الفكر الفَلسَفيّ
حول الدكتور داهش والداهشيَّة
الحقيقةُ الصادِعة
أطلَّتْ ربَّةُ الفجرِ على الآكام، فانتصرت على جبابرةِ الظَّلام
فزرتُ تلك الغيضةََ المُزدهرة بأنواع الرياحين
وأحاطت بي رباتُ الجمال الرائعِِ والِّسحْر المُبين
وراحتْ كل منهُنَّ تُوسِعُني ضمًّا وشَمًّا وتقبيلا
فانتشتْ نفسي وهي بين الرياض، وتذَوَقَتْ إكسيرًا سَلسَبيلا
وفجأةً اصطدمتُ بالحقيقةِ، فإذا بي أهيمُ في عالمَ الأَحلام
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
قَرَاءَاتٌ وَإِضَاءَات
حوارٌ وجوديٌّ بين روح النصّ وروح القارئ الناقد
قَرَاءَاتٌ وَإِضَاءَات
"سر سلة القصب"
قراءة سليمان جمعة
في “سر سلة القصب” قصة للدكتور داهش من قصص غريبة واساطير عجيبة ج. 1
النص:
سر سلة القصب
في سكينة الليل كانت سلة قصب قابعة على سطح خزانة عجوز، بجوار زهرية من الخزف ، فسمعتهما الخزانة يتحاوران حوارا حميما غريبا!
ما بهن يتهامسن في هدأة الليل؟أتختلج ترى، نسمة الحياة في سلة القصب،وزهرية الخزف، وخزانة السنديان؟!
كيف يتفاهمن، يا ترى؟!
الروح يهب حيث يشاء .
الروح يمكنه ان يسكنها.
ايسكن هيكلاً من اللحم والعظم ، ويستحيل عليه السكنى في القصب او السنديان او الخزف ؟!
لا.
قالت سلة القصب:
كم من الذكريات بعثت فيّ عن الزمن السحيق!
موسى النبي عرفته قبل مولده ؛فروحه النقية ،قبل ان يتجسد في هذا العالم ، كلنت تسبح الله في الملأ الاعلى .أما انا فقد كنت ملاكاً يمجد الخالق بجوار النبي العظيم .
ثم حانت الساعة التي اوجبت عليّ أن أسانده في رسالته على الارض.
سجدت للكائن المبدع ، باري العوالم، والغبطة تملؤني ، وباشرت تنفيذ مهمتي ؛ وهي أن تتغلغل روحي في طاىفة من القصب كانت تنمو على شاطىء النيل .وسرعان ما قمت بواجبي.
واذا أم موسى تلهم ان تاتي وتقطع ذلك القص. ثم تنكب على حبكه سلة،بنشاط عجيب.
وانجبزت حبك السلة التي كانت سلاح الانقاذ الوحيد الذي امكنها ان تشهره بوجه امر فرعون:” أطفال العبرانيين الذكور جميعهم يجب ان يهلكوا
على ارض مصر”.
وانهمر من عيني الام دمع مدرار روى المهد المنقذ الذي سيحمل موسى .
وتابعت سلة القصب قائلة:
_ وضع الطفلُ في زورق القصب البدائي ، ودُفع فوق أمواج النهر ، وكانت روحي تحرسه، نافحة في اللحظة المناسبة .النسائم اللطيفة حوله ،وحادية زورق الامل نحو الأميرة المصرية.
وأثارت روحي الرقة والشفقة في قلب الاميرة ،وأوحت لها ان تنقذ الطفل وتربيه بنفسها في قصرها. كان رائع الحسن ،يخلب جماله لبها.
لا ،لن يموت،انها ستنقذه وتتبناه.
ويروي التاريخ المقدس وقائع القصة :
كانت مريم اخت موسى تراقب تلك الناحية ، وستار من الاشجار يحجبها عن الرؤية .ولكن، لا شيء كان يفوت نظرها . واذا بموكب ملكي يتقدم الى ضفة النهر…
أما هناك ،في منزل الصبي، فقد كانت الام تنوح ، ناقمة على الاقدار التي فجعت شعبها ..كانت ترتعش خوفا وتنتظر…
وبينما كانت الوصيفات والجواري منهمكات حول ابنة فرعون ، مهتمات بأمر اغتسالها في النهر ، لمحت الأميرة السلة وهي ترقص على الامواج تحت اشعة الشمس.وتلبية لأمرها اسرعت الإماء نحو مهد القصب، وحملنه اليها . لقد كان اكتشافا مثيرا : طفل وسيم يبتسم للجميع، فيتناقلنه ويداعبنه.
