حول الدكتور داهش والداهشيَّة

مقالاتٌ ومُدوِّنات

الحقيقةُ الصادِعة

 

 أطلَّتْ ربَّةُ الفجرِ على الآكام، فانتصرت على جبابرةِ الظَّلام

فزرتُ تلك الغيضةََ المُزدهرة بأنواع الرياحين

وأحاطت بي رباتُ الجمال الرائعِِ والِّسحْر المُبين

وراحتْ كل منهُنَّ تُوسِعُني ضمًّا وشَمًّا وتقبيلا

فانتشتْ نفسي وهي بين الرياض، وتذَوَقَتْ إكسيرًا سَلسَبيلا

وفجأةً اصطدمتُ بالحقيقةِ، فإذا بي أهيمُ في عالمَ الأَحلام

الثكلى النَّادِبَة!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

مقالاتٌ ومُدوِّنات

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

رُؤَى قَصَصِيَّـة وَآَفَاقٌ فَلْسَفِيَّـة

دروب النَّار والنُّور

 

حازت الجائزة الدولية الإسبانية العربية للرواية عام 1985، وهي تنشر للمرة الأولى

                                                                                      د. غازي براكس

الينابيع تتفجر أنهارًا، والأنهار تتلاقى في البحار، وإذا السَّحابُ ينعقد، والأمطار تنهمر، والينابيع تتجدَّد… إنها دورةُ الطبيعة، بل دورةُ الحياة نفسها؛ فغيرُ عجيبٍ أن يُعيد التاريخ نفسه.

أحداثُ العالم المعاصر مرَّت أشباهُها في العصور الآفلة: الحرية مُنحةٌ إلهيَّة؛ لكنها بقدر ما تكتسبُ أبعادًا جديدةً وبالتالي انتصارات، بقدر ما يُساءُ استعمالها، فتصاب بنكسات. والدين نعمةٌ سماوية؛ يطلقه الأنبياءُ والهُداةُ ليحرّر نفوس البشر من عبودياتها الداخلية؛ لكن متى يسخَّر للأغراض الدنيوية والمصالح الشخصية أو الطائفية، يصبح نير عبودية جديدة تنوء به رقابُ “المؤمنين”. والعقل هبة روحيَّة؛ فهو يشقّ دروب الهداية المنطقية والتقدّم العلميّ أمام البشر؛ لكن متى داخلهُ الغرور والتجبُّر أو التحيُّز والتعصُّب تعكّر صفاء رؤيته، فوهنت سلطته، وضعفت أحكامه، واختلطت في عيون الناس سُبل الخير والنجاة بسُبُل الشرِّ والخطر.

هذه الحقائق التي امتحنها التاريخ تنطوي هذه الرواية على أقباس منها. إنها صورةُ الحاضر الحائر المأساوي في العالم عبر مرآة الماضي. ولا ريب بأن هذا العصر، ككثير من العصور السالفة، ظهر فيه مُفكرون مُستنيرون واعون قضايا مجتماتهم، تتوهّج في ضمائرهم إرادة الإصلاح، ولكن هل بوسع المفكّر ان يُصلح غيره إذا لم يكن هو صالحًا؟

وهل بإمكان العلم والفلسفة وحدهما، بمعزلٍ عن الدين، أن يصلحا نفوس البشر؟

والدين هل بإمكانه أن يبقى خميرةً روحيةً للإصلاح والصلاح، إذا التزم نظرةً ضيقة معادية لسائر الأديان؟ ثم هذا الحبّ الذي تتَّسع اندياحات فنونه وجنونه… ما هو؟ وما قدرته ومصيره، إذ تحوَّل إلى مجرّد شهوة؟ والموتُ، هذا الشبح المجهول المروّع المعشّش في هواجس الإنسان، تُرى، ما حقيقته؟ وما وراءه؟ والإنسان، هل يكون حقًا سيّد الأرضِ والكائنات؟

هذه الأسئلة وسواها عمدتْ هذه الرواية إلى طرح أجوبة عنها ارتدَت الثوب القصصيّ. وقد جعلتُ بطلها ابن طفيل، الفيلسوف العربي الأندلسي الذي عاش في القرن الثاني عشر للميلاد، وشئت حبكتها أقرب إلى قماشة الحياة يتناوب الواقع والخيال على نسجها، كما المأساوية والفكاهة. أما السلك الفنّي الذي انتظم أحداث هذه القصة من بدايتها حتى نهايتها فهو خيط روحيّ مدَّته يد العدالة الإلهيَّة.

فأملي أن يكون فيها متعةٌ وفائدةٌ لقرائها.

                                                                                                بيروت 20/10/1985

 

دروب النار والنور

نسر يهوي

نهرُ التاريخ كان يهدُرُ، عهد ذاك، فوق بقعتين من أرض العرب وأرض الإفرنج. كانت أمواجه تحفر عميقًا في قلب الحياة، تطمسُ أجيالاً ووجوهًا وأسماء، وتُبرزُ أخرى.

          كجناحي طائرٍ هِيضا مرارًا، كان المغرب العربي والأندلُس. الطائرُ في آلامٍ مُستمرةٍ كأنَّها آلامُ النزاع؛ لكن شعلة الحياة فيه لن تنطفئ. هو كالفينيق، يموتُ ليُبعثَ مجددًا من رماده.

          مراكش، تلمسان، وهران وسائرُ القرى والمدنِ والبوادي كانت أرضها تغلي تحت أقدام جيوش الموحِّدين. مُسلمون مُؤمنون بربٍّ واحدٍ للعالمين يقتتلون على الجنَّة باسم الدين، يتصارعون على وراثةِ الأرض، وهم والأرضُ من ماء وطين.

          ألمرية، إشبيلية، غرناطة، قُرطبة، قرمونة وسواها من مدن الأندلس وقراها كان جوُّها يَمور، وترابُها كالبركان يفورُ تحت أقدام المسلمين المتنازعين وأمراء المسيحيين الإفرنج الطامعين. السلطةُ المركزية رأوا صرحها يتصدَّع، فأخذوا يغيرون على أطراف الإمارات، يقرضون منها ما تقوى عليه أنيابهم. ومتى وهنَ الجسمُ أغارت عليه الجراثيم.

          سنةٌ كاملةٌ وتلمسان محاصرة. في داخلها جيشُ المرابطين بقيادة تاشفين بن علي يردُّ عنها زحف الموت بالموت، وحول أسوارها جيشُ الموحدين بقيادة مؤمن بن علي، يكرِّر عليها هجماته العنيدة الضارية دونما هوادة، وسكانُ المدينة بين الجيشين المُتصادمين كالقمح يُطحن بين حجري رحى. وبين ليلةٍ وضحاها سينقلبون كقطعان الماشية من يدِ جزَّارٍ إلى يدِ جزَّار، لا حول لهم ولا طول.

          اثنا عشر شهرًا مضت… وإذا الأسوارُ تنهارُ أمام ضربات الموحِّدين ومجانيقهم. فاندفعت سيولُ الفاتحين تهدُرُ كالأنهار في الشوارع، وتعرج على البيوت، تقتلُ وتحرقُ، والنساءُ المفجوعاتُ الهارباتُ يمزِّقُ صراخهن الفضاء، وأكفهن مرفوعة تسترحم ربّ السماء، والسيوف تطيح بالرقاب، والرماح تخرق الظهور بعد أن تبقر البطون، وكأن القيامة قامت، وساعة البعث حانت! الصبح استحال من دخان الحرائق ليلاً، والوجوه كأنَّها وجوه الأموات وقد بُعثِت من القبور في يوم النشور!

          وإذا بفارسٍ مُلثَّم يخرج من بين الركام، كشبحٍ من الأموات تهبُّ فيه الحياة في دياميس القبر، فينفض عنه طبقات التراب بسرعةٍ وقوة، ويثب إلى صهوة جواده، ويغذ العدو، يتبعه ثلاثةُ فرسان.

          من المجزرة الرهيبة نجا، وأخذ يعدو في ممرات ضيقةٍ تتعرّج صعودًا وهبوطًا في الجبال الرقشاء التي كانت تتراءى سفوحها البعيدة، وقد بدأت طلائع الأشعة تجلي عنها فلول الظلام، كأنها قطعان من الفهود الراقضة، تسمح للجواد السريع بالعدو بينها دون أن تُبدي حراكًا.

          كان الجواد يعدو والأرض تدور حتى حلَّ المساء. اجتاز الفارس الملثَّم ورفاقه جانبًا من الهضاب العليا، وبدأ ينحدر إلى التلال. وما إن وصل إلى ربوةٍ تشرف على البحر، حتى وقف والتفت وراءه، فإذا الهضاب الشامخة التي خلَّقها تتبدَّى في بداية الغَلَسِ كأنها وجوه عمالقةٍ مجدرةٍ  متجهِّمة.

          ثم نظر إلى البعيد، شطر البحر، قائلاً لرفاقه:

          “هي ذي وهران في البعيد، وبعدها في أقصى الشفق، وراء الأزرق الموَّاج… ألمَرية. من هناك سيطلّ الأمل، من هناك سيأتي الأسطول الذي استدعيته إلى وهران. ومع الأسطول سننتقل إلى الأندلس. سقطت تلمسان؛ لكن دولة المرابطين لم تسقط. بإرادتنا سنُعيد بناءها. وألمَرية ستكون قلعتنا، ومنطلقنا الجديد إلى النصر الجديد. هيا نسرع قبل أن يدهمنا الظَّلام”.

          وأغذَّ السير في منعرجات التلال المُنتصبة على جوانب وادٍ عميق انتصاب جبابرة تحرس هوَّة الجحيم.

          أخذ الظلام تتدافع كتائبه، وتشتدّ وطأته، والليلُ تتناسلُ أشباحه ومخاوفه. وإذا بالجواد الحامل الفارس الملثَّم العنيد يكبو، وتزلّ قوائمه، فيسقط في البحر من شاهق، كأنه نسر أسطوري قنصته يد إلهيَّة خفية، فتهاوى بعد أن خذلته قوَّته.

          راح يهوي ومعه تهوي آمالُ فارسه تاشفين بن علي، أمير المرابطين، وقد تشبثت رجلاه بخاصرتي جواده، وتشبثت يداه بناصيته تشبث الغريق بخشبة الخلاص… لكن الأقدار لفظت حُكمها. راح يهوي… ويهوي… دائرًا على نفسه في الفضاء، حتى ارتطم مع جواده. بمياه البحر ارتطامًا مدويًا؛ فابتلعتهُ اللجّة، وقدَّمته طعامًا جديدًا في وليمتها الأبدية التي تقيمها، منذ البدء، للأسماك والحيتان.

          نزل الفرسانُ الثلاثة عن صهواتِ جيادهم ذاهلين، وإلى حيث هوى أميرهم أخذوا يحدِّقون مرعوبين مشدوهين، كأنما يريدون بنظراتهم استرجاع الأمل المتواري!… ثم انتصبوا، وقد لفَّتهم عباءة المساء، كأعمدةٍ من الضباب جمَّدها الرعب والصقيع فجأةً! صامتين مرهقين كانوا يحدجون الشمس الغاربة في الأفق القصي، وقد ضرجتها الحمرة وطوَّقتها فلذ متجهّمة من الغمام الرصاصي، فبدت كصريعٍ نازفٍ يتمرّغ متخبَّطًا بدمائه.

          السكينة الرهيبة قطعها كبير الفرسان قائلاً:

  • دولةُ المرابطين تهوي من حالقِ بهويِّكَ، يا ابن علي. الله أكبر.

فردَّ الآخران:

  • الله أكبر، الله أكبر. رحمة الله عليك.

وتابع كبيرُ الفرسان.

  • البشرُ يطمحون… فيخطِّطون، ويريدون… ويريدُ الله… فينهار كل ما بنوا وما أرادوا. (وما تشاؤون إلا أن يشاءً الله رب العالمين).
  • صدق الله العظيم.

كان ذلك في ليلةٍ من ليالي الخريف الباردة سنة 1145م/ 539هـ.

 

 

العقل والقلب

بعد سقوط تلمسان، توالت الضربات عاصفةً قاصفةً على المدن والقرى التي كانت ما تزال تحت سيطرة المرابطين؛ فانهارت واحدة إثر أخرى، في طول المغرب وعرضه، على شاطئ البحر الأبيض وفي الداخل. تحت المجانيق وعصف النار، تهاوت أبراجها وحصونها تهاوي بيوت الرمل في مهبِّ الإعصار!

ما مضى عامان على سقوط نسر المرابطين حتى وقف أمير الموحِّدين، عبد المؤمن بن علي، على ساحل وهران، وجهه إلى الأندلس، ووراءه جيشٌ عرمرمٌ تلتمع أسلحته تحت أشعة الشمس، فتتماوج كتائبه على الشاطئ كأنها بحر يتأهّب لأن يصبَّ في بحر! قال الأمير لابنه يوسف وقد وقف بجانبه:

– يا أبا يعقوب، أنت صورتي، ومرآةُ عزتي. محبَّا للفكر والأدب أعرفك؛ كن محبًا أيضًا للمجد والبطولة، حتى يعزَّ الدينُ بك، وتنتصر فكرة التوحيد. سنتّجه بهذا الأسطول إلى الأندلس، لنعيد توحيدها تحت راية الدين الحنيف؛ وقريبًا، إن شاء الله، سأتبعكَ بجيشٍ ثان فثالث. سِرْ على بركةِ الله.

          عانق أبو يعقوب والده، ثم أمر كتائبه بالنزول إلى الأسطول الذي كانت قطعة جاثمة قبالة الشاطئ. فانبرت تتدفَّق إلى البحر تدفّق بحيرةٍ عُظمى انفجر سدُّها فجأةً. كان ذلك في صبيحة يومٍ من أيام محرم سنة 541هـ/1147م.

          كان أبو يعقوب في العقد الرابع من عمره، رَبْعَ القامة، أحور العينين، أنجلَ، يخطو برزانةٍ، ويأمرُ بنبرةٍ مُفعمةٍ بالقوة، خالية من العنجهية التي تلازمُ أكثر القادة. مُقلتاه تلتمع فيهما بروق عميقة كأنها صور لمطامحه البعيدة. والابتسامة تُومِضُ على شفتيه، من حين إلى آخر، وميض برقٍ لا تدري أهو بشير لغيث هطّال مبارك أم نذير لرعد قاصفٍ عاصف.

          مضى الأسطول ماخرًا في اليمّ… ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأ حصارةُ لجزيرة طريف، ثم للجميرة الخضراء. وإذا بغرب الأندلس كلّه يتساقط، قريةٌ بعد أخرى، في أيدي الموحِّدين. وبين المدن الهاوية كانت إشبيليه.

          تناهتْ أنباء الفتح إلى مراكش، ومنها وردت رسالةٌ من أمير المؤمنين، مؤمن بن علي، تُعلن تنصيب ابنه يعقوب أميرًا على إشبيلية.

                                                          ***

          كان الأمير أبو يعقوب بعيد الهمّة، شغوفًا بالسيطرة، يحبّ الدنيا وعزَّتها كما يحبّ العلم ومجده. فتوزع همّه على ترسيخ سلطته، وإشاعة الاستقرار في إمارته، ودفع أذى الطامعين عنها، كما على إحاطة نفسه بأهل الفكر والأدب ليروي ظمأهُ إلى المعرفة.

          وأبرز رجال العلم والأدب في بلاطه، محمد أبو بكر ابنُ طفيل. كهل في العقد الخامس من عمره، وسيم الوجه، ترتاح العيون إليه كما إلى مرجةٍ منوّرة؛ عميقُ النظرة، تخالهُ يستنبشُ نفسك؛ رزينُ الخطى والإشارات، كأن حركاته محمّلة بالمعاني السرية، فلا يبوح بها إلا حييا حذرًا. إن تحدّث، غذّى النفس والعقل، وأطرب السمع؛ فكأن سامعيه انبسطت أمامهم جنّة فيحاء، فيها من كل غرّيد، ومن كل ما يتفتح زهرًا ويعقد ثمرًا.

          هذه الصفات المستحبَّة في ابن طفيل، فضلاً عن شهرته في الطبابة والفلك والفلسفة، دفعت أبا يعقوب إلى استخلاصه لنفسه صديقًا وجليسًا ونصيحًا.

          مع كرور الأيام، كانت تزدادُ هموم الحكم، فيزدادُ الأمير اعتمادًا على صديقه، وارتياحًا إلى آرائه؛ لا سيَّما أنه اتّخذه نديمه الخاص، يفضي إليه بأسراره، وجعله طبيب أسرته، يعالج أفرادها ويرعى صحتهم.

          ما إن مضت بضع سنوات، حتى دانت معظم مدن الأندلس للموحِّدين، فسلّم المرابطون غرناطة إليهم صلحًا. وفتحت ألمَرية. وأجبر ابن مردنيس وألفونسو السابع، ملك قشتالة، على التراجع عن غرناطة. ثم بُنيت قاعدةٌ حربية على جبل طارق كانت محطة لجيوش الموحِّدين، ينطلقون منها إلى تأديب العُصاة والمارقين، وإتمام بسط سيطرتهم على الأندلس.

          في هذا الجو الحربي غير المستقر، كان ابن طفيل يتردَّد من وادي آش قرب غرناطة، حيث ولد، إلى بلاط إشبيلية، ويطيل جلساته، ويكثر اختلاطه مع أفراد أسرة أبي يعقوب، وبينهم شقيقةُ الأمير (فتنة) التي اجتذبتها طبيعة الأندلس، فآثرت العيش فيها إلى جانب أخيها.

          كانت فتنة في أواخر العقد الثاني من عمرها، مشيقة القوام، خضراء العينين، أسيلة الخدين، ترخي شعرها الأصهب المغدودِنُ متماوجًا على كتفيها، فيخالُ الناظر إليها أنه يسمعُ من حواليها نداءاتٍ خافتةً مثقَّلة بأشذاء الأنوثة والإغراء. من شفتيها تتحلَّب الشهوة حلاوة خفية، ومن عينيها تتقطَّر خمرة معتقة تسكر من غير أن تذاق، حتى كأنما الحياة كأسٌ تودّ فتنة أن تذوب فيه إكسيرًا ترشفه كل شفة.

          حرية الفكر… شعارٌ رفعه الموحِّدون في حملتهم على المرابطين المتزمتين في تفسير الدين، وطالما ردَّدوهُ وحاربوا من أجله، حتى انطلق، في عهدهم، مارد الفكر الحرّ من قمقمه. هذا الشعار كانت فتنة تستقوي به، وتستمدّ منه معنى الحرية في السلوك، فتكثر من السفور أمام رواد البلاط.

          على أن رغبة الحبّ التي كانت تستعر في نفسها وجدت في ابن طفيل هدفًا مباشرًا لها، فكأنها جدول حنين وجد في فيلسوف الأندلس مصبًا رئيسيًا. فكانت تلجأ إلى مختلف الحيل حتى تراه، إذ كانت تجتذبها فيه وسامته، ورقّة حديثه، وريحٌ رجولية تهبّ من حركاته، بقدر ما تجتذبها سعةُ معرفته، واحترام أخيها الأمير لشخصه.

          فطلبت إلى أخيها أن يأذن لها بأن تشارك أولاده في حضور الجلسات التي كان ابن طفيل يمدّهم فيها بالمبادئ الضرورية في الدين والآداب؛ فلم يمانع.

          في ساعات الثقافة تلك، ما إن يمضي بضعُ دقائق على إصغاء فتنة إلى صوت معلّمها الساحر، والرنو إلى وجهه الصبيح، حتى تلفّها ضبابة من الذهول والنشوة، فتروح تسبح في عينيه وقسمات وجهه، ولا يردّها من سكرة أحلامها العسلية الشاردة إلا نداءُ ابن طفيل لها.

          كان الأمير يعقد، من حين إلى آخر، محافل أدبية خاصة، يُدعى إليها ابن طفيل، فتحضرها شقيقته، متذرّعة بشغفها الشديد المزعوم بالفكر والأدب.

          ولم يكن فيلسوفُ الأندلس ليضن عليها، أحيانًا، بنظرات طويلة كانت هي تستخلص منها المعاني التي تريدها، بينما لا يحملها هو إلا رغبة تملّي الجمال في وجهها، فيحدّق إليه مليًا، كأنما يتيهُ في سكرةٍ روحية! ولم يكن رنوهُ إلى محاسن وجهها يختلف عن رنوه إلى جميلة فتانةٍ إلا بأنه يدرك أن وجهها موصول بقلب حساس ستزداد خفاقته، فيزداد سرور الفيلسوف لقدرته على التأثير في نبضاته.

          مرت بضعة أشهر على تعرف فتنة إلى ابن طفيل، وهي ترتقب منه أن يصارحها باهتمامه بها، على الأقل، كما هي تهتمّ به. كانت تنتظر أن يقول لها: “سأبوح لك بسرٍّ دفين”، كما هي تبوح عيناها بسرّها كلما التقتا عينيه. لكن انتظارها كان انتظار الأرض العطشى للبرق الخلَّب.

مع ذلك ظلّت تعتقد أن العواطف المشبوبة فيها لا بدّ من أن يكون لها توائم ولدت في نفسه أيضًا. وإلا ما معنى رنواته تلك؟ وما معنى نبراته الرقيقة الحنون إذ يخاطبها؟ لا، لا تريد أن تعتقد أنها، في ذروة أوامها، إنما تنظر إلى سراب! إنه، لا شكَّ، يحبّها، وينتظر الفرصة المؤاتية لإعلانها شعوره.

          كانت عواطف فتنة قد سلختها عن محيطها الهائج هيجان بحرٍ ثائر الأثباج، وصاغت من أحلامها وأمانيها الذهبية جزيرة سحرية تعيش فيها تناغي الأطيار، وتحاكي الأزهار، كأنَّها في جنَّةِ عدْن! هي حواء الجنّة ومليكتُها، وآدمُها ابن طفيل.

          وكثيرًا ما كانت تُرى، في الليالي القمراء، تتنزه في حديقة البلاط، ترنو إلى البدر السابح في محيط اللانهاية، فترى وجه ابن طفيل قد توحّد بوجهه، فتناجيه وتسامره، ولا توقظها من سكرتها إلا يد جاريتها، حبابة، تنبهها إلى أن الهزيع الثاني من الليل يوشكُ أن يولي.

          كان كثيرون من زوار البلاط والمقيمون فيه من الرجال قد استرعت انتباههم النظرات المُتبادلة بين فتنة وأمير قلبها، فحسدوا ابن طفيل في سرّهم، وتمنّوا أن يكونوا محلّه؛ لكنهم لم يكونوا يجرؤون على التصريح بخوالجهم ولواعجهم رهبةً من الأمير، وظنّا أنه راضٍ بما يجري.

          كان أحسَّن يكبرُ شقيقة الأمير ببضع سنوات مكتنز الجسم، صارخ الرجولة، صارم الوجه، بحزم شديدٍ وعنجهيةٍ يصدر أوامره. وكان كلما لاحظ أن فتنة تراقبه، زاد من تحركاته وإصدار أوامره ليجتذب انتباهها أكثر.

          إن حبَّ فتنة لابن طفيل كان ما يزال محصورًا في الدرجات الأولى من معراج الحبّ، درجات الشهوة الحسيّة التي لا تفرق بين رجل وآخر إلا بقدر الجاذبية التي في وجهه، ونداء الرجولة في جسده، وهالة الشهرة التي تحيط به. وابن طفيل حظّة منها جميعًا كبير. يزاد إليها عنصر رابع لم تشعر به فتنة عند الآخرين، وهو عطفه عليها عندما يعالجها من مرض، أو يحاول إفهامها أمرًا من الأمور التي يعرضها أمامها. هذا العطف الأبوي كانت فتنة تفتقر إليه، وتحسّ بحاجةٍ إلى مثيلة، وتظنّ أن ابن طفيل خصَّها به. كان الفيلسوفُ الطبيب يمثل لها مثلها الأعلى الذي تجسّد في والدها، إذ كانت صغيرة، ثم انبرت تبحث عنه خارجه، عندما تجاوزت سنّ الرشد وأخذت الحياةُ تناديها مُطلةً عليها من عيون الرجال وزنودهم.

***

الفصل الثالث

النَّارُ والنُّور

          في مطلع محرم سنة 558هـ 163 م، غادر أبو يعقوب يوسف إمارته إلى مراكش عاصمة الدولة الموحِّدية، تاركًا حكم إشبيلية وأعمالها إلى أخيه أبي سعيد عثمان. لقد شعر عبد المؤمن، بعد معاناةٍ طويلةٍ لمرض عضال، أن الموت قد يستدعيه، فبادر إلى استدعاء ابنه، وعينهُ وليًا للعهد.

          في 10 جمادي الآخرة/ 15 مايو من السنة نفسها، توفي عبد المؤمن، فخلفه ابنه أبو يعقوب على الإمارة. لكنه لم يناد به خليفة، لأن خلافًا حادًا نشب بينه وبين إخوته ولا سيّما عبد الله وعلي.

          بيد أن المطامع الدنيوية المتنامية لم تصرف الأمير عن ولعةِ بالعلم والأدب، وعشقه لحرية الفكر. ولذا استدعى صديقه ابن طفيل إلى مراكش، ونصّبه وزيرًا له.

          كذلك انتقل إلى عاصمة الدولة حرس الأمير الخاص، وعلى رأسهم قائدهم (أحسن)، إذ كان الأمير يمحضه ثقته.

          ونزولاً عند رغبة أبي يعقوب، أقام ابنُ طفيل في البلاط، حتى يبقى قريبًا من سيّده، لا سيّما أن مهام الحكم تضاعفت، كما تكاثرت الاستشاراتُ الطبية من قبل أسرة الأمير، فكادت تكون يومية.

          أولُ عملٍ جليلٍ اضطلع به ابن طفيل كان إنشاءه في البلاط، بمساعدةِ الأمير، مكتبةً واسعة تضمن كنوز العلم والمعرفة في عصره، لا سيّما أن الأحوال السياسية والعسكرية في البلاد بدأت تستتب، وأمراء الإفرنج أخذوا يعقدون معاهدات الصلح والسلام مع أبي يعقوب، بعد أن تأكّد لهم بأسُ الموحِّدين، وعزمهم على صدِّ كلّ معتدٍ ودحره.

          ثلاث سنواتٍ تمضي على تسنّم أبي يعقوب عرش الإمارة، فتتسعُ دائرةُ سلطته، ويزدادُ حكمه رسوخًا. إلا أن خلافه مع أخويه عبد الله وعلي المُقيمين في الأندلس كان شوكةً في جانبه. ثلاث سنوات كان ابن طفيل، في أثنائها، قد رسم لنفسه ثلاثةَ أهدافٍ متكاملة: أولاً، أن يجعل من الأمير فيلسوفًا وحاكمًا فاضلاً؛ أفلم يكن الخلفاء الراشدون حكامًا فاضلين، يسوسون رعاياهم بالعدل كما يسوسون نفوسهم؟ فماذا لو اقترن الوحي بعملِ العقل معًا، فجمع أبو يعقوب في نفسه عمر وأفلاطون؟ ثانيًا، أن يجعل فتنة، شقيقة الأمير، تدرك أن الحرية سياجها القيم الروحية وأن الحبَّ الذي تشعله في نفسها نارًا آكلة، إنما هو شهواتٌ  حسيَّة طاغية، يجب أن تصعد بها حتى تنقلب النار نورًا. ثالثاً، أن يمضي في تهذيب نفسه حتى لا يبقى عالقًا فيها أيةُ أدران، وحتى يتجرَّد حبّه لفتنة من كلِّ أثرٍ للدخان.

          وذات يوم من سنة 561 هـ/ 1166م، أطلَّت فتنة من شرفةِ جناحها على حديقة القصر، فإذا الشمسُ تسحب آخر ذلاذلها من على وجه البحر، والعصافير تهبّ أسرابًا أسرابًا ثم تأوي إلى أعشاشها، حيث يرتاح كل ألفٍ إلى أليفته. وكانت أشذاءُ الأزاهير، في حديقة القصر الفيحاء، كأنما في مهرجان، تتراقص عرائسها حولها، ثم تغزو أنفها بلا استئذان. فهاجت نفسها، وراحت تحدّق إلى جناح ابن طفيل الذي يقابل جناحها في الطرف الآخر من الحديقة علها تلمح وجهه من إحدى النوافذ. فقد مرَّ يومان من غير أن تراه. وبعد أن أعياها طولُ النظر والانتظار، نزلت إلى الحديقة، ومشت في ممرٍ رصف بالبلاط الملوّن، وقام على حفافيه صفّان من الأشجار المنوّرة بالأزهار الحمراء، والمتعانقة أغصانها فوق الممرّ تعانق العشاق.

          دخلت إلى جناح أخيها، وكان في استراحة، وبين يديه أبو خَبل، مهرّج القصر، يضحكه. وكان هذا قصير القامة، نحيل الجسم، وسيم الوجه، أنجل العينين، خفيف الروح، ظريف الفكاهة، ذا دالّةٍ على الأمير وصحبه. وكأنما رأى أبو خبل، بحسٍّ فطري فيه، أشواق فتنة مصورةً في عينيها، فأخذ يجولُ في أرجاء الغرفة مستروحًا جهاتها الأربع، ثم سأل الأمير، بخبثٍ ودهاء، عن وزيره؛ فأجابَ الأميرُ أنهُ لم يرهُ منذُ الصباح. فاستحثّهُ أبو خَبَل على تفقده لعلّه مريض. فأظهرت فتنة رغبتها في أن تزور معلمها.

          سار الأميرُ، وبجانبه شقيقته، باتجاهِ جناح ابن طفيل. وأول ما عرجا عليه كان المكتبة. وإذا ابنُ طفيل واقفٌ بين كتبها المكدَّسة على المناضد، وعلى الرفوف، ينتقلُ من كتابٍ إلى آخر. ففاجأهُ الأمير بولوجه المكتبة وطرحه السلام عليه. فردَّ الفيلسوفُ السلام، ثم قال:

  • أهلاً ومرحبًا بمولاي أبي يعقوب، نصير الأدب والحكمة.

فقالت فتنة مُعاتبة:

  • ما للوزير يرحبُ بالأمير، ويغفل أُخته؟ ألا يرى فيها نصيرة الأدب؟
  • أعزَّ الله سيدتي فتنة. فهي الظرف عينه والأدب.

في هذه الأثناء كان أبو خَيل يمدُّ رأسهُ من البابِ مُتلصصًا، مُستروحًا.

قالت فتنة:

  • الله درّك يا أبا بكر! تصرفُ شؤون الوزارة، وترعى الفلسفة في ديارنا، وتشرف على الطبابة في بلاطنا. فلأنتَ ثلاثةُ رجالٍ في واحد!

وإذا أبو خبل يقفز بسرعةٍ إلى وسط الغرفة قائلاً:

  • أصبته على اليأفوخ، يا سيدتي. ألا ترينه شاخ وما تزوج؟ أيةُ امرأةٍ تطيقُ الزواج بثلاثة رجالٍ معًا؟ فأنا نصفُ رجلٍ، ولا تستطيع امرأتي حَمْلي!

فيضحكُ الأميرُ وأُختُه، بينما يعبسُ ابنُ طُفَيل. ثم يسأل الأميرُ المُهرجَ:

  • لكن، كيف دخلت بلا استئذان، يا أبا خَبل؟
  • وكيف يصحّ أن ألقبَ بأبي خَبل، إذا تصرّفتُ تصرّفَ أبي عقل؟
  • يقولُ هذا مشيرًا إلى ابن طفيل. فيضحك الأمير ضحكةً خفيفةً، ثم يترصَّن قائلاً:
  • كفاك مزاح. نحن في حرم الجدّ والحكمة.

فيجيبه أبو خَبَل:

  • أو يُفْصَل الهزلُ عن الجدَّ في الحياة، والحكمةُ عن الجنون؟ أثمّةَ نهارٌ بلا لَيل، يا مولاي؟

فيقولُ الأميرُ مُخاطبًا ابنَ طُفَيل:

  • هذا المُهرِّجُ يبدو لي أحيانًا وكأنَّ له رأسًا!

فيضحكُ ابنُ طُفَيل، ويُقَطِّبُ المُهَرِّجُ ما بين حاجبَيه مُتظاهِرًا بالبرطمة، ثم يتنحّى في زاويةٍ من المكتبة. أما الأميرُ فيقعدُ على إحدى الأَرائك، وإلى جانبه أختُه، ثم يشيرُ إلى ابنِ طُفَيل أن يُجالسَهُ، قائلاً له:

  • هاتِ ما عندَكَ من كُنوزِ علمك الجديدة.
  • العلمُ، أيها الأميرُ، من فيضِ الله – عزَّ وجلّ – وفضله. وما نحن إلا مسارج سريعةُ العطب يملأها من زيتِ حكمته، كما يشاء. فما يضيءُ السراجُ لحظاتٍ حتى ينفدَ الزيتُ وينطفئ اللهيب.

فتقولُ فتنة وقد تجمّعت أشواقها في عينيها:

  • لله ما ألطف عشرتك، يا أبا بكرّ! حكمةٌ في العقل، وحلاوةٌ في اللسان!

وإذا بتنهيدةٍ عميقةٍ تُسمَعُ آتيةً من أبي خبَل.

ويسأل الأمير وزيره:

  • أنبئني، وأنتَ طبيبُ الجسم، والخبيرُ بالنفس، ما علّةُ الاضطراب الذي يعتريني؟ كأن الصراع ليس بيني وبين الإفرنج، بل بين نفسي وبيني!
  • هو نزاعُ رغبات البدن مع رغبات الروح، صِراعُ الوَحشِ في الإنسان مع الإنسان.
  • ما تَعني؟
  • ألا يشعر الأمير بتناقض النزعات في نفسه؟
  • تناقض النزعات؟… أشعرُ كأن لي نفوسًا ثلاثاً: واحدة مشوقة إلى النساء والبنين، وثانية متعلِّقة بالمجد والمال، وثالثة تتوقُ إلى المعرفة والسكينة والزهد.
  • آدامَ الله الأمير حافظًا للدين، فهو يدري أن في كتاب الله العزيز: (المالُ والبنون زينةُ الحياة الدنيا، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربكَ ثوابًا وخيرٌ أملاً).

فينهضُ الأمير مُنفعلاً قائلاً:

  • أتقصد أن أتخلّى عن المال والبنين لتطمئن نفسي؟

فينهض ابن طفيل بدوره، ويوضّح أنه قصد ألا يشغل المال والبنونُ الأمير أكثر من الله عز وجل.

فيعترض الأمير قائلاً:

  • أيمكنُ أن يبقى ذكرُهُ – سبحانه – على لسان السلطان، ليل نهار؟ وكيف يتسنى له، إذ ذاك، تصريف شؤون شعبه، وتدبير أمور العمران؟

وتنهض فتنة مُستدركة:

  • عدا تدبير أموره الخاصة.

تسمعُ نحنحة خبيثة آتية من ناحية أبي خَبَل. ثم يقول ابن طفيل:

  • أُوتِيَ الأميرُ من الحكمة ما يجعله يدرك أن المطلوب لي أن يلازم ذكر الله فمه، لكن أن يبقى الله حاضرًا في أعماله وأفكاره.

– وكيف ذلك؟

– في أن يشيعَ العدلَ في الرعية. أليس الله هو العدل؟\

– بلى.

– وفي أن يسعى وراء الحقّ وينشره في الناس. أليس سبحانه هو الحق؟

– صدقتَ، والله.

– وفي أن يجعل الخير سلطانًا على نفسه وعلى شعبه. أفليس تعالى هو الخير؟

– هو الصواب بعينه. لكن كيف نطمئن، والأعداء في الداخل والخارج يقضُّون مضاجعنا؟

– إذا كانت عدواتهم عداوةً للعدل والحقّ والخير، فمقاومتهم واجبة.

– يا أبا بكر، أنت أمير الحكمة في هذه الإمارة، وأنا أمير المسلمين. أنت تمثّل العقل، وأنا أمثل الدين. كلانا يكمل الآخر.

ترمق فتنة ابن طفيل بنظرةٍ طويلةٍ وهي تقول:

  • أحسنت، يا أخي، لأنت روضةُ الإمارة، وهو لها المطر.

وإذا أبو خَبل يتقدّم نحوهم مُسرعًا، قائلاً:

  • وسيدتي في الروضة فتنة الزهر والثمر.
  • فتجيبه بابتسامةٍ عريضةٍ قائلة:
  • إنك لشيطان ذكي.

وإذ يتمنّى الأمير أن يتحقّق حلمه، فينتقل علم ابن طفيل وحكمته إليه، يقول له ابن طفيل مشيرًا إلى رفوفِ الكتب:

  • ما عليكَ، يا سيدي، إلا أن تعاشر من أعاشر. وإذا أبو خَبل يتدخّل صائحًا:
  • وأمصيبتاه! ليس بينهم امرأة واحدة!

فيسكته الأمير؛ بينما يتناول ابن طفيل مجلداتٍ أربعة من على المنضدة تباعًا، قائلاً:

  • مَن لم يعاشر أساتذة الفكر البشريّ هؤلاء، لا يعرف معنى نور العقل: أفلاطون، أرسطو، الفارابي، ابن سينا.

فيجيبه الأمير:

  • لكني وجدتُ عباراتهم مغلقة، وأفكارهم كأنها المتاهات. لذا أريد منك أولاً، أن تسكب لي، بأسلوبٍ سهل مُشوّق، خلاصة الحكمة المشرقية، فأسرارها طالما استهوتني.
  • لكن يتعذّر تبسيط الفلسفة، أيها الأمير، فهي وقف على الخاصة دون العامة.
  • أريد أن أخالف المألوفَ، فأجعل من العلم والفلسفة خبزًا يوميًا يأكله شعبي. أريد أن أحقِّق حُلم الأجيال، فأنشئ مُجتمعًا عالميًا فاضلاً يؤمن أبناؤهُ بالدين والعقل معًا. يكتب الوحي وكتب العلم.
  • حقق الله حلم الأمير العظيم، وأعاننا على خدمته.
  • والآن استودعكُ الله.
  • في رعاية الله.

 

الفصل الرابع

الرهان الغريب

يخرجُ الأمير، تتبعه فتنة ملوِّحةً بيدها؛ فيشيعها ابن طفيل، ثم يعود إلى المكتبة. وإذا أبو خَبل جالسٌ القرفصاء يتأوَّهُ طويلاً… فيسأله ابنُ طفيل:

– ما بك، يا أحمق، تتأوهُ كأنك حُبلى في المخاض؟

فيجيبه وهو يضحك: “بي مصيبتان: امرأتي ستصبحُ فيلسوفة على يدِ الأمير، وأنا ابتليتُ بغرامٍ جديد”.

– كفّ عن الثرثرة.

– ثمارُ الروضة الشهية لا تُطيقُ البقاء على الأغصان، تودّ القفز إلى الأفواه لتتلمَّظ بحلاوتها.

– أأنت مجنون؟ ما تعني؟

فيجيبه أبو خَبل همسًا وهو مُحملقُ العينين:

  • فتنة، يا سيدي، فتنة أختُ الأمير!
  • وما بها؟
  • أما رأيتَ الشهوةَ تقطرُ من عينيها… ومن فمها… ومن…
  • إخرس، ويحك! لو لم تكن مهرّج البلاط لقطعت لسانك.
  • ما أسعدني لأنّي مهرّج! وعما قليل أصبحُ مُهرجًا فيلسوفًا.

ويسترسلُ أبو خَبل في ضحكٍ طويل… فيحدِّجُهُ ابنُ طفيل قائلاً له:

  • حقًا أنتَ مخبول.
  • أنا أبو خَبل وأنتَ أبو عقل. وإني أُراهنكَ على أن تلك الفتنة في جلدها قطة وحشية ستبعثُ الفتنة، وأنها تحبُّني بقدر ما تحبُّك.
  • اسمع، يا هذا: في كلامكَ خطرٌ على حياتك. كفَّ عن المزاح.

فيترصنُ أبو خَبل، بينما يحدُجه الوزير بنظرةٍ طويلة، ثم يسأله هل يقرأ، يا تُرى، وما يقرأه. فيجيبه أبو خَبل أنه يقرأ قصص المغامرات والحيل والحرب، ولا سيَّما قصص الحبّ، إذ إن فيها متعة وجاذبية. ويروح يتلمَّظ وهو يردِّد: “قصص الحبّ”… “قصص الحبّ”…

فيطرق ابن طفيل لحظات، ثم يقولُ بصوتٍ عال:

  • وجدتها.
  • مَن؟ عروس أحلامك؟
  • لا، يا فارغ الرأس، بل طريقة تبسيطي الفلسفة.

سأكتبها بأسلوبٍ قصصي جذاب، فيشغف الناسُ بقراءتها مثلما يشغفون بقصص الحبّ والبطولة. وسأجعل من الأمير فيلسوفًا فاضلاً يحكمُ شعبًا من الحكماء الفضلاء.

  • أجادٌّ أنتَ في قولك، يا سيدي الوزير؟
  • أجل.

فيقولُ أبو خَبل هامسًا لنفسه:

  • ويلاه! فقد عقله! لا أستطيع أن أتصور إمارةً كل سكانها مجانين!
  • ماذا تقول؟
  • أقول: متى يصبح الأمير حاكمًا صالحًا وفيلسوفًا فاضلاً؟
  • بعد سنتين.
  • في رأسي الفارغ، يا سيدي، موضوع رهان.
  • على ماذا؟
  • على ألا تستطيع بالعلم والفلسفة أن تجعل من الأمير حاكمًا فاضلاً.
  • سأجعله رغم أنفك.
  • أترضى بالرهان؟
  • وما هو؟
  • تدفع لي، بعد انقضاء العامين، مئة دينار ذهبًا، إن فشلت مساعيك.
  • وأنتَ؟
  • بما أنك فيلسوفٌ فاضل، فأنت لا ترغب بالذَّهَبْ. لذا إن ربحت أنتَ، ادفع لك مؤخرتي فتسدِّد لها رفسةً قوية. فيعبسُ ابن طفيل لحظات، ثم يضحك قائلاً:
  • قبلتُ، قبلتُ.
  • ومن الشهود؟

فيشير ابن طفيل إلى الكتب المكدَّسة على الرفوف والمناضد، قائلاً:

  • هؤلاء الأدباء والفلاسفة.
  • أتُشهد عصابة مجانين على مجنونين؟

فيضحك الاثنان، ثم يخرج أبو خَيل ليدخل ثانيةً بسرعة قائلاً:

  • ماذا إن ربحت أنت وما وفيتُ أنا بوعدي؟
  • لن تنكُثَ بوعدك. صحيح أنك أحمق، ولكنك على شيء من الشرف؛ لذلك تفضُل كثيرين من سكان هذا القصر.
  • فلسفتك غلبتني هذه المرَّة.

وينصرف أبو خَبل وهو يقول في نفسه: “ليتني كنت مكانك، يا أبا بكر… ترى، من يشعر من كل الذين أضحكهم أن في قفص صدري النحيل عصفورًا يغرّد ويحبّ أيضًا… ويتألم! لكن، أين الأميرة منّي! فهي على رأس الجبل، وأنا في قاع الوادي!”.

أما ابن طفيل فيستغرق في تأمله محدثًا نفسه: “هذا المهرِّج يتكلَّم تارةً كالمعتوه، وطورًا كأفضل الحكماء. لا، لن أدعهُ يكسبُ الرهان… لسانه طويل سليط ينشر الخبر أينما كان. ولكن… ليس هكذا يفكر الفلاسفة. الرهان يجب أن يكون بيني وبين نفسي. إن لم أستطع أنا الوزير الفيلسوف أن أُصلح الأمير، عن طريق العقل، فمن يصلحه؟ آه! لو أستطيع أن أتحوَّل سريعًا إلى حبرٍ يُضيءُ على صفحات القراطيس! لو أستطيع أن أصير إشعاعًا فكريًا يتغلغلُ في رأس الأمير، فتحدث المُعجزة، ويطمئن بالي! حاول أفلاطون أن يبني جمهورية فاضلة، فأخفق، وحاول الفارابي أن ينشئ مدينة فاضلة، ففشل. لكن، أريد فقط أن أجعل إنسانين فاضلين عن طريق العلم والفلسفة: الأمير وأخته. ويجب أن أوفق، وإلا… أخفقت الفلسفة والعلوم كلها”.

          ثم يأخذ بتناول الكتب واحدًا إثر واحد، مقلِّبًا صفحاتها حتى يقع، أخيرًا، على كتاب لابن سينا، فيقرأ فيه: “أما اسمي ونسبي فحَيّ بن يقظان”؛ فتلتمع الفكرة في رأسه، ويطفحُ الحبورُ على وجهه، فيعتزمُ أن يسمي قصته الفلسفية: “حَيّ بن يقظان” مُستعيرًا الاسم من ابن سينا. فيوقد سراجًا يبدِّد العتمة الهابطة، ويجلس إلى مكتبه، ويبدأ الكتابة.

          لا تمضي بضعُ دقائق حتى يقرع الباب. وإذا حبّابة، جاريةُ فتنة، تبلغه أن سيدتها مريضة، وهي تستعجله لمعالجتها. فيُدهش ابن طفيل لمرضها المفاجئ، ويتساءل هل هي حقًا مريضة أم متمارضة؟ وإذا بأشواقه الحسيَّة تهتاج؛ فيحاول أن يكبحها بإدراكه الروحيّ وإرادته السامية، وتصميمه على التصعيد برغباتها حتى تصبح أكثر شفافية ونقاءً. لكن النزاع في ذاته يقوى، فلا يرى نفسه إلا مُخترقًا الحديقة، مُندفعًا نحو جناح أخت الأمير.

 

الفصل الخامس

الشرك

كانت العصافير قد أوت إلى أعشاشها، وذواتُ الخضراء قد بدأت تنفثُ ما يثقل الصدر، والليل أخذ يطلق الأشباح من أجحارها، كما يطلق الأفكار السوداء من أوكارها. فتحت أجنحة الظلمة الغدافيَّة كم من نفسٍ تحبلُ بمطمع! وكم من مطمع يلد مكيدةً جحيميَّة!

كانت حبابة تنتظر ابن طفيل على المدخل. فما إن أطلَّ حتى ازداد خفقان قلبها، إذ تصوَّرت أنها مكان مولاتها. فهي تعرف عواطف الأميرة وأسرار أعماقها؛ وكانت تشبع رغباتها عبر أحلام رخيَّةٍ طويلة، تسترسل فيها متوحِّدة بفتنة.

كان الخيالُ عالمها، تكتفي بمسارحه من حظِّها في الحياة، ومن خيوطه الوهمية تنسجُ وقائع يومها وقماشة أشواقها. وكان ابن طفيل يستهويها باستقامته ووسامته ولطفِ حديثه، كما بهالةٍ من الحزن غريبة تحيط وجهه، فتجتذب نفسها الكئيبة إليه؛ ولطالما حدثتها فتنة عن سحره، وعن صبابتها نحوه.

دخل ابن طفيل إلى مقصورة الأميرة، فإذا هي مضطجعة على سرير وثير، تهدلت قطيفة خضراء على أحد جانبيه، وحسرت عن جانبه الآخر. وكان بقرب السرير شمعدان مُضاء، تتراقص لهباته، فتترجح معها أشباح الأشياء في الغرفة، كأنها نزوات امرأةٍ تتواثب، ولا تعرف أن تستقر على هدف.

ما إن دخل طبيبُ البلاط إليها حتى سمعها تئنُ، فوقف جامدًا بجانبها وهي تسترسل في أنينها:

  • بِمَ تشعرُ سيدتي؟
  • لستُ أدري.
  • أيؤلمكِ رأسُكِ؟
  • رأسي؟… ربما.

يضعُ يدهُ على جبهتها يتحسسُ حرارتها، فتصدرُ آهًا ناعمةً طويلة.

  • ماذا؟
  • ليس هنا.
  • لعلها معدتُكِ.
  • معدتي؟… ربما.

يتحسَّس معدتها ضاغطًا جوانبها، فتطلق آهاتٍ كأنها النسمات تهبّ في الخمائل!

  • ماذا؟
  • ليس هنا.
  • أين إذًا؟
  • بين بين. في منزلةٍ بين المنزلتين.
  • هذا منطقُ الفلاسفة!
  • تلميذة لمعلمي.
  • أهو صدرُك؟
  • فتمسكُ يده متشبثة بها، وتضعها على صدرها ضاغطة، قائلة:
  • عميقًا عميقًا.
  • قلبك؟
  • أجل.

قالتها باسترخاء، ثم جذبت ذراعه بيدها اليُسرى حتى اضطرَّ إلى الانحناء فوق صدرها؛ فأحاطته بكلتا يديها، وشَدَّته بعزمٍ نحوها. وإذا هو بين قوةٍ تشدُّ به إلى فوق، بعيدًا عنها، إلى حيث تحلّقُ أحلامه الروحية فوق الجسد وأشواقه، وقوةٍ تدفعه إلى أسفل، إلى نارٍ يحسُّها متوهِّجة تحت صدره، حيث تفورُ الشهواتُ الأنثوية ممتزجةً بشهواته الترابية.

في هذه الأثناء، سمعت حبَّابة حركة غير عادية في الحديقة، فأطلَّت من إحدى نوافذ الرواق تحاول استطلاع الأمر، قرأت ثلاثة أشباح سوداء تنسلُّ في الحديقة، كأنها ثلاث قطع دهماء انفصلت من فحمة الليل! كانت تتنقل بحذر وراء جذوع الأشجار الضخمة، ولا وجوه مرئية لها، ولا أعضاء منظورة؛ فهي أشبه بكتلٍ عمودية منتقلةٍ من الضباب اللزج الأسود!

أوجست حبَّابة خيفةً، ثم أجفلت رعباً، فأطلقت صوتًا خافتًا يبدو أن الأشباح سمعته؛ فإذا بها تُصدرُ هسهسة، ثم عزيفًا مُخيفًا غريبًا. فترتعب حبَّابة، وتهرع إلى الداخل، وقد جالَ في خاطرها أن تبلغ الوزير أن الجنَّ افلتت من جحيمها، وأخذت تجول في حديقة القصر!… لكنها ترتدع عن ذلك، بحجّة أنه ما يزالُ عند مولاتها، فتنتظر ريثما يخرج لتبلغه الأمر.

بيد أن ابن طفيل خرج إلى الحديقة من باب آخر، وبعضه يحدّث بعضه بصوتٍ مكتوم: “لعن الله التجربة… كأن الجحيم في جسدي!… أأستطيع إصلاح الناس، ونفسي ما أصلحتها بعد؟ لكن الذنب ذنبها… لا، لن أدعها تسترسل في غيِّها… لن أكون فيلسوفًا. حكيمًا إذا فشلت في انتزاع ناب الأفعى منها…”.

كان يسير متمهلِّاً بين أشجار الحديقة الَّغناء، يتلمس طريقة في الظلام الدجوجي، مُستغرقًا في تأمل التجربة الكاوية التي عاناها، ثم يرفع نظره من خلال فُرجةٍ صغيرةٍ بين الأغصان المتشابكة، فيلمحُ القمر وقد بدا جانبٌ منه، بعد أن انزاحت غيمةٌ سوداء عنه، فيقف رانيًا إليه، قائلاً في نفسه: “كهذا السراج السماوي سأكونُ في ظلمة نفسها… ولكن، هل تُبدَّدُ الظُّلمة في نفسي أولاً؟”.

وإذا الأشباحُ الثلاثة تنقضُّ عليه من وراء الأشجار، كأنما رَحِمُ الظلمة قذفتها عليه فجأةً، فيطعُنه أحدُها بمديةٍ تُصيبه في ذراعه، بينما ينهالُ الآخران على رأسه ووجهه لكمًا ولطمًا.

وفي اليوم التالي، عرفَ الأميرُ بالحادثة، وحقَّق مع حرس القصر، بحضور وزيره؛ لكنهم أنكروا أن يكونوا قد رأوا أحدًا يدخلُ الحديقة، فهم يحيطون بها إحاطة الدرع بالصدر، وأوامرُ قائدهم (أحسن) تقضي بألا يدعوا أحدًا يمرُّ من دون إذنه.

وأدلت حبَّابة بإفادتها. إنها مقتنعة بأن ثلاثةً من الجنِّ انشقَّت الأرضُ عنهم، فخرجوا سودًا فاحمين، لا رؤوس لهم، ولا أيدي، ولا أرجُل، وانطلقوا يجولون حول القصر مُصدرين عزيفًا مروعًا، مُنذرين بالشؤم.

وسرت في القصر شائعاتٌ – سرعان ما تجاوزته إلى المدينة – بأنَّ الجنَّ قد اعترضوا الوزير في الحديقة، وكادوا يقضون عليه، وبأنه من الخطر المحقّق أن يسريَ أحد فيها، تحت جناح الظلام، لأن الأشباح والعفاريت تكون، إذ ذاك، خارجةً من أوكارها. وكلّ من سمع هذه الشائعة صدَّقها إلا ابن طفيل.

 

الفصل السادس

صديقان يختلفان

كان ابن طفيل صديقًا للجميع، يحاول أن يغمر بنور عقله كل من في البلاط؛  فصعب عليه أن يهتدي إلى خصمه. لذلك كان يقول لنفسه: “إن خصمي في داخلي، ولو لم يكن في داخلي، لما سمح الله بأن يتجسَّد في خارجي. فإذا كان لا يصيبنا إلا ما كسبت أيدينا، فعليَّ أن أبحث عن سبب مصيبتي في نفسي. “هذا الإدراك جعله يتعالى على جرحه، ويزداد تصميمًا على تنقية تفسه، وينصرف إلى شؤونه الفكرية ومهامه الوزارية.

ومع كرور الأسابيع والشهور، كان يشعر أن حبُّه لفتنة بدأ يتجرَّد من شوائبه الماديَّة، وأن عطفه عليها تعمّق وصفا، فصار أشبه بعطف الأب على ابنته. وكان يقلقه أن تبقى عاطفتها نحوه مشبوبة، ونظراتها إليه طويلة حمراء. وإن ارتاح ابن طفيل إلى هذه النزعة، فقد كان يزعجه سعي الأمير إلى بسطِ سلطانه وتوحيد دولته، باستخدام المكايد أحيانًا. فمطامع الأمير المتنامية كان أشبه بالنيران التي تشبُّ ضعيفة، ثم تحوِّلها الرياح إلى حرائق.

وذات يومٍ من أوائل سنة 563 هـ/ 1168م، طلب أبو يعقوب إلى وزيره الفيلسوف أن يقرأ عليه القصة الفلسفية التي طالما تشوَّق إلى سماعها؛ فأوضح له ابن طفيل أنه لم ينجزها بعد؛ لكن الأمير رضي بسماع ما أنجز منها، على أن يستمع إلى أقسامها الباقية في مجالسٍ لاحقة. فجمع الأعيان، وأهل الفكر في إمارته، وتصدَّر المجلس. وكانت فتنة إلى يمينه، وأبو خَبل عند قدميه.

وفيما كان لحنٌ أندلسي يترامى من بعيد، والحفل مجتمعٌ، سأل الأمير وزيره:

  • ألا ترى، أيها الوزير الحكيم، أن الجهل يبعد عن الله تعالى، والعلم يقرب إليه؟

فيجيبه ابن طفيل:

  • العلم يقرِّب إليه – سبحانه – إذا كان نورًا للبصيرة، لا للبصر فقط، فساعد على توجيه العقول والقلوب في سعيها نحو الحقّ والخير. هذا العلم الهادي هو الذي أراده الله تعالى في قوله العزيز:

(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

  • ليتنا نستطيع أن نزرع حبّ الحكمة والعلم الصحيح في نفوس رعايانا، فيعينهم نفاذُ البصيرة المُستتيرة على تفهّم جوهر الدين وباطنه الحقّ، فلا يستمسكون بالمظاهر والقشور فيضلِّون حيث يظنُّون الهداية.
  • حقَّق الله رغبة الأمير السامية، وجعل حبُّه للعلم والفلسفة يشيع في رعاياه.

وتهيمن على الحضور أجنحة الصمت الثقيل، وإذا أبو خَبل ينتفض قائلاً:

يا مولاي، امرأتي لا تصغي إليَّ وهي جاهلة، افتصغي إليَّ بعد أن تتفلسف؟

  • فيضحك الجميع، ثم يأمر الأمير بوقف الغناء حتى يسهل الإصغاء.

يفتح ابن طفيل ملفًا بين يديه، ويبدأ قراءة قصَّته: “ذكروا أن إحدى الجزر كان فيها رجلان من أهل الفضل والرغبة في الخير، أحدهما يسمى سلامان، وهو ملك الجزيرة، والآخر يدعى آسال، وهو موضع سرِّه، وأعزّ أصدقائه. وكانا يدينان، كما يدين شعب الجزيرة، بأحد الأديان المنزلة. وكثيرًا ما كانا يتناقشان في تأويل آيات الكتاب المُوحى، ولا سيَّما تلك التي كأنما تُنسب إلى الله – عزَّ – وجلَّ – صفاتٍ وأعضاء حسية، فيفسرها الملك بنصِّها الظاهر، بينما يعمد آسال إلى تأويلها. وذات يوم احتدَّ النقاش بين الصديقين، فقال آسالُ لسلامان:

– إعلَم، يا مولاي، أن منَّا من استخدم عقله جاهلاً فضلَّ، ومنَّا من استخدم عقله عالمًا فاهتدى إلى تمييز المعاني وتأويلها. أو ليس في الآي الحكيم: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)؟

فيقف الملك مُنفعلاً ويقول:

  • يبدو أننا لن نتَّفق أبدًا. عشرات الآيات أفسّرها أنا بطريقة، وتفسّرها أنت بطريقةٍ أخرى.
  • أعتذر للملك لما يسبِّبه حواري له من التأثر والسخط، فإنما يدفعني إلى مجادلته شعوري بأنه ليس فقط مليكي، بل هو أيضًا صديقي.
  • علينا أن نكفَّ عن الجدال في تأويل الكتب المُنزلة، يا آسال.

يطرق آسالُ لحظاتٍ، ويتجهَّم وجهه، ثم يقول:

  • كسحابه عظيمةٍ تتفجر فوق البحار، هكذا يتفجر الحزن في نفسي!
  • ليس من داعٍ للاكتئاب.
  • صديقان حميمان مُتلازمان منذ عشرات السنين ما استطاعا أن يتَّفقا على فهم الكتاب الكريم، فكيف بي وسائر الناس؟
  • هون عليك، أيها الصديق.
  • لا بأس، فلن نجني أيّ نفعٍ من هذه المجادلات، إن كنت سأخسر نفسي أو ستخسر نفسك. فليس فهمنا الأسرار هو الذي ينقذنا، بل الايمان الحقّ والأعمال الصالحة.
  • أصبتَ، يا آسال.
  • في أي حال، أرى الساعة أزفَّت لأن نفترق.
  • ما تعني؟
  • يجب أن أرحل عن هذه الجزيرة، لأعيش في الوحدة.
  • وامرأتك، يا آسال، وأولادُك؟
  • ليسوا أعزَّ عليَّ من ربِّي. أسمعُ صوته هاتفًا في ضميري: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجرٌ عظيم).
  • أغبطكَ، يا آسال، وإن كنت لا أقرُّ رأيك في العزلة.
  • لكلٍّ منَّا طبعه، يا مولاي، فأنت تحبّ السعي والعمل، وهما أمران حلالان ما داما في سبيل الخير، وأنا أحبّ الوحدة والتأمل.
  • لا أخفي عليك أن تفضيلي ملازمة الناس مردُّهُ إلى ضعفٍ فيَّ. ففي الوحدة تشتدُّ الوساوس عليَّ، وتقوى همزات الشياطين؛ وفي اختلاطي بالناس ما يُلهيني عن ذلك. لكن فراقك يصعب عليَّ جدًا. أفلا تغير رأيك؟
  • حزمتُ أمري، وعاهدتُ ربي على ذلك.
  • ومتى سترحل؟
  • غدًا.
  • إلى أين؟
  • إلى جزيرةٍ مهجورةٍ سمعتُ أن مناخها عدل، وأرضها خصبة.

يتقدم سلامان من آسال ويعانقه مُتأثرًا. فيسأله آسال:

  • أيمكن أن أعهدَ إليك بوصية؟
  • بكل رضا، أيها الصديق.
  • تتعهَّد زوجتي وأولادي. أما أموالي فتقطع منها ما يكفي إعالتهم، وتوزع الباقي على فقراء الجزيرة.

 

الفصل السابع

نِداءُ البحر

غرفةٌ فيحاء، متواضعةُ الأثاث، توزعت عند جدرانها متكآت وطيئة، وقامت في زاويتين منها منضدتان رُصِفتَ فوقهما أكداسٌ من الكتب باهظة، فأخذت أوصالهما تسمعُ، من حين إلى آخر، صريرًا متهدجًا كأنه أنَّاتٌ حبيسةٌ تفلتُ من صدر مقعدٍ وجيع، فما يلبث عملاق الليل أن يكبتها. كان آسال قاعدًا على حشيَّة، في صدر الغرفة، يحيط به أبناهُ الصغيران، وعند قدميه امرأته سنية، وفي حضنها طفلتها. إنه يمضي آخر أمسياته معهم، أمسية الوداع المؤلم المحطِّم، قبل رحيله للاعتزال في إحدى الجزر المهجورة.

          كانت نفسه أشبه ببحرٍ هائجٍ، تارةً ينبسط فيه مدٌّ عنيفٌ من العواطف التي تجذبُه إلى أطفاله وامرأته، وطورًا يرتدُّ المدُّ جزرًا تنحلُّ أصداؤهُ نداءً خفيًا في نفسه، يسمعه آتيًا مهيبًا عميقًا من وراء المجرَّات، فيمتثل له خاشعًا مُستسلمًا.

          كانت سنية في العقد الثالث من عمرها، هيفاء، هدباء، نجلاء العينين، ذات سمرةٍ آسرة. عايشت زوجها عيشةً رضية عشر سنوات، رزقا، في أثنائها، ثلاثة أطفال، ومحضته الحبّ صادقًا، وبادلها الحبّ مُخلصًا. وفجأة أتاها بخبرِ عزمه على الاعتزال، فأحسَّت كأنما جلدها ينسلخ عن جسدها. جعل آسال يُفهمها أن قوَّة عظيمة غير منظورة باتت تتوهج في نفسه، وتكاد تحرقه إن لم يعتزل؛ فالوحدة طريقها، ونجوى الله مصرفها، وإلا فالألم النفسيّ الصاهر سيكون طعامه وشرابه.

          لكن سنية التي أخلصت الحبّ له، وعاشت في دفء عطفه سنواتٍ طوالاً، لم تستطع فهمه. كانت لهبهُ السراج، في الزاوية القريبة، تتراقص على وجهها الهادئ الساحر المتألم، فتلتمع دموعها المتساتلة على خدَّيها كأنها اللآلئ وقد انفرطت من عقدها.

لم يناموا، بل أمضى الجميع الليل مسهدين. كان آسال، تارةً، يقبّل أطفاله بشوقٍ عارم مرارًا وتكرارًا، ويمرغ أجفانه بوجوههم الندية، ويتشمَّمهم ثم يضمُّهم إلى صدره ضمَّ الكنوز التي يشعر صاحبها أنه سيفقدها، وطورًا يهدأ ساكنًا، يتملَّى وجهه امرأته، بنظراتٍ تكسرها الدموع المترقرقة في عينيه. وعندما كانت تهيج عواطفه الأبويَّة والزوجيةَّ، وقد أشعلتها توسّلات سنية وعبراتها، كان يتسمّر في مكانه مصلبًا جسمه، مجمدًا ناظريه في الظُّلمة، كأنما يقرأ في قلبها الدجوجي أسرارًا خفية، أو يشاهدُ أشباحًا غير مرئية، تأسرُه بقواها الخارقة.

          طلع الصباح كما على مأتم… توجَّه آسال إلى شاطئ البحر، حيث الموعد المضروب، تحيط به زوجته وأطفاله الثلاثة. كان يلبسُ جبَّةً سوداء من وبر الإبل. وعلى الشاطئ، حيث الموج يسمع هديره، التقى صديقه الملك سلامان وجمهورًا من أصحابه، وقد بدا التأثرُ على وجوه الجميع.

يلتفتُ آسال نحو البحر قائلاً:

– هي ذي السفينة تنتظرني، والبحر يناديني.

