حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

غُرُور

 

أَقصِرْن يا ابْنَ الأرض، وكَفاكَ فلسَفَةً كاذِبَة

يا مَنْ تدَّعي بأنَّك عظيمٌ مِنْ أحكَمِ الحُكماء

واعْلَمْ بأنّكَ لَسْتَ سِوى أَغبى الأغبياء

فلسَفةٌ ولاهُوتٌ وحَلُّ طلاسمِ القُبُور

ثمَّ ادِّعاءٌ سخيفٌ بتعيين يومِ النُّشُور

 يا لكَ مِن غِرٍّ ثرثار، تَضحكُ من كلامِكَ الثكلى النَّادِبَة!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

الأدب الرُّوحيّ

آراء ودراسات في كتاب أسرار الآلهة

  • ماتَ الدّكتُور دَاهش ودُفِنَ ... ثمَّ بُعِثَ حيَّاً 
  • أنّاتُ سَجين
  • النُّور اللاّمع
  • دَعني أَبْكِيكَ وأُناجيك
  • ثورةٌ في رثاء
  • مَسَاجين سجن الرَّمل يُعزُّون
  • الداهِشيَّة عقيدَتي
  • يا تاريخ سَجّل عندك
  • مَاذا كتَبَ سُجَناءُ الرّمل
  • صَدى الوصيَّة الداهِشيَّة
  • ويحاً لكم !!..
  • ماتَ داهِش
  • مَصرعُ داهِش
  • خِدمةُ الفكر في عَصر المادة
  • مختارات من مجلّة الرفيق
  • الرجل العظيم فقيد الحكمة الدّكتور داهش
  • كلمة تألّقت بالحقّ
  • مهنّد الدّاهشيّة
  • لست أنت أوّل شهيد
  • السرّ العجيب
  • داهش جرّاح الأرواح
  • مجلّة الرّفيق ووصيّة داهش
  • رسالة فنّان
  • أراه لم يزل في اللّحد حيّاً
  • داهش
  • رسالة الأستاذ الأسير
  • خسئت التهمة
  • إلى أرواح كونفوشيوس وسقراط
  • يا نبيّ الله
  • كتاب المطران افرام الحيقاري
  • رسالة الأب جرجور
  • ترجمة رسالة المستر أوليفر
  • كيف تعرّفت به
  • الدكتور رستم يعزّي الداهشيّين
  • الشيخ عبد السميع الشريف
  • قضى قطب الصّلاح
  • الشّهيد البريء
  • رسالة الأستاذ جورج أشقر
  • الدكتور داهش مثال الرّجل الكامل
  • عاطفة صحافي
  • كان يحسب الموت بدء الحياة
  • رسالة صاحب مجلّة (عالم الرّوح)
  • كيف عرفته
  • كلمة عزاء
  • داهش العقول
  • إلى صديق !... إلى مؤسّس عقيدة
  • فويل للألى عبثوا بشعب
  • تأوّد وذكرى
  • الشيخ عبد السميع الشريف
  • قضى قطب الصّلاح
  • الشّهيد البريء
  • رسالة الأستاذ جورج أشقر
  • الدكتور داهش مثال الرّجل الكامل
  • عاطفة صحافي
  • كان يحسب الموت بدء الحياة
  • رسالة صاحب مجلّة (عالم الرّوح)
  • كيف عرفته
  • كلمة عزاء
  • داهش العقول
  • إلى صديق !... إلى مؤسّس عقيدة
  • فويل للألى عبثوا بشعب
  • تأوّد وذكرى
  • داهش !.. صرخة داوية وثورة دامية
  • داهش الجبّار
  • ماذا عرفت وماذا سمعت عن الدكتور داهش
  • الشرق منبت العباقرة
  • كلمة أديبة مسلمة
  • مائت الجسم وحيّ العقيدة
  • جزية العقيدة
  • رسالة أمين دار الكتب اللبنانيّة
  • ذكرى انتحار ماجدة الشّهيدة الأولى
  • سقوط النّسور
  • رسالة الشّاعر الأرمنازي
  • داهش !.. صرخة داوية وثورة دامية
  • داهش الجبّار
  • ماذا عرفت وماذا سمعت عن الدكتور داهش
  • الشرق منبت العباقرة
  • كلمة أديبة مسلمة
  • مائت الجسم وحيّ العقيدة
  • بعد أربع سنين
  • الرجل الفذ الذي أدهش العالم
  • روح من الربّ المهيمن روحه
  • عاصفة من صدر الآلهة
  • داهش والفنّ (وما يلي ذلك)

ثالُوث التَّذكُّر الأَزلي فِي ذكْرى الـمِيلا د، اكْتمال الـمِئويَّة، وَفلكِ الأنتقال

ومَضَتْ الأيَّام

ماتَ الدّكتُور دَاهش ودُفِنَ ... ثمَّ بُعِثَ حيَّاً 

 

بقلم الدكتور فريد أبي سُليمَان

 

 

بتاريخ 28 آب 1944 اعتُدِيَ على مُؤَسِّس العقيدة الداهشيّة ، إذْ أرسلَ له المسؤول الأول شرذمةً من الرعاع ليغتالوه بعقر داره . وتبعَ ذلك تجريدُه من جنسيّته اللبنانيّة ، وتشريده ، وأَنف القانون معفَّر بالرغام ومُمرَّغ بالسُّخام .

وهكذا اعتُدِيَ على البريء رغماً عن أحد بنود الدستور اللبناني القائل : “إنَّ حرّية المعتقد مصُونَة “.

لقد داس بشاره الخوري القانون ، وخرَق موادَّ الدستور اللبنانيّ ، فاعتدى على بريء ذنبُه الوحيد اعتناق الأديبة والفنّانة (ماري حدّاد) شقيقة زوجته للداهشيّة مع قرينها وكريماتها الثلاث (ماجدا) و(آندره) و(زينا). وإذْ ذاك ثارت ثائرة بشارة الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا ، وهالهم الأمر ، وتآمروا على داهش ، ففشلَتْ خطّتُهم ، وأنقذه الله من غدرهم .

وتابعت المؤامرة فصولها بتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده في أرجاء الكرة الأرضيَّة .

وفي 28 حزيران 1947 وصل الدكتور داهش إلى أذربيجان ، فأُلقِيَ القبض عليه لأنّه لم يستَطِعْ إثْبات هويّته ، إذْ لا أوراق رسميَّة لديه بعد نَفْيه ، فظنَّت السلطاتُ أنّه جاسوس ، خصوصاً أنَّ فتنة دامية كانت قد قامت في أذربيجان وجرّت ذيولاً خطيرة ؛ فأُعدم رمياً بالرصاص بتاريخ أول تمّوز 1947، وذكرت الصحافة العربيّة والعالميّة أنباءَ إعدامه ودفنه .

ولكنَّ الحقيقة أنَّ مَنْ أُعدِمَ كان إِحدى شخصيّات الدكتور داهش ، فلمُؤَسِّس الداهشيّة ستّ شخصيّات مقرُّها في عوالم أخرى من الكون . وقد تجسّدت هذه الشخصيّات مراراً وتكراراً ، وشاهدها الكثيرون في مناسبات متنوّعة عديدة . وقد ذكرت الصحفُ أخبار ظهورها ، وعُقِدت الفصول الطويلة حول تجسّداتها .

وهذا التجسُّد يُثبت بالبرهان المحسوس الملموس الآية الواردة في القرآن الكريم والقائلة : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم [ (سورة النساء :آية 157) . أي إِنَّ أعداءَ السيّد المسيح ظنّوا أنهم صلبوه ، لكنّه في الحقيقة لم يُصْلَبْ بل صُلِبَ مكانه “شبهُه” أي شخصيّته الثانية .

ومُؤَسِّس الداهشيّة موهوب قوّة روحيّة سماويّة ، وقد اجترح المعجزات الباهرة أمام الألوف خارقاً بها النظام الطبيعي المعروف وقوانين الطبيعة التي لا تُخرَق .

ذلك بأنَّ قوّة الرُّوح هي فوق القوانين ، وهذه القوانين تخضع للقوَّة الروحيَّة .

وعندما أُعْدِمَ داهش رَمْياً بالرصاص ، أي عندما أُعْدِمَتْ شخصيّته بأذربيجان ، كان الدكتور داهش في منزل الرسالة ببيروت بين أتباعه الداهشيّين المُجاهدين الأُمناء والأَوفياء لمؤَسِّس عقيدتهم الراسخة رسوخ شوامخ الجبال المشمخرّة .

وها نحن نضع أمام أنظار القرّاء صورتين لإِعدام الشخصيّة :

ولنزيدَ القارئ علْمَاً حول هذه المعجزة نقول :

إنَّ الشخصيّة هي من عالمٍ آخر غير عالم الأرض ، إذاً لو أُعيِدَ فتح الحفرة التي دُفِنَتْ فيها الجثّة لما وُجِدَ فيها أيّ شيء ، ذلك لأنَّ الشخصيّة تعود إلى عالمها ثانيةً .

وعندما نشرَت الصحف أنباءَ إِعدام الدكتور داهش ، أرسل بشارة الخوري بطلب (رَهْنما) سفير إيران يومذاك في لبنان ، واستوضحه أمر إِعْدَام مُؤَسِّس الداهشيّة . وقد أرسل رَهْنما سائلاً وزارة الخارجيّة الإيرانيّة عن حقيقة الحادث ، فأتاه الجواب مُؤكِّداً أنباء الإعدام بتقرير رسميّ يصف فيه المصرع بتفاصيله . وقد بلّغَ رَهْنما بشارة الخوري الخبر، مزَوّداً إيّاه بهذا التقرير الرسميّ .

حينئذٍ انفرجتْ أسارير بشارة الخوري ، وابتهج لخلاصه من عدوّه داهش الذي سبَّبَ له آلاماً عظمى بسبب الكُتُب السوداء التي نشرَتْها شقيقة زوجته ماري حدّاد ، وفيها من الفضائح الهائلة ما يُزكّمُ الأنوف .

وهكذا أقضَّتْ مضجعه ، وحرَمَتْه من النوم لكثرة ما أوجعَتْه …

وها هو الآن ، وقد تأكَّد له موتُ داهش ، اطمأنَّ إلى أنَّه انتهى من أمره . ولو عرف بأنَّ داهش لا يزال حيّاً يُرزق وأنه يُقيم في منزل شقيقة زوجته، ومنزلها لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من 40 متراً ، قلتُ لو عَرِفَ ذلك لصعِقَ ولانطلقت روحهُ ذعراً ورعباً .

وبعدما نشرت الصحفُ اللبنانيّة نبأ إِعدام الدكتور داهش ، بادر العديد من الصحفيين والأدباء والشعراء ورجال الدين والسياسيّين ، فرَثوه . وقد انتخبنا من مئات المراثي مجموعة ضممناها لكتابنا هذا ، مُحتفظين بخطوط من رَثوه لنشرها بالصحف عندما تدعو الحاجة لذلك .

واليوم ، وبعد مرور ثلاثين عاماً على هذا الحادث التاريخيّ العجيب ، أحببنا أن نجمع ما انتخباه من المراثي التي قيلت بمُؤَسِّس الداهشيّة ، وننشرها بكتابٍ ليطّلع عليه الرأي العام . والسلام .

                                                  الدكتور فريد أبو سليمان

                                                بيروت ، في 5/3/ 1979

أنّاتُ سَجين

 

نُظِمَتْ وَهوَ في المُعتقل ليلة 6 تمّوز 1947

بَعدَمَا بَلغَهُ مَصْرَع مُؤَسِّس الداهِشيَّة

أحقّاً قضى مَن كان للروح  هاديـاً        

فألهـبَ أشجاني وأدمى فؤاديـا

أحقّاً مضى مَن كنتُ أرجو لقـاءَهُ         

لأبلغ من أَهل الزمـان مُراديـا

أحقّاً توارى عن بني الأرض  داهشٌ         

ولاح شهاباً في دجى الليل هاوياً

فكيف أصون الدمعَ بعد احتجابـهِ         

وقد كان وَحْيي حين أَدعو القوافيا

وكيف أُجيد الشعر والسجن مرقدي        

وفيه أقاسي من عِدايَ العواديـا

تمرُّ بي الأشبــاح تقلِـقُ مضجعي          

وتمشي على صدري جبالاً رواسيا

ولـولا رجائي بالإِلـهِ ووعــدهِ           

لقلتُ لقلبي : قد فقدتُ رجائيا !

  • *   *

فيا رفقـاء السجن رفقــاً بشاعرٍ          

عصتْهُ القوافي يـوم رام المراثيـا

ويا سُجناء الرمـل هـلاّ  سمعتُـم           

أنينَ سجينٍ يسهر الليل باكيـاً

تعالَـوا تعالَـوا كي أقصّ عليكُـمُ          

حديثاً كدمعِ العين ينهلُّ  جارياً

أتدرون مَن ولَّّـى عن الأرز والحمى          

وجاوز هاتيك الذرى  والروابيا

فتىً مِـلْءُ عين الدهر لبنانُ  مهـدهُ          

نـأى عن محبيهِ وخلَّى المغانيـا

فتىَ لـو عرفتـم سـرَّهُ لكشفتُـمُ          

بقوَّتِه ما كان في الكون خافيـاً

لقد أبعـدوهُ ويحهم عن صحابِـهِ             

فسار وحيداً موجع القلب داميا

وقـد جرَّدوهُ من شعـار بـلادِهِ           

كما عطَّلوا السيف الصقيل اليمانيا

يُفتّشُ في الغبـراءِ عن وطن لـهُ            

كضيفٍ أتى ليلاً وودَّع ساريـا

لقد جهلـوهُ فاستحلُّـوا عذابَـهُ            

وما عرفوهُ فاستحالوا  أفاعيـا

فعاش عجيباً في حيـاةٍ عجيبـةٍ              

سماويّةٍ تهـدي بعيداً  ودانيـا

وولّـى عجيباً وهو حيٌّ بذكـرهِ            

وقد جاءَ آياتٍ سَمَت  ومعاليـا

لئن غاب عن أرض الأحبّة وجههُ              

سينصفهُ دهري وإن كان نائيـاً

  • *   *

من المــلإِ الأدنى أراهُ محلّقـاً               

إلى الملإِ الأعلى يجوب الدرايـا

سيروي لسكَّانِ السماء  حديثَنا               

وكم قد طوينا في السجون اللياليا

غريباً أتى الدنيا ويترك  أهلهـا                

غريباً ولم يُبصر خليلاً مؤَاسيـاً

وكم رام إِصلاح النفوس روحهِ             

فلم يلـقَ إِلاَّ كاذبـاً ومداجيـا

فذاق كؤوس النائبـاتِ مريـرةً            

كذا أنبياءُ الله ذاقـوا الدواهيـا

مصابيحُ إِرشادٍ وأنوار حكمـةٍ              

تشعُّ وتبقى أرضنـا مثلما هيـا

فلا العدل موفور الكرامة عندنـا            

ولستَ ترى خلاًّ أمينـاً ووافيـاً

ولا مجدَ إلاّ للذي كـان قـادراً             

ولا حقَّ إلاَّ للذي كان ضاريـاً

فإِنَّ شئتَ أن تحيا فكن ليث غابةٍ            

وكن كعقاب الجوّ إِن سرتَ غازيا

فإِنَّ ضعاف الطير في كـلّ بقعةٍ             

فريسةُ مَن ينقضُّ نسراً وبازياً !…

  • *   *

فيا ملهمي شعراً جديداً مخلَّـداً               

ويا نافحي بالروح تلك المعانيـا

وما مرشِدَ السارينَ في موكب الهدى       ويا موقظاً تلك العيون  السواهيا

عليك تحيَّات من الصحب كلّهـم             

ومن أخواتٍ قد أَذَبْنَ  المآقيـا

هنـاك غواني الحـيّ يندبن لهفـةً              

ويذرفن دمعاً بعد بُعدك هاميا

يُنحنَ على عهدٍ بقربـك طيّـبٍ               

ويذكرن عيشاً في ظلالك زاهياً

تباركت الأرض التي قـد نزلتهـا             

وقد حفظت كنزاّ بها متواريـاً

  • *   *

وأَمَّـا أنـا والله أدرى بحالتـي                

فإِنّي أرى أفق الطبيعة داجيـاً

أُناجيك من  سجني   وإِني لمؤمـنٌ        

بربّي وأني سوف ألقاك ثانيـاً

فأنت الذي ألقيتَ في كلّ مسمعٍ            

دروساً كنور الشمس تطوي الأعاليا

وعلّمتَنـا حبّ الأَنـام كإِخـوّةٍ         

لوحـدة أديـانٍ تشـدُّ التآخيـا

تعاليـم موسى والمسيح وأحمـدٍ          

وقفتَ لديهـا هاديـاً  ومناديـاً

فأَقبلتَ نوراً للأُلى آنسـوا الهـدى        

ونـاراً على من يبتغون المعاصيـا

  • *   *

وحقّك ما حُزني لوضعك في الثرى         

فقدرك في الآفـاق زاد تساميـا

ولكنَّ قومـاً أنكـروك جهالـةً           

وتاهوا ضلالاً واستبدّوا  تعاميـا

فلا بدَّ من يومٍ يجيئـون خشعـاً           

لعهدٍ جديدٍ بات بالمجد  خاليـا

وما (ضجعة الموت) التي قد رقدتَها         

سوى يقظةٍ للروح تُحيي الأمانيا

  • *   *

هنيئاً (لمجدا) إذ رأتـك حيالهـا           

وقد لبست ثوباً من النور غاليـا

شهيدةُ إخـلاصٍ شهيدةُ دعـوة          

مقدّسةٍ تدني الذي كان قاصيـاً

فدتْك احتجاجاً يوم أقصوك عنـوة        

فيا لك مفديا ويا لك فاديــاً

تطوفُ عذارى الطُهر في الخُلد حولها        

يرجّعن في دار النعيم الأَغانيـا

وأنت تناجيهـنّ جـذلان راضيـاً     

وتَسقي وتُسقى كوثر الحبّ صافياً …

  • *   *

أداهش يا ابنَ الروح إنك خالـدٌ         

وإن كنتَ يا ابن الأرض بالجسم ثاوياً

لقد أورق الرَّوض الذي قد غرستهُ        

لأرواحنا الظمأى فكن أنت هانيـا

فنورك في عيني ووحيُكَ في فمـي          

وصوتُكَ في الأسماع ما زال داويـاً

ودعوتك الغـرّاء تهـدي سبيلنـا         

وتُنعشُ مشتاقـاً إلى الحقّ صاديـاً

على صخرة الإيمان شدنا بناءَهــا       

فكن لازدهـار الداهشيَّـة داعيـاً

ومهمـا دهتنا في الحيـاة نوائـبٌ       

ستبقى لنا ما دامت الأرض هاديـا

                                                     حليم دمُّوس الداهشيّ

                                   بيروت ، سجن الرمل ، 6تمّوز 1947

النُّور اللاّمع

 

نورٌ لمع ثم توارى تاركاً وراءَهُ ناراً ألهَبتْ قلوباً .

لقد سطع من قلب الظلام ليَهدي العالَم لمعرفة الله .

مرسَلٌ من السماء (داهش)!

مرَّ على هذه الأرض المقضي عليها ، كمشعلٍ من نورٍ ليُنيرها ويُعيدها إلى سبيل الخير .

مجرمون – وهم أنفسهم دائماً في كلِّ زمان – أقدموا على إطفاء هذا النور ، نور الحقيقة ، لأنّهُ كشف عن خبثهم ولؤمهم وأعمالهم الشرّيرة في وضح النهار .

لقد عاد (داهش) إلى ملكِهِ اللانهائيّ ، في الأعالي السماويَّة ، إلى وطنه في حضن الله حيث الفرح والسعادة والحُبّ .

ولكنَّ روحَهُ معنا وفينا .

آثارهُ بهذا المقدار عظيمة سامية حتى إنّها متى عُرفت عندئذٍ يعترف العالم بقدرتِه الخارقة الطبيعة .

إِنّنا مدينون لهُ بانقلابٍ في حياتنا التي اتّجهت بكليتها إلى الأعالي، وبفضل معجزاتِه التي تكاد لا تُصدَّق والتي تبرهن عن رسالتهِ السماويَّة نلنا إيماناً كاملاً أمام النور والحقيقة اللذين تجلّيا لنا ، وقد أعطانا ثباتاً بالإيمان لكي نتحمَّل بكلِّ مسرَّة وصبر الاضطهادات والسجون التي نحن فيها منذ أشهر ، وأنْ لا نخاف من البشر .

لقد أصبحنا متأكّدين أنّهُ لا يوجد أحَد من الخلق يستطيع أن يُخفي أعمالَهُ ، وأنَّ كلّ شيء يظهر عارياً إذْ لا خفيّ إلاَّ ويظهر ولا سرّ إلاّ ويُعرف .

كان عقلنا مُظلماً ، وكنّا غرباء عن السماء الجهالة التي كانت فينا، فعلَّمنا أنْ نخلع ماضينا ، وبفضلِه أصبح حبَّنا للخير والجمال الروحي يزداد كلَّ يوم بمعرفةٍ تامّة وعقلٍ كامل ، وبواسطته تأكّد لنا ما ذكر (بولس) في إحدى رسائله :” إنَّ حِكمَة هذا العالم جهالة عند الله “.

إِنَّنا نبكي لأنَّ هذا المرسَل من السماء أبغضوهُ بدون سبب .

إنّهُ اضطُهد وسُجن مع المجرمين ، وجُلِدَ ، وأُرسل إلى موتٍ محتَّم كما يُساق الحَمل إلى الذبح من قبل جماعة خبيثة لا وجدان لها ولا ضمير .

أليس عنهم قال السيّد المسيح :” الويل لكم أيّها الكتبة والفريسيّون المراؤون فإنّكم تشيّدون قبور الأنبياء ، وتزيّنون مدافن الصدّيقين وتقولون :

لو كنّا في أيّام آبائنا لما كنّا شاركناهم في دم الأنبياء ، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم بنو قتلة الأنبياء . أيُّها الحيّات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنّم ، منْ أجل ذلك ها أنا أرسلُ إليكم أنبياء وحكماء وكتَبَة ، فمنهم مَنْ تقتلون وتصلبون ، ومنهم مَنْ تجلدون في مجامعكم ، وتطردون من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم كل دمٍ زكيّ سُفك على الأرض”.

“الويل لكم أيها الكتبة والفريسيُّون المراؤون ، فإنّكم تأكلون بيوت الأرامل بعلَّة تطويل صلواتكم ، ومن أجل هذا ستنالكم دينونة أعظم “.

“الويل لكم أيّها الكتَبة والفريسيّون المراؤون . إنّكم تتركون العدل والرحمة والإيمان . إنّكم تعفّون عن البعوضة وتبلعون الجَمَل . إنّكم تحزمون أحمالاً ثقيلة شاقّة الحَمْل وتجعلونها على مناكبِ الناس ولا تريدون أن تحرّكوها بإحدى أصابعكم . كلّ أعمالكم تصنعونها رياءً أمام الناس “.

” تحبّون أوّل المتكآت في العشاء ، وصدور المجالس في المجامع . الويل لكم أيّها الكتبة والفريسيُّون المراؤون فإنّكم تشبهون القبور المجصّصة التي تُرى للناس من خارجها حسنة وهي من داخلها مملوءة عظام أموات وكلّ نجاسة .

“الويل لكم أيّها الكتَبة والفريسيُّون المراؤون فأنتم تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ولا الداخلون تتركونهم يدخلون”.

أليس عنهم قال بولس :

” ضلُّوا كلّهم ورُذلوا جميعاً وليس من يعمل الصلاح ولا وأحد ، حناجرهم قبورٌ مفتّحة ، وبألسنتهم قد غشّوا ، وسُمّ الأصلال تحت شفاههم ، وأفواههم مملوءة لعنةً ومرارةً ، وأرجلهم مسارعة إلى سفك الدماء “.

وكذلك قال بولس :

” والإنسان الحيوانيّ لا يُدرك روح الله لأنَّ ذلك جهالة عنده “.

أوليس عنهم قيل :

” لقد عُمِيَتْ عيونهم ، وقست قلوبهم ، ويجمعون أكداساً من الغضب ليوم الغضب . إنَّ غضب الله يظهر من السماء ضدّ كلّ ظلم بشريّ يأسر الحقيقة “.

وقال عنهم بطرس في إحدى رسائلِه :

” أمَّا هؤلاء فكالحيوانات العُجم التي جعلت طبعها للاصطياد والهلاك ، يجدّفون على ما يجهلون ، وسيهلكون في فسادهم ، آخذين أُجرة الإِثم “.

وكما جاء في القرآن الكريم :

” وسيعلم الظالمون أيَّ منقلبٍ ينقلبون “.

إنّ التاريخ يُعيدُ نفسَهُ على هذه الأرض السيّئة المتهرّئة . فهكذا يكون نصيب كلّ نبيٍّ ورسولٍ ومصلحٍ وصدّيق ، لأنَّ البشريَّة بالإجمال ستبقى فاسدة ، ولا تستحقّ الرحمة الإلهيّة ، بل النار والكبريت !

إنّ الذين عرفوا الدكتور داهش أحبّوهُ ، ورأوا فيه قبسَاً إلهيّاً وروحاً سماويّاً .

إنَّ أمثال هؤلاء المرسلين لا يظهرون إلاّ في مطلع حوادث عظيمة لا بدّ من وقوعها ، فيجب أن نتعزَّى لأنَّ عندنا الإيمان ، ولسنا من هذا العالم الدنيء . ونتمثّل بما قالَهُ (يوحنّا) في إنجيلهِ الطاهر :

” الحق الحق أقول ، إنّكم ستبكون وتنوحون ، والعالم يفرح وأنتم تحزنون، ولكنّ حزنكم يؤول إلى فرح “.

إنّ الذي أقام السيّد المسيح يستطيع أنْ يقيم داهش !

 جورج إبراهيم حدّاد الداهشيّ

  سجن الرمل ، بيروت ، 6 تمّوز 1947  

دَعني أَبْكِيكَ وأُناجيك

 

نورٌ ومَضَ ومَضَى !

أَتى كالبرق !

أَثلج قلوبنا وطهَّرها ثمَّ توارى ،

وتركها تتأجّج في أتونٍ أبديّ الاتقاد .

غوثٌ من الله هبط علينا رحمة ،

وأنقذنا من دياجير مدلهمَّة جوُّها الدنَس والعار .

رحمةٌ من الملائكة الأطهار زارت أرضنا الشقيَّة الفانية ،

ومَسحَتْ عن عيوننا تلك الغيوم الكثيفة .

كوكبٌ ساطع من جنَّات الخلْد مرَّ بنا ،

وأَنار قلوبنا بنورهِ الإلهيّ ،

وجعلنا نرى الحقيقة المتلاشية في أَرضنا البائسة …

أبٌ حنون رافقنا ، وأَرشدنا … ونهانا عن الموبقات .

كان يتفقَّدنا ويرعانا في كلِّ يومٍ ويبثّنا عاطفته وحنانه .

ولكن … واحسرتاه ، وواحرَّ قلباه !…

ما كانت إلاّ هنيهات معسولة مرَّت بنا ،

ثم وجدنا أَنفسنا وحيدين أَيتاماً في أَرجاء هذا العالم الفاني .

حلمٌ ذهبيّ كان يطوف بنا في ظلمات الليالي الداجية ،

ثمّ يعلو بنا فوق قمم الجبال الشامخة حتى يبلغ جبل الأولمب المقدَّس .

هناك ، هناك … كنا نرى أنواراً وأسراراً إلهيّة …

هناك كنّا نبثُّهُ حبّنا الطاهر النقيّ ،

وبازدراء نلتفت إلى هذا العالم الغارق بحمأة الرجاسات والموبقات .

بلبلٌ كان يصدح بأنغامهِ السِحْريّة فكان يُطرب قلوبنا ،

ويُسكِرُ أرواحنا فننتشي ، ويجعلنا نرشف من كؤوس السعادة حتى ثمالتها

قمرٌ بهيّ كلَّل رؤوسنا وتوّجَها بأنوارهِ ،

وجعلنا نرى ونفهم أسرار هذه الحياة :

أسرار الموت والخلود ،

أسرار العذاب والسرور ،

أسرار الليل والنهار ،

أسرار النور والنار ،

أسرار هذه البشريّة المتمرّغة في ظلمات الجهل السحيق .

نعم . هو رسول من عند الله هبط على أرضنا هذه

رحمةً بنا كي ينقذنا ويطهِّر نفوسنا من الذنوب .

نعم . هو داهش الشاب الشهيد الذي اضطهدُوه وسجنوه ،

عذّبوهُ وشتموه ، جلدوهُ وأبعدوه ، وفي البلادِ شرَّدوه .

كاد العطش يفتك بهِ وهم لم يسقوه ،

والجوع يطوف في أحشائِهِ وهم لم يطعموه ،

ثمّ يا ويلهم … من جنسيّتهِ جرّدوهُ ، وأخيراً قتلوه !…

نعم . قتلوهُ في بلادٍ غريبةٍ عن وطنه وألقوهُ في القفار المُوحشة

فريسةً لوحوش البراري .

يا لهم من غلاظٍ مجرمين ، لقد ارتكبوا جريمةً نكراء .

شيَّدوا بأيديهم قبر (نبيّ) مرشد هبط رحمةً للعالمين …

ولكنّ التاريخ يُعيد نفسهُ بنفسِه :

فمنْ عذابٍ واضطهادٍ إلى هجرةٍ وتشتيتٍ وقتل !..

مات غريباً عن هذا العالم لأنّه غيّر وطنه .

مات فريداً مجهولاً …

لا يعرفهُ إلاَّ الذين اختارهم رفاقاً له .

وها هم في حربٍ شعواء يناضلون في الليل والنهار

مع الذين ارتكبوا الجريمة ،

أولئكَ المغرورين بأنفسِهم …

وما هم إلاَّ حُثالة البشر وقذارة البؤر النَتِنَة …

ولكنَّكم ستُقتلون أيّها المجرمون شرَّ قتلة ،

وسنُنكِّلُ بكم وبأنجالكم ، وبمنْ يلوذ بكم مهما طالت الأيام والأعوام ،

وتلكَ يمينٌ أقسمناها على أنفسنا ،

ووقفنا دمنا وأموالنا في سبيل هذه الغاية الشريفة ،

لأنَّ الانتقام هو رمزنا ، وهدر الدماء هو غايتنا .

لا ولنْ تُخمَدَ نيرانُ أتوننا إلاّ بالجريمة !…

وحقّكَ يا داهش ، بل يا بريء … بل يا شهيد !..

يا من تركتنا غُرباء على هذه الفانية .

ولكنْ ثق يا ابن السماء ، بل يا عريس السماء ،

بأنَّنا لا نزال أقوياء لا نهاب أحداً ..

نبطشُ ونفتكُ بالمجرمين

في سبيل إظهارِ العدالة المفقودة وإرجاع الحقّ إلى نصابه ،

لأنَّنا الآن لا نعيش سوى لهذه الغاية النبيلة .

أيُّها الحبيب !

لقد جنُّوا وثاروا وهلعت قلوبهم وافئدتهم عندما سمعوا باسمك .

لأنّهم شعروا وتأكّدوا بأنَّكَ ستؤدّبهم ،

وستجعلهم يشاهدون بأمِّ أعينهم فضائحهم وسلوكهم المنحطّ .

لذلك ثارت نساؤهم وخارت قوى كريماتهم وأمّهاتهم …

فطلبوا إِبعادك لأنَّ الرذيلة هدفهم ، ولا يمكنهم

أنْ يُفارقوها هنيهةً على الإطلاق …

يا مَنْ أرشدتنا وهدَيتنا إلى الصراط المستقيم .

يا مَنْ طهَّرت أَرواحنا وأَنفسنا …

هنيئاً لكَ أنّكَ تنعم في فراديس خالدة تسودها السكينة والإطمئنان .

لقد بلغتَ وطنك الأزليّ ،

بعد أنْ تركتهُ مدَّةً وجيزة …

هذه هي إرادة الله . فلتكن أيُّها الهادي الحبيب !

كيف لا نؤمن وقد شاهدنا خوارق ومعجزات لمسناها بأيدينا ،

ونبوءات تحقّقت في أوقاتها المعيّنة .

كيف لا نؤمن بك وكنّا نرى في وقتٍ واحدٍ شخصيّات عديدة لكَ

تُرشدنا إلى الحقّ …

وكانت الأنوار تتدفّق من جبينك ،

ورائحة العنبر والياسمين تفوح من نَفَسِك الطاهر أيُّها الراحل العجيب !

والآن !…

دعني أناجيك قليلاً يا قِبْلَة آمالي ورجائي .

كيف تركتني في نواحٍ أبديّ وأنت الحنون الشفيق ؟

لماذا تواريتَ عني كالبرق ، وجعلتني أتلهَّف لمرآك أيها الشابّ الغريب ؟

لماذا هجرتني في قفار هذا العالَم الموبوء ..

بعد أن كنت تؤاسيني في آلامي وبؤسي ، وأحزاني ويأسي ؟…

لماذا القيتني في الظلُمات بعد أنْ كنّا نطوف معاً في أنوارٍ سرمديّة ؟

كيف بعدتَ عنّي أيُّها الليث !

يا مَنْ تحمَّلت لأجلنا العذاب وشربتَ كأس العلقم المرير ؟

لتكن مشيئة الله !

وهذا شأن الأنبياء أيُّها الراحل الحبيب !

دعني . دعني أتمرَّغ على رسمكَ الذي لا يُفارقني أبداً …

دعنى أموت بقربكِ يا إله الكمال والجمال .

أين تواريت عنّي يا ذا العطف والحنان ؟

كيف تركتني وأنت لي كالندى المُحيي .

أنت زهرتي العطرة ، وسماء حياتي ، ونشوة روحي ..

لماذا قسوت عليّ ، وتركتني جسَداً لا روح .

أنت سرّي ، وأنت كلُّ آمالي المعسُولة .

أشعر بطيفك لا يفارقني ،

وروحك دوماً تحوم حولي …

لقد تحوَّلت سعادتي وآمالي إلى بؤسٍ ونحيب …

دعني أبكيكَ وأَنتحب عليك

حتى أَعود فأجتمع بك …

دعني أُناجيك إيُّها الراحل عنّي .

دعني أتألّم على فراقك المرير ،

يا داهش روحي !..

ها إنّي أسمع نداءك … نداءَك المتواصل لي !

نعم !… سألبيّ نداءكَ يا قرَّة عيني ،

فإلى اللقاء العاجل أيُّها الحبيب !…

                                                               دعد هاشم

                                                            7 تمّوز 1947

ثورةٌ في رثاء

 

تكاثفي يا غيوم !

واهطلي يا أمطار !

وتساقطي أيَّتها الصواعق !…

وغوري في أعماق الأرض أيَّتها العيون المتفجّرة !

وانثري أوراقكِ أيَّتها الأشجار على هذه الأرض الشقيَّة !

وولولي يا رياح !

واندثري يا جبال !

واصمتي يا طيور ولا تعودي لتصدحي !

وارتدي ثوبكِ الداجي أيَّتها المروج الخضراء !

وأقفلي أكمامكِ أيَّتها الأزهار ولا تعودي لتفوحي بروائحكِ الزكيّة !

وانتحبوا أيُّها الأخوة والأخوات !

لقد قُتِلَ نبيُّنا !

لقد ماتَ مُرشدنا !..

لقد توارى عن عيوننا فتانا المحبوب !

لقد تركنا حبيبنا الأزليّ !

لقد فارقنا هادينا ومصلحنا المرسَل من عند الله !…

أعولوا وانتحبوا أيُّها الأخوّة والأخوات !

على العريس !

على الشاب الغريب !

على الفتى المجهول !

على الشريد المقتول !…

قتلوهُ !

نعم قتلوهُ !

يا ويلهم من يوم الدين !

لقد سهروا الليالي على مؤامراتهم الدنيئة !

على خيانتهم وغدرهم !

ذلك هو شأنهم ! شأن الأنذال الأوغاد !

وهذه ديانتهم وهذا ضميرهم

أنْ يعتدوا على الأبرياء ،

ويهدروا دم الشهداء ويسجنوا النبلاء .

وكلّ هذا لم يشفِ نهمَهم ،

وكلّ هذا لم يروِ غليلَهم ،

إذْ ما زال الغيظ يُمزِّق أحشاءَهم تمزيقاً مخيفاً !

لقد لفَّقوا وكذَّبوا ،

وداسوا الدستور بنعالِهم ،

وهم يتبوأون كراسي الحُكْم ونِعْمَ الحُكَّام !…

لقد وصموا جبين لبنان بلطخةِ عار

لنْ يمحيها مرور الأجيال .

لقد سجّل التاريخ جرائمهم وفضائحهم

وسلوك نسائهم المنحطّ !..

وفهمت مشارق الأرض ومغاربها

من ملوكٍ وأمراءٍ وسفراءٍ ورؤساء

ارتكابهم لهذه الجريمة النكراء !

لقد تحمَّلتَ العذاب

وشربتَ كؤوس العلقم والصاب .

وهذا شأن الأَنبياء والأبطال أيُّها الراحل الغالي ،

يا ضحيّة هذه الشرذمة الشرِّيرة المُجرمة !

ولكنْ كُنْ مُطئمنّاً أيُّها الشهيد البريء ،

لأنّي أَقسمْتُ قَسَمَاً بالله العليّ العظيم باسط السماء والأرض ،

بأَنّني لنْ أدعَ دمك يُهْدَر على الأرض رخيصاً .

فمهما مرَّت الأعوام ،

وتراكمتْ الشهور والأيّام ،

فأنا أُراقبُ شرذمة الرعاع الطغام ،

والانتقام يُنادي قائلاً : الدمُ بالدم !..

سأبطشُ بكلِّ منْ تآمر بهذه الجريمة ،

لأنّه من يوم فراقك المروّع ،

أصبح شأن الداهشيّة هو الانتقام الرهيب المرعب ،

لأنَّ الحقَّ لا ولن يعلو عليه شيء !..

وثقْ يا من تركتنا في جحيمٍ متأجّج ،

بأنَّه لنْ تخمدَ نار ولنْ يطفئَها سوى الدم !

وسننتصرُ وسنفوزُ وأنوف الأعداء في الرّغام !

أيُّها المرسَل من عند الله ،

أيُّها المُرشد المُصلح الحكيم ،

يا مَنْ خلعتَ عنّا ثوبنا المُثقَّل بالذنوب ،

وألبستنا حلل التقوى ومخافة الله ،

دَعْني أيُّها الهادي الحبيب أناجيك .

إنَّ روحي تائهة في أرجاءِ هذا المعمور الفاني ،

تبحثُ عنكَ ، بلْ تبحثُ عن طبيبها ودوائها .

يا مَنْ ندائي لكَ متواصل !

كنتُ في الماضي عندما أَذكرك ،

أراكَ ماثلاً أمامي !..