وقررت ابنة فرعون أن تأخذه. لكن، عليها ان تؤمن غذاءه وتربيته. انها في حيرة !
ترى ما العمل؟
واذا بستار الاشجار الذي يحجب مريم وتحرك تحركا عجيباً، فتظهر من ورائه صبية خائفة،حيية،تحاول الهرب من وجه ذلك الجمع.
تبعتها الجواري فأدركنها،وقدنها الى الاميرة ،فاستجوبتها،
وأبدت الصبية أنها لا تعرف شيئا عن امر الطفل والمهد. فأُوعِز إليها ان تسعى في البحث عن مرضع بين العبرانيات.
ولم تجد شقيقة موسى فرصة مؤاتية افضل لنأتي بأمها ،كمربية للطفل..الى الاميرة .
واعجبت ابنة فرعون بها ،فأسندت اليها عدة نصائح ووعدتها بأجر كبير لقاء تعهدها للصبي.
وتعبت سلة القصب من الكلام . لكن زهرية الخزف ما كان النعاس ليراودها.
_ارجوك، أكملي
قالت لها .
فتابعت السلة حديثها قائلة :
الزمن الهارب يمضي سريعا ، لكن مصر والنيل يكادان يلامسان الازل .
اما شجيرات القصب فهي ما تزال حية ، وضفاف النيل ما برحت آهلة بجماعات كثيرة منها؛
فيها ينفح سيال من روحي مرجعّاً أصداء ذكرياته القديمة.
لم تنس السلة القابعة على سطح الخزانة الماضي البعيد؛لكنها سكتت بغتة وحبست انفاسها.
امر غريب حدث، هذا المساء :
حضور رجل غير عادي أثار في روحها ذكريات غير منتظرة !لقد شعرت بهزة ..برعشة داخلية!
خاطرة غريبة عبرت في رأسها ..وكانت على وشك ان تبوح بها :
_ أيكون موسى قد عاد الى الارض؟!
ما رأي زهرية الخزف وخزانة السنديان؟
في هذه اللحظة حدثت في الغرفة حركة مفاجئة ..صعد احد سلما صغيرة بسرعة وقوة وبخفة ورشاقة امتدت يده الى سطح الخزانة ..وأمسكت سلة القصب واوقفتها عن الكلام.
صمتت هي والسر باقٍ!
لكن برقا ومض على بياض الجدران ..متعرجا..
وهبط الليل.
بيروت ،٣٠_١٢_١٩٤٤
الدكتور داهش
من قصص غريبة واساطير عجيبة ج. 1
#القراءة
رؤية الى العالم جديدة
..
نسمة الحياة دبت في سلة القصب وخزانة السنديان وزهرية الخزف ..فها هن يتحاورن .. ولكن بأي لغة والراوي يصغي اليهن ويتساءل
ويجيب ..كما الروح تسكن هيكل البشر فهي قادرة ان تسكن هيكل القصب و زهرية الخزف وخزانة السنديان ..فليس ذلك بغريب. فالروح تهب حيث تشاء ..
الحوار بنية حوارية مختلفة
البشري يصغي لحديث من يظنهم جمادا ولهم هياكل مثله .. مالغتهم ؟
والبنية الاخرى ان الروح التي تغلغلت في حقلة القصب كانت ملاكا في الملأ الاعلى تسبح الله بجوار النبي العظيم .
فنزلت لتساعده بعد ان تجسدت روحه في عالم الارض .. تلك رؤية اخرى الى علاقة السماء بالارض وان له من يساعده من الارواح ..
اذن ، ألم تتغيير رؤيتنا الى الموجودات وااى علاقة السماء بها وبالانبياء ؟
النبي بنية اخرى .
يبعث برسالة لاقامة منظومة معرفية تساعد البشر في نبذ الظلم وقهره واقامة العدل والسعي الى السلام الروحي … فهل تتركه السماء وحيدا ؟ لا ..
ولكن النص يخبرنا ان فرعون امر بان يهلك كل اطفال العبرانيين خوفا على سلطته ..تناص مع نص مقدس .. ولكن النص كشف حركة هذا التناص وكيف كان ….
وكيف الهمت ام موسى ان تحيك من القصب التي تغلغل فيه روح ملاك وهي لا تعرف ولكن السماء تعرف وفرعون لا يعرف .. هو اي فرعون له حركته كملك وسلطة والسماء لها حركتها تحمي بها رسالتها ..ولكن هناك كثير من الاطفال قد ماتوا وصار نحيب وبكاء .. لا نحكم على ذلك فاننا نجهل حركته .. اذن حاصر الخوف فرعون فتحرك لانقاذ نفسه بقتل الاطفال ..وتحركت السماء لتنقذ الطفل موسى من هذا الحصار وذلك بنافذة روحية رسمتها السماء وينفذها فريق مختلف من الموجودات بشر وكائنات نباتية ومائية وهوائية .
