب 1975، اتصلتُ هاتفياً بالدكتور داهش أطلب موعدًا لزيارته، فأجابني قائلاً لي: “اترك كل شيءٍ، واحضر حالاً.” فذهبتُ؛ وكنا وحدنا. فسلم إليَّ ورقةً مطويةً، ثم وضعها في ظرف صغيرٍ بقي مفتوحًا، وقال لي: “احتفظ بهذه الورقة عندك إلى أن أطلبَ إليك أن تفتحَها، لأن فيها شيئًا مهمًا جدًا لك.
إياك أن تفتحها قبل أن أطلب إليك ذلك، لأن فتحها يضرُّك.” أخذتُ الظرف وفيه الورقة، ورجعتُ إلى مكتبي لأضعها في الدُّرج. ولمَّا دخلتُ إلى مكتبي، تحرك فضولي، فقررت أن أفتح الورقة لأعرف مضمونها. فأخذتُها بيدي، وقبل أن أُباشر فتحها، رن هاتفُ مكتبي، فإذا بالمتكلم الدكتور داهش. فقال لي: “قلتُ لك لا تفتح الورقة لأنَّ فتحها قبلَ أن أطلب إليك يضرُّك. اتركها مُقفلة، وأتِ بها في الحال إليَّ”. ولمّا وصلتُ، أخذها مني، وأحرقها ووضعَ رمادَها في الظرف، وقال لي: “ارم هذا الرماد في الهواء قرب المنزل. إن فضولك أضاعَ عليك فرصةً مهمة، وكاد يضرُّك…”.
وأخبرتُ، يومًا، الدكتور عادل إلياس تابت، ابنَ عمِّ والدي – وهو طبيب ألمعي ودود – أخبرته بما كان يحصل لي مع الدكتور داهش، فطلب مني والح عليَّ أن أحصل له على موعدٍ ليتعرف به، ولأن عنده أسئلة يودُّ طرحها عليه، منها، على ما أذكر، سؤالٌ حول كيفية خروج الروح من الجسد ساعةَ الوفاة. بعد بضعة أيام زرتُ الدكتور داهش بناءً على موعدٍ سابق وفي نيتي الحصول على موعدٍ لعمي الدكتور عادل. فلما وصلتُ إلى رصيف الطريق، أمام مدخل الدكتور داهش، وجدتُه قادمًا إليه. فصعدنا معًا إلى الصالون. وبعد أن قُدِّمت القهوة، قال لي “هل تعلمُ أين كنتُ قبل أن نلتقي؟” فأجبتُ: “كيف يُمكنني أن أعرف!” فقال لي: “كنتُ عند عمِّك الدكتور عادل تابت، وتباحثنا في أمورٍ متعددة”. وقد أخبرني عمي، لاحقًا، عن هذا اللقاء، وعن الفكرة الممتازة التي أخذها عن الدكتور داهش؛ وهو يرغبُ في تكرار مثل هذا اللقاء.
الأجوبة ترتسمُ روحيًا تحت الأسئلة
ولقد حدثني صديقي الوزير السابق والمحامي اللامع الأستاذ إدوار نون عن صداقته مع الدكتور داهش، وعن المعجزات التي شاهدها، ومنها تحويلُ الماء غلى خمر فيم نزل الدكتور يوسف حِتي. ومنها أيضًا أن الأستاذ نون كتب عدة أسئلة على دفترٍ تاركًا بين السؤال والسؤال فراغًا. وخلال جلسةٍ روحية جاءت الأجوبة في لحظةٍ مكتوبةً تحت الأسئلة. وقد احتفظ الأستاذ نون بالدفتر في صندوقٍ حديدي في مكتب المحاماة، خاصة!
الجمجمة تتكلَّم
وحدثني الدكتور نجيب عشي، أيضًا، عن صداقته مع الدكتور داهش، وروى لي عدة ظاهراتٍ روحية كان شاهدًا لها، أهمُّها، في نظري، الآتية: في أحد الأيام، وفي جلسةٍ ضمت الدكتور عشي وعددًا من الداهشيين، منهم الدكتور جورج خبصا والدكتور أبو سليمان، أخبرهم الدكتور داهش أن السيد المسيح جاء إلى صيدا وبيروت وبعض المناطق اللبنانية، ومنها صربا، وكان برفقته بطرس الرسول وابنُه آدوم؛ وأن آدوم قصد البحر ليصطاد السمك، فقرصت إصبعه سمكةٌ سامَّة، فمرض، وتوفي، ودُفن في صربا، في التلة الواقعة وراء القصر الجمهوري سابقًا.
فتعجب الحاضرون من هذه القصة. ولما رآهم الدكتور داهش في حالة التعجب، طلب إليهم أن يرافقوه إلى صربا، فركبوا سياراتهم، وذهبوا جميعًا؛ وكان يحمل بيده عصًا. ولمَّا وصلوا إلى قرب المكان الذي أشار إليه، طلبَ إليهم التوقف والنُزول من السيارات واللحاق به. فمشوا يتقدمهم حتى بلغوا منتصف التلة، وراء القصر المشار إليه، فطلب أن يتحلقوا حوله، ففعلوا. عندها رسم بعصاه دائرةً صغيرة، وقال بصوتٍ عال: “آدوم، آدوم، اخرج.” فانشقت فجوةٌ في الأرض، وخرجت منها جمجمة، وقالت لهم إنها جمجمةُ آدوم! ثم أخذت تُكلمُهم، وتُخبرهم كيف تُوفي آدوم، وأنه دُفن في هذا المكان. ولما فرغت الجمجمةُ من كلامها، أمرها الدكتور داهش بأن تعود إلى موضعها، فاختفت تحت التراب!
في سنة 1980 أصدر الدكتور داهش كتاباً عنوانه “مذكرات يسوع الناصري” وردت فيه قصةُ موت آدوم ودفنه في لبنان، في “مكانٍ يبعدُ عن بيروت بضعةَ أميال”. لكنه لم يَرِد فيه اسمُ المكان، اي صربا، في التلة القائمة خلف القصر الجمهوري القديم. هذا بعضُ ما عرفتُه شخصيًا من الدكتور داهش وعنه، أُدونه شهادةً للحقِّ والتاريخ.
بيروت، في 17/3/2009
تعرفي على عالم الدكتور داهش
الأستاذ يوسف عبد الصمد
شاعرٌ لبنانيٌ مقيم في الولايات المتحدة. مُجازٌ في اللغة العربية وآدابها من جامعة بيروت العربية. شاركَ في عدة نشاطاتٍ ثقافية في نويورك، واشترك في تأسيس “مركز الحوار العربي” بواشنطن. في العام 2004 التقى كوكبةً من الشعراء والأدباء في نيويورك حيث أعادوا إحياء “الرابطة القلمية” بتأسيس جمعيةٍ ثقافية أُطلِق عليها اسم “الرابطة القلمية” بتأسيس جمعيةٍ ثقافية أُطلِق عليها اسم “الرابطة القلمية الجديدة”؛ وكان عميدها. عُيِّن عام 2008 من قِبَل حاكم ولاية نيوجرزي عضوًا ف “مفوضية التراث العربية الأميركية”. من مؤلفاته “إلى الأول من الأول” و”السيف والسوسن” و”باب المدينة”.
تعرفي على عالم الدكتور داهش
عندما ملكتُ القدرة على القراءة في الصفوف الإبتدائية، أصبحت رغبتي في الكتاب أكثر منها في وجبات الطعام. لم تكن شهيتي إلى المعرفة آنذاك تعرفُ الشبع. وكنتُ إذا ما وقعت عيني عل ورقةٍ مطبوعةٍ أقرأُها بشغفٍ كبير.
يومذاك، لم يكن في ضيعتي، رأس المتن، أو في المدرسة أيةُ مكتبةٍ تسدُّ جوعَ رغبتنا للقراءة. وكنتُ أغبطُ اصحاب المكتبات القليلين على مكتباتهم أكثر مما أغبطُ أصحابَ القصور والدُّور على ثرائهم. ولقد كانت مكتبةُ بيتنا فقيرةً للغاية، ليس فيها سوى بضعةِ كتبٍ دينيةٍ وأدبية وأعدادٍ مختلفة من مجلة “الأدب الشعبي”.
أذكرُ أن أوَّل كتابٍ قرأتُه من خارج هذه المجموعة كان كتابَ “لصوص الغاب” أو “شارل وإميلي للشاعر الألمانيِّ شيللر؛ وكان قد أهداه إليَّ أُستاذي الأول الذي توسم فيَّ باكرًا دلائلَ الشاعر. أَكببتُ أقرأ الكتاب وأقرأُه إلى أن أتيتُ على فواصله ونقاطه، واستظهرتُه كلُّه تقريبًا.
وفي بيت أحد أنسبائنا وقع نظري على كتابٍ بلا غلافٍ ولا عنوان، فسألتُه أن يأذن لي به، فأذن. فوجدتُ فيه مادةً جديدةً وأُسلوبصا مختلفاً عن الكتبِ التي سبقَ أن قرأتُها.
سألتُ ابن خالتي: “لِمَن الكتاب؟” فأجابني: “إنَّه للدكتور داهش”. فسألتُه: “مَن هو الدكتور داهش؟” فأجابني: “رجلٌ يُقالُ إنه فاق البشر بقدرته الروحية، وقد أُعدِم في إيران. وهذا الكتاب محظورٌ، ولذلك نزعنا غلافَه مخافةَ أن يعرفَ به أحدٌ، فيُسبب لنا الأذى”. أخذتني الدهشة، وداخلني بعضث الخوف، وازدادتْ رغبتي فيه وفي معرفة المزيد عن الدكتور داهش. ثم تذكرتُ أنَّ في بيتنا كتبًا محظورةً، وأن كاتبها كان قد أُعدم، هو أيضاً، رميًا بالرصاص منذ سنواتٍ من قِبَل الدولة اللبنانية، وأبي يخافُ أن يعرفَ أحدٌ بهذه الكتب. فازدادت حيرتي في الأمور، وفضولي لمعرفة الأسباب.
سألت أبي عن الدكتور داهش، فقال لي: “أنا لا أعرف الشيء الكثير عنه. جلُّ ما أعرفُه أنه أُعدم في غيران. وقد أُشيع بأنَّه ساحرٌ، لكن معرفتي ببعض أتباعه كالخواجا دانييل أُوليفر والفيلسوف يوسف الحاج والشاعر حليم دمُّوس تجعلُني أشكُّ في أن الرجل كان ساحرًا، بل كان رجلاً قويًّا. قد يكون أعدِم لاسبابٍ نجهلُها كما أُعدِم الزعيم أنطون سعاده. والدكتور داهش، وفقًا لشما هو معروفٌ عنه عند بعض الشيوخ في رأس المتن، ميالٌ إلى الأمور الروحية. وكما إن للعقل عندنا الاحترام والتقدير، فإن للروح قُدسيتها، ورجال ديننا يُدعون “روحانيين” لأنهم يميلون غلى الروح، ويُقاومون رغائبَ الجسد. وفضلاً عن ذلك، فالدكتور داهش يؤمنُ بالتقمُّص كما نُؤمن به نحن. إنَّ للرجل وسلوكيته مقامًا كبيرًا عندنا؛ رحمه الله”.
ومرَّت الأيام، فاتسع أُفقُ معرفتي واطلاعي، وظهرت ميولي القوية إلى الشعر والكتابة فجالستُ الشعراءَ والمتأدبين من أهل عصري، وكان فارس سعد أحدهم. كان شاعرًا يقيم في رأس المتن، ولا يرغب كثيراً في مخالطة الناس؛ فهو منصرفاً لشعره ولاكتشاف نفسه. لكنه وجد فيَّ جليسًا جيد الإصغاء وشابًا مُكبًا على العلم والأدب، فاختارني بأن أكون جليسه، و”الرأسمتني” الوحيد تقريبًا الذي يستقبلُه في بيته، فازدادت المعرفة، وتوثقت الصداقة، وطالت اللقاءت، فتعلمت منه كثيرًا عن الشعر والأدب والحياة.
كان يقرأ على مسمعي كل ما كان يكتب قبل نشره في مجلة “الأديب” البيروتية لصاحبها ألبير أديب. وذات يوم تلا أمامي قصيدة ما زلتُ أتذكرُ من أبياتها هذين البيتين:
ملـــــَّ قلبي من الضلالِ قدَعْـــــــــــــــــــــهُ في حمى اللَّه يسترِدُّ أمانَــــــــهْ
قد شككْتُم بعالضم الروحِ قِدمًا فأَخذتمْ من داهشٍ برهانَهْ
وبعد أن فرَغَ من القراءة، أثنيتُ على إنسانيةِ ما سمعتُ منه، ثمَّ سألتهُ:
“داهش… تعني الدكتور داهش؟”
أجاب: “نعم، الدكتور داهش الذي أدهش كثيرين من الناس، ومنهم صديقايَ عبد الله العلايلي وحليم دمُّوس، والخواجا أُوليفر أيضًا. ويَروُون لي خوارقَ اجترحَها أمامهم بكلِّ صدقٍ وتأكيد. ولا شك في ذلك لأنهم رأوا وشاهدوا ولمسوا عجائبه عدة مراتٍ، كما يقولون. وأنا من وحي ما سمعتُ عنه كتبتُ هذه القصية. وقد أوحى لي أيضًا هذين البيتين من قصيدةٍ أُخرى، وهما:
لا تعجبنْ أن تغولَ الأرضُ ذا قلَم رأته يفضحُ فيها الجهلَ والكذبــــــــا
حتى السماء، فقد تغتالُ نابغــــــــــــــةً خافته يهتكُ عن أسرارِها الحُجُبا”
واستطردنا في الحديث عنه، وكنا نأتي على ذكره في السهرات الطوال. ثم انتسبتُ إلى كليتي الحقوق والآداب في الجامعة اللبنانية، وكنتُ دائمًا أتمنى أن أعرفَ المزيد، لكنَّ مصادرَ العِلم لم تكنْ متوافرة. وأذكرُ، في جُملة ما أذكر، أنني خلال عملي في “بنك بيروت والبلاد العربية” (الإدارة العامة) – وكان يقوم في شارع مار منصور المتصِل بـ”الخندق الغميق” في بيروت – كنتُ أتردَّدُ إلى صالونٍ للحلاقة مجاورٍ، صاحبُه شاميٌّ لطيفلإ اسمهُ أبو يحيى عبد الله. كان الصالونُ مُلتقى كثيرين من موفظفي مؤسسات المنطقة، وكان عبد الله محدثًا ظريفًا يجعلُك لا تَملُّه ولا تستطيعُ أن تغيبَ عنه طويلاً. ومرةً دخلتُ عليه كعادتي وكان صالونُه يعجُّ بالزبائن الأصدقاء، وكان الصمتُ، على غير العادة، سيد الموقف وكأنما الطيرُ علا رؤوسَ الجميع. حييتُ فرد عبدالله التحية بحرارةِ صوته المعهودة، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ بعض الشيء. شعرتُ أن في المكان أمرًا غريبًا، فسكتُّ كسائر الناس. ثم نظرتُ في المرآة لارى وجه الرجل الجالس على كرسي الحلاقة، فكان مهيبًا بسيطًا عميقًا: وكان يرتدي سترةً زرقاء كُحلية. وما إن فرغَ عبد الله من تشذيب شعره حتى نقده أجره وانصرف. عادت الحياة إلى الصالون تدريجيًا، فسالتُ عبدالله عن الرجل مَن يكون، فأجاب: “إنه الدكتور داهش.” فقلتُ له: “لماذا لم تُعرفني به؟” وهممتُ في إثره، فوجدتُه قد تجاوز مسافةً غير قصيرةن فتهيبتُ ولم أتبع خطواته.
في كلية الحقوق ربطتني صداقةٌ قوية بزميلٍ لي كان يقصدُ، أحيانًا، من أجل المعالجة، طبيبًا بارعًا لطيفَ الحديث مُحبب الحضور اسمُه الدكتور جورج خبصا. رافقتُه مرةً إلى عيادته، فاكتشفتُ أنه داهشيٌّ. ومع أن زيارة الأطباء لا تطولُ بحُكم مهنتهم، فقد استطعتُ أن أعرفَ منه الشيء الكثير عن قوة الدكتور داهش الروحية، وعن قصته في عهد الرئيس اللبناني الأسبق بشارة الخوري، وقصة إعدامه في إيران، وبعض ما اجترح من معجزاتٍ أمام الدكتور خبصا. أضفتُ ذلك إلى المعلومات التي كنتُ قد جمعتُها من قبل، فشكلتْ لي صورةً بارزة المعالم. لكن انشغالي، آنذاك، بالدرس والشعر والعمل جعلني “أتكسلنُ” بالتعرفُ إليه.
في كليَّة الآداب كان أحدَ أساتذتِنا الدكتور كمال الحاج، ابنُ يوسف الحاج الداهشيّ. كانتْ له نظريَّاتٌ فلسفية لبنانية يُروِّجُ لها في حصَصِ الدراسة، ويتحدث عنها في اللقاءات الفلسفية ونظرياته المُستنبطة من عدة فلسفات. دعاني في أحد الأيام، مع أحد الزملاء المهتمين بآرائه، إلى بيته الذي كان قربَ “المُتحفَ الوطني” في مدينة بيروت. ذهبنا لزيارته، فتناولنا القهوة، وتجاذبنا أطراف الأحاديث. كان رجلاً طيبًا. سألته عن معرفته بالدكتور داهش، فتكلم عنه باختصار. لم يُعلق كثيرًا، ولم يكن من السهل دفعُه إلى الاعتراف بحقيقة ما جاء به مؤسس الداهشية. كان، في كل مرةٍ نقتربُ من الجواب، يتخلص بإدخال الحديث عن آرائه هو. سألتُه عن مقالٍ كان قد نشره في مجلة “المجلة” منذ سنين عن فلسفة أنطون سعاده يُبينُ فيه أنه (أي سعاده) وضعَ فلسفةً متماسكةً كالبناء المُوطَّد، فحاولَ أن يُفسِّرَ لنا كيف أنَّ النظريات الفلسفية تتغير بعامل الزمن والمُتغيرات الاجتماعية أحيانًا. أدركتُ عندئذٍ أنه أصبحَ لا يأبه إلا لنظرياته الفلسفية التي وضعَها. غادرنا منزله مكرمين، لكن مشتتي الأفكار من غير أن يشفي غليل أسئلتنا عن الدكتور داهش وعن أنطون سعاده.
في عام 1969 غادرتُ لبنانَ إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل الدراسة. كانت السنواتُ الأولى من الاغتراب مملوءةً بالصراع الداخلي لإثبات الهوية العربية، ومملوءةً أيضًا بالجهاد في سبيل العيش والتعلُّم. وبوجودي في نيويورك التقيتُ كثيرين من أصحاب الهُويات المختلفة، ولقِيتُ ضروباً شتى من الممارسات والمضارَبات، فاكتسبتُ خبرةً جديدةً، وتعلمتُ ما لا يُمكن أن يتعلمه إنسان في أيِّ مجتمعٍ آخر.
فنيويورك مدينةُ المُضاربات، وهي مصهرُ ثقافاتٍ وحضاراتٍ كونية كثيرة.
في السنوات الأولى لم تكن الاتصالات الهاتفية ميسورة، لا هنا ولا هنالك في الوطن الأول. لذا كانت الرسائلُ هي المتنفس الأفضل لاستمرار العلاقات مع الأصدقاء القدامى. وكانت العودةُ، بين الفينة والأخرى، إلى الوطن تًثوس من الصلات القديمة. وبحكم ظروف العمل الذي أصبح الهم الوحيد عندي، بعد أن قررت تعليق الدراسة إلى أن تتحسن الأحوال، كان عليَّ أيضًا أن أُقِلَ باب الشعر لكي أعود إليه بعد أن يصبح عندي من المال ما يَحمي حريتي ويُعطيني الوقتَ الكافي للتأمُّل والتفكير والكتابة.
كتبتُ لإحدى الصديقات التي ظلت تُراسلُني باستمرار وتسألني عن جديدي،
وهي شِبهُ متيقنةٍ من أن جمعَ المال سيُنسيني كتابة الشعر. كتبتُ لها هذاه الأبيات:
مضى زَمَنُ الحب الذي تعرفينــــه فنحنُ هنا قومٌ نعيشُ بـــــــــــــــلا حبِّ
فلا زمنُ الذكرى بمستعذَبس لنا ولا وقتَ للتفكير في موعدٍ صعبِ
نعيشُ كآلات الحسابِ عقولنــــا وأفكارُنا في طرحِ أمرٍ وفي ضــــــــــربِ
وبالرغم من كثرة المعارف استطعتُ أن أجدَ لنفسي مجموعةً متأدبة نلتقي معًا كلَّ أسبوعٍ تقريبًا، نستعيد أيام لبنان، نتذاكرُ الشعر، ونعتقدُ جلساتِ الذكر لماضٍ جميل، ونقيمُ حفلاتٍ الأُنس والسمر مع كل ما لذَّ وطاب من مأكل ومشربٍ، ومن موسيقى وغناء|. ولا أنسى أن تلك الأيام كانت من أغنى الأوقات عوبةً وحنينًا في المهجر صنعنا بها ذكرياتٍ لا تُنسى غلى آخر العمر.
بعد مرورِ سنواتٍ ظننتُ أن الدكتور داهش قد أصبح في عداد المنسيين الذين طوضت الايام والسنون أسماءهم، أُولئك الذين يبرزون في زمنٍ من الأزمان ثم يتوارَون إلى غير ما رجعة.
واتفق أ، كنتُ على معرفةٍ وثيقةٍ بمُقاولٍ من كبار المقاولين أخبرني أنه يبحثُ عن عقارٍ من أجل بناء متحفٍ ومركزٍ ثقافي يعتزمُ إقامتهما مجموعةٌ هم من اللبنانيين الداهشيين. سألته باستغراب: “مجموعةٌ من الداهشيين، وفي نيويورك!” أجاب: “نعم.” قلتُ: “هذا شيءٌ جميلٌ وعجيب.” سألتُه هل يمكنُ أن يجمعني بأحدهم، لأني راغبٌ في معرفة المزيد عن هذه المجموعة. وبعد أسابيع جمعني بأحدهم؛ وكان لقاؤنا الذي دام قُرابةَ الساعة في أحد مطاعم “آي أَنْد إس بلازا، وقد عرفتُ خلاله شيئاً عن نشاطاتهم المرتقبة. لستُ أذكرُ اسم الرجل الذي اجتمعتُ إليه، ولعلَّه إذا قرأ مقالي يتذكر.
وبعد أن عرفتُ المزيد عن نشاطهم في نيويورك، تذكرتُ القول المأثور: “ليس من نبيٍّ مكرَّمٍ في وطنه.” الدكتور داهش الذي لُوحِق وحُورب وأُشيع عنه ما أُشيع من التخرصات والافتراءات يُقام له هنا مركزٌ ثقافيٌّ مَرموق. ما أتعس الأمة التي ترجمُ أولياءها وتطرد مباركيها وتقتلُ أنبياءها، ثم تعود فتبكي وتندم عليهم حيثُ لا ينفع الندم والبكاء.
وشيئًا فشيئًا عاودتُ التعرف إلى الداهشية والداهشيين. وكان لأحد الدبلوماسيين العرب المقيمين في نيويورك الفضلُ لكبير بلَمِّ شمل نُخبةٍ من المفكرين والمتأدبين والمُشتغلين بالفن، من عرَبٍ وأجانب، في دارته، وبعث روح التراث فيهم؛ وكان بينهم بعضُ الداهشيين من أكادميين وموهوبين ودبلوماسيين. ولو كنتُ أعرفُ أن الصديق ياسر بدر الدين الذي يُقيم في كندا هو من الداهشيين، وقد كانت لنا في زمان الصِّبا، معه ومع بعض الأصدقاء صولاتٌ وجولاتٌ في ميادين الأدب والشعر، والسهراتُ الحميمة شأن المتصوِّفة في العصر العباسيِّ؛ لو كنتُ أعرفُ ذلك، لكان كفاني مؤونةَ الأسئلة الكثيرة.
ولا يسعُني هنا إلا أن أذكر بعض الإنجازات الثقافية الداهشية في نيويورك، ومنها “صوتُ داهش” المجلة الأنيقة الرصينة التي قلما تجدُ في مقالاتها غلطةً مطبعيةً واحدة كما هو الحال في سائر المجلات، ومكتبة “تراث داهش” الغنية الآخذة بالنمو في وسط مدينة نيويورك. ومن تلك الإنجازات “مُتحف داهش” المدهِش الذي حَفظَت محتوياته النفيسة السيدة مرفت زاهد وكريمتاها أميرة وهدى، والذي كان “للرابطة القلمية الجديدة” نعمةُ استخدام مسرحِه لإقامة الحفلات التراثية والأُمسيات الشعرية والفكرية التي استقدمت إلى حفلاتها الخمس أكثر من ألفي مشاهدٍ من المغتربين المميزين.
نحنُ عربَ أميركا بأغلبيتنا، مهما طالتْ إقامتُنا فيها ومهما بلغنا من المعارف والوظائف، نظلُّ نخاطبُ الأمريكيين بالعربية، ونخاطبُ العربَ بالإنكليزية، فلا الأجانبُ يفهمون ولا العرب يفقهون، فنبقى مُتقوقعين في معارفنا وأنفُسنا لا نتعلَّمُ لغةَ المخاطبة الصحيحة حتى نُفصِحَ بواسطتها عمَّا في خبايا أنفسنا وعقولنا ولذلك تذهبُ أحاديثُنا ومقالاتنا التي لا تنتهي أدراجَ الرياح.
أمَّا أُسلوبُ المخاطبة عند أصحاب “المتحف الداهشي” فكان مختلفًا تمامًا عن سواه فلقد أٌقيم في أهمِّ منطقةٍ سياحيةٍ وحضارية من قلب المدينة. وعندما تدخلُهتشعرُ بأنك في مؤسسةٍ أميركية من حيث الشكلُ والأداء، وشرقيةٍ من حيث المضمون، تشدُّ إلى داخله، شهريصا آلاف السياح الساعين خلف الثقافة والمعرفة. فمن متجرٍ مملوءٍ كالرمانة بالبضائع والتُحف الشرقية، إلى مطعم شرقي الألوان غربيها معًا، إلى صالةٍ حديثة تتسع لقُرابة مئتي جالسٍ حول المسرح الحديث بتجهيزاته الضوئية والإلكترونية والصوتية. أما اللوحات المعلقة على الجدران والمنحوتاتُ الواقفة في الوسط، فإن دلت على شيءٍ فإنما تدلُّ على سعة العقل الداهشي وبثعدِ نظَرِه ورُقيِّ اهتماماته، في الوقت الذي كان اقيمون فيه على ثقافتنا وحياتنا غارقين في التعسف والمكر والجهل والفساد، يضطهدون العباقرة والأفذاذ من أهل أثمتهم أمثال الدكتور داهش وأنطون سعادَه وغيرِهما.
أُريد أن أقولَ وأؤكدالقول إن اللغة الكونية التي استعملها الدكتور داهش في البيان، إلى جانب قُوته الروحية، كانت لغة الفن على أنواعه، اللغة التي بها تتعارف الناس والقبائل، وتزول الفروقُ والحدود بين الأديان وبين المجتمعات جميعها. وبعد اطلاعي على فكر الرجل وأبعادِه الإنسانية عن كثب، اصبحَت الخوارقُ والمعجزات التي يُقال إنه قام بها لا تزيدُ ولا تُنقِص من قيمته الفكرية والإنسانيةن كما كانت الحال عند السيد المسيح الذي جاء من أجل رسالته لا من أجل العجائب التي اضطرَّ لأن يُظهرها للبُسطاء لمعرفة تفوُّقه وعلو قدره وقُدرته. وعلى الجُملة، أستطيعُ أن أختصر الدكتور داهش من خلال قراءتي له بما يلي:
* تحمَّل أذى بعضِ الناس ولم يُؤذِ أحدًا منهم.
* ما جاء لكي ينقض، بل ليُكمِلَ ويجمعَ بين الأديان ويُبينَ ما اختلفوا فيه، اأمر الذي يُفضي إلى الحقيقة الكلية الواحدة.
*جاء ليضبطَ الخلل القائم بين عالَم المادة وعالَم الروح في كونٍ محكومٍ بالجسدية وبما للجسد من رغائبَ ومطامع.
*بين إعدامه في إيران وظهوره بعد ذلك في مكانٍ آخر، حل عقدة (وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شُبِّه لهم) كما ورد في القرآن الكريم (النساء: 157).
وأخيرًا، كما أشار السيد المسيح: لو بقي شخصٌ واحدٌ يتكلم بما جئتُ من أجله، فلن تموتَ رسالتي. ولن تموتَ رسالةُ الدكتور داهش الإنسانية، ما دام هناك كثيرون من الناس الطيبين الخلوقين المدركين يحملون رسالته. وإن دار النشر والمُتحف بمحتوياته القيمة لدليلٌ قاطعٌ على استمرار الرسالة. وإني أقول للذين لمسوا ورأوا، فآمنوا، أقول لهم قول الناصري: “أنتم رأيتُم فآمنتُم، ولكن طوبى للذين آمنوا ولم يَروا”.
نُتَفٌ من ذكرياتٍ داهشية
المهندس إبراهيم شُكر
مهندسٌ لبنانيٌ. تعرفَ إلى مؤسس الداهشية في العام 1965. درس الهندسة في لننغراد (بطرسبورغ) ما بين العمين 1968 – 1974). اهتم بالأدب الروسيِّ، فترجم منه إلى العربية رواية “النفوس الميتة” لغوغول، ورواية “المعلم ومارغريت” لبولغاكوف. وترجم أيضًا “يوم أطول من قرن” لجنكيز إيتماتوف، و”الفارس النحاسيّ” لبوشكين. ونقلَ من العربية إلى الروسية بعض مؤلفات الدكتور داهش، ومنها “ضجعة الموت” و”مذكرات يسوع الناصري” و”بروق ورعود”.
نُتَفٌ من ذكرياتٍ داهشية
الكتابة عن الدكتور داهش في الذكرى المئوية لميلاده تكادُ تدخل في المُحال! رسمُ فارٍ من نور بالكلمات! وهل قلمي يقدر على ذلك؟\
وعودةٌ إلى زمنٍ ولى، زمنٍ كنا نبكي تأثرًا من عظمته، والآن نبكي عليه!
أيامَ كُنَّا طلاباً في المرحلة الثانوية، بثانوية زحلة الرسمية، طرقت أسماعنا أنباءٌ غير عادية عن سيدٍ عظيمٍ تتمُّ على يديه معجزاتٌ باهرة!
حدثنا أُستاذ الأدب العربي غازي براكس عن الدكتور داهش وأعماله الخارقة، وعن مُعجزة تحويل الماء إلى خمر مثلما حدّث في عُرسِ قانا بواسطة السيد المسيح! حدثنا الأستاذُ، وكان صادقًا في لهجته ومؤمنًا بما يقول، بل بما يُبشرُنا به.
والمُعجزةُ وفقَ المعتقدات الإسلامية إنما تحدثُ بإذن الله تعالى لإثبات تدخُّلِ روحٍ إلهي!
أنباءٌ غير عادية! بل مسالةٌ تستحقُّ الاهتمام دفعتنا إلى الاستزادة والاستيضاح.
وقد جذبنا الأستاذ الرزين باحترامه للرسولِ العربي الكريم وللإسلام في بلدٍ تسودُهُ ثقافةُ التعصب الاعمى والانقسام.
وفي لقاءٍ ثانٍ مع الأستاذ براكْسن زادَنا معرفةً بأعمال الدكتور داهش، وبعدئذٍ راحَ يقرأ على مسامَعنا مقاطعَ من قصيدةٍ للشاعر خليل حاوي:
أَتُرى يولَدُ من حُبِّي لأطفالي
وحُبِّي للحياة،
فارسٌ يمتشقُ البرقَ على الغول،
على التنين، ماذا هل تعودُ المعجزاتْ؟
بدّويٌّ ضربَ القيصرَ بالفُرسِ
وطفلٌ ناصريٌّ وحُفاةْ،
روَّضوا الوحشَ بروما،
سحَّبوا الأنيابَ من فكِّ الطغاةْ،
ربِّ ماذا؟ ربِّ ماذا؟
هل تعودُ المعجزات؟
باسمِ هذا الصُّبح في صِنِّينَ
والعتمةُ خلفي وجحيمُ الذكريات،
ليحُلَّ الخصبُ ولتَجرِ الينابيعُ
ويَمضِ الخَضرُ في غثرِ الغُزاةْ،
فارسٌ يُولَدْ من حبي لأطفالي
وحبي للحياة،
لتَحُلَّ المعجزاتْ…
ربِّ ماذا، ربِّ ماذا؟
هل تعود المعجزات؟
وقد سمعنا ما سمعنا… طرحنا سؤالاً على أنفسنا: هل عادَت المعجزات؟
وقصَدنا الدكتور فريد أبو سليمان في بيروت، نُريدُ أن نعرفَ أكثرَ عن الدكتور داهش؛ فجذبنا الدكتور فريد بتواضُعِه وصِدقِه وبساطته. وتكررت زياراتُنا له… وفي كل زيارة كان يحدثُنا عن الدكتور داهش مُرددًا على مسامعِنا الآيةَ الكريمة: (ويسألونك عن الروحِ قُلِ الروح من أمرِ ربي وما أوتيتُم من العلمِ إلا قليلاً).
وكان الدكتور فريد يعقبُ على الآية بقول: “إن الدكتور داهش هو رجلُ الروح الداعي إلى وحدة الأديان الآتي ليعمد بالنار متممًا رسالةَ السيد المسيح الذي عمَّد بالروح القُدُس”.
وما لبثنا أن عرفنا أن معمودية النار تتمُّ تكراراً بكتابة “الرمز الداهشتي” يوميًا ثم إحراقه ومَسحِ الجبهة ببعضِ رمادِه. و”الرمز” كناية عن صلاةٍ تضمُّ ابتهالاً إلى الله عزَّ وجل.
وكان الدكتور فريد، وهو يحدثُنا عن خوارقِ الدكتور داهش ينظرُ من نافذةِ عيادتِه المُطلةِ على ساحةِ البُرج ويقول: ستلتهمُ نيران الحرب هذه المدينة، ستحترقُ بيروت، وقصاصٌ روحيٌّ رهيبٌ سيحل بلبنان، وايام سوداء ونكبات وويلاتٌ وفواجع ستُصيبُه مثلما أصابت أُورشليم منذُ ألفَي سنة… فشعبُه لم يكتفِ بتجاهُلِه دعوةَ ابن السماء للفضيلة والمحبة والتآخي، واإيمان بوحدةِ الأديانِ الجوهرية، بل اضطهده حكامُ لبنان وزبانيتُهم!
هكذا كان يتكلمُ الدكتور فريد في العام 1967 وقبلَه من الأعوام. ولم يدُر بخلدنا أننا سنشاهدُ تلك الأهوالَ والويلاتِ والمآسي بعد بضعِ سنوات!…
وأحببنا الدكتور فريد أبو سُليمان، وصدقنا كلامه. فهو أيضًا كان يتحدثُ باحترامٍ ومحبةٍ عن الأنبياء جميعًا وعن المسيحية والإسلام في بلدٍ يتنفسُ التعصبَ الأعمى!
وتساءلنا: تُرى، أتكونُ الدعوةُ الداهشيةُ تجسيدًا لدعوةِ “نبي” جبران خليل جبران، ويكون نابغةُ لبنان هو “السابق”؟
أخيرًا، زُرتُ أنا وشقيقي الدكتور داهش في منزلِه. لِقاؤنا الأول مرَّ عليه أكثرً من أربعينَ عامًا، لكن ذِكراه ما زالت مُنطبعةً في ذهني لم تقو الأيام على مَحوِها!
عينا الدكتور داهش جرتان من عسل! عينان نيرتان تفيضان ربيعًا وحياةً وسناءً من كوكبٍ دُرِّيٍّ بعيد!
لم يستطيع أي زائرٍ أن يتجاهل شلالاتِ النور وأمواجَه، ولا الصوت الفِضيَّ النبرات!
في أثناء اللقاء شُغِلَ الدكتور داهش بالردِّ على مكالمةٍ هاتفية، وأُذني انشغلت بسماعِ نبراتِ صوتِه الفضي!
سادَ ذلك اللقاءَ الهُدوءُ والسلامُ والدفء!
سادَهُ جوٌّ من “تعالو إليَّ، يا جميعَ المُتعبين والرازِحين تحتَ أثقالكم، وأنا أُريحُكم، احملوا نيري وتعلموا مني تجدوا الراحة لنفوسِكم، فأنا وديعٌ متواضعُ القلب، ونيري هيِّنٌ وحِملي خفيف”.
وفي زيارةٍ ثانية تحدث الدكتور داهش عن الرسول العربي الكريم وجهاده، وكيف كان يضعُ حجراً على بطنه من الجوع. وتحدث عن الإمام عليَّ وعن المهاتما غاندي وعن السيد المسيح؛ وعرفنا فيما بعد أن هذا هو حديثه اليومي…
وحينما ودعتُهُ في منزِله، قبلَ سفري إلى روسيا، أوصاني بأن أزورَ مُتحفَ “الأرميتاج” (اللوفر الروسي)؛ فللدكتور داهش شغفٌ عظيم بالفنون الجميلة، وقد كتبَ كثيرًا عن أسرارِ الجمال وجَلالِه وعظمته.
ودعتُهُ لأعود فألتقيه بعد اربع سنوات على رصيف محطة القطارات في مدينة ليننغراد (سانت بُطرسبرج، حاليًّا)، إذ أتى في رحلةٍ إلى روسيَّا؛ وكان يُرافقُهُ الأخ الداهشي سليم قُمبرجي.
فتابعنا حديثًا كُنا قد بدأناه عن السيد المسيح والمهاتما غاندي والأب الروسي والأدباء الروسيين وخصوصًا تولستوي وغوركي.
وحدثني عن فترة الاضطهاد، وكيفَ صمدَ وجاهدَ وثبتَ مع المُجاهدين: حليم دمُّوس وجورج حدَّاد وعقيلته الأديبة والفنانة السيدة ماري والدكتور جورج خبصا.
وأتى الدكتور على ذِكر المهاتما غاندي، غاندي الذي كان يُسمِّيه “نبيًّا”ز فتساءلتُ هل المهاتما هو تجسُّدٌ جديد ليسوع الناصري؟ وهل هناكَ سيالاتٌ روحيةٌ تجمعُ بين يسوع النصاري والمهاتما والدكتور داهش؟
سمعتُه يتحدثُ باحترام ومحبَّة عن الأنبياء وعن الإمام عليَّ والشيخَين أبي بكر وعُمَر، وعن كلِّ إنسانٍ جاهدَ في سبيلِ إعلاءكلمة الحق وتقدم الإنسانية.
وكذلك حدثني عن شغفه بالفنون والمتاحف. فحينما دخلنا إلى مُتحفِ “الأرميتاج” بدا أنَّه كان يعرفُ أسماء الفنانين، مُبدعي لوحاتِ “الأرميتاج” قل أن يراها.
وحينما جلسَ ليستريح في إحدى قاعات المُتحفَ، تقدمتَ نحوَهُ موظفة مسؤولة وسألتني: “من أيِّ بلادٍ هذا الضيف السامي المقام؟”.
فأجبتُها: مِن لبنان.
فوجَّهَت إلى الدكتور داهش دعوةً لرؤية ذَهبِ الدولة السوفياتية المعروض في قاعاتِ “الأرميتاج” التحية.
نقلتُ الدعوةَ إلى الدكتور؛ فرد شاكراً مُعتذرًا عن عدم تلبيتها لضيقِ الوقت.
والجديرُ بالذكر أن هذه الدعوة تُوجهُ لكبار الزائرين، مُلوكًا ورؤساء! ولا بُدَّ من أن هذه المسؤولة في المتحف رأت في سيماء وجهِ رجُلِ الروح إنسانًا ساميًا، فوجهت الدعوةَ إليه شخصيًّا!
إذْ ذاك تذكرتُ بيتًا من الشعر عن النبيِّ محمَّد:
وسَلَوْه وحنَّ جِذْعٌ إليه وقَلَوهُ ووَدَّهُ الغُرباءُ
وقد أثر في نفسي كثيرًا اهتمامُه بعاملة مصعد الفندق ومُعاملتُه اللطيفة لها، فقد سالها عن راتبها، فإذا هو نَزْر؛ فطلبَ إلى سليم أن يُساعدَها، واستحسنَ عطاءه لها. ولم يكتفِ بذلك بل كتبَ عنوانَها ليُرسلَ لها من لبنان هدايا ومُساعدات. حقًّا، إنه مُعلِّمُ المحبَّة والإحسان!
حينما يكتبُ المؤرخونَ عن المهاتما يُشبهونَهُ بـ”حقل قَمح” نظرًا لكَدِّه وصُمودِه وجهادِه المُثمِر. ويُشبهونَ صديقَه الشاعر طاغور بـ”حديقة وَرد”.
ولا أرى تشبيهًا ينطبقُ على الدكتور داهش أفضلَ من “حقل قمحٍ وحديقة ورد” معًا.
حينما كان يعملُ، لم يكُن أحدٌ لِيُجاريه! فكُنا نُشاهدُه وهو مُكِبٌّ على القراءة والكتابة مُثابرًا متجلدًا مُبديًا حُبَّه للعملِ المُفيد. وكنا نُلاحظُ أن قوًى غيرَ عادية تعملُ من خلاله. فكانَ كحقل قمح عجيب! وحينما كان يجلسُ ليتصفح الكتبَ الجميلة وألبومات المتاحف كان كحديقة ورد!
*****
ينصحُ الأدباءالنهضويون بأن على كل مثقفٍ أن يقرأ سيرة رجلس عظيم عملَ في حقلِ الفن أو العلم أو الأدب. وعارفو الدكتور داهش عايشوهُ فعرفوا فيه إنسانًا عظيماً مصطفى، نقي السيرة، دعا الشرق المتعصب المتخلف للعودة إلى جوهر الدين والإيمان بوحدة الأديان الجوهرية.
وأختمُ مقالي بهذه الظاهرة الروحية التي تمت بواسطته:
تحدثَ العارفون والمُصلحون عن زمنٍ طيب كانت النفوسُ فيه نقية عامرةً بالإيمان والأرض تفيضُ بالخيرات.كانت حبةُ القمح بحجمِ نواة التمر.
أهدى الصديق (ع) إلى الدكتور داهش زهريةً جميلة، مُزخرفة، كبيرة الحجم، مميزةً بنوعها؛ فوضعها الدكتور في إحدى غرَفِ منزله.
وبعد مرور أسابيع، إذا بالزهرية الكبيرة الحجم يتغير حجمُها فتُصبحُ صغيرة.
نادى الدكتور داهش رفيقَ جهادِه الدكتور فريد أبو سليمان وقال له: “انظُر ماذا حل بزهرية الصديق (ع)، وكيف أصبحت صغيرة الحجم”. فهز الدكتور فريد راسه بحُزن، وفهمَ أنَّ الصديق (ع) ارتكبَ معصيةً كبيرة، فقزمَ بعمله الزهرية!
هذه الظاهرةُ تدل على الوحدةِ الروحية بين الناس والأشياء، وعلى السيالات الروحية المُدركة التي هي نسيجُ الكونِ كله. فما من حادثٍ إلا له سببٌ روحي.
كلماتٌ كتبتُها، بل نُتفٌ من ذكرياتٍ عن فارسٍ من نور هو النُّبلُ والإحسانُ والمحبة والخير. أرادَ هداية الناس ونقلهم من الظلماتِ إلى النور.
ليحلَّ الخصب ولتَجرِ الينابيعُ
ويخضِ الخُضرُ في إثر الغزاةْ
لتحلَّ المعجزات!
ذكريات
الأديبة زينا حدَّاد
أديبة لبنانية باللغة الفرنسية. آمنت مع والديها جورج وماري حداد بالعقيدة الداهشية عام 1942، وعايشت مؤسسها قُرابة أربعين عامًا. صدر لها Contes de Zeian (1998)، ونشرت ترجمةٌ عربية لكتابها “قصة تقمُّص” Histoire d’une Métempsycose في مجلة “صوت داهش” (1995 – 1996). لها عدَّة مؤلفاتٍ مخطوطة.
ذكريات
من الذكريات ما يُلزمُ نفسي، فلا أقوى على الفكاك منه. فهو يحيا معي، مُذكيًا فيَّ جذوةَ اإيمان بما بعد الحياة. ذكرياتٌ تنقلُني إلى عوالِمَ أُخرى حيث ينقلبُ اللاواقعيُّ وأقعيًا. والحق أن معايشة الدكتور داهش تُفضي بكَ إلى أماكن خياليةٍ سرعان ما تنقلبُ حقيقةً. هكذا عرفتُ الدكتور داهش، فعرفتُ شخصيته العميقة المحتجبة في الصمت العميق، لكنها لا تتكشفُ إلا من أجل عقيدته. ذلك أن حضوره على هذه الأرض كان رسالةً سماوية. ظهراتُه الروحية تعكس الحقيقة. فمَن كان الدكتور داهش؟ الحقيقة تهتفُ عاليًا إنَّ الدكتور داهش ينتمي إلى عالَم آخر، إلى عالَمٍ سماويّ. فهو يقبضُ على الحقيقة، ويكشفُها لنا بقوته الروحية. طوبى للذين رأوه وفهموا ظاهراته الروحية.
أُعايش ذكرياتي، وأنا في السادسة والثمانين من العمرن فأسكبُ الدموع على ماضي. الدكتور داهش، أميت صيف 1942 مع الأسرة في “جورة الترمس”؛ وهي قريةٌ لبنانية مشهورةٌ بمائها الشافي لآلام الكُلى. ولمَّا كانت شقيقتي ماجدا تشكو من كُليتيها، فقد استأجر والدي غرفتين في أحد فنادق تلك القرية المضياف. أمضينا بضعة أيام نتمتع بالمناخ وبجمال الطبيعة. وفي السادس عشر من آب احتفلنا بعيد الوالدة ]”عيد السيدة”[ لأن اسمها ماري ] مريم[. ولما حان وقتُ الغداء، شاهدنا بالونًا فولاذيًّا أبيض يُحلق فوق القرية، فحدقنا إليه بدهشة. هُرع صاحب الفندق ومختارُ القرية يبحثان عنه بعد إسقاطه لتسليمه إلى السلطات. كنا في أيام حرب، وكان الإنكليز والفرنسيون آنذاك يُديرون البلاد. وبعد بضعة أيام، عُدنا إلى بيروت. وفي أثناء ذلكن وضعت شقيقتي الثانية مولودًا ذكرًا. فقصدنا “مستشفى رزق” لزيارتها. والحق أننا زرناها عدة مرات. وغابت عنا تمامًا قصةُ البالون. في تلك الأثناء تعرفنا بالدكتور داهش بواسطة الشاعر اللبناني حليم دمُّوس، فكان ذلك حدثصا كبيرًا في حياتنا. بابٌ جديدٌ انفتح على مصراعيه أمامنا، نحن الذين اطلعنا على عالم جديد، هو عالضم الدكتور داهش. ولا ريبَ في أنه كان ذا ملكاتٍ روحية. كان “معلمًا” مُزودًا بكل شيء…
بعد تعرفنا بالدكتور داهش، دعوناه ذاتَ يومٍ إلى العشاء عندنا، فجاء يرافقه الشاعر حليم دمُّوس. وبعد الفراغ من العشاء، رغب الشاعرُ في إمتاعنا بالأحاديث، فروى لنا عدة ظاهراتٍ روحيةٍ جعلتنا نزدادُ دهشةً. ثم أردفَ قائلاً إنه رافق الدكتور داهش، في أحد الأيام إلى مكتب البريد ولما خرجا منه، أشار له بإصبعه إلى بالونٍ فوق مرفأ بيروت، وأنبأه بأنه(أي البالون) سيقعُ في قريةٍ حيث تٌقيم اُسرةٌ ستصبح داهشية. وما إن فرغ من إشاراته حتى تحرر البالونُ فجأةً من قيوده، وطار. وعقبَ حليم دمُّوس بالقول إن الأسرة ما تزال إلى الآن مجهولةً عنده. وانطلقت صرخةث استغراب إثر كلام الشاعر. البالون جاءنا في جورة الترمس! عندئذٍ عرفنا القوة الروحية التي أرسلته إلينا. كان وقعُ الخبر عظيمًا عندنا، وعزز إيماننا بالدكتور داهش. ولقد ذهل حليم دمُّوس، هو أيضًا، بالرواية. المستقبل لا يخفى على الدكتور داهش. إنه بلا ريب، من الهُداة.
واتفق أنني، في أول عهدي بمعرفة الدكتور داهش، كنتُ في زيارته صباحًا. فاستقبلني بحفاوة. وكان استقباله لي في الصالون حيث كان الشعر حليم دمّوس. كان حليم داهشياً مندفعاً ينهضُ بتبعة تدوين الوقائع والخوارق وكل ما يمت إلى الداهشية بصلة. دخلتُ الصالون، فشاهدتُه مكباً على عملٍ يُنجزُه بدقة. وكان أمامه دفترٌ كبير, وفجأة سمعتُه يطلقُ صيحةَ ألمٍ وهو يضربُ جبهته بيديه. كان الدكتور داهش خارج الغرفة، فلما سمع الصيحة، هُرع يسال حليمًا ماذا حل به، فدله على خطأه وهو حانقٌ على نفسه: فما كان يجبُ أن يدونه في الصفحة 60 دونه خطأً في الصفحة 61، وبالعكس. كان خطُّه دقيقًا، الأمر الذي اقتضاه وقتًا طويلاً في التدوين. فقال له الدكتور: “لا تقلق، فما الأمرُ بذي بال.” ثم رسم بإصبعه على كلتا الصفحتين “الرمز” الداهشي، فانتقلت الخطوط من مواضعها لتتخذ مواقعها السليمة، وظلت الصفحتان حيث هما.
للدكتور داهش ستُّ شخصيات، أعني ستة أشباهٍ له تظهرُ في بعض الأحيان لأسبابٍ روحية. وقد شهد لهذه الظاهرة عدة أشخاص. أما أنا فقد تسنى لي أن أراها وأثبت منها. ذات يوم شاهدتُ اثنتين منها تتحادثان. فلبثتُ مذهولةً أمام ما أرى. ومن أجل التحقق من الأمر، اقتعدتُ كرسيًّا لأرى ما سيحصل. كانت الشخصيتان تتناقشان حين قرع الجرس فجأةً، فأبيتُ أن أفتح الباب لا أحرك ساكنًا. لكن إحدى الشخصيتين أمرتني بفتحه. فكان عليَّ الامتثال، فخرجتُ من الغرفة لأفتح الباب، فاجتزتُ ممرًّا قصيرًا يؤدي إلى قاعة الطعام. كان باب القاعة مُشرَعًا، فدهشتُ جدًا إذ شاهدت شخصيةً ثالثة ترتدي بدلةً سوداء، وكانت شقيقتي ماجدا تخدمُها في غدائها. واصلتُ سيري نحو الباب الخارجي، ثم فتحتهُ، فشاهدتُ شخصيةً رابعةً ترتدي بدلةً كستنائيةً مخططة. طغى الذهول على محياي، واستولى عليَّ الصمت. وهكذا فقد شاهدتُ يومذاك أربعًا من شخصيات الدكتور داهش! إن قوته لا تنتمي إلى هذا العالم. مع كل ظاهرةٍ روحية كان يستولي عليَّ صمتٌ عميق، فإذا بي واجمةٌ لا أعرف ماذا أقول، لكن الثابت أن الدكتور داهش مُزودٌ بقوةٍ إلهية. فإذا حصلت معجزةٌ، فباسم ربِّ السماء وباسم الروح القدس يصنعُها. وهكذا تبعناه، أنا وأسرتي، بكل اقتناع. ومنذ ذلك الحين، آمنا به إيمانًا مُطلقًا.
أذكر أننا زرناه في منزله للتعرف به، فعُقِدت لنا جلسةٌ روحية. وكان في حوزة والدي، في منزلنا، تمثالٌ صغيرٌ عزيزٌ عليه يُمثل هوميروس، كان يضعُه في مكتبته الكبرى، وكان من عادته أن يُوصد عليه بالمفتاح. وفي أثناء تلك الجلسة الروحية، استقر التمثال بين يدي والدي مع أن خزانة الكتب مُقفلةٌ بالمفتاح، وهو في جيبه. عُدنا إلى البيت نحمل التمثال معنا، وكان على والدي أن يفتحَ الخزانةَ بالمفتاح ليعيده إلى موضعه.
وهكذا انقضت الأيام… فاشتد إيمانُنا بالدكتور داهش أكثر فأكثر. قفوته كانت سماويةً. كانت محتجبةً خلف تواضُعِه الجمّ، فلم يلحظها مَن حولَه. هذه الميزةٌ العظيمة شدَّتْ أواصرنا بهذا الرجل العظيم، فكان يشوقنا أن نلتقيه ونكونَ على مقربةٍ منه.
كنا ذات يومٍ في المنزل، فشعرنا، فجأة، بروائح عطريةٍ تجتاح كل ركنٍ فيه؛ روائحَ زهور مختلفة كالياسمين، والورد، والقرنفل وسواها. أمرٌ غريب، لأنه لم يكن في بيتنا الرَّحب الكبير سوانا، أنا ووالدي وشقيقتي ماجدا. هُرِعنا في شتى أرجائه للتحقق من أين مصدر العطر، فرأينا أن السرير الذي يستريح عليه الدكتور كان مُبللاً بأشذاءٍ لا تُنسى. كل جزءٍ من مَلاءتِه كان مغموسًا بعطرٍ مختلف. صُعِقنا للحادثة. وخالجنا أن نرى الدكتور داهش سريعًا، لكنه كان غائباً. فانتظرناه ونحن نتمتع بتلك الحديقة الشذية الخفية؛ انتظرناه نافدي الصبر. وأقبل متأخرًا في المساء، فوقف على الحادثة. عندئذٍ عُقِدت جلسةٌ روحية.
توالت الظاهراتُ مع زوار الدكتور داهش. وفي أحد الأيام، ظهرت شجرةٌ كبيرة في الغرفة. كانت شجرةَ برتقال تحمل أغصانُها ثمراً. حاضروا تلك الجلسة الروحية شاهدوها تظهر في وسط الغرفة، فشدهوا وصرخوا دهشةً. ثم حملوا الشجرة، وزرعوها في الحديقة. وقد عاشت الشجرةُ عدة أعوام إلى أن غادر الدكتور داهش المنطقة.
ذات يومٍ تسلمنا عُلبةَ شوكولا جميلة، على غطائها لوحةٌ بديعة تمثل وردتين معقودتين معًا، إحداهما حمراء، والثانية وردية. فطلب إلينا الدكتور أن نختار واحدةً، فاخترنا الوردية، وسرعان ما استحالت وردةً نضرةً رائعةً كأنها قُطفت توًّا من البستان! لقد تكونت بين أيدينا، وكانت عطرةً أيضًا. يومذاك حملقت عيوننا دهشةً. ثم طلبنا إلى الدكتور داهش أن نعيدها إلى موضعها بعد أن انتزعنا بضع بتلاتل لنحتفظ بها تذكاراً. فما كان منه إلا أن كتب “رمزًا” مقدسًا وأحرقه، فاستعادت الوردة مكانها من الغطاء بجوار شقيقتها الحمراء. أما البتلاتُ المنتزعة، فكان مكانُها في اللوحة فارغًا.
لقد أرانا الدكتور داهش من الأمور الخارقة الشيء الكثير، فعشنا مشدوهين أمامها. ذات يومٍ زارنا المحامي إدوار نون، وكان من معارف الرئيس بشاره الخوري وبطانته. وقدم الدكتور داهش أيضًا والتقاه عندنا في قاعة الاستقبال الكبرى. كان الفصل صيفًا والحرارةُ شديدة. فأعددتُ الليموناضة، وسكبتها في كأسين بلوريتين، وحملتُهما إلى الضيفن. كان الدكتور داهش وإدوار نون مُكبين على كتابين من القطع الكبير. وبينما كان الأستاذ نون يتناولُ كأس الليموناضة، وقعت من يده على الأرض، فتحطمت وصارت عدة كسر.
فأسف جدًا لتحطيمه كأسًا بلورية، واعتذر. فقال له الدكتور داهش ألا يعبأ بالأمر، ثم جمعَ كِسَر الكاس المحطمة، وكتب فوقها “رمزًا – وهو صلاةٌ داهشية – فاستعادت الكأسُ تكوينها فورًا، واتخذت شكلها الأول. فصرخنا: “يا للمعجزة!” فقد كانت بيننا قوة سماوية. فلم يصدق الأستاذ نون عينيه ماذا تريان!
كانت المعجزات لا تحصى، يختلف بعضها عن بعض. ومن المعجزات التي شاهدتُا شفاءُ محتضرين استردوا الحياة. ذات يوم كان الدكتور داهش عند بعض الأصدقاء متخفيًا عن عيون المجرمين المضطهدين؛ وكنتُ معه. وكان معنا فتاةٌ داهشية تُدعى محاسن، فاستيقظت ذات صباح وهي تصرخ من الألم، ولم يكن في وسعها النوم طوال الليل. رآها الدكتور داهش مريضةً جدًاً، وعلِم، بعد أن استفسرها الأمر، أنها تتألم من نوبةٍ حادةٍ في كليتيها. كانت في المطبخ، وكنتُ حاضرةً معها. وقف الدكتور داهش، ودنا منها، ورسم بإصبعه “الرمز” المقدس من جهة كُليتها اليُمنى، واستخرج حصاةً كبيرةً منها. ثم استخرج من الجهة اليسرى حصاةىً ثانية أصغر حجمًا. فكفت الآلامُ والدموع. فما قولُك في هذا المعجزة! إن يد السماء مع الدكتور داهش. يومذاك ذُرفت دموع الفرح ونحن نشكر الله؛ ذلك أن صراخ الألم تلاشى.
****
دكتور داهش،
كانت حياتك في هذا العالم برقًا ومضَ ومضى، لكنك تركت بصماتك المقدسة في قلوبنا. وها نحن نصرخُ في أعماق قلوبنا: أين أنتَ؟ عُدْ، عُدء إلينا. نفوسنا ظمأى إلى تعاليمك التي هي بلسمٌ يشفي قلوبنا الدامية. أوَّاه، لقد رحلت إلى مسقط ِ رأسك. لم تناهز المئة، لكنك في عُمر الخليقة، ولا ريب. لقد غبتَ عن عيوننا، لكنك تحيا، وسوف تحيا، وسوف تحيا إلى الأبد، بأفكارك. خلفت لنا روائعك الأدبية، مؤلفاتك المُستمدة من أفكارك السماوية التي علمتنا بها الاستقامة والحكمة لتحصيل المعرفة الصحيحة. ونحن، باتباعنا نصائحك، نطهر قلوبنا التي أدماها هذا العالمُ الجاحد. هديتنا إلى طريق العدالة والجمال. كابدت عذاب الشهداء ريثما تبلغُ هدفك، ولم يكن لحِلمِك حدود. رسختَ في قلوبنا حقيقتك. وأنا أجلُّ فكرَك الخالد الذي يجوزُ العوالمَ السماوية أيضًّا؛ وهي التي تَقدُرُ قيمتك حق قدرها. لشد ما يطيبُ لي أن أكون على مقربةٍ منك لأصغيَ ثانيةً لتعاليمك وأشهدَ معجزاتك الكثيرة.
أيها المولود عام 1909، لقد كانت ولادتُك بركةً للأرض الغارقة في مرارات السنين. مددتَ إلينا يدك لتُوقِظنا من منازل الأموات وتُنقذنا من الهوة التي تبتلعنا لتودي بنا إلى النار الخالدة. سلطت علينا أنوارك المتقدة، فأيقظتنا من سُباتنا وعلمتنا الحقيقة التي تستطيع، هي وحدَها، بفضلٍ منها، أن تُنقذنا من السقوط الوشيك.
نقلها من الفرنسية طوني شعشع
خطواتٌ في رفقة الدحكتور داهش
الأستاذ ياسر بدر الدين
كاتب وشاعر وخطاط لبنانيٌّ مقيمٌ في كندا. مُجاز في الحقوق من جامعة بيروت العربية، 1970. شغل عدة وظائف في المجلس النيابي اللبناني. عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين. عضو المجلس الثقافي للبنان الجنوبي. صدرت له عدة دواوين شعرية، منها: “كتابة على حاشية الجرح” (1973)، “طيور بعد الطوفان” (1978)، “دفتر الغربة” (1999)، “وجهك والمنفى” (2001). وله أربع لوحاتِ خطٍّ عربيٍّ في “مُتحف الحضارات” بمدينة هول الكندية. سُجلت أعمالُه الأدبية والفنية في موسوعتي Who’s Who الكندية (1997) والبريطانية (2001).
خطواتٌ في رفقة الدحكتور داهش
كتاب الروح
إن الكتابة عن الدكتور داهش (الهادي الحبيب) هي كقراءته أو الاستماع إليه، طقسُ نشوةٍ روحيةٍ. هي دخولٌ في الغرابة، وتهيُّوءٌ للمفاجأةِ والسير على جفاف الذهول!
سمعتُ عنه كثيرًا، ورسمَهُ خيالي أشكالاً غريبة، ولكني اعتدتُ أن لا أُطلقَ أحكامًا مُسبقةً على الأشياء. لم أقبلهُ ولم أرفضهُ حتى التقيتُه في منزله الرحب، في محلة القنطاري ببيروت، فأحسستُ أنني أمام رجل آخر… أن الرجل حاملُ رسالة، وأن الأمر ينطوي على حقيقة… واستمرت الزياراتُ، وكذلك المعجزات. وشهدتُ ما يُبهرُ ويُذهل ويفتح باب الهواجس والتساؤلات. ومن خلال النظرة الموضوعية، وجُرأة الاعتراف بالحق ولو كان على حساب المُسلمات والأعرافِ الموروثة، بدأت خيوط الحقيقة تتسربُ إلى نوافذ العقل والقلب كما تتسربُ قطراتُ الندى في مَسامِّ أزاهر الصباح، وتنغزلُ فجرًا من الرؤى والصُور والأحلام. وما عتَّمت أحرفُ الرسالة الروحية المضيئة أن أخذت مكانها في كتاب الروح.
كان منزل الرسالة أشبه شيءٍ بواحةٍ وريفةٍ في صحراء، أو جزيرةٍ نقيةِ الهواء والتُراب وسط بحرٍ من الصخب. كما نفيءُ إليه كلما اشتد الهجيرُ وطغى على النفوس اللهيب… إلى حضرة الروح في معبد الجمال وتحت ظلال شجر المحبة والأمان، كأن إلهةَ الفنِّ زارت المكان فامتلأت الجدران بالروائع، وازدانت الزوايا بالتُحف! وأنِّى التفتَّ تبهرك الألوان والألحان، وتنفرجُ شفاهُ الفنِّ عن لآلئ ومضحار، وأسراراٍ وأشعار.
عاشق الفنّ
كان الهادي الحبيبُ شغوفًا بالفن عروفًا بقيمته الجمالية، مدركًا أنه لغة الروح والأحاسيس، وقد وصفه بـ”الموسيقى البصرية”. كان يُحسُّه نغمًا يداعبث النظر ويتسرب إلى القلب. يُرهفُ الذوق ويسمو بالنفس. وقد وفق في الحصول على مجموعةٍ كبيرةٍ من اللوحات الفنية والتماثيل لكبار الفنانين العالميين كانت نواةً لمتحفهِ الذي يُضاهي بمحتوياته وقيمته كبارَ المتاحف العالمية.
كان الدكتور داهش عاشقًا للفن، يُقدِّر الفنانين الأصيلين، ويُميِّزُ بين الغثِّ والسمين من أعمالهم، فلا تنطلي عليه أباطيلُ العصر ومهازلُ الحداثة. زِدْ إلى تلك اقتناءهُ لوحاتٍ فنيةً من أجل قيمتها الروحية، ومستوى سيالاتها العلوية. وقد خاطبتهُ مُشيرًا إلى هذا المعنى بقولي:
لجميل الفنون شيدت مجـــــدًا ولفنِّ الجنون نُكسًا وعـــــارا
ولمجدِ الجمال أعليتَ صرحًا وعمرتَ الآمال دارًا فدـارا
فزَهـــــــــــــــا صرحُ داهش وتجلَّى في نيويورك للنجوم مــــــــزارا
كنا نشعرُ في حضرته أننا في عالمٍ علويّ؛ فالآياتُ الفنية في كل مكان، وجوٌّ من الأمان يرين، وهو جالسٌ كقبسٍ من الضوء الممر الشرقي، أو متنقلاً بين الغرف، تطربُ لخطجواته الجدرانُ والمقاعدُ وسائر الأشياء، فتنطلقُ أغاريدُ لا تعيها آذانُنا الصماء، بل تسمعها القلوبُ وتحسُّ بها الأرواح. وقد تأكد لي لاحقًا أن الفن جزءٌ من رسالته السامية التي تهدفُ إلى نشر الفضيلة والخير والجمال ومحاربة الشر والفساد. وكأنه بأقواله واختياراته الفنية جاء ليقول لنا: هذا هو الفنّ.
في رفقة حزيران
لقد سرتُ في رفقة روائع الدكتور داهش الأدبية وتمتعتُ بكنوزه الفنية في رحلة النور والمعرفة، كما سرتُ برفقة حزيران ومطلع حزيران، ذكرى مولد مؤسس الداهشية. وكانت الرحلةُ محفوفةً بالشعر والعطر والصبر والسهر، كرحلةِ السندباد إلى جزائر المحار. إلا أن أجمل ما فيها اللقاء ومناجاةُ الحبيب، والإبحارُ في الورد… كان أجمل ما فيها الوفاء! وأنَّى لي أن أعثرُ عليه في سائر الشهور؟ حزيرانُ كان الجُرح المفتوحَ في شغافِ العُمر! ولطالما امتزج دمي ودمُه في صناعة الشعر ونسيج الأحلام! كان خنجرًا من الوردِ يُدْمى ويدمَى فتضوعُ الأطيابُ والألوان والآلام، وترتسم كلماتٍ وصورًا على صفحاتِ العمر والقلب!
كان لقائي الأول للأول من حزيران في منزل الرسالة بمحلة القنطاري في بيروت. وكان احتفال ألقيت فيه كلماتٌ وأشعار. لم أكن وقتئذٍ من المشاركين، وكنتُ ما أزالُ ضيفًا جديدًا على حزيران. ولم يكن عقلي ليستوعب عمقَ القضية وعظمتها، وعُمقَ الجرح الذي سوف تُحدثهُ في جسد الكرةِ الأرضية! كنتُ مستعمًا، لكن لأشياءَ لم أكن لأسمعها من قبل. كنتُ أفاجأ في كل كلمةٍ أو فكرةٍ يطرحُها الخُطباء. لم أكن أعلم أنم مرحلةً جديدةً بدأت من عُمر الأرض، وسرى في عرقوها دمٌ جديد، وأن انقلاباتٍ أثيرةً حصلت في حياة الزُهور والطيور ومجاري الأنهارِ والأفكار! لم أكن أعلمُ بقرار الشمس والقمر والنجوم بزيادة اهتماماتها بعالمنا الكئيب. كلهم كانوا فرحين! كلهم كانوا يشعرون أنهم وُلِدوا من جديد في يوم مولِد الهادي الحبيب!
لقد لبستُ الحالة ولبستني، وتأكد لي بقوةٍ أن ما قالهُ الخطباءُ في عيد حزيران هو قليلٌ من كثير! وبدأتُ أعيشُ مع حزيران وإليه، وارتقبُه من عام لعام لأثبته اللهف والشغف والحزن والحب والفرح بقصائد أخذ فيها سيده رمز “الحبيب”.
وهكذا كنتُ أكتبُ وأكتبُ خطًّا ونثرًا حتى يُداهمني حزيرانُ بقوارير عطوره وأزاهير أرضه وسمائه، وأغاريد طيوره ومناقيدها التي تنقدُ حبات القلوب، فتطغى عليَّ حالةٌ من الوجد ويتغير لون دمي وينسكبُ شِعرًا لحزيران وسيِّد حزيران!
وبعد قصيدتي الأولى لحزيران عام 1967، “عودة الحبيب”، تعمق رمزُ “الحبيب” واشتدت إيحاءاته، وتوطدت العلاقةت بين شعري الحزيراني وحزيران الشاعر، وصار في كل عام يوحي إليَّ قصيدة أزفُّها للحبيب عاشقةً وامقة:
شهر الأغاريد أهلاً أنت شاعرُنا على قوافيـــــك خفقُ القلبِ ينتظمُ
في كلِّ عـــــــــــــــامٍ لقلبي منكَ أغنيةٌ يُضيءُ أحرفَهــــــــا من مُهجتي الألمُ
أزفُّها لحبيب الــــــــــــــــــــــــروح عاشقةً تكادُ من شوقها الأوراقُ تضطرمُ!
وفي هذه القصائد، استمر الإحساسُ بالدهشة والمفاجأة والغرابة، وطغت مشاعر الحب والشوق والابتهاج. وكثيرًا ما كان الحبيبُ مستمعًا بين الحضور، فيحلو اللقاءُ وتعذبُ المناجاة:
يا مَن تشتاقُ لك الأعماقْ
هل تعلمُ كيف غدا حالُ العُشاق؟
حملوا فوق جياد الشوق
قلوبًا أثقلها الإرهاق!
لو تعلمُ أنا إياك عشقنا
وبنار القلبِ كتبنا
فاشتعلتْ بالحبِّ الأوراق!
حين تمرُّ يُفتِّحُ زهرُ الليل
وتُغسلُ بالنور الآفاقْ
يتوحدُ قلبُ العتم وقلبُ النور
ويُعقدْ بين الشمس وبين الأقمار عناق!
وتمرُّ على قلبي
فتُتمْتمُ للنورِ قَرنفُلةُ الحزن
تمرُّ على عينيَّ فتعلقُ بالأحداق!
كان حزيرانُ أبًا عطوفًا يجمعُ بين أحضانه جميع أبنائه فيفرح بهم ويفرحون به.
كانوا يتوافدون إليه من كل مكان؛ فيلتقون ويحتفلون ويلقون الكلمات. أما بعد غياب الحبيب فأصبح يخيم على الحفل جوٌّ من الكآبة والتذكر الممزوج بالمرارة والحرقة والحزن المرير الذي تنطقُ به دموعُ الشموع وثغور الورود والكلمات.
ثم تبرز المفارقة الأليمة، إذ إنني في كل مرةٍ أُغني فيها حزيران، وأقف لألقي القصيدة، كان سيد حزيران يتراءى لي جالسًا كعادته مبتسمًا يستمعُ إلى الشعر، ويطربُ له:
يا سيد العيد كان العيدُ مـــــــــــــلء دمي وأنتَ في العيد مليءُ السمع والبصرِ
تُصغي لشعري فيبكي الشعرُ من فرح ويزهر الحرفُ بالأفكـــــار والصــــــــــــــــــورِ
واليومَ دمعي على الأشعــــــــــــــار منهمرٌ والشِعرُ يبكي بدمـــــــــــــعٍ غيرِ مُنهمــــــرِ
وفي الغُربةِ يبقى “الحبيب”، سيِّدُ حزيران، مالكَ الروح وسيدّ القلب. والإحساسُ بحبِّه وعظمته ويكبر شعرًا وشجرًا مُشتعلاً بالزهر والعطر والثمر. واسمه الحبيبُ أغنيةٌ أثيرةٌ على ألسُن الطيور والأنسام والنهور، يُرجِّعُ صداها نايُ الغروب وقيثارة الليل والسَحَر.
هتفتُ اسمكَ حتى صــــــــــــــــــار أغنيةً في ألسُن الطيــــــــر والأنسام والنهــــــــــرِ
غنيتُ حبك حتى غصَّ في دمــــــــه نايي الجريحُ وسال الدمعُ من وتري
وهمتُ فيه، أمانًا عشتُ أم خطرًا وأروعُ الحبِّ ما نحيــــــــاهُ في الخطــــــــــرِ
الأديب المُعجِز
تعرَّفتُ إلى رجُل الروح ولا أزعمُ أنني عرفتُه، وأنى لي أن أكتَنِهَ أسراره لا سيما ما انغلقَ منها على جواهر الروح.
في رفقتك للحبيب ولآثار الحبيب تحسُّ أنك تسيرُ مع المفاجآت والغرائب! فإذا رافقتَ شخصَه أحسستَ بالمُعجزة، وإذا رافقتَ أدبَه أحسست بالإعجاز، فأنت داائماً في حضرتهما كالمُستجيرِ من الدهشةِ بالذهول! في شخصِه تقرأُ اللُطفَ والعطفَ والنبالة والتواضُع والتضحية والطُهرَ والنقاءَ والذكاءَ وسلامةَ الذوق وحُسنَ المجالسة وعذوبة الحديث. وفي أدبهِ تقرأ الصدقَ والعُمق والغربة والغرابة والجُرأة والبساطة والفلسفة والحكمة…
في رفقةِ أدبهِ تحسُّ بالدهشة، إذ كيف لأديبٍ عاديٍّ أن يكتبَ في كل المواضيع ويُجيد؟ وكيفَ لأديبٍ لا يكتبَ بهذا العُمق، وهو على سطح بحرٍ من المسؤولات الجسام كالتي تفرضها رسالةٌ روحيةًّ؟ نحنُ نعلم أن الفن أناني، والأدب أنانيٌّ أكثر منه. فالأدب لا يطيقُ معه أحدًا. يطلب من الأديب كله، ولا يعطيه إلا بعضًا منه، وربما لا يعطيه شيئًا.
يُنفقُ الأديبُ سنةً أو سنتين مِن عُمرِه لكتابة قصةٍ أو تأليف كتاب. وقد انفق دانتي اليغييري أكثر من عشر سنين في تاليف “جحيمه”. فكيف لا نعجب إذا علمنا أن الدكتور داهش أنجزَ كتابه “الجحيم” خلال أيام معدودةٍ! وكتاب “مذكرات دينار” الذي وُصِفَ بـ”أوذيسة” القرنِ العشرين في ما يُعادلُ يومَينِ كاملين فقط! وبحضورنا نحن، كان يكتبُ القصة القصيرة خلالَ ساعةٍ واحدةٍ، تزيدُ أو تنقُص. لقد رأينا بأُمِّ العين كيفَ كانت الريشةُ تسيرُ على أويراقه واثقةً بنفسها بلا تردد ولا توقف؛ فلا شطبَ ولا حذفَ ولا إضافة أو اعادة، بل حفرٌ وتنزيلٌ وثقبُ جُمَان! والكلمةُ في أمانٍ من اللحنِ وزلاتِ القلم وهفواتِ اللسان.
كيفَ لا نعجبُ وكتاباتُه جميعُها، منذُ سنةِ العشرين، في بداياتها المشرقة إلى آخر كتاب كتبهُ، هي في المستوى الفني والأدبي نفسه من حيث العمقُ والنضجُ والنظرة الصائبة إلى الأمور. وآراؤه ثابتةٌ لم يطرأ عليها تعديلٌ أو تبديلٌ وفقًا لمقتضياتِ الظروف في مختلف شؤون الحياة وما بعد الحياة. فكأن الزمن قد توقف بين كتابه الأول وكتابه الأخير، فلم تُشرق الشمس بينهما ولم تغب.
لا شك بأن وراء هذا العمق والثبات في المواقف والانسجام في الآراء نفسًا رقيقةً نقية، لم تنتظر أن تصقلها التجربة، بل شفها الحُزن، وأذكاها الألمُ والإلهام، وزودها الروحُ خيرَ الزاد.
أكثر من مئة لؤلؤةٍ داهشية
في محراب أدب الهادي الحبيب تأخذك المفاجأة وتنهمرُ عليك مشاعرُ الدهشة والرهبة والخشوع؛ إذْ إنك أمام الكلمة كما أراد لها الله في البدء أن تكون. كاتبٌ يكتبُ ويجيدُ في كل المواضيع. وضع أكثر من مئة كتاب، تُرجمَ بعضها إلى لُغاتٍ مختلفة، وتُعرضُ في المعارض العربية والعالمية. أدبٌ خارجٌ عن الأعراف المألوفة في الكتابة، ومقاييس الناس ومُعتقداتهم. أدبُ ثورةٍ وتغييرٍ وصدقٍ في التعبير والعباراة وتشخيص الداء ووصف الدواء. أدبٌ لا يمكننا إدراجُه في مكتبات المدارس الأدبية المعروفة من كلاسيكية ورومانسية ورمزية وسواها. إنه عُصارةُ قلبٍ حطمتهُ الآلام، ونفسٍ نقيةٍ شفيفةٍ برقة النسم. أدبٌ يجمعُ بين ثقافةٍ بشريةٍ واسعةٍ وإلهام روحي مقدس. فمن الغبن أن ننظر إليه ونحكمَ عليه كما ننظرُ ونحكمُ على سواه. إننا بحاجةٍ إلى أدواتٍ جديدةٍ للتحليل والتعليل، ومزيدٍ من الأضواءِ نُسلطها على مخابئه وروائعه، وعلى شخصية الكاتب ودوافعه الإنسانية النبيلة، وأحساسه بالمسؤولية الجسيمة المُترتبة على استعماله الكلمة. ولن يصعبَ علينا ساعتذاك رؤيتها بين يديه سلاحًا وغذاءً وشفاءً ومشكاةَ نورٍ تتوقَّدُ في هذا الظلام.
أسفارٌ خالدةٌ تطرقُ كل الأبواب وتتكلم بكل المواضيع وهدفُها واحدٌ وهو سعادةُ الإنسان والسمُّو به عن تفاهة الدنيا وحقارة المادة. لآلئُ مختلفة التوهُج والبريق، ولكن يجمعُها النقاء وتربطُ بينها رتائمُ الروح. أسفارٌ سِرتُ برفقتها زمنًا فاسرتني بخيوط شِباكها العذبة، وخطفتني كجنيِة البحر إلى عمالها المسحور حيثُ عشتُ معها بعيدًا عن ضجيج البرِّ وصخب الحياة. وهناك بين أشجا المرجان والمحار واليشبِ البحري وعرائشِ اللؤلؤ، شرتبُ كأس محبتها حتى الُثمالة.
لقد سعدتُ برفقة الحبيب وأسفارِه والفُرص الوردية التي وفرها لي بخط بعضها بريشتي. فقد أتيح لي أن أتلمس عن قُربٍ جمالاتها، وأنعم بفيئها ودفئا. كانت أحاسيس حيالها كأحاسيس الطفل في مخزن اللعب، أو أحاسيس الناسك المُتعبد في هيكل الطبيعة أوانَ صلاةِ الصباح. كنتُ أخشى أن لا أوفر لها الشكل الذي يليقُ بعمقها وسمُموها. فطالما حَبستُ الأنفاسَ وجلَوتُ النفسَ والأحاسيسَ تهيؤًا لرحلةِ العَطر والنور والتعب والجميل.
رحلاتُ الحبيب
أمَّا أسفارُ الهادي الحبيب حول العالم فقد انتظمت تحت عنوان “الرحلاتُ الداهشية حول الكُرة الأرضية”، وشملت معظم بلدان العالم، ورسمت صورةً بارزةً لأكثر مظاهر الحياة في هذه البلدان وطبيعتها وطبائع الناس فيها.
لقد جوَّل الهادي الحبيب في الأرض شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، وعاد منها بخير فير. وكانت هديتهُ لنا ولخزانة الأدب العربي والعالمي هذا السِفَر الأدبيَّ الثمين، سلسلة “الرحلات الداهشية” في اثنين وعشرين مُجلدًا جعلها مسرحًا لأفكاره، ومنبرًا لتعاليمه وتوجيهاته، ومتنفسًا لأحاسيسه المشبعة بالمحبة والفضيلة والخير والصلاح. كان يُصور ويكشف ويصحح؛ وكنا نشعرُ بحقٍّ أنه من خلال هذه الرحلات ينفذ مهمة روحية مقدسة، لا سيما أنه قام بكثير منها تحت وطأة الألم، وفي حالةٍ يستحيلُ على مَن يعانيها أن يتحمل مشاقَّ السفر ووعثاءه، أو حتى يقوم بأي عمل… كان يصطحب معه جراحَه وآلامه الجسدية والنفسية أنى حلَّ أو ذهب.
كما في سائر أعماله، لم يهدف الدكتور داهش من وراء رحلاته إلى الاستمتاع والراحة، حتى الكتابة لم تكنه لديه هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلةٌ لاكتشاف الحقيقة. وكثيرًا ما كان يصرخ أن :”ليس من يكتبُ للهو كمن يكتب للحقيقة”.
وقد كُتِبَ لي أن ألتقيه خلال رحلاته مرتين: مرة في ليبيا عام 1971، ومرة في الولايات المتحدة الأميركية عام 1981.
في رفقة الحبيب تحس أنك في عالم آخر… تتحول إلى غمامة، قدماك لا يطآن الأرض، تحلقُ كطائر، حتى وإن لم تكلمهُ أو يكلمك. كن معه فقط، وهذا يكفي.
لا ديمومة لشيء
وهكذا سعِدتُ برفقة الهادي الحبيب زمنًا غير قصير، ونعمتُ بلطفهِ وعطفه وحنانه ورقةِ كلامه، ووضوح تعاليمه وأحكامه. كنتُ أراهُ مبتسمًا كالصباح على رغم ما يعتملُ في قلبه من أحزان، وهادئًا على رغم اختلاج البراكين في داخله. كان معنا في كل شيء، لا تفوته صغيرة أو كبيرة. لا يتهاونُ في إحقاق الحق ويدين المخطئ ولو كان له أقرب المقربين. كان معنا بأفكاره وأحاسيسه وكل جوارحه، ومع ذلك كنتُ أُحسُّ أنه يحلقُ في عوالمَ بعيدة. كان بعيدًا عنا كالشمس، لكنه قريبٌ منا كأشعتها. وكانت أيامنا في رفقته أجمل أيام العمر! ولكن لا دوام لشيءٍ في هذه الفانية؛ أتانا خبرُ غيابه الأخير، وكان على سفر، فبكيتُه ورثيتُه.
وذهبتُ بعد حينٍ لزيارته في مقر غيابِه، ذاتَ خريفٍ رماديٍّ جريح، تملأ أغصانَ شجرهِ وجسدهِ الأوراقُ المُصفرَّةُ والمُدامَّاة. كان الخريف كقلبي حزينًا ودامعًا:
عُدتُ إليه بعدما تململتْ
وأورقَت في مُهجتي
أغصانُ حُزنيّ الوَريف
قابلتُه… قبلتُه… عانقتُه…
بلاطة محاطةً بالزهرِ والمَطرْ
وورق الخريف!
كذب الموت
وفي ذكرى غيابه، عُدتُ لزيارته في مكان نومه الأخير، وخاطبته قائلاً:
أيهـــــــــــــــــا النائم الحبيبُ سلامـــــــــا قر عينــــــــــــــــــا فقد بلغت المرامــــــــــــــــــا
وانتهت رحلةُ العـــــــــذاب بأرضِ تقتــــــــــــــــــلُ الملهميــــــــــــن والإلهامـــــــــــــــا
ها هو الموتُ من عشقتَ فغرد فرحــــــــــــــةً يا حبيبُ، رف هُيامــــــــــا
رائــــــــعٌ أنت في الممـــــــــاتِ جميلٌ مثلمــــــــــــا كنتَ في الحياةِ تمامـــــــــــــــــــا
أيهــــــــــــــــا العابــــــــــــــرون لا ترهقوهُ خففوا الوطء، واحبسوا الأنساما
أيهــــــــا الساهرون لا توقظـــــــــــوهُ لم ينــــــــم في الحيــــــــــــــاة إلا لِمامــــــــــــــــا
هــــــدأ النبض واستراح فــــــــــــــؤادٌ ذاب في الحـــــــــــق صبوةً وغرامـــــــــــــــًا
يا عروسَ الربيعِ ضُمِّي حبيبي واغمُري القَبرَ ليلكـــــــــــــــــا وخُزامـــي
وترفقــــــــــــنَ، يــــــــــــــــــا ورودٌ بقلبي في جــــــوارِ الحبيبِ قلبي أقامـــــــــــــــــا
كذبَ الموتُ لم ينَلْ من حبيبي إنَّهُ في السمـــــاءِ يعلـــــــــو مقامــــــــــــــًا
نمْ قريرًا إلى جـــــــــــوارِ إلـــــــــــــــــــــــــهٍ أيُّها النائـــــــمُ الحبيبُ، سلامـــــــــــــــــا
فضلُ الدكتور داهش عليَّ
الدكتور جبران مجدلاني
يحمل الدكتوراه في عِلم الإدارة التربوية من جامعة كولومبيا في نيويورك حيث يُدرس في حقل التكنولوجيا التربوية ويُشرف على الأبحاث وأطروحات الدكتوراه.
