حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

غُرُور

 

أَقصِرْن يا ابْنَ الأرض، وكَفاكَ فلسَفَةً كاذِبَة

يا مَنْ تدَّعي بأنَّك عظيمٌ مِنْ أحكَمِ الحُكماء

واعْلَمْ بأنّكَ لَسْتَ سِوى أَغبى الأغبياء

فلسَفةٌ ولاهُوتٌ وحَلُّ طلاسمِ القُبُور

ثمَّ ادِّعاءٌ سخيفٌ بتعيين يومِ النُّشُور

 يا لكَ مِن غِرٍّ ثرثار، تَضحكُ من كلامِكَ الثكلى النَّادِبَة!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

ثالُوث التَّذكُّر الأَزلي فِي ذكْرى الـمِيلا د، اكْتمال الـمِئويَّة، وَفلكِ الأنتقال

ومَضَتْ الأيَّام

نجمة إلهية

 

 نجمة إلهية

بمناسبة الذكرى السابعة والخمسين

لِمولد الدكتور داهش

ماري حدَّاد

إلى ما فات من السنين اعود، إلى السنين الحافلة بالوقائع والأحداث غير المألوفة على الإطلاق. لقد كنتُ، في ما مضى من ايام حياتي، أنتظر دائمًا الحدث الجلل، أنتظر الأمر الخارق؛ فقد يأتي، ولا يخيب أملي. ولقد أقبل حقًا ما كانت تطلبه روحي.

كانت مشاهد الحياة تتوالى في سكون: الموت، والولادة، والقران، والحِداد، والابتهاج، وحوادث الأيام… فلم يكن ثمة ما يستثير النفس بعد. لكن الحدث المُزلزل وقع ذات يوم، وضربني كالصاعقة.

كانت الشمس يومذاك تشرق وتغيب كعادتها. وكانت النيرات، وفيها القمر، تأهل السماء بدوام حضورها وكان ثمة نيازك ومذنَّبات، في بعض الأحيان، وكسوف وخسوف؛ وكان، في أحيان أخرى، ما يشبه تفجّر كواكب مختلفة في ليالي الصيف فكأنها عراك الملائكة في الأزمنة السحيقة.

لكن نفسي لم يكن ليتغير فيها شيء؛ فقد كنت في سكونِ ترقُّب. وما لبث أن وقع الحدث المزلزل. ولقد أعلن لي بعبارات أقل ما فيها أنها تثير العجب. أهذيان وجنون وشطط! ما الذي يرويه لي ذلك الغرّ الهرم الساذج الذي خدع، ولا ريب؟ قلتُ ساخرةً: “لا، لن أُخدع أبدًا”. ولكن إصرار الشيخ النقيّ السريرة وإلحاحه انتصرا على السخرية، إذ إنه كان سليم الطويَّة حقًا. وعمدتُ إلى لقاء العظيم الذي أعلنه حليم دموس.

لقد وقعت عيناي على ذلك الرجل، فإذا به كالآخرين منظرًا. ولقد تشبثتُ، منذ ذلك اليوم، بحقيقته التي كانت تشعُّ في كل ما يقوله ويقوم به. كان يتكلّم، ثم يؤيد بالظاهرات المتجدِّدة أبدًا صحّة ما يقوله. ما الحياة؟ ما الموت والولادة؟ ما التقمُّص؟ وخلود النفس، ما الدليل القاطع عليه؟ أنَّى لنا وقد تقدمتنا كتب الأديان المقدَّسة جميعًا، وهي كثيرة، كما تقدمنا العهدان العتيق والجديد – أنَّى لنا أن نثبت ثانيةً خلود النفس لِمَن سلوا الله، فما يعرفونه إلا ألفاظًا جوفاء، في حين أن أعمالهم وأيَّامهم كلها تجحد وجوده؟

                                                الدكتور داهش بين ماري حداد وزوجها جوج حداد

 

بيد أن سلاح الدكتور داهش يأتي على كل شكّ. ذلك أن الروح تؤيد تعاليمه، فتُظهر، على يديّه، قوتها الخارقة…

ثم أي كاتبٍ على مر العصور تأتى له أن يبلغ كما كتاباته، وسمو فكره، وتعبيره عن العدالة؟

إنه نور من يشاء أن يستنير. فهو يقف حياته ومواهبه الإلهيَّة على خدمة بشرية لم تُدرك، حقًا عظمة الإنسان، والأصل الإلهيّ لما نُدِبَ إليه.

منذ أن عرفت الدكتور داهش قبل أربعةٍ وعشرين عامًا وهو هو في قوَّته اللامحدودة،  بالغُ العظمة في ما يأتيه، وطيد العزم في تعاليمه. إنه صخرة تهيمن على الزمان والأحداث، ولن تَني هيمنتها تتسع.

نحتفل اليوم بذكرى مولده، وها أنذا في ارتباك: أية كلماتٍ أتخيَّر ليوم عيدٍ، كلمات تنطق بالجمال والعظمة، وبمجد نجمةٍ تطلع في أفقِ الأرض؟ النجمة تتألق وتشع، وتخاطب قلوبنا بلغةٍ إلهيَّة. وهي ذات شعاعاتٍ بعيدةٍ ترسل حزمًا ن نور، مهرجان ألوانٍ تنساب وتتمازج مشبِّبة بها، فتصدح النغمات المؤتلِفة بأجملِ الألحان. ولقد حيَّت النجمة إحدى الحوريات الساحرات، وهي إلهة فائقة الحسن، كما انعطفت السماء عليها.

السماء بستان نجوم… أنا بستاني، وعندي بستانُ نجوم. مدّي لي، يا أختاه، يد العون، فنقطف إضمامة زهور من بستان نجومي القائم في الأعالي.

ثمة زهرةُ الحبِّ الإلهيّ؛ إنها نجمة متوهِّجة. سأقطفها، وأضفرُ من حولها طاقة زهور. وثمة زهرة الأركيديا الفائقة النفاسة على الأرض. لنقطفها بنورها المتعدد الألوان. سوف تضفي على ذكرى المولِّد أشعَّتها العجيبة.

لقد التقيت الملائكة في بستان نجومي، فساعدوني في القطاف. لم يدعوا شيئاً إلاَّ جنوه: الألماس، والزمرد، والياقوت الأحمر والأزرق، وسوى ذلك من فرائد مكوكبة كثيرة. كانت نجومُ بستاني تعطر الكون كلّه، وكانت إضمامتي تغني فرحها.

على أن ثمة دارةً كانت تنتظرُ أن يأزف حينها: فقد كانت مجرّتنا تؤلّف سبحةً، وكانت أيدٍ إلهية تعبثُ بحبَّاتها، “لآلئ السماء التي ليس لتلألؤها الخالص نظير”؛ ذلك أن كل ما في البحار والمحيطات إن هو إلا حصى لأبناء الأرض الصغار.

مُدِّي لي يد العون، يا أختاه، فنعقد بالمجرَّة إضمامتنا المكوكبة؛ فإن هذا العقد الخلاَّب لجدير به يوم عيد. سيكون الإكليل الذي يعصبُ جبهته، وستواكبه قلوبنا وأشواقنا*.                                                          

الى الدكتور داهش في ذكرى مولده

الديار

الى الدكتور داهش في ذكرى مولده

Saturday, June 11, 2011 – 10:37 PM

أيها الغريب الاتي من مطالع الشموس الابدية والنجوم البعيدة، ما الذي جاء بك الينا في مثل هذا اليوم الاول من حزيران، بعد ان طال غيابك عن دنيانا؟! هل تُرى شاقك السير في الدروب التي شرّفتها في سالف الزمن بوطء قدميك، ام شدك الحنين الى الأزاهير التي غرستها بيمينك وسقيتها من معين قلبك وحدبت عليها برموش عينيك، ام هاجتك ذكريات الأيام التي تركتها خلف مساحب خطاك محملة بأفراحك وأتراحك، ومضمخة بدموعك وضحكاتك، ام أغضبتك ظلمات عالمنا ومظالمه وقد غطت الآفاق وحجبت الفضاء والأعماق بعد رحيلك، فآثرت العودة اليه، مرة أخرى، من اجل انقاذه؟!..

ما أحيلاك، أيها الغريب، وأنت تهبط من مركتبك النورية. وجهك البهي الطافح بالبشر يضيء من جديد وحشة ليالينا، وبسمتك الالهية المفعمة بالحب الخالص تشيع الأمل العظيم في قلوبنا، ويدك الجبارة صانعة المعجزات تحيي الايمان في اعطافنا،و ترفعنا من الهوة، وتأخذ بأيدينا في الطريق الى حيث مقامك العلوي!