كلها تستجيب للايحاء للروح .. هذه الرؤية للحركة في الوجود جديدة ..تجعلك تشعر ان كل شيء يراقبك ويتحرك نحوك ويصغي لداخلك ..ويدعوك ان تقرأه بروحك بحدسك..
اذن ..البنى تتحرك لهدف هو انقاذ او فك حصار الموت عن الطفل وحركة اخرى مضادة تتتحرك لفك حصار الخوف عن فرعون ..
الام تلهم ان تحيك السلة وان تضعها في النهر الروح تحرسها ترسل النسائم عليها تدفعها الامواج باتجاه موكب ملكي ..كلها حركات مرسومة بدقة ومخفية .. اخت موسى تراقب الموكب والسلة .
تسترها الاشجار ..الرح تحرك الاشجار لتكشف الاخت ..ليراها الموكب ياتي بها وصيفات الاميرة ابنة الفرعون فتدلهم على مرضع وذلك بعد ان الهمت ااروح نفسها الاميرة بذلك ..اذن انقذ الطفل ليربى في قصر فرعون وجهل فرعون الامر .. حركة الروح لم تهدأ تحرك البنى المشكلة للنص باتجاه فك الحصار اي انقاذ الطفل ..
هدأت سلة القصب عن الحكي..ولكن امر غريب حدث بعيدا عن شريط الذكريات التي بعثت فيها الآن في هذا الزمن ..وهي قابعة فوق خزانة السنديان بقرب زهرية الخزف ..شعرت بروح تعرفها ..فتساءلت : “ايكون موسى قد عاد الى الارض”..
فلمسها احد فاسكتها واومض ضوء على الجدران ..وهبط الليل .
هنا نحن امام رؤية اخرى تربط البنى المعرفية عبر الزمن وهي ان الذي كان يصغي والضوء الذي ومض هم انفسهم ابطال الانقاذ ..
فوحدة موسى الروحية مع الراوي او الكاتب الضمني
وهو السيال نفسه …الذي تغلغل بالقصب وومض على الجدران وهو الذي الهم ام موسى وادخل الرأفة الى قلب الاميرة.
من هنا يمنحنا النص رؤية الى وحدة الانبياء ودور السيالات التي تنزل لمؤازرتهم في تأدية رسالتهم ..ولا يعرف بهم الا هو .. “وايدناه بجنود لم تروها “..
النص يغنينا بان يضيف الى ما نعرف من ذكر قديم ضوءا نقرأ به ..
فمثلا عرفت وانا المؤمن بالتقمص ان سيال مريم اخت موسى
هو نفسه سيال مريم ام عيسى بقول القرآن يا “اخت هارون ..فدمج وظيفة هارون” الكاهنوتية والاخوة ..
فالسيال عبر الزمان الى ان وصل الى رسالة اخرى فاصطفاه الله لدور جديد . وهكذا يتغلغل فينا النص لنرى به الى الوجود بصورة مختلفة ..آمنا بذلك ام لم نؤمن ..ولكنه ادى الوظيفة الجمالية ..من الادب الرسالي .
أيها الغريب أنظر
ادب الدكتور داهش يقدم رؤية جديدة الى العالم ..فنرى بها اشياء الوجود كمن نراها لاول مرة جديدة..
ونرى الى الانسان طاقات ان احسن الافادة منها عاش سلامه ..
لذا سنرى جسد النص له بنية تتناغم مع الرؤية
بلغة سهلة وتراكيب تبدعها الرؤية نفسها ..لذا ارى ان جمالية هذا الادب هو قول الحقيقة الروحية على لسان حركة الحياة المتخيلة للحقيقة/الفكرة التي يقدمها ..فالمفردات دقيقة والتراكيب لا تحكمها فزلكة او انزياحات انما هي صورة ناطقة لفاعلية المعنى وحياته..
فقوة السبك فيها تأتي من حقيقتها ..
كل ذلك متجسد في هذا النص من “#ضجعة الموت ” بطبعتها النثرية التي صدرت للدكتور داهش في الثلاثينيات بخط خطاط ماهر ..وكل نص فيها ترفده لوحة توازي الفكرة ..
