بشرية ضالَّة
أيَّتُها (الحقيقةُ) الضائعةُ في خِضَمِّ هذا الكونِ الحَرُون
نحنُ نخافكِ ونهابُك ولا نريدُ أن ندنُوَ منك
تسعينَ إلينا وتُناديننا كالأمِّ الحنونِ ونحن نُوغِلُ في البُعدِ عنكِ!
نعَم، أيتها الحقيقةُ الغرّاء، كم نفَرتْ نُفُوسُنا مِنْ مراكِ!
وكم أنكرَتْ أُممُ الأرضِ روائعَ مزاياكِ!
أنتِ تُريدين هدايتنا، ونحنُ في ضلالِنا عامِهُون!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
أقوال الصُّحف
الدكتور داهش والداهشيَّة
في الصَّحافة
- الحقيقة الكبرى
- الآنسة ماجدا حدّاد تنتحر
- مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
- مع زينا حداد في عالمها الأدبي
- الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
- الذكرى المئوية لولادة
- الرجل الذي أثار إهتمام الناس
- مذكّرات داهشيّة
- من مؤرّخ الرسالة الداهشية
- من هو الدكتور داهش
- الرسالة الداهشيّة ...
- المذهب الداهشي أسراره وتلاميذه
- المذهب الداهشي في لبنان
- الموت على طريقة داهش
- الوحيد في نيويورك
- أنا داهش أتحدّث اليكم
- عودة الدكتور داهش
- كيف عرفت الدكتور داهش؟
- كيف عرفت الدكتور داهش2
- لا كرامة لنبيّ في وطنه
- تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف
- جورج شكور
- حديث طريف عن الداهشية
- «بُلبُل المنابر» يستردّ اعتباره في جامعة الأزهر
- وحسبُكِ في هذا النضال أن تكوني إميل زولا!
- أزمة كورونا في ضوء الفكر الداهشي
- داهش يفضح مظالم بشارة الخوري
- داهش.. وبشارة الخوري
- داهشيات
- دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
- حديث مع والدة الفتاة ماجدا حداد
- حق الرَّد
- حكاية سليم العشى مؤسس الداهشية
- حكاية سليم العشي الذي أدهش بغموضه بيروت
- داهش يعود قريبا الى لبنان
- سامح الجباس بين الواقع والخيال
- شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
- العلايلي و لقمان
- نام داخل صندوق حديدي في قعر نهر
- دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي»
- داهش بين القلم والألم
- سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
- " رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض
- بين الدهشة ونداءات التنوير
- 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
- سامح الجباس يناقش ويوقع رواية
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
بين الحقيقة والاِّتهام
الدكتور داهش والداهشيَّة في الصَّحافة
في قضيّة الداهشيّين ضدّ رجال العهد اللبناني البائد
كتاب مفتوح
من الأديبة المعروفة ماري حدّاد
مجلّة ( العالم العربي ) ، العدد التاسع ( 69) أول مارس 1953
بيروت – لمراسل ” العالم العربي ” :
لا تزال هناك بقية لقصة الاضطهادات التي انصبّت على الداهشيين في لبنان ، ولا يزال اهتمام الرأي العام في أنحاء البلاد العربيّة يتزايد بها منذ أفسحت ( العالم العربي ) صدرها لنشر القضية التي رفعتها الأديبة المعروفة السيدة ماري حدّاد .
وكانت جريدة ” لو جور ” الفرنسية قد نشرت مقالا بتوقيع ميشال شيحا – شقيق السيدة ماري – استهلّه بقوله : ” انّ البهيمية حين تعتدي على الروح تصبح الحياة لا قيمة لها ولا مغزى …” فعلّقت السيدة على مقال شقيقها متسائلة بقوَّة :
هل لا ينطبق قولك هذا على ما فعلته أنت في قضية الدكتور داهش فان اعتداءك يا أخي عليه هو اعتداء على المعاني الروحية التي ترمز اليها مبادؤه ، وقد لمس ذلك آلاف الناس في لبنان …
انك ورئيس الجمهورية السابق ( بشارة الخوري ) قد خشيتم هذا الرجل حين رأيتم نفوذه الأدبي القوي يزداد في نفوس الناس يوما بعد آخر …
انكم خشيتم أن يفضح استغلالكم للنفوذ في العهد الماضي ..
خشيتم أن يكتشف مؤامرتكم التجارية لمصالحكم الخاصة على حساب الوطن . فرأيناكم تجمعون قواكم ضده ، وعملت على بذر بذور التعصب والكراهية في الميادين التي نشط فيها لخدمة المواطنين …وكنتم بذلك مدفوعين بالأحقاد الشخصية ، والقيم المعنوية ، والفضائل جميعا …
ولقد استعان أعداء هذا الرجل معكم ، وعلى رأسهم السيد ” ألفرد نقاش ” فنشرتم الأكاذيب حوله وعملتم على النيل منه ، وتآمرتم على اخراجه من البلاد …
ولكن السيد نقّاش ، وكان رئيس الجمهورية في ذاك العهد ، أثبت لكم أن التحقيقات التي أجريت معه ، أوضحت أنه بريء براءة الذئب من دم ” ابن يعقوب ” ، ورفض أن يحقق لكم مطالبكم ، وأبى أن يشارككم في العدوان على حريات المواطنين !
ولما باءت تلك المساعي بالفشل الذريع استعنتم بأصدقاء من الفرنسيين في ذاك العهد – ولا ينكر أحد ما كان لهم من نفوذ – وطلبتم بهذه الوسيلة الى ادارة الأمن العام اللبناني اخراجه من البلاد ، ولكن هذه المحاولة لم تفلح أيضا ، لنفس السبب . وبالرغم من ذلك جميعا ظللتم على ملاحقتكم للدكتور داهش ، وتهديده بالأذى والشر …
وواتتك الفرصة ، حين استفدت من نفوذ صهرك رئيس الجمهورية السابق …ولكن القانون كان يقف بالمرصاد لحماية المظلومين …ولكن الاعتداءات تكرّرت ، والظلم توالى ، والاضطهاد تتابع ، استنادا الى هذه القوة الغاشمة !
اتهمتموه في سنوات الحرب بالجاسوسيّة …ونزعتم عنه الجنسيّة اللبنانية …وهذا أحاط به الخطر من كل ناحية ، ونكّلتم به تنيكلا ، وهو الرجل البريء والمواطن الصالح …
وأخذتم تلاحقونه بالدعايات السيئة ضده ، فأصدرتم الكتب والنشرات في مهاجمته بقسوة …ولكنني انبريت للدفاع عنه لايماني بأني أدافع عن الحق والحرية …
يا للسخرية ! انك تعقد المقالات في جريدة ” لو جور ” الفرنسية ، الجريدة التي تصدرها لتعظ الناس من فوق منبرها ، فما أبعد الشقة بين القول والعمل ، وبين التمني والحقيقة ، والنصوص والتنفيذ !
هل تستطيع وأنت تهاجمني –وأنا شقيقتك – أن تبرّر موقفك الظالم من قضية الدكتور داهش ؟! وكيف تستطيع أن تعتذر عن ظلمك لرجل صالح ، ساهمت في طرده من وطنه وجرّدته من كل سلاح !
قايين …قايين ! ماذا صنعت بأخيك ؟! يا ما أرهب الذكريات !
لقد أدخلتموني مستشفى المجانين …مستشفى العصفورية …انّ بعض هؤلاء الناس ينظمون صنع الجرائم ببراعة شيطانية ، يحسنون ابرازها في صورة الحقيقة …والحقيقة منها براء !
انك يا أخي تتكلم عن غاندي …وتسمعنا بعض الأقوال الرنانة البراقة ، فهل لنا أن نطمع بأن نراك تحاول أن تستهدي في أعمالك تعاليم هذا الرجل العظيم الذي يعتبر من رسل المحبة والسلام في العالم ، والذي حضّ على البعد عن كل عنف …
انني لا أبرئك من مسؤولية انتحار ابنتي ” ماجدة ” بسبب المظالم التي اقترفت ت…انها انتحرت احتجاجا على مذابح الأخلاق الكريمة ، والمثل العليا …ومن له أذنان للسمع فليسمع!
انّ التاريخ قد أعاد نفسه …وهذا الانقلاب الذي حدث في لبنان ضدّ الفساد وضدّ الطغيان…قد أثبت أن ” دريفوس ” الذي دافع عنه ” اميل زولا ” وأثبت براءته من الاتهام ..قد ظهر بصورة أخرى في شخص الدكتور داهش الذي ندافع عنه اليوم .
( ماري حدّاد )
الآنسة ماجدا حدّاد تنتحر
لأنّ داهش منعها من إغتيال رئيس الجمهوريّة قالت جريدة ” العهد ” بتاريخ 30 كانون الثاني 1945 :
في بيروت عائلة وجيهة معروفة بالنبل والأخلاق الكريمة , عميدها السيّد جورج إبراهيم حدّاد وزوجته السيّدة ماري حدّاد المصوّرة الفنّانة المشهورة , وهي إبنة المرحوم أنطوان شيحا وشقيقة الوجيه ميشال شيحا .
وقد أصيبت هذه العائلة بفاجعة مروّعة يوم السبت الفائت الواقع في 27 كانون الثاني 1945 نسرد حوادثها وأسبابها نقلاً عن أحد أصدقاء هذه العائلة , قال :
تعرّفت عائلة حدّاد بالدكتور داهش منذ سنتين ونيّف , وتأصّلت بينهما صلة المودّة . وحبّذت هذه العائلة أفكار الدكتور داهش الإجتماعيّة والدينيّة . ولم يرق ذلك في نظر بعض أقرباء هذه العائلة , فأخذوا يضطهدون الدكتور لإبعاده عن عائلة الحدّاد نهائيّاً . وأخيراً جرّد من جنسيّته اللبنانيّة وسجن ونفي كما يعلم ذلك الجميع .
ولمّا كان آل حدّاد يعتبرون أنّ هذا الحيف وقع بسببهم , رأوا من واجبهم الإحتجاج الصارخ والسعي المتواصل لرفع الحيف عن الدكتور داهش .
ولمّا رأت الآنسة ماجدا أن جميع المحاولات قد فشلت , فكّرت أن تنتصف للرجل المظلوم , وأخذت تدبّر العدّة للوصول الى غايتها , وتغتال الشيخ بشارة الذي ظلمه .
غير أنّ الدكتور داهش الذي كان في حلب عرف بهذا المسعى فردعها بتحرير عن ذلك وطلب إليها أن تستسلم لإرادة اللّه القدير , وأن تترك له وحده أمر الإهتمام بقضيّته .
وفي السابع والعشرين من هذا الشهر إتّجهت زينا , شقيقة الفقيدة , الى غرفة النوم التي تعوّدت ماجدا أن تختلي فيها لنفسها , فوجدت الباب مقفلاً من الداخل . فقرعته أولاً وثانياً , فلم يجبها أحد , فارتابت في الأمر . وقرعت بعنف ثمّ ضغطت على الباب بشدّة وإذا به ينفتح … ويا لهول ما شاهدت ! … أختها الحبيبة ماجدا ممدّدة على سريرها , والى يمينها مسدّس , والدماء تطوّق عنقها , وهي راقدة رقادها الأبديّ ساخرة من هذه الحياة القاسية .
وفي صباح الأحد الفائت ( أمس ) شيّع جثمانها حسب الطريقة الداهشيّة التي تعتنقها الفقيدة وعائلتها . ودفنت في مدفن خاص في جونية , دون أن يسمحوا لرجال الدين بمرافقة الجثمان أو الإقتراب حيث المدفن .
مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
جريدة اللواء الصادرة بتاريخ 31 كانون الثاني 1945 لصاحبها الأستاذ ابراهيم سليم النجار. تحت عنوان:
مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
وجدت الآنسة ماجده جورج ابراهيم حداد منتحرة برصاصة في صدغها في منزل والدها بعد ظهر السبت الماضي 27 كانون الثاني 1945.
و قد أثبت التحقيق الطبي و القضائي الذي قام به الدكتور الياس حلو و المستنطق أن الفتاة كانت من اتباع الدكتور داهش مؤسس الداهشية و معتنقة ديانته و قد عز على الفتاة ابعاد داهش إلى خارج الحدود و تجريده من جنسيته اللبنانية لسبب إيمانها مع والديها به فتوعدت وتهددت ذويها الذين كانوا السبب في الابعاد. و بقيت على تلك الحالة إلى أن قطعت الأمل من عودته إلى لبنان. و بينما كانت تطلع رسالة وردتها من داهش يشجعها فيها على الصبر و الثبات و عدم الانتقام ممن انتوت الانتقام منهم أظلمت الدنيا في عينيها فافرغت رصاص مسدسها في صدغها و قضت لساعتها مأسوفاً على صباها و علمها و رقيها. و المعروف أن الزميل الأستاذ ميشال شيحا صاحب جريدة ( له جور) هو خالها. أما خالتها فهي لور عقيلة صاحب الفخامة. رحم الله الفقيدة و عزى ذويها.
نقل الجثة إلى جونيه.
و قد نقلت الفتاة إلى جونيه حيث صلي على جثمانها بحضور السادة الدكتور خبصا الداهشي و الطبيب المشهور بالأمراض الجلدية.و الطبيب الدكتور فريد أبو سلمان الداهشي. و الأستاذ إدوار نون الداهشي و هو محام مشهور و صديق اصحاب الحكم. و الأستاذ الشاعر حليم دموس الداهشي.
و قد دفنت الفقيدة في مدفن عائلة خبصا و قد تأكد لنا أن والدي الفقيدة و شقيقتيها أي العائلة بأكملها و جميعهم من أتباع داهش لم يسمحوا للكهنة بالسير مع الجثة أو تلاوة صلواتهم الجنائزية عليها لأن عقيدتهم الجديدة تمنع رجال الكهنوت لاقتراب من جثماني أي فقيد داهشي.
و هكذا نزع آل حداد عقيدتهم الكاثوليكية واعتنقوا الديانة الداهشية.
العمدة
مع زينا حداد في عالمها الأدبي الحافل بالرؤى الفردوسية
الديار
19/7/2011
مع زينا حداد في عالمها الأدبي الحافل بالرؤى الفردوسية
Tuesday, July 19, 2011 – 12:40 AM
زينا حداد كاتبة لبنانية وضعت مؤلفاتها الادبية باللغة الفرنسية. ولدت في بيروت، بتاريخ 22 شباط 1922 لوالدين هما التاجر جورج حداد، والاديبة والفنانة المبدعة ماري حداد التي يضم متحف داهش للفن في نيويورك معظم اعمالها الفنية. وزينا هي الاصغر بين اخوات ثلاث حصلت دروسها الابتدائية في مدرسة راهبات الناصرة في بيروت، ثم انتسبت الى المدرسة الاميركية في المدينة نفسها من اجل تعلم اللغة الانكليزية.
في 29 اب 1942 تعرفت مع عائلتها الى الاديب والمفكر الكبير، الدكتور داهش فاتيح لهم ان يشهدوا المعجزات المذهلة التي كانت تحدث على يديه ويتحققوا من صحتها وسمو اهدافها، وان يطلعوا على دأبه الرفيع وتعاليمه السامية، الامر الذي دفعهم الى اعتناق دعوته الروحية التي عرفت بالداهشية، والتي اعلنت في بيروت بتاريخ 23 اذار1942، ونادت بضرورة العودة الى الايمان الصحيح بالله، وبانبيائه جميعا، وبوحدة رسالاتهم الالهية، ووحدة الاسرة البشرية وقدمت للانسانية حقائق روحية بالغة الشأن. وقد تبدلت حياة زينا وعائلتها بفعل هذا الحدث الجلل، اذ رأوا في الدكتور داهش منبعا للمعرفة العلوية الثرة منها للثقافات المختلفة، وادركوا انه يحمل في يمينه حقيقة تريد ان تبعث نورا جديدا في الحياة فاقتفوا سبيله، واقتدوا بسيرته المثالية.
تشهد السيدة زينا للدكتور داهش بفضله في تشجيعها على ارتياد عالم الكتابة، وفي اغنائها بمعارفه التي تجوز حدود ما يعرف البشر بالرغم من ان ما كان يعلمه لم يكن ليعدو الدروس الاولى، على حد قولها، من مؤلفاتها: قصص زينا ورحلات نحو المجهول، «مرآة الفراديس» «فسيفساء» «اوراق ذابلة وبراعم»، و«قصة تقمّص.»… وقد اتسمت كتاباتها بنفحات روحية تنير دياميس الحياة ترفدها مخيلة مجنحة ترود رحبات عالمنا لتحلق من بعد، بسرعة الفكر، نحو النجوم البعيدة، وتحط الرحال في فراديسها الالهية العجيبة، ولا تعود منها الا وقد زينت الطروس بفيض من مشاهد جمالاتها الخالدة. هذا البعد الكوني في ادبها، يسعفه اسلوبها الشيق المطبوع ببساطة التعبير وصدق الكلمات وغرابة الوصف، قد جعل من ذلك الادب ادبا مميزا يشق سبيله بسهولة الى العقول والقلوب في آن.
الذين عرفوا زينا حداد، والذين عايشوها يشهدون بانها مثال للزهرة الحيية الارجة التي تحجب وجهها الجميل خشية ان تراها العيون، لكن عبق طيبها يبوح بسرها، ويجذب السابلة اليها لم تكن زينا، في نظرهم جميعا، الا صورة مجسدة عن البراءة والطهر والحب والخلق الكريم والادب الجم والتواضع، وسواها من الشيم الرفيعة التي قلما اجتمعت كلها في شخص فرد، رجلا كان ام امرأة، شيم توجها ايمان عظيم بالله ورسالاته، وخضوع مطلق لمشيئته، هكذا كانت مذ اينعت، وما زالت كذلك، لم تتبدل قط، ما خلا انها ازدادت سموا على سمو ورفعة على رفعة، بمرور الايام وحققت لنفسها مزيدا من الدرجات صعدا نحو هدفها الاسمى في الحياة ومن البديهي ان تتجلى صورتها المحببة تلك في ادبها. وهل الادب الا انعكاس لنفسية الاديب، وتسجيل حي لمشاعره وخلجاته، ولوحة تبرز ميوله ونزعاته وتطلعاته فنقرأ فيه دخيلته بكل ما يعتمل فيها من خير وشر، ونستجلي من خلاله افاق فكرة وما يصبو اليه من اهداف؟!
مع ان زينا ناهزت التسعين من العمر، فانها ما زالت حتى اليوم وفية لعهدها مع القلم، وما زال، هو ايضا، وفيا لعهده معها. اصابعها المعتلة بداء المفاصل ابت ان تسلوه او ان تتخلى عنه،وان كابت الالام في حمله، فكأنها لم تعد تقوى على فراقه. ومن يدري، فلعل ذلك القلم يود ان يبقى ملازما ملهمته في رحلتهاالابدية نحو شواطئ اللانهايات فالموت، في عقيدتها، ليس نهاية الحياة وانما نقطة عبور من حياة الى حياة اخرى جديدة. وفي منظورها انها وجدت منذ الازل، وما زالت وستبقى ماخرة عباب اوقيانوسات العوالم من دهر الى دهر، على حد تعبيرها في كتابها قصة تقمص، هذه القناعة رافقتها منذ فتوتها، وقد باحت بها يوم كانت بعد في عمر الزهور، وبالتحديد قبل اثنتين وستين عاما خلت، اذ قالت: عجوز دهرية انا، ولا بدء لي. عجوز انا، نفخ الله في الحياة منذ بدء الازمنة وبرء الاكوان. ومنذ ذلك الحين وانا اشيخ في الترحال، اكدس الاعوام واجوب العوالم. وتنقضي الحياة سواء في هذه الدنيا او في عالم اخر فيربو عدد ولاداتي او عدد اعوامي. عجوز انا، وغضوني تكبر وتعمق. وما عام على الارض في عيني سوى جزء من ثانية في عالم اخر. ومع ذلك، فانا احسه طويلا، وثقله يتعاظم على كاهلي. عجوز انا او هنتني الاعوام!..
بيد ان هذه العجوز الدهرية، على خلاف سائر العجائز قد بقيت العمركله محتفظة بوجه وقلب طفولتين. كما انها احتفظت ببصيرة حادة قادرة على النفاذ الى جوهر الاشياء والامور، مهما صغرت ودقت او كبرت وتعاظمت، دون التوقف عند مظاهرها. حتى باتت ترى كل ما من حولها يضج بالحياة، ويؤدي دوره في سمفونية الكون الخالدة، في قصتها حبة الرمل التي ضمها كتابها قصص زينا او رحلات نحو المجهول، تتخيل ان تلك الحبة الصغيرة قد تكون له شمس مضطرمة تنيره… ثم تتساءل قائلة: اوليست الارض نفسها، في نظر الله، حبة رمل من بين حبات مثيلات لها لا حصر لهن في ملكوته؟ ترى، اي سر في ذلك؟! انني اعفر جبيني امام هذه القوة الالهية… ان ذلك الا سر من اسرار السرمدي.
حتى البرغوت، ذلك الكائن المزدري به من كافة البشر، تراه زينا من منظور مختلف عن منظورهم، فهو حسبما جاء في كتابها قصة تقمص كائن معاقب على اثام اتاها بارادته في ادوار سابقة ويخضع لنظام الارتقاء والسقوط الروحي كسائر الكائنات، ومن عجيب ما ذكرته عنه في قصتها انه قد رفع صلاة حارة الى خالقه، غب موته، وقبل مثوله امام سدة القضاء العلوي، معترفا امامه باثامه، مستغفرا اياه قائلا: من انا، يا رب؟ اكاد لا ارى، لقد عاقبتني ايها السرمدي اللامتناهي الذي تسبح السماوات كافة بمجده الابدي… عفوك، اللهم، عفوك لقد اتيت اثما جبت جميع درجات الناسوت. عرفت الشدائد العظيمة في مراحل كثيرة من حياتي… اليك ارجع الان، رباه، برغوثا… والحق ان هذه الصلاة الخشوعية هي مصداق لقول الله تعالى في قرآنه الكريم: «الم تر ان الله يسجد له من في السموات والارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب» (الحج: 18).
في قناعات زينا الفكرية ان كل ما في الطبيعة يتناجى ويعي ويفرح ويحزن ويصلي ويعاني التجارب ويأتي الخير او الشر ويرتقي او يسقط، كل بنسبة النظام الالهي الخاص بنوعه. ولذلك كانت زينا تحاول ان تتسقط همسات تلك الطبيعة، بطيورها وفراشها واحجارها وانهارها وسائر مكوناتها، ناقلة احاسيسها ازاءها الى الطروس، بكل صدق وبساطة. كما كانت تنظر بعين روحها الى الكواكب والنجوم وعوالمها السعيدة، تستلهم منها الرؤى الفردوسية عما فيها من جمالات فائقة الوصف، وبهجات لا تفنى، فتبادر على الفور الى تدوينها لتجمع لاحقا في كتابها مرآة الفراديس. وقد اخترت من فيض خيالها وقلمها قبسات من رؤياها الجميلة عن ادم وحواء في الفردوس المفقود، والتي ضمها كتابها قصة تقمص واصفة فيها جمال آدم وحواء اللامثيل له، وموضحة حقيقة السقوط والفداء. فذلك الفردوس كما جاء في رؤياها، كانت تنيره مجرة متألقة متعددة الالوان. وتحت رعاية العلي تتجاوز الكواكب وتتبادل البسمات وتتنزه حواء في ذلك الفردوس الساحر وهي تشع جمالا. وجهها ذو شقرة على استدارة. عيناها بلورتان متبدلتا الالوان تعكسان، على التوالي الوان جميع النجوم. جبهتها عريضة، ومحياها سماوي. شعرها الاشقر الطويل هالة حول رأسها. وجسمها الاهيف. كجسم ظبية، مرمر شفاف، وهوذا آدم جالس يستريح في ظل شجرة، وقد اسند ظهره الى جذعها. جميل كادونيس. رب هذا الفردوس هو رأسه مكلل باللوتس. شعره ابنوسي متموج. حاجباه رائعا الزج. مثل قوسين عيناه سوداوان كشعره، اهدافه كثيفة طويلة اما جبهته وانفه وفمه وذقنه فقد صورت تصويرا دقيقا…
ويطرد ملاك ادم وحواء من جنة عدن، ادم المسؤول عن الخطيئة الاصلية يورثها الاجيال الجديدة… ومنذ ذلك الحين وادم الذي يحمل وزر سقوط البشرية يسعى الى افتداء العالم…
لا اظنني قد وفيت زينا حداد وادبها حقهما من التعريف والاضاءة في هذه العجالة فما قدمته من كتاب حياتها لا يعدو كونه صفحة منه، وما قدمته من ادبها ليس الا باقة صغيرة من ازاهيره، فانا ما زلت عند مدخل عالمها الادبي، ولم اخص بعد في رحباته العابقة بعطر الهداية ونفحات الروح العلوي الخالد.
ماجد مهدي
الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
الديار
الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
Saturday, June 11, 2011 – 10:37 PM
أيها الغريب الاتي من مطالع الشموس الابدية والنجوم البعيدة، ما الذي جاء بك الينا في مثل هذا اليوم الاول من حزيران، بعد ان طال غيابك عن دنيانا؟! هل تُرى شاقك السير في الدروب التي شرّفتها في سالف الزمن بوطء قدميك، ام شدك الحنين الى الأزاهير التي غرستها بيمينك وسقيتها من معين قلبك وحدبت عليها برموش عينيك، ام هاجتك ذكريات الأيام التي تركتها خلف مساحب خطاك محملة بأفراحك وأتراحك، ومضمخة بدموعك وضحكاتك، ام أغضبتك ظلمات عالمنا ومظالمه وقد غطت الآفاق وحجبت الفضاء والأعماق بعد رحيلك، فآثرت العودة اليه، مرة أخرى، من اجل انقاذه؟!..
ما أحيلاك، أيها الغريب، وأنت تهبط من مركتبك النورية. وجهك البهي الطافح بالبشر يضيء من جديد وحشة ليالينا، وبسمتك الالهية المفعمة بالحب الخالص تشيع الأمل العظيم في قلوبنا، ويدك الجبارة صانعة المعجزات تحيي الايمان في اعطافنا،و ترفعنا من الهوة، وتأخذ بأيدينا في الطريق الى حيث مقامك العلوي!
على دروب القدس، مدينة الأنبياء، وبين أزقتها اليقظة وفوق رباها وفي بساتينها، سرت خطواتك الأولى، تماما كما سار من قبلك المعلم والثائر الاعظم، سيد الحب والفداء، السيد المسيح! من هناك، وقبل ان تتفتح ورود الصبا على خديك، بدأتَ مسيرتك الخالدة، تتقدمك المعجزات التي أودعتها يد الله العلي أمانة في عنقك، وتواكبك شمس العالم الآخر التي كللت بها هامتك لتكون ينبوع معارفك العلوية وعنوان مجدك وفخارك! لم تضنّ على أحد، كائناً من كان، برؤية ظاهراتك الروحية الخارقة التي منحتك اياها القدرة الجبارة العليمة، والتي أعجزت الدنيا وبهرت الأبصار وأذهلت العقول! ولم تمنع أحداً قط من ولوج حدائق فكرك المزهرة بالحقائق الالهية الخالدة، والعابقة بشذا السماوات البعيدة! لم توصد بابك في وجه اي طارق له، وإن يكن عابر سبيل، ولم تردّ طلباً لكل من جاءك سائلاً، مؤملاً بك. كما لم توصد باب قلبك الفائق الرأفة والعطف، والمجبول بنور الرحمة الالهية، في وجه اي تواق للعبور الى رحباته وللعيش في حماه. وكانت يدك المباركة مثالاً للعطاء الأسمى الذي لا يعرف الحدود، تنثر نور الإيمان في كل مكان، وتكتب أسفار الهداية الخالصة لجيلنا، وللآتي من الأجيال، وتشد على كل يد تريد خيراً بالانسانية وتسعى لتحقيق وحدتها وسعادتها وارتقائها.
وكما في فلسطين، كنت كذلك في لبنان الذي كُتب عليك ان تنتمي اليه. فلقد ألقيت بذارك العلوي في كل تربة مررت بها هنا او هناك، مانحاً إياها كل عنايتك. فأينع من تلك البذور ما أينع، وأزهر منها ما أزهر، لكن كثيراً منها داسته الأقدام، او حاصرته الأشواك، أو أكلته طيور السماء، على نحو ما جاء في مثل سيد المجد. فأحزنتك ندرة الجنى، وضياع المجهود، وآلمك يُبوس بعض التربة وارفضاضها عن جواهرك الثمينة بعد تقبّلها، مرتكبة معك أبشع ضروب الغدر والخيانة. لكن كل ذلك لم يثنك عن المضي قدماً في مسيرتك، وعن الاستمرار في حمل شعلتك. وكانت ارض مصر محط احلامك ومهوى آمالك، فارتحلت اليها، وأظهرت فيها معجزاتك العجيبة على رؤوس الأشهاد، من اجل مجد الله، ولرد التائهين عن درب الله اليه. هناك، في تلك المدينة التي احتضنت الطفل المقدس يسوع تحت جناحيها في اثناء محنته، والتي كنتَ تعدها «مهبط الفراعنة العظام»، و«ينبوع الرقي والحضارة، ومعدنه المتألق»، تبرعم بيانك، وتفتحت أولى أزاهيره، وتبسمت أكمامها لشمس الحياة. وفوق تربتها الضاربة في جذور الزمن، الهاجعة فوق بحر من أسرار دفينة، فاض قلـمك، أول ما فاض، شاعرية وحباً وجمالاً وسحراً ومُثلاً، ومعرفة عميقة بالحياة والمجهول وطوايا الأبد وخفاياه، وحكمة فريدة لم تتأتّ من قبل لشاب في مثل عمرك أتم للتو سنواته الإحدى والعشرين. ولقد ضاقت الصفحات على رحابتها أمام فيض قلمك، واستحالت دكنة المداد المنسكب منه نوراً، لفرط سموّ فكرك، وتقاطرت الكلمات درراً نضيرة تبهر النواظر وتأسر الأفكار والألباب بسحر جمالها المبدع.
ومن مصر العزيزة عليك، الأثيرة لديك، ناداك أرز لبنان للعودة اليه وقد رأى روح أشعيا النبي قادمة للقاء العروس الالهية التي حان موعد زفّها اليك، تلك العروس التي تجلت لناظريه قبل مئات السنين، فأنشدها قائلاً «هلمي معي من لبنان، يا عروس، معي من لبنان»، والتي وصفها بأنها «جنة مغلقة، وينبوع جنات، وبئر مياه حية، وانهار من لبنان…» ولبيت النداء، وعدت الى لبنان، فكان لك مجد عروسك. بعدها أطلقت صرختك الروحية الداوية التي ما فتئت اصداؤها تتردد في البرية منذ سبعين عاماً، وحتى اليوم، على الرغم من عنت الظلاميين الظالمين، ابناء الهاوية ووقودها المستعر، الذين ناصبوك العداء، واضطهدوك، فعصفتَ بهم الى يوم يُبعثون… وطرق صوتك مسمعي وأنا في السابعة عشرة من عمري، فأحببته، وسعدت به، على انني لم اشعر قط بأنه غريب عني. وحين اكتحلت عيناي بمرآك للمرة الاولى، ازداد يقيني بأن معرفتي بك ومعرفتك بي ليستا وليدة الساعة، وإنما تعودان الى قرون وأجيال بعيدة. ولقد أحببتك من النظرة الاولى، وكان لي من رؤية معجزاتك الجبارة نصيب كبير، ومن معرفتك السامية ما لا يقاس بكنوز الدنيا قاطبة.
أيها الغريب الحبيب، أنت لست غريباً الا ههنا، في دنيا ضلت عن نور الله وأنبيائه، وانزلقت الى دركات الأكاذيب السفلية التي تعود عليها بالويلات الرهيبة، وتحكمت فيها الطائفية والمذهبية التي تكاد تقضي على القيم الروحية والانسانية، وسادت ارجاءها الظلمات والمظالم الشنعاء التي لم تُبق للأخوة مكاناً بين أبناء الحياة. لكنك، على الرغم من غربتك، دخلت قلوب الكثيرين ممن لم يزل في قلوبهم نور، وفي فكرهم نور، ويتزينون بالإيمان، ويسيرون في هدي العدالة، ويتعاملون فيما بينهم بالرحمة، على أنك دائماً وأبداً مقيم في قلوب سكان العوالم المضيئة الذين لا يُحصون، والذين يعرفونك حق المعرفة، ويقدرونك حق قدرك! لقد أتيت عالمنا غريباً، لكن كنت لنا هادياً وفادياً وحبيباً، وكنت خير معلم.