فتجيبه سنية بتأثرٍ بالغ:

  • أتسمع نداء البحر، يا آسال، ونداءُ أطفالك وزوجتكَ لا تسمعه؟
  • أسمع نداءَ ربي، فلا تقاومي نداء الله في نفسي، يا سنية.
  • أنظر إلى أطفالك، إلى فراخك؛ أفتهجرهم وهم زغب الرياش؟ أتتركهم أيتامًا وأنت حيّ؟
  • عهدت بهم إلى راعي الكون، وإلى من هو أفضل مني. يقولها مُشيرًا إلى سلامان. فتنظر سنيَّة إلى البحر والدموع رقراقة في مقلتيها، وتقول:
  • أيها الزبد الأبيض، لكأنك الكفن الأبيض يحمل من أحببت إلى الأبدية!
  • فيسند آسالُ رأس زوجته إلى كتفه قائلاً لها:
  • اعتصمي بالله، يا سنيَّة.

لكنها تنفجر دموعًا كديمةٍ هتَّانة، وتقول له بصوتٍ حنون متهدِّج:

– غير رأيك، يا آسال، غير رأيك. بإمكانك أن تتعبَّد لربَّك وأنت معنا. فإمكانك أن تكون صالحًا وأنت في وسطنا.

لكن آسال يتصبّر، ويلبس العزمَ، ويقبل أطفاله قبلات الوداع، ثم يلتفت نحو الجميع قائلًا:

  • الوداع، يا أحبائي. لن أقبلكم فردًا فردًا حتى لا يهيج بحر حنيني إليكم فيغرقني. لا يغب عن بالكم أن جداولَ نفوسكم ستصبُّ جميعها، ذات يوم، في البحر الذي لا شواطئ له؛ فحافظوا على نقاوةِ قلوبكم حتى يزدهي البحرُ السرمديُّ اللانهائي بكم.

يتقدم آسال نحو البحر بخطىً ثابتة، بينما تُفيضُ سنيَّة من الدموع مدرارًا، وقد لاذ بها أطفالها النائحون كما تلوذ فراخ الطير بأمّها. ويلوِّح المشيِّعون لآسال بأيديهم وهم يدعون له بالسلامة.

وشبه إلهٍ من آلهةِ الأساطير يصعد آسال إلى السفينة، من غير أن يلتفت إلى الوراء، وهو يقولُ في نفسه:

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخواتكم وأزواجكم وعشيرتكم، وأموالٌ اقترفتموها، وتجارةٌ تخشون كسادها، ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربَّصوا حتى يأتي الله بأمره.).

 

 

الفصل الثامن

الحلم العجيب

وقفَ ابن طفيل، في قصَّته الفلسفيَّة عند هذا الحدّ، ونظرَ إلى وجوه المُستعمين، يستنبشُ في ملامحها مدى تأثيره فيها، فإذا هي أشبهُ بفلذات الغمام المتجهِّمة. فاستأذن وانصرف. وفي الحال، أشار الأمير إلى الراقصات أن يرقُصْنَ، وإلى المغنِّيات أن يصدحنَ، لينفخَ في الجوِّ روحًا مرحًا. وإذا البلاطُ كأنما أفلتت فيه أسرابٌ من الجنِّ!

حزينًا كان الفيلسوف يجرُّ رجليه في الممرّ الذي يؤدي إلى غرفته، وأصواتُ الغناء والموسيقى، يقطعها الضحكُ المدوِّي، تتناهى إلى أذنيه فتضاعف آلامه وأحزانه. تُرى، أيستطيع أن يصلحَ نفس الأمير، أن ينتقل به من عَرَض الحياة إلى جوهرها، ومن التحدُّث بالدين إلى ممارسته عدلاً وقيمًا روحيَّة؟ أيستطيع إصلاح نفس الأميرة فتنة التي عطف عليها وأحبُّها حتى بات يشعر كأنما يصيبه ما يصيبها؟… لكن الأمير ما زال يحسب المجد تسلّطًا وبطشًا، وما برح يحوك المكايد ليتخلّص من أخويه في الأندلس. وفتنة… أما رأى قائد الحرس أحسن كالثعبان ينسل من خدرها، في منتصف الليلة البارحة، بينما كان جميعُ من في القصر نيام، إلا عينه الساهرة مع المعرفة!

دخل ابن طفيل مخدعه، وألقى بنفسه على أريكةٍ شاعرًا كأنما على كتفيه جبالٌ يرزحُ تحتها! وإذا به يطبق أجفانه مُرهق النفس، ويحلم…

يحلم بأنه هو نفسه آسال راكبًا في السفينة وهي تمخرُ في اللجَّة اللازوردية الساكنة. ظهره إلى الملاحين، ووجهه إلى البحر، يتأمل المرآة المائية تتكسرُ عليها سهام الشمس.

          كان آسال يُناجي هذه السهوبَ المائية اللانهائية… يُسائلها… تُرى، قبل أن يوجد الإنسان على الأرض، لِمَن كان ماؤها يتصاعد في الهواء، ثم ينعقد غمامًا فينهلُّ مطرًا، فيستحيلُ ينابيع وأنهارًا؟ تُرى لِمَن كانت الأزاهيرُ تتفتحُ وتتضوع، والثمارُ تنعقد وتحلولي، على امتداد الأرض، إذا لم تكن فيها عينان تتملَّيان الجمال، وفمٌ يأكلُ ويتذوَّق، وأنفٌ يتنعم العطر، تُرى، لمن كانت الشمس ترسِلُ أنوارها البهيَّة؟ أحقًا من أجل الإنسان، ومن أجله فقط، وجد كل شيء، إذا كان الكون بما فيه قد وجد قبله؟

          غلَّفَ الضباب عيني آسال… فإذا به يرى اللجّة قد انشقَّت، وانبثقت منها حورية ساحرة متَّشحة بثوبٍ أبيض هفهاف كأفواف الآس والياسمين. قالت تخاطبه:

  • حبّي لك، يا آسال.
  • مَن أنتِ؟
  • سيَّال من ذاتك النورانية قضت المشيئةُ الإلهيَّة أن يتجسَّد في أغوارِ البحار.
  • لست أفهم. وكيف تحيين في الماء!
  • ليتك أدركت كل أبعاد القول الكريم: “وجعلنا من الماء كل شيءٍ حي”.
  • وهل عرائسُ البحر يؤمن بالله؟
  • نؤمن به على غير ما تؤمنون. نحن أقرب إليه منكم.
  • يا للعجب! كنتُ أظن أن الإنسانَ وحده يعرف الله ويسبّحه.
  • مرّة أخرى تبرهن أنك، مع حرصك على فقهِ باطن الكلام الحكيم، ما نفذت إلا إلى يسيره. كيف تنسى الآية الحكيمة: “تسبح له السماوات السبع والأرضُ ومن فيهنَّ، وإن من شيءٍ إلا يُسبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم”؟
  • كنت أظنَّني فضضتُ كلّ سرّ من الكلام المُنزل.
  • ما زلت طفلاً يتهجًا الحروف، يا آسال.

وإذا بالحورية ترسم نجمةً خماسية الزوايا على جبهته؛ فيرى نفسه وقد انقلب جسدًا شفافًا يماثلُ جسدها: نصفهُ الأعلى شبه بشر، ونصفه الأسفل شبه سمكة.

راحت الحورية تغوص إل الأعماق وهو يتبعها كظلِّها. كان مشدوهًا من أنواع الأسماك الغريبة التي يشاهدها، ومن أصناف النباتات البحرية العجيبة التي لم يخطر لها خيالٌ في بال.

وبعد رحلةٍ طويلةٍ في أغوار البحار المجهولة، طالعة قصر هرمي عجيب من المرجان والمحار أقرب إلى المعابد البوذية أو القصور الأسطورية في هيئته منهُ إلى الصروح المألوفة. أبوابُه من الأصداف الملوَّنة الرائعة المرصَّعة باللآلئ الباهرة الماتعة، ونوافذُهُ تغطيها ألواحٌ من شبه الزجاج اللدن اللزج. وكانت جميعها تشفُّ عن أضواءٍ رقاصةٍ غريبة الألوان، دون أن تكشف عمَّا وراءها.

قالت الحورية لآسال: “نظامُ عالمنا يقضي بأن يُقاد كل غريبٍ إلى مليكتنا، أولاً، لينال بركتها؛ ومقرُّها في هذا القصر”.

عندَ البابِ الرئيسي، رأى صفَّين من عرائسِ البحر، في أيديهنَّ ما يشبه الأسلحة المضيئة، وحول أعناقهن عقودٌ من اللآلئ الساحرة! خاطبتهنَّ الحورية بلغةٍ كأنَّها نغماتُ الناي؛ فلم يفهم آسال منها شيئًا. فتقدَّمت إحداهن إليه، وطوَّقت جيده بعقدٍ من اللآلئ الرائعة؛ فشكرها بابتسامةٍ وإحناءة رأس وقلبُه يكادُ يطفرُ من عينيه المشدوهتين!

 

ثم قادته الحورية إلى داخل القصر، فإذا بباحاته تغصُّ بالحوريَّات الفاتنات. كانت عقود اللآلئ الأخَّاذة تلتف أدوارًا حول أعناقهن التلعاء متهدّلة على صدورهن الناهدة الناصعة البياض، كما كانت شعورهن الغدافيَّة الطويلة مُسترخية مُتموِّجة فوق مناكبهن وقدودهن الميساء، وقد زانتها مشابكُ مما يشبه الزهور النضرة النديَّة. أما أرضُ القصر فكانت مفروشة بأعشابٍ بحرية بدت كالزرابي المخمليَّة الملوَّنة البارعة الجمال، وجدرانه كانت، على رحابتها، تغطيها صفائح شفافة من اللدائن، ووراءها تسبح أصناف من أعجب الأسماك الملونة. أما سقوفه فكانت تلتمع فيها أضواءٌ غريبة كأنها أقواسٌ قزحية تتراقص في مهرجان مُبدع! وكان الماءُ يملأ كل فراغٍ شأن الهواء في عالم البشر.

راحت الحورية الدليلة تطوف، وهو يصحبها، من ردهةٍ جميلة إلى أخرى أجمل منها حتى بلغت بهو العرش، فوقفت به عند الباب. فأصدرت الحورية المولجة بالمدخل عزيفًا إيقاعيًا مُتناغمًا؛ فانبعثت داخل البهو أضواءٌ أخذت تلتمع وتنطفئ كأنَّما هي لغة التخاطب والتفاهم. وبعد لحظاتٍ، سُمح لآسال ورفيقته بالتقدّم إلى صدر القاعة العظمى حيث يقوم عرشٌ بالغُ الروعة، صيغ من الأصداف البديعة، واللآلئ الفاتنة، والحجارة الكريمة الهفهافة الملوَّنة التي لا يعرف لها مثيل في أرضِ الأناسي. وعلى العرش استوت ملكةُ الحوريات متوَّجة بإكليلٍ من الدرر، لألأؤُه يخطف البصر؛ فيما انتظمت على جانبيها، وعلى مدى دائر القاعة المستديرة، صفوفٌ من عرائس البحر، كل منهن مُستلقية على صدفةٍ كبيرة أشبه بالجوهرة العملاقة؛ فبَدَونَ كعقدٍ من الأصداف واللآلئ العظيمة تتوسَّطه المليكةُ جوهرةً يتيمة!

قالت الملكةُ المُذهلة الجمال لآسال: “مرحبًا بك في مملكتنا، يا آسال. لو لم يكن يربطك سيالٌ روحي بفانال، لِما سُمح لك بالدخول إلى عالم الحوريات. لا حاجة لك إلى الكلام، فنحن نقرأ أفكارَ البشر، ونعرفُ رغباتهم بطريقة التواصل الفكريّ الذي يعجز الناس عنهُ. فانال كانت زوجتك، قبل أن تولد أنت بين الأناسي، فتشابكت سيَّالاتها بسيَّالاتك؛ ولذا سمح لك بأن تلتقيها ليوم واحد، تعودُ بعده إلى عالمك، حتى يقضي النظامُ الإلهيّ باجتماعكما ثانية”.

ثم أشارت له بأن يتقدّم نحوها؛ فتقدّم. فمدَّت يدها الغضَّة ورسمت على جبهته نجمةً خماسيةً ثلاث مرات وقالت له: “رسمتُ رمزنا المقدس على جبهتك، لتستطيع أن تجول في رحاب عالمنا مع فانال دون أن تؤذى”؛ ودعته إلى أن يستلقي بقربها على صدفةٍ أرجوانية. ثم أشارت بيدها، فإذا بإيقاعاتٍ موسيقيةٍ متناهية السحر والعذوبة تنداحُ موجاتُ أنغامها في رحابِ القصر. وسرعانَ ما تقدّمت أسرابٌ من الحوريات إلى وسط البهو المستدير، وأخذنَ يتمايلنَ بأجسادهنَّ الأماليد العجيبة، ويرقُصنَ على إيقاعِ الأنغامِ رقصًا يأسرُ القلوبَ ويفتنُ العقول.

قُدِّم إلى آسال إكسيرٌ فيروزيُّ اللون في صدفةٍ ورديةٍ كبيرة؛ فاحتساه بلذةٍ فائقة. وبعد أن مضى وقتٌ غير قليل وهو يتتبَّع حركاتِ الراقصات بعينين مشدوهتين ولبٍّ ذاهل، توقف الرقص؛ فأذنت له الملكةُ بالانصراف مع فانال.

ما إن خرجا من القصر حتى طبعت الحورية قبلةً على ثغره ترنّح لها قلبه بين أضلاعه. ثم سارت به في مسارب المياه المتلألئة بأنوارٍ خفية المصادر، وأخذت تُريه رحاب المملكة اللازودية؛ فإذا هي شاسعةُ الأبعاد، آهلةٌ بالمنازل المرجانية، وعرائسُ البحر يطفنَ ما بينها داخلاتٍ خارجات من المغاني الساحرة.

وبينما هما يجولان في الأعماقِ السحيقة، استرعت نظر آسال أبنية مميزة في اشكالها المتناسقة البديعة كانت تطالعهما بين الفينة والأخرى، وكانت نجومٌ خماسية الزوايا مضيئة فوق هامات أبراجها. فسأل فانال عنها؛ فأجابته: “إنها معابدُ الحوريات، فيها يسبِّحنَ القدرةَ المُوجدة”.

وما لبثَ أن فهم أن الخير والشر والقيم العليا عندهن غير ما هي عند الناس، وأن فرائض الصلاة، وطقوس العبادة، وأركان الدين لديهن غير ما هي لدى البشر. فقال لها:

  • للناس أنبياءٌ وهُداة يرسلهم الله، فيضعون قواعد الأديان، فمن وضع مبادئ الدين وطقوسه لكن؟
  • مليكتنا، فهي هاديتنا. ففي عالمنا تتَّحد الهداية الروحية بالسلطة، فلا تحكمُ شعب الحوريات إلا من اختارها الله هادية، وزوَّدها بقوة الوحيّ. فملكتنا أفضلُنا معرفةً وأرقانا نفسًا.
  • ولكن ألا يقوم بينكن من يخاصمُ الهادية. أو ينازعها الرأي والسلطة؟
  • لا، فاضطهادُ الأنبياء والهُداة لا نعرفه. إنه إثمٌ عظيم لا وجود له إلا في عالم البشر وسائر دركات الجحيم.
  • قلت “سائر دركات الجحيم”، فهل تعنين أنكن تحسبن الأرض في عداد الدركات الجهنميَّة؟
  • أنتم تظنُّون أن الأرض شبه جنَّة، في حين أنها في الواقع عتبة الدركات الجحيمية. فلو لم يكن الناس أقرب إلى أهل الجحيم لما كانوا يضطهدون أنبياءهم ونوابغهم ومُصلحيهم.
  • ولكن ماذا يحدث لو توفيت الملكة؟
  • لا وجود للموت مثلما تتوهَّمون. الموت ليس فناءً، بل هو مجرَّد انتقال من حالٍ إلى حال. وأعمارُ الحوريات أطولُ جدًا من أعمار الناس. فإذا حدث لملكتنا هذا الانتقال الذي تسمُّونه “الموت”، حلَّ الوحي على الحورية الأرقى بيننا. لكن هذا لن يحدث إلا عند انقضاء الدور التكويني الحالي، وقيام الدور التكويني اللاحق.
  • لم أفهم ما تعنين.
  • لقد سبق هاديتنا الحالية مئاتُ الهاديات، كلٌّ منهن عاشت حياةً امتدَّت على دورس تكويني حضاري كامل، أي مرَّ على عالمنا، قبل الدور الحالي، مئات الأدوار التكوينيَّة الحضارية التي استغرقت عشرات الملايين من السنين.
  • كيف ذلك؟ فمعظمُ البشر يعتقدون أنهم وجدوا منذ بضعة آلافٍ من السنين فقط، أي منذ خلق الله أبويهما الأولين آدم وحواء.
  • البشر يضلُّون في معرفة أصلهم مثلما يضلُّون في أمورٍ كثيرة. فآدم وحواء حقيقةٌ واقعيةٌ في عالمكم، لكن سبقهما مئات من الأوادم والحواءات. فقد مرَّ على البشر أيضًا مئاتُ الأدوار، ودوركم السابق خُتم بطوفان نوح؛ أما دوركم الأسبق فانتهى بتدمير عالمكم، بعد استيلاء الجنِّ على أعظمِ مدُنكم.
  • الجنّْ!…
  • أجل. إتبعني فترى.

كان يتبعها كمن يتبع قلبه الخافق أمامه، بل كمن شُلَّت إرادته، فاندفع متقدِّمًا ذاهلاً نشوان مُنجذبًا بقوةٍ مغنطيسية قاهرة! راحت فانال توغل في الأغوار مسرعةً وهو يجدُّ وراءها، حتى قطعًا مسافاتٍ هائلة. وفي طريقهما كانت الأعماق تشفّ عن كثير من الغرائب والمُدهشات!…

أخيرًا، وصلا إلى مُنحَسَفٍ في قاعِ الخضم بدأت سخونةُ المياه فيه ترتفعُ؛ فشعر آسال بحرارتها المتصاعدة، وخاف على جسمه من الاحتراق. فطمأنتهُ فانال قائلةً له: “لا تخف، يا آسال، فالنجمة المقدَّسة التي رسمتها هاديتنا على جبهتك ثلاث مراتٍ ستحميك من كل أذى”.

فاطمأن باله، لكنَّه دُهِشَ إذْ رأى أسماكًا غريبة الأشكال تسبحُ في فوارٍ يغلي الماء فيه غليان البركان، فقال لفانال مشدوهًا: “الكائنات جميعها تموتُ في مثل هذه الحرارة المُبيدة، فكيف لا تموتُ الأسماك فيها؟ بل إنني أراها تلازمُ هذا الفوار المائي الجهنميّ السخونة، ولا تفارقه إلى المواضع الأفتر!”.

فأجابته فانال: “ما هو مستحيل، يا آسال، على البشر، ليس صعبًا على القوَّة المُوجدة؛ فإنها جعلت لكلِّ بيئةٍ أجسامًا تناسبها، وعمَّا قليل سترى أعجب مما رأيت”.

وإذا بها تتغلغلُ  في ما يشبه فوهة البركان الخامد؛ فألسنة النار لم تكن تندلع منها، ولا أثر حولها للحمَّم أو الدخان.

وما إن غلاَّ فيها مسافةً غير قصيرة حتى رأى آسال نفسه في مجرى مائي يدورُ كالدوامة الهائلة السرعة حول هاويةٍ عظيمةِ الاتساع، سحيقة الأغوار، كأنها خضَمٌ في قلبِ خضَّمٍ! لكنها بحرٌ ليس من ماء، بل من النيران المتوهِّجة المتنوِّعة الأشكال والأحجام! ففيها الدوائر والقبب والمربعات والمستطيلات والمثلثات… وجميعها من مادة نارية ذات ألوان غريبة لم تبصرها عيناه من قبلُ في أرض البشر.

سأل آسال رفيقته، في دهشةٍ بالغة:

  • تُرى، ما تكون هذه الأشكال الناريةُ العجيبةُ الألوان التي لا أثر فيها للدخان؟ تارةً يقبضُ عليها نظري، وطورًا تتفلتُ منه كالزئبق الرجراج!
  • إنها عالم الجنّْ.
  • عالم الجنّْ؟
  • لم العجب؟ فأنت تدَّعي أنك فهمت كل آيةٍ في كتابكم المقدَّس. ألم تقرأ فيه أن الله “خلق الجان من مارجٍ من نار؟”.
  • بلى!
  • أفترى هذه الأشكال النارية السريعة الحركة والتنقل؟
  • أجل
  • إنها الجنّ. نيرانٌ بلا دخان. لكنها كائنات نارية عاقلة، وذكاؤها خارق. وما كنتَ لتستطيع أن تراها لو لم ترسم ملكتنا وهاديتنا النجمة الخماسية المقدَّسة على جبهتك ثلاث مرات. فاهتزازُ هذه النار يفوقُ قدرة العين البشرية على الإبصار، ولذا قد يمرُّ الجنُّ بين الناس، فلا يستطيعون رؤيتهم إلا إذا اتَّخذوا من الأشكال الأرضية أجسادًا لهم.
  • سبحان الله! كأنني أحلم!
  • إن حضارة الجنّ، يا آسال، تفوق حضارتنا بمقدارِ ما تفوق حضارتنا حضارتكم. فهم يتفوَّقون علينا بإداركهم وقدرتهم، مثلما نتفوَّق عليكم بإدراكنا وقدرتنا.
  • كنتُ أظنُّ أن الإنسان هو ملكُ الكون وسيّد الكائنات
  • ظنٌّ خاطئ واهم جعل الإنسان مُتعجرفًا مغرورًا. فنحن نعرفُ من كتابنا الهادي أن الكون فيه بلايين الكواكب التي تفوق حضاراتها ومعارفها حضارتنا ومعارفنا، وبالأحرى حضارتكم ومعارفكم، فأنتم ما زلتم من كتاب المعرفة الكوني كالأطفال في مرحلة تهجئة الحروف.

ثم تقدمت فانال به إلى ناحية أخرى من الهاوية النارية العظيمة قائلة له: “علينا أن نلازم هذا المجرى المائي الساخن، وإلا هلكنا. فحدود عالم الحوريات تنتهي هنا، ونظامنا الإلهيّ لا يسمح لنا بتجاوز عالم الماء”.

ثم أشارت إلى بقعةٍ عظيمة الاتساع تبدو من بعيدٍ في قاع الهاوية، فكأنها مدينة من مدن الناس تتراءى من وراء الضباب. فدُهِشَ آسال إذ رآها، وقال:

  • كأنني أرى مدينة عظيمة من مدن البشر تتسترُ بنقابٍ من الضباب المُشتعل!
  • أجل. وما تراه كان في الواقع أعظم مدنهم.

أما سمعتَ بالأطلنتيد؟

  • الأطلنتيد؟… إن لم تخنِّي ذاكرتي، فقد قرأتُ شيئًا عنها في ترجمةٍ لبعضِ ما كتبه الفيلسوف اليوناني أفلاطون. ولكن ما علاقة الأطلنتيد بما أرى؟
  • تلك هي الأطلنتيد.
  • ماذا؟
  • كانت أعظم حواضر البشر. وقد بلغوا فيها شأوًا بعيدًا في التقدُّم المدنيّ والاختراعات. لكن رقيهم العلميّ لم يقابله ارتقاءٌ في النفس، في السلوك الخلقي، في التَّوجه نحو الحقّ والخير، بل على العكس، تمادوا في عصيان أوامر الله وفي ارتكاب النكرات؛ ولذا أذنت القوَّة المُوجدة لشعب الجنّ بأن يستولي على الأطلنتيد، وينزلها إلى الأعماق السحيقة، ثم بأن تدمَّر مدن البشر الأخرى. وساعة استولى الجنّ عليها وخسفوا الأرض بها، ظنَّ الناس أن زلزالاً عظيمًا دمَّرها.
  • لكن ألم يحدث زلزالٌ خسفَ الأرض بها في الواقع؟
  • بلى، لكن للزلزال سببًا روحيًا لا تقوى أفهام البشر على إدراكه. إنه نتيجة لعلةٍ روحية. وهذه العلَّة الروحيَّة، وإن تنوَّعت وجوهها، موجودةٌ وراء كل الأحداث التي تحصل للبشر، من أمراضٍ وعاهاتٍ وخسائر مادية, وآلامٍ وشفاءٍ وموت… كما من نجاح وربح وصحّة وهناء… فاعلم، يا آسال، أن أحوالَ الناس وأحداثهم إنما هي ثوابٌ أو عقابٌ لأعمالهم ورغباتهم، أي نتائجُ حتمية لها.
  • لكن الناس بمعظمهم يعتقدون أن الثواب والعقاب سيحدثان لهم بعد الموت.
  • إن الثواب والعقاب، يا آسال، قد يحدثان في الحياة نفسها، كما قد يحدثان بعد الموت. لكن ما تسمونه “ما يعد الموت” إنما هو حياةٌ أخرى تحيونها بأجسادٍ وأشكالٍ مختلفة بحسب استحقاقاتكم. فالحياة أشبه بنهر مستمرّ الجريان، لا يرى الناس منه إلا أشكال موجاتٍ مُتقطعة، فيظنُّون أن لا صلة ما بين تلك الموجات. والآن عليك، يا آسال، أن تعود لوداع الملكة؛ فالمدَّة التي سُمِحَ لك فيها بأن تكون في عالمنا شارفت على نهايتها.
  • أمحتوم عليَّ أن أعود إلى أرض البشر، أرض الفساد والشقاء؟
  • ذلك محتوم، يا آسال. فعليك أن تمضي في تجسُّدك البشريّ المدَّة التي استحققتها. لكن، لا تحزن، فالحياةُ تمرُّ بسرعةٍ، ولا بدَّ من أن نعود فنلتقي.

وتعود الحوريَّة بصحبة آسال في الطريق نفسها التي اجتازها، ويشاهدان من عجائب البحار أكثر مما شاهداه، أولاً. أخيرًا، يمثلان بين يدي الملكة؛ فتقول له؛”ها أنتَ عرفت الآن أسرارًا لم يعرفها غيرك من البشر؛ فلتكن زادًا لك في ما تبقى من سنيك على الأرض. لا تغتمّ، يا آسال، لفراقك فانال، فنهرُ الحياة سريعُ الجريان. تقدَّم إليَّ”.

فتقدَّم آسال نحوها؛ فقالت له: “أغمضْ عينيك”؛ فاطبقهما. فرسمت عليهما النجمة الخماسية المقدَّسة، ثم سألته: “ماذا ترى، يا آسال؟”.

فأجاب بانفعال بارز:

  • أرى مدينة عظيمةً آهلةً بالصروح الجبَّارة الجميلة، والناسُ بعشرات الألوف يروحون ويجيئون في طرقها الفيحاء، ومركبات تسير على عجلاتٍ بلا خيولٍ تندفع مُسرعةً في دروبها الممهَّدة! يا لله! كان الدنيا تغيرت وازيَّنت! فالأضواء تشعُّ من المصابيح الغريبة في كل مكان، ولا وجود للزيت في المصابيح!
  • إنها طاقة عظيمة سيكتشفها علماء البشر، يا آسال، وسيسمونها “الكهرباء”. والآن قل لي ماذا ترى؟
  • أرى جيوشًا جرارةً، ولهم أسلحةٌ ضخمة غريبة تدبُّ على الأرض مُسرعة، فترتجُّ الأرضُ منها! ها إنهم يطلقون من فوهاتها المستطيلة نيرانًا عجيبةً تحدث دويًّا هائلاً! ربَّاه!…
  • والآن ماذا ترى؟
  • أرى ما يشبه الطيور الجبَّارة تحملُ في بطونها بشرًا! يا لله! يا لله!… إنها تلقي بأحمالٍ غريبة فوق المدن، فتنفجرُ بدويٍّ هائل!… إنها تدمِّرُ الأبنية!… تقتلُ الناس!… تحدث الحرائق!… ربَّاه!…
  • والآن ماذا ترى؟
  • أرى ما يشبه التفاحة العظيمة تهوي فوق مدينة حافلةٍ بالعمران، مكتظة بالسكان! يا لله! إنها تنفجر انفجاراً مروِّعًا ينشقُّ له الفضاء ويطوى!…

النيران ترتفع في الفضاء، تمتدُّ كأنها وردةٌ جهنميةٌ حمراء تملأ السماء!… لقد تهدَّمت ألوفٌ من المباني، وألوفٌ بل عشراتُ الألوف من الناس احترقت أجسادُهم وانصهرت انصهارًا!…

كان التأثر البالغ باديًا في صوت آسال وتصاعده التدريجي، كما في تسارع كلامه واندفاعه العصبي. ففتح عينيه والدهشةُ الكبرى مرسومةٌ على وجهه!فقالت له ملكةُ الحوريات: “ما رأيته الآن، يا آسال، هو نماذج من مدن الأرض في القرن العشرين بعد ولادة المسيح. فإنها قد ازدانت بكلِّ مبنى فخم جميل، وازيَّنت بالشوارع الفيحاء المُضاءة  بمصابيح الإنارة الكهربائية، وعمَّها العمران ومنجزاتُ التقدُّم المدنيّ، حتى ظنّ الناس أنهم بعلومهم واختراعاتهم أصبحوا يسيطرون على الطبيعة وقواها؛ لكن أطماعهم ستدفعهم إلى حروب رهيبةٍ فيما بينهم. وما رأيته يرتفع بشكل وردةٍ ناريةٍ حمراء تتسع حتى تملأ السماء، وتزلزل منها الأرضُ وينشقُ الفضاء، إنَّما هو سلاحٌ جبارٌ هائل اخترعه عملاء البشر، ودَّمروا به مدينتين من مدن اليابان. بهذا السلاح سيشق البشر لأنفسهم طريق فنائهم وإنهاء دورهم التكويني الحالي. وما حلَّ بالأطلنتيد سيحلّ بهم أضعافًا؛ لأنهم لا يبذلون جهدًا كافيًا ليجعلوا  الخير فيهم يتغلَّب على الشرّ”.

  • ألا يمكن تغيير وجهة الطريق التي فيها يسيرون؟
  • يمكن ذلك إذا هم غيَّروا أنفسهم. لكن كتب البشر المقدَّسة كلّها أنبأت بمصيرهم المُفجع. ألا تذكر ما جاء في كتابكم المُوحى إذ قال: “حتى إذا أخذت الأرضُ زخرفها وازيَّنت، وظنّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهارًا فجعلناها حصيدًا، وكذلك إذ قال: “فإذا انشقَّت السماء فكانت وردة كالدهان، فبأي آلاء ربِّكما تكذِّبان”.
  • سأوقظ البشر من غفلتهم، سأعلمهم الحقيقة، سأهديهم إلى طريق الخير والنجاة قبل وقوع الكارثة.
  • لن تستطيع، يا آسال، فالقوَّة المُوجدةُ أرسلت أنبياء كثيرين إلى الأرض ليهدوا أبناءها، فلم يتَّعظوا، ولم يرتدعوا عن المُنكرات، بل كانوا، كلّ مرَّة، يضطهدون رسولهم، ويتمادون في معاصيهم. واعلم، يا آسال، أن هاديًا عظيمًا سيظهر في الأرض، قبل أن يطبق الفناءُ الشاملُ على الناس؛ وسيولدُ في مدينة القدس تذكرةً لهم بعودة السيد المسيح، وستتمُّ معظم عجائبه في بلدٍ سيُسمى “بلد الأرز” إتمامًا لأقوال الأنبياء، ولكن… تقدم، يا آسال، وأطبق عينيك لترى.
  • تقدَّم آسال، فرسمت على عينه المُغمضتين نجمة خُماسية الزوايا، وسألته:
  • ماذا ترى؟
  • أرى إنسانًا ربع القامة، بشوش الوجه، مُتواضعًا، تتفصَّدُ جبهته عرقًا… إنه يتكلَّم العربية! ها إنه يصنعُ العجائب المُذهلة أمام حشدٍ من الناس! ها هي امرأة برصاءُ متهرئة اللحم يمدُّ يده إليها، فتشفى بلمسةٍ منه! وهي ذي مجنونة تصيح، تتقدّم نحوه… لقد هدأت وبرئت بكلمةٍ من شفتيه! أراه على المائدة يحوِّل الماء في جميع الكؤوس إلى خمر! ها إنه يستحضر صخرةً من مكانٍ بعيدٍ آلاف الأميال! إنها تخترق جدران المنزل بقوةٍ عجائبية، وتهبط داخله، بين الحضور، على مهل، دون أن تحدث أي خدشٍ في البناء! أرى عصافير ميتة رؤوسها مفصولةٌ عن أجسادها! ها هو يمرُّ يده فوق جثتها، فتحيا!… ها هو يضع بذورًا في الأرض… ربَّاه! لقد نبتت منها فجأةً فروعٌ وامتدت وتعالت!… إنها تثمر!… وتزهر!… تختصر الزمان! لقد أصبحت أشجارًا! أرى رسمًا يمثل عصفورًا. ها إنه يشير إلى العصفور، فيتجسَّد ويفرُّ من اللوحة، ويفرغ مكانه في الرسم!

ويرتعشُ آسال، ويفتح عينيه ذاهلاً مشدوهًا. فتقول الملكة الهادية له:

  • إنها عجائب وخوارق، يا آسال، يصنعها هذا الهادي العظيم بقوةٍ روحيةٍ يزوده الله بها، ليثبت صحَّة رسالته للناس، وليبرهن لهم على وجودِ عالمٍ روحيٍّ خالد. لكنهم في أكثريتهم الساحقة لن يصدقوه، بل سيضطهده حكامُ بلاده الطُّغاة ورجالُ الدين فيها. أما الشعب فسيقف من جريمة الحكَّام موقف الخزي والعار؛ فبعضه سيكون متآمرًا عليه مع الحكام الظَّالمين، وبعضه الآخر سيتَّخذ موقفًا لا مباليًا؛ ولذلك سيعاقبهم الله بتدمير بلادهم وتشريد شعبها، وجعله سُبَّة في أفواه الناس.
  • -نفسي حزينة حتى الموت!
  • لا تحزن، يا آسال، فأنت ستكونُ واحدًا من تلاميذه، وفانال ستتقمَّصُ، آنئذٍ، بشرية، وتكون إحدى تلميذاته، وستتَّخذها زوجةً لك.
  • لكن بالله عليكِ، كيف عرفتِ كل ذلك؟
  • علمنا غير علمكم، وأوقاتنا غير أوقاتكم.
  • أفتنسى ما جاء في كتابكم المنزل: “تعرجُ الملائكة والروح إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنة!”
  • أتُخاطبني الرُّوح؟…
  • ……………………

يستيقظ ابن طفيل فاركًا عينيه، مُتعجبًا من الحلم الذي رآه، متأملاً مليًا في مغزاه، قائلاً في نفسه: أيكون الحلم يقظة، واليقظة حلمًا؟ لِمَ لا أدون ما حلمته؟ فقد يكون حقيقةً، لا أضغاث أحلام. لكن إن أنا كتبته ونشرته بين الناس، فسيضطهدونني، ويقولون: هو كافرٌ مارقٌ عن الدين الصحيح. ولن أستطيع أن أتابع مهمَّتي في إصلاح الأمير وشعبه. خَطِرٌ أن تعطي الناس أكثر مما يستطيعون استيعابه. فحسبي الآن أن أنجز قصَّتي الفلسفية التي بدأتها، فإذا نجحت في مسعاي الإصلاحي، عمدت إلى كتابة قصَّة حلمي.

وجلس أمام مكتبه، وراح يتابع كتابة قصَّته الفلسفيَّة…

 

قدرة الخالق: قال الحجاج لامرأة من الخوارج: “والله لأعدنَّكم عدًا، ولأحصدنَّكم حصدًا”. قالت: “أنت تحصد، والله يزرع، فانظر قدرة المخلوق من قدرة الخالق!” 

                                                   الجاحظ “البيان والتبيين”

 

 

الفصل التاسع

الجزيرة والمفاجأة

بعد مسيرة سبعة أيام كان فيها النسيم والعاصفة يتناوبان، بلغت السفينة شاطئ جزيرةٍ ذات غابات غبياء عذراء تبعث الرهبة في النفوس, و صخور شمَّاء نقشت سنابك العناصر وجحافل الدهور تهاويل على وجوهها الصمَّاء  فنزلَ آسال فيها, بعد ان ودَّع الربَّان  والملاَّحين.

وسرعان ما اختار البقعة التي اعتزم العيش فيها, والكهف الذي سيتَّخذه مأواه. ومرَّت الاسابيع تترى فتنامى شعره, واستطالت لحيته, وجعل يعتاد الوحدة والتأمل الصامت. وكان في الاصابيح كما في الاماسي يسير الهوينا نشوان بين الازاهير, يهدهد الافنان مُغتبطا, يقطف ما احلولى من ثمار و ياكُلها , يصغي الى زقزقات العصافير الشجيَّة, والى صوت الايائل  والمها وسواها من الحيوانات غير الضارية يناغي بعضها بعضا وهيِ ترد ينابيع المياه.

 

 وذات يوم, فيما هو يتمهّل بين الجّنات الغيضاء, يتراءى على فوهة كهف شبه رجل كأنما لفظته رحم المغارة: كان مكتنز العضل, مُسترسل الشعر واللحية, طويل الاظافر, نافذ النظرات, وعليه جلدٌ حيوانيّ اشبه بجلد غزال. يقف الاثنان يتأملان أحدهما الأخر.  فجأة, يغزو الاضطراب وجه آسال, فتسارع خفقات قلبه, ويولى هارباً حتّى يتوارى عن الأنظار. فيتبعه الآخر باحثاً عنه بتعجبٍ وحذر. واذا به يدركه وهو قابع وراء صخرة يُصلّي باضطرابٍ وعجلٍ مستعيذاً بالله.

ويشرف الكائن الغريب على آسال من فوق الصخرة, وينبري يتأمّل وجهه وجسمه, عضواً فعضواً, مُستغرباً. لقد اكتشف التشابه بينهما, فاطمأنّ اليه. ثمّ أخذ يُصغي الى كلماته, فراقه نغمها, فابتسم فرحاً, ووثب من على الصخرة أمامه: فارتعد آسال لحظات, ثمّ تشدّد وولّى الأدبار. فاقتفى الغريب أثاره عادياً وراءه, حتّى أدركه, فقبض عليه, وأمسكه بكلتا يديه من غير أن يؤذيه.

وإذا آسال يختلج بين يديّ هذا الكائن الغريب كعصفورٍ وقع تحت مخالب عقاب, ويقول بصوتٍ متهدّج:

– أجنّي… أم إنسيّ… أنت؟.. ويلاه!… أمن الجحيم… خرجت أم… بالله عليك, لا تؤذني.

ويروح الغريب الوحشيّ يحملق إلى آسال مُبتسماً له, مُصدراً أصواتاً رخيمةً أقرب إلي أصواتٍ ذوات الأجنحة والدواجن, ثم يسحب يده على رأسه, ويمسح أعطافه, ويلاطفه مُتملِّقاً إليه, مُظهراً فرحة أمامه: فيطمئن آسال, وتهدأ نفسه.

-من أنت؟… ما اسمك؟… كيف أتيت إلى هذه الجزيرة النائية؟

ويكون الجواب بسماتٍ عريضة تسيل على شفتيه الغليظتين, وأصواتاً لطيفة تنبعثُ من قفصِ صدره القويّ العريض.

– ألا تعرف العربيّة؟… أأخرس أنت؟… فتومض البسمات في عينيّ الغريب, ويتابع ملاطفته لآسال ماسحاً وجهه وذراعيه بلطفِ أمٍّ حيال وحيدها.

– يبدو لي أنّك حيوان ذكي طيّب, أفضل من ناسٍ كثيرين. تعال اتبعني.

يمسك آسال هذا الوحشيّ اللطيف بيده, ويقوده: فيتبعه ذاك طيّعاً سلساً, حتّى يصلا إلى فيء شجرة: فيحلُّ آسال صرّةً فيها تمر قديم, وتين مُجفّف وزبيب, ويقدّمها إلى صاحبه مُبتسماً مُتردّداً.

كُلْ, يا أخي, كُلْ.. نحن بشر مُتمدّنون, وهذا طعام سائغٌ طيّب.

فيهز الآخر رأسه رافضاً.

بالله عليك أن تأكل. ألا تؤاخيني؟ يقال عندنا إنّ من يشارك غيره في طعامه يؤاخيه.

ثمّ يقول آسال في نفسه مُستدركاً وهو يحدّق إلى الغريب: يؤاخيه؟ لا, ليس دائماً, فكثيرون مّمن يسمّون أنفسهم مُتحضرّين يؤاكلون غيرهم ثم يأكلونهم: وإنّي لأشعر أنّ هذا الإنسان الوحشيّ أشرف منهم.

ومثل سماء صافية تغزوها جحافل الغمام, هكذا يتجهّم وجه آسال حزناً على عجزه عن التفاهم مع هذا الغريب. وكأنّما يدرك صاحبه سبب حزنه, بعد تفرّسه في وجهه, فيمدّ يده برفقٍ إلى الزاد, ويتناول منه نزاراً فيأكله.

تنفرج أساريرُ آسال، وتعاوده نوبة الصحو؛ لكنه يبقى خائفًا حائرًا إزاء سلوك شبه الإنسان، مُتمنيًا لو يستطيع أن يعطى قدرةً خارقة للحظةٍ فيفهمه. وفجأةً تخطر في باله فكرةُ تعليمه الكلام، ومن بعد، تلقينه القرآن، وإفهامه جوهر الدين وباطنه، فيصبح أخًا له كنفسه، ويكون له عند الله أجرٌ عظيم. ودعا آسال صاحبه: “حَيّ بن يقظان”.

أمسك حَيّ بيد آسال مُبتسمًا له، وقاده. فتبعه آسال في دروبٍ مُتفعيِّة المنعرجات، وبين صخور دهرية، حتى وصلا إلى كهفٍ صغيرٍ سدَّه شبه باب من القصب المقوّى بالأغصان، ففتح حَيّ الباب، ودخل وآسال وراءه كظلِّه. وإذا في أرضِ الكهف حجارةٌ مُسنَّنة مختلفة، وعيدان بشكلِ حراب، وجلودُ حيواناتٍ مفروشة؛ وفي زاويته سلٌّ من القصب فيه تفاح وموز وتمر، وفي الزاوية الأخرى فجوة صغيرة تؤدي إلى خمِّ دجاج.

يستعرض آسال ما في الكوخ مدهوشًا، مسائلاً نفسه: ترى، أهكذا بدا الإنسان الأول؟ أتكون هذه بداية معراج المعرفة؟ من يستطيع أن يكشف داخل هذا الكائن الوحشي؟ أسعيدٌ هو أم شقي؟ تراه اهتدى إلى وجود الله أم لم يهتد؟ لكن لِمَ إضاعة الوقت؟ فليبدا تعليمه اللغة، فهي الكفيلة بكشفِ أمره، وفض سره.

أخذ آسال يتناول الأشياء واحدًا واحدًا، من فاكهةٍ وأدوات، ثم يسميها لحَيّ، مكررًا أسماءها مرَّات، وحَيّ يردِّد وراءه ألفاظه والحبور طافحٌ على وجهه.

ومضت بضعةُ أشهر، وآسال يّعلمه… الالفاظ المحسوسة أولاً، ثم الجمل البسيطة، فالألفاظ المجرّدة المعاني، فالتراكيب المعقدة، فالمجاز، فالقرآن الكريم.

بعد مرور عامٍ كامل، كانت في أثنائه أواصِرُ الأخوة قد استوثقت بينهما، قال آسال لصاحبه:

– هي ذي الفصول كلّها تعاقبت، وأنا أعلمُلك؛ وها أنت الآن فصيح اللسان.

– أيشكر الطائر جناحهُ على الطيران، والمرءُ لسانه على البيان؟ وأنت كنتَ لي جناحًا ولسانًا.

– ألا تروي عطشي وتقصّ عليَّ حكايتكَ في هذه الجزيرة؟

– سلني فأجيب.

– من أبوك وأمك؟

– أبي وأميّ لا اعرف لي أبًا وأمًا سوى ظبية ربتني.

– ظبيةٌ ربتك!

– نعم، فليس في ذاكرتي سواها تعطف عليَّ في طفولتي.

– عجبًا والله! أيتصرّف الحيوان تصرّف الإنسان!

– أنسيتَ، يا أخي، ما علمتنيه من القرآن الكريم: (وما من دابةٍ في الأرض، ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيه إلا أمم أمثالكم).

– صدق الله العظيم. وكيف تمَّ ذلك؟

فيمضي حَيّ في تذكر وقائع حياته:

– كأشباح منعكسة صورها على صفحة بحيرةٍ هادئة، تتراءى لي طفولتي. كنت أدرح وراء الظبية طفلاً صغيرًا… إن تعبتُ فوقفت حملتني، وإن جُعتُ حنَّتْ عليَّ، ومن ثديها أرضعتني، وإن ظمئتُ إلى الماء أوردتني.

كانت تحملني إلى مواضع الشجر المثمر، فتلتقظ ما تساقط من ثمارها الحلوة الناضجة، وتطعمني إياه؛ وما كان صلب القشرة تكسرُه لي بأضراسها.

في الصيف، كانت تنقلني إلى ضفاف الينابيع فأبترد، وفي الشتاء، كانت تدفئني بجسمها وبريش الطيور.

واستمرّت الحال هكذا حتى أصبحت يافعًا أتكلتُ على نفسي، وأدقق في ملاحظة محيطي، وأقارن بين الأشياء.

ولما بلغتُ أواسط العقد الثاني من عمري، لاحظتُ أن السوءات في الطيور يغطيها الريش، وفي حيوانات الأرض، تخفيها أذنابها وكونها تدب على أربع، فعمدت، أولاً، إلى قصف أوراقٍ عريضة، كسعفَ النخيل، سترتُ عورتي بها، ثم إلى الاستعانة بجلدِ حيوان. بعدئذٍ، فطنتُ إلى أن الأشجار تصلح أغصانها أدواتٍ لدفع الأذى عني أو إرهاب بعض الضواري، فاستعنتُ بها، أولاً، كما هي، ثم ثقفتها وأرهفتُ أطرافها؛ فكانت أفعل في صيدي لبعض الحيوان.

هنا، قاطعة آسال مُستفسرًا:

– والظبية، ما حلَّ بها؟

فتزاحمت سحائب الحزن على وجهه، ثم قال:

– بعد مرور بضعة أعوام، بدأ الوهن يغزو أمي ويغتالها عضوًا فعضوا؛ فاشفقت عليها، وأحسست بمعنى العطف الذي كانت تغمرني به، فازددت حبًا لها، ورحت أجتني الثمار الحلوة، وأطعمها إيَّاها، بعد أن كانت تطعمني.

وذات يومن رأيتها ممدَّدة لا حراك بها، فناديتها، ثم كرَّرت ندائي. وإذ وجدتها لا تلبيني، رحت أتحسَّسها وأحرِّكها، وهي جامدة باردة، حتى استبدَّ الاضطرابُ بي وشعرتُ أن حدثًا خطيرًا قد حدث لها، حدثًا شبيهًا بذاك الذي يحصل للحيوان عندما أطعنه بالرمح الرهيف فتسيلُ دماؤه. لكن أمّي لم يخرج منها أي شيءٍ منظور، فلماذا همدت، إذًا، وبرد جسدها؟ لقد استنتجتُ أن أمّي الحقيقية، تلك التي كانت تفهمني وتعطف عليَّ وترضعني، لم تكن تلك الجثة، بل شيءٌ لا منظور فارقها.

– وماذا فعلت بجثتها؟

– بعد أن نتنت، نفرتُ منها وطرحتها. وذات يوم رأيتُ غرابين يقتتلان، فصرع أحدهما الآخر؛ لكن الحيّ حفر حفرةً في الأرض ووارى فيها الغراب الميتَ بالتراب. فقلتُ إذا كان العدو قد فعل ذلك بعدوه، أفلستُ أحقّ بأن أفعل ذلك بجثة أمي! واقتديتُ به.

فقال آسال مُتأثرًا حزينًا:

– أين المدَّعون بالحضارة من ذلك؟ يقتلون أبناء جلدهم، ويطرحون جثثهم في العراء، فتنهشُها جوارحُ الطير وسِباعُ الأرض، بعد أن تنهشها أحقادُهم وتُمثّلَ بها مخالبُ ضراوتهم.

– تُحزنني، يا أخي، بأخبار الناس.

يطرِق آسالُ لحظات ثم يسألُ صديقه:

– هل حدث لك، بعد موت الظبية، حادث كبير آخر؟

فيروي حَيّ له قصة اكتشافه النار. فذات يوم، والحرُّ كان شديدًا، والشمسُ مُتوهجة، وريحٌ مُحرقة تهبُّ على الجزيرة فيحتكُ قصبها بعضُه ببعض، رأى حَيّ ألسنة حمراء تندلعُ في القصب، ثم تمتدُّ إلى الأشجار حثيثًا، فتلتهم كل ما تصادفه في طريقها؛ فوقف مشدوهًا إزاءها، ثم أخذ يقتربُ منها رويدًا رويدًا محاولاً أن يقبض على بعضها، فأحرق أصابعه، وارتد خائفًا… ثم التقط عُودًا اشتعلت النار في طرفه، وذهب به فرحًا إلى كهفه. ومع كرور الزمان، اكتشف منافع النار العظيمة، لشواء اللحوم، وللتدفئة أيام البرد، ولطرد الضواري…

ويقولُ حَيّ لآسال:

– ولا شك بأن اكتشافي النار كان أهم حدثٍ في حياتي، بعد اكتشافي الموت. لكن الحدث الأجلّ كان اكتشافي وجود النفس ثم وجود الخالق

فيقول آسال مُستغربًا:

– ما تقول: اكتشفتَ وجودَ الخالق ووجودَ النفس من غير كتابٍ مُقدس!

– ولِمَ الاستغراب؟ فنورُ العقل الذي أضاءه سبحانه في الإنسان لجديرٌ بأن يهديه إلى بارئه إذا لم يحجب النور بغمامِ الشهوات والمفاسد.

– فهمت. هكذا اهتدى سقراط وأفلاطون، من قبل، إلى وجود الله.

– ولذا آمنتُ سريعًا بما علمتنيه من وحيّ الله للأنبياء، لأنني وجدتُه يتَّفق وما اهتدى إليه عقلي.

– نعم، عقلكَ الصافي الذي لم تفسد رؤيته حُجب المدنية العمياء وغشاوةُ الغرور والكبرياء.

ويسأله آسال كيف اهتدى إلى ذلك. فيمضي حَيّ يشرح له كيف استطاع أن يرتقي من المعرفة الحسية الى المعرفة العقلية، فإلى استنتاج وجود الجوهر المشترك وراء المحسوسات والأعراض المُتغيِّرة، وضرورة وجود علةٍ أولى للعلل كلّها، علةٍ أولى لا تكون خاضعة لأي تبدل وفساد وتكونُ فاعلةً في كل شيء.

ثم يقولُ حَيّ:

– هكذا فهمتُ أن غاية الغايات لا يمكن أن تكون من مادةٍ عُرضةٍ للفساد، بل يجب أن تكونُ روحًا محضًا، وأن الطريق المؤدي إليها، أي إلى الكمال، يجب أن يتخطَّى التعلُّق بأيّ شيءٍ ماديّ أو أيَّةٍ قيمةٍ زائلة.

فيقول آسال وقد هاجت نفسه:

– أفرحتني، يا أخي، وأحزنتني.

– لماذا؟

– أفرحتني، لأنني آنستُ فيك إنسانًا فاضلاً استطاع أن يبلغَ بتأمله العقليّ الصافي ما بلغته أنا في تأملي كتب الدين. وأحزنتني لأنني تذكرت سبب هجرتي جزيرة مولدي.

– ولِمَ هجرتها؟

– حماسةٌ عظيمةٌ كانت تلهبني لهداية الناس إلى فهمٍ صحيحٍ للدين الحقّ والسلوك القويم؛ لكني، بعد سنواتٍ طويلة، ما استطعتُ أن أهدي حتى شخصًا واحدًا كان أعز أصدقائي.

– أحزنتني، والله. ما كنتُ أظنّ البشر هكذا!

– البشر؟ مُنحوا عقولاً لا يُشغلونها بمعظمهم، وإن أشغلوها ففي أعمال الشرّ والرذيلة.

– لكنكَ قلتَ لي إن رحمة الله تفتقدهم من زمنٍ إلى آخر، لضعف نفوسهم، فتُرسلُ إليهم هاديًا أو نبيًا أو رسولاً يُرشدهم إلى طريق الحقّ، ويبلغهم رسالةَ ربّه مؤيَّدةً بالمُعجزات.

– أجل، ومع ذلك، فهم لا يؤمنون ولا يتعقلون. وإن آمنوا فسرعان ما يضلُّون، إذ يجتذبهم جمع المال، وإغراء الشهوات الدنيوية، وحبّ الأمجاد الأرضية.

– سعيدًا مع الحيوان كنتُ في هذه الجزيرة، وأخباركَ غلغلت الحزن في نفسي، وأثارت شفقتي على الإنسان. فما أحلك الظلمة في نفوس البشر إن كانوا يعمون عن نور عقولهم مُضاعفًا بنور رسلهم وهداتهم!

– لنِسرِ نحو الشاطئ مُتأملين عظمة الله، ناسيين ضعف الإنسان.

ونظير كائنين هابطين من عالمٍ آخر إلى تلك الجزيرة الموحشة، كانا يسيران نحو الشاطئ صامتين، يرنوان إلى الشفق البعيد، حيث ألوانُ الغروب تضرج الافق فترسم عليه لوحاتٍ بيدٍ غير منظورة، وينصتان إلى ضجيج البحر كأنما يستكشفان مخبآته، فتتواصل سيَّالات نفسيهما وسيَّالاته. وإذا آسال يقول وهو يتأمل في البحر حزينًا:

– ليتني أملكُ عزمَ البحار… إذًا لهاجت أمواجي، وغمرت نفوس الناس، وغسلت أدرانها…

وبعد لحظاتِ صمت، يستدركُ قائلاً:

– لكن، أتكفي مياهُ البحار لغسلها؟

– حزينةٌ نفسكَ، يا آسال، كهذا الغروب!

– وكالشمس الغاربة يغربُ الأملُ في ذاتي.

– لا، يا أخي. ألا ترى الشمسَ تغيبُ في هجعة الليل، لتستيقظ مجددًا قوية الإشعاع؟ أفليست هي أمل الحياة ورمز التجدّد؟ هكذا يجبُ أن يبعثَ الأملُ فينا.

– ما تعني؟

– النورُ الغاربُ في الشفق أشعر أنه سيستفيق في نفسي مع انبثاق الفجر.

– ما فهمتُ

– دور الهداية  الذي كنتَ تقومُ به في جزيرتك، سأعتزمُ القيامَ به أنا.

– ما تقول؟ سنواتٌ طوال صرفتها أحاولُ هدايتهم، وسلاحي كتابُ الله مشفوعًا بالعقل والتأويل، وما اهتدوا. حتى صفوتهم، حتى أعزّ أصدقائي ما استطاعوا الارتفاع فوق المحسوسات، ولا تغلّب على شهواتِ الدنيا.

– لن أحدثهم بالدين، لن أستعين بأقوال الأنبياء وأساليبهم في الرموز والأمثال… سأكلمهم بالعقل الصرف، وأكاشفهم بما تجلّى لي في تجاربي الروحيّة.

– ما اختبرت الناس، بعد يا حَيّ ، وأخافُ أن تفشل، ويكون فشلكَ سببَ إفساد سعادتك.

– أما حاولتَ أنتَ ردَّهم إلى الطريق القويم؟ فلماذا تفوتُ عليَّ هذه الفرصة؟ سأخاطبُ عقولهم، فقط.

– الخطأ، يا أخي، في أنكَ تُشبهُ إدراكهم وإدراكك، ومُستواهم الروحي بمستواك. فمعظمُ الناس لا يفهمون الحياة إلا أكلاً وشُربًا وتناسُلاً…

يتأمل حَيّ في الأفق النائي حالِمًا، ثم يقول:

– سأحرك أذهانهم، سأوقظُ الخير الهاجع في نفوسهم، سأنمّي العطش في ذواتهم إلى المعرفة الروّحية… ويخالجني شعورًا بأنني سأنجح.

– ليكن الله بعونك.

– قلتَ لي إن عليهم مَلِكًا اسمُهُ سلامان، وهو صديقك.

– أجل.

– سننزلُ عندَه، وفي قصره أكلمُ صفوةَ الناس…

لكن كيف السبيلُ إلى جزيرتِك؟

– علينا مُلازمةُ الشاطئ، فعسى تمرُّ سفينةٌ تُقِلُّنا إلى هنالك.

 

الفصل العاشر

الامتحان

ما إن يصلُ ابن طفيل إلى هذه النتيجة من قصته حتى يعاوده العزمُ على مواصلة مساعيه لإصلاح الأمير وشقيقته. إنه يشعرُ أن كل يومٍ يمرّ عليه يأتيه بشعاعٍ جديدٍ ينضمُّ إلى جذوة النور المتوهّجة في نفسه. فهو أشبه بسراجٍ كلّما تقادم الزمنُ عليه، تعاظمت لهبته، وازدادت سطوعًا. لكن، لماذا لا يحدثُ الأمرُ نفسه مع الأمير والأميرة؟ أليست نفوسُ الناس جميعًا ذات طبيعةٍ واحدة؟ أم أن النفوس كالأطيار، تشتركُ في الأجنحة، لكنها تختلف في الأصوات والطبائع، إذ منها الوديعُ كالحمائم، ومنها الجارح كالعقبان، وبعضها يسمعك تغريد الكناري، وبعضها يسمعك نعيب الغربان؟

وحضر  رسولٌ من لدن أبي يعقوب، يُعلِم الفيلسوف برغبة الأمير في سماع القسم الثاني من القصة. فسُرَّ ابن طفيل، وتهلَّل وجهه، وازداد حبورًا وأملاً عندما رأى مجلس الأمير، والأميرة فتنة إلى يمين شقيقها. فقد اتَخذ ذلك إشارةً إلى أنه في طريق النجاح سائر، وأن إرادة الصلاح تُجاري إرادة الإصلاح في نفوسِ أهل البلاط.

تتبع جميع الحاضرين باهتمام ما كان يرويه ابن طفيل. وما إن فرغَ من قراءته حتى قال الأمير:

– لكننا سنبقى بشوقٍ لمعرفة كيف سيتحوّل شعبُ جزيرة سلامان، بفضل تعاليم حَيّ بن يقظان، إلى شعبٍ عاقلٍ فاضل.

فيُسارعُ أبو خَبل إلى القول:

– وكيف سيغدو أميرُ الجزيرة فيلسوفًا وحاكمًا تقيًّا صالحًا.

فيوضّحُ ابن طفيل أنه يتهيأ لإتمام القصة، ولا سيما إيجاد بداية معقولة لها تبرّر كيفية وصول حَيّ بن يقظان إلى الجزيرة، وأنه يميلُ إلى جعلِه يتولد تولدًا ذاتيًا من طينةٍ تخمرت في الجزيرة.

فيقولُ أبو خَبَل مخاطبًا الأمير:

– إذا صحَّ هذا الزعم، يا مولاي، فعلينا أن نفتش عن تلك الجزيرة، لعلَّ طينها يَلدُ لنا رجالاً يكونون خيرًا ممن تلدُهم نساءُ بلادنا.

فيضحكُ الجميع. وسرعان ما يقولُ أبو خَبل:

– ولكن، إذا كان طينُ الجزيرة يلدُ الرجال، فما يلدُ النساء؟

فيقولُ ابنُ طُفيل ضاحكًا:

– أشجارها تثمرُ نساءً.

وفي غمرة الضحك، يتعالى صوتُ أبي خَبل وهو يقفزُ فرحًا أمام الأمير ابن طُفَيل:

– إشهد، يا مولاي، أني اشتريتُ جميعَ أشجار تلك الجزيرة.

ينفضُّ مجلسُ الأمير؛ فيقصد ابنُ طفيل مكتبة القصر، ونفسُه يغمرها الأمل بنجاحِ مسعاه: أمير حكيم فاضل، وأميرةٌ حكيمةٌ فاضلة.

وما إن يستقر على إحدى الأرائك، مهنئًا نفسه، حتى تطلّ فتنة من الباب؛ فيبادر إلى الترحيب بها:

– أهلاً ومرحبًا بالأميرة.

فتغلقُ الباب وراءها، وتُحكمُ إقفاله، وهي تقولُ له:

– أهلاً بك، يا دماغَ الإمارة.

– يسرني أن أرى الكتاب الكريم في يد سيدتي؛ فهذا يزيدُني أملاً في نجاح مهمتي وجعل الحكمة والتقوى سلطانتين في هذا القصر.

تقعدُ فتنة، وبيدها المصحفُ الشريف، رامقةً الفيلسوفَ بنظرةٍ طويلةٍ، ثم تقولُ له:

– أقعُد، يا أبا بكر، ما بِكَ واقفًا؟

فيجلسُ ابنُ طفيل بعيدًا عنها بعض الشيء. فتغيرُ فتنة مقعدها متَّخذةً أريكةً أقرب إليه، وهي تقولُ له:

– إقترب، يا أبا بكر، اقترب؛ ففي رأسي سؤالٌ أطرحه عليك.

– ما هو؟

فتفتحُ القرآن الكريم، وتقرأ على مهل:

(وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلَّقت الأبواب وقالت: هيتَ لك). ثم تنظر إليه نظرةً طويلة تتنزى الشهواتُ منها تنزي الأفاعي المسعورة. فيقول ابنُ طفيل مُرتبكًا:

– هذه في قصة يوسف مع المرأة التي حاولت إغواءه. فتقترب فتنة منه حتى تكاد تلاصقه، وتقول له بغنجٍ ودلال:

– أحسنتَ، يا دماغ الأميرة وقلبها. لكن، أتعرف ما كان اسمُ تلك المرأة؟

– يُقال إن اسمها زُليّخا.

فتميلُ عليه مُلتصقةً به، وتقولُ هَمسًا:

– ولِمَ لا يكون اسمُها فتنة؟

فينتفضُ ابن طفيل واقفًا، مُضطربًا، قائلاً:

– هلا قرأت سيدتي بقية الآية.

فتسأله فتنة وهي تحاولُ تطويقه بذراعيها:

– وما هي؟

فيقولُ ابنُ طفيل بحزمٍ محاولاً التخلُّص منها: (قال: معاذ الله، إنه ربِّي أحسنَ مَثواي. إنه لا يُفلِحُ الظالمون).

فتحاول فتنة مُعانقته بقوّة؛ لكنه يمانعُ مُتملصًا من ذراعيها.

– أتمانع؟

– قال الرسولُ الكريم: “لا يخلون رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان”.

– وما المانع إن كان شيطان الفلسفة؟

– هلا تسمح السيدة لأحدنا بالانصراف.

فتقول فتنة بغيظٍ وغضب:

– أتصرفني من قصري؟

– بل أصرفُ نفسي.

ويهمّ بالخروج من المكتبة؛ لكن فتنة تحدجُهُ بنظرةٍ غضبٍ، وتخرجُ وهي تقولُ له:

– ليس في عروقِكَ دَم، بل ماء… ماءٌ آسِن…

وإذْ يتسمَّر ابن طفيل في وسط المكتبة مُضطربًا، يدخلُ أبو خَبل إليه، مُحملقَ العينين، مُبتسمًا ابتسامةً عريضة، ويقول له:

– أوجدت بداية قصتك؟

فيجيبه الفيلسوفُ حانقًا:

– أسكُت يا…

– أحمق… أنا وجدتها. إسمع: كان إزاء الجزيرة التي وجد فيها حَيّ بن يقظان جزيرةٌ أخرى، وعليها ملكٌ أنوفٌ غيور. وكانت له أختٌ هي فتنة في الجمال. فمنعها الزواج حتى عنستْ. وكان له وزير يسمى ابنو طفيل… فيقطب ابن طفيل حاجبيه مستاءً؛ لكن أبا خَبل يتابع:

– عفوًا… كان له صديقٌ يُسمى يقظان… فأغوته حتى تزوَّجها سرًا. ثم حملت منهُ. ولما خافت أن يفتضح أمرُها، وضعت طفلها في صندوق مُحكم، وأودعته ساحل البحر؛ فقذفهُ الموجُ إلى جزيرةٍ أخرى. وهناكَ علا صياحُ الطفل؛ فأتتهُ ظبيةٌ فقدت ولدها، فعالجت أخشابُ الصندوق المتقلقلة حتى ظهر الطفل لها، فحنتْ عليه وتعهدته.

فتنفرجُ أساريرُ ابنُ طفيل بعد عبوسه، ويقول لأبي خَبل:

– إنكَ لخبيثٌ ذكي، لكن ما ربحت الرهان بعد.

– صرت منه في نصف الطريق.

ويضحك أبو خَبل ضحكةً مدوِّيةً ويخرج.

