حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

يا ساعة اللقاء

 

 يا عروسَ أحلامي، قفي واسمعي ألحاني عند طلوع الشمسِ

أيتُها الغادةُ الرائعةُ في جمالها، هيا إلى النجوى

يا من بحثتُ عنها كثيرًا، وكان بحثي دون جدوى

أيتها المُتواريةُ وراءَ السُّحبِ بين أجواء الطبيعة ومسارحها

أيتُها البعيدةُ عنّي في جمسها والقريبةُ منّي في أرواح مسابحها

أعلميني يا عروسَ أحلامي، متى نلتقي معًا لكي تُسْعدي نفسي؟

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

الذاكرة هي أثيرُ المحبَّة يُبقي صَدَاهم يصدح في نَبَضَات قُلوبِنا

في ذكرى الأحبَّة

المشعل الفريد

 

(مهداة إلى  روح “الإنسان الفريد” الدكتور فريد أبو سليمان الذي تحرر من قيود التراب في 20/4/2003)

 

                                                                                                            شعر نجوى سلام براكْس

بعضٌ من نفسي كنتُ أسكبُه في شجيرةِ  الوزَّال

وأنا أزرعها في حديقة منزلنا…

وإذا نبأ انتقالك من دنيا الشقاء يبلغنا؛

فترقرقت دموعي لانطفائك المُفاجئ،

ولكن سرعان ما زغردت فرحتي

ليقيني بأنَّ جهادك الجبَّار

سيقودك إلى عالم النَّعيم حيث تستقبلكَ

عرائسُ الفراديس وربَّات الأنوار.

وعلى الفور تركنا الطبيعة لنُناجي خالقها،

فكتبنا أنا وغازي لك “الرموز” الداهشية

مُبتهلين إلى العزَّة الإلهيَّة.

كي ترقي درجتك الروحيَّة.

                                    ***

وما لبثتُ أن عدتُ إلى أمي الطبيعة

لأسمع الطيور الروحية اللامرئية

تصدحُ لانتصارك “الفريد” على المُغريات الدنيويَّة.

ورحتُ أتأمَّلُ في الأوراق الكثيرة الصفراء

التي تحملها شجيرةُ الوزَّال كألسنةٍ من اللهيبِ المُقدَّس،

فتثبُ إلى خيالي “رموزُك” الروحيَّة الصفراء،

فأرها كأنَّما احتلَّت أماكن أوراق الشجيرة.

وتتعالى النبتةُ الوهَّاجةُ في خيالي حتى تلامسَ السماء،

وأوراقُها “الرموز” الصفراءُ تتحوَّل إلى أجراسٍ

تصدحُ بصوتكَ الروحيّ البعيد:

“خلعتُ رداءَ التراب وقيد الدنى

                                                فنلتُ نعيمًا مُقيمًا وأشهى المُنى”.

                                    ***

ما إن مسَّت الداهشيَّة أوتارَ قلبكَ الطيِّب

حتى رحت تعزفُ ألحان الفراديس،

تسكبُها في آذان مرضاك وزائريك،

فجعلت من عيادتك الطبيَّة عيادةً

لمعالجة الأجساد والنفوس

والتبشير بالخلود بعد ضجعة الرموس،

وأفعمتَ نفوسَ الجميع بشذا المحبَّة.

لكنك أيضًا دافعتَ عن الهادي الحبيب

دفاعَ الرآبلة الراعد زئيرها في غابة الحياة،

وانتضيتَ السيفَ الداهشيّ

تطردُ به غربانَ الإساءة وبُومَ الإيذاء،

فمخرتَ عُبابَ المخاطر مُستهزئًا بمهازلِ الحياة

من أجل مجدِ الروح الخالد.

                        ***

عرفتُكَ كالبنفسج متواضعًا،

وكالنسر المحلِّق صارخًا بالحقيقة الصادعة،

لا تهابُ حاكمًا ولا تحني رأسك إلاَّ للحقِّ وربِّ الحقّ،

عرفتكَ فتنسمتُ عطر سيَّالك الداهشيّ،

وطارت بي ذاكرتي إلى جلساتنا مع الهادي الحبيب،

يوم كنتَ تتشوق إلى معاينة معجزاته القدسية،

وتظمأ إلى إكسير إرشاداته الروحيَّة.

عرفتكُ أخًا مجاهدًا، جبَّارًا في إيمانه وعقيدته،

في أضلعكَ يخفقُ قلبُ طفل،

وبين مقلتيك مسرحُ النجم؛

تنهضُ مع أشعة الفجر الأ,لى

لتنسجَ الصلاة بقلبٍ ملؤه الإيمان،

وعندما تسحب ذكاء ذلاذلها

تعودُ إلى نبع الصلاة تستلهم القدرة الإلهيَّة،

فيبارك ليلك ونهارك،

وتتوسد طمأنينة البال وراحة الضمير.

إجتذبتك القيم الروحيَّة،

فنبذت كل غالٍ في سبيل الهادي الحبيب،

وطَّلقت كل شهوةٍ دنيوية،

بعدما نهلتَ من معين الروحانيَّة،

فكنت “فريدًا” بأخلاقك وإيمانك وجهادك،

“فريدًا” كاللآلئ الغوالي.

لا، لن تغادر بالي،

بل سيزدادُ ألقُ الحنين،

وتزهرُ أبدًا في ضمير التاريخ، في ذاكرة السنين.

                                    ***

من أجل الداهشيَّة حملت الصليب

ولازمت هاديك الحبيب

ملازمةً خطَّتْ اسمك الروحيّ

بحروفٍ عملاقة على لوحِ الخلود.

أسرِّحُ اليوم طَرفي فأراك في أعالي السماء

تسبِّحُ بين نجوم – الرموز

التي ناجيت بها بارئك مُجنّحًا بالسعادة الروحيَّة،

وحولك جوقات الملائك

تستقبلك بأناشيدٍ إلهيَّة

تسمو بسيَّالك الأعلى إلى ذكرى الكواكب العلوية.

كم من الجلساتِ الروحيَّة سُمِحَ لك حضُورها،

فسجلَّت وقائعها بقلمك الصادق،

بعدما انتشت روحك بخمرة الخوارق!

هجرت أقرباءك وأنسباءك، ونبذت ملاهي الحياة،

وفضحت مهازل السحرة والمُشعوذين.

عشقت الروحانيَّة حتى الصميم

لتحيا حياة الفضائل والمُثل العليا، حياة التقشُّف والزهد،

تعشقُ البساطة والوحدة الخصيبة،

وتستعذبُ آلام الاضطهاد في سبيلِ الهادي الحبيب،

وتستطيبُ جروح أجنحتك المنكأة،

الدائمة التحقيق في سماء الحياة.

                                    ***

اليوم غاب ليلُ جسدك ليبزغ فجر روحك

بزوغًا لا يعرفُ الأفول؛

انطفأ سراجُك لتتوهَّج أنوارُك،

فهنيئًا لك مجدك الروحيّ، وهنيئًا نعيمكَ الأبديّ.

لقد عاد النسرُ إلى ذُراه،

وما أعذب رُؤاه!

عادَ “فريدًا” بين النسور.

***

تبديت لنا جنةً وارفةً مزهرة،

وبعجائب ابن السماء منوّرة،

جنّةً سترودُ مفاتنها الأجيالُ الداهشيّة

جيلاً بعد جيلٍ بعد جيل،

جنَّةً يستلهمها المؤمنون ليتعرَّفوا الطريق إلى الفراديس.

                        ***

لقد كنتَ واحدًا من مؤرخي مُعجزات الرسالة،

وفي خريف حياتك امتشقت الريشة

ورحتَ ترسُم، وما أروع ثمار يديك!

لن أنسى يومَ ألححْتَ عليَّ،

في إحدى زياراتي الأخيرة إلى لبنان،

بإعطائكَ صورةً لي لترسمَها،

فقلت لي: “مكانتُكِ في قلبي فريدة”.

وكنتَ، يومذاكَ، محدودب الظهر،

شحيحَ النظر والصحة، فرسمتني بريشتك لوحةً

بثثتَ فيها نتفًا من سيَّالك الراقي

بعد أن سالت فيها ألوانٌ فاتنةٌ

تُرجِّعُ أصداء الإخاء والوفاء.

غرفتُكَ كانت معبدك ومكتبك ومكتبتكَ ومُحترفك،

سكنتها حوالى أربعينَ عامًا فجعلتها أوسعَ من العالم.

حقًا! عزلتُكَ كانت مُثمرةً بالخيال والصورة،

بصادق الكلمة وكنوزِ الروح.

                        ***

على أجنحة زفيروس طرت إلى ذُرى جبالِ الجمال

حيثُ حليم وخبصا وماري وماجدا وأنطوانِت

مُشتاقون إلى لقياك،

وتاؤقون إلى متابعة مسيرة الجهاد معًا،

لنشرِ المحبَّة في كل كوكبٍ من رحاب الكون.

إلى بحيرة الداهشيَّة المقدَّسة عُدْتَ تتهادى

زهرةَ لينوفار تُسبحُ خالقها عبر تموّجات الأسرار،

فتفتحتْ أزاهيرُ أحلامك على تحقيق أمانيك.

ولا عجَب، فكم من الايام الأرضية أمضيتها صائمًا،

لتفطرَ على ولائم الفراديس المتألِّقة

بكل خارقٍ وعجيب!…

                                    ***

آهِ! ما أقصر الحياة البشرية

بالنسبة للخلود في الكواكب العلوية.

تجاوزت الخامسة والتسعين من عمرك الأرضي،

بعد أن اجتزت تجارب الحياة بنجاحٍ ما بعده نجاح!

دُستَ أباطيل التراب، ونفضت عنك غبار الأمجاد التافهة.

رحلتَ عنها، أرضِ العذاب،

وسرَّحتَ بصيرتك في آفاقِ النور.

