ساعةُ الوداع
رأيتُها محمُولةً على الأعناق في محفَّتِها الرهيبة الأخيرة
والجماهيرُ تحتاطُها وهم يذرفونَ عليها الدَّمعَ المِدرارَ الهتَّان
ويتأوَّهُون على صَبَاها الذاوي وقلبها الساكنِ وجمالها الفتان
وعِند ذاك تملكتني لَوعةٌ صَمَّاء وكآبةٌ خرساء
إذْ خُيِّلَ لي يَومَ أَتوارى فيه فجأةً عَن هذِهِ الغبْراء
تُرى هل مِنْ عّينٍ تَذرفُ عليَّ دُمُوعَ الحُزنِ الغزيرة؟
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
نجوى سلام براكس
- الفصْلُ الأَوّل
- الفصْلُ الثاني
- الفصْلُ الثالث
- الفصْلُ الرابع
- الفصْلُ الخامس
- الفصْلُ السَّادس
- الفصْلُ السَّابع
- الفَصْلُ الثامِن
- الفصْلُ التاسع
- الفصْلُ العَاشِر
- الفصْل الحَادي عشر
- الفصْلُ الثاني عَشر
- الفصْل الثالث عَشرْ
- الفصل الرابع عَشر
- الفصْل الخامِس عَشر
- الفصْل السَّادِس عَشر
- الفصْلُ السابع عَشر
- الفصْل الثامِن عَشر
- الفصْل التّاسع عَشر
- الفصْلُ العشرُون
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
إنَّ في نسَمَاتي لعِطراً
تَسْتَروِحُهُ النفوسُ الزكيَّة
نَجْوى
نسمات
دُعَــاء
سألتُــك رَبّــي
أَن تُفعِــمَ قَلــبي
إيمَانــاً و حُبّـــاً،
و تُطلِــق لِسَانـي،
خيْــراً و صِدْقــاً
و تُكسِـبَ فِكـري
سُمُـوّاً وعُمْقَــاً
و تُشهِــرَ قلمـي
سَيْفــاً و حَقّــاً،
فأَمتَــد إليـكَ درْبــاً
نَجْـوى
الإهْداء
أَنتَ أَبدَعْتَ فيَّ إنسَاناً روحيَّاً
فكيفَ أَنكِر قدرتَك؟!
أَنتَ هَدَيتَ تائهاً مَنسيَّاً
فكيفَ أَنسى رَحْمَتك؟!
أَنتَ علَّمتَ مُتَعطِّشاً ضَائِعاً
فكيفَ أجحَدُ كلمتَك؟!
أَنتَ أَخصَبتَ قَفراً بَلقَعاً
فكيفَ لا أَتلذَّذ غلَّتَك؟!
أَنتَ حَرَّرْتَ غريباً سَجيناً
فكيفَ أَغفلُ نِعمتَك؟!
أَنتَ كشَفتَ كنزاً دفيناً
فكيفَ لا أكبِرُ مُعجِزَتَك؟!
أَنتَ وَهبْتَني وَوَهبْتَني…
لا مِمَّا يعطيهِ أبنَاءُ الصَّلصَالِ و المَاء
بل مِمَّا يَهبَهُ أبناءُ الرُّوح،
أَبنَاءُ السَّماء.
إليكَ دَاهش هذِهِ النَّسَمات
إليكَهَا عرائِسَ بعبير حُبّي فائِحات
يا مَنْ رَفَدتَني بعطاءٍ يمُدُّهُ عَطاء،
وروَّيتَني من مَعينِ الخُلوُدِ و الضيَاء!
نجوى
بيروت في 29/7/1975
مقدِّمَـةُ الكِتاب
بقلم الدّكتور دَاهِش
بَينَ يديَّ الآن كتَابٌ هو ليسَ كبقيَّةِ الكُتُب.
إنَّهُ كِتَابٌ فَذّ،كتَابٌ رَائع، كتَابٌ ثمين،كتَابٌ حِكَمُهُ بَالِغَة، وتعَابيرُهُ عظيمَة،ومعَانيه مُذهِلَة،وَحَقَائِقُهُ سَاطعَة،وبَراهينُهُ جَلِيَّة.إنَّه كِتَابُ الجيل،كتَابُ القرنِ العِشْرين!
فكَاتِبَتُهُ الشابَّةُ مِنَ المُدْهِشِ والمُثيرِ أَنَّها لم تحلُبْ شطرَي الحَيَاةِ لتَضَعَ لنَا فيهِ حِكمَةَ الدَّهر، وتَصُوغَ لنَا عِبَرَ الدّنيَا بمَا تحْمِلُهُ لنَا منْ خيْرٍ وَشرّ!
فكَيفَ أُتيحَ لِهذِهِ الغَادَةِ الصَّغيرةِ بالسِّنّ أَنْ تُسَابِقَ الشيُوخ منَ الكُتَّابِ والمُحَنَّكينَ مِنَ المُجَرَّبين، وتَبُزَّهُم بما نشَرَتْهُ ونَثَرتْهُ من آياتٍ حِكَميَّةٍ يُبْلى الدَّهرُ ولا تَبْلى جِدَّتُهَا وَحَقِيقَتُهَا النَّاصِعَة؟
لقد سَكِرتُ و أنَا أُطَالِعُ هذِهِ الحِكَمَ المنتَخَبَة؛ فهيَ جَواهِرُ وَضَّاءَة،ودُرَرٌ يتيمَة سَبَتْ لُبِّي،واسْتَهْوَتْني الاستِهْوَاءَ كُلَّه.
ولا أَشكُّ بأَنَّ قارئَ هذِهِ الإضمَامَة من أَرْوَعِ ما أَنتَجَتْهُ العقُولُ سَيَشْعُرُ مَا شَعرتُ بهِ مِن لَذَّةٍ كُبْرى تَتفَوَّقُ على لَذَّةِ شَاربي الخُمُور المعَتَّقَة.
هذا إذا كَانَ القَارئُ يَسْتَلذُّ قِراءَةَ الجيِّدِ مِنَ الكُتُبِ والرَّائعِ مِنَ الأَقوالِ الخَالِدَة.
أمَّا السَّطْحيُّ أو القَارئُ العَابرُ فمِنَ الأَفضَل أنْ يُبْقي هذا الكِتَاب مُغْلَقاً،فهو لم يُكْتّبْ لأجْلهِ قط.
والآن ها إنّي أَضَعُ أَمَامَ القَارئِ بَعضاً من الحِكَمِ والأقوالِ المُمتِعَة،ليُشَاركَني لَذَّتي عندَ تلاوَتِه إيَّاهَا.ومثْلَمَا تَسْكَرُ روحُهُ من سماعِهِ لموسيقى العبَاقِرةِ منهُم،كبتهُوفن، ومُوزارت، وبَارليُوز إلخ…
هكذا سَيُحَلَّقُ بخَيَالِهِ عند سماعِهِ حِكَمَ هذِهِ الكَاعِب الهَيْفَاء،ويتَمَنَّى أنْ لا تنقطعَ سلْسِلَةُ حِكَمِهَا الخالِدة.
فاسْمعْهَا تقول:
“لا معنَى لجهَادٍ في غيرِ عقيدةٍ رُوحيَّة.”
وتمعَّنْ بهذِهِ الكَلِمَاتِ المَاسِيَّة،وهيَ حَقيقَةٌ لا شكَّ فيهَا.
فالجِهَادُ دونَ عقيدَةٍ رُوحيَّةٍ مَهْزَلَةٌ
منَ المهَازِلِ التَّافِهَة.فالذينَ يُجَاهِدُونَ ويُحَارِبُونَ
ويجُودُونَ بأرْواحِهِم لقَاءَ مَادِّياتٍ تَافِهَة ،يُجَازُونَ
أنفسَهُمْ بفَقدِهِم لأَروَاحِهِم جَزاءً لغَبَائِهِم المؤسِف،
أَمَّا مَن يجَاهِدُ في سَبيلِ مَثَلٍ رُوحيٍّ أعلى، فقَد أَمَّنَ لنَفسِهِ جَنَّةَ النعيمِ الوَارِفَةَ الظِّلال.
وأَصْغي لهذِه الكَلِمَة المُبْدِعَة،مَا أروَعَهَا، ومَا أَمتَعَهَا! وها هيَ:
“الإنسانُ كالشمْس،تغيبُ منْ مكانٍ ِلتُشرِقَ بمكانٍ آخَر”.
لقَد أَبْدَعتِ أيَّتهَا الفيْلَسُوفة نجْوى! فبهذِهِ الحِكمَةِ يتأكَّدُ للقَارئِ أنَّكِ تؤمِنينَ بعَالَمٍ آخَر تحيَا فيه المخْلوقَاتُ البَشَريَّة،وأَنَّهَا لا تفنى بفَنَاءِ أجْسَادِهَا التُّرابيَّة السَّرابيَّة.
وهَاكُم حِكمَةً ثَالثَةً مُبْدِعَة:
“الوَقتُ يَقتَاتُ بأَعمارِنَا،
وأَعْمارُنَا تَأكلُ أَجْسَادَنَا
و أَجْسَادُنَا المتَآكِّلة تُعَدُّ وَليمَةً لِلديدَان”.
وهذه هيَ خَاتمة المَطافِ لأَجسَادِنَا المادِّيةِ المأسَاويَّة.
“الَحياةُ بدَايَتُهَا بكَاء،
وِنَهايَتُهَا نُوَاح!”
“قوانينُ الأَرض
أمتِعَةٌ تشْتَرى بعَرض”.
“الأرضُ أُنثَى عَاهِرَة
لِكثرَةِ ما ضَاجَعَهَا الشيطان،
أَنجَبَتْ توأَمَي الرَّذيلَةِ والبُهتَان!”
“إيه أَيُّهَا الصِّدق،
كم مِنْ كذبةٍ لُفِّقَتْ باسْمِك!”
“لا تأمنّن من خانك مرة واحدة”.
“لكلِّ بذرَةٍ تُربَةٌ خاصَّةٌ تنمو فيهَا،
ولكلِّ إنسَانٍ مجتمعٌ خاصٌّ يعيشُ فيه.”
“التقتيرُ في عِشرَةِ النَّاسِ غنىً”.
“تجنَّبْ من يوَافقكَ في كلِّ أمرٍ كبيرٍ و صغير”.
“لو اسْتُشرْتُ،
لأَشرتُ بمُحاكمَةٍ رجَالِ الدّين!”
“رجالُ الدّين بلا دين”.
“حذارِ أثواباً سوْدَاءَ رعَابيل،
يختلِقُ لابسُهَا الأكاذيب،
مُردِّداً شتَّى الأقاويل،
داعماً إيَّاها بآياتٍ اقتبسَهَا من الأناجيل”.
“إنْ لم تقضِ على أطماعِك،
قضَتْ عَليك.”
إِنَّها آياتٌ،بَل معَلَّقَاتٌ جَديرٌ بها الكعبَة، ليقرأَهَا الخلَفُ عَن السَّلَف! ولو قُيِّضَ لي لَطَبعْتُ لهَا هذا الكتَابَ المُذهِلَ بصفحَاتٍ من الذهَبِ الوَهَّاج تُطَرِّزُهُ كَلِماتُهَا الحِكَميَّةُ الخَالِدَةُ بيَوَاقيتَ ومَاس وجَوَاهِرَ يتيمَة.
لقد سَحَرتْني كَلِمتُهَا المبدِعَةُ القَائِلةُ فيهَا:
“الحيَاةُ بدايتُها بكَاء،
ونهايتُهَا نواح!”
فهَل يوجَدُ أفدَحُ من هذِهِ البدَايَةِ والنهَايَة؟
إنَّهَا كَلمَةٌ أختَصَرتْ فيهَا آلامَ الحَيَاةِ،ومَرارتَهَا العَلقَميَّة،ومُنغِّصَاتِهَا الحنظليَّة،وطبَّقَتِ المثَلَ القَائِلَ:”خير الكَلامِ ما قلَّ و دَلّ.”
إنَّ الكَاتِبَة اللوْذعيَّة نجْوى سَلام يَنتَظِرها ،في مُسْتقبَل الأيَّام، مجْدٌ أدّبيٌّ بَاذِخ،إذ سَتَعتَلي قِمَّتَهُ الشامِخَةَ الذُّرى.
ومِن جبَل الإلهَامِ المشْمَخرِّ هذا،سَنَقرأُ مَا سَيُطالِعُنَا بهِ يرَاعُهَا الجبَّار.
و سَيُخَلِّدُ التَّاريخُ اسْمَهَا الأدبيَّ بأحْرفٍ مِن نُورٍ و نَار.
الدّكتور دَاهش
بيروت 26/12/1978
نجوى الحبيب
شعر مُوسى المعلُوف
أَنتِ وعـدٌ في خاطـرِ الأَجيـالِ
فَسَلي الصُّبحَ عن نجـاوى الليـالي
أَينَ ذاكَ النجيُّ من أَمسِكِ الزاهـي
وأَيـنَ الشجـيُّ مـن آمالــي؟
وُلِدَتْ في العوالمِ الكرمـةُ الأولـى
فسالـتْ نِسَامُهـا فـي الدوالـي
خمـرةٌ أنـتِ مـن فراديـس ربٍّ
فاضَ منهـا السَّنـا على الآصـالِ
” نسَمَاتٌ “من وحيِكِ البِكـرِ أَنقى
في التعـلاَّتِ من طُيوفِ الجمـالِ!
رَفْرِفي كالعبيرِ في واحـة الـرُّوحِ
وشُعّـي نيازكـاً فـي الخيـالِ!
واسْكُـبي الفكرَ في بيـانٍ وضيءٍ
بحُـروفٍ مـا عُتِّقّتْ في البـالِ
وتغَنَّيْ “نجـوى” الحبيبِ بعهـدٍ
حُبُّــهُ خالـدٌ مـدى الآزالِ
وحدَهُ رائدُ الهدايةِ في الكـونِ
فسَحْقَـاً لسافيـاتِ الضَّـلالِ
وحْدَهُ “شاهدُ ” الأُلوهةِ، تحيـا
في يدَيْهِ الأكوانُ دفْـقَ نَـوالِ
– داهشي فيكَ مُنيتي و رجائي
وجَناحي في غُربتـي وارْتحالي
أَنا أَهـواكَ سائحـاً عُلَويّـاً
هـاكَ قلبـي،فَنَجِّني من زوالِ
مَنْ أَنا لولا حكمةٌ منكَ تسمو
غيرُ ظلٍّ ينداحُ خلفَ الظِّلالِ؟!
مَنْ أَنا لولا رَعشةٌ منكَ ثارتْ
في عُروقي، فبرعمَتْ أَوصالي؟!
مَنْ أَنا لولا نجمةٌ مِنكَ ضاءَتْ
بطِلَسْـمٍ مُجنَّـحِ التَّسـآلِ؟
هاتِ أَحرِقْ خواطري وصلاتي
من رمادِ النجوى تسامى ابتهالي
يا حبيبي،صداكَ ضجَّ بروحي
منذُ شقَّ البحارَ بِكرُ الجبـالِ
كم تنسَّمتَ في كِياني بخـوراً
فتملَّيْتُ قُدسَـكَ المتعالـي!
يا وحيدَ الأزمانِ، يا داهشَ الدنيا
تلفَّتْ إِليَّ، بـارِكْ غِلالـي!
في يديْكَ البُذورُ أَخْصِبْ حياتي
أَنا عطشى لوَحيِكَ السيَّـال!
موسى المعلوف
غرينتش”الولايات المتحدة”،في 23/6/1978
توطِئَــة
بقلم الدّكتور غازي بْراكس
أَلفٌ و أربعُ مئة حكمةٍ و نَيِّف أَشبَه بالدُّرَرِ الغَوالي، بل الدراري المتألّقة في صفاءِ الليالي،وبضعُ مئاتٍ من الخواطر كأنَّها الأقمارُ تدورُ في أفلاك تلك النجوم- ذلك ما ينطوي عليه هذا الكتابُ النفيس.
وتخوضُ رحلةَ الفكر في ستةٍ وعشرين فصلاً، فتتراءَى لكَ هذه الفلذاتُ الناضجة أَشبهُ بالعناقيدِ المتوهِّجة تحملُها عساليجُ كرمةٍ عظيمة تكادُ أغصانُها تُغطّي جميع حقول الحياة الدنيا وما وراءَها.فتعجبُ لعَمَل جليل يتصفّى فيه حشدٌ غفيرٌ من تجارب الحياة،كيف استطاعت أديبةٌ بمفردها أن تصوغَه صياغةً جميلة، وتَمْهرَه بطابعها الذاتي المُميَّز، وهي لمّا تَطَأْ عتَبةَ الكهولة.
لكنَّ سرَّ ذلك هو في أَنَّ نجوى سَلام بْراكس هي تلميذةُ قُطبٍ من أبرز أقطاب الهداية الروحيَّة في التاريخ: الدكتور داهش.
فمَنْ عرفَ حياةَ مُؤَسِّسِ الداهشيَّة عن كَثَب، وتكشَّفَتْ له عجائبُ أَعماله و خوارقُ كتاباته، لن يُحرجَه أنْ يقول إنَّه مِنجَمُ الحكمةِ الماسيّ، والمؤلِّفةَ ضِلعٌ غالية من أضلاع خامِه. بل إن القارئَ البصيرَ المؤمنَ بعودةِ الحياة وخلود السيالات لن يلبثَ أن يرى وراءَ هذه العناقيد الحِكميَّة آلافاً من السنين مُشْبَعَةً بالتجارب والتأمُّلات اختزنتها الأديبةُ الأريبة في سيَّالاتها قرناً تلو قَرن، ثم أَفرَغتها في هذا الدور خمرةً مُعَتَّقة.
ولا مجالَ لمِنْ يستزيدُ القولَ في الكتاب إلا مجالُ الإيضاح والتعليل، بعد أن لفَظَ حُكْمَه فيه و في صاحبته مَنْ كلامُه في حقل الرُّوح والحكمة هو القَولُ الفَصْل،أعني مُؤَسِّسَ الداهشيَّة.
* * *
ليس الكتابُ مجموعاتٍ منتثرة من الحِكَم والخواطر لا أَواصرَ بينها، بل تّتضحُ فيه للقارئ البصير خطوطٌ فلسفيَّةٌ عريضة لعقيدةٍ روحيَّةٍ تؤمنُ المؤلِّفةُ بها.
فالداهشيَّةُ تُسفِرُ عن وجهها، في فصول الكتاب، بصورةٍ تدريجيّةٍ منطقيّة، مُتحلّلةً إلى أجزاء متبلورة يجمعُ بينها سِلْكٌ فكريٌّ مُتَّصلُ الحلقات.
ففي القسم الحِكَميّ الذي يستغرق حوالي ثلاثة أرباع الكتاب-وهو المُسمَّى “في هيكل مينرفا”- يتدرج القارئُ من نظرة المؤلِّفة إلى عالَم الرُّوح والأنبياء والأديان وما تستوجبُه من إيمانٍ وصلاةٍ وجهاد…إلى آرائها في الجمال والمذاهب والفنون. وبين الطرفَين جولةٌ واسعةٌ أريبة يمرُّ القارئُ فيها برُؤًى خصبة عن الداهشيَّةِ و أَبعادها،والحياةِ وأسرارِها،و الموت و ألغازه،كما عن العواطِف العُلويَّة والدنيويَّة،و الخير و الشرّ، والفضائل و الرذائل، والقِيَمِ الروحيّة و الماديّة، و المناقبِ الإجتماعية، والطباع الذميمة،ومختلف وجوه الحياة السامية والسافلة، والهنيئة والشقيَّة…حتى لتَشعُر أَنَّ المؤلِّفة لم تترك زيادةً لمستزيد.
وإذا عبَّرَتِ الحِكَمُ في القسم الأَوَّل من الكتاب عن نظرة العقيدة الداهشية في مختلف الامور، حسبما تبدو من خلال مرآة المؤلِّفة الذاتيَّة،فالخواطرُ في القسم الثاني-المُسمَّى ” أنغام أورفيوس”-تُعَبِّر عن شخصيّة المؤلِّفة في روحانيّتها،وغربتها الروحيَّة وما تنطوي
عليه من آلامٍ و آمال،ورغباتٍ و عواطف،كما تكشفُ عن مطامحها لتخطّي عالَم الأجساد المحكومة بقيودِ الزمان والمكان والشهواتِ الترابيّة إلى عالَم الرُّوح حيث الحرّيةُ السامية المطلقة والسعادةُ الحقَّة.
* * *
إِنَّ أَدبَ الحكمة عامّةً أَدبٌ جافّ، يُصدرُه العقلُ الرزين، ويصوغُه بوضوحٍ منطقيٍّ ذي روحٍ نثريّةٍ صارمة. لكنَّه في هذه المجموعة أَدَبٌ نَضِرٌ جميل، يتسنَّمُ ذُرى الفَنّ والاناقة والحيويّة؛ذلك لأنَّ الذوقَ الشعريّ الرهيفَ رافقَه، والخيالَ الطليقَ كثيراً ما أعاره
أجنحة، فجاءت مجموعاتُ الحِكَم- فضلاً عن الخواطر- أشبهَ بأسرابٍ من الطيور، بل النسور، تُحلّقُ في سماءِ الأدبِ الراقي الجميل.
وإذا تدبّرتَ كلَّ حِكمةٍ أو خاطرة بنظرٍ فاحص، لرَأَيتَ أنَّها بأكثريّتها الساحقة وَحَداتٌ فنّية، فكريّة أو وجدانيّة، قابلة للديمومة، فكأنَّها خلايا ذاتيّةُ الحيويّة.
وقوَّةُ هذه التأمّلات ليست مُستَمَدَّةً من المناسبات السياسيّة أو الإجتماعيّة المُثيرة، بل مَرَدُّ قوّتها إلى صحّةِ الفكرةِ فيها و بُعدِ مراميها،كما إلى سُموِّ الرُّوح الذي يُحييها،والجسَدِ اللفظيّ المتناسِقِ المتناغِمِ الجميل الذي تتمثَّلُ فيه. ولا نُدحةَ عن الإِشارة إلى قصائدها النثرية الرائعة التي تُوشِّحُ بضعةَ فصولٍ من ” أنغام أورفيوس”، وفيها
تُناجي العزَّةَ الإِلهيّة، والحرّيّة والعدالة والمحبّة والكُتُب إلخ…فهي مُفْعَمةٌ بالفكر النيِّر والشعور الصادق،ونضّاحةٌ بالجمال الآسِر.
إِنَّ هذا الكتاب ،على صعيد الأَدب النسائيّ، أشبهُ بخارقة! وهو يُظهر ما يُمكن أن تُثمره دوحةُ الداهشيّة من عطاءٍ خصبٍ سامٍ و جميل. ذلك بأنَّها تُزوِّدُ المُفكّرِين بمفاتيحَ عجيبة لأبواب الحياة والموت الموصَدَة، وتوسِعُ آفاقَ إطلالاتهم على الوجود؛ فترحبُ نظراتُهم، وتعمقُ حتى تخرقَ كلَّ قشرةٍ من قشور الحياة، وتنفذَ إلى لُبابها الخفيّ.
ختاماً، لستُ أُغالي إذا قلتُ سيأتي يومٌ يُصبح فيه هذا الكتاب مِنْجماً ثميناً تستخرجُ منه الناشئةُ كلَّ جوهرةٍ يتيمة، لتتملّى الحِكمَةَ والعبرةَ فيها، بل سيُقبلُ زمنٌ تغدو فيه مجموعةُ هذه الحِكم والخواطر مائدةً عامرةً بالأطايب يُقبلُ على تذوقها كلُّ عاشقٍ للحقِّ
والخيرِ والجمال.
د.غازي براكس
نيويورك في 14/7/ 1988
الفصْلُ الأَوّل في معبَد الربّ
في هيكل مينرفا
إلى ربَّةِ الحِكمة
أَسمِعيني من نَقْرِ درِعكِ، يا ربَّةَ الحكمة،
أَعذبَ نَغْمَة،
رافقيني في نَسَماتي العابرة
نَسْمَةً فنَسْمَة
وأَصغي إلى هَمَساتي الحائرة
عَبْرَ كلِّ كِلْمَة.
تنسَّمي وردةَ كتابي، يا عذراءَ الأولمبِ
وصَعِّدي عِطرَها، بخورَها، في مجْمرَةِ قلبي
تنهَّدي، تأَرَّجي بينَ زنابقِ صدري
هَدهِديني،رَنّحيني بصوتِكِ السحري
أَدخليني إلى قُدس محرابِكِ الفردوسي
واسقيني من خمرة حكمتك،
فأنتشي وتصحو نفسي.
الفصْلُ الأَوّل
في معبَد الربّ
الله وحده
الله!
لفظةٌ قدسيَّة
هي خارقةُ الخوارق!
لجلالتها تنحني
بلايينُ المجرَّات والسُّدُم والأكوان!
فعبثاً، أَيُّها الإِنسان،
تُحاولُ وتجتهد،
لتفقَه سرَّ خالقِ الخلائق!
* * *
اللهُ لفظة!
فمَنْ يُفسِّر؟
إنَّها الكلمةُ الوحيدة
التي لا تُعبَّر!
* * *
اللهُ- جَلَّت قُدرتُه- هُو الكائنُ الأحد
والأرواحُ نسماتٌ منهُ قُدسيَّة،
والسيَّالاتُ أشعَّةٌ روحيَّة،
قميصُها هو الجسد.
* * *
اللهُ هو الحقُّ المطلَقُ الصَّمَد،
وكلُّ ما عداهُ نسبيٌّ و حائل.
والويلُ لمن جَحَد!
* * *
إذا كنتَ حقَّاً مؤمناً
بأنَّ اللهَ موجود
في كل الوُجود،
فكيفَ تعصاهُ ولا ترتعد،
أيُّها الإِنسانُ الكنودُ الجحُود؟!
* * *
تتجلَّى قُدرةُ الخالق العليّ
في تجلّي الملاكِ عَليّ!
فطوبى لمن عاينَ شلاَّلَ معجزاته
ينسكبُ من يَدِ النبيّ!
* * *
تبصَّروا صنائعَ المبدع،
تلمَّسُوا قُدرتَهُ العجيبة
في اختلاجاتِ الذَرَّات،
في مَداراتِ المجرَّات.
ألا تسمعون أنَّ كلَّ ما في الكون يُردّد:
“سبحانَ العقل المدبِّر الواحد،
وسبحانَ القُوَّةِ الموجدة”؟!
* * *
اللهُ وحدَه،
والكلُّ ما كانَ إلا عبدَه!
على مثالهِ
جوهراً وقُدرةً و معرفةً
خلقَ الأرواح،
فكانت السماوات.
ومن الأرواح
راحت السيَّالات
بمشيئةٍ منها
في كلِّ صوبٍ تنداح…
فكُوِّنِت الأكوان،
وانبثقتِ الأزمان،
وتدفَّقَ نبعُ الحياة…
وبقدْرِ ما كانت أطفالُ السيَّالات
تبتعدُ عن أُمَّهانها الأرواح،
كانت تغشاها قسوةُ المادَّة،
وتُجلببُها طبقاتُ الدجُنَّات،
ويُطوّقُها الشقاءُ والأتراح!
اللهُ وحدَه،
و الكلُّ ما كان إِلاَّ عبدَه!
شمسُ النبوَّة
في البَدْءِ…
كان المسيحُ كلمةُ الله الحقَّة.
ثمَّ كانَ الأنبياءُ
حروفُها المتفرِّقة.
* * *
الأنبياءُ لا يتناقضون
بل يتحاورون،
ويتكاملون.
* * *
شاءَتِ السماءُ،
فوَهَبَتِ الأنبياءَ والهُداةَ والمُصلحين
نورَ العقل الهادي،
فنعتَهُم البَشرُ بالمجانين!
* * *
يهبطُ الأنبياءُ من ملإِهم العُلويّ
إلى عالم الأرض الحقير،
لهداية البَشَر سواءَ السبيل،
فيُقابلونهم بالإضطهاد والتشريد والتنكيل!
فلِمَ العَجَبُ إذا لاقى البشرُ سوءَ المصير؟!
***
موسى ،داوود،سليمان،عيسى،محمَّد…
تتعدَّدُ أسماءُ الأنبياء؛
أمَّا الرُوحُ العُلويَّةُ التي تجمعهُم
فواحدة.
هُمُ الأشعَّة،
وروحُهُم شمسُ الهداية!
***
الروحُ القُدُس
لا يمسُّ شُعاعهُ العُلويّ
إلاَّ نفوسَ الأبرارِ المختارين،
ولا يجترحُ المعجزات
شهادةً للحقّ
إلاَّ عبرَ الأنبياءِ والمُرسَلين.
فلتخرسْ ألسنةُ المدَّعين والمتخرِّصين.
***
المصلحونَ الروحيُّون والهُداة
أنبياءُ بلا معجزات!
***
في أخطاءِ الأنبياء
رحمةٌ للبشرِ الضعفاء!
***
تعاليمُ الأنبياءِ جداولُ روحيَّة
تنبثقُ من نبعٍ إلهيٍّ واحد،
ثم تتفرَّق،
لتروي العِطاش إلى الرُّوح
على كلِّ دربٍ و مفرق،
ثم تصبُّ في بحر الأبديَّة!
***
الرسالاتُ الروحيَّة
عقدٌ نورانيّ
حباتُهُ الرسُل،
سلْكُهُ نورُ الحقيقة،
وعُنُقُ الكون مُطَوَّقٌ بلألائه!
وحدة الأديان الجوهريَّة
تجادلَ مسيحيٌّ و مسلمٌ في مسألةِ صلب المسيح:
فقال المتعصّبُ الأوَّل:”المسيح ابن مريم
صٌلِبَ، وخيرُ دليلٍ هو نصوصُ الأناجيل”.
فأَجابَهُ المتزمّتْ الثاني:”وما قتلوهُ و ما صلبوهُ
ولكن شُبِّهَ لهم”.
فلو عرفَ كلاهما بوجود شخصيَّات داهش الستّ
لاسْتَخلَصَا الحقيقةَ من وَحْدَةِ النصَّيْن!
***
جميعُ مواكبِ الأديان
تتجهُ نحوَ منارةِ الخالق؛
فما بَالُ السائرين يهبطون،
والطريقُ إلى شاهق؟!
***
الأديان:
خُطوطٌ لمعالم الجحيم والنعيم
في لوحة الموت و الحياة.
***
الغُموضُ في الأديان
مركبةٌ جَموحٌ
قد تُطيحُ بالإِيمان!
***
كلُّ دينٍ يتحجَّر
عبر الزمن
يُصبحُ المدماكَ العتيد
الذي يُرفَعُ عليه
هيكلٌ حيٌّ لدينٍ جديد!
***
كلُّ دينٍ جديد
يأتي بحقائق أوضح
تكون شرحاً لسلفِها
بأُسلوبٍ أفصح.
***
الرسالات:
صُروحٌ من المعارفِ الروحيَّة
تُبنَى على ضِفّةِ الأبديَّة.
***
لولا رسالاتُ السماء
التي تُومضُ،من حينٍ لآخر،
ببروقِ القِيَم الروحيَّة
لما أَبقتِ القُدرَةُ الإلهيَّة
كُرتَنا الأرضيَّة
دائرةً في الفضاء!
***
حتى الرسالاتُ الروحيَّة،
حقائقُها وخوارقُها
تتفاوتُ درجاتُها الروحيَّة،
ما دامَ كلٌّ منها تعتنقُها
فئةٌ معينةٌ من البشريَّة!
***
تتدفقُ ينابيعُ الرّسالات الروحيَّة،
فتستقبلُها المروجُ الخصبة،
وتُعانِدُها الأراضي الصخريَّة.
***
قد يَخونُ قلبَ الإنسان
لسانُه،
لكنَّ معتقدَه
تُرجُمانُه.
***
ما هَمَّ إن وُلِدَتْ على دينٍ مُعيَّن،
أوِ اخترت ديناً في مسيرةِ حياتِك،
ما دامَ الأهمُّ أن تُطبَّقَ مبادئَ دينك،
إذ إنَّ مُمَارستَها الفِعليَّة
هي التي تدينُك.
***
لا حياةَ روحيَّة كريمة
لِمَنْ لا دينَ له.
***
من استطاعَ بعقلِه وقلبه
أن يستخلصَ الحقيقة
من مجمل الأديان…
هو كالفنَّان الماهر
يصوغُ من مختلف مشاهد الطبيعة الرائعة
لوحةً عن الجِنان!
***
أنظمةُ الأرض وشرائعُها
تُبدِّلُها ثورةٌ حمراء
تلوَ ثورةٍ حمراء…
أما الرسالاتُ السماويَّة
فمسيرتُها دائمة،
ما دامتِ الأرضُ والسماء!
وهج الإيمَان
النفسُ المؤمنة
لا تبسطُ ظلَّها
إلا تحت نور الله!
كالشجرة لا تُفَيِّئ
إلا تحت أشعَّة الشمس!
***
الإيمان:سلامٌ داخليٌّ وسكينة.
الإيمان:تسليمٌ لله وطمأنينة.
***
الإيمانُ يُطهِّر،
وفي الشدائد يُصبِّر.
***
الإيمانُ الصادقُ للنفس
كالتربة الخصبة للغَرْس.
***
الإيمانُ المقرونُ بالبصيرة
سفينةٌ شراعيّة
تدفعُها رياحٌ لا مرئيَّة
إلى الضفافِ المنيرة.
***
الإيمانُ صاروخ يُصعِّدُ بالإِنسان
إلى سماءِ الحقائق!
والكفرُ غوَّاصةٌ تتسفَّلُ به
على عددِ الدقائق!
***
الإيمانُ يُنيرُ لَكَ السبيل
في منعطفاتِ الحياة
التي تتلوَّى وتتحوَّى
كالثعابين بين العثرات!
***
التقوى
خيُر مأوى،
حينَ تُقبلُ مواكبُ الأفراح،
وحين تغزونا جحافلُ الأتراح.
***
قد ينطقُ لسانُ الإِيمان داخل النفس
بهاتف التحذير
من شرٍّ مستطير!
***
إذا اقترنَ العقلُ بالإِيمان،
سَهُلَتْ عمليّةُ التحليق
صوبَ فراديسِ الجِنان!
***
لا فضلَ كفضلِ المؤمن
يتجلَّلُ بخوفِ الغَفور،
ويسيرُ في دروبِ النور،
يحثُّ الآخرين على الإِيمان
ولسانُهُ الحقُّ المرنان!
***
المؤمنُ لا يتأَفَّفُ ولا يتذمَّر،
المؤمنُ يتأمَّلُ ويتصبَّر.
***
هل تستطيع،
مهما استعملتَ من أساليبِ التدريب،
أنْ تجعلَ السمَك
يقوى على الطّيَران في الهواء؟
هكذا،فإنَّه من المستحيل
إقناعُ غيرِك بكلِّ ما تؤمنُ به أَنت.
***
الإيمانُ الحقّ
يُلينُ القلبَ القاسي،
لأنَّ في أساس هذا الإِيمان
أنَّ الله سُبحَانَه
هو كمالُ المحبَّة.
***
المؤمن ضميرُهُ مشتعلٌ أَبداً.
في مجمرةِ قلبه.
***
إذا آذاك
مَنْ يدَّعي أنَّهُ يعبدُ الله،
فأيقنْ أَنَّه يعبدُ الشيطان.
***
خشْيَةُ الله
أَوقى جاه.
***
التجاربِ مِشحذُ سيفِ الإِيمان.
***
َمنْ فَقَدَ الإِيمان
حلَّلَ كلَّ حرام،
وغارَ في رَدَغَاتِ الرّغام.
***
مَنْ لم يُنهِهِ إيمانُه لا إيمانَ له.
***
عجبتُ لمن يخافُ البشر،
ولا يهابُ المُمسِكَ بزمامِ القَدَر!
***
كُنْ في مواقفكَ الإيمانيَّة
كالموتِ حاسماً.
***
العبادةُ من غير معرفة
كالفِلاحة من دون نَثْر البِذار.
أشذَاءُ الصَّلاة
الصلاةُ عطرُ سيّالٍ خَفِيّ
يتصاعدُ للسَّرمَدِيِّ الحَيّ.
***
تختلفُ الصَّلَوَات،
وتتعدَّدُ طُرُقُ التقوى والتعبُّد،
في الأديان،
إلا أَنَّها تأتلفُ جميعُها
في وجهتها نحو الديَّان.
***
إذا لم تقتنعْ بصَلاتك،
فامْتنعْ عن التمتمة،
لئلاَّ تُصابَ بنقمة
بَدَلَ الرحمة.
***
المبالغةُ في الدُّعاء،
عند إصابة الدهرِ إيَّاك بالأرزاء،
تقصيرٌ ورِياء.
***
مؤمنٌ صلاتُهُ خاليةٌ من الصدق
ببَّغاءٌ يُردِّدُ ما عُلِّمَ من نُطق!
***
مَنْ يُردِّدُ الصلواتِ حرفاً حرفاً
غيرَ مُدركٍ معناها
كمن يُنادي بالحُريَّة
ويبقى عبداً.
***
ما أسمى أن نشملَ غيرَنا
بصادقِ أدعيتنا وتضرّعاتنا
فنرقي سيالاتنا!
***
الصلاةُ ليست في تحريكِ الشِّفاه
بالآياتِ البيِّنات،
ولا بترديد الكلام
طمعاً في ثواب،
أو خوفاً من عقاب،
أو دَرْءاً للمصائبِ والأوصاب…
الصلاةُ هي في اختلاجِ قلبٍ بإيمان
يكون قادراً على تطهير النَفس من أوزارها،
وإقالتها من عثراتها،
وقيادتها لبلوغ عالَم الحقّ والخير والجمال…
***
للصلاةِ الصادقةِ الصامتة
صوتٌ يبلغُ أذْنَ السماء
أقوى من خطبةٍ دينيَّة عصماء
أو صلواتٍ جماهيريَّة مُدوِّية الأصداء!
***
إذا كنتَ غير صادقٍ مع نفسك،
فصلاتُكَ باطلة.
***
رُبَّ عابدٍ صامت
يبلغُ صوتُهُ الخفيّ
سماءَ السماوات؛
وعابدٍ ناطق
لا يتجاوز صوتُهُ الجهوريّ
سقف مكان الصلاة.
***
كلَّما انداحت أَمامك
دوائرُ ضرّائِك،
وسِّعْ صدرَك،
وثبِّتْ صبرَك،
وابتهل لرحمةِ ربِّك،
فقد تنجلي الغيوم
من سمَائك.
***
مَثَلُ العبدِ والمصلّينَ فيه
مَثَلُ الجسد والنفس.
هي تُطهّرُهُ أو تُنجّسُه،
وهم يُقدِّسونه أو يُدَنِّسونه.
الفصْلُ الثاني وجْــهُ دَاهـش
نورٌ سَطَع
يا أَنهارَ الاعوام
المتسارعة نحو لُجَّةِ الفناء!
أَيَّتها الشَّاهدة على شرور الإِنسان
ومصائب الأوطان!
تُرى،أَما جَحَظتْ عُيونُك
من هوْلِ الأرض وهُولِة الحَدَثان؟!
إيه يا أَنهارَ الزمن الهادرة باللعنات
على أَبناءِ الظلماء،
سجِّلي أنَّ نوراً في لبنان قد سَطَع
و أَنَّ أبنَاءَ الديجور
طعَنوهُ بحرابِ البُهتانِ والزور!
يا ويلهم من محاكم التاريخ!
يا ويلهم من عدالة القدير!
دَاهــش
إذا استطعتَ أنْ ترى وجهاً واحداً
اتّحدتْ فيه وجوهُ سقراط و ديوجينوس
ولاوتسو وكونفوشيوس
وبوذا و غاندي
مع وجوه الهُداة جميعاً…
فقد رأيتَ وجه داهش!
***
داهش!
أَيُّ كتابٍ ستتّسعُ صفحاتُه لمعجزاتك؟!
قبلك كانت هواطلُ الرُّوح جداول،
وبِكَ أَصبحتْ نهراً عظيماً!
***
لا أيُّها الهادي الحبيب،
لنْ ينضبَ سيلُ معجزاتك،
لنْ تغربَ شمسُ رسالاتك،
لنْ يأفلَ نجمُ تعاليمك؛
فأنتَ الرحَّالةُ الكونيّ الأعظم،
تغربُ في كوكب،
لتُشرقَ في آخر!
***
لا تستطيعُ كتمانَ شيء
وأنتَ بين يدَيْه!
فإنَّكَ كتابٌ مفتوحٌ
أمامَ عينيْه!
***
يتوجَّع الهادي الحبيب همساً
ليُخفّفَ آلامَنا!
ويُتْخَمُ صابراً
ليُطعمَ جياعَنا!
ويقتصدُ شاكراً،
ليُحسن إلى فُقَرائنا!
الدَّاهشيَّــة
الأديانُ جميعُها
و قد عادتْ إلى ينابيعها الروحيَّة
هي الدَّاهشيَّة.
***
الداهشيَّة؟
مصبُّ جداول اليهوديَّة والمسيحيَّة و الإِسلام.
***
الداهشيَّة؟
إنصاتٌ
لنداءِ السيَّالات الروحيَّة،
إصغاءٌ
إلى السببيَّة والعدالة الإلهيَّة،
تأَمُّلٌ
في خُلود الرُّوح الأزليَّة الأَبديَّة،
وتفَكُّرٌ
في التقمُّصِ وتعدُّد الحيوات البشريَّة.
***
الداهشيَّة
تُوضّحُ طريقَ النعيم المقيم،
فَسِرْ على خُطاها
واعمَلْ بوصاياها،
تحظَ بالسعادةِ الروحيَّة.
***
الداهشيَّة؟
مذياعُ الحقائق الروحيَّة.
***
الداهشيَّةُ سِفْرٌ:
أحرفُهُ عِبَرُ الحكَماء،
كلماتُهُ وحيُ السماء،
صفحاتُهُ معجزاتُ الأنبياء.
***
لا يفقَهُ حقيقةَ الوجُود
كلُّ مَنْ لم تصهْرهُ الداهشيَّة
في بوتقةِ تعاليمها الإلهيَّة.
***
مَنْ غَفِلَ عن الداهشيَّة
غفلتْ عنهُ.
***
لا منجاةَ لعالمنا الغريق في بحر الآثام
إلا بخشبة الخلاص الداهشيَّة.
***
لا دوامَ للبشريَّة
إلاَّ بسيادة المبادئ الداهشيَّة.
***
لن تزولَ الحروب،
ويعُمَّ السلامُ المنشود،
إلاَّ إذا نُكِّسَتْ أعلامُ البلدان كلَّها،
ورُفِعَ عالياً علَمُ الداهشيَّة الأوحَد.
فمتى،متى تهتفُ الكُرةُ الأرضِيَّة
“أنا داهشيَّة؟!”
أنـوارُ الرُّوح
الجلسةُ الروحيَّة
أَعظمُ حَدَثٍ في تاريخِ البشريَّة!
فيها تُشرَعُ أبوابُ دائرة النور الأعلى،
فتتجلَّى القدرةُ العظمى
بإطلالةِ الآباءِ الروحيّين
عبر سيَّال الهادي العشرين
واصلِ الأرض بالسماء.
و يُسقى حاضرُ “الجلسة الروحيَّة”
إكسير المعرفة الإلهيَّة
بكأسِ الخوارق و المعجزات.
فطوبى لمن حضرهَا،
وجعل منها خُبزَهُ المقدَّس
مدى الحياة.
***
لولا الحركةُ والإهتزازُ المرئيّ،
لمَا تحقَّقنا من وجود الهواءِ اللامرئيّ،
فإني لراسخةُ الإِيمان
باستحالة إثبات وجود الرُّوح
بغير المعجزات.
