حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

من المهدِ إلى اللَّحد

 

نسيرُ في طريقِ الحياةِ، ونمُوجُ فيها باضطراب

ونَحيَا بينَ همٍّ وغمٍّ وبؤْسٍ واكتئاب

تحطُّ علينا العَوادي مُنشِبةً فينا أظفارَ العذاب

وتُراودُنا عِذابُ الأماني، ويجتاحُنا أملٌ  صخَّاب

نفقُدُ حينًا بعد حينٍ أعزَّ ما لدينا من أحباب

وأخيرًا، يتراءى لنا المشيبُ بعد أن يتوارى الشباب

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من سلسلة حدائق الألهة توشيها الورود الفردوسيَّة

رؤيَا واقعية

 

جلستُ محزنَ النفس،

خافقَ القلب،

مَطربَ الجوانح،

واستعرضتُ بمخيّلتي حياةَ الإنسان القصيرةِ الأمد،

فمرَّت أمامي أعوامٌ سوداءُ قائمةٌ مخيفة.

وظهرتْ نُصبَ عينيّ آلامٌ شعرتُ بها في أعماقِ نفسي،

وشاهدتُ دموعًا متساتلة

كأنَّها الغيثُ الغزيرُ عند انهمارِه.

وتراءت لي مخاوفُ مستقرَّةٌ في أعماقِ الأيامِ الآتية،

وهي تكشِّرُ عن أنيابِها القاطِعَةِ متحيّنةً فرصةً سانحةً للوثوب.

ثُمَّ رأيتُها تنقضُّ على بعض أفرادِ البشر المساكين،

فتفتكُ بهم وتُشرِّد الأطفالَ الذين لا ذنبَ لهم،

وتُهلكُهم وتُيَتِّمُهم وتُذيفُهم أصنافَ البلاءِ وويلاتِه وتُحزنُهم.

وعندما عجزتُ عن تفسير ما شاهدتُ،

ارتعتُ لهذه الرؤيا الواقعيَّة،

التي تنطبقُ على كُلِّ فردٍ من بني الإنسان.

وعدتُ إلى نفسي وأنا أُردّد:

مسكينٌ كلُّ بشريّ يقطنُ الغبراء!

ووددتُ لو يكشفُ لي الأبدُ عن أسرارِه الخفيَّةِ فأسعد،

ولكنْ أنِّى لهذهِ الأمنيةِ أن تُحقق،

وأنا ما زلتُ أرزحُ تحت أثقالِ جسدي المادي التعيس؟

ولكنَّ الروحَ، ساعة مغادرتها لجسدها البالي الحقير،

تتكشَّفُ لها هذه الأسرارُ المجهولة،

وتبدو الحقيقةُ التي نشَدَها البشرُ آجالاً عَبَثًا،

فيعرفُ كلٌّ لِمَ أتى إلى هذه الحياة الفانية،

وما سرُّ الدموعِ التي كان يسحفُها

والآلامِ التي كان يُعانيها.

فمتى تحينُ الساعةُ الخالدة،

ساعةُ انطلاقي من عالَمِ الأسْرِ إلى فضاءِ الحُريّة؟

                                                                                                القدس، 6 نيسان 1933

حياتنا التَّافهة

 

عندما قَذَفَ بي العدَمُ إلى عالمِ الوجود،

كنتُ ذرةً في عالمِ الهناء والخلود.

في تلك الدقيقة، كُتِبَ عليَّ الشقاء.

وفي خِضَمِّ هذه الحياةِ نؤتُ بالعناء.

بين سلسلةٍ الآلامِ المتلاحقةِ ترعرتُ،

وبأحضانِ الشقاءِ والكَرْبِ العميقِ نشأتُ،

حتى أكملتُ العاشرة.

ومن ذلك التاريخ،

ابتدأتِ المعرفةُ الدنيويّةُ تنطبعُ في أعماقي، واتخذتُ عاداتِ البشر لي قانونًا،

أسيرُ على ما يسيرون عليه.

ونُقِشَ، أيضًا، في نفسي الحزنُ والفرح،

وجميعُ العواملِ البشرية الأخرى

التي لم أكن مُقيدًا بها قبل مجيئي إلى أرضِ الفساد.

وعندما أكملتُ العشرين،

أحاطت بي رزايا دنيانا

إحاطةَ السوارِ للمعصم.