فلم تترك قبرًا يُزار

ليكون عليه باقاتٌ من الأزهار،

ولم تخلف أي مزار،

تُبلله الدموعُ وتحرقُ فيه الشموع،

بل جعلت محرقة غاندي وماري قُدوتكَ،

فانطلقت جميعُ سيالاتك من كوكب الأدران،

من أرضِ الضلالِ والظلام،

وصُهِرَت ذرَّاتُ جسدك وهي تنطلقُ

كالنيازك في قُزحيِّ الأحلام.

لقد استحلت إلى شُعلةٍ روحيَّةٍ خالدة،

بل إلى فكرةٍ أولمبية تُلهم الفنانين والشعراء.

أصبحت منارةً للداهشيين، وقُدوةً للتائقين إلى الخلاص.

فتغلغل في حياتنا، وعلمنا الاقتداء بجهادك،

يا أوفى الأوفياء، ويا ابن الوداعةِ والنقاء.

بمركبة النور مضيت مُخلفًا اسمك كالبرق الومَّاض

في خضَّمِ أمواج الظلام المُتلاطمة؛

بسكونٍ كأسرابٍ من الفراشات الفردوسية

المُنتشية برحيقِ النور والزهور مضيت؛

توَّاقا لمعانقة رسولك الهادي

تواكبك جوقاتُ الملائكة الأبرار الأطهار مضيت؛

نسيمًا ربيعيًا مُشبعًا بالعطور

تألقًا للاندماج في سيّالات النقاء مضيت؛

سيالاتٍ نوارنية نسجتها بالصدقِ والإخلاص والصبر،

في أمسية صيامٍ هانئة ساحرة، مضيت…

مضيت بعد أن قمت بواجباتك الروحيَّة اليوميَّة

على أتمِّ وجهٍ وفي أعزِّ إنجاز،

بعدما طاردت مع إخواتك الداهشيين الأوائل

فلولَ الباطل وأعداء الحقيقة الداهشيّة،

ولاحقتهم مصوبًا إليهم وابلاً من سهامِ الحقّ.

***

سأذكرك كلما توقَّد قمر في دجنات الليالي،

وغاب نجمٌ في الأصابيح؛

سأذكرك كلما تنفَّس برعم،

وصمت بلبلٌ على غصنٍ مزهر؛

سأذكُرك كلما تهادى زورقُ المحبَّة على مويجات الخيال،

وانتصبت أشرعةُ النقاء فوق مراكب الجمال؛

سأذكرُك كلما هبَّت نسائم نيسان

وعلت وجنات الطبيعة ورودُ الجنان

سكرانةً بالعطور والأغاريد؛

سأذكرك كلما اشتعلت في الوزَّال أزهارهُ الصفراء،

ثم توهَّجت أوراقُه الخضراء،

وابتسمت فوقي السماء.

                                    ****

كما الرؤى القُزحية في الأحلام

ستطلُ علينا في ليالينا،

كما الصحو بعد عواصف الصقيع،

واخضرار الحقول بعد زمهرير الشتاء

سيبقى اسمك في ذاكرتنا مُشتعلاً كرؤيا فريدة؛

وكلما ابتسم الزنبق،

سأراك فيه تتألق،

وكلما انساب جدول، سأخالُك فيه تترقرق،

وكلما ابتسم فجر، سأرى فيه وجهك يُشرق،

فهل من عليائك علينا تُشفق

علَّنا نقتدي بخطاك،

وبأنفاس هُداك،

وبالروح مجدَّدًا نُخلَق!

ستبقى في قلبي، يا “فريد” الخصال،

ذكرى حلوة فريدة،

وردةً مخملية جوريَّةً مُشتعلةً بالا انطفاء… بلا زوال…

لا، لن أرثيكَ، أيها الطفل الكبير،

بل سأغنِّيكَ يا حبيبَ الحبيب،

وأُنشدُ أناشيد الفرح لما أحرَزتَ

من نصرٍ روحيّ مُبين

وللمآثر الروحيَّة التي أنجزتَ

خلال أعوامِكَ الداهشيَّة الستِّين.*

أشعل المحبة في ترابها ورحل

فريد أبو سليمان

أشعل المحبة في ترابها ورحل

                                                                                     بقلم ياسر بدر الدين

 

 تتذكَّره فتحسُّ كأنك مسافر في الطيبِ على أجنحة الفراش. اسم عطري كأن حروفه أغصان ندٍّ ومُرٍّ وبان، تنضفرُ وتنثر حبًا وزهرَ أمان.

            توقَّف قلبه عن الخفقان لكنه ما يزال يخفق في القلوب. فريد أبو سليمان، بوجهه المورِّد ككومة من أزاهر الأصيل، وقوامه الذي لا يمشي في الأرض مرحًا، لم يمت، وإنما غاب كما يغيب نجم أو قمر، ليعود فيبزغ في سماء ليلٍ جميل.

            فريد أبو سليمان لم يمت، فقط نزع عنه قميص التراب، وها هم الملائكة يخيطون له قميص النور. الذي مات هو الجسد، أما فريد الروح والأصالة والقيم فهيهات أن ينال منه الفناء.

            فريد أبو سليمان وجهٌ ضوئي كأنه انبلاج فجر، وعائق لم ينؤ  بثقل الأمانة، وهامةٌ انحنت تواضعًا أمام الناس وخشية وخشوعًا أمام العلّي العظيم.

وأنت تنظر إليه تكادُ لا ترى بشرًا، فقد أخذت ملامح وجهه شكل الطيبة والنقاء والنبل والمروءة، فكأنه امتدادٌ للطهر والصدق في عالم الرجس والأضاليل.

            تتحدّث إليه كأنك تسامر الحلم وتخاصر النَّسَم. تصافحه كأنك تصافح الإيمان وتعانق المحبَّة.

            فريد أبو سليمان، والاسم والصفةُ حفر وتنزيل؛ فريدٌ في طيبته ومحبته، فريدٌ في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة. محب لغيره بقدر ما هو كارِهٌ لهواه. متشددٌ مع نفسه بقدرِ ما هو متسامح مع الآخرين؛ فالعثور على ذرةِ حقدٍ واحدةٍ في دمه ضربٌ من ضروبِ المُحال.

            لو سألتم كواكب البهاء والسناء عن شكلِ سُكانها لأشارت إليه.

            راضٍ مَرضيٌّ برزَتْ له الحياةُ بأحلى مفاتنها، فأشاحَ بوجهه عنها قائلاً لها: “غري سواي”.

            لو سألتم كواكب البهاء والسناء عن شكل سكانها لأشارت إليه.

            راضٍ مرضيٌّ برزتْ له الحياةُ بأحلى مفاتنها، فأشاح بوجهه عنها قائلاً لها: “غري سواي”.

            رفيقٌ رقيقٌ ليِّن، قلّما عرفت النفسُ البشرية رجلاً أقسى منه عليها؛ جاهدها جهاد الجبابرة، وانتصر في الحربين: حربه على الذات، وحربه على الطُّغاة، فاحتفلت به الفضائل، وخلعت عليه طباعه الزهور، فكان عزيزًا كالورد، متضعًا كالبنفسج، طاهرًا كالياسمين. حتى إذا سار في الشمس خلُته واحدًا من أسرة الطبيعة: طيرًا أو زهرةً أو نغمًا.

            عاشقٌ للحقيقة مُتعبد. خفيفًا أتى إلى الحياة وخفيفًا مضى. لكنه لقَّنها دروسًا، وترك فيها آثارًا لا تندرس.

            فريد أبو سليمان ما مال إلى جاه أو رفاه. ما غره زخرفٌ ولا انغمس في ترف. تخلَّى عن منصبه حين نُصبَ له شركًا للإيقاع بينه وبين رسالته. ولطالما ردَّد على مسامعنا: “الرسالة، الرسالة هي كل شيءٍ، ولولاها لكانت الحياة أتفه من التفاهة”.

اعتنق الرسالة الدهشية ورافق مؤسسها الدكتور داهش زهاء أربعين عامًا ملأها جهادًا وتضحية وفداء. اضطُهد وعُذِّب ودخل السجون ونجا من رصاص؛ فما جّبَنَ أو هان، ولا تخاذل أو استكان.

            أحبُّ الرسالة الداهشية حتى العبادة فملأت عليه كيانه. أحبَّها وذاب فيها كما تذوب غيمةٌ بغيمة، أو كما تذوبُ في زُرقة الفجر عتمةُ السحر. أعطاها كله مجاهدًا بماله ونفسه, مؤمنًا بأن الرساليّ الحقّ يُضحِّي بنفسه من أجل رسالته، ولا يُضحِّي برسالته من أجل نفسه. لم يفكر لحظةً في كسب، فما وزنت موازينهُ ربحًا أو خسارة؛ كانت تزنُ الحقّ فتحقّه والباطل فتزهقه.

            فتشتُ عن ملامح لحياته الخاصة فما وجدتُ. كل ما فيه كان عامًا حتى المشاع، كالأوقاف، كجمعيات البرّ، كغاب من الزهر والشجر يوزّع العطر والخضرة على الجميع. وجدتُ حياته جدولاً يصبُّ كل مائه في بحر الحياة، ولا ينقصُ منه إلا ما تشربه السابلة وعطاشُ الطريق.

            كانت حياته العطاء، وكان لا يأخذ من دُنياه إلا كما تأخذ قوتها زهورُ الحقول وطيور الفضاء. وجدتُ شخصيةً فذَّة بين هوامٌ، وسوسنةً رائعةً بين عليق.

            شخصيةٌ نيِّرة صاغ هالتها الصدقُ، ورسم شموخها التواضع، وكثفَ أضواءها البعدُ عن الأضواء، وأعلى مكانتها الغوصُ إلى عُمق الحقيقة والتعلّق بأهدابها، وتحمَّل تبعاتها الجسام.

            وجدتُ هالةً احتاطته وما طلبها، ومكانةً احتضنتهُ ورفعتهُ وما سعى إليها، كما يسعى كياذبةُ هذا الزمان.

            فللَّه، أيها الغائبُ، كم أنت قويٌّ الحضور!…

            كم نتذكرُ رفعتكَ وسموك في سقوط هذا العصر! كلما اشتدَّ لهيبُ حرب نتذكرُ وداعتك وتسامحك، وكلما غلى حقدٌ في مرجل شهوة نتذكرُ محبَّتك وسماحتك، وكلَّما فحَّ غدر نتذكر وفاءك، وكلَّما فاحت رائحةُ سياسة نتذكر نظافة قلبك وكفك.