ماجد مهدي
الذكرى المئوية لولادة -الدكتور داهش
| ||
2010-07-29 | ||
تعرفت على دكتور داهش :
لم اكن اعرف يوما باني سوف اكتب كلمات امتنان وشكر لشخص لم اكن اعرفه يوما ولم التقي به مطلقا . فقط اطلاعي على كتابه، الذي كان له التأثير الكبير،عليّ، في تبني فكرة السفرالى الخارج انه كتاب الدكتور داهش ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية” والذي لم تجمعني بذلك الكاتب او المفكر سوى الفكرة نفسها، والسبب يعود لعدم وجود مادة “داهش” نفسها في الاطار الاعلامي والادبي والفكري لان تغيب الفكر كان هو الأساس،وعدم إتاحة المجال الواسع أمام اكبر شريحة في المجتمع، وحرمانها من الاطلاع على “الداهشية” والتعرف عليها .
كتاب مميز لفتى صغير :
القدر أبا إلا أن يعدني فجاءة الى ذاكرة قديمة جداً لأتذكر كتاب الدكتور” داهش” الذي قراءته في طفولتي ونعومة أظافري الفكرية،الذي لم أتذكر منه سوى انه تم قتله بطريقة غامضة،”كما كتبت الكاتبة العراقية لمياء نعمان في جريدة الصباح البغدادية :بأن الروح هي من اخطر الحقائق التي كشفت عنها الأديان والكتابات القديمة والعلوم الإنسانية والعلمية والبحثية وهي لاتخلو من الإشارات المتباينة المألوفة وغير المألوفة…
فأن عرض المعجزة الإلهية المتعددة لإنسان يؤمن بالله والإنسانية . صدفة القدر التي جمعني بمدير تحرير مجلة الحقائق اللبنانية في مكتبه في بيروت ، وبسرعة مدهشة لفت انتباهي اثناء تصفحي السريع لصفحات المجلة لموضوع عن” الداهشية” والدكتور”داهش “تبسمت بطريقة مختلفة كأني أتسأل في نفسي ليس وحدي الذي قراءة كتاب الدكتور داهش. فكان سؤالي للأستاذ علي مهدي الذي طرحته عليه، انتم تكتبون أيضا عن الدكتور”دهش” كان رده البسيط ، بنعم وماذا تعرف أنت عنه، حولت الإجابة سريعاً، على سؤاله ، في محاولة سريعة ، مني لعصر ذاكرتي، وما تبقى فيها من قراءة الكتاب ، فلم استطيع سوى قول الحقيقة التي روضتني سنوات طويلة واليوم اعبر عنها علنا، بقولي البسيط إن. للدكتور”دهش”دين قديم في ذمتي ، له الفضل عليّ في زرع فكرة السفر والتعرف على العالم الأخر. لم اعرفه سابقا،ولم تتيح لي الفرصة اكثر للاطلاع على أفكاره وتعاليمه و تراثه ومعجزاته. لان تعاليم الدكتور داهش الانسانية الذي اجهلها ويجهلها الآخرين أيضا . دهشت ليس من”دهش”وإنما من العظماء الذين يكتبون ويعيدون أحيا، ارثا ثقافيا قيما من تريخنا الانساني والثقافي والديني[1]. اعجبت لطبيعة الفكرة المتدولة كمادة يعمل على تشريحها علمياً من اجل إيصالها إلى شريحة واسع في مجتمعنا العربي المغلق على أفكاره ، حرمت هذه الشريحة سابقا من الاطلاع على تلك الأفكار ، بسبب الظلم الذي أصاب صاحب هذه الأفكار والمعجزات التي قام بها في تلك الفترة . وبسبب التغيب ألقصري، لهذه الآراء من المناهج الدراسية والدراسات المعمقة في كتب أو في الأبحاث الأكاديمية للطلاب أو المختصين من خلال كتب تاريخية توثيقية تتناول هؤلاء الأشخاص العظماء أمثال الدكتور “داهش” وغيره من أصحاب الفكر والاجتهاد العلمي والديني،لكي تصبح هذه المعلومات ذات قيمة للأجيال القادمة وللمكتبات العربية . ففي ابتسامتي وجدت من يسوق لأفكار سابقة كادت تنسى وتمحو بالقوة من تاريخنا ومخيلتنا. الاستغراب ليس من المقال لان المقالة،هي مادة جديدة و جيدة وقيمة. ولكن السبب الاساسي لم أرى أغنى من موضع الدكتور “داهش” وتفعيله كمادة للنقاش والبحث العلمي الذي لم تأخذ حقها والإطلاع عليها من قبل القراء. لان القارئ هو الحكم النهائي، في إعطاء حكمه النهائي على “الداهشية” من الناحية الاجابية او السلبية، ولا السياسين، وليس الرقيب والمقص. فالتأثير الايجابي للإعمال العلمية ،يمكن أن تترك صداها بين طبقات المجتمع كافة . لجهة تبنيها أو عدم تبنيها لهذه الأفكار والطروحات .
من هو دكتور داهش :
الاسم الحقيقي لداهش هو سليم العشتي لبناني “مسيحي بروتستاني” ولد في القدس 1 حزيران 1909 وتوفي عام 1980 في منزله ببيروت،غزت الظاهرة الداهشية المجتمع اللبناني منذ عام 1942 وصار للدكتور داهش إتباع من مختلف الطوائف وكتب العديد من الصحفيين والمهتمين بحالته المميزة عن ما يحصل في جلساته الروحية التي يحضرها الكثيرون والتي تبدأ عادة بعد رسم نجمة خماسية على ورقة وتكتب أحرف نحت كلمة جذبوها وتكتب أيضا بحق الله والنبي الحبيب الهادي يسمح لي بجلسة روحية أو بطلب بعض لتنفذ وتحرق تلك الورقة.
التاريخ شاهد على الطغاة:
التاريخ العالمي هو الشاهد الحي والوحيد على كثير من هذه المجازر التي ارتكبت بحق ابناءه المظلومين ، هناك الكثيرين الذي تمت معاقبتهم نتيجة لأفكارهم المختلفة عن الطبقة الحاكمة الذي عجزوا على مواجهتهم وتم قتلهم فيما بعد ، دون ذنب لقد اضطهدوا وعذبوا هؤلاء العلماء ، وشوهت أفكارهم واضطهادهم حتى تمت براءتهم لاحقا ابتدأ من” يسوع الناصري النبي “الآرامي” و” العالم غليليو مرورا بالكاتب والفيلسوف “الروسي” بولغاكف، و”سليمان المرشد” السياسي السوري،وسليمان رشدي والدكتور”داهش” الأديب والمعجزة اللبناني .
لاول مرة على مدى ثلاثة عقود مرت لم يقع بين يدي جريدة فيها ، مقالة تتحدث عن الدكتور”داهش” ولم تسمع إذني صوت ينطق اسم “داهش” ، ولم ترى عيناي مطبوعة طبع فيها اسم الدكتور”داهش”سوى الكتاب الذي قراءته سابقا” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية “.
في بحث الأستاذ ماجد مهدي[2] الذي نشر في مجلة الحقائق على جزاءين، والذي يمكن القراء، الأجيال الصاعدة التواصل من جديد مع الأشياء القديمة والغير معروفة. فالجيل المثقف الذي يتمرد على كل شىء ويتحدى كل الممنوعات ويجتاز كل الحواجز والعقبات الاجتماعية والطائفية ، وكل شيء غائبا أو مغيب من مواضع الدكتور “دهش” . لأني لم اسمع قطعا في أوساطي تتحدث أو تستعرض هذا الموضع، وعندما سألني،”الأستاذ علي مهدي مدير تحرير مجلة الحقائق”. ما معرفتي بالدكتور داهش كان جوابي لا اعرفه شخصيا ، لكني اطلعت على كتابه الذي لايزال عالقا في ذاكرة الطفل ، والقابع في مكتبتي، متذكرا تلك الصورة التي طبعت في مخيلتي صورة “الدكتور داهش ” لانها كانت مرسومة رسما، وبالالوان الزيتية، كأننا في متحف الارميتاج الروسي في مدينة الثلاثة أسماء “سنات بترسبورغ ” [3] ،في جناح الرسم الكلاسكي الجميل. وبالرغم من محاولتي الدءوب لاسترجع ذاكرتي للعودة إلى مضمون الكتاب فلم استطيع بتلك السرعة لاني كنت بنوع من الدهشة. وكان كل شي استطيع ان اصفه هو فكرة المعرفة والسفر، التي تبلورت لدي وسببها الأساسي إلى ذلك الرجل الذي قراءة له كتاب، ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية “[4].
طفل يقرءا للدكتور داهش :
قصتي مع هذا الكتاب تعود إلى العام 1980. عندما كنت طفلا صفيرا، لا يحب الدراسة ولا المدرسة ، ودوما اهدد أهلي باني لا أريد متابعة المدرسة، وأريد الاقلاع عنها، واستبدلها بأي عمل أو صنعة ما تنفع في الحياة . عندها علم اخي الكبير هشام “مرضي الصبياني”، الذي كان مولعا بشراء الكتب القيمة والنادرة،و لكونه شغوف بالقراءة التي ورثني هذه المهنة ، فيما بعد . لقد عاد ذات يوم من إحدى معارض الكتب وبصحبته مجموعة من الكتب الجيدة ، وهو المدرك تماما ، باني لا اريد متابعة الدراسة. وانا صاحب المقولة الدائمة ،كل عام ،هذا العام الاخير ، نادني، قائلا … جئتك بكتاب جديد لتقراءه عله يفيدك. انت اليوم بالصف السابع، تستطيع الفهم والتميز. فالهدف عنده كان احدث تغير ثوري ونوعي وجدري في فهمي الصبياني. بالطبع استطع فعل ذلك ، فهذا التغير النوعي الذي أحدثه في داخلي من خلال كتاب الدكتور”داهش” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية، لم يكن يعرف هو بان للكتاب سوف يكون له قدرة هائلة من التأثير عليّ. هو الذي أحب أن اطلع عليه،لأنه أراد لي ارق وأعلى المراكز العلمية التي وصلت إليها اليوم،أخذت الكتاب ، بشكل استهزائي، اطلعت على كتاب “الدكتور داهش ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” الذي زرع في داخلي فكرة السفر ،واصبحت الدراسة موضع هدف أساسي واهتمام خاص ، أنهيت دراستي العلمية، فكان التأثير على شخصي، وإنا الغير قادر على فهم قوة التأثير الايجابي التي تركها هذا الاطلاع وشخص الكاتب، ولم استطيع التحدث عن هذه الثورة التي عصفت في راسي، و مدى تأثيرها على مسيرة حياتي، لم يكن التغير سريعا بل تدرجيا ، لذلك لم يتاح لي التعبير الفعلي عن سبب هذه القوة والتأثير العجيب . ولم يتسنى لي مناقشة الفكرة مع احد ، حتى اخي الذي رحل مبكرا ، قبل النقاش معه في موضوع الكتاب وتأثير الدكتور” داهش” الايجابي . لان الجميع لم يعرفه أو يتعرف على أفكاره، أفكار “الدهاشية” ، وانأ لم اكن على ثقافة اوعلى اطلع جيد، و قدرة غير تامة على مناقشة أو المجاهرة العلنية في أفكار”داهش ” أو البحث عن أفكاره بسبب قدرة عقلي البسيط على الاستيعاب آنذاك بالرغم من كوني أتبنى الأفكار العلمانية المنفتحة على كل الاتجاهات .
أفكار الدكتور “داهش” الكثيرة والكبيرة التي يعجزج المراء العادي فهمها لانها افكار زهدية وربانية .هي التي كانت السبب بالسفر ،والصمود لفترة كبيرة في عالم الاغتراب ، هناك نمت في الغتراب لدي افكار التعرف على الحضارات ، والثقافات الجميلة المختلفة، والديانات السماوية المختلفة وعلى مذهبها الاجتهادية ، على القوميات وعلى اللغات المختلفة ،على الدول والشعوب المتنوعة في الإشكال والألوان والأعراق ،وعلى قراءة التاريخ القديم وحب المعرفة والاطلاع على الآثار والأعمال الانسانية الخالدة ، التي كلها سخرها الله لخدمة البشرية[5]. لقد كان شعار الذي تعلمته وترك اثأرا كبيرا في داخلي كثيرا : “ليس هناك من لغة او ديانة اوشعب اوثقافة غير جيدة ، ولكن هناك ثقافة للشخص هي الغير جيدة “[6]. هل هذا التأثير الايجابي على شخصي كان من أثار كتاب الدكتور” داهش”، و بدون وعي مباشر حملته وقراءته وبداء يتفاعل تدريجيا مع الوقت على مراحل .طبعا لا لان الدكتور ترك أثره الايجابي والباقي للفكر الانفتاحي الذي انضويت تحته.
نعم بكل فخر اقول بان الدكتور”داهش” ترك انطباع مميز في نفسي هو حب السفر والترحال ، والتنقيب عن الحرية التي لاتزال تمخرا في اعماقي .كما يقول الشاعر الفارسي عبد الرحمان الجامي يكتب في بيت من الشعر : من ذهولي لم افهم ما يقوله لي ذلك الملاك …. وعندما اغادر مجلسه سوف ادرك من الاخرين مضمون ما قاله [7]. لقد كان اخي الموجه ولكن الدكتور صقل هذا الانطباع الحضاري في شخصي . لجهة المعرفة والتعرف على الاخرين. لقد نمت في داخلي وفي عقلي ثقافة الوسط والانفتاح على كل شيء. لم اكن على معرفة سابقة بوجود مذهب اسمه” الداهشية ” او اتباع لهذا المذهب او التوجه نحوهم . لان ثقافتنا كانت ناقصة وغير كاملة لمعرفة الكثير عن فكر واراء شخص “الدكتورداهش”، لان أصحاب القوة والنفوذ وبقدرة إعلامهم ،استطاعوا أن يشوه صورة صاحب هذا الفكر بغض النظر إن كانوا مثقفون معه أو مختلفون معه ، لم تكن وقتها حرية كلمة أو فكر ولا صحافة حرة ولا تعبير،كما هو الحال اليوم . طبعا ان غياب وضعف منظمات المجتمع المدني حينها ، حالت دون القدرة على التعرف على فكره ومعجزاته التي سموها هرتقات وشعوذة “لقد صوبوا لي الزملاء الاعزاء الفكرة اثناء الجلسة التي لم اعرفها جيدا، وان هذه الصورة ليست صورة الدكتور ” داهش” وانما هي صورة الحكومة واجهزتها الامنية والمخابراتية انذاك ، الخاطئة التي روجتها عن افكاره لانهم لم يعجبوا بافكاره وتعاليمه ومعجزاته )[8] . لانهم اخافوا الافكار الجامعة المنيرة ثقافة المعجزات والعيش المشترك.لقد كانت قدرة”الدكتورداهش” كبيرة وقوية ، في التأثير ألمعجزي وعلم الغيبيات ، حاربوه واضطهده وزورت الحقائق ضده وضد الذين كانوا معه او إلى جانبه ، لم يعرفونه أو قرءوا عنه يكتب د. محمد بيضون [9]” يندر اليوم بشر مسطتير، فيوشك ان يمزق البلاد وان يودي باهلها الى الهالكة من مواجهة تغلبت عليها الصفة المذهبية ، وانما هو امر جديد كل الجدة على البلد فقد جرت العادة من يوم نشاء لبنان المعاصر ان يخترق بخط فاصل ” بين المسلمين والمسيحيين”.كم كان الدكتور “داهش” مدهشا لكونه كان يطرح فكرة التلاقي والتآخي والجمع بين الأديان لا ، لصراع الأديان والمذاهب الذي وصلنا إليه اليوم،الالتقاء الروحي بين الأديان والمذاهب، هو عمل أنساني لان الانسان من صنع الله سبحانه وتعالى … ان رفضه للتفرقة ومحاولته الدءوب لتأسيس أخلاقيات جديدة تبنى على الاسس الروحية المجتمعة ،عذا هو الخطر بحد ذاته على اصحاب المصالح والنفوس الحاقدة لان الأخلاق الجديدة والمليئة بالحديثة عن فكر “الداهشية” أساسها روحانية الإله الواحد، الأوحد،،،. كان الدكتور داهش ضحية التعصب الديني والطائفي الاعمى والحاقد على كل الاشياء ، لقد آمنا بالاديان والانبياء جميعا ، و أمنا بالتعدية والحوار ، دعا إلى نبذ التفرقة العمياء وتوحيد الجميع في ظل إخوة روحية لا انفصام لعراها . الى ان قتله ولم تفسرعملية قتله. لقد خافوه وخافوا فكره الانفتاحي التوحيدي ،لانهم متعصبين ظلاميين جهلاء وكما قال السيد المسيح “اغفر لهم يا آبتا لا يدركون ماذا يفعلون .
لقد مات داهش” شهيدا مظلوما ” في سبيل نضاله وإيمانه بفكره الأتي من الإيمان بروحية الله لوكان يعرف ماذا يحدث اليوم في وطنه وفي المنطقة لكان اكثر قوة وتصلبا بفكره التوحيدي الروحاني الذي يجمع بين الجميع ويخفف من الألم والعذاب، من القتل الجماعي والذبح على الهوية والتهجير ألمناطقي، يكتب د. حسن العلوي بهذه الوجهه القائلة ” بان السائد في الدهن السياسي والوجداني الحاكم تفضيل مبدأ العمل بالهوية المزورة “[10]
… وما السبب الذي يدفع الى ذلك … لقد علما الدكتور “داهش” بان الإنسان هو هدية من الله على الأرض يجب المحافظة عليه … لان الانسان ولد من فيض المحبة الاهية . نعم سيطرت النزعة الإنسانية على السلطة والعنف أصبح سيد الموقف ، ونسيا الإنسان تعليم الكتب المساوية ، كم احوج مجتمعنا اليوم الى داهش جديد جامع بين المذاهب والاديان الاخرى …او الى تطبيق تعاليم وأفكار الدكتور داهش التوحيدية .
مقارنة بين طبيبين في الشرق العربي والغرب الروسي :
هنا اتذكر الشيء الذي كنت احاول ان اتذكره من اجل المقارنة معه ” الدكتور داهش، مع الدكتور بولغاكف ” لأعطي مثلا، ولم استطيع اجاده بالرغم من شدة حبي واعجابي الكبير بالكاتب الروسي ، ميخائيل بولغاكوف لكن اليوم أحاول أن أقوم بمقارنة بسيطة بين طبيين مارسا الطب في حياتهما ولقيا حتفهما شهيدان ظلما من قبل السلطات المحلية في بلادهم ،السلطات المعنية بملاحقة السحراء والمشعوذين،لان الرجلان اتهما بممارسة “السحر والشعوذة في بلاديهم” ،الدكتور “داهش” اللبناني وميخائيل بولغا كوف الروسي ، الذي تعرفت ،على ادبه اثناء دراستي الجامعية في جامعات روسيا الاتحادية ، فالروائي والأديب السوفياتي “الأوكراني” الأصل، الدكتور ميخائيل بولغاكوف، اضطهدته الشيوعية يومها عندما كتب روايته الشهيرة “الملم ومرغريتا”[11]. و التي منعت هذه الرواية من النشر والتوزيع وبقيت سرية يتم تدولها من شخص الى جانب اعمال أخرى له”كقلب كلب “. بالرغم من شهرتها العجيبة التي لم تستطيع السلطات القمعية والمخابراتية الحد من نشرها ،والتي نالت شهرة عالمية واسعة ليس في روسيا وإنما في كافة بقاع العالم والتي نالت شعرة واسعة اضطرت الحكومة الروسية في عام 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وغياب النظام الشيوعي من إعادة الاعتبار للرواية والكاتب والسماح بنشرها في الدولة الروسية وإدخالها المناهج التعليمية ،والسماح بإظهارها في أفلام ومسرحيات،فهذا اعتذار رسمي للكاتب من قبل السلطة الحكومية . فالرواية التي يدخل في كتبتها نوع من الحقيقة الخاصة ، والذي يصور الكاتب فيها الحياة من خلال، الصورة السريالية للمجتمع السوفياتي، ومن خلال عرض تاريخي لصلب السيد المسيح وعملية الاغتيال التي تمت بحقه ، فكانت الجريمة الإنسانية بحق الديانة السماوية والإنسانية معا، متنكرين لكل القدرات الإنسانية و المعجزات السماوية ،التي يتحكم بها الانسان من من خلال قدرات ربانية ينجزها الانسان في مجتمع يغتال فيه ويتغير ثقافته ودينه. “لقد جمع الكاتب في عمله ثلاثة صور أو” طبقات” فنية سمكية في كتلة متجانسة واحدة منها ، موسكو الثلاثينات بعمل تفصيل للوقائع والمعيشة في حياة العاصمة ، والثانية منها الحالة الفوضوية القديمة للرواية بما فيها شخصية السيد المسيح في الرواية يشوع الغانوصوري وتبشيره بالخير ونهايته الفاجعة . واخيرا قصة حياة المعلم ومرغريتا وحبهما “.
هنا الحصار والحضر الرقابي الذي قامت به الدولة ضد المعجزات الغيبية، مسلطة إعلامها وأجهزتها وقواها عليه، لقد اتهمته السلطة الشيوعية بالشعوذة والسحر وترويج لفكرة التدين وتنمية الروح الدينية.
لم يعرف القارئ الروسي او الغربي أهمية هذا الكاتب العظيم، وإبداعاته الفكرية والروحية لان السلطة شنت عليه و ضده وضد كل قارئ له أبشع التهم، فالعذاب الذي تلقه الكاتب، ليته يعلمه القارئ اليوم انه أفضل روائي وكاتب اروبي وعالمي، ذاع صيته بعد اطلاع القراء على أعماله الرائعة والمميزة من حيت المعنى والمضمون، لذا كانت لي رغبة شغف أثناء دراستي واطلاع على أعماله وكتبه ونقاده، من اجل المقارنة مع شخصية من بلادنا فلم تجول في راسي هذه الشخصية،عند تقديم امتحان في الأدب الروسي المعاصر كانت رويته وإعماله من نصيبي ، بعدها لم اعرف بمن اشبه واشبه قصته واضتهده ونعته وممارسة كل اسليب التنكيل والحرمان الثقافي والاجتماعي والادبي بحق انسان كانت له قدرات إلهية ،ولكن بعد عصر الذاكرة فهمت ان قصة الدكتور” مخائيل بولغاكوف” هي شابيه كثيرا بحكاية الدكتور” داهش” ومن الغرابة المطهدان كانهما عاشا في نفس الوقت والبلد الوحد، لكن الكاتب الروسي مات عندما ولد الدكتور داهش في لبنان.
عود بالذاكرة الى الوراء لستة وعشرون سنة مضت “26 عام”. لكي اقول كلمة شكر للدكتور “داهش” واعبر بها عن امتناني وعرفانا مني بالجميل له ، هوالذي له في ذمتي دين . كما يقول القول الروسي : حتى لو اتت الكلمة متأخرة ، افضل من ان لاتاتي ابدا . ان كلمتي هذه كلمة حق تقال ولا اريد الدخول في عملية بحث علمي اودراسة من اجل مناقشة افكار معينة ، او الدخول في سجال في افكار “الدكتور داهش”، الذي اجهل الكثير منها، كفكر وفلسفة بحد ذاتها ولكن بظل عددا هائل من الباحثين والخبراء بأفكار وبمنجزاته وتعاليمه ، ولهم القدرة على المعالجة العلمية والروحية بافضل مني بكثير .لكن احتفظ في هذا الكلمة التي ماهي الا كلمة وجدانية عقلانية نابعة من شعور مدفون طوال مدة طويلة في ذاكرتي، وبمناسبة المئوية لولادة “الدكتور داهش” التي دفعتني بان اكتب هذه الخواطر الوجدانية…
–شكرا دكتور داهش …في يوم مولدك :
فان حب المعرفة والتعرف على كل شيء جديد في العالم هي فلسفة بحد ذاتها ، لقد نسيت الاسم مع مرور الزمان الذي ترك عندي، هذا الانطباع القوي في حياتي وذاكرتي ، ولكن كنت دائما أتذكر شيء ولا استطيع أن أتذكره، كأني فقدته، شيء لا عرف ما هو وعن ماذا أفتش، السبب بسيط لان التفاعل كان غائب مع افكار الدكتور ولم يكن صدى افكره تتفاعل في المحيط الذي عشت فيه ومعه ولكن الفكرة موجودة وعاشة في داخلي ، لقد سفرت الى الخارج لاكمال دراستي التي اصبحت الهدف المزروع في داخلي، بناءا على قرءاتي البسيطة لتلك الافكار . كانت روسيا مقر دراستي الجديدة وموطاء قدي الاول بعد مغادرتي من بيتي وبلدي ، ولم اعرف بان الدكتور داهش زارها وعاش بها لمدة وكتب عنها ، واصبحت محطة تاريخية في حياته، ولكن ما هي انطبعاته عن هذه الحالة الغوفائية بالطبع لا نعرفها.
المراجع والمصادر:
[1]. ماجد مهدي ، الشاعر الداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن الجزء 1 ، مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد158 ،2009 ،ص،36-40.
[2] ماجد مهدي ، الشاعر الداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن، الجزء 2 ، مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد159 ،2009 ،ص،41- 42.
[3]ناصر عراق،موسكو عاصمة القياصرة والثوار،مجلة دبي الثقافية شهرية العدد54، “نوفبر تشرين الثاني “،2009 .14-20 .
[4]راجع ، كتاب، “دكتورداهش” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية ،600ص.
[5] راجع كتاب تيدروبرت جار ، اقليات في خطر 230 ، اقلية في دراسته احصائية سياسية واجتماعية ، ترجمة عن الانكليزية ، رفعت سيد احمد ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 1995،510ص.
[6] د.قاسم عبده قاسم ،اعادة قراءة التاريخ ،كتاب مجلة العربي ، 78 ،اكتوبر، 2009، ص،125 .
[7]د.محمد رضا شفيعي كركي،الادب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى ايامنا ، ترجمة بسام ربابعة ، عالم المعرفة ، الكويت ، العدد، ،368، 2009،ص،39-44 .
[8] ماجد مهدي ، الشاعرالداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن، الجزء 1 مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد158،2009 ،ص،41-42
[9] حازم صاغية ، نواصب وروافض منازعات السنة والشيعة في العالم الاسلامي اليوم ، دار الساقية ، يروت ، 2009 ، ص ، 11
[10] د. حسن العلوي ، شيعة السلطة وشيعة العراق صراع الاجناس، دار الزوراء ، لندن ، 2009، ص، 68 .
[11] راجع رواية ،، مخائيل بولفكاف، المعلم ومرغريتا ، الطبعة العربية ،دار رادوغا ، موسكو ، 1990،476ص.
د.خالدممدوح العزي
باحث وكاتب اعلامي .
dr_izzi2007@hotmail.com
الرجل الذي أثار إهتمام الناس
زمناً في بيروت
بتاريخ 25 تشرين الثاني 1944 صدرت جريدة ” الأيّـام ” الدمشقيّة
وفيها هذا المقال :
حديث حليم دمّوس عن الدكتور داهش
الدكتور داهش ! ومن لم يسمع بهذا الإسم ؟ فقد شغل الناس في بيروت وقتاً غير يسير , بسبب ما كان يبديه باثناء إقامته ببيروت من خوارق روحيّة . فآمن الكثيرون به وصاروا من أتباعه , واعتبرها اآخرون عجائب علميّة بحتة , فاعترفوا بقدرته وبراعته .
وقد أبعد الدكتور داهش من لبنان فودّعه مريدوه بالأسف والألم . ومن بينهم شاعرنا المعروف حليم بك دمّوس الذي هبط دمشق في الأيّـام الأخيرة , فاتّصل به مندوب ” الأيّــام ” , وسأله عن صديقه الدكتور داهش . فجرى بينهما الحديث الطريف التالي :
س – كيف عرفتم الدكتور داهش ؟
ج – عرفته في بيروت عام 1936 أديباً لوذعيّاً , ومؤلّفاته يربو عددها على التسعين , وهو صاحب رسالة روحيّة عظمى . ومنذ عام 1942 الى اليوم , وأنا ألزمه الظلّ لأدرس فيه هذه القوّة الروحيّة العجيبة الغريبة .
س – ما هو الفرق بينه وبين علماء التنويم ؟
ج – الداهشيّون لا يؤمنون بالتنويم , فهو إتّفاق بين المنوّم والمدّعي النوم ؛ وظاهرات داهش وخوارقه ومعجزاته هي فوق الإدراك البشري .
س – هل ترون في بقائه في سورية أو لبنان فائدةً ما ؟
ج – إنّ في عواصم أوروبا وأميركا مؤسّسات روحيّة وجمعيّات لعلماء النفس تنشّطها الحكومات في سبيل رعاية هذه الحركة الروحيّة . وكان الأولى بحكومتي لبنان وسشوريا أن تدرسا هذه القوّة الكامنة في الدكتور داهش , وتؤلّفا لجنة من الأطبّاء والعلماء والمحامين والأدباء والصحافيين لحضور جلساته الروحيّة , وعندئذ تتجلّى فيها الحقيقة التي هي بنت البحث . وقد شعرت أنّ الرأي العام يعطف على قضيّة داهش , بعد أن سمعوا آراء مختلفة ضدّه ومعه . فبقاؤه في سوريا أو في بلاده خير من تجريده من جنسيّته وإبعاده . هذا هو رأيي الخاص أكتبه بصراحة وإخلاص .
وقد أساء بشارة الخوري بتجريده من جنسيّته . وسيذكر التاريخ عمله كلطخة عار تلاحقه مدى الأدهار .
مذكّرات داهشيّة
بقلم صحافي خبير متقاعد , وهو من محرّري جريدة ” ألأقلام ” سابقاً
لقد دوّنت في سطور ما عرفته عن الدكتور داهش رغم تنكّبي عن طرق الموضوع خوفاً من أعداء الرجل , وهم ذوو سلطان , ويخشى شرّهم … فقد ابتلى أللّه البلاد برهط من المتسلّطين الأنانيين المتعجرفين المدّعين الألوهيّة على الأرض , وقد جعلوا آلهتهم بطونهم وجيوبهم , فهم ( ل يحلّلون ولا يحرّمون ) , وقد قالت حكمة العصور : _ من لا يخاف أللّه خف منه ) .
وقد كتبت ما أعرفه عن الرجل عفواً لوجه أللّه الكريم , وهو ما عرفته عن داهش مما قرأته وسنعته , لأنني ما إجتمعت بالرجل قط , ولا رأيت له وجهاً . وكل ما اتصّل بي عنه جاءني على ألسنة القوم أو قرأته هنا وهناك . فتّشت الذاكرة فتذكّرت أنني سمعت لأول مرّة بهذا الإسم غير العادي … ( داهش ) , خلال مسامرات نفر من كبار الناس على مائدة الطعام حول مأدبة قضتها ظروف إستثنائيّة , فجمعت الصدف أكابر السادة من ذوي المقامات السامية وأهل الحصافة والصحافة .
وأتى أحدهم عرضاً على ذكر داهش أثناء حديثه … فنهض أحد الحاضرين وروى حادثاً مدهشاً ( وليست النسبة هنا في كلمة مدهش الى الدكتور داهش , بل لأن الحادث بحدّ ذاته مستغرب لأنّه غير عادي ) .
وملخّص الرواية التي ذكرها المتكلّم أن سرقة مبلغ من المال وقعت لشخصية معروفة في بيروت , وقد توصّل صاحب المال الى إسترداد المبلغ على يد الدكتور داهش الذي بواسطة علومه الروحانيّة عرف السارق , وأرشد إليه وإلى مكان المال المسروق , فاستردّه .
أمّا راوي هذه الحادثة فكان شقيق الشخص الذي وقعت معه حادثة السرقة , ولذلك كانت الرواية موضوع تعجّب الحاضرين وإعجابهم .
وسمعت بعد ذلك الشيء الكثير عن داهش من مجموعة راقية تعرفه , ومن أشخاص رافقوه وشهدوا مجالسه الروحانيّة , وظاهراته واختباراته , فسمعتهم يروون عنه بإعجاب كبير ما شاهدوه من مدهشات خارقة هي فوق العلم , وفوق الفلسفة وتعليلها , والكيمياء وتحليلها .
وقد أكّد أحدهم أمامي أن الدكتور داهش تنبّأ يوماً لبعض أخصّائه عن رجل معروف في دمشق ومصر وبيروت وإيران بأن أجله قد دنا .. وإن أيّامه أصبحت معدودة محدودة , في حين أنه لم يكن هناك دليل على قرب أجل ذلك الصديق الخليل …
وتمّت النبوءة … وقضى الرجل نحبه بعد أيّام قليلة في المكان والزمان اللذين عيّنهما داهش شفاهاً وكتابةً … ولولا رغبتي في عدم الإسترسال في التفاصيل لذكرت الأسماء ولأتيت على تعيين الزمان والمكان …
لقد تمنّعت مراراً عن تلبية دعوات عديدة دعيت إليعا لحضور جلسات روحيّة مع الدكتور داهش , لأنني لا أحبّ المشاهد المستغربة , مع أنني من اللذين يعرفون بالمطالعة والبحث أن العلوم الروحانيّة كائنة , ومنها أنواع مختلفة في أقطار العالم , ولها جمعيّاتها النفسيّة الخاصّة . وقد شاهدت بنفسي حفلات قام بها بعض المنصرفين الى هذه العلوم . كما أنني سمعت ممن أصدّقهم روايات عن مشاهد غريبة كان يقوم بها المحترفون لأجل تحصيل المال واختزان الثروة .