____
النص
أيها الغريب أنظر
ها قد اجتازت روحي في جوف هذا الليل الصامت الرهيب
السهول الشاسعة؛ وانحدرت في بطون الاودية السحيقة؛
وها قد ارتفعت فوق قمم الجبال الشامخة الذاهبة في الفضاء ؛
ها إني أرى السماء قد فتحت لي أبوابها ؛
ها إني أحس بأن روحي تخترق أجواز الفصاء بسرعة رهيبة؛
ها إني أرى جنان النعيم الخالدة بأشجارها الباسقة الوارفة، ورياحينها الغضة العجيبة التي لم تكتحل بها عين بشرية الى الآن؛
وها هي معبودتي( ديانا) تعزف على قيثارها السحري الشجي،
والحواري الفاتنات يحتطن بها مصغيات
لعزفها الساحر.
#الدكتور داهش
“ضجعة الموت”
القسم الخامس ١٧
_____
#القراءة
“..ايها الغريب انظر “
كإعلان لبدء الرحلة ..
يضعنا في حال ترقب نحن المتلقين وذاك الغريب ..من هو ذاك الغريب ؟
لا يفصح عن هويته الا بالغريب ..غريب عن ارضنا .؟ غريب عنه؟
ولكن ينبهه مناديا لينظر
بعين روحه”سياله الروحي” ..الى وجود سيظهر امامه وامامنا..وسيكون التنبيه عند كل منظر او افق او فلك ..ب “هاء” التنبيه ..
من هو الذي ينادي وينبه؟
هو سيال سام يسري ويعرج الى السماء !
يجتاز في الليل الرهيب السهول والوديان …بصفاتها الهائلة
هذه الاشارة الى عالم كامل ..ب “ال التعريف” ..اي تتجاوز هذا المكان ..كل الارض..
يخبره ويخبرنا ..انه يسري افقيا ثم يرتفع فوق الجبال الشامخة ..فيكون الاسراء بعد الافقية عموديا .. والتنبيه يتتالي ..”ها إني” …
السرعة رهيبة ..يجتاز اجواز الفضاء ..وتفتح له السماء ابوابها ..يرى النعيم ..واشجاره الوارفة وازهاره الغضة ..ويخبرنا ان بشريا لم يصل قط الى هناك لترى عينه ذلك الجمال حيث حبيتبه ديانا ..تعزف على قيثارها
وحولها الحوريات ينصتن خاشعات لسحر النغم السماوي ..
اذاً ..تلك رحلة عروج من ارضنا الى عالم النعيم ..
لنفس تاقت الى حبيبها ..فأذن لها ..ان تعرج الى هناك ..
الرؤية جسدت لنا عالم الرحلة ودعانا ان نرى بعين سيالنا الروحي ما هو موجود اي حقيقة النعيم .. ..
هذا ما يريد ان يقوله النص ..
“الحقيقة الروحية” ..
ما الذي سمح لخياله ان يبدع هذه الحركة /الرحلة ..؟
هو اسراء”معراج” الانبياء..ليروا آيات الله في ما خلق ..
هذا الذي اسرى هو “سيال” للدكتور داهش..اذن له ان يزور سيالا له ساميا ..بتجسيد ربة الجمال ديانا “حبيبته”اي قسيمه الروحي كما كل الكائنات ..في عالم..نعيمي مادي ..
فلو ذهبنا الى الآية في القرآن الكريم :
سبحان من اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ..(ان الله هو العليم البصير)..
لرأينا ان النص يكاد يفسر تلك الآية ….
من افق الليل الرهيب اي من الظلمة الى نور النعيم
..افقيا ثم ارتفع ..اي ان الاسراء هو المعراج نفسه ايضا..
أي السير دون ان تراه عين الا من سمح له بذلك !
ولكنه اخبرنا ..ان هدفه ذاته الحبيبة ..
هناك مسجده الاقصى ..حيث لم يصل اليه بشري قط..والرحلة كانت بالسيال الروحي ..من مسجد الحرام ..الى اقصى مكان في السماء حيث “الحبيب ” .
اذاً ..وبرأيي الخاص
يكون المسجد الاقصى آخر مكان يسمح للذي يعرج به ان يصل اليه..
مثل “سدرة المنتهى “..
#الدكتور داهش له قاموسه الخاص الذي يجيبه لتشكيل حركة المعنى الذي يريد ايصاله بسهولة لان رؤيته واضحة وواسعة ..تبني من يتعرف اليها كائنا كونيا ..روحيا مؤمنا بعلاقته مع السماء ..
فشعرية نصه هي حياة الحقيقة يجسدها حركة ..نخالها خيالا ولكنها الحقيقة الساطعة ..