عضوً مؤسس وسكرتير التنظيم المعروف باسم public scholls for tomorrow. وهو، أيضًا، خبيرٌ اختاصي في الحقل التربوي، حاضر، وما يزال يحاضر، في المدارس والجامعات في أميركا والمسيك وجزر الكاربين ومصر ولبنان… له مقالات وأبحاث متعددة ف الإدارة والتكنولوجيا التربوية والمناهج التعليمية وتقويمها.
فضلُ الدكتور داهش عليَّ
يعود الفضل في تعرفي بالدكتور داهش إلى والدي طانيوس مجدلاني، رحمه الله. فقد كان حلاقاً معروفًا في منطقة المزرعة ببيروت. وتشاءُ الظروف أن يكون صالونُه مجاورًا لمنْزل الدكتور القديم في ذلك الحيِّ. ومنذ منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، أصبح والدي حلاقه الخاص يكادُ يراه يوميًا، فيحلقُ ذقنه, ويُشذِّب شَعره، ويستمع إلى أحاديثه وآرائه، ويُعاينُ ظاهراته الروحية الخارقة، ويشهدُ لها بكلِّ أمانةٍ وتجرد. كان يُعاينُها مباشرةً، سواءً بمفرده أو مع أشخاص آخرين.
هذه المعجزات التي كان يرويها لنا الوالدُ بكل صدقٍ وحماسة أنارت قلبه ورسختْ في نفسه الإيمان الصحيح بالسيد المسيح وتعاليمه الروحية. زدْ على ذلك ما كان يردِّده من أن حياة الدكتور داهش كانت مثالية إلى أبعد الحدود، وأن آراءه أشبه بآراء المهاتما غاندي الداعية إلى المحبة والصلاح والأخوة بين البشر، والمنادية بالعودة إلى ينبوع الإيمان الصافي، وأنه كان القُدوة في مسلكه وسيرته.
ظاهراتٌ روحية كثيرة كان يذكرُها الوالد، منها ما نُشِر في الصحف والمجلات، ومنها ما يزال مخطوطًا في المحفوظات الداهشية. ولا يسعني، هنا، إلا أن أذكر واحدةً حصلت معه، خلاصتها أنه بينما كان يعمل في صالونه في أوائل الأربعينيات من القرن المنصرم – وكان الدكتور داهش محتجبًا بسبب اضطهاد الدولة اللبنانية له – عرَّج عليه الشاعر الداهشيُّ حليم دمَّوس، وحياة بابتسامة قائلاً له: “مرحبا، أبو جبران.” فتعجب والدي كثيرًا لهذه المناداة، إذ إنه لم يكن معروفًا بهذا الاسم، دعْ أنه كان ما يزال عازبًا، لا يعتزمُ الزواج يومذاك. فاستمهل الشاعر مستفسرًا سرَّ هذه التحية، فابتسم الحليم له وأردف قائلاً إن المستقبل كشاف.
وانطوت السنوات، فتزوج والدي ورُزِق ثلاث بنات. وفي أثناء حمل والدتي بي خلال العام 1951، ذهبت الأسرة بأكملها في رحلةٍ إلى مَزار سيدة صيدنايا على مقربةٍ من دمشق؛ وهو مكان كان يحج غليه المسيحيون الشرقيون سنويًا. وبينما كانت الوالدة نائمة ليلاً في المزار، حلمت بأنها رُزقت صبيًا، ففرحت بحُلمها الجميل كثيرًا، وأخبرت والدي وجدتي به.
وذات يوم من عام 1954، كان والدي في زيارة الدكتور داهش بعد خروجه من احتجابه القسري، فساله مؤسس الداهشية عن عدد أولاده، فأجابه: “ثلاث بنات وصبي”. فبادره قائلاً: “جبران؟” (أي اسم الصبي). ففوجئ والدي، وسرعان ما تذكر مرور الشاعر حليم دمُّوس عليه في صالون الحلاقة قبل زواجه بزمنٍ وحيَّاه باسم “أبو جبران”، كما تذكر حلم الوالدة قبل ولادتي. فروى ذلك أمام الدكتور داهش وزوارِه – وكانوا جالسين في غرفةٍ من غرف المنزل شبيهةٍ بالمكتبة لوفرة الكتب فيها – فطلب إليه الدكتور انتقاء أي كتاب يريدُه، فاختار والدي واحدًا وفتحه، فإذا في داخله رسالةٌ تروي أنه (أي والدي) سيزور الدكتور داهش في اليوم الذي زاره فيه، وسيُخبرُه ما أخبره إياه بالتحديد. وقد عرف والدي، يومذاك، منه أن ثمة نبوءةً دوَّنها حليم دموس في “الواقع الداهشية” تُفيد بأن والدي سيُرزق بعد زواجه مولودًا ذكرًا يُطلق عليه اسم “جبران”. ولذلك ألقى عليه الشاعرُ الداهشيُّ التحية باسم “أبو جبران” قبل عدة سنوات من زواجه فسبحان الله، كشاف الغيوب الذي يعرفُ الأحلام وما في الأرحام. هذه الظاهرة كان الوالدُ يرويها بحضور والدتي , فكانت تُثني عليه وتُضيف تجربتها الخاصة مؤكِّدةً صدق الوالد وصحه ما حصل معها هي أيضًا.
وثمة ظاهرة أخرى رواها الوالد، مفادها أنه قام ذات يوم بزيارة الدكتور داهش، كان في تلك الأثناء محتاجًا لبعض المال ليسدّد به جزءًا من الأقساط المدرسية المتراكمة عليه، فأسر للدكتور بهمِّه، وسأله هل يمكنه أن يحصل، بمساعدةِ روحية على ورقةِ يانصيب رابحة – ويبدو أنه لم يكن آنذاك، مُدركًا أن الظاهرة أو المساعدة الروحية لا تتمَّان للمنفعة المادية. ويردف الوالد قائلاً إن الدكتور قام ساعتذاك إلى غرفةٍ مجاورة، ثم عاد منها وفي يده ظرفٌ مختوم عليه اسم الوالد، وسلمه إليه طالبًا منه الاحتفاظ به حتى إشعار آخر. وبعد يومين، استدعاه إلى منزله ومعه الظرف المختوم، ثم طلب إليه فضه، ففعل، فإذا بداخله ورقتا يانصيب تاريخُ سحبه اليوم نفسه. ولمَّا قابل رقميهما بنتائج السحب، وجد أن إحداهما تربح 20 ألف ليرة لبنانية، والثانية تربح 10 آلاف ليرة. على أن الوالد لم يأخذهما لأنهما، كما قال له الدكتور داهش، لم تكونا من نصيبه، ثم إن أخذه لهما يمكن أن يسبب له ضررًا وتجدرُ الإشارة هنا أن الله، سبحانه وتعالى، أنقذَ الوالدَ من ضائقته المالية، فاضطلعَ بنفقات تعليمنا على أكمل وجه.
مَن يعاينْ هذه الظاهرة الروحية يُدرِكْ بالفعل ما يتمتع به مؤسسُ الداهشية من قدرةٍ جبارة. والقارئ النبيه يتعلم من هذه الظاهرة المُذهلة درسًا بليغًا مفادُه أن كل إنسان ينالُ ما هو نصيبهُ في الحياة بجدِّه ونشاطه، وأن السلامة والأمان ليسا بالمال والغنى، بل بالنعمة والبركة الإلهية.
ظاهراتٌ أخرى حدثت مع الوالد، منها الكتابة الروحية من بعيد؛ فقد كان يجالس الدكتور داهش ذات يوم، وإذا بالروح تحتل الرجل الخارق، فيمدُّ يده إلى الأمام، ويباشر، بإصبعه، خط آياتٍ كريمة على الجدار أمامهما، وكان يبعدُ عنهما قُرابةَ ستة أمتار، فارتسمت عليه!
ومن تلك الظاهرات أنه بينما كان الوالدُ يجالس الدكتور داهش في منزله المجاور لمستشفى الدكتور توفيق رزق في حي المزرعة، شاهدا الدكتور رزق، من خلال النافذة، وهو في مكتبه يحادثُ أحد الأطباء العاملين في المستشفى، واسمُه الدكتور جدعون. عندئذٍ خاطب الدكتور داهش والدي قائلاً: “ما رأيك إذا جعلتُ الدكتور جدعون “يتجدع”؟” وما كاد يفرغُ من كلامه حتى بدأ الطبيبُ المذكور يقفز ويرقص “متجدعًا”، وذلك فجأةً ولمدةٍ وجيزة. والحقيقة أن المشهد كان مضحكًا للغاية. فأين وقارُ ومهابة هذا الطبيب الذي كان يعرف بجديته! وقصد والدي من فوره مكتب الدكتور رزق، وكانت تربطه به معرفةٌ قديمة، واستفسره ما حصل للدكتور جدعون، فحسِبَ الدكتور رزق أن والدي شاهد الطبيب “يتجدع” من خلال النافذة في أثناء مروره صدفةً في الشارع، فأبدى هو أيضًا عجبه وحيرته مما حصل فجأة للدكتور جدعون وهو واقف بجديةٍ واتزان. وإني أترك للقارئ النبيه أمر استنباط الدرس والعبرة من هذه الظاهرة الطريفة التي لا شك في أنها لم تحصل للتسلية، ولكن لسبب أبعد من ذلك.
ومما رواه الوالد مساعدةٌ روحية أنقذتني من براثن الموت وأنا في حدود السابعة أو الثامنة من عمري. فقد أرسل الدكتور داهش، ذات يوم، إلى صالون والدي من يقول له أن أبقى في البيت بعد دوام المدرسة، فلا آتي اليومَ إلى صالونه، وإلا حصل لي مكروه. فأرسل والدي إلى والدتي من يُبلغها الأمر. بيد أنها لم تُولِه الأهمية الكافية، وسمحت لي بالذاهب إلى صالون الوالد الذي يبعدُ حوالى الكيلومتر عن منزلنا، والذي كان يقع بمحاذاته خط للحافلات الكهربائية. وبينما كنتُ أهم بقطع الطريق الرئيسي، إذا بقطار مسرع يفاجئني وأنا بين سكتي الحديد، ويكاد يدهسُني لولا مساعدة إلهية أوقفت القطار فجأة، فكأن قوة غير منظورةٍ لجمته. وكان والدي حينذاك واقفًا أمام صالونه يتجاذبُ أطراف الأحاديث مع صاحبي متجرين مجاورين، فلما شاهدوا الحادث ارتاعوا وهُرِعوا نحوي وفي ظنهم أني قُتِلت. لكن العناية الإلهية ودعاءَ الدكتور داهش أنقذاني من براثن الموت المحتم، فلم أصب بأي أذى، والله الحمد… ولا يداخلني أدنى ريب في أن مساعدات روحية عميمة حصلت لي ولكثيرين سواي في مجرى حياتنا، فأنقذتنا من هلاكٍ محتوم أو عاهاتٍ بالغة، وذلك حتى بدون معرفتنا، معرفةً مباشرةً، بحصول هذه المساعدات.
ونظرًا لضيق المقام، أختتمُ سرد الظاهرات الروحية التي شاهدها ورواها الوالد برواية ظاهرة حدثت في أثناء زيارةٍ رافقته فيها لمنزل الدكتور داهش ببيروت في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1974. فبعد أن فرغ الوالدُ من حلاقة ذقن الدكتور، توجها معًا إلى قاعةٍ مجاورة تُعرف بـ”الصالون الصيني”.1وما هي إلا مدة وجيزة حتى عاد والدي وعلى وجهه أماراتُ الدهشة والغبطة، وأخبرنا، أنا وسائر الحضور، أن الدكتور داهش قام برسم “الرمز” الداهشي على ورقةٍ صفراء وكتابة دعاء تحته، وأراه إياه؛ ثم طلب إليه أن يرسم “رمزًا” آخر على ورقةٍ صفراء وكتابةِ دعاء تحته، وأراه إياه؛ ثم طلب اليه أن يرسم “رمزًا” آخر على ورقةٍ صفراء ويذيله بالدعاء نفسه، وفيه أن تتم عشرةُ أشياء لخير ابنه جبران. فقام والدي بما طُلب إليه، ثم طوى الورقة وأحرقها. وفجأةً احتلت الروحُ العلوية
————————————-
1 دُعيت كذلك لما فيها من تحفٍ ومنمنماتٍ صينية.
—————————————
الدكتور داهش، وبصوتٍ جهوري ارتعش له والدي خاطبته قائلة: “لماذا لم تطلب إلى الدكتور أن يوقع “الرمز” قبل أن تحرقه. “فاعتذر لهذه الهفوة ولعدم انتباهه لهذا الأمر. عندئذٍ قالت له الروح بأنها ستعيدُ تكوين “الرمز” كما كان قبل إحراقه ليوقعه الدكتور.
وهذا ما حصل بالفعل، إذ تحول الرماد أمام عيني والدي إلى ورقةٍ صفراء وعليها “الرمز” والدعاء بخط يده. فوقعه الدكتور داهش، ثم طواه والدي وأحرقه ثانية.
وأردف والدي يقول بعجب: “تُرى أليس “الرمز” المحروق والمُعاد تكوينه أشبه بالإنسان الذي وافته المنية وانتقلت سيالاته، ثم بُعِث مجددًا” والحق أن هذا هو جوهرُ هذه الظاهرة الباهرة.
ولطالما اخبرني الوالدُ أنه في أحيانٍ كثيرة كان يحلق ذقن الدكتور داهش، فيشعر بأنه (أي الدكتور) قد اختلج قليلاً، وبأن حالة روحية جميلةً قد أحاطته. وهذا ما كان يعرفُ باسم “الاحتلال الروحي” الذي كانت تجترحُ الروحُ في أثنائه معجزاتٍ وخوارقَ مُذهلة تفوقُ حد التصور.
وقد علمتُ، فيما بعد، أنه أتيح لوالدي أن يزور الدكتور داهش عدة مرات في محل إقامته في الولايات المتحدة الأميركية، وأنه الشخص الوحيد الذي صورت له بعدسة الفيديو ظاهراتٌ خارقة اجترحها الدكتور داهش أمامه. وهذا بالفعل حدث تاريخي وبرهانٌ مادي دامغ وثابت. يُضاف إلى ذلك الطاهرات المتعددة التي عاينها الألوف من حياتهم، فأنارت لهم الدرب، وجعلت حياتهم الشخصية مستتقيمة ورحانية بعد أن كانت مادية. وإن فئة كبيرة من هؤلاء الشهود هم من النخبة المثقفة، منهم الأطباء والأدباء والشعراء والفنانون والقضاة والمهندسون والأساتذة الجامعيون.
ولا يسعني هنا إلا أن أختم هذا القسم من مقالي بحادثة لا تخلو من العبرة. ذلك أن من الناس مَن كانوا يلفقون الأكاذيب حول الدكتور داهش وما يأتيه من الخوارق، ولا سيما مع حلاقه. ولقد كان، في خلال مرحلة الاضطهاد، موضوعًا مشوقًا في المنتديات الاجتماعية. واتفق أن قام والدي، ذات يوم، بزيارة نسيب لنا في منطقة الأشرفية ببيروت، يُدعى الحاج نقولا الحايك، إبنُه الياس كان مختار المحلة. وكان منزله يقع قربَ ما يُعرف اليوم بـ”ملعب السلام”، غير بعيد عن مدرسة “زهرة الإحسان”. وكان في جملة الذين شاركوا في تلك السهرة العائلية رجلٌ لا يعرفُ والدي شخصيًا. ودارت الأحادث، فراح هذا الزائر يحدث عن خوارق الدكتور داهش، فاستهلها بالحادثة المُختلقة الآتية. قال إنه في أحد الأيام دخل الدكتور إلى صالون حلاقة، فرآه يعجُّ بالزبائن، ففصل رأسه عن جسمه، وطلب إلى الحلاق أن يحلق ذقنه عندما تسنح الفرصة! عندئذ نظر نسيبنا الحاج نقولا إلى والدي مُستعلمًا مُستفسرًا، فخاطب والدي الزائر وقد استاء من كذبه يسألُه: “مَن أخبرك هذا الأمر؟” فأجابه: “حلاق داهش”. فامتعض الوالدُ ونسيبنا لهذا الكذب المفضوح، وبادرا يُعلمان الضيف أن والدي هو حلاقه الخاص منذ سنين. فاعتذر “مُسيلمة” مُتذرعًا بأن أحد أصدقائه هو الذي لفق الكذبة. والعبرة من هذه الحادثة أن ما يُشاع عن الدكتور داهش ليس كله صحيحًا. فالمأجورون من الصحفيين والموتورون من رجال الدين كانوا يلفقون الأكاذيب كلما سنحت لهم الفرصة. والغرض من ذلك تشويه صورة مؤسس الداهشية في أذهان الناس. لكن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. فقد جنى أعداء داهش ثمارَ ما اقترفت أيديهم، وما زال نجمُه يزدادُ تألقًا في سماء العالم.
****
أعودُ اليوم بذاكرتي إلى أول اجتماع لي بالدكتور داهش. كنتُ طفلاً يافعًا لا يتجاوز السادسة من عمره لمَّا بدأ والدي يصطحبني إلى منزله في حي المزرعة ببيروت. هذه الذكريات هي، اليوم، صورُ ذلك الماضي البعيد القريب، حين كان يُجلسني أمامه ويُطعمني الثمار الشهية ويخبرني القصص الطريقة وذكريات طفولته في فلسطين. كان يُضحكني، ويثير في نفسي حبَّ المعرفة والكتاب. وما أزال أذكرُ العِبر والفضائل الكثيرة التي كان يُعلمني إياها، ومنها الشهامة والاستقامة والحذرُ من الوقوع ضحية المنافقين المدجلين ممن يدعون الإخلاص والتضحية والروحانية زورًا. ومنها أن أختبر الحقائق والأشياء اختباراً مباشراً. وكنتُ أشعرُ بعنايته الخاصة وحبه الأبوي. ولله كم كانت بريئة وحكيمةً قصص طفولته! وكم كانت البسمةُ جميلةً في عينيه! وكم كنتُ فَرِحًا لزيارته، إذا كان يومُ الزيارة يوم عيد وفرحٍ عندي.
وتشاءُ الظروف، وأنا بعد دون السادسة عشرة من عمري، أن انخرط في صفوف حركةٍ سياسية. ولم أكن على درجة كافية من الوعي لأدرك خطورة ما أقدمتُ عليه؛ فقد غرر بي، وفي مدةٍ وجيزةٍ انغمستُ في بحرٍ صاخب، واندفعتُ بكامل قواي في خدمة تلك الحركة ظنًا مني أنها تجسد الفكرة المثالية، وأنني أقوم بواجباتي كمواطن صالح. وكم من أمورٍ تعرضتُ فيها للمخاطر الجسيمة التي كادت تودي بي! وكم اكتسبت من مساوئ، وغصتُ في مهاوي الرذيلة والفساد… حتى لقد أهملتُ واجباتي المدرسية، فرسبتُ قبل أن أستكمل دراستي الثانوية. هذا، فضلاً عن تدمير حياتي ومستقبلي، ماديًا ومعنويًا. وانقشعت لي في أثناء ذلك خفايا، وبانت أسرار كنت أجهلها عن السياسة والسياسيين. خلاصةُ الأمر أنه لا هذه العقيدة السياسية ولا غيرها من العقائد استطاعت أن تبني فيَّ الإنسانَ الجديد التواق إلى الإصلاح والتغيير. فطريقةُ البناء في تلك العقائد هي كطريقة بناء منزلٍ على أرضٍ غير صلبة، وبدون ركائز متينة. وبالرغم مما كانت تنادي به من شعارات طنانة رنانة، لكنها فارغة، فقد كانت تفتقرُ إلى الوعي الروحي الصحيح الذي هو وحده حجرُ الزاوية في بناء الإنسان الجديد….
لقد أضعتُ خمس سنواتٍ ثمينة من عمري سعيًا وراء سحاب زائل وطيف حائل حتى بلغتُ مرحلة يُرثى لها من الضياع والتشتت الفكري. كنتُ أقدم مع بعض الرفقاء في الحركة على أمورٍ يندي لها الجبينُ حياءً. كنت في الواقع على مفترق طرق، بل على شفير الهاوية السحيقة! فلا الأفكار ولا الفلسفات السياسية التي اطلعتُ عليها كانت تُشبع نهمي أو تروي غليلي إلى الحقيقة المثلى، ولا كان الذين يدعون الإخلاص والنزاهة والتضحية قادرين على التأثير في بعد أن اختبرتهم، ودفعتُ الثمنَ باهظًا.
في أثناء ذلك كله، كانت صورةُ الدكتور داهش تلمع في ذهني، وكان هو يسأل والدي عني دومًا، ويتسقطُ أخباري، ويدعوني إلى زيارته. ولما كنتُ أزوره، كنتُ أشعرُ بانجذاب روحي إليه، كما أشعرُ بأنه إنسانٌ تمثلت فيه النبالةُ والعطاء… إلى أن قُدر لي، فسعيتُ أطلب المعرفة الروحية. ولقد كانت رحمةُ السماء عظيمة، فأسبغتْ عليَّ كنوزها الدرية، فانجلت أمام ناظري حقيقةُ دعوته الروحية انجلاءً ساطعًا لا يقبل الشك، فأدركتُ عظمة الرسالة الداهشية، وعرفتُ بأنني أمام هادٍ عظيم هو المثال الأعلى الذي تتجسدُ فيه قيم الأديان السماوية. ولقد أيده الله تعالى بأسمى الآيات، وبقوةٍ روحية جبارةٍ تفوق حدود التصوُّر العقلي. وكنتُ كمَن انتشل من بين أشداق الموت أو من وَهذه الهلاك، وبعثت فيه روح جديدة. وتأكد لي أني أمام الحدث التاريخي الأجل الذي طالما انتظره أصحابُ العقول النيرة والنفوس الخيرة الحرة الأبية والقلوب المتعبة الظمأى إلى المعرفة الحقة منذ غابر الأجيال.
كانت الحرب اللبنانية الدامية على مبعدةِ عام ونيف من اندلاعها حين تدخلت العناية الإلهية، فرأفت بحالي، وألهمتني الإيمان، فانفتحت عيناي لأرى نور الحق المتوهج، ولأتفهم النظام الروحي والعدالة الإلهية والثواب والعقاب. وقد أرشدتني السماءُ العلوية بإرشاداتٍ ورسائل روحية من العلي القدير، فأنارت لي الطريق. ومنذ تلك اللحظة، شعرتُ بأنني إنسانٌ جديدٌ بكل ما للكلمة من معنى. فقد خلق فيَّ الدكتور داهش انقلاباً جذريًا وجوهريًا، فخلعتُ عني ماضيَّ الرثَّ، وابتدأت حياة جديدة بقلب عامر بالأيمان وفكرٍ نير. وكان لي الدكتور، في الحقيقة، المُرشد والهادي والمعلم. وبعد أن كنتُ قد قطعتُ الرجاء من بناء مستقبلي، أعاد لي الأمل، وكان لي المُشجع والمعزي. فإذا برحمة السماء تُحيطُني، وإذا بي أوفق بالسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة، وذلك في أصعب الظروف، إذ كانت الحرب اللبنانية الماحقة في بدء اندلاعها، فلا بريد ولا أموال ولا مواصلات… لا شيءَ إلا الموت والدمار والخراب المُحيق الذي حل بلبنان التعيس، والذي جلبه على نفسه. بالرغم من ذلك كله، فقد ذللت المصاعب. وكان الدكتور داهش يطمئنُني ويُدخل العزاء إلى قلبي ببسمته المحيية ورعايته الغامرة.
******
إني أسجل هذه الشهادة للتاريخ والعبرة. فالدكتور داهش هو صاحبُ الفضل الأول والأخير لهذا الانقلاب في حياتي. فقد كان الراعي والموجه والملهم والهادي والقدوة والأب العطوف. وإن ضميري ووجداني يحتمان عليَّ أن أقول هذه الحقيقة دون تردُّد. فما حصل لي هو مثالٌ حيٌّ للخير العميم والبركة التي أفاضها قلبُ الدكتور الكبير، هذا التجسد الحقيقي الملموس لقيم الخير والحق والجمال والعطاء والتحية والمحبة والحنان والرأفة والتسامح والكرم والنبالة والشجاعة والبطولة والفداء وكل الخصال الحميدة.
وهنا أودُّ أن أختمَ مقالتي هذه بذكرٍ عابرٍ لما حصل معي، أنا شخصيًا، من ظاهرات روحية دامغة؛ وهي موضوع كتاب مفصل لاحق. منها رسائلُ وإرشاداتٌ روحية جاءتني في ظروف مختلفة. ومنها تحول ورقة يانصيب خاسرة إلى ورقة رابحة، ومعرفة الرقم المتسلسل لليرة لبنانية كانت بحوزتي، وسواهما الكثير مما يضيقُ المجال لذكره الآن. ولكن أكتفي بالقول إنها جميعها تثبت إيماني بالعلي القدير وبعدالة السماء ورحمة الله التي لا تُحد.
وليمةٌ روحية
المهندس جوزف خوجا
مهندس لبناني ، تخرج من كلية الهندسة المدنية في جامعة القديس يوسف بلبنان في العام 1981 بدرجة دراسات عليا. حصل على درجة الماجستير من جامعة ماكغيل McGill في كندا عام 1994 في أبحاث تأثير الزلازل على الأبنية. شغل منصب أستاذ مناوب في الجامعة اللبنانية بين 1998 و 2001، وكان عضوًا في هيئة التحكيم للحصول على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية. عمل في عدة مشاريع في مختلف مجالات الهندسة الإنشائية للأبنية وما يتصل بصناعة البترول والغاز في السعودية والإمارات ولبنان وكندا.
وليمةٌ روحية
شغفني، منذ حداثتي، حديثُ أستاذ لتلاميذه. كانت كلماتُ الحق والخير والجمال بدايته، والمعجزاتُ الروحية متمِّمة مؤكدً له. وبما أن البراهين هي التي تدحضُ وتخترقُ الفرضيات، فقد كان خيرُ سؤال أن أشهد لحقيقة الأمر بنفسي. وهكذا ثابرتُ على النقاش والتحليل بمساعدة كثيرين من الداهشيين وإرشادهم إلى أن التمستُ خبرًا يقينًا لألتقي مؤسس الداهشية، وكان ذلك يوم 27 تموز (يوليو) 1971.
حين أعودُ بالذكرى إلى الماضي، يُبادرُ إلى الذهن دائمًا ما حدث في هذا اللقاء، وكيف بدت الأمور، وهل كان في قدرة الوعي والإرادة تفسير ما حصل من حوادث خرقٍ لقوانين طبيعية كنتُ أعتقدُ أنه من المحال تجاوزها، وكيف كان الزمنُ يسيري سريعًا متعديًا طاقتي على استيعاب سيل الأحداث الواقعة أمام نظري. لذلك، ومع اقتراب انتهاء اللقاء ارتأيت أن أسأل عما في طويتي الدفينة، وكان أكثر الأمور تعقيدًا، وهو يشملُ كل العقل والعاطفة والإحساس من فرحٍ وحزنٍ بل هو قدرُ كل الكائنات وأعظمها شأنًا، أعني أسبابَ الحياة والموت!
كان السؤال خير جواب عما حصل في تلك الجلسة ولمن تسأل هكذا؟… وأي قدرٍ هو هذا الذي ينتظرك؟… فوعدتُ خيرًا في موعدٍ قريب. ثم استودعنا دقائق الزمن، ومضى كل إلى زمانه. لا شيء، والحق يقال، يعلم الإنسان أكثر من الصدمات واهتزاز المشاعر…
وترقيت بشوقٍ العودة لنجتمع ثانية، لكن لقوانين الحياة الصارمة القدرة على أن تحول دون تحقيق الرغبة في الالتقاء مجددًا لمتابعة هذا الحدثِ غير المالوف. لذلك كان عليَّ أن أجد وسيلةً للتحدث والتخاطب، فكان الكتابُ رجائي.
وبالرغم من قساوة العقل في تقبل الكلمة المكتوبة، وجدتُ أن هذا الرجل المفكر قد ابتدع وسيلةً في التعبير، إذ تجدُ للجمال مكانًا فيها، فضلاً عن الاتحاد بين العبارة والمنطق؛ زد على ذلك تناسقَ الأفكار وانسجامها، فإذا الكلماتُ جدول رقراق من النغمات والتعابير الموسيقية، وإذا هي سمفونية فيها كل مشاعر الحياة الإنسانية، تراها تندفع أحيانًا قاسية، وأحيانًا أخرى بعاطفةٍ جياشة ملؤها الحنان، فتعبر إلى ذاتك لترافقك وترشدك في كل لحظات الحياة.
هكذا ترافقنا أنا والكتاب، فأطلعتُ على عدة أنواع من الأبواب الأدبية، منها أدب الرحلات، والرواياتُ القصصية، والشعر حيث الأناشيدُ والابتهالات تنطوي على عمقٍ في الشعور، وورع وتبتلُّ وإخلاصٍ مثالي للحقيقة الإلهية المقدسة.
وكان السؤال الأزلي يعاودني دائمًا: هل الحقيقة المُطلقة والعلم المُطلق ممكنان؟ هل هنالك معرفةٌ على هذا النحو؟ لماذا الإنسان بطبيعته نزاعٌ إلى الإثم؟ ومِن أين عدم المساواة التامة في الفهم والذكاء؟ ولماذا تُعاني الإنسانية كل هذه الشرور والآلام؟ وكيف يمكنُ التوفيق بين المعجزات وما يبدو من سيادةٍ للنواميس في الكون؟
وتأتي الداهشية بالأجوبة: إن ما يعانيه الإنسانُ ليس سوى استحقاقاته ونتيجة أعماله السابقة التي أتاها طائعًا مختارًا وبكامل إرادته. ومع أن الناس يعتقدون أن قوة الله وعنايته تتجليان، بوضوح، في الحوادث الخارقة التي تناقضُ الفكرة التي كونوها عن الطبيعة، فإنهم يفاجأون بقوةٍ روحيةٍ من عالم علوي تصنع معجزاتٍ خارقة لقوانين الطبيعة، وذلك لتأكيد حقائق تدعو إليها.
وبالرغم من ترددِك وشكك في ما تلمسُ وتنظر، فإنك لا تقوى على إنكار المعجزة وحدوثها برغم أن العقل قد لا يرضى بما يحصل. ويتبين لك أن الفكر الداهشي يؤكد أن حكمة الله تتجلى في جميع الأشياء، وأن العناية الإلهية تحيط بكل مكان وزمان. وتستخلصُ العبر، ومنها أن كل ما يحيط بك إنما هو طاقةٌ ذات أشكالٍ مادية، وأنه ليس في الكون إلا جوهرٌ واحد مبثوثُ في الإنسان والحيوان كما في النبات والجماد؛ وهذا الجوهر هو السيالات الروحية. لذلك فالكائناتُ جميعًا واعية مسؤولةٌ مدركة، وتعمل وفق نظام إلهيٍّ عادلٍ وُضَعَ منذ الأزل، ولا يتأثر بعوامل أرضية. والسيالات تتغير حتى في مظاهرها الخارجية، لأن التغير أساسي ينبعُ من سعيها إلا الارتقاء. فالموتُ، كما الولادة، إنما هو تغير في الشكل. والتقمص رحمةٌ إلهية لكي يتاح للسيالات أن تنتقل في أدوار متناهية العدد لتتحرر من كل أوزارها، وتعود من ثم، إلى منبع وجودها، إلى العوالم الروحية القدسية. وهكذا يتحصل لك أن بعد هذا الكون المادي المعروف أكوانًا روحية، وأنه يضجُّ بالحياة وبحضارات عظيمةٍ لم يستطع سكان الأرض اكتشافها بعد، حضارات تتناسبُ المعرفة والسعادة أو الخوفُ والألم مع درجاتها الروحية. وعندئذٍ تُدركُ أن هناك شريعةً أخلاقية أبدية تنقلكُ، في كل مرحلةٍ إلى عالم يوافق استحقاقك. وتتيقن أن الموت لا يقضي عليك، بل يرفعك إلىات حيث يكون استحقاقك وفقًا لما أنت عليه الآن بأعمالك ومشاعرك وحتى بأفكارك. بهذا يتحقق الإنسانُ من أنه يتحكمُ بمستقبله، وأن سموه وتمنعه بالهدوء والطمأنينة والمعرفة وقفٌ على تحرره من قيودٍ دنيويةٍ كثيرة.
ولا يفوتُك أن تكشف أمرًا آخر: فكما إن للعلوم والمعرفة شأنًا عند مؤسس الداهشية، فإن لبهاء الجمال، كذلك، مكانةً عظيمة. وتدركُ شدةَ ظمإه له ولكل فن، من اللوحات الزيتية البديعة بألوانها ومواضيعها إلى النحت والحفر على الخشب والنحاس، فإلى أعمال البرونز، فإلى الخط الجميل الذي يزين به كتبه، حتى ليصحَّ به القولُ “إن العقل يشتركُ في الأبدية بمقدار ما يرى الأشياء في مظهرها الخالد.” ولا عجب، فالفن “شبحٌ من مقدرة المبدع الأزلي في نفوس النوابغ المبدعين.” وهو “روح الله المرفوفة بين قلوب البشر واللانهاية.”1 لذلك ترى الدكتور داهش يُتابعُ المعارض الفنية، ويختارُ تُحَفًا رائعةٌ وينظر إليها بشغفٍ
——————————————-
1 من قطعة “أيها الفن” لجبران خليل جبران (انظر مجلة “صوت داهش” السنة 12، العدد 1، 2006 – 2007).
——————————————–
وفرحٍ، ويصف لك براعتها الفنية في اللون والضوء والظل والمناسب حتى في الموضوع…و فيظهر لك جلالة الفن وهيبته في أحاديثه، وتظن أنه قد نال ونلت من الموضوع، لتُفاجأ به مجددًا يحدثك عن جمال آخر كمثل زخرفة النسيج الرقيقة المزدانة بالصور والرسوم. وهكذا دواليك حتى ليُخيل إليك وكأنك تعيش في هيكل قدسي ساحرٍ لربات الفنون!
في هذا المزيج من الفلسفة والشعر والعلم والفن ترافقنا زمنًا على قصره، فتذوقتُ طبقًا زاخرًا بشتى ألوان المعرفة روعي في وضعها مقدرةُ العقول على الاستيعاب، فكان وليمة قدمها مضيفٌ كريمٌ سخي.
كنتُ أحسب أني وقفتُ على كل ما في تلك الكتب، فأدلُّ عليها، وأجعلها تقبعُ في خزائنها. لكني كنت في كل عودة إليها، أكتشفُ الشيء الكثير مما فاتني في مطالعاتي السابقة. وهكذا كانت تعاودني الأسئلة نفسُها: ما هي طبيعةُ الكون؟ من أين جاء وجئنا؟ لماذا هو مثلما هو؟ وكيف كانت البداية؟ وما قبل البداية؟ مِن أين وإلى أين؟ ومن ثم أرفعُ بصري صوب قُبة السماء الصاخبة أو نحو السكون الأبدي للفضاء اللامتناهي، وأحاول أن أُدرك كُنهَ الذات الإلهية وأصل إلى كل حق وخيرٍ وجمال… ثم أعود إلى الحياة وارتباطاتها وحركات الزمن.
وفي هذا الخصم الهائل من التناقُضات تفتحُ السماءُ أبوابها مجددًا، وكان التاسع عشر من تموز (يوليو) 1980، يوم التقيتُ مؤسس الداهشية… وكان اللقاءُ في مستهله ترحيبًا حارًا وتكريمًا. وتحادثنا كثيرًا، فاستفسرته عن حادثة سقوطه وما أصاب يده من جرائها،1 فأجابني وفي تقاسيم وجهه من ذكريات الآلام المريرة ما لا يُنسى. لقد كان لقاءً جميلاً، تناولنا في أثنائه شؤوناً وشجونًا في الحياة كثيرة. وانتهت الجلسة بعد أن شهدتُ خلالها عدة ظاهراتٍ روحية، منها رسالةٌ إعجازية تضمنتْ نصائحَ وإرشادات لأحداثٍ ستقعُ بعد أكثر من عقدٍ من الزمن. وأي عجب في هذا الأمر، فإن لقاءنا الأول عام 1970 تضمن نبوءاتٍ لأحداثٍ كثيرة حصلتْ بعد أكثر من عقدين. وهكذا كنتُ أحفظُ هذه الذكريات، وأفتكر…
—————————————-
1 أفرد الدكتور داهش لهذه الحادثة كتابصا مستقلاً بعنوان “يدي المزلزلة أو كيف سقطتُ سقطة الموت المدمرة” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979).
——————————————–
الدين والعلم والفلسفة
إن منجزات العلوم المدهشة التي حققها الإنسان، خاصة في القرن العشرين، أثرت في تطو المعرفة وفي النظرة العقلانية إلى أصل الكون، وإلى طبيعته ومغزاه ومصيره، ومن ثم إلى الحياة وفقًا للمنظورات الجديدة. وأصبح للعلم في الفلسفة، وهي البحث عن الحكمة، أثر كبير. لكن المفاجأة المرة والمؤلمة كانت في اعتقاد الإنسان أن بين العلم والدين تناقضًا، فطغى الإلحاد، وسقطت الفضيلة صريعةً بيد الإنسان الذي اصبح يسيرُ على هواه ويفعل ما يطيبُ له. فأصبحت ميول الناس شريةر وأمانيهم باطلة، فهزأوا بالتعاليم المقدسة ووصايا الأنبياء، واتجهوا إلى إشباع رغباتهم وشهواتهم الجسدية دونما رادِع. وهكذا أصبحنا أحوج ما نكون إلى عقيدة روحيةٍ تهدينا سواءً السبيلن فيزول الخداعُ عن بصيرتنا ونُدركُ أن هنالك نظامًا سماويًا وعدالة إلهية. وعندئذٍ يُقلع الإنسان عن الجري وراء أوهام سرابية، ولا سيما أننا بدأنا نسلم بعجزٍ المعرفة الإنسانية عن أن تسير محيط الوجود العظيم، واستحالة إدراك حقيقة الحياة بعين العقل.
هكذا كانت بداية المعرفة مع مؤسس العقيدة الداهشية. لكن كيف أصفُها اليوم بعد مضيِّ ما يقاربُ الأربعين عامًا؟
منذ ألفي عام من الزمن، يذكر الكتاب المقدس أن يوحنا النبي أرسل اثنين من تلاميذه إلى يسوع قائلاً: “هل أنت الآتي أم ننتظر آخر؟” فأجاب يسوع وقال لهما: “اذهبا وأخيرصا يوحنا بما رأيتما وسمعتما. إن العُميَ يبصرون والعُرْج يمشون والبُرْص يُطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يُبشرون. وطوبى لمَن لا يعثرُ فيَّ”. (لوقا 18:7). أما النبي إشعياء فقد شاهد الحضور الإلهي الآتي إلى لبنان ووصف أعماله المقدسة، فكتب: “ألم يقل الربُّ: تفرح البرية والأرضُ اليابسة ويبتهجُ القفرُ ويُزهرُ كالنرجس، يُزهر إزهارًا ويبتهج ابتهاجًا ويرنِّم. يُدفع إليه مجد لبنان، بهاء كرمل وشارون. هم يرون مجد الرب بهاءً إلهنا… حينئذٍ تتفتح عيونُ العُمي وآذانُ الصم تتفتح. حينئذٍ يقفزُ الأعرجُ كالأيل ويترنم لسانُ الأخرس… وتكون هناك سِكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة… من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل.” (إشعياء 1:35 – 10) ويتابع “غلى أن يُسكب علينا روحٌ من العلاء فتصير البرية بستانًا وبُحسب البستان وعرًا. فيسكنُ في البرية الحقُّ، والعدلُ في البستان يُقيم.” (إشعياء 15:32 – 16).
أما سليمان النبي الحكيم فقد أنشد الرسالة المقدسة، عروس لبنان، ووصف بهاءها وجمالها الإلهي قائلاً: “أختي العروس جنة مغلقة، عينٌ مقفلة، ينبوعٌ مختوم.” ويضيف: “ينبوع جنات، بئرُ مياه حية وسيولٌ من لبنان”. (نشيد الأستاذ 12:4 و 15)
أما النبي زكريا فخاطب لبنان ومضطهدي الرسالة السماوية متوعدًا: “إفتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك. وَلوِلْ يا سَرْوُ لأن الأرز سقط، لأن الأعزاء قد خربوا.” (زكريا 11:1-2) ورثا النبي إرميا لبنان ومآسيه وكذلك فعل إشعياء النبيُّ، فوصف آلامه. “رسل السلام يبكون بمرارة: خلت السكك. بادَ عابرُ السبيل… ناحت ذبلت الأرض خجل لبنان وتلِف.” (إشعياء 7:33 – 9).
بعد كل ما تقدم أقول إن للإنسان كل الحرية والقدرة على تقرير مصيره، وهو السيد المطلق لذاته. وبالرغم من كل ذلك، فإن حكمة الله الخالق حددت وفرضت القضاء والمصير وفق استحقاق البشر ومن غير أن تتعارض مع حريتهم. وأختم بالقول إني أشهدُ من أعماق نفسي وأرفع صوتي كبوقٍ، متجاوزًا بصداه كل هذا الوجود وهذه التخوم، وأعلن أن الداهشية رسالة سماوية مقدسة، وأني أتأمل جمالها في ابتهاج يكاد لا يصدق. وأُضيف أن مؤسس العقيدة الداهشية افتقدنا وحضر إلى هذا السجن لرؤيتنا. قادمًا من ضفاف الأبدية، متمِّماً كل نبوءات الكتب المقدسة. وأتابع أنه كان بمثابة الأب الذي فقدناه لنعيش بقية حياتنا يتامى. بئسًا لنا ولنرفع أصدقَ وأحرَّ الصلوات لنلتقيه في أعالي السموات.
اللقاءُ الأخير مع الدكتور داهش
الصحافي رؤوف شحوري
صحافي لبناني محترف وكاتب سياسي منذ العام 1960 حرر في عدة صحف ومجلات لبنانية، منها “الجريدة” و”الأنوار” و”الحوادث”، ورأس تحرير مجلة “الصياد” أسهم في تأسيس جريدة “القبس” الكويتية، وكان مدير تحريرها. أجرى مقابلات وحوارات مع رؤساء دول وشخصيات أدبية وثقافية. يعمل الآن كاتبًا سياسيًا في “دار الصياد” بلبنان.
اللقاءُ الأخير مع الدكتور داهش:
خذوا اليوم طبعةً من الجريدة التي ستصدرُ بعد شهر!
شارعُ حسين بيهم في منطقة زقاق البلاط في بيروت لا يتعدى طوله بضعَ مئاتٍ من الأمتار. إنه ليس من الشوارع الرئيسية أو الواسعة، وتقومُ على ضفتيه أبنيةٌ سكنية من طابقين أو ثلاثة شيدت في مطلع القرن الماضي، بعضُها يعودُ عهدُه الى القرن التاسع عشر.
ومع ذلك، فقد كان شارعًا فريدًا ومميزًا بموقعه وسكانه. ولم يكن شكله الخارجي يوحي بأهمية الشخصيات التي تقطنه، والتي كان لها موقعها ومكانتها في السياسة والأدب والشعر والدبلوماسية والحياة العسكرية والفن والتاريخ… وكان أيضًا هو الشارع الذي احتضن ظاهرةً خارقةً شغلت الكبار والناس في لبنان والمنطقة، وترددت أصداؤها في معظم القارات طوال عقود، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا كظاهرةٍ روحيةٍ خارقةٍ مستعصيةٍ على التفسير، هي موضوعُ حديثنا هذا كما سنرى بعد قليل… وهي الظاهرة الداهشية!
*******
العلامة المميزة لشارع حسين بَيهُم هو جامعُ زقاق البلاط. عند مدخله نزولاً إلى اليسار كان يقوم قصر هنري فرعون بأسوارِ حديقته العالية وتماثيلها الثمينة وحراس القصر الكثر وكلاب الحديقة الضخمة التي كان يخيل إالى الناظر إليها أنها أحصنةٌ صغيرة! وغيرَ بعيدٍ عن قصر فرعون يقومُ السراي الحكومي (الحالي) قرب ما كان يعرف بـ”درج الأميركان” المؤدي إلى ساحة رياض الصلح الحالية.
صعودًا من الجامع في اتجاه “البطركية” كان يقيم اللواء جميل لحود (والد الرئيس العماد إميل لحود) الذي كان من الشخصيات التي ثار حولها الجدل، وعُرف بـ”الجنرال الأحمر”، لا لشيءٍ إلا لأنه كان صاحبَ نزعةٍ إنسانية وأخلاقية تتحسسُ بمشاعر المسحوقين وتدعو إلى إنصافهم.
وغيرَ بعيدٍ صعودًا في منطقة “البطركية” كانت تعيش في بيت فقير ورطب فتاةٌ لم يسمعْ بها أحد، ولا ينتبه إلى وجودها أحد، سريانية وافدةٌ إلى لبنان تدعى نهاد حداد؛ وتشاءُ الأقدارُ والموهبة الخارقة أن تصبح “سفيرة لبنان إلى النجوم”، وأن تعم شهرتها أنحاء العالم تحت اسم: فيروز. وفي هذه المنطقة كانت تقوم عيادةُ الدكتور فريد أبو سليمان، الطبيب ذو النزعة الإنسانية الذي كان يعود الفقراء في بيوتهم وأكواخهم، ويعالجهم ويقدم لهم الدواء مجانًا؛ وهو الرجل الذي كان من أوائل الشهود على الظاهرة الداهشية الروحية الخارقة في شارع حسين بيهُم، وكان هو (عفوًا) جواز مروري للتعرف إلى تلك الظاهرة عن قرب….
**********
ابتعدنا قليلاً عن شارع حسين بيهم…. عند منتصف الشارع تقريبًا نزولاً إلى اليسار مدخلٌ يقودُ إلى دار سيدة المجتمع المخضرمة بين عهدي الانتداب والاستقلال مُود فرج الله التي كان يلتقي في صالونها كبارُ الشخصيات السياسية اللبنانية والفرنسية والأجنبية، وكانت تُطبخُ في صالونها أحيانًا الحكوماتُ والطبخاتُ السياسية.
في الجهة المقابلة، في الطابق الأرضي، كان يقيمُ الشاعر صلاح لبكي الذي ارتبط اسمُه برابطة “أهل القلم”، وزوجته السيدة عايدة ووحيدُهما نعّوم. وفي مواقع أخرى من الشاعر كان يقيم فؤاد عمُّون، الأمين العام لوزارة الخارجية في حينه، والمؤرخ نقولا زيادة. وكانت عائلاتٌ من البرجوازية الإسلامية والمسيحية مبثوثة هنا وهناك على جانبي الشارع، ومنها عائلاتُ نمور وبراج وسنو والمركيز موسى دوفريج وىل ديبولا وآل زيادة وغيرُهم. وكانت هناك أيضًا القشلةُ العسكرية لجنود الانتداب الفرنسي، ومعظمهم من السنغال، وقد تحولت في ما بعد إلى جامعةٍ أرمنية.
***********
في آخر الشارع حسين بيهم، إلى اليمين، كان موقع هذه الظاهرة الخارقة التي تردَّدت أصداؤها في لبنان والعالم العربي والخارج، وأثارت جدلًا واسعًا في حينه، في أجهزة الإعلام والصحافة، وتزامنت مع صراعات حادة، كان أحدُ أطرافها رئيس الجمهورية الأول في عهد الاستقلال الشيخ بشارة الخوري، والرجل الذي أثار عاصفة بما عرف الناس فيه من قوى روحية خارقة. وكان هذا الرجل هو سليم العشي الذي كان معروفًا باسم الدكتور داهش. وكان داهش يقيم في شقة من الطابق الأول في البناية الأخيرة في شارع حسين بيهم. وكان الرئيس بشاره الخوري يقيم على بعد عشرات الأمتار من المكان، في قصر الرئاسة الأولى في محلة القنطاري!
*********
في ستينات القرن الماضي، كانت شهرةُ الدكتور داهش قد بلغت ذروتها. وكانت الناس تتداول قصص الخوارق والظواهر الخارقة للطبيعة التي تنسبُ إليه؛ وكانت تحدث مع شخصيات مشهودٍ لها بالعلم والمكانة والأتزان، وليس من النوع الذي يسهل خداعه أو التلاعب به. بمعنى آخر، لم تكن الصفوةُ التي آمنت بقدرات الدكتور داهش الروحية من البسطاء أو السذج الذين يسهلُ التلاعب بعقولهم وعواطفهم.
وكان الدكتور فريد أبو سليمان يشرفُ على علاج والدتي. ونظرًا لتقدمها في السن، طلب مني عدم اصطحابها إلى العيادة، وقال إنه سيزورها في البيت. وكان الدكتور أبو سليمان يكثرُ من تفقدها في البيت للاطمئنان إلى صحتها. وعلمتُ في ما بعد أن السبب في ذلك هو أنه كان يزورُ الوالدة في بيتنا في كل مرة يتوجه فيها لزيارة الدكتور داهش الذي لا يبعدُ عن بيتنا سوى بضع عشرات من الأمتار.
ثار فضولي الصحافيُّ، وكنتُ أطرحُ سيلاً من الأسئلة على الدكتور أبو سليمان في كل مروٍ يزورنا في البيت عن الدكتور داهش في ضوء ما كان ينشر عنه في الصحافة أو تتداوله الألسن. لم يتضايق الدكتور أبو سليمان من فضولي وكثرة أسئلتي، ولكنه قال لي ذات يوم: “لماذا لا تذهب وترى بنفسك؟” قلتُ: “اذهبُ إلى أين؟” قال: “لمقابلةِ الدكتور داهش!” قلتُ وقد صعقتني المفاجأة: “ولكن هل هذا ممكن؟” قال: “بالتأكيد!” وهكذا كان. وقد سجلت وقائع هذه المقابلة ونشرتها في جريدة “الجريدة” التي كنت أعمل فيها. وفي اليوم التالي تلقيتُ قصفًا من الأسئلة والاستفسارات من كل من أعرفه في العائلة وزملاء المهنة، ومن أسرتي “الجريدة” و”الأوريان” L’orient حيث كنتُ أعمل في أيام ناشرهما الراحل جورج نقاش، ومن رجال السياسة وغيرهم.
كنا ثلاثة نتحمل مسؤولية تحرير جريدة “الجريدة”: الراحل رياض حنين الذي كان مسؤولاً عن القسم الثقافيِّ فيها، وعادل مالك وأنا؛ وكنا نتقاسم الجانب السياسي والإشراف على إقفال الجريدة حتى صدورها يوميًا. ولدى اجتماعنا اليومي، طرح علي الزميلان رياض حنين (رحمه الله) وعادل مالك (متعه الله بالصحة والعافية) كثيرًا من الأسئلة حول لقائي مع الدكتور داهش. وتصرفت معهما كما تصرف معي الدكتور أبو سليمان، فقلت لكل منهما: “لماذا لا تذهبُ وترى بنفسك؟!” وطرحا عليَّ السؤال نفسه الذي سبق أن طرحته على الدكتور فريد وهو: “هل هذا ممكن؟” قلتُ: “أحاول..”.
*****
عندما توجهنا نحن الثلاثة، رياض حنين وعادل مالك وأنا، لزيارة الدكتور داهش في منزله، استقبلنا بكل ما عُرِف عنه عن دماثةٍ وحسن استقبال. وكان كعادته يرد على الأسئلة التي طرحها الزميلان بصوته الهادئ والخافت إلى حد ما. ولم يتجرأ أي من الزميلين على أن يطلب إلى الدكتور داهش أن يعرض أمامهما شيئًا من الخوارق التي عُرف بها، وربما كان في ظن كل منهما أن الخوارق تحدثُ “غب الطلب!” وكأن الدكتور داهش أدرك ما يجول في خاطر كل منهما، فنظر إلينا مليًّا وقال بنبرة هادئةٍ وعادية: “أنتم تعملون في جريدة “الجريدة”، أليس كذلك؟” قلنا: “نعم”. “قال”: “ما هو عنوان “الجريدة” الرئيسي بتاريخ كذا…؟”
تبادلنا النظرات حائرين… لم يكن التاريخ الذي ذكره الدكتور داهش يُشيرُ إلى اليوم السابق أو الذي سبقه او قبل ثلاثة أيام أو قبل أسبوع أو شهر… بل كان يسأل عن عنوان عدد “الجريدة” الذي سيصدرُ بعد شهرٍ واحدٍ تقريبًا من تاريخ يوم زيارتنا له!
وقال أحدُنا: “ولكنك تسأل عن عنوانِ عدد لم يصدر بعد وهو لا يزالُ في ضمير الغيب!”
لم يكن الدكتور داهش يُحبُّ لغة التحدي أو وضع الشروط المسبقة. ولذلك قال بنبرةٍ هادئةٍ وعاديةٍ ما معناه: “إذا وافقتم، يمكن تحديدُ موعد جلسةٍ روحيةٍ، وبقدرة الله والنبي الحبيب الهادي يمكن أن تحصلوا على نسخةٍ مطبوعةٍ من عدد “الجريدة” الذي سيصدرُ في اي تاريخ مستقبلي تحدِّدونه… أي بعد أيام من موعد الجلسة الروحية أو بعد أسابيع أو أشهر أو سنة!”.
صفعتنا المفاجأة… ولكن الدكتور داهش أضاف: “هذا الأمر يتطلب منكم تلاوة صلاةِ (الصلاة الداهشية) لمدة شهر كامل يوميًا ودون انقطاع. وهذا ضروري لتوافر أجواء الجلسة الروحية. وإذا عدتم ولم تفعلوا ذلك، فإنني سأعرف، وسيكون متعذرًا عقد الجلسة الروحية!”
******
تسلمنا من الدكتور داهش نص “الصلاة الداهشية”. قرأناها لاحقًا بتمعن. لم تكن فيها ألغازٌ أو رموزٌ غامضة. كانت مناجاة روحية تنبضُ بالإيمان والأديان السماوية. وتشاورنا نحن الثلاثة لاحقًا. التحدي الذي عرضه الدكتور داهش كان كبيرًا جدًا؛ إذ كيف يعقل أن يسلمنا نسخة مطبوعة وكاملة من الجريدة التي ستصدر بعد أسبوع أو شهر أو سنة؟ وراح كلٌّ منا يفسر على طريقته طلبه إلينا تلاوةَ “الصلاة الداهشية” لمدة شهر. وبصراحةٍ، فقد خانتنا شجاعة الالتزام بهذا المطلب، وفاتتنا فرصةٌ لا تعوض. ولم تكن “الجلسة الروحية” مُتاحةً إذا التزم أحدنا فقط بتلاوة الصلاة لمدة شهر؛ كان ينبغي أن نلتزم نحن الثلاثة بهذا الأمر.
*******
تساءل كثيرون: هل كان الدكتور داهش “ساحرًا ومن السحرة المعروفين عالميًا مثل هوديني وديفيد كوبرفيلد وغيرهما؟ وكان جوابي على كل من طرح عليَّ هذا السؤال: لم يترك هوديني وكوبرفيلد وغيرهما إرثًا روحيًا وثقافيًا يستمر بعدهما. والدكتور داهش ترك مثل هذا الإرث، ولا يزال له كثيرون من المؤمنين بقدراته الروحية حتى بعد رحيله بحسدِه عن هذا العالم….
***********
كنتُ قد سجلت لقائي الأول مع الدكتور داهش في تقرير نشرتثه في جريدة “الجريدة” بتاريخ 19 كانون الأول (ديسمبر) 1965 (العدد 4000) تحت عنوان “وراء أبواب داهش!” وهنا نصُّ ما نشرته في حينه:
شارع حسين بيهُم، زقاق البلاط
بابٌ من الحديد الأحمر اللون في جدار قديم لبناء قديم. من الصعب أن تتنبه إلى وجود هذا الباب المطل مباشرةً على رصيف الشارع الضيق، الآهل بحركة المرور والسير.
يخيل إليك لأول وَهلة أنه باب مهجور لم يستعمل منذ الحرب العالمية الأخيرة، وأنه لا يمكن أن يخفي وراءه أي سرٍّ أو أيةَ حياة…. لكن هذا الباب بالذات، إذا كنت على موعد، يُخفي وراءه… الدكتور داهش!
نقرعُ الجرس.
فوق رأسك مباشرة على علو 8- 9 أمتار، تُفتح نافذة. رأس يطل من فوق يحدق بك من هذا العلو. يتأكد من هويتك بسؤال استفسار وبصوت عال. ويوجد حبل يشد قفل الباب القديم التصميم.
تدخل وتغلق الباب الحديدي. مجموعة من الصناديق الخشبية تحضنها فسحة الدرج الداخلي الذي يؤدي إلى الطابق الثاني. رائحة عطرة تتسرب إلى خياشيمك، وتساعد على نقلك إلى الجو الجديد.
أنت الآن في عالم الدكتور داهش الذي يقودك إليه غالبًا الدكتور الداهشيّ فريد أبو سليمان!
غرفة الأستقبال التقليدية وصفها صحافيون سبق أن زاروا المكان وتحدثوا عن النمر والدب المصبرَّين على الجدار، واللوحات العالمية والسجاد الفاخر. يمكن إضافة “ملاحظة كهربائية”: التمديدات واصلة إلى “طاولة النص” وآنية الزهور قرب مقاعد الزوَّار…
يستقبلك الدكتور فريد أبو سليمان مثلاً. يتجاذب معك الحديث. يضعك بالاختصار “في الجو”.
في الموعد المحدد تمامًا، بالساعة والدقيقة، يدخل عليك الدكتور داهش…
أين الأُبهة؟ أين العظمة؟ أين السحر؟ أين القوة الخارقة؟ أين الطلة التي تعقد اللسان وتأسر النظرات؟ لا شيء!
الدكتور داهش ليس أكثر من إنسان عادي المظهر تمامًا. تميل قامته إلى القصر والبدانة. لكن لا تفوتك حيوية ظاهرة في حركات يديه ومشيته.
يستقبلك بحديث عادي. يستمع إليك أولاً. يعطيك أفضلية الكلام. يقطع عبارة كان باشر النطق بها ليتيح لك استهلال جملةٍ بدأت حروف الكلمة الأولى منها تتجمع على شفتيك بتردُّد!
يجعلك تتقدمه في ممر طويل إلى الصالون الآخر الأشد اتساعًا، حيث وزعت المقاعد والرياش بشكلٍ ينمُّ عن الذوق والدقة.
هذا الصالون الشديد الاتساع، ذو الجدران العالية، يكاد يكون في مجمله تحفةً متكاملة: لوحات زيتية رسمها رسامون عالميون تغطي الجدران. سجادٌ نادر. تحف من العاج والأبنوس وخشب الأرز. تماثيل صغيرةٌ ومتوسطة من الرخام والخشب والموزابيك والبورسلين من صنع مشاهير المثالين في إيطاليا وفرنسا. مجموعة من الفراشات الملونة النادرة التي تأسر القلوب.
قال لي الدكتور أبو سليمان إنني محظوظ. لماذا؟ لأن الدكتور داهش أنهى للتو جلسة روحية، ولا يزال “في الجو الروحي”. لذلك توقع لي أن تحدث ظاهرات بقدرة روحية خارقة…
ناولني الدكتور داهش مجموعة من الأوراق الزرقاء المصنوعة من الورق المقوي؛ قرابة 15 – 20 ورقة كتب على كل واحدة منها اسم طير أو حيوان: هدهد، حصان، غزال إلخ…
قال: اضمرْ على واحدة.
نظرتُ وضمرتُ (على ورقة الحصان)
– اخلط.
– خلطتُ.
– الآن، ابحث عن الورقة التي ضمرت عليها.
– غريب. إنني لا أجد الورقة التي ضمرتُ عليها.
نعم، لم تكن الورقة هناك! أي اختفت من بين المجموعة. كنتُ على وشكِ إعادة مجموعة الأوراق الزرقاء إليه حين لاحظتُ أمامي على الكنبة مفتاحًا قديم الصنع كالذي يُستخدم في إقفال أبواب الأبنية القديمة.
أمرني:
-خُذِ المفتاح.
أخذتُه.
– إذهبْ إلى تلك الغرفة. إفتح تجد ورقة الحصان التي ضمرت عليها: إنها على “التربيزة”!
وهكذا كان!
عاد صوته يردد بتواضع:
– إفحصِ الأبواب والنوافذ… أتلاحظ أنها مقفلة من الداخل؟!
ونظرتُ، وفحصتُ فإذا هي فعلاً مقفلة من الداخل.
عدنا إلى الصالون الأوسع:
تناول الدكتور داهش ورقة بيضاء، وطلب مني ليرة لبنانية وضعها على الورقة البيضاء ورسم حدودها، وأعاد الليرة لي. قطع من الورقة قطعةً بحجم الليرة. كتبتُ اسم عليها وطواها. قال: ضعها في يدك وأقفل يدك عليها، ففعلتُ.
تناول ورقةً أخرى صفراء اللون رسم عليها الرمز الداهشي وكتب عليها: “بحق الله والنبي الحبيب الهادي أن تتحول هذه الورقة إلى ليرة لبنانية”. ثم حرق الورقة الصفراء. قال: إفتح يدك إصبعًا إصبعًا… ففعلتُ. كانت هناك ليرة لبنانية عليها اسمي كما هو على الورقة البيضاء التي اختفت من يدي بقدرة قادر. ولاحظتُ أن رقمها كان مختلفًا عن رقم الليرة التي أخذها مني.
حدَّق الدكتور داهش قليلاً في عينيَّ بنظراتٍ خُيِّل إليَّ أنها نظراتٌ ناعمة، وقال:
– دون عندك رقم الليرة ورقم “السِري”Série.
وطلب مني أن أعطيه أعدادًا كيفما أشاء تشبه أرقام العملة المسلسلة وأرقام “السري”. وعندما انتهيت من إملاء الأرقام عليه، وكان يكتبها على أوراق صغيرة منفصلة، طوى هذه الأوراق وخلطها، وطلب مني انتقاء واحدة منها.
فتحتُها وقرأت الرقم. وفتحت الليرة التي كنت أضغط عليها كلَّ الوقت بإصبعي ضمن كفي، فإذا بها تحمل الرقم نفسه!…. وهي غير الأرقام التي كانت أساسًا على الليرة عند تحويلها… وكان اسمي لا يزال مكتوبًا عليها. وهي الآن بحوزتي، وبإمكان أي كان الإطلاع عليها.
الدكتور أبو سليمان قال لي تعليقًا على هذه “الظاهرة الروحية”:
-حظك يفلق الصخر! هذه الظاهرة لم تؤت لسواك…
لكن عرفتُ فيما بعد أن “الطاهرة” حدثت لعدة أشخاص، بينهم موظفة ممشوقة في وزارة البريد! لكنها لم تحدُث أمام أي صحفيٍّ آخر.
كانت مقدمة لا بد منها للتساؤل:
مَن هو الدكتور داهش؟
“أنبيٌّ” كما يقول الداهشيون، أم منوم مغناطيسي داهية كما يقول الخصوم، أم رجلٌ يتمتع بمزايا خارقة وذكاء نادر؟…
ولاحظنا أخيرًا أمرَين:
أولاً: أن الداهشيين شنوا حملةً على المشعوذين وفضحوا فيها ألعاب الشعوذة التي لم تكن معروفة عند الناس.
ثانيًا: أن الداهشية تحاول استرداد المواقع التي خسرتها خلال حربها الطويلة ومحنتها في عهد الرئيس الراحل بشاره الخوري.
أهو نبيٌّ أم منوِّمٌ مغناطيسيّ؟
كثيرون طرحوا السؤال على أنفسهم وأجابوا عليه بطرقٍ مختلفة: قسمٌ صدق، وقسم أنكر، وقسمٌ ذهب إلى الدكتور داهش “ليضع إصبعه” على طريقه توما!
كنتُ من هذه الفئة الأخيرة، خاصة بعد أن انقطع عن مقابلة الناس مدة عشرين يومًا لأنه، كما قيل، كان مصابًا بحمى غريبة أتت فجأة وذهبت فجأة!
ومهما يكن من أمر الدكتور داهش، فليس بوسع مَن يقابله إلا أن يخرج بنتيجة واحدة هي أن هذا الإنسان ظاهرةٌ غريبة في مجتمعنا. يقوم بأعمالٍ لا تقع ضمن نطاق التفسير العادي والمنطقي لنواميس الحياة. وليس أمرًا سهلاً أن تضع بنفسك ورقةً بيضاء مطوية وتقفل يدك عليها، ثم تفتحها من جديد دون أن يلمسك أحد أو تنتقل من مكانك أو يتغير أي شيء في وضعك، لتجد بدلاً منها ليرة لبنانية عليها اسمك الذي كُتِبَ على الورقة. ثم تقفل يدك من جديد عليها وتفتحها لتجد أن أرقامها المسلسلة تغيرت، فتذهب إلى الصراف فيؤكد لك أنها ليرة لبنانية لا شك فيها، قابلة للتداول!
ونتيجة لهذه الظاهرة الروحية الخارقة آمنت فئة من الناس، بينها أشخاص مرموقون من أطباء ومهندسين ومحامين وشعراء، بهذا الرجل، وبالأعمال الخارقة التي تصدرُ عنه، وأطلقت على نفسها صفةً مستمدَّة من أسمه المستعار: (الداهشية)…
لماذا الاكتفاءُ "بالعجائب"
الصحافي حافظ إبراهيم خير الله
صحافيٌ لبناني. اشتغل في وكالة الصحافة الفرنسية، ثم في وكالة الأسوشيتدبرس الأميركية قبل أن يترك لبنان للدراسة الجامعية في برلين، ثم العودة إلى بيروت للعمل في الصحف اليومية ثم في مجلة “الحوادث”. هاجر إلى لندن في مطلع الحرب الأهلية، ومارس العمل في اليوميات والأسبوعيات التي نشأت فيها. وهو الآن في لندن مواطنٌ بريطاني متقاعد.
لماذا الاكتفاءُ “بالعجائب”
دون الحديث عن الأهم!
الداهشيون في عيد. هم يحتفلون في العام 2009 بمرور مئة سنةٍ على ولادة الدكتور داهش في مطلع حزيران 1909. وهم يتناقلون الأخبار عنه بكثافةٍ متميزة لأنهم اعتادو احترامَ ما كان يجري معه في حياته التي امتدت خمسًا وسبعين سنةً.
الدكتور داهش كتب ما يَنوفُ على مئة كتاب في كل المواضيع التي خطرتْ في باله. وبعضُ هذه الكتب جرت ترجمتُه بصفةٍ رئيسيةٍ إلى الفرنسية والإنكليزية، وبعضها صار الآن بالألمانية والإسبانية. ما يقوله أو يوحيه في هذه الكتب غامضٌ على كثيثرين من غير الداهشيين، فيما هو مسألةٌ لا تجوز المناقشة فيها عند أتباعه ومُحبيه وأصدقائه. أمرُه لا يزال محيرًا. وهو، بعد وفاته، سيكون أكثرَ فأكثرَ موضوعًا للجدل عند من يًصدقون ومَن لا يصدقون.
أنا عاشرتُ وما أزال معاشراً لعددٍ وفير من الداهشيين، وتعلمتُ أن أحترم مشاعرهم في مسائل ليست من صُلب تفكيري. المسالة الأساس عند كثثيرين منهم أن الداهشية حركة لها علاقةٌ قوية بالروحانيات، وأن الرجل في ما كتب كان متميزًا في البحث بالروحانيات.
لا بأس، فإذا كان ها اعتقادهم، فلماذا السعي، إلى تعديل أو تغيير هذا الاعتقاد!
في الستينيات من القرن الماضي، دخلتُ بيته في الجزء الأسفل من شارع القنطاري في بيروت عشرات المرات؛ وهو مبنى يخصُّ آل حداد الذين انتمى عدد منهم إلى الحركة الداهشية منذ مطلع انطلاقها في الأربعينيات. جالستُه الساعاتِ الطوال مستعمًا ومستفهِمًا، بل مشككًا في بعض الأحيان. كان، رحمَه الله، واسعَ الصدر، وصابرًا إلى أقصى الحدود على ما يريد من الآخرين أن يفهموه. ما كتبتُه عنه في تلك السنوات كان محايدًا على قدر الإمكان ولو أنني لا أزال إلى الآن أُعاتب نفسي على استعمال كلمة “سائل” بدلاً من كلمة “سيال”، إذ إن هذه الأخيرة لها مفهومُها الخاصُّ جدًا في الروحانيات الداهشية التي لم أعرفها.
ما لا يزال عالقًا في دهني عن علاقتي الشخصية به هو هذا الفارق بين مفهومه عن نفسه ومفهوم عدد وفيرٍ من الداهشيين عنه. أنا لم ألحظ فيه إلا الرغبة في الرقة والهدوء والتعامل مع أي موضوع ضمنَ المنطق المقبول، ولو أنني أعترف بأن ما كان يكتبُه قبل فترة الستينات كان متفجرًا إلى حدِّ بعيد، كما كان كمَن يِشهرُ سيفَه في وجوه مَن لا يُعجبونه من مدنيين وإكليريكيين.
“مذكرات دينار” فيها شيءٌ من هذا، ولو أن الدكتور كان يلمِّحُ لي إلى رمزية ما وردَ من كلام. واقعيًا هو كان ضدَّ شيءٍ ما في هذه الدنيا، أقلُه الظلم والتعسف والتسلط والاستغلال، فيما هو يفتقدُ الرقة والنقاء والمنطق الإنساني في التعاملات البشرية. ربما يجوز التحليل أنَّ الرجل كان متوجعًا عن غيره، مع العلم أنه قد مرت عليه في حياته هو مظلمةٌ خطيرة لم يستطع أن ينساها، وهي تجريده في عهد الرئيس بشاره خليل الخوري من الجنسية اللبنانية (الدكتور من مواليد القدس) وإطلاقُ الأمن العام ضدَّه في ملاحقاتٍ قال بعضهم إنها انتهتْ إلى نفي من لبنان، وقال بعضهم الآخر إنها انتهت إلى اغتياله.
اغتياله؟! هذا موضوع جديرٌ بالاهتمام. في أحد حوارتنا الطويلة أفهمني أنه تعرض بالفعل للاغتيال ومات. في مفهومه وشرحه: “نعم، هم قتلوا واحدةً من شخصياتي الست، وهي شخصياتٌ عُلوية تتجسدُ لاسباب روحية، والموتُ لا يسري عليها”. صدقوا أو لا تصدقوا: هذا شأنكم. أنا صدقت. لماذا؟ ربما بسبب هذا الاتصال الشخصي المستمر والقائم على توسيع العقل والصدر في التفهم والتفاهم، وربما لأنه كان لا يعرفُ “التقشير” في شروحِه، وأخيرًا ربما لأنني تأثرتُ بموجبات صداقةٍ شخصيةٍ أعتزُّ بها.
بعضٌ غير قليل من الداهشيين يبدون لي وكأنهم في وادٍ آخر. إلى اليوم لا أدري معنى هذه الظهرة لدى هؤلاء، إذ يستحْلُون، وبشغفٍ غير معقول، أن يتحدثوا عن “عجائب” الدكتور. حسنًا، أنا الذي يعرف “عجائبه” ربما أكثر من غيري، وفي أكثر من مناسبةٍ مارستُ تصويرها بالكاميرا والكتابة عنها. أما هو، العاقلُ المتزن رحمه الله، فقد كان يشرحُ لي رمزية ما كان يجري أمامي ومن غير انفعالٍ أو “انفحاط”. مسائلُ طبيعية (أو ربما غير طبيعية) هو كان قادرًا عليها فيما سواه غيرُ قادر. المسألةُ عنده تنتهي عند هذه النقطة، فيما بعضهم كان يطيرُ فوق الغيم ليشرح أمورًا “عجائبية” يسرحُ فيها بخياله وصولاً إلى القمر!
هنا أقول بوقاحةٍ وبمحبةٍ معًا إن هذه الميول الانبهارية تستوجبُ بعضَ التعقل، إذ إن في الداهشية ما يُغني عنها بما هو أكثرُ اتزانًا وتعقلاً، أي بالعودة إلى الأصول في ما وردَ عبرَ مئةِ كتابٍ حسبما أراد صاحبُها وكاتبُها بثها إلى عقولِ مُريديه وأصدقائه وأحبائه.
لستُ ذا رغبةٍ في الانتقاد أو إلقاء المواعظ على أحد. العقل زينة والتعقل فضيلة. الدكتور صار في عالمٍ آخر، ومن حقه أن يحافظ له أصدقاؤه ومُحبُّوه على مهابته التي أرادها لنفسه.
واقعيًا، ها قد مرت السنواتُ المئةُ الأولى التي عاش منها الدكتور خمسًا وسبعين. نحن الذين عرفناه صِرنا قلائل، والزمنُ كفيلٌ بإزالتنا من الوجود الواحد بعد الآخر في مُدّدٍ قريبة. العوض بسلامتكم، فالذين يستطعيون التحدث بما كان مباشراً بينهم وبين الدكتور سيختفون. ولكن ماذا بعد؟ هذا هو المهمُّ الآن: تحديدًا، الانطلاق من “كثرة الحكي” إلى كثرة الكتابة والتسجيل والتوثيق. فإذا كان أصدقاؤنا الداهشيون يريدون استمرارًا لما يعتقدونه صوابًا، فالدعوةُ هي العملُ منذ الآن لأشباع نَهَمِ مَن يريدون في العام 2109 (أي المئوية الثانية) الذي لا حيلةَ لهم آنذاك ولا واسطة معهم إلاَّ الكتب وما يتبعثها من آلياتٍ سمعيةٍ أو بصرية وكل ما تتفتقُ عنه التكنولوجيات الحديثة.
نعم، انتقلَت الداهشية من القنطاري في بيروت إلى جزيرة مانهاتن في نيويورك، وصار لها مُتحفٌ ودارُ نشرٍ ومطبوعةٌ دوريةٌ باللغتين العربية والإنكليزية. أصدقاؤنا الداهشيون نستطيع أن نُطالبهم بأن يبدأُوا منذ الآن بالتحضير لمناسبة المئوية الثانية عام 2109. أمامهم كل التكنولوجيا الحديثة، وهي بين أيديهم، وأمامهم شعوبٌ وأقوامٌ بالملايين ليُخاطبوهم بلغاتهم، وأمامهم جامعاتٌ ومعاهدُ ومُختبراتٌ أميركيةٌ لا حصر لها يمكنُ أن تصبح فيها الداهشية موضوع نقاشٍ واختلاف وضد ومع؛ وهذا كلُه مُفيدٌ للقضية التي بين أيديهم. انتهت النصيحة، ولم نطلب جملاً، ولا عجلاً!…
الولايات المتحدة بحرٌ عميقٌ يستوعبُ كل شيءٍ وكل جديد. هي جديرةٌ بأن يهتم بها المشرفون على المؤسسة الداهشية هناك عن طريق توسيع رقعة التعريف بالمعتقد الذي به يلتزمون؛ توسيع الترجمة ربما إلى الصينية أو اليابانية أو الروسية أو الألمانية أو الإسبانية. مشروعٌ ضخم، وهذا كله لا يتم بين يومٍ وآخر، لكنه ممكن بالمثابرة والعناد والتعامل الإيجابي والتخفيف من الشخصانية. الدكتور داهش يستحق هذا الاهتمام، وعلى البشر أن يقرروا بأنفسهم تردَّدهم أو قبولهم أو التزامهم. أنا لستُ من الداهشيين حتى أقرر لهم ما يفعلون أو أتفلسفَ عليهم في مايقررون. وما أقولُه هو أن الوفاء للصداقة مع المرحوم هو من أقلِّ واجباتي.
كبِّر الله واجبكم، والسلام على الطيبين.
لندن
داهش... أديبٌ لم يُنصِفْه الأُدباء
الصحافي وليد الحسيني
صحافيٌّ وإعلاميٌّ لبنانيٌّ خريج كلية الحقوق في “جامعة بيروت العربية”. مارس الصحافة محررًا في جريدتي “النهار” و”الجريدة” اللبنانيتين، وجريدة “صوت الخليج” الكويتية. أسس جريدة “الكفاح العربي” في العام 1974، ومجلة “إستراتيجيا” العسكرية، ومجلة “فن” ومجلة “سامر” للأطفال. لكن المجلات توقفت عن الصدور، وبقيت “الكفاح العربي” التي ما زال يراسُ تحريرها إلى اليوم.
داهش…
أديبٌ لم يُنصِفْه الأُدباء
تحتفل الداهشية في هذا الحزيران بالمئوية الأولى لميلاد مؤسسها الدكتور داهش. مئ سنة كثيرةٌ على لغزٍ لا نجدُ تفسيرًا له.
فالرجل ما زال ظاهرةً حولها المريدون إلى حدِّ الإيمان بفكره ومعجزاته وما زالت الداهشية قائمة بشكلٍ ما في لبنان والمهجر. وما زالت ثمة دُورُ نشرِ مستمرة في طباعة كتبه وشِعره وأفكاره ومعاركه. وما زالت سيرتُه مصدرًا لكتابة الدراسات عنه، سواءٌ كمفكر أو شاعرٍ أو داعية ديني.
والمثيرُ في تاريخ هذا الرجل الذي لا يموت بسهولة لا ما يُروى عن معجزاته التي واجهتْ حملةٍ شرِسةً من السلطة في عهد بشاره الخوري، ومن عددٍ من صحف الخمسينيات في القرن الماضي. المثير كان بأتباعه الذين كانوا من المثقفين وأبناء العائلات. والإثارة هنا تمثلتْ في صلابة دفاعهم عن إيمانهم بهذا الرجل إلى درجةِ دخولهم السدن وتحملهم التعذيب، ليزدادوا بعد ذلك تمسكًا بداهشيتهم وإصرارًا على مواجهة الرئيس الخوري بإصدار 66 كتابًا أسود هاجموا فيها السلطة التي قمعت حركتهم الفكرية، وقدموا بنصوصها جملةً من الفضائح. وقد جُعِلت هذه المعركة المحتدمة بين الرئيس بشاره الخوري والداهشية إحدى العلامات التي يُذكر فيها تاريخُ أولِ رئيسٍ للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال.
ولولا أن الدكتور داهش لم يشغل الرأي العام بتأسيسه الداهشية لانشغل الرأيُ العام في تلك المرحلة وانشغل كتابها ونقادها بشعره ونثره وفكره.
ولو أخذنا شِعر داهش وفكره ونثره خارجَ إطار الداهشية كعقيدة، لأدهشنا ما في شِعره ونثره من إبداعٍ وصُورَ شعرية رائعة وأسلوب ممتع، وما في فكره من مضامين وجودية وطروحاتٍ فلسفية.
لقد طغى حضورهُ على راس الداهشية، كحركةٍ توجيهية، على حضوره كأديب ومفكَّر، فافتقد الأدب بذلك متابعةً لمثقفٍ ترك إنتاجًا كبيرًا يصلحُ للآن في أن يكون مثار جدلٍ ونقاشٍ عميقين يُنصفان موقع داهش الأدبي.
باختصار، إذا كان بعضُ تعاليم الداهشية ومعجزاتها مرفوضًا من كثيرين يرَونها لا تتلاءم مع تراثهم الفكري، ومتناقِضة مع معتقداتهم الدينية، فإن هذا الرفض يجبُ ألا ينسحبَ ظلمًا على إنتاجه الأدبي، ولا إنكاراً لإبداعاته الثقافية.
ولعلَّ ذكراه المئوية تكون مناسبةً جادةً لانفتاح النقاد والدراسيين على كتابات هذا الرجل وإصداراته… فأن تأتي متأخرًا أفضلُ من أن لا تأتي أبدًا.
وقفةٌ مع الدكتور داهش والداهشية
الدكتور علي عقلة عرسان
كاتب مسرحيٌ وشاعر وروائيٌ وباحث سوري. عمل مخرجًا في المسرح القومي، ونقيبًا للفنانين، ومديرًا للمسارح والموسيقى، ومعاونصا لوزير الثقافة. رأس اتحاد الكتاب العرب في سوريا زهاءَ 28 عامًا (1977 – 2005). انتُخب أمينًا عامًا للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ونائبًا للأمين العام لاتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، ورئيسًا مشاركًا فلي المجلس القومي للثقافة العربية بالرباط، وأمينًا مساعدًا لاتحاد الناشرين العرب. حصل على درجة الدكتوراه في الأدب والعلوم الإنسانية.
وقفةٌ مع الدكتور داهش والداهشية
أُتيحَ لي أن أقرأ بعض كتب الدكتور داهش، فكانت تلك فرصةً لأطلع على الداهشية ومؤسسها من خلال بعض تراثه الأدبي والفكري، ومواقفه وآرائه، ومواقف أتباعه في أثناء المحنة التي تعرض لها في لبنان، حيث جرد من جنسيته، وأُبعد إلى الحدود التركية، بعد محاولةٍ فاشلة دُبرت لاغتياله. والسبب، كما قال في إحدى رسائله الموجهة للدكتور محمد حسين هيكل باشا، دعوتُه إلى الإيمان بنبوَّة محمد: “تم تجريدي من جنسيتي… لأجل إفهامي مَن تبعني أن محمدًا نبيٌّ…” و”أن قرآنه المُبين مُنزل حقًا،”1 وخروجه على كنيسة روما، ودعوتُه إلى الوحدة الدينية، وتعرُّضُه لدجَلِ بعض رجال الدين، وكشفُه لمواقف وممارساتٍ مرفوضة تحدث عنها وتصدى لها هو وأتباعُه، لا سيما الأديبة والفنانة ماري حداد الداهشية.
وقد قرأت من إنتاجه “مذكرات دينار”، وسِرتُ مع ديناره العجيب من منجم الذهب الأول في أعماق الأرض إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، فتأسيس هيئة الأمم المتحدة بإشراف الأقوياء المنصرين وتحت مظلة نفوذهم. ثم عدتُ معه إلى منجمه
——————————————-
1 الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش مؤسس الداهشية والدكتور محمد حسين هيكل باشا” جمعه الدكتور فريد أبو سليمان (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 42 و ص46).
——————————————-
الذي تحول، بفعل القنابل الذرية التي يتخيل المؤلف أن هلموث فون هتلر، ابنَ أدولف هتلر، أطلقها عام 1995 انتقامًا منه لما حلَّ بأبيه وببلده، وطلبًا لإنصاف ألمانيا وشعبها واستعادةِ حقوقها – تحوِّل إلى أتُّونٍ يَصهرُ المعادن مع العظم واللحكم والتراب، ويعيدُ ترتيبَ مادَّة الحياة والأرض من جديد… حيث ذاب الدينارُ هناك في بيئةٍ محببةٍ إليه.
لقد حملني ذلك الدينارُ العجيب إلى أماكنَ شتى، منها هو في داخل النفس البشرية، ومنها ما هو في مشارق الأرض أو في مغاربها. دخلتُ معه الأديرة والمحافل الدولية الكبرى، وغُرَف الساقطات، وخزائنَ الملوك والصيارفة والتجار، وجبهات القاتل، وقبورَ الموتى وجثتهم، وجوف الحوت والحيوان… وجُسْتُ طرقاتٍ وأزقةً وحقولاً، وحلَّقتُ في الفضاء الرحب، وغُصتُ في أعماق المحيطات وفي مناجم الأرض التي حفرها الإنسانُ بحثصا عن الذهب والخامات الثمينة. ولم يكن الدكتور داهش، من خلال عين ديناره، إلا محتقرًا للمال، مؤكدًا سطوته ودوره في الفساد والإفساد وموتِ روح العِباد، كاشفًا للعيوب، فضاحًا للدجل، مُناصرًا للمظلومين والفقراء والمعذبين، ثائرًا على الظلم والطغيان والجشع، حاكمًا باسم الأخلاق والفضيلة، عارفًا بمحيط الأنفس ودواخلها، ومتنبئًا بحُنكةٍ في موضوعاتِ معرفة وخيالٍ وحكمة. كان مكتشفًا مُدهشًا ومتتبعاً لحوادث يحكمها ويحاكمها بعقلٍ ومنطقٍ من خلال استبطان النفس البشرية، وقراءة الحوادث الصغيرة والكبيرة التي تتفرع على شجرةٍ راسخة هي شجرةُ المادة: الذهب، المال الذي يحكمُ نفوسصا وشعوبًا ودُولاً وساسةً وأشخاصًا من كل المُستويات والأنواع، ويجرُّ إلى كوارثَ ومآسٍ يُعاني من جرائها الفقراءُ ويدفعون الثمن الفادح في السلم والحرب. وهو، في قراءاته، قادرٌ على الاسنتاج والاستقراء، يستشفُّ المستقبل معتمدًا على معرفةٍ بالأنفُس البشرية؛ وهي معرفةٌ تقودُه إلى رؤية ما تُشبهُ الاستنساخَ لحوادث وشخصيات وسلوكٍ وقرارات وحروبٍ وتاريخ… فيرى المالَ المحرك الرئيس الذي يُغري بالسطوة والشهوة والجشع، والقوة العمياءَ التي تَحكمُ العدل والحرية، وتضعُ الناس في قفصِ الموت وهم يبحثون عن العدل والأمل والرحمة والحقِّ والخير، فلا يجدون في العالم من ذلك شيئًا، فينزعون أعمارَهم وآمالهم.