على دروب القدس، مدينة الأنبياء، وبين أزقتها اليقظة وفوق رباها وفي بساتينها، سرت خطواتك الأولى، تماما كما سار من قبلك المعلم والثائر الاعظم، سيد الحب والفداء، السيد المسيح! من هناك، وقبل ان تتفتح ورود الصبا على خديك، بدأتَ مسيرتك الخالدة، تتقدمك المعجزات التي أودعتها يد الله العلي أمانة في عنقك، وتواكبك شمس العالم الآخر التي كللت بها هامتك لتكون ينبوع معارفك العلوية وعنوان مجدك وفخارك! لم تضنّ على أحد، كائناً من كان، برؤية ظاهراتك الروحية الخارقة التي منحتك اياها القدرة الجبارة العليمة، والتي أعجزت الدنيا وبهرت الأبصار وأذهلت العقول! ولم تمنع أحداً قط من ولوج حدائق فكرك المزهرة بالحقائق الالهية الخالدة، والعابقة بشذا السماوات البعيدة! لم توصد بابك في وجه اي طارق له، وإن يكن عابر سبيل، ولم تردّ طلباً لكل من جاءك سائلاً، مؤملاً بك. كما لم توصد باب قلبك الفائق الرأفة والعطف، والمجبول بنور الرحمة الالهية، في وجه اي تواق للعبور الى رحباته وللعيش في حماه. وكانت يدك المباركة مثالاً للعطاء الأسمى الذي لا يعرف الحدود، تنثر نور الإيمان في كل مكان، وتكتب أسفار الهداية الخالصة لجيلنا، وللآتي من الأجيال، وتشد على كل يد تريد خيراً بالانسانية وتسعى لتحقيق وحدتها وسعادتها وارتقائها.

وكما في فلسطين، كنت كذلك في لبنان الذي كُتب عليك ان تنتمي اليه. فلقد ألقيت بذارك العلوي في كل تربة مررت بها هنا او هناك، مانحاً إياها كل عنايتك. فأينع من تلك البذور ما أينع، وأزهر منها ما أزهر، لكن كثيراً منها داسته الأقدام، او حاصرته الأشواك، أو أكلته طيور السماء، على نحو ما جاء في مثل سيد المجد. فأحزنتك ندرة الجنى، وضياع المجهود، وآلمك يُبوس بعض التربة وارفضاضها عن جواهرك الثمينة بعد تقبّلها، مرتكبة معك أبشع ضروب الغدر والخيانة. لكن كل ذلك لم يثنك عن المضي قدماً في مسيرتك، وعن الاستمرار في حمل شعلتك. وكانت ارض مصر محط احلامك ومهوى آمالك، فارتحلت اليها، وأظهرت فيها معجزاتك العجيبة على رؤوس الأشهاد، من اجل مجد الله، ولرد التائهين عن درب الله اليه. هناك، في تلك المدينة التي احتضنت الطفل المقدس يسوع تحت جناحيها في اثناء محنته، والتي كنتَ تعدها «مهبط الفراعنة العظام»، و«ينبوع الرقي والحضارة، ومعدنه المتألق»، تبرعم بيانك، وتفتحت أولى أزاهيره، وتبسمت أكمامها لشمس الحياة. وفوق تربتها الضاربة في جذور الزمن، الهاجعة فوق بحر من أسرار دفينة، فاض قلـمك، أول ما فاض، شاعرية وحباً وجمالاً وسحراً ومُثلاً، ومعرفة عميقة بالحياة والمجهول وطوايا الأبد وخفاياه، وحكمة فريدة لم تتأتّ من قبل لشاب في مثل عمرك أتم للتو سنواته الإحدى والعشرين. ولقد ضاقت الصفحات على رحابتها أمام فيض قلمك، واستحالت دكنة المداد المنسكب منه نوراً، لفرط سموّ فكرك، وتقاطرت الكلمات درراً نضيرة تبهر النواظر وتأسر الأفكار والألباب بسحر جمالها المبدع.

ومن مصر العزيزة عليك، الأثيرة لديك، ناداك أرز لبنان للعودة اليه وقد رأى روح أشعيا النبي قادمة للقاء العروس الالهية التي حان موعد زفّها اليك، تلك العروس التي تجلت لناظريه قبل مئات السنين، فأنشدها قائلاً «هلمي معي من لبنان، يا عروس، معي من لبنان»، والتي وصفها بأنها «جنة مغلقة، وينبوع جنات، وبئر مياه حية، وانهار من لبنان…» ولبيت النداء، وعدت الى لبنان، فكان لك مجد عروسك. بعدها أطلقت صرختك الروحية الداوية التي ما فتئت اصداؤها تتردد في البرية منذ سبعين عاماً، وحتى اليوم، على الرغم من عنت الظلاميين الظالمين، ابناء الهاوية ووقودها المستعر، الذين ناصبوك العداء، واضطهدوك، فعصفتَ بهم الى يوم يُبعثون… وطرق صوتك مسمعي وأنا في السابعة عشرة من عمري، فأحببته، وسعدت به، على انني لم اشعر قط بأنه غريب عني. وحين اكتحلت عيناي بمرآك للمرة الاولى، ازداد يقيني بأن معرفتي بك ومعرفتك بي ليستا وليدة الساعة، وإنما تعودان الى قرون وأجيال بعيدة. ولقد أحببتك من النظرة الاولى، وكان لي من رؤية معجزاتك الجبارة نصيب كبير، ومن معرفتك السامية ما لا يقاس بكنوز الدنيا قاطبة.

أيها الغريب الحبيب، أنت لست غريباً الا ههنا، في دنيا ضلت عن نور الله وأنبيائه، وانزلقت الى دركات الأكاذيب السفلية التي تعود عليها بالويلات الرهيبة، وتحكمت فيها الطائفية والمذهبية التي تكاد تقضي على القيم الروحية والانسانية، وسادت ارجاءها الظلمات والمظالم الشنعاء التي لم تُبق للأخوة مكاناً بين أبناء الحياة. لكنك، على الرغم من غربتك، دخلت قلوب الكثيرين ممن لم يزل في قلوبهم نور، وفي فكرهم نور، ويتزينون بالإيمان، ويسيرون في هدي العدالة، ويتعاملون فيما بينهم بالرحمة، على أنك دائماً وأبداً مقيم في قلوب سكان العوالم المضيئة الذين لا يُحصون، والذين يعرفونك حق المعرفة، ويقدرونك حق قدرك! لقد أتيت عالمنا غريباً، لكن كنت لنا هادياً وفادياً وحبيباً، وكنت خير معلم.

ماجد مهدي

 

إشتاقت نفسي لنفسك

 

إشتاقت نفسي لنفسك

قبل أن تكتحل عيناي بمرآك

وما عوضي إلاّ برسمك

 أتنسّم منه عطر شذاك

ملىْ الكون بطيب أريجك

في الأرض كما في سماك

أنظر في تفاصيل وجهك

كأنّه لم يخلق في الدنيا سواك

تقاطيع الدهر خطّت على جبينك

أثر إضطهاد أدمانا وأدماك

ملعون إبن ملعون من نهرك

فكيف من شتمك وعاداك

بقيود من حديد كبّلوك

بأمر من مجرم سفّاك

وفي سجن حقير سجنوك

وحقّك في الحرّية سباك

وبسياطهم وقبضاتهم جلدوك

غير آبهين بشقاك

شوّهوا للناس صورتك

وقلم الصحافة هجاك

لقاء دريهمات باعوك

وبأقذر الشتائم رماك

ثمّ الى أرض غريبة ساقوك

بعيداً عن حمانا وحماك

وهناك أعادوا صلبك

وإطلاق رصاصهم أرداك

لم نكن ساعتها جنبك

لندفع عنك الأذى وبلواك.

لكنّ اللّـه كان معك

فشهد عليهم وأنجاك

من براثن الموت أيقظك

والى فردوسه أعلاك

خسيء الّذين إضطهدوك

وخسيء كلّ وصولي أفّـاك

ففي جنّة الخلد ينتصب بنيانك

ولهم جهنّم فتحت الأشداق .

تحت الخطوط إنتصب حاجبيك

كأنّها سيوف  علي أخاك

ترهب بها أعاديك وتبطش بهم دون ما إرباك

تذيقهم بشفرات حدّك

مرارة الموت الفتّاك

فيتوسّلون مستنجدين برأفتك

ويصرخون بحق اللـّه .. رحماك

متناسين أيّام تشريدك

وحزن أم لا تعرف مثواك

وأخت أضاعت النهى لأجلك

وماجدا التي صرعت فداك

فأضرب داهش رؤوس حاسديك

وأنحر قلب من أشقاك

ولا تشمل بغفرانك

رجال حكم وفجر ونسّاك

فأذيقهم بعض ما أذاقوك

وجرّعهم من كأس الحنظل…. عساك

تجزيهم على ما إقترفوه بحقّك

وحقّ إخوتك ورسالتك ومبتغاك

أرى النور في عينيك

يضيء الكون والأفلاك

نظرات اللّـه في نظراتك

تشمل الجميع من علياك

برحمتك وحنانك وعطفك

لمحبّيك ولكلّ من عصاك

فللّـه ما أروعك وما أقدسك

وما أرأفك وما أسماك

بحور سحيقة القرار بحورك

لا يدري كنهها إلاّ رعاياك

بالأرواح يضحّون لأجلك

وبكلّ رخيص وغال إلاّك

يحثّون الخطى بإتجاهك

ليحظوا بنعمة لقياك

يعملون جاهدين بمبادئك

ويتقيّدون بتعاليمك ووصاياك

جادّين لنشر رسالتك

ولنيل رضى اللّـه ورضاك

فصبراً حبيبي على تلاميذك

يبنون الصرح مدماكاً فوق مدماك

فبعونه تعالى وعونك

سنزيل الصعاب والأشواك

فما لنا من أحد غيرك

فزدنا من نهل نهاك

ليقدّر الربّ العليّ أمرك

ويثبّتها حيث مشتهاك .