وكانت جميعُ هذه الشرور خاضعةً

للقانون الأرضي الذي يسيرُ عليه الجسدُ الذي هو غلافاً للروحِ النقية.

كنتُ قبل مجيئي إلى الأرضِ لا أعرفُ عن الشرورِ شيئًا.

وعندما وُلِدتُ وترعرعتُ،

خضتُ غمَراتِ مطالبِ الجَسدِ المادي،

مُدنِّسًا الروحَ العلويّ.

إذاً لِمَ سمَحَ الموجدُ للصلاحِ الطاهر

أن يندمجَ بالطلاحِ العاهر؟!

فكَّرتُ كثيرًا دون أن أصلَ لنتيجةٍ مُقنعة،

فنكصتُ حتى تأزفَ ساعةُ معرفتي.

ستنطوي عشراتُ السنين،

وستنحني هامتي من مرور الأعوام.

فالأعوامُ تنهبُ الزمانَ نهبًا،

فهي كالبرقِ المومضِ الخاطف!

واعتمدتُ رأسي بيدي،

ورحتُ أهيمُ في بوادي التخيُّلات،

علِّي أفوزُ بحَلٍّ عادل

لهذه الألغاز والمُعمَّيات،

ولكنّني، وأأَسفاه! عدتُ دون نتيجةٍ منطقية.

إنَّ الحياة، يا أخي،

ليست سوى وهمٍ باطل

وظلٍّ حائلٍ زائل.

فالأنهارُ الجاريةُ وهي تصطخب،

والبحارُ الثائرةُ وهي تُزمجر،

وكلُّ ما في الكونِ من صاخبٍ وصامت،

سيعتريه الذبولُ فالأفول.

فإذا ما انتهتْ، بعد ذلك، صلتُنا بالحياة،

بعدما يُسيطرُ الموتُ على ربوعِ الكُرةِ الأرضية،

إذْ ذاك نتجسدُ بعالمٍ آخر.

وبعين الدهشةِ يتراءى لنا الخطأ

الذي كان جسدُنا المادّي

يخوضُ فيه غمرات الباطلِ المرذول،

وكنّا ننقاد لطلباته الدنيوية.

فيا للجسدِ الحقيرِ ورغباته الدنية!

ويا للروحِ الساميةِ وأهدافها السماوية!

وفي عالمِ الروحِ سنعرفُ أخطاءنا التي جرَفتنا وأسقطتنا،

فنتأسف لجلنا الصارخ

الذي كنا نرسفُ بقيوده المتينة.

وفي عالم الروح، عالمِ الطهر والنقاء،

ننتشي برحيق الغبطةِ والسعادةِ الأزلية،

ونُنشدُ أهازيجَ الحب مع الملائكة الأبرار،

ونبتهجُ بخلعنا جسدنا المادي الحقير

المُبتلى بأوضار المادة الخسيسة.

فبعالم الروح تحيا الفضيلةُ المثلى

حيث لا يوجد مكرٌ أو حسد،

ولا كبرياءُ، ولا دناءة،

ولا سفالةٌ، ولا جريمة،

ولا بغضٌ، ولا نقيصة،

بل حبٌّ كامل، وسرورٌ شامل،

إذْ يُظلِّلُنا العليُّ القدير، ويرعانا بحنانه اللانهائي.

ولكنْ، متى يأتي ذلك اليومُ السعيد؟

وهل يجوزُ لنا الاندماجُ مع الملائكةِ الأطهار،

قبل أن نكونَ قد كفّرنا عن أعمالنا الشريرة

تكفيرًا يُنيلنا ما نصبو إليه؟

كلاّ، بل يجب علينا التكفيرُ، أولاً،

وعندها نستحقُّ أن ننعمَ بالسعادةِ الخالدة.

ومن أعالي السماوت،

تتراءَى لنا من خلالِ الأزمانِ السحيقة

صُوَرُ أعمالنا الماضية كغمامةٍ سوداءَ مُرعبة،

تُذكرنا بما كنا نقومُ به عندما كانت المادة

هي العامل المُتسلط على عقولنا ونفوسنا.