أمّا الذي إمتاز به الدكتور داهش عن سواه فهو أنّه لم يكن يتقاضى مالاً من الذين يحضرون جلساته الروحيّة , ويشاهدون ما يقوم به من المدهشات والخوارق .
ثم أن مجرّد إطلاق تسمية داهش على الرجل طيلة إشتهاره دليل واضح على عدم إدّعائه النبوّة أو الألوهيّة , وهي تسمية تخفّف من المغالاة في إضطهاده من جانب رجال الدين الغيّورين على مهنتهم والمحتكرين لصنعتهم .
وفضلاً عن كل ما تقدّم , فأن الرجل لو كان من المتهتّكين المنصرفين الى الدعارة – كما أشاعوا عنه زوراً وبهتاناً – لكان الذين إتهموه في أخلاقه أمسكوه بالجرم المشهود . ولما عجزوا عن مراقبته والقبض عليه متلبّساً بالجريمة وهم القابضون اليوم على رقاب مصلحة بوليس الأخلاق والأمن العام وتحت تصرّفهم النيابة العامة ولهم الحول والطول . ولمّا لم يجدوا ما يؤاخذونه عليه قانونيّاً عمدوا الى الإستبداد والظلم شفاءً لكبريائهم , وانتقاماً لألوهيّتهم المصطنعة . وكان الأجدر بهم والأشرف لهم أن يتركوا الرجل يسير في طريقه آمناً مع صحبه الأمناء , يدعو الناس الى معرفة أللّه واحترام جميع الأديان المنزلة والى مكارم الأخلاق وإلى المبادىء الدينيّة السماويّة السامية .
ولعل جرمه العظيم لديهم أنّهم إحتكروا لأنفسهم خيرات الأرض , ويريدون أيضاً إحتكار سعادة السماء .
ألا لعنة أللّــه على المنافقـين المرائيـن …
فيليـب نقّــاش
من مؤرّخ الرسالة الداهشية
الى صاحب مجلة ” العالم العربي “
53 – شارع ابراهيم باشا القاهرة
الى الاستاذ منير خليل واسعد حسني
أخي صاحب مجلّة ” العالم العربي ” أيّدك الله .
أمّا بعد التحية الأخويّة فانّني أرسل اليكم قطعة ثمينة أرى من الضروري نشرها برمّتها ، اذ فيها شرح كامل لمراحل الجريمة ( المعلومة والمجهولة أسرارها ) التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري المخلوع ، وأفراد عائلته ، وطغمة رجال الدين المتعصبين ضدّ المصلح العظيم مؤسّس الداهشيّة ، الذي جعل مئات العائلات المسيحيّة يؤمنون ايمانا صحيحا بالنبيّ محمّد وبقرآنه الكريم المنزل .
وقد اجتمعت بعشراب بل بمئات الأشخاص في الآونة الأخيرة ممّن طالعوا ما نشرتموه عن القضيّة الداهشيّة ، وسألوني أسئلة عديدة عن مجلّتكم وعن القضيّة الداهشيّة ، ورجوني بالحاح أن أطلب من السيّدة ماري حدّاد كي تبعث الى مجلّتكم الغرّاء من مذكّراتها القديمة والجديدة ، وخصوصا ما دوّنته في مذكّراتها عن الأسباب الحقيقيّة التي دعت الى اضطهاد مؤسّس الداهشيّة ، ففعلت وأخذت منها هذه القطعة التاريخيّة الثمينة التي ترونها في طيّه ، والتي آمل أن تنشروها دون أن تحذفوا منها شيئا . وبهذا تكون مجلتكم هي الوحيدة التي تنشر أسرار هذه القضيّة الهامّة التي يهتمّ لها الرأي العام فعلا . كما أنّني آمل أن تنشروا صورة ميشال شيحا المسبّب الأساسي للجريمة ، لأنّ كثيرين طلبوا أن يشاهدوا رسمه . وقد أرسلته اليكم بتحريري السابق .
هذا والمولى القدير يكلأكم بعين عنايته ، ويوفّقكم برعايته الصمدانية ، واسلموا لأخيكم .
بيروت 8 آذار 1953 حليم دموس
..!من هو الدكتور داهش ؟
العالم العربي ، العدد العاشر ( 70 ) أول ابريل 1953
الدكتور داهش …رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره …نشأ في عائلة نكبها الدهر . فذاق من بطش الأقدار أهوالا … وهو شخصية فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها …عركها الدهر عراكا جبارا ؛ فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف …وقد تعرفنا اليه اتفاقا ، فوجدما فيه مقدرة روحية ، وعبقرية أدبية جذبتنا اليه مع لفيف من خيار القوم أدبا وثقافة .
وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين – رغم سنّه الحديث – خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروح عالية وأفكار سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها , وبأسلوبه السهل الممتنع , الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة , وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبي الأداب .
وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح ديني وأجتماعي عظيم , صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت فيه المظالم .. يأكل فيه القوي الضعيف .. ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع !
وهو ينشد ( المحبة ) بين الشعوب والأفراد .. تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان والتي لعبت في تحقيقها الغايات الغاشمة .
وهو ينشد الترفع عن ( المادة ) الطاغية والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .
وهو يتغنى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجبات إصلاحية في كل فرد .
وقد وطد الدكتور داهش العزم على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري , وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة , والى وصايا الأنبياء . وليس مثلما يعلّمهم رجال الدين النفعيّون !
كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح , وهي إرادة الله .
فالتعصب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدموية التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصب الذميم إلا بينة صريحة , وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .
فرغبة الله جل جلاله لا تتفق البتة مع استعمال الأديان لغايات تعصبية قبيحة , فالأديان جعلت مختلفة مع اختلاف الشعوب والألوان , وكلها تأمر بالعدالة والمحبة .
ماري حدّاد
الرسالة الداهشيّة ...
جريدة الهدف 10 آب 1965
الذين يجتمعون الى الدكتور داهش ، وبعضهم علماء وأطبّاء ومثقّفون ، يخرجون من لدنه وعلى شفاههم سؤال واحد :
ما هذا الذي نرى في الثلث الأخير من القرن العشرين ؟
ان الخوارق الروحية التي يأتي بها الدكتور داهش تقطع بأشياء يقف أمامها العقل عاجزا حائرا .
ليس أسهل من التشكيك ومن الاستلشاق ..في عصر مادّي يعيشه . اللامادّيون فقط ، لا يرون فيما يأتيه هذا الرجل بدعا ولا عجبا . فالشرائع تتحدّث عن الأرواح والخوارق . والدكتور داهش يقول :
لم يعد من السهل ارتداد انسان اليوم الى صفاء الايمان بعد طغيان المادّة على حياتنا وانتشار الفساد في مجتمعاتنا ، فجاءت الرسالة الداهشية تؤكد خلود الأرواح وفناء الأجسام ، أي انّ الداهشيّة تبشّر بقيمة المعنويات وتمقت بهرجة المادّيات وفقا لما جاء في الأديان السماوية . وتعتبر قوّة الأرواح الخارقة كمعجزة لهذه الرسالة ووسيلتها الأولى لاقناع الناس بمبادئها .
واذن فالرجل الذي يعيش بيننا منذ نيّف وعشرين عاما وينادي بثبات وايمان أن : تعالوا الى كلمة سواء ، عودوا الى الجوهر والقيمة ، يجب أن نخلي بينه وبين ما هو فيه فقد يصبح له شأن عظيم …
قد تمضي سنوات أخرى على القول ” لا كرامة لنبي في وطنه ” . لكن رسالة هذا الرجل لا بد منتصرة ومنتشرة ، وسيكون ناصرها الأبعدون كما يعتقد ، بل بجزم الدكتور داهش نفسه ، والمقربون جدّا اليه .
وغدا عندما يأتي الناس أفواجا من بعيد ، ليروا خوارق هذا الانسان الذي انتظمت فيه الظواهر الروحية ، ويحارب التدجيل والشعوذة حيثما وجدت ، سيصبح لبنان شيئا أخر .
وغدا أيضا عندما تتقبل عقول الناس توضيحه الروحي والحسّي لأشياء كانوا يلوكونها ولا يدركونها ، كقضية الصلب مثلا وتأكيد الدكتور داهش بواسطة الظواهر أنّ للانسان شخصيّات متعدّدة ، وبذلك يترجم القول ” ولكن شبّه لهم ” ، في ذلك الغد سيكون الانقلاب الكبير …
حسب لبنان يومئذ أنه سيصبح ثروة سياحية كبرى .
حسبه أن واحدا من بنيه جاء يحسم ، وهو يثبت الايمان في القلوب ، قضايا هي مثار جدل ومتاجرة وانقسام ، كل ذلك في حدود قوله :
” ولعل مبدأ السيّالات الذي تبشر به الداهشية أقوى دليل على تجاوبها مع الاسلام والمسيحيّة ، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان ، عند الذين يعلمون …في الجوهر وفي كلّ ما هو قيمة ونافع لبني الانسان …”
المذهب الداهشي : أسراره وتلاميذه
تعريف موجز عجيب
عن الديانة الداهشية الجديدة
حديث طريف مع أحد الداهشيين
ونشرت أيضا جريدة الدنيا بتاريخ 9 شباط 1945 المقال الآتي :
الدكتور داهش شخصية فذّة عجيبة . ومنذ ثلاثة أعوام وهذا الاسم يتردد ذكره باستمرار ، سواء أكان بواسطة الصحف السيارة أم في الأندية العامة والمجتمعات الخاصة أم في المخادع والمقاصير .
وراحت شتى الاشاعات تنسج حول مقدرته الروحية العجيبة شتّى الأقاويل المدهشة والمثيرة . وقد كان للحكومة المحلية والسلطات التنفيذية نصيب كبير في التحقيق والتدقيق حول كلّ ما له علاقة بالدكتور داهش كما يعلم الجميع .
فهنالك فئة كبيرة من الناس تطعن بالدكتور داهش طعنا ذريعا . كما إنه توجد فرقة أخرى تناصره وتؤازره وتدحض ما تزعمه تلك الفئة ببراهين ثابتة دامغة . ثم توجد نخبة خاصة من أرقى طبقة في البلاد كأشهر الأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء والمحامين والتجار والوجهاء قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، وهم يعدونه (نبيّ عصره) بعد أن انشقوا عن الكنائس التي كانوا ينتمون إليها . وهؤلاء يسمون أنفسهم (المؤمنين ) ، وهم من الأقطاب الداهشيين… يبذلون النفس والنفيس من مال ووقت وعقار، حتى ويضحون بأرواحهم، إذا اقتضى الأمر ، في سبيل رفع الحيف عن كل ما له صلة برئيسهم الدينيّ .
وإزاء هذه الحالة ، ولمّا كان هذا المذهب قد انتشر في الأوساط الاجتماعية ورددته الألسنة والشفاه ، اتصلت بنا تلفونيا وشخصيا جماعات عديدة محترمة راجية منّا أن نستزيدها ما نشرناه في العدد الأول من الدنيا ، ونعلمها بما وصل الينا عن المذهب الجديد .
فرأينا أن نوفد مندوبا خاصا عن جريدتنا الى أحد الأقطاب الداهشيين ، فعاد إلينا بهذا الحديث القيّم . وها نحن نذيعه بواسطة جريدتنا ليشبع نهمة كل فضولي متشوق لمعرفة حقائق هذا المذهب وما يتفرغ عنه من عقيدة داهشيّة، وطقوس دينية ، قال :
تقدّمت وصافحت القطب الداهشي فبادلني التحية بمثلها .
وسرعان ما أفهمته الغاية من زيارتي ، فرحّب بي ، وقال :
- سل ما تريد وأنا على استعداد لاعطائك الجواب على كل سؤال توجهه إليّ .
- المندوب – ما هو المذهب الداهشي تعتنقه مع فئة كبيرة من أرقى شخصيات البلاد ؟ وهل هو مخالف للتوارة والانجيل والقران وسائر الكتب المنزلة ؟
الجواب – المذهب الداهشي هو خلاصة ما أنزل على الأنبياء والمرسلين ، لأنه يحترم كافة العقائد الدينية التي أوحى بها الله على أيدي رسله الأمناء. . . و لكنه لا يعترف ببعض الطقوس الدينية المسيحية كعبادة الصور الدينية, و الإحتفاظ بالأيقونات, و المتاجرة بها, و بالغفرانات, والقيام بأثناء الصلوات العامة في الكنائس بالتبخير امام الهيكل, و التمتمة و التعزيم, ثم لا يسلم مطلقا” بما يسمونه (سر الاعتراف المقدس). و هو يقول إنّ جميع ما ذكر هي بدع ابتكرها رجال الدين لمآرب ذاتيّة, و غايات دنيوية, إذ لم يوص السيد المسيح أو رسله بوجوب السير على خطة كهذه.
فالداهشية إذن رسالة إلهيّة تهتم بلباب الدين لا بقشورة, فهي تحترم جميع الأديان المنزلة و تريد من الذي ينتمي إليها أن يطبّق الأقوال السماوية عمليا” لا نظريا”. و هي تكره السخافة و العرض, و تتمسك بالحقيقة و الجوهر. فمن صفت روحه فكرا” و قولا” و فعلا” كان داهشيا”.
س:لقد قرأت نعوة المرحومة ماجدا حداد, فإذا بنجمة مخمسة قد كتبت في داخلها حروف أبجدية. فماذا تعني هذه الحروف؟
ج:ليست الحروف الستّة التي شاهدتموها تعني غوامض, كما وقع في هذا الخطأ بعض الصحف التي تسرّعت و توهّمت و ذكرت مثل هذا الزعم. و لكنّ هذه الحروف و سواها تحمل في طيّاتها جملا” رائعة المعنى, بعيدة المرمى, سامية الأهداف. و عليها يرتكز أساس الدين الداهشي الذي أصبحنا نعتنقه بفخر عظيم. . . و هنا أعطيك مثلا” بسيطا” على هذا :
ففي القرآن الكريم تجد كلمة (بسملة) و هي مختصر جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) و هناك كلمة صلعم مختصر (صلّى الله عليه و سلم). و هكذا (الحوقلة و الحمدلة و كهيعص) و غيرها كثير من الإصطلاحات التي اتّفق عليها كبار أئمّة الدّين.
و كما إنّ الحروف الأبجديّة _على قلّتها _تتألف منها الكلمات والعبارات والسطور والفقرات والصفحات والملازم و الكراريس والكتب والموسوعات ودائرات المعارف ومعاجم اللغات والعلوم والفنون, هكذا الحروف الرمزية والرموز المقدّسة والنجمة المخمية و سواها من الإشارات تتألف منها أسرار الداهشية العجيبة, و عليها ترتكز آيات الظاهرات الروحية و مدهشات العجائب الغريبة. . . إذن, فالحروف الستّة المدوّنة ضمن النجمة المخمسة لها غاية مقدسة, و هي إذا جمعت بطريقة خاصة يعرفها الأخ الداهشي تؤلف جملا” دينيّة كبيرة ذات مغزى بعيد. و على هذا التفسير المقدّس ترتكز عقيدتنا الثابتة الحقّة.
ولكل رسالة إلهية إشارات ورموز خاصة يختلف بعضها عن البعض الآخر. فشعار رسالة النبي سليمان مثلا هو ( النجمة المسدّسة ) التي لا يزال اليهود يحتفظون بها ، وهي مرسومة على أبواب مجامعهم وكنائسهم حتى اليوم . أما شعار رسالة السيد المسيح فهو النجمة المخمّسة التي هي شعار رسالتنا الداهشية اليوم .
س : هل الدكتور داهش أميّ كما بلغنا أم تعلم في مدارس عالية ؟
ج : من يجرأ على رفع عقيرته بأن الدكتور داهش أميّ فليتفضّل للنزول إلى حلبة السباق الأدبي معه لنرى من سيكبو جواده ومن هو الفائز … أمّا التخرّصات المغرضة فإننا نحتقرها ولا نريد أن نخوض هذا البحث مع من أشاعوها … فالمؤلفات المطبوعة التي تحمل اسم رئيسنا الديني هي خير ردّ على أمثال هؤلاء الموتورين . وتوجد من بنات أفكاره عشرات من الكتب الثمينة التي ستطبع في أوقاتها المناسبة . وبعضها تحت الطبع .
امّا انه ” هل درس في معاهد راقية ” فإنني أجيبك : كلاّ . انه لم يمكث في المدرسة سوى ثلاثة شهور وذلك بميتم غزير .
وإذا سألتني : إذن كيف تفسر تأليفه العديدة ؟ وكيف قيّض له أن يضعها وهو كما وصفت ؟
فأجيبك : لأنه ملهم وصاحب رسالة سماوية ، ولو سلمنا جدلا مع القائلين بأنه أميّ ، فله الفخر الأعظم بذلك . وتكون إذ ذاك معجزة حقا باستطاعته نشر مؤلفاته الكثيرة الغزيرة وهو ( أميّ ) كما يزعمون .
وإذا ظل هؤلاء الموتورون مصرين على إعلانهم عن أميته كيدا وعنادا ، فإننا نقول لهم جهازا :
كفاه فخرا بأن رسول الأمة المحمدية كان أيضا أميّا ويتيما … أوليس ذلك من الفخر والمجد بمكان عظيم ؟! ..
س : لماذا انتحرت الآنسة ماجدا حداد ؟
ج : إنّ ماجدا حداد هي الشهيدة الأولى في هذه الرسالة الداهشية . لأنه بعدما اضطهدت الحكومة الدكتور داهش لأسباب عائلية شخصية ، وكانت العائلة المسببة لما أصاب الدكتور هي عائلة الحداد نفسها صممت ماجدا على إغتييال من تتمكن من إغتيالهم انتقاما لما أصاب رئيسها الديني على أيديهم من سجن وتجريد ، ونفي وتشريد …
ولكن رسالة خاصة وصلتها من الدكتور من حلب يقول لها فيها أن لا تقدم قطّ على أي عمل إرهابي ثأري ، وإلا فانه مضطر لأن يرفضها من بين أتباعه ، ويخرجها من الرسالة الداهشية . فكبر عليها الأمر ، وانصاعت لوصيته مرغمة .
ولما طال عليها الوقت انتحرت إحتجاجا على الحيف العظيم الذي وقع عليه ، ولكي توصل صوتها الى من اضطهد الدكتور ، بعد أن فشلت جميع المساعي المبذولة في هذا السبيل ، فذهبت ضحية طاهرة إلى الملأ العلوي .
وهكذا سجلت هذه الشهيدة الداهشية الأولى بدمها الزكي الطاهر انّ الاضطهاد والنفي والتعذيب والارهاب جميعها لا تستطيع قتل الفكرة التي اختمرت في الرؤوس ونزع الأيمان الصحيح الذي زرع في القلوب والنفوس . ولقد ظنت الحكومة أنها بإبعادها للدكتور داهش تستطيع أن تحمل الأنصار والمريدين والمؤمنين لأن يتفرقوا عنه . فكان أن ازدادت الأواصر متانة ، ورسخ الايمان الوطيد الى درجة بذل الروح رخيصة في حقل الايمان الغالي ، والهدف الروحي العالي . وهكذا جرت الرياح بغير ما كانت تشتهيه سفنهم …. لقد ظنوا أنهم سيخنقون الرسالة وهي ما تزال جنينا في المهد . فكان لها بإذن الله الرسوخ والازدهار ثم الانتشار …
س : من الذي قام بمراسيم دفن شهيدتكم الأولى ؟
ج : لقد قام بمراسيم الدفن كل من الدكتور خبصا ويوسف الحاج وسواهما ، لأن المذهب الداهشي يسمح لأي أخ داهشيّ أن يتلو قطعة روحية ملائمة للموضوع المراد القيام به ، دون حاجة الى سيامة أو تعيين فئة معينة كالقسس عند بعض الطوائف المسيحية مثلا ، لأن الداهشيين جميعهم إخوة وكهنة لله العليّ ، وتلك القطع التي تقرأ جميعها في مثل هذه المراسيم هي من وضع الدكتور داهش وإلهامه وتشريعه .
س : هل لك أن تشرح لي كيف تتم مراسيم الدفن في الديانة الداهشية ؟
ج : توضع الجثة في النعش . وتؤخذ إلى المقبرة حيث يتلو أحد الأخوة عدة قطع روحية لرئيسنا الديني ، مما يجب قرأته في حالة الموت والدفن . وبعد الانتهاء من قراءة القطع ومن وضع الجثمان في الجدث ، يرسم الرمز المقدس كما هو في ورقة النعوة ، ثم يحرق وينثر رماده في الهواء .
وهناك قطع أخرى لمراسيم الزواج والعماد والعبادة وسواها ، وكلها مما كتبه رئيسنا الديني في أوقات مختلفة .
وأذكر أنّ ديانتنا تحارب كلّ رياء وتدجيل وكذب وتضليل . وما تلك الطقوس التي تمارسها بعض الطوائف المسيحيّة أثناء الدفن مثلا ، كإبراز أكاليل الزهر ، وبسط الرحمة ، واستعراض صفوف اليتامى المساكين ، وقرع الأجراس والصلوات بأصوات عالية في الشارع بلغات غريبة عجيبة ، وإنارة الكنائس ، وعزف الموسيقى … جميع هذه الطقوس وملحقاتها ليست سوى تدجيل على الأموات والأحياء معا . وما هي إلا وسائل لكسب المال ووضع الفوارق بين المؤمنين كل حسب ما يملكه من دراهم وعقارات .
فرسالتنا تسخر بهذه البهارج المضحكة المؤلمة وتحتقر هذه المظاهر الشاذة التي هي الشعوذة بعينها .
س : ما هي كتبكم الدينية المعوّل عليها ؟
ج : أولها كتاب ( الهادي ) المنزل . وهو مجموعة عظيمة من الآيات المنزلة في مناسبات مختلفة تحمل اسم المكان الذي هبط فيه الوحي مع تاريخ اليوم والساعة والدقيقة . فهذا الكتاب الثمين هو وحي السماء لأبناء الأرض ليهديهم سواء السبيل . ويشتمل على آيات بيّنات تحتوي على نبؤات تمّت ، ونبؤات ستتم في الأوقات المحددة لها ، مثلما هو مدون في تضاعيف سطورها .
س : هل يمكننا الاطلاع على هذا الكتاب ؟
ج : إنه محفوظ الآن في مكان أمين جدا في مدينة القدس مهبط الوحي والأنبياء والرسل .
س : فهمت منك أنّ الدكتور داهش منع ماجدا حداد من الانتقام له ممن سببوا له محنته الهائلة ، فهل القتل والاغتيال ممنوعان عندكم ؟
ج : إنّ الدكتور داهش منع ماجدا من اغتيال بشارة ، وإلاّ فكن على ثقة تامّة بأنه لكان قد قتل كلّ من كان نصيب في الاعتداء على رئيسنا الديني ، لأننا نبذل أرواحنا رخيصة في سبيله ، وفي سبيل المبدإ السامي الذي ينشده . ولكن الموت عندنا رخيص . وفي إنتحار ماجدا أكبر دليل على أننا لا نقيم للحياة وزنا، ولا نعيرها أي إهتمام . فالموت كما قال رئيسنا الحبيب ” يقظة فتانة يحنّ اليها كل من صفت نفسه وسمت روحه “. ولكننا مرغمون على التمسك بنصوص التعاليم الدينية لمذهبنا المقدّس … ولكن هذا لا يمنع أن تحدث بعض الأمور المثيرة التي لا يستطيع المرء معها أن يمتلك ثورة أعصابه ، فيحصل ما لا تحمد عقباه .
وهنا أعطيك شواهد ببراهينها المادية المادية الدامغة :
فالمسيحية تمنع القتل أيضا . ولكن كم وكم من حوادث الاغتيال والقتل تحدث كل دقيقة في جميع أنحاء العالم المسيحي ، ومن المسيحيين أنفسهم ؟ وهكذا قل عن المسلمين الذين تمنعهم عقيدتهم الدينية من ارتكاب هذا الأمر المخالف لشريعتهم . وهكذا ( الموسويّة ) نفسها : أما قيل في رأس الوصايا العشر ( لا تقتل ) ؟ فكم من أعمال إرهابية وحوادث قتل يجري يوميا بين أفراد الطائفة اليهودية ؟
إذن حوادث كهذه لا يستطيع المرء أن يتمسك فيها بالنصوص الدينية قلبا وقالبا ، فللأيام والأحوال الكلمة الأخيرة .
س : من أين يعيش الدكتور داهش ؟
ج : يعيش من ريع كتبه ومؤلفاته ، فضلا عن أنّ أموالنا هي أمواله ، وكل ما نملكه ملك حلال له .
س : كم عمر مؤسس ديانتكم ؟
ج : هو اليوم في الثالثة والثلاثين من عمره .
س : ما هي العجائب التي شاهدتموها حتى اعتنقتم مذهبه ؟
ج : إنّ المعجزات التي شاهدتها بأم العين مع عشرات من الحضور كثيرة :
منها حضوري لجلسة روحية عقدها الدكتور داهش ، وفي أثنائها طلبت منه أن يحضر لي أشياء ثمينة تخصني ، وبلحظة وجدتها بين يدي . وهناك كتاب خاص مكتوب بخطّ يد الدكتور خبصا ، وكان قد أضاعه في باريس منذ اثني عشر عاما ، أحضر له بجلسة روحية ولا يزال في مكتبه حتى الآن . وقلم حبر ثمين ودبوس نفيس يخضّان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في رأس المتن ، وقد استحضر له في جلسة روحية أمام عشرات المشاهدين ؛ وكذلك مبلغ من المال مسروق للدكتور توفيق رزق الجرّاح المعروف . وفي جلسة خاصة إستحضر للدكتور شاهين صليبي شجرة ليمون كاملة بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . وكذلك حول الماء الى خمر أمام المحامي الأستاذ إدوار نون وعائلته ، وأمام كثيرين .
ثم – وهنا بيت القصيد – التعاليم الروحية السامية . فما الظاهرات الروحية التي كلمتك عنها الا وسيلة للاقناع والاقتناع فقط بوجود الروح وخلودها . أما الدين فيرتكز على التعاليم وليس على الأعاجيب والمعجزات . وهكذا تجد أنها واسطة وليست غاية .
س : إذن لماذا يكره رجال الدين الدكتور داهش بعد اطلاعهم على تعاليمه السامية ، ومعرفتهم بالهدف الروحي العلوي الذي ينشده ؟ وما هي أسباب اضطهادهم اياه ؟
ج : أتريدهم أن يقلده وسام الاستحقاق يا أخي !؟ .. وهو قد أتى إلى هذا العالم كي يدك معاقلهم الحصينة وينتزع منهم ما يظنونه حقوقا قد اكتسبوها منذ ألفين من الأعوام ؟
وهل تريد أن يباركوه ، وهم يرونه يتولى مراسيم الدفن والعماد والقيام بالوعظ الديني في كل أسبوع مرّتين عندما كنا نعقد جلساتنا الروحية .
نعم نحن لا نستغرب لعنهم إياه بالرغم من وصية السيد المسيح لهم إذ أوصاهم قائلا : ” باركوا ولا تلعنوا “! …
ولكنهم بشر . وللبشر حدود لا يستطيع أن يتجاوزوها ، فأمرهم مع الدكتور داهش عظيم ، إذ بلغ بهم السيل الزبّى ، ولم يعد في قوس اصطبارهم منزع .
ثمّ… ألم يضطهدوا الرسل والأنبياء والمصلحين في جميع الأدوار التي مرّت على تاريخ عالمنا المملوء بالأثم والفساد. وإنني أدلي برأيي قائلا لك : لقد أخطأ رجال الدين باضطهادهم للدكتور داهش ، وسجلّوا على أنفسهم أتعابا ما كان أغناهم عنها . وقد سبق للكنيسة الكاثوليكية أن اضطهدت المصلح لوثير ، فما كان منه إلاّ أن أنشق عن كنيستهم ، ثم كان ما يسمونه المذهب البروتستانتي الذي ذاع وشاع ، وملأ الأبصار والأسماع . فلو تركوا الدكتور داهش وشأنه لما إنتشر مذهبه ولا إمتدت شرارته بهذه السرعة الغريبة ، ولما تردد اسمه على كل شفه ولسان . ويحضرني بهذه المناسبة قول القائل :
وإذا اراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وها هي قافلة الدكتور داهش سائرة . فلينتشر رجال الدين ، وليختلقوا وليروجوا من الأشاعات ما شاؤوا حتى يوم يبعثون ، لأنها لن تجديهم نفعا ، ولن تعود عليهم إلاّ بالوبال الفتاك .
س : لماذا لم تضعوا إطارا أسود على ورقة النعي لشهيدتكم الأولى ؟
ج : هذه عادات قديمة وتقاليد بالية . فنحن نعتقد أنه من يسير على التعاليم السامية وينفّذها بحذافيرها ، سيذهب إلى فراديس الخلد عند رحيله من دنيا الأرض الفاسدة . فلماذا نتوج الورقة بالسواد ، مع أنّ الأحرى بنا أن ندعها ناصعة البياض ؟ فإننا نعتقد الاعتقاد الجازم بأنّ شهيدتنا قد أصبحت ترتع في بحبوحة من السعادة الألهية في جناته الفتانة الخالدة .
س : ما هي تنبؤات الدكتور داهش التي تمّت ؟
ج : هي عديدة لا تقع تحت حصر :
منها تلك النبؤة المشهورة يوم ألقي القبض على الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية . فقد طلبت زوجته (لور) من شقيقتها السيدة ماري حداد ، والدة الشهيدة ، أن تتوسط لها مع الدكتور داهش كي ينبءها عن مصير زوجها بعد إعتقاله في راشيا . فكتب اليها الدكتور على ورقة لاتزال في خزانتها إنه سيعود إلى الحكم معززا مكرما . وحدد لها اليوم والساعة التي سيعود فيها إلى منزله بين آله وذويه . وهذا ما تمّ بالحرف الواحد .
ثم نبؤته عندما بدأت الحكومة السابقة باضطهاده ، إذ أعلن أنّ من سيوقع على مرسوم إبعاده ستكسر يده من العنق . وقد حققت الأيام نبؤته هذه أيضا . ومن يشك ، فليرجع إلى جريدة ” الصحافي التائه ” ، فقد كتب صاحبها هذه النبؤة في العدد 37 بتاريخ 20 شباط من العام الفائت 1944 . فليراجعه من يريد الحقيقة .
س : أين هو الدكتور داهش الآن ؟
ج : لا أستطيع أن أطلعك على مقره لأنني أجهله . ولكنني سمعت بأنّ أشخاصا عديدين قد شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، كما أنّ آخرين يؤكدون أنهم قد إجتمعوا به في دمشق ، وغيرهم في حلب ، وسواهم في بغداد أو البصرة ، وسواهم في كربلاء . ولا عجب ، لأنّ للدكتور شخصيات متعددة تستطيع الظهور في عدّة أماكن في وقت واحد . وهي أمور أصبحنا نعرف أسبابها ومسبباتها .
المذهب الداهشي في لبنان
بتاريخ 11 شباط 1945 ، صدرت مجلة ” الأحد ” الدمشقيّة وهي تحمل هذا المقال :
انتحرت الأنسةماجدا حداد عن عمر ناهز ال 28 سنة في بيروت ، وجرى الأحتفال بدفنها على الطريقة الداهشية . هذا ما ذكرته صحف بيروت آنئذ . وقد راجت اشاعات كثيرة عن الدكتور داهش . ولا يستغرب القارىء حين يعلم أنّ نخبة من أرقى الطبقات في لبنان ، من أدباء وشعراء ومحامين وأطباء وتجار قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، ويسمون أنفسهم ( بالداهشيين ) . وهم يبذلون كل مجهوداتهم لرفع الحيف عن كل ما له صلة ( برئيسهم الديني ) ، ولو بالانتحار .