فيُطرق ابنُ طفيل قائلاً لنفسه: أتكونُ هذه ثمرة جهودي الفلسفية الإصلاحية، في هذا القصر، بعد سنواتٍ طوال! لكن أملي ما تلاشى بعد، فما يزال معقودًا على الأمير.*

يتبع في العدد المقبل                                                                                       

 

 

VOL 4 N.1 

من ص     64 إلى ص 75

 

دروب النار والنور (5)                                                               

 الفصل الحادي  عشر                                                        بقلم الدكتور غازي براكش

العدو الأقوى

بعد أسبوع، أقام الأمير أبو يعقوب مجلس غناءٍ وطرب، تبارت فيه الراقصاتُ برقصهنَّ العربي، والمغنياتُ بألحانهن الأندلسية. كانت وجوهُ الحاضرين، وهم كثيرون، طافحةً بالحبور والبهجة، وعيونُهم تتبعُ حركاتِ الراقصات واهتزازَ أعطافهنَّ؛ فتترجرجُ المقلُ بترجرجِ القدودِ الأماليد، وتنجذبُ إليها مُحمْلقة، حتى كأنَّها تحاول القفز من المحاجر للالتصاق بها.

وجهٌ واحدٌ بينها كان يبدو حزينًا، غريبًا عن محيطه، كنغمة الآه الجريح يصعدها نايٌ في حفل صاخبٍ يسودُهُ هرجٌ ومرج، وجهُ ابن طفيل ناظرًا أمامه في اللاشيء، بينما تحدّقُ عيناه إلى العالم الخفيّ الذي بناهُ في داخله، الآمال التي بدأت تنهارُ شيئًا فشيئًا انهيار بنيان شامخٍ أفنى الفيلسوفُ عُمرَه في تشييده. كان يشعرُ، وهو الرجلُ الثاني في الإمارة، أنهُ كانَ كأضعفِ الضعفاء، وأفقر الفقراء، لأنَّ سلطته على الناس لم تستطع، حتى الآن، أن تفتح البصيرة في اي نفسٍ منه. ومع ذلك، فإن عزيمته الجبَّارة جعلتهُ يُصارعُ يأسه، فلا يفقد أمله المعقود على الأمير وأُخته نهائيًا.

وفيما كانت آلاتُ الطرب تعزف، والقُدودُ تميسُ وتهتز، وحنجرةٌ ذهبيةٌ تصدحُ بلحنٍ شجيّ، تقدّم الحاجبُ إلى الأمير وهمسَ في أُذنه. وما لبثَ الحاجبُ أن خرج ودخل جنديٌّ بيده رسالة. فضَّها الأمير؛ وإذا بسمةٍ عريضةٍ تنفرشُ على شفتيه، فيزهر وجهه، ويلتفتُ إلى وزيره ابن طفيل ثم إلى الأعيان مُردِّدًا:

  • مات أخواي، ماتَ أخواي عبد الله وعلي! فيريُن الوجومُ على الوجوه؛ لكن الغناء يبقى مُستمرًا، والرقص قائمًا. ويطغى فرحٌ وحشيٌّ على وجه الأمير، فيقول لأبي بكر:
  • الآن يطمئنُّ عرشي، الآن يطمئنُ فراشي، الآن أستطيعُ إعلان نفسي خليفةً وأميرًا على المؤمنين.

وإذا بأبي خَبَل يقفزُ من آخر القاعة حتى يصِلَ إلى جوار ابن طفيل، فيهتف:

  • ليعشْ أميرُ المؤمنين الفيلسوف، لِيَعشْ أميرُ المؤمنين الفيلسوف. ثم يقول بصوتٍ خافتٍ ولكن مسموع:
  • ولتعش امرأتي الفيلسوفة.

فيضحك الأمير، ثم يقول مُبتهجًا:

  • يا أبا خَبَل، أعدائي جميعًا زالوا في المغرب والأندلُس، أعدائي جميعًا زالوا.

فيقولُ ابن طفيل له بحزن بالغ:

  • بقي لك عدو واحد، يا مولاي، ما استطعت التغلّب عليه، عدو واحد هو الأقوى.

فينتفض الأميرُ بغضبٍ قائلاً:

  • مَن هو؟ من هو لأمحقه؟

فيجيبه ابن طُفيل:

  • نفسُكَ، نفسُكَ، أيها الأمير.
  • شيخوختُك تنطقُكَ بهذا الكلام، يا ابنَ طفيل.
  • حقًا، يا مولاي. كبرتْ سني، وأرهقتني الفلسفة في دياركم. فهلا تُعفيني مما أوكلتَ إليَّ من شرح أرسطو وسائر الأمور الفلسفية.
  • أعفيناكَ، شرط أن يقوم مقامك آخر.

ثمَّة رجلٍ قد يكون له حظٌ في الفلسفة عندكم أكثر منّي

  • مَن هو؟
  • ابنُ رُشد.
  • حسنًا. إعمل سريعًا على تقديمه إليَّ. واعمل أيضًا على أن تُقام احتفالاتٌ كبرى لمبايعتي بالخلافة، بعد أسبوعين.
  • أمرُ سيدي. هلا يأذنُ لي مولايَ بالانصراف الآن، فرأسي أصابَه صداعٌ شديد.

ينسحبُ ابنُ طُفيل من المجلس وعيناهُ زائغتان، والأرض تميدُ به فيكاد يهوي.

ويشتدُ الصداعُ عليه، ثم يجتاحُهُ انهيارٌ عصبي، فيلازمُ فراشه في جناحه الخاص بالقصر.

ويمضي يومان لا يزورُهُ فيهما أحد من رجال القصر ولا من الأعيان؛ ولولا الخدمُ القائمون على خدمته. لكان منقطعًا عن العالم. لقد بدأ يشعرُ بوحدةٍ قائلة، وبمسافة هائلة تفصلُهُ عن أهل البلاط، مع أنه يعيشُ بينهم. بدأ يحسُّ أنه من عالم آخر، وإن انتمى بجسده إلى هذا العالم. حتى فتنة، تلك الغادة التي أمضى الساعات الكثيرة في تعليمها وإرشادها، وأفنى الليالي الطويلة في مُناجاةِ طيفها، وأحرق أعصابَه في مصارعه شهواته حتى يصعد بحبّه لها، فتنة التي حاولت اقتحام سدوده الجسديَّة، منذ بضعة أيام، محمولةً بطوفان انفعالاتها ونزواتها، أين هي؟ لماذا لم تزره، وكثيراً ما زارها في ساعات مرضها أو بالأحرى تمارضُها؟ أيكونُ حبُّها له مجرد شهوة متأجِّجة جامحة، ليس لها أي وجهٍ إنساني عاطفي صادق؟

بينما هو سابحٌ في بحرٍ من الآلام النفسية تلاطمهُ أمواجُ الهواجس والوساوس، والليلُ قد بدأ يمحو معالم الكائنات، دخلَ عليه الحاجبُ يستأذنُ لدخول (حبَّابة) جارية الأميرة فتنة.

ما إن تقدَّمت إلى سريره، حتى بادرها بالقول مُضطربًا، وقد تحرَّكت عواطفه:

  • أألمَّ بمولاتك مرض؟

فأجابت وهي مُرتبكة خائفة:

  • لا، يا سيدي.
  • هل أصابها مكروه؟

فأخذَت تبكي… فازداد اضطراب ابن طفيل، ونهض من سريره قائلاً وهو يشرقُ بريقه:

  • لِمَ تبكينَ إذًا؟
  • أبكي على نفسي.
  • أفصِحي.

فتركَعُ عند قدميه ودموعها تتساتلُ على خدّيها. فينهضها ابنُ طفيل، ويربتُ على كتفها تحببًّا. فتهدأ وتقول له:

  • بينما كنتُ واقفةً في الممر المؤدي إلى مقصورةِ مولاتي فتنة، وقائدُ الحرس عندها، سمعتُه يقول لها إن الأميرَ وافقَ على زفافها إليه، وحفلُ الزفاف سيُقامُ بعدَ أسبوع.

فيقولُ ابنُ طُفيل مضطربًا مُتعجِّبًا:

  • فتنة ستتزوج قائدَ الحرس (أحسن)!
  • نعم، يا سيدي. لكن لستُ لذلك جئتُ إليك.
  • لماذا إذًا؟
  • سمعتُ فتنة تقولُ لأحسن، بعد أن سألها عن عواطفها نحوك: “لم يختلج قلبي بأيَّه عاطفة نحوه، منذ أن عرفته. لقد كان ابن طفيل لي موضوع لهوٍ وتسلية، لا أكثر”. فضحك أحسنُ وقال لها: “إذن اعرفي أنني أنا الذي اعتديتُ عليه، عندما كان مارًا في الحديقة ليلاً”. فأخذت الأميرةُ تضحك، بينما يروي لها كيفَ طعنكَ بالمدية، وانهالَ رفيقاه بالضرب عليك. ثم قالت له: “ليتَ الطعنةَ كانت أعمق فأصابت قلبه الذي لا يفهم من الحبّ شيئًا”. وأخذ الاثنان يضحكان.
  • روت حباَّبة الخير بصوتٍ متهدِّج، ثم عادت تبكي. فسألها ابنُ طفيل وهو يُربتُ على كتفها:
  • لماذا تبكين ولماذا أتيتِ إليَّ تخبرينني بالأمر، وهي مولاتكِ؟

    – لأنني…

  • لأنكِ ماذا؟
  • لأنني أحبُّكَ.

وجمَ ابنُ طفيل مُستغربًا، محدِّقًا إليها. فاستقوت، بعد لحظاتِ صمتٍ مؤثرة، وتابعت قائلة:

  • أجل، أحببتكَ مُذ رأيتُكَ وسمعتُ أهلَ البلاط يتحدَّثون عنك، عن أفكارك وتعاليمك وروحانيتك. كنتُ إذا نظرتُ إلى وجهك، رأيتُ فيه نورًا خفيًا. أجل، أحببتُكَ مثلما أحِبُّ العطر والفجر، مثلما أحبُّ ذكر الله.

جالت دمعتان في عيني ابن طفيل، وقال لها:

  • أنتِ الأميرةُ الحقيقية في هذا القصر، يا حبَّابة. عودي إلى جناحِ مولاتكِ، واكتمي خبر زيارتكِ لي، وانسي ما سمعت، لئلا تصيبك فتنة بأذى؛ فالمرأة التي تخدمين خلعت عنها ثوب التنكر، فبَدَت على حقيقتها: أفعى فتاكة السم.
  • ما إن تنصرف حبَّابة، حتى يستأذن الحاجب لدخول أبي خَبل. فيدخل مُسلمًا، ثم يقولُ مضطربًا:
  • – سيدي الوزير، سيدي أبا بكر…
  • ما تريد؟
  • حزينة نفسي كنفسك. جئتُ أشاطرك الأسى.
  • شكرًا لك. طيب القلب أنتَ، يا أبا خَبل، بل لأنتَ أطيبُ قلبٍ في هذا القصر، ولعلكَ صديقي الوحيد.
  • أمر فظيع، يا مولاي، أن يقتلَ إنسانٌ أخويه بالسُّم، ليخلوَ له العرش!
  • حذارِ أن تتلفَّظ بهذا ثانية، يا أبا خبل؛ فالجدران لها آذان، وأميرُ المؤمنين لن يقبلَ أن يُسمّى قاتلاً.
  • هل لي بطلبٍ، يا أبا بكر؟

فيقولُ ابنُ طفيل مُبتسمًا:

  • أن أدفعَ لك مبلغ الرهان.
  • لا، فالمالُ هان عندي، كما هانت الدنيا كلها.

فيعانقُ ابنُ طفيل أبا خَبَل بتأثرٍ بالغ، ثم يسأله:

  • ما تريد، أيها الصديق؟
  • أن تتوسط لي لدى الأمير، فيقبل استعفائي من مهمَّة تسليته، فقد قامت في نفسي مناحة، فكيف أقوى على إضحاكه!
  • سأكلمُهُ بالأمر، شرط أن تتمارض وتلازم بيتك لا أقل من شهر.
  • هل لي أن أسألك طلبًا آخر؟
  • تكلَّم.
  • أن تكملَ لي قصةَ حَيّ بن يقظان.
  • نِعمَ الطلب. أتذكر أين وصلنا من القصَّة؟
  • نعم. إعتزمَ حَيّ أن يهدي الملكَ سلامان وشعبه إلى الصلاح والحقائق الروحية عن طريق العقل فقط.
  • أحسنتَ.

يطرق ابن طفيل، ثم ينهض ويجعل يتمشى.

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني عشر

الإصلاح المستحيل

يروي ابن طفيل لأبي خَبل تتمة القصّة التي لم يكتبها، فيقول:

لزِمَ آسال و حَيّ بن يقظان الشاطئ، حتى أقلّتهما سفينةٌ إلى جزيرة الملك سلامان. وهناك نزلا ضيفين عليه. وبعد أن روى حَيّ لسيد القصر ورجاله قصة حياته في الجزيرة، ولقائه مع آسال، شرعَ تنفيذ خطته التي قدم إلى جزيرة سلامان من أجلها.

فذاتَ يوم، ومجلس الملك منعقد، والقاعة تغصُّ بالأعيان ممن سمعوا بالقصّة الغريبة، وقف حَيّ بن يقظان. وعليه جلد حيوان، إلى يسار الملك، فيما وقف إلى يمينه آسال بجبته السوداء، ثم خاطب حَيّ المجتمعين قائلاً:

  • أيها الإخوان، إني رسولُ العقل إليكم. ومع أني آمنتُ بما تؤمنون، فسأكلمكم بما اهتديتُ إليه من المعرفة العقليَّة والروحيَّة بمعزلٍ عن مدنيتكم وأديانكم. أنتم تبحثون عن السعادة ومن اجل بلوغها، شيدتُم المباني الفخمة، ورصفتم الطرق، وأقمتم الخدم والحشم، ولبستم أفخر الحلل، واستعنتم بالمُخترعات، وتفنَّنتم بالأطعمة والملاهي، وانتهبتم اللذائذ الحسيَّة انتهابًا، وحرصتم على تكنيز المال وتحصيل المجد… ومع ذلك، فإني على يقين بأن السعادة ما تزال بعيدةً عنكم بعد السماء عن الأرض.

فيعلو صوتٌ من الحاضرين بنبرةٍ عصبية:

  • هل أنتَ سعيد؟

فيجيبُ حَيّ:

  • أنا نشأتُ في جزيرةٍ مهجورة، وعاشرتُ الحيوان دونَ الإنسان، وكانَ بيتي كهفًا، وطعامي ثمارَ الأرض؛ ولولا هذا الرجلُ الطيب (مُشيرًا إلى آسال)، لبقيتُ في جزيرتي وحيدًا، بعيدًا عن مدنيتكم؛ ومع ذلك كنتُ سعيدًا.
  • فتتعالى أصواتٌ من الجمهور مُختلطة:
  • هذا تحقيرٌ لنا… هذا تحقيرٌ لنا…
  • وإذا بأحدِ الحاضرين يسأل:
  • ما سِرٌّ سعادتِك؟

فيجيبُ حَيّ:

  • سرُّها أني اكتشفتُ أن الوجود الحقيقي في هذا الكون هو لواجبِ الوجود وحده، أي للكائن الأول الذي كوَّن الكون، وأن وجودنا خارجه لا حقيقة له، ولا معنى له إلا بنسبة ما نقترب إليه. وبما أنه روح محض لا يقيده زمان ولا مكان، فكلّ ما يبعدنا عن الروح المحض، ويكبلنا بقيود الزمان والمكان فهو يشقينا. فهمت هذه الحقيقة، ونفّذتها، فنلتُ السلام النفسيّ أي السعادة.

فتتعالى الأصواتُ مُختلطة:

  • هوذا يحدثنا بالألغاز… ما فهمنا شيئًا.

ينفضُّ المجلسُ، والحضور بين مُنكِرٍ وساخرٍ جاهل. فيصطحب آسال صديقه حَيّ بن يقظان إلى شاطئ البحر؛ وهناك عند أقدام البساط الموَّاج اللامتناهي، المفعم بالأسرار، يسألُ آسال صديقه:

  • أما زال في نفسكَ أملٌ لهدايتهم إلى الروحانية الحقَّة عن طريق العقل، بعد اجتماعك الطويل معهم ونفورهم منك؟
  • ما يزال في نفسي أمل كخيط عنكبوت.
  • الروح العليّ الذي أوحى إلى الأنبياء، يا أخي، هو أحكم من الفلاسفة وأبصرُ بطبائع البشر؛ والمعرفة الروحيَّة المُنزلة وحدها يجب أن تصلَ إلى عامَّة الناس؛ إنَّ الأنبياء خاطبوا البشر وفق عقولهم، وشرَّعوا لهم وفقَ مداركهم وظروفهم.
  • سأحاول، بعد رمية أخيرة. يصعبُ عليَّ أن أتصور أني فشلتُ مع صفوة الناس.
  • لكنك قد تعرِّض حياتك للخطر. فأنت تحدِّثهم عن المعرفة العقليَّة والحقائق الروحيَّة، وهم حولك كقطيعٍ من الحيوانات الهائجة.

تناهت أخبارُ حَيّ إلى عامة الشعب، وعرفوا أنه سيخاطب مجلس الأعيان، يوم الجمعة، بعد الصلاة؛ فاحتشدت جماهيرُ غفيرةٌ في باحة القصر، وأخذت تصيحُ مطالبةٌ بسماع حَيّ بن يقظان؛ فخرج الملكُ و حَيّ وآسال والأعيانُ إلى الرواق المُشرف على الباحة، وطلب الملكُ إلى حَيّ أن يحدث الجماهير المُحتشدة.

فروى حَيّ لهم كيف نشأ في الجزيرة، وكيف اهتدى إلى وجود الله. ثم سألهم:

  • أيها الإخوان، هل تعبدونَ الله؟

فأجابتهُ أصواتٌ من الجمهور عالية مُختلطة:

  • نعم، نعبدُه.

وإذا بصوتٍ جهوريّ يتعالى من الحشود قائلاً باستنكار وغضب:

_ أيكفرُنا هذا الغريب!

تابع حَيّ قائلاً:

  • أتعبدون الله أحدًا لا شريك له؟

وإذا أصواتٌ مختلطةٌ تقول بحدِّة:

  • نعم، نعبدهُ أحدًا لا شريكَ له.

وعلا صوتٌ من الجموع قائلاً بنبرةٍ غاضبة:

  • إن كنتَ جاهلاً، فاعلم أن الشرَّاك قضينا عليه، والأصنام حطَّمناها، والجاهلية طويناها.

فقال حَيّ:

  • ولكنكم تُشر كون مع الله المال، والمرأة، وتعبدون أصنام الأمجاد والشهوات، وأوثان السلطات والرئاسات… فكيف تزعمون أنكم تعبدون الله أحدًا لا شريك له؟ وتدَّعون أنكم طويتم الجاهلية، ووحش الجاهلية ما يزالُ قابعًا في نفوسكم، وأنيابه تطلُّ من عيونكم!
  • فثارت الجماهير، وارتفعت أصواتها الهادرة قائلة، وقد اختلط الحابلُ بالنابل:
  • – إنه يكفرنا… أخرجوه.
  • أقذفوه في البحر.
  • لنصلبنَّه مقلوبًا.
  • لِنرجمْهُ في الساحة… لِنرجُمْه في الساحة.

وتهيجُ الجماهيرُ هيجانُ نمرٍ عملاقٍ جريح، ويهجمون على حي وآسال؛ فينال الرجلان منهم بعضَ اللكمات والخدوش. وسرعانَ ما يأمرُ الملكُ الحرَسَ بحمايتهما وإبعادِ الجمهور المسعور عنهما.

وبعد أن يخلو الملكُ سلامان بهما، داخل القصر، يخاطبهما قائلاً:

  • أسف لما حدث لكما. ما كنتُ أتوقع أن يهيج الشعب هكذا. كلّ ما أستطيعه الآن هو أن أحميكما لتصِلا إلى الشاطئ فتبحرا…

جماهير الشعب!… هذا الوحشُ الأسطوري الذي يدبُّ على ألوفٍ من القوائم، وعند هيجانه، تقودُهُ غريزةٌ واحدة: أن يدمّر كلّ ما في طريقه، وأن يَلِغَ ويَلِغَ في الدماء ولا يرتوي!…

إنتظر المُضطهدان حتى حان المساء، وهمد غضب الشعب مع همود فورة الحياة في الطبيعة. إذ ذاك اتَّجه حَيّ وآسال إلى البحر ومعهما بعضُ الحرس، فأبصرا، عند الشاطئ جمهورًا غفيرًا يصيحُ مهدِّدًا… فشقَّ الحرس لهما بصعوبة إلى الشفق البعيد: (أم تحسبُ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون. إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا).

أما آسال فقد رأى امرأته وأطفاله عند مرسى السفينة، فعانقهم بشوقٍ وحنين، وقد اختلطت دموعه بدموعهم، ثم تقدَّم بسرعةٍ إلى السفينة. وما إن اعتلاها، حتى نفض الجماهير الغاضبة بنظرةٍ فيها من الشفقة بقدر ما فيها من السخط، وهو يقول في نفسه: إن طوفان البحار لن يكفي لغسل نفوسهم من الأقذار. إنهم بحاجةٍ إلى طوفان جمرٍ ونار، فإلامَ، إلامَ، يا ربُّ الانتظار؟ فعسى يولدُ من رمادِ الحريق أجيالٌ من الأنقياء والمُبصرين الأحرار.

 

الفصل الثالث عشر

الربيعُ والخريف

بعد أسبوع، يقامُ حفل الزفاف. فيغتنمهما الأميرُ فرصةً ليجعل المناسبة مقدِّمة للاحتفالات الكبرى التي ستقام بعد أسبوع آخر، عندما سيعلن تنصيب نفسه خليفةً على المسلمين. فيلبس القصر أبهى حلله، ويزيَّن بالرياحين، وتفرش قاعاته بالزرابي.

منذ الصباح، شرعت الأبوابُ على مصاريعها، فتدفّق المهنِّئون الفضوليون أمواجًا أمواجًا. وفي الساعة المحدَّدة، قُرعَت الطبولُ والدفوف، وضربت الصنوج، ونفخت الأبواق؛ فدخل أبو يعقوب يحفُّ به صحبُه، وتكتنفُهُ هالةٌ من الأبهة والتكريم، فجلس على كرسي الإمارة، وإلى جانبه وزيرُهُ ابنُ طفيل وأحسنُ، قائد الحرس، ثم سائرُ الأعيان.

وما هي إلا هنيهات حتى أخذ يعزفُ لحن اندلسي حنون؛ وإذا بأسرابٍ من الراقصات الفاتنات تنتشر انتشار الشرار الملوَّن في حلبة الردهة؛ فتلتهبُ الأكُفُّ والعيون.

ثم تبزغُ من المدخل صفوفٌ من الوجوه الساحرة، والقدود الميَّاسة الناضرة، تتقدمها العازفات، ثم أرتال من الحسناوات الرافلات بكل هفهفاتٍ مُصبغ، ووراءهُنَّ تميسُ الأميرةُ فتنة بمعرضها الفضفاض الفتَّان، وزرافاتٌ من الكواعب الغيد يحملن ذلاذلها؛ فاجتذبت العيون إليها، فتسمَّرت الأحداقُ عليها.

جلست فتنة على منصَّةٍ خاصة، تحيط بها الوصيفاتُ، وحواليها نُسِّقت باقاتٌ من الرياحين الرائعة، فبدت عروسًا من الجنّ في قصرٍ عجيبٍ مسحور.

كان الأمير يطفحُ وجهُهُ عزمًا وحُبورًا، وعلى يمينه وزيرُهُ ابن طفيل يحاولُ جهدَه إخفاء حرقةِ قلبه، ولواعج نفسه الكاوية، فيفلحُ تارةً، ويفشل طورًا، فيبدو كالخريف المصوحة أزهارُه وأشجارُه، والملبّدة بالمكفهر من الغيوم سماؤه. أما أحسنُ الجالسُ عن يسار الأمير فكان أشبهَ بالربيع المتنَّزي دفئًا وحيوية، الطافر على التلال والمروج ضحكًا ومرحًا. فأي تناقض جمع قلبين على امرأةٍ واحدة: قلبٍ أحبّها لنفسها حبًّا عميقًا صافيًا فامتنع عن الزواج بها، واكتوى بالألم، ليبقى حبّه لها شفافًا نورانيًا، فقابلته بالمكر ثم بالجفاء والكراهية؛ وقلبٍ أحبّها لمكانتها، طمعًا بالحُظوة والمجد الدنيوي، فلبته شهوة تضاجع شهوة، وترابًا يعانق ترابًا.

أما الأمير فكان ينقل نظرهُ بين أخته العروس وحسناء باهرة الجمال جالسةٍ عن يسارها. إنسيةٌ تؤكدُ عينه أنها حورية هبطت من بعض الفراديس. وضعت على رأسها خمارًا أبيضَ شفافًا، فلاحَ وجهُها الصبيحُ من خلاله كالقمر الوضاء يلوحُ من خلال غيمةٍ لجينيةٍ شفافة.

   سأل الأميرُ عنها، فعرف أنها ماجدة شقيقة أحسن، وقد اختارتها فتنة لتكون وصيفتها الأولى في يوم زفافها.

   حاول الأميرُ أبو يعقوب أن يتناساها هُنيهات؛ لكن جاذبيتها سرعانَ ما أسرت عينيه، فكانت نظراته إليها كنقراتِ عصفور لحبَّةٍ مُفلَجةٍ شقراء من التين المعسول، كلما عاود النظر إليها، ازداد تلذذًا ورغبة في التكرار. وكأنما وصل قلبه بعينيه سِلكٌ حساسٌ خفيّ، فصارت خفقات قلبه تسارعُ أكثر، وتهيجُ أشواقُه هياجًا أكبر، كلما طالت رنواتُه إليها.

إنقضَت ليلةُ العُرس. صباحَ اليوم التالي، أظهرَ الأميرُ رغبته لقائد الحرسِ في اتخاذ شقيقته زوجة ثانية له. فكان فرحُ أحسن بالبُشرى أعظم من فرحِ الخاطب، لأن أواصرَه بالأمير ستزدادُ توثقًا وقوة، ونجمه سيزدادُ تألقًا.

ورتَّب الأمر حتى يكون زواجُ أبي يعقوب بماجدة في يوم تنصبية خليفة، فتزدوجُ الفرحةُ وتكبر.

وتواصلت الأفراحُ في القصر، وتوالت الاحتفالاتُ، وعمَّت الزين حتى انتقلت عدواها إلى الشعب، فدخلت المنازل، وشاعت في الأحياء، وصارت البلادُ كلّها في مهرجان كبير.

وفي اليوم المحدَّد ازدحمت الساحاتُ بالخيول والعربات، واكتظت حدائقُ القصر وباحاتُه بالجماهير التي رنَّحها الطرب، وغصَّ القصر بوفود الأعيان والولاة يبايعون أبا يعقوب بالخلافة، ويهنئونه بالزواج الميمون.

أما ابن طفيل فكان يصرّف أمور الوزارة مأسورًا، ويشارك بالأفراح مقهورًا. وما إن همد ضجيجُ الاحتفالات حتى أخذ ينطوي على نفسه أكثر فأكثر متأملاً في عالمه الباطني، متألما مما يجري حوله من أحداث، كاظمًا سخطه على قائد الحرس، بعد أن اكتشف أنه عدوه الألد الذي كاد يودي بحياته. فليس من السهل شهر العداوة على صهر الخليفة وزوج شقيقته. فليتصرّف، إذًا، تصرّف الفيلسوف الحكيم، مؤمنًا بأن كل سببٍ لا بدَّ من أن يولد عاقبته الخاصة، وبأن الليالي يَلِدْنَ كل عجيب.

بعد أسبوعين على زواج فتنة، قدمت جاريتُها حبَّابة تستأذنُ في الدخول إلى ابن طُفيل. وما إن حضرتْ بين يديه حتى مثلتْ خاشعةً خشوعَ طفلةٍ بريئةٍ حييةٍ اقترفت خطأً جسيمًا، فوقفت تؤدي الحساب أمام والدِها؛ فانعطفَ عنقُها الريَّانُ على صدرها الناهض انعطافَ زنبقةٍ صوَّحها الهجير، وتهدَّلَت ذراعاها كعُسلوجَين قصفتهما يدٌ عتيَّة. سألها الفيلسوفُ مُتأثرًا أن تتكلم، فتورَّدت وجنتاها الرخصتان، ونطقت عيناها البنفسجتان بالدموع.

دنا ابن طفيل منها، ووضع يده على رأسها، ثم انزلها مسح شعرها الغدودَن المستريح على منكبيها، وقال لها:

  • ما بكِ، يا عزيزتي، هدئي من روعِكِ وتكلّمي.
  • فأخبرته بصوتٍ رقيق متهدج أن فتنة فصلتها من الخدمة، لأنها رأتها غريرةً بسيطة القلب، وهي تريدُ جاريةً داهيةً حنَّكتها تجاربُ الحياة.

فهمَ ابنُ طفيل فورًا أن ما زعمتهُ فتنة إنما هو تبريرٌ إيهاميٌّ لصرف خادمتها، وأن السبب الحقيقي يكمنُ في إطلاع حبَّابة على حياة الأميرة الخاصة وعلاقاتها مع كثيرين من رجال القصر؛ وقد تكونُ فتنة اكتشفت عاطفة حبَّابة نحو ابن طُفَيل، وهو أمرٌ يحملُ المجازفة للأميرة، لأنها ناصبتهُ العداء، وزوجها كان وراءَ محاولة اغتياله.

عطفَ ابنُ طفيل على حبَّابة؛ ونُزولاً عند رغبتها الملحاح، اتَّخذها خادمته الخاصة.

وتوالت الأيام… فكان كلما خلا بها، اغتنمها فرصةً للتصعيد بأيةِ شهوةٍ حسيةٍ تنتابُهُ إزاءها؛ فراحَ يحدِّثها عن الحبِّ الإلهيذ، والانتصار على النفس، وجمال الزُّهد… وإذا بنهر عواطفِه وأشواقِه الذي كان متّجهًا نحو فتنة، يعذُبُ ماؤُه، ويصفو رُواؤُه، ويتحوّلُ إلى حبَّابة.

لقد ندمَ على الساعات الكثيرة التي سفحها من أجلِ تعليمِ فتنة، وإيقاظ روحِ الزُّهدِ فيها، وأدرك تمامًا معنى الآية الكريمة: (إنكَ لا تهدي مَن أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء). لقد أحبَّ أن يهدي الأميرة، فأخطأ الرمية، واهتدت جاريتُها.

لقد أفضت مُجاهدةُ ابنِ طُفيل لنفسه إلى أن يجعل حبّة لحبّابة كحب والدٍ لابنته، كما جعلها في حبذها له تشعرُ بالسلام النفسي والطمأنينة؛ فكانت تنظرُ إليه نظرتها إلى كوةِ النور التي منها ترى وجهَ الشمس. وبين قلوب النساء الكثيرات اللواتي أحطنهُ إحاطة عقد الياسمين بالجيد، كان قلبُ تلك الجارية البريئة البسيطة الوحيد الذي أحبّهُ حبًّا صادقًا.

أما أبو خَبل فكان يزورُهُ، من حين إلى آخر، ويذكرُهُ بسهامه اللاذعة التي كان يرشقها في مجالس الأمير؛ فيعترف ابن طفيل بأنها كانت الأكثر إصابة. فهي أشبه بمبضع الجراح البارع يستهدفُ الدمل فيبزله بضربةٍ واحدة.

   ومثلُ شقيقة الأمير وجاريتها رآهُ ابن طفيل ينطبقُ على الخليفة ومهرجه. فمن غرائب الأقدار أن يكون المهرّج أقربَ إلى قلبِ الحياة، وأدرى بجوهرها وحقيقتها من السلطان نفسه. فكأن ضعَةَ المكانة الاجتماعية تقرّب الإنسان إلى الحقائق أكثر من رفعتها، لأن غشاوة الغرور والكبرياء رآها الفيلسوفُ تزدادُ كثافةً على بصيرة الإنسان، بقدرِ ما يرتقي في العراج الاجتماعي، إلا إذا تمتّع المرءُ بنعمة التواضُع فزانَ بها مجدّه الدُّنيوي؛ وهي حالةٌ نادرة.

هذا الواقعُ أحزنَ ابنَ طُفَيل، إذ جعله يقطع كل أملٍ بإصلاح المجتمع بدءًا برأسه السياسي. وتأكد له أن أي مجتمعٍ لا يتمَّ إصلاحُه إلا بدءًا بأفراده نفسًا نفسًا. فأفرادُ الشعب كالحجارة في مداميك الهرم السفلى، إذا كانت سليمة صلبة، فلا خشية على انهياره. ذلك فضلاً عن أن النفوس البسيطة تكونُ أشبه بالبحيرات الصافية تشفُّ للعين عن أعماقها. ففي حين كانت علاقة أبي خَبل وحبَّابة به صريحة مُستقيمة، كانت علاقاتُ الأعيان به مبطَّنة بالمجاملة الكاذبة والنفاق. فحيثُ تكثرُ الأطماعُ تكثرُ المفاسد.

الفصلُ الرابع عشر

السيف الناري

قُبيل زواجِ فتنة، قرَّ الرأيُ في البلاط على توسيع مقرّ سكناها. فضم إلى جناحها القديم عدّة غُرَفٍ وأبهاء كانت ملاصقةً لجناح الخليفة. وعهدت الأميرةُ إلى قهرمان القصر (أبي خميس) في تأثيثها بالرياش الفاخر.

كان القهرمان رجلاً سمهري القامة، حسن الهندام، ريانَ الوجه، داهيةً في تصريفِ الأمور، يستبيحُ كل المحرَّمات في سبيل الوصول إلى مُبتغاه. فلم يمضِ بضعةُ أسابيع على زواج فتنة حتى توطدتِ العلاقةُ بينها وبينه، فكان يُكثِرُ من التردّد إلى جناحها بحجّةِ مراجعتها في شؤون الأثاث.

ولاحظت فتنة أن زوجها بدأ يشكُّ في علاقتها بالقهرمان؛ فكان يترصّدها، ويبثُّ عيونًا عليها، الأمر الذي أثار حفيظتها. لكنها كتمت غيظها حتى لا يفتضح أمرها، وأخذت تفكر في وسائل تحصِّنُ بها نفسها ضد زوجها.

ومضت قرابةُ ثلاثة أشهر على زواج الخليفة؛ فإذا بامرأته ماجدة حُبلى؛ فكان فرحُهُ أعظم من فرحِها، وأخذَ يحيطها بفائق العناية؛ وتزداد هي غُنجًا ودلالاً.

وبعد تسعةِ أشهرُ، وُلِدَ للخليفة صبيان توأمان؛ فكان الابتهاجُ في القصر عظيمًا؛ فأقيمت معالم الأفراح، وأُدِبت المآدب.

لكن أحسنَ، قائد الحرس، بدأ يُساورُه الحزنُ إلى جانب الشكّ؛ لأن امرأته لم تحبل. وهذا زاد الأمورَ تعقيدًا بينه وبينها.

وبعد مُضي حوالى عشرين شهرًا، حبلت فتنة. لكن بدل أن تتنامى عاطفتُها نحو زوجها، كانت تزدادُ نُفورًا منه، وتتظاهرُ بالمودّة نحوه. وقد شعر زوجها بريائها، فحارَ في تفسيرِ الأمر، خصوصًا أن القهرمان امتنعَ عن الحضور إلى جناحها منذ أشهر، بعد أن أنجزَ تأثيت الغرفِ كلّها.

وكانت مهمة أحسن تقضي عليه بأن يُمضي ليلتين، في كل أسبوع، ساهرًا مع الحرس.

وذات ليلة، بينما كان واجبه يلزمه بأن يساهر حرّاس القصر في مواقعهم، اضطر للعودة إلى جناحه لإحضار لائحةٍ بأسماء المناوبين؛ فإذا به يسمعُ صوتَ هرولةٍ في ممرات جناحه، فتتبع مصدر الصوت؛ فإذا بالسائر المجهول يُسرعُ حتى يتلاشى وقع خطاهُ في نفقٍ سري في القصر لا يعرفه إلا قليلون جدًا. فتوقف أحسن عن اللحاق بالمهرول، وساورته شتّى الظنون السوداء، فهرع إلى مقصورة زوجته، فوجدها  مستيقظة، على غير عادتها، وقد فوجئت بحضوره في هذه  الساعة المتأخرة من الليل! فكتم ظنونه، وأخذَ لائحة الحرس، وعاد إلى موقعه.

خافت فتنة أن يعيد أحسن عليها الكرّة، على حين غرّة، فيكون بينها وبينه صدعٌ لا يراب؛ فعمدت إلى تدبير خطةٍ جهنمية، باطنها السُّم وظاهرها العسل، لتتخلَّص منه، وتُخلي الساحة لها. فأخذت تزيدُ مجاملتها لماجدة، وتحبِّبها إليها حتى أيقنت أنها تمكَّنت من قلبها، واستأثرت بثقتها. فأخذت، إذ ذاكَ، تمدحُ أحسن أمامها، وتثني على بطولته ومزاياه العسكرية، وتُرسّخُ في نفس ماجدة أنه مهضوم الحقّ، وعلى الخليفة أن يُنصفهُ بتعيينه قائدًا على أحد الجيوش في الأندلس، حتى تبرزَ بطولته وبراعتُه العسكرية في الدفاع عن حمى الدولة ضد الفرنجة المُعتدين. وكل همّها أن تُقصيه عنها، وتجعله في موقعٍ شديدِ الخطر.

إقتنعت ماجدة برأي فتنة؛ وصمَّمت الاثنتان على مفاتحة الخليفة بالأمر وإقناعه، من أجل ترقية أحسن، تمهيدًا لتقليده منصب إحدى الولايات في الأندلس؛ فصهرُ أمير المؤمنين لا يليقُ به أن يبقى قائدًا لحرس القصر؛ واتفقا على أن تبقيا الأمر سرًا حتى يكون مفاجأة سارة لأحسن.

فوتِحَ الخليفة بالأمر، فاقتنع بصوابِ الرأي، وعيَّنَ أحسن قائدًا لأحد الجيوش التي تخوضُ الحرب في الأندلس ضد الفرنجة، وأوعز إليه في الإسراع بتقلّد منصبه الجديد.

حينما تبلغ أحسنُ الأمر، فوجئ به، وغمرته موجةٌ من السرور، للوهلة الأولى؛ لكن الظنون ما لبثت أن بدأت تُساورهُ، عندما جعل يفكرُ بفتنة وأنها في شهرها الثاني. فكيف يمكنهُ اصطحابها دونما خطر على حياة الجنين؟

وسرعان ما صدقَ ظنّه. فما إن فاتحَ زوجته بأمر السفر حتى أخذت تُخوِّفُهُ من خطرِ إسقاطها. وألحَّت عليه أن يسبقها إلى الأندلس، ويُعدّ لها المغنى اللائق هناك، ريثما تكون قد وضعت ولدَها بعد سبعة أشهر.

قرَّر أحسنُ أن يرتحل في منتصف الليل حتى يبلغ السفينة التي ستقلّه إلى الإندلس، عندَ الفجر، وأبلغ ذلك إلى امرأته؛ فودَّعَ من يجبُ توديعهم من أهل القصر، ثم بقي ساهرًا مع زوجته حتى الموعد المحدّد؛ فأظهر لها من العطف أصنافًا، ومن فنون الغرام والهيام ألوانًا. وراحت تُقسِمُ الأيمان المغلّظة على أنها لم تحبّ ولن تحبّ سواه، وأن طيفهُ سيكونُ سميرها في ليلها، وجليسها في نهارها، وأنها ترتقبُ، على أحَرِّ من الجمر، الساعة التي تضعُ فيها مولودَها وتتعافى حتى تلحقَ به إلى الأندلس وتُحيطه برعايتها وحنانها، وتُغدِقَ عليه هواها وصباها. ثم أفاضت عليه من قُبَلِها طوفانًا.

عندَ منتصف الليل، خرج أحسنُ من الممر الرئيس، وودّع جنوده القُدامى واحدًا واحدًا، ثم امتطى صهوةَ جواده، وأغذَّ السير.

وبعدَ أن سارَ قرابةَ ساعة، وأصبحَ في ظاهر المدينة، أخذت تُساورُهُ الهواجسُ مُساورةَ الأفاعي، وتُهاجمُهُ الوساوسُ مُهاجمةَ الضواري، وهو يكادُ يترنَّحُ على صهوةِ جوادِه من جيوش الشكوك والظنون التي تُنازِلُهُ وتُصادِمُه.

وتحت وطأة الضغط النفسي، إذا به يُقررُ فجأةً أن يعودَ إلى القصر. فعطف جوادَه، وأخذ يعدو به. وحوالى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وصلَ إلى باحة القصر الخارجية، لكنه لم يدخُل من الباب الرئيس، بل نزلَ عن جوادِه خِلسةً، وتسلَّل إلى داخل القصر من النفقِ السريّ الذي يعرفُهُ مع ندرةٍ من أهل البلاط. وبتؤدة متناهية توجَّه فورًا إلى مقصورة امرأته، وبدلَ أن يدخلَ من بابها الخارجي الذي كان مقفلاً، دخل من الباب الداخليّ الذي يفصلُ بين غرفته وغرفتها، وقِفْلُه من جهته. وإذا به يُذهل ويتسمَّر لحظات!… فقد رأى زوجته مع القهرمان في حالةٍ مُربية جدًا، والخيانةُ لا لبْس فيها. غلا الدم في عروقه، والتهبت أعصابُه كأنَّما اجتاحتها عاصفةٌ نارية فانتضى سيفه، وهوى به على القهرمان فقتله، ثم انقض على فتنة، وقد أذهلتها المفاجأ’، فطعنها في صدرها. وكأنما النارُ المُستعرة في نفسِه أبت إلا أن تمدَّ ألسنها الفتاكة إلى خارجه، لشدّة ما ضاق صدرُهُ وتحرق بها، فبادر إلى إشعار النار في بعض الثياب والستائر والأثاث الخشبي مُستخدمًا لهب الأسرجة وزيتها، وأغلق الباب، وخرج مُهرولاً من النفق السريّ؛ فلم يلحظهُ أحدٌ في دخوله أو خروجه، لا من أهل البلاط ولا من الحرس.

وثب إلى صهوةِ جوادِه، وأغذَّ السير مجددًا. وما إن ابتعد حوالى ميل حتى وقف ينظرُ وراءه. فإذا السماءُ المظلمة قد شقها، من بعيد، ما يشبه الشفق الأحمر. لقد كانت ألسنة النار تتطاول في الأفق، وتلسعُ وجه الفضاء كسياطٍ جحيميَّة، بعدَ أن التهمت مقصورة الأميرة، وأتت على جناحها كله.

إستيقظ سُكانُ القصر على الحريق المروّع، فدبَّ الذعر فيهم، وعلا الصراخ، واشتدَّ الهرجُ والمرج… وتراكض الحرسُ بدلاء الماء يحاولون إطفاء الحريق؛ لكن ألسنة النيران كانت عنيدةً عتيَّة، كالضواري يحاول المروِّضون تطويعها، فتأبى الانقيادَ إلا لغرائزها الوحشيَّة، فامتدَّت من جناح الأميرة إلى جناح الخليفة حتى أصابت ابنيه الطفلين التوأمين، وهما في مهديهما، فالتهمتهما، إذ إن الذعر أفقد الجواريَ ونساءَ الحريم صوابَهُنَّ، فأخذت كل منهن تعدو ناجيةً بنفسها.

وفي الجناح المقابل، وقف ابن طفيل أمام النافذة، وإلى جانبه حبَّابة، يحدِّقان إلى المشهد المُفجع المُخيف. كان جناحُ الأميرة وجناحُ حريم الخليفة يشتعلان… وكانت ذكرياته تشتعل: ذكرياتُه مع فتنة، وذكرياتُه مع أبي يعقوب.

مع طلوع الصباح، أخذت الألسنُ تلهجُ بأن الأميرة فتنة والقهرمان وُجدا جثتين محروقتين في مخدعها، وأن أبني الخليفة قد التهمتهما النيران.

بقي ابنُ طفيل مُسمَّرًا عند النافذة حتى أشرقت الشمس. كان يحدِّق إلى السماء والدموعُ السخينة تتدهدهُ واحدةً تلو أخرى على خدَّيه، وهو يردِّد في نفسه: إن نيران الشهوة الجحيمية ابتلعت الكبيرين، وإن نيران الطمع في نفس الخليفة ابتلعت الصغيرين… يا لعدالة السماء!… أفلا يكون بين مصرعِ شقيقي الخليفة ومصرع طفليه علاقةٌ سببيَّة؟

في اليوم التالي أجرى الخليفة تحقيقًا دقيقًا لمعرفة أسباب الحريق، لكنه لم يتوصل إلى أيةِّ نتيجة؛ لأن جثَّة فتنة وجثَّة القهرمان كانتا مُحترقتين تمامًا، وفي مسرح الفجيعة ليس سوى الفحم والرماء. فأُشيع أن الجنَّ فعلوا ذلك. ألم يعتد الجنُّ، في الماضي، على الوزير ابن طُفيل ويُحاولوا قتلَه؟

بعدَ عشرين يومًا على الحريق المُروِّع، قدمَ إلى القصرِ رسولٌ من الأندلُس يحملُ رسالةً إلى أمير المؤمنين تنعي القائد (أحسن)، إذ قُتِلَ في إحدى المعارك مع الفرنجة.

 

                                                                            فُرِغَ منها بيروت،

في 18 تشرين الأول، عام 1985

 

عاشقُ الحقّ والمعرفة

 

الفصل الأول العاشق الأبيّ

كان نهر جيحون، في خوارزم، يتدفق بجلالٍ ومهابة. أمواجه تصطفق بغير عنف، وعليها تتكسرُ ظلال الأشجار، وشبح مئذنةٍ قريبةٍ ينطرح فوقها كأنه طيف عملاقٍ ماردٍ أفلت من قمقم التاريخ.

على ضفة النهر الكبير التي تتراقص على امتدادها أفياء الحور والصفصاف والزيزفون، والتي تغرد الأطيار فوق أشجارها الغناء وتتلاقى إلفين إلفين، كان شاب في الثالثة والعشرين من عمره يسير وحيدًا متئدًا. أسمر الأديم، عريض2 الجبهة، سمهري القوام، بسيط الرداء. عيناه النجلاوان كانتا، بين فينةٍ وأخرى، ترشقان الضفة النائية الأخرى بنظراتٍ ملية لا تلبث أن ترتد إلى النهر نافضةً مجراه المديد في عكس مسيره، كأنما تصعد إلى حيثُ منبعه في جبال باميرا الشاهقة المعروفة بـ”سطح العالم”.

الناس الذين يعرفونه كانوا يكنونه بأبي الريحان؛ فمحمد البيروني كان، دون سائرِ الشبان في محيطه، يتضمخ بعطرٍ طيب كأنه فوح الورود الشذية؛ فهو خبير بالعطور والعقاقير بقدر ما هو عليم بالجغرافية والتاريخ والطب والفلك والرياضيات وسصائر العلوم اليونانية. وكان يجيد من اللغات السريانية والعبرية والتركية فضلاً عن العربية والفارسية.

ولذلك هامت النساء به. وكانت الناهدات من العذارى يطمعن في نظرةٍ منه إليهن، فكن يرخين بعض النقاب عن وجوههن بحيلة منهن لطيفة، عل عينيه تعلقان بمحاسنهن الخبيئة. وقد شاع بينهن أن إحدىة الأميرات هائمة بحبه، ومع ذلك كانت كل منهن ترغب في أن يغير القدر مجراه، فيسقط النسر المحلق في شبكتها.

كانت يد المبدع الأعظم قد بدأت تذرذر الألوان على قماشة الشفق وقد انتثرت فيهغا غميمات بيضاء تفسخت، بعد أن كانت ملتحمة، تفسخ أمةٍ عبثت بها الأقدار العاتية. ومن المحيط اللازوردي اللانهائي تكونت تدريجيًا لوحةُ الضياء الآفل. وقف أبو الريحان، هنيهات، يتملى المشهد الرائع محاولاً أن ينفذ منه إلى القدرة المبدع8ة التي تسير ذلك النير الأكبر من أفق الإشراق إلى شفق الغروب. وفجأة حانت منه التفاتةٌ إلى دوحةٍ كبيرة ما تزال أوراقها مبلولةً بالرذاذ الذي تساقط منذ حين، وقد أصابتها أشعة الشمس الأخيرة، فتلألأت وبدت شعلة متوقدة كأنما الشمس قد بارحت مكانها وأوت إليهاغ. وكان صبي قد ربط خيطًا طويلاً بجذعهاغ وأمسك طرفه الآخر مشدودًا إليه، وأخذ يدور حول الشجرة راسمًا على الأرض دائرة بقضيبٍ في يده. كانت لعبةً يتبارى فيها الصبية بالقفز من جذع الشجرة إلى الدائرة المرسومة حولها. كان قرص الضياء يتوارى تدريجيًاغ عن ناظري أبي الريحان، فإذا مشهدُ الصبي وهو يدور حول الشجرة المتوهجة مختفيًا وراء جذعها الضخم عن عيني أبي الريحان يقدح ذهنه الثاقب، فتشتعل في رأسه فكرة غريبة: الشمس تدور حول الأرض الثابتة! لِمَ لا تكون الأرض تدور حول شمس ثابتة؟ أيكون بطليموس على خطأ؟ ولكن كيف أثبت ذلك؟

وإذا صوت المؤذن يعيده إلى الأرض: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسولُ الله أشهد أن محمدًا رسولُ الله…

            نفض أبو الريحان المكان بنظره باحثًا عن رقعةٍ من الأرض صالحةٍ للسجود. فتقدم إليها، وأدار وجهه شطر القبلة وسجد. وكان قد توضًا قبل خروجه من منزله القريب.

  • حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح.

وفجأة اختلط صوت المؤذن بجلبةٍ بعيدةٍ سرعان ما اشتدت واقتربت، وأبو الريحاغن لم يبدأ بعد صلاته. وإذا بجيادٍ مسرعة تصك الأرض بسنابكها تتجه نحوه. فنهض وهرول بين لعلعة الأصوات الغاضبة وصراخ المتوجعين المتهاوين عن صهوات جيادهم وقد أصابتهم طعناتٌ نجلاء.

كان المؤذن ما يزال ماضيًا في تأذينه:

(ومِنَ الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرشاةِ الله؛ والله رؤوف بالعباد. يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان؛ إنه لكم عدوٌ مبين) (سورة البقرة: 207 – 208).

وإذا أحد الفرسان يشتم المؤذن، ويسدد إليه سهمًا، فيخترق عنقه، فيهوي؛ وينثني جذعه الأعلى فوق سور المئذنة القليل الارتفاع، ويتلدى رأسه ويداه إلى الخارج كعثكول من النخيل تم قطافه.

يشعر أبو الريحان البيروني بالخطر الداهم يقترب إليه، فيسرع إلى منخسف في ضفة النهر، هابطًا منه متواريًا وراء بعض الصخور عن أنظار الجنود المتصارعين. وانتظر ريثما يهدأ خفقان قلبه ثم جعل يسترق النظر إلى المتقاتلين وقد أصبح ينظر إليهم من ورائهم. كانت مئات الجثث منطرحة هنا وهناك على طريق النهر، والدماء تسيل على الحضيض مشكلةً سواقي صغيرةً كانت تنصب في النهر، فتصطبغ مياهه بالحمرة تدريجيًا.

وهرعت زرافات من النساء الهلعات المولولات محجباتٍ وغير محجبات يبحثن عن أولادهن، عن فلذات أكبادهن، في حومة العراك. وإذا بإحداهن تنتهر فارسًا مسرعًا كاد يطرحها أرضًا؛ فيرتد إليها، وينزع الحجاب عنها خطفًا، ويلتقف طفلها من بين ذراعيها عليه. فيرتد إليها ثانيةً ويبقرُ بطنها، فتتهاوى والدماءُ تنزفُ منها بغزارة.

أسرع أبو الريحان منحني الظهر لصيقًا بجدار النهر إلى حيث سقط الطفل، فإذا هو بجانبٍ من النهر ضحل المياه، فانتشله مغميًا عليه، مجرحًا مرضضًا. فأسرع به، وقد غاب الجندُ، نحو أمه القتيل، فعرفها. إنها جارته، أم ياسمين، فانهمرت دموعه. فتمالك نفسه وحمل جثمانها على منكبه الأيم، والدماء القانية تنزف منه على ردائه، واحتضن الطفل بذراعه اليسرى، وأسرع إلى منزله القريب.

ما إن وصل حتى صرخ مناديًا من في منزل جارته القتيل. فخرجت بضع نساءٍ مولولاتٍ متفجعات، وأدخلن جثمان المرأة إلى منزلها، بينما ولج أبو الريحان غرفته المتواضعة التي كانت تخلو من أي أثاثٍ فاخر، فمدد الطفل على مقعد مستطيل وبسرعةٍ تناول عطورًا وعقاقير وأخذ يدلك بها وجهه وجسمه حانيًا عليه. فانتعش الطفل واستعاد وعيه. إذا ذاك عالج أبو الريحان جراحه وضمدها، بينما كان الطفل ينادي: ماما!…ماما…

كانت شقيقة الطفل الكبر، ياسمين، واقفةً قرب أخيها المسجى كالشلو على المقعد، والدموع الساخنةُ تتدحرج على خديها الأسيلين، وصراخ الوجع المكبوت يكاد يفجر أضلاع صدرها. كانت في السادسة عشرة من عمرها كزنبقةٍ صوحها الهجير. فما إن صحا الطفل من غيبوبته حتى اختطفته واحتضنته بذراعيها كأنها تخاف أن يتلاشى إن كان بعيدًا عن صدرها ويديها. ولما هدأ روعها، أنحنت لتقبل يد أبي الريحان. فقال لها ممتنعًا عنها:

– امكثي في غرفتي، يا ياسمين، ولا تدعي أخاك يرى جثمان أمك والنائحات حولها. فحسبه صدمةُ سقوطه في النهر. ما أظلم الإنسان! ما أكفر الإنسان!

– وبادر أبو الريحان إلى زاويةٍ في حرته، وأخرج مخطوطاته الكثيرة ووضعها في كيسٍ كبير. ثم ج-مع ما بقي عنده من خبزٍ وفواكه مجففة، ووضعها مع زق ماء في وعاءٍ آخر. بعدئذٍ جمع عشرات من القناني والأوعية الصغيرة الملأى بالعقاقيبر أو العطور، ووضعها مع مبضعٍ ومبزلٍ وأدواتٍ طبيةٍ أخرى في كيس ثالث.

– أأنتَ راحلٌ من هنا؟

– نعم، يا ياسمين

  وحدق إلى وجهها وعينها الدعجاوين وخديها الأسيلين؛ ثم طبع قبلة على جبهتها، وخرج. فانحدرت دموعها كأن عقدًا من الألئ المصهورة انفرط على وجنتيها.

   كانت الظلماء قد بدأت تكفن خوارزم، وولولاتُ النساء المفجوعات تتعالى من هنا وهنا، ورياح رملية تسفعُ الوجوه.

   شق أبو الريحان طريقه بين الأشجار ملثمًا حتى وصل إلى ضفة النهر، فجعل يحث خُطاه. وما إن سار قليلاً حتى سمع المؤذن يرتل صلاة العشاء:

– الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر…

وفجأة قطع المؤذن وسمعت صرخته وهو يهوي طعين الظهر. وإذا صوت جهوري يعلو من المئذنة:

– يا أهل خوارزم، يا قوم، لقد شاء الله أن يقضى على الأمير الكافر الباغية أبي العباس ابن عراق، وأن يكتب النصر المؤزر لمأمون بن محمد، أميرنا الصالح. فليحي شاه خوارزم الجديد، مأمون بن محمد.

   فرددت أصوات مختلطة:

– ليحيَ الشاه، ليحيَ الشاه.

   بينما كان أبو الريحان ماضيًا في سيرة تلفه أجنحة الغراب الدجوجي العملاق، كانت الأميرة ريحانة تنزل من على صهوة جوادها وتدخل متلمثمة غرفة أبي الريحاغن المفتوحة، فلا ترى فيها إلا الطفل المضمد، ثم تخرج وتخرج وتدخل منزلَ ياسمين والمناحة فيه قائمة. سألت بنبرةٍ صارمةٍ عن أبي الريحان، ولم تلتفت إلى الجثة المسجاة؛ فسكتت النساء النادبات، وحدقن إليها بنظراتٍ صارمة غاضبة وقد عرفتها لأنها كانت تتردد، في خفية، إلى منزل أبي الريحان. فعمها الذي أصبح شاه خوارزم الجديد، هو المغتصب القاتل. كررت السؤال عليهن، فلم تلق إلا الغضب الصامت المكبوت في عيونهن. وإذا ياسمين تنفرد بها في غرفة أبي الريحان انفراد نعجةٍ وجلة بذئبةٍ متضورة، بعد أن شعرت بخطر الانتقام طافرًا من عيني الأميرة الزئبقيتين، فتعلمها بأن أبا الريحان رحل منذ بضع دقائق، وتشهق بالبكاء منطرحة على المقعد بجانب أخيها الجريح كضلع ونبق قصفقته الريح.

فتنصرف ريحانه وتعتلي جوادها بعصبيةٍ جامحة منطلقة باتجاه النهر، ولا تلبث أن تلمح طيفًا يحثُ الخطى. إنه في طول أبي الريحان وفي ردائه! فتناديه وهي تحاول أن تتنسم رائحته من بعد:

– أبا الريحان، أبا الريحان.

فيلتفت وراءه وقد عرف صوتها المميز، فيقف واضعًا كيسيه الباهظين على الأرض.

– ما جاء بكِ، يا ريحانة، في هذا الليل البهيم، وفي حومةِ الموت والدم! ما جاء بكِ حيث لا تجول إلا أشباحُ الموتى!

– قلبي، يا أبا الريحان، قلبي. أسرعتُ أبحث عنك، وقلبي من الخوف عليك يكادُ يطير، يسبقني إليك. شكرًا لله، فالأذى لم ينلكَ.

– بل نالني يا ريحانة. فخوارزم مسقط رأسي، خوارزم التي أسميت بها أول كتبي… حفرت قبرها اليوم، ودفنت نفسها فيه. وإني لمغادرها في هذه اللحظة.

– إلى أين؟

– إلى حيث ينصر الحق، ويكرم العلم، ويحترم الإنسان، ويُخشى الله.

– أخشى أن لا تجد مأملك في أي مكان في الأرض، يا أبا الريحان.

– إذ ذاك لن آسف على حياتي.

– وريحانة… أتتخلى عنها؟ اتدعها فريسة لوحوش الهواجس والمخاوف؟ أتتركها كأرملةٍ تندب حظها في وحدتها القاسية؟

وتترجل ريحانة وتقترب منه محاولةٌ ضمه وتقبيله، فينكض عنها متأبيا؛ فتسأله متعجبة؟

– ما الذي غيرك، يا أبا الريحان؟

– الدمُ المسفوح غيرني. الدم الذي لطخ ردائي غيرني. الطفل الذي قذف به عمك في النهر غيرني. المؤذن الذي قُتِل وهو يُرتل كلامَ الله غيرني.

– إنها حال المسلمين يا أبا الريحان. إنها حال المسلمين.

– لعن الله كل منافق.

– وأين ذهبت كلماتُك المعسولة لي: “صوتك، يا ريحانة، سيبقى يصدحُ في ضميري، ووجهك سيبقى ساطعًا في خيالي، وعاطفتكِ ستبقى متأججة مع الدماء في شراييني!” أذهبت كلها أدراجَ الرياح؟

– أخاف أن تكون الرياح القاتلة قد بدأت تعصف بها.

– تعال إلى منزلي، فأطعمك من خبزي، وأحميك بجفوني، وآمُر جواري فيخدمنك. فأنت تعرف أن الشاه الجديد هو عمي ولي دالةٌ عليه، فأقربك إليه. دعني أضمك فيزيل حناني العنف الذي رأيته.

وتحاول ضمه مجددًا، فينفر مستعليًا قائلًا:

– الوداع يا ريحانة… أنا ابن الصحائف السود، وأنتِ ابنة الأمراء السود، وقلما اطمأن أمير لكتاب.

– إنك لمتكبر…

– على الشر والطمع والباطل.

_ إنكَ لعنيد…

– في التمسك بالحق.

– بالله عليك يا أبا الريحان، أرفق بي وبحالك، فأنت في الثالثة والعشرين من عمرك، وفي فجر مجدك الأدبي، فلا تسلم نفسك للتشرد والفقر والضيق، وأنا قادرة على أن أغمرك بالعطف والغنى والمجد.

– لا كان المجد بلا علم، يا ريحانة، ولا كان الغنى بلا كرام. فالوداع.

وحث أبو الريحان خطاه نائيًا عنها فامتطت جوادها، ومن على صهوته حدجته بنظرة عُقابٍ كاسرة. أما هو فمضى يغذ سيره مسابقًا كتائب الليل الفاحمة المتدافعةت حتى أعياه التعب، فقعد يرتاح متكئًا إلى جذع شجرة على ضفة النهر. وإذا بعواء بنات آوى يطرق سمعه بين الفينة والأخرى… ثم تتناهى إلى أذنيه أصواتٍ الخنازير البرية والثعالب. فيخالجه الوجل لحظات، لكنه يتمالك نفسه إذ يتذكر أن في كيسه مُديةً كبيرة يمكنه استخدامها للدفاع عن نفسه، إذا اضطر إلى ذلك، فيخرجها ويقبض عليها ويده فوق فخده. وما إن يقلب المدية في ديه ناظرًا إلى حدها حتى يراها قد تلطخت بالدم الذي لوث رداءه، فينفرُ من المشهد، ويعيد المدية إلى كيسه قائلاً في نفسه: إن الله معيني – لا أريد العنف، لا أريده حتى مع الضواري. لعن الله كل قاتل.

ويرسل نظره إلى النهر متأملًا في أمواجه المتدافعة موجه إثر موجة، فيخال إليه أنه يرى جيادًا منطلقة كوكبةً إثر كوكبة… ولا يلبث أن يتخيل مواكب الشعوب والعصور تتوالى على أرض خواغرزم وأرض فارس. تخيل قورش الكبير تخيط به مواكب جنوده يبسط سلطته على العراق وبلاد الشام وآسيا الوسطى، وتصمد مملكته طوال قرنين. وإذا بمجرى ذلك النهر البشري يشضهد أمواجًا أخرى تحمل الإسكندر الكبير وجنوده، وكأن ماء النهر البشري تغير لونه. ثم تندفع موجاتٌ بشرية أخرى حاملة البارثين فالساسانيين فالعرب. ويحل الله مكان أهورا مزدا، والنبي العربي مكان زرادشت، والسجود باتجاه القبلة مكان السجود أمام النار والكتابة العربية مكان الكتابة الفارسية… لكن الإنسان لم يتغير، فالمطامع ما زالت تدفعه إلى مزيدٍ من السيطرة والمغانم والمظالم، والشر ما زال غالبًا للخير في نفسه.

لكن ترى، لماذا ولدج هو في ضاحية خوارزم، ولم يولد في أثينا مثلاً؟ ولماذا ولدَ سنة 362 لهجرة النبي العربي ولم يولد في عصر النبي فيكون من صحابته؟ ليته كان تلميذًا لسقراط أو أفلاطون، ولم يولد في ديار الإسلام التي تخلعت وتفككت، وأصبح خليفة المسلمين فيها مجرد ألعوبةٍ بأيدي الطامعين من سلاطين بني بويه. ها قد خلع اغلخليفة المطيع ثم خلع الخليفة الطائع. أما الخليفة القادر الذي يعيش اليوم في بغداد فاسمٌ لغير مسمى. واستدعت صور العنف في ذاكرته صور السلام، فتذكر فجأةً المعلم الهندي الحكيم، راجا، وابنته الصغيرة جوني، جوني السمراء اللطيفة التي كانت تنظر إليه بعذوبةٍ وحنانٍ وابتسامةٍ عذراء. كانت في العاشرة من عمرها. قال له راجا إذ عليه، منذ سنة، وهو في طريقه إلى الهند إن الإنسان ما إن ينحل جسده حتى  تنتقل نفسه فتتقمص جسدًا آخر. ترى، إن صح هذا، فهل كان هو إقليدس أم بطليموس؟ أم كان أرسطو أم أفلاطون؟ لا، يقول في نفسه، هذا غرور، فهم علماء عظام، والمعلم الإلهاي أشبه بنسرٍ يخلق فوق القمم؛ أما هو فإنه ما زال واهن الجناحين.

