الفكر الفَلسَفيّ
حول الدكتور داهش والداهشيَّة
بشريةٌ مُداجيَة
نحنُ في هذا الحياةِ بينَ مدٍّ وجزرٍ زُمرُ
كلُّ يؤيِّدُ دينهُ، والكلُّ يعلمون قد كفروا
جُنُّوا ببهرَجِ الحياةِ، وبشؤونها قد بُهِرُوا
يحوُمُون حولَ الرَّذيلةِ، وبسَرابها قد سُحِرُوا
وإذا ما ردعتَهُمْ عَنْ مُوبِقاتِهم، تَراهُم مِنكَ قد نَفَروا
يُغادِرُونكَ، ولو استطاعُوا إليك سبيلاً لَنَحَروا!
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
قراءة في مُغالطات العصر
بَيْنَ صَنَمِيَّةِ المادَّة وَفِتْنَةِ الكَيْنُونَة
شُؤُونٌ وَآَرَاء
حضرة مدير تحرير موقع "لبنان الجديد"
حضرة مدير تحرير موقع “لبنان الجديد” المحترم
بعد التحية،
نشر موقعكم نهار الأحد 22/5/2022، في صفحته الأولى مقالة للسيّد علي سبيتي، بعنوان “الطائفة الداهشية أقوى طائفة في لبنان”، تعرَّض فيها لشخص الدكتور داهش وللداهشية بالقدح والذم والتحقير مشبهاً المنظومة السياسية الفاسدة وأعمالها الدنيئة وأكاذيبها وأخاديعها “بالطائفة الداهشية الأقوى في لبنان”. وأمل في نهاية مقاله عودة رئيس كالرئيس بشارة الخوري الذي “طرد الدكتور داهش من لبنان” “كي يطرد داهش اليوم [ويعني به السياسيين الفاسدين] إلى خارج البلاد لوضع حدّ للظواهر الخارقة في كلّ شيء” (مثلما جاء حرفياً في نهاية المقال).
وإننا كداهشيَّيْن كان لنا شرف تمثيل الدكتور داهش بوكالةٍ عامة عنه، وكمواطنَيْن لبنانيَّيْن نتطلع إلى وطنٍ يَسودُه حكم القانون والعدالة والمساواة، بعيداً عن كلّ أشكال الدَّجل والأكاذيب، نطلب من حضرتكم، خدمةً للحقيقة والرَّأي العام، نشرَ الردّ الآتي على مقالة السيّد علي سبيتي:
أولاً: إنّ السيّد علي سبيتي يجب أن يعلم، إن كان لا يعلم، أنَّ الرئيس بشارة الخوري هوَ الذي أرس مع بطانته أُسُسَ دولة الفساد، وزرع بذوره في كل مرافق الدولة، وسخّر القضاء لمآربه ومآرب أقاربه ومحازبيه المنتفعين؛ وهو الذي أفقر الشعب ورسَّخ التعصّب والطائفيّة، وكان أوَّل رئيس يُطرد من كرسيّ الرئاسة بثورة شعبية عارمة شاملة. بشارة الخوري وعهده الفاسد هو الأب الروحي للطبقة السياسية الفاسدة.
ثانياً: إنَّ الدكتور داهش ورفاقَه من المثقَّفين المرموقين المعروفين بعلمهم وأخلاقهم العالية، كانوا ضحيّة الظلم والتعسّف ودوس أحكام الدستور والقوانين الذي مارسه بشارة الخوري عليهم، كما على سواهم من ضحايا المظالم التي تشكلُ لطخةَ عار أبديّة على عهده. والسيّد علي سبيتي يجب أن يعلم، إن كان لا يعلم، أنَّ مجلس شورى الدولة بالذات، رغم انقياده للسلطة السياسية المتمثلة بالرئيس بشارة الخوري وعهده، لم يستطع إلاّ أن يعلن لا دستوريّة ولا قانونية الإجراءات التي استخدمها بشارة الخوري في عمليّة اضطهاد الدكتور داهش وإخراجه من البلاد لأسباب طائفية وعائلية حقيرة. وقد استعاد الدكتور داهش حقوقه كاملة بعد اعتراف مجلس الوزراء برئاسة الرئيس النظيف الكفّ، الأمير خالد شهاب، وهيئة التشريع والاستشارات برئاسة القاضي الشَّريف الدكتور أنطوان بارود بأن الدكتور داهش كان ضحيّة الظلم.
ثالثاً: إنَّ الدكتور داهش رجلٌ عبقري وهبته العناية الإلهية قوّة روحيّة سامية اجترحتِ الظواهر الخارقة على يديه لغاية واحدة هيَ إثبات وجود الروح وخلودها، والثواب والعقاب وتأكيد التعاليم السماوية التي بشّرت بها الديانات السماوية المنزلة: اليهودية والمسيحية والإسلام. وقد شهد لصحَّة وحقيقة هذه الظواهر الألوف، وصوّرتها الصحف أثناء حدوثها. كما أن الدكتور داهش أديبٌ صاحب مؤلفات عديدة تربو على المئة والخمسين كتاباً في شتى المواضيع، ومؤسّس متحف عالمي للفنون الجميلة في نيويورك. والعقيدة الداهشية التي اعتنقها العديدون الدّاعية إلى العودة إلى ممارسة الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة فكراً وقولاً وعملاً، ونبذ التعصب الديني والعنف، وتقديس الحريّة الفرديّة، وبخاصةٍ حريّة الاعتقاد، لبنان والعالم بأمسّ الحاجة إليها لمواجهة الأفكار التعصبيّة العفنة والتيارات التكفيرية الإلغائية.
رابعاً: لبنان الجديد، الذي نتوق إليه لا يقوم على الاشتراك بجريمة كبرى اقترفها بشارة الخوري، وشاركه فيها أصحاب الأقلام المأجورة التي عَمِلَتْ على تشويه صورة الدكتور داهش، بل يقوم على رفع الظلم، وإدانة الظالم لا الضَّحيّة، والوقوف إلى جانب الحقيقة الناصعة، والحق والعدل، واحترام حريّة الإنسان في الفكر والاعتقاد والتعبير، وبذلك يعود الاعتبار للدولة اللبنانية والشعب اللبناني، وتبزُغ شمسُ لبنان الجديد. إن الجريمة التي ارتكبت بحق الدكتور داهش وُصِفَتْ في الأربعينات من القرن الماضي بأنها “جريمة القرن العشرين”. لذلك، فإن الوصف الذي ينطبق على الطبقة السياسية الفاسدة اليوم هوَ وصف “الطائفة الخوريّة”– نسبة إلى الرئيس بشارة الخوري، لا الطائفة الداهشية. لأن الداهشية عقيدة روحية إصلاحية سامية لم تُفسِد، ولم تشترك بفساد، بل أصلحَتْ وهيَ أَبعد ما يكون عن المادية والمصالح الماديّة التي دمّرت السِّياسة وشوَّهت صفاء وجه الأديان على حدٍّ سواء.
المحاميان
خليل وفارس زعتر
داهش بك نبي القرن العشرين
GMT 21:45:00 2005 الأحد 5 يونيو
ردٌّ على أسامة العبسة
صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يفقهون.
ان كنتم تَصْدِقون فيما تقولون, بأن داهشاً , ذلك الولد السرياني الأصل المعروف باسم ( الدكتور داهش بك ) كان يدعو رجال الدين والوجهاء الى مائدة الطعام ويضع امامهم أصابع الخيار, ويطلب منهم ان يتناولوه وعندما يتناول الواحد منهم إصبع الخيار، يجد في فمه حذائه.
غريبٌ أمركم في كذبكم. أولم يكن في بيت داهش الاّ الخيار؟ أولم تكن أحذية رجال القوم في أرجلهم؟ وكيف تقبّل رجال الدين والوجهاء ذلك الأمر؟ أم أنَّ داهشٌ كان من القوّة الجسديّة في شيء حتى لم يستطيع كلّ أولئك القوم من مهاجمته أو الردَّ عليه أو حتى اللجوء الى القانون , وذلك أضعف الأيمان.
أمّا انه كان يدخل إلى الحلاق، ويتناول رأسه بيديه ويضعه على الطاولة ويطلب من الحلاق قص شعره ويخرج للتجوال ثم يعود ليأخذ رأسه بعد أن يكون الحلاق أنهى عمله.
هل من عاقل يمكن أن يتقبّل هكذا أمر؟ أم أن العقول في ذلك الوقت كانت كالحمار محمّلاً اسفارَ. وهل سأل احدكم راوي هذه القصّة عن كيفيّة تجول داهش ؟ أم أنَّ الكذب ليس له حدود؟
أما ان يروي السيّد جورج غانم قصةً ويقول انه كان شاهداً عليها مع داهش بك وهي ” “دُعينا مرة إلى محاضرة سيلقيها في الساعة الواحدة، وتأخر في الحضور، وعندما أصبحت الساعة الثانية دخل داهش ووسط احتجاجنا على تأخره، قال لنا انه لم يتأخر وطلب منا النظر في ساعاتنا فوجدناها تشير للساعة الواحدة””.
ألم يخطر على بال أحد, أن الذين يُدعون الى محاضرةٍ ما, يجب أن يكونوا من خيرة المثقفين آنذاك؟ وكيف تقبّل أولئك المثقفون أن ينتظروا ساعةً كاملة؟ أولم يكن لديهم من شيءٍ عمله؟
حسناً أيها الباحثون عن الحقيقة, لنسلّم جدلاً أن تلك الأعمال التي لا شكَّ أنّها خارقة قد فعلها الدكتور داهش, وأن الراوون لتلك الخوارق لنواميس الطبيعة هم أصحابَ سيرةٍ حسنة وعلى درجةٍ عالية من الثقافة, أذ يحتّم علينا العقل الراجح أن نتأكّد من وجود هاتين الميزتين في الرواة حتى يتمّ تصديق رواياتهم.
قلت, لنُسلّم جدلاً أنّهم يتمتّعون بتلك الميّزات, وأنّهم أهلاً للثقة. حينذاك ألا تكون أفعال الدكتور داهش هي فعلاً من المعجزات الألهيّة التي لا تمتُّ بصلةٍ الى الشعوذة والسحر والتدجيل؟
وكيف تكون المعجزات؟ وما الفرق بين معجزات السيّد المسيح والنبيّ العربي ومعجزات الدكتور داهش؟ وهل عصا موسى النبيّ أشدَّ فعلاً من أن يتجوّل داهش بغير رأس؟
وهل عاين أحدكم مُعجزاتهم ليقارن فيما بينهم؟ وعلى أيّ أساسٍ بنيتم ايمانكم بهم؟
(22)وﺇن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فآتوا بسورةٍ من مثله , وأدعوا شهداءكم من دون أللّه ﺇن كنتم صادقين . (23) فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فأتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين.
أتّقوا الله في خلقه. ولماذا لم يذكر الراوي لمراسلكم الصادق الأمين أسم الرأة التي تيمّت به حتى تركت زوجها؟ أولم تسألوا أنفسكم, أنْ كان داهشٌ فعلاً يحبّ النساء, لكان تزوّج وأنجب. أم أنّه حرامٌ عليه ما هو حلالاً لكم؟ ولتصحيح معلوماتكم أنَّ داهشٌ لم يُقم علاقةً شرعيّة أو غير شرعيّة مع أحدٍ على حدٍّ سواء, و لم يتزوّج ولم ينجب شأنه في ذلك شأن المسيح سيّد المجد. أنَّ لكم أن تفهموا معنى العفّة وأنتم غائصون حتى أذنيكم في مستنقعات الرذيلة والكذب والهوان.
أم أن داهشاً حاول أن يُظهر نفسه ويُثبِتَ للناس وهو الفقير ، انه إنسان جدير بالاحترام، وحاول ان يظهر ككاتب ومثقف ومتعلم”. ويبدو الأب يعقوب متعاطفا بشكل كبير مع داهش بك،
شكراً لتعاطف الأب يعقوب الذي ليس له أساساً من الصحّة. فالدكتور داهش لم يكن فقيراً, والمال الذي كان لديه قد لا يُعدُّ ولا يحصى. حسبي أن أشير الى افادة السيّدة ماري حدّاد في دائرة رئيس البوليس العدلي:”
هنا تسألونني:” و كيف يعيش الدكتور داهش؟”
فالجواب:
” إنني شاهدت عنده من الدراهم أكداس مكدّسة. و لا يوجد عند (بنك) ما يوجد عنده من المال.
و قد شاهدته يُعطي الفقراء بدون حساب؛ و لكنه لنفسه بكلِّ دقة يعمل الحساب” .
كما أنَّ انشاءه مُتحفاً يضاهي المتاحف العالميّة في نيويورك لهو خير دليلٍ على عدم فقره, كما له مكتبةً شخصيّة تضمُّ أكثر من مليون كتاب, ومجلّة تحمل اسمه, وداراً للنشر, لهم خير برهان على صحّة ما أقول.
