حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

إلى ملاك

 

 لقد طلعَ الفجر!… فإليَّ إليَّ يا ملاكي الّلطيف

حوّمْ في الفضَاء الرحب الواسع

وخُضْ في الخِضمّ الّلجِب الشَّاسع

ثم اصعدْ والمسْ روحي لمسةً منعشَةً رقيقة

وهيّا أكشفْ لي عَن أسْرار الحقِيقة

وهنا عاد الملاكُ فحلّق ، فإذا لجناحيه خفقةٌ ورفيف

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

قِراءةٌ في تَجلِّياتِ الحقيقةِ وتَسامي الكلمَة فِي أُفُق الوَعي

في محراب أدبه

داهش الأديب المعجز

 

 هذه الدراسة مقتبسة من الفصل الرابع من الجزء الأوّل

من كتاب “داهش الهادي الحبيب” وهو في ثلاثة أجزاء

 

ثقافته

من يتتبَّع نشأة داهش والظروف القاسية التي مرَّ فيها طفلاً وحدثاً وشابّا يتعذّر عليه أن يؤكّد أنه سيتمكَّن من تحصيل ثقافة ذات قيمة.

فإنَّه إثر وفاة والده سنة 1920 ، وُضِعَ في شبه مَيْتَم للأمريكان في غزير، لكنَّ صحَّته سرعان ما ساءَت . فلم يُمضِ في المدرسة أكثر من ثلاثة أشهر كانت كلَّ عهده بالدراسة النظامية . لكنَّ الفتى العجيب كان يشعر بميْلٍ قويٍّ جدّاً إلى تحصيل المعرفة واكتشاف أغوارها وأبعادها ، وقد أيَّده الله بذكاء خارق اقترن فيه الإدراك النافذ السريع بالذاكرة الفائقة التي يندر أن يسقط شيء منها بعد أن تستوعبه . فأكبَّ يُطالع ، بنهم ، كتاباً إثر كتاب . وإذْ كانت حاله ، في حداثته، عسيرةً لا تسمحُ له بشرائها ، فقد كان يستأجر معظم ما يقرأه .

ومع أنَّ حياته ، في مراهقته وشبابه ، كانت مُهدَّجة بالارتحالات المستمرّة بين لبنان ومُدن فلسطين والبلاد العربية ، وحافلة بالاهتمامات الروحيَّة واتِّصالاته بالناس ، فإنَّه استطاع ، في مدّة وجيزة ، أن يتحوَّل من مُتلقٍّ للثقافة الى مُعْطيها . فقد باشر وضع مؤلفاته الأدبيَّة الروحيَّة في حوالي العشرين من عمره.

وما أنْ أعلنَ رسالته الروحيَّة للناس ، في إبّان شبابه ، حتى امتلأت ساعات نهاره ومُعظَم ليله باستقبال الوافدين وعقد الجلسات الروحيَّة الإعجازيّة . ولم يمضِ سنتان ونصف على تبشيره القويّ بدعوته حتى بدأ الطغاة يشنّون عليه أعنفَ اضطهاد عَرِفَهُ التاريخ ضدّ صاحب رسالة روحيّة . ومع ذلك، وعلى همومه وأحزانه ، لم ينقطع عن القراءَة والتأليف .

وفي خلال الاثنتي عشرة سنة التي رافقتُهُ فيها قبل هجرته الى أميركا (1963-1975) تكشَّفت لي عظمة ثقافته : إنَّها تمتدُّ من الأدبِ موضوعاً في العربية ومترجماً اليها ، عبر مختلف فنونه ، الى التاريخ والرحلات ، الى الفلسفة والدين ، فإلى العلوم الحديثة كلّها ولا سيّما علوم الفضاء والفلك والإجتماع والإنسان .

وإنَّ أوسعَ مجالٍ ثقافيّ تميّز به وتفرَّد عن سائر الناس هو المجال الفنيّ ، بلا ريب .  فقد كانت له خبرة في الفنّ ، ولا سيما الرسم منه وملحقاته ، مُذهلة . ولم تكن الأخاديع الفنية العصرية من تكعيبيَّة وغيرها لتنطلي عليه. وقد استطاع ، في السنوات التي احتجب فيها عن الناس ، إثر اضطهاده ، أن يكتب بمساعدة بعض الداهشيين أكثر من نصف مليون رسالة للفنّانين والمعارض والمتاحف العالمية، الأمر الذي مكّنه من أن يجمع ألوف الكتب الفنيّة النفيسة ، وألوف المنحوتات واللوحات الفنية الأصيلة التي أرادها ذُخراً ثميناً للداهشيّة . ذلك فضلا عن جمعه مكتبة فكريّة تضمُّ نحو ستين ألف كتاب في مختلف المجالات ، وباللغات العربية والفرنسية والإنكليزيّة.

لقد عرفتُ الهادي الحبيب يقرأ بسرعة غير عادية ، ويخطُّ ، أحياناً كثيرة ، تحت الأسطر التي يقرأها . وكان معدّل سرعة قراءته ستين صفحة كبيرة في الساعة الواحدة ، أي ما يُعادل صفحة حاشدة في الدقيقة الواحدة . وكان يجلس، أحياناً ، أكثر من اثنتي عشرة ساعة متتابعة يُنهي خلالها مطالعة كتاب يُناهز الألف صفحة . ولا يقطعه عن قراءَته مَلَلٌ أو جوعٌ أو تَعَبٌ أو شرودُ ذهن . وعلى هذه السرعة ، كان يحفظ معظم ما يقرأه ، ويؤرّخه بالساعة والدقيقة على الكتب نفسها.

أحبَّ في الفنّ أعلام الكلاسيكيين ومن نهجَ على غرارهم ، واستهوته ، بنوع خاص ، الرسوم ذات الموضوعات الاسطوريّة ، وتلك الواقعيّة الغنيّة بمحتواها ومدلولها . وفي الأدب كان له تقدير خاصّ لشكسبير وطاغور وجبران خليل جبران. وكان يُحبُّ كلّ أدب جميل ونبيل وأصيل . أمّا الأدب الفارغ من الصدق ، القائم على مجرّد النحت اللفظي والزخارف والألاعيب البيانية ،  أو ذاك المغرور أو المستهدف إثارة الغرائز السفلية ، فلم يكن يُوله أيَّ اهتمام أو اعتبار . وفي الفلسفة كانت له محبَّة خاصَّة لديوجينس وسقراط وأفلاطون . وفي العلم لأينشتاين .وفي الحكماء الروحيين لبوذا وغاندي وعلي بن أبي طالب. وفي القادة السياسيين والعسكريين للإسكندر ونابوليون وهتلر . أمّا الأنبياء فكان يُوليهم تقديراً خاصّاً ، وقد حرص على مطالعة سِيَر أولئك العظماء ومن ماثلهم، وعلى قراءة مؤلَّفات الكُتَّاب منهم .

وكان صباح كلّ يوم ، ومدى عشرات السنين ، ينهض باكراً ، في نحو الرابعة صباحاً ، الوقت الذي تصل فيه الصحف اليومية ، فيتصفَّح حوالي عشرين جريدة أو مجلَّة عربيَّة، بسرعة غريبة ، واضعاً إشارات مميّزة على المُهم من أخبارها، بحيث تُقَصُّ فيما بعد لتضمَّها ملفّات مبوَّبة حسب الموضوعات .

وكم من مرَّة كنّا نُجالسُه واجمين فإذا به يدفعنا الى جوّ من المرح والفكاهة باستدراجنا إلى مُساجعته أو مُباراته في كتابة موضوع نختاره ، وقد يكون بيننا أدباء وأساتذة مزهوّون بتضلّعهم من اللغة العربية وبامتلاكهم زمام الإنشاء ، فتنتهي المساجعة أو المباراة الكتابيَّة بيننا، على الدوام ، بانتصاره علينا .

 غير أنّ ثقافة الهادي الحبيب الواسعة الفذَّة التي حصَّلها بجُهده الخاص كانت ، أحياناً كثيرة ، تختلط بالمعرفة الروحية التي يُلهمه إيّاها الرُّوحُ العليّ ، بحيث لا نكتشف الأمر إلاّ بعد أن يتركه الرُّوح ، أو يتجلَّى فيه مُعلناً عن نفْسه . فقد سمعتُه عشرات المرَّات يُعْلن لنا ، في سياق محادثاتنا، تواريخ أحداث ماضية ، كنَّا نعْجَبُ من حفظه إيّاها حتى نرتاب بصحّتها فنتحقّق منها في المراجع المختصَّة، فإذا هي في غاية الدقة . ثم ما نلبث أن نكتشف أنّ الرُّوحَ هو الذي كان ينطق فيه مُتَخفّياً .

وأسطعُ ما في هذا المجال الثقافي الإعجازيّ نطقه بمختلف اللغات الأجنبيّة . فالهادي الحبيب لم يكن يجيد إلاّ العربيّة قراءَةً وكتابة ، لكنَّ الرُّوح العليّ كان يحتلّه ، أحياناً كثيرة ، فيحدّث زائريه أو سائليه بلغاتهم المختلفة ، لا سيَّما في حال شرحه التعاليم الروحيَّة الداهشيَّة .

وقد أشرتُ في الفصل الأول من سيرته الى نطقه بالانكليزية إذ كان في المهد مريضاً ، والى محادثته هنديّاً بلغته الهنديّة ، وهو ما يزال صبيّاً . وقد أعلمني الأخ سليم قمبرجي الذي رافقه في رحلته الى أفريقيا السوداء سنة 1971 أنَّه كان يُحادث الزنوج بلغاتهم المحليّة . وقد تسنّى لي أن أراه يُكالمهم في فيلم سينمائي التقط فيه الأخ سليم بعض مشاهد لتلك الرحلة .

كذلك حدّثني الأخ شفيق المقدّم الذي رافقه في رحلته الى نيجيريا أنَّه في 28 كانون الثاني 1971 ، أجرى الهادي الحبيب معجزة أمام الكولونيل جوزف أميني j.Amminy رئيس جمارك نيجيريا الشمالية ، وكان يطلب من شفيق أن يُترجم أقواله للكولونل الى الانكليزيّة ؛ وإذ تعسّرت الترجمة على شفيق طفق الهادي الحبيب ، وقد ارتعش بالرُّوح ، يتكلّم الانكليزيّة ببلاغة وطلاقة غريبتين حتى ادهش مُحدّثه الذي كان يتمتَّع بثقافة انكليزيّة عالية .

كذلك أفضى إليَّ الأخ المهندس جوزف شكّور أنه في 18 كانون الثاني 1974 ، وبحضوره ، اجترح الهادي الحبيب معجزة للآنسة موريال ولكنسن MURIEL WILKINSON، ثم أفاض في شرح المبادئ الداهشيّة بالانكليزية لها ، الأمر الذي أدهش الحاضرين .

وروى حليم دمّوس مؤرّخ الوقائع الداهشيَّة أنه في 27 أيار 1942 ، زار الدكتور داهش صديقه المدّعي العام المركزي الاستاذ ديمتري الحايك في منزله الكائن في طريق النهر من مدينة بيروت. وبعد تبادل الأحاديث المختلفة ، فاجأه الحايك بسؤاله :

هل لك ، يا دكتور ، أن تقرأ في هذا الإنجيل الافرنسي وتُترجم لي ما تقرأه؟ فإذا فعلت – وأنا موقن أنك تجهل الافرنسية- فإنك تكون حقّا قد ملكت زمامَ الروحانيَّة.

وسرعان ما ارتسمَتْ الدهشة البالغة على أسارير وجه الأستاذ ، وذلك عندما شاهد الدكتور داهش قد فتح الإنجيل وأخذ يقرأ بلغة افرنسية صحيحة ؛ ويُترجم ما يقرأه بسهولة وانسجام تامَّين. فصاح ، إذ ذاك ، قائلاً :

  • أقسم بالله أن اللهجة التي تقرأ بها لأفضل من لهجة اليسوعيين الافرنسيين المتعمّقين بدراسة لغتهم… لقد آمنتُ الآن بمقدرتك الروحية وعالم الروح الخالد .

وخلاصة القول إنَّ ثقافة الهادي الحبيب كانت من أوسع الثقافات التي يمكن أن يُحصّلها إنسانٌ في القرن العشرين ، وذلك على ندرة أوقات فراغه . يُضاف اليها معرفة غير بشرية يمدُّه الرُّوحُ العليّ بها في ظروف مفاجئة ؛ أحياناً كثيرة .

ويمكن تبيُّن عظيم حبّه للمعرفة من خلال قولين له . يقول في احدهما :

أحبُّ الكُتُبَ حُبَّ السكارى للخمر ، لكنّني كلّما ازددتُ منها شربا زادتني صحواً ” 

ويقول في الثاني ، وقد دوّنه في الساعة الخامسة والنصف من مساء 10 تموز 1975 “

أحبُّ مطالعة الكُتب على اختلاف أنواعها . سواء أكانت أدبيّة أم فلسفيّة أم دينيّة أم علميّة . ولي رغبة شديدة بمطالعة كتب الرحلات الافريقية والبحرية الخ الخ… فتراني  استغرق في مطالعتها غائصاً في لججها ، سابراً لأغوارها ، مُنَقّباً في مجاهلها ، وهكذا تمضي الساعات وهي سميرتي في وحدتي دون أن أشعر بتسرُّب الساعات وانقضاء أجلها ، وذلك لاندماجي بما أطالعه من شتّى الحوادث والأحداث الشيّقة“.

من يعرف مشاغل الهادي الحبيب المتنوّعة ، واهتماماته الروحيّة الكبيرة ، ورحلاته الكثيرة ، واستقبالاته لعشرات الألوف من الناس ، الناس الذي يقصدونه منذ ساعات الصباح الأولى حتى ساعات الليل المتأخرة ، يتعرّفون الى شخصه ، أو يستفسرون عن الداهشيَّة، أو يسألونه المعونة الماديّة أو المساعدة الروحيّة ، أو يتجسَّسون أخباره.. من يعرف كلَّ ذلك وغيره بعجب لعدد المؤلَّفات الأدبيّة والروحيَّة وسائر الكتابات التي وضعها . لكنَّ العجب من غزارة التأليف سرعان ما يتحوّل إلى عجب من السرعة الفائقة التي يكتبُ الهادي الحبيب بها .

فقد شاهدتُه بأُم عيني ، عشرات المرّات ، وهو يكتب ، بل باراني كما بارى غيري في موضوعات كنّا نختارها ، فاذا به يُحبّرُ عدَّة صفحات في دقائق لا نستطيع خلالها أن ننجز أكثر من عدّة أسطر . لقد كادت كتابته تكون بسرعة تكوُّن خواطره وعواطفه ، وبالضبط بالسرعة التي تستطيع اليد الحثيثة أن تجري فيها على القرطاس مُلبية اندفاقة أفكاره وأحاسيسه. ويُناهز معدّلها كتابة سطر متوسط الطول في ستّ ثوان ، أي كتابة صفحة من عشرين سطراً بدقيقتين فقط . وقد رافقه مؤرّخ الداهشيّة حليم دمّوس في أثناء كتابته ” مذكّرات دينار”، ولَمَس ما لمستُه، وشَهِدَ أنَّه كتبه في تسع ساعات موزّعة على سبعة أيّام .

أمّا الميزة الأولى في كتاباته فهي أنه يكتب بعفويّة ، عجيبة ، من غير كدّ الذهن ، ولا التذكّر ، ولا المراجعة ، فالأفكار والانفعالات والعواطف تتزاحمُ في ذهنه وقد اتّخذت أجسادها من الصور والتعابير، لتفيض منه كما يفيض من النبع الماءُ النمير ، أو من الشمس الضوءُ المنير ، أو من الوردة طيبُ العبير ! وندَرَ أن شهدتُه يمحو عبارةً كتبها . فكأنَّ كتابته هي أحاديثه نفسها وقد أُرسلت على سجيّتها ، تارةً يُناجي بها نفسه ، وطوراً يُناجي الله أو الرُّوح أو القِيم العليا أو الحبيب أو الطبيعة ؛ مرَّة يُرسل رأيه في الناس والأحداث ، في الحياة والموت ، مباشرة ، ومرَّةً أُخرى يُرسله، مداورةً، بصوت غيره . إنَّها الحياة سافرةً عارية ، موحَّدةً الجوهر ، متعدّدة الوجوه ؛ وهي الجمالُ بسيطاً عميقاً أخّاذاً يمسح الكائنات والأشياء ، الأحداث والأحوال ، المكان والزمان ، بأجنحته العجيبة !

لقد وضَع الهادي الحبيب حوالي تسعين مؤلّفاً روحيّاً – أدبيّاً – فضلاً عن ستة وستّين كتاباً أسود ومئة وخمسة وستين بياناً أسود في فضائح بشارة الخوري ومخازي عهده ورجاله . وإذ كان أكثرها ما يزال مخطوطاً غير مطبوع ، فمن الصعب إعطاءُ فكرة شاملة مفصّلة وافية عنها . على أنه يمكن تصنيفها ستة أصناف ، لا تدخل فيها الكتابات السوداء :

الصنفُ الأوَّل يضمُّ الكتابات الروحيّة الموحاة ذات الطابع القُدسي ، وهي كتاب الهادي الِإلهيّ ، ومذكّرات يسوع الناصري ، والديانة الداهشيّة ، وأسرار الموت وغيرها ممّا سيُعلن ويُنشر في يومه الموقوت . والكتاب الأوَّل إرشادات وإيضاحات روحيّة أوحتها الأرواح القدسية بأسلوب يغلب عليه الإيقاع المسجَّع . والثاني أوحته روحُ المسيح نفسها ، وفيه رواية حياته غير المعروفة ، ولا سيّما أسرار الأعوام التي ما قبل الثلاثين ، وجلاء لغوامض وألغاز روحيّة كثيرة .

والصنفُ الثاني يضمُّ المؤلّفات ذات الأبعاد الاسطوريّة ، أو غير الأرضيّة ، وفيها : النعيم ، والجحيم ، كلّ منهما في ثلاثة أجزاء ، وعشتروت وأدونيس ، والإلهات الستّ . والأَساطير ، في مفهوم الداهشيّة ، ليستْ جميعها أوهاماً وخرافات ، بل في أساس الكثير منها وقائع أرضيَّة  أو غير أرضيَّة شوَّهتها مفاهيمُ الناس وزوّرتها أقلامهم ، وبيَراعة الهادي الحبيب تستعيد حرارتها وواقعيّتها الأولى . أمّا كتاب النعيم فينطوي على وصف رائع أخّاذ لمشاهد مُفتلذَة من الدرجات العلوية المئة والخمسين حيث تحيا الكائنات المستحقّة في معرفة وغبطة ومجد هيهات أن يُدركها البشرُ إلاَّ بخيالهم . وأمّا كتاب الجحيم فقد طوَّف خيال الهادي الحبيب في دركاتها المئة والخمسين ، فأنطق أهوالها الغريبة وآلامها الرهيبة . وإذا ما قورنت أوصافه النعيميّة أو الجحيميّة بما كتبه مؤلّفون عظام في هذا الموضوع ،  وعلى الأخصّ أليغياري دانتي في الكوميديا الإلهيّة ، فإنك تعجب لتفوّقه في غرابة خياله ، واتساع أبعاده ، وتنوُّع أوصافه ، وغزارة رُؤاه ، وصدق مؤَدَّاه . فكأنّه جوّل بنفسه في العوالم العلويَّة والسفليَّة ، ورأى بأمّ عينه مسرّاتها وويلاتها وأفانين ملذّاتها وعذاباتها ، فوصفها وصفاً حيّاً دقيقاً جعله في متناول المدارك البشريّة .

والصنفُ الثالث يضمُّ المؤلّفات الأدبيّة الروحيّة التي تُصوُّر نفسيَّة الهادي الحبيب في أدقِّ اختلاجاتها وانفعالاتها وتأمّلاتها، وأصدق عواطفها ومطامحها وتصوّراتها . وهي تشمل عدداً من كتبه . وفيها : ضجعة الموت ، ونشيد الأنشاد، ونزوات قلب ، ونشيد الحبّ ، وانجيل الحبّ ، وقدس الأقداس ، ووحي الغاب ، والدهاليز ، وكلمات ، وبروق ورعود ، والقلب المحطّم ، وجحيم الذكريات ، وأسرار الآلهة ، وقيثارة الآلهة ، ونبال ونصال ، وعواطف وعواصف ، وناقوس الأحزان ، وقيثارة الأحزان أو روح تنوح ، والصواعق ، وصواعق داهشية .

ويمكن تصنيفُ هذه الكتب الوجدانيّة أو محتوياتها في ثلاث مجموعات رئيسيّة : مجموعة يتغنّى فيها بالحبّ القويّ والجمال الساحر الفتّان وما لهما من أسر للنفوس وسلطان على القلوب. فيشعرنا بأنَّه قريبٌ منّا ، يُعاني تجاربنا ، ولكن بوعي نفّاذ لواقع الرجل والمرأة ، وروح سامية مؤمَّرة على الشّهوات والنزوات . ومجموعة ثانية يصف فيها غربته الروحيّة بين أناس لا ينتمي إليهم إلاّ بعناصره الجسديّة ، وآلامه من هذه الغربة ، وسأمه من حياة فارغة باطلة ، وحنينه الى العودة الى وطنه الروحيّ الأصيل ، هذا الحنين الذي يشرعُ الموت جسر خلاص ، وحبيباً جميلاً مُنقذاً يناجيه برقّة ومحبّة كما لم يُناجه شاعر من قبل؛ والى ذلك يخشعُ أمام الله والأرواح القدسيّة ، ويصعّد ابتهالات لا أحرَّ ولا أجمل ، ويسخطُ على المظالم والمفاسد وتجّار الدين المرائين وكأنَّه على رؤوسهم انقضاضُ الصواعق وانصبابُ الحِمم . ومجموعة ثالثة يبكي فيها أحبّاءَه وشركاءَه في الجهادِ الذين سبقوه بالانطلاقِ من سجن الأرض ، وفي طليعتهم الشهيدة الأولى ماجدا حدّاد ، ووالدته السيدة شموني ، والأخ الدكتور جورج خبضا.

والصنف الرابع يضمُّ المؤلّفات ذات الأبعاد النقدية الاجتماعيّة والنفسيّة ، وفيها : مذكّرات دينار ، ومذكّرات عتّال ، وأسرار التنويم المغنطيسي ، وفضح المشعوذين باسم التنويم المغنطيسي وهتك تدجيلهم . والكتابُ الأوّل يضعُ المجتمعات البشريّة على المشرحة ، في قصة متسلسلة الأحداث تكاد تغطي النصف الأول من القرن العشرين ، شاملة الحربين العالميتين ، ثمَّ قافزة الى أواخر القرن في رؤيا رهيبة ملهمة يتصوَّر الهادي الحبيب خلالها انفجار حرب عالميّة ذريّة ثالثة تضعُ الخاتمة الفاجعة لحضارة فرغت من نسغ الفضيلة ولبشريّة لم تنجع فيها جهود الأنبياء والمصلحين الحُكماء . وفي سياق القصّة ينتقد الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة ، والقِيَم المزيّفة ، ووعود الدول الكاذبة ، وسعي الإنسان المحموم وراء المال والشهوة ، لا يردعه عنهما شرفٌ ولا ضمير، ومن أجلهما لا يتحرَّج من اقترافِ الجرائم المُنكرة ، بحيث يتأكَّد أنّ هاتين القوّتين هما اللتان تحكمان الأرض ، وفي فلكهما تدور سائر القوى .

والصنفُ الخامس يضمّ الكُتُب التي يصفُ فيها رحلاته الى مختلف أرجاء العالم ، وهي وثائق تاريخيّة واجتماعيّة وفنيّة ذات قيمة كبرى . فالهادي الحبيب كان يصفُ عادات المجتمعات وأخلاقهُم وملاهيهُم ومرافقهُم التجاريَّة بمنتهي الدقّة ، ويصفُ المشاهد الطبيعية والمُشيَّدات العمرانية وصفاً واقعياً يستحضرُ أمامك المنظر. وليس من متحفٍ أو معرضٍ فنّي إلاّ دخله ووصفه ، حتى يُمكن القول إنّ كُتُب الرحلات هي أصدقُ ما كتبته يراعةٌ في موضوع الرحلة . والجديرُ بالذكر أنه كان يُسجّل أوصافه وانطباعاته في اللحظة نفسها من غير أن يدع للزمن أية فرصة للعبث بالصورة الواقعيّة والانفعال الفوريّ . في الطائرة كما في القطار ، وفي الحافلة كما في السيارة ، كان يُسجّل مذكّراته ، وكلّما وقف في معرض أو أمام مشهد . وكان يُرافق ذلك كلّه تسجيل دقيق للأوقات يشمل تنقّلاته جميعها وما تستغرقه من منطقة الى أخرى ، ولا سيّما في الطائرات والسيّارات . وقد انبسطت رحلاته على الشرق والغرب ، العواصم المتحضّرة والقرى المتخلّفة ، الجبال والسهول والسواحل، الغابات والرياض والبراري . فمُدُن الولايات المتّحدة عرفت خُطاه ، وعواصمُ سكندينافيا ، وبلدان أوروبا ، كما عرفها الاتحاد السوفياتي والهند وأفريقيا السوداء، كذلك جميع البلاد العربية .

أمّا الصنفُ السادس فيضمّ الكُتُب التاريخيّة التي تتناول وقائع حياته ولا سيّما في مرحلة الاضطهاد ، وبينها كتاب “من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد” ، في عدة أجزاء ، وكتاب ” بريء في الأغلال أو يوميّات سجين الغدر والخيانة ” وفيهما رواية للمؤامرة النكراء التي نسجها الطغاةُ وزبانيتهُم لإِهلاكه ، وما عانى من عذاب واضطهاد ، وما قام به من كفاح وجهاد من أجل كسر شوكة الظالم وردّ كيْده الى نحره ، واسترداد الحقّ السليب.

إنّ كتابات الهادي الحبيب ، على مختلف أصنافها ، تعودُ بالأدب الى معناه الأصيل ، التعبير الصادق العفويّ عن تأثّرات النفس بحركاتها الذاتية وبعلاقاتها بالله والإنسان والطبيعة ، وذلك في صيغة مُدهشة بجمال بساطتها . إنَّها المدماك الأصيل الأساسي لصرح الأدب العالميّ الجديد ، بعد أن كادت الصنائع الأدبية تفقد معناها ، وتتحوّل إلى أزياء شكلية ، وبهلوانات خيالية أو فكرية أو لفظيّة ، شأنها شأن الفنون الأخرى التي طغى عليها التهريج والنفاق .

إنّ القيم الأدبيّة والفنيّة الرائجة ، اليوم ، في العالم ، هي بمعظمها قيم مزيّفة ، لأنّها انعكاسٌ للقيم والمقاييس الإنسانيّة المزيّفة التي تستوحيها . إنَّ الأدب إذا لم تتّحد فيه عناصرُ الجمال والحقّ والخير ليس أدباً حقّا . والأدب الذي لا يجمع فيه براءَة الطفولة وعزم الشباب وحكمة الشيخوخة ليس أدباً حقّاً . والأدب الذي لا يهدي النفس ويبني المجتمع ويُقوّض قلاع الباطل والرذائل وهو يهزُّ أوتار الجمال في الإنسانِ ليس أدباً  حقّاً . ذلك ما اضطلعت به كتاباتُ الهادي الحبيب ، فكانت صرخة البوق المدوّية لإعادة العافية إلى الجسم المريض ، حتى تستقيم الموازين وتستردّ الحقيقة الأدبية قيمها الأصليّة .

بدأ مؤسّس الداهشيّة عهد الكتابة وهو لم يُناهز العشرين من عمره ، فإذا ما خطَّه في تلك السنّ الباكرة يُضارع ما خطّه بعد أربعين سنة في نضجه العاطفي ونفاذه الفكريّ وبيانه الأدبيّ ، حتى لتعجب لابن العشرين كيف خبر الناس، وعركَ الدهر ، وسئمَ الحياة ، وأحسَّ بالغربة الروحيَّة ، وحنّ الى الموت ! وتعجب لآرائه كيف لم تتقلّب وتتضارب وتعرف الوِهاد كما عرفت الشوامخ !

وإذا هو لم يُبدّل رأياً في أي موضوع طوال تلك العقود ، ولم يعتور كتاباته أيّ خلل على مرور مختلف العهود ، فلأنه استمدَّ معانيه ، منذ البدء ، من ينبوع الحكمة الأزليّة ، ومصدر القِيَم الروحيّة ، فهيمنَ الاتزانُ على أفكاره ، وسطعت الحقيقة في كلماته ، وتوحّدت رؤيته الشاملة الى العالم ، فما اضطربت ولا تناقضت ، بل ترافدت كتاباته وتضافرت لتشيّد صرحاً روحيّاً أدبيا يتعالى بين سائر الصروح كمعبد جميل تدخله بهيج العين ، ولكن خاشع النفس !  

وعهْدنا بالأدباء ينجح أحدُهم في المواقف الملائمة لطبعه ويفشل في غيرها . فنرى بعضهم يبرع في مواقف القوة والغضب ، بينما يبرع الآخر في مواقف الرقّة والحنان . وينجحُ هذا في الأسلوب الخياليّ الرمزي ، بينما ينجحُ الآخر في الأسلوب الواقعيّ . لكنَّ الهادي الحبيب لم يقتحم ميداناً إلاّ كان فيه السبّاق المُجلّي . فقد جمعَ في نفسه النسائم والعواصف ، والمزمار والأرغن ، والقيثارة والكمان ، ومختلف الأوتار والألحان . فهو الآلة الموسيقيّة الحيّة التي تعزف عليها روحُ الطبيعة بمختلف سيّالاتها ، بل التي تعزف عليها يد القدير بأصابع الأرواح العلويّة !

ولعمري ، إن في الثبات على المستوى الرفيع الواحد ، في الرأي والبيان ، أكثر من أربعين سنة ، مع القدرة على الكتابة الناجحة في شتّى الموضوعات والأساليب لمعجزة أدبيّة وخارقة فكريّة!

                                                      ***

وإذْ كان المجال لا يتّسع لتفصيل الكلام على مؤلّفات الهادي الحبيب ، بُغية إظهار عُمقها وسموّها ، وصدقها وجدّتها ، وروعتها وخالد حكمتها ، لأنّ ذلك يستوجب دراسة شاملة مستفيضة ، بل دراسات ، فإنني سأقتصر على إيراد نماذج قليلة من كتاباته للدلالة على امتلاكه التصرّف بمختلف الأساليب ، علماً بأنَّ الأمثلة المعروضة أقلُّ جدّاً من أن تُحيط بجميع الوجوه البيانيّة والأشكال الأدبيّة التي استخدمها . زِدْ إلى ذلك أنني اخترتُها ، عمداً ، أقرب إلى القِصر منها إلى الطول ليكون المرور بها سريعا.

عالج الهادي الحبيب القصَّة والحوار التمثيلي ، كما عالج الخاطرة والمقالة الوجدانيّة . وكتب النثر المرسل ، كما كتب النثر المسجَّع ، وكانت له وقفات طويلة مع الشعر المنثور ، ووقفات قصيرة مع الشعر المنظوم . وقد عبّر عن أفكاره وعواطفه تعبيراً مباشراً دونما اللجوء الى الرمز والخيال ، مثلما عبّر عن نفسه بالصور الكثيرة المفردة أو المركّبة . وفي كلّ ما وضع كان صادقاً ، وبسيطاً ، وجميلاً .

أمّا الأسلوب القصصي فتارة يجعله واقعيّاً ، كما الحال في “مذكّرات دينار” ، وطوراً رمزيّاً خياليّاً ، كما الحال في ” عشتروت وأدونيس” ، ومرّة أخرى مزيجاً من الواقعيّة والرمزّية ، كما الحال في ” ضجعة الموت”.

وإليكَ الفصل الواحد والتسعين من “مذكّرات دينار ” مثالاً على الأسلوب الواقعي . والرواية مسوقة أصلاً على لسان (الدينار).

 

في هيكل الدكتور داهش ومحراب أدبه

 

أَجَلْ ، وحَقِّ رَبِّ الأَرباب ،

إِنَّ فكره لَهيكَلٌ وأَدبَه لمِحْراب !

وسيعلو فوق هام الزمان …. ويخلُدُ …. وتفنى الأحقاب !….

والمُكَابِرون والجاحدون ، والحُسّادُ والحاقدون أُنوفُهم معفَّرةٌ بالتراب .

كأنّما كُتّابُ اليوم – ولا سيّما في لغة الضاد المنكوبة بمعظمهم – انبترَتْ كلُّ صلةٍ بينهم وبين الأدب الحقّ ، إلاّ أقلَّهم . فبعضُهم جَعلَ من الأدب حاناتِ فحشاء، وآخرون أصابهم مَسٌّ ، فشاؤوا أن ينقلوا عدواه الى القُرّاء ، وغيرهم اعماهم الغرورُ والادّعاء والكبرياء ، فاختلقوا “أزياء” بل ” مساخرة أدبيّة ” سقيمة شوهاء ، وحَشَوْها بكلِّ فكرةٍ بلهاء حمقاء ، وتوهّموا أنَّهم مركز الكون، والأرض تدورُ حولهم والسماء !….

إنّهم احرار في ما يُفكّرون وبما يكتبون ويتقيّأون …

ونحن أحرار في أن نفهم الأدب على غير ما يفهمون ، ونَزِنُه بغير ما يَزِنُون.

لقد شهدت الآدابُ العالميّة في تاريخها الطويل نهضتين عُظْمَيَيْن :

النهضة الأولى عرفتها بابل وفينيقيا ومصر والهند والإغريق ، أيّام كان الأدب تسري فيه روحُ الصدق والعفويّة ، والقلم يخطُّ ما يؤمِن صاحبه – أو يُخيَّلُ اليه – بأنّه من إلهام الآلهة . عهد ذاك لم يكن الأدَبُ تَرفاً ، ولا “هَوسَ تجديد” ، ولا مرضاُ لحبّ الظهور ، ولا “أزياء” تُروُّجها الدعايات الكاذبة ، مدَّةً، ثم تُبْتَذَل ويُصبح مصيرها مصير العاهرات . تلك العصور الأولى – على وثنيّاتها المزعومة – أطلعَتْ بواكير الأدب الخالد في العالم : ملحمة جلقامش البابليّة ، قصّة التكوين الفينيقيّة ، المهابهاراتا والرامايانا الهنديتيّن ، الالياذة والأوذيسّة الاغريقيّتين ، كتاب الموتى المصري…

في تلك العهود السحيقة كان الأدب مقدَّساً أو شبه مقدّس . وما يدعوه الناس ، اليوم، خرافاتٍ وأساطير ، كان يسمّيه أولئك الأقوام حقائق وعقائد .

ونَمَتْ دوحةُ الحضارة الاغريقيّة ، فإذا بالمَسْرَحيّين الكبار إسخيلوس ويوريبيدس وسوفوكليس أغصان مزهرة مثمرة فيها ، نُسْغُ أفكارهم وأصولُ موضوعاتهم تلقاها بمعظمها في ما أبدع هوميروس وما ابتدعته الاساطير الدينيّة العريقة .

وشاءَت الأقدار أن يمتدَّ الأثَرُ اليونانيّ الى الآداب الرومانيّة اللاتينيّة ، ويستمرّ فاعلاً في الآداب الأوربيّة ، وريثتها ، لغاية القرن الثامن عشر ، في ما اصطُلِح على تسميته ” بالآداب الكلاسيكيّة”.

تلك هي النهضة الأولى في الآداب العالميّة ، في منبعها ومجاريها .

أمّا النهضة الأدبيّة العالميّة الثانية فمنبعها ، أيضاً ، كتابات مقدّسة أو شبه مقدَّسة : إنَّها “العهد القديم ” بما انطوى عليه من أسفار الأنبياء ، وهي “العهد الجديد” بما تضمّنه من كلام السيّد المسيح ورُسُله وتلاميذه .

هذا النبع الذي انبجس من صدر السماء ، فهزّ العقول والقلوب ، وبدَّل القِيَم والمفاهيم ، وأَلهم الرسّامين والنحّاتين في ” عصر النهضة ” فجعلوا القصور والكنائس متاحف للجمال ، عادت مياهُه الحيّة لتتفجّر في أوروبّا في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين في ما سمي بالحركة “الرومانسيّة”.

ذاك في الآداب العالميّة . أمّا الأدب العربيّ فقد شهد أيضاً نهضتين حاسمتين كُبْرَيَيْن :

أولاهما يوم أوحت السماء الى رسولها العربيّ الكريم آياته البيّنات ، فإذا النثر العربيُّ ، من بعده ، يُحاول محاكاته جُهْدَ المستطاع ، فتقرأه مُحْكَماً ، جزْلاً، بليغاً ، مشرق الديباجة ، في “نهجِ البلاغة” وعند ابن المقفّع ، والجاحظ ، والهمداني وغيرهم … حتى إذا بَعُدَ الزمان احتُضِر الفكر، وهيض جناح الخيال ، وجفَّ نُسْغُ الحياة ، ولم يبقَ في ما يكتبه العرب إلاّ وصف ألفاظ وبهارج تزين جثّة مُحنَّطة.

والنهضة الثانية عرفها الأدبُ العربيّ يوم وصلت مجاري التوراة والأناجيل الى جبران وصحبه ، فاغترف نابغة لبنان منها ، كما اغترف الرمنسيّون من قبل ، وإذا بقشعريرة الحياة تعود لتُحيي الأدب العربيّ الذي ما زال حتى يومنا هذا ، يتأثّر منها ، مهما تخرَّص المتخّرصون ، وادّعى المدّعون التافهون .

 

                                                         ***

في الآداب العالميّة ، كما في الأدب العربيّ لم تحدث النهضاتُ الحقيقيّة إلاّ عند انطلاق الينابيع الروحيّة المقدَّسة أو شبه المقدَّسة ، وعند العودة إلى الاستقاء منها .

واليوم يُطلُّ علينا أديبٌ عبقريّ ، بل جَبَلُ وَحْيٍ وإلهامٍ قُدْسيّ ، اليوم يُطلُّ على العالم ” الأولمبُ ” نفسه باسم “داهش”. فهل العيون التي اعتادت الظلام بوسعها أن تُبصرَ النور ؟! أم هل الأنوف التي أدمَنت اشتمام القواذير يمكنها أن تتنسَّمَ العطور ؟!…

مع الدكتور داهش لا نعود إلى الينابيع المقدَّسة الأصيلة فحسب ، إلى الآلهة وعوالمها الغريبة ، وعرائس الماء وحواري الغاب والفراديس العجيبة ، والى بساطة الأناجيل وسلطتها وجمالها ، وسموّها وحِكَمها وأمثالها ، وإلى مزامير داود وأناشيد سليمان وأقوال الأنبياء المُلْهَمين ، لا ، لا نعود إلى ذلك فحسب ، بل نقف مدهوشين أمام نَبْعٍ متفجّرٍ جديد من ينابيع الخَلْق المُلْهَمة الأصيلة ، نبعٍ لن يطول الزمان حتى يسري في العقول والعواطف فيهزّها ، شرقاً وغرباُ ، ومن مائه الحيّ تستمدُّ الأقلامُ مِدَادَها ، وبه تُجدِّدُ الحياةُ معناها وفحواها .

أساطيرُ الآلهة وعوالمُها المدهشة التي كانت تأهَلُ بها الملاحم عادت بحرارةٍ ولَهَبٍ جديدين ، وعفويّتُها وبساطتُها وروعتُها بُعِثَتْ في “أولمب” جديد .

إقرأ “الإلهات الست ” ، و “أدونيس وعشتروت” ، وقِصَصَ داهش المُذهِلة عن الآلهة المتجسّدة والحضارات الكونيّة ، وأسرار خلق النحل ، وبناء شوامخ بعلبكّ ، وإحراق سدوم وعمورة …. تَجِدْ نفسَكَ أمام مُبدعٍ قادر ، سواء آمنتَ بصحّة ما يقول أم لم تؤمن .

ومراثي إرميا ، ونجاوى داود ، وحِكَم سليمان ونشيدُ أناشيده ، وأمثال المسيح الباهرة وكلماته الساحرة … عادت بنورٍ ونارٍ جديدين .

إقرأ لداهش “نشيد الأنشاد” ، و”نشيد الحبّ ” و”ضجعة الموت “و”كلمات “، و” عواطف وعواصف “، و”نبال ونصال”، و” نهر الدموع ”    و” أناشيد حزينة ” و” وأسرار الآلهة”، و”حديقة الآلهة “، وفردوس الآلهة”، و”مذكرات يسوع الناصري”، وغيرها من عشرات الروائع … تَجِدْ أنك أمام صوتٍ نَبَويّ هابطٍ عليك من عُلويّ المجرّات – هذا إذا كنت من أبناء الحياة .

إنَّ جميع ما ذكرتُه أعلاه من كُتُب الدكتور داهش ، بل أسفاره الخالدة ، أخرجه هذا العبقريّ بأسلوبٍ شخصيّ فَذّ ، أَسْمِهِ إن شئت :”شعراً منثوراً “؛ لكنّ روعتَه لم يَسْتَعِرْها من أديب عربيّ أو أجنبيّ ، بل إنّه جمال فاض من نفسه فأغدقه على صُوَره وصِيَغه ، ومعانيه ومبانيه ، وهو سحرٌ أبدعَتْه يدُ المكوّنِ الإلهيّ فانعكس على قلمه ، وتسلسل منه فتنةً أخّادة ! أدَبٌ مدادهُ النور ، ومسرحُه الكون اللانهائيّ ، وروده من فراديس داهش ، وماسُه من مناجم داهش، وضياؤه من شموس داهش ، وموجُه من بحار داهش ، وماؤه من ينابيع داهش ، وأبطالُه من جبلة يَدَيْ داهش ونفخة روحه !….

تأمّلاتٌ علويّة ، وأحلامٌ بهيّة ، ونغماتٌ شجيّة ، وَهيَمَانٌ بالجمال حتى العبادة القدسيّة !

إذا تكلَّمَ عاشقاً بُعِثَتْ أمامك هينمات النسائم ، وهدهداتُ أراجيح الضياء ، وزغرداتُ أعراس السماء ، ومواكب الغيد الحسان الهابطات من الجِنان، فتغيب بين يديه الأعجوبتين في نشوةٍ إثر نشوة ، وتغمرك السعادة وأنت في دار الشقاء والفناء !…

وإذا تحدَّث ساخطاً بُعِثَتْ أمامك الأعاصير ، كأنّما أطلَقتها يدُ القدير ، وأبرقت السماءُ وأرعدت ، والْتجَّت البحار وارتجّت ، وتقلقلت الجبال وتزلزلَتْ، وتردّمت الحصون وتهدَّمت ، وتفتَّحت القبور وبُعْثِرَتْ … ولَخِلْتَ أنّ يوم الحَشْرِ قد حان ، وأنَّ داهش القويَّ الجبّار يُدوّي في صوته بوقُ الديّان !…

تلك نفحاتٌ هبَّتْ عليَّ من كُتُبه التي تُهيمن عليها مسحةٌ شعريّة وجدانيّة . وما وصفتُه لا يُعرّف بحقيقة الأصل إلاّ كما تُعرّف القطرةُ بالبحر ، والشعاعُ بالشمس ، والثانيةُ بالدهر !…

أمّا كُتُبه التي تسودها النزعة الاجتماعيّة ، ومنها “مذكّرات دينار “، والعشرات من قِصَصه الطريفة ، وعشرون جزءاً من “رحلاته حول العالم”… فإنّها موسوعة البشريّة الحيّة ، تُعْرَضُ أمام ناظِرَيْكَ ببراعةٍ لا مثيلَ لها ، وصِدْقٍ لا زَيْفَ فيه ، وبساطةٍ هي الحياة عينها … فترى الخير والشرَّ يتصارعان ، والحربَ والسِّلْمَ يتناوبان ، والفضيلة والرذيلة تتناحران ، والخيانة والوفاء يتنافران … والمرأة والرجل في ذلك الخضمّ من النقائض هما القطبان المتجاذبان !…

وإذا كان عوليس “الأوذيسّة” قد جاب البحار ، وعانى الأخطار ، وجَبَهَ العمالقةَ وعرائس البحار … ثم أتانا بجعبةٍ من الأخبار ، فإنَّ الدكتور داهش هو عوليس القرن العشرين الجبّار الذي عاد إلينا من رحلاته ، لا بالأوهام والأخيلة لكنْ بالحقائق الساطعة والوقائع الصادعة .

في “مذكّرات ديناره” دَخَلَ الكنائس والأديار ، وكَشَفَ فيها الفضائح النَّتِنَة ، وهتك عن عوراتها كلَّ ستار ؛ وولَجَ المحاكم والقصور ، وعاشر الأمراء والتجّار ، ورافق الحكّام والسياسيّين وذوي الاعتبار ، فاذا بهم كلّهم إلاّ قلّةً نَدَرَت بُؤَرٌ من الأقذار ، وأرهاطٌ من الأشرار الفجّار ، يخجلُ منهم حتى …الحمار !

وفي “رحلاته حول العالم ” تعرَّف الى شعوب الأرض طُرّاً ، البيض والسود والصفر منهم ، الجاهلين والمتعلّمين ، والمتوحّشين والمتمدّنين ، والأطبّاء والمحامين ، والتجّار والموظّفين ، والفنّانين ورجال الدين …

دخلَ متاحفَ العالم متحفاً متحفاً ، والمعابد الشهيرة معبداً معبداً ، والمعارض العظيمة معرضاً معرضاً …راقب عادات الأُمَم وتقاليدهم ، ومآكلهم ومشاربهم ، ومقاصفهم ومراقصهم ، وتصَوُّنهم وتَبَذُّلَهم ، وتبجيلهم وتدجيلهم …

وساح في الطبيعة يصفُ مفاتنها الخلاّبة ، ورياضها الزاهرة ، وشلاّلاتها الهادرة الساحرة ، وغاباتها الغبياء الدهريّة ، وجنائنها الغنّاء البهيّة ، وجبالها الشامخة المهيبة ، وأوديتها السحيقة الرهيبة ، وحيواناتها الأليفة والوحشيّة في حدائقها الشهيرة بمختلف أرجاء الكُرَة الأرضيَّة …

فإذا الطبيعةُ أفضلُ من الإنسان ، حيثما كان!… وإذا بأحضانها العزاءُ والسلوان ، وبقلبه ولسانه الخيبة والخسران !… ومن كلّ أعمال البشر لم يبهر هذا الجوّابة العبقريّ إلاّ عجائبُ العلم وعجائب الفنّ ، فوحدها رآها جديرةً بالبقاء ، وكلَّ ما عداها أهلاً للفناء .

إنّ أدب الدكتور داهش لهو أدبُ الإعجاز في موضوعاته وأساليبه . فإنّي لم أقرأ أديبا في الشرق أو الغرب استطاع أن يُبدع حقّاً في أكثر من فنّ ، ونادراً ما أجاد بعضُهم في فنّين . ولكنْ أن يطرقَ أديبٌ كلّ ميادين الفكر ، ويخوضَ جميع بحار العواطف ، ويصف شتّى تقلّبات المواقف … ويُبدع فيها جميعاً أيّما إبداع ، كأنما اجتمع الأدباء الأفذاذ في شخصه ، وائتلفت العبقريّاتُ في عبقريّته، فهذا ، وأيمُ الحقّ ، من الِإعجاز البشريّ إن لم نقل النبويّ ، ولم أرَه قد حَدَثَ إلاّ في داهش !

ولعمري ، إنّ أدبَ الدكتور داهش هو أدب الحقّ والخير والجمال :

أدب الحقّ لأنه يزفُّ إليك الحقيقة عاريةً إلاّ من نورها ، فلا بهارج خادعة توهمك ، ولا زبارج كاذبة تفتنك ؛ يفضح التضليل والتدجيل ، ويرتقي بكَ في معراجٍ قدسيّ إلى منبع القِيَم الأسمى ، الى الله عزَّ وجلَّ .

وهو أدبُ الخير ، لأنّه الكوثر الذي يروي الظمآن إلى سلام النفس وراحة الضمير ؛ يبني الإنسان ، ويُصلح المجتمع ، ويزرع الإيمان في النفوس الحائرة . فليس ثمّة منارة منه أسطع ، ولا طريق أقصر وأمتع وأروع للاهتداء إلى ينابيع الأنبياء الطاهرة الازليّة ، ومناهل الحياة الصافية الأبديّة .

وهو أدبُ الجمال لأنّهُ يُهذّب ذائقتَك الفنيّة تهذيباً صحيحاً ، ويهتك أسجاف القبح عن عينيك ، فترى الجمال الحقّ في الطبيعة وفي جوهر الحياة النقيّ، ذاك الذي من يُتاح له ولوجه يكتنه معنى الملإ الروحيّ وسعادة العوالم السرمديّة .

أجل ، وحَقِّ رَبِّ الأرباب ،

إنَّ فكر داهش لَهيكلٌ وأدبه لَمحراب ،

وكلامَه سيُضيء في سماء العالم ويخترقها كالشِّهاب ،

ودونه سيجثو كلُّ مكابرٍ ، ودونه ستنحني غلاظُ الرقاب .

 

بيروت ، 27/8/1979.

تمهيد

أشباح الرعب الهائل

وأطياف الجزع المزلزل

 

أجل، إنّهما سفران عملاقان لرجلين عملاقين. لكنّ دانتي أليغييري (1265-1321) شيّدت صرح عظمته الشامخة سبعة قرون وضعت في سياقها ألوف الدراسات عن شاعريّته؛ بينما بنى داهش برج عظمته السامقة- وهو ما يزال رهين الحياة- بخوارق أعماله الفائقة وعجائب أدبه الخارقة!

وليت” جحيم الدكتور داهش” و”نعيمه” كانا مطبوعين بجميع أجزائهما(1)، إذن لكنت عقدت مقارنة فذّة بين الأسفار الداهشيّة الستّة وأقسام” الكوميديا الإلهيّة”(2) الثلاثة: الجحيم والمطهر والفردوس. ولكنّ تهيّؤ “جحيم داهش” بجزئه الأوّل فقط في يدي اضطرّني لقصر الدراسة عليه في مقارنة بينه وبين” جحيم دانتي”. والبحث العادل كان يقتضي مقارنة “الجحيمين” كاملين؛ ولكن، مع ذلك وجدت أنّ المقارنة بين ثلث “جحيم داهش” وكامل “جحيم دانتي” كافية لتؤكّد أنّ الرجل الذي طبّقت الآفاق أنباء معجزاته سرعان ما ستبهر الأحداق شموس مؤلّفاته، وأنّ الذي أدهش العقول بآيات الروح المتجلّية على يديه، سيشدهها بآيات الأدب المتدفّقة من خياله الجبّار وينابيع أصغريه(3).

ومع أنّ كتبا كثيرة تناولت، قبل دانتي وبعده، أوصاف الجحيم، مفصّلة أو موجزة(4)،فإنني لم أقف إلاّ عند أشمخ ذروة بلغها الأدب الوصفيّ لعالم العذاب والعقاب، قبل ظهور الدكتور داهش، وقد رأيتها متمثّلة “بجحيم” دانتي، ولذا لم أجد أيّ كتاب سواه حريّا بالمقارنة” بجحيم داهش”. ونظراً لخصب الكتابين وإتّساع آفاقهما كان لا بدّ لي من الإيجاز والتكثيف.