فوحدَها تُبرهنُ على وجُود حيوات
وراءَ هذه الحياة.
***
إذا تأَخّرتَ دقيقةً واحدةً
عن موعد الطائرة،أَقلعتْ..
فكيفَ إذا تقاعستَ لحظةً
عن استجابة النداءِ الرُّوحيّ؟!
***
بالبريد الرُّوحيّ الإِعجازيّ
تصلُنا الرسائلُ الداهشيَّة!
***
الأرواحُ تسبحُ في محيطاتٍ
ماؤها الحُبّ
وضفافُها الأَنوار!
***
الرُّوح دائمةُ الشباب!
***
مسكينٌ ذاكَ الذي يعتقد
أَنَّ الرُّوحَ النقيَّة
تلك النفثةَ الإِلهيَّة،
إبنة المَلإِ الخالدِ النورانيّ
تحتلُّ جسدَهُ المظلم الترابيّ الفاني.
***
لا تأسفنَّ على جُثمانك الفاني
فالرُّوحُ تأبى ارتداءَ أيِّ بُنيانِ.
***
النفسُ والجسد
مُتَّصلان منفصلان.
ففي ذرّات جسدِك
شوقٌ خفيّ
للإندماجِ بأَصلِهِ الترابيّ؛
و في سيَّالاتِ نفسك
توقٌ خفيّ
للإندماجِ بأصلها الروحيّ.
***
الباحثُ عن موضع الرُّوح
من الجسد،
كالباحثِ عن الحقائق
في عالم الخيال.
***
لا يبلغُ الإنسانُ السعادةَ العظمى
إلا بعودةِ كلّ سيَّالاته،
كلّ أشعّتِه،
إلى روحه،
شمسِه العُلويَّة،
أُمِّهِ الإلهيَّة.
***
الرُّوحُ يعلمُ ما تكنُّهُ الأفكارُ والصُّدور،
و يُدركُ ما تبغيه النملةُ
في ظُلُماتِ الجحور!
***
كلَّما كانت الصلاة صادقَة التعبير
وصادرةً من أغوارِ قلبٍ كسير،
كانت استجابةُ الرُّوحِ أَسرع.
***
رُبَّ روحٍ اتَّخَذَتْ من النور مِرْقَماً،
ومن الفضاءِ قرطاساً،
وخطَّتْ…
فأَخرجتِ الحروفَ كواكب،
والكلماتِ أنجماً،
والجُمَلَ مجراتٍ وسُدُماً،
فكانت أسفاراً كونيَّةً أبديَّة!
***
الحقائقُ الروحيَّة
مرتعُها العوالمُ الفردوسيَّة.
صرخةُ المُعجزة
المُعجزة؟
عَمَلٌ من أَعمالِ المَلاءِ الأعلى،
لا شرحَ لهُ في قواميسِ العُلوم البشريَّة!
***
المُعجزات؟
عملٌ مألوف
في فراديس الآلهة والإِلاهات.
***
المُعجزاتُ بذارُ الأنبياء!
فهل تُربتُكَ حقلٌ مِمْراع
أم صُخورٌ صمَّاء؟!
***
تفعلُ المُعجزاتُ
في العقول النيِّرة العطشى إلى المعرفة
ما تفعلهُ السمفونيَّات
في العواطف الخيِّرة المرهَفَة!
***
رُبَّ دهشةٍ روحيَّةٍ حقَّة
إزاءَ مُعجزة
صرخةٌ لولادةٍ جديدةٍ
بعد طول مشقَّة!
***
الجارور؟وما أَدراك ما الجارور!
سِفْرُ الغابر
سِجلُّ الحاضر،
لسانُ الغدِ الباتر!
***
إذا تناسيتَ أمراً،
صارَحَك الجارورُ جهراً!
***
طوبى لكُلِّ محظوظ،
عايَنَ اللوحَ المحفوظ،
والفكرَ الملفوظ!
***
المُعجزة
بُرهانٌ على أَنَّ الزمن
يُمكنُ أن يعودَ إلى الوراء
ليبقى شاهداً
على الخطايا والأخطاء!
مشعَل الجِهَاد
لا معنى لجهادٍ في غير عقيدةٍ روحيَّة.
***
إِذا كنتَ من ذوي النفوس العظيمة
فاحلُمْ بالجهاد،
واستقبل الإضطهاد،
واحلُمْ بدرب السماء،
وابتسمْ للشقاءِ والعناء،
واحلُمْ بالآمال العِذاب،
واشربْ كُؤوس العَذاب!
***
بالجهاد والإِخلاص والتضحيات
تنتشرُ الرسالاتُ الروحيَّة.
***
وفي النفسِ العظيمة
هِمَّةٌ عظيمةٌ
لِغَرضٍ عظيم.
***
طوبى لامرئٍ هَرِم
ترقّى في الجهاد
حتى تبوَّأ قمَّةَ الهَرَم!
***
إذا كانت ناطحاتُ السحاب لا تعلو
إلاَّ على صلداءَ صخريَّة لا تتزعزع،
فعظائمُ الأمور لا تقوم
إلا على راجحي العُقول، وراسِخي الإِيمان.
***
العُظماءُ يتصافحون بأَكاليل أمجادهم،
والجُهَلاءُ يتناطحون بقرونِ سَخافاتهم.
***
وما ثبَتَ الإِنسانُ في الرسالة الروحيَّة
إِلاَّ ليرقى.
***
إِقْتَحِمْ دار الرسالة الروحيَّة
باحثاً عن اليقين،
ولا تُبالِ بعُيونِ الملايين.
***
الرسالاتُ الروحيَّة
لا تَلِدُ في إِبّانِ بَعْثِها
إِلاَّ بضعَ عشراتٍ من المؤمنين
يُصبحون آباءً لبلايين الأحفاد.
فطوبى للمؤسِّسين المناجيب!
***
كُلَّما تجنَّدَ المُخْلصون
في سبيل الدين،
زادوهُ زخماً في الإنتشار المبين.
***
نورُ الداهِشيَّة
لا ينعكسُ على سيَّالٍ كَدِرٍ قَذِر
بل على ذوي القُلوبِ النقيَّة،
والنيَّات الصافية،
والسيَّالات الراقية.
***
الداهِشيُّ المظماءُ إلى العدالة السماويَّة
رابحٌ سُنَّتَه السائرة،
وإنْ خَسِرها في محكمة البشر الجائرة.
***
الداهشيُّون والداهشيَّات
إِنَّما تُبصّرُهم المُعجزات
بعلمِ البصريَّات
ولُغزِ الماورائيَّات.
***
الداهِشيَّون؟
وَقودُ شُعلة الرسالة الأزليَّة الأبديَّة!
***
الاستشهادُ الحقيقيّ
هو الإستشهادُ من أجل الوطن الروحيّ،
لا من أجل الوطن الترابيّ.
- الإخَـاء الرُّوحيّ
ليس أَخوكَ َمنْ وَلَدَتْهُ أُمُّك؛
أخوكَ مَنْ آخاكَ في رسالةِ ربّك،
ولازمَكَ في سرّائك وضرّائك
على طول دربِك.
***
عندما عَبَّ اليهوديُّ والنصرانيُّ والمُسلم
من مَعينِ الداهشيَّة
إرتَوَوا شاكرين،
وتآخَوا مؤمنين.
***
جاهلةٌ معنى الأخوّة
كلُّ أُختٍ شَنَّعتْ أُختَها.
***
مَنْ دخلَ دارَ الرسالة الروحيَّة
ليستفيدَ من الناحية الماديَّة،
فليتبوَّأ مركزَهُ بالدركاتِ الجهنميَّة،
حيثُ الحاكمُ الطاغية،
والنارُ الحامية،
والعذاباتُ الكاوية.
***
لا يُعادي الرسالاتِ الروحيَّة
إِلاَّ كافرٌ جاهلٌ حقير،
ولا يُؤازرُها إِلاَّ مُؤمنٌ فَطِنٌ بصير.
***
أَجيبوني:
هل تمخرُ الطائرةُ عُبابَ الماء؟
هل تجري السفينةُ على اليابسة؟
هل يطيرُ الطائرُ بلا جَنَاح؟
هل يفقهُ الجاهلُ كُنهَ الداهشيَّة؟
***
كم أَخٍ ليهوذا في لبنان!
وكم إبنٍ لقايين!
***
سيفُ الداهشيَّة ما زالَ مُغْمَداً!
فالويلُ لرؤوسٍ شرّيرة
سيقطفُها غداً!
***
“بالكبريت والنار ستحترقُ يا لبنان”!
أجل …أجل…
دُوِّنَتْ هذه النبوءةُ أَيَّام الجريمة النكراء،
جريمةِ اضطهاد ابن السماء،
يومَ استُؤجرتِ الأقلام،
وكُمَّتِ الأَفواه،
وشُلَّتِ الضمائر،
وبيعتِ النفوس،
وضَلّتِ العقول،
وأُعميَتِ البصائر!
…وتحقَّقَتِ النبوءة.
فهنيئاً لكم، أيُّها العُميان،
بلبنان!
الفصْلُ الثالث مفَاتيحُ الحَيَاة
إشعَاعُ السيَّالات
طاقةٌ سرعتُها أَعظمُ من سُرعةِ النور،
و لها اهتزازٌ ذَرِّيٌّ غيرُ منظور،
وإرادةٌ وشعور،
هذا بعضُ ما يُعرِّف “السيَّال”.
***
مَنْ أَدركَ حقيقةَ السيَّالات
مَلَكَ مفاتيحَ أبوابِ الحياة.
***
الرُّوحُ أصلٌ،
والسيَّالُ فرعٌ.
***
كلُّ موجودٍ سيَّال،
وكلُّ سيَّالٍ حياة،
وكلُّ حياةٍ مُويجةٌ
في بحرِ الأبديَّة اللانهائيّ!
***
الخليفةُ جمعاء،
ببلايين أشكالها المرئيَّة واللامرئيَّة،
ليستْ إلاَّ حديثاً مُطوَّلاً
عن السيَّالاتِ الروحيَّة.
***
كُلَّما ارتقى السيَّال
أمرعَ الفكرُ بالحقيقةِ والخيال.
***
أَتعجبُ أنْ تُوَجِّهَ الأَنبياءَ والهُداةَ
سيَّالاتٌ من خارج الكُرَة الأَرضيَّة؟
لِمَ لا تعجبُ من جهاز الرادار
يُوَجِّهُ السُّفنَ الفضائيَّة
وقد أُطلِقتْ في كلِّ مدار؟!
***
تفرضُ السيَّالاتُ الراقيةُ
سُلطانَها على العباد،
كما النومُ يفرضُ سلطانَهُ
على الأَجساد.
***
السيَّالُ العُلويُّ خميرَةٌ
تُنضجُ عقولاً مستبقةً أوانَها.
***
تأتي البُطولات
على قدرِ رُقيِّ السيَّالات.
***
السيَّالاتُ سفينةٌ كونيَّة
رُبَّانُها العقل؛
فإذا أَضاءَت فيه الحِكمةُ الربَّانيَّة،
لم يُعِقْهُ شيءٌ
عن التَّصعيدِ في رِحلاتِه الاكتشافيَّة.
***
لا تحتقِرْ حتى أَصغرَ الأَشياء،
فرُبَّ صغيرٍ فاقَ كبيراً
برُقيِّ سيَّاله.
***
الذكاء؟
شرارُ السيَّال.
***
كلُّ إنسانٍ تروقُهُ سيَّالاتُه
كما تروقُ الجاهلَ جهالاتُه!
***
سيَّالاتُ الإِنسان
مسجِّلةٌ لأَقوالِه،
وشاهدةٌ على أفعاله.
***
في انسجامِ سيَّالاتِك أو تناقُضها
تظهرُ نفسيَّتُك،
وتبرزُ شخصيَّتُك.
***
إذا كانت الحروبُ في الأَوطان
صراعاتٍ بين طُغاتِها،
فالحروبُ في الأَبدان
صراعاتٌ بينَ سيَّالاتها!
***
كلُّ سيَّال
يُكدّي كُدْيَتَه
في شارع الحياة.
***
كلُّ سيَّال
إلى شِبْهِهِ ميَّال.
***
إعرفْ غيرَك،
فالسيَّالاتُ أَخذٌ وعطاء.
***
بالجاذبيَّة
تأتلفُ السيَّالات،
وتتجمَّعُ الذرّات،
وتتلاقى الذُرِّيات.
***
يكادُ يكونُ من المُحال
أنْ يجمعَ اثنين
حبٌّ قويٌّ صادق،
ما لم تجمعْهُما جاذبيَّةُ سيَّال
شَبَكَ عواطفهما
في تقمُّصٍ سابق.
***
أَتكونُ في مُتحفِ الدّكتور داهش
سيَّالاتُ كنوز الملك سليمان؟!
مُعجزاتُه وحدها تُعطيكَ البرهان.
***
كُلُّنا محكومون بشبيكة سيَّالات
لا نُبصرُ منها لا الخيطان ولا الأَلوان،
بينما هي تحكُمُنا حتى بذبذباتِ ذرَّاتنا،
وخفقاتِ قلوبنا،
وخلجاتِ عواطفنا.
***
قد يكون فيك سيَّال
موصولٌ بعالمٍ مُعَيَّن
بين بلايينِ العوالم،
تُؤَثِّرُ فيه،
ويُؤَثِّرُ فيك،
وأنتَ غيرُ عالم!
***
المادَّةُ سيَّالاتٌ تكثَّفَتْ
بأَمرِ الخالق
لتُكوِّنَ أشكالَ الخلائق.
***
رُبَّ جَسَدٍ يتَّحدُ بجَسَد
يدمجُ سيَّالاً بسيَّال
إلى الأَبد!
***
في المِحَنِ و التجارب
امتحانٌ لحقيقة السيَّال.
***
لكُلِّ طائفةٍ من السيَّالات
مجتمعٌ خاصّ
تربو في أحضانِهِ الهنيَّة،
كما للأَراضي الجبليَّة الشاهقة
نباتاتٌ خاصَّةٌ
لا تُلائمُها التربةُ الساحليَّة.
***
السيَّالاتُ ذاتُ روائح:
منها الذكيَّةُ السامية،
ومنها الكريهةُ السفليّة،
ومنها لا رائحةَ لها.
***
إيلادُ البنين
تجسيدٌ لبعضِ سيَّالاتِ الوالِديْن.
***
قد يمتدُّ السيَّالُ الواحد
من الأَب إِلى ابنه إِلى حفيده…
ويبقى في الجميع
مُحافظاً على الطاقة نفسها،
وهذا من أَسرار السيَّالات،
وعجائب مُبدع الحياة!
***
سيَّالاتُكَ أَولادُك
وأَولادُ أَولادِك؛
فاجتهدْ في تربيتها و تهذيبها
حتى تنالَ أجرَ اجتهادك.
***
لو أَدركَ البشرُ صِلاتهم
بين سيَّالاتهم،
لأبصروا أنفُسَهم أُسرةً واحدةً صغيرة،
وجعلوا من الكرةِ الأرضيَّة منزلاً
يخجلُ سكَّانُه من نزَعاتهم الحقيرة
أمام منازل الحضارات الكونية!
السيَّالات والجزاءُ العَادل
بالسيَّال
يُكالُ العقاب والثواب.
***
كلٌّ يسيرُ في رّكْب سيَّالاتِه
ليبلغَ محطَّاتِ استحقاقاته.
***
الوارثة؟
نتيجةُ حراثة الماضي
بمحراثِ السيَّال.
***
وِلاداتُنا لا تُفرَضُ علينا فَرْضَاً؛
سيَّالاتُنا هي التي تقودُنا إليها.
***
السيَّالاتُ إِشعاعاتٌ روحيَّة
حُصِرَتْ في أوعيةٍ جسديَّة،
ووُضِعَتْ على نيرانٍ حيَّة
لتحلَّلَ ذرَّاتُها متجسِّدةً
في درجاتٍ عُلويَّة
أو دركاتٍ سُفليَّة.
***
سيَّالُ الفنِّ الراقي
هو الذي يُتيحُ للأَديب
أنْ يُجسّدَ في الكلمات معانيه والصُّوَر،
وللرسَّامِ أنْ يسكبَ خيالَهُ في الألوان،
وللنحَّاتِ أنْ ينقشَ أشكالَهُ في الحجر،
وللموسيقارِ أنْ يفرغَ عواطفَهُ في الألحان.
فسبحانَ من وزَّع المواهب
استحقاقاً على البشر.
***
البصيرُ والضرير،
السليمُ والسقيم،
الصحيحُ والكسيح،
الفقيرُ و الغنيّ،
الفصيحُ و الغبيّ،
العالِمُ و الجاهل،
المعتوه والعاقل،
المفوَّهُ والأَبكم،
الجريءُ والهَيوب،
الحَسَنُ والقبيح،
الشجاعُ والجبان،
المؤمنُ والكافر،
الصالحُ والطالح…
لم توجدْهُم الصدفةُ العمياء،
بل السببيَّةُ الروحيَّةُ والجزاءُ العادل.
أَلا فليعتبر الإِنسان
من أخيهِ الإِنسان!
***
رُبَّ سيَّالٍ يسوقُ سيَّالات،
وإرادةٍ تقودُ إرادات.
***
إذا كان قلبُكَ نقيَّاً طهوراً
فسيَّالاتُكَ كُلُّها تستحيلُ نوراً!
***
لأَنَّ السيَّالاتِ درجات،
فالناسُ طبقات.
***
كُلُّ زمانٍ
لهُ سُكَّانُه
الذين بسيَّالاتهم واستحقاقاتهم
يُحدّدونَ حَدَثانه.
***
النفسُ البشريَّة
جسرُ سيَّالات
قد يُؤَدِّي إلى الدَّرَكات
أو الدَّرَجات.
***
كما الشعبُ يحطُّ الوطن أو يُرقِّيه،
هكذا سيَّالاتُ الإِنسان
تُسفّلهُ أو تُعليه.
***
في تصعيد سيَّالك
كشفٌ لأعظَم الحقائقِ الروحيَّة؛
وفي تسفيله،
طمسٌ حتى لأَدنى المعارفِ الزريَّة!
***
كُلُّ سيَّالٍ متذبذبِ العواطف
مُهدَّدٌ بأنْ تتقاذَفَهُ هُوجُ العواصف.
***
السيَّالاتُ المتشبّثةُ بالدنيويَّات
تتجذَّرُ عبرَ التقمُّصات
في تُربةِ الدركات.
***
سيَّالاتُنا الماديَّة المتشبِّثة بالدنايا
تبني لنا جُسوراً طويلةً طويلة…
تنتظرُنا لحظةَ النايا
لنعبرَ عليها مُرغَمين
إلى حيثُ الرزايا والبلايا.
***
سيَّالاتُكَ السفليَّة
تنسجُ لكَ الجسدَ الحقيرَ الوَغْد
لتحلَّ فيه،
فتعيشَ أذلَّ من عَبْد!
فعجِّلْ تخلَّصْ من أوشابها،
وانسجْ لكَ شبكةً من الأَشعة
تصطادُ بها طيورَ الفراديس المشعَّة.
***
قد يُسفُّ الإِنسانُ بسيَّالاتِه
في سُلَّم الأَحياء،
وتتخطّى البهائمُ الإِنسان
في معراجِ الارتقاء!
***
مثلما تجتذبُ المقاذرُ الحشرات
هكذا تجتذبُ الدركات
دنيءَ السيَّالات.
***
كُلُّنا أسرى سيَّالاتنا السفليَّة،
كُلُّنا مكبَّلون بقيودِ العبوديَّة الذاتيَّة.
* * *
قذارةُ السيَّال
يغسلُها ماءُ العذاب.
***
إنَّهُ لسيَّالٌ عاطل
ذاك الذي يتردَّدُ ويُماطل.
***
رُبَّ امرئٍ وُلِدَ بسيَّال
فيهِ رائحةُ الفراديس،
فعاش مسترسلاً في المعاصي أيَّما استرسال،
ثم مات…وفي جميع سيَّالاتِه رائحةُ إبليس!
الفصْلُ الرابع موتُ الفينيق
الموت
يا ملاكَ الموت القادر،
أيها السيَّالُ الجوّابُ رِحَابَ عالمنا الخَؤون،
قد تنقلُ المرءَ إلى العالم الآخر
طفلاً أو حَدَثاً دون إنذار،
لكنَّكَ تُوفِدُ رُسُلكَ
إِلى المتقدّمينَ في الأعمار:
فمن احديداب الظهور،
إلى غُؤُورِ العُيون،
إلى رَجَفانِ الأسنان،
إلى تثاقُل السمع،
إلى تمعُّطِ الشَّعر،
إلى تضاؤل الفهم وتفاقُم الهَذَيان…
فيُساورُ الإِنسان الهَلَع،
ويُراودُهُ الجزَع،
لجهلِهِ حقيقة المَنون الحَنون!
***
الموتُ طائرةُ الحياة،
والجَسَدُ مطارُها
منهُ تُقلعُ السيَّالات.
***
قاصفُ الأَعمار
يزورُ ولا يُزار.
***
ليتَ ملاكَ الموت
يُحوِّمُ مرئيَّاً
فوقَ الرؤوس،
وخلفَهُ تتفتَّح
أرتالٌ من الرموس،
عسى الناس
يتذكَّرون مصيرهم دوماً
ويعتبرون بالدروس!
***
الموتُ لحظةُ استراحة
تُنجّزُ فيها عمليَّةُ الحِسَاب.
***
لماذا تَهابونَ الموت
إِذا كنتم تُحبُّون الحياة؟
ففي الموت
بذورُ كلِّ حياة!
***
ما بين المماتِ والحياة
تنعدمُ الاوقات!
***
الموتُ سُباتٌ عميق
بين أحضان اليقظة!
***
الموتُ مُنعطف
لدخولِ شارعٍ جديد
من شوارع الحياة.
***
الموتُ وسيلةُ نقل
إِلى عالمٍ عُلويٍّ أو سُفليّ
أمَّا السُّعَاة فملائكتُه.
***
يقولُ مَنْ صَفَتْ نفسُه:
“ما أجملَ صحوةَ الموتِ بعد غفوةِ الحياة!”
ويقولُ من كثفَتْ نفسُه:
“ما أرعبَ شبحَ الموتِ بعد سكرةِ الحياة!”
***
سكراتُ الموتِ وغَمَراتُه
ترجمةٌ فعليَّة
لقانون الأَعمال البشريَّة ونتائجه.
***
لا جَدَل
مع الأَجَل.
***
رُبَّ اغتيال
لتحريرِ سيَّال.
***
لا سعادةَ حقيقيَّةَ
إِلاَّ بخَلْعِ القمصانِ الماديَّة.
***
النفسُ التقيَّة
تُحبُّ المنيَّة.
***
ميتةٌ في سبيل الحقّ
تختزنُ من الحياة
أكثرَ من ألفِ ألفِ حياة
عيشتْ في سبيل الباطل.
***
لغةُ الموتِ الأرضيَّة
تجهلُها ألسنةُ الكواكبِ النعيميَّة.
***
قد تكونُ راحةُ النفوس
في ضجعةِ الرموس.
***
السعيدُ السعيد
مَن بكَّرَ عليه حاصدُ الأَرواح،
فنقلَهُ من المأساةِ الأرضيَّة
إلى السعادةِ السماويَّة.
***
كم من ولاداتٍ وَوَفيات
تتمُّ داخلَ أَجسادنا
عبرَ السيَّالات
دونَ أن نشعرَ بها.
***
في انطلاقِ كُلِّ سيَّال
موتٌ جزئيّ،
وفي انطلاقِ السيَّال الأخير
انتقالٌ كُليّ.
***
كما أَنَّ لكلِّ بزوغٍ أُفولاً،
ولكلِّ إزهارٍ ذُبولاً،
كذلك فكلُّ كائنٍ لهُ بداية
لا بُدَّ لهُ من نهاية.
***
الجَسَدُ
إِمَّا مطهَر،
وإِمَّا إلى الجحيمِ معْبَر.
***
وراءَ الفناء
خُلودٌ استتر
لا يراهُ أحياء
من طينةِ البشر.
***
الإنسانُ كالسِّراج
يخفتُ ضوؤه
قبل أن يطفئ.
***
السيَّال الأَخير
جناحا الحياة،
بانسلاخهما
يسقطُ الجسد.
***
الوقتُ يقتاتُ بأَعمارنا،
وأَعمارُنا تأكلُ أجسادَنا
وأَجسادُنا المتآكّلَة
تُعَدُّ وليمةً للديدان!
***
يُولدُ الطفلُ باكياً،
ثمَّ …يُوَدِّعُ الباكين…
فلنُعِدَّ الزادَ لولادةٍ بَسَّامة الرُّوح،
في عالمٍ أَرقى وأَسمى.
***
تنفدُ سيَّالاتُ الإِنسان،
فتُضحي كلمةُ العزاء:
“البقيَّة في حياتك”.
والأصحّ أنْ يُقال:
“ما زالت في حياتك بقيَّة”.
***
كلُّ شيءٍ في الأَرض
يجري وفقَ سُنَّةِ التغيُّر؛
لكن، لا شيءَ إلاَّ تستقرُّ صورته
في عالم “اللوح المحفوظ”
ليكونَ شاهداً
على الناسِ وصنائعهم.
***
تجلّى لي ملاكُ الموتِ في الحُلُم،
فسأَلتُه:
“تُرى ألا تتعبُ من حَصْدِ السيَّالات؟”
فأجابني مبتسماً:
“أحصُدُها زَرافاتٍ زَرافات،
ثمَّ أنثُرُها بذوراً في تُربةِ الحياة”.
***
قد تكونُ القُبور
حيَّةَ الذرَّات
وهي تحضنُ
جثثَ الاموات.
***
المقابر
حِكَمٌ وعِبَر
تخطّها الجُثَث
ملءَ عُيونِ البشر!
***
الإنتحار
مخالفةٌ لإِرادة اللهِ واهبِ الحياة.
ولذا لا مناصَ للمُنْتَحر من العِقاب،
مهما يكن يدفعُهُ من سامي الغايات.
***
المُنْتَحر يهربُ من الحياة
ليُعاني حياةً أقسى
في ما يُسمَّى”بالممات”.
***
قد يكونُ في الإنتحار
شجاعةٌ وجرأةُ جَنان
ولكنْ قد يكونُ فيه أيضاً
عجزٌ جبان
عن مواجهةِ الصِّعاب،
وإخفاقٌ في مجابهة المِحَن
وعواملِ الاضطراب
***
الإنتحار
هستيريا السيَّالات الجماعيَّة.
البَعث
الإِنسانُ كالشمس
تغيبُ من مكان
لتُشرقَ بمكانٍ آخر.
***
الحياةُ والموت
كالليل والنهار
في كوكبنَا السيَّار
يتعاقبان باستمرار!
أمَّا الحياة الخالدة
فنهارٌ مشرقٌ أبداً وضَّاح
في عالم الأَرواح
***
الولادةُ موتٌ ماضٍ
والموتُ ولادةٌ آتية.
***
ولادتُنا نتيجةُ عَثْرة،أو عَثَرات.
ورُبَّ زلاَّت
تكون سبَ وِلاداتٍ ووِلادات!
***
لو سُمِحَ للإِنسان
أنْ يرى بعينٍ بصيرة
كم من جسدٍ خلعَ عنه،
وكم من ضريحٍ ضمَّه،
وكم من قبرٍ سيحويه،
لقضَّى أيَّامَه و ساعاته
ولظى الآلام تكويه!
***
حكايةُ الإنسانِ رواية
أجزاؤها لا تُحصى ولا تُحصَر.
وفي كلِّ جزءٍ يُشكِّلُ المولد
كلمةَ البداية
والموتُ كلمةَ النهاية.
***
كم من مرَّةٍ أَعادَ الملاكُ الرقيب،
على يدِ الهادي الحبيب،
الأشياءَ المُحطَّمة أو المُمزَّقة أو المحروقة
إلى سابقِ عهدها،
بتجديد تجسيدِ سيَّالها المحفوظ!
إذن ما نُسمّيه فناء
يطرأ على الشكل دون الجواهر!
***
حياةُ الإِنسان
مسلسّلٌ روائيٌّ تقمُّصيّ
لا يُفهَمُ منه الحاضر
إِلاَّ في ضوءِ الغابر،
ويُستَشرَف الفصْلُ اللاحق
في ضوء الفصْل السابق.
***
كلُّ حياة
فصلٌ في رواية
تمتدّ إلى اللانهاية…
وكلُّ وجود
يبقى ظلاًّ
ما لم يحتضنْهُ الخلود.
***
قد يكون الموتُ سَفَراً
من جسدٍ إلى جسد،
أَو من بلدٍ إلى بلد،
أو من كوكبٍ إلى كوكب،
في رحلةٍ نهايتُها الأَبد.
***
نحيا لنموت…
ونموت لنحيا…
***
السَّفَر:انتقالُ الجسد من مكانٍ إلى مكان؛
والموت:انتقالُ السيَّال من جثمانٍ إلى جثمان.
***
السيَّالاتُ في الإنسان
كالنُّسغ في ذواتِ الأَفنان.
قد تُصوَّحُ أوراقُها
ورقةً في إثرِ ورقة،
لتعودَ فترتدي قمصاناً حانئةَ الأَلوان.
***
الإِنسانُ الماديُّ الذي يتحوَّلُ روحانيَّاً،
والسحابُ الذي يتساقطُ غيثاً،
والثلوجُ التي تذوبُ أنهُراً،
والبذرةُ التي تنمو شجرةً،
والغصنُ العاري الذي يكتسي ثمراً،
والمعدنُ الخامُ الذي يُصاغُ أشكالاً مختلفة…
أليست كلّها تحتوي على معنىً
من معاني التقمُّص؟!
***
في الإنتقال
رُقادُ الجَسَد
ويقظةُ السيَّال.
***
تتبخّرُ ذرّاتُ الماء
لتتجسَّدَ بُخاراً
يعودُ فيتساقطُ أمطاراً.
وهكذا فكلُّ سيَّالٍ منطلقٍ منك عائشٌ لك.
***
قد يتجزَّأ السيَّال،
بعد انطلاقِهِ من رِبْقةِ الجسَد،
كما يتجزَّأ مارجُ النور،
أشعَّةً لا تُعَدّ.
***
كم من شخصيَّةٍ تاريخيَّة
عادتْ مرتديةً قمصاناً مختلفة،
وإنَّما السيَّال الذي يُحييها هو نفسُه،
فردَّدَ المؤرِّخون:
“التاريخُ يُعيدُ نفسَه”.
***
متى بَلِيَ قميصُ الجسد،
حنّتِ السيَّالاتُ
إلى أزياء جُدُد.
***
منْ قال بفناءِ الإِنسان أو النبات أو الحيوان،
هو من المعرفة في حُمَّى الهَذَيان!
***
حتى الفقاقيعُ الطافية على وجه الماء
تحوُّلاتٌ سريعة لتجسُّدات
تستتبعُ السقوطَ أو الإرتقاء!
***
رُبَّ قاتلٍ يكون مقتولاً في حياةٍ ماضية،
ويصبح مقتولاً في حياةٍ آتية.
***
قد تكونُ الحربُ رحمة
تستعجلُ إِطلاقَ السيَّالات
رزمةً في إثرِ رزمة،
عساها تحظى في تقمُّصٍ آتٍ بنعمة.
***
لا تدري أَغنيٌّ أنت أم فقير
إِلاَّ بالإنتقالِ الأخير.
***
إذا انطلقَ سيَّالُكَ الأخير إلى الأَعالي
مخلِّفَاً جسدَكَ في قبرك،
وارتقيتَ إلى عالمٍ سامٍ منير،
وابتهجتَ بفكاكِ أسرك،
فإذْ ذاك ستهزأُ بجثمانكَ الحقير،
وتسخرُ ممَّنْ يبكي على ثوبك البالي!
***
الموتُ كطاقةِ النبع،
والتجسُّداتُ أنهارٌ جارية،
كلَّما جفَّت،رفدَها النبعُ بماءِ الحياة،
فعاوَدَهَا الجَرَيان.
الفصْلُ الخامس قلبُ المسيح
شمــسُ المحبَّــة
المحبَّةُ هي طاقةُ الحُبّ
وقد تصفَّتْ.
إذا أَهمَلَها صاحبُها
خَبَتْ شُعلتُها،
وإذا تعهَّدَها،
كالشمسِ سطعتْ!
***
المحبَّة
لُغَةُ الصلوات.
***
المحبَّةُ معراجٌ يُصعّدُ نحو السماء،
إذا ارتقتْهُ القُلوب تجنَّحتْ…
ورحُبَ أَمامها فضاءُ الهناء.
***
شريعةُ المحبَّة
أشرعةُ الله المتهادية
فوق بحار الحياة.
***
المحبَّةُ زهرة
لا تنبتُ في تُربةِ الغبراء؛
فإِذا وُجدتْ،
صعَّدتْ بسيَّالِ الإِنسان إلى السماء.
***
المحبَّةُ على الأرض
بُذورٌ هابطةٌ
من دوحةِ العاطفةِ السماويَّة.
***
المحبَّةُ في النهاية،
هي سرُّ البداية،
ولُغزُ الحياةِ السرمديَّة.
***
المحبَّة؟
هي الحياةُ بأَسمى أَهدافها
وأَنبلِ مراميها.
***
المحبَّةُ سفينة
تعبرُ بكَ مضائقَ المآزق
إلى ضفافٍ أمينة.
***
المحبَّةُ طاقةٌ قادرة
تُرعشُ العاطفة،
وتُنعش الذاكرة،
وتجلو البصيرة،
وتصقلُ الخاطرة.
***
المحبَّة أَمهرُ طبيب
لشفاءِ أمراضِ الجسَد والنفس.
***
الحُبُّ الأَبديّ
حُبٌّ جوهريّ
سيَّالُهُ سماويّ.
***
المحبَّةُ قصيدةٌ عَصْماء
تُقرأ بجميع اللغات!
***
المحبَّةُ ابنةٌ مُدَلَّلة:
أبوها التضحية
وأُمُها القناعة.
***
المحبَّةُ فرح.
هي في الطبيعة ربيعٌ وضَّاء،
وفي القلوبِ موسيقى وغناء.
***
المحبَّةُ أَنغامٌ داخليَّة
لا تُشنِّفُ إِلاَّ أسماعاً مُرهفةً روحانيَّة!
***
المحبَّةُ خمرةٌ عفيفة
لا يعتري شاربَها الضياع
بل يقظةٌ رهيفة.
***
المحبَّةُ حياةُ الرُّوح.
طوبى لمن يحياها
بوَخزاتِ الجُروح.
***
المحبَّةُ فوَّارةٌ مائيَّةٌ قدسيَّة
يتنبّعُ منها،كلَّ يوم،
مياهٌ جديدةٌ حيَّة.
***
إذا وُجِدَ على الأرض
حبٌّ نقيّ،
فيكون لمحةً
من لمحاتِ الحُبِّ الإِلهيّ.
***
الحُبُّ المحافظُ على لهيبهِ القُدْسيّ
في فتراتِ الشبابِ والكهولةِ والشيخوخة
هو الحبُّ الفردوسيّ!
فردَوسُ المحبَّــة
أَسمى درجاتِ المحبَّة
محبَّةُ المخلوقِ لخالقه.
حِيَالَ هذا الحُبِّ الأَعظم
يصغُرُ كلُّ حبٍّ ويتقزَّم.
***
محبَّةُ الربّ
تتخمّرُ في خابية القَلْب
سعادة!
***
كلُّ الأَديان تدعو إِلى المحبَّة.
فما بالُ المؤمنين يتعصَّبون ويُبغضون،
ولا يعملون بمشيئتها المُخلِصة المخلّصة؟!
***
شريعةُ المحبَّة
من شرائع السماء،
فاعمَلْ بوصاياهَا
تلقَ الجمالَ والسلامَ والهناء
حتى في دُجُنَّاتِ الظلماء.
***
سيَّال الحبِّ الهابطُُ من السماء
لا تنالُ منهُ الآلامُ والأَرزاء،
بل تُبلوِرُهُ وتجعلُهُ أشدَّ نقاء
وأسطعَ بهاء!
***
كلَّما امتدَّ سيَّالُ حُبِّك
في المُوجدات،
ارتقيتَ في معارجِ الجنَّات!
***
أروعُ مآثرِ الحبِّ الصادق
تعليمُهُ المحبَّة.
***
المحبَّة كالأَشعّة
لا تتخبَّأ!
***
في المحبَّة جاذبيَّةٌ حيَّة
تنصاعُ لها القُلوبُ والأَدمغة!
***
المحبَّةُ تتثاءَبُ بالأَلم،
وتتنهَّدُ بالأَمل!
***
إستسْلِمْ
لمشيئةِ الحُبِّ الطاهر
كما تستسلِم
لسُلطانِ النومِ القاهر.
***
إذا عَزَفَت المحبَّةُ
على أوتارِ قَلبك،
فرَّتْ قطعانُ السوء
من عذْبِ لحنِك!
***
المحبَّةُ المُشْبَعةُ بالإِيمان
أَسمى تجليَّاتِ الوجدان.
***
الحكمةُ تعشقُ المحبَّة،
لأنَّها السلامُ الروحيّ
والمسكنُ الفردوسيّ.
***
المحبَّةُ تبسطُ في القلب
آفاقاً رحيبة.
***
المحبَّةُ تغتذي بالعواطفِ السامية،
وترتوي من ينابيع الإِلهام!
وتغفو على أغاني المعذَّبين.
***
المحبَّةُ تُزهرُ حدائق وجنائن
حتى على الصخور،
تنقشُ فيها عِبَراً للأَجيال،
ومعابرَ للمُحبّين بين العصور.
***
إذا كان الطعام غذاءَ الجسَد،
والمُطالعةُ غذاءَ العقل،
فالمحبَّةُ غذاءَ الرُّوح.
***
إذا سعدتَ لسعادة الآخرين،
فاعلَمْ أنَّ الحُبَّ في قَلبِك سامٍ مكين.
***
من يُحْبِبْ حُبَّاً حقيقياً
تَرْحُبْ محبَّتُهُ لتحضنَ الجميع،
لأَنَّ المحبَّةَ شاملةٌ لا تتجزّأ.
***
يتوالَدُ حبُّك
حيثُ يعلقُ لكَ سيَّال،
في البشر،
كما في الطيرِ والزهرِ والحجر!…
***
المحبَّةُ كالبغضاء
سيَّالُها لا يفنى.
***
أيُّها الإِنسان،
آخِ ذوي الإِيمان،
ذوي الجَنانِ والوجدان،
آخِ كلَّ عالمٍ وأديبٍ وفنَّان،
أَحبِبْهُم…أَحبِبْهُم…
فإذا لمحتَ سحابةَ الشرّ
تُغشّي قُلوبَهُم،
وشرعوا يُشنّعونك،
وبِلاذِع الكلام يقذفونك،
إذْ ذاكَ فلْتتمَدَّدِ المحبَّةُ في قلبك،
ولتبسِطْ لهم فِراش وردٍ في دربك،
لأَنَّكَ بالمحبَّةِ وحْدَها
تقتلُ الوحشَ في نفسِ الإِنسان.
الفصْلُ السَّادس سهام كيوبيد الذهبيَّة
مَنْ أَنتَ يا كيوبيد؟
كيوبيد
روحٌ شفيف،
وقلبٌ عفيف
قادرٌ على صُنع المعجزات
بتحويلِ الضعائن والكراهية
إلى حبٍّ وتضحيات.
***
همسَ الحبُّ قائلاً:
أنا السهمُ الذهبيّ الذي لا تراهُ العين،
به أصِلُ قلبين عاشقين،
أنا النارُ الخفيّة العجيبةُ التي تُطهّرُ الأصغَرَين،
أنا الطَّلُّ يُخَضِّلُ وردةَ الصباح الجوريَّة،
أنا النسمةُ المعزية المُحْيِيَة،
أنا البلسمُ الشافي،
أنا ترنيمُ الكناريّ،
أنا صلاةُ فجر المؤمن،
أنا الإبتسامةُ الطافرةُ على مبسم الطفل النائم،
أنا التجربةُ الصادقة الراقية،
والعاطفةُ المنقذة السامية…
فمَنْ لا يريدني أن أتبوأَ محرابَ فؤاده؟!
***
سأَلتُ الحبَ:
“من أنتَ؟”
فأجابني:
“أنا فكرُ القلب”!
***
الحُبُّ لا هُوِيَّةَ له؟
***
الحبُّ الحقُّ عطاء،
فأَنَّى للأَنانيّ أن يُحبّ؟!
***
الحبُّ الحقيقي
هو ذاكَ الذي لا تشوبُه منفعة،
ولا تُسيِّرُهُ أنانيَّة،
ولا تُحَرِّكُه غايةٌ مادِّيَّة،
فهو حُبٌّ للحُبّ.
***
الحبُّ الحقّ:
حكمةُ الشيخوخة في الشباب
وشبابُ الشيخوخة
في الأَحلام العِذاب.
***
الحبُّ الحقّ
عاطفةٌ ساميةٌ قويَّة
يضبطُ جماحَها عقلٌ صافٍ.
***
الحبُّ الثابت
قلبٌ شابّ
وعقلٌ شاب!
***
الحبُّ جبَّارٌ متواضع
ينسلُّ إلى قلبِ الكبير والصغير
بحنانٍ رائع!
***
الحبُّ خزّانٌ عجيب
كلَّما امتلأ شقاء،
نضحَ هناء!
***
الحبُّ منزلةٌ
بين منزلتَي الحِلْم والحُلْم.
***
الحبُّ ميناء
منارتُهُ الإِخلاص.
***
الحبُّ تجاذبٌ وتناغُم،
الحبُّ توافقٌ وتفاهُم.
***
الحبُّ سلاسل،
لكنَّها من نور!
الحبُّ سجنٌ
فيه الحريَّةُ تدور!
***
ليس الحبُّ تقاليد:
خطبةً و زواجاً وحفلات،
إِنَّما الحبُّ نبعٌ
للتأمُّلاتِ والوفاءِ والتضحيات.
***
عاطفةُ الحبّ
ريحٌ سافعة.
أما العقلُ
فشمسٌ قاشعة.
***
الحبُّ فنون،
ولكلِّ فنٍّ شؤونٌ وشُجون.
***
الحبُّ أصيصٌ
كلٌّ يَزرعُ فيه لونَ زهرِه.
***
الحبُّ خمَّار
يسقي القُلوبَ والعقول
كوثرَهُ العجيب،
فتنام…
ولا تصحو إلا في فردوسٍ خصيب!
***
الحبُّ أمهرُ فنَّان
يخلطُ الأَلوان،
فيُبدِعُ منها لوناً سحريّاً
يأسُرُ العُيونَ والظنون.
***
الحبُّ ليس شهوةً أو نزوةً.
الحبُّ روايةٌ طويلةٌ طويلة…
حبْكتُها متشابكةٌ مدى عُصور ٍوعُصور،
وأحداثُها في أفلاكِ التقمُّصاتِ تدورُ وتدور…
ونهايتُها لا تتمُّ إلا في دوائرِ النور.
***
لهيبُ الحبِّ الأرضيّ
دُخانُ الحبِّ السماويّ.
***
الحبُّ والجمالُ
توأَمان مُلهَمَان،
بالكمالِ يوحيان.
***
الحبُّ كالجمال:
مفاتُنُه لا تُعرَّف!
متاهاتُهُ لا تُحَدَّد!
ألوانُه،على الدوام،
تنتعشُ وتتجدَّد!