وان لم يكن صاحب 150 كتاباً أدبيّاً خطتها يراعة داهش بشتى أنواع الأدب, كاتباً ومثقّفاً ومتعلّماً؟ فمن هو الكاتب والمثقّف والمتعلّم؟
عزيزي الباحث عن الحقيقة,
كلَّ من عرف داهشاً, عرف أنّه مِثالٌ للأخلاق الرفيعة, عَرِفَ كيف يتكلّم الدكتور داهش, عرفه بكتاباته وأقواله, بسلوكه وأعماله, بمُعجزاته وعجائبه, وبصلاته وعلاقاته مع الناس.
فهو عندما يتكلّم, تتواهى الحُجَجُ أمام حُجَجِه مهما كانت قويّة وبليغة.
لقد شاهدناه بين كبار الرجال، و الكتبة و الصحافيين، و جماعات من ذوي الثقافة العالية. فكانوا كلّهم مُعجبين به حتى إنهم يصبحون بتفكيرهم أمامه صغاراً.
و كانوا كلّهم يطلبون منه إرشادات و تعاليم، فكان يعطيهم إيّاها ببساطة كاملة ووداعة متناهية.
هو أكمل تعبير للعبقريّة من حيث سموّ وجهة نظره. و نُبل فكره و صفائه.
فالدكتور داهش لم ولن ينقُصَه الأحترام ما دامت الأرضُ أرضاً والسماءُ سماءً. حسبي أن أشير في هذا بأن تلاميذ داهشٌ يزدادون يوماً بعد يوم, وليس الوقت ببعيد حتى تمتلىءُ الأرضَ والعوالم الفردوسيّة بالداهشيين. . وهؤلاء جميعاً, يجلّون داهشاً ويحترمونه, فهو الرمز لهم, والقدوة. و يخشعون لللّه باسمه.
أمّا السيّد هشام شرابي, فمن حيثُ لا يدري, فقد أضاف الى مُعجزات الدكتور داهش مُعجزةً.
ولو أنّه فكّر بها كمثقّف, عما جعل الدكتور داهش يزوره, لعرِفَ بأن معرفة عنوانه وأفكاره وزيارته في ذلك الوقت, ما هو الاّ دليلاً ساطعا” على قدرة الدكتور داهش بمعرفة الآفكار. ومن يعلم بالغيب الاّ الله عزَّ وجلّ, والذين القى الله عليهم أمره من عباده لينذروا يوم التلاقي.
أما عن اجابة داهش: “الناس بتحب الروحانيات خصوصا إذا كانت مرتبطة باللاروحانيات” . فلأن الحكمة ترتّب على أن لا نخاطب الناس أكثر مما يستوعبون.
حسين يونس .
رسائل إلى المحرر
العقيدة الداهشية
نَشَرَتْ «الأخبار» (16/3/2017) مقالة بعنوان «قانون الدكتور داهش» تنطوي على تجريح وقدحٍ وذمٍّ وتشويه فادح فاضح لحقيقة الدكتور داهش وتنال من كرامة ألوف الداهشيين في لبنان والخارج.
ولمَّا كُنّا ممّن عرفوا الدكتور داهش معرفة شخصية وعايشوه على مدى عقود، وآمنوا بعقيدته السامية، وكان لنا شرف حمل وكالة عامة عنه، يهمنا توضيح الآتي:
أولاً: لا يمكنُ لمثقَّفٍ لبناني أن يجهل أنَّ الدكتور داهش ظاهرةٌ فريدة في تاريخ لبنان الحديث؛ ولا يمكنه أن يتعامى عن أنَّ الذين التفُّوا حولَهُ واعتنقوا عَقيدَتَهُ السَّامية هم نخبة من كبار المثّقَّفين، وأن السُّلطة الغاشمة المتآمرة على اضطهاده في أربعينات القرن الماضي مع قوى التعصّب الطّائفي هي التي أرسَتْ وجذّرت قواعد الفساد، ونهب المال العام، وانتهاك حقوق المواطنين وتهشيم القوانين. ومن الوقائع الثابتة التي لا يمكنُ تجاهلها أنّ أعلى المراجع القضائية والرسمية في البلاد أقرَّتْ بلا دستورية ولا قانونية ما تعرَّض له الدكتور داهش. وكان للأقلام المأجورة المرتبطة بالقوى الطائفية السياسية المتعصِّبة دورٌ أساسيّ في تشويه صورته.
ثانياً: الظواهر الروحيّة الخارقة التي كانت تتمّ على يدَيْ الدكتور داهش وبواسطته على مدىً يربو على النّصف قرن حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارُها. فقد شاهدها وشهد لها الألوف، وصوَّرَتْها كاميرات الصُّحفيِّين. وهيَ ظاهرات ملموسة لا يمكن إدراجُها في أبواب ألعاب الخفة أو ما يسمى بالإيحاء أو الباراسيكولوجيا أو سوى ذلك.
ثالثاً: الدَّاهشيّة عقيدة روحيّة يعتنقها كثيرون وجدوا فيها حقيقةً محِّرَرة من التَّعصُّب الدّيني، وتُقدّمُ حلولاً مقنعة تُزيلُ الاختلافات بين الأديان وتدعو إلى الإيمان بأنها جميعها واحدة في الجوهر، وتؤكِّد على حرّية الإنسان المطلقة في الإيمان وأن الخلاص ليسَ حكراً على مذهب أو طائفة أو دين، وأن تعدد الأديان ضرورة أوجدها الاختلاف بين البشر. وإذا كان النَّقْدُ والحوار الموضوعي مرحباً بهما دوماً، فإن السُّخرية والاستهزاء وتشويه السمعة تندرجُ في باب التجريح والقدح والذم.
أخيراً، من المؤسف تجاهل أن الفكر الداهشيّ بعيدٌ كلّ البعد عن الطائفيّة، وعن السياسة ودهاليزها وفنونها وأفانينها. فنحنُ نؤمن بحريّة الإنسان وحقوقه وكرامته، وبالمساواة التامة بين المواطنين في الحقوق والواجبات في إطار قوانين عادلة تضمنها ونظامٍ قضائيٍّ نزيه يُؤمِّن تطبيقها. ونعتُ الأستاذ محمد نزّال لطريقة اعتماد قانون انتخابي طائفي جديد «بالداهشية السياسية» يجعلنا نشعر بالاشمئزاز، إذ لا وجود «لداهشية سياسية» ولن يكون. فتسييسُ الطوائف والمذاهب والأديان أفسدَها وأدخلَها في إطار لعبة السلطة الدنيوية وشهوات ومطامع القيِّمين عليها و/أومستغليها.
البروفسور المحامي فارس زعتر
المحامي خليل زعتر
«العودةُ إلى داهش»
حضرة رئيس تحرير جريدة «الأخبار» الأستاذ ابراهيم الأمين
جريدة الأخبار
رد | «العودةُ إلى داهش» لا تكونُ إلّا بالعودة إلى مبادئه السامية
- رأي
ماجد مهدي
- الإثنين 24 نيسان 2017
المحترم،
تحيَّاتي لكم ولجميع العاملين في جريدتكم الموقَّرة.
من منطلق حرصنا على جريدتكم التي نُجلُّها ونتابعُها بكلّ اعتزاز منذ نشأتها؛ وحفاظاً على الحقيقة التي دأبتم على الاستبسال في الدفاع عنها في كافّة الميادين، بلا تردُّدٍ أو وجَل، مهما كلَّفكم ذلك من تضحيات؛ ويقيناً منَّا بأنَّكم من فرسان الكلمة الحرَّة والقلم الأبيّ والموقف الصلب الذي لا يتزعزع، رأيتُ أن أكتب إليكم هذه الرسالة ردّاً على بعض ما ورد من مُغالطاتٍ وتشويهٍ لحقيقة شخص الدكتور داهش ومعجزاته ومبادئه في مقالة الصِّحافيّ محمَّد نزَّال الصادرة في العدد 3129 من الجريدة، تاريخ السادس عشر من آذار (مارس) 2017، تحت العنوانَين: «العودة إلى داهش» و«قانون الدكتور داهش».
وآملُ منكم، وأنتم مَن نرى في شخصكم بقيَّة أملٍ في وطنٍ مُشرذَم، أَن تبادروا إلى نشر هذه الرسالة – الردّ في المكان عينه الذي نُشرَت فيه المقالة، لا عملاً بقانون النشر والردّ الذي اعتاد الكتَّاب الاستناد إليه في مثل هذه الحالات، وإنَّما من موقع المسؤوليَّة التي تعلو فوق القوانين، والتي أنتم، في نظري، أسيادها والذائدون عن ذمارها. فأَنتم، بلا شكّ، تعلمون شخصيّاً علمَ اليقين ما تعرَّض له الدكتور داهش من ظُلمٍ واضطهادٍ في وطنه، وعلى يد رئيس الجمهورية اللبنانيَّة بشاره الخوري (1943-1952)، بسبب الدعوة الروحيَّة التي أطلقها، والتي كان في رأس أولويَّاتها العودة إلى الإيمان بالله وبالأنبياء جميعاً، وبخلود الروح، ووحدة الأديان السماويَّة، ووحدة الأسرة البشريَّة، والتأكيد على وجود العالم الثاني، نعيماً وجحيماً، وعلى مبدأ العدالة الإلهيَّة المتمثِّل بالثواب والعقاب الإلهيَّين. وكانت الأديبة والفنَّانة ماري حدَّاد، شقيقة زوجة الرئيس الخوري، قد اعتنقت تلك الدعوة، هيَ وزوجُها الأديب جورج حدَّاد وبناتُها الثلاث وصهرها جوزف حجَّار، الأمر الذي أوغر صدر عائلتها على الدكتور داهش فسعَوا جاهدين لإخراجه من البلاد. كما إنَّكم، ولا شكّ، مُطَّلعون على حقيقة المعجزات التي كان يُجريها أمام الآلاف من مختلف طبقات المجتمع وفئاته، بمن فيهم رجال الصِّحافة، من أجل إثبات صحَّة تلك الحقائق الروحيَّة العظيمة التي نادى بها، والتي ما زالت أصداؤها تتردَّدُ حتَّى اليوم في لبنان وخارجه. ولكم كنتُ أُمنِّي النفس بأن يأتي اليومُ الذي تَفتحُ فيه جريدتُكم ملفَّ هذا الرجل العظيم الأهداف الذي انتُزعَت منه جنسيَّته اللبنانيَّة، وسُجنَ، ونُفيَ خارج حدود وطنه إلى حلب وأَعزاز ثمَّ إلى الحدود السورية التركيَّة، بأمرٍ من الرئيس الخوري، وبلا محاكمة، خلافاً للدستور والقوانين، وذلك بالاتِّفاق مع إحدى العصابات المسلَّحة المعتادة على القتل والإجرام. ولا شكَّ، أيضاً، بأنَّكم على معرفةٍ بأخبار الحرب القلميَّة التي شنَّها الدكتور داهش على الرئيس وأعوانه من رجال الحكم الذين شاركوا في اضطهاده، وعلى أذنابهم من رجال الصحافة الصفراء الذين عملوا على تشويه صورته لقاءَ مالٍ خسيس كان يُدفعُ لهم من غير وجه حقّ من أموال المواطنين، وأنَّ تلك الحرب التي أسهمَ فيها جميعُ الداهشيِّين الأوائل، بِمَن فيهم السيِّدة ماري حدَّاد وأُسرتُها، قد دامت ثماني سنواتٍ من عُمر ذلك العهد الأسود البغيض. وقد أَسفرت عن 66 كتاباً و165 منشوراً أسود كتبها الدكتور داهش وطبعها سرّاً ووزَّعها على الشعب اللبنانيّ والسفارات والقنصليَّات في لبنان، وعلى الملوك والرؤساء العرب. وقد أوضحَ في كتاباته تلك للرأي العامِّ اللبنانيّ والعربيّ حقيقة قضيَّته العادلة، وكشفَ مخازي مُضطهِديه ومفاسدَهم في الحكم، وأسهم من خلالها في إشعال نار الثورة الشعبيَّة التي أَطاحَت بهم وأودَت بعهدهم في الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) 1952. ومع بداية العهد الجديد، تمكَّن من استعادة جنسيَّته وحرِّيَّاته وحقوقه المغتصبة كاملةً غير منقوصة، وذلك بفضل دفاعه الراسخ عنها.