            لله… لله كم عاكستَ خصال أهل هذا الزمان!…

            ستٌّ وتسعون فلةً عشتها على هذا التراب، ما زال عطرها يملأُ صدرَ الفضاء، رغم ذبولها وأفولك. لقد تحوَّلت مواقف وبطولات وكلماتٍ مضيئة “في رفقة الهادي الحبيب” كتابك الخالد، الذي لا يُضاهيه بروعته إلا كتابُ حياتك وسيرتك، كتابُ الياسمين.

            فريد أبو سليمان ذهب إلى حيث ينتظرهُ رفاقُ طريق الحبيب: حليم دموس وجورج خبصا وجورج وماري حداد…

            ولسوف تذكرُ الأرضُ يومًا – ويا للمرارة – كيف نُصِبتْ على سطحها أعمدةُ النور، وكيف تأخذُ النبالةُ شكل البشر. سوف تذكرُ ونذكرُ ماردًا من طهرٍ مشى عليها بأقدامٍ من نار، وأشعلَ المحبَّة في تُرابها ورحل*.

نسيجٌ فريدٌ هو الأنقى والأرفع

الدكتور فريد أبو سليمان

نسيجٌ فريدٌ هو الأنقى والأرفع

                                                                                     بقلم الأستاذ حافظ ابراهيم خيرالله

صيف 1996 أطلَّ عليَّ في غرفتي، حيث كنتُ أمارس مسؤولياتي في إحدى الصحف وفي مُلحقها. لم أكن أعرفه، ولا كنتُ أعرفُ أنه ينتمي إلى مدرسةٍ فكرية يعطيها كل ذاته. ما كان يريده منّي هو أن أتعرَّف على دكتور كنتُ قد قرأتُ عنه ولم أقرأ له، وسمعتُ بأخباره من ماضٍ بعيد. بل كنتُ أظنّ أن الرجل مات من سنين في مؤامرة غامضة ربَّما كانت في لبنان أو في سوريا أو حتى في إيران. هو الدكتور داهش من يريدُني الدكتور فريد أبو سليمان أن أتعرَّف عليه وأقابله، وأتحدَّث إليه وأستمع إلى ما عنده. في ذلك الصيف، كنتُ أسلّي القراء في “الملحق” الأسبوعي بقصص المشعوذين والسحرة والمُتذاكين على الناس من على مسارح الاصطياف في شتَّى الأنحاء اللبنانية.

            الدكتور فريد قعد عندي ساعة، فأوجد قضية. نعم، في البلد سحرة ومشعوذون يمارسون البهلوانيات على عقول الناس. ولكن، نعم، في البلد شخصٌ له قدراتٌ خارقة، وشخصيةٌ مرموقة، ورصانة قلَّ نظيرها، واحترامٌ يفرضُ نفسه. وهذا هو السيد سليم العشي المعروف بالدكتور داهش الذي ألف العشرات من الكتب في الإبداع الفكريّ بمعظم تفرّعاته. وإزاء تعجّبي مما كان يقوله عن الدكتور داهش، ولا سيَّما عجبي من أنه لا يزال على قيد الحياة، وعجبي من أن له دائرة واسعةً، تزدادُ اتساعًا، من مريديه الذين يجلُّونه ويحترمونه ممَّن هم في مهن الطب والمحاماة ومن أهل الشعر والنثر والأدب وبقية الفنون الجميلة، فقد انتهينا إلى تلاقي الأفكار على وجوب قيامي بزيارةٍ للدكتور داهش بمعيَّته.

الزيارة حصلت وطالت على امتداد ساعات. وبعدها حصلت زيارات وزيارات على مدى سنوات إلى أن فرقتنا الحربُ في لبنان، خاصة أن منزل الدكتور داهش كان في منطقة “استراتيجية” للتلاحم والاقتتال والقنص والقصف وبقية ما تعلَّمناه من تعابير تصرفات المجانين. هذه الزيارات فتحت عقلي على تواجد مُذهل لصفوةٍ من الناس حول شخص ومبدأ وفكر وعقيدة، وجعلتني أرقبُ باهتمام بالغ ما كان يجري أمامي من مسرى حياتي عند أشخاصٍ تبيَّن لي أنهم ذروةٌ في الأخلاق والتصرّف والتعاطي مع الناس وفي ما بينهم. وصفُ هذه السنوات وهذه اللقاءات يطول، وهو الآن ليس موضوعنا.

واحدٌ من مكاسبي الكبيرة في مهنتي كصحافي كان تكرار اللقاءات الثنائية مع الدكتور فريد أبو سليمان عبر السنوات اللاحقة، مع أننا طالما التقينا كذلك في منزل الدكتور داهش. ما أدهشني في شخص الدكتور فريد ذاك الاحترامُ المُذهل الذي كان يكنّه للدكتور داهش ويثبتُه له. للسن احترام، وللمقام احترام؛ وهذا على الرأس والعين. لكن الدكتور فريد كان من نسيجٍ فريد هو الأنقى والأرفع. الدكتور داهش عنده كان كل شيءٍ على هذه الأرض. وتنفيذ ما هو واجبٌ وأصول ولياقة ضمن أسس المبدأ والعقيدة كان، عنده، نمط عيشٍ وحياة.

ناقشته وتحديته وحاولت حشرة في الزوايا، فإذا هو صخرةٌ من صوان. تعمدتُ السخرية والتفاهة والاستهزاء، ولو في إطار الأداء المسرحي، لعلِّي أستفزه لإخراجه أو لزحلقته من وقارة في الحديث عما يعتقده أو عما يمارسه من دقّةٍ ومسؤولية في تعامله مع الناس أو مع مرضاه أو حتى معي أنا، فإذا هو ماسةٌ من النوع الأفضل مخفية تحت ما هو عالقٌ فيها قبل الحك، ومستورة في ما هي فيه حتى لا يظهر جوهرُها لمن لا يفهمُ قيمتها.

تعلَّمت منه، عبر سنوات لقائنا، أن الحديث الخافت الرائق الراقي المهندم الخالي من النفاق والكذب والاستزلام والاستنفاع يبقى أقوى من الجيوش الجرارة أو الخطب النارية أو النقاشات التي تهترئ فيها الأصواتُ بلا نتيجة. كأننا، هو وأنا، كنا على علمٍ بأنَّ ما حصل لاحقًا من اقتتال في لبنان لم يكن ليوصل أحدًا إلى شيء، اللهم إلا تشرّذمنا وتشرّدنا في بقاع الدنيا.

وتعلمتُ منه كذلك صوابية تنفيذ تلك المقولة إن “المعاملة” هي الأساسُ في العلاقات البشرية. نعم، كنا نعرفُ ونردِّد أن “الدين معاملة”، لكننا كنا نوسعها إلى مناحٍ أخرى حتى نعطيها، في فهلويتنا، طابع “علمنة المعاملة”. رشده وثق في السعي إلى الصواب. وتأملي وتحليلي لما هو فيه طابعٌ وطبعٌ كانا يقودانني دائمًا إلى محاولة التبصّر قبل الإقدام.

الحربُ فرَّقتنا في الجغرافيا. الدكتور داهش صار في أميركا، والدكتور فريد بقي في لبنان، وأنا صرتُ في بريطانيا. من الدكتورين تعلّمت أمورًا كثيرة، ولهما حفظتُ جميلاً وافرًا، ولو أنني – وبلا تملُّقٍ لأحد، بعد كل هذه السنوات – لا أدعي أنَّني انضممت إلى المدرسة الداهشية، ولأسبابٍ قد تكون جزءًا من تكويني النفسي.

الدكتور فريد صار في ذمَّة الله، وقد سبقه الدكتور داهش. الدكتور فريد يبقى في ذهني صاحب مدرسةٍ تطبيقية في أصول التعامل بين الناس، وفي اعتماد وسائل الإقناع، وفي التركيز على الحجَّة والمنطق. صحيح أنه أخذ الخطّ الرئيسي من الدكتور داهش، لكنه طبَّق أفضل فهم له، واتَّخذ مسرى في حياته كم أتمنَّى لو أن كثيرين يطبقونه على أنفسهم.

رحمة الله عليكَ، يا دكتور فريد؛ فعليك وعلى أمثالك تجوز الرحمةُ الحقَّة*.

رحيل آخر العمالقة

 

بقلم ماجد مهدي

الدكتور فريد أبو سليمان وجهٌ محبَّب غيَّبه الموت. وبغيابه رحلَ آخر عملاق من عمالقة الرعيل الداهشيّ الأول ليلتحقَ بقافلة الرفاق الذين سبقوه إلى دار الخلود بعد أن ثبتوا على المبادئ الداهشية، وأوفوا لها ولمؤسسها العهد والميثاق، باذلين من أجلهما عظيم التضحيات.

عرفته في منتصف الستينات من القرن المنصرم؛ وكنتُ قد خطوتُ خطواتي الأولى في ظلال العقيدة الداهشية بعد أن عاينتُ معجزات الدكتور داهش، وتيقنتُ من مصدرها العلوي، وأدركتُ مغزاها الروحيّ البعيد، وبعد أن حزمتُ أمري على انتهاج سبيلٍ جديد في الحياة في نور هداها. يومذاك كان قد مر على إعلان تلك العقيدة السامية قرابة ربع قرن، وكان الدكتور فريد أبو سليمان وهو المؤمن السادس بها – من أكثر الداهشيين تواصلاً بالدكتور داهش، تواصلاً يكادُ يكون يوميًا.