   وسرعان ما يرده إلى صحوته عواء ثعلب قريب منه، فينهره، وينهض ويتابع سيره حتى يرى نفسه يخوض وعثاء الرمال – إنها الصحراء. هزيم الرياح فيها كأنه عزيف الجن، بل عزيف الأبالسة. لكنه يشعر أن الله معه. أليس هو يعشق الحق؟ والحق هو الله.

وإذا به يسمع لهاثَ مرهقين أعياهما التجوال، وصوتًا متهدجًا يقول:

– اللهم أعني… اللهم أغثني… لا حول ولا قوة إلا بك.

– من؟ أستاذي أبو نصر؟ يا لله!…

– أبو الريحان؟ أعني يا أبا الريحان… ساعدني يساعدك الله. أبقيت لديك قطرات من الماء؟

– قاتل الله الحروب والمتحاربين، والطمع والطامعين… هاك اشرب.

– الحمد الله… لولاك لمت إعياءً وعطشًا في هذه الصحراء… شكرًا لك.

– أتشكرني على قطرات من الماء، وأنت قد سقيتني دنانًا من العلزن، يا أبا نصر؟

– عجبًا لك يا أبا الريحان، كنت أحسبك ممن شملتهم نعمةُ الأسرة المالكة جديدًا في خوارزم، فإذا بك تضرب مثلي هاربًا في صحراء جرجان! إذا أنا قررتُ، فأني نسيب شاه خوارزم القتيل، أما أنت فالفرصة الذهبية كانت سانحةً لك لتصاهر أمراء آل مأمون؛ فأمرك، والله غريب!

– ليسَ أمري الغريب، بل أنا الغريب، أنا الغريب في وطني، لأني لا أرتاح للانتماء لبلدٍ يتناهبهُ الغاصبون، ويتناوشُه الوصوليون والطامعون، فلا ينجم عن حروبهم إلا البؤس والخراب، وهروب العلماء، وضياع الكتب الثمينة، وتبدد كنز الفكر، وتشرد الآباء والأبناء، وتيتم الأطفال وترمل النساء. أجل، أنا الغريب في وطني، يا أستاذي.

– لا تدعني أستاذك بعد اليوم. فإنك علىة صغر سنك، أستاذ في العلوم. وكتابك “التفهيم لأوائل صناعة التنجيم” قد سار صيته في البلاد، واكسبك المجد والفخار.

– “التفهيم لأوائل صناعة التنجيم” كتاب العقل الذي أثمر العاطفة فأهديته إلى ريحاغن ابنة الحسين.

– ابنة شقيق الشاه الجدي!… وأنت لم تعرف أ، تستفيد من منزلك العزيزة عندها، مع أ، كتابك النفيس أحدث إهداؤهُ لها ضجة في البلاط وبين العلماء والأدباء!

– كما أحدث جرحًا في قلبي ما زال ينزف حتى هذه اللحظة.

– أوتحبُ معشوقتك إلى هذا الحد؟

– بل إلى ما بعد الحد.

– سامحك الله، يا أبا الريحان. ما دمت تهواها صادقًا، فلماذا لم تبق بقربها في خُوارزم، وهكذا تصاهر الأسرة المالكة من آل مأمو،؟

– لأن العروس التي سأتزوجها ليست من لحمٍ ودم.

– ليست من لحم ودم! وما عساها تعكون؟

– إنها عروسٌ لا أرتوي من رُضاب فمها، ولا أمل من تملي نور وجهها، ولا أسأم من الإصغاء إلى موسيقى صوتها، ولا أضجر من الاستماع إلى حكمةِ عقلها، ولا أشبع من خبز يديها!

   – عجيب والله وصفك لها! ومن تكون هذه العروس الخارقة؟

– إنها المعرفة… المعرفة. ريحانة أحبها… لكن المعرفة أحبها أكثر.

واستمر أبو الريحان البيروني سائرًا يخوض مجاهل الصحراء, ويقتحم مخاوف الظلماء، والأكياس الثقيلة الثلاثة على ظهره ومنكبيه، وأستاذه أبو نصر إلى جانبه يتوكأ عليه، والأحداث الدامية كزوبعةٍ تدوم في رأسه…

حتى مضى الهزيع الثاني من الليل. فشعر الإثنان أن طاقتهما قد نفدت، فتهاويا متمددين في كنف كثيبٍ من الرمل. وثقلت أجفانهما. وما كادا يستسلمان لسلطان النوم حتى نبههما كشيش حيةٍ كانت تنساب بين الرمال قربهما، فنهضا مذعورين. وبادر أبو نصر فقبض على هراوته الغليظة ليحطم رأسها؛ فأخذت تنضنض لسانها وتعلي فحيحها. فإذا أبو الريحان ينهي صاحبه عن قتلها وينصحه بالابتعاد عنها قائلاً له:

– لا، لا تبادر إلى استعدائها. فإذا كان في كتاب الأقدار أنك لا تستحق نابها، فإنها لن تلدغك.

وابتعدت الحية وتلاشى قشيشها. وكانت تارةً تتغلغل في طيات الرمال، وطورًا تتعرج على سطحها تعرج نزوات البشر وأفكارهم السوداء.

بقي الرفيقان صاحيين مرهقين تساورهما شتى الهواجس حتى انهلت خيوط الفجر الأولى وكأنها ذلاذل معرضٍ عظيم فضفاضٍ هدلتها فوق الغبراء إلاهه الضياء. وإذا بهما يسمعان هسهسة بعيدة؛ فاعتلى أبو الريحان الكثيب واستشرف البعيد، فلاحت له قافلة من الجمال كانت تمخر في البحار الرملية كأنها زوارق الخلاص.

   ما إن وصلت إليها حتى التحقا بها، بعد أن اتفقا مع صاحبها على أن يوصلهما إلى جرجان. فأنبخ جملٌ، واعلاه العالمان.

وبعد عدة ساعاتٍ من معاناة الهجير، وصلا إلى المدينة. فتعانقا وافترقا.

وقعت هذه الأحداث سنة 385/995م.

                                                                                      

اشتهر أبو الريحان البيروني، منذ ريعان شبابه، بتبحره في مختلف العلوم، واجادته عدة لغات. فلهجت بنبوغه ألسن الحكام والعلماء، وهامت به نساء كثيرات، أخصهن الأميرة ريحانة ابنة الحسين. وسنة385هـ/995م، اغتصب عم الأميرة، مأمون بن محمد، عرش خوارزم من أبي اعباس ابن عراق بعد معركة سالت فيها الجماء غزيرة. كان البيروني يومئذ في الثانية والعشرين من عمره. ففر من خوارزم – مسقط رأسه – حزينًا من القتال الدامي، واستقر في جرجان مع جماعةٍ من العلماء الهاربين أمثاله. وهناك اكترى منزلاً صغيرًا. فانقطع فيه للكتابة والقراءة حتى استوت له سبعة كتب. وكانت تساوره، أحيانًا، ذكرياته مع ريحانة. وكان أستاذه أبو سهل المسيحي وابن سينا يزورانه لِمامًا، فيطارحون الآراء. وتتصاعد شهرة البيروني حتى تبلغ قابوس، سلطان جرجان وطبرستان؛ وكان أديبًا محبًا للعلم والأدبز فقدم البيروني إليه كتابه “الآثار الباقية عن القرون الخالية، فأكبره السلطان، وأراده وزيرًا له. وإذ امتع أبو الريحان، تولت الأميرةُ العانس، جمانة، شقيقةُ السلطانن أمر استمالته؛ فتقلدها سنة 389 هـ 999 م. وقد حاولت الأميرة جمانة وصاله على كرهٍ منه، فكان يصدها جهد المستطاع، حتى دبرت مكيدةً ضده أرغمته على الإذعان لمشيئتها، فبات شبه أسيرٍ لديها. ولم يجرؤ على الإفضاء للسلطان بدخيلةِ أمره، لأن المؤامرة المحكمة ضده كانت ستدينه. ولم يخف ثقل جمانة عليه إلا بعد أن نجحا في تحبيبها إلى حاجب السلطان ثم اقترانها به. وبعد استبطاء ريحانة عودة رسولها إلى البيروني، أرسلت عيونًا تستطلع أمره؛ فأخضر إليها والجنونقد أصابه نتيجة القبض عليه وتعذيبه. فاستمالت ياسمين، جارة البيروني الصبية أيام كان بخوارزم، وأدخلتها في خدمتها، ثم توسلت بها لإيصال رسائلها إلى أبي الريحان بواسطة أبي سهل المسيحي المقيم في جرجان. لكن مرافق ياسمين حاول الاعتداء عليها وهما في الطريق. فأنقذها جنود قابوس واعتقلوه. وسنة 400 هـ/1009 م ثار جنود قابوس عليه وخلعوه، وزجوا بشقيقته جمانة في الزنزانة نفسها التي كانت قد زجت فيها بياسمين ومريم. وما لبث البيروني، الذي كان قد تلقى رسالةً تستدعيه غلى تقلد الوزارة في خوارزم لدى الشاه الجديد أبي العباس مأمون بن مأمون، أن غادر جرجان مع العالمين أبي نصر وابي سهل المسيحي والفنانين وهم متنكرون. وفي البلاط الجديد اطمأنت ريحانة إلى قربها منه، فكانت تطارحُه الهوى أحيانًا وهو بين مد وزر من أمرها. وقد أظهر البيروني للشاه كما لمجلس العلماء عمق معرفته بمختلف علوم عصره. واستمر في الوزارة سبع سنوات انتهت بثورة الاشراف على الشاه وقتله ثم باحتلال السلطان محمود، خال ريحانة، لخوارزم وإنقاذه لشقيقته وابنتها، وبدء غزواته للهند.

الفصل العاشر

انطلق جنوب السلطان محمود على صهوات الخيل يخترقون بلاد السند متجهين إلى أمصار الهند الفيحاء وقد التصقت قمصانهم بأجسادهم لكثرة ما نضحت من عرقٍ تحت الهجير. وكانت الجياد يتحلب لعابها ويطفو الزبد على أشداقها كأنما فتحت أمامها أبواب الجحيم فهبت عليها وعلى فرسانها سموم جهنمية! وكانت تمضي ساعات تتلوها ساعات وليس في أمداء الأرض سوى الشوك والعوسج والصبار تتسلل بينها اليرابيع والجرذان والرتيلات والضباب… وكثيرًا ما كانت لوالب الزوابع تدور حولهم محملةً اردانها بحمراء الرمال، فتهددهم باقتلاعهم ونثرهم فوق الأتربة والصخور البعيدة.

أما السلطان محمود فكان يتقدم فرسانه تحيط به كوكبه من القادة الأشاوس. على رأسه كوفيةٌ سندسية وعقال ينتهي بذوائب من خيوطٍ ذهبية، وعيناه الثاقبتان تخترقان المطارح النائية كأنما الأرض كلها ملك له وجوار. كان يترجح بين الانتصاب والانحناء على صهوة جواده المطهم الذي كانت تتطاير وثباته كأنما ليس لجاذبية الأرض سلطان عليه، وقد انبسطت حوله عباءته السوداء فبدا كسر أسطوري غدافي الجناحين انشقت عنه رحم الفضاء!

كان رهط العلماء في مؤخرة الجيش ووراءهم موكب الحريم فالمؤن محملةً على الجمال والأفيال. ولشد ما رغبت ريحانه في أني يتباطأ أبو الريحان في سيره أو في يكبو جواده ليتسنى لها نظرةٌ إليه تحملها كل ما حبلت به نفسها من عواطف شهاء حمراء. لكن السلطان كان قد أحاط العلماء كما الحريم بفريقٍ من الخفر، فلا يعدو أي منهم النطاق الجبري المضروب عليه؛ فزاد هذا من تحرق الأميرة حتى اخذت تتودد إلى الفرسان المحيطين بها نكايةً بعمها السلطان وبأبي الريحان.

أما البيروني فكان له من غزوات السلطان الجديدة شغل شاغل. فما إن تأكد له أنه أصبح أسير السلطان حتى كيف نفسه واعترم الإفادة العلمية من كل صقعٍ يحل فيه. فكان يتأمل جغرافية الأرض ثم يدون ملاحظاته وانطباعاته في أويقات الراحة العارضة. وما إن بدأ الجيش يسير بمحاذاة نهر السند المتدفق من جبال حملايا الشاهقة والمخترق سهل البناب حيث تمده الانهر الخمسة بروافدها حتى عاودته ذكرياته الأليمة عن فراره من خوارزم منذ حوالى إحدى وعشرين سنة. يؤمئذٍ دخلها جنود مأمون بن محمد، فقتلوا أميرها أبا العباس ابن عراق، وسفكوا دماء كثيرين باسم الدين والعدل حتى تخضبت مياه نهر خوارزم بها. النهر!… والمؤذن يدعو إلى السلام وسهم محمل بشتيمة يسقطه شلوًا من على شرفة المئذنة! النهر!… وشقيق ياسمين الطفل يلتقطه من جانب النهر مدمى مغميًا عليه! ووالدة ياسمين وقد بقر بطنها جندي مجرم إكرامًا لمأمون بن محمدّ النهر!… وهو هاربٌ بمحاذاته يتأمل أمواجه المتلاحقة كأمواج الشعوب والدول التي تحول وتزول لتصب في بحر الأبدية!… ما الفرق بين نهر خوارزم ونهر السند؟ وبين مأمون بن محمد والسلطان محمود؟ وبين الأمس واليوم؟ الإنسان هو نفسه منذ أقدم العصور. كثيرُ السوء، قليل الخير. والبشر فئةٌ مهووسة بالسيطرة على الىخرين، على أجسادهم ونفوسهم وأملاكهم، ابتزازًا واحتيالاً، أو استلابًا واغتصابًا، وفئة جاهلة غبية مستسلمة تستنبح كقطعان الكلاب أو تقاد كقطعان الماشية. أما تعاليم الأنبياء فلا يستفيد منها إلا قلائل! فما الحكمة من مجيء الرسل والهداة الروحيين وتحملهم العذاب وآلام الاضطهاد ما دام الحصاد ضئيلاً هزيلاً؟ وما الفرقُ، يا ترى، بين إنسان اهتدى إلى الحق والخير بتعاليم نبي أو بتعاليم حكيم أو هادٍ روحي؟ وسرعان ما تذكر بوذا وراجا الحكيم الهندي الذي أطلعه على شيءٍ من التعاليم البوذية يوم زاره في خوارزم وبرفقته ابنته الطفلة جوني. كان أبو الريحان، يؤمئذٍ، في الحادية والعشرين من عمره، وجونى في حوالى العاشرة. يا للبراءة التي كانت تشع كهالةٍ حول وجهها الأسمر! ترى أين يكون أبوها؟ أما يزال حيًا؟ بوده لو يتعلم اللغة البرهمية المقدسة على يديه ليكشف كنوز الهندوس الروحية كما يتعمق في تعاليم بوذا.

وفجأةً يصحو أبو الريحان من استغراقه في تأملاته على صيحات الفرسان وقد دخلوا أماكن العمران وبدأوا يلتحمون بفرسان أمرا الهند. وأخذت صلصلةُ السيوف تتعالى، وقعقعةُ الرماح تتوالى، وصرخاتُ القتلى تتواتر، وألسنُ الحرائق تتكاثر… وعم الرعب والخرابُ مدنَ الهند وقُراها، فلاذ المنبوذون بأكواخهم  ومنازلهم الحقيرة، ولجأ البراهمة إلى معابدهم وكهنةُ البوذيين إلىهياكلهم يضرعُ كل منهم إلى من يرى قدرة الحماية فيه… وما لبث السلطان الفاتح أن أعطى أوامره باقتحام أماكن العبادة وتحطيم أنصاب الآلهة التي فيها، واستلاب كنوزها وحجارتها الكريمة، وإحراق كتبها الدينية. فاستنفظع البيروني الأمر أيما استفظاع، وهرع إلى السلطان يتوسل إليه أن يعف عن الكتب والتماثيل الدينية ويوقف المجازر الحضارية، وكاد يودي بحياته من أجل ذلك. لكن عبثًا كانت محاولاته؛ بل كادت تلحقه بعبد الصمد. لكنه لم ييأس، بل أصر على موقفه، حتى أفلاح أخيرًا في إقناع السلطان بجمع الكتب والاستيلاء عليها بدل إحراقها، وباعتبار التماثيل دمى جميلة ثمينة واتخاذها مغانم بدل تحطيمها.

وبعد تخريب السلطان للمعابد الهندية، حزن البيروني حزنًا عظيمًا، وانطوى على نفسه يفكر بطغيان السلاطين وشرهم وجهلهم وهوسهم بجمع المغانم وإظهار البطش والسلطة حتى لو كان ذلك بتدمير حضارات عريقة. لكن أمرًا كان يسترعي انتباهه هو تفرد الإسكندر الكبير دون غيره من الفاتحين القدامى باعف عن المعابد وعن تخريب العمران، بل كان يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الشعوب وتوحيد حضاراتها. فهل ذلك يعني أن تلميذ أرسطو الذي لم يعرف تعاليم نبي كان مهتديًا إلى طريق العدالة والحق والخير أكثر من معظم القادة الذين يدعون ويتبجحون باهتدائهم إلى الإيمان الحق؟ وهل ذلك يعني أن بين الناس من يحمل في فطرته سموًّا لا يعرفه أكثر الناس، وأن هذا السمو لا علاقة له بالدين بصفته شرائع وطقوسًا وفرائض، لأنه يقوم على القيم الروحية والمثل الإنسانية العليا التي يجب أن تكون هي جوهر كل دين؟ ولشد ما تمنى البيروني أن يحل الزمان الذي يسود فيه السلام بين الشعوب ويعم التسامح أهل المعتقدات جميعها.

بعد أن يستولى السلطان محمود على رقاع شاسعة من أرض الهند، ويستتب الأمر له فيها، يتخذ وزيرًا جديدًا هو أحمد بن حسن الميمندي، ويجعل قلعة تاندانا مقرًا لفريق العلماء، وفيهم البيروني وأبو نصر منصور ابن عراق، ويفرض عليهم اقامة جبرية فيها، لا يعدونها إلا لمناطق محددة.

وبعد مضي عدة أشهر من دخول الهند، أخذ البيروني يوسع جولاته حول القلعة متجرئًا شيئًا فشيئًا، مستطلعًا أحوال الهنود وعاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم. وذات يوم قادته خطاه إلى أحد المعابد البوذية، فراعته فخامته، واعتصر قلبه ما حل به من تخريب على ايد جهلة المسلمين. وسرعان ما استرعى نظرة شيخٌ جليل يقرأ في إحدى زوايا المعبد. فدنا إليه فاحصًا، وإذا به يشهق من المفاجأة.

– أراجا الحكيم أرى؟

– مَن؟ ألعلك أبو الريحان البيروني!

وتعانق الرجلان. ومن بالغ التأثر افلتت من كل عين دمعتان!

قال البيروني:

– أنا جد آسفٍ ومستاء لما حل بأرضكم من خراب على يد السلطان محمود. لكنني انا أيضًا بت أسيرة. فرض الإقامة الجبرية عليَّ وعلى لفيفٍ من العلماء، بعد أن كاد يودي بنا إلى الهلاك. ولكن دعنا الآن من هذا. هي حال الدنيا. قلب خلب. والبشر  هم هم لا يتغيرون، في ضلالهم سادرون. كيف حال جونى؟ هي الآن غادةٌ شابة! أهي في الثلاثين من عمرها الآن؟

– أجل، وهي بخير، لكنها ما زالت عازبة.

– أتقيم معك؟

– نعم.

– أشكر الله على أني لقيتك، يا راجا الحكيم. ولعلها يد خفية قادتني إليك. فهل لي أن أطلب منك خدمة؟

– قل ما هي؟

– أن تعلمني البرهمية مع اهم لغات الهند ومعتقداتها.

– بشرط أن تعلمنا أنا وجونى العربية واليونانية.

– إتفقنا.

– وأين يكون اجتماعنا؟

– مرة تأتيان إلى مقري في قلعة تاندانا، ومرة أذهب إلى منزلك… ولكن أين تقيم؟

– هوذا منزلي قرب المعبد.

– وودع البيروني راجا الحكيم وقلبه يطفح سرورًا على أن يكون الملتقى عند غروب كل يوم.

وكرت الأسابيع. وصباح ذات يوم أقبل أبو نصر منصور ابن عراق إلى البيروني، فحياه وقال له:

– عند اكتمال الظهيرة يكون قد مضى علينا عام كامل منذ دخولنا بلاد الهند مع السلطان محمود. إي والله 365 يومًا وحريتنا مقيدة، وتصرفاتنا مراقبة.

فيقول البيروني وهو ما برح جالسًا وقلمه ما زال يصر على الطرس:

– تقول 365 يومًا؟ بل 365 يومًا و5 ساعات و49 دقيقة و20 ثانية و64% من الثانية.

– أوه إنك لأعجب رجل، يا أبا الريحان! أنا أفكر بالقدر الذي فرضه علينا السلطان منذ دخولنا الهند، وأنت لم يبارح القلم يدك منذ سنة!

– والأعجب أني فرغت الآن من حساب طول السنة الحقيقي. أما القدر، يا أبا نصر، فكل منا يصنع قدره السلطان محمود فرض علينا أن نقيم في الهند، وقيد حريتنا؛ هذا صحيح. لكن بدل أن أجعل من إقامتي موضوع حزنٍ ويأس، يمكنني أن أملأ أيامي، بل ساعاتي ودقائقي، بما يفيد. وها أنذا أنهيت عدة كتب في الفلك، وبدأت أدرس طبيعة الهند وحياة قومها.

– ولكن لا بد لك من معرفة لغاتهم الهندوسية.

– أجل. ولذا بدأت أدرس البرهمية واللغات المحلية على يد حكيم من حكمائهم كنت قد تعرفت إليه في خوارزم منذ حوالى اثنتين وعشرين سنة. اسمه راجا. فإذا أردت، يا أبا نصر، أن تتعلم مثلما تعلم غيرك من الناس، فتعلم لاغتهم واحترم تقاليدهم وعاداتهم وأفكارهم ومعتقداتهم.

– والله، إنك لأعجب عقل عرفته في حياتي. فأنت تعرف الفارسية، وكتبت فيها مؤلفين؛ وتعرف الصغدية، لغة خوارزم؛ وتجيد العربية؛ وتحيط باليونانية والعبرية والسريانية والتركية… وها أنت الآن تتعلم لغات الهند!

– ولقاء تعلمي إياها ألقن الحكيم البرهماني وابنته العربية واليونانية.

– تلقن ابنته! ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، يا أبا الريحان. وريحانة… هل سلوتها؟

– لا، والذي نفسي بيده، بل هي التي بدأت تسلوني. بلغني أن الوزير الجديد أحمد بن حسن الميمندي يتودد إليها، وهي لا تضنُّ عليه بابتساماتها العريضة ونظراتها الإوائية.

– الذنبُ ذنبك، يا أبا الريحان؛ سنين كثيرة ظلت متهالكة في اجتذاب قلبك، وقلبك منجذب إلى الكتب والأوراق.

– لا، يا أبا نصر، بل بدأ قلبي ينجذب إليها.

– إلى ريحانة بعد طول السنينّ الحمد الله.

– بل إلى جوني الهندية.

– جوني؟ ومن تكون؟

– ابنة الحكيم راجا.

– ريحانة قلبها معك…

– وأنا قلبي مع جوني.

– وجوني قلبها مع مَن، يا ترى؟

– حتى الآن مع بوذا.

– بوذا! لعله ذلك الرجل الذين يزعمون أنه أسس دينهم الباطل!

– أجل، هو مؤسس دينهم البوذي. ولكن ليس من الإنصاف أن نقول عنه إنه دين باطل، يا أبا نصر.

– فالعدل يقضي بأن نحترم عقائد الناس وأفكارهم.

– إذن تظن أنه رسول من الرسل؟

– في القرآن الكريم: (ولكل قومٍ هادٍ).

– وكيف يكون قلب فتاتك مع رجلٍ توفاه الله منذ قرون؟

– إنها متبتلة له.

– وأنتَ متبتل للعلم. والله، إني لا أفهمك، يا أبا الريحان. كيف تحب فتاة تحب غيرك ولا تحب التي تحبك!

– الحق أن التي تدعي حبي إنما تحب صورة نفسها المنعكسة علي، ومن تحب غيري إنما تحب اللانهائي. واللانهائي تبتلت هي له عن طريق العبادة، وأنا تبتلت له عن طريق العلوم.

ويأتي عيد النيروز، فتتمكن ريحانة من مغادرة بيت الحريم التابع للسلطان، وتخرج متنكرة تبحث عن البيروني، فيقال لها إنه في قلعة تاندانا مع أبي نصر منصور ابن عراق.

فتهتدي إليه بجوار القلعة. وإذا هو يخاطب أبا نصر قائلاً:

– يا أبا نصر، علينا أن نقيس الزاوية من هذه القمة المجاورة إلى أفق الأرض. أمسك جيدصا… حسنًا… والآن عليَّ أن أقيس الزاوية التي يشكلها انخفاض ملتقى السماء والأرض عن المستوى الأفقي المار بقمة الجبل… لا يبقى إلا أن أضبط الحساب النهائي…

– ويجري البيروني حسابه ثم يقول بنبرة الواثق من نفسه:

– 6338 كيلومترصا و800 متر.

– ماذا

– 6338 كيلومترًا و800 متر طول نصف قطر الأرض، وإذا بملثمٍ يقترب منه قائلاً:

– هوذا العقل الذي لا يستريح حتى في عيد النيروز!

– مَن؟ صوت أعرفه… ريحانة متنكرة!

– ما أتى بكِ إلى هنا وأنتِ تقيمين في كنف السلطان مع حاشيته على بعد أميال؟

– قلبي أتى بي إليك، يا أبا الريحان.

 وسرعان ما ينسحب ابو نصر مخليًا الساحة لهما، فيودعه البيروني على أن يلتقيا فيما بعد. وترفع ريحانة اللثام عن وجهها مقتربة من أبي الريحان، فيقول لها:

– ما أعظم سروري الآن!

– بقدومي؟

– باهتدائي إلى طول قطر الأرض.

– تهتدي إلى معرفة طول قطر الأرض، ولا تهتدي إلى معرفة طول حبي!

– بل أعرب حبك، يا ريحانة، فقلبك كقلب الفراشة ينتقل من وردةٍ إلى أخرى. ووردتك الآن اسمها الوزير الميمندي.

            وتجهش بالبكاء. فيمسح أبو الريحان دموعها بردن عباءته، ثم يقول لها:

– كفكفي دمعك… كفكفيز طفلة كبيرة أنتِ… طفلة كبيرة عنيدة، لكن محنكة وداهية.

– دعني ألقي رأسي على كتفك، يا ظالم.

– هدئي نفسكِ… هدئي نفسكِ.

– ليتني أنام عمري كله ورأسي إلى كتفك وأنا أحلم…

– وبم تحلمين؟

– بأن نكونكالشمس والقمر ندور حول الأرض ولكن… متعانقين.

– ما أحلاها أمنية!… ولكن ليس مؤكدًا، يا عزيزتي، أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، فالحقائق الفلكية يمكن شرحها كذلك في ضوء أن الأرض هي التي تدور حول الشمس.

– أصحيح ما تقول؟

– قد يكون.

– ولكن إذا كانت الأرضُ هي التي تدور والسماء ثابتة لسقطت الحجارة والأشجار، بل لسقطنا نحن من الأرض!

وتضحكُ ريحانة، ويجاريها هو في الضحك، ثم يقول:

– لا إنها لا تسقط، ولا نسقط نحن. قرأتُ لحكيمٍ هندي اسمه براهما جوبتا كتابًا يقول فيه: إن هذا السقوط لا يحدث، لأنه يعتقد، في ما يظهر، أن جميع الأشياء الثقيلة تنجذبُ نحو مركز الأرض.

– آه! ليتني الأرض، وأنت جبلٌ راسخ فلا تتزحزح عن صدري.

الفصل الحادي عشر

ويمضي عامان آخران وريحانة لا ترى البيروني إلا مرتين في العام: يوم النيروز ويوم المهرجان. والميمندي، وزير السلطان محمود، يفيض تودده وعواطفه إليهأ، وهي تكاد تنهار من تنازع ميولها. أما البيروني فكان يشترك في غزوات السلطان وعزاؤه أن يتعرف إلى أقاليم الهند، ويدرس عادات أهل البلاد وكل ما يتصل بحياتهم وعلومهم ومعتقداتهم الدينية… حتى كان يوم من عام 411 هـ/ 1020م. في ذلك الحين كان أبو الريحان مقيمًا في منزل صديقه الهندي راجا الحكيم، بعد أن استحصل على إذن من السلطان بحجة تلقنه أهم اللغات الهندية من أجل مساعدة على إبلاغ مشيئته إلى أمراء الهند وأهاليها والتفاهم معهم.

كان في غرفة البيروني المتواضعة راجا الحكيم وابنته، فهنأهما أبو افلريحان على نجاحهما في إجادة العربية واليونانية بعد ثلاث سنوات من الجهد الشاق. فقالت جوني:

– ذلك بفضلك، يا أبا الريحان. وماذا نقول عن فلسفة سقراط وافلاطون وأرسطو وعلوم اليونان والمسلمين؟ فلولاك لبقيت كنوزها مغلقة دوننا.

فيجيب البيروني:

– تذكران فضلي، ولا تذكران أفضالكما! فلولاكما لبقيت لغات الهند وكتبها الدينية ألغازًا وأية ألغازّ فإني لم أقع في حياتي على كتابٍ أوجز وأكثف من كتاب “باتنجل”. وكيف لي أن أفهم وأترجم كتابًا يخلو من الأفعال والحروف وكله أسماء بدون عونكما؟

            فيوافقه راجا على أن كتاب “باتنجل” من أصعب المصنفات. لكن البيروني يستدرك قائلاً:

– لكنه من أجملها. حسبه أن موضوعه يدور حول تخليص النفس من رباط البدن. ولعمري، إن أنس لا أنس تشبيهه البديع للنفس بحبة الارز، إذ قال: “إن النفس فيما بين أربطة الجهل التي هي أسباب قيودها لتشبه الأرز ضمن قشره، فإنه ما دام معه كان معدًا للزرع والنبات والاستحصاد مترددًا بين التولد والإيلاد، فإذا أزيل القشرُ عنه، انقطعت تلك الحوادث عنه وصار له البقاء على حاله”.

            فأعجبت جوني باستيعاب أبي الريحان للكتابالديني وحفظه لأقواله، فقالت له:

– أنت عالم كبير، يا أبا الريحان. قال باسديو الحكيم: “أفضل الناس هو العالم الكامل، لأنه يحب الله ويحبه الله. وكم تكرر عليه الموت والولادة وهو في مدد عمره مواظبٌ على طلب الكمال حتى ناله”.

            فيغتبط البيروني بوجوده في بيت علم وفضيلة، وبالتفاهم بينهم كما بالاحترام والمودة المتبادلين، فيفيض في إبداء آرائه الدينية، ولا سيما في ما يخص التقمص، فيقول:

– تكرر الموت والولادة اعتقاد يوافق الفلاسفة اليونانيون فيه حكماء الهند. وقد شرحه أفلاطون على لسان سقراط. إلا أن التناسخ بات علمًا للديانات الهندوكية؛ فكما أن الشهادة بكلمة التوحيد شعارُ إيمان المسلمين، والتثليثُ علامة النصرانية، والإسباتُ علامة اليهودية، فاعتقاد التناسخ شعارُ البوذية والهندوكية. وقد قرأتُ في التناسخ قولاً جليلاً رائعًا فاه به باسديو إذ خاطب أرجن بحرضه على القتال وهما بين الصفين. قال: “إن كنت بالقضاء السابق مؤمنًا، فاعلم أنهم ولا نحن معًا بموتى، ولا ذاهبين ذهابًا لا رجوع معه. فإن النفوس غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثم الشيخوحة التي عقباها موت البدن ثم العود”.

فيقول راجا:

– ثم أليس رائعًا، يا أبا الريحان، قول باسديو لأرجن:  “كيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، ووجودها لم يحدث عن ولادة، ولا صائر إلى تلفٍ أو عدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تييسها، لكنها تنتقل عن بدنها إذا عتق نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق… فكل مولودٍ ميت، وكل ميتٍ عائد، وليس لك من كلا الأمرين شيء، إنما هما إلى الله الذين منه جميع الأمور وإليه تصبر”.

فيثني البيروتي على قول باسديو ويعلن أنه متى تم إطلاعه على عقائد الهند وعاداتهم وتقاليدهم سيضم كل ذلك في كتاب. فابتهجت جوني قائلة:

– إن على يقين، يا أبا الريحان، أنه سيكون لا كتاب هذا الجيل فحسب، بل كتاب كل الأجيال، لأني عرفتُ فيكَ، طوال أعوام، العالم الرصين والبحاثة المتجرد، والكاتب المتنزه عن الغرض والهوى. فأنت، والله، ملء عقلي وسمعي.

فيبتسم أبو الريحان سائلاً ممازحًا:

– وقلبك يا جوني، من يملأه؟

– قلبي يملأه معلم طرق الكمال، بوذا المستتير الإلهي.

أوشك الهزيع الثاني من الليل أن يولي والثلاثة يتطارحون الآراء ويتبادلون الأحاديث الممتعة، وإذا بالباب يطرق. ينهض راجا ويفتحه، وإذا هم أمام جندي ملثم. لكن عين أبي الريحان الثاقبة سرعان ما أدركت من هو وراء الزي التنكري. فقال في عجب:

– ريحانة!… ما أتى بك تحت جنح الليل؟ فلا يخرج في هذه الساعة إلا المجرمون أو العسس. ولماذا أنت متنكره؟

وسرعان ما يدرك رجا الحكيم وابنته حرج الموقف، فيستأذنان وينصرفان. وإذا بريحانة تقول له وقد أفلتت من عينيها دمعتان.

– ينتظرني في الخارج جندي من عسكر خالي السلطان محمود.

– أي خبر دفعك إليَّ في هذا الليل؟ وما لوجهك امتص الشحوب نضارته؟ لو كنتُ أؤمن بالاشباح وطوافها ولا أعرفكِ، لقلتُ شبح اخرجه رهبوتُ الليل من بين الأمواتّ

– وما الفرق بيني وبينهم؟ فأنا من الأموات وليس سوى حبك يحييني. حبك يسهد أجفاني فأسامر خيالك، وأكتوي بنار الانتظار وأنت تلهو مع فتاةٍ هندية لا حسب لها ولا نسب!

– ريحانة، أأنت العاقلة المؤدبة تتفوهين بمثل هذا القول!

– أنا عاقلة مؤدبة، لكني امرأة… امرأة… أتفهمني؟

الشوق برح بي، والانتظار هدني… وهوذا الوزير الميمندي يطلبني من خالي السلطان، وأنا أستمهله…

وتجهش ريحانة ثم تسترسل في البكاء مرتمية على أحد المقاعد. فيقترب البيروني منها ويضع يده على رأسها ملاطفًا قائلاً:

– خففي عنك… خففي عنك… غزوات خالك لا تترك لي مجالاً للاستقرار والتفكير في الزواج. فمن أصل سبع عشرة غزوة قام بها أشركني في ثلاث عشرة.

– ليست الغزوات هي التي تمنعك من التفكير في الزواج بي، بل هي.

– من هي؟

– الفتاة الهندية التي كانت هنا، جوني. أتظن أني لا أتجسس أخبارك؟

– ااتيت إليَّ في هذا الليل الدجوجي لتقولي لي هذا!

– بل أتيت لأخبرك خبرًا سيئًا. السلطان قتل الشاعر الفردوسي.

– إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمات الله عليك، يا فردوسي، لأنت شاعر الفرس الأكبر. والله، إن أبيات شعره لأعظم من السلاطين جميعصا. كلهم سيصبحون هملاً، وهو سيبقى كشمس مشرقة. ولماذا قتله؟

– حرضه الوزير الميمندي عليه.

– ألم يُهدِ الفردوسي الشاهنامة العظيمة إلى السلطان محمود؟

– بلى، والسلطان كافأه عليها بعشرين ألف درهم. لكن الفردوسي اعتبر المكافأة وضيعة ومهينة، فهجاه. فاستدعاه الوزير، وطلب إليه أن يعتذر ويمدحه، فلما أبى أوغرصدر السلطان عليه، فقتله.

– السلطان لا يثق بالأدباء والعلماء ولا يحبهم، بل يكرهههم.

– خالي يعتبر العلم والأدب من الأسلحة التي يستخدمها أهل البدع من القرامطة والمعتزلة والرافضة والإسماعيلية وغيرهم…

– وقى الله العلماء والأدباء شر السلاطين الجهلة والحكام الظالمين.

وإذا بريحانةتعود إلى النشيج والبكاء. فيتعجب البيروني من سخاء جموعها، فتقول له:

– لا أبكي على نفسي، بل عليك.

– عليَّ!

– سمعت السلطان والوزير يهددان بانهما سيلحقانك بالفردوسي إن صدر عنك أي هجاء لهما. فلا أدري من أخبرهما بأنك تحمل على السلطان في كتاباتك، وتتهمه شتى الاتهامات. فقصدت خالي وأقنعته بأنها مجرد افتراءات عليك، وأنك منهمك في العلم، منقطع له. لكنه كان بين منكرٍ لقولي ومصدق. وأظن أن المحرض هو الميمندي نفسه، لأنه يعرف عاطفتي نحوك.

– بل ما نقلوه من حملتي عليه صحيح. وقد أنزلته في كناني عن الهند. فالسلطان محمود خرب الهند، وشتت سكانها، وهجر علماءها، وضيع علومها، وسبب نفور أهلها من المسلمين.

– بالله عليك، لا تقل هذا وإن يكن صحيحًا. فإذا لا تأخذك شفقة على نفسك، فليكن رأفةً بي.

واسترسلت ريحانة في البكاء، وأخذت تتوسل إلى البيروني ليفر معها إلى مكان بعيد لا تطاله يد خالها ولا يدُ وزيره. لكنه أظهر لها من الصلابة والجرأة في موقفه واللامبالاة بحياته ما جعلها تخاف حقًا على سلامته. ولما أصبح الليل في هزيعه الأخير، ودعته على مضض وانصرفت.

 

الفصل الثاني عشر

 

وذات يوم قدم إلى السلطان رسول من أطراف بلاد الترك وكان البيروني حاضرًا. فروى أنه وصل في تجواله البحري إلى مكان في أقصى الأرض تبقى الشمس فيه ظاهرة بحيث يبطل الليل. فقال السلطان:

– هذا هراء، بل إلحادٌ وكُفر. ما قولك، يا أبا الريحان؟

فقال البيروني:

  • يا مولاي، هذا الرجل لا يذكر ذلك عن رأي يرتئيه، بل عن مشاهدة يحكيه. وقد جاء في القرآن الكريم: (وجدها تطلع على قومٍ لم نجعل لهم من دونها سترًا).
  • فردد الحضور: صدق الله العظيم. ثم تابع البيروني موضحًا:
  • ولا شك بأنه تعالى يعني طلوعها على أولئك القوم الذين يحدث عنهم هذا الرجل، وهم مقيمون في جوار القطب الشمالي. فثمة أماكن لا تغيب فيها الشمس وراء الأفق في الانقلاب الصيفي.
  • وينفضُّ# المجلس، بعد أن يعلن السلطان أنه يشعر ببعض التعب وهو راغب في الراحة. أما البيروني فقبل انصرافه جاءه خادمٌ يحمل إليه رسالة. ففتحها، وإذا نصها:

“كنتم تتحدثون عن الشمس التي تشرق وتغيب، وأنا وراء القضبان المشبكة كنت لا أرى إلا شمسًا واحدة لا تغيب: إنها أنتَ. ليتني لم أتزوج الميمندي. معه أشعر أني سجينة، والقصر سجن كبير. أبا الريحان، صورتك تملأ كياني، وصوتك المعلم لا يبارح أذني. كلماتك تهزني، ومواقفك النبيلة أين منها مواقف من شاءه القدر لي زوجًا. من حقك أن تسخط علي، ولكني أعرف أن قلبك الطيب لا يحزن الحقد. لا تضن علي بنظراتٍ منك ولو غاضبة. أنا مستعدة للتخلي عن زوجي وعن القصر للذهاب معك والعيش في تلك البلاد التي لا تغيب الشمسُ عنها.

                                                                                                                              ريحانة

وأخذت ريحانة تكثر من رسائلها إلى البيروني حتى شك الميمندي بأمرها، فأخذ يتجسس حركاتها حتى اكتشف حقيقة الأمر، فأضمر لها الشر؛ ولم يكن يمنعه عن تنفيذ رغبته سوىا خوفه من السلطان لكونه خالها.

      لكن مدة الانتظار لم تطل. فسنة 422هـ 1030 م حدثت المفاجأة. فبينما كان البيروني ما يزال يعمل في غرفته بمنزل راجا اغلحكيم، وجوني ووالدها نائمان، طرق الباب طرقصا عنيفًا، فهب الرجل العجوز يسأل وابنته إلى جانبه:

  • من الطارق في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ فتجيبه ريحانة:
  • بالله عليك افتح، فأنا تلميذةُ أبي الريحان البيروني.
  • ويفتح الباب، فتدخل الأميرة وهي ملثمة ومتنكرة بزي فارس. فتجلس على مقعد وهي تقول:
  • يكاد الإعباء يقضي علي. أين أبو الريحان؟ أريد أن أراه.
  • فتقول جوني ولم تعرفها:
  • أفي مثل هذه الساعة وقد مضى الهزيع الثاني من الليل!
  • فترفعُ ريحانة اللثام عن وجهها بغضب قائلة:
  • أمن الضروري أن أرفع اللثام لتعرفي أني الأميرة ريحانة ابنة الحسين؟:

فتشير جوني إلى باب غرفة داخلية والاستياء بادٍ على وجهها فتتقدم ريحانة إليه وتطرقُه ثم تدخل بدون استئذان. فيُفاجأ البيروني ويقول:

  • حَرَمُ الوزير في دارنا والديكُ يكاد يصيح! فما الخطب؟
  • اسميتني اسمًا أتمنى زواله.
  • وتسترعي نظرها خريطة للسماء مبسوطة على منضدة، فتقول له:
  • أنت منهمك في إحصاء النجوم ورسم خريطة جديدة للسماء، والأرض قد انشفت وخربت تحت قدميك! السلطان مات، يا أبا الريحان، والميمندي وجد الفرلصة مؤاتية فحاول اغتيالي، فعرفت بالمكيدة من أحد غلمانه، قبل تعنفيذها، وفررت إليك.
  • فررت إلى من تج=بُ حمايته من غضب الوزير، وتركت ابن خالك الأمير مسعود!

فتجهش ريحانة بالبكاء قائلة:

  • الأمير مسعود بدأ حربًا ضد أخيه الأمير محمد للاستئثار بالسلطة.
  • والوزير؟
  • يعيثُ فسادُا في البلاد، وقد يكون الآن يبحث عني.
  • أتريدين أن ينال الأذى هذه الأسرة الكريمة التي أنزلتني بضيافتها؟
  • أبهذه السهولة تتخلى عني، يا أبا الريحان؟
  • أنا لا تهمني حياتي، ولكن لا أريد أن أسبب بتصرفي أذى لعائلة لها فضلٌ كبير عليَّ.
  • أنت لا تريدني أن أنزل هنا لأنك لا تريد تصرفاتك مراقبة؛ فقلبك أصبح مشغولاً بها هي اللعينة.

وتسمع جوني كلام الأميرة التي كانت تتحدث بحدة ونبرة عالية، فتطرق الباب وتدخل قائلة:

  • سامحكِ الله…
  • ثم تلتفتُ إلى البيروتي قائلة بأسى نطقت به أساريرها:
  • يا أبا الريحان، إذا كان والدي لا يمانع، فأنا لا مانع عندي من أن تنزل ضيفةً مكرمة في دارنا.

فيقول البيروني وقد تأثر من عاطفة جوني النبيلة:

  • بودي أن أبعد الخطر عنها، لكن لا أريد أن أنقل الخطر إليكما.

فتجهش ريحانة بالبكاء قائلة:

  • حبك لي انقلب إلى بغض.
  • لا أتجاهل أنكِ في حُرمة رجل آخر.
  • حُرمةِ رجلٍ يعترمُ قتلي لأنه اكتشف أني أحبك!
  • أنا أتنازلُ عن غرفتي للأميرة، يا أبي، وغرفتك، على ضيقها، نقسمها بحجابٍ قسمين: واحدٍ لي وآخر لك؛ فرجائي ألا ترد طلبي يا أبي.
  • فيقول راجا الحكيم:
  • ما دامت هذه رغبتك، فليكن ذلك. لكن شرط ألا تخرج الأميرة من المنزل طوال إقامتها فيه.

في هذه اللحظة الحاسمة أضاء في نفس البيروني نبلُ جوني، وتأكد له أن النبالة ليست في الحسب والنسب وكثرة المال، بل رب فقير مهان يكون له من السمو ما يفوق أعاظم الأرض. وكان بوده أن يفصح عما يجولُ في فكره أمام الأميرة، لكنه لم يشأ إهانتها وهي على تلك الحالة من القلق والخوف، فاكتفى بقوله لجوني:

  • بوركتِ، يا جوني، وكافأكِ الله على عملك النبيل.

وتمضي عدة أشهر والحرب قائمة حتى يدخل السلطان مسعود مدينة غزنة، عاصمة ملكه، في 3 حزيران سنة 1031م، بعد أن ينتصر على أعدائه. وتعود ريحانة إلى القصر محتمية بابن خالها الذي أصبح سيده. أما البيروني فيستدعيه السلطان الجديد إلى البلاط، فغيجلسه بجانبه، ويقول له:

  • يا أبا الريحان، ماذا تقولُ في رجلٍ يجمع الكتب ويُباهي غيره بامتلاكها ولا يقرأها؟
  • مثلُ هذا الرجل، يا موالاي، كمثل البخيل الذي يملأ خزائنه بالمال ويغلقها بالأقفال.
  • أما أنا، يا أبا الريحان، فلا أريد أن أكون ذلك الرجل. في مجالس والدي – رحمة الله – كنتُ أصغي إليك، فأعظمك في سري، وأعتبُ على دهري لأنه جعل الملك القادر كارهًا للعلم والعلماء، وجعل ابنه القاصر شغوفًا بالحكمة والحكماء.
  • لكنك الآن، يا مولاي، أصبحت منفردًا بامتلاك الخافقين، ومستحقًا عن جدارة اسم ملك الأرض، فأخلق بمكانتك السامية أن تطلب فنون المعرفة ووجوه الحقائق، وأن تنصر العلم والعلماء في مملكتك.
  • وهذا ما أعتزمه بإذن ربي. فباشر وضع الكتب المفيدة في جميع العلوم، وما تحتاج إليه من مال ورجال فأنا أقدمه إليك. وليكن عقلك هاديك، وكتابُ الله حاميك، فأنت أثمن دُرة أزينُ بها تاجي وأفاخر الأمم ولتكن سكناك على الدوام في قصري، وبجواري، حتى لا تفوتني فرصةُ الاستماع إلى آرائك وحكمتك كلما سنحت الفرصة. والآن، إلى اللقاءي في صباح الغد.
  • ويتجه البيروني إلى الجناح المعد له برفقة بعض الخدم، فيرى ريحانة تنتظره عند مدخله، فتقول له:
  • ها أنت تقبل أخيرًا إلى القصر، المكان اللائق بمكانتك، غلى حيث أشعر أني في مملكتي، أستمع إلى صوتعك وأتملى وجهك دون أن ينغص عيشي رجلٌ أو تبعدني عنك امرأة.
  • تتكلمين، يا ريحانة، كأنك كنت في غربةٍ عني مع أننا أمضينا معًا عدة أشهر في ضيافة راجا الحكيم وابنته، لا يفصل غرفتك عن غرفتي إلا جدارٌ واحدًا، ولكن دون اختراقه جبالٌ وبحار. جدارٌ كان عليه حارس أشبه بتنين الأساطير اسمه جوني.
  • عجبًا لكِ، يا ريحانة! أشهرًا استضافتكِ جوني في حماها، وتخلت لكِ عن غرفتها، وغمرتك بعطفها، وعرضت والدها ونفسها لخلطر المبيد… وها أنتِ تقدحين بها!
  • سلبتك مني، سلختك عن جسدي! ليتك كنت تسمعُ أعماقي وهي تصرخُ من الألم حينما كنتُ أرى عينيها تحدجان عينيك وترعيان وجهك كأنما ترعى نجوم السماء!
  • غيرتك قاتلة، يا ريحانة!… غيرتك قاتلة!…
  • ليتها تقتلني… أو تقتلها.

التتمة في العدد المقبل

عاشق الحق والمعرفة (2)

اشتهر أبو الريحان البيروني، منذ ريعان شبابه، بتبحره  في مختلف العلوم المعروفة في عصره، وبإجادته عدة لغات. فلهجت بنبوغه ألسن الحكام والعلماء والمفكرين، وهامت به نساء كثيرات، أخصهن الأميرة ريحانة. وسنة 385 هـ/995 م، اغتصب عم الأميرة. مأمون بن محمد عرش خوارزم من أبي العباس ابن عراق بعد معركة سالت فيها الدماء غزيرة. كان البيروني يومئذٍ في الثالثة والعشرين من عمره. ففر من خوارزم – مسقط رأسه – حزينًا مستاءً من القتال الدامي، واستقر في جرجان مع جماعةٍ من العلماء والمفكرين الهاربين أمثاله.

الفصل الثاني

مجلس العلماء

بحث أبو الريحان في جرجان عن بيت صغير يكتريه، فوفق إلى غرفةٍ واسعة لكن بخسةِ الثمن، في ضاحيةِ جرجان حيث يكثر الأولاد والدواب في الأزقة، ويعلو اللغط والضجيج. فاتكل على الله، وسأله أن يلهمه الصبر والقوة ليتغلب على محنته. وبالمال القليل الذي أذخره ابتاع سراجًا وبساطًا وقصعتعين، وفراشاًا ولحافًا ووسادة، ومقعدًا ومنضدة، وزنبيلاً وإبريقًا من الفخار. تعلك كانت كل أثاث بيته.

            وإذ غمر الليل الكائنات بعباءته السوداء انطرح أبو الريحان على فراشه منهوك القوى، وأخذته سنةُ النوم الرفيق. وما ارتاح إلا ساعاتٍ قليلة حتى طرق مسمعيه صياحُ الديوك، فنباحُ الكلاب، فنقيق الدجاج، فطقطقةُ حوافر الدواب، فثغاء الشياه، فخوارُ البقر – كل ذلك مختلطًا بأصوات البائعين وأقسامهم الكاذبة، وبكاء الأطفال ونشيجهم، ورغاء الإبل وجعجعتها، وحمحمة الخيل وتصهالها… فاستعاذ بالله، واستعظم الأمر، وبدا له كأنه يوم الحشر!…

            في تلك الغرفة الحقيرة المكتنفة بكل ما يشتت الذهن، انقطع أبو الريحان للقراءة الصعبة نهارًا، وللتأمل والتفكر والكتابة ليلاً. وكثيراً ما كان في أثناء سهره يقطع كتابته ناظرصا إلى السراج المنير، فتنبعثُ أشباح الأحداث الماضية من خلال لهيبه، فيسترسل في تحديقه إليه حتى ينفصل عن نوره شبه طيفٍ سرعان ما تولد منه أحاسيسه وأشواقه ومخيلته جسمًا هيوليًا تتمثل فيه ريحانة ابنة الحسين بقامتها الفارعة وحسنها الأخاذ ونظراتها الشهاء؛ فيمدُ يديه في الهواء لاجتذابها وضمها، فلا يعود إلا بالخيبة والمرارة والخواء.

            ومع كرور الليال بات لا يدري أيحبها أم يكرهها. أتكون شهوته الجائعة الأولى قد وجدت فيها الخبز والدسم، فاصبحت صورتها تقفز من أحاسيسه إلى خياله كلما اهتاجت رغباته؟ كان يشعر بالنفور منها إذا فكر بعمها وبالدماء التي سفكها. لكن ما ذنبها هي؟ قلبه كان يهتف لها ويهفو إلى ضمها، وعقله كان يحجم مثبطًا ومرتدًا عنها. هذا التناقض في موقفه منها كان يضنيه.

            وتوالت الأشهر وهو على هذه الحال، ثم داخلته انتفاضة نفسية، فصمم على تناسي شؤون القلب من أجل تنمية العقل. فوحدها العلوم، وحدها المعرفة جديرة بالعناء والقلق والسهر. فسعى في جرجان حتى تعرف إلى عالمها الكبير، أبي سهل عيسى المسيحي، الطبيب والفلكي وعالم الرياضيات، فتتلمذ عليه.

            وانطوت في ذمة الأبد أربعة أعوامل وأمراء أل مأمون يسيطرون على مدينتي كاث وجرجانية وسائر إقليم خوارزم، بينما كان أبو الريحان البيروني يلتهم العلوم التهامًا، ويكتب فيها حتى استوى له، وهو في السابعة والعشرين من عمره، سبعة كتب بينها مؤلف نفيس سارت شهرته، هو “الآثار الباقية عن القرون الخالية”. وذاع صيته في الآفاق حتى شرع علماء عصره يؤمونه كأنه كعبة المعرفة.

            وذات يومٍ زاره استاذه أبو سهل المسيحي، فوجد لديه آلة غريبة:

  • ما هذه الآلة، يا أبا الريحان؟
  • آلة ابتكرتها لضبط أوقات الصلاة، يا ابا سهل
  • هي، والله، مفيدة جليلة.
  • أطلعت أحد شيوخ الدين عليها، لعلهم ينتفعون بها في ضبط أوقام الصلاة، لكنه رفض استعمالها.
  • ولماذا؟
  • لأن أـسماء الأشهر الرومية منقوشة عليها، كما ترى
  • وما علاقة ذلك بالانتفاع منها؟
  • رفض الانتفاع منها لزعمه أن في استعمالها تشبيهًا بالكفار. والله إن كثيرين من رعاة الدين يفسدونه ويؤخرون تقدمه. لقد قلت له، بعد أن تحرج من استعمالها: “الروم يأكلون الطعام ويشربون، فعليكم إذًا الامتناع عن أكل الطعام والشرب حتى لا تشبهوههم”.
  • ما دخل التزمتُ الأعمى على دين إلا أفسده. فاللله سبحانه دعا على ألسن جميع أنبيائه ورسله إلى التسامح والغفران.
  • إن الله نور، يا أبا سهل، نور عقلي لا تراه العيون البشرية. والعلوم نور، فمن رفضها فكأنه رفضه سبحانه.
  • تعجبني في القرآن تلك الىية الرائعة القائلة:

(الله نةور السماوات والأرض. مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرةس مباركةٍ زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء) (سورة النور:35). إنها حقًا معجزة بلاغية روحية يستحيل إلا أن يخشع لها كل عقل صاف.

  • وتعجبني عقيدة التسامح والغفران عندكم. لعمري إنها فلسفة نبيلةٌ. لكنها توجب رقيًا في الإدراك والعاطفة، وهذا لا يتهيأ إلا عند قلةٍ من الصالحين والفلاسفةن ومعظم الناس ليسوا صالحين ولا فلاسفة. والحق أنه منذ أن اعتنق قسطنطين الفاتح المسيحية لم يكف النصارى عن استعمال السيف والسوط. فعقيدة التسامح والغفران وضعها سيدنا عيسى المسيح وأخذ بها تلاميذه، لكن المسيحيين بعد قسطنطين نسوها أو تناسوها.
  • والله إنك لعلى حق. فبين الأدعياء والأغبياء والغلاة من رعاة الدين يضل بسطاء المؤمنين.

ويسمع طرق على الباب؛ فيفتح البيروني، وإذا أبو علي ابن سينا يدخل عليهما.

  • السلام عليكما.
  • وعليك السلام، يا ابن سينا، أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً.
  • – عرجت عليك يا أبا الريحان، وأنا في طريق إلى بخارى، بعد أن تناهت إلي أخبار علمك الغزير وفضلك الكبير في مختلف ميادين المعرفة. وقد حملت إليك رسائل فأرجو ألا تبخل علي بالإجابة.
  • أبخل عليك ونفسك تتأجج شوقًا إلى المعرفة؟
  • إن البخل بالعالم من أقبح المظالم والمآثم، ولا يخلو سواد على بياض من فائدة جديدة تؤدي معرفتها إلى اجتلاب خير أو اجتناب ضير.
  • فيقول ابن سينا:
  • اثابك الله وشدد عزيمتك، يا ابا الريحان.
  • عزيمتي بل نفسي بكليتها مقصورة على الإفادة، إذ انقضت عني لذة الاستفادة، وإني أرى ذلك لي من أعظم السعادة.
  • فتؤثر كلماته في أبي سهل فيقول:
  • لعمري، إن كلماتك، يا أبا الريحان، لجديرةٌ بأن تدون للأجيال الآتية في أحد كتبك.

وينظر البيروني إلى ابن سينا متعجبًا قائلاً:

  • رسائلك السابقة إليَّ، يا ابن سينا، وأخبارُ تقدمك في العلوم جعلتني أحسبُك أكبرَ عمرًا مما أنتَ عليه. فإن لم تخني ذاكرتي، كانت رسائُلكَ تدورُ حولَ طبيعة الضوء والحرارة وانتقالهما، وحول بعض آراء أرسطو في الطبيعة وما بعد الطبيعة. اليسَ كذلك؟
  • أجل.
  • ما عمرك يا ابنَ سينا؟
  • عشرون سنة.
  • إذًا، أناأكبرك بسبع سنوات.
  • سُرِرتُ كثيراً بتعرفي إليك، يا أبا الريحان.
  • وسُروري كان أعظم بزيارتك إذ أتاحت لي أن أتعرف إلى أصغر عالمٍ في زماننا.
  • إنك أستاذي، يا أبا الريحان، وفخري عظيم بمراسلتك ومصادقتك.
  • أنتَ تفختر بي، وأنا أفتخر بأستاذي أبي سهل إذًا، أصبحنا متساويين.

ويضحك الثلاثة. وما إن يطمئن مجلسهم على بساطٍ مد في زاوية الغرفة حتى يقول البيروتي:

  • أتاني مرة شاعرٌ يكنى بأبي حسن، يمدحني ويعظمُ حسبي ونسبي، فأجبته بأبياتٍ من الشعر أحمرتْ لها وجنتاهُ خجلاً.

فيساله أبو سهل:

  • وما قلت له؟
  • فيجيبه البيروتي:
  • مما قلتُه:

وذاكرٍ في قوافي شعره حسبي                     ولستُ، والله حقًا، عارفًا نسبي

إذ لستُ أعرفُ جدي حقَّ معرفةٍ               وكيف أعرفُ جدي إذ جهلت أبي؟

إني أبو لهبٍ، شيخٌ بلا أدب،                   نعم، ووالدتي حمالةُ الحطب         

المدحُ والذمُ عندي،يا أبا حسنٍ،                سيَّان مثلُ استواء الجد واللعبِ

وإذا الثلاثةُ يستغرقون في الضحك. 

ثم يقول أبو سهل:

  • إنك لشديد التواضع، يا أبا الريحان.

فيجيبه:

  • العلم الكبيروالكبرياء لا يتصاحبان، يا أبا سهل. لكني أثارحكما بأنني لا أخلو من نزوات الغرور. فأحيانًا يدخلني أنني إقليدس، وأحيانًا أنني أفلاطون، فأروحأذرعُ هذه الغرفة ذهابًا وجيئةً متخيلاً أنني في رواق المشائين وأمامي التلاميذ الفلاسفة يصغون إلى تعليمي.

فيبادرُ أبو سهل إلى السؤال:

  • ومن منا كان أرسطوطاليس؟

فيجيبه البيروتي ضاحكًا:

  • لعله أبو علي ابن سينا.

فيغربُ الثلاثة في الضحك. وفجأة ينهض البيروني سائلاً:

  • ما رأيكما، الآن، في أن تساعداني بعملٍ ذي جدوى؟ فيجيبه الإثنان:
  • بكل رضا، يا أبا الريحان.

ويتقدم البيروتي إلى زاوية الغرفة المملوءة بأشياء غريبة، ويرفعُ غطاءً عن ثلاثة منها قائلاً:

  • أبو سهل يحمل هذه الآلة، وابو علي هذه العدسة الأسطوانية، وأنا أحمل القاعدة
  • فيسأله ابن سينا:
  • ألعلهُ الإسطرلاب؟
  • قد ورد في الكتاب المنزل عن سيدنا عيسى:
  • (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها، واتبعوني، هذا صراط مستقيم) (سورة الزخرف:61) وهذا يؤكد عودته متى حانت الساعة. وفي أحاديث البخاري حديث شريف يقول: “والذي نفس محمدٍ بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد”.

فيقول أبو سهل:

  • ما المقصود، يا ترى، من أنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية إلى آخر الحديث؟

فيجيب البيروني:

  • الأرجح أن سيدنا عيسى، متى عاد، سيعود مؤدبًا، لأن الصليب عند النصارى شارةُ الفداء والرحمة. أما الخنزير – ولحمه حرام في الإسلام – فقد يرمز إلى السلطة التي تحلل وتحرم من غير حق؛ والقتل، هنا، مجازي أي إبادة السلطة المعنية. أما وضع الجزية فيعني رفعها، كما لو قلت “وضع العمامة” أي رفعها. ورفع الجزية عن غير المسلمين يعني أن سيدنا عيسى، متى عاد، سيساوي بين المؤمنين داعيًا إلى الوحدة بين الأديان.

إذ ذاك يقول أبو سهل:

  • ما رأيكما في الأحلام؟

فيقول ابن سينا:

  • أكثر الأحلام أضغاث أحلام، أما الحلم ذو المعنى فلا يستطيع تأويله إلا نبي أو بار كيوسف الصديق.
  • فيردفُ أبو سهل قائلاً:
  • أو النبي دانيال الذي استطع وحده تأويل حلم الملك نبوكدنصر، بعد أن عجز السحرة والمنجمون عن تأويله.
  • فيقولُ البيروني:
  • سأقص عليكما حلمًا رأيته الليلة البارحة:

رأيتني أخوض في صحراء لا حدود لها، ولا طيف واحةٍ يلوحُ فيها. وكان الهجيرُ يكويني، والظمأ يكاد يقتلني. فسجدتُ على الرمال المحرقة التي كانت تسفعُ وجهي، ورفعتُ يدي أبتهلُ إلى الله وأستمطر شآبيب رحمته. وإذا بي أرى وردةً جورية تشقُ الرمال وتتفتحُ فوقها، وتأخذ ساقها تتنامى وتتعالى، وأوراقها الأرجوانية الحريرية تنبسط وتتسع حتى أصبحت وردةً عجيبةً عملاقةً كادت تملأ نصف الأفق أمامي. وكانت أشذاؤها تتفاوحُ فتملأ الصحراء.

وفجأة رأيتُ الماء يفيضُ من أفوافها البهية وينبثُ في الهواء رذاذًا في جميع الجهات، ويتساقط على وجهي؛ فأنتعش، وأفتح فمي أعبُّ منكوثره. وكان الرذاذُ ملونًا بألوانٍ عجيبة.

وإذا من قلب الوردةالعملاقة تطلع بطةٌ ناصعةُ البياض باسطة جناحيها. وما إن تعلو قليلاً فوقها حتى تتحول إلى لون العقيق الأحمر فإلى حسناء لم أرَ أجمل منها. وكانت عليها ثلاثُ غلالاتٍ متدرجة في طولها: بيضاء، فزهراءن فبنفسجية. فتبسمُ لي ابتسامةً تأسرني، ومن عينيها الساحرتين يخرج شعاعان وينفذان في صدري. فتتسارعُ خفقات قلبي، ويتوارى المشهدُ عن عيني، وأستيقظ والتأثر البالغُ قد استولى عليَّ.

كان أبو الريحان يروي حلمه والانفعال بادٍ على وجهه وناطقٌ في صوته. وما إن فرغ حتى قال أبو سهل وابن سينا إنه من أعجب الأحلام وأروعها، ولكن من يستطيع تأويله؟

الفصل الثالث

وتتصاعد شهرة أبي الريحان البيروتي، وتنداحُ دائرتها حتى تبلغ قصر السلطان شمس المعالي، قابوس بن وشكمكير، سلطان جرجان وطبرستان. وكان هذا من السلاطين القلائل الذين لا تجود دوره الحياة بهم إلا في أحقابٍ متباعدة من الزمن؛ فقد جمعَ إلى هيبة السلطة وبُعد النظر حبَّهُ العارمَ للأدب والعِلم، وتكريمه لأهلهما. ولم تصرفهُ شؤونُ السياسة عن الكتابة الأدبية ونظم الشعر بالعربية والفارسية؛ فوضع عدة مؤلفاتٍ، منها “كمالُ البلاغة”.