لذلك، فإنَّني أَربأُ بشخصكم الكريم أَن تقبلوا بزجِّ اسم الدكتور داهش في أَمر قانونٍ انتخابيٍّ أنتَ تَعلمُ حقَّ العلم أنَّه صورةٌ عن وطنٍ مُمزَّقٍ جريح تتجاذبُه الطائفيَّةُ والمذهبيَّةُ البغيضة والأطماعُ الأشعبيَّة ورياحُ التعصُّب المقيتة التي كان الدكتور داهش من ألدِّ أعدائها، وكانت الكلمةُ سلاحَه الوحيد في حربه عليها، ونِعمَ السلاح! كما أربأُ بكم، وأنا الذي أسعدُ بقراءَة ردودكم على المظالم والأكاذيب، أن ترضى بأن تكون صفحاتُ «الأخبار» ترداداً للدعايات الكاذبة التي كانت تبثُّها أبواقُ التعصُّب الدينيّ والمذهبيّ والصِّحافةُ المسمومة في عهد الرئيس الخوري ضدَّ رجلِ الروح والفكر والأدب وعاشقِ الفنّ الجميل الأوَّل في لبنان، وصاحبِ الإنجازات الثقافيَّة، الأدبيَّة والفكريَّة والفنِّيَّة، التي تتعالى صروحُها في العالَم، الواحدة تلوَ الأُخرى.
فمعذرةً، يا أخي الكريم، إنْ أنا أَسهبتُ في التوجُّه إليك شخصيّاً قبل الردِّ على المغالطات في المقالة، وما ذلك إلاَّ لأنَّني أكنُّ لك تقديراً خاصّاً من غير معرفةٍ بشخصك. وقد وددتُ التعبير لكَ قبل سواك عن مشاعري تجاه ظلمٍ جديد يُصيبُ ذلك الرجل الفذّ بعد رحيله، وكنتُ أتمنَّى أن لا يَصدرَ مثلُ ذلك في جريدتكم التي أعتبرها جريدة الأحرار والمظلومين وأصحاب القامات العالية.
وهذه هي ردودي على المغالطات الواردة في المقالة، وذلك تبياناً للحقيقة:
1ــ إنَّ عنوان «العودة إلى داهش» الذي صدَّرتم به الجريدة يَعني، في الواقع، العودة إلى الإيمان بالله ورسالاته وأنبيائه، وبقيَم الحقّ والعدالة التي نذر الدكتور داهش حياته من أجلها، وإلى النهل من ينابيع فكره وأدبه وفنِّه التي تدفَّقت مئةً وخمسين كتاباً أدبيّاً تعملُ «الدارُ الداهشيَّة للنشر» The Daheshist Publishing Co. Ltd في نيويورك على طبعها وترجمتها وتوزيعها منذ عام 1984، باللغة العربية واللغات العالميَّة، ومُتحفاً فنِّيّاً هو «متحف داهش للفنّ» Dahesh Museum of Art القائم في «مانهاتِن» بنيويورك منذ عام 1995، والذي يضاهي بمقتنياته وأهمِّيته المتاحف العالميَّة الكبرى، ومكتبةً هي «مكتبة تراث داهش» (Dahesh Heritage (Fine Books القائمة أيضاً في نيويورك، والتي تبيعُ شتَّى أنواع الكتب العربيَّة والأجنبيَّة بالإضافة إلى مؤلَّفات الدكتور داهش والدراسات الصادرة عنه وعن أدبه. وقد كان الأصحّ أن يربط الكاتب العودة إلى داهش بالإشارة إلى معجزاته الحقيقيَّة ومبادئه السامية وإنجازاته الأدبيَّة والفنِّيَّة الرفيعة ودفاعاته العظيمة عن الحرِّيات والحقوق، لا أن يربطها بقانونٍ انتخابيٍّ لا علاقة للدكتور داهش به من قريبٍ أو بعيد. وما تصرُّفه على هذا النحو إلاَّ دليلٌ على جهله التامّ بحقيقة الرجل، الأمر الذي دفعه إلى إقامة مقارناتٍ لا فائدة منها، وتسيءُ لمواطنٍ لم يُسئْ إليه، ولا لسواه، وتُلصقُ به ما ليس فيه، ناهيكَ عن أنَّ هذا المواطن الأبيّ هو فخرٌ للشعب والأُمَّة وللإنسانيَّة جمعاء.
أمَّا العنوان الثاني «قانون الدكتور داهش»، فإنَّه لا يمتُّ إلى الموضوعيَّة بصِلة، إذْ إنَّ قانون الانتخابات يصدرُ عادةً عن الدولة اللبنانيَّة بعد أن يوافق عليه مُمثِّلو الشعب، وليس عن الدكتور داهش. ولم يكنْ من حقِّ الكاتب أن يستهين بمثل تلك القامة الرفيعة أو أن يتطاولَ عليها. وكان الأجدر به، طالما أنَّه يُحبُّ الهَزلَ في مثل هذه الكتابات ويريدُ أن يُسبغَ على مقاله طابعاً هزلياً، أن يُطلقَ على ذلك القانون اسماً آخر يناسبُ موضوعه.
2ــ إنَّ رواية وضع الدكتور داهش رأسه عند الحلاَّق التي افتتح بها الكاتبُ مقاله، والتي اعتبرَها أحد «الخوارق» الكثيرة التي تناقلتها الألسن عنه في لبنان، منتصف القرن الماضي، لا تمتُّ، في الحقيقة، بأيَّة صِلةٍ إلى معجزاته، وإنَّما هي من نِتاج الأقلام المسمومة المصابة بداء الحقد الطائفيّ التي اهتزَّت أركانُها في الأربعينيَّات خوفاً من دعوة الدكتور داهش إلى وحدة الأديان والتآخي الإنسانيّ، فراحت تختلقُ الأكاذيب حول شخصه ومعجزاته ومبادئه. ولقد كان من واجب الكاتب أن يطَّلع على خوارق الرجل المعجز من خلال كتَّابٍ ثُقاة من أمثال الأديبة والفنَّانة ماري حدَّاد في كتابها «معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّة»، والعلاَّمة الشيخ عبدالله العلايلي في كتابه «كيف عرفتُ الدكتور داهش»، والشاعر حليم دمُّوس في الجزءَين الأولَيْن من كتابه «الوقائعُ الداهشيَّة» المؤلَّف من 20 مجلَّداً، والدكتور فريد أبو سليمان في كتابه «الخوارق الداهشيَّة في 20 عاماً» في ثلاثة مجلَّدات (2013-2014)، وكتاب «الدكتور داهش بأقلام نخبةٍ من معاصريه بمناسبة الذكرى المئويَّة لمولده» الذي أسهم فيه أدباءٌ وشعراء وكتَّابٌ من لبنان ومختلف بلدان العالَم (2010)، والمحاضرة التي ألقاها الدكتور غازي براكس في الجامعة الأميركيَّة في بيروت تحت عنوان «معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان»، وكتاب «الدكتور داهش رجل الأسرار»، للأستاذ اسكندر شاهين، مدير تحرير جريدة «الديار» اللبنانيَّة. وهذا الكتابُ الأخير الصادرُ باللغتين العربيَّة والألمانيَّة، والمعدُّ للطبع باللغة الإنكليزيَّة، هو حصيلة ما نشرَه الأستاذ شاهين في «ملفّ الدكتور داهش والداهشيَّة» في «الديار» على مدى 41 يوماً، بموضوعيَّةٍ تامَّة (2001)، وكتاب «معجزات وخوارق الدكتور داهش» للصحافيّ المصريّ لطفي رضوان، رئيس تحرير مجلَّة «المصوَّر» المصريَّة (1997)؛ وكذلك من خلال المقابلة التي نشرَتها مجلَّة «الأسبوع العربيّ» عام 1964، والتي أجراها الصحافيّ داوود أ. الصائغ مع الدكتور داهش، والمقابلة التي نشرتها صحيفة «النهار» في ملحقها عام 1965، والتي أجراها معه الصحافيّ حافظ ابراهيم خيرالله. وفي كلتا المقابلتَين، كانت عدسات الكاميرا المرافقة للصحافيَّيْن تأخذ صوراً للخوارق التي أجراها الدكتور داهش أمامهم، بكلِّ مراحلها، لتُنشر في المقابلتَيْن.
3ــ يذكرُ الكاتب بالحرف الواحد أنَّ الدكتور داهش «كان خبيراً في القوانين الانتخابيَّة، وأنه بلغ شأناً رفيعاً في هذه الصنعة أين منه عبدو سعد وكمال فغالي وأقرانهم». هذا الكلام لا أساس له من الصحَّة على الإطلاق. فالدكتور داهش لم يتَّخذ قطُّ صنعةً لنفسه، ولا كان خبيراً في ما جعله الكاتبُ خبيراً فيه. أمَّا القوانينُ الانتخابيَّة في لبنان، المُنافية لأَبسط مبادئ العدالة الاجتماعيَّة وحقوق الإنسان، فما هي في صورتها الحاليَّة المُخزية إلاَّ قُشاشةً في عين الدكتور داهش، وفي ميزان أهدافه العظيمة، إذْ إنَّها لا تليقُ بشعبٍ يتوقُ للعيش بحرِّيَّةٍ وكرامة ويأبى أن يَبذلَ ماءَ وجهه أمام الحكَّام والمسؤولين.
4ــ أمَّا ما ذكرهُ الكاتب عن الورقة التي سلَّمها الدكتور داهش للنائب بشير العثمان، والتي تضمَّنت نبوءةً بفوزه في الانتخابات النيابيَّة، فهو صحيحٌ في جانبٍ منه، لكنَّه جزمَ بأنَّه «لم يكنْ ما كتبَه داهش على الورقة سوى الرقم 11856، أي عدد الأصوات التي دخل العثمان بها المجلسَ النيابيّ»، وفقَ قوله. هذا الجزم بأمر مضمون النبوءَة عارٍ من الصحَّة تماماً. فصورةُ النبوءَة مدرجةٌ في مجلة «اللواء» التي ذَكرها، وكذلك في كتاب المحاضرة التي ألقاها الدكتور غازي براكس في الجامعة الأميركيَّة في بيروت، والتي سبق ذِكرُها (1970)، وفي كتبٍ أخرى. فالورقة توسَّطَتْها نجمةٌ خماسيَّة توزَّعت فيها أحرف «جَذبوها»، وقد جاءَ فيها ما يلي:
«بحقّ الله والنبيّ الحبيب الهادي أن يُسمح بمساعدةٍ روحيَّة كي ينتصر الأخ الحبيب (بشير العثمان) وبما أنَّه سينتصر فإنَّه سيأخذ 11856 صوتاً من أصوات الناخبين وذلك بمساعدةٍ روحيَّةٍ بإذنه تعالى». وعن يمين الورقة كُتب ما يلي: «مستجاب بحقّ الله تعالى» وتحتها «تاريخ 29 شباط 964» وتوقيع «داهش». وعن يسار الورقة كُتب ما يلي: «الساعة 4 ونصف بعد الظهر».
أما الهدف من حدوث تلك المعجزة فهو إثباتُ وجود الروح وقدرتها على معرفة الماضي والحاضر والمستقبل بإذن الله تعالى، وبقوَّةٍ جبَّارةٍ منه، ليس إلاَّ.
هذا الجزم في أمرٍ خطأ يؤكِّدُ أنَّ الكاتب كان يُلقي الكلام على عواهنه. ولو أنَّه ازداد اطِّلاعاً في الموضوع قبل الكتابة عنه لكان قرأَ ما صدَّر به الصحافيُّ المصريُّ الألمعيّ الكبير الدكتور مرسي سعد الدين مقالته عن «مُتحف داهش للفنّ» التي نشرها في مجلَّة «نصف الدنيا» الصادرة عن مؤسسة «الأهرام» بالقاهرة، بتاريخ 17/4/2005 إذْ قال:
«المُتحف العربيّ الوحيد في نيويورك. مُتحف داهش هو خطُّ الدفاع الأخير عن العرب».
فكيف يستوي مثلُ هذا الكلام المسؤول للأديب المصريّ الكبير مع كلام الكاتب نزَّال، سواءٌ ما رددنا أو ما سنردُّ عليه في هذا السياق!