فلنضرعْ الى الله تعالى

أن يُرشدَنا إلى الطريق القويم،

كي نقوى على محاربةِ الأدرانِ والشرور،

فنُقربَ وقت خلودنا،

حيث تغمرنا السعادةُ مع الاتقياء الأنقياء،

وإلا، فالويلُ ثم الويلُ لنا

إذا ظللنا مُتجاهلين طريقَ العدالة

ومُبتعدين عن الحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

                                                                                                                        10 نيسان 1933

 

غرورُ الإنسان

 

 ما حياتنا سوى ظل زائل وسرابٍ حائل

ووجودنا كالبرق الذي وَمضى ومضى

 

يا للانسان ما أتفهُ آمالهُ وأسخف أوهامه!

وما أفشل غاياته، وأضألَ أحلامه!

وما أضحكَ مطامحه، وأتعسَ رغباته، وأبأسَ أمانيه!

فالغرورُ الحقيرُ يقطنُ في  شغافِ نفسه،

فإذا كبرياؤه الممقوتة تشرفُ على العالمين.

فهو يظنّث أنه فارسُ الميدان الأوحد،

وبطلُه الذي لا يُشقُّ له غُبار، في كل مضمار.

فهو خدينُ الحكمةِ، وربُّ المعرفة،

وصِنْوُ العلماءِ الأفذاذِ، ومختزن الفلسفة.

فهذا المدعي المغترُّ، منذ اكتحلتْ عيناه بمشاهد عالمِ الأرض،

قد جرفهُ تيارُ الحياة الصاخبة،

فإذاه مأخوذٌ مبهورٌ بما تزخرُ به دنيانا الأثيمة…

فتجرفُه مظاهرُ الحياةِ الكاذبة،

وتخلُبه ببريقها الزائف وبما تضجُّ به من كل زائلٍ وفانٍ.

وغرورُه السمجُ، وكبرياؤه القذرة…

يجعلانه يظنُّ أنه اكتشف أسرارَ الحياة،

وفضَّ مغاليقَ الموتِ المبهمة،

وافتضَّ معمّياتِ الخلود…

أما الحقيقةُ فإنه يكونُ قد ازداد غباءُ على غباء،

وخاضَ مجاهلَ العماءِ السادرِ بعماء.

ويركُبه الغرورُ الجامحُ، فيظنُّ أن الكُرةَ الأرضية قد كُونتْ لأجله؛

وأنَّ بحارَها وأنهارَها،

وأزهارَها وأشجارها وأطيارها،

وما تزخرُ به من شجونٍ وشؤون…

إنما خُلِفتْ لأجله،

وهي مسخَّرةٌ لمصلحته، وتأتمرُ بأمره.

فيروحُ، وبسمةُ الانتصار تعلو ثغره الأبلج،

رافعًا عقيرتَه لأبناءِ بجدتِه،

مُوزَّعًا عليهم عظاته،

شارحًا لهم مُعمياتِ الأسرارِ الموصدة،

نافحًا إياهم بنعمةِ معرفتِه المزعومة…

وحقيقةُ الأمر أنه عامةٌ بالجهالة،

سادرٌ بدروبِ الضلالة،

تتوزّعُه شتّى الأفكارِ المتضاربة،

فهو لا يعرفُ يمينه من يساره،

ولا يفقهُ من دنياه شيئًا.

وما يُغيظ أن هذا الإنسانَ يعتقدُ اعتقادًا لا شك فيه

بأنه تفوق على الأولين، وبطش بالآخرين،

فهم أمامه إماءٌ وجَهَلة،

ولا شأن يُذكرُ لهم إطلاقًا.

بينما الحقيقةُ تصفعُهُ وتسفعُهُ ببراهينها،

وتقذفُه بيقينها،

فإذاهُ مغرورٌ سخيف،

وتافهٌ رهيف، وأرعنُ كفيف!

ولشدَّةِ غروره وبلَهِه يظنُّ أنه عَلَمٌ خفاق

تفوقَ على أبناءِ قومه،

فإذا هم تجاهه أقزام!…

فهو لا يحترمُ سوى كيانِه، ولا يعترفُ إلا بمعلوماتِه.

فشخصيتُه المغرورةُ أغلقَتْ عليه بابَ الفهمِ الصحيح،

فتقوقَعَ على نفسه…

فليته عَلِمَ أنَّ أحقرَ الكائناتِ يُمكنُها أن تقضيَ على وجوده،

موردَةً إيّاه مواردَ التهلكة،

مُعَفِّرةً أنفَه في الرَّغام.