وفي هذا البحث المقتضب الذي هو أشبه بالدليل لمن يودّ التعرّف لبعض المعالم البارزة التي سيلقاها خائض الرحلة المدهشة المذهلة الى العالم الرهيب العجيب، رأيت أن أنهج خطّة المقارنة التالية:

  • عوامل تأليف” الجحيم” عند دانتي والدكتور داهش.
  • مفهوم الجحيم عند كلّ منهما.
  • بيئة الجحيم الطبيعيّة ودور الشياطين وزبانيتهم فيها.
  • التعذيب: عناصره وفنونه.
  • أحوال المعذّبين.
  • مقارنات بين أحوال وموضوعات متشابهة في السّفرين.

أخيراً، تقويم وخاتمة.

عوامل تأليف" الجحيم" عند الدكتور داهش ودانتي

 

إنّ الموهبة الأدبيّة لا بدّ منها لتوليد أيّ أثر أدبيّ حقّ، فمثلها مثل الطاقة الكهربائيّة، بدونها لا يكون ضوء ولا حرارة. لكنّ المواهب عند الأدباء أشبه بمياه الينابيع تتدفّق على تفاوت في الضعف والقوّة، فتراها ضحلة عند بعضهم، وزخّارة هدّارة عند آخرين، وقد تكون أصليةًَ لدى أناس إذ تتفجّر من منابع نفوسهم وسيّالات أرواحهم، ومستعارة لدى غيرهم إذ تكوّنها اقتباسات من التعابير والصّور والخواطر منتحلة من شتّى المصادر، شأنها شأن البئر الاصطناعية تملأ بكل هاطل ماطر.

وإذا تراءى للقارئ الخبير البصير، وهو يجوس “جحيم دانتي”، أنّه أمام نهر من الأفكار والأخيلة دافق، فلا بدّ من أن يشعر، وهو يجوس “جحيم داهش” أنّه أمام شلاّل من عجائب الصّور والرّؤى هابط من شاهق، فيأخذه الدوار، ويهلع لعذاب الأشرار، ويخشع للقادر الجبّار، ذلك بأنّ الأدب العظيم يأسرك أسراً، ويسحرك سحراً، ويجعلك تعيش الثانية دهراً!

لكن، إذا كانت المواهب الأدبيّة أشبه بالينابيع المتفجّرة، فإنّ مجاريها تكوّنها عوامل مختلفة تتنوّع بتنوّع الدوافع النفسيّة الباطنيّة والظروف الطارئة الخارجيّة. وإنّما المجاري هي الموضوعات وما تنطوي عليه من أفكار ومواقف النظرات.

 

                                     ***

  • فما هي العوامل التي تضافرت فدفعت دانتي الى إبداع”جحيمه”؟

يبدو أنّ ثمّة ثلاثة عوامل: سياسيّ، وإصلاحيّ دينيّ، وعاطفيّ.

والعامل السياسيّ أهمّها، لأنّه كان القوّة الضاغطة الأقوى التي صهرت موضوع” الجحيم” بمصهرها ثم قولبته بقالبها.

فسنة 1266-أي بعد عام واحد من ولادة دانتي- تسلّم حزب”الغلف”مقاليد السلطة في فلورنسا مسقط رأس الشاعر. وهذا الحزب يؤيّد استئثار البابويّة بالسلطة السياسيّة فضلا عن السلطة الدينيّة. ونتيجة لذلك أقصي عن الحكم خصومه المعروفون بإسم “الجيبلين” وهم يعارضون ممارسة الباباوات السلطة السياسيّة، لكثرة ما أساؤوا استخدامها في سبيل مآربهم الشخصيّة، فأضرّوا، على السواء، بالدين وبالسياسة الدنيويّة.

كذلك نشطت محاكم التفتيش الجهنميّة في فلورنسا ضدّ أعداء البابويّة دينيّين كانوا أم سياسيّين، إذ اعتبر البابوات أن كلّ خروج على إرادتهم، بل كلّ امتناع عن مناصرتهم حتى في غاياتهم الشخصيّة وأغراضهم الدنيويّة هو نوع من الهرطقة يستحقّ صاحبها النفي والسجن والإحراق حيّاً.

وسنة 1296 انتخب بونيفاس الثامن للكرسيّ البابويّ، فإنقسم أنصاره “الغلف” فئتين عرفت”بالسّود”، وكانت سوداء المقاصد النيّات، متطرّفة ومغالية في منح البابا جميع السّلطات؛ وفئة عرفت “بالبيض”، وكانت معتدلة في موقفها المؤيّد للباباوات.

وكان دانتي من ” البيض” المعتدلين البارزين. لكن، سرعان ما تأكّد له أنّ تدخّل البابا في السياسة يمني البلاد بأضرار فادحة، فإذا به يغيّر موقفه فينقلب الى مناهض صريح للسياسة البابويّة.

وحدث نزاع بين ” البيض” و” السّود” حاول البابا بونيفاس أن يخمده بالمراوغة الثعلبانيّة السلميّة. وإذ كان دانتي عضواً في مجلس”السنيوريا” قصده في بعثة ثلاثيّة للتفاهم. لكنّه ما لبث أن اكتشف أنّ البابا خدعه، إذ أطلق رفيقيه واحتجزه عنده، مدّعيا أنّه يشكّل خطراً كبيرا عليه. وبعد مدّة أفرج عنه، فحاول دانتي العودة الى موطنه، لكنّه رأى أنّ الأوان قد فات، لأنّ البابا كان قد أوعز الى شارل ده قالوا الفرنسي باحتلال فلورنسا عسكريّأ فدخلها في أوّل تشرين الثاني 1301. وما لبثت السلطة الجديدة أن اتّهمت دانتي زورا- بتحريض من البابا- باساءة استخدام سلطته الوظيفيّة وجعلها وسيلة لابتزاز الأموال عن طريق الغشّ والسرقة والرشوة، فأصدرت قراراً بمصادرة أملاكه وبإحراقه حيّا حالما يقبض عليه.

وهكذا كتب على شاعر إيطاليا الأكبر أن يعيش في المنفى أعوامه العشرين الباقية، حتى وفاته سنة 1321.

وقد حاول في أثناء منفاه أن يتحالف و”الجيبلان”، خصوم البابويّة، لكنّه لم ينجح في القيام بأيّ عمل إيجابيّ (5).

وسبّبت له حياة المنفى التشرّد والجوع والتعرّض للإهانات ولأخطار قطّاع الطرق؛ وكلّ ذنبه أنّه عارض سياسة البابا دفاعا عن مصلحة بلاده. وفي مرحلة منفاه وتشرّده كتب دانتي” الكوميديا الإلهيّة”، فكانت له أشبه بمتنفّس فنّي لما احتشد في نفسه من انفعالات العدائيّة والانتقام ضدّ خصومه، رجال دين كانوا أم رجال دنيا.

وقد بدأها” بالجحيم” حيث زجّ بأعدائه، منتقما منهم انتقاماً خياليّا، بعد أن عجز عن النّيل منهم واقعيّا.

وتتجلّى رغبته الانتقامية هذه في ” المطهر”و”الفردوس” مثلما في “الجحيم”. وحسبي الاشارة الى تنديده بفساد رجال الكنيسة وتدخّلهم فيما لا يخصّهم، وذلك في الأنشودة السادسة من ” المطهر”؛ وكذلك تشهيره بالبابوات الضالّين، وبرجال الدين الذين نبذوا الكتاب المقدّس وآباء المسيحيّة الأوائل، وتعريضه بأديرتهم التي حوّلوها لمغارات لصوص؛ ثم جعله بطرس الرسول يغضب على فساد بابوات روما، معلناً أنّ رجال الكنيسة أصبحوا ذئابا خاطفة بثياب رعيان…وذلك في الأنشودة التاسعة ثم الثانية والعشرين فالسابعة والعشرين من “الفردوس”.

لقد حاول دانتي أن يقارع أعداءه بالكفاح السياسيّ ، فباء بالفشل، فشهر قلمه سيفا رهيفا يجول به ويصول ضدّهم، جاعلا من الانتقام عدالة إلهيّة تتمثّل بالله تعالى ذاته، إذ ينتقم من الآثمين فيسلّط عليهم عذابه المخزي المهين.

وهكذا خصّص للبابا بونيفاس الثامن مركزا في الجحيم ، ناعتا إيّاه بالمغتصب الجشع المنافق(6)، وصبّ جام غضبه ولعناته على شعب فلورنسا، رجالاً ونساءً، ملصقا بهم أحقر الرذائل، وواصما إيّاهم بأقبح النقائص، لأنّهم لم ينصروه ولم يغيثوه وهو في بحر محنته غائص.

وكان يأمل أن تفعل “الكوميديا” فعلها العميق في نفوس أبناء وطنه، فيتأّلبون حوله ضدّ أعدائه، وقد تجلّى أمله هذا في استهلال الأنشودة الخامسة والعشرين من ” الفردوس” حيث أعلن أنّه إذا انتصرت “الكوميديا”-بما فيها من فنّ ومعرفة- على خصومه من الوحوش فسيعود الى فلورنسا لكي يعقد على رأسه إكليل الغار. لكنّ شاعر إيطاليا الأعظم- وللأسف- لم يمجّد في مسقط رأسه إلاّ بعد أن مضى حوالى نصف قرن على وفاته.

ولد تركت رغبته الانتقاميّة آثارها في موقفه من الآثمين في الجحيم. فبالرغم من بكائه وتأثّره حتى الإغماء، أحياناً كثيرة، لدى رؤيته مشاهد العذاب، فإنّه كان يتصلّب ويقسو على أعدائه ويعنّفهم ويسخر منهم كلّما صادفهم في حلقات العالم السفليّ.

ذلك كان العامل السياسي في تأليف” جحيم دانتي”، وبالتالي مجمل “الكوميديا الإلهيّة”.

أمّا العامل الإصلاحي الديني فقد كان ثانويّا بالنسبة للعامل السياسيّ، بالرغم من أنّه قد يتراءى للكثيرين من القرّاء أنّه كان الباعث الأوّل لدانتي على تأليف كتابه، إذ إنّ “الكوميديا” تبدو معرضاً لذمّ الأشرار ومدح الأخيار.

والحقيقة أنّ الإصلاح الذي كان يرمي إليه يكاد لا يعدو الإصلاح الخلقيّ. فهو يذمّ الرذائل التي عاثت فساداً، سواء في بلاده أم في العالم، في أفراد الشعب أم بين الملوك والأمراء، في رجال الدنيا الأثرياء أم بين رجال الدين الخبثاء.

لكنّ حملته هذه لم تطل الكنيسة الكاثوليكيّة بأجهزتها الدينيّة المرائية، ولا بتعاليمها المختلقة المداجية، بل نراه، على العكس، يحاسب نفسه وصحّة إيمانه(7)  مثلما يحاسب الآخرين على ضوء المعتقدات الكاثوليكيّة. ولم يشذّ عن ذلك إلاّ في مهاجمته لصكوك الغفران التي اعتبرها ابتزازاً لأموال الحمقى من المؤمنين(8)، وفي مناداته مضرورة نزع السلطة السياسيّة من أيدي رجال الدين.

ويبدو أنّه كان على المسيحيّة أن تنتظر مئتي سنة أخرى ليظهر لوثر في المانيا فيضطلع بمهمّة الحملة العامّة على معتقدات الكنيسة الكاثوليكيّة المختلقة، ومفاسد أجهزتها الدينيّة المطبقة. وإذا كان دانتي ينادي بضرورة توحيد العالم سياسيّا في ظلّ ملك واحد، فإنّه كان ينادي، أيضاً، بإخضاعه دينيّاً لراية البابا الواحد المتحاشي عن تعاطي الأمور السياسيّة.

أمّا العامل العاطفيّ الذي دأب الدارسون على وضعه بمنزلة المحرّك الأوّل لنظم”الكوميديا الإلهيّة” فإني أراه أضعف العوامل الثلاثة، ومهمّته تكاد تكون فنيّة بحتة. ذلك بأنّ دانتي يوحي لنا بأنه أحبّ بياتريس(9)(1266-1290) حبّاً غامراً، دون أن يؤكّد أنّها بادلته الحبّ . فضلاً عن أنّه تزوّج جِمّا دوناتي، وتغزّل بعدد من النساء(10).

ولكن ، كان لا بدّ من عنصر فنّي ينتظم الرحلة في العوالم الثلاثة نظير سلك شفّاف، فإذا بحبّ دانتي الأوّل لغادة اقتطفها الموت كوردة نضرة يرفده بهذا العون الضروري.

تلك كانت العوامل الثلاثة التي رأيتها قد دفعت دانتي، متضافرة ، لنظم “الكوميديا الإلهيّة” بدءاً “بالجحيم”.

فما هي العوامل التي دفعت الدكتور داهش الى إبداع “جحيمه”؟

                                    

                                           ***

  • إنّه لغريب حقّاً أن يعيد التاريخ تمثيل المأساة نفسها مع الدكتور داهش، ولكن بصورة أعتى وأدهى، كأنّ قوّة الحياة الخفيّة أرادت أن ترفع القناع عن وجه البشر، فيبدو على أقبح صورة يمكن أن يتصوّرها خيال، وأنكر سحنة قد تخطر ببال!

في إيطاليا رجل إشترك في اللعبة السياسيّة ، وتسنّم رفيع المناصب الدنيويّة، وناهض خصومه السياسيّين بشدّة، فناصبوه عداوةً قويّة.

وفي لبنان صاحب رسالة روحيّة أسّس عقيدة لخير البشريّة، وأيّدها بالخوارق الباهرة والمعجزات العلويّة التي تثبت بالبرهان الملموس وجود القوّة الإلهيّة، فبادوا خيره وحبّه بعداوة شيطانيّة!

هناك رجل أدب وسياسة..قبض عليه ثم أطلق سراحه بدون أيّ عذاب، فاضطرّ للعيش في المنفى ليتجنّب الوقوع بين أنياب الذئاب. هذا حدث في القرون الوسطى المسماة “بعصور الظلام”.

وهنا رجل أدب وروح..اتّهمه أعداؤه الأنذال أشنع الإتّهامات زوراً وبهتاناً، واستعانوا بالأوباش والعصابات فقبضوا عليه ظلما وعدواناً، ثم سجنوه وعذّبوه كما لم يعذّبوا إنساناً، وجرّدوه من جنسيّته ونفوه زورا وطغياناً، وأعملوا أنيابهم الوحشيّة في سمعته النقيّة سياسيّين ورهباناً! هذا حدث في القرن العشرين المسمى”عصر الحريّة والنور”!

لكن…

شاعر إيطاليا الأعظم كتب” جحيمه” في منفاه، ومات بعيداً عن وطنه، وهو يؤمّل أن يراه.

وعبقري لبنان المعجزة عاد الى بلاده، معفّرا بالرغام أنوف أعدائه وحسّاده، وفي عقر دارهم كتب “جحيمه” وهو في غمرة كفاحه وجهاده، لأن قوّة العليّ كانت سيفه البتّار في صراعه وجلاده…فإنتزع أنياب أعدائه الذئاب، ومسخهم قطيعا من الخنازير والكلاب، وأسراباً من الهوامّ والذباب، ثم انقضّ عليهم من السماء انقضاض الشّهاب، فزلزل أرضهم، وجعل دولتهم في يباب وتباب.

دانتي ألّف “جحيمه” بسلطة الشاعر العبقريّ، بعد أن عجز عن البطش بعدوّه القويّ عن طريق كفاحه السياسيّ.

وداهش أبدع “جحيمه” بسلطة المؤدّب الجبّار لطغمات المجرمين والطغاة والفجّار، وحثالات المنافقين والأشرار والكفّار، مصوّرا لهم مصيرهم في عوالم الدياجير والنار.

إسمعه يقول في مقدّمة كتابه الفذّ:

 

“وبعد أن اختبرت أمور هذا العالم،

وحلبت من الدهر شطريه، وذقت شهده وحنظله،

وبعد أن عاشرت الألوف من أبناء هذه الغبراء،

وبلوت منها ومنهم أنواع البلاء،

ودرست أخلاقهم ونفسيّاتهم،

وعرفت سوء ضمائرهم ونيّاتهم،

وإكتشفت ما يطمحون إليه من شرور طامحة وآثام طافحة…

انثنيت عنهم وأنا أستمطرهم لعنات خالدات،

وأشحت بوجهي عن مرآهم، وما عدت لأستطيب لقياهم

وأقسمت أن اذيقهم أشنع العذاب، عندما تدنو ساعة الحساب”.

إنّه صوت مؤدّب مزوّدة بالسلطة الفائقة والقدرة الخارقة، وليس صوت أديب أعجزه النّيل من أعدائه فلجأ تارةً الى التشفّي والهجاء وطوراً الى الشكوى والنحيب.

وإذ أقسم داهش أن يجرّع الأشرار ما يستحقّونه من كؤوس العذاب، حينما تأزف ساعة الحساب، فقد صوّر لهم نماذج من تلك الأهوال والويلات التي سيعانونها، علّها تكون رادعاً لهم عن أعمالهم المنكرة، قبل أن يفوت الأوان، وتنصبّ عليهم النّقم، ولات ساعة مندم.

لكنّه ، مع سلطته التأديبيّة وقدرته الروحيّة، نراه يقف من المعذّبين موقفاً مخالفاً لدانتي. فبينما يلجأ الشاعر الإيطالي الى السخرية من الآثمين وإظهار القسوة والغلظة نحو الكثيرين منهم، نرى مؤسّس الداهشيّة يشفق عليهم، ويطلب الرحمة لهم.

فرجل الخوارق العظيم ما أن يرى الشيطان مطبقا على الأثيم، في مدخل الجحيم، حتى يطلب اليه أن يكفّ عن تعذيب المسكين.

وبعد أن يرى الأهوال البطّاشة تنزل بالخطأة في الدرك المظلم الثاني، يرفع أكفّ الضراعة الى الخالق الديّان حتى يشفق عليهم ويشملهم ببعض رحمته.

 

الرجل القويّ الجبّار، والعنيف البتّار“…

صاحب الإرادة الغلاّبة، والعزيمة القهّارة التي تردّم كلّ عقبة تقف بوجهها تهزأ بكلّ قوّة تحاول أن تصدّها…إسمعه، وقلبه يذوب أسىً على الآثمين المعذّبين، ويتدفّق شفقةً على الهالكين، فتدرك عظمة حبّه الزاخر الغامر الذي شمل العالمين:

“ربّاه اغفر لهم يا ذا العطف والحنان

فقد انفطر قلبي لشدّة عذابهم

ويا لله!..ما أرهب آلامهم!

لقد منحتني نعمة زيارة العالمين

وسأعود يا ربّي لهداية العالمين.

فهتف الخطأة المعذّبون :”شكرا لك يا داهش الزمان”.

 

من هذه الفقرة السداسيّة يمكن أن يفهم القارىء أنّ زيارة مؤسّس الداهشيّ’ للجحيم- كزيارته للنعيم- لم تكن محض خياليّة. إنها نعمة سماويّة منحتها القدرة الإلهيّة لهاد من هداتها حتى يرى ببصيرته الروحيّة ما يكابده الخطأة من عذابات هائلة وآلام مزلزلة، فيضيء السبيل أمام التائقين للاسترشاد بنور رسالته.

ومن أتيح له أن يشهد شخصيّات الدكتور داهش المتعدّدة تتجسّد في مكان واحد أو في أمكنة جدّ متباعدة من الأرض، وذلك في الوقت نفسه، وأن يجالسها ويحادثها، ثم تتوارى لتعود الى عوالمها العلويّة(11)، لن يرى محالاً أن تتجسّد سيّالات الدكتور داهش في الجحيم، لغاية روحيّة، مثلما تتجسّد سيّالاته العلوية في الكرة الأرضيّة.

وإذا كان المسيحيّون يؤمنون بأنّ السيد المسيح نزل الى الجحيم، وخلّص عددا من الآثمين، فعليهم ألاّ يعتبروا من باب المحال نزول رجل الخوارق والمعجزات الى الجحيم، أيضاً، بغية هدية البشر، وإيضاح الحقائق لهم عن العوالم الأخرى.

إن الداهشيّين يؤمنون إيماناً لا يتزعزع- مهما هاجمته العواصف الزعزع – بأنّ لمؤسّس الداهشيّة سيّالات روحيّة – هي امتدادات له- كائنة في عوالم حضاريّة علويّة، مثلما أنّ لكلّ إنسان سيّالات متجسّدة منبثّة في عوالم شتّى من الكون.

والفارق بين الدكتور داهش وسائر الناس أنّ المشيئة الإلهيّة سمحت بأن تتجسّد في الأرض، أحياناً، ستّة سيّالات منه تنتمي لستّة عوالم علويّة، وذلك لتحقيق أهداف روحيّ’ معيّنة. وهذا التجسّد قد لمسه عشرات الشهود لمس اليد.

ونتيجة لإضطهاد الطغاة وزبانيتهم لرجل الروح، أيّام رئاسة بشارة الخوري للبنان(1943-1952) أذنت الإرادة الربّانيّة بأن تتجسّد إحدى شخصيّات داهش الستّ وتلقى مصرعها رميا بالرصاص في أذربيجان، بتاريخ الأوّل من تمّوز سنة 1947، ثم تبعث حيّة. ولهذا المصرع وثائق وصور ثابتة لا تدحض، وقد نشر بعضها في كتاب “مراثي الأدباء والشعراء والصحفيين الخ…بمؤسّس العقيدة الداهشيّة”(12).

ومثلما يؤمن المسيحيّون بأنّ السيّد المسيح صلب ودفن ثم قام من القبر بعد ثلاثة أيّام، ولا يضعف إيمانهم هذا أنّ المسلمين وسواهم من أتباع الأديان الأخرى لا يشاركونهم فيه؛ ومثلما أنّ المسلمين يؤمنون بأنّ الرسول العربيّ الكريم صعد الى السماء على ظهر البُراق، ولا يوهن عقيدتهم هذه أنّ المسحيّين وسواهم من سائر الأديان لا يصدّقون بها..هكذا الداهشيّون لهم عقيدتهم المتينة المكينة المبنيّ’ على براهين ملموسة مادّيّة، وليس على أوهام وظنون افتراضيّة؛ ولا تؤثّر في صحّتها مواقف المشككين فيها، مهما ضربوا الأرض بحوافرهم وأثاروا فيها من غبار، مثلما لا يؤثّر وجود خفافيش الليل بصحّة وجود الشمس والمبصرين في النهار.

وهذه الناحية من العقيدة الداهشيّّة ستزداد حقيقتها جلاءً وسطوعا في النقطة التالية من هذه الدراسة.

مفهوم الجحيم عند دانتي والدكتور داهش  

 

  • كيف كان مفهوم الجحيم عند دانتي؟

إنّ مفهومه للجحيم جزء متمّم لصورة الكون الواهية البائدة التي كان يؤمن بها، وهي داخلة في معتقدات الكنيسة الكاثوليكيّة في القرون الوسطى، ومبنيّة على آراء بطليموس(توفي حوالى 165) وتوما الأكويني (1225-1274):

الأرض هي مركز الكون الثابت في الفضاء. وفي الجهة الشماليّة المسكونة منها، وبوسطها، يقوم جبل الجلجلة حيث صلب المسيح. وحول الأرض أفلاك السماوات التسع: سماء القمر، فعطارد، فالزهرة، فالشمس، فالمرّيخ، فالمشتري، فزحل، ثم سماء النجوم الثابتة، فالسماء البلّوريّة. ويحيط بها جميعا ويخرج عنها، مكانيّاً وزمانيّاً، سماء السماوات وهي بصورة وردة يتوسّطها الله، ويحفّ به الملائكة والقدّيسون.

هذه الصورة الوهميّة للكون التي نقضها العلم الحديث استندت اليها محاكم التفتيش الكاثوليكيّة لتصدر أحكامها التعسّفيّة على العالمين العظيمين كوبر نيكوس(1473-1543) وغاليليو(1564-1642) اللذين أعلنا أنّ الأرض ليست مركز الكون الثابت، بل هي مجرّد كوكب صغير يدور في النظام الشمسي وفي محيطات الكون اللانهائيّة.

أمّا الجحيم فقد جعله دانتي في تسع حلقات، أيضاً، قائمة في النصف الشمالي من جوف الأرض، على صورة قمع مخروطيّ الشكل. طبقته الأولى تمتدّ تحت سطح اليابسة مباشرة، ثم تتتابع حلقاته أضيق فأضيق حتى تنتهي بالحلقة التاسعة في منتصف الكرة الأرضيّة حيث مركز لوسيفورس.

ويعطي دانتي تعليله لتكوين عالم العذاب الجهنّمي في النشيد الأخير من ” الجحيم”، حيث يعرض أنّ لوسيفورس هوى في الجهة الجنوبيّة من الأرض، إذ طرده الله من السماء، فتراجعت اليابسة، إذ ذاك، نفوراً ورعباً، لتتجمّع في الجهة الشماليّة حيث انحصرت المسكونة.

وكان لهذا الانخساف ردّة فعل طبيعيّة: إذ ارتفع في الطرف الجنوبيّ من الأرض جبل على هيئة المخروط الجحيميّ، مكوّنا المطهر، وحاملاً الفردوس الأرضيّ على قمّته المتطلّعة الى السماء. وبانشقاق اليابسة ملأت مياه المحيطات جميع المساحات الفاصلة بين جبل المطهر والمسكونة.

هذه الصورة تفقد معناها , وحتّى جوّها الشعري , بعد أن كشف العلماء عن تكوين جميع مناطق الكوكب الأرضيّ بما فيها القطبان .

إنّ صورة الجحيم الدانتيّة – فضلا عن المطهر والسماء – تبدو اليوم صبيانيّة تثير الضحك , حتى لدى الغلمان تلامذة الصفوف الإبتدائيّة ! وأين هي من الصورة الداهشيّة الفذّة المطلّة على القرن العشرين إطلالة وجه السماء , محتومة علومه بنتائجها الثابتة، ومستبقة لها؟!

زد الى ذلك أنّ دانتي راح يبني تركيبات عدديّة اعتباطيّة انطلاقا من الرقم 3 الذي يمثّل برأي الكنيسة الكاثوليكيّة الثالوث الأقدس.

ففضلا عن السماوات التسع (3×3)، وحلقات الجحيم التسع، جعل للمطهر تسعة أقسام أيضاً: سفح، وسبعة أفاريز، والفردوس الأرضيّ.

وحيثما سنحت له الفرصة كان يقحم هذا العدد سواء في تركيب الأناشيد أو الأحداث أو الصّور الجحيميّة.

فالله سبحانه ذو ثلاثة أقانيم- حسب رأي الكثلكة غير المبني على أيّ أساس صامد- إذن فليكن لوسيفورس ذا ثلاثة أرؤس، ولتكن الوحوش التي تعترض دانتي في الغابة ثلاثة، وطبقات الجحيم الكبرى ثلاثاً الخ…وما يقحم في الجحيم لا بأس من أن يقحم في السماء على أساس هذه الألاعيب العدديّة.

حتى أقسام الكتاب الثلاثة جعل كلاّ منها يشتمل على 33 نشيداً، يضاف اليها مدخل”الكوميديا” العام (13).

 

                                        ***

وأوّل ما نفاجأ به في “الجحيم” من معتقدات الكثلكة المختلقة مبدأ الشفاعة. ففي النشيدين الأوّل والثاني يوضّح دانتي لماذا اتّخذ فرجيل شاعر “الإنياذة” دليله في الجحيم. يقول إنّه بينما كان ضالاّ، يخبط خبط عشواء في غابة موحشة-هي رمز الدنيا وآثامها- تراءى له فرجيل- وأعلمه أنّ مريم العذراء تألّمت لما صادفه دانتي من المشقّات في حياته وهو يبحث عن الطريق المؤدي الى السعادة، فطلبت الى لوسيا أن تقصد بياتريس وتسألها الإسراع لنجدة الشاعر الايطالي، فهبطت الى مقرّ فرجيل في “اللمبو”- وهو يؤلّف الحلقة الأولى من الجحيم- وطلبت إليه أن يهبّ الى نجدة دانتي ويقوده الى أواخر المطهر، ثم تكمل هي الرحلة برفقته حتى نهاية الفردوس.

فلماذا هذا التدخّل المتعدّد الأطراف؟! لا تفسير له إلاّ أنّ دانتي كان مقيّد الذهنيّة برأي توما الأكويني الباطل القائل بأنّ الإنسان بحاجة، لكي يخرج من حياة الخطيئة، الى النعمة الإلهيّة، والنعمة المضيئة، والحقيقة العليا؛ فمثّلها دانتي على التوالي بمريم العذراء ولوسيا وبياتريس.

وما أن يجتاز دانتي، بصحبة فرجيل، “مدخل الجحيم” الذي خصّصه لمن لم يفعلوا في الدنيا لا خيراً ولا شرّاً فكانوا أشبه بالعجماوات باهتماماتهم المقصورة على الأكل والشرب والنوم، حتى يلج “اللمبو” وهو اختراع آخر من مختلقات الكثلكة. فزجّ فيه بالأطفال الذين توفّوا بدون معموديّة، مثلما جعل فيه العظماء والحكماء والفلاسفة والعلماء والشعراء الذين ماتوا قبل المسيح، أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وديوجينس وزينون وسيسكا وهوميروس وبطليموس وديمقريطس وقيصر الخ… كما جعل فيه من المسلمين صلاح الدين وإبن سينا وإبن رشد!

هؤلاء جميعا الذين كانوا نسغ الحضارة البشريّة، والذي ما تزال آثار معظمهم تسم القرن العشرين، جعلهم دانتي في الحلقة الأولى من جحيمه الأبديّ لأنهم…لم يتعمّدوا!!..

ولا يسعك إلاّ أن تعجب للشاعر الكبير كيف وفّق بين تسمية أرسطو بمعلّمه وسيّده وأستاذ العقل البشريّ و”معلّم الذي يعلّمون”(14) وطرحه في مقرّ العذاب الخالد!…

وتزداد تعجّبا حينما يتّضح لك أنّ ترتيب دانتي لدركات الجحيم- أو حلقاته حسب تسميته- يعتمد، أوّلاّ، المفهوم الكاثوليكي لخطورة الخطايا، ثم المفهوم الأرسطوي المعروض في كتاب”الأخلاق”!(15).

والترتيب الكاثوليكي لا يعتمد الوحي الديني ولا المنطق الصحيح. فهو يجعل خطيئة الدعارة أخفّ الشراهة، وكلتيهما أخفّ من الكسل!

وإذ كانت الكنيسة الكاثوليكيّة، في القرون الوسطى، قد اندفعت كوحش ضار في حملة رهيبة مغرضة منكرة ضدّ من يتعاطون ما تسمّيه “بالسحر”، وأخذت تنزل بهم أدهى العذابات،ثم تصادر أملاكهم، مستثمرةً أغبياء الناس لترسّخ في أذهانهم وجود فئة تتعامل مع الشياطين-ومن أقرب اليهم ممّن ينكّل بالأبرياء ويحرقهم أحياء حسبما فعلت محاكم التفتيش؟!- فإنّ دانتي جعل خطيئة “العرافة والتنجيم” وممارسة “الكيمياء”(16)، وجميع فنون السحر المزعوم(17)، من الخطايا الفادحة، بل أخطر من الاتجار بالمقدّسات والتحريض على الفسق والبغاء، ومن الطغيان والإجرام وسفك الدماء، وزجّ أصحابها في الحلقة الثامنة من الجحيم، أي مباشرةً قبل الأخيرة، مقرّ لوسيفورس الرجيم.

وليست هذه هي الأخطاء الوحيدة التي ارتكبها دانتي من جرّاء تأثّره بالمعتقدات الكاثوليكيّة؛ فإنّه تكلّم، أيضاً، على مؤسّس الإسلام العظيم كلاما غير لائق بشخصه الكريم في أواخر النشيد الثامن والعشرين من ” الجحيم”، وذلك في الحلقة الثامنة التي خصّص بعضها لمثيري الفتن والاضطرابات الدينيّة والسياسيّة.

كذلك خصّص مكاناً في الحلقة السادسة لجميع الطوائف غير الكاثوليكيّ’ ممّن يسمّيهم “هراطقة”(18).

وممّا يثير الضحك أنّه جعل نفوس الهالكين- تبعا لرأي توما الأكويني- تجهل الحاضر، بينما تدرك الماضي والمستقبل، وهو أمر غير منطقيّ. وقد استفاد دانتي من هذه الناحية فجعل بعض الهالكين يتنبأون بما سيتمّ من أحداث في بعض بلدان أوروبا وخاصّة فلورنسا، وهي نبوءات مزيّفة، ذلك بأنّ دانتي أعلن أنّه بدأ رحلته الخياليّة الى العالم الآخر سنة 1300 في 7 نيسان، وأنهانا بعد سبعة أيّام(19)؛ في حين أنّه، في الواقع، بدأ كتابة “الكوميديا الإلهيّة” سنة 1304 ، واستمرّ بكتابتها حتى أواخر حياته، أي 1321. ومن الطبيعي أنّه كان يدخل الأخداث في كتابه بعد وقوعها، تاركاً القارىء يعيش في وهم النبوءة(20).

فليت شاعر إيطاليا الأكبر خرج على معتقدات الكثلكة الواهي البائدة مثلما خرج على السياسة البابويّة الباغية الفاسدة، إذن لكان خلّص كتابه الرائع من كثير من المفاهيم التافهة والحاقدة.

أخيرا، لا بدّ من الإشارة الى أنّ المفهوم المسيحي الكنسي للجحيم الذي أخذ به دانتي يقضي بجعل الهلكى نفوسا غير متجسّدة- إلاّ أنها تلبس أجسادها بعد يوم الدينونة الأخير!- وبأنّ العذاب الجحيميّ أبديّ لا أمل في انتهائه(21).

وسنرى أنّ هذا المفهوم يبدو بدائيّاً، وغير منطقي، ومحكوما عليه بالاضمحلال، لدى مقارنته بالمفهوم الداهشي للجحيم الذي يسمو به الرقيّ، ويصونه المنطق السديد، ويحفّ به الجلال.

  • ما هو مفهوم الجحيم عند الدكتور داهش؟

مفهوم الجحيم عند الدكتورداهش جزء متمّم لصورة الكون الشاملة التي لم تأت بها التخمينات الكنسيّة والافتراضات الأكوينية الوهميّة، بل الوحي الروحي المؤيّد بالمعجزات الماديّة الملموسة في الجلسات الروحيّة.

والصورة الداهشيّة للكون باحتضانها ما ثبت من نتائج التجارب العلميّة واستباقها ما ستؤول اليه مساعي العلماء تبدو في القرن العشرين أشبه بعملاق جبّار حيال المفاهيم الدينيّة التقليديّ’ الضامرة الغابرة التي قزّمتها الاكتشافات العلميّة الباهرة المعاصرة.

ومن حقائق الداهشيّة أنّ السيّالات الروحيّة- ذات الإدراك والإرادة والنزعات- هي نسيج الكون وقوام كائناته، والجوهر الخالد الذي يوحّد الموجودات وإن اختلفت مظاهرها المحسوسة. وهكذا توجد خصائص الحياة النفسيّة ليس في الانسان فقط، بل أيضاً في الحيوان والنبات وكلّ ما يسمّى “مادّة”.

فليس من جرم فلكيّ- كوكبا كان أم نجماً أو غير ذلك- إلاّ فيه حياة وكائنات تستمدّ مقوّماتها من عناصره، وتتلاءم مع طبيعته. وقد لا تقع تلك الكائنات تحت إدراك الانسان الحسّي إذا كانت ذبذباتها تتعدى حدود حواسّه العُليا أو تتدنّى عن حدودها الدنيا.

وتنقسم بلايين النجوم والكواكب الى 150 درجة روحيّة علويّة و150 دركة سفليّة؛ وتكوّن الدرجات عوالم النعيم، وكلّ درجة أو دركة تشتمل على بلايين الأجرام المادّية المتفاوتة في رقيّها، وكلّ جرمٍ منها له أنظمة الخاصّة وطبيعته وسكّانه. أمّا السماوات- أو عوالم المسيح- فتتكوّن، أيضاً، من 150 درجة روحيّة تتخطّى درجات النعيم، ولكن لا تشوبها أيّة كثافة مادّيّة ولا أيّة أدناس، وهي عوالم السعادة الحقيقيّة والمعرفة اللانهائيّة.

وفي سُلّم الحضارات الكونيّ’ يستوي الكوكب الأرضيّ-مع عدد كبير من الكواكب الأخرى- في الدركة الأولى من الجحيم، وكأنما كوكبنا على عتبة العوالم السفليّة. ولم يصل البشر الى مرتبتهم الدنيويّة الزريّة، نسبيّاً، إلاّ لميولهم وأعمالهم في دوراتهم الحياتيّة السابقة؛ ذلك بأنّ العناية الإلهيّة جعلت التقمّص قانوناً عاماً للحياة في جميع أرجاء الكون.

فأمجاد العوالم العلويّ’ لا تُنال بصاروخ ولا بسفينة فضائيّة، لكن بارتقاء روحيّ داخليّ يؤهّل السيّال، بعد انطلاقه من الإنسان، للتجسّد في العالم النعيميّ الذي يستحقّ؛ وإلاّ فإنّ الإنسان إذا سفّل نفسه، وتشبّث بالدنيويّات، يضع ذاته في جاذبيّة العوالم السفليّة، فتتجسّد سيّالاته، بعد انطلاقها منه، في كوكب يعظم فيه الجهل ويتفاقم الشرّ ويشتدّ الشقاء والعذاب، وذلك تبعا لنواميس كونيّة إلهيّة(22).

وقد تركت الرحمة الربّانيّة للإنسان مجالاً زمنيّاً واسعاً جدّا لكي يحسّن فيه نفسه، قبل هبوطه الى دركات العذاب السفليّة، فسمحت له بستّة آلاف دورة حياتيّ’ تكرّر فيها سيّالاته تقمّصاتها في الأرض أو الكواكب التي توازيها بدرجتها.

كما جعلت العناية الإلهيّة تجسّد أيّ سيّال في عوالم الجحيم محدوداً بمدّة زمنيّة معيّنة يرتقي بعدها السيّال الى عالم أرقى، أو يتسفّل فيحكم عليه بالعذاب في عالم أدنى، وهكذا بإستمرار، بحيث إنّ أعمال السيّال وميوله حيثما حلّ في الكون هي التي تشكّل قدره وتبدع مصيره، وفق نواميس روحيّة ثابتة.

فشتّان ما بين هذه النظرة الداهشيّة الراقية المجلّة للرحمة الإلهيّة والعدالة الربّانيّ’ ومفهوم الجحيم الكنسيّ التعسّفيّ البدائيّ الذي يحكم بالعذاب الأبديّ على الآثمين.

وحقيقة النعيم والجحيم –حسبما توضّحها الداهشيّة-أيّدتها معجزات محسوسة باهرة لا مجال للشكّ فيها.

ففضلاً عن تجسّدات شخصيّات الدكتور داهش الهابطة من عوالم علويّة، حسبي أن أذكر هاتين المعجزتين:

 

                          

                                   هبوط كائن من خارج الفضاء

 

في مطلع آب 1942 كان الدكتور داهش برفقة الأديب يوسف الحاجّ والشاعر حليم دمّوس في منزل الأخير برأس بيروت. وفي الساعة العاشرة ليلاً انتصب رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها الى السماء المتألّقة بالنجوم. وما هي إلاّ لحظات حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب وتتكاثف تدريجيّاً، الى أن انجلت أخيرا عن كائن أشبه بالبشر، إنّما أحمر الوجه، نافذ النظرات، متألّق المحيّا، وأخذ يحدّثهم بسرعة عجيبة ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئا. فتقدّم مؤسّس الداهشيّة، ورسم الرمز الداهشيّ المقدّس على فمه، فطفق يتكلّم العربيّة.

وممّا قاله الكائن العجيب: إنّه أحد سكّان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة، وسبق أن كان أحد أبناء الأرض منذ بضعة آلاف من السنين، وما أن مات، مخلّفاً جسده طعمة للديدان، حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ. وبعد أن حدّثهم بأمور خطيرة كثيرة، أخذ يتلاشى أمامهم، تدريجيّاً، حتى غيّبه المجهول(23).

 

                                       تجَسّد ندى

 

أمّا المعجزة الثانية فقد حدثت سنة 1943 أمام المحامي والوزير السابق إدوار نون، والدكتور جورج خبصا طبيب الأمراض الجلديّة المشهور، والسيد جورج حدّاد عديل رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة، والأديبة والفنّانة الكبيرة ماري حدّاد وغيرهم…وهي في غاية الغرابة.

فبينما كانوا مجتمعين بالدكتور داهش في جلسة روحيّة إذا بصبيّة حسناء تتجسّد، فجأة أمامهم، تحت النور الساطع. فيبهت الجميع ويظنّون أنّهم يتوهّمون. فتفاجئهم الفتاة قولها:”لا تظنّوا أنّكم واهمون، فما ترون هو حقيقة أكيدة. اسمي ندى وقد أتيت من عالم مادّي آخر إليكم”.

فلم يصدّق الحضور أعينهم حتى سارعوا الى تحسّسها بأيديهم، فإذا هي لحم ودم كالبشر. لكنّها كانت تلبس فستاناً وتحمل حقيبة لم يكونا من الزيّ الدارج في الناس سنة 1943.

وبعد تسعة عشر عاماً تزور الدكتور داهش الصبيّة نفسها وقد أصبحت في عداد سكّان الأرض. وكانت بالعمر نفسه الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً، وتلبس الثوب عينه، وتحمل الحقيبة ذاتها.

وقد أوضح الدكتور داهش للمجتمعين، إذ ذاك، وفيهم من شاهدها قبل تسعة عشر عاماً، أنّ هذه المعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسما استمرار الحياة وتقمّص النفوس، وانتقالها بعد الوفاة، من دورٍ حياتيّ الى دورٍ حياتيّ آخر، في الأرض، أو من كوكب الى كوكب آخر، حسب درجة استحقاقها(24).

 

                                             ***

وما دام الاستحقاق هو الذي يعيّن للسيّالات درجة العوالم التي يجب أن تحيا فيها مثلما درجة العذابات ونوعها، كان ممكناً أن يحوي أيُّ درك سفليّ أصنافا متعدّدة من الآثمين، كما الحال في الأرض. فمع أنّ البشر في الدركة نفسها يتعايشون، فالعذابات التي يعانونها في حياتهم والناتجة عن أمراضهم وعاهاتهم وأوضاعهم العائليّة والإجتماعيّة تختلف إختلافاً كبيراً، وذلك وفق استحقاقاتهم المبنيّة على تقمّصاتهم السابقة وأعمالهم ونزعاتهم الحاليّة.

وهكذا لا نرى في “جحيم الدكتور داهش” تصنيفاً للخطأة يخصّص فيه لكلّ نوع من الآثام دركة معيّنة، مثلما الحال في “جحيم دانتي”، بل نشهد في معظم الدركات اختلاطاً في أنواع الآثمين، وهذا أقرب الى منطق الحياة.

ومعظم الدركات يوصف فيها عذاب الهالكين عامّة من دون تحديد لهويّاتهم وأنواع معاصيهم. لكن ذُكر في بعضها أصنافٌ من الخطأة من غير أن يعني ذلك أنّ الدرك مقصور عليهم؛ مثال ذلك ذكر المؤلّف الأفّاكين وقطّاع الطرق والزناة في الدرك المظلم الثاني، والكفرين والظالمين والمتجبّرين في الدرك الثالث، والكسالى في التاسع، والحانثين بالأقسام في العاشر، والأغنياء البخلاء في الثالث والعشرين، والعشّاق الفسّاق في الرابع والعشرين، والملوك والقياصرة والأكاسرة والأباطرة وأصحاب الملايين في التاسع والعشرين، والفاسقات في الحادي والثلاثين، ورجال الدين المدلّسين في الثامن والأربعين. ويتميّز الدرك الثالث والأربعون بذكر اثني عشر صنفاً من الآثام:

الاعتداء، والجهل، والافتتان، والسرقة، والتعنيف، والكفر، والزناء، والقتل، والعصيان، والزندقة، والتجديف، والمكر“.

أمّا الدركان التاسع والأربعون والخمسون فقد خصّصا لوصف عذاب عبد الرحيم الشريف الخليلي الذي خان سيّده رجل الروح العظيم، فاستحق الطرد الشنيع والعذاب المريع. وسأفصل الكلام عليه، فيما بعد، في مقارنة بينه وبين يهوذا في ” جحيم دانتي”، ذلك بأنّ الخليليّ الخائن هو الشخص الوحيد الذي ذكر اسمه صريحا في ” جحيم داهش”.

وهذا الأمر جدير بالملاحظة. فبينما جعل دانتي نفسه أشبه بالديّان عزّ وجلّ، فاتّبع نهج رجال الدين الكاثوليك في إدانة الناس- مع أنّ سيّد المجد قال:” لا تدينوا لئلاّ تدانوا”- ووزّع عشرات الأشخاص المعروفين بأسمائهم على الدركات حسبما يرتئي، نرى رجل الروح الفائق- الذي هو مؤسّس رسالة روحيّ’ عظيمة الخوارق، وصوت الديّان المؤدّب الصاعق- يمتنع عن التصريح بأيّ إسم في خمسين دركة من ” جحيمه”، إلاّ إسم ذاك الذي تأكّد له، بإلهام روحيّ، أنّ سيّالاته الدنيئة قد زجّ بها في عالم العذاب السّفليّ.

 

                                          ***

كيف دخل الدكتور داهش الى الجحيم، وكيف كان تجواله فيها؟

لم يخترع رجل الروح  الخارق رحلةً خياليّة يقوم بها، ولذلك لم يضطرّ للالتجاء الى الرموز مثلما فعل دانتي حينما صوّر نفسه تائهاً في غابة جعلها رمزاً للأرض.

فبكلّ بساطة يعلن في”مدخل الجحيم” أنّه عند انتصاف الليل الدجوجيّ طرق مسمعيه عويلٌ شامل رهيب، واستغاثات واسترحام من آلام لا تطاق. وسرعان ما برز شيطانٌ يقذف النار من ناظريه! وكأنّما انجلت، بأعجوبة، أمام عينيه، بعض دركات العذاب، فرأى الشيطان ينكّل بأحد الهلكى، إذ أطبق عليه..

“وإقتلع عينيه، وصلم أذنيه، ثم جرّد من اللحم وجنتيه”!

وعلت صيحات المعذّبين ملعلعة!…فدهش داهش، وذعر من الآلام البطّاشة المروّعة، إذ المسكين أصبح مهشّماً محطّماً، تنزف عيناه دماً، والشيطان ما يزال منصبّاً عليه تنكيلاً وتمثيلاً، وما نفعت أصوات الاستغاثة والاسترحام. إذ ذاك، يقول داهش، وكأنه في منام:

تقدّمت بوجل، وسألت الشيطان الرجيم

أن يترك الهالك المسكين وعنه يتحوّل.

واستفسرته ما الداعي لهذا الإرهاب واستعلمته عن السبب ؟

فنظر إليّ بغيظ وهو يكاد يلتهمني التهاماً من العجب ومن شدّ’ الغضب!

وأجابني:”سر في ركابي، وتشبّث جيداً بجلبابي، لأريك من الخطأة أدناهم،

إذ سأهبط بك الى دركات الجحيم

كي تشاهد كيف يتعذّب من كفروا وفسقوا في دنياهم”.

وإمتطيت عنقه الكريه النجس فاخترق بي طبقات الأرض،

وإذا بنا في الدرك الأوّل“.

دانتي قاده فرجيل الى الجحيم، أمّا رجل الروح العجيب فقد امتطى عنق الشيطان نفسه فانتقل به الى جوف الدّرك الأوّل، مخترقاً طبقات الأرض. لكن ما أن يغادر الدرك الأوّل حتى يقول لنا:

حملتني قوى غير منظورة الى الدرك الثاني“.

 وهكذا فارقه الشيطان، وأصبحت قدرته الروحيّة الخارقة هي التي تقوده؛ ولكن ليس في رحلة خياليّة متسلسلة الأحداث، بل في انتقالات روحيّة من عالم الى آخر. فهو يبدأ الدرك المظلم الثامن بقوله:

دلفت الى هذا العالم العبوس“.

 ويفتتح الدرك الثاني والثلاثين قائلاً:

الليل الكثيف يبسط سلطانه على هذا العالم الغضوب“.

“ويقول في مستهلّ الدرك الأربعين:

الحمى تضرب أطنابها في هذا العالم السحيق السافل“.    

“فجحيم داهش” عوالم شاسعة الأبعاد في محيطات الكون اللامتناهي، وليس حفرة في أحشاء الأرض بشكل القمع المخروط الواهي!

بيئة الجحيم الطبيعيّة ودور الشياطين وزبانيتهم فيها

 

جحيم دانتي

بيئة الجحيم الطبيعيّ’ عند دانتي تكاد لا تخرج في تكوينها عن البيئة الأرضيّة، إلاّ فيما يستعيره من الميثولوجيا اليونانيّة- الرومانيّة. فهي تتكوّن، بالدرجة الأولى، من مشاهد يستحضر الشاعر أكثر صورها من الأماكن التي عرفها أو سمع عنها، وبخاصّة في أوروبا.

فبعد أن يذكر لنا، في الحلقة الأولى من الجحيم،الظلمات المطبقة والسّحب المتلبّدة، يفاجئنا برؤيته لنور تراءى له! وبعد أن يقترب بصحبة دليله اللاتيني من مصدر الضوء، يرى

“قلعة نبيلة محاطة سبعة مرّات بأسوار عالية،

ومحميّ’ حولها بجدول جميل”!

إنّها منزل العظماء والحكماء والشعراء الذي زجّ بهم، بسبب عدم معموديّتهم، في الدركة الاولى من الجحيم! ولا يسعني، هنا، إلاّ أن أتساءل متعجّبا، إذا كان كلّ من نزلاء ذلك الحثن النبيل قد أتيح له في الأرض مثل هذا المأوى المنيع الجميل؟! فمن المشهور المأثور أنّ ديوجينس قد أمضى الكثير من أيّامه الأرضيّة في برميل!…

ولا ريب في أنّ نمط العمران في القرون الوسطى ترك تأثيره في مخيّلة الشاعر الإيطالي، فإذا به يشيّد لنا هذه القلعة في الجحيم، ثم يحصّن مدينة المعذّبين- مدينة ديس- بالأبراج،ويحيطها بالخنادق، بل يجعلها تتبادل الاشارات الضوئيّة مع أحد الحصون المقامة على الضفّة الثانية من المستنقع(25)، على غرار ما كان شائعاً في عصره.

وكثيرا ما يلجأ الى المقارنة بين طبيعة الجحيم وأماكن معروفة في العالم. يصف”مدينة ديس “الملأى بالقبور، مشبّها تضاريسها:

 ” بالأرض غير المستوية عند مدينة أرليس حيث تركد مياه الرون…”

لكنه يستدرك قائلاً:

” غير أنّ الصورة هنا كانت أمرَّ وأدهى”(26).

وقصد بذلك أنه جعل قبور الجحيم مشتعلة. لكنّ هذه الصورة الموحية اقتبسها دانتي عن”رؤيا القدّيس باتريك” الموضوعة في القرن الخامس.

كذلك يشبّه مكاناً وعراً في الجحيم بجبال الألب، وسهلاً رمليّاً قاحلاً يحيط”غابة المنتحرين” برمال ليبيا، والنبع الأحمر المتفرّع من نهر فليجيتونتي المخترق العالم السّفليّ بنبع بوكيكامي قرب فيتربو، ويقارن بين ضفّة هذا النهر والسدّ في بلاد الفلمنك، وبين الفتحات المستديرة في أحد خنادق الحلقة الجهنميّة الثامنة وفتحات معمدان سان جوفاني بفلورنسا(27).

