حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
حُلمٌ جميل
غفا الشاعر قليلاً عندما حلَّ المساء
فإذا بالرُّوح مِنهُ تسري في طيِّ الفضاء!
سَبَحتْ سبحًا عجيبًا حيثُ ينبُوع الصفاء
وتعالتْ وتسامتْ حيثُ ينبُوعُ النقاء!
الحواري قبلتْهُ، أنعشتهُ، أشعرته بالسعادةِ والهناء!
والأماني غمرَتْهُ، بعد ذلك كلَّلتهُ بأكاليلِ الخُلُود والسناء!
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
من سلسلة فراديسُ الإلهاتُ
يُرصعُها اللينُوفار المقدس
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من سلسلة فراديسُ الإلهاتُ يُرصعُها اللينُوفار المقدس
احزانٌ أبدية وأشجانٌ سرمديّة
صمتٌ أخرس،
وجوٌّ ثقيلٌ يُخيِّمُ فوق رأسي،
وحُزنٌ داخليٌّ استقرَّ في أعمقِ أعماقي،
وشجنٌ هيمنَ على وجودي فاحتواني،
وشعورٌ بالأسى الصارخِ يُغلِّفُ كياني،
وإحساسٌ بألَمٍ وشجنٍ عظيمين يتملكاني.
كلُّ مباهج الدنيا لا تستطيعُ إغرائي،
وأفراحُ عالِمنا الدنيءِ لا يوجد لها مكانٌ بنفسي.
إنَّ قلبي خليٌّ من المَرَح، إذ قطن في أعمقِ أعماقِهِ الترَح.
والبؤسُ رافقني منذ طفولتي حتى يومي هذا،
والرزايا أبتْ إلا تطويقي كتطويقِ السَّوارِ للمِعصَم.
فالحزنُ المؤسي هو خديني،
والتَّرحُ هو رفيقي وسميري،
والنارُ المتأججةُ بداخلي، أُوارُها يزدادُ استعارًا؛
وإني لا أجدُ لنفسي استقرارًا،
فتعالَ أيها الموتُ، أيّها الصديقُ الحبيب!
تعالَ واصحبني معكَ إلى عالَمِكَ،
فقد زحفَ الليلُ بجيشه الدجوجيِّ واحتواني.
والظلمةُ سربلتني بوشاحها الحندسيِّ، فصمتتْ ألحاني.
فضُمَّني إليكَ أيُّها الملاكُ الجميل،
وحلِّقْ بي في الأعالي نحو النجومِ النيرة،
ودَعْنا نتوغَّلُ بين تلك الكواكبِ الخيرة،
فقد آن لي بعد عذابٍ هائل ورهيب
حقبةً طويلةً من الزمانِ المُغلّفِ بالأحزان،
أن أبلغَ الكوكبَ البعيدَ البعيد، السعيدَ السعيد؛
أجدُ فيه لروحي مُتعةً وأمانًا،
وراحةً نفسيّةً، واطمئنانًا.
آهِ، ما أجملَ عالَمَكَ أيُّها الموتُ البهيّ!
وما أقبح عالَمَنا وما يزخرُ فيه من كلِّ دنيّ!
رحماكَ رحماكَ، ألا تسمعُ ندائي؟
أجِبني، أيّثها الموتُ، وحقِّق رجائي.
الولايات المتحدة الأمريكية
الساعة 7 وربع من ليل 11 أيلول 1976
لُعِنَ كُلُّ مَن فيها
سئمتُ دُنياي بما فيها،
بما عُرفَ منها، وبخوافيها،
خَبرتُهَا إذْ عَرفتُها بمتنها وقوافيها،
فسادٌ بها، وشرٌّ، والفسقُ يحتويها،
لُعِنَتْ من أرضِ ضلالٍ، ولُعِنَ كلُّ من فيها.
يتكالبون على متاعِها كالكلبِ للعظمةِ يُدانيها.
أبناءُ آدَمَ زَنْوا، وبناتُ حوّاء فَسقْنَ بعواصمِها وفيافيها.
وُقِرَتْ أُذني من سماعِ أكاذيبها وأغانيها.
أنا مللتُها ونبذتُها في أصباحي، وفي لياليّ أُجافيها،
وبتُّ أرجو اللّهَ أن يلعنَها، وبجَدثٍ سحيقٍ يُواريها.
في القطار الذاهب من نيويورك إلى ستمفورد
الساعة 5 وربع من مساء 14/9/1976
كوكبُ البهاء
يا كوكبَ الفجرِ البهي!!
لقد ألبسَكَ اللهُ ثوبَكَ المُتأَلقَ،
فأصبحتَ دُرّةً متوهَجةً ترودُ أوقيانوساتِ اللانهاية.