إنَّ الإنسان أشبهُ بظلٍّ زائلٍ وخيالٍ حائل،

أو كحُلمِ حالِمٍ يزولُ عند اليقظة،

أو كضبابٍ اكتسحتهُ العاصفةُ فتلاشى وذاب.

هذه هي حقيقةُ الإنسانِ المسكين الذي يملأُ دنياه تبجحًا تافهًا

يستحقُّ عليه أفدحَ سخريةٍ من أقذعِ لسانٍ ذَرِب.

فالانسانُ يستحقُّ ما يُلاقيه في دنياه

من إرهاقٍ وعَنْتٍ وبلايا ورزايا،

ومُنغصاتٍ آخذةٍ بعضها برقابِ البعض،

ونكباتٍ تنصبُّ على الجميع دون رحمةٍ أو إشفاق.

نعم… إن الإنسان يستحقُّ هذا المصير التاعس،

إذ كم من المراتِ زار أرضنا عددٌ من الأنبياء، رُسُلِ الله،

وشرحوا لنا حقيقةَ الوجود، والغايةَ التي خُلِقنا لأجلها،

وأطلعونا على أسرارٍ روحيةٍ سماوية،

وأكدوا لنا أننا إذا سرنا على هُداها،

وتنازلنا عن بعضِ لذاتِ جسدِنا الحسية الترابية،

فإننا ننالُ عوالمَ فردوسيةً مُتعُها خالدةٌ ولذاذاتُها سرمدية

وإذانا نهزأُ بهم وبتعاليمهم،

ونسخرُ من أسرارهم الروحية وإرشاداتهم السماوية،

ونضطهدُهم ونرشقُهم بكلِّ فرية،

ونَصمُهم بكل نقيصةٍ وتهمةٍ زرية،

ونستمرُ بممارسةِ لذاتِ الجسد الذاتية.

وإذا هم ينطلقون من أرضنا،

عائدين لموطِنهم الإلهي العظيم حيث النعيمُ الأبديّ.

يُغادروننا ونحنُ ما زلنا غائصينَ برجاساتِنا الداعرة

ونجاساتِنا العاهرة،

الأقذارُ المدنَسةُ تُطوِّقُنا كتطويقِ السوارِ لمعصمِ الحسناء.

ألا لِيَعلَمْ أبناءُ الأرضِ الغارقون بالمعاصي المُطَوقة إيَاهم حتى النواصي

بأنه توجَدُ عينٌ إلهيةٌ مُراقبةٌ تُحصي على مخلوقاتِ العوالمِ بأكملها

كلَّ كبيرةٍ وصغيرةٍ مهما دقت وضؤلتْ.

وليتأكدْ أبناءُ الأرضِ والعوالمِ المعروفةِ والمجهولة

بأنّ ساعةَ الحساب الرهيبة آتيةٌ وبسرعةٍ خاطفة

وساعتذاك الويلُ لمن يستحقُّ العقابَ الإلهي العادل،

فتلك الساعةُ المهيبة، تلك الساعةُ المخيفة،

ساعةُ عدالةِ الخالقِ الديّان،

تُزمجرُ فيها رآبلةُ الحقُ،

وتُدوّي فيها رواعدُ الرعود،

وتنقضُّ فيها الصواعقُ المُدّمِّرة،

فتُبيدُ معشرَ الأشرارِ الفُجّار،

لتعودَ فتهبهم القدرةُ الإلهيةُ الحياةَ ثانيةً،

ليخلدوا بعذابٍ أبديٍّ هائلِ المخاوف.

إن هؤلاء الأشرارَ الفُجارَ سيُلاقون جزاءَهم العادل،

هؤلاء الأشرارَ الذين جعلوا الشرَّ ديْدنَهم,

واعتنقوا الباطل، وحاربوا الفضيلة،

واعتدوا على المقدساتِ، وارتكبوا الموبقاتِ الدنيئة،

وهزأوا بالسماءِ وباريها،

هؤلاء سيبطشُ العليُّ بهم فيجعلهم عصفًا مأكولاً،

ووقودًا لجهنّم النارِ الأبديةِ الاتقاد.