عرضَ الدكتور داهش في كتابه فكرَ غاندي ومواقفَه، فأحسن العرض، وأنصفَ الرجل. وقدم لنا شاعرَ الهند الكبير طاغور من خلال قصائدَ ومواقف، فأجاد. ودخل مع سعد زغلول باشا في عمق مآزق مصر والوطنية المصرية مع الاستعمار البريطاني وأعوانه وأتباعه. وألقى ضوءًا على سفاهة الساسة والسياسة في حربين عامتين كلفتا البشرية ملايين الأرواح، ودمرتا ما بنته الحضارةُ البشرية في قرونٍ من الزمن. وسفَّهَ حُلمَ الساسة الذين يتخذون قراراتِ الموت ويقودون شعوبهم إلى الحروب، ويبيعونها في السوق، ويتركونها في هُوج الرياح بعد أن يُغرقوها في مُستنقعات الخداع والكذب والنفاق والعذاب والموت، وهي في مُزرٍ مُذلٍّ من العُري والجوع والبؤس المادي والروحي، ويلقونها، بعد امتصاص حيويتها وطاقاتها، جُثثًا ونفوسًا تتفسخ وعلاقاتٍ مريضة، وهم لا يكفون عن المراوغة عبر تاريخٍ بشريٍّ هو التجارةُ بالناس والقيم من أجل السلطة والشهوة والمال الذي يخوضون صنوفًا مبتذلةً من الأفعال والأقوال والانحلال للحصول عليه.
الدكتور داهش في سِفر “ديناره” قادرٌ على السرد الفني بتشويقٍ، وعلى التخييل بتوظيفٍ فني. صاحبُ أسلوبٍ سلِسٍ جميلٍ سليمِ اللغة، وحكمةٍ، وتعلُّقٍ بالفضيلة وأهل الفضل، يقفُ مع الفقراء والبسطاء، وإلى جانب الحرية والحقِّ والعدل. كشَّافٌ للنفاق ولكل أفاق مهما علا قدرُه وأحسن التخفي. عارفٌ بالنفس البشرية، هتاكٌ باقتدارٍ لسُجُف الدجل والزيف والكذب وأقنعتها. يعرفُ الحياة، ويكتبُ في فضائها استنتاجاته التي يبنيها على قراءاتٍ نقدية وعجائبية للحاضر والمستقبل. وتكاد تقول إنه فيضُ خيالٍ مُثقَل بثماره، يَرمحُ في الأرض ويتوقُ إلى التحليق في الفضاء، منفلِتًا من قيود المادة وحماقات الناس، متكئًا على الروح في خضم انعتاقها وتوهجها وغناها. يُسجِّلُ الحدث ويستقيه ويبنيه ويُعيد قراءاته واستنطاقه بمنطق رجلٍ يستندُ إلى مبدئيته ومعاييره وعقله. يتجاوزُ مُعطى الآن ليقرأ، في ضوئه، المستقبل بتخييلٍ ثريٍّ فيه من الخيال العِلميِّ وإبداع المخيلة أشياء، وفيه من الاسنتاج المنطقي والاستقراءِ ما يجعله مُوحيًا ومُقنعًا. هذا هو الدكتور داهش في “مذكرات ديناره” الذهبي العجيب الذي يَروي ما كان معه وما سمعه وما رآه في مُغامراته المحسوبة، منذ أن أُخرج من منجم سحيقٍ في باطن الأرض إلى أن عاد إليه يَشدُّه حنينٌ إلى مثواه من جهة، ويصرفُه عن الأحياء ما رآه من مساوئهم من جهة أخرى. ويقدم، في أثناء استراقِه السمع ومُراقبته وسَردِه وأخذِه وردِّه، أفكارًا وأحكامًا وآراءً في حالات، ويقشعرُّ “بدنُه الذهبيُّ” ممَّا يرى ويسمع من الناس في حالاتٍ أُخرى، فيتساءل: “كيف لا تثورُ العنايةُ الإلهية على هذه البشرية؟” 1 وتَراه يعترضُ ويرفضُ حتى ليكاد يتمزقُ وهو المادة الصلبة. ويثورُ حين تُداسُ الفضيلة أو تمرُّ في عُنق زجاجة، فتشعرُ به يُزمجرُ في أسره المادي، ويودُّ لو ينقضُّ على طُغاة العالَم وظلامِه وظلامه، فيغيره تغييرًا.
في كتابه “الإلهات الست” نجدُ الدكتور داهش الرومانسي يهيمُ في الطبيعة الخلابة، يرسمُها شعرًا ويتفيأُ الجمال، ويمنحُ من أعماق روحه الفياضة سِحرًا، فيُضفيه على الطبيعة. لقد يبست روحُه، وفقد كثيرًا من سيولة الحياة العذبة بعد أن جرحته شفراتُ العشق وذاق من مكرِ الناس ما ذاق، فانصرفَ عن اللذات الدنيوية إلى البحث عن أعظمها طُرًّا: لذَّةِ التماهي مع الحقيقة بعد التوق الكليِّ للعثور عليها. والحقيقة تتماهى مع مينرفا التي وافقت على أن تُرسِل إليه فينوس (أفروديت)، ربة الجمال، من قمة الأولمب لكي تعيده فتًى عاشقًا يذوبُ في اللذة وجمال الجسد وحميًا العواطف، ويعيشُ مُتع الحياة. غازلتْه ربةُ الجمال والحب، ساحرةُ القلوب، وعرضت عليه نفسها، وتضرعت إليه أن يقبلها. وخطر لها، بسبب صلابته وما يُشبه العُزوف عنها، أن تتخذه حبيبًا بعد فَقْدها لأدونيس، ولكن الشاب لم يأبه لكل ما فعلته. وضاقت فينوس بهذا الذي لا يكترثُ لجمالها وفُيوضِ جسدِها النوراني. وعشقته ومنحته ذاتها، فوجدته باردًا مُتبلِّرًا في الحقيقة التي ينشدُها. شعرت بذلك حين أحس بها تلفُّه بحنانها وجمالها وفُيوضها الحسية، فتلمس فيها مينرفا والحقيقة. عندئذٍ أدركت أنه ليس لها، وأنه يبحثُ عن سواها. وحين غاب غيابه الأخير، وجدته معها في السماء جسدًا رائعًا تملكُه روحٌ تُسيطر على الجسد، وباحثًا عن الحق والعدل والقيم تجسد لقاؤه بكل ذلك خارج حدودِ حياة البشر: في الموت والخروج من مُعاشرة الناس. ففي الحياة لا توجدُ حقيقة. الحقيقةُ خارجَ عالَم الأحياء، كما يرى الشابُّ الذي يُقدِّمه الدكتور داهش ويستنطقُه ويُنطِقُه؛ وربما يرى فيه نفسَه أو هو نفسُه على نحوٍ ما.
وشتانَ ما بين سلاسةِ الروح التي ينطوي عليها هذا النص الذي يعود لعام 1935 ورعودِ الدكتور داهش وبروقِه وتلويحِه بالانتقام في ديوانه “بروقٌ ورعود” الذي أنجزه عام 1942، وقد قال عن قصائده: “هي بروقٌ نفسية ورعودٌ كلامية حاولتُ فيها شرح ما
—————————————–
1 الدكتور داهش: “مذكرات دينار”، ط2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986)، ص 300.
——————————————-
أشعرُ وأُحسُّ به في مختلف شؤون هذه الحياة بصورةٍ مؤجزة”1 ولكنه، في أول بيتٍ من أبيات الديوان الذي نظمَ مُقطعاته النثرية شعرًا الشاعرُ حليم دمُّوس الداهشيُّ (توفي في 27 أيلول 1957)، يقول:
الانتقامُ مدى الحياة شعاري والبطشُ والتأديبُ بعضُ فخاري
وهو يؤكد ضرورة اتخاذ موقف حادةٍ من الطغاة: “… فالجبانُ، والعديمُ الشرف، والساقطُ النفس هو مَن لا يُحاسب الغطاة حينما تدقُّ ساعةُ الحساب.” ويُقيم حكم الحساب والانتقام اللذين يدعو إليهما استنادًا إلى قول السيد المسيح: “بالكيل الذي تَكيلون به يُكال لكم ويُزاد”. ولكنَّ ثورته وانتقامه ينصبان على مَن عَتَى وتجبَّر.
إنَّ فكرَ الدكتور داهش فكرٌ واضحٌ عميق، مبنيٌّ على قيم ومعايير تُعلي شأن الفضيلة والإنسانية والروح. وهو جريءٌ لا يخافُ في الحق لومَ لائم. يهتكُ أستارَ الأنفُس، ويلقي بالأقنعة في الوحل، ويكشفُ الفسادَ، ويُعري المفسدين المموهين باقتدارٍ ونفاذِ بصيرةٍ وقوةِ منطقٍ وحجة ورجاجة عقلٍ وبراعةِ استنتاج. يفعل ذلك بناءً على معرفةٍ عميقةٍ بالنفس البشرية ومحركات الحوادث والأمور، وذلك استنادًا منه إلى إيمان متجذرٍ واسع الأفق، وصدرٍ مفتوح لحرية الرأي وحرية الاعتقاد. وهو يؤمنُ بالرسالات الإلهية كلها، لا يُلغي دينًا من الأديان، ولا يُلاحقُ فكرًا يعارضُ فكرَه، ويدعو إلى وحدة الدين، ولا يُجافي حكمةً راسخة، ولا يُناهضُ عقيدةً ثابتة لأية فئةٍ من الناس أو لأي شعبس من الشعوب. ومَن يبحثْ في ثقافة الداهشيين يجدهم مُشبعين بمعرفةٍ متعمقةٍ في فهم المسيحية والإسلام يفيضُ بها خطابُهم، ويرفعون القيم الروحية والتعاليم الدينية للديانتين على الخصوص حُججًا قوية ضد من يُخالفهم في الفهم الصحيح، أو يسلكُ سلوكًا مثناهضًا لِقيَم الدين الحق.
وفي كتابٍ حملَ عنوان “كيف عرفتُ الدكتور داهش” ألفَه الشيخ عبد الله العلايلي وختمه بمقالٍ تحت عنوان “أخي الدكتور داهش”، تجدُ الرجل فكرًا وأسلوبًا ولغةً وبلاغة وتوغلاً في النفس البشرية وتجليًا روحيًا، وذلك من خلال المقالات التي ضمَّها الكتاب؛ كما تقفُ على بعضِ تجاربه في الجلسات الروحية… وعلى إشارات لِما
——————————————-
1 أوردها ماجد مهدي في مقدمته لكتاب الدكتور داهش “بروق ورعود” الذي صاغه شِعرًا الشاعرل حليم دمُّوس (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1999)، ص 11.
——————————————–
يُسمَّى خوارق الدكتور داهش. وفي تلك المقالات، تشعرُ بأسلوب العلايلي في كتابة المادة بشفافيةٍ روحيةٍ فائقةٍ وبلاغةٍ لغوية تُحببك بالعربية. وتجدُ نفسَك أمام مقدرةِ الأديب المتمكن من أدواته في التعبير البليغ عن الدكتور داهش ومشاعره وأسرارِ نفسه وقُدراتِه الخارقة الخلاقة التي قال عنها: “إنني مُنحتُ قوةً روحية تُتيح لي القيام بأعمالٍ خارقة وذلك لإثبات وجود عالمٍ آخر”1 وتلمسُ ذلك من خلال رؤيته العميقة للحياة ومعرفته الدقيقة للناس والنفس البشرية. وفي فصول الكتاب، ترى الدكتور داهش في حواره الذي يُديُره مع رفاقه وأتباعه خلوقًا شفيفًا رقيقًا، يهديهم وكأنه يهتدي بهم، ويجدُ في الواحد منهم سَنَدًا ويكون له عينًا وكبدًا. والشيخ العلايلي، في جزءٍ من تلك الفصول، يُتابعُ جوانبَ روحيَّة، ويكشفُ عن حسٍّ مُرهَف، ومشاعرَ رقيقةٍ لا يشعرُ بها سواه لا سيما حينما يرى جمجمةً على منضدةٍ في المكان يستخدمُها أحدُ رُوَّاد المجلس منفضةً لرماد سيجارته، فيستعيدُ كينونتها وحيويتها ولفتاتها حيةً، ويخالُها جمجمةَ غانيةٍ في محجرتها تعليقٌ وكلامٌ وغَمزٌ ولَمز.
ويتحدث الشيخ عبد الله العلايلي في هذا الكتاب عن ميلادِ صوفيةٍ جديدةٍ يقولُ عن أصحابها: “ظلت صوفيتهم صوفية تحضُّ على منهج وسلوكٍ فقط، وتُحرضُ على إخاء، وتَحرصُ على الصدق في هذا أو هذا… تَمسحُ به الفقاقيع النوافخ من الرغوة، فيما ظنه الناسُ منها حباتِ قلوبٍ في منظومٍ عقودٍ… مطمئنة اطمئنانها، ساعيةً سعيها، فتحتَ الرغوة اللبنُ الفصيح”2
في 28 آب من عام 1944 اعتدي على الدكتور داهش في منزله، وأكد هو وأتباعه أن الرئيس بشارة الخوري وزوجة لور شيحا الخوري وأخاها ميشال هم وراءَ الاعتداء الآثم، لأن ماري شيحا حداد، شقيقة لور وميشال، اعتنقت الداهشية هي وزوجُها وبناتُه الثلاث، وخرجتْ على كنيسة روما. وكانت ماري حداد أقوى من دافع عن الدكتور داهش إبان
—————————————-
1 من لقاءٍ صحفي في جريدة “الجهاد” اللبنانية بتاريخ 24/3/1954، نشر في “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش ومحمد حسين هيكل” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1981)، ص 204.
2 الشيخ عبد الله العلايلي: “كيف عرفتُ الدكتور داهش” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 51.
——————————————
محنته وتجريده من جنسيته ونفيه خارج لبنان، ومن أشد المعادين للرئيس بشارة الخوري. وعلى الرغم من أن الداهشية لا تُهادنُ الطغاة، بل تردُّ الصاع صاعين، كما لاحظنا من أقوال مؤسسها، فإنه منع أتباعه من اللجوء إلى الارهاب. ومصداقُ ذلك ما جاء في رسالته الى ماجدة – يكتبونها “ماجدا” – ابنةِ ماري حداد التي قررت أن تقتل بشارة الخوري انتقامًا للدكتور داهش، فنهاها عن ذلك في رسالةٍ موجهةٍ إليها قال فيها: “أعودُ فأكرر عليك الوصية لأن لا تُقدمي على أي عملٍ إرهابي، لا أنتِ ولا أيُّ أخٍ أو أخُتٍ داهشية”. فانتحرت ماجدا احتجاجًا مُعلنا على الظلم الذي لحق به، وغضبًا له، وليس غضبًا منه.
والداهشية، كما يُقدمها مؤسسُها وأتباعُه، دعوةٌ روحيةٌ وفكرية وثورةٌ إصلاحية، خرج مؤسسها وأتباعُه على كنيسة روما وتعاليمها،1 وآمنوا بالروح والقيم التي تدعو إليها الدياناتُ كافةً، لا سيما المسيحية والإسلام. ونُوردُ هنا مقتطفاتٍ مُقتضية هي إشاراتٌ دالة عليها، في محاولةٍ للتعريف الموجز بها.
قال مؤسسها الدكتور داهش: “ولعل مبدأ السيالات الذي تُبشرُ به الداهشية أقوى دليلٍ على تجاوُبِها مع الإسلام والمسيحية، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان، عند الذين يعلمون، في الجوهر وفي كل ما هو قيمةٌ ونافعٌ لنبي الإنسان.”2
وجاء في “الرسائل المتبادلة” قوله: “… فالمالُ والعظمة الكاذبة، والغرور، والمجدُ الوهميُّ، والسيادةُ المسيطرة، والجبروتُ والطغيان، هي حلمُ الجميع ومبتغى الكلِّ، وأُمنيةٌ البشرية منذ فجر تاريخها المعروف حتى يومنا هذا، وحتى فناء كوكبنا الأرضي. لهذا تراني الآن أتخيلُ مواكبَ الإنسانية المندثرة وهي لا غاية لها إلا السيطرة والإثراءُ والطغيان. أما العدالة، أما الرحمة، أما المساواة، أما التضحية والمفاداة، فهي كلماتٌ طنانةٌ فارغة، وليس مَن يهتمُّ بتبنيها بصورةٍ صادقة. ولكنهم يتخذونها ستارصا لغاياتٍ يريجون تنفيذها بواسطتها. هذا ما حاولتُ إفهام إخواني إياه، وما غرستُه في نفوسهم، فكان ما كان من الظلم الرهيب الذي نالني”.3
—————————————–
1 تقول ماري حداد الداهشية” “أما انفصالنا عن كنيسة روما فقد أعلناه وأشهرناه وأذعناه…” (“الرسائل المتبادلة”، ص158).
2 جريدة “الهدف” اللبنانية، 10 آب 1965 (“الرسائل المتبادلة”، ص 221).
3″ الرسائل المتبادلة”، ص 44.
—————————————————–
وفي مجال الرؤية السياسية وما يتوجب على الساسة القيام به من أجل إصلاح العالم وصلاحه وأمنه وسِلمِه، يقول: “إن على ساسة العالم، في أربعة أقطار المعمور، أن يبنوا (عالمًا واحدًا) إذا رغبوا في أن يسودَ السلامُ العام أرجاءَ هذه الكرة اللعينة”.1 ومن هذه الإشارات تقف على النزعة الروحية الإنسانية الكونية، وعلى تعلق بالحرية والعدالة والمثل. وعند الداهشية، “الويل لمَن تأتي على يده الشكوكُ والعثرات”2.
لقد أشرتُ فيما سبق إلى تأكيد الدكتور داهش أن موقفه من الإسلام كان السبب الأهم في تجريده من جنسيته اللبنانية.3 كما أشرتُ إلى موقفه9 من الكنيسة وموقف رجالها منه بصورة عامة، وكنيسة روما بصورةٍ خاصة، وموقفه من رجال المال والسياسة، وهؤلاء هم الفئة الحاكمة وصاحبةُ السلطة والقرار والنفوذ. كما أشرتُ إلى انفتاحه على كل الأديان وكل البشر الذين يؤمنُ ببعثهم ونُشورهم، وبأنهم لم يُخلقوا عبثًا. وهو يكثف كل ذلك في رؤية يعمل عليها ورسالةٍ يُعلنا قِوامُها الإيمان بالأديان والدعوةُ إلى وحدة الدين. وهو، في هذا التوجه، يوافقُ ما جاء في القرآن الكريم ويتمثلُ قوله تعالى:
(آمن الرسولُ بما أُنزل إليه من ربِّه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله، لا نُفرق بين أحدٍ من رُسُله. وقالوا سمعنا وأطعنا. غفرانك ربنا، وإليك المصير). (سورة البقرة: 285).
وقد بقيَ الدكتور داهش ثابتًا على إيمانه ومبادئه، وفيًّا لنهجه ومنهجه، صلبصا في عزمه والتزامه ومواقفه على الرغم من الصعاب التي واجهته والعذاب الذي تعرض له. وبقي واثقًا من نفسه ومن انتصاره، يتفاءل ويناضلُ ويعمل لكي يتحقق ما يؤمن به. وبقي أتباعه على عهده، يتمسكون برسالته ويدافعون عنها ويعملون على نشرها وترسيخ ما آمنبه مؤسسها. وذلك الذي آمن به يبدو له ولأتباعه الداهشيين يقيناً لا ريب فيه. فهم يرددن قوله الذي نقلته عنه ماري حداد الداهشية: “سأنهض، وأحطم قيودي، وأجتازُ جحيمَ هذه الحياة بقلبٍ جريْ وإرادةٍ جبارة، وأتمكَّن من ناصية المجد والانتصار”4
————————————-
1 “مذكرات دينار”، ص 108.
2 المرجع السابق، ص 314.
3 الرسائل المتبادلة”، ص 42 و ص 46.
4 الرسائل المتبادلة”، ص 217.
——————————————————
لا أظن أن فكرَ الدكتور داهش ودعوتَه قد شاخا. ولا أظنُّ أن أتباعه قد ضعفوا أو ملّثوا، بل هم اليومَ يستعيدون نبضَ قوةٍ وحيويةٍ، ويؤكدون ثباتهم على الرسالة والعهد، ورسوخَ الداهشية ومؤسسها، لا سيما بمناسبة مرور مئة سنةٍ على ولادته. ولا أظن أن مُحركاتِ الأمور والحوادث قد تغيرت؛ فالمالُ والقوةُ العمياء والسلطة والنفوذ والفساد، كلُّ ذلك يُشكل الريح والموجَ وقوة الدفع في عالم تضعفُ فيه الروحُ وتقوى المادة، وينتشرُ فيه الفقرُ والموت، ويسودُه القلق، ويحرك أموره الطُّغاة والبُغاة. وما الإرهابُ والعدوان والكوارث في العالم اليومَ، وما تفاقُمُ الأزمة الاقتصادية العالمية التي تطحنُ الأفرادَ والدول والشعوب الفقيرة، ولا يستفيدُ منها سوى اللصوص، إلا أدلةً وتأكيدًا لمصداق قول من أدان سيطرة المال والمادة على الروح والمُثُل والناس، وحذَّر من استمرار اندفاع البغي والطغيان والظلم على أجنحةِ المال والقوة والفساد في عالَمٍ هو أحوَجُ ما يكون إلى الخير والسلم والعدالة والإصلاح.
إن بؤس البشر وفقرهم والعدوان على الحقوق والحريات والعدالةِ والقيم، والاتجار بها وتشويه معاييرها ومفاهيمها، كل ذلك يحتاج إلى دُعاةٍ ومُناضلين وروحانيين يؤمنون بحقِ الإنسان في الحياة الكريمة، وبسُموِّ الروح فوق المادة، والفضيلة على الرذيلة، في دنيا إلى زوال.
دمشق، في 31/3/2009
أضواءٌ على نظريَّة السيالات الروحية
الأستاذ ماجد مهدي
كاتبٌ لبنانيٌّ الأصل مقيم في كندا. باشر دراسة الطب في تولوز بفرنسا، لكن وفاة والده حملته على تركها والانصراف إلى الشأن التربوي، فتولى إدارة مدرسة النهضة العِلمية في عليّ النهري (البقاع) عدة سنوات. ثم هاجر إلى مونريال حيث أسس وكالة للطباعة والنشر. ألقى عام 1970 محاضرةً عن الدكتور داهش والداهشية في “قصر المؤتمرات” بتولوز. صدرَ له “كيف آمنتُ بالداهشية” (1973). وله عدَّة دراسات ومقالات منشورة في الصحف.
أضواءٌ على نظريَّة السيالات الروحية
في فكر الدكتور داهش
لم يخلُ القرن العشرون من وجوهٍ مُشرقة حملت كل معاني النُّبل والرفعة والإنسانية، وأدت دورًا رياديًا في التنوير ونُصرة الخير على الشر. وقد كان الدكتور داهش واحدًا من أبرزها. فبفضل مُعجزاته العجيبة، وفلسفته الروحية، وأدبه الإنساني، واستبساله في الدفاع عن الحقوق والحريات، ترتسمُ أمام الأجيال صورةٌ متكاملةٌ للحياة المُثلى يمكنُ الاقتداءُ بها، بعيدًا عن الشرور، ومفاسد المادة، وكل أشكال التعصب، الديني والمذهبي والعرقي. تلك الصورة شكلت جوهر رسالته الإنسانية النبيلة التي أسهمتْ، وما برحتْ تُسهم، وإن على نطاقٍ فرديّ، في إصلاح النفس البشرية، والارتقاء بها نحو الكمال الأسمى. وقد رأيتُ وفاءً مني لشخصه، وهو الرجل الذي أدينُ له بالشيء الكثير في مسيرة عمري، والذي جمل أمامي وجه الحياة، وجعلهُ مُشرقًا بنور الأمل، والذي ترسمتُ آثار خطواته، واتخذتُ من سيرته وفكره نبراسًا أبديًا لي، أن أقدم، في ذكراه، مُقاربةً لموضوع “السيالات الروحية” في فلسفته، لأن “السيال الروحي” يُشكل القاعدةَ – الأساس التي تقومُ عليها. وإذا كان مصطلح “السيال” معروفًا قبل الداهشية فإن مدلوله فيها يختلفُ كثيرًا عن مدلولاته السابقة؛ الأمر الذي يضيقُ المجالُ بتبيانه في هذا البحث.
إن مفهوم “السيال الروحي”، على الرغم من جدَّته، يكتسبُ أهمية عُظمى على الصعيد الإنساني. فهو يُقدمُ، وأطنني غير مبالغٍ في ما أقول، تفسيراتٍ لكثيرٍ من شؤون الحياة والكائنات. ففي ضوئه ينقشعُ الغموضُ عن أسباب الكثير من أحداث الحياة التي يَحارُ الإنسان في تفسيرها، ويخفُّ بالتالي وقع الصدمات النفسية التي تواجهه في حياته.
ومن خلال مفهوم السيال أيضًا، يتضحُ السببُ في التباين بين توجهات المرء ومشاعره المختلفة، أو في التوافق والتناسق في ما ينها. كما تنجلي حقيقةُ الدافع الموجه لسلوكيات الإنسان والكائنات جميعًا، الذي يتسبب بقيام الصراع بين الخير والشر، فيهم وبينهم، ويتم من خلاله ارتقاؤهم الروحي أو سقوطُهم، وبالتالي تقدمهم أو تقهقرهم في كافة الشؤون، والذي يتوجه إليه ويتناوله كل إرشادٍ وتوجيهٍ إصلاحي بغية
إحداث تغيير فيه باتجاه الخير.
قبل الخوض في هذا البحث لا بد من الإشارة إلى المراجع التي استندتُ إليها في كتابته. ومن أجل ذلك، رأيت من الضرورة أن ألفت النظر، أولاً، إلى أمرٍ مهم، وهو أن الدكتور داهش لم يعتمد اللغة الفلسفية المجردة في التعبير عن فكرة الفلسفي، وقصر استخدامها على بعض شروحه.
والقارئ لمؤلفاته الأدبية يُدركُ، في الحال، أن أدبهُ لا ينفصل قط عن فلسفته، شأنه في ذلك شأن الفلسفة الإغريق قبل سقراط، وفولتير، ونيتشه، والأدباء العرب القُدامى، أمثال التوحيدي، “أديب الفلاسفة”، ومسكويه، “فيلسوف الأدباء”… فأدبُه وفلسفتُه ينبثقان، مُتمازجين، من ينبوع ذاته وقد ارتُويا من أحاسيسه ومشاعره المُرهفة الصادقة، وتأملاته البعيدة، ويسريان معًا في وحدةٍ مُمتماسكة لتأدية الهدف المنشود. وقد صرَّح الدكتور داهش بذلك بنفسه، في أكثر من مناسبة، أمام سائليه عن كتاب عقيدةته الفلسفية، مُجيبًا إياهم: “عقيدتي في كُتبي”.
تجدُرُ الإشارة إلى أنه، على الرغم من تواجُد حقائقه الفلسفية في معظم الفنون الأدبية التي كتبَ فيها، فإن الفن القصصي كان، من بينها، الأوفر حظًا من تلك الحقائق. ولعل أبلغ وصفٍ لأسلوبه في إيصالها إلى جميع الناس، على تفاوت مُستوياتهم، هو ما قيلَ فيه من أنه “الأسلوبُ النبوي” الذي يتوسلُ القصص والأمثال، والإشارات إليها، والذي يُعدُّ “اأصلح في التعبير عن الحقائق الروحية”1. وهذا التوجُّه عند الدكتور داهش في التعبير عن فكره الفلسفي جعلني أُعوِّلُ، في هذا البحث، على نصوصه الأدبية، أولاً، من دون أن أتخلى عن الشروح الفلسفية التي كتبها بنفسه، أو عن تلك التي نُقلت عنه، أو عن أحاديثه معي، أو عما هو مقررٌ في العقيدة الداهشية، وذلك في حال الحاجة إليها، أو من أجل مزيدٍ من التوضيح. على أنني نأيتُ بنفسي عن أية تأويلاتٍ أو تفسيراتٍ صدرت في الموضوع، قد تكون صائبةً، وقد لا تكون، إذ إن كثيرين بحثوا فيه، وكثيرين سيبحثون. كما إنني لم أتطرق في البحث إلى الإثباتات المادية الملموسة التي كان الدكتور داهش يُقدمها، عبر المعجزات التي كان يأتيها، دليلاً على صحة طروحاته النظرية؛ فذلك يستوجبُ بحثًا موسعًا لا مجال لاستيعابه في هذا الكتاب، إضافةً إلى أنني فضلتُ قصر البحث في الموضوع على الجانب الفكري النظري منه دون سواه.
*******
يُميِّزُ الدكتور داهش بين الروح والنفس، فيعتبرُ أن الأرواح كائناتٌ نقيةٌ موجودةٌ في عوالم الروح التي لا تشوبُها المادة. أما النفس، فيعتبرها مجموعةً من “السيالات الروحية”.
هذه السيالات، في منظوره، قُوًى إشعاعية حية قادرةٌ غير منظورة هي امتداد للروح في العوالم المادية. وهي “جميعها ذاتُ إدراكٍ وإرادةٍ ونزعات، لكن على درجاتٍ متفاوتة… وهذه الخصائص النفسية ليست في الإنسان فقط، بل هي أيضًا في الحيوان والنبات وكل ما يُسمى “مادة”.2 “فالسيالاتُ هي في أساس جميع الكائنات المادية”3. وهي لا تزولُ ولا تفنى، و”خلودُها لا شكَّ فيه، سواءٌ أكانت في الإنسان أم الحيوان أم النبات أم الجماد”4.
———————————————————————
1″ تقييم مؤلفات الدكتور داهش بأقلام أدباء وشعراء وكتاب وصحافيي البلاد العربية، (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 309 – 318).
2 “معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان”، ص 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 87 – 89.
3 الدكتور فريد أبو سليمان: “في رفقة الهادي الحبيب”، (الدار الداهخشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 436 -= 438.
4″ معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان”، ط 2 (الدار الدهشية للنشر، نيوروك 1997)، ص 87 – 89.
———————————————–
والسيالات الروحية هي قوامُ المجموعات في الكون كله. ويتمتع كل سيالٍ منها بدرجةٍ روحيةٍ مُعينة. “وبحسب رُقيِّ السيال أو تدنيه يكونُ تجسدُه. وبتعبير آخر، فإن كل درجةٍ في السلم الروحي تتناسبُ مع شكلٍ ماديٍّ مُعين.”1 والسيالات تبقى بين هبوطٍ وصعود، فترتقي بقدر ما يأتي الإنسان من الخير، وتهبط كلما أمعنَ في النشر. وتجتمع في الإنسان سيالات ذات مستويات روحيةٍ مختلفة. وهذا الفارقُ في المستوى يُنتجُ صراعًا داخليًا بين ما هو أعلى وما هو أدنى، بين ما هو خيرٌ وما هو شرّ. “أما جسدُنا، فهو المستودعُ وآلةُ التجربة التي تأتي إليها هذه السيالات لتتجرب وتُمتحن، وظروفُ الحياة التي تمرُّ فيها هي التي تخلقُ ذاك الامتحان. فإذا انتصرت سيالاتُ الخير على النزاعات الشريرة في الإنسان انسحقت تلك السيالات الشريرة، ثم تهذبت وارتقت إلى السماء لتتصل بأخواتها، والعكس وبالعكس. وهذا يعطي فكرةً عن أسباب تنوع الناس في نزعاتهم وميولهم”2 أما كيفية الترابط بين الجسد والسيالات، فقد وصفها الدكتور داهش بعبارة “امتزاجُ السيالات بالأجسام.”3
ويعتقد الدكتور داهش أن للأرض، كما لكل كوكبٍ، حدًّا أعلى وحدًّا أدنى في السُلَّم الروحيّ. فإذا ارتقى أحد السيالات، متخطيًا الحد الأعلى لدرجة الأرض الروحية، نتيجة تغلُّبه على التجارب الأرضية، فإنه ينطلقُ من الإنسان إلى العالم العلوي الذي يتوافقُ مع درجتِه، حيث تنتظرُه السعادةُ والهناء. أما إذا تدنت درجتُه دون الحدِّ الأدنى لدرجة الأرض، نتيجة إغراقه في الشر، فإنه ينطلقُ إلى العالم السفليّ الذي يوافقُ درجته، حيث يلقى فيه مُرَّ العذاب. وحقيقة الارتقاء والهبوط هذه تنطبقُ، في منظورة، على الكائنات في الأرض وفي سائر العوالم، العلوية منها والسفلية.
كما يؤمنُ بوجود سيالاتٍ مشتركة، سواءٌ بين الناس من ذوي القربى، والأصدقاء أو بين أُناسٍ لا تربطُ بينهم رابطة، ولا تعارفَ بينهم. فإذا تمكن المرء من ترقية سياله، بمُمارسة الخير ونَبذ الشر، ينعكسُ هذا الرقيُّ إيجابًا على سيالاته الأُخرى الموجودة.
——————————————–
1 الدكتور فريد أبو سليمان: “في رفقة الهادي الحبيب”، (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 436- 438.
2 الشاعر حليم دمُّوس: “أغرب الأسرار الداهشية”، مجلة “الدبُّور”، الحلقة 20,21 حزيران 1949.
3 الدكتور داهش: من أحد شروحه الروحية.
——————————————–
في مَن هم على صلةٍ روحيةٍ به. أمَّا إذا أسقط درجة سياله، بانتهاج سُبُل الشر، فإن ذلك ينعكسُ سلبًا على تلك السيالات.
ويعزو الدكتور داهش المواهب الإبداعية في الإنسان إلى سيالات روحية مميزة، نظير سيالات الفن والأدب والشعر والعلم وغيرها. ويعيدُ الأسباب البعيدة للأمراض لمعتقدٍ ما، يتمُّ، في نظره، بنسبة انسجام سيالاته الروحي مع تعاليم تلك الأديان والعقائد.
ويعتبر أن الأنبياء يتمتعون بسيالاتٍ روحيةٍ نبويةٍ سامية تهبطُ، بأمر الله، من سماواته الرفيعة، لنشر الرسالات الإلهية في الأرض. كذلك يتمتع الهداةُ والمصلحون والعباقرة، في رأيه، بسيالاتٍ علوية تؤدي دورها في زرع بذور الخير والهداية من أجل إصلاح النفس البشرية. ويذهب إلى أبعد، فيرى أن الأنبياء “شخصٌ واحد متعددُ السيالات. فكلُّ نبيٍّ منهم هو سيَّالٌ من الشخص الأساسي، وهذا النبيُّ أوصلَ سيالاته إلى درجاتٍ مختلفة العلوّ والدنوّ، بالنسبة لأعماله؛ وقد زاروا جميعًا كوكبَ الأرض في أوقاتٍ مختلفة، وبأسماء مختلفة، بينما حقيقتُهم نبيٌّ واحد يُرسَلُ إلى الأرض ليؤسس ديناً يناسبُ مع سيالات أبنائها في العصر الذي يتجسَّدُ فيه”.1
وبما أن سيالات الإنسان تنطلق منه، صعودًا أو هبوطًا، خلال حياته، تبعًا للنظام الإلهي الذي نخضعُ له، فإن الموت يحدُث بمجرد انطلاق السيال الأخير منه. “وعندما تنطلقُ هذه السيالاتُ من الجسم، بواسطة الموت، تَرى في لحظةٍ واحدة نتيجة تصرُّفها في المدة التي أعطيت لها كي تتجرب على الأرض. فإما صعودٌ وهناء، وإما هبوطٌ وشقاء؛”2 إذْ ينتقلُ الإنسان عند ذاك إلى حياةٍ أُخرى جديدة، ويفتحُ عينيه ليجدَ نفسهُ في “واقعة” الجديد.3
———————————————
1الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء 3 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1981)، ص 75 – 29.
2 الشاعر حليم دمُّوس: “أغرب الأسرار الداهشية”، مجلة “الدبور”، الحلقة 20,61 حزيران 1949.
3 الدكتور فريد أبو سليمان: “في رفقة الهادي الحبيب”، ص 445 – 448 . عبر الدكتور داهش، وهو بعدُ في ربيع شبابه، عن نظراته إلى الموت بالقول إنه: “يقظةٌ فتانة يحنُّ إليها كلُّ من صفتْ نفسُه وسَمَتْ رُوحُه، ويخافُها مَن كَثُفتْ أفكارُهُ وكَثُرت أوزاره.” أما وجهُ الزوت الأشوهُ المرعب الذي يقضُّ، عادةً، مضاجعَ البشر، ويهدمُ أحلامهم، ويُدمِّرُ هناءة عيشهم، فإنه يبدو في أدبه، كما في فلسفته، وجهًا بهيًا، مُِرقًا بالنور، يقيضُ حُبًّا وحنانًا ورحمة.
——————————————–
لكن، لا بد من التنويه بأن الدكتور داهش كان يعي تمامًا ضراوةَ التجارب التي يتعرض لها الإنسانُ في حياته، وضعفَه في مواجهتها. وكان يؤمنُ بأن العناية الإلهية تمنحُهُ الفُرص للتغلب عليها، وللارتقاء بسيالاته، وذلك عبر تقمصاتٍ متكررة.
والتقمُّصُ، في نظره، ذو وجهين: الأول منهما يرمزُ إلى انتقال الإنسان من الحياة في الأرض إلى حياةٍ في عالم آخر من الكون. أما الثاني، فيرمزُ إلى الانتقال من حياةٍ إلى أخرى ضمن عالم الأرض نفسه. (سواءٌ أبلغها ارتقاء من عوالمَ سُفلية أم سُقوطًا من عوالمَ علوية) فإنه – أي ذلك الشخص – يتجسدُ مُجددًا على الأرض. كما إنه إذا كان له، في حياته أو بعد انطلاقه، سيالاتٌ ضمن درجة الأرض، ولكن في مستوى غير المستوى البشري، فإنه يتجسد عليها في مخلوقٍ أرضي آخر يُناسبُ مستواه مُستوى تلك السيالات. وفي هذه الحالة، فإن رُقيه أو تدنيه يكونان مُرتبطين بالنظام الخاص بهذا النوع من المخلوقات.
“وخلاصةُ القول إن سيالات الإنسان يمكنُها أن تتجسد أو تحلَّ في مخلوقاتٍ أرضية أُخرى، سواءٌ أكانت حيوانًا أم نباتًا أم جمادًا. والعكسُ صحيحٌ أيضًا؛ فإذا استحق سيَّالٌ متجسدٌ في مخلوقٍ أرضي غير بشريٍّ أن يتحول إلى الطبيعة البشرية، فإنه ينتقل إلى الإنسان الذي يستحقُّه”1.
“أما اختلافُ الأديان والألوان البشرية، فهو ناتجٌ عن اختلاف السيالات وما يخلقُ هذا الاختلاف من أهلياتٍ واستحقاقاتٍ في المرء. فمن الأديان مثلاُ ما هو قريبٌ إلى المادة، وهو صالحٌ لفئةٍ من الناس. ومن الأديان ما هو في نصف الطريق بين المادة والروح، وهو صالحٌ لفئةٍ أخرى من الناس. ومن الأديان ما هو روحيٌّ محض، وهو صالحٌ لفئةٍ أخرى من الناس. ولكن جميع هذه الأديان ضروريةٌ تتممُ بعضها بعضًا، ويتدرجُ فيها البشَر على مرِّ العصور، فيأتي كل امرئٍ في اللون والدين الذي يستحقه ويتقبلُه ويستطيعُ أن يسيرَ بموجب تعاليمه، إذ إن رحمةَ الله وعدالتَه تغمران الكائنات بأسرها ولا تستثنيان أحدًا على الإطلاق”.2
——————————————-
1 الدكتور فريد أبو سليمان: “في رفقة الهادي الحبيب”، ص 436 – 438.
2 الشاعر حليم دمُّوس: “أغرب الأسرار الداهشية”، مجلة “الدبُّور”، الحلقة 4,62 تمُّوز 1949.
——————————————-
ويذهب الدكتور داهش مذهبًا خاصًا في ربطه طبيعة الأديان وتكيفها ومصيرها بمستوى سيالات البشر الروحية وتبدلها، فيقول: “إن الأديان المتعددة الموجودة بين الشعوب والأمم قد وُجدت لغايةٍ روحية، وإلا لما كانت. فالبوذيُّ يملكُ سيالاتٍ يستحقُّ عليها أن يكون بوذيًّا؛ والكونفوشيوسيُّ أيضًا؛ ومثله المسلمُ والمسيحيُّ… إذاً، فالأديانُ المختلفة ما كانت لتُوجَد لو لم تكن لها غاية”1.
ويعتبر الدكتور داهش أن الإنسانَ “يولدُ عند والدين يكون قد أوصلً سيالاته ليُولدَ منهما.”2 ومن المقرر في العقيدة الداهشية أن السيالات تنتقلُ بالزواج من الرجل أو المرأة، أو من كليهما، إلى أولادهما، بكل ما تحملُهُ تلك السيالاتُ من صفاتٍ جسديةٍ أو معنوية. وقد تتأتى للإنسان سيالاتٌ أخرى من غير والديه، سواءٌ في أثناء ولادته، أو في خلال مراحل حياته المختلفة، وهي سيالاتٌ عائدةٌ إليه من تقمصاتٍ أخرى له، في الأرض، أو في عوالمَ أخرى من الكون، أي إنها، في جميع الحالات، سيالاتٌ ذات صلةٍ به، وليست غريبةً عنه، على الإطلاق. ويتم انتقالُ تلك السيالات واكتسابها، على غير إرادةٍ من الإنسان، ووفق نظام إلهي دقيق وعادلٍ وضعهُ الله لجميع أبناء البشر، يخضعون له من دون أن تكونَ لهم يدٌّ في التحكم به. وهو يَسري عليهم بنسبة استحقاقهم في تقمصاتهم السابقة، وأعمالهم في حياتهم الحاضرة.
ومن التفسيرات التي يُقدمُها مفهومُ “السيالات الروحية” لبعض غوامض الحياة أن “وجود السيالات في البشر، على تفاوُتٍ في العدد والميزة والدرجة بين فردٍ وفرد، هو الذي يُسببُ تباين القدرات الجسدية والعقلية، واختلافَ الميول والمذاهب النفسية عندهم. كما إن انسجامها وسُمُوَّها في الإنسانَ يبعثان السلامَ والاتزانَ في نفسه، وتناقُضَها وانحطاطها يُسببان الاضطرابَ والاختلال. كذلك، فإلى تشابُهها أو تبايُنها في الأشخاص والجماعات يعودُ التجاذُبُ والتحابّ أو التنافُرُ والتباغُض.”3
—————————————
1 من رسالةٍ مخطوطةٍ بقلم الدكتور داهش وجهها إلى الداهشيين تتضمن شروحًا وإيضاحاتٍ فلسفية.
2 الدكتور فريد أبو سليمان: “في رفقة الهادي الحبيب”، (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 445 – 448.
3 “معجزات وخوارق الدكتور داهش يرويها الصحفي لطفي رضوان”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1997)، ص 87 – 89.
———————————————
ويُؤكد الدكتور داهش “أن الفناءَ الذي يطرأُ على الأشياء إنما هو تبدُّلٌ محصًورٌ في مظهرها الحسي النسبي، ولا يمسُّ جوهرها الحي… إذ إن السيالات التي كانت فيها خالدةٌ لا تفنى.”1
ولانقراض الكائنات العملاقة من الأرض تعليلٌ روحيٌّ في ضوء نظرية السيالات. ففي هذه النظرية أن “المخلوقات كانت في العصور الأولى أقل رُقيًّا ممَّا هي عليه الآن، أي إن نزعاتها الشريرة كانت هي المُتغلبة على النزعات الطيبة تغلبًا تامًّا.
وهذا الوضع يتجلى في أشكالها الجسدية إذْ كانت تلك الأجساد قبيحة المنظر، مُرعبةَ الهيئات، تحيا طويلاً على الأرض، وكانت في حربٍ دائمة، كالديناسور والأُكتيوزور والماموث إلخ…
“وعلى مرِّ العُهود وتوالي الأجيال، وبعد المحَن التي مرَّت بها الأرض ومَن فيها، ارتقَت تلك السيالات نوعًا، فكان من نتيجتها أن ارتقت الأشكالُ الجسدية التي تأخذها هذه السيالات في عصرنا الحاليّ. ونحنُ في تقدُّم دائم بفضل التلقيح السماويّ الذي يأتينا بصورةٍ مستديمةٍ من السماء، والمُتجلي بالأنبياء والمُصلحين والهُداة والعُلماء والحُكماء الذين يأتونَ إلى الأرض في كلِّ أُمَّةٍ من الأمم وفي كل شعبٍ من الشعوب وفي كل دورٍ من أدوار التاريخ الأرضيّ، إلى أن يحل ملكوتُ الله المُتنبأُ عنه والذي سيتمُّ بعد انتصار الخير الساحق على الشرِّ الباطل”.
وفي السياق نفسِه، تؤكد النظرية أمرًا مهمًا مَفادُه أن البشر مسؤولون مسؤوليةً جماعية، فضلاً عن مسؤوليتهم الفردية، في تحقيق هذا الانتصار: “أما نحن، معشر البشر، فعمالٌ في هذا العراك الغير المنظور. ومن نتيجة أعمالنا، إما أن يتأخر مجيءٌ ذلك العهد الروحيِّ العادل، وإما أن يتقدم أجلُه.
و”القضيةُ مُهمَّةٌ جدًّا بالنسبة إلى كلِّ فردٍ منَّا، إذ لا يمكننا التملُّصُ من نتائج الأحوال العامة التي يخلقُها في المجتمع انتصارُ الخير أو انتصارُ الشرّ.
“هذه هي مسؤوليتنا الجماعية. أما مسؤوليتنا الفردية، فهي تامةٌ ثابتة بموجب قوانين غير منظورة…”2
—————————————-
1 المرجع السابق، ص 87 – 89.
2 الشاعر حليم دمُّوس: “أغرب الأسرار الداهشية، مجلة “الدبُّور”، الحلقة 20,61 حزيران 1949.
—————————————–
ولنظرية السيالات، أيضًا، دورٌ كبيرٌ في مجال معرفة النفس وتهذيبها، وبالتالي في تحقيق الارتقاء بها نحو الأسمى. فهي تُسلطُّ الضوء على ما خفي عن الإنسان في ذاته، فتبدو صُورتُها أمامه، كما هي على حقيقتها، لا كما صورتها له خيالاتُهُ وأوهامُه. فبدلَ أن يرى فيها تمامَ الكمال، ويعمى عما فيها من قبيح، يراها بكل ما فيها من قبيحٍ وحسن. وفي هذه الحال، يُمكنُهُ، إذا شاءَ مَحْو الشوائب عنها بالمُجاهدة والثبات، وبعدم الانصياع لما فيها من نَزعاتٍ شوهاءَ باطلة.
ففي مفهوم “السيالات” أن مُيول المرء وتوجهاته في الحياة هي سيالاتٌ روحيةٌ ذات درجاتٍ روحيةٍ مختلفة؛ فمنها الخيرة، ومنها المادية، ومنها الشريرة التي تدفعُ إلى ارتكاب الشرور. “فالبُخل سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤول؛ وهكذا الكرم. والظُّلمُ سيَّالٌ درَّاكٌ مسؤول؛ وهكذا العدل؛ والكسَلُ والنشاط، والبُغضُ والحُبّ، والشراهةُ والاعتدال، والطمعُ والقناعة، وهكذا قُل عن بقيَّة النزاعات والنزوات التي يِشعُرُ بها كلُّ إنسان…
والحربُ مُشتعلةٌ بين الحسن والقبيح، أي بين الخير والشرير. ومصيرُ الروح مُتعلقٌ بنتيجة معركة سيالاتها الأرضية…”1
وفي قصةٍ بعنوان: “حُلمٌ مهيبٌ رهيب”، يكشفُ الدكتور داهش النقاب، في ما يكشف، عن السبب الرئيس الذي يقفُ وراءَ ارتكاب الإنسان للمحرمات، وانقياده للرغبات السفلية، والذي لا يعدو كونه سيالاتٍ عائدة له، كما سيأتي.
يروي الدكتور داهش في قصته مُشاهداته حُلم تراءَى له، جابَ في خلاله “محيطات الأوقيانوسات الفضائية”، كما يقول، وأُخذ بما رآهُ من “كوكبَ نيرةٍ، أبعادُها مختلفة، ومن سُدُمٍ يَعمرُ بها محيطُ السماوات، ورُجوم تتناثرُ، وبُروقٍ تتصافحُ فتنيرُ المسافات الشاسعة!… ومن مُكوناتٍ إلهيةٍ مُذهلة…” ويُضيفُ قائلاً: “واستمر سبحي، واستمرت المشاهدُ المُذهلة تَترى، والشوقُ بي يزدادُ لاكتشاف أسرار هذه المجهولات الموصدة الأبواب منذ تكوينها. أخيرًا، وجدتُني أقتربُ من كوكب الطمأنينة الغارق بسعادته الخالدة الأبدية المُتع، وكانت سُرعتي مُضاعفةً مراراً عن سرعة النُّور”.
في ذلك الكوكب، يلتقي الدكتور داهش غادةً قال فيها إن البدرَ يخجلُ إذا التقاها، “فجمالها أُسطورةٌ تُروى، فهو فوق الوصف البشري المحدود التعريف”.
—————————————–
1 المرجع السابق
——————————————
ثم يتابعُ قائلاً: ورحبتْ بي بعبارةٍ اخترقت برقتها شغافَ روحي، فشعرتُ بسعادة السماء تغمرُني، وتلفُّ وجودي، وتُغلِّفُ كياني…”.
هنا يَلفتُ الدكتور داهش إلى جانبٍ هامّ من فلسفته، وهي إمكانية وجود سيالاتٍ روحيةٍ للإنسان مُتجسدةٍ في عوالمَ علويةٍ، في الوقت الذي ما يزالُ فيه حيًّا على الأرض. فبعد أن أرتهُ الغادةُ بعض غرائب ذلك العالم العلوي الذي وصل إليه، أعلمتُه بأنها سيَّالة، وأنه قد أوصل هذا السيال إلى هذا العالَم، إذ لو لم يكن له سيَّالٌ فيه لما سُمح له بالدخول إليه.
بعد ذلك، تكشف له هناك أن سيالات الإنسان موزعةٌ في عوالمَ مختلفة الدرجات، وأن بعضها يؤثرُ في بعض عبر تلك العوالم. كما عرفَ سبب انجذاب الإنسان إلى الشر، وانسياقه الأعمى وراءَ الرغبات والأهواء الدنيئة. وقد أوضح ذلك في قصته بالقول:
“… واقتادتني ] الغادة[ إلى جبل المعرفة، ومن قمته كنتُ أُشاهدُ سيالاتي الموجودة بعوالمَ عديدة، منها عوالمُ لا بأس بها، ومنها عوالمُ تعيسة. وبعين العجب العظيم كنتُ أُشاهدُ سيالاتي الموجودة بعوالمَ منحدرة الدركات وهي تُرسلُ إشعاعاتها لسيالاتي الأخرى الكائنة في عوالمَ رفيعة، حاضنةً إياها على ارتكاب الممنوعات والمحرمات بغية إسقاطها وسحبها إلى الدركات المُنحدرة بالأَغوار السحيقة حيث تقبعُ سيالاتي.
“… ففهمتُ، إذ ذاك، أن ما يُساورنا من رغباتٍ لارتكاب المحرمات هو منا وفينا، أي إنَّ سيالنا الموجود بدركٍ سحيق هو الذي يعملُ جاهدًا ليدعنا نسقُط؛ فإما يفشل أو يُكتب له الفوز. إذاً لا يستطيع أيُّ سيَّالٍ خارجي أن يدعنا نسقُط، فهذا الأمرُ ممنوع منعًا باتًا. وإذا سقطنا فيكونُ سقُوطنا من سيالنا الذي نحنُ أوصلناهُ بأعمالنا إلى دركٍ سُفليّ، فأصبحَ يرغبُ في الانتقام منا، وجعلنا ننقادُ لإيحائه بواسطة الإشعاع الذي يُرسلُه ليُوقعنا بشباكه، وهنا الطامَّةُ الكبرى”.
ويَخلصُ الدكتور داهش إلى القول إن موقف الإنسان من إيحاءات هذا السيَّال السُفلي يترتبُ عليه ارتقاءُ الإنساغ، وبالتالي مكافأتُه بعالَم عُلويٍّ سعيد، أو سُقوطُه، وبالتالي معاقبتُه بعالمٍ سُفليٍّ يَشيعُ فيه الشقاءُ والعذاب. والارتقاءُ والسقوط يتحققان بنسبة مقاومته لهذا السيَّال ومُجاهدته، أ, الانصياع لأمره والاستسلام لإرادته، ومن خلالهما تتحققُ العدالةُ الإلهية، ثوابًا أو عقابًا. وبذلك، يؤكدُ الدكتور داهش، من جديد، أن الإنسان مخيَّرٌ، غير مسيَّر، وهذا ما يجعلُه مسؤولاً تمامًا عمَّا يأتيه من خيرٍ أو شرٍّ في حياته. بل إنه يذهبُ، في قصته، إلى أبعد من ذلك، فيجزمُ بأن الإنسان هو الذي يكافئ نفسه أن يجازيها، وذلك وفقَ قوله:
“إذا رُقينا أو انحدارُنا يكونُ بنسبة مُقاومتنا وجهادنا أو خصوعنا واستسلامنا لوسوسات سيالنا السفلي. فإذا انصعنا لرغبته فنفذنا أوامرَه وارتكبنا الممنُوعات، فإذا ذاك لا بُدَّ من أن نسقُط وننحدرَ لدركه. وإذا لم ننصع لأوامره ونواهيه، نرفعُ سيالنا ونُوصلُه إلى ملإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالةُ الإلهية إذ يُجازي كلٌّ منا بحسب عمله، أو بالأحرى نحنُ الذين نُجازي أنفسنا فنُوصلُ سيالاتنا إلى درجة علويةٍ، أو دركةٍ سُفليةٍ، وما ربُّكَ بظالمٍ لخلائقه، إنما لأنفسهم يظلمُون.”1
يظهرُ، من خلال ما تقدَّم، أن الدكتور داهش أبرزَ، في قصته، جانبًا مُهمًّا من فلسفته يتعلِّقُ بموضوع السيالات الروحية، وبالتحديد توزُّع سيَّالات الإنسان في العوالم المختلفة الدرجات، وكيفية تأثير سيالاته المتجسدة في العوالم السفلية على سيالاته في الأرض، بُغية إسقاطها. لكنه، وإن قصرها على تأثير سيالات الإنسان الأدنى من مستوى الأرض على سيالاته الأرضية، فهو لم يُغفل الجانبَ الآخر منها، أعني كيفية التأثير بين سيالاته الموجودة في العوالم العُلويَّة وسيالاته في الأرض. وقد اخترتُ، للكشف عنه، قطعةً أدبيةً له بعنوان “شجرة معرفة الخير والشرّ”، سبقتْ كتابتُهُ لها كتابةَ القصَّة السابقة بسبع سنوات، وأبرزَ فيها، ليس فقط تأثيرَ ما هو عُلويٌّ على ما هو في الأرض، بل التاثيرَ المُتبادَل بينهما.
في هذه القطعة، يروي الدكتور داهش مُشاهداته في حُلمٍ رآه، فقال:
“حلُمتُ أنني أرتعُ في جنةٍ دانيةٍ قُطوفُها، ورائعةٌ أزهارُها، وباسقةٌ أشجارُها، وصادحةٌ أطيارُها، وعذبةٌ أنهارُها، ومُذهلٌ ليلُها ونهارُها! وسرتُ بين الورود والرياحين، والأضاليا والنسرين، والبنفسج والياسمين!… وكان الفراشُ يُحوِّمُ حول هذه الأزهار وهو مُوشًّى بألوانٍ عجيبةٍ تُذهلُ من يراها”.
ويُتابع الدكتور داهش عرضه لتلك المشاهد بوصفه شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر، ويؤكدُ وجودَ السيالات في ذلك العالم السعيد، فيقول:
——————————————–
“الدكتور داهش: “قصصٌ غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء 3، ص 75 – 92.
———————————————————-
“وفجأةً شاهدتُ شجرةً عجيبة، غضة الأغصان، باسقة الأفنان، وراعني منها آلاف من الأثمار المتنوعة، كل منها شهيّ. فدنوتُ منها، وكانت مثقلةً بما تحملُّه من الفواكه اللذيذة. وذَهلتُ إذْ شاهدتُ كل ثمرةٍ ينبثقُ منها خيطٌ نُورانيٌّ ممتدٌّ بصورةٍ لا نهائية، ووجهتُه كُرتُنا الأرضية. وكانت آلافٌ من السيالات تجوبُ هذه الحديقة العجيبة الغريبة، وكلٌّ منها يتذوَّقُ ثمرةً منها”.
بعد ذلك يصفُ الدكتور داهش كيفية تأثير السيال منها على سيَّال الشخص الأرضيّ الذثي يتبعُ له، وبالعكس؛ فكأنَّ المرءَ في الأرض كنايةٌ عن شبكةٍ من السيالات مُتصلة الحلقات ما بين العوالم، تُؤثرُ كلُّ حلقة منها في الحلقات الأخرى، دون أن تُلغى الوحدةُ الجوهريةُ بينها، ودون أن تُمسَّ حريَّةُ اختيار الإنسان ما بين الخير والشرّ، لانتفاء وجودي أي سيالٍ خارجي مؤثرٍ فيه، على حد قوله. فسيالاتُ الإنسان المُوزَّعة بين الأرض والعوالم تُشكِّلُ في مُجملها شخصيته، وكلُّ سيَّالٍ من تلك السيالات فقط يؤثرُ فيها، سلبًا أو إيجابًا. وهذا بعضُ ما جاءً من وصف في القطعة:
“تملَّكتني حيرةٌ شديدة!… وفجأةً دوَّى صوتٌ رهيبٌ مَهيب، قائلاً لي:
“- إنَّ كلَّ سيَّالٍ يتذوقُ من هذه الثمار هو تابعٌ لمخلوقٍ بشري يعيشُ في (دنيا الأرض) حيث أنت تعيشُ أيضًا. فإذا تذوق السيَّالُ ثمرةً لذيذة، أثر مذاقثها في الشخص الموجود بدُنياكم. وبعكس هذا إذا تذوق السيَّالُ ثمرةً ما لا تحتوي سيَّالاً عُلويًّا، فإنه يؤثرُ بالسيال الموجود في عالَم الأرض، فيرتكبُ الشخصُ عملاً غير شريف يدَعُهُ يَسقط؛ وما سُقوطُه إلاَّ بسبب تذوُّق السيَّال لثمرةٍ من الممنوعات. وهكذا الشخصُ الموجود في عالَم الأرض باستطاعته أن يدَعَ السيَّالَ الموجود في هذا العالَم يرتقي أو يسقط بواسطة أعماله…”.
ويُنهي الدكتور داهش قصَّته بالقول:
“وصمتَ الصوت. وكانت السيَّالاتُ مُنهمكةً بتناول شتَّى أنواع الثمار، من ممنُوعةٍ وغير ممنُوعة…”1
***********
—————————————-
1 الدكتور داهش: “حدائق الآلهة تُوشيها الورود الفردوسيَّة”، الجزء 4: “التائه في بيداء الحياة” (دار النسر المُحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 87 – 89.
——————————————-
هذا البحث لا يعدو كونَه مدخلاً موجزًا إلى نظرية السيالات في فكر الدكتور داهش، أشرتُ فيه إلى عدة موضوعاتٍ تتصلُ بها، وتضعنا أمام رؤية جديدةٍ للحياة. وهو مقصورٌ على الجانب المتعلق بالإنسان في النظرية دون الحيوان والنبات والجماد، وذلك لضيق الحيز المُتاح. وحريٌّ بالقول إن الوقوفِ عليها (أي على النظرية) يتطلبُ قيامَ أبحاثٍ عدة تتناولُ مظاهرَ السيالات، وعلاقاتٍ بعضِها ببعض، وأثرها في مسيرة الحياة. حسبُ الدكتور داهش أنَّه قدم نظرةً قد تُدنينا من الحقيقة التي رَهنَ عُمرَه من أجلها، وتشوَّقَ للاندماج بها. ومَن يدري، فلعلَّ الحقيقة لا تُسلمُ قيادَها إلا لأمثاله.
حول الشعر الداهشي
الأديبة دعد طويل قنواتي
شاعرة ومترجمة سورية. تحمل إجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها من جامعة دمشق. زاولت التدريس الجامعي في “جامعة البعث” بحمص. عضو في اتحاد الكتاب العرب. ألقت عدة محاضرات وشاركت في ندوات ومهرجانات كثيرة في عدد من البلدان. من مؤلفاتها الشعرية “حزمة ضوء” (1986)، و”حصاد الأسئلة” (2007). ومن ترجماتها عن الإنكليزية “الملحمة الشرقية” للدكتور وليد سلامة (2008).
حول الشعر الداهشي
من الصعب أن نلِجَ عالمَ الكلمة الداهشية ونغادرَه وقد عُجنا كما كنا قبل مواجهة ذلك الخضم من الأفكار والأبعاد والآفاق، وما يقودُ إليه ذلك من ردود أفعالٍ وانطباعاتٍ وتساؤلاتٍ لا تجدُ دائمًا أجوبةً عنها، ولا انسجامًا تامًا فيما بينها في كثير من الأحيان. أو قد تهدأُ النفسُ وتستكين إلى ما توصلت إليه فإاذا بها وكأنها ضمن مياهٍ صافية، هادئة كما ماءُ بحيرة، تنظرُ من خلاله إلى تلك العوالم الممتدة أمامها، وتراها كما هي، لم يعترها أو يشوهها انكسار، ولم تتلاعب بصورتها موجاتٌ متلاطمة، ثم تنتبهُ فجأةً إلى أن تقاسيم روحها قد اتخذت، برغم كل هذه السكينة، ملامح التفكير والحيرة والانذهال، وأن نوعًا من العجب قد تملك هذه النفس، فكأن كل معارفها كانت معلوماتٍ أولية يجدرُ بها، بعد هذا الاطلاع، أن يعادَ النظرُ فيها مجددًا، وترتعش النفس أمام هذه المسؤولية التي أُلقيت على عاتقها.
وقد تنشدُّ النفسُ إلى هذا المطلب الجديد، ويستولي عليها التوقُ إلى استكمال معارفها، فتودُّ أن تبدأ رحلةَ النهلِ التي تشتاقُها، وتتركَ ما أُوكل إليها من مُهمةِ دراسةِ ما تمكنت من الحصول عليه من مؤلفاتٍ ونصوص، لولا وعيٌ يُهيب بها إلى أن تُتمَّ ما التزمتْ به، فإذا بها تتبنى، على بعضِ ألَمٍ، نوعَ النشاط الذهني الذي تحتاجُه الدراسة، وتُرجُئ مُهمة استكمال النهل والتحليق، وفي يقينها أن بانتظارها سماواتٍ وجنائن من مُتع يبثُّ انتظارُها في عُمق هذه النفس رضًى وارتياحًا يمدانها بالصبر على حدَّة التوقت ولذعة النهم.
نحن، إذاً، أمام عملية محاولةِ احتواءٍ لهذا العالم نقتربُ فيه من ملامحه، فنفصلُ بين ما هو شعرٌ وما هو نثرٌ، وبين ما ندعوه “شكلاً، وما ندعوه “محتوى، ثم نتلمس الطريقَ إلى سمات هذا العالم وأبعاده، على ما فيه من تنوعٍ وغنًى.
ولا بدَّ، في البدء، من الإشارة إلى أن كل ما هو بين يديَّ من نتاج القريحة الداهشية ينتمي إلى جنس الشعر، منظومًا أو منثورًا، ضمن أُطُرٍ من لغةٍ وصُورٍ وموسيقى، تنسكبُ ابتهالاتٍ ووجدانياتٍ وتأملاتٍ متنوعةً في أمور الحياة والمرأة والمجتمع والدنيا والآخرة، وكثيرٍ سوى هذا، مما نحاول، من خلاله، أن نستشف صورة الشاعر أُفقًا ومزاجًا وتجربة.
وإذا ابتدئُ باللغة، وهي مادةُ الأدب الأولى، لا بد أن نذكرَ وجودَ عددٍ من القصائد المكتوبة بالعامية، وهي قليلةُ العدد. أما ما تبقى فأكثره من الشعر المنثور، ويشكل حوالى ثلثي الإنتاج، والباقي من الشعر المنظوم. وينقسمُ الشعر المنثور إلى قسمين، في أحدهما ينتهي كلُّ بيت، أو ربما كلُّ سطرٍ، بكلمةٍ أو بمقطع أخير من كلمةٍ تتماثلُ وزنًا وقافيةً مع كلماتِ نهاية الأبيات الباقية، أو قد يبقى هذا الشعرُ المنثور حرًّا لا يُقيده وزنٌ ولا قافية.
وفي كلا النوعين، المنثور والمنظوم، نجدُ لغةَ الشاعر قويةً، وقاموسة غنيًا، ونُفاجأُ، في أحيانٍ كثيرة، بانتقال لغة الشاعر من العصري الشائع إلى النادر الاستعمال، كما في “مُماذق” و”حندسٍ” و”جوب” و”عِهنٍ” و”أحْوى” و”أشقم”، ومعظمُه مما لا نُصادفه في لغة المعاصرين له. وقد نتساءلُ، في البدء، هل هذا نتيجةُ رغبةً في إظهار تضلعُ الشاعر باللغة، ثم نتوصل إلى قناعةٍ مفادُها أن سعة اطلاع الشاعر وغزارة مطالعته جعلتاه على أُلفةٍ مع اللغة، قديمها وحديثها، الأمر الذي أدى إلى كسر حاجزِ الغُربة بينه وبين بعض المُفردات، ومن ثم إلى وُقوعِ هوًى بينه وبينها، مما هو معروفٌ وشائعٌ لدى الأدباء والشعراء.
ولعلَّ أكثرَ خصائص اللغة الداهشية تفرُّدًا جرأةُ الشاعر على سَكِّ المفردات الجديدة واشتقاق الأفعال من الأسماء، كما في “تخنجر” و”تعبقر” و”مُقنبلة” و”مُؤبلسة”؛ وفي هذا إسباغُ حيويةٍ وحركةٍ على المُفردة، وريادةٌ في هذا الجانب الذي بات ميزةً م ميزات لغة الشعر المعاصر.
وفي كل الأحوال، تبقى اللغة الداهشية عاليةً، رفيعةً ودقيقة، يتوهج قاموسُها بغنى يَمدُّ المفردات بجزالةٍ تزولُ معها صبغةُ التكلفُ أو المعاناة التي نتوقعُها من إيراد حَشدٍ من المفردات المتماثلة وزنًا وقافيةً في نهايات القصائد الطويلة، كما في قصيدة “نشيدُ الجُحود”1 أو قصيدة “تراب”2 حيث نجدُ ستةً وسبعين بيتًا تنتهي بالوزن ذاته وبالقافية ذاتها، مع نُدرةٍ في تكرار المفردات. إن هذا الغنى في القاموس الداهشي يثيرُ العجب، ويُشكل سِمةً مميزةً نتوجَّهُ إليها بالإعجاب في مواجهةِ فقرِ قاموس الشعر المعاصر.
ويعتمد الأسلوبُ الداهشي على الصورة في نقل المشاعر، فيُوكلُ إلى عناصر الطبيعة مهمة خلق الأجواء الملائمة. وهكذا نجدُ فيضًا من الأشجار والوديان والبطاح والورود والأعشاب والبرق والرعد والمطر وفصول السنة وكل ما يُمكن أن يمتد بين المجرات والأرض يتدفق بغزراة، فكأن للشاعر نوعين من مفردات: واحدًا من لغةٍ وواحدًا من صورَ، يتدافعان ويتسابقان لينقلا ما في نفس الشاعر إلى إطار العبارة المحملة باللون والموسيقى والحركة، كما بالمعنى والإيحاء. وغالباً ما تمتزجُ الصورَ البصرية بالصوت والحركة كما في قصيدة “أنا الجدول الرقراق”.
“أرى ألطفَ الأطيار تشدوني…
على رؤوس الأشجار تمرحُ بطربٍ وتدعوني من أعاليها…
ويردُ، ليرتويَ من كوثري السلسبيل، ظبيٌّ شَرود…
أما النسيم فيدغدغُ صفحتي ويُلاعبُني”.3
وإن أشراك أكثر من حاسةٍ في صورةٍ واحدة يزيد من حيوية هذه الصورة ومن تأثيرها في نفس المتلقي. وتُضيفُ نزعةُ “الأنسنة” الغالبةُ في الشعر الداهشي من قوة تأثيرِ هذه الصور، حيث تدبُّ الحياةُ في مكونات الصورة واهبةً إياها بذلك أُلفةً وأنسًا.
وتعتبرُ الصورةُ من أهمِّ مكونات الشعر في مفهوم الشعر الحديث والمعاصر.
وهي سِمةٌ أساسية أيضًا في الشعر الرومانسي الذي يحفلُ بالمشاهد الطبيعية مستحيلاً بذلك إلى سلسلة من اللوحات. أما الشعرث الحديث فيلجأ إلى الصورة وسيلةً لمخاطبة
—————————————————-
1 الدكتور داهش: “قيثارة أورفيوس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 69.
2 المصدر نفسه، ص 144.
3 الدكتور داهش: “أوهام سرابية وتخيلات ترابية” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991)، ص 33.
————————————————————-
النفس والحواس تجنبًا لطريقة التقرير المباشر، وتوخيًا لخلق مناخ من الأيحاءات ينقلُ حالة الشاعر الوجدانية إلى المتلقي بافضل مما تنقله الكلمات المجردة. ومن هنا نستطيعُ أن ننسب الشعر الداهشي إلى المدرسة الرومانسية من حيث كثافةُ وجود صُور الطبيعة فيه، ولكننا حين نتوغل في قراءة هذا الشعر نجدُ كثيرًا كثيرًا من القصائد التي تتناول الإنسان والمجتمع بشكلٍ عامٍّ، والتي تحوكُ نسيجها بخيوط حياة الكائن البشري بدلاً من الطبيعة، فيكون في وسعنا هنا أن ننسبَ هذا الشعر إلى المدرسة الكلاسيكية، أو الكلاسيكية الحديثة، كما في شعر Pope مثلاُ، حيث الإنسانُ محورُ الشعر، همومًا وقضايا. وهنا نستطيعُ أن نُضيفَ إلى رومانسية الشعر الداهشي صفة التأمل في الحياة والانشغال بالإنسان، فإذا به روماسيٌّ وكلاسيكيٌّ في آنٍ.
ولكن هل ف وسعنا أن نأسر الشعر الداهشي داخل إطار مدرسةٍ أو اثنتين، والمدرسةُ أفقٌ محدودُ الأطراف، ينتهي دورُه بعدما سعى إلى تدارك نقائص مرحلةٍ سابقة وإلى تأسيس مرحلةٍ جديدة، بينما عالمُ الشعر الداهشي مستمرٌّ ودائمُ التدفق، لا يحدُّ ما يتناولُه زمانٌ ولا مكان، ولا يرتبطُ بأي شرطٍ سوى حقيقة تفاعُل النفس الإنسانية مع عوامل الكون الواسع؟
إن العالم الداهشي بالغُ التنوع، فيه الطبيعةُ والإنسان، والموسيقى والفنون، والأسطاير والمجرات، والحاضرُ والماضي والمستقبل، والفردُ والمجتمع، والأحداثُ العامة والشخصية، والدنيا والآخرة. فهو إذًا عالمٌ واسع، غيرُ ضيق ولا محدود، يشتملُ على مفردات الكون بجميع مكوناته وتحولاته. وإن هذا ليخولنا أن ندعو هذا الشعر بالشعر الحي، حسبَ تعبير الناقد الأميركي روبرت بلاي في كتابه “الشعر الأميركي”1، حيث يطلق على الشعر المقتصر على الإنسان، دون سائر الكائنات اللاإنسانية في الخليقة، اسم “الشعر الميت”؛ وهو شعرٌ يُضطرُّ إلى اعتماد الإثارة أو التطرُّف بُغية تحقيق التأثير المنشود. ذلك أن الإنسان، في عُرفِ بلاي، أحدُ مكوِّنات الخليقة، يموت الشعر إذا ما انحصر في إطاره دون أن يُشركَ معه سائرَ الخليقة في عملية التأثُّر والتأثير التي لا بدَّ أن تجري بين مفردات الوجود المشترك.
ولا بدَّ هنا من الإشارة إلى نضارةِ الشعر الداهشي، حيث لكل بيتٍ تفرُّدُه، ولكل
———————————————
1 Robert bly. Amercian Poetry (Harper & Row Publishers, New York 1990), pp. 23 – 34..
———————————————
عُنصر من عناصر الطبيعة أو الوجود، مهما تكرر ذكره، تصرفه الخاص الجديد. فلا يمكنُ لنا، في هذه الحال، أن نتجاوزَ بيتًا ما بحُجة أنه يشملُ على المفردات نفسها أو يدورُ حول الموضوع ذاته، سواءٌ كان هذا صبوةً روحيةً، أو نفثةً وحدانية، أو نقدًا اجتماعيًا. وإن هذا يذكر بأدب جبران خليل جبران حيث لا تخلو عبارةٌ من دفقةٍ مُلهمة، وحيث لا وجودَ لَما ندعوه “باهتًا” أو “حائلاً” أو “خافتًا” أو “ناصلاً”، لا يثبتُ في ذاكرة ولا يفعل في مخيلة. ولا بد أن معيارَ “النضارة” هذا من جملة ما حدا شاعرَنا على انتقادِ أدب ميخائيل نعيمة في قصيدة “من فمه أدينُه”،1 وعلى وَصفه، أدبًا وشخصًا، بالسخيفِ التافه.
ولقد انعكس هذا الفيضُ من التصورات والرؤى والشُّحنات الوجدانية على موسيقى الشعر الداهشي، فانسابت رقراقةً عذبةً، لا سيما في شعره الموزون ذي البحور المجزوءة، حيث الإيقاع، حارًّا كان أو هادئًا، يمضي بسلاسةٍ تعكسُ سلاسةَ النفس التي أثمرته، مثلما في “أيّها العصفور عُدْت”:2
أيُّها العصفورُ عُـــــــدْتَ بعد تَعدادِ السنينْ
كيف أنت؟ أين كُنتَ يـــــــــا سميرَ التائهينْ
أو في “لستُ أدري ما يكون”:3
لست أدري ما يكونْ في ضجيج أو سكونْ
أسكبُ الدمعَ الهَتونْ فادْنُ منِّي يــــــــــــا مَنونْ
وأرِحني من عذابي
بعدما ولَّى شبابي
أنت روحٌ لا تُحابي
وفي هذه الأخيرة تنويعٌ في نظام القافية ممَّا شاعَ في الشعر والمهجري، ثم في الشعر العربي الحديث بعد تأثره بالشعرين المهجريِّ والأجنبي.
ولا بد هنا من الإشارة إلى المقطوعات الغزلية القصيرة، النثرية منها والمنظومة، وهي التي تبدو كسحائبِ صيفٍ بيضٍ عبرتْ مدفوعةً برياحٍ قصيرةِ الأمَد، فكأنها دخيلةٌ.
———————————————–
1 الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 137.
2 “مفاتن الشعر المنثور”، ص 45.
3 المصدر نفسه، ص 31.
————————————————————-
على الشعر الداهشي، في تكرارها لمُفرداتٍ وعبارات وصُور ليس فيها النفس الداهشي الذي تحدثنا عنه، ولا الشحنة الوجدانية العميقة، مثل “شفتين معسولتين” أو “صدرُ كاعب” أو “صدرٌ ناهضٌ استلب لُبي وأفقدني رُشدي” أو “فمٌ خمريٌّ صارخٌ بجماله ورُوائه” أو “كاعبٌ سحرتني بحسنها” أو “رمانتين شهيتين”… وهذه كلها مأخوذةٌ من عدة قصائد امتدت على صفحات “مفاتن الشعر المنثور”.
إن هذه المقطوعات المتمحورة حول صور معينة وتعتمدُ مفرداتٍ متكررة لا تمثلُ عُمقَ مفهوم الحب في النفس الداهشية. وقد تكونُ صوتًا عابرًا وسطحيًا في مجرى حياة كاتبها. وقد يكون في قصرها ما يناسبُ سطحية هذه المشاعر ومرورها العابر في نفسه.
أما القصائد العاطفية الطويلة فهي شأنٌ آخر، يتناسبُ غناها اللغوي والفني مع عمقها الوجداني والورحي. وقد يكون في تناول قصيدة “سأكتبُ اسمك”1 تمهيدٌ حسَنٌ للانتقال إلى الجانب الآخر من الشعر الداهشيِّ، وهو جانبُ المحتوى وما يضمُّه من أبوابٍ وموضوعات، وما يرشحُ منه من مواقفَ وآراء.
تتألف هذه القصيدة من أربعة عشر مقطعًا من الشعر المنثور المتحرر من النهايات المقفاة الموزونة، ومن شرط التساوي في عددِ أبيات المقاطع. وقد أهدى الشاعر هذه القصيدة إلى “فوته”، وهي شخصيةٌ واقعيةٌ كما يبدو من بعض القصائد الأخرى.
وفي هذه القصيدة يعلنُ الشاعرُ عن عزمِه كتابةَ اسم المحبوبة على عددٍ من مُفردات الوجود والطبيعة كالمجرَّات والفضاء والأشجار والورود والصخور والبحار. ثمَّ يُعرِّجُ، من عالم الحيوان على الفراش والوعول والظِّباء، ومن عالم الجماد على الأبواب والنوافذ والأسرة ومن عالم الفنون على القيثارة. ثم ينتقل إلى عالَم الإنسان والمجتمع متمثلاً بالمعارك. ويلتفت، بعد ذلك، إلى قلبه المولَّه فيحنو عليه ويَشملُه بنعمة كتابة الاسم الحبيب.
وتتجلى فنيةُ هذه القصيدة وجزالةُ مفردات الشاعر باستعمال عدة أفعالٍ غير “أكتب” ليسجل واقعةَ حضور اسمها في الموجودات، فنرى هنا “أَنقُشُ” و”أُزخرِف” و”أرسم” و”أُدوِّن” و”أُزين” و”أحفر” و”أُدبج” و”أُعلِّق”؛ كلُّ فعلٍ حسب طبيعة ما سينزل عليه الاسمُ المبارك. وتتجلى رهافةُ الشاعر حين يتجنب كتابة اسم المحبوبة على
—————————————————–
1 “مفاتن الشعر المنثور”، ص 98.
———————————————————–
أية آلةٍ من آلات الحرب كيلا يُدنس هذا الاسم، فيتركَ لاسمها الإلهي أن يمثل في مجال رؤية المتحاربين حتى إذا ما رأوه، صمتَ أزيزُ الرشاشات وخرسَ دويٌّ القنابل…
ولا يعمد الشاعر هنا إلى التعبير عن الحب عن طريق الإعلان المباشر، بل يتركُ لنا أن نستنج بأنفسنا عمق مفعول الحب في النفس البشرية.
ففي المقطع الأول، وبعد كتابة الاسم المحبوب على شاطئ البحر، ستأتي الأمواجُ المتشابكة المتلاحقة لتقبله بشغفٍ ووله؛ فالحبُّ إذاً يُروضُ العنف في النفس، فتتحولُ الأمواج إلى تقبيل الشاطئ بدل أن ترتطم مُفتتة صخوره إلى حصًى، ومن ثم إلى رمال. وسيكون لاسمها إذا ما دُوِّن على أغصان الشجر أن تزداد روعةُ تغريد الطيور التي تحط عليها؛ وإذا ما رُسم على أجنحة الفرلاش أن تزداد ألوانها بهاءً وزُهًا؛ وإذا ما حُفِر في الصخر أن تلينَ الصخور، وتدبَّ فيها الروح، فتخشعَ أمام مجد الخالق؛ وإذا ما رُسِم في الفضاء، أن يُدبَّ فيه الكرمُ فيسخو مطرًا، فيعمَّ الخير وتطمئنَّ أنفُسُ الفقراء. أما إذ ازُخرفتْ به قرونُ الوعول، فسيملأُها الزهوُ والشُموخ. وسيكون لاسمها يدُ النعمة على النفس البشرية، فإذا ما دُبِّج على أبواب ونوافذ وأسرة الحزانى والأيامى، فستتحول أحزانُهم إلى أفراح، وسينتقلون من وهدة الأسى إلى فرَحِ تمجيد الله، خالقِ البرية والكائنات. وسيكون لاسمها قدرةُ أن يحلَّ السلامُ بين المتحاربين. أما وقد جاء دورُ الشاعر نفسه، فسيكتبُ الاسمَ الإلهيَّ في أعماق قلبه بعد أن هداه إلى شاطئ الطمأنينة، وعلى فؤاده المتيم، في ساعته الأخيرة، حتى يرافقه في رحلة السعادة إلى العالم الآخر.
ليس هنالك من قصيدةٍ استطاعت أن تُصور كرمَ الحب وفعلهُ السحري كما فعلت هذه القصيدة حين أشركتْ عناصر الكون، من أعلاها إلى أدناها، ومن أقواها إلى أضعفها، ومن جمادها إلى كائناتها الحية في التأثر بنعمة الحب. فجعلت الحب بهذا عرسًا كونيًا، كما هو بالفعل، يجودُ على الأنفس فتسمو إلى أقصى ما يمكن لها أن تسمو، وتسخو أكثر ما في وسعها أن تسخو، وتتوهج فتُسبغ، لا على المتحابين فقط، بل على الكون كلِّه جمالاً لم يكن له من قبل مُلامسته هذه العاطفة.
ولقد أعطى الشاعرُ هذه القصيدة ما تستحقُّه من أُبهة، فلم يغادر صورةً قبل أن يستكمل بناءها، ولم يسمح لمفرداتٍ أن تتكرر، وانسحبَ ليتركَ لتجليات الحب أن تحتل الساحة. فإذا ما جاء دورُه في تلقي نعمةِ الحب ترك لفؤاده أن يستقبل، وألغى لفظةَ “أنا” من كل القصيدة لأنه لا وجود “للأنا” حيث يكون الحبُّ الحقيقيُّ.
وقد يمرُّ ببالٍ أن هذه القصيدة تخاطبُ إحدى القيم العُليا التي دأب الشاعرُ على أنسنتها، كالحق والخير والجمال. غير أن لكل أثرٍ أدبي كيانًا مستقلاً يخوله أن يكتسبَ المعنى الذي يُوحي به من دون الرجوع إلى حياةِ مُبدعةِ أو واقعِه. وهكذا يمكننا هنا القولُ إن هذه القصيدة تُمثِّل رأي الشاعر في مفهوم “الحب” الذي صوره قُدرةً تفجر كل ينابيع الجود والخير والرقة والفرح في النفس البشرية، ومفتاحًا للشفاء والتعزية والسلام، رافعًا الحب إلى مستوى النعمة والعناية الإلهية.
وهنا ليس في وسعنا إلا أن ندهش مما تحملُه قصائدُ أخرى من مواقفَ سلبيةٍ من المرأة. ففي قصيدة “والشرُّ كامنٌ بفتنة الحسان”1 يقول: “أحمد الله على أني بعيدٌ عن أشراكهنّ. وفي قصيدة “حتى الأبد”:2
اسمعـــــــوا مني وصايـــــــــا ناصح أنبذوا النسوة نبـــــذ العِلَلِ
واحقروهن فمـــــــــــــا من مــــرأةٍ صدقت في قولها مع رجل
حشوهنَّ الفِسقُ والمكرُ ولا همـــــــَّ يحدوهنَّ غيرُ السفَلِ
وقد يبدو هذا متناقضًا مع الصورة السابقة التي قدمها عن المرأة. وهنا يتداركُ الشاعرُ هذا، فيُعلن استثناءَه شريحةً معينة من النساء من حُكمه القاسي:
لستُ أستثني سوى تلك التي خُلِقتْ أُنثى الهوى والأمَلِ
إذاً هنالك ثنائيةُ الوجود، تتجلى في وجود نقيضين من كل شيء: نورٌ وظلام، خيرٌ وشرٌّ، ملائكيٌّ وشيطانيٌّ، ولكل تجربةٍ صوتُها الشعريٌّ الخاصُّ الذي ينقلُها.