بين وجنتيك رسم أنفك

خطّ بيد ملاك

لتنفس روائح عطرك

 فيعمّ أرجائنا وأرجاك

فلأرض ظلمة من دونك

وجحيم متأجّج بلاك

فالفجر حلّ بقدومك

وشرب الزرع من نداك

وأشرقت على الغبراء شمسك

بعد أن بذرت برحاك

والآن أينع غرسك

وتفتّحت أزهار سناياك

فهلّ الجميع يمتصّ من رحيقك

قبل أن يحين حصاد أباك .

ثغرك البسّام ثغرك

والشكر للذي أعطاك

فللّـه يا حبيبي ….درّك

على قولك وعلى نواياك

تخاطبنا من فيض محبّتك

وترشدنا للسير على خطاك

فطريق السماء طريقك

ومشعل النور بيمناك

فساعدنا لنبقى على رشدك

ونتبع صوت هداك

ولتسمع الأجيال همسك

وتردّد العصور صداك

فهنيئاً لمن سمع لك

وفي صلاته ناجاك

ومن جاهد للحقّ كجهادك

وعاش على حبّك وهواك

ينهل الخير من معينك

حتى منتهانا ومنتهاك

فامدّدنا من نعيم خيرك

فأنت أهل لمن ناداك

عندها في جنّات خلدك

فقط تلقانا ونلقاك .

تسمعنا من أعاليك ولا نسمعك

لكننا نعيش على نجواك

فمن منّا يعلم ما بداخلك

وما يجول في ثناياك

فأنت أكبر من أن نعرفك

ونعرف كل خفاياك

رأينا البعض من معجزاتك

فكيف لنا أن ننساك

ومن يستطيع على بعدك

ودنيا الحقّ دنياك

منذ عشرين عاماً كان إنتقالك

فواحسرتاه … على فرقاك

فكلّ الذين عايشوك

ما زالوا على ذكراك

وهم مؤمنون أنّ بانتقالك حياتك

وفي جنّة الخلـد مثواك

فهديّتنا لك في عيدك

موقعاً على إلكترونيّة الشباك

لقد أهديتنا الكثير من نعمك

فدعنا نردّ القليل من هداياك

وأنت في جنّة الفردوس لعلّك

تزداد نشوةً على نشواك  .

نور السماء في وجهك

تبثّه في الكون كما أوصاك

تنير ليلنا الحالك

من القبس الوضّاء ذاك

فأنت بعد الربّ مكانك

ومن بين الأرواح إصطفاك

ففي قلبه عرشك

ومن في قلبه عداك

فلقد كنت جبّاراً في إيمانك

قوي الشكيمة في تقواك

تنفّذ تعاليم ربّك

وتسمع لدعوته إذا دعاك

فمن كان بين خلاّنك

على خلقك ومستواك

فسبحان اللّـه الذي خلقك

فصوّرك فعدّلك فسوّاك .

حسين يونس 

بيروت , في 1 حزيران

 

الميلاد ذكرى

 

في الميلاد ذكرى تترنَّحَ في القلب والعقل، تُعيدُ الى النفس أصداء الماضي بفرحته وآلامه، تُثير تساؤلاتٍ عن أيَّامٍ خلت، نفتح كتاب الذكريات، نُقلِّبُ في صفحاته، نقرأ بين سطوره، نتأمَّلُه، نُبحرُ في أحداثه، نعيشها لبرهة من الزمن ونستخلص منها معانٍ وعِبَر، تحملُ في طيَّاتها آثاراً وأسراراً، تربط ما بين الماضي والحاضر، لنبني عليها المُستقبل.

وفي ذكرى ميلاد الدكتور داهش، نعيش ذكرياته في كُتُبه، في تأمُّلاته، في الفكر الذي خلَّفه وراءه تراثاً أدبيَّاً وثقافيَّاً، كنزاً ثميناً يُثري الحياة الفكريَّة، نكتشف الأبعاد من وراء الحياة، وطبيعة الإنسان وتطوُّره عبر الزمن، نقطة إنطلاقٍ نحو المُثُلِ العليا، نفتِّتَ ذرَّات كلماته، نعمل على نشرها في مشارقِ الأرضِ ومغارِبها، لتكون مدينة المعرفة وبوابة السماء، تغرفُ من معينها الأجيال، تستمدُّ منها نور الفجر الآتي، تعكسُ قيماً أخلاقيَّة ومبادئاً روحيَّة، تُلقي الضوء على مفاهيمٍ نورانيَّة، تُساعد في فهم الحقائق الروحيَّة والبشريَّة، وتعقيدات الحياة والوجود، وما خُفي فيها من جوهر الأديان السماويَّة، تزرع في النَّفس السلام والمحبَّة، وتُآخي بين الإنسان وأخيه الإنسان.

في ذكراه لا بُدَّ  لنا من التأمل في مسيرة حياته، في روحانيَّته وتجاربه مع الحقيقة، فهي المرآة التي تعكس أفكاره وعواطفه، وتُشكّل شخصيَّته وتعاليم رسالته، فهي ليست مجرَّد كلمات على ورق،  ولا أحداثاً من الماضي، مبنيَّة على إيحاءاتٍ وخيال، تتغيَّر مع مرور الوقت. إنَّها الوحي الإلهيّ، ومِثالنا النبويّ الأعلى، نور الحقَّ الساطع، نستضيء بنورهِ من وعثاء الطريق، ونتعلَّمُ دروساً في الإنسانيَّة والتفاني والصبر.

في ذكراه، نغوص في أعماق الوجدان والضمير، نسترجع ما مرَّ بنا وعلينا، نبحثُ عن مكامن الخطأ الذي يتردَّد صداه في النَّفس البشريَّة من خلال الوعي الباطني، وفيما أعترضنا من صِعابٍ في المسيرة الداهشيَّة على الصعيدين الشخصي والجماعي، ما يعكس توتُّراً بين الطموح والكمال والواقع المُتغيّر، وبين ما نحن عليه وما نريده فعلاً، ونتساءل عن التقاعس في الإلتزام بالعهد وفي الثبات والمسؤوليَّة الشخصيَّة، وتحمل التبعات الناتجة عن ذلك، وما يترتَّب عليها من آثارٍ سلبيَّة، ممَّا يفتح باب الشكِّ والكفاءة في حمل الأمانة، وهذا ما يُمثِّلُ تحدِّياً يجب مواجهته بجدِّية. ومن الحكمة معرفة الخطأ، فهمه، وتقبُّله قد يكون مصدر إلهامٍ وإبداع، فيه حافزُ التجديد والتغيير، فرصة التطوُّر ونظرة جديدة للذات والعالم.

في ذكراه، حكاياتُ الفرح والحزن والفوز والنَّدم ترقصُ على أنغام العقل، ترسم طريق الحياة حقائق ثابتة إلتزاماً بقيمه وتعاليمه، وتطوير الذات، تهمس في الوادي المُقدَّس قصص الماضي السحيق، تحمل في طيَّاتها مختلف اللحظات خيوطاً من نسيج الوجود الإنسانيّ، مرتبطة بتجارب الحياة فهي إستمرار الهويَّة الذاتيَّة، تخطُّ العدالة الإلهيَّة ٍسطوراً من نور، تُشكِّلُ هويَّتنا الجديدة وتؤثِّرُ في تكويننا.

في ذكراه، ذكرياتٌ جميلة، نجومٌ ساطعة في متاهات الحياة المُظلمة، تُضيء لنا طريق السماء، وفهم بعضُ ما خُفِيَ علينا في رحلة التعرُّف على الكون وما وراء الوجود، نرى فيه عوالم الحكمة والجمال، نكتشفُ من خلالها أسراراً لم نكن لنحلم بمعرفتها، نستلهم منها معرفة الذات، وحقارة الحياة، وما آلت النَّفس إليه، مُتَّخذين منها دروساً للتغييير والتعبير، ومُرشِداً موجِّهاً لمسار حياتنا، ينعكسُ خَلاصاً من عوالم المادَّة الى عوالم الرُّوح، حيثُ وجه الله.

ذكراه، آهٍ لذكراهِ، لم ولن تكون آنيَّة، تتآكل مع الأيَّام، ويطويها النسيان.

حسين يونس.