ومعظم المشاهد الطبيعية في”جحيم دانتي” مألوفة: أودية وخنادق وجسور وبروج، ومطر وبرد وصقيع وثلوج، وأراضٍ تفوح منها الروائح الكريهة، وشواطىء صخريّة، وغابة دكناء غبياء تنمو فيها العواسج والأعشاب البريّة، وشلاّل تتساقط مياهه بهدير كدويّ النحل!!

إنّ البيئة الطبيعيّة في “جحيم دانتي”، بالرغم من أبديّة العذاب فيها، لا تعرف القسوة وعناصر الشؤم والرهبة التي في “جحيم الدكتور داهش”، مثلما سنرى. ولكن لا نكران أنّ فيها معالم جميلة، إلاّ أنّ هذه المعالم اقتبسها الشاعر الإيطالي من الميثولوجيا القديمة، وعلى الأخصّ من هوميروس وأوفيد وفرجيل.

فمن مقتبساته نهر أكيرونتي المتكوّن من دموع الخطأة، ومستنقع استيكس، وأنها الجحيم، وبينها نهر الدم- فليجيتونتي- الذي يغطس فيه الآثمون، والتنّين الذي يحرق كلّ ما يلقاه حوله الخ…

زد الى ذلك أنّك لا تعثر على الأفاعي والزواحف في طبقات جحيمه إلاّ في النشيدين الرابع والعشرين والخامس والعشرين.

أمّا الشياطين وزبانيتهم فصورهم تكاد تكون جدّ باهتة لولا اقتباسات دانتي الميثولوجيّة، ولا سيّما عن فرجيل الذي كثيراً ما كرّر أنّه أستاذه؛ ومنها: مينوس قاضي الجحيم الذي يعترف له الخطأة بما ارتكبوا، وكارون الناقل بزورقه الهلكى، وتشير بيروس الوحش المثلّث الأرؤس الذي يعوي فوق المعذّبين ثم يلتهمهم، وبلوتوس إله الثروة والمال، وفليجياس حارس الحلقة الخامسة، والجنيّات الثلاث اللواتي اتستنجدن بميدوزا لتحوّل دانتي الى جحر، والمينوطورس حارس الحلقة السابعة، وهو نصف إنسان ونصف ثور، والقناطس الحاملة السهام والتي نصفها الأعلى بجسم رجل، ونصفها الأسفل بجسم حصان، والهربوسات التي لها أجساد الطيور ورؤس النساء، والوحش جيريوني حارس الحلقة الثامنة الذي هو بثلاثة أرؤس وثلاثة أجسام-وقد جعل له دانتي رأس إنسان جميل الوجه، وجسم زاحفة، وذنب عقرب.

فلولا هذه الاستعارات الميثولوجية الجميلة الموحية لكان” جحيم دانتي” سقيم الصّور، مشلول الخيال، مهيض الجناح؛ ذلك بأنّ صور الشياطين التي هي من إتبكاره الخص تبدو مخنوقة الإيحاء، تافهة الدور الأداء. ففي النشيد الثامن جعل دانتي الف شيطان يتساقطون من السماء ليمنعوه ودليله من دخول مدينة العذاب والشقاء. وبالرغم من هذا العدد الضخم الذي يظهر فقط في هذا النشيد، فإنّه لم يقدّم لنا أيّ وصف لهم؛ وكلّ ما نسبه إليهم أنهم صاحوا في غضب:

“من ذا الذي يسير في مملكة الموت دون أن يعرف الموت؟!”

ثم أبدى فرجيل رغبته في محادثتهم سرّاً. عندئذ كظموا غضبهم، وطلبوا من دانتي أن يعود وحده إذا استطاع. لكنّهم بعد محادثة فرجيل أغلقوا الأبواب بوجهه.

فأين هذا الموقف- الذي كان فرصة سانحة لدانتي ليظهر براعته الوصفيّة فعجز أو تقاعس- من أوصاف مؤسّس الداهشيّة الرائعة والمروّعة للشياطين؟

                                       ***

  • جحيم الدكتور داهش

إنّ كلّ ما في “جحيم داهش” هو من إبداعه وإبتكاره، ومن ماسِ منجمه وتوهّج ناره، فليس فيه روافد الاقتباسات الثقافيّة، ولا الاستعارات الميثولوجيّة، ولا صور ومشاهد مستحضرة من البيئة الأرضيّة. فكلّ ما في هذا العالم السّفليّ هو من إلهام داهش ورؤى خياله الجبّار…

فنهر الموت يفيض بما فيه من أكره الأقذار

التي تخمدُ الأنفاس وتقصر الأعمار“(28)…

والظلمات المدلهمّة طبقات حندسيّة متدافعة فوق طبقات دجوجيّة تعجز الشمس عن اختراق بروجها الدهريّة. وإن أومض فيها نور يكون بريق الشّهب الساطعة التي تمزّق الدياجير فجأة لتروّع المعذّبين، وتجعلهم في عذابهم يتخبّطون سادرين!

وُحُول نتنة ناقعة يغوص الخطأة فيها حتى الأعناق، وعصف مجلجل واضطراب مزلزل في الآفاق! روائح كريهة خنّاقة، وخفافيش بأجنحتها صفّاقة! كلاب جحيميّة نهّاشة عوّاء، وزحّافات بطّاشة شوهاء، وغربان فتّاكة سوداء، وماصّ رهيب للدماء! بومٌ ينعب نعيب الشؤم على الخرائب والأطلال، وثلج ينهمر طوال أجيال!…

وشيطان يشير بيده فتتفجّر الهاوية وتتردّم،

وتتساقط جبابرة الصخور وتخرّ شوامخ الجبال“!(29)

بروق تلعلع، ورعود تقصف، وعواصف تزمجر، والهاوية تميد وتصطخب اصطخاب عالم واجف، والتماسيح الجبّارة الممسوخة تخوض مستنقع النجيع الراعف…

وبحيرة الدم الأسود والقيح المتجمّد تثور بإضطراب عاصف“(30).

واستمع، بربّك، الى هذه السداسيّة من الدرك المظلم الثالث والعشرين:

وتهبُّ عاصفة جهنّميّة وهي تدوّي وتزمجر بجبروت

فتضطرب بحيرة الموت القاتمة وتتلاطم برهبة وجنون

فتذعر وحوشها وزحّافاتها الممسوخة منذ آلاف القرون

وتغادر مواطنها الثائرة زاحفة في السراديب العميقة

وتنتشر في أنفاقها المرعبة لتتوارى من وجه الحقيقة

وهي ترسل أصواتها المنكرة فترتجّ الهاوية ثم تشمخرُّ برهبوت“.

فتشعر كأنّ هذه العاصفة الجهنّميّة تهبّ عليك وتثور من كلماته المرصوصة العنيفة الصاعقة، وتزعزع منك القلب والجذور وتهدّدك بميتة ساحقة ماحقة! فانظر الى زمجرتها الجبروتيّة وتأثيرها في بحيرة الموت الدجوجيّة، كيف أثارت أمواجها فإذا بها عجّاجة، وكيف روّعت مسوخها فإذا هي مهتاجة! ثم تأمّل فرار الوحوش الشوهاء الى كلّ سرداب رهيب، وارتجاج الهاوية واشمخرارها العجيب!

ومع أنّ الدكتور داهش لم يصف في السداسيّة المتقدّمة أيّ نوع من العذاب، واكتفى برسم ملامح البيئة الجحيميّة الطبيعيّة، فإنّه جعلنا تشعر بوطأة الجوّ المرعب البطّاش الغريب عن الكرة الأرضيّة، والذي لا نلمسه في جحيم “الكوميديا الإلهيّة”.

                                        ***

وبينما تكاد لا تشعر بوجود الشياطين في كتاب دانتي إلاّ بإيحاءاتها الميثولوجيّة المستعارة، فإنّ الرعب يصكّ وجهك بإستمرار من حضور الشياطين الدائم في جحيم داهش العنيف البتّار. وهي تبرز، تارة، أضرى من وحوش العوالم السفليّة، وطوراً تظهر مهدّدة مندّدة بأعمال الآثمين وخرقهم لقوانين الدركات الجحيميّة، وحيناً تعجب لطربهم وسرورهم وتصرّفاتهم في يقظتهم ونومهم، وحينا آخر ترعب من اقتتالهم الرهبوتيّ، الزخّار ببطشهم الجبروتي!

ففي الدرك المظلم السادس تسمع على بعد ألف من الأميال اصطكاك أسنان المعذّبين وأصوات عويلهم التي تحجب تفجّرات براكين النيران، ولكنّ قلوب زبانية الجحيم لا ترقّ لهم، فقد قدّت من صوّان، بل يزيدون عذابهم بحشرهم في مراجل الرصاص المصهور، آلافا من الشهور!…

وبعدها…

يأتي شيطان أمعط والنيران تطوّق معصميه،

ويضع كلّ عشرة من الخطأة في مكبس جديد،

ثم يهوي بدولابه الرهيب فيطبق الحديد على الحديد!

وإذا بأجسادهم المسكينة وقد عجن عظمها بلحمها،

وأختلطت أعضاؤها اختلاطاً عجيبا بشحمها،

فيلقيها أرضاً ويطأها في قسوة عنيفة بقدميه!

 

وتدفن هذه الكتل المسحوقة في الجمر،

فتنضج ويتصاعد منها بخار الدماء المراقة!

وإذ ذاك يسرع الشيطان الأمعط بحذاقة،

ويلتفّ حوله الزبانية ثم يسرعون بإلتهام اللحوم،

ويملأون أجوافهم حتى يقوم كلّ منهم وهو متخوم.

وعندما يثملون من خمر الدماء يبدأون في السّمر وجرع الخمر“.  

فهل أرهب من تصرّف الشياطين الرجيمين مع الآثمين المساكين؟!

تصوّر أنّك- لا سمح الله – أحد الخطأة المحكوم عليهم بالعذاب، فتغلى بالخلاقين مع الرصاص المُذاب، مئات من الأحقاب…وقد أبقى الله لك حسّ الألم، ولكنّه- رفع عنك غائلة الموت. وبعد أن تعاني ما لا يوصف من الأوصاب، وتسترحم وتستغيث وليس استرحامك بمستجاب، يحشرك الشيطان في مكبسه الرهيب، ويطبق عليك دولابه العجيب، فتصبح كتلةً من اللحم والعظم نكراء شوهاء، وأنت ما تزال بأحاسيسك وأعياً تقاسي الآلام الدهياء! وإذ ذاك يطرحك إبليس أرضاً ويدوسك بعنف شديد، ثم يطمرك بالجمر فيشوبك شيَّ القديد، ويدعو زبانيته حواليه الى مأدبة تكون فيها طعامهم، فتطحن وتمضغ برحى أنيابهم وأضراسهم!…ألا هداك الله الصراط القويم، وأنقذك من عذاب الجحيم.

وفي الدرك الثامن يهرع الأبالسة أجواقاً إثر أجواق، وهم ينفخون بالأبواق، وكلّ منهم يسوم الأثمة بأهوال البلاء، ويجرّعهم كؤوساً دهاقاً من الشقاء.

وفي الدرك العاشر يبرز جبّار النار وهو يخوض بلباسه الحديديّ غمرات جهنّم مطارداً الأشرار، حتى إذا أمسكهم بكلاّبه المبيد وجمعهم…

إستل ألسنتهم من حناجرهم

ثم سمل أعينهم من أعماق محاجرهم“.

وفي الدرك الثالث والثلاثين تبرز كتيبة من أغلظ الشياطين، فتطوّق الخلاقين الرهيبة التي تطهى بها أرهاط الآثمين، وإذا بهم يخيّرون المعذّبين أيّة ميتة يستعذبون، بعد أن كانوا داخل القدور العملاقة يتشاجرون. وسرعان ما يشرعون للحومهم الناضجة يلتهمون، ولدمائهم القانية يتجرّعون، ولعظامهم المحطّمة يقضقِضون!…

وفي الدرك الرابع والثلاثين، بعد أن يدع الشياطين التماسيح والأفاعي والزحّافات الغدّارة تنكّل بالآثمين بمناشير أسنانها البتّارة، يسارع الأبالسة المرقّطون للتقاذف بجماجم الأموات، وتجريد رؤوسهم من الشعور، وجمع أطرافهم الممزّقة ودفنها بالأقذار والنفايات.

                                 ****

ولم يعهد الدكتور داهش الى الشياطين بمهمّة تعذيب الخطأة فقط , بل أوكل اليهم , أيضا , مهمّة تهديد الهالكين والتنديد بأعمالهم المنكرة , وفرض قوانين الجحيم عليهم .

ففي الدّرك الثامن نسمع صوت القدر , وقد اتّحد بصوت مؤدّب الآثمين يندّد بهم قائلا :

 “ لقد طغيتم في دنياكم وبغيتم

ودجّلتم على السماء وهتكتم الأعراض

فلا تلوموا السماء الآن لأنها قابلتم بالإعراض .

إنّ عذابكم سيستمر ملايين من السنين

وسنذيقكم في أثنائها المرّ والصاب والغسلين

لأنكم شمختم بأنوفكم وعلى الضعفاء اعتديتم

ويتعالى هذا الصوت المؤنّب مكرّرا لومه وتقريعه في عدد من الدركات , مؤكّدا أنّ ما يقاسيه المعذّبون من آلام وأهوال جحيميّة إنّما هو جزاء على عصيانهم الأوامر الإلهيّة .

وبينما نرى أنّ الشياطين في ” جحيم دانتي ” كائنات غامضة لا نعرف شيئا عن حياتها , يصف قلم داهش المبدع تصرّفات الشياطين في أثناء طربهم وسرورهم وتقديم الطاعة لسيّدهم . فعالم الأبالسة عنده أكثر براعة وواقعيّة وأشد إمتاعا وحيويّة .

فكثيرا ما ترى الأبالسة , في كتابه , ينشدون ويرقصون , وعلى العود أو الرباب يعزفون, وذلك كلّما تعالت صيحات الهلع من المعذّبين فركعوا متذلّلين تائبين .

ففي الدرك المظلم الثامن والعشرين يظهر الشيطان متربّعا على أريكته بفخر وزهو وإعجاب ,وهو يسرّح طرفه بأرجاء مملكته الشاسعة الرحاب .

وفجأة ينتصب بقامته العملاقة , فيتهافت الأبالسة مقبّلين يديه , متمرّغين عند قدميه, فيبتسم لهم مربّتا على أكتافهم, وموزعا عليهم من خبز الجحيم كفافهم.

وفي الدرك الثاني والثلاثين يصف لنا حارس الهاوية يغطّ في نومه العميق, مضطجعا على فراش من الجمار المتأجّجة الوقّادة, وقد احتاطته الأفاعي، وتمدّد تمساح تحت رأسه كوسادة! فانظر الى تلك المضاجع الجمريّة، والوسائد التمساحيّة، وشدّة ملاءمتها للبيئة الجحيميّة.

وقد اشتمل الدرك العشرون على كثير من صفات الشياطين وتصرّفاتهم سواء بعضهم مع بعض أو حيال الأثمة. ففيه يصف الدكتور داهش ليلةً ساهرةً يحييها الأبالسة في جوف العالم السفليّ. يجلسون على كراسيّ متأجّجة بالنار، حول مائدة قوائمها من سود الأفاعي، ويشربون الكؤوس الطافحة بالسوائل الكريهة؛ وما يلبث رئيسهم أن يثمل فيأخذ بالرقص والقفز والصياح المزلزل، وكلّ من حوله هاتف مهلِّل؛ وإذ ذاك ينشد سيّدهم وقد أخذته خيلاؤه، معلناً أنّه ربّ الهاوية البطّاش، وسيعاقب الخطأة المجرمين مثلما عاقبته كبرياؤه.

                                          ***

اقتتال الشياطين في مقارنة بين دانتي والدكتور داهش

 

ومن أعجب وأرهب ما في “جحيم الدكتور داهش” المعارك التي تنشب بين الشياطين. وشتّان ما بين اقتتالها عند دانتي وحروبها الضاربة عند مؤسّس الداهشيّة! فكأنّك تقارن الساقية باللجج البحريّة!

فالشاعر الإيطالي ذكر لنا حادثة نزاع وحيدة جعلها تدور بين شيطانين، وذلك في النشيد الثاني والعشرين من كتابه؛ وأعاد سببها الى انخداع أحدهما بحيلة خاطئ تمكّن من الفرار، الأمر الذي أغضب زميله، فإذا به يشتبك معه، يقول دانتي:

“وحينما اختفى (الآثم المحتال)،

حوّل كالكابرينا مخالبه هكذا الى رفيقه،

واشتبك معه فوق الخندق.

ولكنّ الآخر كان في الحقّ صقراً جارحاً، يجيد طعنه بالمخلب،

وسقط الاثنان معا وسط المستنقع الآني.

وكانت الحرارة فاصلاً بينهما توّاً ؛ ولكن استحال عليهما التحليق،

إذ صارت أجنحتهما منغمسة في القطران هكذا”.

ثم أسرع أربعة من رفاق الشياطين فطاروا مسرعين الى الشاطئ الآخر، ومدّوا الخطاطيف لهما، وأنقذوهما بعد أن احترق جلدهما.

هذا ما تجده في مجمل “جحيم دانتي”.

أمّا عند الدكتور داهش فتعثر على أربع مواقع للشياطين فيما بينها أو بينها وبين زبانيتها:

الأولى في الدرك الثالث عشر وقد وقعت بين الشياطين والسعالى. يشير المؤلّف إليها لمحاً إذ يقول:

ونشبت معركة رهيبة هائلة

تتضاءل أمامها أعظم المعارك في دنيانا الزائلة“.

والثانية في الدرك السادس والعشرين حيث يصوّر الشياطين البطّاشة تسرح وتمرح في

أعماق الجحيم وهي في اصطخاب وتصادم عظيم؛ تلعلع صيحاتها، وتتضارب بالعصيّ، وتتراشق بالقسيّ؛ ولهول اصطراعها تهلع الأرواح مختبئة في النخاريب العميقة.

والموقعة الثالثة في الدرك السابع والعشرين حيث يصوّر فيالق الشياطين الجرّارة يكرّ بعضها على بعض كأنّها النسور البواتر تنقضّ على الجوارح الكواسر، فتخوض لجج المنايا، وتطبق عليها الرزايا، ولا يكفّ القتال إلاّ والجثث تملأ الديار، والدماء تتدفّق كالأنهار!

أمّا الواقعة الكبرى فيخصّص لها الدرك الثلاثين بأكمله المشتمل على أربع سداسيّات، كما الحال في سائر أناشيد الكتاب. يبدأ بوصف القاعة الكبرى التي كأنّها البحر يمور بالشياطين المتلاطمة أمواجهم. وإذا بزعيمهم يخطب فيهم، وينظّمهم صفوفاً صفوفاً..

“وقد تمنطقوا بسيور من الفحم الحجريّ المتّقد”

ويثير فيهم الحميّة، فيهيجون ويتدفّعون كالسيول العرمة الى الهوّة حيث أعداؤهم.

وسرعان ما التحم القتال، وتدفّقت البلايا والأهوال التي تعدّ الحرب العالميّة الكبرى مهزلةً بالنسبة اليها.

وامتشقت الشياطين بأيديها الحلزونيّة أفاعي لها عشرات الرؤوس

وابتدأ الضرب فالطعان، وكلّ من لذعته هذه الأفاعي يزور الرموس“.

وما أن هدأت ثائرة المعركة الضاربة لحظات حتى انفجرت معركة طاحنة أخرى…

وقذفت الشياطينُ الشياطين بالعقارب الهائلة“..

وملأت ألوف الجثث ساحات الوغى الفيحاء الوجفة…

وتفجّرت براكين القذائف، وزلزلت الهاوية الراجفة“!

وأيم الحقّ، إنّ مخيّلة داهش الخلاّقة المبدعة لتجسِّمُ لك الأهوال المفجعة، وتجعلك تعاين، واجفاً، ملاحمها المروّعة!

التعذيب: عناصره وفنونه

 

من دراستي المقارنة للبيئة الجحيميّة وشياطينها عند دانتي والدكتور داهش، ظهر تفوّق مؤسّس الداهشيّة العظيم على شاعر إيطاليا الأكبر بأصالته الإبداعيّة، وعنف تصويره، واتّساع آفاقه الخياليّة. هذه الميزات الأدبيّة والمزايا الفنيّة سيشتدّ بروزها لدى مقارنة أوصاف التعذيب في الكتابين.

  • جحيم دانتي

حكم دانتي على الهلكى في “مراحل جحيمه” أن يدوروا بسرعة على الدوام، بينما الزنابير وذباب الدوابّ تلسعهم، فيسيل الدم على وجوههم مختلطاً بدموعهم.

هذا العذاب القائم على الحركة الدائمة يتكرّر في الحلقة الثانية حيث تدور بالعشّاق الذي استسلموا لشهواتهم عاصفة هوجاء لا استقرار ولا أمل في قرار.

كذلك حكم على اللواطيّين، نزلاء الحلقة السابعة، بالسير على الدوام…

“ومن يتوقّف من هذا الحشد لحظةً يستلقي بعدئذ(في لظى الرمل) مئة عام”(31).

ويخفّ العذاب في “اللمبو”، إذ يعاني نزلاؤه آلاماً معنويّة بغير أوجاع مادّية.

أمّا الشّرهون والنّهمون فيهطل عليهم المطر الأسود والبرد والثلج باستمرار، ثم يمزّق تشيربيروس لحمهم ويلتهمهم.

بينما يغطس الغضاب في مستنقع استيكس فيغمرهم الطين، ويتضاربون بالأيدي والرؤوس والصدور والاقدام، ويمزّق بعضهم بعضاً بأسنانهم. في حين أنّ الكسالى يتنهّدون تحت المستنقع فيملأون سطحه بالفقاقيع.

وحكم على أرواح الهراطقة بأن تلازم قبورها المتأجّجة بالنيران، وعلى الطغاة والسفّاحين بأن يغطسوا في نهر الدم الغالي الذي تحرسه القناطس…

“التي ترمي بسهامها كلّ نفس تبرز من الدم فوق ما تقتضيه حطيئتها”(32).

وكان بعضهم يغرق حتى عينيه- مثل أتيلا- وآخرون حتى حناجرهم، وهكذا بالتدريج.

أمّا المنتحرون المتجسّدون بالأشجار فعقابهم أن تقضم الهربوسات الأغصان، وبقضمها تتألّم نفوسهم.

وفوق المجدّفين على الله عزّ وجلّ، المستلقين أو السائرين عراة على الرمل…

“أمطرت في تساقط بطيء ندف كبيرة من النار،

كما يسقط الثلج على المرتفعات دون رياح”(33).

أمّا المرابون فكان الأسى يتفجّر من عيونهم الدافقة بالدموع، وهم يبعدون النيران عن أنفسهم مثلما تفعل الكلاب عندما تذبّ الحشرات عن أجسامها. وكلّ منهم كان يحمل كيس نقوده في عنقه، وعليه سمته المميّزة.

وجعل دانتي الذي حرّضوا النساء على تعاطي الدعارة يلهب الشياطين ظهورهم، بينما غطّس آخرين في غائط البشر. وأفرد لتاييس الداعرة مشهداً خاصّا إذ جعلها تمزّق نفسها بأظفارها.

أمّا المرتشون والمستغلّون لوظائفهم فقد غمرهم بالقطران المغليّ؛ وغلّف مشيري السوء بشعلات ناريّة؛ وبتر من مثيري الفتن الدينيّة والسياسيّة بعض أعضائهم: فهذا مقطوع الحنجرة والأنف، وذاك محتزّ اللسان، وذلك مبتور اليدين، وآخر يحمل رأسه المقطوع بيده وكأنه مصباح يتدلّى.

وفي دائرة المزيّفين صوّر مشهدين: في أحدهما هالك ينهش الآخر، وفي الثاني مريض بالاستسقاء منتفخ البطن، يلهبه العطش الشديد والحمّى.

أخيراً، يرينا في الحلقة التاسعة المخصّصة للخونة خاطئاً ينهش مؤخّر رأس زميله، في حين تتجمّد دموع الآثمين في مآقيهم من قسوة الجليد.

هذا مجمل ما يلاقيه هلكى دانتي من العقوبات، إلاّ مشاهد قليلة سأقارنها بما يوازيها عند الدكتور داهش في القسم السادس من هذه الدراسة.

وثمّة مأخذ عامّ على كيفيّة العذاب في “جحيم دانتي”. فما دام الهلكى-حسب رأيه المعتمد النظرة الكنسيّة الكاثوليكيّة- نفوساً غير متجسّدة، فجميع أصناف التعذيب المادّية التي تصوّرها تصبح افتراضات وهميّة غير منطقيّة أملتها عليه الضرورة الشعريّة، ذلك بأنّ النفوس غير المتجسّدة لا تشعر إلاّ بعذاب معنويّ.

كذلك قد يؤخذ عليه عدم ملاءمته بين درك الهلكى المتدنّي ونوع العذاب فيه، مثال ذلك أنه جعل المنافقين في الحلقة الثامنة- أي ما قبل الأخيرة- يلبسون قلانس وأردية ملوّنة منسوجة من الرصاص الثقيل، عليهم أن يحملوها دائما؛ ولم يقرن ذلك بأيّ نوع آخير من العذاب.

وفي الحلقة السّفلى الأخيرة ذكر ثلاثة مردة، بينهم نمرود ملك بابل الذي قصر الشاعر عذابه على الوقوف بلا حراك، كما حصر عذاب إفيالتس الذي ثار على جوبيتير بتقييده بالأغلال. أمّا المارد الثالث أنتيوس فقد جعله حرّاً ليمكّنه من إنزاله مع فرجيل في حلقة يهوذا!

فكأنّ الشاعر الإيطالي الكبير اهتمّ بحشد الاقتباسات من الميثولوجيات القديمة أكثر من اهتمامه بمنطق الاستحقاق لنوع العذاب.

 

                                            ***

  • جحيم داهش

 

إنّ مشاهد العذاب في “جحيم داهش”، فضلاً عن تفوّقها بعنفها وكثافتها، هي أرحب آفاقاً، وأكثر تنوّعاً، وأغنى بعناصر التعذيب وأدواته، وأوفر إبداعاً في فنونه وتخيّلاته. وهي لا تشمل الدرك كله- وهو عالم شاسع- لكنّها صور نموذجيّة للتعذيب يمكن أن يضمّ الدرك سواها، بخلاف ما في “جحيم دانتي” من تحديد لصنف العذاب في كلّ حلقة من حلقاته؛ وهو، بلا ريب، تحديد اعتباطيّ.

ومن عناصر الطبيعة المساعدة في عمليّات التعذيب تلقى الصخور والمغاور التي تطبق على رؤوس الآثمين، والأجراس الجبّارة التي تصدّع آذان الهالكين، والخطاطيف القهّارة، وفاتكات الفؤوس، والهراوات الغدّارة التي تسحق منهم الرؤوس، والنيران الصهّارة وعنيف النبال والسهام، والمناشير البتّارة، وكثيف الدخان والقتام، والمراجل العملاقة والخلاقين، والألبسة المحبوبة برهيف النصال تحكم على الهالكين، والأسرّة المصنوعة من كتل الجمر الوقّاد، والسياط المثقلة رؤوسها بقطع الرصاص الرعّاد، والمعاصر الهصّارة للأجساد، والشِّباك المطبقة على أبناء الفساد!…

ومن العناصر الحيوانيّة المساعدة في التعذيب تلقى السعالى المرعبة والعفاريت القاهرة، والتنانين المرهبة والجنّ الطافرة، وجحافل الأفاعي والحيتان، وجيوش الزواحف الديدان، وأسراب البوم والخفافيش والزنابير، وقطعان الثعالب والذئاب والخنازير؛ وترى بنات آوى واليرابيع العمالقة، والأخطبوط والتماسيح البطّاشة الساحقة، والقنافذ والجوارح المنقضّة كالصاعقة، وكلاب الجحيم المساعير الماحقة، وبينها ذاك الرهيب الذي له ألف رأس وعيونه تتألّق كالألماس الوهّاج، يصيح فترتجّ أسس الهاوية من دويّه العجّاج، ثم نهر العقارب التي تثقّب الأجساد، وتقطن في أوقاب الهالكين أفواجاً إثر أفواج!…

ونظراً لخصب التصوير الخيالي بمشاهد العذاب في ” جحيم داهش”، يحسن بحثه في قسمين: قسم يعتمد الخيال الاستحضاري، مع المغالاة في العنف، والتنويع في فنونه والتجديد في أساليبه، وقسم آخر يعتمد الخيال الابتكاري، فيحلّق به داهش ويمتع أيّما إمتاع، ويشوّق ويبدع أيّما إبداع.

  • مشاهد التعذيب في أفق الخيال الاستحضاري

وظيفة الخيال الاستحضاري، أصلاً، هي أن يلتقط الواقع المحسوس ويعيد تصويره وفق الأصل، قدر الإمكان. لكنّ الخيال الاستحضاري عند الدكتور داهش ليس نسخا للواقع بقدر ما هو إعادة لصياغته صياغة جديدة فيها الكثير من البراعة والإبداع والرؤيا الفريدة.

فكلّنا شاهدنا الجمر يتّقد ثم ينطفئ، كما رأيناه في الكوانين والمحرقات، ولكن لا أحد رأى..

الجمر الخالد يسكب على الؤوس

وتهوي عليها الأيدي حاملة الفؤوس“!

كذلك جميعنا رأينا السماء تنهمر أمطاراً، كما شاهدنا رصاصاََ جامداً أو ذائباً، لكن لا أحد رأى أناساً..

تمطرهم السماء رصاصاً مصهوراً

وتبقى على انهمارها أعواماً ودهوراً“(34).

هذا مثل من مئات الأمثال التي يزخر بها” جحيم داهش” الفذّ الخيال. ولو حاولت أن أحلّل صوره المبدعة واحدة واحدة لملأت مجلّداً ضخماً؛ لكن حسبي أن أسوق للقارئ بعضها، على سبيل المثال، فيلمس جبروت هذا الخيال الهطّال بالصّور الطريفة العنيفة وكأنّها تسكاب شلاّل!

وفي الدرك الثاني يرغم الآثمون على الغوص في نهر الموت الطافح بأكره الأقذار، ثم تنشطر الأرض تحت أقدامهم فتهوي الأجساد المعذّبة على شفار المواضي وأسنّة الرماح، فتفلح القروح النّتنة أجسامهم الممزّقة! وإذا جحافل الدود تهتاج، وكأنّها أمواج البحر العجّاج فتملأ أفواههم! وما تلبث أن تنقضّ عليهم من السماء جلاميد صمّاء فتسحقهم سحقاً وتمحقهم محقاً، وتهبّ العواصف فتذرّي أشلاءهم في الفضاء!…

وفي الدرك الخامس يظهر الأبالسة وهم يطاردون الخطأة على خيول دجوجيّة، راشقين إيّاهم بالنبال الناريّة. وتهوي السياط على لحمانهم فتقطّعها وتخرّقها! ثم يمدّدونهم على الجمر وهم ما يزالون أحياء، فيتضوّرون ألماً وجوعا وظماء، فيقدّمون لهم الزجاج المهشّم طعاماً يزدردونه مرغمين، فتتمزّق أحشاؤهم! ثم تنقضّ اللطمات كالمتفجّرات على رؤوسهم! ويحكم عليهم بالقفز والركض متواصلين مئة عام، ومن يخلّ بما يفرضه النظام يزجّ به في غرفة اللهيب ألفا من الأعوام!

واستمع- يا…رعاك الله- الى هذا الوصف الواقعيّ العتيّ في الدرك العاشر:

 

وإذا بآلاف الجماجم وهي تتدحرج

وبأقفاص الصدور المكشوطة اللحوم وهي تترجرج

وكانت العيون تتأرجح في أوقابها مثلما يتأرجح الزئبق

بعد أن كانت كحلاء نجلاء تهزأ بأزهار الزنبق“.

 

فما أروع هذا التناقض بين الموت والحياة، والقبح والجمال، ورهبة الشقاء وزهو الحال!

وفي الدرك السابع عشر يفتح يوسيفورس فكّي الهارب، حاشراً جمرةً بينهما حتى لا يقوى على إغلاق فمه، ثم يهوي بكلاّبه على أضراسه يجتثّها من أصولها، وبعد ذلك يغترف الرصاص المصهور من الخلقين ويملأ به شدقي الخاطئ المسكين، مهشّماً وجهه، فتتفجّر الدماء من عينيه بدل الدموع، ويذوب…

مثلما تذوب الشموع“.

وفي الدرك الثالث والعشرين يساط الخطأة عاماً كاملاً ..فتتهرّأ لحمانهم، وتندلق أمعاؤهم، وتتدفّق أمعاؤهم، وتتدفّق دماؤهم كأنّها الأنهار الجارية!…

وتهجم الى حيث يرقدون مسوخ الزحّافات والوحوش الضارية، فتنتزعهم من أسرّتهم وتجرّهم الى قيعانها، وتقطّعهم بقواطعها وأسنانها!..

وفي الدرك التاسع والعشرين يرافق الإذلال عذاب الخطأة الطغاة والمتجبّرين من قياصرة وأكاسرة وأباطرة وملوك وسلاطين وأصحاب ملايين.

فهم يجرّعون مرّ الصاب، ويلطمون على أفقيتهم ورؤوسهم المنكّسة، ثم تسلّط عليهم ذئاب الهاوية فتنوشهم وتمزّق لحومهم؛ وبعد ذلك يؤتى بالزعماء فيجلدون جلداً رهيباً، ثم يصبّ عليهم الماء المثلّج مع الملح، ويكبّلون بالأصفاد، ويركلون بالأقدام، ويؤمرون بأن يدبّوا على الأربع، فيما تنهال العصيّ على مؤخّراتهم. ويستمرّون بمعاناة هذا العذاب الهائل ملايين من الأعوام وهم يتمنّون لو ينعم عليهم بالموت الزؤام.

وفي الدرك الرابع والثلاثين يغوص المعذّبون في بحيرة النجيع الأسود والصديد، وكلّما حاولوا استنشاق الهواء ابتلعوا من القيح المزيد. يهربون من التماسيح الى الأعماق ليختبئوا في نخاريب الصخور، فتفاجئه الأفاعي الرهيبة واثبة عليهم من الجحور.

وهكذا يصبحون لقماً ممضوغة بين فكّي كلّ تمساح رجيم، وفريسة لكلّ أفعوان زنيم!

وفي الدرك السادس والثلاثين يظهر الجنّ أجواقاً طافرات، وتبرز نساؤهم منفوشات الشعر مولولات! وتتشقّق القبور الدهريّة، وتنهض الهياكل العظميّة! وتنتشر الغيلان والأشباح والتوابع، وتفلت كلاب الجحيم الهائلة على الهالكين، وتتفجّر الأقذار منسكبةً عليهم، وتتسابق الزحّافات بأهوالها إليهم!…

إنّها صور مفردة مجزّأة من المشهد الرائع المتكامل، لا تؤدّي حقيقة عنفه الهائل. فاسمع خاتمته بقلم داهش المزلزل:

وحلّقت فوقهم الغربان السود، وجعلت تنكّل بهم بمناقيرها الفولاذيّة

وحذت الوطاويط الهائلة حذوها وراحت تمزّقهم بأسنانها القاطعة

وصفّقت البوم بأجنحتها وراحت تكيل لهم لطماتها دون مقاطعة

وهوى ماصّ الدماء المخيف على أجسامهم وجعل يمتصّ دماءهم

فحاقت بهم ظلمات الموت المدلهمّة وتقلّصت أجسادهم وتبخّرت ذماؤهم

وصاح صوت من وراء الغيب يقول:”بقد تلاشت إرادتكم الحديديّة“.

 

وكيفما رحت تجوس دركات الكتاب فاجأتك سيول من الأهوال العجاب: فهنا الآثمون تغرز في عيونهم السفافيد الرهيفة الؤوس، ثم يؤمرون بأن يحفورا بأيديهم الرموس، فيدفنون بها ويهال الجمر فوقهم فتزهق منهم النفوس! وهناك ينقضّ رسول العذاب بشكل طائر، وينتزع من الخطأة الحناجر! وهنالك تشرّط بطونهم وتملأ بالأفاعي والعقارب!…وثمّة يطرح العطاش في خزّانات مملوءة بكلّ سائل لاهب، وتفتح شرايينهم وتفعم بالجمر الوقّاد، ويسمّرون بالأوتاد، وكلّما صاحوا يستعطون الماء جرّعوهم الجمر بازدياد!(35).

فأيّ عنف يفوق هذا العنف التصويري الواقعيّ؟! وأيّ عذاب أبطش من هذا العذاب العتيّ؟! فما أبدع قلمك يا داهش الزمان! وما أروع ما تدبّج من ساحر البيان! وأيم الحقّ، لكأنّه ليس نطق إنسان.

                                          ***

 

  • مشاهد التعذيب في أفق الخيال الابتكاري

إنّ الأديب الخلاّق ليس بوسعه أن ينقل الواقع حيّاً مجدّداً فحسب، بل بمقدوره أيضاً أن يفكّك العالم المرئي أجزاء ويعيد تكوينه بصياغة مبتكرة لم يسبقه إليها أحد، فكأنّما يخلق من العناصر المفردة المشتّتة أجساماً وعوالم لم تخطر في بال ولا تراءت لخيال. وهذا ما فعله الدكتور داهش في الكثير من مشاهد” جحيمه”، فأضاف الى خوارقه الروحيّة الفريدة آيات أدبيّة جديدة.

وإليك أمثلةً فذّة نلتقطها بأثناء جولتنا السريعة في دجنّات دركاته المريعة:

في الدرك السادس يسحق الشياطين أجساد الخطأة فتختلط لحومهم بعظامهم، ثم ينضجونهم على الجمر ويلتهمونهم، وبينما يخوضون في أحاديثهم الجهنميّة…

إذا برؤوس الخطأة تبعث وتطلّ من أفواههم

وتخرج صدورهم وتتجمّع ثم تبرز مع أطرافهم

وتهوي الى الأرض أكواماً حكت ألواحاً

ثم تقفز وتتجمّع، وإذا بها تعود أرواحاً!”

وفي الدرك التاسع يجوّف إبليس رؤوس الكسالى ويغرس فيها المشاعل الملتهبة.

وفي الدرك الرابع عشر يفرض الشياطين الصمت التامّ على الهالكين.

وما أن تبدر من أحدهم نأمة حتى يقبضوا عليه ويفسخوه قطعتين، ثم يجرّعوه الحنظل الكريه ويسحقوه في الجرن بالمطارق، وبعد التنكيل والتمثيل بجثّته…

يلقى عليه مزيج سحريّ فتعود إليه الروح

وينفخ إبليس على جسده المعذّب فيمتلئ بالقروح“.

وإذ ذاك يتبارى الأبالسة في طعنه بالحراب وسومه هول العذاب.

وفي الدرك الخامس عشر يصعد أفواج الخطأة الى أعالي الجبل، ثم يدفعون في الفضاء الى أسفل…

 

“ولدهشتهم يرون أنّهم لم يسقطوا على الحضيض!

بل استقرّ بهم المقام في طبقات الأثير!

حقّا إنّ هذا الأمر عجيب ومثير!

وإذا بالجوارح تحطّ عليهم وتنوشهم

وتقطّع لحمانهم بمخالبها ثم تحطّم رؤوسهم

وتندلق أمعاؤهم، وتتقطّع أكبادهم، والدماء منها تفيض!…

 

وتبقى الأشلاء مبعثرةً في رحاب الجوّ الفسيح

فيفسد الهواء وتنبعث منه الروائح الكريهة

فتضجّ الشياطين نفسها وتقول:” هذا يوم الكريهة!”

ويتأفّف من هذه الروائح الخطأة الباقون في أسفل سافلين

ويضطرّون لأن يدخلوا في فتحات أنوفهم قطعاً من الفلّين

وإذا بدهن الأموات النّتن يتساقط على أجسادهم ويسيح!”

 

ثم تمنح الأشلاء الحياة مجدّداً، فيهبط المعذّبون الى أعماق الجحيم حيث كان يتأفّف الآثمون، ويصعد هؤلاء مكانهم ليعاد تمثيل المأساة نفسها بهم!

وفي الدرك السادس عشر يعلّق أحد الأثماء طعما برأس قصبة، ويغطس في البحيرة الجحيميّة؛ وإذا بأخطبوط يعلق به، ويروحان يتعاركان طوال الليل حتى يتمزّق جثمان الخاطئ، فتهبط الجوارح عليه تغتذي بلحمه المتهرّئ.

وفي الدرك التاسع عشر يمسخ المعذّبون بأن تعكس أعضاؤهم، ثم تسلخ جلودهم وتكشط جباههم، ويزجّ بهم في أدنان هائلة مملوءة بالملح والخلّ ستة أجيال كاملة.

وآمل، أيّها القارئ الكريم، ألاّ يكون العرق قد كدّك أو الشحوب قد اجتاح خدّك، وأن تتملّك نفسك لتستمع معي بخيال داهش الخلاّق في الدرك الثاني والعشرين:

فضاء مدلهمّ يبرق ويرعد!…وإذا السماء الغضوب تمطر الهلكى بأقبح العقارب، فيهلعون متهاوين الى أعماق القوارب! ولكن هل ينجون؟…إسمع المؤلّف المبدع يقول:

وبأسرع من لمح الخاطر تنقلب القوارب الى أفاع هائلة

فلا يستطيعون النجاة منها ولا تقيهم غائلة“.

ويرتاع الخطأة ويولولن، وتلتصق العقارب بأجسادهم، ثم تزحف الى أحشائهم فترتوي من أكبادهم، وإذ ذاك تتفجّر صدروهم أنّاتٍ وآهات، وتتدفّق عيونهم دماءً وعبرات!…

ويظهر من الظلام المدلهمّ سجّان الهاوية الجبّار

وبيده منشار مثلوم الحدّ ينشر به أعضاءهم المرتجفة

ويلقي بها في زوايا جهنّم بكلّ خفّة

ثم يطلق عليهم خنازير نتنة

فتلتهم أشلاءهم الممزّقة العفنة

ثم يأمر فتعود إليهم الحياة، وللحال يطرحهم في مرجل من القار“.

 

وتأمّل هذه الصورة المروّعة المبدعة في الدرك السادس والعشرين:

وأحضر صاج نحاسيّ هائل يتوهّج قبل أن يوضع على النار…

 

وبعد أن أجّجت النيران تحته ابيضّ لعظم الحرارة الصاهرة، وإذ ذاك أجلس الآثمون عليه حتى نضجت أجسامهم، ثم هوى الأبالسة عليهم بالسياط الممزّقة للحمانهم، وجرّعوهم الحنظل الذي هرّأ ألسنتهم، وأخيراً…

سكبوا على أجسادهم الزيت وأشعلوها فأضاءت كالفنار!”

 

وفي الدرك الثامن والثلاثين ترى المعذّبين العميان تشويهم النيران، فتسيل أجسادهم، وبها تملأ القصاع حساءً يقدمّ للهالكين. ومن تمنّع يخضع للعذاب المبرّح المهين. والمشاغبون منهم يرفعون على الصلبان الحديديّة، وتبقر بطونهم وتحشى بروث الخنازير بوحشيّة، وإذ يستعطفون جلاّديهم العتاة طالبين أن يسقوهم قطرات من الماء، يتهافت الشياطين ليجرّعوهم أكواباً طافحةً بالصديد والدماء، فيتقيّأ المعذّبون المساكين حتى الأمعاء!…

وفي الدرك الخامس والأربعين تطرح أجسام التاعسين في الأفران حتى إذا ما أصبحت رماداً ذرّيت على رؤوس التماسيح. وللحال تتحوّل الذرّات جيوشاً لجبة من البقّ الجحيميّ فتزحف حيث الخطأة فتلذعهم وتمتصّ دماءهم حتى تجفّ منهم العروق.

وفي الدرك السادس والأربعين يغلى الخطأة بالخلاقين الملأى بالنحاس المصهور الذي يغلّفهم بطبقة رهيبة، ثم ما يلبثون أن يتحوّلوا الى سوائل ليبعثوا مجدّداً بأشكال ثيران عجيبة!

وفي الدرك السابع والأربعين يطارد الغيلان الهاربين من الأثماء، فيمسكونهم ويقطّعونهم تقطيعا دقيقاً بالسكاكين، ثم يعطون الحياة فتتجمّع الأشلاء والرّفات ليعيد تقطيعها أرهاط العتاة!

 

                                           ***

 

بعد هذه المقارنة في مجال التعذيب بين ” الجحيمين “, يبدو دانتي كأنّه يريك حلقات “جحيمه” عن بعد شاسع, فتعلق من مشاهده العذابيّة صور بخيالك من غير أن يهزّ تأثيرها عاطفتك او يبلبل بالك؛ بل إنه كثيرا ما ينسيك أنك تعاين أهوال الجحيم في استرساله بالمحاورات السياسيّة والشروح والمعلومات التاريخيّة واللاهوتيّة والميثولوجيّة التي ينهلها من كلّ منبع قديم (36).

أمّا الدكتور داهش فيشعرك بأنّك وسط زوبعة ناريّة متّقدة, ولا يدعك تستريح ثانية واحدة. تحبس أنفاسك, وتحرّق أضراسك, وتلهب خيالك وإحساسك, وتتلمّس,وجلاً, جسمك ورأسك, لئلاّ تجرّع,بدورك,كأسك! شدّ ما يجعل وصفه واقعيّا حيّا, وإيحاءه خلاقاً قويّا! فأين منه برام ستوكر واضع قصّة “دراكيولا” ؟! وأين منه هتشكوك مبدع روايات الرعب والهلع ؟!…

ألا نجّاك الله من أسباب الفزع والجزع, وأعاذك من كأس الحميم ولظى الجحيم .

أحوال المعذّبين

 

ترى, ما عساها تكون أحوال المعذّبين في كلا “الجحيمين” ؟ كيف كانت علاقتهم بالمؤلّف؟ ومعاناتهم للأوجاع ؟ وما هي ردود فعلهم وتصرّفاتهم إزاء الشياطين وبعضهم مع بعض؟

إنّ مشاهد المعذّبين في”جحيم داهش” لأغنى جدّاً وأرحب آفاقاً، وصورهم في سلوكهم وأعمالهم لأكثر تنوّعاً وحيويّة وواقعيّة ممّا هي عليه في “جحيم دانتي”.

وبينما يشارك مؤسّس الداهشيّة الشاعر الإيطالي الكبير في أربع نقاط ويبزّه فيها جميعاً، ينفرد عنه ويزيد عليه باثنتين أخريين.

 

  • علاقة المعذّبين بالمؤلّف

فرق واسع وبون شاسع بين موقف داهش وموقف دانتي من المعذّبين. فبينما يكتفي رجل الروح بطلب المغفرة والرحمة لهم، متضرّعاً لخالق البرايا أن يشفق عليهم، فيبدي الخطأة شكرهم له، ثم يحتجب داهش عن مسرح الجحيم، في ختام الدرك الثاني، ليترك الأهوال تنطق، والشياطين تزعق، والهلكى تصعق…يأبى دانتي إلاّ أن يسترعي الانتباه إليه في جميع حلقاته الجحيميّة. فهو تارةّ يحاور المعذّبين في قضايا السياسة الفلورنسيّة والأوروبيّة، ويستدرجهم لاستطرادات لاهوتيّة وتاريخيّة وميثولوجيّة أو تنبّؤات وهميّة عمّا ستؤول إليه أوضاع بلاده؛ وطوراً يشاجرهم ويقرّعهم، بل إنّه أحياناً يرفض استغاثاتهم ليزيد في تعذيبهم(37).

ويؤخذ على موقف دانتي أمران: أولاً، جعله الهالكين ينسون عذابهم بمجرّد أن يخوضوا معه في محاورات متشعّبة؛ وهذا يأباه المنطق السيكولوجي السليم، لأنّ الانسان الذي يكون تحت وطأة العذاب الرهيب يستحيل عليه أن يفكّر إلاّ بآلامه؛ ثانياً، استرسال دانتي في المحاورات الهامشيّة والشروح المتنوّعة ممّا يضعف فنّ الوصف في ” جحيمه”، ويخفّف كثيراً من حدّة عنفه وأهواله ليجعل كثيراً من فصوله وفقراته وسيلةً سياسيّة أو لاهوتيّة تنحصر قيمتها بأنّها وثائق تاريخيّة للصراع السياسيّ أو الوضع الديني في عصره.

 

  • تعبير المعذّبين عن آلامهم

إنّ تعبير المعذّبين عن آلامهم يبدو- كسائر الأوصاف في “الجحيمين”- أقلّ عنفا وفجيعة ومأساويّة عند دانتي منه عند داهش. فنزلاء اللمبو يتنهّدون من دون بكاء! وسائر الحلقات قلّما تسمع فيها الصراخ والنواح والعويل، ولم أجد ما يجدر بالملاحظة، على هذا الصعيد، سوى أمرين: أولاً، إنّ الكسالى- في الحلقة الخامسة- يتنهّدون تحت سطح المستنقع قائلين:

 

“كنّا بائسين في الهواء الحبيب الذي تسعده الشمس،

وقد حملنا في جوفنا دخان الكسل،

ونحن نحزن الآن في هذا المستنقع الأسود”

فهذا التعبير الفاتر عن الألم- في وسط الجحيم- يبعث على الضحك أكثر مما يثير الخوف والشفقة.

ثانيا، إنّ المجدّفين على الله سبحانه- في الحلقة السابعة- ترقص أيديهم بإستمرار …

“وهي تبعد الاحتراق المتجدّد عن نفسها هنا وهناك”.

أمّا “جحيم الدكتور داهش” فكيفما جست دركاته المظلمة تفاجئك فيه الآلام المردّمة، والأوجاع المحطّمة، والصيحات المهدّمة! وإليك بعض النماذج:

في الدرك الأوّل تلقى الوجه البائس العابس في الحندس الدامس، وتسمع الولولة المخيفة والهمهمة العنيفة، وترى العبرات الهامية كالسّيل، والهالك المستغيث من الويل، وتلمح الأشباح الرهيبة تطوف بأودية الديجور منقّبة فيها مدى عصور وعصور!

وفي الدرك الخامس تنشطر الأرض تحت أقدام الخطأة، وأسس الجحيم الدجوجيّة تميد وتتزعزع، فتطفر الأرواح هالعة مولولةً، وتهتزّ أركان الدركات السفليّة من زعيقها المفجع!

وبعد العذاب الهائل الذي قاساه الآثمون في الدرك الحادي عشر…

 

علا عويل الخطأة وسكبوا دموع مآقيهم الغزيرة

فتجمّعت عبراتهم الهاطلة بلونها الحالك وألّفت مستنقعات كثيرة!“..

  

ثم زحفت أوراحهم وكأنّها العظايا العملاقة، وراحت تجوب أعماق المستنقعات وأطرافها، علّها تجد منفذاً للنجاة. ولكن…هيهات، هيهات!…

وهنا تهبّ تأوّهات المعذّبين كعاصفة هوجاء جبّارة، وهناك يتقلّب الآثمون من شدّة آلامهم كالأمواج المتدافعة الهدّارة، وهنالك ينطلقون بسرعة الفكر ليختبئوا في شقّ صخرٍ أو مغارة، فإذا الأرض تزلزل وملاجئهم تطبق عليهم أطباقة هصّارة غدّارة!(38).