ويقول احد أتباع الدكتور داهش إنّ مذهبهم لا يعترف بالطقوس الدينية الرائجة أو البدع التي يبتكرها رجال الدين لمآرب شخصية . والطريف في الأمر أنّ الدكتور داهش له مؤلفات تحمل إسمه مع أنه لم يمكث في المدرسة سوى شهور لم تتعدّ الثلاثة . وقد إستطاع تأليف كتبه بواسطة الوحي والألهام . وكانت ماجدا حداد أول شهيدة إذ إنتحرت من أجله ، وبسبب إضطهاد الحكومة له ، رغم أنها تلقت رسالة منه بعدم الأقدام على أي عمل انتقام لأجله . وعند دفنها قرأوا على قبرها قطعة روحية ملائمة لموضوع الموت ، من تأليف الدكتور داهش ، وهي من مختارات كتاب (الهادي ) المنزل ، الذي يحوي كثيرا من النبؤات التي تمّت ، والتي ستتم . وّكر أحد مريديه أنّ الموت رخيص جدا ، وفي إنتحار الآنسة ماجدا حداد دليل على ذلك . ويعيش الدكتور داهش من ريع كتبه ، وهو شاب في الثالثة والثلاثين فقط . ومن معجزاته التي يرويها أحد أتباعه أنه استطاع أن يحضر كتابا أضاعه الدكتور خبصا في باريس منذ إثنتي عشر سنة . ثم أحضر قلم حبر ودبوسا نفيسا يخصان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في لبنان أمام عشرات الأشخاص وقد إستحضر شجرة ليمون بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . كما حول الماء إلى خمر أمام العشرات وبأوقات مختلفة . أمّا أهمّ تنبؤاته فهي تلك النبؤة المشهورة : ألقي القبض على رئيس الجمهورية اللبناني ، فطلبت عقيلته أن ننبئها الدكتور داهش عن مصير زوجها بعد إعتقاله . فكتب لها ورقة لا تزال في صندوقها دوّن فيها أنّ زوجها سيعود معززا مكرما . وحدد لها ، في تلك الورقة ، اليوم والساعة التي سيعود فيها الى منزله . ولا يعرف أحد ، في الوقت الحاضر وساعة كتابة ما تقدم ، مقّر الدكتور داهش . ويقول بعض الأشخاص إنهم شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، مع أنّ الحكومة أخرجته منها ، كما يؤكد آخرون أنهم اجتمعوا به في دمشق ، وآخرونفي حلب … ولا عجب في ذلك لأن للدكتولر داهش شخصيات متعددت تستطيع الظهور في كل مكان وزمان بوقت واحد .
الموت على طريقة داهش
وهذا ما نشرته جريدة ” المستقبل ” الصادرة في طرابلس ، العدد 300 ، بتاريخ 13 شباط 1945
تلقينا نبأ خاصا بوفاة الصبية ماجدا ، كريمة الوجيه السيد جورج ابراهيم الحداد وعقيلته السيدة ماري كريمة المرحوم انطوان بك شيحا من أعيان بيروت . والفقيدة من أتباع الدكتور داهش . فماتت عن عقيدة داهشية ودفنت في جونية على الطريقة الداهشية أيضا . وموت فتاة في ريعان الصبا ترّبت في بيت وجاهة وعلم يعّد خسارة وفاجعة على الأهل . ولكن السيد حداد وعقيلته وأفراد الأسرة استقبلوا موت فقيدتهم بصبر مدهش يحسدون عليه : فلا بكاء ولا نحيب ، وأذاعوا نبأ وفاتها بأسلوب خاص لا نعي فيه ولا أية ظاهرة أسف ، لاعتقادهم أنها حية بالروح حسب الدستور الداهشي ، وتوجوا نشرات النبإ بآيات داهشية جاء فيها : ” أنا ظل سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى ، والموت يقظة فتانة يحن إليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ، ويخافها من كثفت أفكاره وكثرت أوزاره “
فهنيئا لوالدين يرون في مثل هذا المصاب العزاء والسلوى عن إقتناع وعقيدة . فلهما البقاء وللراحلة الخلود.
الوحيد في نيويورك
متحف داهش.. خط الدفاع الأخير عن العرب
متحف داهش هو المتحف العربي الوحيد في نيويورك..تمَّ افتتاحه عام 1995 ويحتوي على أكثرمن 1500 لوحة من مدرسة الفنّْ الاكاديمي ومن المعروف أنَّ الفنّ تلأكاديمي الذي كان منتشراً في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تراجع أمام المدارس الحديثة مثل التأثيريّة والسرياليّة.
وقد كان لمتحف داهش الفضل لعودة الإهتمام بذلك الفنّ ولاقت المعارض التي نظّمها المتحف إقبالاً شديداً من الجمهور ومديحاً من النقّاد.
د. مرسي سعد الدين
وقد نظّم المتحف أخيراً معرضاً بعنوان ” مواجهة الآخر ” استمرّ أربعة شهور وهو لفنّان نحت فرنسي شارل كوردييه الذي أثار ضجّة في الوسط الفنّي في باريس في أربعينيات القرن التاسع عشر حين عرض في 1840 في صالون باريس المشهور تمثال نصفي لرجل من دارفور وآخر لما أطلق عليها اسم ” فينوس أفريقيّة “
وكان كوردييه في سن ال21 من عمره وبذلك بدأ ما اطلق عليه بعد ذلك الفن الأنتوجرافي وقد ابتاعت الملكة فكتوريا التمثالين هدية للأمير البرت في عيد ميلاده.
وقد عرض كوردييه تماثيله في وقت كانت فرنسا قد قضت على الرّق وإن كانت الولايات المتّحدة لا تزال تعتنق مبدأ التفرقة العنصريّة. وكان ذلك أكثر من عشر سنوات قبل نداء ابراهام لنكولن بالمساواة بين الزنوج والبيض.
ومن مقولات كوردييه المشهورة لأن الجمال ليس وقفاً على عنصر مميّز فإنّي أقدّم لعالم الفنّ فكرة عالمية الجمال. إنّ كل عنصر له جماله الخاص الذي يختلف عن العناصر الأخرى . إنّ أجمل سوداء ليست تلك التي تشبه غالبيتنا أو حتى تلك التي تعبّر عن الصفات المرتبطة بعنصرها. وقد كتب كوردييه تلك الكلمات عام 1862 حين كانت الحرب الأهليّة الأميريكيّة على أشدّها من أجل تحرير العبيد.
ولتأكيد فكرته قام كوردييه بأسفار عديدة بدأها بالجزائر، ثمّ إلى دول عربيّة وآسيويّة وأفريقيّة وقدّم تماثيل لشخصيّات من جميع الدول.
وكان عام 1848 الذي عرض فيع كوردييه تمثاليه عاماً مرتبطاً بأحداث جسام وخاصة في إطار المناداة بالقضاء على العبوديّة، كما كان العام الذي شاهد تطوّراً صناعياً وتكنولوجيّاً، وأيضاً العام الذي عقد فيه أول مؤتمر في أمريكا للمناداة بحقوق المرأة وفي العام نفسه أصدر كارل ماركي وفريدريش إنجلز كتباً بعنوان ” المانفستو الشبوكي ” وفي عام 1848 ولِد بول جوجان الذي اشتهر باسلوب غير تقليدي واختار للموضة موديلات من عالم متغيّر وكان عام عام 1848 هو العام الذي أنهت فيه فرنسا الرّق في داخلها وفي مستعمراتها، وكانت انجلترا قد سبقتها بإلغاء الرّق عام 1833.
وحين أرادت الحكومة الفرنسيّة أنْ تعرف المزيد عن شعوب مستعمراتها كلّفت كوردييه بالقيام بعدّة أسفار في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وتركيا وغيرها من الدول. وكانت الجزائر أول دولة زارها كوردييه وكتب في مذكّراته يصف تلك الزيارة يقول: لم أستطع أن أقاوم إنجذابي الشديد لذلك الجزء من العالم. لقد شعرت بفضول جامح مثل ذلك الذي شعرتُ به وأنا أبدأ بقراءة ” الف ليلة وليلة ” كان تفكيري بمثابة منشور ضوئي prism أستطيع من خلاله أن أخلق أعمالاً فنّية جديدة وأذكر حين أبحرتُ للمرّة الأولى على طول ساحل أفريقيا الشمالي، في الجزائرالتي يبرق بياضها في حبور وبمجرّد أن تركت السفينة توجّهت إلى بيت صغير له حوض قائم على أعمدة من رخام. ولمّا كان باب منزلي مفتوحاً دائماً فإني استطعت أن أستقبل وأرحّب بجماعات من الجزائريين ممّا أعطاني الفرصة لأتعرّف عليهم.
وبعد أن عاد كوردييه من الجزائر أقام ثلاثة أبنية على الطراز المعماري الجزائري، استوديو في شارع سانت ميشيل بالحي اللاتيني المشهور، وفيلا دور ساي في عام 1867 ثمّ بعد ثلاث سنوات بنى فيلا في نيس وفي عام 1869 زار كوردييه مصر وكتب يقول انّ المصريين هم يمثّلون المقاومة الطبيعيّة للغرب وأنّهم مركز الدفاع الأخير للشخصيّة المصريّة الأصليّة .
ويحاول البعض أن يربط بين أعمال كوردييه الفنيّة وبين فكرة الإستشراق وخاصة إنّ حكومته أرسلته في بعثات للتعرّف على سمات وأنماط الشعوب المختلفة، ولكن تماثيل كوردييه تعبّر عن الشعوب المختلفة لا بصفته نحّات إستشراق ولكن باعتباره جزءاً من جيل حاول أن يعرف المزيد عن الآخر.
وقد استطاع كوردييه أن يقنع وزير الفنون الجميلة الفرنسي بإرساله إلى اليونان، وفعلاً خصّص له مبلغ 700 فرنك في الشهر وفي 16 أبريل 1858 وصل إلى اليونان وكان لهذه الزيارة أكثر من غرض واحد، ولكن أهم تلك الأغراض دراسة مناجم الرخام وإعادة إستثمار تلك المحاجر التي خلقت من رخامها أجمل التماثيل الكلاسيكيّة. وبالإضافة إلى هذا الهدف الرسمي ، فإنَّ كوردييه إستطاع أن يخلق 27 عملاً فنّياً من لوحات وتماثيل وأيقونات. وتعكس تماثيله من اليونان وخاصةً لنساء البلاد مدى إهتمامه بتفاصيل الأرديّة التقليديّة. ومن الطريف إنَّ نساء البلد الذي أقام فيه حين عرفن أنّه يريد أن يدرس الجمال الإغريقي نظّمن حفلاً كبيراً تجمّعن فيه وظهرّنَ في أحسن ما لديهنَّ من ملابس تقليديّة.
ومن أهم ما حقّقه كوردييه إستعمال الرخام الملوّن في تماثيله وخاصة ” الأونكى ” الذي عثر عليه في مناجم في الجزائر في الفترة ما بين 1850 – 1870 واستعمله فعلاً في العديد من تماثيله، وكان ينادى دائماً بأنّه يريد أنْ يحيى استعمال الرخام الملوّن مثل ما مثل قدماء المصريين ويقول كيف نستطيع أنْ نعطي حياة جديدة لفنٍ كان سامياً ورفيعاً في مصر.
وقد تعرّض كوردييه لهجومٍ قاسٍ من بعض النقّاد الذين صدمهم وجود تماثيل لسود في صالون باريس الشهير، بل إنّ بعضهم وصف أعماله بأنّها لا تنتمي إلى الفنّ الحقيقي ولكن في الوقت نفسه نجد أنّ هناك من وقفوا بجانبه ودافعوا عنه ومنهم الفنّان المعروف دي كامب والناقد الفنّي دومنيك دميني الذي قال بعد زيارته لمعرض كوردييه نحن ننظر هنا إلى كاليري من السود من جميع الإنماط، ننظر إلى أنواع متعدّدة من الوجوه التي تتدفّق حيوية، كما أنّها تمتاز بجمالٍ عظيم وجميعهم تقريباً لا يعبّرون عن بلادهم بل أنّهم يلعبون دوراً ليس من إختيارهم بل كمجرّد ممثّلين في دراما يؤلّفها البيض وبرغم أنّنا لا نرى البيض إلاّ أنّهم موجودون حولنا سواؤ في عاداتهم أو أذواقهم بل وجبالهم ورمانسيتهم التي تنعكس في هذه التماثيل، ولهذا المعرض قصّة تعود إلى عام 1998 حين فكّرت مجموعة من النقّاد والفنّانين في تنظيم معرض لأعمال كوردييه التي كان قد تمَّ جمعها علة فترة عشرين عاماً ، وتقرّر تنظيم المعرض في متحف دورساي وذلك بالتعاون مع المتحف القومي للفنون في كيبك في كندا وجاء بعد ذلك كتحف داهش الذي عرض إقامة المعرض وبذلك نعطي الفرصة للمرّة الأولى للأمريكان لمشاهدة أعمال ذلك الفنان الذي يعدِّ رمزاً لمعركة تحرير الرّق ليس في أوروبا فقط ولكن في أمريكا أيضاً وبذلك يكون متحف داهش قد وقف جنباً إلى جنب بجوار أعظم متاحف العالم ومن المعروف أنّه سبق له أنْ نظّم معارض مختلفة بالتعاون مع اللوفر والمتحف القومي في لندن.
وقد كان لي حظ زيارة متحف داهش عدّة مرّات بل ودعيت لإلقاء محاضرة في عن الإستشراق الجديد حين كان المتحف ينظّم معرضاً لأعمال الفنانين المستشرقين .
وقد سعدتُ حين شاهدت تلك المجموعة الكبيرة من الأعمال الفنّية التي جمعها الدكتور داهش والتي على أساسها أنشىء المتحف في نيويورم، والمتحف في رأي يعدُّ أنجح دعاية للعرب إذ ليس هناك أكثر إيقاعاً من الفنون والثقافة في عكس صورتنا في الخارج، والغريب أنّه برغم عشرات المقالات التي نشرت عن المعرض في أمريكا وأوروبا فإنّه لم ينشر خبرٌ واحد في الصحافة المصريّة والصحافة العربيّة.
أنا داهش أتحدّث إليكم
أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .
ترى ماذا سيقول الناس عنّي بعد موتي وزوالي ؟
إنّ البعض سيستمطرون على إسمي اللعنات والنقمات
كما إنّ آخرين سيردّدون ذكري بالتقديس والرحمات ,
وستخرج آهات عميقة من شتّى القلوب والصدور
بعضها آهات غبطة وحبور , وبعضها غصّات لساكن القبور.
أمّا أنا , فحسبي أن اكون بين يدي الديّان لعرض أعمالي؟
من ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟
لعلّ الأسواء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكل من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .
قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”
حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .
أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .
داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وبينزع منها صورة الشرّ التي طبعت في مخيلاتهم عنه ؟
ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .
داهش من هو ؟
إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , ذادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .
ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .
وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستولى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .
تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942 . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مستعدّ للتضحية بكل شيء مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .
و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”
مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .
تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره :وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيءً فشيءً أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحس أنه مرتبك بعض السيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .
” قوتي هبة و ليست علماً ”
الله , الروح , المادة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.
داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصر أضعف إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”
و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبين أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوتي هبة و ليست علماً , و الظواهر تجري بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعد مستقيمة .
و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”
و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .
و عليك أن تكرر هذه العملية مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المهجزات ” بنفسك .
الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.
الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”
و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “
و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدونها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :
” في المساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمز مقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصية من شخصيات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .
وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .
” نحن نؤمن بالتقمّص “
والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوى إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلب على كلّ الميول والنزعات : المأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق .
– الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !
– الكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .
– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟
” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “
التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .
ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .
لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .
لماذا قامت القيامة على داهش
تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وززجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .
” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي رد مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجود خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.
” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم : أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيعد و يرسل الى مجلس النواب و يرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “
و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية في 9 أيار 1948 ما يلي :
” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً نت إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”
و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التيكانت توجه اليهم في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “
ماجدا … لماذا انتحرت
و القصة التي لغط بها الناس يومذاك أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنت مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم بصورة مذلة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كان ستقتل به الشيخ بشارة ” .
داهش اليوم
كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .
وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبنه . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .
وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .
وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .
عودة الدكتور داهش
بتاريخ 26 آذار 1953 نشرت مجلّة الصياد هذه الكلمة
لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان ، فقد كنا نتوقع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيته ويحق له أن ينعم فيه بنفس الحرية والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين .
ولكن الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسباب بحق الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان !
ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي أو مدير شركة كهرباء مثلا ، لقلنا ان من حق انصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريته المسلوبة !
ولكن الدكتور داهش في نظر هؤلاء مؤسس ديانة جديدة . وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء .
وكم كنا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار ، ولنا بينهم أكثر من صديق ، تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم ، لم تؤسّس على الشتم والاهانة وارسال الكتب المغفلة …وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير ، كما أسست – وهذا هو الأهمّ – على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيد المسيح .
الردّ على مجلّة “الصياد”
بتاريخ 2 نيسان 1953 رددنا على كلمة ” الصيّاد” بهذا المقال
الذي نشرته المجلّة مختصرا . وها هو
حضرة رئيس تحرير الصيّاد الغرّاء المحترم
تحية وسلام – وبعد فأمامي عددكم المؤرّخ في 26 آذار 1953 .
وقد طالعت الكلمة التي نشرتموها بقلمكم الظريف في افتتاحيتكم تحت عنوان ( عودة الدكتور داهش ) ،
وبما أنني من عشّاق أسلوبكم البارع ، وأطالع جميع ما تنشرونه باستمرار ،
وبما أنّني ( داهشيّة ) بكلّ ما تعنيه ( الداهشيّة ) مثلما يعرف الجميع ، رأيت أن أبعث اليكم بردّي لكي تنشروه بحذافيره ، لأنّه اذا حذفتم بعض العبارات تفقد الجمل بعض ما أرمي اليه ، وأودّ أن يعرفه قرّاء مجلّتكم المحبوبة . لهذا آمل ان ينشر على علاّته . ولا أشكّ بأنّ رحابة صدركم كفيلة بتحقيق رغبتي العادلة . والآ، ابدأ فأقول :
أوّلا – لقد أنصفت عندما قلت في مطلع كلمتك ما يأتي : ” لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان . فقد كنا نتوقّع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيّته ويحقّ له أن ينعم فيه بنفس الحريّة والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين “.
الجواب – اذن ، أنت تعترف صراحة بأنّ ( داهش ) كان مظلوما ومعتدى عليه من زوج شقيقتي ( بشارة الخوري ) الطاغية الذي اسْتَلب جنسيّة مؤسّس الداهشيّة ، متجاوزا بعمله هذا سلطاته الدستوريّة ، دائسا على قوانين البلاد ، مهشّما بنود الدستور الذي ائتمنه الشعب عليه . فضلا عن اليمين التي أقسمها تحت قبّة البرلمان بأنه سيحترم الدستور ، ويطبّق بنوده المقدّسة على الجميع بميزان العدالة ، فيوزّعها بالحقّ والقسطاس . ولكنّه حنث بيمينه وضرب بها عرض الحائط ، اذ سرعان ما اعتدى على ( داهش ) . وهذا الاعتداء الرهيب يعتبر اعتداء على كلّ لبناني ، لأنّ ( الدستور ) هو سياج الحريّات المهدّدة ، وحاميها من عدوان الحاكم المسيطر ، ورغما عن هذا الاعتداء البربريّ الصارخ فانه لم يجرأ صحافيّ واحد ( والصحافة رسالة سامية ) على أن يحرّك قلمه ليهزّ به عدوان الباغية ، بل بالعكس قامت قيامتهم على داهش البريء لينالوا عطف من بيده مقاليد السلطات العليا …متناسين أنّ أفضل جهاد عند الله كلمة حقّ تقال بوجه حاكم ظالم .
هذه حقيقة راهنة تعرفها أنت ، وأعرفها أنا ، مثلما يعرفها كلّ لبناني ، بعدما وقفت انا واخواني الداهشيّون بوجه هذا المعتدي ، وفضحنا ارتكاباته بعشرات ( الكتب السوداء ) التي طبعناها ووزّعناها في جميع أنحاء الشرق والغرب ، متحمّلين في هذا السبيل أرهب ما يمكن لمجاهد مخلص أن يتحمّله من الضغط والارهاب والبطش والتنكيل والسجن المتواصل …حتى أزفت الساعة ، ساعة ثورة الشعب على من طغى وبغى ، وتكبّر وتجبّر ، وتطاول أنفه واشمخرّ حتى بلغ السّماك . واذا بالطاغية يستحيل الى قزم قميء لا قوّة له ولا سلطان بعد ان تحطّم ما كان يظنّه سلطانا وصولجانا …. وهكذا انتصر الحقّ وزهق الباطل ، انّ الباطل كان زهوقا .
ثانيا – قلت : ” ولكنّ الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته ( أي عودة مؤسّس الداهشيّة ) تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسّباب بحقّ الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان “.
الجواب – انّ المناشير التي أشرت اليها في كلمتك سبق لنا أن وزّعناها بالبريد الى كافّة أقطار الدنيا . وذلك في اثناء سيطرة ( بشارة الخوري ) المخلوع بارادة الشعب . فضلا عن أننا وزّعناها ، يومئذ ، بعشرات الألوف في جميع أنحاء لبنان ، وفي قلب العاصمة بيروت أثناء تحكّم (بشارة ) برقاب العباد .
وعندما وزّعنا هذه ( الكتب السوداء ) كنّا نعتبر أنّنا نقوم بواجب مقدّس ملقى على كواهلنا وعواتقنا ، وذلك لكي ننير الاذهان ، ونلقي نورا على جريمة أرادوها ظلاما كثيفا .
ولم نقم بعملنا هذا – أي لم نطبع ونوزّع هذه الكثرة من الكتب والنشرات السوداء – الاّ بعدما يئسنا اليأس التامّ من وجود أيّ ( صحفيّ لبنانيّ ) يتبنّى قضيّة الدفاع عن ( مظلوم بريء ) لينتزع حقّه السليب بقلمه .
نعم ، لم يوجد حتى ( ظلّ هذا الصحفي ) في عهد ( بشارة الخوري ) ، مثلما وجد في فرنسا ( اميل زولا ) ذلك الرجل النبيل الذي خلّد التاريخ اسمه الى الابد .
اميل زولا الذي دافع عن ( دريفوس ) لأنّه كان يعتقد أنّه بريء . وقد وضع نفسه في فوهة البركان عندما تحدّى ارادة الحاكمين ، ورغبة القضاء ، وثورة الشعب ضدّه ، وقبل أخيرا أن يغادر وطنه ، وينفي نفسه ، دون أن تلين له قناة ، أو تهن له عزيمة . كلّ ذلك دفاعا عن رجل يعتقد ببراءته .
نعم ، يا سيدي ، نعم ، لم يوجد في لبنان ( صحفيّ واحد ) تجرّأ وكتب ( كلمة حقّ ) حول هذا الاعتداء على ( جنسيّة ) رجل ، وحريّة رجل يكفلهما له الدستور ككلّ مواطن . فاضطررنا اضطراراً ، وأرغمنا لأن ننزل الى ميدان الكفاح ، ونقتحم معاقل المعتدين ، ونحن على أتمّ الاستعداد لتقبّل أية تضحية مهما عظمت في هذا السبيل النبيل .
وأظنّ ، بعدما عرف الآن الكاتب البارع – سعيد فريحة – السبب ، زال منه العجب . أليس كذلك ؟
ثم هب أنّ هذا الاعتداء ، أوقعه الطاغية على شخصك ، فهل كنت سترشقه ( بالورود والياسمين ) ، وتسكب على قدميه ( عطر الناردين ؟…) ، أم كنت تفكّ عقال قلمك الجبّار ، وتطلقه في اثره أينما سار ، ليقوّض من بنائه ما يقوّض ، حتى تدمّره على رأسه تدميرا مزلزلا – مثلما فعلت يوم استدعاك ( ناصر رعد ) تنفيذا لرغبة أحد السلاطين (أي شقيق بشارة السلطان سليم ) .
ترى ، كيف جاز لسعيد فريحه أن يطلق ، يومذاك ، صواريخه على الحكّام الظالمين …ويأتي نفس ( سعيد فريحة ) اليوم بافتتاحيّته ليقول للداهشيّين :” لا يجوز لكم أن تنكّلوا بمن ساهموا بجريمة ابعاد مؤسّس الداهشيّة عن وطنه لبنان ” ؟ انّني انتظر منك جوابا في العدد القادم .ولكلّ سؤال ، يا سعيد ، جواب …
ثالثا – قلت :” ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي ، أو مدير شركة كهرباء مثلا – لقلنا من حقّ أنصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريّته المسلوبة “.
الجواب – وكبار الادباء ، والكتّاب المسيحيّون الذين هاجموا بأقلامهم السليطة الشعب اليهوديّ ، وملأوا مئات المجلّدات بأقذع ما يمكن أن تسمعه اذن بشريّة لأنّ اليهود سبّبوا صلب سيّد عقيدتهم ( يسوع المسيح ) كانوا متأكّدين أنّ ( المسيح ) مؤسّس عقيدتهم لم يكن ( رئيس حزب سياسي ) ولا (مدير شركة كهرباء مثلا ) ، ومع هذا خاضوا بأقلامهم واقتحموا معاقل اليهود فزلزلوا أسسها وردّموا آثارها ، ودكّوها دكّا عاصفا لم يبق ولم يذر . فالأديب العالميّ الاميركيّ المعروف ( هوبكنس ) صاحب كتاب ” جريمة اليهود الوحشيّة ” قال الشيء الكثير . وها اني أنقل لك جملة عاديّة من مؤلّفه الثمين . قال :
” واليهود – هؤلاء الوحوش الضارية – هؤلاء المجرمون الأفكة – هؤلاء الأثمة المنغمسون في النقائص من قمم رؤوسهم حتى أخامص أقدامهم – البائعون أعراض نسائهم – المقدّمون فتياتهم لكل طارق – العابثون بالفضيلة – الهازئون بالشرف – الضاحكون عندما تذكر أمامهم كلمة الضمير – هؤلاء هم الذين تقع عليهم تبعة صلب السيّد المسيح “!
ثمّ يستطرد هذا الكاتب فيذكر عبارات دمويّة مقوّضة ترزح تحت معانيها أطواد الجبال المشمخرّة .
وكذلك فعل الكاتب الانكليزي السير ( جون مايلز ) ، والدوق ( هدلتون ) ، والمستر (براندي ) ، والكاتب النروجي ( أدامس ) ، والاديبان الروسيّان ( ستربتوفسكي ) و( تورغنيف ) ، وسواهم وسواهم اذ ملأوا كتبهم بما يطلق عليه الناس اسم ( شتائم ) سكبت في قالب أدبيّ عنيف جدّا ، فعلوا هذا ، واطلقوا مقنبلاتهم على رؤوس اليهود واليهوديّة ، محمّلينهم تبعة صلب السيّد ( المسيح ) مع أنهم متأكّدين انه لم يكن ( رئيس حزب سياسي )….
فاذا ترسّمت أنا وبعض الداهشيّين خطوات كبار أدباء الغرب فانّما نكون قد تشبّهنا بالكرام من الأدباء المرموقين . والمثل العربي يقول “: انّ التشبّه بالكرام فلاح …”
رابعا – قلت :” ولكنّ الدكتور داهش في نظر الداهشيّين مؤسّس ديانة جديدة ، وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء “.
الجواب – عندما يعتنق أيّ امرىء مذهبا ما ( بقطع النظر عمّا اذا كان مذهبا اجتماعيّا او سياسيّا او دينيّا ) فانّه يخوض المعارك القلميّة ، حتى والحرب الفعليّة ( كالحرب الصليبيّة مثلا ) دفاعا عن عقيدته التي آمن بها وهو يستعمل جميع أنواع الأسلحة التي يعتقد أنّها ستوصله الى غايته …
ونحن عقيدتنا التي آمنّا بها ، والتي ندافع عنها دفاع المستميت تقول : ” من لطمك على خدّك الأيمن حطّم له خدّه الأيمن ثمّ ردّم له الخدّ الأيسر ترديما تامّا “. وعندما شاهدنا أعداءنا قد اعتدوا علينا بدون سبب ، وشفعوا جريمة انتزاع الجنسيّة بمحاولتهم تأليبهم علينا قطيعا من ذئاب المرتزقة من ( الكويتبيّين ) الذين غمسوا أقلامهم الصفراء في مستنقعات آسنة , وقصدهم من كلّ ذلك تشويه سمعتنا تجاه الرأي العامّ ليصرفوا الأذهان عن جريمتهم النكراء ، ونيّاتهم السوداء …اذ ذاك تأكّد لنا أنّه ” لا يفلّ الحديد الاّ الحديد ” فشمّرنا عن سواعد الجدّ ، ونزلنا الى الميدان الذي أرادوه ، ونقدناهم من بضاعتهم ….ولكن بطريقة مروّعة مزلزلة قصمت من هؤلاء الذئاب المفترسة الظهور ، اذ حطّمنا بعصانا الفولاذيّة ضراوتهم ، وقضينا على شراستهم …ثمّ هل نسيت المثل القائل :
” العبــد يقــرع بالعصــا والحــرّ تكفيــه الاشــارة “!
ولمّا كانت القطعان المأجورة لأسيادها تهاجمنا لمنفعة ذاتيّة – لا لمنفعة عموميّة – رأينا أن نخاطبها باللغة التي تفهمها وتهضمها بسهولة تامّة …
وهكذا كنّا لهم من المنصفين . فمن ارتكب شرّا تقع عليه تبعته . فما كان أغناهم وأغنانا عمّا تمّ ووقع ، ولكن …لهم أعين ولا ينظرون ؛ أو قل ” انّما تعمى البصائر لا الأبصار “. رفع الله عن أعينهم غشاوة الجهل ، وأعادهم الى صوابهم . انّه أرحم الراحمين .
خامسا – قلت :” وكم كنّا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار – ولنا بينهم أكثر من صديق – لو تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم لم تؤسّس على الشتم والاهانة ، وارسال الكتب المغفلة ، وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير “.
الجواب – انني أذّكر السيّد ( سعيد فريحة ) المسيحيّ بأنّ مؤسّس عقيدته المسيحيّة قال :” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد !”.
ثمّ قال :” ما جئت لألقي سلاما بل سيفا . جئت لأفرّق الابن عن أبيه ، والابنة عن أمّها ، والأخّ عن أخيه …” الى آخر الاية .
وعندما جاءته تلك ( المرأة ) طالبة شفاء ابنتها قال :” ليس حسنا ان يطرح خبز البنين للكلاب “.
واذ ذاك عرفت المرأة أنّه يعنيها بكلامه ، فتواضعت وقالت له : “والكلاب يا سيّدي تأكل الفتات المتساقط تحت المائدة ” ، أي قبلت بسبب ايمانها ان تنعت بالكلب الذي وصفها به السيّد المسيح .
ثمّ …ألم يقل السيّد المسيح لتلاميذه ” اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب هيرودس …”
انّني أعتقد تمام الاعتقاد أنّ السيّد المسيح كان ثائراً كبركان فيزوف . نعم , كان ثائراً على جميع الأوضاع والقوانين ، ثائرا حتى على نفسه . وقد قادته هذه الثورة أخيرا الى خشبة الصليب فعلّق عليها دون أن يتراجع عن ثورته حتى آخر لحظة من حياته .
هذا هو السيّد المسيح . هذا هو الناصريّ الذي أعرفه كما هو على حقيقته الواقعيّة ووجهه السافر . امّا قولك :” انّ المسيحيّة أسّست على الحبّ ، والتسامح …والخير …” فزمجرة مدافع المسيحيّين، وتدفّق نيران الأسلحة الجهنميّة التي تطلقها (الدول المسيحية ) بعضها على البعض ، وافناؤهم للملايين لأجل مصالح ماديّة دنيويّة ، وليس لغايات دينية سامية – تبرهن أنك تنظر الى هؤلاء الذين يدّعون انهم ( مسيحيّون ) بمنظار (أبيض ) سوّد الله وجوههم !…
فأيّ ( تسامح ) هذا الذي يرتكبونه ؟ وأيّ ( حبّ اوخير ) يبغونه ؟
أبتشريدهم عرب ( فلسطين ) ، وطردهم من وطن آبائهم وجدودهم ؟ أم باعتدائهم على الدول الضعيفة وأكلها كلقمة سائغة ؟ أم باستئسادهم على حفنة من زنوج ( الماوماو ) في مجاهل القارّة الأفريقيّة ؟
كفانا يا سيّدي كفانا !…انّ (المسيحيّة ) اليوم أصبحت كورقة المئة ليرة اللبنانية ( المزيّفة ) . والعياذ بالله !
سادسا – قلت” انّ الديانة المسيحية ( وهذا الأهمّ ) أسّست على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيّد المسيح “
الجواب – ذاك عهد قد مضى وانقضى ( عهد الظلم والاضطهاد والتعليق على الخشبة ). فعهد محاكم التفتيش المرعب قد عفت آثاره ، وانطفأت أخباره ، بعدما هتكت أسراره التي لم تشرّف مرتكبيها . انها لطخة عار ، وليست اكليلا من الغار …فنحن يا سيّدي نعيش اليوم في عصر المدنيّة والنور ، عصر الحريّة ، عصر الدستور الذي يتساوى أمامه الكبير والصغير ، الأمير والحقير ، وذلك بعد جهاد قرون ، واضطهاد أجيال مخيفة .
واذا كنت تعني أنّه كان من الواجب ان يضطهد ( داهش ) لأنّ صاحب كل رسالة يجب ان يضطهد ويحني هامته أمام مضطهديه ….اذا كان هذا ما تعنيه فانني أقول لك :
( ثق بأنني لو لم أكن متأكّدة – انا واخواني الداهشيين – بانّ مؤسّس عقيدتنا هو الثائر الأوّل على كلّ طاغية ، ومرتكب باغية ، لما تبعناه ، ولا ترسّم أي منّا خطاه . فثوراته الدائمة هي التي جعلتنا نكون أتبع له من ظلّه . وداهش نفسه خلق فينا روح التمرّد الأبديّ ، والكفاح السرمديّ ، والنضال الأزليّ ، ما بقيت روحنا في جسدنا الأرضيّ …
وتمرّد داهش على العتاة ومحاربته ايّاهم بجبروت وعنفوان مزلزلين هما اللذان جعلانا نضحّي في سبيله بأموالنا وأرواحنا .