أكتبُ كي لا ننسى

 

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي ومضَ في عالمنا ومضى، ذلك النور الإلهي الذي تجلّى على يدِ إبن السماء، كالبرق الخاطف يُنير ظلام هذا العالم الماديّ، المشرف على محيطٍ من الدركات الجحيميَّة. يقذف صواعقه شرَراً، يُشعلُ جذوة الإيمان الخامدة في بعضِ قلوب المُحتارين بين الحقّ والباطل، المُشكِّكين بالله واليوم الآخر، المشتَّتة أفكارهم بين المعرفة الروحيَّة والميول الدنيويَّة . يُضيء منارةً تُرشدُ القانطين من رحمة الله، الغارقين في خضمِّ الحياة المُتعِبَة، الذين تتجاذبهم أنواء الهموم والقلق والخوف المتواصل من المجهول. يُشرق شمساً تُلهِبُ النفوس الضعيفة، التائهة بين متاهات الجهل والأنانية، ومستنقعات الرذيلة والفجور، فأضاعوا النهى قبل الإتجاه، وساروا على غير هدى. يوقدُ ناراً تُثيرُ دماء المتقاعسين عن السير في طريق الله، يعيشون برودة الأيَّام على أحلام السنين، تتجاذبهم أمواج الحياة بين إقدامٍ وإحجام حتى يغمرها النسيان، ترميهم على شاطىء بحر الندم ، فيتبدّدُ الزَّبدُ على رمال الرغبة والغاية وهواء الحاجة والجسد، فالحياة قصيرة والقيود كثيرة، وبين لهوٍ وإهمال يضيع العمر في غمرةِ الأحداث والأحزان، الى أن تأزف الساعة ويدهمهم ما يُسمَّى الموت مقبرةُ الحياة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مِشعلاً يُنير دياجيرَ هذا العالم الجاحد برسله وأنبيائه ، بهُداته ومُصلحيه، المُبتعد عن وجه الله، وجه النور، وجه الحقيقة والمعرفة والخلود، غير مُدركٍ للحقائق الروحيَّة، ولا جوهر الأديان السماويَّة . تجلّى ضياءً في ظلمة هذا الليل الطويل، المهيمن على النفوس المتألِّمة ،المتمسِّكة بأهداب الفضيلة، يبعثُ فيهم الأمل المنشود، ببزوغ فجر الحقيقة ، للصمود بوجه الشرِّ الرهيب، يُلهمها السيرَ في طريق السماء، وسط إغراءات الحياة اللامتناهية، المُتربِّصة بنا شرّاً تحت جُنحِ الظلام، والتمكُّن من نشر الفضيلة بين الناس، والدعوة الى التآخي الإنساني ليعمَّ السلام والمحبَّة في أصقاع الأرض. تجلّى أنوار هدايةٍ إلهيَّة، في النفس الأمارةِ بالسوء، جسَّدها كلماتٌ من نور، تُهدي الصُّمَ لو سَمعوا، تنيرُ العقول الصدئة، العفنة، أصحاب إبليس، رمز الشرِّ المتوارث على مدى أحقابٍ وأجيال، لا يرون من الحياة إلاَّ بهارجها، يعيشون سجناء رغباتهم وشهواتهم وميولهم الوضيعة، يبيعون دينهم في سبيل دنياهم، غيرُ آبهين بثوابٍ او عقاب ْ، يعيشون ليومهم وكأنَّهم خالدون، يُكنزون المال وبناء القصور، لا يَشبعون ولا يُشبِعون، يستميتون للإستحواذ عليها بشتى الطرق، ولو كانت ملتوية، لا يرون الحقيقة إلاَّ في معتقداتهم، وما هم عليه من أرآءٍ وأفكارٍ بالية، رضِعوها من ثنايا الجهل بالإنقياد لحاكمٍ وسلطان وأولياء الأمر، تُكبِّلُ النفوس وتُقيِّد الأرواح، يعيشون في فلكها، يضحُّون في سبيلها، يموتون من أجلها حتى وان لم يكن لهم رأيٌ بها. يتعصّبون لجهلهم، يفرحون لخطاياهم، ويهللون لمعاصيهم، ويُطربُون لمصائب ضحاياهم، ثمَّ يرقصون على أشلاءهم.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مُعجزاتٌ إلهيَّة وظاهراتٌ روحيَّة تأكيداً وتوضيحاً للمرتابين في وجود الروح وخلودها، المُلتبسين في معرفة الجحيم والنعيم، وفهم الحضارات الكونيَّة، الضَّالين المُضلِّلين، سجناء التقاليد والعادات التي لا تمتُّ الى الحضارة والعلم في شيء، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، أسرى موروثات ثقافية وإجتماعية قد تكون منافية للحقائق الروحيَّة أو القوانين الإجتماعيَّة، يتمسَّكون بها، يحافظون عليها بمالهم ورزقهم، يُعادون من يُخالفهم ويُدافعون عنها بحياتهم، لا يرون الحقَّ إلاَّ فيها، وما هذا إلاَّ لجهلٍ في النفسِ امتزج بالعصبيَّة والغرور، وكأنه يقول لا إله إلاَّ أنا.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى كلمةً تتحدّى سيوف الطُّغاة والمُتغطرسين، المغرورين المُتكبِّرين ، والقتلة المُجرمين، أصحاب العقول المُنحرفة والإنحطاط الأخلاقيّ، مرتكبي أحطَّ أنواع الموبقات والشرور، المتمادين بالمعاصي الهائلة، تجلّى ثباتاً وجهاداً وتضحيةً في وجه طغمةٍ حاكمة، مُتمثِّلة  بأصحاب النفوس المستكبرة، الوصوليَّة المنافقة،أعداء الحريَّات، التي تسعى لتحقيق أهدافها على حساب الآخرين،بإستخدام الوسائل القذرة والدنيئة، الذين يسخِّرُون الدولة ورجالها وقوانينها لتحقيق مآربهم الشخصيَّة وصفقاتهم المشبوهة، وإن كان في ذلك خرقاً للدستور وتعدِّياً على القانون، لا يتوانون عن إرتكاب الجرائم واستباحة المُحرَّمات، يعترِضون طريق المصلحين ويُشوِّهون صورهم، يُلصقون بهم كل فريَّة، يتسلَّطون على الأنبياء والهداة، يدوسُون  على كرامة الإنسان وينتهكون حرمة الأخرين لتحقيق غايتهم، يستغلُّون مناصبهم للإعتداء عليهم، يقِلبون الموازين، يزيفون الحقائق، يُسمُّون الأمور بغير مُسمياتها؛ يصُدُّون الناس عن معرفة الحقيقة باسم القانون والحفاظ على السِّلم الأهلي، أنذالٌ مُتبجِّحون ،عبيد شهواتهم، يغوصون في مُستنقعات الرذيلة، ينهبون المال العام، يعتدون على الفقراء الأمناء والبسطاء التاعسين المغلوبُ على أمرهم، وهم الأغبياء المارقين والخونة المماذقين، يظنُّون أنَّهم أصحاب السلطان، خالدين فيها، لا نهاية لهم ولا دينونة ولا حساب.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي انفجر كالبركان الثائر يقذف حِمَمُه كلماتٌ ناريَة في كُتُبٍ سوداء مُلتهبة ومنشوراتٍ مُبيدة لفضائحٍ نتنة، تُعرِّي إبليس ورفقاء دربه ، أصحاب الحقد الدفين، تبيِّن حقيقتهم وحقارتهم، وتفضح زيف المُعتدين على الحريَّات والكرامات، الناطقين زوراً وبهتاناً، ملئوا الصُّحُفَ بأكاذيبهم، ينشرون التعصُّب والكراهية بين مكوِّنات المجتمع الواحد، خوفاً على مصالحهم وإستحواذاً للسُّلطة، أبوا إلاَّ أن يكونوا حاجباً لنور الحقِّ والحقيقة، يقمعون الحريَّات في الإعتقاد والتعبير، يعتدون على حقوق الإنسان التي كفِلتها شرائع السماء والقانون، يُمارسون إرهابهم الفكريّ على من يُخالفهم في الرأي، يروِّجون خطابات البغض والحقد والتحريض والتهديد بصراعاتٍ مُخيفة تُهدِّد سلامة وإستقرار المُجتمع، فالجهل أشرس أعداء الإنسانيَّة. لم يتعلَّموا من ماضيهم وتاريخهم، فسجلوا أنفسهم في مزابل التاريخ.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلَّى شِهاباً ساطعاً يبهر العيون من شدَّة ضياءه، يُغشي بصَرَ رجل الدّين الإنتهازيّ، الضَّال المُضلِّل، مَنْ يُداهن أصحاب المراكز والنفوذ ويتزلَّف لأصحاب الحُكم والسلطان، ليتربَّع صدور الولائم، ويسخِّر المنابر لأهواءه وتجاذباته في الأديان والسياسة، وفيما بين الطوائف والمذاهب والأحزاب، ولو كان ذلك على حساب الدين والقانون والعلم والمنطق والحقيقة والإنسان، ولا ضيرَ في تسخير كلِّ إمكانيَّاته في ذلك لتحقيق مآربه في التحكُّم بقلوب المؤمنين البسطاء، واستغلال أصحاب العقول لخدمة رجال السياسة وتحالفاتهم ، يُمارس الإستبداد والطغيان، بعذبِ الكلام ويوهمك بصدقه، ومعرفته وعلمه الروحيّ، وما نفع المعرفة إن لم تتجسَّدَ عملاً يعمّ بالفائدة على الآخرين، يداخل النفاق في الفضيلة بلهجةٍ تُحاذي الصّدق، يقول ما لا يفعل، يتحدَّث بكلِّ طيبةٍ وكأنَّه النعجة الوديعة، وهو الذئب الكاسر يفترس كلَّ ما في طريقه، للوصول الى هدفه.