جنَّة كيوبيدْ
الحبُّ القويُّ كالموت،
في إقبالِه إنتقالٌ من عالمٍ إلى آخر.
***
الحبُّ الصادقُ لا يُقَاوَم
فهو يجرفُ كلَّ ما يعترضُ سبيلَه
كالسَّيْلِ العَرِم.
***
الحبُّ الطاهر
لا يستثيرُ الجسد
بل يستثيرُ النفس
لمُعانقةِ الأَبد.
***
الحبُّ الصادق
تُقَوِّيهِ المصائِبُ والنوى،
ويُغَذِّيْهِ الحرمانُ والجوى!
***
الحبُّ الصادق
يقتلُهُ العنف،
ويُنعِشُهُ العطفُ واللطف.
***
من عجائب الحبِّ الصادق
تحويلُهُ الأنانيَّة
إلى تضحيةٍ وغَيْرِيَّة،
والكبرياءَ إلى تواضُعٍ ووداعة،
والطمعَ إلى قناعة،
والعصيانَ إلى طاعة!
***
إذا وَهَبَكَ اللهُ قلباً يُحبُّكَ حُبّاً صادقاً،
فأنتَ في أَمان
من تقلُّباتِ الزمان!
***
دُمُوعُ الحبِّ الصادق
مصدرُ ألمٍ و شقوة
ومنبعُ عزاءٍ ونشوة.
***
الحبُّ الصادقُ الأمين
ينمو ويتعاظم،
كلَّما جرّحتْهُ آلامُ السنين،
وقرَّحتْهُ مُدَى الحاسدين!
***
كم من مشاعرَ وجدانيَّة،
وخاطراتٍ فلسفيَّة وحكميَّة،
وآياتٍ فنيَّة،
مصدرُها عذوبةُ العَذَابِ في الحُبّ!
***
الحبُّ الذي يُعاني الفقرَ صابراً
يشقُّ سبيلَ حياةٍ كريمة
تفيضُ بالأَعاجيب،
وتجحظُ لها عينا الدهر!
***
تجربةُ الحبّ
من أقسى التجارب،
لأنَّ إرادتَكَ تنقادُ لها
وجميعَ سيالاتك تتأثَّرُ بها.
***
أطولُ الحُبِّ عُمْراً
أصدقُه.
***
فؤّاد المُحِبّ
يستمرئُ السعادةَ الروحيَّة
من لفظةٍ عسليَّة
كما المريضُ
تُؤاسيهِ في أوجاعِهِ المُضْنِيَة
نظرةٌ ملائكيَّة!
***
الحبُّ يجعلُ من الشقِيَّيْنِ
شقيقَيْ سُرور
مُستلاًّ من قلبيهما
نُسالاتِ الديجور!
***
فِعْلُ الحبِّ في النَّفْس
كتَأثيرِ الربيعِ في الغَرْس!
***
الحُبُّ للإِنسان
كالسَّمادِ للنبات!
***
إِنسانٌ بلا حُبّ
سُنبلةٌ بلا حَبّ!
***
رُبَّ حُبٍّ صامت
أبلغُ من حُبٍّ ناطق!
***
الحبُّ قيثارة
بحاجةٍ إلى أناملَ ماهرة
لتُخرجَ منها معزوفةً ساحرة.
***
إِذا أَلقى عليكَ الحُبّ
أُنشودَتهُ العصماء،
فأعِرْهُ الإِصغاء.
***
على شاطئ الحبّ
تتكسّرُ أمواجُ الأحلام
بأشجى الألحان
وأزهى الأَلوان!
***
في مرفإِ الحبّ
ترسو سُفُنُ الآلامِ والآمال.
***
الحبُّ لا يحيا وحدَه.
بَدْءُ مسيرتِهِ في اثنَيْن يتّحدان نفساً،
وكمالُه في اتِّحادِ الكُلِّ بالله.
***
الحبُّ في حضرةِ الجمال
كالفجرِ يتفتّقُ بهُدوءٍ وكتمان
فوق الأوديةِ والجبال!
***
قَيْدُ الحبّ
سياجٌ روحيّ
يمنعُ عيونَ المتطفِّلين،
ويقطعُ ألسنةَ الثرثارين والمتخرّصين.
***
الحبُّ الأوَّل
هو من البيت البابُ الرئيسيّ
منهُ دخولُ دار الحياة،
وإِن تداخَلَتِ الأبوابُ الثانويَّة.
***
الحبُّ الأوَّل
أجنحتُهُ الحريريَّة
تُرفرفُ دائماً في ذاكرةِ النفس!
***
إذا جعلَ الحبيبان
من الحبِّ الصادق الأمين
سياجاً واقياً لحياتهما،
حافَظَ عليهما من حَدَثانِ الزمان،
ووهبهما أجنحةً عجائبيَّة
تطيرُ بهما،بعد الممات،
إلى ربوع الجنان.
***
كم من مَلِكٍ
آثرَ مملكةَ القلب
على مملكة الشعب!
***
ثمرةُ الحبّ الحنان؛
أكلُها يهبُ الأَمان،
ويُورثُ الإطمئنان.
***
كما الروضةُ الغنّاء يحميها السِّياج،
هكذا الحبّ تحميه الغيرة.
***
سيّال الحبِّ المتبادَل
قَنُوعٌ لا يتمرَّد.
***
لا يكفي أن تُحِبَّ
حتى تُحَبَّ.
***
هل يتلاقى الحبُّ الخالد والزواج؟!
***
كم عاشقٍ لمستُهُ تُبعدُه،
وهمستُهُ تُقَرِّبُه!
***
الفِراقُ يُنعشُ ذاكرةَ الحبّ الصادق.
***
في تباعُدِ الأجساد
اقترابُ الأرواح.
***
الحبيبان الصادقان إذا ابتعدا
قرَّبهما الشوق،
ووصلَ بينهما سيَّالُ الحنين.
***
إِذا لم يجتمع القلبان الحبيبان على الأَرض،
فلا بُدَّ للجاذبيَّة الروحيَّة
من أن تجمعَهُما في عالمٍ آخر.
***
الشكُّ
شوكُ الحبّ!
***
ما أجملَ تلبيةَ العقل و العاطفة معاً لنداءِ الحُبّ!
***
إذا كان القلبُ طفلاً يتدلّل،
فعلى العقلِ أَن يكونَ أُماً،
فتُقاسي وتتحمَّل.
***
في القلب نَزَوانٌ وجُنون،
وفي العقلِ هَدْأةٌ وسُكون،
وكلٌّ منهما يتأمَّلُ رفيقَه،
ويتملاّهُ بشفقةٍ وحسرة!
الفصْلُ السَّابع حُبٌّ بلا أجنِحة
سَرَابُ الحُبِّ البَشَريّ
ما أَظلمَ الفراقَ بعد الوفاق!
ما أمضَّ الفصلَ بعد الوَصْل!
ما أضنى الجفاءَ بعد اللقاء!
ما أصعبَ النوى بعد الجوى!
ما أتعبَ البيْنَ بعد رؤية العَيْن!
ما أقسى العَصْفَ بعد العَطْف!
ما أمرَّ الحرمانَ بعد الحنان!
ما أدمى التَّرَح بعد الفَرَح!
***
لا خيرَ في وِصَال
مآلهُ إلى انفصال!
***
حُبٌّ من غير أَمَل
مَشْعَلٌ بلا زيت.
***
في الحُبِّ البشريّ
كما في الحرب:
انتصارٌ وانكسار.
***
القلبُ ساعة:
عقربُها العاطفة
وتوقيتُها العذاب.
***
كيف نؤمنُ بالحُبّ
النابع من قلب
سريعِ التقلُّب؟!
***
منْ حُسنِ حظِّ القلب
أنْ ينبعَ منهُ الحُبّ؛
ومنْ سوءِ حظِّه
أنْ يثقلَ بأوزاره.
***
لا مكانَ في قانون الحُبّ
للحُجَجِ والبراهين العقليَّة.
***
لكلِّ زمانٍ مَرَض!
ولكلِّ حُبٍّ بشريٍّ غَرَض
***
حُبُّ النظرة
اضطرامُ نار
بعيدانِ الوهم!
***
الإِخلاصُ طائر
يُحلِّق بالحبّ
إلى درجاتِ النعيم والكمال،
والخيانة زحّافة
تسفُّ بالحُبّ
إلى دركاتِ الجحيم والضَّلال.
***
الغيرةُ إيجابيَّة
إِذا كان دافعُها المحافظةَ على المحبوب؛
وسلبيَّة
إذا كان مبعثُها الشكَّ ونزعةَ الأَنانيَّة!
***
لو انتشَرَ الحُبُّ الصادقُ في الأرض،
لبَطلَتْ شريعةُ الزواج.
***
إذا حافظَ الحُبُّ على حرارتِه بينَ الزوجين،
كان ثروةً مضنية،
وإذا صار جمرُهُ رماداً،
أَصبح عِمْلةً دنيئة!
***
في زيادة الاتّصال
اتّساعُ هُوَّةِ الانفصال.
***
الزواح؟
حُفرةٌ
تئدُ حُبَّكَ في مهاويها!
أو ربوةٌ
تخضوضرُ السعادةُ فيها!
***
الزواجُ البشريّ
أَوهى رِبَاط
بين جَسَدَين في سَوْرةِ النشاط.
أَمَّا الزواجُ الرُّوحيّ
فاتِّحادٌ بين سيَّالَيْن
برباطٍ أبديّ.
***
الزواجُ اختيار،
فإن طوَّقت الزوجَيْن المصائب،
فقُل هو جزاءٌ واجب!
***
الحبُّ الثابت
غيثٌ معطاء،
أَمّا الحُبُّ المتلوِّن
فحِرْبَاء.
***
إِذا دخلَ المالُ هيكلَ الحُبّ
أَدخلَ معهُ السوس الذي سيقرضُه.
***
الحبُّ الجبان
نُقصانٌ في الإِيمان.
رمَادُ الشَّهوَات
أُعجوبة
هي العزوبة
إذا حافظتْ على طهارتها!
لكن هيهات هيهات أن تحيا الطهارة
في عالَم القذارة.
***
الملذَّاتُ المعنويَّة
تَهَبُ ذائقَها طعمَ السماء!
والملذّاتُ البهيميَّة
تُورثُ صاحبَها اجترارَ الشقاء!
***
الحبُّ الماديّ
يُعمي القلب،
ويحجبُ الدرب.
***
الحبُّ اللصيق
باللحم والدم
مُهَدَّدٌ بالهَمِّ والنَّدَم.
***
ربيعُ الشَّهوات
سُرعان ما يُدركُهُ خريفُ العَذاب؛
فإذا السيَّالاتُ الذابلة
تتساقطُ إلى الدركات،
فتُذرى في الغَمَراتِ الهائلة
أُلوفَ الأحقاب.
***
العاطفةُ الجنسيَّة
تستثيرُ فيك كلَّ إحساساتك
إِلاَّ مشاعرَك الروحيَّة.
***
الشَّهوات
تجتذبُ المُنغِّصات.
***
الشهوة؟
طُفَيْليٌّ آمِر.
***
الشهوةُ الجنسيَّة
تلِدُ أولاداً يموتون.
والرغبة الروحيَّة
تُنجبُ أولاداً يُخلَّدون.
***
رُبَّ شهوةٍ
تنسلُّ إلى بيتك
كما الطفيليّ،
وسرعانَ ما تُصبحُ في بيتكَ آمِرة!
***
حيثُ تلتهبُ الشهوة
يخمدُ الحبّ.
***
رُبَّ شهوةٍ
قادتكَ إلى شَهوات،
فََهَوتْ بك إلى جحيمِ الآخرة،
بعد جحيمِ الدنيا.
***
الشَّهوةُ الحسيَّة
عدوّةُ المحبَّة،
إِنَّها ضربٌ من الجنون
يُعكِّر صفاءَ العقل
وميزانَ الاتِّزان.
***
الشَّهوةُ الحمراء،
إذا تملّكتِ الإِنسان،
حطّتْهُ أدنىَ من الحيوان!
***
أُلهُوَّة عَدُوَّة
هي الشَّهوة.
***
الشَّهوةُ إِعصار
يُحدثُ في النفس الإنهيار
وفي الجسدِ الدَّمار!
***
الشَّهوَات
جمراتُ الحاضر
تحت رماد الغابر.
***
المُتَعُ الحِسيَّة
سرعانَ ما يلفُّها النسيان،
ولا يبقى من وهج ضوئها
إِلاَّ النارُ والدُّخان!
***
تَحَرَّرْ تَحَرَّرْ
من غوايات الأحاسيس،
فإِنَّ مَتاعَ الدنيا
جادَّةُ التعاسة
إلى إبليس!
***
طوبى لمن قَتَلَ شهوتَه
وأحيا محبَّتَه وكرامتَه!
***
الريحُ تهدأ
والنارُ تُطفأ،
والدمعُ يرقأ،
أما الشَّهوةُ الحمراء
فعلى الدوام تظمأ!
***
الساقطة
تجهلُ فحوى الحُبّ،
لأَنَّها للأجسادِ لاقطة!
الفَصْلُ الثامِن عقل سقراط
الحقُّ والحقيقة
وجهُ الحقّ ظلٌّ من وجهِ ربِّ الآزال
ولذا لا تُبصرُهُ إلاَّ نفوسٌ تتوقُ إلى الكمال.
الحقّ
في كلِّ ضميرٍ حيّ
ناقوسُهُ يُدّقّ.
ألسنةُ الحقّ
مُدَّى قاطعة!
قلبُ الحقّ
لا يقسو ولا يرقّ.
حارسُ الحقّ محروس.
النفسُ الصلبةُ في الحقِّ
دوحةٌ لا تُزعزعُها
عواصفُ من غربٍ أو من شَرق!
كُنْ حَقَّانيَّاً
ولو كَرِهَ المُبطلون،
فلا بُدَّ من قدوم يومٍ
فيه بحقِّكَ يعترفون.
إذا كنتَ تشعرُ أَنَّ نصرتَكَ للحقّ
تُعطي حياتَكَ معنى،
فدافِعْ عنهُ حتى آخر رَمَق،
وبعْ من أجلِهِ الدُّنيا.
نظريَّاتُ الفلاسفة
تُبدّدُها كلمةُ حَقّ.
مَنْ لَمْ يُجانبِ الحقَّ والصواب
بين معشرٍ من الثعالبِ والذئاب،
قضى على نفسِهِ بطولِ العذاب.
* * *
ضعيفٌ مُسَلَّحٌ بروحِ الحقّ
في التوراةِ والقُرآنِ والإِنجيل
أقوى من أيّ قويٍّ ظالِم
مُسَلَّح بالأباطيل والأساطيل.
الحقيقةُ الأَولى
هي الجوهرةُ الوسطى
في عِقْدِ الأكوان؟
جوهرُ الحقيقةِ يلفُّ الأكوان،
ويُسيِّرُ الأَزمان،
ويرتعشُ في ذرّاتِ الفضاءِ والترابِ والماء!
فطوبى للمتبصّرينَ من الأحياء!
عينُ الإِنسانِ عمياء
إزاءَ حقيقةِ الأَشياء.
* * *
غِلالةٌ تشفُّ كلَّ دقيقة،
عن كلِّ كبيرةٍ وصغيرة
هي الحقيقة.
* * *
الحقيقةُ خطيبٌ مُفَوَّه
هابطٌ من عالم الروح المؤَلَّه
لا يُعيرُهُ البشَرُ اهتماماً
لجهلهم لغتَه الروحيَّة
جهلاً تامَّاً!
* * *
الحقيقةُ العارية
ليست في عالَم الأَرض.
فإذا تجادلَ الناسُ عليها،
فادّعاءٌ فارغ
وبرهانٌ دامغ
على جهلهم إيَّاها.
* * *
للحقيقةِ لونٌ جَلِيٌّ واحد
يرفُضُ الإختلاط والتضادّ،
ولا تُجدي معهُ أَلوانُ العِناد.
* * *
الحقيقةُ شمس
لا تتكشَّفُ عمَّا فيها من أَسرار
إِلاَّ لمن وُهِبَ نُسالةَ أَنوار.
* * *
الحقيقةُ ينابيعُ السماء،
أَمامَ بصائرنا يُسلسلُها الأنبياء
رقراقةً، عذبةً، نقيَّة،
فنُشيحُ بوجوهنا عنها
مُفضّلين عليها
مياهَ الأباطيلِ الكدراء.
في كلِّ معتقَدٍ دينيّ،
حتى الميثولوجيّ،
شُعاعٌ من شمسِ الحقيقة.
* * *
ما العقائدُ الدينيَّة سوى ظلٍّ
من ظِلالِ الحقيقة؛
فأعمى من يقول:
“طريقتي هي أفضلُ طريقة”.
للحقيقةِ بزرة
زرعتْها السماء
في رؤوس الأنبياء
وعُقولِ الحُكماء.
* * *
حتى في الرسالاتِ السماويَّة
تأتي الحقيقةُ نسبيَّة
باعِثةً في نفوسِ الأذكياء
عطشاً إلى الكأسِ الإلهيَّة.
* * *
كلُّ ما تَقَعُ عليه العَينُ البشريَّة
مجرَّدُ ظلٍّ للحقيقةِ الروحيَّة.
قد يكونُ عالَمُ الخيال
مملوءاً حقائق
لا تخطُر على بال.
* * *
الخيالُ أمواجٌ متلاطمةٌ
في بحرِ الحقيقة الهادئ.
* * *
تفهُّم الحقيقة
أسمى مطالبِ النفسِ الراقية.
* * *
إِسْعَ إلى الحقيقة
تَسْعَ إلى جوهرِ الإِنسان والأكوان.
* * *
إذا أَدركتَ الحقيقة،
فلا تُفصِحْ بها
إلاَّ أمام من اكتوى بنار ذاتِهِ
لمعرفتها.
* * *
مَنْ عن الحقيقةِ الصَّادعةِ يُشيح
كمَنْ ينأى عن روضةٍ غنَّاء
إلى بُقعةٍ جدباء
فيها يستريح!
* * *
الحقيقةُ في رأسِ الأرعَن
كالماءِ في سلَّةِ القَصَب!
* * *
من أجلِ بُلوغ الحقيقة
جادلْ…جادِلْ…
وإيَّاكَ أن تُجامِل.
* * *
لا تستخفَّ الحقيقةَ
إذا ما واجَهْتَها،
فرُبَّما لن تعودَ فتلتقيها،
إذا ما رغبتَها،
وجهدتَ في السعيِ إليها.
* * *
على قَدْرِ صفاءِ السيَّال
تُنَوِّرُ الحقيقة.
* * *
قد يقضي الفلاسفةُ والعلماءُ والحُكماء
معظمَ حياتهم باحثينَ عن الحقيقة،
فلا يبلغون حتى ذلاذلَ خيالها!
وتسطعُ الرسالاتُ الروحيَّة
بالحقائق الباهرة،
فيشيحُ عنها طُلاَّبُها،
ولو لمسوها ببراهين المعجزاتِ السافرة،
فتتبرّأُ الحكمةُ من مُدَّعيها!
* * *
عَالمُنا مُفعَمٌ بالألغازِ والأسرارِ والحقائقِ المُحَجَّبة؛
فهل يُعقَل
أنْ يُكشَفَ الحجابُ عنها جميعاً للإِنسان
فيأكل ثمرةَ الأُلوهة والخُلود،
وهو ما يزالُ طفلاً في المهد؟!
* * *
رُبَّ مُجاهدٍ بالقَلَم
وللحقيقةِ يشهَد
أَعظمُ من مجاهدٍ بالسَّيف
وبالسيفِ يُسْتَشْهَد.
* * *
إنَّ التمرُّدَ من أجلِ الحقيقة
وإن أَدَّى إلى التوحُّد
لَخيرٌ من طاعة
وإنْ أَفضتْ إلى توحيدِ الجماعة.
* * *
حُبُّ الحقيقة
أَسمى العواطف.
ومضَاتُ العقل
العقلُ
طاقةٌ روحيَّةٌ رائعة
تُبدعُ طاقات،
وتُفجّر روائعَ وآيات!
العقلُ
قمّةُ هَرَمِ الحياة!
العقلُ
إشارةُ مرور
لمركباتِ العواطف،
فمَنْ اتّبعَها
أمِنَ الأحداث،
ومَنْ خالَفَها
جنى على نفسه.
* * *
العقلُ هِبةٌ واهبة.
* * *
العقولُ الراجحة
كالحقول
تحضنُ جميعَ تقلُّباتِ الفصول.
* * *
العقلُ الراجحُ بحرٌ،
مهما ثارت فيه الأمواج
فإنَّهُ يحتضنُها بين شواطئه
ثم تمتصُّها أعماقُه.
* * *
مُنطَلَقُ كلِّ انتصار
عقلٌ جبَّار.
* * *
المَنطِق
مُهندسُ الفِكْرِ المُُشرِق.
* * *
الأَفكارُ السامية
انعكاساتُ تموُّجات السيَّالاتِ العُلويَّة
على مرآةِ النفس.
* * *
إِذا كثُرَ العُقلاء في مجتمع،
فقُل:شعاعٌ من السماء
فيه التمع.
* * *
العقلُ
أعظمُ نِعَم الخالق للمخلوق.
* * *
أخلصُ خُلصاءِ العقل: التأمُّل،
وأَلدُّ أعدائه، التذمُّر!
* * *
العقلُ للمحتار
كالبوصَلة للبَحَّار.
* * *
من وُهِبَ العقلَ الذكيّ
وأَحسنَ استعمالَه،
اختصرَ طريقَه
إلى عالَم المعرفةِ الفردوسيّ.
* * *
الإنسانُ العاقل
يكونُ واحداً مع نفسه
ومُتعدداً مع الآخرين.
* * *
العاقل لا يبالغ في حُبِّ أمر،
ولا يُغالي في بُغضِ آخر،
بل يُعطي كُلاًّ منهما حقَّه بعدل.
* * *
ناضجُ الأَفكار
كناضجِ الثمار،
يُشتَهى
ويُستفادُ منه.
وفَجُّ الأفكار
كفَجِّ الثمار،
يُهمَل
ويُبعَدُ عنه.
* * *
إِذا تناقصَ العقل،
تنامت الرذائل والضلالات
والأوهام والخرافات
في تُربةِ الجهل.
* * *
العقلُ المُغلَق
كنزٌ دفينٌ تحت الأنقاض.
* * *
العقلُ الخانعُ الخامل
مَلِكٌ يُهملُ رعيَّتَهُ
ويُقضّي بالعربدةِ لياليه.
* * *
الإنسانُ الذي لا يحتكمُ إلى العقل
كالمحكمة التي تحتقرُ العدل!
* * *
الاتّزانُ العقليّ
انسجامٌ نفسيّ كُلِّيّ.
* * *
حَرِّر العقل
من قيودِ جسدك
يُحرِّرْكَ
من غياهبِ لحدك.
* * *
إِذا اقترنَ إِهمالُ أحكامِ العقل
بالإستسلام لأنسامِ العاطفة،
ولَدَ الزواجُ
رياحاً مُعولةً قاصِفة!
* * *
إنْ ماتَ العقلُ في الناس
فقُل:أرماسٌ تمشي فوق أرماس!
وعيُ النفس
النفسُ الواعية
حارسُ كَنْز
يملكُ أَعصابَه
فلا يُستَفَزّ،
حتى لا يُسلبَ
أو يُبتَزّ!
***
إِنَّ النفسَ التي لِحقِّها
لا تثور
لَشبِيهةٌ بمروجٍ بلا ذُرى،
تعافُها النُّسور،
وفيها قطعانُ البهائم
ترعى وتمور!
***
المواقف:
إمَّا غار!
وإما عار!
***
السلوكُ الرشيد
يُعتِقُ السيَّالاتِ العبيد
***
المقدرةُ على ضبطِ النفس
بُطولةٌ وجدانيَّة
***
ما أَسمى مجاذيفَ النفس
التي تضربُ على أمواج المادّة
متحدّيةً التيَّارات الفاسدة
لبُلوغِ ضفاف الروح الخالدة!
***
الإِنسان
صورةٌ عن الأَكوان.
فمَنْ عمي عن ذاته
كيف يُبصر عالَمَ الأَلوان؟!
***
مَنْ لم يُؤَدّب نفسَه بنفسه
بهمَّةٍ قعسَاء،
لن يُؤَدّبَه حتى الأنبياءُ والهُداةُ والحُكماء!…
***
تهذيبُ النفس
في سنٍّ متأخِّرة
كتشذيبِ نبتة
جفَّ فيها نُسغُ الحياةِ النَّضِرة!
***
إذا حاسبْتَ نفسَك وراقبتَها،
نجوتَ من المخاطر،وارتقيت.
وإذا راقبتَ غيرَك
أضعتَ وقتك و شقيت!
***
إذا لم تتمرَّسْ بإحراقِ رغباتك
بثِقابِ إرادتِك،
فلن تحظى بدفءِ السلام
إذا ما اجتاحَك صقيعُ الحِمَام!
***
مَنْ فقدَ الرادعَ الخُلقيّ
فقدَ مرقاةَ الترقِّي.
***
كما حائكُ الثوب
أعلمُ به من بائعه،
هكذا أنت أعلمُ بنفسك
من غيرك.
***
إذا فقدْتَ وعيَك
أَذعتَ نعيَك!
***
كَظْمُ الغَيظِ،
أوانَ يثورُ الخَصم،
هو النصرُ الأَعظم.
***
عظيمٌ أنْ تُفَكِّر،
لكنَّ الأعظم
أن يكونَ تفكيرُكَ صائباً.
***
الإسرافُ في التفكير الضالّ
شقاءٌ قتّال.
***
الحماسة،
إِذا لم تُسَيّرْها الرويَّة،
انقلبتْ تعاسة.
***
رُبَّ غِيَر لِعِبَر.
***
الصروف،والِمحنُ والتجارب
تجلو النفوس،وتصقلُ المواهب!
***
الشدائدُ كالخمور،
لا يُدرِكُ كُنهَهَا
إلاَّ ذائقُها!
***
من الجهل
قبُولُ كلِّ سَهْل.
***
إِذا أَنعمَ اللهُ عليك
بقوىً عقليَّة سليمة
في شيخوختك،
فابدأْ حياةً جديدة
كرّسها لترقيك.
***
إِذا عَفَوتَ عن المُسيءِ إليك،
فأَمعَنَ في الإِساءة،
فاحذَرْه،
ففي نفسِه دناءَة!
***
مُهمٌّ أَن تعترفَ بأَخطائك،
لكنَّ الأَهمّ
أنْ تُدركَها وتتداركَها
فتُعجِّلَ في ارتقائك.
***
بالإختبارِ والتأمُّل والأناة
تُفهَمُ الحياة.
***
إذا شئتَ النجاح
في مواجهة الزمان،
فكُنْ كالشجرةِ القويَّة،
ثابتَ الجذع،
لَيِّنَ الأغصان.
***
ميزانُ الإِنسان:
مدى اتِّزانِه
في فكرِهِ و لسانِه،
في حالتَي الغضبِ والإطمئنان.
حوريَّات الفلسَفة
الفلاسفةُ الحقيقيُّون
هُداةُ شُعوبٍ
لم ينعم اللهُ عليها
بتعاليمَ روحيَّةٍ مقدَّسة.
***
المُعجزة!
أَعظمُ دافعٍ للتفكير الفلسفيّ.
فهي تشحذُ فكرَك
بعد أَن يؤمنَ قلبُك،
وتطرحُ عليكَ الأَسئلة:
ما هو؟ من أَين؟كيف؟ولماذا؟…
***
البحثُ الفلسفيّ
تسلُّقُ جبال الحياة
بحثاً عمَّا خلف الذرى.
***
الفلسفة
منطقُ التخيُّلِ العلميّ.
***
كلَّما تعمَّقَ الفيلسوف
في تفسير أَلغاز الكوْن،
تعاظمَ جهلُه لأسراره!
***
الفلسفةُ والحِكمة
أَدْسَمُ لُقْمَة
على مائدةِ الحياة.
***
التفلسُف
حُسْنُ تعليلٍ وتأويل
لمشوارِ الحياةِ الطويل.
***
صافَحَتِ الفلسفةُ الحِكمة قائلةً لها:
“هلاّ تزورينني
فأُعلِّلَ الوجود
وما وراءَ اللحود”.
عرائِسُ الحِكمة
إذا اختلَطَ الحكيمُ
بالأغبياءِ والجُهَلاء،
فلاستخلاصِ العِبَرِ والمغازي
للأذكياءِ والحُكَماء.
* * *
الحكمةُ ثَمَرة
يُبحَثُ عنها في جنَّة الأَرضِ الضائعة؛
أمَّا في الداهشيَّة،
فشجرتُها منصوبة،
ومنها تأكلُ النفوسُ الجائعة!
* * *
قد تجعل الجامعاتُ
من الإِنسانِ مُفَكِّراً؛
لكنَّ الداهشيَّة
تجعلُ من المُفكِّر حكيماً.
* * *
مَنْ يُحسنُ إِلى الناس
بكُنوزِ أَفكارِهِ الصائبة،
لأعظمُ ممَّنْ يتصدَّق
بثرواتِ أَموالِهِ السائبة!
* * *
مُعَاشرةُ الحُكماء
أوقى درعٍ
وأبقى ثراء.
* * *
الحكمةُ في النفس
رحمةٌ من الخالق
تُوسّعُ آفاق الفكر،
وتُرحِّبُ أعماقَ القلب،
وتُبصِّرُ في مجاري الحياة.
* * *
رُبَّ نفس تُضيءُ بين الأنام
كنورٍ يشعُّ بين أسجافِ الظلام.
* * *
إذا المرأَةُ أزهرتْ فيها الحِكمة،
فقُلْ إِنَّها خُصَّتْ بنعمة.
* * *
الحكيمُ
نجمٌ ينبجسُ منهُ السناء
فيُضيءُ الكواكب السابحةَ حوالّيْه في الظلماء.
* * *
الحكيمُ
يُبصرُ خلفَ كلّ حقلٍ صغير
مجالاتٍ واسعةً شاهقة،
ويرى في البذرة
دوحتَها السامقة!
* * *
العاقلُ
يُصغي إلى المجانين بأذْنٍ حكيمة،
فيستخلصُ عِبَراً
قد لا يعثرُ عليها في سائر الناس.
* * *
العاقل
يسكتُ طويلاً،
ويتكلَّمُ قليلاً
ويُفكّرُ مَلِيَّاً.
* * *
العاقلُ
ثَرِيٌّ لا يعرفُ الإِفلاس،
وثروتُهُ ترافقُهُ
إلى ما وراءَ الأَرماس!
* * *
الإنسانُ العاقل،
إذا هبَّتْ عليه من الحياةِ ريح،
عرفَ كيف يخشوشن،
ويصمد في وجهِ التباريح،
فلا يرتمي كزهرةٍ مُفلَّجة
على الترابِ تستريح.
* * *
للحكيم
أُذْنٌ تُصغي
وأُذْنٌ صمَّاء!
* * *
مَنْ يستخلصُ الحِكمة
من أَغوارِ الأَلم
كَمَنْ يستخرجُ الماس
من مناجمِ الفحم!
* * *
المحبَّة
هي معراجُ الحِكمة.
* * *
الحِكْمَة
لجامُ الكِلْمَة!
* * *
الحكمةُ ابنةُ الآلهة،
وأُختُ الأَنبياء،
فمَنْ وُهِبَ
شُعاعاً من سناها،
التقاها
في عوالمِ البهاء.
* * *
الحكمة
كأسٌ من نور،
إذا سَكبْتَ فيها الحياة
وتذوَّقتَها،
عرفتَ أنَّ لكلِّ شيءٍ
طعماً لا يُخطئ.
* * *
الحكمة
ارتعاشاتٌ روحيَّة
في جسدِ البشريَّة.
* * *
هويَّةُ الحِكمة؟
كونيَّة!
* * *
للحكمةِ الحقّة
وجهٌ واحد
وإن اختلفتْ أوصافُها
باختلافِ عاشقيها.
* * *
الحكمة هي اللآلئ الكامنة
في أصدافِ الحياة.
* * *
إِكتسبِ المعرفةَ الروحيَّة،
وعلِّمْها،
تكسبْ أجراً عظيماً.
* * *
المعرفةُ الروحيَّة
مفتاحُ أبوابِ السِّماك
والجهالة
مفتاحُ أبوابِ الهلاك.
* * *
الفرقُ بين الحِكمةِ والجهالة
كالفرقِ بين النبالةِ والسَّفالة.
* * *
الفرق ُ بين الحكيم ِ والأ َحمق
كالفرق بين النبع ِ والمستنقع.
* * *
الحكمة ُ باردة،
ولذا فالطوارئ ُ الحار ّة
تفرُّ منها.
* * *
من وجوهِ الحكمة
البحثُ عن المكنون
في أصدافِ المنون.
* * *
تعلَّمِ الحِكمة
قبل أَنْ تُلقي نفسَك
في الماء.
* * *
الحكمةُ
تقضي من الكسيح
أَنْ لا يُحاولَ الركض!
***
النحلةُ حكيمة
تلسعُك…
ثمَّ تُقدِّمُ لك العَسَل!
***
الفكرة التي تصيرُ حِكمة
كالكرمة
التي تصيرُ خمرة.
***
سبيلُ الحِكمة:
الزهد،
والإِخلادُ للسكينة الخضراء،
وبسطُ أجنحة المحبَّة
حتى فوق الأَعداء.
***
الحكمة، أَيّةُ نعمةٍ هي؟
إِنَّها صحَّةُ العقل،
وعافيةُ المعرفة.
إِنَّها أجنحةٌ نورانيَّة
تشيلُ بالإِنسان
فوق سفاسف البشريَّة!
***
الفرقُ بين الجاهلِ والحكيم
أَنَّ الأَوّل
يرى الأَحداثَ بعينِ جسده،
ويستعرضُها استعراضاً،
والثاني
يراها بعينِ بصيرتِه،
ويربطُ الأسبابَ بالنتائج.
***
مشورةُ الأَلبَّاءِ والحُكماء
قد تُغنيكَ عن بلاءٍ تلوَ بلاء.
الفصْلُ التاسع نار برُومثيُوس
أجنِحةُ المعْرفة
المعرفةُ مصباحٌ
وقودُهُ من أرضِ الجنَّة.
* * *
المعرفةُ
ومضاتٌ من الفراديس
تنقُلُها إلى الأَرض
سيَّالاتٌ راقية
لتُنيرَ الدياميس.
* * *
المعرفةُ سيّالٌ نَهِمٌ
لا يشبع.
* * *
المعرفةُ عروسٌ
غافيةٌ في نفوسكم،
فأيقظوها.
* * *
لكلِّ إِنسانٍ
درجةٌ من المعرفةِ كامنةٌ فيه،
ومَثَلُها مَثَلُ البراعم
لا تتفتَّق
إِلاَّ في ربيعِ المواهب.
* * *
التجربة
خيرُ معرفةٍ بشريَّة،
لأنها تكوي النفسَ كَيّاً
لا تنساهُ ما دمتَ حيَّاً.
* * *
المعرفةُ طاقةٌ لا تُحَدّ،
فاغرفوا منها
بكلِّ ما أوتيتُم من رغبةٍ وجُهد.
* * *
لو كانَ طلبُ البشرِ للمعرفة
يُوازي طلبَهم للمال،
لانتَقََل عالَمُنا
من عتبةِ الجحيم
إلى مشارفِ النعيم!
* * *
المعرفةُ كنزٌ
لا تُخلّفهُ عندَ الممات
بل تصطحبُهُ في جميع الحيوات!
* * *
إذا سار موكبُ التطوُّرِ العلميّ في بَلَد
في سبيل الترقّي الرُّوحيّ،
فبشِّرْ أبناءَه بالفَلاح والمجد؛
وإذا سار في سبيل الترفِ الماديّ
والإِغراءِ الحسيّ،
فبشِّرْ أبناءَه بدَفْنِهم في شرِّ لَحْد!
* * *
كلَّما تقدَّمَ العلم،
اتَّسعتْ أمامه آفاقُ المجهول!
* * *
ليتَ العِلمَ
يُتَّخذُ شِعاراً للعِبَاد
كما العَلَمُ
يُتَّخذُ رمزاً للبلاد.
* * *
نِعْمَ العِلمُ
الباحثُ عن عجائبِ الخالق
في الخلائق.
* * *
العلمُ والإِيمان
جناحان
يُحرِّرانك
من قيودِ الإِنسان
وجاذبيَّة الشيطان.
* * *
العلمُ الهادف إلى خير البشريَّة
جهادٌ جبَّار
يبلغُ بصاحبه مجدَ الأَنوارِ الروحيَّة.
* * *
العلمُ سيّدٌ نشيطٌ عامل،
والجهلُ خادمٌ غبيٌّ خامل.
* * *
العلمُ أداةُ البناءِ والترميم،
والجهلُ أداةُ الإِفسادِ والتهديم.
* * *
في ظلِّ سلطانٍ ظالم،
قد يغدو العلمُ جحيماً،
ويُصبحُ الجهل نعيماً!
* * *
مستنقع الجهْل
إِذا أَمضينا الحياة،
ولم نستفدْ من أَيِّ عِلم،
فسنتقمَّصُ في دركٍ
فيه الجهلُ يعمّ
والنفس مأسورةٌ
في سجنٍ من الظلامِ والأَلم.
* * *
ليس الشقيُّ من فَقَدَ بصَرَه،
فتساوى عندهُ النورُ والظلام؛
الشقيُّ من فَقَدَ بصيرته،
فَتَساوى عندَه العِلمُ والجهل!
* * *
جاهلٌ يُدركُ جهلَه
خيرٌ من مُدَّعٍ لا يرى ادّعاءَه.
* * *
الجهلُ يجرُّ المصائب
كتائبَ في إِثرِ كتائب!
* * *
على جليد الجهالة
تتزحلقُ الضَّلالة.
* * *
الجهلُ في الكِبَر
كالسوسِ في الثَّمَر.
* * *
الجهلُ عُشبٌ يابس
لا يُغيّرُهُ تعاقبُ الفصول.
* * *
إذا لم يرجع الجهلُ بالإِنسان
إلى الوراء،
فهو يوقفُ فيه حركةَ الإرتقاء.
شُعْلةُ الحضَارَة
الرسالاتُ الروحيَّة
هي نُسغُ الحضارةِ الحقيقيَّة.
* * *
الحضارة
هي حُضورُ الخير والحقّ والجمال
في بَلَد،
إِنَّها الطاقاتُ الروحيَّة
لابسةً الجَسَد!
* * *
النهضةُ الثقافيَّة
خُطوةٌ ضروريَّة
في طريق تقدُّم الحضارة والترقية الروحيَّة.
* * *
أَنبَهُ العُلوم
وأَرقى الفلسفاتِ في الأَرض
مهازلُ ومساخر
في كواكبَ أخرى
ذاتِ حضاراتٍ أرقى.
* * *
الأصنامُ الفكريَّة والسياسيَّة
التي يُقيمها جُهَّالُ الحضارة
أشدُّ خطراً وفتكاً
من أصنامِ الحجارة!
* * *
بئسَ الحضارة
إذا انحصرتْ
في فنونِ المجون
وإعلاءِ مداميكِ الحجارة.
* * *
الحضارةُ التي تهتمُّ فقط
بشَيْدِ الحجارة
يُفتّتُها الزمنُ
بمطرقةِ الفناء؛
أمَّا الحضارةُ التي تُعنى
بتشييدِ صُروحِ الرُّوح،
فتُكَلَّلُ بتاجِ البقاء!
العمَـل والكسل
البَشَرُ عُمَّالٌ
يصنعونَ الداءَ والدواء،
ويعيشون بعَرَقِ الجبين
وكَدِّ السنين،
تكفيراً عمَّا اقترفَهُ
أبواهم الأَوَّلان آدَم وحوَّاء!
* * *
خيرُ الناس
مَنْ قلَّ كلامُه،
وكَثُرتْ فِعالُه.
* * *
حقيقةُ الإِنسان
في أَفعاله
لا في أَقواله.
* * *
العَمَلُ يشحذ الفكر،
ويبتعثُ الحيويَّةَ في النفس.
* * *
الأَعمالُ الفاضلة إِضمامةٌ من الرياحين
لا ينقطعُ تفاوُحُها
مع مرورِ السنين.
* * *
محبتك لعملك
نسغ نجاحك فيه.
* * *
بقدر الإخلاص في العمل.
يجب أن تكون المكافأة.
* * *
بالعمل المخلص الشريف
تؤمن معيشتك،
وتصون كرامتك،
وتدخر سلاحاً
لليوم الأسود المخيف.
* * *
الإخلاص في العمل
كهالة المجد
حول رأس البطل.
* * *
علم بلا عمل
مغلاق بلا مفتاح.
* * *
ثروتك المادية
استحقتها سيالاتك،
عند ولادتك؛
لكنها منثورة في عالمك
وبالجدّ والعمل تحصل عليها.
* * *
التنظيمُ في العَمَل
يختصرُ الوقت،
ويستعجلُ تحقيقَ الأَمل.
* * *
عِلَّةُ دائك
قد تكونُ في عملٍ رديءٍ
لا تَعيه،
فابحثْ عن دوائك
في عملٍ حَسَنٍ تُؤَدِّيه.
* * *
في مقياس الخير والشرّ،
مَنْ رَغِبَ في أمرٍ رغبةً قويَّة
كمن فَعَلَه.
* * *
العملُ الخالي
من التفكير والتدبير والضمير
كالنَّحلِ بلا قفير!
* * *
كلُّ واحدٍ منَّا ينظرُ إلى الشيء
بعينِ مهنتِه.
* * *
المَشَقَّة
قد تُحَوُِّل الخشونة
إلى رِقَّة.
* * *
لا تُلملِم الثمارَ الساقطة
من شجرةِ الحياة،
بل ارفَعْ طرفَكَ إلى العلاء،
واقطُفِ الثَمرةَ اليانعة
بيدِ الشُّكر والإشتهاء!
* * *
الكَسَل
صنُوُه الفشل،
والمَلَل
خصمُهُ العمل.
* * *
إذا كنتَ ورقةً مُهمَلةً
في شارعِ الحياة،
فلا تلُمِ الأقدامَ إن داسَتْكَ.
* * *
الإفراطُ في الراحةِ الجسديَّة
تخديرٌ للنشاط،
وهَدْرٌ للطاقةِ النفسيَّة.
* * *
الخُمول
انتحارٌ جبانٌ بطيء.
البطالة
تجتذبُ الرذيلة،
والعملُ الشريف
يستقطبُ الفضيلة.
* * *
الكَسَل
شيطان
لا يقتله إِلاَّ العَمَل.
* * *
الكَسَل
حفّار قبرِ العَقْل.
* * *
الكَسَل
دابّةٌ تسيرُ في بَلقَع.
* * *
الكَسَل
خريفٌ دائمٌ
لا يعرفُ الربيع.
* * *
دافعُ الإتكاليَّة
الإنهزاميَّة.
* * *
شمُوعُ الكُتُب
عندما تُطالِعُ كتاباً نفسياً،
تَخيَّل المؤلِّفَ أمامك
يمدُّ لكَ يدَه،
فصافِحْهُ واشكُرهُ
على ما خَلَّفَه.
* * *
هلاَّ حمدتَ ربَّ الأَرباب،
لإِنعامِه عليك بالعيش
في عصر الطباعةِ والكتاب
لتتذَوَّقَ عُصارةَ الألباب!
* * *
رُبَّ فكرة
أصبحت فِقْرة
في سِفْر الخلود!
* * *
الكتابُ
ذاكرةُ الزَّمَن
وبَيْدرُ التاريخ.