5ــ إنَّ المعجزة التي ذكرها الكاتب، والتي تمَّ فيها استحضار القطع الذهبيَّة التي فكَّر فيها الرئيس صبري حماده إلى قبضة يده المقفلة أمام الحضور، صحيحة. وما شاهده الرئيس حماده ومرافقوه الكثُر من معجزات في تلك الجلسة جعلَهم يأبَونَ المشاركة في اضطهاد الدكتور داهش، ويردُّون مشروع القانون الذي تقدَّم به الرئيس الخوري إلى المجلس النيابيّ من أجل منع القيام بالمعجزات والأعمال الخارقة في البلاد، والذي كان الهدفُ الحقيقيُّ منه النيل من الدكتور داهش ومنعه من إتيان الخوارق وعقد الجلسات الروحيَّة. وهو ما أطلقَت عليه الصُّحف آنذاك اسم «قانون داهش». وقد هُزمَ بشاره الخوري، يومذاك، هزيمةً مُدوِّية في ما كان يُخطِّطُ له بغية إخراج الدكتور داهش من البلاد، الأمرُ الذي جعله يُقدمُ على ارتكاب جريمة تجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة وإبعاده عن وطنه، بالقوَّة، وخلافاً للدستور والقوانين. تلك الجريمة تُعَدُّ بحقّ جريمة القرن العشرين بلا مُنازع، إذْ وقفَت دولةٌ بشخص رئيسها وبعض سياسيِّيها، وبكامل أجهزتها القضائية والأمنيَّة، في مواجهة مواطنٍ أَديبٍ ومفكِّرٍ، ديْدَنُه الحقيقة، ومعدِنُه الصِّدق، وغايتُه الخيرُ الأَسمى، وأعزل إلّا من سلاح القلم، ولم يرتكبْ أيَّة جريرةٍ يُحاسَبُ عليها، فشوَّهَت سِمعته أمام الرأي العامّ، وسامَته حيْفاً سيَذكرُه التاريخُ في صفحاته، وستتذكَّره الأجيالُ القادمة بكلِّ أسى، مهما طال الزمن.
أمَّا الكاتب، فعلى الرغم من ذكره لتلك المعجزة بشكلٍ صحيح، وعلى الرغم من جبروت القوَّة التي صنعَتها، سواءٌ صدَّق بها أم لم يُصدِّق، فإنَّه لم يتورَّع عن توجيه سلسلة اتِّهاماتٍ بحقِّ الدكتور داهش والداهشيِّين، وراح يَخبطُ خَبط عشواءٍ في كلامه عنهم. وهو ما سأُبيِّنُه في البند اللاحق من هذا الردّ.
6ــ قبل خاتمة مقالته، يذكرُ الكاتبُ بالحرف الواحد: «ليس البحثُ الآن عن حقيقة الدكتور داهش. حركاتُ «الباراسايكولوجي» (لمن يراها كذلك) هذه أصبحَت من الماضي علميّاً. أجهزةُ الاستخبارات ومختلف أنواع «حركات القُرعة» قد أَثقلَت العالَم، قديماً وحديثاً، وجعلَته يتثاءبُ من الملل. ليس المقامُ الآن للحكم على «الداهشيَّة» وأتباعها، إنَّما للإشارة، وبكلِّ ما تحتملُ الفكرةُ من سُخرية، إلى قوانينَ انتخابيَّة سخيفة يطرحُها القومُ اليوم، من هنا وهناك، تكادُ تجعلُ البعض يعرفُ عدد الأصوات التي سينالُها كلُّ مرشَّحٍ قبل الانتخابات». ثم َّ يُتابعُ القول: «داهش كان يُمخرق، ولكنَّه هو «داهش» في النهاية. مقبولةٌ منه. لكنْ أن «يُدهشنا» السياسيُّون (الطبيعيُّون يعني) كلَّ يوم «بقانونٍ داهشيّ» جديد!…».
إنَّ مثل هذا الكلام قد أظهر نوايا الكاتب إزاءَ الدكتور داهش والداهشيَّة والداهشيِّين، وأنَّ الهدف منه، كما هو واضحٌ للعيان، لم يكنْ البحث في قانون الانتخابات. والمؤسف أنَّه يصدرُ عن صحيفةٍ وقفَ رئيسُ تحريرها، وما يزال، مواقفَ البطولة في وجه أساطين البغي دفاعاً عن الحريَّات وحقوق الناس، كلِّ الناس، وإلى أيَّة مِلَّةٍ أو طائفةٍ أو عقيدةٍ انتمَوا. نعم، إنَّ الكاتب يتَّهمُ الدكتور داهش بالمخرقة، وهو لم يعرفه ولم يتعرَّف إليه، ولم يقرأْ له، ولا قرأَ ما كتبه فيه أهلُ القلم الشُرفاء الذين يفتخرُ القلمُ بانتمائهم إليه، ولم نسمع بأنَّ هذا الرجلَ قد أَساءَ إليه. ومع ذلك، فهو يعيدُ أعماله إلى حركات «الباراسايكولوجيّ»، ويؤكِّدُ أنَّ هذه الحركات قد أصبحَت من الماضي علميّاً، (ومتى كانت الباراسايكولوجيا عِلماً معترفاً به حتى يُسقط عنها الكاتبُ صفتَها العلميَّة؟!) (ولْيقرأْ، إذا شاء، الكتابَ الذي ردَّ به عددٌ من الكتَّاب الداهشيِّين على مهاترات الدكتور روجيه خوري الباراسايكولوجيَّة الكاذبة؛ ففي مقدور هذا الكتاب أن يَقيه مؤونة الوقوع في الخطأ. وهو بعنوان «أضواءٌ جديدة على مؤسِّس الداهشيَّة ومعجزاته الروحيَّة مع فَضْح ونَقْض للعلوم الكاذبة ولمزاعم روجيه خوري الباراسيكولوجيَّة»).
أمَّا غمْزُه من قناة الدكتور داهش وإلماحُه إلى «أجهزة الاستخبارات»، و«حركات القُرعة»، وما أَسماه تثاؤب العالَم، وإصابته بالملل، من غير أن يُفسِّر القصد من كلامه، فما هي إلاَّ سفسطةُ كلام. ويبدو منه وكأنَّنا ما زلنا نعيش في عصر المهاترات والاتِّهامات بالتآمر التي كانت تطلع بها علينا بعضُ الإذاعات العربيَّة. ومع كلِّ ذلك، وبعد التُّهم التي ألصقها بالرجل، يُضيفُ الكاتب قائلاً إنَّه «ليس البحث الآن عن حقيقة الدكتور داهش». نكتفي بالتوقُّف عند هذه النقطة لنطرحَ السؤال: «تُرى، من هو المُمخرقُ الفعليّ؟!»
7ـ وفي النهاية، يقول الكاتب: «ربَّما لم ينجح أحدٌ في معرفة حقيقة «داهش» أكثر من المؤرِّخ والكاتب الألمعيّ هشام شرابي. التقاه في سبعينيَّات القرن الماضي… فَهمَ داهش أنَّ شرابي فهِمَه، فقال له: «أنا لم أكذب على أحد. الناس تريدُ الهرب إلى الماضي، إلى المستقبل، إلى العالَم الآخر. الناس تريد الاتِّصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة. الصوت الذي يسمعونه من عالَم الموتى هو صوتُهم».
جواباً على هذا الكلام أقول: إنَّ ما ذكره الكاتب من أنَّه ربَّما لم ينجح أحدٌ في معرفة حقيقة «داهش» أكثر من المؤرِّخ والكاتب الألمعيّ هشام شرابي، هو رأيه الخاصّ، وهو حرٌّ في رأيه بالطبع. لكنْ يُقتضى التوضيح بأنَّ الذين عرفوا الدكتور داهش على حقيقته كثيرون، فيهم الأُدباءُ والشُّعراءُ والفنَّانون والصِّحافيُّون ورجالُ الأعمال وعُمداءُ الجامعات والأساتذة والضبَّاطُ والعسكريُّون والناسُ العاديُّون، وسواهم، رجالاً ونساءً، تشهدُ بذلك المقالاتُ والدراساتُ والقصائدُ الشِّعريَّة التي ضمَّها كتاب «الدكتور داهش بأَقلام نُخبةٍ من معاصريه بمناسبة الذكرى المئويَّة لمولده»، وكذلك الكتب العديدة الأخرى الصادرة حول شخصه وخوارقه وأدبه، وفي قضيَّة اضطهاده.
8ـــ وفي الختام، يُنهي الكاتبُ مقاله بهذا التمنِّي: «ليت شرابي يعودُ إلى الحياة، ويأتي بجليسه «داهش» معه، ليَفضَحا، بالأسماء والأرقام، وجوه «الداهشيَّة السياسيَّة» في بلادنا».
وجواباً عليه أقول: كان الأجدرُ بالكاتب، وهو المنتمي إلى جريدةٍ محترمةٍ كالأخبار، أن يقوم بواجبه الصُّحفيّ برصانة، فيتناولَ قوانين الانتخابات بموضوعيَّة، ويضعها مع سواهُ من الصحافيِّين على مِبضَع أقلامهم، ويفرزوا الغَثَّ من السمين فيها، ويصارحوا الشعب علانيةً بأخطاء المسؤولين والسياسيِّين وأصحاب الشأن، إنْ هم أخطأُوا، على أن يفعلوا ذلك في حدود الأدب والقانون. أمَّا أن ينتظر تدخُّل الأرواح لتُنيله بُغيته، فهذا ما لن يتمَّ، ولن يُفيد في شيء. ومن الأفضل أن نتذكَّر دوماً قولَ الله تعالى في كتابه الكريم «إنَّ الله لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم» (سورة الرعد: الآية 11).
أمَّا الداهشيَّة التي وصَمَها بما تترفَّعُ عنه ترفُّعَ النُّور عن الظُّلمة، من خلال ما أسماه «وجوه الداهشيَّة السياسيَّة» في بلادنا، فإنَّها كالشمس في عُلاها… وهي كما قال فيها مؤسِّسُها:
«الداهشيَّةُ جبلٌ أَشمّ شامخُ الذُّرى، ثابتُ الأركان، راسخٌ ومَكين
صِيغَ من الفولاذ الجبَّار القويِّ الصَّلبِ الصَّلْدِ المُتراصِّ المتين
تَلتوي كُرتُنا الأرضيَّة، ويتلاشى وجودُها دون أن يَنحني أو يَلين…»
* كاتب لبناني مقيم في كندا. من مؤلَّفاته: كتاب «كيف آمنتُ بالداهشيَّة»، وكتاب «الداهشيَّة وأزمة الحرِّيَّات في لبنان» الذي ما يزال قَيْدَ الإعداد للطبع. وقد ألقى عام 1970 محاضرةً عن الدكتور داهش والداهشيَّة في «قصر المؤتمرات» في مدينة تولوز الفرنسيَّة. كما أَجرَت معه إذاعة France Inter مقابلةً تناولت بالبحث مُعجزات الدكتور داهش ودعوته إلى وحدة الأَديان السماويَّة. وله عدَّة دراسات ومقالات منشورة في الصُّحف، ويمثِّلُ حاليّاً «الدار الداهشيَّة للنشر»، ومقرُّها مدينة نيويورك، في كندا وأوروبا والشرق الأوسط.
من هو الدكتور داهش الذي أذهل العالم
ورد في صيحات النهار بتاريخ 12 آب 2019 مقالة بعنوان :
من هو الدكتور داهش الذي أذهل العالم ولاحقه الرئيس اللبناني؟
بقلم الكاتب جاد محيدلي.
وإنطلاقاً من حق الردّ الذي تكفله القوانين، وإيماناً منَّا بأهمية وقدسية الحقيقة والتأكد من صحَّة ودقَّة الأخبار قبل نشرها ، للحقيقة وللرأي العام، ومع إكبارنا للمعلومات التي وردت في المقالة التي نتحدَّثُ عنها والتي تطرَّقت الى الدكتور داهش الذي أذهل العالم، إرتأينا أن نُصحِّح بعض الأخطاء التي وردت فيها.
أولاً: لم يكن إطلاق إسم داهش عليه من قبل أحد الصحفيين، إنما كان عن طريق القرعةٍ ، حيث إجتمع البعض من تلاميذه وكان من بينهم الشاعر مُطلق عبد الخالق والوجيه توفيق عسراوي آنذاك، وعمدوا الى كتابة أسماءٍ كثيرة على قصاصاتٍ من ورق، ثمَّ طووها وخلطوها، وأختار سليم واحدةً منها ، فإذا فيها إسم ” داهش ” .
ثانياً: إنَّ رئيسة نقابة الفنانيين اللبنانيين ألأديبة ماري حداد لم تقرِّر قتل الرئيس اللبناني السابق بشارة الخوري. بل هو من اعتدى على حرِّيتها جرَّاء ايمانها بالعقيدة الداهشية الداعية إلى وحدة الأديان والعودة إلى جوهرها الحقيقي، ومحاولةً منه ومن معه لردِّها من بعدِ إيمانها عن معتقدها الجديد، لجأَ الى وضِعِها في السجنِ مع الرجال ومن ثمَّ في مصح الأمراض العقليَّة تشفياً وانتقاماً، وكان ذلك من بين إضطهاد الرئيس بشارة الخوري وزبانيَّته للدكتور داهش واتباعه ظلماً واعتسافاً .
وهي صاحبة العقل الراجح، والإيمان الراسخ ، ومنارة الأجيال القادمة ،والمعروفة بكتاباتها باللغة الإفرنسيَّة، منها:
- Les Heures libanaises
- معجزاتُ الدكتور داهش وظاهراتُه الروحيّة.