والآن !…

نداءٌ وبكاءٌ ونحيب ،

وليس منْ سميعٍ ولا منْ مجيب !..

آهٍ !.. يا قلبي ،

أحزن وأذرف دماءك على فتاك ،

الشابُ البريء الذي يجهلهُ العالَم .

تساتلي ، يا دموعي !

ولا تجفّي بعد اليوم ،

لأنَّ عينيّ لنْ تكتحلا بعد اليوم

برؤيةِ داهش الحبيب ،

داهش الراحل الشهيد .

نوحوا وولولوا معي أيُّها الأخوة .

على الفتى الغريب المُضطهَد ، والمُطارَد البريء .

توارَ عنّا أيُّها القمر ،

ولا تعد لتظهر في هذا العالم ،

لأنَّ كوكبنا الساطع كفَّ أنواره عن عالمنا ،

وتركه مُظلماً حتى يوم النشور !..

لقد فتّكَ بنا الداء ،

ولم نعدْ لنجد أيّ طبيب ولا دواء .

يا فتى أحلامي !

أنكَ ماثلٌ أمامي

في يقظتي ومنامي !

أينَ ضريحك يا تُرى ؟

كي أضع عليه في كلّ فجر

الورود العابقة الأريج ،

والزنبق والياسمين ؟

لماذا ذبلتِ

وتواريت عنّي أيَّتها الزهرة النديّة ؟

لقد قصُّوا غصنكِ الرطيب

وأنتَ في ريعانِ شبابكِ الناضر .

لقد غرستَ يا داهش في قلوبنا

الإيمان العميق الثابت بتعاليمِكَ السامية .

ولتكنْ مشيئة الله المُهيمن .

فإننا لله ، وإنّا إليهِ راجعون .

والآن !..

لكَ منّي ألف سلام وتحيّة .

سلامٌ عليكَ في وطنك الأبديّ العلويّ !

سلامٌ عليكَ وعلى روحِك الطاهرة النقيّة !

سلامٌ عليكَ من يوم فارقتنا وتواريت عنّا !

وسلامٌ عليكَ يوم تعود إلينا ثانية !

سلامٌ عليكَ أيُّها الأسد البطّاش !

سلامٌ على يوم فوزنا وانتصارنا !

سلامٌ على يوم انتقامنا الرهيب المروّع !

سلامٌ على يوم لقائنا بكَ أيُّها الخالد الذكر !

سلامٌ وسلامٌ وسلام !

                                                        حسّان النقشبندي

                                                           8 تمّوز 1947

مَسَاجين سجن الرَّمل يُعزُّون

 

مَسَاجين سجن الرَّمل يُعزُّون الإِخوان الداهشيّين

بين مساجين الرمل فئة تقيم في مستشفى سجن الرمل (2) قرأت في الصحف عن مصرع الدكتور داهش ، فكتبوا رسالة تعزية وبعثوا بها إلى الإخوان الداهشيّين المُقيمين في البناية الرابعة المجاورة . وهذه هي رسالتهم :

إلى الرُسُل الداهشيّين

السادة جورج حدّأد وحليم دمُّوس وجوزيف حجّار المحترمين

إذا كان الدكتور داهش قد استعجل في الانتقالِ من هذا العالَم والاتّصال بالرُّوح الكونيّة الكبرى فلأنّه بلَّغَ الرسالة الداهشيَّة على الوجه الأكمل ، وثبَّتَ أركانها على قواعدٍ ثابتة ، وأوجدَ لها دُعاةً وَرُسُلاً أوفياء أخذوا على أنفسهم نشرها في أطراف العالَم .

فانتقاله إلى عالَمِ الحياة السرمديّة الخالدة ، انتصارٌ للداهشيَّة وتعاليمها لا يوجب الحزن عليه واستدرار العبرات على فراقه .

وإذا كان الدكتور داهش قد مات بالجَسَد ، فالمسيح من قبله قد مات أيضاً بالجَسَد ، ثمَّ رُفع واتصل بالرُّوح الكونيّة الخالدة .

أمّا أنتم يا رُسُله المخلصين فهنيئاً لكم لأَنَّكم كنتم السبّاقين في إتّباع داهش وتعاليمه الخالدة .

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

                                  مساجين الغرفة الثالثة في مستشفى الرمل

                                                  عن الجميع : محسن سليم

                                             بيروت ، 18- 7- 1947.

الداهِشيَّة عقيدَتي

 

منْ مذكِّرات السِّجن

يوم الإثنين 4 آب 1947.

حدَّثني اليوم الأديب الأستاذ كامل نعناعه من أَهالي طبريَّا ، وقد لفتت نظرهُ آية كريمة في سورة غافر وهي :

(يوم يقوم الأشهاد) . فقال : عسى أن يكون بين الأشهاد وداهش صلة وثيقة يفطن لها الإخوان الداهشيُّون ، وقال : أمّا أنا فقد أصبحتُ من الداهشيّين المؤمنين ، وسأدعو طفلتي الجديدة داهشة لتكون على إيماني شاهدة !

كلمتهُ على جدار السجن

وفي هذا النهار كتب السيّد كامل على أحد جدران السجن الكلمة الآتية : دخلتُ إلى ظلام السجن فوجدتُ النور فيهِ ، وسأخرج غداً من السجن وكلِّي إيمان واعتقاد بنور الداهشيّة العظيم .

الداهشيَّة هي النور وهي رسالة الحقيقة .

الداهشيَّة سرٌّ سماويّ .

والدكتور داهش قد أتى للناس هادياً وبشيراً ونذيراً .

وسيُحطّم بقوّة معجزاتهِ جميع تلك القيود الدينيَّة البالية .

                                                              كامل نعناعه

                                                سجن الرمل ، آب 1947

يا تاريخ سَجّل عندك

 

قصيدة عاميَّة شعبيّة أنشأها وأنشدَهَا ناظمُهَا

يوْم اجتمعَ في رَمل  بَيروت ببَعضِ الأخوَة الداهِشيّين

 

1- يا تاريخْ سجّلْ عندكْ                يا تاريخْ خلّيكْ  شاهِدْ

يا بشاره مهمـا بــدَّكْ                أنصُبْ وأعملْ مكايِـدْ

بعدينْ منشوف مين الخسرانْ !

2- بأيّ حقّْ وأيْ دستورْ                أبعدتو عن لبنان النُّورْ

اتركـوا هالظلمْ والجـورْ                قبلْ ما يفـور التنُّورْ

ويصيرْ في لبنان طوفانْ

3- بأيْ حقْ داهشْ ابعدتوهْ              ومن جنسيتو جرَّدتوهْ

وملْحِدْ بالديـنْ وصفتـوه               وبكلْ قوّتكمْ قاومتوهْ

فينْ العدلْ والوجدانْ ؟

4- شرّعتو قانون الإضطهادْ            وأبعدتو داهشْ من البلادْ

وسجنتـو دمُّوسْ وحـدّادْ             وذويهمْ ظلْم واستبـدادْ

بعهد الحريّةْ والأمانْ

5- الكون بأجمعو داهِشْ       من معجزات النبيّْ داهشْ

الـذي سيبقى  عايش              بدُّو يشوف الدّواهشْ

مع الأدلّةْ والبرهانْ

6- الأحياءْ مع الأمواتْ                  شهدولو بالمعجزاتْ

إلاّ تجّار الدياناتْ                         مَعْ أصنام السراياتْ

قالوا هذا كذبْ وبهتانْ

7- لمّـَا بلبنان ذاع الخبَرْ                  بظهور الرسول المنتظرْ

رؤساء الدينْ قالوا : الحذَرْ                في البلادْ هذا خطرْ

أبعدوهْ حالاً من لبنانْ

8- بشارَهْ وأتباع بشارَهْ                  والحاكمين بأرض بشارَهْ

شنُّوا على داهِشْ غارَهْ                    وقالوا مالو غفَّارهْ

هذا مُلْحِدْ بالأديانْ

9- قالوا مُلْحِدْ بالأديانْ                    وداهشْ خطرْ في لبنانْ

أبعدوهْ لآخر البلدانْ                        وهناكْ لاقى الديَّانْ

يشكو الظلمْ والطغيانْ

10- انتقل من الظلمات للنورْ               وترك هالكون المهجورْ

لكن عقيدتو بالصدورْ                         ستعمّ بكلّ المعمورْ

هُدى لبني الإنسانْ

11- انتقَلْ داهِشْ المبدأْ حَيْ                  ونورو بالظلامْ كالضَيْ

شِبْه الهواءْ ومثل المَـيْ                        التي لا غنى عنها للحَيْ

عقيدة داهش للإنسانْ

12- نور الحقّْ والحريّه                      بعقائد دين الداهشيّةْ

وستظهرْ أشياءْ خفيّةْ                          تمحو من الكون الخطيَّهْ

هذا ما وعد الرحمنْ

13- رسالةْ داهِشْ للإنسانْ                  استلموها خيرةْ أعوانْ

بيفدوها الروح والأبدانْ                      وبينصرهم خالق الأكوانْ

رغماً عن أنف الزمانْ

14- داهِشْ انتقلَ للسَّما                      ومبدأو عَمّ وسما

وستظهر روحو كما                         ظاهر النجم بالسَّما

وبتتوحّدْ كلّ الأديانْ

15- لهُ إسوه بالمرسَلينْ                    من الرسُلْ الأسبقينْ

(موسى) كان من المنفيِّين                  و(المسيحْ) من المصلوبين

و(محمّد) هاجرْ من الأوطان!…

                                                     

 الشاعر الشعبيّ العاميّ

كامل نعناعه

 بيروت سجن الرمل – آب 1947                      من طبريّا – فلسطين

مَاذا كتَبَ سُجَناءُ الرّمل

 

مَاذا كتَبَ سُجَناءُ الرّمل على جُدران غرفهم ؟

  • رحم الله الدكتور داهش مؤسّس المبدأ الداهشيّ .
  • تخليد وذكرى للدكتور داهش العظيم .
  • المرحوم الهادي داهش مؤسّس المبدأ الداهشيّ وضعه الله في حضن إبراهيم الخليل .

                                                    محي الدين الداهشي

  • الدكتور داهش سرٌّ من أسرار الله !
  • الداهشيَّة عقيدتي  في حبّها دائماً أزيدْ

لو علّقـوا مشنقتي                أبداً عنها لا أحيـدْ

  • لقد سجنوا داهش في هذا السجن ظلماً وشاهدنا عجائبهُ رحمهُ الله .
  • سلامٌ على المرسلين المصلحين . سلامٌ على داهش المصلح الأمين . والحمد لله ربّ العالمين . ت . م
  • يعيش يعيش الداهشيّون ، فإنّ سجنهم حياة لمؤسّس الداهشيّة .
  • لئن مات داهش فهو بعقيدته الجديدة سيهدّم ويحطّم التقاليد القديمة البالية .

10- ربّ اغفر لداهش ولي ولوالدي .

ربِّ ارحمهُ وارحمني وارحمها

كما ربياني صغيراً .

آمين يا أرحم الراحمين .

                                                      يوسف

صَدى الوصيَّة الداهِشيَّة

 

نُظِمَتْ يوم إِعلان توزيع الـ 500 ليرة على محتاجي سجن الرمل . وذلك على أثر الوصيّة التي أعلنها الدكتور جورج خبصا في صحف بيروت وأوّلها جريدة الحياة للأستاذ كامل مروّه .

الخير والعلم والهدى                   

                        فكم شفّهم رغم الشباب شحوبُ

وكلُّ بكى صاحبي لمّا درى بوصيّةٍ                    

رواها طبيبٌ للجميع حبيبُ

وقد نشرتها الصُحْفُ في كلّ بلدةٍ                  

وأعلنها بين الرفاق أديبُ

فسالتْ على خدِّ السجين دموعهُ                   

                        وفي صدرهِ طيّ الضلوع لهيبُ

أيُبعَدُ عن أحبابهِ مَنْ أحبَّنـا                         

وليس لهُ إلاّ الوفاءَ ذنوبُ

ويُخْرَجُ من لبنانِ مَنْ أدهشَ النهى                

                        بآياتهِ الغرّاء وَهْي ضروبُ

كذلك أَهل رسولٍ حظّهُ أنْ يرى الأذى                  

وآلام نفسٍ ذكرهنّ يذيبُ

فحظُّ كليم الله تحطيم لوحهِ                         

وحظّ مسيح الكائنات صليبُ

وحظّ نبيّ العُرب نفيٌ وهجرةٌ                      

وحظّ جميع المصلحين عجيبُ

                                      *

فيا صاحبي لا بدْع إن حنَّ داهشٌ                

إليكم فكم آسى الغريبَ غريبُ

ويا صاحبي إِنّـا سجينان هَهنا                     

وكلُّ سجينٍ للسجين نسيبُ (3)

                                                               حليم دمّوس

                                               سجن الرمل ، آب 1947

ويحاً لكم !!..

 

لم تستحقه الأرض وما كانت لهُ يوماً وطناً ؛ فمنذ أن وطئها إلى أن رحل عنها ما تذوّق سوى العذاب ، وما تجرَّع سوى العلقم والصاب .

عاش غريباً ومات غريباً .

لم يفهم سرَّهُ أحد ولم يُدرك عظمته أحَد . وكيف يفهمونَهُ ويقدرونَهُ وهم أبناء التراب وهو ابن السماء .

هم أبناء الجسد الفاني وهو ابن الروح الخالدة .

عاش غريباً بين عارفيهِ ولم يعرفوه .

عاش غريباً بين عائلتِهِ وذويهِ ولم يفهموه …

حتى نحن … نحن الذين غَمرنَا بحبهِ ، وأحاطنا بسياج قلبهِ ، ما وفّيناهُ حقَّه، وما أدركنا مدى حبّهِ وتضحيتِهِ إلاّ بعد أن غادرنا وتوارى عن هذه الدنيا .

فيا ويحنا من بشرٍ لؤماء لا نُقدِّر أَنبياءَنا وعباقرتنا ورجالنا إلاّ بعد أن يشيحوا بوجوههم عنا ويتواروا بالحجاب وما وراء السحاب . فيا لحقارة نفوسنا الملتوية ، ويا لذل أرومتنا المنطوية على كلّ صغيرٍ حقير .

عاشَ طِفلاً يتيماً فقيراً شقيّاً ، ونشأ في وسط الآلام والعذابات المريرة ، فلم يتذوّق يوماً حلاوة السعادة والهناء ، إذ لا صديق يؤاسيهِ بجروحِهِ ، ولا حبيب يناجيهِ ويبثُّه أوجاع روحهِ ، ممّا يشاهدهُ ويلاقيهِ من أتعاب هذه الحياة وأتراحها .

كان ثائراً متمرّداً يريد دكّ الأرض دكّاً ، وتهشيم الهيئات الاجتماعيّة الكاذبة المبنيّة على الجور والظلم والرذيلة والأحقاد .

كان جبَّاراً طموحاً ، وبنّاءً حُرّاً ، يريدُ تشييد عالم جديد ترفرف فوقهُ كلمة الله ، وتسودهُ العدالة ، وتشملهُ المحبّة ، ويكتنفهُ الإخاء ، فتتمّ فيهِ الوحدة الإِنسانيّة .

فهل من قويٍّ شديد الشكيمة ، عنيف العزيمة ، فيساندهُ ويؤَازرهُ لإِتمام هذا الهدف السامي ، وتحقيق هذا الحلم الذهبيّ الجميل ؟

دقّت الساعة ، فأعلن رسالتهُ ، ونادى الناس لأن يقوموا قومةً واحدة لتنفيذ هذه الأهداف المقدّسة :

فلا غنيّ بعد الآن ولا فقير ، ولا قويّ ولا حقير ،

ولا سيّد ولا مسود ، ولا قائد ولا مقود ،

فالفقر والضعف والعبوديّة من أعمال الناس ومن جريمة الإنسانيّة . أمّا إرادة الله فهي أن يحبّ الناس بعضهم بعضاً ، وأن يعامل الإنسان أخاه الإنسان مثلما يعامل نفسه .

فمن كان هذا دينهُ فليتقدَّم وليسمع هذا الصوت الصارخ :

– هلمّوا إليّ يا جميع محبّي العدالة والرحمة .

هلمّوا إليّ يا عبّاد النور والحقيقة .

هلمُّوا إليّ يا عشّاق الحريّة المقدّسة .

فأنا أقودكم إلى حيث تصبو قلوبكم الطافحة بالعاطفة النبيلة ، وصدوركم العامرة بالإيمان .

هلمّوا إليّ يا أبناء الله لنبني ملكوت الله على هذه الأرض الشقيّة .

ذلك الملكوت الذي يريدهُ ربّي وربّكم .

ذلك الملكوت الذي يدين بقيم الروح المقدّسة ،

لا بأوزار المادّة المدنّسة .

فيا ليت شعري مَن سمع كلامه ؟

ومن أصغى إلى أقواله ؟

ومن اتّبع هدايته ، وقدّر رسالته ؟

الناس كلّهم نيام !

الناس في غفلةٍ عن كلّ أمرٍ روحيّ سام .

إنّهم لا يلتذّون إلاّ بالحقير الزائل ، والتافه الباطل ،

ولا يساهمون إلاّ بما يفيد خزائنهم وأجسادهم .

أمّا الروح … تلك الروح الخالدة وما تتطلّبهُ من عدلٍ وسموٍّ وجمال ،

فمن يعتني بها ، ومن يهتمّ بأمرها ؟

عاش فريداً وحيداً عندما كان صامتاً يتألّم .

وبقي فريداً وحيداً عندما نهض وتكلّم !…

وكانت نتيجة صيحته أن انتقموا منهُ …

لأنّه أسمعهم صوت الحقّ الذي يرهبونهُ ،

صوت الله الداوي منذ الخليقة ،

والداعي عبادهُ إلى الصراط المستقيم .

نعم ، انتقموا منهُ لأنّهُ كان صوت العدل المؤنّب ،

وصوت الضمير المبكِّت المهذّب .

انتقموا منهُ لأنّهم رهبوا ثورتهُ المقدَّسة

التي فيها القضاء على جورهم وعسفهم ،

فشوّهوا سمعتهُ بافتراءَاتهم الأثيمة ،

وسوّدوا صفحتهُ باختلاقاتهم الذميمة ،

ليضلِّلوا الناس عن حقيقتهِ ، ويظهروه بمظهر باطلهم …

وبعد أن رأوا أن لا سبيل للإيقاع بهِ في حبائلهم ،

قرّروا الانتهاء من أمرهِ ..

فكانت بدايتهُ الساطعة اللامعة ،

وكانت نهايتهم المظلمة الداجية !

فتاهَ في الفيافي شريداً عارياً ،

وهام في الآفاق جائعاً صادياً ،

وسار في البراري معذّباً كئيباً ،

لا يرى حولهُ رفيقاً ولا يرى حبيباً ،

إلى أن قضت عليهِ يد الغدر والخيانة ،

فوقع شهيد عقيدته المقدَّسة ،

شهيد حبّه الشامل للبشريّة التعِسة …

فيا سماء اكفهريّ ، وأظلمي وادلهمّي !

بعد ذبول زهرتك النديّة !

ويا غيوم طوفي وطوفي فوق التلال والجبال ،

وانشري معطفك الداجي في كلِّ مكان ،

وابكي بدموعك الحارّة السخيّة ، على زوال الدرَّة الفريدة النقيَّة !

ويا نسورَ الفضاء المحلِّقة في أجواز العلياء ،

بُثِّي خبر الهول والفجيعة لجميع قاطني الآفاق والأجواء !

وأنت أيتها الجبال الزاهية اخلعي عنكِ حللك الزمرّديّة ،

وارتدي حلّة الحِدَاد القاتمة الدجوجيَّة !

وأنتِ أيّتها البحار هوجي !

وأنتِ أيّّتها الأوقيانوسات موجي ، وانتصبي بمواكب أمواجك

من اسحق أعماقك برهبوت ،

ثم اندفعي نحو أرض الرذيلة والخطيئة بجبروت ،

واغضبي غضبة الروعة والحسرةِ على الثائر

الذي سقط صريع المؤامرة الجهنّميّة !

وأنتِ أيّتها الأنهار والجداول ،

إنّي أنين الفجيعة مع العنادل والبلابل ،

وأبكي مع بنات الطبيعة حزناً ولوعة على الحبيب الراحل !

أمّا أنت يا مآقيَّ الملتهبة فاذرفي الدمع السخين ،

على الرفيق العزيز الخدين ،

الذي هداني ، وضمّني إلى إخواني ،

وقادني إلى طريق الحقّ واليقين !

وأنت أيّها القلبُ الخفوق المضطرب ،

اسكب دماء جروحك حسرةً وأسى على الهادي الأمين ،

الذي شملك بعطفهِ بِحَدْبٍ وحنين !

واصبر الصبر الجميل إلى أن يكتب الله لك ساعة اللقاء ،

هناك … بعيداً عن أرض الفناء ، هناك في السماء !…

الدكتور فريد أبو سليمان الداهشيّ

 بيروت ، آب 1947

ماتَ داهِش

 

قالت مَجلّة “المختصَر” الصادرَة في بونس أيْرِس ،

العدَد 8 ، آب 1947 مَا يلي :

عندما كتبنا مقالنا “داهش والمتنبّي” الذي نشرناه في العدد الماضي لم يخطر لنا أن داهش سيموت بهذه السرعة ، وستكون طريقة موته شبيهة بطريقة موت المتنبّي .

فقد جاء في جريدة “الحياة” البيروتيّة أن السيّد حسن محمّد البرقوقي كتب إليها ما يأتي :” عندما كنت في إيران في الشهر الماضي ، التقيت برجل من أتباع داهش ، فأخبرني وهو يجهش بالبكاء أن داهش قد أُعدِمَ في أثناء ثورة أذربيجان المعروفة ، ففريقٌ يقول إنّه عندما اشتدّت الثورة حاول داهش اجتياز الحدود الروسيّة ، فأُلقي القبض عليه وأعدمه الجند لأنّه لم يستطعْ إثبات هويّته . وفريقٌ آخر يقول إنَّ الثوّار الأذربيجانيّين هم الذين أعدموه إذْ ظنّوه موفداً من قبل السلطات الإيرانيّة”.

هذا ما نشرته “الحياة” . وقد ذهب الداهشيّون في بيروت إلى قنصل إيران يسألونه عن ذلك فثبت الخبر . فتكون حياة داهش قد انتهت هناك في ذلك المنفى السحيق . ومات الرجل بينما كان أتباعه ينتظرون عودته .

ومن رسالة السيد البرقوقي نفهم أن أحد الداهشيّين كان هناك يرافق الرجل ويهتمّ بأموره . فكان يجهش بالبكاء لموت داهش … إذن فالتلاميذ لم يتركوا معلّمهم في محنته بل رافقوه حتى آخر ساعة من حياته .

ونحن يؤسفنا أنّهم جرّدوا الرجل من جنسيّته ظُلماً وعدواناً ، وإنّهم اعتدوا على حريّته وحريّة أتباعه ، وأنّ الحريّة في بلادنا تكون مصانة عندما توافق مصلحة الحكومة ، أو هي تصان عندما تكون فقيرة هنيّة لا يهتمّ بها أحد ولا تعارض مصلحة أحد .

وبعد الانتخابات الأخيرة لا يجوز لنا أنْ نستغرب ما حدث لداهِش …

فالحكومة التي تشلِّح الفقير غرشه … كيف لا تشلِّح داهِشاً جنسيّته .. والتي تسلبُ الشعب حريّته وحقوقه في الانتخاب ، كيف لا تسلبُ تلاميذ داهِش حريّتهم وحقوقهم ..

إنَّ ثقتنا ضعيفة جدّاً بكلِّ حكومات البلاد العربيّة ، لأنّها حكوماتٌ تُدار بأيدي الأقوياء الذين يعتقدون أنَّ مصالحهم الخصوصيّة هي مصالح البلاد … وأنّهم إذا تصرّفوا بأمورِ الأمّة كما يُريدون بدون أنْ يكون عليهم رقيبٌ أجنبيّ فهذا هو الاستقلال …

لا أمل لنا أبداً برجالِ حكومات البلاد العربيّة ، مع معرفتنا العناصر الجيّدة فيها . ولكنّها عناصرٌ قليلة لا يُسمع لها صوت بين جعجعة العناصر الأخرى . الأمل الذي لنا هو بأمثال الرجال الذين تبعوا داهشاً ؛ رجالُ احترام العقيدة ، والثبات على المبدأ ، واحتمال الاضطهاد والعذاب والسجون لأجل غايةٍ نبيلة ؛ الرجالُ الذين لا تُباع ضمائرهم ولا تخضع لقوّةٍ غاشمة مهما كانت .

الأمل الذي لنا هو في الناشئة الجديدة ، ولا سيّما طلبة المدارس الذين يسهرون على حريّة الأمّة ويحتجّون كلَّما شعروا أنّها في خطر ؛ يحتجّون متآخين متعاونين متفاهمين ، كأنّهم يشعرون أنَّ مستقبل البلاد بين أيديهم ، وكأنّهم يشعرون أنَّ عملهم الخطير يجب أن يبدأوا به من اليوم .

إنَّ البلاد التي فيها أمثال أتباع داهش ، وفيها ناشئة مثل ناشئتنا ، هذه البلاد لا تموت . ولا بدَّ أنْ تنال حريّتها الكاملة الصحيحة فتردُّ عنها هجمات العدو الداخليّ الإقطاعي كما ردَّت عنها هجمات العدو الخارجي الأجنبي .

إنَّ هذه الجريدة في كلّ ما نشرته عن الداهشيّة لم تخدم عقيدة دينيّة ، بل دافعت عن حريّة الإنسان ، وستكون مهمّتنا دائماً الدفاع عن هذه الحريّة في البلاد العربيّة لأنَّنا نقولُ ونُصرّح أنَّها ضعيفة فقيرة هزيلة … وأنَّها في خطر … ولكنّنا نُؤمن أنّها لنْ تموت .

حريّة الكلام ، والعقيدة ، والفكر ، والصحافة ، والعمل ، والرأي، هذه الحريّة لا تزال بحاجة إلى من يُدافع عنها ويهتمّ بأمرها . إذا كانت قد تخلَّصت من الأجنبيّ فقد وقعت بيدِ جاهلٍ منا وفينا يسود البلاد بقوّةِ العادات والتقاليد والأوهام . هو اختار نفسه للحُكم ولم يختره الشعب . ومثل هذا المخلوق لا تعيش معه حريّة لأنّها لا توافق أغراضه ومصالحه . وهي تحاربه وهو يحاربها . هي تسدّ عليه المسالك وهو يسدّ عليها المسالك .

وهذا المشكل لا يحلّه إلاّ الشعب عندما يفيق وينهض . عندئذ يفهم أنّه بين الاثنين – الحريّة وذلك المخلوق – وأنَّ أحدَ الاثنين يجب أنْ يموت ….

                                              مجلّة المختصر ، بونس آيرس

                                               العدد 8، شهر آب 1947

مَصرعُ داهِش

 

وَقالت “المختصَر” أيضاً في العدَد الثامن ، آب 1947 ما يلي :

….. إنّه لغريب جدّاً ما ارتكبته الحكومة اللبنانيّة وشاركتها به الحكومة السوريّة من التلطخ بالدم البريء … كلاّ فذلك أقل ما يرتكب هناك من المآسي . وإنّما الغرابة في ورود خبر مَصرعُ الدكتور داهِش ونحن نشتغل بطبع رسالته التي يختمها بما يوجسه من مقاصدِ الحكومة اللبنانيّة للتخلّص منهُ بذات الصورة التي تكهّن بها مع أنّه قد مضى عليها نحو ثلاث سنوات .

وهنا رأى القرّاء كيف حدث هذا التوارد ، وكيف بلغت الحكومة المستبّدة ما رمتْ إليه . وهي الآن تظنّ أنّها تخلّصت من داهِش . وقد غاب عنها أنّها إذا كانت قد تمكّنت من قتل داهِش ، فهي لم ولنْ تتمكّن من قتل أفكار داهِش … أجل . ذلك لأنَّ الأفكار لا تُقتل ولا تموت …

                                                   “مجلّة الجامعة السريانيّة”

                                              مجلّة المختصر ، بونس آيرس

                                              العدد 8 , شهر آب 1947

خِدمةُ الفكر في عَصر المادة

 

أستاذي الشاعر الكبير حليم دمّوس الفائق الشرف ،

السلام على قلبك الكبير وروحك الشاعرة ، العالمة بالحقّ ، العالية عن البطل .

أمّا بعد ، فإنّ جميع المبادئ الاجتماعيّة والإصلاحيّة والمثل العليا في خدمة المجتمع ورفاه البشريّة ، منذ فجر التاريخ حتى عصرنا هذا ، لاقت أهوال الاضطهاد وفظائع التنكيل والتشريد ، والأسر والتضييق ، والمقاومة . إنّ قلبي ينزف دماً عندما أرى شاعراً إنسانيّاً اجتماعيّاً كالأستاذ حليم دمّوس في غيابات السجون . قد غضب على الأنظمة الجائرة ، وثار على مساوئ المجتمع ، وأبى الضيم ، وهو الحرّ الأبيّ ، فزأر في وجه أعداء الأمّة زأرة الأسد الجريح ، فنكّلوا به ، وساموه أمرّ ضروب العسف والإرهاق ، وقادوه إلى معقل الأبطال سجيناً ، بينما نراه رافع الرأس ، عزيز النفس ، موفور الكرامة ، لأنّ الآلهة وضعت بيمناه دستور الإصلاح ، وقانون حريّة الشعوب ، وألقت بيسراه سيف الحق المرهف لبتر رؤوس رجال الشرّ وأعناق الطغاة المستهترين بحقوق الشعب وبكاء الأيتام وأنّات الثكالى في هذه الأيّام السوداء التي عزّ فيها الرغيف ، وقلّ الإنتاج ، ووقف دولاب العمل ، فعمّت الفوضى ، وكثرت لوعات الأمّة ، وارتفع عالياً صوت الشعب الجريح شاكياً متظلّماً ، ولكن واأسفاه ، ليس من يرحم ولا من يسمع ممّن رفعتهم الأمّة على كراسي الحكم ولا ممّن اختارهم الشعب للذود عنه .

فعلام نتألّم وهذه هي مأساة الحياة ماثلة أمامنا ببشاعتها ولؤمها ؟ وحتّام نسابق الزمن ، ونسنّ أشرف المبادئ ، ونخطّط أسمى الخطط ، نؤدّي أجمل وأجلّ الرسالات ، ونسنّ أشرف المبادئ ، ونخطّط أسمى الخطط ، ونؤدّي أجمل وأجلّ الرسالات ، بينما أعداء الحقيقة كثيرون ، وهادمو الفضائل عديدون ، ودعاة الخبث والرياء مسيطرون ، ورسل المكر والخداع سائدون . هؤلاء هم سوس ينخر في جسم الجامعة البشريّة ينشدون المدنيّة في ما يبتدعونه من أساليب ماكرة لخنق حريّات الشعوب، وقتل رجال الإصلاح ، والفتك بكلّ مجاهد أبيّ ، وأخيراً الذبح على عيار ثقيل ومجال واسع !

أستاذي الفيلسوف !

فللّه درّك ما أوسع إطّلاعك ، وأسمى غايتك ، وأطهر وجدانك ، وأقدس تلك المرارة التي تمزّق صدرك عندما ترى بلادك تمزّقها العصبيّات والخبث والمظالم ، وتدفع بها جيلاً فجيلاً ، دائماً وأبداً إلى أحضان الطغاة المستبدّين إلى أحضان الرقّ والعبوديّة .

لقد عزوا إليك محبّة داهش ، طبيب الإنسانيّة المتألّمة ، ونشر رسالته العالية ، فصبّوا عليك جام عضبهم ! فهذه هي مؤلّفات داهش وكتبه الكثيرة تنبئ من تصفّحها أنّها كتبت بيراع نزيه حرّ ، وهي عواصف أثارها مؤلفها على المجتمع يتوخّى الإصلاح ، ويبغي الخير لشعبه وأمّته . وما داهش العظيم إلاّ مولود طاهر منبثق من قلب الفضيلة ، من سماء القوّة ، من ضمير الإنسانيّة . ولد وعاش ومات منبوذاً مضطهداً ، معذّباً مسجوناً مشرّداً . ولكن رغم المحن والكروب التي لازمته وقضت على حياته ، ستظلّ ابتسامة جهاده سلوى الإنسانيّة وأمل نجواها وبلسم جراحها المعذّبة .

والذي خفّف من آلام اعتقالك ما لاقيت من قائد السجن كمال أفندي الزاهد من حسن المعاملة ، وبشاشة الوجه ، ومكارم الأخلاق ، ولا سيّما لطف معاونه المفضّل أمين أفندي جرجس ، ودمائه أخلاق كافة الحراس المهذّبين .

فيا ليت الحكّام كلّهم يسهرون على راحة رعاياهم كما تسهر إدارة سجن الرمل على راحة المساجين المساكين الذين زلّت بهم القدم فباتوا فريسة الظلمات .

وإن انس لا أنس رفيق جهادك حضرة الأديب الفاضل السيّد جورج الحدّاد صاحب الأخلاق العالية والعواطف الشريفة السامية .

وأخيراً بعد أيّام معدودة ، ستنفض عنك غبار كفن العبوديّة ، وتعود للمجتمع اللبناني ابناً بارّاً تسير في شوارع البلاد حارساً شجاعاً من حرّاس الوطن وجندياً أميناً من جنود التضحية ، وقائداً باسلاً من رواد السلام والوئام ، فسنذكرك بالخير لأنّك كنت في محجر البؤساء ومختبر التجربة ، الرفيق الأمين والمرشد الحكيم والمعلم النصوح …

                                                                أديب هاشم

                                                         سجن الرمل ، في 4 أيلول 1947

مختارات من مجلّة الرفيق

 

تصدر مجلّة الرفيق في مدينة بونس ايرس عاصمة الأرجنتين . وهي لصاحبها محمّد حيدر ويوسف كمال . ويحرّر قسمها الأسباني السيّد محمود حمادة . وقد صدر العدد الثالث  من سنتها الثالثة بتاريخ أيلول 1947 ، وفيه الافتتاحيّة الآتية :

مات داهش

 

بينما نستعدّ لنشر شيء عن حياة رجل شغل الصحف الوطنيّة اسمه ، وبهر الكثيرين عمله الخارق للعادة .

بينما نريد كتابة شيء عن حياة داهش الذي أدهش العالم وأوقع الكثيرين بحيرة على اختلاف نظرهم وتباين أفكارهم .

بينما نستعدّ ونريد كتابة كلمة كما قلنا لنشر أعمال الرجل ومآتيه ، وكلام مريديه ومناوئيه ، وقد انقسم الجمهور شطرين ، كلّ له رأيه . فمنهم المحبّذ المرحّب ، ومنهم الشاتم الناقم على داهش النابغة ، يكيل له الكيل ويريد له القتل .

بينما نحن على ذلك العزم وتلك النيّة إذا نفاجأ بمقتل داهش غريباً عن وطنه ، بعيداً عن أهله ، في بلاد فارس ، وعلى حدود القوقاس .

وما قتل داهش كما أتتنا الأخبار الأخيرة إلاّ نتيجة اضطهادات سبّبت قتل بريء اعتباطاً وعلى طريق الظنّ والشبهة بأنه جاسوس ، وذلك لعدم وجود ما يثبت هويته . وقد كانت الحكومة اللبنانيّة قد جرّدته من الجنسيّة بحجّة أنّه (دجّال ، مشعوذ) الخ .

ولكنّ (الدجّال المشعوذ) ، يا عباد الله ، ويا أولياء الأمر ، لا يكون إلاّ أضحوكة ، وغير قادر على جذب القلوب إليه بل وتحويلها عن عقيدتها ، خاصّة إذا كانت كبيرة كالقلوب التي التفّت حول داهش وحدبت عليه .

و(التدجيل والشعوذة) يتأتيان من المرض والعلة وضعف الدم . وداهش من الأطبّاء المداوين للنفوس والعقول بالدعوة الحسنة والبرهان والحجّة لا بالشعوذة والتدجيل كما تقولون .

وان يكن ما يدّعيه خصومه قريباً من الصحّة ، إذن فالداهشيّون أو من اعتنق مذهب داهش وهم من علية القوم مجاذيب ومجانين … وهذا لا ينطبق ولا على فرد منهم ، فكلّهم لا تأخذه الدشهة ، وله من عقله رجحان لا تميله الأهواء ولا الإغراء ، ولا يرضخ إلاّ لواحد هو الحقّ الذي رآه فآمن به ، لا أكثر ولا أقلّ .

إنّ الذي يتسلّط على قلوب الناس ويستميلها فترضخ لإرادته ، وتعمل طبع مرغوبه بالدعوة الحسنة دون أن يسحب سيفاً ولا أن يشهر حرباً ،لا يُعتبر مجنوناً ، ولا يُعدّ في مصاف المشعوذين وما هو إلاّ حكم صادق ، ولسان حقّ ناطق ، رأى الحكمة فأخذ عنها ، ورأى حقّاً فجاهر به ودعا إليه .

إنّ داهشاً لاقى وجه ربّه آمناً مطمئنّاً من أعماله في الحياة ، وسيكون له مع أخصامه غداً وقفة تدهشهم أمواتاً بأكثر ما أدهشتهم وهم أحياء ، إذ يقفون أمام القوّة القادرة القاهرة التي لا يسيطر عليها شيء ، وهي المسيطرة على كلّ شيء ، هي قوّة الله .

مات داهش ككلّ حيّ مات . وكلّنا للموت . ولا يبقى غير الله الدائم الحيّ . ولكنّ تعاليم داهش لا تموت . وسيحفظها التاريخ في أحضان الدهر ، تتداولها الأجيال جيلاً بعد جيل ، كما تداولت عن لسان المفكّرين النابغين في كلّ عصر ومصر .

فإلى روحه وأرواحهم ، وروح كلّ مصلح رحمة وسلام .

ولنا على هذا الحادث كلام بأعداد آتية إن شاء الله .

 يوسف كمال صاحب مجلّة الرفيق بونس ايرس

الرجل العظيم فقيد الحكمة الدّكتور داهش

 

في يوم من شهر تمّوز عام 1944 زارني في منزلي الأستاذ الفاضل والشاعر الحكيم حليم دمّوس يرافقه الدكتور داهش الرجل العظيم ، من تلوح على وجهه الفطنة والذكاء ، ذو جبين وضّاح ، طلق الوجه ، ليّن العريكة ، دمث الأخلاق ، فصيح الكلام ، ذو رأي سديد ، وقول مفيد، إذا تكلّم يتكلّم عن حكمة بالغة ، ودراية وافرة .

وقد زرته مراراً في منزله الذي كان يغصّ بنخبة مختارة من رجال الفكر والعلم والأدب ، فيخرجون من عنده وهم معجبون بتلك الظاهرات الروحيّة الغريبة التي خصّه الله بها دون سواه (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ).