* * *
صُفوةُ الأَعمالِ والأَقوالِ والأَفكار
تُختزَنُ في صفحاتِ الأسفار.
* * *
الكتابُ
يختزنُ أَحداثَ العالَم
وإنجازاتِ العُلماء،
ويستحضرُ أصحابَ الفِكْر
إلى مائدتك،
ويُقدِّم لك
عصيرَ العصور
وإكسيرَ الدهور!
* * *
الكتابُ النفيس
عُرسٌ دائمٌ خالد،
يمدُّكَ بأَشهى المآدِب
وألذَّ الموائد.
* * *
الكتابُ بينَ يديك
كائنٌ حَيّ،
فاهتمَّ به اهتمامَك بنفسِك.
* * *
قال لي الكتاب:
“بكلماتي قد عادَ ما فات،
وبُعِثَ من الموت
من مات!”
* * *
الكُتُبُ المقدَّسة
للصالحين مُؤنِسَة،
وللطالحين مُتعِسَة!
* * *
كما تُنمّي جسَدَك
بالمأكلِ والمشرَب،
فنَمِّ عقلكَ بالكُتُب،
ثمَّ قَلِّبِ الطرفَ حواليك،
وتفكّر في صنائع ربِّك.
* * *
رُبَّ كتابٍ عَبَرَ الأزمان،
ليهديَ الضالّين
إلى سبيلِ الإِيمان.
* * *
كلّما انتفعَ القُرّاء
من الكتابِ النيِّر المُفيد،
ارتقى سيّالُ المؤَلِّف
في عالَمِ المعرفةِ السعيد.
* * *
مَثَلُ الرؤوس
التي لا تنجذبُ للكتاب
مَثَلُ الجُثث
المطروحةِ فوق التراب!
* * *
إِذا رَصَفْتَ الكُتُب في بيتِك
للزينة،
فاعْلَمْ أنَّها لجحدكَ فضلَها،
حزينة!
* * *
المكتباتُ الأَدبيَّة
والصنائعُ الفنيَّة
كَنْـزانٍ
لهما جناحان:
المعرفةُ والجمال.
* * *
المكتبة:مأدبةٌ فاخرة.
طبَّاخوها: المؤلِّفون.
أطباقُها:مصنّفاتٌ دينيَّة،
أَدبيَّة،علميَّة،تاريخيَّة،
فنيَّة،فلسفيَّة،إجتماعيَّة…
منها الدَّسِمُ المُغّذّي،
ومنها الرخيصُ المُضِرّ،
فعلى الجائعِ أنْ يُحسنَ انتقاءَ الطعام
الذي يُغذّي ولا يُرَبِّي الشحم،
ويُفيدُ ولا يُؤذي.
* * *
ما أَقلَّ الحروف،
وما أكثرَ ما يُولَدُ منها
من مؤلَّفات!…
* * *
تبلغُ الرحلات
ذروةَ معناها وفائدتها
إذا جسَّدتها الكلمات،
وحفظَتْها المجلَّدات،
واختزنَها التاريخُ في ذاكرتِه.
* * *
المُطالعة
للمواهبِ الأدبيَّة
كالحليب
لأفواهِ الأَطفالِ النديَّة.
* * *
المطالعةُ نافذةٌ
تُطِلُّ منها
على ما شهِدَتْهُ عينُ التاريخ،
أو رأتْهُ عينُ الفكرِ
أو عينُ الخيال.
* * *
المطالعةُ
هي مشاركةُ الأَنبياء في مُعجزاتهم،
والهُداةِ في إصلاحهم،
والفلاسفةِ في آرائهم،
والحُكماءِ في أقوالهم،
والقادَةِ في فتوحاتهم،
والعلماءِ في اكتشافاتهم،
والأَبطالِ في سِيَرِهم،
والأُدباءِ في أفكارهم وعواطفهم،
والرحَّالةِ في أسفارهم؛
فمَنْ لا يُريدُ أنْ يُشاركَ هؤلاء
في آثارِهم ومآثرِهم؟!
لِسَانُ القَـلم
المَدَّاد
للفكر امتداد
وللقلْبِ إمداد!
* * *
القَلَم
هو اللسانُ الحَكَم
عندَ اشتدادِ الإزَم!
* * *
القَلَمُ رَحِم
إذا مسَّها الفكرُ أو الشعور،
اختلجتْ فيها الحياة،
وأَنجبتْ مؤلفات
تعيشُ عصوراً تلو عُصور!
* * *
القَلَمُ والكتاب
سلاحُ ذوي الأَلباب.
* * *
الأقلام
للَّوحِ المحفوظ
خُدَّام!
* * *
رَصاصُ القلمِ الصادق
أَشدُّ فتكاً
من رَصاصِ البنادق!
* * *
إئتمِن القَلم.
أودِعْهُ سرَّك
يكتُمْ.
إستَنْطِقَهُ
يتكلَّمْ.
وإذا شعرتَ بضيق،
فليكُن قلمُك خيرَ صديق.
* * *
نستنزفُ دماءَ الأَقلام
ثمَّ نرميها،بلا اهتمام.
فيا لجحودِ الإِنسان!
* * *
اليُراعُ
لا يتفتَّحُ بُرعُمهُ المضواع
إلاَّ في قلبٍ مِمراع.
* * *
يا أَربابَ الأَقلام،
لا تُفسدوا،
ولا تُراوِغوا
إذا سيّرتُموها،
فحِبرُها سيبقى شاهداً عليكم،
يومَ تُشيرُ إصبَعُ الديَّانِ إليكم.
* * *
بوركَ بِالقلمِ الحقَّانيّ الجريء،
لأَنَّهُ مُتَّكأُ المظلومِ البريء.
صَاحِبةُ الجَلالة
صاحبةُ الجلالة
إذا طلَّقتِ النزاهة
فباعتْ نَفسَها،
وخلعتْ عنها ثوب النبالة،
ولّدت الضلالة والتفاهة،
وانقلبتْ إلى صاحبة سفالة.
* * *
بِئسَ الصَّحافة
إذا غدتْ وسيلةً للإبتزاز والطعن والتشهير،
وأقلامَ تهديمٍ وتدمير
يُحرِّكُها كلُّ أَجير.
* * *
عارٌ على الصَّحافة
أنْ لا تستردَّ
بسيف كلمتها البتَّار
حقَّ البريءِ من الظالم،
وتجهرَ بمواقفِها الحقَّانيَّة الصادعة
إِزاءَ الجرائم والمظالم.
* * *
الصَّحافةُ
واجهةُ البلاد
ومرآةُ الشعب،
عليها تنعكسُ أَمانيه ومبادئُه
وملائحُه وقبائحُه.
* * *
الصِّحافيُّ النـزيه
وجودُهُ أَندر من حضور الفضيلة
بينَ أحضانِ الرذائل.
* * *
الصِّحافيُّ الذي يبيعُ نفسَه إلى وَثَن،
يستحيلُ القَلمُ في يدِهِ إلى رَسَن
يلتفُّ على عنقه
وعنق الوطن!
الفصْلُ العَاشِر رُوْحُ غَاندي
رُوْحُ الإصْلاح
إِنَّ شُعلةَ الإِصلاح
لا يرفعُها تمثال،
بل تُطلقُها صرخةُ سيَّال
أَنِفَ من الظَلام والظُلاَّم.
* * *
في داخل المُصلِح
نارٌ مقدَّسة
قد تُنير درباً
لتُغضِبَ حاكماً وشعباً.
* * *
المُصلحون
اهتَدَوا بنور السماء،
ليهدوا الدهماء؛
فطوبى لمن يُحسنُ الإِصغاء.
* * *
في أرضٍ يجولُ فيها الحسود
ويصولُ الحقود،
وقد يدفعُ المُصلِحُ حياته
ثمنَ إِصلاحِه المنشود.
* * *
الأيدي التي تغتالُ المُصلحين
ذُنوبُها لا تُغتَفَر،
وعقابُها خالدٌ مدى الدهر.
* * *
كلماتُ المُصلح الصادعة
قد تُنقذُ بناية المجتمعِ المتصدِّعة.
* * *
قد يُهدِّمُ المُصلح بناءً نَخر،
ليُقيمَ على أَنقاضِه
صرحاً أبقى على الدهر.
* * *
النـزعة الإِصلاحيَّةُ في النفس
شرارةٌ فردوسيَّة
غايتُها إصلاحُ الغَرْس.
* * *
تقويمُ المعوجِّ في السيَّال
قد يحتاج إلى أعمارٍ وتقمُّصات
أو إلى موقفٍ وجدانيٍّ بُطوليّ
يختصرُ الزمانَ في لحظات.
وَهجُ الضمير
الضمائرُ الحيَّة
طاقاتٌ نورانيَّة.
* * *
الضمير
صدى روحك فيك،
وهو صوتُ سيَّالك الأَرقى،
يُعنّفُكَ
ليُربِّيك.
* * *
ضميرُكَ المُرهَف
سيَّالُك الأَشَفّ.
* * *
الضميرُ الحَيّ
صوتٌ روحيّ
يُنقذُكَ من شياطينِ الغَيّ.
* * *
صاحبُ الضمير
فِكيّر.
* * *
أوانَ يستيقظُ وعيُك،
يرتاحُ ضميرُك.
* * *
الضميرُ ميزانُ الخير والشرّ
في النفس الناجحة؛
فسَلْهُ أيَّة كفَّةٍ فيك
هي الراجحة.
* * *
أَحْسنْ تربيةَ ضميرك؛
فهُو وَلَدُكَ الأمين
في حَلِّكَ وتَرحالِك،
وسِراجُكَ الثمين
في ليلِكَ الحالِك.
* * *
الضمير
رسولٌ مُنير،
مُبشِّرٌ ونذير.
* * *
تصرَّفْ بوحيٍ من ضميرك،
تأمَنْ ما يَضيرُك!
* * *
إذا كان ضميرُك حيَّاً،
فأنتَ بعزَّةٍ وكرامةٍ
تحيا.
* * *
مَنْ لم يُحرّكْهُ ضميرٌ حَيّ
صارَ آلةً
يُحرّكُها كلُّ سيَّالٍ سُفليّ!
* * *
ضميرُك
يُطلقُ أحكامَه في ما يجري
داخلَك أو خارجَك
بتأنيب وتأديب
أو ترغيبٍ وترحيب،
فأَصْغِ لصوته،
لتتجنَّبَ التعذيب!
* * *
إذا ذمَّك
ضميرُكَ المُرهَف،
فعِدْهُ أنَّكَ على نفسِك
ستعطِف،
وبها سترأَف.
* * *
مَنْ لم يُصغِ
إلى صوتِ الضمير،
طمسَ في ذاته
كلَّ نورٍ بصير.
* * *
تأنيبُ الضمير
أشدُّ إيلاماً
من حبل المشانق.
* * *
مَن اشترى
ضميرَ الناسِ قَسْراً
باعَ ضميرَهُ عمداً.
* * *
صانعُ التوابيت
يخضع ضميرُه لأقسى الإمتحانات،
ما دام تكاثُرُ رزقِه
رهناً بتكاثُرِ الوَفيَّات!
المَثَلُ الأَعلى
أَغنى غَنيّ
وأَقوى قويّ
من يُصعّدُ في الدنيا
بمعراجِ المُثُل العُليا.
* * *
مَنْ يحيا
بِلا مَثَلٍ أعلى
كَمَنْ يسيرُ في متاهة.
* * *
السعيُ إلى مَثَل أعلى
أَملٌ مستمرٌّ لا يخيب.
* * *
مَثَلُكَ الأَعلى
إن لم يُنَمِّ فيك
حُبَّ التسامي والكمال،
فهو مَثَلٌ أَعلى زائف.
* * *
المَثَلُ الأَعلى
أشبهُ بنجمِ جاذبيَّةٍ حيَّة
يُعَبِّئ قواكَ النفسيَّة،
ويستقطبُها مُوَحَّدَةً باتّجاهه،
فتقتحم الصِّعابَ وتُذلّلها
باسماً مطمئنَّاً،
من أجلِ بلوغِ غايتك.
القيَمُ الرُّوحيَّة
عابدُ المادة
يستحيلُ أَن يعشقَ الرُّوح.
حيثُ تُحْتَقَرُ القِيَمُ الماديّة
تنهضُ صروحُ الروحانيَّة.
المتشبّثُ بالجاهِ الدنيويّ
عاجزٌ عن رؤيةِ المجدِ السماويّ.
لِأَنَّ جِبِلَّةَ الإنسانِ أَرضيَّة،
فإنهُ يَنجذبُ إلى الماديَّة،
ويتناءَى عن الروحانيَّة.
لإِنسان المادِّيّ
قيمةٌ نقديَّة
تتضاءَلُ مع الأعوام؛
ولإِنسانِ الروحي
قيمةٌ معنويَّة
تتزايدُ مع الأيَّام.
لتكُنِ القناعةُ رائدَك
في القيم الماديَّة،
وليَكُن الطموحُ قائدَك
في القِيَمِ الروحيَّة.
الرقيُّ الروحيّ؟
تسحيرٌ على الضمير،
صومٌ عن الأباطيل،
وإفطارٌ على حقائقِ المبدعِ القدير!ِ
زنبقةُ السَّلام
غاندي أَبو السلام
باركَهُ الشرقُ والغرب،
لأنَّهُ بالسِّلم لا بالحرب،
وبسياسة اللا عنف،
نالَ استقلالَ بلادِه،
واسترجَعَ الحريَّةَ لشعبه.
لا يصنعُ السَّلام
إلّا سيَّالٌ هابط
من فراديسِ المَحَبَّة والمعرفةِ والوئام.
مَنْ يقوى على الإستمرار في الحُكْم
والمُحَافظةِ على السِّلْم
بطلٌ حقيقيّ.
طوبى للشعب
الذي يوصلُ إلى سُدَّةِ الأحكام
إنساناً يُحبُّ السَّلام.
إذا طلبَ شعبٌ السَّلام
بعقلهِ وقلبهِ وفيه،
فربُّ الأنام
يستجيبُ له ويحميه.
لو نشَدَ حكّامُ الأرض السلامَ صادقين،
لأَعادوا الفردوسَ المفقود
إلى الوجود.
لا يبني السلام
إلا طاقاتٌ روحيَّة راقية.
نغمةُ الحبِّ والسلام
حفيفُ جناحَيّْ ملاك.
رجلُ السلام
يغمرُ السلامُ قلبَه،
قبل أَن يُبَشِّر به شعبَه.
صنعُ السَّلام
أصعبُ من صنع الحرب.
إذا اشتعلت نارُ الحرب في شعب،
فقُل إنَّه لا يستحقُّ السَّلام.
السلامُ على الأرض سخام
منطوٍ تحتَ رُخام.
السلامُ النفسيّ
مصدرُهُ أمنٌ روحيّ.
ريْحانةُ الصِّدق
الصدق
ريحانُ الضمير،
فغماتُ أطيابه
تُحَلِّقُ صوبَ القدير.
الصدق
هو الدرجةُ الأولى من سُلَّم الإرتقاءِ الروحيّ
والحبَّةُ الوسطى في عِقدِ الفضائل.
الصدقُ سيّال
هابطٌ من عالَم الحَقّ.
الصدقُ يلِدُ الفضائل.
الصدقُ ميزانُ النفس.
ألزَمُ ما يلزمُنا في هذه الحياة:
صدقٌ،ثم صدقٌ، ثُم صدق…
إيه أَيُّهَا الصدق،
كم من كذبةٍ لُفِّقَتْ باسمك!
في عالَم البَشَر،
الصدق
ومضةُ برق،
والكذب
سَحَّ مَطَر!
مرآةُ الصَّراحَة
الصَّراحَة
مرآةٌ مجلُوَّة
تعكسُ كل ما يُواجِهُهَا
بوضوحٍ وقُوَّة.
الصراحة
سيَّالُ البراءةِ والطفولة،
فطوبى لمن يُحافِظُ عليه
حتى الكُهولة.
لا راحة
مع الصراحة.
الصراحة
عصيرُ القلبِ الصُّراح
ينسابُ على اللسان
بعُذوبةِ الصُّداح.
الصراحة
لصاحبها تَعَبٌ
وللسامعين راحة.
بنفسجَة التواضع
كما تنشأُ من البذرةِ الوضيعة
الشجرةُ السامقةُ القويَّة
هكذا من بذرةِ التواضُع
تنمو دوحةُ العظمةِ الروحيَّة.
التواضع
ينبوعٌ للمَكْرُمات.
الإتّضاع
ريحانةٌ حانيةُ الرَّأسِ،
مِضواع.
إذا كَسَوتَ نفسَك
بوشاحِ التواضُع،
فَوَشِّها بجوهرةِ الأنفة.
في تُربة التواضُع
تنمو البذورُ الروحيَّة.
الشُّهرة للمُتكبِّر:تجبُّر!
وللمُتواضع:تشكُّر!
التواضعُ عبير
يفوحُ من قلبٍ
أمام اللهِ كسير.
العفَّةُ والأنَفة.
أَعبَقُ الوردات فوحاً
وردةُ العفّة،
وأعزُّها قامةً
زهرةُ الأنفة.
العفّة
نسرٌ محلِّق
فوق السفاسف.
العفّة
ذروةُ العافية الجنسيَّة.
العفّة
بُرعُمٌ لا يتفتَّحُ على الأرض.
مَن عفَّ عن الرّذيلة
أعفى سيالاتِه
من قيودٍ ثقيلة.
العفيف
إيمانُهُ نظيف،
وضميرُهُ رهيف.
الأنفة
ريحانةٌ فوّاحة
أبداً منتصبةُ الرَّأس.
جوهَرَةُ القَنَاعة
القناعة
مَلاذُ الذين لا كنوزَ لهم
في الأرض.
لا مناعة
كالقناعة.
سعيدٌ سعيد
مَنْ ضَحِكَ قلبهُ
برِضا القناعة.
القناعةُ يُنبوعُ سُلوان،
إذا اجتاحت حياتَك
نارُ الحرمان.
إذا غزاكَ الضيقُ والحرمان،
فآمِنْ بعدالة اللهِ،واصبرْ
ولتكنِ القناعةُ سبيلك
للعزاءِ والإطمئنان.
اليَدُ الحَاتميَّة
الجود
شرارُ المحبَّة.
يكفي الكَرَمَ شَرَفاً
أَنَّ البخلاءَ يمدحونه.
بقدْر ما تُعطي
تُعطَى.
مَن يَضَعَ في فَمِ الفَقِير لُقمة
خيرٌ ممَّن يسكبُ في أُذنهِ حِكمة!
كلّما ابتسمَ لَك إحسان،
اغتاظَ شيطان.
الثريُّ السخيّ
نهرٌ لجّيٌّ
يُحيطُ بجفافِ المُعوزين.
إحسانُكَ إلى المُسيءِ لك
يطعنُهُ بحربةٍ خفيَّة.
أشذاءُ الفضائِل
مُمارسةُ الفضائل
غِنىً روحيٌّ طائل.
الأخلاقُ الكريمة
تُذَلِّلُ العقباتِ الأليمة،
وتُخصبُ الحياة العقيمة.
مكارمُ الأخلاق
تورِثُ رِضا الخلّاق.
مَنْ حافَظ على الخُلقِ النبيل
في هذا العالم التَعيس،
اختصرَ طريقَهُ الطويل
إلى نعيمِ الفراديس.
أنصعُ لونٍ في الوجود
لونُ السلام.
وأطيبُ عطرٍ
عطرُ المحبَّة.
وأروعُ لحنٍ
لحنُ العدالة.
وأَفتنُ رقصة
رقصةُ الحريَّة.
الشجاعة
عِزّةٌ وكرامة،
ومواقفُ رائعة.
الكرامة
روضةٌ مُسَيَّجَة
تنمو فيها أزهارُ الفضائل.
الكرامة
نسرٌ ينقضُّ على ثعابين الحقارات.
الكرامة
كرمة
تُنجبُ عناقيدَ
من المكرمات.
الأمانة
استقامة
أبداً ريَّانة.
للطموحِ بُعدان:
بُعدٌ في هذه الحياة،
وبُعدٌ في الحياة الأخرى.
الإعتذار
وليدُ النضج العقليّ
والنُّبْلِ النفسيّ.
التضحية
نزعةٌ إنسانيَّةٌ تلتهب
ونفسٌ تهب.
طلاقةُ الوجه
مجبلةٌ للراحة.
لا تَرَف
كحفظِ الشَّرف.
الكنزُ الحقيقيُّ غيرُ الفاني
هو ما يبقى كنزاً
في العالم الثاني.
مؤاساةُ الحزانى والمرضى والمتألِّمين
عطاءٌ من صميم القلب.
مؤاساةُ فقير
أو قلبٍ كسير
أوجَهُ لدى الله
من فَرْشِ مَعْبَدٍ
ببساطٍ من ذَهَب.
شتّانَ بين المُحسن إلى الناس
بثاقب رأيهِ الخالد
والمحسن بورقِ جَيبِه النافد.
لا تخشَ الإنسانَ الطيِّب،
فمُرُّه حُلوٌ مُستساغ
يُشعرُكَ بالإبتراد
مهما التَهَب.
المناعةُ النفسيَّةُ شُجاع
بسلاحِ الدفاعِ مُدَجَّج
وبنار الإِيمان يتوهَّج.
الشخصيةُ العظيمة
تستهويها الأمورُ العظيمة.
التسامحُ لمحةٌ عذبةٌ
من ملامحِ المحبَّة.
التسامُح حمائمُ ناصعة
تنطلقُ من النفسِ الحليمةِ الوادعة.
الجَلَال:أن تُؤمن.
الجمَال:أن تُحِبَّ.
الكمال:أن تسمو.
والحلال:أن تغضبَ لحقّك.
الفصْل الحَادي عشر آدمُ وحوَّاء
الرجُلُ والمَرأة
إذا كانت المرأةُ أُفعوانةً،
فالرجلُ سُمُّها!
وإذا كانت وردةً،
فالرجلُ عِطرُها!
إذا كانت جحيماً،
فالرجلُ شيطانُها!
وإذا كانت نعيماً،
فالرجلُ ملاكُها!
إذا كانت ناراً،
فالرجلُ وَقودُها!
وإذا كانت ثلجاً،
فالرجلُ سحابُها!
إذا كانت ملهاةً،
فالرجلُ مسرحُها!
وإذا كانت مأساةً،
فالرجلُ مَطْرَحُها!
إذا كانت فحمةً
فالرجلُ منجمُها!
وإذا كانت جوهرةً،
فالرجلُ معدنُها!
إذا كانت طفلةً،
فالرجلُ دميتُها!
وإذا كانت حكيمةً،
فالرجلُ تاجُها!
إذا كانت خائنةً،
فالرجلُ تجربتُها!
وإذا كانت مخلصةً،
فالرجلُ وفاؤها!
إذا كانت حرباً،
فالرجلُ قائدُها!
وإذا كانت سلاماً،
فالرجلُ رايتُها!
إذا كانت جدباءً،
فالرجلُ صحراؤها!
وإذا كانت معطاءً،
فالرجلُ واحتُها!
إذا كانت مُغويةً،
فالرجلُ غوايتُها!
وإذا كانت هدايةً،
فالرجلُ سبيلُها!
فالمرأةُ إنْ تكنْ نعمةً
أو نقمةً،
فالرجلُ استحقَّها!
* * *
هاتِ امرأةً فاضلةً،
وخُذْ جيلاً فاضلاً.
* * *
عِفَّةُ المرأَة
حِلْيةٌ مُرَصَّعَةٌ بأَثمنِ الجواهر.
* * *
إخلاصُ حوَّاء
خيمةُ الحُبِّ الواقية
من لهيب الصيف
وزمهرير الشتاء؛
ولكن هل من وفاء؟
* * *
الإبتسامةُ البريئة
على ثغرِ المرأَة
كالندى على أفواف الزهرة
يجعلُها ريّانةً مخضَلَّة.
* * *
ليتَ المرأة
تتبرَّج بابتسامةٍ طاهرة،
وتتزيّن بأخلاقٍ سامية،
وتتحلّى بثقافةٍ مفيدة،
وتزدهي بالتقوى،
إذن، لكانت الجمالَ مجَسَّداً،
ولعَبَدَها زوجُها اليوم وغداً!
* * *
النساءُ مياهُ البشريَّة:
منها الآسنُ الراكد،
ومنها العذبُ الجاري،
والمستنقعاتُ أكثرُ جدّاً من الينابيع!…
* * *
المرأةُ، إلاَّ فيما نَدَر،
واحدةٌ من خمس:
طفلةٌ بريئة،
أو مُراهقة طائشة،
أو شابةٌ فاحشة،
أو كهلةٌ متسلطة،
أو عجوزٌ متصابِية.
* * *
المرأةُ الطالحة
نقودٌ زائفة؛
والمرأةُ الصالحة
نقودٌ ذهبيَّة ثمينة.
* * *
إذا نَضَبَ ماءُ الحياء
من وُجوهِ النساء،
غَزُرَتْ خَطاياهُنَّ.
* * *
ليست كلُّ أرضٍ سهلة
صالحةً للزراعة،
وليست كلُّ امرأة
صالحةً للحَمْل والرّضاعة!
* * *
المرأةُ كالطفل
إن عَجِزَ بكى!
* * *
إذا سَلَّمتِ رأسَكِ
إلى الحلاق،
فلا تلوميه،
إن فرشَ به الأرض
لِنعَالِ الزبائن!
* * *
جديرةٌ بالهجاء
كلُّ مَنْ يَغرُّها الثناء.
* * *
عندما تَكيلُ لأنثى لأنثى الإمتداح،
فقُلْ:”هذا كذِبٌ فضَّاح”.
* * *
تُرى،أَثمَّةَ حوّاء
لا تقفُ من سائر النساء
وقفةَ الحَسَد
على باب العُظماء؟!
* * *
إذا أَشعلَ الحسدُ كبدَ المرأة،
انقلبتْ إلى سجَّان
يستوي في نظره المذنبُ والبريء
وراءَ القُضبان!
وإذا عشَّشَتِ الغيرةُ في حَبَّة قلبها،
غَدَتْ كالجلاَّد
يسوطُ بلا ضميرٍ وبعنَاد!
أمَّا إذا ترجَّلتْ،
فقُلْ إِنَّها أصبحتْ ذئباً
يرنُّ العواءُ في أذنِها زئيراً!
* * *
قال الشابُّ مخاطباً حبيبتَه:
-أنتِ خجولةٌ…فصمتتْ،
-مهذَّبةٌ…فابتسمتْ،
-مثقَّفةٌ…فتحدَّثتْ،
-مغناجةٌ…فضحكتْ،
-جميلةٌ…فقهقهتْ،
ولو صارحَها بالحقيقة العارية
لانتحبتْ!
* * *
المالُ والمرأة
فَرَسا سِبَاق
في حلبةِ الحياة.
* * *
سلعةٌ تُباعُ وتُشرى
كلُّ مَنْ قيَّدَتْ زواجَها بالمال.
* * *
إذا تزوَّجَ
الرجلُ الحادُّ المِزاج
بامرأةٍ مثلِه،
فقُلِ الوداعُ يا زواج!
* * *
رُبَّ امرأةٍ نَشَدتْ ضالَّتَها
في بيتٍ زوجيٍّ
تتمتَّعُ فيه بالإستقلال والحريَّة،
فإذا هي في سِجْنٍ
رهنَ العبوديَّة!
* * *
إذا أرادت الفتاةُ أنْ تتزوَّج،
أَطاعتْ حبيبَها
حتى في معاصيه،
فإذا تزوِّجتْهُ،
عصتْهُ،
في ما يُرضيه!
* * *
هل تعلم
بأنَّ للعاقر أولاداً
لكنْ في العوالمِ الأخرى؟!
* * *
كم من قائدٍ
طلاّعِ ثنايا
اجتاح بفيالقِهِ
العواصمَ والبرايا،
ثمَّ خرَّ خاشعاً
لذات جمالٍ آسِر،
فتذلَّلَ لها
كعَبْدٍ صاغر!
* * *
عظيمةٌ هي المرأة
التي يفتحُ لها زوجُها
أبواب التاريخ،
فتدخلُ رِحابَه.
ولكن أَعظمُ
هي المرأة التي بيديها
تفتحُ أبوابَ التاريخ
وتتصدَّرُ قاعتَه!
* * *
كالأسِّ المتين
يُوَطّدُ أَركانَ الصَّرْح،
هكذا المرأةُ الصالحة
تُؤَثِّلُ مجدَ الرجل!
* * *
شرائعُ الأرض بأكثرها
تُعاقبُ المرأةَ إذا زَلَّتْ،
أمَّا الرجلُ فلا تُعاقبُهُ!
فلا كُنتِ يا عدالة!
* * *
لو حافظَت المرأةُ
على أنوثتهَا،
وحافظَ الرجلُ
على رُجولتِهِ،
لااختصرت مآسي الحياة!
* * *
المرأةُ التي تُمثّل دورَ الرجل
وتُهملُ دورَها
ماءٌ سائب،
لا يروي العَطَش،
ولا يسقي الزرع.
* * *
الرجالُ بأكثرهم اثنان:
أعزب يمدحُ المرأةَ
للحصولِ عليها،
ومتزوّجٌ يذمُّها
للتخلُّصِ منها!
* * *
النساء
تجاربُ الرجال.
* * *
من شِيَم الرجل
أنَّهُ يذمُّ المرأة،
ثم…يتبعها…
فيُشبعُها مدحاً!
* * *
إذا كانَ في كلِّ أنثى
أفعوان،
ففي كلِّ رجلٍ
ثُعبان!
* * *
إذا كانت المرأةُ
ضلعاً من أَضلاعِ الرجل،
فكلُّ ما قيل في الجزء،
ينطبق على الكلّ.
* * *
إذا ترجَّلتِ المرأَة
وتخنَّث الرجل،
فقُلْ:
تحوَّلَ البيتُ إلى حَمْأة
وهَجَرَهُ الخجل.
* * *
دموعُ الرجل
أبلغُ من دموع المرأة
لنُدرتها،
وعميقِ معناها.
* * *
الإخلاصُ بين الزوجَيْن
في المنزلِ الخَشِن
قد يُصفّي الذهن،
ويُبلورُ النفس،
ويُحيل مسكنَ الشجن،
إلى جنَّةِ عَدْن.
الوَالِدُون والأولاد
الأُمُ التي تُضحّي براحتها
من أَجلِ راحةِ الأبِ والأَبناء
جديرةٌ بأن تُكرِّمَها
حتى نيّراتُ السماء!
* * *
امرأَةٌ تُصبحُ أمّاً
زهرةٌ تُعقَدُ ثمرةً.
* * *
أَرضعي وَلَدَكِ
من حنانِ ثديَيْكِ،
في طفولتِهِ،
ومن نقاءِ أصغَرَيْكِ،
في حداثتِهِ،
ومن حكمةِ عقلك
ونورِ عينيكِ،
في فُتُوَّتِه.
* * *
أعظمُ هِبَتَينْ للطفل:
ضمّةُ الأُمّ
وتضحيةُ الأب.
* * *
التربيةُ للأبناء
كالتشذيبِ للشجرةِ الغبياء،
لا يُغيِّرُ طبيعتَها،
إِنّما يُكثِرُ فيها العطاء.
* * *
النفسُ الطيِّعةُ الهَنِيَّة
ما أروعَ أَنْ تفلَحَها التربية،
لتستنبتَ منها الثمارَ الشهيَّة.
* * *
لكُلِّ بذرةٍ
تُربةٌ خاصَّةٌ تنمو فيها،
ولكلِّ إنسانٍ
مجتمعٌ خاصٌّ يعيشُ فيه.
* * *
الولدُ امتدادٌ نفسيٌّ لأَبوَيْه؛
فما ينالُهُ
من انحطاطٍ أو ارتقاء
ينالهُما!
* * *
الأطفالُ حديقةُ الحياة،
فإذا أُهمِلَتْ
فلحاً ورَياً وتشذيباً،
مرَّ عليها الربيعُ الطلقُ
مُقَطَّباً تقطيباً!
* * *
الطفلُ
تُربةٌ خصبة
تنتظرُ البذارَ والربيع.
* * *
قد يحملُ الإِبنُ العاقّ
سيَّالاً من أبيه
تجسَّدَ نُصْبَ عينيه،
ليُؤَدِّبَ بعضُهُ بعضَه.
* * *
في خلايا الطفل
تكمنُ أَطفالُ الرزايا،
بنُمُوِّهِ تنمو،
حتى إذا تزوَّج،
نَسَلَ كِبَارَ البلايا!
* * *
يُرزَقُ الأبوان طفلة،
فيتعبان ويسهران على راحتها،
ويبذلان الرخيصَ والغالي
في سبيلِ تنشئتِها؛
فما إِنْ تتفتَّحُ عَيناها على الحَياة،
حتى تنجذِبَ إلى يَدٍ امتدَّت إليها،
وتتركَ وراءَها والدَيها!
الفصْلُ الثاني عَشر بين قَايين وهَابيل
إلى قَايينُ وهَابيل
قايين!قايين!
أيُّها السيّالُ القاتل،
المكتوبُ عليه
تطوافُ هذا الكوكب الضلول!
كلما مررتَ فوقَ بَلَد،
تشتعلُ فيه المطامع،
ويتأجَّجُ الحَسَد،
فتتناحرُ الطوائفُ والأَحزاب،
ويُهَدَّمُ العمران،
والشعبُ يُشَرَّد.
لكنّك،يا قايين،
أطلتَ مُكوثَكَ في لبنان،
فهل اتّخذتَهُ مأواكَ إلى الأَبد؟!
هابيل! هابيل!
أيُّها السيّالُ الراتع في فراديس النعيم!
مُذْ غادرتَنا،
وتاهَ نَغَمُكَ بعيداً عن هذا الجحيم،
طَلَّقَتْنَا البراءةُ والخيرُ والطهارة،
تُرى، هل تعودُ ثانيةً إلى الأرض،
فيعودَ الأملُ إليها،
ويتقبّلَ اللهُ تقدمةَ الإنسان،
أم إنّ الشرَّ قد طغى واستفحل،
فما عاد يُجدي الأرضَ إلاّ طوفان
من النيران؟!
المحبَّةُ والبَغضَاء
البغضُ والحُبُّ سيّالان
كالليلِ والنهار يتعاقبان
في نفسِ كلِّ إِنسان،
لكنَّ سيّالَ قايين
هو الذي ينتصر
في أغلبِ الأحيان.
المحبَّة
إكسيرُ الآلهة في الفراديس،
سقطتْ…
فاستحالتْ بغضاء،
وكان إِبليس!
إِذا أحَبَّ الإنسان
تحوَّلَ حَمَلاً وديعاً،
وإذا أبغَض
انقلبَ ذئباً مُريعاً!
البغضُ
بأجنحتِهِ الغُدافيَّة
يُحوِّمُ في أقبيةِ النفوس،
ويفتحُ لها الرموس.
والمحبّة
بأَجنحتها الناصعة
تُحَلِّقُ بالإنسان
إلى الفراديس الراتعة
بالأنوارِ الساطعة.
البغضاء
ستارٌ كثيف
يحجبُ لألاءَ الضياء!
والمحبّة
غلالةٌ من السناء
تشفُّ…تشفُّ…
وتُصعِّدُ في العلاء!
إذا أَعقبَ الحبُّ بُغضاً،
كان البُغضُ أقوى وأَفتك.
إذا تأرجحَ الحبّ
في قلب،
رجحَ فيه البغض.
مَثَلُ مَنْ يُنادي بالإِخاء،
ويعملُ بشريعة البغضاء
مَثَلُ الحُكَّامِ الظالمين
يتبجّحونَ بالعدالة،
وينصبون للشعب
الكمينَ تلوَ الكمين!
المحبَّة:حَبَّةٌ قد تُجنى منها البيادر!
والبغضاء:سنابلُ خَلَتْ من الحَبْ!
البُغض
يُذبِلُ يانِعَ الزهر،
والحُبّ
يُزهرُ ذابلَه!
الخَيرُ وَالشرّ
كم من حاسدٍ
لامرئٍ نبيل
هو امتدادٌ لقايين،
وذاكَ لهابيل!
الخيرُ والشرّ
عربتان
في ميدانِ الحياة
تتسابقان؛
فإذا كان الفوزُ للشرّ،
فقُل الفناءُ أصبح وشيكاً،
وإن كان للخير،
فقُل مُدِّدَ عمرُ الأرض.
الخُلقُ الكريم
مجدٌ يدومُ لك
في درجات النعيم؛
والخلقُ الذميم
عارٌ تُرافقُكَ لطخاتُه
إلى دركاتِ الجحيم!
لا تُقابِلْ تفاهاتِ البشر
بتفاهات،
لئلا تُؤخَذَ
في دوّامةِ الترَّهات،
بل تجاوزِ الأعراض
إلى لُبابِ الحياة!
أنجحُ الناس في الأرض
ألصقُهم بتُرابها،
وأغناهُم حكمةً
أبعدُهُم عن مهازلها وتلعابها!
خلفَ كلِّ جسدٍ كثيف
شيطانُ هلاك،
ووراءَ كلِّ جسدٍ شفيف
جناحُ ملاك!
النفسُ الشمَّاء
تجتذبُها القِيَمُ العالية،
والنفسُ الذليلة
تجتذبُها القِيَمُ السافلة.
ربُّ ملاك
اجتذبتْهُ المادِّيَّات،
فعانى ما يُعانيه
أبناءُ الهلاك!
في عوالمِ المادّة
يتصارعُ النورُ والظلام
مثلما الخيرُ والشرُّ يتصارعان
في نفوسِ الأنام.
الناسُ ثمراتٌ أربع:
الأولى تؤكَلُ حين تُكسَر!
والثانية حين تُعصَر!
والثالثة حينَ تُقشَر!
أمّا الرابعة فتؤكَل كما هي في الثمر،
وذلك هو الأندر بين البشر!
الإِنسان كُتلَةٌ متناقضةٌ من الشعور
تغورُ في مستنقعِ الشرور!
خصبةٌ هي سيِّئاتُ البشر،
وماحلةٌ هي حسناتُهم.
ليلُ الشرّ
طغى على نهار الخير
حتى باتتِ النفوسُ كُلُّها
تعمهُ في الظلام.
عجبتُ ممَّن تناسى الخير
في حضرةِ الشرّ.
خنَاجِرُ الشّرّ
عالَمُ الأرض على عَتَبَةِ الجحيم؛
ولذا يسهلُ على أَبالسة الشرور
أن تعبرَهُ لتُعَشِّشَ وتُقيم
في الرؤوسِ والصدور!
الشرُّ هواءُ النفس الأمّارةِ بالسوء
يتنفَّسُهُ بنو قايين.
فِعْلُ الشرّ
طَعامُ البَشَرِ الألَذّ!
القُلوبُ المدلهمّةُ
بالشرورِ والأَحقاد
لا تُنيرها شموسُ الآباد.
ليست الشياطين
الأشكالَ المرعبة،
بل هي الأفكارُ السوداءُ التي تسكُنُنا.
إذا استجابَ الإِنسان
لِإغواءِ الشيطان،
فلأَنّهما في المعاصي
توأَمان!
كما الأوبئةُ والجراثيم
تنتقلُ عدواها
من مريضٍ إلى آخر،
فالجرائمُ والشرور
تنتقلُ عدواها
من بلدٍ إلى آخر.
الشرِّير
ضرير
يتخبّطُ في المسير
وخُطاهُ بِهِ تضير.
جمْرةُ الجسَد
هل تدري ما الحَسَد؟
حبلٌ من مَسَد
مشدودٌ حول عنقِ الحاسد
إِلى الأَبد!
الحَسَدُ رمْس
في ظُلُماتِهِ
تتخبَّطُ النفس!
الحَسَد
ضرير
في نَفَقٍ طويل…يسير،
ولا يهديه مصباحٌ ولا فَرْقَد!
الحَسَد أجنحةٌ غُدافيَّة
لا تتخبَّطُ إلا في الظلماتِ الدجوجيَّة!
الحَسَد
سيَّال فَسَد،
وللشيطان
سَجَد!
الحَسَد،في الأرض،ديدان
تقرضُ النفسَ نخْراً،
وفي الجحيم نيران
تصهرُ النفسَ دهراً!
التحاسُد نار
تُشعل الحروب،
لتُحرقَ القُلُوب!
الحسود
يطعنُ نفسَه، كلَّ يوم،
بخنجرِ ذاتِهِ السفلى!
للحسودِ عينٌ بلقاء
تخلسُ النظر إلى محسوديها
في جوفِ الظلماء!
الحسودُ الكنود
تُؤَرِّقُهُ سيّالاتُ حَسَدِه السفليَّة
مثلما تُؤَرِّقُ الغنيَّ
ثروتُهُ الماديَّة.
يستلُّ القلقُ الراحة
من فؤادِ الحقودِ الحسود
مثلما تنصلُ المخاوفُ لونَ الخُدود!
مَثَلُ الحَسَدِ في النفوس
مَثَلُ الدودِ في الرموس.
الحَسَد
يقرضُ الكَبِد،
ويُولِّدُ السَّهَد.
الحسودُ سائمة
هَجَرتْ خِصبَ أراضيها
لتنعمَ بقحطِ جارتِها!
العبقريَّةُ نارٌ مقدَّسة
ينبهرُ الحَسودُ بأَلَقِها،
ويُصبحُ همُّه أن يسرقَها،
فينتهي بأَن يحترقَ بها!
إذا رأيتَ إِنساناً
تكاثَر حُسَّادُه،
فقُلْ سَطعتْ شمسُه
وكثرتْ أمجادُه!
إحذَرِ الحسود،
فهو لا يرحم،
في قلبِهِ
يلتفُّ أَرقَم،
وفي لسانِه
سعيرٌ يَضرَم!
كلّما تقارَبَتِ السيَّالات
وتجاذبتْها التقمُّصات،
كان الحَسَدُ بينها أقوى،
ونتائجُهُ أوخَمَ وأَضرى!
الَحَسدُ مَرَضٌ عُضال
تنتقلُ عَدواهُ داخل النفس
من سيّالٍ إلى سيال.
الحسودُ ترتدُّ عليه نعمةُ غيره
نقمةً تُقَصِّرُ نهارَه،وتُطيلُ ليلَه!
تتكاثفُ على الحسود غيومُ حسده،
حتى تُعمي بصيرتَه.
مَنْ يحسدُ غيرَهُ على مالِه
قد يُدفَعُ إلى السَّرِقة،
ومَن يحسدُ غيرَهُ على علمِهِ
فنفسُهُ بنارِها مُحترقة.
عبيرُ المحسود
دُخانٌ في أنفِ الحاسد
قد يختنقُ به.
في تُربةِ الحَسَد
ينمو القَلَقُ والنَّكَد
والحزنُ والكَمَد.
الفصْل الثالث عَشرْ صخرة سيزيف
الشقَاءُ والهَنَاء
العذاب؟
مرحلةٌ بينَ شهقتَي
الولادة والإحتضار.
العذابُ لُقمةٌ
من طبخِ الحياة.
مراقبةُ الناس؟
شراءُ العذاب؟
من يأبى العذاب،
فالسعادةُ تأبَاه!
نهرُ العذاب
يصبُّ في بحر السعادة!
كأسُ العذاب
تُرتَشفُ رشفةً رشفة،
وكأسُ السعادة
تُسقى دُفعةً واحدة!
الآلامُ النفسيَّة،
إذا لم تُرافقْها إرادةٌ قويّة،
أصبحتْ جحافلَ من السوس
تقرضُ الجسمَ السليم
وتُحَطّمُ الأعصاب،
وتشلُّ الإِحساس!
الألَمُ النفسيُّ المستمرّ
انتحارٌ بطيء.