أُطيلُ النظرَ إليكَ، فأشعرُ بعَظَمةِ الخالق.
إنَّ بُعدكِ عن عالمِنا رهيبُ الأبعاد؛
فليت من يكشفُ لي أسرارَكَ السماوية
لأعرفَها وأُمَجَّدَ خالقكَ وخالقَ بلايين الكواكب.
إنَّ ثوبَكَ المُتلألئ، هذا الثوبَ المتوهِّجَ يزيدُ بهاءَك،
وتألقُّقَكَ النورانيَّ يجعلُني أتوقُ للوصولِ إليك؛
ولكنَّ جسدي الماديَّ يصدُّني عن الوصولِ لمقرِّك.
فليت موجدي يُوقفُ ضرباتِ قلبي ويأمرُ روحي بالانطلاق إليك!
فساعتذاكَ تُحلّق روحي في المتاهاتِ الموغلةِ في القصاء،
حتى أحطَّ الرحالَ بعالَمِكَ، وأحيا سعيدًا بفراديسِكَ الإلهيةِ البهية.
في القطار الذاهب من نيويورك إلى ستمفورد
الساعة السادسة إلا ربعًا من مساء 14 أيلول 1976
أشجان وأحزانٌ سرمدية
أقُومُ صباحًا، وحُزنٌ بنفسي وشاحُ شجنْ
وهمٌّ، وغمٌّ عظيمٌ بروحي، فأشكو لِمَنْ؟
فليلي سوادٌ، وصُبحي جهادٌ، فلستُ أَمنْ
وبُؤسٌ عظيمٌ يُطوِّقُ روحي، أكادُ أُجَنْ!
ويومي أراهُ عبوسًا غَضوبًا كأنَّهُ جِنّ
ويومي السعيدُ أراه بعيدًا، إليه أَحِنّ
شِعاري تعيسٌ، أعيشُ وحولي طيوفُ المِحَنْ
وهذا رهيبٌ، تُراهُ، يلينُ عليَّ الزّمَنْ؟!
حُرِمتُ الطّعامَ، حُرمْتُ المُدَام، حُرِمتُ الوَسَنْ!
ودهري يمرُّ، وعُمريَ يجري، فمِنْهُ أَسَنْ(1)
وحربًا ضروسًا، أرومُ، انتصاراً عليه، أَشُنّ
فليتَكَ ربّي تُشدِّدُ أزري، عليَّ تَمِنّ
وأرضيَ سِجْنٌ رهيبٌ عليَّ كأنَّه قِنّ
نحلتُ! فوجهي مُخيفٌ، ودهري عليَّ يضِنّ
يُجلجِلُ صوتٌ رهيبٌ بقربي وفوقي يرنّ
فخلتُ كأنَّ ملاكًا، ذنوبي وحوبي يَزِنْ
جُروحي، قروحي، صُروحيَ مادتْ، فماذا يُظّن؟!
وقلبي كسيرٌ، ورأسي حسيرٌ، وأُذني تطِنْ
وغمٌّ رهيبٌ أصابَ فؤادي ولمَّا يلِنْ
دفعتُ ضريبةَ عُمري حُزنًا رهيبَ الثَمَنْ
فنونٌ مِنَ الدّهرِ كُثْرٌ، وحُزْني أراه كفَنْ
أَحِنُّ حنينًا كبيرًا ليأتيَ يومٌ أغنْ
فدهري خؤونٌ، عليَّ يُقلبُ ظهرَ المِجَنّ
فبِتُّ أنادي: حبيبي، حبيبي، سميري الكَفنْ
الولايات المتحدة الأمريكية
الساعة 7 ونصف من صباح 15 أيلول 1976
كفرتُ بالحياةِ وباركتُ الموت
كَفرْتُ بعالمِ الأرضِ عالمِ النميمةِ والحقارة،
عالَمِ الأضاليلِ والفسادِ والرّجسِ المُدنِّس.
إنَّ أشواكَ الأرضِ مُرعبةٌ، وعواسجَ دُنيانا فتاكة.
ومن يَصِلُ إليها، عليه أن يحملَ صليبَ عذابه، ويجتزَّ آلامَه.
فلو لَمْ يستحقَّ المجيء إليها لمَا بلَغَها.
وما أرضُنا إلا دَركٌ مُرعِبٌ ومُخيف!!
مصائبُهُ شاملةٌ، وبلاياهُ عامّة، وذئابهُ مفترسة.
إنَّ ربَّ هذا العالَمِ هو المالُ، والمالُ فقط،
فيه يحيا العبادُ، وباسمهِ يُسبحون وإياهُ يعبدون.