بهذا النص وحركتها تخيلت معراج النبي محمد ص
الروحي ..كيف اجتاز سياله الروحي الارض سهولا ووديانا وارتفع فوق الجبال ..بسرعة الروح الرهيبة واجتاز اجواز الفصاء حتى وصل الى منتهى ما سمح له : “المسجد الاقصى” الذي بارك الله حوله ..اي سدرة المنتهى ..
هذا هو عالم ادب الدكتور داهش المدهش ..الجميل الذي يلهم النفوس سموها فيرسمه..ويلهمها رقيها وتوقها الى سلامها مجتازة ليلها الرهيب الى النور حيث تعزف الذات السامية لحنها الشجي الساحر..
سليمان جمعة
صورة عن النص من كتاب ضجعة الموت او بين احضان الابدية
الطبعة النثرية
للدكتور داهش
لماذا الابتلاء الالهي
أدب الدكتور داهش نظرة جديدة الى العالم ..وجمالية الحقيقة..ولحمة في النفس بين القول والفعل ..
___________
قراءة سليمان جمعة لنص للدكتور داهش
النص:
“أنا أؤمن بأنه توجد عدالة سماوية ،وأن ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغّصات وأكدار إن هو إلا جزاء وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثام وشرور ،ولهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة ومآسيها ،غير متبرمين ولا متذمرين ،بل قانعين بعدالة السماء ونظمها السامية “..
داهش
______________
//القراءة//
لماذا الابتلاء الالهي ولماذا يوصينا بالصبر ؟
هذا النص مأخوذ من مقدمات كتاب
“قصص غريبة واساطير عجيبة”
ج ٤__ تأليف الدكتور داهش.
وفيه يقدم د.داهش ملمح من ملامح التقمص ..كما القصص التي تقدم حالات واسعة من مفهوم التقمص الداهشي ..
وفي التقمص تظهر عدالة السماء التي يؤمن بها د.داهش كما يؤمن بالتقمص إيمانه بوجود الخالق جل جلاله ..
هنا يتكلم النص عن ولادة في الحياة الدنيا على الارض ..في صورة بشرية..
ويتكلم على منغصات واكدار وآلام يعانيها ..هذا الابتلاء هو جزاء عادل وفاق افعال كان قد اجترحها ضد غيره وضد القيم في دور حياتي له سابق ..فالعدالة قضت ان يعيشها هو ..مثلا كأن يولد اعمى ويعيش العمى جزاء ان قد تسبب بالعمى لأحد في دور سابق ..وهكذا ..
جاءت البنى المعرفية عامة في النص.
الايمان وهو امر مركوز في النفس نسلم به و وعيا نعيشه .. “الايمان بعدالة السماء “
منظومة معرفية من بنى غيبية ..
كيف نعرف او ندركها ؟ انها لمجال صعب الخوض فيه .
التقمص الداهشي بنية معرفية اخرى تقول بالولادة في حياة اخرى بعد الموت في الدنيا او في كوكب آخر ..يولد في هيكل بشري او غيره ..
والبنيات الاخريات :الآلام والمنغصات
والاثم والشرور ..
وبنية استقبال الالم او استقبال الجزاء بغير تبرم او تذمر .. كالصبر
وذلك من باب الايمان ..
لذا نرى شخوص الحال نحسها ولكن لا نغامر في الجزم انها من استحقاق العدالة الآن كبدء او كنتيجة ولكن علينا قبولها واجتراح الوسائل والافعال لتلقيها بكل ما نملك من امكانات ..بالصبر نخفف وقعها ..غير متبرمين ولا متذمرين ..
اذاً،
في هذا الملمح يقول لنا النص ان الحياة والموت هما في نظام التقمص …
ومن يقرأ قصص الدكتور داهش يجوس عوالم جديدة عن التقمص الداهشي كافية لتدخله في رؤية جديدة الى العالم الذي يعيشه .. وليصبح كائنا كونيا شاعرا انه منتم لهذا الوجود .
بالتقمص نجيب عن اسئلة ما زلنا نقف حيالها عاجزين ان نجد لها تفسيرًا مقنعا..
وبقبولنا الايمان به نقدر ان نتحمل متاعب حياتنا الطارئة وانها ..ك”عسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم “..
النص عقيدة تخطو بمفهوم التقمص الى مجال لم يعهد لدى من يؤمن به من البشر على وجه هذه الارض ..
وكل ملمح في القصص هو ولوج الى مجال آخر جديد لم نعهده من قبل ..
ليتشكل لدى القارىء عقيدة بها يقرأ الوجود وعلاقاته معه..
به يكتب سلوكه ويقرأ سلوك الآخرين ..
اذاً،
نستطيع ان نفهم ان المنغصات والآلام والمصائب التي تصيبنا كجزاء هي #ابتلاء اي تنفيذ العدالة وعدم التبرم والتذمر يعادل الصبر ..