ويطيب لي بهذه المناسبة ان أسمعك بعضا من كلماته الثوريّة لتدرك أيّة عزيمة فولاذيّة تحتويها روحه القويّة ، قال :
” أنا القويّ الجبّار ، والعنيف البتّار ، فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها فانها لن تعود الاّ بصفقة الخاسر المغبون ، ولن تتمكّن من اماتة ما يجيش في نفسي من نزعات تبغي الانطلاق من هذه القيود . كلاّ !…انا لن أتقاعس عن نيل أهدافي ، وبلوغ اتّجاهاتي التي أطمح اليها .
وسأحقّق أمانيّ عاجلا ام آجلا وسأسحق ما يقف في طريقي من عقبات كأداء وسأردّمها ترديما . وسأهزأ بالانسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !…وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي ، وأنف الحياة في الرغام”.
وقال :” نفيت لأني اتّهمت بكوني أثرت في نفوس أتباعي الثورة الجارفة ، ونفثت في أرواحهم حبّ تقويض أرائك الحكّام المستبدّين!”
وقال :” نحن قوم مسالمون ، نحترم صاحب السلطان ما دام يحترم حرّيتنا ، امّا اذا حدّ من حرّيتنا المقدّسة ( هديّة الخالق للخلائق )، اذ ذاك ننقلب الى أسود ثائرة نبطش بهذا الحاكم الجبان ، ونؤدّبه تأديبا مرعبا مرهبا . ونجعله عبرة لكل معتبر “.
وقال :” لو كانت ثورتي الجارفة ضدّ أعدائي غير محقّة لأصغيت لكلّ من يريد مناقشتي او مجادلتي .
ولكنّني صاحب حقّ صريح اعتدى عليه الحاكم الوصوليّ الظالم . لهذا لا أقبل أيّ مناقشة أو جدال . وسأمكث على مهاجمتي العنيفة المستمرّة حتى أنتزع حقّي المغصوب ، وأستعيد حرّيتي السليبة “.
وقال :” الجبان في شريعتي ليس أهلا للحياة مطلقا . فامّا أن نجبن فيستعبدنا القويّ الغاشم ، وامّا أن نظهر شجاعتنا ، ونطلق بطولتنا ، فننتزع بواسطتها حرّيتنا المقدّسة الخالدة “.
وقال :” سأنهض ، وأحطّم قيودي ، وأجتاز جحيم هذه الحياة بقلب جريء وارادة جبّارة ، وأتمكّن من ناصية المجد والانتصار “!!
هذا غيض من فيض ممّا تفجّرت به روح ( داهش ) الثائرة على كلّ ما تقع عليه العين ، او يصل اليه الخيال . هذا هو مؤسّس عقيدتنا الداهشيّة ، وباعث فينا روح الثورة المندلعة بنيرانها الجهنميّة الأوار ، لتزدرد كلّ من يريد الاعتداء على حريّة معتقدنا التي كفلها الدستور سياج الحرّيات وحاميها الأمين . فنحن أحرار بما نعتقده ، ونهاجم كلّ من يقترب من عريننا الذي نحميه بمهجنا وأرواحنا .
كما انّنا لا نهاجم صاحب أيّ عقيدة ولو آمن بالشيطان . فله معتقده ولنا معتقدنا .
وأختم ردّي بقولي : ما كان أغنى بشارة الخوري عمّا أصابه من الداهشيّة طوال تسعة أعوام عارمة بكتبها السوداء ، لو ترك لنا حرّيتنا التي وهبها الله جلّ اسمه لنا ، فأراد هذا الطاغية سلبنا اياها . فكان ما كان ممّا يعرفه جميع سكّان لبنان . وسلام عليك من المخلصة .
ماري حدّاد الداهشيّة
لاحقة :
ذكرت في كلمتك كلمة ” ارسال كتب مغفلة “
وجوابي عليها أنني ما تعوّدت مطلقا ان أرسل كتابا مغفلا لأيّ شخص كائنا من كان .
وكتبي السوداء التي كنت أشحنها بأرعب وأرهب ما يمكن ان يخطّه قلم بشريّ …كانت تحمل توقيعي الواضح الصريح .
خذ مثلا ( كتابي الاسود ) الذي عنونته هكذا ” سأغتال الشيخ بشارة الخوي المجرم “، ( ونشرتي السوداء ) التي عنوانها ” سيقتل الشيخ بشارة الخسيس ، وستنتقل روحه الى ابليس ” وهكذا ( كتابي الأسود ) الذي عنوانه ” يجب محاكمة رئيس الجمهورية بشارة الخائن ” الى آخر ما هنالك …
وقد وزّعت هذه الكتب في أعوام 1945 و1946و1947و1948 أي عندما كانت كلمة ( بشارة الخوري ) دستورا نافذا لا مهرب منه .
يومذاك كان أكبر رأس يطأطىء أمام ( بشارة الخوري ) ويحرق امامه بخور الذلّ والمهانة …
اذن ، غير معقول أن أرسل الى أيّ فرد من الناس ( تحريرا مغفلا ) ولا أدري كيف استنتجت مثل هذا الاستنتاج فبنيت عليه حكمك .
اذن يجوز لي ان أقول :” انّ بعض الظنّ اثم “.
واذ أختم مقالي ، آمل منك أن تنشر موضوعي الذي امتدّت فروعه ، وتشعّبت أصوله . وانّني مستعدّة لاعطائك أيّ ردّ ترغب في توجيهه إليّ من منبر مجلّتك . والسلام .
بيروت 26 آذار 1953 ماري حدّاد
كيف عرفت الدكتور داهش؟
بتاريخ 22 كانون الثاني 1945 صدرت جريدة ” المستقبل ” الطرابلسيّة
لصاحبتها الفيرا لطّوف, وفيها هذه الكلمة :
هو الروحانيّ العجيب الذي أثارت روحانيّته المدهشة سخط رجال الدين وحملات صحفيّة صاخبة قضت بإبعاده عن البلاد, وتتحدّث عنه اليوم على صفحات ” الهدف ” الغرّاء الكاتبة الأديبة السيّدة ماري حدّاد, عقيلة الوجيه البيروتي السيّد جورج إبراهيم حدّاد بكثير من الإعجاب. وهي من أنصاره وأتباعه الذين عرفوا عن معجزاته الروحانيّة الشيء الكثير, ووعدت بنشر معلوماتها عنه في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة. وهي مرتاحة لصراحتها في القول والعقيدة. وفي ختام حديثها تنصح بمطالعة كتابها هذا بتفكير عميق, وإخلاص وتدقيق ولا ندري كيف يكون تأثير هذا الكتاب على الرأي العامّ, وبأيّة غضبة سيستقبله رجال الدين؟!
كيف عرفت الدكتور داهش 2
تحت هذا العنوان صدرت جريدة ” الهدف “
في صباح 6 كانون الثاني 1945, العدد 393,
وفيها هذه الكلمة لماري حدّاد :
لمحة تمهيديّة
هي فصول ومذكّرات كتبتها في أوقات الفراغ . وقد دوّنت فيها أهم ما عرفته عن الدكتور داهش منذ عامين .
ففي 12 أيّـآر من عام 1942 أقيمت في مادي المهاجرين ( ساحة النجمة ) حفلة خطابيّة أدبيّة ألقى فيها الأستاذ يوسف الحاج محاضرة جامعة أتى فيها على ذكر الظاهرات الروحيّة التي جرت أمامه على يد الدكتور داهش ؛ وروى للناس شيئاً كثيراً عن تلك الظاهرات , فخرجوا من الحفلة وهم مصدّقين ومشكّكين لأنّهم سمعوا أموراً خارقة يكاد العقل لا يصدّقها ولا يسلّم بها .
وانتشرت أخبار تلك الظاهرات في بيروت وقرى لبنان ومصايفه وسواحله , وفي خارج لبنان أيضاً . وبعد شهرين من تلك المحاضرة التاريخيّة أصبح للدكتور داهش تلامذة عديدون وأنصار ومريدون , بينهم الشاعر والأديب والمحامي والطبيب والبعيد والقريب , وكلّهم من أرقى طبقة في الشعب علماً ووجاهة وثقافة . وكلّما مرّ أسبوع زاد عدد أنصار الدكتور داهش وأتباعه , مّما لفت إليه أنظار رجال الدين والدنيا بسرعة غريبة .
واتّفق أن زارنا أحد الأصدقاء المفكّرين وتحدّث معي ومع زوجي جورج إبراهيم حدّاد عن تجارب الدكتور داهش وأعماله الخارقة . وفي اليوم الثاني – وكنّا في مستشفى الجرّاح الدكتور رزق – زرنا الدكتور داهش , وتعرّفنا به شخصيّاً , وكان لديه بعض الزائرين والمعجبين به , فطلبنا اليه أن يقبلنا بين أنصاره . فوعدنا خيراً وودّعناه .
وبعد أيّـام قليلة , تسنّى لنا أن نحضر جلسات روحيّة كانت سبباً لفتح عقولنا وأفكارنا لإكتشاف أسرار روحانيّة غريبة في بابها . وهذه الأسرار الغريبة العجيبة هي التي يسرّني كثيراً أن أحدّث عنها القرّاء في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة . ونصيحتي لقارىء سطوري هذه أن يطالع الكتاب المذكور بتفكير عميق وإخلاص وتدقيق .
ماري حدّاد الداهشيّة
لا كرامة لنبيّ في وطنه
مائة عام خلت، مذ ومض نور اخّاذ خطف الابصار في لبنان لبرهة ثمّ ما لبث أنْ توارى. هذا القبس الذي شعّ من خلف ربوات الأرز حمل خيوط الحقيقة لغير مستحقّيها آنذاك، إنّه ذلك الفيلسوف العظيم والأديب المتجلّي والرسام الشفّاف، جبران خليل جبران.
آمن بأنّ الحقيقة والخلاص ليسا حكراً على دين أو طائفة ما، لا بل راح يكرّز بوحدة الأديان ووحدانية ينبوعها الزلال. لأجل هذا رفضه أبناء بجدته وساطوه بألسنتهم اللاذعة التي لم تكن أبداً لتنطق سوى بكلمات التعصّب الأعمى الساري في عروقهم والممتزج في خلاياهم. فكان إختياره أنْ نفى نفسه وفكره وقلمه الى ما وراء البحار . من هناك أطلق أحكامه الصاعقة التي بترت أفاعي المصالح والغايات المتسربلة بلباس الدين، ومزّق الأقنعة الصفيقة عن وجوه من يحكمون باسم العدل والحرّية المقدّسة وجلّ ما يختلج في ثناياهم حبّ المال والسلطة ضاربين بذاك العدل وتلك الحرّية عرض الحائط، فقال بصوتٍ ردّدت صداه الآفاق تلك الكلمات الخالدات ، ” الويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين … الويل لأمّة تلبس ممّا لا تغزل وتأكل ممّا لا تزرع … الويل لأمّة ممزّقة والكلّ ينادي أنا أمّة …” .
مرّت أعوام وأعوام على ذلك القلم الثائر في منفاه يسطّر حروف الحقّ على صفحات مجّدت إسمه ليصبح الأديب الأشهر والروحانيّ الأعمق والأكثر وعياً وإدراكاً للحقائق الأزليّة في بلاد الإغتراب . عندها فقط تبنّى لبنان هذا الولد البار ونسي أبناؤه لا بل تناسوا ما قذفته ألسنتهم الرعناء في وجهه قبل أعوام. إنْ كان جبران قد غفر لهم ذلك، فلم ولن يفعل التاريخ .
ومرّةً أخرى تجود السماء بأحد أسطع أنوارها على لبنان، ألا وهو داهش الأديب المعْجزْ والروحانيّ العظيم. جاء مبشّراً ونذيرا، يحثُّ العالمين للعودة الى الفضائل والتمسّك بحياض الحقّ ونبذ التعصّب. بشّر بالسماء وحسن المآل إنْ أنكر المرء ذاته ووضع نفسه في خدمة خالقه وسار حسب تعاليم دينه الحنيف، أي دين كان، فكلّ درب شائك يحارب فيه الإنسان شهواته الوضيعة وميوله السفليّة ويمحقها بقوّة إيمانه بحبال العزّة الإلهيّة لا شكّ سيقوده الى الفراديس العلويّة .
ضمّن الدكتور داهش أفكاره السامية تلك في حوالي 150 كتاباً تناولت مختلف ميادين الأدب من شعر منثور، وقصّة مثيرة، ورواية. كلمات لا بل آيات يفيض منها الضياء فتكون منارة هدى للنفوس التائقة للإنعتاق من كبول الجسد والتحرّر من عبوديّة الرغبة والسلطة والمال. تلك الكلمات فعلت فعل السحر في قلوب العطشى للحقائق الروحيّة، لكنّها كانت كالمهنّد الباتر يشهر في وجه وائدي الحقّ ومضطهدي الحرّيات. فما كان من أولئك الأخيرين إلاّ أنْ أنكروا هذه الهبة السماويّة لا بل عذّبوا منْ أُرسل بينهم سراجاً منيراً، ووضعوه غياهب سجونهم، وسلبوه جنسيّته ، ومن ثمّ نفوه خارج البلاد ليأمنوا صوت اللّه فيه الذي زلزل كيانهم، وأقضّ مضاجعهم.
لكنّه عاد، وأبى إلاّ أنْ يبعث بنات أفكاره رسلاً تتغلغل في نفوس مستحقّيها. وبعد إتمام ما كان قد وهب نفسه ووقته وكلّ ما أوتي من طاقة لإرسائه، هاجر الى الولايات المتّحدة وأنشىء متحف داهش في جادة ماديسون في مدينة نيويورك، ذلك المتحف الذي يضمّ الآلاف من اللوحات والمنحوتات الغنيّة بقيمتها الفنّية والمادّية . أضف الى ذلك المعبد الفنّي، أسّس الدكتور داهش مكتبة عملاقة تحوي الآلاف من الكتب المتنوّعة بمضمونها وهي بمثابة مرجع موثوق للحضارة الإنسانيّة.
أفواج إثر أفواج من الأميركيين وغير الأميركيين يتوافدون الى متحف داهش شهريّاً، وحين ولوجهم ترتسم على وجوههم علامات الدهشة والإعجاب بهذا الشخص المعجز الذي قام وحده بما قد تعجز عن إتيانه مؤسّسات كبيرة لا بل قل دول.
هو مفخرة ومحطّ إعتزاز لكلّ من آمن بما بشّر فيه من قيم سامية وتعاليم راقية. ينال التقدير والتكريم على صفحات المجلاّت والجرائد في بلاد الغربة القصيّة، ولكنّي أقولها وفمي ملؤه ماء، ليست هذه هي الحال في بلاد منشئه.
تساؤل يطرح نفسه في الختام، أما آن للبنان أنْ يتعلّم إكرام بنيه في أرضه؟ ألا يرى بأنّ التاريخ يعيد نفسه؟ النور ينبثق دائماً من جنباته لكنه يأبى أنْ يحتضن النور في مشكاته، فترى ذاك الأخير يمتطي الأثير ليضيء عبر البحار والأمصار، تاركاً لبنان ينعي ما أصابه من الخسران ولكن بعد فوات الأوان …
ياسر عطوي
تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف
تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف على رسالة
الدكتور حسين هيكل باشا الى مؤسّس الداهشيّة
التي نشرت في جريدة ” البيرق “
حضرة رئيس تحرير جريدة ( البيرق ) الغرّاء المحترم
بمناسبة الرسالة البليغة التي نشرتموها بالأمس في جريدتكم ( البيرق ) الغرّاء والمرسلة من سعادة الدكتور حسين هيكل باشا الى الدكتور داهش زعيم الداهشيّة أقول :
انّني اجتمعت منذ شهر في القاهرة بالدكتور حسين هيكل . وقد استوضحني عن حقيقة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته ….ودهش كيف أنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر ثائرتها لظلم كهذا يقع بأحد أفراد اللبنانيّين ، ما دام الدستور يحرص على جنسيّة كلّ مواطن .
وكان صمتي خير جواب على أسئلة الباشا لأنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر هذه الحادثة الجليلة الخطر حينما وقع التجريد على مؤسّس الداهشيّة .
أمّا اليوم وبعد أن نشرتم رسالة هيكل باشا فانني أعدّها بادرة خير ووثبة جريئة نحو الحقّ . كما انّ رسالة الباشا هي حربة العدالة مصوّبة على وحش الباطل .
وقد أرسلت الى الباشا بضعة أعداد من ” البيرق ” لأنّني – فيما أذكر – قد تحدّث الدكتور حسين الى عدد من اللبنانيّين في القاهرة ، وتحدّث أيضا مليّا مع الأديب والشاعر اللبناني المعروف الاستاذ صلاح الأسير حول قضيّة الدكتور داهش ، وسأله كيف تجيز الصحافة اللبنانيّة لنفسها السكوت عن وزر عظيم كهذا يرتكب في عاصمة تنتهي الحوادث المؤلمة بين المصريّين والانكليز سيثير قضيّة تجريد الدكتور داهش في الصحف المصريّة . وسيحدث دويّا هائلا في صحافة الشرق كافّة . وهذا أعدّه أنا ( بصفتي مواطنا لبنانيّا ) لطخة عار على لبنان وصحافة لبنان : أي انّ الأديب المصريّ الكبير تبنّى القضيّة بمجرّد معرفته بها واطّلاعه على أسبابها ومسبّباتها ، بينما الصحافة اللبنانيّة لم تتجرّأ على الخوض في مسألة حيويّة لها صلة بكل مواطن ومواطنة . وهي في صلب الدستور اللبناني كحقّ مقدّس لكلّ فرد من أفراد الشعب .
وهكذا يسجّل التاريخ على صحافة لبنان صفحة سوداء لا تمحوها الأجيال الزاحفة .
اذن فأنا – كلبناني صميم – أشكرك لأنك برهنت ، قبل الجميع ، على أنك صحافيّ جريء تقول الحقّ وتنشر الحقّ ولا تخشى في قوله ونشره لومة لائم ….
وختاما ثق يا سيّدي الفاضل بأنني لا أعرف عن الداهشيّة ما هي معتقداتها ، وما هي اهدافها ومراميها .
وكلّ ما أعرفه عنها أنّ مؤسّسها اضطهد وأبعد من لبنان لأنّ له صلة بآل حدّاد أقرباء الرئيس . وهذا سبب لا يبرّره عرف أو قانون لتجريد رجل ذي عقيدة من جنسيّته ، وجنسيّة المرء بعض حياته كما جاء في رسالة الدكتور هيكل المنشورة في ” بيرقكم ” الأغرّ .
واذا وددت أيها الصحافي الجريء الاجتماع بي لأطلعك على رأي هيكل باشا بعدما زار لبنان في الصيف الفائت ودرس قضيّة داهش عن كثب ، فانني لا أتردّد عن اعلامك برأي هذا السياسي الكبير والأديب الخطير – بما تركته جريمة ابعاد داهش بالظلم من أثر سيّء في نفسه . والسلام عليك .
أنطوان اليوسف
جورج شكور يدخل واحة نبلاء الأدب الفرنس
جورج شكور
يدخل واحة نبلاء الأدب الفرنسي
من بوابة … داهش
عبر سيرته الذاتية يصح أن يروي الإنسان سيرة الآخرين ؟ … ترى , لم السؤال ؟!…لم لا, في النهاية , ما دام السرد سرداً , و الحبكة مصانة المقام , فيها من الطيبات الأديبة و الروائية ما يليق بالبطل أو يكاد : ينبوع ماء فرات , متدفقة عذبة , يزيد عنصر المفاجأة من جاذبيتها …مفاجأة تحكمت بحياة الكاتب , فطبعتها بجمال من غير هذا العالم , فيما تحكم هو بالمفاجأة روائياً فإذا بالنتاج الفني( الرواية) يليق بروعة الموضوع , و بخصوصيته و فرادته و طهارته … و يتكامل مع الموضوع تكامل الاناقة و الرشاقة , الذكاء و الجمال , التهذيب و الصدق.
نعم … إن روعة الموضوع تستوجب مهارة أدبية نادرة كتلك التي يتحلى بها الكاتب جورج هنري شكور. هكذا ولد الجزء الأول من ثلاثية , أو رباعية ,”داهش”… و التي بدأها المؤلف ب..”اللقاء”.
إنه لقاء الشاب , الموسيقي , بمعلم أخيه شكري… الدكتور داهش, المصلح الإجتماعي المكتمل الصدق الناصع الضمير المتأهب الوجدان صاحب القدرات التي شاءها الله خارقة … فكانت المعجزات . معجزات الدكتور داهش التي هزت الأوساط السياسية و الصحافية و الثقافية , و الطائفية اللبنانية طيلة عهد رئيس الجمهورية بشارة خليل الخوري , على امتداد الأربعينات و لغاية 1952 تاريخ إسقاط الرئيس بواسطة الإضرابات و التظاهرات الشعبية.
الكاتب يبدع في وصف الإنتظار , على أحر من الجمر , إذ عصفت به النشوة على شاطئ بيروت , في المسبح الفرنسي , عندما سمع باسم الدكتور داهش .. للمرة الأولى … فتعلق به , بقدرة خفية , و امتزجت حرارة الإنتظار و الترقب باطمئنان من أوشك على بلوغ شاطئ الامان : نشوة الحقيقة.
على إيقاع الرشاقة اللغوية, التي يكتشف عبرها القارئ أديباً مميزاً باللغة الفرنسية لا يقتصر تميزه على الإتقان الرفيع للغة فولتير و سبك عباراتها بإتقان أين منه تقنية عتاة الصاغة … فتمتزج الكلمات بالجواهر , تلمع , تغريك , تندفع لالتقاطها فإذا بك امام جواهر اخرى تخالها من خارج الأبجدية … لا يقتصر تميزه على ذلك و إنما تراه بأم بصيرتك و قد استقر في واحة نبلاء الأدب الفرنسي…
على إيقاع هذه الرشاقة اللغوية يحملك الأديب الى عوالم معرفة الذات و رهفة الأحاسيس .. لتجد نفسك شريكاً لحسناء الحنين… ” نوستالجيا “… و الجمال بجوهره أنثوي الملامح و المخيلة … تذرف دموعاً حارة الطهارة و انت تقرأ حسرات الكاتب عن تلك الحقبة … حقبة الكمال في حياته … و قد ولت و لن تعود.
يكتب عنها بما تستحق أن يكتب عنها , فيغلق القارئ الكتاب قليلاً و يرحل بنفسه الى تخيل اللقاء بالحبيب في المستقبل الأقصى : مئات من السنين لا يدري أحد إن كانت ستمر كذلك النيزك الروحاني الذي انار كالبرق حياة الشاب على شاطئ المسبح الفرنسي.
المسبح الفرنسي … بيروت الحلوة التي يسيئون معاملتها على مر العهود حتى غدا ذاك ” البرج ” المنتصب بقلة ذوق و غطرسة , أشبه باللوحة الأثرية , يدين عهودهم أمام ضمائر الأبرياء.
الجزء الاول من سلسلة “داهش” يؤشر مسبقاً إلى نجاح الأجزاء المكملة للتحفة الأديبة التي يقدمها لعشاق القراء و عشاق الحقيقة الأديب جورج هنري شكور و هو يجلي … حقاّ يجلي في “أنسنة ” الأفكار الفلسفية حين يلبسها ” فساتين لغوية” و حلى جواهر أين منها تلك التي كانت تسحر الحسناوات في ” سوق الصاغة” في بيروت … بيروت المغتصبة التي بالكاد عرفها كاتب هذه السطور , و أبناء جيله , قبل الحرب, فإذا به يحتك بها جسدياً , بحواسه و أحاسيسه عبر كلمات جورج هنري شكور.
رواية أديبة عالية المستوى , بل شاهقة العلو الأدبي –اللغوي بقدر ما هي منجم فريد للمفردات و التعابير و الموسيقى اللغوية . و هي بلا شك تأريخ دقيق لحقبة من التاريخ اللبناني و من تاريخ الإنسانية . للكلمة سحر… حقاً سحر.
حسن
*الكتاب صدر في باريس
عن ” جون ليفرييــــــــه”.
حديث طريف عن الداهشية
وهذا ما نشرته جريدة ” العهد ” مع رسم ماجدا بتاريخ 6 شباط 1945
تفاصيل جديدة عن حادثة الانتحار. الفرق بين الداهشيّة والمسيحية. رأي الداهشيين بالنبي محمد. اراء بعض الرصيفات عن الداهشية. أول تصريح عن أهداف الداهشية وموقفها من الأديان السماوية.
أتينا في عدد سابق على ذكر صاحبة هذا الرسم وبعض العوامل التي أدّت الى انتحارها وهي في عنفوان شبابها .
ومنذ يومين اجتمعنا الى أحد معارفها الواقفين على حقائق الأمور ، فجرى بيننا وبينه حديث عن الطريق الداهشية ، ننشره كما أدلى به محدّثنا دون أي تعليق منّا.
وهو أول حديث يكشف الستارعن بعض أهداف هذه الطريقة الجديدة :
س : لقد كثرت الاشاعات حول وفاة الأنسة حداد. فهل لكم ان توافونا بأصدق رواية.
ج : إنّ ما نشرته (( العهد )) في المقال الأول كان أقرب الى الحقيقة كما شهد بذلك الذين عرفوا الفقيدة ومزاياها النادرة وعلاقة عائلتها بالدكتور داهش وأتباعه الذين أنا واحد منهم . وكانت الفقيدة تعتقد أن في الدكتور قوة ستستفيد منها البشرية اذا فهمت حقيقة الداهشية وأهدافها.
س : ماذا تقصدون بالداهشيّة ؟ وما الفرق بينها وبين المسيحية ؟
ج : الداهشية تحترم الأديان السماوية : الموسويّة والمسيحية والمحمدية ، وجوهر الأديان الالهية ، وغايتها الابتعاد عن بعض التقاليد والمراسيم الدينية المسرحية كعبادة الصور والتماثيل . وهي تسعى لافهام الناس أن يقتربوا من الزهد والمحبة والبساطة والقناعة ، والاعتراف بتعاليم السيد المسيح وسائر الأنبياء المرسلين الذين غيروا وجه العالم ، فكرا وقولا وفعلا ، كموس والمسيح ومحمد وبوذا وكونفوشيوس وسقراط وغيرهم من المصلحين والمجددين .
س : وهل تعترف الداهشية بالنبي محمد ؟
ج : كيف لا ؟ .. إنها اول من تقول إنه نبيّ أرسله الله نورا وهدى للعالم ليحطم الأوثان والأصنام ، ويرفع مستوى الأفكار البشرية بالكتاب المنزل ، ويغذي العقول والأجيال بتلك الأحاديث الشريفة الغالية التي ألقاها بذورا للأفهام ، وهو اليتيم الأمي والنبي العربي الكريم .
س : ما هي الرسالة التي بعث بها الدكتور داهش الى الفقيدة ماجدا ؟ وما هو أهم محتوياتها ؟
ج : هي رسالة عثر عليها بين أوراقها تحمل تاريخ 15 كانون الثاني 1945 . وأهم ما فيها أنه يحذرها من أي عمل إرهابي ضدّ أي شخص ، وأنّ الله سينتقم قريبا من ظالميه ومسببي محنته ..
ولمّا يئست من إتمام فكرتها وتنفيذ خطتها فضّلت الموت على الحياة ، فانتحرت . وفي الرسالة نبؤة صريحة عن مصير رئيس الجمهورية ، وقد تحققت .
س : من أين أبعث إليها بتلك الرسالة ؟
ج : من مدينة حلب . وذلك بعد ان نفي من الحدود السورية الى الحدود التركية من جهة إعزاز . وهناك نجا بأعجوبة من الخطر الذي كان يهدّده .
س : ولماذا اضطهد الدكتور داهش ؟
ج : لمسائل عائلية أولا . ثم لأن ( دعوته الجديدة ) قد أثارت عليه غضب رجال الدين بمجرد سماعهم تعاليم الديانة الداهشية وسماعهم أيضا بما يقال عن ظاهراته الروحية العجيبة .
س : تقول بعض الصحف أن الديانة الداهشية منبثقة من ( رمز داهشي ) فما رأيكم في هذا الكلام ؟ وهل يمكنكم تفسيرها لنا أو لسوانا ؟
ج : ليس الداهشيون في الهند أوفي الصين . إنهم في مدينة بيروت وأنحاء لبنان . وكذلك كان على هؤلاء ان يسألونا عن حقيقة تلك الرموز المقدسة ، فتعطى لهم رويدا رويدا عندما يعتنقون مذهبنا . وعندئذ يفهمونها جيدا ويتعجبون عندما يتبين لهم أنّ هذه الأحرف الرمزية تؤلف عبارات خطيرة ومعاني ثمينة كبيرة يرتكز عليها هذا المذهب الجديد الذي يريد البعض مناهضته لغايات في النفوس … في حين أن ّحرية الفكر والمعتقد نصّ عليهما الميثاق الاتلنتكي . فلماذا تريد بعض الصحف التّعدي على حرية الأخرين ؟ فالانسان حرّ بعقيدته خصوصا إذا توجهت روحهإلى المثل العليا ، وبالدستور اللبناني مادة تقول : حرية المعتقد مصانة .
إن في الحياة أسرارا عجيبة غريبة ، ولاسيما الأسرار الروحية التي تعلّق عليها الداهشية أكبر أهمية ، لأن لها اتصالا بالقدرة الالهية . وقد جاء في الكتاب المقدس (( أنّ الله روح )) .
وجاء في القران الكريم :
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربيّ وما أوتيتم من العلم الاّ قليلا .
«بُلبُل المنابر» يستردّ اعتباره في جامعة الأزهر
جريدة الأخبار
- الثلاثاء 17 تموز 2018
بعد ستة عقود على رحيل حليم دمُّوس: «بُلبُل المنابر» يستردّ اعتباره في جامعة الأزهر
بعد انقضاءِ 61 عاماً على رحيله، وبعد أَن كاد النسيانُ يحجبُ وجهه الأَدبيَّ والشِّعريَّ العملاق بفعل الظُّلم والجهل والتعصُّب، يهبطُ الشاعر حليم دمُّوس من عليائه، على أَجنحة الشعر، ويحطُّ رحالَه عند منبرٍ من منابر جامعة الأَزهر، واضعاً بذلك حدّاً للظلم الذي أَلحقَه به أَبناءُ بَجْدتِه طوالَ أَكثر من نصف قرنٍ من الزمن.
تعرّض لشائعات أَطلقَتْها السُّلطةُ اللبنانيَّة وسجن مرات عديدة
«بُلبُلُ المنابر» كان لقبَهُ الأَشهَر في جُملة أَلقابٍ عدَّة أَسبغَها عليه نُخبةٌ من مُعاصريه مِمَّن قدَّروا شاعريَّته ورِفعة فكره ونُبلَ أَهدافه حقَّ قَدْرِها. لقد كان بالفعل نظيرَ بُلبُلٍ هابطٍ من جنَّة الجنَّات، تُفصحُ أَغانيه عن روحٍ مُتساميةٍ مجبولةٍ بحُبِّ الله وأَنبيائه، وبحُبِّ الإنسانيَّة، ومَنذورةٍ لإسعاد أَبناءِ الحياة، وإرشادهم، وإنارة سُبُلهم، وتوحيد قلوبهم على المبادئ والأَهداف الرفيعة. وكان عن جدارةٍ شاعرَ الروح الذي احتضَن الأَديانَ السماويَّة المُنزَلة في قلبه وفكره وقلمه، وأَسكنَ وجوهَ الأَنبياءِ في مخيِّلته، فلم يَستثنِ ديناً من الأَديان أَو نبيّاً من الأَنبياء من إيمانه، على الرغم من كونه مسيحيَّ المولد والنشأَة. فغنَّى أَمجاد النبيِّ محمَّد بقَدْر ما غنَّى أَمجاد السيِّد المسيح والرسُل، وأَطلقَ صرخةً مُجلجِلة شاءَها أَن تُعيدَ حقيقة الوحدة الدينيَّة ووحدة الأُسرة البشريَّة إلى الأَذهان، وأَن تُزلزلَ أَركانَ التعصُّب والتفرقة في النفوس. وما كان أَحوجَ عالَمنا إلى صرخته تلك! ويا ليت البشر أَصغوا إليها بعدما جسَّدَها في قصيدته الخالدة «نشيد الملحمة العربيَّة»، قائلاً:
فوالله لو يدري الورى كُنْهَ دينهم/ لَما فرَّقوا ما بين عيسى وأَحمدِ
ولا أَطلقـوا يوماً قنابلَ مِدفـع/ ولا صَقلُوا للحَرب حَدَّ مُهنَّدِ
فأَنتَ أَخي ما دامَتِ الأَرضُ أُمَّنا/ وأَنتَ أَخي بالروح قبل التجسُّدِ
لعَمـرُكَ ما الأَديانُ إلاَّ نوافـذٌ/ تَـرى اللَّهَ منها مُقلـةُ المُتـعبِّدِ
تعالـيمُ إصلاحٍ وعَدلٍ ورحمَـةٍ/ فلا تَجعلُـوا منها سِلاحاً لِمُفسدِ
سأَنشُرُها في الخافقَيْنِ مَلاحمـاً/ على نَسْجِ «حسَّانٍ» ونَغمَةِ «مَعبدِ»
وأُلقي بُذورَ الحُبِّ في كلِّ بِيعَـةٍ/ وأُلقي بُذورَ الحُبِّ في كلِّ مَسجدِ
وأَلمُسُ في القرآن عيسى ابنَ مريَمٍ/ وأَلمـحُ في الإنجيلِ رُوحَ مُحمَّـدِ.