كنتُ يومها طالبًا في الصفوف الثانوية، وكان الدكتور فريد طبيبًا معروفًا في معظم الأوساط اللبنانية، نظرًا لحضوره المتميِّز على صفحات الجرائد والمجلات اللبنانية والعربية، إلى جانب الدكتور داهش تارةً وبمفرده طورًا، للتعريف بالظاهرات الروحيّة الداهشيَّة والمبادئ السامية الكامنة وراءها، ولسرد وقائع الاضطهاد الظالم الذي تعرضت له العقيدة ومؤسسها ومعتنقوها في عهد بشاره الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية (1943 – 1952). وبرغم فوارق السنّ والمكانة الاجتماعية والمعرفة الروحيَّة، فقد جمعت بيننا روابط أخوَّة صادقة، عابقة بعطرِ الإيمان، فزالت في ضوئها جميعُ الفوارق. كنتُ ألتقيه في منزل الرسالة ببيروت، أو في مقر عيادته الطبية القائمة في “ساحة الشهداء”. وكان معظم الداهشيين يزورونه فيها، فضلاً عن مرضاه أو من شاقَهم التعرف، من خلاله، إلى الدكتور داهش وحقيقة أهدافه.

وما أكثر ما دار في تلك العيادة من نقاشاتٍ هادئة في موضوع الداهشية ومؤسسها وظاهراته الروحية والظلم الذي تعرض له، وحو حقيقة الأديان في جوهرها، وأسباب نهضة الشعوب والحضارات أو تقهقرها واندثارها، وأهمية السلوك البشري، الفردي والجماعي، وتأثيره في حاضر الأفراد والجماعات ومستقبلهم. وإنني أجيز لنفسي القول إن تلك العيادة المتواضعة كانت، في واقع الحال، عيادتين: واحدةً لأمراض الجسد، وأخرى لأمراض الروح! وعندي أنه لو خيِّر الدكتور فريد بينهما، لآثر الثانية على الأولى، وذلك من منطلق إيمانه الداهشيّ بأنَّ ما يصيب الإنسان من أمراضٍ جسدية له أسبابه الروحيَّة العميقة البعيدة، وأنه رهنٌ بارتقائه الروحي أو سقوطه في حياته الحاضرة وتقمُّصاته السابقة. وكانت التعاليم الداهشية المدعومة بالمعجزات الإلهيَّة، في منظوره، الدواء الشافي الوحيد للعلل المستشرية في الكيان الإنساني. لذلك رأيناه يؤثر التضحية بوظيفته الطبية الرسمية حين خيّرته السلطة اللبنانية، في عهد الرئيس الخوري، بين بقائه في الوظيفة أو بقائه على إيمانه بالداهشية. ولم يتردَّد لحظةً واحدةً في اتخاذ موقفه، إذ شتَّان ما بين الخيارين!

وإنني لأستذكر بإعجاب تلك العيادة وما كان يدور فيها كَّلما أطلت عليَّ، اليوم، أحداثُ العالم المفجعة، وقامت الدعوات الملحاح إلى الإنطلاق بحوار الحضارات وحوار الأديان لتجنب الأرض والإنسان، أي إنسان، كوارث لا تحمد عواقبها. ففي تلك العيادة، وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، تلاقت الحضارات وتعانقت الأديان في ظلِّ المبادئ الداهشيَّة العظيمة. وفيها كان الدواء للداء الإنساني الأخر؛ دواء لم تكن فيه لبشر يد. ذلك أن اليد التي جاءت به يد انطبقت راحتها على أسرار الأبد والمجهول؛ يد امتدت من دوائر النور العليا بغية إنارتنا وهدايتنا وإنقاذنا قبل السقوط الشامل المروّع. وما كان يتردَّد في تلك العيادة لم يكن غير أصداء لكلام الرجل الكبير، الدكتور داهش. وكم كان أجدى للإنسانية – إذا صحَّ أنها صادفةٌ في ما تدعو إليه اليوم من حوار – لو أنها أصغت، بالأمس، إلى ذلك الكلام المنزَّه عن كل غايةٍ، وفتحت مغاليق قلبها للشمس الآتية من البعيد البعيد!

لقد وجدتُ في الدكتور فريد أبو سليمان، منذ عرفته، أخًا مُحبًا، مثالاً في إيمانه، وفي حماسته المتوقِّدة لنشر المبادئ السامية التي كان يستقيها، مباشرةً، من مصادرها. وكان، في كل ما يقوم به من أعمالٍ ونشاطاتٍ، طيِّبًا الطيبة كلّها، صادقًا الصدق كلّه، متواضعًا إلى حدٍّ لا تواضعَ بعده! وكان يواجه الإساءة بمحبَّته المعهودة وطيبته الفريدة، لكنه كان يتحوَّل إلى نمرٍ شرسٍ متحفزٍ للانقضاض إذا ما أُسيء إلى عقيدته ومؤسسها، فلا يحسبُ عندئذٍ أي حساب لمن أساءَ أو اعتدى، مهما عظم شأنه. وقد تعرَّض، في خلال الاضطهاد، إلى اعتداءات متكرِّرة من قبل رجال السلطة وشراذم إحدى العصابات المنضوية تحت لوائها، لم يكنْ أقلّها السجن والاستهداف بمحاولة اغتيال فاشلة على يدِ واحد من أشهر قناصي رجال الأمن العامّ اللبناني. لكنها جميعًا لم تلوِ من عزيمته، بل شحذتها وزادتها مضاء، ودفعته إلى مقارعة الطغيان والانتصار للحقّ والعدالة حتى أذن الله بسقوط الباغية وانذثار عهده.

إن بعضًا من عظمة هذا الطيِّب الراحل أنه كان واحدًا من قلَّةٍ قليلة اختارت لنفسها أن تتعمَّد بأنوار تلك الشمس، وأن تتعلَّم في ظلِّها حروفَ الهجاء المضيئة. وقد وقع عليه الاختيار ليدوّن وقائع الجلسات الروحيّة، مواصلاً ما كلِّف به روحيًا عملاقُ الشعر والروح، الشاعر حليم دموس (1888 – 1957). وقد أخرج إلى النور، نتيجة مواظبته على التدوين، كتابين ضخمين فيهما من أسرار الحياة والموت والتقمُّص والعوالم الأخرى… ما لا تحلمُ الإنسانية بأن تقرأ مثيلاً له. وقد صدر له منهما كتابٌ أطلق عليه اسم: “في رفقة الهادي الحبيب” (نشرته الدار الداهشية في نيويورك عام 1997).

لقد تعلمتُ كثيرًا من هذا الأخ المُحبّ، الوفي كل الوفاء في إيمانه، والمُضحِّي حقًا في سبيل الحقيقة الروحية الخالصة. لكن أعظم ما تعلمته منه إفناؤه ذاته أمام تلك الحقيقة التي وعى، كل الوعي، أبعادَ عظمتها وقدسيتها، وسعيه الدائم لأن يكون ظلاً لها ولحاملها عن استحقاق وجدارة. ولقد قدَّم ذاته كلّها، لا بعضها، على مذبحهما. ومن قدَّم ذاته في أمرٍ جلل، هانت في عينيه كل التضحيات الأخَر.

قبل أسبوعٍ من غيابه، زرتُه في بيروت للاطئمنان على صحَّته. كان وجهه مشعًا بالنور، كما عهدناه، والبسمةُ تعلو ثغره. فخاطبني بكلماتٍ ودية مُسجَّعة، كما كان يحلو له أحيانًا أن يخاطب إخوانه. ثم قبَّلته مُودعًا، من غير أن أعلمَ بأن لقاءنا سيكون الأخير في هذا العالم بعد مضي تسعةٍ وثلاثين عامًا على تعارفنا.

وقبيل انتقاله في العشرين من نيسان 2003، هاتفت الأخت زينا حداد أطمئنُ عليه، فأبلغتني أن صحته مُستقرة. ولكن ما إن انقضت نصفُ ساعة حتى اتصلت بي هاتفيًا تُعلمني بخبر انتقاله المُفاجئ! فشخصتُ، من فوري، إلى مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت، حيث وضع جثمانه لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه. فقبَّلته، وشكرتُ له مثاليته وتضحيته ومحبَّته، وهنَّأته بعالمه الجديد البعيد السعيد، “مدينة الأحلام الفتانة”، حيث أوصل نفسه، ولا شكّ.

لقد غاب الدكتور فريد أبو سليمان، لكنَّ عطر محبَّته باقٍ، والمصباح الذي حملته يمنيه لن يغيب نوره إلى الأبد!*

"رجل ابتاعَ نفسَه فأعتقها"

الدكتور فريد أبو سليمان

“رجل ابتاعَ نفسَه فأعتقها”

                                                                                     بقلم نقولا ضاهر

من تاقتْ نفسه إلى السماء مدَّه الله بزاد المعرفة، وأكسبه نعمة الإيمان، وألبسه لباس التقوى ودرعه الحصينة. هذا شأن المؤمنين، بل هذه غاية القانتين الصابرين، في كل زمانٍ ومكانٍ وفي كل رسالةٍ ودين.وما كان الدكتور فريد أبو سليمان إلا واحدًا منهم.

إنسانٌ طيِّب القلب، ورع، نقيّ السيرة والسريرة. عرفته عن كثب، سحابه أربعين عامًا، أخًا داهشيًا مُخلصًا وفيًا لرسالته الروحية وفاء السموأل. رافقته مراراً في زياراته وفي اجتماعاته وفي ندواته ومحاضراته، فوجدتُه إنسانًا مؤمنًا بالله العظيم إيمانًا مطلقًا، إنسانًا محبًا يريد لسواه ما يريده لنفسه؛ إنسانًا خلوقًا، حليم الطبع، لا ينطوي قلبه على ذرةٍ من حقد.

الدكتور فريد أبو سليمان فصلٌ بهيٌّ من فصول التاريخ الداهشيّ. تعرَّف بالدكتور داهش أواخر عام 1942، وعاين ظاهراته الخارقة، ولمسها لمس اليد، فآمن بعقيدته الروحيَّة ومبادئها الإنسانية الخيِّرة، وكان المؤمن السادس في عداد لفيف من المؤمنين منهم الطبيب والمحامي والأديب والشاعر ورجل الفكر…

لكنَّ اضطهادًا غاشمًا أنزله بشاره الخوري، أول رؤساء لبنان المستقلّ (1943 – 1952)، بالدكتور داهش ومن تبنَّى آراءه، فاعتقل الدكتور أبو سليمان في جملة من اعتقل، لا لشيء إلا لأنه داهشيّ! هذا ما جرى في بلد يتغنَّى بحرية المُعتقد، والحرية فيه مؤودة! ويتباهى بدستوره، ودستوره حبر على ورق!