يكفُّ عن البُكاء
مَنْ يفقَهُ حقيقةَ الأَلم
وعِلَّتَهُ الروحيَّة.
لا سُمَّ
إفتكٌ من الهَمّ.
الغُيوم
إذا تلبّدَتْ
تستدرُّ منها الأمطار!
والهُموم
إذا تحشَّدَتْ
تتمخّضُ بالإنهيار!
الدموعُ الصادقةُ لآلئ
سريعةُ التجسُّدِ والزوال.
رُبَّ ألَم
تولّدَ منه أَمَل.
السعادةُ هي ابنةُ الطمأنينة النفسيَّة،
والطمأنينةُ هي وَليدَةُ التُّقى،
والتُّقى هو وعيُ الإنسانِ الأسمى.
ما أوهى سعادةَ الأيَّام
المبتغاةَ في الخيالِ والأحلام!
السعادةُ لفظةٌ في العالم الفاني
لمعنى في العالم الثاني.
نَوباتُ العَذاب
وموجاتُ الآمالِ العِذاب
تزيد النفسَ الراقية
رهافةً وجمالاً.
الأتراحُ نساء
كثيراً ما تخلعُ براقعَ النُّواح،
لتلبَسَ معارضَ الأفراح!
رُبَّ فرحةٍ
قَضَتْ على أتراح.
لا يحظى الإنسانُ بِحلاوة
إلّا بعدَ مَرارة.
أكثرُ النفوسِ آلاماً
قد تكونُ أسعدَها!
عَوِّدْ نفسَك
أن تحزنَ كثيراً
لتَسعَدَ كثيراً.
رُبَّ مُبكيات
لمُضحِكات!
الشَّقاء
مِثْلُ الهناء
لا ينتهي…
إذا كانَ للأفراح
أجنحةٌ ترفّ،
آناً تُحَلِّق،
وآناً تَسِفّ،
فللآلام أجنحةُ النسور
أبداً تُصعّدُ
في معارجِ النور!
يجتازُ برقُ الأفراح
مَعْبَرَ الآلام
مثلما يجتازُ سيفُ النور
صدرَ الظلام.
قد تلِدُ الكآبة في النفسِ الموهوبة
الإبداعَ والغرابة!
الحياةُ بلا آلام
كالمرمرِ البارد في مَقْلَعِه.
والآلامُ كإزميلِ الفنّانِ المَاهِر
تَنْحَتُ…
فتُبدِعُ هياكلَ وتماثيلَ للخُلود!
الحياة؟
بدايتُها بُكاء
ونهايتُها نُواح!
تعرَّفْ خُشونةَ الحياة!
لتشعرَ بنعومتها.
كم من دُموعٍ إذا استُدِرَّتْ
كانت دُرراً
يجهلُ الغواصُ ثمنَها،
فيهدُرُها مجّاناً.
لا تغترَّ إذا أقبلتِ الدنيا عليك،
لأنّكَ لا تدري
في أيّةِ لحظةٍ تُدبرُ عنك!
الأَمل يُخَدِّرُ الآلام،
ويُضاعفُ النشاط،
ويُزهرُ الأحلام.
إنَّ في رغباتِ الأنام
لَفيضاً من الأمال…
وإنَّ في الآمال
لَدَفقاً من الأوهام!…
اليأس؟
سَفرٌ في قِطار الأحزان
إلى هُوَّةِ العذاب.
اليأس؟
إفلاسُ الحياة!
التشاؤم
هو أن تنظرَ إلى الخريف
كأنّه الفصلُ الأوحد،
فلا ترى في الطبيعة
إلّا الأوراقَ المُصوِّحة.
كلّما زارَكَ التفاؤل
أكرِمْهُ…أكرِمْهُ…
اليومُ الجميل
هو اليومُ الذي نجمُلُ فيه.
المتشائمُ يرى الشمسَ مُطفأةٌ،
وإن بَهَرَهُ ضياؤها.
والمتفائلُ يرى الدجُنَّةَ مُضيئةً،
وإن أعمَتْهُ ظلماؤها.
السعادةُ في الأرض
وهميَّةٌ ونسبيَّة،
فهي إشباعُ حاجةٍ
نفسيّة أو ماديَّة
راقيةٍ أو سفليَّة.
فالسعادةُ بين النساء والرجال
مُتعةٌ حِسِّيَّة،
وعند الفنّانين
لذَّة معنويَّة،
وعند المؤمنين
نشوةٌ روحيَّة.
السعادةُ عند الحاسدين
إيذاءٌ يشفي منهم الغليل،
وعند المبغضين
ضَرَرٌ للخصم وبيل،
وعند اللؤماء
نُكرانٌ للجميل.
السعادةُ عندَ الخائنين
شَلَلٌ يُحَنِّطُ منهم الضمائر،
وعند المتكبّرين
شعورٌ بالتفوُّقِ ظاهر،
وعند الصابرين
انتصارٌ على الزمنِ الغادر.
السعادةُ عند البُخلاء
تخزينُ الأموال،
وعندَ رجالِ الدين
تسلُّطٌ وطمعٌ قتّال،
وعندَ الدَّجّالين
تلفيقٌ واحتيال.
السعادةُ عند الأسخياء
إطعامُ الجوعان،
وعند المتواضعين
التقرُّبُ من كلِّ إنسان،
وعند العُلماء
فَضُّ مجاهيل الأكوان.
السعادةُ عندَ الجائعين
تأمينُ معيشتهم،
وعند المأسورين
إطلاقُ حُرِّيَّتهم،
وعندَ المرضى
استعادةُ صحَّتهم.
الأرضُ سُكَّانُها
الأرضُ أُنثى عاهرة،
لكثرةِ ما ضاجَعَها الشيطان
أنجبتْ توأمَيْ: الرذيلةِ والبُهتان!
كم من ملاكٍ
في الفراديسِ رَتَع،
ثم استهوتْهُ جاذبيَّةُ الأرض،
فوَقَع!
الدنيا دَرَكٌ
يَخفضُ العالي
ويُعلي السافل،
يُمجِّدُ الحقير
ويُحَقِّرُ الأبيّ!
الدنيا وعرَةُ المسالك:
منها العَبْر
وعليها العَثْر.
الحياة؟
مدرسةٌ وسِجن!
الحياةُ مستنقع،
والحبُّ قطرةُ زَيْت،
تطفو على وجهه
فيلمع.
الحياةُ عُرسٌ في موكبِ لموت،
يسيرُ على طريق الأبديَّة!
حياتُنا؟
وُرَيْقَةٌ خريفيَّة
من دوحةِ الزَّمَن!
مَنْ يعشقِ الأرض
تَعْشَقْهُ المُنغِّصات.
قوانينُ الأرض
أمتعةٌ تُشترى بِعَرْض!
البشريَّة مركبٌ
يخوضُ بحرَ الحياة،
والرذائلُ فيه أثقالٌ وأحمال،
كُلَّما تعاظمتْ،
تضاءَلَ حظُّهُ من النجاة،
فَجَنَحَ تحت أعبائه،
ثم غرقَ وزال!
كما ينظرُ الأشراف الأحرار
إلى سُجناءِ القضبان الحديديَّة
هكذا ينظرُ سَكَّانُ الفرادسِ الأبرار
إلى سُجَناءِ الكُرَةِ الأرضيَّة.
لعناتُ السماء
تجسَّدَتْ دركاتِ شقاء!
تعلُّقُ الإِنسان
بالدنيا ومهازلها
دليلٌ على أنَّ سيّالاتِه
محكومةٌ بجاذبيَّتها!
حياةُ الإِنسان
حبّةُ رملٍ
على شاطئِ الأَبديَّة!
حياةُ الإِنسان؟
اندياحُ موجة،
ومضةُ بَرْق،
مروقُ سَهْم،
صَدْحةُ كناريّ،
رَفَّةُ جناح،
فوحةُ وردة،
خَطرةُ خيال…
سُرعانَ ما تتلاشى!
أيُّها الإِنسان،
لا تقُل:”أنا السلطان،
وبيدي الصولجان”،
إلّا إذا تأكّدَ لك
أنَّك لن تكون وليمةً
للديدانِ أو للنيران!
الفصل الرابع عَشر مَرايا إبليس
الكبريَاءُ والغرُور
الكبرياء
قِمَّةٌ صخريَّة
لا تطأُها قَدَمُ الربيع!
الكبرياء
كفقاقيع الماء،
مجدُها الظاهر
سرعان ما يُصبح هَباء!
الكبرياء
قردٌ له رأسان:
الإدّعاء والغباء!
الكبرياء
للرؤوس الفارغة
أزياء!
مَنْ تَكبَّر
كبُرَ همُّه،
وضَؤُلَ قَدْرُه.
المتكبِّر
يبحثُ في مهاوي نفسه
عن ناطحاتها.
أيضمَنُ مَنْ يسير الخُيَلاء
وأنفُهُ أبداً إلى العَلاء
أن لا تقودَهُ خُطاه
إلى حفرةِ بلاء؟!
أَدِّبْ سيّال الكبرياءِ فيك،
حتى لا يتمادى ويستفحل
فيُرديك.
خمرةُ التيه
تجعلُ رأسَ “العظيم”
كرؤوسِ المعاتيه.
الكبرياءُ حجابٌ كثيفٌ مخيفٌ
يُخفي كلَّ طريفٍ ولطيف.
الغُرُورُ طائرٌ جارح
يَنْسِرُ أَصغَرَيْه!
المغرورُ جبانٌ
مُدَجَّجٌ بالسِّلاح!
أُمِّيٌّ
يتظاهرُ بمطالعةِ كتابٍ نفيس
هو المغرور!
إذا مدحتَ نفسَكَ علانيةً،
شتَمَكَ سامعُكَ سرّاً!
قد تكونُ الكبرياء
تعويضاً عن الشعور بالدونيَّة
والصّغارةِ النفسيَّة.
مرَارَةُ الطمَع
الأَثَرةُ و الحُبّ
لا يلتقيان.
الطَّمَع
سواءٌ والفقرُ المُُدقِع،
فكلاهما للشكاوى والبلايا
مستودَع.
لا طعمَ أمرُّ
من الطَّمَع.
شرُّ المطامع:
طمعُ الإِنسان بأَخيه.
مَنْ لا يكفيه القليلُ
ليقنع،
لا تكفيه خيراتُ السماء
ليشبع!
إِن لم تقضِ على أَطماعك
قَضَتْ عَليك.
نارُ الغضب
الغَيْظ
قنبلةٌ موقوتةٌ
لا تدري متى تنفجر!
الغَضَب
فرسٌ تُسابقُ الخُيول
وهي مصابةٌ بالعَطَب!
شرارَةُ الغَضَب
تُشعلُ الرأس،
وتُحوِّلُ القلب
إلى حَطب
في لَهَب!
الغَضَب
يجتذبُ الخسائر،
والحِلْم
يستقطبُ البشائر.
عندَ الغَضَب،
يقذفُ اللسانُ
في لحظات
ما خبَّأَهُ القلبُ
في سنوات!
إذا جفَّتِ الحكمةُ في الإِنسان،
أَصبَحَ كالغُصنِ اليابس
سريعَ الإشتعال!
ثورةُ النفس بُركان
نيرانُهُ نظَرات،
شُواظُهُ عَبَرات،
حُمَمُه كلمات.
شيَاطينُ الحَرب
في حدِّ السَّيْف
بريقُ عَدْل
ووميضُ حَيْف!
في المعاركِ والحروب
يبرزُ سيَّالُ الإِنسانِ الشيطانيّ.
الخصام؟
شَيطانٌ يُحاربُ شيطاناً
في نُفوسِ الأنام!
بدايةُ الحريق
شرارة!
وبدايةُ الخَطْبِ العظيم
أمرٌ حقير!
رُبَّ مُنَظَّمَةٍ
لتخريبِ النظام!
الحربُ الباردة مجنون
سكوتُه
قد يكون أخطرَ
من قهقهاته!
حربَاءُ الكِذب
المجامَلة
كَذِبٌ مُبَطَّن!
الكَذِب
سيّالٌ صاعدٌ من الجحيم.
الكَذِب
لقمةٌ وَسِخَةٌ
في فَمِ جبان.
الكَذِب
يَنْسُلُ الرذائل.
الكذبةُ البيضاء
تبريرٌ لفعلةٍ شنعاء.
الكذّاب
يُراوِغُ نفسَه
قبل أن يخدَع الآخرين.
لا تُصدّق ابنَ آدَم،
فهو على الكَذِب مُداوِم!
الكَذِبُ في المحاكم
أَدهى الجرائم.
شوَاظُ الجحيْم
الثمارُ التي تتناسلُ فيها الديدان
كالبشريّة التي يتناسل فيها الشيطان،
كلتاهما تُتلفان،
وتُنْبَذان.
سالبُ الفضيلةِ وراحةِ البال
أعظمُ جُرماً من سارقِ المال!
الضغائن
حرّاقاتٌ تترامى النيران
فتُحرِقُ النفوسَ والأبدان.
البشرُ
في خضمِّ الضلال
يسبحون!
وفي مستنقعِ الرذيلة
يبتردون!
وفي حضنِ الشيطاان
يهجعون!
فهل،تُرى يستيقظون؟!
إِحذَرْ
مَن يُبجّلُكَ بحضورك،
ويذمُّكَ في غيابك؛
إنَّهُ كالأفعى
تزحفُ عندَ قدميك،
وهي لهلاك
تسعى.
لو استنطقَ الرُّوحُ
رمالَ الصحراء،
لَنَطَقَتْ كلُّ حَبَّةٍ فيها
بمفسدةٍ من مفاسدِ الدهماء!
العدالة،الصدق،الأمانة…
ألفاظٌ لا معنى لها
في عالَم الظلمِ والكذبِ والخيانة…
مُفْلِسُ الأخلاق
عن أمرِ ربِّه فَسَّاق.
النميمة
تنمُّ عن نفسيَّةٍ سقيمة.
ما أقبحَ من يَرِدُ الولائم،
ثمّ يُصَدِّر في الخفاء،الشتائم!
مَن يُطلِقْ شرارَ الفِتَن
يحترقْ بنيرانها
مع دورةِ الزمن.
الظلمُ لُهاثُ الشيطان
في صدرِ الإنسان.
الثيابُ الإِباحيَّة
أزياءُ جحيميَّة.
القِمار؟
فاتحتُهُ رغبة،
وَسَطُهُ لُعبة،
خاتمتُهُ نكبة.
القِمار
يُغري القُلوب
ليسلُبَ الجيوب.
التدخين
قد يطرُد من النفس الهموم،
لكنّه يُدخلُ إلى الجسمِ السُّموم.
الخمرة؟
رقّاصةٌ في الكؤوس،
ضحّاكةٌ للعَبوس،
ضيّاعةٌ للرؤوس،
فتّاكةٌ بالنفوس،
سفّاحةٌ للفُلوس!
جحيمُ النفس
لا تُحرِقُ إلاّ صاحبَها.
إحذَرِ الخبيث،
فالشيطانُ لهُ وَريث.
الفصْل الخامِس عَشر فضَّة يهُوذا
العِجلُ الذهبيّ
المال؟
معبودٌ سريعُ الزَّوال.
مَنْ أقامَ لمالِهِ عبادة،
ما اطمأَنَّ رأسُهُ على وِسادة.
المالُ إغواءٌ خسيس،
ولَعِبٌ بكُرَةِ إبليس.
الممتلكاتُ المادِّيَّة
للإِنسانِ أصفاد،
والمحافظةُ عليها
قلقٌ وسُهاد،
وأسرٌ واستعباد.
إذا أمَرَتِ الفُلوس،
ذَلَّتِ النفوس.
رأيتُ الحاكمَ قد مال
في حضرةِ المال.
المالُ غايةُ النفوس
حتى دخولها دُجُنَّاتِ الرموس!
الأذلّاء
يحومون حول الأغنياء
مثلما تحومُ على حُطاطِ الجيفة
الحشراتُ والديدان.
ما يأتيكَ من مال
دونما شقاءٍ وعناء
تُنفقُه بهناءٍ واعتدال،
إذا كان مُلككَ الحلال،
وإلاّ يذهبُ مع الريحِ هَباء.
كثيرونَ يفهمونَ الشَّرَف
تباهياً بالتَّرَف.
المالُ الحَرام
مساربُهُ،مصائبُ وأسقام.
سمُومُ البُخْل
لا نُبْل مع البُخل.
البخيل
يُسخّرُهُ سيّال حِرصِه
لانتزاعِ اللقمةِ من فيه
وتكديسِ الثروةِ لواريه.
يا جامعَ المال،
لمن تدّخرُ مالك؟
أنتظنُّ أنَّ أموالك متداوَلَةٌ
في سوق العالَم الآخَر؟!
مَن يبغي السعادة
في جَمْعِ الدراهم
فهو ساهِمٌ واهِم!
البخيلُ لا يستمتعُ بلذّةِ الغنى
ولا يتلذّذ مرارةَ الفقر!
باغي السعادةِ في تكديسِ المال
مقرورٌ يستمسكُ بجمرِ جهنّم للدِّفْء!
بخيلٌ من تقتيرِه يجوع
ظمآن أقام سدّاً
بينهُ وبين الينبوع!
شرُّ البخلاء
مَن استعطى
وهو في عِدادِ الأغنياء!
سُمُّّ البخيل؟
مالُه!
ليس مع الشحِّ غِنًى.
هَاويَةُ الأنانيَّة
الأنانيَّة
هي “الأنا”
متمركزةٌ في كلِّ “نِيَّة”.
الأنانيَّة
خسارةٌ نفسيَّة
وإن تملّكَتْ
كلَّ دُرَّةٍ ماسِيَّة!
الأنانيَّة سُقوطٌ
في هُوَّةِ الوُصوليَّة.
للأنانيَّة فَكَّان
على المصلحةِ العامَّة
يُطبقان.
المحبَّة،والقناعة،والعطاء،
والإِحسان،والتضحية،والفداء
كلماتٌ لا تدخلُ معجمَ الأنانيّ.
الأنانيّ
يُحبُّ ذاتَه الماديَّة،
ويكرهُ ذاتَه الروحيَّة،
لأنه يمنعُها
من معانقةِ الإِنسانيَّة.
الأَنانيّ
بأَنيابِ رأسِه
يفترسُ نفسَه بنفسِه!
الأنانيّ
لا يعرفُ لذَّةَ الجوع
زلا طعمَ الشَّبَع.
هوانُ الجَبَانَة
الجبانة
سريعةُ الخيانة؛
لأنَّ الجبان
في أصغرَيْه
يضعفُ الإِيمان،
وفي عينَيْه
تبهتُ الألْوان!
الشجاعةُ الجاهلةُ لمهمَّتِها وغايتها
سواءٌ والجبانة
من حيثُ النتيجة.
الجبان
يستقوي بغيره،
والشجاع
غيرُه يستقوي به.
الجبان
ليس جديراً
بأن يحيا في أَمان.
عجبتُ للمحكوم عليه بالأعمال الشاقّة
طوالَ عمره…
كيف يزدادُ تعلُّقاً بحياته،
ويخشى ساعةَ مماته!
نتانةُ الخِيانة
لا تأمَنَّنَ مَنْ خانكَ مرَّةً واحدة.
الخيانة
بدايةُ طريقها صداقة،
ونهايتُها عداوةٌ قتّالة.
الخيانة؟
أفعى تُسَمِّمُ حتى بناتِ جنسها!
الخائن
لا بُدَّ حائن في موقفِهِ الشائن.
التوبَةُ و النَّدم
في التوبةِ خلاص
إذا كانت صادقة،
وفيها القِصاص
إذا كانت مُنافقة.
التوبةُ النابعةُ من صميمِ القلب
لا تمحو الذنب،
وإنَّما تُنيرُ الدرب.
النَّدَم؟
محاولةٌ فاشلة
لترميمِ ما انهَدَم.
النَّدَم عجوزٌ شمطاء
عشقَتْ في فترةِ العُقْمِ والجفاء،
بعدما فاتَهَا الخِصْبُ والهناء!
الذنوب
لا تذوب
مع دموعِ الألم؛
إنَّها لطخاتُ دَم
لا تمحوها أنهارٌ من النَّدَم.
في النَّدَم وتأنيبِ الضمير
دليلٌ على وَعْيِك
ترابُطَ السببِ بالنتيجة
وتشابُك الماضي بالحاضِر والمستقبل.
واجهِ المصائب
بقلبٍ نادمٍ تائب.
الفصْل السَّادِس عَشر سَوْطُ النّاصِريّ وسَيفُ عليّ
التعصُّبُ الطائِفيّ
التعصُّبُ الطائفيّ
يَحولُ دونَ سماع
نشيدِ الكون الرُّوحيّ.
التعصُّبُ الطائفيّ
يُمَزِّقُ وحدةَ الدّين
إلى شِيَعٍ ومذاهب،
ويُحَوِّلُ خيرَ الدين
إلى شرٍّ وبيلِ العواقب.
التعصُّبُ الطائفيّ
كائنٌ كليلُ النَّظَر
يرى الجزءَ،
ويعمى عن الكلّ،
لضعفِ البصيرة
وراءَ البصر.
التعصُّبُ الطائفيّ
لأَصحابِهِ مُرهِق
ولدَمِ الأبرياءِ مُهرق!
متى نجوْتَ من هَيَجان التعصُّب الطائفيّ
بدأتَ في خوضِ لُجَّةِ الإيمانِ الساكنة.
المتعصّبُ الطائفيُّ تاجر
يُحاول جُهدَه
أن يُوسعَ هُوَّةَ الخِلَاف
بينَ الأديان،
لأَنَّهُ في توسيعِهِ الشِّقاق
يوسِعُ عليه أبوابَ الأرزاق.
القُبُورُ المكلَّسَة
للرسالاتِ السَّماويَّة
جوهرٌ روحانيٌّ حقانيٌّ واحد.
ورجالُ الدين يلهون،
وبِعَرَضِ الكلمةِ يتصادمون؛
يتنازعون على القُشارة،
علَّها تدرُّ عليهم الربح،
وتزفُّ البشارة؛
لكنَّهم،في الحقيقة
يهوون في أَفدحِ خسارة!
* * *
أيُّها العقلُ الثائرُ على رجال الدين،
ما أعظمَ مهمَّتك
في تحطيمِ الأصنامِ داخلَ النفوس،
والفتكِ بها
بضراوةِ الحربِ الضروس!
* * *
قد يكونُ صُداحُ بُلبُل
في مَسمعِ ربِّ الحياة
أَنقى وأسمى من صلاة
يرفعُها راهبٌ يدَّعي التبتُّل.
* * *
المُرائي في الدين
خنزيرُ قذارة
يدَّعي القداسةَ والطهارة.
* * *
رجالُ الدين
بلا دين!
* * *
حَذارِ أَثواباً سوداء رَعابيل
يختلقُ لابِسُها الأكاذيب
داعماً إيَّاها بآياتٍ
اقتبسَها من الأناجيل،
مُضيفاً التأويلَ إلى التعليل،
ليصلَ إلى غايةٍ في نفسِ إبليس
بطريقتَي الإحتيال والتضليل.
* * *
مُعظَمُ رجالِ الدين
كَذَبة،مَكَرَة، خَوَنَة…
والسُّخَفاءُ السُّذَّج
ينحنون أمامهم ليعترفوا لهم بذنوبهم،
ويُصدِّقون أقوالهم ليؤمنوا بهم،
فتأمَّلوا!وتعلَّموا!واعتبروا!
* * *
ليستِ العبرةُ في الجُثَثِ الضِّخام،
ولا في العمائمِ والقلانس
ولا في اللباسِ الفضفاض
أسودَ كان أم أحمر،
أبيضَ أم أخضر،
ولا في اللِّحى العِثْوَلِّيَّة…
العِبْرةُ في الإِدراكِ الصافي،
والإِيمانِ الصادق
والزهدِ الصحيح،
والروحانيَّة الحقّة.
* * *
الكنائِس،المساجد،وكلُّ الأَماكن المقدَّسة
حوَّلها رجالُ الدين
إلى متاجرَ نَجسَة
يُبَجّلونَ فيها الغنيَّ المحتالَ الشرِّير،
ويُحقّرونَ المؤمنَ الصالحَ الفقير.
* * *
الأديار
أَقفاصُ لُصوصيَّة،
قُضبانُها
كُهَّانُها
السُحَّار،
يُرونكَ الجحيمَ
جنَّةً فردوسيَّة!
* * *
لو استُشِرتُ…
لأَشرتُ بمحاكمةِ رجالِ الدين!
* * *
مَن اعترفَ بخطيئته إلى رجُل دين
اقترفَ خطيئة
لا يمحوها مرور السنين!
أضاليلُ وأباطيل
تُنَـزَّلُ الرسالاتُ الروحيَّة
لإِنقاذِ البشر
لكنَّهم ينأَون عنها
إلى شعبذاتِ السِّحْر،
وعبادةِ المالِ والشهوة
والسطوةِ والحَجَر!…
* * *
نهارُ الكُفرِ والإِلحاد
شمسُهُ كالحةُ السَّواد.
* * *
الإِيمانُ بواقعٍ سحريّ
تقهقرٌ بالإِنسان
إلى العصرِ الحَجَري!
* * *
ثُعبانُ الحاوي؟
تلميذُه!
* * *
الحجابُ والسُّفور
شِقّا الفجور
* * *
أكثرُ الطبِّ كالشعوذة،
وغايةُ الإثنين واحدة:
ابتزازُ الأموال.
* * *
التنويمُ المغنطيسي؟
خدعةٌ بشريَّة،
كذبةٌ علميَّة،
وإشاعةٌ عالميَّة!
* * *
التصوُّف؟
إيمانٌ واهمٌ متطرِّف
في تَيَهانِهِ يهرِف.
* * *
يتوهّمُ المتصوّف
أنَّهُ يتَّحِدُ بالله في تجلّياته!
وهذا من أَضلِّ شطحاته،
وأفدح سيئاته.
فلا يتَّحدُ بالله إلاَّ روحٌ بلغَ الكمال،
وتحرَّر من قُيودِ الزمان ومن رِبقةِ الصلصال،
وخضعتْ لهُ الملائكةُ والأكوان،
واتَّحدَتْ فيه الآبادُ والآزال.
الراعي والرعيَّة
وطنُكَ الحقيقيّ
حيثُ يكونُ قلبُك.
* * *
حُريَّةُ العقيدةِ والكلمة
في كلِّ وطن
هي بمنزلةِ الدَّمِ الحَيّ
في البَدَن.
* * *
الدولةُ التي تفتقرُ إلى الحريَّة والعدالة
لا بُدَّ من أنْ تُمزّقَها
أَنيابُ الفِتَنِ والجهالة.
* * *
الشعبُ الذي يتمزَّقُ شِيَعاً وأحزاباً
كلٌّ منها همُّهُ اغتصابُ حقوقه
وتحقيقُ أَهدافه
على حسابِ الوطنِ الواحد،
فلينتظرْ أن تغزوه ذئابٌ مُخيفة
تَعيثُ فَسَاداً بخِرافه!
* * *
إذا لم تتشبَّه الأُمّةُ بالأمومة
فتحضن أبناءَها كلَّهم
في وحدةٍ عائليَّةٍ،
فبشِّرْها بنهايةٍ مُفجعةٍ مذمومة.
* * *
الساسةُ الذين تستهويهم الحرب
إشباعاً لمطامعهم ومصالحهم
هم ذئابٌ وثعالب
تعيثُ فساداً في بستانِ الشعب.
* * *
جميعُ وجوهِ الساسة
مقنَّعةٌ في حضرةِ السياسة.
* * *
الشِّعارات
فقَّاعات
سُرعان ما تتلاشى.
* * *
ليتَ الحدودَ القومية والوطنيّة
تنتفي من الخريطة الأرضيَّة،
لتحلَّ مكانها الأُخُوّةُ الإِنسانيَّة الروحيَّة،
فيحيا العالّمُ مجتمعاً حضاريَّاً واحداً
مُسَبِّحاً رَبَّاً واحداً.
* * *
الحاكمُ الصالح
هو الذي يعي أَنَّهُ مرآةُ شعبه،
فيبدأ بإِصلاحِ ذاتِه،
قبل إِصلاحِ رعيَّته.
* * *
إذا اسْتَقَامَ السُّلطان،
تلاشى الظلمُ والطغيان،
وغَمرَ الشعبُ الأمان.
* * *
حُكْمُ الطغيان
حُكْمُ الشيطان.
* * *
الثوراتُ تُعَبَّأ
حسبَ نفوسِ أَصحابها،
إِمَّا للأَحسن
وإِمَّا للأَسوأ.
* * *
الثورةُ لحقَّة
تُبني بحجارة ما تهدمُه
منْ كلِّ بُنيان
تمثالاً حيَّاً
للكرامةِ والشَّهامة
داخلَ الإِنسان.
* * *
الوطنُ المستعبَد
الذي لا تستثيرُهُ حرّيَّةُ الأَوطان
ولا ينـزعُ أبناؤه
إلى انتزاعِ الإستقلال
ليس عجيباً أن يستحيلَ إلى خرائبَ وأطلال
فيها تنعقُ البومُ وتنعبُ الغربان.
* * *
كلّما اشتعلتْ ثورةٌ عاتية
قُلْ وَقودُها حاكمٌ طاغية.
* * *
الشعوبُ المظلومة
التي لكرامتِها لا تثور،
بَشِّرْها بأنَّها ستسقط
في هُوّةٍ لا قرارَ لها،
وتغور…
* * *
إِنَّ الثورةَ على الحاكمِ الظالم
مكرمةٌ تفوقُ كلَّ المكارم.
* * *
إذا حَنَثَ الحاكمُ بيمينه،
وعبثَ بدستورِ البلاد وقوانينها،
فليُجعَل وقوداً للثورةِ وأتّونِها.
* * *
إذا كان وطنُك
لا يصونُ كرامَتك وحُريَّتَك،
ولا يُقدّم لك حتى الأمن،
فكيف تُحبُّه
وإليهِ تَحنّ؟!
* * *
مَدُّ الحريَّة وجَزْرُ العبُوديَّـة
الحريَّة
كالأَشعّة النورانيَّة
لا تُؤسَر!
* * *
إنَّ حُريَّةَ العقيدةِ الدينيَّة
من أَهمِّ الحريَّاتِ وأَقدسِها،
لأنَّها تتعلَّقُ بجَوهرِ الإِنسان
وتوجيهِ سُلوكِه،
كما بأمَلِهِ وعزائه،
في هذه الحياة،
وفي الحياة الأخرى.
* * *
للنفسِ الحُرَّة
عينٌ نورانيَّة
تُراقبُ أعمالَها
على عددِ الثواني.
* * *
المَجرَّاتُ و النجوم
والكواكبُ والرجوم
كلُّها في فلكِ الحُريَّة تحوم.
* * *
الحريَّة
وعيُ النفس لخيرها،
وجهادُها للتملُّص
من رِبْقَةِ شرِّها.
* * *
الجوع
ولا الخُضوع
لسلاسلِ العُبوديَّة!
* * *
للحريَّة
أجنحةٌ عجائبيَّة
إذا طارَ بها الإِنسان
في سماءِ الفضائل،
قَوِيَتْ،
وحلَّقَتْ به إلى الرِّحابِ العلويَّة،
وإذا طارَ بها في فضاءِ الرذائل،
ذابت واضمحلَّتْ
كأجنحةِ إيكاروس،
وهبطَتْ به
إلى الدركاتِ الجحيميَّة.
* * *
كم منْ حُريَّةٍ
استعبَدَها “الأَحرار”
في هذا الكوكبِ الغدَّار!
* * *
بيْنَ الحُريَّة والعُبوديَّة
تُصلصِلُ سلاسل
وتَقطَعُ مقاصِل!
* * *
الحريَّة
كرياحين البَرِّيَّة
قد تُسيّجُها عواسجُ العُبوديَّة،
ولكنَّها لا تستطيعُ أنْ تمنَعَ
فَوَحانَ أشذائها.
* * *
إذا كانَ السِّرْب
يُقيِّدُ حُريَّةَ الطائر،
فسعيدٌ من يُفلتُ
من سِرْبهِ الآسِر!
* * *
السجون
تُساعدُ النفوسَ السامية
على التحليق
في سماءِ الحريَّة!
* * *
الحرُّ
الذي يستعبدُ غيره
عبدٌ يجرُّ بكلتا يديْه نِيرَه!
* * *
ماذا ينفعُ الإنسانَ
إذا حرَّرَ غيرَه،
وعُنقُهُ ما يزالُ خانعاً
تحتَ نِير أوهامِه
وميولِه وأهوائه؟!
* * *
قد يكونُ تعلُّقُنا
بالمُلكيَّةِ الفرديَّة
إيثاراً فينا للعبوديَّة
على الحريَّة.
* * *
عُبوديَّةٌ
في حياةٍ شريفة
أسمى من حريَّةٍ
تُدنّسُها الجرائمُ والمظالم.
* * *
رُبَّ سجينٍ
آثَرَ أسْرَ القُضبانِ الحديديَّة
على حُريَّةِ مجتمعٍ
يُذكِّرُهُ بشريعةِ الغاباتِ الوحشيَّة!
* * *
كم من مُتَسلِّطٍ
على الناس
هو عَبْدٌ
لسيَّالِهِ الخَنّاس.
* * *
جَدارَةُ الإِنسانِ بالحريَّة
لا تكتملُ إلاَّ بدِفاعِهِ
عن حُقوقِ المظلومين
مثل دفاعِهِ عن حقوقِه!
* * *
العبوديَّةُ النفسيَّة
فَحْمَة
لا تتحوَّلُ جَمْرة
ولا تستحيلُ دُرَّة.
الفصْلُ السابع عَشر ميزان أوزيريس
عَينُ العَـدَالةِ الإِلهيَّـة
العدالةُ شمسٌ روحيَّة
مُشرقةٌ أَبداً في دوائرِ السماوات؛
هي بعيدةٌ بعيدةٌ عنَّا،
وقريبةٌ قريبةٌ منَّا؛
لا نفقهُ منها غير اسمها،
وباسمِها نقترفُ المظالمَ والجرائِمَ والموبقات؛
لكنَّها بميزانِها المنتصبِ فوق أكتافنا
تَزِنُ كلَّ ذَرّةٍ من أَفكارِنا وأعمالِنا وأقوالِنا،
وعاجلاً أم آجلاً
تُحاسبُنا على كلِّ ارتعاشةٍ فينا.
* * *
مهما تعرَّجتْ أَنهارُ الحياة
في مساريها
فيدُ العدالةِ الإِلهيَّة
تشقُّ مجاريها.
* * *
مساكينٌ هُم البشر!
وراءَ المادَّةِ يلهثونَ ويتسارعون،
وإلى السَّفالةِ يتهرَّعون ويتسابقون،
والعدالةُ تسبقُهم بسيفها البتّار،
تشقُّ به الطريقَ إلى النار!
آهِ لو يدون!
* * *
كُلَّما اشرأَبَّتْ في رأسِكَ العَيَّان
علاماتُ التعجُّب والإستفهام
من جَرّاءِ ما يحدثُ في الأَنام،
فقُلْ: “وراءَ كلِّ الأحداث
قانونُ العدالة ونظامُ التقمُّصِ الإِلهيّان”.
* * *
لا تثأرْ لجِراحِكَ من عدُوّك،
فعينُ العدالَةِ الإِلهيَّة لهُ بالمرصاد،
ولنْ تحميَهُ منها معاقلُ ولا أَمجاد.
* * *
إِعلَمْ بأنَّ كلَّ كلمةٍ تفوهُ بها،
وكلَّ فكرٍ ينتابُك،
وكلَّ نيّةٍ تنويها،
وكلَّ رغبةٍ تُراودُك،
وكلَّ عملٍ تقومُ به…
تُسجَّلُ في عالَمِ الشَّهادات،
حتّى إِذا ما أَزفَّتِ الآزفة،
شهدتْ عليكَ هذه السجلاَّت
فكانَ الجزاءُ العادل.
* * *
المؤمنُ يُعاقَبُ ويُثاب،
وفقَ ما يُمليهِ عليه دينُه،
حسبما وضعَ الأَنبياءُ والهُداةُ قوانينَه.
* * *
لو علِمْتَ أنَّكَ بإرادتِك
أوصلتَ نفسَك إلى الحالةِ التي أَنتَ فيها،
لَمَا تذمَّرْتَ،زاعترضْتَ،
واحتججْتَ،و شَكَوْت.
* * *
كلُّ إِنسان
يحملُ في جبلته
قَدَرَه وقضاءَه،
وسيَّالاتُه المنبثَّة في خلاياه
تُعاقبُه أو تُكافئُه.
* * *
التفاوتُ في الحظوظ
استحقاقٌ موروث.
* * *
الحظُّ،الصُّدفةُ،النصيب…
أَلفاظٌ لمعنىً واحد:
استحقاقٌ مُصيب.
* * *
فُوهاتُ المدافع والبنادق
تُحملقُ في كلِّ ظالمٍ وفاسقٍ ومُنافق…
* * *
في الحُروبِ مَعْنَيان:
انتصابُ ميزان العدل،
وحينونةُ انطلاقِ السيَّالات
جماعاتٍ جماعات.
الأسْبَابُ و النتَائج
السَّبَبِيَّةُ الروحيُّة
ميزانُ العدالة الإِلهيَّة،
في كفَّةٍ منهُ توضعُ الأَسباب،
في كفَّةٍ أخرى
يوضعُ الثوابُ والعقاب.
ميزانُ الربّ
يزِنُ السيّالات بمُنتهى الأرَب،
ويتقاضى الثمنَ غِبَّ الطَّلَبْ،
وليس من الدفعِ أَيَّ هَرَب!
بميزانِ العدْلِ الإِلهيّ
يُقاضى البريءُ حقَّهُ من الظالم؛
وقانونُ العقابِ الروحيّ
هو الذي يقتصُّ من المظالم.
تسيرُ الحياةُ في جميعِ أدوارِها
بِمَسَارِ العَدْلِ الواحد؛
فإذا سحَّتِ المصائبُ عليكَ أمطارَها،
فلأَنَّكَ للحقِّ جاحد!
حتّى في ظلِّ “شريعة الغاب”،
تسري العدالةُ الإِلهيَّة؛
فلو لم يَكُنْ عظيماً جُرمُ الضحيَّة،
لَمَا تعاظمَ العقاب!
قُمصانُنا الترابيَّة
نسجَتْها أَيدي سيّالاتنا
على نَوْلِ استحقاقاتنا؛
ولذا جاءَتْ حُبلى بالمنغّصات والعذاب،
لأَنَّ الشقاءَ هو وليدُ مَن يتزوَّجُ التراب.
لأنَّنا اقترفنا الموبقات،
حَكَمتْ علينا العدالةُ الإلهيَّة
بالسَّجْنِ في أجسادنا الترابيَّة،
على أرضِ العذابات
فوُجودُنا في هذه الدنيا
عقابٌ لنا على ما قدَّمتْ أيدينا،
وما أثمرتْ أفكارُنا،
وما أنتجتْ أعمالُنا،
في ماضياتِ التقمُّصات!
وجودُنا نتيجةُ سَبَب
لا يعلمُهُ إلّا الديَّان؛
والسَّبَبُ والنتيجة
كالليلِ والنهار
علينا يتعاقبان!
لو تداركَ الإنسانُ نفسَه
بتهذيبها وإصلاحِها في الشَّباب،
لأبعدَ عنهُ،في باقي عُمرِه،
كثيراً من المصائبِ والعذاب.
على الإنسانِ أن يترصَّدَ بحكمتِه
نزعاتِ سيّالاتِه
حتّى لا تتعقَّبَه المصائب
وتترصَّدَهُ النوائب،
في سلسلةِ تقمُّصاتِه.
كم من شَجَن
مصدرُهُ البَدَن!
إذا انتابَكَ شعورٌ
بالغبطةِ الروحيَّة
فاعلَمْ أَنَّ سيّالكَ الأرقى
يُرفرفُ حواليك؛
وإذا ساورتْكَ
الوساوسُ والهواجس،
فيتيقَّنْ بأَنَّ شيطانك
يُوسوسُ إليك!
إستحقاقُ إنسانِ القرنِ العشرين:
جُنونٌ و خَلَََل،
أمراضٌ وعِلَل،
طوائفُ ومِلَل!
أبناءُ الأرضِ الأشرار
زرعوا الفسادَ في كلِّ مكان،
فحصدوا الزلزالَ والطوفانَ والبركان،
والمرضَ والجَدْبَ والحربَ والإِعصار!
مَثَلُ الدول التي ما تزالُ تُطوِّرُ اختراعاتِها
لمزيدٍ من الفناء
مَثَلُ المجنون
الذي يلهو بأَلاعيبِ النار
لتُصيبَهُ بالبلاء!
يقولون: قد اخترعوا القنابلَ الذرِّيَّة.
وأقول:قد اكتشفوا أسرَع وسيلةٍ
لإِبادةِ البشريَّة!
الأمراضُ السارية
عُقوباتٌ جارية.
كلُّ نَصَّاب
بمُصيبةٍ سيُصاب.
كلُّ رامٍ
سيرتدُّ رِمْيتَه،
وكلُّ ظالمٍ
سيجعلُ من نفسِه ضحيَّتَه.
الشَّهواتُ والمطامعُ والرغائب
تلِدُ الآلام والمصاعبَ والمتاعب.
عِشرةُ ذوي السُّوء
تجعلُكَ بقِطافِ السَّفالة
ترزح وتنوء.
رغباتُك وشهواتُك كالنّار،
وإرادتُكَ كالريح،
قد تزيد الأجيجَ حدّةَ استِعار،
أو قد تدفعُ السحاب،
فيُطفئُ الحريقَ بسيلٍ مِدْرار.
لِيَكُنْ موقفُكَ من قضايا الحياة
مُشَرِّفاً ومدروساً،
لئلاّ ينقلبَ عليك كابوساً،
وتُصبحَ للناسِ عِبرةً
ومُضغةً في الأفواه!
الإِنسانُ لا يُعاقَبُ فقط،
بعد الموت،
على أعمالِه النكراء.
ففي الأفكارِ السوداء
لهيبٌ يُحرِق!
وفي الفجائعِ والوجائع
عِبْءٌ يسحق!
مصيرُكَ في الآخرة؟
نتيجةُ امتحانِك في الدنيا.
مهما امتدَّ الزمان،
فلا بُدَّ للبيعِ والربحِ الحرام
من أن تعقبَه خسارة
ليستقيمَ الميزان.
كَسْبُ الحرام
مصيرُهُ الرّّغام.
لا يَعجبَنَّ الغنيُّ الذي يُكدِّسُ بالظلمِ أرباحَه،
وجارُهُ لا يعثرُ على ما يتبلَّغُ به،
إِنْ دَهَمَتْهُ مصيبةٌ عمياء
عَكَسَتْ رياحَه،
فتسرَّبَتْ إلى غيرِهِ أموالُه،
وتغيّرتْ أحوالُه
من نعيمٍ إلى شقاء!
الدنانير
عشيقةُ الأمير والحقير،
مَن تزوَّجَها بالحَرام
وَلَدَتْ لهُ الظلمَ والعُهرِ والشرَّ المستطير!
عندَ وُقوعِ الفجائع والوجائع،
يُرَدِّدُ الأنام:
“هكذا يُريدُ الله أبناءِ الرُّغام”.
لا،فالعِزَّةُ الإِلهيَّة
لا يصدرُ عنها ظلمٌ أو أذِيَّة،
ولا يحصدُ أبناءُ التراب
إلاَّ ما زرعوهُ في سالفِ الأَحقاب!
سبحانَ الله!
أوجَدَ سيّالاتِنا كالنورِ نقيَّة؛
لكنَّ أَعمالَنا الدنيَّة
هَبَطَتْ بنا إلى الدركاتِ السفليَّة.
كلَّما تقدّمتِ الأرضُ بأبنائِها نحو الخير،
مُدِّدَ عُمرُهَا الزّمنيَّ!
رُبَّ امرئٍ مُدِّدَ عمرُه،
بُغيةَ إفساحِ فرصةٍ لارتقائه.
ورُبَّ امرئٍ قُصِّرَتْ حياتُه،
كي لا تُؤدِّي إلى انحطاطه.
الفصْل الثامِن عَشر على ذُرَى البَارنَاس
سَيَّال الجمَال
لَمَحَاتُ الجمال
نُسالاتٌ هابطةٌ
من أجنحةِ الملائك.
إذا اخترقتْ عينُكَ جدارَ الجسد،
فرأت وراءَه وجهَ الجمال،
فأنتَ أمامَ مرآةٍ تعكسُ من الأبَد
ظلاًّ لوجهِ الكمال.
إذا لم تخشع في حُرمة الجمال
لربِّ الكمال،
فعينُكَ تُبصرُ الحرامَ لا الحلال.
الحقُّ والجمال
إذا تكاملا في النفس
نَفَضا عنها تُربةَ الرَّمْس.
الجمالُ الحقّ
مرتعُهُ عالَمُ الأرواح!
فطوبى لمن يستطيعُ أن يسموَ بالخيال
إلى عالَم ذيّاكَ الجمال!
الجمالُ طائرٌ لهُ عينان
يُبصرُ بهما نماذجَ من الجِنان،
وجناحان
يطوي بهما الأَزمان!
في الجمالِ ملمحان
من الحُبِّ والإِيمان.
الجمالُ لا يُحَدُّ ولا يُحصَر،
في حضرتِهِ ترتاحُ العين،
والقلبُ يسكر!
إذا رَهُفَتْ مشاعرُ النفس
في حضرةِ الجمال،
فقد اجتذَبها
وشالَ بِها
جناحُ سيّال.
الجمالُ يُبَصِّّرُنا
بذُرَيْراتِه النورانيَّة،
وينتشلُنا لحظاتٍ
من القبائحِ الأرضيَّة.
إذا عانقَ الجمالُ الجمال
وَلَدا فتنةً صارخة!
تَمَلّوا لوحةً عجيبةً
مرسومةً على الأُفق
بريشةِ السَّحاب
وأَلوانِ الشَّفَق
تخشعوا لمُبدعِ الجمالِ الحقّ.
تملّي الجمال
يصقلُ النفسَ الجميلة.
الجمالُ لغزٌ
قد تحلُّه المشاعرُ وحَدْسُ النفس
قبل أَن يستوعبَهُ العقل.
الجمالُ قد يكونُ ملاكاً
يُنقذُكَ من طريقِ الضلال،
ويَهديكَ إلى كلِّ حلال،
أو شيطاناً
متمثّلاً بتُفاحةٍ شهيّةٍ حمراء
يطرُدُكَ من الجنّة
مثلما طُرِدَتْ حوّاء.
إذا اقترنَ الجمالُ بالقباحة
زادتْهُ حسناً،
وزادَها بشاعة!
الجمال
منبعُ الفنون وسِرُّها.
الجمالُ يتصفَّى
في العينِ الموهوبة
ليستولدَ الروائعَ الخالدة.
جمالُ الطبيعة
طبيبٌ للعينِ الوجيعة.
الجمالُ في الطبيعةِ والأجسام
تنوُّعٌ في انسجام.
الجمالُ في الطبيعة
صورةٌ للوحةٍ فنيَّة
مُتْحَفُها في السماء.
الجمالُ في الطبيعة
بَرَكَةُ الله فيها.
مظاهرُ الطبيعةِ البديعة
صُوَرٌ باهتةٌ
لوُجوهِ الجمالِ في الفراديس.
مفاتنُ الطبيعة
أعذبُ أُغنية
في مسمعِ النفسِ الوديعة.
عَبيرُ المَوَاِهْب
الموهبةُ سيّالٌ راقٍ يُمَيِّزُ صاحبَه
مثلما التغريدُ يُميِّزُ الكناريّ،
ومثلما العِطْرُ يُمَيِّزُ الوردَ الجوريّ!
الموهبةُ تكمنُ في النفس
كفَغْمةِ الطّيبِ في أكمامِ الزهر،
ما إنْ تتفتّحُ أوراقُها،
حتى تتفاوَحَ بالعطر!
الموهبة؟
شجرة في بذرة.
المواهبُ نيازك
في ليلِ الجهلِ الحالك.
إذَا مَنَحَكِ اللهُ موهبة،
فلا تَزهَيْ زَهْوَ الطاووس؛
بل كوني كالحيَّةِ الحكيمةِ المحتجبة،
ودعي الناسَ يُرنّحونَ بكِ الكؤوس!
المواهبُ كمناجم الماس
لا تتصفّى وتتنقّى
إلاّ بالتهذيبِ والصقلِ والمِراس.
مَثَلُ الموهوب
الذي لا يُستَفَادُ من مواهبه
مَثَلُ الشجرة
التي لا تُطعِمُ جائعاً
ولا تُظَلِّلُ عابراً.
موهبةٌ بلا ثمار
بُقعةٌ معشوشبة
تنتظرُ اليباس
فالإنحلالَ إلى غُبار.
مثلما التربةُ لا تُبدعُ البذرة
هكذا البيئة لا تُبدعُ الموهبة.
رُبَّ موهوبٍ
اقترنَ بموهوبة
فأَبدعا من الروائع
كلَّ أُعجوبة!
جَناحا العبقريَّة والإلهَام
العبقريّة
بُرجٌ لا مصعدَ لهُ.
العبقريَّة
تُولَدُ من غيرِ مخاض.
العبقريّاتُ الجريئة
براكينُ مُضيئة.
تشتدُّ العبقريّةُ سُطوعاً
كلَّما اشتدَّ حولها الظلام.
أن تُلهَم
معناهُ أن تفهَم
بأنَّك بنعمةِ ربّكَ تَنعَم.
إذا كُنتَ أَديباً أو فناناً
حظيَ بالإِلهام،
فذلك إِعلام
بأَنَّك مختارٌ من بين الأَنام.
إذا لم يهبطْ إليكَ سيّال
من عالَم الفنِّ والجمال،
فلن تُبدِعَ شيئاً رائعاً،
مهما قرأتَ،وجهدتَ،
وأعملتَ الخيال.
الإِلهام
سيّالاتُ الموهوبين الروحيَّة
تمتدُّ إليهم من كواكبَ عُلويَّة
لتمدَّهم بكلِّ رائع من الحقائق والأحلام.
الفصْل التّاسع عَشر في رِحابِ أبُولو
أغاريدُ الشعَراء
إذا أردتَ أَن تكونَ الشاعريَّة
لسانَ روحِك،
فاجعلْ يراعتَكَ ريشةً نورانيَّة،
ومِدادَكَ عصيرَ جروحِك.
الشاعرُ موسيقار
قيثارتُهُ قلبُه،
وأوتارُها عواطفُه.
إذا رأيتَ الشعراءَ كالكواكب
فشعرُهُم هالاتٌ حولهم.
الألمُ، والحرمانُ،والشعورُ بالإغتراب
تَصقُلُ أفكارَ الشاعر،
وتُرهِفُ أحاسِيسَه،
وتُلهِبُ خيالَه.
في بيتِ الشِّعر
أثاثُ بيتِ الشاعر!
الشاعر ؟حائك
ينسِجُ خيوطَ الحُبِّ أثواباً،
سداها الألَم ولُحمتُها الأمَل!
الشاعر؟صائغ،
يصوغ نجومَ السماءِ حُلىً
للحسناءِ التي أحَبّ!
الشاعر؟إنسان
أهلُهُ وأقرباؤه الطبيعة
وما فيها من ماءٍ،وزَهر،وروضٍ،
وطير…
الشاعر؟عاشق،
إن تأمَّلَ بكى،
وإن أحبَّ شكا،
وإن تعِبَ اتّخَذَ النجومَ مُتَّكاً.
إبداعُ الأدب
الأدبُ نوعٌ من الخَلْق.
فإِذا أردتَ أَنْ تعرفَ
كيف “خلَقَ اللهُ الإِنسانِ المُبْدِع
سواءٌ بقلمِهِ أو نغمِهِ أو إزميلِهِ أو ريشتِه!
* * *
الأدبُ أكثرُ الفنون إِفادةً:
فهو يُرهِفُ الحِسّ،
ويُلهبُ الحَدْس،
ويُثقِّفُ النفس،
ويبعثُ الحياةَ في الماضي،
ويستشرفُ المستقبل،
ويُبدعُ عوالمَ ولا أجمل!
فطوبى لأديبٍ
يشقُّ قلمُهُ للأجيال
طريقَ حَقٍّ وخيرٍ وجمال!
* * *
سيَّالُ الأَدبِ موهبةٌ عُظمى
تشحذُ في الأديبِ قوى النفس،
وتُطلقُ فيه قُدرةَ الحَدْس
فينفذُ من صَدَفةِ الحياة إلى الجوهر
حيثُ الكائناتُ جميعُها
تتفاعَل وتتواصَل!
* * *
الأديبُ الحَقّ
نبيُّ العواطفِ والمشاعرِ والرُّؤَى،
رسالتُهُ المحبَّةُ والسَّلامُ والجمال.
* * *
الصدقُ في الأَدَب
قلبٌ يخفقُ في صدرِه،
فإنْ توقَّفَتْ نبضاتُهُ،
أُلحِدَ في قبره!
سِحرُ الموسيقى
الموسيقى الساحرة
أَشعّةٌ خَفِيَّة
تستهوي القُلوبَ الرهيفةَ النقيَّة.
* * *
الموسيقى الرائعة
لُغَةُ أهلِ النعيم،
لا يُتقنُها إِلاَّ منْ سَكَنَ الفراديس،
ثم بارَحَها وحَنَّ إليها!
* * *
الموسيقى التي تُدغدِغُ الأحاسيس،
وتُنقّي العواطف،
وتسمو بالأفكار،
إنّما هي خمرةٌ فردوسيَّة
تعُبُّها النفوس
بلا كؤوس!
* * *
الموسيقى الرائعة
تنسكبُ في الأذنِ الرهيفة
بلا إذْن،
فتفعلُ في صاحبِها
ما تفعله العجائب
في القلبِ التائب!
* * *
للموسيقى العبقرية
أَجنحةٌ خفيَّة
تُحلّقُ بالنفوسِ الراقية
من السماءِ اللازَورديَّة
إلى العوالمِ الروحيَّة.
* * *
الموسيقى الساحرة
تتجاوزُ أسماعَنا
لتتموَّجَ في طبقاتِ الأثير،
مُصَعِّدةً إلى عوالم أرقى.
* * *
الموسيقى رقصةُ أَنوار
تلتقطُها مسامعُ الأزهار والأطيار.
* * *
الموسيقى الجميلةُ الخالدة
أَصداءُ صدحاتِ المحبَّة،
تهمسُ باستمرار
في آذانِ البشريَّة
أنَّها أُسرةٌ واحدة.
* * *
تأثيرُ الموسيقى
عظيمٌ في تهذيبِ النفس،
وفِعْلُها عجيب في إرهافِ الحسّ.
فقد تُلطِّفُ من حدَّةِ غضبك،
وتُهدِّئُ من شراسةِ طباعك،
وتستولي،كسلطانِ النعاس،
على كيانك!
* * *
تأثيرُ الموسيقى
أقوى من تأثير المُخَدِّر؛
فقد تنقلُكَ في لحظات
من وَعْيِكَ إلى لا وَعْيِك!
* * *
رُبَّ نغمةٍ تُطرِبُك
تبني لك قصرَ سعادة في مُخَيِّلتك،
ومن ضجيجِ الدنيا الثرثار تُنقذُك.
* * *
قد تستثيرُ الموسيقى
ذاكرتَنا المخدَّرة،
فينقدحُ فيها شرارُ الحقائق.
* * *
قد تنشلُ الموسيقى الإِنسان
من كثافةِ آلامِه،
لتُحيلَهُ سيَّالاً شَفَّافاً
يذوبُ غبطةً في أحلامِه.
* * *
رُبَّ موسيقى هادئةٍ سامية
تُصعِّدُ بكَ إلى نبعِ الحياة
أفضلُ من أيِّ صلاة!
* * *
الموسيقى لغة
يفهمُها الأغنياءُ والفقراء،
والحزانى والسُّعَداء،
والبُكمُ والفُصَحاء،
من كلِّ الأجناس واللغات على السواء.
* * *
كما انسجامُ الألوان
وقُدرةُ الخَلْقِ والحيويَّة
يُنبئان عن مقدارِ الإبداع
في اللوحة الفنيَّة،
هكذا التناغمُ والإِنسجام
وبَعْثُ الحياة في الألحان
تكشفُ عن مدى العبقريَّةِ الموسيقيَّة.
* * *
سمفونيَّةُ الألحان
كوثرٌ تعبُّهُ الآذان.
* * *
مَنْ يدري؟
رُبَّما تتجمَّعُ أَنغامُ العباقرة
في نَفَقٍ نورانيّ غيرِ منظور،
ومنهُ تنطلقُ إلى عوالم الخلود!
* * *
الآلاتُ الموسيقيَّة
التي تتصاعدُ منها الأنغام
هي بمنـزلة القراطيس والأقلام
للروائعِ الأدبيَّة.
* * *
للفنَّانين الموسيقيّين أَوتارٌ نورانيَّة
مشدودةٌ إلى فراديس الفنِّ والحُبِّ والجمال.
روَائعُ الفنُون
الإبداعُ في الفُنون
لا تطالُهُ يَدُ المنون!
* * *
عباقرةُ الفنون الجميلة
وحدَهم يجعلون الأرض كلَّها
كخميلة!
* * *
كالجنين ينمو في رَحِمِ المرأة
هكذا الروائعُ الأدبيَّة والفنيَّة
تنمو في رَحِمِ العبقريَّة!
* * *
كُلَّما تعمَّقتْ جذورُ الآلامِ والشُّجون
في نفُوسِ الأدَباءِ والفنَّانين،
امتدَّت سيَّالاتُهم
دواليَ مُثْقَلةً بأشهى العناقيد.
* * *
كُلَّما استمالَكَ الفنُّ الجميل
ازدَدْتَ حنيناً
إلى عالَمِه السامي الأصيل.
* * *
إذا أَحببتَ
تمثالاً أو رسماً فنيَّاً حبَّاً كبيراً،
حدَثَ بين سيَّالك وسيَّالِه
تفاعلٌ وارتباط.
* * *
بعد أن تندثرَ الدُّوَل،
وتنهارَ عروشُ السياسيّين،
يبقى ما أبدَعَتْهُ
ريشاتُ الرسَّامين،
وأزاميلُ النحَّاتين
وأوتارُ الموسيقيّين،
والكلمةُ الجميلةُ البِكرُ التي ابتكرتْها
قرائحُ الأُدباءِ المُلْهَمين،
لأنَّها جميعاً امتداداتٌ لسيَّالاتهم الخالدة!
* * *
النفسُ الجميلة
تتملّى اللوحاتِ الفنيَّة،
فتقرأُها قصائدَ وملاحِم،
وتسمعُها سمفونيَّات حيَّة!
* * *
الألوانُ في الرسوم
أحرفُ أبجديّتِها؛
فالموهوبُ يُمكنُ أن يُوَلِّدَ منها
آياتٍ فنيَّة.
* * *
المتاحف؟
معابدُ الجمال!
* * *
لو لم تعشق النفوسُ الجميلة
ما أبدعتْهُ النفوسُ الجميلة
لَمَا كانتِ المتاحف!
* * *
التمثال؟
حجرٌ تغلغلَ فيه
من الفنَّانِ سيَّال،
فارتعشَ بالجمال!
الفصْلُ العشرُون أصْدَاء سُليمَان الحكيم
وجُوهُ الحيَاة
مهما حاولَ الخيالُ البشريّ
أَن يُصعِّدَ في رِحاب الأكوان،
فإنَّهُ يبقى طفلاً
يحبو على أرضٍ مُسَيَّجٍة بصفيقِ الجدران!
* * *
مَنْ يدري؟
رُبَّما تقومُ في أطباقِ الثَّرى
عوالمُ لا ترى
تبزُّ مداركُها مداركَ الورى!
* * *
تنبضُ الحياةُ
في كلِّ كوكبٍ ونجم
كما القلبُ
ينبضُ في كلِّ جسم!
ولكن أين العين التي ترى؟!
* * *
النجومُ تغزلُ خيوطَ الأنوار،
وتُلبسُها الكواكب.
والكواكبُ تَهبُ كائناتِها
نسيجَ طاقاتِها.
أمَّا الكائنات
فتُعيدُ، عندَ الممات،
ما أَخذتْ من أُمَّهاتِها.
* * *
مَنْ قالَ إِنَّ الفضاء
مجرَّدُ خلاء،
تبرّأَ منهُ الذكاء.
* * *
العَدَم؟
حياةٌ لم تولَدْ بعد!
* * *
الجمُود؟
حركةٌ صامتة.
* * *
الجماد؟
حياةٌ خافتة.
السُّكوتُ الذهبيّ
السكوتُ درعٌ
يقي الإِنسان
من أخطاءِ اللسان.
* * *
صامتٌ
يتأمَّلُ في السَّكينة
مَلاّحٌ
يُبحرُ في سفينةِ الطمأنينة.
* * *
الصمتُ الذي يلدُهُ الحِلْم
لا يُتَعلَّم،
فهو حكمةٌ تُلهَم!
* * *
الطبيعةُ الصامتة
تتحاورُ بأَلفِ لسان؛
فلا يُدرِكُ سَرَّها
إِلاَّ مَنْ وُهِبَ حكمةَ سُليمان.
* * *
أُعيرُ الحكيمَ الصامت
أُذْنَ إِصغاء،
وأُعيرُ المدَّعي الثرثار
أُذْناً صمّاء.
* * *
شتّانَ ما بين إِصغاءٍ أَريب
يُزوِّدُكَ بالنفثاتِ الحكيمة
و إِنصاتٍ جَديب
يسلبُ من وقتِكَ القيمة!
* * *
لا خيرَ في سكوتٍ لا معنى له.
* * *
الساكتُ عن الحقِّ المعلوم
مُجرمٌ ظَلومّ!
* * *
من بينِ جُحْرِ الشَّفتَين
تبرزُ الأفاعي والثَّعابين،
وتستثيرُ الأصغَرَيْن.
* * *
الصامتُ اثنان:
أَريبٌ أَو جبان.
الكلامُ الفضيّ
مَنْ بالكلماتِ المعسولاتِ يَجود
يُذلِّلُ كلَّ عقبةٍ كؤود.
* * *
كما تفعلُ الخمورُ في الرؤوس،
هكذا الكلمةُ الحُلوة
تفعلُ في النفوس.
* * *
الكلمةُ الحلوة
قد تُفتِّتُ بليونتها
صخرَ المصائب،
وتُذلِّلُ عقباتِ المتاعب والمصاعب!
* * *
لسانُ الصادق
مُهَنَّدٌ صاعق.
* * *
تكلَّمْ قليلاً وأَصغِ مَلِياً،
كأنَّك تدفعُ ثمنَ كلِّ كلمةٍ غالياً!
* * *
ما أَجملَ أَنْ يغدوَ العقلُ
صيَّاداً ماهراً
يُصَوِّبُ سهمَ الكلمة
إلى الهدفِ المنشود،
قبل أَنْ يُطلقَها قوسُ اللسان
بطريقةٍ عشوائيَّة.
* * *
لتكُنْ كلَّ كلمةٍ تتفوّهُ بها
تجسيداً لفِكْرٍ
وانتظاراً لحساب.
* * *
تروَّ…
فإِنَّ كلَّ ما يقذفُه لسانُك
تُقذَف به.
* * *
اللسانُ كاللَهَب؛
إنْ لم تعرفْ كيف تُطفئُه
ساعةَ الغضب،
أحرقَك!
* * *
إِكبَحْ لسانَك
إِذا كانَ سليطاً على الأَنام،
فالجُرحُ النفسيُّ بطيءُ الإلتئام.
* * *
لو كانَ لسانُكَ كقلبِك
يتحدَّثُ في داخلك،
لاتَّقَيْتَ سقَطاتِهِ وزلاَّتِه،
وأَفلَتَّ من فَلَتاتِه!
* * *
راحةُ البال
في أَنْ تُطبقَ شفَتيْكَ كثيراً،
وتُحرِّكَهُما قليلاً،
في مختلفِ المناسباتِ والأحوال.
* * *
كُلَّما طالَ اندفاقُ الكلام،
تكاثرتْ في مجراه
حواجزُ الأخطاء!
* * *
كَم من كلمةٍ
عَلَّقتْ مشْنَقة!
وكَمْ من كلمةٍ
أطلقتْ سجيناً
من قُضبانِ السلطة!
* * *
إِذا أردتَ أَن تزِنَ
قيمةَ لسانِك
فراقبْ قاذفاتِه
ساعةَ احتدامِ جَنانِك.
* * *
كلامُ الثرثار
ماءٌ آسِنٌ أَجَاج
لا يصلحُ لريِّ ظمأ
ولا لسَقْيِ زَرْع.
* * *
مَنْ يدري؟ ربَّما يكون للأخرس ثرثرةٌ
لا تسمعُها إلاَّ الأذنُ الرهيفة!
* * *
الأسئلةُ الذكيَّة
استدراجٌ للأجوبِة الخفيَّة.
* * *
معظمُ المحاورات مُناورات!
* * *
الكلامُ المكرَّرُ الكثير
نتيجةٌ للجفافِ في التفكير.
* * *
كم من كلمةٍ تلفُظُها الشِّفاه
لتضيعَ في الأَتياه!
* * *
كلُّ كلمةٍ باطلة
تنضحُ بما في النفس السافلة.
كتمانُ السِّرّ
لا تَثِقْ حتى بصَمَمِ الآذان،
ولا تُبْدِ سرَّكَ لإِنسان
لأنَّهُ يجهلُ معنى”الكتمان”
* * *
إِذا أَفشَيْتَ سرَّك،
وقصدُكَ أنْ ترتاح
فإِنَّما تخدعُ نفسَك،
وتستعجلُ المتاعبَ والأتراح!
* * *
أُكتُمْ سرَّك
في أَعماقِ صدرك
وأوصِدْ عليهِ بابَ النسيان،
واجعَلْهُ يزدادُ غَوْراً،
كُلَّما تقدَّمَ عمرُك،
وينأى عن فَلَتاتِ اللسان.
* * *
إذا بحثْتَ عن مكانٍ آمِنٍ لأسرارك،
فلا تودِعْها خزانةَ صديقكَ أو جارِك،
بل صُنْها في صِوانِ قلبِك،
في ليلك و نهارِك.
شبَكةُ الصَّدَاقة
صداقةُ السيَّال للسيَّال
ارتباطٌ روحيٌّ
لأجيالٍ وأجيال.
* * *
الصداقةُ يُنبوعٌ عَذب
يروي جنَّةً آهلةً بالأزاهير،
والمآربُ الشخصيَّة
كمجاري القواذير،
إذا دخلتْها،
أفسَدَتْها.
* * *
الصداقةُ على كوكبِ الأرض
مُبادلةٌ ومُقايَضة،
إِعارةٌ واستعارة.
* * *
الصداقةُ بين البشر
كالدودةِ بين الزرع
تتمطّى وتنقبض.
* * *
الصداقةُ في هذا العالَم الطالح
امتدادٌ للمصالح.
* * *
نَسْلُ آدم وحوَّاء
مفطورٌ على الرياءِ والبغضاء،
فلا تَثِقْ بأيِّ صديقٍ ثقةً عمياء،
لأنَّكَ لا تدري متى ينقلبُ الودُّ إلى عداء!
العِشرةُ والوحْدة
التقتيرُ في عشرةِ الناسِ غِنىً.
* * *
العشرةُ هجير
رَمَضُهُ سافح،
ولهيبُهُ لافح،
ولقد ابتَرَد
مَنِ انفَرَد.
* * *
مَثَلُ الإِنسان مع أَقربائه
مَثَلُ المركبِ مع مياهِ البحر،
في خارجه تُعينُهُ على مَخْرِ العُباب،
وفي داخلِهِ تُودي به إلى التَّباب!
* * *
إِذا شرَّعتَ أبوابَك
للأصدقاءِ والأَنسباء،
فارتقِبْ أن تهبَّ عليكَ ريحٌ كالوباء!
* * *
لا يخلِدُ إلى راحةِ البال
مَنْ يهتمُّ بالقيلِ والقال.
* * *
تجنَّبْ مَنْ يُوافقُكَ
في كلِّ أمرٍ كبيرٍ وصغير.
* * *
إتَّخذِ العزلةَ من وقتٍ لآخر
وسادةً تستريحُ عليها
للراحةِ والتأمُّل.
وَردَةُ الخجَـل
الخَجَل
جمالٌ قُرمُزِيّ
يسترعي البصيرة؛
والوقاحة
قُبحٌ زعفرانيّ
عينُه البلقاءُ ضريرة!
* * *
الخَجَل
ظلُّهُ كظلِّ الحُبّ
دافئ.
* * *
الحَياء
صدقٌ صامت.
* * *
قد يكون الخَجَل
عند الرجل
أَقصرَ طريقٍ إلى الفَشَل.
* * *
الخَجَل
توهُّجُ الضمير
على الخدَّين.
* * *
الحياء على وجوه النساء
غِلالةُ النقاء.
* * *
إِذا خجلتَ
من عملِكَ المُنْكَر،
خجلَ منكَ الشرّ!
* * *
إِذا نَضبَ ماءُ الوجه،
طافت الوقاحة
بمئةِ وجهٍ ووجه!
الضحكُ والفَرح
الضحكُ العفويّ
أنجعُ دواء
للجسمِ البشريّ.
* * *
كما هناك بُكاءُ فرح
فهناك ضحكاتُ حزنٍ وتَرَح!
* * *
بوسعِكَ أَنْ تجعلَ كلَّ إنسانٍ يُحبُّك،
شرطَ أَنْ تُصفّي قلبَك،
وتُحلّي بالإبتسامةِ ثغرَك.
* * *
إِيَّاك والإِغراق في الضحكِ والمزاج
أمام أصدقائك ومعارفك،
فإنَّهما يَهتكان حُرمةَ شخصيَّتِك،
وقد يقلبان أفراحَك إلى أتراح.
* * *
طلاقةُ الوجه
مجلبةٌ للراحة.
* * *
كثيرون من الناس
لا يُطيقون أن يروا ملامح الفَرَح
على وجوهِ الآخرين،
ويسرُّهم
أن يروا كلَّ وجهٍ حزين!
* * *
راحةُ البال
بساطُ الفرحِ المخضوضِر.
* * *
النفسُ الراقية تفرح
بإزالةِ التَّرَح
من قلوبِ التعساء
وغَمْرِها بأَشعّةِ المحبَّةِ السَّمحاء.
الغِنى والفقر
ما أنفعَ المال
إِذا اتُّخِذَ وسيلةً لغاياتٍ خمس:
إِبعادِ عَوَزٍ عنك،
قضاءِ حاجةٍ لكَ ماسَّة،
ترقيةِ نفسك،
مساعدةِ المساكين،
وتعزيزِ الخيرِ والحقِّ والجمالِ في محيطك.
* * *
قد يُحرَمُ العُقَلاء
ويُغرَقُ الجُهَلاءُ بالثَّراء.
لكنَّ إلهَ العدالة
يُوَزّعُ بإنصاف
على بني الحكمة
وبني الجهالة!
* * *
الفقيرُ والغنيّ
كلاهما سيحتاج في نهاية المطاف
إلى حُفرةٍ تضمُّ جُثَّتَه!
فما بالُ الغنيّ
يُكدّسُ ثروتَه،
بينما أَخوهُ المسكين
لا يعثرُ على ما تتبلّغُ به معِدَتُه؟!
* * *
قد يُعاقَبُ الغنيُّ
بعبْءِ مالِه،
ويُثَابُ الفقيرُ
براحةِ بالِه!
* * *
الغنيُّ
عبدٌ في خَزْنِه للمال،
وحُرٌّ في إِنفاقه.
* * *
البَطَر؟
طريقٌ خَطِر.
* * *
القِلَّة؟
أَعضَلُ عِلَّة.
* * *
أَوشَكَ الفقرُ
أنْ يكونَ جريمة!
* * *
في نظر الجائع
تستوي البدائع والشنائع!
* * *
فقيرٌ كريم
خيرٌ من غنيٍّ بخيل.
* * *
قد يختصرُ الفقيرُ
طريقَهُ إلى النعيم،
إذا لم يكُن ذا طبعٍ لئيم!
* * *
لا تعرفُ نفسيَّةَ الفقير
إلاَّ إِذا أصابَ حظَّاً من الدنانير.
ترسُ أيُّوب
الصبرُ ميناء
تخفُّ إليه زوارقُ النَّجاء.
* * *
الأناة
هي المركبةُ الأسرع
إلى الأهدافِ المنشودة،
والعَجَلة
هي عَجَلةُ الفَشَلِ والموت.
* * *
الصبرُ في المَضايِق
كالماءِ في الحرائق.
* * *
أكثرُ الروائع والبدائع
لا تولَدُ إِلاَّ من رَحِمِ الصبر.
* * *
الثباتُ المقرونُ بالصبر
بُطولةٌ حقَّة.
* * *
كم من نَصْر
عَبَر في معابر الصبر!
* * *
مَنْ لا يقوى على الصبر في المصائب
صارَ مصيبةً لذويه وللأقارب؛
فالتجلّدُ أوانَ تشتدُّ النوائب
أشبهُ بمروحةٍ في يومٍ لاهب.
عَالَم الأحْلام
سيَّالاتُك،
شخصيَّاتُك الجزئيَّةُ المتعدّدةُ الوجوه،
هي صانعةُ أَحلامِك .
* * *
في عالَمِ الأحلام،
تغفو الحواسُّ الظاهرة،
لتستيقظَ الحواسُّ الخفيَّة.
* * *
يَضيقُ السيَّالُ الخَزّانُ ذرعاً بالجَسَد،
فيقومُ بنزهةٍ في مروجِ الأماني
متنفِّساً الصُّعَداء،
مترجماً شُعورَ صاحبهِ المكبوت،
مُجسِّداً أَفكارَه الخفيَّة،
مُفَرِّجاً عن ضغوطه النفسيَّة،
مُبرزاً تمنيَّاتِه،
مُظهراً رغباتِه،
ساخطاً على أعدائِه،
مُكافئاً أصدقاءَه،
ذاكراً أحبابَه،
مُعانقاً خُلصَاءه،
باحثاً عن كلِّ ما يُعوزُه وينقصُه ويبغيه…
رحلةُ هذا السيَّال
عبر فترة النوم،
في الحاضر والماضي ورُبَّما المستقبل،
هو ما نسميه “الحُلُم”.
* * *
رُبَّ حُلُمٍ
يحملُ لكَ رسالةَ عزاء وسلوى
عن واقعٍ مأساويٍّ تُعانيه.
* * *
قد تكونُ الحياة
حُلُمَ حالم.
* * *
رُبَّ حُلُمٍ يكونُ يقظة،
ويقظةٍ تكونُ حُلُماً!
* * *
رُبَّ حُلُمٍ يكونُ واقعاً
لسيَّالٍ لكَ
يسرحُ خارجَ جَسَدِك.
رحمـَةُ النسيَان
النسيان
من أعظمِ مراحمِ الله
للإِنسان.
إِذا أُتخمتَ بالهمومِ،
فتَبِّلْ طعمَ حياتك
بملحِ التناسي.
قد يكونُ في تناسي الذكريات المثيرة
استعجالاً في استحضارِ المنسيِّ منها.
إذا تمرَّدتِ الذكريات
استعصتْ على النسيان.
لو سُمِحَ للإنسان
أن يتذكّرَ تقمُّصاتِهِ السابقة،
لهَلَكَ حسرةًًوهَمّاً!
مَثَلُ مَنْ يتساءَل لماذا لا يتذكَّرُ تقمُّصاتِه السابقة
مَثَلُ مَنْ يُريد فهمَ موضوعِ قصّة
من رؤيتِه ألفَ كلمةٍ مبعثرة
كانت قِوامَها.
عناقيدُ باخوسْ
إن لم يُرافقِ الصيام
صومٌ عن الحرام،
في الفعلِ والفكرِ والكلام،
فلا معنى له.
تَلذُّ في نظر الصائم
كلُّ أَنواع الأطعمة.
أطعِمْ ضيفَك
من حُلوِ لسَانك
قبل أن تُقَدِّمَ لهُ الحلوى.
الطَّعام؟
كثرتُه تُخمة،
قِلَّتُهُ جوع،
وكلاهما يُؤدِّي إلى الموت
أو السَّقام.
لا يتناولُ الإنسانُ إلَّا وجبتَه،
مهما بَسَطَ ونوَّعَ مائدتَه؛
فغبيٌّ مَن يَسفَحُ في إعدادِ الطعامِ وقتَه.
تنطوي المأكولاتُ جميعُها
على سيَّالات،
منها ما يمدُّ جسمَك
بالعافية والإطمئنان،
ومنها ما يُهَجِّجُ فيكَ الشيطان.
بعضُ المآكل غذاء،
وبعضُها دواء،
وبعضُها سمٌّ وداء!
الأطعمة المثلَّجة
جُثَثٌ مُبَرَّدة.
شهْوة كرُونوسْ
ما يلدُهُ الزَّمَن
تحتضنهُ ذاكرةُ التاريخ.
الوقتُ نبضُ الحياة!
فطوبى للمُصغين إلى نشد الخَفَقان
بمَسمَعَيْ الجهادِ والإِيمان.
الوقتُ فُرصةٌ ورحمة،
والإستفادةُ منهُ نجاحٌ ونعمة.
للإختراعاتِ والإكتشافاتِ زمان،
للحُروبِ والمعاركِ أوان،
للولادةِ والموتِ ميعادٌ وتقدير،
ولكلِّ شأنٍ خطير
توقيتٌ لا تقديمَ فيه ولا تأخير.
إذا حبلَ الزَّمنُ
وَلدَ التاريخ.
في العوالمِ الجحيميَّة
يدبُّ الزمنُ بطيئاً،
ويتمطّى الشقاء!
وفي العوالم الفردوسيَّة
يجري الزمنُ سريعاً،
ويستقرُّ الهناء!
وفي العوالمِ الروحيَّة
ينتفي الزمن،
لتبقى السعادةُ والخُلود!
التاريخ
ريحٌ دائمةُ الهُبوب
تحمِلُ في أردانِها
نثارَ الحياة!
ما أنبلَ اليدَ الروحيَّة
التي تُصحّحُ أخطاءَ التاريخ!
يا لَغرابةِ التاريخ!
يُخَلِّدُ الناصريَّ مع يَهوذا!
والرسولَ العربيَّ مع أبي لَهَب!
وغاندي مع جوداس!
وداهش مع الخليليّ!
وشتّانَ ما بين النعيمِ،والجحيم!
لا بقاءَ لأمّةٍ
لا تاريخَ لها.
بينَ الإنسَانُ والحيَوان
عجيبٌ أمرُ الإنسان
يعترفُ بإخلاصِ الكلب،
ويُنكرُ وفاءَ الإنسان!
ظلموكَ يا غَضَنْفَر،
إذ استعاروا اسمَك
للقويِّ من البَشَر!
رُبَّ إنسانٍ عنيد
لهُ مع الدابّضة الحَرون
أكثرُ من صلةِ قُربى!
قالت سلحفاةُ الوادي
لغزالٍ يُسرع:
“هلَا تنتظرُني
فأتعلَّمَ العَدْو؟!”
كُنْ ذئباً بينَ الرجال
وثعلباً بينَ النساء،
وأَسداً بين الشُبَّان،
وحَمَلاً بينَ الأطفال.
إذا رفقتَ بالحيوان
حام حوالَيكَ شاكراً،
وإذا رفقْتَ بالإِنسان
نأى عنكَ كافراً.
اصطيادُ الطيور
هوايةٌ جحيميّة
حمراءُ الشعور.
الحوتُ الأزرق
يستهزئُ بسَمَكِ السردين؛
والأسَد
لا يأبَهُ للنّمال
تدبُّ بالبلايين.
شَرارُ الحِكمة
من يحترمُ المظهر
أكثرَ ممَّا يحترمُ الجوهر
غيرُ جديرٍ بالإحترام.
لا تستبدَّ برأيك،
لئلاّ تستبدّ بكَ كُربَة
لا تنفعُ معها التوبة.
الإِلحاحُ في اللَومِ والعِتَاب
يجرُّ الجفاءَ والإجتناب.
بدايةُ الحريقِ شرارة،
وبدايةُ الخَطْبِ العظيم
أمرٌ حقير.
أُنسوا ذواتَكم
إذا أحببتُم،
وتذكّروا آخرتكم
إذا عملتُم.
رُبَّ واعظ
أحقّ من غيره بالمواعظ.
ما فضلُ المصباحِ الضخم
إذا أعوَزَهُ الزيت؟!
اليدُ الممتدّةُ لتقبيلها
جديرةٌ ببَتْرِها.
رُبَّ دواء
وَلَّدَ أدواء.
رُبَّّ مُتَهكِّم
يسخَرُ من نفسه!
ثلاثةٌ تُنكِّدُ العيشَ الهنيّ:
مسايَرةُ ثقيل،
إكرامُ طُفَيْليّ
وتبجيلُ غنيّ.
النياتُ بذور
يؤتى أُكُلُها في الأعمال.
قد تُصبحُ الإِساءة
إلى المُسيء
شُهرةً لهُ ومكافأة.
الناسُ بحاجةٍ إلى الرموزِ والشعائر الدينيَّة
حاجةِ الأدباء إلى القراطيسِ والأقلام.
السجيَّة
إجابةٌ ذاتيّة
لأصواتٍ باطنيَّة.
الفرقُ بين الطبع والتطبُّع
كالفرقِ بين اللوحةِ الفنيَّة الأصليَّة
ونسختها المصوَّرة.
العافية
نعمةٌ ضافية
وبَرَكةٌ في الجسد غافِيَة.
قد يُنفقُ المرءُ جميعَ ثرواته
لاستعادة صحَّته.
فالصحَّة الجسديَّةُ إذاً هي الكنزُ المادِّيّ؛
والصحَّة النفسيَّة هي الكنزُ الروحيّ.
أماكنُ العبادة،
قد تَذهبُ بنصفِ العبادة.
الغُربة
تُتلفُ الرغبة.
العمر
إمّا فُرصةٌ رحيمة
أو فريضةٌ مُهينة.
الذاكرة
حبيبةٌ خائنة.
العاجزُ نفَّاج.
ثُغرةُ الضُّعف
تجتذبُ إليها القويَّ،
ليملأها بعُنف.
الشكران؟
عند أكثر الناس،
مجرَّدُ تحريك اللسان.
العادة
خاملٌ يستبدٌّ بك،
و يستهزئُ بتطوُّرِك.
الأساطير
خيالٌ يُفلسفُ الأديان،
في طُفولةِ الزَّمان.
التردُّد
داءٌ فتّاك
قد يُودي بصاحبِه
إلى الهلاك.
لمِا تُسمّيه” مصادفة عمياء”
عينٌ بلقاء
تُبصرُ في الخفاء!
كلٌّ يمدَح
ليُمدَح.
كلمةُ المدح في موضع الذّمّ
أَشدُّ إيلاماً
من عباراتِ الهجاءِ نفسِها.
نَعَم للهجاءِ الصادق،
لا للثناءِ الكاذب.
طريقُ اليقين؟
عَبَّدتْهُ الشكوك.
خطأٌ لا يُغتَفَر
أن يثقَ إنسانٌ
ثقةً عمياء
بواحدٍ من البَشَر!
السَّفَر؟
جامعةٌ تطبيقيّة
لما تلقّنَهُ البشر.
قد يقودُ التّرحالُ والسَّفَر
إلى حيثُ سيّالُك
في الماضي استقرّ!
يكفي الهديّةَ نفاسةً
أنّها تُذكِّّرُ بمُرسِلِها.
الُمتَمْسِكن
جبانٌ طموح!
إذا كان مُهمّاً
أن تعترفَ بأَخطائك،
فالأهمُّ أن تُصحّحَها،
لتُصَعِّدَ في معراجِ ارتقائك.
إجعَلْ من أخطائك
درجاتٍ في سُلَّم ارتقائك.
بعضُ البُكاء
لغةٌ يجهلُها الأحياء.
عباراتُ التعظيمِ والتبجيل
التي يعتادُها الناس
كلُّها ألوانٌ من التمثيل والتدجيل.
إذا امتلأ كأسُ القلب
من خمرةِ الفكر،
امتلأتِ الحياة
عذوبةً ومعنى.
السلاسةُ في المعاملة
تُرَوِّضُ حتى اللَبُؤَة والنَّمِرة.
لكلِّ إنسانٍ اسمان:
إسمٌ روحيٌّ خالد،
وإسمٌ أرضيٌّ زائد.
فطوبى لمن لم يُدنِّس اسمَيْه،
لأَنَّهُ سيَرِثُ الأرضَ والجِنان.
إسمُكَ يستمدُّ منك
معناهُ وقُوَّتَه.
وعلاقتُهُ بك
علاقةُ الزرعِ بالتُّربة،
والسمكِ بالماء،
والطير بالهواء.
الجنونُ إعصار
يهبُّ في رأسِ صاحبه،
ولكن يُصيبُ مَنْ حولَهُ بدُوار.
قد يُصوِّرُ الجنونُ لصاحبهِ
غرائبَ أشكال
يرسمُها له أسفلُ سيَّال.
كم من حاكمٍ مجنون
حَكَم العُقَلاء
باسمِ القانون.
الغُلُوُّ في الإهتمامِ بالمظهر
إهمالٌ للجوهر.
أَما عَلمَ الذين يهتمّون بالمظاهر
أنَّ الديدَانَ ستُولِمُ عليهم في المقابر؟!
رُبَّ ملبوس
يكون تجسيداً
لما تبتغيه النفوس.
كلَّما عَلا مركزُ الإِنسان،
عَلَتْهُ العُيون،
وسَلَبَتْهُ الأمانَ والاطمئنان.
الفصْلُ الأوَّل كرمةُ خواطري
القِسمُ الثّانيْ
أنغامُ أورفيُوس
إلى أورفيوسْ
ليتني قادرةٌ على إطفاء نيرانِ الألَم
من قُلوبِ المُحِبّين،
وتجفيفِ شأبيبِ الدموعِ الصادقة،
من مُقَلِ العاشقين؛
ليتَ لي قُدرةَ الآلهة،
فأُنقِذَ المظلومين
من بَراثنِ المُعتدين
ومخالبِ الظالمين؛
ليتَ بوسعي أن أعزفَ على قيثارةِ أُورفيوس
ألحانَ العزاءِ والسحرِ والحنين،
فأُروِّضَ الضواري،
فتعيشَ آمنةً مُسالِمَة
مع الآمِنين المُسالِمين.
الفصْلُ الأوَّل
كرمةُ خواطري
وِلادتيْ الروحيَّة
يومُ وِلادتي؟
يومُ اعتناقي الداهشيَّة.
حملتُ المشعَل الداهشيّ،
وسرتُ في نورِهِ بخُطىً ثابتة،
ونفسٍ مطمئنّةٍ متبصِّرة،
فتكشَّفتْ لي الحقائقُ سافرة.
كما يجلسُ ربابنةُ الطائرة
أمام لوحِ القيادة،
في عظيمِ انتباه،ودِقّةِ مُلاحظة،
وشديدِ تَمييز،وسُرعةِ حركة،
تنفيذاً للإِشارة…
هكذا نُلازمُ هادينا الحبيب،
لبُلوغِ مطارِ المعرفةِ والحكمةِ،
ومرفإ الحقيقةِ والخُلود.
أنا أعشقُكِ،أيتها الحقيقة،
أفلا تكونينَ بي رفيقة،
لأُحلِّقَ بجناحَيْكِ
حُرَّةً طليقة؟!
إنّني أرغبُ اليومَ
في غير ما رغبتُهُ بالأمس
وليست ميولي
إلاَّ تغيُّراً في سيّالاتي.
سيّالاتي أسماكٌ
سابحةٌ في بُحَيرةِ روحي.
فما بالُ جسدي
يصطادُ أسماكي من قُدسِ الأَمواه،
ليدَعَها تتخبّطُ في أرضِ الأتياه؟!
تنبَّهي،أي نفسي،وتذكَّري دائماً
أنَّكِ من جسدي ستنطلقين،
ومنهُ تُبْعَثين،
إِمَّا شفّافةً كالضياء،
أو مُسِفّةً كالطينِ المجبولِ بالماء!
سأُدافعُ عن حُريَّتي،
ولو كلَّفَتْني حياتي،
ففي مماتي
تحرُّرُ سيّالاتي!
ثُوري،أيْ نفسي،في وجهِ الأباطيل
ثورةً يُباركُها إلهُ الحقّ
من جيلٍ إلى جيل.
أشعُرُ بغُربةٍ روحيَّة
حتى مع أقربِ الناسِ إليَّ،
فمتى ملاكُ الموتِ يهمُس في مَسْمَعَيّْ:
“إلى عالَمكِ المنشودِ هيّا”؟!
عجيبٌ أمرُ نفسي:
فهي تُؤثِرُ العطاءَ على الأخذ،
وتعملُ الخيرَ بصمت؛
زمع هذا،
لا تلقى إلّا نُكرانَ الجميل.
فصبراً،لا سُخطاً،
والصبرُ جميل!
نفسي ثائرة،
لكنَّها تعشقُ السَّلام!
نفسي ثائرة،
لكنَّها تنبذُ الخِصام!
لن أَخسرَ شيئاً من الحياة
إذا سموتُ فوق سفاسِفِها،
وحلَّقْتُ فوق زواحفِها،
بل سأسكبُ لنسي النجاة!
تخصّصتُ في “جامعة الروح”،
فطرحتُ خلفي كلَّ جهالاتِ الناس.
سنَابلُ آلاميْ
لن أَستبدلَ بآلامي المُميتة
الآمالَ المُحْيِيَة،
لأنَّ الأولى حقيقةٌ أُعانيها،
والثانية أَخيلةٌ أَصوغُها.
كإحاطةِ الليلِ البهيم لكُلِّ الكائنات،
هكذا احتاطتْ بي الآلام!
ليلَ الأحزان،أنا طيفُك.
أتَقْوَى شمسُ الأمل
على تبديدِ ظَلامي؟!
دفنتُ آلامي و أحزاني
تحت رُكام ِالثلوج،
فأظهرَها إلهُ الربيع
هازئاً بي!
أيُّها الضباب،
مهما تكاثفتَ في سماءِ حياتي،
فسوف تنقشع!
إنَّ في عَذابي مَطْهري،
فلِمَ لا أدَّخرُ من عَذابي لسعادتي؟!
كم من طعنةٍ حمراء
أنبتتْ في صدري جنَّةً خضراء!
وكم من كلمةٍ صفراء
ذكّرتْني بالحيَّةِ التي أغوت حوّاء!
تغلغلتُ في نُفوسِ البشر،
فرأيتُهم في الشرِّ سواء،
فأيقنتُ أنَّ حياتَنا القصيرةَ العُمر
شقاءٌ بشقاء!
أيتها الأحزان المنقضّة على ذاتي الوديعة،
لقد أرهفتِ حسّي،
وشحذتِ حَدْسي،
وأحكمتِ عقلي،
وهذّبتِ نفسي!
خبز كتبي
أترصَّدُ الكُتُب
بعينٍ لا يرتوي فيها الظِّماء،
كما الفَلَكيُّ العاشقُ
يرصُدُ نجومَ السَّماء.
فكري وعَيناي،
قلبي ويَداي،
تَتَعشَّقُ كتابي.
مَحَضْتُ كتابي النفيس
ثقةً لم أَمْحَضْها مخلوقاً
على هذا الكوكبِ التعيس!
عندما أبتاعُ الكُتُب،
تنتابُني مشاعرُ ورعشاتٌ روحيَّة
تخطفُني إلى القُبَّة اللازَوَرديَّة
عندليباً
يُنشدُ…يَصدحُ…يُسبِّحُ،
يستحيلُ نوراً وطيباً!
أُمنيتي أَن يتكاثَر قُرّائي
مع كرورِ الأزمان،
ليُعجّلوا ارتقائي
في درجاتِ الجِنان.
كما الجِسمُ يضعفُ ويُرهَق
نتيجةَ العَطش والسَّغَب،
هكذا نفسي تكادُ تزهَق
من غير قوتِ الكُتُب!
الكُتُب،وإن تكُن قديمةً مُهَلهَلةَ النَّسْج،
أَحَبُّ إليّ من الجواهرِ البرّاقة
التي تأسرُ القلوبَ والمُهَج!
المعرفةُ عَلَمي،
والكتابُ مَلْعَبُ حُلُمي.
ليتَ الكرى يُبارحُ أجفاني
فأُسامر كُتُبي، في نهاري وليلي؛
فهي في الأرضِ جِناني.
خمْرةُ قلمي
إيهِ يا قَلَمي،
أُدْفُقْ أَلَمي
وحَرِّرْ كَلمِي،
فمِدادُك
من سيّالِ دَمي!
عفواً،يا قَلَمي،
إذا بَرَيْتُكَ
كلّما براني ألمي!
مِدادُ قَلَمي لا ينضب
مَا دامَ فيه يجري
سيّالُ قلبي وفكري!
صريرُ القَلَم
أَحبَّ إليَّ
من أَيَّ نَغَم!
مِدادُكَ،يا قلمي،خمرتي الوحيدة،
بعِطرِكَ تنتشي نفسي وتحيا سعيدة.
حَبَّاتُ العَنَاقيد
أُحبُّ لغةَ بلادي،
وأُحبُّ سماءَها وأَراضيها؛
ولكن أَين هم الذين يُنادون
بالمحبَّةِ والحريّةِ فيها؟!
أشكُّ بنفسي
فكيف أَثقُ بالآخرين؟!
للموسيقى شذاً
تشمُّهُ نفسي،
فتغيبُ في نشوةٍ من الرُّؤَى!
المبالغةُ نوعٌ من كذبِ الخيال،
والثناءُ نوعٌ من كذبِ العاطفة،
فصارِحْني ولا تُخاتِلْني،
وأَنصفني ولا تُجامِلْني.
إسقِني ماءً زُلالاً،ولا تحفَلْ بالكأس.
لو لم أَنشُد الوحدةَ والسكينة،
لَمَا كانت “نسماتي” تُهدهدُ هذه الصفحات.
في فراديس ربّي عالمٌ جميلٌ جميل
يَتخاطبُ سُكَّانُه
بأصواتِ الفكر،
وينعمونَ بسكينةٍ ليس لها مثيل.
فليتني أنعمُ بوحدتِه وسكينته.
الفصْل الثّاني حَديقة عَشْتَروتْ
مَعبَدُ الطبيعَة
الطبيعةُ معبَدي الكبير،
على أوتارها المُبدِعة
أُرنِّمُ صلواتي الصّادعة،
مثلما رنَّمَ داوُدُ المزامير!
عجائبُ الطبيعة
مُلهِماتٌ لفنّي؛
فيا نفسي، آمِني، واطمئنّي.
الطبيعة
تفكُّ عقالَ خيالاتي،
وتُفَجِّرُ خزّانَ آهاتي!
الطبيعةُ سِفْرُ إعجاز
آياتُهُ أشكالُ الحياة
ووجوهُ الكائنات!
الطبيعة
مُعَلِّمةُ الإِبداع
في مدرسةِ الفنونِ الحيَّة!
الطبيعةُ بتقلُّبِ فُصولها
نعمةٌ من الرحمان
للنفوسِ المتألمِّة
من تقلُّباتِ الزمان.
الربيع: قصيدةُ حُبّ.
الصيف: قصيدةُ فخر.
الخريف: قصيدةُ شكوى.
الشتاء:قصيدةُ رثاء.
الضباب؟
حجابُ الطبيعة.
السِّحاب
مَطْمَحُ الضباب.
قد تُمارسُ الزهورُ حُريَّتَها
في تفاوُحِ عبيرها،
والأطيارُ في طيرانِها وأغاريدها،
والأنوارُ في انتشارِها وهدايتها؛
ولكن كيف يُمارِسُ الإِنسانُ حُرّيتَه؟!
أَيكونُ كلامُ الإِنسان
أفصحَ من خريرِ النهر
وصُداحِ الطير
وعبير الريحان؟!
أيكونُ كلامُ الإِنسان
أبلغ من قصفِ الرعد
وهديرِ البحر
وثورةِ البُركان؟!
يُحِبُّ الجليدُ في الذّوَبان…
والزهرُ في الفَوَحان…
والطيرُ في تصعيد أناشيد الحمدِ للمنَّان.
باللهِ أخبروني كيف يُحبُّ الإِنسان؟
إلهُ الربيعْ
مفاتنُ الطبيعة
أوشحةٌ رائعة
ينسجُها نَوْلُ الربيع
بخيوطٍ بديعة.
الربيع
يدُ الرحمةِ الإلهيّة
تُداعبُ جبهةَ الطبيعة
لتُنَبِّهُهَا من رُقادِها،
فتهبُّ مُطيعة!
الربيعُ نبيُّ الطبيعة،
إذا ارتعشتْ فيه الروح
بعثَ الحياة
أشكالاً بديعة!
الربيع
ضِمادُ الجراح النازفة
في جسمِ الطبيعةِ الوَجيع!
جمالُ الربيع جوَّاب.
إذا شئتَ أن تتملاّه،
فاطرُقْ بابَه،
لأنَّهُ لا يطرقُ الأبواب!
الحقلُ قرطاس
يُدَوِّنُ عليه الربيع
قصيدتَهُ العصماء،
قيتردَّدُ صداها
في الجبالِ والأوداء!
الروضة
ابتسامةٌ عريضة
طافرةٌ من ثغرِ الربيع الغُرانِق!
إذا لم تمُتْ أوراقُ الخريف،
فلن تُبعثَ أوراقُ الربيع!
أُسطورةُ الموت
يلدُها الخريف
ثمَّ يُحوِّلها الربيع
إلى ملحمةِ حياة.
لو كانَ الربيعُ لوناً واحداً
لَفَقَدَ رونقَهُ ومفاتنَه.
الجُزُر؟
دموعُ البحر
جَمَّدَتْها قساوةُ الزمنِ والصقيع،
فخضّلَتْها عشتروت
بمنديل الربيع.
عذارى الزهُور
مهما كانتِ الزهرَةُ
ضعيفةً في غرسِها،
فإِنَّها تزهو
ببناتِ جنسِها!
الرَّيحان
أَنفاسُ الجِنان!
الخَضَار
عشيقُ الأرض،
تتملاّهُ العيونُ،فترتاح؛
أمّا الرياحين
فحبيبةُ الضياء،
تتعشّقُها العيونُ والأرواح!
أيكونُ الطائرُ الغِرّيدُ شاعراً،
والريحانةُ الفوّاحةُ شاعرة؟
أعرفانُ جميلٍ لقَطراتِ الماء
ترفعُ الزهرةُ رأسَها الحَيِيّ
لتلثُمَ الضياء
وتُسبِّحَ ربَّها بالأشذاء؟!
أَسعدُ الورود
وردةٌ تُشَمُّ ولا تُقطَف!
وأتعسُها
وردةٌ تُقطَف،ولا تُستَشَمّ!
أوانَ تستريحُ الأرياحُ أطيابَ الرياحين،
تستحيلُ نسائمَ عاشقة!
إذا فَقَدَتِ الزهرةُ عبيرَها،
فتأمَّلْ جمالَ شكلِها،
وزَهْوَ لونِها.
تتحابُّ الرياحين
بتَلاقي الأشذاء،
والعنادل
بتناغُم الألحان،
ومعاً تستهزئُ
بِحُبِّ الإِنسان!
الشَّوك
يزيدُ الزهرةَ جمالاً على جمال.
لا تسْتَسْهِلَنَّّ
قطفَ الزهور،
بل اسْتَعْظِمَنَّ
آلامَها وأوجَاعَها!
عَرائِسُ الماء
تتمخَّضُ الغُيوم حُبّاً،
فتَلِدُ الينابيع!
تبكي الينابيع،
فإِذا مجاري دموعها الجداول!
تشكو الجداولُ حنينَها،
فيضمُّها صدرُ البحر!
غَضَبُ البحرِ في أَعاصيرِه،
وانفعالاتُهُ في تلاطُمِ أمواجِه،
وعواطفُهُ في مَدِّهِ وجَزْرِه،
وخواطرُهُ في أصدافِهِ ومَحارِه،
وحكمتُهُ في اتّساعِ صدرِه
للكائناتِ جميعاً!
الشاطئُ والموجُ حبيبان
حُكِمَ عليهما إلى الأبد
بتَناوُبِ الوصالِ والفراقِ بينهما:
مَدّاً وجَزْراً!
الأمواجُ أَلسنةٌ
تلْهَجُ بذِكْرِ الحريَّة!
الزَّبَدُ
لواعجُ الأمواج!
في نُقطةِ الماء
خصائصُ البحر.
الطَّلُّ
إطلالةُ البشاشة
على الطبيعةِ المُخْضَوْضِرَة!
الواحة
قُبلةُ عَزاء
يطبعُها الماء
على جبهةِ الصحراء!
في قطرةِ الماءِ معنىً
ليس في الشلّال!
المياهُ في عُمقِ البئر
شلّالٌ استراح!
الشلّال
يُنبوعٌ شاعر
تتدفّقُ منهُ أسمى المشاعر!
اليُنبوع
أحلى مظاهِرِ الطبيعةِ في السَّخاء؛
كَفُّهُ السَّبْطة
تنسابُ في الجداولِ والانهار،
وترتاحُ في البُحيراتِ والغُدران!
اليُنبوع
لسانٌ لا يَني يحمدُ ربَّه!
اليُنبوع
عزاءُ الطبيعة!
الأنهار؟
دماءُ الرحمة
في شرايينِ الأرض!
النورُ والظَّلام
الديجور
شرحُ معنى النور!
الظلام؟
شمسٌ مُحجَّبة!
الليل
عملاقٌ أسود،
لا يُرى منهُ إلَّا لونُه!
أَحداقُ اللَيلِ أَقمار
تُبصِرُ من خلالِ كُرَةِ النار!
سكينةُ الليل
للأذن الرهيفة
ملأى بالموسيقى!
دجا الليل!…
أَشعلتُ مصباحي،
فإذا بنُسَيْمَةٍ عابرة تَمسُّّ فتيلتَهُ
هازئةً بي؛
فاستضأتُ بنورِ القَمَر.
الغًروبُ جسرٌ
يَصِلُ ضجيجَ النهار
بسَكينةِ الليل.
الفجرُ يُلقي علينا،كلَّ يومٍ،
درساً بليغاً،
وهو أَنَّنا ما نزال
بين الظلمةِ والنور نتخبّط.
يستقبلُ الفجرُ
مليكتَهُ الباهرة
بِسَجْدةِ طُهْرٍ ساحرة!
النار
جُنونُ النور!
والنور
فنونُ النار!
أشعّةُ الشمس
أَجفانٌ من الانوار،
بمحبَّةٍ خالصة
تُطبِقُ على الأخيارِ والأشرار!
بَدَتِ الشمسُ ببُردِهَا الوضّاح،
فخجلتِ الغُيومُ الدكناءُ انزواءً!
الشمسُ كرمةٌ ذهبيَّة
أشعّتُها العناقيدُ؛
فمَنِ الجديرُ يتذوُّقِ خمرتها الروحيَّة؟!
أشعّةُ الشمس
أَحلامُها وخيالاتُها!
النورُ والظلام يتناوبان
لبُلوغِ قمّةِ هَرَمِ الزمان!
تُرى، أَيغدو النهار،
لكَثرةِ ما يُلَطَّخُ بسوادِ الشرور،
هزيعاً من الديجور؟!
الفصْل الثَّالِث مِن جُعْبَة ديانا
هياكل الأَشجَار
تنهَّدَ جذعُ شجرةٍ قائلاً:
“إنَّني أتحمَّل ثِقَلَ الأغصان
وما تحملُه من براعمَ وأزهار
وأوراقٍ وأثمار…
ولا أحدَ يعترفُ بفضلي!”
فارتعشتِ الجذورُ اعتراضاً!
كُلَّما ازدادَ بُسوقُ الأشجار،
ازدادَ طرَبُ الاطيار!
لولا جذورُ الشجرة
المتشعّبَةُ في الأرض،
لَمَا بَسَقَتْ أغصانُها.
البذرةُ التي تنبذُها شفتاك
قد تُصبحُ شجرةً وارفةً الظلال،
خصبةَ الغلال،
يشتهيها فكرُك وفمُكَ وعيناك!
الغصنُ الذي لا يحملُ الثَّمَر
يُهمِلُهُ حتى النَّظَر!
هَمسَاتُ الترابْ
أَيُّها الترابُ الخصب،
يا سرَّ الأزهارِ والأشجار،
ورمزَ العطاءِ الدائم،
تُرى،أَيَّةَ خطيئةٍ اقترفتَ،
عبرَ الزمانِ الدوّار،
حتى عوقبْتَ بِجَبْلِ جَسَدِ الإِنسان
من طينتك؟!
التراب
فمٌ عملاقٌ جائع
يشتهي ابتلاعَ الأجساد!
كُلَّما تشبَّعَتِ الأرضُ بالدماء،
طَفَرَتِ الشياطين
لِمصِّها باشتهاء!
الرماد؟
دموعُ النار المتجمِّدة!
التُّربةُ الخصبة
دائمةُ العطش!
رُبَّّ جثَّةٍ
هيلَ الترابُ عليها،
فتملْملتْ ذرّاتُهُ احتجاجاً!
هيْنماتُ الصّحارى
الصحارى
سماءٌ كَفَرَتْ
فأَسفَّتْ وتدنَّسَتْ،
وقميصَ الجَسَد تلبَّستْ!
كُثبانُ الرمال
رؤوسٌ بلا أفكار،
ورُقادٌ بلا أحلام!
سأَلَتِ الصحراءُ السماءَ نعمةً:
فبَكَتْ!
خاطبتِ الصحراءُ الواحةَ قائلةً:
“نحنُ مختلفانِ في اللَونِ فقط”!
لو كنتُ صحراءَ مُتراميةَ الأطراف،
لَهَمَستُ في أُذَيْنَةِ حبَّةِ الرملِ قائلةً:
“أنا منكِ”!
سهَامُ ديَانا
قيثارةُ أورفيوس
هَذَّبَتِ الوحوشَ وروَّضَتْها،
ورنَّحَت الزهورَ وأَرقصَتْها،
وهَدْهَدَتْ ذرّاتِ الترابِ فأَسكرتْها!
لكنَّ يدَ الإنسان حينما لَامستْها،
دَنَّسَتْها،ثم حطَّمَتْها!…
أغاريدُ الكناريِّ والعنادِلِ والحساسين
بقايا ذكرياتٍ
من الجنّةِ الأرضيَّة الضائعة!
قد يُسحَرُ الكناريُّ بصُداحِه
كما يسكرُ الفنّانُ بإبداعِه.
أَيَّتُها الخُضرةُ الحائنة
المُحيقة بأعمدةِ”الأكروبول”
طوباكِ!
تُرى،أفكرُ سقراطَ وأفلاطونَ وأرسطو
ما يزالُ يسري في نُسغِك،
ويجري في ذَرّاتِك؟!
الأشواك؟
أفكارٌ مُؤذِيةٌ
تجسَّدَتْ!
السَّنابل
أشعّةٌ استهوتْها الأرضُ،
فتشبَّثتْ فيها!
حبَّاتُ الرّمان لآلئ
هَجَرتْ أصدَافَها،
بعد أن استحقَّها الإِنسان.
ليست كلُّ ثمرةٍ
مُعَدَّةً للأكل.
النارُ التي تُحرِقُك
هي نفسُها التي تُدفئُك،
وتطهو طعامَك،
وتُنيرُ دربَك،
فما أبلغَها!
الصاعقة؟
جِنِّيَّةُ زاعقة!
أَتكونُ الأوديةُ شوامخ
عَصَتِ الخالق
فهوتْ بها كبرياؤها
من حالق؟!
قد تكونُ الأعماق
قِمَماً في غيرِ آفاق!
ستائرُ الليل
تحجبُ البحار!
والبحارُ
تُلحفُ الأسماك!
والأسماكُ
متيقّظةٌ أبداً
طيَّ طبقاتِ الماء!
الأجواء:
ملاعبُ الغناء،
ومسارحُ الأشذاء،
ومنابعُ الصفاء.
الأثير؟
خلِيَّةُ النحلِ الملائكيّ.
السُّهول
صدورٌ رحْبَةٌ،
والروابي نُهودُها.
الذُّرى
خطيبٌ مِصقَع،
يحثُّ في خُطَبهِ
على العِزّةِ والإِباء
والكرامةِ والشَّمَم!
أَيكونُ البركان
غضبةَ الجانّ
على الإِنسان؟!
القِمَمُ الشّمَّاء
سُهولُ النسور!
عَظَمةُ المجرّات
في طاعتِها الدائمة
لمُبدعِ الكائنات!
في اكفهرارِ الفضاء
تذكيرٌ بغضبِ الله،
وفي صفاءِ السماء
تذكيرٌ برحمةِ الله!
الفصْل الرَّابع غزوةُ الحُبّ
رُحماكَ، أيُّها الحبُّ!
رُحماكَ،أيُّها الحبّ!
أُحضُنّي في قلبِكَ الكونيّ
ذَرّة…
أَذِبْني في مُحيطِك النورانيّ
قَطْرة…
ضُمَّني إِلى إعصارِك الروحيّ
ثورة…
نَوِّرْني في حقلِكَ الفردوسيّ
زهرة…
أَطِرْني في بَيْدَرِك الذهبيّ
قُبَّرة…
أحْرِقني في نارِكَ المقدَّسة
جمرة…
أَطْلِقْني في أثيرِكَ الورديّ
زَفرة…
أُدْمُجْني في سمفونيَّتِكَ الخالدة
نَبْرة…
إِجعلني في عينِكَ البصيرة
نظرة…
أضِئني في سِفْرِكَ الأولَمْبيّ
فكرة…
رحماكَ،أَيُّها الحبّ!
أنا وأنتَ
الحبُّ حُلُم،
والبُغضُ حقيقة!
دَعوني أرقدُ رقدةً أَبَديَّة
لا يقظةَ فيها!
حُبُّكَ ربيعٌ
يُرنِّحُ إِحساسي،
يُدغدغُ أوصالي،
يُعطِّرُ أنفاسي،
ينسابُ نُسغاً في نفسي،
فتُزهر!…
فَغَماتُهُ تتسلَّلُ في قلبي العاني
كجدولٍ من نور،
كالعطرِ والبخور،
تحتلُّ شراييني،
تأسرُ وجداني،
تملأُ كياني!
قِصَّتي وإيّاك
قِصَّةُ السيّال المُسافر مع السيّال
في مسيرةِ التقمُّصِ الجوّال.
أنا وأنت
شُعلتان خالدتان
من شمسٍ واحدةٍ متطايرتان!
إِلهي
أَضِئْ شُعْلَةَ حبِّنا
بزيتٍ من لدُنْكَ
حتى لا تصيَر رماداً.
بحثتُ عنك،
فَما وجدتُك؛
خفقَ قلبي
فلقيتُك!
رأيتُ ذاتي في حبيبي،
فودَدْتُ مُقاسمتَهُ الحياة،
في حمائم سرّائِها وأفاعي ضرّائِها،
بل ودَدْتُ امتلاكَ آلامِه
وامتصاصَ أوجاعِه!
أحببتُكَ،يا نصفي الآخر،
لأنّي أحببتُ سيَّالَكَ فيّ!
تتقلَّبُ نفسي
في نَعْماءِ الطمأنينة،
كلّما تقلَّبَ نظري
على عينيك.
كلَّما هوجمتُ بسَبَبِك،
استعنتُ بحليفَيَّ:
الصبر والثَّبات.
كلَّما تآلَفَ قلبان،
نَعَبَ غُرابُ البَيْن!
لا تَنْأَ عنّي،
أي غازيَّ الحبيب اللطيف،
فالزهرةُ إذا تباعدتْ أوراقُها،
صَوَّحَها الخريف!
من لآلئِ مُقلَتَيَّ
رصَّعتُ لَكَ أثمنَ تاج
لخيرِ مملكة.
لا تُجَرِّعْني كأسَ حبّك
دُفعةً واحدة
الشمسُ لو أَضاءت أشعَتُها الكونيَّة
كلَّ جهاتِ الكُرَةِ الأرضيَّة،في وقتٍ واحد،
لَضاعَ الزمن!
حُبُّكَ شروقٌ لا يعرفُ المغيب!
حُبُّكَ بروقٌ دائمةُ الوميض!
حبُّكَ كلسانِ الخوارق والأعاجيب!
سهامُ حُبُّكَ هَدْهَدَتْني بأراجيحِ الضياء!
سهامُ حُبّك جمَّعت أتراحي في جزيرةِ الأفراح!
سهامُ حُبّك أَنبتتْ في خافقي جنّةً عذراء!
لن أَخُطَّّ اسمَكَ على صفحَةِ الماء،
بل سأنقُشُه على الصخر،
و على وجهِ السماء!
حبُّك يا غازي قلبي،كالحُلُم،
في عالَمِه يُختَصَرُ الزمان!
حبُّكَ صخرُ حَنانٍ عجائبيّ
يتفجّرُ بالعذوبةِ أنهاراً!
حبُّكَ يتلقَّفُ حِرابَ الحُسَّاد،
فيُهلُّها عليهم أَمطاراً!
حبُّكَ أبديٌّ،
كحبِّ الخالدين في التاريخ!
حبُّكَ فَتيٌّ،وكالأعجوبة لا يشيخ!
حبُّكَ فوّاحٌ بأشذاءِ الجِنان!
أنا في حاجةٍ إلى عينيك
حاجة الأقحوانةِ إلى الندى يُنعشُها!
أنا في حاجةٍ إلى تِبْسامَتَيك
حاجة الصحراء إلى فوّارةِ ماءٍ ترويها!
أنا في حاجةٍ إلى خطابةِ أصغَرَيْك
حاجة المريض إلى عُوّاده يؤاسونه!
أنا في حاجةٍ إليك حاجتك إِليّ!
سيَبقى صوتُكَ مدَوِّياً
زورقٌ ورديٌّ أنتَ!
أَجنحةُ الفَراشِ شراعُه،
وسهامُ النور مِجذَافُه،
وقلبي الهائمُ ملاّحُهُ الوحيد،
يُسافرُ فيه مع أغاني الهوى
وقصائدِ النجوى والجوى!
قوسُ حبٍّ موّاجٍ أنتَ!
يتهادى كألفِ طاووس
في فردوسِ صدري،
يعصفُ كريحٍ قويَّة
تطمُس آثارَ أَقدام الشّر
فوق وجه الرمال،
يموجُ كبحرٍ
فوق بحرٍ من الرموس،
وعلى سفائنِ الضغائن
يدوس!…
غمامةٌ مرتديةٌ غِلالةَ النورِ أنتَ!
من فردوسِ المعرفةِ أَقْلَعَتْ،
وعلى أرضِ الجهالةِ أَقبلتْ،
فاحتشدَ حولَها الضبابُ الرصاصيُّ مُتآمِراً،
لكنَّها خرقتْ كثافتَه،
ففرَّقتْهُ شَعَاعاً سادراً
في بحارِ اللانهاية!
بُلبلٌ صدّاحٌ أنتَ!
ينقزُ فوق كلِّ مُزْهِرٍ…فيُثمِر،
ويتنقّلُ من مرجةٍ إلى مرجةٍ،
فترتعشُ وتخضوضر،
ويطرقُ أبوابَ القُلوبِ المتحجِّرة،
فتَلينُ…وبالحبِّ تُبصر!
حلوٌ أنتَ كزهرةِ الربيعِ البِكْر!
تُفَتِّّقُ الجمال،
تنطقُ بالعطرِ الحلال،
تنثرُ حولها ضياءَ الأمل،
تُذَرْذِرُ شرارَ الحُبِّ الورديّ،
فتعبَقُ الجِواء،
وتترنّحُ حتى السماء
لفِعْلِها المُعْذَوْذِبِ العجيب!
رائعٌ أنتَ كلوحةِ أسرار
عُلِّقتْ على جِدارِ السماء،
فعَلِقَتْها البصائر،
وتهَافتَتْ عليها المنائر
مستوحيةً منها ملاحمَ الحياة
وأساطيرَ البطولات!
ضِحكةٌ مشرقةٌ أنتَ!
رَعَشاتُها تُثيرُ قبَّةَ الجَلَد،
فتهتاجُ أمواجُها الزرقاء
على شاطئِ الأبد،
وتروي لي حكاياتِ عُصورٍ آتية!
قبلةٌ سحريَّةٌ أنتَ!
مطبوعةٌ على هاماتِ الإخضرار،
تتناسلُ بالبراعمِ والأزهار،
وتحكي بحَنجَرةِ الاطيار،
تُغنّي للشمس،
تُداعبُ النسائمَ بالهمس،
فتستفيقُ فيَّ رَعَشَاتُ الأمس!
كأسٌ نورانيَّةٌ أنتَ!
طافحةٌ بإكسير الحُبّ،
أَنهَلُها كلّما يبسَتْ دُروبي،
فأُنّوِّر…وكالكناريّ
في واحتِكَ أُرفرف،
فأُرسلُ أحلى أغاريدي!
شاعرُ الرُّوحِ أنتَ!
على أجنحةِ عاطفتِكَ
أَطير…أَطير…
تحتلُّني نَشَواتُ الشواهق،
فأتلو سُوَرَ الحُبّ،
أُنَغِّمُها…أُرَنِّمُها…أُرَدِّدُها…
أناشيد تفنى الدنيا كلُّها،
ولا تفنى نضارتُها!
كِنَاسي أنتَ!
أهرعُ إليكَ غزالةً شَروداً
من حِرابِ الصَّيْد!
أَلجأ إليكَ
هَرَباً من غابِ الحياة
ومن شريعتِهِ العشواء!
بَلسَمُ عزائي أنتَ!
إستلَّ من صدري جُرحاً عميقاً،
وبَذَرَ فيهِ حَبَّ الحُبِّ،
فنفرَ خافقي من دوالي أضلُعي،
وطفرَ مندمجاً في شُعاعِ فؤادك،
يجرعُ الخمرَ العتيق
يَسكَر…
ولا يُفيق!
في أَيَّاَر هِمْتُ بِكَ
أَضاميمَ مُنىً
رافقتْني بزَهْوِها وشذاها وفتنتِها
إِلى المنتهى!
في أَيَّار لمحتُ الوُعُود
إلاهاتٍ خَفِرات
يتبخترنَ فوق هاماتِ الوُجود
مُعيّداتٍ مُزَغردات!
في أيّار تتثاءَبُ البراعم،
فيفترُّ ثغرُها عن ابتساماتٍ نواعم
يتساوقُ شذاها
عبارات تهنئةٍ “لأنواري”!
في أيّارَ تُهَدْهِدُني حدائقُ الأزهار،
وتُحَيّيكَ بتمازُجِ ألوانها
وتماوُجِ أطيابِها
فنتجرَّعُ الجمالَ المنهال
يسكبُه سَكْباً عجيباً
خمَّارُ الربيع العجيب!
عَجَبي!
أمِن وحيِ سيّالِكَ الحبيب
انثالَ سلسالُ الأزهار والأطيار
من دنِّ فردوسٍ بالطيبِ فَوَّار؟!
في أَيّار أتطلَّعُ إلى عينيكَ،
فأرى فيهما إلاهاتِ الأولمب
صاعداتٍ هابطاتٍ
بسهَامِ الحُبِّ،
فَأُجَذِّّفُ فيهما،
وأَرسو على شاطئِ الأحداق
حيثُ كيوبيد
يرمي الخلائق
بسهمِهِ الذهبيِّ الخارق!
ما أُحَيْلاك،غازي قلبي!
تغزو دغائلَ الحياة
والإبتساماتُ منطلقةٌ من مَبْسَمِك
أطيافاً متلألئة
بأَعذب الأحلامِ والكلام،
أقرأ فيها ذكرياتي الغابرة،
أَستقي من نبعِها
كلماتي الحاضرة!
ما أُحَيْلاكَ غازيَّ
وقد تراقصَتْ حواليكَ السُّحبُ مُزناً
ستشربُها كلُّ ذَرَّةٍ عطشى،
كلُّ فكرةٍ ظمأى!
وستخضلُّ القلوبُ الجافَّة
بِرَخيِّ الندى،
وستُنَضَّرُ الأفكارُ اليابسة
بماءِ الهُدى،
وسيبقى صوتُكَ مُدَوِّياً،
يُرَجَّعُ منه الصَّدى
حتى انقضاءِ الزمانِ
حتى انطواءِ المَدى!
الفصْل الخامِس نجَاوى
دوَالي المحبَّة
أيَّتُها المحبَّة!
يا أشهى رُغفانٍ
عجنَتْها الآلهة،
وخبَزَتْها الروح،
لتكونَ قوتَ التائقين إلى الخلاص.
يا فروعَ الضياء المتشعّبة من سِدْرةِ المنتهى
لتتفيَّأَ بها القلوبُ التائبة،
فتندمجُ قلباً واحداً
يُسبِّحُ عندَ أقدام القُدرةِ العظمى!
يا نبيَّةَ العواطِفِ السامية
التي تصلبُ ذاتَها
لتُنفذَ الإِنسان
من أحابيلِ الشيطان!
يا مواكبَ الأقواسِ القُزَحِيَّة
المُوَشِّحة وُجوهَ السماءِ اللازَوَرديَّة
بعجيبِ الألوان!
يا نبضاتِ الحقيقةِ الخافقة
في قلبِ كلِّ ذَرّة!
أيَّتُها الأوتارُ الحريريَّة
التي عَزَفَتْ عليها المجرّاتُ العُلى
أناشيدَها الروحيَّة!
أَيَّتُها الدوالي
العميقةُ جذورُها في أغوارِ الخلْق…
والمنتشرة عناقيدُها في كلِّ سماء!…
يا غايةَ كلِّ مشتهى،
وأرَبَ الأفئدةِ والنُّهى،
ولسانَ كلِّ حَياة!
يا جاذبيَّةَ النواميس الروحيَّة والطبيعيَّة،
وابنةَ الله الرضِيَّة!
لقد شققتِ للإِنسان
طريقَ النجاة،
وفرشتِها بالرياحين
وأجريتِ فيها جداولَ الهناء!
وموَّجتِ سنابلَ الخيرِ الوِضاء،
وأطلقتِ بيننا نبيَّ الربيع
يبعثُ فينا عشتروت
بمفاتنها العُلويَّة؛
فمتلأتْ وجوهُ الطبيعة
بمعجزاتِ القيامة،
وارتعشتْ في الأثير
أمواجُ الأغنيات،
وهَطَلَتْ سُلافاتِ خيرٍ
على كلِّ كبيرٍ وصغير!…
وانداحت بسَماتُ العرائس
في سياقِ النسمات،
وراحت تومضُ فيها
ملامحُ الجنّات!
وغَزَتِ الخمائلَ
صَدَحاتُ الصلوات!…
واستحالت الأرضُ
إلى فلذةٍ من الفردوس!
لكنَّ الإنسان
أشاحَ بوجهِهِ عنكِ،
واختار،طائعاً،طريقَ الشيطان
المفروشة بسنانِ العواسج والعويل،
والمتلحفة بلهيب التعذيب والتنكيل،
والمصطخبة بأمواج الضغائن،
والمزدحمة بكلِّ ظالمٍ وحاسدٍ وخائن…
أيَّتُها العروس الإلهيَّة!
بحقِّ عاطفتِك السامية،
تدفَّقي،تدفَّقي علينا،
تَغَلْغَلي في تلافيفِ نفوسنا المريضة،
وعَلِّمينا التواضعَ والنقاءَ والسخاء.
لقِّنينا الإيمانَ والبذلَ والعطاء،
فَتِّحي آذانَنا الصمَّاء
على أناشيدِكِ الأبديَّة،
اسكُبي فيها صَوتَك الأسنى.
فَتِّتي القلوبَ الصخريَّة،
وابسطيها تُربةً نَدِيَّة،
نفلحُها طائعين،
وننثرُ فيها بذورَكِ شاكرين،
علّنا نجني ما افتقدناه
خلال أعمارنا،
على مدار السنين…
يا ذاتَ الوشاحِ الورديّ،
يا ريحانةَ النور،
أَطلقي سهامَ عبيرِكِ فينا،
علَّ العُقبَان الكواسر
تفرُّ من مآقينا،
والأرياحَ المعولَةَ في صدورنا
تستكنّ،
وإلى حضنكِ الدافئ تحنّ…
رَفْرِفي رَفْرِفي بأجنحتك الشفّافة
في تموُّجاتِ ضمائرنا،
علَّها تستفيق
على جنائنَ ربيعيّة
موشّاةٍ بالصفحِ واللطفِ والوداعة
والحِلْمِ والتضحيةِ والتسامُح.
ظلّلي بأجنحتِكِ الإِلهيَّة
خلجاتِ عواطفِنا وأفكارِنا.
إقتلعي من عقولنا
مساميرَ التعصّب الأعمى،
أو اطرُقِيها فينا
علَّها تُضاعفُ آلامَنا،
فنتوب…
وبِك نلوذ،
وحباً نذوب…
فلولاكِ،
أيّتها الحوريّةُ النورانيَّة،
لولا عيناكِ،
لَمَا تحابَّ قلبان،
والتقى إِلْفان،
واتّحد سيّالان
في فراديس الجِنان!
ولولاكِ،
لولا بهاكِ،
لَمَا دارتِ المجرّات
في محيطِ أفلاكها!
ألا قُصّي عليَّ
حكايةَ جاذبيّتِكِ
في مسارحِ الأكوان
معلومِها ومجهولِها.
قصِّي عليَّ
حكايةَ شَعرِك القُزَحيّ،
زكيف سَرَّحْتِهِ
ليرعى العوالم!
وكيف تناهتْ
كلُّ شعرةٍ
إلى كوكبٍ عاشق
ونجمٍ ولهان!
وكيف حَبَكْتِ منها
أساطيرَ الحُبّ والوجدان!
قُصِّي عليَّ
حكاية انسكابك
من كُوى الأزل
أَطيابَ خمور
تعتّقتْ في قلوبِ الدهور!
حُلوةٌ رائعةٌ أنتِ!
فيكِ نقاءُ الجوهر،
وإنعاشُ النسيم،
وفتنةُ الصباح،
وبهجةُ النعيم،
ونَغَمُ أورفيوس الرخيم!…
بكِ تتحلّبُ القلوبُ
صفاءً ولهفة،
وتتصفَّى العقول
حكمةً ومعرفة
وتتندّى النفوسُ
إِيماناً واستقامة.
فمَنْ تابَ إليكِ،
استردَّ رُشدَه،
ومَنْ كفرَ بكِ،
حفرَ بأَظافر أنَانيَّته
هُوَّةَ لَحْدِه!
يا فيضَ القُدرة ِالعُظمى،
وطريقَ اللهِ المثلى،
إنّي أجثو على قدميَّ،
وأرفعُ ذراعَيّ مبتهلةً إلى العزّةِ الإِلهيَّة،
كي تسمحَ بأن تُضيئي بشعلتكِ الروحيَّة
بؤبؤَ عينيَّ،
فأُبصرَ من خلال نقابِك السحريّ
أسرارَ الرُّوح.
فاحدُبي عليّ،
لأرتقي بمعراجكِ الربيعيّ إلى فسيحِ جِنانك.
أمامَ شعْلةِ الحريّة
وقفتُ على عَدْوةِ الهَدْسُن،
حِيالَ تمثال الحريَّة،فخاطبتُهُ قائلةً:
أيَّتها الشعلةُ الفيَّاضة بالسحر،
الدفَّاقةُ بالجمال،
المكتنزةُ بمعاني الأجيال!
هاتي حَدِّثيني عن مواطنكِ السرمديَّة،
يا مَن استفاضتْ شهرتُكِ
حتى أَصبحتْ كونيَّة!
أنتِ مخلوقةٌ شفّافةٌ،نورانيّة
لا تتجسَّدين.
أنتِ تصفّينَ أجنحتَكِ اللامرئيَّة،
وفي كلِّ مكان،
كالهواءِ تُرفرفين…
شوَّهنا صورتكِ،فظلمناك،
وبأجسادنا الترابيَّة استعبدناك!
يا بُغيةَ الأطفال والشّباب والمُسِنِّين!…
كلُّنا يسعى إليكِ،
وأنتِ ترفلين بغِلالاتِ النور
في سماءِ حياتنا الُمغشَّاِة بالديجور.
نُحاول القبضَ عليكِ
بمخالبِ عبوديّتنا
فتحترقُ أصابعُنا بهالاتِك!
حاولنا اقتناصَكِ
بشِباكِ الجرائمِ النكراء،
بالأيادي الملطّخة بالدماء،
فأَخفقْنا!
رغبنا في امتلاكِك
بنفوسنا المغلولة،
ففشلنا…
ولَقَّنْتِنا درساً قاسياً:
علَّمتِنا أنكِ الشروقُ الدائم
في نهار حياتنا
وليلِ عمرنا.
فمتى نؤمن بأنَّ الغُروبَ فينا
يُعانقُ الشروق؟!
إنّنا نجرُّ قيودَنا المترهِّلة إليك،
فتهزئين من أَمانينا،
وتسخرين من إلقاءِ مَراسينا
عندَ قدمَيْكِ!
فكيف نحظى بكِ،بقُدسيَّتكِ الروحيَّة،
يا مليكةَ الدهور في لألاءِ السُّفور،
إذا كان عالَمُنا غائصاً من غُرّةِ سمائه
حتى أخمصِ تُرابه
في عُبوديَّاتِ الشّرور؟!
كيف نتلمَّسُ هِبَاتِك،
يا دوحةَ الألوهة السامقة،
وظلَّ الحقيقة المطلقة؟!
في البَدْء،
نشرَ ألويَتكِ القادرُ على كلِّ شيء،
لنفيءَ ظلالَكِ العُلويَّة،
لكنَّا هوَيْنا…
سقطنا في التقمُّصاتِ المادِّيَّة،
فغُشِّيَتْ بصائرُنا
بغشاوةٍ صفيقةِ العتمة،
فنأَيْتِ عنَّا!
أُغفري لنا خطايانا
لأنّا خيَّطنا بها قمصاناً
سَتَرَتْ عنَّا الحقائق،
وولَّدَتْ لنا العوائق،
حتى ما عُدنا نتبيَّن
خيطَ النُّور الأبيض
من خيطِ الديجور الأسود
في مغازلِ الزمن!
فلو أنّا سرنا على خُطاكِ،
وحرَّرنا أَنفُسَنا من خطايانا،
لبَلغْنا قُدْسَ أقداسِك!
ولو عزَّتْ نفوسُنا بكِ،
لَمَا انغمسْنا في ذلِّ السَّفالة
ورَدَغاتِ الجهالة!
لكنّنَا-والهفَ نفسي-خضعنا للعبيدِ فينا،
فعَزَلْتِنا عن أبناءِ السماء
عزلَ المرضى عن الأصحَّاء!
قدَّمتْ لنا طعامَ الرُّوح،
فثارتْ فينا مجاعةُ الجَسَد،
وهاجتْ أوحالُ الهوان،
فكَوانا عقابُ الأبَد!
نطقَ فينا إبليسُ،عدوُّكِ،
فأَصغَيْنا لهُ،
وتصامَمْنا عن كلمةِ اللهِ من فيكِ.
بِعْنا آراءَنا في سوقِ النخاسة،
عرضنا ضمائرَنا بالمزاد
كالعبيدِ المناكيد،
ثم ناديناكِ…
رفعنا أذرعَ الإستغفار الكاذب،
يا جوهرةَ الحياةِ ودُرَّةَ المجرّات!
أتلعنا أعناقَ النَّدَم،
بُغية النزوع إليكِ،
فلم نحصِدْ غير ظلالِ أعمالِنا وأفكارِنا،
كلّما خَطَوْنَا خطوةً في مسيرة حياتنا!
أَجل،يا هبةَ السماوات،
لأنَّكِ لا تنعكسينَ على ماءٍ كَدِرٍ قَذِرٍ،
نأيتِ عنَّا،
وأَشحتِ بوجهِكِ الوضَّاء
عن سَخَامِ وجوهنا!
لأنَّكِ لا تَسْعَيْنَ إِلّا إلى عظائمِ الأمور،
احتقرتِ تفاهاتِ”عُظمائنا”!
لأنّكِ تُحلّقين،
وكالنسور تُصعِّدين،
أهملتِ سلاحفَ آثارِنا اللاصقة بالجُحور!
آهِ! ليتنا نعلم
أنّهُ بكِ يحيا البَشَر،
وبدونِك يستشري الردى!
أيَّتها الحريّةُ الواصلةُ أفقَ الأرض
بشَفَقِ الألوهة
بخيطِ المعرفة الشفيف،
خلّصينا من ربقةِ الجسدِ الكثيف،
من القيد المُخيف!
إرحمينا،
ومن عَبَقِكِ الحَيِيِّ لا تحرمينا!
يا مُرضعةَ الأنبياء،
وحاضنةَ الأحرارِ والحكماءِ عبرَ العصور،
يا زهرةَ الضياء،
ونبتةَ العلاء،
فوحي فُوحي بالأطياب،
و شعشِعي أَنجماً في الرحاب!
فيا شعوبَ الكُرَةِ الدائرةِ بالعبوديَّة،
تحرَّروا من أنانيَّتكم
بمحبّة الله!
تحرّروا من حروبكم
بتملّي وجه السلام في الله!
تحرّروا من شقائكم
باتقاءِ غضبِ الله!
تحرّروا من أثقَالِ قمصانكم
بالغنطلاق نحوَ جاذبية الله!
تحرّروا من أفكاركم السجينة
في خوفِ الله!
تحرّروا من قلوبكم المريضة
في طاعة الله!
تحرّروا من قبور ذواتكم
في القيامةِ بالله!
تحرَّروا من جهلكم
بوعيكم لبدائعِ خلقِ الله!
تحرَّروا من مستعمريكم ومستثمريكم
إلى مَنْ أوجدَكم أحرارً،
إلى الله!
مشعلُ الحريَّة
مرفوعٌ أمام عيونكم،
وقبلةُ شعلاتِهِ متّجهةٌ أبداً
صوبَ الله!
أُعبروا جسورَ الجروح
إلى حريَّة الرُّوح،
إلى بحرها الغامِر الأكوان
حيثُ لا موانئَ ولا حدود!
فيا أيُّها التمثالُ الرافعُ مَشعلَ الحريَّة،
عَلِّمْ شعبَكَ بأنَّ الحريَّة حرِيَّةٌ بالفضائل،
لأنَّها حوريَّةٌ
مشبوبةٌ بالشعلاتِ الحقانيَّة،
فمن اتَّخَذَها وسيلةً لاستباحة الرذائل،
استعبَدَهُ الخفيُّ من القيود والسلاسل!
فتحرَّرْ أيُّها الشعبُ الأمريكيّ
من عبوديَّاتكَ الدنيويّة،
واعمَلْ لخلاصك،
مقتدياً بالشعلة الخالدة،
وإلَّا…
فالأحرى بكَ أن تُطفئَ هذه الشعلة،
لتُضيءَ وطناً غير وطنك!
إيهِ،أيّتها الحريَّة،
يا رغبةَ روحي العُلويَّة،
إنّي أتشوَّق،
إنّي أتحرَّق،
إلى يُنبوعِ خلاصك المتدفِّق.
هَبيني القدرةَ
على التفلُّتِ من قُيودي الصلصاليَّة،
فأنبذَ الطينَ…أنبذَ الماء…
وأطمحَ إلى النقاء…إلى السماء…
ضُمّيني إلى أهدابِكِ الشقراء
المتأرجحة إلى جوارِ الله!
عانقيني…عانقيني،فأمثل!
أُغمريني،وعن هذه الدُّنى أرحل!
وعُدتُ فتملَّيتُ التمثال
المنتصبَ بجلال،
فإذا بغيمةٍ رصاصيَّةٍ انسدلتْ عليه،
فحجبتِ الشعلةَ عن ناظري
وعن عيونِ العالَم!
فلم أرَ غيرَ دُخانِ العبوديَّة الأسخم
يُغشّي العيونَ والقُلوب!
فسبحانَ علاّم الغيوب!
- سيفُ العَدَالة
أَيَّتُها العدالة،
أَيّتها الفتنةُ المقدَّسةُ الجوَّالة!
أيَّتها الإلاهةُ الحقّانيَّة!
أيّتها الشمسُ الروحيّةُ التي لا تعرف الغروب!
يا عشيقةَ الهُداةِ والحُكَماء!
يا سيفَ الانبياءِ
المتجلّي في مُعجزاتِ التأديب والشفاء!
يا مُثيرةَ العذابِ والعذوبةِ في القلوب!
يا إِعصارَ النار،
ونسائمَ الغار!
يا فراشةَ الفردوسِ النقيَّة
ذاتَ المُقَلِ البصيرةِ الكثيرة
والألوانِ القُزَحيَّةِ المُثيرة!
يا مَن تفقهين خفايا الأرض وطبقاتها الدجوجيَّة،
وتُحصينَ حتى أنفاسَ الحصى
والذُّرَيْراتِ غير المرئية!
أيّتها المستيقظةُ أبداً
في ضجعاتِ الضمائر
ولفائفِ السرائر!
أيّتها المرفرفةُ في كلِّ نيَّة،
في كلِّ فكرة!
أيّتها المسجّلةُ في “اللوح المحفوظ”
كلَّ تنهيدةٍ وزفرة،
كلَّ حركةٍ ونبرة!
عوالمُ الأنبياء مغناكِ،
ودوائرُ الأرواح مسراكِ!
بصرُكِ يخترقُ مغاورَ النفوس!
وسيفُكِ المقدَّسُ
مُصْلَتٌ فوق الرؤوس والرموس!
ولسانُكِ المباركُ يُلقي على مواكبِ الأجيال
أبلغَ المواعظِ والدروس!
في البدءِ،كانت الكرةُ الأرضيَّة
وردةً عملاقةً نقيَّة،
تمتصّينَ شِهادَها حُلواً عذباً!
كانت جنّةً،
تباركينَها…فينضجُ الثمر،
وتتفتّقُ الأكمامُ عن عرائسِ الزهر…
ثم تكاثَر نسلُ الإِنسان،
بعد أن ضاجَعَهُ الشيطان!…
فعمَّ الهَوان…
وفاضَ الطغيان!…
وإذا أنتِ تقرعين أبوابَ كلِّ الضمائر…
لكنَّ شرورَنا أوصَدَتْ بوجهكِ الأبواب،
فحبستِنا في سُجونِ نفوسنا،
وأَدَّبْتِنا بالأمراضِ والرزايا،
بالعاهاتِ والبلايا،
بسُيولٍ من العذاب…
نهرُك الروحيّ
ينطلقُ في رحابِ الأكوان…
في الدراري النابضةِ بشَرارِ الحياة
في الشموسِ والسُّدُم،
في الكواكبِ والرُّجُم!
نهرُكِ الروحيّ
يطوفُ في كلِّ مكان،
ويجولُ في كلِّ زمان،
يتغلغلُ في كلِّ نفسٍ وجَسَد،
يملأ قبَّةَ الجَلَد،
بين شاطئِ الأزل
وشاطئ الأبَد!
نهرُكِ العجيبُ الخفيّ
ينطلقُ في الآفاقِ والجبالِ والبحار،
في الأوديةِ والسهولِ والقِفار،
هادراً في مسامع الهواءِ والحياةِ والتراب،
هاتكاً ستائرَ الأسرار!
نهرُكِ العجيبُ الخفيّ
ينحدرُ مع أشعّةِ الشمس
إلى كوكبنا الضلول،
ويغزو دياجينا وخوافينا،
ويُقيمُ الحسابَ لكلِّ خلجةٍ فينا.
أَيّتها الآمرةُ الناهية!
قُرونُ القُرون
تُنَكَّسُ لسُلطتِكِ،
وعيونُ المنون
تُفتَحُ وتُطبَقُ بكلمتِكِ،
وأنهارُ الدموع
تجري وتُحبَسُ بإشارتِكِ،
وطوفانُ الأفراحِ والأتراح
رهنُ إيماءتِكِ!
في الحروبِ والمعامع،
أراكِ عروسَ الوحي،
ُتشيرين بأناملك الخفيَة،
فيحتدمُ الشرُ والإنتقام
أو تُرفَعُ رايةُ السلام!
بكِ يا سيفَ الله البتار،
تتجلى السببيةُ الروحيَة
في أبهى معانيها الكونيَّة!
خيالُكَ الساري مع نهر الحياة
يضربُ في دهاليز الضمائر،
وينسلُّ في شرايين القلوب،
ويَغُلُّ في أنفاق الأدمغة!
فما عبثاً وُجدْتِ،
وإنَما كلَّ عُرسٍ حضرتِ،
وكلَّ مأتمٍ شهدتِ،
وكلَّ مِزودٍ هَدْهَدْتِ،
وكلَ لحدٍ كَشَفْتِ!
أَيتها الواقفةُ على قمَةِ كلَ مَشْهَد!
بأمركِ ينهدمُ العمران،
وتصطَرعُ البلدان،
ويُحدَدُ أَجَلُ الإنسان،
بل أَجَلُ الجمادِ والنباتِ والحيوان!
ها إني أسمعُ نِداءَكِ
آتياً كصهيلِ جوادٍ أولمبي
على متن البروقِ والرعود
مُنذراً…مُهدداً بالفناءِ الوشيكِ الموعود!
هُوذا غُبارُ الموت
يتطايرُ في كلِّ اتجاه،
يبهرُ العيونَ والعقول،
يُغطِّي السماءَ بأمواجِ العويل،
وينشرُ الهَلَع،
في كلِ ضلعٍ وجذع!
هوذا صوتُكِ الصادع
يسوطُ كلَّ الإستغاثاتِ الكاذبة
يلتمعُ كحدِّ السِّيف
فوق الذرى النائية،
وينقضُّ صواعقَ مُدَّرِعةً بالحديد والنار،
تسفعُ وجوهَ القُبور البيضاء،
تُمَزِّقُ حُجُبَ الظلماء…
فيهرعُ الكلُّ لتقديمِ أعسرِ حساب!…
صيحي صيحي أيّتها العدالة،
كلّما جُنَّ الليلُ وهذى النهار،
وهَدَر عبرهما الفُجَّارُ والكُفَّار،
وعربدت سيّالاتُ الأشرار!
أُطفُري على شواطئ الأيام
سِفْرَ تأديب،
وانسلّي في بحر الأحلام
رقصةَ تعذيب!
إِزعقي إزعقي،أيتها العدالة،
مزّقي شبكةَ البَشَر
التي يصطادون بها الموبقات
ويفرشونها،بلا خجل ولا وَجَل،
على مائدةِ الحياة،
ويتناولها بِشَهيِّ القُبُلات!
إِظهري أمامَ نفوس العِبَاد
ووراءَ حُجُبِ الأجساد
شلّالَ نارٍ مقدَّسة
يغرقُ الجميعُ بطوفانها،
علّهم يدرون أنّهُ بفناءِ صلصالهم
بدايةُ حياةٍ جديدة!
تَدَلّيْ من شجرةِ الحياة
عِصِيَّ تأديب
تَسحُّ بوابلِ الخَطَر
تفحُّ بالشرِّ المنتظر…
أُنصُبي مشانقَ قَدَرِكِ
في كلِّ نفس،
ونفّذي حُكمَ الإِعدام.
إِطوي بجناحَيْكِ
هذه الأرض العاهرة،
اهصُريها،اعصُريها
في معصرة النقاء،
فتبدوَ الألوانُ على حقيقتها،
ويَخُرُّ ساجداً كلُّ بُنيان
ممتثلاً لأمركِ بإذعان،
فيفنى الإنسان
بالسلاح الذي اخترعَهُ
وكدَّسهُ في السراديبِ والقيعان!
يا لسانَ الميزانِ الروحيِّ العجائبيّ
ذي الرحمةِ الرّبانيَّة
التي تُمهلُ ولا تُهمِل…
يا من تَزِنُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرة
بقِسطاسِ العقابِ والثواب!
ها نحنُ نصغي لنداءِ الشيطان،
كلّما وسوسَ في القُلوبِ والآذان،
نقترفُ باسمِك المظالم والموبقات،
ونلهثُ وراءَ المادّةِ والسَّفالات،
ضاربينَ عُرضَ الحائط بالروحانيّات!
همُّنا جَنْيُ المال،
والفتكُ بكُلِّ حلال!
نتوبُ ونندمُ لحظات،
ثم نعودُ إلى الذنوب سنوات،
نزرعُ الفساد…
ننثرُ الكفرَ والإِلحاد،
فنُصابُ بالأمراضِ والعاهاتِ والجنون
وغوائلِ المنون…
حتى غدت
إرادتُنا:مَحاكمَنا
أجسادُنا:مشانقَنا
حواسُّنا:جلّادينا
دماؤنا:مهالكَنا
خطواتنا:معاثرَنا
أفكارُنا:مصائِبَنا
قلوبُنا:نوائِبَنا
أمراضُنا:استحقاقاتِنا
موتُنا:كلمَتَكِ الأخيرةَ فينا!
أَيَّتُها العدالةُ المقدَّسة!
يا مزماراً عزفَ عليه داود
لحنَ التوبةِ والنَّدَم
ليتكِ تتجلَّينَ لي بسرِّكِ العميق
التائهِ في فيافي الظنون والعيون،
وتهبينني وهجَ صوتك
النافذِ في أغوارِ التاريخ،
والصارخِ في وجهِ قايين،
وسُلالاتِ الماءِ والطين،
وتمنحينني شرارةً من ناركِ القُدسيَّة
فأسمة بها إلى الفراديس
بعَربةٍ نورانيَّة.
ليتكِ تُسفرين لي عن وجهكِ
فأَتعرَّفَ إليكِ،
وأتّقي ضرباتِك الخفِيَّة!
كُنُوزُ كتبيْ
أَتملَّاكِ،
فتتعشّقُكِ عيني،
لأنّكِ ضياؤها،
ويطربُ خافقي،
لأنّكِ عواطفُه،
وتترجّحُ خيالاتي،
لأنّكِ أَجنحتُها!
فمَتِّعيني بمرآكِ
لأَسبُرَ غورَ دفائنكِ،
فأنتشي بخمرةِ كرمتِكِ،
وأسبحَ في بحارِ مفاتِنِكِ.
أنا، يا كنزي الثمين،
شغوفةٌ بكِ،
عطوفةٌ عليكِ،
فهُلّي عليَّ بزَبَدِ المعرفة،
انسكبي في نفسي العطشى
هواطِلَ آلاء
لأعقدَ منها مظلّةً ناصعة
تقيني عادياتِ التقمّصات
وعذاباتِ التجسُّدات
فأختصرَ طريقي
إلى خالقي.
أُحبُّكِ،يا كُتُبي، أُحبُّكِ
حبَّ الشعاعِ للشعاع!
أتوقُ لأن أَلتهمَكِ
كما يلتهمُ الفقيرُ الجائع
شهيَّ الأطعمة!
أبغي أن يُشعشعَ اسمي
بين كُوَيْكباتِك
ويشيلَ بي الفرحُ الطاغي
ويُكلِّلَني تاجُ الظفر.
أنتِ الوحيدة
التي مَنحتُكِ ثِقَتي الكاملة
في هذه الدنيا السافلة الجاهلة!
أقِفُ إزاءَكِ،
فأهتفُ لاهفةً:
يا وسيلةَ الترقّي والتنقّي
من شوائبِ الجهالة
والمادّةِ العَمياء،
في رِحابِك
تُصفِّقُ خاطرّاتي،
وتنداحُ عرائسُ أُمنياتي،
فأبني قُصوراً من الكَلِم
مدماكاً من الإِيمان
ومدماكاً من العلم،
وأتبرّجُ بالحكمةِ والأدب،
وأبتكرُ أبطالاً من دَمِ الخلود
ولحمِ الوجود…
ساعديني لأُحقِّقَ أُمنيتي وأَجود…
هَبيني أزخَمَ وَقود،
فتُسرعَ مركبةُ سيّالاتي
إلى حيثُ تتكشّفُ الأسرار!
كُتبي،يا كُتبي
يا أموالي الروحيَّة
ومناجمي الفكريَّة!
يا عصيرَ القرائح العُلويَّة
المصبوبَ في كؤوسٍ نورانيَّة،
عَطَشي إلى إكسيرِك لا يُبَلّ،
جوعي إلى خبزِكِ
لا يعرفُ الشبع!
أنتِ لي مفاتيحُ الحياة والممات،
ورحابةُ المجهولِ
المنثورِ على وجوهِ الصَّفحات!
يا عُصارةَ الفكر،
وعصيرَ العمر،
وإكسيرَ الدهر!
إشحذي ذهني،
وَقّدي قريحتي،
وَهِّجي خطراتي،
رَقّقي عواطفي،
أَحيي مشاعري،
إِبعثي ذكرياتي.
دعيني أُوغلُ في أغوارِ كلماتِك
فأحلَّ عَصِيَّ ألغازِك
وأفضَّ مُغلقَ أسرارِك
وأفتحَ الموصَدَ
من دفائنِ دفَّتَيْك
فأعثرَ على الكنزِ المفقود،
وأكتنهَ سرَّ الوجود!
يا حافظةَ الماضي بين دفّتَيْها،
ومانحةَ السعادة
من رَمَقاتِ مُقلتيها،
هاتي قُصّي عليَّ أحداثَ التاريخ،
واروي لي سِيرَ الأبطال والمُصلحين،
دعيني أرودُ عوالمَ الجِنان
برفقةِ ذوي الإِيمان،
فأغيبَ عن عالَم العناءِ والشّقاءِ والبُهتان.
هاتي أَسمعيني أساطيرَ الآلهة
وأريني الملاحمَ والحروب والقُلوبَ الوالهة،
أُنقليني بسيّالِكِ العجيب
من كوكبٍ إلى كوكب،
غوصي بي في قيعانِ الدهر
حيث قصورُ المرجان وحوريّاتُ البحر.
أُكشفي لي النقابَ عن العوالمِ المجهولة،
عن حضاراتها وأنظمتها وأراضيها المأهولة!
في حضرتِك،يا كتبي،يتلاقى الأنبياء،
ويتحاورُ المفكّرون والأدباءُ والحُكَماء
على طاولة الذكريات!
فما أَسعدَ أن نشاركَ هؤلاءِ العُظَماء!
الفصْل السَّادِس على أوتَار دَاوُد
ابتهالاتٌ واعترافات
اللَّهُمَّ، إجعلْ أَقوالي
رياحينَ حُلوةً،رقيقة،
وأَفعالي
نجوماً لألاءَةً،ثاقبة،
وأَفكاري
سِهاماً مجنَّحة،صائبة،
وعواطفي
عرائسَ رحيمةً،رفيقة،
في بحر حُبَّكَ غريقة؛
واجْعَلْ، اللَّهُمّ، خيالي
طائراً مُحلِّقاً،
منجذباً بنورِ الحقيقة.
* * *
إِلهي،
لا تَدَعْني أُمارسُ مهنةً
يتعيّشُ صاحبُها
على خِداع الناس،
حتى لا يموتَ فيَّ
الضميرُ والإِحساس.
* * *
هَبْني،يا إِلهي أُذْناً مُرهَفة
تَتَذوّقُ الإِصغاء.
ساعِدْني على إِطباقِ شَفَتيَّ،
لأَتجنَّبَ الأَخطاء.
دَعْني أُطيلُ التفكيرَ بمغزى كلامي،
قبل أن أُطلِقَ العنانَ للساني.
أَلْهِمْني النطقَ الجميل،
لتنطلقَ الكلماتُ من بينِ شَفَتيّ
حُلوةً،بريئةً،طاهرَة…
كفَغَماتِ الطيب،
كأَغاريدِ العنادلِ والبلابل،
كهَيْنَماتِ النسائمِ والجَداول.
* * *
يا راعيَ الأَكوان،
أَبْعِدْ عنّي شرَّ الإِنسان
الخالي الوِفاضِ من الخير
قوِِّ إِيماني،وثَبِّتْ جَناني،
لأَتحدَّى بعزمٍ جبَّار
ما يعترضُني من عقباتٍ في السَّيْر…
* * *
لحظةَ أَسَرَني حبُّكَ يا الله
تحرَّرتُ!
* * *
إِلهي ،رَبَّ الأَزل والأَبد!
سلامةَ العقل
ولا صحَّةَ الجَسَد.
* * *
أَنا بحاجةٍ إلى الرحمان
ولستُ بحاجةٍ إلى الإِنسان.
* * *
أَنا أخافُ المَلِكَ الديَّان،
وأؤمنُ بحضورِ مشيئته،
عبرَ مُرسَليه،في جميع الأزمان،
إِذنْ أَسيرَ وفقَ إِرادته
مؤمنةً بجميعِ الأَديان.
* * *
ما دامَ النَّدَمُ لا يمحو الذَّنْب،
والمعذرةُ لا تُزيلُ السيِّئة،
والإِعترافُ لا يُسقطُ الاقتراف،
والتوبةُ لا تُلغي المعصية،
والأسَفُ لا يُذهِبُ الخطأ،
فهَبْني الإِيمانِ والتبصّر،
والشجاعةِ والتصبُّر،
حتى لا أَقترفَ ذنباً
أندمُ عليه.
إلهـي
إلهي،
دعني أَهيم
طاقةً فكريَّة
في غابِ السكينةِ الحالمة،
أَرشُفُ الجمال،
أَعبُّهُ كالماءِ الزلال،
وأصوغُهُ تأمُّلاتٍ وخواطرَ حكيمة.
إلهي،
اجْعَلَ أَنيسي
الربيعَ النابضَ بصنائعِك،
وجليسي
النورَ نسيجَ خلائقِك؛
أَسبغْ عليَّ نعمةَ التبصُّر بالأمور،
فأعي مغزى الحياة
في معابرِ الدهور.
إلهي،
استَجِب لدُعائي،
واجعَلْ شُعاعاتي الغاربة
تُشرقُ في شموسِ النعيم،
تلتحفُ بالسَّديم،
وتندمجُ بالأبد.
مولاي
مولاي،
حبُّكَ يأسُرُني،
يُزيلُ عنّي شوائبي وأَدراني،
فأَتطهَّر!
يُلاشي سلاسلَ بَدَني،
فأتحرَّر!
مولاي،
نورُ حُبِّك ينسابُ في شراييني،
فيُضيءُ جسدي ويتكهرب،
وبين نجومك يتكَوْكَب!
مولاي،
أَحِلْني ذَرّةً روحيَّةً
تغفو،مطمئنَّةً عندَ موطئِ قدمَيْك!
أَحِلْني خليّةً لامرئيَّةً تُسبِّح وتُسبِّح
بينَ يديك!
مولاي،
دعني أُلملِمُ سيَّالاتي المتناثرةَ في الكون،
فأغفو…
عند محرابِ جلالك،
قريرةَ القلبِ والعين!
أتنسَّم عبيرَك
أَتنسَّمُ عبيرَكَ،يا خالقي،
في النسماتِ المتماوجة
بفغماتِ الطيب
والمتمازجة
بكُلِّ حُبٍّ خصيب!
أَشعرُ بحضوركَ الروحيّ
في كلِّ سيَّال
يرتعشُ بصدقِ الصلاة!
وبقُدرتِكَ المعجزة
في كلِّ قلبٍ ينبضُ بالحياة!
أَتلمَّسُ رحمتكَ السامية
في الينابيعِ المتفجِّرة
من المادَّةِ الصَّماءِ المتحجِّرة!
نَغَمُكَ العُلويّ
يتناهى إلى مسمعي
عبر ألحان الأثير الساحرة،
وموسيقى الأفلاك الدائرة!
إلهي رُدَّني
أَيُّها القادرُ على كلِّ شيء،
رُدَّني
زنبقةً ناصعةًَ
إلى الحقول الربيعيَّة؛
رُدَّني
قطرةَ نَدىً
إلى وردةٍ جوريَّة؛
رُدَّني
نسمةً مُنعشةً
بَكرةً وعشيَّة؛
رُدَّني
شُعاعَ نورٍ
إلى المجرِّاتِ الكونيَّة؛
رُدَّني سمكةً حمراء
إلى البحار اللازورديَّة؛
رُدَّني
عندليباً غرِّيداً
إلى الأفنانِ المُخمليَّة؛
رُدَّني
حُلُماً عذباً
في المواقفِ البطوليَّة؛
رُدَّني
سيَّالاً روحيَّاً
إلى طائرٍ…
أومُزهرٍ…
أو حَجَرٍ…
لكنْ إلهي،
بحقّ قدرتِك،
لا تَرُدَّني
إلى جسمِ بَشَر!
سَاعِدْني يا الله
ساعدْني،يا الله،
حتى أُبحرَ برُؤاي
في أعماقِ الكون،
فأَنفَذَ إلى قُدسِ أَقداسه،
وأكتنهَ الأسرار
التي وراءَ الحجاب!
دعني أَغور في أَعماقِ البحار،
فأستلَّ من القيعان
معاني الزَّبَد!
أَحِلْني إلى فغمة،
فأندمجَ في ثنايا وردةٍ،
وأستجوبَها عن سرِّ الجمال!
وحِّدْني بشُعَاعٍ ذهبيّ
فأنسحبَ على قوسِه
إِلى كرةِ النار!
عَمِّدْني بنور الحقائق الروحيَّة،
فأَتغلغلَ في تلافيفِ النفوس،
وأكتشفَ لها عن الأسرارِ الكامنة
خلف الرموس،
عَلِّي أُصعِّدُ
من أوتارِ قايين السوداء
أَنغامَ هابيل المبتهلة للسماء!
أَعنّي،
حتى أتملّصَ من قمصانِ المنون،
وأُبحرَ بسفينة سيَّالاتي
إلى ضفاف جزيرةِ الجمالِ والفنون!
ساعِدْني، يا الله.
نشيدُ الكَونِ الرُّوحيّ
أَنصِتي،يا نفسي،
إلى نشيدِ الكونِ الروحيّ،
تسمعي نَغَمَ الإِله
جاذباً المجرَّاتِ العُلى
من سُدَّةِ عُلاه،
في وحدةٍ عجائبيَّة،
في شبكةٍ نورانيَّة
تتداخلُ فيها بإحكام
خُيوطُ السيَّالات الروحيَّة
مُلبِّيةً جاذبيَّةَ العدالة
والمحبَّةِ النقيَّة!
أَنصتي،يا نفسي،
إلى نشيدِ الكونِ الروحيّ
تسمعي تسابيحَ الرمالِ والجبال
وترانيمَ الأطيار والأشجار والأزهار،
طيَّ خمائلِ الجمال،
وابتهالاتِ الفجر
في تنهُّداتِهِ الجوريَّة،
وصلواتِ مليكة السَّناء
وهي تبسطُ على الكائنات
غِلالَتها الشقراء،
وهمهماتِ الخوف
تُرسلُها الوحوشُ الضارية
وهي جاثمةٌ في غاباتها الغبياء!
أَصغي ،يا نفسي،
إلى نشيدِ الكونِ الروحيّ
تسمعي أَدعيةَ خلايا الماء،
في كلِّ جدولٍ ونهرٍ وبحر،
يُصعّدُها لسانُ الزَّبد
المتحرِّق إلى نورِ الطُّهر!
حتى أقسى الجلاميد
تتحرَّكُ بدُوارِ الخشية
كلُّ ذرَّةٍ من ذرّاتها
متَّجهةً صوب من ثَبَّتَها
بعدالتِهِ في مكانها!
أَنصتي،يا نفسي
إلى نشيدِ الكونِ الروحيّ،
تسمعي أوراقَ الشجرة الغضَّة
ترتعشُ ضارعةً للعليم الحكيم،
كُلَّما حرَّكَها النسيم،
وأنعشتها الأَطياب!
فصلِّ،يا قلبي،صلِّ
فالصلاةُ منجاة،
الصلاةُ خيرُ وِقاية من مهاوي الحياة.
صَلِّ،يا قلبي،صلِّ.
نكَّستُ رَأسي
حدَّقتُ في طلعةِ الفجرِ البَهيَّة
تذرُّ السناءَ والفتنةَ الفردوسيَّة،
تنضو عن الطبيعة ثيابَها السوداء،
لتكسوَها غِلالاتٍ شفَّافةً
كضمائرِ الأنبياء!
إذْ ذاكَ نكّستُ رأسي
خاشعةً لبهاءِ ربّي!
تأمّلتُ النجومَ والكواكبَ الحالمة
في ليلةٍ ساجية،
فألفيتُها تتوامضُ بشَرارِ الرُّوحِ العُلويَّة،
تتهامسُ بلغةِ المحبَّةِ النبويَّة،
وتتألَّقُ بذكرِ موجدِها العليّ!
إذْ ذاكَ نكّستُ رأسي
مُسبِّحةً عظَمَة ربّي!
رَنَوْتُ إلى شمسِ الأصيل
كُرةً متوهِّجةً من العَسجد،
وهي تُلمْلِمُ ضفائرَها الطويلة
المغتسلةَ بالزَّبَد،
لتعودَ فتنشرَها رحمةً
في المقلب الثاني
من هذا الكوكبِ الضَّلول!
إذْ ذاكَ نكّستُ رأسي
حامدةً نعمةَ ربّي!
أَرسلتُ طرفي إلى مليكِ الليل،
فرأيتُهُ ينسجُ حولَه هالاتِ الشكر
لمليكةِ الضياء
يتألَّقُ بجمالها،
ويروي للعيون والظنون
ملحمةَ السَّخاء،
مُشيعاً عذوبتَه على مُقَلِنا وأفئدتنا!
إذْ ذاكَ نكّستُ رأسي
شاكرةً آلاءَ ربّي!
أَصغَيتُ إلى أَغاني الأمواج
تُهدْهِدُ أَحلام الشاطئِ الوهَّاج،
تروي حكايةَ بدايات الحياة
في آذانِ الرمال،
فتهلَّلَ فيَّ أَعرقُ سيَّال،
ونكّستُ رأسي
فَرِحةً بُمعجزاتِ ربّي!
نظرتُ إِلى أَجنحةِ النسور
تُحلّقُ فوق الشَّواهق
بلا وَقود،
تشدو للسَّنا…
للشَّذا…
لعِزّةِ الجبال،
تُنشدُ الرعودَ والخُلود!
فشعرتُ بخافقي
مُجَنّحاً يطيرُ…يطير!…
ونكّستُ رأسي
مُرنّمةً لإبداعِ ربّي!
تملّيتُ البذرةَ
تُدفَنُ في التراب
جنيناً يحملُ في خلاياه
خصائصَ الشَّباب؛
تملّيتُ الأَغصان
تستقبلُ الشتاءَ عاريةً
ثم تتبرَّجُ بزهرِ الربيع،
وبالثمرِ الينيع
تملّيتُ إعجازَ الحياة
في الذَّرَّاتِ والمجرَّات!
فنكّستُ رأسي
خاشعةً بالصلاةِ لربّي!
لأنني أحببتُ الله
لأنني أَحببتُ الله
تَحرَّرتْ خواطري
وشَفَّتْ مشاعري،
ورَهُفَتْ مسامعي،
ورُفِعَتْ الغشاوةُ عن عينيَّ،
فرأيتُ أشعَّةَ الحقيقة
هابطةً إِلينا من عالَمِِ الرُّوح،
وعاينتُ عجائبَ القوَّةِ الموجدة
إِبداعاً في كلِّ مكان،
في مَدارِ الذَّرَّات
كما في مدارِ المجرَّات!
وفتَنَني انسيابُ الريشة الإِلهيَّة المُبْدِعة
في قُزَحِيَّةِ الألوان،
وفي لوحاتِ تقلُّبِ الزمان؛
فأَنِفْتُ من أرضِ الهوان،
وما ابتغيتُ إِلاَّ مجدَ الأرواح،
ولا تعطَّشتُ إِلاَّ لكأسِ الحكمةِ الصُّراح.
لأَنَّني أَحببتُ الله
شملتُ مَن حولي بعينِ محبِّتي،
فسحَّتْ عليهم هواطلُ عَبرتي،
لِمَا رأيتُ فيهم من ضغائنَ وأحقاد
تُعمي البصائرَ والأَبصار،
وتُعشّشُ في تلافيف الخلايا
وتتفجّرُ في الليلِ كما في النهار،
فنأيتُ عن الناس،
لأنهم مصنعُ الأدناس
ومنجمُ الأرجاس،
وأنستُ إلى ذَواتِ الأفنانِ والأجنحة،
وهِمتُ بكلِّ لونٍ وضوءٍ ولحنٍ
وخريرٍ وحفيفٍ وزَكيِّ رائحة،
فتنسَّمتُ الجمالاتِ المُسَبِّحة،
وتعلَّمْتُ دروساً في المحبَّةِ المجنَّحة،
وتشوَّقتُ لمعانقةِ الفراديس
حيثُ كلُّ همسةٍ وخفقةٍ ونغمة
وكلُّ رنوةٍ وغنوةٍ وبسمة
تُسبِّحُ باسمِ عُلاه!
لأَنَّني أَحببّتُ الله،
انهارتْ أمام بصيرتي
صفاقاتُ الحدود،
فنبذتُ هذا الوجود،
وجحدتُ هذا العالم الجَحود،
ونشدتُ عالَمَ الخلود،
وتبتُ توبةَ حبٍّ إلى الرحمان،
عساني أَتحرَّرُ من سجنِ المكان
وعبوديَّة الزمان،
عساني أَخلعُ أدراني الصلصاليَّة،
قبل انطلاقِ سيَّالاتي
من قيودها الترابيَّة،
فأعي الحقيقةَ الصادعة
في قلبِ الأكوان.
أُغمِضُ عينيَّ…أغيبُ في سرِّ خَلقِك
حينَ تستحمُّ البُحيراتُ اللُجَيْنيَّة
في مسابحِ الأنوارِ العسجديَّة،
فتتلألأ بابتساماتٍ وِضاء تنداحُ دوائرَ أسرار،
وتحنُّ مرآتُها البِلَّوْرِيَّة
إلى امتلاكِ ظلالِ الأغصانِ والأطيار،
وانعكاساتِ الأفكار،
وارتعاشاتِ الأثيرِ النوّار،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أَغيبُ في سرِّ خَلْقِك!
حينَ تفترُّ ثُغورُ البُحيرات
في أحضانِ الغابات
عن نيلوفار مفلَّجِ الأفواف
وفسائل منتشرةِ المباسم
وكؤوس لوتسٍ
تروي عطاشى البصائر،
إذ ذاك أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في سرِّ خَلْقِك!
حينَ تتساندُ الأقاحي
مُتَرنّحةً على أنغامِ النسائم،
وتتفاوحُ الأزاهيرُ الزواهي
عاشقةً توائمَ توائم
مُحلِّقةً في مُنْسَرحِ الفضاءِ الوالِهِ الهائم،
وتتناسمُ الرياحين
موشّحةً بفرحتها مباسمَ الحشائش،
فأتنسَّمُ بدوري عُطورَ الجمال،
وأَخشعُ لجلالِ المشاهد،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أَغيبُ في عظمةِ خَلْقِك!
حينَ تكتسي الأشجارُ العارية
رداءَها الربيعيَّ الحانئ،
فتستقطبُ إليها ذواتَ الأجنحةِ والغناء،
وتترنَّحُ بزهرِها وثمرِها
بغُنجٍ ودلالٍ وهناء،
وتُتحفها الأشعَّةُ بوشاحِها المُحيي المنهال،
وتُدغدغُها النسمات،
فترفُّ برعشةِ السيَّال،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في جمالِ خَلْقِك!
حينَ تترنَّحُ الظلال
مع مَيَسانِ الأَفنان،
وتتأرجحُ سَكْرى
على حفيفِ وُرَيْقاتِ الأَسرار
مُناجيةً الحقيقةَ المحجَّبة بلازَوَردِ العَنان،
مُبتهلةً إلى السماء
أَنْ تفكَّ أسرَها
وتُطلقَ حريَّتها،
كعرباتِ الضياء،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في جاذبيَّة خَلْقِك!
حينَ تتنادى الصوادح،
وتتماوجُ أَسراباً من الحنان
فَرِحةً مَرِحةً متناجيةً
على نَوَسانِ الأَفنان،
متأَرجحةً بأغاني الهوى
إلفَيْن إلفَيْن،
مُفْعِمَةً الوجود
بسيَّالِ الغناءِ والعطاء،
إذ ذاك أنشى من قصيدةِ الحبِِّ العصماء،
أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في قُدرةِ خَلْقِك!
حينَ يتعقّبُ نظري
الفراشاتِ المنمَّقةَ بوشيِ الربيع
تُطبقُ أَجنحتها وتفتحها مُناغيةً خمائلَ الورود،
ممتصَّةً رحيقَها العسليّ،
تبغي الإندماجَ في وَحدةِ الوجود،
ثم تُقلعُ فاردةً أَلوانَها الفردوسيَّة،
مُواكبةً مهرجانَ النسيم الشذيّ العلبل،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في فتنةِ خَلْقِك!
حينَ يُشَنِّفُ مسمعي
خريرُ المياهِ الرقراقة
منبجسةً من الصخرِ الجاثمِ بكُتمان،
ساقيةً كلَّ ربوةٍ وغيضةٍ ووَهْدة…
راويةً كلَّ ذَرّةٍ من التراب،
مُشاركةً الكائناتِ في بهجةِ البعث،
إذْ ذاكَ أُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في عجائبِ خَلْقِك!
حينَ تنبضُ قلوبُ الكواكب والنجوم،
وتتشظّى كائناتُ المجرَّات
في رحابِ السُّدُم وهواطلِ الرجوم،
وتمتصُّ الجيوبُ السوداء
مَن بَلَغَ عتبةَ الضياءِ المحرَّمة،
إذْ ذاكَ تحتلُّني رعشةُ خُضوع،
وتنتابُني رعدةُ خُشوع،
فأُغمضُ عينيَّ…
أغيبُ في حكمةِ خَلْقِك!
وحينَ أَرى الدهماء
يعبثونَ بسرِّ الأَشياء،
يكفرون،يتلَهَّون بقشورِ المادَّة الجوفاء
صُمّاً بُكماً عُمياً
عن حقيقة الوجود،
مُدَّعين أنَّهم أَسيادُ الأمواتِ والأَحياء،
فأحزنُ لموقفِ الإِنسانِ الجَحود،
وتتساتلُ من حرقةِ قلبي الدموع
متجمِّدةً على وجنتَيَّ
كقطراتِ الشموع…
أَبكي وأَبكي…
لأنّي مأسورةٌ
بين جَهالاتِ البَشَر،
مُصَفَّدةٌ بقيود جبِلّتي،
بسلاسِلها الثقيلة،
بحلقاتِ مآسيها الطويلة الطويلة!…
إذ ذاك أُغمضُ عينيَّ…
وألوذُ بحضنِ رحمتِك!
كلمة ختاميَّة
سُئِلتُ لمَن دَوَّنت نَسَمَاتي؟
أَجَبتُ:”لجيلٍ آتٍ يفهَمُ عِبَارَاتي!”
نجوى
نجوى
بقلم الدكتور دَاهش
عرفتُها منذُ أَعوام،فهي نشيطةٌ ذكيَّة، وحاذقةٌ وفيَّة. وقد لفتَ نظري واسترعى اهتمامي نهَمُهَا للمطالعة وشوقُها للإطّلاع. فهي دائبةُ السعي،مواصِلةُ البحث،تُنقِّبُ أبداً في المكتبات،وتجولُ بينَ رفوفها، وتجتازُ رُكامَها،منتخبةً أَروعَ ما أصدَرَتْه المطابع وأخرجتْهُ طابعاتُ الأوفست،وما انتجتْهُ العقولُ من ثمارِ المعرفة.
وتُغادرُ المكتبةَ وعاتقُها ينوءُ بما تحملُهُ من الكُتُب التي انتخبتْها.وتروحُ تحصدُ ما زُرِعَ في بُطونِ هذه المجلَّدات فارزةً الغثَّ من السمين.
إنَّها كنـزٌ من المعرفة لا مثيلَ له!
وكم من المرَّاتِ ناقشتُها بشتى الأمور، ووضعتُ لها العِصِيَّ بينَ الدواليب ،ولكنَّها كانت دائماً الفائزةَ والسبَّاقة وما استطاعت العِصِيُّ أنْ تمنَعَها من المرور!
فكأنَّها الهواءُ المتسرّب من بين الشقوق!
إِنَّ معلوماتها واسعة،وما ذاك إِلاَّ لمداومتها المطالعة المدروسة بدقّةٍ وانتظام.
إنَّها تُسابِقُ الزمان من حيثُ رغبتُها باستيعاب جميع العلوم والمعارف والفنون وما يتشعّبُ عنها من مستلزمات المثقَّف الناضج ذي الخبرةِ التامّة.
ولا شكَّ بأنَّها ستكون ذاتَ شأنٍ في مستقبلِ الأيام.
وكم يشوقُني أنْ أقرأَ لها كتاباً خطيراً مُثيراً تطلعُ به علينا، فتنحني لها الهاماتُ إكباراً وإجلالاً لما حباها بهِ الله.
ونتيجةً لجهادها ومجهودها ومواصلتها البحثَ والتنقيب، والإطّلاع والمطالعة، ستستطيعُ أَخيراً إهداءَ وإِغناءَ المكتبة العربيَّة بكتابٍ فَذٍّ مُشرِق، كأنَّهُ الشمسُ البازغة والمالئة بأنوارها المُشعّة جميعَ الآفاق!
حقَّق اللهُ أَمَلي، وأَبقاني حيّاً حتى أُشاهدَ حُلُمي العذب وقد حقَّقَتْهُ الأَديبة الأَريبة نجوى.
بيروت الساعة العاشرة
من صباح 3/4/1980
“غاب البنفسج”، الجزء 7 من “فراديس الإلاهات يُرصّعها اللينوفار المقدّس”ص 89.