كان البيروني في ريعان شبابه. وعلى صغر سنه، أصبح قبلة أنظار العلماء والأمراء. فاستدعاهُ قابوس إلى قصره للاستفادة من علمه الشالم. فحضر أبو الريحان، وقدم إليه كتابه الجديد “الآثارُ الباقية عن القرون الخالية”.

كان المجلس حميمًا، حضره جماعة ممن تعني الحياة لهم أكثر من أكل وشرب ومتع حسية، بينهم أبو سهل المسيحين وبضعة من الأعيان ومن أهل بيت السلطان.

وكانت العيون كلها متجهة إلى السلطان وهو يتصفح كتاب البيروني النفيسن إلا العيون النجلاء الكحلاء؛ فوحدها كانت ترنو من وراء النقاب الشفاف إلى العالم الشاب الوسيم.

وإذا السلطان يقطع الصمت بمخاطبته البيروني:

– اعتزازي كبير بالعلماء أمثالك، يا أبا الريحان، وشكري عظيم على هديتك النفيسة. لكن ما استرعى انتباهي فيه هو تلك الدطاول التفصيلية للاشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية والتركية وغيرها.

فيجيبُ البيروني:

  • أجل، بحثت في الشهر واليوم والسنة عند

 مختلف الأمم، وما أصاب التقاويم من تعديلٍ وتغيير. وأوضحتث، في الكتاب، كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض. كذلك لا يخفى عليكم أني أثبت ججاول ملوك آشور وبابل والكلدان والأقباط واليونان قبل نشأة النصرانية وبعدها، وجداول ملوك الفرس قبل ظهر الإسلام، وموضوعاتٍ كثيرةً أخرى، منها ما يتعلق بالأعياد لدى الطوائف المختلفة.

      فيعودُ السلطان إلى تصفح الكتاب ثم يقول:

  • عمل رائع لم يسبقط إليه أحد. كم عمرك، يا أبا الريحان؟
  • أمد الله بعمر السلطان – سبعة وعشرون عامًا فتتشابكُ النظرات من هنا وهناك استحسانًا وتعجبصا، وتسري الهينماتُ والهمسات بين الحسان المتنقبات، وتعودعيونهن تحوم حول الشاب العالم كأنه المصباحُ المير وهن الفراشات!

وإذا السلطان يطلب إلى البيروني أن يجلس قريبًا منه، في الجانب المخصص لأهل بيته. فيتقدم أبو الريحان ويجلس في المكان المعين شاكرًا. فيقول له السلطان:

  • يا أبا الريحان، إني، والله، أعجبت بعلمك وفضلك على صغر سنك. ولذا أردت أن استخلصك لصحبتي، على أن تكون لك الإمرةُ المطاعة في جميع ما تشتمل عليه مملكتي.
  • فيقول البيروني:
  • شكرصا لمولانا السلطان. إنك تنعم عليَّ بما لا تطيقه نفسي، وما لا أرغبُ فيه، إذ اعتزمتُ وقفَ نفسي على العِلم، والانقطاع للمعرفة التي تفيدُ الناس.
  • أو ترفضُ نعمتي عليكَ بأن أجعلكَ وزيري؟
  • نعمةُ السلطان من نِعَمِ الرحمان. فهلاَّ يُعفيني السلطان مما لا استحقهُ ولا تتوقُ نفسي إليه.
  • فكر بالأمر، يا أبا الريحان، فإني مُصرٌ على أن يكون رجلُ علمٍ وفضلٍ نظيركَ وزيرًا لي ومدبرًا لشؤون مملكتي.
  • أعز الله السلطان، وأدامهُ شمسًا للمعالي؛ فمولاي يغبطُ على حُسنِ التدبير والسياسة.

وينقض المجلس، فيدعو أبو سهل المسيحي أبا الريحان ملحفًا ليكون ضيفه من أجل أن يطلعه على المخطوطات التي بحوزته. فلا يرى العالم الشابُّ مناصًا من التلبية، فيرافقه إلى منزله.

وبينما كان البيروني يتصفح مخطوطةً قديمة للإنجيل بالسرينية، جخلت عليهما صبية حييةٌ أحاطت وحهها المشرق البياضٍ بمنديلٍ وردي، فبدت وهي تمشي متئدة على الزرابي الزرقاء كالبدر يسير وئيدًا في دارة الفلك وقد أحاكت به غميمةٌ زهراء. كانت تمسكُ بيديها الغصتين طبقصا من الحلواء، ما لبثت أن وضعته على سهوةٍ أمام أبي الريحان، وحيتهُ بصوتٍ خفيضٍ مرحبة.

فبادر أبو سهل معرفًا:

  • ابنتي مريم.

فيقول أبو الريحان متعجبًا.

  • ها أنا أقرأ عن ولادة سيدنا عيسى المسيح من العذراء مريم.

فيقول أبو سهل:

  • ومريم ابنتي عذراء.

فيبتسم أبو الريحان لها، وقد فهمَ المغزى من كلام والدها، بينما تطرق الفتاةُ رأسها خفرًا، وتحمرُّ وجنتاها. فيختلس أبو الريحان نظرةً إليها، ثم يتبعها بنظراتٍ جانبية مماثلة. فإذا وجهها والمنديل الأزهر يحتاطه يبدو كوردةٍ تتفتحُ ملءناظريه. وسرعان ما يتذكر الحلم العجيب الذي رآهُ. أتكون مريم هي التأويل لحلمه؟

وتداعت الوجوه في ذهنه بتداعي خواطره، وتوالت المقارنات… ريحانة وجسمها المشبوب، ياسمين وعاطفتها الصادقة، مريم وبراءتها المدهشة!… لكن لماذا ما يزال وجه ريحانة يطلُ عليه ملحاحًا! لماذا ما تزال عيناها كنيرين ثابتين ثاقبين في خياله! ويستغرق في تأملاته… ولا ينبهه من استبحاره الخيالي إلا صوتُ أبي سهل يقول له:

  • ما بك يا أبا الريحان، ساجي الطرف جامدًا؟
  • لا شيء، لا شيء.
  • ألا تأكل من الحلوى؟ مريم أعدتها بيديها.
  • مريم!

يقولها وكانما يستفيق من حلم. ويتناول قطعةً من الحلوى. فيضعها في فمه بتؤدة كأنما يقبل فيها يد مريم! وبعد هُنيهاتٍ من السكوت البليغ يقول أبو الريحان وقد خلت الرجهةُ من مريم:

  • لا أظن يا أبا سهلن أن الأناجيل مثلما استقر حالها عندكم تكرم مريم وتعظمها أكثر مما يفعل القرآن الكريم. فإنجيل لوقا يقول إن الملاك الذي بشرها قال لها: “السلامُ عليك، يا من حظيت بالنعمة”، ولم يزد على ذلك فيت عظيمها، بينما ورد في سورة آل عمران” وإذ قالت الملائكةُ: يا مريم، إن الله اصطفاك وطهرك، واصطفاك على نساء العالمين) فإذا أنعمت النظر في النصين، لرأيت تعظيم القرآن لها أكبر، إذا رفعتها الآيةُ فوق نساء العالمين كافةً، وهذا التعظيم لم يرد في الأناجيل.
  • حق ما تقوله، يا أبا الريحان. لكن التقليد المسيحي يجعل العذراء مريم أما لله.
  • ألا ترى أن نقطة الخلاف هذه لم تأتِ في الأناجيل، بل ظهرت في التقليد المسيحي مع كرور السنين؟
  • لا أخالفك في ذلك.
  • ألا ترى أن مجامع الكهنة والأحبار هي التي وضعت ذلك، وأن الأمر دخيلٌ على تعاليم المسيح وحوارييه؟
  • ما ذهبتَ إليه صحيح. لكن الدخيل غلبَ على الأصيل.
  • هل أنت مطمئن إلى ذلك؟
  • لا. لكنه تقليد، والتقليد أعمى.
  • والتقليد سلاحٌ تشهره العامة الجاهلة في وجه الحقيقة.
  • آثرَ أبو سهل الصمت على الكلام، لأنه وجد حجةَ البيروني جامغة، وليس لديه ما يقاومها به. وازداد إعجابه بالشاب العالم واحترامه لرأيه. وبعد انصراف البيروني،

سألت مريم والدها عن الحوار الذي دار بينه وبين أبي الريحان؛ فحدثها به. فجعلت تستزيده إيضاحًا والعاطفة الأنثوية الصامتة تتنامى في قلبها.

في اليوم التالي عاد السلطانُ فاستدعى البيروتي، وألح عليه في اتخاذه وزيرًا يرعى شؤون المملكة؛ لكن العالم الشاب عاد فرجا من السلطان أن يرفع عنه هذه التبعة متذرعًا بأنه غير جديرٍ بها. أما السبب الحقيقي فهو أنه كان يتخوف من أن يبدد وقته الثمين في توافه الحكم وألاعيبه ونفاقه وفي عرض الجاه الكاذب، كما في اجتلاب نقمة المعارضين عليه، ذلك بدلاً من أن يملأ وقته بالبحث العلمي المفيد.

ويشيع رفض البيروني للوزارة في البلاط. ويتعجب الأعيان والطامعون وذوو السلطان من أمر العالم الشاب الذي يرفض منصبًا يستميتُ كثيرون في الحصول عليه، بل يضحون بكل نفيسٍ من أجل الحظوة بما هو دونه، لأن السلطة والجاه الدنيوي والثروة هي القيم العليا التي يطمحون إليها.

            وكانت ابنة السلطان، الأميرة جمانة، متأججة الرغبة في استيزار العالم الوسيم، أشهر علماء زمانه. فقد كانت تحب العلمَ وتتسقط أخبار أبي الريحان. وقد بلغها هيام الأميرة ريحانة به؛ بل إنها عرفت أن ريحانة بثت عيونها حوله لترصد تحركاته وتتجسس علاقاته. فأشعل الحسد نارًا في نفس جمانة، وزاد الكيدُ النسائي ضرامَها. فأقنعت والدها بالإصرار على استيزار أبي الريحان, وبأن يوكِلَ إليها أمرَ إقناع7ه. فعملَ برأيها.

            أوعزَت الأميرةُ جمانة إلى جماعةٍ منتخبة من جنود السلطان بأن يبحثوا في جميع أنحاء المملكة عن المخطوطات النفيسة بمختلف اللغات، وأن يحصلوا عليها من أصحابها لقاءَ تعويضٍ مالي زهيد وإلا فبالتهديد والوعيد. ثم اختارت ردهةً فيحاءَ بجوار غرفتها، فزينتها بالأرائك والطنافس والزرابيّ، وحشدت فيها مئات المخطوطات المستحصلة فوق الرفوف وفي الخزائن وعلى المنضدات، وألحقت بالردهة غرفتين خصاتين، وزينتهما بالأثاث الفاخر. ولما ارتاحت نفسُها لِما فعلته، طلبت إلى والدها أن يستدعي البيروني.

            حضر العالم الشاب؛ فاقتاده الحارس إلى غرفة السلطان الخاصة، لا إلى البهو حيثُ يستقبل الزائرين عادةً. فرآه وإلى جانبه جمانة وحدها، فتعجب من هذا الاستقبال الحميم.

            كانت جمانة عانسًا تكبرُ أبا الريحان ببعض سنوات. وكان نصيبها من الجمال ضئيلاً. عنيدةٌ مترجلة في حركاتها ومشيتها، تتكلم بنبرةٍ عالية، وتكثير الأوامر في حديثها… وهذا ما أبعد الخطاب عنها. فالرجلُ الحصيفُ يكره أن يكون في بيته رأسان، فبالأحرى أن يكره أن تكون زوجته هي رأسه!

            كانت جمانة رافلة بأجمل ثيابها وأنفسها. تزينت بعقودٍ وأقراطٍ من اللآلئ، وأحاطت معصميها وأصابعها بالأغساور والخواتم الذهبية المرصعة بالفُصوص الكريمة، وسفرَت عن وجهها النحيل المستطيل، فبدا الكحل في عينيها كثيفًا زاد نظراتها قساوة، وطفرت الحمرةُ المصطنعة من وجنتيها كأنها غيرُ مرتاحةٍ إليهما، وبرزَ الخضابُ على أظافرها الطويلة كأنه شرارٌ منذر تجمد! ومع كل هذه الزينة المجلوبة، خلت من الجاذبية الأنثوية اللطيفة؛ لأن جاذبية المرأة المستحبة تشع من نفسها وتحيطها بهالةٍ غير منظورة.

            قال السلطان للبيرونيّ، بعد أن رد تحيته واستقر على أريكةٍ مُزخرفة:

  • يا أبا الريحان، استقبلتك في غرفتي الخاصة التي لا يدخلها إلا ذوي لتشعر بأنك قريبٌ إلي، وإلى عشيرتي بل أسرتي. سأخصصك بمنزلٍ مريحٍ في قصري، وأُسكنك معي لتكون بجانبي ليل نهار، وسأنعم عليك بالمال الوافي الكافي. وقد أكبرتُ فيك العلم وحبكَ العظيم له، فاستحصلتُ لك على مخطوطاتٍ كثيرة نفيسة. فما لك إلا أن تعمل بضع ساعات في تدبير شؤون المملكة، وتصرف وقتك الباقي في ما ترغبه من العلوم. وأصارحُكَ بأن الفضل في جمع مئات المخطوطات لتكون بين يديك يعود إلى شقيقتي جمانة.
  • فهي مشغوفة بالعلوم شغفك بها. وهي سترافقك إلى جناحك الخاص في قصري، فآملُ أن لا ترفضَ نعمتي عليك.

ونهض السلطان حتى لا يدع للبيروني أي مجال للرد. وقادت جمانة العالم الوسيم الواجم إلى جناحه والابتسامةُ تسيلُ على شفتيها عريضة.

فهم البيروتي أنه بات أشبه بأسير للسلطان قابوس، وعليه ألا يعارض مشيئته، وإلا عرض حياته للخطر. فكانت نفسُه حزينة كمن حكمَ عليه بالإعدام! لكن ما إن دخل إلى ردهة المخطوطات حتى عاوده النشاط كمَن ردَّت إليه الحياة، وغمرتَه فرحةٌ عظيمة، وداخلته نشوةٌ عجيبة، لأنه لم يتوقع أن يرى ما رآه. فتهلل وجهه، وانفرجت أساريره، وقال لج-مانة وهو يُلفبُ المخطوطات بسرعة:

  • إنها بالعربية والفارسية والتركية والسريانية واليونانية… هذه جنتي في الدنيا. من جمعها وكيف؟ ومتى؟

فأجابته وقد رشقته بنظرةٍ نافذة:

  • أجل، يا أبا الريحان، هذه هي الجنة، ولا ينقصها إلا آدم وحواء.

فقال:

  • نجانا الله من الحية.

فضحكت  جمانة واسترسلت في ضحكها عاليًا.

عاشق الحق والمعرفة (3)

الفصل الرابع:

نور العقل ونارُ العاطفة

سنة 389هـ/999 م تقلد أبو الريحان البيروني منصب الوزارة لدى السلطان شمس المعالي قابوس بن وشمكير. كان عمره سبعة وعشرين عامًا.

            اضطلع قسرًا بالتبعة الكبيرة؛ فمن جهةٍ أدرك أنه شبه أسير، وأن معاندتهُ السلطان ستثير غضبه ونقمته، ومن جهةٍ أخرى كان يعلم أن تولي سياسة الرعية في تلك الظروف القلب التي تراجع فيها العقل والعدلُ مخليين الساحة لاصطراع المطامع أمرٌ محفوف بالمخاطر؛ فضلاً عن أن الحل والربط النهائيين ليسا بيده ليجري العدالة مثلما يقتضى، بل بيد السلطان وزُمرة أنسبائه. لحكن المعرفة المنطوية عليها مئات المخطوطات النادرة التي جمعت ووضعت في خدمته كانت جاذبيتها الشديدة كافية ليرضى بالمغامرة بل المجازفة حتى بحياته. فالمخطوطات المنتصبة متلازة على الرفوف الخشبية المزخرفة كان يتخيل أرواحَ أصحابها تطل من خلالها فتناجيه وتحادثه وتستدعيه للمشاركة في أفضل وليمةٍ في الحياة حيث الطعام لا يلى.

            ومرتِ الأشهر تباعًا. فكم من مظلومٍ كان يقصده، فيرفع الحيف عنه إذا كان الظالم لا يعني للسطان شيئًا؛ أما إذا مت إلى السلطان أو عشيرته بصلةٍ أو تملقهم بهدية نفيسة، فإن العدالة تعزور عن طريقها المستقيم غصبًا عنه. ومع مرور الزمن كثر المظلومون حتى بين الجنود صغارهم وكبارهم.

            كان أبو الريحان يتألم من العدالة الذبيح، ويشعر أن اللوم يقع عليه، فيصارحُ السلطان بأن نفسه لا تطبقُ ظلم إنسان، وأن ضميره يؤنبه لبقائه في منصبه، وأن الله سيجاريه إن هو لم يعدل أو يستقل؛ فيجيبه السلطان: “ضع تبعة هذا الأمر عليَّ في هذه الدنيا وفي يوم الدين، فهذه حالُ المسلمين”.

            شِعارُ “الحقُ للقوة” كان يسودُ العالم العربي كما الإسلامي كله. والهوس بالسلطة وبالمجد الدنيوي كان كالخمرة يرنح الرؤوس. أما نور العقل الهادئ فكاد يخبو لدى الجميع إلا في قلائل من العباقرة كانوا يشرقون في الظلماء كأنهم نيازك هابطة من السماء. من تلك النيازك كان البيروتي وابن سينما في ذلك العصر.

وكثير ًاما التقى العالمان في ديوان الوزارة، وانضم إليهما أستاد البيروني أبو سهل عيسى المسيحي وأبو نصر منصور بنُ علي بن عراق، فتحادثوا وتبادلوا الآراء في مختلف العلوم المعروفة.

            وفي مطلع العام 390 هـ / 1000 م، التأمَ الشملُ بناءً على رغبة أبي سهل للاحتفاء بالألفية المسيحية؛ فأخذتِ المحادثة تنتقل من العلوم إلى السياسة فإلى الدين استطرادًا.

قال أبو سهل:

  • إن المسيحين متخوفون جدًا من ختام هذه الألف، فهم يشعرون أن السيد المسيح سيعودُ إلى الأرض، وإذ ذاكَ يحل يوم القيامة؛ لكن قبل حدوث هذا الأمر لا بد من وقوع مصائب وويلات كثيرة.

فيقول البيروني:

  • الويلات والنكباتُ تحل بالناس مذ ظهروا على الأرض. ولم يخلُ عصرٌ من اضطراباتٍ بشريةٍ وكوارث طبيعية.

فيجيبُ أبو سهل:

  • هذا صحيح. لكن لم يحدث للناس ما يحدث اليومَ في مصر.

فسألهُ العلماء عما يحدث؛ فقال:

  • بلغنا بواسطة الكهنة والمسيحيين القادمين من مصر أن الحاكم بأمر الله الذي تولىا الحكم فيها منذ أربع سنواتٍ ادعى أصحابه أن الله تعالى قد احتله، وبذلك أصبح تجسدًا للذات الإلهية. وقد وضع سنةً للناس جديدة، فحرم إقامة الموائد وعزف الموسيقى ولعب الشطرنج والنزهة على ضفاف النيل. كما أمر النساء بالتزام بيوتهن. ولئلا يخرجن خفية، سن عقابًا صارمًا لكل من يصنع أحذية نسائية، واصطنع عيونًا من العجائز لرصد تحركات الإناث. كذلك أكره المسيحيين واليهود على ارتداء ملابس تميزهم عن المسلمين، وألزم رجال النصارى أن يتقلدوا في أعناقهم صلبانًا خشبية زنةُ كل منها خمسةُ أرطال، كما ألزمَ رجال اليهود أن يعلقوا بأعناقهم أجراسًا ثقيلة.

فاستفظع العلماء هذا الأمر واستنكروه، وأجمعوا على أن القرآن الكريم، بقوله”لا إكراه في الدين” يشيرُ ضمنًا إلى عدم جواز تحقير أبناء الأديان الأخرى أو تعذييهم؛ كما أكدوا أن الخلفاء الراشدين والخليفة الفاضل عمر بن عبد العزيز لم يلجأوا إلى إكراه أو تحقيرٍ أو تعذيبٍ لأهل الذمة.

وبعد صمت هنيهاتٍ من التأمل الحزين في ما وصلت إليه حال المسلمين، قال البيروني:

– يا أبا سهل، إن أصحاب الحاكم بأمر الله ما كان ليبلغ الأمر بهم حد ادعاء حلول الله تعالى فيه لولا زعمُ النصارى أن عيسى المسيح – عليه السلام – هو تجسيد لله عز وجل. فهذا مهد وسيمهد مثل هذه الطريق أمام كثيرين ليعيدوا الادعاء نفسه. ألم تقل لي ذات مرة إن الكهنة يعتقدون أن الله يحلُ فيهم حينما يقومون بالطقوس الدينية؟

            فيقول أبو سهل:

            – هذا استنتاج من بعض العبارات الغامضة في كتابكم المقدس. ومن يدري؟ فقد تكون محرفة بفعل أهواء الكتبة والناقلين للأناجيل من لغةٍ إلى إخرى ولسوء فهمهم للنصوص؟ ثم أترى من الصواب والمعقول أن فهمهم للنصوص؟ ثم أترى من الصواب والمعقول أن خالق الأكوان – ز وجل – يتجسدُ بشرًا ليشتمه ويهينه ويعذبه أناسٌ جهلةٌ أنذال؟ حاشا الله، يا أبا سهل، وهو العزيزم القدير، أن يستسلم خانِعًا لحثالة مخلوقاته! إن النصارى، يا أبا سهل، يتوهمون أنهم يرفعون شأن عيسى المسيح باعدائهم أنه هو الله، لكنهم، في الواقع، يزرون بالله والمسيح بادعائهم أنه هو الله، لكنهم، في الواقع، يزرون بالله والمسيح بادعائهم هذا.

فيتدخل أبو نصر قائلاً:

– ألا ترى، يا أبا سهل، أن أبا الريحان على صواب في ما قاله من استهانة النصارى المخالق – عز وجل – يجعلهم إياه – سبحانه – تحت رحمة  الجلادين والأشرار من مخلوقاته؟ فكيف لم تخطر هذه الفكرة الجليلةُ في بال النصار، على الأقل في بال المفكرين منهم، في خلال ألف سنة!

فيجيب أبو سهل:

  • بل هي خطرات في بال قلائل؛ لكن مصيرهم كان نبذهم وحرمانهم من الكنيسة. ذلك عدا استثارة السلطة الدينية للسلطات السياسية الحاكمة ضدهم. فالإكراه في الدين اصبح شرعة الأحبار المسيحيين منذ عهد الملك قسطنطين، أي منذ حوالى سبعة قرون.

فيسأل البيروني أبا سهل:

– قل لي، يا أبا سهل، هل ورد في كتابكم أيةُ عبارةٍ قال فيها سيدنا عيسى صراحةً إنه الله؟

فيجيب أبو سهل:

  • وردت عباراتٌ من مثل”أنا في الآب والآبُ في” فيقول البيروتي:
  • ما زلتُ أذكر هذه العبارة التي قرأتها في مخطوطة لدين بالسريانية. ولكني أذكر أيضًا أن المسيح قال لتلاميذه: “في ذلك اليوم (أي يوم عودته) تعرفون أني في أبي، وأنكم أنتم في مثلما أنا فيكم”. فإذا كان الله – سبحانه – حالاً في عيسى المسيح على حد زعمكم، وعيسى حالاً في النصارى، فهل هذا يعني أن كل نصراني أصبح الله؟

فيجيب أبو سهل:

– حاشا أن يكون ذلك!

فيقولُ البيروني:

– إذا إن ما جاء في الأناجيل عن المسيح لا يؤكد أنه هو الله؛ فلا هو ادعى ذلك، ولا الذين كتبوا الأناجيل ادعوه. كل ما هنالك عباراتٌ غامضة يمكن الذهابُ في تأويلها كل مذهب. وإني أرى فحوى ما جاء في الآية القرآنية القاتل (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسال الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) (النساء: 171) هو نفسه ما ورد في الأناجيل. فإذا عمدت إلى المعنى الواضح لا المؤول، فالمسيح لا يعدو أن يكون رسولاً كريمًا ونبيًا عظيمًا، أيدهُ الله بروح القدس وبالمعجزات. أما الخاصتان اللتان ميزتاه عن سائر الأنبياء فهي انه “كلمة الله” و”روح منه”.

            إنقض مجلس العلماء في ساعة متأخرة، وانصرف كل منهم إلى منزله. أما أبو الريحان فقد اتجه إلى جناحه الخاص وفي نفسه حسرةٌ على ما آلت إليه حالُ المسلمين من جراء المغالاة في التعصب لقشور الدين، وإغفال الجوهر القائم على التمسك بالحق والخير والعدالة في التعامل بين الناس وعلى التزام التعاون والتراحم والتسامح.

            وما إن ولج جناحه حتى فوجئ بوجود الأميرة جمانة في الردهة وبالمسارج وزخارف الزينة تملأها. فدهش مما رأى، وسال الأميرة، بعد أن حياها:

– ما الخبر، يا أميرتي؟

– أليس اليوم مطلع العام الألف عند النصارى؟

– وكيف عرفتِ ذلك؟

– أخبرني أبو سهل.

– وما لنا ولأعياد النصارى ونحن في ظل الإسلام؟

– ألم تولها أنت اهتمامك في كتابك “الآثار الباقية عن القرون الخالية”؟ أفتظن أني لم أقرأه؟

– قرأته!

– أهديت كتابك “التفهيم لأوائل صناعة التنجيم” إلى الأميرة ريحانة ابنه الحسين، أتظن أني غير جديرة بكتبك؟

– معاذ الله.

            وسرعان ما شعر أبو الريحان بأن الغيرة النسائية تقرضُ قلب جمانة وتقض مضجعها، وأن عليه أن يكون حكيمصا وحذرًا في التعاطي معها. وأدرك أن جمانة تستنبش أخباره مع ريحانة، وقد تلجأ إلى حيلة ما لتحرِجَه. فالمرأة المحرومة من الجمال قد يُضاعف الحرمان غيرتها وأذيتها، لأن ليس لها من الحسنِ ما يعزيها ويعوضها باجتذاب قلوب الرجال إليها.

            وبعد هُنيهات سكوتٍ تتصادم فيها النظراتُ، وتتوالد من تصادُمها التماعات كأنها ومضات مكهربة في عيني جمانة، تنفرشُ على شفتيها ابتسامةٌ عريضة، وتشيرُ غلى مائدةٍ عامرةٍ بالطيبات كانت قد أقامتها بمساعدة وصيفاتها:

– هلا تجلس فنحتفل بالعام الذي سيختم الألف المولية

– إذا كانت هذه رغبة الأميرة فلا بأس:

ثم يستدرك:

  • بل لا يسعني غلا الشكر على اهتمامك بشخصي.
  • أشهر مرت، يا أبا الريحان، وأن أصبُّ اهتمامي على جناحك وراحتك وأنت لا تبادلني ببعض ما أبذل لك!
  • احترامي لسيدتي كبير. ومذا عساي أن أقدم إليها، وشقيقها السلطان شمسُ المعالي، والمجد يحيطها من جانبيها؟
  • أيطفئ المجد ما شب في جسدي من نار، يا أبا الريحان؟ قلبي قيثار، وأناته الحبيسة لا تطلقها إلا أناملك. أفلا تشعر بنداءاتي المكتومة وأنت العالم الخبير؟

كان ذلك كافيًا ليفهم أبو الريحان أنه على وشك الإبحار في لجةٍ مجهولة الجهات والقرار. فاستعاذ، في نفسه، بالله.

وإذا جمانة تملأ كأسًا كبيرة بسائل أحمر، وتقدمها إلى البيروتي ملتصقة به، فيسألها:

– ما هذا؟

– عصير الفاكهة. أما قلت لي إنه مفيد للصحة، وهو ينضر الجسم؟

يشم أبو الريحان ما في الكأس، فترتسم سماتُ الدهشة على ملامح وجهه ويقول:

– أهو نبيذ؟

– سمهِ عصيراً.

– لكنه مختمر!

– وما الفرق! عصير العنب الذي تشربه طازجًا أشبه بغادةٍ صغيرة تطرى محاسن أنوثتها وهي لا تبالي؛ أما عصير الكرمة المختمر المعتق فهو كالمرأة الناضجة التي جعلها تقادم السنين مختمرة بتجارب الحياة وحنكة الأيام. أفتفضل الثمرة الفجة على الغضة التي تكاد تتفلجُ نضجًا وتتقطر الحلاوةُ منها!

أدرك البيروني أن التشبيه الذي أعطته يوهمُ السامع بصحته، لكنه غير صحيح، وأنه إذا صارحها بما في نفسه سيغضبها.  فأجابها بأنه غير متزمتٍ في فرائض الدين وأوامره ونواهيه، لكنه لا يحب شرب المسكرات حتى النبيذ منها، لأنها تكدرُ صفاء العقل، وهو يقدسُ العقل لأنه9 مفتاح العلوم البشرية.

فتقول له: “في هذا الكاس الحمراء سكبتُ عاطفتي المشبوبة، افترفضُها؟ لو قدمتها ريحانة ابنةُ الحسين إليك، أفما كنتَ جرعت الكأس وترشفت ثغر اللعينة كأسًا أخرى؟”

فيجرعُ البيروني كأس النبيذ حتى الثمالة؛ فتصبُ له كاسًا أخرى، وتجرعُ هي الثانية وتلتزُّ به.

– مِن أينَ أتيتِ بهذا النبيذ المعتق؟

– من أبي سهل المسيحي. قال إنه أجتلبه من كاهن الدير. ففي أقبية الكهنة أعتقُ الخمور.

فيُتمتمُ البيروني مسائلاً نفسه: أيكون الحاكم بأمرِ الله على حق بما فعل بالنصارى وكهنتهم؟

فتستوضحه جمانة أمر الحاكم؛ فيجيبها بأنه أمر رجال النصارى بأن يتقلد كل منهم في عنقه صليبًا خشبيًا ثقيلاً جدًا. فتبادرُ إلى تطويق عنقه بذراعيها، وتستلقي عليه قائلة:

– احملني كما يحمل النصارى صلبانهم.

كانت جمانة قد أغلقت باب الردهة وأوصدته من الداخل، بعد أن صرفت وصيفتها. وأخذت سورة النبيذ تحتدُّ في دمها، ويمتد دبيبها في شرايينها حتى أشعلت غريزتها الأنثوية وأطلقت انفعالاتها جامحة هائجة.

            حاول أبو الريحان أن يتمالك نفسه، ويبقى عقله رقيبًا على عواطفه، متحكمًا بانفعالاته، لكنه، وهو الصيدلي الخبير، عرفَ مقدمًا أن السورة ستمتلكه وتُقيلُ عقله من سُلطنه. وإذا هو في صراعٍ بين ذاتٍ فيه أنوفٍ غاضبةٍ على جمانة والوضع الذي هو فيه وذاتٍ أخرى تسترخي رخيةً خائفةً مستسلمة بين ذراعيها…

الفصل الخامس

مرت الشهور تباعًا مثقلة بالهموم والآلام والمصاعب والمصائب التي يرزح تحتها المسلمون والمسيحيون واليهود في جميع البلدان العربية والإسلامية. فالخليفة القادر ببغداد كان حاكمًا بلا سلطة، ذلك بأن الحكم الفعلي في اغلفعراق كان لسلاطين بني بويه الفُرس، وكذلك في الأهواز وكرمان وهمذان وأصبهان. وفي حلب والموصل كانت الدولة الحمدانية، ثم استقلت بالمصول الدولة العقيلية. وفي بلاد الأفغان والبنجاب قامت الدولة الغزنوية، وفي مصر الدولة الفاطمية، وفي الجزائر الدولة الزيرية… وكما في المشرق هكذا في الأندلس؛ فهشام الثاني ارتقى العرش وهو في الثانية عشرة، فكانت السلطة الفعلية في يد الحاجب ابن أبي عامر الملقب بالمنصور، ثم في أيدي ولديه من بعده، الأمر الذي أشاع الفوضى والاضطراب؛ فإذا الأمراء يتنازعون باستمرار، ومن استقوى استقل بدولته.

            كان البيروني يفكر بوضع الجسم السياسي الإسلامي، فيراه مفككًا، مجزًا، مصابًا بكل مرض: الرأس لا يعمل فيه الدماغ، فهو مشلول؛ والأعضاء كل منها تساوره نوباتٌ عصبية، فتختلج وتتألم وتتحرك بدون هدف واضح. الاضطرابات إذا نتيجة ضعف السلطة، أو نتيجة اغتصاب السلطة من قبل أناسٍ غير جديرين بها.

            كان البيروني يتخوف من حدوث اضطرابات في جرجان وطبرستان. فالسلطان قابوس يحب العلم والأدب ويكرم أهلهما. لكن المظالم التي تحدث في الرعية قلما تسترعي اهتمامه. فكان الوزير يتحمل أوزراها، ويبذل جهده لتقويم مجرى العدالة، لكن كثيرًا ما كانت أزمة الأمور تفلت من يده. وهكذا أمضى عامًا آخر يصرف شؤون الدولة لدى السلطان قابوس، وهو يعيشُ شطرًا من حياته للعلم، وشطرًا لسياسة الدولة، وشطرصا آخر كان يشعرُ أنه يذهبُ هدرًا، هو تلك الدقائق أو الساعات أحيانًا التي كانت تزحفُ فيها جمانة بجسمها الأفغواني، فتلتفُ عليه، وتتلوى وتتحوى، وتكويه بنارها، وتخدره بزعافها، فيلعن، في سره، الساعة التي تعرف فيها إليها، ويكاد يلعن النساء طرًّا، لأنه لم يكن يشعر بأية عاطفةٍ نحوها. فكان يرغم إرغامًا على مخالطتها. لكن عبئها الثقيل كان يلطف في عينيه حينما يتملى مئات المخطوطات النفيسة التي ما كان له أن يحظى بالاطلاع عليها لولا جهودُها وحظوته لديها.

            وفي عيد النيروز من العام الثالث لوزارته، انسلت إليه الرقطاء فجرًا وهو ما زال في سريره، وظلت تساوره وتكايده حتى طلعت الشمس وتقدم النهار. وإذا السلطان يدخل على متن جواده فناء القصر، ويأمر باستدعاء الوزير من منزله. فيفاجأ البيروني بطرق الباب وبصوت الجندي يستدعيه بأمر السلطان، فيبطئ قليلاً ريثما تتوارى جمانة ويسوي شأنه.

            وينتظر السلطان بضع دقائق، وإذ يستبطئه، يتصور أن الوزير مستاءٌ لأمر ما أو ركبه استكبار، فيثني العنان نحو جناحه، ويهمُّ بالنزول عن صهوةِ جواده ليقصده، فإذا البيروني يبرز من باب منزله قائلاً:

– بالله عليك، يا مولاي، لا تفعل. فواجبٌ عليَّ أن أمثل بين يديك.

– لا، يا أبا الريحان…

العلم من أشرفِ الولاياتِ                                                           يأتيه كل الورى ولا يأتي

لولا الشرائع الدنيوية لما استدعيتك، يا أبا الريحان،  فالعلم يعغلو ولا يُعلى.

– هذا لطفٌ وتواضعٌ من السلطان شمس المعالي. فبِمَ يأمرني مولاي؟

– نفسي راغبة بجولةٍ في الفلاة، وأود اصطحابك للاستئناس برأيك والاستفادة من علمك.

– عفوَ مولاي، ها أنذا حاضر.

– اركب هذا الجواد المطهم، وابق بجانبي حتى طرف الصحراء. وانطلق السلطان ووزيره يتبعهما كوكبةٌ من الجنود. فكانت سنابكُ الخيل تصكُّ الأرض الصماء فتتعالى طقطقتها في الفضاء، وتصلصلُ الألجمة، ويخشخش السلاح، ويهرولُ المارةُ مخلين الطريق لمن بيده السيف والصولجان.

            ولم يطلِ الوقت حتى تجاوز الموكب العمران ودخل في منبسطات الرمال. وما إن أوغلوا فيها حتى بدأت تتراءى، من بعيد، الخنازير والأرانب البرية والثعالب وبناتُ آوى والسنانيرُ الوحشية. فوترَ السلطان قوسه وحناها وأطلق سهمًا، فحنت القوسُ، وأزَّ السهم، وإذا أرنبٌ بريٌّ طريحُ الرمال.

            ومضى السلطان في صيده يقنص أرنبًا تلو آخر حتى اصطاد خنزيرًا بريًا، فقال لوزيره.

  • الآن اطمأنت نفسي. فقد شعرتُ أني أقتلُ بعضًا من ذلك الخنزير البشري الذي جاءَ في الحديث الشريف أن سيدنا عيسى المسيح – عليه السلام – سيقتلُه متى عاد إلى الأرض. فيضحك البيروني مليًا.

ثم يترجل الإثنان. وينفضُ السلطان بنظره تلك الفلاةَ وما حولها قائلاً:

  • قرأت يا أبا الريحان، كتاباتٍ شتى وآراءً متضاربة عن الأرض وشكلها ومساحتها. فما رأيك أنت في ذلك؟
  • الأرض كروية الشكل، يا مولاي. ومنذ زمنٍ قريبٍ بدأت أحاول أن أقيس محيطها.
  • تقيثس محيطها! كيف ذلك وأنتَ لا تبرحُ القصرَ وجواره؟
  • العلمُ قادرٌ على كل شيء. فإذا كانت الأرضُ كرويةً، فذلك يعني أنها تتكون من درجات. فإذا استطعنا أن نقيس طول درجةٍ منها، أمكننا معرفة محيط الأرض. وهذا ما حاولتُهُ أخيرًا.
  • عمل عجيبٌ، والله!

وتتشعبُ المحادثة بين السلطان ووزيره العالم الشاب، فتتناولُ النجوم والمذنبات والنيازك والظواهر الجوية، والشمس والقمر والمد والجزر، ثم الطب والصيدلة، فالأدب والتاريخ والجغراافية، فضغط السوائل وتوازنها، فالرياضيات… وفي كل ذلك كان البيروتي فكرًا ثاقبًا، ورأيًا صائبًا، وموسوعًا عجيبصا.

وقبيل أن تجنح الشمس إلى الغروب، عاد السلطان وموكُبه إلى القصر.

                                          ***

      في أثناء غياب البيروني عن منزله، أتى رجل يسأل عنه طالبًا إلى أحد الحراس أن يستأذن له في الدخول عليه. فأجابُه الحارسُ بأنه خرج في رفقة السلطان. فشك الرجل في الأمر وطلب أن يُقابل حاجب الوزير. فأدخل إليه. ولما رآه الحاجبُ سأله عما يريد من الوزير، فأجابه بأنه شأن خاص. فخرج الحاجب بعد أن طلب إليه الانتظار ريثما يعود إليه.

      كانت الأميرة جمانة المتأججة بناء الغيرة على أبي الريحان تتسقط أي خبر يمتُّ إليه، وتتخوف من عودة الصلات بينه وبين ريحانة ابنة الحسين، ولذا بثت العيون حوله، واستمالم الحاجب، وأوصته بأن يزوجها فورًا بكل من يقصدُ الوزير ولا يصرح بما يريده منه. فما كان من الحاجب إلا أن قصدها وأطلعها على أمر الرجل الطارئ.

      حضرت جمانة برفقة الحاجب، وسألت الرجل عما يبتغيه من الوزير؛ فأجابها بأنه شأن خاص. فأصرت عليه بالتصريح عما يخفيه؛ لكنه رفض. فاستجوبة الحاجب مهددًا إياه بالسجن إن هو لم يفصح عن بُغيته. وعند امتناع الرجل ساقه غلى حجرةٍ معتمة تحت الأرض، وقيد يديه ورجليه وثبتهُ بالحائط، ثم عرى صدره وأخذ يجلده حتى أسال دمه.

      وعندما أوشك المسكين على الإتماء اعترف للحاجب بأنه مرسل من قبل الأميرة ريحانة ابنة الحسين ليوصل رسالة منها إلى أبي الريحان. وكانت الرسالة مطوية في تكة سرواله. فانتزعها الحاجبُ وسلمها مطيو إلى الأميرة التي كانت واقفة بجانبه تستمتع بلسعِ السياط ونهشِها لجسم الرجل المظلوم.

      بسطت جمانة الرسالة وجعلت تقرأها في سرها ونارُ الشر والغضب تتشظى من عينيها:

عزيزي أبا الريحان

مذ غبت عن غابت السعادة، ومذ جفوتني جفاني النوم، فحاجتي إليك حاجةُ الجسم إلى الروح. أفتضنُ علي بنسمة الحياة وأنت وقفت نفسك على خدمة الحياة! أنا أعرف أني أمر صغير بين يديك، وأنك معنى بأمورٍ أكبر، لكن ألست أنت القاتل: “لا تحفر الأمر الصغير، فللأمر الصغير موضع ينتفع به، وللأمر الكبير موقع لا يستغنى عنه”.

      بلغني أن السلطان قابوس أنعم عليك ورفع مكانتك وقربك منه. فأنا أضمن لك مثل تلك المكانة عند عمي أبي العباس مأمون، شاه خُوارزم، فيبقى لك المجد؛ وعلاوة عليه تحظى بمن يحيطك بالحب والرعاية، وتُبعد عن عينيك اللتين تعشقان الجمال صور البوم المنفرة التي تحيط بك. أنا في انتظارك، فلا تجعلني على نارٍ لا تنطفئ.

                                                                                                                  ريحانة ابنة الحسين      

ما إن فرغت جمانة من قراءة الرسالة حتى انتزعت السوط من يد الحاجب، وانهالت ضربًا على الجسم الممزق كأنما ترى فيه جسج ريحانة؛ فتعالت صيحات المعذب حتى أغمي عليه.

      واتفقت الأميرة والحاجدب على أن يبقيا الرسول في السجن، ولا يخبرا بأمره أحدًا حتى السلطان ووزيره. ولاطفت الحاجب وطلبت إليه أن يعد هذا الأمر شخصيًا لا يعني أحدًا غيرها، وذلك من غير أن تطلعه على فحوى الرسالة. وما هم؟ فشأن هذا البرئ المظلوم شأن مئات المساجين الأبرياء في أقبية السلاطين والأمراء في طول البلاد العربية والإسلاغمية وعرضها.

      كُتم خبر الرسول عن البيروني، وعادت جمانة إلى سيرتها المتفعية معه حتى ضاق ذرعًا بسلوكها المنحرف، وتقززت نفسه من معاشرتهاغ، فاعتزم أن يضع لها حدًا حتى لو كلفه الأمر التخلي عن الوزارة.

      وبعد مضي حوالى شهر على سجن رسول ريحانة ابنة الحسين، طرقت جمانة باب مخدع أبي الريحان والليل قد مضى منه الهزيعُ الثاني. كان العالم الشابُ ما يزال ساهرًا يستمتع بمعاشرة الأفذاذ ممن زاروا الأرض وأسهموا في رفع مداميك الحضارة فيها. قال لها وفي نبرته حدة نفثها في صوته صبرهُ النافد:

  • ألا تدعيني، يا امرأة، أخلو بنفسي مع من أحب؟ فشعرت بنبرته حادةٌ كالمدية تجرحُ كبرياءها، فانتفضت قائلة:
  • تخلو بنفسك مع من تحب؟ أريحانة من النساء ولستُ منهن، يا ابن خوارزم؟
  • والله أسأت فهمي. قصدت العلماء والمفكرين، ولم أقصد امرأة معينة.
  • بل قصدت ريحانة. مضى ما يُقاربُ ثلاثة أعوامٍ عليكَ في هذا القصر وأنا أغمرك بعطفي، وأسكبُ عليك جسدي وتحناني. وجسمكَ البالي معي، وعاطفتك مع اللعينة التي في خُوارزم.
  • غير صحيح ما تقولين. فريحانة بعيدةٌ عني، ولا صلةَ بيني وبينها، ولولا ذكركِ إياها لما خطر اسمها في بالي. فاتركنني وشأني, رحمكن الله.
  • ادعُكِ وشأنكَ لتستأثر بك اللعينة وتعود إليها بعد كل ما أغدقت عليك من شبابي!
  • نسيتني ريحانة كما نسيتها.
  • كاذب أنتَ. فهي ما زالت في الشغاف من قلبكَ، وأنت ما زلتَ في الحبةِ من قلبها.
  • كأنكِ تدعين علم الغيب، ولا يعلمُ الغيب إلا الله!
  • بل لديَّ البرهان الملموسُ القاطع.
  • وما هو؟
  • أتصرُّ على معرفته؟
  • نعم.
  • إذا هاكَ البرهان.
  • وتخرج من صدرها رسالةَ ريحانة. فيقرأها متعجبًا، ويشعرُ أنه وقع في حرجٍ عظيم. وبعد هُنيهاتٍ من الوجوم تسلل فيها الشحوبُ إلى وجهيهما، سألها:
  • كيف حصلتِ عليها؟
  • من رسول اللعينة.
  • أين هو؟
  • يقبعُ في عتمة السجن تقرضُ جسمه الجرذانُ وتنهشُ لحمَهُ السياط.
  • حرامٌ عليكِ تعذيبُ بريء. كم مضى عليه من الزمن؟
  • شهر.
  • سأرفعُ الأمرَ إلى السلطان.
  • بذلك تجازفُ بحياتك.
  • لِمَ تهدديني؟
  • لأنَ رسول اللعينة اعترف بأنك ترسلُ أسرارَ الدولة إلى شاه خُوارزم بواسطة ريحانة.
  • ما تقولين يا هذه! أفقدت صوابك؟
  • بل أنت فقدت رشدك. وإذا عاندتني فستفقد حياتك. أدرك البيروني أن الأمر أصبح خطيرًا، وأن مكيدة ضده دبرتها جمانة: فإما أن يطاوعها فيستسلم لها، وإما أن تصب عليه جام نقمتها بعد أن طعنت كبرياؤها. فيا لكيد النساء!

وفي اليوم التالي تستصحبُ جمانة أبا الريحان برفقة الحاجب إلى الحجرة القذرة المعتمة التي كان الرسول البريء يموتُ فيها موتًا بطيئًا. وكانت جمانة قد أرغمته بالتجويع والتعذيب على أن يصرح كذبًا بأن البيروني يفشي له أسرار الدولة لينقلها إلى شاه خوارزم بواسطة ريحانة ابنة الحسين، وبأنه اجتمع مراراً بأبى الريحان من أجل هذا الغرض. فصرح أمام العالم الشاب بما أرغم على تلقنه. فاستفظع البيروني ما سمعت أذناه وما شاهدت عيناه؛ ونشب صراعٌ في نفسه: أيخبر السلطان بحقيقة الأمر أم يستسلم للواقع المؤسي المخزي الذي يعانيه؟ لكن إن أخبر السلطان بأن تلك مكيدة، أفيصدقه، أم يصدق شقيقته والحاجب والسجين المرغم؟

            مضى أسبوع والأميرة جمانة لا تقتحم مهجع البيروني، لأنه استمهلها أسبوعًا واحدًا ليعمل فكرة في حاله. كانت شتى الأفكار السوداء تساوره مساورة الأفاعي، وتواتبه مواثبة الضواري، لكنه فضل تلك الجحيم على جحيم معاشرته القسرية للمرأة الحية. وإذا فكرُه يتفتقُ عن حل لمعضلته. فاستدعى الحاجب، ولاطفُه، وأكرمه. ثم قال له:

  • أتثِقُ بعِلمي؟
  • نعم. فالسلطانُ نفسُه يثقُ بعلمك. وصيتكَ يملأ البلاد.
  • إذا سأفضي إليك بسر آملاًا أن تصونه إلى أن يحين الوقت؟
  • سأصونه. فما هو؟
  • إعلم أن الأميرة جمانة تحبك.
  • تحبني؟ تقصد أنها تكرمني. ولا أُنكِرُ أنها أحيانًا تلاطفني.
  • بل هي تهواك وتعشق طلعتك، لكنها لا تبوحُ لك بأمرها لأنها حيية.
  • كان الحاجبُ يعرفُ أنها من النساء اللواتي طلقن الحياء؛ لكن ربما كان علت خطأ في ما يظن، فالوزيرُ العالم أعلم. فاشتدت عزيمته، وتحركت مشاعره، وقال لأبي الريحان:
  • لكنها أُختُ السلطان، وأنا حاجبٌ في داره.
  • سأطلعُكَ على أمرٍ تجهله: هل تعلم من مَلِكُ بلاد الأندلس؟
  • لا
  • هشام الثاني هو الملكُ هناك. لكن السلطة الفعلية في يد الحاجب ابن أبي عامر الملقب بالمنصور.
  • الحاجب هو الحاكم، وكيف؟
  • تزوج شقيقة الملك فأطلقت يدُهُ في تصريف شؤون الدولة، فنصيحتي إليك أن تغتنمها فرصةً سانحة، ما دامت الأميرة تهواك، فتبوح لها بحبك بل بولهكَ، بل بتدلهك بها.
  • وإذا صدتني؟
  • لن تصدك. افلا تثق بعلمي؟
  • بلى.
  • هي كتلةً من الجمر المغلف بالرماد. انفخ عليها فتتأجج بين يديك.

كان هذا الدرسُ كافيًا ليُغير مجرى الأمور في قصر شمس المعالي. فلم يمضِ شهران حتى تزوج الحاجب الأميرة. فاطمأنت نفس البيروني، وشعر أن ذكاءه أفاده للمرة الأولى في تدبير حياته الخاصة فعاش يوزع ساعاته بين العلم والدولة.

أما السجين المسكين فقد أقنع أبو الريحان الحاجب بأن يجعل الأميرة تطلق سراحه في ليلة العرس. فقدم له طعام وثياب، ثم أفرج عنه. فخرج وهو يشعر أنه ولدَ فجأة في عالم النور، لاعتياده الظلمة. وأقعى في جانبٍ من فناء القصر وعيناه زائغتان تنظران في البعيد، بعد أن أصابه مس من الجنون لشدة ما قاسى من الآلام ولكثرة الضربات التي هوت على رأسه.

الفصل السادس

مضت خمسة أشهر والأميرة ريحانة ابنة الحسين تكحتوي بنار القلق اكتواء عصفورٍ سجين بوهج شمس الصيف. فرسولها إلى البيروني لم يعد إليها، ولا أخبار عنه! فساورتها الظنونن السوداء مُساورة الأفاعي التي هاجها لظى الرمال. تُرى، هل سلاها أبو الريحان بعدما أصبحت الوزارة همه، فشغلت عقله وقلبه؟ أم فعل البعد فعله المشؤوم فيه، بعد أن طال الفراق، فتحقق المثل القاتل “البعد جفاء”! لكن قلبها يهامسها بأنها ما زالت في الحبة من قلبه، وإنما أنفتُه تأبى عليه أن يبوح بسِره. وكان طيفُ جمانة يقفز من خلايا دماغها إلى بؤبؤي عينيها، فتتخيلها متربصة بها، قابضة على خنجر تريد إغماده في قلبها وهي متلفعة بعباءة الليل. وغذ يعودُ إليها صوابها، تتنفض لاعنةً إياها: “تبا لكِ أيتها العانس! أخيرًا، تمكنتِ من إيقاعه بأشراكك!” لكنها لا تلبث أن تقول في نفسها مستدركة: لا، أنا أعرف الناس بأبي الريحان. أبو العقل الراجح هو، لن يقع في الأحبولة المشؤومة. وهو يعشق الجمال، فغيرُ معقول أن تأسره بومة.

وعادت ريحانة فأرسلت عيونًا لاستطلاع أمر رسولها. ووافاها من يخبرها بزواج الأميرة جمانة، شقية السلطان قابوس، وبقيام الأفراح بمناسبة عرسها. فنزل الخبر عليها نزل الصاعقة، وحبست نفسها في غرفتها، وامتنعت عن الطعام أيامًا، واشتعل الحقد في صدرها على أبي الريحان جمرًا أجاجًا لاعتقادها أنه نو الذي تزوج جمانة. فمن أبلغها الخبر الأسود قال لها إنه سمع الناس في جرجان بتناقلون أن الأميرة جمانة اقترنت بساعد السلطان. ولم يخطر ببالها أن العوام يعتقدون أن الحاجب هو ساعده، لأنهم يرونه يتدخل في شؤونهم أكثر مما يتدخل الوزير.

            وبعد مضي عدة أيام أنجلت الحقيقة لها، فعلمت أن جمانة تزوجت بحاجب السلطان؛ فانفرجت أساريها، وأزهر وجهها، فبدت كوردةٍ تفتحت أكمامها، وازداد تعلقها بأبي الريحان. فعجيبٌ أمرُ الحب! وإذْ عاودها الأمل، بعثت إلى جرجان بمن يبحث مجددًا عن رسولها إلى البيروني. فعثر عليه، أخيراً، هائمًا يستعطي في طرق جرجان، فأُحضر إليها.

وحال إدخاله إلى جناحها، استقبلته بصفعةٍ رنحتهُ. فجحظت عيناه وزعق بوجهها:

  • لِمَ تصفعينني؟
  • لِمَ أصفعُك، يا نب الفاعلة، وقد تركتني ستة أشهرٍ بين حيةٍ وميتة، وأنتَ هائمٌ في شوارع جرجان؟ ما الذي افتتنك فيها حتى التصقت بترابها التصاقَ الذباب بالمزابل؟

فلم يحبها إلا بنظراتٍ جاحظةٍ فارغة.

  • هل سلمتَ الرسالة إلى أبي الريحان؟
  • ؟؟؟
  • لِمَ لا تُجيبني؟ هل رأيته، أم بقيت الرسالةُ معك؟
  • ؟؟؟
  • وإذ لاحظتِ الأميرة ريحانة آثارًا الجروح ولطخاتٍ سوداء على رقته وصدغه ووجهه، تنبهت إلى أمرٍ مفاجئ.
  • هل اعتقلوك وعذبوك؟ هل انتزعوا الرسالة منك؟
  • فابتسم ابتسامة بلهاء عريضة وقال:
  • أطعموني وأعطوني ثيابً جديدة.

وأشار إلى ثيابه فرِحًا، وكررَ ما قاله مراراً؛ لكنه لم يذكر شيئًا عن سجنه وتعيبه، فالأحداث التي تزلزلُ النفس قد تغور في العقل الباطن، وهناك تقبع تهز أعماقه وهو لا يدري. وما لبثت ريحانة أن عرفت أن الجنون قد أصابه وأن الآثار التي ما تزال بادية في رأسه وعنقه إنما هي ألسنة تشهد على تعذيبه.

وفشلت ريحانة في حل اللغز الذي طالعها: إذا كان أبو الريحان ما يزال وزيرًا للسلطان قابوس، فكيف لم يستطع حماية رسولها إليه؟

وإذا كانت جمانة وراء القبض على رسولها، فهذا يعني أنها تحب أبا الريحان؛ وفي هذه الحال كيف تزوجت الحاجب ولم تتزوجه؟

            مضت أشهر أخرى وهي في حيرةٍ شديدة. فجعلت تفكر في ايجاد طريقة تكون آمن لتسليم رسائلها إلى البيروتي. وذات ليلةٍ وهي في سريرها تحاول النوم فيستعصي عليها، تمركز في خيالها وجه أبي الريحان، فأخذت تستعيد ذكرياتها معه. تلك الأويقات الهانئة التي أمضياها معًا في القصر… أو في حجرته… أجل، في حجرته المتواضعة تلك إذ كانت تقصدها متنكرة لئلاً يكشف جيرانه هويتها. جيرانه؟ بل جاراته! فلم تكن تجد إلا نساء حول÷، فالرجال في أعمالهم أو هم مجندون للقاتل. وفجأة التمع في رأسها وجهُ جارة أبي الريحان الصبية، تلك التي قتلت أمها في المعركة التي انتصر فيها عمها، مأمون بن محمد، على أبي العباس ابن عراق. تُرى؟ هل كانت تحبه؟ وأيةُ فتاةٍ عرفته ولم ترغب في أن تكون شريكة حياته! ما اسم تلك الفتاة؟ إنهغا تعرف أبا الريحان جيدًا، فلماذا لا ترسلها إليه؟ لكنها قد تكون حاقدة عليها بعد مقتل أمها.

            كانت ريحانة في حيرةٍ تسائل نفسها محاولة ايجاد الأجوبة حتى مضى الهزيع الأول من الليل، فشعرت أنها وجدت الطريقة التي تبحث عنها: إنها تلك الصبية. فنهضت من فراشها، وتنكرت، واصطحبت وصيفتها، وامتطت جوادها، واتجهت إلى الدارة القديمة حيثُ كان يقيم أبو الريحان.

            قرعت الباب مرارًاغ حتى أتى من يفتحه: صبي في الثامنة من عمره ووراءه غادةٌ في الرابعة والعشرين. إنها شقيقته ياسمين. دخلت ريحانة ومعها وصيفتها، فإذا هما في غرفةٍ وضيعةٍ انطرحت على أرضها الكلسية حصيرة متهرئة وحشيتان اندلقت منهما أحشاؤهما. وسرعان ما أسفرت ريحانة، فعرفت ياسمين أنها في حضرة الأميرة؛ فهاجمها الخوف، في الوهلة الأولى، وعاودتها الذكرياتُ الحزينة المفجعة. فهدأت ريحانة روعها بكلماتٍ لطيفة:

– أسفُ لما حصل لكم، لكنها الحياة ملأى بالأحداث والتقلبات. ثم أخرجت ريحانة كيسًا صغيرة من جيبها مملوءصا بالدنانير وقدمته إلى ياسمين قائلة:

– لا شك بأنكم تحتاجون إلى مساعدة في هذه الظروف الأليمة.

إنهمرت الدموع من عيني ياسمين انهار ماء يفيض عن نرجستين، وأوشكت أن ترفض العطية، لكنها سرعان ما فكرت بأخيها الصغير، فقبلتها، وأثنت على أريحية الأميرة؟

            كانت الزيارة قصيرةً. وما إن انصرفت الأميرة ووصيفتها حتى وجدت ياسمين نفسها أمام لُغزٍ محير: ثمانية أعوام مضت على فجيعتها بأمها، فلماذا لم تتحرك عاطفة ريحانة إلا في هذا اليوم؟ وهل عاطفتها صادقة؟ هل هي حقصا نبيلة النفس على نقيض ما كانت تظن فيها من شر؟ ولماذا أتت والليل مدلهم؟

بعد يومين أرسلت ريحانة من يستدعي ياسمين إلى جناحها في القصر؛ فحضرت وخلفت أخاها في المنزل على أن تعود إليه حالاً.

دخلت ياسمين القصر وعيناها تلتهما كل ما فيه. كانت مدهوشة مأخوذة بالطنافس والزخارف والفُسيفساء، والستائر المخملية والسندسية والأرائك والخزائن المرصعة! هي الفقيرة التي أمضت حياتها في منزل وض]عٍ لم تتمنع عيناها بما تستمتع به الآن، بل لم يخطر في بالها أن بين عامة الشعب الكادحة وطبقة الأمراء المرفهة هذا الفارق العظيم.

رحبت الاميرة بها، وتظاهرت بالعطف الشديد عليها؛ ثم أبدت انها تريد التعويض عما فقدته بمساعدتها في جعلها بخدمتها. فرأت ياسمين في بادتها حُظوةً بل نعمةً كبيرة، فأفاضت بالشكر لها. ثم سألتها هل بإمكانها أن تصطحبَ شقيقها الصغير الوحيد، إذ ليس له من يُعولُ عليه غيرها. فلم تمانع الأميرة.

            ومضت بضعةُ أشهر كانت ياسمين في كل يومٍ منها تزدادُ اطمئنانًا إلى ريحانة؛ لكن بمُلازمتها خدمتها وإقامتها في جناحا ليل نهار كان يتسربُ إليها، اتفاقًا، شيءٌ من ملابسات حياة الأميرة الخاصة واسرارها، فتلزم السكوت، لأن فيه مأمنًا من غوائل القصور، وخصوصًا في تلك الأيام الرديئة التي عمت فيها المظالمُ والمكايد واستذأب الإنسان.

            وكانت ياسمين تعجبُ حينما تسألها ريحانة هل تعرفُ شيئًا عن عن البيروني؛ وهدفها استنباشُ عاطفتها نحوه. فتنفي ياسمين صادقةً أنها تعرفُ أي خبرٍ عنه؛ لكن حنينها الخفي إليه كان يهتاج، فتكظمُ نفسها، وتكتبُ شعورها لعلمها بعاطفة الأميرة نحوه.

            كانت ريحانة تلتذُ بإثارة عاطفة ياسمين، لأن تعذيب النساء، لا سيما منافساتها في حبها، كان يكسبها ما يشبه النشوة. وياسمين غادةٌ غريرة، فأين هي ممن حنكتها التجارب! فلماذا لا تستخدمها ريحانة لتنفيذ مآربها!

            رسمت الأميرة الداهية خطةً محكمةً لمراسلة البيروني. إنها لن تبعث إليه بالرجال بعد اليوم. في جرجان يقيم أستاذه وصديقه أبو سهل عيسى المسيحي، وله ابنةٌ صبيةٌ اسمها مريم. سترسل ياسمين إلى مريم… وابو سهل يحمل الرسالة إلى أبي الريحان.

غطت ريحانة براعتها في المداد الأسود الذي كانت ترتاحُ إلى لونه، وجعلت تكتب:

نور عيني ابا الريحان

الريحان ينتمي إليك، فأنت أبوه، وأنا ضلعٌ منك، فهل تنزعُ عنكَ ضلعك؟

ألمي لبعدكَ عني لا يطاق، وأنت أخبر من يخفف الآلام.

أراك في يقظتي وفي حلمي؛ أشعر بك تدبُّ في عروقي مندمجًا في دمي.

أمدُّ يدي لألتقطك في الهواء لأنتسم عطر جسدك. فتعال إليَّ لأقبض عليك عجائب أنوثتي وأسكنك ف جنتي. وضعت خطة مامونة لمراسلتنا، وليكن أبو سهل الواسطة. فهل تسلمت رسالتي السابقة؟ بالله عليك أن تجيبني.

                                                                                                            ريحانة ابنة الحسين

طوت الرسالة بعناية، ثم أحاطتها بلفافةٍ جلديةٍ برقةٍ وحنان كأم تلف الاقمطة حول طفلها. ثم خطت على اللفافة بحروفٍ عريضة: إلى الوزير الفاضل أبي الريحان البيروني. بعدئذٍ أحاطت اللفافة بغلافٍ جلدي آخر خطت عليه: إلى العلامة أبي سهل المسيحي. وشفعت ذلك برسالةٍ منفردةٍ إلى أبي سهل هذا نصُّها:

من الأميرة ريحانة ابنة الحسين

إلى العلامة الفاضل أبي سهل المسيحي

أعزكُم الله

وبعد، علمتُ أنكم تقيمون في جرجان، فأحببت أن أوكل إليكم تسليم أمانةٍ غالية. وإني لن أنسى فضلكم. نلتقي قريبًا إن شاء الله.

                                                                                                                        ريحانة ابنةُ الحسين

 

حينئذٍ تنفست الأميرة الصعداء، وأرسلت في طلب ياسمين. ولما حضرت قالت لها بنبرةٍ حاسمة:

– استعدي لتذهبي، فجر الغد، إلى جرجان. وهناك ستنزلين ضيفةً ليلةً أو ليلتين عند مريم ابنة أبي سهل عيسى المسيحي. وليس عليك إلا أن تسلمي أباها أمانةً مني إليه. وقبل رجوعك يُسلمُكِ أمانةً أخرى منه إليَّ. وفي الطريق، ذهابًا وإيابًا، سيرافقك أحد الحراس؛ وهو يستوضح عنوان أبي سهل.

اضطربت ياسمين، فهي المرة الأولى التي يُفوض إليها مثل هذه المهمة. ثم تلك الرحلة الصحراوية الطويلة وأخطارها! وفجأة التمعت في ذهنها صورةُ فتاةٍ صغيرةٍ كانت مسك بيد رجل طالما طرق باب تلك الحجرة المجاورة لمنزلها، حيث كان يقيم البيروني. وتذكرت أن اسمها كان مريم، وأنها داعبتها ولاعبتها أكثر من مرة. فتحركت الذكرياتُ في ذهنها ودارت، وعاد أبو الريحان يحتل المركز في فلكها.

  • ما بكِ ساكتة ساهية؟
  • لا شيء، لا شيء.

فمع تخوفها من المهمة، شعرت بدافعٍ قويٍّ إلى تنفيذها، وذلك لارتباط صورة أبي سهل بصورة أبي الريحان في خيالها، ولانبعاث تلك الهُنيهات اللذيذة  البريئة الآفلة من عمرها.