والدكتور داهش يدعو إلى التعارف والتعاون وصحّة الاعتقاد ، ومنه خلود الروح وحسن المعاشرة . وهو يدين بالذكر الحكيم والكتب المنزلة ، ويستشهد بالآيات الكريمة في محاضراته القيّمة ومؤلّفاته العديدة . فتلك ضالّته المنشودة ، وغايته المطلوبة منذ أعلن من جمع شمل دعوته إذ جاءه هادم اللذّات ومفرّق الجماعات دون أن يبلغ غايته من جمع شمل الأمّة واتّحاد الشعوب واجتماع كلمتهم أسوةً بالرجال العظام من الذين خلوا من قبل سُنّة الله في خلقه (ولن تجد لسُنّة الله تبديلا).

ورحم الله أبا الطيّب المتنبّي القائل :

ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه     تجري الرياح بما لا تشتهي السُفن

تغمّده الله برحمته ، وأسكنه فسيح جنّته ، وألهم أتباعه السير في سبيل نشر دعوته ، حتى يكون له حظّ من قول الرسول الأعظم ، صلّى الله عليه وسلّم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ).

وفّق الله أنصاره الأفاضل إلى خير الأعمال وعمل الخير ، إنّه وليّ المؤمنين ويتولّى الصالحين .

ثمّ إنّ الذي يعزينا بوفاته الفجائيّة هي تلك الثورة الفكريّة العنيفة التي بثّها في نفوس وأرواح أنصاره وصدور أتباعه المخلصين المجاهدين الذين شنّوها بعد نفيه حرباً هجوميّة لا هوادة فيها ، إذ جرفت أمامها جميع العقبات الشائكة التي اعترضت سبيلهم فعصفوا بها عصفاً .

هذه الحفنة من هؤلاء الأتباع الأبطال الذين قاوموا مئات من كبار الأشخاص مقاومة جبّارة وأسمعوا صوتهم المدوّي إلى جهات المعمور الأربع فردّدت كبريات الصحف في الوطن والمهجر صدى أنباء رسالتهم .

إنّ هؤلاء المجاهدين الميامين استسهلوا في هذا السبيل كلّ صعب فأصبح أمامهم معبّداً ممهّداً . فقد بذلوا أموالهم ، وضحّوا بأوقاتهم ، وهزأوا بالسجون والاعتقالات ، واقتحموا المخاطر .

وهكذا برهنوا للملإ بأسره بأنّهم أهل لتحمّل الأعباء لمثل هذه الدعوة الإصلاحيّة الروحيّة في مثل هذه الحالة الماديّة .

بارك الله في جهادهم ، وقاد خطواتهم إلى ميناء الطمأنينة ودار السلام .

الشيخ حسن مكّي

بيروت ، 5 تشرين الأوّل 1947  

كلمة تألّقت بالحقّ

 

الحقّ يتألّق والباطل يزهق .

وما كان داهش إلاّ كلمة تألّقت بالحقّ .

ومعرفة تسلّقت إلى سمت العقل وقنّة الذكاء ،

فأزهقت الباطل وأغرقته …

عرفناه عن قرب :

فإذا في قوله رجاحة ، وفي خلقه سماحة .

ولم تكن يوماً عالية الرمح كسافلته …

عرفناه ، فإذا النبل في سيمائه وقسماته .

وقرأنا ما سطّرته يمينه .

فإذا الحقّ في لوائحه والواحه .

أمّا ما وجّه إليه من الأباطيل ،

فلم يستند إلاّ على حجّة جذماء ، وفكرة هوجاء …

كان رحمه الله علماً من أعلام الفكر الحيّ ،

وقائداً من قوّاد الحريّة الإنسانيّة ،

يسعى إلى الإيضاح والإفصاح ،

لا إلى الإيهام والإبهام .

كان منارة من منائر النبوغ الإنسانيّ ،

ومثالاً للعبقريّة البشريّة .

رحمه الله !

لم يكن في لبنان ضمزاً بل رمزاً !…

 المحامي سليم أبو إسماعيل                                           

 بيروت ، 7 تشرين الأوّل 1947

مهنّد الدّاهشيّة

 

لقد فلّ هذا الدهر أيّ مهنّد                             

يفلّ غرار الدهر وهو صقيل

فمالي أرى بدر الهدى قد أصابه                        

خسوف وقبلاً ما عراه أفول ؟

ومالي أرى زهر الشباب تغيّرت                      

معالمه حتى تلاه ذبول

ألا إنّ هذا الكون أدكن أغبر                          

فلا شيء فيه نافع وجميل

فأنت هُدى للناس في كلّ موقف                      

              وآياتك الجلّى طلىً وشمول

يراعك فيّاض البيان بحكمة                          

يحنّ إليها عالم وجهول

ألا إنّ أقلام البلاغة حُطّمت                           

فليس لها يوماً إليك سبيل

فكنت إلى أهل الصلاح محبّباً                        

وأنت إلى كلّ الأنام خليل

نعم قد قضى ربّ الرسالة داهش                     

              فحزني على مرّ الزمان طويل

فصبراً أيا إخوانه ففقيدكم                             

يجوب فراديس العلى ويجول

                                                         

  المحامي حسيب الأسعد                                                     

صيدا ، 13 تشرين الأوّل 1947

لست أنت أوّل شهيد

 

كلّ حيّ مصيره للزوال              غير ربّي وصالح الأعمال

أيّها الشهيد الحيّ !

تركت هذه الغبراء متمّماً لرغباتك .

ولكن روحك ما زالت ترفرف عليها ، ترشد رسلك وأتباعك

إلى الطريق الأمين ، طريق الحقّ واليقين .

وثق بأنّك كنت لهم غرسة لا تزال روحك تتعهدها .

رغم غياب عينيك عنها ،

فتركت لهم عقيدة راسخة لا تتزعزع .

نم بأمان !

فإنّك لست أوّل من استشهد في سبيل عقيدة .

ولست أوّل من صُلب في سبيل إصلاح .

عشت شهيداً مشرّداً ، ومتّ شهيداً مشرّداً .

نم بأمان يا داهش !

نم هناك … حيث لا جنسيّة ، ولا عرق ، ولا دولة .

هناك … حيث لا مذهب ، ولا دين ، ولا حكّام ظُلاّم .

هناك … حيث لا ملك ، ولا مملوك ، حيث لا قويّ ولا صعلوك .

هناك العدل الإلهيّ وحده يرعاك .

رحمك الله ، وردّك إلى جنّاته ، وتغمّدك برضوانه ورحماته .

وألهم من التفّوا حولك أن يثبتوا في عقيدتهم السامية حتى النهاية .

ومن ثبت إلى النهاية ، بلغ الغاية ، والسلام .

ادمون عجرم                                               

 دمشق ، 20 تشرين الأوّل 1947

السرّ العجيب

 

للداهشيّين إيمان بداهشهم                  

أقوى وأمنع – يا للعجب – من سينا

هم يحملون بلا خوف رسالته              

مهما قسا الدهر عنها لا يحيدونا

رسالة مثلما قالوا موحّدة                  

بالحبّ بين الورى بل تكرم الدّينا

قد آمنوا بخلود الروح في زمن           

الكفر في الناس قد زاد الملايينا

إن يكرموا اليوم بعد الموت داهشهم      

فروحه يكرمون اليوم لا الطينا

فداهش أدهش الدنيا وكان له             

سرّ عجيب بمجد الفكر قد صينا

قضى وخلّف آثار مخلّدة                 

فالدّاهشيّون قالوا لم يزل فينا !…

                                                           

يوسف فضل الله سلامه                                                             

 صاحب جريدة العصر                                                   

 صيدا ، 20 تشرين الأوّل 1947

داهش جرّاح الأرواح

 

بقلم طبيب جرّاح وصاحب مستشفى مشهور

 

الحياة الاجتماعيّة كالإنسان الذي يتألّف من روح وجسد .

فالجسد هو كتلة تلك الشهوات الماديّة والرغبات الأرضيّة في هذا الوجود .

والروح هو تلك المثل العليا التي لا يبشّر بها ويحنّ إليها إلاّ أبناء الروح ، أبناء الخلود .

فأنا قد تعرّفت بالدكتور داهش في عام 1943 . وقد زرته في منزله ، وزارني في منزلي . فلمست فيه روحاً شفّافة تتغلغل فيها قوّة خفيّة كان بالإمكان الاستفادة منها في لبنان . وكان من الواجب درسها درساً دقيقاً كما يدرس الجرّاح الماهر جسماً يتقلّب بين العلّة والصحّة فيعالجه بحكمة ومهارة ، ويبتر منه المفاسد ليسلم الصحيح .

وقد تألّمت ، يشهد الله ، وأنا أعالج مرضاي في مستشفاي عندما قرأت في الصحف عن وفاة هذا المصلح العبقريّ ومصرعه المؤسف وهو بعيد عن أعوانه وذويه وإخوانه ومحبّيه …

إنّ المصلحين يأتون إلى العالم قافلة إثر قافلة فيؤسّسون رسالاتهم بأمانة ، ويذهبون عن هذه الدنيا الفانية دون أن يفهمهم العالم ، فيحتاجون إلى من يصوّرون تعاليمهم ويدوّنون أقوالهم .

ولذلك فأنا أرى أنّ المسؤوليّة الحقيقيّة تقع لا محالة على أتباع المصلح وتلامذته الأمناء .

فهم إذا آمنوا وثبتوا وأخلصوا عزّزوا الرسالة ، وخلّدوا اسم المؤسّس ، وسطعت أسماؤهم كالشمس .

فهل يعرف أتباع داهش ما هي المهمّة الملقاة على عواتقهم ؟

وهل هم متمّمون ما بدأ به داهش ؟

وهل فيهم خبرته ومقدرته وصلابته ؟

هذا ما نرجوه منهم ما دام هدف الداهشيّة إصلاح ما فسد في هذه الإنسانيّة وتطهيرها من شوائب هذه المدنيّة . رحم الله فقيد النبوغ والعبقريّة وحقّق آمالهم الإصلاحيّة برسالتهم الداهشيّة .

 الدكتور نقولا ربيز                                                              

 23 تشرين الأوّل 1947

مجلّة الرّفيق ووصيّة داهش

 

وصدر العدد الرابع من مجلّة الرفيق بتاريخ تشرين الأوّل 1947 ، وفيها وصيّة الدكتور داهش كما نشرتها صحف الوطن ، وفي طليعتها جريدة الحياة البيروتيّة .

وفي الصفحة 38 علّقت المجلّة على الوصيّة بما يلي :

هاتوا لنا مثرياً واحداً من كبار المتموّلين فينا يوصي أو أوصى وصيّة كهذه الوصيّة .

وهاتوا لنا عاقلاً واحداً – ( لا مجنونا) كداهش عند زعمكم – يترك وصيّة كهذه .

الداهشيّة

 

رأيت حليماً موجع القلب باكياً          

ينظم في من قد فقدنا القوافيا

فلا السجن يثنيه ولا غضبة القضا       

لتردعه عن أن يُجيد المراثيا

أجاد بسجن الرمل في موقف الرثا      

وفاء حبيب أسلم الروح وافياً

مبادئه لو أدرك الناس كُنهها            

لما شمت بين الناس إلاّ التآخيا

فما قال عيسى غير ما قال أحمد        

ولا كان موسى للإخاء منافياً

فكلّهم رسل السلام إلى الورى          

وكلّهم جاء الأنام مؤاسيا

ولكنّما الأشياع ضلّوا سبيلهم           

فبات الهدى عن منهج الناس خافيا

ولو فسّروا الآيات تفسير مخلص       

لألفوا بها للائتلاف مغازيا

وما داهش إلاّ عدوّ ضلالة             

فليس له إلاّ الضلال معاديا

أتى الكون بالسلم الجميل مبشّراً        

وخلاه بحراً بالمصائب طايما

بذا قضت الأطماع بين طغاتها          

فعدوّا رسول السلم في الأرض طاغيا

فما مصلح إلاّ وسمّوه كافراً            

ومن بعدما أردوه أصبح هادياً !

أما اضطهدوا طه النبيّ وعلّقوا         

على العود عيسى واستحلّوا المعاصيا ؟

أما تبعوا هذا وذاك وشيّدوا             

لقدسيهما بعد الممات المبانيا ؟

يؤذّن باسم الله وأسم رسوله             

مؤذنهم إذ يطلع الفجر شاديا ؟

ويقرأ إنجيل ابن مريم كاهن            

على مذبح الأقداس يذكر فاديا ؟

فلا عجب إن مات داهش مبعداً         

ففي كلّ تلميذ أقرّ المباديا

إذا ما حليم قام فينا مبشّراً              

سمعت له يا داهش الدهر راويا

ألا نم هنيئاً مطمئناً فأنت في            

مباديك رغم الموت ما زلت باقيا !

 قيصر معلوف                              

  الأشرفيّة – بيروت ،1 تشرين الثاني 1947

رسالة فنّان

 

حضرة الوجيه الفاضل الخواجه جورج حدّاد وعائلته المحترمين ،

ليس في استطاعة إنسان أن يصف المأساة التي مثّلت على مسرح هذا الوطن الحبيب والتي كان بطلها وضحيّتها بوقت واحد صديق الأدباء والفنّانين ، الدكتور داهش .

أنا أحبّ كلّ شجرة في لبنان ، وكلّ صخرة من صخوره وكلّ ذرّة تراب من ترابه . أحبّ عناقيده ، وتفّاحه ، ودرّاقه المخمليّ كبشرة عذراء لم تلامسها يد بشريّة .

أحبّ كلّ شيء فيه ، وفوق أرضه وفي سمائه .

ولذا لا أسامح هذه الفئة التي تكالبت على تجويع وتقتيل وتشريد أبنائه .

مسكين صديقي داهش … ذهب ضحيّة دعايات كاذبة .

تألّبت عليه قوى الشرّ فكانت الغلبة لها .

إن حكومة لا تحترم الإنسان ،

وتسعى إلى خنق الحريّات ، وتهشيم الكرامات ليست جديرة بالحكم !

رجائي إليكم أن تتقبّلوا تعازي القلبيّة راجياً لكم ازدياد إيمانكم لتتمكّنوا من حمل صليبكم إلى النهاية .

وإن خير ما نعمل هو اتباع وصيّة معلّمنا الأكبر :

“سامحوا من أخطأ إليكم “! حفظكم الله .

 قيصر الجميّل                                                

 بيروت ، 3 تشرين الثاني 1947

أراه لم يزل في اللّحد حيّاً

 

قفوا لا تندبوا الشهم الأبيّا                             

أراه لم يزل في اللحد حيّا

فما مات الذي أحيا ألوفاً                              

وأوجد في كيان الشرق شيّا

وثقّف بالنصائح قاصديه                              

وروّى الناس من ريّاه ريّا

سميّ في مبادئه حنون                                  

أبو المحتاج وضّاح المحيّا

رويداً يا منون رميت سهما                             

أصاب المصلح الحرّ الأبيّا

أننساه يقوم بنا خطيباً                                   

بليغاً ناسجاً وعظاً نقيّاً

أننساه يقول : الكلّ أهلي                                

وعوني مسلماً أو عيسويّاً

ففي أمثاله ترقى بلادي                                 

ويبلغ شعبها هام الثريّا

أيا إخوانه منا التعازي                                 

ونندب كاليتيم أباً وفيّاً

فقيدكم فقيد الشرق طرّاً                                

فهذا الشرق يبكي العبقريّا

وفي دار النعيم أعدّ مجدٌ                                

له ومقامه فيه تهيّا !…

 

 

 وديع حنّا                              

  منشئ دائرة المعارف الحديثة وصاحب مجّلة المعارف                                        

    بيروت ، 7 تشرين الثاني 1947

داهش

 

إنّه واحد من أولئك الذين يدور الفلك حول ذاتهم حتى يكاد لا ينفلت عنهم إلاّ وقد أصبحوا فيه أو أصبح فيهم .

فلا غرو أن نتحدّث أو نمعن في التحديث عن داهش . هذا الذي خالط من أبناء الجيل السمع والبصر والفؤاد ، فأصبح كلّ أولاء عليه شهيداً .

في لبنان !… كان داهش ملء السمع والبيان :

إذا تكلّم أرهفت له الآذان .

وإن سكت كان في سكوته البيان كلّ البيان .

وترى الناس بين كلامه وسكوته كالسكارى وما هم بسكارى …

ولكنها نشوة الحقّ تحفق بالحياة رمى بها ثبت الجنان

دولة البطل والكفران ،

حتى ليس في الكون إلاّ راية الإيمان !

داهش !

هذا الفكر الإنسانيّ الخصيب ،

جرى في صحراء الكفر الجديب .

فجعلها ممرعة ريّانة ،

وأحالها روضة وارفة فينانة ،

في ظلّها يتفيّأ كلّ من أوتي في العقل أوفى نصيب !…

داهش !…

هذه الروح التي تسري بالحياة ،

فتنهزم من أمامها صعر الجباه ،

ويطأطىء أمام روعتها الناس كلّ الناس من حقير أو ذي جاه ،

إذعاناً لما فيها من قوّة دافقة ، وحجّة فائقة ، وإيمان عجيب !…

إنّها لفتة من الإعجاب حانت ،

وخفقة من الإكبار رانت ،

أرسلت كلماً منثوراً فكانت …

وإنه كان بها جديراً ،

ذلك الذي ملأ الدنيا هديراً وزئيراً !…

إنّه ولد كبيرا ،

وعاش كبيراً ، ومات كبيراً

ثمّ لا شكّ

سوف يُبعث أيضاً كبيراً !…                                                                        

الشيخ طه الوليّ                                                             

 بيروت ، دار الكتب الوطنيّة ،                                                                     10تشرين الثاني 1947

رسالة الأستاذ الأسير

 

حضرة الصديق الكبير الدكتور فريد أبو سليمان المحترم

تحيّة طيّبة .

وبعد فقد حز في نفسي وأحزنني كثيراً مصرع الصديق الكريم الدكتور داهش بك .

وإنّني الساعة لأذكر بالأسى الودّ الذي ربطني به طوال أعوام كان فيها دائماً مثالاً للصديق الوفيّ والمحبّ الصادق .

 وبهذه المناسبة أرجو أن تتكرّموا بقبول أصدق التعازي .

وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام .

 المخلص

 صلاح الأسير                                                     

  بيروت ، في 10- 11- 1947

خسئت التهمة

 

… إزاء داهش يحار العاقل :

هي يدهش منه أم من الناس حوله ؟

لقد اتّهم الرجل بالشعوذة …

خسئت التهمة !

بل هم الناس بعضهم يشعوذون على أنفسهم ،

ويحتالون على فراغهم …

ليس ما يقال

إنّ الظاهرة الداهشيّة لدَرسٌ

يستوقف من له الوقت للوقوف …

أدعو له بالرحمة ،

إن صحّ أنّه توفّي !…

وأدعو للناس الذين جهلوه

بالعافية والشفاء !…

                                                رئيف خوري

                                        بيروت ، 12 تشرين الثاني 1947

إلى أرواح كونفوشيوس وسقراط

 

إلى أرواح كونفوشيوس وسقراط

ويسوع بن مريم ومحمّد بن عبد الله

وروح مؤسّس الداهشيّة

 

رأيت المصلحين على ممرّ التاريخ يوزّعون حكمهم الخالدة مجّاناً ، ويشيرون دائماً بأصابعهم السحريّة إلى وجه جميل محتجب من وجوه الحقيقة الغرّاء . أمّا هم ، فلا فرق عندهم أحسناً كان ذلك الوجه أم قبيحاً ، لأنّ المهمّ في نظرهم قائم بتعميم اتزان الفكر ، واعتدال الرأي ، وبيان القول ، وإتقان العمل في سبيل تحسين الحياة باستمرار ليقرّبوها من السعادة المنشودة والكمال الممكن في هذه الأرض الحقيرة .

وهكذا يلذّ للمصلحين العباقرة أن يهبوا غيرهم حقيقتهم الصافية المنبثقة من نار ونور ، ومن لباب بغير قشور …

وسرعان ما يتهافت الناس لالتقاطها متشوّقين متشوّفين . إنّما لسوء الطالع لا يلتقطونها من مقبضها الأمين بل من وهج لهيبها المتأجّج ، فتحترق أيديهم للحال قبل أن تتفتّح عيونهم على ضيائها الباهر المنير .

لذلك نرى بعض المعاصرين حاقدين على أهل المواهب والصلاح والإصلاح . ونسمعهم يتململون من خلوّ المصلحين من أثر المجاملة والتساهل ، فيجرّدونهم – على رغم غيرتهم المتّقدة – من عاطفة الرحمة والإنسانيّة … تلك العاطفة التي ما وجدت – بعرفهم – إلاّ لتؤيّد صاغرة ما استقرّ في نفوسهم من خنوع واستكانة ، وتوافق ما اتصفوا به من تقصير وغفلة وضعف في التحليل والإبداع والإصلاح والتجدّد والصلاح .

فلا عجب إذا رأينا بعد الاستقصاء والتنقيب أن المصلحين المضطهدين ، والأحرار المظلومين هم أقرب الناس إلى صحّة العقيدة ، وأصواتهم الصادقة المؤمنة أبلغ أثراً في النفوس من أصوات السلاسل والقيود ، إذا وقفوا وراء الأبواب الحديديّة وهم في غيابات السجون أو أُرسلوا إلى الحدود …

إنّ قادة الفكر وأصحاب الرسالات – كمن نذكره اليوم – لا يسكتون عند استماع الباطل ، ولا يتلكأون عن الإقدام لمناصرة الحقّ الهضيم ، ولا يرضون أن يتحرّروا من مسؤوليّة قولهم وعملهم . ففي وجوههم إشراق اليقين ، وفي سواعدهم عزم الشهداء ، وفي قلوبهم عقيدة الأنبياء ، وفي بريق عيونهم كلّ آمال الإنسانيّة المتألّمة …

ولا تأخذنا دهشة إذا رأينا اليوم الأتباع المجاهدين في هذه الرسالة يلتفّون حول نارهم المتأجّجة مرسلين هنا وهناك أناشيد العزّة والحميّة ، ومشاركين هؤلاء المصلحين الأمناء بجهودهم الجبّارة في كافّة مراحل رسالتهم في سبيل إجلال القيم المعنويّة ، وتأمين هناء الفرد والمجتمع في ظلال المحبّة والأخوّة ، والمعرفة والقوّة !…

                                                         

 يوسف بن جعاره

 ساحة النجمة ، بيروت 15 تشرين الثاني   1947                                                            

يا نبيّ الله

 

بقلم الشيخ خليل طوبيا رئيس بلديّة بيت شباب ، لبنان

من موطن الأرز الشامخ ،

من ساحل هذا الجبل الأشمّ ،

حيث تتحطّم منذ التكوين أمواج هذا البحر الأبيض ،

فتتراجع عن قدميه مغشّاة بمنديل ناصع البياض ،

كأنّها مُسحت منه بزبد العفاف والطهارة ؛

من الأوديّة المتدرّجة بدلال وجلال حتى الجداول والبحر ،

من الروابي المكلّلة بالشربين والزيزفون ،

وأطايب الأزهار والرياحين ،

المتنعّمة ببزوغ الفجر في كلّ صباح ،

والمتمتّعة بآخر قبلة من ثغر الشمس عند المغيب ؛

من معقل الآلهة وموطئ أقدام الرسل والأنبياء والشعراء ؛

من ملجأ الغريب ، والشريد ، والمضطهد ، واليائس ؛

من مبعث حريّة الفكر والقول والإلهام في هذا الشرق ،

من لبنان …

أرتعش الدكتور داهش بالروح السامية ،

فعزف بالبوق كلمة الحكمة ،

منذراً مرشداً وشاهداً وبشيراً .

فردّدت صدى كلمته الأودية والآكام

في جميع الأصقاع الشرقيّة والغربيّة ، فكانت الداهشيّة !

وأتت هُدى للناس ، وبلسماً عذباً للقلوب الجريحة المتألّمة العطشى لمعرفة الحقيقة وسلوك طريق الحق المؤدية إلى الأنوار الساطعة البهاء ، الباهرة الضياء …

وامتدّت الداهشيّة ،

فارتجفت خوفاً منها روح الشرّ الطاغية على أبناء هذا البلد الأمين ، فحاولوا كمّها وخنقها في مهدها ، ومواراتها في لحدها .

ولكنّها كانت صرخة داوية …

حينئذِ أخذ روح الشرّ الذي يطالع كلّ شيء إلاّ الكتب المنزلة ،

ويعرف كلّ شيء إلاّ الواجب ،

ويغدر كلّ شيء إلاّ الرذيلة …

أخذ روح الشرّ يضطهد رجل الخير الدكتور داهش بكلّ ما ملكته يداه من وسائل دنيئة سافلة ، مستهزئاً به وبأعوانه الأوفياء ، مزدرياً بتعاليمه السمحاء ، وهي من وحي السماء .

شاهدت ذلك الجبّار اللاّحدّ لقدرته منذ عام 1943:

شاهدته يتحمّل بألم مرير ما حيك حوله من رذائل المختلقات والمفتريات …

واستعرضت بعين فكري ما ذاقه من سجن وعذاب وتبعيد ،

وقهر وتجريد وتشريد .

وشاهدت روحه الكبيرة ، وقد تعالت عن مجابهة الشرّ بالشرّ ، والرذيلة بالرذيلة ، والعدوان بالانتقام .

وهو الذي بكلمة واحدة منه ،

منع تلك الزنبقة الطاهرة ذات اليد اللطيفة القويّة أن لا تصبغ الأرض بدم مجرم أثيم ، فصوّبت فوهة مسدّسها إلى صدغها بجرأة وأنفة ، احتجاجاً على الظلم والعدوان ، والزور والبهتان .

يا نبيّ الله !

على رغم جميع النوائب التي أصابتك في هذه السنوات الأخيرة ،

فإنّك قد أدّيت رسالتك الروحيّة على الوجه الأتمّ الأكمل .

وهذه أطايب أنفاسك ونفحات تعاليمك

قد طغت على جميع الكائنات بأسرها .

كذب من نعاك !

فأنت حيّ خالد

حيّ بتعاليمك السماويّة السامية ؛

حيّ خالد بالمثل الأعلى المزدان بهالة العفّة والطهارة ،

وسموّ النبل ، وشموخ الأنف ،

حيّ خالد في قلوب من قُدّر لهم أن يقتربوا منك ، ويأخذوا عنك؛

وأخيراً ،

فأنت حيّ خالد في صدور من بذرت بينهم بذور المحبّة والإخاء ،

والإخلاص والتضحية والوفاء .

خليل أسعد طوبيّا

بيت شباب ، 20 تشرين الثاني 1947

كتاب المطران افرام الحيقاري

 

ARCHEVECHE SYRIEN- CATHOLIQUE

BEYROUT – LIBAN

حضرة العزيز الماجد الأستاذ حليم بك دمّوس المحترم

تحيّة وأدعيّة بحراستكم وتوفيقكم .

أمّا بعد ، أرغب إليكم أن تتكرّموا وتأتوا لمواجهتي في السريع العاجل ومعكم نسخة من الوصيّة (4) التي كلّمتموني عنها لمتابعة المفاوضة بهذا الشأن .

والغاية من حصولي على نسخة الوصيّة أن يطّلع عليها نيافة الكردينال البطريرك الجليل .

والمولى سبحانه المسؤول أن يلهمنا أجمعين ما به الخير وأن يتولّى توفيقكم وإطالة بقائكم .

   المطران باسيليوس أفرام حيقاري

  بيروت ، 24 تشرين الثاني 1947

رسالة الأب جرجور

 

حضرة الأستاذ حليم بك دمّوس الأكرم

بعد التحيّة والسلام أقول :

إني عطفاً على المحادثة التي جرت بيننا ،

بخصوص وصيّة الدكتور داهش ،

أعدكم بأني أدفع لكم مئتي (200) ليرة لبنانيّة .

وإني أطلب له الرحمة من الله ،

ولذويه وأنسبائه التعزية ،

ودمتم .

الخوري أفرام جرجور                                        

 بيروت ، 24 تشرين الثاني 1947

ترجمة رسالة المستر أوليفر

 

ترجمة رسالة المستر أوليفر

ترجمة الرسالة الإنكليزيّة المرسلة من المستر دانيال

أوليفر إلى منزل الرسالة الداهشيّة

 

 

عزيزي السيّد جورج حدّاد

بين يديّ رسالتك المؤرخة في 14 تشرين الثاني 1947 تعلمني فيها أن حفلة تأبينيّة ستقام في آخر هذا الشهر للدكتور داهش .

وأريد أن أعبّر لك عن مدى أسفي العميق للنبأ الأخير عن وفاة الدكتور داهش ، وقد أبيت في بادئ الأمر أن أصدّق هذا الخبر وظننت أنّه غير حقيقي ، ولكن عندما واجهت صديقنا العزيز الدكتور خبصا في بيروت أكّد لي بدون شكّ أنّ الدكتور داهش قضى نحبه على أيدي أشخاص مجهولين .

إنني أرغب في أن أتقدّم إليكم ، وإلى زوجتكم الغالية وكريمتكم تعزياتي القلبيّة على فقدانه ، وكذلك لكافة أصدقاء الدكتور داهش على هذا الموت الفجائي ، وأتقدّم أيضاً من والدته وشقيقته بأصدق تعزياتي .

وبعد حين آمل أن نلتقي إذ لديّ أشياء عديدة سأسألكم عنها .

واقبلوا أفضل تحياتي لكم ولزوجتكم الغالية ولابنتكم ، واقبلوا عاطفتي القلبيّة التي اشتركت معكم في جميع ما قمتم به من أعمال ، وما لاقيتموه من عذابات لأنّكم تعذّبتم كثيراً وكنت دوماً أفكّر فيكم وأسأل عنكم .

                                         ودوموا لصديقكم

 دانيال أوليفر

 رأس المتن ، لبنان ، 25 تشرين الثاني 1947

كيف تعرّفت به

 

عصارى يوم وأنا أسير في أحد شوارع بيروت الفسيحة عام 1942 صادفت الشاعر الأديب الصديق الأستاذ حليم دمّوس .

وبعد التحيّة سألني :

ألم تتعرّف بداهش ؟

قلت :

لا .

وما هي إلاّ لحظة يمرّ فيها الدكتور داهش ، فنتعارف ونسير معاً إلى منزله بجوار مستشفى الجرّاح الكبير الدكتور رزق .

وهناك قرأت بعضاً من مؤلّفاته المأثورة ، وأقواله المنثورة ، ورأيت أعمالاً دهشت بها ولا شكّ .

وبعد فترة يغادر البلاد إلى جهة مجهولة ويترك وراءه تلامذة وإخواناً لا يزالون متمسّكين بتعاليمه وأقواله رغم السجون والاضطهادات ، ورغم ورغم كلّ العقبات والصعوبات . وإذا بإخوانه في بيروت ينعونه بين الحسرات والعبرات ، فيبكون فيه تلك الشعلة الوضّاءة التي انطفأت قبل الأوان ، وذلك القلم الفيّاض الذي تحطّم على صخرة الآمال ، وذلك القلب الكبير الذي تعطّل وسكت وهو يخفق لكلّ عمل إنسانيّ نبيل ، وتلك الروح الجبّارة التي رفرفت بيننا ولا تزال ترفرف بين عالمنا وعالم اللانهائيّة …

قضى داهش ولا يزال اسمه يملأ الأرجاء بين إخوانه المخلصين ، وأصدقائه الكثيرين المعجبين بعبقريّته وقوّته الخفيّة ، وأسراره الروحيّة .

قضى بعيداً عن لبنان ولا تزال كتبه وأقواله تقرأ وتُذاع في كثير من الاصقاع .

نعم . قضى وهو في زهرة الشباب وريعان الصبا .

فرحمات الله عليك يا داهش !

وعزاءً لإخوانك وأتباعك وحاملي رسالتك الروحيّة .

فهذه سنّة الله ولن تجد لسنّة الله تبديلا …

  المحامي والنائب نصّار غلميّه                                                             

 صاحب جريدة الرابطة  

  بيروت ، 26 تشرين الثاني 1947

 

الدكتور رستم يعزّي الداهشيّين

 

حضرة الصهر العزيز الأستاذ حليم دمّوس المحترم

تردّدت في الكتابة حتى الساعة لأنني لم أصدّق ما كنت قد سمعته عن وفاة صديق الطرفين الدكتور داهش .

وأمّا الآن وقد ثبت هذا من مصادر مختلفة فلا بدّ لي من تقديم تعزيتي القلبيّة لوفاة هذا الرجل الفذّ بينكم وبينه من صلة روحيّة متينة .

وأرجوا أن تنوبوا عني بتقديم فروض التعزية إلى الوجيه السيّد جورج إبراهيم حدّاد وقرينته المصونة .

والرجاء أيضاً ألاّ تنسوا القيام بالواجب نحو والدته الحزينة وشقيقته السيّدة انطوانيت .

ولعلّ الوقت يسمح بزيارة منزل آل حدّاد للقيام بالواجب نظراً لما بيني وبين الفقيد من صداقة ومودّة وصلة أدبيّة .

وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام .

المخلص

أسد رستم

بيروت ، 28 تشرين الثاني 1947

الشيخ عبد السميع الشريف

 

كلمة للشّيخ عبد السّميع الشّريف

من خريجي الأزهر الشّريف

 

لقد اجتمعت مراراً بالإنسان الذي اعتقد فيه الصراحة النادرة والإخلاص في قول الحق الأستاذ الشاعر (حسّان) حليم دمّوس في المسجد العمري الكبير في بيروت .

وقد ألقى قصيدة عامرة الأبيات يمدح فيها النبيّ العربيّ محمّداً بن عبد الله على ملأ من الناس في يوم الجمعة بعد خطبة الصلاة ، معلناً أنّه يعتقد برسالة النبيّ محمّد .

وقد اعترضه بعض الناس بقوله : أتؤمن بنبوءة الدكتور داهش ؟ فأجاب فوراً أنّه يؤمن بالرسالة المحمّديّة ، وأعلن هذا بلا إكراه ، وأنّه يدعو إلى هذا الرسول عمّا تلقّاه من استاذه ومرشده المصلح الروحانيّ العظيم الدكتور داهش .

وأقول الآن :

إنني اجتمعت بالأستاذ دمّوس أيضاً في جامع المجيديّة في مدينة بيروت وهو يستمع إلى تفسير القرآن الكريم من أحد علماء الإسلام المعروفين في دمشق الشام ، الشيخ أحمد كفتارو، ويصغي إلى الأحاديث النبويّة . ولم أسمع عن المرحوم الدكتور داهش أنّه انتحل لنفسه النبوّة أو الرسالة . وإن كلّ ما سمعت عنه أنّه يؤمن بجميع الرسالات السماويّة بما فيها القرآن الكريم المصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، ويدعو إلى الإيمان بجميع الكتب السماويّة المنزلة بلا تفريق بين رسول ورسول أو رسالة ورسالة .

فالدين كلّه من يوم وجد الإنسان ، دين الله ، وهو الإسلام لله بالتوحيد الخالص ، وعدم الإشراك بالله في جميع تصرّفاته الجارية في عباده أهل السماوات والأرض تصرّف المالك في ملكه لا منازع ولا مشارك .

ومصداق هذا قول القرآن الكريم ( قل إن كان للرحمان ولد فأنا أوّل العابدين). وقوله ( ما اتّخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ).

وقوله ( إنّما المسح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ).

وقوله ( لو أراد الله أن يتّخذ ولداً لاصطفى ممّا يخلق ما يشاء سبحانه وتعالى عمّا يصفون ).

وقوله ( بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم ).

وقوله ( قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً ).

وقوله ( وما المسيح بن مريم إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام ).

وقوله ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثمّ يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربّانيّين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ).

وقوله ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك على نساء العالمين . يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين ).

إلى غير ذلك ممّا نطقت به الآيات القرآنية مبيّنة أن الله واحد يستحيل عليه الشريك والندّ والمثيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ).

لهذا فإنّني أجد نفسي مضطرّاً إلى الاعتراف بأن الداهشيّين موحّدون خلّص لا يعرفون الاشراك بالله ولا يميلون إلى المشركين . فهم إخواننا ، لهم ما لنا وعليهم ما علينا .

أمّا ما سمعته من أفواه الطاعنين فيهم وفي عقيدتهم ، فهذا أمر معروف قد جرى قبلاً للأنبياء والمرسلين ، والمصلحين . وكل من دعا إلى الحقّ لا بدّ أن يعارضه أهل الباطل .

وقد التقيت أخيراً بالأستاذ دمّوس ونعى إليّ مؤسّس الداهشيّة فتألّمت لهذا الخطب المفاجئ ورجوت أن يقوم الخلف بما قام به السلف من الدعوة إلى التوحيد ونشر مبادئ الإخلاص لله ربّ العالمين .

وختاماً … لا يسعني إلاّ الشكر لكلّ من يقوم بتقدير الرجال المخلصين وينشر محاسنهم ومبادئهم القويمة .

مدرّس العلوم الدينيّة الإسلاميّة في المعارف اللبنانيّة                                    ومذيع آي الذكر الحكيم في محطّة الإذاعة اللبنانيّة                                             الأحد ، 30 تشرين الثاني 1947

قضى قطب الصّلاح

 

دُعاة الحقّ أو رسل المبادئ                

لهم في كلّ أزمنة أعادي

عقائدهم رواس ثابتات                     

أمام رياح جور واضطهاد

عزائمهم مجنّ عنه تنبو                   

سيوف الظلم أو قضب العوادي

كداهش من أراد لنا صلاحاً                

وأقدم رافعاً علم الجهاد

وسار وحوله صحب كرام                 

يبشّر بالإخا والاتّحاد

وأعلن مذهباً سمحاً ليقضي                

على كُتل التناحر والفساد

ويصهرنا ببوتقة التفاني                    

ويجمعنا على حبّ البلاد

يوحّد بين أديان العباد                      

فيهديهم إلى سبل الرشاد

فناهضه دعاة الشرّ خوفاً                   

على ليل دجا ، من نور هاد

قضى قطب الصلاح وما فئتنا             

نناجيه فنسمعه ينادي

إلى الإصلاح يا صحبي وظلّوا            

دعائم للعقائد والمبادي

  الكولونيل الدكتور حليم سعاده                                             

 بيروت ، 30 تشرين الثاني 1947

الشّهيد البريء

 

النجم إذ يغيب … هو النجم الذي يظهر .

والطبيعة لا تعرف الفناء :

فالزهرة التي تتساقط أوراقها على الأرض يعطّر أريجها الفضاء

وما الكون – كما نراه – إلاّ سلسلة من المظاهر

ينطوي تحتها سرّ الوجود

وما الولادة والموت إلاّ ظاهرتان لحال واحد … هو الخلود .

إن حياة الجنين – في بطن أمّه – تمثّل تطوّر البشريّة منذ الخليقة .