 

ج- محاولة الخطأة الهروب من العذاب

لم يذكر دانتي في كتابه إلاّ حادثة واحدة من هذا القبيل، وذلك في النشيد الثاني والعشرين، إذ استدرج خاطئٌ شيطاناً كان مولّجاً بعذابه للمباراة معه في من يكون أسرع ببلوغ سطح بحيرة القطران، فكان الخاطئ أسبق بالقفز الى المستنقع. وإنّما فعل ذلك لينجو من تمزيق لحمه.

بينما ذكر الدكتور داهش جمّا من الحوادث حاول الخطأة فيها الهروب؛ واليك بعضها:

في الدرك التاسع نرى بعض المعذّبين المطروحين في اليمّ لتنهشهم الحيتان، يهربون منها ملتجئين الى المغاور بحثا عن الأمان، لكنّها سرعان ما تطبق عليهم بأمر إلهيّ، فتسحقهم سحقاً وتمحقهم محقاً.

وفي الدرك الثالث عشر نشاهد حيزبوناً شمطاء تجدّف وتلعن الأقدار، وتهدّد الأبالسة محاولة الفرار، لكنّ الشيطان يلقي عليها أنشوطته ويختطفها كالبرق الخاطف للأبصار، ويدقّ رأسها دقّاً.

وفي الدرك الرابع عشر يتحيّن أحد الآثمين غفلة من حرّاسه فيلقي نفسه في بحيرة الموت، شدّ ما قاسى من الأهوال، فيطلقون عليه التماسيح الشوهاء، فتمزّقه مقضقضةً منه العظام وسافحة الدماء.

وفي الدرك السابع عشر يرى الخطأة يوسيفورس حاملاً كلاّبه الرهيب وهراوته الهائلة فيرتجفون هلعاً، ويهربون فزعاً، لكنّه ما يلبث أن يقبض عليهم بشعورهم، فيكسوهم صلعاً!

وفي الدرك السادس والأربعين تطوّق الحراب الباترة مكان الهلكى، وإذ يحاولون الهروب يصطدمون بالأسنّة فإذا بأجسادهم تخرّق. ويعلن الآثمون العصيان، فتطلق عليهم خنازير الغيلان فمتزّقهم بأنيابها شرّ ممزّق.

وفي الدرك السابع والأربعين ترى الغيلان حرّاس هذا العالم السفليّ وقد أخذتهم سنة، فيغتنمها الهلكى فرصة سانحة ليهيموا ويطفروا، وما أن يستيقظ حرّاسهم حتى يطاردوهم طراداً مريعاً، فيقبضوا عليهم ويعملوا فيهم براثنهم تمزيقاً وتقطيعاً!

 

د- تشاجر الخطأة

لا نعثر في “جحيم دانتي” إلاّ على مشهد واحد سريع يتعاير فيه معذّبان ويتضاربان، وذلك في النشيد الثلاثين.

أمّا “جحيم داهش” فنلقى فيه عدداً من الشاجرات والمعارك الضارية بين الهلكى. ولا عجب، فما دامت الحروب تنشب في الأرض، أفلا تنشب في عوالم أكثر انحطاطاً؟! وحسبي الإشارة الى مثلين منها: الأوّل في الدرك الثامن عشر، إذ يتضارب الخطأة بالمعاول ويفلق بعضهم رؤوس بعض. ويختار المؤلّف القدير اثنين من المتشاجرين فيسلّط الضوء عليهما.

فاسمعه يصفهما بعنف مروّع وبطش مصدّع:

 

وراحا بجنون مخيف يتناهشان

ثم يتقلّبان على الجمر المتّقد ويتكابشان

وإذا بأحدهما يقتلع عين رفيقه ويزدردها

ويركل برجله سلسلته الفقاريّة فيهشّم زردها“. 

لكنّ المعتدي لا يفلت من العقاب الرهيب.

أمّا المثل الثاني ففي الدرك الثامن والثلاثين حيث يحاول العميان المعذّبون الفرار من النيران، فيختلطون ويتصادمون وتنشب بينهم المعارك الضارية، وإذا بجثّتهم تملأ ساحة العراك الدامية .

 

ه- استعطاف المعذّبين لجلاّديهم وإعلان توبتهم

ينفرد الدكتور داهش بتصوير هذه الناحية المؤثّرة في “جحيمه”.

فالخاطئون عنده ما يزالون يتمتّعون بالحريّة والارادة- وهما منحتان إلهيّتان لجميع الخلائق مهما سمت أو تسفّلت- ولذلك فمحاولة التحسّن والتوبة ليست بالمستحيلة في أيّ درك من الجحيم. فاسترحام الخطأة، وإعلان توبتهم، ورفع صلاتهم الى خالق البرايا تسمع في عدد من دركات العذاب(39).

أصغ الى هذه السداسيّة الرائعة التي تصوّر تباريح المتألّمين المتضوّرين، وشعورهم بخطاياهم، وتعكس الضعف البشريّ والانسحاق أمام السدّة الإلهيّة:

يا للصيحات الرهيبة وهي تمزّق الفضاء:

-أليس من رحمة أيّها الإله العادل؟

لقد حطّمتنا الآلام وهزأ بنا إبليس العاذل.

نحن ظننّا بأنّ الحياة طويلة فإذا بها تمضي كالحلم

فعفوك ورضاك وغفرانك العميم يا صاحب الحلم

إرحم ضعفنا البشريّ وردّ عنّا عادية القضاء“(40).

 

و- تصرّف الفسّاق والفاسقات

إنّها ناحية أخرى يتفرّد بها “جحيم الدكتور داهش”. فالسيّالات تحمل رغباتها وميولها حيثما حلّت، ولا شيء من حركة النفس يفنى. ولذا، فهو يصف لنا، في الدرك الرابع والعشرين، تصرّف العشّاق الفسّاق وكأنّهم في ملاهي الأرض الصاخبة الداعرة، وحاناتها الحمراء الفاجرة، من جميع الجنسيّات والفئات.

الشفاه متلاصقة، والصدور متضامّة…

آهات داوية، ورعشات مجرمة

وآلاف من الأيدي تمتدّ الى الثمرات المحرّمة“…

 

والجميع سكارى تلفّهم سورة الرغبات المحمومة، فيجرعون الإكسير الممنوع يثيرون به شهواتهم. ولا فرق بين أحوالهم في الجحيم وأحوالهم في الأرض سوى أنّهم في العوالم السفليّة يغوصون في بحر دموع آلامهم وآثامهم، بعد أن كانوا في عالم المتع السرابيّة يغوصون في بحر من موبقات أعمالهم وأوهام ملاذّهم.

وفي الدرك الحادي والثلاثين يصوّر لنا الفاسقات بسلوكهنّ وميولهنّ الأرضيّة المنحرفة. ولا عجب، فرغبات السيّالات تبقى خالدة فيها ما لم تتغلّب إرادة الانسان عليها. لكنّ التبرّج والتضمّخ بالعطور لا يفيدان في عالم الديجور، والتثنّي والإغواء لا يجديان في عالم العذاب والشقاء، وسرد وقائع الغرام لن يؤثّر في الجحيم المتلظّي بالضرام. فسرعان ما يقبض الشيطان على الفاسقات، ويجرّعهنّ من الآلام كؤوساً داهقات…

 

وبسرعة البرق أُحضرت النسوة اثنتين فاثنتين

فأُجلست كلّ منهنّ وجهاً الى وجه على سفّودين

ووقف إبليس وبيده أفعى رقطاء يسوطهنّ بها

فانتثرت لحومهنّ، وزال ما بهنّ من بها“.

 

تلك كانت أحوال المعذّبين في “الجحيمين”. وقد برهن مؤسّس الداهشيّة في معالجتها أنه أكثر واقعيّة ومنطقيّة، وأنفذ في وصف الحالات النفسيّة من شاعر إيطاليا الأكبر.

مقارنات بين حالات وموضوعات متشابهة في السّفرين

 

بهذا القسم الأخير من دراستي السريعة سيتاح للقارئ أن يوازن بين قدرات الأديبين على معالجة الموضوع الواحد، ووصف الحالة نفسها، وسيلمس بيده عبقريّة داهش التي لا تجارى وتفوّقه على الشاعر الإيطالي الكبير، بالرغم من شاعرية دانتي المحلّقة وقيمته العالميّة. ومن أجل ذلك سأقارن بينهما في وصف حالة البعث بعد الفناء، والطبيعة الممسوخة، والبرص، والعذاب بالجليد، وصورة الرؤوس المقلوبة؛ وأخيراً في وصف عذاب رجال الدين، ثم يهوذا الخائن مقارناً بالاسخريوطيّ الجديد عبد الرحيم الشريف الخليلي.

  • البعث بعد الفناء

إنّ منح المعذّب حياة جديدة بعد فنائه في الجحيم يرد مرةّ واحدة عند دانتي، وذلك في النشيد الرابع والعشرين، بينما نجده شبه دائم عند الدكتور داهش. بحيث يتيح له تجديداً للعذاب، ومزيداً من التفنّن في وصف الأوصاب. لكنّني سأقتصر على مقارنة حالة واحدة وردت في الدرك الثالث من”جحيم داهش” بوصف دانتي.

يصف الشاعر الإيطالي جماعة من اللصوص ربطت أيديهم الى الوراء بالزواحف، ثم يجتذب انتباهه واحد بينهم فيقول:

“ها هوذا واحد كان قريبا الى شاطئنا،

وقد هاجمته زاحفة ولدغته حيث ترتبط الكتفان بالعنق.

لم يكتب أبداً حرف “أ” أو”و” بسرعة هكذا، كما اشتعل هو واحترق، وكان عليه أن يتحوّل كلّه الى رماد وهو يسقط؛

وبعد انحلاله هكذا فوق الأرض،

تجمّع الرماد من تلقاء نفسه، واسترجع توّاً شكله الأوّل”.

وبفعل تداعي الخواطر يتذكّر حكاية موت العنقاء الخرافية ثم بعثها.

أمّا الدكتور داهش فيبدأ وصفه هكذا:

وهنا طلمات متكاثفة تتلوها ظلمات

وحرس من الأبالسة الغلاظ الشّداد

ينكّلون بمختلف الناس والعباد

يسحقونهم في أجران من الفولاذ المحمّر من شدّة النيران

ويعودون فيهبونهم الحياة، ثانية، بعد أن تستطيب حياتهم الهجران

وهكذا يخلّدون في عذابهم بين حياة وممات“.

 

ثم يسجن كلّ أثيم في قعر بئر سحيقة الأغوار ألف عام، ويجعل فراشه أشواكاً فولاذيّة يتمنّى لو يستبدل بها الموت الزؤام. وبعد ذلك…

يأتي سجّان الجحيم القاسي

ويقطع أعضاءهم عضواً فعضواً

وهم لعمق آلامهم أرواحهم تتلوّى

ويتحوّل كلّ عضو الى شخصيّة جديدة

فتتألّم هذه الشخصيّأت آلاماً شديدة

ممّا تنوء به أصلد الجبال الرواسي“.

فانظر الى البعث الأوّل، وخصوصاً الى البعث الثاني الذي هو بمنتهى الطرافة والغرابة. إنّها، وأيم الحقّ، لصور كالعرائس البكر لم يسبق أن زفّت الى أيّ فكر!

                                          ***

  • الطبيعة الممسوخة

في الأنشودة الخامسة والعشرين يصف دانتي كيف وثبت زاحفة ذات ستّ أقدام على أحد اللصوص والتفّت على جسمه، قائلاً:

“لم يتعانق لبلاب وشجرة أبداً

كما لفّ الوحش الرهيب أعضاءه حول أعضاء الآخر.

والتصقا، بعد، كما لو كانا من شمع ساخن،

وامتزج لوناهما، فلم يبد هذا ولا ذاك على ما كان،

كما يمتدّ أمام النار لونٌ داكن على الورق،

فلا يصير أسود بعد، ويختفي اللون الأبيض”.

وهكذا يندمج الاثنان متحوّلين الى وحش مسيخ فيه معالم غامضة من صفات الانسان وصفات الزحّافات.

وبعد ذلك، يقدّم دانتي لنا مشهداً آخر يستغرق ستّين بيتاً من الشعر يصف فيها باسهاب وإطناب تحوّل زاحفة الى إنسان، وإنسان الى زاحفة.

ولا شكّ بأنّ وصفه لا يخلو من الدقّة والجمال، ولكنّ اقتباساته واستعاراته الوصفية من أوفيد واضحة تماماً.

أمّا الدكتور داهش فيقدّم لنا في الدرك المظلم الرابع مشهداً ولا أعجب:

رؤوس صلعاء تلعلع قباقيب الخليعات قارعة عليها، مجتثّة بصيلاتها، مغمّسة برذاذ الدم الأسود أصحابها!…ثم تسلخ جلود الرؤوس وتجوّف وتحشى بروث إبليس، وتسقى بول الثعالب، وبهذه التربة العجيبة الغريبة تزرع بذور من الآثمين!…

ويمضي حول، وإذا بكلّ من الخطأة قد برز برأسه ابنُه

فيعرف الخاطئ أنّ هذا النجل كان في عالمه من الكفّار

وكلّما حضر إبليس ليعذّبه وأباه يهبط في أبيه مختبئاً كالفار

فيحمل الأب ويلقيه مع ابنه في بحيرة الجحيم

فيرفع عينيه الى السماء ويطلب معونة الآب الرحيم

بينما الشيطان المنافق يبكيه ثم يؤبّنه.

 

ويزرع إبليس في رؤوس الأبناء بذوراً قميئة مسكينة

فتثبت بعد حول أبناءً لأولئك الأبناء

وثمّت بذور أخرى توضع في رؤوسها ليزداد منها البناء

ويشاهد في ذلك العالم كلّ شخص يحمل ستّة آلاف شخص

وكلّ منهم ينظر الى زميله وقد سمّر وبه قد شخَص

ثم تغمرهم الآلام وتعود فتشملهم السكينة“.

فهل أعجب من هذا الابتكار، وأخصب من هذا الخيال الجبّار؟ لكأنّ فيه بعضاً من القدرة التي نسجت الليل والنهار! شجرة آدميّة تنمو ستة آلاف عقدة موازية الستة آلاف دورة التي سمحت بها الرحمة الإلهيّة للبشر في درجة الأرض!

                                          ***

ج- وصف البرص

في الإنشودة التاسعة والعشرين يصف دانتي المعذّبين بالبرص، فيراهم في أوضاع مختلفة، ثم يشاهد اثنين جالسين…

“مستنداً أحدهما الى الآخر مثلما يسند وعاء الى وعاء للنسخين،

وترقّش جسداهما بالقشور من الرأس الى القدم…

كما انهال كلّ منهما على نفسه بعضّ الأظافر،

لما تولاّهما من حرقة الأكلان، ولم يكن لهما من عون سواه؛

هكذا أسقطت أظفارهما القشر كما تفعل السكّين بزعانف الشّلبة،

أو بأسماك أخرى ذات زعانف أكبر”.

ووصف الدكتور داهش المعذّبين بالبرص في دركين: السابع والثلاثين، والرابع والأربعين. في الأوّل يصوّر عناكب الجحيم الجبّارة وهي دائبة على نسج خيوطها الفولاذيّة حول المجذومين ليعزلوا عمّن سواهم، وهم يحاولون التخلّص منها دونما جدوى، فتعلو صيحاتهم وأنّاتهم، وتتساقط عبراتهم.

ثم تتضخّم قروحهم فيمسخون خنازير شوهاء، ويجرّعون العذاب كؤوساً دافقة حتى يتمنّون الفناء، وتهاجمهم العظايا الجحيميّة فتنكأ جراحهم، ويقلّبون على الجمر المتأجّج، ثم يقبض الجلاّدون العتاة عليهم فيفسخونهم واحداً واحداً. وبعد ان يبكّتهم إبليس مزمجراً في وجههم، مستكتباً إيّاهم ذنوبهم، يسمع دويّ رهيب تتفجّر منه الآذان! ثم…

ثم انقشع عن مشهد بلايين من الزنابير الصفراء

فاغبرّت الوجوه، واضطربت القلوب، وأصيب الحشود بالصفراء

وحطّت هذه الحشرات على الأجسام، وتغلغلت في طيّات اللحم

وفي لحظات تجرّدت الأجسام وبرزت هياكل العظم“.

فهل من رهبوت يطغى على هذا الرهبوت، وعنف صارم مشحون بمثل هذا الجبروت؟

إسمع الأديب المعجز وهو يكمل وصفه للمجذومين في الدرك الرابع والأربعين فتدرك أنّ أفق خياله لا نهائيّ الأبعاد، وأنّ نبع أفكاره الخلاّقة لا يعرف النفاد!…

الجذام ينتشر على أجساد الخطأة بطفوحه

فهم يدأبون على الحكّ أعواماً عديدة

ويشعرون دهراً بآلام شديدة

وتتساقط من أجسادهم قشور قاسية وتتهرّأ قمّة الرأس فتقشط منه الناصية

ويتساقط الدود من الخطأة كلّ من يأفوخه

 

واكفهرّ الجوّ واسودّت السماء وأظلم الأفق!

وصعدت الأبالسة الصفراء وبأيديها مسلاّت غليظه

ودوّت الصيحات تترى والمسلاّت دائبة في عملها

فتثقب الأجساد واختلطت دماؤها في قيحها وعملها

وكان الشياطين يخيطونهم معاً دون ما لين أو رفق!…

                                          ***

د- وصف العذاب بالجليد

في الأنشودة الثانية والثلاثين يصف دانتي عذاب الخونة بالجليد، فيذكر أنه شاهد في الحلقة الأخيرة من الجحيم بحيرة متجمّدة كأنّها الزجاج الصلب، وفيها خاطئان..

“وكما يقف الضفدع للنقيق بخيشومه خارج الماء,

حينما تحلم فتاة الريف بالتقاط فضلات الحصاد،

كان الشبحان المعذّبان منغمسين في الثلج

الى الجزء الذي يبدو عليه الخجل،

وقد أزرقّ لونهما، وردّدا بأسنانهما صفير اللقلق.

كلاهما أبقى وجهه مصوّباً الى أسفل:

الزمهرير من الفم، وأسى القلب من العينين بدا واضحاً بينهما”.

فتشعر أنّ في وصفه صوراً شعريّة، ولكنّها صور رقيقة لا توافق مقتضى الحال، لا سيّما أنّ هذا العذاب جعله دانتي لنزلاء الحلقة الأخيرة من الجحيم.

ويزداد ذلك اتّضاحاً عندما تقرأ وصف الدكتور داهش للتعذيب بالجليد، فتدرك إذ ذاك ما يفرّق الرياح من الزعازع، والسواقي عن الأنهار، والأقمار عن مجرّات الأنوار!

الظلمات تتدافع متكاثفة طبقات تتلوها طبقات

والثلج العنيف يتساقط طوال أجيال وقرون

والروق تومض والرعود تقصف والرياح تعصف بجنون

فترتعد الأرواح الهالعة وترتجف من هول الصقيع

وتتهرّأ أجسادها من الزمهرير ويسودّ في عروقها النجيع

ومن شدّة المهلك تراها بعضها على بعض مطبقات!”

ثم تنفرج ثغرات مدلهمّة مرعبة تحت أقدام الآثمين، فيتساقطون في أغوارها، وإذا بالصقيع الرهيب يبلور أعضاءهم، وينثر أطرافهم المجلّدة؛ وبلمح البصر ينبت في الأعماق لكلّ منهم خازوق، ثم تسدّد إليهم آلاف السهام فتثقبهم بآلاف الخروق! وبعدئذ تؤمر العواصف الثلجيّة بأن توقف دهريّ هطّالها، لتتأجّج مكانها النيران الجحيميّة غامرة إيّاهم بأهوالها!(41)..

                                         ***

ه- الرؤوس المقلوبة الى الوراء

في النشيد العشرين يصف دانتي عذاب العرّافين والمنجّمين بأنّهم كانوا يسيرون بخطواة بطيئة، باكين بصمت، ويكمل قائلاً:

“ولمّا ازداد انحفاض بصري إليهم، بدا لي من العجب

أنّ كلاّ منهم قد التوى بين الذقن وأوّل الصّدر؛

إذ استدار الوجه للكليتين، وكان عليهم أن يسيروا الى الوراء،

إذ امتنع عليهم النظر الى الأمام.

قد يلتوي بعض الناس على هذا النحو تماماً من الشّلل،

ولكني لم أر هذا ولا أعتقد أنه موجود”.

إنّه العذاب الوحيد الذي يجعلهم مصابين به، مع أنّه ينزلهم في الحلقة الثامنة، أي ما قبل الأخيرة. ويخفّ جدّا تأثّرك بهذا النوع من العذاب عندما تسترسل في قراءة بقيّ’ النشيد القائمة على سرد معلومات تاريخيّة عن قدامى العرّافين والمنجّمين.

بينما ترى أنّ مؤسّس الداهشيّة ينوّع العذاب للخاطئ نفسه, ويعدّد فنونه، ولا يدع الهالك يستريح من عنف إلاّ ليسلمه الى عنف أشدّ، باعثا، هكذا، في نفس القارئ رهبة عظيمة. فأنت تعجب وتهلع، في الدرك السابع…

إذ ترى رؤوس الخطأة مقلوبة الى ظهورهم

وهم مسجونون في أقفاص من النار طوال دهورهم!.. “

فإنّك ترى أنّ العذاب لا ينتج عن التواء الرؤوس الى الوراء فحسب، بل أيضاً عن هذا السجن الرهيب في الأقفاص الناريّة الدهريّة العجيبة. ولا يضيع رجل الروح العبقريّ عنف وصفه باستطرادات تاريخيّة أو غيرها، لكنّه يبادر ليهزّك هزّة أعنف قبل أن ترتاح من رعشتك الأولى. فيصوّر لك المعذّبين يسترحمون جلاّديهم ليغيثوهم بقطرة ماء، ولكنّ استغاثاتهم تتبدّد هباء!…

وفجأة، يقذف الأبالسة بالأقفاص الى البراكين الثائرة

وتقذفهم البراكين بدورها مع حممها في الفضاء

فتتمزّق أجسادهم وتتعالى استغاثاتهم الى السماء

وللحال تعود اليهم أعضاؤهم ثن تلتئم جميع جراحهم

ويعود البركان فيقذفهم بجنون فيعودون الى كفاحهم

وكلّ روح هناك جائرة تراها خائرة وفي أمرها حائرة“.

وبالرغم من هذه الأهوال يتابع الدكتور داهش تفنّنه بوصف المزيد من أصناف العذاب. فإذا بالأجساد تطرح في الآبار العميقة الأغوار، وبالرؤوس تتفجّر، والأمخاخ تتناثر، والدماء تتطاير، وبالمناشير والسكاكين تعمل طعناً وتقطيعاً بالمعذّبين المساكين!…

                                            ***

و- عذاب رجال الدين

لا يخصّص دانتي لرجال الدين عذاباً معيّناً، بل يزجّ بهم في معظم حلقات جحيمه وفقاً للمنكرات البارزة التي عرفوا بها. فبعضهم تجدهم بين الهلكى الابيقوريين المتهالكين وراء الملذّات الحسيّة، وبعضهم تلقاهم بين اللواطيّين، وآخرون مع المرتشي أو المنافقين، وغيرهم مع مشيري السوء أو مثيري الفتن. لكنّ الأوصاف الأرز لعذابهم تقرأها في النشيد السابع حيث حشر دانتي عدداً من الكرادلة والبابوات مع البخلاء والمبذّرين، كذلك في النشيد التاسع عشر حيث ألقى بالبابا نيقولا الثالث مع السيمونيين المتّجرين بالمقدّسات.

وجعل دانتي القساوسة البخلاء يسيرون مع جماعتهم الى اليسار، والقساوسة المسرفين يسيرون مع جماعتهم الى اليمين- أي بإتجاه معاكس- دافعين بصدورهم صخوراً باهظة الأثقال، ثم يعودون في نصف دائرة الى نقطة يلتقون عندها ويتصايحون، معيّراً كلّ فريق الفريق اللآخر بمثالبه. فيقول المسرفون للبخلاء:” لماذا تحرصون؟” ويقول المقتّرون للمبذّرين:”لماذا تبدّدون؟” وهكذا على الدوام.

وإني أرى في تكرار هذه الأسئلة، في الجحيم، كلّما تلاقى الفريقان ما يشبه ألعاب الصّبية؛ فليس فيها أيّ عنصر مأساويّ. أمّا دحرجة الصخور، على الدوام، فقد اقتبسها دانتي من أسطورة سيزيف.

أمّا البابا نيقولا الثالث فقد جعله مع جماعته في قعر واد فيه فتحات متساوية..

“ومن فم كلّ منها برزت قدما آثم وساقاه حتى الكعبين،

وكان سائره قد بقي في الداخل.

اشتعلت النار في باطن قدمي كلّ منهم،

فاهتزّت مفاصلهم بعنف شديد،

حتى ليمكنها أن تمزّق حبالاً من جافّ العشب أو اللبلاب.

وكما تتحرّك الشعلة فيما طلاه الزيت، على السطح الخارجيّ وحده،

كذلك امتدّت النار من أعقابهم الى الأطراف”.

ولا شكّ في أنّ هذه الصورة جميلة، ولائقة برجال الدين المتّجرين بالمقدّسات.

ولكن لنقرأ ما كتبه رجل الروح والخوارق عنهم في الدرك الثامن والأربعين:

وهؤلاء طغمة رجال الدين أصحاب التدليس

المتاجرون باسمه ومهشّموه كلّ التهشيم

الذين يلقّنونه مثلما تشاء مطامعهم لكلّ غشيم

وكان الأبالسة الغلاظ يتقاذفونهم بأرجلهم كأنهم كرة

ثم يدفعون بهم الى أعماق الجحيم وهم قعود على بكرة

كي يكنّسوا الجمرات المتأجّجة بلحاهم المدنّسة أن تدنيس!”

ثم يعنّف ربّ الجحيم طغمة المخادعين المنافقين، ويهتك أسرارهم، ويفضح تدجيلهم. وسرعان ما تنقضّ السياط عليهم تمزّقهم. فاذا بهم يلجأون الى التدليس، كشأنهم في الأرض، طالبين من الأبالسة أن يمتطوا ظهورهم. لكنّ ربّ الهاوية

صاح بهم:”ويحكم أيّها المدلسون الكفرة!”

وللحال أمر فقيّدوهم بسلاسل من النار في ألسنتهم

وكانت الصّفعات تكال لهم دون رحمة في أقفيتهم

وفي غرفة مظلمة رهيبة علّقوهم ورؤوسهم مقلوبة تخفرهم كلاب

وعلى أجسادهم المطّخة بأشنع الأقذار هبطت ملايين من الذباب

ودوّت الصيحات قائلة:”تبّا لكم من سحرة مكرة!”

فأنت تلاحظ عنف التعذيب مقروناً بالإذلال والمهانة لأولئك الدجّالين المرائين الذي يبيعون سيّدهم كلّ يوم، ويتاجرون بدمه كلّ ساعة، بعد أن باعه الاسخريوطي مرّة واحدة.

                                       ***

ز- يهوذا الاسخريوطي وعبد الرحيم الشريف الخليلي

لم هذه المقارنة؟

لأنّ يهوذا خان سيّده المسيح له المجد، وعبد الرحيم الشريف الخليلي خان سيّده داهش رجل الروح والمعجزات العظيم. ومثلما خلّد الأوّل رمزاً للخيانة في كلّ لغة عند المسيحيّين، فسيخلّد الخليلي رمزاً للخيانة عند الداهشيين، ثم لدى البشر أجمعين الى أبد الآبدين.

وصف دانتي عذاب يهوذا بالأنشودة الأخيرة من الجحيم، في دائرة لوسيفورس سيّد الشياطين الذي جعله الشاعر بثلاثة أرؤس وستة أجنحة، وأمامه مستنقع كوتشيتوس الجليدي وفيه ثلاثة خونة: يهوذا وبروتس وكاسيوس.

“وفي كلّ فم مضغ بأسنانه أحد الآثمين، على طريقة دواليب الكتّان، حتى جعل ثلاثة منهم يتألّمون على ذلك النحو.

وللذي في الأمام لم يكن العضّ شيئاً يذكر الى إنشاب المخالب،

إذ بقيت فقاره عارية كلّها من الجلد أحياناً.

قال أستاذي:” تلك النفس التي تلقى هناك، عالياً، أشدّ العذاب، هي يهوذا الاسخريوطي الذي رأسه في الداخل ويحمل ساقيه الى الخارج”.

وقد خصّص مؤسّس الداهشيّة الدرك التاسع والأربعين والدرك الخمسين للخائن الخليلي ، فكأنّ في كلّ من الدركين سيّالاً من سيّالاته السفليّة.

وكان رجل الروح قد أسكنه تحت سقف منزله، وائتمنه على ماله، فأساء الأمانة واختلس عشرين ألف جنيه فلسطيني كان قد أودعها الدكتور داهش البنك العربي في القدس، الأمر الذي اضطرّ سيّده الى طرده ثمّ التشهير به وتأديبه، بعد أن استفحل أمر افتراءاته وتجنّياته وتدجيلاته(42).

وقد قرن الدكتور داهش في وصفه لعذاب الخائن المطرود أعنف الآلام بأشدّ الإذلال. إسمع سيّده الجبّار، وطارده بسيف الحقّ البتّار، كيف ينقضّ بصواعق النار والاحتقار:

وخيطت يداه بشعر اقتلع من مؤخرة شقيقته الزانية!

وحزمت ساقاه بلسانه بعد أن استلّ من أعماق حنجرته

وقيّد من وسطه بأفعى لسعته بأنفه ثم بأسنانها خنجرته

وعندما مثّل بجسمه النّتن جرجرته الكلاب الى أقذر وأنتن مرحاض

وعلّق مقلوباً بعد أن أدخلوا رأسه فيه فأصيب بالإجهاض والإحماض

فولول طالبا الرحمة من الأبالسة، وكانت عينه إليهم بذلّ رانية!”

ثم أقرأ آخر سداسيّة من الكتاب وأسمع العجب العجاب :

“وعرّاه الأبالسة وألبسوه حلّة من العقارب كحرز متين مكين

فجعلت هذه الدواهي الدهياء تذرع جسده وتفلحه فلحاً بحماتها

وصاح إبليس يستثيرهم:”ثقبوه أيها الذائدون عن سقر، يا حماتها”

ثم حطّموا له ظهره، فحبا على يديه ورجليه ككلب أصيب بالكلب

وأغرقوه في مرحاض لأنه رحيم شريف ذو حسب ونسب

وأطعموه ما تغوّطه سيّده، ثم شرّطوه بالسكاكين“.

وأيّ تحليل لهذين الدّركين يعجز عن إيفاء حقّهما لما يزخران به من صور إيحائيّة للعذاب والمهانة النازلين بربّ التدجيل والخيانة. ولذا فإني بالقرّاء الكرام أن يقرأوهما بدقّة ورويّة ليروا كيف حلّت اللعنات الأبديّة على صاحب الخيانة الدهريّة. فالجريمة القايينيّة، والخيانة الاسخريوطية، والحقارة الخليليّة ثلاثة أقانيم إبليسيّة في شخص واحد عرف بتقمّصه الأخير باسم”عبد الرحيم”. لأنه عبد الرجيم، وباسم “الشريف” لأنه غير شريف،”وبالخليلي” لأنّه لم يعرف من صفات ” الخليل”- أي الصديق الحقّ –إلاّ كلّ ما يناقضها(43).

ماذا بعد الدرك المظلم الخمسين؟

 

أتيح لي أن أطّلع اطّلاعاً سريعا على الدركين الحادي والخمسين والثاني والخمسين، فإذا هما مخصّصان لأقانيم الرذيلة والفساد الخمسة الذين اشتركوا في المؤامرة الجهنّمية على رجل الروح العظيم، مؤسّس الداهشيّة. فحاكم لبنان الطاغية الذي تضخّم كرشه على حساب عقله، وأذلّ بقلم داهش الجبّار مثلما ديس بنعله، والمهرّج الثأثاء المتوهّم أنه هتلر زمانه، وإنّما قيمته القرد المقلّد للخطيب المفوّه بعيّ لسانه، والمنفوخ المغرور المجرور برسن اليسوعيّين الدجّالين ليتمرّغ بقواذير كلّ مجرور، وصاحب اللطخة الجهنّميّة الباصمة سحنته الخنزيريّة، ذاك الملطّخ شرفه المسفوح بالسفالات اللواطيّة، والحاكمة المحكومة بكلّ شهوة بهيميّة فائرة سافرة، تلك المتهتكة الداعرة التي أصبحت علماً لكلّ فاجرة…هؤلاء هم أبطال الدركين الرهيبين اللذين افتتح بهما رجل الروح والمؤدّب البطّاش الجزء الثاني من “جحيمه”؛ وسيخلّدون في جميع الأمصار والديار سُبّة عار وشنار واحتقار…ما بقيت الحياة وتعاقب ليل ونهار…وسيخلّدون في دركات النار والقار، وكلّما مضى دهر عليهم عقبته أدهار، فتلك مشيئة الديّان القهّار، المنتقم من الأنذال والطغاة والفجّار الأشرار الذي يضطهدون الأنبياء والهداة والأبرار.

كلمة أخيرة

 

تلك كانت مقارنتي السريعة بين” جحيم الدكتور داهش” المشتمل على 1200 سطر من النثر الشعريّ المسجّع ذي الايقاع الممتع و”جحيم دانتي” المنطوي على 4710 أبيات من الشعر الرفيع.

وقد خلّدت الأجيال دانتي إجلالاً “لكوميدياه الإلهيّة”. فكتبت في شخصه وأدبه ألوف الأبحاث والدراسات، وترجمت رائعته الى معظم اللغات، واستوحى الفنّانون الكثير من الرسوم والتماثيل والقطع الموسيقيّة من موضوعاته، واعتبره الباحثو والنقّاد من عظماء العالم وأكبر شاعر أطلعته إيطاليا.

وها إني بالمقارنة العلميّة بيّنت فضل داهش العظيم على دانتي وتفوّقه بخياله الخلاّق، وإبداعه الدفّاق على شاعر إيطاليا الأكبر؛ علماً بأنّ دانتي أمضى في كتابه “جحيمه” بضعة أعوام يرفعها بعض المتخصّصين في أدبه الى عشرة(1304-1314)، وبأنّ مؤسّس الداهشيّة كتبه بسرعة عجائبيّة لم تستغرق منه سوى بضعة أيّام، وذاك شأنه في جميع ما حبّرت يراعته الملهمة المغموسة بالضياء، والموجّهة بيد السماء.

فمن آمن بأنّ وصف داهش في “جحيمه” وحي وإلهام فقد منح صاحبه مقاماّ فوق البشر، وجعل كلامه آية من الآيات لا تكذّب عن سقر.

ومن آمن بأنّ وصفه مجرّد خيال مجنّح جبّار فقد جعل ساحبه أديبا فذّاً بزّ الشعراء الملهمين الكبار بالخلق والابتكار، واستحقّ أن يعقد فوق هامته إكليل الغار والفخار.

فمؤسّس الداهشيّة لو لم يكن له إلاّ أدبه لكان رجلا معجزاً، لأنه متى تتّضح للعالم آثاره الفكريّة الأدبيّة كاملة، بشمول موضوعاتها، وسموّ مراميها ومحتوياتها، وفذوذيّة خيالها وصياغتها، مع سرعة تأليفها العجيبة، فستتجلّى، إذ ذاك ، آياته الاعجازيّة الكتابيّة مثلما تجلّت آياته العجائبيّة الروحيّة.

ألا فلتشرّع الجامعات أبوابها وبرامجها لتدريس أدب داهش وفكر داهش في عصر داهش. وإلاّ فليحطّم كلّ كاتب قلمه، ويكسّر كلّ باحث يراعته، وليلفّوا عليهم جميعا أحابيل أكاذيبهم على أعناقهم ويخنقوا أنفسهم بأيديهم، لأنّ الأرض تكون قد أجدبت فيها الأفكار والعقول؛ وإذ ذاك فلتقطع شجرة الانسانيّة النّخرة، ولتعدّ محرقة للنار الأبديّة، فذلك خير لها لو كانوا يعلمون.

ختاماً أقول :

منذ مئة وخمسين عاماً أقيم في فلورنسا ضريح يعلوه تمثال الشاعر العبقريّ دانتي، وهو يمثّله جالساً متوجاً باكليل الغار، والى يمينه تمثال سيّدة واقفة – ترمز لايطاليا- وهي تشير بيدها الى كلمات محفورة في قاعدة التمثال:” مجّدوا الشاعر الأعظم”. والى يسار دانتي تمثال سيّدة أخرى- ترمز الى فلورنسا مسقط رأسه- يمثّلها منحنية الى أسفل الضريح، وبيدها إكليل الغار الذي كان عليها أن تعقده على رأسه وهو حيّ، وتظهر وهي تنوح وتتفجّع على الجناية التي ارتكبها بحقّ ولدها العظيم.

وإنّي لأتخيّل أنه بعد زمن لن يطول سيقام في كلّ مدينة من مدن الأرض تمثال لمؤسّس الداهشيّة العظيم، رجل الروح والخوارق العجيب، وهو متوّج بستة نجوم رمز شخصياته العلويّة الستّ، وحوريّة سماويّة تشير بيدها الى كتابة في قاعدته:” مجّدوا الهادي الحبيب”، ودون موطئ قدميه امرأة تتفجّع حاجبة وجهها بيديها من الخجل والعار، وستكون رمزاً للبنان الذي نكبه الله، بعد أن اضطهد رئيس جمهوريّته بشارة الخوري مؤسّس الداهشيّة وجرّده من جنسيّته اللبنانيّة، لا لذنب أتاه أو جرم جناه، ولكن لأنّ ماري حدّاد شقيقة زوجة الرئيس اعتنقت الداهشيّة هي وقرينها وكريماتها الثلاث.

وبالرغم من اعتداء بشارة الخوري الصارخ على دستور البلاد، ووأده لقوانين العدالة ودوسه لحقوق العباد، فإنّه لم يظهر في الشعب أيّ فرد يشجب هذه الجريمة، ولم يبرز في الميدان أيّة شخصيّة مسؤولة كنائب أو وزير أو قاضٍ أو صحفيّ للتنديد بهذا الطغيان الذي لطّخ سمعة لبنان المتبجّح بانه ملجأ للحريّات، وحصن للمضطهدين، وملاذ للمظلومين.

لقد سجّل التاريخ بحروف من نار أنباء هذه الجريمة النكراء التي ستخلّد ما خلدت السماء…يتناقل أنباء ظلمها الهائل الوبيل أبناء الكرة الأرضيّة جيلاً إثر جيل!…

ونتيجة للمظالم والاعتداءات والتجاوزات المتواصلة انفجرت الحرب اللبنانيّة سنة 1975 فعصفت عصفها المبيد، ودمّرت كلّ عمران، وحصدت أرواح الشبّان، فأثكلت ورمّلت ويتّمت عشرات الآلاف، وهجّرت الملايين …وهكذا تحقّقت الآية الحكميّة القائلة:

“إنّ الله يمهل ولكنّه لا يهمل”.   

 

 

                                        هوامش الكتاب

 

(1)- يتألّف “جحيم الدكتور داهش” من ثلاثة أجزاء، وكتاب”النعيم” من ثلاثة أجزاء أخرى.

(2)- لم يعط دانتي كتابه، في الأصل، إسماً عامّاً لأجزائه الثلاثة. لكنّه عرف، فيما بعد، باسم”الكوميديا” وهو عنوان ثانويّ للمصنّف وليس عنواناً رئيساً. وأرجح الظنّ أنّ الشاعر أسمى كتابه هكذا استناداً الى ثلاثة أسباب: أوّلاً، لأنّ الكوميديا (أي الملهاة)- بعكس التراجيديا (أي المأساة-توجب انتهاءها بالفرح؛ وهكذا انتهت رحلة دانتي في العالم الآخر بالغبطة السماويّة، بعد التقائه بياتريس؛ ثانيا، لأنّ الملهاة تقوم، بالدرجة الأولى، على تصوير نقائص الناس وذمّهم ولومهم، وهي خصائص مسيطرة على كتاب دانتي بأجزائه الثلاثة؛ أخيراً، لأنّ اللغة التي استخدمها في تأليفه هي اللغة الشعبيّة، وليس اللاتينيّة التي كانت هي اللغة الأدبيّة في عصره. أمّا صفة”الإلهيّة” فقد زيدت، فيما بعد، على “الكوميديا”، نظراً لموضوعها الديني وجمالها.

أنظر:P.RENUCCI (prof.a la Sorbonne): Dante, Hatier, 1958,p 97-99          

(3)- الأصغران : القلب واللسان، هنا، أعني به اللغة والبيان؛ أمّا القلب فيجتمع معنى العقل والعاطفة.

(4)- فضلاً عن أوصاف العذاب في العوالم المظلمة السفلى التي نجدها في الميثولوجيات القديمة، ومن أهمّها المصريّة والبابليّة والاغريقيّة ، كما لدى جميع الأديان القائمة من هندية ويهوديّة ومسيحيّة وإسلاميّة… يجدر بالذكر ما أورده هوميروس في “إلياذته” عن عالم الموتى والشياطين وأنهار الجحيم، وما أدرجه في “أوذيسّته” عن زيارة عوليس للعالم السفليّ، كذلك ما كتبه أفلاطون في “الجمهوريّة” وغيرها من مؤلّفاته عن مصير الأشرار وعذابهم، وما نظمه فرجيل في ” إنياذته” عن هبوط بطله إينياس الى العالم السفلي، ووصفه للأئمّة في مدينة “ديس” ولوحوشها وشياطينها وأنواع عذابها، وما ورد، أيضاً، في “رؤيا بولس الرسول” الذي بدئ تأليفها في القرن الرابع، وظلّت تنمو حتى القرن الثالث عشر، و”ورؤيا القدّيس باتريك” التي أنشئت في القرن الخامس، و”رحلة القدّيس براندان” التي وضعت في القرن السادس، و” رحلة توندال” في القرن الثاني عشر، وغيرها الكثير ممّا شاع في أوروبا.  وأخيراً، إنه لحريّ بالذكر ما ورد عن عالم العذاب في كتب التفسير الإسلامية والقصص العربي، وعلى الأخصّ “رسالة الغفران” و”رسالة الملائكة” لأبي العلاء المعرّي، و”كتاب التوهّم” للحارث بن أسد المحاسبي، و”يوم القيامة” لرسلان البنبي، وقصيدة الزهاوي المطوّلة “ثورة في الجحيم” الخ…

(5)- انظر: P.RENUCCI, p. 6-9; 75-79  

(6)- في الأنشودة الثلاثين من ” الفردوس” تقول بياتريس لدانتي إنّ هنري السابع سيجلس على العرش العظيم في وردة السماء، بينما سيسقط الباب كليمنت الخامس فوق بونيفاس الثامن في هاوية المرتشين بالجحيم. وهنري السابع كان قد تسنّم عرش الامبراطورية الرومانيّة المقدّسة سنة 1309؛ وعلى أثر ذلك أخذ دانتي يكتب رسائل الى أمراء إيطاليا وشعوبها يحثّهم فيها على الإنضمام الى الملك، لكن، لم يستجب أحد لرغبته. وقد مضى هنري السابع نحبه سنة 1313 من جرّاء الأوبئة المتفشّية بين جنوده، بينما كان يحاصر فلورنسا، فبكاه دانتي بكاءً مرّاً.      

(7)- جعل دانتي بطرس الرسول يمتحنه بصحّة إيمانه، وذلك في الأنشودة الرابعة والعشرين من “الفردوس”.

(8)- انظر الأنشودة التاسعة والعشرين من” الفردوس”.

(9)- تعرّف دانتي الى بياتريس بورتيناري وهو يشارف التاسعة من العمر. والقصيدة الأولى التي نظمها فيها نشرها في كتابه “الحياة الجديدة” ، وهي تعود الى سنة 1283 ، إذ كان في الثامنة عشرة. وفي كتابه المذكور غزليّات في غير بياتريس.

(10)- منهنّ جنتوكّا وفيوليتا وليزيتا وبيترا. انظر مقدمة حسن عثمان لجحيم دانتي، ص 38-39 .

(11)- انظر القسم الثالث من “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان” لغازي براكس.

(12)- صدر سنة 1979 عن دار النسر المحلّق في بيروت .

(13)- يلاحظ، أيضاً، أنه يبني أحياناً بعض التركيبات على الرقم(10)، إذ كان يُعتبر رقماً كاملاً في القرون الوسطى.

(14)- هذه التسميات منتثرة في الكثير من الأناشيد، منها النشيد الرابع: 131.

(15)- في النشيد الحادي عشر يشرح دانتي، على لسان فرجيل، التقسيم الخلقي للجحيم استناداً لكتاب “علم الأخلاق” لأرسطو.

(16)- انظر “جحيم دانتي”، الأناشيد 20و29و30. والكيمياء المقصودة هي القديمة المسمّاة “بالسحرية” ALCHIMIE

(17)- الذين يؤمنون بالسحر في القرن العشرين ما يزالون يعيشون في “عصر ذهني حجريّ”. وليس أبعد عن الحقيقة من أن نفهم السحر، شأن بعض الجاهلين لقوانين العلم، كقوة تستطيع أن تؤثّر في أبصار الناظرين ومجمل حواسّهم، إذ يزعمون أنّ فئة من الناس يمكنها بقدرة الايحاء أن تخلق أشكالاً وأجساماً وأصواتاً تكون موجودة باعتبار الحواسّ وغير موجودة باعتبار الواقع. فهذا يكذّبه الواقع والمنطق الصحيح ومعنى الايحاء العلمي. فالسحر إن لم يكن مجرّد وهم بدائيّ مردّه الى الجهل والتخلّف العقلي، يكون مجرّد خدعة أو حيلة يلجأ الساحر المزعوم اليها ليلهي الناظرين عن دقّة مراقبته، ويجعلهم يتوهمون أنّ ما يطلع بغتة عليهم إنما وجد بغير سبب طبيعي، بينما تكون سلسلة الأسباب الطبيعيّة العاديّة هي التي ولّدته، ولكنه بخفّة يد وأعماله المموّهة الاحتياليّة حاول صرف الأنظار عن متابعتها.

(18)- انظر”جحيم دانتي”، النشيد 9: 127.

(19)- في الأنشودة الأولى من “المطهر” يعلن دانتي أن خروجه من الجحيم كان يوم الأحد في 10 نيسان سنة 1300؛ لكنّ التاريخ خياليّ محض.

(20)- انظر :P. RENUCCI, Dante, p. 103-104

(21)- شذّ دانتي عن هذا المفهوم الكنسي لنفوس الهلكى غير المتجسّدة، في كلامه على المنتحرين بالنشيد الثالث عشر، إذ جعل نفوسهم تتجسّد بأشجار ذات أغصان ملتوية كثيرة العقد.

(22)- كثيرون هم العلماء الذي باتوا يؤكّدون وجود حياة وكائنات عاقلة في الكون خارج الأرض. حتى إنه في المؤتمر الذي عقد في بورياقان بأرمينيا السوفياتية سنة 1971، وضمّ أكاديميات العلوم في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية، أعلن أحد العلماء أنه قد يكون من جنون العظمة أن نعتقد أنّنا الكائنات العاقلة الوحيد في الكون .

(23)- انظر غازي براكس: الداهشية حقيقة روحية تؤيّدها المعجزات، ط1، ص 25.

(24)- انظر غازي براكس: معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان، ط2، ص 31.

(25)- الأنشودة السابعة والثامنة من “جحيم دانتي”.

(26)- الأنشودة التاسعة.

(27)- وردت هذه التشبيهات على التوالي في الأنشودة الثانية عشرة، فالرابعة عشرة، فالخامسة عشرة، فالتاسعة عشرة.

(28)- الدرك المظلم الثاني.

(29)- الدرك المظلم الحادي والأربعون.

(30)- الدرك المظلم الرابع والثلاثون.

(31)- النشيد الخامس عشر.

(32)- النشيد الثاني عشر.

(33)- النشيد الرابع عشر.

(34)- الشاهدان من الدرك المظلم الأوّل.

(35)- انظر تباعاً الدرك الثامن، فالحادي عشر، فالتاسع والثلاثين، فالأربعين.

(36)- أبرز ما يتمثّل ذلك في “جحيم دانتي” بالنشيد العاشر، والحادي عشر، والخامس عشر.

(37)- في النشيد الثاني والثلاثين يجذب دانتي أحد الخطأة من شعره فينتزع ناصيته؛ وفي النشيد الثالث والثلاثين يرفض أن يزيل الجليد عن عيني المعذّب المبتهل اليه.

(38)- الدرك المظلم الثاني والعشرون والثالث والعشرون والسادس والعشرون.

(39)- مثال ذلك الدرك الثاني والثالث والثامن والثاني عشر والسابع والعشرون .

(40)- الدرك المظلم الخامس.

(41)- الدرك المظلم الحادي والعشرون. انظر أيضاً الدرك المظلم الخامس والثلاثين.

(42)- صدر سنة 1979 كتاب رهيب ضدّ الخليلي بعنوان “الخائن المطرود النذل عبد الرحيم الشريف الخليلي الوغد هذا الحمار الممتدّ الأذنين والمستطيل الذنب”. ولا شك بأنّ هذا المجلّد الضخم المنطوي على 720 صفحة، والمطبوع طباعة فخمة أنيقة، والحافل بالوثائق الدامغة للخائن، هو أرهب هجاء عرفه التاريخ بسياقه الطويل.

(43)- مسقط رأسه مدينة الخليل.

مقتطفات من كتاب جحيم الدكتور داهش

 

مدخل الجحيم

وعندما انتصف الليل وارتدى الكون حلّته القاتمة المحيقة

طرق أذنيّ عويل مخيف خيّم على بطاح الفانية برهبوت

ودمدمت شفاه غير منظورة”: عفوك إلهنا ارحمنا ودعنا نموت

اذ ما عدنا نستطيع أن نحتمل هذه الآلام العنيفة

وها نحن نقرّ أمامك بأن أرواحنا في الدنيا لم تكن عفيفة

لهذا قذفت بنا بعد انطلاقنا الى هذه الدركات السحيقة!”

 

وبرز أمامي شيطان كثيف الشعر وهو يقذف النار من عينيه ويداعب لحيتيه

وينفث الدّخان المتواصل من فتحتي أنفه المتري”1″

وهو يسير دافعا صدره الى الأمام مقلّداً ذلك المثري

وعندما بلغ الى الدرك المطلوب هاجم أحد الهلكى البائسين

وللحال لعلعت صيحات مدوّية خرجت من صدور وحناجر اليائسين

فأطبق على المطلوب واقتلع عينيه وصلم أذنيه ثم جرّد من اللحم وجنتيه!

وهشّت بل ذعرت لهذا المشهد البطّاش

فقد شاهدت المسكين المروّم المحطّم يهرق من مآقيه الدم

والشيطان ما فتئ يمثّل به ثم يخي عليه بالتقريع وبالذمّ

وشاهدت الأرواح الوجلة الحائرة تندفع طافرة بجنون

بينما تصيح:” رحماكم رحماكم أوليس من قلب عطوف حنون؟”

واستغاثت:” أنجدوه! أنقذوه!” ولكن المعذّب كان سهمه قد خاب وطاش!

 

تقدّمت بوجل وسألت الشيطان الرجيم أن يترك الهالك المسكين وعنه يتحوّل.

واستفسرته ما الداعي لهذا الإرهاب واستعلمته عن السّبب؟

فنظر إلي بغيظ وهو يكاد يلتهمني التهاماً من العجب ومن شدّة الغضب

وأجابني :” سر في ركابي وتشبّث جيداً بجلبابي لأريك من الخطأة أدناهم

اذ سأهبط بك الى دركات الجحيم كي تشاهد كيف يتعذّب من كفروا وفسقوا في دنياهم”

فامتطيت عنقه الكريه النجس فاخترق بي طبقات الأرض وإذا بنا في الدرك الأوّل! 