مما يذكرنا هذا بآية الابتلاء في القرآن الكريم :
بسم الله الرحمن الرحيم
[ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع
ونقص من الاموال والانفس والثمرات
وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون
اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون] ..البقرة ١٥٥_١٥٦_١٥٧
فنفهم اذن ان بنية الابتلاء فعل عدالة سماوية “ولنبلونكم” فالفاعل هم جماعة غيبية من الملائكة المنوط بهم ذلك ..
فالآية تذكر بنيات المنغصات والآلام كالخوف والجوع والنقص في الانفس ..كمصائب .. فالبشرى لهم اذا صبروا وآمنوا ان ذلك هو الرجوع الى “الله “…فالصبر بنية تدعو اليها الآية ..
وان عليهم صلوات من ربهم اي انهم بين يدي العناية الالهية (انا لله وانا اليه راجعون).. تلك بنية ايمانية نؤولها ..والرحمة بنية اخرى كذلك فعل الاهتداء الى ذلك اي نتلقى بشرى الصبر بان المبتلى يكون بين يدي العناية الالهية ورحمة من الرب . فالجزاء ابتلاء بسبب
فكثيرا ما نسأل لماذا نبتلى ولماذا يوصينا الكتاب بالصبر ؟
نستطيع نقول كما يقول نص الدكتور داهش ان الابتلاء هو جزاء على افعال اجترحناها في حياة سابقة . ..والصبر عليها اي تقبلها بلا تبرم او تذمر ..تلك رحمة وهدى ..اي عملية تطهر من اثم ..اتيح لنا ان يكون لنا بشرى بناموس هو التقمص ..
فالنص كالآية يشرب من نبع الصفاء نفسه
من روحية الناموس الالهي ..
بهذا الملمح من التقمص نقرأ الآية كروح للعدالة السماوية التي يبشر بها الانبياء..
سليمان جمعة
"الكلب الشريد الطريد"
أدب الدكتور داهش
-رؤية جديدة الى العالم
-وجمالية الحقيقة تنبثق مشرقة فيه..
-قراءة سليمان جمعة في أقصوصة
“الكلب الشريد الطريد”
للدكتور داهش
النَّص
كان كلباً هزيلاً، يجوب شوارع المدينة ؛واضعا أنفه نحو الارض ليتنسم رائحة طعام ما، دون أن يعثر على لقمة يتبلغ بها.
ويتجول في الأزقة والمنعطفات ،ثم يذهب الى ضواحي المدينة حيث تلقى القمامة ؛فيخوضها عله يعثر على عظمة يمتصها ليسد بها جوعه…ولكنه لا يفوز بطائل.
فيعدو الى المدينة ..ويقوده أنفه الى ملحمة يقف امام بابها ذليلا،منتظرا من صاحبها ان يلقي له شحمة او عظمة ليملأ فراغ بطنه
وكانت الامطار تتساقط بغزارة فتغمر جسده الناحل الذي لا شعر فيه يقيه،نوعا ،هذا المطر الهتان.
ويقترب نحو الباب ليحمي جسده الاجرب من هذه الامطار الغزيرة،واذا بصاحب الملحمة يركله بقدمه بقوة ،ثم ينهال عليه ضربا بعصا غليظة ،فيعوي من الالم الرهيب،ويلوذ بالفرار وهو يتوجع من هذا الضرب المبرح الذي قاساه دون ذنب جناه!…
ويدفعه الجوع الكافر ،بعد قليل، فيعود الى الملحمة عل صاحبها يرحمه فيلقي له بعض العظام.
لكنه ما كاد يصل الى بابها حتى تلقاه صاحبها بهراوة كافرة، ضربه بها بقوة على رأسه فشجه،وتدفقت الدماء منه غزيرة..
وجعل هذا الكلب المسكين يحتضر .
وأخيرا انطلقت روحه لتشكو هذا الكافر الذي انعدمت منه الانسانية ، فاصبح اشبه بالوحش المفترس منه بالانسان.
#الكلب القتيل اصبح اميرا
كان الامير مالكولم شاباً جميل المحيا، له من العمر اربعة وعشرون عاما؛يملك قصرا فخما في ضواحي روما، تحيط به حديقة غناء فيها اشجار ذات اثمار جنية، تصدح على اغصانها الطيور البهية ؛فيظن المصغي لصداحها انها موسيقى الآلهة تعزفها الملائكة الأبرار.
وكان هذا الامير يحيا حياة بذخ وترف، تحف به كواعب حسان وتطربه القيان ،ويعيش في قصره المنيف بامان،غير عابىء بنوائب الحدثان.