وإذا كانت يدُ الظُّلم والجهل قد حالَتْ دون إقبال الدارسينَ والنقَّاد على نتاجه الأَدبيِّ والشِّعريِّ والصحافي لاستخراج الدُّرَر المخبوءَة في حناياه، فإنَّ عودته الميمونة إليها كانت بفضل طلبٍ تقدَّم به المعيد البنداري عيد البنداري طايل، في أَواخر عام 2014، إلى جامعة الأَزهر، لتسجيل بحثٍ بعنوان: «حليم دمُّوس شاعراً»، على أَن يكون رسالته لنَيل درجة التخصُّص الماجستير في اللغة العربيَّة، في قسم الأَدب والنقد. وقد وُفِّق الباحثُ في تسجيل موضوعه، فكان ذلك انتصاراً للشاعر الظَّليم على ظُلاَّمه، وانتصاراً للحقيقة على الباطل.
وفي 28 آذار (مارس) 2017 وافقَت الجامعة على تشكيل لجنة الحكم والمناقشة الخاصَّة بالرسالة، على أَن تتمَّ مناقشتُها صباح يوم الأَربعاء 19/4/2017.
وقد رأَيتُ، من باب الوفاء، أَن أُنوِّه، في هذا السياق، بجميل الأُستاذ الدكتور هشام محمَّد محمَّد البيه على الباحث والرسالة معاً، وعلى جميع الذين سيقرأُون تلك الرسالة في مستقبل الأَيَّام. فهو الذي وضعَ مؤلَّفات الشاعر بين يدَي الباحث، طالباً إليه أَن يطَّلع عليها، ويقرِّرَ ما إذا كانت توافقُ هَواه بحيث تكونُ موضوعَ رسالته العتيدة. وما كان ذلك ليَحدُث لولا أَنَّ الأُستاذ الكريم قد انجذَبَ، هو نفسُه، إلى تلك النفحات الروحيَّة والإنسانيَّة التي خلَّفَها الشاعر من روحه في شِعره، ولولا أَنْ هزَّتهُ قوَّةُ شاعريَّته وصدقُ طويَّته. ولا شكَّ في أَنَّ الجرأَة الأدبيَّة والفكريَّة التي يتمتَّعُ بها قد جعلَتْه يتخطَّى كلَّ الشائعات الكاذبة التي أَطلقَتْها السُّلطةُ اللبنانيَّة ورموزُ التعصُّب في لبنان حول حليم دمُّوس بسبب تأثُّره بفكر الدكتور داهش، المُناهضِ للتعصُّب الدينيِّ والمذهبيِّ والعرقيّ، والمُنادي بوحدة الأديان ووحدة الأُسرة البشريَّة، وأَحد أَبرز مُمثِّلي الأَدب الإنسانيّ في القرن العشرين. وكان ذلك قد حدثَ في واحدٍ من أَكثر العهود ظلاميَّةً وفساداً ومحسوبيَّةً وتضييقاً على الحرِّيَّات في لبنان (1943-1952)، وأَدَّى إلى اضطهاد الدكتور داهش وتَجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة ونَفيه خارج وطنه، بالظُّلم والاعتداء، وخلافاً للدستور والقوانين. كما تسبَّب بسَجْن الشاعر الحليم خمس مرَّاتٍ، مدَّة 300 يومٍ ويوم، دون أيِّ ذَنْبٍ جناه، وبالتعتيم على نتاجه الأَدبيِّ والشعريّ الفذّ سنواتٍ طويلةً، خلال حياته، وبعد رحيله.
والجديرُ بالذكر أَنَّ هذا الموقف المشرِّف للأُستاذ البيه قد رفدَتْه جامعةُ الأَزهر، من جهتها، بموقفٍ موضوعيٍّ لا يقبَلُ المَساسَ بالحرِّيَّات، أَو الانجرار خلفَ المعلوماتِ المغلوطة بحقِّ أَصحاب الفكر.
وفي 19 نيسان (ابريل) 2017، اجتمعَت لجنة الحكم والمناقشة في كلِّيَّة الدراسات الإسلاميَّة والعربيَّة بدمياط الجديدة، بَنين، جامعة الأَزهر، بحضور عددٍ من الأَساتذة والمهتمِّين، فتَلا الباحث البنداري مقدِّمة رسالته، قائلاً في مطلعها «إنَّ الأَدبَ العربيّ على مدار التاريخ قد حَفلَ بعددٍ كبيرٍ من الرموز والأَعلام الشاعرة الذين أَغفلَتهم الأَقلام وأَهملَتهم الأَبحاث، بِمَن فيهم الشاعر حليم إبراهيم دمُّوس الذي يُعَدُّ علَماً بارزاً من أَعلام الشِّعر العربيّ في العصر الحديث. وبدافع الرغبة في إحقاقِ الحقّ، عمدتُ إلى دراسته دراسةً جادَّة تعتمدُ على دراسة الأَغراض وتحليل النصوص، وإلقاءِ الضوء على قُدراته الفنِّيَّة، مُلتزماً الحياد والموضوعيَّة في كلِّ كلمةٍ، وفي كلِّ جملة، لعلَّ ذلك يُعوِّضُ شيئاً مِمَّا أَصابهُ من ظُلمٍ وإهمال».
بعد ذلك، أَشار الباحثُ إلى كيفيَّة حصوله على دواوين حليم، وعلى المصادر والمراجع اللازمة للبحث، بالقول: «وبعد تنقيبٍ وطول بَحثٍ، علمتُ أَنَّ نِتاجَ الشاعر المطبوع والمخطوط موجودٌ في المكتبة الداهشيَّة الخاصَّة في مدينة نيويورك، فقمتُ بالتواصل مع الأُستاذ ماجد مهدي، مُمثِّل (الدار الداهشيَّة للنشر)، فقام مشكوراً بِمدِّي بما لم أَتمكَّن من الحصول عليه من دواوين حليم الشعريَّة. كما حصلتُ على المصادر والمراجع والدوريَّات والرسائل الجامعيَّة التي أَفادَتني في الدراسة».
ويُلخِّصُ الباحثُ في مقدِّمته كيفيَّة استعراضه مراحلَ حياة الشاعر، ومكوِّناته الثقافيَّة، وآثاره الأَدبيَّة، ووقوفه على أَبرز أَحداث عصره التي كان لها أَثرٌ كبير في توجيه حياته ونتاجه الشعريّ. ثمَّ يَعرضُ موضوعات شعره التي تناولها بالبحث، وهي شعرُ الرثاء، وشعرُ الإخوانيَّات، والشعرُ السياسيّ، وشعرُ الوصف، والشِّعرُ في المرأَة، والشعرُ الدينيّ، وشعرُ المديح. ويُضيفُ قائلاً إنَّه قد أَلحقَ بتلك الموضوعات الدراسة الفنِّيَّة والمنهج الذي اعتمدهُ فيها. وقد أَشار، في السياق نفسه، إلى ما تركه الدكتور داهش وفكرُه من أَثرٍ كبير في حياة حليم وأَدبه وشعره، بالقول: «إنَّ البحث قد أَظهرَ أَهمَّ محاور الشعر الدينيّ التي اتَّكأَ عليها الشاعرُ في نَظْمِه، والتي تمثَّلَتْ في حُبِّ الذاتِ الإلهيَّة، وشعر المديح النبويّ، والزُّهد والحكمة، وتوحيد الأَديان. وهذه المحاور لم تكنْ غيرَ أَصداءٍ ضاقَتْ بها نفسُ الشاعر بعدما أَرهقَها الشرود، وأَمرضَها التمرُّد، فباحَ بها في شعره مُبتهلاً، ومُناجياً، ومُلتمساً العفوَ والمغفرة، عارجاً في معارج الروح العليا، مُزيِّناً شِعرَه بلمحاتٍ من الزُّهد وشذَراتٍ من الوعظ بعد مقابلته التاريخيَّة مع (الدكتور داهش)، والتي تُمثِّلُ نقطةَ تحوُّلٍ في حياة حليم وأَشعاره».
أَحد أَبرز مُمثِّلي الأَدب الإنسانيّ في القرن العشرين
بعد تلاوة المقدِّمة والانتهاءِ من المناقشة، قرَّرَت اللجنة مَنحَ الباحث درجة التخصُّص الماجستير بتقدير ممتاز. والحقّ أَنَّ هذا القرار قد مَحا ليلَ الظُّلم الطويل الذي حجَبَ وجه حليم دمُّوس عن لبنان والعالَم العربيّ، وأَعاد الشاعر إلى منبره، ورفع نتاجه الأَدبيَّ والشعريَّ العملاق إلى أَعلى مقام، واضعاً إيَّاه في متناول النقَّاد والدارسين، بالإضافة إلى الطبقات المُثقَّفة وعامَّة الناس، على حدٍّ سواء. ويقيني أَنَّه، في اللحظة التي تُليَ فيها، تبدَّل موقفُ التاريخ من حليم دمُّوس، فانقلبَ ليلُه صُبحاً، وظُلمُه عدالة! كما تحقَّقَ حَدْسُ الشاعر نفسُه الذي دوَّنه في أَربعينيَّات القرن الماضي، معلناً فيه انتصار كلمته، وإشراقة شمس شِعره، مهما طالَ ليلُ الظُّلم. فهو، مُذذاك، كان يرى بعين روحه، وهو خلفَ قُضبان سِجنه، ما ينتظرُ قبَساتِ شِعره ونثرِه من سلاسلَ وقيودٍ تَحُولَ دون بلوغها الأَسماعَ والقلوب. وكان على يقينٍ مُطلَقٍ بأنَّ تلك القبَساتِ العُلويَّة الصادقة لن تقوى عليها القُضبان، وأَنَّ الكواكبَ والنُّجومَ والشُّهبَ سوف تتلقَّفُ شُعاعاتِها وتَحفظُها إلى الساعة التي لا بُدَّ من أَن تُشرقَ فيها مثيلَ إشراقة الشمس من وراءِ الآكام! هذا ما باحَتْ به قصيدتُه «سجِّلي يا شُهب» التي جادَ بها من قلب السِّجن، آنذاك، قائلاً: قُـلْ لِمَنْ حَلَّ لدَيه سَقَمـي/ سيُلاقي بعـدَ حينٍ سَقَمَهْ
أَمِـنَ العَـدل بأَن يَحسبَـنيَ/ في عِـدادِ المُجـرمينَ الأَثَمَهْ
إنَّ مَـنْ قيَّـدتُمُ لـن تُسكِـتُوا/ فَـمَهُ أَو فِـكرَهُ أَو قَلَـمَهْ
سجِّلي، يا شُهْبُ، شِعري، وغدًا تُشرِقُ الشمسُ وراءَ الأَكَمَهْ
لقد أُتيح لي، بحُكم عملي في مجالات الكتابة والنشر، أَن أَطَّلع على مخطوطات الشاعر حليم دمُّوس، المنشورة منها وغير المنشورة. كما أَشرفتُ على تصحيح وطبع العديد من الكتب التي نَظمَها شِعراً، مثيل «بروق ورعود» و«ناثر وشاعر»، وكتبتُ المقالات الضافية فيه، مُتناولاً حياته وأَدبه وشِعره، إيماناً منِّي بأَنَّها تعودُ بالفائدة والخير على الناس جميعاً، وتُنيرُ أَمامهم سبيلَ الحياة، وتُجنِّبُهم التناحرَ الطائفيَّ والمذهبيّ، وتُحبِّبُ إليهم الحياةَ الأُخرى في ظلِّ الخالق العظيم. وفي أَواخر عام 2014، تواصل الباحثُ البنداري طايل معي عبر مجلَّة «الحقائق» اللبنانيَّة، بعدما قرأَ لي فيها مقالاتٍ عن الشاعر. وقد جرَت بيننا، نتيجةً لذلك، مراسلاتٌ جميلة على صلةٍ بدراسته ممَّا يمكنُ اعتبارُه مثالاً يُحتذى في التعاون من أَجل رِفعة الفكر.
وإلى ختامٍ أَقول إنَّ تلك الرسالة قد دوَّنها التاريخُ في صفحاته بأَحرفٍ من نُور! وسوف تبقى فيه مثالاً للدارسين والنقَّاد في ردِّ الاعتبار لكلِّ أَديبٍ أَو شاعرٍ ظُلمَ في حرِّيَّته وفكره. حَسْبُ الأَجيال الطالعة أَن تُردِّد مع الشاعر الحليم هذه الأَبياتَ الأَربعة التي كتبها، قبل سبعين عاماً، واصفًا فيها حقيقة أُدباء الشرق، والمصيرَ البهيَّ الذي ينتظرُهم بعد الموت، قائلاً:
لقـد جَهِلوا قَدْرَ الفـتى في حَيـاتِهِ / فعَـاشَ شَقيّاً وهـو للعِلـمِ شَيِّقُ
فتى خَدمَ الأَوطانَ عشـرينَ حِجَّـةً/ وذابَ كمِصباحٍ بهِ النُّـورُ يَخفُـقُ
وما أُدبـاءُ الشـرقِ إلاَّ كـأَنجُـمٍ/ تُـرى في ظلامِ الليـلِ إذْ تتأَلَّـقُ
وكَمْ من أَديبٍ عاشَ في الأَرضِ مُهمَلاً / وبعدَ الرَّدى في ظُلمـةِ القَبرِ يُشرِقُ
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا.
ماري حدَّاد... وحسبُكِ في هذا النضال أن تكوني إميل زولا!
جريدة الأخبار
- آداب وفنون
- وجوه من الماضي
- ماجد مهدي
- الثلاثاء 9 نيسان 2019
ماري حدَّاد… وحسبُكِ في هذا النضال أن تكوني إميل زولا!
- آداب وفنون
- وجوه من الماضي
تعرَّفتُ إلى ماري حدَّاد في صيف عام 1969، في منزلها القائم في منطقة «زقاق البلاط» في بيروت، وكانت، آنذاك، في العقد الثامن من عُمرها. كانت مُصابةً بمرض تقوُّس الظهر بفعل وطأَة السنين التي راكمَتْها في رحلة العمر. لكنَّها كانت شامخة الرأس كعهدها عندما جابَهَت ظُلمَ ذوي القُربى الذين حكموا لبنان في أَربعينيَّات القرن الماضي، واعتدَوا على حرِّيَّتها الفكريَّة، خلافاً للدستور والقوانين. في تلك الحِقبة، استلَّت قلمها كما يُستلُّ السيفُ اليمانيُّ من غِمده، وأَعملَتهُ في كبريائهم وصلَفِهم، وظُلمهم وفسادهم، فعفَّرَت رؤوسهم، ولم تُخفضْ رأسها لأَحدٍ غير الله والحق! وقد خاطبها، عهدذاك، الصحافيُّ السوريّ الكبير جبران مسُّوح، صاحب جريدة «المُختصَر» الصادرة في بونس إيرس في الأَرجنتين، في رسالةٍ بعث بها إليها، في معرض دفاعه عنها، فقال: «الحادثُ بجُملته شبيهٌ بحادث دريفوس في تاريخ فرنسا. وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا. ولكنْ لا بأس يا ماري. وعلينا أَن نُوقظ هذه الأُمَّة لإنقاذ ضميرها من الهلاك!».
كانت ماري حدَّاد أَديبةً مرموقة تكتبُ باللغة الفرنسيَّة، وتُجيدُها إجادة أدباءِ فرنسا الكبار. وكان القلمُ رفيقَ ساعاتها وسميرَ أَيَّامها، يشوقُه دوماً أَن يتسلَّل إلى يدها ليتبرَّكَ منها، ويُلملمَ ما أَمكنَه من قبَساتِ فكرها ليُعلِّقُها فوق القراطيس نُجيماتٍ تُضيءُ الدروب. صدَر لها كتاب «الساعات اللبنانيَّة» Les Heures Libanaises عام 1937، في بيروت؛ وهو مجموعةٌ من القصص القصيرة زيَّنها بعضٌ من لوحاتها الفنِّيَّة. وقد أَطلق المستشرق الروسيّ، فلاديمير بلوندين Vladimir Blondin، عميد كلِّيَّة الدراسات الشرقيَّة في جامعة سانت بطرسبورغ في روسيا، عليها لقب «المُنوِّرة اللبنانيَّة» أُسوةً بالمُنوِّرين اللبنانيِّين سليم البستاني (1848-1884) وجرجي زيدان (1861-1914) وفرح أَنطون (1874-1927) وجبران خليل جبران (1883-1931) الذين كانوا من روَّاد الحركة التنويريَّة الواسعة التي شملَت مصر وسوريا ولبنان وغيرها من الأَقطار العربيَّة في الستِّينيَّات من القرن التاسع عشر إلى جانب عددٍ آخر من المفكِّرينَ والأُدباء والسياسيِّين العرب التقدُّميِّين.
ماري حدَّاد في أَربعينيَّات القرن العشرين
وكانت ماري حدَّاد كذلك فنَّانةً موهوبة بدأَت مسيرتها مع الرسم عام 1920 بدافع الرغبة الشخصيَّة لا غير. لكنَّها عادت فحصَّلَت بعض التدريبات الفنِّيَّة، خلال عامَي 1924 و1925، على يد الفنان الفرنسي كوبير Kober الذي كان يمتلك مدرسةً للفن في بيروت، في ذلك الزمن. وقد اتَّسعت شهرتُها بسرعة نظراً لشَغفها الكبير في رسم البورتريه لبعض مواطنيها، وبخاصَّةٍ البدو منهم، ولمناظرِ الطبيعة الجميلة في لبنان، وحازت لقب «فنَّانة البدو» Bedouin Artist نظراً لاهتمامها الكبير بهذا الجانب الفنِّيّ، وإبداعها فيه.
في عام 1930، أَصبحت رئيسةً لجمعيَّة الفنَّانين اللبنانيِّين. وفي عام 1933، دعاها السفير الفرنسي في لبنان، الكونت دي مارتِِل Le Comte de Martel، إلى إقامة معرضٍ لأعمالها الفنّيّة في باريس، فلبَّت الدعوة. وقد كانت الفنّانة الأولى والوحيدة من لبنان التي مُنحَت القبول بالمشاركة في«صالون الخريف الخاصّ بالقصر الكبير» Le Salon d›Automne du Grand Palais.
بعد ذلك، أُقيم أَوَّلُ معرضٍ خاصٍّ بلوحاتها في غاليري جورج بِرنهايم Galerie Georges Bernheim في باريس، فاقتَنت الدولة الفرنسيَّة إحدى لوحاتها، وكانت تُمثِّلُ منظراً لجبلٍ في لبنان. وقد كتب الناقدُ الفرنسيُّ الشهير لوي ڤوكسِل Louis Vauxcelles، آنذاك، دراسةً قيِّمةً عنها خصَّ بها كاتالوغ بِرنهايم الفنِّي. واستمرَّ في دعمه لأَعمالها طيلة مسيرتها الفنِّيَّة. وقد بقيت حدَّاد تُتابعُ عرضَ أَعمالها كلَّ عامٍ في غاليري بِرنهايم، ولم تتوقَّف عن ذلك إلاّ في عام 1940 عندما اندلعَت شرارةُ الحرب العالميَّة الثانية. كما قامت بعرض أَعمالها الفنِّيَّة في لندن ونيويورك، فبرزَت كفنَّانةٍ مُتميِّزة في جناح جمهوريَّة لبنان في المعرض العالَميّ في نيويورك لعام 1939. وكان لها حيِّزٌ في «معرض كليڤلاند الدولي» لعام 1941.
اتَّصف أَدبُ ماري حدَّاد وفنُّها بنزعةٍ إنسانيَّة ومَسحةٍ جماليَّة هما في أَساس خلودهما على مرِّ الزمن. فكلاهما أَشبهُ بقبساتٍ مُضيئة فاضت من نفسٍ مُتساميةٍ شاعرة فيها من النُّور ومن التوق إلى الأَعلى ما يُجنِّبُها التعثُّر في الظُّلمة، ويُبعدُها عن جاذبيَّة الأَهواءِ والرغبات، ويَشيلُ بها صعوداً نحو عين الشمس!
تلك السيِّدة، بكلِّ ما كانت عليه من مثاليَّةٍ وخُلُقٍ رفيع، وجدَت نفسَها، هيَ وأُسرتَها، في أَحد أَيَّام عام 1942، في حضرة رجُلٍ تبيَّن لها بالدليل القاطع أَنَّه رجُلُ الحقيقة الخالدة؛ رجُلُ الهَدْي والمحبَّة والإيمان بالله وبالروح في عالَمٍ غارقٍ في المادية والفساد! رجل يعدُّ من أَبرز مُمثّلي الأَدب الإنساني، و«يأتي المعجزات، بفضلٍ من الله، من أَجل إثبات حقيقةِ وجوده، ووحدةِ أَنبيائه ورسالاته، ويُناهضُ التعصُّب بكلِّ أَشكاله، ويهزأُ بالأَمجاد والأَلقاب، ويؤمنُ بعدالة الله ويُسلِّمُ بمشيئته!
كان الدكتور داهش ذلك الرجُل! ولقد وجدَت ماري حدَّاد فيه ضالَّتها المنشودة، والحُلمَ الذي كان يراودها منذ الطفولة! لم تصدّق في البدء ما نُقل لها عنه، إلى أَن جاءَت إليه بنفسها، مُصطحبةً زوجها الأَديب جورج حدَّاد وبناتهما الثلاث، للتحقُّق من صحَّة ما سمعوهُ عنه. هناك، لمسَت الحقيقة لمسَ اليد، وشاهدَت بأُمِّ عينها ما سمعَتْه عنه بأُذنها، وأَيقَنت أَنَّ ذلك الطالعَ من وطن أَرز الربّ يَحمل أَمانةً سامية، لا لوطن الأَرز وأَبنائه فحسب، بل للدُّنيا بأَسرها وشعوبها قاطبةً، وأَنَّه لن يتوانى عن تأديتها مهما عظُمَت المصاعب وغلَت التضحيات!
وأَعلنَت تأييدها له في دعوته؛ وكذلك فعلَت أُسرتُها. ومُذذاك، لم يعد إيمانُها مقتصراً على السيِّد المسيح ورسالته فحسب، كونها مسيحيَّة المولد والنشأة، بل أَصبح يحتضنُ أَنبياءَ الله ورسالاتِهم، بلا استثناء، بمن فيهم النبيّ محمَّد (ص) ورسالته. وقد أَعلنَت وزوجها جورج حدَّاد عن قناعاتهما تلك على رؤوس الأَشهاد، ما أَثار عليهم أَقرباءَهم وسواهم من وجوه التعصُّب المقيت في لبنان مِمَّن كان لهم نفوذٌ في السُّلطة في تلك الحِقبة. لم يمضِ زمنُ طويل حتَّى تسنَّم صهرُها بشاره الخوري سدَّة رئاسة الجمهوريَّة، فراح يضطهد الدكتور داهش، مُقحِماً جميع السلطات القضائيَّة والأَمنيَّة والصِّحافة في الاعتداءِ عليه، بالظلم والافتراء، وخلافاً للدستور والقوانين. وقد أَدَّى ذلك الاضطهادُ إلى تجريد الدكتور داهش من جنسيَّته اللبنانيَّة، ونَفْيه إلى الحدود السوريَّة التركيَّة في محاولةٍ للقضاءِ عليه، بمُقتضى مرسومَيْن ظالمَيْن صادرَيْن عن رئيس الجمهوريَّة، من غير أَن يُقدَّم للمحاكمة، ومن دون أَن يُبلَّغ بما صدَر بحقِّه من أَحكام.
لكنَّه تمكَّن، بعد أَكثر من شهر، من العودة سراً إلى بيروت، مُرفَقاً بعناية الله. ومن مُحتجبه القسريّ فيها، احتكم إلى قلمه، سلاحه الوحيد في مواجهة مُضطهديه والدفاع عن قضيَّته العادلة، وفي المطالبة باسترداد حرِّيَّاته وحقوقه. وقد دامت تلك الحرب القلميَّة ثماني سنواتٍ متواصلة، ولم تتوقَّف إلا بعدما ثار الشعبُ اللبنانيُّ على ذلك العهد وأَسقطه إلى غير رجعة.
كانت القضيَّةُ في نظر الدكتور داهش قضيَّةَ الحرِّيَّة الفكريَّة بامتياز، فانبرى يُسجِّلُ أَحداثَها بنفسه في عشراتٍ من الكتب التي باتت تُقرأُ اليوم على أَنَّها جزءٌ من تاريخ الاضطهادات الكبرى في تاريخ الإنسانيَّة. وقد بدَت ماري حدَّاد من خلالها كالرئبالة الجريحة التي تأبى الضَّيْم، فلا تهدأُ حتَّى تَنتزعَ حقوق المَظلومِ من ظُلاَّمه! منذ اللحظة الأُولى للاعتداءِ عليه، استلَّت قلمها النبيل، وراحت تُدبِّجُ البيانات إلى أَبناءِ وطنها، وإلى رئيس منظَّمة الأُمم المتَّحدة، وسفراءِ الدول وقناصلها المُعتمَدين في لبنان، ورؤساء وملوك الدول العربيَّة، شارحةً لهم فيها حقيقة مبادئ الدكتور داهش وأَهدافه، وتفاصيل الجريمة المُرتكَبة بحقِّه، ومُطالبةً إيَّاهم بالتدخُّل العاجل لوَقْف تلك المَظلِمة وجرِّ مرتكبيها أَمام العدالة. وقد صدرت كتاباتُها تلك في كتبٍ عدَّة إلى جانب كتب الدكتور داهش؛ وكانت جميعُها طافحةً بأَخبار المظالم في البلاد وسرقات المسؤولين لأَموال العباد. والجدير بالذكر أَنَّ بعضاً من صِحافيِّي المهجر وأُدباءِ البلاد العربيَّة أَسهموا، هم أَيضاً، في إظهار الحقيقة في القضيَّة، من قبيل الدفاع عن الحرِّيَّات التي كانت في جوهرها. وقد كان أَسلطَهم قلماً وأَبدعَهم أُسلوباً وأَكثرَهم صرامةً في دفاعه الصحافيُّ جبران مسُّوح.
وكان من نتيجة تلك الحملة القلميَّة أَن أُوقفَت ماري حدَّاد، وسُجنَت أَكثر من مرَّة، وزُجَّ بها في مستشفى المجانين المسمَّاة «العصفوريَّة» لتقضي فيه 73 يوماً مع فاقدي نعمة العقل، بالظلم الرهيب. لكنَّ المسؤولين خافوا من مغبَّة التمادي في إبقائها خلف تلك الجدران المُرعبة، فأَطلقوا سراحها. وفور خروجها منه، كتبَت مذكِّراتها عمَّا شاهدته من جرائم ارتُكبت في ذلك المكان الجهنَّميِّ الحافل بالويلات. وقد رأَيتُ أَن أُقدِّم شذَراتٍ مِمَّا جاد به قلمُها ضمن البيان الذي رفعَتْه إلى أَبناءِ وطنها، وناشدَتهم فيه أَن يرفعوا الصوت عالياً ضدَّ الجَوْر، وأَن يحتجُّوا معها باسم الحقيقة وباسم الحرِّيَّة، على حدِّ قولها. وها هي:
«إنَّني أَشهدُ أَمام الله أَنَّ الدكتور داهش هو مثالُ النبالة والشرف. وهو بتعاليمه السامية يَنشُدُ أَرفَع وأَطهَر ما يصلُ البشرُ إلى معرفته من أَخلاقٍ كريمة وآدابٍ رفيعة، ويُعلنُ لإخوانه أَنَّ الحياة ليست إلَّا مرحلةَ تجربةٍ وتهيئةٍ لحياةٍ ثانية، وأَنَّ العدالة الإلهيَّة تقتصُّ من الأَشرار وتُكافئُ الأَخيار».
اتَّصف أَدبها وفنُّها بنزعةٍ إنسانيَّة ومَسحةٍ جماليَّة
«إنَّ الدكتور داهش يُنادي بالإخاء بين البشر قاطبةً مهما اختلفَت عناصرُهم وتعدَّدَت شرائعُهم، ويُبشِّرُ بضرورة التعاون بين أَفراد المجتمع ليزول الشقاءُ والفقر، مُعلناً أَنَّ الناس مُتساوون أَمام الله، وأَنَّ القُدوة الحسنة هي خيرُ موعظة…»
ويُوافيها قلمُ جبران مسُّوح، مُدافعاً عن الدكتور داهش وعنها، على غير معرفةٍ شخصيَّةٍ بكليهما، فيقول: «إنَّ داهشاً يفتكرُ بمقابلة كبار المُصلحين في التاريخ ليَبحثَ معهم حالَ هذه الإنسانيَّة التعِسة التي تنتقلُ من شقاءٍ إلى شقاء، ومن خطرٍ إلى خطر. هو يفتكرُ بهذا الشرق البائس الحزين الذي كان مهبطَ الذكاءِ البشريّ، فأَصبح أُلعوبةً بين أَيدي التخاذُل والانقسام. هو يَجمعُ أَقوالَ جميع المُصلحين الشرقيِّين ليَستخرجَ منها قوَّةً واحدة تَجمعُ الشمل وتُوحِّدُ الغايات وتؤلِّفُ بين القلوب…».
كما يُخاطبُ ماري حدَّاد، فيقول: «إنِّي أَحترمُ جهادكِ العنيف وصبركِ على مقاومة الخصوم… وهذا الحادث هو أَعظمُ حادثةٍ جرَت في الشرق في هذا الجيل. وإنِّي كلَّما قرأتُ تفاصيلها، أَرى ماري حدَّاد فوق الجميع. بل أَنتِ فوق لبنان، كلِّ لبنان.. لأَنَّكِ تدافعينَ عن مبدأ وعقيدةٍ دفاعاً قصَّر عنه جميعُ الرجال. اكتُبي لي لأَسمع صوت سلامتكِ، يا حمامةً بين قطيعٍ من الذئاب».
■ ■ ■
قُبيل اليوم الأَخير من عام 1972، حضرتُ إلى مستشفى «أُوتيل ديو» Hôpital Hôtel-Dieu في بيروت للاطمئنان على صحَّة ماري حدَّاد، فرأَيتها في شبه غيبوبة. وفي اليوم الأَوَّل من عام 1973، فارقَت الحياة، فرافقَها رهْطٌ من ملائكة الله إلى العالَمِ السعيدِ البعيدِ المُعَدِّ للأَبرار الأحرار من أَمثالها! في تلك الربُوع القُدسيَّة، غدَت تلك «المُنوِّرةُ اللبنانيَّة» نَجمةً سعيدةً تشعُّ في الآفاق، وتزيدُها نوراً على نُور! وقد ضمَّ «مُتحف داهش للفنّ» Dahesh Museum of Art القائم في «مانهاتن» في نيويورك بعض أَعمالها الفنِّيَّة. مَن يدري، فلعلَّ تلك الأَعمال تشعُّ، هي أَيضاً، بأَنوار الجمال الإلهيّ فتُضيءُ قلوب أَبناءِ الحياة!
* كاتبٌ لبنانيٌّ مُقيم في كندا
أزمة كورونا في ضوء الفكر الداهشي
جريدة الأخبار
- ماجد مهدي
- الثلاثاء 19 أيار 2020
النظم المادّية أمام التحدّي: أزمة كورونا في ضوء الفكر الداهشي
هل يسقطُ العالَمُ وتتداعى صروحُه بفعل السيَّال الخفيّ كورونا الزاحف بلا هوادة في كلِّ اتِّجاه، والذي يحملُ في ثناياه الموت الزؤام، حاصداً الأَرواح بلا رحمةٍ أَو إشفاق؟! وهل تسقطُ معه النُّظُم المادِّيَّة الجائرة المُجحِفة بحقوق الفقراءِ والبائسين والضُّعفاء، والتي لا تُقيمُ وزناً للرحمة والتسامح والمُفاداة والأُخوَّة الإنسانيَّة؟! هل تسقطُ الدساتيرُ المثاليَّة العظيمة التي تُقدِّسُ الخير والحقَّ والعدالة والحرِّيَّة والمحبَّة والسلام، والتي أَفرغها القيِّمون عليها من رفيع معانيها بفعل الحروب والمظالم والأَطماع؟! وهل تسقطُ الشِّرعة الدوليَّة لحقوق الإنسان، الرائعة المضامين والأَهداف، بعد أَن أَحالتها القوَّة الغاشمة حبراً على ورق؟!