“1” المتري: أي الذي طوله متر

                                    الدرك المظلم العشرون

 

ليلة ساهرة في جوف الجحيم الرهيب

الأصوات تدوّي فتردّم الجبال وتهدّم الأودية

ألوف من الأبالسة يتوسّطون مائدة مملوءة بالأفاعي

 

الأصوات تدوّي كهزيم الرعد الجبّار وهو ينقضّ على الجبال فيردّمها !

والأبالسة الغلاظ وقوف أمام مائدة قوائمها من الأفاعي السوداء كالقار

وصلصلت الأجراس القويّة فجلس كلّ منهم في كرسيّه المتأجّج بالنار

ورفعوا الأكواب المترعة بالسّوائل الكريهة المذاق المذهلة الألباب “1”

ودفعوا ما بها في أجوافهم في ذلك البلقع والقفر اليباب”2″

ولشدّة حرارتها الناريّة ومرارتها الحنظليّة أذابت أحشاءهم وجعلت تهدّمها!!

 

طرب رئيس الأبالسة ورقصه العجيب

سعلاة تتماسك مع غريمتها الجنيّة

صيحات طغمة الأبالسة تدكّ أركان الهاوية

 

وثمل رئيسهم فوثب على حوافره المتينة التركيب

وابتدأ يقفز ويطفر طفرات جنونيّة

كأنه سعلاة”3″ قد تماسكت مع غريمتها الجنيّة

وابتدأ يرقص على إيقاع طبول الجحيم

ويصيح صيحات مزلزلة ذعر لها سكّان النعيم

وكلّما اقترب من أحدهم تعالت صيحات التأهيل والترحيب

“1”الألباب: العقول        “2” اليباب: المقفر المهجور            السعلاة: انثى الغول.

 

                                         ***

 

نشيد رب الأبالسة الفظّ

إعلانه الاقتصاص من الخطأة المجرمين

تشدّقه بأنّه ربّ الخوف والهول والذّعر الهائل

 

فأنشد الشيطان الرجيم بصوت وكأنه نفير الضرير:

“أنا ربّ الهاوية القويّ الشكيمة

أقتصّ وأيّ إقتصاص من الخطأة على الشتيمة

وأنكّل بكلّ من حكم عليه أن يهبط الى عالمي

ومن تكبّر فسأظلمه مثلما كان تكبّري ظالمي

هنا الرعب والهول والذعر مع اصطكاك الأسنان ذات الصرير !”

 

الأبالسة يضجّون ، ثم يشاركونه في رقصه

الهلكى يذعرون فيتفرّقون أيدي سبأ

الشّياطين تحلّق فوقهم، وتلقى عليهم القنابل الجهنّمية

 

فضجّ الأبالسة وشاركوه في رقصة واحتلط حابلهم”1″ بنابلهم!

فذعرت الأرواح وتفرّقت من هولها أيدي سبأ

وشُدِه أحد الخطأة فهرّ كالكلب الذليل وزحف كالأفعى ثم حبا”2″

فتبعتهم الابالسة وراحت تقذفهم بالرّوث”3″

والمساكين يستنجدون ويتضرّعون ويتنادون بالغوث

فحلّق الشياطين في الجو وأخذوا يلقون عليهم قنابلهم!!

“1”حابلهم بنابلهم: بمعنى حدوث الاضطراب والفوضى

“2” حبا: مشى على رجليه ويديه

“3” الروث: وسخ الحيوان وزبله .  

الأدب صورةُ الأديب

 

 

الأدب صورةُ الأديب ، سواء أكانت مباشرةً تعكس صفاته ومقدرته ومزاياه كالمرآة ، أو تُعبّر عن شخصيّته وإحساساته وأفكاره ورغباته واتّجاهاته بطريقةٍ تعويضيَّة رمزيَّة ، مثلما هي الحال عند نيتشه (1844-1900) وجبران خليل جبران (1883-1931). ذلك بأنَّ الفنّ – على حدّ قول الدكتور غازي براكس أستاذ علم النفس الأدبيّ في قسم الماجستر بكليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة –” ليس له وظيفة تصوير الحياة وتكثيفها فحسب ، بل له أيضاً عدّة وظائف سيكولوجيّة أُخرى . منها أن يكون علاجاً نفسيّاً فيه تعويضٌ أو عزاء عن الواقع ، أو إكمالٌ له ، أو فرارٌ منه … ولهذا السبب كثيراً ما يضع الفنّان في آثاره لا ما هو عليه حقيقةً ، بل ما يظنّ أنّه هو ، أو ما يُريد أن يُصبح ، أو ما يعجز عن أن يكونه ، أو ما يخاف أن يصير إليه “(1).

وفي جميع الأحوال فإنّ الأدب يُفصح عن قوَّة الشخصيّة وعظمتها وبطولتها وفَرَادتها وفذوذيّتها ، أو عن ضعفها وعاديّتها وجبانتها وبساطتها .

قال الناقد الفرنسيّ سانْت بيف لمّا أراد أن يُحوّل الاهتمام من الآثار الأدبيّة إلى الأدباء :” حين تعرف الشجرة تعرفُ الثمرة “.

والآن لا بُدَّ من طرح السؤال التالي :

 

من هو الدكتور داهش؟

لشخصيَّة الدكتور داهش تكوينها الخارق ، فلا يملكُ مَنْ يتعرَّف إليها إلاّ الإِحساس العميق بالاحترام والتقدير والإعجاب إزاءَها .

وإنّك لترى فيها سِمات العظمة والشموخ والأدب الناضج وروعة السّبْك، وتلمحُ فيها أنوار الحكمة والعبقريّة والموهبة والبطولة، وتقتبس منها العلم والمعرفة ، وتستقي إِكسير الفنّ والجمال ، وتلاحظ فيها نهر الزَّمَن الواصل الغابر بالحاضر ، نهراً لا يُمكن عبوره والغَوصُ في أعماقه !

فمن المستحيل فَهْمُ هذه الشخصيَّة الفذَّة فهما كُلّياً ، وتقويمها تقويماً يفيها حقَّها ، وتحليلها بشريّاً مهما جَالسْتَها وحَادثْتَها وقرأتَ عنها !

لقد تفرَّد الدكتور داهش ، في القرن العشرين ، عن جميع مَنْ تَطَأ وستطأ الأرض أقدامهم ، بأعمالٍ معجزة خارقة قام بها منذ طفولته ، وكانت سبباً في تأسيس رسالة روحيّة انْطلَقتْ يومَ عُقِدَتْ أولى الجلسات الروحيّة التي اجتُرِحَتْ خلالها الخوارقُ والمعجزات ، بتاريخ 23 آذار 1942 .

ومنذ هذا التاريخ بدأ المؤمنون يتوافدون عليه أفراداً وجماعات ، معتنقين رسالته الداهشيَّة .

وقد آمن بها عددٌ من الأطبّاء والأدباء والمثقّفين ، منهم : الشاعر الفلسطيني مطلق عبد الخالق(2)، والأديب يوسف الحاجّ ، والشاعر حليم دمُّوس، والدكتور جورج خبْصَا ، والأديبة الفنّانة ماري شيحا حدّاد ، والدكتور فريد أبو سليمان ، والدكتور غازي براكس الذي حاضر مراراً عن الداهشيّة في الجامعة الأمريكيّة ، ومعهد الحقوق في الجامعة اللبنانيّة ، وفي غيرهما ….

والذين آمنوا بالعقيدة الداهشيّة (3) انتشلتهم مبادئها من أسفاف المادّيّات الى سماء الروحانيّات ، فسُجِنوا لأجلها ، وجَاهَدوا لنُصْرَتها ، وبَذَلوا في سبيلها الأرواح والأموال .

تقول إملي فارس إبراهيم الأديبة اللبنانيّة :” إنَّ في تفاني أتباع داهش وتحمّلهم شتّى الاضطهادات نسوةً ورجالاً ما يستوقفُ الأفكارَ حقّاً “(4).

وفي 28 آب 1944 حدثت جريمة القرن العشرين التي أدّت إلى إِلقاء القبض ظُلْمَاً على مؤسّس الداهشيّة ، وتجريده افتئاتاً من جنسيّته اللبنانيّة ، وسَجنه ثم تشريده . فما كان من الشاعر الداهشيّ حليم دمُّوس إلاَّ أن نظَّم عدّة قصائد رائعة في هذه الحادثة الفاجعة نكتفي منها بهذين البيتين :

“كـذاك داهشُ يشقـى                            في السجن رهنَ القيود

مـاذا جَنـاهُ ليلقـى                      نَفْيَـاً وراءَ الحدود ؟!”

نعم ، ماذا جناه هذا المُصلح العظيم ؟ وماذا يقول لبنان بهذا الظُلم الهائل يُحيق بالبريء المظلوم ؟

إنَّ سبب اضطهاد داهش هو لأنّ جورج حدّاد – عديل بشارة الخوري – وزوجته ماري حدّاد ، وكريماتهما الثلاث قد اعتنقوا الداهشيّة ، وآمنوا بمؤسّسها إيماناً راسخاً لا تزعزعُه هوجُ العواصف ، وهبوبُ الزوابع ، فانفصلوا عن الكنيسة الكاثوليكيّة ، وآمنوا بالنبيّ العربيّ إيمانَهم بالمسيح فاديهم ، حسبما تُملي عليهم عقيدتهم الجديدة القائمة على وحدة الأديان ؛ وراحوا يعاينون المُعجزات الملموسة ، وينهلون الحقائق من منابعها الإلهيّة الصافية ، وهي حقائق تُدين الكثلكة ، وتفضح مآرب ومشارب رجال دينها المرائين .

وكم كان جميلاً لو استجاب أبناء لبنان لندائه الروحيّ ، ونفّذوا تعاليم رسالته الهادية ، وساروا في ركابه ليبلغوا مرفأ السعادة !

لكنّهم أرادوها حرباً لا هوادة فيها ؛ فصمدَ رجلُ الروح وحيداً ، مُحارباً دولة تألّبت عليه بجميع أجهزتها : فمن رئيس الجمهوريّة ، الى الشخصيّات الرسميّة ، إلى النيابة العامّة ، إلى شراذم المجرمين ، إلى عصابات القتلة والسفّاحين ، ثمّ المأجورين من المشعوذين ، يتبعهم رجال الدين ، وأخيراً أرهاطُ الصحفيّين ….ليُرضوا صاحب الصولجان اللعين .

فانتصر عليهم جميعاً ، بعونه تعالى ، وبمؤازرة أتباعه المخلصين ؛ وكان المُعْتَدون خاسرين الحياتَين : الدُنيا والآخرة ، مُخلّدين أسماءهم في سجلّ الجرائم الأبديّ اللعنات .

لقد خُلِّدوا يلفُّهم العار والشنار ، لأنَّ جريمتهم – مثلما قال الأديب المهجري جبران مسّوح صاحب مجلّة “المختصر”-“لا تتلاشى في الهواء ، ولا تذوب عناصرها في الفضاء ؛ فهي تُرافق مرتكبيها ، ملتصقةً بهم ، مندمجةً بخلاياهم ، فتُذكر كلّما ذُكروا ، ويُذكرون كُلّما ذُكِرَتْ ، فهم وهي عظةٌ وذكرى للأجيال القادمة “(5) .

فأيّة شخصيّة ، غير شخصيّة الدكتور داهش الخارقة ، تمتّعَتْ بقوّة أهَّلتْهَا لأنْ تصمد في وجه دولةٍ بقضّها وقضيضها ، فيُقارعها ويُغالبها ، فيقرعها ويتغلّب عليها ؟!

يقول السيِّد لطفي رضوان رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة سابقاً ، معلّقاً:

“ويزداد غضبُ رئيس الجمهوريّة ….

وتزدادُ شهرة الدكتور داهش هذا العملاق صاحب المُعجزات الذي أعجز حكومةً بأكملها عن إسكات صوته !… وهو فردٌ واحد …(6).

نعم ، كان المُعتدون ، بجريمتهم النكراء ، وسيلةً لإطلاق شهرة الدكتور داهش ، وإذاعة أنباء خوارقه ، والاعتراف بمقدرته الفذّة ومُعجزاته المُذهِلة ، وانتصاراته المعجزة ، فغَدا رجلُ الروح أُنشودةً ملحميّةً حيّةً ، ستُردّدها العصور ، وترويها الدهور . وما أحسن قول أبي تمّام :

“لولا انتشارُ النار فيما جاورَت                  ما كان يُعرَفُ طيبُ عَرْفِ العُوْدِ “

والأستاذ فريد نزها يُصرّح من بونس إيريس قائلاً بمجلّته :

” وأنا أؤكّد أنّ اضطهاد الدكتور داهش هو الذي شجّعه وأكثر عدد مريديه ، وخَلقَ مشكلةً جديدةً كانت البلادُ بغنىً عنها “(7).

والدكتور داهش لا يعرف المستحيل ، لذلك لم يغفل عن باطلهم ، بل انقضَّ كالرجوم والصواعق على رؤوسهم ، إبّان الجريمة الشنعاء ، بالكُتُب السوداء التي بلغت 66 كتاباً أسود ، نشرها ووزّعها في جميع الأوساط الثقافيّة والشعبيّة والدبلوماسيّة ، في لبنان والعالم ، حاملةً وحافلةً بالجرائم والفضائح والمخازي والقبائح التي تعمر بها نفوسهم وأعمالهم وبيوتهم … وتشرح القضيّة بجرائمها اليوميّة . وكان أن حاولت لور (8)- زوجة بشارة الخوري وشقيقة المُجاهدة ماري حدّاد – طَلَبَ الصُّلح ، لكنّ الداهشيّين رفضوا رفضاً باتّاً ، وواصلوا المسير في الطريق العسير بخُطى ثابتة وعزيمة وطيدة .

وهذه الكُتُب الرهيبة أجَّجت الثورة الحمراء ، وكان باشتعالها إخمادُ نيران الطاغية الباغية ، وطَرْد الشعب له وإسقاطه عن كرسيّ حكمه ، ثم مرضه السرطانيّ فموته .

“وحينما اغتال بشارة الخوري جنسيّة داهش ، كانت الأقلام الصحافيّة ملجومة إذ كانت مأجورة …كما لم يَعل صوتُ أيّ نائب تحت قبّة البرلمان مُسْتنكراً هذا الاعتداء على دستور البلاد وقوانينها . واأسفاه !”(9).

هذا ما قاله جبران مسّوح ذو القلم الحرّ والصوت الجريء .

وتعالت ، الى جانب صوته أصوات أخرى ، نذكر منها : يوسف كمال (10)، والدكتور محمد حسين هيكل ، ويوسف قهوجي وغيرهم … وراحوا بصحفهم وأقلامهم يندّدون بالطغيان ، ويشجبون الجريمة النكراء ، صارخين في آذان رئيس الجمهوريّة ورئيس الوزراء والنوّاب ، مُطالبين بإعادة جنسيّة داهش السَّليبة ، مهيبين بالحقّ أن يأخذ مجراه .

ولكن ، واأسفاه ! لو عَرَف شخصٌ واحدٌ في لبنان معنى الحقّ لخاض الغمرات في سبيله ، ولشقَّ عليه أن يكون مهضوماً !

وها هي أشداق جهنّم النار تطبقُ على هذا البلد ، وجوفُها المتأجّج الرهيب يهضم هذا الشعب الذي اضطهد المصلح الروحانيّ البريء .

ويومذاك أذاع حليم دمّوس قائلاً : بالكبريت والنار ستحترق يا لبنان !

لأنّ العدالة ديسَتْ بأقدام الباغية دون أن يرتفع صوتٌ واحد يُنَدّد بالجريمة ويشجب هذا الظلم الهائل . ثم ردّد هذين البيتين الرائعين :

” قـل لشعب بـاتَ عبـداً                         ومن الإِرهــاق ذلاّ

كـلُّ مـن فيـك استَبـدَّا                            فبنـارٍ سوف يُصْلى “

وما أبلغ ما قاله سليمان الحكيم في كتابه “الأمثال”:

“لأنّي دعوتُ فأبَيْتُم ، ومَدَدْتُ يدي وليس مَنْ يُبَالي ، بل رفضتم كلَّ مشورتي ولم ترضوا توبيخي . فأنا أيضاً أضحكُ عند بليّتكم ، أشمتُ عند مجيء خوفكم . إذا جاء خوفُكم كعاصفة وأتَتْ بليَّتكم كالزوبعة ، إذا جاءت عليكم شدّة وضيق ، حينئذ ، يدعونني فلا أستجيب ، يُبكّرون إليّ فلا يجدونني ، لأنّهم أبغضوا العلم ولم يختاروا مخافة الربّ . لم يرضوا مشورتي ، رَذَلوا كلَّ توبيخي . فلذلك يأكلون من ثَمَرِ طريقهم ويشبعون من مؤامراتهم ؛ لأنّ ارتداد الحمقى يقتلهم ، وراحة الجُهّال تُبيدهم . أمّا المستمع لي فيسكنُ آمناً ، ويستريح من خوف الشرّ “(11).

إعجازُ أدَب الدكتور داهش

 

هذا الرجلُ الذي عُرِفَ بإعجاز أعماله ، اشتُهِرَ أيضاً بإعجاز أدبه ، لكنّ العُميان لنْ يُبصروا النور حتى ولو فُتِحَتْ لهم أبوابُ السماء ، وأُخذوا إليها ، إلى داهش الجالس على عرشها يُصَعّدون ؛ فمثَلهُم مَثَلُ مَنْ قال القرآنُ الشريف عنهم ] ولو فَتَحْنا عليهم باباً من السّماءِ فظلّوا فيه يَعْرُجون ، لَقالوا إِنّما سُكِّرَتْ أبصارُنا ، بل نحن قومٌ مسحورون [ (12).

إنَّ مَنْ يُجمّدهم الماضي بقيوده ، ويَضَعُ بينهم وبين رؤية الحقيقة جبالَ سدوده ، شأنهم في الدين شأنُهم في الأدب ؛ فهم إذا أبصروا النور قالوا عنه ظلاما ، وإذا قاربوا الكرام قالوا عنهم طغاما ، وإنّما هم أبناءُ الشرّ والديجور ، سيبقى الهُداةُ محلّقين في سماواتهم ، وهم قابعون في الجحور ، فويلٌ لهم : في الحاضر ، والغابر ، وفي يوم النشور !

إنَّ مؤَسّس الداهشيّة، مثلما اجترح خوارقَ الأعمال ، حَبَّر كذلك خوارقَ المؤلّفات ؛ لكنَّ البلاد التي دأبُها ودَيْدَنُها اضطهادُ المصلحين والنوابغ ، وغَمْطُها لحقوقهم ، وطمسها لأسمائهم ، لن تُؤَثّرَ في قليل أو كثير بقيمة الدكتور داهش ومنزلة أدَبه السامية السامقة . فالنابغة جبران خليل جبران ، كم قَلَمٌ حاربه ! وكم من رَجُل دين أثار الناسَ ضدّه ! ففشل جميع أعدائه ، وكانوا كالنافخين بالشمس ليُطفئوها ! فكأنَّ جبران كان السابق لمُؤَسِّس الداهشيّة ، مُمَهّداً له الطريق ، ليوقدَ في هشيم هذه البلاد وتقاليدها العمياء نيراناً متأجِّجةَ الضِّرام ، مُسَعَّرةَ الحريق !

ومع ذلك ، ورغم أنَّ أجهزة الدولة وأخطبوط الإِكليروس  حاولوا مُسْتَميتين أن يُطفئوا ذكره ، ويُطمسوا قيمته الأدبيَّة ، فقد قُيّضَ لمُؤَسّسَ الداهشيّة من الأقلام الجريئة الشريفة التي مجَّدتْ شخصه ، ورَفَعتْ قدره ، وأبرزَتْ مكانَته وعبقريّته ممّا لم يُقيّضْ لأيّ أديب أو مُفكّر سواه في هذا الشرق . ورسائل الأديب المصريّ الكبير الدكتور محمد حسين هيكل خير مصداق لما ذكرت (13).

“أجلْ ، وحَقِّ رَبِّ الأرباب ،

إنَّ فكره لهيكَلٌ وأدَبَه لَمِحْراب !

وسيعلو فوق هام الزمان … ويخلُدُ … وتفنى الأحقاب !….

والمُكابرون والجاحدون ، والحُسّاد والحاقدون أنوفُهم معفَّرةٌ بالتراب “.

هذا ما قاله الدكتور غازي براكس الداهشيّ في دراسة عامّة له عن أدب مُؤسِّس الداهشيَّة . والدكتور براكس هو استاذ مادَّة “النقد الأدبيّ” في كليّة الآداب اللبنانيّة .

وعشرات الأبحاث والآراء التي عُقِدَتْ حول إنتاج داهش لأَصابعُ من نار تُحرقُ أعداءَه وحُسَّاده ، وتُبرز عبقريّته وأمجاده .

لكنْ، مهما تعدّدت الدراسات ، وتسابقت المؤلَّفات ، فهي عاجزة عن إِلقاء  ضوء حقيقيّ على حقيقة أدب داهش الواقعيَّة ، إذْ إنَّ كلَّ ما بوسعها إعطاؤه هو فكرةٌ بسيطة جدّاً عن عظمة حكمته وسُمُوّ مكانته في الآداب العربيّة بل العالميَّة .

فروعُ أدب الدكتور داهش

 

إنَّ أدب الدكتور داهش عبارة عن دوحة باسقة تسامَتْ فروعُها الى السماء ، كاشفةً عن عوالم الهناء والسناء ، وعمقَتْ جذورُها في أبعاد هذه الحياة الغريبة عنه ، لامسةً صغارة الإِنسان ، وندرة الإِخوان ، وخيانة الخِلاَّن ، وتدجيل رجال الدين المرائين ، وظُلم الحكّام الجائرين ، وفساد المجتمع بجميع طبقاته ، ودناءَة المُتَع الحسيّة ، وطغيان المادَّة الخ الخ….

ومنذ سنة 1936 ، يوم كان المؤلِّف في مَيْعة شبابه ، أطلق صرخته المدوّية في آذان البشريَّة إذ قال :

حين تشكُّ بأقرب المقرَّبين إليك ، تبدأ بفهم حقائق الكون ، وتتكشَّف لك أسرارُه الخفيَّة “(14).

وفي عنفوان شبابه أيضاً دَوَّنَ قطعةً بعنوان “نفسي جائعة”، لكن ليس لما يحويه هذا العالم من مُغريات … فهو يتوقُ إلى السماء حيث البهاء والصفاء والضياء . إسْمَعْه يقول :

نفسي  جائعة ..ولكن إلى غير خبزكم المعروف …

وروحي صابية .. ولكن إلى غير عالمكم هذا .

نعم ،

إنّ نفسي جائعة وجائعة …

ولكنْ إلى (الإكسير) السَّماوي !”(15).

يقول الأديب الكبير كرم ملحم كرم في دراسة له عن “جحيم الذكريات ” وهو من بواكير داهش الأدبيّة :

” ولقد آثرَ صاحبُ “جحيم الذكريات” الشيطان على الإنسان . والرأيُ نبيل . فالشيطان مع كلّ انغماسه في الدَّنَس والكَيْد والحِقْد والشرّ ، لا يبلغ منها ما بلغ الإنسان في رجسه وسفالته ومدى طغيانه .

وصاحب “جحيم الذكريات” واعي الإحساس . فما خُفِيَ عليه أنّه يتخبّط في هذا العالم مثله في خضمّ يموج بالرياء والبغضاء والخيانة والفساد . فالرياء في مَنْ حولَه ؛ والبُغضاء في صدور من يتوهّمهم أعزّاء عليه ؛ والخيانة في من يحسبهم أوفياء ؛ والفساد في مَنْ يدَّعون التُّقى ويُتاجرون برحمة الله “.

ويُمكن تقسيم أدبه سبعة أقسام :

  • الوجدانيّات .
  • أدب الحِكَم والخواطر والكلمات .
  • الأدب القَصَصيّ .
  • أدبُ الرحلة .
  • أدبُ وصف النعيم والجحيم .
  • الكُتُب الدينيّة .
  • أدبُ الرسائل .

 

 

 

1- الوجدانيَّات

الوجدانيَّات في أدب الدكتور داهش أشبه بباسقة فرعاء ذات أغصانٍ ثلاثة :

أمّا الغصن الأوَّل فيتمثَّل بقطعه وقصائده النثرية أو الشعريّة التي تغلب عليها الناحية العاطفيّة في نجاواه للمرأة ، والناحية التأمّلية في الطبيعة والحياة وعالم الروح … والموت الذي يتوق له ويناجيه مناجاة لم يسبقه إليها أنسان في صدقها وعمقها وروعتها :

يا طِلاَب نفسي ، ومطمحَ روحي ، ومهوى فؤادي !

يا عشيقي البعيد ، ومُرادي القريب !” (16).

وهذا الغصن الوجدانيّ الأوّل مُثْقَل بالكُتُب التالية :

“نشيد الحبّ” ،و”عواطف وعواصف “، و” نبال ونصال”، و”أسرار الآلهة”، و”مختارات من كُتُب الدكتور داهش “،و” يدي المزلزلة “، و”حدائق الآلهة تُوشّيها الورودُ الفردوسيّة”، و”فراديس الإِلهات يُرصّعها اللينوفار المقدَّس”.

ما يحويه كتاب “نشيد الحبّ” هو شعرٌ منثورٌ رائع يفيض بصدق المؤلِّف وعفويّته، و” يأخذ بمجامع القلوب ويستهويها ، فتراكَ غريقاً في مناجياته السماويّة الأثيريّة السابحة في الفضاء اللامتناهي لتنير الدياجي المُدلهمّة , وتُضفي على العالم التاعس متعةً وسروراً وبهجةً وحبوراً”(17).

و”أسرار الآلهة ” يقول فيه الكاتب سامي بك السرّاج :

” وفي كتابه هذا لذاذات من النوع الذي يبعث بها الخيال ، فتملأ أحاسيس القارئين مَتاعاً وطَربا”.

ويقول الأستاذ محمّد علي الطاهر في الكتاب نفسه :

“أسرار الآلهة” ! وهل يُدرِك كُنْهَ أسرار الآلهة الخفيَّة إلاَّ من جدَّ في البحث عنها ، وتعمَّق في دراستها ؟ ومَنْ – يا ليت شعري – أولى من الدكتور داهش في البحث عن تلك الأسرار ، وفي دراسة ما تحتويه من عِبَر ومعَان ، ورموز ومَرام . أقول مَنْ أولى من الدكتور داهش بهذا ، وهو الضاربُ بأوفر سهم في عالَم “الروحانيّات”، والذائع الصيت ، في ذلك ، في جميع أقطار المعمور : في الشرق والغرب ، وفي الشمال والجنوب !”…

و ” عواطف وعواصف” و”نبال ونصال” قصائد من الشعر المنثور تفيض رقةً وعذوبة ، أو تنضح أسى وآلاماً رهيبة .إنها الحكاية الوجدانيّة الحميمة لآلامه وآماله وأحلامه وأهواله خلال عامَيْ  1943 و 1944 .

و” يدي المزلزلة أو كيف سقطتُ سقطة الموت المدمّرة ” هو كتابٌ طريفٌ غريب من نوعه في الآداب العربيَّة والعالميَّة . فإذا ما تألَّم أديبٌ فإنّه يُودعُ آلامه قطعةً أدبيَّة . أمّا الدكتور داهش فقد خصَّص هذا الكتاب بكلّيته لِيَده ، وأودَعَه مقطوعات وجدانيّة متنوّعة الأسلوب النثري الشعري، يصفُ فيها استمرار الآلام المؤرقة التي تحمَّلها ولمّا يَزَلْ ، منذ أن اصطدَمَتْ رجله اليُمنى باليُسرى فتعثَّر وسقَطَ على الحضيض سقطةً مُزَلزلة ، وذلك بتاريخ 16 نيسان 1976 ، أثناء اشتراكه في مباراة ركض مع فتاة داهشيّة بأمريكا قال :

وإذا بي أهوي بجبروتٍ صارمٍ على الأرض الصَّلْدة ، وتصطدم ذقني بالأرض حتى خلتُها تحطّمتْ تحطُّماً مُرَوِّعاً “(18).

وعرض يدَه على عددٍ كبيرٍ من الأطبّاء الأمريكيين الاختصاصيين ، ففحصوها ، وصوّروها ، ولكنْ … تضاربت وتناقضت في حالها وشفائها آراؤهم !….

قالوا : يوجد طبيبة بارعة إذا شفَتْها لك فبماذا تُكافيها؟

أجبتهم : كذبَ الطبُّ ، فليس مَنْ يُبرئها ، والله وحده سيُعافيها“(19).

أمّا ” حدائق الآلهة ” و” فراديس الإِلهات” فكتابان يقعان في عشرين جزءاً، ممتدَّة قطعها من سنة 1927 لغاية 1980 . إنّها حديقة وجدانيّة إلهيّة ، ذاتُ أغراس عاطفيّة علويّة ، وبذور خياليّة سماويّة ، تُوشّيها الورودُ الفردوسيّة بألوانها البهيّة ، وتضمِّخها بأشذائها العطريّة .

وغيرها العديد من الكُتُب المخطوطة والمُعَدَّة للطبع ، نذكر منها :

” أوهام سرابيَّة وتخيّلات ترابيّة” و” أناشيد وتأمّلات صوفيّة ” و” نزوات قلب” و” إنجيل الحبّ” الخ الخ …

أمّا الغصن الثاني من دوحة وجدانيّاته الباسقة فيتمثّل بالأدب الباكي ، وثمراتُه ، حتى الآن ، ثلاث هي : نهر الدموع ” و”أناشيد حزينة” و”قيثارة الأحزان أو روح تنوح “.

” نهر الدموع” كتاب يرثي فيه المعلّم تلميذه المخلص ، وحبيب روحه ، الدكتور جورج خبصا الداهشيّ . وتكاد كلماتُه فيه لا تُضاهى في ذَوب العاطفة وشدّة الحزن وانهمار الدموع .

هيهات بعدكَ أن تقرَّ جوانحي      أسفاً لبُعدِكَ أو يلين مِهادي

وَلَهي عليكَ مصاحبٌ لمسيرتي      والدمعُ فيكَ مُلازمٌ لوسادي“(20).

وفي كتاب “أناشيد حزينة” يُناجي الابنُ أُمّه التي تحمّلت المشقّات ، وتخطَّتْ عقبات الحياة وأهوالها بإيمانٍ راسخٍ ، وعزيمة وطيدة ، وإرادة جبّارة . فعاطفته في هذا الكتاب جيّاشة بشعور الإِعجاب والتقدير ، وحنين الذكرى وألم المصير .

أمّا ” قيثارةُ الأحزان أو روح تنوح” فكتابٌ خصَّصه الدكتور داهش لشهيدة الداهشيّة الأولى ، التلميذة الوفيَّة والحمامة الذبيحة ماجدا حدّاد .

لقد انغمس قَلمُ المُعلِّم العظيم بمداد قلبه ، وراح يبكيها بقِطعٍ تتفطَّرُ لها صُمّ الصخور ، وتُرجِّعُ أحزانَها الدهور ، إِذْ خَلّفَتْه ماجداه

أليفَ السُّهاد ، رهيبَ الجهاد …”

إنّها كُتُبٌ رثائيّة عظيمة التأثير ، رائعة السبك وموحية التعبير .

أمّا الغصنُ الثالث فثمرُهُ لاذعُ الطعم ، إذْ يتمثَّل في الهجاء !… نعم ، هجاء 180 شخصاً متجنّياً مأجوراً أو مسعوراً ، هؤلاء الذين نعتَهم جبران مسّوح – بطل الكلمة الجريئة الحرّة-:

” بزمرة عبيد موجودين دائماً تحت الطلب في أسواق المزاد !”(21).

وقد بلغ عددُ الكُتُب السوداء التي دوّنها مُؤسِّس الداهشيّة إبّان الاضطهاد الشنيع 66 كتاباً أسود ضجَّتْ بسيَر رجال الحكم في لبنان في فترةٍ كانت ظلماتُها المُحيقة دجوجيّة الادلهمام .

وصَدَرَ حديثاً كتاب ” صواعق مُدمّرة ” انطوى على ردود أربعة دمّرت وردَّمت تهجّمات : توفيق ضعون ، وسعيد تقيّ الدين ، ومصطفى محمود ، والخائن المطرود عبد الرحيم الشريف الخليلي القذر .

كذلك ، ألَّف كتاباً مُزلزلاً أسماه ” فضائح رجال الدين الرهيبة “، وهذا الكتاب مفهوم من عنوانه . إنّه ضدّ هذه الطغمة التي تدّعي حماية الدين ، والدين المسيحي منها بَراء . وقريباً سيُطْبَع ويُوزَّع ، وقريباً ستُقَضُّ مضاجعهم بحقائقه المؤدّبة ، لعلَّ اعوجاجهم يُقوَّم . ولكنَّ هذا مُحال ، وحديث خرافة يا أمّ عمرو .

والصحفيّ محمّد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى يُظهر ، في تعريفه بكتاب “أسرار الآلهة ” كراهية المؤلّف لهذه الطغمة الضالّة المُضلّلة ، فيقول :

” والدكتور ، على شدّة افتتانه بالطبيعة ، وتقديسه للحبّ والجمال ، مفطورٌ – فطرة غريبة !! على كراهية رجال الدين . فهو سَيِّئ الظنّ بهذه الطغمة إلى أبعد حدّ … وبحسبي الآن أن أُحيلك إلى قِطَعِه الثلاث (الكاهن) ، و(الأب أنطوان والشيطان) ، و(رجال الدين) ، لتلمس بنفسك مبلغ كراهية الدكتور لهؤلاء القوم الذين يبيعون الآخرة بالدنيا ، مثلما يُؤَكّد دكتورنا الصادقُ الأمين “.

والصحفيّ باسيل دقاق ، مُحرِّر جريدة “الحياة” ، في تعريفه بكتاب “قيثارة الآلهة ” يقول :

” فإنّ داهش يتحدَّث فيه لأوّل مرَّة بوضوح عن رسالته السامية التي أرسله الله لإتمامها ، والتي كانت سبب تألُّب رجال الدين عليه ، وتدبيرهم شتّى المكائد للإيقاع به والقضاء عليه “.

 

2- أدبُ الحِكَم والخواطر والكلمات

يغلبُ على هذا القسم الطابع الحِكَمي الفكريّ ، وهو مُعَدٌّ للنفوس الجائعة للحقيقة ، والعُقول العطشى للحِكْمَة الحيّة . ويُمثّله كتابان هما “كلمات الدكتور داهش ” و “بروق ورعود” ، ومجموعة كبيرة من الأقوال والقِطَع الفكريّة التأمّليّة في الداهشيّة والحريّة والطغيان والمعرفة ورجال الدين والحياة والإنسان وغير ذلك يجمعها فصلٌ خاصّ في كتابٍ ضخم بل موسوعة للحِكَم والأمثال سيُصدرها المؤلّفُ قريباً .

ومَنْ يُطالع الكتابَيْن الأولين يظنّ أنّ المؤلِّف قَسَا في حُكْمه على الإنسان . لكنّنا نحن الداهشيّين نعلمُ علْمَ اليقين أنّ قولهُ هو الحَكَمُ الفَصْل ، فهو يُشرِّح الإنسان بِمبْضَع حكمته ، فيُبرز خُلاصة خفايا النفوس ، وطوايا النوايا ، وتلافيف الرغبات والميول ، وعِبادة المرأة والمال ، وتَعَدّي المُثُل العُليا الى دنايا الدنيا .

والدكتور داهش يهدي كتابه “كلمات”:

إلى كلِّ ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف …

إلى كلِّ مَنْ يحمل بيمينه مِعْوَلَ الهَدْم ليُقوّض به بناء هذه الجامعة البشريّة الفاسقة …”.

أمّا كتاب “بروق ورعود” فيشتمل على 200 قطعة من الشعر المنثور ، كلٌّ منها تتألَّف من ستّة أسطر مسجّعة تسجيعاً موفّقاً لا تكلُّف فيه ولا حشو ، وهي تتناول أحوال الحياة والإنسان والمجتمع ، من حقارةٍ وحُزْنٍ ، ومكرٍ ، وكَذِبٍ ، وظُلْمٍ ، وكُفْرٍ ، وإغواءٍ ، وأوهامٍ ، وصداقاتٍ زائفة ، ودولِ وملوك الباطل والمال الزائل ، والآمال والآلام ، والشباب والشيخوخة والموت الزؤام ، الى ما هنالك من موضوعاتٍ تكادُ لا تنتهي …

ولعلَّ المؤلِّف في هذا الكِتاب الذي وضعه عام 1942 هو أوَّل من ابتكر الأسلوب الشعريّ المنثور المُتّبع نمطاً من السجع معيّناً . وإليك – أيها القارئ الكريم – قطعة من هذا الكتاب :

 

                                      حقيقة الحياة

وَهْمٌ هِيَ الحَيَاةُ … وضَرْبٌ مِنَ الخَبَل

كلُّ ما فيها رُسومٌ حائلة يسري فيها الخَلَل

الناسُ تهيمُ كالأشباح …وقد أصابها الفَشَل

وفي بطاحها الجرداء …تُعَشِّشُ شتّى العِلَل

سئمتُ فيها عيشي … وأصابني منها المَلَل

فمن يرتحل عنها سريعا هو في مذهبي البَطَل (22).

 

3- الأدَب القَصَصيّ

للأدب القَصَصيّ في إنتاج الدكتور داهش فرعان :

الفرع الأوّل يتمثَّل في الكُتُب التي نَهَج فيها نهْجَاً قََصَصيّاً تمثيليّا رمزيّاً ، نَذكُر منها :” ضَجْعة الموت”، و” نشيد الأنشاد”، و” الإلهات الستّ”، و” عشتروت وأدونيس”. والكتب الثلاثة الأخيرة يُعادُ طبعها باخراج أنيق جدّاً يُضاهي إن لم يتفوّق على طبعة “ضجعة الموت” النفيسة النادرة .

يقول الشاعر الفلسطيني مُطْلَق عبد الخالق الداهشيّ ، في كتاب “ضجعة الموت” المُنْطوي على أسرارٍ رمزيّة :

” لا شكَّ أنّ في الأمر سرّاً ، ولا شكَّ في أنَّ هذا الرجل العجيب يحسُّ شيئاً لا يُحسُّه غيرُه ، في أعماق المجهول الرهيب . ومَنْ – يا ليتَ شعري !- أجدر من الدكتور بالاطّلاع على خفايا المجهول ، وأسرار الحياة ، وهو في نفسه وذاته رجل الخفايا والأسرار ؟”

ويُعرِّف الشاعر والأديب خير الدين الزركلي هذا الكتاب فيقول :

“قد تقرأ هذا الكتاب … فتظنُّ أنّ ما يحويه بين دفّتيه كلامٌ عاديّ تستطيع أنت وسواك أن تأتيا بمثله أو بخير منه … ولكنّني أُطمئنُك أنَّ الأمر غير ما تظنّ ، وأنَّ ما تُفكّر به يعدو الحقيقة بمراحل … فضلاً عن أنه بعيدُ المنال !”

ومع “نشيد الأنشاد” لا نشعر أنّ أديباً يُحاول أن يُحاكي أديباً آخر أعجبه . لكنّنا نشعر بقلب النبيّ سُليْمَان ينبضُ في صدر داهش ، وبسيّال الحكيم يرتعش في جسد الحبيب ، وبعواطف ابن داوُد العظيم تعودُ فتحيا متأجّجةً بين ضلوع داهش ،وبأوصاف ذلك الشاعر المُبدِع تتَّشح جدّة وألواناً وأضواءً على يراعة داهش المُعجزة ، وبالفكرة السليمانيّة تنداحُ تمَوُّجاً وتألُّقاً وزهواً ودوائر داهشيَّة عميقة اللُجج ، مُتَدفّقة الأمواج ، مُترَعة الأثباج ، رقيقة الزَّبَد ، زاخرةَ باللآلئ اليتيمة !

أمّا كتاب “الإلهات الستّ” ففيه تأمّلاتٌ عُلويّة ينشدُ صاحبها الحقيقة بأناشيد السحريّة ، فلا يجدها في هذه الحياة ، ولكنْ في عالمٍ آخر ، جميل كلّ الجمال ، فتّان كلّ الفتنة .

ويهدي المؤلف كتابه إلى (الحقيقة) المُضطهدة في هذا العالم .

ويختم الشاعر حليم دمّوس مقدّمته لهذا الكتاب بقوله :

” فهنيئاً لمن فَهِم الحقيقة وأفهم ،

وسلامٌ على من بَشّرَ بها وعلَّم “(23).

وقُصارى ما يُقال عن أسطورة ” عشتروت وأدونيس” التي وُلِدَت في الشرق أنّها أشبه بكوكب جميل أبدعَتْه الحياة ، فاتَّخَذَ له مداراً مُحدّداً في ميثولوجيات الشعوب . وظلَّتْ أقلامُ الشعراء والكُتّاب تدور في فلكه ، حتى برزَ داهشُ الجبّار ، فقبَضَ على هذا الكوكب ، وفجَّره شموساً وأقماراً ، بل مجرّات وأكواناً ، في أبعادها اللانهائيّة ؛ ومع كُلِّ هذا ، كان يتحرَّكُ خيالُه الخلاّق ، فيرفعنا إلى سماوات الآلهة ، ويهبطُ بنا إلى عالم الجحيم ، ويسرح بأرواحنا في البحار والأنهار والغابات بين الفتيات والصبايا والقيان والعرائس والحوريّات والربَّات .

أمّا الفرعُ القَصَصيّ الثاني فيتضمَّن ثلاثة كُتُب هي :” مُذكّرات دينار” و”خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر” و” قِصَص غريبة وأساطير عجيبة ” في ثلاثة أجزاء .

تغلبُ على ” مذكّرات دينار” الصبغةُ الواقعيّة الإجتماعيّة ، ويتميّز بتشريح المجتمع تشريحاً دقيقاً ، وتصوير نقائصه تصويراً حقيقيّاً ، فيُفكّك ذرّاته المتلوّنة كالحرباء ، ثم يُبرزها بلونها الواضح الفاضح .

يقول الدكتور عُمَر فرّوخ في هذا المصنَّف :

” الكتابُ من هذه الناحية ذو شأن كبير ، إذْ هو يكشف عن نفاذ بصيرة، وعن اختبار مُرّ عَرَفه المؤَلّف في حياته ، فإنّ تأثير هذا الكتاب في نفس القارئ يدلُّ على أنَّ المؤلّف لم يتخيَّلْ فقط ، بل سَرَد اختباراً واقعاً مَسَّ حياته مسّاً غير رفيق …”

لقد حاول الدكتور داهش تقويم اعوجاجاتنا القاسية والليّنة . فهل تتقوَّم؟

وقَصَدَ توجيه العِبَر الإنسانيّة . فهل من يتَّعظ ؟

وحضَّ على الفضيلة ومكارم الأخلاق ، فهل من مُنَفّذ ؟

يُجيب الشيخ عبد الله العلايلي على هذه الأسئلة في كتابه ” كيف عرفتُ الدكتور داهش “، قائلاً:

” المُصلحُ الحقُّ لا يُبالي ، فهو يبثُّ كلمته إلى الذين يُتلعون أبصارهم إلى الفجر ، إلى الشمس ، ويولون ظهورهم إلى الظلام ، ليخشعوا في محراب الله الذي يشملهم بضيائه الأبديّ ” (24).

والدكتور داهش يدخل إلى المعاني من أبواب المباني ، دون لفّ ودوران ، وبلا تلفيق ولا زائف تزويق .

ويقول الأديب حسن فطين الأرمنازي في ” مذكّرات دينار”:

” كلاّ لا وَزَر .

فلا سَفْسَطَة تُغني ولا هَذَر .

سِفْرٌ يفضحُ في ثنايا سطوره باطلَ القول وزوره .

فإذا بالنفوس عاريةٌ إلاّ من سجاياها .

وإذا بالقلوب آمنةٌ من خطاياها .

وإذا بالنقد الصريح يرفع للحقّ ميزانه .

وإذا بالباطل يتأرجح ليهوي بما فيه .

لم يُغْنِ عنه التواءُ الجَدَل ، وأدّعاء الخير والعَمَل .

وإذا بالحكم يصدرُ وإنّما هو الحقّ . وكفى به حكماً !”..

 

أمّا كتاب ” خيال مجنَّح أو حياة الأحياء في القمر ” فهو معجزة رائعة جعلت داهش يتسنّم عرش الخيال الفذّ . فالقصّة رؤيا عجيبة تبدَّت له فنقلها بقلمه السيّال إلى عالمَ الأرض .

وهذه فقرة صغيرة من هذا الكتاب العجيب التخيّلات :

وعندما يموت رجلٌ أو امرأة يبتدئ جسدُه يتقلّص شيئاً فشيئاً ، فيعرف بأنّه سيُغادر القمر . ويستمرّ التقلّص شهراً كاملا يُصبح في نهايته بحجم السيجارة ، ثم يختفي “(25).

 

و” قِصَص غريبة وأساطير عجيبة ” كتاب يقع في ثلاثة أجزاء ، تتجلّى فيها عدالة الجزاء الإلهيّ والسببيّة الروحيّة ، وخلود النفس ، وعودة تقمّص السيّالات في دورات حياتيّة متتابعة ، ومظاهر متنوّعة .

ما أن تُطالعها حتى تسبح في كواكب ” جزيرة الأحلام” و” فومالزاب” و” السادلاييم “و”اسمانديون” و” الماهيا هوبال” … فخيال داهش الواسع المُبدع يدعك تتعرّف على نظام هذه العوالم ، وأساليب حياتها ، وعاداتها وتقاليدها ، وأشكال مخلوقاتها وأعمارها الخ الخ … فالكواكب ليست مصابيح تزيّن السماء ، لكنها عوالم آهلة بقاطنيها الأحياء ، وكائناتها يرتدون قمصانهم الجسديّة المُتناسبة مع ظروف حياتهم .

وقد ضمَّن الدكتور داهش قصصه قِطَعاً عاطفيّة على لسان أبطاله فزادتها جمالاً على جمال .

يقول الدكتور غازي براكس في توطئته للجزء الأوّل من هذه ” القِصَص الغريبة والأساطير العجيبة “:

” إن نَشَدْتَ المُتعة والتسلية وجدتهما في موضوعاتها الطريفة ، وأحداثها الغريبة ، وحبكتها المشوِّقة المُثيرة ، وعُقْدَتها المُحيِّرة المُربكة ، وحلّها المُدْهش المُذْهل . وإن توخَّيْتَ الفائدة والعِبْرة لقيتهما حيثما مَرَرْتَ ، بلا وعظ مُمِلّ أو إرشاد مُزعج أو إسهاب مُسئِم . فالحياة هي التي تتكلّم بألسنتها اللامحدودة ، وتنطق بأحداثها اللانهائيّة ، فإذا أنت محمول في زورق الخيال ، فوق امواجها المتدفّقة ، تارةً متهادياً ، وطوراً مُندفعاً ، تُشَاهد تَحوُّل الأسباب إلى نتائج والبذور إلى ثمار ، في شريط من الأفراح والمآسي ، والآمال والآلام ، والدمع والابتسام ، حتى لكأنّك تسيح بين الآزال والآباد ، وقد تجمَّعت الحياةُ بين يديك نهراً خالداً !” (26).

 

4- أدب الرّحلة

يشتمل هذا القسم على ” الرحلات الداهشيَّة حول الكُرَة الأرضيَّة ” التي تقع في 20 جزءاً . وهي رحلات امتدَّت على عشر سنوات (1969-1979) . وقد طاف مؤسِّسُ الداهشيّة بأثنائها في مختلف عواصم العالم ومدنه ، متنقِّلاً من البلدان العربية إلى الديار الأفريقيّة ، الى الأمصار الاسيويّة ، إلى الحواضر الأوروبيّة والأمريكيّة ، مستمتعاً بالمشاهد الطبيعيّة الأخّادة، مُطَّلعاً على المنجزات الثقافيّة والعمرانيّة والأثريّة ، زائراً المعابد والمتاحف والمعارض والملاهي والقصور والمقاهي الخ …

وإذا ما طالعتَها ، فإنّك تتعرّف فيها إلى شعوب الأرض طُرّاً : إلى بيضهم وسودهم ، وأغنيائهم وفقرائهم ، وتجّارهم وفنّانيهم وموظّفيهم وأطبّائهم وساستهم ومحاميهم … وإلى عاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم وأديانهم ودجلهم وشعوذاتهم وثقافاتهم وعلومهم وحضارتهم وآداب سلوكهم الخ الخ …

ورحلاتُه ليست مجرَّدَ مُتعة ، فهو خلالها يتألّم ، يشعر بالغربة ، يثور على المُدُن الفاسدة ، وعلى الدَّعارة والظلم والكذب والتكالب على المادَّة …

وتمتازُ أوصافُه فيها بالدقّة والحيويّة والأمانة في ذكر التفاصيل ، فترافقه خطوةً خطوة في تنقّلاته ، وحتى في ركوبه السيّارات وامتطائه الطائرات ، فهو يذكر المسافة بين البلد والبلد ، ومدَّة استغراق الرحلة ، وارتفاع الطائرة ، والأخطار المحدقة بها ساعة اتجاهها ، والخدمة فيها الخ الخ …

 

5- أدبُ وصف النعيم والجحيم

يصفُ في هذا القسم من أدبه العوالم الأخرى وصفاً طريفاً دقيقاً ، وذلك في كتابيه :” جحيم الدكتور داهش “، و” النعيم ” . وهو في كليهما المبرِّز والمُجَلّي الذي لا يُباريه أحد ، وإن تطرَّق إلى هذا الموضوع أبو العلاء المعرّي في ” رسالة الملائكة” و “رسالة الغفران” ، ودانتي أليغياري في ” الكوميديا الإِلهيّة “.

وقد تخيّل الدكتور داهش أبا العلاء المعرّي – شاعر بني العبّاس الضرير – مُرسِلاً من عالمه الثاني رسالةً روحيّة يصفُ فيها ما يُشاهده من مَخاوف واهوال مُبيدة . قال داهش بلسان أبي العلاء في استهلال هذه الرسالة الغريبة :

أرحامٌ تدفع وأرضٌ تبلع

وهاويةٌ تتصدَّع وتُفْلَع

فتهوي بها أرواحُ الهلكى ، وكلٌّ منها في دركه الداجي يقبع !…”(27).

وحتى الكُتُبُ الدينيّة المُنزلة فإنّها لم تصف النعيم والجحيم إلاّ لَمْحاً ، فالنعيم في صفحاتها هو مقرّ السعادة الساطع الأنوار حيث يخلد الملائكة والأبرار، ويزيد القرآن الكريم عليه الحُورَ العين والجنّات التي تجري من تحتها الأنهار . وعلى عكسه الجحيم حيث يتعذَّب الأشرار في ظلام دامس ونيران أبديّة الاستعار .

أما الدكتور داهش ” فينقسم “جحيمه” إلى ثلاثة أجزاء متساوية الفقرات والسطور . وكلُّ جزءٍ يشتملُ على خمسين دَرَكَاً مُظْلِماً من تلك الدَرَكَات المُرهبة . والعوالم السفليّة المُرعبة .