تجلَّى نجمٌ ساطع،لامع، تَلأْلِئَ بصيرةً نيِّرة، تُرشِدُ أصحاب الأخلاق الحميدة لِكشفِ السِتار عن رجالٍ عاهدوا الله وما ثبتوا، نسوا طاعة الأنبياء والتزام مبادئهم، مارسوا أشدَّ أنواع الخِداع بكلِّ إبداع، نسبوا آراءهم للأنبياء وأحاديثهم ليعطوها المصداقيَّة، تسلَّطوا على رقاب العباد، فكلمتهم نافذة، وحُكمهم لا مردَّ له، نسوا طاعة الله وفرضوا طاعتهم. حرَّفوا تعاليم السماء، اجتهدوا في التوثيق لإثبات الحقائق، فانحرفوا عن جوهر الأديان، ولقصرٍ في الرؤية وجهلٍ في الوعي، اختلط الحقُّ بالباطل، وتألَّه المُجتهدون حتى نشأ عن إجتهادهم طوائفَ ومذاهب، أصبحت سبباً للتناحر والتقاتل، وإشعال الفتن، واضطرام الحروب، ساووا أنفسهم بالخالق في العلم والمعرفة ، لهم الطَّاعة ومنهم العفو والغفران، دائماً على حقّ في أرآءهم وتصرُّفاتهم، فوق الخطأ والمسآءلة، كلمتُهم مُستمدَّة من السماء، فيها الفصل، ممارسة الطقوس والشعائروالشرائع هي الطريق الأوحد لدخول ملكوت السماوات، لهم الجِنان وحور العين، كافرٌ من يخالفهم، والجحيم لمن ليس على ملَّتهم. يتملَّقون بعضهم البعض صواباً أو خطأً، عندهم الحقيقة المُطلقة، وما هذا إلاَّ بحجَّة أنَّهم الراسخون في العلم كما يزعمون. أسلمَ الناس لهم العقل قبل الجسد، إنتشر الجهل والتطرّف، ابتعدوا عن نور الحق،عن المعرفة الروحيَّة، غرفُوا من معين رجال الدين والدنيا، ضاعُوا بين تحليلاتهم النفعيَّة، ومصالحهم الشخصيَّة، ضلُّوا بين صراعاتهم ومفاهيمهم الدنيويَّة ، عاشُوا الحياة الدُّنيا بأفكارهم وتشريعاتهم، على أمل الفوز بالآخرة، وهذا ما لم ولن يكون.

تجلَّى فجراً نديَّاً على أزهارٍ تفتَّقت من براعم النور، يُرهفُ قلوباً مُفعمة بالإيمان، لا تنجرف وراء أضاليل تمخَّضت من عقولٍ جوفاء، لا ترَ في الدِّين إلاَّ تطرفاً لأفكارٍ نبويَّة حيكت كأثوابٍ تُزِّين للحاقدين إطاراً مُزَخْرَفاً لنفوسهم المريضة، وإشباعاً لغرورهم ونزواتهم، يأوِّلون آيات الله بما يتوهَّمونه من حقائق ثابتة ومُطلقة، يُفتنُ بها أعمياء البصيرة، يفسِّرون في الأديان ليجعلوا منها بُؤَرًا للأحقاد والكراهية ، يستقطبون بها المُنافقين ليصبحوا أدواتاً للقمع والترهيب. ثمَّ ينطلقون لنشر أفكارهم ومبادئهم الخاصَّة، مع عدائيَّةٍ مُطلقة غير مُبرَّرة لمن يُخالفهم، واستعمالهم وسائل إجراميَّة وإرهابيَّة لترويع الناس والمجتمع، فالحريَّةُ ألدَّ أعدائهم لأنَّها تُهدِّدُ وجودهم. ويعظُمُ الجَهل، فيستبيحون الأعراض، يأكلون مال الأيتام والأرامل، يشربون من دماء الضعفاء المساكين، يتسامرون على أنغام إبليس الرجيم، ويرقصون على أشلاء الحق والفضيلة، يعيثون فساداً في الأرض، ويزعمون أنهم وحدَهم الدُّعاة إلى الإصلاح والنهضة في المجتمعات، أبوا الاَّ التمسُّك بعرى الشيطان الوثيقة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى فكراً مُرشداً للإنسان الباحثُ دوماً عن الألوهيَّة والتي هي ما وراء الأدراك البشريّ، وعن معرفة الله ربُّ الثواب والعقاب، أصلُ كلَّ معرفةٍ وقوَّة، قِبْلَة السعادة والخلود، عن معرفة الأرواح النقيَّة المجيدة وعوالمها، الخارجة عن قيود الزمان والمكان، عن العقل الإلهيّ المُدبِّر، الضابط لنواميس الكون، عن الأرواح التي لا تشوبها أيّةُ كثافة ماديَّة، إنبثقت عنها السيَّالات الروحيَّة التي اتَّخذت تجسُّدات ماديَّة في درجات مُختلفة، نتيجة نقصٍ ودنسٍ طارئين، يخبرنا عن عوالم لا يرقى إليها خيال البشر، تتمتَّع بحضاراتٍ راقية، يعلِّمُنا عن الجحيم والنعيم المُقسَّمة الى درجات روحيَّة ذات هناء ومعرفة، لا يدخلها إلاَّ من أوصل بعضٌ من سيَّالاته لدرجتها، ودركات جحيميَّة، يعظمُ فيها الجهل والعذاب، ويضمَّان بلايين النجوم والكواكب،  يخبرنا عن العدالةُ الإلهيَّة التي تشمل جميع الكائنات، معروفها ومجهولها، وإن رحمته لانهائيَّة، ولذلك كان التقمُّص بالمفهوم المُطلق والصحيح، ويشمل كل السيَّالات، وما الموت فناءً، بل إنتقالاً من شكلٍ الى آخر، يحصل بإنتقال سيَّاله الرئيسيّ والذي هو سبب وجوده في العالم الذي ينتمي إليه.يخبرنا عن آدم قبل أن تُجسِّده المشيئة الإلهيَّة في أرض البشر، وعن السَّماح لكائنات تنتمي الى عوالمٍ أخرى بزيارة كوكبنا لتلقيح بعضٍ من بنات البشر عن طريق الإقتران بهم، تُسهم في رقيُّهم ولدفع الحضارة الإنسانيَّة للتقدُّم. يخبرنا أنَّ لكلِّ كائنٍ دوره الخاص في دورة الحياة الكونيَّة، وما من عبثيَّة في الخلق مهما كان الكائنُ تافهاً.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى صوتاً صارخاً في السماء وفي الأرض، يُرشد الى سُبل الحق، يُنير طريق الباحثين عن الحقيقة، يُهدي الضَّالين والمُضلِّلين في فهم الحقائق الروحيَّة، يشرح الأختلافات في فهم الأديان التي تعاقب عليها الرُّسل والأنبياء، يوضّح التناقض فيما بينهم، يقرّب المفاهيم الإلهيَّة من عقولنا التي انجرفت مع التفسير والتحليل، والمُغالات في التعصُّب، مُحاولاً العودة بالمؤمنين الى دين الأنبياء، وليس أصحاب الأرآء التي أصبحت طوائف ومذاهب مع مرور الوقت، والتي لا تمتَ الى أصحاب الأديان بصلة. يُنير البصيرة حيث لا دلائل ماديَّة تُلمس، يفتح أفآقاً وأبعاداً روحيَّة ، ومفاهيماً مُغلقة على أصحاب العقول المُتحجِّرة، ينقضُ جهلاً عايشناه على مدى الأزمان، توارثناه عن الأهل والأجداد والأسلاف، اقتبسناه منْ قالٍ وقيلٍ بعيداً عن إثباتٍ ودليل، أضف إليها مصالح رجال الدين ورجال السياسة على مرِّ العصور.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى داعياً الى الله، خالق العوالم ومُكوِّنها، ربُّ البرايا وموجدها، حاملاً رسالةٍ روحيَّة، تدعو الإنسان بالعودة الى أصول الدين وجوهره، فالأديان جميعاً من مصدرٍ إلهيٍّ واحد، تجمعها روحٌ واحد، أساسها وصاياً عشر، هدفها زرع المحبَّة في نفوس البشر، والتمسُّك بروح الإنسانيَّة، فالإنسان أخ الإنسان، بعيداً عن العصبيَّة التي زرعها فينا رجال الدُّنيا وتجَّار الدين، وجهتها الخلاص من عوالم المادَّة، والعودة الى الأصل الإلهيّ في عوالم الأرواح الخالد ، عوالم السَّعادة والطمأنينة، عوالم السلام والمحبَّة الشاملة، عوالم الراحة الأبدية بعد رحلة الحياة المُملّة والمُضنية بالإبتعاد عن وجه النور الأعظم الذي لا تدركه العقول، نمجّده، نضرع إليه، وننحني لجبروته الإلهيّ، نخشع له مع الخاشعين، ونسبّح باسمه القدّوس مع الملائكة الأطهار.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى نذيرٌ بدمار الكرة الأرضيَّة، وجَعْلِ عاليها سافلها، إن لم ترعَوي البشريَّة عن غيِّها، فالحياة وإن طالت قصيرة، والموت أقرب من الشهيق الى الزفير، هو إنتقالٌ النفس الى النفس، فيه الثواب والعقاب، لذنوبٍ إقترفناها في ساعاتِ ضُعف، وفاحشةٍ أتيناها في لحظةِ غباءٍ وقلَّةِ إدراك، شربنا من خمرة شياطيننا الطافحة باللذاذات الدنيويَّة الآنيَّة، مُتوغِّلين في مجاهل الرذيلة، غير مُدركين عواقبها، ولا آبهين بما ينتُج عنها، الكلٌ بما كَسِبَ رهينة، ولا مفرَّ من يوم الحساب، فاليَّدُ الإلهيَّة ورغم محبَّتِها لن تمحو ما أقترفناه طائعين مُختارين، والعين الإلهيَّة ورغم رحمتها لا تغفرَ لعصيانِ تعاليمِ السماء بأعمالٍ أتيناها بملء الإرادة والإدراك، فالألآم خير مُطهِّرٍ للنفوس، ولا بدَّ من دفع الثمن مهما طال ومهما عَظُم. فالقانون الإلهيّ والعدالة الإلهيَّة تأبى إلاَّ أن تستوفي الأجر كاملاً.