وكما التقينا موقفَ الشاعر من المرأة والحبِّ، نستطيعُ أن نتابعَ بحثنا عن مواقفه من عددٍ من الأمور الأخرى. فالمدينةُ تبدو في الشعر الداهشي رمزَ الفساد والشرّ. ففي قصيدة “كلُّ ذئب لأخيه حفرةً قد حَفَر” يقول: 3
“آه، ليتني أعيشُ بقيَّةَ عمري في القفر،
———————————————-
1 “مفاتن الشعر المنثور”، ص 85.
2 “قيثارة أورفيوس”، ص 29.
3″ مفاتن الشعر المنثور”، ص 84.
——————————————–
فمن سكن المدن وانغمس في رذائلها فلنفسه قد حقر.
ففي العواصم تجد كل ذئبٍ لأخيه حفرةً سحيقةً قد حفر”.
إن هذه الإدانة التي تتردد في الشعر الداهشي لم تأتِ عن عبَث. فالتكالبُ على المال والملذات الجسدية والنفاقُ والسخافة قد اجتمعتْ على تجريد الفرد من التزاماته الروحية والأخلاقية؛ فالمجتمع بمجله منغمسٌ في الدنايا. وفي قصيدة “طلبُ الانعتاق”1 يُعبر الشاعرُ عن ملله من هذا الواقع:
ملَلتُ خداعًا وغشًا ورِجسا
مللتُ بُغـــــاءً وفُحشًا ورِكْسا
وفي قصيدة “اشمئزاز”2 يرددُ المقولة ذاتها:
كل ما في الأرضِ رجِسٌ وخيانهْ
وازورارٌ ورِيـــــــــاءٌ وفُسوقٌ ومَهانهْ
والشاعر يَخصُّ رجالَ الدين بنقدٍ ألذع وأقسى لما بين ما يمثلونه من قيم ومثل وما هو عليه واقعهم الأخلاقي من تباينٍ جسيمٍ يشينهم أكثر مما يشينُ الفرد العادي. ففي قصيدة “كاهن مارقٌ زَنتْ عينُه”3 يقول: “أعلاكم رتبةً هو أشدُّكم دعارةً، وغائصٌ في مستنقعات عُهره مع أنذاله”. ويسترسل الشاعرُ في وصف واقع رجال الدين في قصائد متعددة تدلُّ عناوينها على محتواها.
ولا عجَبَ بعد هذا السبر لغور البشر وطبيعةِ المجتمع أن يفقد الأمل، ولا يرى في الواقع البشري غيرَ العدَم والعبثية. ففي قصيدة “عدم”، يرى أن “دنيانا تعافُها الأفاعي! كل ما فيها سخم”. وفي “أُضحوكة الحياة” لا يجدُ في الحياة “غيرَ وهم باطل سوف يزول”.
إن هذه النظرة العدمية التي ترى في كل شيء، بما في ذلك الطبيعةُ والمجرات، “باطل الأباطيل، لا جديد تحت الشمس”، تتردَّدُ في كثيرس من القصائد. والشاعر هنا لا يرى السعادة الحقيقية إلا في الموت، لا كنهاية في حدِّ ذاته، بل كطريقٍ يقودُ إلى العوالم العُليا حيث الحبُّ والطهرُ والجَمالُ والعدالة.
—————————————–
1 المصدر نفسه، ص 161.
2 المصدر نفسه، ص 157.
3 المصدر نفسه، ص 171.
4 الدكتور داهش: “نبال ونصال” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971)، ص 35.
5 قيثارة أورفيوس”، ص 35.
———————————————-
أن شهوةَ الموت تتملك نفس الشاعر توقًا إلى الالتحاق بعالم الأعالي حيث “لا حزن مرير أو شقاء، ولا نشيج أو بكاء”.”1 إن السعادة، في العالم الداهشي، “ليست في المال، إنما هي في راحة البال،”2 و”الجحيم هو عذابُ النفس والفكر،3 هنالك حيث أشباحُ القلق تُطل عليه من كُواها المدلهمة. وقد يتخلصُ الآثمُ من هذه الجحيم إذا تاب توبةً صادقة، حتى لينال الشيطانُ نفسه، في الرؤية الداهشية، مغفرة الله حينما يعترف بذنوبه. ففي قصيدة “حلمٌ شيطانيّ”4 يعترفُ الشيطانُ بمعاصيه، فإذا به يسمعُ صوتَ الله العميق يقول له: “لقد غُفرت ذنوبُك وعُفيّ عنك”. وتنسحبُ عدالة الله هذه على البشر بشقيها: القصاص والجزاء. ففي قصيدة “العدالة الإلهية”5 فمُسخَ كلبًا هزيلاً تعيسًا شريدا
عُواؤه دوَّى في الآفاق ونباحُه أزعج الخلائق
لو كان مستقميًا لَما انقلب كلبًا طريدا ولَكان يرفلُ بفُتُوةٍ نضارتها رائعة وجمالها فائقْ
إنّ كل ما سبق محاولةٌ للوصول إلى رؤية الدكتور داهش إلى بعض القضايا كالسعادة والشقاء والتوبة والمغفرة والحب والمرأة والمجتمع. وفي هذا صعوبةٌ بالغة لكون الشخصية التي يتناولها هذا المسعى غنية إلى حد قدرتها على ملء أكثر من نفسٍ واحدة بالنوازع والميول والصبوات. ولكن الفضول المعرفي يستهينُ بصعوبة التقصي، ويتحرك لمعرفة الأكثر، ويتساءل: كيف، يا تُرى، قدم الدكتور داهش نفسه إلى العالم؟
يُقرُّ الدكتور داهش بتقلبات نفسه في “نفسي العجيبة”،6 فيقول:
حالاتُ نفسي تحوي عناصرًا من جنونِ
والحـــــقُ لا عيبَ فيه وذاك حــــقُّ اليقين
—————————–
1″ مفاتن الشعر المنثور”، ص 88.
2 المصدر نفسه، ص 111.
3 المصدر نفسه، ص 86.
4 المصدر نفسه، ص 140
5 المصدر نفسه، ص 244.
6 “قيثارة أورفيوس”، ص 50.
——————————————
إن مُراجعةَ شِعر الدكتور داهش تُظهر قدرته على كتابة ثلاثِ مقطوعاتٍ شعرية في مدة ثلاثين دقيقة. وكل من هذه المقطوعات تُظهر مِزاجًا مختلفًا عمَّا في الاثنتين. وهو لا يحاول أن يقدم نفسه كملاكٍ مترفع عن القلق أو الحزن أو النقمة أو الحيرة، بل يعترفُ باشتراكه، مع من يتناولهم بالدم في شعره، بترابية الطبيعة، فيقول في “تراب”:1 “حقًا إننا من التراب، وسنعودُ إلى التراب.” وهو يستعمل هنا ضميرَ المتكلم في صيغة الجمع ليؤكد مساواته بسائر البشر. ويستطردُ في القصيدة ذاتها، فيقول إننا “جميعنا أشرار… جميعنا نتمسكُ بالقشور التافهة دون اللباب”. وهو يعترفُ أمام ربه في قصيدةِ “رفعتُ شكواي لخالقي”2 بأنه “خاطئٌ معترفاً بذنوبه،” كما يعلن إيمانه بالنصيب والاستحقاق في قصيدة “لكل منا نصيبه”3 فيقول: “ولذا، بتُّ أُؤمن بأن كلا منا يأتيه استحقاقُه ونصيبُه”. ويتساءلُ الشاعر في “هل جُوزيتُ لزلاتي”4 هل ما حل بإحدى يديه من ضررٍ جسيمٍ نوعٌ من العقاب عن أخطائه.
ويتواضع الدكتور داهش ويعترف، على الرغم من كل قدراته الخارقة، بعجزه عن إدراك أسرار الحياة والكون، فيقول في قصيدة “تراب”:5 “حيرتني هذه الخليقة بالصامت منها وبالصخاب.” ولا يترفع عن التصريح بانكساره أمام الألم، كما في قصيدة “من يدي اليمنى”:6 “روضتني سقطة الهول فأصبحتُ وديعًا، فأين عُنفي؟” ويُعلنُ في “لستُ أدري”7 عن حيرته في شأن المعتقد الديني الذي سيركُنُ إليه:
“لست أدري
يا أُخيا، يا خليلي
هل أدينُ بمحمد أم بالجليلي
أم ببوذا أم بموسى الإسرائيلي؟!
————————————–
1 المصدر نفسه، ص 127.
2 المصدر نفسه، ص 202.
3 المصدر نفسه، ص 210.
4 المصدر نفسه، ص 200.
5 المصدر نفسه، ص 127.
6 المصدر نفسه، ص 214.
7 “مفاتن الشعر المنثور “، ص 224.
————————————-
أنبئيني، يا سماء، مَنْ يكون لي دليلي؟
لستُ أدري!”
وهو لا يستنكفُ عن إبداء حزنه الشديد على رحيل أصدقائه وأحبابه، ولا يُصور نفسه قادرًا على احتواء كلِّ آلام الحياة ومآسيها. إن المرء ليحارُ في مدى تواضُع هذه النفس التي قُرَ لها أن تتمتع بقُدراتٍ وتقوم بإنجازاتٍ لم يسبق لها مثيل، وظلت مع هذا معترفةً بخضوعها للشرط الإنساني، ولما يمليه التراب من معاناةٍ وألمٍ ويأسٍ ونقمةٍ وغضبٍ وبلبلة، في الوقت نفسه الذي لا ينسى فيه الشق الآخر النوراني من نفسه، حين يسألها في “أُخاطب روحي”:1
“مِن أيِّ عالم هبطت لعالَم دُنيانا
وما كنتِ تطئينهُ لو عرفِت دَنايانا
غادرتِ عالَم المُثُلِ بعد أن نعمتِ فيه اطمئنانا
وإذاكِ في عالَمٍ مخيفٍ يحمهُ الشرُّ شيطانا”
ومثلما أقر بشقه الترابي، يعلنُ بكل ثقةٍ في قصيدة “سأعود” أنه سيعود
“إلى هذا الوطن الأخاذ الذي منحته العناية للمتعبين…
هناك حيث لا يستطيع الفكرُ أن يبلغ إليه،
وإلى المكان الذي أعد الله فيه لأعزائه الأحباء
ما لا يخطر على فكرٍ وما لم يسطرْهُ قلَم…”
إلى ذلك المكان الذي “جاء” منه، يُعلنُ يقينه من عودته. ولا بد لنا من وقفةٍ مع هذا الإعلان الذي يفسِّر شيئًا كثيرًا من الروح التي تُسيطر على الشعر الداهشيِّ، والتي تتبلورُ، في ابتهالاته الروحية وتوقِه الدائم إلى معانقة الحق والخير والجمال، على شكل حنينٍ واشتياقٍ أكثر مما تظهرُ على شكل تضوُّرٍ وتحرُّق. إن هذا النفس لا تتمزق شوقًا إلى ما تشك بوجوده أو تيأس من بلوغه. إنها تحنُّ وتشتاقُ إلى عالَمٍ عرفته وعاشتْ فيه، وعاينتْ مباهجه وأفراحَه، قبل أن تُفارقَهُ إلى عالم البشر المملوء بالشقاء. وإن هذا الحنين
—————————————-
“مفاتن الشعر المنثور”، ص 166.
“قيثارة أورفيوس”، ص 125.
——————————————
والثقة التي ترافقه يضفيان على الصبوات الداهشية صفة الوداعة والسلام، ويبسطان على الكلمات أقواسً قُزح من فرحٍ وأمل.
ثمة تغير في المزاج يحدث فور تذكُّر آفاق النعمة العليا المشتهاة، فتتروضُ النفس، وتنسى آلامها لتجثوَ في خشوعٍ وانصياع أمام مجد القدرة العليا.
إن الأدب الداهشي ليس أدبًا بالمعنى الرائج. إنه سفرٌ شاقٌّ وشائقٌ بين عوالم متعددة فيها السلام والنعم حتى لتعجب كيف لم تُخلق أجنحة للورق، وفيه النارُ والشقاء حتى لتعجب كيف لم يحترق هذا الورق. وإن دخول العالم الداهشي من خلال مطالعة عدد من الكتب لا يبلغُ العشرة، وعددٍ أكبر من القصائد المتفرقة، لا يعدو عن كونه مُلامسة لجانب ضيقٍ من عالم بالغ السعة والعُمق والعلو. وإن في إطلاعي على ما أُتيح لي من آثارٍ بدايةٌ لسعي حثيثٍ إلى دخول أعمقَ في هذا العالم المترامي الأطراف، تتوقُ نفسي إليه بكل ما فيها من اندفاع وصبوٍ وتوقع للفرح. وإن مهابة كبيرةً تتملكُ النفس في وقفتها أمام هذا الفيض من الآمال والآلام، والصبوات والانكسارات، في خفقها الدائم صوبَ باري الوجود، وفي اضطرابها أمام عناء الحياة. وفي عناء تكبد صاحبها حقيقةَ اختلافه عن سائر البشر، اختلافا لا شبيه له، ينشدُ فيه إلى عالمين مختلفين، عاينت روحُه أنوارَ واحدٍ منها، وساكنَ جسدُه ترابَ ثانيها، ولم يفقد، في لجةِ هذا الخضم، صفاءَ تفكيره أو نقاءَ روحه، فبقي مُقرًا بتبعية التراب، ومُعلنًا، في الوقت نفسه، وبيقينٍ كامل، انتماءه إلى عالَمِ النور وثقته بعودته إليه.
7/4/2009
مراجع:
- Robert Bly. American Poetry. Haper& Row Poblishers, New York 1990.
- الدكتور داهش: “نبال ونصال” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971).
- الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
- الدكتور داهش: “قيثارة أورفيوس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
- الدكتور داهش: “نشيد الأنشاد”، ط 1 (مطابع صادر ريحاني، بيروت 1943).
- الدكتور داهش: “عشروت وأدونيس” (بيروت، 1943).
"نشيد الأنشاد" قصيدة الحبِّ الخالد
الدكتور محمد علي شمس الدين
شاعرٌ لبناني. يحمل دكتوراه دولة في التاريخ من الجامعة اللبنانية. عضو الهيئة الإدارية في “اتحاد الكتاب اللبنانيين” وعضوٌ في “اتحاد الكتاب العرب” بدمشق. شارك في عدة مؤتمرات وملتقيات شعرية وفكرية وأدبية في لبنان وخارجه. ترجم شعره إلى لغاتٍ أجنبية، وكان موضوعًا لدراسات وأبحاث كثيرة. من أعماله الشعرية: “قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا” (1975)، “أناديك يا ملكي وحبيبي” (1979)، “الشوكة البنفسجية” (1981)، “منازل النرد” (1999)، “شيرازيات” (2005). ومن مؤلفاته النثرية: “رياحٌ حجرية” (1981)، “كتاب الطواف” (1987).
“نشيد الأنشاد”
قصيدة الحبِّ الخالد
سيرة الكتاب
بين مؤلفات الدكتور داهش(1909 – 1984) الأدبية التي تربو على المئتين، شعرًا ونثرًا وسيرة، يأخذ كتابهُ الجميل في الحب “نشيد الأنشاد” موقعًا خاصًا. فهو يُعيد من خلاله صياغة قصة الحب الخالدة المنسوبة للملك سُليمان، كما وردت في أحد أسقار العهد القديم، مع إضافاتٍ وافتراضاتٍ إبداعية، بلُغةٍ شعريةٍ شفافة، ومن خلال أناشيد متتالية في الحب والرغبة، هي أشبهُ ما تكون بأمواجٍ هادئةٍ للبحر العظيم الذي هو بحر الحب، تتدافع على شاطئ الوجود.
كتب المؤلف هذا السفر الجميل في العام 1943، أو على وجه الدقة، كما ورد في الصفحة الأخيرة منه، في 25 نيسان 1943، يوم الأحد، في بيروت؛ أي بعد عام ونيفٍ من تأسس العقيدة الداهشية، وإعلان دعوته في 23 آذار 1942. واهتمامُه بالحب هو جزءٌ من اهتمامه الروحي الشامل؛ ذلك أن الحب من العالم هو بمثابة القلب من الجسد. والمؤلف مبكر في صيرورته الكتابية؛ “فنشيد الأنشاد” هو العشرون في سلسلة تراثه الإبداعي. ولعل دافعَه إلى كتابته، على ما وردَ في الصفحة الأولى منه، هو رغبتُه في إدراك كُنه الحياة، وملامسةِ سرِّها العميق الخفي المتمنع على سعي الكائن البشري مهما أوتي من العظمة والقدرة على الغرائب والمعجزات. فهو يقول مخاطبًا الإنسان.
“ليت شعري، أيها المرءُ… إذ مهما كنتَ عظيمًا] …[ فإن في أعماق الحياة شيئًا لا يُدرك، ولا تُعرف ماهيته وكُنهه”.
كما إنه، في إشارةٍ له كتبها في الولايات المتحدة الأميركية (الساعة الخامسة بعد ظهر 3- 1 – 1983)، يلخص قوة الحب والمرأة من خلال سلطتها على “نبي كريم وملكٍ عظيم وذكيًّ فهيم ولوذعي حكيم” هو الملك سُليمان، النبي الخالد الذي يُهدي إليه كتابه. وقد صدر بطبعةٍ قشيبةٍ مُزينةٍ بالرسوم الطبيعية والفنية، ومخطوطةٍ بقلم الشاعر الفنان ياسر بدر الدين، عن “الدار الداهشية للنشر” (نيويورك، 1985). فالدكتور داهش، مفتونًا بنشيد الملك العظيم النبي سليمان الحكيم الذي أنشدهُ قبل ثلاثة آلافٍ من الأعوام، يُعيد إلى النبع ما أخذه، ولكنه يكون قد اغتسل بماء النبع، وتعمَّد بمعموديته.
نشيد الأنشاد: النص الخصب
عُرف هذا السفر العبري القديم من العهد العتيق من الكتاب المقدس، المكتوب بالآرامية، وشاع باسم”نشيد الأناشيد”. ومثلما يقال “معنى المعنى” أو “روح الروح”، فإن “نشيد الأناشيد” هو النشيد الأسمى بين الأناشيد، أو الأفضل. وإذا كانت “الأنشاد”، كما في عنوان الدكتور داهش، جمْعَ نشيد، مثلما هي الأناشيد، فيكون المعنى واحدًا. أما إذا كانت كلمة “إنشاد” بالهمزة المكسورة لا المفتوحة، فيغدو الإنشاد مصدرًا، فالمعنى يختلف قليلاً، ولكنه لا يبتعد عن الأصل، والقصدُ جوهرُ الأناشيد. وقد وقعتُ في العربية على ترجمات لـ”نشيد الأناشيد”، بعضُها عن الفرنسية وبعضها عن الإنجليزية. من بينها ترجمةُ الكاتب الفلسطين محمود شُريح التي ضمنها كتابه “نشيد الأناشيد وصِلتُه بأغاني الزفاف الفلسطينية في سورية القديمة” (دار نلسن، ط1، 2008). كما إن الشاعر اللبناني أُنسى الحاج ألَّفَ نصًا على “نشيد الأناشيد”، سمَّاه التسمية نفسها، واعتبر صنيعه هذا “توزيعًا” جديدًا للنص الأم، وأعطاهُ شكل قصيدة النثر، ووزعه على مطلعٍ وأربع عشرة قصيدةً وخاتمةٍ. كما إنه جرده من تسمية النبي سليمان، والصبية العاشقة المعشوقة، الشولمية، وبنات أورشليم، ليجعل الأناشيد على لسان العاشق الذي يسميه “هو”، والعاشقة التي يرمز إليها بـ”هي”، والجوقة… وهذا الصنيع هو نصٌ على نص، بأخذ روحه وكيانه من النشيد الأم. وهو من منشورات “دار النهار للنشر”، الطبعة الأولى 1967.
من خلال المقارنة، نلاحظ أن الدكتور داهش قد سبق بكتابه “نشيد الأنشاد” كلاً من كاتب النص على النص، أُنسي الحاج، بحوالى ربع قرن (بين 1943 و1967)، ومترجمِ “النشيد” إلى العربية من الإنكليزية محمود شريح بخمسةٍ وستين عامًا (بين 1943 و2008). فهو، على عذوبة نصه الشعري، أسبقُ مبادرة، وأكثر تبكيرًا من سواه، للارتواء من نبع الحب السرمديِّ “نشيد الأناشيد”. وكتابة الدكتو داهش في كتابه ليست ترجمة للكتاب الأم، ولكنها نصٌّ شعريٌّ على نص آخر. لهذه الناحية، فإن كتاب أنسي الحاج مسبوقٌ بكتاب الدكتور داهش. وهناك تغييرٌ آخر عن النص الأم يجريه الدكتور داهش، ويتعلق بالصبية؛ فهي هنا الملكة سبأ، كما يسميها، ولعل المقصود “بلقيس” ملكة سبأ في اليمن التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وما كان بينها وبين الملك سليمان من قصة، وتباري الجن في سرعة نقل عرشها إلى قصر الملك…
هذا، على أن “نشيد الأناشيد”، كما هو في أصله من العهد القديم في الكتاب المقدس، يجعل الصبية المعشوقة المتيمة من بلاد كنعان؛ ففي النص المقدس ذكرٌ لبعض الأماكن السورية القديمة، ولم يرد فيه ذكر لسبأ واليمن وبلقيس. يقول العاشق:
“هلمي معي من لبنان أيتها العروس، معي من لبنان، انظري من رأس أمانة، من راس سنير وحرمون، من مرابض الأسود، من جبال النمور.” (8:4 – ص 61، شريح، محمود: “نشيد الأناشيد”) ؛ كما ثمة ذكر لأرز لبنان:
“ساقاه عمودًا رخام موضوعان على قاعدتين من إبريز، وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز.” (15:5 – ص 66، شريح، المرجع السابق). ويرد أيضًا ذكر مكان في لبنان: “باتر”، وجبل جلعاد في فلسطين:
“شعرك كقطيع معزٍ يبدو من جبل جلعاد” (4:6 – ص 67، شريح، المرجع السابق).
وهكذا، فالإشارات المكانية في النص الأم هي لبلاد كنعان، ولبنان، وسورية القديمة. لكن ما يستوقفنا هو وصف الصبية لنفسها بالسواد. والسواد ليس لونَ سكان تلك المناطق، بل لعله أقرب من سكان اليمن؛ وهو لون بلقيس ملكة سبأ. جاء في “نشيد الأناشيد” نصًا:
“أنا سوداء، لكني جميلةٌ، يا بنات أُورشليم، كأخبية قيدار، كسرداق سليمان. لا تلتفتنَ إلى كوني سوداء، فإن الشمس قد لوحتني. قد غضب عليَّ بنو أُمِّي، فجعلوني ناطورةً للكروم، والكرم الذي لي لم أنظُرْه” (4:1 و 5:1 “نشيد الأناشيد”، ص 51 و52، شريح)
هناك، أيضًا، في “نشيد الأنشاد” للدكتور داهش مقطعٌ يتكرر على لسان العاشق “سليمان” موجَّه إلى بنات أورشليم، يقسم فيه عليهنَّ بالاَّ يوقطن حبيبته إلا حين تشاء:
” يا بناتِ أورشليم،
أقسمُ عليكنَّ
بخشفِ الغابِ
وبمهى الأدغال،
أن لا توقظنَ فاتنتي
حتَى تشاء!…” (ص 40،”نشيد الأنشاد”)
يُعادُ الطلب ذاتُه ص (50) وص )106) مرتين، وهو بلسان الملك سليمان، وذلك على خلاف ما وردَ في الأصل من “نشيد الأناشيد” من حيث أن الطلب معكوس؛ فهو يردُ على لسان الصبية ويتعلق بعدم إيقاظ سليمان، وليس العكس.
“أستحلفكنَّ، يا بنات أُورشليم، بظباء وأيائل الصحراء أن لا تُنهضن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء”. (2:7 – ص 55، شريح). كذلك يتكرر الطلب نفسُه في أماكنَ أُخرى بالصيغة نفسها. (5:3 – ص 58 و 4:8 – ص 73)
حافظ الدكتور داهش في نصِّه الشعريِّ على روح “نشيد الأناشيد” لجهة أنَّه إنشادٌ رعويٌّ للحبِّ والرغبة، كما حافظَ على الشكل الحواريِّ المسرحيِّ لأناشيد الحبِّ المتتالية. فنحن في الحقيقة، وعلى وجه الدقَّة، لسنا أمام عملٍ مسرحيٍّ لجهة الأشخاص والمصائر والحوار والمسرح، سواءٌ كان ذلك بالمفهوم اليونانيِّ القديم للمسرح أو بالمفهوم الحديث. ولكننا أمام أناشيد متتالية، على لسان كل من العاشق والعاشقة وبنات أُورشليم (الجوقة أو الجماعة المُنشِدة)؛ وهي أقرَبُ لأن تكون مونولوجات (خطابات إفرادَّية) أكثرَ ممَّا هي ديالوجات (حوارات بين اثنين وأكثر). كما إن المسرح شاسعٌ واسع هو بمساحة مملكة النبي سليمان القديمة. وعلى الرغم من أن الكاتب يجعل الصبية هي الملكة سبأ، أي يُخرجها من صفوف عامَّة الناس أو الرعية الرعوية، فإنَّه يحافظ على الصيغة الثلاثية لأشخاص الأناشيد، وهم: صوت الملك النبي العاشق سليمان، وصوت العاشقة الملكة سبأ، وصوت الجماعة أو الجوقة المتمثل بعذارى أورشليم أو بنات صهيون. كما حافظ على جعل علاقة الحب والغزل تنشأُ فقط بين كلٍّ من الملك سليمان والملكة سبأ، ولم يُدخل إلى هذه العلاقة عنصرًا ثالثاً يحوِّرها أو يصرفها عن أساسها.
فـ”نشيد الأناشيد”، في أساسه، أناشيدُ حبٍّ يبلغ عددها مئةً وسبعةَ عشرة، موزعةً على ثمانية فصول، تتبادلها صبيَّةٌ عاشقة مع عاشقها في بيئةٍ رعويَّة أو في بريَّةٍ رعويَّة – هي في حدود البيئة السورية القديمة، المتمثلة أساسًا في فلسطين ولبنان وسورية – وقطبا العشق: الصبية الراعية والعاشق الراعي، والراعي هو “ملكها”، كما تناديه؛ وهذا ما ترك احتمالاً لدى بعض المحللين للنص الأم يرى إلى علاقة الحب الرعوية على أنها ثلاثيةٌ لا ثُنائية، أي هي قائمة بين الصبية الراعية العاشقة والراعي العاشق، يدخل على هذه العلاقة الثنانية الملكُ سليمان، فتغدو العلاقة ثلاثية؛ فهو يستميلها إليه بقوته وجمالها وجبروته، وينقلها إلى قصره، لكنها تبقى وفيةً لحبيبها الراعي، فيعيدُها الملك إليه.
وكان أوَّل من أشار إلى هذا الاحتمال الباحث اليهودي ابن إزرا Ibn Ezra الذي يرى العلاقة ثلاثية، وليست ثنائية. ولكن ما العمل بمناداة الملك وتسميته في الأناشيد؟
يرى الباحث Wetzstein، في بحثٍ له نشره في العام 1873 ودرس فيه عاداتِ وتقاليدَ الأعراس والزواج في بلاد الشام والألقابَ التي كان يطلقها الفلاحون على كل من العريس والعروس خلال احتفالات الزواج، أنهم كانوا يعاملون العريس والعروس، على امتداد أيام الاحتفال السبعة، على أنهما ملك وملكة. لذلك فإن تسمية الملك، ليست مخصصة للملك الحاكم الفعليّ، بل هي لقبٌ مؤقت لكل عريس على امتداد سبعة أيام العرس. وقد رأى باحثٌ آخر هو Budde في نشيد الأناشيد “مجموعة أغانٍ فلسطينية تُنشد في الأعراس” (يُنظر شريح، ص 79 – 80). وثمة من رأى من الباحثين أن “نشيد الأناشيد” لم يُكتبْ في عصرٍ واحدٍ هو عصرُ الملك سليمان (في القرن الخامس عشر قبل الميلاد)، بل هو مكتوبٌ على امتداد عشرة قرون تبدأ من القرن الخامس عشر وتنتهي في أيام الحكم الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد. وهذا الرأي يراه غوردس Gordis في العام 1954. كما كان رأي جاسترو Jastrow، في العام 1911، أن مؤلف الأناشيد ليس واحدًا، بل عدَّةُ مؤلفين، وبالتالي فهو تراثٌ شعبيٌ يضيف الخلفُ فيه للسلفَ على غرار ما هو كتاب “ألف ليلة وليلة” في العربية.
إلا أن كلا الرأيين (لكل من غورديس وجاسترو) تنقصُه وحدةُ أسلوب الأناشيد، وعدمُ تغيّره بين نشيدٍ وآخر، الأمر الذي يُرجِّح أن كاتب الكتاب واحد، قد يكون الملك سليمان نفسه، أو قيل على لسانه. كما إن اتِّساقَ الأناشيد، ووحدةَ أسلوبها، وتسلسُلها الحكائيَّ النمطيّ، تُشيرُ إلىا أنها كُتبت في عصرٍ واحد.
ومثلما تمَّ الاختلاف حول أصل الأناشيد، وكاتبها، كذلك برزَتْ وجهاتُ نظرٍ في تأويلها، والبحث عن أبعادها ومراميها. فمن الملاحظ أن “نشيد الأناشيد”، على الرغم من أنه أحد أسفار العهد القديم، في الكتاب المقدس، ليس نصًا دينيًّا، لا في معانيه ولا لغته ولا طقوسه. فلا يَرِدُ ذكرُ الله فيه إلا مرةً واحدة. وهو لا ينطوي على أية عِبرةٍ دينية أو موعظةٍ دينية؛ فهو كتاب عشقٍ من الدرجة الأولى. وما انطوى عليه من عباراتٍ ومقاطع تلامس حدود البوح بالرغبة الجسدية جعل بعضَ الباحثين، مثل روس Reuss 1879، يدعو إلى إخراجه من الكتاب المقدس. لكن هذا النص الموحي والخصب لم يعدم مَن يُخضعه للتأويل الديني المسيحي، تارةً الكاثوليكي باعتبار الصبية هي مريم العذراء، والعاشق هو المسيح. لكنَّ ذلك لا يستقيم نظرًا لبعض الأوصاف الحسية في النص، في حين أن لوثر مؤسس البروتستانتية رأى أن العروس هي الدولة. ورأى الفيلسوف إيمانويل بن سلومون Immanuel ben Salomon أن العلاقةت بين النبي العاشق والصبية المعشوقة (والعاشقة) هي رمزٌ لعلاقة العقل الفعَّال بالعقل المنفعل (حسب الأفلاطونية الحديثة والفلسفة الهلنستية). ورأى آخرون في النشيد علاقة الماضي بالمستقبل وشيئًا من معنى الزمان من خلال الحب الخالد بحسب تارغوم Targum.
لكنْ، في التأكيد، ومن خلال “نشيد الأناشيد”، يتغلب الحبُّ بين الرجل والمرأة على القوة والحكمة المتمثلتين بالنبي الملك سليمان. وهذه هي فلسفة النص على ما نرى، بل جوهرُه وقيمتُه.
وقد يُضاف إلى التأويلات الدينية المسيحية أو اليهودية للنص تأويلاتٌ أسبقُ من الديانات السماويَّة، وهي التأويلات الوثنية المتعلقة بأساطير سُومر وأكاد وبلاد كنعان، حول أدونيس وتمُّوز وعشتروت، وما وصفته لنا هذه الأساطير من خلال ما اكتشف من رُقُم وحفريَّات في رأس شمرا وأوغاريت وتلّ العمارنة، من حبٍّ وموتٍ وولادةٍ جديدة، وتحوُّلٍ مع الفصول…
وفي وسط الاحتمالات والدراسات والافتراضات، يقف نصُّ “نشيد الأناشيد” نصًا خصبًا وقابلاً للاستعادة والتوليد، بل هو نصٌّ فحلٌ أو نصٌّ أبويٌّ أموميٌّ في تاريخ البشرية.
“نشيد الأَنشاد”
نستطيع أن نعتبر “نشيد الأنشاد” للدكتور داهش فرعًا أو غصنًا جميلاً من شجرة “نشيد الأناشيد”. وهو هنا نشيدٌ فردوسيّ، يتكامل فيه الحبُّ في أسمى معانيه. لذلك غالبًا ما يتكرَّر في الأناشيد المقطع التالي: “أنا لحبيبي، وحبيبي لي”.
والكتاب، في طبعته القشيبة الصادرة عن “الدار الداهشية للنشر” (نيويورك، 1985) من خلال إخراجه، والصور الطبيعية والفنية التي تَحفُّ بالأناشيد، يظهرُ وكأنه مودع في بستان أو فردوس. لكنَّ فردوسيته ليست من خلال اللوحات والمناظر الطبيعية والصور التي توشِّي الصفحات، والخطوط الشعرية الحساسة التي ابتكرها الشاعر ياسر بدر الدين، فحسب، بل هي من جوهر أشعاره ومناخها وأوصافها لجهة الطبيعة البكر الغناء، والبيئة الرعوية، وفطرة العناصر، وكأن طرفي العشق (العاشق الرجُل والعاشقة المرأة) يعيشان في الجنة أو في الفردوس الأول، قبل الطرد من الجنة.
إن النشيد الأول في الكتاب يحدث في حديقةٍ غناء، حيث تعزفُ “الملكة سبأ” على قيثارها أنشودة الحبِّ الخالد.
والنشيد يبدأ بدعوة العاشقة لحبيبها، للقبلات:
“قبلني بقبلاتِ فمك،
فإن حبك العذب
أطيبُ من أعتق الخمور،
وعطر جسدك
أعبَقُ من أفخر العطور”.
ثم تنتقل الملكة سبأ، في هذا النشيد، إلى وصف نفسها، فهي لا تخرج أيضًا عن الوصف الحسيِّ لمفاتن الجسد من لونٍ وعَبَق:
“بشرتي كقطعةٍ من بخورٍ سمراء،
ولكني رائعةُ الفتنة.
يا عذارى أُورشليم…
لا تحدِّقن في سمرتي،
فشمسُ تمُّوز قد خضَّبتني”.
وهي إذ تخاطب حبيبها الفاتن “سليمان” فإنها تخاطبه وكأنه راعٍ للأغنام.
“أنبئني في أي مكانٍ أنت؟
وفي أية غابةٍ تظلل نعاجك؟
ولِمَ أنا تائهةٌ عن قطعانك؟”
وقد يكون هذا النداءُ الرعويُّ حقيقيًّا. وقد يكون محمولاً على محمل الرمز. ولكنه، فثي كلا الاحتمالين، يرسم الحدودَ الرعويَّة لمسرح الحب بين الحبيبين المتناجيين.
في النشيد الثاني، وهو على لسان سليمان، وصفٌ للمحبوبة وللمكان. وهو وصفٌ حسيٌّ بدوره لجهة التشبيه والاستعارة. فهي “أَبهى من الشمس وألطَفُ من نور البدر”. وهي أيضًا “كفرس الملاك جبرائيل” بين الغيوم، “شفتاها بلون المرجان،” و”بنانُها عقدٌ من الجُمان”… وهو يُمنِّيها، إذا تبعَته، بعقود الذهب الخالص المطعَّم بأنقى الفضة.
والبيئة أيضًا، كما يظهر من النشيد، بيئةُ رَعْي:
أطلقي سراح عنزاتِك البيضاء
في هذا الفردوس الفسيح”
في النشيد الثالث، خطابٌ للملكة سبأ، تصفُ فيه نشوتها بعناق سليمان، إذ إنَّه بلسمُ الشفاء لقلبها المتيم، وباقةٌ من حَبَق الغاب تضمُّها بين نهدَيها، وعنقودٌ ناضجٌ من كرمة المدينة المقدسة.
ولا يخرجُ خطاب سليمان، في النشيد الرابع القصير، وخطابُ ملكة سبأ في النشيد الخامس المختصَر، عن كلام الحبِّ المتبادل بين حبيبين على بساط اللذة، وهو هنا “بساط الطبيعة الدائمة الاخضرار”… وليست الأناشيد التالية (السادس والسابع والثامن والتاسع) سوى محطاتِ حوارٍ مُستطرد بين العاشقين على بساط اللذة: هو يَعِدُها بأن يبني لها قصرًا عظيمًا من خشب أرز لبنان الخالد، يُزخرفه بالسرو والشربين، وهي تصف نفسها بنرجسة الوادي وسوسنة الجبال الزرقاء. هو يؤكد رغبته فيها، وهي تمتدحُ رائحته كشجر التفاح بين الأزدرخت، وتدعوه لإدخالها في “قُدس أقداسه”… ثم توجه نداءها إلى نساء المدينة لكي يطيبن قلبها بالزبيب وينعشن روحها بالتفاح الذهبي الأحمر…
“فإنيِّ من عمق حبي مريضة!
آهٍ يا سليمان،
احتط جسدي بشمالِك،
وداعبني بيمينك”.
يضع الشاعر هنا فاصلاً كستارةٍ تُسدَل على المسرح، إذ إنه يجعل العاشقين يستغرقان في سُباتٍ عميق. لكنه سرعان ما يستأنف الحوار بينهما، وهو على صورة كلام منفرد لكلِّ طرفٍ على حدة أكثرَ مما هو حوار يدور بين اثنين في علائق الكلام المتبادل. ففي النشيد العاشر، ينادي “سليمان” على بنات أورشليم وهو يتأمل حبيبته نائمة بين يديه:
“أقسم عليكُنَّ.
بخِشف الغاب
وبمهى الأدغال،
أنْ لا توقظن فاتنتي
حتى تشاء!…”
وحين تفتح الملكة سبأ، في النشيد الحادي عشر، عينيها، تستأنف كلامًا سابقًا لها حول معبودها، وتنظر إليه وهو يقفز على رؤوس الجبال ويعدو بين باسق الأشجار وكأنه رجل الغابات، أو إنسان البرار والأدغال:
“أراه أسرع من غزال الصحراء
وقطا المروج”.
يجري ويدعوها للحاق به قبل أن ترقد الشمس؛ فقد انتهى فصل الأمطار، وبدأت الحقول تتزين بالورود والرياحين. الطيور تشدو على الأفنان واليمامة تسجع بين الزروع. شجرة التين نضج ثمرها وعبقت روائح الكرمة الزكيَّة.
هو يدعوها إلى لقائه “كاليمامة”:
“أسرعي، يا يمامتي اللطيفة،
فالكرمة قد أزهرتْ،
والطبيعة قد ثملتْ وابتسمتْ.”
وهذا النداء البشريُّ من الحبيب لحبيبته هو نداءُ الحب العميق الرائع المعقودِ بين الرجل والمرأة وغيرِ المفصول عن نداءات الطبيعة بكافة عناصرها من شجرٍ وجبالٍ وطيرٍ وحيوان… والمسافات والجبال التي افترضها الشاعر قد فرَّقت بين الحبيبين هي مسافات الزمن وتحولاته… وهي التحولات التي تُدخل عنصرَ الخوف على الحب. لذلك، فإن نداء سليمان لحبيبته كي تلحق به في الوديان والجبال، تستجيبُ له هي بدعوته للعودة بخفة الظبي، وقطع التلال والجبال التي فرقت بينهما. وهي، إذ تفتقدُه ولا تجدُه، تهيم في المدينة على وجهها تسأل عنه، وقد اصطدمَتْ بالعَسَس وسألتهم: هل شاهدتم من أهواه؟ فأجابوها بالنفي. لكنها، حين ابتعدت عنهم، وجدَتْ مَن اختارته روحُها، فأخذته إلى المنزل بشغف، وأدخلته إلى الغرفة الفاخرة التي حملَتْ فيها أُمُّها بها.
“وجدتُ مَن اختارته روحي!
فطوَّقتُه بمعصمي،
ولم أدَعْه ينجو منِّي،
وذهبتُ به إلى بيت أُمِّي
وأدخلتُه الحجرة الفاخرة
التي حبلَتْ فيها
أُمِّي بي!”
ينتهي المشهد الحادي عشر لكي ينفتح النشيدُ الثاني عشر بما يشبه اللازمةَ المكررة التي تشكل مُراوَحةً بين مشهدين، فنرى سليمان يستحلفُ مجددًا عذارى أورشليم بألا يوقطن الأميرة النائمة التي اختارتها روحه إلا حين تشاء. ويوالي تأمُّله في النشيد الثالث عشر فيقول، كمن يتخيل تخيُّلاً، ما هو راهنٌ ومُحقَّق أمامه وبين يديه:
“مَن هي تلك الصاعدة من أعماق الوادي.
كعمودٍ من دخان ناصع البياض،
مضمَّخةً بالمرّ واللبان،
وبأحقاقٍ من البخور الأشقر؟!”
فيعلو نشيدُ الجوقة، في النشيد الرابع عشر، وهو يمجِّد عظمة الملك سليمان الذي يحفُّ به ستُّون جبَّارًا من الجبابرة، متقلدين سيوفَهم المرهفة الحد الجاهزةَ لجزِّ رؤوس أعدائه، ويمجِّد عظمة سريره الملكي المصنوع من الصندل وخشب الأرز، أسلاكثه من ذَهَب وأعمدتُه من فضَّة، وهو مرصَّعٌ بالياقوت، وفراشُه من أجنحة الفراش… أما تاجُه المرصَّع على رأسه، فقد توَّجته به أمُّه في يوم فرح قلبه.
وهذا النشيد حول أُبهة وجبروت وعظمة الملك سليمان يظهرُ وكأنه يُومئ إلى أن عظمة سليمان تخضع للجمال والحبّ. ففي النشيد التالي (الرابع عشر)، وهو نشيد طويل، بل لعله الأطولُ بين الأناشيد، ينفردُ سليمان في وصف جمال الملكة سبأ، الصغيرة البهية، ذات العنيني الحالمتين كحمامتين مودعتين تحت نقابها الشفاف، وذاتِ الشعر الذي هو كقطعي ماعز يغتسل بماء الأردن، والأسنان البيضاء وكأنها مجموعةُ نعاجٍ مجزوزةٍ صحيحة وسليمة تتمرَّغ على الشاطئ، والشفتعين المتحلبتين بالرضاب الشهي، والفمِ السحري، والخد الملتهب بلون الأفق كقلب رمانة أُضجت حباتها بأشعة الشمس، والعتق الذي هو صرحٌ من العاج موشى بألوان المساء، والثديين الشقيقين بل التوأمين من بطن غزالة نافرة… ثم يدعوها للمسارعة إليه قبل أن تزولَ معالمُ هذا الجمال، ويناديها يا عروستي، ليتنعما في قمة البخور، في أودية لبنان، ويصعدا إلى قمة حرمون، ويدخلا إلى كهف الفهود، حيث تقطن الأسود، ليتوجها هناك على عرش قلبه.
وهو يناديها يا عروسي وأختي، وحبها أشهى من ماء الكوثر، ويقول لها:
“أنتِ الشجرة ذات الثمرة المحرمة،
ولكن قلبي يشتهيها!…”
ليستعيدَ من خلال هذا النشيد الرائع كلَّ ذكريات الفردوس والمرأة والثمرة المحرمة التي تفيض بها الكتب السماويَّة، وتعبق بها الميثولوجيا الدينية.
بعد النشيد الرابع عشر الذي يظهرُ وكأنَّه وصفٌ للجنة والمرأة والثمرة الجميلة المحرَّمة، تفتح الملكة سبأ، في النشيد الخامس عشر، لحبيبها باب الجنة، وتدعوه إليها لكي يجني أشهى ثمراتها: فيدخل مُلبيًا مذهولاً، ويقتحمُ ملذات حبيبته، يقطفُ زهرها، ويأكل العسل، ويغمس أصابعه في الخمر واللبن. ثمَّ يدعو صحابه لمثل هذه الوليمة:
“كلوا حتّى تتخموا،
واشربوا حتى تثملوا.
فالحياة دون حبٍّ ليل رهيب ثقيل الوطأة!” (النشيد السادس عشر)
في النشيد السابع عشر، أوصافُ بلقيس للحظات الوصال.
“أدخل حبيبي يده من الكوَّة الجميلة،
فتحرَّكت جوانحي”.
ولكنَّ الوصال لا يدوم، فيظهر وكأنَّه حلم، ما إن تفيق منه العاشقة حتى يختفي ويزول. فتتبعُه في المدينة، وتسأل عَسَسَ الليل عن حبيبها أين هو، وهل رآه أحد منهم. فيضربُها العَسَس ويجرحونها، ويرفع عنها حرس الأسوار إزاها… وهنا تستحلف عذارى أورشليم أن يُعلمنَ حبيبها، إذا التقين به، بأنَّها من الحبِّ مريضة. فيرتفع صوت الجوقة، في النشيد التالي (الثامن عشر)، بلسان عذارى أورشليم وهنَّ يسألنها عن هذا الحبيب المميَّز بين الناس مَن هو، فتأتي أوصافُه بلسانها أَنَّه كالفضَّة المعجونة بالذهب، عالٍ يفوق الربوات،رأسُه من الذهب الخالص، وغدائره تتمَّوج كليلة شتائية، وعيناه حمامتان تستحمَّان على شواطئ لبنان، وشفتاه كطيب الناردين، ويداه طوقان من الذهب، وجسدُه عاجٌ نحتَتْه يدُ نحَّات حاذق، وساقاه عمودان من الرخام وقد قاما على قاعدتين من الألماس.
“إنَّه جميل مثل (وادي قاديشا)!
وجليلٌ في تهاديه كأسدٍ إفريقي!
وفي خفَّته كالنمر الهنديّ!” (النشيد الثامن عشر)
تعود العذارى فيسألْن، كجوقةٍ، إلى أيِّ البقاع رحل حبيبُها، كي يبحثن معها عنه (النشيد التاسع عشر)، فتجيبُ بأنه يجوس الفردوس ويرعى قطيعه بين الجبال. وتعيد قائلة:
“أنا لحبيبي وحبيبي لي!” (النشيد العشرون)
هنا يظهر سليمان وهو يناجي نفسه، أو يناجي حبيبته بقوله إنها أجملُ من عشتروت، ورائعة كأُورشليم، ومَهيبة كجحافل ذاتِ بنود، شَعرثها كقطيع ماعز رابض في أرض جلعاد، وأسنانها جحافل نعاج خارجة من الماء،
“ومن بين ستين ملكةً وألفِ حظية،
من بين عذارى لا يُعرَف عددهنّ،
أنت وحدكِ أمنيتي.” (النشيد الحادي والعشرون)
تردِّد الجوقةُ بلسان نساء القصر، وكأنهنَّ يكملن ما كان بدأه سليمان من أوصاف الملكة، فيسألن عن تلك المرتدية وشاحَ الفجر، المتوَّجة بأشعة البدر، النقية كنور الشمس، الرهيبة كجحافلَ كاملةِ الأعلام. (النشيد الثاني والعشرون).
فيُسمع همس الملكة سبأ وهي تتحدَّث عن شوقها العظيم، وتفقدها لحدائق الجوز ويناع الكروم، وإزهار الرمَّان، وانتثار شقائق النعمان… وكأنها تبحث فيها عن حبٍّ ضاع منها، أو حبٍّ تنتظر عودته إليها (النشيد الثالث والعشرون).
فيعلو صوتُ بنات صهيون (الجوقة) يناشدنها العودة (النشيد الرابع والعشرون).
في النشيدين الخامس والعشرين والسادس والعشرين، يتكلم سليمان مباهيًا بحبيبته ويمامته “بنات صهيون”، مستطردًا إلى أوصاف مليكته بقدميها الصغيرتين واستدارة فخذيها كمعجزتين، وسُرَّتها ككوبٍ بلوريٍّ بشرابٍ ملكيٍّ، وببطنٍ طريٍّ معجونٍ من حنطة الله، وثديين خِشفَين رضيعين من بطن ظبية نافرة، وعنقٍ برجٍ من عاجٍ نادر، وعينين كبحيرة تانا الحبشية، وأنفٍ شامخ كأرز لبنان، ورأسٍ قائم كجبل الكرمل، وشَعرٍ كالحرير الناعم الممزوج بالأرجوان… ويصفها بين يديه في ساعة الملذات:
“أنت نخلةٌ، وثدياك ثمرها؛
أُحدِّث نفسي
أن اعتليها وأُمسكَ بسَعَفها.
فليكن ثدياك كالعناقيد الناضجة!”
وكصدى لصوت سليمان، يأتي صوت الملكة سبأ لتكرِّر قولها القديم:
“أنا لحبيبي وحبيبي لي,”
ولتستعيدَ أوصافه حيث الشهدُ يقطر من فمه، والرحيقُ ينسكبُ من بين شفتيه. ثم تدعوه للخروج إلى المروج والهيام في الغابات، للسؤال عن زهنر الر مَّان وتفتحُّ الورود وصوْغ زهر البيلسان…
“آه!…
ليتك كاخٍ لي
الراضع من ثدي مَن ولدتني
كي أقبلك أمام الملإ
دون أن يُخزوني!…
ليتني أذهب بك إلى مضجع أمِّي؛
وهناك هي تُدرِّبني،
فأسقيك من خمرة حبي المعتقة
الممزوجة بشهوة أماني…” (النشيد السادس والعشرون)
هنا تغرق الملكة في سباتٍ عميق، فيعيد سليمان اللازمة مستحلفًا فتيات أورشليم أن لا يوقظن حبيبته حتى تشاء (النشيد السابع والعشرون). فيعلو سؤال النساء وهنَّ يحطن بسليمان وملكة سبأ: مَنْ هذه الصبية الساحرة المتوكئة على ذراع مليكها؟ (النشيد الثامن والعشرون)
وتنتهي الأناشيد، وعددُها أربعة وثلاثون، بستَّة أناشيد في المناجاة بين سليمان والملكة سبأ، تُستعاد فيها أوصافُ جمال كلٍّ من الحبيبين، وقوة الحبّ، وقدرته على الموت. تقول الملكة سبأ في نشيد من أجمل أناشيد الكتاب:
“يا مليك قلبي!
صُغني خاتمًا واطبعْ به فؤادك،
أو اجعلْني حلقةً أدخلْها في ذراعك،
لأنَّ حبِّي لك
أقوى من صولة الموت البطَّاش.”
وتنتهي الأناشيد بنشيدٍ لسبأ تدعو فيه سليمان للهروب إلى قمم الجبال والعيش هناك:
“أنفرْ يا حبيبي بخفةٍ،
مثلما ينفر ظبْيُ الأدغال!
وأسرعْ
كأَيِّل المروج،
ولنقطُنْ هناك بعيدًا
على قمَّة الجبال الفوَّاجة العبير!”
ضجعة الموت
الدكتور إميل بديع يعقوب
باحثٌ ولغويٌ لبنانيٌ. أستاذٌ في ملاك الجامعة اللبنانية. يحمل الدكتوراه في اللغة العرية وآدابها من جامعة القديس يوسف ببيروت (1980). رأس قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الفرع الثالث) زهاء ثماني سنوات. غزير الإنتاج، تأليفًا وجمعًا وتحقيقًا. من مؤلفاته “موسوعة الأدب والأدباء العرب” (16 جزءًا)، “المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية” (جزءان)، “معجم الخطأ والصواب في اللغة”، “فقه اللغة العربية وخصائصها”، “جبران واللغة العربية”.
“ضجعة الموت”
بين فرادة المؤلف ورمزية النص والذوق الفني الرفيع
الدكتور داهش حقلٌ خصبٌ للكتابة والبحث، وبرغم كثرة الدراسات حوله، تبقى نواحٍ كثيرةٌ في شخصه وأدبه ومذهبه جديرةً بالبحث والدراسة. فهو أديبٌ بليغ، وشاعرٌ مُفلِق، وروائيٌّ خصبُ الخيال، وكاتبٌ غزير الإنتاج، ومفكرٌ أسس مذهبًا دينيصا فلسفيًا، ورجلٌ معروفٌ بخوارقَ كانت، لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، حديثَ الصحافة والأدباء ورجال الفكر؛ فانقسم هؤلاء ما بين مؤيد، ومفكر، ومُتأنٍّ يتهمل قبل إعطاء رأيه. وكان الدكتور داهش، في كل الأحوال، أُحدوثةَ الناس في الرُبعين الثاني والثالث من القرن الماضي.
ولفتني، من مؤلفات الدكتور داهش، كتابُه الشهير “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية”.1 عنوانُ الكتاب فريدٌ في بابه فيما أعرف. يُشبهه شكلاً، لا مضمونًا، كتاب “مضجع العروس” الذي راج في العقود الأخيرة من القرن الماضي، لكنَّ هذا التركيب الإضافي “ضجعة الموت” استخدمه قديمًا الفيلسوف أبو العلاء المعري (973 م – 1057 م) في قوله (من الخفيف):
—————————————————-
1 الدكتور داهش: “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية” (مطبعة دار الأيتام السورية، القدس 1936).
————————————————
ضجعةُ الموتِ رقدةٌ يستريحُ الـ – جسمُ فيها، والعيشُ مثلُ السهادِ
وعنوانُ أي كتابٍ يجب أن يكون المدخل الواسع إليه، والتعبير الصادق عن محتواه. وهو كذلك في مؤلفات الدكتور داهش الذي ما عرف إلا الاستقامة والصدق والشفافية منهجًا في الحياة.
فالمقصود بـ”الضجعة”، في هذا العنوان، الرقدة، أو النومة، أو الاضطجاع. و”ضجعة الموت” هي الرقدة الأخيرة، أو رقدة الأخيرة، أورقدة الاحتضار، أو هي، كما يُسميها الدكتور داهش، أيضًا، “بين أحضان الأبدية”. إنها آخرُ دقائق المرء في الحياة الأرضية. إنها النهاية في هذه الأرض الفانية. من هنا أهميتها، نظرًا إلى ما قد تنطوي على كلام حكيم ينطق به المحتضر، مضمنًا إياه تجربته في الحياة وحكمته فيها بأسلوب صادقٍ شفاف. كيف لا، وهو يقترب من الحقيقة الكبرى “الموت” ومن الديان سبحانه وتعالي؟ وكتاب “ضجعة الموت”، كما سنعرف، كلامُ رجلٍ يُحتضر. وقد ضمن كلامه فلسفته وتجربته في الحياة من ناحية، وعواطفه ومشاعره من ناحيةٍ أُخرى.
**************
وتفتح الكتاب، فتفاجئك لوحاته الفنية كثرةً وروعة، والخطُّ الجميل الذي كُتب فيه، وورقهُ الصقيل، وإخراجُه الرائع، وصورة غلافه، بل قُل: يفاجئك كلُّ شيءٍ فيه.
فالكتاب الذي يقع في ثمانٍ ومئتي صفحة، تضمن مئة لوحةٍ فنيةٍ رسمها الفنان الإيطالي مورللي، بعد أن وضع فِكَرَها الدكتور داهش بنفسه، فأتت اللوحةُ مُعبرةً، بالرسم والألوان، عما يقابلها من المعاني والأفكار التي يتضمنها كلامُ الصفحة المقابلة للوحة. وزيادةً في التفنن والروعة والإتقان، جاءت كل صفحات الكتاب ضمن إطارٍ موحدٍ يتضمن ستَّ لوحاتٍ فنيةٍ جميلة.
ولم يكتفي الدكتور داهش باللوحات الفنية لتزين الكتاب من ناحية، ولتعبر، برسومها وألوانها، عما يعجز عنه اللسان أحيانًا، فكلف الخطاط محمد حُسني بكتابة نصوص الكتاب بالخط الفارسي. وهكذا جاء الكتاب آيةً في الروعة والجمال، مضمونًا ولوحاتٍ وخطًا وإخراجًا. وجاء مضمون الكتاب معبرًا عنه بوسيلتين: الكتابة المتقنة، واللوحة الفنية الرائعة.
وإتقان صناعة الكتاب مزيةٌ انفرد بها الدكتور داهش، بحيث يعتبر الأول في هذا المضمار شرقًا وغربًا وعلى مدى التاريخ، وبحيث تظنُّ أن بالدكتور داهش هوسًا في هذا الإتقان، وأنه لو استطاع لأضفى هالةً قُدسيةً حول الكتاب كما نفعل عادةً في أيقوناتنا المقدسة.
وقد بلغ الاتقانُ ذروته في هذا الكتاب. وإذا علمت أنه طُبع في السنة 1936، أي منذ 73 سنة، وأن أحوال الطباعة آنذاك لم تكن متطورة كما هي اليوم، وأن الدكتور داهش طبع كتابه في مطبعة شنلِّر الألمانية، تساءلت: لو كان الدكتور داهش حيًّا بيننا اليوم، إلامَ سيعمد في اتقان كتبه؟ هل سيُرصعها بالمجوهرات أم هل سيضعها في عُلبٍ مُتقنةٍ كما يُفعَل بالحليِّ والجواهر؟ وأين سيطبعها؟ هل سيجوبُ العالم باحثًا عن أحدث مطبعةٍ وأهمِّ فنانٍ وأشهرِ خطاط؟
إن إتقان كتب الدكتور داهش، ورقًا وخطًّا ورسوماتٍ وتفنُّنًا في الإخراج، سببهُ بالدرجةِ الأُولى ذوقُه الفنيُّ المُرهف، وحبُّه للجمال، وتقديرُه للكتاب والكاتب والقارئ معًا. والحق أن الكتاب “خير جليسٍ في الأنام” كما يقول المتنبي، شاعرنا الكبير، و”نفيسة النفائس، وكنينة ثقافة” كما يقول صديقي المرحوم الأبّ طانيوس منعم، و”ثروة العالم المخزونة، والإرث المناسب للأجيال والأُمم” كما يقول هنري دايفد ثورو. وجديرٌ بما هذا شأنه أن يُهتَمَّ به صناعةً وأخراجًا وتفنُّنًا.
*****
وبعد دهشتك من جمال لوحات الكتاب، تبدأ بقراءته. وأوّلُه صفحهُ الإهداء. وهذه الصفحة غير لازمةٍ في الأبحاث والكتب، وإنما تُثبت، أحيانًا، لشُكر مَن ساعد في الكتاب أو البحث، أو للتعبير عن شعور الكاتب نحو عزيزٍ يكنُّ له عميق المحبة، وشدة الاحترام.
ونقرأ الإهداء: “إلى القوة القادرة القاهرة الصاهرة، إلى الحقيقة المجهولة منذ الأزل وإلى الأبد، إلى… إلى… إلى…” وكلما تكررت الـ”إلى”، تزداد شوقًا لمعرفة المُهدى إليه. وأخيرصا، تصطدمُ بجملةٍ تقع عليك كالصاعقة: “إلى حبيبي الموت، أُهدي كتابي هذا”. فتتساءل متعجبًا: إهداءٌ إلى الموت؟! و”إلى حبيبي الموت”؟!
وبعد الصدمة، ملكتُ أعصابي وأعدتُ قراءة الإهداء بتمعُّن. وبعد القراءة الهادئة المتمعنة، فكرتُ مليًا، وتساءلت: هل يمكنُ أن يكون الموتُ حبيبًا للإنسان؟ ثمَّ تذكرتُ ما يقوله الدكتور داهش عن هذه الأرض الفانية، وعن مجتمعها الفاسد، ومذا ينتظرُ الإنسانَ الصالح في جنان الله، فعملتُ أن الموتَ يجبُ أن يكون حبيبصا لهذا الإنسان، لأنه (أي الموت) جسرُ عُبورٍ بين الحياتين: حياة الأرض الفاسدة وحياة النعيم الأبدية، ولذلك سُمِّيَ “برزخًا”. وحَريٌّ بالدكتور داهش، هذا الرجُل التقي الورعِ الذي عُرف بالحق والاستقامة والفضائل، أن يصف الموتَ بـ”الحبيب”.
وهذا الموت “الحبيبي” في كتابه هذا هو “العادل”، و”الرحمة” في كتابه “الإلهات الست”.1 يقول في هذا الكتاب، تحت عنوان “عدالة الموت” (ص 7):
“أيُّها الموت، أنت عادل. وأنت رحمةٌ لأبناء الحياة!
فلولاك، لما عرفنا معنًى للراحةِ السرمدية.
ولولاك، لما تذوُّقنا نعمةَ الغبطةِ الأبدية.
ولولاك، لما اطمأنَّت قلوبُنا الحائرةُ في هذا العالم الفاني.
ولولاك، لما اكتشفنا أسرارَ ذلك العالم الثاني.
ولولاك، لما رأت عيونُنا وجهَ الحقِّ، ربِّ الحياةِ والممات”.
ومن الدهشة التي لم تعُدْ دهشة، لا بُدَّ أن تشكر الدكتور داهش لأنَّه أطلعكَ على حقيقةٍ دائمة خَفِيت على الناس، كانت درَّةً يغطيها التُراب، فجاء الدكتور داهش وجلالها، فظهرت على حقيقتها. والحقيقةُ، كما سنعرف، معبودُهُ الأول.
**********
ومن صفحة الإهداء إلى المقدمة. وهذه ضرورية في كل كتاب؛ إذ نعرفُ بوساطتها غاية الكتاب من كتابه، ومنهجهُ فيه، وما عاناهُ في بحثه، إلى غير ذلك مما يدرسه طلاب الجامعات في المقرر الجامعي “منهجية البحث”.
يبدأ الدكتور داهش مقدمته بحكمةٍ رائعة: “لا يعرفُ لذَّة الحياة من لم يسحقهُ الألمُ العميقُ المشبع.” ثم يتابع: “ولا يعرف أسرار الوجود من لم تتكأكأ عليه حادثاتُ الزمن، فتصهرْه بنيرانها المُحرقة المُذيبة، فينضج، بعد ذاك، في بوتقة الحياة من اختبارات الزمن القاسي. ولا يعرفُ معنى السعادة مَن لم ينزفْ دموعَه الهاطلة الصادرة من قلبٍ كليمٍ ذاوٍ من شقاء الأيام الطويلة، وحادثاتها التي تألبت عليه!”
والواقع أن الألم هو السببُ الرئيسُ للإبداع الأدبي والفني. والذي لا يحرقه الألم
————————————————
1 الدكتور داهش: “الإلهات الست”، ط 2 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979).
———————————————
بناره، لا يتوصلُ إلى معرفة الحياة بشقائها ولذتها. فالألمُ هو الذي يصهرُ النفسَ البشرية كما تصهرُ النارُ الذهب، قبل أن يحوله الصائغ إلى حِلًى وجواهر. قال الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة (من الخفيف):
إجرح القلبَ واسقِ شعرك منه فدمُ القلبِ خمرةُ الأقلام
وقال الشاعر الفرنسي الشهير ألفرد ده موسيه: “لا بُحسَب المرءُ في عداد الأحياء إلا إذا تألم، وبدون ألم فهو ميت!”1 وقال الفيلسوف اليونانيّ سيمونيدس: “النفس التي لا تتألم لا تستطيع أن تحلق في سماء الإنسانية”.
ثم يتابع الدكتور داهش كلامه مُصورًا مدى ما تألَّم وقاسى، فيقول: “ولو بكى أيٌّ من بني البشر كما بكيتُ، وبلا ما بلوت، وقاسى مثل ما قاسيت، لغفر له الله أكبرَ الخطايا… نعم، إن الله ليغفر له أي أمرٍ أتاه لو تألم تلك الآلام التي تألمتها نفسي المستحقة التي لم تعرف من السعادة غير اسمها!”
ثم يقول: “فبآلام نفسي أكتبُ الآن هذه السطور. وبتأثري البالغ أخطُّ ما أخطُّه. وبدموع عيني الفياضتين أغمسُ ريشتي هذه. وبخفقات قلبي الهائم، أُعبِّر عمَّا يجيشُ في نفسي من آلامٍ وآمال…”.
والألمُ والحزنُ متلازمان في أدب الدكتور داهش، لكنهما في كتابه “ضجعة الموت” بلغ بهما الذروة. وسيتضح لنا ذلك بعد قليل.
وبعد كلامه على الحزن، يقول ما يُشبه الحكمة، والحِكَمُ كثيرةٌ في أدبه: “ليس مَن يكتُب للهو كمَن يكتُب للحقيقة”. وهنا كشفَ الدكتور داهش عن غايته من الكتاب: إنه يكتب للحقيقة. وإذا كانت الحقيقةُ دأبَ المُصلحين والمفكرين في العالم، فإنها للدكتور داهش دَيدنُه الملازم له، وحبيبُه الذي يفتشُ عنه أبدًا. إنها معبودتهُ ما كتبَ إلا لها، وما عملَ إلا من أجلها.
وإذا كان قد أهدى كتابه “ضجعة الموت” إلى الموت، وهو الحقيقة الكبرى في الحياة، فإنه أهدى كتابه “الإلهات الست” إلى الحقيقة، فقال (ص 13): “إلى الجدول الرقراق المُتدفق بلطفٍ دون أن نُعيره اهتمامًا، إلى الإكسير الإلهيِّ الخالد الذي لا تريد أن تتذوَّقَه أرواحُنا الخشنة، إلى الطيف الشفاف الذي يجوبُ عالمنا كي يهدينا فلا
————————————————————
1 استشهد الدكتور داهش بهذا القول في المقدمة نفسها.
———————————————————-
نهتدي… إلى الشُعلة الإلهية المُلتهبة المستمدةِ أنوارها من لدُنِ الله، إلى الصفاء والنقاء والطُهر والبهاء، إلى الحقيقة المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم التاعس الفاسد، أهدي هذا الكتاب”.
وتقول له ربَّةُ الحبِّ في هذا الكتاب (ص 43): “يا لكَ من بائسٍ، قتلك الفرحُ المفاجئ: فرحُ اجتماعكَ بالحقيقة المفقودة. يا حبيبي الجميل، نم نومًا عذبًا حتى ينتهي دورُ هذا العالم البغيض إلى فؤادي، إذ1 كفاكَ ما لاقيته من الآلام، وما يلقاهُ بعدك كافةُ الأنام. وا رحمتاهُ لك، يقصف غصنكَ الندي منجلُ الموتِ القاسي الذي لا تلينُ له جارحة. وفي ذمة الحقيقة روحُكَ القلقة الحائرة”.
ونتابع قراءة مقدمة “ضجعة الموت”، فنجد الدكتور داهش يقول إن قلبَه يخفقُ بالحب للجمال، وإنه “من كان بعيدًا عن حب الجمال، فإنه لا يفقه معنى الحياة”. حكمةٌ ثالثة… والحكَم تسيلُ على قلمه عفويةً صادقةً سيلان المياه العذبة من نبعٍ غزير.
ويعترف الدكتور داهش أن كتابه رؤيا غريبة لم تكن إلا صورةً لحالاتٍ وتغيراتٍ طرأت عليه تبعًا لحوادثُ معينة، مُفرحةٍ ومُحزنة. واللافتُ قوله: “لقد كتبتها وأنا تحت سلطان قوةٍ قادرةٍ قاهرة، غير منظورة، إذ كانت توحي إليَّ ما أسطره، فأصوِّر ما يكمن في أعماق أعماق نفسي من آلامٍ مُرزحةٍ مُضنية، وأفراحٍ مُبهجةٍ سارة، وشكوى قفاسية مريرة، وأتراحٍ مُكئبةٍ مُبكية، وغيرها…”.
وإذا كان الشاعرُ يتلقى إلهامه من أحد شياطين عبقر، كما كان العربقُ يعتقدون ، أو من أحد آلهة الأولمب، كما كان يظنُّ اليونانيون، فما هي هذه القوة القادرة القاهرة؟ إنها، في المذهب الداهشي، سيَّالٌ1 من سيَّالات الدكتور داهش.
أمَّا التي أوحت إليه بهذه الرؤيا فحبيبتُه بل معبودته “ديانا” منافسة أفروديت، ربةِ
———————————————–
1 “من المبادئ الداهشية أن نفس كل إنسان تتكون من مجموع سيالات روحية. والسيال هو وحدة نفسية ذات طاقة حيوية انفعالية، وإدراك نسبي، وإرادة محركة، ونزعة نوعية، وخصائص وظيفية. وقوام السيال جوهرٌ روحيٌ إشعاعيٌ خالدٌ ليس بالإمكان إدراكه حسيًّا لاتصافه بسرعة اهتزازٍ فائقة، ولأن الإنسان محدودٌ بشبكةٍ من الحواس ذات حدودٍ عُليا وحدودٍ دُنيا لا يسعهُ تجاوزها”. (د. غازي براكس: “جبران خليل جبران في دراسة تحليلية تركيبية لأدبه ورسمه وشخصيته”. دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1973، ص 516).
————————————————————-
الجمال، كما يقول. وإذا كانت أفروديت، في الميثولوجيا اليونانية، ربة الحُب والجمال، فإن ديانا، في الميثولوجيا الروانية، إلهةُ القمر، وحاميةُ النساء، وراعيةُ الغابات والصيد.
ولا نعرفُ لماذا سمَّى الدكتور داهش حبيبته بهذا الاسم؟ أهو اسمُها الحقيقي؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال بعد قليل.
————————————————
وإذا انتقلنا من مقدمة الكتاب إلى متنه، نرى أن المؤلف قسمه إلى عشرة أقسام في ثمانٍ وأربعين لوحةً من لآلئ النثر، تقابل كلاً منها لوحة رسمٍ تنطقُ بمثل ما تنطقُ الأولى، ولكن بالصورة واللون والرموز والإيحادءات.
ونبدأ بقراءة متنِ الكتاب فنفاجأ بمدخله – والكتابُ سلسلة مفاجآت. انظر إلى هذه اللوحة:
“كان مُضطجعًا في صندوقٍ حالك، مُرعب، مُخيف،
ولم تكن عينٌ تذرفُ عليه دمعةَ وداعٍ أخيرة.
والصدفةُ قادتْ عابرًا إلى تلك الناحية النائية المهجورة،
فانحنى، وتفرَّس بما في الصندوق. فرأى فتًى ناحلاً،
وقد جثمَ شبحُ الموت فوقَه،
فغارت منه العينان، واصفرت الوجنتان،
ورَمقٌ من الحياةِ لم يُفارقه،
إذ ما زال في عراكٍ مع قوةِ الموتِ القاهر”.
إنها صورةٌ مُحزنةٌ ومُخيفةٌ في الوقت نفسه: صورةُ فتًى نحيلٍ يُحتضر في صندوقٍ خشبي في ناحيةٍ مهجورة، وليس حولَه سوى رجلٍ غريبٍ قادته المصادفةُ إليه. تُرى، من هذا الفتى؟ أغلبُ الظن أنه الدكتور داهش نفسُه الذي يشعرُ أنه غريبٌ عن المجتمع الفاسد الذي عاش فيه.
ولماذا جعل الشاب “نحيلاً”؟ ألأن النحولَ مظهرٌ من مظاهر الفقر، والبدانة رمزُ الرفاهية في العيش؟ ألأنَّ الرسُل جميعًا عاشوا فقراء، وكذلك العلماءُ والفلاسفةُ والشعراء؟ ألم يُصوِّر الله، عز وجل، الأغنياء بعيدين عن جنته، فقال في إنجيله: “لأن يدخل الجملُ في سَمِّ الإبرة أيسَر من أن يدخل الغني ملكوت السماوات”. (متى 24:19)
أما الصندوق الخشبي الذي صنعه الفتى بنفسه، كما سيذكر، فهو رمزٌ آخر من رموز الفقر، وكذلك وحدتُه، والناحية النائية المهجورة.
وبعد هذه الصورة القاتمة المُحزنة، يصفُ الفتى حالته للرجُل الغريب، فيقول له: يفارقني العناء، والشقاءُ بقيّ مُلازمًا لي”.
إنَّه، لعمري، لسانُ حال الدكتور داهش الذي يتميز بفرادته، والذي يشعر أنه غريبٌ عن عالمنا، والقائل في مقدمة كتابه: “ولو بكى أيٌّ من البشر كما بكيتُ، وبلا ما بلَوت، وقاسى مثل ما قاسيت، لغفر له الله أكبر الخطايا”.
ثم يذكر الفتى أن لديه رسالة، ويريد من الرجل الغريب أن يذيعها للملإ. الفتى، إذاًا صاحبُ رسالة، أليس هذا الفتى هو الدكتور داهش نفسُه، صاحب الرسالة الداهشية؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تفحُّص هذه الرسالة لمقارنتها بأقوال الدكتور داهش ومذهبه.
إذا أنعمنا النظر فيها، نرى أنها رسالةٌ إلى حبيبته ضمنها حبَّه لها، وتذكُّر أيامها الحلوة، وخيالاتٍ وأناشيد حبٍّ ولوعةٍ وفراق، وأبرز ما فيها:
- الحزن المسيطر على جميع صفحات الكتاب وكأنه الرابط الذي يجمع أجزاءه، فلم يترك الكاتبُ لفظة، أو عبارة، أو إشارة تُعبِّر عن الحزن أو تُشير إليه، إلا استخدمهال بتلونٍ أسلوبيٍّ وقدرةٍ بلاغيةٍ قل نظيرهما. “إنها نفثاتُ شابٍّ حزين،” “دمعتان تألقتا في محجريه،” “وحدثهم عن آلامي، “قصتي المحزنة المؤلمة،” “ها هو يئنُّ لوعةً لابتعاد حبيبته عنه،” “انحنى فوقه الرجُل وهو يبكي بحرقةٍ ولوعة،” “قد ذهب المسكين مُثقلاً بآلامه القاتلة،” “وهو غارقٌ في حُزنه العميق،” “لقد قُدِّر لي منذ الأزل أن أتذوَّق كأس المرارة،” “يا لفجيعة هذا الكون وما يحتويه،” “يا للمرارة الشديدة التي تذوَّقها البشر،” “يا للدموع التي لا ينصب لها معين،” “يا للتعس، يا للعناء، يا للشفاء”.
إنها شلالاتٌ من الحُزن تُرْفَد بكل ما يزيدها انصبابًا وتأثيرًا في النفس. فالفتى الناحل المَحتضر لا يحنو عليه أحد، فيشكو قائلاً: “ليت أحدًا، كائنًا من كان، حنا عليَّ كما حنا صندوقي على جثماني فاحتواني”.
وللفتى حبيبة، وهذا أدعى للحزن. ولهما طفلة (وليس طفلاً)، وهذا يزيد الحزن ألمًا وحرقة ولوعة. يقول الفتى في رسالته: “وارْجُها (أي: أرْجُ حبيبتي) عني أن تعتني بثمرة حبنا، طفلتنا المعبودة التي قضت الأقدارُ عليها أن تفقد والدها، وهي ما تزال في المهد”.
أما سبب هذا الحُزن، فسيتبين لنا بعد كشف بعض معالم الفكر الداهشي.
- تصويره الرائع لحبيبته، وكأنها أجمل نساء الدنيا والجنة معًا. فهي “حورية فتية” (ص30)، و”ذات دلالٍ وحُسْنٍ كامل” (ص34)، و”غادة غيداء، تعرفها حمائمُ الغاب ويمائمُها. إنها دلالٍ وحُسْنٍ كامل” (ص34)، و”غادةٌ غيداء، تعرفها حمائمُ الغاب ويمائمُها. إنها ذاتُ نقاءٍ ناصع، تعرفها الملائكةُ الأطهار، وأبدًا تحوم حول كتفيها. إنها ذات جمالٍ سلطانُه يقهرُ أقسى الأفئدة الجبارة” (ص 38)، “وها أيضًا حواريَّ النعيم العاريات قد احتطنها حاملةً كلٌّ منهنَّ إكليلاً من شجر الغار، لا مثيل له إلا في جنان الخلد، ويُلقين به تحت قدميها، مع إكليلٍ آخر من الأزهار والرياحين العقبة الأريج. وكُنَّ أمام معبودتي ديانا كالنجوم السواطع، يخبو نورهنَّ أمام نور الشمس المشرقة المرسلة أشعَّتها الذهبية. كالشمس كانت ديانا تُشرق، فتنير تلك الجنان الخالدة”(ص54).
واللافت في أدب الدكتور داهش أن ما يريد أن يوصله إلى القارئ يؤكده مراتٍ عدة دون أي تكرار، بل بصورةٍ جديدة في كل مرة، وبألفاظ وعباراتٍ لم يستعملها من قبل، فيُعجب القارئُ من ثروته اللغوية، ومن خصب خياله في ابتداع الصور والمعاني. فكما صور حُزنه العميق بعشراتِ الصور الموحية، هكذا فعل في رسم جمال حبيبته.
- حبُّ الفتى لحبيبته؛ يقول: “لا تنسَ أن تُخبرها بأني كنت أخشعُ لذكراها، وأسجدُ لمرآها ولو بعين الخيال. لا تنسَ أن تخبرها كيف كنتُ أردِّد اسمها بغير انقطاع… لا تنسَ أن تخبرها كم كنت أتشوَّق إلى رسالةٍ واحدةٍ منها. لا تنسَ أن تخبرها كم كنتُ أحنُّ إلى ساعةٍ من ساعاتها الماضية. لا تنسَ أن تخبرها بأنَّ حرقتي لرؤيتها كانت تزداد بمرور الأيام، وكرور الأعوام… لا تنسَ أن تخبرها بأني بقيتُ حتى آخر لحظة ذاكرًا جمال ثغرها البسَّام. لا تنسَ أن تُخبرها بأن طيفها كان يبعث في مُخيلتي مُرَّ الآلام. لا تنسَ أن تُخبرها بأن شخصها كان ماثلاً أمامي دومًا، حتَّى في الأحلام”. (ص 44)
لاحظ تكرار الصُّور لتأكيد شدَّة حبِّه لها.
- حبُّها الشديد له، فهي “جُنَّت حبحبِّه كما جُنَّ بحبها.”( ص130) وهي، في صلاتها قبل انتحارها، تقول: لا طاقة لي على فراق حبيبي الذي قاسى بسببي الآلام التي تفوق حدَّ الاحتمال” (ص 184). وتتضرع إلى الله قائلة: “واجمعني به في جنانك الخالدة، ودعني أندمج فيه دون افتراق… اجتمعني بمَن تحنُّ إليه روحي منذ الأزل”. (ص 184)
- وإذا كانت حبيبته أجمل نساء الأرض والسماء، وهو يُجنُّ بحبها كما تُجنُّ بحبه، فإنه من الطبيعي أن يقضي معها أسعدَ الأيام وأروعها. يقول الفتى: “ولكم كانت هانئةً سعيدةً تلك الأيام السالفةُ التي انقضت وكأنّها لم تكن.” (ص 38).
- إن القارئ يتساءل: مَن هذه الحسناء التي يعبدُها وتعبده وقضى معها أسعد الأيام وأروعها؟ إن كتاب “ضجعة الموت” ككل كتب الدكتو داهش فيه الكثير من الرموز، بل أكاد أقول رموز الرموز. ومعبودته الحسناءُ رمزٌ من هذه الرموز، بل أحلى رموزه. وإذا صدقَ ظني أن الفتى النحيل الشاحب هو الدكتور داهش نفسُه، فإني أحسبُ أيضًا أن هذه الحسناء هي الحقيقة؛ أجل الحقيقة التي نشدها في فكره وأدبه ورسالته، وكتب لها ما لم يكتبْ أديبٌ فيها. كان “ينشد (الحقيقة المفقودة) في هذا العالم عبثًا، كما كان ديوجنوس يبحث، بفانوسه، في وضح النهار، عن الصداقة الخرافية الضالة في رحاب هذه الأرض الملعونة”. (“الإلهات الست”، ص 42)1
وإن صدق ظني أن الفتى المحتضر هو الدكتور داهش نفسُه، وأن حبيبته “ديانا” هي الحقيقة، فمن تكون طفلتهما التي أوصى حبيبته أن تعتني بها، فالأقدارُ قضت أن تفقد والدها وهي ما تزالُ في المهد؟
أغلبُ الظنِّ أيضًا وأيضًا أنها الرسالة الداهشية التي سيرحل
ُ عنها مؤسسها وهي ما زالت طفلة في أول نشأتها، وقد جعلها تتكلم عن نفسها قائلة: “أنا أجملُ نساء الأرض”2
- الإيمان بخلود الروح. يقول الفتى: “ها قد اجتازت روحي، في جوف هذا الليل الصامت الرهيب، السهول الشاسعة، وانحدرت في بطون الأودية السحيقة”. (ص 48). وهذا الإيمان يلامسُ عقيدة التقمُّص، وقد قال بها الدكتور داهش، وظهر في قول ديانا عن
—————————————————-
1 يقول في مقطع بعنوان “الحقيقة الإلهية” في كتابه “أغاريد شاعر” من سلسلة “فراديس الإلهات يرصعها اللينوفار المقدس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 64): “أشتاقُكِ مثلما تشتاقُ الأيائُل لجداول الماء النميرة، وأتوق لرؤيتكِ مثلما يتوقُ الأنبياءُ لهبوط الوَحي عليهم(…) فيا أيتها الحقيقة الإلهية، أيتها المقيمةُ في الأخدار السماوية، متى أسظلُّ ربوعكِ العُلوية وأنعمُ في أجوائكِ البهية؟ متى؟”
2 الدكتور داهش: “أناشيد عابد” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 28.
————————————————————-
حبيبها: “إنه لم يخذلني ولم يتركني، إذ إنه حبيبي منذ الأزل، وقبلما وُجد الكون” (ص 150). وهذا القول يذكرنا بقول جميل بثينة (من الطويل):
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعدِ أن كُنا نطافًا وفي المهدِ
فزادَ كما زِدنا، فاصبـــــح ناميًـا وليس إذا مُتنا بمُنتقضِ العهــــــــــد
ولكنه بــــــــــــــاقٍ على كلِّ حالةٍ وزائرُنا في ظُلمةِ القبرِ واللحـــــــــدِ
8 – والإيمان بخلود الروح يقود إلى الحديث عن الجنة، وقد صوَّرها الدكتور داهش في أكثر من مكان في الكتاب الذي نحن بصدده، وفي معظم كُتبه؛ حتى إننا نظنُّ إنَّه لم يكتب كاتبٌ في الجنة كما كتب، وقد صورها أحسن تصوير مُرغبًا الناس فيها. وهذا أحد أُسس الداهشية.
يقول الفتى المحتضر: “ها إني أرى، أو يُخيل لي، معبودتي ديانا جالسةٌ تحت أغصان شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر القائمة على ضفة نهر الكوثر الرحيقي المذاق… انظر، فها هي الأشجار وقد وقفت على أفنانها الغضة طيورُ الجنة الزاهية الريش ذاتُ الألوان البهية المتعددة، وهي تُطلق أغاريدها السماوية، فتنتشي الأرواحُ المجتمعةُ المستمعةُ إلى تلك الأغاريد، بينما هي بأجمعها ناظرةٌ إلى وجه معبودتي ديانا الجالسة على ضفة نهر الكوثر ذي الصفاء الماسيِّ الباهر. وها هي معبودتي ديانا محاطةٌ بحواري الجنان الساحرات، وقد نضين عنهن غلالاتهنَّ الرقيقة”. (ص 50 -52).
وتقول ديانا في صلاتها قبل الموت: “يا الله، ارحم ضعفي… واجمعني به في جنانك الخالدة، ودعني أندمج فيه دون افتراق”. (ص 184).
والجنة التي يصورها الدكتور داهش، في الكتاب الذي بين يديَّ، تجمع جنة النصارى وجنة المسلمين في الوقت نفسه. ففيها من الأولى “شجرة معرفة الخير والشر الغريبة الثمر”,1 وفيها من الجنة الثانية “نهر الكوثر الرحيقي المذاق”، والحواري الساحرات ذوات الغلائل الرقيقة. وكأنَّ هذه الجنة مظهرٌ من مظاهر الداهشية التي تجمع،
————————————————
1 أحيل القارئ على قصيدة نثرية بعنوان “شجرة معرفة الخير والشر” ضمنها الدكتور داهش عقيدته الداهشية في السيالات الروحية، ونشرها في كتابه “التائه في بيداء الحياة” في سلسلة “حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980، ص 87_ 89). ] يطالعها القارئ في الصفحة 101 من هذا الكتاب[.
—————————————-
في فلسفتها، تعاليم المسيحية والإسشلام معًا.
9 – ثمة لغزٌ حيرني ولم أستطع مقاربته لا ظنًا راجحًا، ولا اعتقادًا مرجوحًا، وهو تذكُّر الفتى لمصر. يقول: “ولكن شيئًا واحدًا لم يستطع الموتُ بعسفه وجبروته أن يزيله من طريق مخيلتي، ألا وهو مصر، مصر الحبيبة، إذ بها كلُّ آمالي المتوارية. هناك تقطن معبودتي الجميلة”. (ص 26). ويقول في مكانٍ آخر: “قل لها إن أمرًا واحدًا أبقاه حيًّا طوال تلك الأيام والأعوام، ألا وهو إمكان تحقيق رؤية مصر يومًا، مصر اللطيفة، إذ بها تعيش حوريته الفتية”. (ص 28 – 30).