في هذه الساعةِ المخيفةِ والحافلةِ بالرواعبِ المُذهِلة،

لن ينفعَ مالٌ ولا بَنون، ولا مجدّ باطلٌ أو سلطانٌ زائلٌ حائل.

فما تزرعُه إياه تحصد.

فلنزرع بذورًا جيدة،

كي نحصدها خلودًا ممتعًا باللذاذاتِ الأبدية،

هناك حيث نخلدُ بجنّاتِ النعيم إلى ما لا انتهاء.

                                                                                                            بيروت، 15 تموز 1938

قد طوت كسرى ودارا

 

                        1

            قد ذهبنا ورَجعْنا

            ومَضينا ثم عُدنا

            وعليها لم نَزَلْ!..

            ويْحنا كم نحنُ نُحْنا

            نرفعُ الهامَ ونُحنى

            منذ أن كان الأزَلْ

 

                        2

            يا بني حواءَ توبوا

            يا بني الغبراءِ ثوبوا

            وارْعوُوا عنها وتوبوا

            علَّهُ يُغْفَرُ حُوبُ

                        3

            نحن بُحنا نحن بُحنا

            فخسرتم ورَبِحنا

            إذْ مكثتم نحن رُحْنا

            وتعبتُمْ فأُّرِحْنا

            وبكيتُمْ ففَرِحنا

            وشقيتُمْ فانشرحنا

                        4

            يا بني الآثامِ والأرضِ الشقيهْ

            قد فقدتم لذةَ العيشِ الهنيهْ

            تبحثونَ عن أباطيلَ دَنِيّةْ

            وسخافاتٍ مدى العُمرِ زريهْ

            تدأبونَ السعيّ عنها في بُكورٍ وعشيهْ

وابتعدتم عن حياةٍ عذبةِ الوردِ  نقيَّهْ

واندثرتُمْ فدُفِنتمْ في قبورٍ حِنْدِسيهْ

            5

أنتمُ في الأرضِ تِسْعوْنَ سكارى وحيارى

نحن في جناتِ خُلدٍ في الأعالي نتبارى

خَسِئَتْ دنياكُم… أرضٌ عليها الذلُّ دارا

يا لدَارٍ وديارٍ قد طَوَتْ كسرى ودار(1)

كلُّ سلطانٍ عليها قد تناءى وتوارى

هكذا يا صاحِ وَلّى العمرُ، كالبرقِ، وطارَا

هو جبَّارُ البرايا عكَّرَ الجوَّ وثارَا

بغتةً لاح قميئًا فبدا الجبَّارُ فارَا

يا خليلي كلُّ مَنْ سارَ على الغبراءِ حارَا

إيْ، وربّي، كلُّ مَنْ فيها ارتدى ذُلاًّ وعارَا

أين كنتم؟ كيف صرتم؟ يا حيارى يا سكارى

والقبورُ الفاغراتُ الجُوْفَ تطويكم بَوارَا

حنظلُ الشرِّ سقاكم أكؤسًا حُوِّلْنَ نارَا

نحنُ في دارِ الدنايا كبَّلونا كالأَسارى

فمتى، يا ربُّ، نقضي لنرى تلك الديارَا؟

  4 حزيران 1946

أيتُها الطائرة أسرعي بي

 

أيتها الطائرةُ المسابقةُ للرياحِ الجامحة!

أسرعي بي قدرَ استطاعتك.

أسرعي بي إلى عوالمَ مجهولة،

عوالمَ بعيدةٍ، ولكنها سعيدةٌ سعيدة!

أُنقُليني إلى عالمٍ سحري!،

لا يعرفُ قاطنوه الأحزان، ويجهلون معنى الأشجان.

أُنقُليني، فقد أثقلتْ كاهلي متاعبُ الأرضِ وهمومُها،

وأطلقتْ عليَّ جيوشَ مآسيها، وطوقتني بغيومها.

فأسرعي بي، أيتها الطائرةُ الجبارة،

إلى جزيرةِ الأحلامِ السعيدة،

هناكَ حيثُ لا توجدُ رغباتٌ أرضية منحطة،

تنغمسُ في أقذارِها الأرواحُ، وتتقلبُ في جحيمها النفوس.