#قاتل الكلب يتقمص
كلبا
خرج الامير مالكولم من قصره، ممتطيا صهوة جواده الاشهب؛ ترافقه خطيبته تيتيانا على حصانها الابيض.
وما ابتعدا عن القصر قليلا حتى شاهدا شرذمة من الفتيان وهم يضربون بالعصي والحجارة كلبا هزيلا مقطوع الذيل ،مصلوم الاذنين ، ضامر البطن ، اعمش العينين ،أجرب الجسم.
وكان هذا الكلب التعيس يحاول الهروب ،لكن لا سبيل له الى النجاة لاحاطة الفتيان له احاطة السوار للمعصم.
فنهر الامير الفتيان ،فتفرقوا مذعورين .
اذ ذاك ترجل عن صهوة جواده الاشهب ، وحمل الكلب الجريح .ثم اعتلى صهوة فرسه ، وعاد الى قصره ؛وأمر الخدم أن يضمدوا جراح هذا الكلب المسكين.
وقد دهش الامير عندما شاهد الكلب يذرف دموعه بغزارة !وكان يلعق يد الامير وكأنه يشكره على صنيعه معه!
وعندما غادره الامير انكمش على نفسه ، وأبى ان يتناول الطعام الذي قدم له ، وكانت دموعه تجري بدون انقطاع!
#الحلم العجيب
استسلم الامير للرقاد ، بعد سهرة عارمة قضاها مع خطيبته تيتيانا.
وعندما استيقظ في الصباح استدعى والديه وأشقاءه وخطيبته ..وقص عليهم حلما عجيبا تراءى له في نومه.
فذكر لهم انه حلم بانه كان في تقمصه السابق كلبا شريدا طريدا اضر به الجوع فجعل يجوب المدن والدساكر ، باحثا عما يسد به رمقه .
وقادته خطواته الى ملحمة لعل صاحبها يرق له فيرميه بعظمة .ولكنه عوضا عن اطعامه حطم رأسه بهراوة ثقيلة.
فجوزي بتقمصه الحالي ذلك الكلب الذي كان الاولاد يرشقونه بالحجارة ويضربونه بالعصي.وأكمل الامير قائلا:
أما أنا فقد كنت ذلك الكلب الذي قتل بهراوة صاحب الملحمة .
#المعتدي يجازي
نفسه
ودهش الجميع لهذا الحلم العجيب الغريب!
واندفعوا حيث الكلب ؛فإذا بجميع المحاولات التي بذلها الخدم لإطعامه قد باءت بالفشل الذريع.
وكانت دموع الكلب ما تزال تجري من مقلتيه الضعيفتين،.
وعندما شاهد الامير هجم عليه ، وراح يلعق يديه ،ويتمرغ تحت قدميه ؛
فذهل الجميع اذ تأكد لهم أن الحلم حقيقة لا شك فيها .
وفجأة اندفع الكلب راكضا نحو درج القصر ، وصعده بسرعة فائقة وركض الامير ومن معه وراءه.
وحينما وصل الكلب الى السطح.، ألقى بنفسه نحو الارض من ذلك العلو الشاهق..فإذا به جثة هامدة!
بيروت الساعة ٦ مساء
تاريخ ١١/١/١٩٧٥
الدكتور داهش.
#القراءة
قد نرى الى الخيال انه الواقع،
هذا النص يمتد على حياتين ، أو ولادتين .
وهو معادل موضوعي لفكرة/نظام التقمص الكوني الذي اتى به الدكتور داهش في ادبه وخاصة في كتابه ” #قصص غريبة واساطير عجيبة ” الذي يقع في اربعة أجزاء .. والاقصوصة التي نقرؤها هي منها ..
قلت انه نظام كوني فقد عبر د.داهش عن ذلك في كتابين ايضا هما النعيم في ٣ اجزاء وجعل في كل جزء خمسين درجة نعيمية وفي الجحيم في٣ اجزاء ايضا جعل في كل جزء منه خمسين دركة جحيمية؛
وهي عوالم مبثوثة في هذا الكون الرحيب..والارض الدنيا احداها ..
ويولد فيها من يستحق مستواها الروحي جزاءً وفاقًا لعمله فإن كان خيرا فله درجة نعيمية وان كان شرا فله دركة جحيمية ..
قصتنا” الكلب الشريد الطريد”
هي على مستوى الارض..
اذاً،
فالبنى المعرفية التي شكلت الحياة الثانية هي:
_الامير وحاشيته
_حلم الامير
الاولاد يرجمون الكلب
_انتحار الكلب .