وهل تسقطُ مُنظَّمة الأُمم المتَّحدة التي ما برحَت، منذ نشأتها، جسداً بلا روح، وخُطباً طنَّانةً في السلام لم تتعدَّ أَصداؤها جُدران القاعات التي أُلقيَت فيها؟! هل تسقطُ الإمبراطوريَّاتُ والممالكُ والدُّول، وتسقطُ معها الجحافلُ والمُدمِّراتُ وحاملاتُ الطائرات والأَسلحةُ الفتَّاكة والإستراتيجيَّات أَمام كائنٍ خفيٍّ، مجهول الأَصل والهويَّة، يتصرَّفُ على هواه وكأَنَّه القضاءُ والقدَر الذي يتحكَّمُ بشؤون البشر وحياتهم وموتهم إلى أَجلٍ لا يعلمُه إلّا الله وحدَه؟! وهل تسقطُ النُّظُم الماليَّة العالميَّة القائمة على الجشع والطمع والغدر والخيانة، والتي تتلاعبُ بثروات الشعوب والأَفراد، وتحرمُهم منها إرضاءً لرغبات الأَقوياءِ الطامعين؟!
هل تسقطُ اقتصاداتُ العالَم بعد أَن شلَّ ذلك الشبحُ معظم شرايين الحياة فيه، وأَرغم الشركات على الإقفال، وملايين العمَّال على التوقُّف عن العمل هرباً من وجهه واتِّقاءً لخطره؟! وهل يسقطُ الساسةُ والحكَّامُ والرؤساءُ والملوكُ والقادةُ الذين لا يرعَون في الشعوب إلّاً ولا ذِمَّة، ولا يخافون الله، والذين لا عهدَ لهم بالشعور الإنسانيّ، وبالمُثُل العُليا وقِيَم الروح الخالد وعدالة السماء؟! وهل يسقطُ الملايينُ من أَبناءِ الحياة أَمام ذلك المُهاجم النانومتريّ الذي تربَّع على عرش الكُرة الأَرضيَّة، هازئاً بالكراسي والعروش والمُسمَّيات والأَلقاب والقوَّات والثروات؟! هل نشهدُ كلَّ ذلك بعد أَن شهدنا سقوط القيَم الروحيَّة والأَخلاقيَّة والإنسانيَّة وانحلالها في العالَم أَجمع تحت أَقدام المادَّة الفانية؟
كتب الدكتور داهش: «من العار أَن تموت قبل أَن تقوم بأَعمال الخير نحو الإنسانيَّة»
لقد اجتاحَ كوڤيد التاسع عشر كورونا الهزيلُ الجُرم العالَم كلَّه، وأَحاله إلى سجنٍ كبير يُحيطُ به الموتُ والفناءُ من كلِّ جانب، وتقضُّ الآلامُ والمخاوف مضاجع بنيه. وقد استبسل كثيرون في مواجهته، وبذلَ أَطبَّاءٌ ومُمرِّضون أَرواحهم وهم يقومون بالواجب الإنسانيّ. فإذا لم يتدارك حكَّامُ العالَم وقادتُه الوضع العالميَّ المُتهالك بروحٍ من التعاون الأَمثل، وبالسرعة القصوى، من أَجل إنقاذ ما تبقَّى من أَرواحٍ وخيراتٍ وتُراثٍ حضاريٍّ خالد، فإنَّ عالَمنا سيؤولُ إلى السقوط، لا محالة، ليقوم مقامهُ عالَمٌ جديد ينبثقُ من بين الرُّكام والحرائق والمظالم ورُفات الضحايا، وقد تكونُ الكلمة فيه للعدالة والحرِّيَّة والمحبَّة والأُخوَّة الإنسانيَّة والتعاون التامّ بين الشعوب والدول؟! لكنْ، أَليس الأَجدى بالساسة وقادة الرأي أَن يجتمعوا، اليوم قبل الغد، بروحٍ سمحاء، ويوحِّدوا الجهود والطاقات في مواجهة الداهية الداهمة، ويُطفئوا نيران الفتن والحروب والأَطماع، ويُبادروا إلى وضع أُسُسٍ لذلك العالَم الجديد المؤمَّل قبل أَن يتعاظمَ الخرابُ والدمارُ، وتعُمَّ المجاعة، ويتساقطَ المزيدُ من الضحايا؟
«من العار أَن تموت قبل أَن تقوم بأَعمال الخير نحو الإنسانيَّة!»: هذه الكلمة هي من كتاب «كلمات» للدكتور داهش الذي رهنَ عُمره وأَدبه وفكره من أَجل إعادة الاعتبار لقِيَم الروح الخالد والمُثُل العُليا! قرأتُها عندما كنتُ في ربيع الشباب، واتَّخذتُ منها، مُذذاك، نبراساً يُضيءُ سبيلي في الحياة! وقد رأَيتُ بأَنَّها تستحقُّ أَن تُرفَع شعاراً في هذه المرحلة العصيبة من التاريخ البشريّ. شعار يُخفِّفُ من وَقْع المُلمَّة على الأُمم، ويبعثُ فيها الأَملَ بالخلاص، ويستنهضُ الهِمَم، ويوحِّدُ القلوب، ويُلهبُ شُعلة التضحية والمُفاداة في النفوس من أَجل إنقاذ الأُسرة البشريَّة! فعملُ الخير في مثل هذا الزمن المُرّ هو شرفٌ أَثيل يَنشُده الأَبطالُ الرُّحماء ذوو القلوب الكبيرة، فيخوضوا غماره قبل أَن يعانقوا الموت ويدخلوا إلى قُدس الأَقداس، خاشعين بين يدَي الله!
كان الهمُّ الإنسانيّ يحتلُّ موقع الصدارة في اهتمامات الدكتور داهش؛ وكان يسعى لأَن يستبدل وجه الحياة الدميم الشرِّير المُظلم بوجهٍ جميلٍ خيِّرٍ نورانيّ، رغم قناعته بصعوبة تحقيق غايته. ولذلك، كان يُثني على كلِّ ما هو إيمانٌ وخيرٌ وحقٌّ وعدلٌ وحرِّيَّةٌ وفضيلةٌ وإنسانيَّةٌ في البشر والحياة، ويثورُ على كلِّ ما هو إلحادٌ وشرٌّ وكذِبٌ وظُلمٌ واستبدادٌ وحروبٌ ورذيلةٌ ولاإنسانيَّةٌ فيهما. ولم يكنْ يستثني أَحداً من أَحكامه الصارمة، ثناءً كانت أَو نقداً. وكان يؤمنُ إيماناً قاطعاً بأَهمِّيَّة السلوك البشريّ وانعكاساته الحتميَّة على مُجريات الأَحداث التي تقعُ للأَفراد والشعوب، وحتَّى للعالَم نفسه، وبأَنَّ مصاير البشر والكائنات مرهونةٌ بما يأتونه من خيرٍ أَو شرٍّ في الحياة. فالصُّدفة لا وجود لها، في نظره، والسببيَّةُ الروحيَّة قانونٌ كونيٌّ شامل يسري على جميع الكائنات وفق نظامٍ إلهيٍّ وضعه الله لعالَمنا الأَرضيّ. أَمَّا الجزاء، فهو، في قناعته، من نوع العمل؛ فما يزرعُه الإنسان إيَّاه يحصد. ولطالما كان يُردِّدُ الكلمة الشهيرة «إنَّ الله يُمهِلُ ولا يُهمِل»، للتدليل على رحمة الله وصبره ومَنْحه الفرص للجميع قبل أَن تنفذ فيهم أَحكامُ عدالته التي لا مردَّ لها! وكان يُطلقُ تحذيراته المشُوبة بالخوف والحزن على البشر، حيناً، وبالغضب والثورة، حيناً آخر، نتيجة تماديهم في القتل والظُّلم وإشعال الحروب وإغراقهم في الرذائل.
وقد عرضَ في مقدِّمته للجزء الأَوَّل من كتابه «قصصٌ غريبة وأَساطيرُ عجيبة» صورةً بانوراميَّةً شاملةً ومُختصرة للواقع البشريّ، كما يراه، استَثنى منها إنساناً فرداً لا غير، قائلاً: «إنَّ على الكُتَّاب واجباً مفروضاً هو قولُ الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاولُ الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداءَ الفضيلة بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دُنيانا! لهذا يرى القارئُ أَنَّ حُكمي على أَبناءِ الكرة الأَرضيَّة من رجالٍ ونساء هو حكمٌ صارم، ولكنَّه حقيقيّ. فالغشُّ هو السائد، والباطلُ سوقُهُ رائجة، والاعتداءُ لا يُنكرهُ مُنكِر، والفسادُ مُتفشٍّ في عواصم الكرة الأَرضيَّة بأَسرها، والفِسقُ والفُجورُ مُسيطران على الجنس البشريِّ بأَسره، والأَطماعُ حدِّث عنها ولا حَرج، وكَسْبُ المال، ولو بطريق الحرام، غايةٌ وليس وسيلة، والرذيلةُ صرعَت الفضيلة، والشرُّ بَسَطَ جناحَيْه وراحَ يرودُ أَرجاءَ الكرة الأَرضيَّة، نافثاً فيها سُمومهُ الرهيبة. وقد استجابَ له أَبناءُ الغبراءِ بقضِّهم وقضيضهم. هذه هي الحقيقة، والحقيقةُ لا يستطيعُ إنكارها إلّا كلُّ جاحدٍ كاذب. فما كتبتُهُ عن السلوك البشريّ أُؤمنُ به إيماني بوجود خالقي، إذْ إنَّه حقيقةٌ واقعة، بل حقيقةٌ مخيفةٌ صادعة لا يأتيها الباطلُ من الأَمام أَو الوراء. رجُلٌ واحدٌ فقط تفوَّق بصلاحه، وصدقه، وصفاءِ روحه، وإخلاصه للحقيقة، وبَذْله نفسه عن الآخرين، وتمسُّكه بالفضيلة المُثلى. إنَّه غاندي نبيُّ القرن العشرين!».
هل نشهدُ قريباً سقوط العالَم ونُظُمه الظالمة؟
كان الدكتور داهش يعتبرُ السلوك البشريّ البابَ الذي يُفضي بالإنسان إلى سعادةٍ أَو شقاء، وذلك بنسبة اختياره للخير أَو الشرّ. وكان يرى بأَنَّ الإلحاد قد تفشَّى، وبأَنَّ الشرورَ، اليوم، قد فاقَتْ، أَضعافاً مُضاعفةً، شُرورَ سادومَ وعامورة، ويُحذِّرُ، المرَّة تلو المرَّة، من مصيرٍ مُرعبٍ يتهدَّدُ الأَرضَ وقاطنيها نتيجةً لذلك. ففي عام 1969، وخلال وجوده في مدينة برلين بأَلمانيا، قام بزيارة ملهى ليليٍّ، وفق برنامج القائمين على الرحلة، فتأَثَّر جدّاً لما رآه يُمثَّلُ في داخله «من إثمٍ وفجور». وتحت عنوان «إباحيَّةٌ مرذُولة»، دوَّن مشاهداته فيه وأَحكامه عليها ضمن كتابه الخاصّ عن تلك الرحلة.
أَمَّا المواقعُ الأَثريَّة التاريخيَّة التي كان يزورُها في خلال رحلاته، فقد كان يستعيدُ من خلالها صفحاتٍ مطويّةً من التاريخ البعيد، بكلِّ ما فيها من خيرٍ وشرّ. ففي روما، وإثر زيارته كنيسة القدِّيس بطرس، حضرَته للتوّ صورُ المآسي التي كان يتعرَّض لها الرسُل على أَيدي البشر، فأَطلق العنان لثورته على مُضطهديهم، قائلاً: «إنَّه المكانُ الذي صُلب فيه القدِّيسُ العظيم بطرس الرسول تلميذُ السيِّد المسيح. وقد طَلب ذلك المُتبتِّلُ القويُّ الإيمان أَن يُصلَب معكوساً، إذْ قال: أَنا لا أَستحقُّ أَن أُصلَب مثلما صُلب سيِّدي الإلهيّ؛ لذا أَطلبُ أَن أُصلَب ورأسي إلى الأَسفل! وهذا ما فعله جلّادوهُ الأَجلاف به! وبعد مرور مئاتٍ من الأَعوام، بُنيَت كنيسة القدِّيس بطرس فوق رُفاته، وقدَّرهُ ملايينُ البشر التقدير العظيم بعدما كانوا يتهكَّمون عليه وعلى رفاقه من التلاميذ الذين آمنوا بالمسيح. الويلُ لكِ أَيَّتها البشريَّة الكافرة! أَيَّتها الإنسانيَّة الغارقة في ذنوبكِ، المُشبَعة بآثامكِ الهائلة! ويلٌ لكِ من يوم الدِّين، لأَنَّكِ اتَّبعتِ شهواتِ قلبكِ، وابتعدتِ عن طريق النور والحقِّ واليقين. بالأَمس صلبتم رجُل البرِّ والصلاح، وقتلتم كلَّ مَن اتَّبع ذلك الإيمان العظيم! واليوم تبنون الهياكل، وتقيمون المعابد فوق رُفاتهم، أَيُّها المنافقون!».
في يقيني أَنَّ مثل هذه المواقف الإصلاحيَّة الصادقة الصارمة التي تنتصرُ للخير وتنتفضُ على الشرّ لا بدَّ وأَن تعود بالخير على الإنسانيَّة! والمستقبلُ هو الكشَّاف! فتَحيَّةُ إكبارٍ وإجلال إلى أَرواح الذين سقطوا وهم يقومون بالواجب الإنسانيّ في هذه الظروف العصيبة، وإلى الذين ما زالوا يخاطرون بحياتهم عند خطوط الدفاع الأُولى، وإلى الذين يبذلون مالَهم لردِّ خطر الموت أَو غائلة الجوع عن الوجوه الحزينة، وإلى الذين وضعوا أَنفسهم في خدمة إخوانهم في الإنسانيَّة لوجه الله الكريم. وتحيَّةٌ روحيَّةٌ خالصة إلى السيِّدة الجليلة فيروز، أَرزةُ الربّ، على استحضارها روح النبيِّ العظيم داوود ومزاميره الخشوعيَّة الخالدة في غمرة المحنة، وعلى تلاوتها صلواته الروحيَّة المُفعمة بالخشوع والخضوع بصوتها المَهيب! وحسبيَ أَن أُردِّد مع الدكتور داهش دُعاءَه: «رُحماكَ، ربِّي، وارفعْ عنَّا البلاءَ الخفيّ. فبقوَّتك الإلهيَّة تزولُ المخاطر، وتتحوَّلُ الشرورُ لخيراتٍ وبركاتٍ عميمة!».
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا
داهش يفضح مظالم بشارة الخوري
نشرت جريدة ” الجهاد ” في عددها الصادر بتاريخ 24/3/1953 تحت
عنوان : داهش يهاجم بشارة الخوري ، ما يلي :
اليوم عاد !!
الرجل الذي شغل الناس شهورا بحالها في عهد الشيخ بشارة الخوري ، واتّهموه بحمل شبح الجنون الى عدّة شخصيّات سياسية ونسائية ، يفتح قلبه لأول مرّة بعد ظهوره من جديد ، واسترجاعه الجنسية اللبنانيّة ، ويتحدّث عن نفسه ، وعن جلساته الروحيّة …والظواهر الخارقة للطبيعة التي استطاع تحقيقها على رؤوس الأشهاد !
كان ولا يزال أشبه بالاسطورة !
اسمه – كما يقول المقرّبون اليه – سليم العشي …ولقبه ، كما يعرفه الناس في ثلاثة أرباع الدول العربيّة والشرق الأوسط ، هو الدكتور داهش .
قيل منذ سنوات انّه اختفى نهائيّا ….
قيل أيضا انّه اغتيل على حدود ايران ، وانّ اتباعه في البلاد العربيّة قطعوا لأجله الحدود ، واتّشح اكثرهم بالسواد .
ثم ظهر فجأة …وعادت الابتسامة الى شفاه الداهشيّين من جديد :
لكنّه هذه المرّة كان شخصا آخر !…انّه يهرب من عدسات التصوير . يغلق بابه في وجوه الصحفيّين . يعتذر عن مقابلة غير المرغوب فيهم ، ويختفي من درب كلّ من يحاول الاستطلاع أو التجسّس عليه !
ولكنّ الرجل ما لبث ان تكلّم :
قال الرجل الذي تبدو على محيّاه مسحة من الطيبة :
” نفتني حكومة بشارة الخوري في البداية الى بلدة ” اعزاز ” القريبة من مدينة حلب ! وبعد ذلك أفلتّ من الرقابة في بلدة ” اعزاز ” وهربت الى العراق ، ثم استقرّ بي المقام في بلاد العجم حيث نزلت في ضيافة عائلة ايرانية تعتنق المذهب الداهشيّ ” .
ألم تأت بظواهر روحانية في العراق أو ايران ؟
كانت في الواقع جلسات سريّة . فقد كنت في عداد المختفين !
أوكتو بلا سم !
وعدنا نسأل الدكتور داهش :
هل صحيح انّك تخترق الجدران ؟
انني منحت قوة روحية تتيح لي القيام باعمال خارقة وذلك لاثبات وجود عالم آخر .
وعاد الدكتور ابو سليمان يقول :
أنا والاستاذ أدوار نون نشهد بأنّ الدكتور داهش يخترق الجدران بكلّ سهولة . فقد ذهبنا ذات مرّة لزيارة أحد الأصدقاء ، عندما هممت أنا والاستاذ نون برنّ الجرس ، اختفى الدكتور داهش ، ووجدناه داخل المنزل …قبل أن يفتح الباب !
وسألنا خارق الجدران :
بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟!..
كما قلت قوّة تمنحني ايّاها …الارواح !
هل أحضرت لأحد الأشخاص شيئا من بعيد ؟
خذوا باريس مثلا . لقد عاد الدكتور خبصا من العاصمة الفرنسية ، بعد أن أنهى فيها دراسته الطبيّة ، وجاء إلي يتحدّاني …ويطلب مني أن أعيد اليه في بيروت مفكّرة تهمّه جدا فقدت منه في باريس !
وهل أعدتها اليه ؟
بكلّ تأكيد
. وكان ذلك في جلسة روحيّة !
بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟
- لا أملك وسيلة تفسيرها . انّها ظاهرة خارقة للطبيعة !
طهرا …بك دجّال !
ودخلنا مع الدكتور داهش في حديث آخر ، فسألناه :
هل تعرف الدكتور طهرا بك ؟
أجاب باستخفاف :
أسمع به !
هل له شيء من قوّتك ؟
بل هو مشعوذ دجّال ، قام رفيقي الدكتور أبو سليمان بكشف ألاعيبه ، وفضح أساليبه حتى في التلفزيون . انّه يعتمد في شهرته على مائدة المسامير التي ينام عليها دون أن تخترق المسامير ظهره !
وبماذا تفسّر هذه اللعبة ؟
مسألة بسيطة . انّ كثرة المسامير وملازمتها لبعضها البعض ، تجعلانها متوزّعة على الجسم ، بحيث لا تخترقه ولا تترك عليه أكثر من علامات !
ما دمت فريد عصرك …فلماذا اضطهدوك في عهد الشيخ بشارة بدلا من أن يكرّموك ؟
كل ذنبي مع الشيخ بشارة ، ان السيّدة ماري حدّاد ، شقيقة زوجته لور اعتنقت المذهب الداهشي .
لقد اتهموك يومها بافتتان الناس !
الناس أحرار اذا افتتنوا بي …ما دام ذلك لن يلحق بهم أيّ أذى !
قالوا عنك انّك تغرّر بالنساء !
هذه دعاية مغرضة اشاعتها الصحافة اللبنانية بتحريض من بشارة الخوري ومن الاكليروس المسيحي اثناء العهد البائد .
قالوا أيضا انّك تسبّبت في جنون بعض الناس !
مجرد اشاعات لتأليب الناس عليّ ، ومنعهم من مساندتي اذا ما فكّر المسؤولون في اضطهادي ! لكن للتاريخ يجب أن يقال ان بشارة الخوري جنّ عقابا له على اضطهادي وتجريدي من جنسيتي وذلك بقوّة روحية .
والآن ؟؟
لقد عدت الى سابق جنسيتي ، وصدر قرار باعادتها إلي ، ونشر القرار في الجريدة الرسميّة !
وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا .
داهش.. وبشارة الخوري
المستقبل – السبت 17 أيار 2003 – العدد 1298 – شؤون لبنانية – صفحة 6
“شغلت قضية الداهشية المجتمع اللبناني محدثة ضجة مدوية في الصحافة اللبنانية. ويذكر خليل زعتر: “خاف ذوو ماري حداد آنذاك، لا سيما لور شقيقة الرئيس الراحل بشارة الخوري، بعدما التحقت أختها ماري حداد بالداهشية، فحاولوا إحالة داهش الى السلطات للمحاكمة وحظر نشاطه، بعدما جرّدوه من الجنسية اللبنانية ونفوه الى حلب ومن بعدها الى الحدود التركية التي وصل اليها من دون أوراق ثبوتية. فاعتقل آنذاك واتهم بالتجسس وحوكم محاكمة سريعة أعدم على أثرها فظهرت صور إعدامه في الصحف، إلا انه سرعان ما عاد الى بيروت (!) بعدما أعدمت إحدى شخصياته الست بحسب خليل زعتر.
وقد تعرض داهش خلال هذه الفترة الى التشهير، واتهم بالشعوذة. وزادت المعركة ضراوة حينما انتحرت ماجدة حداد الأديبة والشاعرة باللغة الفرنسية احتجاجاً على الظلم الذي لحق بداهش. فيما عمدت شقيقتها ماري الى مقارعة رئيس الجمهورية رأساً برأس، موزعة ما سمى الكتب السوداء التي نشرت فيها مفاسد الحكم.
ويقول زعتر “يرى الداهشيون ان ما فعله رئيس الجمهورية بداهش هو ما عجّل بزوال دولته والانتفاضة عليه، بل انهم نسبوا لكتبهم السوداء دوراً رئيسياً في تعبئة الشعب ضده”.
يقول خليل زعتر معلقاً على الاضطهاد الذي تعرّض له الدكتور داهش على يد رئيس الجمهورية الراحل بشارة الخوري، “بأنه يشكل جريمة اضطهاد تعسفية ظالمة. فالدكتور داهش أُوقف ظُلماً وجُرّد من جنسيته اللبنانية وشرّد خارج الأراضي اللبنانية بطريقة بوليسية سرية وبمعاملات مخالفة للدستور والقوانين والأنظمة المشروعة، من دون تقديمه الى محاكمة ولو صورية. وقد أكد آنذاك مجلس شورى الدولة ان المرسوم رقم 1822 الذي أصدره الرئيس بشارة الخوري في 6/9/1944 والذي على رأسه جرى تجريد الدكتور داهش من جنسيته هو مرسوم مخالف للقانون.
داهشيات
مقالة بعنوان “داهشيات زافين” لعبدو وازن نشرت في صحيفة “الحياة” بتاريخ 29 سبتمبر 2010
«داهشيات» زافين
الاربعاء, 29 سبتمبر 2010
عبده وازن
Related Nodes:
يــستــحق الإعلامي اللبناني زافين تحية خاصة على الحلقة الأخيرة من برنامجه «سيرة وانفتحت» (المستــقـبــل)، أولاً لجرأته في خوض قضية طالما كانت «محظورة» إعلامياً وخطرة، ثم لتعمّقه فيها وإلقاء نظرة شاملة عليها، تاريخياً وسياسياً و «عقائدياً». قضية الحلقة كانت عن «الدكتور داهش» هذا العالم الروحاني، الذي يعدّ من الشخصيات الإشكالية النادرة في لبنان، وقد انقسمت الآراء حوله، بين أتباع مؤيدين له ومتحمّسين لفكره، وبين أعداء أو خصوم رافضين له ومتهمين إياه بالشعوذة والدجل. واللافت في الحلقة التلفزيونية أن زافين فتح السجال على مصراعيه، متيحاً أمام «الداهشيين» أن يعبّروا عن آرائهم ومواقفهم بصراحة، وأمام المعترضين الذين أمعنوا في نقد «الدكتور الداهش» وفي وصفه بالساحر والمشعوذ. وبلغت الحلقة ذروتها عندما استطاعت كاميرا البرنامج أن «تقتحم» عالم «داهش» المتواري في قلب منزله القديم، المقفل الأبواب والنوافذ، والمغلق أمام أي زائر ولو كان من الجيران. وكان دخول الكاميراً رهيباً حقاً، فالبيت هو أشبه بالمعبد الغريب الذي تحتل جدرانه صور «داهش» وشعارات وتخطيطات وأيقونات، عطفاً على الأثاث والستارات والكواليس التي أضفت على البيت جواً طقسياً. وهناك في هذا المنزل، أطلّت سيدة عجوز، كأنها قادمة من إحدى الأساطير، بشعرها الأبيض وعكازها، وراحت تسرد أخباراً عن «داهش» الذي عرفته والذي ورثت عقيدته عن أمها ماري حداد، شقيقة المفكر اللبناني ميشال شيحا، وشقيقة زوجة الرئيس اللبناني بشارة الخوري، الذي اضطهد «داهش» وحاربه ونفاه، انطلاقاً من موقعه الرئاسي.
«الدكتور داهش» للذين يجهلونه – وهم كثر جداً وربما الغالبية – مفكّر وأديب لبناني ولد مطلع القرن العشرين في فلسطين ثم نزح مع عائلته الى لبنان وتبنى الجنسية اللبنانية ودرس وأعلن عقيدته في مطلع الأربعينات وهي «الداهشية»، وتجمع بين الدين والفكر والبعد العقائدي. وراح يدعو من خلالها الى عقيدة جديدة لم يكتب لها أن تنتشر إلا ضمن حلقة من أتباعه والمريدين الذين أيّدوه وساروا على خطاه. ويروى أن «داهش» قام بـ «خوارق» كثيرة ردّها خصومه الى الشعوذة، أما أتباعه فإلى قدراته الروحية الفائقة. وقد شغل «داهش» الإعلام والصحافة وانضم الى عقيدته مثقفون وكتاب وشعراء وأناس عاديون. إلا أن التهم التي أطلقت عليه رافقته حتى بعد مماته. والآن بات له متحف في أميركا يحمل اسمه.
يستحق زافين التحية على جرأته في خوض موضوع ما زال محظوراً وممنوعاً وفي كشف «المسكوت» عنه في الثقافة اللبنانية. ولعلها المرة الأولى يجرؤ برنامج على إلقاء هذا الضوء الساطع على مفكر وروحاني شغل الذاكرة اللبنانية طويلاً وما زال يشغلها، على رغم الحصار الذي ضرب حوله، رسمياً ودينياً.
دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
على الرئيس السابق بشارة الخوري
وقرينته لور وميشال شيحا
ماري حدّاد الداهشيّة تقدّم عريضة لرئيس الحكومة
طالبة محاكمة بشارة الخوري وشيحا والسيدة لور
أوّل محاكمة من نوعها حافلة بالأسرار
جريدة الشرق 27 تشرين الثاني 1952
أشرنا في عدد أمس الى الوفد ” الداهشي ” الذي قابل حضرة رئيس الوزراء السيد خالد شهاب مطالبا بالسماح للدكتور داهش بالعودة الى لبنان ، ويقول أحد مندوبينا المحليين أن السيدة ماري حدّاد شقيقة السيدة لور ، قرينة السيد بشارة الخوري رئيس الجهورية السابق ، وقد قدّمت لرئيس الوزراء عريضة تطلب فيها مقاضاة صهرها السيد بشارة الخوري وشقيقها السيد ميشال شيحا ، وشقيقتها السيدة لور ، وتطلب محاكمتهم علنا على زجها في السجن دون حقّ أو عدل نكاية وانتقاما لتمسكها بعقيدة لا يريدون أن تدين بها .
وفي العريضة المذكورة تتّهم المذكورين أعلاه بأنهم داسوا الدستور والأنظمة وأوردت أسبابا عن الغاية من اعتقال الدكتور داهش وتجريده من جنسيّته اللبنانية وابعاده عن لبنان الى الحدود السورية فالتركية ، ممّا كان سببا في نشر سلسلة الكتب السوداء التي كانت أول مسمار في نعش عهد السيد بشارة الخوري .
ويقول أحد أركان الداهشيين أن محاكم لبنان ستشهد أول دعوى من نوعها يماط اللثام فيها عن كثير من الأسرار الرهيبة التي لم تتصل بأحد .
حديث مع والدة الفتاة ماجدا حداد
الأم تقول: انتحار ابنتي فعل إيمان
هل لداهش صلة بالنبي اليشع
و نشرت جريدة ” الدنيا” البيروتية بتاريخ 16 شباط 1945 ما يلي:
السيدة ماري حداد أديبة و رسامة. و مؤلفاتها الإفرنسية و رسومها الزيتية معروفة، و منزلها في بيروت عبارة عن متحف أثرية مختلفة و مجموعة نفسية من صورها النادرة.
و منذ عامين و نيف اعتنقت مع زوجها و أسرتها المذهب الداهشي بعد أن شهدت من الظاهرات الروحية و الخوارق الداهشية ما دفعها إلى تأليف كتاب فرنسي فريد في بابه و في أسلوبه دعته: ( كيف عرفت الدكتور داهش) أو ( وثائق تتكلم!…)
و على أثر الفاجعة التي أصابتها بفقد كريمتها ( ماجدا) عادت إلى تدوين مذكراتها في خلواتها.
و إلى قراء ( الدنيا) ترجمة مقالتها الفرنسية قالت:
أجمعت آراء المفكرين من الناس أن في الحياة أسراراً عظيمة و مفاجآت كثيرة.
غير أن تلك الأمور الغربية تعد لا شيء إزاء العجائب الحقيقية التي شهدناها بالأمس، و نشاهدها اليوم و غداً و إلى ما شاء الله.
س: من هو الدكتور داهش؟
ج: هو رجل يحيا بروح عجيبة فائقة حد البشر. فلندرسه. إنه في حياته المثل الطاهر للمبادئ الانجيلية.
إن الأشخاص الأكثر ثقافة ينحنون أمام مؤلفاته العبقرية التي تتجاوز التسعين مؤلفاً، و التي هي مفخرة اللغة العربية بشهادة من طالعوها.
في عجائبه؟
هنا اتكلم كشاهدة عيان عن شفاء أمراض متنوعة. جراح دامية تلتئم بلحظة خاطفة بلمسة روحية. نقل أشياء بسرعة الفكر من بلاد إلى بلاد. أوراق محروقة منذ سنوات لي و لسواي عادت بواسطة الدكتور داهش و هي لا تزال عندي. يأمر عناصر الطبيعة بجلسة روحية فتعطيعه
: إنزل صاعقة بأمر منه، و الشتاء أطاعه، و كذلك الهواء… حول الماء إلى خمر أمام أفراد و جماعات. و كل ذلك شاهدته بأم عيني و لمسته بيدي و سمعته بأذني. أما مذهبه فهو الإخاء، المحبة، العدل، طهارة القلب و طهارة الحياة.
إما عائلة الدكتور داهش فأصلها من (أدن) الواقعة في بلاد ما بين النهرين و اسم العائلة الأصلي ( أليشي) نسبة إلى النبي (اليشع) الذي ظهر في عهد (إيليا النبي). فحرفت كلمة أليشي في بلادنا مع الأيام إلى ( العشي) و دعي( سليم موسى العشي)، ثم الدكتور داهش.
و عاش والداه بكل بساطة ووداعة مع عائلته، و توفي في لبنان، وولده الوحيد(الدكتور داهش) في الحادية عشرة من عمره. و نشأ مع والدته و شقيقاته في حي المصيطبة. و منذ ولادته رافقته العجائب…
منذ عامين سمعنا عن الدكتور داهش من أحد أصدقائنا، و الأمور التي أخبرنا عنها أدهشتنا.
فقلنا في أنفسنا: أترى صديقنا يخترع ما يقول؟
ظننا ذلك لأن الي رواه يكاد لا يصدق…
و لكننا أحببنا أن ندرس المسألة بأنفسنا…
و حدث أننا كنا ذات يوم في مستشفى الدكتور رزق، فأحببنا أن نزور الدكتور داهش في منزله القريب من المستشفى. نظرنا إليه، فإذا هيئته ليس فيها شيء غير اعتيادي. و لكن الملاحظ الدقيق تستوقفه نظراته العميقة.
أما كلمات أحاديثه القليلة فتدفعك إلى الانتباه…هي بسيطة صافية، و لا تنطق إلا بالحقيقة.