ويتكرر هذا المقطع، وبكلماتٍ مختلفة في أواخر أقسام الكتاب (ص 34، 40، 46، 62، 158، 162) وكأنه اللازمة في الأناشيد، أو القفل في الموشحات. ويسأل الباحث: لماذا جعل الدكتور داهش مصر وطن الحبيبة؟ ولماذا لم يجعله لبنان، وهو بلدُ الجمال، أو أي وطنٍ آخر؟ ولماذا كرر هذا الأمر مراتٍ متعددة؟ أسئلةٌ عجزتُ حتى عن الظن فيها. وهنا أغتنمُ الفرصة لأقول: إن من يريد الكتابة في أدب الدكتور داهش عليه أن يقرأ كُتبه جميعًا، وأن يكرر قراءتها ويعيش مع الرجل أشهرًا وسنوات قبل أن يبدأ الكتابة؛ ذلك أن أدبه حافل بالرموز والخيالات، وسمو الأرواح في العولام السماوية والجنان الفردوسية.
10 – البارز في الفكر الداهشي نظرتثه التشاؤمية إلى العالم الأرضي. فهو عالمٌ موبوءٌ ودارُ الشقاء (ص 28 و ص 183)، والزمنُ غادرٌ ماكر (ص 32)، وأصدقُ البشر هو الخائن (ص 32). وهذه النظرية نجدها في غير موضعٍ من كُتبه. يقول مثلاً في كتابه “بروق ورعود” تحت عنوان “عالم الفجور والشرور” (ص 53):
“أيها العالمُ السخيف، ما أقسى شرائعكَ وأحكامَك!
وما أظلمَ مثنعطفاتكَ التي نسيرُ في جنباتها مُتعثرين!
وما أقبحَ تعاليمك المُجحفة بحقوقِ الفقراء والمعوزين!
وما أتفه ما تُبديه، وأشأمَ ما تُواريه!
أنت دهليزُ السفاهةِ والجريمةِ ومباءةُ كل أثيمٍ سَفيه
وُجدَ الشرُّ منذ وُجِدت، ولن يضمحل حتى يطوي الدهرُ أعلامَك”.
وبسبب وباءةِ عالمنا الأرضي، ونشدانه عبثًا الحقيقة المفقودة، نرى أديبنا المفكر الفيلسوف شديد الحزن، كئبًا حتى الثمالية. يقولُ على لسان ربة الحب في كتابه “الإلهات الست” (ص42): “يا إلهي، لقد وضحتْ لي الآن أسباب كآبته الخرساء، وعدم تسرُّب الفرح إلى فؤاده. إنه ينشدُ (الحقيقة المفقودة) في هذا العالم عبثًا، كما كان ديوجينوس يبحث بفانوسه في وضح النهار عن الصداقة الخرافية الضآلة في رحاب هذه الأرض الملعونة… لو كانت (الحقيقة) وشقيقتها (العدالة) تقطنان هذا العالم، لكانت الأرض ترفل بحُللٍ من السعادة، ولسادَت الطمأنينةُ هذا الكون، ولما استطاعت الضغائنُ والأحقاد الثباتَ أمام سيفِ الحقيقة البتار”.
11- وآخرُ مفاجآتٍ الكتاب أن الحبيبة ديانا بعد أن تتسلم رسالة حبيبها، وتعرف أن روحه أصبحت في الأخدار السماوية، ترثيه برثاءٍ مؤثرٍ حزين، ثم تصلي صلاةً حزينةً وتنتحر.
والانتحارُ أمرٌ حرمته الأديان السماوية، وبخاصة المسيحية والإسلام. والمذهب الداهشي، كما سبق القول، يجمع بين الدايانتين، فكيف سوَّغ الانتحار؟
أغلب الظن أن الانتحار هنا لا يقصد به معناه الحقيقي، وإنما يعني رحيل الحقيقة عن الأرض برحيل فارسها وحبيبها الدكتور داهش. وبقيت الطفلة، الرسالة الداهشية، يتيمة الأبوين: المؤسس والحقيقة، فهل اعتنىا الداهشيون بهذه الطفلة اليتيمة؟ وأين أصبحت لديهم وفيهم؟
وإذا انتقلنا من رموز الكتاب – وما أكثرها ! – إلى الكتاب كنصٍّ أدبي، نرى أنه كتابُ فنٍّ وأدبٍ وتصوُّفٍ وخيالٍ وتأملاتٍ فلسفية، وأن أديبنا سامي الخيال، عميقُ التفكير، بعيدُ النظر، ينزع إلى التصوف والتحرر من هذا العالم السفلي بما فيه من أباطيل.
إنه أدبٌ رومنطيقيٌّ حزينٌ يصوِّر الطبيعة أجمل تصوير، بليلها الصامت الرهيب، وسهولها الشاسعة، وأوديتها السحيقة، وجبالها الشاهقة، وأشجارها الباسقة، ورياحينها الغضة، وأزهارها العبقةِ الأريج، وطيورها الشادية على أفنان الأشجار تحت نور الشمس المُرسلة أشعتها الذهبية.
والرسائل الاحتضارية معروفةٌ منذ القدم في أدبنا العربي، وخاصة في أدب الوصايا وحديثًا في مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي، ومسرحيَّة “كليوبترا” لأحمد شوقي، وقصة “العاقر” لميخائيل نعيمة.
وأدب الدكتور داهش، في هذا الكتاب، يُشبه أدب المنفلوطي في سلاسة عبارته وبلاغتها، والكآبةِ المُهيمنةِ على أقسامه، ورومنطيقيته المُفرطة في الحزن، ونهايته المأساوية المؤثرة. لكنه يختلف عنه في رمزيته، بل بكثرة الرموز فيه، ووصفه الجنان والأخدار السماوية.
********
وأخيرًا لا بد أن أشير إلى أنني قرأتُ الكتاب مراتٍ عديدةً ولم أشبعْ، وكنتُ كلما قرأتُه مرَّة، تكشف لي شيءٌ جديدٌ فيه، وكأنه نبعٌ غزيرٌ لا ينضب، أو كأن في الكتاب معاني خفيةً لا تظهر للقارئ دفعةً واحدة، مهما تمعَّن في القراءة.
وأعترف أنني كنتُ أُعدِّل مقالي كلما قرأته مرة جديدة. ولولا الإصرار على الفراغ من المقال قبل صدور الكتاب العتيد، لأعدتُ تعديلاته مراتٍ أخرى، وهذا الأمر لم أعرفه من قبل.
أما الدكتور داهش فتبدى لي، من هذا الكتاب وغيره، فريدًا في أدبه، وخياله، وذوقه الفني، وحكمته، وألمه، وعشقه للحقيقة، وحبه للجمال وتصويره له.
وبعد، قيل: من اجتهدَ فأصابَ له أجزان، ومَن اجتهدَ وأخطأ له أجرٌ واحد. وأنا راضٍ بالأجر الواحد، بل ألا أكون ذلك الرجلُ الماديَّ الضيِّق الفكر الذي صوره الدكتور داهش في قوله بعد مقدمته: “لا يكون حزنُ الخياليِّ شديدًا بالغًا أشدَّه إلا إذا وقع كتابهُ الذي أفرغَ فيه عُصارةَ دماغه، واستوحى عرائسَ خياله في سكون الليالي، والناسُ نيام، في يد رجلٍ ماديٍّ ضيق الفِكر، لا خيال له، ولا يفهم معنى تلك المقطع التي يمرُّ بها مرورًا، ولا يطرب لما تحويه من معانٍ سامية، وتحليقٍ علويّ”.
كفر عقًّا، الكورة – لبنان، تشرين الأول (أُكتوبر) 2009
عبر الرؤى والفنِّ والحرية
الأستاذ سليمان بختي
كاتبٌ وناقدٌ لبنانيٌ. حاز البكالوريوس في العلوم والإدارة (الجامعة اللبنانية الأميركية، 1981), والإجازة في العلوم السياسية والإدارية (الجامعة اللبنانية، 1981). يعملُ منذ العام 1990 مديرًا لـ”دار نلسن للنشر”. له “إشارات النص والإبداع” (1995). شارك في تأليف بعض الكتب الجماعية، وفي مؤتمراتٍ ثقافية في لبنان والخارج. ترجم وراجع عدةَ كُتُبٍ من الإنكليزية إلى العربية. له مقالاتٌ ومراجعاتٌ كثيرة في الأدب والنقد والترجمة، في الصحف والدوريات اللبنانية والعربية.
كتاب “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية” للدكتور داهش
عبر الرؤى والفنِّ والحرية نحو الأعماق والآفاق
اكتشفت هذا الكتاب للمرة الأولى عن طريق المفكر الراحل هشام شرابي إبان التحضير لنشر كتابه “صور الماضي”، وهو الجزء الثاني من مذكراته التي سبقها كتابه “الجمر والرماد”. طلب مني الدكتور هشام شرابي صورَ غلافات أربعة كُتب: “الغربال” لميخائيل نعيمة، و”نشوء الأمم” لأنطون سعاده، و”المقدمة” لشارل مالك، “وضجعة الموت” للدكتور داهش. إستغربتُ، في البداية، أن يطلب هشام شرابي هذا الكتاب. وأخيرًا وجدناه لدى الدكتور سمير الصليبي في سوق الغرب”، فوضع الدكتور هشام، في كتابه، صورةَ الغلاف الخارجيِّ للكتاب غير المجلد وقد بدت فيه امرأةٌ عارية الصدر تُمسك بطفلٍ ميت. ووضع صورةً ثانية لامرأةٍ عاريةٍ تحت عنوان “ليجا والبطة” بريشة كوريجيو، بالحجم ذاته تقريبًا الذي تظهرُ فيه على الصفحة 126 من كتاب “ضجعة الموت” وقد أحاطتْ بها الظلمة التي لم تظهرْ في الصورة، “كما تذكرتُها”، يقول شرابي. ووضع صورةً ثالثة لوجه فينوس بريشة بوتشللي كما يظهر بالحجم ذاته، وقد اقتُطعت بقيَّة اللوحة التي تُظهِر البحرَ! والسماءَ والملائكة.
ومما ذكره هشام شرابي في كتابه “صور الماضي” عن كتاب “ضجعة الموت” وعن الدكتور داهش بك أقتبسُ ما يأتي:1
“كان يتردد أيضًا على بيت جدي، آنذاك، شابٌ اسمه داهش بك اشتهر في الأوساط الاجتماعية بقدرته على التنبوء بالمستقبل. لم التق به إلا بعد مدةٍ طويلة من تعرفه على بيت جدي، ذلك أنه نادرًا ما أتى لزيارتنا خلال الصيف، أي عندما كنت أمضي عطلتي في عكا. لذلك سررتُ عندما سمعتُ، ذات يومٍ، جدتي تنادي بصوتٍ متهدج: “داهش بك قادم. افتحو الباب”.
كان، أنذاك، في أواخر العشرينات من عمره، أسودَ الشعر، نحيل القامة]…[.
في تلك الزيارة التي تعرفتُ فيها إليه، سلم داهش بك جدتي كتابًا كان قد انتهى من تأليفه، عنوانُه “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية” وعليه تقديم: “إلى عارف بك وعائلته الكريمة”. تصفحته جدتي، ووضعته على الرفِّ الذي كانت تضعُ عليه خالتي الصغرى كُتبها المدرسية. بعد ذلك، لا أظنُّ أن أحدًا سواي لمس الكتاب.
كان مجلدًا تجليدًا متقنًا ومطبوعًا على ورقٍ فخمٍ لماع. توجت صفحته الأولى صورةُ المؤلف، وتلاه إهداءُ الكتاب بخطٍّ رفعيٍّ أذكر منه هذه الكلمات: “غلى الموت والحياة الأبدية”. أما نصُّ الكتاب فقد كان مجموعة قصائد كُتبت أيضًا بالخط الرفعيِّ ضمنَ إطارٍ أسود. وإلى جانب كل قصيدة طُبعت رسومٌ بعضها على صفحةٍ كاملة، وبعضُها الآخر على نصف صفحة… قرأتُ بعضَ القصائد لكن دون أن أستطيع فهمها. بدت معقدةً إلى درجة الغموض الكامل. لكن الصور والرسوم، التي كان أكثرها مستمدًا من أعمالِ فناني عصر النهضة، سحرتني]…[.
تذكرتُ كتاب “ضجعة الموت”… عندما التقيتُ داهش بك بعد مرورِ سنواتٍ طويلة. كان ذلك في أوائل السبعينات، في إحدى زياراتي الصيفية إلى بيروت. سألت أمي، يومَ وصولي، ونحن نحتسي القهوة عمَّا حلَّ بداهش بك.
حتى تلك اللحظة وطوال تلك السنوات لم يخطر اسمُ داهش بك على بالي لمرةٍ واحدة. نظرتْ إليَّ باستغراب، قالت إنها سمعت أنه يُقيم في بيروت منذ 1948.
في اليوم التالي، وبحدود الساعة الثالثة بعد الظهر، كنتُ مثل معظم سكان بيروت
———————————————-
1 انظرهشام شرابي: “صُور الماضي”، ط3 (دار نلسن، السويد 1998)، ص 67 – 72.
———————————————-
في ذلك الوقت من اليوم، مُستلقيًا على السرير أُطالعُ الصحف والمجلات، وأحاولُ أن أغفو قليلاً، حين رن جرَسُ الباب الخارجي، وسمعتُ الخادمة تفتحُ الباب، ثم تأتي إلى الغرفة المجاورة وتقولُ لوالدتي: “السيد داهش بك يسأل عن السيد هشام”.
قلتُ في نفسي: لا بد أن والدتي قد أرسلت إليه خبرًا تُعلمُه بأني موجودٌ في بيروت، وأني سألت عنه، فأتى لزيارتنا.
كان جالسًا في زاويةٍ مُعتمة من غرفة الاستقبال الصغيرة. ورغمَ حرارة الجوِّ، فقد خُيِّلَ إليَّ أني شعرتُ بلفحةٍ من الهواء البارد تهبُّ على وجهي لدى دخولي الغرفة. وقف مسلمًا بصمتٍ، وشعرتُ بالانقباض ذاتهِ الذي شعرتُ به عند لقائنا الأول في عكا منذ سنين طويلة. ما إن جلس حتى رأيتُ أنه قد تغير كثيرًا. كان أثقلَ وزنًا، وفي تقاطيع وجهه علاماتُ الكبر. إلا أن عينيه النافذتين لم تتغيرا!
“أتذكرني؟”
“بالطبع أذكرُك”
وعندما جاءت والدتي تحدثنا قليلاً، ثم غادر على أن نلتقي ثانية.
سألتُ أمي كيف تمكنتْ من الاتصال بداهش بك.
“أنا لم أتصِلْ به.”
“لستُ أدري”.
************
ثم اكتشفتُ الكتاب مرة ثانيةً حين قرأته، وسبرتُ غوره. في البدء يلفتثك الشكلُ والرسوم والإخراج، ثم طريقةُ الكتابة في النثر الشعري، ثم إهداء الكتاب إلى الموت، إلى “حبيبي الموت،” كما يقول المؤلف. تذكرتُ في هذا الإهداء ما قاله الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ غير مرةٍ في مقابلةٍ أخيرة له قبل وفاته حين أهدى فنه “إلى مصر التي علمتني فن الكتابة وفن الحب وفن الموت”.
بلى، هناك فنٌّ الموت شغل بال الفراعنة مثلما شغل بال الإنسان على مر العصور.
لماذا يموت الناس؟ وإلى أين يذهبون؟ ماذا ينشدون: سرُّ الحب، سرُّ الحياة، سرُّ الموت، سرُّ الروح، سرُّ الجمال؟ وكيف تعملُ المادة في الروح، فلا تغادر المادة، ولا تفنى الروح؟
يدركُ داهش أن أثقال المادة تعيق الروح. أعباءُ الجسد والأشواق والأحلام والأماني، كلُّ هذه الأشياء تُوقِف الانطلاقة. وإن ما يُبنى عليه حقًا هي الروح. وهو هنا على مذهب الصوفيين الكبار أمثال جلال الدين الرومي الذي يقول: “إن الله يهبُ جناحين لِمَن تخلَّى عن حصان الجسد”.
لا أعرف ما الدفعُ الذي جعل الدكتور داهش يكتبُ “ضجعة الموت”: هل هو الحب؟ أم الموت؟ أم الألم؟ أم المكان؟ أم الخلود؟
يقول داهش: “بآلام نفسي أكتبُ الآن”. ألألم هو معيارُ الوجود ومرادِفُه: ألمُ الحبِّ، ألمُ الحنين، ألم الذكريات، ألمُ الوجود. ولا تتجوهر النفسُ إلا بالآلام. ولا يُحسبُ المرءُ في عداد الأحياء إلا إذا تألم. الألمُ يجوهر الحياة، يدفعها إفى الآفاق وإلى الأعماق. ولكن هل يُفضي الألمُ إلى الاحتراق، إلى الموت؟ أحدُ الفلاسفة الكبار كتبَ ذات مرة: إذا لم أحترقْ أنا أو تحترقْ أنت، فمِن أين يأتي النور. يُقابلُ الدكتور داهش في كتابه9 بين الفرح والألم، بين الشقاء والراحة. وإن الحياةَ تُصنَع، في النهاية، من هذين الرافدَين. ونقطةُ الوصول إلى أبعد هي الموت.
والموتُ، هنا، هو حرية، “يُطلق أرواحنا من أقفاصها” علنا نصِلُ إلى عالَم الخلود والسعادة والسرمديَّة. ولكن هذا الوصول يمرُّ بأسرارٍ كثيرة. هل يدخل المرءُ إلى حياةٍ معيشة أم إلى ثوبٍ يلبسُه، وإلى ثوبٍ يرميه. وهنا يبدو واضحًا مبدأُ التقمص في طروحات الكاتب. كلنا، إذاً، ننطلقُ من العالم نفسه، ونعودُ إلى العالم مراتٍ ومرات حتى يقف الماءُ عمودًا. ليس في “ضجعة الموت” علاقاتٌ مع المجهول أو السحر أو الحلم الغامض أو السر الذي لا نعرفُ كنهَه. هناك أربعةُ أسس: الحب، الألم، المكان، والموت. الحبُّ الذي يعبرُ الأرض ومَن عليها والكون والشمس والكواكب. وهناك الألم المنبعثُ من حركة الوجود، من الصراع. وهناك المكانُ الذي يختصرُ هذا العالم، والذي تعيش فيه الحبيبةُ وتتماهى معه، وربما تقطنُ فيه. وهناك الموت الذي يجعل الملامحَ والسماتِ غائمةً، ويتركُ الأمور بعيدةً وقريبةً في آن: الموتُ الذي يريدُ منا أكثر من حياة، وأكثر من ألم؛ الموت الذي ينتصرُ على الزمن، والذي يغير الشكل، ولكنه لا يقوى على المعنى، ولا على القلب، ولا على الحبّ. يضعُنا الكاتبُ أمام مُفارقة: هل الحياة لا تنتهي أم الموت يبتلعُ كل شيء؟ أم إن بينهما انتقالاً سلِسًا لا يعرف القيود؟
لفتني في الكتاب كلُّ أنشودة تبدأُ بـ”أيها الغريب”. والسؤال: مَن هو الغريب؟ المسيحُ كان الغريبَ الأكثرَ غُربةً وغرابةً في العالَم. وما هو موقفُ الغريب من الحب؟ مَن هو الغريبُ تحديدًا ؟ أهو الذي يموتُ بعيدًا عن أمانيه وأرضِ أحلامه أم هو الذي يموتُ في غُربته عن نفسه؟ وإذا كان الغريبُ لا يلتقي نفسه، فكيف يحصلُ اللقاءُ ويحدثُ الحبُّ؟ وكيف يقبض على ناصية السعادة؟ حتى السعادة الروحية تبدو بعيدة! يقول الدكتور داهش: “يا لها من إلهةٍ تُشعرُك بالسعادة لحظات!… ثم تُخلفنا لنشعرَ بالشقاء أعوامًا وآبادًا مخلفةً لنا الحسرات”.
هذا الشوقُ الذي يعصفُ بالإنسان ليصلَ به إلى الآلهة، هل يُشعرُه بالسعادة المطلقة؟ بالخلاص؟ وما هو الزمنُ الذي يستغرقُه كلُّ ذلك – أعني الشوق والوصولَ والتحقق، ثخم الشقاء والحسرات؟ أم لعلها مأساةُ الإنسان في علاقته مع الآلهة، مع المطلق؟
في كتاب “ضجعة الموت” هناك الرسالةُ الأدبُ والحوار. وهناك، أيضًا، المزج بين الرؤية والكلام. وفي الكتاب حضورٌ لعالم الملائكة والأرواح والحوريات الجميلات. هناك حضورٌ للعامل في غطبته السرمدية. وكيف يبلغُ المرء سعادتضه وخلاصَه الروحيَّ من خلال ثنائيات الحلم والحقيقة، الواقع والغيب، الجسد والروح. وثمة دعوةٌ إلى التمرد على المواثيق المقيدة، والبحث عن روابط وصيغٍ جديدة. لعله تمامًا يشبه ما قاله الدكتور داهش لهشام شرابي: “الناس تريد الهرب… الناس تُريد الاتصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة”. وبعدُ فقرةً جديدة: كتاب “ضجعة الموت” هو هروبٌ بإحسان، هروبٌ مختلفٌ ورائعٌ وجميلٌ عبرَ الرؤى والفن والحرية إلى عالم التوق حيث تتحدُ الأعماقُ والآفاق، وتمحي الحدودُ والقيود.
داهش واحدٌ من عُظَماءِ الأرض
الأستاذ مُحسن محمد البُرجي
مربِّ لبناني. مجازٌ في التاريخ من جامعة بيروت العربية (973). زاول التدريس منذ العام 1964.
تولى في العام 1987 إدارة متوسطة علي النهري الرسمية.
نائب رئيس “الجمعية الثقافية” في البقاع.
أدبُ الرحلة عند الدكتور داهش
من خلال الرحلة الثامنة في سلسلة
“الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”
داهش واحدٌ من عُظَماءِ الأرض
الكلام على العُظماء يستوجبُ الحديث عن الإنسان، ذلك الكائن الذي يجسّدُ كل قيمةٍ في الحياة. فهو مقصدُ كل إلهامٍ وغايةُ كل وَحيٍ؛ خلقه الله بكلمةٍ… وأعطاه الشكل الجميل، ومنحه العقل الرزين.
والإنسانُ العظيمُ هو مَن يتركُ أثرًا تتناقلُه الألسُنُ جيلاً إثر جيل، وتحفظُه العقولُ مآثر تنقلُ البشرية من ظلماتِ الجهل والتخلفِ إلى عوالمِ النور والحبور. فأروعُ ما قدمه العظماءُ لنا أنهم قد مهدوا السبيلَ أمام أصحاب المواهب، فأزالوا العقباتِ كي تتفح براعمُ معارفِهم، وتتنامى في أحضان المعرفةِ الخيرة، فيمثلوا الدورَ الطليعي على مسرح الوجود بصدقِ الأوقياء، وإيمان الأتقياء.
والدكتور داهش واحدٌ من عُظماء هذا العصر. أثار بمآثره الروحية، وعقيدته المثالية، كثيرًا من الأسئلة؛ وهو الذي ترك آثارًا أدبية رفيعةَ المستوى تنمُّ عن روحٍ متسامية، وإحساسٍ مُرهفٍ شفاف.
داهش: العقيدةُ الإنسانية والمشروعُ الإصلاحي
وإذا كان للحق صوتُه المدوي وللحقيقة نورُها الساطع، فمن حقي وحق غيري أن نسأل ونتساءل:
| هل كان الدكتور داهش يتميزُ عن غيره من أبناء جنسه بفطرةٍ خاصةٍ وتكوينٍ مختلف؟
هل يُعتبر الدكتور داهش داعيةً يبشِّرُ بعقيدةٍ دينيةٍ جديدة، وقد ختم الله الرسُلَ والأنبياء بالنبي العربي محمد (صلعم) أم هو متصوفٌ اتجهَ إلى الله متزمِّلاً بأثواب الطهارة، متدثرًا بعباءة التقى والصفاء الروحي؟
أيمكن القول إنه اكتشف ببصيرته النفاذة مشروعًا إنسانيًا إصلاحيًا يُتيحُ للبشرية أن تتمتع بالرفاهية ورغد العيش، وتتنغم بالمساواة والعدل في مجتمعاتٍ تسودها شرائعُ ظالمة لا تعترف بحقوقها؟
وكيف استطاع أن يسعر بأفكاره النيرة وعقيدته الإنسانية المتسامية نارًا بهذا الاتقاد؟
وهل كانت غاياتُه السامية حركةً نهضويةً شاملةً حتى أشاعت الهلعَ من حولها؟
هذه الأسئلةُ تُثير في قارئ كُتُبه الرغبة الأكيدة في الوصول إلى جُزءٍ من الحقيقة، إن لم يكن إلى الحقيقة بكاملها.
أدبُ الرحلات: اتساعٌ في المجال الجغرافي والمعرفيّ
ولقد أتيح لي أن أتعرف إلى شخصية الدكتور داهش الرحالة من خلال كتاب “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية” (الرحلة الثامنة 1972، وقد شملت بلغاريا ورومانيا وبولونيا)؛1 تلك الشخصية المهمة التي احتكمت إلى الكلمة الطيبة، واستندت إلى البيان البليغ، ونطقت بالحق الذي لا يُعلى عليه.
فإن مؤلفة الذي تستكينُ ألفاظُه لمنطق العقل، وتجمعُ مع الخيال على امتداد آفاقٍ لا حدوجَ لها، وتغفو متألقة بين أحضان الروح وشجونِ النفس، أعادني بالذاكرة إلى فنٍّ من فنون الأدب العربي هو أدبُ الرحلات؛ ذلك الأدب الذي يبينُ لنا أن الإنسان منذ أقدمِ
———————————————
1 صدر في العام 1990 عن “الدار الداهشية للنشر” في نيويورك. وتقع “الرحلاتُ الداهشية حول الكُرة الأرضية” في 22 مجلدًا. وقد اقتصِر هنا على الرحلة الثامنة.
——————————————–
الأزمنة يدفعُه حُبُّ الاستطلاع، ويحضُّه دافعُ الاكتشاف ليرتاد مجاهلَ الأرض، فيطلع على ساكنيها، وعلى تاريخها وجغرافيتها، دارسًا أحوالها المعيشية والحضارية.
فالرحلات قد تكون سياحية أو تجارية أو استكشافية لها أهدافٌ اقتصادية أو سياسية؛ وقد تكون جينية لزيارة أماكن مقدسة؛ وقد تكون ثقافية تاريخية وجغرافية غايتها التعرفُ إلى أماكن معينة تاريخية؛ وقد تكون الرحلاتُ خيالية يمثلها الفكر الذي ينطلق بصاحبه إلى مناطق متمايزةٍ عنه وأزمنةٍ لم يعشها هناك، حيث يتخطى الخيالُ حدودهُ فيخترقُ الحجب، بينما يبقى الرحالةُ في موطنه لا يبرحُه.
رحلةُ الدكتور داهش الثامنة، طلّة الكتاب
من الخارج: الرحلة الثامنة تتجاوزُ صفحاتها المئة في كتابٍ أنيقٍ مظهرهُ. يَبهرُ بصرك صورةٌ يضمُّها الغلاف من اليمين: غايةٌ تستريحُ على ضفاف بحيرةٍ مسكونةٍ بالصفاء، تنعكس على صفحتها باسقاتُ الأشجار، فترى أمامك غابتين: واحدة تتسامق نحو السماء، وأخرى تغور في الأعماق. وعلى الغلاف من اليسار، تسحرك لوحةٌ لبيتٍ عتيقٍ تنمقُ جداره الطبيعةُ، فتلبِسُه حُللاً من ورودٍ زاهية الألوان. كما ترى نافذةً معكوفة الحاجبين مستقيمة الذراعين مشرعةً للرياحين. فتخالُ وأنت ترنو إليها كأنك في أعلى عليين.
ويبدو لناظريك منحدرٌ للنباتات البرية تتلاطم على صخوره أمواجُ بحرٍ مديد الزرقة حتى عنق السماء.
ويبدو أيضًا لناظريك مبانٍ تسهرُ تحت أضواء الكهرباء، يؤانسُها تمثالٌ رخاميٌّ أمام أحدِها… تقول لك إنها من روائع الهندسة لأممِ قد خلت ولعظماء من الرجال قد مضوا.
كتابٌ هذه طلتُه، فكيف يكون محتواه؟
من الداخل: أما من الداخل، فمع أناقة الطباعة، فإنك تقرأ الكتاب من ألفِهِ إلى يائه، فلا يجرحُ بصرَكَ أيُّ خطأٍ مطبعيّ. تلاحقت سطورُه تسودُ البياض… لكن قتامةَ اللون لم تُثر هنواجسَ مرعبة أو تبعث وساوسَ خناسة، بل أضاء توهُجُ مضمونها عتماتِ النفوس، فتحوَّل يأسُها غلى رجاء، وحُزنُها إلى فرح.
في هذا الكتاب، تُمِسكُ الدقة بيديكَ، وتلحظُها بعينيك، وتقفُ بكَ في ختامه عند ذِكرِ أسماءِ المدن، والقرى، والمسافات بينها، محسوبةً بالساعة وبالكيلومترات.
هذه الدقة المتناهية، وهذا الإحصاءُ الحسابيُّ هما القاعدتان الأساسيتان في بناء أدب الرحلات.
تبدأُ الرحلة إلى بلغاريا، عاصمتها صوفيا: “في اليوم الثالث والعشرين من شهر أيلول 1972م. أقلعت الطائرة من مطار بيروت الساعة السادسة والدقيقة الرابعة والعشرين”.
رؤًى وتخيُّلاتٌ عجيبةٌ تتشكَّلُ في الضباب – المسيحُ يخطبُ للضباب
في عبارة “الرحلةُ عينُ الجغرافيا المُبِصرة” – وهو كتابٌ لصالح الشامي، أُستاذِ الجغرافيا المصري المشهور – ما يُفيد أن الرحلة ليستْ حكايةً تُروى أو مغامرةً تتناقلُها الأفواه، ولا سبيلاً لاكتشاف المجاهل من كوكبنا الذي نتمتع بخيرات ما يحويه غداءً للجسد ومتعة لحواس فحسب، وإنما تعتبر، واقعًا وفعلاً، الحركة المستمرة للحياة بوجوهها المختلفة. إنها، أي الرحلة، تميط اللثام عن مبجأ أساسي في الارتحال يقوم على عنصرين هما حساسيَّةُ ابصر وتمثلها العين، والجغرافيا التي تُمثُّل الأرضَ بتكويناتها المتنوعة.
وإن إضافة لفظة “المُبصرة” إلى الجغرافيا في عبارة “الرحلة عين الجغرافيا المبصرة” توكيدٌ على الدقة في الرؤية؛ وهذا ما نلاحظه في صفحات الكتاب الذي نتكلم عليه. فنقرأ ما كتب الدكتور داهش:
“كلُّ العيونِ مُبصِرةٌ، ولكنها ليست دقيقةً برؤياها. كُثُرٌ مَن ينظرون ولا يبصرون، وقلة من يبصرون وهم ينظرون”.
في كتاب الدكتور داهش العين تُبصرُ ما ترى أمامها وما يتراءى لها.
لقد رأى في الغيوم التي كانت تحتشد وتتسابق فتملأُ رقعةَ السماء “رؤًى وتخيلاتٍ عجيبة يصورها حرفيًا (ص25):
“فها هي امرأةٌ راقدة، وقد أغلقت عينيها وهي تسندُ رأسها بينماها. وها هو السيد المسيح بقامته الفارعة، وجسمه النحيل، وكأنه يخطب للضباب! وفجأةً ارتفعت أسوارُ ميجنةٍ منيعةٍ من هذا الضباب، فحجبتِ المدينة وقطانيها عن العيان. وها هي جبال شامخة من هذا الضباب العجيب، وأودية سحيقة، وطيورٌ أسطورية، وحيواناتٌ متعددة”.
لقد كان الضبابُ مُدهشًا بأشكاله الأسطورية وأسواره العجيبة. هذا الوصف يلجُ في صميم أدبِ الرحلة من بابٍ جديدٍ يقوم على رسم لوحاتٍ مُلهمة، ليس بالريشة واللون بل بالكلام الجميل.
هلمَّ نرافقُ الدكتور داهش في رحلته قليلاً
في رحلته هذه إلى الدول الأوروبية الثلاث (بلغاريا – رومانيا – بولونيا)، نلتقي، أولاً، المتعة التي تُريح النفس، وتنأى بالإنسان عن هموم الحياة، فيستعيدُ الفكرُ طاقاته الخلاقة؛ وثانيًا، المعرفة التي تبرزُ مظاهر الحضارة والرقيَّ، وتُرينا المعالم التاريخية والأثرية المتمثلة بالقصورة والجسور والقلاع والحصون، وتدخلنا إلى المتاحف الزاخرة بصور التاريخ المتعددة على مرِّ العصور، وتسيرُ بنا في الحدائق الزاهرة والغابات الوارفة الظليلة؛ وثالثاً، الوجدانيات التي تظهرُ في بعض صفحات الكتاب كَبوحٍ موجعٍ صادق يصدرُ عن روحٍ شفافة رقيقة’ وقلبٍ ينبضُ بالمحبة الإنسانية.
هذه العناصر الثلاثة توحدت في أعماق الدكتور داهش لتقدم لنا وصفًا واقعيًا متناهي الدقة يتلاءمُ ويتناسبُ مع ما رأته عيناه، وسمعته أُذُناه، ولمسته يداه في المتاحف، والشوارع، والغابات، والقُرى المنتشرة على جوانب الطرقات التي عبرتها السيارة التي أقلته. ويبدو فيها بشكلٍ جليٍّ، لا يقبلث الشك، توقُ الدكتور داهش الشديد، واندفاعُه القويُّ لزيارة المتاحف.
فالمتاحف ليست صورة الماضي الذي ينتصبُ أمامنا كالمارد، حاضرًا بعظمته، كأن عيونَ التاريخ تُحدِّقُ بنا، فتشدّنا إليها، وحسْب، وإنما هو المستقبلُ يسالُنا كيف سيكون!
متاحف وقصور…
فمتحف الزولوجيا (ص 26 -27) “عظيمٌ، ذو ستَّة أدوار. عدد درجاتها تسعون. وقد شاهدتُ الأدوارَ الستة وما تحويه من كنوزٍ حيوانيَّة عظيمة”.
ويَلفتُ الانتباه وصفثه لعيني البومة المحنطة، وهما تلمعان بأشعةٍ عجيبةٍ غريبة كأنهما تحملان أسراراً لا ندري كُنهُها.
ويَلفتُكَ وصفُه للذئب ورأسُه يرتفعُ إلى الأعلى كأنه يطلق إنذار الجوع المرعب.
إن عبارة “الجوع المرعب” لا تنطبقُ على الحيوان المفترس وحدَه، بل على ملايين من البشر يتضورون جوعًا، بل يموتون أحياءً لأنهم لا يجدون ما يقتاتون به. ثم ينقلك إلى أجنحةٍ أخرى زينتْ واجهاتها الزجاجية جميعُ أنواع الفراش الملوَّن الجميل…
ففي وصفه الدقيق الباصرة، القوي الذاكرة، يعنا أمام صورةٍ واقعية، فيخيَّلُ إلينا، نحن القارئين، أننا نقفُ في باحات هذا المتحف نمتِّعُ أبصارَنا بتلك المخلوقات المدهشة التكوين.
ويصفُ الدكتور داهش متحف الصناعات البلغارية، فيقولك “منزلٌ أنيقٌ تحيطه حديقةٌ صغيرة وكان منزلاً لأحدِ الأغنياء. فدخلناه وشاهدنا غُرفه العديدة. ففي كل غرفةٍ منها نوعٌ من الصناعات” (ص 45). فغرفةٌ لآلات الطرب وقد صُفَّتْ فيها ابتداءً من المزمار القصبي حتى البيانو العصري، وغرفةٌ للقدور الفخارية، وغرفةٌ لأدوات الحياكة، وأُخرى لآلات الفلاحة… مصنوعاتٌ خفيفةٌ جدًا وقرويه!
ويصف متحف الفن (ص 80): “يضمُّ سبعين لوحةً زيتية، منها ثلاث لوحات، كلٌّ منها قياسُها تسعة أمتار طولاً، وأربعة أمتار عرضًا”. ومما يسترعي النظر دقةُ الكاتب في قياس ول الوحة وعرضها وحضره لعدد اللوحات المعروضة في المتحف. ويتضحُ بجلاءٍ كم يبدو المؤلف مفتونًا بهذا الفنِّ الراقي الذي يحتكمُ فيه الفنان إلى قِيَمِ الجمال والخيال والخير.
أمَّا في متحف “النازي”، فقد شاهد ما يمقتُ وما يكره. ما أقبحها من صَوَرٍ! وما أهولها من مشاهد!
ففي هذين المتحفين مشهدان متناقضان: في الأول يحيا الإنسان متساميصا مع تأملاته حيث الخيرُ والنور. وفي الثاني يحيا عذاب الجسد وألمه وتفجعَ المُهجِ وقلقها. اليس الأدبُ تجسيدًا للحياة بتفاصيلها واقعًا وإيحاءً. فكيف إذا أطل علينا من خلال مسافرٍ رحّالٍ كالدكتور داهش؟!
وفي رومانيا، مهَّد لدخول القصر الملكي بكلامٍ على حديقته التي غطت ترابها الأعشابث النضرة، وزينتْ أرجاءها تماثيلُ حجريةٌ لنساءٍ فاتنات وأُسودٍ تكاد تنقضُّ. ثم وصف ما شاهده في قاعة الاستقبال الملكية؛ وقد عدها رائعة لِما “احتوته من اللوحات الفنية المنحوتة من الرخام الأبيض” (ص 69 – 70).
قصر فتن بضخامة بنائه، وجَمال هندسته. وتزاحضمَتْ ذكريات، واحتشدتْ أخيِلة: هنا مرابط الخيول، ومراكزُ الجنود، وهناك مجالسُ الأُبهة والفخار تتصدرُها عروشٌ سادت ثم مادت. إنها القوة التي تمجِّدُ الحق تارةً، وتدوسُه باقدامها وحوافرِ خيولها تارةً أُخرى. حق العدالة مَصون لها، والعدالةُ الحقُّ سجينةُ الزنزانات المُظلِمة. والإنسان هو الباني والمدمِّر، المُبصر والأعمى، الأنانيُّ والخير. هكذا كتب وسيكتبُ التاريخ عنه.
الوجدانيات الداهشية
ولشد ما يذكر الدكتور داهش وضعَه الصحي في كتابه فيشير, غير مرة، الى عدم انتظام نبضات قلبه. حينذاك تفيضُ قريحتُه بقطعةٍ أدبية ألفاظُها في حلاوة الشعر وعذوبته، وعباراتُها في طلاوة المُرسل من الكلام وأناقته، وأفكارها في جلال الحكمة وعُمق الفلسفة، وصورُها دانيةث القطوف بعيدةُ المنال تسمو بظلالها المترادفة من واقع المآسي والآلام إلى سماء الملائكة وروحانية الله. ففي قطعته “أيها القلب المتعب”، ينبعثث الكلامُ من أعماقه دفاقًا، محملاً بالأحاسيس الدفينة والافكار السجينة، ومعبرًا عن الألم المبرح تارةً، وهامسًا رجاءاتٍ حميمة تارةً أخرى. تأوُّهاتٌ من العذاب هي، وأنَّاتُ مكلومٍ أدمتْ فؤادَه مِحَنٌ لا تُطاق.
في تلك المناجاة، تلتقي إنسانًا ألبسَه الدهرُ ثوبَ التُّقى، فاختار الموتَ سبيلاً للخلاص، واحتكم إلى الضمير الحي، فاقتنع بأن العدالة في السماء، وليستْ على الارض. وينادي الملاكَ الرحيم ليأخذه معه. ألمُ الموت العادل أَحَبُّ إليه من عالم التمدُّن الآثم والظالم. لكن المفارقة المدهشة هي أنَّ الناس يخشون الموت، ويخافون ظُلمة الرِّمسز نقرأ له:
“اسرعْن اسرع بين إلى مدينتك المُرجَّاة.
اسرعْ ودعني أجوسُ ربوعَها المقدسة…
آه، ما أجمل عالمك، أيها الموت العادل،
وما أسعدني وأنا أتجولُ في حدائقه الغناء الإلهية!”
قليلون هم الذين يتجاسرون ويصرحون بحبهم للموت. ونادرًا ما قرأنا شِعرًا أو نثرصا يحوكُ للموت ثوبَه “العادل”.
ما أسعدك، أيها الإنسانُ النقيُّ السريرة، وأنتَ تتخلل حدائق الإله، بينما يسعى غيرُك في مستنقعات الإثم والرذيلة!
وعندما كان يعود الدهور داهش من رحلته إلى الفندق يتناولُ ما يُسِكتُ إنذارَ جوعِه ويسدُّ رمَقَه، ذلك والبصلةُ السعوديةُ اليفةُ مائدته. ثم يلجأُ إلى القراءة في كتابٍ قد حمله معه، أو يلجأُ إلى قلمه، فيخطُ بعض القطع الوجدانية التي أثارتها الرحلةُ في مشاهداته أو ما أثارته من ذكريات ,ففي قطعته “ذكرتُك فحزنتْ روحي”، انفطر قلبثه المحب حين تذكر الصديق الذي لا يُنسى، توأم ذاتهن الرجلَ الذي مثل صفاتِ الشهامة والإباء والانفة، وتجمل بخلال الرحمة والرأفة والشفقة: الدكتور جورج خبصا. وفي قطعته “ذكرياتٌ محزنة”، افتقد حنانَ والدته، “من حملتْه وهنًا على وهن،” والأخلاء الأوفياء، والخلص الأمناء الذين استظل بصدقهم وأمانتهم ومحبتهم، أمثالَ الشاعر المبدع حليم دمُّوس. ففاض الوجدان كالطوفان، وانبجست العطفةُ هدارةً بما يموجُ في أعماقه تجاه من تركه في عالمَ الزيف إلى فراديس الخلود.
والدكتور داهش مثابرٌ على المطالعة، وهو ممَّن يُقال فيهم: “وقُل ربِّ زّدني عِلمًا).
هل أصابت سِهامُ قَوسِه ما أَراد؟
كتاب “الرحلة الثامنة” للدكتور داهش، السهلُ بأسلوبه، المتينُ بسَكبكِه، العميقُ بمعانيه، يزخرُ بمعارفَ جديدةٍ تُغذّي الفكرَ وتوسعُ الثقافة، ويحمل في ثناياه ومضاتِ طاقةٍ لا تُرى، لكنها متحركة، متماوجة مع الأثير الذي يُحيط بالكون. فهل ما ورد في الكتاب قد تطابق مع مقدمات أدب الرحلات أم قد تعارض معها؟
هل اعتمد المؤلف على تُراث من سبقه من الرحالة من جغرافيين ومؤرخين؟ وهل نجدُ في مضمونه جديدًا يُضافُ إلى ما نعرف؟
هذه الأسئلةُ يجلو غموضها ما احتوته صفحات الكتاب من وصفٍ دقيقٍ للأماكن التي وطئتها قدماه، وتحديدٍ أدقَّ للزمن أصابت سهامَ قوسه ما أراد، فضلاً عن خيالٍ صوَّر به ما ابتغى صورًا محاطةً بهالةٍ قُدسية.
ولا أزعمُ أنني وفيتُ هذا الكتاب حقه من الكلام الذي يستحق أو بلغتُ المقصد الذي يُراد. إنما الظنُّ أنني شارفتُ على المصب حسبما قدرتُ.
علي النهري – لبنانن في 5/10/2009
ملاحظاتٌ تأسيسيةٌ
الدكتور وجيه فانوس
أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن في قسم الدراسات العليا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. حاز الدكتوراه في النقد الأدبي المقارن من جامعة أكسفورد في بريطانيا. تولى إدارة كلية الآداب في الجامعة اللبنانية (1986 – 1992). شارك في عدة مؤتمرات وندوات عربية وعالمية، وقدم فيها أوراق عمل وأبحاث. من مؤلفاته “الريحاني والمعري” (1993)، “محاولات في الشعري والمجالي” (1995)، “إشارات من التثاقف العربي مع التغريب في القرن العشرين” (2004).
ملاحظاتٌ تأسيسيةٌ حول النص القصصيِّ
في “قصصٌ غريبة وأساطيرُ عجيبة” للدكتور داهش
تقديم
“قصص غريبة وأساطير عطيبة” مجموعةٌ قصصية من جزأين،1 تضمُّ خمسصا وثمانين قصةً وضع المؤلف معظمها في مطلع الثلث الأخير من القرن العشرين، ما بين سنة 1976 وسنة 1978. أما مؤلف هذه المجموعة فالدكتور داهش، وهي صادرةٌ سنة 1979 عن “دار النسر المحلق” في بيروت – لبنان.
يقوم الجوُّ العام لهذه القصص على انطلاقٍ من أفكارٍ توحي بخلفيةٍ واقعيةٍ لها وتشكل تعبيري يعتمدُ لغةً عربية واضحة سلسة؛ فضلاً عن جوٍّ يعبقُ بآفاقٍ ملحميةٍ كونيةٍ ضاجة، تنطلقث من الخاص المحدودِ بناسِه وأحداثه، لتصلً إلى رحاب العام المشتمل على عمقٍ إنساني نافذ إلى أمورٍ هي من أسسِ الوجود الإنساني وأُفقٍ شديد الاتساع، ينفتحُ على كثير من مجالات الفكر والفلسفة، ناهيك بالرُؤى والمبادئ الداعية إلى تبصُّرٍ معين في أمور الوجود برُمَّته.
——————————————–
1 كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة” هو في أربعة أجزاء، اقتصر الباحث هنا على الجزأين الأول والثاني. (الناشر)
———————————————
معظم القصص قصيرُ الطول، وقلَّ أن يكون بينها الصفحات القليلة في العدد؛ بل إن غالبية كبرى منها تحضر بين صفحتين أو اربع على أبعد تحديد؛ وأقلية منها تمتدُّ على مدًى يتجاوز هذا العددن لكنَّه لا يتجاوزه بكثير (مثل “راعي الأغنام” و”وأُبيدت صيدون” و”الخائن المطرود” و”حبيبان فقيران” و”قصر الأسرار المذهلة” ,”الأعمى”)!
الشخصيَّات في هذه القصص واقعيةٌ فيم رات كثيرة، وخرافية في بعض المرات، لكن بحضور حيواني أو نباتي أو جمادي، يتجلببُ برداء الواقعية الإنسانية، ويمثل وجودًا إنسانيًا. (أنموذج “القنديل اليتيم” و”في رحاب ربِّ الأرباب” و”الكوكب فومالزاب” و”مملكة أرهاط الجن” و”رحلة وردة جورية”).
تدورُ أحداث القصص في أزمنةٍ معاصرة وقديمة ومستقبلية، كما إن قسمًا من هذه الأحداث يجري في عوالمَ متخيلة؛ لكن سرعان ما تقود جميعُها إلى تصوير لتشكلاتٍ من واقع العيش الإنساني المطلق، بغض النظر عن الزمان أو المكان. فهي أحداثٌ لا يمكن إلا أن تصب في خانة ما هو إنسانيٌّ وما هو مطلق كليٌّ في الإنسان.
لعلَّ سطوة الحق، أو ما يمكن تسميتُه بـ”جبروت الحق”، هو الموضوع الأساس الذي يتشكل عبر جميع قصص هذه المجموعة، أو هو تتشكل به قصصُ المجموعة. فما من واحدةٍ من القصص الواردة فيها إلا وتقود غلى تأكيد فكرة أو مبدأ أن الحق لا بد من أن يتحقق؛ لكن ما يمتاز به حضورث الحق في هذا المجال أنه لا يتحقق بوداعةٍ أو لطف، بل بكل قوة وسطوة وجبروت. إنه، تاليًا، الحق المهيب والمهاب، الحقُّ الذي لا يقبلأن يتجاهل فاعليته أحد، وإذا ما كان من تجاهل فإن هذا الحق لا يمكنه إلا أن يفرض أحقيته بأعتى ما في القوة من بطش وجبروت. ومن هنا، فإن الموضوع الأبرز في جميع قصص هذه المجموعة هو “سطوة الحق عبر جبروت وجوده” أو هو “الحق المرعب”!
السِمات التكوينية للنص الروائي
تقوم أقاصيص المجموعة، بجزأيها، على لغة سرديةٍ تعتمد المباشرة، أكان ذلك بالتقرير أو بالوصف وحتى بالاستخلاص أو بالاستنتاج أو ما يمكن أن يُعرف، تقليديًا، بالعبرة. وهذه المباشرة السردية أعطت الراوي تميُّزًا واضحًا، بل طاغيًا، في النص القصصي، وبات أشخاصُ القصة مجرد حضورس ثانوي لخدمة حضور الراوي الذي لا يفتأ يتحول، في أغلب القصص، إن لم يكن فيها كلها، إلى البطل الحقيقي صاحب القرار النهائي والمحرك الأساسي لمجري كل واحد من الأحداث في النص. فالراوي هو مَن يعرض للحدث ويصف مسرحَه ويشرح خلفياته ويهندسُ أحداثَه ويبرر منطقه. ولمَّا كان حضور “الحق” اساسًا في هذه المجموعة القصصية، ولما كان الراوي هو مهندسُ الأحداث التيت قود إلى تجلي الحق ونفاذ وجوده، فإن “الراوي” و”الحق” باتا وكأنهما يشكلان ثنائيًا موحدًا فيما بينهما؛ فلا يكاد ينماز واحدُهما عن صاحبه، بل هما تكاملٌ مذهل في سطوته على القص.
يتاسس النص، في كل واحدة من أقاصيص المجموعة ، على واقع معيش، وقل أن ينطلق من واقعٍ متخيّل وحتى في الواقع المتخيل الذي يبرز في بعض القصص، فإن محال التخيل يكون في تحديد المكان أو الزمان، وأما ما تبقى من أحداثٍ ومشاعر ينبني عليها النص، فكلها من صلب الواقع الإنساني المعيش والمعروف (أنموذج قصة “الحلم الهابط إلى أرض البشر”). ولعل في هذا البعد الواقعي في النص ما خدم بقوةٍ الجانب الرسالي منه؛ فما من قصة إلى وتحملُ في تضاعيفها رسالةً ما، وما من رسالة إلا وتصبُّ في خانة “جبروت الحق”. وهكذا فإنَّ الواقعية التمثيلية، إن جاز التعبير، خدمت غائية النص القصصي في هذه المجموعة.
لئن انطلقت نصوصُ المجموعة من المباشرة الوصفية الصارمة، فإنها استطاعت بهذه المباشرةن أن تصل إلى ما هو رمزيٌّ وإيحائيّ. ومن هنا، فلم تأتِ المباشرةُ لتقتلَ رمزية النص أو إيحائيته، كما هو متعارفٌ عليه من فاعليات المباشرة التعبيرية، بقدر ما قامت لخدمة هذه الرمزية أو الإيحائية. ولعل السر في هذا يكمن في أن مباشرة نصوص المجموعة لم تكن مجرد مباشرةٍ إشارية سطحية، تدل على الموجود بذاته، بقدر ما كانت مباشرةً بنائية عميقة، تدل على ما يشير إليه الموجود وما يحتويه من وجود. إنها مباشرة تستغل إشارتها إلى المحدود، لتصل عبره إلى المطلق والكلي. ومن هنا، فإن ما يرد في نصوص المجموتة من ذِكر لأشخاصٍ وأحداثٍ وانفعالاتٍ ونتائجَ يدلُّ على أمرين في الوقت عينه، أوَّلُهما الحقيقةُ المباشرة للمشار إليه، وثانيهما الحقائقُ الكامنة أو المطلقة، “الرمزية”، التي يكون المشار إليه مجرد مفتاحٍ للولوج إلى رحابها.
صحيحٌ أن القصَّ، تقليديًّا، ينهض على سردٍ ما، أو تصوير، لأحداثٍ يقوم بها اشخاص. أما في هذه المجموعة من القصص فإن القص، وما ينهض عليه، إنما يتشكل بأفكارٍ يصورها بأحداثٍ وأشخاص. فالفكرة هي العمود الفقريُّ للقص في هذه المجموعة، خلافًا للتقليد القائل بأن الحدث وأشخاصه هم قوامُ الفعل السردي. وأفكار المجموعة برمتها تقوم على مبدأ إحقاق الحق، كما يفهمُه الراوي ويعتقد به ويؤمن به ويبشِّر به وهو، في جميع الأحوال، حقٌّ لا يفرضُ وجودَه إلا بقوة هذا الوجود وسلطته بل بجبروته. ولذا فالمجموعةُ عبارةٌ عن قصصٍ فكري يتسربلُ التشخيص لإظهار وجودِه وإبراز تجلياته عبره. إنها، تاليًا، مجموعةٌ تعتمد التشخيصَ الفكري منهجًا لعرض ما ترمي إلى عرضه من مبادئَ وأفكارٍ وقيَمٍ ومُثُل.
إذا ما كان ثمة اعتبار لبعض المقاييس الأرسطية في القص أو الراوية، وضرورة انتهاء القص بحل يسبقُه عقدةٌ تقوم على صراعٍ ما ينشأ عن تمهيد، فإن أقاصيصَ هذه المجموعة بكليتها لا ترتمي إلى في أحضان عدم المصالحة في الحلول. فلا حلٌّ الاَّ ويؤكد انتهاء الصراعية القصصية لصالح طرف “الحق” دون سواه، ولا عقدةٌ إلا وتقوم على خدمة انتهائها بتفوقِ “الحق” وأعلان جبروته، بل لا تمهيدٌ إلا ويؤسس لمسرحِ تجلي سلطةِ الحق وأعلان بطشِه المطلقِ والساحق في وجه كل من يعترضُ وجوده. ولعل في هذا التطرُّف المُمْعِنِ في تطرُّفه لجهةِ طرفٍ واحدٍ وحيدٍ في كل المجموعة هو “الحق”، ما يعطيه فائدةً عمليةً واضحة في تحديد سماتِ كثيرٍ من البناء القصصي فيهاز إنه تطرفٌ في بناية النص القصصي يبني لمجموعةِ قصصٍ تهدف إلى تأكيدِ رسالةٍ واحدةٍ لا غير، هي رسالة “جبروت الحق”، إن جاز مثل هذا التعبير. وتقوم هذه الرسالةُ على مفاهيمَ وقيم لعل ما أبرزها: “أساسية التطهُّر من الدنَس الإنساني” و”ضرورة القصاص والاقتصاص” سبيلاص لهذا التطهُّر. ولعل نظرةً عجلى على أيِّ واحدة من هذه القصص قد تكون من باب الإيضاح التطبيقي في هذا المجال، ولذا، فإن قصة “ساطعًا كالشمس” (الجزء الأول، ص 140 – 144) تفي بالمُراد.
تدورُ القصة حول ملاكٍ أناط به الإلهُن كما يقول راوي القصة، مهمة استقبال ارواحِ من انتهت أعمارهم من “الفُساق الشاذين عن الأوامر الإلهية السامية والنواهي الربانية العادلة”. ويذكرُ الراوي أن هذا الملاك كان يُدهشُ من الأعداد الكبيرة الوافدة إليه من هؤلاء الناس الذين برروا أمامه مساراتهم الحياتية السيئة بأنها ناتجة عن عدم قدرتهم في السيطرة على ما أعطاهم الإله من شهوات ورغائب. وهنا، يبدأ البُعد الدراميّ في القصة؛ إذ يطلبُ الملاكُ من الإلهِ أن يُحيلَه إلى إنسانٍ يسري عليه “ما يسري على أبناء آدم،” ليؤكد لهم أنه “بالاستطاعة الامتناعُ عن التلوُّث بالمرأة، والإمساكِ عن وُلوج عالَمِ الشهوة التي تقود إلى عالَمٍ مظلم دُجنتُه أبديةٌ وحلكتُه سرمدية”.
ويكون للملاك ما طلبه، فإذا به في دنيا الناس منفلتٌ وراءَ شهوةِ النساء وغريزةِ الشر، مُسببًا الخنى والعار والهلاك حتى لمَن أحسنَ إليه منهم ليموتَ، في نهاية المطاف، “هائمًا شريدًا في أروقة مدينة العذاب الأبديّ، الضاجةِ بالخوف السرمدي”،
تاركًا ذريةً طالحةً في عالم الأرض
“تسطو على النساء، معيدةً تمثيل الأدوارِ التي كان والدُها يُمثلها مع فتيات البشر بعد أن كان يوقعُهنَّ بشراكه التي لم تنجُ منها أيةُ امرأة”.
من الواضح أن كلَّ ما في هذه القصة يقوم على أقصى ما في لتطرف في مجاله من آفاق. فالملاك، وهو أوّلُ شخصيةٍ يوردُها الراوي في النص، ينهض في أروع ما يمكن لملاكِ أن يكونَ وأصفى ما يستطيعثه التصويرُ لملاكٍ أن يُقدِّم:
“كان وجهُه ساطعًا كالشمس، متوهجًا كالكواكب، رائعًا يبعث الخشوعَ والورعَ لمشاهدته. وكان رداؤه أشعةً نيرةً تبهر رائيها”.
أما الفُسَّاق، كما يذكرُهم الراوي، فهم، أيضًا، في أقصى التطرُّف من مجالات وجودهم؛ إذ هم “أوصلوا أرواحهم، بعد مفارقتها لأجسادهم، غلى عالمٍ تعسٍ تُعشش فيه المنغصات، وتتحكم فيه قسوةٌ بالغة؛ عالَمٍ ليلُه ثقيلٌ مدلهم، ابديُّ الهموم، وشقاؤه لا ينتهي، وفجرُه لا ينبثق، وافاعيه أبديةُ الالتفافِ على أعناق هؤلاءِ الفساقِ مثلما كانوا يتعانقون في دنياهم بطريق الحرام الذي نهى الخالقُ عنه. فضلاً عن لذعاتِ هذه الثعابين المؤلمة كل الألم، ولكن سُمَّها الناقع لا يُميتُ الفُسَّاق، فهم أبدًا أحياء يتعذبون عذابًا هائلاً”.
ومن جهة أخرى، فإن الملاك يتحول، عند تلبُّسِه الرداء الإنسانيّ المتْرع بالشهوة الشريرة العارمة، الى شابٍّ في أقصى تطرُّفٍ يُمكن لانسانٍ شرير فاسق أن يكون فيه؛ كما إن مَن يتعاملُ معهم من الناس يتحولون من أقصى ما في الطهرِ من تطرُّفٍ إلى أقصى ما في العُهر من تطرُّف:
“كم م زوجٍ طلق زوجه! وكم من أخ دخل السجن بسبب أعوجاج سلوكِ شقيقته وارتكابها المحرمات مع هذا الشاب الذي عاث فسادًا بالغًا بسطوِه على أعراض المُحصَنات من السناء والفتيات اللواتي كنَّ قبل التقائهنَّ به متمسكاتٍ بشرفهنَّ، ففقدنَ هذا الشرف بعد تعرُّفهنَّ عليه”.
إنَّ الرؤيا الرسالية التي تقوم عليها القصة يمكن أن تحدد بأن لا مصالحة على الإطلاق مع حُكمٍ الحق! وقد يمكن وضعُ اعتمادِ الخُطاطةِ التالية لتوضيح هذه الرؤيا ضمن سردياتِ النص القصصي:
لا مصالحة الملاك اقصى الجمال التجربة السقوط اقصى الخنى العقاب المر
مع
حكم الحق الفسَّاق أقصى الخنى العقاب المر
ولذا، فكل ما في السرد القصصي في النص يأتي خادمًا لهذه الرسالة الرؤيوية حول الحق؛ وكل الاحداثِ والشخصيات مسخرة من قبل الراوي، لتقحيق مضون هذه الرسالة وتأطيره.
أما الآفاق الملحمية فتبدو جليةً منذ المقطع الأول للقصة الذي يُظهرُ فيه الراوي ملاكًا جبارًا في طُهرِه وما أعُطيه من قوةٍ في آن، وأثناسًا ممعنون في جبروت غيهم لا يستطيعون منه فكاكًا أبدًا، ونهاياتٍم حتومةً لكل حدثٍ تصبُّ في بحر وجودٍ إنسانيٍّ شاملٍ يتجاوز كل مكانٍ وزمان. وبذا، يحقق الراوي بهذا السرد لأحداثِ القصة انتقالاً صاعقًا مؤكدًا من حدثٍ خاص، مع ملاكٍ وجماعةِ فساقن إلى حدثٍ عام يتناول حقيقة وجود جبروت الحق الإلهي ضد كل مخالفةٍ له، ايًا كان مرتكبها، وأيًّا كانت صفتُه أو بواعثُه ومراميه.
من جهة أُخرى، فإنَّ مَرويَّاتِ النص القصصيّ، ههنا، على ما فيها من إيحاءاتٍ أُسطورةية، تظلُّ حاضرةً ضمن ما هو واقعيٌّ من أشخاصٍ وأحداثٍ وطبيعةِ نتائج. ولا بدَّ، في هذا المجال، من تأكيد الإشارة إلى أنَّ كل اشخاصِ القصة وأحداثها تبقى رهن رواية راوي القصة، بل إنها تفقدُ كل وجودٍ لها خارجَ حضورِ الراوي الذي يحتكر لنفسه فقط حق تحريكِ الأحداث والأشخاص والنتائج. فالراوي هو البطل الرئيسيُّ والحقيقيُّ للقصة، بل لعلَّ لا مبالغة على الإطلاق، في أن هذا هذا الراوي، بالذات، هو إكسيرُ حياةِ النص القصصي
ههنا. بيروت في 12/5/2009
دنيا الكلمات الداهشية
السفير محمد سعيد السيِّد
سفير مصري من الدرجة الممتازة يحمل وسامي الجمهورية والاستحقاق من الطبقة الأولى. شغل عدة مناصب دبلوماسية. وهو الآن المشرف العام على مجلة “الديبلوماسي” التي شغل رئاسة تحريرها ونيابة الراسة زهاء 17 عامًا. حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وأنهى دراسات في القانون الدوليِّ العام والخاص في أكاديمية القانون الدولي بلاهاي، ودراسات الاقتصاد والإحصاء والمالية العامة في المجلس البريطاني بالقاهرة، ودراسات الفن التشكيلي في أكاديمية الفنون الجميلة بلاهاي.
دنيا الكلمات الداهشية
إن كلمات الدكتور داهش عمت الآفاق القريبة والبعيدة، فلا مكان ولا زمان بلا كلمةٍ داهشية عنه. إن الكلمات الداهشية تنبضُ دائمًا بالحياة بلا قيدٍ يُوقفها فتذوي وتتلاشى. إنها كلماتٌ منطلقةٌ ومستمرة، تحرك ما حولها وتحرك العقول والفكر لمَن يتلقاها، وتدفع بفكر المتلقي إلى آفاقٍ فسيحةٍ نوارنية شفافةز إنها كقلبٍ يدفع برحيقه في أجساد البشر لتفيض بحياةٍ فكرية تُغطي الحاضر والماضي والمستقبل من الزمان. أما المكان، فالكلمات الوصفية تُبقيه على حاله في أغوار الماضي كما تُبقي على حاضره ليُصبح ماضيًا فيما بعد… أما المستقبل، سواءٌ أكان زمانًا أم مكانًا، فالكلمات عنه هي رؤًى داهشية لمَن يلمسُها ويتفهمُها. وهي تتجاوزُ العينَ التي تقرأُها والأذنَ التي تسمعُها إلى الأعماق والأبعاد الفلسفية لكلماتٍ مهما كانت بساطتها وسهولتُها ومهما كانت واقعيتها أو معنوياتها. إنها انطلاقاتُ فكرٍ بلا حدود ولا عوائق تصدُّه وتمنعُه عن الانتشار. وتظلُّ الكلمات في انتشارها تتجدد وتجدد من فكر المتلقي إلى الأبدية. وكلما وصلت كلمةٌ إلى منتهى معانيها على المتلقي، تجددت وبُعثت من جديد، ربما في نفس المكان أو في مكانٍ آخر، وفي نفس الزمان أو في زمنٍ آخر. إنها حيويَّةُ الكلمة الداهشية لا يدُركها إلا من تلقاها وسايرها من أصولها إلى حداثتها، فإلى ما بعد ذلك.
إنها كلماتٌ إذا وصلت إلى فكر المتلقي، فتحت أمامه أبوابًا وطرقًا وسيالاتٍ متعددة متنوعة. هي ما بين جبالٍ شامخة تتحدى العقل، وسبلٍ وطرقٍ ممهدة خضراء وارفةِ الظلال ووديانٍ تجري فيها الأنهار تريح المشاعر والنفوس. إنها طبيعةٌ ساكنة لا ترى فيها أحدًا. ولكن قد تجدُها مرةً أخرى وقد ملئت بالبشَر وبالحياة الإنسانية، وكلها تشكيلاتٌ لصُورٍ تتداعى في خيال المتلقي، تسكن وتتحرك باستمرارية الكلمات الداهشية التي تؤدي إلى أعمال الفكر والعقل مع تلك الكلمات المطلقة المُنتقاة التيلا تحدّثها حروفُ الكلمة.
وإني قد التقيتُ مع الكلمات الداهشية مصادفةً حين جمعتنا الأقدار، بلا تقديم من أحد، وكان ذلك مع كلمات رحلة “الدينار الذهبي” حول العالم،1 فكان لها الصدى الجميل والاثرُ العميق، إذ تدفقت المعاني بأعماقها الفلسفية وبشكل مطلق. إنها كلماتٌ تسمو وتعلو وتتألق بضيائها على جميع بقاع الأرض. هكذا كان لقائي الأول بالكلمات الداهشية.
ثمَّ كانت كلمات الدكتور داهش التي أحيتْ أرض الفراعنة الكامنة في وجدان كل مصري، تتلامسُ وتتوغل في مشاعره وفكره وعقله وخياله، فيظلُّ هائمًا في المكان والزمان الفرعونيِّ، مع الكلمات الداهشية، مهما كان منغمسًا في معيشة الحاضر زمانًا ومكانًا. إن السيالات وعظمتها، ومن خلال الكلمات الداهشية وسيُولتها عن الأميرة المصرية الفاتنة، شخصية لامعة تُدعى فرانسوا. إنها شخصية بينها وبين أي مصري ترابطٌ من وقائع الماضي والتاريخ إلى انفتاحاتٍ على العالم المستقبلي انبثقت من الخطاب الداهشي؛ فهي عنه وإليه.2
إن فرانسوا شابٌّ يعيش في باريس. ملامحُه وقسماتُ وجهه ليست كمن يسكنون القارة الأوروبية من شمالها إلى جنوبها؛ فهي تختلف عنهم بلونها الأسمر وبما تُنبئُ به من أن أصل موطنه في شمال إفريقيا.
——————————————–
1 إشارة إلى كتاب الدكتور داهش: “مذكرات دينار”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986) \
2 القصة الواردة لاحقًا مستوحاتٌ عامة ومقتبسة جزئيًا من قصة الدكتور داهش “الأميرة المصرية الفاتنة” المدرجة في الجزء الثاني من كتابه “قصص غريبة وأساطير عجيبة” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 237. (الناشر).
——————————————–
ويعشق فرانسوا التجول في ميدان الكونكورد بباريس؛ ففيه يشعرُ بالراحة وهدوء النفس وصفاءٍ يتسع به المكان من حوله وكأنه يحلق في الفضاء. كما يشعر دائمًا بأن في نفسه تواصُلاً غامضًا يجذبُه إلى هذا الميدان.
وفي أثناء سيره هناك، كانت له وقفاتٌ كثيرة يتامل فيها هذه المسلة الفرعونية الشامخة في وسط الميدان. ولكن في وقفته هذه المرة خُيل إليه إنه يسمع بكاءً ونحيبًا، فسكنت نفسه قليلاً، وتوجه بأذنيه مُنصتًا نحو مصدر النحيب، وسار صوبَه فقطع الميدان حتى وصل إلى المسلة ولامسها، فأحس أن النحيب يصدرُ منها. فأرهف السمعَ، فوجدها تُتمتمُ أيضصا ببعض كلماتٍ ليستْ فرنسية، ولكنها لغةٌ غريبة. ومع ذلك فقد فهمها وكأنه يتحدث بها معها. سمعها تقول: “إني لستُ بقاتلة! إن وجودي في هذا المكان وكأنها نبوءةٌ داهشية وقد تحققت.” فوَجِلَ لهذا القول، وابتعد عن المسلة وعن وسط الميدان بأكمله، وجلس على أحد المقاعد المنتشرة في الحدائق التي تُحيط بالميدان. جلس ساكنًا في تاملٍ عميق لحديث المسلة، وجاءت جلستُه بجوار شابٍّ وصاحبته. وفي أثناء سبحه في تأملاته، تنامى الى سمعه ما يُسِرُّه الشابُّ إلى صاحبته. إنها كلماتٌ رائقة وشعرٌ فياض بالأحاسيس يخاطبُ به أميرته التي سلبت رُشده وسحرته؛ ويشهد المسلَّة على هذا العشق، فيقول:
“أي أميرة قلبي وسالبةَ رُشدي،
إن فتوتكِ، يا معبودتي المفداة، سحرتني،
وأُنوثتك المُذهلة أضاعتْ نُهاي وغمرَتني،
ورقةَ عتاطفتك استولت على كياني وبهرتني!…
لهذا أُعلن لك حبي أمام هذه المسلة السامقة
لتكون شاهدةً على غرامي الملتهب الذي أكنُّه لك.
وها إني أخطُّ لك قصيدتي عليها لتحتفظَ ذرَّاتُها بها.
فمهما مضَت الأيام، وتصرمت الشهور، وأبيدت الأعوام،
فستبقى هذه المسلَّةُ ذاكرةً حبي العظيم لأميرتي،
ذاكرةً غرامي المشبوب وهيامي الشديد بمَن أهواها”.
وها فرانسو أن نحيبَ المسلة وصوتَ بكائها تلاشيا، فأخذ هو يردد كلمات القصيدة التي سمعها لتوه مندهشًا لأنه سمعها من قبل، ولكن ليس في هذا الموطن، وإنما في موطنٍ آخر. فتداخلتْ أفكاره واختلطت أحاسيسهن فكأن نفسصا أخرى تخرج من يانه وتسبحُ في عالم بعيدس عنه وما زالت كلمات القصيدة ترنُّ في اذنيه وهو يردد أنها قصيدةٌ داهشية. إنها قصيدةٌ داهشية سمعها في موطنٍ آخر أكثر هدوءًا وروحانية تحفُّه طبيعةٌ جميلةٌ خلابة.
ولما فرغ الشاب من إنشاد قصيدته عانقت الفتاةُ صاحبَها، وغادرا المكان، وسارا بعيدصا حتى غابا عن نظره. وغمرَ عقل فرانسوا ضبابٌ كثيف، ولم يعد يستطيع تفسير كل ما يراه ويسمعه. وظل جالسًا لزمنٍ لا يدري له له مدى. ولما نهض من مجلسه، توجه نحو المسلة في وسط الميدانن وجلس حيالها، ووجد نفسه ينطق باللغة نفسها التي تحدثت بها معه من قبل قائلاً لها: “أوضحي وفسري لي ما أراه وما أسمعُه وما أَنطق به حتى أستريح”. فتنهدتْ وأخذَت نفسًا عميقًا وقالت:
“إنك تنطق بالهير وغليفية، وإن لكل شيءٍ موطنًا. فالإنسان له موطن، والحيوان له موطن، والنباتُ له موطن. وكذلك الجمادُ له موطن. ومع ذلك، فالكلُّ في حركةٍ دائبة ودوراتٍ متواصلة لا تتوقف، ولا تنقطع. فالحيُّ يخرج من الميت، والميتُ يخرج من الحيِّ. وأنت موطُنك مصر. ولنعد إلى قصتنا. إنها قصةٌ طويلة سجلها الدكتور داهش في منظومته عن الأميرة المصرية الفاتنة. وإني متهمة، كما جاء في المنظومة، بقتل الأميرة، وها أنذا في غير موطني، أنتصبُ ف باريس، في ميدان الكونكورد. وهذه المركبات التي تسيرُ بدون خيول تجرها تدور من حولي محدثةً ذلك الضجيج والصخب العظيم والتلوث البيئي الكثيف. إني أتعذب وأُقاسي، وأتمنى حياةً جديدةً أنعمُ فيها بالهدوء والسعادة وتجمع الأحباب من حولي وهم ينشدون الحب والهيام.
“وإني سأقصُّ عليك الحكاية من أولها، وهي التي سجلها داهش بكلماته المنتقاة بلا إطالة أو تقصير. إنها واقعٌ عايشته حتى سقطتُ عن قاعدتي، وبعد ذلك انتقلتُ وانتصبتُ في هذا الميدان. والبداية هي أنه في قديم الزمان كان العمَّالُ المصريون يشتغلون بهمةٍ ونشاطٍ عظيمين وهم جادُّون في قطع كتلةٍ عظيمةٍ من الصخر يرغبون في فصلها عن الجبل الأُّمّ. وكان عملثهم متواصلاً من الفجر إلى غروب الشمس. وكان عددهم عشرين الف عامل يحثهم على النشاط المسؤول الأول الموفد من قبل فرعون مصر. فقد رغبت ابنته الأميرة سختحتي بمسلةٍ سامقة الطول لتزين حديقتها الغناء الحافلة بشتى أنواع الأشجار المثمرة. ” وكنت أنتَ، في ذلك الوقت، المسؤول الأول، وكان اسمك خمعنخ، تحضُّ العمال على مواصلة عملهم باستمرار تنفيذًا لرغبة الأميرة التي اصبحتْ في شوقٍ ملح لمشاهدة المسلة تزين حديقتها في عيد مولدها السعيد، إذ لم يبقَ سوى شهرس واحدٍ لتدعو صديقاتها وكبار رجال الدولة للاحتفاء بتلك المناسبة.
“وكان خطيبها رعمون – وهو شابٌّ بمقتبل العمر سُحر بمفاتن أميرته – يزور مكان العمال ليحثهم أيضًا على الإسراع بفصل هذه الصخرة العظيمة عن الجبل الأم تلبيةً لرغبة خطيبته الفاتنة.
“إن هذه الأميرة وطيبها هما الشابُّ والفتاة اللذان كانا جالسين إلى جوارك منذ لحظات، ثم تركا مقعدهما وسار واختفيا مع السائرين. ولنعد الى حكايتنا. فقبل أن يحل موعدُ الاحتفال بعيد الأميرةن كانت المسلة سامقةً ترنو نحو السماء وبجوارها نافورةٌ من الماء الفرات تنفثُ المياه نحو العلاء، لتعودَ وتنسكبَ على بساط الأزهار المدهشة، فإذا بالفتنة تلفُّ الحديقة السحرية.
“وجلس خطيب الأميركة بجوارها يبثُّها حبه وهواه وغرامَه… وإذا به شاعرٌ يجيدث سب العبارات الهيامية، فجعل يُنشد معبودته النشيد الغرامي الذي سمعته منذ لحظات وأنت جالسٌ بجوارهما.
“وفي اليوم التالي، أُقيم الاحتفال الكبير الذي حضره كبارُ رجال الدولة، وكانت سختحتي قلبَ الحفلة النابض. وتم اقترانُ رعمون بأميرته وكانت ايامهما سلسلةَ أفراح.
“وفي أحد يام الربيع الفاتن، كانت الاميرة جالسةً بجوار نافورة الماء الفاتنة بالحديقة العامرة بالورود وهي تنتظرُ حبيبها وقرينها رعمون ليُشاركها في جمال هذه الورود الضاحكة، وإذا بي، أنا المسلة، أسقطُ فجأةً، ولم تستطع الأميرة الهروبَ، وفوجئت بسقوطي، فسحقتها سحقًا.
“وكانت مناحةٌ هائلةٌ في جميع المدن المصرية وتخومها حزنًا على الأميرة الشابة. أما رعمون، فقد هاله الأمر، واختلط عليه الحادث، فأضاع اتزانه، واصبح مضعضع العقل، مسلوبَ الرشد. وصمت، لا يتفوه باية كلمة. وكانت دموعُه تنهمرث كالشآبيب. وفجأةً سقط على الأرض، واق نفسه، واتسعت حدقتا عينيه، وإذاه يقول: سألتقي، سالتقي بحبيبتي سختحتي. سالتقي بأميرتي ولكن ليس في هذه المدينة، بل في مدينةٍ سيكون اسمها باريس. وسأكون جالسًا بمركبة لا تقودُها الخيول، وهي تسير بسرعةٍ كبيرة وبجواري ستجلس معبودتي وأميرتي. ومراراً وتكرارًا سنمرُّ بجوار هذه المسلة القاتلة المنصوبة في ساحةٍ سيكون اسمها الكونكورد.. كما إني أُشاهد مئات من هذه المركبات التي تسير بدون خيول. وكل مرةٍ نمرُّ فيها بالقرب من هذه المسلَّة، سأدلُّ لها بإصبعي عليها إشارةً إلى أنها القاتلة. فهذه المسلة المجرمة هي مَن قتلت حبيبتي. تمتم بهذا، ثمّ!َ اختلج اختلاجه كبرى، وإذاه جثةٌ هامدة!
“وها نحن سويًّا في ميدان الكونكورد في باريس وقد تحققت النبوءة الداهشية”.
وبينما الحوارُ دائرٌ بين فرانسوا والمسلة، أقبلت فجأةً معداتٌ آلية متنوعة كبيرة الحجم بصخب وضوضاء عالية، وبدأت تحفر حول المسلة. وتجمع الناسُ مستفسرين عما يحدث، فكان الكلامُ يدور حول أن الحكومة المصرية تستعيدُ الآثار الفرعونية المنتشرة في دول كثيرة. وقد رحبت باريس بإعادة المسلة إلى موطنها. وأخذ فرانسوا يبتعدُ عن هذه المعدات التي أحاطت بها من كل جانب، ويتراجع عن وسط الميدان, وهنا مالت المسلة، والعمال يقتلعونها من مكانها، نحو فرانسوا، ونادته قائلةً له: “إني شاهدتُ من علُ موقعًا جديدًا أُعِدَّ لي بجوار الأهرام في مصر. وقد تم ارساءُ قاعدةٍ متينة لي حتى لا أسقطَ عنها مرةً أُخرى. وقد تغيرت وتحولت الصحراءُ حول الأهرام إلى بساتين غناء ملأى بالأشجار والنباتات الخضراء والزهور من كلِّ الألوان. وعلى البساط الأخضر تجلسُ الأميرةُ، وقرينُها يُنشدُها قصيدةَ حبه مرةً اخرى، ويرحبون بك وأنت تدور حولهما وتقطف لهما الأزهار والورود”.
كان فرانسوا، آنذاك، قد ابتعد عن المسلة والمعدَّات الصاخبة، وأصبح في منتصف الشارع عندما سمع نداء المسلة، فالتفتَ إلى الخلف، ولم ينتبه إلى مركبةٍ بلا خيول من تلك المركبات التي ورد ذكرُها في ختام المنظومة الداهشية تسيرُ بسرعةٍ نحوه فدهسته، وإذاه جثةٌ هامدة.
ولكن لنعد مجددًا إلى بساتين الأميرة الفاتنة، ونقف من حولها انتظارًا لعودة المسلة إلى شموخها على قاعدتها الجديدة.
راعي الفن من أجل رِفعةِ النفس
الدكتور محسن محمَّد عطيَّة
أستاذ النقد والتذوُّق الفني في كلية التربية الفنية بجامعة حلوان – الزمالك، مصر. حاز دكتوراه علوم الفن من أكاديمية ريبين بروسيا عام 1979. قوميسير الجناح المصري (لبينالي، بنجلاديش 2001). عضو اللجنة العليا لمتحف الفن المصري الحديث (2001 – 2002). رئيس اللجنة العليا الدائمة للمسابقة الدائمة للنقد الفني بوزارة الثقافة (2005). حصل على الميدالية الذهبية للتميُّز الإبداعي والثقافي من أكاديمية أوزبكستان (2003). أُدرِجت سيرتثه الفنية والنقدية في موسوعة Who’s Who العالمية (2003).
الدكتور داهش
راعي الفن من أجل رِفعةِ النفس
تُواجهُ الإنسانية في أيامنا هذه تهديدًا لقيمها وحكمتها ومُثُلها العليا، بل إبداعاتها الفنية أيضًا، إذ أصبحت الاغلبيةُ من العامة ينظرون إلى الإبداعات الفنية نظرتهم إلى ضربٍ من الرفاهية الزائدة أو العبث. غير أن قيم الجمال، من وجهة النظر الإنساني، تمثلُ حجر الزاوية في بناء صرح الحرية التي هي أثمنُ ما في التراث الأخلاقي والعقلي للإنسانية. فإن تفوقَ الإنسان إنما يكمنُ في حريته وكرامته.
وتأتي ذكرى المئوية الأولى لمولد الدكتور داهش كذكرى لظاهرةٍ إنسانية نبيلةٍ وخالدة. فهو الأديبُ الموهوب والمفكر صاحبُ الرؤية الفريدة في معاني الحياة والموت. ورسالته الروحية الهادية اتسعت آفاقُ تأثيرها العميق، فشملت جميعَ حقول المعرفة، ومنها الفنونُ الجميلة. وقد تمتع داهش ببصيرةٍ تُماثُل بصيرةَ الفنان والشاعر حتى أصبح ملهمًا بعين الإيمان في زمنٍ تعرضت فيه الحياةُ الإنسانية للخطر؛ وهو الذي يُصرحُ بأن من لا يحبُّ الجمال يجهلُ غاية الحياةن وبأن الحب هو السبيل إلى فهم كل ما أُغلق فهمُه. وما أكثر ما عانى الدكتور داهش في حياته من الألم وهو يبحثُ عن السبيل للخلاص، فاتخذ طريقة للخير وتكشفت له الحقيقةُ، وتجلت. وكذلك رسخ اعتقاده في الخير الذي هو السبيل للخلاص وسط شرور الحياة، فاتجه بإيمانه بالإنسانيات إلى أبعد من المعرفة.
وقد ضاهى ولَعُ داهش بالفن ولعَه بالأدب والثقافة، فجمع الكنوز المتحفية، وابتاع إبداعات الفنانين، وزار المتاحف والمعارض والمراسم، إذ أصبح الفنُّ في قناعته ركيزة كل حضارةٍ راقية.
كان قد بدأ أحساسُ الإنسان بالجمال منذ أن تحررت روحُه، وقهر خوفه، وأدرك أن جمال الروح هو أسمى وأصدقُ من أي جمال. وبالفن رسخ الإنسان حياته ووطد الخير. وقد خفق قلبُ داهش منذ مطلع صباه بحب الجمال حتى بلغ حد الوله. ودأب بحثًا عن النفيس من اللوحات والتماثيل والتحف، وهيامًا بالفن الذي اقتنى من كنوزه الفريدة ما شكل نواة متحفه العالمي في نيويورك، وجعله إضافةً عظيمةً لتراث الإنسانية. وهو الذي خفق قلبُه بحبِّ الجمال، فأدرك سرَّه، فخطا خطواتٍ واسعةً نحو فهم اسرار الخلود. وقد عانى داهش في تاسيس متحفه حتى في سنوات كهولته وشيخوخته، فكان يرتحلُ ويتنقلُ بين القارات والمُدُن سعيًا وراء صروح الجمال الخالدة والفن في صورته المثلى.
ولما زار الدكتور داهش متحف الفاتيكان عام 1969، شاهد التماثيل الحجرية والمرمرية الجميلة لعباقرة المثالين العظماء، وتطلع إلى نوعٍ من الفن يمثلُ الجمال المتالق والنبيل، فتحررت نفسُه وسمَتْ بفضل معاني الانسجام والتناسُق والإنسيابية التي أيقظت فيه الرغبة في تاملها.
وكان قد بلغ الستين من عمره حين عاودَ رحلاته للمتاحف بانتظام، واستمرت زياراتُه لتلك المتاحف في مختلف العواصم الآسيوية والإفريقية والأوروبية والأمريكية حتى عام 1983، فعثر في هذه الرحلات على الطريق للارتقاء في عالم اللامتناهي من خلال الفن الذي يحوِّل المألوف إلى سامٍ، ويضفي على المعلوم جلال المجهول، فينفذُ عبر جوهر الوجود ويستخلصُ معناه. هكذا أشبعت الإبداعاتُ النحتية لعباقرة الفن عاطفة داهش، وأشاعت فين فسه الأجواء الخيالية وقد انعتقت نفسُه من نزوات الحياة. وأمام كل لوحةٍ استوقفته في مُتحفٍ، شعر بسعادةٍ، بلقاء الجمال العبقري الذي يُجسدُ المطلق، ويوحدُ بين المرئي واللامرئي، وبين الطبيعة والذات، إذ سيما نحو الإلهي.