ومما أُثِر عن الدكتور فريد أبو سليمان، في أثناء الاضطهاد، أنه كان رجل مبدأ وعقيدة، له مواقف في تاريخ العقيدة الداهشية تنمُّ عن صلابته وثباته فيها. فلما طلب إليه الاختيار بين وظيفته الرسمية – وكان آنذاك طبيبًا شرعيًا في محافظة مدينة بيروت – وإيمانه بالداهشية، لم يتردَّد في الاستعفاء من  وظيفته لئلا يحيد قيد أنملة عن معتقده.

ولم يقتصر اضطهاده على هذا التخيير، بل تعرّض للخطر أكثر من مرّة. فقد تعرَّض للاعتداء على يد نفرٍ من المأجورين؛ كما أطلق عليه النار بينما كان يقود سيارته، على طريق الجبل، عائدًا إلى منزله، فخرق الرصاصً السيارة، ولم ينله أي مكروه؛ فقد حرسته عين السماء التي لا تغفل ولا تنام، فنجا بأعجوبة، وصدق فيه قولُ القائل: وإذا العناية راقبتك بعينها، نمْ، فالمخاوف كلهن أمان ولا أحسبني مغاليًا إذا قلتُ إن الدكتور فريد أبو سليمان قد نذر نفسه للرسالة الداهشية، يجاهر بها حيثما وجد. كما إنه لازم الدكتور داهش ورافقه في كثير من زياراته لأصدقائه ومعارفه. ولم تكن عيادته في بناية سينما روكسي ببيروت مقصدًا للمرضى فحسب، بل كانت، أيضًا، مقصدًا لناشدي الحقيقة الروحيَّة أو للراغبين في مقابلة الدكتور داهش.

ولقد رافقته، أنا بدوري، في عدة زياراتٍ وإلى محاضرات، منها محاضرةٌ ألقاها في “مركز الشابات المسيحيات” القائم في شارع الحمراء ببيروت، فتحدَّث عن كيفية تعرفه بالدكتور داهش وما شاهده من ظاهراته الروحيَّة. كان الدكتور فريد يُلقي محاضرته، وكان الجو يسودُه الهدوءُ والاحترام. ولما فرغ منها، انهالتْ عليه أسئلةُ الحضور، مُستفسرةً مُستوضحةً، فكان يجيبُ عنها بلطفه وصراحته المعهودين.

وأذكرُ أنني رافقته عام 1986 إلى بروكسل لحضور محاضرة في موضوع الداهشية (ألقاها الدكتور غازي براكس)، ثم المشاركة في معرض الكتاب حيث أفرد لمؤلفات الدكتور داهش جناحٌ خاص. وإن أنسَ لا أنسَ كيف لازم الدكتور فريد الجناح الداهشيّ طول مدة العرض، وكيف كان يتحدَّث بلغته الفرنسية الجميلة إلى زائريه من غير أن يعتوره كلالٌ أو ملال، فيحدّثهم عن الدكتور داهش وأعماله وآرائه ومؤلفاته… كل ذلك بوضوحٍ ورحابة صدر.

ولقد تميَّز نشاطُ الدكتور فريد أبو سليمان، في حياته الداهشيَّة، بفضحه للشعوذة والمشعوذين حتى لقبته بعضُ الصحف اللبنانية باسم “فاضح المُشعوذين”. وقد دفعه إلى ذلك ما أكدته له الداهشية من أن الخوارق أو المعجزات إنما هي وقفٌ على رسل الله أو هُداته، يصنعونها بهبةٍ وإذن منه تعالى. أما ما يزعمهُ المشعوذون من قدرات خارقة، سواء أكان “تنويمًا مغناطيسيًا” أم قراءة أفكار أم معرفة غيب أم غير ذلك، فليس، في حقيقته، إلا دجلاً قوامه الخفَّة أو المهارة أو التمويه أو الاتفاق المُسبق أو ما شاكل…

كان الدكتور فريد أبو سليمان يتتبَّع أخبار المشعوذين في لبنان، فيقصدهم حيث يعرضون “ألاعبيهم”، فيكشفها أمام الجمهور. وقد كنتُ في عداد مرافقيه إلى Alumni Club (نادي متخرجي الجامعة الأميركية ببيروت) حيث فضح أحد أخطر المشعوذين العالميين ، المعروف باسم “طهرا بك”. كما رافقته، في بيروت أيضًا، إلى نادي Faubourg St. Honoré (وكان ملتقي النخبة المثقَّفة في المجتمع اللبناني) حيث شرح للحضور، بطريقة علمية عملية، بعض الاعيب المشعوذين كتنويم الدجاج والأرانب أو إيقاف النبض أو الاضطجاع على فراش من المسامير أو ما شاكل… ومما شدَّد عليه، يومذاك، أن جهل المشاهدين بقواعد “اللعبة” أو تقنيتها هو ما يُوهمهم بأن في الأمر إعجازًا، حيث لا إعجاز ولا من يحزنون! الدكتور فريد أبو سليمان قطب من أقطاب الداهشية، ارتبط بها اسمه، فإذا ذكر ذكرت، وإذا عُرض تاريخها لاح فيه وجهه بهيًا مُضيئًا. ما إن اعتنقها حتى اندفع يدعو إليها واضعًا يده على المحراث، لا يلتفتُ إلى الوراء، ولا يتورَّعُ من أن يتبرأ من جميع مناوئيه، وإن كانوا من أنسبائه الأقربين!

ولو شئتُ أن أختصر الدكتور فريد أبو سليمان لقلتُ إنه عين عرفت، فذرفت. عرفت الحقيقة، فذرفت دمعتين: دمعة الفرح لاهتدائه إليها، ودمعة الأسى على عالم البؤس والشقاء وعلى الهائمين فيه بلا نور.

ولئن قال الإمام عليّ بن أبي طالب: “الدنيا دارُ ممر لا دارُ مقر، والناسُ فيها رجلان: رجلٌ باع فيها نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها،” فلا يخالجني أدنى شكّ في أن الدكتور فريد كان الرجل الثاني؛ فقد عمل جاهدًا ليتخفّف من دنياه ويشتري بها أُخراه. ولم يفارقه الإيمانُ، يومًا، بأنَّ كل شيءٍ في الأرض زائل، وأن الإنسان فيها عابرُ سبيل، لا بدَّ له من أن يواجه الحقّ، عاجلاً أم آجلاً، ليحاسب على ما أتاه من أعمال. ولقد استغرقه هذا الإيمان حتى لم يعد يؤرقه أي سؤال. ولطالما تحدَّث عن العالم الآخر وكأنه يتحدَّث عن جارٍ له أو عن حديقة غنَّاء أُوتي له أن يشاهدها، مرارًا كثيرة، من خلال بعض الكُوى!

فهنيئًا لك، يا أخي الدكتور فريد، عالمك الذي استحققته بعد وعثاء الطريق! وهنيئًا لك ما قدمته لرسالتك وللمجتمع من خدماتٍ جليلة ستظلّ ذكرى طيبة للأـجيال المُقبلة، وعبرةً لا تُنسى لمن شاء أن يعتبر*.     نيويرك، 6 أيار 2003.

شجرة مباركةٌ أثمرت ثمرًا مباركًا

الدكتور فريد أبو سليمان

شجرة مباركةٌ أثمرت ثمرًا مباركًا

بقلم أسعد سليلاتي

هو أرزة صامدة طالت فروعها بفضل ينابيع العطاء السماوي الفتان.

وفاح عبيرها المُنعش في أرجاء المعمورة كلّها، يتنسمُهُ المشتاق الولهان

وأورفت ظلالها على كل ملهوف، فغمرتهُ بالدفء والحنان؛

دفءُ الحب والعطف والنقاء، دفءُ الإيمان.

تعرَّفت إلى الدكتور فريد أبو سليمان في ربيع ام 1964 كي استقي من مناهل الداهشية، بعدما عرفتُ أنه أحد المؤمنين بها، تلك العقيدة الروحانيَّة التي أتى بها الدكتور داهش لإثبات وجود الروح، في هذا العصر الذي بات يشهدُ انحطاطًا ماديًا زريًا، برغم التقدُّم العلميّ والتقنيّ.

أجل… قمتُ بزيارة الدكتور فريد في عيادته في بيروت، تدفعني لهفةٌ هاجعةٌ مُذ كنتُ في العاشرة من عمري، حين سمعتُ بعضَ الناس يتحدَّثون عن الدكتور داهش ومعجزاته الخارقة، وتمنيتُ يومها لو يتاحُ لي أن أتعرف إليه، وكنتُ ما أزالُ يافعًا. وها إن ذلك الحلم بدا حقيقة في تلك الآونة، وأتيح لي أن أصلَ إلى مُبتغاي.

فقصدت الدكتور فريد كي أستطلع حقائق هذا الأمر.

            والآن، بعد السنين المنصرمة، ما زلتُ أتذكر أول لقاء مع الدكتور فريد، وهو فريد بتواضعه النادر المثال، وإطلاعه على الحقائق الروحية والحياتية، وجرأته في قول الحقيقة، وصدقه الصارم في أحاديثه؛ فيشعرُ المرء بطعم المحبَّة الذي تطلبه النفس من أعزِّ الناس وأقربهم ولا تجده. ويمتد الوقت والكلام المستساغ ليس منه شبعٌ أو ارتواء. فكان الدكتور فريد، بالنسبة لي، الأب والأم والأخَ والأخت في آنٍ معًا.