وكلُّ دَرَك يحتوي على أربعة وعشرين سطراً مُسجّعة على أسلوب طريف مُبتكر يُدركه القارئ اللبيب بعد اطّلاعه على هذه المجموعة وقراءَته إيّاها من الدفَّة إلى الدفَّة “(28)

وقد نظمه شعراً الشاعر الكبير حليم دمّوس والشيخ عبد الله العلايلي ، كما تُرجم الى اللغتين الفرنسية والانكليزيّة .

و “النعيم ” أيضاً ذو ثلاثة أجزاء لمّا تزل مخطوطة ؛ كلٌّ منها يشتملُ على وصف خمسين كوكباّ علويّا على أسلوب (الجحيم) ونَسَقه وقِطعه السُّداسيّة المُسجَّعة “(29).

وهذان الكتابان سيكون لهما شأنٌ عالميٌّ مدوٍّ ، وسيُقْبل القُرّاء على التهامهما بنَهمٍ عجيب . فهما يؤكّدان تأكيداً دامغاً صارماً استمرار الحيوات عن طريق الموت أو انتقال السيّالات ألوف المرّات من عالمٍ إلى عالم ، حتى بلوغ الخلود في أعلى درجات النعيم أو أسفل دركات الجحيم .

 

6- الكتب الدينيّة

نذكر منها ” مذكّرات يسوع الناصري” و” كتاب الهادي الإلهيّ” و”الفرق بين الكثلكة والداهشيّة”….

إنَّ مئات من الكُتُب أُلّفَتْ حول حياة المسيح بمختلف اللغات ، وما زالت الأخطاء تُقارعُ الأخطاء ، والإِبهام يُصارعُ الغموض ، وتضاربُ الآراء في حياة الرُّسُل يُشغل العُقول العاجزة عن إيجاد مخرج لهذه المُعْضِلة المُتفاقمة الأسئلة … حتى انتضى مُؤسِّس الداهشيّة حدَّ قلمه من غِمْد هِبته الروحيّة التي زوَّده الله بها ، فراحَ يروي حياة السيِّد المسيح عندما كان طفلاً حتى ساعة ظهوره وهو ابن 30 عاماً ، وهي سيرة يسوع المجهولة عند الجميع ، لأنّ التلاميذ لم يذكروها بخير أو بشرّ ، فإذا داهش يكشف الحجاب عنها للعيان !

ويُؤكّد الدكتور غازي براكس في مقدّمته لهذا الكتاب المُعْجِز قائلاً :

” إنّها حياة يسوع المُلهَمة ، كما عاشها تماماً في حداثته ، تُفاجئ العالَمَ بأسره كأكبر حَدَث فكريّ روحيّ له علاقة مباشرة بسيّد المجد ، منذ ألفيْ سنة”.

 

7- أدَبُ الرسائل

من أهمّها كتاب ” الرسائل الُمتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور محمّد حسين هيكل باشا “، وفيه يكشف الدكتور داهش موقفه الصريح الجريء من قضيّة الحريّة والعدالة ، وأنّه لن يستجديَ حقَّه من أحَد ، بل سينتزعُه انتزاعاً لأنّ الحريّة هبَةُ الخالق – جلّتْ قدرتُه – لخلائقه ، ولا يمكن أن يحرمها منهم أيُّ مخلوق .

وقد انتزع مُؤسِّسُ الداهشيّة حقَّه السليب فعلاً واقتداراً ، إذْ أُعيدتْ جنسيّته إليه بعهد كميل شمعون في عام 1953 . وهكذا باءَ بشارة الخوري بالفشَلِ الذريع .

وكانت حصيلة جريمته المنكرة إصدار سلسلة الكُتُب السوداء الطافحة بأقبح فضائح المتآمرين ، فضلاً عن انهماك الشعب اللبنانيّ خاصّة والشعوب العربيّة عامّة في التحدّث عن ( جريمة القرن العشرين هذه )، وكذلك خَوْضُ الصُّحُفُ المهجريّة بخضمّ هذا الموضوع ، إذ راحت تُنحي باللوم على مرتكب الجريمة القذرة .

زدْ إلى ذلك رسائل الدكتور حسين هيكل الأديب الكبير ورئيس مجلس الشيوخ المصري ووزير المعارف وصاحب صحيفتي السياسة الاسبوعيّة واليوميّة ، ومؤلّف كتاب ” محمَّد” و “في منزل الوحي” و”ولدي” و”زينب” الخ. الخ… تلكَ الرسائل التي شجب الدكتور هيكل فيها هذه الجريمة الهائلة ، مثلما شجبها جبران مسّوح ، بمجلّته ” المختصر” في الأرجنتين ، ويوسف قهوجي بجريدته “الصباح” المهجريّة ، و” المجلّة السريانيّة “

الصادرة في بونس ايرس بسلسلةٍ من المقالات . وممّن استنكروا ، أيضاً ، هذه الجريمة التي أقْدَمَ عليها بشارة الخوري ، يوسف كمال الذي نشر سلسلة مقالات ناريّة بمجلّته “الرفيق” التي كانت تصدر في بونس إيرس…

وسواه كثيرون ممّن رجموا جريمة بشارة بقاذع أقلامهم . وما كان أغنى الخوري عن هذا الفشل الذي ظنّه انتصاراً ، فكان انكساراً شنيعاً ، كلّفه عقاباً وتأديباً مُريعاً ، خصوصاً بعد أن زَجَّ ماري حدّاد زوجة شقيقته بالسجن عاماً كاملاً ، لأنَّ الكُتُب السوداء كانت تصدر موقَّعة بإمضائها الصريح . فما أتَتْ به رِياحُ بشارة الطاغية … عصّفَتْ به زوابعُ داهش المُقوِّضة للباغية .

فَضَائل وميزاتُ أدَب الدكتور داهش 

 

كان الدكتور داهش ، أيّام الجريمة النكراء ، بين أتباعه المخلصين يخوضُ غِمَارَ بحار من الأعمال : فيقومُ بنشر رسالته الروحيّة ، ويستقبلُ الداخلين في دينه الجديد أفواجاً أفواجاً ، وجُلّهم من الأدباء والأطبّاء والمحامين … المُتعطّشين للروحانيّة الحقّة ، ويُهاجمُ الدولة بجميع أجهزتها ، ويردُّ على الأقلام المأجورة ؛ وقدْ بلغَ عدد الذين أدانهم من أفواههم 180 شخصاً ، إذ هاجمهم بلاذعِ أسلوبه ولاسع مضمونه . وكان يطبع الكُتُب السوداء ويُوزّعها في مختلف الأوساط الشعبيَّة والرسميَّة في لبنان والعالم . وعلاوةً على ذلك كلّه كان يُؤلِّف الكُتُب الأدبيّة والروحيّة ، ويُطالع الصحف بأعداد هائلة ، ويجمع قصاصاتها في مجلّدات ضخمة ، ويُراسل الأُدباء والفنّانين العالميّين ….

حقّاً إنه داهش العالمين !….

يقول باسيل دقّاق ، مُحرّر جريدة ” الحياة” البيروتيّة سابقاً :

” لم يكن داهش رسولاً فحسب ، بل كان أديباً من ألمع الأدباء ، وفي هذه الفترة التي قضاها في هذه الأرض ألّف كُتُباً نفيسة تزخر بالمرامي البعيدة ، والمواضيع الجميلة الحافلة بالرقيق من التعابير ، والسّلِس من الجُمَلِ ، والبليغ من الحِكَمِ ، والرَائع من التصاوير “.

لقد تميّز أدبُه بميزات أكسَبتْه فرادته الخاصّة ، وعبقريّته الخارقة ، نذكر منها :

  • الصدق

معظم أدب الأدباء ما عاد يمتُّ للإنسان بأيّة صلة ، فأصبح شبيهاً بالدُّمى والمُزخرفات والفسيفساء ، تخدعُ النظر فيسمّيها اللسانُ أدباً .

ونحنُ مع مؤلّفات الدكتور داهش …. مع الصدق نفسه ينثال على صفحاته ، فيَسِمُه بسِمَة خالدة مع الخلود ذاته . وسيُقبل العالم على مطالعة روائعه بلهفةٍ وشغَفٍ لأنّها الكونُ مختصراً في أصدق مظهر ، والحياة مسكوبةً بأروع مَصْهر !

وستتخطّى شهرتُه حدود الأقطار العربيّة إلى العالم بأسره ، من أدناه إلى أقصاه .

والعلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي يُبدي رأيه واضحاً في رسالة أدب الدكتور داهش قائلاً :

” فهذه رسالةُ أدب الصِّدْق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان . فإنَّ في الأدب الحقّ قوىً تنزع من النفس ألواناً وتجيءُ إليها بألوان ، وتبعثُ الإنسان بعثاً جديداً حتى يجيء كائناً حيّاً .

أسمى من الإفتان والافتتنان ،

وتتناول المجتمع فتصوغُه صوغاً آخر

حتى يجيء كائناً اجتماعيّا أكمل بين الإتقان والإحسان .

فليس إلاَّ ( أدب الصدق) خالداً على لسان الدهور والأزمان .

وهل لغير أدب الخلود قدرةٌ على استبدال ما ينبغي أن يكون

في الحياة والأخلاق والفكر بما هو كائن وما قد كان ؟

تلك غاية الدكتور داهش ، وفي سبيلها يُرسلُ نفثات صدره المنبثق وفي سبيلها يُرسل نفثات صدره المنبثق بشعلات الإيمان .

فجاءَت أدباً فوق الأدب بما تميس به مَيسانَ حالياتِ الأفنان !” (30).

حقّاً إنَّ أدب الدكتور داهش أدب جريء يُعبّر فيه عن آرائه وأفكاره بصراحة ما بعدها صراحة ، غير هيّاب بجيوش العبوديّة وأتباع الباطل ودسائس رجال الدين المرائين :

فالحقيقة أتت عارية وهي لا تلتحف بالخفاء“(31).

2- الأصالة والتجديد

إنّه أدبٌ أصيل ، بل منبعٌ صاف من المنابع العالميّة لتجديد التّراث الأدبيّ ، وإغناء الفكر الإنسانيّ .

يقول الأستاذ محمّد علي الطاهر في كتاب ” أسرار الآلهة “:

“هذا الكتاب الذي لا أتردّد لحظةً عن عَدِّه فَتْحَاً جديداً في عالم الآداب والفنون !” .

واسمع – أيّها القارئ الكريم – الدكتور غازي براكس ، أستاذ النقد الأدبيّ في الجامعة اللبنانيّة يقول في دراسةٍ عامّة له عن أدب مؤسّس الداهشيّة :

” في الآداب العالميّة ، كما في الأدب العربيّ ، لم تحدث النّهضات الحقيقيّة إلاّ عند انطلاق الينابيع الروحيّة المقدّسة أو شبه المقدّسة ، وعند العودة إلى الاستقاءِ منها .

واليوم يُطلُّ علينا أديبٌ عبقريّ ، بل جَبَلُ وَحْيٍ وإلهام قُدسيّ ، اليوم يُطلُّ على العالم ” الأولمب” نفسه باسم “داهش” . فهل العيون التي اعتادت الظلام بوسعها أن تُبصر النور ؟ أم هل الأنوف التي أدْمَنت اشتمام القواذير يُمكنها أن تتنسَّم العطور ؟!

ومع الدكتور داهش لا نعود الى الينابيع المقدّسة الأصيلة فحسب ، إلى الآلهة وعوالمها الغريبة ، وعرائس الماء وحواري الغاب والفراديس العجيبة ، وإلى بساطة الأناجيل وسلطتها وجمالها ، وسمُوّها وحِكَمِها وأمثالها ، وإلى مزامير داود وأناشيد سليمان وأقوال الأنبياء المُلهمين…

لا ، لا نعود إلى ذلك فحسب ، بل نقف مدهوشين أمام نبع متفجّر جديد من ينابيع الخلْق المُلهمة الأصيلة ، نبعٌ لن يطول الزمان حتى يسري في العُقول والعَواطف فيهزّها شرقاً وغرباً ، ومن مائه الحيّ تستمدّ الأقلام مِدادَها ، وبه تجدّد الحياةُ معناها وفحواها “.

وتأمَّلْ بأيّ ثِقة وحَزْم يُعطي الدكتور غازي رأيه في أدبِ الدكتور داهش، بعد تخصُّصه فيه ، وتبحُّره بأغواره ، فينزل حُكمُه صفعةً مُخزية على وجوه المُكابرين والمُرائين من الأدباء والنقّاد الزائفين .

  • تشعُّب فنون أدبه

إنّه أدبٌ يتّسم بتشعُّب فنونه وإتّساع ميادينه ، ممّا لم نعرفه لدى أيّ أديب من الأدباءِ على الإطلاق !

وأفضلُ ما تصحُّ المُقارنة في هذا المجال ، عندما نطلبُ المَثَل من أعلام الأُدباء والشعراء . فالمتنبّي عظيمُ شعراء العَرب جلَّى في الوصف الحربيّ وصَوْغ الحكمة ، وفي بعض مدائحه وأهاجيه ، لكنّه أسفَّ مبنىً ومعنىً في جُلّ شعره الباقي .

ومعظم الشُّعراء والأُدباء العالميّين إنّما أجادوا في نوعٍ أو نوعين على الأكثر من فنون الأدب.

فهذا شكسبير برعَ في المسرحيّة – ولا سيّما الفاجعة منها – لكنّه فشل في القصيدة القَصَصية ، وفي غيرها من الفنون الأدبيّة . وقد أظهرتُ في دراستي ” لعشتروت وأدونيس” فضل الدكتور داهش عليه .

وكلُّ مُطَّلع على الأدب الكلاسيكي يعرف أنَّ المسرحيّات التي نجح فيها راسين وكورناي كانت قليلة بالنسبة لتلك التي فشلا فيها .

أمَّا داهش العملاق فقد كَتَبَ في الاجتماع ، والفلسفة ، والحِكَم ، والقصّة الواقعيّة والخياليّة ، والرحلة ، والغزل ، والرثاء ، والهجاء ، والدين … وكان نجاحُه صاعقاً في جميع الميادين ، حتى ليُقارِبُ أدبُه حدَّ الإِعجاز !

أنّه في جَدَل الحياة إفحام ، وفي أباطيلها حقّ ، وفي أضاحيكها جدّ . إنّه موسوعةٌ عقليّة حقّانيّة ستُصْعِقُ الجهل والزيف والنفاقَ والباطل ، وتُحْدِثُ انقلاباً جُذريّاً في مُثُل هذا العالَم الجانحة للذبول والأفول .

4- تنَوُّع أساليبه   

إنَّ أدبَ الدكتور داهش يمسُّ شَغافَ قلوبنا ، ويستثير رهيف شعورنا ، ويُشجي أعماق نفوسنا بعواطفه الرقيقة وتعابيره الرفيقة في مواقفِ الحزن والهوى والجمال .

بينما يهزُّنا هزّاً عنيفاً بعواطفه الغضوب الصاهرة ، وصياغته الثائرة الهادرة في مواقف القوّة والعنف والهجاء ، حتى لتخالُ المؤلِّف قد تقمَّص شخصاً آخر وَلَدَتْه الأعاصير والأنواء !

ويمتازُ أسلوبهُ بالدقّة الواقعيّة في معالجاته الفكرية والاجتماعيَّة ، كما بالخيال المُمْعن في رمزيّته وصُوَره المجازيَّة في أوصافه للمرأة والطبيعة والمفاتن الفردوسيَّة . وخيالُه ليس مُجرَّد لعبٍ بيانيّ ، إنّما هو رؤيا تعجزُ عن النّفاذ إليها عين البشر العاديّة !

إنّه رُؤيا عجيبة لكنّها حقيقيّة ، يرى بواسطتها العوالم المُوغلة في أعماق الفضاء ، فينقلها من عالم الرُّؤَى التجريدي إلى عالَم المادّة التجسيدي .

فأنتَ مع خياله الحقيقي تبلغُ كواكب آهلة بالسكّان ، يقومُ بوصفها ، بعد معاينتها بسيّاله الروحيّ البصير في هذا العالَم الضرير !

لهذا لا بدَّ للنقّاد البصيرين الكبار من أن يعتبروا أدبهُ هَتْكاً لحُجُب الأسرار، ومحواً لطلاء الرياء والأكاذيب ، إذْ إنّه فوق مستوى البشر …

خارقٌ كالأعاجيب !

  • البُعدُ الروحيّ الإِعجازي

إنَّ تُراث الدكتور داهش يُثري الإنسانيّة بنبع الحِكْمَة الإلهيّة ، وفَيْض الإيضاحات الروحيّة ،  وتَدَفّق الرُّؤى الإعجازيّة ، ومعرفة الغيب ، فيمدُّ ، هكذا، الأجيال الطالعة بزاد روحيٍّ عجيب لم يُتَح للبشريّة أن تستفيد منه في عصورها السالفة .

وقد سبقَ للمُؤلّف أن ذكر في كتابه ” مذكّرات دينار” الصادر في بيروت عام 1946، اسم نجل هتلر “الفوهرر هلموث فون هتلر” ، ولم يكن يومذاك مَنْ كان يعرف أنّ لهتلر وَلَداً ، حتى عُرِفَ مُؤَخّراً بالاسم نفسه ! إذ اكتشفَ الحُلفاء مخبأً سرّياً بمنزل هتلر في ( برختسغادن) وجدوا فيه مُذكّرات هتلر وصورة طفله هملوث . اكتشفوا هذا في عام 1966 ، بينما كان الدكتور داهش قد ذَكَرَ اسم ابن هتلر ، في مذكّرات دينار” ، قبل عشرين عاماً من اكتشافهم للمخبأ السرّي .

كذلك تكشف قِصَصُه عن أسرار خلق العديد من الكائنات كالنحلة ، والوردة ، والفراشة والعينين المطبوعتين على جناحيها وغيرها …. كما ترفع الحُجُب عن حقيقة الكواكب وحضاراتها … مثال ذلك قصَّة “الكوكب فومالزاب” التي يروي فيها كيفيّة انتقال مئتي شخص منه إلى عالم  الأرض ، ويصفُ وصفاً دقيقاً مراكبهم الكونيّة الثلاثة ، وكيفيّة رفع أولئك الكائنات العِجاب أعمدة بعلبك الفذَّة ، ثم كيف “ ذهبوا عائدين إلى كوكبهم المُوغل في الأبعاد اللانهائيّة ، مُخلِّفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة ، شامخة الذُّرى تتحدّى الزمان ؛ وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضيّ “(32).

وفي مطلع كانون الثاني سنة 1948 كتبَ الدكتور داهش قطعة جعلها على لسان مارْس إله الحرب – وهي مُدْرَجة في كتاب ” حدائق الآلهة”- وتنبّأ فيها بما حَدَثَ في لبنان من تنكيل وتدمير وقَتْل وخراب . قال :

وإنّني أُقْسِمُ ، غير حانِث ، بأنّني سأُنكّل تنكيلاً مُخيفاً

بكلِّ مَنْ تَدخَّل في هذه الجريمة الوحشيّة المُنكرة المُستنكرة ،

جريمة تجريد مُؤسِّسُ الداهشيّة من جنسيّته اللبنانيّة بالظُلْمِ والعِدوان .

…وستُخيّم سُحُبُ الهموم ،

وتتكاثف جيوشُ الغموم ،

مُعسكرة فوق ربوعهم الخَرِبة ،

إذْ سَيُدمّرها انتقامي الهائل تدميراً عاصفاً “.

وكشفَ الدكتور داهش في كتابه “مذكّرات يسوع الناصريّ” عن تفاصيل حياة المسيح الممتدَّة من طفولته حتى بلوغه عامه الثلاثين .

لقد أماطَ اللثام عن دقائق شخصيَّته ، وأظهرَ سيرتَه الخَفيّة ، وحقيقة عيشته الأرضيّة ، فأشرقت حياة الناصريّ ، يومَ بُعِث في داهش حيّاً !

تقول زينا حدّاد الأديبة الداهشيّة في كتاب ” مذكرات يسوع الناصريّ” :

” وليس عجباً أن يكون الدكتور داهش ، منذُ ألفيْ عام ، جزءاً من روح ذلك الجبّار الروحانيّ المسمّى “المسيح”. فالداهشيّة تؤمن بالتقمُّص “.

ويقول إيليّا حجّار الأديب الداهشيّ في هذا الكتاب :

” إنَّ سرّ اكتشاف الدكتور داهش العظيم لحياة المسيح سيكون إعلانه ، عندما يُذاع ، أشدّ مفعولاً من القنابل النوويّة والهدروجينيَّة “….

هذا قليلٌ قليل من كثيرٍ كثير تحفلُ به كُتُبه المُعْجِزة !

6- النزعة الإصلاحيّة

أدبُ الدكتور داهش هو بالدرجة الأولى أدَبٌ إصلاحيّ ، لأنّه يهدف إلى تشذيب الفساد من الفرد والمجتمع . فالثقافة لا قيمة لها بدون صلاح ، والحريّة لا نفع لها بدون فضيلة ، وقُوَّة الدولة لا خير يُرجى منها إذا لم تُوجّهها العدالة . وحسب القارئ أن يُطالع ” مذكّرات دينار” والعشرات من قطعه الوجدانيّة وكلماته الحِكَميَّة حتى تتأكَّد له هذه النزعة الإصلاحيّة السامية .

ومُؤَسِّسُ الداهشيّة لم يُهاجم المرأة في كتابه “كلمات” وبعض قطعه الأخرى تلك المُهاجمة الضارية إلاَّ ليرفعها ويمنعها من السقوط . هو يذمُّها ليُصلحها وليُبعدها عن الرذيلة ؛ وإذا هدَّمَ فلكي يبني الفضيلة على الأنقاض . وهذه هي غايته من مهاجمته للمرأة الشاذَّة .

وداهش المُصْلح يُمجّد في كتاباته كلَّ مُخلص ومخلصة من الرجال والنساء؛ أمّا الخائن أو الخائنة فخيانتهما تعود عليهما ، إن لم يكنْ في هذا الدور الحياتيّ ، ففي الدور اللاحق .

إنّه الُمعلّم العظيم يشرحُ ليُعلِّم المرء تحسين أفكاره وأعماله ، وليُبيّن – خاصّةً في قصصه الغريبة وأساطيره العجيبة – أنَّ مَنْ يُسيء يُساء إليه ، وكلَّ رامٍ في هذه الحياة سيستردُّ رميته . وكلُّ عملٍ ذي شأن يقوم به الإنسان قد يؤدّي إلى خروج سيّال منه ؛ فإذا كان العمل حسناً فسيّاله يسبقه إلى الملإِ الأعلى الذي يستحقّه ، وإذا كان شرّيراً ، فإلى الدركات السفليّة سيّاله يسبقه .

وقِصَصه ملأى بالعِظات والعِبَر التي ستتناقلها العُصُر.

ونزعتُه الإصلاحيّة الإنسانيّة ستقتحم جميع المجتمعات ، وطوبى ، إذ ذاك ، لمنْ يُصلح نفسه . يقول العلايلي :

” والنفسُ التي شاعت فيها ثورةُ الإصلاح تتمرّد حتى لتتحدّى كلَّ الأوضاع ، وتتنمَّر حتى لتُجابه كلَّ الأخطار ، مُطمئنّةً إلى أنّها قوّةٌ لا تُدحر ولا تتغلَّل ، وأنّها لا بدَّ أن تتمدّد في المجتمع فيتمدَّد بما فيه من النزعة الجديدة ، نزعة الإصلاح ، وبما فيه من الفكر الجديد ، الفكر المُتحرّر “(33).

وهكذا ، إذا تَملّيْتَ روائعَ داهش المُعجزة لخِلْتَ نفسَك في عالم الحقائق تسبح ، وفي ملإِ الخوارق ترتع ، وأمام عبقريّته تخشع .

ما نُظِم وتُرجِم من كُتُبِ الدكتور داهش

 

نَظَمَ الشاعر الداهشيّ مُطلَق عبد الخالق ” ضجعة الموت” شعراً .

كما نظمَ الشاعر الغِرّيد حليم دمُّوس الداهشيّ جميع مؤلّفات الدكتور داهش التي صَدَرتْ حتى وفاة الحليم سنة 1957 .

والشيخ عبد الله العلايلي نظمَ كتاب “الجحيم” شعراً .

كذلك نظمَ صلاح الأسير ” عشتروت وأدونيس”(34).

وقد تُرجِم عددٌ من كُتُب مُؤَسِّس الداهشيّة إلى لغاتِ الفرنسيّة والانكليزيّة والألمانيّة والأرمنيّة . وقريباً ، ستُترْجَم جميع كتبه إلى اللغات العالميّة الحيّة ، فيتسنّى بذلك للغرب أن يُطالع نفائسه ، فيُقدرها حقّ قدرها ، أدباً وفنّاً وطباعة .

وقد ترجمت الأديبة ماري حدّاد الداهشيّة إلى اللغة الفرنسيّة من مؤلّفات داهش الكُتُب التالية : “كلمات” و”نشيد الأنشاد” و” عشتروت وأدونيس” و”مذكّرات دينار” و” الجحيم” و”القلب المحطّم” و”جحيم الذكريات” و”نشيد الحبّ”.

أمّا الدكتور جورج خَبْصا ، النّطاسي الداهشيّ ، فتَرجَم ” ضجعة الموت ” و”الإلهات الستّ”.

وترجمَ الأديب جوزف حجّار “الجحيم” ، أيضاً ، إلى اللغة الفرنسية .

والسيّد مالك ترجمَ إلى الانكليزيّة :”نشيد الأنشاد” و”عشتروت وأدونيس” و”الجحيم”.

وقد ترجمَ الأستاذ فوزي برجاس إلى الانكليزيّة عدداً من الكُتُبِ بينها ” مذكّرات دينار”.

وقد تُرجِم كتاب ” عشتروت وأدونيس ” إلى الألمانيّة ، و”مذكّرات دينار” إلى الأرمنيّة .

 

المؤلّفات المطبوعة عن الدكتور داهش والداهشيّة

هناك عشرات المؤلّفات المطبوعة عن الدكتور داهش والداهشيّة :

فالدكتور غازي براكس ألَّف بقلمه السيّال :” مُعجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان “، و”الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات”، و”دراسة جبران النفسيَّة على ضوء المبادئ الداهشيّة “.

كما وضعَ إيليّا حجّار ” صوت داهش”، ونقولا ضاهر “الداهشيّة وأثر الأخلاق في حياة الأُمَم”، وماجد مهدي “كيفَ آمنتُ بالداهشيّة”، وأنطوان عيسى “أنا داهشيّ” بالفرنسيّة ، وبيار روفايل “مصرع داهش”، وكرم ملحم كرم “ماجدا الداهشيّة” و”مذكرات ماجدا”.

كذلك ألَّف الشيخ عبد الله العلايلي كتاب ” كيف عرفتُ الدكتور داهش “، ولطفي رضوان ، رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة سابقاً وضع كتاب ” مُعجزات وخوارق الدكتور داهش “، ويوسف الحاجّ صنَّفَ كتاب “الدكتور داهش والروحانيّة”.

ذلك فضلاً عن مُصنَّف جُمِعَتْ فيه “مراثي الأدباء والصحفيّين والسياسيّين ورجال الدين الخ …في الدكتور داهش”، ومُصنَّف آخر اشتمل على “آراء الأدباء والصحفيين والسياسيين ورجال الدين الخ …في الدكتور داهش “.

 

المؤلَّفات المُعَدَّة للطبع عن الدكتور داهش والداهشيَّة

من المؤلَّفات المُعَدَّة للطبع في هذا الموضوع :” الوقائع الداهشيّة ” في 40 جزءاً للشاعر الداهشيّ حليم دمّوس ؛ و”داهش الهادي الحبيب” للدكتور غازي براكس الذي يتناول مُصنَّفه في أجزائه الثلاثة حياة الدكتور داهش وشخصيّته الفذّة ومؤلَّفاته المُعجزة ، وخوارقه المذهلة ، وتعاليمه الباهرة الخ … وكذلك كتاب ” البشير النذير” الذي يتحدَّثُ فيه الدكتور براكس عن مَلْكوت الظُلمة المُتلاشي ثم عن مَلْكوت النور الداهشيّ الذي أزف إشراقُ شمسه ؛ و”الدكتور داهش مُؤَسِّس الداهشيّة ” لباسيل دقائق ، ويتضمّنُ طفولته وشبابه وأدَبه وخوارقه وموته ثم بعثه : و”حياة الهادي الحبيب” للأديبة زينا حدّاد الداهشيّة ؛ وغيرها الكثير من المؤلَّفات التي ما تزال في طور الإِعداد .

 

كيفَ يكتُبُ الدكتور داهش

بلغت مؤلَّفات الدكتور داهش حتى الآن مئة مُصنَّف أدبيّ ونيّفاً : هذا فضلاً عن الكتب السوداء التي مرَّ ذكرها آنفاً وقد بلغت 66 كتاباً .

ويعود سببُ غزارته لأنه يكتبُ بسرعةٍ مُذهلة ، هي سرعةُ النسر المُحلّق المُنْطلق من فضاءٍ إلى فضاء ، مُوزّعاً منشوراته على أجنحةٍ طليقة الصَّفْق ، مدفعيّة القَصْف ، أبديّة البَرْق ، في الغرب وفي الشرق !

فكتابه المُعجز ” مذكرات دينار” المنطوي على نحو 300 صفحة كَتبَه في خلال اسبوع واحد . يقولُ حليم دمُّوس الذي حضرَ عمليّة تأليف الكتاب ثم بيَّضه :

” نعم ، إنَّ هذا السِّفْر الضخم الذي ألمَّ فيه الدكتور داهش بكلِّ صغيرةٍ وكبيرة في أكثر شؤون الحياة وأدقَّها ، والتي غاصَ إلى أعمق أعماقها ، وحلّلها تحليل الخبير الماهر ، لم يستغرق في تأليفه من أَلفِه إلى يائه أكثر من سبعة أيّام لا تزيد ساعة واحدة !” (35).

أمّا عن كتاب ” خيال مجنَّح أو حياة الأحياء في القمر “، فيصرّح الأستاذ إيليّا حجّار في مقدّمته له قائلاً :

” والغريب في الأمر أنّني كنتُ حاضراً حينما كَتبَ داهش هذه التخيّلات البالغة بغرابتها ، ولم يستغرق بكتابتها أكثر من ساعة !

فقد أمسكَ بالقلم ، وراح يدَوِّن أفكاره المذهلة ، بسرعةٍ عجيبةٍ غريبة دون أن يتوقَّف إطلاقاً ، ودونَ أن يشطب أيّة كلمة فيها .

وإنّي أتحدَّى أيَّ كاتب أن يستطيع كتابة قطعة تُضارعها بالغرابة ؛ كما أتحدّى الجميع أن يستمرّوا بكتابتهم ساعة تخلقُ بنهايتها قصَّةً رائعة … كهذه القصّة المُعجزة !” (36).

وعلى هذا المِنوال نسجَ جميع تصانيفه .

والدكتور داهش يكتبُ ولا يمحو ، ولا يُكرّر إعمال الفكر في إنتاجه ، ولا يترقَّبُ إلهاماً . أقولُ إنه يكتبُ بسرعةٍ عجائبيّة !

وإذا كان بن جونسون يذكرُ في مقالٍ له أنَّ شكسبير ” لم يمْحُ سطراً ممّا كان يخطّه “، فأنا أقول : لو قُيِّض لشكسبير نفسه أن يُعاين سرعة قلم داهش المُدهشة ، لاعترف قائلاً :” ما أبطأ قلمي ! وما أجفَّ فكري!”.

والدكتور داهش لم يدخل الكليّات والجامعات ، ومع ذلك فقد منحه معهد ” له ساج LE SAGE” في باريس شهادة دكتوراه عام 1930 بعدما قام بمُعجزة خارقة أمام 150 شخصاً من المُتخصّصين في الأمور النفسيَّة والروحيّة (37).

 

ولم يتلقَّ من العلم إلاّ النـزر اليسير ، إذْ قضى في ميتم غزير عدّة أسابيع، وكان ما يزال في عُمرِ الطفولة .

ويُعلّق باسيل دقّاق على ذلك قائلاً :

” ولكنَّ القوَّة العليا التي كانت تُسيِّره ، ورسالته المقدّسة التي كان يسعى لإتمامها ، وروحانيّته السامية ، والوحي العلويّ العجيب الذي كان يُسيِّر خُطاه ، كلّ هذا جَعلَ منه أديباً لا يُضاهى ، وكاتباً كبيراً يُنافس أكبر الكُتّاب والمُنشئين الذين قضوا نصفَ عُمرهم في تلقّي الدُروس والعُلوم في أشهر الكلّيات والجامعات “.

وداهش كان يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً ، عندما خطَّتْ يراعتُه المُعجزة أولى المقطوعات الأدبيّة . ثم … تفجَّرت ينابيعه الغزيرة بتدفّقها ، فكانت تصانيفُه الموّاجة بمعانيها الوهّاجة !

ومُؤَسِّس الداهشيّة حريصٌ الحرصَ كلَّه على الوقت ، وعدم هدره دون منفعة ، وسفحه بلا إفادة ، فهو يقضي مُعظم يومه في المطالعة والكتابة ” فأحياناً كثيرة ينهضُ في منتصف الليل ، ويظلُّ دائباّ على الكتابة إلى أن يتنفّس صدرُ الصّباح “(38).

وكم وكم من المرّات عاينّا داهش الأديب ممسكاً بورقة وقلم ، ليُدوّن قطعةً أدبيَّة أو قصَّة ، أو يستجيب لطلب ، أو ليردّ على مقالٍ افترى صاحبه عليه، فيردُّ كيده إلى نحره ويُدينه من فمه … فهو يُحَبّر شتّى الموضوعات بمختلف الأساليب ، بعفويّة تامّة ، مُرْسِلاً كلماته على سجيّتها ، دون ما تدقيق أو تصحيح أو إعادة نظر … ناسجاً الأفكار عفو الخاطر … وفي نظري ، هذه مُعجزة أدبيّة مُدهشة تُضافُ إلى معجزاته الخارقة .

ثم …يجمع الإخوة الداهشيّون أوراقه المُبعْثرة هنا وهناك ، ويبيّضونها ، وإذا بها تؤلِّف كتاباً يُنعش النفوس ، ويهزّ القلوب ، ويُسكر العقول !… ويُزيّنُه المؤلِّف براقي فنّه ؛ فإذا هو محبٌّ للخطوط الجميلة ، مؤثر أناقة الطباعة ، وفخامة الإخراج ، مولعٌ باللوحات الزيتيّة الفنيّة ولعاً عجيباً غريباً ! ولشدَّة شغَفِه بها وعُشْقه لها توافرت لديه مجموعاتٌ من اللوحات المتحفيّة ، وهي تُعَدُّ بالمئات .

وقد كلَّف فنّانين عالميّين برسومٍ استوحى موضوعاتها من بناتِ خياله ، وراقيات أفكاره ، لتُجمِّل بعض كُتُبه :” كالجحيم” ،و”مذكّرات دينار “، و”عشتروت وأدونيس”، و”نشيد الأنشاد” وغيرها .. حتى اجتمعت في آياته الخالدات فنونُ الأدب والرسم وأناقة الطباعة وجمال الخطّ .

ولنسأل الشاعر حليم دمُّوس الذي عَايَشَ هاديه ، وعَايَنَ قلمه ، فيُجيبنا :

” قلمٌ جرى فوق الطروس لداهشٍ           ناجى به وحيَ السماءِ طويلاً

ببدائـع هَبَطَتْ عليـه من عَـل           وروائع قد تُزِّلـتْ تنزيـلاً

كلماتُ إلهـام  وآيـةُ حكمـة            تُملى عليه بُكرةً  وأصيـلا

فترى من التـوراة فـي أوراقـه           وترى بها القرآن والإنجيـلا

هـي وحـدةٌ روحيّـةٌ بيراعـة           تجري فتُنعِش أنفُساً وعقولاً “

أسلوب الدكتور داهش

 

يقولُ الشاعر الكبير بولس سلامه :

” فإذا أنتَ أنعمت النظر في هذا القلم المُلهم ، أطْلَلْتَ على آفاق كلّما بلغتَ واحداً منها أشرفتَ على آخر ، واكتحَلَتْ أجفانُكَ بالسِّحْر على قدر استعدادك . فإنَّ ما وراء السطور أعجبُ ممّا في السطور نفسها “

أجل ، إنَّ ما وراء السطور أفكاراً حيّة لا تموت لسموّها وصدقها ، إذْ تهبطُ أشعّتُها من عوالم الحِكْمة الإِلهيّة ، والحقائق السرمديَّة ، بنبوّتها الأبديّة .

فإذا كتبَ الدكتور داهش أصابَ كبد الحقيقة ، ووضع رصاص قلمه على جراح الحياة ، ففكَّك لُغزَ الممات ، وأبانَ عن الأسباب والمسبِّبات . فهيهات أن يُضارعه أديبٌ أو يُماثله شاعرٌ هيهات !

وإذا ما قرأتَ أوصافه لخِلتَ نفسك تسبح معه على قمّة “أولمب” جديد يحفل بالأرباب والربّات ، ويموج بالآلهة والالهات ؛ أو تعرُج معه إلى الكواكب القصيّة ، هنالك حيثُ الملائكة الأطهار ، والإخوة الروحيّون الأبرار ، وتلاشي الأسرار .

أمّا خيالُه المُجنَّح فيُرنِّح القارئ برِيَادة العالَم الثاني حيث لا عدّ ولا حصر للمغاني ، فيتركك ، بعد ذلك ، تفكر في مصوِّر الكائنات ، ورافع السماوات .

ووردَ في تعريف ” ضجعة الموت” للأديب خير الدين الزركلي :

” ونصيحتي إليك ألاّ تقتصر ، في قراءة الكتاب ، على المرّة والمرّتين ، بل أن تتجاوز هذا الى المرّات … ففي كلِّ مرَّة تقرأ الكتاب ، ينكشف لكَ شيءٌ جديد ، ويُطالعُكَ شكلٌ جديد ، ولونٌ جديد … وهنا سرُّ الجمال ! بل هنا سرُّ براعة الدكتور داهش ، وانفراده دون جميع الأدباء بالتفوُّق الملحوظ !”

سرُّ الجمال ؟ يكمنُ في يراعته التي تنساب منها العفويّة الجماليّة ، كما الشمس تُرسل أشعّتها الحييّة تلقائيّاً ، على كافّة أرجاء الكرة الأرضيّة .

وتُرافقُه نغماتٌ موسيقيّة هي صَدْحُ العنادل تارةً ، وخريرُ الجداول أخرى، وتترقرق السهولةُ في الألفاظ ترقرقاً عَصِيَّ التقليد مُمتنعه ، ليسيل في سهل التأثير ، فيسقي النثر الشعريّ .

ألا أهلاً بشعر نُثِرَ على بساط الرقَّة والشعور .

وأدبُه بعيدٌ البُعدَ كلّه عن التصنُّع والغموض ووحشيّ الألفاظ ، والزخارف البديعيّة والتصنُّعات الإنشائيَّة . إنّه أدبٌ ينمو في مخصاب الروحانيّة ، معتنياً بالجوهر ، راذلاً المظاهر الخادعة ، والأشكال الزائفة ، والتكلُّف الباطل … لذا تتدافع كلماتُه بعضها لِصْقَ بعض ، تدافُع الأمواج ، فتنتظم حُرَّة في زَرَدِ أفكاره ، وسِلْكِ جُملِه . فالألفاظ عنده وسيلةٌ لغاية معنويّة سامية .

“الله ما خطَّتْ يمينُك داهش           من رائع الكلمِ البديعِ الغالي

كَلِمٌ من الدُرِّ النَّضيد مَعينُها          كَلِمٌ من النَّمطِ الرفيع العالي “(39).

يخطّ أديبُنا الكبير ، فتندفُ سماء قريحته الشاسعة بإبداع خلقه ، ويبتسم نوْرُ كلماته بماءِ إعجازه ، وتتفتَّحُ ورودُ كلماته بالحيوات المضمَّخة بالتقمّص ، وتطفو لآلىءُ أعماقه على صفحات كُتُبه ، فيُثري – وأيم الحقّ – العالم بكنوزه ، ويُقدّسه بمعجزات رموزه ! وبكلمة ، فإذا أوجز بَلَغ ، وإذا أطال نَبَغ !

وقُصارى القول إنه نسْغٌ أدبيّ مُمجَّد في دوحة الإنسانيّة ، يستلُّ طيبها من لُبّها ، ويترك القشور لأصحاب القشور القابعين في ظُلمات جهالة الجحور ، والسابحة فوق رؤوسهم خفافيش الديجور !

وإنَّ شمس أدبه لن تعرف المغيب ، وستستضيء العُقول لأشعّتها المُحيية ، وستبقى أبداً ساطعةً فوق جامعات هذا العالم ، وستُحرقُ المُكابرين والنُقّاد الزائفين بلهيب الحقّ ، وستُدهش الخلْق !

فمن هو الأديب الذي أُنشئَتْ فيه وفي أدبه عشراتُ الدراسات رغم مُعاداة الدولة له ، وتضييقها الخناق على نشر كُتُبه وتوزيعها ؟!

من هو الأديب الذي نُصِبَتْ أمامه سدود ، ووُضِعَتْ له حدودٌ وقيودٌ فاخترقها ، وأكمل طريق الجهاد العجائبيّ بخطواته الثائرة ، وآثاره الهدّارة القهّارة !

إنّه داهش : الأديبُ المُعجزة بمؤلَّفاته الخارقة الجبّارة !

وبعد هذا ، وبعد مئة مصنّف أدبيّ ونيّف ترفضُ الجامعة اليسوعيّة في لبنان بحثاً عن ” مذكّرات دينار” للحصول على شهادة الماجستر في الأدبِ العربيّ للآنسة إيلين ضاهر ! ويدَّعي اساتذة هذه الجامعة “المحترمة”!!” جهلهم لأدب الدكتور داهش ! …. ربّما يعود ادّعاؤهم للتخلّص من تنديد المؤلِّف برجال الدين وإظهارهم على حقيقتهم الباطنيّة ؛ إذْ في هذا الكتاب ” الصرخة (الداهشيّة) الجبّارة التي تُردِّدُ أصداء الصرخات الإِنجيليّة الحقّة وتعملُ على تنفيذها تنفيذاً حقّا ” حسبما أعلنت أمُّ المُجاهدات الداهشيّات الأديبة الكبيرة ماري حدّاد .

ونتيجة رفضهم دراسة “مذكّرات دينار” استقال الدكتور غازي براكس من جامعتهم ، واستغنت الطالبة الداهشيَّة عن ثقافتهم المُسيَّرة المستعبَدَة ، كما سبقَ أن استقالَ الدكتور جورج خَبْصا مُتخلّياً ” عن منْصبه كأستاذ للطبّ في معهد الطبّ الفرنسيّ ، احتجاجاً على مقال نشرتْه جريدة “البشير” اليسوعيّة ضدّ الدكتور داهش ، سنة 1942″(40).

فالداهشيّ صاحبُ عقيدة لا طالبُ شهادة ووظيفة .

وبينما ترفضُ اليسوعيّة دراسة جامعيّة عن ” مذكّرات دينار” ، ينالُ الاستاذ فوزي برجاس شهادة الماجستر في الأدبِ الانكليزي بفضلِ دراسته “لمذكّرات دينار” نفسه ، وذلك في جامعة مانكاتو بولاية مينيسوتا الأمريكيّة ، ويُعِدُّ الكثيرون أطروحات دكتوراه في مختلف جامعات العالم حول أدب الدكتور داهش الفذّ !

فلينتظر المخادعون والمنافقون والمُكابرون الآتي القريب ، وكلُّ آت قريب، حينما تَرِدُهم أخبارُ أبحاث ودراسات مستفيضة خطيرة عن شخصيّة الدكتور داهش الخارقة ، وتراثه الأدبيّ الغزير المجيد ، وترجمة مؤلّفاته المبدعة لمختلف اللغات العالميّة .

وختاماً ، لا يسعُني إلاّ الاعتراف بأنَّ داهش سيبقى – مهما قيل فيه – فوق طاقة القلم ، فوق جبلة الأرض ومَنْ عليها ، بأعماله المُعجزة ، وتعاليمه المُعجزة ، وأدبه المُعجز !

] ذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم [ .

مُلاحظة : جميع الشواهد التي وَرَدت في هذه الدراسة والتي اقتبستُها من آراء الأدباء والنُقَّاد ولم تُذكَر مصادرها في الحواشي ، يُمكن العثور عليها في سلسلة الدراسات المسمَّاة :

جولة في روائع الدكتور داهش الادبيّة

والتمتّع بكنوزه الفنيّة

 

 

 

 

هنيئاً لك خلودك

يا أنبل النساء !

 

 

” روح تنوح” كتابُ مراثي الدكتور داهش في الطاهرة النقيّة ، والمخلصة الوفيّة ، والمؤمنة التقيّة ، ماجدا حدَّاد الداهشيّة ، شهيدة الرسالة الروحيّة الأولى .

فما أجمل يراع المُعلّم وهو يرثي تلميذته ذات السيّال الفائق ، والشعور الدافق ، الحائزة الرّتبة الأولى في محنتها الدنيويّة ، وتضحيتها الإنسانيّة ، بأسلوب سهولته ممتنعة ، وبساطتُه إعجاز، وعباراتُه صادقة ، ونبوءاتُه حقائق واقعة صادعة .

وماجدا ( ولدت في 29 شباط 1916 ، وتوفّيت في 27 كانون الثاني 1945) شريفةُ الأرومة عريقتُها ، راسخة الإيمان صلدتُه ، عظيمة العقيدة ثابتتُها، نافذة الكلمة منفّذتُها ، واسعة الثقافة عميقتُها …

هي سليلةُ بطلين داهشيّين ، ومُؤَسِّسين ركنين مرموقين هما : ماري وجورج حدَّاد ، وأخت لآندرة ( زوجة جوزف حجّار الداهشيّ) وزينا حدَّاد المجاهدة .

اعتنقَتْ هذه العائلة العقيدة الداهشيّة عام 1942 ، بعدما لمَسَت الخوارق، وعاينت المُعجزات ، وحضرت الجلسات الروحيّة . فآمنتْ بمُؤَسِّس الداهشيّة الإيمان كُلّه ، ولازمته في سرّائه وضرّائه ، مسجِّلةً اسمها في عداد أوائل المؤمنين المكافحين .

وقد هالَ رئيس الجمهوريّة ، آنذاك ، بشارة الخوري وزوجته لور – خالة الضحيّة- اعتناق عائلة حدّاد العقيدة الداهشيّة ، وغاظهما تشبّثهما بهذا الدين الموَحّد فيه رسالات النّاصريّ والقرشيّ وموسى النبيّ ، فكان ما كان من : نَفْيٍ وتجريد ، وسجْنٍ وتشريد .

شرّد الطاغية (الحبيب) ، فسجّل على نفسه أن يكون (البغيض) الملعون في الحياتين : الدنيا والآخرة !

نَفَى الباغية (داهش) ، ولكنّ (داهش) مكثَ بين أتباعه الُمجاهدين رُغْمَا عن مُرتكب جريمة القرن العشرين !

جرَّدَ المُتعسّف (الهادي) من جنسيّته ، فجرَّدت السماءُ (الضّال المضلّل) من حياته ، وسجّلت اسمه بسجلّ الطُغاة البُغاة !

سَجَنَ (عبد) الشهوات الأرضيّة (رسول) العناية الإلهيّة ، فسَجَنَ نفسه في الدركاتِ الجهنّميّة !

لهذا كلّه ، ولأنها أرادتْ أنْ تنتقم (للحبيب) المُشرّد ، والبريء المُضطهد ، فَمُنِعَتْ عن ذلك ، انتحرت ماجدا حدّاد ، وضحَّتْ بنفسها لكي تُسمع صوتها للرأي العام اللبنانيّ والعالميّ ، فتدوّي صرختُها في أرجاء الأرض ، وتترجَّع أصداؤها في مسامع الدّهور !

تلك المخلصة التي هويت (الحبيب) فبادلها هواها ، وتبدَّت له رؤياها ، فناجاها وحاكاها ، وخلَّد انتقالها إلى العالم الآخر في كتابٍ رجَّع صدى ذِكْرَاهَا . فواهاً على ما فات واها !!

والمؤلّف يخاطب تلميذته المفدّاة في “روح تنوح” واعداً إيّاها بانتقامه لها أضعافَ الكَيْل :

“سأحاسبُهم حساباً عسيراً جدّاً ، يا ماجدا ،

وسأدَعُ مآقيهم تذرفُ الدّماء عِوضاً عن الدُّموع ،

وما أذاقوني إيّاه بالكؤوس فسأجرِّعهُم إيّاه بالبحيرات “.

ونهاية هذا الثعبان المُعتدي وأفعوانته السّامة تبدو جليّة في هذه الكلمة ، فاسمع المُؤدِّب يقول :

نعم يا ماجدا !

إنّ نهايةَ هذا الجلف الدنيء ستكون مروعة ،

وسيقصُّها الخلف عن السلف ، ولكن بذعرٍ رهيبٍ جداً .

أمّا (الافعوانة) النّاضحة بالسمّ الناقع وبقيّة أعوانها الأدنياء ،

فيا لقصاصهم الذي سيدوِّنه التاريخ كالأساطير الخالدة “.

فما كان أغناهما عن العذابات التي ستلاحقهما ما دامت السيّالات ، وما دامت الحياة متواصلة الحلقات !

رجلٌ واحدٌ أعزلْ ، لكنّه قويٌّ بالروح حاربَ دولة الظّالمين ، فانتصر عليهم جميعاً ، وكُلُّ انتصار في النهاية للحقّ لا للكثرة ، طبقاً لقوله تعالى :

 ] وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله [ (سورة البقرة :249).

وعقابُ التاريخ شديد ، فهو لا يغفر الاعتداء على الأبرياء ، بل سيلعن الظالمين حتى يوم الدين .

وإنّ داهش المؤدّب ، وسيف الله المرعب ، سيُنكّل بأعدائه تنكيلاً ما بَعْدَه تنكيل ! فالويل للمعتدين يوم الدين !

أمَّا حُسام الداهشيّة المُسلّط فوق رؤوس المُجرمين ، فإنه يبترُ وسيبترُ أعناقَ كلَّ من اعتدى وافترى ، وسكتَ عن الجريمة وما جرى !

فليستيقظُ النائمون ، وليعلمُ المُتجاهِلون بأنّ العدالة الإلهيّة شرعتْ في الاقتصاص !

وحادثة اضطهاد مُؤَسِّس الداهشيّة عِبْرَةً للمجرمين الظّالمين ، فاتعظوا- يا بني الغبراء – ثمّ عظوا .

وماجدا – ملازمة تقمّصات مُؤَسِّس عقيدتها السابقة ومرافقة حياته الأرضيَّة – سيتجدّد لقاؤُه لها تكراراً في جنّات الخُلد ، هناك ، حيثُ النور والبهاء والسناء والضياء .

إنّ الإنسان يحيا ليموت ، ويموت ليحيا ، وهكذا دواليك حتّى بلوغ أعلى درجة أو أسفل درك !

والدكتور داهش يتمنّى الإسراع في خَلْعِ قميصه المادّي ، ليجمعَهُ سيّاله الروحيّ بالتي اصطفتها روحه ، واستشهدتْ لأجلهِ ، وشقيتْ لإِسعاده ، فيحاول السفر إليها ، إلاّ أنّ القدر يجيببه :

“رويدك يا حزين الرّوح !

رويدك ، فعمّا قريب تُزَفُّ إليك عروسُك السّماويّة “.