وفي متحف لوس أنجلوس، استوقفت الدكتور داهش لوحاتُ المصوِّر الهولندي رمبرانت من القرن السابع عشر ولوحاتُ المصور الفرنسي بوشيه من القرن الثامن عشر، واسترعى انتباهه الشعورُ أمام الفن بالحياة وهي تنبض، وبالتعاطُف مع الحقيقة في كامل بهائها وقد تجسد الجمال بالأضواء والظلال. أما إبداعات الفنانين الحديثين، ومنهم المصور الفرنسي جوجان Gauguin والهولندي فان جوخ Van Gogh، فشهدت على قوة الفن الذي بوسعه أن ينقل المشاهد إلى روعة اللاواقع كسبيلً للخلاص. وعبرت المناظرُ الطبيعية التي رسمها المصور الإنكليزي كونستابل Constable عن براعة الفنان، فأثرت في نفس داهش بقوتها التخيلية والروحية، إذ وصفت حُدُوسَ الفنان الباطنية التي لا تضاهيها أيةُ تجربةٍ حسية لإنسان.
وبفضل العنصر الروحي تكشفت لداهش استبصارات الفنانين كنوع من المعرفة التأملية. وكان داهش في كل مرةٍ يتطلع فيها إلى منظرٍ طبيعي مرسومٍ بعبقريةن يشعرُ بلذةٍ جماليةٍ تتسامى به من الحسي إلى الروحي، فتتحقق له الغبطة الشاملة، وتتحررُ الإرادة من التعلق بالمادي، وتتعمقُ الحياة الوجدانية. لم يكن الدكتور داهش يتوقف في تأملاته للفن عند حد المرئي، وإنما كان يتعمق في المعاني العاطفية وفي الأقكار، وينتقلُ من المستوى الشخصي للرؤية إلى المستوى الذي تتوحد فيه ذاتُه مع الكون.
هكذا أصبحت حياته ذاتُها لصيقةً بالفن حتى كاد الفنُّ يكونُ النقطة المضيئة في حياته، فاستغرق في الطبيعة والفنِّ، وتفاعلَ معهما ليندمج مع الجمال.
لقد تحلى داهش بطباعه الإنساني، وبمعرفته الحسية الواسعة والعميقة التي عثرت على ضالتها بين الحقائق العليا الخالدة وفي أحضان الجمال الذي يسمو على كل تصارع، فيصل إلى التناغُمِ ويلتقي الكمال. وهكذا استطاع التوصل غلى الحقائق في الوقت لاذي كان يبتهجُ بتأملها، وهكذا سار الفنُّ ملازمًا للاستماع بالحقيقة.
ظل داهش وفيصا لعهده مع الفن، يلتقي روائعه في تلك المتاحف والمعارض بعين فنية مفسرةٍ وناقدة. فلم يكن ينظرُ أبدًا إلى أعمال الفن كوقائع مفككةٍ أو خاليةٍ من المعنى، وإنما فهمها خياليًا؛ فالخيالُ في عُرْفِه أداةٌ ينظرُ بها العقلُ الإنسانيُّ إلى ما هو أبعد من كل حد تفرضه العادة، ولا يعترف بالمستحيل في مجال الإبداع، الأمر الذي يدعو إلى رؤية فنية نافذة وإلى ذوقٍ رفيع. وبقدر عزوف الرجل عن مُغريات الحياة الدنيا الزائلة، خلدَ اسمه في معبد الجمال.
وكانت متعةُ داهش أن يختبر العاطفة الإنسانية في نُبلها متمثلةً في نعومة ملمسِ الحجر في تلك التماثيل التي تدعو دائمًا إلى النفوذ عبر مظهرها لإدراك المختفي وراءَ الهيولى فيها. وها هي ديانا (أرتميس) وقد اكستبت الأنوثة الطاغية في حالتها الحسية المتفجرة معنى الخلود في التماثيل وفي صُوَر اللوحات التي ضمها “متحف داهش للفن”. ولم تكن الموضوعاتُ التي تصورُ المرأة في تلك التماثيل واللوحات في المتحف تُلهب الشهوات، وإنما كانت تدفعُ مضن يُشاهدها للتأمل في الأبداع الذي يُمجد معنى الحب والحياة والخلود. وتشهدُ مثل هذه اللوحات والتماثيل في المتحف على مقدرة الفنانين الذين حولوا الألوان إلى نغماتٍ والحان موسيقية.
وليست الحياة التأملية اقل حقيقةً أو تعبيرًا أو أقل دقةً من الحياة العملية. وإن للفنون استغراقًا خاصًا في الغابات، وفي طرق الحياة الإنسانية ووسائلها في الوقت نفسها. أما المعاني الكلية فيتطلبُ إيصالُها البراعة الفنية بتاثير فعال.
وتتفوقُ الفنونُ في حشد الوجود الشخصي للإنسان، وتنشدُ تحريك المشاعر والإرادة، مثلما تحرك الأفكار من أجل إحراز الحياة المعنى نفسه. وكان قد بلغ شغفُ داهش باكتشاف أسرار الطبيعة وبتأمُّل العالم في معطياته الجمالية إلى الحد الذي وصل إلى رؤية العالم كمعنًى مقدسٍ ترتعشُ أمامه النفسُ إجلالاً.
كان همُّ الدكتور داهش أن يظفرَ بلوحةٍ فنية يتملاَّها ويتفرَّسُها عن قُرب أو يبتاعها لتضم إلى متحفه. والحقيقة أن كل لوحةٍ في “متحف داهش” هي بمثابة تُحفةٍ وأثرٍ لبراعة الفنان، نعكس شيئًا من القدرة الإلهية، فتتجلى من خلالها معانٍ إنسانية سامية يحسها من يشاهدها في الخطوط المنسجمة والألوان المتناسقة.
وبلغت اللوحاتُ التي تصور مشاهد خيالية اقصى درجات التعمق بتعبيراتها الصوفية، وبتجسيداتها لدراما الروح المتمثلة ف اللمسات اللونية وفي الانحناءات الخطية لصور الأشجار والصخور والسحب، وقد ذابت الأشكال الإنسانية وسطها بفضل الأضواء كتعبيرٍ عن حالات الصفاء والسمو النفسي والبراءة والسلام.
هكذا آمن داهش بقوة الفن الذي عانى في جمعه ليسمو على المعتاد ويصل الى الرائع القادر على إثارة فكرِه وخياله، وإلى الجمال الذي يُصور براءة الإنسانية في تناغمها مع الطبيعة المتمثلة في صور الحدائق الموشاة بالورود الفردوسية الرائعة، وبأجوائها الحزينة المحببة وبجمالها الذي ياسرُ القلوب.
والزائر لـ”متحف داهش” يعثر على آثارِ روعة الأبداع بأبعاده الجمالية والروحية، فيشاهد الأضواء والظلال وقد لعبت أدوارها بعناية وفعاليةٍ لترسم المعاني الإنسانية على نحو محسوس وجليل، كدليل على التحرر من سلطة القيود الأرضية والتحليق في الحقائق الأزلية، بحثًا عن سرالحياة وسر الحب وسر الخلود. وإذا كان دور الظلال أن تخفي المناطق غير المعبرة في العمل الفني، فإن الأضواء تقوم بإبراز الجواهر النفيسة فيها.
وما لجوءُ داهش إلى عالم الفن إلا من أجل أن يختبر في إبداعات الفنانين كيف تنتقل الحقيقةُ من عالم المحسوس إلى عالم الروح لتتجلى المحسوساتُ كحقائق روحيةٍ أو كأفكارٍ تسمو على المحسوس في هيئة جليلة.
إنَّ معاناةَ داهش في الحياة على الأرض قد تحولت بفضل عشقه للفن إلى فكرة السمو بمنهجٍ روحي لبلوغ حالة الانسجام والطمأنينة والكمل. ويشهد “متحف داهش للفن” في مدينة نيويورك على قوة الفن كسبيلٍ لخلود الإنسان الذي تحررت نفسُه فحظي بمجد الحياة الروحية المثالية، وبسعادتها في العالم السامي.
اللغة في النص الداهشيّ
الدكتور رياض زكي قاسم
أكاديميٌّ لبناني. نال الدكتوراه من قسم اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها في جامعة الإسكندرية (1979. أُستاذ اللغويات في الجامعة اللبنانية. تولى عماده كلية الآداب بين العامين 2001 – 2005. اضطلعَ بعدة مهمات تربوية خارج الجامعة، منها في المركز التربوي للبحوث والإنماء. من مؤلفاته “اتجاهات البحث اللغوي الحديث في العالم العربي” (جزءان)، “المعجم العربي – بحوثٌ في المادة والمنهج والتطبيق”، “تقنيات التعبير العربي”. وله بحوثٌ ومقالاتٌ كثيرة، وكتبٌ مدرسية في اللغة العربية من الروضة الى نهاية المرحلة الثانية
اللغة في النص الداهشيّ
مقدمة
- يرتكز هذا البحثُ، من حيث مصادرُ المادة، على عدة كتب للدكتور داهش كانت قد صدرت بتواريخ مختلفة، بدءاً من العام 1932 فصاعدًا. وقد شكل تاريخُ النص أساسَ التصاعُد المعتمد في الدراسة.
- تصدر النصوص، موضوعُ البحث، عن ثلاث ميزاتٍ هي شكلٌ من الانطباعية، والانفعال، والايقاع.
- أما الأولى فترتد في إطارها العام إلى “الإلهام” أو ما يظنه الكاتب رسالةً تُمليها قوةٌ خارقةٌ لكي ينقلها إلى ما يكتب. فكأنه أمسى وسيطًا لربه النثر والشعر؛ فإذا هو بذاك ملهمٌ، إذا ظن أنه لا يعتمد على ملكاته الشخصية، وإنما يصدر عن إرادة خارقة أسمى وأقوى من أرادته.
ثم ما نراه في النصوص من التقاط حي لما هو “مادة” في الحياة الدنيا أو ما هو متغير سريعُ الزوال، بشقية الملموس والمتخيل، جراء تأثيراتٍ من العالم الخارجي على مشاعر نفس الكاتب وحساسيتها، أدى إلى شيءٍ من التداخل، فالتماهي أحيانًا بين الذات والموضوع. فتراه في انطباعيته يعبر عن المشاعر وما وقَرَ من آثار الشيء أو الموقف في نفسه، مستحضرًا في ذِهن القارئ صورة حية لمكان له وجودٌ موضوعيّ، فيغدوان (الكتبُ والقارئُ، معًا) متلقيين لانطباعات نفسية أثارتها فين فسيهما رؤيةُ ذلك الحي، مثلهما في ذلك مثل المصور الانطباعي الذي يجوزُ رسم الشيءِ إلى تسجيل انطباعاته عنه.
لكن، كيف تجلت هذه الانطباعية، التي هي سبط الإلهام، في نصوص هذا البحث؟ لقد تجلت بشيءٍ من الرجحان بين التفتيت والاكتمال الشكلي، ورصفِ العبارات جنبًا إلى جنب في رابطٍ داخليٍّ هو التوتر، والانفعال، والتماهي؛ وأحياناً ترابط العبارات بوصفها الحاد، جنبًا إلى جنب، في رابط آخر هو الرابط السببي أو المعنوي، إضافةً غلى الجنوح المفرط في استعمال الجمل القصيرة ذات الجرس التعبيري المتسارع حينًا، والجمل الأكثر طولاً في نصوص الابتهال أو الدعاء أو الرجاء أو ما يعكس صفاءَ الذِهن والنفس معًا. ثم تندرج النصوص، في كثير منها، في لونٍ إيقاعي، يتكون من التكرار، والتعاقب، والترابط.
- وأما الميزة الثانية فهي الانفعال الأدبي الذي بدا في ما يعانيه الكاتب أو يتحمله، إذ يتعامل مع جميع الظواهر التي تحتملها النفس احتمالاً مقدورًا، أو سلبيًا.
وفي ملمح قريبٍ من نتاج الانفعال الأدبي، في القرن الثامن عشر، تطالعنا بعضُ النصوص المؤثرة التي تجسد فيها الانفعال موجودًا، بسبب عنصري الدوام والقوة اللذين أسرا العقل، أحيانًا، فغدا الانفعال دالاً على الميول الحادة، أو لنقل المتطرفة، تلك الميول التيت متلك الإنسان، إلى حين، وتُبعده عن الخير، او العدالة، أو الفضيلة. ولكن سرعان ما ينتفض الكاتب ليتحدى هذا الطغيان، ويجنح بقوةٍ إلى الرفض، ملتمسًا ما يعتمل في داخله، ويمور عنيفًا، فتنهال عبارات الاندماج أو الاتحاد بالروح، والصفاء، ونشدانِ الرجاء، والتأكيد على الخلاص، وانتهاج دربِ المسيح في الافتاء والصعود السامي.
ج. وأما الميزة الثالثة فهي الأيقاع، حيث تنتظم مضامين النصوص، في أغلبها، في ثنائيةٍ متتابعةٍ بين النور والظلام؛ بين القوة والضعف؛ بين اللذة والتصوف؛ بين التوتر والابتهال الهادئ. وقد طغى اللون الإيقاعيُّ بثلاثية التكرار، والتعاقب، والترابط.
- جمعت النصوص، موضوعُ البحث، بين النثر، والشعر، والشعر المنثور. وشكل كتاب “أناشيدي” نظرةً استرجاعية، بما تضمنه من مختارات شاء جامعها أن يعطي صورةً واضحةً عن أدب الكاتبن بما التقطه من تُراثه الداهشي.
- ينطلق البحث، لغويًا، من دراسة النص أولاً، ليخلص إلى أسلوب الكاتب، ويتعرف الى شخصيته ومزاياه. ولعل ما جاء في متن المقدمة خيرُ ما تجمع وتم استصفاؤه من النصوص المقروءة.
إذن، لا يُسقط البحث أفكارًا، أو معلوماتٍ، قبليةن أو سابقة، أو منقولة، أو متواترة، عن الدكتور داهش، ولم يتاثر كاتبُ البحث بما قيل أو سيُقال، وإنما التزامه في ما يصدر عن النص، فحسب.
أولاً: مُعجمُ التضادّ
في نفس الدكتور داهش متسعٌ لاجتماع حالتين متضادتين، معًا، تستغرقان، وتصدقان على الإحساسات والإدراكات والصور العقلية، وحالات الشعور باللذة والأَلم والتعب والراحة؛ فهي – عنده – حالاتٌ متضادةٌ يوضحُ بعضُها بعضًا.
فالحياة تستدعي الموت، والموت يستدعي الحياة. وكذلك يستدعي الشر نشدانَ الخير. وتتداعى مظاهرُ الخير لتحيل إلى الشر، في تقابل جدليٍّ مثير يتحكم الكات بإيقاعه.
وهذا التداعي للمتضادات يصدر عن وعيٍ حينًا، ويصدر عن اللاوعي حينًا آخر، ولا سيما في زمن سيطرة ربةِ الكتابة، أو انقداح شرارة الإبداع.
وقد نجد تداعي المتضادات في تقابل سريع، أو بطيء وفي ما يلي تحليلٌ لهذا المعجم:
- تسجل النصوص الواردةُ في كتاب “جحيم الذكريات” تجربة الكاتبة من العام 1932 حتى العام 1942. ففي عقدٍ من الزمن استقرت ظاهرةُ التضاد، والصاع بين الجسد والروح؛ فالجسد ظلامٌ من خمود، والروح نور من خلود (ص 79). وتأخذ هذه الظاهرة ما يمكن اعتباره “مفتاح” النصوص كلها في الكتاب؛ فهو يُنكر أشد النكر “مهزلة الحياة” (ص 81) ويُقبل بشغفٍ على نداءِ الموت، فيقول:
“ويا حبيبي الموت!/ يا حبيبي البهىي، وطيفي الوفيّ!/ يا بلسمَ جراحي، وخيالَ أفراحي!/ ألقِ على (جسدي) ظلامًا من خُمود،/ وعلى (روحي) نوراً من خُلود!” (ص79).
- وفي نص “حقيقة واقعة” تبدو النفس التعبة: “إن (روحي) معذبةٌ حيرى!/
والاضطراب يسيرُ في جسدي لمهدم البالي!/ والأسى يشيع في حنايا نفسي الهائمة!”
(ص 31). ثم يقرن التوكيد(=إن) السابق بالنفي القاطع، المطلق: “ولا راثٍ لبلوتي،/ ولا مفرج لكربتي!” ويؤكد النفي بالرابط (بل) لتبدو الصورةُ أكثر قتامةً: “بل ليس من يعطف عليَّ، أو يرقُ لي!” (ص 31). وينثني عبر المارنة السريعة، ليستدركَ إرادته الضائعة، متوسلاً(لكن) في مقطع متصاعد الوتيرة: “لكني، لستُ في حاجةٍ لعطفِ مخلوق، أو رقةِ أنسان!” ويقرن الاستدراك بـ(أجل)، ممهدًا لانسياب مجموعةٍ من الجمل الاسمية التي تعمق المراد: “أجل، أنا قوي، وقوتي لا تقف عند حد، (…)/ أنا ذو بأسٍ، (…)/ أنا ثائرٌ على الوجود والموجود”. ففي ما سبق يبدو التأكيد نكرانًا لما هو فيه من عذاب، ويأتي النفيُّ لاعترافه بفقدان الصديق؛ فهما في السلب متعاكسان، وكأن التأكيد الموجب يُفضي إلى غاية التأكيد السالب. ويُفصح عن مُرادِه في آخر النص، موظفًا ما سبق إلى نتيجةٍ سيرددُها في هذا الكتاب: “ولن أنِيَ عن هذه (الثورة) الجامحة الجبارة،. حتى يأتيني داعي الحمام!/ وعند ذلك،/ تنتهي هذه (الحياة) الغارقةُ في اضطرابها!” (ص 33)
- ويطالعنا النص “نفس تعبة” ليعيد المشهدن محافظًاعلى التضاد، ولكن في معجم لفظي ذي لونٍ آخر، وذي أسلوبٍ مختلف، تكثر فيه الجمل الاستفهامية المنكرة: “ما هذا (الشعور) الغريب(…)؟/ ما هذه (الكآبة) التي تظلل روحي(…)؟/ ما هذه (الأخيلة) المريرةُ التي تُدمي قلبي الحزين (…)؟/ بل ما هذه (الحياة) البائسة التي تفرض نفسها عليَّ فرضًا؟” وينعطف في استفهام مفصليٍّ يعاكِسُ بالأسلوبِ نفسه ما سبق: “ومتى سيبدل الحال غير الحال،/ وتحلُّ أيامُ الراحةِ والهدوءِ والسلام؟/ متى؟ متآ؟ يا عروسَ أحلامي!” (ص 35 – 37).
- وفي نص “زفرة صارخة” تتجلى لغة الاعتراف عبر جملةٍ اسميةٍ تقريرية: “نفسي حزينة!” (ص 39). فهما كلمتان تختزلان المشهد الذي سيأتي في النص كله. ويلجُ من الكلية في المطلع إلى جزئياتٍ يغلب عليها استعمال الجملة الاسمية، المتماثلة والمطلع. ويختم بجملة “لا أدري” المكرة ليحيل اللاأدرية ميسم الإنسان، أو جهل الإنسان في الحياة. فغدا الجوابُ تساؤلاً وحيرة.
- في النص “متى؟” (ص 41) يختزل المطلع، أيضًا، المشهد الكلي: “الآن، انتهى كل شيء، وأُسدِلَ على الماضي الستار،/ وتلاشت حتى الذكريات! واأسفاه!/” فقد استخدم الزمن الحاضر في مشروع إلغاء الماضي، متوسلاً اسلوبَ العطف في شرحما مضى، في جملٍ سريعة الوتيرة، متمثلة على مشهدها الماضوي بمشاهدَ تضجُّ بالحاضر المرئي، كي يُجزئ اللوحة التي تحمل في المُضمر، ثم العلنِن سبب ما هو فيه. إنه “الشر”: “وحاك (الشر) ثوبه المظلمَ الكثيف (….)، وكانت له الغلبةُ والفوزُ في النهاية!” (ص 43). فالقوة الخارقة تتدخلُ (هنا) متجسدةً في الشرّ، لتمحوَ (الخير) الذي لم يُذكر صراحةً في النص، وإن استعاضَ عنه بـ”الصديق الحقيقي”. فهل باتت المعادلة في خَلَل: “آه! لا أستطيع أن أُصرح! لا أستطيع أن أقول!” وهل الماضي ينهزم أمام الحاضر والمستقبل: “والذي (كان) محال أن يكون!” وما هو الحل؟ هل هو الفداء؟ هل هو الرجاء؟: “يا إلهي! تُرى، متى تنطلقُ (روحي) الصاخبة الجياشة،/ الثائرةُ المتمردة، المتألمة الحزينة؟/ متى تنطلقُ من هذه الحياة؟/ متى؟” (ص 44).
- في نص “إلى مغرورة” (ص 53 – 56) يأخذ التحدي بين العقل والجسد ثنائية تضادن تتمثل بامرأةٍ تياهةٍ بحسنها ويتجلى العقل ممسكًا الجسد، ليناى به عن اللذة. فالصراع يُفرز جُملاً متقابلةً متعاسكة:”يا مَنحَسِبتِ أنني غدوتُ (اسيرَ) عينيكِ الزرقاوين،/ ووجهك الجميل، وفمكِ الخمريّ،/ خاب فألُكِ، وبعد عنكِ متا تحسبين!/ لا تأخذكِ، يا صاحبتي، الأوهام،/ ولا تخدعنكِ الأحلام،/ فإن في راسي عقلاُ يفكر،/ وإن بين جوانحي قلباً يستشف،/ وإن لي لبصرًا نفاذًا يخترق طباقَ المجهول” (ص 53). في العودة إلى الجملة التأكيدية “فإن في راسي عقلاً يفكر” تتحمل الجملة الفعلية 0يفكر) عبء هذا التحدي. فالكاتب يناضل من أجل الصمود أمام الإغراء، ويتوسل (التفكير) اُسلوبَ تشويهِ الآخرَ حتى يصمدَ أمامه، فيستحضر المستقبلَ مشهدًا حاضرًا، مرئيًا، محسوسًا في الزمن: “غدًا يتقوَّسُ الظهر، ويتجعدُ الوجه، وتتلاشى حُمرةُ الخد،/ ويذهب الزمن ببريقِ عينيكِ غلى غير ما رجعة!” ثم يكرر غدًا وغدًا، ليُثبت الحُلمَ الآتي، ويستنهضَ عزمَ الصمود، حتى يبلغَ الغاية في طلب المقارنة: “وتقارنينَ بين الأمس واليوم، وبين اليوم والغد، فتطلبين الموت!” (ص 54). وينتقل سريعًا إلى الإطلاق والتعميم: “وما أنتِ، بالأمسِ وايومَ وغدًا،/ إلا كتلةً شوهاء من لحمٍ قذر/ (…) فأقصري، أقصريب، يا صاحبتي” (ص 55). وهذا الإطلاق لمعالم الصورة المشوهة، قصدًا، يضعثها الكاتب في إطارٍ أغلقه بإحكامٍ حتى لا تنفذ (صاحبتُه) إلى ساحة التحدي مجددًا. وفي هذا دليلٌ معاكِسٌ يرتدُّ على المؤلف نفسه. فهو (الدليل) ليس على انهزام الشرِّ والرذيلة (عبر المرأة الحسناء)، بل هو الخوفُ الذي يعتمل ويعتري الكاتب، أو العقلُ الذي يتسلح به. ولكم تبدو دقيقةً هذه المفردات: “فأقصري (…)/ ايتها الأفعى،/ باعدي ما بينك وبيني،/ وحذارِ أن تدني من مكاني!/(…) ثم حذارِ من التيه، من الدلال…”(ص55- 56). إنه في الحقيقة أُسلوبُ رجاء؛ فبقدرِ ما فيه من تحذير، فإنه يُضمرُ الارتعاش والخوف. هذه هي واقعيةُ الصراع بين العقل والجسد، ذلك التضادُّن أو المسألةُ المُثارةُ في إطار الصراع الدينويِّ المستمرِّ. وإذ يستشعرُ الكاتب الخطر الداهم، لم يبقَ أمامه سوى أن يستعين بالقادر الأوحد: “وقاني الله شرِّكِ/ (…) يا الله، استمع إلى دُعاءِ قلبي،/ واستجب لنداءِ روحي،/ يا أرحمَ الراحمين!” (ص 56).
- في النص “ازدراء” (ص75 -60) يشكل المطلع والخاتمة علاقة الجزء بالكل. ويدرجُ الكاتب هذه اللاقة في دائرة لعنته: “أنا اسخرُ بكل بشري،/ وأستخفُ بجميع مخلوقات الأرض، بدون استثناء.” (ص 57) هذا الجزءُ سيدخل في دائرة المطلق الحسي: “ألا لعنةُ الله عليك، يا حياة!” (ص 60).
وتتكشف اسباب هذه اللعنة في طرح مسالةِ النسلِ والتوالد، فكأنه يقول: لِدُوا للموت؛ “لقد حصدوا جزاء ما اجترحوا: شقاءً وهمًّا، وصابًا وعلقمًا،/ إذ لفظوا أطفالاً مساكين،/وتركوهم – يا وَيحَهم! – يشاركونهم الشقاء والعناء،/ فوق هذه الأرض الغبراء النكراء!/ يا للعار والشين!/ يحصدون كل هذا في سبيل لذةِ لحظة، أو بضع لحظات!”(ص57).
ولا رجاءَ له إلا بالخلاص، ولا خلاص إلا بالرجاء. هذه التبادلية في استخدام الألفاظ مهارةٌ اسلوبية لا ينكشفُ منها إلى الوجه الأول، أما الثاني فيبقى خلف المشهد: “آه! يا رب!/ الموتُ هو (غايتي) المُبتغاة، وأملي المنشود،/ فمتى (الموت)، يا الله، متى؟/ لقد طال الأمد،/ ولم يبقَ في قوس الصبرِ مضنزع!” (ص 59 – 60). فهل المقابلة بين اللذة والزُهد يستدعي هذا الصراع؟ ثم هل يبدو الرجاءُ هنا وسيلةً تقودُ إلى الغاية؟ وما بين المقدمة (الحياة) الملعونة والنتيجة المرتاجة، (الموت) المنتظر بشغفِ التوسل، إلى صورة من صور الاعتراف بالضعف البشري؛ وهو ما تجسد في صيغ “ما أفعل” التي حملت ازدواجية الدلالة: ظاهر السخرية بالشيء، واحتقاره، وباطن الهلع والقلق والغربة في داخل الكاتب: “ما أقبح الوسيلة! وما أوضعَ الغاية!/ وما أجدب الزرع(…)!،، ويا ما أغرب البشر(…)!” (ص 59)
- في نص “مهزلة الحياة” (ص 81 – 85) يبدو ظاهرُ المشهد مقارنةً بين القصر والكوخ. ثم يتسرب مفهوم الصراع بين الغني والفقر شيئًا فشيئًا ليحتل خشبة المسرح موحيًا، ثم معلنًا العودةَ الى مسالة الصراع بين الحياة والموت.
يبدو هذا النص أشبه بقصة قصيرة، لذا طالت مكونات المطلع في المشهد الأول: عرسٌ في القصر، وبالمقابل “فتًى ناحلٌ محطم،/ يئنُّ أنينًا موجعًا”. (ص 83)
يتقمَّص الفتى العليل الشاحب معتقد الكتب: “والديَّ،/ كفكفا الدموع، ولا تحزنا عليَّ،/ فأنا مغادرُكما إلى عالضم بهيٍّ جميل،/ تاركًا ورائي هذا العالم السخيف”. (ص 83 – 85). في المشهد تضادٌّ أول. ويلي ذلك اصداءُ مشهدٍ من القصر: “كان ذلك (القصر) المجاورُ لهذا الكوخ)/ يموج بالسعادة الزائفة والنعيمِ الزائل!/ كان يموج بالرذيلة والإثمِ(…)” (ص 85). هذا المشهد احاديُّ الصورة، لا تضاد فيه، لكنه بالتقابل مع (الكوخ) يشكل التضاد الأكبر في النص.
- في نص “كآبة نفس معذبة” (ص 97 – 102) مجموعةٌ من صور التضاد: بين الجسد والروح، وبين الجسد والعقل، وبين اللذة والطهارة، وبين الكذب والحقيقة.
وتكرر المقدمات والنتائج. فالمقدمات تتمثل بقوله في المطلع: “عميقةٌ هي أحزان روحي التعسة(…)” (ص 97)، والنتائج تتمثل بمقطعٍ طويلٍ نسبيًّا، إذ يخاطب الكاتب الحقيقة ويرجوها ويناشدها: “هاتي طوقيني، ودعيني أغيبُ/ في (وُجودك) العلويِّ، المطهر المقدس، الخالد الجميل(…)/ أيتها الحقيقة الخالدة، / أطبقي جفني… وأنا لا أرى إلاك،/ ولا أحيا الا بذكراك”. (ص 102).
في ما تقدم، أمثلةٌ على ظاهرة التضاد، وأمثلةٌ على رغبة الكاتب في الانعتاق من هذه الدنيا، والارتماء في أحضان الحبيب (الموت). هو كالرومنسيين في جانب أساهُم، ولوعةِ أحزانهم التي تدفعُهم إلى الانطواء والعُزلة ونِشدانِ اللقاء الذي يخلو من الكدَر والأوشاب.
هو الموت نجاة، أو لعلَّه الهروبُ من الحياة البائسة، الشقية: “ربة الشعر! أنا أحبُّ أن أُغمض عينيَّ/ عن مَشاهد هذا العالَم التاعسِ الكئيب،/ فأنبئيني متى يأتي (الحبيب)؟/ (…) ربَّة الشعر! كم أوَدُّ الامتزاج بالعوالم الأُخرى!”(ص 185)
ثانيًا: أسلوب التساؤل المعاكس
- في كتاب “بروق ورعود” نصوصٌ عدة، تشكل صورةً معاكسةً لما جاء في نصوص الكتاب السابق؛ فالكاتب يُعلن عداءه للموت (رمز الفناء) المتمثل بظلمة القبر “ووحشته المخيفة الرهيبة!/(…) نحن نهابك ونلعنكِ، لأنك رمزث الموتِ والفناء”.
(ص44)
وسرعان ما يكشفُ هذا المعجمُ المغاير ولع الكاتب بزمان “الشباب والفتوة والأحلام” (ص 43)، جاعلاً ذلك في حوار تعلو فيه نبرةُ التساؤل: “لماذا غادرتني، أيها الكافر القاسي (…)/ ولماذا جاهرتني العداء(…)؟”، ثم يظهرُ الأمر الذي يحمل صوتًا عميقًا يصدر من الداخل الممزق: “أعد إليَّ حلة شبابي، ورد إليَّ المرحَ والابتسام،/ ودعني أرى أحبابي (…)” (ص 43).
وشبيهٌ بهذا تساؤلُ الكاتب عن أسباب الحزن في هذه الحياة: “فلنطرب، ولنهزج، ولنشرب، ولنثمل بخمرةِ الفرح/ ولنسعَ باحثين عن الملذات والمراح/(…) فالعمر أقصر من أن نضيعهُ بين أمواج الاضطلراب والروعة”. (ص 38).
وينفض الكاتب عن نفسه الكآبة، مخاطبًا إياها: “إطربي(…)/ أنشدي(…)/ ثم ترنمي بأيام الحب والغرام والعاطفة/ (…) تمتعي، يا نفس، بالملذات قبل أن تزوري ظلمةَ القبر الرهيب”. (ص 77).
فاللغة، في مفرداتها، هنا تضجُّ بنبرة الشباب، وطلب العيش في حياةٍ لا يرى فيها إلا الفرح. ولكن هل يطول هذا؟ فسرعان ما ينكفئُ الكاتب ليتساءل: “أيها الصدق أين أنت؟” (ص 38)، فالصداقة موءودة (ص101)، “ولم أجد صديقًا مخلصًا، أو خلاًّ ودودًا/ وعدت والقلبُ جريح، والنفسُ كسيرة”. (ص 101).
وسرعان ما ينكفيئ على ذاته، متألمًا مما حوله، فـ”يا له من عالم حقير(…)!” و”عبثًا نبحثُ في شطآنه، فلن نلاقي خليلا/ فمتى، يا رباه، تُرسلُ غلى عالمنا هاديًا ودليلاً؟” (ص 101).
صحيح أنه، هنا، ياقسي الوحدة، وينشدُ وجدان الخل الوفي، فلا يحظى به، لكنه لا يطلب الموت أو يفر به، بل يضرب في الأرض حبورًا ومرحًا: “ولِمَ أسى النفس واللوعة/ فلنطرب(…)/ ولنسع باحثين عن الملذات والمرح”. (ص 38).
لكن الحيرة التي تمتلك الكاتب، والصراع الذي يعيشه، والتخيلات المبهمة التي يعانيها: “تتيهُ نفسي في بحر فكري المتلاطمةِ أمواجُهُ الهوجاء” (ص 49)، تجعل مفرداته وعباراته في هذا الكتاب نسيجًا متداخل الأساليب، فيه عجبٌ من التناقضات إلى حد ما يمتلك القارئ من حيرةٍ وتساؤل: ما المذهب الذي ارتضاه الكاتب؟ وإلى أين المسار؟ يجيب في صفحة من الكتاب تصطرع فيها الرؤى والأفكار والأماني، فيقول: “فانتشتْ نفسي وهي بين الرياض، وتذوَّقتْ إكسيرًا سلسبيلاً/ وفجأة اصطدمتُ بالحقيقة، فإذا بي أهيمُ في عالَم الأحلام” (ص 52)؛ فلا عجب إن بدا الاصطفافُ في الأفكار المتعاكسة، وتحمل الكتاب عبء التناقض الدلالي في المفردات في سياقتها النصية، فغدا معجمُ الحبور وطلبث الملذات جنبًا الى جنب مع رنة الأسى الرومنسي الحزين، وتساؤل الفريد الغريب: “فمتى تُفكُّ قيودي، يا الله، فأغادر عالمي الفاني؟” (ص 103).
فالكاتب يعترف، أخيراً، بشفافيةٍ تعبيرية تجترح الصدق اجتراحًا: “أنا في حرب شعواء مع ميولي ورغباتي وطموحي/ فالروح تبغي أن تُحلِّق بعيدًا عن عالم المادة المُدنَّس/ والجسمُ اللعينُ يرفضُ ما يتوق إليه عَالمُ الروح المقدس/ (…) وأنا بينهما كالريح والتاير في وسط البحار/ فأُطيعُ حينًا نزعاتِ جسمي، وحينًا أُطيعُ نزعاتِ روحي.” (ص 112).
- غير أن لغة الحيرة تتحول إلى موقفٍ في كتاب “نبال ونِصال”، وتغدو المفردات قوية، قاسية، تطرق المراد مباشرةً، بلا تزويق: “وهم هي الدنيا بما فيها من أسباب./ (…) أُناسُها الحيارى في عرضاتها، تراهم يجوبونها ككلاب./(…) جميعهم في هذا سواءٌ: الشيبُ منهم والشباب./ فمن مماذقٍ إلى دجال، إلى لصٍّ فاسقٍ، ثم ترى ذاك النصاب./ كل ما في الدنيا وهمٌ، فالعمرُ مفقودٌ منه النصاب”. ويعلو الكاتب على ارتباكه السابق صلبًا، فيتوعد: “فلو وُكِلَ إليَّ أمرُهم لصلبْتُهم… ثم لهشمتُهم بنُشّاب”. (ص 36 – 37).
ثالثاً: المعجمُ أُحاديُّ الموضوع
لا بد من الإشارة إلى المعجم التجانسي الذي حفل بالموضوعات الأكثر تواترًا في النصوص الداهشية، وهي – عدا تضادَّ الحياة والموت – المرأة، والمال، والعدالة، ورجال الدين، والطبيعة الخلابة.
فلكل موضوع لغتُه الخاصة به، ومعجمُه، وما يستلزمُه من دلالاتٍ دقيقة، قارة.
- فالمرأة التي أحبَّها “أبدعتها يدُ القدرة، وسطرتها يراعةُ الإلهام!/ أنتِ الأماني الساهمة(…)/ أنتِ؟ الألهاتُ الفاتنات يترنمنَ بالشدو،/ ويرجعن الغناءَ أمام مذبج جمالِكِ الخالد!(…)” (“نشيد الحب”، ص 20). وهي “شعلةٌ من ميول/ وومضةٌ من خيال!/(…)، أنتِ تنشيدن مع القماري،/ عند الفجر الموشى بشيتِ الألوان،/ أنغام الحب والهوى والحنان!/ أنتِ القُمريُّ الشادي،/ أنتِ ربةُ شعري،/ وملهمةُ قصيدي!” (ص 30 – 31)
لكن هذا المعجم المفعم بالرومنسية يتغايرُ ويصطدمُ بقساوة المعجم الآخر المقابل: “المرأة شهوانية هوجاء (…)/ إن المرا’ الطاهرة والرجل العفيف النفس لا وجود لهما في دار الشقاء!” (“بروق وروعود”، ص 54).
- وأما المال فلعنةٌ ما بعدها لعنات، فـ”نحن من عباد المال(…)/ نكفر بالأديان وننسى الله في سبيله/ (…) نضحي بكل صديقٍ وعزيز لاغتنام ساعةِ قبضه”. (“بروق ورعودة”، ص 68).
وينفرد كتاب “مذكرات دينار” ظاهريًا بمعجم أحادي الموضوع، هو ما اكتشفه (الدينار) أو المال مرموزًا إليه بهذا الذي صار (معبودًا)، فيكشف من خلال حله وترحاله، غير العصور، وصُحبةِ الناس، بأخيارهم وأشرارهم، مدى ما يقدسُه الناسُ فيه: لونه وجوهره وجدواه. فكم من قتيل بسببه، وكم من شعبٍ أُبيد جراءه، ولكم من تحولات في المجتمعات، وكوارثَ وحروبٍ، كانت بدافعهِ، والرغبة باحتكاره. فها هو المال (أو الدينار) في يوم الحشر يتعلي منصةَ القضاء بجلالٍ ومهابة، ليحاكم الأمم والشعوب على ضلالتها، فيفضح ما كان مستورًا، ويذلُ من كان متغرسًا، جباراً، ويرذُل من ظن أنه يقضي بالعدل، وهو عبدٌ للدينار.
ويخاطبه الكاتب قائلاً: “يا مال! يا مال! يا ضالةَ كل بشري يقطن هذه الغبراء!/ (…) أيها الجبار! أيها الذليل!/ (…) أجل، أجل، يا مال! ما أنت نبيٌّ، بل إلَه!(…) إلهُ هذه الكرة… هذه الأرض!/ (….) انتصرت يا مال!” (“مذكرات دينار”، ص 403 – 406)
- وعن “العدالة الموءُودة” يخبرُنا الكاتب بأُسلوب (كم) البارع، المسبوق بالنداء: “يا أعواد المسانق، كم لكِ من ضحايا بريئة شريفة!/ وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحبالك القوية!(…) لا كنتِ يا أحكام! وتبًا لكِ أيتها القوانين السخيفة!” (“بروق ورعود”، ص 22).
ولكن أين هي العدالة الحق؟ هي في “مدينة الأموات”: “وهناك وقفتُ أتأملُ الأنصاب القائمة/ وشتى الأفكارِ تتنازعُني، وتملأ شِعابَ نفسي الهائمة/ فقلتُ لنفسي: هنا العدالة، وهنا المسكين والمِلك.”(“بروق ورعود”، ص 71).
- وأما رجال الدين فـ”أبالسةُ الدنيا، بل وُقودُ الجحيمِ في العالم الثاني!/ إنهم كذبةٌ مراؤون، بل أثمةٌ مداجون/(…) هم يقطنون القصور الشامخة يسموننها “أديرة”/ ولم يكن لفاديهم مكانٌ ليسند إليه رأسَه في العالَم الفاني!” (“بروق ورعود”، ص 21)
وبصوتٍ صارخٍ ينادي الكاتب هؤلاء: “يا دجاجلةَ العصور السحيقة/ (…) أيّها المراؤون، إن نيران الجحيم ستكون بكم محيقة.” (“بروق ورعود”، ص 104).
- وأمّا الطبيعة، فالكاتب على شاكلة الرومنسيين يرى فيها الأمَّ، وموئلَ الموجعين، وملجأ المعذبين، وملاذَ القلقين: “تلك الطبيعة الفتانة التي يرتاح إليها عشاق الخيال/ هي أمٌّ لنا، ويطمئنُ إلى ألوانها العسجدية روحي/ (…) وبجمالِكِ أتغنى وبسحرِ ربيعك/ لأنك تعطفين عليَّ، وتهبينني الحب والهوى والجمال”. (بروق ورعود”، ص 46).
لقد شكلت هذه الموضوعاتُ الرئيسية نصوصًا خاصةً بسماتها الأسلوبية، ومفرداتها بدلالاتها، فأغنت مجموعةَ مؤلفاتِ الكاتب، وكانت شاهدةً على تضلُّعه باللغة ومعرفِته شعاب العربية، والتحكُّمِ بأساليبها وطبائعها؛ فقدم للقارئ صورةً جلية، ووثيقةً مهمةً عن نمط الكتابة، الإبداعية، في مرحلةٍ جازت العقود الخمسة في القرن العشرين.
بيروت، 5/9/2009
أضواء على أدب الدكتور داهش
الدكتور متري جميل نبهان
باحثٌ لبناني. حاز الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة القديس يوسف ببيروت (1984). زاول التدريس المتوسط والثانوي قبل تفرُّعه للتعليم الجامعي. تولى رئاسة تحرير مجلة “الرؤى” ثلاث سنوات. شارك في غير مؤتمر أدبي في لبنان وخارجه. عضوٌ في “أتحاد الكتاب اللبنانيين” و”اتحاد الكتاب العرب” و”مجلس قضاء زحلة الثقافي”. من مؤلفاته: “راجي الراعي الشاعر”، المملوكي”. شارك في تاليف كتبٍ مدرسية. نشرَ عدة أبحاثٍ جامعية وتربوية.
أضواء على أدب الدكتور داهش
تقديم
تألق نجمُ الدكتور داهش في القرن العشرين، فكرًا وروحًا، وبكليهما أعطى ما لم يُعطه إنسان لازم الحياة منذ العصور الغابرة وحتى عصرنا الذي نعيش. فما كتب كان إبداعًا لوجود، تُصافحُ فيه الأرضُ السماءَ شكرًا وابتهالاً، وتُبادلُها السماءُ بركةً ونوالاً.
وفي ظل ذلك ينعمُ الإنسان بدُنيوين: دنيا الأرض ودنيا السماء، فيتحدى الأولى بالموت، ويتحدى الثانية بالحياة.
الدكتور داهش متقدمٌ على سواه من النخبة، أُدباءَ وشعراء، لكَونه الفكر الممنع بحصانة الخلود، والروح المتعالية على كل وجود، والقلب الحاضن لمآسي الأزمان، والحسّ المترنِّح داخلَ كل إنسان.
ومَن كان هذا شأنه، فهو جديرٌ بالبحث والإحاطة الموضوعية المتأنية لكل ما أعطى وأثار.
وبما أن المساحة الفكرية لديه واسعة، نبيلةُ الأهداف، بعيدةُ الأغوار والآفاق، على تنوُّع وترابط في الموضوعات المتناولة، فقد اكتفي، وضمن المتُاح، بإلقاء الضوء على الأبعاد الفكرية والفنية المعنوية في أدبه الخلاق.
أولاً: القداسة الروحانية
تمثلت القداسةُ الروحانية في أدب الدكتور داهش بميزتَين: الأولى، محبته للجمال تيمُّنًا بعطاءِ الخالق؛ والثانية معايشتُه الألم، طلبصا للعطاء في سبيل الحياة. وكِلتا الميزتين تتكاملان في الممانعة وقوة الصعود والارتقاء.
- سرُّ الجَمال
جاء مقدمة “ضجعة الموت”: “إن لبي يخفق بالحب للجمال، ومَن أدرك سرَّ الجمال، فإنه قد خطا خطوات واسعة في فهم أسرار الأزل والخلود…”1
إنه بلا شك، المؤمنُ العابدُ للجمال… أي جمال آنس الذات انتشاءً، فعبق في عمق أعماقه كما تعبقُ الأزهار بالعبير والشذا، تفوح عند ارتائها الربيع حلةً موشاةً بغير لون، يكشفُ سرَّ الطبيعة، وُجودًا وعطاءً.
هذا، والإنسان لا ينفصل عن الطبيعة، لأنه ملازمٌ لها بكلِّ ما فيها من ماء وهواء ونبات. ولا تمدُّه بالغذاء والحياة فحسب، إنما تهذبُ روحَه وتحرِّك عواطفَ نفسِه. وكم يلجأُ إليها الشعراء والأدباء مناجين ومخاطبين، باثنين فيها مكنوناتِ النفس وخلجاتِ الروح، كاشفين أسرارها، مُعجبين بجمال عناصرها وأشيائها. والطبيعة على لسان إلياس أبي شبكة هي قيثارة الشاعر، وعبثًا يحاول البحثُ عن أوتاره في غير هذه القيثارة.2
إن الطبيعة لم تغبْ عن أدب الدكتور داهش؛ فكلُّ خلجة من خلجاتها كان لها صدًى في ذاته. فهو ابنُ الطبيعة، استلهمها في حيرة، في سكون، في حُزنٍ وألم، وفي حبٍّ هائم. نعم، تحسسها بحدسِه، وتعانقا بالروح، فيقول:
“يا فتنةَ روحي وقصيدة أيامي،
أحِنُّ إليكِ مثلما يحنُّ البلبلُ الشادي إلى الرياض الدائمة الاخضرار.
أحِنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الورود الجورية إلى قطرات الطلِّ في فجرِ ليلةٍ بهية.
———————————————
1 من كتاب “أقوال الأدباء والشعراء والصحافة بكتاب ضجعة الموت” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، ص 24.
2 مقدمة “أفاعي الفردوس”، ص 21.
———————————————
أحِنُّ إليكِ مثلما تحنُّ الجداول الرقراقة للاتصال بالنهر العذبِ الخرير…
أحِنُّ إليكِ مثلما يحنُّ ثمرُ الكرز إلى لونه الأحمر القاني.
أَحِنُّ إليك مثلما تحنُّ الطبيعة لفصل الربيع بمحاسنه…
أحِنُّ إليكِ بروحي ولُبِّي، وأَهبُكِ عاطفتي الجياشةَ مع حبي.
آه! أحِنُّ إليكِ. أحِنُّ إليكِ!”1
نعم نعم! إنه حنينُ الروح للروح، وفي الحنين حبٌّ مثال، شوقٌ وابتهال.
- سر الألم
إذا كان الجمال سرًا نحسُّه، نُحيي به فرحَ الحياة، فقد يكون الألمُ سرَّ الأسرار، نقاومُه بالمِنعة، بالصفاء، ونأبى إلا أن يكون فرحًا للعطاء.
الدكتور داهش قد أحاط بكلِّ الاسرار، فأدرك كُنهَ الحياة بإشعاع روحيٍّ أمدَّه بحيويةٍ فائقة وإمكاناتٍ خلاقة لا تعرف الزيف والانحراف. تأتيه في لحظاتٍ أو ساعات، فينفعل بها، وبالتالي يفجرُها عطاءً كما يتفجر النبع من بين الصخور، وعبر الأتربة، وبعد مخاضٍ عسير يشقُّ مَجراه.
وفي ضوءِ ما تقدم، نستطلع ما خطَّ قلمُه في كتابه “ضجعة الموت” حين قال: “لا يعرف لذَّة الحياة مَن لم يسحقه الألمُ العميقُ المُشبع”.
ثم يمضي إلى القول أيضًا:
“فبآلام نفسي أكتب الآن هذه السطور.
وبتأثُري البالغِ أَخُطُّ ما أَخُطُّه.
وبحُزني الشديد المتزايد أشرحُ ما أُريدُ شرحه.
وبدموع عينيَّ الفياضتين أغمِسُ ريشتي هذه.
وبخفقات قلبي الهائم أُعبِّرُ عمَّا يجيش في نفسي من آلامٍ وآمال…
وليس مَن يكتب للَّهوِ كمَن يكتب للحقيقة”2.
—————————————-
1 الدكتور داهش: “نبال ونصال” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1971)، ص 21 – 23.
2 الدكتور داهش: “ضجعة الموت أو بين أحضان الأبدية” (مطبعة دار الأيام السورية، القدس 1936)، ص 8 – 10.
—————————————-
هذه هي حقيقة الدكتور داهش، نراه يعبّر عنها بكبرٍ وانفعال عبر مسلماتٍ ثلاث عاناها بنفسه وهي: “الألم، الحزن، البكاء”.
أجل بالألَم، بالحزن كتب، وبالموت اضطجع، وبالروح استلهم، فتربع على عرش الأدب أميرًا مانحًا إياه هيبة الحضور وسطوة العبور… العبورِ الى كل ناحٍ من نواحي الحياة اىلملأى بالفساد وشهوات الارتداد، والصاخبة بالشرور، بالتفيش، بالغرور.
الدكتور داهش، القابضُ على أسرار الكون، هو بحد ذاته كونٌ حافلٌ بالآمل والأحلام، وجسرُ عبورٍ إلى السعادة الأبدية، السعادة التي حُرِمَ منها في حياته الأرضية عندما قال: “السعادة قطعت على نفسها عهدًا ألا تزورني ولو لِمامًا! ولكنني سعيدٌ بألمي الطاغي الخفيِّ هذا.”1
فهو أبدَع مَن أبدعَ فنًا، وأفصحُ مَن أفصحَ خُلقًا، وأسمى من تسامى روحًا، وأشعرُ مَن شَعَرَ إحساسًا. وما كانتِ الآلامُ التي تعتريه عبئًا عليه، بل سبيلٌ إلى التطهر والخلاص، بقوله:
“أنا ابنُ الأسى ووليدُ العذاب! فطهريني أيتها الآلام، وانتشليني يا إلهةَ الطهر مما أنا فيه من تعسِ بالغٍ وعذابٍ كبير”2
- نقمةٌ وثورة
كتب الدكتور داهش لنفسه لتغدو نفسُه مرآةً لكل نفس، تئنُّ من حُزنٍ، من ألم، من شقاء، ومن نقمةٍ على الأوضاع الفاسدة التي لا تسمح للإنسان بالهوض إلى مستوى إنسانيته، ولا تقيمُ وزنًا لشؤونه وشُجونه، فاستخفَّ بالأحداث المهنية والمخيفة متحديًا إياها بقوله:
“أنا القويُّ الجبار، والعنيفُ البتار.
فمهما حاولتِ الأحداثُ أن تتغلبَ عليَّ، أو تخضعني لجبروتها،
فإنها لن تعودَ إلاَّ بصفقة الخاسرِ المغبون.”3
——————————————-
1 الدكتور داهش: “القلب المحطم” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 50.
2 من كتاب “كلمات” نقلاً عن “القلب المحطم”، ص 13.
3 الدكتور داهش: “ناثر وشاعر”، ج 3 (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)، ص 8.
——————————————-
وفي مكانٍ آخر يثورُ على الوجود والموجود، على البشرية بأسهرا لكون الشر تأصَّل فيها، فيطلبُ من الله أن يدمرها، وذلك بقوله:
“أنا ثائرٌ وثورتي جبارة
ثائرٌ على الوجود والموجود
ثائرٌ على البشرية بأسرها
بقضها وقضيضها
فالشرُّ تأصل فيها
واستشرى بخوافيها
فليت الله يعصفُ بها
ويدمرُّ بجبروتٍ كل ما فيها”.1
لا شك أن لثورته تلك بُعدًا دلاليًا يفونق كل تصوُّر، قوامُه الروح التي منحته قوة الوحي والإيحاء. استبطن واستجلى، فعرف القاصي والداني واثقًا مطمئنًا. استملك الحياة. فخوافيها، حيث بات قادرًا على قول ما لا يثقال، غير آبهٍ بصعابٍ ولا خائفًا على مصير، همُّه الوحيد مثاليَّةُ الإنسان في عُنفوانه وَقدْرِه، في رحيله وإيابه. وهذا شأنُ العِظام المتفوقين، ليس بإيمانهم وحسب، بل بالكلمِ الذي يتفوهون به، الكلِمِ المنمق بالتركيب الفني الرائع، والمُشبعِ بحيوية الإيصال والتواصل.
هذا ولم يقف داهش عند حدودٍ جغرافيةٍ معينة، وإنما تعداها متجاوزًا الحدودَ والسدودَ، ثائرًا على كل ظالمٍ في الأرض، مناصرًا كل مغبونٍ ومقهورٍ وفقيرٍ ومُعَوزٍ، في قوله:
“أيُّها العالَمُ السخيف، ما أقسى شرائعك وأحكامك! وما أظلمَ منعطفاتك التي نسيرُ في جنباتها متعثرين! وما أقبحَ تعاليمك المجحفة بحقوق الفقراء والمعوزين! وما أتفهَ ما تُبديه، وأشأمَ ما تواريه!”2
وكأني بالدكتور داهش قد جُبل من طينةٍ غير طينةِ البشر. لِمَ لا؟ وهو الروحانيُّ المحلقُّ بجناحَين: جَناحٍ فكريٍّ، وجَناحٍ خياليٍّ رؤيَويّ، عاصيًا على الحياة وما فيها من
—————————————–
1 الدكتور داهش: “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا” (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)،
ص10.
2 الدكتور داهش: “بروق ورعود”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويوك 1999)، ص 53.
——————————————————-
أباطيلَ وأوهام، وما يتحرك بين ظهرانيها من قرقعةٍ وضجيج. فكلُّ ما فيها وعليها ظلامٌ بظلام، وسخافات وتفاهات. لذا نراه يقول:
“أنا غريبٌ في هذه الحياة الغريبة عني.
نعم، أنا جئتُ من عالَم مُضيءٍ غير هذا العالَمِ الكئيب”1
وفي كتابه “نبال ونصال” يقول:
“يحُفُّ بنا ظلامٌ دامس ويُحيقُ بنا الألم
نحن أبناءُ هذه الحقيرة أشبهُ بالرِمَم…
ولو سمَونا بأرواحنا لافتتنا بأعذب النَعَم…
لقد أتينا من العدم، وسنعود إلى العدم!”2
إنها نفثاتٌ روحيةٌ ناقمةٌ على كلِّ موجود ينفرُ منه الوجود، ناقمةٌ على المَكر والخِداع والرياء والرذيلة والفساد، بل على جرائمِ أبناءِ هذه الأرضِ الذين لا يأبهون لقداسةٍ ولا يتهيبون ألوهةً، فيطلب من الله تعالى أن يعصِفَ بهم ويدمرَهم إنقاذًا للحياة.3
ومن ثم يتابع نقمته على الدنيا وأُناسِها ناعتًا إياهم بأقسى النعوت في قوله:
“وهمٌ هي الدنيا بما فيها من أسباب.
دويُّ بهارجِها يصل إلى سمعي، وكأنَّه طنينُ ذُباب.
أُناسُها الحيارى في عربَصاتِها تراهم يجوبونَها ككِلاب.
كلُّ ما في الدنيا وَهْمٌ، فالعمر مفقودٌ منه النصاب”.4
- الخيال الحالِم
تجلى الخيالُ الحالمُ في أدب الدكتور داهش في ظكاهرة التساؤل. والتساؤل لديه سِمةٌ فكريةٌ جانحةٌ جُنوحَ العقل إلى مراقي المعرفة، وجُنوحَ الروح إلى مراتب العُلا، في مثل قولِه:
——————————————
1″ القلب المحطم” ص 35.
2 “نبال ونصال” ص 35.
3 المصدر السابق، ص 7 – 9.
4 المصدر السابق، ص 36 – 37.
——————————————–
“أنا من أنا؟ ومَن كنتُ في غابرِ الأزمانِ؟…
وَيحَ قلبي! أين أصبحتُ الآن؟ وأين محطُّ أمانيّ؟
نعم، أنا مَن أنا, ومَن كنتُ؟ واليوم هذا مكاني”1
تُرى! له مكانُه اليومَ في العالَم الثاني؟
لا شكَّ أن حُلمَه قد تحقق. وهو الآن بعانية السماء في المكان الذي رغب الوصولَ إليه… والله أعلَم. وقد بدا ذلك ف تساؤلِه “أنا؟”.
“… أَمْ كنتُ عدَمًا رهيبًا، فوهبني الله كياني فأحياني”.2
وفي تساؤلٍ آخر من أناشيد “ضجعة الموت” نقرأ:
“ربَّاه! أَفي يقظةٍ أنا أَمْ في مَنام؟
أين أنا الساعة، وماذا بيَ الآن؟
إنني أرى نفسي نائيةً عن الأرض التي كنتُ أحيا فيها.
وها هي الكواكبُ محدِقَة بي
وكأنها تُكيل النظرَ إليَّ محدقةً فيَّ.”3
إن خياله البارعَ الموشَّى بأناقةِ اللفظ بعد التساؤل الحائر أفضى إلى رؤيا قلَّ مثيلُها عند الشعراء والاُدباء؛ إنها رؤيا… داهش الذي يجاور العلاءَ بروحانيته المضمخة بعبير الألوهة.
ونقرأ أيضًا وأيضًا من أسرار تساؤلاته الخيالية:
“فمن هو الذي يكشف لنا أسرارَ الليل والنهار؟
وما هو سرُّ الوردة المخضلة؟ ولِمَ خضَّب اللونُ القاني الجلَّنار؟
ولِمَ نرى قومًا من الطُغاة الفجَّار؟ وأقوامًا من الأبرار الأطهار؟
وما هو سرُّ الإباء والشمم؟ ثمَّ المذلَّة والانكسار؟
واللهِ، لا أدري، لا أدري،
إنها من الأسرار!”4
——————————
1 المصدر السابق، ص 32 – 34.
2 “ناثر وشاعر” ج 3، ص 87.
3 “ضجعة الموت”، ص 128.
4 نبال ونصال” ص 27.
—————————————————
في هذا التساؤل طلب، وفي الطلب حيرة، وفي الحيرة شك، وفي الشك يقينٌ، وفي اليقين تسليمٌ بالحقيقة غير المنظورة. نعم إنها الأسرار. وكلما كشف سرًا، بقيت اسرارٌ. وهكذا دواليك… والخالق هو العالِمُ دون سواه بكلِّ الأسرار.
وبعد، فالدكتور داهش لم يُحرج بما تُملي رؤاه، وتعتصرُ خفاياه، وينطقُ نُهاه. أناشيدُه الفريدةُ كما ونوعًا دائمةُ الصدحِ عذبةٌ شجية، تجوب رحاب السماء بغير حلةِ بهاء. ومعظمُ أدبِه حافلٌ أبدًا بالحُزن والشقاء، بالألمِ والبكاء، بالظفر والجنون، بعزة النفسي وصفاءِ الروح، بلذة الحب وعشقِ الجمال، بالانعتاق والتحرر، بالموت والحياة.
من هنا يَكمُنُ سِرُّ إبدعِه، المخالف بالفكرة سائرَ الناس، أُولئك الذي يَرون الحياةَ قبل الموت. أما هو فيرى الموتَ قبل الحياة إنقاذًا للحياة من عَبَثٍ ودنَس. وهذا شأنُ القديسين الذين يطلبون العذاب لأجسادهم في سبيل تطهُّرِ أرواحِهم طلبًا للحياة المُثلى.
أخيرًا، فمن يقرأ الدكتور داهش يرَ الوجود سائرًا إلى العدم والموت، إلى الخلود… خلودِ الروح في كينونة الكون.
ثانيًا: بين النثر الفني والشعر الجديد
إن المُمعنَ في أدب الدكتور داهش يرى التجديد فيه ماثلاً، إنْ في الإطار، وإن في المحتوى.
ففي الإطار، لا يمن اعتبارُه نثرًا صارمًا، ولا شعرًا عروضيًّا؛ وإنما هو نثرٌ فنيٌّ قاربَ فيه ما يُسمَّى بالحداثة الشعرية، أو الشعر الجديد.
وفي المحتوى، تكمُنُ الجدةُ فيه بأفكاره استلهامًا ورؤيا وتطلُّعًا. وكما أسفلنا، لم يُجارِه شاعرٌ أو أديبٌ فيما كتب. حقًّا! إن الدكتور داهش فريدٌ في عصره لجهةِ ما أنتجَ من مؤلفاتٍ لها أبعادُها الإشراقية في ميادين الحياة كافة.
إذا كانت المحاولاتُ الأولى للنهوض بالشعر الجديد قد بدأت في العراق مع نازك الملائكة في قصيدتها “الكوليرا” التي نُشرت في كانون الأول سنة 1947،1 فيكون
——————————–
1 راجع كتابنا “راجي الراعي الشاعر”، ط 1449، ص 36.
وفي الشهر نفسه صدر ديوان للشاعر بدر شاكر السيَّاب “أزهار ذابلة” وفيه قصيدة حرة، وفي عام 1950 صدر ديوان لعبد الوهاب البياتي “ملائكة وشياطين” وفيه بعض القصائد الحرة.
————————————–
الدكتور داهش هو الأسبق في احتواء ظاهرةِ التجديد، وبالتالي له الفضل الأوَّل في نشأتها، لأن مبادرته هذه بدأت في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين.
ففي ضوء ذلك، وانطلاقاً من مقاييس الشعر الجديد، أُحاولُ إبراز شاعريةِ الدكتور داهش منحًى، واتجاهًا، وقيمةً.
- الوَحدة العُضوية
أهمُّ ما يميِّز القصيدة الجديدة وحدتُها العضوية التي ترسمُها وحدةُ الشاعر، ووحدةُ الصور المركبة، ووحدةُ الفكرة والرؤيا، ووحدةُ الأثر. نتبين ذلك في قوله:
“يا مَن تحنُّ روحي إليكِ، وتطلبُك بلهفةٍ نفسي،
أذكرُكِ كلما طلعتِ الشمس من خدرها الذهبي،
وعندما تعتلي نجومُ السماء قُبةَ الفضاء الزرقاء.
أنظريني، يا معبودتي، الآن وقد نبذني المجتمع الفاسد.
وبعد أن طردتني سُلطاتُ الشر من (مدينتي) التي ترعرتُ فيها،
أصبحتُ تائهًا من مكانٍ إلى مكانٍ دون أن يستقر بي قرار.
وبالرغم من كلِّ ذلك، فإنني أراكِ، بعين خيالي، كوكبي المنير.”1
تتمثل الوحدةُ العُضويةُ في هذا النص بوَحدةِ الموضوع، وهو الغيابُ القسريُّ للدكتور داهش عن وطنه. ووحدةُ الموضوع فرضَت وحدةَ المشاعر… مشاعر الحزن والأسى التي انتابته جراءَ بُعدِه عن الوطن، وحين نبذَه المجتمعُ الفاسد، على حدِّ تعبيره، وطردته السلطاتُ الجائرة، فبات تائهًا لا يستقرُّ على قرار. وبرغم ذلك، واجهَ هذا البُعاد، ليس بمشاعر الأسى، وإنما بمشاعر الحنين إلى وطنه، وذلك عبر حبيبته التي ربما ابتدعها خيالُه. وبذلك يكونن قد ورَّى صورةَ الأسى بصورة الحنين.
- الرؤيا
هي الصدى الوجداني أو المعنى البُعديُّ الذي نستشفُّه من النص. أما ميزتُها، فهي كلية كونية، لا تقبلُ التجزئة، ولا تلتزمُ بحدودٍ زمنيةٍ ومانية. تغوص وراءَ ظواهرِ
————————————-
1 من كتاب “ناثر وشاعر”، ج 3، ص 107.
———————————-
الأشياء وما يتصل منها بالإنسان ووضعه.
فلنسمعْ ما يقول داهش مخاطبًا المال:
“أجل! يا مال!
لولاكَ ما كان خديعةٌ وهوان، ولفٌّ ودوران!
لولاكَ لَما كان طعنٌ وقتال، وصراعٌ ونِزال.
لولاكَ لَما كان بؤسٌ وشقاء، وكَذِبٌ ورياء.
لولكَ لضما كان تنافرٌ وشحناء، وحِقدٌ وبَغضاء.
نعم! ولولاك لما كانت بدايتنا نهايةً، ونهايتنا بداية…”1
فرؤيا الشاعر هُنا رؤيا روحيَّةً كونية، استقاها من الأرض التي تعجُّ وتضجُّ بالطمع المراودِ عقولَ أبنائها، وبالأنانية الملازمة أبدًا لنفوسهم الضعيفة، مؤثرين المادة على الإنسان وقيمة الروحية. وقد رمز بالمادة إلى المال، وإن كان المالُ عصبَ الحياة، لكن عبادته تقود إلى الدمار والفناء. من هنا جاء قولُه خاتمًا به النص:
“نعم! ولولاكَ لَما كانت بدايتنا نهاية، ونهايتنا بداية…”
- اللغة والغموضُ الفنيّ
اللغة ظاهرة اجتماعيةٌ وحضارية، لكونها الملكة التي تميزُّ الإنسان عن غيره من الكائنات.2 “وللغة وظيفتان: وظيفة تخاطبية مادية موجودةٌ عند كل البشر، ووظيفةٌ إنتاجيةٌ في نظام نحويٍّ موجودٍ في كل عقل، عند جماعةٍ محددة،”3 لأن في اللغة كمًّا زاخرًا من الرموز والدلالات التي لا تتحقق إلى في نظام في الأنساق هي: الجُمل والتراكيب والنصوص.4
وما أدراك بلغة الشعر، وبخاصةٍ الجديد منه الذي راح يستعمل الإشارات والرموز في التعبير عن مكنوناتِ النفس، فانتهت به اللغة إلى ما يُسمَّى “الغموض”.
————————————–
1 القلب المحطم”، ص 72.
2″ عالم الفكر” م 23 عدد 3 و 4/ 1995، ص 252.
3″ عالم الفكر” م 26 عدد 2/ 1997، ص 226- 227.
4 راجع كتابنا عن جوزف جحا، ط 2001، ص 57.
——————————–
والغموض أصلاً مرفوض إذا كان مقصودًا لِذاته، أو إذا لم تكن له صِلاتٌ بالإنسان وبالكون. فالغموض المستحسن في الشعر الجديد هو الغموض الفني الذي يعتمد الرمز، ويكون خصب الرؤيا التي تفرضها تجربةُ الشاعر، ولا تخفى على القارئ المتبحر أو الباحث الهادف.
وبعد، كيف تظهر اللغة في أدب الدكتور داهش المُدهِشِ موضوعًا، والمتأنقِ لفظًا، والمُمتع تعبيراً، والبعيد الغورِ إنشاءً وتركيبًا؟ فلنقرأ نصًا له بعنوان “أنا حائرٌ وخائر”، فماذا نرى؟
“رباه! لقد أتيتُ إلى هذا الوجود وأنا حائر
وعندما بلغت مبلغَ الرجال، ازددتُ حسرةً وغيرة
وها أنا في طَور الكُهولة وتوشك أن تقتلَني الحيرة
وقريبًا أبلُغُ دَورَ الشيخوخة ولم يفارقني الإبهام
تُرى ما الحكمةُ من خلقِنا، ثم قذفلنا إلى الحِمام؟
ربَّاه!… لقد دخلتُ الأرضَ وأنا حائر، وسأغادرُها والعزمُ خائر”1
يحارُ القارئُ العاديُّ في فهم مضمون هذا النص. إنما القارئُ المُمعِنُ في أدبِ داهش يراه يفتِّش عن حقيقةٍ لا وجود لها على هذه الأرض التي يأتيها وهو حائر، ثمَّ يغادرها وعزمُه خائر.
لكنَّ الأمرَ ليس كذلك؛ فالحقيقة المفقودة على هذه الأرض باتت له في عالَم السماء، عالَم الروح.
لا شكَّ أن النصَّ بمُجملِه يسيطر عليه وبالكامل الغموضُ الفنيّ، رغم أناقة اللفظ والتعبير الشفافِ المتتالي معانيَّ، والمتنوعِ أنماطًا وتركيبًا.
- الرمز
أكثرَ الشعراءُ من استعمال الرموزِ في قضائدهم ودواوينهم لأنها مظهرٌ من مظاهر اللغة، وسببٌ رئيسيٌ في إضفاء طابع الغموض على شعرنا المعاصر. والمقصود منها طبعًا الرموزُ الشعريةُ التي يجب أن يكون استعمالُها وسيلةَ إفصاحٍ وتعبير، ووسيلةَ إضاءةٍ وتنوير. وتعاملُ الشاعرِ مع هذه الرموز هو تعاملُ خلقٍ وإبداعٍ يحتاج إلى مهارةٍ فنيةٍ كي يبلغَ بها الشاعرُ هدفَه المنشود1.
حَفَلَ أدبُ الدكتور داهش بالرموز التي بها يتمُّ تحديدُ علاقةِ الإنسان بالله، بالكون، بالبيعة، إلى تحديد علاقته بنفسه. وقد شطح فيها شطحاتٍ صوفية وروحية، كالصراع بين قُوى الخير والشر، والصراع بين الواقع والمثال، والصراع بين المادة والروح، بينا لحياة والموت، بين الخلود والفناء. ونطرح على سبيل المثال كتابَه “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا” الذي صدَّره بنداءٍ خفيٍّ قال فيه:
“أُحبُّ أن أعودَ إلى المجرَّة الأزلية.
التي تضجُّ بملايين كواكبها الأبدية!
إن هذه الرغبة الجامحة لازمتني منذ طفولتي الحالمة،
وما زالت ترافقني في يقظتي ورقادي.
إني أتوق إلى الذهاب إلى بحارٍ مجهولة،
وأنهار لم تسمع خريرَها آيةُ أذُنٍ بشرية،
كما إني أُصغي إلى نداءٍ خفيٍّ
يُهيبُ بي أن أخلعَ عنِّي رداءَ المادة
كي أستطيع وُلوجَ هذا العالم السحري البهيّ.”2
واضحٌ أنه بهذا النداء يجسدُ المثالية الرافضة للواقع الذي تاباه نفسُه، لكونِه واقعًا مليئًا بالفساد، بالشرور وبطغيان المادة على الروح، فآثر الموتَ على الحياة، لأنَّ الحياة فناء, وفي الموت خلودُ الروح في فيافي الكون الآخر.
وفي تعريفه للكتاب المذكور أعلاه يختمُ بقوله:
“وبعد، فهاكم مراثيَ النبيِّ إرميا المشحونة بالأسى، العارمة بالحزن، الفياضة بالشجن.
وَقاكم الله ووقاني من عاديات الزمن الغادر، إنَّه السميع المجيب”3.
————————————–
1 راجع كتابنا عن راجي الراعي، ص 53.
2″ ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا”، ص 8.
3 المرجع السابق، ص 18.
—————————————————-
نعم! فمراثي النبيِّ إرميا لمدينة القدس التي دمرها الغزاة، وشرَّدوا أهلها في أقاضي المعمورة، باتت رمزًا للمآسي والأحزان، في كل زمانٍ ومكان. وتأكيدًا لِما ذهبنا إليه، فلنسمعْ من الكتاب هذه المقطوعة حيث النبيُّ إرميا يبتهلُ على أنقاض المدينة (أورشليم):
“ارحم يا ربُّ مَذلَّتي،
لأنَّ عدوِّي قد تمجَّد.
سيطر (الغازي) على أورشليم،
واجتاز قُدسَ أقداسِها!
وأنتَ الذي أمرتَ
أنْ لا يَلِجَه الاَّ أبناؤك.
الشعبُ، بأكملِه، يبتهلُ متنهدًا،
يطلبُ الخبزَ الجافّ.
وفي سبيله يا الله،
قدموا العذارى للغاصب،
كي تُردَّ إليهم نفوسُهم.
أُنظر يا ربُّ، وأشفِق…”1
- الإلتزام والثورة
إن تلتزمَ، فهذا يعني أنك صاحبُ قضية. وقضية الدكتور داهش قضيةٌ إيمانيةٌ روحية، ساميةُ الأهداف، نقيةُ التطلع.
أمَّا ثورته، فقد حفلت بما حفل به إيمانُه على غير صعيدٍ ومستوى، وقد أشرنا بوضوحٍ إلى كلٍّ من الالتزام والثورة اللذين لا ينفصلان عن بعضٍ في القسم الأول من بحثنا هذا.
- النزعة الدرامية
تعني النزعةُ الدراميةُ في الشعر الجديد التقابل والصراع بين طرفين رئيسين هما:
ذاتيةُ الشاعر والموضوع، عِلمًا أنه لا يمكنُ الفصلُ بينهما.
————————————-
1 المرجع السابق، ص 31 – 33.
————————————–
معظم أدبِ الدكتور داهش تُسيطرُ عليه النزعةُ الدرامية؛ فالتقابل بينه وبين موضوعه قائمٌ في غير نصٍّ من نصوصه الأدبية، لكونِه الروحانيِّ الذي لا يُمالقُ ولا يُخاتلُ أو يغدرُ ويغش. همُّه الحقُّ والحقيقةُ ليس إلا.
أعجبُ ما حار منه فكري غرابةُ نفسي
ذات التقلب، فيـــــــه تُرى فريــــدة جنسِ!
****
يا صاح، طورًا تراني في غبطةٍ وسرورِ
وقــــــــــــد تـــــــراني أيضًا في غمَّةٍ وسعيرِ!
****
دُنيايَ لا شيءَ فيها يُرضي، وفيـــــه عزائي
آهٍ! ولا شيءَ فيهــــــا يُهدي، وفيه رجائي!1
إنه في حَيرةٍ من أمره، وتقلُّبٍ واضح بين الفرح والحزن. وكذلك لا يرى في دنياه ما يرضيه، وبه يعزي نفسَه، أو يَهديه وبه يأمل. وبعد الحيرة والتشاؤم وصل إلى ما يركن إليه، فيعترف بالحقيقة التي تنتابُه، وهي أن به مَسَّ جنونٍ، وذلك في قوله:
حالاتُ نفسيَ تحوي عناصرًا من جنونِ
والحـــــــــقَّ لا عيبَ فيه وذاك حقُّ اليقينِ!2
- نزعة الحزن والتشاؤم
بالرغم من روحاينة الدكتور داهش وإيمانه المطلق بالخالق، سبحانه وتعالى، اتسمَ أدبُه بنزعةِ الحزن في حدودٍ واسعة، لأن الحزن نتيجةُ الألم؛ وقد آمن بالألم في سبيل العطاء والخلاص معًا.
أما التشاؤم، فقد ارتدى طابعَ النفور من الوجود الذي لا يجد فيه ما يُرضي نفسه، لكن يبقى رجاؤه الروح، وبالروح يقوى، ومنها يستمدُّ حيويته الفاعلة في مواجهةِ الشدائدِ.
—————————————
1 القلب المحطم”، ص 163 – 167.
2 المرجع السابق، ص 163 – 167.
—————————————————
والملماتِ والمصاعب والمصائب المتنوعة.
ومهما يكن، فنزعتا الحزنِ والتشاؤم متلازمتان في ذات داهش، كم وكم فاض بهما قلمُهّ! فلنستطلعْ ذلك في قوله:
“كلُّ ما في الكون يسيرُ إلة التلاشي، والفناء، والعدم!…
والأرضُ… بما حوَت من إنسانٍ وحيوان، وهوامّ وأزهارٍ وأطيار،
وكلُّ ما تزخرُ به من كلِّ نسمةٍ وحياة…
سيكون نصيبُها الأفولَ والفناء، والتلاشي والعفاء!…
فما اشقاك… أيُّها الإنسان!…”1
إنه يعبِّرُ هنا عن رفضِه للوجود بعد أن عكس صُورَه المأساويةَ على ذاته. وقد تكون حالُه هذه حالَ معظمِ شعراءِ الحداثة كصلاح عبد الصبور عندما قال:
“يا هذا المفتونُ البسَّامُ الداعي للبسمات
نبئني ماذا أفعل
فأنا أتوسَّل بك
إن كنت حكيمًا، نبئني كيف أجنّ
لأحسَّ بنبضِ الكونِ المجنون”2.
وفي مكانٍ آخ نرى شاعرَنا داهش يائسًا من الحياة يعتريه الحزنُ الشديد، والآلامُ النفسيةُ تتملكُ كيانه، والكآبة تُلازمه. ومع ذلك يجد لذةً في ألمه، كما يجد سعادته وبهجته، وذلك في قوله:
“نفسي حزينةٌ!
وشعورٌ غريبٌ من الأسى يهيمنُ على كياني!
وآلامٌ نفسية شديدةُ الوطأة تتملكُ أعماق أعماقي!
وأحزانٌ بالغة تحيط بي إحاطةَ السوارِ بالمِعصم!(…)
والكآبة الخرساُ تُلازمُني!(…)
————————————-
1 الدكتور دانش: “اسرار الآلهة” ج 2 (دار النسر المحلق للطابعة والنشر، بيروت 1980)، ص 113 – 114.
2 راجع” راجي الراعي”، ص 58.
———————————
وفي ألمي العميق لذتي!
وفيه سعادتي وبهجتي!”1
وأخيرًا، إن مؤلفات الدكتور داهش هي أشبهُ بكُوَمٍ من الورود والأزهار المتنوعة الأشكال والألوان، جمعَها بأكمامها وبراعمها من رياضٍ فائقةِ الجمالِ حِسًّا وروحًا، رياضِ السماء، لا الأرض، فهيكلَها قِطعًا أدبيةً بأُسلوبٍ خياليٍّ مُبدع، فقاربتِ الشعرَ في مقاييسه الجديدة، وإن بقيَتْ في إطار النثرِ الفني أو قصيدةِ النثر.
20/8/2009
تجربةُ الدكتور داهش الإبداعيَّة
الشاعرة غالية خوجة
شاعرة وروائية سورية. تحمل إجازة في الحقوق من جامعة حلب (1993).
من منشوراتها الشعرية “إلياذة الدم” (1997)، و”أوذيسا البنفسج” (1999). ومن منشوراتها الروائية “برزخ اللهب”(1999) و”الفصول المجنونة” (للأطفال، 2001). نالت عدة جوائز على أعمالها الشعرية والقصصية.
تجربةُ الدكتور داهش الإبداعية
لكل روحٍ مبدعةٍ ملكوتُها الذي تُشرِفُ على ذاتها وعلى العالم من خلاله. ولا بد لهذا الملكوت من أن يعكس تحولاته في الحركة والسكون من خلال الشرود والتأمل والاستبصار والنُزوع إلى كلا الأعمق والأعلى، للكشف والمكاشفة.
وتختلفُ طريقةُ التعبير كما تختلفُ طريقةُ الرؤيا تبعًا لثقافة الروح وإشراقاتِ المجاهيل، وهذا ما ألِفنا تسميته بـ(الأُسلوب). ولا أحد واعٍ بالجماليات يشكُّ في أن الفارق بين مبدعٍ ومبدع هو (الأسلوب) = (الروح).
فبماذا تميز الدكتور داهش؟ وبماذا تميزت تجربتُه الإبداعية؟
تميز داهش بروحه الطامحة إلى أقصى آفاقِ الحُلم لدرجة الإتيان بعقيدة جديدةٍ خلاصتها المحبة والرغبة في الكشفِ عن الواقع للوصول إلى الحقائق من خلال تعرية سلوكيات الناس على الأرض، ومن ثمة الاتجاه إلى فلسفة الكشف عن الأرواح والسيالات واشتراكها في النسق الإيجابي أو النسق السلبي، وذلك تناغمًا مع ثنائيات الخير والشر، الضوء والظلمة، العدالة والظلم، إلخ… ومن أجل التعبير عن كافة المستويات، ترك داهش لروحه ونفسه ووعيه ولا وعيه أن تنطلق بمنتهى الحرية. ولذلك نجد تفاوتاً في طريقة الكتابة بين الواقعية المباشرة، والوصفية العادية، والوصفية الخلاقة، والمشهدية، والسيناريوهاتية، والحكائية، والمخيلة الجامحة، والرمزية، والدادائية، والسُّريالية.
وبناء على هذه البنية المتشاكلة، فإن لقارئ أعمالِ داهش أن يرى بوضوحٍ أهم محورين، موضوعيًا وفنياً:
- محور الثيمة الموضوعية الذي اختزله بالبحث عن أفضل القيم المكنونة في الإنسان والوجود من خلال الارتقاء بالأرضي إلى العلوي، من المادي إلى المجرد، من المرئي غلى اللامرئي، وذلك من خلال معياريةٍ ثابتةٍ يُصرُّ عليها كل مبدع حقيقيٍّ: القيم/ الأخلاق، وما بينها من جمالٍ وحقٍّ ومُساواةٍ وعدالةٍ وتنزيهٍ وارتقاءٍ ومجاراةٍ للأَسمى بُغيةَ إنجاز(النهوض الروحي الإنساني) للوصول إلى الحضارة.
- محور الثيمة الفنية الذي يتلخصُ بمقدرة المخيلة على الانطلاق ضمن بنيةٍ تتالفُ من تداخُلات الخرافة، والأسطورة، والفلسفة، والاحتمال، والواقعية، مُثقفة بالموروث الإنساني ومُبتكرةً لأحلامها وظلالها ولا مألوفيتها، الأمر الذي ينتجُ عنه نصوصٌ تتحركُ بالحدث أُفقيًا، أو تقاطعيًا، أو التفافيًا، أو تشعبيًا، أو…
يقول الدكتور داهش في مقدمة كتابة “بروق ورعود”: “هي بروقٌ نفسية ورعودٌ كلامية حاولتُ فيها شرح ما أشعر وأُحسُّ به في مختلفِ شؤون هذه الحياة بصورةٍ موجَزةٍ لا تتعدى السطورَ الستة لكل قطعةٍ منها”1
وفعلاً يقدِّم لنا لوحةً بستة سطورٍ، فيها اللغةث تباشرُ الحالاتِ المختلفة للإنسان. وهو يعبر بمباشرةٍ، فيسمي الأشياءَ بمسمياتها، باحثًا، من خلال علائقها، عن السعادة والحُلم، فلا يجدُ إلا الفناء، والدنيا، والكآبة، والذكريات، والنساءَ، والجحيم، والفرار تارةً، والاقتحام تارة….
تتسمُ هذه النصوصُ بثيمة الحكمة المتسعة لتفاصيل السيكولوجيِّ والسوسيولوجي. ولذلك جاءت في محاولةٍ لاختزال الواقع المعيش بكل تدرجاته الراغبة في الانفلات منه إلى بُؤرةِ توتُّرٍ أشد جاذبية وحضورًا في الدُّومان، ربما بحثًا عن اللازوال أو بحثًا عن الطمأنينة. وللوصول إلى هذه الحالة النفسية المشعة، كان لا بد من الزهد فيما يحدثُ على الأرض، وتمني العودِ إلى السيرة الأولى للتكوين، والانفتاح مع الموت على عالَمٍ آخر. هذا ما تُركزُ عليه “حقيقة الحياة” (ص 58):
————————————–
1 الدكتور داهش: “بروق ورعود”، ط 2 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1999)، ص 17.
———————————————
“وهمٌ هي الحياةُ وضربٌ من الخبلْ
كلُّ ما فيها رسومٌ حائلةٌ يسري فيها الخلل
الناسُ تهيمُ كالأشباح وقد أصابها الفشل
وفي بطاحها الجرداء تعشِّش شتى العلل
سئمتُ فيها عيشي وأصابني منها الملل
فمن يرتحل عنها سريعًا هو في مذهبي البطل”
وحده الإنسان المتجلي في العرفانية يدرك أن الحياة وهم أو نفق للعبور باتجاه الحقيقة. لذلك تسمو الروحُ عن الزائل لتتصل بوعيها الآخر، ولتنجز ما يتنامي من جذورها في فراغ الامتلاء، وفي امتلاء الفراغ. وهذا ما تنسابُ منه الشبكةُ العلائقية للسطور الستة السابقة المُنكتبة بلغةٍ بسيطةٍ جدًا، ومعانٍ مجربة تتمحورُ من خلال المونولوغ لتنبسط من خلال المحيط المتراكم بين الدلالات (وهم/ رسوم حائلة/ الأشباح/ الجرداء/ سئمتُ/ الملل) التي تعني، برؤيا ما، اللاشيءَ السالب. وللتملُّص من هذه الحالة اللاشيئية الى الحالة الأكثر إشراقًا وسموًّا، يأتي سطرُ الختام وهو يخاطبُ هو، مُركزًا على فعل “يرتحل” وكيفية الارتحال “سريعًا”، بما في هذه العلاقة من تنافُر مع الزمكانية السطحية إلى الزمكانية العُمقى. وفي هذه الحركة من الرحيل تكمنُ مقصدياتٌ كثيرة، أهمها الرحيلُ إلى الجواني الذاتي، ثم الرحيل إلى السماوي، ثم الرحيل عن الوجود إلى وجودٍ مختلف لا وهم فيه ولا ملل.