فجر اليوم التالي، وضعت ياسمين اللفافة والرسالة تحت ثيابها مثلما أوصتها ريحانة، وامتطت أتانًا قويًا، ورافقها ماجد، أحدُ الحراس، على جواد. وكانت الأميرة قد زودته بعنوان أبي سهل المسيحي، وأوصته بأن يعود برفقة ياسمين بعد يومين من وصولهما، وعلى أن تنزل هيو حدها في ضيافة أبي سهل.

            لم تكن ياسمين تعرف شيئًا عن الخطة التي دبرتها ريحانة لمراسلة البيروني. فالأميرةُ جمانة، شقيقة السلطان قابوس، كانت قد بثت عيونها داخل القصر وخارجه لتتجسس اتصالات الوزير حتى بعد زواجها بحاجب السلطان، وذلك كيدًا وانتقامًا؛ ففي جبلتها حب التسلط، وحلمها السيادة على الرجال. لكن ريحانة لم تقل عنها حذرًا وقساوةً وعنجهية، بيد أنها كانت أدهى منها، وأجمل طلعة، وأوفر ثقافة، وأكثر تعلقًا بأهل العلم والأدب.

            كانت الطريق بين خوارزم وجرجان طويلةً وشاقةً، وعابو تلك السبيل الصحراوية ليسوا كثيرين. الشمس من فوق سهام من شواظ، والرمل من تحت يتموج كأجساد الأفاعي، فتنبعث منه العقاربُ والأصلال؛ والرياحُ لها هزيم يسمع بين الفينة والأخرى كأنه عزيف الجن! فأخذ ماجد بمغازلة ياسمين كلما سنحت الفرصة له؛ لكنها كانت تعرض عنه. فقد كانت تفكر بالوصول السريع إلى جرجان؛ وكان يملأ جرجان، في خيالها، وجه البيروني.

آه! لو تراه! العلامة النابغة الوسيم! هو الوزير الذي يتنافسُ الأكلاابرُ في خطب وده، وتتهافت غواني القصور على وهج شُهرته تهافت الفراش على وهج النار! فشتان ما بينه وبين ماجد! كانت تنظر إلى حارسها شزرًا، فتراه يحدق إليها وعلى شفتيه ابتسامة بلهاء، فتشمئز نفسها من جسمه الفيلي المترهل ونظراته الشهاء واحاديثه الجوفاءز صحيح أنها لم تحصل من الأدب والعلم ما حصلته الأميرة ريحانة، لكنها تعرف أن تقرأ وتكتب، وقد طالعت بعض المخطوطات الأدبية التي كان أبو الريحان يمدها بها. أما ماجد فقدمٌ غبي، شعاره البطش بالناس، وهواه سلب أموالهم ورؤية الدماء تنزف منهم! فأين سمو أبي الريحان وإباؤه من دناءة هذا الحارس! وفجأةً تذكرت ما لهُ لها أبو الريحان قبل رحيله: “ويل لأمة أصبح راعيها ذئبًا يفتكُ بالخراف، وشيخُ دينها متاجرًا بالمبادئ والأعراف، وخفيرها لصًا شره يخاف”.

كانت فيالقُ الظلام قد بدأت تتقدم باسطةً سلطانها على الأرض، وعواءُ الذئاب بدأ يشق صدر السكينة، فأوجست ياسمين خوفًا. ماذا تفعل لو حاو ماجد الاعتداء عليها؟ الطريق تكاد تقفرُ، والصحراء حبلى بالاخطاء، وهو ما انفك يغازلها بوقاحة ونذالة. هددته بالأميرة ريحانة، فقهقه قهقه المجانين، واقترب منها محاولاً أن يجتذبها إليه ليجلسها أمامه على صهوة الجواد، ويطلق العنان لشهواته الجامحة؛ فأخذت تسترحمه ودموعها كعقد من اللؤلؤ انفرط على خديها؛ فلا يزداد إلا إصراراً وعتيًا. فصاحت:

  • أستصرخ الله الجبار لينتقم منك.

وتمادت في صياحها واستغاثتها…

مضت بضع دقائق كان ماجد فيها يحاول، من جهة، تثبيت ياسمين أمامه وكبح حركات مقاومتها العنيفة، ومن جهة أخرى جمع عناني الجواد والأتان في يده، الامر الذي حضهما على العدو دونما هوادة. وإذا أشباحٌ مسرعة باتجاههما من بعيد، كأنما الأرض قد انشقت عنها. فما اقتربت حتى انجلت كوكبةٌ من الفرسان، فأحاطت بماجد، وشهرت السيوف عليه؛ فدبت فيه الحماسة فقارعها. وكان للسيوف التماعاتها وصلصلتها في هدأة الليل الدجوجي؛ فكأنهم مردة أعداء تمخصت بهم رمال الصحراء! جال ماجد وصال وأحدم وأقدم مخترقًا طوقهم، وكان لكره نمط عنتري. لكن لم يطل الوقت حتى تغلبوا على الخفير الناقض لذمته، فقيدوه، واتجهوا به إلى سيد القصر في جرجان، بعد أن جعله غباؤه يعترف مفاخرًا بأنه من جنود شاه خُوارزم.

أما ياسمين التي كانت قد أفلتت من قبضة ماجد، فقد أنكرت أنها كانت آتيةٌ جرجان بصحبته. ولما استجوبوها، قالت إنها قادمة من خُوارزم وقاصدة أنسباءَها في جرجان. وقد رآها هذا الرجل وحيدةً والليل يهبطُ، فحاول الاعتداء عليها. ورجت منهم أن يوصلوها إلى منزل أبي سهل عيسى المسيحي؛ وكان بعضهم يعرفه لتردُّده إلى الوزير البيروني.

ومضى الفُرسان يعدون مخترقين سرادق الليل حتى نفذوا مع الفجر إلى جرجان، فتابعوا مسيرتهم إلى القصر، بينما انفردَ أحدُهم بياسمين وأوصلها إلى مسكن أبي سهل.

فوجئت مريم بالغادة القادمة، لكنها لم تلبث أن تذكرت فيها تلك الفتاة التي كانت تعبث بشعرها وتُربتُ على ظهرها وتلاعبها أيام كانت ترافق والدها إلى أبي الريحان. فرحبت بها، ونادت والدها؛ فحضر. وكانت جلسةُ استئناسٍ ومُذاكرةٍ عقبها تسليمُ ياسمين الأمانة إلى أبي سهل.

فنزلت في بيته ليلتين. وصباح اليوم الثالث عهدَ بها أبو سهل إلى جماعة من معارفه من التجار النصارى؛ فاصطحبوها إلى خوارزم. فعادت إلى القصر، وسلمت ريحانة الأمانة من أبي سهل. فاختلت الأميرةُ بنفسها، وفتحت الرسالة المغلفة، فأضاءت الابتسامةُ وجهها، وقرأت:

إلى ريحانة روحي

ما قرأتُ كلةً فيها راء وحاء إلا تذكرتك، فتحركت الحروفُ واكتمل اسمك أمام عيني حتى صرتُ أخافُ أن يكون قد ألم بهما مرض أو داخل عقلي مسُّ جنون.

لقد صرت سادرًا حائرًا في ما اختار: المكوث في هذه الدار محاطًا بأهل العلم والأدب أم النزوح إليك مقتحمًا الأخطار. قلتُ ذلك لأن السلطان جعلني أعاهدُهُ على الاضطلاع بأعباء الومارة عشريثن عامًا. فإن نقضت عهدي، ما سلمتُ من نقمته.

العيون حولي تترصد حركاتي وتتجسس أخباري. فحذار حذارِ. عسى الله يأتينا بفرجٍ قريب.

                                                                                                            أبو الريحان البيروني

لم تعرف ريحانة هل حملت الرسالة إليها فرحًا أم حزنًا. فشعورها كان مختلطًا. عشرون عامًا لم يمضِ منها إلى زهاء أربعة! وها قد مضت تسعةُ أعوام على على انسلاخ أبي الريحان عنها. ستصبح عانسًا، بل عجوزًا، عندما ستراه مجددًا. هي محجوبة عنه، ونساءٌ كثيراتٌ يرينه، بل ربما يجتمعن به. تُرى هل رأته ياسمين؟ ودبت الغيرة في نفسها، فنادتها؛ فحضرت.

–  اصدُقيني القول. هل رأيتِ أبا الريحان البيروتي؟

– لا، يا مولاتي.

قالتها بحسرة، ونارُ الغيثرة التي تنتفضُ في عيني ريحانة تكاد تلتهمها.

– ألم تتحدثا عنه أنتِ ومريم؟

فأنكرت ياسمين لشعورها بالغيرة الآكلة القاتلة في كلمات ريحانة وعينيها.

– وماجد أين هو؟

فتلعثمت لحظاتٍ ثم قالت في خفر:

– حاول… حاولَ الاعتداء… عليَّ ونحنُ في الطريق إلى جُرجان. واتفق أن كانت كوكبةٌ من فُرسان السلطان قابوس مارةٌ من هناك، فسمعت صُراخي، فأحاطت بي، واعتقلتهُ.

– اعتقلته، يا فاجرة! فضَّلتِ أن يعتقل على أن تُشبعي نزوةً عابرةً من نزواته؟

فأجابتها بإباء وحدة:

– المرأة المؤمنة هي التي تصونُ عرضها، ولو كلفها ذلك سفك دمها.

– إخرسي، يا غبية. ماجد ملؤُه الرجولة. أتنتظرين رجلاً أفضل منه ليشبعَ شهواتك؟

فطفرت الدموعُ من عيني ياسمين، فكأن مُديةً حادة طعنتاها في قلبهاّ! لكنها تمالك وقالت منتفضة:

– الرجولة، يا مولاتي، ليست في كبر الحجم والبطش بالناس والاعتداء على أعراضهم، بل في المروءة والشهامة وعزة النفس وسمو الخلق، إنها رجولةُ أبي بكر وعُمر وعلي – رضي الله عنهم.

            وإذا الأميرة تهوي عليها بصفعةٍ مدويةٍ وتطردها من أمامها. فخرجت ياسمين وصورتا أمها الصرعى وشقيقها الطفل المدمى قد بعثنا صارختين في خياغلها. ويلٌ للحملان في عالمٍ يحمُه الذئاب!

            كانت ريحانةُ تلتذ وهي تُعذبُ منافسصاتها تلذذ المدمن بالخمرة المعتقة، وتسقط عليهن ما في نفسها من شهواتٍ موارة، فأسقطت صورة باطنها الخبيث على تلك الشريفة البريئة. ولم تكن ريحانة لتتأبى مخالطة الرجال ومشاعرها جميعًا تهتف لهم، وهم يحومون جماعاتٍ حولها تحويم الدبابير حول قرص من الشهد؛ لكنها كانت ترفض الزواج إلا بمن تراه أفض1ل الرجال، لأنها ترى نفسها فُضلى النساء. وأبو الريحان، في نظرها، أفضلهم. إنها تحبُ صورة ذاتها فيه من غير أن تدري؛ فإذا تغيرت صورته انقلبت عليه. إنه نوعٌ من الحب النرجسي.

الفصل السابع

 مضت بضعة أعوام كانت ياسمين في خلالها تشعر أنها سجينةٌ في قصر خوارزم، مهدد بالقتل هي وشقيقها إن لم تنفذ إرادة الأميرة. ولذا حرصًا على حياتها وحياته كانت تمتثل لرغبة ريحانة، فتقوم بمهمة ساعي البريد بينها وبين أبي الريحان البيروني بواسطة أبي سهل المسيحي، على ما فيها من مخاطر.

            وكانت ريحانة بذكائها ودهائها قد عرفت أن ياسمين لا بد من أن تكون قد صادقت مريم، ابنة أبي سهل، وأنها قد عرفت عن طريقها بموضوع الرسائل المتبادلة. فالمرأة الحكيمة كتومٌ لأسرارها الخاصة، لكن المرأة، بصورةٍ عامة، نزاعة للثرثرة؛ وليس متعذرًا أن يكون أبو سهل قد باح بسر الرسائل إلى ابنته، وهذه بدورها أفضت به إلى ياسمين. وكانت ريحانة مصيبةً في ظنها. فلجأت إلى ملاطفة مريم، وحققت رغبتها في أن تكون رحلاتها إلى جرجان ثم أوبتها منها بمعية جماعةٍ من تجار النصارة ممن كانوا يتنقلون بين البلدين، ويعرفون أبا سهل المسيحي ويجلونه. وإثر كل عودة، كانت الأميرة تنعم على ياسمين بعطية.

            في العام العاشر لومارة البيروني للسلطان قابوس، أي سنة 400 هـ (1009 م)، وصلت ياسمين إلى منزل أبي سهل، في جرجان، فقالت الترحاب كالعادة. وفي اليوم الثالث، قبل عودتها إلى خُوارزم، جالست مريم، وأفاضت في محادثتها عن أبي الريحان: مروءته، وملاحته، وأدبه، وعلمه، وشهرته، وإكبار السلاطين له… وذكرياتهما عنه المرة والحلوة. وفجأةً خطر في بال مريم فكرة. :

  • أماك بضع ساعات للأوبة إلى خُوارزم، فما رأيكِ في أن نذهب إلى القصر؟
  • إلى القصر؟ أجادة أنتِ؟
  • لا أقصد داخل القصر، بل باحته. وهناك نسأل عن جناح الوزير أبي الريحان. فقد يُطل فنراه.
  • نراه أمُمكن هذا بعد خمسة عشر عامًا! كنتُ في السادسة عشرة لما غادر خُوارزم! كان جارنا!
  • هيا إذًا.

وارتدَت مريم أنفسَ ثيابها، وازدانت ياسمين بوشاحٍ مذهبٍ أهدته إليها مريم، ومضتا تنفزان متهللتين كحمامتين ضجت فيهما الأنوثة.

وإذ وصلتا إلى فناء القصر وقفتا في زاوية منه تخمنان موقع ديوان الوزير. ولما طالت وقفتهما ونظراتهما إلى أجنحة القصر المختلفة، استرعى ذلك انتباه أحد الحراس، فاقترب إليها وسألهما من هما وعما تريدان. فقالت له مريم:

  • أنا مريم، ابنة أبي سهل المسيحي، وهذه صديقتي.
  • ماذا تريدان؟
  • أين ديوان الوزير؟
  • أبو الريحان؟ ةماذا تريدان منه؟
  • ؟؟؟
  • كان جناحُ الأميرة جمانة فوق مدخل القصر.

وزوجها، حاجب السلطان، يستقبل الناس في الغرفة الأولى من هذا الجناح، فيدخلهم إلى السلطان أو الوزير أو يصرفهم، أو ربما يأمر باعتقالهم. فصلاحياته اتسعت بعد زواجه بشقيقة السلطان. واتفق أن أطلت جمانة من نافذة حجرتها المشرفة على فناء القصر، والفضولُ في طبيعتها، فرأت الفتاتين تحادثان الجندي، فأوعزت إلبيه بأن يحضرهما إليها.

فاستجوبتهما، وحاولت استنباش ما تخفيانه. فأنكرت ياسمين هويتها وأنها من خُوارزم لمعرفتها بالعداء المستحكم بين ريحانة وجمانة. لكن مريم صارحتها بأنها ابنة أبي سهل المسيحي، لمعرفتها بأن السلطان يعرف والدها، وهو يجتمع بالوزير أسبوعيًا. غير أن أحد الجنود ممن كانوا حاضرين قال لياسمين:

  • ألست أنتِ التي كنت قادمة من خُوارزم على أتان وحاول راكب خوارزميٌّ الاعتداء عليكِ، فاعتقلناه؟
  • كلا.
  • ذلك حصل منذ بضع سنين.
  • كلا، لست أنا.
  • بلى، أنتِ بنفسك. وقلتِ إنك تقصدين أبا سهل المسيحي، وهو من أنسبائك. وهذه ابنته معكِ الآن.
  • فشكت جمانة بأمرها. وقاجتها هي ومريم إلى ماجد. فإذا هو في حالةٍ يُرثى لها من جراء تعذيبه. فإذا به يبادرها بقوله:
  • أهكذا تفعلين بي يا ياسمين! أهكذا تخذلني ريحانة!

فاضطربت، وأُسقط في يدها، ولم تستطع إلا أن تشفق على حالته وهي ذاتُ القلب الرقيق، فانهمرت دموعها. فصفعتها جمانة قائلة:

  • دموعك تشهدُ على أنكما متورطان في مهمةٍ قذرة واحدة. ضعوها في زنزانةٍ مجاورةٍ لزنزانته ليسمع كل منهما عويل الآخر.

وأمرت جمانة مريم بأن تنصرف؛ لكنها اعترضت بقوة قائلة:

  • إنها صديقتي وتنزلُ ضيفة في حمانا. إنها بريئة، بريئة.

فقالت الأميرة:

  • إذا أصررتِ على براءتها فستشاركينها في مصيرها.
  • خيرٌ لي أن أقاسمها عذابها من أن أتركها؛ فمن العار أن أخذلها.
  • إذا زجوا بهذه الشفية في الزنزانة نفسها.

ولى النهار وأبو سهل المسيحي ينتظر عودة ابنته. فلما هبط الليلُ، استحوذ القلق عليه وأخذ ينوشُه… فخرج مستطلعًا سائلاً معارفه عن ابنته؛ فلم ينبئه أحد بخبرٍ عنها. فأمضى الليل يعتصره الأرقُ والقلق، حتى إذا طلع الصباحُ, عاود التسآل حتى انتصف النهار. فقرر زيارة الوزير البيروني لعله يساعدُه.

            كان البيروني في مجلس مع أستاذه أبي نصر، منصور بن عراق، وكالعادة أفضا في محادثةٍ تناولت مختلف العلو/ فقال البيروني له:

  • لساني يعجز عن شكركَ يا أبا نصر، فقد كنت وما زلت لي خير عون.
  • لا داعي للشكر يا أبا الريحان، فإذا كنتُ قد عرفتك في خُوارزم هندسة إقليدس وفلك بطليموس، فقد أطلعك أبو الوفاء البوزجاني، قبلي، على مبادئ العلمين، ودربك أستأذك الرومي على أصول علم النبات والصيدلة، وزادك أبو سهل عيسى المسيحي تبحرًا في العلوم. ومع ذلك فأنا أقرُ بأنك تفوقت علينا جميعًا، حتى حملت وحدك لقب “الأستاذ”.
  • أجل، يسمونني”الأستاذ”، ولكنني في مسائل الحياة ما زلتُ تلميذًا بحاجة إلى مشورتك. فبم تنصحني، يا أبا نصر؟ وليبق ما سأقوله سرًا بيننا. لقد بلغني كتابٌ من ريحانة ابنة الحسين منذ ثلاثة أيام، وفي كل يوم كنتُ أقرأُه عشر مرات. ومع ذلك لم أستطع بعد أن أتخذ القرار المناسب الحاسم.
  • إنها تحبك كثيرًا يا أبا الريحان، ولا تنسى أنها أميرة من الأسرة الحاكمة في خُوارزم، فبيدها مفتاح سعادتك.
  • هي تهواني، وأنا مستهامٌ مفتون بالعلم.
  • ولكن بإمكانك أن تحبها وتحب العلم معًا، فتصيبَ عصفورين بحجرٍ واحد.
  • المرأة كمالمال، يا أبا نصر، تشغلُك عن كل شيءٍ سواها.
  • ولكنها تحب العلم أيضًا، تشغلك عن كل شيءٍ سواها.
  • ولكنها تحب العلم أيضًا. أليس لها أهديت كتابك النفيس الأول”التفهيم لأوائل صناعة التنجيم”؟ أليست هي التي أوحت لك بفكرة أسلوبه القائم على السؤال والجواب ليسهلَ استيعابُ الكتاب؟ اليست هي التي أوحت إليك وضعه بالعربية والفارسية لتعم فائدته ويًبح مرجعًا لتعلم اللغتين؟ ألم تكن هي أول من قرأه بعدك؟
  • في هذه الأثناء وصل أبو سهل إلى القصر وأستاذن في الدخول إلى الوزير. وكاد الحادب يصده لولا جرأةُ العالم وصوته الجهوري. فسمع7ه البيروني، ففتح بابه، ورحب به.

جلس أبو سهل واتلإعباءُ بادٍ عليه، فسأله أبو الريحان متعجبًا:

  • ما بكَ يا أبا سهل؟ أمريضٌ أنت؟
  • ابنتي، يا أبا الريحان، ابنتي لم تعد البارحة إلى البيت!
  • أأغضبتها؟
  • لا.

واقتربَ منهُ وهمسَ في أُذنه:

  • خرجَت مع ياسمين صباحًا، ولم تعد.
  • أمِن عادتها أن تغيب بدون علمك؟
  • لا، أبدًا.

وإذا خادمُ الوزير يقرعُ البابَ مستأذنًا، ثم يدخل قائلاً:

  • سيدي أبا الريحان، هذا كتابٌ سلمَهُ إليَّ رسول.

فيفتح البيروني الرسالة ويقرأ في نفسه. فيستوضحهُ أبو نصر عن مُرسلها؛ فيجيبه:

  • إنها من الأمير أبي الحسن علي بن مأمون، شقيق شاه خُوارزم. فهو يدعوني للذهاب إلى خوارزم. ويلاحظ البيروني ملامح الاضطراب على وجه الخادم، فيسأله:
  • ما بك، يا هذا؟
  • سيدي أبا الريحان، ماذا أقولُ للرسول؟ فهو ينتظرُ الجواب.
  • ولماذا لم يدخل؟
  • ألا يعلم سيدي أن الجنود بدأوا يحيطون بالقصر؟
  • يحيطون بالقصر! ولماذا؟
  • إنهم ثائرون على مولانا السلطان.

فيرهفُ الثلاثةُ آذانهم فيثسمعون جلبةً سرعان ما تعلو، لتعقبها نداءاتٌ وتكبيراتٌ وصلصلةٌ للسيوف. فيطلون من النافذة، فيرون الجنود الثائرين يحيطون بالقصر، ويملأون باحته، ويحاولون اقتحام مداخله. وقد بدأت جثث المتصارعين تنطرح أرضًا، والجماءُ تصبغُ الحضيض. فيقول البيروني:

  • يا لسخرية القدر! الملوك يتساقطون، والدولُ تنقلبُ، والعلم وحده باقٍ لأنه قبسٌ من ينبوع النور الأبدي.
  • فيقول أبو نصر:
  • إنها مشيئة الله يا أبا الريحان. قُم رتب أمتعتك وارتجل إلى جرجانية قبل أن يستفحل الأمر ويعم الشغب, ويشتد السلبُ والنهب.
  • فيجيبه أبو الريحان:
  • وهو كذلك، يا أبا نصر. ألا تهيئ نفسك أنت أيضًا للرحيل، فنعود معًا إلى خوارزم مثلما فررنا منها معًاغ، قبل خمسة عشر عامًا؟

فينتفضُ أبو سهل قائلاً:

  • وابنتي، يا أبا الريحان؟ مريم، زنبقتي، أنتخلى عنها؟
  • لا، والله. لكن البحث عنها في حومة الأخطاء غير مجدٍ. فتريث لتنجلي الغمامة السوداء.

ويحزم البيروني أهم أمعته ومخطوطاته، على عجل، يساعده صاحباه، ثم يقودهما إلى الخارج من مفذٍ سري يؤدي إلى غابةٍ مجاورة. وعندما يصبحون في أمان بعيدصا عن الجنوب المتصارعين، يدعو أبو سهل أبا الريحان وابا نصر إلى تمضية بقية النهار في منزله ريثما يهبط الليل، فتصبح الرحلة إلى خُوارزم آمن والتنكر أسلم.

            وبعد وصولهم واستراحتهم، قال البيروني:

– إنها عاقبةُ الظلم وسوء تدبير أمور الرعية. فالسلطان قابوس، على أدبه ومحبته للعلم وتقريبه العلماء، كان يسير إمارته وفقًا لنزوات أنسبائه، فكثر الظلم واشتد الاستياء حتى عم الرعية والجنود.

            ولم تمضِ ساعةٌ على وصولهم حتى قرع الباب. فتحته أبو سهل بحذر، وإذا به يشهق! لقد كانت مريم وياسمين عنده، وجهاهما وعنقاغهما ملطخة بالدم كعصفورتين ذبحتا ثم أعيدت الحياةُ لهما بقوة العلي! وكانت ثيابهما مخضبة وممزقة! فارتاع الجميع، لكنهم ما لبثوا أن ابتهجوا للقاء غير المنتظر. وأخذت الفتاتان تقصان على المجتمعين أخبار اعتقالهما وضربهما بالسياط تحت ناظري جمانة التي كانت أساريرُ وجهها تزدادُ انشراحًا مع كل لذعة سوط! ثم وصفتا اقتحام الثائرين للسجن، وإخراج مئات المساجين منه. وكانتا تقصان الأخبار المفاجئة وهما تتوجعان من آثار السياط؛ لكن رؤثيتهما لأبي الريحان أرقص قلبيهما.

أخيرًا، قالت مريم:

– إن أعجب ما حدث هو أن الثائرين زجوا بالأميرة جمانة في الزنزانة نفسها التي ألقت بها وبياسمين فيها!

فكبَّر الجميع، ثم قال البيروتي للفتاتين:

– إن الله سبحانه يعاقب على الشر بمثله. لكن ألا تريان أن أمسح جراحكما بما يزيلُ الألم؟

فرشقت كل منهما صاحبتها بنظرةٍ ذات معنى؛ وما لبث الأحمرارُ أن غزا وجهيهما كأنهما تفاحتان انضجتهما حرارةُ الصيف بسرعةٍ عجائبية!

            وبينما كان أبو الريحان يمسحُ ببعض عقاقيره بلطفٍ وعطف جروح الفتاتين المولعتين به وهما منتشيتان تحت لمسات يديه، كان أبو سهل يحزمُ النفيس من أمتعته، وكذلك أبو نصر الذي كان منزلُه مجاورًا.

وما إن هبط الليلُ حتى كان الجميع متأهبين للعودة إلى خوارزم، وأ/تعتهم على ظهور المطايا.

الفصل الثامن

تنكر العلماء الثلاثة والفتاتان، واختلطوا بقافلةٍ من تجار النصارى المتجهين إلى خوارزم. فالنصارى لم يكن بُؤبَه لهم في الصراع على السلطة لضآلةِ شأنهم السياسي والعسكري في تلك الأمصار. فالضعفُ، في بعض الظروف، يكون مدعاة نجاة، والالتصاقُ بالأرض آمن أوانَ تهب العواصف.

كانت جحافل الليلِ تتحاشدُ فوقَ رمال الصحراء المواحة تحت حوافر المطايا، وتضوُّرُ الذئابِ يختلطُ بخفخفةِ  الضباع وعواء بنات آوى وقُباع الخنازير البرية. وكان الرُكبان يزدادن رهبةً ويشتدُ وجيفُ قلوبهم كلما لاحت أشباحُ الفرسان يطارد بعضهم بعضًا على خيولهم المجبلية بالدجنة، لا سيما حينما تتعالى صلصلةُ السيوف مختلطةً بأصوات المتقاتلين وصراخ المطعونين المتساقطين…

فكأن رحِمَ الجحيم تلفظ شياطينها إلى ظهر الأرض!

وما لبثت أنباءً الاقتتال الدامي المتطايرة من حول القصر أن حملت إلى مَن في القافلة خير عزل السلطان قابوس؛ فحزن البيروني على رجل خفضت سياسةُ حكمه منزلته ورفع ما خلفهُ من أدبٍ شأنه.

وما إن أوغلوا في الصحراء وابتعدوا عن ميادين المقاتعلين حتى أطلق العنان لتأملاته في أسباب زوال الدول وبقاء الآثار الفكرية الجليلة. فالجانبُ المظلمُ في النفس البشرية، هذا القطاع الأمَّارُ بالسوء، هو المسؤول عن انهيار الدول بما فيه من شهواتٍ موارة بالمطامع والمظالم وطبيعةٍ لا تشبعُ من المتع الحسية، فكان في نفس الإنسان حيوانًا ضاريًا قابعًا فيها! أما الجانب النير في النفس، هذا القطاع الذي يشعر به أبو الريحان ملء ذاته، فهو الذي يبدعُ العلم والأدب والفلسفة، وهو الذي يخاطبه الأنبياءُ حينهما يظهرون محاولين بعث الحياة في ما ينطوي عليه من فضائل وروحانية، وهو وحده يولدُ الأعمالُ الخالدة الجُلْى.

وولى الليل بمخاوفه، فهدأت نفوس الركبان ببلجةِ الفجر ثم إطلالةِ غزالة الصباح تنشرُ من مرجة السماء نثار عسجدها على الفيافي والبطاح. وبعد وصول القافلة خوارزم، فارقها العلماء الثلاثة مع الحسانوين قاصدين جرجانية، عاصمة خُوارزم الجديدة حيث يقيم الشاهُ الجديد، أبو العباس مأمون بن مأمون.

اكترى كل من أبي سهل المسيحي وأبي نصر بيتًا متواضعًا. ونزل أبو الريحان البيروني مع ياسمين ضيفين على أبي سهل وابنته مريم. وفي اليوم التالي وصل الخبرُ إلى قصر الشاه بأن البيروني قد حضَر؛ فأرسل شقيقُ الشاه، الأمير أبو الحسن علي بن مأمون، كوكبةً من الفرسان إلى دار أبي سهل لترافق أبا الريحان إلى القصر معززًا مكرمًا. وكانت ياسمين بصحبته. فاستقبله أبو الحسن استقبالاً حافلاً. وما لبثت الأميرة ريحانة أن انضمت إلى المجلس وهي تحاول كبت انفعالاتها، فتفضحها عيناها المائجتان بالسنى الراقص، وبسمتها المزهرة كروضةٍ طفرت فيها أعاجيبُ الورود.

وما يلبث خوارزمشاه أن يدخل إلى البلاط، يفعانق أبا الريحان بحرارة، ويبلغه أنه اختاره وزيرًا له، وأنه أفرد له جناحًا لسُكناه في القصر.

وتمضي الأيام والأسابيع وريحانة تعيشُ في مهرجانٍ صامت. لكن كل من كان في القصر من خدمٍ وحشمٍ استرعى أنظارهم أن جوًا بهيجًا جديدًا قد داخل القصر: ردهاته وممراته والجنائن المحيطة به. فكأن أنامل الحب الخفية ذاتُ كيمياء عجيبة لا تلمسُ شيئًا إلا تطبعه بالبهجة، وإن يكن إلى حين.

وبقيت ياسمين في عداد خادمات القصر، بعد أن طلب أبو الريحان إلى ريحانة أن تبقيها في عملها، لأنها أخلصت لها، وعانتِ العذابَ من أجلها. ومِمَّ تخافُ الأميرةُ والوزيرُ العالمُ أصبح بين يديها؟ أما مهمةُ ياسمين فقد حُصِرَت في إعداد القهوة وتقديمها لأهل القصر ثلاث مراتٍ في اليوم. فكانت تدورُ عليهم كظبيةٍ تدور في فلاةٍ لا نباتَ فيها ولا ماء، حرَّى النفس، كئيبة القلب، تكادُ الدموعُ تطفرُ من عينيها الدعجاوين الحزينتين. فما تدخلُ إلى أبي الريحان لتقدم القهوة إليه حتى ترتعش يداها ويزداد طائرُ الحب اختلاجًا بين ضلوعها، وتتواثبَ نيرانُ عاطفتها وهجًا على وجهها، مخصبةً إباه بقرمزِ الخفر.

وكان أبو الريحان يشعرُ بعاطفتها وارتباطها، فيحنو عليها، ويمازحُها لكن ليسَ أمامَ آخرين، لا سيما ريحانة، لأنه كان يشعرُ بغيرتها الأكلة، ويعلمُ قسوتها على مَن تظنُّ فيهن المنافسة لها. لقد كانت تفيضُ بالأنوثة أمام الرجال، فتجعلها هذه المزيةُ محببة لديهم، لكنها تنصرفُ مع النساء وكأن نمرًا يسكنُ نفسها فيجرحُ بناتِ جنسها!

وكانت ريحانة إذا آنسَت من الوزير استراحة، تدخلُ إلى مكتبه وتُطارحُه الرأي في ما تقرأُهُ، تتذرعُ به إلاى مُطارحتِه الهوى. أما هو فكان معها بين مدّ وجزر: يتأبى الاسترسالَ في ما تستدرجُهُ إليه من شهوةٍ عارمة، لا تنزهًا عنها، بل توجُّسًا منها، إذْ كان يراها لا تضنُّ ببسماتها على كثيرين؛ لكن فيضَ أنوثتها وجمالها، فضلاً عن ثقافتها، كان يؤثر في عواطفه تأثير القمر في مد البحر، فيشعر، كلما حضرت بانفعالاته تجيشُ وتحتشدُ وتجذبُه إليها، فيبقى في صراعٍ بين عقله وقلبه، حينًا ينتصرُ هذا، وحينًا ينتصرُ ذاك.ومضت عدةُ شهور، وحلَّ عيد النيروز، يومُ الفرح؛ وفيه يلبسُ القصر حلةً جديدة، ويستريح أهله. فدخلت ريحانة على البيروني وقالت له:

  • علمتني، يا أبا الريحان، أن أهلَ التوارة يقولن إن الله – عز وجل – خلق الكون في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع,، ولذا فهم يستريحون في اليوم السابع من كل أسبوع. وأنتَ، مذ عرفتك، لا تستريحُ يومًا واحدًا في الأسبوع، ولا في الشهر، ولا في السنة.

فأجابها:

  • بل أستريحُ يومين كل عام: يومَ النيروز ويوم المهرجان.
  • وهُوذات يومُ النيروز يكادُ ينتصفُ وأنتَ ما زلتَ تُسوّدُ القراطيس. فأنت والحالةُ هذه تحتاجُ إلى نبعٍ من المداد! فضحك أبو الريحان ثم قال لها:
  • أريد أن أُنهيَ هذا الكتابَ في عِلمِ النجوم.
  • إذًا هيا اقرأ لي طالعي، وأرني مستقبلي، واكشِفْ عن مطالع سعودي بحساب النجوم، يا منجم الشاه.
  • لا، يا ريحانة، التنجيمُ، مثلما تتصورينه، كذبٌ وشعوذة. فلا علاقة للنجوم بمصايرنا وأحداث حياتنا. فالله خلقنا أحراراً، وهو سيُثيبنا أو يعاقبنا تبعًا لأعمالنا الحرة التي نقوم بها بإرادتنا الحرة. فلو صح أن مصير الإنسان مكتوبٌ في الأبراج، فهذا يعني نفيًا لحريته؛ ونَفْيُ الحرية في أعمالنا وحياتنا مستحيل، لأنه يعارضُ العدالة الإلهية. وكم من ولادةٍ تحدثُ في اليوم نفسه، بل الساعة عينها. وما رأيتُ أترابَ الولادة متساوين في حظوظهم، ومتماثلين في طباعهم وأحداثِ حياتهم. ذلك فضلاً عن أن الحساباتِ الفلكية التي يجريها المنجمون غير صحيحة، لأن أسسها خاطئة.
  • ما أقوىا حُجتك وأغزر معارفك! ألم تقل لي مرةً أيضًا إن الإمام علي بن أبي طالب – رضي اللهُ عن – كان موقفه من بطلانِ التنجيم حاسمًا؟
  • وكذلك أهل الاعتزال، فقد أدت بهم رجاحةُ عقولهم إلى نُكرانِ التنجيم ونُكرانِ أفانين السحر كلها.
  • لكن إيَّاك، يا أبا الريحان، إعلانُ مناصرتك لأهلِ الاعتزال، فقد سمعتُ أن السلطان محمود يأمرُ بالقبض عليهم، وخصوصًا أنه يكرهُ شيعةىَ الإمام وأنت معروفٌ بحبك له.
  • ما كان الجبانُ أهلاً للحياة، يا ريحانة. فرأيي أعلنه كتابةً وجهرًا.

ويطرقُ البابُ، ويجخل جنديٌّ، بعد استئذانه، فيبلغ الوزير أن الشاه سيخرج إلى الصيد في هذا اليوم، وهو يستدعيه ليصحبه. فتقولُ ريحانة للبيروتي:

– سأستأذِنُ عمي الشاه للخروج مع صواحبي في موكبه للتنزه.

وتتصرفُ ريحانة، لكنها تقفُ هُنيهاتٍ خارج الباب، فإذا هي تسمعُ البيروتي يقولُ بصوتٍ خافتع: إنها حِيَلُ النساء؛ فما أدهاكن! فتضحكُ عاليًا. فيعرفُ أنها سمعتهُ.

            يهيئُ الوزيرُ نفسه بسرعة، وينضمُ إلى موكبِ الشاه أبي العباس مأمون الذي كان يرتدي عباءةً مطرزة بالذهب ويعتلي جوادًا مطهمًا. فتتطلقُ الخيلُ بمهابة بمحاذاة النهر ترافقها كلابُ الصيد النابحة، وكان صقرٌ ثاقبُ العيني يحطُ على كتف الشاه منتظرًا إيماءةً منه للانقضاض على طريدته. ثم يوغِلُ الفرسانُ في الصحراء الممتدة بين خُوارزم وجُرجان. فيسأل الشاه وزيرهُ العالم عن رأيه في الصحارى، فيجيبه:

  • هذه الصحراء، يا مولاي، كانت بُحيرةً في الماضي البعيد. فقد عثرتُ فيها على حجارةٍ انطوت على متحجراتٍ من الأصداف والأسماك، الأمرُ الذي لا يُفسرُ إلا بأن هذه الصحراء كانت بُحيرةً في الماضي السحيق.
  • صحراء كانتُ بحيرة! للمرة الأولى أسمعُ مِثلَ هذا القول العجب!
  • أجل كانت بحيرة، وحولها سهولٌ خصبةٌ، ونهرُ جيحون الذي يمتدُ أمامك كان يخترقها ليصب في بحر الخزر. ولكن مع مرور العصور تكاثر الطميُ عند مصب النهر، فتحول مسيلُ الماء إلى أرض الغز الأتراك.
  • ولكن ليس في علمي أن النهر يجري في تلك الأرض!
  • لقد أوقف مجراه هنالك ج-بلٌ يعرف اليومَ باسم “فم الأسد”، وذلك قبل زمان طويل. فتجمعت المياه وارتفعت، وتركت أمواجُ النهر آثار اندفاقها ولطمها على المرتفعات هنالك. وعندما تفاقم وزنُ الماء وضغطه على تلك الحجارة الراشحة، اخترقتها المياه، وشقت مجرى لها على مسيرة يوم، ثم تحولت إلى اليمين باتجاه فاراب. وكان الناس يزرعون الأرض على ضفتي النهر في نحو 300 قريةٍ ومدينهةٍ بقيت آثارها إلى يومنا هذا.
  • جليلٌ علمُك، يا أبا الريحان.
  • للهِ الفضلُ فيه، يا مولاي، ولأساتذتي.
  • لعمري، إنه لمفخرةٌ لخوارزم أن يولد فيها عالِمٌ نظيرك، يا أبا الريحان. وبدءًا من الغد سآمرُ بإنشاء مجمعٍ للعلوم يضمك ويضمُ أمثالك من العلماء، وبه سنُباهي سائرَ الأقطار. والآن إلى اللقاء، فإني أريدُ التوغُّل للصيدِ في جوفِ الصحراء.
  • في رعاية الله.

ما إن يبتعد موكبُ الشاه ويلوي أبو الريحان عنانَ جوادِه ليعودَ إلى القصر حتى تلوح لهُ فرسٌ تدنو إليه مُسرعة وإذا العجاجُ ينجلي عن فتاةٍ ملثمة. فيحدقُ أبو الريحان إليها محاولاً استكشاف هويتها. فتُسفِرُ عن وجهها قائلة:

  • عمي الشاه ما زال يبحث عن طرائد يصطادُها وأنا سبقتُه فاصطدتُك.
  • ريحانة! ماذا أتى بكِ فجأةً؟
  • كنتُ أترصدُك بين صواحبي في مؤخرة الموكب. فلما رأيتُ الفرصة سانحة، انقضضتُ عليكَ، يا أرنبي الذكي، مثلما تنقضُّ العقابُ عن طريدتها.
  • إنها لجُرأةٌ منكِ بالغة!

وينتحي الاثنان في بقعةٍ معزولة تُظللها اشجارٌ غبياء بجوار النهر، ويستريحان على الحصى. فتقول له:

– هاتِ حدثني عن السماء… هل يعرفُ سكانها الحب كالبشر؟ حدثني عن النجوم، كم نجمٍ رصدتَ؟

– رصدتُ حتى الآن 1029 نجمًا. لكن ثمةَ نجمان لم يُتِح الوقتُ لي بعد أن أرصدَهما وأتملى نورهما.

– ما اسماهما؟

– عيناكِ!

فتضحك بغُنجٍ ودلال… ثم يرنو كل منهما إلى عيني الآخر وبسمةُ الفرح تُضيءُ وجهيهما، ويغرقان في نشوة الهوى؛ ولا يُصحيهما منها إلا صهيل جيادٍ قادمة. وإذا عليها صواحبُ الأميرة. فتُشيرُ إليهنَّ بالابتعاد. ثمَّ تسألُ البيروتي:

  • يا أبا الريحان، أنت فلكي، وجغرافي، وعالِمُ رياضيات، وعالِمُ نبات، وعالِمٌ في طبقات الأرض، وعالِمٌ في الصيدلة، ومؤرخ، وشاعر، وفيلسوف… ولكن ألا تكتبُ قصصًا؟
  • قصصًا! عن أي موضوع؟
  • عن الحب مثلاً. أما ذكرت لي أن الشاعر الفردوسي أنهى في هذا العام “الشاهنامة”، قصة ملوك فارس، وكذلك أنهى قصة غرام كسرى وزوجته؟
  • “خِسرو وشيرين”. بلى. قِصصٌ عن الحب… فكرةٌ رائعةٌ، والله!
  • تُرى، من ألفَ أول قصةٍ في الحب؟
  • إثنان.
  • مَن هما.
  • آدم وحواء؟
  • يقولُ اليهودُ: إن عُمرَ البشر من آدَم إلى الطوفان 1656 سنة؛ ويقولُ النصارى: بل عمرهم 2242 سنة؛ أما السامريون فيحددون عمر البشر من آدم إلى الطوفان بـ 1307 سنين.
  • وأنتَ ماذا تقول؟
  • إذا كان الاختلافُ بالغًا بين المعنين بالأمر، وليس ثمة كتابٌ ولا مرجع يُركَنُ إليه لتمييز حق ذلك من باطله، فمن أين يطمعُ طالبث المعرفة في الوقوفِ على الحقيقة؟
  • إذًا ما دام الله – سبحانه – خلقَ العالم في سبعة أيام، فمعنى ذلك أن الأرض عمرها يسبق عمر آدم ببضعة أيام.
  • هكذا يقولون. لكننا عندما ندرسُ السجلات الصخرية والآثاءَ العتيقة، نعلمُ أن هذه التطورات والتحولات لا بد من أن تكون قد استغرقت دهورًا طويلةً تحت ضغط البرد أو الحر، الأمر الذي لا تعرفُ وصفه أو تحديده. فإننا نشاهدُ بالماء والهواء حتى في أيامنا هذه يشعلان وقتًا طويلاً في إتمام عملهما. وقد نطق الفرآن الكريم “بأن يومًا عند ربك كألفِ سنةٍ مما تعدون”، وفي آيةٍ أخرى ورد: “في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنة”.
  • إذا أنتَ نعتقد أن الأرضَ عمرها مئاتُ ألوف السنين؟
  • لا يمكن التحديد، ولكنها دهورٌ طويلة.
  • أهي أزلية كما يقول بعض الفلاسفة؟
  • لا , لا بد من زمنٍ حدثَ فيه وجودُها، لكن لا يمكن تعينه بالضبط.
  • أبا الريحان، ليتنا آدم وحواء.
  • وتغريني، وتطعميني من التفاحة، ثم نطرد من الجنة لنعيش في الشقاء، لا، والله، لن أفعلها.

ويضحكُ الاثنان كأنهما طفلان! وما تلبثُ ريحانة أن تقول له:

أنا سأعيدك إلى الجنة، يا آدمي.

– جنتي العلمُ وحده، ولا جنةَ لي على الأرض سواه.

– هلا جعلتني من موضوعاتِ علمك. ففي جسدي كل ما في الأرض من ثمارٍ وعطور وتُراب، وفي نفسي كل ما في الأفلاك من نيراتٍ وضباب.

                                                الفصل التاسع

وتمضي سبعةُ أعوامٍ يُوزعُ البيروني فيها وقته بين أمورٍ ثلاثة: التأليف، والعمل في مجمع العلوم مع ابنِ سينا وأستاذه الفلكي الرياضيّ، ابن عراق، والعالِم الفيلسوف في مسكويه وآخرين من علماء العصر، والقيام بمهامه السياسية والإدارية في الدولة.

أما ريحانة فكان يعطيها بين يومٍ وآخر النزرَ الباقي من وقته، ويمحضُها رذاذًا من عاطفته، فلا يعلقُ بأحبولتها الشهوانية، ولا يدعها تسلوه. وهكذا أصبحت عواطفها موزعة بينه وبين كثيرين، لكنه بقي في فلكها قطبَ الجاذبية الأكبر.

وذات يوم من العام 407 هـ / 1016 م كان مجلسُ العيوم منعقدًا، وفيه البيروني وابن سينا. وكان أبو الريحان قد بدأ يشتد انزعاجه من متاعب الحكم ومشكلاته، ويرى أن ما يحدث في جرجانية يكاد يكرر ما حدث في جرجان، لأن نزعات الإنسان هي هي حيثما كان. فالظلم متفش، وشهوةُ المال وشهوةً السلطة مستشريتان، ونزعاتُ البكبرياء والحسد والرياء مهيمنة على الأشراف وأهل الحكم كما على قادةِ الجند\ وشيوخ الدين. فخاطب البيروني ابن سينما قائلاً:

  • أُفٍّ للسياسة ولأعمال الإدارة والحكم، إنها تُضيعُ جزءصا كبيرًا من وقتي، وأنا أغبطُكَ، يا ابنَ سينا، لتعفرُّغك للعلوم.

فيجيبه ابن سينا:

  • ولكن تسلمكَ بعض مقاليد الدولة رفع مكانت وأذاع شهرتك، يا أبا الريحان.
  • – لا أظنك تغبطني على ذلك. فهذا أمر لا يحسدني من أجله إلا الحمقى. أما العقلاء فيشفقون منه عليَّ.
  • قرأتُ انتقادك لأرسطو في إنكاره وجوده عالمٍ آخر يختلفُ تمامًا عن عالمنا الذي نعرفه.
  • ما رأيك في المسألة؟
  • أؤيد رأيكَ في وجودِ عالَم مختلفة عن عالمنا.

وصحيح دليلكَ الذي أعطيته بأن الشخص الذي يولد أعمى يستحيل عليه أن يتخيل صورة الأشياء من حوله.

  • أجل، فيمكن أن يكون ثمة عالمٌ آخر لم تتهيأ للإنسان القدرات اللازمة لإدراكه.
  • لكني أستدركُ فأقول: لا يمكن أن يكون هناك عالمٌ آخر مثل عالمنا، له مثل طبيعته ومقوماته…
  • وفجأة يستأذن جندي بالدخول. وإذ يؤذنُ له يخاطب البيروني قائلاً:
  • سيدي الوزير، مولانا الشاه يستدعيك.
  • سأذهبُ حالاً.

ويدخل البيروني إلى الشاه.

  • السلام على مولاي الشاه. هل من خدمة؟
  • يا أبا الريحان، قال الشاعر أبو فراس الحمداني: “وفي الليلة الظلماء يفقتدُ البدرُ”.

فأنتَ الآن رجلُ المُلمَّات والشدائد. إن أعيان البلد ثائرون، لأنني طلبتُ إليهم أن يوافقوا عل إدخال اسم السلطان  محمود في خُطبة الجمعة. وإنما فعلتُ ذلك نزولاً عند رغبة السطلان. فلا أريدُ إغضابه كما لا أريد إغضاغبهم. فانظرُ بحكمتك وحصيف رأيك كيف تعالجُ الأمر. الأشراف مجتمعون اغلآن في البهو الكبير.

            يشعر البيروني كأنما ألقى فجأة في لولب زوبعة، وبقول للشاه:

            – حملتني عبئًا ثقيلاً، يا مولاي، وأرجو أن يُقويني الله على النهوض به. سأتوجه إليهم حالاً.

            يمشي الوزير متمهلاً ريثما يبزعُ حلُّ المعضلة في ذهنه. وكان اللغطُ يشتدُ والصخبُ يتعالى كلما اقترب من البهو الكبير. وما إن يطلُّ على المج-تمعين حتى تتعاغلى أصواتهم استنكاراً، وترتفع أيديهم متشنجة مهدد كانما تحمل قبضاتها المطارق المردمة. كانوا بضع مئات من الأعيان وشيوخ الدين. لحاهُم تنتفضُ وشواريهم تختلج من الحركات العصبية، وعيونهم تكاد تقحد شررصا. وكانتِ الخناجرُ مغمدةً في أوساط كثيرين منهم.

            كان البيروني في الثالثة والأربعين من عمره. فتمالك نفسه، ونفض الجميع بنظرةٍ فاحصةٍ مهيمنة، ثم قال لهم بصوتٍ جهوري متزن:

– يا أشراف خُوارزم، عليكم الآمالُ معلقة، وإليكم الأنظارُ متججهة، وبكم الدولة محصنة، فعلامَ تغضبون؟ أتغضبُ اليدُ من الرأس إذا أمرها بالتحركط ليمتحن سلامتها؟ أنتم الأيادي القوية التي بها يحكم أبو العباس، خُوارزمشاه، وبقدرتها يعتز. وقد أراد امتحانكم إذ طلب إليكم أن توافقوا على إدخال اسم السلطان محمود في خطبة الجمعة. لقد كان طلبه إليكم تجربة لا أمرًا. أما وقد برهنتم عن تمسككم باستقلال بلدكم وبحريةِ تصرفكم. فإنكم الأعيان الجديرون بأن تفخر خورزم بكم. ولكن ألا ترون أن ثقة الشاه بكم ستتزعزع إذا لم تبادروا إلى الاعتذار منه عن تسرعكم في ردة فعلكم لامتحانه مدى إخلاصكم لبلدكم؟

            ومضى الوزيرُ العالم والخطيبُ المفوه في خطبته حتى خدأت نفوس الأشراف، واقتنعوا ببراهينه المفحمة، وأخذوا يتناقلون أنه ذو لسان من فضةٍ وذهب.

            لكن السلطان محمود بن سبكتكين، الملقب بيمين الدولة، الذي كان قد مد سلطته على كثير من الأمصار الفارسية والأفغانية والهندية، سرعان ما يعلم – بواسطة عيونه – بنقمة الأشراف في خُوارزم وبخطاب البيروني، فيبعث برسالة إلى أبي العباس، خوارزشاه، يأمرُهُ فيها بأن بوعَز إلى الأعيان وشيوخ الدين بأن يدخلوا اسمه فورًا في خطبة الجمعة، كما يوعِزُ باحضار العلماء من أعضشاء مجمع العلوم إليه.

وحينما يصل أمر السلطان إلى البيروني، يكون مجتمعًا خوارزم. والله أعلم بما يُضمرُ لنا من سوء؛ فأنتم تعلمون بموقفه المعادي للشيعة ولأهل الاعتزال، بل لكل فكرةٍ علميةٍ أو فلسفية جديدة. فماذا أنتم فاعلون؟

فيقول البيروني مخاطبًا ابن سينا:

– والله، يا أبا علي، لأن أموتَ مرفوع الرأس، مُجاهرًا بالحق خيرٌ من أن أجبن وأتذلل. فما رأي أستاذي عبد الصمد؟

– إن السلطان محمود بن سبكتكين، يا أبا الريحان، تغلب القسوةُ على طباعه، ومشهورٌ عنه الاستبداد بالرأي، والفتك بصاحب كل عقيدةٍ جديدة، بل كل اجتهاد علمي محدث. وشر ما أخشاهُ أن يتهمنا بالكُفر أو الزندقة أو القرمطة ويقتلنا بها. ألا ترى رأيي، يا أبا الريحان؟

– قبلنا وقف، في بلاد اليونان، رجلٌ حكيمٌ عظيمٌ هو سقراط، إذ اتهمه قضاة أثينا بإفساد الناشئة لأنه كان يعلمُ الحق الذي آمن به؛ لكن سقراط لم يجبن ولم يهرب من الموت الذي واجهوه به وليتني أكون كمع7لم أفلاطون أحيا في سبيل الحق والمعرفة، وأموتُ من أجلهما.

            في هذه الأثناء كان ابنُ سينا ينظرُ من النافذة مستشرفًا، فقال:

  • أما أنا فلي رأيٌ آخر: أنجوا بأنفسكُم، يا قَوم. فإن لم يقتُلكم السلطان، فسيقتلكم جنودُ أبي العباس. ألا تسمعون هياجهم وصرخات غضبهم؟ إنهم أشبهُ بالضواري التي أفلتت من أقفاصها! أتنتظرون الحكمة من الغوغاء؟

فيهرعُ الجميع إلى النوافذ، فيرون الجنود في صخبٍ وهياجٍ عظيم، وقد اختلط الحابلُ بالنابل. فيهرولون خارجين، ويفر ابنُ سينا محتجبًا عن الأنظار؛ أما البيروني فيدخل جناحه وقد اجتاحتهُ الكآبةُ على حالِ المسلمين. فأخذ يستعيدُ ذكرياته الأخيرة في جُرجان حينما ثارَ الجنودُ على قابوس وخلعوه.

            وسرعانَ ما يشعرُ بالخوف، لا على نفسه، بل على الشاه وزوجته، شقيقةِ السلطان محمود، كما على أختها والدة ريحانة, على ريحانة نفسها. فيسرع إلى حيث يقيمون، فيرى الجنود الثائرين قد اقتحموا القصرَ، واحتلوا ممراته، وهم يحاولون تحطيم الأبواب المؤدية إلى جناحِ الشاه وجناح الحريم. فيعترضهم محاولاً إقناعهم بالعُدولِ عن العنف؛ لكنهم لا يصغون إليه، بل ينطلقون كالإعصار الجائح، فيقتلون الحرس، ويسقط باب جناح الشاه تحت ضرباتهم، فينقضون عليه ويقتلونه. وكان البيروني يلقى حتفه لولا تدارك الأمر بعضُ القادرة ممن كانوا يجلونه. فاستحلفهم، إذ ذاك، على ألا يمسوا النساء بضرر، وعرض حياته لحظرٍ أكيدٍ بحمايته لهن؛ فتراجعوا أكيدٍ بحمايته لهن؛ فتراجعوا عن جناحهن غير راضين.

            وظلت النساءُ في جوامةٍ من الهلع حتى وصلت أنباءُ مصرع الشاه أبي العباس إلى السلطان محمود، فبادر فدخل بجيشه إلى خوارزم، واحتلها سنة 407هـ/1016م، وثأر لأبي العباس صهره، وأنقذ شقيققتيه مع ريحانة والخادمات وبينهن ياسمين.

            وما لبث السلطان محمود أن قبض على أعضاء مجمع العلوم ممن لم يتوار منهم، وبينهم البيروني وأستاذُه عبد الصمد الحكيم. فحرضه شيوخُ الدين من أهل السنة على قتلهما بتهمة الكفر والأخذ بآراء المعتزلة.

            فأحضر عبد الصمد، ولم يترك له المجال الكافي للدفاع عن نفسه؛ فاتهم بالكفر والقرمطة وقتل.

            وعرفت ريحانة ووادلتها بتصميم السلطان على قتل أبي الريحان، فهرعنا إليه، ورجتا منه أ، يعفو عنه. فقال لهما:

  • لقد مالأ أشرافَ خُوارزم ضدي، واخترع آراءً وبدعًا جديدةً في العلوم لا يقرّثها الدينُ الحنيف. أمعقولٌ أن يكون عمرُ الأرض دهورًا طويلةً مثلما يدعي؟

فقالت له ريحانة:

  • لقد عرض أبو الريحان نفسه للخطر من أجل أن يحمينا.

فأجابها السلطان ساخطًا:

  • إن هذا الرجل المسمى البيروني لخطر جدًا على مملكتي. فقد وصلني أن لسانه الذرب يُقلبُ القلوب والعقولَ بسرعةٍ عجيبة.

فتجيبه ريحانة:

  • إنه أعظم عالم في الفلك، في مملكتك، يا مولاي، وهو يجيدُ خمس لغاتٍ على الأقل. فبمثله يستفيدُ الملوك. وبإمكانك أن تجعل منه درةً تزينُ تاجك.
  • ليس جديرًا بأن يزين تاجي إلا الجواهر الثمينة التي أغنُمها في فتوحاتي وانتصاراتي العظيمة. فما بكِ تنطقين بالهراء؟
  • قد يُساعدُكَ، يا مولانا، بثاقبِ فكره وغزيرِ علمه، وبمعرفته لعادات الشعوب وتواريخها وأديانها ولغاتها. فعمي الشاه الشهيد طالما استنصر حصيف رأيه.
  • أنا لا أثقُ به، يا ريحانة، فاحذريه، وكُفّي عن الاسترحام لأجله.
  • أعيذك بالله، يا مولانا عن شرِّ الانتقام. فقد سمعتُ أبا الريحان يقولُ ذات مرة: “جل خطرُ الملوك عن المجازاة بالانتقام”. والمالُ يمكن أن يُعوض إذا فقد؛ لكن العلم إذا خسرته المملكة، فأجيال كثيرة لا تكفي لتعويضه.
  • إذًا سأتخذه أسيرًا، واصطحبُهُ في غزواتي إلى بلاد الهند.

ورأت ريحانة ووالدتها أن هذا أقصى ما يمكن أن يرضى به السلطان، فوقفتا عنده  لئلا تسخطاه فتكحون العاقبة أشأم. وشكرتاه على جميل صُنعِه. ومن يكون مستبدًا طاغيًا، فاستبدالُ الاسر بالقتل عنده صنيعٌ جميلٌ يجب حمدُه عليه.

            وبعد احتلال السلطان محمود لخوارزم، طارد كثيرًا من أمرائها، وفتك بهم انتقامًا لصهره أبي العباس.

ولم يطل الوقتُ حتى بدأ يتأهل لتوسيع فتعوحاته في الهند التي كان قد احتل منها بقاعًا واسعة، وسلبَ ما في معابدها من ذهبٍ وفضةٍ وحجارةٍ كريمة.

            وإذ تأكد لريحانة أن السلطان سيصطحب أبا الريحان إلى الهند مع سائر أعضاء مجمع العلوم, أخذت تسعى لدى والدتها لكي تتدخل شقيقتُها، زوجة السلطان، فيسمح لريحانة وخادماتها بمواكبة جيشه للتعرف إلى بلاد جديدة. وبعد إلحاحٍ شديدٍ وعنادٍ أشد ثم إدلال وإلحاف، سمحَ السلطان بأن يلحقَ جناحٌ للحريم بمنزله حيثما يحل.

الفصل الثالث عشر

ويطمئن البيروني في كنف السلطان مسعود، فينصبُ على تأليف الكتب العلمية النفيسة. ويكثر السلطان من دعواته له للاستئناس برأيه السديد والاستنارة بحكمته الرشيدة إلى أن يحل عيدُ المهرجان. فيعقد السلطان مجلسه بأبهةٍ في قصره بغزنه، وتقامُ الزيناتُ المبهجة للأنظار، وتمد الطنافسُ الفراسية، ويحتشد العلماء والأعيانُ الشيوخ لابسين طيالسهم الخضراء، ومن وراء الحواجز المشبكة تطلُ العيون الكحلاء تزيدُها الحجب النصفية الهفهافة سحرًا وتميسُ القاماتُ الرشيقة الرافلة بالديباج المطرز…

فيبدو القصر بقاعاته وباحاته، في موجان الألوان القزحية، كأنما انتقل من عالم الجنه!

كان صدر القاعة على شكل قوسٍ يتصدره السلطان وغلى جانبيه أكابرُ الأعيان وبينهم البيروني. وكانت الأميرة ريحانة، مع قلائل من نساء الأشراف، جالسة في الطرف الأقصى من يمين القوس وهي في ثوبٍ حريري ملون، وعلى وجهها خِمارٌ أرقُّ من أجنحة الفراش. كانت عيناها، بين الفينة والأخرى، تحطان على وجه أبي الريحان كصقرين جائعين ثم تحومان في القاعة الفيحاء إيهامًا، لتعودا فتحطا على محيا العالم الشهير…

ويلتفتُ السلطان مسعود إلى البيروني قائلاً والاحتفال لم يبدأ بعد: “لعمري، يا أبا الريحان، إن كتابك في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة: لَسفرٌ ضخم جليل، شرحت فيه، دونما تحيز، عادات أهل الهند وتقاليدهم وعقائدهم وعلومهم. لكنك في كتابك حملت على والدي – رحمخه الله – وهاجمت غزواته التي أدت، حسب زعمك، إلى خراب الهند وتشتيتِ أهلها، وضياع علومها. ذلك كان تجرؤًا غاليت فيه إذ فدحت بالسلطان ولم تراع جانبه!”

فيج-يبه البيروني: “الحقُ وحده، يا مولاي، هو ما يجب أن يُراعي جانُبه. والعالمُ عليه أن يقولَ الصدق، ولو كلفه حياته. فقد قيل: قولوا الحق، ولو على أنفسكم. وقال المسيحُ – عليه السلم – في الإنجيل ما معناه: لا تُبالوا بصولة الملوك في الإفصاح بالحق بين أيديهم، فليسوا يملكون منكم غير البدن، وأما النفس فليس لهم عليها يد.”.

  • حجتكَ قاهرة يا أبا الريحان، وأخلاقكَ مستقيمة. ومذ كنت أستمعُ إليك في مجالس والدي، جلتعُ شعاري قولاً لك: “مدارسةُ أخلاق الحكماء والعلماء تحيي السنة الحسنة، وتميتُ البدعة السيئة… والسننُ الصالحة علاماتُ الخير والحق”.
  • والآن لنبدأ احتفالاتنا بيوم المهرجان.

ويشير السلطان، فتنفخُ الأبواقُ من جانبي القاعة، وتقرعُ الطبول. وإذا بجماعةٍ من الرجال ذوي السجن الغريبة يدخلون بأزياء عجيبة وعلى رؤوسهم قُبعاتٌ عالية مخروطية الشكل. فيردد الحاضرون: “بسم الله الرحمن الرحيم”. ويقف السحرة صفًا أمام السلطان، يتعوسطهم كبيرهم ويحنون هاماتهم قائلين: “سلام الله على مولانا السلطانط. فيرد السلطان مسعود”: وعليكم السلام. هيا أرونا سحركم”. فيتقدم كبيرهم ويقول بإيقاعٍ عصبي، ويردد السحرة قوله:

هيا استنصروا ملك الليل

هيا استنفروا الجن الأحمر

من يقربكم فلهث الويلْ

قولوا الله… الله أكبر.