- مُذكِّرات ماري حدّاد وتأمّلاتُها.
- مُذكّرات ماري حدّاد في السجن.
- الرسائلُ المتبادَلة بين لور، قرينةِ بشارة الخوري، وشقيقتِها ماري حدّاد الداهشيّة.
- صواعقُ داهشيّة.
كما أنَّ رسوماتها التي عُرِضَت بعضها في المتاحف الأوروبيَّة والتي إبتاعت الحكومة الفرنسيَّة إحدى لوحاتها، ما تزال معروضة في متحف اللكسمبورغ بباريس.
تُوفِّيَت في 1 كانون الثاني 1973.
أمَّا من إنتحرت بإطلاق االنار على صدغِها في 27 كانون الثاني سنة 1945، فهي إبنتها ماجدا حداد الشهيدة الداهشيَّة الأولى، وذلك إحتجاجاً على إضطهاد الدكتور داهش وتجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة ونفيه الى خارج حدودها، ودون أيَّة مُحاكمة. ، مُضحّيةً بحياتها الغالية إيصالاً لاحتجاجها الصارخ إلى الرأي العامّ، واستنكارًا لأعمال الظلم الهائل الذي أوقعَته السلطات السياسية والدينية برجل بريء يحمل مشعل المحبَّة والهداية.
أمَّا حين نتكلَّم عن معجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّة، فنحن نتكلَّم عن المجد الإلهيّ الذي أُعطيَ له، فرعه في الأرض وأصله في السماء، براهينها ثابتة لا يرفضها الاَّ ضعفاء النفوس وجاهلي الرحمة الإلهيَّة، وشهودها من أصحاب العلم والأخلاق الرفيعة كتبوا فيها المجلَّدات، وضحّوا في سبيلها حتى الرمق الأخير، ولم يتورَّعوا عن نُصرتها حين كانت السلطة في مجدها، مُستعيدين الحقَّ من سالبي الحريَّات، كاشفين الستار عن مخازي بشارة الخوري وفضائحه التي زكَّمت الأنوف عهدذاك. مما ساهم في إثارة الشعب والرأي العام ّوإشعال ثورته ضد الظلم والفساد، وأسقطه عن كرسي الرئاسة في أيلول عام ١٩٥٢، والتاريخ يشهد على طرده من السلطة نتيجةً لتصرُّفاته المجرمة وفساده طوال أيَّام حكمه البغيض.
وبتاريخ 6 شباط 1953 ، أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً ألغى بموجبه قرار رئيس مصلحة الإحصاء والأحوال الشخصيَّة الذي قضى بشطب قيد الدكتور داهش من سجل المصيطبة ونقله الى سجل الأجانب، وأمر بإعادة قيد الدكتور داهش وعائلته الى ما كان عليه. كما أصدر الرئيس كميل شمعون مرسوماً يحمل الرقم 1453 بتاريخ 24 آذار 1953 يلغي بموجبه مرسوم الإبعاد رقم 1842 الذي أصدره بشارة الخوري بتاريخ 8 أيلول 1944 .
وبعد إستعادة الدكتور داهش لحقوقه المسلوبة، بقي مُقيماً في وطنه لبنان حتى عام ١٩٧٦، مكملاً رسالته الداعية إلى االمحبَّة ووحدة العائلة الانسانية ، و كتب ما يربو عن المئة وخمسون كتاباً في الأدب والشعر والنثر والقصص والرحلات ،الخ …، وأسَّس مُتحفاً فنيَّاً يُضاهي المتاحف العالمية في نيويورك .كذلك داراً للنشر تعتني بطباعة كتبه ومؤلَّفاته، وله مكتبة خاصَّة فيها ما يزيد عن النصف مليون كتاب،
وأخيراً، نرفع الصوت عالياً ومن خلال جريدتكم الموقَّرة تبيان الحقائق من مصادرها خدمةً للقرَّاء الأجلاَّء، ونافذةً على العلم والمعرفة ، إيماناً منَّا بالحقِّ والواجب.
والسلام.
بيروت في 20 آب 2019
رئيس تحرير الموقع الداهشيّ للمعلومات
حسين يونس
- ملاحظة: لمزيدٍ من المعرفة حول الدكتور داهش والداهشيَّة ، الرجاء زيارة الموقع الإلكتروني التالي:
- www.daheshism.net
تحيّة إلى بيروت: مدينة الغرباء
حضرة رئيس تحرير “القدس العربي” المحترم
تحية طيّبة،
نشر موقعكم الألكتروني بتاريخ 19 سبتمبر 2020 مقالة للأستاذ الياس خوري بعنوان “تحيّة إلى بيروت: مدينة الغرباء”، معدّة للنشر أيضاً في العدد الجديد (124) من “مجلّة الدّراسات الفلسطينيّة” الذي سيصدر أواسط الأسبوع المقبل ضمن ملفّ العدد الذي يحملُ عنوان “تحيّة إلى بيروت”، ذكر فيها حرفياً أنه “حتى الشعوذة والسحر نشآ على يدَيْ الدكتور داهش، واسمه سليم العشي، الفلسطيني السرياني القادم من بيت لحم. الرّجل جنّن بيروت، وأوصل رئيس جمهورية الاستقلال بشارة الخوري إلى الانهيار العصبي الذي كاد يدفع به إلى الاستقالة”. (ص 6، المقطع الأول من المقال).
وبصفتنا محاميَيْن داهشيَّيْن كان لنا شرف حمل وكالة عامة عن الدكتور داهش، نرى من واجبنا إبداء الملاحظات التَّوضيحيّة التالية خدمةً للحقيقة والرأي العام:
1– تُستقى المعرفة من مصادر موثوقة، ومن شهود عيان يتمتَّعون بالصِّدق والاستقامة والعلم والذكاء والرصانة. فلا يمكنُ سؤال ابي لهب عن النبّي العربي الكريم، ولا قيافا أو الفريسيّين أو هيرودوس عن السيّد المسيح، ولا من لا همّ له في الحياة إلاّ العيش، غير عابئ بالبحث عن معنى الوجود أو الحقيقة. وكذلك، لا يمكنُ لباحثٍ موضوعيّ، أن يتجاهل أنّ الذين هم في موقعٍ يؤهِّلُهم إعطاء شهاداتهم بالدكتور داهش وظاهراته الروّحيّة هم أولئك الذين عاينوها ولمسوها لمسَ اليد، ودرسوها عن كثب على مدى سنين عديدة. وهؤلاء يعدّون بالألوف، وجُلّهم من الطبقة المثقفة ثقافةً عالية، ومن المعروفين بصدقهم ونزاهتهم واستقامتهم. والكتب العديدة التي وضعوها عن الدكتور داهش فضلاً عن التحقيقات الصحفية لكبار الصحفيين والمنشورة في كبريات الصحف والمجلات اللبنانية تشهد على حقيقة وصحة الظاهرات التي كانت تجترحها على يدَيْ الدكتور داهش قوّةٌ روحيّة علوية لغاية واحدة هي تقديم إثباتٍ بالبرهان المحسوس الذي لا يُدحض على وجود الروح والعالم الآخر والثواب والعقاب، ودعوة الناس إلى نبذ التعصب الأعمى، والعودة إل تعاليم أديانهم وممارستها فكراً وقولاً وعملاً. ويؤسفنا أن يرد في مقالة الأستاذ الياس خوري “أن الشعوذة والسحر نشآ على يدي الدكتور داهش”، لأنَّ ما نشأ على يديه إنما هي ظاهرات روحيّة مذهلة لغاية سماوية تهدف إلى خلاص الإنسان من ربقة ميوله الوضيعة وحضِّه على انتهاج سبيل الفضيلة والصلاح والابتعاد عن الرياء والكذب والكبرياء البغيضة. هذا ما نشأ على يدَيْ الدكتور داهش. والحقيقة الثابتة التي تيقّن منها من عاينوها ودرسوها، تحمّلوا في الدفاع عنها الاضطهاد من الرئيس بشارة الخوري ومن لفّ لفَّه من الطبقة المتعصِّبة الفاسدة التي أرست قواعد الفساد وزرعت بذوره التي نمتْ وتعاظمَتْ مع الوقت وفتكت بالبلاد والعباد حتى يومنا هذا.
2– إنَّ الدكتور داهش لم “يجنِّن بيروت”، مثلما زعم الأستاذ الياس خوري، بل إنَّ الدكتور داهش عملَ على هداية وإيقاظ بيروت والشعب اللبناني عامة من استكانتهما واستسلامهما لطُغمة حاكمة فاسدة ظالمة تنتهكُ الدستور وتخرق القوانين، وتتدخل في القضاء، وتدوس العدالة، وتسرق المال العام. وإنها لحقيقة تاريخية ثابتة أن الدكتور داهش كان أَوَّل من رفع الصوت عالياً بوجه طغمة الفساد الحاكمة ودعا الشعب للإنتفاض عليها، وطرد بشارة الخوري من الحكم. ودأب على دعوته النبيلة تلك منذ العام 1945 وحتى إسقاط بشارة الخوري بثورة شعبية عارمة في 18 أيلول عام 1952. أمّا عوارض الخبل والجنون التي ظهرت على الرئيس بشارة الخوري فكانت عقاباً إلهيّاً على الظلم والاضطهاد الغاشم اللذين أوقعهما بالدكتور داهش ومريديه. والحقيقة التاريخية الكبرى الأخرى هي أن الدولة اللبنانيّة نفسها عادَتْ فاعترفَتْ بأنَّ جميعَ الإجراءات التي اتَّخذها الرئيس بشارة الخوري ومؤازروه بحقّ الدكتور داهش كانت مخالفة للدستور والقوانين المرعية الإجراء، وبناءً على ذلك أعادت إليه جنسيَّته السَّليبة وحقوقَه وحرّيته كاملة غير منقوصة وأَنْفُ أعدائهِ في الرُّغام.
3– ولا يمكنُ لباحثٍ موضوعيّ أن يتجاهل أنَّ الدكتور داهش كان أديباً شهدَ لأدبه أدباء كبار كَتَبَ بعضُهم مقدّماتٍ لعدد من كُتُبه نذكر منهم، على سبيل المثال، العلاَّمة الشَّيخ عبدالله العلايلي، والأديب الكبير كرم ملحم كرم، والشاعر الفلسطيني الملهم مطلق عبد الخالق الذي حوّل رائعة الدكتور داهش “ضجعةُ الموت أو بين أحضان الأبديّة” من النثر إلى الشّعر في ثلاثينات القرن الماضي، والشاعر حليم دموس وغيرهم كثيرون. كما لا يُمْكنُ لباحثٍ موضوعيّ أن يتجاهل أنَّ الدكتور داهش مؤسِّسٌ لمدرسةٍ روحيّةٍ فكرية اعتنق مبادئها مفكّرون ومثقفون، وأنَّه مؤسِّسُ متحف داهش العالمي في مدينة نيويورك، ومكتبة خاصة تضمّ كنوز المؤلفات في مختلف اللغات العالمية الحيّة والتي ستفتح أبوابها للجمهور خدمة للمعرفة عملاً بوصيّته، وسوى ذلك من المؤسسات التي تعنى بالنشر. ونذكِّر في هذا المجال أن بيت الدكتور داهش في بيروت كان منتدىً فكرياً وأدبياً يلتقي فيه المفكرون والأدباء ورجال الدولة، ويؤمه طالبو المعرفة أو المساعدة من مختلف طبقات الشعب وفئاته.
4– وفي سياق تصويب المعلومات المغلوطة، نذكر أن الدكتور داهش الذي وُلِدَ في القدس عام 1909 التي قدِمَ إليها والداه من بلدة إسفس العريقة في طور عابدين من بلاد ما بين النهرين للحّج إلى الأماكن المقدّسة، لم يكن فلسطينياً. إذ استقَّرْت عائلتَه في لبنان منذ عام 1911، وتسجّل أفرادها في سجل اللبنانيين المقيمين في الإحصاء الأول الجاري عام 1921 بُعيد إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920؛ كما أنه مُسَجَّل في سجل اللبنانيين العائد لإحصاء عام 1932. والجنسية اللبنانية كانت الجنسية الوحيدة التي حملها طيلة حياته رغم سكنه المؤقَّت في فلسطين في ثلاثينات القرن الماضي.
5– هذه بعض جوانب شخصيّة الدكتور داهش العبقرية الفذّة، أردنا إلقاء الضوء عليها تنويراً وخدمة للرأي العام، إذ لا يجوز المساهمة في جريمة اغتيال سمعته التي اقترفها بشارة الخوري والمتآمرون معه في أربعينات القرن الماضي وحتى تاريخ طرده من كرسيّ الرئاسة في 18 أيلول من عام 1952. والبلاد التي تضطهدُ نوابغَها وهداتها وتمجّد المجرمين فيها وترفع لهم التماثيل، إن هذه البلاد تكتب بذلك على نفسها السقوط والدَّمار والعبوديّة والشَّقاء فلا تقوم لها من بعده قائمة.