وهكذا فسيلحقُ بها في الملإ الأعلى ، والجوار الأسنى ، بعد إنجاز مهمّته المُعطاة له من السماء ، أي رسالته الرّوحيّة ، فالحياةُ الأرضيّة قصيرةٌ مهما طالت .

نعم ، سيلتقي من بكاها بكاءً صارخاً ، مدوّياً ، إذ خلَّفتهُ وحيداّ ، فريداً، غريباً ، في هذا العالم الغريب المُريب .

ومؤلِّف هذا الكتاب يهيب بالعوالم أن تهتزّ لهذه الفاجعة الرهيبة الأليمة :

فلْيبك الكونُ ، ولتضطرب العوالم ،

لأنَّ ماجدا قد ذهبَتْ عنّي بعيداً ،

وخَلَّفتْني وحيداً فريداً ،

حليفَ البكاء ، ربيبَ العناء ، سميرَ الشقاء ،

أليفَ السهاد ، رهيبَ الجهاد ،

أهيمُ في البلاد ، أتيه في الوهاد !

إبكِ إبكِ يا قلبي الحزين ، إذ فقدْتَ الخَدين ،

وانتحبي وانتحبي يا روحي الشقيّة !”

وإذا ما تفهّم القارئ هذا الكتاب ، وسبر أغواره ، وخاض بحاره ، وفضّ أسراره ، فإنّه يشعرُ بتلك النفس الناضحة بالآلام ، والعين الملأى بالدّموع ، والقلب المثقل بالأحزان ، والسيّال المشحون بالعذاب ، والطبيعة المغمورة بضباب الكآبة ، والكلمات المتدفّقة بجحيم الذّكريات ، والقلم الصابّ جام غضبه ، والقاذف سيول لعناته على بشريّةٍ اضطهدَتْ ولمّا تزل تضطهدُ الأنبياء ، وتسجن الرّسل ، وتفتك بالأبرياء .

وما الاضطهاد – في حقيقته – سوى نتيجة لتباين سيّالات الأنبياء العلويّة، وسيّالات البشر السفليّة !

… ها قد مضى أربعةٌ وثلاثون عاماً على استشهادك الذي خلّدك في هذا الكتاب حمامةً ذبيحةً ، يمامةً طاهرة ، ظبيةً فردوسية ، زهرةً نديّة ، زنبقةً ناصعة الفتنة ، غادة الأحلام ، شهيدة الحبِّ والإخلاص ، روحاً زكيّة ، درّة غالية ، لؤلؤةً ثمينة ، طيفاً نورانيّاً ، مثلاً أعلى … يا أطهر عذراء ، وأنبل النساء !

فهنيئاً لكِ خلودك في هذا السفر النفيس .

بيروت ، في 21/3/1979

كتاب “قصص غريبة وأساطير عجيبة”

جواهر كنوز وفكّ طلاسم ورموز

 

” قصص غريبة وأساطير عجيبة “! هوذا جزؤُه الثالث يبصر النور في عالم الدّيجور ، ويظهر إلى الوجود ليدهش الموجود .

إنّه موسوعةُ حياةٍ وممات ، عقابٍ وثواب ، سيثيرُ ضجّة فكريّة مزلزلة في عالم الأدب والأُدباء .

فأساطيره جواهرٌ وكنوز ، وقِصَصه فكُّ طلاسم ورموز ، ولا يمكن قلماً بشريّاً أن يُضارعَهُ سطوعَ حقائق ، ويماثله تدوين وثائق .

وقِصَصُه القصيرة تفضُّ خَتْم الماورائيّات ، وتنفُضُ شجرةَ الإنسان ، وتفتحُ مغاليق باب التقمّص ، وتسبر أغوار النفوس البشريّة ، مشرِّحةً إياها تشريحاً معنويّاً !

إنَّ موضوعاته لمستقاةٌ من صميم الحياة الواقعيّة ، وعُقَدَهَا مُحكمةُ الحبك، وحلّها هو الكلامُ الفصلُ والحكمُ العدلُ !

وإذا استشْفَفْتَ مغزى هذا الكتاب ، لتلقّنت من خلال سطوره أسمى الدروس والفوائد ، وأغنى العِظات والعِبَر ، بعد تجلّي العدالة الإلهيّة والنظام الربّاني السائدين أبداً في العوالم الروحيّة والماديّة على حدٍّ سواء .

ومُعظمُ قصصه تدورُ حول المرأة التي لا تدرك مسؤوليّة الحنث بالقَسَم ، وخيانة الزَّوج و… فتبدو على حقيقتها الباطنيّة بنزعاتها وأفكارها وميولها وغاياتها، بعد تمزيق ستارها الخارجيّ البرّاق الذي يبهرُ البصر ليُعمي البصيرة !

وكما المرأة ، كذلك الرّجل ، لذلك لا مناصَّ لهما من القصاص ! فالشهوة والمال ربَّا جسدهما الفاني ، باستثناء الذين يتمتَّعون بسيّالٍ نقيٍّ تقيٍّ صاف ، مُحافظين على طهارته السماويّة ، ولمّا تشِبْهُ دنايا الأرض وسفالاتها !

والمال ؟ يا لَهُ من معبودٍ حقير ، آمرٍ ، ناهٍ ، في هذا العالم الدّاهي ! كذلك توضّح قِصصه الكيفيّة والسبب لوجود بعض المخلوقات على الأرض كالنحلة والفراشة والوردة ، إذ لكُلِّ مخلوقٍ قصّة خَلْق !

ويميطُ اللثامَ عن حقيقة الموت ، فإذا هو وسيلة نقل سيّالات إلى عوالم روحيّة وماديّة ، ويُظهر الكاتب أنَّ كلَّ إنسانٍ يُعَاقبُ ويُثَابُ حسب ما يُمليه عليه دينُه .

فأبطال قصصه يتوخّون الموت ويتمنّونه ، إذ فيه خلاص سيّالاتهم من عالم عشّشتْ فيه الرذائل وكثرت الدّواهي .

وكم من بطلٍ قتل نفسهُ بقوسِ إخلاصِه المِرنان ، إذ يعتبر الموت خيراً هاجماً ، بينما يظنّه البشرُ شرّاً داهماً ، فيبلُغُ سيّاله المرتقى حيثُ الملتقى .

وتنتقل بخيالك مع الكاتب إلى كواكب عُلويّة لن تخطر على فكر إنسان ، ككوكب فومالزاب والسّادلاييم ، واسمانديون والماهيا هوبال ومايا ، فتتعرّف على سُكانها ، ونظام حياتهم ، وطريقة انتقالهم ، ومُنجزاتهم وأشكالهم ، وأعمارهم وزمنهم ، وعاداتهم وتقاليدهم ، وعلى طيرهم ونباتهم ، ومائهم وسمائهم ، فتشاركهم اللذّة بفكرك ، فكيف بك لو زرتهم بسيّالك ؟

فمخلوقاتُ هذه الكواكب الموغلة في المسافات الشّاسعات ، والمُمتدّة في الفضاء اللانهائيّ ، تزور عالمنا مزوِّدة إيّانا – إذا سُمِحَ لها بذلك – بمعلوماتٍ عن كواكبها ، تاركةً أثراً ولو يسيراً من زيارتها الكونيّة ، وتأخذ بدورها تقريراً عن عالم البشر ومخلوقاته وكيفيّة بناء مساكنهم وآخر اختراعاتهم ومنشوراتهم الخ الخ …

وداهش الأديب يُدهشُ عالم الأدب بمُعجزات كتاباته الخارقة بكشف طوايا النفوس وفضح خبايا القلوب !

ما أن يتناول قلمهُ حتّى تسيل كلماتُه على الأوراق سيلان الماء في الوادي، فيبدع – وأيم الحقّ – أيّما إبداع !

وليت شعري ! كيف يستطيع إخراج قصصه وأساطيره بهذه السّرعة الفائقة ، والمستعصية على العقل البشريّ المحدود .

إنّي أخاله يفتح ” جارور اللوح المحفوظ”، فيُطالع عناوين رئيسة من سِفْرِ حياتي ، أو أحسبُه يُشاهد فلما روحيّا يُعرض له بشريّاً ، أو ترتعِشُ فيه الرّوح فتلهمه الشّروح !

أضفْ إلى ذلك أنَّ الزمان والمكان مطواعاً سيّال قلمه الجبار ، وحكمه البتّار .

تطالع قصصهُ ، فتسلُبُ منك النّهى ، وتدهشك الرُّؤى ، ببسيط مبنى وعميق معنى .

وقد فاضَتْ قريحتُه ، ونضحتْ يراعتُه بمقطوعاتٍ أدبيّة وردتْ على لسان أبطاله ، فزادت القصصَ سحراً على سحر ، وأخْرجَتْهَا آيات خيال ووثائق جمال .

أمّا لغته فتسكرنا بجمال ألفاظها ، وببعدها البعد كلّه عن الزّخارف البديعيّة ، والتصانيع الإنشائيّة ؛ وتشجينا أوصافه الفردوسيّة الخلاّبة ، ويطربنا خرير عباراته المنسابة في جدول سرده الأخّاذ بمجامع الأفئدة .

إنه – باختصار – سِفْرٌ سهْلُ القراءة ، عصيّ التّقليد ممتنعُة .

وقد حلّق بخياله الواسع الشاسع في سماءِ اللامحدود ، ثم انقضّ على الحقيقة الواقعيّة المؤلمة انقضاض النّسر على بُغاث الطير ، ناهشاً حقيقتها المادّية الواهنة ، مؤدِّباً إيّاها تاديباً روحيّاً عادلاً .

تنقاد له ، فيحدو لك حداء الماضي والحاضر والمستقبل ، بلسان معرفته الروحيّة : كشّافة المجاهل ، فضّاحة المعميَّات ، علاَّمة الغيوب ، جوَّابة النفوس .

وإنني لأُعلنُ جهاراً نهاراً إيماني الوثيق بالتقمّص ، وبأنّ حياتي الحاضرة هي نتيجة حيوات ماضية ، وحصيلتها ستكون الآتية .

وللتقمُّص سرٌّ جوهريّ هو في خطوط نورانيّة من نسيج الرّوح ، وما الأجساد في الإنسان والنبات والحيوان والجماد سوى أزياء سيالات نرتديها – كما فصّلناها – زمناً معيّناً في عالمٍ معيّن . فنحنُ إذاً من السيّال نولد ، وبه نحيا ، وإليه أبداً نعود !

وبما أنّ تركيبَهُ جوهريّ ، نورانيّ ، أشعاعيّ ، فمن المستحيل رؤيته بالعين المجرّدة ، فهو كالهواء موجود لكن غير منظور .

ومن المستحيل لأي بشريّ مهما بلغ فكره ، واهتدت روحه ، وطال نُسْكُه ، وسمتْ نفسه ، ونقتْ سيّالاته ، معرفة تقمّصٍ واحد من تقمّصاته السابقة ، لأن السيّال يكتنفه النّسيان ، فسبحان حِكمة الديّان في الإنسان .

ويتمتَّع كلٌّ منّا بصفاتٍ عالقة من تقمّصاته السّابقة ، وما الحالات النفسية سوى صدى هذه السيّالات في جسده .

وتوضح هذه القصص أنّ الإنسان ليس أرقى الخلائق ، بل أرقاها من كان أسماها في سيّالها ، وأتقاها في إيمانها ، وأنقاها في أفكارها ، وأصفاها في نيّاتها ، بغضِّ الطّرف عن صورتها الماديّة .

وما تكرار الحيوات – خاصّة في عوالم الماديّات – سوى نتيجة للشّرور والشّهوات ، والميول والرّغبات ، والإتجاهات والنّزعات .

والرّحمة الرّبانيّة تخوِّلنا التردّد إلى كواكب ماديّة آلاف المرّات ، وإنَّ هذا العدد لكافٍ في بلورةِ جوهر سيّالنا ، وإفساح المجال لنا في بلوغ أعلى درجات النعيم درجة درجةً ، حيث السّعادة الأبديّة ، أو الهبوط إلى أسفلِ دركات الجحيم دركةً دركةً ، حيث العذابات الدّامية .

إذْ يكاد يكون مستحيلاً عقليّا بلوغ بوذا وسقراط وعلى بن أبي طالب وغاندي مثلاً هذه الدّرجة من الرّوحانيّة في تقمُّصٍ واحد !

قال بوذا الفيلسوف الهنديّ ، ومؤسّس الدّيانة البوذيّة التي يعتنقها خمس مائة مليون بشريّ :” كنّا بالأمس في هذه الحياة ، وقد جئنا الآن ، وسوف نعود حتى نصير كاملين مثل الآلهة “.

وتُعلّمنا هذه القصص أنَّ من أخلص يُخْلَص له ، ومن أحبَّ يُحَبّ ، ومن أحسنَ يُحْسَنُ إليه ، ومن قتل يُقْتَل ، ومن سلبَ يُسْلَب ، ومن أذى يُؤذى ، فما زرعه الإنسان إيّاه يجني .

والحقيقة التي لا يختلف فيها مؤمنان ، أنَّ كلَّ خائنٍ موقفُهُ الشائن عليه حائن ، وأنّ الظالمَ إنّما يظلم نفسه .. فالحيوات متعدّدة ، والقِصاص متنوّع ، والثواب مختلف ، والعدالة واحدة !

أمّا سيّال الإنتقام فيسري في جسد الإنسان أو الحجر أو الشجر أو الشيطان نفسه إذا لزِمَ الأمر. فكما يتكلّم الإنسان ، تتحاور النباتات ، وتتحدث الجمادات ، وتنطق الحيوانات ، وإن تباينت اللغات !

طوبى لنا – نحن الداهشيّين – الذين سمحتْ لنا سيّالاتنا بمعرفة غابرنا ، فأدركنا أنّ عمل الإنسان يحدِّد سيّاله ، وسيّاله يحدّد عالمَه ، وعلينا أن نتضرّع إلى الله – جلّت قدرته – بآيات الحمد والشّكر ، لأننا نعيش مع داهش ، وفي عصر داهش ، وفي عالم داهش ، فنتبصّر بعجائب داهش ، ونطالع نفائس داهش !

أما أنتَ يا قارئ هذه القصص ، تفكر بها وتأمّل …

فالإِضاءَات وراء الكلمات ، والدَّوحات في بَذرات ، والمغزى خلف المعنى، والعِبرةُ طيّ العَبْرَة .

واعلمْ عِلمَ اليقين بأنَّ لك حيواتٍ ماضية وآتية ، فاضبط نفسك ، وطهّر سيّالك ، لأنّك لا تدري متى توافيك المنيّة .

وأنتم يا فلاسفة الحياة ، ويا عشّاق الحقائق ، ويا نسّاك الصّوامع ، ويا بحّاثة العلوم ، ويا جهابذة الأدب :

إستقوا الحقائق الرّوحيَّة الكبرى من سِفْرِ التقمُّص الرّائد :

                            “قصص غريبة وأساطير عجيبة

بيروت ، في 12/5/1979

حول أدب الدكتور داهش

 

                     ” عشتروت وأدونيس ” للدكتور داهش

                                       أو

                                خلق أولمب جديد

حول أدب الدكتور داهش

يعزُّ عليّ أن أقدِّم كتاباً من إنتاجِ الدكتور داهش ، لأنّ الكتابة عنه ليست بالأمر اليسير ، وعلينا أن نتهيَّبَ هذه الشخصيّة الفذّة ، ونتأمّلَ في أبعادها قبل الحديث عن أدبها العظيم وأَعمالها المُعجزة .

فمهما كُتِبَ عن مصنّفاته ، فهو قليلٌ لا يفيها أدنى حقّها ، بالنسبة لفحواها ومبناها . فهي مُقدّسةٌ بحقائقها ، مُعجزةٌ بنبوءاتها واتساع آفاقها .

إنّها مصادرُ بعثٍ جديد في دنيا القرن العشرين ، ونفحٌ للأدب العربيّ بتراثٍ يشكّلُ خميرةً مباركةً للأدب الإِنساني الطالع .

” عشتروت وأدونيس ” هي تُحفة الدكتور داهش الخامسة ، تِلْوَ “ضجعة الموت”، و”كلمات “، و”الإلهات الستّ”، و” نشيد الأنشاد”. وبعد أن دفَّق قلمُه العطاءَ ، أفاض آياتِه الأدبيّة السحريّة ، حتّى تعدَّت المئة بين مطبوعٍ ومخطوطٍ في مختلفِ الأنواع الأدبيّة .

ونحنُ الداهشيِّين ، لا يتملكنا العجب العُجاب عند ذكرنا هذا العدد الهائِل من التصانيف ، ما دمنا نعاينُ المؤلِّف وهو يكتب . ولستُ أُغالي إذا صَرَّحتُ بأنّه مفطورٌ على السرعة في كلّ أعماله ، فِطرَةَ الأرض على الدَّوران . فيكتبُ بسرعة النّاطق بلا تلعثُم ، والمُفكِّر بلا تشويش ، والمُطالِع بلا أخطاء ! فما يكاد يُمسك بالقلم ، حتّى تتدفّق عليه الأفكار – من حيثُ يدري ولا يدري – توّاقةً إلى الظهور ، تَوَقان النبع إلى الانفجار ، والشلاَّل إلى الانحدار !!

والقارئُ الغنيُّ هو من اقتنى كنوزه ، وطالع مبناها ، وفقه فحواها فرواها، إذ يكمُن فيها إكسيرُ المعرفة ، وخُلاصةُ الثقافة ، وحقيقةُ الفلسفة ، وروعةُ الجمال ، وأبديَّةُ الحياة .

أسطورة ” عشتروت وأدونيس ” والشعراء والكتّاب

إنَّ أسطورة ” عشتروت وأدونيس” هي طُرفةُ المؤرّخين ، وحبيبةُ الشعراء الغربيّين ، قديما وحديثاً ، من ثيوقريطس (41) وأوفيد (42) إلى شكسبير (43) وبيرون (44) وشيللي (45).

وقليلون هم الكتَّاب الشرقيّون الذين صاغوا هذه القصَّة الطريفة نثراً . ومع ذلك ، فنثرهم كان اقرب إلى لغة التَّاريخ منه إلى لغة الشِعر . فسَمُجَتْ لأنّ ماويَّة هذه الأسطورة الجميلة على أقلامهم جَفَّتْ ، وأجنحتها أسفَّتْ !

عشتروت وأدونيس والدكتور داهش

 

وسرعان ما أنقذها الدكتور داهش من بين أقلامهم الخشبيّة ، وسكبها بيراعته الإلهاميّة : فكان نثرٌ شعريٌّ أخَّاد ، وكان إبداعٌ مجلُوٌّ جلوة العروس ، وكان وصفٌ تصويريٌّ يخلب النُّفوس !

لقد وُلدتْ ” عشتروت وأدونيس ” الداهشيّة رائعة جمال ، وبدعة خيال ، وتحفة زمانٍ تألّقت بسحرِ بيان .

ولا عجب ، فما أن ينطقَ قلم الدكتور داهش ، حتّى تصمتَ الأقلام ، وتَخرسَ الأفكارُ ، مبهورة أمام عظمتَيْ مبناه ومعناه اللذيْن تنحسرُ عنها كلٌّ محاولة كتابيَّة .

لقد أرسل هذه الأسطورة نثراً تقمَّص شعراً رقيقاً رقَّة نسيم الصَّباح ، أُعفي من الوزن والقافية ، ليكتسِبَ مرونة النَّثر وجلاءَه وموسيقى الشعر وبهاءَه ! شعرٌ منثورٌ ينساب من يراعته السّاحرة ، متوهِّجاً بالعاطفة ، خفّاقاً بالشعور ، دفَّاقاً بالتّأثير ، زاخراً بالرّقّة ، غنيّاً بالإيقاع ، فيّاضاً بالصُّوَر ، موّاجاً بالأشكال ، متعدّداً بالألوان ، منطلقاً بالخيال ، مترنِّماً بالجمال ، مترنِّحاً بالكمال .

وقد كلَّف الدكتور داهش ثلاثة فنّانين كبار لتصوير ثلاثمئة لوحة فنّية ، موضوعاتُها مستوحاة من بنات خياله المُبدع ، توافق الأسطورة وتزيدها جمالاً على جمال ، وسيُطْبَع – بالإضافة إلى الطبعة العربيّة بخطّها الباهر (46)- باللغتين الفرنسيّة والانكليزيّة ، وستختصُّ كلّ طبعة برسوم فنّان من الفنانين الثلاثة : بافي ، بودان ، وبرْجول .

فاجتمع في هذا الكتاب : فنُّ الأدب ، وفنُّ الطباعة ، وفنُّ الرسم ، وفنُّ الخطّ .

لا تعجبنَّ من هذا ، أيُّها القارئ ، فداهش اديبٌ اجتمعت فيه أرقى الفنون ، وأسمى العلوم ، وأنقى المعارف ، وأخفى الأسرار .

أبعاد الأسطورة  

 

تميّز الأدب الحديث بالعودة إلى الأساطير القديمة ، وما تتضمّنه من موضوعات تدور حول الطّبيعة والقدر ، والحياة والموت ، والآلهة والأبطال .

ونحن نتعرّف على طبيعة الأسطورة من خلال أدب اليونان القديم ، والقصص الأسطوريّة الملأى بالأفكار والخيالات والأحاسيس ، التي عرَفتْها المجتمعاتُ الشرقيّة .

والأساطير هي بعضُ أسرار الحياة ، وصلة الوصل بين الأرض والعالم والآخر ، بين البشر والآلهة .

ومشاكلُ الإنسان الجوهريّة – من خلال الأسطورة – هي هي لا تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان .

إنّ الأسطورة – بالنسبة للشعراء والكتّاب – هي بمثابة مادّة خام تُصاغ بأشكالٍ مختلفة ، وبأساليب منتوّعة ؛ إلاّ أنَّ الآلهة فيها تبقى رموزاً لمواضيع معيّنة . فعشتروت – مثلاً- إلهة الحبّ والخصْب ، ومارْس إله الحرب ، وكيوبيد إله الحبّ ، الخ… الخ …

أمّا الأديب الفنَّان ، فيستطيع أن يضيف على الأسطورة إضافات تصويريّة وتخيّليّة ، فيُغْنيها ، ويُعيد صياغة صُوَرها ورموزها في ضوء آفاقه الخياليّة ، وأبعاده الوجدانيّة ، فيُشكّلها تشكيلاً فنيّاً جديداً ينبضُ بالإبداع ، ويفيضُ بالجمال ، ويتدفّقُ بالروعة . و” إنّ إدراكنا للأسطورة يحتمُ علينا أن نتمرَّس بالنظرة الاستبطانيّة للأشياء . تلك النظرة التي تكشف لنا صور هذه الأشياء … وتعيننا على إِدراك الوجود إدراكاً تأمّليّاً ميتافيزيقيّاً “(47).

لهذا ، اختلفت رواية الأساطير المشهورة من شاعرٍ لآخر .

أصل أسطورة “عشتروت وأدونيس”

 

إنَّ أسطورة ” عشتروت وأدونيس ” بابليّة الاصل ، ومن بابل ، سارَت القصّة إلى كنعان ثمّ إلى فينيقية ، وفي البلاد الفينيقية عرفها الإغريق . وتَردْ هذه القصّة الإغريقيّة بأشكالٍ مختلفة . والأصلُ البابليّ يختلف عن القصّة الإغريقيّة . أمّا الأصل المُعتمد في الموسوعات فهو الأصل الفنيقيّ اليونانيّ .

وقد عرضت التوراة لذكر اسم عشتروت في مواضع شتّى ، ونظرتْ إليها كإلهة صيدونيّة :

” وكان في زمن شيخوخة سليمان أنَّ أزواجه مِلنَ بقلبهِ إلى أتّباع آلهةٍ غريبةٍ ، فلم يكنْ قلبه مخلصاً للربّ إلههِ ، كما كان قلب داود أبيه . وتبع سليمان عشتاروت إلهة الصيدونيين ، وملكوم رجس بني عمون “(48).

وعشتروت هي إلهة الحبِّ والجمال والخصب ، ووجهٌ مشهورٌ من الوجوه التي ابتدَعتْها الأساطير القديمة . وكان قد تزوَّجها الإِله “فولكان”، وحظي بها من البشر “أدونيس” الجميل .

وأدونيس اشتهرتْ عبادتُه في “أفقا” اللبنانيّة ، على اسم “آدون” أو “أدوناي” أي السيّد . ومن هنا قال اليونان : أدونيس ، كما قالوا أفروديت في عشتروت .

وقد رأى النبيّ حزقيال في رؤيا له : نسوة جالساتٍ على عتبة بابِ هيكل أورشليم الشماليّ يندبن ” تمّوز “، وهو الاسم البابليّ “لأدونيس”.

” وكان يقطن ضمن أسوار أورشليم في الهيكل قومٌ يُدعون ” الرجال المقدّسين”، مكثوا فيها حتّى أواخر أيّام المملكة اليهوديّة ، ولعلّهم كانوا يمثّلون دور أدونيس الحيّ إزاء دور عشتاروت الحيّة الذي تقوم به النساء ” (49).

وقد التقى أدونيس بعشتروت لأول مرّة في ” أفقا” فخلّدا قصّة حبّ فاجع، وموتٍ أليم .

وقد بُني هيكل أفقا على مرتفع فوق نهر ابراهيم الذي كان يعرف باسم نهر أدونيس ، وإلى أفقا تُنسَبُ المغارة التي يخرج منها هذا النهر .

عرض موجز للقصّّة “الداهشيّة ”

خلاصةُ الأسطورة العشتروتيّة الأدونيسيّة “الداهشيّة” ، أنَّ عشتروت – ابنة رب الأرباب زيوس – هبطَتْ من ملإها العلويّ إلى عالم الأرض ، فاستقبلَتْها في هذا العالم ترانيمُ الإِلهات الأولمبيّات ، وصَدْحُ ربّات الفراديس ، وتفتُّقُ أكمام الورود وتغريدُ الطيور … ثم نأتْ عن كلّ مفاتن الطبيعة وجمالاتها، بعدما أبصرَتْ معبودها الحييَّ الذي ما أن رآها حتّى فرّ منها ، لائذاً من شاطئ البحيرة – حيث كان يستحمّ – إلى الضفّة الأخرى . ولمَّا أعياه الهرب ، التقاها، فعرَّفتْهُ بنفسها وبمكانتها الإلهيّة ، طالبةً منه أن يقبِّلها ويُداعبها … لكنّه حاول التخلُّص منها ، ومغادرتها لرحلة صيد مشؤومة ، يقنص فيها الخنازير ؛ فالرّفاق في انتظاره … إلاَّ أنها حذَّرَتْه من هذه الخنازير قائلة :

“أدونيس !… إنّها شديدة الخطر ! فالحذر! “

وأَكبَّتْ على فمه ، تُوسعه لثماً وتقبيلاً ، فبادلها القبلات أضعافاّ ، ثم راحا يتناشدان الجمال والدّلال والكمال .

لقد تملَّكتْ عشتروتَ الغيرةُ على أدونيسها من الحسان ، بسبب جماله العجيب ومفاتنه النّادرة ، فاحتضنَتْهُ واستغرقا  في سُباتٍ عميق .

إلاَّ أنَّ جمالهما السَّماويّ فَتَن الآلهة ، ومن بينهم كيوبيد ، الذي أذهله جمال عشتروت وهي تعانق فتاها وتغرق في عالمَي الرؤى والأحلام . راش نفسَه بسهمٍ ذهبيّ من كنانته ، ففعل فيه فعله ، وغمرها إله الحُبِّ يوسِعُها لثماً ويُشبعُها تقبيلاً ، وبعد أن تهلّلَ وجهه تهليلاً ، عاد إلى نعيمه المقيم … فاستيقظ المُدْنفان متسائلين :

تُرى ، هل ما نحنُ فيه حقيقةٌ واقعة ،

أم تُرانا في حُلمٍ رائع ستُبَدِّدُه اليقظة ؟!”

ولشدّةِ تعلُّقِهما به ، طَلبتْ منه ميثاقاً أن يبقى حبيبها إلى الأبد ، وأكملتْ تغنّيه أغاني ، خشعَتْ لنغماتها حتى الأنبياء في العلاء ، وجعلته يُردّدُ على مسمعها :

أنشدي ، يا عشتروتُ ، أنشدي ،

واملإِي الأكوانَ بهجةً وحبوراً ،

واللانهاية جمالاً وسروراً “…

وما انتهَتْ من غنائها ، حتّى تمايلتْ مع نغمات النّسيم ، فوق المروج والرّوابي ، وسرعان ما دبّت الغيرة في قلوب ربّات الأنهار ، وتوعّدَ مارس – الهابط بمركبته الذَّهبيَّّة – هذا المخلوق البشريّ ، أدونيس والتناجي .

أمّا الحبيبان العاشقان ، فقد عادا إلى التناغي والتناجي .

… وكانت رحلةُ الصيد المشؤومة ، فاستسلمَتْ عشتروت للنوم القاهر ، لتستيقظ على صرخةٍ مُدَوِّية ، عرفتْ فيها مقْتَل أدونيسها الحبيب … لقد طعنهُ سيّال مارس الخنزيريّ بفخذه ، طعنةً أودتْ بحياته ، فانفجَرتْ باكيةً ترثيه بكلماتٍ تهتزّ لها الأطواد وتلين الجبال :

بموتكَ الفاجع ماتتْ سعادتي

ودُفِنَ أملي .

أي أدونيسُ الميْت !

إنَّ جمالَك العجيب

سيُواريهِ الجَدَثُ المُرعِب !

وشبابكَ المُذهل

سيستضيفه القبرُ المُخيف !”

وبكَتْهُ عروسُ الأدغال ، مُتذكرةً رؤيته وعشتروت ، يوم كان الشباب يتدفّقُ في جسديهما ، والكلمات المعسولة تشغف قلبيهما .

وحتّى كيوبيد ، إله الحُبّ ، حزن لموت أدونيس ، وراح يرثيه بمرثاة . إلا تأمّلْ نهايتها المؤسية ، ومعانيها المفجعة :

فَسَلامٌ عليك أيُّها الحبّ !

والوَيْلُ لكِ أيّتها الأرضُ الشقيَّة !”

ورثتْهُ أيضاً إيونية بمرثاةٍ تذيب الصَّخر :

أيْ (عشتروت) الحزينة !

إلبسي المسوح ونوحي

فقد أظلم فجرُكِ واحلولك نهارُك

بعد أنِ انطلق (أدونيس) من حماك “.

وكذلك شاطرَت الأوسيانيد ( عرائس المحيطات وأجمل عرائس الماء) عشتروت أحزانها بمرثاتها .

وهكذا كما شاركَت الآلهة والإلهات عشتروت فرحَتَها بلقاء أدونيسها ، فقد قاسَمتْها أحزانها بموته ورَثتْهُ بمراثي مُدَمّاة .

بعدها ، تبرز عشتروت – في حضرة ربّ الأرباب زيوس – مُتوسّلة ، مُستعطفة :

أبي ! وحقِّ أُلوهيَّتِك وربوبيَّتك ،

إن لم تأمُرْ بعودته إلى الحياة الدُّنيا ،

لأتبعنَّهُ بشوقٍ دافقٍ إلى أعماق (هيدز)“.

تعجَّب والدُها من كلامها الغريب ، وأشفق على جمالها العجيب . وهبّتْ شقيقتُها هيبَهْ لهولِ ما سمعتْ ، طالبةً من أبيها مساعدة عشتروت ، وفعل مثلها عشراتُ الربَّات والآلهة .

أرسل زيوس رسولاً إلى أخيه (بلوتو) يطلب فيه إعادة أدونيس إلى عشتروته ، فرفض تسرُّبَ الجمال ثانية من مملكته إلى الحياة الدّنيا .

… وأخيراً وبعد مفاوضاتٍ جبّارة ، اتّفق الأخوان على جعل حياة أدونيس الجميل مناصفةً : أشهر الخريف والشتاء يقضيها في (هيذز) ، أمّا في الرَّبيع والصيف ، فيؤذَنُ له بالعودة إلى عالم الأرض ، والاجتماع بعشتروت .

وعادت الطبيعة إلى حياتها الربيعيَّة ، وانتصبت شقائق النعمان بأعجوبة خارقة ، وبرزت عرائسُ الماء والغدران ، وحوريّات البحار والأنهار والمحيطات ، وقيان المروج ، وربّات الأدغال والغابات ، وفتيات الفجر ، وبنات الليل ، وصبايا البحيرة المقَدّسة ، وقيان الفنّ والجمال والحبّ ، لاستقبال العاشق الوامق الغرانق ، ثم … أشرقت عليه عشتروت .

ودنا (أدونيس) بشوقٍ من ثغر معبودته !

واقتطف من روضه قبلةً إلهيَّة ريَّانة ،

فابتسم النرجس ، واهتزَّ الرَّوض ، وطرب الورد “.

….وأخيراً احتشدت الآلهة ، وأنشدت النشيد الأخير ، يرافقها أورفيوس ذو النغم السّماويّ الشجيّ ، مُرحِّباً بعودة أدونيس الحبيب إلى عشتروت الحبيبة .

فثملت النّفوس ، وتلألأت الشموس ، ورقصت النّجوم ، وخرّت المياه ، وهدرت الشلاّلات ، وهدأت الرياح ، وطربت الجبال والتلال ، وانتشت الصخور ، وتفتّحت المروج ، واعشَوْشَبَت الحقول ، وسكرت الغابات ، ومالت أشجار الصنوبر والسنديان والشربين والدُّلب والصفصاف ، ومادَتْ الأرض ، ورفرف الفراش ، وأثْقِلَتْ أفنانُ الأدواح بمختلف أسراب الطيور . وأصغى كلُّ ما في الطبيعة ومَنْ عليها للنشيد الالهيِّ المصحوب بسحر أنغام أورفيوس .

تحليل ومقارنة بين شكسبير والدكتور داهش

ومقارنة سريعة بين الدكتور داهش وشكسبير ، كافية لإظهار الفرق الشّاسع بينهما في إخراج قصّة “عشتروت وأدونيس”.

ورغم شهرة شكسبير باختيار المفردات والصُوَر ، إلاّ أن الدكتور داهش يبدو أغنى منه بانتخاب الصفات والأفعال ، وتطوير الأحداث ، وتصوير التفاصيل ، والإيقاع الإيحائي ، وحركة الخيال ، وتكرار اللقاء المرَّة بعد المرَّة ، ومعالجة المواقف العاطفيَّة .

ويظهر أن شكسبير نفسه كان غير راضٍ عن قصّته المنظومة “فينوس وأدونيس” إذ ذكر في إهدائه لهذه القصّة إلى اللورد سوثامبتون ” أن يُعقبها بعمل أرصن وأقرب إلى الجِدّ “(50).

إنّ اسطورة “فينوس وأدونيس”، أو ملكة الغرام وربّ الجمال والشباب ، هي أول شعرٍ قصصيّ نظمه شكسبير ، أتبعها بقصَّة منظومة ثانية هي قصّة اغتصاب لوكريس . ” والقصّتان المنظومتان نفحتان من روح واحدة ، وطِرَازان في التعبير من نسجٍ واحد ، ولكنّ الثانية أجود وأنضج من الأولى وأقرب منها إلى الجِدّ والإتقان في موضوعها ومغزاها ” (51).

وعشتروت شكسبير عاشقة مجنونة ، ذليلة ، شهوانيّة ، شرسة !

أهكذا تكون إلهة الحبّ والجمال والخصب ؟!

أمّا أدونيسه فمغرور ، عنيد ، حزين ، غاضب ، ساخر ، جاهلٌ ضروبَ الحبّ ، يهزأ منه ولا يأبه له ، لا يلين ولا يستجيب ، خجولٌ كالنّار ، باردٌ كالثلج !

وقد حاولَتْ الإلهة مراراً وتكراراً التقرُّب منه ، لكن دون جدوى ، فتصرخ في وجهه متسائلةً عن سبب تمرُّده :

” أأنت من الصخر ؟ أأنت من الفولاذ القاسي ؟ … أفلستَ ابن امرأة ؟ أليس لَكَ حسٌّ للحبّ ؟”

ثم تنعته بالصورة الصمَّاء ، وبالرخام البارد ، وبالصَنَم الميت ، وبالتمثال الذي لا يُسِرُّ العين .

إنَّ في اسطورة شكسبير لجاجةً وإصراراً من جهة فينوس (عشتروت) ، وبُعْداً ونفوراً من جهة أدونيس .

تبدو عشتروت في البداية وهي تلاحقه وتتقرّب منه ، ثم تَنْتَزعه قسراً عن صهوة جواده لتثقله بالقُبل ، وترغِّبه بإخباره انها لن تُتْعِبَ شفتيه بالملالة ، بل ستداعبه مداعبةً تُجدِّد فيه الشهوة وتنسيه الزمن !

ولمّا لم يُعِرْها أيّ اهتمام ، بدت كنسرٍ جائعٍ انقضَّ على فريسته !

فتارةً تتوسّل إليه ، وأخرى تُقْسِمُ بعدم الارتداد عن صدره قبل أن يقبِّلَها ” ولكنَّها لم تكدْ تجمع شفتيها حتى صرف شفتيه إلى غير ما وجهة”.

وتحاول ثالثةً ورابعةً … وتستعطفُه وتسترحمُه طالبةً ولو قبلةً واحدة ! لكنّها كلّما أمعنتْ في الطّلب أمعن أدونيسها في الهرب !

لقد أطال شكسبير الحديث عن القُبَل (300 بيت) ووصف الشفتين ، والفرق بين القُبْلة القصيرة والطويلة …

وتقصُّ عليه ، كيف أنَّ إله الحرب نفسه ، وهو المقاتل الظافر ، والوحش الكاسِر ، كان أسير حبِّها ، يستعطفها للحصول على قبلة . فظفرتْ به وتركَتْه أسيرَها وهو القويُّ الجبَّار ، وتعود لمخاطبة أدونيس :” فإّنك تتحكَّم بالتي قهرتْ إله الحرب “.

 وتعود إلى طلب التصاق شفتيه بشفتيها ، مشجّعةً إيّاه لأن يكون جريئاً ، وإن كان في مطلع نضجه ، ولأن يُسرَّ نفسه .

وتتساءل : أتكون هي السبب ؟

أنا لو كنتُ شنعاء ، هَرمة ، مُخَدَّدة الوجه ، فظَّة ، كثيرة التأنيب مهدودة القوى ، شحيحة البصر ، كسيحة ، باردة ، هزيلة ، عاقراً ، لجاز لك أن تتردَّد في ذلك …، إذ لا أكون قد خُلقت لك . فما بالك تكرهني ولا عيب فيَّ ؟”.

كما نلاحظ أن أسطورة شكسبير تفتقر إلى الحوار والحياة والحركة ، فعشتروت تصف فتاها وتصفُ نفسها دون إشراك حبيبها في الحوار ، ومشاركة الآلهة والإلهات في الإنشاد ، ونسج حبكة القصّة .

وممّا يزيدها جفافاً ، إطالة الحديث في كيفيّة استمالته إليها ، إلى أن تصرِّح بأنها ستكون خميلةً وحبيبها ظَبْيَها فماذا كان جواب أدونيس ؟

ضحكة ازدراء ! فتجنُّ عشتروت الشهوانيّة ، إذ ما زادتها محاولاتها الفاشلة إلاً حرقةً وحرماناً !!

أمّا أدونيس العنيد ، فقد وثب إلى ظهر جواده !…

وتنتهي قصّتُهُ بفجيعة فينوس في غرامها ، وهلاك أدونيس في عراك السباع !

أما عشتروت الدكتور داهش ، فما أن هبطتْ من عالمها العلويّ إلى عالم الأرض للقاء فتاها حتى “كان زفيروس”(52) الرقيق يهدهدها بحنوٍّ فائق “. وكان في انتظارها الأرباب : هميروس (53) وسواديلا(54) وبوثوس(55) وهيلين (56). وتظهر بناتُ تيميز (57)، وبنات يورنيوم (58) ويسجدان لها …

ولمّا أبصرَتْ معبودها الجميل ، حاول الهرب منها بادئ الأمر ، لكنّه لم يُمْعِنْ في الابتعاد – كأدونيس شكسبير- إذ لم يلبَثْ ، بعد الحوار ، أن أجابها :

عشتروت …لقد استيقظ الحبُّ في فؤادي !

وانكبَّ (أدونيس) على عنقها يقطّعه تقبيلاً!”

تناشد الحبيبان أناشيد الحبّ والجوى والغرام والهوى . وانتشت الطبيعة لرؤيتهما ، وسيطر عليها الفرح والسرور ، والبهجة والحبور .

فأصغِ إلى أدونيس ينشدُ لحبيبته ، واصفاً جمالها وصفاً مفصَّلاً ، حتّى ليُخيّلُ إليك الجمالُ مُجسَّداً يطوف بين الكلمات :

إنَّ عينيْكِ نجلاوان ،

وشفتيك قُرمزيّتان ،

وثدييك ناهدان ،

وفخذيك مملوءتان ،

وساقيكِ جميلتان !…”

فالحوار بين الحبيبين ، وتبادل الأناشيد ، يُحْيِيان القصّة ، ويزيدانها حياةً وجمالاً .

ولم تكتفِ عشتروت بالنشيد له ، بل راحَتْ ترقصُ ، فهام بها أدونيس وأيَّ هيمان !

وبعد موته ، ندبتهُ عروسُ الأدغال ، ورثاه كيوبيد ، وبكَتْه إيونية ، وحتّى الأوسيانيد شاركن عشتروت أحزانَها .

وعندما برزَتْ في حضرة والدها زيوس ربِّ الأرباب ، مُستعطفةً طالبةً عودة أدونيس هبّتْ اختها هيبَهْ وثماني عشرة إلهة ، وسبعة عشَرَ إلهاً ، وتضرّعوا جميعاً إلى ربِّ الأرباب لقبول توسُّلاتهم لعودة أدونيس إلى عشتروت .

وتجدر الإشارة هنا ، إلى أنَّ الدكتور داهش عمد ، من وراء الخيال ، إلى إجلاء مواقف الآلهة ، وإبداء طوايا نفوسها وميولها ورغباتها ، وغيرتها وانتقامها وظلمها ، وكشف صفاتها ووظائفها وتجسُّداتها ، وإظهار أماكن وجودها وسبب ظهورها ثم … عودتها ثانية إلى عالم السماء حيثُ يقيم زيوس ربّ الأرباب ، فكان عمله خلاّقاً أصيلاً شأن هوميروس .

وقد جاء على لسان المؤلِّف في مقدِّمة كتابه ” ضجعة الموت”:

” وفي تلك اللحظة فقط ، أسبحُ مع فتيات الآلهة إلى ما وراء الهيولى ، فترى روحي كلّ شيء، وتعرف أسرار الأزل والنهاية ، ومعنى الحُبّ والبغض والموت والحياة ، وما هو الخلود ، فترتعش نفسي إجلالاً وهيبة ، من رهبة الأبد الخفيّ ، وأطلب منهنّ إعادتي ، فيحملنني مجتمِعَاتٍ حتّى يُوصلنني إلى الأرض التي كنتُ عليها “…

لقد طَفَرتْ يراعةُ الدكتور داهش إلى الأعالي ، وعانَقَت الخلود ، فسَجَّلتْه في كتاب “عشتروت وأدونيس”.

من هنالك ، من أقاصي السماوات ، هبطتْ عشتروت الصنَّاع المغناج ، لقضاء فترةٍ من الزمان متجسِّدة في أرضنا الشقيَّة :

” نعم . ابنة الآلهة (عشتروت) التي غادَرَتْ مقرّها الإلهيّ السَّعيد ، كي تنعمَ بقرب فتاها الفَتّان ، وتتذوّق جمال محيّاهُ الريّان “.

ويخاطب المؤلِّف الحبيبين العاشقين عشتروت وأدونيس ، بعدما زار ربوعهما التّاريخيّة :

” ألا حيَّاكِ الله يا أرض (عشتروت) الجميلة و(أدونيس) الفتّان ! وليجمع اللهُ (روحيكما) في عالم السَّعادة الخالد !”….

وقد عاد أدونيس – في نهاية القصّة – إلى الحياة الدّنيا ، بعد زيارة عشتروت لدار (هيدز) ومرورها بأنهار العالم السُّفليّ (59). وكما تزور الآلهة عوالم مختلفة ، هكذا الإنسان أيضاّ يتبع سيّالاته ليجسّدهما في عالمها الذي تستحقُّه عن طريق الموت ، إذ بواسطته تحدث عمليّة الانتقال من عالم إلى آخر ، حتّى الوصول أخيراً إلى نعيمٍ مقيمٍ أو جحيمٍ لا يَريم !

ففي عالم الأساطير حقائق ، منها إنكار الموت بمعنى الفناء :

” فالموت في الفكر الأسطوريّ لا يُعْتَبر أبداً ظاهرةً طبيعيّة تخضع لقوانين عامّة … ذلك لأنّ الفكر الأسطوريّ يأبى أن يسلِّم بفناء الإنسان … وهو يُنكر في عناد ظاهرة الموت ، ولهذا كان الفكر الأسطوريّ أقوى وأشدّ تأكيداً للحياة “(60).

إنّ الدكتور داهش ابتكر من رموز هذه القصّة قوّةً إبداعيّة خلاّقة ، موحية ، تتواكب فيها الصور مواكب تُشبع النصّ حركةً واهتزازاً وحياةً ، وتكشفُ عن أسرار الكون ، وتعمدُ إلى اكتناه بواطن النفوس . لقد نجحَ في تطويع هذه الأسطورة وتطويلها تطويلاً مُشوّقاً اشترك فيه عشرات الآلهة والإلاهات ، حتّى ملأتْ صفحات كتابٍ خالدٍ خلود الحياة .

بينما نلاحظ أن شكسبير يركّز على صورة معينة ويشبعها حديثاً يبعث على الملل ، كإلحاحه على وصف القبلة ، بينما هي عند الدكتور داهش مخلصة وعميقة ، وإلى حدٍّ ما سريعة .

وكذلك فالحبكة عند شكسبير بسيطة ، بينما تتماسكُ عند الدكتور داهش نافحةً الأحداث بالغنى والإبداع والخلْق .

وإن اختلفتْ وقائع القصّة قليلاً عند الأديبين ، إلاّ أنّ الدكتور داهش لم يكتفِ بحوادث الأسطورة المعروفة ، بل ابتكر عالماً أنُفاً حولها . فهو لوذعيُّ الخيال ، فصيحُ اللسان ، غنيٌّ بصُوَرهِ الشعريّة ، وبمعانيه المُبتكرة ، وبتدبير المواقف والمفاجآت .

فأصغِ إلى عشتروت ، وهي تصف فتاها الذي كان خلاّبَ الجمال :

كان رائعاً كالفجر !

ناعماً كأنوار البَدْر !

وجهُهُ أنقى من الحَبَب !

فالفتنةُ تراودُ عينيه !

والجمال يحيط بمعصميه !

والرقّة تنثال من بين يديه !

والقُوّةُ تتمثَّلُ في ساعدَيْه !”…

إنّه شعرٌ سهلٌ ، حُلوٌ ، عذبٌ ، معسولٌ ، بعيدٌ عن عويص التصنُّع ، وغريب التكلُّف ، ورصيص الحشو ، بعداً بوّأة قمّة الإعجاز ، ورقّاهُ بُرجَ الامتناع ، حتى غدا أدباً رفيعاً ، سهلاً منيعاً .

ومن طالع نشيد الآلهة في نهاية كتابه ، الذي يمتاز بإيقاعٍ متماثلٍ تقريباً ، يشعر بأنّهُ يُشنّفُ الآذان ، فيطرب الجَنَان ، ليصرخ اللسان : هكذا يُنثَرُ الجُمان !…

لقد خرج عن التقاليد الجامدة خروجاً محمودَ الأثر ، خالدَ الثمر ، بعدما هدَّم ” عمودَ الشعر” ليرفع على أنقاضه عُمُداً طليقة تؤسَّس على أدب الصدق ، إذ منه يولدُ الإبداع والخلق !

وقُصارى ما يقال عن أسطورة “عشتروت وأدونيس” التي وُلدت في الشرق ، إنها أشبهُ بكوكبٍ جميلٍ أبدعتْهُ الحياة ، فاتّخذ له مداراً محدّداً في ميثولوجيَّات الشعوب ، وظَلّتْ أقلامُ الشعراء والكُتَّاب تدور في فلكه ، حتّى برز داهش الجبَّار ، فقبض على هذا الكوكب ، وفجَّرهُ شموساً وأقماراً ، بل مجرّات وأكواناً ، في أبعادها اللانهائيّة . ومع كل هذا ، كان يتحرّك خيالُه الخلاّق ، فيرفعُنا إلى سماوات الآلهة ، ويهبط بنا إلى عالم الجحيم ، ويسرح بأرواحنا في البحار والأنهار والغابات بين الفتيات والصبايا والقيان والعرائس والحوريّات والربّات !…

سيتهالك الزمنُ في العدو ، وتتصرَّم أعوام ، وتفنى أجيال ، وتندثر قرون … وسيُكرَّرُ الخَلْقُ، فيتابعُ الزمان دورانَهُ الأزليّ الأبديّ ، مُخلّداً أساطير الخيال والواقع ، والحُبِّ والإخلاص ، والجمال والدَّلال ، والسُمُوّ والكمال ، والعذاب والآلام ، وانتقال الآلهة من عالمٍ إلى عالم ، كانتقالِ البشر على حدّ سواء .

وأنت يا أدونيس !

لقد بَلَلْتَ غلَّةَ مُدلَّهتِك بماء أفقا النّمير ، وتركتَ نهرك يئنُّ عليك بالخرير، مخلّداً اسمك على صفحات الأثير , مردّداً : أدونيس ، أدونيس …

لقد صارعْتَ خنزيراً برّيّاً صِراعاً خالداً ، فأرداك وما أبلاك ، وعادت عشتروت لتلقاك ، وبرهنتما أنّ الحياة اقترابٌ وتباعد ، إقدامٌ وإجحام ، انتصارٌ وانكسار ، لقاءٌ ووداع ، موتٌ وانبعاث ، وجودٌ وخلود…

 

 

 

 

نفضَ قَلَمهُ عند تُرابَ الأرض

لينغمس في نور الفردوس

-خواطر في “حدائق الآلهة”-

 

 

 

إنها حدائق إنسانيّة إلهيّة ، ذات أغراسٍ عاطفيّة عُلويّة ، وبذورٍ وجدانيّة سماويّة ، توشّيها الورودُ الفردوسيَّة بألوانها البهيّة ، وتضمِّخها بأشذائها العطريّة .

وتخترقُ هذه الجنّة الزكيّة أمواهٌ قدسيّة تنبُعُ من صخور الأمس الغابر ، وتنحدرُ في مجرى الحاضر الزّاهر ، لتصُبّ في لُجج بحر الأبد ذي الموج الزّاخر .

 وتختلف إلى خمائلها أسرابٌ من السيّالات الصادحة ، كأنّها النّبع المتفجّرُ الثجَّاج ، أو الفراشُ المحوِّم الموّاج ، يتنقّل من وردة إلى أخرى ، مرفرفاً بأجنحتهِ الداهشيّة فوق محيّا الخميلةِ النضير ذات الجبين المشرق المنير .

وتهبُّ عليها نفحات شذيّةٌ ، فتنعش القلوب ، وتوقظ الشّعور ، وتحيي الآمال ، وتُجسّد الأحلام ، لتخلّد الذكرى ، ذكرى سيّال النبيّ سليمان الخفّاق في فؤاد داهش ، والذي تُبعثُ فيه العاطفة وتتجدّد عند رؤيته لفاتناته الغيد والمفتونات به من تلميذاته الصيّد ، اللائي يتعب العدُّ من إحصائهنّ !!