والجنين يستعرض في بضعة أشهر جميع تلك التطوّرات ويكرّرها .

وفي لحظة قصيرة تعقب الموت تتكرّر وقائع حياة الموت على الأرض .

فالموت ولادة جديدة تبدأ باستعراض الماضي .

وكلّ ولادة تحمل في طيّاتها تاريخ البشريّة .

ولا يخشى الموت إلاّ ماديّ يرى فيه الفناء ،

أو شرير يخاف العقاب .

أو جاهل لا يعرف ما وراء الحجاب .

أمّا أنت أيها الراحل العزيز !…

فقد علّمت الناس معنى الموت .

وعشت وأنت على هذه الأرض

في عالم أسمى من الأرض .

فأنت تعلم إلى أين تذهب ،

ولا تخشى ولوج عالم كنت فيه وعرفته ،

ورأيت فيه الحقيقة التي كنت تبحث عنها .

فهنيئاً لك .

ورحمة بمن اضطهدوك وعذّبوك

وأنت الشهيد البريء !…

إن الناس أعداء لما يجهلون !..

المحامي فؤاد رزق

منشئ مجلّة “المحامي”

  بيروت ، تشرين الثاني 1947

رسالة الأستاذ جورج أشقر

 

حضرة الفاضل الأستاذ حليم دمّوس المحترم

غبّ السلام أبدي

آسف جدّاً للخبر الذي أخبرتمونيه بوفاة السيّد سليم عشّي خارج لبنان فأقدم تعزياتي لذويه عن يدكم .

أمّا سؤالكم الآخر عنه وعن والديه فأقول :

إنني عرفت أباه مدّة لا تقلّ عن ثماني سنوات وكان آنئذ من موظفي مطبعة الأميركان ، فإنّني أشهد أنّ السيّد موسى عشّي كان أميناً للغاية مخلصاً في خدمته .

وأعرف أيضاً السيّدة شمونه زوجة السيّد موسى وأمّ السيّد سليم (الدكتور داهش) وهي أيضاً لا تقلّ عن زوجها غيرة وأمانة وإخلاصاً . وهي لا تزال عضوا في كنيستنا الإنجيليّة ، وإنّنا نجد فيها العضو الطيّب .

أمّا بخصوص المرحوم السيّد سليم عشّي ، فأنا لم أعرفه ولم أتعرّف إليه ، ومعرفتي عنه محصورة بما كنت أسمعه عن (داهش الدكتور). وعلى كلّ إن هذه كانت تتلوّن بلون مخبرها : إمّا حسنة من فم محبّذيه، وإمّا سيّئة عن لسان معارضيه .

وعليه لا يمكنني أن أقول كلمة وافية بالأمر .

أكرّر تحيّاتي وأسفي عليه وتعزياتي لذويه ودمتم .

                                                          جورج أشقر

                                         بيروت ، 1 كانون الأوّل 1947

الدكتور داهش مثال الرّجل الكامل

 

عرفت منذ أمدٍ بعيد الدكتور داهش . زارني وزرته مراراً عديدة . وكان مثال الرجل الكامل المفكّر المحبّ للإنسانيّة ، ويميل إلى التحدّث عن الفلسفة والروحانيّة .

ولاحظت في مكتبته كتباً تتعلّق بمناجاة الأرواح والعلوم النفسيّة والكتب المقدّسة على اختلاف أنواعها ممّا جعلني أن أقتنع بسعة إطّلاعه وعمق تفكيره وأهدافه العالية للوصول إلى الحقائق الراهنة .

ولم أسمع عنه من الأشخاص الذي عاشروه إلاّ كل ثناء عاطر .

ولا يمكنني إلاّ الأسف الشديد على فقده .

رحمه الله رحمة واسعة .

ولمريديه الصبر والسلوان .

سامي الصلح

 المحامي النائب ، ورئيس الوزارة اللبنانيّة سابقاً

 بيروت ، 2 تشرين الأوّل 1947

عاطفة صحافي

 

حضرة الدكتور خبصا المحترم

تحيّة وبعد ، فقد تأثّرت تأثّراً عميقاً للمصيبة التي حلّت بكم .

فتقبّلوا تعازيّ القلبيّة الحارّة بوفاة فقيدكم العزيز الدكتور داهش .

وتفضّلوا بقبول فائق الاحترام .

 فؤاد قاسم                                              

 صاحب جريدة العهد

بيروت ، 3 كانون الأوّل 1947

 

كان يحسب الموت بدء الحياة

 

رسالة من المحامي الأستاذ إدوار نون إلى الدكتور جورج خبصا

 

أخي جورج ،

أصارحك بعد التفكير ، بما يوحيه لي الشعور والضمير ، فأقول :

لا أعتقد بصحّة الرواية التي شاعت عن مقتل الدكتور داهش ، وشعوري أنّه لا يزال حيّاً .

وإذا صحّت الرواية … فيكون الله قد أجاب طلب الدكتور وراحته من نفسه ، ومنا ، ومن غيرنا .

وأنت أعلم بأنّه كان يحسب الموت بدء الحياة .

لا بل بدء السعادة لمن يستحقّها .

تسعون الآن لتنظيم حفلة تأبينيّة لتكريمه ورثائه .

فما معنى الرثاء ؟

هو بالواقع تحديد المرء بعد موته ، فإمّا يحكم له أو يحكم عليه .

فمن منكم يجسر على رثاء الدكتور ؟

ومَن من الناس يحسب نفسه كفؤاً ليقول فيه الكلمة الأخيرة ؟

صدّقوني : يجب أن ننتظر وصيّته ، وأن نطّلع على تآليفه المنتظرة ، فينكشف لنا سرّه ، ويظهر لنا وللملأ في مظهره الحقيقي .

إنّ الدكتور كان دائم التطوّر ، فلم يبلغ الدرجة التي كان يصبو إليها إلاّ في أيّامه الأخيرة ، أي بعد أن أُبعد عن لبنان ، فأكمل في المنفى ما كان باشره بيننا .

فمهما قيل عنه ، فهو إمّا قليل جدّاً ، وإمّا كثيراً جدّاً …

يجب أن لا ننزله ، ولا نرضى بأن ينزله الناس منزلة عادية .

فهو أعلى من أن يكرّم بالسخافات ،

تدّعون أنّكم عرفتم حقيقته …

فاصمتوا ، فالصمت أبلغ .

ولا تسمحوا إلاّ للشعر ، والشعر الصحيح فقط ،

أن يجول في روحانيته .

فهو حلم وخيال ، ولمحة من لمحات العبقريّة ،

وومضة من ومضات الخلود النورانيّة .

وإذا كان لا بدّ من رثاء ، فنحن الذين نستحقه ، لأننا نحن الأموات !

أتذكرون مقاله “أنا ثائر”؟

فأنا ثائر على نفسي ، وعليكم …

ثائر على فقدان الصلة التي كانت تجمع بين عالمنا وعالم الأرواح .

ولكن لي الثقة بأنّها ستعود ،

وتتغلّب على الكذب والرياء ،

وعلى كلّ أباطيل هذا الكون الفاسد .

لقد أضرّ البعض بالدكتور في حياته ،

بسفالات أثارت الشكوك في صحّة مبادئه وسموّها ،

وهو براء من تلك السفالات .

فلا تنزّلوه بعد الموت – إذا صحّ الخبر – منزلة الدجّالين

الساعين وراء التبخير فتكبّروا فيه ما لم يفهمه أحد إلى الآن ،

وتفسحوا المجال للثرثارين بأن يظنّوا أنفسهم أهلاً لمسح حذائه .

دعونا من الحفلات ، ولننتظر وقت العمل .

لن يطول الأمد فيحين … حينذاك ، نرى إذا كان له عند الأخوان كرامة ، وهو الجدير بكل كرامة .

                                                             واسلم لأخيك

 إدوار نون                                           

بيروت ، شارع كليمنصو، 5 كانون الأوّل 1947

 

رسالة صاحب مجلّة (عالم الرّوح)

 

عزيزي شاعر الروح الأستاذ حسّان حليم دمّوس

تسلّمت غروب أمس خطابك المؤرّخ 20-9-1947 مع كتاب مذكرات دينار وفجعت لما فيه من اعتقالك … ثم من وفاة أخينا داهش قبل أن تكتحل عيوننا بمرآه في مصر .

على أنّ أملي كبير في رؤيته روحاً . لقد ابتعد عن دنس هذه الأرض الشريرة .

أبعث إليك بالعددين الأوّل والثاني من مجلّة عالم الروح ، وأرجو أن أزيّنها بقصيدة عصماء من شعرك الروحيّ .

وإليك تحيتي وتحيّات إخواني أجمعين .

 المخلص أحمد فهمي أبو الخير

صاحب مجلّة عالم الروح                                                     

 مصر ، 7-12-1947

كيف عرفته

 

كان ذلك في صيف سنة 1942 حين كنت مصاباً بثورة نفسانيّة لمسألة عاطفيّة ، وقد أخذني صديقي العزيز الدكتور جورج خبصا طبيب الأمراض الجلديّة الشهير ، إلى منزل الدكتور داهش لأجل استشارته بمسألتي طالبين مساعدته ، ظانين أنّه سيفعل ذلك لقاء أجر ندفعه له ..

فما كان منه إلاّ أن أخذ بوعظي وإرشادي ناصحاً إيّاي بالابتعاد عن تلك المخلوقة بكلام حسّاس كان له أكبر تأثير في نفسي …

ثمّ علمت بعد ذلك أنّ الدكتور داهش يبشر برسالة دينيّة روحانيّة سامية هدفه فيها إفهام تعاليمه لمن يرغب في أن يعرف سبب وجود الإنسان على هذه الأرض الفانية ، فاتحاً أعين الذين يريدون أن يفهموا معنى هذه الحياة الوقتيّة في هذا العالم الفاني والهدف والحقيقي منها …

لقد رأيته عظيماً بسموّ نفسه ، وعلوّ أفكاره ، وقد فتح عينيّ إلى حقيقة أخلاق البشر ونفاقهم وتكالبهم على المادّة وبعدهم عن الروحانيّة .

رأيت منه معجزات خارقة يعجز اللسان والقلم عن وصفها ويصعب تصديقها ، وهذه بعض مشاهداتي :

  • تحويل الماء إلى خمر .
  • إرجاع مفاتيحي الضائعة .
  • اهداؤه إليّ كتاباً من تأليفه ثمّ ظهرت عليه فجأة كتابة من خطه ، تقدمة الكتاب إليّ .
  • كانت بيدي مسبحة ، فطلبت منه مسبحة ثانية بشكلها وعدد حبّاتها ، فجلبها للحال .
  • كان يُقرع الباب عنده فيعلم حالاً وهو في الغرفة الثانية من هو الطارق ، والسبب الذي هو قادم من أجله .
  • كان يعلم أفكاري بينما أنا جالس في مكتبي بعيداً عنه بضعة كيلومترات ، وعندما أزوره يذكر لي تماماً ما كنت أفكّر فيه وما كنت أفعله .
  • كان يمكنه أن يحضر لي غرضاً موجوداً في أقاصي الأرض إلى أمامي وأمام زائريه ، حتى ولو كان ذلك الغرض موضوعاً ضمن صندوق حديد مقفل .

وقد جرى أمامي بواسطته أشياء كثيرة تؤكّد نظريّتي هذه .

لقد قرأت عدّة كتب من مؤلّفاته الثمينة ، وأخصّ بالذكر منها كتاب (مذكّرات دينار) وفيه يصف لنا البشر أدقّ وصف فاضحاً هذه البشريّة الكاذبة التي لا معبود لها إلاّ الدينار ، وشعارها الكذب والدهاء ، والنفاق والرياء .

ولقد أسفت جدّاً – يشهد الله – لما حدث أخيراً للدكتور داهش ظلماً وعدواناً .

ولكنّني في الوقت ذاته اغبط نفسه الطاهرة لذهابها من هذا العالم الفاسد إلى عالم الغبطة والضياء ، والسعادة والهناء .

فطوبى لروحه الطاهرة النقيّة ،

ومرحى لرسالته الخالدة ، الرسالة الداهشيّة .

ميشال العمّ                                                   

 بيروت ، 8 كانون الأوّل 1947

كلمة عزاء

 

من الأستاذ كرم ملحم كرم صاحب مجلّة ألف ليلة وليلة

 

حضرة السيّدة الكريمة ماري حدّاد ،

أوجعني موت رجل عصامي شقّ في الحياة طريقه بيديه عابثاً بالعقبات .

وأرجو لك بعده الصبر على الرزية .

إنّ داهشاً لممن يجب فيهم التلهّف على فقدهم .

عرفته صديقاً بارّاً .

وإنّي لأشاطرك التأسّف عليه طالباً له الرحمة ولك البقاء الأنيس .  

 كرم ملحم كرم                                                      

 صاحب مجلّة ألف ليلة وليلة                                                  

 بيروت ، 9 كانون الأوّل 1947

 

داهش العقول

 

أدهش عارفيه ، واسترعى انتباه معاصريه .

فمنهم من والاه ، ومنهم من عاداه .

ومنهم من ضحّى في سبيله بالوقت والمال والروح .

ومنهم من نقم عليه فجرّده وشرّده .

فقضى نحبه ، ولاقى ربّه .

ذلك دون أن يقف الناس على حقيقة أمره ، وكنه سرّه .

أتراه مرسلاً مختاراً ، أم تراه ساحراً جبّاراً !

أهو صادق في ما زعم من قدرة في نفسه

يتلقّاها من العلاء ؟

أم أنّه استطاع أن يخدع العيون والأسماع والأيدي

فترى وتسمع وتلمس ما لا وجود له ؟

هذا سرّ بقي دون جواب ،

وسيبقى كذلك بعد أن طواه الردى بعيداً عن محبّيه ،

نائياً عن مريديه .

إنّما الذي لا يستطيع الإنسان نكرانه

هو أنّه تمكّن أن يجمع حوله نخبةً مختارةً

من أئمة الرأي والعلم والأدب والفنّ والقانون وسراة الناس ،

وأن يجعلهم يفكّرون في أمور روحيّة .

خرجت بهم من الماديّة إلى حدّ بعيد ،

وحبّبت إليهم الروحانيّة إلى حدّ قريب ،

وعندي أن هذا وحده موضوع تأمّل وتفكير ،

وإعجاب وتقدير .

فإن كان لي من كلمة في الدكتور داهش فهي أسفٌ

على رجل عبقريّ قضى قبل أن يعرف الناس حقيقته ،

ويحلّوه محلّه الحقّ ،

ويجزوه على عمله من ثواب أو عقاب .

وإلى النخبة المختارة من أتباعه المفجوعين

أن لا يتسرّب اليأس إلى نفوسهم ،

فلا يثبت إلاّ الحقّ ولا يدوم غيره .

فإن كان ما ذهبوا إليه حقّاً فسوف يثبت .

وأمّا إن كان باطلاً فلن يقدر أحدٌ على إبقائه .

وسبحان من يدوم ولا يعتريه زوال .

   المحامي أديب مجاعص                                                       

  بيروت ، 15 كانون الأوّل 1947

 

إلى صديق !... إلى مؤسّس عقيدة

 

توارى وغاب !… وراء السراب !… وراء العدم !

وكان حديث الشذا في الربيع حديث النسم !

وما ناء بالعبء … لكنّه أفاق على الموعد المتّهم !

أزاح الضباب وخلّى المساء صباحاً على كلّ خدّ وفم …

وغرّد في ركبه الملهمون على نغم … طاب رجع النغم !…

وسار على الشوك ثبت الجنان كما يفعل الزنبق المنتقم !…

وينأى بعيداً !… بعيداً هناك … وراء الضباب حوالى القمم !…

صلاح الأسير                                                 

   بيروت ، 20-12- 1947

فويل للألى عبثوا بشعب

 

رسالتك التي غاظت عداكا                  

إلى سبل العلى قادت خطاكا

وحولك قد جمعت كرام قوم                 

كبار النفس قد حملوا لواكا

دعوت إلى السلام وكنت شهماً              

ولبّاك الألى سمعوا نداكا

قضيت ضحيّة الواشين ظلماً                

وما صنعت سوى خير يداكا

قد اضطهدوك لم تحفل بضيم               

سلاحك في دفاعك أصغراكا

فقابلت الإساءة بالتغاضي                   

تنام على التسامح مقلتاكا

فلو كان الصلاح تراه شخصاً              

عيون الناظرين لكنت ذاكا

لقد فسد الزمان فلا صلاح                 

فخيل الشرّ تعترك اعتراكا

ترى ما بيننا الأخلاق ساءت              

ويحتك الضلال بها احتكاكاً

                               ***

أداهش في السماء رأيت سخطاً           

على الدنيا فطرت إلى هناكا

فويل للألى عبثوا بشعب                  

وكلّ الويل إن غضبت سماكا

فروحك لا تزال على اتصال             

بأرواح الألى حازوا رضاكا

إليك أسوق إعجابي لأني                 

أرى الأقوام ما بلغوا مداكا

وإني إن بكيتك لا أغالي                 

فغيري في مراثيه بكاكا

وأنظم فيك أشعاراً رقاقاً                 

وما عهدي بها كانت ركاكاً

مزجت الدمع في شعري رثاء           

فلؤلؤه يذرّ على ثراكا !!…

   الشاعر بشارة حنين                                                  

 بيروت ، 24 كانون الأوّل 1947

تأوّد وذكرى

 

الشيخ العلايلي يناجي مؤسّس الداهشيّة

تأوّد وذكرى

 

أي أخي !…

من وراء هذا المنحنى الأرضيّ الذي تنتفخ فيه الحمأة ، ويستأله الطين ، وتنتصب أشباح الوحول أرباباً بكبريائها وعتوّها … أناجيك !

أناجيك لأني عرفتك ، وقليل هم الذين عرفوك .

أي أخي !…

عرفتك لأني رأيتك بغير منظارهم الذي عهدوا .

وما كان لأبناء الطين ، أن يتحسّسوا الحقيقة في أبناء اليقين … إلاّ تحسّساً أعمى يمشي على ضلال ، وتشدّه عصا أنّى سعى ، أي تشدّه جريمة أنّى انقلب .

فالتحسّس الأعمى كتلة من الظلمة .

فإذا ذهب يعتصر من ذاته ، اعتصر ظلمةً أي ظلماً واضطهاداً .

اعتصر سواداً أي أحقاداً .

اعتصر أشباحاً مرعبة تتراءى ، أي باطلاً يمرّ به باطل …

أي أخي !

عرفت فيك ملامح إنسان غريب

عبر مشيراً ثمّ توارى سريعاً .

ولكنّه ترك على دروب أبناء الطين آثار مسيره ليقولوا يوم أن يستفيقوا :

-” من هنا مرّ إنسان ….”

ومن هو هذا الإنسان ؟ هو داهش !

أي أخي !

في حكاية مأساتك حكاية مأساة الحريّة في كلّ جيل …

فأنت وإن ظنّوا أنّهم هزموك … إنّما واقع الحال ينادي :

إنّك أنت الذي هزمتهم بل هدمتهم بل هشّمتهم …

لهذا قد انتصرت وما انكسرت .

فإنّك جعلت من نفسك … أو بالأحرى جعلوا منك بأيديهم …

حلقة جديدة في سلسلة المناضلين الأحرار .

وهذا الأمر لا يستطيعه إلاّ ثائر جبّار …

ولم يعد بعيداً أن تلتفّ حلقات هذه السلسلة الداهشيّة وتنعقد عليهم انعقادها على أعناقهم ، وتُطبق فوق ساحتهم إطباقة الموت .

أي أخي !

في طبيعة أبناء الحريّة طبيعة الاوقيانس الشاسع المسافات . وفي طبيعة أبناء القيود وعبيد الأغلال طبيعة التراب ، طبيعة الجماد ، وهذه حكايتهما ، وبالأحرى حكاية معناك : بين الحقّ والباطل ، وبين مستصرخ وناكل … تراقص المحيط مضطرباً مترنحاً كبحر استقبل بين حناياه العاصفة فماد بها ومادت به زمناً ، وانطلق يقذف بالزبد يعبّر عن أنّه حانق …

شعر البحر الثائر بأن الصخور الجامدة في أرجائه ليست من طبيعته …

وهو إذا ترامى منطرحاً تعباً تستقبله بقسوتها فتتكسّر عندها أمواجه ، فاستدار عليها يزمجر غاضباً ثائراً هادراً … فقد أيقن أنها مكمن العاصفة فهو ينوء باقتلاعها …

وحين طاولته طمى عليها محتقراً إياها ، مزدرياً بها ، متجاهلاً وجودها . وهو وإن لم يقتلعها ، فقد ردّها إلى حيث لا يكون لها حساب .

في كبرياء الوجود …

في طبيعة البحر رشاقة الحركة الرخيّة .

وفي طبيعة الجماد الجلمودي سكون بليد متجهّم …

وبينهما وقف (إنسان) فيه وعي السكون وقصد الحركة …

يصل أسباب أحدهما بأسباب الآخر .

وكانت كبرياء (الجماد) عمياء … فلم تقنع بغير وجودها .

فانطلقت أعاصير البحر تزأر في مثل زأرات الرآبلة …

ووقف هذا الإنسان عند الشاطئ ينظر متفجّعاً …

فإذا الجماد المخدوع ترقص فوقه موجة مارحة …

في نغمة تخبر أنّه كان هنا شيء فيما زعموا …

مضى ذلك الإنسان وقد أبصر وسمع مطرقاً ، قائلاً :

بهذا نطق الحقّ في صدى الموج …

فتفتّت الجماد وبدّدته الرياح إلى غير ما رجعة .

ولم يكن طويلاً حتى كان بنفسه رجفة رعشات وخلجات

ورجعة أصداء الموج !…

وشرع الناس يروون من بعد أمثولة هذا الإنسان !

أي أخي !

لست أبكيك .

فأنت أعزّ من البكاء .

وما كان لمثلك أن يكفّن بالدموع .

فالبكاء معنىً من انكسار الرغبة …

أمّا أنت – بمأساتك بل بثورتك التي أعلنتها – فقد سجّلت انتصاراً ، وفجّرت نوراً وناراً .

وأطلقت في دنيا الظالمين إعصاراً ،

تصرخ به موجة الدهور في إذن الأحرار أجيالاً وأعصاراً !…

الشيخ عبد الله العلايلي                                                

بيروت ، كانون الأوّل 1947

داهش !.. صرخة داوية وثورة دامية

 

يا للصرخة الداوية الملتهبة الحمراء ،

يرنّ صداها في الفضاء ،

فتردّدها الأمم ويعيد صداها العالم أنغاماً

شجيّة تبعث في النفس النشوة والحنين .

يا للثورة الدامية !…

تنطلق في العالم قبساً من روح تحسّ وتشعر

فتحرق ما يقع في طريقها من الأهواء والمطامع ،

وتلتهب نوراً يشعّ في الحياة فيضيء العالم ،

ويوجّه البشر التوجيه الصحيح .

إذا تألمت الروح أطلقت الصرخة إثر الصرخة .

وإذا انطلقت الصرخة الروحيّة أشعلت الثورة تلو الثورة .

ومتى التهبت الثورة انعتقت الروح من عبوديّة الجسد .

وما داهش الذي تحتفون بذكراه إلاّ مطلق تلك الصرخة الداوية ،

ومشعل تلك الثورة الفكريّة الدامية .

بزغ إلى العالم في موكب من ألم وأنين ،

ورحل عن هذه الأرض في جحفل من شعور وحنين .

إنّ ألمه العميق وشعوره المرهف وحنينه الدامي

لم تكن لتقعد به عن الوثبة إلى الثورة الروحيّة

فوثب يحمل في يمينه الألم ، وفي يساره الأمل …

نعم . مشى على أمل وارف ،

وألم زاحف جارف ،

فكان داهش المتألّم الثائر ،

وسار على نسمات من شعور وحكم فكان الحكيم الشاعر ،

وخاض عباباً من فكر ثاقب ، ونور ساطع فكان داهش الفيلسوف المحنّك .

ما ترك باباً من الحياة إلاّ ولجه .

وما سطع نور في سماء العقائد والعوائد

إلاّ كانت له يد بيضاء في بعث ذلك النور الوضّاء

ولم يسجع طائر في فضاء الحرية

إلاّ لينقل للإنسانيّة تلك النغمات المتجاوبة في تلك الأجواء الواسعة الأرجاء .

وإذا كنت أرثيه فإنّما أرثي فيه النور المنطفئ لينير ، والسجعة المذبوحة لتعود ،

والثورة الخامدة لتهبّ ، والعلم الوارف لينتشر ، والموهبة المخنوقة لتنتصر .

هيهات هيهات أن تجود السماء بمثلك يا داهش …

وقد ينتظر العالم ألوفاً من السنين روحاً كروحك الطاهرة فلا تُعطى تلك الروح .

وقد تظلّ الأرض في انتظار أمثالك أجيالاً وأجيالاً دون جدوى …

لقد رحلت عن الأرض أيها الرجل القويّ الأبيّ العبقريّ .

بيد أن تعاليمك الحيّة ما زالت تطوف أنحاء الغبراء .

وتطرق حتى أبواب السماء

وقد انطويت تحت أطباق الثرى أيها المكافح المنافح ،

بيد أن روحك الخالدة ما زالت ترفرف على إخوانك الميامين

المنتشرين في معالم الأرض ومجاهلها ،

وهم يقتفون آثارك ،

ويتقصّون أخبارك وأسرارك ،

ولهم من همتك الشمّاء همّة ،

ومن صبرك العجيب صبر ،

ومن إيمانك الحيّ إيمان ،

لقد تركت لهم العزم والطمأنينة والقوّة .

فهم في معقل من القوّة حصين .

ولن تقعدهم المصاعب عن المسير .

ولن يردعهم رادع عن اقتفاء خطواتك الجريئة ، وأعمالك البريئة .

إنّك لتحيا بينهم في النور ، وفي الهواء ، وفي الفضاء .

فأنت منهم وأنت لهم .

عزاء أيها الداهشيون .

وحسبكم أن زعيمكم الأكبر يرتع بعد هذا الوجود في جنّات الخلود .

بل حسبكم تلك القوّة الهائلة التي خلّفها لكم …

إنّها ذرّة من روحه الطاهرة ،

وشعاع من تعاليمه الهادية ،

وصواعق من ثورته الجارفة الخالدة !

                                                     بيار روفايل

                                            صاحب مجلّة عشتروت

                                               بيروت ، 1947

داهش الجبّار

 

بقلم الفيرا لطوف

 

رجل فرد شغل أمم الأرض ، وحارب بعضها ، وكان المنتصر …

وبالرغم من الآلام التي لاقاها في حياته القصيرة ،

وبالرغم من الاضطهاد الذي احتمله بصبر عجيب ،

وبالرغم من الرسالة الهامّة التي حملها على منكبيه ،

فلقد ظلّ قويّاً ، قديراً ، جبّاراً ،

وهذا هو سرّ الرجولة ، ومعنى العظمة والعبقريّة والبطولة .

وهؤلاء الأدباء والشعراء ،

وهؤلاء المحامون والأطبّاء المقتفون خطواته بعزم وإقدام ،

هم القوّة التي لا تقهر ،

وهم الذخيرة التي تركها الدكتور داهش على هذه الأرض الفانية ؛

وهذه الكتب القيمة التي خلّفها داهش ،

ستحمل تعاليمه من جيل إلى جيل ، ومن دهر إلى دهر .

وهذا اللألاء من النور ، القاضي على الديجور …

ذلك التراث الروحي الخالد الذي تركه داهش للعالم

سيطوف الأرض هادياً الأمم والشعوب …

وهكذا فسيكون داهش أقوى من الموت ،

لأنّ الموت عدوّ الخلود وداهش خالد إلى الأبد .

نعم ، إنّ داهشاً خالد بتعاليمه ،

وهو خالد بإخوانه المؤمنين به ،

وهو خالد بقلمه النابض بالفلسفة والحكمة والحياة ،

وخالد أخيراً برسالته الداهشيّة التي يسير على نورها أتباعه

المؤمنون به والمترسّمون لخطواته …

هذا هو داهش الجبّار الذي أعزي فيه الأدب والشمم والنبوغ ،

وأطلب لإخوانه الأحرار الصبر والسلوان .

                                                    السيدة الفيرا لطوف

                                                 صاحبة جريدة المستقبل

ماذا عرفت وماذا سمعت عن الدكتور داهش

 

كلّ عظيم في الدنيا يقسم فيه إلى قسمين :

فمنهم من يرفعونه إلى أعلى عليّين .

ومنهم من يخفضونه إلى أسفل سافلين .

ولو لم يكن داهش عظيماً وعبقريّاً لما أحدث هذه الضجّة الهائلة في حياته ، وبعد مماته .

فهناك أناس قدّسوه .

وأناس قاوموه واضطهدوه ، لغايات وغايات .

أمّا رأيي في داهش وتعاليم داهش فقد صرحّت بها مراراً بوضوح وجلاء بلساني قبل قلمي وبياني .

فإنّ جميع الأشخاص الذين التفّوا حوله منذ سنوات قد أحرزوا النصيب الأوفر من العلم الغزير والثقافة العالية .

وهم لو لم يروا فيه أعمالاً خارقة وظاهرات فائقة لما اقتنعوا برسالته الإصلاحيّة الجديدة ، ولا استسهل البعض منهم كلّ المصاعب والمصائب ، ولا استقبلوا السجون والعذابات بصدور رحبة وثغور باسمة .

لقد قامت قيامة البعض في لبنان على الدكتور داهش لأسباب سياسيّة وعائليّة ودينيّة . فذلّل الداهشيّون جميع العقبات وساروا هازئين بالعراقيل التي وضعت في طريقهم ، واستقبلوها بكلّ رصانة وتجلّد وصبر، وهم ثابتون على حالة واحدة لا تتغيّر ، وكلّ منهم يقول مع أبي الطيّب المتنبي :

وحالات الزمان عليك شتّى           وحالك واحد في كلّ حال

وها هم الآن يحيون ذكرى مؤسّس رسالتهم الدكتور داهش ، رجل النبوغ والعبقريّة والثورة الفكريّة الكاسحة التي أعلنها بجبروت عاصف فجرف أمامه جميع العقبات الكأداء بعدما كان الجميع يعتقدون أنّ تذليلها من المستحيلات . وإذ بداهش العظيم يحطّم بقوّة إرادته الجبّارة هذه المستحيلات بعد أن نفث في أرواح الداهشيّين جذوة من روحه الثائرة المتمرّدة على التقاليد القديمة البالية .

وهكذا خلّد اسمه على مرّ الأجيال وكرّ الآجال .

وهكذا باءت محاولات أعدائه بالفشل الذريع وأصيبوا بانكسار شنيع .

فيا لها من آمال فاشلة … آمالهم تلك … ويا لجهودهم التي أصابها العار المعيب بعدما صدموا بجبروت فرد أعزل إلاّ من سلاح الإيمان، واحترامه لكافّة الأديان .

ولكنّ هذا الفرد أثبت للملأ بأسره أنّ قوّة الروح هي المنتصرة دوماً وأبداً . وفي النهاية تبطش بالمادّة بطشاً فتفكّك ذرّاتها وتبعثرها في جهات الرياح الأربع .

نعم ، إنّ داهشاً قد انتصر . وكان انتصاره حازماً جازماً . وكان انتصاره رائعاً وحاسماً .

فبانتصار آرائه ، وانكسار أعدائه ، رسخت دعائم مبادئه الدينيّة في صدور أتباعه الأمناء الأبطال من نساء ورجال .

وهكذا أرغم الدكتور داهش التاريخ أن يردّد اسمه إكباراً وإعجاباً . وبهذا تساوى مع كبار المصلحين الخالدين .

   المحامي حسني أبو ظهر                                                             

بيروت ، 4 كانون الثاني 1948

الشرق منبت العباقرة

 

كان الشرق ولم يزل منبت العباقرة من الرجال الذين خصّهم الله بمواهب تشعّ منها أنوار الحكمة والمعرفة على الكون فتضيء للناس طرق تفكيرهم ، وتمحو الأوهام من عقولهم كما يمحو لسان الصبح سواد الظلام .

ولا بدع ، فالشرق مشرق بالحكماء وأساطين العلم الذين تركوا للخلف تراثاً لا ينضب معينه ، وثروة علميّة لا تنفد مع الأيام وكرّ الأعوام .

إنّ كثيراً من أولئك العلماء الأعلام ذوي العقائد الصحيحة الراسخة في نفوسهم رسوخ الجبال ، كانوا للامتهان من ذوي السلطان ، ليس لأنهم كانوا على باطل ، أو ذوي تفكير عاطل ، بل لأنّ ما رأوه في بصائرهم قد خفي عن الناس في عصرهم كالإمام الأعظم أبي حنيفة النعمانيّ الذي ضرب وحبس وتوفّي في السجن لأنه لم يقبل ولاية القضاء في عهد والي العراق إبن هبيرة ؛ وكالعالم غاليلي الذي قام عليه النكير لمجرّد قوله بدوران الأرض . ولكن ما لبث العلم أن أثبت صحّة قوله .

وهكذا نستطيع أن نقول إنّ الآراء العلميّة كأمواج البحر الثائرة لا تلبث أن تقف على صخرة الدهر وتثبت كالمنارة في مكانها لا تضيرها الزوابع ، ولا تفتّ في عضدها الرياح الشديدة ، ترسل أشعة نور الحقيقة إلى كلّ مكان فتنير المسالك ، وترشد السفن الماخرة في البحر في الليل الحالك ، فتصونها من المهالك .

هذه الكلمة الوجيزة إنما أردنا بها مقدّمة لكلمتنا ، في تأبين الفقيد الدكتور داهش . فقد كان ينعم بمواهب في تفكيره السليم ، وفي بعد نظره ، ما جعله عرضة للنفي والإبعاد ، بعد العذاب والاضطهاد …

قام رحمه الله بالدعوة إلى الإيمان بالدين الحنيف وسائر الأديان السماويّة لأنه كان يعتقد أن إيمان الأنبياء واحد ، ولكن شرائعهم مختلفة ، وأنّ الله لجميع مخلوقاته .

وإذا كنا من المعجبين بالدكتور داهش ، فلأننا قرأنا شيئاً من نشراته وكلماته التي وزّعها بين الناس ، فكانت آية في البلاغة وصحّة التفكير بحيث ضرب بها بسهم وافر في نشر الحكمة الأزليّة ليزيل عن النفوس الأمّارة بالسوء تلك الروح الماديّة التي تفشّت أدرانها ، وقلّ إيمانها . وكانت علّة هذا الشقاء والسقوط في تلك الهاوية التعساء ممّا لا نرى معه بدّاً من التنويه بالخسارة التي ألمّت بالشرق بفقده .

رحمه الله ، والسلام عليكم .

  راشد البيلاني                                                               

  المحامي في الاستئناف 

بيروت ، 7 كانون الثاني 1948                                                        

كلمة أديبة مسلمة

 

للحفلة التذكاريّة : جهاد المرأة

 

ما تصفّحت كتاباً أو تاريخاً عن المرأة في عصر من العصور إلاّ قرأت لها صفحات مجيدة في الجهاد الوطني ، والديني ، والعلميّ .

فمن عهد موسى ، إلى المسيح ، إلى محمّد ، عليهم السلام ، إلى سائر الأنبياء والمرسلين الذين حملوا مصابيح الهداية والنور إلى العالم …

رأينا أسماء النساء تتألّق تألّق النجوم في السماء ، فيكتب لهنّ المجد والغلبة والنصر ، ويسجّل جهادهنّ في جبين الدهر بمداد الاعتزاز والفخر .

ومن راجع الحركة النسائية في شرقنا العربيّ منذ خمسين سنة إلى اليوم استعرض أمامه بعين الفكر سلسلة متصلة الحلقات من السيّدات الفاضلات النابغات اللواتي تزعّمن الحركات الوطنيّة والسياسيّة والأدبيّة . فكان لهنّ فضل السبق في ميادين الكفاح والإصلاح ، وخطون خطوات سريعة بالبلاد للوصول إلى عهد الاستقلال الذي بدأنا نتمتع به بعد جهاد متواصل وتضحيات بالأموال والأرواح .

وهناك حركات روحيّة جديدة عندنا تُبشّر بانطلاق الفكر إلى آفاق علويّة تتجاوز نطاق الطائفية والقوميّة إلى الدائرة الإنسانيّة .

وقد رأينا بعض النساء يشاركن الرجال في مثل هذه الرسالات ، حتى إذا بلغن الهدف الذي يرمين إليه ، وتغلّبت فيهنّ الرغبات الروحانيّة على الشهوات الماديّة كان لهنّ فضل عالميّ خالد ، يعزّز جميل المقاصد ، ويوحّد بين القلوب والعقائد ، ولا يخفى ما في ذلك من سعادة وهناء للرجال والمرأة على السواء .

ولقد تتبّعت أخيراً مراحل الجهاد التي طوتها الرسالة الداهشيّة في لبنان ، فكان أهمّ ما لفت نظري في الأشهر الأخيرة ذلك التعاون الوطيد في كافة الحقول بين الإخوة والأخوات الداهشيّين .

وقد علمت من مصادر عديدة أنّه عندما حلّ الظلم والاضطهاد بالدكتور داهش كان أوّل صوت ارتفع للدفاع صوت فتاة رفيعة الأخلاق ضحّت بنفسها في سبيل هذه الدعوة الجديدة ( والجود بالنفس أقصى غاية الجود!)

ثمّ تلاها صوت والدتها السيّدة ماري حدّاد الفنّانة الماهرة ، والأديبة الكبيرة . فانبرت كاللبوة تدافع بشدّة ونبالة عن الحقّ الهضيم على رغم الاضطهادات والسجون التي منيت بها هي وبعض أفراد عائلتها ورفاقها ورفيقاتها في الجهاد الديني والكفاح الإصلاحي .

وهذه بادرة جديدة في شرقنا الحاضر نتفاءل منها خيراً عظيماً إذ بواسطتها يتبيّن لنا أن (الداهشيّة) قد ساوت بالفعل بين المرأة والرجل في ميادين الحقوق والواجبات كما ساوت بين احترامها لجميع الديانات ، وتقديرها لكلّ ما هو شريف ونبيل في هذه الحياة .

ولذلك فإنّني أعتقد أنّ ما حلّ بالدكتور داهش من اضطهاد وتشريد وموت كان حياة لرسالته الإصلاحيّة التجديديّة إذ بهذه الواسطة تجلّت لنا روحانيّة شخصيّات كنا نجهل مثلها العليا ، وتعرّفنا بقيم أدبيّة ، روحيّة نحن بأشدّ الحاجة إليها في وعينا القومي الجديد .

أمّا وفاة مؤسّس الداهشيّة بمثل هذه السرعة الخاطفة ، فقد حيّر الأفكار وروّعها لأنها خسارة ، ليس على لبنان فحسب ، بل على الشرق أجمع .