زحلة في 23/9/2020 والسلام
المحاميان خليل وفارس زعتر
انَّه الحبيب الهاديّ
الداهشيون: انَّه الحبيب الهاديّ
أثار الموضوع الذي نشره “نهار الشباب” بتاريخ 25 تشرين الثاني الماضي بعنوان “داهش النبي الكذاب” اهتماماً بالغا لدى كثيرين ممن سمعوا عن داهش ولم يعاصروه، او ممن تناقلوا اخباره الغامضة.
لكن الاثارة الكبرى، او ردة الفعل جاءت من الداهشيين انفسهم، اذ قصد مكاتب “النهار” عدد منهم، وكتب اثنان منهم ردا على الاب انطوان لطوف صاحب المقالة الاولى، وهما المحاميان خليل وفارس زعتر من مدينة زحلة.
وقد اقترحا في ردهما على “نهار الشباب” استبدال عبارة “داهش النبي الكذاب” بـ”داهش الحبيب الهادي”، الى ذلك قدما لـ”نهار الشباب” مجموعة كتب عن داهش.
هنا مما جاء في الرد تأكيدا من “نهار الشباب” لحرية الرأي والمعتقد، ولاثارة المزيد من الردود ربما لأنها مفيدة لنقاش العقل والمنطق:
قرأ الأب لطوف في الإنجيل قول المسيح عندما سُئل عن علامات الأنبياء الكذبة “من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة. وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديّة. لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً رديّة ولا شجرة رديّة أن تصنع أثماراً جيدة (متى 7: 16- 18) . ولو كان الأب لطوف فحص على أساس هذه القاعدة البسيطة سيرة الدكتور داهش وأعماله وتعاليمه وتحرّى عن الداهشيين لما كان ارتكب بحق الأمانة الأخلاقية تلك العظة- الخطيئة.
فلننظر إلى الأعمال التي قام بها الدكتور داهش في لبنان والبلاد العربية خلال أكثر من خمسين سنة. لقد عاينها وشهد لها كثيرون من أهل المعرفة والعلم ورجال الدين والصحافة والسياسة والناس العاديون. ومع أن العلم لا يعترف بإمكان حدوث المُعجزات لأنَّها تتخطىّ المعرفة العلميّة البشريَّة، فإن كثيراً من العلماء، عرباً وأجانب، زاروا الدكتور داهش، فشاهدوا بعيونهم مُعجزاته وصوَّروها بكاميراتهم، ولمسوها بأيديهم، ولم يسعهم الا الإيقان أنها خرقٌ للقوانين الطبيعية. والأب لطوف نفسه لا ينكرها، بل يسرد منها عدداً وفيراً. يقول “ومرة غرس بذرة تحولت فوراً شجرة. ومرات حوَّل الورق نقوداً وأحرق أموالاً وأوراقاً وصوراً ومخطوطات وحطم كؤوساً وغيرها ثم أعاد تكوينها بلمح البصر، حتى وهو في مكان آخر. ومن معجزاته (…) شفاء الأمراض المستعصية والأعضاء المعطوبة وإعادة الحياة إلى الحيوان والنبات، واستعادة مسلسل حوادث الحياة بدقة، وتسجيل الأحاديث السرية من بُعد ومعرفة المستقبل والأفكار والأحلام والتكلم بكل اللغات وإنضاج الثمار قبل أوانها بلحظة، وتغيير طبيعة الموجودات وشكلها وحجمها ولونها وتحويل أوراق اليانصيب الخاسرة رابحة (فانصرف الناس عن شراء اليانصيب)، ونقل الموجودات إلى مكان آخر مهما كان بعيداً وأيا ما كان شكلها ووزنها… وكان يوجِد الأشياء من “العدم” و”يخلق” جريدة قبل أيام من صدورها!”.
إن الإنسان إذا كان حسن النية، سليم التفكير، متوسط الثقافة، مؤمناً بالكتب المقدّسة، لا بد له من ان يسمي هذه الأعمال معجزات. فهي مما لا يُمكنُ ان يقومَ به الا روحٌ إلهيّ أو ملاكٌ عُلويّ لغايةٍ إلهيَّة. ويستحيلُ أن يقومَ بها شيطانٌ أو روحٌ سُفليَّة شرّيرة. فالمعجزات ليست للتسلية لكنها للبرهان على وجود عالم روحي مهيمن على الطبيعة، منه المصدر وإليه المصير. وكم من إنسان دخل منزل الدكتور داهش منكراً وجود الله فخرج بعدما عاين المعجزات مؤمناً خاشعاً لقدرة الله، مصدقاً بالرسل والأنبياء ويوم الحساب. هذا لأنه عندما يتاح للإنسان أن يرى معجزة مثل حادثة البذرة التي تحولت في الحال شجرة مثمرة، كما نقلها الأب لطوف، تستيقظ فيه مشاعر الخشوع. وهذا الشعور بحضور المقدس في العمل المعجز هو ينبوع الدين والأخلاق كما عبَّر الفلاسفة. فالذي غيَّر حياة الكثيرين ممن عاينوا الظاهرات الداهشية فولدوا من جديد، كما حدث للذين شاهدوا معجزات يسوع الناصري، هو على وجه الدقة هذا اللقاء بالمقدَّس. إلا أن الأب لطوف لا يتورع عن إنكار الحقيقة الساطعة وعن مخالفة قواعد المنطق البسيطة، أو أن يبني على المقدمات الصحيحة نتائج مضادة لما يمكن للتفكير السليم أن يستتنجه منها. ولا تهمه شهادة الذين عاشوا تلك التجربة الروحية فكتبوها في سلوكهم وحياتهم وتضحياتهم. فهو يقرر من غير مناقشة أو محاكمة أو تحليل أو تفكير أو تأمُّل أو مقارنة أو إعمال لبعض نيرونات الدماغ، أن إقامة الموتى، سواءٌ أكانوا بشرًا أم عصافير، والإبراء من الأمراض المستعصية، هي “معجزات زائفة”! لماذا؟ ما الموجبات العقلية والأسباب المنطقية والمبررات اللاهوتية لهذا الحكم المشبوه؟ إن تحويل الماء خمراً هو المعجزة، سواءٌ حمل الذي قام به اسم يسوع الناصري أو داهش. يروي الأب لطوف لقرائه أن الدكتور داهش شفى مَرَّة “سيدة من البرص [هي السيدة المقدسية مريم مرزاحي] أثناء “جلسة” في حضور ثلاثين شخصية وخمسة أطباء. لمسها داهش وللحال نما لها جلد وأنسجة بدل المهترئة، وامتلأت الثغرات في جسمها وشفيت أعضاؤها تماماً”. ومع أننا أمام معجزة روحية يفقأ وضوحها العين، حصلت أمام خمسة من الأطباء، يقرر الأب لطوف، أن هذه المعجزة “بنوعها وغايتها، بعيدة كلياً من نوع المعجزات التي أتى بها المسيح والقديسون”! وإذا سألناه: لماذا؟ وأين هو الفارق؟ يرد: “هو [أي الدكتور داهش] لم يذهب إلى المدرسة في حياته سوى شهور قليلة! ولا فائدة من الشفاءات الكاذبة بعد ذلك”! عندما يسمع المرء هذا الجواب يتساءل: أهذا كلام متزن؟ ما علاقة الشفاءات العجائبية بالذهاب إلى المدرسة؟ وفي أي كلية من كليات الطب تعلَّم يسوع الناصري إبراء المقعد وإعادة البصر للأعمى؟ لكن من العبث مجادلة الأب لطوف، فهو كجميع الناطقين باسم الرب لا يطيق المناقشة ولا يقبل الحوار ولا يتراجع عن الشهادة بغير الحق ولا يخاف من إهانة العقل واحتقار المنطق، فيرفض أن يسمي الأشياء بأسمائها واعتبار الخوارق الداهشية معجزات! وصحيحٌ ما قيل: “لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها”!
وكما تشهد للدكتور داهش أعماله الخارقة، تشهد له سيرته النقية وفصول حياته الملحمية، وكذلك عقيدته وتعاليمه السامية. وهي مدوَّنة في مؤلفاته الغزيرة المنشورة والتي ترجم الكثير منها إلى اللغات الأجنبية. وحبَّذا لو أن الأب لطوف تحرى عن عقيدة الداهشيين في مصادرها بدل أن يستند الى ما هبّ ودبّ من الأخبار الكاذبة والحكايات الملفقة، مثل قصَّة انتزاع الدكتور داهش رأسه ووضعه لدى الحلاّق. وليت الأب لطوف لم يلجأ إلى تحريف الكلام عن مواضعه بخصوص قضية صلب المسيح بين المسيحية والإسلام وصلة ذلك بما عُرف من شخصيات الدكتور داهش الست. فهو ينسب إلى الداهشيين قولهم: “نعرف ان المسيح صلب، ويؤكد هذا إن إحدى شخصياته صلبت…”. والقرآن الكريم يقر بعدم صلب المسيح والذي صلب هو… “الشخص البشري”. وفي سورة النساء “ما صلبوه لكن شبه لهم”، لأن داهش عاد فظهر حياً”. فهذا التخليط ليس له وجود في العقيدة الداهشية. ما نقوله هو إن إحدى شخصيات الناصري قد عُلِّقت على الصليب لا شخصه البشري، وأن في ذلك تصديقٌ لما جاء في القرآن الكريم “وما قتلوه وَمَا صلبوه ولَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ”. كما ينسب الأب لطوف للداهشيين أنهم يعتبرون الدكتور داهش “وسيطاً (medium)! وهذه قلة دراية لا تليق برجل دين أن يرمي به الداهشيين. فالوسيط والميديوم من مصطلحات السبيريتزم (spiritisme). أما الداهشيون فقد اشتهروا بتنوير الرأي العام وتبيان كذب الوسطاء المزعومين والسحرة والعرّافين وممارسي التنجيم وكشف الغيب والتكهّن بالمستقبل. وأغرب ما في عظة الأب لطوف تأويله لما كتبه المرحوم هشام شرابي في سيرته الذاتية بعد أكثر من عشرين سنة من لقائه الدكتور داهش. إن من له بعض الإطلاع على مؤلفات الدكتور شرابي يلاحظ أنه قد نسب آراءه الشخصية إلى مؤسس الداهشية. فهو، كعالم اجتماع، حاول أن يفسر بمآسي الحياة وكوابيسها اهتمام الكثير من الناس باستطلاع المغيبات –وهو ما عبر عنه بالـ”روحانيات”، ولجوئهم إلى المزارات وحملهم الإيقونات وطلب الشفاعة من قبور القديسين والقديسات. يفهم الأب لطوف من ذلك أن معاناة البشر وآلامهم ورغائب قلوبهم وأمانيّهم هي شرور وقبائح وخطايا تتحول طاقة، وأن هذه الطاقة تنفذ إلى عالم الموتى ثم يرتد صداها إلى عالم الأحياء فيقولبه الساحر، على قوله، “بقوة غريبة هائلة” يجترح بها الخوارق! ويحار الإنسان ما الذي يحمل الأب لطوف على هذا التفسير الخرافي المخيف! هل هو القصور المعرفي أم سوء النية أم الاثنان معاً؟
ويشهد للدكتور داهش كذلك الداهشيون بإيمانهم الراسخ بعقيدتهم الروحية، وفي حياتهم اليومية ومسلكهم. وهم، بخلاف الافتراء الكريه الذي خرج من فم الأب لطوف حين يقول: “يأتي الأشخاص الذين تزخر حياتهم بالقبائح إلى داهش”. فيا لها من عبارةٍ كافرة تصدر عن كاهن يقرأ في الإنجيل “ومن قال لأخيه يا أحمق استحق نار جهنَّم!”. إن الذين عرفوا الداهشيين من كثب وارتادوا منزل الرسالة الداهشية وكتبوا عن ذلك بأمانة، كالشيخ عبد الله العلايلي مثلاً، شبّهوا الداهشيين بـ”إخوان الصفا”، واعتقدوا أنهم يشهدون “ميلاد صوفية جديدة”، وسمعوا في ذلك المنزل حفيف أجنحة الملائكة. يقول العلايلي” “لقيتُ جماعة هذه الدار فأحسستُ بأملٍ ضائع، يوم وجدتُ- ما كنتُ أظن أنني أجد- جماعةً تصافوا هذا الصفاء، وتوادوا هذا النحو من الود، وتوحدوا على منازع رأوها- ومهما تكن- توحدُّ التجرُّد”. هذا لأن الذين أتوا إلى داهش كانوا كثيرين جداً وكانت دوافعهم متعددة وحياتهم تزخر بما تزخر به حياة سائر الناس. منهم من كان يبحث عن الحقيقة الروحية فوجدها واطمأن إليها. ومنهم من كان يطلب المصلحة المادية فطُرد إلى أسواق الزبائنية المعروفة في لبنان. ومنهم من كان دافعه حب الاستطلاع فرأى وخشع لما رأى أو رأى فكان كأنه لم يعاين فذهب لحال سبيله. وبقيت حول الدكتور داهش النخبة والخلاصة. وحتى لو فرضنا أنهم كانوا جميعاً كمريم المجدلية قبل أن يطهرها إيمانها، فأي إنسان يقرأ الإنجيل ولا يجد في كلام الأب لطوف صدىً لقول الفريسيين والكتبة عن يسوع الناصري: “هذا يَقبَلُ خُطاةً ويأكل معهم!” (لوقا 15: 2). وكانوا يسألون تلاميذه: “لماذا يأكل مُعلمُكم مع العَشّارين والخُطاة؟” (متى 9: 11). أما يسوع فأجابهم: “لا يَحتاج الأصِحّاء إلى طبيب بل المرضى”، وكان يصيح بأعلى صوته: “تعالوا إليَّ يا مثقلي الأحمال!”.