“أهلاً… أهلاً… يا أخي”. هكذا يستقبلُ الدكتور فريد زائريه. فللحال يشعرُ الزائرُ بأنه في بيته وبين أحبابه. بهذه العاطفة النبيلة يعطي درسًا بليغًا في المحبَّة؛ لأن محبَّة حقيقية واقعية نبتت في ضميره ووجدانه تجاه الآخرين، أيًا من كان هؤلاء الآخرون. وهو لا يجاملُ، بل يقولُ الحقيقة التي تفيضُ من نفسه التي أدركت معنى الحياة والموت، معنى الصحة والمرض، معنى الفقر والغني، معنى النبالة والتفاهة، معنى الكبرياء والتواضع، معنى العفَّة والرذيلة… ففاضت نفسه الأبية بالمعاني الراقية المنزَّهة عن سخافات الرغائب الدنيوية البائسة، وتمسك بإيمانه القويم بفضل ملازمته لرجل الروح، الدكتور داهش، صاحب المعجزات الروحية الباهرة التي عاينها ألوفٌ وألوفٌ من الناس، بينهم الوزير والنائب والمحامي والطبيب ورجلُ الدين والأديب والصحافي والفيلسوف، عربًا وأجانب؛ وكلٌّ شهِدَ بما عاينه ورواه.

الدكتور فريد لا يحتاج إلى مديح. فكل المعاني تتراجع أمام صفاته الحميدة. ولا يستطيع قلم أن يفيه حقّ قدره. إنه مثل أعلى لكلّ من اتَّخذ درب النور والحقيقة، ونبراسٌ يستضيءُ بنوره المؤمنون، فينهجون على منواله كي تسمو أرواحهم ويدركوا أن لا خلاص للبشرية إلا بالعودة إلى جوهر الدين، حيث تقطُنُ المحبَّة الخالصة المنزهة عن الشرور. فالإنسان أخو الإنسان شاء أم أبى. لذلك قال السيد المسيح: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم”.

الدكتور فريد لازم الدكتور داهش منذ كان شابًا يمارس مهنة الطب. وأكبَّ على نهل التعاليم الروحية، وأيقن أن الرسالة الداهشية هي المنقذ الأوحد لأمراض هذا العصر، كالحروب والتعصب الديني والطبقي، فيتوجب على المؤمنين من أي طائفة كانوا، أن يتواصلوا ويتحاوروا ويتحابوا ويتقبَّلوا التعاليم السماوية، لأنها في حقيقتها واحدة، أساسها الوصايا العشر التي تبدو أنوارها ساطعةً في كل رسالة سماوية؛ والروح الإلهيّ يُعلِّم التقوى والصلاح، ويرشدُ الناس إلى الوحدة لا الانقسام: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لستَ منهم في شيء…) (الأنعام: 159).

لقد رحل الدكتور فريد عن عالم الأرض إلى عالم الخلود. فهو حيٌّ في عالمه الثاني، كما هو حيٌّ في نفوسنا. رحل في العشرين من نيسان عام 2003، عن عمر مديد ساعد فيه المحتاجين وهدى الضَّالين سواء السبيل. لم يغرّه جاهٌ أو ترف، مالٌ أو بنون، لأنه نبذ الدنيا وتمسَّك بالآخرة. عاش حياةً راضيةً مرضية، وتخلَّى عن وظيفته حين خيَّروه بين الرسالة السماوية أو الوظيفة مصوبًا وجهه المضيء، كشمس نوار، نحو درب الحقيقة.

أجل… لم يخشى السجون والحراب، وتحمَّل من الاضطهاد التعسُّفي في عهد بشاره الخوري (رئيس الجمهورية اللبنانية سابقًا)، دون أن تلين له عزيمة حتى انتصر الحقّ وأُسقط الرئيس عن حكمه قبل انتهاء ولايته. وقد عاينتُ، مرةً، الدكتور فريد يشرحُ لرجال الصحافة ولكثير من الحاضرين حقائق المُعجزات الروحيَّة واسباب حصولها، والتمييز بين ما هو حقٌّ وصوابٌ في التعاليم الداهشية، وما هو خطأ وضلالٌ في تقاليد موروثةٍ ليست لها قيمة تجدي نفعًا.

فإن غاب عنَّا الدكتور فريد، فهو ما يزال نبراسًا للجميع في هذه الغبراء الكئيبة. ومسكنهُ الأبدي الخالدُ في عالمٍ وضاء. وقد صبر وظفر… فهنيئًا له سعادتُه في تلك الربوع المقدَّسة أبد الدهر بين أحبابه القديسين الأطهار، والملائكة الأبرار.

فإلى روحك الطاهرة التي غادرت دنيا التراب هذه، وحلقت نحو الأخدار السماوية، أرفعُ سلامي وشوقي. ولعلَّك، ومن عالمك الوضاء – الذي أوصلت نفسك إليه بالتقوى والإيمان – تخاطب أرواحنا التي تحنُّ دومًا إليك وإلى سماع نصائحك فتستضيء بها إلى دربِ السماء، دربِ الخلود السرمديّ!*

مَرثاة

 

(مُهداة إلى روحِ الأخ المُجاهد الدكتور فريد أبو سليمان)

                                                                                    شعر على جمعة

ساعيًا في الأنجم الزهر،

إلاهيَّ السَّنا،

يختالُ زهوًا في معاريجٍ السماء.

دفتر الماء، أُتمحى النسمة السَّكرى؟

أتحني الريحُ شلاَّلَ الضياء؟

ها أنا الدَّمع!

أيبكي المُبصرُ المفتونُ، ما جدوى البكاء!

آتيًا في موته المرئيِّ،

يجري مُطمئنًا، داهشيَّ المعجزات.

ها أنا ألمسُ سيلَ الكلمات.

لفتة الموت تواخي حزمة الضوء،

تلاقيها أكفُّ الشمس،

سافر في الرؤى، إن شئتَ،

أو في الغيم أحيانًا،

أضيء، تَفرشْ سرير البحر،

سافر في حنايا الفلك، إن شئت،

ألم تُرخِ بساط الأنجم الأخرى على خيط الحياة؟

كان حزنًا، فهو منّي،

أتركوا قلبي يغنّي،

هكذا أسميتُ وجدي أدمُعًا، حبرَ رمادْ.

فاتركوني لمُنىً خبأتها في أضلُعي،

أسكنتُها طي الفؤادْ.

حاملاً أشياءَ دهري،

ويمرُّ الوجعُ الآتي ببالي،

قلتُ: مِن أين نَفرنا؟ أو مشَينا،

لم يُعدْ للحبِّ معنًى أو صدًى،

ها نحن أمسَينا حُفاةْ.

دمعتي حرى، وقلبي أصبحَ الآن ضلوعَ الأمنياتْ.

كيف نحيا!

كيف تسمو النفس، تمتصُّ عويلَ الوقتِ،

ليت الليل يجري في أخاديد الحكاياتْ.

***

تائهًا يبحثُ عن وجد، مليء اللون، آنيَّ الحنان.

لم يعدْ في البال إلا همسةُ الراحلِ في أنسامِ نيسانْ.

حالمًا أبصرتُ أن الطيرَ تسعى في الرُّبى خلفَ جناحيه،

ويرقى الشجرُ الحاني إلى نظرة حُبّ تثني من مُقلتَيه،

أيحنُّ الكونُ ولهانَ إلى أرجوحة الضوءِ لديه؟

شاعرًا ناجيتُه، كان تقيًا، نبوي البوح، روحي البيانْ.

عاشقًا ناديتُه، كان مُحبًا،

صَيَّر القلب شموعًا،

ظلّه الظلُّ، ضفافٌ تشتهى في كل آنْ.

ليتني أُدركُ أن الوقتَ حزنٌ

والكرى الوسنانَ برهانْ.

ليتكم كنتم تفيئون إلى ظلِّ يديه،

أنفيءُ الآن ساعين إليه؟

قلتُ: غفرانًا، أُخيَّاهُ، وغفرانْ.

***

(آتيًا من كوخه الغربي)

يمشي، داهشيُّ الوجه، شفاف السِّماتْ.

قمر الموت، حنانيك!

فما أعجب أن تأتي فتيًا في رفيفِ الفجر،

أو في لمحة العين، أيمحى العمر في رفَّة أجفان؟

قلتُ: يا بحر وداعًا، كان طيفًا ومضى،

ما أعجب الطيف يؤاخيه الندى!

يلثمُ مجراه، ويغفو ساكنًا دمعة تحنانْ.

أيها النهر وداعًا،

ما أحَيلى السفر الميمون! ما جدوى البقاء؟

قلت: ما أعظم أن ترحل في موكبِ أضواءْ.

أيُّها الراحل، كم عزَّ اللقاء!

رحمة الربِّ وغفران!

***

كان وحيًا، واثق القلب، سنيَّ الدرب، يمشي صامتًا،

في وجنتيه راحةُ البال، وفي كفية آياتُ المساء.

داهشيًا كان

يطوي أضلع الوقت، جريء العدل، سيفًا يقطع الظلم،

ويبني معبد الربّ، وأفياء البهاء.

قلت: يا أنبل مخلوق!

أيُمحى ورقُ الأسماء أم يبقى ضبابُ الأمسيات!

داهشيًا كان،

في خارطة الوجد أحاكيه أخًا،

ألمحُ في المرآة أسماء الصفاتْ،

يا أعزَّ الناس! سافر، إن تشأ، في الفرح الآتي،

وسافر في فراديس المسافاتْ.

داهشيًا كان، ما أبدع أن يكسرُ نهرٌ ضفَّتيه!

تاركًا مجراه ينداحُ على أكتاف إنسان.

داهشيًا كان،

ينأى باسم اللمحِ، عَصيَّ البوح، ضوئي المكان.

نَمْ هنيئًا، أيها الناسكُ،

نَمْ في خمرة الوديان، أو في هدأة الشطآن،

لم ندرِ، كأن الساعة الأخرى تؤاتي رحلة الدرب.

ألم ندرك، كأن الموج حزنٌ

يبحثُ الساعة عن جدول وجدانْ.

قلتُ: بتنا الآن في مركب أحزان!

أيها الآثر، غفرانًا وغفرانْ.

قد طوانا الوقتُ، صرنا نُشبه اللون بلا طعمٍ، نسينا،

شغَلَتنا في الرُّبى عنا عباءاتُ الزمان.

                        ***

(آتيًا من كوخه الغربي)

يمشي مشية الظلِّ الهويني،

وارفَ الطلع، خفيف اللمساتْ.