هذا الشرق المسكين الذي تتلاعب به أيدي المطامع الأشعبيّة ، والمنافع الغربيّة منذ أجيال وأجيال .

فهذا الشرق العزيز علينا ، هذا الشرق الذي تتقاذفه بعنف رياح التعصّبات والحزبيّات بلا هوادة ولا لين دون أن يقيّض له الله قائداً عبقريّاً .

أو ربّاناً ماهراً ، يقود سفينته إلى شاطئ الأمان والاطمئنان ،ويوحّد صفوفه وكلمته ، ويقطع من أرضه دابر الأيدي الاستغلاليّة ، من شرقيّة وغربيّة …

وربما كان الدكتور داهش خير رجل روحانيّ مُنح قوّة خفيّة إصلاحيّة للقيام بهذه المهمّة العظمى نظراً لما انطوى عليه من عبقريّة عجيبة ، وعقيدة صلبة وأخلاق رفيعة ، وتعاليم سامية ، وأهداف إنسانيّة نبيلة …

فرحمات الله عليه ،

والاحترام والتقدير لمن يسيرون في موكب رسالته نساءً ورجالاً .

إنّهم يجاهدون لمنفعة هذا الوطن الحائر وهذه الإنسانيّة المعذّبة .

                                                         نازك                                                               

  8 كانون الثاني 1948

 

مائت الجسم وحيّ العقيدة

 

كانت “النضال” أوّل جريدة لبنانيّة حملت إلى دنيا العرب رسالة جديدة ، يعتنقها صاحب عقيدة ويؤمن بها ، فأفسحت له المجال ليعبّر عن آرائه وليبسط وجهة نظره . فإذا بالدكتور داهش يصبح اسمه على كلّ شفة ولسان .

وإذا بالأنصار والأعوان والأخوان ينطلقون من كلّ مكان .

وإذا بالداهشيّة ترسل أشعّة في هذا الكون فتصبح شيئاً ملموساً وأثراً مرموقاً محسوساً .وكان لا بدّ من اضطهاد وآلام نفسيّة وجسمانيّة في سبيل تحقيق الهدف .

فما استذاق الإنسان الحلو إلاّ بعد كأس من العلقم .

وكان كلّما ازداد اضطهاداً ازداد الأمل بالنجاح .

إنّ داهش سقط صريع فكرة .

ولكن فكرته ما برحت تضيء .

وستظلّ تضيء على كرّ الساعات ومرّ الأيام .

فإلى أنصار داهش إعجابي ،

وتقديري لإرادتهم الفولاذيّة العجيبة ،

وعزيمتهم الصلدة الصلبة الغريبة .                                                              

  مصطفى مقدّم                                                          

 صاحب جريدة النضال                                                        

بيروت ، 9 كانون الثاني 1948

جزية العقيدة

 

التمرّد على الباطل باطل – إذا بقي كامناً في النفس ،

وظلّ في نطاق الهمس .

والثورة على الظلم ظلم – إذا لم تتعدّ حدود السرائر ،

ولم تتجاوز تخوم الضمائر .

والنقمة على الشرّ شرّ – إذا لبثت النقمة نأمة ،

واستمرّت في خفوتها وصمة .

فالتمرّد ليس تمرّداً – إذا لم يكن زئيراً مرعداً وهديراً مزبداً .

والثورة ليست ثورة – إذا لم تكن من الجرأة فورة ، ومن الغضب سورة .

والنقمة ليست بنقمة – إذا لم تكن تحفّز همّة ، وانتفاضة قمّة …

لقد كانت العقائد – منذ كانت – محكّاً يختبر البطولة ،

ويمتحن الرجولة !

فمن حمل العقيدة في صدره ، ولم يحملها بلسانه ويده

كان أبكم مشلولاً ، يحسّ ولا ينطق ، يريد ولا يعمل !…

ومن وهب الإيمان قلبه ، ولم يهبه قلمه وسيفه ،

كان جباناً عاجزاً يختنق النور في نفسه ،

فلا يجرؤ على أن يفتح له نافذة يطلّ منها على الحياة .

إنّ العقيدة لا تعيش إلاّ في محراب الجهاد .

والإيمان لا يحيا إلاّ في هيكل النضال .

فالقلب أوهى من أن يحمل وحياً وجد لتحمله الدنيا .

والصدر أضيق من أن يسع فكراً خلق ليملأ التاريخ .

فلو لم يقف عيسى في وجه الفرّيسيّين جريئاً مستميتاً …

لما كانت النصرانيّة .

ولو لم يثبت محمّد على العذاب ويهاجر جريئاً مستميتاً …

لما كان الإسلام .

ولو لم يمت الحسين شهيد العطش … جريئاً مستميتاً …

لامّحت أعظم معاني التضحية والاستشهاد من نفوس العرب .

وهكذا دواليك …

وهكذا يبني ذوو العقائد العقائد في الصدور ، عبر العصور .

فيا شهيد العقيدة ! يا مؤسّس الداهشيّة ،

إنّ في موتك لحياة لفكرك ،

وفي فكرك لنوراً لقبرك ،

وفي قبرك لبدايةً لعمرك …

لقد دفعت ثمن عقيدتك حياتك ،

فعشت فيها ومتّ في ضمير الظالم …

وها أنت اليوم “حيّ ميت”!

حيّ في ضمائر الأحياء ،

وميت في ضمائر الأموات ….

 رياض طه                                                  

 صاحب جريدة (أخبار العالم) ونقيب الصحافة حاليّاً                                                

بيروت ، 10 كانون الثاني 1948

رسالة أمين دار الكتب اللبنانيّة

 

حضرة الفاضلين السيّد جورج حدّاد وقرينته المحترمين

نعى الناعي إليّ وفاة الدكتور داهش ، فأكبرت المصاب فيه ينزل بكم ، وهو بعد في شرخ الشباب وفي بدء رسالة أدبيّة ثقافيّة دينيّة اضطلع بها ، فلم يمهله القدر الغاشم ريثما يتمّها على الوجه الأكمل بل قضى عليه وطوّح بأحلامه الذهبيّة التي جاهد في سبيل تحقيقها بما عُرف عنه من صلابة العقيدة ، واستقلال في الرأي ، وهزءٍ بالمصاعب والأخطار التي تعرّض لها . فكانت حياته من هذه الناحية درساً بليغاً وعبرةً رائعة ودعوة داويةًًً إلى الإخلاص والتجرّد .

فالله نسأل أن يلهمكم من بعده السلوان والعزاء وأن يسكب عليكم بلسم تعزيته ، وأن لا يرينا فيكم مكروهاً ، وأدام الله بقاءكم .

 مشاطركم الأسف والأسى

 يوسف داغر

 أمين دار الكتب الوطنيّة في الجمهوريّة اللبنانيّة                                                

 بيروت ، تحريراً في 23 -1- 1948

 

ذكرى انتحار ماجدة الشّهيدة الأولى

 

ذكرى انتحار ماجدة الشّهيدة الأولى

الذكرى الثالثة

1945- 1948

يوم الثلاثاء 27 كانون الثاني 1948

كانت اليوم الذكرى الثالثة لوفاة المأسوف على صباها المرحومة ماجدة كريمة الوجيه السيّد جورج إبراهيم حدّاد .

وقد أصبح هذا النهار ذكراً دائماً في رسالتهم الداهشيّة يخلّدون فيه تذكار شهيدتهم الأولى .

واجتمع عدد من الأخوة والأخوات الداهشيّين في منزل الرسالة ، وتقرّر ذهاب عدد مخصوص إلى الضريح في جونيه ، حيث اجتمع هناك الأشخاص الآتية أسماؤهم :

حليم دمّوس ، الدكتور جورج خبصا ، جورج حدّاد ، جوزف حجّار ، الدكتور فريد أبو سليمان . ومن السيّدات : ماري حدّاد ، وكريمتها زينا ، وأوديت زوجة الدكتور خبصا التي حضرت من منزلها في جونيه مع كريمتها الصغيرة هادية . وكان عدد كبير من الأهالي مجتمعين حول المدفن وعلى الطرقات وعلى الشرفات والسطوح .

وبعد إقامة المراسيم الدينيّة الداهشيّة نثروا الورود وأكاليل الزهر والزنبق على القبر ، وأخذوا عدّة صور لذكرى هذا الاحتفال السنوي . وألقى الأستاذ حليم دمّوس قطعاً نثريّة من المراثي التي كان الدكتور داهش قد كتبها عندما بلغه نبأ مصرعها المؤثّر ، وختم الحفلة بأبيات ناجى بها الشهيدة (ماجدة) ومؤسّس الداهشيّة ، وهذه هي :

هنيئاً لمجدا إذ رأتك حيالها              

وقد لبست ثوباً من النور غاليا

شهيدة إخلاص شهيدة دعوة             

مقدّسة تُدني الذي كان قاصياً

فدتك احتجاجاً يوم أقصوك عُنوةً        

فيا لك مفديّاً ويا لك فاديا !…

تطوف عذارى الطهر في الخلد حولها   

يرجّعن في دار النعيم الأغانيا

وأنت تناجيهنّ جذلان راضياً           

وتسقي وتُسقى كوثر الحبّ صافيا

  • *   *

أداهش يا ابن الروح إنّك خالد           

وإن كنت يا ابن الأرض بالجسم ثاوياً

لقد أورق الروض الذي قد غرسته       

لأرواحنا الظمأى فكن أنت هانيا

خيالك في عيني ووحيك في فمي         

وصوتك في الأسماع ما زال داوياً

ودعوتك الغرّاء تهدي سبيلنا             

وتُنعش مشتاقاً إلى الحقّ صادياً

على صخرة الإيمان شِدنا بناءها         

فكن لازدهار الداهشيّة داعياً

ومهما دهتنا في الحياة نوائب            

ستبقى لنا – ما دامت الأرض – هادياً !

وهكذا خُتمت الحفلة ، وعادوا بالسيّارات إلى منزل الرسالة في بيروت وهم يترحّمون على زنبقة الرسالة النقيّة .

جريدة (الدنيا) البيروتيّة                                                          

27 كانون الثاني 1948

سقوط النّسور

 

مُترجمة عن اللغة الأسبانيّة

 

نسرٌ بشريّ في لبنان ،

قيل عنه إنّه شارد متمرّد …

أصابه فجأةً سهم الردى ،

فهوى هابطاً من أوج عليائه ، مضرّجاً بدمائه .

لذلك ترى السماء في اكفهرار عظيم ، وحزن عميق عميم .

والشمس قد احتجبت أشعتها في أعماق الفضاء .

وهذه الغابات والأشجار ، والأزاهير والأطيار ،

ساكنة صامتة خافتة …

كأنّها قد غرقت في أعماق أودية سوداء حزينة …

كلّ شيء يبكي …

كأنّ أحد العظماء الصالحين قد مات

ورقد على فراش الطبيعة الخرساء .

هذا لا شكّ فيه … هذا لا ريب في حقيقته .

فإنّ روح شابّ طارت عن البشر وانبثقت كنور الفجر .

نعم ، لقد مات منّا عظيم ، وهو في أرض نائية غريبة .

وكان غريباً في هذا العالم … هذا العالم الظالم الذي لم يعرفه …

وترى المشيّعين الكثيرين من محبّيه يسيرون وراء نعشه

في موكب رهيب يحفّه جلال الموت .

وهم ينقلون إلى المقرّ الأخير رجلاً وُضع جثمانه في سيّارة عبقريّة فنيّة هي مركبة روحيّة نورانيّة صُنعت من كواكب السماء تحرسها فصيلة ملائكيّة ، وترافقها أجواق علويّة غير منظورة تتابع السير بهدوء وسكينة ، وقد تخيّلتها وهي في الطريق المؤدّية إلى ظلمة القبر تقودها بحزن عميق وتحفرها ربّات الحقّ والعدل وملكات الإحسان والمساواة .

كما أنّ أشباح البغض والحقد واللؤم الكريه والحسد الأعمى والافتراء المستنكر كانت هناك ممثّلة بصور حيوانيّة ووجوه ضاحكة هازئة ساخرة وهي تسير متوارية وراء نعش الراحل النقيّ بضميره ووجدانه ، الناصع البياض بطهره وإيمانه ، كأنّه البدر الصافي الضياء ، المتنقل في أجواء العلاء .

ولكن … ماذا تُرى يحوي هذا التابوت الثمين ؟…

جثمان المثل الأعلى !

وها هي يد مجهولة وغير منظورة قد فتحت له مقرّاً نهائيّاً في قبر حُفر في قلب الإنسانيّة المتألّمة …

ولكن … هل بالإمكان أن يعود ثانيةً إلى هذا العالم مهذّب عظيم كهذا المعلّم ؟

لا بدّ من ذلك ، وسيحيا ويعود ليحصد ثمرات أعماله النبيلة في حقل المبادئ الشريفة بين الكثيرين من الذين فهموا تعاليمه ، مقدّرين حسناتها باحترام فائق ، ومردّدينها بإعجاب كبير ، لأنّ هذه الأفكار الخالدة لم تمت معه وستظلّ حيّة في أحضان الأجيال كقبس نورانيّ مرصّع بالجواهر الثمينة ، وبالثريّات اللامعة المتلألئة لتهدي نورها إلى الأحياء بدون انقطاع ، وتُعطيهم موجات من شعاعه الإصلاحيّ رمز هدفه الأعلى …

مات داهش في منفاه دون أن يفهمه جهلةُ القوم ، وحكمته النادرة أنكرها فقراء العقل والإحساس . وهو بمروره في روضة الحياة نال حظّ من سبقه من الرسل المفكّرين ، والمصلحين الممتازين ، والأنبياء الخالدين .

ثمّ إنّ موت هذا الرجل الكبير بعيداً عن أوطانه وإخوانه ، وعن أعين تلاميذه المعجبين بشخصيّته الصالحة . الثابتين في إيمانهم الذي لا يتزعزع قد أثبت لنا دوام نفوذ الحكّام الظالمين والأحكام الجائرة الغير المشروعة الكامنة على الأرض لافتراس الفضيلة منذ عهد هيرودس إلى عهدنا اليوم ؛ تلك الأحكام المسيطرة باحتلالها القهريّ على مرور الأيّام ، وتنقّل الآجال ، وتعاقب الأجيال .

ومن هنا يتّضح بجلاء ما بعده جلاء أنّ كلّ روح جبّارة كبيرة بأخلاقها المجيدة لها في هذه الحياة صليب وجُلجُلة ، لأنّ مأساة الجلجلة المولودة من الجهالة ، والمنبثقة من شراسة الحيوان البشريّ الضاري ، ومن نكران الجميل تُعيد تمثيل أدوارها المحزنة بأولئك المصلحين الذين نشروا وينشرون أنوار الحكمة بأناشيد جميلة ترنّ في أذن الكون إتماماً للرسالات الخالدة والمبادئ السامية ، أمثال الذين كُتب عليهم أن يأتوا إلى العالم ويذهبوا منه بعد أداء واجبهم المقدّس وهم سائرون على طريق الشوك والآلام .

والنبوغ سيمثّل جميع أنحاء الدنيا أدوار العبقريّين الملهمين المتحمّلين بثبات وصبر كل تضحية وعذاب لانتصار مبادئهم السامية ، وتحقيق آمالهم النبيلة وأحلامهم الذهبيّة .

فنم آمناً أيّها الرجل الغريب العجيب ،

فإنّ روحك السامية ، روحك الجبّارة ، فهمت قبل رحيلها عن هذا العالم أنّه ما من كبير من الأحياء يسير ويجاهد في طريق الإصلاح للخير العام ، والكفاح في معامع الحياة الأرضيّة … إلاّ تحمّل خنجر الاضطهاد ، وسار غير هيّاب ولا وجل ، دائساً تحت قدميه شبح الحسد وقساوة الظلم ، وأشواك العذاب .

أي داهش … الحبيب الهادي !

لقد كنت نوراً وعطراً خطفهما الدهر الغدّار وهما في ربيع الوجود وبدء العمل .

لقد كنت مفكّراً ومجاهداً حتى النفس الأخير … ضحيّت بالراحة ، وكرهت المال وبذلته في سبيل الكمال البشريّ . ولكن ، كن أميناً بأنّ ذكراك ستبقى مُنيرة طريقنا أبداً ، وستظلّ مرتكزة على قمّة الدهر ، ومكبرة على متن الزمن ، محاطة بهالة رائعة من نور المجد الخالد .

المحامي فائز زوين                                                  

بيروت ، كانون الثاني 1948

رسالة الشّاعر الأرمنازي

 

سيدي الشاعر الكبير حسّان حليم بك دمّوس الأكرم

تحيّة العروبة والإسلام ، وبعد ،

ضنين أنا بالدقائق أن تمرّ ، وفيها ما يسرّ ،

ولقد أبدى لنا الدهر منكم عجباً .

ولعمري ، إنّ الرائد لا يكذب أهله .

ولقد أخذنا جميعاً بالذي أبديتم ،

وناهيك بحسّان الشعر ، وسحبان النثر .

ولقد جال الفكر منا جولة تبصرة ، ثمّ ارتدّ وهو يقول :

كلاّ إنّها تذكرة ، فمن شاء ذكره !

ولقد شئنا !… ونحن بعد لم نتمزّز إلاّ السؤر ،

ولم نرتد إلاّ ما حول الحمى !

ولو قد شربناها هنيّة مريّة لطافت بنا لطافتها ،

وطارت بنا في سماء من الحسّ الرهيف لا تدرك فيه المشاعر ،

ولا يستنزلها وحي ملهم ولا خيال شاعر .

هذا ، ولو اختلف الناس في الباطل ،

لقلنا إنّ في التوائه مجالاً للشبهة والظنّ .

وأمّا (الحقّ) الذي أنتم عليه فلا ريبة معه لمستريب ،

إلاّ أن يتبع امرؤ هواه ، ولن أكونه :

بين صامت الماضي ، وصاحب الحاضر ،

حيث تندفع الفكر ، فلا تبقي ولا تذر ،

أطلّ على الكون (روح).

نظر لما فات ، وأبصر ما هو آت ،

فانبرى يغسل عن رداء هذه النفوس المتهالكة

رجس المادّة وأوضار الرذيلة .

ذلكم هو المصلح الكبير داهش بك الذي سمت به روحه فوق مشارف القدسيّة الحقّة ، فاغترف من حوض الحكمة والإنسانيّة ما ملأ به النفس ، فاتّقدت روحانيتها في رحاب الحقيقة ، واندفعت به بين سحب المعرفة مرجحنّة ، يمطر من سماوات العقل والوحي والإلهام ماء الحياة الإنسانيّة ، فإذا الأرض لجّة من جلال فجّرتها روحه الطاهرة .

وإذا بالنور في نظام هذا الملكوت شعاع من نفسه الخالدة الحيّة .

وإنّه لمن المؤلم حقّاً أن تقف المادّة دون المرء وما يتمنّى .

إنّه لعسير على الروح أن يقيّدها المجتمع بهذه القيود التي فرضها ،

ولم تؤدّ غرضها ، وإنّما كانت عليه وبالاً وعالةً !

ولكن ، أليست هذه سبيل المصلحين ، وسُنّة العالمين ؟

بلى ! ولكن أكثرهم لا يعقلون …

هذا ما أملاه عليّ ذلكم الروح الطاهر

عندما قرأت (صوت من وراء الغيب يتكلّم):

وقد حال الجريض دون القريض !… ونزل بي من الدهر ما نزل .

حال أقضّت المضجع ، ولو أنّها تُدفع .

ثم إذن الله ، البارحة ، باليسر ، فقلت :

وذلكم الجليل الوقور وما وعدت !

فعجّلت بكتابي هذا معتذراً ، شاكراً .

وبمعونة الله ستكون القصيدة لديكم غداً أو بعد غد .

وهذا رسمي بين يديكم أضعه ، فهل لي برسمكم أرفعه ؟

سلامي لمن بدياركم ، ولمن به تثقون .

وتفضلوا بقبول أسمى احترام المخلص .

 حسن فطين الأرمنازي                                                         

 حلب ، كانون الثاني 1948

بعد أربع سنين

 

ذكرى معجزات

 

لقد سمعت عن داهش ما كان يشيع من أخباره بعد الحين والحين ، وما كان يتناقله الناس من أمره ، ردّاً معه وردّاً عليه .

ونشأت في نفسي رغبةً في الإطّلاع على شيء من أحواله . لكن لعلّي ما كنت لأتعرّف إليه لولا صديقي الشاعر حليم دمّوس . فقد كان الحليم رفيقي في زيارتي لداهش ، كما كان رفيق داهش في زيارته لي بعد ذلك .

رأيت على جدار في دار داهش في إطار زعموا أنّها انتقلت من أميركة وأخذت مكانها في الجدار بعد أن طارت قيمة ثمنها بالطريقة الداهشيّة من يد داهش إلى صاحب الصورة في أميركة .

وهناك حوادث على جانب من الغرابة رواها لي السيّد حليم ، وذكر أنّ منها ما جرى على مرأى من الشيخ عبد الله العلايلي والشيخ أحمد العجوز . وأذكر أنّي سألت الشيخين عنها فلم ينفياها .

وقد أعلن لي السيّد حليم أنّ داهشاً كان يؤمن بتناسخ الأرواح ويعتقده على نحو ما يعتقد الدروز . وتوكيداً لذلك تلا علينا الرسالة التي بعث بها داهش إلى روح جبران خليل جبران ، ثمّ تلا أيضاً جواب الرسالة من جبران إلى داهش . وقد لحظت أن أسلوبها يشبه الأسلوب الجبرانيّ . وما هو جدير بالذكر قوله حينذاك : إنّ روح جبران كانت إلى ذلك الحين سابحة في الأثير لم تجر عليها سُنّة التناسخ ، ولم توفّق إلى قميص تتقمّصه مع العلم أن زمناً كان قد مرّ على موت جبران .

وما يزال في بالي أنّ داهشاً في أثناء زيارته لي كان هادئاً رزيناً قليل الكلام . فإذا أعوزه القول أومأ إلى السيّد حليم فكفاه الحليم مؤونة ذلك .

ولكنه في أثناء زيارتي له في داره كان كثير الالتفات ، كثير التنقّل ، بينا تراه قد جلس إذا به قد انتقل إلى غرفة من الغرف ثمّ لا يلبث أن يعود …

غير أنّه كان على الدوام برّاق العينين ، حادّ النظرات وأنيقاً ، حسن المظهر .

أكتب هذه الكلمة بعد مرور أربع سنين على اجتماعي بداهش . ولم يقدّر لي أن أعاشره فتطلعني معاشرته على أكثر ممّا اطّلعت من أحواله .

وإذا كان داهش قد قضى بعيداً عن أصدقائه ، فإنّي ألحظ أنّ له بين هؤلاء الأصدقاء صحابة يحفظون عهده ويفون له بعد الموت .

 عارف أبو شقرا

من أساتذة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة

بيروت ، كانون الثاني 1948

 

الرجل الفذ الذي أدهش العالم

 

على كلّ إنسان تشرق عليه الشمس أن يخضع للمسائل الروحيّة ويخشع للقدرة الإلهيّة .

ولا ريب أنّ المحافظة على الشعائر الدينيّة والأوامر السماويّة واجب على كلّ فرد في هذا الوجود ، لأنّ تلك الشعائر السامية هي التي ترفع الإنسانيّة إلى عالم الروحانيّة .

إنّ الدكتور داهش الذي امتدّت إليه يد المنيّة فقصفت غصنه الرخص بين البلاد العراقيّة والإيرانيّة كما ذكرت الصحف ، هو الرجل الفذّ الذي أدهش العالم في ما أتاه من خوارق ومعجزات بشهادة كثيرين من أهل العلم والأدب والثقافة ، وفريق من رجال الحكومة والصحافة والحصافة .

إنّ الأعمال المدهشة التي قام بها الدكتور داهش بين أتباعه ومريديه خلّدت اسمه إلى الأبد ، ورفعته إلى رتبة أشهر مشاهير العالم .

وهكذا عظماء العالم لا يعرف الناس قدرهم إلاّ بعد أن يواروهم في ظلمات الغبراء ، فتلمع أسماؤهم لمعان النجوم الزهراء في صدور الظلماء .

فحريّ بنا – والحالة هذه – أن نقيم لهذا النابغة العظيم هذا التأبين اللائق لما أظهره في حياته الروحيّة من العجائب التي دلّت على مهارته الفائقة ، وقوّته الخارقة ، في عالم الروحانيّات .

فعلى روحه العظيمة أطيب التحيّات وأوسع الرحمات .

 سليم الياهو المنّ                                                            

صاحب جريدة السلام                                                           

  بيروت ، شباط 1948

 

روح من الربّ المهيمن روحه

 

من ذا الذي جئنا لكي نرثيه                 

أهو (الحبيب) لصحبه وذويه

أهو الذي بذكائه ونبوغه                    

قد أدهش الدنيا بما أوتيه

في كلّ يوم معجزات جمّة                  

ما جاءها موسى بأرض التيه

أعماله كالشمس تبدو للملأ                  

فهو العظيم بكلّ ما يبديه

وهو الذي بخلاله وفعاله                   

فاق الألى سبقوه في ماضيه

لو قدّرت أعماله في قومه                  

حسبوه أعظم سيّد ونبيه

تبّاً لدهر لا تطيب كؤوسه                  

إلاّ لكلّ مخادع وسفيه

أمّا فواجعه الجسام فإنّها                    

تختصّ بالنكبات خير بنيه

                             ***

هذي هي الدنيا وهذا حظّه                 

منها ولا عجب لما تأتيه

قد عارك الأيام أعواماً وها                 

هي بانتقام قد أتت تُرديه

حسّاده اضطهدوه ظلماً وهو لم             

يؤذ امرءاً يا ويل مضطهديه

روح من الربّ المهيمن روحه            

والمنطق المعسول منطق فيه

آياته الغرّاء في أسفاره                    

حكم على طول المدى تحييه

غفر العليّ له وعزّز قومه                

كالوحي والإلهام منه وفيه

  جبرائيل غرزوزي

 بيروت ، سوق الطويلة ، شباط 1948

 

عاصفة من صدر الآلهة

 

نام الوجود على فراش الظلام .

وألقى الكون جسمه العليل بين أذرع المكر والرياء .

وراح الفكر الإنسانيّ يتقمّط بلفائف الجهل والغباوة ، متقنّعاً بنقاب الضعف والخمول ، مستسلماً لأيدي العبودية والانقياد الأعمى بعد أن استيقظ الروح منذ آلاف السنين ثم هجع . وأشعل سراج العقل ثمّ أخمد ، فتلاشى واضمحلّ ، فكان ظلام وكان موت . وكانت المحبّة إذ ذاك قد جفّت ، ودموع الشفقة والرحمة قد غارت ما وراء الجفون فالصدور ثمّ العدم …

وانقضى ليل لم يكن في التاريخ ، ولم تخطّه ريشة في سفر ، وأطلّ ذاك الصباح من تحت جنح ليل بعيد ، فتحطّم قمر الهجوع ، وهبّت عاصفة من صدر الآلهة وغمرت جسم الوجود ، وهصرت بهبوبها جذوع الأشجار النخرة المائتة ، والأنصاب المسوّسة تتراكض معها همسة الوحي والنبوءة باعثة في آذان الكون نغمة علويّة من كتاب رسالة جديدة .

فاصطفّت الشعوب والأمم تتساءل عن معنى (رسالة) أنزلتها الآلهة هدىً ونوراً ، وكلّ منهم يردّد كلمة (الهادي)!..

فاجتاحت رسالة الهادي سبل المشقّات والمتاعب حاملة للكون آيةً من كتاب الحقّ والخلاص ، معلنةً كنه الحقيقة المجرّدة عن كلّ تشويه ، والمطلقة من كلّ تقييد والتباس .

غير أن القطر العربيّ الكامن تحت سماء النبوءة والوحي والإلهام ، العارف بالله الأحد ، العالم بجوهر الروح الكلّي ، الفاهم أحلام الوجود ، وأسرار الأبديّة والخلود ، المدرك أعماق الذات والمحبّة والجمال ، الملامس بشفاهه أسرار الموت وأغراض الحياة ، أطعم روحه الجائعة للمعرفة من هذا الخبز العجيب فظلّت جائعة … وسقى قلبه الظامي من تلك الخمرة فبقي يشكو عطشاً ما بعده عطش ، فحطّم هيكلاً بنته أيدي العبوديّة والاستسلام ، ودخل هيكل الروح المطلق ، وسجد أمام مذبح الضمير ، وعبد فكره الثائر العاري ، بعد أن مزّق عنه ثوباً عتيقاً أبلته الدهور … ثوباً بالياً حاكته التقاليد بمكّوك الضعف والخمول .

فانقضت الأيّام تعقبها الأيام و(الهادي) يسير بخطى الجبابرة مستلاًّ من غمد الليالي سيف العدل والحقّ ، مبشّراً بالآخرة ، فلم يتعب ، ولم يهُن ، بل ظلّ مجاهداً في ميدان الحق ضدّ قوّات البطل طوال أيّام حياته قبل أن خرق الرصاص جسمه الطاهر ، ومزّقته أظافر الكواسر ، وأيدي الأبالسة والمجرمين … تلك الأيدي المغمورة بالإثم والكذب والرياء … كانت سبباً لأبعاده وتجريده ، ونفيه وتشريده عن أرض هو أحقّ بها من غيره ، وعن وطن أقرب إليه من سواه .

أجل ، بقي مجاهداً ثابتاً في عقيدته الشريفة ، وإيمانه النظيف الحيّ بالرغم من التّهم الفاسدة التي لم تمسّ روحه الطاهرة ، وبالرغم من قذائف اللعنات المنسابة إليه كالأفاعي من الأفواه المدنّسة بالأثم ، والألسنة الشرّيرة المغموسة بكؤوس الخلاعة وجراثيم العلل ، لأنّهم أحبّوا أن يشوّهوا وجه الحقيقة ويديروا ظهورهم لعالم المعرفة والخلاص .

فالتفّ حول (الهادي) جماعة عُرفت بنبالة الأخلاق ، وثبات العقيدة ، والإيمان الحيّ ، وأخذت تحمل في صدرها قلباً كبيراً فتشكر ، وروحاً جميلة ثائرة متمرّدة فتحمد .

فكوّنت حوله أنصاراً أبراراً فهموا جوهر رسالته على نور المعرفة الصافي ، وشعروا بروحه الرقيقة الخفيّة الظاهرة التي تحمل ثورة على الباطل ، ونقمة على الرذائل ، وغضباً على رجال الدين الكذبة ، وعلى كتبة الحقّ المتّشحين بظلّ الناصري يتاجرون باسمه نفاقاً وتدجيلاً !

فأحسّ أتباعه بمرور نسمات وحيه تتمايل في بقعة كل قلب ، فأنبتت نبتات طيّبات ، وغذّتها بدموع السهر ، وحليب العناية ، فكانت لهم الرقيب ، وكانت السائرة أمامهم في طريق الحقيقة ، وكانت إذ ذاك بشارة (الهادي) وعُرفت بالداهشيّة !…

وشعرت جماعة الباباوات ، وجمهرة الإكليروس ، المعروفين بالكتبة والفرّيسيّين من عابدي المال ، والتابعين لأهوائهم وميولهم – شعرت بانكشاف سرّ كانوا محافظين عليه والناس يسيرون كالقطيع إلى حيث لا يدرون ، وقد حنوا رقابهم تحت نير الذلّ والعبوديّة ، يلثمون الأيدي الأثيمة الملوّثة بجراثيم الظلم ، المرتدية ثياباً سوداء كظلمة العدم ، ورائحة النتانة تنبعث من أعماق نفسها فيظنّها الناس بخور القداسة والعبادة المتصاعد أمام صنم الحكمة والمعرفة ، غير أنّ أخيلتها تتمايل أمام أصنام الجهالة والظلمات فتسجد الشعوب منشدة مبتهلة تقرع صدورها الجوفاء … أمّا رؤوسها المفعمة بالأهواء والأوهام فمنحنية لا ترى غير أشباح أرواحها وظلال نفوسها المغمورة بوطء الأقدام .

فيا رسول المحبة والثورة والسلام .

يا بابا لاستنزال النبوءة والوحي والإلهام .

يا حلقة الاتصال بين عالمنا الأرضيّ والعالم العلويّ .

أيّها المدرك أعماق الذات والمحبّة والجمال .

أيّها الملامس بشفاهه أسرار الموت وغوامض الحياة .

يا من أطعم روحه الجائعة إلى المعرفة من هذا الخبز العجيب .

يا رسول النور والفكر والضمير والمعرفة الكاملة .

يا رسول الرفعة والاتّضاع ،

ومبشّراً بوجود الروح الكلّي في فضاء كلّ روح .

يا صاحب الثورة المضرمة نارها بيد الهدوء والسكينة والطمأنينة .

يا مثير العاصفة الهاصرة بهبوبها الأشجار المائتة ،

ومحطّمة الأنصاب النخرة الخاوية ،

والجارفة الأشلاء النتنة إلى أعماق الظلمة والهاوية .

يا حامل الآلام والأتراح ، والملذّات الروحيّة والأفراح .

أنت يا من أوجدت طريقاً جديدة في عالم المعرفة والحكمة ،

والإخلاص والمحبّة ، والحقيقة والخلاص .

أنت تحيا معنا وبيننا بالأمس واليوم وغداً وما بعده إلى ما شاء الله .

فلا تضع لزفرات النادبين لأنّك لم تمت ،

ولن تموت ، وكيف تموت ؟

نعم ، كيف تموت وأنت حيّ بيننا ، ولنا ، ومعنا ، ومنّا ، وفينا ؟

ولا تأبه لبحّة أصوات الهازئين الضاحكين …

لأنّهم لا يعلمون كيف يضحكون من ضعفهم .

وكيف يهزأون بنفوسهم المريضة ،

وأفكارهم السقيمة ، وأرواحهم المعتلّة ،

ولا يعرفون أنّك أنت (الموت والحياة)!

لقد علّمتهم كيف يعرفون ذاتهم ،

فأنكروا عليك معرفتك ، ورقصوا أمام جهلهم .

وحطّمت عن رقابهم الذليلة نير الظلم والعبوديّة والهوان ،

فهوت رؤوسهم تحت سنابك الجهل والخوف والخمول

والمطامع والأنانيّة والضعف والانقياد والاستسلام .

فاسمع نداء قلبنا الهاتف إليك بالسلام والنصر والغلبة .

وأصغ لصراخ نفوسنا النائحة على ضعف مبغضيك

لأنّهم يسألوننا لماذا نبكي ؟

ولا يدرون أننا نبكي عليهم ونرثي لحالهم !!

 جورج حنّا أبو سعدى

  جونيه ، شباط 1948

 

داهش والفنّ

 

إنّها كلمة بريئة عن المرحوم الدكتور داهش وعن إحساسه الفنّي وعلاقته بأرباب الفن .

فتقدير للراحل العزيز أودّ أن أذكر حقيقة ربما خفيت على الكثيرين ممّن عرفوه . لعمر الحق إنّ معرفتي في اهتمام الدكتور داهش بك بالفنّ وتذوّقه الكبير له يجعلانني أقول :

كثيراً ما تخصّ العناية بعض الناس بميزات عدّة ونواح جمّة .

وكان للدكتور داهش إطلاع في الأدب ، وتذوّق للفن ، يدعوان إلى الإعجاب والتقدير . فكان لا ينقطع عن زيارة الفنّانين ، والتردّد على مراسمهم الحين بعد الحين ، وخاصّة عندي .

فكان يجلس إلى اللوحات … يتأمّلها تأمّل المدرك الحصيف ، والمتذوّق المتعطّش للمعرفة وفهم الجمال والباحث عن المتعة الفنيّة النبيلة ، كأنما يرى فيها صدى أحلامه وأخيلته الرحبة الآفاق !…

وحقيقة أخرى أريد أن أنوّه بها في التحدّث عن الفقيد الكريم . فقد كان لا يقتصر على الزيارات ، ولا يكتفي بهذا القدر ، بل كثيراً ما كان يشتري بعض الكتب واللوحات ويضمّها إلى مكتبته القيّمة جاعلاً منها في داره شبه معرض فنّي صغير . يتأمّل لوحاته ، ويطالع كتبه ، فيعيش حيناً من الزمن في جوّ عابق بالفنّ والأدب والجمال . ثم يعرض تلك العصور على زائريه ، ويتحدّث عنها بلذّة فائقة . فهو في حبّه اللوحة الجميلة كحبّه للكتاب القيّم ، لا يفتأ يتردّد إليهما ، ويطالعهما بنهم روحي ّ.

ومردّ كل ذلك أنّه كان في نفسه أديباً يأنس بالفن ، ويرتاح إلى الطبيعة والجمال .

وكان أكثر ما يميل إلى ذلك النوع من الفنّ الذي تطوف بلوحاته سحابة من الغرابة والابتكار ، أو تحفّ بها هالة من الرهبة والجلال . كانت تربطه بالفنّانين رابطة وثيقة قوامها التحسّس بالجمال ، وتذوّق الفنّ العالي ، والتفكير السليم .

وقد أحيط بعصبة مختارة من أهل الأدب والفنّ ، ممّن تميّزوا بالعلم الناضج ، والثقافة الرفيعة ، والإحساس الرقيق .

وإذا كانت ثقافته الفنيّة بدائيّة ، فاستعداده وذكاؤه وما كان يتمتّع به من قوّة إرادة عجيبة ، ونشاط خاطف مفرط ، وحب بالغ للبحث ، وسعي وراء المعرفة … كلّ ذلك جعل له إمكانيّات فائقة ميّزته عن كثيرين ، وجعلت له مكانة مرموقة ، فترك دويّاً محسوساً في جميع الأوساط .

لذلك أرى من الواجب أن أقول :

إنّ المرحوم داهش بك في تذوّقه الفنّي ، وتقديره له – ضمن نطاق إمكانيّاته – كان جديراً بالإعجاب ، والإكبار ، والتقدير ، والذكرى الطيّبة .