ما أن ينثُر في كُلِّ تُربة ما يُناسبها من البُذور والأغراس ، حتى تنتصب نباتاتها ناضجةً جنيّة ، دانيةً غنيّة ، فالحةً الغابر بمحراث السيّال النبويّ الباتر ، فّاذا تقمصات حسناواته تتجلّى في إشاراتٍ ورموزٍ وصور ، تحيطُ بها المواعظ والعِبر .

أيها القارئ الكريم ،

حدّق إلى هذه الحدائق الغنّاء ، تَرَ أزاهيرها الحور الحسان ، يتمايلن مع نسمات السّحر تمايُل الملائكة الأطهار بين أبراج السّماء المرصّعةِ بالدُّرر السّاطعة، والجواهِرِ الوهّاجة ، والآلئ المتألّقة !

تأمّل أوصافها البديعة ، تفقه سرّ الجمال الهابطِ من موطن الرّوعة والكمال، والمرفرف أبداً فوق سماء ” تراث داهش ” ليُثْريها بآلاء البهاء ، ويُرنّحها بصهباءِ الصّفاء .

إفترش سُنْدسها الأخضر ، ومُدّ طَرْفك ، فتبهرك صفحاتها الملأى بشتّى حالياتِ الشجر ، ومختلف باهرات الزهر ، فتستشمّ عَبق الخلود ، وينكشف لك سرّ الوجود ، وغابرُ الموجود !…

إقرأ هذا المصنّف ، المتدفّق الأجزاء ، المتماوج العطاء ، تبرأ نفسُك السَّقيمة ، وبقراح ماءِ السماء ينتعشْ قلبُك ، وبأشهى المآكل تتنعّم ، وبأزهى الألوان تُمَتّع نظرك ما شاء له التمتّعُ بالطبيعة الخلاّبة ، ورؤاها السلاّبة !…

إلتحفْ سماءَها البهيّة ، واستدفئْ بشمسها الوهّاجة الروحانيّة فإنها حديقةُ الحدائق ، وفردوسُ الفراديس ، تُنمِّقُها أعذبُ الالفاظ ، وتطوّقها أشجى الأنغام ، وترويها جداولُ السّهولة ، وتغربلُ غلالهَا النبوءات القاطعة ، وتهبّ عليها أصفى الأفكار ، ويفوحُ من زهورها عرْفُ الصُّور الرائدة ، وتُحفَرُ في جذوع باسقاتها اسماء مختارة ستغادر هذه الدنيا الكنود لتعانق الخلود .

وتحبك أغصانُ شامخاتها المتعانقة مِظَلّة بهيّة ، فتستريح في فيئها ، يُبدّدُ الملل عنك تطلّعك إلى صورها السنية وآفاقها اللانهائيّة المتَّشحة بألوان الطّيفِ القُزحيّة . وتسقيها أمطارٌ ، حباتها النورانيّة تنهمر من سماءِ الملإ الروحي لتُخصب هذا العالم بماء الحياة .

وتشرق شوارقُ خيال داهش على ذؤابات الخمائل المتكاتفة بمختلف الألوان والأشكال ، والأحجام والأطوال ، فتُعابثُ أشعّة صورِه أوراقها المترعةِ بماءِ النضارة ، فتتعانق ألوانُ القداسةِ والطّهارة مع ألوان المحبّة والآمالِ فتوهّجها عاطفته الناريّة ، وتغمرها معرفتُه الروحيّة ، وتنضحها بالحياة ، وتضرب جُذُورُها في أودية الفناء لتشمخ أعاليها في أجواز العلاء !…

إنه داهش الأديب المُدهش ، يلمسُ قلمُهُ أديم الصّفحات فتمرع مُتسابقةً في إنباتِ الفتنة والجمال ، وبعثِ الغنج والدلال ، وطفحِ الدّنان بعصيرٍ زُلال ، وملءِ السّلال بأشهى غِلال .

فتعابيرُهُ حسيّة لكنّها روحانيّة ، وتأملاتُهُ خياليّة لكنها واقعيّة ، وأوصافُهُ بشريّة لكنها سماويّة ، وعوالمهُ تقمّصيَّه لكنّها حقيقته ، وإشاراتُهُ ماديّة لكنّها علويّة ، ونجاواه عاطفيّة لكنّها قدسيّة ، وغزواتُهُ وجدانيّة لكنّها تأديبيّة !

وبكلمةٍ موجزة ، لقد نفض قلمُهُ عنه تُراب الأرض ، لينغمس في نور الفردوس ، مُبدعاً صوراً نسيجُها من غير هذا العالم .

فيا عابر سبيل هذه الدنيا ، عرِّج على هذه الحدائق الفردوسيّة ، وتَمَلَّ طبيعتها السحريّة ، ففيها فاكهة لذيذة ومُباركةٌ تُمتِّعك بدنياك وتزوّدك لآخرتك .

نشيدُ الأنشاد

أو

أنشودةُ الحبِّ الأبديّ

النبيّ سليمان في “العهد القديم “

لقد كتب المؤرّخون والباحثون الكثير عن النبيّ سليمان ، مستندين إلى الكتاب المقدّس ؛ فأصابوا في أشياء ، وأخطأوا في أخرى .

إنَّ اليهودَ – حسْبَ القرآن الكريم – حرَّفوا بعض التّوراة على نحو ما أرادوا . قال تعالى :”يحرِّفون الكَلمَ عن مواضِعِهِ ونسوا حظّاً ممّا ذكروا به “(61).

والعهدُ القديمُ كتابٌ مقدّسٌ لدى اليهود والمسيحيّين على حدٍّ سواء ، لكنَّ أسفارهُ غيرُ متّفقٍ عليها ؛ فمن أحبار اليهود مَنْ يضيف أسفاراً ، ومنهم من يرفضها !

أضفْ إلى ذلك وجود نسختين للكتاب المقدّس : النُّسخة البروتستانتيّة التي تعتمدها كنيستُها ، ومجموع أسفارها 39 سفراً .

أمّا الكنيسة الكاثوليكيّة ، فتضيف سبعة أسفارٍ أخرى على طبعتها (62)، غير التَّفاسير والتّعليلات ، والشُّروح والتأويلات التي امتلأَت بها كتبهم ، لرأب كنيستهم المتصدّعة البُنيان ، ورجال دينهم الغيلان !!

وعلى كلِّ حال ، “فالعهد القديم” تراثٌ دينيٌّ فيه نثرٌ وشعرٌ وأمثالٌ وحكمٌ وقصصٌ وأساطير وتشريع …

جاء النبيُّ سليمان بعد أبيه داود ، فبنى الهيكلَ بناءً على أمر الرَّبّ ، ولكن مع وجودِ الهيكل ، كانت عبادةُ آلهةِ الأجانب منتشرة ، وسليمانُ نفسُه تسامح فأقام مذابح لآلهة خارجيّة ، كانت تعبدها زوجاتُه الأجنبيات :

“وكانت لهُ سبعُ مئة من النساءِ السيّدات ، وثلاثُ مئة من السّراريِّ ، فأمالتْ نساؤُه قلبَهُ …وراء آلهة أخرى “(63).

والجدير بالذِّكر ، أنَّ العهدَ القديمَ ، بالرّغم من تمجيده لسليمان الحكيم ، فهو لا يبرّز نبوَّتهُ ، وكذلك نسج المسيحيّون على منوال اليهود ، رغم تسميتهم المسيح “ابن داود”.

النبيّ سليمان في القرآن الكريم

من أنبياء بني إسرائيل الذي ذكرهم القرآن : إبراهيم – إسماعيل – إسحق – يعقوب- يوسف – موسى – هرون- داود- سليمان .

ورث سليمان داود في الملك والنبوّة ، وقد منحهُ الله من فضائلِهِ ونعمِهِ الشيءَ الوافر كما مُنِح داود وسليمان العلمَ والحكمة (64).

وأوتي سليمان – بنعمة من الله – فهم لغة الطّير ، وحُشِدَتْ له جنودُهُ منها ومن الجِنِّ والإِنس، فهم يتلاحقون (65).

إنّ قصّة حياةِ النبيّ سليمان لموجزةٌ في القرآن الكريم ، إذا ما قيستْ بسيرتِهِ المُفصّلة في “العهد القديم “.

النبيُّ سليمان وملكة سبأ في القرآن الكريم

يكادُ يجمعُ مفسِّرو القرآن الكريم ، على أنّ النبيّ سليمان لمّا لم يجد الهدهد (66)، قال “لأعذّبنّه”، أو لأذبحنّه أو يأتي بحجّة بيّنة تظهر لي عُذْرَهُ”. وعاد الهدهد بعد غِيابٍ غير بعيد ، فقال لسليمان :” جئتُك من بني سبأ بخبرٍ يقين . يا نبيّ الله ، إنّي وجدتُ امرأةً تملكُ بني سبأ هي بلقيس بنت شراحبيل ، وقد أوتيتْ من كلِّ شيء يحتاجُ إليه الملوكُ في ترفهم ، ولها سريرُ مُلْك عظيم ، من ذهبٍ وفضّة ، ومرصّع بالأحجار الكريمة ، وكانوا يسجدون للشمس “. قال سليمان :” اذهبْ بكتابي هذا ، فألقِه إليهم ، وانظرْ ماذا يقولون “. فلمّا ألقى اليها الهدهُد الكتاب قالت :” يا أيُّها الملأ ، وصلني كتابٌ كريمٌ من النبيّ سليمان، أفتوني في أمري ، فإني لا أبتّ في أمر حتّى تحضروني فيه ” . فقالوا لها :” نحن ذوو قوّة وبأس ، فافعلي ما تريدينه”. قالت لهم :” إنّ الملوكَ إن انتصروا ودخلوا قرية أفسدوها . فأرى أن أُرسل إليهم بهديّة كدلالة على حُسنِ نيّتنا في مصافاتِهم”. قالوا : ” أصبت أيتها الملكة “. فلمّا جاء الهدهد النبيّ سليمان ، قال له :” أيمدّونني بالمال والله آتاني خيراً مما آتاهم . ارجع إليهم ولنُخرجنّهم من أرضهم صاغرين “. ثمّ تمت معجزة فأُحضر عرش بلقيس بلمح البصر . قال النبيّ :” نكِّروا لها عرشَها لنرى هل ستعرفه ؟” فلمَّا وصلتْ إلى حضرة سليمان ، قال لها :” أهكذا سرير ملكك؟” قالت متعجّبة :” كأنه هو عينُه “.

ثم قيلَ لها :” ادخلي القصر”. فلمّا رأت أرضه حسبتْهُ ماءً وكشفتْ عن ساقيْها كي لا تبتلّ ثيابها ، فقال لها :” إنّه صرحٌ مُمَلّسٌ من زجاج “. فقالت :” يا ربّ ، إنّي ظلمتُ نفسي بعبادتي الشمس ، وأسلمتُ مع سليمان لله ربِّ العالمين “(67).

عرضٌ موجز “لنشيد الأنشاد” للنبي سليمان   

الاسفار المنسوبة إلى سليمان الحكيم في “العهد القديم” هي “الأمثال”، “الجامعة”، و”الحكمة”، و”نشيد الأنشاد”.

إنَّ سفرَ “نشيد الأنشاد” لجوهرةٌ غزليّة وهّاجة ، استضاء بنورها الأدباءُ والفنّانون ، فبهرتهم أشعتها السبئيّة ، الغنائيّة ، الخارجة من أعمق أعماق فؤاد النبيّ سليمان ، نشيداً “سيبقى خالداً على مرّ الأجيال ، ما بقي الحبّ ، وما بقي ذكر وأنثى !” (68).

لقد أنشد النبيّ سليمان أنشودة الخصْب والرّبيع والحبِّ النّبيع ، والجمال المتهلّل بجموع التصوير ، وبإشراق النّضارة :

” مَنْ هذه الطالعةُ من البرّيّة كأعمدة من دُخان معطَّرة بالمُرِّ واللبانِ ، وبكُلِّ أذرةِ التّاجر ؟” (69).

لقد اعتمد الحوار في الغزل ، فبعث الحياة في هذا النشيد الرائع ، والحبّ الماتع ، فأكسبه إيقاعا ، طاف على أنغامه السحريّة الحبيبان شعاعاً :

-” كالسّوسنةِ بين الشّوكِ ، كذلك حبيبتي بين البنات .

كالتُّفاح بين شجر الوعر ، كذلك حبيبي بين البنين “.

إنّهُ نثرٌ يرتدي زيّ الشعوريّة والشّاعريّة ، والصّلوات الصُّوفيّة ، والمناجاة الحُبية ، والرِّقةِ الغزليّة :

  • ” ها أنت جميلة يا حبيبتي ، ها أنت جميلةٌ ، عيناك حمامتان “.
  • ” ها أنت جميل يا حبيبي وحلوٌ ، وسريرُنا أخضر “.
  • أنا لحبيبي وإليّ اشتياقه “….
  • كلّكِ جميلٌ يا حبيبتي ، ليس فيكِ عيْبَةٌ “.

إنَّ نشيده الأخّاد بمجامع الأفئدة ، والسلاَّب النُّهى ، والمثير لواعج الحبِّ، وكوامن العواطف ، وساكن المنى ، تفوح منهُ روائحُ الزُّهور والعطور ، والخمور والبخور .

-” حُبُّك أطيبُ من الخمر … مَنْ هذه الطالعة من البريّة .. معطّرةً بالمُرِّ واللبان؟…وقعال(70) الكروم تفيح رائحتها … كم رائحة ادهانك أطيب من كلِّ الأطياب … شفتاكِ يا عروسُ تقطُر شهداً … هبّي على جنّتي فتقطرَ أطيابُها … – خدّاهُ كخميلةِ الطيبِ وأتلام رياحينَ ذكيّة … شفتاهُ سُوسنٌ تقطرانِ مرّاً رائعاً … حبيبي نزل إلى جنّتِهِ إلى خمائِلِ الطِّيب …”

ها قد أمرع هذا النشيد بتركيزه على الاستعارات الجماليّة ، والألوان الزاهية ، والأوصاف المُستقاة من الطّبيعة النّشوانة ، حتى لتخال نفسك تهيم بين الرياض والخمائل ، والحقول والجنائن . فلنقطف بعض الثّمرات :

“- أنا نرجسُ شارونَ سوسنةُ الأودية … الزّهور ظهرت في الأرض …- شعركِ كقطيع معز رابضٍ على جبل جلعاد … خدُّكِ كفِلقَةِ رُمَّانة تحت نقَابك … ثدْياكِ كَخشفَتي ظَبْية توأمينِ يرعيانِ بين السّوسن …”

ومن يُطالع هذا النشيد بإمعانٍ ، ينبَهِر من توهُّج الألفاظ ، وتلألؤ المعاني بجواهرَ لا تخبو أنوارها ، ودُررٍ لا تزول أضواؤها ، تُتوِّج جسَدَي المتحاورَيْن السّعيدين :

” نصنعُ لكِ سلاسلَ من ذهب مع جُمَانٍ من فِضّة .

أُخرُجْن يا بناتِ صهْيونَ ، وانظُرْن المَلِكَ سليمانَ بالتّاج الذي توَّجتْه بِهِ أُمُّهُ في يوم عُرْسِهِ وفي يومِ فرح قلبه .

قد سبَيْتِ قلبي يا أُختي العَروس ، قد سبيْتِ قلبي بإحدى عينيكِ بقلادة واحدة من عُنْقِكِ .

يداهُ حَلْقتان من ذهبٍ مُرَصَّعتانِ بالزّبَرْجد . بطنُهُ عاجٌ أبيضُ مُغلَّفٌ بالياقوت الأزرق”.

تُرى ، هذا النشيد الغزليّ الذي خلّدتْهُ الأجيال ، من تكونُ عروسهُ ؟ هل هي امرأة من لحم ودم ؟

أتكون واحدةً من النِّساء الألف اللواتي شغفن بِهِ أم تكون بلقيس نفسها ؟

ملكة سبأ والكنيسة

لقد فُسّر ” نشيد الأنشاد” لسليمان الحكيم ، وحُوّل إلى طلاسمٍ ورموز ، وقيل في ملكة سبأ إنها رمز إسرائيل –والمعبد- والكنيسة – والعذراء – والعروس– والرّاعية الخ … مع أنّها عُرِفَتْ في حياة سليمان الحكيم ، وخلّدَتْ قصّتهما كتبُ التاريخ والقرآن الكريم . إذاً ، فوجود ملكة سبأ في حياة الحكيم واضحٌ وضوح الشمس في رابعة النهار .

فلم تكن هذه الملكة خيالاً حتّى يُجسِّدوها ، ولا وهماً حتى يطمسوها ، ولا بِدْعا حتّى يؤوِّلوها ، ولا رمزاً حتّى يجتهدوا في حلّها !!

وسليمان الحكيم نفسُه جُعِلَ رمزاً للملك والمسيح والله نفسه ، وليَهْوه “إله اليهود الأوحد الذي يعلو على آلهة غيرهم من البشر”(71).

ورد في آخر الكتاب المقدّس “العهد العتيق”، الطبعة الكاثوليكيّة (ص 38-41) حواشٍ على هذا المجلَّد ، تنضح بالرّموز والإشارات ، والمرادات والايماءات ، والتفاسير والكنايات :

” إننا لا نكادُ نتصفّح سفراً من الأسفار المقدّسة ،إلاَّ نرى فيه ذكر اقتران السيّد المسيح بالكنيسة الطاهرة، وبالنّفوسِ الخطيرة التي هي أجمل أعضائها، ووصف ما يلابس هذا الاقتران من لاعج الحبّ المُعبّر عنهُ بالحُبّ الزوجيّ الذي هو أسمى منزلة من الطُّهر والعفاف ، وحسبنا من ذلك أنَّ الذي رسمه هو الله نفسه .

وما ذُكر من هذا الحُبّ والقرانِ بين يسوع المسيح والكنيسة هو الذي أراده سليمان وأشار اليه في هذا السفر ممثّلا إيّاه بالحُبّ والقران الزوجيّين …

العروس تتكلّم عن لسان الكنيسة المقدّسة … والشتاء رمزٌ إلى آلام المخلّص . والرَّبيع إشارة إلى ولادة الكنيسة . وأوان قضب الكرم إيماءٌ إلى الاضطهادات التي نمتْ بها الكنيسة بدماء الشُّهداء الخ “.

فما دامت الكنيسة الكاثوليكيّة تعتبر أنّ نشيده نبوءة ، والنُّبوءة لا ينطق بها إلاّ روحٌ قدُّوس ، فبإمكان ذلك الرُّوح القُدُّوس أن يؤكِّد صراحةً أنّ عروس سليمان هي الكنيسة ، لو كان ما يزعمون حقيقة . لكن هيهات ! فالنبيُّ سليمان حكيمٌ عليم ، يَلِجُ المنازل من أبوابها ، ويبدي الحقيقة عارية .

وقد تضمَّخ حبُّه بالبقاء ، لينضح نشيدُهُ بالخلود ، خلودِ حُبُّه لبلقيس ملكة سبأ ، المختارة بين نسائه . نعم . إنّها امرأة غانية ، من لحمٍ ودم ، عشقتها روحه، وعلِقها سيّاله ، وشغف بها قلبُه .

وكلامُ الدكتور داهش ، هو دائماً وأبداً القول الفصل والحكمُ العَدْل . فاسمعه –أيُّها القارئ – يصرِّح في مقدِّمة كتابه النّفيس ” نشيد الأنشاد”:

“… إنَّ من يقرأ “نشيد الأنشاد”

يتأكّدُ لهُ أنَّ (النبي سليمان)

قد لمسَ الحُبّ فؤادَهُ بأناملِهِ السحريَّة !

فتفجَّر ينبوعُ شوقه العميق ،

وشعر بآلامٍ مضنية وآمالٍ عذبة هنيئة ،

وإذ ذاك ، التجأ إلى القلم ،

وراحتْ عاطفتُه الجيَّاشة تتدفّق بغزارة ،

مظهرةً ما يكنُّه في أعمق أعماقه ،

فكشف لنا بنشيده الخالد سرّ أسراره !…”

وليس عجيباً أن يدّعي اليسوعيُّون بتغنّي سليمان الحكيم بالكنيسة الكاثوليكيّة ، فقد سبق وكثرت ادّعاءاتهم وتعدّدت اضاليلهم !

أَمَا تاجروا بالأيقونات والصلبان ؟ أما ادَّعوا ظهور العذراء – وهي منهم براء- وعجائب شربل وهو بأكاذيب العِصيَّ مُتسربل ؟

الحقيقة ، فإنّ العصا لمن يعصى وعن الداهشيّة يقصى . ولن يُكملوا مسيرتهم الضّلاليّة ، إذ ستوقفهم علامة داهش الحمراء !

لقد ذكر الدكتور داهش في مقدّمة كتابه ” نشيد الحبّ” الذي خصَّصهُ للمرأة ، وللمرأة وحدها ، فهو من وحيها وجمالها ورقّتها ودلالها ، إذ قال :

” لقد كان باستطاعتي أن أدَّعي ، أنّني أتغنّى بالكنيسة – بالمعبد- بالهيكل– بالفردوس المفقود- بالقوّة الموجدة… لكنّي إذ ذاك أكون قد خاتلتُ على نفسي ، قبل أن أُخاتل على القارئ .

لقد سبق لرجال الدّين أن أدّعوا أنَّ نشيد الأنشاد – الذي كتبه النّبيُّ سليمان منذ 3000 سنة – إنما هو يتغنّى فيه بالكنيسة ، وليس بالمرأة .

أمّا الحقيقة التي لا مراء فيها ، فإنّ النبيّ سليمان ، كان يتغنّى بسالبةِ لُبِّه ، وسارقةِ حُبِّه (الملكة سبأ) ، تلك الغادة الغيداء ، والكاعب الحسناء .

وهكذا خلّد سليمان قصّة عشقه للملكة سبأ بقصيدة حبٍّ عصماء ، يفوحُ منها أريجُ أزهارِ الجنّة المحيي للنُّفوس “.

فليتّعظْ رجال الدين بالكلام اليقين .

ملكة سبأ وعائشة أم المؤمنين  

إنَّ التاريخ يعيد نفسَه ، وإنّ الرُّسل لممدودةٌ حياتهم بسيّالٍ إلهيٍّ روحيٍّ ، تتواتر بواسطته أسماؤهم وتتغيّر ، لكنّ جوهَرها واحدٌ .

لقد مرّ آنفاً ، أنّ النبيّ قد اتّخذ له مئاتٍ من النساء . ومن الراجح أنّ كفة بلقيس (ملكة سبأ) قد رُجِّحت على كفة الباقيات ، فاختارها فؤاده ليؤثرها على جميع أزواجه . ولهذا – وربّما لطمس ذكرها في التوراة – خصّها القرآن الكريم بعشرات الآيات الكريمة . وسُمّيت سورة “سبأ” على اسمها ، فبوّأها حُبُّه الغلاَّب منزلةً تاريخيّة رفيعة .

فخلدت في حياة النَّبيّ سليمان ، كما سبق وخلد حبّ عائشة في قلبِ النبيّ محمد .

فمع تعدُّد زوجاته ، كانت عائشة أحبّهنَّ إلى قلبه ، وآثرها على الخمس عشرة امرأة . وكان يقول لها ” أنت أحبُّ إليّ من زبد بتمر”. وكان يردِّد أنَّ ما يسوءها يسوءه ، وما يسرُّها يسرُّه .

وحتّى بعد زواجها ، استمرَّت طبيعةُ الطفولة فيها ، وحرصتْ على اللهو . تقول :” دخل عليَّ رسولُ الله وأنا العبُ بالنبات ” فقال :” ما هذا ؟ فقلت : خيل سليمان ، فضحك “(72).

مقارنة وتحليل بين توفيق الحكيم والدكتور داهش

 بالرّغم من أنّ 3000 سنة قد مرّت على “نشيد الأنشاد” لسليمان الحكيم ، فإنه ما يزال نشيد الحب الخصب والرّبيع والجمال في الفنون العالميّة بأسرها .

أشهر من فُتن به من الأدباء الغربيّين : رينان (1823-1892) وأندره جيد (1869-1951)، كما صاغه في الشّرق : الدكتور داهش وتوفيق الحكيم (73).

وقد بقي كتابُ النبيّ سليمان الغزليّ نبعَ وحيٍ للكثيرين يستقون منهُ الصورَ والتّشابيه والاستعارات والأوصاف في موضوع الحُبّ .

يقول الدكتور داهش في مقدّمة كتابه ” نشيد الأنشاد”:

“ستمضي أجيال ! وتُباد أُمم !

وتندثر حضارات !

وتندرس عواصم ! وتزول معالم !…

اما ” نشيد الأنشاد”

فسيبقى خالداً على مرِّ الأجيال

ما بقي الحبّ

وما بقي ذكر وأنثى !…”

ومقارنة بين نشيديْ توفيق الحكيم والدكتور داهش كافيةٌ لإظهار فضل الدكتور داهش – ليس على توفيق الحكيم فقط – بل على كلِّ من حاول صياغة هذا النشيد بأسلوبه ولغته .

وكِلا الكتابين عُنون باسم “نشيد الأنشاد”، بمعنى أنهما أهملا الطّبعة الكاثوليكيّة التي بُوِّب فيها هذا النشيد باسم “نشيد الأنشاد” والذي اعتمده أنسي الحاج . ويبدو أنّه كُلَّما ابتعدنا عن الكاثوليك ، ازددنا قُرْبَاً من الحقائق !!

ورد في الاصحاح الأول :4:

“نذْكر حُبّك أكثر من الخمْرِ . بالحقِّ يُحبُّونكَ “.

كيف نقل توفيق الحكيم هذه العِبارة ؟ قال :

” ولأحتفلْ بحبّك يا حبيبي

أكثر من احتفالي بالخمر “

وهاك صياغة الدكتور داهش :

ولأنتشِ برحيق حبِّك وفتنتك

كنشوة الهائم في أودية الأحلام “.

شتّان ما بين الصياغتين ، بل شتّان ما بين التّقليد والأصالة ، والنسخ والإبداع ، والأخذ والعطاء !

لقد قلّد توفيق الحكيم نشيد النبيّ سليمان ، محاولا استبدال ألفاظ بأخرى وتغييرَ مواضعها ، فأساء ، إذ ليس بهذه الطريقة يجدّد النّشيد ، ويُصاغُ التجديد .

أمّا الدكتور داهش فأضاف على النصّ الأصيل ، من شعوره ووجدانه ، وأفاض من أفكاره وخياله ، وأضفى عليه بُردَ الاشراق ، فسال قلمُه السّحريّ مفجِّراً حدود ألفاظ ، غامراً سدود كلمات … فأعاد نثر النشيد في أرضٍ ذي زرعٍ ، بعدما فجّر ينابيعَهُ العذبة … حتّى استنبتنا كتابا أثرى نشيد سليمان وأخصبَهُ فأنضجه شهيّ الثمر ، خالد الأثر .

ها قد استحضر الدكتور داهش عواطف النبيّ سليمان ، فاحتلَّتْهُ ، وراح يطلب النشوة من رحيق حبّ ملكة سبأ بل مليكة الحبّ – وكلمة “رحيق” غنيّة التعبير عن خلاصة الهوى وإكسير الجوى – حتى سبح في عميق أغوار السعادة وسحيق أغوار الآمال ، وانتشى نشوة النائم الهائم في أعماق أودية الأحلام ، هنالك حيثُ يفنى الزّمان ويتلاشى المكان ، ويتبخّر كلُّ ما يعكّر هَيَمان الوجدان وصفو النشدان .

جاء في الاصحاح الأوّل : 5 الجملة التالية :

” أنا سوداءُ وجميلةٌ يا بناتِ أورشَليم …”

وردت في نشيد توفيق الحكيم على الشكل التالي :

“أنا سمراءُ ، ولكنّي جميلة . يا بناتِ أورشَليم “..

وعبّر الدكتور داهش عن هذه الجملة بقوله :

“بشرتي كقطعةِ بخورٍ سمراء

ولكنّي رائعةُ الفتنة

يا عذارى أورشليم “.

ويبدو من هذا المقطع ، أنّ توفيق الحكيم اعتمد على نشيد النبيّ سليمان اعتماداً جعله يُحاكيه لفظاً ويماثله معنى !! فاستبدل لفظة “سمراء” ب “سوداء” وأضاف “لكني” وأبقى ” يا بنات أورشليم”، في حين استبدلها الدكتور داهش بلفظة “عذارى” وهي أرقّ وأعذب ؛ فغدا توفيق الحكيم بعيداً البعد كله عن الخلق والعفويّة والإبداع ، قريباً من النّسخ والتّصنُّع والتقليد .

…وأهلّ قلم الدكتور داهش ، فشبّه لون بشرتها بقطعة بخور سمراء ، وأضاف الرّائحة الطيِّبة إلى جمال اللون حتى بدَتْ ” رائعة الفتنة “.

وهكذا فالدكتور داهش اخذ الفكرة فأغناها ، وعمَّقها فنقَّاها ، وبطريقة أدائه رقّاها ، وبآفاق خيالِهِ أثراها ، وعلى بساطِ الجمالِ نمّاها ، وثَلَم قلمه أديمَها فأسماها ، وعاد حبيباً ليلقاها ، فجدّدا الحبّ ، وبأرقِّ ألفاظه فاها ، ومعاً بمركبة الروح تاها !..

لنعد الآن إلى مقطعٍ ثالث من أصلِ سليمان الحكيم . الإصحاح الأوّل :8-10:

” إن لم تعرفي أيّتها الجميلةُ بين النِّساء ، فاخرُجي على آثارِ الغَنَم ، وارعَيْ جِداءَكِ عِنْد مساكن الرُّعاة .

لقد شبَّهتُكِ يا حبيبتي بفَِرسٍ في مَرْكباتِ فرعون . ما أجمل خدّيكِ بِسمُوط وعُنُقكِ بقلائِد”.

قال توفيق الحكيم في هذا الموضع :

” يا أجمل نساء الأرض ، اقتفي آثار نعجاتي ،

ودعي عنزاتك ترعى قرب منازل الرّعاة .

يا حبيبتي ، انك مثل فرس في مركبات فرعون .

خدّاك جميلان بين عقود الجُمان ؛

وعنقك جميل بين أسماط اللؤلؤ “.

والآن ، أصغ ، أيّها القارئ المتذوّق ، إلى صياغة الدكتور داهش المُبدعة :

“يا أبهى من الشمس ،

وألطف من نور البدر ،

وأعذب من الأماني الهانئة !

هيّا اتبعيني ولا تدعيني ،

أطلقي سراح عنزاتك البيضاء

في هذا الفردوس الفسيح ،

يا أجمل غادة ،

وأفتن عذراء !

أنت كفرس الملاك جبرائيل

المسابق الشُّهب والنَّيازك

بين تلال الغيوم !…

وجنتاكِ رائعتان !

ويداك فاتنتان !

وذراعاك عبلاوان !

وشفتاكِ بلونِ المرجان !

وبنانك عقدٌ من الجُمان !

عنقك ساحر !

وجمالك باهر !

وبحبّك أتغنّى وأجاهر ،

يا حلمي العذب !…”

والآن ، لنطرح السؤال التالي : أيُّ الاثنين أبدعَ وخلقَ ، ووسّعَ وأنّقَ ، وجمّلَ وألّقَ ؟

ليت شعري ! ماذا فعل توفيق الحكيم ؟ لا شيء على الاطلاق !

أمّا الدكتور داهش فقد أضاف صفاتٍ واستعاراتٍ وتشبيهات ، واستبدل بألفاظٍ سمجة مفردات أخرى لطيفة ، عذبة الجرس ، سامية المعنى ، رقيقة البوح ، شعريّة التّعبير ، راقية التفكير ، وعلى سبيل المثال ، ورد في نص توفيق الحكيم : يا أجمل … خدّاكِ جميلان .. عنقك جميل . فحلّ الدكتور داهش مكان هذه الألفاظ المكرّرة : يا أبهى … وألطف …وأعذب .. يا أجمل … وأفتن …وجنتاك رائعتان …ذراعاكِ عبلاوان … عنقك ساحر …جمالك باهر … يا حلمي العذب …

قال سليمان الحكيم ” اخرجي على آثار الغنم” وعبّر توفيق الحكيم على النحو التالي :” اقتفي آثار نعجاتي “، بينما قال الدكتور داهش “أطلقي سراح عنزاتك البيضاء”. ففي هذا التعبير الأخير معنى وهْب الحرية ، وفكّ الأسر ، إذ كلُّ مخلوق خُلِقَ حُرّاً ! ووصف عنزاتها باللون الأبيض كناية عن طهارتها ونقائها ومغايرتها للعنزات الأرضيّة ، لترعى في هذا الفردوس الفسيح ، بينما ترعى عنزات توفيق الحكيم قرب منازل الرّعاة ! شتّان ما بين المرعيَيْن !

إنَّ سليمان الحكيم يشبّه الحبيبة ” بفرسٍ في مركبات فرعون “. وأعاد التشبيه نفسه توفيق الحكيم . فقال :” إنك مثل فرس في مركباتِ فرعون” ، فكان هذا التشبيه بحيوان وإن يكن فرساً ملكياً ، جافاً ، باهتاً ، ممسوخاً ، يُسيء إلى حسن التشبيه ويحطّ من قيمته الجماليّة .

بينما انظروا إلى فرس الدكتور داهش ، إنه فرس الملاك جبريل ، إنّه فرسٌ ابتدعه خيالُهُ السّامي ، فخرج به عن طبيعته الأرضيّة إلى جبلة سماويّة ملائكيّة . فهذه الصورة مُستمدة من وحي السماء ومن هدْي العلاء . إنّهُ فرس يسابقُ الشهب والنيازك ، بل المذنبات والمجرّات ، مخترقاً تلال الغيوم ، وجبال السّدُم ، وأطواد السماوات !

لقد وسّع الآفاق ، ووصل – بين الأرض والسماء – الأنفاق ، فكان المبدع الخلاّق !

إنّ هذه الصورة البديعة لكافية للسّموّ بالملكة سبأ إلى مراتب العظمة الروحيّة ، بعدما يقول لها :” هيّا اتبعيني ولا تدعيني “. فكُلُّ من تبع ” داهش ” أنار بصيرته الحقّ . وكلُّ من تخلّف عن ركْبه ، كان أجهل مقارنة الخلْق!!

مقارنة أخرى : ورد في ” نشيد الأنشاد” للنبيّ سليمان (الإصحاح 1:15):

” ها أنت جميلة ، يا حبيبتي ، ها أنت جميلة “.

وتأمّل في التغيير الجَلَل !! على لسان توفيق الحكيم :

“سليمان يرنو إليها : ما أجملك ، يا حبيبتي ، ما أجملكِ “!

وأسمعنا داهش الأناشيد العذبة فقال :

“سليمان (تعبث أناملهُ بشعرها ):

ما أشد فتنتك يا ملاكي !

وما أبهى أنوارك

وما أسطع بهاءَك …”

لقد أدهشَتْنا عباراتُ داهش المذهلة , تأمّل عنوان مقطعه : سليمان “تعبثُ اناملُهُ بشعرها ” فهو كاف لاستخراج بواطن لواعجه ، وسواكن تأجُّجه؛ فبهذه الحركة ، نستخلص قوله لها : أحبُّك .. أحبُّك …

يردفها بأسلوب التعجُّب من فتنتها الملائكيّة – ذات الطُّهر والعفاف والنقاء والرّقيّ – حتّى لنحسبها من مخلوقات عالمٍ ، جبلتهم لمعُ البهاء ، وطينتهم سطعُ الفتنة !!! لقد أبدَعت – يا داهش الأدب – أيّما إبداع ، فأبنْت تقصير غيرك . حقّا :” الضدّ يُظْهِر حُسْنَه الضِّدُّ “!

أكتفي بهذه المقارنة الموجزة لمقاطع معدودة من الإصحاح الأوّل (ونشيد سليمان الحكيم يقع في ثمانية اصحاحات). وحسبي هذا ، إذ لو توخيتُ التفصيل، لأخرجتُ كتاباً ضخماً يكون بمثابة دراسة لكتاب الدكتور داهش ” نشيد الأنشاد “.

واستطراداً هنا أقول : عسى أن يكون عملي هذا بداية لدراسة أشمل وأوسع . ويا طلاّب الدّراسات الأدبيّة : إنّ كتب الدكتور داهش كنوزُ القرن العشرين النّادرة ، فعليكم بها ، فهي رائدة بمواضيعها ، وأساليبها ، ورسومها ، وخطوطها وطباعاتها الفنيّة …

استنتاجا نقول : لقد صاغتْ يراعةُ توفيق الحكيم ” نشيد الأنشاد” صياغةً أقرب إلى التكلّف والتقيُّد بالنصّ الأصليّ ، وربّما يعود السبب إلى أنّه ليس بالشاعر المُبدع الخلاّق ، وإنّما عُرِفَ ككاتِب بشيء ، بل قصّر حتّى عن الأصل، ونأى عن العفويّة نَأْي العشب عن الدّوحة ، والحُزن عن الفرحة !

أضف إلى ذلك ، عناوين مقاطع نشيد الدكتور داهش التي انطلقتْ أخّاذة، شارحةً ، إلى جانب المتحاورين ، نذكر منها : ( حديقة غنّاء. الملكة سبأ تعزف على قيثارها أنشودة الحب الخالد) ؛ ( الملكة سبأ ترنو إليه بعينٍ كحلاء نعساء) ،(سليمان يتأمّلُها بشغفٍ ووله) ،( النِّساء يحتطن سليمان والملكة سبأ)،( الطيور ترفرفُ حواليها ، وتحوم على كتفيّها . سليمان “بلهفة وحنان”)الخ الخ …

امّا عناوين توفيق الحكيم فتبدو جافّة عميقة إذا ما قورنت بعناوين داهش، الموضِّحة النص ، الزّاخرة بالشعور والشّاعريّة ، والحركة الوصفيّة .

وهكذا فنشيد أنشاد داهش الحكيم كوردةٌ طبيعيّة ، جوريّة ، متقنة الشكل ، بهيّة المنظر ، زاهية اللون ، ضوّاعة العرف …

أما نشيد أنشاد توفيق الحكيم ، فوردةٌ اصطناعيّة ، مضمّخة بعطرٍ كيميائيّ ، مصبوغة اللون ، متكلّفة الشكل مقلّدته ! فشتّان ما بين الوردتين !

وإذا كان أنسي الحاج قد نسخ نشيد سليمان الحكيم ووزّع ، وعنِ الخلْق تمنّع . وإذا كان توفيق الحكيم قد تقصّى النشيد ولألفاظه تتبَّع ، ولجماله شنّع …

فالدكتور داهش – والحقُّ يُقال – أغنى النشيد فأبدع ، وبَرَع فأمتع !!

ستغرب كتب ، وستغبر دواوين ، وسيبقى “نشيد الأنشاد “- الذي ابتدعه داهش – خالداً حتّى أبد الآبدين ودهر الدّاهرين .

وقُصارى القول ، فمع جميع المحاولات التقليديّة ، بقي ” نشيد الأنشاد” لسليمان الحكيم ، التّحفة التي لا تُبارى ، والرّائعة التي لا تُجارى ، إذ فشل الأدباء في خلقها من جديد وبعثها بعثاً قشيباً …

إلى أن ظهر الدكتور داهش – أو بُعِثَ سليمان الحكيم في الدكتور داهش– وظهر كتابه “نشيد الأنشاد”، وعاد معه العاشقان ليبثّا نجوى الحُبّ وفحوى الهوى إلى البشريّة الضّالة في بحر الشُّرور والبغضاء .

فمع الدكتور داهش الخلاّق ، لا نشعر أنّ أديباً يُحاول أن يُحاكي أديباً آخر أعجبه . لكنّنا نشعرُ بقلبِ النبيّ سليمان ينبض في صدرِ داهش الهادي ، وبسيّالِ الحكيم يرتعش في جسد الحبيب ، وبعواطف ابن داود العظيم تعود فتحيا متأجِّجة بين ضلوع داهش ، وبأوصاف ذلك الشّاعر المُبدع ، تتّشِح جِدَّة وألواناً وأضواءً على يراعة داهش المعجزة ، وبالفكرة السليمانيّة تنداحُ تموّجاً وتألّقاً وزهْوا ودوائر داهشيّة عميقة اللُّجج ، مُتدفّقة الأمواج ، مُترعة الاثباج ، رقيقة الزّبد ، زاخرة باللآلئ اليتيمة !

بحيثُ يسوُغُ القول : إنّ سليمان تقمَّص داهش ، وسبأ بُعثتْ حيّة ، فراح حكيمُ القرن العشرين يتغنَّى بسبإه الداهشيّة ،- بعدما أهاجت في صدره ماضيات الأشواق وهاجعات المنى وساكنات الآمال – قائلا لها :

 

… بحبّك أتغنَّى وأُجاهر

هيّا اتبعيني ولا تدعيني

هلمّي معي إلى أودية لبنان

أنشِدْ داهش الأدب بأبلغِ لسان ، نشيدَ العاشقِ الولهان ، فطيورُ الجنَّة تُقيم أبهج مهرجان ، للهُدهُد الذي عرّفك بمليكة الشُّهرة والسُّلطان ، ومنية الرُّوح وطِلبة الجنان . بلقيسُ أحبُّ إلى فؤادك من الألف الحِسان !

أنشِدْ داهش الدُّنيا والأكوان ، فجِّر حكمةَ النبيِّ سليمان ، ينابيعَ حقٍّ للإنسان ، تندفعُ في وَحْدَة جَريان ، مُخترقةً رموز الشِّعاب وطلاسم الوديان ، لتضمَّها لججُ لا نهايات الدّيَّان ، هنالك … حيثُ تغوصُ لآلئ حُبٍّ تتفتَّحُ من باطِنِ الوجدان !

أنشِدْ يا داهش نشيد الفراديس والجنان ، وأطلقْ ليراعتك السِّحريّة العنَان، أنشرْ فوق هذا العالم التَّائه عبيرَ الإيمان ، شعشِعْه بالأصفر من الألوان ، ألِّقْهُ بنجمة خُماسيّة الأركان ، وألبِسْهُ بُردَ الرُّوح الزاهي الفتّان !

نُناشدك الله – يا داهش العالمين – أن تُنشِدنا الأشعار ، فأنت – في ضالَّتنا ودياجيرنا – نِشدانُ النجوى وسطْعُ الأنوار .

 

هوامش الكتاب

 

  • – غازي براكس : جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة – تركيبيّة لأدبه ورسمه وشخصيّته ، دار النسر المحلّق للطباعة والنشر ، بيروت 1973 ، ص 26 .
  • آمن مطلق عبد الخالق بالدكتور داهش في فلسطين قبل إعلانه الرسالة الداهشيّة في لبنان .
  • مبادئ العقيدة الداهشيّة حسبما لخّصها الدكتور غازي براكس في محاضراته عن “الداهشيّة حقيقة روحيّة تؤيّدها المعجزات ” التي ألقاها في كليّة الحقوق بالجامعة اللبنانيّة بتاريخ 21 أيار سنة 1971، هي :1- وجود الروح وخلودها .

      2- السيّالات الروحيّة نسيج الكون وقوام                                  كائناته.

 

      3- السببيّة الروحيّة والجزاء العادل.

      4- التقمّص .

(4) – لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ط 1979، ص 212.

(5)- جبران مسّوح : مجلّة “المختصر” ، العدد 10 ، السنة الأولى ، أيلول 1946.

(6)- لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ط 1979 ، ص 47.

(7)- المصدر السابق : ص 227.

(8)- ستنشر رسائل لور – بخطّ يدها – إلى شقيقتها ماري حدّاد ، طالبةً فيها الصلح ، وكذلك رسائل ماري حدّاد الجوابيّة ، وفيها ترفض طلب أختها رفضاً باتّاً .

(9)- جبران مسّوح : مجلّة “المختصر”، السنة الثانية ، ص 1-3 .

(10)- يوسف كمال صاحب مجلّة (الرفيق) ويوسف قهوجي صاحب جريدة (الصباح) المهجريتين .

(11)- سفر الأمثال 1: 24-33.

(12)- سورة الحجر :آية 14-15.

(13)- ستنشر رسائل الدكتور محمد حسين هيكل في كتاب خاصّ .

(14)- كتاب “كلمات الدكتور داهش “، طبعة 1939، ص 56.

(15)- “مختارات من كُتُب الدكتور داهش”، ط 1970،ص 72.

(16)- مختارات من كتب الدكتور داهش “، ص 61.

(17)- الدكتور داهش :”نشيد الحُبّ”، ط 1969؛ من كلمة ناشر الكتاب المدوّنة على غلافه الأخير.

(18)- الدكتور داهش : يدي المزلزلة أو كيف سقطت سقطة الموت المدمّرة ،ط1979، ص 7.

(19)- المصدر نفسه ، ص 66.

(20)- الدكتور داهش : نهر الدموع ، ط 1979 ، الصفحة المقابلة لرسم المؤلّف والدكتور خبصا.

(21)- جبران مسّوح : من رسالة بعث بها إلى رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة بتاريخ 2 سبتمبر 1946 . أنظرها ، بخطّ يده ، في كتاب لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ،ص 112.

(22)- الدكتور داهش : بروق ورعود ، ط1946 ، ص 48.

(23)- الدكتور داهش : الإلهات الستّ ، الطبعة الثانية 1979 ، ص 10.

(24)- الشيخ عبد الله العلايلي : كيف عرفت الدكتور داهش ، ط 1979 ، ص 60.

(25)- الدكتور داهش : خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر ، ط1979 ،ص 17.

(26)- الدكتور داهش : قصص غريبة وأساطير عجيبة ، الجزء الأوّل ، ط1979 ، ص 8.

(27)- الدكتور داهش : الجحيم ، ج1 ، ط 1945 ، ص 17 من مقدّمة حليم دمّوس .

(28)- المصدر السابق ، ص 27 من مقدّمة حليم دمّوس .

(29)- المصدر السابق ، ص 38 من مقدّمة حليم دمّوس .

(30)- الدكتور داهش : عواطف وعواصف ، ط 1971 ، ص 6-9 مقدّمة العلايلي .

(31)- الدكتور داهش : مذكّرات دينار ، ط 1946 ، ص 10 .

(32)- الدكتور داهش : قصص غريبة وأساطير عجيبة ، ج1 ، ص 217.

(33)- الشيخ عبد الله العلايلي : كيف عرفت الدكتور داهش ط 1979 ، ص 59.

(34)- كما نُظمت قصائد عديدة في كتب الدكتور داهش ؛ نذكر منها، على سبيل المثال ، قصيدتين نظما في كتاب “أسرار الآلهة”: الأولى نظمها محمّد عفيفي شاهين ، والثانية صبحي عبد الخالق .

(35)- الدكتور داهش : مذكرات دينار ، ص 6 : من مقدّمة حليم دمُّوس .

(36)- الدكتور داهش : خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر ، ص 5-6: من مقدّمة حجّار .

(37)-لطفي رضوان : معجزات وخوارق الدكتور داهش ، ص 74.

(38)- جريدة الدنيا : 11 كانون الأول 1946.

(39)- محمد عفيفي شاهين : من قصيدة نظمها في كتاب الدكتور داهش ” أسرار الآلهة”؛ نشرت بجريدة “الدفاع” الفلسطينيّة ، بتاريخ 13/9/1934.

(40)- الدكتور غازي براكس : معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان ، ط ثانية ، 1974،ص18.

(41)- شاعر يوناني ، عاش في القرن الثّالث قبل الميلاد .

(42)- شاعر لاتيني (43ق. م -18م).

(43)- أكبر شاعر للمسرحيّات في انكلترا (1564-1616).

(44)- شاعر انكليزي ، ولد في لندن (1788-1824).

(45)- شاعر انكليزي (1792-1822).

(46)- الخطّاط هو الشاعر ياسر بدر الدين .

(47)- سعد عبد العزيز : الأسطورة والدراما ، مكتبة الانجلو المصرية ،1966، ص 9.

(48)- الملوك الأوّل : الإصحاح الحادي عشر ، العدد 4و5.

(49)- جيمس فريزر : أدونيس أو تموز ، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر ،1979، ص 27.

(50)- عباس محمود العقّاد : التعريف بشكسبير ، دار المعارف بمصر ، 1958، ص125.

(51)- المصدر نفسه : ص 110-111.

(52)- ربّ النسيم الجنوبي .

(53)- ربّ الشهوة .

(54)- ربّ الغزل .

(55)- ربّ الألفة .

(56)- ربّة الزواج .

(57)- ربّات الفصول الأربعة .

(58)- هنّ ثاليا وأجاليا ويوفروسين .

(59)- ستيكس : نهر كبير في (هيدز) يحيط بالأنهار التي تنحصر بينها جهنّم النّار المتّقدة .

أشيرون : نهر العدم

ليث : نهر النسيان .

كوكيتوس : نهر الآلام .

فليجتون : نهر الحمم واللهيب الدائم .

(60)- سعد عبد العزيز : الأسطورة والدراما ، مكتبة الانجلو المصريّة ،1966، ص 12.

(61)- سورة المائدة :آية 13.

(62)- الأسفار السبعة هي : طوبيا – يهوديت – الحكمة – يشوع بن سيراخ – باروخ – المكابيّون الأوّل – المكابيّون الثاني .

(63)- سفر الملوك الأوّل ، الإصحاح 11: 3-4.

(64)- سورة الأنبياء : آية 78-82؛ وسورة سبأ : آية 12-13 .

(65)- سورة النمل : آية 16-17.

(66)- وتفقد الطير فقال : مالي لا أرى الهدهد ، أم كان من الغابرين (سورة النمل :آية 20).

(67)- مرجع هذه القصّة في سورة النمل :آية 20-44.

(68)- الدكتور داهش : نشيد الأنشاد : ط1943 ، ص7.

(69)- هذا الشاهد ، والشواهد الأخرى التالية ، مقتبسة من “نشيد الأنشاد” لسليمان الحكيم في الطبعة البروتستانتية .

(70)- القعال : هو ما تناثر عن نور الشجر من كمامته أو وعائه .

(71)- ول ديورانت : قصّة الحضارة ، ج2، ص 343.

(72)- ابن سعد :ج 8، ص 42 . وكما غزرت الآيات القرآنية حول قصّة النبيّ سليمان وتعرّفه إلى ملكة سبأ ، فقد كثرت الآيات في تبرئة عائشة من حديث الإفك (سورة النور:آية 11-20) وظلّ الرسول يخصّ عائشة بأوفر نصيب من حُبّه حتّى آخر أيّام حياته ، عندما اشتدّ عليه المرض . وقال كلمته الأخيرة :”اللهمّ الرّفيق الأعلى”.

وقالت بدورها :

“قبض رسول الله ورأسه بين سحري ونحري ، قالت فلمّا خرجت نفسه لم أجد ريحاّ قطّ أطيب منها “. وهكذا كانت سبأ وعائشة أحظى زوجتين عند النبيّين : سليمان ومحمّد عليهما السّلام .

(73)- وأفرد أنسي الحاج في كتاب مستقل ، فاقتصر عمله على نزع “نشيد الأناشيد” من”العهد العتيق”- الطبعة الكاثوليكيّة – وتوزيعه ” كقصيدة الأبيات أو كالشّعر الموزون المترجم ، أو كالشّعر المنثور ، أو كقصيدة النثر” على نحو ما جاء في مقدمته لهذا الكتاب .

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!