مدوا العصي

ألقوا العصي

تتحول لأفاعٍ تلوي ليز

فيصيحُ الحاضرون باختلاطٍ وجلبة

  • أفاعٍ… أفاعٍ… العصيُّ انقلبت أفاعي!…
  • ويلتفت السلطان إلى البيروني سائلاً:
  • ماذا تقول، يا أبا الريحان، في علمهم؟
  • يا مولاي، إن كانت أ‘مالهم من فنون التسلية، فلا بأس، ولكن إن زعموا أنها علم خفي، فذلك كذب وباطل. فالسحرُ كله لا يعدو أن يكون إظهار شيءٍ للبصر خاصة وللإحساس عامة بصورة تبدو على خلاف حقيقتعه، وذلك ليس عن طريق التأثير في الحواس حسبما يزعمُ بعضهم، ولكن عن طريق التمويه والخداع. أما إذا اعتقد في السحر اعتقاد العوام والجهلة من أنه ايجاد المستحيلات الممتنعات وصُنع الخوارق، فقد خرج أمره عن التحقيق، فإذا امتنع الشيءُ، واستحال، لم يوجد أيضًا. وهكذا فالسحر لا يدخل البتة في أي علم، إنما هو ألاعيبُ تنطلي حيلتها على الناظرين بالغش والتمويه.
  • فيقول السلطان مدهوشًا: “ولكن كيف فعل هؤلاء السحرة ما فعلوا حتى تحولت عصيهم أفاعٍ.
  • هل صحيحٌ ما يقوله أبو الريحان البيروني، يا كبير السحرة؟…
  • !!!
  • ما بكم لا تجيبون؟… لماذا أنتم صامتون صمتَ القبور!…
  • ويحتدُّ السلطانُ، وتبدو سِماتُ الغضبِ على أسارير وجهه، فيصيحُ بهم: “هيا ابسُطوا أيديكم نحوي، وإلا بترتُها من أ‘ناقها. أروني ما في داخل أردانكم… هيا… ماذا! العصي موجودة داخلها!… “فيزدد الحضور في جلبة: “العصي داخل أردانهم!… العصي في أكمامهم! يجبُ تأديبهم”. فيقول السلطان غاضبًا: “مخادعون… مخاتلون… ومن أين أتت الأفعاي، يا أبا الريحان؟:
  • يا مولاي، هذه الأفاعي انتزعوا أنيابها حتى لا تلدغ، ودربوها لكي تبقى طي اردانهم إذا حضروا أمامنا، حتى إذا أدخلوا العصي في الأردان فلامست الأفاعي، قفزت إلى الأرض، فخيل للناظرين أن العصي قد تحولت أفاعي. وإنما هي خدعة قديمة من أخاديع السحر، ذُكرت في التوارة في القرآن الكريم، إذ كانوا يجرونها في بلاط الفراعنة. ألا ترى، يا مولاي، إلى ما قاله عز وجل في كتابه الكريم: “فألقى موسى عصا فإذا هي تلقفُ ما يأفكون”؟ فيردد الحاضرون: “صدق الله العظيم”. ويردون البيروني: “واإفكُ إنما هو الكذب. فأعمالهم كذب بكذب”.
  • ويهيج السلطان، فيضرب كبير السحرة بكأسٍ كانت أمامه قائلاً: “كذابون مخادعون. اغربوا عن وجهي قبل أن يستفحل غضبي عليكم فأجعلكم أمثولة الناس. والله يا أبا الريحان، لولاك لبقيت حيلهم منطلية علينا”.
  • يا مولاي، مثل هذه الخدعة، التي سموها علمًا خفيًا، أخاديع كثيرة سموها أيضصا علومًا، وصدق بها الناس، دونما بُرهان، إنما استنادًا إلى السماع فقط. لكنها عند التجربة يُفضح زيفها. فاغلعلم لا يقوم على السماع بل على الاختبار.
  • يا أبا الريحان، زِدنا إيضاحًا وعِلمًا، زادَ الله في عُمرك.
  • إليك هذا المثلَ، يا مولاي: سافرَ رجلٌ مع تلاميذه ليصرفَ بعض شؤونه في أواخر الليل. فظهر أمامهم شبحٌ على الطريق لم يستطيعوا أن يتبينوا حقيقته في دياجير الظلام، فاتجه الرجلُ إلى تلاميذه وسألهم واحدًا بعد آخر: ما هذا الشيح؟ فقال الأول: لا أدري ما هو. وقال الثاني: لا أدري، ولا أستطيع أن أعرف ما هو. وقال الثالث: لا داعي للبحث عن حقيقته، لأن ضياء النهار سوف يكشفُ عن أمره. ومن ذلك يتبين أن أحدًا لم يتوصل إلى العلم به: الأول لأنه يجهله، والثاني لأنه لا يجد سبيلاً للعلم به، والثالث لأنه كسلان، راضٍ بجهله. ولكن التلميذ الرابع لم يُحِر جوابًا، بل وقف ساكنًا، ثم اتجه إلى الشيخ. وعندما اقترب منه وجد أنه ثمرةُ يقطين عليها رُكامٌ من الأشياء المتشابكة… ثم اقترب منه أكثر ورفسهُ بقدمه، فانهال على الأرض، وإذا هو مزبلة. ولما زال في نفسِه كل شك عاد إلى أستاذه وأخبره بالنبأ اليقين.
  • لا فض فوكَ الذهبيُّ، يا أبا الريحان.
  • ثم يأمر السلطان بدخول الراقصات والمغنيات، فتموج القاعة بقاماتهن الفارعة الميساء وبأنغامهن الصادحة. وبعدئذٍ يخرج الجميع إلى الطرق والساحات يحتفلون بالعيد.
  • وما إن يخرج البيروني إلى باحة القصر حتى تهرع إليه جوني التي كانت تنتظره بفارغ الصبر. فتعطلب إليه أن يسرعَ إلى والدها فيعالِجَ المًا مبرحًا دهاه وكاد يودي بحياته. وكان الدمعُ يترقرقُ في عينها فتبدوان كحمامتين طفلتين تغتسلان في بحيرتين مائجتين تتكسر على مائهما أشعةُ القمر!
  • وإذ تكونُ الأميرةُ ريحانة ترصدُ أبا الريحان من إحدى نوافذ القصر، تراهُ بصُحبةِ جوني، فتثور الغيرة في نفسها، وتؤجج عروقها نارٌ آكلة، فتستدعي اثنين من الخدم الأشداء وتريهما الفتاة من النافذة، وتُعين لهما موقع منزلها، ثم ترشيهما بمبلغ كبير موعزة إليهما بأن يترصداها ويهلِكاها، وإذا حماها أبو الريحان فليقتلاه معها.

ويطرق حديث ريحانة مسمعَ سيف الدين، شقيقِ ياسمين، الذي أصبح يُناهز السابعة والثلاثين من عمره: وكان قد انضوى تحت لواء السلطان مسعود، وأظهر من البسالة والشهامة ما جعل السلطان يعينه في عداد حرس القصر بغزنة. وطالما روت له شقيقته عن علم أبي الريحان وفضائله، وعن إنقاذه له من الموت يوم انتزعهُ أحدُ الفرسان الغلاظ من يدي أمه، فرماهُ في النهر، وبقرَ بطنه. وكان سيفُ الدين قد تعزوج مريم ابنة أبي سهل المسيحي، وصديقة ياسمين، فزادت أخبارُها عن البيروني محبته  له. فلما تكشفت له مؤامرة ريحانة – ولم تكن تععلم بنسبة أو تشكُّ بأمره – أسرع فاعتلى جواده.، وحاول اللحاق بالبيروني.

كان أبو الريحان قد امتطى جواده قبل حوالى عشر دقائق، وجعل جوني وراءه متشبثة به، ورجلاها مضمومتان ومرخيتان إلى الجانب الأيسر من الجواد، واستحث جواده على الإسراع.

وحينما أصبحَ في ضواحي غزنة أخذت تتبدى لعينيه أزقهُ القرى الهندية الفقيرة بأكواخها الوضعية وركام أوساخها وخمول أبنائها. فهنا شبان وشيوخ جالسون القُرفصاء في الشمس المحرقة وهم شبع عراة والذبابُ يكاد يغطي وجوههم وأبدانهم؛ وهناك آخرون قد دفنوا أجسامهم في التراب، فلم تظهر منهم إلا الرؤوس، وذلك لتوهُمهم أنهم بذلك يطهرون أنفسهم؛ وهنالك نساءٌ يغسلن الثيابَ الق4ذرة بمياه النهر، ومن مجرى النهر نفسه أُخريات يستقين!…

كان جوادُ أبي الريحان يُسرِعُ في عدوه، وشتى الأفكار تتسارعُ في خاطره؛ الشعوبُ الخاملةُ تتغلب عليها الشعوبُ النشيطة؛ والشعوبُ المستسلمة للدعة والرلخاء تتغلبُ عليها الشعوبُ المتقشفة، وذاتُ البسالة وخُشونة العيش، والشعوبُ التي تبطر وتكفر بنعم الله، يُذيقها الله (لباس الجوع والخنوف بما كانوا يصنعون)… وإذا بصوتٍ يناديه: “أبا الريحان… أبا الريحان”. فيلتفتُ إلى ورائه وقد أصبح على مسافة بضع دقائق من منزل راجا الححكيم، فيرى سيفَ الدين، ولم يكن يعرفه؛ فيطلب الفارسُ أن يختلي به لحظات. فيترجل كلاهما. ويعرفه سيفُ الدين بنفسه، ويطلعه على المؤامرة المحبوكة. فيقول له أبو الريحان: “تلك هي عدالةُ السماء، يا سيفَ الدين. أنقذتُكَ في صغرك، فأنقذتني في كبري. دع الأمر سرًا بيننا، وتابع طريقك ومهمتك، واحتجب عن الأنظار وراء بعض الصخور بجوار منزل راجا الحكيم، وراقب المتآمرين؛ فقد يتربصان بي وبجونى هناك”.

            وافترقا ليتابعَ كلٌّ$ منهما طريقه ومهمته. وما لبثَ البيروني أن وصل إلى منزل راجا الحكيم. فدخل مسلمًا فرحبَ به راجا بصوتٍ متهدج، وقال:

  • الألمُ مطبق على صدري. أكادُ أختنقُ من ضيق نفسي.
  • دعني ألمسُ جبهتك… أعطني يدك… تنفسْ عميقًا… أتشكر ألمًا في ذراعك؟
  • أجل، ذراعي اليُسرى تؤلمني.
  • سأخرجُ وآتي لك ببعض الأعشاب، فتغلي لك جونى منها لتشربها كوبًا كل ثلاث ساعات. ابقَ في فراشك هادئًا، يا راجا الحكيم.
  • أارافقه يا أبي؟
  • رافقيه، يا ابنتي، رعاكُما الله.

وتقول جوني لأبي الريحان:

هلا تذهب شمالاً، ففي الناحية أعشاب كثيرةٌ تختارُ منها ما تريد للعقاقير.

  • حسنًا.

ويأخذ البيروني يجمع بعض الأعشاب الطبية… وإذا به يرى صنمين عملاقين.

  • يا للهول! ما هذا، يا جوني؟
  • إنهما صنما باميان.
  • صنمٌ أحمر يمثلُ رجلاً يبلغُ ارتفاعه ما يزيد على ستين ذراعًا، وصنم أبيض يمثل امرأة تقارب الأربعين ذراعًا، وهما منحوتان في صخرةٍ عطيمةٍ أراها تهيمنُ على الوادي كُله! مَن، يا تُرى، يمثل هذان الصنمان؟
  • يعتقد أهالي بلخ أنهما حبيبان تحولا إلى حجر، ويروون عنهما قِصصًا شتى.
  • حبيبان تحولا إلى حجر! إنها لفكرة مدهشة؟! ولكن لماذا مسخهما الله فحولهما إلى حجر؟

فتضحك جوني ضحكةً لطيفةً ثم تقول:

– لستُ أعلم، يا أبا الريحان.

– إذن اسمعي قصتهما: الصنمُ الكبيرُ الأحمر كان وزيرًا. والصنمُ الصغيرُ الأبيضُ كان اميرة. وأحب الوزير الأميرة فتزوجها، وتبادلا الحب شهوة بشهوة. لكن الأميرة ما لبثَ قلبها أن تحول إلى رجل آخر، رجلٍ أحب العلوم حتى وقف لها نفسه وحياته. لكن هذا الرجل العالِمَ كان قلبُه يميلُ إلى فتاةٍ روحانية الميول، لطيفةِ اغلعشرة، فتاةٍ تشبهكِ، يا جوني.

– تشبهني!

– وسرعان ما اكتشف الوزيرُ أن امرأته تحوَّل قلبها إلى رجل سواه، فصمم ع7لى قتعلها، ولكنها هربت منه. والأميرةُ لم يتسع صدرها لرؤية فتاةٍ أخرى تشاركها في حب من مال قلبها إليه. فحقدت عليها وصممت بدورها على قتلها وقتله. وبعد مُدةٍ توفي الوزيرُ والأميرة، فمسخهما الله لهذين الصنمين الصخريين.

أتعرفين لماذا، يا جوني؟

– لأن قلبيهما كانا بِقَسوةِ الصخر، فحولهما الله إلى صخر…. ولأنهما كان مرتبطين برباطٍ شرعي فأرادت المرأة الفكاكَ منه بالطريق الحرام، قيدها الله بالحجر الجلمد إلى جانب زوجها حتى الأبد.

  • أصحيحٌ ما ترويه؟
  • هكذا تقولُ القصةُ التي سأكتبها.
  • القصة التي ستكتُبها أنتَ!
  • أجل وتقولُ القصةُ أيضًا إن النفسين الحالتين في الصنمين يسمح لهما بأن تخرجا في الظلام من قيودهما الحجرية لتظهرا على قُساةِ القلوب من العشاق الخونة لتؤدباهم.

    وفجأة يسمع أبو الفريحان انهيار حجارة ثم سقوط حسم فيصبح:

  • ابتعدي يا جوني، إنه انيهار …
  • يا إلهي! امرأةٌ سقطت!…

ويركضُ كلاهما نحوها. وإذا أبو الريحان يقفُ مشدوهًا:

  • مَن! ريحانة؟ أسعِفيها، يا جوني، رأسُها ينزف!…
  • لا حولَ ولا قوة إلىا بالله! كيف سقطتِ؟ وأينَ كنتِ؟…

أغمِيَ عليها… هيا نحملها إلى منزلك، يا جوني، فهو الأقربُ من هنا.

وما إن نقلاها إلى المنزل حتى عالج البيروني رأسها النازف وربط ضِمادًا حوله، وطلب إلى جوني أن تُرب عطرًا أعدهُ عساهُ ينعشها، ثم مضى يعالج والدها. فما لبثت ريحانة أن فتحت عينيها، فرأت جوني تُسعِفها، فقالت:

  • ليتني مُتُّ.
  • لِمَ تقولين هذا، يا ريحانة؟ حمدًا لله على سلامتِك.
  • أنا القاتلة… أنا الممسوخة صَنَمًا…
  • إنها تهذي!…
  • كنتُ أنوي قتلكِ، فدحرجتُ صخرةً من فوق أردتُها تهوي عليكِ، فإذا بي أهوي فوق الصخرة الساقطة، وتعلق الصخرة… وأسقطُ أنا!
  • ماذا تقولين؟
  • إنها الحقيقة.
  • سامَحكِ الله، يا سيدتي… سامَحكِ الله.

في هذه الأثناء كانَ يُسمَعُ صوتُ راجا الحكيم يقولُ لأبي الريحان.

  • صدري…. أكادُ أختتنق… الألمُ يحزُّ صدري.

فيقولُ البيروني له: “خُذْ، اشربْ هذا الكوب، فهو سيُسكنُ ألمك”. وإذْ تسمعُه ريحانة تقول: “ليتَ ألمي يسكُن، بل ليتَ خفقانَ قلبي يسكن إلى الأبد… أنا الفاشلة حتى في الموت!”

وبينما كان الصمتُ الحزينُ يَرينُ على الجميع كضبابٍ رصاصي ثقيل، قُرعَ الباب… وإذا بسيف الدين يدفعُ أمامه رجلين مُلثمين مقيدين قائلاً لأبي الريحان: “هذان هما المجرمان”. فيقولُ له البيروني:

“كافأك الله أيها الشهمُ البطل. سنُسلمهما إلى السلطان، فتقتصُّ العدالة منهما” وسرعان ما يُلاحظ أبو الريحان أن يد سيف الدين اليمنى تنزف، فيسرع ويعالجها ويضمدها. وينبري سيفُ الدين يروي لأبي الريحان كيف دار القتالُ بينه وبينهما، وكيف أن ريحانة دحرجت حجرًا كبيرًا أرادته يهوي على جوني، عندما شعرت أن مؤامرتها قد انكشفت.

الفصل الرابع عشر

بينما كان البيروني       مُكبًّا على الكتابة في جناحه بصر السلطان مسعود، سِمعَ بابَ غرفته يفتحُ ثم يُغلَق؛ وإذا ريحانة منتصبة على مقربةٍ منه وهي متدثرة برداء ذاغكن، والضمادُ ما يزالُ على رأسها وفوقه حجابٌ نصفي مردودٌ إلى الوراء. فيخاطبها وقد فوجئ بها:

– ريحانة! حمدًا لله على سلامتك.

– إن أردتَ أن تهنئني، فلتكن لا على بقاء حياتي بل على انتهاء حياته.

– انتهاء حياتهّ! حياةِ مَن؟

– أحمد بن حسَن الميمَندي… زوجي الذي مسخَهُ الله صَنمًا من حَجر!

– رحِمَه الله.

– أتطلب الرحمة لِمَن أراد اغتيالي!

– ألا أطلُب الرحمةَ لكِ، يا ريحانة، وقد حاولتِ أنتِ أيضًا، اغتيالَ جوني!

– كلا… فأنا أيضًا حلت عليَّ لعنةُ الله، فمسخني صنَمًا من حجر!

– تتكلمين كَمَن فقد صوابه!

– أفقدتني صوابي. أجبني، أيها المتمسكُ بسُنةِ الإسلام والمتحرج من الحرام. مَن كنتُ في حُرمتهِ مات. أتُدخلُني في حُرمتِك؟

– ناهَزتُ الستين، يا ريحانة، وسرعانَ ما أقرعُ بابَ القبر!

– أتزوَّجكَ ميتًا، أتزوجُكَ في القبر، لكن لا أريدُ لي ضرَّة.

– كلامُكِ هذَيان!… كلامُكِ جُنون!…

            ويُقرَعُ الباب، وإذا صوتٌ ناعمٌ يستأذنُ للدخول. وما هي إلا لحظات حتى تكونَ جوني واقفة إلى جانب ريحانة. كان خداها متوهجين خفرًا، وعيناها كمحارتين عجيبتين تذرفان ما في قلبيهما من لُؤلُؤٍ مكنون! كان على رأسها منديلٌ حريريٌ أرجواني، وعلى جسمها ثلاثُ غلالاتٍ متدرجةٍ في طولها: بيضاء، فزهراء، فبنفسجية. وكانَ بين يديها شيءٌ ملفوفٌ بقُماشةٍ ناصعةِ البياض.

سألها أبو الريحان مدهوشًا من مجيئها:

  • ما الخبرُ يا جوني؟
  • والدي تُوفيَ…
  • راجا الحكيم الكريم…
  • وأحرقَ الكهنةُ جثته…
  • كان رجُلاً طيبًا نبيلاً… رحمه الله.
  • وذَرُّوا رماده فوق النهر…
  • وترفع جوني الغطاء الأبيض عن الشيء الذي تمسكُه، فإ ذا هو قرصٌ من العقيق الأحمر والجزع؛ فتقدمه إلى البيروني قائلة:
  • اعطاني والدي هذه الجوهوة قبل موته، وطلب إليَّ أن أقدمها إليك لتحتفظ بها، لأنك وحدك تستحقها. فيتناولها البيروني ويقلبها بين يديه قائلاً بعجب:
  • هي جوهرةٌ عملاقةٌ نادرة نحتتها يدُ الطبيعة الصناع بشكلِ بطةٍ كأنها تسبحُ في الماء، أو ترقدُ على البيض!
  • طالما حلمتُ أنني بطة!

وكأنما استفاق أبو الريحان فجأةً من حُلُم فإذا به ينظرُ إلى جوني مُستغرقًا والدهشةُ طاغيةٌ على ملامح وجهه وناطقة في عينه. فقد عاودته صورُ الحُلم العجيب الذي رآهُ إذْ كان في السابعة والعشرين من عمره، بعدَ أن فرَّ من خُوارزم. يؤمئذٍ روى الحُلُمَ لأبي سهل المسيحي ولابن سينا، فتعجبا منه، لكن لم يستطع أحدٌ تأويله. وها هو تأويله يتجسدُ الآن أمامه! فأخذَ يروي الحلم وهو مأخوذٌ بما حدث، بينما كانت الدموعُ تتساتلُ من عيني جوني، والأحمرارُ الناريُّ يتقدُ في ناظري ريحانة. وما إن فرغ من رواية الحُلُم حتى استرسلت الأميرةُ في قهقهةٍ جنونيةٍ وانصرفت.

أما جوني فركعت أمامه قائلة:

  • مات والدي، يا سيدي، فصرتُ وحدي أُناجي طيفه، وأُناجي شبحَ الموت. أبي تركني، وأستاذي تخلى عني، ولا عزاءَ لي، ولا أمل…
  • تصبَّري يا جُوني؛ معاذَ الله أن أتخلى عنكِ.
  • إقبلني خادمةً في منزلك. تعليمُكَ لي حرَّرَني واستعبدني، فاسمحْ بأن أعبر عن عرفاني لجميلك بأن أخدُمكَ طول حياتي. فليسَ من أحدٍ يهتمُّ بكَ ويُعنيى بشؤونك مثلما يجب.
  • وأنهضَ البيروني جوني وطمأنها واعدًا إياها بأنها ستكون من بين الكتبة القلائل الذين سيُملي عليهم مؤلفاته. لأن نظرهُ بدأ يضعف.

***

وتعودُ جوني إلى منزلها ريثما يدبر البيروني لها غرفةً في جناحه ويُرسِل في طلبها. وما إن تنصرف حتى يستدعي السلطان مسعود أبا الريحان؛ فيمضى إليه حاملاً كتابه العظيم “القانون المسعودي في الهيئة والنجوم”، فيقدمه إليه قائلاً:

– آثرتُكَ، يا مولاي، بهذا الكتاب، ووسمته باسمك الكريم. إنهُ خيرُ كُتبي أهديه إلى خير الملوك.

 – شكرًا لكَ، يا أبا الريحان، ومد الله في عُمرك لتبقى تمدُّ المعرفة بكُنوز العلم والأدب. وإني سأجعلُ كتابكَ دُرةً أزينُ بها صدر مكتبتي، ومنهلاً يرتوي منهُ عقلي. إنه لَسفرٌ ضخم!

– جعلتُه في إحدى عشرة مقالة تضمُّ 142 بابًا، ومدارها علمُ الهيئة، والجغرافية والهندسة والرياضيات.

وبعد أن يتصفح السلطانُ الكتاب يقول:

– يبدو أنك لم تُسلِّم بصحةِ النظريات العلمية التي سبقتكَ.

– لم أُثبت منها إلا ما استوثقتُ من صحته، وأضعفتُ إليها ما استنتجته من تجاربي. أما ما شككتُ فيه فقد نقدته وناقشته.

ويعودُ السلطانُ إلى تصفح الكتاب، ثم يقول:

– على جلالةِ عمِلك، فإنك تدعو، في هذه الصفحة، إلى نفدِ آرائك وتصحيح ما قد تكون وقعتَ فيه من خطأ وسَهو. إنه لتواضع منكَ، يا أبا الريحان.

– العلماء الحقيقيون، يا مولاي، يخشون الله. ومن خشي الله لا يمكن أن تسكن قلبه الكبرياء.

وبعد أسبوع استدعى أبو الريحان جوني. وبينما كان يُملي عليها أحد مؤلفاته، وفد إليه رسولٌ من السلطان قائلاً:

– مولانا السلطان أرسَلَ إليكَ هدية ثمينةً إقرارًا بفضلك.

– أية هدية؟

– حمْلُ الفضة الخالصة ذاك.

ويُشيرُ من النافذة إلى باحة القصر؛ فينهض البيروني وينظر قائلاً:

– مولانا السلطان أرسلَ إليكَ هديةً ثمينة إقرارًا بفضلك.

– أية هدية؟

– حِمْلُ الفضة الخالصة ذاك.

ويشير من النافذة إلى باحة القصر؛ فينهض البيروني وينظر قائلاً:

– لا أراه.

– لا تراه! والله صحيحٌ ما تقول. فالعينُ تعجزُ عن الإحاطة به لضخامته.

أتقصد هذا الفيل والحِمْل الهائل على ظهره؟

– أجل، يا سيدي، فهو هديةُ السلطان إليك. اينَ أضعُه؟

– لا تمسه. إنتظرني دقيقة واحدة.

ويجلسُ أبو الريحان أمام مكتبه ويكتب:

مولاي السلطان مسعود

أرسلت إليَّ هدية إقرارً بفضلي، وفضلك لو هبط علي لسحقني من عظمته. فشكرًا لك. إن الهدية قد تصرفُني عن العلم؛ ويعرفُ الحُكحماء أن الفضة سرعان ما تتبدد, ولكن العلم يظلُّ حيًا. ولن أستبدلَ اغلبتة بالثروة الأبدية التي تتضمنها المعرفة العلمية ذلك الوهج الفضي المبهرج السريع الزوال.

أبقاك الله مفخرة ونصرًا للعلم                             

                                                                                    أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني

ويُسلمُ البيروني رسالته إلى الرسول قائلاً:

– خُذْ هذه الرسالة إلى مولانا السلطان، وأعِدْ اليه حِمْلَ الفضة.

– حِمْلُ فيلٍ من الفضة الخالصة تُعيده! والله، يا سيدي، أنتَ تبدو أغنى من مولانا السلطان!

                                                                        ***

في الأسبوع التالي يأتي إلى البيروني خادمُ ريحانة ابنةِ الحسين، وبيده صرةٌ فيها خمس مئة دينار ذهبًا، ومعها رسالة تقول:

أرسلت إليك خمس مئة دينار لتشتري بها خمس جوارٍ يخدمنك بدل الهندية.

ريحانة ابنة الحسين.

فيعيد البيروني الذهبَ إليها مع رسالةٍ تقول:

وزنتُ الذهبَ ووزنتُ جوني فرجحت كفُتها. شكرًا.

                                                                                    أبو الريحان البيروني

وتقرأ ريحانة رسالةَ البيروني فتُصاب بنوبةٍ عصبيةٍ تزيدُ اختلالها العقلي الذي أُصيبت به إثر سقوطها. وتسترسلُ في الضحك الجنوني المتواصل. وفجأةً تطرحُ نفسها على خادمها مبروك قائلةً وهي تضحك:

– إلىَّ يا مبروك، إليَّ لأضمك بين ذراعيَّ.

– تضمينني بين ذراعيكِ، يا مولاتي! فأنا خادمكِ!

– لا، أنت حبيبي… لا تخفْ. عيناك القرديتان الضيقتان لأج-ملُ من عينيه! ورأسكَ الصغير الأجعد الأبله لأذكى من رأسهِ!

وتستغرقُ في الضحك عاليًا… ثم تعدو… وتعدو… ومبروك يتبعُها لاهثًا:

– إلى أين، يا مولاتي؟… إلى أين؟…

وتخرج من القصر عاديةً حتى تصِلَ إلى جوادٍ لأحدِ الجنود، فتمتطيه، ويتبعها مبروك على جوادٍ آخر ما يزيدُ على ساعة، حتى تصِلَ، أخيرًا، أمامَ صنمَي باميان.

فيقول مبروك وهو يلهث:

– أعوذُ بالله من هذين الشيطانين. يا لهولهما! أخافُ منهما، يا مولاتي!

– سأريكَ كيفَ أنتمُ منهما.

وتَشرعُ في قذفهما وهي تردد:

– خُذْ، هذا لكَ أنتَ، أيها القاتل… خُذْ، يا ميمندي، أنا أكرهُك… وأنتِ، يا مُجرمة، خُذي… أتعرفها، يا مبروك؟ هي ريحانة… ريحانة القاتلة.

– الصخرة… الصخرة، يا مولاتي… الصخرة تتدحرج فابتعدي… يا لله! سقطت عليها! قُتِلَت مولاتي… قُتِلت مولاتي!…

ويصلُ الخبرُ إلى البيروني إذْ يكونُ مع جُوني يملي عليها أحد مؤلفاته، فيترحَّم عليها ثم يُردِفُ قائلاً:

– قتلها حسدَها، أهلكَها حقدُها.

– كيف، ياسيدي؟ قال خادُمها مبروك إن صخرةً سقطت عليها فقتلتها، إذْ كانت تقذفُ الصنمين بالحجارة، فأصابت صخرةً عالقةً فوقهما، فتهاوت.

– بل حقدُها قتلها، يا جوني. ألا تذكرين الصخرة التي دفعتها من فوق الصنمين لتقتلكِ؟

– بلى

– تلك الصخرةُ نفسُها حملت حِقدَها، وعلقها الله إلى أجل. حتى إذا استوفت أجلها رد حقدها إليها فقتلها.

– يا للفظاعة!

– بل يا للعدالة!

                                                                        ***

ويعتكفُ البيروني مكبًا على الكتاب، فيضعُ في الخامسة والستين من عمره ست رواياتٍ غرامية طويلة يستوحي مضامينها من الأساطير. أما أسماؤها فهي: “صنما باميان” و”نينوفار” و”دارمه وجيراميدخت” و”فامغ وعِضزرا” و”قاسمُ السرور وعين الحياة” و”أرماسَديار” و”مهريار”. ولا عجب بأن يكون لحياته العاطفية أثرٌ في اتجاهه الروائي. كذلك يستمرُ في وضع المؤلفات العلمية، وحضور المجالس السلطانية، ومباحثه رجال العلم والأدب، وبينهم القاضي أبو الحسن الولولجي.

وذات يومٍ يقولُ له القاضي وهو في زيارةٍ له:

  • أطلعت على كتابكَ الأخير، يا أبا الريحان، المُسمى “كتاب الصيدلة في الطب”، فأدهشني تعدد اللغات التي صنفت بها أسماء العقاقير!
  • جعل الكتاب أكثر فائدة اقتضى ذلك، يا أبا الحسن. وضعتُ قائمةً أبجدية بالأعشاب الطبية واستخداماتها، وأثبتُّ إلىلا جانب الأسماء العرقبية التي تبلغُ نحو 3000؟ حوالى 900 اسم فارسي، و700 اسم يوناني، و400 اسم سرياني، و350 اسمًا هنديًا. والفضلُ في ضبط تلك الأسماء الصعبة يعود إلى مُساعدتي جوني التي أمليتُ عليها الكتاب.
  • الحقَّ يقال، يا أبا الريحان، إنكَ سجلت في مقدمة الكتاب موقفًا جريئًا وكريمًا من اللغة العربية. فأي إنسان يحب العربية ولا يُزهيه قولُك: “ديننا والدولة عربيان توأمان. تُرفرف على أحدهما القوة الإلهية، وعلى الآخر اليدُ السماوية. وكم احتشدت طوائفُ من العتوابع في إلباس الدولة جلابيبَ العُجمة، فلم تنجح في مسعاها. وما دام الأذانُ يقرعُ آذانهم كل يومٍ خمسًا، وتقامُ الصلواتُ بالقرآن العربي المبين خلفَ الأئمة صفًا صفًا، ويخطب به لهم في الجوامع بالإصلاح، كانوا لليدين والفم، وحبلُ الإسلام غيرل مُنفصم، وحصنُهُ غير منثلم”.
  • هي الحقيقةُ، يا أبا حسن.
  • والله ليدهشُني موقفكَ المفاخر باللغة العربية وأنتَ الفارسي المولد!
  • الهجوُ بالعربية أحبُّ إليَّ من المدح بالفارسية. وسيعرفُ مصداق قولي مَن تأمل كتابَ عِلمٍ قد نُقِلَ إلى الفارسية، كيف ذهب رونُقه، وكُسِفَ بالُه، واسودّ! وجهه، وزال الانتفاعُ به؛ إذ لا تصح هذه اللغة إلى للأخبار الكسروية والأسمار الليلية.
  • ولكن هل تحسب الكتابة العربية بمنزلة اللغة العربية؟
  • لا، للكتابة العربية آفهٌ عظيمةتٌ هي تشابه الحروف المزودجة فيها، واضطرارها في التمايُز إلى استخدام النقط وإثبات علامات الإعراب التي إذا تُركت استبهم المفهومُ منها.

ويصِلُ البيروني ليلة بنهاره وهو يكتبُ بسرعةٍ قلما كتب بها غيرُه. وتنثالُ المؤلفاتُ من تحتِ قلمِه حتى يبلغَ عددها 146 مؤلفًا، منها 14 كتابًا كبيرًا تزيدُ صفحاتُ كل منها على 200 صفحة. فيهزل جسمُه، ويشتدُ ضعفُ بصره وصسمعه، ويزدادُ اتكاله على جُوني وبعض أصدقائه، فيُملي عليهم مؤلفاته إملاءً.

وسنة 1040 م. يغتالُ الأمير محمد أخاه السلطان مسعود، فيحزن البيروني كثيرًا.  وتبدأ الأسقامُ تتناوب عليه. ثم ينتقُم الأمير مودود ابنُ مسعود لأبيه، فيقتل من اشتركوا في اغتياله. فيزدادُ العالِمُ حزنًا، ويترك القصر، ويكتري منزلاً يعتكفُ فيه، تلازمه جوني الهندية الوفية، ويعودُهُ أصدقاؤه.

وذات يومٍ بينما كان مستلقيًا مسترخيًا من شدة الإجهاد، سألته جوني:

– ألا تحدثني عن طفولتك؟

– طفولتي حدائقُ وراء الضباب جنيتُ فيها المرارةَ والحلاوة.

– أين وُلِدتَ؟ وكيف كانت حالُ أُسرتِك؟

– وُلِدتُ في بيرون، إحدى ضواحي مدينة كاثُ، عاصمة الدولة الخوارزمية، أما أسرتي فكانت أقرب إلى الفقر. والدي كان تاجرًا صغيرًا، مات وأنا طفل، فكان عليَّ أن أُساعدَ أمي في جَمْعِ الحطب لِبيعِه في سوقِ بيرون، فنتمكن من أن نعيش.

– هل كنتَ تُمضي وقتك كله في جمع الحطب؟

– لا، ففي ساعاتِ فراغي كنتُ أسرحُ في الطبيعة، في بساتينها وهِضابها، بل في البيداء. وكان يجذُبني إلى الرياحين حب عارِم، فلا أعودُ إلىا منزلنا المتواضع إلا وفي يدي إضمامةٌ فواحةُ الأشذاء كل مرة. وكان في ولَعٌ بتصوير الورود وأنواع الأزاهير والنبات. ألمسُها برِفقٍ وأُقبلها وأتنسَّمُ عبيرها، وأتحاشى عن بترها أكثر الأحيان، إذْ كنتُ أشعرُ أن لها أحاسيسها الخاصة وحياتها الخاصة المغلقة على مداركنا.

– كيف استطعت أن تحصل علومك؟ ففي علمي إنكَ نبغتَ في العلوم وأنتَ في العشرين من عُمرك!

– أذكرُ أني كنتُ في الحادية عشرة لما التقيتُ عالمًا يونانيًا. كان يجول بين الصخور يجمع أنواعَ النبات ليصنعَ منها عقاقير، وكنتُ مستلقيًا أمام الزهور أُصورها. فكلمني، وعرفَ بوَلَعي وبمعرفتي للعربية والفارسية، فأحاطني بعنايته ومُساعدته المالية ثلاث سنوات، وعلمني اليونانية. ثم عرفني إلى كاهنٍ سرياني، فعلمني السريانية. وقبل رحيله عرفني إلى الأمير العالم أبي نصر منصور بن علي بن عراق؛ فصارَ لي مُربيًا وأستاذًا في الفَلَك والرياضيات حتى بلغتُ التاسعة عشرة. واكترى لي ولأمي بيتًا في كاث.

– هل أمُكَ ما تزالُ حية ترزق؟

– لا، رحمها الله. كانت امرأةً طيبة صالحة. قبل أن تقع الحربُ في خُوارزم بيومٍ واحد، زرتُها كأنما مدفوعًا بيدٍ غير منظورة، إذ كانت تسكنُ في بيتٍ متواضعٍ بالطرف الآخر من مدينة كاث؛ بينما كنتُ أنا قد اكتريتُ غرفةً لي أضعُ فيها عقاقيري وأدواتي ومخطوطاتي، وكانت غرفتي مُجاورةً لمنزل ياسمين التعي تعرفتِ إلى شقيقها سيف الدين. فأ‘طيتُ والدتي أكثر ما أملُك من دنانير. وفي اليوم التالي كانَ عليَّ أن أفرَّ من كاث سريعًا. وقد زرتُها منذ بضع سنواعت، فوجدتها عجوزًا في غاية الفوهن. وقد لفظت أنفاسها بين يدي.

            وفي الثالث من رجب سنة 440 هـ، الموافقة 13 كانون الأول (ديسمبر، 1048م)، يشتد المرض على البيروني، ويستبدُ به الهُزل. ومع ذلك لا يمنح نفسه الراحة، بل يروحُ يحدثُ بصوتٍ متهدج مَن حوله، وفيهم جوني والقاضي أبو الحسن الولولجي:

“الا اعلموا، يا أحبائي، أن القانون الطبيعي المسيطر على الحياة هو شريعةُ الغاب، شريعةٌ تقول: الحق للأقوى. فالبشرُ المستسلمون غرائزهم العدوانية ودوافعهم الدنيا، لشهواتعهم وأطماعهم وحسدهم وحبهم للتسلط والظهرو، لكبريائهم وغرورهم وشرورهم – هؤلاء البشر لا يمكنهم أن ينتصروا على ما فيهم من نزعاتٍ عدائية وميول وضيعةٍ إلا بشريعةً إلهيةٍ يبلغهم إياها رسولٌ من لَدُنه تعالى”.

            ومثلما تنتابُ الأرضَ أدوارٌ يدخلُ فيها البحرُ إلى اليابسة فيغمرها، وتدخلُ اليابسةُ إلى البحر، ومثلما تحدثُ الزلازلُ والانخسافاتُ فتظهرُ أراضٍ وتختفي أخرى، هكذا يكونُ في مصير الناس. فالبشرية تمرُ في مراحل وأدوار؛ وفي أثناء كل مرحلةٍ ينساقُ البشرُ وراءَ فسادٍ وماديةٍ يتفاقمان أكثر فأكثر بصورةٍ متواصلة، إلى أن تحين الساعةُ وينصبُ سخط الله فتُفني المدنية نكبةٌ عُظمى، ويُرسلُ الله هاديًا جديدًا يبدأُ مرحلةً جديدةً في التاريخ. واعلموا أنه لم يكن في زمان البشر آدمٌ واحدٌ وحواء واحدة، بل لكل دورةٍ من الدورات آدمُها وحواؤها.

            والآن أُودعكم، يا أحبائي، فإني أشعرُ أن الزيتَ في سِراجي سينفدُ سريعًا، وشُعلتي ستنطفئ. منذُ أبربعة عشر عامًا حلمتُ أنني كنتُ أرصدُ القمر الجديد، وعندما أفَلَ هلالُه، سمعتُ صوتًا يقول لي: “سوف يُتاحُ لك أن تشهد الهلاَ مئةً وسبعين مرةً أخرى. وها إن العدد قد تم”.

وتشهقُ جوني باكيةً:

  • بربكَ، يا معلمي، أزِحْ فكرةَ الموتِ عن بالك.
  • جوني… كأنكِ كنتِ ضميري… وسر مصيري… دائمًا كنتِ ترددين: إذا متُّ فستعود مشيئة الحياة تبعثني وتجمعني بكَ في جسدٍ آخر.
  • أجل، يا معلمي.
  • أبا الحسن، افترقنا مرة ومسألةُ توريث ذوي القُربى لم يكفني إيضاحها، فهلا زدتني منها؟
  • أفي هذه الحالة؟
  • أودع الدنيا وأنا عالِمٌ بها خيرٌ من أن أخليها وأنا جاهلٌ بها.
  • لساني لا يطاوعني، ولا فكري ولا أعصابي وأنتَ في هذه الحالة!

وتُسمعُ غرثرةٌ فحشرجة… ثم صراخٌ وبكاء…

فيقول القاضي وهو يمسحُ الدموع من عينيه:

  • حبُهُ المعرفة أذهلني… كاد يجمد الدم في عروقي… لم تحط عيني على رجلٍ موسوعي المعرفة مثله، ولم تسمع بمثله أذني!… يا لجوني المسكينة كيف طرحها الحزنُ والإجهادُ على المقعد! ثلاثة أيام مضت ولم يدخل فمها طعام، ولم يغمض لها جفن، حتى غلبها سلطانُ النعاس والتعب.
  • وفجأة تستيقظ جوني قائلة: “أتراني سهوتُ ونمتُ!” فيجيبها القاضي: “نمتِ نحو ساعة”. فتقولُ بصوتٍ ضعيفٍ خافت: “حلمتُ أني موجود بعد تسع مئة سنة، في مكانٍ غير هذا المكان، وكان اسمي نجواى لا جوني”.
  • يبدو لي أن الاسمَ واحد، إنما الحروفُ مغيرة مواضعُها.
  • وحلمتُ أن شعوبَ الأرض طرًا تحتفلُ بمرور ألفِ عام على مولِدِ معلمي أبي الريحان البيروني، وقد سموهُ “أبا الأنوار”، وهم يعنون بها المعارف. ولكن “أبا الأنوار” كان موجودًا معي، وقد عرفني. ورأيتُ جيوشًا كثيرةً مدججة بأسلحةٍ هائلةٍ مبيدةٍ تتأهب للاقتتال. فسألتُ عن الخبر، فقال لي معلمي “أبو الأنوار”. ألم تعلمي بأنه إذا عم الفسادُ العالم فإن الله يبيدُ البشر ليستبدلُ بهم غيرهم؟ والله سيبيدهم بشرهم وأيديهم.
  • ربما كان حلمكِ من تأثير تعاليم البيروني ومعتقداتك البوذية. ولكن مَن يدري؟ فليس في كتاب الحياة شيءٌ مستحيل. مسكينة جوني! عادَت تنام…

وتضم جوني العذراء بطةَ العقيق إلى صدرها ضاغطةً عليها، كأنها تريدُ أن ينفذ شُعاعُها إلى قلبها، وتستسلم لنومٍ طويلٍ طويل، لتحلمَ بمعلمها العظيم أحلامَ الأبدية!

عام 1973، بعد ألف سنة على مولد البيروني، أقامت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة تكريمًا للبيروني شاركت فيه شعوبٌ كثيرة، وأصدرت عددًا من مجلتها خاصًا به، وفيه قد نُشِرت صورةٌ لبطة العقيق والجزَع!

 

كيف ولدت الثمار

 

                                                                      من أقاصيص: زينة حداد

                                                                        ترجمة: سمير الحداد

ها هو الفردوس الأرضي.؟ وها آدم وحوّاء، اليد باليد يجوسان سعيدين أنحاء هذا المكان الهانئ الساحر، مأخوذين بجمال الطبيعة الفتَّان، مُصغيين إلى الألحان الملائكية ومتلذِّذين بأطيب الثمار مذاقًا.

          وكانت كل شجرة مُثقلة بحملها الرائع تنحني عند مرور آدم وحوّاء الفائقي السعادة مقدمة لهما أفضل ما لديها، وكانت الأغصان دائمة الأنحناء لثقل ما تحمله من الثمار التي لم تكن لتنحصر في موسم معين. إنها دائمة الوجود.

          آهٍ! يا لروعة تلك الأشجار يتلاعب نسيم ربيعيّ بافنانها المُتعانقة وأوراقها الكثيرة تجف بالثمار لتبرز جمالها وتجعلها أكثر اشتهاءً فتبدو كنجيمات مُنيرات متوهجات تعطرها النسائم العليلة فتتسارع العصافير النهمة الفردوسية الريش لتتذوَّقها وتسكر من رحيقها فتعود نحو آدم وحوَّاء تنشدهما أعذب ألحانها.

          لم يخلُ الفردوس من أي نوع من الأشجار. فجميع الأنواع كانت تتباهى بوجودها في هذه العَدَنْ, ويا للروعة! فهذه الأشجار القادرة على التنقل والجري على جذورها لم تكن أشجاراً أرضية. انها سماوية ترافق آدم وحوّاء، تقفز وتعدو أثرهما متساوقة مع خطواتهما، مُتمهِّلة معهما، تاركة جواهرها العطرة تتدحرج أمامهما فيلتقطانها قبل سقوطها على الأرض ويقضمانها بلذَّة وفرح.

شجرة الكرز أغصانها مُنحنية لحملها الوافر من حبيبات الكرز التي تضاهي اليواقيت بجمالها.

          كانت ملكة ذات وجه ساحر تعتلي رأس كل شجرة من أشجار الفردوس، مُتزينة بشعرها الحريري الطويل يحيط بجبينها تاجٌ من ثمارِ شجرتها.

          شجرات البرتقال والمندرين تبرزن رأس مليكاتها للشمس، أما الدوالي الذهبية العناقيد فكانت تلفّ بسواعدها وثمارها هامة ملكتها وقوامها الرشيق. ويقدم السفرجل الذهبي نفسه ليتوج رأس محبوبته. ولم تكن شجرة الرمان لتتواني عن نسج زهورها المتألقة الحمراء ضفيرة لهامة جميلتها ولا عن نثر لآلئها عند قدميها.

          لو أردتُ أن أعدد كل هذه الأميرات لطال بي الحديث واستفاض، إلا أن ما لا شك فيه على الإطلاق هو أنهن جميعًا باهرات الجمال، ساحرات، تمسك كل منهن صولجانها الذهبي الموشى بثمار شجرتها، وكنّ جميعًا يحطن أشجارهن بالعناية والحب لكي تنمو ثمارها أكثر عذوبةً وألذ طعمًا فتقدمها للغاليين الحبيبين، آدم وحوّاء.

          من بين جميع هذه الأشجار، وحدها شجرة التفاح انزوت بعيدًا. فقد حرّم الله آدم وحوّاء من لمسها أو التلذّذ بثمارها. شجرة التفاح المسكينة كانت كاترابها جميلة أيضًا غير أنه لم تكن لترغب أبدًا باغواء ضيفي الفردوس. غير أن الحيّة الغادرة الخادعة مهدّت لحوّاء سبيل الغواية وأقنعتها بتذوق لذائذ التفاح لتعود بدورها فتقنع آدم الذي انقاد لغوايتها فأكل من الثمر المحرّم.

          وانهال البؤس والتعاسة على نزيلي الفردوس، وعلى البنات والبنين الذين سينجبانهما ومن بعدهم البشر أجمعين.

          وطُرِدَ آدم وحواء من الجنَّة. خبرا التضور من الجوع والمُعاناة من العطش وتكبدا الآلام والأوجاع. وعندها راحت تراودهما ذكريات ما كان ينعمان به من لذائذ في عالم ليس مثله في الأحلام.

          الفردوس حزين لفراقهما. الأزهار والثمار، الطيور والبهائم تروّي بدموعها عبثًا تراب الأرض. اشفقت ملكات الأشجار على آدم وحواء وكن يرغبن بمؤاساتهما والتخفيف عنهما ببعض من ثمار الفردوس ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ فالفردوس محفوفٌ بالملائكة من كل جانب ولا قدرة للأشجار على تخطيها واجتياز حدوده. لكن مهلاً! فالفضاء حرّ ومُتاحٌ للجميع. اجتمعت الملكات وتشاورن فلم يجدنَ رُسلاً لهن سوى الطيور فجمعهن منها عددًا كبيراً وأطلعنها على قرارهن.

          كان فرح هذه الكائنات الصغيرة غامرًا لأنها ستُدخل بعض سعادة الى قلبي الحبيبين المنفيين. قدّمت كل ملكة أفضل ما في شجرتها من ثمار إلى واحد من الطيور فحملها بأحكام في منقاره. وبعد أن تزودت الطيور بهدايا ملكات الأشجار حلقت في الفضاء مودِّعة أجواء الفردوس السماوية تحدوها سعادة اللقاء من جديد مع آدم وحواء.

          استغرقت الطيور وقتًا طويلاً لامتناهٍ لبلوغ هذه الأرض, أرضنا، وأخذ منها التعب والارهاق مأخذًا كبيراً حتى أن الموت أطبق على العديد منها قبل بلوغها الهدف المنشود فسقطت وسقطت الثمار من مناقيدها وفسدت. المناخ على أرضنا ليس سماويًا فيحفظ الأشياء إلى الأبد. كل شيء مصيره الموت والفناء. لم تكن الطيور تعلم هذه الحقيقة فوقعت جميعها في المحظور، إلا أن بعض البذور والنوى انغمست في التراب وتجذرت وانتشرت في العديد من الأصقاع. الطيور التي نجتْ تمكن من بلوغ غايتها، آدم وحواء بعد أن أنهكها طول البحث عنهما فنفقت عند أقدامهما وهي ما تزال ممسكة بمناقيرها حملها الثمين.

          بكى آدم وحواء طويلاً لمعاينتهما الطيور التي ضحَّت بحياتها من أجلهما. أكلا من الثمار المقدَّسة وعاودتهما أجمل الذكريات. رمى آدم وحوّاء البذور والنوى، ودون أن يخطر لهما ببالٍ نبتت هذه البذور واينعتْ.

          هكذا ولدت الثمار في عالمنا. ولا شك أبدًا أن حورية ساحرة، حاملة عصاها السحرية ترعى من فردوسٍ بعيد الشجرة التي هي ملكة عليها.

بنات القصب

 

من أقاصيص: زينة حداد

ترجمة: سمير الحداد

الغابة مُلتفَّة تتعانق فيها الأغصان الحانية لكثرة ما تحمل من الورق.

          ويهب الإله “بان” إله الرعاة، والحزن بادٍ على مُحيّاه يجمع قطيعة ليمضي به إلى الحظيرة، ملجأ القطيع آناء الليل خشية الحيوانات المفترسة التي تتربص به دائمًا. وعلى طريق العودة يتوقف “بان” على ضفة النهر الكبير “لادون” ليورد نعاجه فتروي ظمأها. كان الوقت زمن المغيب الذي يلقي تحية الوداع على فصل الشتاء كاشفًا غلالة الفصل المنصرم عن أشعة الفصل الجديد الذهبية، مُبشرًا بحلول فصل الربيع. فالأزهار بدأت تتفتح. أزهار الربيع اللؤلؤية، شقائق النعمان، المنثور وأزرار الذهب تطل برؤوسها في جنبات الحقول. الزعرور والزعتر، الخلنج والوزال تطلُّ بهاماتها من بين الصخور، والأرض المبللة الكثيرة الحصى تضوِّع عبيرها العذب المسكر وتنشره من أكمام ورودها ونباتاتها البرية.

          ذوبان الثلوج من الجبال في مثل هذه الأيام ينذر بفيضان مياه الأنهار، فالمياه الصافية الرقراقة تتسارع مُنحدرة لتنسكب في مجرى النهر ومساره مطلقة أصواتًا كألحان الأجراس الخافتة، والعشيبات الزمردية والطحالب بدأت توشي الضفاف.

          هنا وفي هذه البقعة الحالمة توقف إله الرعاة، “بان” ليروي عطشه. وضع عصاه جانباً وانحنى يغمر  وجهه بالمياه العذبة ويعبّ منها حتى الارتواء.

“أيها الإله القدوس، جوبيتر! كم هي رائعة هذه المياه! سأعرج كل يوم إلى هذا المكان سالكًا هذا الدرب فأروي عطشي.

          حقًا، إن هذه المياه هي أكسير الإلهة. الحيوانات العطشى ارتوت منها أيضاً. ولدى مغادرته المكان تناهت إلى مسمع بان ضحكات بلورية رنانة. أصوات طفولية فرحة كانت تأتي من طائفة من الحوريات كنّ ينعمن في أحضان المياه، تدور بهن الأمواج فيرقصن ممسكات بعضهن بأيدي البعض الآخر. ومع حلول الليل غطسن في المياه وغبن عن الأنظار. وتكرَّر هذا المشهد في اليوم التالي وفي الأيام الأخرى.

          كان الإله بان يرجع مع كل غروب فيرتوي وقطيعه ويرتاح على صخرة ممتعاً ناظريه بمفاتن الحوريات الرشيقات تظهر من خلف غلالاتهن الشفافة الزاهية وهنّ يتراقصن لاهيات.

          كان بان يسترسل غالباً بالبكاء. إنها الوحدة المريرة القاتلة، فلطالما كان يتأمل وجهه البشع على صفحة المياه الصافية كالمرآة، وكان يرى قرنين صغيرين يبرزان من رأسه كما كانت لحية كثة شعثاء تغطي وجهه الضخم إضافة إلى أن نصف جسمه كان كجسم تيس الماعز.

آه! ليته كان قادراً على انتشال احدى هذه العرائس الفاتنات فيلفها بذراعيه فتدخل البهجة على وحدته القاتلة. كان ليداعب شعرها الأشقر الطويل ويخال نفسه في حقل من حقول سنابل القمح الذهبية. وكان ليغطي وجنتيها المتوردتين بالقبل وكان يحلم بمنامه بعينيها الدعجاوين وشفتيها الورديتين كان يحلم بليلة عرس سعيدة.

          باخوس، باخوسن هلمَّ إلى العيد! إملأ كؤوسنا فرحًا وسعادة ونشوة. وأنت يا جوبيتير، اجمع شملي بحبيبتي، فقد انتقيت احدى هذه الحواري. رفيقاتها يسمينها سيرانكس،”ٍSyrinx” وقد تناهى إليَّ أنها ابنة النهر “لادون” وهي تعيش هناك، وبالرغم من بشاعتي فأنا إله يكرمني الخلق ويعيِّدونَ لي. هكذا كان الإله بان يتحدث إلى نفسه، ولم يعد قادرًا على التحمل، فوثب وثبة واحدة فإذاه في مياه النهر الممزوجة بعطر العرائس والحوريات.

          رؤية العرائس لهذا الكائن المُخيف مسحت الفرح عن وجوههن فنجون بأنفسهن. غطسن إلى الأعماق مذعورات. كنّ سريعات، رشيقات الحركة. تمكن من الاختفاء عن انظاره وبلغن قصرهن تحت المياه المبني على صخرة مرجانية ضخمة بالأحجار المرجانية الكريمة.

          وما ان إصبحن في حمى قلعتهن المنيعة، لاحظن أن واحدة من البنات غير موجودة. إنها لا تجيب على ندائهن. سيرانكس، سيرانكس! هي ليست هنا. ربما ضلَّت الطريق.

          الحقيقة أن سيرانكس كادت تقع في قبضة “بان” تمزق ثوبها الموسلين وكاد أن يدركها لولا أن موجة قوية قذفت به جانبًا حاجبة عنه الروية، فاستغلت الشابة هذه الفرصة وانحرفت بطريقها مُسرعة واختبأت داخل احدى المغاور البحرية.

          رجع “بان” أدراجه أسير الخيبة والأسى، غير أنه وبصدفة لا تصدق مرّ من أمام تلك المغارة. رأى قطعة من ثوبها المُمزَّق فالتقطها بخشوع واحتفظ بها، فهي مقدسة بالنسبة اليه. ثم سبر بنظره الثابت أعماق الملجأ فوقعت عيناه على سيرانكس، حبيبته فرمقته بنظرة وجلٍ وخوف. حملها بين ذراعيه ووضعها على اليابسة، وكان في غمرة فرحة العامر يطلق ضحكات حادة دلالة على الغلبة والانتصار.

          أطلقت الأمواج نداءات الإنذار والاستغاثة وراحت تتدحرج من صخرة إلى صخرة لافتة إلى الخطر المُحدق بأميرة المياه. تلقَّفَ النهر، لادون، الخبر وتولَّى قيادة المعركة، فإن ابنته، ولو كانت طعمة للموت، لن تكون من نصيب هذا الكائن الخشن، الفظ. تضَّرع لادون إلى الاله جوبيتير وإلى الآلهة أقرانه، فهبَّت عاصفة ودوّى هزيم الرعد مُطلقًا صواعقه والسنة لهيبة في الغابات، واقتلعت الرياح الأشجار من جذورها، وتدحرجت الأمواج المُتعاظمة وانتهت إلى مساعدة الصبية على الافلات من بين ذراعيّ بان لتهرب من جديد فتحملها الرياح وتحطُّ بها على ضفة النهر.

تبعها بان وهو يستشيط غضباً واصبح على وشك الإمساك بها من جديد عندما حصلت احدى المُعجزات فتحولت سيرانكس متقمِّصة في قصبة بين ذراعي بان الذي كان يظن بأنه ممسكٌ بحبيبته. كسر بان القصبة إلى سبع قطع تناثرت على ضفة النهر، وراح يطلق صراخًا صاخبًا وشكوى اليمة. وتغلغل بكاؤه ونواحه في تجويف القصبة التي عادت فالتحمت قطعها وراحت تطلق أصواتً ألم وشكوى ونواح، وهكذا ولد الناي.

هدأت العاصفة وعلا ضوء القمر مهيبا فوق هام الجبال. باعثًا بعض أشعتة داخل الآلة الموسيقية الجديدة فراحت تتغنَّى بجمال مصباح الليل، وأسكن النسيم العليل سلسلة نغماته في أعطاف القصبة المسحورة.

بكى النهر ابنته وردَّدت القصبة مراثيه الحزينة فملأت الطبيعة واهتزت مشاعر المروج والحقول المليئة بالأزهار والقمم الشاهقة والوديان.

واستلقى بان على العشب مغلوبًا على أمره وراح يشكو تعاسته وحزنه فيردِّدها الناي بكلِّ أمانةٍ وإخلاص وراح حملان بان ونعاجه الواحد تلو الآخر يقترب منه ويحيط به لعله يدخل إلى نفسه العزاء فينسيه أحزانه، كانت النعاج والحملان تحب راعيها حبَّا بعيدًا عن الوصف.

          وأطلق الفجر تاركًا بعضًا من شعره الذهبي ينساب في جوف الناي. واستيقظت الطيور ونشرت الشمس أمواج أنوارها، وكان الناي يردِّد الأنغام الفرحة والحزينة. نهض بان وابتعد عن هذا المكان الحزين وذكرياته المؤلمة حاملاً معه الناي ليتذكر به حبيبته سيرانكسن الحورية الشقراء. وراحت النغمات الموسيقية الشجية تنبعث من هذه الآلة الجميلة, نغمات لم يُسمع مثلها في ذلك الغاب من قبل.

          وفي صباح اليوم الجديد، جاءت شقيقات سيرانكس لزيارتها. أحببن مشاركتها مصيرها فتحولن جميعهن إلى قصبات طريات العود، رشيقات القوام. وبعدها بتنا نرى هذه النبتات الوفيات تتخذ ضفاف الأنهار موطنًا لها.

 

حزمة من سنابل القمح

 

وبزغ الفجر مطلقًا سهام الضوء في أرجاء السماء التي ارتدت جلّة حمراء لوّنها اللهبُ المتأجج. وها حقل قمح على مدّ النظر يؤرجح أعناق السنابل التي كانت ترفع رؤوسها نحو السماء من وقت إلى آخر يحدو بها حنين إلى ماضٍ مجيد. ثم تروح ترقص فرحة تحت أنظار نجمة النهار المتأجحة.

          يعرف القمح أهميّته لهذا العالم، أوليست حبيباته بذورًا للحياة؟ أليست سنابله حاجة وضرورة لا غنىً للجنس البشري عنها؟ القمح، شبع الجائع، تباركه الشعوب وتعرف كيبونته المقدسة.

          ماذا لو اخبرتكم قصته؟

منذ أوائل الأزمنة، لم يكن القمح السماوي سوى لعوالم الله. كان القمح غذاءً للروح وكل حبّة تتغلغل في أحد العوالم اللاأضيّة تفعمه بالفرح والسعادة والمعرفة.

          يا حبّات القمح، أنت نبات المجهول وانتماؤك هو إلى سماوات غامضة تكتنفها الأسرار. أبدعك الله بقصد إضفاء السعادة على النفوس المترقيّة التي في زمن بعيد، طلبت إليه أن يمنّ عليها بالمعرفة.

          وسبرت عين الله اللانهاية بنظرة ثاقبة، وبهرت عظمته المحيط والجوار، واتّضعت النجوم السماوية وامّحت من أمام وجه الله الفائق السمو، وهي تتأمل وتتمعّن بأعمال نعمته ورحمته، ممجّدة اياه، لا طاقة لنا على تحديد جمال هذه الأمكنة!

الأنوار تنسكب شلالات متعددة الألوان وتتشابك في القباب العديدة، مساكن الملائكة ورؤساء الملائكة والشيروبيم. وتسمع زبحرات صمّاء كعلامات ودلائل على القوّة القادرة.

          ودون أن يرى، يروح الله يتكشف مصارحه وأملاكه ويدخل محبته في أسرار الأكوان العميقة. الله هو معرفة الجميع، لا شيء يفوقه، والكواكب والنجوم تطلب بحرارة وخشوع بعضًا من ذلك العلم الذي لا يملكه أحد سوى الله.

هذه العوالم التي هو السيّد المطلق الأوحد عليها، هي ملك له. هو يحضنها بشغف وعناية، فهو المسؤول عنها وعن معرفتها. الله يحبّها وينعم عليها بحسب استحقاقها، ومن عينه الساهرة، اليقظة ينبثق عدد لا حد له من الشعاعات المتلألئة ذهبًا حاملة حول رؤوسها حبوبًا من القمح بلون النجوم، وهذه الحبوب تكبر مع مرور الوقت وتصبح كل حبة منها فردوسًا كبيرًا حيث توجد هبة رائعة تختزن معارف مقدّسة.

          أطلق الله على هذه الباقة من الشعاعات إسم حُزمة من سنابل القمح، حزمة النعم هذه المتأتية منه مباشرة لا يمكن أن تكون إلا مقدسة، مباركة ومليئة بالرحمة والرأفة. هذه العطايا تتوزع في كل مكان. يتمتع سكان عوالم الله، وهم يمارسون ويطبقون الحكمة والخير، بقدرتهم على إبداع سنابل أخرى مليئة وغنية بمثل هذه الحبوب الرائعة من القمح.

          هكذا امتلأت القبة السماوية من هذه الحبوب الرائعة من القمح التي هي في أساس المعرفة والغذاء السماوي الذي تحصل عليه العوالم الأخرى. كل حبّة قمح هي عالم لا حدود له، حيث يعيش أولى العدل في غبطة دائمة. ومع مرور الزمن، وفيما هم يعملون على تحسين مداركهم، يرتقي هؤلاء المغبّطون من حبّة قمح إلى أخرى حتى يبلغوا بنهاية المطاف أسمى الدرجات السماوية.

          وبينما تنعم السماوات بغبطة دائمة، كان الله يوجد الأرض، وبعدها الفردوس الأرضي حيث أحلّ آدم وحوّاء ليعيشا في جنّة جديدة.

          إلاّ أن الخطيئة سادت وطغت في الأرض، وأُبعد آدم وحوّاء من فردوسهما وراحا يجهدان لتأمين قوتهما الذي يُبعِد عنهما شبح المجاعة.

          كانت السماء في هذا الوقت تبكي آدم وحوّاء، وتبذل المحاولات أمام الله لاستجداء الرحمة لأبي البشر الذي حكم عليه بالبؤس الذي فرضته عليه السماء وعلى حوّاء.

          وتتملك الله الرأفة فبكى رثاؤ لحال آدم. عندئذٍ وبناءً على أمر منه، من الأزلي الخالد أذنت الكواكب السماوية التي كانت تكاثرت إلى ما لا نهاية، أذنت الكواكب السماوية التي كانت تكاثرت إلى ما لا نهاية، أذنت بانهمار شرارات مجتمعة في حزمة ضخمة، وأصبحت هذه الشرارات حبيبات من القمح.

          نظر آدم وحوّاء إلى عطيّة الله بعين العرفان بالجميل ورفعا إليه الشكر والحمد. وينبغي أن نعترف برحمة الله ونرفع له الشكر لأنه خفّف من وطأة جوعنا.

          حبة القمح هي كوكب من كواكب السماء. وكوكب الشمس ينشر لونه السحري في حقول القمح ويصبغها باللون الذهبي تيمّنًا بالقمح السماوي واستذكارًا له.

القلم

 

مهداة إلى النبي الحبيب

       

قلم مُجنح أشبه بفراشة ترفرف من زهرة إلى زهرة تجتني رحيقها ولقاحها، تتلهَّى أحيانًا وتتسلّى بالحديث مع الأزهار. أنا قلمٌ، تقول الفراشة للأزهار، أقطف الثمرات من ربّات الوحي، من التسعة الربّات التي نعرفها على أرضنا، لكن هناك منها أكثر بكثير على الكواكب البعيدة.

          أيتها الربّة أوراني(1)، نجومك تنير أفكاري وحروفي تغدو دفقات نجوم. إنها جواهر فؤادي أصوعها نسجيًا مخرمًا أعلقه في ألفلك فأنا أرغب في إهداء أعمالي إلى الله.

          تربسشور(2)، أنت تبثين همسك في أذني فأروح أوقّع خطواتي وفقًا لايقاعك. أنت ترقصين الفالس مع النسائم وتتمايل الزهور ذات اليمين وذات اليسار وترفع هاماتها لتعود فتنحني من جديد تقبل أعشاب المروج، وتدعو فارسها، النسيم الطري إلى مراقصتها من جديد.

          ولأنني قلمٌ، فأنا أوجّه وأقود اعصارالآلهةِ والراقصات يتمثلْن بسحرها ويصبحن جميعًا سحابًا في السماء يهدين رقصهُنَّ للاله.

          إن هذا لفنٌّ خالصٌ غير أنه راح يفسُد مع مرور الزمن. أنا أحبُّ الربّة تريبسشور وأحبّ أسلوبها، وتلامذتها وأصدقاؤها يخلّدونها إلى الأبد.