 مصطفى فرّوخ                                                          

بيروت ، آذار 1948

يا خدين الخلود

 

هام عقلي في ما رآه وحارا                   

فانشدي النور وارفعي الأستارا

واملأي القلب حكمة فلعلّي                   

أن أناجي بهديها الأسرارا

أيّ سرّ قد جلّ حتى استبدّت                 

بعلاه يد الغيوب نهارا

ذاك سرّ حوته روح تسامت                 

فوق هذا الوجود نوراً ونارا

أنت كلّ وأنت بعض فماذا                  

بعد هذا أن لا تكون منارا ؟

حدّثينا يا ربّة الشعر عنه                   

نحن في داهش العظيم حيارى

  •   *   *

يا خدين الخلود في الله قل لي              

ما تلاقي وسلسل الأخبارا

إنّ صوتاً دوى بأذن الليالي                

شغل الموت والحياة فخارا

لن ينال الزمان منه خلوداً                 

أو تراه يستنصر الأشرارا

  •   *   *

أعبيد الأطماع والمال مهلاً                

هل ترون الأكفان للمرء عارا

رُبّ روح على اعتساف الليالي            

كانت الهدي والنهى تتبارى

رفعت عن ثيابها وضر الذلّ               

وهاجت تصارع الإعصارا

والإباء الجريح مجّ نجيعاً               

وسنان الزمان أدمى وجارا

لم تنل شأوها الحياة ولمّا                

راودتها لم تألها إنكارا

هكذا الحرّ نفسه تتسامى               

ثم تغشى الوجود أو تتوارى

وهي تبغي كالداهشيّة روحاً            

تُلهب الفكر تُرسل الأنوارا

كالمنارات في دجى الليل تخبو         

ثمّ تهدي مراكباً . وبحارا

  •   *   *

يا خدين العُلى ! رمتك الليالي             

والليالي تستنصر الفّجّارا

لم تمُت نفسك العظيمة لكن                 

مات منها ما لامس الأحجارا

أنت فوق الفناء والخلد عزما              

ومكاناً وفكرةً ووقارا

قم … فهذي شُمّ العقول استبيحت          

في حماها لتحفظ الآثارا

واغمر الظلم بالبشاشة واغفر             

إن أساؤوا وأجمل الأعذارا

ما على الحرّ إن أُسيء ملام               

إنّما اللوم إن أساؤوا الجوارا !

  •   *   *

يا نجيّ العُلى رعتك الليالي               

وأنارت بهديك الأفكارا

قُبلة الخلد في فم الطهر عيسى            

بك هامت فهاتها إسفارا

وضيا الحقّ في جنانك ألقى               

بالأماني وغادر الأسفارا

كنت لله … فاضطهدت ولمّا              

نلت سهم الخلود شئت الجوارا

صاح بالروح صائح الغيب : هيّا         

حسبك النور فاسدلي الأستارا

  حسن فطين الأرمنازي                                                                     

  حلب ، آذار 1948

 

كلمة جريدة "كلّ شيء"

 

ماذا في وصيّة داهش ؟

الأستاذ حليم دمّوس يجيب على عدّة أسئلة حول الداهشيّة .

تحت هذا العنوان نشرت جريدة كل شيء (عدد 47) لصاحبيها الأستاذين سعيد سرابيه ومحمد البعلبكي المقال الآتي :

“يلاحظ الناس أنّ أتباع الدكتور داهش لا يزالون يوالون نشاطهم بإيمان أشدّ وعناد أكثر ، بل لعلّهم يعملون الآن بعد وفاته أكثر ممّا كانوا يعملون في حياته .

وأنشط هؤلاء المؤمنين الأستاذ حليم دمّوس . وقد طرحنا عليه عدّة أسئلة أجاب عليها كلّها .

وعلى هذه الصفحة بعضها ، على أن ننشر بعضها الآخر في عدد تال :”

وفاة داهش وآثاره ووصيته

 

س 1- هل توفي داهش حقّاً ؟ وماذا ترك من آثار ؟ وهل هناك وصيّة ؟

ج- لقد توفي الدكتور داهش في أذربيجان منذ عدّة أشهر كما سبق وأعلنت الصحف . وقد أقيمت له حفلة في كربلاء اشترك فيها الأخوة الداهشيّون من عراقيين وأعجام ، وتليت في أثنائها خطب وقصائد في رثاء الفقيد ، وكلها تعبّر عن شعور وعواطف رجال الأدب الذين عرفوه وقدروه ، ولربما نُشرت هذه الأقوال في كتاب خاص يصدر في مصر ويوزّع على أبناء الأقطار العربيّة وفي المهجر .

وقد ترك الدكتور داهش تراثاً أدبيّاً غنيّاً نعتقده أنّه ثروة قيّمة ليس للشرق فحسب بل للعالم بأسره .

ويتألّف هذا التراث الأدبي من 90 مؤلّفاً تقسم مواضيعها إلى اجتماعيّة ، وفلسفيّة ، ودينيّة ، وروحيّة .

فمن الكتب الدينيّة كتاب الهادي الإلهي ، وكتاب مذكّرات يسوع الناصري ، وكتاب محمّد سيّد الخلق ، وكتاب أسباب العناصر البشريّة والأديان في العالم ، وهذا يشرح الأسباب الجوهريّة لاختلاف العناصر والأديان ، والجحيم ، والنعيم .

أمّا الكتب الفلسفيّة فنذكر منها كتاب أسرار الموت ، وقدس الأقداس .

ثمّ تأتي الكتب الاجتماعيّة مثل مذكّرات دينار ومذكّرات عتّال ومذكّرات كاهن وكلمات الخ .

وأخيراً نذكر من المؤلّفات الأدبيّة المحضة التي تحمل طابعاً رومانتيكياً روحياً وصف فيها الدكتور داهش نزعات نفسه وميولها وآلامها وآمالها ، نذكر منها قيثارة الأحزان ، وروح تنوح ، ونزوات قلب ، والقلب المحطّم ، وجحيم الذكريات ، ووحي الغاب ، وأسرار الآلهة ، وقيثارة الآلهة ، وعواطف وعواصف ، ودهاليز ، وبروق ورعود ، وعشتروت وأدونيس الخ .

ونحن اليوم نقوم بطبعها تباعاً تنفيذاً لإرادة مؤلّفها الذي ترك لنا أيضاً مكتبة ضخمة من أنفس ما أصدره الشرق من بدء الجيل الحاضر إلى أيامنا هذه . وهي تضمّ معها مجموعات نادرة من المجلاّت العربيّة التي صدرت في الشرق والغرب .

وقد أوصى بجميع مؤلفاته وهذه المكتبة للرسالة الداهشيّة . وكذلك أوصى بمبالغ من المال لإنشاء دار نشر وطباعة مع مساعدات ماليّة للأدباء وأصحاب الأقلام الحرّة الذين لا يلاقون التقدير والمساعدة التي يستحقونها .

س 2- ومتى تُنشر هذه الوصيّة ؟

ج- لقد نشر شيء عن وصية داهش في جريدة الحياة وبعض الصحف البيروتيّة وسواها يومئذٍ … وكنا موقوفين في سجن الرمل . وقد قرئت الوصيّة في الحفلات التذكاريّة التي أُقيمت في العراق مؤخراً ، وستُقرأ ثانية في بيروت في الحفلات التي ننوي إقامتها تخليداً لذكراه ، وسندعوه كلّ سنة (أسبوع داهش) . وبعد ذلك تطبع الوصية وتوزع لأن فيها عبراً وعظات تكشف أمام الرأي العام حقيقة هذا المصلح الصالح الذي شوّهت سمعته النقيّة يد الغايات والمآرب فأظهرته بغير وجهه الحقيقي وبخلاف ما تنطوي عليه روحه وحياته من اتجاهات سامية وأعمال مفيدة للمجتمع الإنساني .

س 3- هل في الوصيّة تعيين خلف للدكتور داهش ؟

ج- لقد احتاط الدكتور داهش لجميع شؤون رسالته في مستقبل الأيام ، ووضع لها أسساً ثابتة لا تتزعزع من حيث إدارتها وانتشارها وتوطيد أركانها ومحاربة أعدائها وتقوية أعوانها إلى ما هنالك من برامج إداريّة ومراسيم دينيّة سوف تنفّذ بحذافيرها في المناسبات الآتية والحالات المؤاتية .

وقد عيّن في الوصيّة خلفه ، وهو الذي يرى فيه الكفاية والتضحية لتحمّل هذه الأعباء والقيام بها على أتمّ وجه ، وسينشر أسمه بعد الحفلات التذكاريّة التي ستقام في عاصمة الجمهوريّة اللبنانيّة وسواها .

س 4- هل تفكّرون في نقل رفات داهش إلى لبنان ؟

ج- نعم . إنّنا سننقل رفاته إلى وطنه لبنان لنقيم له ضريحاً يكون قبلة الداهشيّين ، على ممرّ الأيّام والسنين ، ومحجّة أفكارهم ومطمح أنظارهم ، ليتذكروا دائماً ما لاقاه من اضطهاد واغتراب ، وآلام وعذاب …

وقد سبق له قبل مأساته أن أختار التربة التي يريد أن يُدفن فيها ، وهي واقعة في جوار جونيه على رابية مرتفعة خضراء تظلّلها الأشجار وتغرّد على أفنانها الأطيار وتزينها مع السرو الرياحين والأزهار .

وفي هذه التربة التي يسودها الهدوء وتغمرها السكينة ترقد شهيدة الوفاء والإخلاص المرحومة ماجدة حدّاد التي مرّ على وفاتها ثلاث سنوات .

وقريباً سنتقدّم إلى وزارة الداخليّة بطلب لنقل الرفات .

س 5- لماذا تتمسّكون بذكرى داهش بعد أن توفي ؟ وهل ترك أثراً روحياً خالد الذكر ؟

ج- إنّ الذين عرفوا الدكتور داهش وشاهدوا معجزاته واقتبسوا من تعاليمه السامية وقارنوا بينها وبين ما يعلّمه العلماء الروحانيون يرى للحال أن الدكتور داهش هو في العصر الحاضر الرجل الوحيد الذي يستطيع بدعوته ورسالته أن ينقذ العالم الغائص في ظلمات المادّة ، والضال كلّ الضلال عن قيم الروح ووحي السماء . وإذا عرف المتفلسفون ما نعرفه من أعمال وأفكار وأهداف وتعاليم هذا المصلح العظيم لما تساءلوا إذا كان حقاً قد ترك وراءه أثراً روحانيّاً يستحق الذكر ، بل يقرّون حالاً معنا أنّ رسالته سوف تقلب الأوضاع السياسيّة والدينيّة والفكريّة في سائر أقطار العالم بانتشارها السريع مع مرور الأيام وتوالي الأعوام .

فالدكتور داهش هو ذلك الثائر على الأنظمة الجائرة في هذه الدنيا ، وعلى الذين يتاجرون باسم الأديان والسياسة بأرواح العباد وأجسادهم .

وقد أعدّ العدّة الكاملة ، وسنّ التشريع المثالي الموافق كل الموافقة لروح هذا العصر .

وهذا التشريع المثالي المختار سيقلب تلك الأوضاع رأساً على عقب ليبدلها رويداً رويداً بدساتير نيّرة خيّرة استوحاها من نفسه النبيلة الطامحة إلى تقويض سلطان المادّة الغاشمة ، وإحلال سيطرة القيم الروحيّة التي تنبثق من العدالة والأخوّة والمساواة بين الأفراد والجماعات .

ونحن الذين تعشقنا هذه المبادئ السامية ، ووطّدنا النيّة وعقدنا العزيمة على السير بموجبها وعلى الدعوة إليها في الخافقين ، وعلى مجابهة وسحق كل عقبة كؤود تقف في طريقها مهما بلغت التضحية في جسامتها … فإنّنا نقدّس ذكرى ذلك الرجل الجبّار الذي أشعل في صدورنا جذوة الإيمان الحيّ ، وغرس في قلوبنا محبّة المثل العليا وخدمتها ونشرها بين العباد .

وإذا كانت رسالتنا قد انصرفت في السنوات الأخيرة إلى غير هذا السبيل السامي فسبب ذلك الأحوال المؤلمة التي اجتزناها والتي يعرفها الجميع . وقد صرفتنا مؤقتاً عن الغاية التي من أجلها نعمل لخير الرسالة الداهشيّة المقدّسة .

  آذار ، 1948

واخالاه !

 

مهداة إلى روح خالي العزيز

 

أحقّاً مضيت وتواريت وما عدت لأراك حتى يوم الحشر والنشر ؟

أحقّاً قضيت ودُفنت بعيداً عن أقاربك وأصدقائك وأحبائك وما عادوا ليروك حتى يوم يُبعثون ؟

أحقّاً انتقلت إلى الرفيق الأعلى حيث بتّ ترتع في جنّات الخلود السرمديّة ولن تعود حتى يوم القيامة ؟

أحقّاً تمّ هذا الأمر أم تراني أخوض في خضمّ من الأوهام بعدما انقضّت عليّ جيوش الحزن والآلام ؟

نعم ، لقد دبّت البرودة في ذلك الجسم اللدن الطاهر ، وانطفأ ذلك المشعل النوراني الصاهر القاهر ، وومض ومضةً نهائيّة ذلك النجم الوضّاء الباهر . نعم لقد غبت عن عالمنا الفاجر ، وتواريت عن كلّ ماكر ، وحلّقت بعيداً إلى العالم الروحاني البهيّ العطر الزاهر ، وتركتنا نندب البؤس والشقاء وشمت العدو اللئيم الجائر ، وألهبت أفئدتنا برحلتك الأبديّة …

إنّك ميت بجسمك الماديّ الفاني ولكن روحك الطاهرة ستبقى حيّة أبد الدهر .

يا لها من ساعة سوداء كدراء دكناء .

لقد صُعقت من هول الخبر المروّع الصادع ، فاضمحلّت آمالي بفقدانك وتبدّدت أحلامي بانطلاقك وتوارت أفراحي بابتعادك ، وغمر الكون حزن رهيب بانتقالك الفاجع ، ودبّ في قلبي حزنٌ سرمديّ لفراقك الأبدي ، وسيطرت الكآبة على عقلي ، وهيمنت على لبّي فإذا بي أجود بالروح بعد فقدك .

ولكنّ ربّاه !… أشفق عليّ ولا تدعني أخوض عباب هذا الكون المترامي أندب سوء حظّي وأرثيك كرثاء الخنساء لصخرها الذي طحنته نائبات الزمان .

أيها الراحل الخالد !

نم نومتك الهنيئة الهادئة كي تلاقي وجه ربّك بعيداً عن هذه الأرض الفانية الزريّة ، أرض العذاب والشقاء ، والنحيب والبكاء .

لقد كنت قبساً من لدن الله نستنير بواسطتك وتهدينا إلى السبل القويمة ، فقامت قيامتهم عليك ، أولئك الأوغاد ، طغمة الأشرار السفاحين المجرمين السفاكين ، فعذبوك ، وعن وطنك أقصوك ، فقضيت نحبك شهيداً لمبدئك السامي . ولكنني لا ولن أنسى لهم هذه الجريمة الشنعاء ، وسأقتصّ منهم أشدّ الاقتصاص ، وأجعلهم عبرة على مدار الدهور والأحقاب ، وذلك عندما تحين ساعة العقاب .

تغمّدك الله بمراحمه الواسعة وأسكنك فسيح جناته الخالدة الوارفة الظلال ، وألهمنا الصبر حتى الساعة التي نعود فنلتقي بها ويكون اجتماعنا دون انفصال .

عبدو أحد

 بيروت ، 29-4-1948

 

دمعة بنت الأخت

 

إلى الروح الخالدة

 لقد غاب عن عينيّ خالي الحبيب ،

لقد غادر هذه الدنيا الشقيّة ،

وانتقل إلى عالم السعادة السرمديّة ،

عالم السلام والسكينة ،

والراحة والطمأنينة ،

هناك هناك …

حيث الحياة الخالدة الهنيّة ،

بجانب ماجدة الزنبقة الوفيّة !

 ليلى عشّي                                         

 بيروت ، منزل الرسالة ، 29 نيسان 1948

وأخذتم من داهش برهانه

 

أخي الحليم !

نظمت هذه الأبيات منذ أسبوعين ونيّف وانتظرت تشريفكم للفندق أو الالتقاء بكم لكي أعطيكم إياها . وقد قيل لي إنّك شرّفت إلى الفندق بعد صعودي للجبل . عساني أراكم في هذه الأثناء .

تحياتي القلبيّة

                                                                فارس

 

 

ملّ قلبي من الضلال فدعه             

في حمى الله يستردّ أمانه

لا ترقرق لي السراب بدنيا            

غرقت في عبابه ظمآنه

قل لمن زخرف الفراغ خداعاً         

حلية الكأس أن تُرى ملآنه

ليس للشكل في هواي نصيب          

أعشق المرء : روحه ولسانه

هو أفق الأرواح كلّ قرين             

جاذب نجو أفقه أقرانه

شغف المرء بالسموّ دليل              

أنّ في قبضة السماء عنانه

إنّه المرء بالتحوّل باق                

ليس – إن مات – موته فقدانه

أسأل الأرض هل على الأرض جسم  

لم يُبدّل مكانه أو كيانه

وأسأل البحر : نجمة الأفق كانت      

قطرةً من عبابه أم جمانه

زهرة أخت نجمة أخت نفس          

هنّ في الكون راضعات لبانه

ميّز المرء نفسه … لم يميّز          

خالق الكون في الثرى إنسانه

ليس يدري الإنسان ما يتمنّى          

ربما كان هدمه بنيانه

إن يك الموت للبقاء سبيلاً             

خوفك الموت ذلّة واستكانه

قد شككتم بعالم الروح قدما            

فأخذتم من داهش برهانه

وهو الشكّ رافق الفكر منذ            

البدء يبلو بريبه إيمانه

وجّه القلب للإله خشوعاً              

يرك الله وجهه ومكانه !

فارس سعد                                                              

 رأس المتن ، لبنان                                                              

  نيسان 1948

لماذا أحببت الداهشيّة ؟

 

سمعت باسم الداهشيّة .

عرفت بعض المنتمين إليها …

ثمّ عرفت مؤسّسها المصلح العظيم …

ودرست أهدافها السامية بتدقيق … فأعجبتني .

إنّ أهدافها أهدافي في الحياة تماماً … وإليك البرهان :

أنا مسيحي – وأحترم الموسويّة لأن إنجيلي ذكرها وأقرّ بها وصدّق عليها .

وأنا موسويّ – لأنّ وصاياها السماويّة هي إنجيل البشريّة وزبدة الأديان .

وأنا محمّدي – لأن الإسلام يحترم التوراة والإنجيل ويعترف بعيسى وموسى وسائر الأنبياء والمرسلين .

وأنا من لبنان – ولبنان عربيّ أسيويّ شرقيّ .

والشرق شقيق الغرب ، وهما شطران لجسم واحد هو هذا العالم ، هذه الكرة الأرضيّة التي نقطنها زمناً قصيراً ثمّ نخلع عليها جسدنا الفاني الذي هو من عناصرنا ، وننتقل بالروح إلى عالم آخر كما فهمت ذلك من التعاليم الداهشيّة .

وقد أوصاني سيّدي المسيح ، فادي البشر ومخلّصهم ، أن انظر إلى جميع سكّان العالم كإخوة دون تفريق بين دين ودين ، وأمة وأمّة ، وجنس وجنس ، إذ كلنا أبناء آدم .

إذن ، أنا إنسان ، والإنسان أخو الإنسان .

والأرض وطني ، والوطن للجميع ، والإنسانيّة ديني ودين الجميع …

هذه هي روح الداهشيّة ، وهذه غاية غاياتها ، وخلاصة تعاليمها وأهدافها .

لهذا أنا أحببتها وأحبّها وأغار عليها ، وأفاخر مع عدد من إخواني ورفاقي بالإنتماء إليها .

فرحمات الله على مؤسّسها المجاهد الجبّار ،

فهو الذي علمنا أننا كلّنا أبناء ربّ السماوات ،

وأنّنا كلّنا أخوة نسير على قدم المساواة في جميع الحقوق والواجبات .

بولس فرنسيس                                                     

بيروت ، 6 أيّار 1948

داهش وليّ مُصلح

 

قالوا … مات الدكتور داهش

فقلت … رحمة الله على رجل وليّ مصلح جاء ليهدي القوم الضالين ،

 وليصلح ما أفسده الدهر ،

وليتمّم تعاليم محمّد وعيسى وموسى وسائر الأنبياء المرسلين

والفلاسفة الحكماء المصلحين .

لم يطب ذلك للقوم الفاسدين ،

ولم ترق دعوته لأولئك الظالمين المستبدين ،

فقاموا عليه مولولين صاخبين ناقمين كأنّه مجرم أثيم …

وما هو إلاّ الصادق الأمين ،

وما هو إلاّ وليّ من أولياء الله الصالحين .

قال الله في كتابه الكريم :

] وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [.

فيا إخواني الداهشيّين !

لا تقولوا عن داهش إنّه قد مات .

كلا ! فتعاليمه السامية ما زالت متغلغلة في كلّ نفس منّا .

ومبادئه العالية ما برحت سائدة كما لو كان حيّاً بيننا ولو كره الكافرون .

فالانتقام الدنيء لن يقلّل من عزائمنا ،

والاضطهاد لن يزعزع من عقيدتنا ،

فنحن قوم مؤمنون بالحقّ ، والحقّ يعلو ويعلو ولا يُعلى عليه .

فيا أيّها الإخوان !

لقد مات داهش ،

فكان ذلك صدمة قويّة لنا بل عبرة وذكرى .

ولكن … لا ترجعوا القهقرى

بل جاهدوا في سبيل المبدأ السامي ،

وفي سبيل العقيدة الراسخة .

فالحياة كفاح وجهاد ونضال .

والبطل البطل هو الذي لا تلين له قناة ،

وإن خرّ صريعاً في ميدان الوغى

دفاعاً عن المبادئ الإنسانيّة القويمة .

فرحمات الله على مؤسّس الداهشيّة ،

والسلام عليكم أيّها الأنصار الأمناء .

رامز المقدّم                                                              

من محرّري النضال                                                               

بيروت ، أيّار 1948

دموع من نار على ضريح الدكتور داهش

 

قالوا : قضى الدكتور داهش وانقضى         

عهد الرسالة والرفاق تفرقوا

فأجبتهم والنار تلعب بالحشى                  

والقلب من فرط الأسى يتمزّق

كذب الألى زعموا وقالوا بينهم               

إن مات (داهش) فالرسالة تخفق

لا لا … فقد ضلّ العدى في قولهم           

وكذاك في الماضي لغوا وتشدّقوا

فسفينة الهادي الحبيب وإن قضى            

ربّانها لا تُستباح وتغرق

هي مثل وجه الشمس إن جنّ الدّجى         

فلسوف تطلع في الصباح وتُشرق

ضوء من النور العليّ صدوره              

ذا يستنير به وذاك يُحدّق

كالعين إن مرضت يؤالمها الضيا           

وتشعّ إن صحّت وراحت تُبرق

  •   *   *

يا ويل أهل الظلم من يوم القضا            

فالله إن هو قال قولاً يصدق

عبث العدى بالحقّ دون تطلّع              

نحو الذي خلق الأنام ويخلق

عميت بهم أبصارهم فهم بها               

عُميٌ وبكم والحقيقة تنطق

أيكون صبح الكافرين سوى الدجى        

ونجوم أفلاك الهدى تتألّق

  •   *   *

سل من تشاء من الألى زاروا الحمى      

ورأوا قوى أرواحنا إذ تُعتق

وعجائب الكتمات كيف يثيرها             

وحي السماء متى تهبّ وتُطلق

فلكم رأينا من عجائب داهش              

قد ضمّها ذاك المقام الضيّق

ولكم لمسنا الظاهرات كأنها               

حقّ يسود بها وبطل يزهق

ولكم درسنا في كتاب رشاده               

علماً يقرّ بما حواه المنطق

وله من الكتب النفيسة كلّها               

وحيٌ والهام وعلم شيّق

عجزت رجال العلم عن أحكامها          

وكذلك العلم القديم الأسبق

ولكم عرفنا من مراحل عمره             

كيف الوصايا بالفعال تطبّق

هذا نبيّ الخافقين وحاله                   

حقّاً تميل له القلوب وتعشق

ونتيجة العمل البريء وأجره              

عنق يقاد إلى العذاب ويُشنق !…

  •   *   *

يا ويل أمّ قد غدت من بعده                  

ثكلى تغصّ وبالمدامع تشرق

يا ويل أخت قاسمته ضنكه                  

تبكي وما من راحم يتشفّق

والداهشيّة بعد داهش ولولت                 

فجرى عليها دمعها المترقرق

وشكت ظلامتها إلى ربّ السما              

فعسى بها بعد الظلامة يرفق

عزمت على أن لا تنام على أذى            

حتى ترى علم العدالة يخفق

ستظلّ في ساح الجهاد صبورة               

ما زال فرد في البريّة يُرهق

وتظلّ تثأر للنبي وآله                       

حتى ولو تفنى النفوس وتُزهق

ولسوف تبلغ ما تروم من المنى             

مهما سعى أهل النفاق ولفّقوا

ما زال ربّك فوق كلّ خليقة                 

قل قد هوى المتظلّم المتزندق !…

  •   *   *

نم يا نبيّ الله جسماً هامداً                   

ونعيم ربك خيره يتدفّق

إنّا نعاهدك البقاء على الهدى                

ما زال في الأجسام قلب يخفق

حوّم بروحك فالقلوب جميعها               

لتكاد من عظم المصاب تُمزّقُ

هذي حياتي بعد موتك ظلمة                

والكون في عينيّ سجنٌ ضيّقُ !!..

الحزين يوسف الحاج الداهشي                                                        

 رأس بيروت ، حزيران 1948

عرفناك وتبعناك

 

عندما التقينا بك يوماً كانت الأرض مغمورة باللعنة والظلمة ، وكانت الحياة ليلاً حالكاً وأبديّا في اكفهراره ودجوجيّته .

نعم ، تمّ لقاؤنا بك ، وإذا بالشمس تطلع وتشرق وتسطع ، وإذا بأنوارها البهيّة تتغلغل في أعمق أعماق أرواحنا فتضيء جنباتها العميقة ، وتنير حناياها السحيقة ، ومنذ تلك اللحظة أصبح منزلك الصغير الوديع قبلة أفكارنا ، ومحجّة أحلامنا ، ومحطّ أمانينا . وحينذاك عجزت القوّات الشرّيرة ، والعقبات المغرضة من إبعادنا عن هذا المنزل الذي كانت تحاول فصلنا عنه . ومنذ تلك الساعة خلعنا عنّا ماضينا الرثّ ، مثلما تُخلع الثياب البالية ، ولم نعد نرغب في أن نتعرّف إلى ذلك الماضي التافه …

فما هي ، يا ليت شعري ، أسباب هذا الانقلاب العجيب ، وهذا التحوّل الغريب ، بينما كنّا لأيام خلت نعيش ونحيا كسائر الناس ، نتمنّى ما هم يتمنّون ، ونطمح إلى ما هم إليه يطمحون من أمور دنيويّة حقيرة ؟ ماذا قلت يا ترى ؟… وماذا صنعت لتخلق فينا هذا الانقلاب الكلّي ، فجعلتنا نتقبّله وندين به وندافع عن ذماره حتى الموت ؟

هذه الثورة الروحيّة لم تحصل فينا إلاّ لأنّك رفعت عن أعيننا حجاب أسرار ما بعد الوجود ، وردّدت على مسامعنا آيات الإنجيل ، وكنت أمامنا المثل الأعلى في تنفيذك تعاليم ذلك الكتاب السماويّ .

لقد كنت غريباً عن كافة البشر : غريباً بأفكارك وأهدافك ، غريباً بمراميك وطموحك النبيل ، غريباً بروحك العلويّة التي لا صلة تصلها بهذه الأرض الفاسدة .

كنت كأحد الآلهة وقد تاه عن عوالمه السماويّة السرمديّة فهبط إلى هذا العالم الشقيّ الفاني .

نعم . هذه هي الحقيقة ! فلقد شاهد الكثيرون معجزاتك الخارقة ، وسمع الكثيرون آياتك وتعاليمك السماويّة ، فثبت البعض ، وتخلّف البعض الآخر لكي لا يروا نور هدايتك ، ذلك النور الذي فتح أمامهم سبلاً جديدة لحياة جديدة … ولكنها صعبة المسلك .

أمّا نحن فقد فهمنا أنّك أنت هو الحقّ والطريق والحياة .

لقد فهمنا أنّك أنت (الكلمة) الأزليّة المتجسّدة .

فأنت أنت هذه (الكلمة) وهي خاصّتك ، وكان علينا أن نرافقك إلى بلاد نائية ، فنسير هناك على خطواتك النبيلة ، ونعيش في ظلّك السامي ، منفذين تعاليمك ، متمشّين على وصاياك السماويّة ، فنحيا في تلك الأجواء الروحانيّة السامية العطرة ، ونتنسّم نسمات القمم المرتفعة التي لم يدنّسها مدنّس ، ومن أراد أن يتبعك ويكون لك تلميذاً يلتحق بك ويربط حياته بحياتنا .

ولكنّ الإرادة الإلهيّة شاءت لك غير ذلك إذ كان مكتوباً عليك أن تمرّ في بوتقة الحوادث الجسام وتشقى !…

لم نستطيع الصمت عمّا شاهدنا ، ولا السكوت عمّا سمعنا … بل اندفعنا نبشّر أبناء الأرض وندعوهم إليك ونسرد عليهم آياتك ومعجزاتك . ولكن ، واأسفاه … كانت نتيجة هذه الدعوة أن جلبنا عليك الاضطهاد … ذلك الاضطهاد البربريّ المجرم الأثيم …

وعرف الكثيرون قوّتك الروحيّة الخارقة لأنظمة الطبيعة وسنن الكون ، وسمعوا عنها الشيء الكثير ، وشاهدوا من خوارقها الأمور المحيّرة العجيبة ، فكانت هناك آمال في بعض من يتمنّون الحصول على الثروات الطائلة ، والأمجاد الباطلة والنفوذ الزائف ، إذ رغبوا في أن يستغلّوا هذه القوّة لمصلحتهم ، فالتفّوا حولك تحفزهم هذه الأطماع الخسيسة لنيل المغانم ، وهم يجهلون حقيقة نيّاتك الحسنة ، واتجاهاتك السّامية .

أمّا الذي يعيشون في مستنقعات الشرور والآثام فإنّك أرهبتهم وأرعبتهم ، ولذلك راحوا ينهشونك كالذئاب المفترسة ، وينفثون سمومهم كالأفاعي المرقّطة ، ولكنّ الأجيال والدهور والأمم والشعوب ستلعنهم مثلما هم سيلعنون أنفسهم أيضاً إلى أبعد الآجال .

لبنان . لبنان !… لقد نبذت أفضل أبنائك واعتديت على من هو فخارك بل عنوان عزّتك وكبريائك .

لقد نبذته يا لبنان بعد أن أشبعته مهانةً وعذاباً واضطهاداً ، ولم تكتف بنفيه خارج حدودك فحسب ، بل جرّدته من حقّه في الحياة ، حتى في أرض غريبة عندما جرّدته من جنسيّته اللبنانيّة دون عذر ولا سبب .

جرّدته من جنسيّته ثمّ طرحته في أراض غريبة … هناك ، على الحدود التركيّة ، حيث يكمن الحرس ببنادقهم ورصاصهم ليصوّبوها على المشرّدين الذي لا جنسيّة لهم عندما يخترقون تلك الحدود المحرّمة ، وخصوصاً أن الأيّام كانت أيّام حرب ضروس رهيبة ، فيا للجريمة !

أمّا أنت يا لبنان !… فعلام اهتمامك إذا أنتجت والدة مسنّة وأعولت شقيقة ملتاعة ، وبكى أصدقاء أوفياء !

علام اهتمام الجلاّدين الخالية أفئدتهم من الضمير ، والخاوية من الوجدان ! ولكنكم ستبكون جميعكم ، وستبكونه طوال الأجيال والدهور عندما تعرفون حقيقته ، وتعلمون من اضطهدتم ومن عذّبتم .

إنّنا بكيناك كثيراً أيّها المعلّم العزيز المحبوب ، ولكننا فرحنا كثيراً عندما نجوت من الموت ، وحفظتك العناية حيّاً ، فآلينا على أنفسنا أن نناضل في سبيلك كي تعود إلى وطنك في يوم قريب معزّزاً مكرّماً رغماً عن جميع حُسّادك اللؤماء …

ولكنّ قوّات الشرّ تضافرت علينا من كلّ جانب ، وطال غيابك عنا ، وإذا بنا نشعر بروعة هائلة ، وفراغ جديد في صفوفنا قصم ظهورنا قصماً عندما رحلت (ماجدة) الحبيبة تاركة إيّانا في إبّان أتون المعمعة ، وفي صميم نارها الجهنميّة المندلعة بجبروت . ولم تكف هذه الضحيّة الطاهرة للجلاد العديم الشفقة … فبينما كانت قلوبنا تقطر دما عليها ، وبينما عيوننا تنضح دموعها من مآقيها ، إذا بكارثة جديدة تحطّ علينا فتعصف بأحلامنا ، وتقوّض أمانينا ، وتزيد آلامنا آلاماً وجروحنا جروحاً عندما بلغنا الخبر المرعب : خبر وفاتك ورحيلك …

بلغنا هذا الخبر الدامي ونحن سجناء الظلم وراء جدران السجون ، فأين الوحدة والإنفراد لنطلق العنان للأحزان ، والدموع والأشجان .

لقد رحلت أيّها المعلّم الصالح ونحن لا نزال في إبّان المعمعة . إنّنا نبكيك بدموع قلوبنا ، ونرثيك بآلام أرواحنا ، ولكن إيماننا لا ولن يتزعزع ، مهما عصفت به الرياح الزعزع ، فهو مبنيّ على عقيدة ثابتة بأنك وإن متّ بالجسد فأنت حيّ إلى الأبد ، حيّ بمبادئك الإصلاحيّة ، حيّ بتعاليمك السماويّة ، حيّ بثورتك الفكريّة ضدّ القوانين الجائرة في هذه الهيئة الاجتماعيّة .

هنيئاً لمن عرفوك ، وترسّموا خطواتك النبيلة السديدة .

هنيئاً لمن تبعوك ، وساروا في سبلك الرشيدة .

هنيئاً لنا لاختيارك إيانا … إذ بك شاهدنا شعاعاً منبثقاً من سماء العزّة الإلهيّة . ففي العصر الذي فيه يبذل العلماء أقصى تفكيرهم وجهودهم لاختراق أسرار الكون ، فيصلون بعد الكدّ والجدّ إلى معرفة بعض الأسباب والمسبّبات ، والعلل والمعلّلات … نراك أنت قد جعلتنا نلمس بإصبعنا أسرار العالم اللامتناهي … وأثبتّ لنا بصورة أكيدة لا تقبل الجدل العقيم حقيقة خلود الروح ، وأنّ هنالك ثواباً وعقاباً . لقد شرحت لنا أصلنا السامي ، وكشفت عن أسرار الرجوع إلى الأرض … ذلك الرجوع الذي أكّد لنا عدل الله الكامل ورحمته الشاملة اللانهائيّة .

فيك تقطن المعرفة التامّة التي لم تتلقّنها على مقاعد المدارس لأنك عشت طفلاً يتيماً ، ولم يقدّر لك أن تمرّ في المعاهد ، وما هي العلوم البشريّة بالنسبة للمعرفة الإلهيّة التي تتفجّر ينابيعها النورانيّة من معينك الصافي ؟

لقد علّمتنا التجرّد عن المادّة واحتقار العجل الذهبيّ احتقاراً تامّاً بينما هو معبود بني الإنسان ، في كلّ عصر وزمان .

لقد غرست فينا الازدراء ببهارج الدنيا الفانية ، فما عادت الألقاب العالية ، والمناصب الرفيعة لتبهرنا . وما عاد استعراض قوّات الحكومات والأمم ليرهبنا . كنا نتلفّظ في الماضي مثل الكثيرين عن أباطيل هذه التّرهات التي يستميت الناس في سبيل الوصول إليها ، ولكنّها كانت كلمات رياء إذ كنّا نبطن غير ما نظهر . أمّا اليوم فقد أصبحنا ندين بما نقول ، وكلامنا هو الحقّ ، وهو المبدأ الذي نسير بموجبه ، والذي نرسمه بخطوات حياتنا ، لأنّك علّمتنا أن ننبذ الكذب والرياء ، فأصبح لساننا مرآة لأنفسنا .

أمّا الآن ، وبعد هذا التطوّر الخُلقي ، ونحن ننظر إلى العالم ، ماذا نرى ؟

نرى قادته وحكوماته جميعها تتصنّع ، وبقناع الكذب والرياء تتقنّع ، فلا يمضي يوم إلاّ نسمع فيه الخطابات المعسولة ، والعهود الكاذبة التي يقطعها رجال السياسة إلى سكّان الأرض ، هؤلاء الرجال المراؤون ، المتلوّنون تلوّن الحرباء بألف لون ولون …

أمّا نحن الداهشيّيون ، فلم نعد لنتحمّل هذه الأكاذيب ، ولم نستطع إلاّ محاربتها ومجابهتها لأنك أذكيت في صدورنا شعلة الحقيقة المقدّسة ، وأضرمت نيران الحرب على قوّات هذه الطغم الظالمة المدجّلة .

فمن هو الداهشيّ يا ترى ؟

ولم ينفرد عن كافة الناس بعدم إذعانه لهذه القوّات المدلهمّة التي تنحني أمامها أكثريّة الطبقات والجموع ، بذلّ وخنوع ؟

الداهشيّ هو الرمز الحيّ للحقيقة والمعرفة والعدالة ومحاربة الرياء والجهالة والضلالة .

الداهشيّ هو رمز الكفاح والنضال والحرب ضدّ الظلم والطغيان ، ضد الكذب والبهتان ، ضدّ الأنانيّة ومحبّة الذات ، ضدّ كلّ ما يدفع بالروح للانزلاق إلى دركات الحقارة والدناءة ، وهو أيضاً رمز الانتصار الأخير ، انتصار الروح المقدّسة وقيمها الأبديّة على المادّة الهدّامة وقوّتها الشرّيرة .

فالداهشيّ إذن هو المنفّذ لهذه الآية الإنجيليّة القائلة :

” جئت لألقي حرباً لا سلاماً ” . لأن لا سلام في الأرض إلاّ بعد سحق قوّات الشرّ ومحقها محقاً أبديّاً . فأنت هو أيها (الهادي العظيم) أنت هو الذي شدّدنا بالروح ، وغرس في صدورنا هذا الطموح السامي ، فنحن الذين تبعناك ، منذ عرفناك ، وكنّا لك تلامذة أمناء ، وأتباعاً أوفياء .

العالم ينشد السلام ، ولكن لا سلام له إلاّ بهدايتك الروحيّة ، ورسالتك الداهشيّة .

فالسلام ثمرة العدل, والحقيقة, والمحبّة العلميّة .

والسلام ثمرة الجهاد الشخصيّ , وقهر الأنانيّة , وتغلّب المرء على رغباته الدنيّة , ليعود الى نبالته الأصليّة .

ومن يستطيع أن يغرس هذه الروح الحقّة إلاّ أنت ؟

ولكن من يسمع هذه البشرى ومن يصغي إليها , ويقبل عليها ؟

سيقول لك العالم :

” إنّ تعاليمك قديمة قدم الدهور ، فهل تكلّمنا مثلما كلّم موسى شعبه في غابر العصور ؟ وهل من المعقول أن تحدّثنا في هذا العصر بلغة المعجزات وقد مضى عهدها وانقضى ؟”.