أُنقُليني أيتها الحبيةُ المجنحة،

فقد تعبت روحي من قذراتِ الأرض التاسعة،

وباتت  تنشدُ عالمًا آخرَ بعيدًا كُلَّ البعد عن الكرةِ الأرضية،

هذه الكرةِ الحقيرةِ المُفعمةِ بالآثام التي يرتكبُها جميعُ الأنام.

أسرعي بي، أيتها الحبيبةُ، أسرعي،

وابلُغي بي إلى جزيرةِ الأمل – مدينةِ السعادة،

موطنِ الهناء – أرضِ الأحلام – واحةِ السلام!

آهِ! ما أرغدَ العيشَ في ربوعِ تلك المدينةِ السحرية!

وما أتعسَ الحياةَ في أرضِنا التافهةِ الشقية!

أرضِ الأسى والأشجان، وموطنِ التعاسةِ والأحزان!

 

كُتِبتْ في الطائرة المتوجهة من لوس أنجلوس إلى شيكاغو

في 5 أيلول 1969، الساعة 11,15 قبل الظهر

أيتها الغيوم احمليني

 

 

أيتها الغيومُ السابحةُ في أوقيانوساتِ الفضاءِ اللانهائي!

ليتني أَمتطيكِ فتذهبي بي إلى عالمٍ

شمسُه لا تغربُ، وليلهُ أبديُّ التواري!

أمتطيكِ، وأتيهُ معك؟ِ في متاهةٍ لا نهائية!

أيتُها الناصعة! الراحلةُ إلى عوالمَ مجهولة!

دعيني أذهبُ برفقتكِ،

متنقلاً بين علوٍّ وانخفاض، في رحلةٍ أبدية.

يا من تُتوجُكِ الشمسُ بذهبها البراق،

فتبدين كوشاحِ فينوس ربةِ الفردوسِ الفتّان!

ضُميني في أحشائِكِ كي لا أرى الأرضَ

التي عافت نفسي العيشَ في ربوعها المخيفة.

واغمُريني بحنان، أيتها الغيومُ الرائعة،

إذْ فقدتُ الحنانَ في أرضِ الشقاءِ الدائم.

سيري بي أيتها السفينةُالعجيبة

الى عالَمِ التخيلاتِ والأحلامِ السعيدة.

أُمخُري بي لُجَجَ الفضاءِ الذي تُغمُره الشمس

وتندمجُ به اندماجَ الروحِ بالجسد.

أسرعي بي، يا غيوم، بقدرِ استطاعتِك،

كي أبعُدَ عن عالمِ الظلمِ – والظُلام.

إنطلقي بسرعةِ النور،

كي لا تعودَ أذناي تسمعان عواءَ البشر.

فقد ملتْ نفسي أكاذيبهم،

وضاقت روحي بإفكهم وأضاليلهم.

طيري بي بسرعةِ الروح، أيتُها الغيومُ الجميلة

وابلغي بي إلى ربوعٍ سماوية،

هناك حيث لا توجدُ أحزان،

ولا تُعرَف ما هي الأشجان.

وفي تلك الجنةِ الدانيةِ القُطوف،

أحيا مع فتياتِ الرؤى، وصبايا الفراديس،

وغِيدِ الجنّاتِ الوارفة، وربّاتِ الغاباتِ الظليلة!

آهِ! ما أجملَ العالمَ السحريَّ الذي تتوقُ إليه روحي الحزينة!

 

كتبت في الطائرة المتوجهة من لوس أنجلوس إلى شيكاغو

في 5 أيلول 1969، والساعة 12،15 بعد الظهر

يا نفسي القلقة

 

يا نفسي القلقة!

أيتها النفسُ الحيرى!

يا من أثقلتْكِ أوزارُ هذه الكرة الأرضية!

يا مَنْ أرهقتكِ متاعبُ هذه الفانية!

أيتها السجينةُ في هذا الجسدِ المادي الحقير!

يا من تُريدين الانطلاقَ فتكبلُكِ المادةُ بكبولها الممقوتة!

أيتها التواقةُ للانعتاق، الراغبةُ بالتحليقِ نحو العلاء!

يا مَنْ تَنشدينَ عالمًا غيرَ عالمِكِ المادي هذا!

أيتها النفثةُ القدسية والنفحةُ العُلويّة!