تجلَّى تحذيرٌ قبل الكارثة العُظمى، وحين لا ينفع التحذير، فالأحلامُ تُبدِّدُها اليقظة، والتقاعس لا ينفع، وغضب الله عزَّ وجلَّ يُمهل ولا يُهمل، وكل آتٍ قريب مهما طال الزمان، ولا يعصمُ الموتُ من أهوال الآخرة، ومن عذاب النفس ودينونتها، فالعودة الى الله، الى القيم السماويَّة، العودة الى الأخلاق الحميدة هي المُنقذ الوحيد للخلاص من العذاب الأبدي، للراحة الخالصة، مع الأنبياء والهداة، مع الخير والمحبَّة، مُحيلةً أتراحنا الى أفراح.

تجلّى نوراً على نور يُنيرُ قلوب المؤمنين المخلصين في هذا العالم، أصحاب العقول النيِّرة، الذين يستمدُّون من نورِه نورا يُغشي العيون المتحجّرة، يلجمُ ألألسنة المُتطاولة. يَرشفون من نوره إكسيراً روحيَّاً يُحيِ ميتَ الآمال، وخمراً سماويَّاً يُنعِشُ قلوب المؤمنين المُخلصين لله والحقيقة، يشدُّ أزرهم، ويثبِّتَ إيمانهم، ويزيدهم معرفةً نورانيَّة، لنشر كلمة السماء، دون مواربة أو تحريف، يُلهمهم الوعي الروحيّ لإذاعة رسالة الصّدق بين الناس، دون غاياتٍ أو مصالح، لتحقيق الإصلاح الحقيقيّ، وخلاص البشر. يستزيدون من معرفته بياناً، ومن علمه إعجازاً، كُتُبٌ وتعاليمٌ ووصايا أُنزلت في قرطاسٍ في لحظة تجلّي، فكانت زاداً تُشبِع الجائعون لخبز السماء، يُطّلون به على العلمِ والعلماءِ والعالم بمعرفةٍ تبزُّ علمهم وعلماؤهم وتقرّع حجَجهم بحقائق دامغة، لا لبس فيها ولا غموض.

نور حزيران يأخذُ بمجامع القلوب الحزينة، يُنير جنباتها المُظّلمة، يؤجِّجَ نار الإيمان في ثناياها، يلقي فيها علماً يساعدها في سبْرِ سُبُل الحقّ، وحبّ الجمال، وعمل الخير، يُعيد إليها الثِّقة بعدالة السماء. ينشرُ فيها صفحاتٌ من نور لينتشلها من بؤرة السقوط، هذه القلوب وحدها تقف مع الحقّ، ومع الحقِّ تكون، تعيشه، تُجاهد في سبيله، وتُضحِّي من أجله فقط، ترفع راية التآخي الروحيّ، تشملها السكينة ، تعمُّها السلام والمحبَّة، تُصدق العمل، وتُحسن السلوك أنَّى كانت، تُجسِّد إيمانها أعمالاً والتزاماً وسيراً في طريق السماء، لتكونَ قدوةً للآخرين، مِثالاً في الأخلاق، رقيَّاً في التعاطي، تنصحُ بحبٍّ، وتهدي بمودَّة، فالعملُ خيراً من القول، تُثير فضول الناس، ينجذِبوا إليها لمعرفتها ومعرفة أبعادها، يتسآءلون فَيَسْألون، تُفيدُ فتستفيد، تُنيرُ طريقاً، وتهدي ضَّالاً، تساعد في فهم الأديان وجوهرها، تقرِّبها الى العقول، تستحثُّ للإلتزام بتقوى الله عزَّ وجلّ، تزيد الآخرين أيماناً بالسماء ونُظمها السامية، وإعادة النظر في مفاهيمٍ موروثة، بها يُرشدون إلى الحقائق الروحيَّة من خلال تعاليم مُرشدها وهاديها، تنشر كلمته المُوحاة من السماء لآبناء الأرض، تُتابع مسيرته رغم الصِّعاب التي تعترضها، ولا تتزحزح عن معتقداتها التي أصبحت دستوراً إلهياً يُهديها وعثاء الطريق المُقفرة.

النبيّ الحبيب الهادي، داهش العالمين، هو نور حزيران، نبيُّ الأنبياء، آخذٌ العهد على نفسه، أمام الله عزَّ وجَلّ والآب السماويّ، ليُعيدنا الى عوالم الأرواح، يهدينا ويرشدنا الى نوره، يحرِّر ذاتنا من تكثُّفاتها الماديَّة، يجذبنا الى عالمه، نهاية اللطافة المادَّية، ينتظرنا هناك لنعود معاً الى حُضن الله، من حيث بداية الإنطلاق.

حسين يونس

بيروت في الأول من حزيران 2022

 

لا داهشَ بعدي

 

لا داهشَ بعدي

                                                            شِعر على جُمعة

أيها الآتي إليّ،

صوتك الصوتُ لديَّ،

وعلى أشرعة الوجد يهزُّ الوترَ الحاني عليَّ.

أنا لا داهش بعدي.

إنَّ حبِّي مثل نهرٍ فائضٍ،

لا نهرَ في الحبِّ سواه،

أسكُنُ الآن ضياهُ،

أفرحُ الآن كثيراً في سماهُ،

فارتقبني، أيها العام، على مفرقِ آذار،

أرشُّ الضوء في كمِّ التلالْ،

أزرع الأرض ظلال.

ها هنا لهفةُ حقلي، تلثمُ الطيفَ، تلمُّ الجلنار،

تنثرُ العطر يمينًا وشمالْ،

مقلتاها الدفءُ في نهر النهارْ.

إرتقبني، أيها النوارُ في آذار، ما أعظمَ شمسي!

تُرسِلُ الفجرَ خيوطًا في الصباحْ

إنها فُلْكُ الرَواحْ

فانشقِّي، أيتها الدربُ، نُسَيمات الجمالْ

واطمئنِّي بين أفياء الكمالْ

سبِّحي الربَّ كثيرًا،

سبِّحي الآتي على خيلِ النبواتِ،

فما أعظمَ شمس المُعجزات!

إرتقبني، أيُّها النوّارُ، في آذارَ،

لا داهشَ مثلي، يرتقي نورَ السماواتِ

يضمُّ البحرَ في فُلكِ النجاةْ

فتعالّوا، ها هُنا النهرُ يُضيءُ الكلماتْ

                        ***

مُرَّ قُربي،

أنا لا داهشَ بَعدي.