إن الدكتور داهش أسَّس دعوة روحية فكرية، وأسس كذلك متحفاً عالمياً للفن وإحدى أكبر المكتبات الخاصة كمنارة للمعرفة، ولم يؤسس “ميليشيات” وجماعات مسلَّحة تزرع الموت والخراب وتتسبَّب في قتلَ مئاتِ الآلاف من البشر الأبرياء، ولم يؤجِّج الأحقاد والكراهية الطائفية لتكون “أعماله أعمال موت وأنه واسطة موت وأداة موت”، كما يفتري الأب لطوف. إن إحدى معجزات الدكتور داهش تتمثَّل في المؤاخاة الروحية التي خلقها بين الداهشيين المنتمين إلى الطوائف اللبنانية المتناحرة. وقد قدَّم هذه الوحدة الروحية المتخلقة بالأخلاق السامية كحلّ لإنقاذ اللبنانيين من الطواعين الطائفية وسياسة التظالم والفساد التي تفتك بهم، وأنذرهم بالعواقب الوخيمة لما يصنعونه عمداً بأيديهم، فكان ردهم على دعوته الخيرة اضطهاده ونفيه وإبعاده وتشويه سمعته. فلا نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أهله. إنه لم يشعل الحرب الأهلية كما يدعي الأب لطوف بل حذَّر منها وأنذر بها”.
نبوءة بمصرع كينيدي
قبل مصرع الرئيس الاميركي جون كينيدي بأسبوع، أعطى مؤسس الداهشية الوزير اللبناني السابق، المحامي إدوار نون “رمزاً” داهشياً مطوياً داخل ظرف مختوم، وأوصاه بأن يحتفظ به مغلقاً ضمن خزانته الحديد.
وما إن أغتيل الرئيس الاميركي في 22/ 11/ 1963، ونشرت الاذاعات ووكالات الاخبار العالمية نبأ مصرعه والغموض المحيط بأسبابه ودوافعه، حتى اتجهت أنظار الصحافيين في لبنان الى رجل المعجزات، علّهم يستطلعون منه خبراً. فكان أن اشار اليهم بالتوجه الى مكتب الاستاذ إدوار نون وسؤاله أن يفتح أمامهم الظرف القديم المخبوء المختوم، فقصدوه في 28/ 11/ 1963.
وبعدما استأذن المحامي نون مؤسس الداهشية هاتفياً، فتح الظرف المودع في خزانته الحديدية أمام جماعة من الصحافيين، كان بينهم السادة جورج سكاف وإدوار حنين وفرنسيس فرنسيس وإرنست كرم، وقرأ ما انطوى عليه. فإذا فيه نبوءة دقيقة بمصرع الرئيس الاميركي بالساعة والدقيقة، وبغير ذلك من الايضاحات الدقيقة. وهذا نص النبوءة:
“سيُقتل الرئيس كينيدي وذلك بتاريخ 22/ 11/ 1963، بينما يكون متوجهاً بموكبه الرسمي بالسيارات من المطار الى معرض دالاس التجاري لإلقاء خطاب، وسيُتهم بقتله (هارفي أوزوالد). وسيُتوفى كينيدي في الساعة الواحدة – توقيت دالاس – أي سيظل حياً مدة أربعين دقيقة فقط، بعد اصابته بالرصاص؛ فرصاصة سيُصاب بها قرب أعضائه التناسلية، وثانية بمؤخرة الرأس، ورصاصة ستدخل مقدمة العنق وستخرج من مؤخرة الرأس. أما المتهم بمقتل كينيدي فسيُقتل برصاصة يطلقها عليه (جاك روبنشتاين)، رصاصة واحدة على بطنه، وإذذاك يترنّح (هارفي أزوالد) ويسقط فاقداً لوعيه، وذلك بتاريخ 24/ 11/ 1963، وفي الساعة الحادية عشرة والثلث، توقيت بيروت السابعة والثلث. وسيتوفى أوزوالد في الساعة الواحدة وسبع دقائق من بعد الظهر في المستشفى نفسه الذي لفظ فيه كينيدي أنفاسه. أما لماذا قُتل كينيدي على يد (هارفي أوزوالد)، فمردّها لتقمصات سابقة”.
(من كتاب “أضواء جديدة على مؤسس الداهشية”)
عن بشارة الخوري
من نبوءاته ثلاث تتعلّق برئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخوري الاولى، سُلمت الى عقيلته السيدة لور في 13 تشرين الثاني 1943، إثر إلقاء السلطة الفرنسية القبض عليه؛ وذلك بعد توسلها الى الرجل الخارق لإطلاعها على مصير زوجها، وذلك بواسطة شقيقتها الأديبة ماري حداد التي كانت قد آمنت بالرسالة الداهشية. مما جاء فيها أن بشارة الخوري سيعود الى الحكم في 22 تشرين الثاني 1943، مع إيضاح ملابسات الاحداث التي ستجري.
والثانية نشرتها جريدة “الصحافي التائه” في 20 شباط 1944؛ وخلاصتها ان اضطهاداً سيشُنُّه بشارة الخوري على الدكتور داهش، وسينزل جزاء روحي بالمُضطهد، وذلك بكسر يده من كتفه، فيُضطر الى قصد القدس للاستشفاء، في 15 شباط 1945. وقد تمّت النبوءة بحذافيرها، مع العلم أنها نُشرت قبل نحو عام من وقوع أحداثها.
والثالثة تكشف تاريخ موت بشارة الخوري، وقد اطلعت عليها ابنته السيدة هوغيت كالان بواسطة صديقتها السيدة وداد نفاع التي تسلّمتها بتاريخ 1/ 12/ 1963.
حياة الدكتور داهش في جدول زمني
هو سليم موسى العشي. والده موسى إلياس أليشي (نسبة الى أليشع النبي، ثم حرّف الاسم الى: العشي) من بلدة إسفس، ووالدته شموني ابنة حنا مراد كانون، من بلدة آزخ (والبلدتان تقعان على السفح الشرقي من “طور عبدين”، شماليّ ما بين النهرين)، وكانا ينتميان بالمولد الى الطائفة السريانية الارثوذكسية، ثم اعتنقا البروتستانتية الانجيلية.
عام 1906 اعتزما السفر الى فلسطين لزيارة الاماكن المقدسة، ثم قررا الاقامة فيها، فسكنا في بيت لحم، ومن ثم في القدس حيث ولد سليم في 1 حزيران 1909 بحي باب العمود.
عام 1911 انتقل والداه الى بيروت، حيث استقرا مع اولادهما في حي المصيطبة.
عمل والده في المطبعة الاميركية ببيروت. وفي اثناء الحرب العالمية الاولى، اقتاده الاتراك الى الجندية، فساءت صحته، واصيب بالسل. فسرح من الجندية، ثم نقل الى مصح هملن بالشبانية في لبنان حيث توفي ودفن في 25 كانون الاول 1920.
بعد رحيل الوالد، تكفلت الوالدة بتنشئة بناتها الاربع وابنها سليم. ونظرا لضيق ذات اليد، ارسل هو وشقيقته انتوانت الى ميتم في غزير بلبنان، تابع للارسالية الاميركية.
في اواخر عام 1921 ترك سليم الميتم بسبب انحراف في صحته. وقد نصح الاطباء والدته بنقله الى منطقة جبلية. وهكذا لم تستغرق اقامته في الميتم سوى بضعة اشهر.
في عام 1922 ارسلته والدته الى بيت لحم ليقيم عند شقيقتها، فدخل هناك المدرسة، لكن سوء صحته منعه من مواصلة الدراسة.
في 7 آذار 1923، حصل على الجنسية اللبنانية بعدما حازتها والدته قبل عامين وفق معاهدة لوزان.
في عام 1924 كان سليم في بيروت، فلم يغادرها. وقد اخذ يميل كل الميل الى الدخول في مدرسة كبرى، لكن حالة والدته المادية لم تسمح له بذلك، فاضطر الى استئجار الكتب من المكتبات لمطالعتها، فحصل مع الزمن ثقافة شخصية واسعة.
اطلق عليه عام 1929 اسم “داهش” نظرا لما ظهر على يديه من اعمال خارقة حتى بات يعرف به.
في عام 1930 قصد باريس حيث اقام اربعة اشهر حصل، في خلالها، على شهادة التخرج في العلوم النفسية من ” معهد ساج”(sage institute)، فصار يعرف منذ ذلك الحين باسم “الدكتور داهش”.
في 21 كانون الثاني 1931 سافر الى القدس ومنها الى القاهرة، حيث اقام بضعة اشهر. ولما كان صيته قد ذاع بسبب الاعمال الخارقة التي كانت تجري على يديه، فقد كان مقصد الناس يزورونه ليستشيروه في بعض الشؤون النفسية او الروحية. وكان، في اثناء اقامته بالقاهرة، موضع حفاوة رجالات الدولة البارزين آنذاك.
في عام 1927 باشر الدكتور داهش تدوين افكاره وعواطفه، وفي اواسط عام 1933 فرغ من تأليف كتابه الاول “اسرار الالهة”. وقبل تمام العام نفسه انجز كتابه الثاني “قيثارة الآلهة”.
في اواسط الثلاثينيات من القرن العشرين التف حوله عدد من المثقفين الذين تبنوا منطلقاته الفكرية الروحية، منهم الشاعر مطلق عبد الخالق والوجيه توفيق العسراوي.
في عام 1935 قام بعدة رحلات، منها رحلة الى ايطاليا فباريس. وفي اثناء ذلك العام كان يعد لطبع رائعته الادبية “ضجعة الموت”.
في مطلع عام 1936 صدر كتاب “ضجعة الموت” في مجلدين: “الضجعة” النثرية، و”الضجعة” الشعرية (نقلها من صيغة النثر الى صيغة الشعر مطلق عبد الخالق). وقد صدرت “الضجعتان” مخطوطتين بريشة الخطاطين الشهيرين محمد حسني ونجيب الهواويني، ومزينتين بلوحات فنية مناسبة لنص الكتاب رسمها الفنان الايطالي موريللي. وفي خلال هذا العام وضع الدكتور داهش كتاب “كلمات”، وصدرت طبعته الاولى عام 1939.
في اواخر عام 1938 زار بغداد حيث كان موضع حفاوة الامراء والوزراء. وكتبت الصحف المقالات المشبعة عن اعماله الغربية المدهشة.
في صيف 1939 قام برحلة الى داخل البلاد السورية، فركب السيارة في 12 تموز من بيروت الى طرابلس، ومنها استقل القطار الى حلب ثم دير الزور فالى عين ديوار حيث الحدود السورية التركية.
في مطلع عام 1940 باشر الدكتور داهش وضع كتابه “الدهاليز” الذي كان يكتب فيه كل يوم صفحة واحدة.
في 23 آذار 1942 أعلن الدكتور داهش في بيروت رسالته الانسانية الروحية الداعية الى الايمان بالعدالة الإلهية، ومبدأ الثواب والعقاب، والتقمص، ووحدة الأسرة البشرية، ووحدة الأديان الجوهرية. وقد راقت هذه العقيدة فئة من مختلف طبقات المجتمع اللبناني، فأقبلت على اعتناقها، الأمر الذي ألب على مؤسسها بعض رجالات السلطتين السياسية والدينية، وعلى رأسهم بشارة الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية (1943 – 1952).
في 8 ايلول 1944 أصدر بشارة الخوري مرسوماً يقضي باخراج الدكتور داهش من الاراضي اللبنانية بعدما جرّده من جنسيته اللبنانية بطريقة اعتسافية، فأُبعد في اليوم التالي الى حلب في سوريا، ومنها الى أعزاز، عند الحدود السورية التركية.