لقد حُكِمَ عليك أن تنزوي في جسدٍ ماديٍّ أرضيٍّ، لأمدٍ قصير،

 ومن خلاله تنظرين – والألمُ يُمعنُ فيك تعذيبًا-

ما يُرتكبُ في هذا الكوكبِ من شرورٍ هائلة، وآثامٍ مرعبة،

تُشاهدينها فتتمنين لو لم تهبطي إلى عالمِ الأضاليلِ المُدَنسة.

تُحاولين هدايةَ الناسِ، والناسُ قد اندمجوا بالشرور،

وتمنطقوا بالآثامِ، ونطقوا بأفحشِ الكلام.

أفرادٌ، أيتها النفس، يُعدُّون على الأصابع،

فهموا الحقيقةَ، وتبعوها، ولكنْ بمقدارٍ أيضًا.

وما دام الإنسانُ أيّامُه معدودةٌ، ولياليه ستنصرم حبالُها،

فلماذا لا يرتفعُ بروحِه نحو الأعالي،

ليُكافأ على احتقارِه مُغرياتِ الحياة، بفراديسَ غناء

تمضي آلافٌ من الأعوام وهو راتعٌ بسعادة

لا يمكنُ لقلمِ بشريٍّ أن يصفها،

لعظيمِ ما تحتويه من لذاذاتٍ روحيةٍ ومُتعٍ إلهية.

إن جميعَ مُغرياتِ هذه الحياةِ لا تستطيعُ إدخالَ الفرحِ إلى نفسي،

أو تدعُني أشعرُ بسعادةٍ وهمية،

سرعانَ ما يبترُها سيفُ الموتِ الرهيفُ الرهيب.

ويومَ تنطفئُ شُعلةُ حياتي،

ويومَ يدعوني إليه داعي الموت ويبسطُ ذراعيهِ ليضُمَّني إليه،

ويومَ تتوارى عن عينيَّ مرئياتُ هذه الأرضِ المُفعمةِ بالآثامِ الهائلة،

يومذاك أشعرُ بالسعادةِ الحقيقية،

وأتذوَّقُ لذة العوالمِ العُلوية،

وأحيا هناك في تلك الربوعِ السحرية،

الحافلةِ بمُتع لم تشاهِدْ مثلها العيونُ، أو تسمعْ بها الآذان!

يومذاك تكتملُ أفراحي وتتمُّ مسرّاتي الروحيَّة.

فمتى أنطلقُ من ربوعِ الأسرِ إلى فضاءِ الحرية؟ متى؟!

 

 فندق شِراتون بالكويت، والساعة 9,30 ليلاً، 27/6/1970

أسرعي أيتُها الطائرة أسرعي

 

أيتُها الطائرةُ الجبارة،

الماخرةُ عُبَابَ الفضاءِ بسُرعةٍ عجيبة!

أسرعي أسرعي بقدرِ استطاعتِك،

وابتعدي بي عن أجواءِ الأرضِ الرهيبة،

وحَلِّقي حلقي بعيدًا بعيدًا موغلةً في البُعد اللانهائي،

وامكثي في طيِّ الفضاءِ الرحب،

حتى تبلغي بي جزيرةَ الأحلامِ السعيدة،

هذه الجزيرة البعيدة البعيدة،

الثاويةَ في فردوسٍ عجيب،

أشجارُه من يواقيت،

وأثمارُه من لُؤلؤٍ إلهيٍّ يتلألأ بالأنوارِ الساطعة!

وهناك في تلك الجنةِ الوارفةِ الظلال،

والعجيبةِ بما تحويه من روائعَ لا قدرةَ لقلمِ بشريٍّ على وصفِ مفاتِنها،

أتفيَّأُ ظل شجرةِ معرفةِ الخيرِ والشر،

وأمكثُ في ذلك الفردوسِ الإلهي البهيّ

مدى الآجالِ والآباد!

 

في الطائرة الذاهبة إلى نيقوسيا

 الساعة الحادية عشرة والربع من صباح 6/10/1970

جزيرة الأحلام

 

سأستقل الزورقَ الذهبي الرائعَ الجمال،

وأُبحرُ به إلى جزيرةِ الأحلام الفتانة،

إذْ تعبتْ نفسي من البقاء

في أرضِ التعاسةِ والشقاء،

وسئمتْ روحي من المُكوث

في عالمِ الأضاليلِ والرياء.

 

  بيروت، 17/1/1971

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!