هل رأيتَ البحرَ يرتاحُ على كَفِّ الرمالْ؟

أمْ شهِدتَ الموجَ قد ألقى الرحالْ؟

فابحثوا عنِّي،

ألستُم أضلُعَ الظلِّ على شطِّ الظِّلال؟

هل جلستُم خلفَ أسوارِ الرياحينْ؟

أمْ ملائتم أنهُرَ البالِ بواحًا في ضفافِ الياسمين؟

فابحثوا عني مليَّاً تجدوني واقفًا في بابكم،

أشبهُ نفسي، قامتي الأخرى

تُؤاخي الريحَ لا تُشبِهُ شيئًا،

وأخيرًا لستُ أدري،

أوَجدتُم داهشًا يُشبِهُني؟

أم إن لا داهش مثلي؟

فابحثوا عنِّي مليًا تجدوني.

***

هل تُرانا تَعِبت منَّا أزاهيرُ الرؤى؟

أم تَعِبَت منَّا اللغات؟

طاويًا سرَّ الزمان،

انتظرتُ الوقت،

فلتسمحْ ظلالُ الأرض أن نكتبَ أم الكلماتْ

أترانا تَعِبَت منَّا الحياة؟

لستُ أدري أين أمضي

ها أنا ظلُّ الأنا، (يا كل عمري أين كان؟)

هكذا أنتم،

فلا داهش بعدي بينكم ترمي يداه الضوءَ،

لا داهش في الأرض لكم إلا أنا…

ليسَت ظلالي ترتمي في ظلّكم، (لا ظلَّ بعدي)،

لن تكونوا في المدى حولي،

لماذا تَعِبت أحلامُكم منّي؟

وقلتُم: إنما الداهش آت،

(فليقاتل وحده… ها نحن ماضون)

قلتُ: لا وقتَ لكُم، لا شيء يبقى غير وجهي.

كم رأيتُم وجهكم في آسِرِ المرآة بيني؟

فابحثوا في الليلِ عنّي، ليس ظلِّي بينكم…

أو صورتي في ظلّكم، لن تجدوني

فليكن في الغيم وجهي

غيروا أسماءكم في الأرض،

كونوا دائمًا كالريح لا وجه لديكم،

فابحثوا عنّي، فلا داهش مثلي

فلتعدْ حُزمةُ أضوائي إليكم.

***

هكذا أنتم ظلال رحلت تبحث عمَّا يستريحُ الطيرُ في الليل إليه.

فلتعد أشرعةُ الضوء إلى مينائكم

أو فلتكُنْ أجنحةُ الموت كأوراق الخريفْ

غيَّرت وجه الرصيفْ

كيف أعطت وجهها للماء؟

لا شيء يُسمى الوقت. هل تُجدي خطاه؟

لا تقيمُ الريحُ في ظلك بيتًا،

هكذا أنتم لبستُم أضلع الوقت، وما زلتم صداه.

***

إرحلي، أيتها الريح على أجنحة الماء

وشقي أنهر الوقت على فلك الضياء،

هكذا تجري الفراديسُ، تضمُّ النور وجهاً،

وتمدُّ الوحي شالاً آسر الطلع على شالِ المساء،

هكذا كان على الفلك، وكان الأنبياء.

آتيًا في الضوء أنهارًا على أشرعة البرق يلمُّ الماء غيمًا.

هكذا كان على الريح بروقًا…

أيها الوحيُ الذي صعَّد أسماء البقاء،

أنتَ ما أنتَ! حواليك فراديسُ السماءْ.

                  ***

أيها العام سلامًا! لم نعد نذكر طعم الوقت، أوَنذكرُ ما جدوى الحياة،

لم نعد نذكر إلا الظلَّ،

أو نذكر ما جدوى الشتاتْ

مثلما تلهو الفراشاتْ

لم نعد نعرفُ إلا الذكرياتْ

مثلما يمضي بنا نهرُ الحياةْ.

            ***

جاءَنا، يا أطيبَ العطر، كما شِئنا

فقلنا: زادنا، يا أبدع الورد، كما شِئنا،

فما أحلى الصفات!

أيها الحقل سلامًا،

زاركَ النورُ سلامًا،

            ***

هكذا أبحرتُ في الوقت

أشدُ الخطو في الريح إليكم،

ساعيًا في الأنجمِ الأخرى

على أجنحة الفلك أردُّ الباب،

ما زلتُ أجاري أنهرَ الموت،

أنا الأول، لا داهش قبلي،

وأنا الأخرُ، لا داهش بعدي،

كنتُ للوحي كتابًا مُلهمًا،

أو صرتُ للضوء فمًا،

ما زلتُ في أنهر موتي طاويًا وجهَ السماء.

ها أنا أسعى نقيًا،

آسِرَ اللمحِ، مَلِّي الصبحِ، لا داهشَ مثلي

يعرفُ الآن أغاريدَ اللقاء.

قارئًا صمتَ الحياةْ

رحلتْ عنِّي اللغاتْ

هكذا قلتم يفيءُ الطيرُ في الليل إلى غصنٍ ظليلْ

يسألُ الأوراقَ عن شيءٍ قليل

قلتُ: هيهات، أتدري أنَّ أغصانَ الرُّبى

تسعى إلى ذاك الرحيل؟

قلتُ: إنَّ الفلكَ ماء،

هل رأيتَ الماء يرتاحُ

كان الشط قد ألقى الرحال؟

لُغتي تمشي على الماء كان الماء فُلكٌ.

لُغتي ترتاحُ في البحر كأني أسكنُ البحر،

وأبقى ماشيًا في الموج، لا داهش مثلي.

قارئًا سرُّ المكان

لغتي قد هاجرت منها اللغاتْ

هكذا قلتُم.

حبيبًا كان يطوي أنهرُ الوقت ويطويه الزمانْ

قلتُ مهلاً: لم تحِنْ أصواتكم بعد،

فلا آخرَ بعدي.

            ***

إرتشفني، أيها الموتُ، ضبابًا،

شاردًا في الريح ضوئي الأثير،

نحنُ ظلاَّن تلاقينا معًا

في أنهرِ الكون على مجرى الدهورْ.

إرتقبني، أيها الموتُ،

كتابًا داهشيَّ اللمحِ في طلع السطورْ

إنتظرني، أيها الموتُ، أما أنتَ حبيبي؟

نحن طيفان نزلنا الأرضَ يومًا،

ورحلنا في رخيَّات البُكورْ

قلتُ، فُلكُ، رويدَ الريح،

لا داهش مثلي يعشقُ الموتَ،

أنا نهرُ الدهورْ

إرتقبني، أيها الموتُ على ساريَة الموت

فلا داهش حولي يعرفُ الماضي،

ولا داهش قبلي يعرفُ الآتي، أنا نهر الحنينْ

إمتشقني، أيها الموتُ، حُسامًا داهشيَّ الرعد

لا داهش مثلي يعرفُ الوعدَ،

أنا الجبَّارُ، لا داهش بعدي.

إنتظرني، أيها الموتُ، نسيمًا هاديًا يَفري السُكونْ،

حاديًا للبحر في موجِ السنينْ.

مُرَّ قُربي ينتشي بين يديَّ الزهرُ،

واملئي، يا ريحُ، أكوابَ العبير،

وانشقي غبَّ البساتين أزاهير السرورْ.

ها أنا بين الفراديس على شط الغدير،

صاعدًا خلفَ كتاب مُلهمٍ

كم فاتن هذا العبورْ!

أفتري الغيم سريرًا،

أرتقي في سُلَّمِ الوجد على سُلَّم نورْ.

أيها الواقفُ خلفَ السدرة الأخرى،

فلا مثلكَ يأتي بارقًا خفَّ على حبِّ النثير.

طالعًا كالفجر في وجه الرُّبى

يرمي حبيبات النَّدى،

كنت شراعًا ينتقي

خُصلة ضوء من سنيات الطلوع،

فلتكُن في لفتة الوجد بهيًا، دافئًا بين الضلوعْ

إنتظرني، أيها الوجهُ البديعْ،

لم يحِنْ وقتي، ولم أسمعْ أهازيج الربيعْ.

أيها الخافقُ في  أروقِةِ الشمسِ، تمهل،

إرتقبني كل عام

نلتقي خلفَ الغَمامْ،

هل أنا أرحلُ في كل مكانْ،

ارتدِ الريحَ قميصًا سائقًا خيلَ الزمانْ،

ساعيًا في البحر، هاجرتُ على أرصفَة الوقت

أهُزُّ الموجَ في الشطِّ حوالي، وما زلتُ وحيدًا،

أيها الواقفُ في باب الأصيل

آسِرًا كان الرحيلْ

هكذا كنتُ على أضلعِ آذارَ،

وكنتُ الموجَ في عُمق البحارْ

قلتُ: لا شيء لكم إلا أنا، كنا معًا.

ها صورتي كانت على جدرانكم

لا شيء يبقى في شميم المرتقى إلاَّ أنا.