لا . لا… لم تعد الأرض صالحة لسماع كلامك أيّها المعلّم الهادي ! لأنّها ضلّت في كبريائها ، ولم تعد لتشعر إلاّ بنشوة اختراعاتها التي أنجزتها ، وبها يقتل الأخ أخاه ، ويمحق القريب قريبه … وعلى هذا نسيت أن تناسيت الحقيقة الوحيدة الثابتة أبداً وهي أنّنا سنموت جميعاً ، وأنّ هناك العدل الإلهيّ الدائم البقاء ، والذي سيجاري كلّ إنسان حسب استحقاقه …

نعم ، لقد تناسى العالم هذه الحقيقة الواقعيّة وأخذ يتيه في حقارة رغباته التافهة . وهرع الجميع من أفراد وجماعات لاقتناص المادّة والأمجاد والنفوذ . فكانت النتيجة أن التهبت الشهوات ، فطغت الحروب ، وعمّت أرجاء المعمور ، وأصبحت الأمم والأفراد في نزاع متواصل .

وأصبح السلم حلماً مستحيل التحقيق ما دامت الأحقاد تتأجّج في الصدور ، والأنانيّة والحسد يغلغلان في الأرواح .

نعم ، لم يعد من سلام ما دام الظلم يخيّم على ربوع هذا الكون ، وما دام كلّ شعب يرقب جاره ويكمن له حتى ينقضّ عليه ، وما دام كلّ إنسان لا يفكّر ولا يسعى إلاّ للتعدّي والطغيان ، والاستئثار بأخيه الإنسان .

نعم ، لم يعد من سلام ما دام العالم بأسره قد تحوّل إلى مصنع هائل تجنّدت فيه القوّات والأفكار والإرادات للتنكيل والتدمير ، والتخريب لا التعمير .

لقد تعلّمنا صلاة سامية لسيّد المجد وفيها العبارة الآتية :

“أعطنا خبزنا كفاف يومنا”.

أمّا اليوم فقد أصبح هذا الخبز المبارك آخر ما يفكّر به الإنسان … إذ لا تراه يزرع ويُعنى إلاّ بخبز الضغينة والظلم بعد أن فقد القناعة ، وتاه عن سبل الله ، وتغلغل في مستنقعات رغباته الأشعبيّة ، وهذا هو خبز (قايين)… خبز (الموت) اللعين … فمن يسمع إلى بشارتك ؟ ومن يصغي منهم إلى دعوتك ورسالتك ، وقد سحرتهم المادّة المتوهّجة وكبّلتهم بأحابيلها ؟

أمّا نحن الذين اتبعناك فإنّنا آلينا على أنفسنا أن ننفّذ تعاليمك السامية ، وثق بأنّنا سنحافظ على عهدك الذي أصبح عنصراً من عناصر أرواحنا . فقد اندمجت أفكارك ومراميك بأنفسنا ، وسوف نزرعها في كلّ مكان بأقوالنا وأعمالنا واتجاهاتنا وجهادنا المتواصل حتى يصرع حقنا باطل الظلاّم فيرديهم ويردّهم إلى مهاوي الظلام .

في هذه الساعة الرهيبة التي بلغني فيها نبأ وفاتك ، ورغم آلامي العميقة ، وأنا في سجن النساء ، فإنّني أتأكّد باطمئنان أنّ في هذه اللحظة التي غادرتها فيها ، نراك أقرب إلينا من أي وقت آخر .

لا ، لا … إنّك لم تمت ، إنّك لم تمت ، وسوف تُجدّد العالم بأسره . ستجدّده في أسسه وبنيانه ، ودعائمه وأركانه .

إنّني أعود بالذاكرة إلى تلك الأيام الهانئة عندما كنت منكبّاً على الكتابة وقلمك يخترق الصفحات كسهم من النار والنور بسرعة الفكر الخاطف ، وكانت المؤلّفات تتلو المؤلّفات ، وتتكدّس أكداسا ، وهي تطرق جميع المواضيع وكافة العلوم .

فشكراً لك على هذا الميراث الأدبيّ التي تركته للعالم ، والذي سيصبح في يوم قريب مصدراً إليهّاً للمعرفة ، وينبوعاً صافياً للمحبّة السامية .

والآن أريد أن أبكي بكاءً أبديّاً على ما أصابك من آلام وعذاب ، وعلى جميع ما تحمّلته من أشجان ومصائب ، وأحزان ومصاعب .

أيّها (الرجل المجهول) من كافة البشر … أوّاه ! ماذا أتيت لتعمل في هذه الأرض الجاحدة الناكرة للجميل ؟

إنّنا لم نستحقّك !

ولكن كن مباركاً لمجيئك إلينا . كن مباركاً لتجديدك لأرواحنا يا رسول السماء ، ويا سفير عالم الطّهر والسموّ والنقاء .

كانت المعجزات ترافق خطواتك . وكانت أكمام الأزهار تتفتّق وتتفتّح على طريقك . وكانت الطيور تشدو عند مرورك بقربها .

وكان الذي قد أعطوا من الله أن يعيشوا بقربك قد بُهروا بتألّق مجدك وسطوع نورك .

وكانت أجواق الملائكة غير المنظورة تحفّ بك أينما سرت وكيفما توجّهت .

أمّا بلادك ، فقد عذبتك واضطهدتك ونفتك .

ولا شيء يستطيع أن يعزّي قلوبنا عمّا لحق بك من آلام وأشجان .

ولكنك كنت عالماً بها ، متوقعاً إيّاها ، فتقبّلتها بصدر رحب ، وكان دمك الثمين ثمناً لفدائنا .

فكن مباركاً آلافاً وآلافاً من المرّات على مجيئك إلى عالمنا السخيف ، وهبوطك من جنّات الخلد ، وقبولك الإقامة بين ظهرانينا تلك اللحظة الخاطفة التي سرعان ما ولّى عهدها الجميل وانقضى ، وكأنّها البرق قد ومض … ومضى !

                                                      ماري حدّاد الداهشيّة

                                               بيروت ، سجن النساء ، حزيران 1948

 

مصرع رئبال

 

زمن غادر ماكر ، جرف بتيّاره الرهيب رئبالاً أقضّ مضاجع الحاكمين المستبدّين .

زأر زئيراً متواصلاً في وجه هذه البشريّة الطاغية لتقويم اعوجاجاتها الملتوية فاستاءت منه وأرادت أن تقضي عليه قضاء مبرماً .

كان سيفاً مرهفاً فوق الرؤوس الضخمة بمادتها ، الفارغة بمحتوياتها ، يجندل كل من سار بعكس أهدافه . وعندما استولى عليهم الخوف تآمروا عليه بنذالة تحسدهم عليها بنات الخساسة .

فسجنوه بالغدر والخيانة ، ونفوه ، فجاد بروحه في سبيل مبدئه السامي وعقيدته المستقيمة .

وعند ذاك قهقهت شياطين الأعداء كالسعالى وهي مختبئة في أوكارها القذرة ، أي عندما بلغهم مصرع ذلك الأسد الجبّار ، بل السيف البتّار والمهنّد القهّار . فيا لنذالتهم وخساستهم وسوء نيّتهم ، ويا ما أوغد حطّتهم وخطّتهم . لقد تمزّقت قلوب مريديه حزناً وأسىً على فقده الأبديّ ورحيله السرمدي وغيابه النهائي .

لقد صعد إلى عالم الخلود ، هناك حيث الراحة التامّة ، بعد أن قاسى أشدّ العذابات وأرهبها على أرضنا الفانية .

فاستقبله جمهرة من الملائكة الأطهار وهي تبوّق له بأبواقها السماويّة العجيبة .

وقرعت نواقيس الفراديس معلنةً قدوم الهادي إلى ربوعها ، فهرعت أجواق القديسين وهي تنشد أناشيد عذبة تأخذ بمجامع النفوس .

وتهلّلت الأرواح ثم حدث فرح عظيم في السماء .

فيا أيها الراحل العزيز ,

من وراء هذا الحجاب المجهول الذي يفصل بيني وبينك أناجيك ، وأضرع إلى القوّة القادرة المهيمنة أن تجمعني قريباً بك لأني ما عدت لأطيق الحياة بين ذئاب هذه البشريّة الفاسقة الفاسدة .

نعم إنها بشريّة سافلة منحطّة ،

بشريّة خادعة ماكرة ،

بشريّة طاغية باغية ،

بشريّة أفّاكة كاذبة ،

بشريّة أينما سرت وأنّى اتجهت لا ترى من دينها إلاّ النفاق والختل واللؤم والدجل . وهي تصول وتجول في مستنقعات هذه الحياة الموبوءة بشتّى أنواع الشرور والآثام .

لهذا سئمت نفسي الحياة ومن عليها ، فإلى متى يا الله ستنقذني كي تطمئن نفسي وتبتهج روحي ؟…

عبد الأحد                                                      

بيروت ، الأحد في 22 آب 1948

الدكتور داهش فقيد الإنسانيّة ورسول هذا الجيل

 

كما لكلّ زمان دولة ، ولكلّ دولة رجال – وما كلّ الرجال رجال – كان لهؤلاء قادة ، ومنهم أعاظم يمتازون عن غيرهم بسديد الأقوال وصحيح الأعمال .

وإذا التفتنا إلى الماضي والحاضر ، وتطلّعنا إلى مجاهل المستقبل ، وجدنا هذا الكون الشاسع الواسع ، وهذا العالم الكبير الكثير ، موقوف الحياة والمعيشة على أفراد معدودة بدأ الكون يعمر بهم ، ويحيا بتعاليمهم . فهم روح حياته ، وسفينة نجاته ، كما أن مناوئيهم سبب شقائه ومماته .

وما سيرة الأنبياء والرسل ومن بعث الله من مصلحين لهداية الخلق بخافية على العالمين .

وما من نبيّ أو رسول إلاّ وكان له مع قومه شأنٌ في الحياة :

فإبراهيم ونمرود ، وموسى وفرعون ، وعيسى ويهوذا ، ومحمّد وأبو جهل … فلكلّ مناوئ كان يعضده السواد الأعظم من المجرمين ، ويسانده جمهور من المبطلين . هذا في الماضي المسطور .

أمّا في الحاضر المنظور … فالقلم يخجل أن يسطّر شيئاً أو بعض الشيء من أمثالها ، وقد طغى سيل الإرهاق والعنت والاضطهاد ، والظلم والفساد ، حتى لا ترى أثراً للحقّ ولا من يجاهر به . وكل من يتجرّأ على الجهر بالحقيقة أو أعلن رأياً بعقيدة لا تتلاءم ورأي ذوي النفوذ والسيطرة عُدّ مجنوناً … وعوقب وهو الشريف ، وحوكم وهو الحرّ ، وسجن وهو البريء ، وأخيراً نفي وشُرّد وقتل …

وهذا ما جرى لفقيد الإنسانيّة البائسة ورسول هذا الجيل ، الدكتور داهش الذي أراد لهذا العالم إصلاحاً وصلاحاً ، وأراد له نجاحاً وفلاحاً ، وذلك بتوحيد أجزائه ، وتقريب أفكاره وآرائه ، وإصلاح الفاسد من معتقداته الموروثة ، وتقاليده العميقة المبثوثة ، عملاً بسير المصلحين من قبله ، فجوزي بالاضطهاد والظلم ، ومات شهيد الأمانة والوفاء .

فالعالم اليائس يشكو ويتألّم لهذا العمل البربريّ ، ويمقته بمرارة وحرارة ، ويتبرّأ من مرتكبي هذا العمل الشائن ، ويأسى ويأسف لأفول هذا البدر النيّر الذي لو كُتب له التمام لانقشعت هذه الغيوم المتلبّدة في سماء دنيا الناس ، ولما رأينا بعد من يظلم ولا من يتظلّم أو من ترد إليه ظلامة ، ولعاش الناس بسلام وأمان تغمرهم النعمة لا النقمة ، وتعمر قلوبهم بالمحبّة والإخاء ، ولكان لهم حال غير هذا الحال …

ألا في ذمّة التاريخ الرهيب المنصف ما جنت تلك الأيدي الآثمة والنفوس الغاشمة .

وفي رحمة الله ورضوانه أيّها الشهيد الأبرّ .

فمن وراء هذه البحور الزاخرة ،

ومن عاصمة الجمهوريّة الفضيّة ، وعروس أميركا الجنوبيّة ،

يُحيّيك معجب بتعاليمك ،

ويناجيك مؤمن بدعوتك ، بعد أن رأى وصدّق ما تقول ، وأيّد مناهجك القويمة الواضحة . وها هو يتلو آيك كما يتلو عليك الفاتحة !

 يوسف كمال

صاحب مجلّة الرفيق ، بونس أيرس ، الأرجنتين ، تشرين الثاني 1948

التحق بالرّفيق الأعلى ومات

 

إلاّ أنّ أفكاره ومبادئه لم تمت

 

النور ساطع ، والحقّ أبلج ظاهر ،

وسلطانه واضح باهر ، لا يخليه الربّ الحكيم من ناصر .

غير أنّ القرون تمرّ ، والأجيال تتوالى وتكرّ ،

وتتخلّلها فترات يستولي على الناس فيها الغيّ والجهالة ، بحيث يوشك أن تندرس أعلام الحقّ ، وينهدم منار الصدق ، فترى الأعين لا تُبصر ، والأنفس الدنسة لا تقصر ، والآذان لا تستمع ، والشمل لا يجتمع ، والقلوب من النور خالية ، والشؤون على عروشها خاوية ، فيطلّ إذ ذاك الظلام برأسه من نوافذ عشّه حين لا يلمح من جند نور الحقّ ما يخيفه ويرعشه ، ولا يرى بأساً من الظهور الجريء ليفعل فعلته ، ويزيد أربابه ضلالاً على ضلال ، ووبالاً على وبال ، ويصبح الناس في خبط عشواء ، ما بين غريق في لجّة الغواية ، وهائم على وجهه قد فاتته الهداية . لا يفقهون غثّ الأمور من سمينها ، ولا يدركون مبدأها من مصيرها .

وفي مثل هذه الفترات تدرك العناية الإلهيّة البشر ، ويختصّ الحقّ جلّ جلاله منهم من يشاء برحمته ، إذ هو ليس على الفيض بضنين ، ويؤيّد أفراداً بالنور ، ويثبّتهم على النور ، ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ، فيقيمون الحجّة ، ويظهرون المحجّة ، بحيث لا يدعون لمعارض عذراً ، ويدعون الناس ، ويوقظون العقول النائمة ، غير طالبين لدعائهم جزاء ولا شكوراً ، ويعدّونهم للقاء الله ، وينفثون فيهم روحاً حيّة يهبّون بها من رقادهم ، ويثوبون إلى رشدهم ، ويتنبّهون إلى أسرار كانوا عنها غافلين … أولئك أقطاب العلم ، وأنوار العالم ، وأولئك من عباد الله العالين …

ومن هؤلاء الأفراد الأفذاذ المرحوم الدكتور داهش الذي اهتدى وأسلم وجهه إلى الله وهو محسن ، ورضي بالله ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمّد عين أعيان الخلق ورسول الرحمة نبيّاً .

وقام يدعو إلى ما اعتنقه بصبر وشجاعة حتى رجعت نفسه المطمئنّة إلى ربّها راضية مرضيّة ، ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً ، وقال : إنّني من المسلمين .

هبطت روحه العظيمة من الملأ الأعلى إلى عالم المادّة واقترنت بها ، غير أنّها كانت كائنة بائنة , لم تتدنّس بأرجاسها ولم تتلوّث بقاذوراتها .

نظر إلى هذه الحياة لمّا أيفع فرآها مفعمة بالشرور والآلام ، مظلمة قاتمة . العدل فيها مفقود ، والحق ضائع غير موجود ، والقلوب منكّسة ، ترى المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً . ففتّش عن الحقّ والخير فلاحا له في أفق الإسلام ، فرجع بصره إلى ذلك الأفق كرّتين ، فانقلب وهو على بصيرة من أمره . ثمّ نادى من قرارة قلبه بأعلى صوته أنّ الدّين عند الله الإسلام ، ثمّ تاقت نفسه أن يرى عند ربّه مكان الإسلام . وعاد يردّد أناشيد الموت ليتسنّى له الرجوع إلى عالمه الأوّل يتوسّل بالنور إلى النور إذ اهتدى به . ويدعو ربّه بأن يرسل له ريحاً تحمله إلى عليّين ليمجّده هناك سبحانه ، ويتعلّق بأجنحة (الكروبيين) ، ويصعد بأجنحة الشعاع إلى مواطن الأنس في جوار خالقه .

كان يتمنّى ذلك لأنّ الغطاء كُشف عن عقله ، وكان بصره حديداً ، وزال عنه الحجاب بضربيه : الأنانيّة والبدن ، ودفع البدن طريقان : الموت الطبيعي العام ، والموت الإرادي لأهل السلوك والصفاء وبه تزول الأنانيّة .

فتمّ له الثاني في حياته ، فكان في بدنه كأنّه ليس فيه . إلاّ أنّه لم يرض بهذه المنزلة ، وأراد أن يكون في صقع الملكوت فيرى ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . واتخذ له عند الحقّ عهداً ، إلى أن يأتيه فرداً ! وقد أوفى بعهده وأجاب داعي الحقّ ، والتحق بالرفيق الأعلى .

كان يتمنّى الموت والعلويّات ، غير تمنّيه ذلك لم يصرفه عن الإصلاح وأداء وظائف الإرشاد ، والدعوة ، وبيان الحقّ للناس ، لأنّ روحه كانت كبيرة . فالأرواح العاميّة إذا مالت إلى الباطن غابت عن الظاهر ، وإذا ركنت إلى مشعر غابت عن الآخر ، وإذا احتجبت من الباطن بقوّة غابت عن غيرها .

والروح القدسيّة لا يشغلها شأن عن شأن ، فهي والأمور ظاهرها وباطنها كفرسي رهان .

نظر إلى أهل الباطل والظلم فهاله حالهم وأزعجه شأنهم ، فصاح بهم صيحة كادت تدكّ أركان عروشهم : أن أبعدوا فقد كفاكم ما فعلتم للبشر ، وعتوتم في الأرض ولم تصيخوا للعبر ، ولقد جاءكم النذر فلا تكذّبوا بها يأخذكم الله أخذ عزيز مقتدر . فعشوا عن الذكر وأعرضوا عن صاحبه ولم يتحمّلوه ، وقالوا :

] إنّا وجدنا آباءنا على دين أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون [ . وكادوا له ومكروا به ، وأرادوا إطفاء نور الله ، ويأبى الله ألاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون .

كتب الكتب ، ونشر المناشير ، وبيّن للناس الهدى من الضلال ، وفرّق اليمين من الشمال ، وأراهم سبل الحقّ وتعاليمه ، ثمّ قال لهم 🙁 ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ). فانبلج الصبح لذي عينين ، وغُلب الجاحدون المعتدون ، وانقلبوا صاغرين .

وليعلمنّ نبأه بعد حين …

التحق بالرفيق الأعلى ومات …

إلاّ أنّ أفكاره ومبادئه لم تمت ، فهي باقية بقاء الدهر ، خالدة خلود الزمان ، يتقبّلها أهل الإيمان ، ولا ينكرها إلاّ فاسدو الأخلاق ، فاقدو الإذعان والوجدان :

تلك آثارنا تدلّ علينا                  فانظروا بعدنا إلى الآثار

وأنت يا روح داهش العالية !..

قرّي عينا ، وتنقّلي آمنةً مطمئنةً في دار الخلود ورياض الجنان . فأتباعك قد عاهدوا الله على أن ينشروا مبادئك السامية حتى يأتيهم اليقين قائلين لأهل الجحود والنكران :

إعملوا على مكانتكم إنا عاملون .

وانتظروا إنّا منتظرون .

وسيعلم الذي ظلموا أيّ منقلب ينقلبون !!..

 الشيخ محمّد الشامي

من أساتذة المدرسة الشعبانيّة                                                    

حلب – الفرافرة – 1948

المسيح الجديد

 

إنّ الموت الداهشيّ هو الحياة .

عن أيّ شيء نفتّش على هذه الأرض الفانية ؟

لا شيء إلاّ أن نسمو بأرواحنا استعداداً للنهاية العظمى .

هكذا علّمنا رئيسنا الراحل .

إنّنا نحمل في قلوبنا تعاليمه العزيزة التي هي إنجيلنا الجديد .

لماذا نحزن من هذا الحداد ؟

بالعكس ، إنّ الداهشيّين يطرحون الحزن جانباً ويتقيّدون بمبادئ المعلّم .

إنّ الدكتور داهش تألّم آلاماً معنويّة أكثر من الآلام الماديّة .

لقد مات كما عاش محتقراً الأرض وما فيها من نذالة ودناءة ،

لأن روحه كانت متجهة دائماً نحو الله الأب السماوي .

لقد غرس في قلوبنا الإيمان الذي لن تستأصله قوّة بشريّة ،

بل سيبقى عميقاً جدّاً .

إنّ موته المؤلم ، والحادث المعلوم المجرم ،

نترك الله تعالى كشاهد عليهما .

فله وحده الإنتقام والعقاب .

أمّا أنت يا سيّدي ، فإنّك الشهيد ضحيّة أولئك البشر الجبناء ،

أولئك الأنذال الأدنياء .

أنت معجزة القرن العشرين .

هذا القرن الذي يزعمون أنّه متمدّن !

إنّ الذين قاموا بهذه الجريمة الشنعاء سيندمون ، ولكن لات ساعة مندم .

وإنّنا نؤمن بأنّك تنتظرنا كي نعود فنجتمع في جنّات الفردوس الخالدة .

بعدما نكون قد انتقمنا لدمك الغالي شرّ انتقام .

زينا حدّاد

1948

 

لقد بثثت في أرواحنا شعلة مقدّسة

 

أيّها الهادي العزيز ،

إنّني أبكيك ونفسي مغمورة بالحزن .

لقد تركتني مخلّفاً إياي باللوعة والأسى .

في هذه الأرض اللعينة لا يدوم عظمة ولا جمال .

لقد كنت كزهرة بين الأشواك ،

فرجعت إلى عوالمك العليا المرصّعة بالنجوم .

وقد أصبحت الآن بين الأحياء .

أمّا نحن فلا نزال بين الأموات .

ولكن يجب عليّ أن لا أحزن بل ابتهج ،

لأنّك غادرت هذا العالم الذي لم تجد فيه إلاّ الشقاء والعناء ،

والاضطهاد ونكران الجميل

وكل ما يمكن أن يتصوّره الفكر

من لؤم البشر ونذالتهم .

ولو تجرّأت على القول فإنّ الله القدير كان من الأفضل .

أن لا يرسل لنا أنبياء لأننا دائماً نعذّبهم ونقتلهم .

والتاريخ يعيد نفسه :

فمن لا يعرف قصّة يوسف وزوجة فوطيفار الزانية ؟

ومن لا يعرف أيضاً حادثة يوحنا المعمدان وسالومة الشهوانيّة الميول ؟

وفي عهدك أيضاً وجدت من شاءت أن يكون نصيبك كيوسف ويوحنا …

أمّا تفاصيل الحادثة فالعالم بأسره يعرفها .

إنّ قلوبنا لفقدك دامية .

ولكن الداهشيّين لا يجد اليأس إلى قلوبهم سبيلاً ،

فنحن سنبقى متحدين وثابتين حتى الموت .

لقد بثثت في أرواحنا إيماناً جديداً وشعلة مقدّسة .

إنّنا ندافع في سبيل عقيدتنا حتى النهاية .

ولو كانت روحي كتاباً لقرأوا فيه سطور الحزن والأسى والعناء …

ولكن يقرأون أيضاً فيه الانتقام عندما تدقّ هذه الساعة المقدّسة .

   أندريه حجّار                                                                         1948

 

رسالة ومقال

 

حضرة الوجيه الفاضل السيّد جورج إبراهيم حدّاد المحترم .

آلمني جدّاً ما عرفته من أخي الأستاذ الشاعر حليم دمّوس بعد عودته من العراق عن وفاة صديقي الحميم الدكتور داهش . ولقد تأخرت في تقديم فريضة التعزية لأنني كنت متردّداً في تصديق الخبر . ويعلم الله أنّني سكبت على الراحل العزيز الغالي دمعةً حرّى لما كان يربطني به من صلات المودّة الصافية والإخاء الصحيح .

وفيما أنا أستمطر على ضريحه فيضاً من مراحم الله ورضوانه ، وأرجو أن يسكنه خدره الخالد ، أسأله أن يقيكم من كوارث الأيام ويصونكم من فواجع الزمان .

الأسيف توفيق شديد أبي اللمع

 مدير المجلّة الطبية اللبنانيّة                                                                 

 وأحد أصحاب مجلّة الفجر

  بيروت ، أوّل كانون الثاني 1949

كيف عرفت داهش

 

بقلم الأمير توفيق أبي اللمع أحد أصحاب مجلّة الفجر

عرفت الدكتور داهش منذ زمن غير يسير إذ كان قد طلب إليّ أن أرشده إلى مطبعة متقنة يودّ أن يطبع فيها كتابه النفيس “عشتروت وأدونيس”. فأرشدته إلى المطبعة الحجريّة لأصحابها أشقّاء قرينتي السادة ريشا إخوان .

وتمّ طبع الكتاب على ما شاء وأراد .

ومنذ ذلك الحين صادقني ووالاني ، وبادلته صداقتي وولائي لما عرفته فيه من اللطف الجمّ والأدب الغزير ، وميله إلى العلم والفنّ والتأليف في الأمور الروحيّة والاجتماعية .

أمّا عن ظاهراته الروحيّة – وهنا بيت القصيد – فقد أحيا في منزلي ليلةً فنيّة روحيّة أبدى فيها من ضروب اللباقة والظرف والشيء الكثير .

وصدف أن زارتنا في تلك الليلة إحدى صديقات قرينتي وهي فرنسيّة تجهل أية لغة سوى لغتها . فطلبت إليه أن يرشدها إلى محلّ ابنها الوحيد القاصر الذي كان والده – لشؤون خاصة- قد أبعده عنها … ففكر داهش هنيهة ثمّ قال :

الولد في طرابلس ، وقد وصلها منذ ساعة يصحبه أبوه .

وقد تقصّينا الخبر بعد ذلك ، فثبت لدينا صحّة ما قاله داهش . وهو إلى ذلك يجهل الأب والأم والولد واللغة الافرنسيّة وكل علاقة أو صلة له بهم .

أمّا وقع وفاته على نفسي فقد كان كبيراً ، ووددت لو أن القوم درسوا الرجل درساً وافياً ، ودرسوا القوّة الكامنة فيه ، إذن لكان لهم منها فائدة كبرى .

على أنّه لا بدّ لكلّ مصلح في هذه الحياة من أن يرى الأشواك والاضطهاد في طريقه …

  توفيق أبي اللمع

 أحد أصحاب مجلّة الفجر                                                        

 ومدير المجلّة الطبيّة اللبنانيّة                                                              

كانون الثاني 1949

 

المصلح

 

بقلم محرّر جريدة الحياة البيروتيّة

 

في يوم بلغت فيه جرائم الإنسان حدّها الأقصى ، وأوغل الناس في طريق الضلال حتى أعماهم الجهل ، وخاضوا حتى الرّكب في أوحال الخطيئة ومستنقعات الرذيلة … اشتدّ غضب الله عليهم ، وقرّر أن يريهم عاقبة غيّهم … فكان أن حرمهم من نبيّ عظيم ، ومصلح كبير ، وتركهم يعضّون الأصابع ندماً على فوات فرصة عظيمة للخلاص …

أجل إنّهم آسفون على وقت أضاعوه في التحيّز لصفوف بعض الحسّاد والمغرضين الذي ساءهم أن يروا المكانة الرفيعة التي يحتلّها داهش في قلوب الشعب ، فراحوا يدبّرون له المكيدة تلو المكيدة ليصلوا إلى مآربهم السافلة وأهدافهم الدنيئة في التخلّص منه والقضاء على رسالته المقدّسة ، تلك الرسالة التي نذر لها نفسه ونذر لها أتباعه النفوس والأموال .

عاش داهش على الأرض ، وكأنّه ليس من أبنائها . فروحه الطاهرة وقلبه الشفيق الرحيم الذي لا يطاوعه على إيذاء أصغر المخلوقات شأناً ، والذي لا يكنّ لإخوانه البشر إلاّ كلّ حبّ وإخلاص وخير ، وأخلاقه الرفيعة السامية ، وأعماله ومعجزاته وغرائبه … كل هذا جعله يختلف كلّ الاختلاف عن بني الإنسان .

جاء داهش إلى هذا العالم لنشر الرسالة المقدّسة التي أرسله الله بها . جاء ووراءه قوّة عليا إلهيّة تسنده وتسدّد خطواته نحو هدفه المنشود .

ولكن طريقه كلّه لم يكن مفروشاً بالرياحين . فقد قامت في سبيله عقبات جمّة وحواجز عديدة . وكانت هذه العقبات والحواجز من صنع البشر المفطورين على حبّ الشرّ والأذيّة وعلى محاربة كلّ من توسّموا فيه طهارة ونقاوة وقداسة ليست متوفّرة فيهم .

جاء داهش إلى العالم ليهدي رجال الدين الضالّين الذين أعمتهم المادة وأهلكهم الجشع فنسوا تعاليم ربّهم وسلموا أنفسهم للشيطان طمعاً في بهرج وزخرف ودريهمات زائفة زائلة .

جاء ليقودهم نحو الصلاح والفضيلة ويهديهم إلى الصراط المستقيم ويعلمهم ما يفعلونه لخلاص أنفسهم . ولكنهم كانوا أوّل من هبّوا لمحاربته ومعاداته .

هبّوا كلّهم … كأنّهم يد واحدة … يحاولون القضاء عليه وعلى رسالته . ووالله لو كان في الأمر خير الأنفس البشريّة أو أحد المشاريع الخيريّة لما تقدّم واحد منهم ، ولما اتفق اثنان منهم على رأي واحد . ولكن هي الغريزة الشرّيرة المتأصّلة في نفوسهم تطلب إرضاءها وارواء غليلها .

إنّ داهش لم يمت … وإذا كان جسده قد غاب عنّا ، فروحه ترفرف حولنا ، وتسدّد خطانا لنكمل الرسالة التي بدأها . وليس بميت من كانت تعاليمه حيّة ، ومن كان له تلامذة أخذوا على أنفسهم أمر نشرها على جميع البشر .

إنّ موت داهش لم يجعلنا نستسلم لليأس كما تبادر إلى بعض الأذهان المريضة ، بل شدّد من عزائمنا ، ودفعنا إلى مضاعفة نشاطنا وجهودنا لنقوم بواجبنا نحو الله ونحو إخواننا البشر …

لقد بثّ زعيمنا الأكبر الشجاعة التي يتمتّع بها المؤمنون في قلوبنا ، فأصبحنا مستعدّين لاحتمال كلّ اضطهاد وظلم ومعاكسة ، لأننا واثقون من أن الفوز سيكون حليفنا في النهاية ، وأنّه لا بدّ أن يأتي يوم يشعر فيه الخطأة أنّهم ضلّوا سواء السبيل ، وأن داهشاً كان على حقّ ، فيرجعون عن غيّهم ويتبعون تعاليمه ووصاياه . وعندئذ – عندئذ فقط – نكفّ عن الكفاح لأنّه لن يعود هناك من هو بحاجة لكفاحنا ومساعدتنا …

أي داهش !…

لقد جئت إلى الأرض ، فكان قدومك أكبر نعمة أنعم الله بها على الإنسانيّة.

ثمّ رحلت عنها … فكان رحيلك أعظم خسارة مُني بها على أبناء البشر … ولكنك في الفترة التي قضيتها فيما بيننا عرفت كيف تفتح عيوننا على النور ، وتزيح لنا النقاب عن المخازي والجرائم التي كانت ترتكب تحت أنوفنا عنها غافلون .

أي داهش !

يا نبيّاً لن يعلو عليه نبيّ في هذا العصر ،

إنّنا نتوسّل إليك وأنت في السماء تسبّح الله وتمجّده أن تهدي الناس إلى الصراط المستقيم ، وتجعلهم يؤمنون بتعاليمك ووصاياك التي هي خير دواء لأنفسهم الخاطئة ، ويعملون بها ليحصلوا على الحياة الأبديّة .

ونتوسّل إليك أيضاً يا زعيمنا الأكبر ألاّ تغفل عنا أبداً ، وأن توحي إلينا دائماً بكلّ ما ينفعنا بجهادنا المقدّس ، حتى إذا ما انتقلنا إلى العالم الآخر ، وحصلنا على نعمة الحياة الأبديّة ، تمكّنا من الاجتماع بك مرفوعي الرأس لنشترك جميعاً في تسبيح الله والتغنّي بمجده .

وإنّنا نعاهدك مرّة أخرى … بأنّنا سنبقى إلى الأبد كما عهدتنا مؤمنين بالرسالة المقدّسة ، مخلصين لها ، باذلين كلّ جهدنا لإتمامها ، والوصول إلى الأهداف التي كنت تسعى إليها أيها المصلح الكبير والمرشد الهادي !

باسيل دقّاق                                                  

 بيروت ، 5 كانون الثاني 1949

رسالة عزاء وكلمة رثاء

 

بقلم الأستاذ صبحي عبد الخالق

 

حضرة الأخ المفضال جورج بك حدّاد المحترم

تحيتي واحترامي !

أكّد لي الأخ الشاعر الأستاذ حليم دمّوس مصرع الشاب المتسامي في حياته الخاصّة والعامّة ، المرحوم الدكتور داهش بك . وكانت الفاجعة حقّاً مؤلمة تهزّ المشاعر وتحزّ في النفس .

فقد كان رحمه الله المثل الأعلى للسموّ ومكارم الأخلاق .

لقد فقدنا من كان لا يدانيه مدان ، ولا يساويه ثان ، فيا لهول الفجيعة !

لقد جمعتني بالأخ الراحل داهش بك رابطة الإحساس المرهف ، والشعور العميق الفيّاض : الشعور بالإنسانيّة والجرأة والمبدأ القويم .

إنّ المرحوم كان يتحلّى بمزايا الإخلاص لإخوانه والفناء لأجل الروح .

ومن كانت هذه صفاته فلن يحزن .

فطب نفساً يا أخي جورج إنّ روح داهش لا تزال ترفرف علينا وتعطينا دروس المحبّة والسموّ وتحطيم الأغلال . فهو حيّ في ضمائرنا وسيبقى مدى الزمن .

لا شكّ أنّكم تعلمون أن صلة المرحوم داهش بالمرحوم أخي مطلق كانت راسخة البنيان ، موطدة الدعائم . فلم يكونا ليفترقا إلاّ لضرورة ملحّة .

فهما توأمان في روح واحد . وأنّ الفكرة التي يحملانها هي بُشرى لعهد جديد تسود فيه الطمأنينة والجرأة في قول الحقّ ، ووصول كل ذي حقّ إلى حقّه ، ونشدان الحقيقة التي عمي عنها البشر .

إنّني أعزّيكم تعزية أخويّة ملؤها التقدير والإعجاب بالبطل الراحل وبالأسى والحزن على وضعكم بعد وفاته .

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

من المفجوع صبحي عبد الخالق                                                           

 بيروت ، 20- 1-1949

سجنوه وجلدوه ، أهانوه ثمّ ...قتلوه

 

وأخيراً قتلوه !..

فيا لعار هذه الإنسانيّة !

لم تستحقّه الأرض وما كانت يوماً وطناً له .

فمنذ أن وطئها إلى أن رحل عنها لم يتذوّق منها سوى العذاب ،

ولم يتجرّع سوى كؤوس الآلام المريرة .

عاش غريباً ومات غريباً .

ولم يفهم سرّه أحد ولم يدرك عظمته أحد .

فشتّان بين ابن السماء وأبناء الأرض .

شتّان بين ابن الروح وأبناء الجسد .

عاش غريباً بين عارفيه ولم يعرفوه .

عاش غريباً بين آله وذويه وقد جهلوه .

حتى نحن … نحن الذين اختارنا وغمرنا بصداقته الغالية ،

ومحبّته الكليّة ،

ما وفيناه حقّه وما قدّرناه قدره ،

وما شعرنا بمدى حبّه وتضحياته ، إلاّ بعد رحيله ومماته .

فيا ويحنا من بشر لؤماء ، نضطهد أنبياءنا وعباقرتنا ومصلحينا ،

ولا نقيم لهم وزناً ولا نقدّس لهم ذكراً إلاّ بعد أن يغادرونا ،

ويا لحقارة نفوسنا الملتوية الحسودة ،

ويا لذلّ أرومتنا المنطوية على كلّ صغير خسيس !

عاش طفلاً يتيماً ، فقيراً شقيّاً .

نشأ وحيداً فريداً مجهولا،

فلا صديق يؤاسيه ، ولا حبيب يناجيه ،

ولا أمين يبثّه آلام روحه ممّا يشاهده ويلاقيه من أتراح

هذه الحياة الجائرة وشذوذها .

كان ثائراً متمرّداً يريد دكّ الأرض دكّاً ، وتهديم تلك الهيئات الاجتماعيّة

الكاذبة ، المبنيّة على الجور والظلم ، على الرذيلة والأحقاد .

كان جبّاراً طموحاً يريد بناء (عالم جديد)

تسوده كلمة الله عزّ وجلّ وتنفّذ في إرادته السرمديّة ،

وأن يعمّ العدل كافة الشعوب ، وأن تغمر المحبّة كافة الأمم والأفراد .

فهل من قويّ شديد الشكيمة ، عنيف الإرادة والعزيمة ،

ليسانده ويناصره على إتمام هذا الهدف السامي !

أتت الساعة !

وأعلن رسالته على الملأ ،

وبسط ما يجيش في صدوره الملتهب من آمال وأحلام ،

ونادى الناس ليعاضدوه ،

وعلى تنفيذ هذه الدعوة المقدّسة يكاتفوه :

فلا غنيّ بعد الآن ولا فقير ،

ولا قويّ ولا ضعيف ،

ولا سيّد ولا مسود ،

ولا عالم ولا جهول .

فالفقر ، والضعف ، والجهل ، والعبوديّة

من أعمال البشر ومن جريمة الإنسانيّة .

أمّا إرادة الله التي عبّر عنها بفم جميع أنبيائه ومرسليه ،

فهي أن يحبّ الناس بعضهم بعضاً ، وأن الإنسان أخو الإنسان …

فمن كان هذا دينه فلينفّذه ، ولينفّذه في الحال …

لأنّ السماء قد سئمت من النيّات الوهميّة ،

فهي تأمر أن يقرن القول بالفعل العاجل ،

والدنيا قد أتخمت من الأقوال وهي تطلب الأعمال …

“هلمّوا إليّ يا جميع محبّي العدالة والرحمة .

هلمّوا إليّ يا جميع محبّي النور والحقيقة .

هلمّوا إليّ يا عشّاق الحريّة الطليقة من كلّ شائبة .