في 9 تشرين الأول 1944 استطاع الدكتور داهش العودة سراً الى بيروت. ولما حالت السلطة السياسية دون استرداده جنسيته بالطرق القانونية، ومنعت الصحف من نشر ردوده على افتراءاتها، باشر حملة قلمية، فأصدر عشرات المناشير والكتب السوداء يعرض فيها الظلم الذي نزل به، ويفضح مفاسد عهد بشارة الخوري.
منذ أواخر عام 1944 الى أوائل عام 1953 كان على الدكتور داهش ان يحتجب قسراً عن الناس بسبب اضطهاد السلطة له إبان عهد بشارة الخوري. لكنه استطاع في خلال تلك الأعوام ان يُراسل الفنانين في أوروبا، ويقتني لوحاتهم الفنية بهدف اقامة متحف يطلق عليه اسم “المتحف الداهشي”. وفي أثناء احتجابه القسري أيضاً استطاع ان يؤلف ويطبع كتباً عدة، منها “جحيم الدكتور داهش” (1945)، و”بروق ورعود” و”مذكرات دينار” (1946).
في النصف الثاني من عام 1947 نشرت بعض الصحف اللبنانية خبراً مؤيداً بصورتين فوتوغرافيتين يفيد ان الدكتور داهش قد أعدم في أذربيجان بايران، الأمر الذي أكده السفير الايراني للسلطات اللبنانية. أما الدكتور داهش فكان، آنذاك، يُقيم في بيروت.
في 15 ايلول 1952 أعلن الشعب اللبناني، بكل فئاته وطوائفه، إضراباً عاماً حتى إسقاط بشارة الخوري من الحكم بسبب مفاسد عهده، الأمر الذي حمله على تقديم استقالته من رئاسة الجمهورية في 18 ايلول 1952.
في 6 شباط 1953 اجتمع مجلس الوزراء الجديد وأصدر قراراً أعاد بموجبه الى الدكتور داهش جنسيته اللبنانية. وفي 24 آذار 1953 أصدر الرئيس كميل شمعون (الذي خلف بشارة الخوري) مرسوماً ألغى بموجبه مرسوم الابعاد.
بعد عام 1953 عاود الدكتور داهش حياته الاجتماعية، فكانت دارته في بيروت ملتقى للأدباء والمفكرين، يرتادها زوار من جميع فئات المجتمع اللبناني، ومن سائر الأقطار العربية.
في 22 حزيران 1964 نشرت مجلة “الأسبوع العربي” البيروتية مقابلة صحفية مع الدكتور داهش توجتها بالقول: “أنا داهش أتحدث اليكم”. وكانت تلك أول مقابلة صحافية مطولة تجرى معه بعد احتجابه. ثم كرت سبحة المقابلات في كبريات الصحف اللبنانية.
بدءاً من عام 1969 باشر الدكتور داهش سلسلة رحلات عالمية شملت معظم أقطار العالم، وكان من أهدافها ابتياع اللوحات والتحف الفنية لإغناء المتحف الداهشي الذي كان قد باشر جمع مقتنياته منذ زمن. وقد دون وقائع رحلاته في سلسلة مؤلفة من 22 مجلداً تحت عنوان “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية”.
بدءاً من 9 آذار 1976 الى أواخر عام 1978 واصل الدكتور داهش رحلاته العالمية، فزار عدة بلدان منها الولايات المتحدة الاميركية التي شحن اليها مقتنياته الفنية بسبب اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975.
في 14 كانون الاول 1978 عاد الى لبنان ليُشرف على طبع مؤلفاته، ومنها “قصص غريبة وأساطير عجيبة” (في أربعة أجزاء)، والأجزاء الأولى من سلسلة “الرحلات الداهشية”، وسلسلتا “حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسية” (10 أجزاء) و”فراديس الإلهات يرصعها اللينوفار المقدس” (10 أجزاء).
في 1 أيلول 1980 غادر لبنان لاسئناف رحلاته العالمية، فزار أميركا الشمالية وأوروبا والهند… الى ان وافته المنية في 9 نيسان 1984 في الولايات المتحدة الأميركية حيث دفن.
(من كتاب “الدكتور داهش بأقلام نخبة من معاصريه”)
صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يفقهون
صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يفقهون.
ان كنتم تَصْدِقون فيما تقولون, بأن داهشاً , ذلك الولد السرياني الأصل المعروف باسم ( الدكتور داهش بك ) كان يدعو رجال الدين والوجهاء الى مائدة الطعام ويضع امامهم أصابع الخيار, ويطلب منهم ان يتناولوه وعندما يتناول الواحد منهم إصبع الخيار، يجد في فمه حذائه.
غريبٌ أمركم في كذبكم. أولم يكن في بيت داهش الاّ الخيار؟ أولم تكن أحذية رجال القوم في أرجلهم؟ وكيف تقبّل رجال الدين والوجهاء ذلك الأمر؟ أم أنَّ داهشٌ كان من القوّة الجسديّة في شيء حتى لم يستطيع كلّ أولئك القوم من مهاجمته أو الردَّ عليه أو حتى اللجوء الى القانون , وذلك أضعف الأيمان.
أمّا انه كان يدخل إلى الحلاق، ويتناول رأسه بيديه ويضعه على الطاولة ويطلب من الحلاق قص شعره ويخرج للتجوال ثم يعود ليأخذ رأسه بعد أن يكون الحلاق أنهى عمله.
هل من عاقل يمكن أن يتقبّل هكذا أمر؟ أم أن العقول في ذلك الوقت كانت كالحمار محمّلاً اسفارَ. وهل سأل احدكم راوي هذه القصّة عن كيفيّة تجول داهش ؟ أم أنَّ الكذب ليس له حدود؟
أما ان يروي السيّد جورج غانم قصةً ويقول انه كان شاهداً عليها مع داهش بك وهي ” “دُعينا مرة إلى محاضرة سيلقيها في الساعة الواحدة، وتأخر في الحضور، وعندما أصبحت الساعة الثانية دخل داهش ووسط احتجاجنا على تأخره، قال لنا انه لم يتأخر وطلب منا النظر في ساعاتنا فوجدناها تشير للساعة الواحدة””.
ألم يخطر على بال أحد, أن الذين يُدعون الى محاضرةٍ ما, يجب أن يكونوا من خيرة المثقفين آنذاك؟ وكيف تقبّل أولئك المثقفون أن ينتظروا ساعةً كاملة؟ أولم يكن لديهم من شيءٍ عمله؟
حسناً أيها الباحثون عن الحقيقة, لنسلّم جدلاً أن تلك الأعمال التي لا شكَّ أنّها خارقة قد فعلها الدكتور داهش, وأن الراوون لتلك الخوارق لنواميس الطبيعة هم أصحابَ سيرةٍ حسنة وعلى درجةٍ عالية من الثقافة, أذ يحتّم علينا العقل الراجح أن نتأكّد من وجود هاتين الميزتين في الرواة حتى يتمّ تصديق رواياتهم.
قلت, لنُسلّم جدلاً أنّهم يتمتّعون بتلك الميّزات, وأنّهم أهلاً للثقة. حينذاك ألا تكون أفعال الدكتور داهش هي فعلاً من المعجزات الألهيّة التي لا تمتُّ بصلةٍ الى الشعوذة والسحر والتدجيل؟
وكيف تكون المعجزات؟ وما الفرق بين معجزات السيّد المسيح والنبيّ العربي ومعجزات الدكتور داهش؟ وهل عصا موسى النبيّ أشدَّ فعلاً من أن يتجوّل داهش بغير رأس؟
وهل عاين أحدكم مُعجزاتهم ليقارن فيما بينهم؟ وعلى أيّ أساسٍ بنيتم ايمانكم بهم؟
- (22) وﺇن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فآتوا بسورةٍ من مثله , وأدعوا شهداءكم من دون أللّه ﺇن كنتم صادقين . (23) فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فأتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين.
أتّقوا الله في خلقه. ولماذا لم يذكر الراوي لمراسلكم الصادق الأمين أسم المرأة التي تيمّت به حتى تركت زوجها؟ أولم تسألوا أنفسكم, أنْ كان داهشٌ فعلاً يحبّ النساء, لكان تزوّج وأنجب. أم أنّه حرامٌ عليه ما هو حلالاً لكم؟ ولتصحيح معلوماتكم أنَّ داهشٌ لم يُقم علاقةً شرعيّة أو غير شرعيّة مع أحدٍ على حدٍّ سواء, و لم يتزوّج ولم ينجب شأنه في ذلك شأن المسيح سيّد المجد. أنَّ لكم أن تفهموا معنى العفّة وأنتم غائصون حتى أذنيكم في مستنقعات الرذيلة والكذب والهوان.
أم أن داهشاً حاول أن يُظهر نفسه ويُثبِتَ للناس وهو الفقير ، انه إنسان جدير بالاحترام، وحاول ان يظهر ككاتب ومثقف ومتعلم”. ويبدو الأب يعقوب متعاطفا بشكل كبير مع داهش بك،
شكراً لتعاطف الأب يعقوب الذي ليس له أساساً من الصحّة. فالدكتور داهش لم يكن فقيراً, والمال الذي كان لديه قد لا يُعدُّ ولا يحصى. حسبي أن أشير الى افادة السيّدة ماري حدّاد في دائرة رئيس البوليس العدلي:”
هنا تسألونني:” و كيف يعيش الدكتور داهش؟”
فالجواب:
” إنني شاهدت عنده من الدراهم أكداس مكدّسة. و لا يوجد عند (بنك) ما يوجد عنده من المال.
و قد شاهدته يُعطي الفقراء بدون حساب؛ و لكنه لنفسه بكلِّ دقة يعمل الحساب” .
كما أنَّ انشاءه مُتحفاً يضاهي المتاحف العالميّة في نيويورك لهو خير دليلٍ على عدم فقره, كما له مكتبةً شخصيّة تضمُّ أكثر من مليون كتاب, ومجلّة تحمل اسمه, وداراً للنشر, لهم خير برهان على صحّة ما أقول.
وان لم يكن صاحب 150 كتاباً أدبيّاً خطتها يراعة داهش بشتى أنواع الأدب, كاتباً ومثقّفاً ومتعلّماً؟ فمن هو الكاتب والمثقّف والمتعلّم؟
عزيزي الباحث عن الحقيقة,
كلَّ من عرف داهشاً, عرف أنّه مِثالٌ للأخلاق الرفيعة, عَرِفَ كيف يتكلّم الدكتور داهش, عرفه بكتاباته وأقواله, بسلوكه وأعماله, بمُعجزاته وعجائبه, وبصلاته وعلاقاته مع الناس.
فهو عندما يتكلّم, تتواهى الحُجَجُ أمام حُجَجِه مهما كانت قويّة وبليغة.
لقد شاهدناه بين كبار الرجال، و الكتبة و الصحافيين، و جماعات من ذوي الثقافة العالية. فكانوا كلّهم مُعجبين به حتى إنهم يصبحون بتفكيرهم أمامه صغاراً.
و كانوا كلّهم يطلبون منه إرشادات و تعاليم، فكان يعطيهم إيّاها ببساطة كاملة ووداعة متناهية.
هو أكمل تعبير للعبقريّة من حيث سموّ وجهة نظره. و نُبل فكره و صفائه.
فالدكتور داهش لم ولن ينقُصَه الأحترام ما دامت الأرضُ أرضاً والسماءُ سماءً. حسبي أن أشير في هذا بأن تلاميذ داهشٌ يزدادون يوماً بعد يوم, وليس الوقت ببعيد حتى تمتلىءُ الأرضَ والعوالم الفردوسيّة بالداهشيين. . وهؤلاء جميعاً, يجلّون داهشاً ويحترمونه, فهو الرمز لهم, والقدوة. و يخشعون لللّه باسمه.
أمّا السيّد هشام شرابي, فمن حيثُ لا يدري, فقد أضاف الى مُعجزات الدكتور داهش مُعجزةً.
ولو أنّه فكّر بها كمثقّف, عما جعل الدكتور داهش يزوره, لعرِفَ بأن معرفة عنوانه وأفكاره وزيارته في ذلك الوقت, ما هو الاّ دليلاً ساطعا” على قدرة الدكتور داهش بمعرفة الآفكار. ومن يعلم بالغيب الاّ الله عزَّ وجلّ, والذين القى الله عليهم أمره من عباده لينذروا يوم التلاقي.
أما عن اجابة داهش: “الناس بتحب الروحانيات خصوصا إذا كانت مرتبطة باللاروحانيات” . فلأن الحكمة ترتّب على أن لا نخاطب الناس أكثر مما يستوعبون.
حسين يونس .
العنوان
النَّص