يقابلها بنى معرفية شكلت الحياة الاولى “
_الكلب الطريد يجوب المدينة
_الكلب امام ملحمة الجزار
_الجزار يشج بهراوته رأس الكلب
_الكلب يحتضر حتى الموت.
الحلم هو القنديل الكاشف للقصة .
اخبر الحلم الامير انه كان في حياته السابقة كلبا هزيلا يجوب شوارع المدينة جائعا ..والجزار تقمص كلبا بهيئة مزرية في حياته اللاحقة ..يرجمه الاولاد..
الحلم ليس كالرؤيا فيحتاج الى تأويل..انما هو كشف لواقع يعجز العقل عن تفسيره ..ويطرح السؤال :
لماذا تسير الامور هكذا؟
في الحياة الاولى:
الكلب /الذي تقمص اميرا.. لم ينبر احد من اهل المدينة فيطعمه .. والفصل شتاء وهو اجرب ..جلده لا يقيه المطر.. هذا الحصار كان قاسيا ..:
جوع ومرض واناس غير مبالين.
الكلب اخترق حصاره رجاء ان يقدم له الجزار شحمة او عظمة ولكن الجزار ركله وضربه بالعصا ثم هشم راسه بهراوته.. فمات..
الجزار تحاصره ثقافة القسوة وعدم الاكتراث بحيوان هو مرذول .. بينما في المقابل ..
الامير /الذي كان الكلب المرذول …يتنزه في مدينته مع خطيبته الحبيبة وفي ربيع ..ويخدمه الناس من حاشيته ..
هذا الانتقال من حياة قاسية الى حياة رغيدة
هي استحقاق لا ندري كنهه لانه من الغيب والاسرار ..يتولى نظام التقمص بالمفهوم الداهشي العمل به ..
ونرى ايضا البيئة التي تحيط بالامير تحمل ثقافة الجزار نفسه .. ونرى الاولاد يرجمون الكلب_الذي كان الجزار الظالم بتأثير ثقافته وبخله ..
وذلك جزاء ما كان يسلكه في حياته السابقة .
الامير/الكلب ينتشل الكلب / الجزار من محنته ويحمله معه على حصانه وذلك تكريما له انه يركب ركب امير ..بينما الجزار /الكلب ..قد ركله برجله وضربه بعصاه وشج رأسه بهراوته فقتله..
الامير /الكلب سابقا
يأمر خدمه بتضميد جراح الكلب الجزار سابقا ..
نفس الكلب/الامير ارتقت بعذابها لتُعطى الرفاهية .. ونفس الجزار تسفلت بظلمها فجوزيت ان تكون في بيئة ترجمها..
الكلب /الجزار عرف الامير وماذا فعل معه فأخذ يلعق يده كأنما يطلب العفو والسماح منه فتكلمت دموعه معبرة عن ذلك .. وقرر ان يجازي نفسه فانتحر..
هل انتحاره سيمنحه في تقمص حياة اخرى لها مستوى جميل ؟ لا ندري فذلك سر لا ندركه .
والحلم اخبر الامير ..
فالمفارقة ان الحيوان يدرك تقمصه السابق والانسان يحتاج الى ما او من يخبره ..
وتعلمنا القصة ان النفس التي تسكن هيكل كائن حيوان قد تسكن هي ذاتها هيكل كائن انسان.. فالتقمص للنفس والهياكل سكناها ..
والهيكل قد لا يدل على مستوى ايهما ارقى روحيا .. انما الفعل هو المعيار ..وقد تسكن النفس هيكل شجرة او فأر او اسد او قصب (كما مر معنا في قراءتي لاقصوصة :”سر سلة القصب” وهي للدكتور داهش..
التي بينت سر وحدة الرسالات السماوية او ما نطلق عليه “وحدة الاديان…” ..
او تكون في نسيم …
وقد تبقى على الارض وتسكن هياكل هي في الارض .وقد تغادر الى عوالم تستحقها وتسكن الهياكل الخاصة بها باشكال لا نعرفها ولها لغاتها ..وقد جاء ذلك في كتاب .د.داهش ” احياء على سطح القمر “.. و”كوكب فومالزاب “…
اذاً ..
القصة التي امتدت بين حياتين في عصر كان الحصان وسيلة انتقال …تحكي لنا
ان هذا الوجود الذي نرى كائناته تسكنها نفوس تتقمص تبع نظام كوني دقيق ..والفعل هو الاساس ..فلا عرق افضل من عرق ولا لون يتميز عن لون …. فهويتي هي الانسانية على الارض او النفس الكونية ..التي لها هذا الكون كله..
سليمان جمعة