قلتُ: أُخيَّاهُ حنانَيك تمهَّلْ،

هكذا آذارُ يبقى جالسًا في رِحلةِ الضوء

على فُلكِ الضياءْ،

وأنا الآتي على جِسرِ السناءْ.*

 

غازل النار

 

 يا غازلَ النارِ خلِّ الحبَّ ملتهبا          وخذ، إذا شئت، من روحي له حطبا

يا حارق القلب لا ترحمَ به عصبا        لا خير في الحبِّ إن لم يُلهبَ العَصَبا

أنا كدالية الأشواق أوردتي               إن مسَها منك طيفٌ عنقدت شُهُبا

تذوب أحشاؤها خمرًا مُعتقةً              والغُصنُ طفلٌ غريرُ ما رأى العِنَبا

هلَّ اللقاءُ؛ شموعُ العيد راقصةٌ           حُبًّا تُضيءُ وإن لم تَمْسَسِ اللهَبَا

وروَّعَ القُدْسَ صوتٌ هاتفٌ سحرًا:       “أم النبيِّنَ قد عادَ الذي صُلبا”

هذا حزيرانُ خمرُ الروح في يده         يقولُ: “هذا دَّمي طوبى لمن شَرِبا”

وفي حزيران أوحى الله آيتهُ              فرنَّمَ الوحيُ حُبًّا وانتشَى طَرَبا

صلَّى الجمالُ صلاةَ الفجرِ وانتشرتْ     أطيافُهُ في سَمانا تَصنعُ العَجَبا

وفي سَماهُ ملاكٌ طارَ من فرحٍ           وراحَ يَهدي صغَارَ الأنجُمِ اللعبا

وشمسنا استيقظت في غير موعدها       تذوب من حبِّها فوق الرُّبى ذَهَبَا

هديةُ الله للدنيا هدايته                     بداهشٍ عزَّ من أهدى ومن وهَبَا

ربُّ السماوات لطفًا منه أنزلهُ            حتى يكون لمن يسمو له سَبَبا

يا نازلاً وشغافُ القلب منوله             خفوقُ قلبك بالتوحيد ما تَعِبَا

تعانقت مُذ وطئتَ الأرضَ أربعها        وفي هواكَ جمعتَ العُجمَ والعرَبَا

أنَّى اتَّجهنا جهاتُ الأرضِ واحدةٌ         أو ارتحلنا فريحُ المشرقين صَبَا

هل تعلمُ الأرضُ أن الله أكرمها          من فضله وحَبَاها كل ما خَلبا؟

ماذا أقولُ لنُعماكَ التي دفقت             كأضلُعِ البحر إمَّا هَاجَ واصطَخَبا

كلُّ التشابيه في عينيَّ تافهةٌ              ماذا أقولُ، كريمٌ يُشبهُ السُّحبا؟

وأيُّ مكرُمةٍ ما أنتَ صانُعها             أو خلةٍ لم تكن أمَّا لها وأبا؟

ماذا سأكتب، شمسٌ أنتَ أم قمرٌ          أم منهلٌ من عطاء الروح ما نصَبا؟

ماذا سأكتبُ والأوراقُ ذاهلةٌ             والحبرُ مما رآه أبيض واضطربا

أذهلتهُ ببيانٍ شفَّ من أدبٍ                فكيف حين جمعت الوحي والأدَبا؟

يا لهفَ قلبي بما في العين أبصره        وعفوك الله فيما شقَ أو حُجبا

قالوا: ويُشبهُ مَن؟ صِفهُ، فقلتُ لهم        مَنْ يُشبهُ الشمس غير الشمس؟ واعجَبَا!

لداهشِ الروحِ لا صنو ولا شبه          فالشعر لغوٌ وكل المفردات هبا!

لم يفهموك، وهل تهفوُ جوارِحُهم         إلاَّ لما ينجلي في وجههم ذَهَبا؟

وكيف يُبصرُ من ماتت بصيرته         وكثَّفَ الحقد في أجفانه الحُجبا؟

لم يفهموكَ وهُم في الجهل قد عُذروا     لا يفهم الجرذُ إلا النَّتْنَ والخَربا

فناصبوك عداءً قضَّ مضجعهم          خلَّى الليالي على أجفانهم نَصَبَا

عيونهم لم تذق نومًا كان بها             جفَّ النعاسُ وجافى هدُبُها الهُدُبَا

جرّوا لأنفسهم من نتن أنفسهم            نهر العذاب غضوبًا يزفرُ الكربا

مُذ عذَّبوك وحُكمُ الله آيته                 على شياطينهم تستمطر الغضَبَا

مُذ حاربوك وحربُ الله لاهبةٌ            في كل صوبٍ تصبُّ الويل والحَرَبا

هُم أنكروك! ومَنْ هم؟ يا لشرذمة        كل النقائص منهم نالت الأربا

الخُبثُ من أصلهم يرقى له نسبٌ         والغدرُ في دمهم يلقى له نَسَبا

ساقوا الرعيَّة كالأنعام واستَلَبوا          ما كان في الجيب أو في الغيب مرتقبا

داسوا الشرائع، ساموا الذُّل من كتبوا    وأحرقوا الحبر والأفلام والكتُبا

حاكوا لكَ المُكرَ ما كلُّوا وما وَهَنوا       وجرَّدوا الكيدَ جيشًا غادرًا لَجبَا

وقفتَ ليثًا تهابُ الأرضُ وطأتهُ          إذا تهادى فكيف القولُ إن وثَبَا؟

وما رهبتَ وقد أخزيت دولتهم           وما صُلبتَ، ولكن عرشهم صلبًا

خابتْ مكائدهُم، وارتدَّ كيدُهُم             نحو النحور وطاش العقل أو ذهبا

وحقِّ عينكَ عينُ الله ساهرةٌ              وزارعُ السُّم يجني السُّم والعَطَبا

تمرَّغت بوحول الذُّل سطوتهم           وكلّ ما شيَّدوا في لمحةٍ خربا

فأكملوا العيش في الدنيا على لهبٍ       وفي جهنم زادوا نارها لهَبَا

وقفتَ وحدكَ طودًا بين من رقدوا        فلا لسانٌ شكا أو كاتبٌ كتبا

إذا لهولٍ كهذا الهولِ ما نهضوا          وا لهفَ قلبي متى يستيقظ الأدَبَا!

يا مُطلقَ الثورة البيضاء السنُها          ستشعل الأرض والأفلاك والشُّهبا

لحن التغيُّر من إلاَّكَ عازفهُ              وقد قلبت نظامَ الكون فانقلبا

كما ترابُ الثرى حوَّلته ذهبًا             تُرابُ أهوائنا حوّلتَهُ ذَهَبَا

حتى زهَتْ كزهور الفجرِ أنفسُنا         إن شفَّها النَّورُ أو إن رُصِّعت حَبَبَا

رفقًا حزيرانُ، هذا العامُ مرَّ على         قلبي عميدًا كثيرَ الشوقِ مُلتهبا

فرحتُ أحيا بذكراكَ التي سلفتْ          وتحلُمُ الروحُ بالعيد الذي اقترَبَا

وأرقبُ النارَ في قلبي إذا تعبتْ           ألقيتُ في قلبها من مهجتي حَطَبا

أطوفُ بالفكر حرفٌ منكَ يكتُبني         وأسألُ الشعرَ حرفًا بعدُ ما كُتبا

وأسألُ الطير لحنًا شاردًا غزلاً           وأسألُ الريح والغُدران والقصَبَا

حتى إذا اختلجتْ بالروح أغنيتي         ألبستها من دمي أثوابها القُشبا

صرفًا لعينيكَ خمرُ القلب أسكبُهُ          إلا لعينيكَ خمرُ القلبِ ما سُكِبا

يا منقذي ونيوبُ الغيِّ في كبدي          ومُلهمي عزةَ الإيمان والأدَبا

إذا المحبَّة في قلبي هَمَتْ مطرًا          فأنت ألقيت فيه الرَّعد والسُّحبا

صدقًا لعينيكَ من صلَّى الهوى لهما       شعري بغير هواكَ العذب ما عذُبا

تنسَّكتْ في ذُراك الشُّمِّ قافيتي            والشعرُ مَذْهبَ إفكٍ كلُّهُ ذَهَبا

ترفَّعتْ عن مديحٍ حشوُهُ كذبٌ            وكلّهم بلسانِ الشِّعر قد كَذَبا

لها تضوع زهر الروح ما كسبت        وطالما سخرت من كسبِ من كَسَبا

وروعتها قيانُ الفكر سافحةً              بين السلاطين ماء الوجه والأدَبا

ووقفةُ الشعر خلف الباب مُرتقبًا          ليلثمَ النَّعل والأقدام والرُكبا

قد غاصَ بالتُربِ حتى الرأسُ عفَّرهُ      وغوصَ الرأسَ حتى عفَّرَ التُربا

يا داهشَ العمر عمري كرمةٌ يبستْ      لمستَ أغصانها فاخضوضرت عنَبَا

قصيدةُ العيد وحيٌ منكَ أحرُفُها           فما كُتبتُ، ولكنْ أنتَ مَن كَتَبَا*

                                                      1 حزيران 1998

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!