تتناوبُ تحولات الظل في المقطوعات السداسية المضاءة بالتأمُل في الملكوت بين الخالق والمخلوق، بين الحقيقة الإلهية والوهم الإنساني، فتنفعلُ، حينًا، وهي تتحدثُ بألم عن صفات البشر بين الصدق المطلوب المفقود، والخيانة والكذب الحاضرين أبدًا.
ولا يبقى في الحواس، من هذا الصراع، سوى الطَّواف حول التعالي، لتظهر مقدرةُ الله في جبروته ولا هوته، وطاقةُ الكائن في ضعفه وناسُوته. وتُمثلُ سداسية “فناءٌ فعدم” (“بروق ورعود”، ص 100) هذه التقريرية بين البقاء الحق والفناء الحقيقي:
“إن هذا الفلكَ الدوَّارَ الذي أوجدَهُ الواحدُ القهار
وجميع ما يحتويه من بحارٍ وأنهار
ومن كل سهلٍ واسعٍ أو جبلٍ شامخٍ جبار
والغاباتِ الكثيفة وما تحويه من أغصانٍ وأشجار
وما يغردُ على الأفنان الفيناء من أطيار
ستهوي، ستذوي، ستفنى، وتنهار”
وفي رأيي أن ترتيب الأبيات من الأعلى إلى الأسفل يأتي ترتيبًا يستوي عليه الخالق “الواحدُ القهار”، ثم تظهر تدرجات الخلق وتداخلاتُ العناصر بعدما يأمر الخالقُ بالتكوين، فينبثقُ الفلك مع حركته الملاصقة لكينونته (“الدوَّار”). وكأن البيتَ يُضمِرُ “الأثير”. بعد ذلك، يأتي عنصرُ الماء(“البحار والأنهار”)، بينما تنشأُ في المرتبة الثالثة الراسياتُ (“الجبال”) مع مدِّ الأرض مدًّا (“السهول”). وفي ذلك كنايةٌ عن عنصر “التراب” الذي يُضيفُ إلى تشكلاتِه حركةً جديدةً تتمُّ من خلال الدرجة الرابعة التي تبدأ معها الغاباتُ الكثيفةُ بالانتشار، لتصل الطبيعةُ إلى مرتبتها الخامسة بفضائها المتسع للأطيار حيث ينطلقُ عنصرُ “الهواء”.
وإذا ما بحثنا عن عنصر التكوين الرابع فلسفيًّا (“النار”)، فلربما نجدُه في البيت الأخير أو المرتبة السادسة وجودًا رمزيًا بالضرورة تُمثِّلهُ تدرجاتُ الأفعال الربعاية المسبوقة بسين المستقبل القريب. وهكذا تبدو القيامةُ على حافةٍ زمكانية غير بعيدة، لكن الأغلبية لا يتحسسونها، ولا يستشعرونها، فيظلون في “الفناء = الانهيار”.
واللافت هو الاختيار العفويُّ أو القصديُّ لحرف الراء الذي يختتمُ الأبيات الستة موحيًا بسقوط الموجودات ضمن خط بياني من الأعلى إلى الأسفل العميق. ويزيدُ التوكيد صوت الراء اللفظي المتساقط إلى الجوف!
لكن، لماذا اعتمد الدكتور داهش على الأبيات الستة في “بروقه ورعوده”؟
للإجابة احتمالاتٌ عدة، منها، أولاً، التذكير بالحاسة السادسة التي تضمُّ الحواس الخمس، وتنفصلُ عنها في آنٍ معًا. ومنها، ثانيًا، أن الرقم ستة يقفُ ليترك للمتأملين الفراغات التي لم يكتبها الرقم 7 على أهميته التاريخية والدلالية والموسيقية. وثالثاً، قد يكون إشارة إلى أيام الخلق كما قال تعالى: “في ستة أيام ثم استوى على العرش).
وهذا يشير إلى استنتاج متسارع اختزلته بكثافة قراءة داهش للأديان السماوية، وبعمق ثقافته في الفلسفة وعلم النفس والأسطورة والموروث الإنساني بشكل عام. وهذا ما تدلُّ عليه أعمالُه الأخرى التي تبدو وكأنها الدراما التي تُذكرنا بسمفونية “القدر” لبيتهوفن حين ينجزُ دراماه الموسيقية بهيئة سؤال وعتاب وانصياع وصراع يعلون ويخفت،
يخفتُ ويعلو، فتشبتكُ المونولوغات بالديالوغات، بالعنف والهدوء، بالتحدي والقبول، بالتجوُّل في أنفاق الأعماق العليا للإنسان والأعماق العليا للكون.
وإذا ما عُدنا من أعماق بيتهوفن إلى أعماق داهش وقرأنا “مفاتن الشعر المنثور”1 نتبين كيف يتحايثُ الهمُ الإنسانيُّ مع الهم الوطني، خاصة في قصيدة “أمة طال كراها” (ص 106):
لست أدري يا صديقي ما الذي سبب ضيقي
حائرًا أصبحتُ حقًــــــــــــا مذ بــــــــدأتُ في طريقي
ناشدًا حقًّــــــا وعـــــــــــــــــدلاً بعدمــــــا ماتت حقوقي
أمةٌ ضلت فتاهت! ويحكِ هيَّا أفيقي
وهذه القصيدة مكتوبةٌ في بيروت بتاريخ 4/1/1975 وما تزال حالُ الأمة هي منذ 34 عامًا! وهي حالُ العربي منذ أكثر من قرن!
وتطلُ الجراحُ كعادتها سواءً من الذات أو الحب أو المرض أو الغُربة أو الوطن…
لكنها جراحٌ مشتركة تأبى أن تكون فرادى. ولأن الجراح تتكاثر ولا تذوب، تتفتحُ حين تتحول إلى كلمات نراها نازفةً من قلب داهش المُحب حتى لألامه. وهذه هي حال العاشق لفتاة الحلم التي تتخذُ اسم هدى مرةً، وأميرة مرةً أخرى، وماجدة وفاتن إلخ… وتجتمعُ النبضاتُ بسمةِ الرومانسية الشفافة الواصفة للفراق والسفر والموت والبعاد، فتصفُ حالةَ المعذب في وحدته، وحواسه، ومتاهته، لنقرأ مقطعًا من “يا ظالمة” (ص 220):
“لله كم سأشتاقك بعد سفرك،
وكم ستُحيطني الأشجان عند بُعدك.
سأرفعُ ضراعتي لخالقي ليَسمحَ أن أكونَ بقربك.
فحياتي بدونك صحراءُ قاحلةٌ، لأني أحبك”.
وقد يأتي الحبُّ واصفًا طبيعةَ العلاقة بين المرأة والرجل، وما يفعله الحُلمُ والجمال وتزيده المخيلة حتى يتحول العاشق إلى مطيعٍ ومنفذٍ لكل ما تريده المحبوبة.
——————————————–
“الدكتور داهش: “مفاتن الشعر المنثور” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984).
————————————————–
ومن نبضةٍ أخرى، نلمسُ كيف تصبح هذه العلاقة إشكالية من خلال الأسئلة الوجودية التي يجادلُ بها داهش الطبيعة. فها هو يتساءل بفلسفية ما في قصيدته “مُعميات” (ص 241):
“ولِمَ زيدٌ يُولد ذكرًا؟ وتلك تُولد أنثى؟
وسواهما ألمعيٌّ بتفكيره، وآخرُ دومًا تراه ينسى!
وبعضهم بمعدنه الرقةُ، وزميلُه من الفولاذ أقسى!
حيرتني أسرارٌ موصدة، فرددت لعلها تحل وعسى…
معميات ستبقى مغلقة دهورًا، بالخفايا تُكسى!”
أسئلة تمسُّ جوهر الوجود، والحضور، على مستوى الجندر (الجنس)، وعلى المستوى التفكيري الاختلافاني بين الذاكرة والذكاء، وعلى المستوى الماهوي المرموز له بالمعدن الرقيق الشفاف أو الفولاذ الصلب القاسي! وهذه التنويعاتُ المتضادة شكلاً وجسدًا وسلوكًا وحساسية، وتلك التفاوتاتُ بين بني البشر، هي أسرارٌ وأسئلةٌ لن نجد لها اجابة نهائية أو كشفًا ثابتًا. ولأنها كذلك، فستظلُّ من “الخفايا” التي كلما عريتها، احتجبت أكثر.
وفي هذا الكشف والاحتجاب يكتبُ جاهش كتابة “قصصٌ غريبة وأساطيرُ عجيبة”1. وهنا نكون قد ولجنا في الحكاية والسرد والخرافة والواقع والدهشة والعادية والاحتمالية…
وأدعو إلى قراءة قصة “مقبرة الأهوال المرعبة” (ج 2، ص 15) التي تزخمُ بفكرةٍ ومتخيلةٍ في الآن نفسه. كما إ،ها تمنحُ الحكمة بتعاملها مع الميتافيزيقا من خلال “القيامة” التي تظهر بشكلٍ غير متوقعٍ عبر”العاصفة” التي تمرُّ على الأرض أو، بالتحديد، على “المقبرة”.
تظهرُ الصواعقُ والبروقُ والرعودُ والعاصفةُ كشخصياتٍ سببية تُحركُ عناصرً السرد ابتداءً من الهبوب والمتغيرات التي تتسعُ دائرتها المكانية لتصل إلى ما تحت الأرض (“مَن في القبور”): “وانقضت الصواعقُ ترجمُ الأرضَ رجْمًا، والبروقُ ومضت
—————————————————-
1 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، 4 أجزاء (دار النسر المحلق، بيروت 1979، 1981، 1983).
—————————————————-
فانشفت الحُجُب وظهرت المخبآت. وجمحت العاصفة فإذا بجبارة الأشجار ترتجف وجلا فتتناثر أوراقها، فإذا بها عارية، بينما اقتلعتْ أخرى من جذورها، فإذا بها مُمددة هامدة… وانشقت القبور، ونهض الموتى مغادرين أرماسهم، نافضين أكفانهم، مُلقينها في قبورهم!”
وهنا، تتغير الأبعاد الدلالية في النسق بطريقة سريالية تركيبية تتمحور حول “الهياكل العظمية” التي تبرزُ في المتن كشخصيات رئيسةٍ تنفتل إلى الأحداث السابقة وسيرتها الماضية من خلال تقنية “الفلاشباك” وكأنها تذكرنا بملحمة دانتي أو “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري، لكنها تختلف تبعًا لأسلوبية كل كاتب: “نهضوا وهم عظامٌ غيرُ مَكسوةٍ باللحم، إذ إن الديدان قد افترسته منذ مئاتٍ ومئات من الأعوام! واختلطت الهياكلُ العظيمة حابلُها بنابلها، والعاصفة تدور بهم بين الأحداث الالكئيبة، وصفيرُ الرياح يملأ المقبرة بعزفٍ مخيفٍ ترتعدُ منه فرائض الأشباح الائمة”.
وإلى جانب هذه الشخوص تبرزُ شخصيةُ إبليس والنار والهولُ والأحداث المتسلسلة والمتقاطعة: “وانشقت الأرض وتصعدت، فبرز الشيطانُ، من فجوتها السحيقة. كان هذا الشيطانُ اللعين متمنطقًا بثعبان هائل ذ عشرةِ رؤوس مرعبة، ويتصدرُ جبينه عقربٌ إبليسيٌّ ضخم الحجم، والنارُ تخرج من عينيه الضيقتين!”
صورةٌ خرافية وسُريالية مُرعبة عن الشيطان أو اللوياتان أو “فاوست” غوته تجمعُ دلالات الشرِّ برموزها الشيطانية التي تختار ثعبانًا بعشرة رؤوس بما في ذلك من إحالةٍ على الأساطير الموروثة والعفاريتِ المتعددة الرؤوس، وتكتملُ بعقربٍ نموذجيٍّ على الجبين!
ويُوظف الساردُ العالم بكل شيء رمزية الشر (الشيطان بهيئته المصورة) في الزمكانية المناسبة ليحل بديلاً عن العاصفة وكأنه عاصفتها المضمرة أو المقصدية الأهمُّ للأنا العارفة بكل شيء، فتتحول العاصفة من طبيعتها الخارجية إلى الطبيعة النفسية الجوانية. وما إن يتم هذا التحول الرمزيُّ، أو التقمص اللاواعي للنص، حتى يبدأ هذا الكائنُ بقيادة الأحداث ليُتابع حضوره النصي مع الإشارة: “وأشار هذا الشيطان بسبابته للهياكل العظمية، فإذا هي تتسمرُ بأمكنتها وهي ناظرةٌ بأوقابها الفارغة إلى ربِّ المعاصي والآثام الجِسام!”
وبعدما يضربُ بحافره الأرض، تتصدع، لتتفرج عن “فراغ سحيقٍ تتأجج فيه نيرانٌ جهنمية مخيفة. ويجوف هذه النيران أشخاصٌ تشقُّ صرخاتُ المهم الجهنمي طبقاتِ الفضاء، فيرجع الصدى صراخَ ألمهم المدمى”.
ومع أول فعل لرمز الشرِّ، يعتمدُ داهش في الحركية الحديثة على الفضاء الصوتي والصمتي بين صدع الأرض ورجع السماء، مُنجزًا فضاءً آخر لحاسة السمع الداعمة لحاسة البصر التصويرية، فنُصغي لهذا الفضاء المتراكم داخل شبكة العلائق عبر (ضرب/ تتصدع/ تتأجج/ صرخات/ يرجع/ الصدى).
وتعودُ الهياكلُ العظمية إلى ذاكرتها ومسيرتها السابقة في الحياة الدنيا قافزةً إلى أول كانون الثاني (يناير) 1460، ليروي لنا المؤلف حكايةً اغخرى عن شخصيتيه الأساسيتين للحدث المحوري القائم على “الحب” و”الخيانة”، ويتخلص بالهيكل العظمي لكل من الحبيبين نتالي وهامان اللذين لم يتزوجا، لكنهما رُزِقا ابنًا (لهيب) وبنتًا (حبيبة)، لكلِّ من الحبيبين نتالي وهامان اللذين لم يتزوجا، لكنهما رُزِقا ابنًا (لهيب) وبنتًا (حبيبة)، وذلك خلال زواج نتالي بنابال الذي تكرهُه، ثم دست له السم لتتزوج هامان، والدّ الطفلين الحقيقي، الذي “خانها” مع صديقتها، الأمر الذي دفعها إلى أن تقتله بخنجرٍ قتلت به نفسها أيضًا. تقول نتالي وهي تعترفُ للشيطان: “لكن نهايتي كانت تعيسةً للغاية إذا إن هامان تعلق بصديقةٍ لي كانت تزورني، وإذ ذاك طعنتُه بخنجرٍ مُرهَف الحد، ثم غرستُه في قلبي”.
ويصور لنا المشهد اللاحق كيف يتقدم هامان ويصفعها برغم آثار الخنجر التي ما زالت واضحة ً في عظيمةِ صدرِه، فيسقطُ راسها بين رجليها. ثم يعود “صراخ الذعر” إلى القصة، ولا يوقفه إلا صوت إبليس وهو يعنفُ هامان بحوارٍ من طرفٍ واحد، جاء بطريقةٍ مباشرة، وتقريرية، ساعدت على هبوط التوتر النصي. وعندي أنه لو تم حذفُ ما قاله إبليس، وانتقلنا إلى المشهد اللاحق لكانت اللحظةُ السردية أشد اختزالاً: “وركل الشيطانُ بحافره هامان ونتالي، ودفعهما نحو الهوة، فإذا ببحيرة النار تستقبلهما، فيخوضان غمراتها المتأججة بخالد النيران الأبدية. وكان صياحُ ذُعرهما يُفكك عُقد الصخور الراسخةِ الثبات”.
يلي ذلك انتقالُ البنية إلى حيزٍ تشكيلي آخر، تلتقي في بؤرته الهايكلُ والأهوالُ والرياحُ والأمطارُ والرعودُ والجلجلة مناغمةً بين النار واعترافات الهياكل المفتوحة على مخيلة القارئ وتداخُلاتها وتداعياتها.
تستعرقُ زمنية القصة ليلة واحدة مختلفة، لكنها تمتد إلى مئات السنين بأثرٍ رجعي، ولا تمتد مكانيتها أكثر من “مقبرة” تختصرُ ما يحدث على الأرض وفي الداخل الإنساني، وتربط بين اضطرابات الطبيعة واضطرابات الوجود من خلال نقطة مكثفةٍ ناغمت الحياة والموتَ والانبعاث، كما ناغمت الماضي المتأرجح بين الحب والخيانة، والحاضر الجامد ظاهريًا (المقبرة) المتحرك باطنيًا (عودة الهياكل)، والمستقبل بين النار والمصير. كما إنها غلقت كل هذه العناصر الأساسية والهامشية والتفاصيل الأخرى بعوامل طبيعية تشبه شتاءً مجنونًا لا ينفرجُ إلا مع “الفجر” ليستديرَ متكورًا على نفسه من خلال القصة الدائرية التي تبدأُ وتنتهي بنفس الجمل والمشهدية، لكن… مع فارق واضح، وهو أن البداية تعصف لتتحايث مع الأحداث، بينما تأتي الخاتمة صامتةً، تاركةً ىثار البداية والحكاية على الجمل وفي ذاكرة القارئ: “وانجلى الفجر…. فإذا المقبرةُ قد انطرحت أشجارُها أرضًا من فعل العاصفة الهوجاء، وتشققت قبوُرها من زلزالٍ ليليٍّ عنيف فَلَقَ الارض! وإذا بهوةٍ سحيقة مخفة قد تجلت في مقبرة الأهوال المرعبة، بعد هذه الليلة الحافلة بالمخاوف!”.
وأتوقَّعُ أنَّ الخاتمة ستكون أجمل إذا حذفنا الجُملة الشارحة التفسيرية الأخيرة من القصة متوقفين عند “الأهوال المرعبة”. ولا أعرفُ لماذا لم يوظف الدكتور داهش الثعبان ذا الرؤوس العشرة والعقرب الإبليسي بفاعلية أكبر؟ فماذا لو تخيلنا أن الثعبان والعقرب كانا يتجولان في المقبرة بعد هدوء العاصفة – القيامة؟ أو لو أنهما كانا محترقين قريبًا من الحفرة السحيقة؟ ومن رؤيا أُخرى، تتسع طاقة داهش للتنويع الكتابي؛ فهو ينتقلُ من جنسٍ أدبي إلى آخر بعفوية فطرية واضحة، تتسمُ بنص مثقفٍ مبني على قراءاتٍ في كافة المجالات تؤدي آثارها وظيفتها في النسق الكلامي لتكشف وتنتقد وتفلسف وتسرد وتتخيل وتتذكر منجزة غايتها إسقاطيًا، أو إحاليًا، أو تناوبيًا، وأو تقاطعيًا… تتآفقُ، أو تتقاطع، أو تستعيدُ من اللاواعية واعيتها، فتنزحُ عما يحدث إلى ما يجب أن يحدث من فضيلةٍ وصدقٍ وقيم عرفانية لا تكترثُ بالوجودية أو المادية أو الدهرية، بل تبحثُ عن الميتائي لحضور الإنسان على هذه الأرض؛ وهذا ما نقرأُه في رواية “مذكرات دينا”.
———————————————————
1 الدكتور داهش: “مذكرات دينار” ، ط2 (الدار الداهشية لنشر، نيويورك 1986)
——————————————————–
تبدأ الرواية منذ لحظة سَكِّ العملة الذهبية في بريطانيا، وتتقمصُ الأنا الساردة العالمة بكل شيءٍ الدينار كشخصيةٍ أساسية في الرواية، وتحكي من خلاله من يحدث على هذه الأرض، تحت البحر، في الاسطبلات، في الغرف المغلقة، بين البلاد والبشر والجُثث والسُّفن والحيتان، معتمدة على التحولات النفسية المتناقضة، وتدرجاتها بين الوضيعة والسامية، بين العادلة والظالمة، بين الخير والشر السائد عوالِمَ الكوكب الأرضي، مع طفراتٍ مُضيئة تتجسد بغاندي وطاغور وسواهما، كما تنعكسُ من خلال الدينار الذي يسردُ لنا رحلاته وتنقلاته وكأننا أمام “ألف ليلةٍ وليلة” أو :كليلة ودمنة” من ناحية التشويق والسلاسة والكشف….
تتداخلُ في “مذكرات دينار” السيرةُ الذاتية والمجتمعية مع التاريخ، مع أدب الرِّحلات، مع الحكمة، مع الشخصيات الواقعية، الثقافية والسياسية والعادية، مع الحرب العالمية الأولى وهتلر ومصر ونيويورك وأماكن أُخرى واقعية ومتخيلة.
وهذه هي ثيمةُ النسيج السردي فنيًا، وسِرُّها المتحرك برشاقةٍ بين النص المؤلف من 114 عنوانًا بلغةٍ بسيطةٍ ترتكزُ على المشهدية، والسيناريوهاتية، والحوارية بثنائيتها المونولوغية والديالوغية لتترك أثر الهباء بعيدًا، ولترمي وراء هوامشها المحورَ الذي تتحدث عنه (المال) وما يجنيه الإنسانُ من مثالبَ وخياناتٍ وحروبٍ وأطماع لا تنتهي بسبب هذا الدينار! ولا بد لـ”مذكرات دينار” من دراسةٍ نقدية خاصةٍ سأكتبها لاحقًا إن شاء الله، مكتفية الآن بهذه الإضاءة بمناسبة الذكرى المئوية الأُولى لبُزوغ هذا الضوء العربي في العالم.
إطلالةٌ على الأدبية الداهشية
الدكتور علي مهدي زيتون
باحثٌ لبنانيٌ. يحمل دكتوراه دولة في اللغة العربية وآدابها من جامعة القديس يوسف ببيروت (1988). أستاذٌ في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية (الفرع الرابع). رأس فيها قسم اللغة العربية سحابة ثماني سنوات. اشترك في عدَّة مؤتمراتٍ أدبية ولغوية في لبنان والعالم العربي.
من مؤلفاته المنشورة: “الإعجاز القرآني وأثره في تطور النقد الأدبي”، “السيَّاب: الرؤية واللغة”، “شرح ديوان الفرزدق”، “الحداثة الشعرية”. له عدة أبحاثٍ منشورة في مجلات أدبية.
إطلالةٌ على الأدبية الداهشية
أراد الرُّمانيُّ في القرن الرابع الهجري، أن يميز المطبوع من المتكلف، فوجد نفسه أمام ثنائية الدال والمدلول. التكلف أن يكون المدلول. التكلف أن يكون المدلولُ في خدمة الدالّ، والطبيعية أن يكون الدالُ في خدمة المدلول. وإذا وقف حيال الكلام ووظيفته، وجدَ أن المدلول هو الغاية؛ فترتب لديه أن تكون الطبعية هي فضيلةُ الكلام. والفضيلةُ، بعيدًا عن البُعد الخلقي، هي الجمال الأدبي. ولم يختلف علماءُ الجمال الأدبي المعاصرون عن هذا المذهب. رأى أبير كرومبي Abercrombie وغيره أن الجمال الأدبي مرتبط بالقدرة على التعبير. ولقد وجدنا بين المعاصرين مَن ينحدرون عن مسافةٍ غير قابلةٍ للتقصير الكلي بين قصد المتكلم وما استطاع أن يُعبر عنه كلامه. وهذا ما أعطى الجمالية الأدبية انفتاحًا غير قابلٍ للسبر الكامل، أو أي قابلية للانغلاق على وضعية محددة. ومقابل هذا التوجه، نجدُ من يقول، في أثناء حديثه عن الأدبية، إن اللغة غايةٌ بحدِّ ذاتها، وليست وسيلةً تعبيريةً فقط. ويحضرُ في هذا السجال الذي يحتاج إلى جُهدٍ غير عاديٍّ للفصل في المشكليات التي يواجهنا بها ما يُسمى بالأدب الرسالي. ولعل السؤال الأول الذي يثيرُه هذا الحضور، هل هناك أدبٌ غيرُ رساليّ، خصوصًا إذا أخرجنا الرسالية من بعدها الديني، أو الأخلاقي، أو السياسي، وقصرناها على القصدية. فالقصدية هي الكلمة الأوسع التي تضم أي محمولٍ يمكن أن يتجشمهُ الأدب، فرديًا كان هذا المحمول أم جمعيًا، أخلاقيًا كان أم سياسياً أم اجتماعيًا. بهذا المعنى، لا يوجد أدبٌ غير رساليّ، خصوصًا إذا رحلتنا مدخل “جاكبسون” Jackobson وترسيمته العلمية الجامعة التي ترتكزُ بشكلٍ أساسي على ثلاثية (المرسلن، الرسالة، المرسَل إليه).
أدبُ الدكتور داهش يتجاوز القصدية إلى الرسالية
إن الحديث عن بدعةِ الفن للفن ما كان لها أن تثبت داخل حركة الثقافة، أو أن تثبت لنفسها موقعًا ذا طابعٍ استمراريّ؛ فطبيعة الكلام وطبيعةُ الإنسان قد اسقطت هذه البدعة من داخل منظومة حركة الحداثة الثقافية وأن أطلت برأسها قويةً تتصرف بعتوٍّ من خلال ما بعد الحداثة… وخاصة م “التفكيكية” التي أعلنت أن العقل ليس مرجعًا صالحًا لتحديد الخطأ من الصواب، وأن الحقيقة وجهةُ نظر، وما يستتبعهُ ذلك من تهميشٍ مُبالغٍ فيه للقصيدة التي بات التفكيكيُّون ينظرون غليها على أنها لا قيمةَ لها، وأن الأدب لا يقول شيئًا، وجماليته هي جماليةُ الدال اللاعب على كل الحبال، لا المدلول؛ والمتلقي هو الذي يحمل إلى الكلام معناه، لا قائله.
ويبقى أنه في خصم هذه الصراعية حول الأدبية وطبيعتها، لا يمككنا أن نواجه أدبًا رساليًا، كأدب الدكتور داهش، يتجاوز القصدية بمعناها “الجاكبسوني” الواسع إلى الرسالية بوظيفتها التي رأتها لها العقائد الدينية والسياسية والاجتماعية بمعزلٍ عن هذه الصراعية.
كانت الأدبيةُ في القرن الخامس الهجري العربي متقدمة على الأدبية الآخذة بالواقعية الجديدة مذهباً. لم يَرَ الرُّمانيّ والجرجاني أن الادبية هامشٌ للرسالة الإسلامية؛ ولم يريا إلى الاسلام على مادةٌ كاي مادةٍ أخرى للأدبية. أثار الكلاميون المشكلية بكل تعقيداتها وانقسموا حول جماليتين: جمالية الدال (المعتزلة والشيعة الكلاميون) وجمالية المدلول (الأشاعرة الكلاميون). ولكن الفريقين معًا رأسًا المدلول على الدال في الحالين. فالقصيدةُ أساسٌ، والتعبيرُ عنها أساسٌ آخر. والنظمُ عند الجرجاني، بشقيه الداليّ والمدلوليّ، هو محاولةٌ لإلغاء المسافة بين القصدية والتعبير عنها. وهذا هو جوهر الجمالية الأدبية. على عكس ذلك، كانت جماليةُ الواقعية الجديدة التي ارتبطت بالماركسية، خصوصًا، حين قصرت الهم الأدبي، في مرحلةٍ من مراحل حياتها الثقافية، على التشهير بالمستغل وتحريض المستغل. فهي قد ساقت الأدب إلى وظيفةٍ نفعية قد تفيد منها الثورة البلشفية، ولكنها أنتجت لنا رُكامًا من الشعر والروايات، نسيّ جيلُ الربع الأخير من القرن العشرين أسماء شعرائها وكُتَّابها بسبب ضُعفِ جماليتها مع قرب العهد بها. ومع ذلك، لا يستطيعُ أحدٌ أن يُنكر أسماءَ أُدباءَ عظامٍ انتموا إلى هذه المدرسة، وسمقوا في سمائها، وفرضوا أدبهم أدبًا خالدًا على مرِّ الزمان.
الأدبية الداهشية خاصَّةٌ تنتمي إلى ثقافةٍ خاصة.
والسؤال الذي يتبادرُ إلى الذهن: كيف لنا أن نواجه مجموعة الدكتور داهش القصصية الموسومة بعنوان “قصص غريبة وأساطير عجيبة” بجزئها الأول،1 ومن أيِّ المداخل ندخل إليها. لا بُدَّ من الإشارة أولاً، وقبل كلِّ شيء، إلى أن هذه المجموعة تنتمي إلى ثقافةٍ لها خصوصيتها، وإلى آليات تفكيرٍ مُنتميةٍ إلى تلك الخصوصية.
ولا يمكننا أن نعزل هذا النتاج الأدبي عن عمقه الثقافي العقدي، من ناحيةن ولا عما يمكن أن يكون قد أفرزه من أدبيةٍ خاصةٍ به. ويدعونا هذا لعودةٍ إلى شيءٍ من التنظير مرة أخرى. هل من علاقةٍ بين ما قرأناه من “قصصٍ غريبةٍ واساطير عجيبةٍ” بالموروث الأسطوري الشفوي الذي عالجه ليفي شتراوس Levy Straussـ، وخلص فيه إلى نتائج محددة، مُرتكزةٍ إلى المنهج البنيوي.
أنا، على الأقل، لا أملكُ معرفةً بموقف الثقافة الداهشية من ذلك الموروث الذي عالجه شتراوس، ون كانت حواراتي مع بعض الداهشيين حول ما أطلقت عليه البلاغةُ العربية والعالمية والمجاز تشي بموقفٍ إيجابي مع بُعد المسافة بين ما هو وثنيٌّ من الثقافة الدينية وما هو توحيدي. كما إنني لا أملكُ معرفةً دقيقةً بحقيقة الثقافة الداهشية الدينية وما يرتبط بها من مصطلحاتٍ كمصطلح “السيال” مثلاً وخصوصيَّة نظرتها إلى “التقمُّص”. وإذا كانت الأدبية والنظرية المتعلقة بها مرتبطةً بالثقافة التي تنتجها، فإنني أجزمُ أن أدبية خاصةً بالأدب الداهشي، وموقفًا نظريًا من مفهوم الأدب خاصًا
—————————————————————–
1 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979). والكتاب يقع في أربعة أجزاء. وقد اقتُصِر في هذا البحث على الجزء الأول فقط.
—————————————————————————————————
بالداهشية أيضًا يتبلوران. ولا يمكن لأي باحثٍ جادِّ أن يدخل مداخل هذاالأدب من دون أن يمتلك ولو بعض الأدوات الخاصة بالنظرية الأدبية الداهشية. وإذا كان الباحثُ لا يَعدمُ وسيلةً في البحث عن هذه الحقيقة، فإنَّ مقدمة الدكتور داهش لهذه المجموعة يمكنها أن تضيفَ بعض ما نريدُه، وتفتحَ كوَّةً لا أدري حتى الآن مدى اتساعها للإطلالة على هذه النظرية.
الدكتور داهش كتب قصصه في ظلِّ غياب السردية عن لبنان والعالم العربيّ
وقبل الخوض في العملية الاستكشافية في مقدمة الدكتور داهش لمجموعةِ قصصه لا بد من الإشارة إلى أن السردية، بمظرها التقني، قد لا تشكل مدخلاً صالحًا لنعرف أدبية الدكتور داهش في قصصه. فهل للسردية جوهرٌ ضل عنه مُنظروها الحديثون؟ وهل السردية أبعدُ من تلك التقنيات التي لا تشكلُ سوى العرض في حقيقة القص؟ وهل يستدعي الأمرُ عودةً إلى التراث الإنساني الخاص بالقصة في علاقته بالمتلقي المنتمي إلى عقائد متعددة، متباينة، والمنتمي إلى مقاماتٍ ثقافيةٍ متفاوتة؟
كتبَ الدكتور داهش مقدمة قصصه الغريبة واساطيره العجيبة في 4 كانون الثاني 1979؛ تلك القصص التي شرع في كتابتها العام 1976 في أثناء مكوثة في أمريكا. وتُمثل هذه المرحلة غيابًا شبه كاملٍ للسردية، وللنظريات اللغوية والأدبية الحديثة، عن ثقافتنا الأدبية في لبنان والعالم العربي. ويعني هذا أن الدكتور داهش قد كتبَ ما كتبه بشكلٍ مستقلٍّ عن الثقافة الأدبية العربية.
والتدقيق في التوقيت هو من قبيل الحيطة التي رأيتُني لائذًا بها وأنا أعالج أدبية الثقافة الداهشية، وذلك لكي لا أظلمَ أو أُظلم. ولعل السؤال البدهي الأول الذي تطرحه المقدمة على قارئها يتعلق بالفهم الداهشي للأدبية، والأدبية القصصية على وجه الخصوص هنا. وتستدعي كلمة “يعالج” وقفةً خاصةً في ما رآه الدكتور داهش من أنَّ “القصة يعالج فيها الكاتبُ أحداث الحياة ووقائعها”. فالكلمة متعديةٌ إلى المادة المرجعية التي حددها الدكتور داهش بأحداث الحياة ووقائعها، مُتلاقياً مع ما تقوله السردية في هذا الصدد. فهل يقصد الدكتور داهش بالمعالجة إعادة إنتاج المادة المرجعية لقصصه في ضوء رؤيته للعالم؟
“ما كتبتُه عن السلوك البشريّ أُؤمن به إيماني بخالقي”
أشار الدكتور داهش إلى “أنَّ على الكتاب واجبًا مفروضًا هو قول الحقيقة دون سواها”. والكاتبُ عند السرديين يقول الحقيقة التي عاينتها رؤيتهُ لجانبٍ من جوانب الوجود دون سواها. وتأتي كلمة أاصفُ” في كلامه لتومئ إلى شيء مختلفٍ من النظرة إلى الأدبية. يقول الدكتور داهش: “أصفُ واقعنا الحياتي” مع ما تحمله كلمةُ “وصف” من العلمية؛ إلا أنها قادرة على الخروج على تلك العلمية في النظرية الأدبية العلمية. فالأديبُ يصف ما يُعانيه. بمعنى يلتقطه. ومع إدراكي أن كلمة “أصف” الداهشية ذات مدلولٍ مختلف عن مدلولها لدى البنيويين العلميين، فإني لن أتخذها، وحدَها، مُنطلقًا للدخول إلى الأدبية الداهشية، لأنه يقول: “ما كتبتُه عن السلوك البشري أؤمنُ به إيماني بوجود خالقي، إذ إنه حقيقةٌ واقعة، بل حقيقةً مخيفة صادعة، لا يأتيها الباطلُ من الأمام أو الوراء”.
ويضعنا هذا الكلام أمام ثنائية “النسبية المطلقة”.
يرى النقد الأدبيُّ الغربيُّ الحديث أن الحقيقة التي يقدِّمها المبدعُ برؤيته الخاصة لجانب من جوانب العالم هي حقيقةٌ نسبية، وأن هذا الجانب نفسه سيُقدِّم، مع كل مبدعٍ جديد، حقيقةً جديدة؛ وقد تصل هذه الحقائق إلى درجة التبايُن والتضادّ أحيانًا.
وهذا مختلفٌ عن النظرة الداهشية إلى الأدبية. فما يراهُ الدكتور داهش من هذا الجانب أو ذاك هو حقيقةٌ مطلقة. فالأدبية عنده وصف الواقع الحياتي. وحين يتولى هذا الوصف أديبٌ حقيقيٌّ كالدكتور داهش، ستُمسكُ بالصور العجيبة الغريبة. والإمساك بهذه العجائب الغرائب هو موضع الجمالية الأدبية. يُصرِّح الدكتور داهش قائلاً: “اقارئُ لقصصي وأساطيري سيذهل لحكمي الصادرم على كلِّ ما تزخر به الحياة من شؤون وشجون.” وإذا أكد قولُه “حكمي الصارم على كلِّ ما تزخر به الحياة” مُطلقية الحقيقة التي يقدِّمها أدبُه، فإن كلمة “سيذهل” مفصحةٌ عن أسرار الجمالية الأدبية التي يراها للأدب. فالذهول انخطافٌ يحدث للنفس البشرية أمام العجيب الغريب. يخرج الذاهلُ من واقعه ودُنياه كما يراها، ليُفاجأ بما لم يكن ليتوقَّع وجوده. وتصلنا هذه الرؤية بما رآه كمال أبو ديب في الشعرية، وإن كان الاتصالُ نسبيًا. فإنْ يواجَه المتلقي عند أبو ديب باختيار المبدع من خارج حقل التوقعات ما يضعنا أمام الدهشة التي تنقل المتلقِّي من عالمه الواقعي لتضعه في مناخات عالم المبدع المدهش، فإنَّ مواجهة المتلقِّي عند الدكتور داهش بالعجيب الغريب تضعنا أمام الذهول، والذهول انخطافٌ متعالٍ على الدهشة؛ حتى لكأنَّ الدكتور داهش باحثٌ عن الجمالية الأدبية في حدها الاقصى، ونستطيع التقدير في مطلقيتها. ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن كلمة “أساطير” التي عنْون بها كتابة تدخل نسبية الدلالة من بابها العريض. فالأساطير أساطيرُ بمعناها المتعارف عليه في الثقافة العالمية عند الناس ولكنها في قصص الدكتور داهش، كما يراها هو، حقائق واقعة.
الأنبياء، جميع الأنبياء يحررون عالم المعاصي
ويُدخلنا العالم المرجعي الذي يستقي الدكتور داهش مادته الأدبية منه إلى عالمٍ يقول هو إنه حقيقةٌ واقعة ولو كان غريبًا وعجيبًا.
وقارئ المقدمة بوصفها نصًّا مستقلاً قائمًا بذاته يرى أن الغرابة قائمةٌ في المخبوء من واقع الناس، ولا تمتدُّ إلى أبعد من ذلك، خصوصًا أن الدكتور قد صرَّح بأنه يصف “واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي”. وكان بإمكان كلمة “الحياتي” أن تنقلنا إلى غرائب غير منظورة تقع خارج سلوك الناس الذين نشاهدهم ونعيش بينهم، لولا أنه وصف الواقع الحياتي بأنه “حافلٌ بالمعاصي” لافتًا انتباه القارئ إلى سلوك الناس في مجتمعنا كما يفهمه غير الداهشي. كيف لا وقد أمعن الدكتور في تقديم صورةٍ سوداء قاتمة عن هذا السلوك: “فالغشُّ هو السائد، واباطل سوقهُ رائجة.” ويكاد لا يستثني أحدًا من الناس بعد أن صرعت الرذيلةُ الفضيلةَ في واقعنا: “والشرُّ بسط جناحيه، وراحَ يرود أرجاء الكُرة الأرضية نافثًا فيها سمومَه الرهيبة؛ وقد استجابَ له أبناءُ الغبراء بقضهم وقضيضهم. “فهل يعني ذلك أن العالم المرجعي الخاص بمجتمع الكرة الأرضية هو عالمٌ أسودُ بكامله خالٍ من الصلاح والصلحاء؟ إن استثناء غاندي بالنسبة للدكتور داهش، بوصفه نبيَّ القرن العشرين، هو خروجٌ أوليٌّ على التصور الذي تجمع لدى المتلقي عن العالم الأسود المرجعي الذي شكل مادةً لقصص الدكتور داهش. ويزدادُ هذا الخروج اتساعًا عندما يطالعنا الدكتور داهش بالحديث عن يوم مصرع غاندي: “يومَ مصرعهِ هلتْ نفوسُ كبار رجال العالم وسياسييه، وغمر الحزنُ النفوس، وساد الذعرُ الأفئدة”.
إن مجرَّد أن تكون ردَّة الفعل على مصرع غاندي ما قال الدكتور داهش يعني أننا أمام علامةٍ دالةٍ على أن الفسق والفجور لم يسيطرا على الجنس البشريِّ إلى الحد الذي أشار إليه، إلا إذا كان الذُعر الذي ساد الأفئدة لفقد غاندي كان بسبب رغبةٍ في الصلاح، وليس لسبب الصلاح نفسه. ويزدادُ الخروج على السودايَّة اتساعًا حين يصف غاندي، نقلاً عن جريدة “الدفاع” الفلسطينية، بأنه “معلم الهند ومحررها ووالدُها”؛ وهذا يعني أن هناك مَن تحرر من الفساد على يد غاندي. ويجرُّنا هذا إلى أن هناك من خلع الفساد عن كاهله على يد الدكتور داهش نفسه، وأنَّ المنظر الأسود يخصُّ من لم يُربُّوا أنفسهم على تعاليم الأنبياء، جميع الأنبياء.
رسالية القصَّة الداهشية
الحديث عن العالم المرجعي الذي يشكل مادة القصة عند الدكتور داهش ينقلنا إلى الحديث عن رسالية هذه القصة. والحق أن رساليتها تتركز في “قول الحقيقة دون سواها”. وقول الحقيقة تكرر في صيغٍ مختلفة:”الحقيقة أحق أن تذكر،” و”إن على الكتاب واجبًا مفروضًا هو قول الحقيقة،”و”عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها وقول الحق الصريح.” يُشكل هذا التركيز إشارةً إلى هم يتملك الدكتور داهش؛ وقد أشار إليه بوضوح حين قال: “الحقيقة تمزق هذا الغطاء” (رداء الرياء المزيف). لقد رأى في ممارسة تعمية الناس عن إدراك الحقيقة اساس المشكلة، فكانت وتيرة حماسة متناسبة مع هذه الممارسة. دعا الكتاب إلى أن “ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها”. ولئن دل هذا على شيء إنما يدلُّ على أن إبراز الحقائق جليةًّ هو أمُّ المعارك. والحقيقة التي تسعى إليها أدبية الدكتور داهش لا تتعلق بمعرفة جنس الملائكة، أو معرفة انتماء الأسبقية إلى وجود الدجاجة أو البيضة. الحقيقة التي تسعى إليها أدبية الدكتور داهش وظيفية، يريدُ للقارئ أن “يخرج بعظةٍ ونتيجةٍ تحضُّ على الخير وتشجب الجريمة”. إن هذه الغاية هي غايةٌ نفعيةٌ متصالحة مع الوظيفة التي رأتها الواقعية الاشتراكية للأدب. دور الأدب عند هذه الواقعية التشهير بالظالم وتحريضُ المظلوم على الثورة؛ فهو دورٌ نفعيّ.
هل يمكن أن تكون النفعية في الأدب جمالية؟
ويجرُّنا هذا إلى أن نناقش مرحلةً من تاريخ النقد الأدبي: “مرحلة البنيوية القائمة على فهمٍ علميٍّ للأدبية. رأت البنيوية أن الأساس في الأدبية هو كيف قال النصّ ما قال. انتماءٌ كاملٌ إلى جمالية الدال. ولئن وُوجِهت البنيوية بتياراتٍ مختلفةٍ وأسئلة مُحرجة، وتوصلت الثقافةً النقدية إلى مواقف معقدة من ثنائية جمالية الدال/ جمالية المدلول، فلنا أن نسأل: هل يمكن أن تكون النفعية في الأدب جمالية؟
لا تعود بنا الإجابة إلى الثقافة النقدية العربية وحدها حين رأَس تيارا النقد، المنقسمان حول انتماء الجمالية، المعنى، ورَأيا فيه المسوِّغ الوحيد للكلام؛ ولكنها تعود بنا إلى زمن إنسان الكهف أيضًا لنسأل: الم تكن الرسوم التي حفرها ذلك الإنسانُ على جدار كهفه نفعيَّةً وفقَ ما كان يقنع به؟ لا أحاول بهذه الرجعة إلى الماضي تسويغ النفعية التي رآها الدكتور للأدباء، ولكنني أريد الوصول إلى نقطةٍ مفادها أنَّ الأدبية في الثقافة الداهشية قائمةٌ على جمالية المدلول. والمدلولُ في هذه الثقافة ليس مُتماهياً مع المدلول لا في الثقافة النقدية العربية التُراثية، ولا في الثقافة النقدية الغربية الحديثة. المدلول في هذه الثقافة ذو خصوصيةٍ بسيطة/ معقدة. بسيطة عند الداهشي، معقدة عند غيره. والاختلاف ناجمٌ عن الاختلاف في آليات التفكير ومقومات الرؤية غلى العالم والوجود عند كلِّ طرفٍ من الطرفين.
سرُّ سلة القصب1
فإذا ما ركز الدكتور داهش في مقدمته على النظرة السوداء إلى أبناء الغبراء حين رأتهم قد استجابوا غلى الرذيلة بقضهم وقضيضهم، فإنه يخرج في بعض قصصه بالعالم المرجعي من حدوده المعروفة له عند سائر الناس إلى نطاق الكواكب والعوالم العلوية التي تفتح للقارئ أبوابها الدهرية، وترفع حجُبها الأزلية، فيشارك قاطنيها النشوة العُظمى الحقيقية. أضف إلى هذا الاتساع أن نباتات الطبيعة وحيواناتها جميعها كائناتٌ عاقلةٌ، تدركن وتشعر، وتريد، وتعاني الصراع بين الشر والخير. فيعجب القارئ إذ ذاك من أنه ليس العاقل الوحيد بين الكائنات. ويعني ذلك أننا حين سنواجه قصص الدكتور داهش، علينا أن ندخل إليها من مداخلَ خاصةٍ بها مرتبطةٍ بالثقافة الداهشية، لأنه من المُحال أن نتعامل مع نصٍّ أدبيٍّ بمعزلٍ عن ثقافة مُبدعه. وهنا أجد نفسي أمام السؤال الصعب: ما الحيِّزُ الذي سأتركه لثقافتي الإسلامية من جهة، وللحقل المفاهيمي النقدي الخاص بي
—————————————————–
1 يطالعها القارئ في الجزء الأول من “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ص 20.
‑——————————————————
من جهةٍ أخرى؛ وكيف ستكون مغامرتي في قراءة إحدى قصص الدكتور داهش التي قد تشكل نموذجًا للقصة الداهشية، أعني بها قصة “سرُّ سلة القصب”.
ثمة مستويان لقراءة هذه القصة؛ يتعلق الأول بقارئ لا يعرفُ عن المنظومة الثقافية ذُيِّلت به هذه القصة: 30/12/1944. فالتاريخ حديثٌ لا وجود فيه للقصة الخرافية من وجهة نظر غير الداهشيين؛ وهي إن وُجدت، فعلى سبيل الترميز الذي نجده واسعًا في قصص زكريًّا تامر ذي المنزع الشيوعيّ. وإذا كانت قراءةٌ ما لهذه القصة وفقَ هذا المنظور ممكنة، وقد تُوصِلنا إلى نتائج ممتازةٍ بالنسبة إلى النقد الحديث، فإنها ستظلُ قراءةً غريبةً عن الثقافة التي تنتمي إليها هذه القصة. ويعني ذلك أن المستوى الثاني من القراءة هو المطلوب؛ عنيتُ بها التعامل مع هذا النص من خلال انتمائه الثقافي. فالعالم الذي قدمته القصة مُنتم إلى سببيةٍ خاصةٍ به لا يُمسك بها العقل المنطقيُّ ولا القواعد العلمية المعروفة… وإذاً ربط العقل المنطقيُّ النتائج بأسبابها، ولم تعترف العلمية إلا بما يقع تحت الحواسّ، مثلت القصة خروجًا عليها على قاعدة الإمكانات الإدراكية التي يمتلكها الناس العاديون.
إن رجالاً مختلفين، وفق الثقافة الداهشية، كالدكتور داهش يمتلكون من الإمكانات الإدراكية ما يؤهلهم ليمسكوا بسببيةٍ قائمةٍ وراء السببية الفعلية المنطقية، ويروا، بحاسةٍ لا يملكُها الناس العاديون، ما لا يرى. ويصل بنا هذا الأمر إلى أن لا خرافة ولا ترميز في القصة. تقدم القصة حقائق. سمةُ هذه الحقائق الغرابة، وغرابتثها عينُ شعريتها (أدبيتها). ولكن هل يمتلك كلُّ أدب مثل هذه الغرابة أم إنها غرابةٌ خاصةٌ بأدب الدكتور داهش؟
الإجابة بسيطةٌ جدًا: هي غرابةٌ خاصةٌ بأدب الدكتور داهش الذي يدرك سببيته وفق العقيدة الداهشية، ولا يملكها غيره من الناس. فوق خزانة كتبي لوحاتٌ وتحفلإ وأشياء أخرى هي بالنسبة لي أشياء أملكها وتربطني بها علاقةٌ فنيةٌ أو وظيفة محددة. ولو رأيتُ سلة القصب والزهرية اللتين وُجدتا على سطح خزانة الدكتور داهش، لرأيتُ فيهما ما أراه في الأشياء الموجودة فوق خزانتي. سرُّ السلة الذي قرأه الدكتور داهش ونقله إلينا قصة يمثل رؤيت الخاصة لتلك السلة. فهل يمكننا أن نقول إنها رؤيةٌ موازيةٌ لرؤية أيِّ أديب، لأن رؤية ذلك الأديب هي رؤيةٌ خاصةٌ أيضًا، والسلة هي سِلالٌ متباينة تباين الرؤى التي يقرأها بها الأدباء؟ الإجابة واضحةٌ عند المثقف العادي، ولكنها مختلفة عند المثقف الداهشي. وإذ مثل هذا السرُّ غرابةً تُدهش القارئ العادي، فإنها لا تحمل مثل هذه الغرابة عند المثقف الداهشي، ولكنها تمثل كشفًا عن حقيقة. وهل الأدب إلا قراءة كشفية للعالم يُمسك منه بما لا يستطيع العلم أن يدركهّ! وإذا كان الأدب شريك العلم في الكشف عن الحقائق، فإن الكشف الداهشي، وفي مستوى مختلف، شريك العلم أيضًا.
الداهشية ثقافةٌ مكتملة أنتجت أدبها وسوف تنتج نقدها
قد يعود بنا الأمرُ إلى دائرة الأدبية العلمية التي وضع النقد الأدبي الحديث غصبعه عليها، خصوصًا أن مدارس نقديةً قد جدَّت، وعلى رأسها “التأويلية” التي تُعنى بجمالية المدلول، عكس “البنيوية” التي تعنى بجمالية الدال. فلا نستطيع التفلُّت تمامًا من الثقافة الغربية الحديثة. ولا بد من أن نعتمدأدواتها في التحليل، وإن كانت هذه الأدوات تواجه نصًّا مختلفًا عن النص الذي تسبب بوجودها، عنيتُ به النص الغربي المُنتمي إليها. ولا يعني ذلك تخليًا كليًا عن السردية التي نحتاج أدواتها أيضًا، ونتامل معها خدمةق لجمالية المدلول التي تحتاج إلى “الهرمنوطيقا” التأويلية بشكلٍ واسع.
ومهما يكن من أمر، إن الأدبية الداهشية تحتاج إلى جُهدٍ مؤسساتي للتعامل معها، وإنتاج نقدٍ أدبيٍّ خاصٍّ بها. فنتاج الدكتور داهش متنوعٌ وكبيرٌ جدًّا. وإذا كانت الثقافةُ التي ينتمي إليها معروفة، فإن الأدبية التي انتجتها تلك الثقافة غير معروفةٍ تمامًا، سواءٌ أتعلق الأمر بما أنتجه الدكتور داهش أم تعلَّق بنتاج الشعراء والأدباء الداهشيين أمثال حليم دمُّوس ومطلق عبد الخالق وزينا حداد وغيرهم.
أنتجت الماركسية أدبها وأنتج هذا الأدب نقده. والصحوة الإسلامية التي هي في صدد إنتاج ثقافتها الحديقة لم تُنتج أدبها بعد ولا نقدها. والداهشية ثقافةٌ مكتملةٌ. ولقد أنتجت وتُنتج أدبها، وهي بحاجةٍ إلى إنتاج نقدها. والعُجالة التي وصلتُ الآن إلى خاتمتها لا تستطيع أن تشكل نظرةً عميقةً في الأدب الداهشي، ولا أن تقوم بنقدٍ موفقٍ لنصٍّ داهشي. حسبي هذه الإشارة، والله وليُّ التوفيق.
مناجاةُ الموت في أدب الدكتور داهش
الدكتور علي جمعة
كاتبٌ وشاعرٌ لبناني. حاز الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة السوربون بباريس. أستاذٌ الأدب العربي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية.
من مؤلفاته الشعرية “عزفٌ على قيثارة الرحيل” (1995)، و”المرآة الأخرى”. وله عدة دراسات وابحاث أدبية، منها دراسة مقارنة بين بدر شارك السيَّاب ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي.
مناجاةُ الموت في أدب الدكتور داهش
في الذكرى المئوية الأولى لولادة الدكتور داهش، سأطرقُ باب تراثه الأدبي كاشفًا مزينة ومسلطًا الضوء على ظاهرة الموت في خطابه الفني. وما قادني للحديث عن أدب الدكتور داهش نصوصٌ تسكنُ ذاكرتي، وحنينٌ يعرشُ في حنايا طفولتي، ولم تزل أطيافُها تُداعبُ خيالي، ولم تزل صورتها ساطعةً في عالم الكتاب. حسبي أني داهشيُّ الوجد أسعى إلى حدائق الروح.
أما اختياري لظاهرة الموت، فمردُّه أنها تشغلُ حيزًا مهمًا في النص الداهشي، إذ تُرتبُ مسارات الفكر على تُخوم المستحيلن وتخطُّ صفحات الغرابة على أوراق الذاكرة، وفي تجليات الحلم البعيد.
ماهية الموت (تحوُّلٌ في التحوُّل)
إن الموتَ في الأدبِ الداهشي قد شكل بمهارةٍ حقولَه الفتانة على مساحاتٍ واسعةٍ من النص، وصاغَ لغتها ببساطةٍ مُهيمنصا على فضاءٍ شاسعٍ من خطابها الفني؛ قلما تجدُ نصًّا لا تعثُر فيه على مُفرَدة الموت. إنَّ قراءةً في معناها على مستوى الفكر أو مُقاربةً لسِماتِها على مستوى الرمز يجعلان المتلقي يقفُ حائرًا أمام مقولةٍ مختلفةٍ غير مؤتلِفة تُؤسِّس العلاقات نصيَّة اتسقتْ أنساقُها، وتآلفتْ مفرداتُها، فترسمُ إبداعها بدقةٍ ورقة في وجهيها الجماليِّ والدلاليّ. إنَّ التقاط جوهر الموت واختراقَ مجالِه الحيويِّ والتواصُّل إلى معانيه، عبرَ مزيدٍ من التقصي والمُعاينة، تُفضي ضرورةً إلى مستوًى جديدٍ من مُستويات القراءة.
في مقطوعة “هي الموت”1 تلمسُ هذا البعدَ المختلف: “هي رائحةٌ بتُّ أنشدُها بشوقٍ ولوعة!… هي رائحةٌ يخشاها كلُّ بشريٍّ غيري!…. هي رائحةُ (الحقيقة) التي بحثَ عنها الفلاسفة، فلم يجدوها إلا فيها!… هي! هي الموت!”.
وما ينبغي ذكرُه أن فرادةً للرؤيا قد تجلت في هذه المقطوعة، إذ إن الدكتور داهش يثعلنُ صراحةً أنه يتشوقُ إلى رائحة الموت. اليس غريبًا أن يكون الموتُ موضوعًا مشوقًا بينما يخشاه كل بشريٍّ غيره؟! أما هذه القراءة فهي محاولةٌ لمعرفة تلك الرائحة/ الحقيقة التي كان يبحثُ عنها، فهو مؤمنٌ بأن حياة الإنسان لا تنتهي بالموت، بل تبتدئُ بالدقيقة التي تُفارقُ فيها روحُه جسده. وينتفي السؤالُ إذا أفردنا للنص جناحًا على التراث الديني، وافتتحنا له بابًا في الذاكرة نلج منه غلى القرآن الكريم: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقي.) (القرة: 94): (إن زعمتم أنكم أولياءُ لله من دون الناس فتمنوا الموت.) (الجمعة: 6) فالموتُ أمنيةُ الصادق الأمين، وقد تمناه الدكتور داهش وكان صادقًا أمينصا. وقد ورد في الإنجيل: “وقال لها يسوع: سيقومُ أخوك، فأجابت: أعرفُ أنه سيقومُ في القيامة في اليوم الآخِر. فقال لها: أنا هو القيامةُ والحياة. مَن آمنَ بي يحيا وإنْ مات. وكلُّ من يحيا مؤمنًا بي لا يموتُ أبدًا”. (يوحنَّا: 23 – 26).
فإذا كان الأدبُ منظومةَ قِيَم معرفيَّة وجَماليَّة وبنيوية، فالوظيفة الأهمُّ للنقد هي الإجابةُ عن سؤال القيمة. أما البحثُ عنها فهو الغايةُ العُليا للناقد الأدبيِّ. “فالنقد هو محاولةٌ تسعى عبرَ وسائلَ منضبطةٍ لإدراك العلاقات الكامنة داخلَ النصِّ، والمتخفية وراءَ ظاهرِه من أجل الوصول إلى الخصوصية التشكيلية والدلالية له والتي تُميزه عن غيره،”2 باعتباره بنيةً رمزيَّة لا تُفصحُ عن مَخزونِها الثريِّ إلاَّ في عُمق السِّياق النصيّ. فما هي الخصيصةُ الأدبية التي ينفردُ بها النصُّ الداهشي؟ وبالتالي، كيف تحوَّلتْ ظاهرةُ الموت إلى علامةٍ دالَّة في الأَدب الداهشي؟
—————————————————————
1 الدكتور داهش: “جحيم الذكريات” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 143، 145.
2 سيد البحراوي: “في البحث عن لؤلؤة المستحيل” (دار الفكر الجديد، بيروت 1988)، ص 10.
——————————————————–
في بحثنا هذا سنقيم مقاربة تكتنهُ الأبعاد المكونة للنص، كاشفةً عن نسيج التشكيلات قصد تحليلها ثم إعادة تركيبها دلاليًا. يُطالعنا كتاب “ضجعة الموت” بمقطوعةٍ مُثبتة تحت رسم المؤلف، وهي تختصرُ رحلة الحياة، وتكتنِزُ أسرارَ الوجود، وتعبر عن رؤيته إلى ثنائية الموت/ الحياة: “أنا ظلٌّ سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى… والموت يقظةٌ فتانةٌ يحنُّ إليها كل َمن صفتْ نفسُه وسمت روحُه، ويخافُها مَن كثفتْ أفكارُه، وكثرتْ أوزارُه…”1
في نسَق أخباريٍّ يعني الثباتَ في الرؤيا، تتكوَّن بنيةُ المقطوعة متَّكئةً على ثلاث علامات: الأنا/ الحياة/ الموت، حيث تتشكل أنساقُها من حركاتها ومن تفاعُلها تشابُهاً أو تضادًّا. تبدأُ حركةُ الأنا/ الحياة بالجملة “أنا ظلٌ”: إسنادُها أخباريٌّ وغرَضُها فائدةُ الخبر ولزومُ الفائدة. ويُرخي الظلُّ عالَمَه على الأنا، يفرشُ حقلَ معانيه؛ فهو يطوفُ في “وادي الحياة ويتلاشى،” كأن وقتًا قصيرًا يَحكمُ وجودَه. فقد تماهيى “الأنا” في “الظلِّ” مشكلاً وحدةً وجودية، ينتهي “الأنا” بانتهاء “الظل” لتكون الحياةُ على الأرض ممرًا نخرجُ منه إلى عالَم آخر. هكذا تصيرُ الأرضُ ظلاً زائفًا مؤقتًا.
أمّا الحركةُ الثانية فهي الأنا/ الموت، حيث يَجذبُ الموتُ إلى دائرته “الأنا” الصافية السامية، ويُبعدُ مَن كثرت أوزاره، ليُشكل جزاءً عادلاً لمستحقيه، ويبقى علامةً دالة على التحوُّل إلى عالم سحريٍّ فتان ينالُه “كلُّ مضن صفتْ نفسُه وسمَتْ روحُه”.
ولا يتوقفُ الأمر عند هذا المعنى؛ فقد أهدى الدكتور داهش كتابه “ضجعة الموت” إلى الموت،2 ليرمزَ هذا الدالُّ إلى مدلولاتٍ كثيرة، فيكونَ قوةً قادرة، وحقيقيةً مجهولة، وقوةً جبارة… ويصيرَ عشيقًا وأليفًا وخدينًا وحبيبًا. هكذا رأى سنبلة الموت تلفُّ الوقت، وتبني عالَمَها المجازيَّ وأَبعادَها السيمائية.
فإذا كانت “اللغة نظامًا إشاريًّا مُركبًّا ودالاً،”3 فإنَّ علامةَ الموت بوجهها المادِّيِّ الدالِّ وتصوُّرِها المدلول قد أقامتْ تواصُلاً دلاليًّا، تفاعلَ في أَنساقٍ متكررةٍ جعلَتْ من الموت منظومةً سيمائيةً خرجَتْ من معاناها اليقينيِّ إلى آخر تضمينيٍّ أو مجازيٍّ، وأرسَتْ
———————————————————-
1 الدكتور داهش: “ضجعة الموت” (مطبعة دار الأيتام السورية، القدس 1936)، ص 2- 3 .
2 المرجع السابق، ص 4.
3″في البحث عن لؤلؤة المستحيل”، ص 16.
———————————————————-
بذلك ثقافةً جديدةً ومعرفةً ذات خصوصية؛ “فالموت، كما يُعرَف في كوكبنا، هو حالةٌ معينةٌ خاصة بالأرض، وبها ينتقلث الحيُّ من مرحلةٍ حياتيةٍ إلى أُخرى، بعد أن يفقد شكله السابق… فالموتُ يحصل آنَ يغادرُ آخرُ سيَّالٍ روحيٍّ…”1 ولكن كيف قرأ الآخرون، فلاسفةً ومفكرين، ظاهرةَ الموت؟
“الموت هو عدمُ الحياة عمَّا من شأْنه أن يكون حيًّا، وقيل عمَّا اتصف بهاح أو هو تعطُّلُ القوى عن أفعالهأن وتركُ النفس استعمالَ الجسد”2 والموتُ كيفيةٌ وجودية لا يُتصوَّر إلا فيما له وجود. أمَّا الموت الإراديُّ فيعنُون به إحياءَ النفس بإماتِة الشهوات، والحياةُ الطبيعية بقاءُ النفس في الغبطة الابدية. “لذلك أوصى أفلاطون طالبُ الحكمة فقال: مُتْ بالإرادة تحسَّ بالطبيعة. وقال سقراط: إن حياة الإنسان ممارسةٌ للموت، وحياة الفيلسوف موجهةق نحو الموت، لأنه يعي دائمًا أن عمره ينتقصُ باستمرار، وأنه يعيش للموت.”3 وكان الموت دائمًا مُلهِمَ الفلاسفة، ونقطةَ البدء في أيِّ ففلسفة، والفكرة التي يدأبُ عليها كلُّ أديبٍ أسيان؛ لذلك “وصفَها شوبنهاور بأنها عروسُ الفلاسفة، وغازلها الوجوديُّون حتى لُقِّبوا بفلاسفة الموت؛ فالإنسانُ عندهم هو الكائنُ الصائر إلى الموت.”4
ويبدو أن الموتَ مسألةٌ إنسانيةٌ محضة. ولا شكَّ في أنه لغزُ الحياة، شُغِل به “الأقدمون”،5 ولكنَّ الدين هو الوحيد الذي قدم فيه وجهة نظرٍ متكاملة. “والموتُ عند الصوفية هو الحجابُ عن أنوار المكاشفات والتجلي، وهو قمع هوى النفس. فمَن مات عن هُواه فقد حييَ بُهداه. ولعلَّ هذه الحياةَ هي الموت، إذ قال الرسول محمد (ص): الناسُ نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.”6 فلعلَّ الحياةَ الدنيا نومٌ مقارنةً بالآخرة، فإذا مات الإنسان
——————————————————–
1 مجلة “بروق ورعود” بيروت، العدد 19ف68,5 ، ص 456.
2 عبد المنعم الحفني: “المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة”، (مكتبة مدبلوين القاهرة، طبعة ثالثة 2000)، ص 851.
3 المصدر نفسه، ص 851، 852.
4 المصدر نفسه، ص 852.
5 فراس السواح: “جلجامش”، طبعة أولى (العربي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشقن 1987)، ص 33.
راجع ول ديورانت: “قصة الحضارة”، الكتاب الأول ص 162,30 – 163 ، 221 ، 435 (لاسومريون، الفراعنة، البابليون، الفرسن في بحثٍ عن الحياة الأخرى).\
6 “المعجم الشامل المصطلحات الفلسفة”، ص 852.
———————————————————
ظهرت له الأشياءُ بخلاف ما شاهده الآن، فيُقال له عند ذلك: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليومَ حديد) (سورة ق: 22).
إن مقاربةً للحديث الشريف أو الآية الكريمة تجعلُ المتلقي يُدرك أن نظرة الموت في كليهما تتفق مع النص الداهشي: الموت: اليقظة أو الموت/ الانتباه، الحياة/ النوم أو الحياة/ الظل. لقد أدرك الدكتور داهش هذه الحقيقة، فانبسطت صورتثها فهمًا واندياحًا في نصه.
هل اختلفت الرؤيا لظاهرة الموت واتخذت منحًى جديدًا؟ وهل كان الموت ملهِمًا؟
سيمائية الموت أَو تحوَّل الدالّ
إن فرادةَ الأدب الداهشيّ جعلَت اللغةَ تلبسُ زينتها مجددًا، وتخلقُ نظمها الإشاري على طريقةٍ مخصوصة. بالرغم من بساطة التعبير وسهولة اللفظ، فقد استطاعت أن تخرج من النظام اللغوي التقليدي متجاوزةً السائدَ إلى آفاقٍ أُخرى سواءٌ أكانت استعاريةً مجازية أم كنائية. فانزياحُ الموت شكَّل علامةً سينمائية تطال حدودَ الرمز، بعدما تجاوزَ المعنى الوصفي إلى حدائق دلاليةٍ أُخرى اكتسبت حضورها من وجودها المهيمن على النص الداهشي. خيرُ شاهد نثرية “أيها الموت”1. النصُّ أشبهُ بحركةٍ للغيوم تتوالى الواحدةُ تلو الأُخرى، لا تصلُ غيمةٌ منها إلى مستقرها حتى تعلوها غيمةٌ أخرى، تولدُ منها وتعلو عليها، أو كالمدِّ والجزر عل شاطئ الحياة تتكسَّرُ على صخره أمواجُ الموجود. يعني ذلك أننا أمام سبع متتاليات.2
في المتتالية الأولى: الموت/ الحبيب(“يا موتُ، أيُّها الحبيب… ويا نَعمَ الصديق”) يبثُّ الدكتور داهش النداءَ حارًّا، يرتدي الدالُّ/ الموت مدلولاتٍ كثيرةً، وتتشكَّلُ حُزمةٌ جديدةٌ استعاريَّة. تصير العلامةُ/ الموت حبيبًا وعيقًا وطيفًا ساريًا، وأنيسًا أو عروسًا هائمًا في مشارق الارض ومغاربها. يصبح الموتُ فردوسصا مفقودًا أو أملاً منشودًا. هكذا تغتني اللغة بدلالاتها، أو هكذا أغناها النصُّ الداهشيُّ، إذ تفتحُ سيماءُ
—————————————————–
1 الدكتور داهش: “القلب المحطم” (دار النسرا لمحلق للطباعة والنشر، بيروت 1984)، ص 91.
2 لقد أفدنا من تقسيم النص إلى سبعة أقسام، وجعلنا لكل قسمٍ متتالية.
————————————————————-
اللغة ذراعية عاليًا. وذلك لم يكن حياديًا، لأن ثقافةً رساليةً تفرشُ سُندسَها القشيب في مبناها أو في معناها؛ إنها حضارةُ داهش العظيم.
ويطالعُنا النصُّ في المتتالية الثانية: الموت/ السكينة، بموجةٍ كنائية، ليصيرَ الموتُ كفنَ المطامع، ويصبحَ نعشَ المظالم، أو يكون رمْسَ الأحقاد. فهو يُسدلُ الستار على مطامعِ الإنسان ومظالمِه وأحقادِه،فيأْوي الجسدُ إلى كفنه. فهو يُسدلُ الستار على مطامعِ الإنسان ومظالمِه وأحقادِه، فيأوي الجسدُ إلى كفنه. وهو رسولُ الآلهة، يهدمُ الشرَّ ليبنيَ الخير، او يُبعِدُ القلقَ لتطمئنَّ النفس، وذلك ف حُزمةٍ من الطبقات البديعية التي أتَتْ عفوَ الخاطر بعيدًا عن التصنُّع والتكلُّف: الهادم/ اباني، العابس/ الباسم، المرِح/ الحزين. وبذلك يرسمُ الموتُ خريطةَ النهاية لحركة الإنسان على الأرض.
وينحو النصُّ في المتتالِية الثالثة منحًى جديدا: الموت/ الحضور. “أيُّها الموجودُ في كلِّ زمانٍ ومكان، في الماء والهواء، في السهول والجبال… فالموت الناظرُ غيرُ المنظور الذي يُحصي علينا أعمالَنا. فهو الناظرُ بلا شيءٍ إلى كل شيء.” فحضورُ الموت معجزةٌ فريدة، وقانونه دستورٌ حاسم.
وتجري الأمواجُ في متتالية أُخرى: الموت/ الأمل، ليعودَ النصُّ إلى مناجاة الموت مجددًا. فهو العزيزُ والأملُ والرجاء…\
وفي صورةٍ قل خلقُها في عالم الإبداع: “يا حبيبي الموت! أقفل عينيَّ، يا حبيبي،” (الموت/ المخلص)”فقد تعبتْ قدماي من السير في مفاوز هذا العالَم المليءِ بالشرور والآثام، الزاخرِ بالآلام،” يكون الموت بلسمًا شافياً لروح حائرةٍ حزينة؛ فقد تعبَتْ نفس الدكتور داهش من البقاء في هذا العالَم البارد المخيف. أما الموت/ السعادة، فهو الرحلة لتذوُّق الراحة، والنشوةُ الخالدة السرمدية.
أما المقابلةُ النهائية (الموت/ الحياة)، فكانتْ مقارَبةً بين عالَم الآلام وعالَم البهاء. ففي مناجاةٍ وجدانية يُناشِدُ الدكتور داهش الموتَ طالبًا إليه أن يختطفه من هذا العالم إلى عالَم الغبطة. يبدو هذا الطلبُ غايةً في الغرابة! “هاتِ يا حبيبي، وأرِحْني من هذا العالَم… آه! ما أشقى هذا الوجود… لله! وما أجملَ عالَمَك، وما أبهاه!… رحماك! ألت تسمع؟!”
إنَّ مناجاتَه للموت كانتْ حنيناً إلى عالَم الروح البهيِّ الذي يتوقُ للعودة إليه: “يا عالَم الروح! أيُّها العالَمُ التقيُّ النقيّ!… أيُّها العالَم الذي تتوقُ روحي إليه!… ونفسي أبدًا بشوق عارم للقائك… يا عالمَ أحلامي الفردوسيَّ! نعم، ادعُني، ادعُني إليك، لأندمج بعالمك الروحيّ.”1
ويكسرُ النهرُ مَجراه، يشكِّل انزياحًا جديدًا لعلامة الموت/ العودة إلى وطنه الروحيِّ. وقد كان هذا الحنين ملازمًا له في كل حياته.
يشيرُ نظام هذه المتتاليات إلى تدفُّقِ المعنى تدفقاً يشبه النهر، لأن الموت/ العلامة يشغلُ ضِفافًا مترامية الظلال من وِجدان الدكتور داهش، ومن جرَيانه الأزليِّ الذي يخترقُ حُحُبَ المألوف إلى فضاءاتٍ وسعُها الفراديس، ترتعُ في مداها الحقيقةُ ملائكةً وآلهة.
الموت، تجليات نصية
للموت في الخطاب الداهشي تجلياتٌ كثيرة. فمِن ماطبةٍ مباشرة(“أيها الموت”، “يا موت”، “هي الموت”…) إلى بَواحٍ شجيٍّن يرثي من خلاله الدكتور داهش أصدقاءَ مقربين اختطفهم الموت، وأبعدهم إلى عوالِمَ أُخرى. وفي طيات تلك النصوص يبثُّ شكواه، ويُشعلُ حزنه، أو ينثرُ فكرَه.
أ – نثرية “أخي توفيق”2 المهجاة إلى روح توفيق عسراوي: يُرسل الدكتور داهش أغصانَ أحزانه برِقَّةٍ وبساطة، يتقطَّر الدمع فيها كلامًا شفيفًا على صفحاتٍ أربع استحالت ضمَّةً من البواح الحزين على فراقِ أخ وفيٍّ، وصديقٍ نبيل… للحزن مُعجَمُه المهيمن على هذه المقطوعة، وللعاطفة النبيلة الفيَّاضة سيماتُها الدلالية، سواءٌ أكانت مفردة (“وهمَتْ عَبراتي”، “وتفجَّرتْ ينابيعُ أَحزاني وأشجاني”، و”العويل”، “فؤادي الجريح”، “تصدَّع قلبي”) أم كانت صوره الملتبسة بالبُعد الاستعاري التي تتوهج به شعرية هذا النص. ليس الرثاء وحده وحسب، بل الموت.
تتوزعُ النص مجموعةٌ من العناوين ترتكزُ إليها البنيةُ الدلالية التي تحكمُه: الموت/ الحلم؛ وهو حلم الانطلاق من هذا العالَم الفاني إلى عالَم السعادة الابدية.
والموت/ الفراقن وقد أتت هذه المقولةُ بصورةٍ معبرة: “فإذا بك تتدثرُ في (الرمال)
—————————————————————-
1 الدكتور داهش: “ابتهالاتٌ خشوعية” (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 183 – 185.
2″ جحيم الذكريات”، ص 149.
————————————————————-
المُهالة فوق جسدِك الذي طالما ضمَّه معي فراشٌ واحد… إنها فاجعةُ الفواجع، يا أخي”. والموت/ الغبطة، الارتحال إلى عالَم الأرواح السامية: “ساعتذاك… غبطتُكَن يا أخي، على ارتحالك عنا، وانطلاقِك إلى عالم (الأرواح) السامي.” والموت/ الجزاء العادل؛ وهو الاستحقاقُ لناسكٍ رب المعركة: “لقد كفرتَ، يا أخي، عن ذنوبك… لا بل جُعت وعريت في سبيل عقيدتك… هنيئًا لك… لقد ربحتَ المعركة في النهاية!”
الموت/ الخلود: “لقد بلغتَ الآن نهاية المرحلة… فاهنأ مع الملائكة الأطهار… أنت تستحقُّ الآن أكاليلَ الغار المقدس”.
الموت/ اللقاء، حيث يحنُّ الدكتور داهش إلى لقاء أخيه في عالم الخلود البهيّ. إنَّ هذا النص يشكل نموذجًا لحركة الدلالة ببعدَيها التركيبي والإيحائيِّ، ليبثَّمن خلال موت صديقه مرسلة حزينة، وينشر شراع رسالة تطوف ماخرةً عباب العقول ومرافئ الفكر.
ب – مرثيَّة “أنعاك بمرارة”1 المهداة إلى روح الشاعر مطلق عبد الخالق: يُعلن النصُّ انتماءه إلى معجم الموت. فالنعيُّ إعلانٌ يُنشر بأسًى والم ومرارة، لتشكل هذه البداية خبارًا عن تشكيلات النص الآتية، وتكثيفًا لمعانيه المتساوقة؛ فهي غشارةٌ إلى دورٍ بنائيٍّ ممهِّدٍ لسيرورته. وتُشير حركةُ التشكُّل إلى الموت/ الخبر الذي وقعَ وقوعَ الصاعقة: “أخي مطلق… لقد صُعِقتُ… وأبيتُ أن أُصدّق هذا الخبرَ المروِّع المفاجئ”. وتتوالى بعدها إشارات الموت/ اليقظة: “يا أخي، إن ذكر اك ستبقى في أعماقي… أُنظم الآن قصيدة الخلود بعد اطلاعك على الحقائق السامية”. ويأتي تاليًا الموت/ الخلود، فقد نال مطلق بُغيته: “نمْ بسكونٍ، يا أخي، واهنأ في عالَمك المترَع بالبهاء.” وأخيرًا الموت/ اللقاء: “ولن يمضيَ وقتٌ طويل حتى تراني بجانبك. فإلى اللقاء، يا أخ، بل يا حبيبي، الى اللقاء”.
أنهار المراثي
- “نهر الدموع”:2 حيث تقفُ الاقلام حائرةً أمام ظاهرةٍ أدبية فريدة؛ فهي مرثيةٌ يومية لشقيق روحه الدكتور جورج خبصا، تمتدُّ من 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1969
——————————————————
1 المصدر نفسه، ص 159.
2 الدكتور داهش: “نهر الدموع” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979). (مراثي الدكتور داهش في شقيق روحه الدكتور جورج خبصا الذي توفي في الثامن من تشرين الثاني 1969).
——————————————————–
لغاية نهاية العام، أي مدة اثنين وخمسين يومًا دونما انطقاع. وابتداءً من عام 1970، تتتابعُ المقطوعات على غير ما انتظام في تاريخها، حتى 17 كانون الثاني(يناير) من عام 1979، تاريخ مقدمة كماب “نهر الدموع”. تلك المقطوعاتُ بلغتْ إحدى وعشرين مقطوعة: “متدفقًا ما زال نهر الدمع… تذكاراتُ تشرين الحزين… ذكراك خالدة… فلن أنساك… لا أنساك أنت حيٌّ… أنت ثاوٍ في شَغاف القلب… وأنت شقيقُ روحي… أنت أوفى مَن رافقتُ… واحرَّ قلبي، أنت أنبَلُ مَن عرفتُّ فما أمّرَّ فراقَك!… وما اَعَزَّ لقاءك…”.
للحزن حقلُه الدلاليُّ اتسعتْ سنابله حتى لوَّنتْ حدائقَ للمعنى، وأنبتت بساتين للمبنى أشجارًا وورودًا اغتنى بها النصُّ ليُشكِّلَ الموتُ بذلك نِسْغًا يَروي أغصانَها. تتحرك البنية مُعبرةً عن تشكيلاتِ ذاك الفجر الحزين. لم يتركْ قلمُ الدكتور داهش لفظةً ينهمرُ من حروفها الدمع إلا وقد سيَّلها في نهره العجيب. لم يتركْ قلمُ الدكتور داهش لفظةً ينهمرُ من حروفها الدمع إلا وقد سيلها في نهره العجيب. لم يترك صورةً تذرفُ مقلتاها الألم إل وقد تدفق حزنُها جاريًا على خديها لترويَ مطارحَ القلب وشِعابَ الوجدان وحضونَ المفردات.
هكذا خطَّ الدكتور داهش بمِداد القلب الكلمات حزنًا على صديقه، وتوقًا إلى لقائه.
- نهرٌ ينوح: في مرثية “روح تنوح أو قيثارةُ الأحزان”1 نبعٌ آخر من ينابيع الدمع صافٍ كالزُّلال، ومن أنهرُ الحزن التي سالتْ أحرفًا وبيانًا. كانت مضمخةً بروح النبالة، وممزوجةً بِرقَّة الوجدان. إنها لقيثارةُ أحزانٍ تعزفُ على وترٍ من كلماتٍ قد تآلفت بحنان، وتعانتق برِقة لتُشكلَ معزوفةً نصية فريدة لا مثيلَ لشجوها، ولا تشبهُ إلا روحًا تنوح أو حديقةً من شجر الأشجان. هه المرثية من مفاتن الأدب الداهشي. هي ضمةٌ من سنابل الوجع مُهداة إلى زهرة الداهشية ماجدا حدَّاد “التي استشهدت دفاعًا عن عقيدتها، واحتجاجًا على الجريمة المُرعبة التي أوقعتها السلطةُ اللبنانية بمؤسس الداهشية من العام 1943 إلى 1952؛ وهي تجريدُ الدكتور داهش من جنسيته اللبنانية، وصدورُ مرسوم النفي والإبعاد بحقه.”2 لا يَصعبُ على قارئ النصِّ أن يكتشفَ أن بنيةَ نسيجه ترتكزُ إلى شبكةٍ من العلائق؛ فمن الموت/ الحزن، إلى الموت/ الخلاص…
—————————————————————-
1 الدكتور داهش: مقتطفات من كتاب “روح تنوح”، مُثبتة في كتاب “ناثر وشاعر”، ج 3 (دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1983)، ص 195 – 197.
2 راجع مقدمة الدكتور داهش لكتاب “روح تنوح”، ص 11 (في أواخر عام 1942 اتنق الداهشية كلٌ من ماري حداد وقرينها وكريماتها. وهذه الجريمة ما كانت لتقدم عليها السلطة اللبنانية، آنذاك، لو لم تعتنق السيدة ماري وعائلتها هذه العقيدة؛ والجدير بالذكر أن صلة قرابةٍ كانت تربطهم برئيس هذه السلطة).
—————————————————————-
إذا كان الموتُ جسرًا لعبور الروح النقية الرائعة إلى جنَّة الخُلد، ولو بلوعةٍ وأَسًى، فإنه يتجاوزُ وظيفةَ التخطي إلى فعل التحوُّل، ليكونَ بدايةَ انبعاثٍ جديد لمرحلةٍ اُخرى. أمَّا الحزن الذي يتولَّد من القطيعة بين ضفتي الجسر، فلأَنَّه لا عودةَ إلى الجهة الأُخرى؛ فهو فراقٌ تغمُره الدموع ويجتاحُه شعورٌ بالوحدة. ولكنْ لا يستسلمُ النصُّ للحزن، ولا يطمئنُّ إلى اللحظة الراهنة، لأن الموت/ اللقاء يفرشُ جناحيه على مفردات اللغة، ويعودُ الأملُ الذي يرتجيه الكاتب حينما يجتمعُ بمَن غابتْ عنه. “أبكيكِ يا ماجدا الحبيبة، أبكيكِ، وبدماء قلبي الحزين أرثيكِ!”… “آه! ولكنْ متى متى، يا ماجدا، يتمُّ هذا اللقاء المرجَّى؟ ومتى متى تهدأُ نفسي القلِقة وتطمئنُّ روحي الوجِلة؟”… “أَذكُرك عندما تَهدلُ حمامةٌ أو تنوحُ يمامة!… وسرعان ما أندفعُ كالسهم المارق في فضاء اللانهاية حتى أبلغ موطنك… وساعتذاك… تندمجُ روحي المعذَّبة بروحك العَذبة… فتسعد روحانا في الجِنان تحت رعاية الله الفائق الرحمة والحنان!”.
ج. نهر الوجع: يُعلنُ الدكتور داهش حزنَه العظيم على أُمِّه. يناجيها بدموعٍ حارَّة، ويُناديها بدماء قلبه، وبعُصارة نفسه، وبخُلاصة روحه، وذلك في مقطوعات ثلاث مُقتطفة من كتاب “أوهامٌ سرابية وتخيُّلاتٌ ترابيَّة”. “إلى روحك النقية، يا أُمَّاه…”: “فقداتُك، يا مَن أرَيتني نورَ الحياة، ففقدتْ نفسي البهجة… كنتِ جبارةً، يا أُمَّاه مزَّق كبدي،(…) وأمات الآمالَ في حنايا نفسي الحزينة!… أُمَّاه! أُمَّاه! ويا ما أعذب كلمةَ “أُماه”، وأقربها إلى النفس وأصدقها إلى الروح!”…”وداع عام 1949 أو عام حزني العظيم على مَن ولدتني”: “نعم، أيها العام، لقد أشعرتني باليأس العظيم بعدما رحلتْ عني… والدتي مَن أرتني نور الحياة”.1
كانت الأُمُّ روحًا نقيةً تسكنُ في عالم بهيِّ الضياء، قامتْ بأداء رسالتها على وجهها الأتمِّ، ما كانت تلينُ إلا للحقّ. وفي ندائه “أين أنت يا أُمَّاه”، يُشبه تائهًا يسألُ عن طريقٍ أضاعه أو عن عزيزٍ افتقده. ويأتي النداءُ مكسورًا على باب السؤال؛ يعرف الجوابَ، ويعلم أنها رحلت إلى عالمها إلى غير ما رجعة.
————————————————————–
1 الدكتور داهش: مقتطفات من كتاب “أوهام سرابية وتخيلات ترابية” مُثبتة في كتاب “ناثر وشاعر”، ج 3، ص 179 – 181.