هم يُغفرون جباهَهم أمامَ موطىءِ نعليه القذرين،
مُردّدين: قُدّوس، قدّوس أنتَ أيُّها الدّينارُ المعبودّ
فأنتَ المهيمنُ على شؤونِ أبنائِكَ المُخلصين لكَ؛
فأرضُنا شقيةٌ بدونكَ، وتبارَكَتْ بوجودك.
لهذا أجدُني قد ضِقتُ ذرعًا بوجودي في ربوعِ هذه الدنيا المرذولةِ المُلوثة،
رافعًا ضراعتي للقدير لكي يُنهي وجودي من سجنِ الأرض المرعب،
هذا السّجنِ الذي يضجُّ بالضواري التي ترودُ شِعابَه وتهبطُ أوديَتُه؛
ثُمَّ ترتقي شوامخَ جبالِهِ عَائثةً فسادًا في مُدُنِه وبواديه.
والسِّعيدُ السعيدُ من يَفُكُّ إسارَهُ من ربوعِ هذه الدُّنيا اللعينة.
فبانطلاقِهِ من عالَمِ الشقاءِ، عالَمِ الموبقاتِ المُدَنِّسة،
تحفُّه سعادةٌ عظمى؛
ومنْ لِمْ يُكتبْ له الموتُ
فتعاستُهُ هَائِلةٌ، وشَقاؤُهُ مُرعِبٌ مخيف…!
في السيارة الذاهبة إلى نيويورك
الساعة 10 إلا 10 دقائق
تاريخ 11/3/977
تخيلاتٌ وهميّة
ليتني طيرٌ طليقٌ
جائبًا بَحرَ الفضاءْ
مُنشدًا آياتِ حبي
حيثُ لا يحيا الرياءْ
***
صاعدًا فوق جبالٍ عاليهْ
هابطًا غوْرَ بطونِ الأودية
شاديًا في الفجرِ أنغامَ السُّرورْ
والطيورْ
تتغنَّى بأناشيدِ الحُبورْ
***
أنا حُرٌّ في فضاءِ وطليقٌ لا أسيرْ
أشربُ الماءَ نميرًا سلسبيلاً من غديرْ
عابرًا نحو ورودٍ ناعماتٍ كالحرير
والغديرْ
يُطرِبُ الآذانَ والأرواحَ من وَقْعِ الخريرْ
وجمالٌ للجبالِ والتلالِ قد سباني
والمروجُ الزاهياتُ وبها اللهُ حباني
وأنا كُلِّي هناءٌ بعد أنْ نلتُ الأماني
وأُصلِّي بخشوعٍ عند عرشِ مَنْ بَراني
في السيارة الذاهبة إلى نيويورك،
الساعة العاشرة صباحًا
تاريخ 11/3/1977
الاندامج بالنيرفانا
هُناك في الأعالي
نورٌ متوهجٌ متلالي
بهاؤُه مذهلٌ!..ز ولستُ أغالي
فمتى أندمجُ به فتُحقق أحلامي وأمالي؟
كُتبت بالسيارة الذاهبة إلى نيويورك
الساعة 10 و10 دقائق من صباح 11/3/1977
طلبُ الانعتاق
مللتُ… مَلَلْتُ… مَلَلْتُ حياتي
متى يا إلهي يحينُ مماتي؟
مَللْتُ خِداعًا وغشًا ورِجْسا
مَلَلْتُ بَغاءً وفُحشًا ورِكْسا(1)
بكاءٌ يشقُّ عَنانَ السماءْ
وحزنٌ وغمٌ وكَرْبٌ وداءْ
بلايا جسامٌ تلفٌّ الفضاءْ
رجومٌ تُصبُّ فحُمَّ القضاءْ
مللتُ حياتي… أَودُّ الفناءْ
في الطريق إلى مدينة Meriden الأميركية بالسيارة،
الساعة الثالثة بعد الظهر – تاريخ 12/3/1977
- الركْس: الرجس
متى أجوبُ النُجوم؟
يا حبيبي الموتَ، أسرع إليَّ، فبتُ أرجو لقاءَك!
إذْ أنفَتْ نفسي البقاءَ في عالَمِ الرّياء،
وتاقَتْ للاندماجِ ببهائك.
يَا مُنيتي! أسرعْ واحتضني بذراعيك،
ودعني مُقربًا إليك.
في عالمي شقاء، في عالمي بُكاء.
فدّعني أَلِجُ عالَمَ البَهَاء.
الحزنُ في دُنياي والكُرْبُ والهمومْ،
فحلِّقْ بي حالاً، وأدخلْني النجوم.
في السيارة الذاهبة بي إلى نيويورك
الساعة 9 صباحًا من يوم 21/3/1977