أوترب(3)، فاعالمك السماوي سوى موسيقى والطبيعة اوركستراه التي تضم جميع الآلات الموسيقية. اللغة في هذا العالم هي موسيقى، والانسجام يسود مشاهد الطبيعة التي أُنعِمَ عليها بما لا حدّ له من الألوان التي تلهم الموسيقى. شعاعات الشموس والأقمار التي تذكرنا بقيثارات ترسل نغماتها بعبقرية وانسجام وتنظمها سمفونيات تليق بأكبر العبقريات وترافقها ملائكة الله من بعيد بأناشيد فائقة الجمال.

          أوترب، أنت توحين لي بألحان الهيّة تتنزَّل على أيدي الموسيقيين العظماء وأنا أعيد إنتاج هذا الإنسجام بكل أمانة لأنقله إلى أجيال ستأتي.

          أنا مخلص لِ كليو(4). فهي آلة تسجيل وجدت مع ولادة الزمن. هي التأريخ لهذا العالم، وهيرودوتسُ(3) هو أوّل من تتلمذ على يديها، وأوحت لأوّل المؤرخين بتدوين أولِّ الأحداث والانجازات العظمى على هذه الأرض.

          أنا أنتقل من يدٍ إلى يدٍ ومن بلدٍ إلى بلدٍ لكي أكون دائمًا بالتصرّف وبكامل الاستعداد. أنا بشكلٍ من الأشكال موفدٌ من الربّة كليوْ، فقد أئتمنتني على كامل معرفتها لذا أنا احتفظ بتاريخ العالم في كنفي وتحت وصايتي. أنا انشر وأيسّر تلقين هذا التعليم الضروري للإنسانية، فقد كتبت ما كتبته وما أزال أكتب من أجل الأجيال الآتية.

          الربّةُ كاليوب(4)، تأخذني بيدها، وبمساعدتي تملأ أوراقًا كاملة. ويتردد وقع أصوات شفتيها في موسيقى عذبةٍ موجهةٍ للسامعين، وتتساوق وتتتابع الجملُ أحيانًا صاخبة وهادرة كأمواجِ محيطٍ في مهب العاصفة. وخلال تجوالها في كل المطارح تتكلم كاليوب بجميع اللغات. صوتها رنّان، أحادثيها مؤثرة مُقنعة تزرع الإيمان في النفوس.

          كانت “كاليوب” مُرشدةً للإنسانية وما تزال وكذلك تبقى على الدوام. وبحكم كوني قلمًا فأنا أعينها في تدوين أفكارها. أنا بين يديها أصبح ذاكرتها الأمينة.

          وأنت يا “ايراتو”(5)، أنا المعين لك لكن على قدر استطاعتي. أنت أيضًا تأخذينني بيدك، وغالبًا ما أحزن لحزنك وما الحياة لك سوى نهر من الدموع. أنت تبثين فيّ أشحانك فنُحيلها كلانا إلى قصائد، إلى أناشيد للأكم الذي ينسج أوصافًا للحقيقة على كل شيء. فشكوى البشر والزهور والطيور، شكوى الجبال والسهول، شكوى المياه والغزّار ستكون قصائد ومراث، وستتحول كل عبرةٍ إلى بيت من الشعر يصدر الأحزان.

          إيراتو، يا ربّة الشعر، اسكبي فيَّ ألمَ العالم وأنا سأبذل الجهد لمساعدة القرّاء على فهمها.

          أنا انعكاس لِ ميلبومين(6)Melpomène، ربة المآسي، نلوّنها معًا، فهي صورة حزينة، هي صورة عن أصولنا، فمنذ ذلك الزمن اجتاح قلوبنا جرف من التعاسة والأحزان، وما زلنا نتخبط في بحر غاضب، غاضب علّنا نبلغ شاطئ الخلاص والنجاة، فالأمواج الشرسة، المُتوحشة أحيانًا تلتهم طرائدها.

          وأنت أيتها الدموع والتأوهات، أنت من هذا العالم! ميلوبومين تبكي بشهقات من الأسى، وأنا، القلم، أنقل بكل أمانة مآسي الحياة التي يُسمح لي بمعاينتها وأحزن لبؤس الأرض.

الحياة على الأرض هي شبه الموت، كلاهما مأساويان. وتتغلغل ميلوبومين في أذنيّ تملي عليَّ مراثي البشر وشكواهم.

          أنا قلم، أنا رفيق الناس طرًّا. تالي(7)Thalie  ، تضحك، تضحك دائمًا من أجل لا شيء، فأنا أُسرُّ وأضحك عندما أكون معها وايمُ الحق. تالي تمثلُ الفكاهة فضحكاتها الرنانة تُسمع في البعيد البعيد على مدار ألفٍ من الأميال.

          الإنسان بحد ذاته كائن مضحك، ومع مرور الزمن، تصبح أخطاؤه نافرة وغير قابلة للتصديق وتصبح مُدعاة للبكاء، واسمح لنفسي أن أقول إن الضحك بات مأساويًا حتى كاد الطرفان المتناقضان يلتقيان ويأتلفان فتاليا وميلومين تبقيان شقيقتين.

          وتُسرُّ لي تالي “بأيحاءاتها وأنا بدوري أبثها للكوميديين. أساعدهم في خط الرسائل التي تؤلف تواريخ غريبة وذات صرير وتتحول غالبًا إلى انتقادات يستخلص منها الجنس البشري دروسًا قاسية.

ومع مرور السنوات يتحول قلم إلى مثقفٍ مرهف يقارب ويخوض جميع مجالات الآداب والفنون، وتودعُ ربات الوحي فيه فضائلها ومعارفها.

          ومع أي لم أكن معروفًا في الأزمنة القديمة غير أني موجود دائمًا وتكبر نفسي مع مرور السنين وتمتد إلى كل مكان. وترافقني بوليمني(8)Polymnie  وتكون بجانبي دائمًا تسكب في الحب موحيةً إليَّ أبياتًا موسيقية تلهب القلوب، قصيدة عذبة على الإسماع وشلالات من الكلمات متناغمة تنتظم أغنية ترسم لنا وجه الآلهة.

إنها جمالات عشتروت وأودنيس. روائع السماوات، كلمةٌ إثرَ كلمةٍ ولؤلؤة بعد لؤلؤةٍ تتحول إلى اشعار عبارة عن فردوس ساحر آسر.

          قلم أنا، أتمرّى على صفحات البحيرات لأتحول بريقًا ينعكس من ربّات الوحي ويدوّن معارفهنّ، أصوّر أحاسيسهُنَّ. دمُهنّ يجري في عروقي، فهاته العبقريات يسكبن في روحهنّ. الجميع يحبني وأنا متواجد في جميع الاختراعات، حاضر في تطور الحضارة، حتى أني أسهمت في أكبر الاسفار في الفضاء ولهذا أتكاثر إلى اللامنتهى حتى أكون طوع بُنانِ الشعوب في القارات الخمس.

          أنا صريح، صادق وكثير الكلام، جسورٌ ومتهوّر! أنا سلاح، أهاجم، أتهكُم وسخريتي لاذعة عندما تدعو الحاجة، وغالبًا ما يصبح قريبي عدوًّا لي، نغدو سهمين متصادمين. ولتعاسته، يمكن للقلم أن يكون فاجرًا ويمكن لآخر أن يقتص منه ويصبح كلاهما سيفين في حالة صراع، ومنقادًا لقوته يمكن لأحدهما أن يسيطر على الآخر، فيكون أشبه بلسانٍ عذبٍ الحديث أو لسان حديثه، قاذع لاذع.

          ومهما يكن، فالقلم مثل المرآة تختلط فيها شعاعات الشمس وتتعانق. هو رسول الحضارة، فكم من مرّة منذ زمن آدم وحوّاء بلغتِ الحضارات ذروتها لتعود فتنطفيء لتولدَ من جديد!

          يجب ألا تغيب الفنون عن بالنا، فهي محببة إلى الله وتمثل نهضة الثقافات. القلم مصدر الخطوط الأولى للّوحات الفنيّة وللمنحوتات والنقوش. الفن جميل يرقى بالنفس فهو شعلة متوهجة تنشر ألقها في كل مكان. هي تقدمة للاله السرمدي. الله يحبّ الجمال والكمال الكائنين منذ لحظة الخلق.

          أوَلمْ ينحتِ الله آدم وحوّاء قبل أن ينفث فيهما نأمةٍ الحياة؟ أولا ينتمي فنانونا إلى سماءٍ أكثر سموًّا؟ إنهم أشبه بربات الوحي.

          وبعد أن رسم رمزًا مقدسًا تحوّل إلى تاج على رأس النبي الحبيب استحال القلم بين الأصابع المقدسة إلى سيفٍ قاطعٍ سيكسر كل ما ينبغي أن يكسر. هذه الأداة السحرية تحمل أيضًا البشارة بالخبر الجميل المقدس. إنها ذاكرة البشر. كم من الكتب تظهر وتنتشر وكم من الأسرار يكشف عنها النقاب.

          الدكتور داهش هو ملك  ربّات الوحي والفنون، إنه الإلهام أيضًا لكل العوالم ولجميع السماوات. يمسك بيده قلما هو الناطق باسمه. مخلصٌ هو هذا القلم القصير، هو مطيع لسيّده ينقل أفكاره وينشرها، هذه الأفكار التي هي بحد ذاتها ثورة بين العقائد، فالله هو منبع أعماله وهذا القلم أنشأ كوكبًا جديدًا اسمه مكتبه السماوات.

          في تجوالهن حول العالم بعد مغادرتهن جبل الفنون،

 ها هنّ ربّات الوحي، اليد باليد يرفعن التسبيح الى المجد الإلهي منشدات للنبي الحبيب:

أيّها القدّوس، القدّوس

اسكب فينا شرارات من النور

فننير هذه الأرض الملعونة

ونبثّ في حناياها بعضًا من المعرفة،

فلم يعد هناك ليلٌ ولا نهار صبحٌ ولا مساء،

وها نجمةٌ جديدة تتألق بكامل بهائها فهي بنت الخلود.

سيظل القلم على الدوام يسكب في القلوب إكسير المعرفة الذي يستقيه من البعيد، من عالم كريمٍ هو الإلهام الإلهي، إنه ينبوع لا ينضب، هو دائم “التألق” ويحيي الإنسانية.

          هكذا، بفضل القلم، نجتني أعلى المعارف، وله يعود الفضل أن نرفع الإبتهال والتضرّع إلى العزّة الإلهية.

1        – ربّة الموسيقى حسب الميثولوجيا اليونانية.

          2 – ربّة الغناء والشعر الغنائي والرقص. تصوّر كامرأةٍ شابةٍ تلعب على القيثارة.

  • ربةً الموسيقى في الميثولوجيا اليونانية.
  • ربة التاريخ والشعر في الميثولوجيا اليونانية.
  • مؤرخ يوناني عرف بأبي التاريخ.
  • ربّة الشعر الغنائي، والدة لينوس واورفيه في الميثولوجيا اليونانية.
  • ربّة الوحي للشعر الغنائي. (الميثولوجيا اليونانيّة)
  • ربّة الوحي للشعر التراجيدي أو المأساوي. (الميثولوجيا اليونانية).
  • ربّة الوحي للشعر الكوميدي (الهزلي) يرمز لها بصبيّة متوجةٍ بالغار وتحمل قناعًا. (الميثولوجيا اليونانية)÷
  • ربّة الوحي للشعر الغنائية. (الميثولوجيا اليونانية).

متحف

 

  • هناك في الأفق الخفيّ عن انظار أهل أرضنا يتألق كوكب غاية في الكبر حتى أن حياة المرء ينبغي أن تدوم بلايين السنين لكي تتمكن من زيارة جميع معالمه.

          بلدٌ ساحر لا اعتبار للوقت عليه ولا يشعر المرءُ بمرور سنوات عمره. وما أن يُعرب الزائر عن رغبته في معاينة كلّ الأشياء الجميلة على هذا الكوكب، حتى تتحقَّق رغبته في غمضة عين.

          اسم هذا الكوكب “متحف” مكتوبٌ بحروفٍ من نار وضياء، تخطط دروبه وممرّاته جنائن مزهرة زاهية، وتتعانق فيه أزهار باسمة تتشارك فرح الحياة وهي تتزييَ بالألوان حسب إراداتها، وإلى كل ذلك، فهي لها وجوه ملائكة صغار تحيط بها هالاتٌ من البتلات الناعمة الدقيقة.

          أمّا الأشجار فهي باسقة تتهادى وتترنَّح في أوقيانوس من الأنوار، وأوراقها الوارفة الكثيفة تتميز بشفافية تحاكي رقّة المياه. تربة هذا الكوكب تتكون من جواهر وأحجار ثمينة. والشموس العديدة ذات الألوان الجمّة والتي الكثير منها غير معروف لدينا تتألق وتجمع فرادة كل منها وتضمّ النعومة في تلاوينها حتى تحاكي في ذلك قوس قزح يكون امتداده على مدى الكوكب.

          شموس هذا الكوكب لها مهمّة تؤديها، فكل واحدة منها تمثل شخصيّة استأهلت أن تُرفع إلى قمة المجد في هذا الفلك حتى يضيء محيطه من تألق هذه الشلالات المُبهرة ويصبح نجمًا من نتاج الفنّ الإلهيّ الكليّ السمو. إنهم فنانون كاملو الأوصاف وينعمون بموهبة إبداع كل ما هو جميل ورائع في ما يعود لهم من المطارح، وهم يشكلّون على هواهم الأعمال الفنية البديعة، فالله وبكامل قدرته يتناهى ليكون الجمال الأبدي الخالد. فبالنسبة له الفن هو التقدمة الأكثر جمالاً.

          هؤلاء النحاتون والرسامون يتوقون لأن يتخطّوا ذواتهم في ما يبدعونه من أعمال. أمّا وقد أصبحوا هم نجومًا تنسكب شعاعاتها المتعدّدة الألوان في دفقات من الضياء. هذه الشعاعات عينها سيختار الرسام منها ريشته يرسم بها ويلوّن لوحاته، ويأخذ منها النحّاتون أزاميلهم. هؤلاء الفنانون يجولون في فضاء لا حدود له، يجولون فيه كأرباب البيت! إنهم عبقريو الفنون. ذكاؤهم  يخلق ويجسّد الموضوعات المتغايرة والأكثر جمالاً، سواء كان ذلك رسمًا، نحتًا، عمارة أو توشية.

          في ذلك المكان الشاسع توجد فنون مجهولة من قبلنا، فهناك من ينحت النار أو الضوء ثم يجعل الحياة تدبّ فيها! كثيرة هي الأمور التي تُمارس في ذلك العالم مما ليس بمقدورنا القيام به. هذه التحف والآيات الرائعة تصبح أموارًا خالد.

          لقد تسنّى لي ذات يوم أن أشاهد احدى ربّات الوحي تنحتُ الغيوم، فقد حوّلت بعضها أشخاصًا وحيوانات وأزهاراً. لقد أبدع هؤلاء الفنانون فردوسًا شديد الجمال لا طاقة للغتنا على الأتيان بأوصاف له.

          أوراق الأشجار والنباتات في هذا المكان الساحر ما هي إلاّ لوحاتٍ حقيقيةٍ وكل ورقة مُزيّنة بالرسوم. بعض الأشجار خُصّصت للوحات النصفية، أخرى للمناظر الطبيعية، وأخرى في النهاية تسجل للخلود الأحداث التاريخية الكبرى في العوالم. ويمكننا أن نجزم. بأن شجرة واحدة فقط هي متحف وهو بالتأكيد أكبر من متاحف الأرض مُجتمعة. وجمال الفنون في السماء البعيدة يفوق قدرتنا على التخيّل ولا مجال لمقارنتها بفنوننا.

          وتغوص ربّات الوحي أحيانًا في البحيرات وتعكس أنوارها المُختلفة الألوان نحو السماوات وتقوم بنحتها بفضل أشعتها السحريّة. قطرات الماء العملاقة تشكل تماثيلاً، وتبرز عند ذلك قارّة مائيّة ساحرة تتحوّل التموّجات إلى اكسيرٍ للعيون، وتنتشي السابحات أمام الشلاّلات التي تجري وتسيل جاعلة بعض الأفلاك تدور مُحدّثةً عن مجد الخلود.

          هل من المُحتمل أن يكون رسّامونا ونحّاتونا أمثالُ براكسيتيل، مايكل انجلو ورافايل قد عاشوا في زمنٍ ماضٍ بعيد على ذلك الكوكب حتى تمكّنوا من تقديم لمحة مُوجزة عن الفنون التي تنعّموا بها هناك؟!

          هل نحصل على الأجوبة والدلائل؟ ربّما في يوم من الأيام.

الشجرة الطائرة

 

  كان هناك جبل شاهق الارتفاع، تتوُّجه شجرة ذات جلالة وتتربَّع على قمّته. جذعها غاية في الضخامة واغصانها الكثيفة الملتفّة تتوزع فيما بينها الأوراق الخضراء الزمردية التي تنشر ظلالها على الجبل بأكمله.

          إنها سنديانة الفيّة السنين. حالها مثل حال رجلٍ عجوز موقّر، ذي لحية بيضاء طويلة، تزوره رعيّته لتقدّم له واجب الاحترام والتسبيح.

          تعيدني هذه السنديانة بالتفكير إلى أسياد أجلاّء من الكتاب المقدس، فأتخيلهم وقد زنّر هاماتهم شعر ملوكي، وتحيط بوجوههم لِحىً جديرة بالاهتمام والاحترام.

          وهي بمثابة ملك في مملكته والشجيرات من حولها تقدم لها فروض الاحترام والإجلال وترجو الريح غالباً أن تساعدها على الإنحناء أمام السنديانة.

          شجرة السنديان، ملكة القمم، تطاول الغيوم وتحتضن بين أغصانها ألوف الطيور وزيزان الحصاد والسناجب وكلّ أصناف الحيوانات اللطيفة وغير العدائية.

          كان يسمع أحيانًا زقزقاتٌ حادّةٌ، فحيواناتنا الصغيرة لا تعرف الانضباط على الإطلاق، ومشادّاتها المسائية تملأ المقام بالفوضى والاضطراب.

          كفى، كفى، كان الملك الطيّب يقول لها، وإلاّ سأطردك من مملكتي.

          إلاّ أنّ بعض الصغار العنيدة استمرّت بالشجار والتسبّب بالفوضى ممّا جعل السنديانة تنفّذ ما هدّدت به، فحرّكت بشكل عنيفٍ الأغصان التي كانت الحيوانات ما تزال تتشاجر فوقها، ورمت بها على الأرض وحرصت ألاّ تتسبب لها بأذىً أو سوٍ، فقد كان هدفها أن تعلمها الطاعة.

وأصدر الملك (السنديانة) حكمة:

– أحكم عليك بخمسة عشر يومًا من المنفى أيها السنجاب.

– أتضرّع إليك يا سيدي أن تغفرَ لي، فلن أعود إلى مضايقة الزيزان بعد الآن. ولعظم طيبته ومحبَّته غفر الملك للسنجاب، العفريت، الذي كان يَعِد بعدم تكرار أخطائه، وحذره من ذلك “الويل لك، ثم الويل! فلن أدعك تتخذ لنفسك ملجأً عندي بعد ذلك”.

          وعاد السنجاب إلى أحضان السنديانة حيث إخوته الّذين كان تأثير التهديد شديدًا عليهم.

          وراحت الطيور من أعشاشها وسكان السنديانة الآخرون يفسّرون الحدث ويعبّرون عن انطباعاتهم وكلّ بلغته الخاصة، فكان الوضع عندئذٍ أشبه ببرج بابل!

  • إنّها غلطة الزيز، قال الدوري للعندليب مؤكدًا فهو مُحتال، كما أنه لطّخ له ذيله الجميل بالأوساخ.

أجاب العندليب بأنشودة وانتهى إلى القول:

  • أنا شاعر وموسيقيّ، ولا أتدخّل أبدًا بأمور وضيعة وغير ذات معنىً، وعاد إلى استئناف إنشاده.

كانت السنديانة تفهم وتتقن جميع هذه اللهجات، وكانت تهدّئ نزلائها، فعملاق الجبل هذا كان يحجب سرًّا. هلاّ تخيّلتم شجرة جذعها مجوّف وآهل بالسكان؟ أجل ويوجد فيه فتحة، ويمكن الدخول إليها عبر مغارة نباتيّة حيث يمكننا أن نجد عالمًا بأكمله، ووسط كل غصن من الأغصان شارعًا وحدائق وغابات ومروحًا. وامتشقت الطبيعة ريشات الرسم والألوان الأكثر جمالاً لكي تبدع هذه المناظر الرائعة.

شجرة لامتناهية هي هذه السنديانة العملاقة الهائلة، وسكانها الكليّو الجمال والفتنة، الذين لا عد لهم، هم حيوانات مُسالمة تنتظمُ بفرح وحبور. لقد غاب عن بالي أن أقول لكم أنها حيوانات صغيرة مُفعمة بالحيوية. الطواويس تتهادى وتتفاوى، وتمرّ عربات تجرّها الغزلان ناقلةً السياح، وتجتاز الأنهار والسواقي. انظروا! هذه وردة طائرة تشبه الطيور. بتلاتها النديّة ترف بفرح وتحفظ الايقاع وهي تدندن لأزمة النشيد المُعطرة. وتنير شموس صغيرة هذه النواحي الساحر.

          كنت أفكر فيما إذا كانت هذه الشجرة ستعيش إلى الأبد. وما إن مرّ هذا السؤال ببالي، حتى اجابني صوت قائلاً:

  • نعم، ستُحيَ إلى الأبد كما هو النبي إيليا الحي. ستصعد نحو السماوات. إن ما تظنينه شجرة ليس إلا أحد الأسياد القديسين.

وفي هذه اللحظة، اهتزت الأرض، وراحت البروق ترسم خطوطًا من نور على التلال، واندلعت العاصفة. وشاهدت لفرط ذهولي أوراق السنديانة الألفيّة السنين تتحول إلى أرياش. ولكي تحتمي من هولِ العاصفة، لجأت الحيوانات الصغيرة التي تسكن من الأغصان إلى حضن السنديانة المضيافة. عندئذ، وفي ثورة غضبها تلقفت الريح منجلاً من نار واجتثت السنديانة من جذورها، وتحولت الأرياش إلى ألوف من الأجنحة وحلّقت بالشجرة وبنزلائها إلى أعلى أعالي السماوات، وكانت كلّما ازدادت ارتفاعًا تصبح أكبر فأكبر وكذلك كل من يعيش فيها، حتى أصبحت مجرّة وكان اسمها الشجرة الطائرة.

ولادة النجوم

 

قدرة الله قائمة في كل مكان. من قبل التكوين، لم يكن للخير والشر أي وجود. كانت الجمالات تضمّخ مملكة الله. كان كل شيءٍ نورًا، لا شيء سوى النور، النجوم إثرَ تدور وتندفع في الفضاء اللامتناهي.

          آهٍ، لو كان بامكاننا أن نعود فنعاين المجد والغبطة الأزليّين اللذين كانا سائدين في تلك الأزمنة. الأقلام والكلمات تقف عاجزةً عن توصيف هذه الأبهة المقدسة، إذ لا امكانية أن يصل إلينا على هذه الأرض بعض من اللمحات البعيدة عن ذلك. وإن ما تيقظت في ذاكرتنا لصار لنا من دموعنا أثواب لكلّ يوم وبالطبع لكان الجنون رفيقنا لأننا خسرنا كل شيء.

          وكان زمنٌ تفجر فيه غضب الله وثارت ثورته في جميع مملكته وغيّرت الكوارث والنكبات وجه السماوات، وتصادمت عوالم الأزليّ وتشتّتت، وامّحت غالبية النجوم. وبعد أن طرد ملائكته الخاطئين المُستكبرين، وضع الله حدًّا بين مملكته والقسم الآخر من مقاطعاته الملكيّة إذ ألقى بحجابٍ صفيقٍ فاصلاً بذلك عوالم السماوات عن العوالم السفليّة، وأصبح الله غير منظور.

أولم يقلْ فيكتور هوغو:

الإنسان إله لكنه سقط من السماوات وما يزال يتذكر ذلك.

          والله قال:

– أيتها الأنوار والكواكب وشرارات الضوء، إمّحي عن عوالم الفساد! وتمّ ذلك. فقد حجب النجوم والنيّرات عقابا للخاطئين.

          وكانت المأساة، فقد ألقي معظم الملائكة ورؤساء الملائكة في الأعماق الجحيمية. وكان عقاب البعض الآخر أقلّ قساوة، كما فرض على البعض التكفير عن خطاياهم بشكل مغاير.

          أردت سرد هذه القصة بسبب حقيقة واحدة أو صُدفة واحدة شجعتني على حمل قلمي والكتابة لطالما أحببت النجوم، فلدي شغف في تأمل جمالها في ساعات فراغي واستراحتي.

          ذات ليلة صيف حارة كنت جالسة على أحد المقاعد أشاهد نيرات الله وأتأمل الجمالات السماوية رافعة المجد أمام جلالة الآله المُبدع، ورحتُ أعبّر عن اعجابي وشغفي بصوتٍ عالٍ. وفجأة شاهدت بالقرب مني فتًى أشقر ذا قسمات رقيقة، شديدة الجمال، دخل من أحد الأبواب المُوصلة إلى الحديقة، وأدركت للتّو بأنه غريب، غير معروف.

          ألقى عليَّ التحيّة وقال:

  • استميحك عذرًا، فقد أردت فقط مشاهدة حديقتك، فقد بدتْ لي من الخارج أنها على قدرٍ من الجمال والعناية.

شكرته على إطراءه ودعوته للجلوس بجانبي. كان حديثه جذّابًا، شيّقًا، ولاحظ أنني مهتمَّة بالنجوم فقال لي أيضًا:

سوف أروي لك قصّة أو أسطورة سمعتها من أهلي الّذين سمعوها هم بدورهم من أهلهم وهكذا دواليك.

  • قبل الخلق والتكوين وقبل آدم وحوّاء حصل سقوط الملائكة. وفي ذروة غضبه مسح الله أمراء العوالم التي لا قدرة لنا على إحصائها،

ولم يكن باستطاعة أحد أن يقدّر ويتخيل الغضب الإلهيّ الذي عمّ جميع الأرجاء. وبسقوطهم توزَّع الخطأة كلّ بحسب ارتكابه في أرجاء الجحيم. كان العقاب بالنسبة للبعض خفيفًا فقد حكم عليهم بطريقة مختلفة عن غيرهم، فما كان عليهم سوي التكفير عن خطاياهم.

          في هذه الأثناء كان الله قد فصل مملكته عن مناطق تواجد الخطأة، فقد وضع غشاءً صفيقًا على مملكته حاجبا نوره عن النفاذ إلى طبقات العوالم السفلية حيث كانت ظلمة مُطبقة، تحت هذه القباب القاتمة كان بعض الملائكة والأرواح يكفِّرون عن آثامهم في ليلٍ دائم أزليّ. كانت هذه الأرواح مزوّدة بأجنحة بيضاء وكانت تائهة تهوّم في الأحواء. اعتادت عيونها على الظلمة والسواد. هؤلاء الملائكة الساقطون كانوا يشكلون موكبًا لا نهاية له في هذه الأماكن المُظلمة، ومن أجل أن ينالوا قسطًا من الراحة كانوا يتكئون بأجنحتهم الواحد على الآخر.

          كان الله حين ذلك قد أزال النجوم من السماء وجميع الكواكب، والملائكة الساقطون يتلقون عقابهم ويبكون حرقة على الأيام الخوالي. لم يكن لهم الحقّ بالاستراحة فعليهم أن يحلِّقوا دون توقف في هذا العدم الحزين.

          إلا أن عطف الإله وشفقته كانا يتجلّيان أحيانًا. فقد كان هناك كوكب ذو جلال وعظمة، يظهر لمدّة من الزمن. كان بالغ الارتفاع، مُرصعًا بنجوم رائعة باهرة متعددة الألوان. أحبّه ملائكة الزمن القديم وأعجبوا به وأخذ بهم الحنين.

كانوا يعودون بالذاكرة إلى ذكريات قديمة من العصور البائدة خاصة لحظة سقوطهم، ويتذكرون أيضًا الأماكن التي كانوا يقيمون فيها.

          كانوا يرون أزهاراً ملوّنة ترسل أنواراً متألقة وتدور في رقص سماوي. هذه الأزهار ذات الألوان المتساوقة كانت جواهر تبرز أعناقها من تربة أسمها شمس الشموس. وكانت طيور سحرية فاتنة تنشد بأصوات مُنسجمة أناشيد سماوية.

          وتتدفَّق شلالات ساحرة مُبدعةً أقواس قزح تسكبها علينا وعلى هذه الفراديس الصغيرة المزدانة بأعداد لا تحصى من الزهور والثمار التي لم تكن سوى حجارة ثمينة، وكل حليةٍ من هذه الفحلى الرائعة التي لا تقدّر بثمنٍ يتمثل فيها روح سماوي. ومع مرور الأيام “راحت الأزهار والثمار تزداد قيمة وجمالاً ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه ونقاءً، وفي هذا الألق الشفاف النقيّ يتمرّى وجه من وجوه القدسية السماوية.

          إن ظهور هذا الكوكب الفتّان كان رأفة بخطأة الأزمنة الماضية. وبقدر ما كان هذا الظهور عابرًا، إلا أنه اعاد إحياء ذكرى الإله الكلّي القدرة في نفوسهم وغمرها بندمٍ شديد لأنها عصته وخالفت أوامره. وتكشفت رحمة الله بكامل مجدها، فقد تذكَّر الله ملائكته الساقطين لأنه كان وما يزال يحبها.

          وعمّت رأفة الله جميع عوالمه، فانتشر نورٌ أزرق في الفضاء، وأُبدعت السماء الزرقاء، واقتطف الله من كوكبه نورًا أحمر فكانت الشمس، ثم أطلق في عتمة الليل غمامة من شرارات الضوء التي تفرقت في الجلد الأسود، شرارات الله السرمديّ هائلة عملاقة، وتثبَّتت في الفلك لتصبح نيّرات الليل.

وتذكر الله بعظيم عطفه أولاده الساقطين بعد أن قاسوا وتحمّلوا قدرًا عظيمًا من العذابات والآلام، فوهب نجمة لكل واحدٍ من الذين تابوا إليه. وهكذا كانت ولادة النجوم.

ينبغي أن نتذكر رحمة الله وعطفه كلّما نظرنا وتأملنا نجوم السماء.

ورفعت عينيّ نحو الأعالي وكنت غاية في السعادة إذ استمعت إلى ذلك الشاب الذي روى لي هذه الحكاية الجميلة عن ولادة النجوم. وإذ استدرت نحوه لأشكره، كان قد اختفى.

هل هو يا ترى واحد من هذه الملائكة الذين سقطوا وجاء بعد أن تاب إلى الله، ليقصُّ علينا قصته؟ لست أعلم، غير أنني نقلت لكم بكل أمانة ما سمعته على لسانه.

ذات الشعر الأبيض

 

في احدى ضياع الشمال، وكان ذلك عند الغسق راح الهواء يعصف بشدة وكانت الغيوم الشتوية تحجبٍ وجه الشمس ساعة المغيب. كان الثلج يتساقط كثيفًا على تلك الضيعة وتنوء أغصان الأشجار تحت نيره الثقيل ويمتدُّ بساطه الأبيض على أديم الأرض.

          أوى القرويون إلى بيوتهم الصغيرة وأحكموا إقفال أبوابهم، فالعاصفة هوجاء والذئاب الجائعة تعوي في الجوار. ولو بقي الأهالي ساهرين تلك الليلة لتسنّى لهم رؤية مسكن ظلّ مضاءً طوال الليل في كنف سنديانة القرية العجوز.

          في ذلك البيت الصغير، وفي تلك الليلة الباردة الكئيبة كان ولداً  يبصر النور. ومع بزوغ الفجر سُمِعَ بكاء الوليد الجديد.

          كانت بنتًا جميلة، جميلة، والحق أن هذه الكلمة ليست بكافيةٍ للتعبير عن جمالها الرائع وعن كمال قسمات وجهها واشراقته.

          بشرتها بيضاء ناصعة، كإنّما الثلج قد ألبسها من ردائه رداءً. أما الأمر الشديد الغرابة هو الشعر الكثيف الذي يندر ظهوره لدى حديثي الولادة، والذي كان أشدَّ بياضًا من بشرتها.

          أصيبت النساء اللواتي أخذن الطفلة في أحضانهن وأخذهن العجب لهذه الفروة البيضاء التي إن دلت على شيء فعلى التقدم بالسن والشيخوخة. وبادرت لفورهن إلى تلاوة بعض العبارات التي من شأنها باعتقادهنّ أن تبعد سوء الطالع.

          وأسوأ ما في الأمر أنهنّ سمِعنَ الطفلة تصيح غاضبة: أين أنا الآن؟ فحيث كنت من قبل كان أفضل بكثير.

          أصيبت الجارات اللواتي أتينَ لمساعدة الأمّ بالهلع ووضعن الطفلة على أحد المقاعد وأسرعن راجعات إلى منازلهنّ.

          أخذ الوالد الحطاب ابنته ولفَّها برداءٍ ووضعها بالقرب من والدتها.

          في اليوم التالي سّرّتْ في البلاد شائعة عن ولادة ساحرة ذات فروة شعر أبيض، وراحت الشائعة تنتقل على كل لسان، وكانت النمامات يتهامسن خوفًا من أن تسمعهن الجنيَّة فتنتقم منهنّ.

          هل يمكن أن يتكلم الوليد الجديد؟!

          وبالاختصار، مضت سنوات وأصبحت الطفلة في السادسة من العمر، وأطلق الناس عليها اسم ذات الفروة البيضاء. كان لها وجه ملاك صغير وروحًا حكيمة كالمسنين. كانت تنفر من الأولاد وألعابهم وتفضل التحدث إلى من هم أكبر سنًا، وتروي لهم قصصًا غريبة تستحوذ على أفكارهم أيامًا بلياليها.

          كنت قبل وقت غير بعيد أعيش في كوخ وسط غابة، وكان زوجي حطابًا فقيرًا اسمه كارل. كان لي ولدان قويان مُفعمان بالحياة. الرجال الثلاثة الذين كنت أحبهم، قضوا ذات ليلة تاركين إياي حزنية، حانية الظهر حتى نهاية أيامي.

          أيها العجائز، ألستم تذكرون شابيّن قويين، جميلين اسم أحدهما فرانك واسم الأخر جون، وكانا يقومان التسوق في قريتكم، فكوخنا لم يكن بعيدًا جدًا عن ها هنا؟

          وأنت يا إيفان، الجالس بالقرب منّي، هل تتذكّر؟ ولداي كانا صديقين لك أيام الشباب، وكنت تأتي معهما غالبًا لتشرب الشاي لديّ.

          ألا تتذكر كاترين الغابة كما كنت تسمّيني؟

ومرّة أحضرت معك أخاك الذي توفي في الحرب منذ ذلك الحين، وكم من مرّة جئت إليَّ في شيخوختي تقدم لي مساعدة سريّة!

          وتمادت ذات الشعر الأبيض أكثر، وأخبرت إيفان بعض الأسرار التي لم يمكن على علم بها سوى كاترين الغابات.

          كان إيفان يراجع ذكرياته. كانت الفتاة تتفوه بالحقيقة لأنه ما من أحد على الإطلاق كان على علم بمساعدته للمرأة العجوز. وغالباً ما كانت كاترين الغابات التي كانت لإيفان بمثابة الوالدة تستمع إلى ما يُسرُّ به إليها.

          ما سَر هذه الفتاة التي تعرف العديد من الأمور التي حصلت قبل ولادتها، وتعرف وقائع لم يخبرها بها أحد؟

          لماذا ذهولك يا ايفان؟ كانت تقول له. فقبل أن أصبحتُ كاترين الغابات، كنت في أميركا وكنت موسرة. هناك أدركتني الشيخوخة. أنا لا أختلق الأخبار يا إيفان، ويمكنك أن تسأل أحفادي في أميركا، وتطلب إليه أن ترى صورتي التي يحتفظون بها. في هذه الصورة، يوم كنت في أميركا، يمكنك أن تتعرف إلى كاترين العجوز.

          كانت ذات الفروة البيضاء تحلم غالبًا، وشعرها الأبيض الطويل يغطي كتفيها الناحلتين.

          العالم قديم، عمره آلاف السنين، كانت ذات الفروة البيضاء تقول، وأنا عمري كعمر هذا العالم وشعري الأبيض يذكِّرني بذلك.

          من أين أنت أيتها الفتاة الغريبة؟ يسألها القرويون. أأنت ساحرة كهوفنا ومفاوزنا البحرية، والجبال حيث تعيش جنيّة أساطيرنا؟

          كانت ذات الشعر الأبيض مُدركة لما يدور في فكرِ القرويين، وتتألم بعدم تفهمهم لها وعدم تصديقهم لما تقول كانت تلح أن يكتب ايفان إلى أميركا ويطلب الصورة التي تثبت صحة كلامها، وقدمت له العنوان حيث تقيم عائلتها وأعطته اسمها السابق وأسماء أحفادها، وهذا ما أدى بإيفان إلى النزول عند رغبة ذات الشعر الأبيض.

          أرسل إيفان رسالة على العنوان البريدي المحدّد. وكانت دهشته كبيرة عندما تلقّى الرد على مراسلته من العالم الجديد، وكذلك الصورة الفوتوغرافية التي تمثل كاترين الأميركية التي هي مشابهة كل الشبه لكاترين الغابات، غير أنها بدت في الصورة في ثياب غنية وهي متزينِّة بجواهر ثمينة.

          كانت ذات الشعر الأبيض تقصّ على القروييّن قصصاً قديمة. كانت تسرُّ كثيراً بالحديث عن حيواتها السابقة، معدّدة ذكرياتها عن كل حقبة.

          مرة، كانت ذات الشعر الأبيض زنجيّة في أفريقيا. ومرة أخرى، منذ آلاف السنين، كانت مواطنة هندية.

          وذات يوم سألها إيفان:

– لماذا لم تكوني تخبريني هذه القصص عندما كانت اسمك كاترين الغابات؟

          ابتسمت ذات الشعر الأبيض وأجابت

– ذلك أنني لم أكن أعرفها في ذلك الحين، فضباب الأرض كان يعتم على ذاكرتي. لكنني عندما انتقلت من حياتي تلك لأولد ها هنا من جديد، جعلني ملاك الموت ألجُ عالم فروات الرؤوس حيث اقتطفت فروتي.

تتمتع فروات الرؤوس بالقدرة على حفظ الذاكرة ولها يعود الفضل في تذكرنا لتقمُّصاتنا، ونتذكر أيضاً الخير الذي أتيناه والشر اللذين بموجبهما ننال ثوابنا وعقابنا.

          شعري الأبيض اليوم يوحي ويذكّر بعدد السنوات التي عشت خلالها على الأرض وهي أشبه ما تكون بغابةٍ كثيفة الأشجار لأنها لا تعدّ ولا تحصى.

          ولدت هذه المرة وأنا، كما ترون، مُحتفظة بفروتي البيضاء، سجلْ حيواتي السابقة كلها. وإن كنت الآن فتاةً صغيرة فحسب، فنفسي عمرها آلاف السنين.

          نامت الفروة البيضاء في الحديقة ذات يومٍ، فجاء بكل هدوءٍ من قام بقصّ شعرها الأبيض أثناء نومها.

          لم تستيقظ الفتاة بعد ذلك أبدًا، فحياتها كانت مرتبطة بشعرها الثلجيّ البياض، وهكذا قضت ذات الشعر الأبيض وهي طفلة لكن عمرها كان منذ بداية العالم.

          كانت هذه نهاية التقمص الأخير لذات الشعر الأبيض، الفتاة، اللغز الذي مرّ في عمر هذه القرية.

النَّار

 

منذ غياهب الأزمنة، الفلك مرصّع بالنجوم التي يتزايد عددها باضطراد، والغني الإلهيّ لا حدود له، ينسكب بسخاءٍ في اللامتناهيات، مُرتكزًا في القباب السماوية التي لا حصر لها. الكل يبتسم للنجوم الوليدة ويدعونها للأقامة في ديارهم الفسيحة غير المحدودة.

          هذه النجوم البرّاقة المُتألقة تموضعت في السماوات الزرقاء الشفافة، كأنها بلوّرات وتركز بعضها في مدارات مُختلفة اختارها المسؤولون عنها الذين خصّوا بحكمةٍ مُقدسة.

          ويسبر الله بعينه المُقدسة السماوات اللامتناهية ويمنّ على المُخلصين له والمُحببين إليه بعطايا ملكية تليق بالله وحده، وكلّ حسب استحقاقه. هو يوزع كذلك نجومًا فردوسية على أولئك الذين هم أيضاً أكثير استحقاقاً.

          في أعلى سماواته، وبعيدًا عن هذه الغياب، أقام الله نجمًا ساحر الجمال وروعته ذات الجلالة تسحر جميع العوالم التي تحيط به، وحباه الله بالقوة والجمال وجميع الصفات المُقدسة ونفث فيه بعض الرؤى والوحي. هذا العالم البعيد، البعيد هو عالم غير معروف من العديد من الكواكب، والله يؤكد رغبته بإبقاء بعض الأسرار أسراراً.

          هذا العالم اسمه النار، وهو مُتوّج على أكثر القمم علوًّا في الأفلاك، والله يديره ويوجهه من أماكن أكثر علوًّا وسموًا.

          نارٌ مُتوهجة مُتأتية من هذا العالم تسكب بشرارات هائلة الضخامة تتشتّت وتنتشر في جميع السماوات مُتدحرجة من قبّة إلى قبّة. ألسنة اللهب هذا تعزز ظروف الحياة وتدفع بها قدمًا، وكلِّ شعلةٍ تتغلغل في كوكب من الكواكب حتى تتتحد بقاطنيه. هذه النار المُقدسة تتوهَّج في القلوب مُوحيةً بأكثر الصلاوات قُدسيّة والتي ترتفع غيومًا مُقدّسة شبيهة بنفثات البخور النقي المُتأتية من أكثر الفراديس علوية.

          هذه النار التي لا يخامرها الكلل، هي عالمٌ سحري دائم الحراك ولا يعرف البطالة على الإطلاق.

          هناك في العوالم البعيدة لا وجود لليل ولا للنهار ولا وجود للوقت. الكوكب “نار” يرسل لهبه أيضاً ويولّد نجومًا ويغرق عليها النور المُتألق. وتسهم شموس رائعة ذات ألوان سحرية في إضفاء الجمال على الأمكنة.

          ويفرح الله ويأخذه الحبور لمعانيه مطارحه تزداد غنًى بعد غنى، وتكتسب جمالاً مُتزايدًا.

          و”نار” ينعم بالسعادة الكاملة وألسنة لهبه المُتوهِّجة التي تغذيها قوة مُقدسة، تضفي على كل كوكب تألقًا رائعًا وألوانًا مُتوهجة مُتلألئة. النار موجودة على مدى كل العصور، لكن نار هذا العالم هي أمر سماوي.

          جميلة هي الحياة في هذه الأماكن العَدنيّة، وقاطنوها يعيشون في غبطة فائقة دائمة. وهذا الكوكب العملاق ينعم بقواه الخاصة بقدرة الإحياء وبجعل باقي النجوم تكتسب روعةً باضفاءه علها بريقًا رائعًا، كما أنه أيضًا يولِّد شموسًا مُتعددة الألوان ويوزعها في الإمداء العديدة اللامتناهية.

          البعض من السنة اللهب المُعطرة بأنواعٍ من الرحيق ذي العذوبة الفائقة، ترتفع وتسمو غيومًا نحو الكلي السمو. أزهار وورود منحوتة في النار اللاهبة ترسل عبيرها نحو الأعلى. ومن هذا اللهب تولد طيور فردوسية مُتألقة الألوان، طيور مُرقشة، براقة متلألئة. النار هي مصدر جميع الأنوار والألوان.

          ويبقى العالم “نار” سرًّا عميقًا بالنسبة لجميع العوالم التي، وبحسب الوصايا الأزلية، لا حقّ لها  بالعودة إلى مصادرها ولا بالدنوّ من النار المُقدسة. لكنها في كل وقت من الأوقات تنعم بهدوءٍ وصفاءٍ كبيرين وبسعادة خالدة. هذه النار هي مصدرً غنىً رائع لا ينضب.

          في واحد من تلك الأيام في أزمنة غابرةٍ، سُمع ضجيج جهنمي، زلزال مشؤوم أحدث تهدّمًا هائلاً وانهيارات وعمّ الرعب والرهبة في جميع العوالم، وحلّ بها سوءٌ وتعاسة كبيرين، وانتشر الأسى والضيق في كل السموات، وخيّم الهلع في كل مكان.

          يا الله، ما هو سبب هذه الكارثة؟! إن نجمة فاقدة الإيمان، كافرة، يسيرها الحسد والغيرة، ساخرة من التعاليم والأوامر الإلهية، تسللت إلى قلب النار المُقدسة كي تمارس تفوّقها وتفرض سيادتها على العوالم الأخرى.

          عصيان هذه النجمة، العالم المدّعي، تسبب بحلول اللعنة الإلهية، وهبّ إعصار وحشي ماسحًا كواكب بأكملها، إعصار شرس لا تقاس بهولِه أسوأ العواصف وأسوأ الكوارث التي تحصل على أرضنا، فهي هزيلة مقارنة بما حلّ في هذه الأماكن النائية. ويتردَّد صدى المأساة في كل مكان وانفتحت هوّة هائلة راحت تبتلع النجوم وسكانها المُدانين بهذه الجزيرة.

          وانصياعًا منها لأمر الكليِّ السّمو سكبت النار السنتها بكثرة في هذا الوادي السحيق الذي استحال إلى جحيم. النيران والسنتها مؤذية حارقة، وأثناء هبوطها اجتازت النار جميع العوالم السفليّة مُطلقة سهامًا مؤلمة أحرقت كل شيء على مسارها.

          ونالت أرضنا من ذلك ما استحقت. والكوكب الخاطئ امّحى من الوجود وسقط زعيمه “فولكان” على الأرض جاذبًا معه السنة اللهب وانضمّ إلى رفاق له في هوّة مُرعية حيث أصبح هو قائدًا لهم.

          هذه النار التي حلَّت عندنا هي نار كارثية في معظم الأحيان تحول كل شيء إلى رماد ينثره الريح. غير أن الأرضيين يفيدون من هذه النار عينها لتحسين مصائرهم. وبالرغم من خطورتها، هذه النار هي حاجة وضرورة لعيشهم هنا على هذه الأرض. ويدرك البشر، ربما، في أعماق لا وعيهم بأن للنار منشأ مُقدس. ولهذا السبب الذي يدركه بعض الشعوب في عالمنا، النار تساعد في الحصول على الراحة ثم تقوم كالماء بغسل وتطهير القذارات المُعتادة في حياتنا.

          في العوالم السفلية الجحجمية، تقوم النار بالتطهير مُحرقة الخطايا والألم الذي ينتج عن ذلك، يُعيدٍ تذكير البشر بالحقيقة. غير أن النجم الرائع ما يزال موجودًا وكذلك ألسنة اللهب التي يطلقها منيرًا السماوات المُقدسة الثابتة في إيمانها، الشاكرة العلي القدير والرائعة له النعمة والعرفان على الدوام.

          إلا أن “نار” في ثورة غضبه، يطلق لهبًا يُحفِّذ على التوبة والتكفير نحو الطبقات السفلية فتلامس أدنى المستويات الجحمية. ويصدف أن يتشكل بعض السنة اللهب كائنات خيالية غير “مألوفة” وحوش ربما أو شياطين مُرعبة تبتلع كل ما يصدف في طريقها.

          عندما يبدي الله غيظه، يعبر عنه “نار” مرددًا اياه كالصدى مُرسلاً صواعقه الينا في الحال، فيظهر هكذا قوة ذات وجهين، العقاب والمكافأة. ألا يخبرنا الكتاب المُقدس في عهده القديم أن ثلاثة شبان ألقيوا ذات يوم في لهب مُتوهج ورفضت النار أن تتسبب لهم بأي أذىً، لأن إيمانهم العظيم كان سبب خلاصهم.

          أنا أقول أكثر من ذلك:

  • هؤلاء الشبان الثلاثة ينتمون إلى السماء البعيدة النائية، إلى كوكب مقدَّس إسمه “نار”. نار له وجهان: السماء والجحيم. أما بالنسبة إلينا، نحن الداهشيين، النار تحرق صلواتنا وتحملها كغيوم شبيهة بنفثات البخور المتلوية وهي تتعالى نحو الآزلى الخالد.

النَّدى

 

أنت ترصع الأزهار بلؤلؤك، تقبلها ثم تجعلها تستحمُّ بعذوبتك. من أي المطارح أنت، أيها الندى؟

  • أنا من بلد بعيد. أجنحتي سريعة، وبغمضة عين أحطّ حيث أريد.

كان الوقت فجرًا، والقمر الناصع بادر إلى الرحيل بسبب اقتراب الشمس الطالعة، وكان ولدٌ جالس أمام وردة يتحدث. وكانت قطرات شفافة تتوّج أوراق الوردة النديّة. كان الولد يقبّل البتلات المكسوّة بالندى ويقول:

  • اروِ لي قصتك، أيها الندى!
  • انظر، بات الوقت مُتأخرًا الآن، فالشمس تأمرني بالرحيل. تعالَ في الغد لكن قبل ساعة من مثل هذا الوقت. سأنتظرك في هذا المكان، ها هنا، وعندها أروي لك قصتي دون استعجال.

في الغد، أنْسَلّ الولد من سريره في الموعد المحدَّد وأسرع إلى الحديقة. كان الندى بانتظاره مُرتديًا ثوبًا طويلاً رائعًا نسجَ من حبيبات، لآلئ مضيئة وكان الشعر الأشقر يرسم هالة حول وجهه الملائكي، وله جناحًا فراشة.

          ارتعش الولد أمام هذه الحورية المُتألقة ثم ابتسم، فحملته بين ذراعيها وراحت تحلِّق فوق مروج العشب الأخضر المُوشات بالزهور، وأخذت تروي بحبيباتها، اللآلئ كلّ ما يكسو الأرض من اخضرار.

  • استيقظ، استيقظ! كان الندى يغنّي.

انتعشت الأشجار الذابلة، وصار العشب في المروج يرتعش فرحًا، والطيور النهمة راحت تمتصّ القطرات التي نثرت الآن على أوراق الأشجار.

          بدأ الندى يفقد ثوبه الرائع شيئًا فشيئًا إذ كان يسكبه على هذا العالم.

          عند الفجر لم يكن قد تبقّى له غير وجه ملائكي وجناحين. تبخر جسمه ورداؤه. وبعد أن تجرَّد من جميع حلية انطلق صديقنا على طريق العودة.

          كان الولد الجاثم سعيدًا على جناحي الندى يطلب إليه بالحاح أن يسمح له بزيارة موطنه ذات يوم، فوافق الندى على ذلك.

          قامت الحورية الجميلة بقطف غيمة من الفلك والتفت بها ثمَّ، في ومضة من الزمن، بلغت موطنها الذي هو نجمة مُتألقة لها شكل وردة.

          واخترق الندى إحدى بتلاث هذه الوردة السحرية ودخل في فردوسٍ أزلي.

  • هذا هو موطني أيها الولد، وجميع هذه الروائع هي لي. كن مهذبًا، وديعًا فيتسنى لك ذات يوم أن تأتي وتقيم معي ها هنا. أما الآن فتنعم بمشاهدة هذه المناظر الخلابة العصية عن الوصف.

وراحت الوردة تتمايل وتدور في رقص بديع بينما كانت الحورية الحسناء ترفرف وتطير من بتلة إلى إخرى.

          تخيلوا كم هو ضخم هذا النجم. إنه عالم عشرون مرة أكبر من عالمنا. تخيلوا وردة ذات عشرين من البتلات تساوي كل واحدة منها أرضنا حجمًا واتساعًا، هذه الوردة الضخمة تستحم بأنوار العديد من الشموس والأقمار البراقة المُبهرة. وتنساب شلالات جذلى من الندى من ورقة إلى ورقة وتضمّخ وريدات لا عدّ لها هذا العالم بعطرها، وتسرح غزالات بيضاء وتتلهَّى في المروج المزهوهرة وترقص على أنغام ناي عذبة الألحان.

          يا لله! يا لعذوبة وسحر هذه الموسيقى! إنها أصداء غناءٍ في غابة من الأشجار المُثمرة.

  • والآن، قال الندى للولد، إنها ساعة العودة. وما رأيته الآن ليس سوى جزءٍ ضئيل من موطني؛ فلو رغبت برؤية كل شيء وبزيارة جميع النواحي، لَلَزمك لذلك سنوات وسنوات. ها قد بدأ زيارتك ينفد، وأنا ملزمٌ بالهبوط إلى أرضكم الفانية لأُ نعشها.

“أيتها الأزهار والطيور والصديقات، البسنني ثيابي على عجلٍ.

          عندها اجتنى كل واحد من الأكسير قطرة ما لبثت أن تحولت إلى لؤلؤة. وصارت اللآلئ، الواحدة يجنب الأخرى الحلة والثوب، وراحت الطيور تنشقه بمناقيدها حول قامة الحورية التي حملت الولد المذهول ورجعت إلى الأرض وكان الوقت مُنتصف الليل.

          قال الندى للصغير:

  • أترى هذه اللآلئ التي أنثرها هاهنا؟ يجب أن نُسميها الندى تيمنًا باسمى وباسم أمي والنجمة الندى. أنا أعطيكم بعض الثمار من جنتي كل يوم لكي أنعش وأحيي حدائقكم الجافة. إسع لأن تنضم أليَّ في يوم من الأيام.

عندئذٍ أنزلت الحورية الولد المُستغرق في النوم بالقرب من أزهاره.

          وبزغ الفجر واستيقظ الصبيّ الصغير. كانت وردة تداعب وجهه وكان الندى المُتلالئ ينسكب على خدّيه الطفوليتين.

          نسي الولد رحلته السماوية وراحت شفتاه الكرزيتان تمتصان الرحيق السحري، وصرخ هذا الصغير:

          إنه الندى!

لقد همست له الجنية الخفية بهذا الإسم هكذا أنا فاجئت الولد وهو يتحدث ويثرثر مع الندى في إحدى الحدائق.

السفينكس (أبو الهول)

 

ضللت طريقي وأنا أسير في الغابة ذات يوم. كان النهار يميل نحو الأفول، فرحت على عجلٍ أبحث عن طريق العودة. وصلت إلى فرجة بين الأشجار وشاهدت أمامي حاجزًا من الأشجار الرائعة المنظر والشديدة الارتفاع، كانت الأشجار مُنتظمة جنبًا إلى جنبٍ في خط مستقيم ومتتابعة وصولاً إلى فسحة غير محدودة.

          أخذتني الحيرة أمام هذا المشهد وحاولت أن أخترق بنظري هذا الحاجز الكثيف من أوراق الشجر فلم أرَ سوى نجمٍ ينشر نوره على الصحراء.

          كنت أسمع أصوات حيوانات من جميع الأنواع، أصواتًا حادَّة تكاد تمزق الآذان. ترى هل هناك حديقة حيوان في الجهة المقابلة؟ الحيوانات الا ليفة والمتوحشة تعيش مع بعضها في وئام وانسجام تأمين عند جذوع الأشجار كأنها تقوم على حراسة تخوم المملكة.

          وفجأة غطت جميع أنواع الطيور وجه السماء. كان كل نوع يردِّد إنشاده بطريقته الخاصة وراحت زقزقة الحساسين والبلابل تختلط بنعيب البوم وبزئير الأسود ومواء القطط، ما أحدث تنافرًا جهنميًا بين الأصوات. واعتراني خوفٌ لا يوصف، خوفٌ يلامس الجنون فهزَّ كياني من راسي إلى أخمص قدميّ.

          الشمس من ناحيتي غابت بالكامل، أما في الجهة الأخرى، فكنت أستطيع الرؤية من خلال بعض الفتحات بين أوراق الشجر والنباتات المُتسلقة. كنت أرى الكوكب المُنير إياه الذي رأيته منذ قليل يضيء السماء الصافية المُتألقة. حينئذٍ دوّى الرعد ورأيت أعصارًا يرتفع في زوبعة من الرمال، وبلحظة خاطفة حملني صوب الغيوم ليعود ويحط بي بعيدًا عن هذه الضفاف بالقرب من منزلي .

ويخاطبني صوت قائلاً:

  • أنا الأعصار أكلمك، حاذري من العودة إلى هذه النواحي. إنها مناطق مُحرّمة. لقد أنقذتك الآن من الموت. غير مسموح لأحد أن يزور هذا البلد، لكنّي، ولكي أشبع حسرتك، سأروي لك قصته، وسوف تسمعين كذلك صدى ماضي هذا البلد الذي ما يزال سرًّا.

إليكم ما رواه لي وهو يصفر ويعصف، إنها بالحقيقة قصّة مُذهلة:

  • هذا البلد هو صحراء تخيم عليها الوحدة المُطبقة، غير أن نورًا دائمًا ذا انعكاسات زرقاء يضيئ هذه المقاطعة الغامضة. كم من الأشياء والأمور تبقى مجهولة خلف ستار الماضي الصفيق. فقد أمرت الأجيال بالتزام الصمت هنا. ومع ذلك فإن الآثار والخرائب تسمح برؤية بعض معالم حضارة عظيمة منسيّة.
  • هناك تمثال يشبه نصب أبو الهول الكائن في مصر، وقد خلّده الصخر الذي نحت فيه، ويتبوأ سدّة الملك منذ بداية الأزمنة، وهو يسرِّح نظره فوق مملكته من أقصاها إلى أقصاها، فيقظته وسهره على مملكته لا يتوقفان، وهو سيبقى دائمًا ملكًا على هذه الصحراء وما من كائن غريب عنها استطاع حتى الآن أن يطأ ثرى هذه الأمبراطورية التي كانت بلادًا خصبة في ما مضى. كانت الجنائن تغطي هذه الحقول الشاسعة، ويرويها أحد الأنهار من مياهه الحيَّة الرقراقة. الأشجار شهيّة الثمار، الأزهار ترتفع شجيرات كبيرة كما بشيء من السحر الفتّان، والأيام تعقب الأيام في حالة من السكون الفرح. كانت الحياة رائعة وكأنك في فردوس على الأرض ترك الله فيه بصمته وساد فيه كرّمُهُ وسخاؤه بكثير من الروعة.

كانت كائنات بشريّة تعيش في هذه الجنّة، وكان الغناء لغة هذا الشعب المُختار،

وكان زمرّد الأشجار الأخضر سقفًا فوق رؤوسهم وكان السندس الأخضر سريرًا لهم. هناك لا وجود للشيخوخة، وربيع هذه الجنّة أبديّ. تخبر التدوينات أن نجمة، في ما مضى، جعلت نفسها صغيرة جدًّا واستقرت في هذه النواحي. ما الدافع إلى ذلك؟ لا نعلم. لكن على أي حالٍ كان وجودها شهادة على وجود الله. إنها عيّنة مصغرة عن العوالم السماوية، حزمة من شموس عديدة.

هذا النجم الذي أصبح أرضيًّا كان معزولاً ومحجوراً عليه بنيران دائمة الإلتهاب. كان رسولاً للسماء، أبا هولٍ يفرض سلطانه على الشعب، ورعيته تبادله الاحترام والمحبة. كان يرعاهم باهتمام وينقل لهم بكل أمانة الحديث والوصايا الآتية من الأعلى، لكن ما من شيء أزليّ، فقد قال الله يومًا لأبي الهول، ” شرّع أبواب موطنك لأبناء الأرض، وليقُم اتباعك تحت إشرافك وحسب وصاياك بالتبشير بكلامي وليعلِّموا الناس قوانيني. قدّم لهم النصح حتى لا ينجرفوا مع المفاسد والفجور لأنني سأختبر هؤلاء الناس الذين أحببتهم كثيرًا “.

نفّذ أبو الهول (السفنكس) ما طلبه الله منه. شرع الأبواب وبعد توصيات مؤكدة سمح لشعبه بالاختلاط بسكان الأرض واعطاهم نموذجًا عن الفضيلة لأن الإثم كان يعملُ فتكه في كل مكان. هذه الكائنات السماوية، وعلى غرار الملائكة الساقطين، كانوا قد نسوا قوانين الله، فقد أفسدهم بنو البشر، وعوضًا أن يقوموا هم بارشادهم واصلاحهم، راحوا يجارونهم في فسادهم. بذل أبو الهول جهودًا مُكثفةً ليعيدهم إلى جادة الصواب إلاّ أن نداءاته ومحاولاته ذهبت أدراج الرياح. لقد نُسِيَتْ أفراح الجنة الطاهرة.

وأبو الهول تائهٌ، حزينٌ ووحيدٌ في هذه الجنَّات الساحرة. الشموس العديدة ترسل عليه أنوارها الأحاذة والنسيم العليل يجفّفُ دموعه. قال له الله ذات يوم: “سوف أعيدك لوحدك مع نجمتك. رعاياك ليسوا أهلاً أن يروا عالمهم القديم مُجدّدًا. سوف أجفِّف هذه الأماكن فلن يبقى هناك نباتات، بل أرض فسيحة جدًا مليئة بالرمال. سوف أجعل سكانها كالحجارة دون استثناء. سيكون هذا عقاباًا قاسياً بالنسبة لهم. سيعيشون كالحجارة على مدى قرونٍ عديدة حتى يدركوا مدى قساوة قلوبهم. سوف يكتشفون جرائمهم ويدركون أنني أنزلت بهم العقاب المُستحق لهم. وأنت يا أبا الهول، كنت مخلصًا لي، لذا ستتحول إلى كوكبة من النجوم.

بكى أبو الهول وتضرّع إلى الله أن يمّن عليه بنعمةٍ:  يُا إلهي، اجعلني أنا أيضًا حجرًا فيتسنّى لي البقاء بقرب رعيتي. ستكون لي نفس لغتهم وسأحثهم دائمًا على فعل الخير، وسأقبل بالتضحية وبمشاركتهم قصاصهم وتكفيرهم حتى يتمّ لهم الخلاص.

أجابه الله: “سيكون لك استحقاق أكبر ومعه ستكبر أيضًا مكافأتك يا بنيّ. لكنني أعلمك أن ألوفًا وألوفًا من السنين ستمضي قبل أن أعتقك من النير الذي سيثقل كاهلك”.

وأنا راضٍ بذلك، أجاب أبو الهول.

وأضاف الله قائلاً: “ما من أحدٍ سيجتاز حدود الأشجار الباسقة التي ستُحجب عنك العيون المُتطفلّة، وبأن حيوانات كوكبك ستكون حرّسًا لك. ستعيش معك إلى حين انعتاقك. سأرسل لك انبيائي لكي يعزوك ويخففوا عنك، ولن يكون لك اتِّصال بالخارج. أنت ستكون مارد الصحراء وسيبقى سرّك مُصانًا”.

          وعندئذٍ هبّ هواء ساخن واختفت حديقة الاله وجفّت النباتات الخضراء، وارتفع سور عالٍ من الأشجار عازلاً هذه الناحية عمَّا عداها من العالم. وصار كل شيء إلى الزوال، وتحوّل البشر إلى حجارة وهم يصرخون يائسين، وحلّت الرمال محلّ التربة الخصبة. لكن وبعد ذلك أخذت الله شفقة بخادمه الأمين فسمح بتواجد بعض الواحات في أماكن مُختلفة، فقد قيّض للأحجار، كل واحد بدوره، أن يستعيد مؤقتًا شكله البشري حتى يُشيدوا من الحجارة التي يتخلَّصون منها صروحًا رائعة، عبارة عن أعمال نقشت عليها تواريخها بالكتابة الهيروغليفيّة، وبالكاد تمكنت تقلبات المناخ وعاديات الزمان من التأثير بها وتدميرها. ويستمر أبو الهول برعاية مملكته والسهر عليها إلى أن يتمّ التكفير عن الخطيئة، مُخاطبًا إياهم بلغةٍ خاصة لا يفهمهما الأغراب، هذه هي قصة رسولٍ من السماء قبل التضحية من أجل شعبه في الحياة كما في الموت. ويصدف في هذه الصحراء المُترامية، وعندما يثور العصف بزوابعه الرملية، أن يسمع صخب وتسمع أصوات تستدعي أبا الهول الذي يعمل على تهدئتها.

          المُرسلون من عند الله يزورون أبا الهول أحيانًا، وبعد تلك السنوات من الانتظار وعدم الحركة، يسمح له الله أن يمشي قليلاً ويزور كوكبه، فيجتاز الأمواج الرملية في ضوء نجم دائم التوهج. ومثلها مثل الصحراء تباركه السماء وتشرِّفه.

          هذه قصة رواها لي بصوته إعصار قدم من تلك البلاد المجهولة، وأنا لم أقم سوى بنقلها اليكم.

 

القلم

 

مهداة إلى النبي الحبيب

القلم

 

مهداة إلى النبي الحبيب

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!