ألمحُ الصوت نقيًا:

جاهدوا أنفسكم، صلُّوا… تفوزوا، تفرحوا.

(هل تحرقون الرمزَ دومًا؟)

(أرضنا دارُ ممر، إفتح الباب تفزْ، تفرحْ كثيرًا،

نَفسُكَ المرآةُ، إن تمسحْ غبار الوقت عنها

تستطعْ أن تكشفَ الأضواءَ منها).

أيها الراحلُ، غفرانًا رحيمًا، ليتنا حقًا عرفناك كثيراً

ليتنا حقًا عرفناك أخيرًا. *                                                           30/4/2003

رحلَ فريدُ مُبتسِماً

 

رحلَ فريدُ مُبتسِماً، ولم يعُد، وعلى الأرحج أنَّه لن يعود، فقد انتصرت ذاته الفُضلى على الشرِّ الكامن في نفوسنا، وحطّمَ قيود المادَّة التي أسرتنا لمئاتٍ من السنين، نهض من بين ركام تقاليدنا فكسَّرها، أبالسة الدنيا لم تنل منه ليجوس ربوع الرذيلة ,ولم تُخضعه لسلطانها.

 فلا الفتيات الدعجاوات أغرته بجمالهنَّ وأنوثتهنَّ ولا بدلالهنَّ وفتنتهنَّ، وهو مازال في ريعان الشباب، حيثُ كان طيف الصبية يأسر العقول ويذهبُ بالألباب، فتكتوي القلوب من لوعة الفراق حسرةً على أمل اللقاء.

  ولا المال الذي أتاه صاغراً تملَّك منه، وهو ابن الحسَبِ والنسب، ومن عائلةٍ ميسورة، تكتنز المال، وتبيع العقارات، وتعيش في رغدٍ وبحبوحة، فكان له الوسيلة لعمل الخير مع أضعف خلقِ الله, وفيما بعد، باباً من أبواب الجهاد والتضحية في سبيل اعلاء كلمة الحقِّ والنور واليقين.

  ولاالعلم الرفيع الذي كبَّ على نهله أجحده عن معرفة الله والأديان، فكان عالماً بها، ينهل من معينها فلسفةً ، عمادها الأخوة الأنسانيَّة، وهدفها الخلاص من براثن الشرِّ المحيط بنا، المتمثِّلة بالعصبيَّات الطائفيَّة والمذهبيَّات الأثنيَّة، والتي تختلجُ به نفوسنا، وبتحريضٍ من آباءنا وأجدادنا، الى أن قيَّض الله له نوراً الهيّ يدعو الى وحدة الأديان، فكانت له منارةً يهتدي بها في بحور الظلمات، مُلتزماً الأخلاق الحميدة.

 ولا الطبُّ الذي أمتهنه أبعده عن مساعدة الفقراء والمحتاجين، فهم اخوةً لنا امّا في الدين أو الأنسانيَّة، جارت عليهم الأيَّام،  فكان يعمل على التخفيف من معاناتهم، راسماً بسمةً على شفاههم التعيسة، مُبرداً حرارة لوعتهم بكلماتٍ تواسيهم، وتزرع الأمل في نفوسهم.

ولا ذو القربى استطاعوا أن يلزموه تقاليدهم وعاداتهم التي تربُّوا عليها، وتهديدهم بحرمانه من ميراثٍ لا يُغنِ ولا يُشبع مهما كثر، ولا نبذٍ من طائفة ، لم يأبه بوالدين شبَّ في كنفهما، ليس ظلماً ولا قلَّةَ وفاء، انما نصرةً للهادي الحبيب الذي رأى فيه نور الله المُتجلِّي لأبناء الشرِّ الوضيع.

 ولا رجال الدين بسلطانهم الكهنوتيّ والقابضين على الدين استطاعوا أن يخضعوه لمآربهم ،وهو العارف، والعالم ، مُبيِّناً اختلاف الأصل عن تحريفهم للتعاليم السماويَّة والوصايا الألهيَّة، وما ذلك الاَّ لأبتزاز الناس وأموالهم ليكدِّسوها في قوة سلطانهم، فشهر سيف الحقِّ في وجه المتألِّهين من رجال فقهٍ وكهنوت، هزء بهم حين كان منفرداً،  هاجمهم حين قلَّت الرجولة واختبأ الرجال، وعمِلَ على كشف خزعبلاتهم وأضاليلهم، غير عابىءٍ بظلمٍ ولا بطردٍ من كنائسهم، لعلمه اليقين أنَّه على حقّ، وهم على خطأ.

            ولا وعودَ أو اغراءاتَ رجال السياسة بزيادة راتبه ومنحه المراكز الرفيعة في الدوائر الرسميَّة أغرَّته ليتنسَّم منها مراكزاً أعلى وأرفع، ولم يتمكنوا من استمالته اليهم، أو فرض سلطتهم عليه، وهو الأبيِّ الكريم، وهم المُسخِّرين للسلطة والدين لتنفيذ مآربهم والأنقضاض على الدستور بحجَّةِ الأمن والسلام ليحل على النفس الأنسانيَّة، والمُتَّخذين من قوانينهم الغير مرعية الأجراء قوَّةً للأنقضاض على الفقراء والضعفاء المساكين، ونهب المال العام.

رحل فريدُ مُبتسماً، ولم تُلِنْ من عزيمته الأعتداء عليه واهانته ثمَّ ضربه وسجنه، ، لم تثنه تهديداتهم وعويلهم، ولم يأبه بسلطتهم وسلطانهم، ولم تُغره اغراءاتهم، ولم يغيِّر ذلك في شيءٍ من ايمانه، وهو الصخرة التي ستُبنى عليها وحدة الأديان. لم يرحم قوتهم وهم الوصوليين، ، وقف في وجه دولةٍ ظالمة، بما تمثِّله من قياداتَ وأفراد، ورجال دينٍ ودولة، في حين لم يجروء الآخرين. ولم تنفع معه محاولاتهم لأسكاته عن قول كلمة حقِّ في رجل السماء البار، والوقوف معه في الضرَّاء قبل السرَّاء، فكان الرفيق الأمين، والمخلص الوفي، والمجاهد الصنديد، كان القوي الجبَّار، الحكيم وصاحب الحكمة، كان النور وسيف الحقِّ البتار الذي اشترى خلاصه من عالم الكذب والرياء، والحياة الفانية، بعوالمٍ من نور، وسعادةٍ أبديَّة.

رحل فريد مُبتسماً، بعد أن كسر قيود الجهالةِ، مُبشراً بنور الهدى، مصباح النجاة، يُنيرُ أمامنا طريق الهداية والسماء.

حسين يونس

القِيَمُ التي لا تموت

 

الموت ليس نهاية الطريق، هو الوجه الآخر للحياة، بل هو صفحةٌ من  صفحات التكوين في كتابٍ سرمديّ، خطَّه الله منذ الأزل، يحمل أسرار الأبد وخفاياه. هو الوعي الذي يتحرَّر من قيود المادَّة ليستكشف أبعاد الكينونة التي لا تُقاس بالزمان ولا المكان. يبحثُ عن الحقيقة في هذا الوجود المُتغيِّر، في عالمٍ لا تُدركه الحواس التي تحجبُ الجسد عن رؤية حقائق هذا الكون، يتنتقَّل بين حالات الوهم والإدراك ليُلامس جوانبٍ من الحقيقة في مسارِ المُطلق، حيثُ الوعي الأرقى والأوسع والأسمى.

الموت ليس ذاك الجدار الصَّامت التي تصطدمُ به الحياة لتنتهي، يُباغت الوعي في لحظات السكون أو في خضم صخب الحياة، به يُفنى الفرد في حين يواصل الجوهر وجوده رغم تغيُّرِ أشكاله. هو الحقيقة الروحيَّة التي تُبنى عليها الحقائق الأخرى، تستيقظ بها النَّفس بموجب التعاليم الإلهيَّة لفهم قوانين الحياة والوجود. يقول الدكتور داهش:” الموت يقظةٌ جميلة ينشدها كلّ مَنْ صَفت نفسه وطهرت روحه , ويخافها كلّ مَنْ ثَقُلت أفكاره وزادت أوزاره.”

وانطوى الزمان في صِراع الذات مع أفعالها ونتائجها في هذه المتاهة المُظلمة، حتى أسفرت عن نَدَمٍ أعقبته يقظةً روحيَّة، تحوَّلت الى مرآةٍ لا ترحم، تعكس حقيقتها ونواقصها، تسترشدُ الخلاص بمواجهة الحقائق بالوعي والفهم، لا بالإنكار أو النسيان. تستغفر الله حسرةً عمَّا اقترفت يداها الشرِّيرة في لحظتها، مُتحمِّلةً المسؤوليَّة الكاملة عن أفعالها. تُعيدُ تشكيل وعيها الإنسانيّ من جذوره. وكانت نقطة الإنطلاق نحو التغيير وتصحيح المسار، مُتَّخذةً من الطريق القويم نهجاً. وهو ما يتطلب شجاعةً غير عادية لمواجهة الذات الحقيقية بكل عيوبها.

انتقال الأخ الحبيب شكري شكُّور يقظةٌ جميلة، توقٌ أزليٌّ للعودة الى الأصل المُطلق، نداءٌ ينبعُ من أعماقِ روحه، حنين الى الله عزَّ وجَلّ. حيثُ الشوق الأبديّ الكامن في قلب كل كائنٍ حيٍّ مُدرك. كان ينشدُ الحُبَّ الإلهيّ في رحلته الى عوالم الرُّوح، يفتقدُ ما لا يُمكن للمادَّة أن تملآه، ينهلُ من تعاليم النبيّ الحبيب قوَّةً لا تضعُف، وفهماً عميقاً لطبيعة الضُّعف البشريّ وآليات السببيَّة الروحيَّة والجزاء العادل، يُحلِّلُ التَّبِعات المُباشرة وغير المُباشرة للخطأ، يُراقب أفكاره، دوافعه، وأفعاله، مُدركًا أنه تحت عين العناية الساهرة، يُعلِّمُ نفسه ويؤدِّبُها ما جعله يُعيد الثِّقة بالذات لتُصبِحَ أكثر نُضجاً على مواجهة التحدِّيات، والتَّخلي عن مُتاع الدُّنيا بما فيها، كي لا يستقرّ في نفسٍ ملوثةٍ بالشهوات.