هلمّوا إليّ يا عبّاد الروح وقيمها الخالدة .

فأنا أقودكم إلى حيث تصبو قلوبكم الطافحة بالعاطفة السامية ،

إلى حيث تهفو أرواحكم الملتهبة بشعلة الإيمان المقدّس .

هلمّوا إليّ لنبني ملكوت الله على هذه الأرض الشقيّة .

ذلك (الملكوت) الذي يرعى فيه الذئب مع الحمل ،

فلم يعد ذئب ولا حمل ،

بل لم يعد من شركات تجاريّة رأسماليّة لخنق الفقراء والعمّال والمساكين ،

بل إخوة يشاركون بعضهم بعضاً في السرّاء والضرّاء ، في الهناء والشقاء …”

هذا ما قاله داهش في تعاليمه ، وفي أهدافه ، وفي أقواله .

فمن سمع كلامه ؟

من أصغى إلى قوله ؟

من لبّى نداءه ؟

الناس كلّهم نيام .

الناس كلّهم في غفلة عن كلّ أمر نبيل وهدف سام .

فهم لا يتلذّذون إلاّ بالحقير ، الحقير الزائل ،

وهم لا يهتمّون إلاّ بالوضيع ، الوضيع الآفل ،

ولا يساهمون إلاّ بالتافه ، التافه الباطل …

إنّهم ماديّون لا يفكّرون إلاّ بما يفيد خزائنهم ويلذّ أجسادهم .

أمّا الروح … تلك الروح الأبديّة وما تهفو إليه

من سموّ وعدل وجمال وقيم خالدة ،

فمن ينظر إليها ويعتني بأمرها ؟

ومن يحدب عليها ويدرس حقيقة سرّها ؟

الناس ، وما أدراك الناس !

الناس كلّهم في جشع ،

وملء قلوبهم الأنانيّة والطمع .

كلّ يفكّر بنفسه وشعاره (من بعدي الطوفان).

وإذا هدف الناس واحد ، وهو أن يصبحوا ذئاباً بعد أن كانوا من الحملان .

فيا ويل الإنسان من أخيه الإنسان !!…

عاش داهش وحيداً فريداً عندما كان صامتاً ،

وبقي وحيداً فريداً عندما تكلّم .

وكانت النتيجة أن انتقموا منه لأنّه أسمعهم صوت الحقّ الداوي ،

صوت الله الصارخ منذ بدء الخليقة ، والداعي عباده إلى الصراط المستقيم .

انتقموا منه لأنّه كان صوت العدل المؤنّب ،

وصراخ الحقيقة التائهة المعذّب .

انتقموا لأنّهم رهبوا ثورته المقدّسة وفيها القضاء على كلّ أفّاك محتال .

فشوّهوا سمعته بافتراءاتهم المجرمة ،

وسوّدوا صفحته باختلاقاتهم الأثيمة ،

ليضلّلوا الناس ويبعدوهم عنه .

وبعد أن رأوا أنّ لا سبيل لإيقاعه في حبائلهم الجهنميّة ،

قرّروا الانتهاء من أمره …

فكانت بداية نوره وبدء ظلامهم … ومنتهى آثامهم !..

تاه في الفيافي خائراً عرياناً .

هام في الآفاق جائعاً عطشاناً .

سار في البوادي معذّباً مهاناً ،

إلى أن قضت عليه يد الغدر والخيانة فصرعته …

فوقع شهيد عقيدته السماويّة ،

وسقط مضرّجاً بدمائه ، شهيد حبّه ووفائه ،

وشهيد جهاده ونضاله في سبيل الله والإنسانيّة …

فيا سماء اكفهرّي ، وأظلمي وادلهمّي !… بعد ذبول زهرتك النديّة .

ويا غيوم طوفي فوق الأودية والتلال وانشري معطفك الداجي ،

واسكبي دموعك السخيّة على فقد درّتك النقيّة .

ويا نسور الفضاء المحلّقة في أجواز العلاء ،

بُثّي خبر الهول والفجيعة لكلّ قاطن في الأجواء .

وأنت أيّتها الجبال الزاهية ، اخلعي عنك حللك الزمرّديّة ،

وارتدي ألبسة الحداد الدجيّة ،

وأنت أيّتها البحار ، هبّي وموجي ،

وانتصبي بجبال مياهك من اسحق أعماقك ،

واندفعي نحو الأرض المجرمة بجبروت ،

واغضبي غضبة الروعة والحسرة والأسى على أسدك الثائر

الذي طعنه الخائن الغادر بيده الجهنميّة .

وأنت أيّتها الأنهار ، ويا أيّتها الجداول الرقراقة !…

إنّي أنين الحزن واللوعة على الحمل الحبيب الراحل .

وأنت يا مآقي الملتهبة ، اذرفي دموعك السخينة

على الأخ العزيز الأمين الذي سقط شهيد وفائه لربّه وصحبه .

وأنت أيّها القلب الخافق المضطرب !

اسكب دماء جروحك حرقةً وحسرة على من كان يغمرك بعطفه وحبّه ،

واصبر الصبر الجميل ، وانتظر ساعة اللقاء ،

هناك في الأعالي ،

هناك بعيداً عن هذه الديار القاسية الجائرة ،

هناك بعيداً عن هذه القلوب المتحجّرة ،

هناك في موطن الحبّ الخالد ،

هناك … في السماء ، في السماء ….

                                                           هند مقدّم

قوّة الرّوح

 

يبدو أن قوّة الروح هي التي بعثت في إتباع الدكتور داهش ومريديه ذلك الإيمان الصلب الذي لم يتغلّب عليه اضطهاد وحرمان .

والدكتور داهش قد أنشأ في هذا العصر مدرسةً روحانيّة جديدة جعلته عند أشياعه وأنصاره في منزلة الأنبياء والمرسلين .

وممّا يحمل على التبصّر والتأمّل والاعتبار أنّ صحبه – على قلّتهم – يتمتّعون في محيطهم بمركز مرموق ، ولهم في الهيئة الاجتماعيّة مقام يُشار إليه بالبنان .

فمنهم شاعر موهوب ، وطبيب ناضج ، وعائلة اتصفت بسموّ خلقها وطول باعها في الفنّ والأدب ، وغيرهم ممّن لا يتسع المجال لذكرهم وبيان مكانتهم الرفيعة .

وما مجالسة الداهشيّين ومحادثتهم يتّضح أنّ نظريّة عميدهم في الحياة إنّما ركناها : التجرّد عن المادّة وعمل الخير .

ولا يسع المرء إلاّ أن يُكبر هذه المبادئ وهذه المثاليّة لأنّ عالم اليوم أحوج ما يكون إليها .

فسقيا للشاعر الكبير الأستاذ حليم دمّوس الذي حمل العلم بعد داهش ، يكرز ويبشّر ويدعو الناس إلى تخليد ذكرى صاحبه المتواري ، لأنّ في الذكرى وفاء .

ومن الوفاء عبرة لمن اعتبر !…                                                        

 المحامي وجدي شبلي ملاّط

ربّك ربّ النيّات

 

من رسالة الأبّ العلاّمة الخازن محرّر جريدة الأرز

اللبنانيّة إلى السيّد جورج إبراهيم حدّاد وعائلته

أقدم لكم وللفيف عائلتكم الكريمة ولا سيّما إلى السيّدتين كريمتيكما زينا وآندره عزائي بوفاة الأديب الكبير الدكتور داهش .

فقد نعاه إليّ أخيراً أحد الأصدقاء فعزّ عليّ نعيه ، وأكبرت المصاب بفقده ، لأنّي عرفته عن كثب ، إذ كان يتردّد عليّ لمطالعة بعض الكتب في مكتبتي ، وقد أعجبه بنوع خاص كتاب مصوّر للشاعر الإيطالي العظيم (دانتي) . وقد عرفت فيه آنئذ أديباً كبيراً على جانب عظيم من الذكاء والنباهة .

وكان بإمكانه أن يخدم الأدب والعلم والدين خدمات جلّى ، ولكن يد الغدر الغاشمة أبعدته عنّا ولعبت به ، كما لعبت بغيره من قبله … فلا حول ولا … وما لنا إلاّ أن نردّد قول فيلسوف المعرّة :

رضىً بقضاء ربك فهو حتم               ولا تظهر لحادثة وجوما

فالعزاء الكبير لقلب كلّ مؤمن بأنّ الديّان العادل يجازي كلّ إنسان حسب نيّاته وأعماله دون محاباة ، ولا تخفى عليه خافية ، فربك ربّ النيّات . وعندنا ثقة أنّ أصحاب النيّات الحسنة والأعمال الصالحة سيجتمعون يوماً في ديار الراحة حيث لا يفرّق مفرّق ، ولا يعكر صفو الحياة أدنى كدر .

فالله نسأل إذن أن يتغمّد الفقيد العزيز برحمته ، ويسكب على قلوبكم غيث رضاه وسلوانه ، وهو السميع المجيب .

 الأسف

                                            الخوري لويس الخازن

                                         محرّر جريدة الأرز المحتجبة

العنوان ، بيروت صندوق البريد 555

المكتب : شارع مار مارون ، ملك أسعد قطيط

كلمة الأمير عبد القادر الشّهابي

 

إنّ القلب ليحزن ، والعين لتدمع ، والمصاب أليم ، والخطب جسيم . في ذمّة الله نودّعك رافعين أكفّ الضراعة بالدعاء والرضى .

أيّها الراقد ، لقد خلّدت ذكراً بصدر القريب ، وتركت أثراً في قلب البعيد ، يذكرون اسمك الخالد في حلّهم وترحالهم ، وما علموه عنكم ، وما لمسوه منكم ، كلّ ذلك إن لم تحفظه السطور باق في الصدور .

أيّها الراقد ، إنّني أدرى الناس بشخصك اللامع ومحيّاك الساطع ، خلقت أوحد في جهادك وجهودك فأتيت عملاً جليلاً وأثراً مفيداً لخدمة المجتمع . ولكنّ القدر أراد ذلك .

أيّها الراقد ، إنّ الحياة هي كفاح وعراك ، ولا يمكن أن يطيب فيها العيش ويهنأ البال إلاّ بالفوز والنجاح ، والنجاح الحقيقي اختاره لك المولى المتعالي قبل أوانك ، لأنّك من الأخيار ، وكما قيل (يعجّل الله بأخياركم).

أيّها الراقد ، قضينا الأيّام في تآخ ، وسهرنا الليالي في وئام ، ولم نر في النهار شمساً ولا في الليالي ظلاماً .

أيّها الراقد ، وهبك الله موهبة لم تتوفّر لغيرك ، من شدّة العزيمة وقوّة الشكيمة ، فلا يلين الصلب ولا الحديد فحسب ، بل تلين لك العقول المتحجّرة والرواسي القاسية بفلسفة المنطق وقوّة البرهان ، ولم تكن عاجزاً عن تقويم المعوّج وجبر المكسور ، مع رفع الوضيع وهدم المتكبّر بقدرة قادر .

وإلى اللقاء يوم الحشر والنشر .

 الأمير عبد القادر الشهابي المقدسي

رسالة صاحب العلم العربي

 

سيّدي الأخ الشاعر الفذّ الأستاذ حليم دمّوس وفّقه الله

السلام عليك من مهاجر يتتبّع خطواتك قبل بعث الداهشيّة وبعدها ، ومن صحافيّ طالما نشر آثارك ، وبذر في حقل صحيفته أفكارك .

وإن كنت لم أبعث إليك بعلمي ، ولم يشاطرك ألمك في المدّة الأخيرة لساني وقلمي ، فصمتي هو نسخة طبق الأصل عن صمتك ، وألمي هو معجون بألمك . فإنّ رسالتنا الأدبيّة تحتاج إلى ألف داهش لتدهش الناس وتجعلهم يعترفون بها صاغرين .

وقد جاءت رسالتك التي تجرّ بأذيالها كالعروس الحسناء تنمّ عمّا في نفسك الطاهرة من محبّة لمن يخدم شعبه وأمّته . وقد لمست فيها ألمك وأحزانك ، وكأني بك كتبتها بدم قلبك الزكيّ الطاهر الذي ينزف على القرطاس .

وأمّا رسالة داهش ، فقد تتبّعت آثار مواليها ومعاديها . وإذا أحدثت هذه الضجّة في الشرق ، فقد أحدثت ضجّة كبرى في المهاجر . ومن البديهي أن يكون لكلّ دعوة صداها من حسن وسيّئ ، وأن يكون المناوئون كثيرين وكثيرين جدّاً ، لأنّ الرعايا – كما يقال – على دين ملوكها .

وإذا لم أبحث في دعوة الداهشيّة حتى الآن – وقد وقفت منها وقفة الدارس لا الناقد أو المحبّذ – فهذا لا يمنعني من انتقاد الحكومة لمطاردتها رجلاً لم تحمل رسالته أذىً لأحد ، ولم يدع إلى دين جديد يمجّه الذوق الإنسانيّ ، ويوجد فوضى في الشعب .

فالرسل والمصلحون لهم سنّة يتمشّون عليها ، وهدف يرمون إليه ، وعقيدة ينشرونها بين قومهم . فإذا لم تجد دعوتهم رواجاً في بادئ الأمر ، تكفّل الزمان بنجاحها ، ونشرها كلّما انطوت ، وانبعاثها كلّما حاول المناوئون طمسها ، ورجم أوليائها .

ولا نحيلك إلى دليل أبعد من احالتك إلى (غاندي) ذلك الهيكل العظميّ الذي دعا إلى السلم كافّة . ولم يُحرم من مجرم رأى في سلمه حرباً ، وفي إصلاحه فساداً ، وفي إرشاده غشّاً ، فقتله . ولكنّ رسالة (المهاتما) ستبقى ما بقيت البشريّة .

ثمّ ، لا ننسى أن رجال الدعوة كانوا يلاقون من الاضطهادات والمناوأة ما تنوء الجبال الراسيات بحمله ..

لقد طلب قوم موسى من موسى أن يريهم الله جهرةً ، فقالوا :

لن نؤمن بك حتى نرى الله جهراً .

ولم تكن معجزات عيسى ومحمّد كافية لإقناع المتعنّتين … فأبو جهل عمّ النبيّ كان في طليعة محاربي رسول الله ، وفي طليعة محاربيه بجيش لجب !.. إنّ هذا كان في عصر غير عصرنا هذا . كان في عصر يفتّش الإنسان فيه عن إله يعبده ، فكان يعبد تارة الشمس ، وطوراً النجوم ، وأحياناً القمر ، فالحجارة ، فالبقر .

وهل تجهل أن قوماً صوّروا من العجوة إلهاً ؟ وعندما جاعوا أكلوا إلههم ؟!..

أمّا في القرن العشرين فقد كثر الفجور ، وعمّ الكفر ، وصارت كلّ رسالة إصلاح غرضاً لسوء الظنّ ، وصار كلّ مصلح ومرشد عرضةً للشتيمة والنميمة والقدح والتقريع والتأنيب . ولم نجد مع الأسف كاتباً حتى الآن يضع رسالة داهش على مائدة التشريح ويضع نظارتيه على عينيه ، ويتجرّد من الأنانيّة والغرضيّة والغايات ، ويقول كلمته البريئة لوجه الله والإنسانيّة ، لأنّ الناس اعتادوا أن يكونوا تابعين في النكايات والبغي والشتيمة ، ولم نرهم كتابعين في حفظ الكرامة ، وإصلاح ذات البين ، والهداية والإرشاد .

إنّي من أولئك الذين يغيظهم ، بل يقتلهم اضطهاد كلّ رب دعوة يراد منها الإصلاح العام وإرشاد الناس إلى طريق واحدة والسير بهم على صراط واحد لعبادة إله واحد .

ففي الشيوعيّة من التهديم ما فيها .

وفي الرأسماليّة من “التعتير” ما فيها .

مع هذا لم تسنّ الأمم المتمدنة ولا المتوحشة قانوناً يسحب من هؤلاء جنسيتهم ويسلب منهم حريتهم ويتركهم كريشة في مهبّ الريح .

فالشيوعيّة مثلاً عنصر من البشر يطبّق عليهم قانون العقوبة ، ولكن لا يطبّق عليهم القانون الذي طبّق على داهش وجماعته طالما لم يقوموا بثورة داخليّة ، ولم يتآمروا على الوطن مع أجنبيّ ، ولم يحرجوا الناس على اعتناق مبادئهم قسراً وعنوةً .

فأين ميثاق (يلطا) و(بوتسدام) و(موسكو) و(سان فرنسيسكو)… الخ من هذه الجرائم وقد جعل للحريّات الشخصيّة وزنها .

أمّا بلاد العرب ، فتربة صالحة منذ قديم الزمان لبذور المحبّة وقبول كل دعوة عليها مسحة من الإصلاح . وعندما نرى الغرب الغارق في حمأة المادّة من أعلاه إلى أدناه يتلمّس الأخبار لنشرها عن كل مصلح أو مبشّر أو قائم بدعوة إصلاح جديدة ، حتى أنه ينشر أخبار المشعوذين وأرباب السحر والخرافات ، ويسوقهم إلى الناس كأنّهم من جبلة الآلهة ، نتعجّب كيف لم يتسع صدر الشرق وحكوماته لرسالة داهش ولدرسها على ضوء الحقيقة (وكيف يتسع لبنان لوثيقة المطران مبارك الهدّامة الخبيثة ولا يتسع لرسالة داهش ).

إن في هذه البلاد الأميركيّة من المشعوذين يا يضيق الشرق من اتساعهم . ومع هذا يتمتعون بالحريّة التامة ، ولا يجدون من يسنّ قانوناً خاصّاً لحرمانهم جنسيتهم وحريتهم والحكم عليهم بالسجن المؤبد والنفي .

أيّها الأخ !

لقد أكثرت من الحديث إليك ، ولكن سمعت عن داهش وجماعته من القادمين من الوطن وغيرهم من المعجزات ما لا يجب ذكره الآن .

ولطالما سمعت الشاكين أيضاً يعضّون الأرّم ، والمتعنتين يقذعون الرجل ، وينعتونه بأبشع النعوت ، ويرجمونه بالحجارة عن بعد عشرات آلاف الأميال ، فسبحان مفرّق العقول والنزعات والأميال !!…

                                                    عبد اللطيف الخشن

 صاحب جريدة العلم العربي في بونس ايرس- الأرجنتين

مع الجواب والذيل بُعث إليه في الختام بهذه الأبيات :

أخا الودّ لا تجزع فما زال في الورى      

هُداة بهم تسمو النفوس وتهتدي

أخا العرب لا تقنط وإن كان شرقنا        

ينوء بقيد فهو غير مقيّد

غداً تنجلي شمس الحقيقة في الحمى       

ويا طول شوق المستهام إلى غذ !…

 

رسالة ومقالة

 

بقلم العلاّمة المدقّق والمؤرّخ المحقّق عبد الله مخلص

حضرة الصديق الشاعر حليم دمّوس المحترم

بالأمس تناولت تحريرك الأخوي ، فشكراً لك على ما حبوتني به من عبارات إطراء لا أستحقها . وكن واثقاً بأنني مدين لك ، وفضلك لا ولن أنساه .

وبعد فإنّني أدخل في صلب الموضوع الذي يهمك معرفته ، ألا وهو سؤالك إياي رأيي في صديق الطرفين المأسوف عليه كثيراً المرحوم الدكتور داهش الذي فوجئت مفاجأةً مؤلمة جدّاً عندما بلغني نبأ موته الفجائي . ونزولاً على رغبتك ، ها إني أبادر فأرسل لك عُجالة سريعة عن انطباعاتي بالدكتور داهش فأقول :

كيف عرفت الدكتور داهش ؟

 

كان ذلك في مدينة عكا عام 1932 عندما قطن داهش تلك المدينة لمدّة شهر واحد فقط . وقد زارني في منزلي وكان يرافقه الأستاذ خير الدين الزركلي الشاعر الموهوب .

وأصدق الأستاذ القول بأنّني بهرت من معلومات داهش الأدبيّة والعلميّة وسحرتني أحاديثه التي دلّت على أفقه الواسع وخبرته غير المنكورة وإلمامه بكلّ صغيرة وكبيرة .

ولا أخفي أنني شعرت أيضاً بجاذب خفيّ يدفعني لوضع ثقتي به . ولا أكتمك أيضاً أنني صارحته حينذاك أنني مدهوش من شهرته الواسعة في الأقطار العربيّة بالرغم من ربيعه الذي لم يكن يتجاوز عامذاك العشرين . وهذا الأمر يبرهن على نبوغه التام وعبقريّته الفذّة .

وتكرّرت الاجتماعات ، وتعدّدت الزيارات ، وكنت في كلّ مرّة اجتمع فيها معه يشتدّ إعجابي به وتقديري له . وتأكّدت بأنّ الأيام إذا مدّت بعمره فسيكون شخصيّة مرموقة ذات شأن يُذكر (وها قد حققت الأيّام ظنوني ) وهل يخفى القمر ؟

أمّا مسألة تجريده من جنسيّته بالظلم لأنّ السيّدة ماري حدّاد وقرينها وكريماتها هم من أتباعه . فهو ظلم رهيب لم يسمع القرن العشرون بحادث رهيب مثله على الإطلاق . وقد ترك هذا الاعتداء عليه أثراً فعّالاً في نفوس الرأي العام ، وبرهن لهم أن مكانة داهش وآراء داهش وتعاليم داهش وأهداف داهش لا ولن يمكن لقوّة الطغيان أن تسيطر عليها أو تفلّ من فولاذها الصلب الصلد ، وأن عزيمة داهش الصخريّة ستهزأ بأعدائه اللؤماء ، وستذيقهم الصاب المرير بكؤوس طافحة من هذا الشراب الكريه المذاق . وإني أتكلّم عمّا سيلاقيه أعداؤه منه عن معرفة تامة بداهش وشدّة ثباته على مصارعة الأعداء ومصاولتهم ثمّ مداورتهم والهزء بهم ثم طعنهم بصلابة داهشيّة مزلزلة …

أقول هذا بعدما لمست وشاهدت ماذا كان من أمر المدعو (عبد الرحيم الشريف) الخليلي الذي كان تلميذاً لداهش ، ثمّ حاول الالتواء ، فطرده داهش ، وقلب له ظهر المجن . وإذا بالشريف يخونه بما أذاعه عنه من أكاذيب ارتدّت عليه بالوبال لأنّ داهشاً أذاقه المرّ والغسلين بصورة رهيبة جدّاً ، وشهّره تشهيراً لم تسمع بمثله الآذان منذ آلاف السنين .

وإنّي لمتأكّد يا صديقي بأن جميع ما نشر من نشرات مرعبة وكتب سوداء مخيفة بما احتوته في أجوافها من فضائح تعشعرّ منها النفوس وتهتزّ الأرواح من حقائقها التي لا تشرّف أعداءه الذين اعتدوا عليه اعتداءً شائناً سربل أسماءهم بالخزي والعار … إنما هي من بنات أفكار داهش ، ومن ترتيب داهش ، ومن تنظيم داهش ، وأخيراً هي من قلم داهش الجبّار نفسه .

وعلى هذا فقد انتصر داهش على أعدائه وشهّرهم تشهيراً مروّعاً لم تسمع الدنيا بمثله قبلاً على الإطلاق .

هذا هو داهش يا أخي الحليم ، وهذه معلوماتي الصحيحة عنه .

سقى الله جدثه بغيث الرحمة الواسعة ، إنّه السميع المجيب .

                             عبد الله مخلص ،

 عضو المجتمع العلمي العربي بدمشق، القدس

داهش الجبّار

 

صاحب الإرادة الفولاذيّة

لبطل فلسطين المجاهد عبد القادر الحسيني

حضرة الأستاذ حليم دمّوس المحترم

وكيف لا أصعق من هول الخبر المفاجئ ، وكيف لا أذهل ؟

بل كيف لا يغمرني الأسى والأسف على الصديق الصدوق داهش ؟

إن معرفتي به تمتد لخمسة عشر عاماً خلت ، وكان ذلك في مدينة يافا ، وكنت إذ ذاك احرّر في جريدة الجامعة الإسلاميّة لصاحبها العلاّمة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي . وقد تعرّفت به ، فأحببته لنبالة لمستها فيه لمس اليد ، ولغيرة وحميّة كانتا تتدفقان من صدره الفتيّ .

أمّا خبرته في أمور عالمنا الفاني ، فحدّث عنها ولا حرج . لقد كان يهيم في الفنّ ، ويقدّس الأدب الرفيع ويغترف من ينبوعه المتدفّق .

وأقسم بأنني ما رأيته مرّة واحدة إلاّ وهو يتأبّط إمّا كتاباً وإمّا حزمة صحف أسبوعيّة ويوميّة .

وأذكر أنني داعبته في إحدى المرّات وقلت له :

إنّك مدمن مزمن بمطالعة الكتب والصحف ، كإدمان السُكارى وهيامهم بالخمرة . فقال وهو يبتسم :

وسأبقى على إدماني هذا حتى ساعتي الأخيرة .

هذا ما تذكرته دونته في هذه العجالة لإرساله إليك بسرعة ، وأنا أشعر بالأسى يغمرني لفقد هذا الصديق الذي ذهب ضحيّة رخيصة وغنيمة باردة نزولاً على رغبة شرذمة ماكرة من أشباه الرجال .ولو أنصفوا الرجل ، لاستفادوا من مواهبه وعبقريّته . ولكن ثق أن ربّك لبالمرصاد ، وسيلقى كل ظالم جزاءه .

رحم الله داهشاً ، فقد كان خلاًّ وفياً وأديباً عبقريّاً ، ولتبق ذكراه خالدة !

 عبد القادر الحسيني

مات العبقري داهش

 

بقلم أديب العربيّة الكبير وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق

ابن فلسطين المشهور محمّد إسعاف النشاشيبي

إنّمـا الدنيا شجون  تلتقي              وحزين يتأسى بحزيـن

ضحك الدنيا احتشاد للبكا                    وأغانيها معدّات الأنين

إنّها العبقريّة ، لا يد لصاحبها فيها ، ولا تأثير عباقرة كُثُر . وقد يجلو الصيقل جوهراً فيشعّ وينير … ولكن :

السيف ما لم يُلف فيه صيقل                من سنخه(5) لم ينتفع بصقال

إنّها العبقريّة . إنّها إنّما تجيء من فوق .

إنّها إنّما تهبط من السماء – إن هي إلاّ وحي يوحى .

إنّها العبقريّة ، وإنّهم العبقريون :

كنز الإنسانيّة والأضواء النيّرات في ظلمات الحياة .

إنّها العبقريّة وأنهم العبقريون :

صفوة البشريّة ، وهُداة الناس ، وقادة الأمم ، وبُناة الحضارات .

إنّها العبقريّة وإنّهم العبقريون :

الذين يكرههم الناس ، والذين يحبهم الناس ،

والذين يحاربهم الناس ، والذين يبيدهم الناس .

أنا السابق الهادي إلى ما أقوله             

إذ القول قبل القائلين مقول

وما لكلام الناس فيما يريني                

أصول ولا لقائليه أصول

أعادي على ما يوجب الحبّ للفتى         

وأهواه والأفكار فيّ تجول

سوى وجع الحسّاد داو فإنّه                

إذا حلّ في قلب فليس يحول

إنّها العبقريّة ، مشت في الدهر اليقدمُية .

وشنئت الحالة الوسطويّة والحالة الدنيويّة السفلويّة ،

فناكرتها العاميّة والسوائيّة ،

وخاصمتها الإمعيّة ، والأمريّة … والمعمعيّة (6)

وقال السّها للشمس أنت حقيرة …

إنّهم العبقريّون الأقوياء الأشداء المؤيدون بروح من عند الله

فهم لا يغلبون .

إنّهم العبقريّون الثابتون الراسخون في معارك الحياة

ولا ينجي من الغمرات إلاّ              بدأماء القتال أو الفرار

فهم لا يهدّمون …

ومن الرجال إذا انبرت لهدمهم             هدموا غليظ مناكب الصفّاح

إنّهم العبقريوّن يجاهدون :

يكدحون في تقدّم أقوامهم والأقوام إيّاهم يؤخرون .

ومن الحزامة أيّها النطف (7) الحشا              ألاّ تؤخّر من به تتقدّم

أريد حياته ويريد قتلي                            عذيرك من خليلك من مراد !..

إنّهم العبقريّون :

يقودون القوم إلى الجنّة ، جنّة الارتقاء ، جنّة الحريّة ، جنّة الاستقلال . والقوم كارهون ، وبجحيم التقهقر والتأخر والاسترقاق والعبوديّة والذلّ والانقياد للعلج الأجنبي ، يا ويلهم ، يا ويحهم ، راضون !

إنّها العبقريّة المتألّمة المتحسّرة الشقيّة ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .

إنّها العبقريّة الهنيّة بشقائها ، الرافهة بعنائها ، ببلائها .

إنّها العبقريّة الدائبة الكادحة ، المجاهدة ، الصابرة – وبشّر الصابرين .

إنّها العبقريّة المطمئنّة ، المستيقنة ، المعتقدة ، المؤمنة ، الغالبة ، الظافرة في العاقبة .

ومن يتولّى الله ورسوله والذين آمنوا ، فإنّهم حزب الله ، وهم الغالبون .

إنّها العبقريّة المؤمنة المنتصرة – وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين .

فيا أتباع داهش !

يا من آمنتم بالإسلام وآمنتم بالقرآن

بواسطة تعاليم داهش وعبقريّة داهش ، حياكم الله .

واثبتوا على إيمانكم يؤتكم النصر من عزيز قهّار

وعادل جبّار .

                                              محمّد إسعاف النشاشيبي

                                                بيت المقدس

الهوامش

 

  • أرسلت هذه الأبيات من لبنان إلى بعض الإخوان الداهشيّين في بغداد ، لتحفر على ضريح مؤسّس الداهشيّة في إيران ، ويزاح عنها الستار في الحفلة التذكاريّة التي يقام مثلها بنفس التاريخ في لبنان وبعض المدن في الوطن والمهجر .
  • كان في تلك البناية عدد من المساجين ، بينهم المحامي الأستاذ محسن سليم كاتب الرسالة ، والسادة ممتاز ومحمّد المقدم ، وإميل صيدح ، وعبده الخوري ، وياسر سلطاني ، والشيخ محمود الطرابلسي وسواهم من لبنانيين وسوريين .
  • إشارة إلى شعر امرئ القيس القائل وهو في غربته قرب جبل عسيب :

أجارتنا إن الخطوب تنوب                     وإني مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا إنّا غريبان ههنـا                      غريب للغريب نسيب !…

  • الوصيّة المنوّه بها أعلاه هي التي تنصّ بخمسين ألف ليرة سوريّة لبنانيّة لأعمال خيريّة تنفق بواسطة نيافة الكردينال ، وبألفي ليرة لحضرة الخوري أفرام جرجور اقتضى بيانه . وهي الوصيّة التي عملها المرحوم الدكتور داهش المأسوف عليه .
  • أي من أصل معدنه .
  • رجل معمعيّ – لا رأي له يقول لكلّ أحد : أنا معك .
  • النطف : النجس الفاسد.

ربيع نيسان حزين

 

ربيع نيسان حزين،

مكلوم، عابس، ومتجهِّم،

حناجر البلابل انطفأت،

خفت صوت الأطيارِ، حزناً وأسى،

وأغصان الأشجار ما عادت ترقص نشوى،

ذوت براعمها ،

عزفت الجداول موسيقى اللوعة والألم ،

 غصَّ خريرها ،

شقائق النعمان لم تزهر،

والسوسن خبا تخت صخوره،

يخفي دموعه ،

الورود انطوت على نفسها،

ما تفتقت بتلاتها،

أزهار نيسان ذابلة، منكمشة على ذاتها،

لم تعد لها رائحة,

تندبُ فراق الأحبَّة،

فزهرة الأزهار قد غادرتنا،

عادت الى سمائها،

ربيع نيسان حزين, وحزنه أبديّ, لا حدَّ له ولا مدى،

فالنور سرعان ما خبا في عالمنا التعيس،

كالبرقِ ومضَ وانكدر،

فأبناء الظَّلام اعتادوا الظَّلام،

عاد من حيثُ أتى،

بعد أن بشر بمبادئه ، وأرسى أُسس تعاليمه،

مُكملاً بذلك رسالاته التي ذاق الأمرَّين لنشرها طوال أحقابٍ،

هادياً ومُرشداً، مُبشراً ومنذراً،

مُصحِّحاً اعوجاج المفاهيم، وقصر الرؤية،

مُفسِّراً نقاط اختلافٍ ، قطَّعت أواصر الأخوَّة بين البشر،

مُوحِداً الأديان على جوهرها، نابذاً الفرقة بينها،

عاملاً ومساعداً على خلاصنا ، وانتشالنا من جحيمنا،

غير آبهٍ لما يعترضه من صعوبات،

ولا من سوء فهمٍ ، أو اتهامات باطلة،

مبنية على الحسد والحقد، من رجال دينٍ ودنيا،

ومن خلفهم رجال سُلْطةٍ وسلطان،

لقد اعتاد الظُّلم والجور منهم، وأكاليل الشوك،

تُدمي قلبه قبل رأسه،

فهم هم دائماً وأبدا، شياطينُ مُجسَّدة.

ليل نيسان طويل , وظلمته مدلهمَّة,

العيون لن تكتحلَ بمرآه بعد الآن, والشفاه لن تبتسم,

والحسرة تعتمر قلباً كسيراً, يضنيه الشوق لرؤيته،

يُعذبه الفراق, وتكتنفه الكآبة,

الحزن يغمرني, ويطوّقني بسلاسل من شوق,

فالحياة سلسلة من الأحزان، لن تفارقنا حتى نفارقها،

 وساعاتها معدودة، وإن طالت،

والأجل لا بدَّ منه،

والقانون الإلهي هو القانون الثابت,

تخضع له المخلوقات طرَّاً،

ولا يبقَى غير وجه الله ذي الجلال والأكرام،

فنحنُ منه وله، والعودة حتميَّة،

والحبيب كما نحنُ، وإن عزَّ علينا الفراق،

على أمل الألتزام  بطريقٍ خَطَّهُ في سيرته، ليكون لنا نبراساً، نقتدي به،

ومن بلغه التقاه، ولو بعد حين؛

والى ذلك الحين، لنحوِّل حزننا  الى فرح.

ربيع نيسان حزين, وشمسه باردة,

وكوخ تفكَّكت أوصاله,

 عصفت به رياح غضوب فكَّكت ذرَّاته, فذّرَتْ أشلاءه,

وموقدٌ ما عاد يدفىء عظاماً ترقَّقت من تعب الأيَّام,,

خبت تلك النيران المتأجِّجة..انطفأت جذوتها..أصبحت رماداً,

وحبيبٌ ملَّ الأنتظار.. رحل دون وداع

غير آبهٍ بالأرض ومن عليها؛

ملَّ الحياة وما فيها,

اشتاق  لأبيه السماويّ،

واخوته وأخواته الداهشيين،

حيث أحبَّته وحبيباته المؤمنين,

حيث المُختارون الذين ساندوه في أيام شقائه الأرضيَّة,

والذين بلغوا الملأ الأعلى،

ينتظرونه بشوقٍ عظيم,

بعد تضحياتهم وجهادهم في سبيل أعلاء كلمة الحقِّ والنور واليقين،

فاستحقُّوا العوالم السعيدة البعيدة من أجل ذلك،

فهو مُرشدهم وهاديهم وحبيبهم,

ولهفته للقائهم لا تقلُّ عن لهفتهم اليه,

افتقد عوالمه الروحيّة, البعيدة كلَّ البُّعد عن عوالمنا الماديَّة،

انطلق مُحلِّقاً بأجنحةٍ من نور، الى أقاصي السُّدم والمجرّات,

أنطلق مُسرعاً اليها, ولم يأسف على أيَّامه الأرضيَّة،

غير عابءٍ بمحبوبه, وحرقة دموعه, ولوعة قلبه,

قد أمسك حبيبي عن الكلام,

وخيم الصمت على الأبديَّة.

حسين يونس

في ذكرى انتقاله

 

استجاب الموت لنداء الحبيب بعد طول مناجاة, ففارق دنيانا غير آسفٍ عليها, وكيف يأسف على أرض الشقاء التي اضطهدَ فيها لأجلِ دعوةٍ ملؤها المحبَّة, من قلبٍ أدماه رؤيتهم يغوصون في مستنقعات الرذيلة, مبتعدين عن الفضيلة , متمسِّكين بعاداتٍ وتقاليد واهية, لا تغنِ ولا تثْمن, نافخين في رماد الفتنة والتفرقة فيما بينهم, صامِّين الآذان عن صوت الحقِّ, ضاربين عرض الحائط بتعاليم السماء ونُظُمِها السامية.

استجاب الموت , فانطلق من عالمنا الأرضي الى عوالمه البعيدة السعيدة, تاركاً كلمة اللّه في الأرض , رسالة الهيَّة, وتعاليم روحيَّة, ومباديء سامية, منارة هدى, تهدي السبيل الى طريق الحقِّ والنور واليقين. وتنير لنا دروب الظلام لكي تبعد عنّا العثرات التي تعترض اصلاحنا لذاتنا الخفيَّة.

منارةٌ هي شعلة الهداية الألهيّة, منها نستمدُّ النور الذي به تُنار الظلمات , فما نحنُ الاَّ ذلك الشعاع ما بين الشعلة والظلمة . ذلك الشعاع , اذا اتَّحدَ أضاء, والاَّ فلن يضيء أكثر من أن يُظلم.

لنجدِّد العهدَ لصاحب الشعلة, بالعمل الجاد والمضني لنشر تعاليمه في مشارق الأرض ومغاربها, مُضحِّين ومجاهدين في سبيل أعلاء كلمة اللّه . غارسين المحبّة في نفوس قاطنيها , ليزهر السلام في نفوس ابناءها, فنحصد الرقي الذي هو أمنية الهادي الحبيب.

لنجدِّد العهد لصاحبِ الذكرى, بالسير قدماً بمبادئه, ملتزمين بها , حاثِّين الخطى في سبيل العمل على رقي سيَّالاتنا. فأعمالنا هي مرآة نفوسنا , تعكس أيماننا على الآخرين, فتضيء دروبهم , فيرون الحقائق دون بهارج كاذبة, تغلّف عادات وتقاليد موروثة.

الحبيب هو بحر المحبَّة, فلتكن المحبَّة بكل ما نعمل, وليس غيرها من يجمع القلوب والأديان, فقد ملّت البشريَّة الكراهية على مختلف أنواعها, والمتجسِّدة في فتنٍ تجتاح الكرة الأرضية من مشرقها الى مغربها , غير حاملةٍ سوى سموم الحقد والأنتقام.

لنتذكّرَ الهادي في ذكرى انتقاله, ولنبقى في قلبه, فنحن منه واليه, الى أن تأزف ساعة اللقاء.

حسين يونس

التاسع من نيسان 2014

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!