————————————————————-
خاتمة
في ضوء ما تقدَّم نجدُ أن حركة الموت في النص الداهشيِّ قد اتخذت مسارًا خطيًا مُسلسلاً، يتمثل في بناء حقولٍ دلالية اتسعت رؤيتها، وانزاحت لتُشكل سيماءها: فمن الموت/ اليقظة، والموت/ الحلم، والموت/ الحبيب، والموت/ الفراق، والموت/ اللقاء، والموت/ الخلود… إلى آخرِ ما أفدنا منه من مقاربة للنصوص، ومن تحليل لبنيتها بغية معرفةِ ما أنجزته من دلالة. وقد توصل هذا البحث إلى مفاهيم واضحةٍ غير ملتبسة عن حقائق داهشية أرست معالمها نصوصٌ كان الموت علامتها المميزة، حيث تمثل في حقولها معجم بذورٍ كثيرةٍ نمتْ وترعرعت تحت ضوء الشمس، وأفردت أجنحةً مُوحية على مساحة القلب، لسحرِ بيانها وحُسْنِ ظلالها. ناهيك عن “قصص غريبة وأساطير عجيبة”1 بأجزائها الأربعة التي تفتح للسؤال بابًا جديدًا عن الموت/ التقمُّص، والجزاء العادل الذي يستحقُّه الإنسان جرَّاء ما كسبَتْ يداه. “أنا أؤمن بالتقمُّص إيماني بوجودي، أي إنَّ الإنسانَ يتكرر مجيئه إلى الأرض ليتطهر من أوشابه ويتخلص من أوزاره”.2
هكذا أقمنا جسرًا للموت، حيث عبرت نصوصٌ انتشت بالجمال أينما تجلى، وامشتقت سيوفَ الحق بروقًا ورعودًا، واصطفت سنابل الخير حيثما نمت، لتفرش أإصانُ المعرفة أفياءها الوارفة على مسافة الفكر، وفي شعاب الوجدان.
تلك كانت رحلتي، أردتُها مدخلاً موجزًا لتقصي معارج هذه الظاهرة وسبر أغوارها. ألم يكن الموت هو الحقيقة التي يسعى إليها كل من صفتْ نفسُه وسمت روحُه؟ ألم يكن غريبًا أن هذا الذي يخافُ منه الناس جميعًا، ويرتاعون من ذكر اسمه، يناجيه الدكتور داهش: “يا موت! أيها الحبيبُ الشفيق، ويا نَعمَ الصديق!… يا سميرَ وحدتي، وأنيسَ يقظتي، ومُخففَ بلوتي! يا طلابَ نفسي، ومطمحَ روحي، ومضهوى فؤادي!… يا فرودسي المفقود، وأملي المنشود!…”3
————————————————————
1 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، أربعة أجزاء (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979، 1981، 1983).
2 المصدرنفسه، مقدمة ج2، ص7
3″القلب المحطَّم”، ص 91.
————————————————————
والجدير ذكرُه أن من أحب الموت كثيًا قد أحب الحياة أيضًا؛ أحبها عنوانًا للعمل والجد، وأحبها نبراسًا للفضيلة والصدق، لم يهدأ يومًا، ولم يضع عصاه من عاتقه. “أنا بطبيعتي أُحبُّ الرحلات… أُحبُّ السفرَ الى الصحارى…. وأرغبُ مشاهدة العواصم الكبرى… وأُحبُّ أن أرود المتاحف… وقد غصَّت خزائني بروائع الفن…”1 دعْ أن للدكتور داهش أكثرَ من مئة مؤلفٍ ومُصنف، إذ كتب نثرًا وشعرًا، وألف في كل علم وكل فن. وقد أدركَ مفاوز التغيير ومسافاتِ التحول. ثمة شمسٌ تشرقُ دائمًا.
1 راجع الدكتور داهش: “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”، الرحلة الثانية عام 1970، (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)، ص 5 – 7.
داهش الغريب العجيب
الأديبة خديجة الموسوي
مجازة في تعليم اللغة الفرنسية وآدابها (الجامعة اللبنانية 1987). حصلتْ على شهادة الدراسات العليا في الآداب والفنون (جامعة بروفانس، إكس – مرسيليا، فرنسا 1990) والماجستير في تعليم اللغة الفرنسية لغير الناطقين بها (جامعة بروفانس 1998). تزاول تدريسَ اللغة الفرنسية والترجمة في AEC Associaes, French Language Services بكاليفورنيا.
داهش الغريب العجيب
مئة عام مرتْ على ولادة الرجل الذي أقلُّ ما يقال فيه إنه طالما أثار حوله العجب والإعجاب، ورافقته الغربة والغرابة في كل لحظةٍ في حياته وكل جانبٍ من مَسار وجوده وفي كل أعماله وأفكاره ومؤلفاته؛ حتى لكأنَّ كل ما مَتَّ إليه بصلةٍ، من قريب أو بعيدٍ، بات يتصفُ بالعجيب الغريب، ليجعلَ من مصيره الشخصي قدرًا مميزًا وحيدًا فريدًا.
وإن وصفت الغرابة ما “يبتعدُ عن التصورات المألوفة لدى مجتمع ما “لكي تثير “الدهشة والتعجُّب،” 1 فإن القزويني يقولُ في شرح العجب إنه “حيرةٌ تعرضُ للإنسان لقُصوره عن معرفةِ سبب الشيء أو عن معرفة كيفية تأثيره.” 2 وهو إذ يربطُه بالعقل والعِمل والمعرفة، فإنَّه يدعو إلى التفكُّر في المعقولات للبحث عن حكمتها وتصاريفها وخلفياتها وحقائقها.
ولعلَّه من الغرابة بمكانٍ أنَّه في مطلع القرن العشرين، عصرِ هيمنةِ العقل والإنجازات العلمية، يُطلُّ داهش على الدنيا، وتُفاجئنا طفولتُه وحداثتُه بأنباءٍ متشحةٍ بالإعجاز وبأعمالٍ خارقة قام بها، تخرجُ عن كل مألوفٍ معتاد. فالطفل، ابنُ الأعوام
—————————————————-
1عبد الفتاح كيليطو: “الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي”، (دار الطليعة، بيروت 1997)، ص 57 – 59.
2 الفزويني: “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”، (المطبقة العامرة، مصر 1421 هجرية)، ص 7.
—————————————————-
الثلاثة، يشفى بصورةٍ عجائبية”، وينطقُ بلغةٍ لا عهدَ له بها مُشيرًا على الطبيب بالدواء الذي كان يتوجب عليه وصفُه. والفتى يضربُ على الرماد ليُعيدَه كتابًا، أو يمشي فوق ماءِ إحدى بِرَك النبي سليمان في بيت لحم، تمامًا كما فعلَ قبله بقرون يسوعُ الناصري. والشابُّ، إذ ينزل عند طلب “الجمعية الدولية النفسية” ويرضى بأن يريَها آية النبي يونان، يخرجُ حيًّا باسمًا بعد إمضاء أُسبوع في صندوقٍ حديديٍّ في قعر نهر السين1.
ولئن بدا من العبث تفسيرُ ماجَرياتِ هذه الأحداث بالمنظار الحسي الملموسِ المتداول، لأنه بالتحديد لا ينطبقُ عليها، فلا بدَّ للمرء، أمام كل هذا الخرق للعُرف العلمي الشائع في المجتمعات الحديث’، من أن يلجأ إلى ما يفوقُه وما وراءه، فيتأمل عندها في أسباب الأمور ومسبباتها، ويبحث في مقصدها ومغزاها.
وعجيبٌ الاسم “داهش”، كأن مصير حامله أن يُحير عقولَ العقلاء ويبهر نفوس الأذكياء، فيجعلهم يتساءلون في معاني الأمور وينظرون إليها بعين البصيرة. ذلك بأن الشعورَ بالعجب والدهشة يُشكل، في نظرِ كل من أفلاطون وأرسطو،”الخطوة الأولى نحو التفكير الفلسفي”2 ونحو التساؤل عن مكنوناتِ الوجود وألغازِه وأُحجياته.
والأعجَبُ أنه في زمن انهيار القيم وقيام الشك والإلحاد يدعو الرجلُ في عقيدةٍ روحية للعودة إلى الإيمان بالله وبوجود الروح, وللرجوع إلى القيم الأخلاقية والإنسانية، مُعلنًا للملإ نظرته الفلسفية الشاملة للحياة وللوجود ككل، وحتى لحقائق الكون واسرار الخلق المبهمة. وهو إذ يُحيي بتعاليمه القيم الدينية الروحية الثابتة، فإنه يواكبُ التطور وينير الطريق للعقل البشري المعاصر الذي بات يلتجئُ إلى العبثية في تفسير الأمور الغامضة على نظره وفهمه. بل إنه يستبقُ العلم في تفسير روابط المخلوقات فيما بينها من خلال مفهوم السيالات وامتداداتها في الأرض وفي الكون، ومن خلال نظام التقمص والعدالة الإلهية الشاملة. وهو، إذ يميطُ اللثامَ عن خفايا وأُحجياتٍ دهرية ليُنيرَ العقل الإنساني بوضوح المنطق وشفافيته، يزيدُ من غرابته ويضيفُ إلى الحيرة التي يولدها شدها وذهولاً طاغيين.
—————————————————–
1 إسكندر شاهين: “الدكتور داهش رجل الأسرار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 2001)، ص 20 – 25.
2 CF. Platon, Le théétète.
————————————————————————-
والعجب العُجاب أن يقوم، لتوثيق دعوته، بخوارق تحدت القانون الطبيعي وتجاوزت العلم، وشهد لها نخبةٌ من مثقفين وأدباء ورجال سياسةٍ ودين، وتناقلت أخبارها وصورها الصحف. ومنها “تكثيرُ الخبرز والثمار، تعدد الشيء الواحد بحيث يصبح أشياء، نبوءاتٌ دقيقةٌ صحيحة، تحويلٌ من مادةٍ إلى أخرى، وعجائب شفاء!”1 كلها أحداثٌ غريبة تدمغُ النفس والروح الإنسانية بأثرِ ثابت دائم، وآياتٌ تولد عجبًا، بالبعد القرآني للكلمة، أي إنها تبهرُ العقل والفكر والحس والإدراك بإعجازها أو بحدوثها برغم استحالتها، وتثيرُ بذلك الحيرة بكل أبعادها الدينية الروحية والفلسفية الفكرية والنفسية الذاتية والعلمية الطبيعية والوجودية الكونية.
ولا تقتصر الغرابةُ على ذلك، لأن وقْعَ أفكار الرجل يتجلى غريبًا، يكادُ المرءُ لا يفقهُ له سببًا؛ إذ إن السلطات اللبنانية في حينه، بشخصِ رئيسها ونَفَرٍ من المسؤولين فيها، حركتها النقمةُ والغيظ، فشنتْ حربًا ضروسًا مشحونةً ضدَّ الرجل، استخدمت فيها أعنف وسائل الاستبداد والتعسُّف والاضطهاد. وها إنه، خلافًا لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية، وبعد الفشل الذريع الذي باءً به في محاولاته لاغتيال الرجل أو تجريمه بالوسائل المشروعة، يُصدرُ رئيسُ الجمهورية مرسومًا استثنائيًا يقضي بسجن الرجل وتجريده من جنسيته ونفيه خارجَ الحدود اللبنانية ظُلمًا وبهتانًا. وما ذلك لذنهبٍ ارتكبه أو جُرم اقترفه، وإنما لأنه دعا “الجميع لنشدان الحقيقة، والسيرِ على الطريق العادلة، والتمسكِ بالفضيلة”.2 وغريبٌ أيضًا أن يُصيبه كلُّ هذا الظلم والجور من غير أن يرتفع صوتٌ من أصوات مفكري وأُدباء لبنان لكي “يُدافع عن الحق الهضيم” أو “ينافحَ عن العدالة تدوسُها سنابك الباطل” حتى إ، “صحيفة واحدةً لم تتطوعْ لشجب الجريمة النكراء،” و”لم يظهر أي رجلٍ، ولم يتطوعْ أيُّ مخلوقٍ للدفاع” عنه ضد الظُّلم الغاشم؛ بل، على العكس، راحَت الصحف، من أسبوعية ويومية وشهرية، تُهاجمُه مهاجمةً شعواء وتحاولُ النيل منه.3 ولم يستثنِ الاضطهادُ لا شقيقته التي سُجنت بدون
———————————————–
1 ماري حداد: “معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحية” (دار النار والنور للطباعة والنشر، بيروت 1983)، ص 16.
2 الدكتو داهش: “مختارات” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1970)، ص 2 – 3 .
——————————————————-
محاكمةٍ, ولا مؤيديه الذين أحيتهم النعمةُ والتقوى فوهبوا كلَّ غالٍ ونفيس في سبيل العقيدة الجديدة.
وإذا بالرجل الفردِ الأعزل، الذي يواجهُ دولةً بأجهزتها المسخرة أشبه بداود الفتى في وجه الجبار جالوت، يعودُ سرًا إلى بيروت، ويواجهُ ظالميه، ويقول في ذلك: “فاضطررتُ أن أنتضيَ قلمي وأحاربَ به الباغية الطاغية ومن ساعدَه بجريمته المنكَرة المُستنكرة”1 وهو إذ أصدر “الكتب السوداء” التي كشفت عن فساد الرئاسة وغيها، ووزعها على الأفراد والمؤسسات في لبنان وعلى القنصليات العربية والأجنبية، فقد أسهَم في إسقاط النظام الذي اضطهدَه، ونجحَ في استرداد حقِّه السليب. ولو أنعم المرءُ النظرَ في هذه الوضعية، للمسَ حالةً عجيبةً تناقضُ المعقولات. لأن الرجل يهزمُ السلطة المجحفة والظلم بجهاده وعزيمته، فكأنهما ناتجان عن قدرٍ محتوم مكتوب منذ الأزل وإرادةٍ علوية تتخطى التصور وتتحدى الفهم البشري، كما يُلمِحُ قائلاً: “فتجلَّدتُ على الكارثة التي دهمتني لتيقُّني بأنها إرادتُه العُلويَّة”2
وإن ظنَّ المرءُ منا أن في ما سبق ما يملأ ويفيض عن حياة بشريةٍ بكاملها، فإنه يُخطئُ، لأن الرجل في غرابته يطالعنا بوجهٍ آخر كجامعِ كُتبٍ وقطع فنية، وقد صرف أعوامَ عمره “بأكملها باحثاً منقبًا وجامعًا للكنوز الفنية النادرة.”3 فأسس المكتبة الداهشية التي تتضمنُ آلافَ المجلدات والمجموعات من ثقافيةٍ وأدبية وعلمية وصحفية، وبعضها من الكتب النادرة الثمينة. ولنسمعه يروي كيف قام بتحصيلها: “استمريتُ طوال أسبوعين كاملين وأنا أنتقلُ من مكتبةٍ إلى مكتبةٍ فمكتبة منتخبًا من كل منها الكتبَ النفيسة، مبتاعًا إياها لأضيفها الى مكتبتي الغنية… وقد أصبحت مكتبتي تحتوي على ثلاثين ألف مُجلدٍ ابتعتُها في خلال عامين ونصف العام؟”4
كما أنشأ، بفضل جهد الجبار الدؤوب المتواصل، المُتحَفَ الداهشي بمجموعته الفريدة من اللوحات الزيتية والتُّحف والتماثيل الفنية؛ وقد افتُتِح في قلب مدينة نيويورك
————————————————
1 الدكتور داهش: “مختارات”، ص 3.
2″ نبال ونصال”، ص 65.
3 الدكتور داهش: “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”، ج 19 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1994)، ص 64.
4 الدكتور داهش: “يجي المزلزلة” (دار النسر المحلِّق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 94.
————————————————
عام 1995 كمتحف اختص بالفن الأكاديمي الأوروبي من القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين. ولعل شغفه وولعه الغريبين بالفن متجذران في ذاته لدرجة أنه يتفانى في تحصيل مقتنياته على مدى سنين طويلة بدون كلالٍ أو ملل، يدفعه حافزٌ خفي لتحقيق هدفه الجليل حتى في الأوقات العصيبة من حياته، وفي أشد أيام المحنة والشيخوخة والمرض. فلا احتجابه إبان الاضطهاد منعَه من مُراسلة “الآلاف من الفنانين وغاليريهات الفنِّ،”1 ولا الوعكاتُ الصحية المتكررة حالتْ دون قيامه برحلته العشرين التي دامت ستة أشهرٍ وقفها على ابتياع الصنائع والقِطَع الفنية. ذلك أن الرجل ذو عزيمةٍ وإرادةٍ فولاذيتين، لا يميلُ ولا تُحولُه المنون والصعاب عن مقصده. فقد كان يكتفي بقسطٍ قليل من الراحة والنوم مُكرِّسًا طاقته ونشاطه لإتمام مُهمةٍ رسمها لنفسه ورسالةٍ أُوكِلَ إليه تحقيقها.
وهو في الرحلات التي قام بها حول العالم بقصد “زيارة المتاحف ومُشاهدةِ الكنوز الفنية المحفوظة فيها،”2 وفيها دوَّن تفاصيل يومياته بحذافيرها، يثيرُ الحيرةَ والإعجاب بدأبه الدائم الحثيث لتجميع ما قرر اقتناءه من قطع قيمةٍ نادرة، وبتحمله، بصبرٍ قل نظيرُه وإنكارٍ للذات فريد، كل ما ينتجُ عن ذلك من تعبٍ بدنيٍّ وإرهاقٍ جسدي.
ولم تقتصر غرابةُ الرجل على كل ما ورد، فإذاه، وهو الذي لم يتعد عهدُه بالدراسة النظامية مدة ثلاثة أشهُر، يغرفُ مناهل العلم والمعرفة بعصاميةٍ ومثابرةٍ تدعوان إلى التأمل. وهو قد خصَّ بموهبةٍ أدبية راقية قلما عرفت لها مثيلاً بنتاجها الكثيف، وتعدد ألوانها الأدبية ورُقيها الفني والفكري وبحثها الدؤوب عن الحقيقة في أي تعبيرٍ أو بيانٍ أتت. ففي رأيه، “إن على الكتاب واجبًا مفروضًا هو قولُ الحقيقة دون سواها”.3 واللافتُ في كتاباته أنها منذ بواكيرها نضحت بجماليةٍ وعذوبةٍ ثابتتين، لم يحد عنهما قلمُه لا في شِعره ولا في نثره. كما إنها توخت المثالية في كل كلمةٍ وكل سطر، ولم تسفَّ مرَّةً، ولم تبتعد قيد أُنملة عن مستواها الرفيع الراقي وميلها الروحاني النبيل. ولا تظهرُ الغرابةُ في
———————————————-
1 الدكتور داهش: “الرحلات الداهشية…”، ج 17 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1994) ص 50 – 51.
2 الدكتور داهش: “الرحلات الداهشية…”، ج 5 (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1990)، ص 139.
3 الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1 (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1979)، ص 5.
————————————————
نزعة كتاباته وصياغتها الملهمة فحسب، بل إنها تُذهل الفكر في السرعة العجائيبة التي خط فيها بعض مؤلفاته، إذ فرغ من رواية “مذكرات دينار” في خلال تسع ساعاتٍ فقط. 1
وإذ تملك العجبُ من أي امرئ أمام تواتُر حالة الغرابة وكل هذه الميزات المخالفة للعادات المعهودة والمألوفة، فإن الرجل نفسه يُسلِّم بالأمر، إذ يقول: “أشعرُ أنني مزودٌ بقوةٍ لا أعرفُ تفسيرها، ومَدعوٌّ لأداء رسالة، وأنا جاهدٌ في هذا السبيل، ولا أبتغي جزاءً ولا شكرًا، لأن لا فضل لي في ذلك وإنما الفضلُ لربِّ العالمين.”2 يبقى إذن على كل فردٍ أن يُحكمَ عقله ويفكرَ في الاسباب التي جعلت الغرابة تغزو حياة الرجل اليومية الواقعية، والعجبَ يُقيم في دقائقها وتتالي أيامها؛ الأسباب التي “تأباها طِباعُ الغبي الغافل،” و”لا تُنكرُها نفسُ الذكي العاقل” لأنه “لا يستعظمُ شيءٌ مع قدرة الخالق وجِبلَّة المخلوق”، بحسب تعبير القزويني!.
وبعد، والحقُّ يقال، فإنني وإن لم أعرف الرجل، فإن رحلتي معه بدأت وأنا طفلة، إذ خلبتْ أخبارُه لبِّي عبرَ شهاداتِ أشخاصٍ أهلٍ للثقة، ثم بهرت خيالي وإدراكي غرابتُه وأنا بعدُ يانعة. ثم أثر فيَّ، لاحقًا، فكرُه المنير الهادي في كتاباته الملهمة، وفي سعيه الدائم للسمو بالنفس البشرية ودفعها إلى تخطي الوضعية الإنسانية المحدودة والتمسك بأفقِ روحانية تُحرر الفرد من القيود المادية والدنيوية. وقد اكتشفتُ في كل مؤلفٍ له فِلذةً من ذاته ومنحًى من شخصيته وباقةً من أفكاره وتجاربه النفسية والحياتية، فكان لي معلمًا هاديًا ونبراسًا يُنير الطريقَ أمامي في الحياة.
ولعلَّه أوحى لناظري، في سائرِ كتاباته، بهويةٍ أدبية سردية3 كراوٍ أو كناثرٍ أو كشاعر أو كعابدٍ مؤمنٍ أو كحكيمٍ زاهدٍ أو كرحالةٍ عابرِ سبيل، هُويةٍ أدبية تعتري ملامحَها غرابةُ الرجل، وتُنبئُ سِماتُها بعجَبٍ من طيفه. فيظهرُ الكاتب غريبًا لخبرته وعِلمه بالنفس البشرية وطبيعتها العميقة ونزاعِها المستمرِّ بين الخير والشر. وهو يُحلِّلُ خفاياها، ويُبرزُ ميولها بدون ممالأةٍ ولا مُجاراة. ويعبر بصدقٍ وحمية عن عشقِه وإعلائه للخير بكل أشكاله، فيتغنى بالفضيلة والبراءة والطهر والوفاء، وبالحبِّ المخلص وصفاءِ النفس
————————————————–
1 الدكتور داهش: “مذكرات دينار” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1986). تراجع المقدمة.
2 مجلة “بروق ورعود”، (السنة الأولى، العدد 3، بيروت 1968)، ص 1 – 5.
3 Ricoeur, Paul,”L’identité narrative”, in Esprit, n 7 – 8, 1988, Paris, pp. 297 – 304.
————————————————–
والتضحية والكرم والنبل والشهامة، وبإنكار الذات والجمال السماوي والرقيِّ الروحي وبالنقاء الملائكي.1
وهو يصوِّر كل حسَنةٍ في سلوك الشخصيات القصصية أو الأفراد الذين يعرضُ لهم في مؤلفاته بصيغةٍ عجيبة، مخلدًا اللحظة في تاريخ البشرية، ممجدًا النزعة الفاضلة في كل نفس، لأنه يراها طارئةً وغير تلقائية في الطبيعة البشرية.
ولأنه يسعى “لإثارة انفعال عند القارئ لغاية مرسومةٍ” Fascination،2 فهو يحوِّلُ العجب إلى افتتان، أي أن يذهلَه وبجذبَه نحو الخير برؤية جمال الأخلاق وفتنتها ورُقيِّ الفضيلة ورونقها، وذلك لإيقاظ الخير الراقد في ذاته ودفعهِ إلى ممارسته. لذا يعطي الأديبُ الراوي المصلح كل خطوةٍ باتجاه الخير بُعدًا إنسانيًا أرضيًّا، بل كونيًا، ويعدها انتصارًا على الشر المستشري. فهو يقدرُ ويُكبرُ كل فكرة نبيلة وكل نية فاضلة وكل عملٍ رفيع بهدفٍ الترغيب وإعلاء شأن الحق والخير في نفوس الكائنات الحية عامة.
وإن أكبر الكاتبُ الراوي الغريبُ الخيرَ، فإنه، على العكس، يحكمُ بقسوةٍ على البشرية لانحرافها عن الطريق القويم واستسلامها للشر والفساد والباطل. حتى إنه يتحول إلى فارسٍ غريب في خدمة الصلاح والحق، فإما يشهرُ سيفه في وجه إبليس وكوكبة من الشياطين،3 أو يلفظُ حكمَه الصارم على المجتمع الذي “لا يُبالي بالفضيلة ويُماشي الجُرم،”4 حيث يسودُ الضلال بأشكاله المتعددة من خيانةٍ وحنثٍ بالعهد وقتلِ الابن لأبيه والعائلة لابنها والصديق لصديقه والصديقة لصديقتها.5
وفي وجه هذا الشر، يبرز الأديب الراوي العقاب الذي يتربصُ بكل مُعتدٍ؛ فالله يمهل ولا يهمل.”6 وها إن العجبَ أمام انقضاض القدر بالحساب العادل يتحول إلى
———————————————-
1 انظر من مؤلفات الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، و”مذكرات دينار”، وسلسلتي “حدائق الآلهة توشيها الورودُ الفردوسية” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980)، و”فراديس الآلهة يرصعها اللينوفار المقدس” (دار النسر المحلق للطباعة والنشر، بيروت 1980).
2 Bozzetto, Roger, Territoires des fantastiques, Aix-en-Provence, PUP, 1998, p. 210.
3 أنظر، مثالاً، قصة “تخيلات جهنمية مرعبة” في “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج1، ص 148 – 150.
4Paul, J.M., “Le manuscript trouvé à Sarragosse de. J. Potocki”, in Traditions fantastiques Ibériques et Germaniques, Arras, Artois Presses University, 1998. P. 53.
5 أنظر “ققص غريبة وأساطير عجيبة”، ففيه عدة قصص تدور على هذه الموضوعات.
6 أنتظر، مثالاً، قصة “الملك الكلب” في “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2، 13 – 14.
————————————————–
ذهولٍ، فرُعبٍ أخرسَ Epouvante1 يتمكَّن من المرء ويُسيطر على كيانه. فالراوي يسعى للتأديب بإعطاء المثل. وهو يثيرُ الترهيبَ، ويدعو إلى استخلاص العِبرَ أمام عدالةٍ لا تُخطئ، ولا تنسى، ولا تكلُّ، ولا تفوتُها كلمة واحدة.2 وغالبًا ما يستخدمُ لهجةً مؤدبة لإرشاد الإنسانية إلى الصراط المستقيم، لأنه يأبى لها إلا أن تكون فاضلة، ويرفعُ في وجه الضلال الطاغي القيم الروحية والأخلاقية، مؤكدًا بذلك غرابته وفرادته. ولئن ثارَ على المجتمع البشري، فلأنه يرى الشر سائدًا فيه، طاغيًا على سلوك أفراده، جارفًا إياه بعيدًا عن النزاهة والمثالية. ولذا يُعبِّر عن يأسه وحزنه لضياع البشرية وضلالها، بدون أي سعي لتجميل الصورة أو تلافيها.
فهو في إخلاصه للحقيقة يرسم، بفضلِ نظره الثاقب، الواقع الحياتي بتفاصيله الدقيقة وحيثياته العميقة، إذ يكشفُ حتى عن النوايا الخفية والأفكار المكتومة لإظهار كل جوانب الحدث وعدم إغفال أيِّ طارئ. لكنه، فضلاً عن ذلك، يُسلِّطُ على هذا الواقع المتداوَل الاعتياديِّ ضوءًا جديدًا يغيِّر وِجهةَ النظر المعتمدة اجتماعيًا والمتعارَف عليها بين البشرز فإذا بالأمور والوقائع تُقاس بمعاييرَ مختلفةٍ، تتخطى المجاملات الاجتماعية والأعراف العامة الدنيوية لتطال دورَ المسؤولية الروحية للفرد وللمجتمع ككل، وتُميط اللثام عن بُعدٍ تتجاهلُه الأحكامُ الأليفة العادية. هذا الراوي الغريب يضعُ المِجهرَ على كلِّ عمل وكلِّ أداء ليُبيِّنَ ما يجرَّانه من نتائجَ وما يؤديان إليه من عواقب. فإن كانت للخير، خلدها؛ وإن كانت للشر، لم يكتفِ بشجبها، بل حكمَ عليها وقاضاها.
من هذا المنظار يصبحُ المحيطُ المألوف غريبًا عجيبًا بمغزاه وأبعادِه ونتائجه. فالراوي يُصوِّر بذلك وجهًا للواقع غريبًا، وجهًا شفافًا لامرئيًا ولا محسوسًا، وجهًا صورَه أرسطو كنقيضٍ للواقع الموجود، فنعتَه باللاموجود، Etat du no-être3 وجهًا قائمًا بالمقياس الرلوحي والفكري والأخلاقي؛ وهو يمثل الحياة الروحية، ويتمثل عبر تحقيق عدالةٍ خالدة تقضي بتطهير كل نفس وبإيفاء كل دين. ولا يكتفي الراوي بالتوجه إلى شعور المرء، بل يخاطبُ العقل والمنطق. فهو يفسر الأقدار والأعمار، ويُجيبُ عن
—————————————————–
1 Cf. Le concept d’épouvante chez lovecraft, H.p, Supernatural Horror in literature, Traducation, Paris, Bourgois, 1985, p.35.
2 أنطر، مثالاً، قصة “التقمص والتناسخ” في “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2، ص 31 – 39.
- Cf. au sujet de l’état du non-être chez Aristote, in les sophistes.
————————————————
التساؤلات الغريبة. فالعقابُ يأتي دائمًا من نوع العمل. كلُّ ذلك ضمن نظام عدالةٍ شاملة يسودُ الكائنات الحية من بَشَرٍ وحيوانٍ ونباتٍ وجماد، وحتى الكائنات الكونية.
وإذا بالعجب يصيرُ صعقًا أو ذهولاً عقلياً choc fantastique 1 أمام الجلال والرهبة اللذين تُوحي بهما عدالةٌ إلهيةٌ لا محدودة. أمام حقيقة الواقع، تُصاب الشخصياتُ بصعقةٍ أو صدمة قاتلة. لكأن إدراكَ البصيرة يمنعُ استمراريَّة الحياة بغفلتِها، إذ إن الهوة كبيرةٌ بين الصورة المتوافق عليها للواقع وبين صورته المجردة البعيدة عن التملُّق.
وها إن الراوي الغريب الذي يُحصي على الدنيا شرورها يُنذِرُ البشرية المتمادية في عصيانها بالفناء الشامل كعقاب على سلوكها وانتهاكها كل القيم والمقدسات. فهو يُعطي لهذا النهاية المأساوية للأرض وسُكانها صورةً ملموسةً محسوسةً حية تُرهب بغرابتها،2 وتُضفي على رؤيا يوحنا بُعدًا واقعياً وحياةً معاصرة.
والأديبُ الراوي غريبٌ (من الغربة) على وجهِ هذه البرية، يقاسي الحياة البائسة في المنفى الأرضي، ويشدَّه الحنين إلى الفردوس وجناتِ عدن، فيرسمُها عبرَ رؤًى لعوالِمَ وكواكبَ بخياله الشفاف الراقي، ويصفها مقارنًا طبيعتها وكائناتها بالطبيعة والكائنات الأرضية، وقانونها والحياة والأعمار فيها بالقانون الأرضي وحياتها وأعمارها. والغربةُ تتحول لغرابة، فتسمحُ باكتشاف عوالم فيها أسرارُ الحياة اللانهائية. وهو إذ يُصور التجربة البشرية كجزءٍ لا يتجزأ من تجربةٍ كونيةٍ شاملة تُشكلُ مرحلةً من حلقاتٍ متتالية مترابطة، فإنه يتخطى بذلك صورة الواقع إلى ما وراءَها، ليُبدِعَ واقعًا آخر، روحيًا غريبًا عجيبًا.
عبر هذه العوالم والأماكن الغريبة المجهولة، يرسمُ الراوي امتداداتٍ راقيةً لَما تحملُه الأرضُ من طبيعةٍ وكائناتٍ حية، الأمر الذي يجعلُ العالمَ الأليفَ ظلاً باهتًا لعوالِم الغرابةِ الباهرة النيرة. ولعل حنينه إلى تلك العوالم السماوية التي يقيمُ فيها الأبرارُ الأطهار، والتي يعتبرها موطنه الأصليَّ، يتجلى في نصوصٍ له كثيرة، فيخطُّ مراراً كلماتٍ تُعيدُ الرابط بينه وبين هذا الأثير الغامض، ويكتبُ له “سلام” أو “سأعود”.3
وفي تلك الأقطار البعيدةِ العُليا تُسبح الكائناتُ بقدرة الله بدون انقطاع. فإذاه يُكثِرُ
———————————————————-
Viegnes, M. Le fantastiques, Paris, Flammarion, 2006, p. 239.1
2 انظر، مثالاً، خاتمة “مذكرات دينار”.
3″ابتهالات خشوعية”، ص 67 و 117.
———————————————–
من الصلوات والابتهالات والأدعية والنجاوى، يرفعها للعزة الإلهية كتعبير صادقٍ عميق عن تقواه الروحية وزهده بالدنيا. فيقول:
“سبحوا الله، سبحوا الله، سبحوا الله!
أيّثها القاطنون في ذُرى سماواته العجيبة
ردِّدوا آياتِ الشكر، وارفعوا ضراعاتِكم أمام موطئ قدَمَيه.”1
ورغبتُه هذه في الانعتاق صادقةٌ غريبة، حولتْ صورة الموت من حاصدٍ للأرواح مخيفٍ إل ملاكِ عطوف رحيم رؤوف، يُحرِّرُه من وطأة الحياة المأدية، ويُخلصه من حماة الجنيا وتفاهتها، فإذاه بسميه “حبيبًا” و”صديقا” و”حنونًا”. وهو، بغرابته، يُناشدُه أن طيضمه بين ذراعيه،” لأنه أرأفُ به من البشر والأحياء.
إلا أن التواصُلَ مع العوالِم الأخرى يُشكلُ خرقًا للعادة وللطبيعة، ويجعلُ من التجربة حالةً من الغرابة. فالمدينة التي يزورُها سكانُ عالَم سماويٍّ تخلدُ بآثارٍ بنوها (هياكل بعلبك). والعالمُ الذي يزورُ أحد الكواكب يلفظُ أنفاسَه عند عودته، ذلك لأن العبورَ ليس القاعدة، وإنما الاستثناءُ والخروجُ على المألوف.2
وتمامًا كالسندباد البري والبحري، وصنويه الهوائي والتحت أرضي،3 السندبادِ الذي بانتمائه إلى عالمين مختلفين، عالمِ الأُلفة وعالَمِ الغرابة، قد صار وسيطًا بينهما، كذاك يصبحُ الراوي المؤلف، بفضلِ تجواله ورؤاه التي تنقلُه من أُفقٍ إلى أُفق ومن واقعٍ إلى واقع، إما سفيرًا من الأثير المعروف إلى أجواء المجهول أو رسولاً من أقطار الغرابة إلى فضاء المألوف. فهو، بالإضافة إلى أسفار السندباد التي خاض فيها في أعماق عوالم البشر والنبات والحيوان والجماد والجان وحتى الأبالسة، لكشف خفاياها وغرائبها، قد حلق في الأبعاد ليطلعَ على عجائب الأكوان والمخلوقات وما وراءَ الدنيا بمكنوناته وأسراره. فها هو سندبادٌ جديد، كونيٌّ روحيٌّ، يجمعُ بين عالَم الأُلفة الماديِّ وعالَم الروح والغرابة اللامادي!.
———————————————————-
1 ابتهالات خشوعية”، ص 127.
2 انظرْ قصة “الكوكب فومالزاب” في “قصص غريبة وأساطر عجيبة” ج1، ص 212 – 217؛ وقصة “قصة خيالية كوكبية” ج2، ص 107 – 116.
3 كيليطو، المصدر نفسه، ص 102 – 103.
———————————————————————————-
وإذا خاطب الراوي البشرية، تجدث أيضًا باسمها، وكأبٍ مسؤول يحمل نفسَه – وهو الفردُ المثاليُّ – أوزارَها وشرورَها. وكالمسيح الفادي، يتوبُ إلى الله، عز وجل، بدلاً عنها، ويسكبُ ندامةَ قلبه عند موطئ عرشِ العلي باسمها، ويدعو الله إلى أن يغفرَ لها ضلالَها وضعفَها، فيقول: “ولكني بشريٌّ، يا الله. والجنسُ البشريُّ – كما تعلم – ضعيفٌ كلَّ الضعف”.1
ويعتمدُ الأديبُ الغريب، في دَوره الآدميَّ كأب للبشرية، على الميراث الحضاري للإنسانية، فيعرجُ على القصص النبوي والقصص الأسطوري، وعلى اىلحدث التاريخي أو الشخصي.2 فيعيدُ بذلك الأحداثً الى نصابها من وجهةِ نظره العجيبة الغريبة الخارقة، ويجعلُ من هذا التراث نواةً لحضارةٍ آتية، أرضيةٍ وكونية، تشمَلُ في طيها كواكبَ مادية وغير مادية.
وفي حديثه يَجولُ الراوي الكاتب على الماضي الغامض، ويُقلبُ صفحاتِ الحاضر اللامرئي ليؤذن بالمستقبل المجهول. وإذا انهالت الغرابةُ من كتابات الرجل عبر بحثه الدائم عن الحقيقة، كأنما بإلهام “صوت نبي”،3 فلكي تُعيدَ إلى الأدب دورَه الأصيل بمقاربة الأخللااق والوظيفةِ التوجيهية الإصلاحية والتهذيبية.
هذه الهوية السردية الأدبية، إذ تُعبر بصدق عن جانبٍ في شخصية المؤلف، فإنما تضاعفُ بغرابتها فرادته وتكشفُ عن عمقِ غربته الروحية والفكرية والأخلاقية. فالغرابة عنده ليستْ عابرة، ولا عبثية، لكنها تُشكل ميزةً ونهجًا يتبعهُ لأنه يتوقُ دائمًا إلى المُثُل العُليا، وغلى كل ما يدفعُ المسيرة الإنسانية نحو التطور والرقيّ.
ولعلَّ كل ما يكون الغرابة عنده وما يُولّدُ العجب، بدءاً من عقيدته إلى خوارقه فشخصه فأدبه فنبوغه، يَصبُّ في كونه رائدًا مؤسسًا لحضارةِ عالمية حديثة وثقافةٍ فكريةٍ وأدبية وفنية مستنيرة. فهو يُبشر الفرد بعهدٍ من المعرفة الورحية المتماشية مع التقدم العلمي والتقني، والمعتمدة على المسيرة الحضارية الآدمية من ناحية، وعلى موقعها في
———————————————-
1″ ابتهالات خشوعية”، ص 68.
2 انظر “قصص غريبة وأساطير عجيبة” و”مذكرات دينار” والدكتور داهش: “مذكرات يسوع الناصري” (الدار الداهشية للنشر، نيويورك 1991).
3 Halliburton, David. Edgar Allan poe: A phenomenological View (princeton, PUP, 1973 P. 411.)
———————————————-
سُلَّم الحضارات الكوكبية والكونية من ناحية أُخرى. وما الغرابةُ إلا إشارةٌ تدلُّ على أنه رسولُ الزمن الآتي الذي يأبى أن يخضعَ للواقع السائد أو أن يسير في ركابه، بل هو يقاومُه بجهدٍ جبارٍ بهدفِ تغيير مَسارِه وتصحيحهِ. وإذا نقَّبَ المرءُ في تاريخ البشرية جمعاء، فإنه يجدُ قِلَّةً قليلةً من الذين بلغوا مَرماهم في ذلك.
وبعد، فقد حقق الرجلُ في حياةٍ بشرية لم تتعد الخمسة والسبعين سنة ما تعجزُ عن تحقيقه مجموعاتٌ، بل مجتمعاتٌ بقضها وقضيضها في حياةٍ مهما كانت مديدة. ولعل الغرابة والعجب يتأتيان، لا من بصيرة الرجل الملهمة وإدراكهِ المنير فقط، بل من العزيمة الصلبة والإرادة الفولاذية اللتين تميز بهما، أيضًا، فضلاً عن قدرته الجبارة على تحمل المشاقِّ، وعلى الصبر والتجلُّد على الآلام والتفاني في سبيل تأدية مُهمته ورسالته. وهو، بذلك، تغلبَ على وضعيته البشرية والحياتية، وأكد غرابته كمجرد إنسان.
مئة عامٍ مرتْ على ولادة الرجل، وقد خلف للإنسانية وللأجيال المُقبلة إرْثًا تاريخيًا، وحدَه الزمنُ الآتي كفيلٌ بالكشف عن كلِّ كنوزه وكلِّ ثرواته الحضارية.
حروف ذاكرة
الأستاذ سليمان محمود جمعة
شاعرٌ لبنانيٌ. عضو “اتحاد الكتاب اللبنانيين”. يحمل الإجازة في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية (1997).
مما صدر له عن “حركة الريف الثقافية”: “جمرات (1995)، “كتابةٌ على أجنحة الغربة” (1999)، “شذا الحجر” (2002).
حروف ذاكرة
من وحي “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا” للدكتور داهش
في ذكرى مرور مئة عامٍ على ولادته الأرضية
داهش مرَّ بالأرض
عبيرُ أعوامِك المئة شمسٌ دافئة، تشرق بالطيب المضيء في فضاء المؤمنين بك، وتنشرُ في ربوات أعوامهم الطمأنينة والرجاء، حتى يبلغ حبُّك بهم الأمانَ والعلاء، فإذا هم في عالم يسقط العدد فيه لمشيئة الخلود.
داهش مرَّ بالأرض، تكلمَّ فإذا الكلام ثورة لا تهدأُ؛ تكلم فإذا الكلام دروبٌ إلى السماء لا تبور؛ تكلم فإذا الكلامُ مركبةٌ بناها داهش حرفًا حرفًا بالحق والنور والعدل على أرضٍ مَرويةٍ بماء المحبة، وفي فضاءٍ يتنفسُ الصدق. وفي بحرٍ يموجُ ماءه الثباتُ والعزم، وفي صدورٍ حيث ينبض القلبُ بحبِّ الله الخالقِ العظيم.
قد عرفتُك، أيها الحبيب، والحلمُ يحدثُني عن عالضم نقيةٍ صورُه، مضيئةٍ مَعارجُه، عامرةٍ بأفانين الروعة والجمال مغانيه ورياضه؛ يحدثني عن عالمٍ بهي لا يغيبُ نورُ وجهك عنه، هو عالمي الذي قبلتُه بك ولك.
أقرأ في كتابك يُنعشُ مطرُ حروفك حديقة أيامي. أقرأُ في كتابك تسيلُ في عروقي عزيمةٌ تثبتُ على دروبك قدمي. أقرأ في كتابك تجري الحروف على لساني ناطقةً بالشهادة للحق، لك ولكلِّ العظماء الذين كانوا كواكبَ للحق كثيرةَ العطاء.
“كما إني أُصغي إلى نداءٍ خفي
يُهيبُ بي أن أخلعَ عني رداءَ المادة،
كي أستطيعَ ولوجَ هذا العالم السحري البهي.” (ناقوس الأحزان”، ص 8)
كذلك أصيغتُ إليك، إلى “ناقوس أحزانك” كي أستطيعَ أن ألجَ عالَمَك الثائر. ولتُكسَر الجرَّةُ إذاً على عين العالم. هكذا تُكسَرُ يد الظُّلم والظلام، فلا ماءَ الغداةَ، ولا نبيذ، إلا الحميم ومرارة الجحيم.
في رحاب الشعر والفنّ
في عالم الدكتور داهش الأدبي يتكاملُ صدقُ الكلمة الراقية مع سمو اللوحة المعبرة. فلا شيء في كتبه عبثٌ أو سُدًى. فاللوحةُ – وهو يعشقُ الفن كعشقه للأدب – لها وظيفتُها الجمالية والأدبية والروحية.
كذلك المقطوعات الشعرية النثرية التي يقدمها على متن كتابه يفوحُ منها روحُ المعنى العام مجملاً كرؤيةٍ واضحةٍ تُضيء على ما سيأتي مفصلاً على صفحات الكتاب.
فكل ما يُطالعُك في كتابه أنيقٌ جميلٌ قد اعتنتْ به يدٌ صناع وذوقٌ رفيعٌ سام وخبير.
فالكتابُ الداهشي تحفةٌ فنيةٌ يضمُّ بين دفتيه مغازيَ تربطُ الإنسانَ بمصيره بين الأرض وتجاربِها والسماء ووحيها.
ففي “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا” أثبتَ الدكتور داهش قصيدتين نثريتين، تضوعُ الأولى بعبير الرغبة والشوق إلى عالم سحري بهي تحل فيه روحُه بعد أن تخلعَ عنها رداءَ المادة، وفي الثانية ينتفضُ ثائرًا على البشرية جمعاء لأن الشرَّ قد تأصل فيها، فيطلبُ تقويضها والرحيلَ عنها. كأننا على ضفتين من نهر عالمه: ضفةٍ يتوقُ إليها فيتزين جمالها موحيًا إليه داعيًا إياه، وضفة ينفرُ منها فيمدُّ يدَ قوته الروحية إليها ليقوضها داكًا شرَّها وأشرارَها.
تنفتحُ دفتا الكتاب على مشهد مدينة/قرية مطمئنة بين أشجار نخيلها تُطلُّ وادعةً على بحرٍ رائقِ الموج، تمخرُ عبابه أشرعةٌ بيضاء، وعلى شاطئها ترى رجالاً أشداء يُلقون شباكهم في البحر وإلى جانبهم سلالٌ مليئة بالرزق… وترى قافلةً من الجمال تتجهُ نحو المدنية يحدو بها حاديها مُثقلة بأحمالها:
الحياة في المدينة رغيدة مزدهرة يوشحها الشفق بألوانه العسجدية والحمراء كأنه يلبسها البهجة والوقار معًا، وهي محصَّنة بعين العناية من التنانين والخوف والأمواج العاتية.
ثم تُقلب الصفحات على مشهدٍ جديد لا لونَ زاهيًا له إلا قساوة خطوطهِ، كأنما عاصفةٌ هوجاء غاضبةٌ قد مرت هناك، ثم هدأت تاركةً كل شيء قانطًا مُتعبًا مهمومًا ساجمًا لا حراكَ يه. وترى في مقدمة المشهد جماعةً قد تحلقوا حول رجلٍ ضخم ذي ملامحَ قاسيةٍ قد ألقى من على راحتيه القويتين بجرةٍ فخارية تراها قد تحطمت بين قدميه وأمام الجماعة ويقول لهم: “ثم تكسر الجرة على عيون الرجال… وتقول لهم: هكذا قال ربُّ الجنود: كذلك أكسِر هذا الشعب وهذه المدينة.” والجرَّة ترمزُ إلى الخَلقُ الطينيِّ وإناءِ الحياة… وها هي تتحطَّم! وتتوالى اللوحاتُ وأنت تقرأُ الكتاب لتُوحيَ إليك بالصورة واللون ما تقدمه الجملُ والكلمات.
وأكثر ما يشدك مشهدُ رجلٍ بثوبه الأبيض مستوحِدًا متحدًا بالطبيعة يجلسُ على صخرية كأنها الموجُ، ناريَّة اللون تكتنفُها غيومٌ بيضاء وحمراء، ويمتدُّ خلفه أُفقٌ كأنه البحر بزُرقته يعلوهما قمرٌ بدرٌ لا نجومَ تُؤنِسه. ينظر إلى الأرض كأنه يحجبُ نظره، فيحتجبُ عما حوله أو يغيبُ فيه. هذه اللوحات هي في صُلب النص تقول مفرداتُها ما تقولُ جملُه، وتوحي بخطوطها وألوانها ما تُوحي به التعابير.
فأنتَ مرة أخرى على ضفتين: في مدينةٍ تزخرُ بالحياة، وعلى أخرى تغمرُها التعاسة على بالها الحُطامُ والسكوت… واللاحراك.
بين يدي العقاب
هذا العالم الذي يقدمه الدكتور داهش هو المقدمة/ الرؤية المجملة التي ستراه مفصلةً في متن المراثي…
ففيها المشهدُ الغائب: تلك المدينة المقدسة، العظيمةُ الربوات، السيدة، صاحبةُ التاج والمجد، المتألقةُ بأبنائها وقصورها؛ تلك المدينةُ ستتراجعُ إلى الخلف في الذاكرة تأكلها النيران، ويمحوها الدمارُ والخراب. أمَّا المشهدُ الذي سيكون حاضرًا فسيكونُ الركام، والأصداء الحزينة تتجاوبُ في الأوداء المغمورة بالأسى…
هذا هو الدرب دائمًا في أدب الدكتور داهش، ينقلك من عالم إلى عالم، فتختارُ بحريةٍ المكان الذي تريدُ ولوجه، وتنبذُ العالَمَ الذي لا يستجيب لرغباتك أو توقِك.
فلندخل إلى عالم المراثي حيث يعترفُ إرميا بخطيئة مدينته المقدسة وبخاطاي شعبه وكهانة وأنبيائه. فالعقابُ قد يكون جماعيًا إذا ما عمَّ الفسادُ المدينة، فتُدمرُ قصورها، وتخرب حدائقها، وتحرق أشجارها، وتُقتلُ حيواناتها، ويجتاحها أعداؤها. ها قد طاول العقابُ حجرها وبشرها وشجرها. ها قد طاولَ العقابُ ماضيها وحاضرها ومستقبلها! ما أقسى هذه الثورة القلمية! وما أنبل ضراعاتِ الأنبياء! لأنهم بضراعاتهم يُطلون على نهار الحقيقة في قلبهم وفي عقلهم، بينما يقبعُ الآخرون على أطلالهم جاثمين، سوداءَ ذاكرتثهم، عوراءَ عيونُهم، قفراءَ قلوبُهم.
فاسمعْ إرميا واصفًا غضبَ الربِّ على مدينته، ذاكرًا الاسباب التي من أجلها استحقت ذلك. قال بحكمة: “لماذا يشتكي الإنسانُ ما دام قد أخطأ واستحق الجزاء!” ثم قال: “قد أجتاحَ (المدينة المقدسة) من أجل آثام أنبيائها، ودجل كهنتها الفاسقين…” وقال: “صبِّ عليها من السماء جامَ غضبه… ودكها إلى الحضيض… ألقى بنيرانه، فالتهمت الأخضر واليابس…” وقال: “قد أصبح أعداؤها أسيادها لأن إرادة الرب قد قضت بإضلالها من أجل كثرة معاصيها”.
ما نطقت به السماء
من إرميا، إلى عيسى، إلى محمد، وإلى داهش… صيغةٌ واحدة وتعليلٌ واحد.
وها إن المسيح بعد أن نبذه قومُه يتوعد مدينته بالخراب والدمار… وما تتم السنون السبعون عديدها حتى تجتاح الجيوشُ المدينة المقدسة وتدمرها. لقد صدق وعيدُه، ونال المكذبون الظالمون عقابهم بالقسطاس جزاءً وفاقاً.
وفي القرآن الكريم: (ضرب الله مثلاُ قريةً كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقُها رغدًا من كلِّ مكان فكفرتْ بأنعُم الله فأذاقها الله لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (النحل: 112). أما تنطق هذه الآيةُ بما قدَّمه الدكتور داهش في لوحاته؟ فإذا القرية المطمئنة تتبدَّلُ بأخرى قاتمةٍ بائسة، قفراء، محطمةٍ كالجرة الفخارية. وما اعترف به إرميا متضرعًا نقرأُه في آياتٍ أُخَر.
قال الله تعالى: (وإذا أردنا أن نُهلكَ قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القولُ فدمرَّناها تدميرًا.) (الإسراء: 16) وجاء أيضًا في القرآن الكريم: (وما أهلكنا من قريةٍ إلا لها منذرون.) (الشعراء: 208).
أما تنطق هاتان الآيتان مصداق ما وردَ في فصول الكتاب “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا”؟
هذا العالم الذي يستحضرُه أدبُ الدكتور داهش يُوقظُ أو يبعثُ روحًا متصلاً بين الأنبياء والسماء والأرض، كأنَّما الداهشية لغةٌ كونية توحِّد الخطاب الأزليَّ مع الناس ومع الله منذ القِدَم وحتى اليوم.
في رحاب داهش
الدكتور داهش يكتبُ الحقيقة للحقيقة بكلماتٍ ترسمُها في ظاهرها، كما هي في باطنها، غير مُواربٍ ولا معتمدًا أساليب للتمويه معقدةً. فالطرُقُ تنوح… نعم هي تنوحُ بلغتها، تبكي بدمعها كما هو دمعُها وكما هي لغتُها. وهي كالصخور التي تصدعت خشية وخشوعًا لذِكر الله كما وردَ في القرآن الكريم.
فالشجرة، في أدب داهش، تُراودُها أفكارٌ متنوعة، فمنها السامي ومنها الدنيء. وقد تُوحي بها إليك. كذلك البصلات الخضراوات تتمنى وتفرح وتحزن (انظر كتابة “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2، ص 81 – ص 91).
ففي عالم الدكتور داهش الأدبي تمتلئُ الكلماتُ بالنور، فتنطق بالحقيقة. تدعوك الى السفر نابذًا ما هو أرضيٌّ مرذول، راغبًا فيما هو سماويّ.
فحينما رثى إرميا مدينته المقدسة أورشليم دقت نواقيسُ أحزان داهش تُعلن حزنها على مدن العالم: من القدس إلى بيروت، فإلى كل بقعةٍ من أرضنا التاعسة قد تتنكر لنداء السماء، فتسمحُ للظلم أن يمد سُرادقَه البغيض، فيحجب شمس العدل والحقيقة.
أدب الروحانيّة الواقعيّة
الدكتور أسعد عليّ
أديبٌ وشاعرٌ ولغويٌّ وخطيبٌ سوري: نال الدكتواره في الأدب وفي الفلسفة الإلهية من الجامعة اليسوعية ببيروت، والدكتوراه في الفن والعرفان من جامعة طهران. أستاذ المنهج والبلاغة والنقد في كلية الآداب والعلوم والإنسانية بجامعة دمشق، وسبق أن زاول التدريس الجامعي في لبنان. وهو الآن مرشدُ الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية، ورئيس مجمع البلاغة العالمي. غزير الانتاج، من مؤلفاته: “فن المنتجب العاني وعرفانه” (1968) و”الإنسان والتاريخ في شعر أبي تمام” (1972) و”مجمع العرب وشخصيتهم في البلاغة” (1974) و”اللغة والحياة” (1976) و”أساسيات النحو العربي” (1979) و”الإبداع والنقد” (1991).
الصوتُ المئوي الداهش
- داهش: صوتُهُ
- عالم. بيته
- كواكِبُ لا تُحصى: طموحُهُ
- كما يتصل العطر بالنسيم: صلاتُهُ بالروح
- لذلك لا يكفُّ خاطرهُ عن التموج.
- سيالاتُ اتصالاته: مواكبُ عالم لا مُتناهٍ
- المحيطُ الهادي والبحارُ الحبيبُ
- شواطئك أحضانُ محباتٍ
- موانئُ سفُنِكَ: مواعيدُ مع الغِنى والفقراء.
- مريميُّ الحبِّ: معجِزاتٌ تُثمِرُ القُرْب.
- كتُبُهُ: شاحِناتُ خواطر
- صُحُفُه: مجراتُ سرائر
- لو لم أكن أعرفُ حكيم الإسلام وأمير الكلام: لحيرني هذا الصوتُ. لكنني صحبتُ كلماتِ “نهج البلاغة” ورافقتُ منابع البيان وآنستني شرفاتُ العرفان، فنجوتُ من الحيرة، ونجوتُ من الغيرة. لقد جمعنا مجمَعُ “الأخ علي”.
- هذه الأخوة: كلمةٌ تتلألأ بنجوم كلماتِ الأخ العلي…
- عندما يتمكنون من إحصاء النجوم،
- وعندما يستطيعون ترجمة النسمات، وعندما يُصادقون خفقات القلوب، قد يواتيهم حُلمُ ما باكتشاف الطاقة السيالةِ من أشعةِ الداهشية الأهلة.
- أبوحُ ولا أبوحُ بكَنزِ حُبِّي ويصحبني مع الجذبات ربي
تقدس صوتُهُ عندي جمالا وإكرامًا ومعرفـــــــــةً بقُطــــــــــــــبِ
- الفاتِحُ من حزيران: مولِدُ الإنسان.
- كلمة تخبرها البديع لتكونَ أذانًا في الأزمان.
- وباسمِ الرحمان لأخوتي وأخواتي في هذا الحبِّ أبعثُ سيالاتِ التحنانِ.
- إباعيُّو عالمنا: يبحثون عن المُدهش.
- والمدهشُ: مددٌ دائميُّ البشاشة
- الدهشة تكتشفُ قانون الجاذبية.
- والدهشة تبتكرُ أساليبَ التعبير
- بالدهشة تتسابقُ الألبابُ لمعرفة الأسباب في مواهب الوهاب
- أُمُ اللغات تُقربُ المسافاتِ لِتُكتَشَفَ الحضاراتُ.
- الحضرةُ والخَضرةُ: أُختان.
- خضرُ بحرِ اللاذقية وجبلها: مَراصِدُ دَهشةٍ وإدهاشٍ.
- سمعت صوتَكَ أيها الحبيبُ من هذه المراصدِ. فمرحبًا بك على كل الذُّرى وعلى كل الموانئ. ويَسمعني الأخوةُ والأخواتُ من أم اللغات على كل الجهات.
- الفاتحُ من حزيران: مدخل البستان وما أدراك ما البُستان، أيها الإنسان!
- بمئةِ سنةٍ توسِّع بيتُنا،
- ورأينا حسنًا أيام الله.
- جامعةُ الإبداع ومبدعوها: يشكرون الله ذا الأسماء الحُسنى بالمُمِدِّ الواسعِ
- في الأول من حزيران صدحت ملائكُة الرحمن وكتبتُ في دمشق 1/6/2008م:
إقرأ بروحٍ صافيه لترى السماءَ العاليه
وأودعتُ ذلك السيال في المودة الثانية من “مهرجان الخضر معكم عند العين”،
- وها أنا أستعيدُ المجدد في اللاذقية على شاطئ “خضرِ الجزيرة”.
- صوتُ إبداعٍ داهِشٍ: يُبلغُ عني عناقيد العرائش.
- لغة الملائك للملائك وطيـــــــــــورُ جنتنا هنالك.
فانهج مناهج خضرِنــــــا هذا الدليلُ إلى دلالِكْ
- هنالك سَمعتُ صوتَ “داهش” مُغردًا على أشجارِ “عالَم السرِّ”. فانُقر هنالك
نَسمَة “إنسانِ الجنة” على خفياتِ ألطافِ “وصيةٍ للحياةِ الواسعة” مع “قلوبهم في الجِنان”.
سيّال
سيالُ متصل بأرواح البشر الشمسُ تعرفُه ويعرفُه القمر
وأبو الترابِ محدثي من وردِهِ بنسيمهِ الماضي على قِمَمِ الشجر
البحرُ والمَوجُ المُرنِّمُ لَحْنَهُ ببنفسَج عندَ السماء لَهُ مَقرْ
بُستانُنا بِمُحيطِهِ، وصراطُنا هذا الفضاءُ إلى البديعِ الُمنتظرْ
جَنَّاتُ لَهفَتِنا تُمَكِّنُ صَرحَها وبَنو الصَّنَوبَرِ والقرنْفُلِ مُشتهرْ
عمرتُ في النسمات عاصمةَ التُقى لِيَشُمَّ هذا الطُّهرَ مَنْ حَقًّا طَهُرْ
أيامُنا الحُسنى بكلِّ صِفاتِهِ والذاتُ يا أبتاهُ بالزيتونِ سِرْ
قِدَمٌ وحِدْثٌ والدوائرُ أدهُرٌ ما بينَ مَن وُلِدوا بآدَمَ أو مُضَرْ
لَم يَفْقَهِ النسماتِ إلا واجدٌ أو ماجِدٌ عن واحِدٍ قالَ الأَبَرْ
تتبرَّجُ الألطافُ كلَّ تنفُّسٍ لِنَرى بلُقمانَ الحكيمِ أخا السَّفرْ
الصّبُحُ أسفَرَ والمعاني تُوِّجتْ والعَرشُ كلَّلها بهذا المُبتكر
كرسِيُّهُ السَّاري على سَيَّارِنا صِيْنٌ وهندٌ والمَجَراتُ العُذُرْ
عذراءُ والِدةُ المسيحِ على المَدى سَيَّالُ ُمتَّصِلٍ بأرواحِ البَشَرْ
أمُّ اللغاتِ وترجمانُ بناتها سيالُ مَن خبروا عن الخضرِ الثمرْ
سُفُنُ التنفسِ في الهواءِ حضارةٌ وبداءَةُ التطهير إاقدامُ الحَضرْ
لا تلتفِتْ عني فأنتَ مُدمجٌ دينَ المودةِ بالقناعاتِ الفطرْ
حدِّقْ بيوشعَ فالشموسُ أشعةٌ والشمسُ تَعرِفُهُ ويعرفُهُ القمرْ
مِن عيشِهِ الراضي بأرضِ أبي الوَرى ثَقُلأَتْ موازينُ السعاداتِ الذُرَرْ
وكِرامُ مَن كتبوا المزاميرَ الرؤى قرأوا على قلبي صباباتِ القدرْ
مَحبوبُ قُدرتِهِ بطوبى المُرْتضى أدنى الرُّقي، فأدهشَ المعنى الصُّوَرْ
مِن كلِّ ناحيةٍ يُصرَّفُ نَحوُنا لِنرى بدهشتنا الحبيبَ بما انتصرْ
أُفُقانِ مِن فُلٍّ ومِنْ وَرْدٍ شَفا بمواردِ الوهَّابِ من غِيَرِ الضررْ
اللهُ حَيٌّ والقياماتُ الرضى وموَدةُ الأقناع سيَّالُ العِبَرْ
مُستَشرِقٌ من غرِبهِ مُستَنْبِتٌ بالخضر إخصاب؟َ الأشعةِ بالمطرْ
“دمُّوسُ” يضحكُ و”الفريدُ” و”صاغةٌ” خَبِروا الجواهرَ في ضمير المختبرْ
توَّابُ رقَّى بالعَروبا جنتي ما فوقَ طُوبى ألفُ ألفٍ تُبتكرْ
سُعداءُ بالمعنى الذي يُعنى بِنا منذ “الكِنافَةِ” و”الكروم” بلا سَكَرْ
أيقَنتُ إيقانَ الجميلِ بذاتِه مَحبوبُ أوجادي يُجدِّدُ في السير
أعمارُنا الزهراءُ تُثمِرُ ذاتَها صُوَرَ الصفاتِ وقدِّسَتْ ذاتُ الزهر
يا أخوةَ الأوطانِ إني غُرْبَةٌ وغرائِبُ العرفانِ أغرَبُ مُسْتَقَرْ
الوُدُّ في الحُبُكِ… السماواتُ العُلى نَهْجٌ وعَينٌ والبيانُ بلا أُطُرْ
عَينُ العيونِ ونحلتانِ ونَمْلةٌ سبعونَ بَحرًا باتساعاتِ الجُزُرْ
خِضْر الجزيرةِ واحَةٌ صحراؤها أنِسَتْ بصوتٍ داهشٍ حتَّى الحَجَرْ
البحرْ أسعَدَه ارتزاقُ سمائِهِ لبنفسجٍ… والمهرجانُ المُختصَرْ
سبحانَ رَبِّي في الأمورِ جميعها للفاطِرِ الأعلى تحيِّاتُ الفَطَرْ
اللاذقية – سورية، في 13/5/2009
عودة الفادي
الدكتور غازي براكْس
رئيس تحرير مجلة “صوت داهش”. نال دكتواره دولة في الآداب من معهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف ببيروت (1973). اعتنق الداهشية عام 1963، وكرِّس لها كثيرًا من كتاباته ومحاضراته. مارس التعليم الثانوي والجامعي 26 سنة (1959 – 1986). مما صدر له: “أنا والله والعالم” (شعر، 1963)، “جبران خليل جبران في دراسة تحليلية – تركيبية” (1973)، “الدكتور داهش الأديبُ المعجز” (1981)، “فنُّ الكتابة الصحيحة” (1985)، “أضواء على الدكتور داهش والداهشية” (بالإنكليزية، 1986).
عودة الفادي
(بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لميلاد مؤسس الداهشية)
سيَّاله العشرونَ دافِقُ الضياءْ
على دُجُنّاتِ العوالم الزرية،
ومُنْزِلُ السماءُ
وحامِلُ الفِداءْ،
إلى عوالمِ الفناءْ،
ما إن أَتمَّ دورةَ الكواكب
الدُّرِّ السنية
مدى مُراتِعِ البهاءِ والسناءُ
حتى دَعاهُ هاتفٌ من عرش ربِّ الأبدية:
_ عشرون قرنًا قد مضت،
يا سيِّدَ الكونِ وباعِثَ الحياةِ في الرُّموس،
يا أيُّها النسرُ الإلهيُّ الذي تعنو لهُ
كلُّ النُسورِ والشُموسْ
ولا سمِهِ تعلو التسابيحُ
وتنحني الرؤوس،
فأنتَ مُختارًا
شَرَعتَ في الوَرى دربَ الصليبْ،
يا ابني الحبيب،
فآدمٌ ليس لهُ أيُّ خلاصْ
من العذابِ الأبديِّ،
من جحيمي القِصاص
إلا بأن تُكوى بِجَمرٍ ولهيبْ.
****
– يا أبتي، يا مُبدِعُ الكونِ العظيم،
إني على عهدي وإيماني مقيم،
هاءنذا بين يدي ربي حمل،
فهاتِ لي كأسَ الدماءْ
لأحتسيها في عجلْ.
****
إلتفتَ الآبُ السماويُّ إلى دُنيا البشر،
فأشرقُ الفردوسُ فيها لحظةً ثم استترْ
في ذلك الوادي العريق حيثُ آدمٌ جُبِلْ
من تُربةِ الأرضِ وسيالاتِ نورٍ ونقاءْ
سُرعان ما سَربلها الليلُ بجلبابٍ دَجِيّ!
وغلَّ إشعاعٌ من النورِ انهمرْ
من أُصبعِ الربِّ العَليّ
في قلب موسى،
والِدِ الهادي الحبيب المُنتظر،
وفي فؤادِ غادةٍ كُوِّنَ من بنفسجٍ
في قلبِه ارتاحَ القمر!1
وأزهرَ القلبان في كَفِّ السماءْ،
وهدْهَدَتْ دُنيا الوَرى نجوى الصفاءْ
أيامَ كان آدمٌ يُذَرذِرُ الهناءَ والأضواءْ
في مُقلتي حوَّاء،
وفي خلايا الجنةِ الزهراءْ.
*****
وأيقظَ الملاكُ ذاتَ ليلةٍ
موسى بأنوارٍ تُوشِّحُ الفضاءْ،
فطنَّ أن الفجرَ وجهُهُ التمتَعْ،
فأسرجَ الجوادَ فورًا واندفعْ
إلى حقولِهِ كفارسٍ
تمخَّضَت به عذراءُ أُسطوريَّهْ!
لكنه سرعانَ ما توهجت أمامَه
زوبعةٌ ناريه،
فاحترقَ الجوادُ كُبَّة اللظى
حتى توارت خلفه طيَّ الظلام،
ثم تراءت ثانيهْ
تُهدِّدُ الجواد نارًا طاغيه،
ففلَّها مِثلَ الحُسام
يفُلُّ شاةً ثاغيهْ،
وعنهُ غابت فترةً ثم تجلت كُرَةً
وهَّاجةً هدَّارةً
كأن أبوابَ سَقَرْ
تفتحت عنها
ومجتها على أرضِ البشر!
وخالَ موسى أنه استفاقَ
من حُلمِ سُبات،
وعادَ للحياةِ بعد أن حَسا كأسَ المَماتْ!
لوى الجوادَ عائدًا لخدرهِ
وجسمُه قد اكتوى بالنار
كأنما من الجحيم لَفَّهُ إعصارْ،
وغارَ في الأجواءِ لألاءُ الضياءْ،
وأطبقت على الفضاء ظلمةٌ دَهياء!
كانت رُؤًى؟…
بل مِحنةٌ كصعقةِ البتارْ:
مات الجوادُ بالحريقِ وانشوى
موسى كطائرٍ هَوى
في مَصهَرٍ من قارْ!
إشارةٌ من السماءْ
تُخطِره بأنه بالألم الصهار
من نسلهِ ستولدُ الأنوارْ،
سيولَدُ ابنُ النعجةِ الجبارْ!
ومثلَ كرمةٍ نصت قميصها الصفراء
عنها وفي الصيف استعادت
بُردَها الأخضرْ
موسى استردَّ، بعد عام، جِلدَه الأنضرْ
******
صوتٌ من الغيبِ وراء القبةِ الزرقاءْ
ألحَّ في فؤاده يصيح:
“هيا إلى مَهدِ المسيح،
هيَّا إلى دربِ المُخلصِ الذبيح،
هناكَ تلقى سُلمًا يُبلغك العلياءْ.”
******
في بيتَ لحمَ
حيث ضاءً الكوكبُ الهادي،
بعد العذاب حط موسى قلبه،
وملءَ ذكرياته المشتعلات ألمًا وفرحةً
ألقى رحاله.
كم مرةٍ رأى بناظري عروسِه
سَنى الفادي،
فأغمضَ الأجفانَ
لا يبغي عن العينِ ارتحاله…
في صمتِها يُصغي إليها خاشِعًا،
كأنَّ من جنَّاتِ عَدْنٍ
أفلتَ المستوحدُ الشادي
وحطَّ بين مرشفيها يرتوي
وقلبُه يُذكى اشتغالَهْ!
وبعد أشهرٍ من الأحلام
فيها كانت الذكرى الأليمهْ
تضيءٌ بين الناس وحدها نعيمهْ،
نادَتهما القدسُ العظيمة؛
فاستوطنا بيتًا على دَربِ الصليب.2
******
وغابَ موسى في المدينهْ
ستَّ ليالٍ وشُموني وحدَها
عُصفورةٌ تشدو حزينهْ،
وفجأةً رأت أمام ناظريها شخصه،
لكن يُحيطُ وجهَهُ نورٌ عجيب!
قبلها ثم اختفى…
أهيَ رُؤى فيها تجلى طيفُ زوجها الحبيب
مؤاسيًا فؤادها العاني الكئيب،
ودافِقًا لها حنينه؟
******
إذا بصوتٍ من وراءِ القبة الزرقاءْ
تسمعُه كالنغم الشجيّ
يقول: “قبل أن ترى عيناكِ
هذا الكوكب الزرِيّ
بألفِ عام جاءني أمرٌ من العليّ
أَن أصطفيكِ زوجةً في هذه الغبراءْ
لأن منكِ بعد ألفٍ يولدُ ابنُ السماء…”
شخصيةٌ عُلويَّةٌ لزوجها تجسدت
هابطةً من العلاء،
تذكرةً لها بأن في حشاها نفخت
سيالَ بِكرِ السموات!
فهكذا يتمُّ ميلادُ جميعِ الاصفياءْ.
ودارت الأرضُ على محورها
واحدةً ورأسُ هاتيكَ الصفية
تدورُ فيه أنجمٌ بكرٌ عليَّهْ
حتى رأتْ أرضَ الورى
في راحتيها كُرَةً مِسخًا زَرِيَّهْ،
فاصطحبت جارتها
تزورُ أسواقَ المدينة القديمهْ،
حيثُ سرى بين الجُموعْ
نورُ يسوعْ،
فابصرَ العميان،
وأنطِقَ الخرسانْ،
وهرولت مطرودةً
تلك الشياطينُ الرجيمة،
ومن عيون التائبين أنثالَ سيلٌ من دموعْ!
******
وفجأةً تحركَ الجنينُ في أحشائها،
فارتفعت إلى الفضاء
فوق سُطوحِ الأبنية،
محمولةً على جناحٍ من ضياءْ،
ثم استقرت ثانيه
في عطفةٍ خلفَ المباني رانيهْ
مشدوهةً إلى ملاكٍ في الجواء،
عاجزةً عن فهم أسرارِ السماء،
وكذبت جارتها ناظرها،
فما رأت يفوقُ حّذقَ الأذكياء!
فليس من صُنع يدٍ جبلتُها طينٌ وماءْ.
تذكرت أمُّ الجنين
كيف تجلى زوجُها الغائب.
ومُقلتاهُ جدولانِ من حنينْ
ووجهُهُ من ذّهّبٍ ذائب،
وساءَلت جارتها: “رؤيا، تُرى،
ما شاهدتْهُ أم، تُرى، هو اليقين؟”
فلم تصلْ إلى جوابٍ مُقنعٍ
واستسلمتْ لِربِّها الغالب.
******
هلَّ حزيرانُ ونعماءُ الإلهْ
هلَّت على الغبراءْ:
في القُدسِ طفلٌ ولجته رحمةُ العلياءْ
هديةً من عالمِ النورِ غلى حواءّ3
تفتحت عنه الحياهْ
كأنما الدنيا شِفاه
وهو عُطورٌ وصلاهْ!
تخايلت في الأرض أبكارُ الورودْ،
وازَّيَّنَت عرائسُ الأنوارِ
في قُدسِ الوجودْ،
وقام للأطيارِ أعراسٌ هنيهْ،
وارتدتِ الشمسُ غُلالاتٍ من التبرِ نقيهْ،
وارتعشت كل خليه
فوق الثرى وطيَّ ظُلمةِ اللحودْ!
فبعدما الأرضُ ارتدت مِسحَ الشفاءْ
وكُفَنَت بيأسها من الخاصِ والهناءْ،
هلت على الورى تهاليلُ الوُعود.
*****
وبينما الأحلامُ في الدُّنيا سَنيهْ،
زلزلَتِ الآفاقُ وانجابَ السديم،
ومزقَ الأجواءَ شلالٌ من النور عظيم:
تصدَّرَ العلياءَ ميخائيلُ، هامةُ الملائكة،
بكفِّهِ سيفُ الضياءْ
تهتزُّ رُعبًا من سَناهُ كلُّ نفسٍ هالِكَهْ،
وتطمئنُّ كلُّ نفسٍ ترتوي
من كَوثَرِ الأرواحِ، من كأسِ النقاءْ.
كانت تشعُّ هالةٌ من حولِ رأسه الكريمْ
تصطكُّ من سطوعها الذراتُ
في كلِّ أديمْ،
وكلُّ ما أبدَعَه الرحمانُ خَرَّ ساجًدا
إلا بني النسل الزنيم.
فقال ميخائيل والأشذاءُ تُفعمُ الفضاءُ:
“مباركٌ أنتَ إلى الآباد، يا طفلَ السماء.”
وسَدَّدَ السيفَ إلى مجاهلِ التيه،
فانطلقت صاعقةٌ شقَّتْ مطاويها،
فاندلعت منها لَظى رعَّادةً
كأنما يمجُّها إبليسُ من فيهِ،
وارتجت الأجواءُ
والمفاوِزُ اصطكَّتْ بما فيها.
فصاح ميخائيلُ في جُندِ الجحيم:
“يا مَوقِدَ النارِ التي لم ينطفئ لُهابُها،
يا مصهرَ النفسِ التي لم ينقطعْ عذابها،
يا مُصطلى إبليسَ ذيَّاك الرَّجيمْ،
بوُسِعكمْ أن تفتِنوا للمرأةِ الأولى ذراريها،
وتحشُروا ما بينكم كل أثيم،
بوسعكم أن تحصدوا هامَ البشرْ
وتلعبوا بها كتلعابِ الأُكرْ،
وتجعلوا منها وقودًا لِسَفَرْ،
لكنَّ هذا الطفلَ تحميه ملائكُ الرحيم،
فويلكُم إن تقتربْ
منهُ يَدُ العاصي اللئيمْ.”
*****
ومرتِ الأيامُ أسرابَ غمامْ
والطفلُ ينمو تحت أجنُحِ الملائكْ،
يهفو حواليه الكنارُ والفراشُ والحَمامْ،
ويستحيلُ مخمليًا كلُّ شائكْ؛
كان الثرى يرقصُ جذلانَ طروبًا
تحتَ رِجلَيهِ،
والنورُ خاشعًا يُصلِّي بين كفيه،
كان النسيمُ يشتهي تقبيلَ خديه،
والشمسُ تبغي لو تُقيمُ عرشها
في ملكِ عينيه.
وهلل الأرزُ بلبنان وقال:
“إليَّ يا طفلَ النعيم،
إليَّ يا نور الطريق المستقيم،
معي النبي حزقيال
يصيح من أورشليم،
معي أشعيا وسُليمان الحكيم
نهتفُ والأشواقُ فينا باشتعال:
إلى حمى الأرز تعال،
لا بد من إتمام ما قضى به العرشُ العظيم،
فلا خلاص
لكل من يبغي النجاةُ
من مصهرِ الشيطان، من ربِّ القصاصْ
إلا بأن تكون سيد الحياة.
******
بيروتُ يا مهدَ الحضارة،
ألا انهضي واستقبلي طفلَ المَغارةُ،
من السماءِ نعمةٌ
هلت على السهول فيك والجبل،
فحسدت نعماءك الكبرى الدول؛
إياكِ، يا بيروتُ، أن تنقلبي ذئبًا
يروعُ الحمل،
فأنتِ وسط اليم زورق غريقْ،
من كل صوبٍ لفَّ جسمكِ الحريق،
لا تطلقي الريح فتطفئ المنارهْ،
فأنتِ في دُجُنةٍ،
ووحدهُ الطفلُ بعينيه البريقْ
******
وحول قرص النار والنور
دارَ ثلاثاً حاملُ الحق العلي،
فاضحُ الزور.
وفجأ’ دهته عله!
كيف يصيبُ الداءُ فله
أو وردةً تعطرُ الأجواء
أو بلبلاً يشنفُ المسامع الصماء!
كيف يصيبُ الداءُ طفلاً شارعًا
فؤاده في فحمةِ الظلماء شعلهْ!
وافى الطبيب4 والأم تخنقُ النحيب،
فالطفل شاحب، عن الدنيا يغيب
كالشمس غارت في المغيب!
وبعد أن أبد النطاسي الأريب
للوالدين عجزهُ
عن فض لغز ذلك الداء الغريب،
رنا إليه باسمًا طفل الفراديسِ العجيبْ
مُحللاً لدائه في لُغةٍ
يودُّ لو يحكي بها أذكى طبيب أو أديب!
ويسألُ الطبيبُ مشدوهًا عليلهُ اللبيبْ:
“كيف عرفت الداء فورًا والدواء؟”
يُجيبُه طفلُ السماء:
“أنا دواءُ كل داءْ”.
******
من جعبةِ الأشعة القدسية،
من كف حارس الحبيب،
بل من ملاك الرحمة العليا الرقيب،
مُرافق الهادي الإلهي،
وحاميه من الأيدي الجحيميهْ
تغلغلت في الطفلِ أنوارٌ خفيه
مدته بالشفاء والجوابْ
لكي يكونَ ألمعيٌّ أجنبيّ
من دولةٍ قد أشرعت مشاعلَ الحريهْ
أول شاهدٍ على أُعجوبةِ الروحِ العليّ،
فيبصرَ النور مشعًا في الخطابْ
ما بين قوم أنكروا
وجه الرحيم السرمديّ
وآثروا قيد العبودية
******
نما سليم بالروح والحكمة،
وأصبح الملاك حولهُ مقيم
يمجه بالنصح والنعمة،
فوحده، للجائعين للخلاص،
المنُّ والسلوى،
أجلْ، ووحدهُ لكل تائهٍ رحمهْ.
******
في عيد إيليا النبي
تجمهر الفتيانُ في بيروت بالساحَه،
ثيابهم من كل لونٍ قزحي،
فازهرت كأنها واحهْ
يصدحُ فيها كل نغام شجي.
مر بهم مرءُ غريب
كما يمر المستجير الأعجمي
بميت سمع أو بأعمى عربي،
يسألهم وليس فيهم من مجيب،
كأنما حديثه ليس كلامًا بل نعيب!
وفجأة ينسلُّ في صفوفهم طفلٌ نجيب
يحادث الشخص الغريب الزي،
فتلمعُ العينان منه ثم يمضي شاكرًا
عونَ الفتيّ؛
ويعجبُ الشبانُ من تلك الحكايةُ،
فيسألون الطفل عمَّا قاله للأجنبي؛
يُجيبهم: “عرفتُ منه أنه هندي
تاهَ عن الدربِ السويّ،
فرحتُ أهديه بحُبِّ وعِنايَهْ”.
فيسألون: “كيف تهديه الطريقْ
وأنتَ لا تُجيدُ حتى العربية!”
يُجيبهم: “يا أيها الشعبُ الغريقْ،
يا مَن عَميتُم عن ضياءِ الأبديهْ
منذُ البدايةْ،
تحرروا فتبصروا النورَ الطليقْ،
أنا الحياةُ والطريقُ والهدايةْ .”
الحواشي:
- كان موسى إلياس أليشي (نسبةً إلى اليشع النبي)، والد داهش، يقيم مع عائلته في بلدة إسفس، والسيدة شموني، والدة داهش، تقيم مع عائلتها في بلدة آزخ؛ والبلدتان متجاورتان في السفح الشرقي من “طُور عبدين”، وتفعان في الأراضي التركية قرب الحدود السورية، ضمن منطقة تذهبُ التقاليد الشعبية إلى أنها كانت تضمُّ الفردوس الأرضي المفقود.
- في حي باب العامود بمدينة القدس.
- وُلِدَ سليم موسى أليشي (حُرف إلى العشي فيما بعد) في أول حزيران (يونيو) عام 1909. وقد ولدته أمه بسهولةٍ وراحةٍ تامتين، ولم يكن معها أحد. أما اسمه الأصلي فاختير بإلهام روحي. فقد أتى موسى بالكتاب المقدس وقال لزوجته: “سأفتح الكتاب من غير نظرٍ اليه، وأضع إصبعي على كلمة منه دونما نظرٍ أيضًا، والاسم الذ1ي يظهرُ تحت إصبعي يكون اسمه”. وإذا بأُنملته تقع على اسم “سليمان” فسميا طفلهما به، ثم خففاه إلى سليم.
- 4. هو جون سميث John Smith، طبيب أمريكي تعرف إليه موسى، والدُ الهادي الحبيب، في أثناء عمله بمطبعة الكلية الإنجيلية السورية (الجامعة الأمريكية في بيروت لاحقًا) قبل نشوب الحرب العالمية الأولى؛ ذلك والطفل في الثالثة من عمره لا يجيدُ النطق حتى بالعربية.
بالحبِّ أَوصانا
الأستاذ حسن بلطجي
درس الصفوف الثانوية في الـ IC (International College) وحصل على الشهادة الثانوية (البكالوريا) عام 1957.
حاصل على شهادة اختصاص في إرشاد السفن من “المديرية العامة للنقل البحري” في وزارة الأشغال العامة والنقل، عام 1963. عمل مُرشدًا في محطة إرشاد السفن في مرفأ بيروت، منذ العام 1960، وأصبح رئيسًا لها منذ عام 1985. اعتنق الداهشية عام 1959.
بالحبِّ أَوصانا
أين (الحبيب)؟ وأين ما كان؟ لم نَدرِ حقًا ما حقيقتهُ ما كان طيناً في جبلته، حلو الشمائل في دُعابته؛ سمْحٌ، رضيُّ النفس، مُتضِعٌ، حتى إذا دهمته مظلمةٌ، كم لملمتْ كفاهُ أدمُعنا، ولكم أتينا نستجيرُ به، ولكم نفى عنا العقاب… تُرى | أتراه طيفًا زار دُنيانا؟! حتى غشانا ليلُ نيسانا بل كان طيبًا صيغا إنسانا! لتخاله كالطفل أحياناّ! قلتَ: النسيمُ يهبُّ ريانا! ثارَ النسيمُ، فصار بُركانا! وأحالتا الأناتِ ألحانا! فأسَا الجراحَ يفيضُ تحنانا! هل كابَدَ الآلامَ لولانا؟! |
***********
ما زلت أذكرُ يومَ ودعنا: هذي وصيتُه تهيبُ بنا، وعلامَ لا نأتمُّ، نحن، به فإذا بنا مِراةٌ سِيرتِه، | بالحبِّ، لا بِسواه، أوصانا فعَلامَ لا نتوادُّ إخوانا! نُبلاً، وتضحيةً، وغُفرانا! وإذا سجاياه سجايانا! |
****
ما زال (هادينا) يُلازِمُنا؛ هو بيننا في كل ثانية؛ لأكادُ أسمعُ وقع خُطوته، فلنأتِ نحملُ باليدين له ولنعقد الباقات من مُثُلٍ، فهلمَّ نرنو، يا أخي، لغدٍ | لا تحسبوه نأى وجافانا أوَلَمْ تروه ههنا الآنا! ويكادُ بالترحابَ يلقانا! قلبا صفا حُبًا وإيمانا ونقلْ له: “هذي هدايانا!” وهلمِّ نولدُ في حزيرانا |
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
أدب الروحانيّة الواقعيّة
كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش
