حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

النداء الخفيّ

 

أُحبُّ أَنْ أَعُودَ إلى المجرَّة الأزليَّة

التي تضجُّ بملايين كواكبهَا الأَبديَّة؛

إنَّ هذه الرغبَة الجامحة لازَمَتْني منْذ طفولتي الحَالِمة،

ومَا زَالتْ تُرَافقُني في يَقْظَتي وَرُقَادي،

إنّي أَتُوقُ إلى الذّهابِ إلى بحَارٍ مَجْهولة،

وأنهارٍ لم تسمعْ خريْرها أيَّةُ أُذْنٍ بشَريَّة،

كما إنّي أُصغي إلى نداءٍ خفيّ

يَهيبُ بي أَنْ أخْلَعَ عنّي رِدَاءَ المَادّة

كي أسْتَطيعَ وُلوُجَ هذا العَالم السّحْريّ البهيّ.

 

                                                داهش

دراسات وأبحاث

الأدب الرُّوحيّ

ناقوس الأحزان
أو مراثي إرميا

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا

تعريفْ

 

إنَّ أَشْهَر المَراثي المَعْروفة هي مَراثي النبيّ إِرميَا(650-585 قبل المَسيْح)؛هذا النبيُّ الذي تَنَبَّأ بدَمَار القدسْ، وَرَثى بكَلمَاتٍ تَفِيضُ بالحزن الشَّديد والأسى البالغ مَا أَصَابَ قومَه اليَهُود من السَّبْي وَالتَّشْريد على يَدِ الفَاتِح الغاصِبْ.

لقَد رَثى النَّبيّْ إِرميَا مَدينَة القدْس رثَاءً فاجِعاً ومُوجِعاً لِلغَايَة.فقَارئ مَراثيه المدَوَّنَة بالكِتَابِ المقَدّسْ يَشْعُرُ بحُزنٍ عَظيمٍ ومَرَارَةٍ فادِحَة،لِعِظَم النَّكْبَة التي عَصَفَتْ بالشّعْبِ اليَهُوديّ فشَرّدَتْهُ تَشْريداً هَائِلاً.

إِنَّ مَرَاثي إرْميَا لا يَعْلوُ عَليهَا أَيَّةُ مَراثٍ سِوَاهَا،لما تَحْويه مِنْ عِبَارَاتٍ حَزينَة،وأَسَفٍ بَلَغَ غَايَتَهُ من المَرَارَة الحَنْظَليَّة. وَقَد وَصَفَها كِبَارُ الأُدَبَاء،وأَلمَعَ الكُتَّابُ، إِلى أَنَّها بَلَغَت القِّمَّة بوَصْفِهَا المُحْزِنِ المُؤسيْ.

أَمَّا أنَا فَلَمْ أجِدْ مَنْ نَسَجَ عَلى مِثَالِهَا،فصَاغَهَا بأسْلُوبِهِ، وأَصْدَرَهَا في كِتَابْ. فَسِفْر(نَشيد الأَنْشَاد)لسُليْمَان الحَكيمْ قَد نَسَجَ عَلى منْوَالِهِ الشَّاعِرُ شكسْبير، وَسِوَاه من الكُتَّابِ الكِبَار، بَعْدَمَا اسْتَهْوَاهُم أُسْلُوبُه الرّائِع البَالِغ الرّقَّة. وَمِنْ بَيْن الأُدَبَاء العَربْ تَأَثْر توفِيْقُ الحَكيمْ بهَذَا النَّشِيد المُبْدع فكَتَبهُ بأسْلُوبهِ، وأصْدَرَهُ في كتاب. وَقَد صُغْتُهُ أنا، أيْضاً، بدَوْريْ، وَطَبعْتُه في كِتَاب، وَذَلِك في عَام 1943.

وَهَا إنّي أَصُوْغُ، الآنْ، مَرَاثي إرْميَا بأسْلُوبي، بَعْدَمَا حَاوَلتُ جَاهِداً أَنْ أَجِدَ أَدِيباً مَا قد سَبَقني في هَذَا المضْمَار.وَلَكنّي فَشِلْتُ، رغماً عَن بَحْثي الشَّاقْ لَعَلّي أَفُوزُ ببُغْيَتي.

إِنَّ قَارئ هَذهِ المَرَاثي الحَزينَة سيتأكّد لَهُ أَنَّ إرْميَا هُو أستَاذُ كُلَّ مَنْ رَثى وَدَوَّنَ أحْزَانَهُ وَمآسيه لِيَقْرأهَا الخَلَفُ عَن السَّلَفْ. والأحْزَانُ والمنَغِّصَاتُ وُجِدَتْ منْذُ وُجِدَ الإنسَان. وَلوْلاهُ ما اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَجُوبَ هَذَا العَالَمَ، لِتُضْفي عَليه بُرْدَة الأَسى التَّعِيسَة.

وَبَعْد، فهَاكم مَراثي النَّبيّ إرْميَا المَشْحُونة بالأَسى،العَارِمَة بالحُزْن، الفيَّاضَة بالشَجَن.

وَقاكُمُ اللهُ وَوَقاني من عَادِياتِ الزَّمَن الغَادِر.إنَّه السَّميعُ المُجِيبْ.

الدّكتور داهشْ

الولاياتُ المتحدة الأميركيَّة

السَّاعة السَّابعَة من صَبَاح 24/12/1982

على أَنقاض أُورْشَليمْ

 

النَّبيّ إِرْميَا جَالِسَاً على أَنْقَاضِ أُورْشَليم المُهَدَّمَة رَاثِياً نَادِباً

كيفَ مَكَثَتْ بمُفرَدهَا

المدينة ذاتُ الرّبوَات؟!

كيفَ أصْبَحَتْ كثَاكِل،

الجبَّارَة في صَوْلَتهَا بينَ أُمَمِ الأَرْضِ وَقَبَائِلهَا؟!

العَظِيمَةُ بينَ المُدُن

أصْبَحَتْ تَئنُّ تحتَ النَّيْر!

تُهرقُ عَبرَاتِهَا،وتُصعِّدُ زَفَراتِها،

منْذُ الفَجْر حتى ظَلام الليل!

دموعُهَا قدْ شقَّقتْ خدّيهَا!

ليْس لهَا منْ (تَعْزِيَة)،

ولا يُوجَد محبٌّ وَاحِدٌ يمْسَحُ دُموعَهَا المِهْرَاقَة.

جميع أصْحَابَها بَطَشُوا بهَا،وانقَلَبُوا عَليْهَا أَعْدَاءَ ألدَّاء!

قد سُبِيَتْ(المَدينَة المقَدَّّسة)!

أَذلَّها أَعْدَاؤهَا الأَجْلافْ،

وَوضَعُوهَا تَحْتَ نيرْ العُبوديَّة!

هيَ تَقْطنُ بَيْنَ أُمَم الأَرْض ولكنَّ رَاحَتَها مَفْقُودَة.

مُطَارِدُوهَا أدْرَكوهَا،وأَوْقَعوهَا في المَهَالِك.

طُرقُ صهيُون تَنوحُ بمَرارَة،وتَتَفجَّع بانْسِحَاق

لانفِضَاض المُهَروليْن إلى أَعيادِهَا المقَدَّسَة.

جَميع مَعَابرهَا قَد دُكّتْ وتَقَوّضَتْ!

كَهَنتهُا يَسْكبُون الدَّمَ،

عِوَضاً عَن الدَّمْع،

ويَتَمرَّغُون على الرمَاد

بذُلٍّ وانكِسارٍ شَديْدَين.

قَد أَصْبحَ أَعدَاؤهَا أَسْيَادهَا

لأَنَّ إرَادَةَ الرَّبِّ قَد قضَتْ بإذْلالهَا

من أَجْل كثْرةِ معَاصيهَا.

أُخِذَ أَوْلادُهَا إلى السّبْي،

فأَرْهقَهُم العَدُّو البَطَّاشْ.

لقَد فَقَدتْ ابنَةُ صهيُون كُلَّ بَهَائِها.

لقَد زَالَ منهَا جمَالهُا،وامّحى عنفُوانُهَا.

لقَد انْدَثرَ رُواؤهَا.

أمّا رؤسَاؤهَا فقَد أَصْبَحوا كأَيائِل هَزيلةٍ

لاَ تَجدُ مرعىً تلتجئ إليْه!

هم يَسيْرونَ،دون وعْي،

أمَامَ قُوّة مُطَارديْهمْ.

الذكرَياتُ قَد عَاوَدَتْ أُورْشَليمْ،

في أَيَّامِ مِحْنَتهَا وذلِّهَا،

إِذ تَذكَّرَتْ أَيَّامَ مَجْدِهَا وَعزّهَا،

وعَاوَدَتْها خيَالاتُ ماضِيهَا،

ومَا كَانَتْ تغُوصُ فيْه منْ مُشْتهَيَات.

لقَد سَقَطَ شَعْبُهَا بيَدِ عَدوٍّ عَنيْد،

ولَيْسَ من مُسَاعِدٍ أَورَاثٍ!

الكلُّ ضَحِكوا على هَلاكِهَا،

وسُرُّوا من آلامهَا!

قد أَخطأَتْ أُورْشَليمُ خطيْئةً شَنيعَة،

لهذا أَصْبَحَتْ رَجسَة.

جميعُ مَن كَرَّمَها عَادَ فاحتَقَرهَا؛

لأَنَّ عَورَتهَا أَصْبَحَتْ مكشُوفَة!

لهَذا تتنهَّد بفجيعَة،

وَهِيَ تتَراجَعُ إلى الوراء.

نجاسَتهَا في أَذْيالهَا.

لم تعتَبِرْ من مَاضِيهَا.

لقَد انحطَّتْ انحطَاطاً معيْباً

فابتَعدَ عَنْهَا(المُعَزِّي).

                     ***

إِرحَمْ يا رَبّ مَذلّتي؛

لأَنَّ عَدوِّي قَد تَمجَّد.

سَيْطر(الغازي)على أُورْشلِيمْ،

واجتَاز قُدسَ أَقدَاسِهَا!

وأَنتَ الذيْ أَمرتَ

أَنْ لاَ يلجَهُ إلاَّ أبنَاؤك.

الشعبُ،بأكمَلِهِ،يبْتَهلُ مُتَنهِّداً،

يطلبُ الخبزَ الجَافّ.

وفي سَبْيلهِ،يا الله!

قدَّموا العَذارى للغَاصبْ،

كي تُردَّ إِليْهم نفوسُهُم.

أنظُرْ،يا ربّ،وأَشْفِقْ،

فقَد أَصْبَحَتُ مُحتَقَرة.

وأَنتم،يا من تَعْبرونَ الطّريق،

أُنظروا إلى وَجْهي،وَقولوا

إِنْ كنْتم قَد شَاهَدتم حُزناً قتَّالاً

كحزني!

اللهُ قَد صَنَعَ بي هَذا،

واللهُ قَد أَذلَّني،

في يَومِ غضَبهِ الشَّديد.

من السَّماءِ أَرسَل ناراً

فسَرَتْ في عُروقي وشرَاييني،

ثمَّ التهَمَتْ عِظَامي.

وقَد وضَعَ شَبَكةً أَمَامي،

كي تعثُر بهَا رِجْلي.

لقَد ردَّني إِلى الورَاء،

جعلني عِبرةً لكُلّ مُعْتَبِرْ.

سَلَّطَ عليَّ الهمُوم،

وبَسطَ فوْقي الغموُم.

أَوثقَ نَيْر ذنوُبي بأَنَامِلِه،

وشَدَّ عُنُقي بوِثَاقِ رغبَتِه.

بدَّدَ قُوَّتي،ونَزعَ قُوْتي،

ثمَّ دَفعني إِلى أَيْدٍ حَديديَّة،

لاَ أَسْتَطيع منهَا خلاصاً.

أَبَادَ كُلَّ مَن كُنْتُ أَعْتَمِد عليْه.

حطّمَ شبَابي وهشَّمَ أَيّامي.

سَحقَ عَذَارى يَهُوذا،

وهَصَر أَغْصَانهَا،فَذَوتْ.

لهذا، أَنا أَبكي وأنوح.

عيْني…يا عيْني أسْكبي مياهَكِ،

لأَنَّ(المُعَزّي) قَد خذلكِ.

لقد هلكَ أَوْلادي،

ولنْ تقومَ لهُم قائِمَة.

صَهْيونُ تسْتَغيث…

وليسَ مِنْ مُغيثْ!

ليْسَ مَنْ يَمسَح لها دَمعَهَا.

أَمرُ الرّبِّ على يعقوبْ

أَنْ يكونَ تحتَ رحمَةِ أَعدائِه.

أُورْشَليمْ أَصْبَحَت رَجِسَةً نَجِسَة!

صَالِحٌ هوَ الرَّبِّ العظْيم،

لأَنّي قد خالفتُ إرَادتَه.

أَصْغوا،يا جميع الخلائق،

وانْظروني في حزْني.

العَذَارى والشّبَّانُ

قَد سبَاهم الأَعداء.

أَمَّا مُحِبّيَّ

فقَد خَدعوني!

كَهَنَتي وشيُوخي

قد مَاتوا في سبيلِ كسْرة،

وليسَ مَن يَدفنهُم!

أُنظرْ،يا ربَّ الأَربابْ،

إِلى ضِيْقي العظْيم.

أَحشائي قد اضطَرَبَتْ،

لأَنّي قَد عصَيتُك بتمرُّد.

يا جميع شعوب الأَرضْ،

اسْتمتعُوا إلى صُراخ روحيْ.

وَيلاَه!ليْس منْ مُعزٍّ!

كلُّ أَعدائي سَمِعُوا بمصيبَتي.

هم فرحوا لأَنَّ اللهَ ضرَبَني.

ولكن،سَيَأْتي يَومٌ قريبْ

يُصَابونَ بمَا أُصِبْتُ بِه.

ليأْتِ كلُّ شرّهم أَمامكْ،

ولْتَفْعلْ بهم مَا فعلتَ بي،

منْ أَجل ذنُوبي الرّهيبَة.

آه!يا الله!

أنظرْ إلى تَنَهُّدات قلبي الكسير…

(فقَد غُشِيَ عليَّ).

أُورْشَليمْ المدينة المقَدَّسَة

 

النَّبيّ إِرْميَا يُتَابعُ سَرْدَ المِحَنِ والرَّزَايَا وأنوَاع َالبلاءِ والشّقَاءِ التي

 أُصِيبَتْ بِها أُورْشَليمْ المَدينَة المُقدَّسَة

كيفَ حَجَبَ السَّيدُ ببركان غضَبِه،

مدينَةَ صهْيونْ،

فجلْبَبَهابأَقْتَم ظلام؟!

صَبَّ عليهَا من السَّماء جَام غَضَبِه،

فَخَرَّ إسْرائيلُ،وتبدَّد كالخِرافْ!

هدَّمَ السَّيدُ جميعَ مَساكن يعقوب!

قَوَّضَ بسخطِهِ حصُونَ بناتِ يَهُوذا،

ودكّها إِلى الحضيض!

نجَّس المملكَة العظيمة،

وهزأَ برؤَسائِها وقوّادِهَا.

سلّطَ غَضَبه على كلّ قرنٍ لإسْرَائيل.

أَلقى بنيرانِه فالتهمَت الاخْضَر واليَابسْ.

سدَّدَ قَوسَه الذي لا يخيبْ،

وأَطلقَ عليهَا نبَالَه.

قتلَ كلَّ مشْتَهيَات العَيْن،

في خُدور عَذَارى صهْيون.

سَكَبَ نيرانَ غضبِه كغَيثٍ مِدْرار.

ابتَلَعَ جميع إسْرائيل.

رَدَّم كَافّة قصُوره،

واجتثّ كلَّ حُصونِه.

منَحَ بناتِ صهْيون النّوحَ المرير.

نَزَعَ الأَفراحَ،واسْتَبدَلَ بهَا الأَتْراح.

لمْ يَعُدْ منْ موَاسِمَ ،بَعدَ اليَوم.

أَذلَّ الملك،وَسَخِر بالكاهن.

أَشَاحَ بوجْهِهِ عَن مذبحِهِ،

ورَفضَ ،أَيضاً،مقدسَه.

سلَّم العدوَّ أسْوَارَ القصُور.

قصَدَ الرّبُّ أَنْ يؤَدِّبنَا،

لأَنَّ أَعمَالنا كانَت مَرْذُولة.

توَعَّدَنا فلم نرعَوِ،

لهَذا،أَسرَعَ بمجَازاتِنَا.

جَعَلَ المِتْرَسةَ والسّور ينتحبان…

قَد حزِنَا معاً.

الأَبوابُ ناحَت في أَرضهَا.

أَبادَ عوارضهَا،وحَطّمهَا.

جَعَلَ مَلِكَها وَرُؤسَاءَها

عِبْرةً لأُمَمِ الأَرض.

الشريعَةُ لاشَاها.

أَنبيَاؤهَا حَجَبَ عنهم

الإتِّصَالَ به.

فلا رؤْيا،ولا وَحي

يوحيه إليهمْ.

عُظَمَاءُ بنت صهيون ،وشيُوخُها

يُعفِّرونَ جباهَهُم بالرمَاد،

وهم صَامتُون!

أَمَّا لِباسُهُم فمسُوح!

عذارى أُورْشَليمْ

يَسِرْنَ مُنحْنِياتٍ إلى الأَرض!

تورَّمتْ  عينايْ من كثرة الدّموع،

وتَقَرّحَتْ أَجفانيْ.

اضطَربَتْ أحشَائي،وتَدفَّقت.

إِنسحَقَتْ كبديْ

على عَار بنتِ شعبيْ.

قُتِلَ الأَطفالُ في السَّاحات

ومُثِّّلَ بِأجسَاد الرُّضَّع!

ومَن سَلِمَ مِنْهُم

يطلبونَ من أُمَّهَاتِهم

فُتَاتاً مِن (الخبز)،

فتجيْبهم أمهاتهم بالبكاءِ الصَّامِتْ،

فتفيضُ أروَاحُهم البَريئَة،

وهُم في أحضَانْ مَنْ وَلَدَتْهُم.

بماذا أُنْذرُكِ.وبِمَ أُشبِّهُكِ،

يا ابنَةَ أُورشَليمْ الثَّاكِلة؟

يا عذراءَ صهيُونْ المُصَابة؟

لأَنَّ بَليَّتَكِ رَهيبَة،

وحُزنَكِ أَعظَم منَ البَحر!

أَنبئني مَن يَشْفيكِ؟

أَنبيَاؤكِ تَنَبَأوا لكِ كذباً،

وتَفَوَّهُوا بالبَاطِل،

إذْ لَم يُعْلِنوا لكِ إِثمكِ الشِّنيع،

كي تتُوبي،قبلَ أنْ تدقَّ سَاعَتُكِ،

بل رأَوا لكِ وَحياً كاذباً.

                        ***

يا أُورشَليم! يا أورشَليمْ!

أُنظري كيفَ يُصَفِّقُ عليكِ بالأَيدي

كلُّ عابريْ الطّريقْ،

يُصَفِّرونَ على عَذَاراكِ،

يستَهزئونَ قائلينْ:

أَهذه هيَ المَدينَة الفَتَّانَة؟

أَهذه هي المدينَة المُقدَّسَة؟

أهذه هيَ أجملُ مَدينَة على الأرضْ؟

يشتمونكِ ويهينونكِ

وهم يحرقونَ عليكِ الأسْنَان.

يَتَبَاهَوْنَ قائِلينْ:

لقد أَهلكناها،

لقد وَطئنَاهَا بأَقدامنَا.

هذا هوَ اليَومُ الذي كُنَّا نرجُوه،

وَقَد تمَّ!

لقد شَاهَدنا ذُلَّ أورشَلِيمْ.

لقَد فَعَل الرّبُّ مَا أرَاد،

وَأنجَزَ ما وَعَد بِهِ منذ الأزَل.

قَد أبَادَ،ولاشى،ولم يُشْفِقْ.

أَشمَتُّ بكِ أعداءَكِ.

يا أَسوَار بنتْ إسرائيل،

صُبّي الدمعَ هتَّاناً،

واسْكبي جميعَ ما تختزنينَه

في أعماقِ مآقيكِ.

أَطلِقي لهُ العَنَان،

وَدَعيه يجري كالأَنهَار،

في اللَّيل والنّهار.

لا تطلبي الراحَة،ولا تكفِّي.

قوميْ واهتفي

في منتصفْ الليل،

واضْرعيْ في أَوَّل الهزيعْ.

أُسْكبيْ قلبَكِ بمَرَارَة

أمامَ وجْه السَّيِّد،

علَّهُ يرحَم ويرأَفْ.

إرفعي أكُفَّ الضَّرَاعَة

لأَجلِ أطفالكِ الجِيَاع

الرَاقدينَ في المنعطفاتْ،

والمتأَوِّهينْ في رأسِ كلِّ شَارع.

أنظرْ،يا ربُّ،ماذا صَنَعتَ:

أَتَطْبُخ النّساءُ فلذاتِ أكبادهنّ

كي تسدَّ جوعَهنّ؟!

أيُقْتَل في مقدسكَ

النَّبيْلُ والكَاهِنُ والنَّبيّ؟!

في الشوارع القَذِرة

استلقى الشيوخُ والفتيَانُ؛

والعذارى استباحوهنَّ!

والشّبّان سقطوا بالسّيفْ!

قد مثَّلتَ…في يوم حُمُوِّ غضَبِك!

ذبَّحتَ…وَلم تُشفِقْ!

لم يبقَ في يَومِ ثورتك

ولا ناجٍ!..

فرحمتَك!

الذينَ حضَنتَهم وَعَطفتَ عليهمْ

أبَادَهم،وعَصَفَ بهمْ العدوُّ!

إِرميَا يندبُ نفسَه

 

إرميَا في القُدسِ يَندبُ نَفسَهُ بانسِحَاقٍ وَمَرَارَة

أنا هو الرجُل التّاعسْ

الذي شَاهَد الذّلَّ العَظيمْ،

بعد أَنْ حَجَبَ اللهُ وجْهَهُ عنّي.

قادني في ظلامٍ بهيْم

حيثُ لا بصيصْ من النُّور.

هرَّأ لحميْ،وسَلَخَ جلديْ،

ثمَّ سَحَقَ عِظَامي.

سَقَانِي الصَّابَ والعَلقَم.

أَحزنَ روحيْ،وأَظلم نفسيْ.

دفعني إلى مسْكن الظلماتْ

حيث المَوتى تحتَ الثََّرى.

أَحاطني بسيَاجٍ كثيفْ،

فلا أَستطيعُ المهْربُ.

ثقَّلَ عاتِقي بسَلاسِلَ من فولاذ.

حينما أَسْتغيثُ طالباً رحمتَه،

يصدُّ صلاتي فتعود إليّ.

أَقام أمَامي حجَارة قويَّة،

ردَّم سُبُلي،

أطلقَ في طَريقي دبّاًً مفترساً،

وأَرعبني بأَسَدٍ يتحفَّز للانقضاضِ عليّ.

مزَّقَ آماليْ وبعثرها

في مغاربْ الأَرضْ ومَشَارِقهَا.

جعلني خربةً، مقَوَّضَةً،رُكَاماً.

أَقامني كهَدَفٍ لِنِبَالِ قَوسِهِ،

وَرَاح يرميْني بها فمزَّقَتْني.

أَصبحتُ مهزلةً لكلِّ شعبيُ،

يُصبِحونَ على سيْرتي ثم يُمسُون.

ملأَ فمي بالمُرِّ والأَفسنتينْ

حطَّم أَسنَانِي بالحصىْ.

كبَّسَني برَمَادِ المَوتَى.

أَبعَدَ السَّلامَ عَن نفسيْ.

أصبح الماضي ذِكرَى تُرَاوِدُ روحيْ.

بادَت ثِقَتِي واضمحَلَّ رَجَائي.

أَصبَحَت ذَلِيلاً مَرذولاً.

حيَاتي مُشبَّعة بالأفسنتينْ الكَريْه.

الذكرياتُ القَديمة تقضُّ مضجعي،

فتَنحني نفسي وتئنّ.

إنَّ مَراحِمَ الله لا تزول.

هي جَديْدةٌ في كلِّ فجر.

نصيبي  هو الرّب:

قالت ليْ نفسي.

من أَجل ذلكَ أَرجوه.

عطوفٌ هو الرّبَّ؛

لأنَّه لم يُفنِنا ويُبِدنَا.

هو يُشفِقُ عليْنا،

ويحنُّ للنفس التي تطلبُه.

حسَنٌ للإنسانْ أنْ يرجُوَ الرَّبَّ

ويَتوقَّع يومَ خَلاصِه بإيمان.

جميلٌ للرجُل أنْ يحملَ نيره،

وهو ما يَزَال في عنفوانِ شبَابه،

يجلس بمفرده ويصمتْ؛

لأنَّه قد صنَعَ حَسَناً.

يأخذ قبضةً من التراب،

ويضعها بفمه علَّه يوجَدُ رجاء.

يكشفُ خدَّه لِضَاربِه،

يشبعُ مذلَّة وعَاراً؛

لأنَّ ربَّ الأربَاب

لا يرفضُ إلى الأَبَد.

فإنَّه،ولو أَحزَن،

يعُودُ فيرحَم؛

لأَنه إله.

الله لا يُذِلُّ قلبَ إِنسَانٍ حتى الأَبَد،

ولا يدوسُ بقَدَمَيهِ خائفيْه.

لماذا يَشتكي الِإنسان،

ما دام قد أَخطَأَ وَاستَحَقَّ الجَزاء؟

لِنَفْحَصْ طُرقَنَا وَلْنمتحنْها،

ولنعُدْ إلى الرّبّ،

لِنَرفَع قلوبَنَا وأَيدينَا إليه.

نحن قد ارتكبْنَا الذّنُوبْ،

وعصَينا أَوَامِرَه الإلهيَّة.

أنتَ نَصَحْتَنا،

ولم نُصغِ لنُصحِك.

إِلتَحفتَ بالغَضَبْ،و جَازَيتَنا.

أَبَدْتَ ولم تَرحَمْ.

حجبتَ السَّماءَ بالضَّبابْ الكثيف،

كي لا تنفُذَ صلواتُنا إليك.

جَعَلْتَنا عِبْرةً لكلِّ شعُوبْ الأَرضْ.

فتَحَ أعداؤنا أفواهَهُم علينا.

خيَّم علينَا خوفٌ ثقيْل،

وأحَاقَ بنَا رعبٌ قتَّال.

سَكبَتْ عَينَايْ ينَابِيعَ غَزيرة

على ذلِّ ابنَة شعبيْ العَذرَاء.

عينَاي تُهرقانْ الدّمُوع،دُونَ انقِطاع،

حتَّى يُشرف الرّبُّ من أَعلى سَمَاوَاته،

ويرحم ذلَّ عَذَارىْ أُورشليمْ.

قد أَمسَكني أَعدائي الأَقوِياء،

مثلما يُمسِك الشّرَك صِغارَ العَصَافير.

أَلقُوني في جُبٍّ سَحيق،

وأَلقُوا عليَّ حجَارة.

طغَت الميَاهُ فوقَ رأسيْ.

يا ربُّ،دَعَوتُكَ بحرَارَة،

من أعماق البئْر الرهيبة.

إِسمَعْ صراخَ روحي،

ولا تحجبْ رحمتَكَ عنّي.

واسمَع صيَاحيْ المتَوَاصِل،

وكفكِفْ زَفَراتي.

ها أَنتَ تَرى سَيفَ نقمتهم،

المُصْلَتَ على هَامتي.

 سمعتَ تعييرَهم،

وها أنتَ ترى مؤَامرتَهم.

جازِهم ،يا ربّ،حسب استحقاقهم،

وبحسب عَمَل أَيديهمْ،

أُحْجُب عنهمْ رحمتَكْ،

وصُبَّ عَليهمْ لعنتكْ.

أَبِدْهم وأفنِهم،يا ربّ،

من تحت سمَاواتكْ.

 

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!