شكري الحبيب كان صوت الضَّمير الخفيّ، يتردَّدُ صداه في نفوس الداهشيين المؤمنين ليُعيدوا تشكيل إحتمالات المُستقبل، فيه مُعايشةٌ مؤلمة حيثً تتبدَّى الحقائق وتُدْرَك النتائج للحظةٍ زمنيَّة مضتْ. إنتقل الى ميلادٍ جديد حيثُ العدلُ والجمال، وذاتٍ أكثر إنسانيَّةً وحكمةً ووعياً وانسجاماً مع مبادىء الوجود المُطلقة. حيثُ الغاية الأسمى، وكوكبٌ نورانيٍّ لا تُشبِعه ملذَّات الدُّنيا الفانية.

أن أذكرك في ذكرى رحيلك، أذكر الصدق في كلماتك، أذكرُ القِيَمَ التي لا تموت. فإلى اللقاء يا أخي الحبيب.

حسين يونس.

رمادِ الجسد ونُورِ الحياة

 

بين ألم الفراق وعزاء الذكرى، رماد جسدٍ يغيب مع الحياة، ونورُ روحٍ يستعصي على الفَناء. فالجسد ترابٌ والى التُّرابِ يعود، أمَّا المبادىء الصَّادقة والمواقف النبيلة، فما هي إلاَّ شراراتٍ نورانيَّة، تنبثقُ من أنوارٍ إلهيَّة أودعها الباري في النُّفوس التقيَّة، لتكون صِلة الوَصل بين عالم المادَّة الفاني وعالم الرُّوح الخالد. هذه الأنوار هي التي جعلت من الأخ الحبيب شكري شكُّور شرارةً مُتَّقِدة، نشِطة، لا تشوبها مصلحة ولم تستسلم للمادَّة وغرورِها، تمُدُّه بشجاعةٍ تتسامى فوق الغريزة، وتترك وراءها في نفوس الرِّفاق والأحبَّاء ومضاتٍ من نورها لا تخبو، وجذوةٍ لا تخمُد، ليقيسوا بها خطواتهم في عتمة غيابه.

وبين الألم والعزاء صدمة غياب، واشتياق حواس لملامحِ وجهه الصَّبوح، يعتصرُ القلبُ لوعةً وحزناً. وبرغم اليقين الرُّوحي والإيمان الثَّابت بأنَّ الموتَ حقّ، تقف نفسي البشريَّة مذهولةً أمام جدار الموت الصَّامت، تشتاق لصوته الهادر بالحقّ، وتحنُّ لرؤية ذالك الفارس الذي ما وَهَنَت عزيمته، وتفتقدُ السَّاحات لخطاه الثَّابتة. هو إشتياق الحواس لكلِّ تفصيلٍ جمعنا به تحت سقف الأخوّة الصَّادقة  الذي أنهكته المِحن في منزل النبوَّة، وصهرته الشدائد.

وبين هذا وذاك، تولد حكاية الوفاء التي لا تنتهي. فالغياب الماديّ يترك خلفه فراغاً لا تسدّه الكلمات، وجرحاً بشرياً نازفاً يذكرنا بحتمية الفناء للمادَّة. ولكن، حتى في ذروة هذه الصَّدمة وذلك الإشتياق، نعلم أن حواسنا وإن عجزت اليوم عن إدراكه، فإن أرواحنا تتَّصل بروحه التَّقية عبر تلك الشَّرارات النُّورانيَّة التي لا يطمسها غياب، ولا يُنهيها تراب.

في فضاء الفلسفة، لا يُقاس الإيمان والإلتزام بالشعارات، بل بالحقائق التي تتجلّى في النَّفس برغم كلِّ ما يحيط بها من مُغرياتٍ أو مخاوفٍ أرضيَّة، ترى نور الحقّ وتنجذِبُ إليه، وهذا ما يجعلها تُدرك أبعاد الحقيقة الروحيَّة.

وشكري الحبيب، كان ثابت الإيمان، راسخ العقيدة، لا تُغيّره عواصف الأرض، ولا تبدله مِحن الزَّمان. وكان لديه تلك المعرفة الرُّوحيَّة الشفَّافة التي تجعل الإِنسان يرى بنورِ البصيرة ما تعجز عن إدراكه الأبصار الحسّيَّة، حتّى أصبحَ يرى في تعاليم هاديه بوصلة الوجود الأزليَّة.

ومن رحم إندماج الإِيمان العميق بالإِلتزام الوثيق، يولد المؤمن الحقّ، فكان كالصخرة التي تتكسَّر عليها أمواج الفتن وأهوال الزَّمن، تشهد له المواقف بصدقِ يقينه، والتي تَرجمت حقيقة إيمانه وعُمق إلتزامه في أحلك المنعطفات وأصعبها، حيثُ كان يكتب بأفعاله في الشجاعة والبطولة والوفاء المُطلق لتعاليم سيّده وهاديه الحبيب ما عجِزَت عنه الكلمات… لم يتوانَ ولم يتقاعس في زمن الشدائد، بل كان مُقبلاً غير مُدبر حين كان أزيز الرَّصاص يصمُّ الآذان ودويّ المدافع يملأ الأثير، كان الفارس الذي يفتدي عقيدته بروحِه، والمؤمن الذي يرى في البَذل أسمى درجات الوفاء، يشدُّ أزر رفاق دربه، يمنح الأمل والقوَّة لمن حوله، ليصبح نموذجاً يُحتذى به في الاستمراريَّة بعد رحيله.

إن هذه المواقف الشُّجاعة هي التي جعلت من ذكراه اليوم عزاءً يواسي صدمة الغِياب واشتياقاً لذاك الصِّدق الذي كان يفيض من عينيه، وتلك الغيرة التي كانت تحرِّكُ جوارحه، فالمواقف العظيمة لا تموت.

غاب الرَّماد وتلاشى، وبقي الجوهر منارةً تهدي وتُلهم، لتؤكِّد أن الموتَ للمادَّة. أما الخلود فـ للرُّوح وأثرها. موقنين أن الملتقى قريب في رحاب النُّور.

حسين يونس

حزيران 15.2026

 

أرثيكَ بفرح

 

الألم لا يُحكى ، والأحاسيس لا تعبِّرُ عنها الكلمات، إلاَّ أنَّ رحيلك مؤلم، وانتقالك مُحزن. والدموع تعبيرٌ مجازي لحالتي الفرح أو الحزن معاً، لِما يختلجُ في قلوبنا من شعورٍ لفراقٍ لن يدومَ طويلاً، فالمسافات لا تعني شيئاً، والسيَّالات الروحيَّة على إتِّصال دائم، والإنسجام الفكريّ والتفاهم الروحيّ والإتفاق المُتبادل الذي خيَّم على نفوسنا في هذا العالم، لا و لن ينتهي بغيابٍ أو انتقال. فالولادة والموت مؤشّرا العدل الإلهيّ ومعرفة الحقائق الروحيَّة ، والأعمار لا تنتهي لتبدأ، ودوائر الحياة لا تزول حيث الزمان ألعوبة الوجود..

رحلتَ يا أخي الحبيب، وفي رحيلك فرحةً وغصَّة، فرحتي فرحة السماءَ بمولودها الجديد، تتوِّج رأسه أشعّتها النورانيَّة، تعزف موسيقاها الفردوسيَّة، وتنشد أشعارها إبتهالاً بمقدمه، تتغنَّى بآيات الحمد لربّ الحمد، تسبيحاً وشكراً لإنعتاق الأخ الحبيب من أرض الشرّ المتأصِّل في النفس البشريَّة، وخلاصه من براثن الجهل والعبوديَّة، وتحرَّرَه من نير الشهوات الدنيئة التي تسيطر على العقول والنفوس، مُذلَلاً الصِّعاب، مُلتزماً تعاليم النبي الحبيب الهادي، وهو الأقرب الى الحبيب، مُلتزماً تعاليمه، مُتقيِّداً بوصاياه، حاملاً سرّه، حافظاً كلمته.

ما أجمل الذي يتألَّم ولا يتكلَّم، سأشتاق لك يا صبر أيُّوب وكفَّ اللسان، فلترحمك السماء يا أخي الحبيب، لترفع من درجتك الروحيَّة، لتجمعك بالنبي الحبيب الهادي في عوالمه الإلهيَّة، ولتُسكنك فسيح جنَّاتها. سأشتاق لك يا نور العقل وبلسم الرُّوح ومشعل الهداية، يا صوت الحبيب وكلمته، مثال الأخوَّة في التصرُّف مع الآخر، المتواضع الغيُّور على مصالح الرسالة ونشرها، وفيَّاً للحبيب ،حريصٌ على عهده، المُعتصمُ بحبلِ الله المتين، المُتعاطي بروح المحبَّة الإنسانيَّة،.

إيه يا أخي، أأبكي عليك أم أبكي على نفسي، مع علمي أنَّ الحُزنَ للحمقى، أعذرني ، لم أستطع حفظ دموعي ليومِ لقائك، ذرفتها رغماً عنّي، لكن إطمئن، ذرفتها بفرح، وكيف لي أن أُنغِّص عليك فرحتك بخلاصك من عالم المادّة، ولقاءك النبي الهادي، لقد طال إنتظار الحبيب، وهل من مثلُه ينتظر؟

سأشتاق المحبَّة التي أينعت في قلبك أزهاراً، مُضمَّخةً بعطر الإله، وسأبقى على حبُّك الأخوي في الأرض كنتَ أم في السماء، وسأبقى على ذكراك أينما أنت، فالمسافة لا تُبطلُ ودَّاً، وكلماتك لن تبرح خاطري، فهي زادي في حياتي، وإلى اللقاء في حضن النبي الحبيب الهادي، إلى اللقاء يا أخي.

 

بيروت في 20 حزيران 2022

حسين يونس

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!