***
و يوم زرناه كان عنده الدكتور جورج خبصا، طبيب الأمراض الجلدية، فطرحت عليه بعض الأسئلة، فأراح أفكاري بحجته المتينة و ذكائه. و أصبحت أعتبر كل شيء عن الدكتور داهش صحيحاً لأن للدكتور خبصا نظرات صائبة، و هو شاهد عيان، و ملاحظ نقاد…
و جميع ما سمعناه بعد تلك الزيارة يستدعي فضولية المفكرين. طلبنا أن نحضر جلسة روحية فوعدنا بذلك.
فبواسطة الدكتور داهش كنا باتصال مع عوالم غير عالمنا الأرضيّ. و الأرواح التي تحتل جسمه تعطينا براهين دامغة عن حقيقتها لقيامها بمعجزات لا يستطيع الفكر البشري تحليلها و تعليلها. مثلاً:
جعل الشيء الواحد اثنين كالكتب و المزهريات و المرايا و غيرها، و بقاؤها لدينا. كذلك تكثير الخبز و الفاكهة، و نقل أشياء تخصنا ونعرفها جيدا من مكان الى مكان بسرعة غريبة … كل شخص منّا مؤلف من سيالات مختلفة . البعض منها علويّ والبعض الآخر سفلي . ومن هنا إجتماع الرفيع والدنيء في الجسم الواحد .
إنّ الاكتشافات المعطاة بالجلسات الروحية أفهمتنا حقيقة أصلنا وذكرتنا بما قاله الشاعر فكتور هيجو : ” الانسان إله ساقط يتذكر السماوات “
وماذا نقول عن الأرض ؟
إنّ أرضنا جزء من الكل ، من هذه اللانهاية . وهي ليست منفصلة عن ذلك الكل . وقالبها الذي نعرفه نشأمنذ ملايين من السنين . وتمّت لها أدوار عديدة منذ تكوينها . وما دور آدم إلا أحد تلك الأدوار المتعاقبة . وللحياة الروحانية أشكال لا تعد ولا تحصى . وهناك ( التقمص ) ، فهو حقيقة راهنة ، وهي تعمل على هذه الأرض كما في غيرها من العوالم . وهي تسمى حسب غصطلاحنا درجات سماوية أو دركات جهنمية .
وقد جاء في الكتاب المقدس : ” عند أبي منازل كثيرة ” . ومن شاء فليراجع الفصل الحادي عشر من إنجيل متّى حيث يقول : ” الأن جميع الأنبياء والناموس تنبأوا إلى يوحنا . وإن أردتم أن تقبلوا فهو إيليا المزمع أن يأتي ” . وكذلك في الفصل السابع عشر من الانجيل نفسه ما يثبت لنا التقمص أيضا حيث يقول :
” وسأله التلاميذ أن إيليا ينبغي أن يأتي أولا … فأجابهم : إنّ إيليا قد جاء ولكنهم لم يعرفوه ، بل صنعوا به ما أرادوا .. حينءذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان “
إنّ الحياة على هذه الأرض هي دور تجربة ، وجميع الاديان متفقة على ذلك . لقد جئنا مرارا الى هذه الحياة ونحن موجودون منذ الأزل .
كيف نفسر التقمص بشريا ؟
إنّ الروح تشبه مجرى الكهرباء .
فالنور هو الروح . والمصباح الذي ينكسر ويستبدل هو الجسد .
ولو لم يكن هناك تقمص ، فكيف نستطيع أن نفسر العدل الالهي ؟
الانتحار عمل إيمان
س : ماذا تقولون عن الانتحار بصورة إجمالية ؟
ج : لا شك أن الانتحار ممنوع ..
أما بخصوص ابنتي فان موتها هو ” فعل ايمان ” ، واحتجاج صارخ على الظلم البشري …
فالانتحارات إذن متنوعة لا يشبه بعضها بعضا . لقد ماتت إبنتي زاهدة بأعراض الارض الفانية الغير الأبدية . لهذا السبب وضعنا لها هذه العبارة السامية من كلمات مؤسس المذهب الداهشي : ” أنا ظلّ سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى . والموت يقظة فتانة يحن اليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ويخافها من كثفت أفكاره وكثرت أوزاره “! ..
وما كادت ابنتي تتوفى حتى بدأ الناس يتكلمون عن قيامتها باستهزاء أو غير استهزاء حسب معرفتهم بالدكتور داهش أو جهلهم له . ولكننا نحن الداهشيين نعتبر ( القيامة ) كمسالة بسيطة عندنا . لأنّ الحوادث لا تتم لكل إنسان إلا في اوقاتها المعينة منذ الأزل . ونحن نستد بذلك على النبؤات التي عرفناها وتمّت في حينها تماما .
فيوم توقيف الدكتور داهش ، مثلا ، كنّا عالمين في جلسة روحية سابقة بما سيتم . وهناك شهود على كلامنا هذا . ومن يريد أسماء أولئك الشهود تعطى له .
ماري حدّاد
حق الرَّد
حق الرَّد : الداهشيون
on August 1, 2014 at 6:42 pm /
فارس زعتر
حضرة رئيس التحرير وأعضاء جريدة قريش المحترمين
نَشرتْ جريدتُكُم في عددها الصَّادر بتاريخ 29 تموز (يوليه) 2014 مقالة للأستاذ يعقوب العبيدلي بعنوان “بين داهش وداعش وعائش” تنطوي على تجريح بالدكتور داهش وتعطي صورة مشوّهة عنه. وإذ كان لي شرف التعرّف على الدكتور داهش ومعايشته ومرافقته ودراسة أفكاره وآرائه وقراءة كتبه خلال فترة تتجاوز العشرين عاماً، أرى من واجبي، وخدمة للحقيقة وللرأي العام، إعطاء التوضيح الآتي الذي نطلب من حضرتكم نشره في المكان نفسه الذي نُشِرَ فيه المقال موضوع هذا التعليق:
1- إنَّ الظَّاهرات الروحيّة الخارقة التي تجلَّت على يدَيْ الدكتور داهش وحدثَتْ بواسطته ليست “معجزات زائفة” بل هي معجزات حقيقية ثابتة شاهدها وشهدَ لها الألوف من بينهم مثقفَّون أعلام كالشيخ العلامة عبد الله العلايلي الذي وضع كتاباً بالموضوع عنوانه “كيف عرفت الدكتور داهش”، ورئيس تحرير مجلة المصوّر المصرية الأستاذ لطفي رضوان الذي وضع بدوره مؤلفاً سرد فيه وقائع ما شاهده واختبره، والصحافي الأستاذ حافظ خير الله من جريدة النهار، والصحافي الأستاذ رؤوف الشحوري رئيس تحرير مجلة الصيّاد سابقاً وأحد مؤسسي جريدة القبس الكويتية، والصحافي الأستاذ وليد عوض رئيس تحرير مجلة اللواء وغيرهم كثيرون، وقد نشرت أمَّهات الصحف والمجلات اللبنانية والعربية تحقيقات صحفية عن هذه الظاهرات وصوَّرتها أثناء حصولها. هذه الظاهرات التي رافقت الدكتور داهش على مدى يزيد على السبعين عاماً كان هناك إجماع على حصولها وصحّتها الدامغة. ولم يستطعْ حتى أعداء الدكتور داهش نكرانها وإن اختلفوا حول مصدرها.
2- لقد نسج الخيال الشعبي، وبعض أصحاب الأقلام التي تهوى الإثارة والسخرية على حساب الحقيقة أساطير وقصصاً وهميّة حول الدكتور داهش لا تمّت إلى الواقع بصلة. ومنها حكاية ترك الدكتور داهش رأسه لدى الحلاق. والجدير ذكره في هذا المجال أن جميع الرجال العظام تُنسج حولُهم الأساطير. والسيّد المسيح نفسه نُسبَتْ إليه أعمال في كتابات رفضها آباء المسيحية الأولون؛ والنبي محمّد كذلك لم يتوّرع بعضُ المنافقين من أن ينسبوا إليه أحاديث لم يتفوّه بها مثلما أثبَتَ ذلك مسلم والبخاري.
3- إن الدكتور داهش رجلُ فكرٍ وقلم، وصاحب مدرسة فلسفية روحيّة سامية تؤسِّسُ لإصلاح فكري عميق يقوم على أُسُسِهِ الرَّاسِخَة بنيانُ حضارةٍ إنسانيّة جديدة حيث الإيمان الدِّيني الصافي منـزّه عن التعصب والحقد والكراهية والتمييز، وحيث حرّية الفرد المطلقة في الإعتقاد والإيمان صخرةٌ أساسيّة في حياة الفرد والمجتمع إذ “لا إكراه في الدِّين”، مثلما جاء في الآية القرآنية الكريمة. ولا بُدَّ من تذكير من يحلو لهم اللّعب على الكلمات والتلهِّي بالقشور والسطحيات أن الدكتور داهش لم يكُنْ رجُلْ سياسة، ولم يخض يوماً أوحالها، ولم يؤسِّس حزباً سياسياً، ولا ميليشيا مسلَّحة، بل دعا إلى الأُخُوِّة والمحبة والسَّلام العالمي الذي يقوم على الأخوة الإنسانية الحقة بعيداً عن المصالح والإستغلال الاستعماري البشع للشعوب الضعيفة والمستضعفين.
qoraish.com | جريدة عربية مستقلة تصدر في لندن |
حكاية سليم العشى مؤسّس الداهشية
الدكتور داهش.. حكاية سليم العشى مؤسّس الداهشية.. هل هو ساحر أم صاحب دعوة؟.. ظل فى قاع نهر السين 7 أيام وخرج حيا.. عن أبرز عجائبه: “بيعدى البحر ولا يتبلش”.. وترك رأسه عند الحلاق وذهب لـ”مشوار”.. (فيديو)
الجمعة، 14 يناير 2022 05:30 م
يحوّل الورق العادى بين يديه إلى عملة الدولار والخشب إلى ذهب.. إنه سليم العشى المعروف بـ”داهش” ومؤسس الطائفة الداهشية فى لبنان، قالوا عنه ساحر وشخص روحانى وصاحب دعوة دينية، فما حقيقة هذا الرجل؟
اسم الدكتور “داهش” لا يحظى بالكثير من الشهرة حالياً لكنه كان مشهورا بين أبناء حقبة الخمسينيات حتى السبعينيات، فهو اسم مخيف بالنسبة لهم.
سليم موسى العشى أو الساحر المعروف بـ “داهش” ولد فى بيت لحم الفلسطينيّة عام 1909 نزحت عائلته نحو بيروت بعد 3 سنوات من ولادته.
سليم العشى
وقيل إن أول المفاجآت فى حياته أنه شخّص مرضه لطبيبه وهو فى سن الثالثة فى العشرين من عمره بادر سليم العشى إلى تغيير اسمه واختار “داهش” (وهو لقب أطلقه عليه أحد الصحفيين) لأن أعماله كانت خارقة للطبيعة.
سافر إلى فرنسا التى اعترفت بقدراته الهائلة على تخطّى الطبيعة الماديّة وخرق قوانينها، فمنحه معهد “ساج” الباريسى شهادة دكتوراه فخرية
ومن بعض أفعاله الخارقة للطبيعة التى هزت “بيروت” تحويله الورق العادى إلى عملة الدولار وإلى الليرة اللبنانية، وأنّ الخشب كان ينقلب بين يديه إلى ذهب أمام الجميع.
أشهر الروايات المخيفة عنه التى يتناقلها معظم سكان بيروت حتى اليوم، حدثت عام 1968، عندما دخل داهش يوماً ليقص شعره فوجد زحاما عند الحلاق فطلب منه الحلاق: العودة بعد ساعة أو ساعتين، هنا، يُقال إنّ داهش فصل رأسه عن جسده وأعطاه للحلّاق موضحاً أنّه سيعود لأخذه لاحقاً بعد الانتهاء!!!
أيضا من الغرائب عندما تحدى داهش 10 من الخبراء فى حقل دراسة الظواهر الخارقة للطبيعة فى فرنسا، حين طلب منهم وضعه فى حقيبة سفر ثمّ إنزاله لقاع نهر “السين” ووضعه تحت مراقبة وبعد أسبوعٍ انتُشلت الحقيبة من النهر وخرج منها سليما وغير مبلّل.
ويرى أتباع الفكر الداهشى أن هذا الرجل الغامض هو روحانى يحمل فلسفةً عميقة تدعو للسلام وأن الداهشية طريقة دينية تشمل جميع الأديان لكن تمت مواجهته من النظام الرئاسى بالبلاد.
وتعرّض للملاحقة من قبل رئيس الجمهورية اللبنانى آنذاك بشارة الخورى، الذى جرّده من جنسيته اللبنانية وطرده من البلاد، بحسب ما ورد فى الوثائق فإنّ لداهش 6 شخصيات ظهرت فى عدة أماكن: واحدة أُعدمت رمياً بالرصاص فى أذربيجان عام 1984 فى حين كان يتناول طعامه فى مكان آخر من العالم.
وما هو مؤكد أنه توفى فى العام 1984 فى ولاية “نيويورك” داخل أحد المستشفيات بسبب مرض “تخثر العظام”، وتمّ تحنيط جثمانه ووضعه داخل منزله الذى تحول إلى متحفٍ كبير.
رحل الدكتور داهش لكن أسراره بقيت، ومقتنياته، لكن ماذا عن تعاليمه؟ هل لا يزال هناك من يتبعه أم ذهب فى طى النسيان.
حكاية سليم العشي الذي أدهش بغموضه بيروت
www.independentarabia.com/node/233451/ثقافة/حكاية-سليم-العشي-الذي-أدهش-بغموضه-بيروت-الخمسينيات
حكاية سليم العشي الذي أدهش بغموضه بيروت الخمسينيات
الروائي المصري سامح الجباس جمع معلومات ووثائق وكشف أسرار هذه الشخصية الفريدة
الجمعة 18 يونيو 2021 16:54
سليم العشي او الدكتور “داهش” بريشة الرسامة ماري حداد (مجموعة ماري حداد)
حين تتخذ رواية من شخصية تاريخية موضوعاً لها، يكون عليها أن توازن بين الإخلاص للحقيقة التاريخية، من جهة، وعدم خيانة الفن الروائي، من جهة ثانية. ذلك لأن عدم الإخلاص للأولى يطيح بتاريخية الشخصية، وخيانة الثاني يجعل الرواية مجرد نص تاريخي. وفي الحالتين، ثمة ظلم يقع على أحد طرفي الموازنة، على الأقل.
من هذه العتبة، ندخل عالم رواية “رابطة كارهي سليم العشي” للروائي المصري سامح الجباس (دار العين للنشر) التي تتخذ من شخصية اللبناني سليم العشي المعروف بالدكتور داهش موضوعاً لها. وهي شخصية غامضة، مثيرة للجدل، تكتنفها الأسرار والألغاز، وتنسب إليها الخوارق والأعاجيب. ولعلها المرة الأولى التي تميط فيها رواية اللثام عن هذه الشخصية.
وقائع تاريخية
على المستوى التاريخي، يقوم الجباس ببحث حول الشخصية، يقوده إلى مجموعة من الوقائع التاريخية التي تشكل مادة أولية لروايته، ويضيف إليها مقادير معينة من التوابل المتخيلة، ويصب هذا الخليط في قوالب روائية معينة. ومن الوقائع: ولادة سليم العشي في بيت لحم في عام 1909 لأسرة عراقية الأصل، انتقال الأسرة إلى بيروت في عام 1911، تغيير اسمه في عام 1929، منحه شهادة العلوم النفسية من الجمعية النفسية الدولية وشهادة الدكتوراه من معهد “ساج” الإنجليزي في باريس في عام 1930، إعلانه رسالته الروحية في عام 1942، اعتقاله وتجريده من الجنسية اللبنانية ونفيه في عام 1944، إعدام أحد سيالاته الروحية في طهران بتهمة التجسس في عام 1947، رحلته الأولى حول العالم في عام 1969، مغادرته لبنان مؤقتاً في عام 1975، مغادرته نهائياً في عام 1980، وموته في مستشفى نيويوركي في عام 1984. هذه الوقائع التاريخية وغيرها، يقوم الكاتب بردم الفجوات بينها، بما سمع ورأى وقرأ وسأل وتخيل وتذكر، ويبني من ذلك كله روايته.
سلكان روائيان
على المستوى الروائي، يصطنع الجباس سلكين اثنين ينتظمان الأحداث، ويتناوبان الحضور النصي، في إطار علاقة جدلية، متعددة الثنائيات، بينهما. تقوم على التعاقب والتوازي والتقاطع؛ السلك الأول خارجي، يشكل إطاراً للثاني، يحدث في الزمن الحاضر، وتدور أحداثه بين القاهرة وبيروت، ويربط بين الكاتب الذي يجعل من نفسه شخصية روائية تقوم بالتحضير للرواية وتجميع مادتها من البحث النظري والعمل الميداني تمهيداً لكتابتها، والفتاة اللبنانية فاطمة مندوبة المركز الثقافي النيويوركي الذي يعهد إليه بكتابة الرواية. والراوي في هذا السلك هو الروائي نفسه بعد تحوله إلى شخصية روائية.
السلك الثاني داخلي، يشكل محتوى للأول، يحدث في الزمن الماضي لا سيما في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وتدور معظم أحداثه في بيروت، ويدور بعضها في غير مدينة عربية وأجنبية، وينخرط فيه مجموعة من الشخوص الذين يؤمنون بداهش والداهشية، ويدلون بشهاداتهم فيه، ويشكل كل منهم راوياً لشهادته، وعدد الرواة في هذا السلك سبعة رواة. وبذلك، نكون، أمام ثمانية أصوات روائية، يستأثر صوت الروائي بينهم بحوالى نصف النص، بينما يتوزع النصف الآخر على السبعة الآخرين، مع العلم أن جوهر الرواية يكمن في هذا النصف الثاني. ولعل اختيار هذه الأصوات الروائية من بين أتباع الدكتور داهش يطرح مدى ملاءمة العنوان للمتن، فالأولى أن يكون العنوان “رابطة محبي سليم العشي” لا رابطة كارهيه الذين لا يحضرون في الرواية بشكل مباشر.
السلك الإطار
يتخذ الجباس من نفسه راوياً للسلك الإطار وأحد بطليه؛ فتقوم علاقة بينه وبين فاطمة مندوبة المركز الثقافي، تنطلق من واقعة تكليفه بكتابة الرواية وقبوله المهمة، وتنتهي بواقعة حب بينهما، تبلغ ذروتها في نهاية السلك، حين ترتقي إلى مرتبة الإيمان به، وترى فيه صورة سليم العشي الذي انتظرته طويلاً، لا سيما حين ترى أحد سيالاته الروحية وقد خرج منه. تعبر عن ذلك بالقول: “كم انتظرتك كثيراً…يا سـ.. سليم!” (ص 428). فهل يكون داهش تقمص في الراوي، وهل تكون إحدى المؤمنات به تقمصت في فاطمة؟ وبين الواقعتين سلسلة من الوقائع، تتمظهر في انتقال الراوي/ الروائي من القاهرة إلى بيروت، ونزوله في أحد فنادقها واختلافه إلى بيت الدكتور داهش وقراءة صوره والبحث في مكتبته والتعقيب على شهادات الشهود، في جمع مفيد بين البحث النظري والعمل الميداني والتعقيب النصي، من جهة، وتتمظهر في قيام فاطمة على تأمين إقامة المكلف وتنقله وتزويده بما يسهل مهمته، فتجمع بين الإشراف الإداري والعمل الميداني، من جهة ثانية. وخلال تنفيذ هذه المهمة المشتركة، تمر العلاقة بين المكلف والمكلف بتجاذبات معينة، ويشوبها الخوف والقلق والحذر، لكن الحب يتغلب على هذه الشوائب، في نهاية المطاف.
السلك المحتوى
إذا كان السلك الأول هو الإطار الذي يهتم بالأعمال التحضيرية للرواية، من بحوث وزيارات ولقاءات، فإن السلك الثاني هو المحتوى الذي يروي سيرة سليم العشي، ويمثل النتائج التي يتمخض عنها ويؤطرها السلك الأول. وفيه يقوم الكاتب بتوزيع ما توصل إليه على سبعة شخوص حقيقية، هم من أقرب المقربين إلى العشي وأول المؤمنين به، ولم يتورع بعضهم عن دفع الأثمان الباهظة في سبيل إيمانه؛ وجميعهم من النخبة الاجتماعية، فنجد بينهم الأديبة الرسامة (ماري حداد)، والشاعر (حليم دموس)، والطبيب (جورج خبصا)، والأستاذ الجامعي (غازي براكس). وجميعهم من شهود العيان المنخرطين في التجربة الروحية. على أن ما يجمع بين الشهادات المختلفة، في المضمون، هو: كيفية التعرف إلى الشخصية، درجة التأثر بها، حضور جلساتها الروحية، معاينة الأعاجيب الصادرة عنها، طرح الأسئلة الكبرى، ودحض الافتراءات والاتهامات الموجهة إليها. أما، في الشكل، فيتجاور في هذه الشهادات: النبذة الذاتية، والشهادة، والخبر، والمقال، والقصيدة، والخاطرة، والمقابلة، والتحقيق، والتعليق، والوصية، والتوثيق التاريخي، وغيرها. وبذلك، نكون أمام نص متنوع، في الشكل والمضمون.
من خلال الشهادات المتنوعة التي يضعها الكاتب على ألسنة الشهود، يمكن رسم شخصية صاحب الرسالة من الخارج والداخل، والوقوف على أهم معتقدات هذه الرسالة. فصاحب الرسالة يجمع قدرات خارقة ينسب اجتماعها فيه إلى الله؛ ومنها: شفاء المريض، استحضار الغائب، التنبؤ بالمستقبل، العلم بالغيب، التواجد في أكثر من مكان في الوقت نفسه، وغيرها. أما الرسالة، فتقول بخلود الروح والتقمص ووحدة الأديان في الجوهر، ولا تقول بالشعائر التي ابتدعها رجال الدين لأغراض في نفوسهم. ولعل هذه المعتقدات معطوفة على الخوارق المنسوبة إلى صاحبها ألبت غضب السلطتين السياسية والدينية عليه، فتم اعتقاله وتجريده من جنسيته ونفيه والاعتداء عليه، وجرى التنكيل ببعض أتباعه. وهكذا، يكون سامح الجباس الروائي قد اتخذ من الخارق والغرائبي موضوعاً لروايته، مما يفتح الأفق التاريخي الذي تنطلق منه على الواقعية السحرية. ويكون سامح جباس الباحث، من خلال دور المعقب الذي أسنده إلى قناعه الروائي، قد طرح الأسئلة وعقد المقارنات وقدم التعليقات، ما يفتح الرواية على البحث التاريخي/ الأدبي.
ولعل أهم ما تتمخض عنه هذه التقنيات من نتائج هو الإيحاء بأن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وسواهما من الأدباء المصريين قد تأثروا بشخصية داهش في بعض أعمالهم السردية، وأن هذا الأخير قد تأثر بجبران خليل جبران وأحمد أمين في بعض ما كتب. إلا أن الكاتب لا يصرح بهذه النتائج بل يلمح إليها من خلال طرح الأسئلة وعقد المقارنات. وإذا كانت الشهادات التي أسند الإدلاء بها إلى شخصيات تاريخية حقيقية تشتمل على الكثير من الخوارق التي تجافي العقل والمنطق، فإن التعقيبات التي أسند القيام بها إلى قناعه الروائي، تطرح كثيراً من الأسئلة التي يطرحها العقل والمنطق. وبذلك، يجمع الكاتب بين عرض الظاهرة الخارقة ونقدها دون أن يبلغ حد النقض. وفي الحالتين، نحن إزاء رواية مختلفة، محبوكة بحرفية متقدمة، ما يجعلها جديرة بالقراءة. ونحن إزاء روائي محترف يعرف من أين تؤكل كتف الرواية.
داهش يعود قريبا الى لبنان
أول رسالة يخطّها بعد ردّ جنسيّته
جريدة الأسواق 14/2/1953
هذه أول رسالة كتبها داهش الى أصدقائه في لبنان بعد اعادة الجنسية اللبنانية اليه وقد أعلن فيها عزمه على المجيء :
بغداد في 7 شباط 1953
تحية وسلام
وبعد ، فقد وصلتني برقيتكم المؤرخة في 6 شباط والتي تعلمونني فيها أن جنسيّتي التي هي حق صريح لي ولكل لبناني قد أعادتها الىّ حكومة الامير خالد شهاب .
وعليه آمل ان تبلّغوا شكري للصديق النبيل الامير خالد شهاب لاعادته العدل الى نصابه ، والحق السليب الى أربابه .
انّ الدستور اللبناني يكفل حق الحرية التامة لكل لبناني – ضمن القوانين التي تسري على الجميع سواسية – وأنا قد اغتصب الوصولي بشارة الخوري حقوقي التي يكفلها الدستور ، هذا الدستور الذي أقسم أنيحافظ عليه بصفته رئيسا للجمهورية – ولكنه حنث بيمينه الباطلة ، وحطّم بنود الدستور ، وداس على أشلائه الممزقة .
انّ الحريّة منحة سماوية يهبها الله لمخلوقاته ولا توجد أية قوّة أرضية تستطيع حجبها عن أي مخلوق : وان أعجب لأمر فعجبي هائل لوقوف الصحافة موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث حول أمر نزع جنسيتي . مع ان واجب الصحفيين – والصحفيون أصحاب رسالة سامية – أن يدافعوا عن الحريات دفاعا جبارا ويزلزلون بأقلامهم النارية ارتكابات أي وصولي يبغي على الحرية ، ويكبلها بقيوده الاجرامية . وان صمتوا ولم ينافحوا عن العدالة الصريعة بأقدام الباطل ، والحرية المدوسة بسنابك البغي والعتيّ ، اذن فانّ سيف ديموقليس الذي يحمله الباغية المعتدي يكون أبدا مرهف الحدّين ومعلّقا فوق رؤوسهم لكي يهوي بأيّة لحظة يراها ذلك الجاني مهشّم القوانين ، والعابث بالحريات ، والمستهتر بالدساتير .
وثق بأنه لو حدث في اوروبا لاي فرد – كائنا من كان – ما حدث معي ، وهذا مستحيل حدوثه في البلاد الاوروبية ، قلت اذا وقع المستحيل واعتدى أي حاكم على جنسية أي فرد ، مهما صغر شأنه وضؤلت مكانته ، اذن لثار الشعب ثورة كاسحة ماحقة ساحقة ، ولسقطت الحكومة ، ولدكّ عرش المعتدي ولثلّ بغيه ، ولتحطّمت أريكته ، ولزجّ في أغوار السجن بعد محاكمة علنية وتشهير سافر تتناقل أنباءهما صحافة الدنيا بأسرها .
وها هو التاريخ يضمّ بين دفتيه أنباء الثورة الافرنسية التي دكّ فيها الشعب سجن ( الباستيل ) وحطم الملكية المعتدية على حقوق الشعب فاضمحلّت تلك الملكية ودكّت أركانها دكّا عاصفا حتى يوم يبعثون….
والآن ، آمل من أخي الاستاذ حليم ، بصفته وكيلا عني ، ان يبادر فيخرج لي تذكرة هوية لكي أستطيع العودة الى وطني الذي سلخني عنه الباغية المعتدي ، هذا المعتدي الذي شهّرت أنباء جريمته المروعة في الخافقين ، وتحدّثت عنا ألسنة الخلق فسلقته بألسنة حداد وفضحت جريمته وهتكت ستره ومزّقت سريرته ، فعرف الجميع من هو المجرم المرتكب ومن هو البريء .
وأكبر برهان ، وأثبت دليل على نعتي ايّاه ( بالمجرم الوصولي …) هو تلك الثورة الشعبية اللبنانية الكاسحة التي انصبت على رأس ( بشارة الخوري ) وذلك لعظم ما ارتكبه من الشرور والمعاصي ضدّ الشعب اللبناني ، واغتصابه لثروة البلاد ، وامتصاصه لدماء الشعب ، واعتدائه على الأحرار الأنفار من أبنائه الأخيار الذين لا ولن يرضخوا لجرائمه المعروفة ، فنكّل بهم تنكيلا شائنا .
نعم ، لقد ثار الشعب عليه ثورته الكاسحة ، فاذا به بين غمضة عين وانتباهتها وقد دكّ عرشه وفقد الى الأبد أريكة حكمه …وهكذا تم سقوطه بعدما خلعه الشعب وطرده ، فأصبح الوصولي أسطورة يتندّر الخلق بأخبار مساوئها التي لا يحصيها عدّ …
واذ أودّعك وأترقّب هويّتي اللبنانية ، أقول حقّا لقد صدق الشاعر العربيّ القائل :
وما من يد الاّ يد الله فوقها وما ظالم الاّ ويبلى بأظلم
المخلص داهش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : حقيقة الأمر أنّ الدكتور داهش كان في بيروت ، وفي منزل آل الحدّاد الذي كان لا يبعد أكثر من 40 مترا عن القصر الجمهوري ، حيث كان يقيم الطاغية الباغية بشارة الخوري ، ولكن قصدا للتعمية ونظرا لظرف الدكتور داهش الخاص ورد في الرسائل أنها تصدر عن حلب أو بغداد الخ ..
إشـادة برجـل عظـيم
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم: مرسى سعد الدين
لا أدرى كيف أبدأ بالحديث عن الدكتور داهش. هل أكتب عنه كمفكر ومؤلف لأكثر من مائه عمل أدبى من الشعر والنثر، أم أكتب عنه كرسول للسلام والحب بين الناس بصرف النظر عن ديانتهم وأوطانهم، أم كمصلح اجتماعى يريد أن يرى العالم حوله يعيش فى سلام وعدالة؟ الواقع أن الدكتور داهش هو كل هذه الأشياء مجتمعة.
كانت معرفتى الأولى بالدكتور داهش فى الثلاثينيات من القرن العشرين، وكنت فى ذلك الوقت تلميذا فى المدرسة الثانوية، وكان والدى أستاذا للعلوم، وكان يصحبنى دائما إلى منزل صديق له، هو أيضا أستاذ علوم، لكنه من المؤمنين بـ «تحضير الأرواح». فقد كان يعقد فى منزله الذى يقع فى الروضة أحد أحياء القاهرة جلسات يحضرها عدد من الأصدقاء، ووسيط كان يتمتع بما يطلقون عليه «الجلاء البصرى»، وفى إحدى تلك الجلسات قدمنى والدى إلى شاب فى منتصف العشرينيات من عمره، يتسم بالوسامة وبعينين لا تستطيع أن تحدق إليهما أنت طويلا، وتحس، وهو ينظر إليك، أنه يحاول أن يصل إلى قرارة نفسك، وتذكرت أنى رأيت صورة هذا الشاب، وهو الدكتور داهش فى الجرائد المصرية، وعرفت فى تلك المقابلة سر نظرته النافذة.
وزارنا الدكتور داهش عدة مرات فى منزلنا، وكان هو ووالدى يدخلان فى مناقشات حول الروح والخليقة ومصير الإنسان، وفى موضوعات كانت فى ذلك الوقت أعلى من قدرتى على الفهم، وترك الدكتور داهش مصر، ومرت سنوات كثيرة.
وفجأة اتصل بى صديق من القاهرة لا أذكر اسمه، وقال إن لديه رسالة من الدكتور داهش، وكنت فى تلك الأثناء قد تخصصت فى اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزى، وكنت أقدم فى سياق البرامج الإنجليزية للإذاعة المصرية برنامجا بعنوان «تحت سحر مصر»، وآخر بعنوان «ديوان الشعراء» كنت أقدم فيه قصائد عربية حديثة قمت بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، ولعل هذا ما دعا الدكتور داهش، عن طريق الصديق اللبنانى، أن يطلب إلىّ ترجمة أحد كتبه من العربية إلى الإنجليزية.
لم يكن وقتى يسمح بالقيام بتلك الترجمة، فاعتذرت، وترك لى الصديق اللبنانى مجموعة من مؤلفات الدكتور داهش بدأت بقراءتها، ولكن لابد لى من الاعتراف بأننى لم أستطع أن أقرأها جميعها، وتجدر الإشارة إلى أنها تزيد على مائة كتاب مازلت أداوم على قراءتها. قرأت أشعاره فى «أسرار الآلهة» و «قيثارة الآلهة»، وفيها يستعمل ما يطلق عليه الآن «الشعر المنثور»، كما قرأت له أشعارا كلاسيكية، لكنها قليلة جدا من مؤلفاته، منها:
أيها العصفور غن تبعد الأشجان عنى
غننى لحنا شجيا وأعده وادن منى
أنت عصفور جميل لك صدح سلسبيل
غننى آيات حبى فى دجى الليل الطويل
أيها العصفور حلق وأشد حرا فى الفضاء
ليتنى مثلك أشدو إن قلبى فى عناء
وكان من الطبيعى أن أقرأ الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور محمد حسين هيكل، وهى أكثر من مجرد رسائل عادية، إنها تعكس فلسفة عميقة وشرحا لمفهوم الاضطهاد فى عصرنا الحديث. إن ما تعرض له الدكتور داهش على يد رئيس جمهورية لبنان الأسبق بشارة الخورى بمحاكم التفتيش فى العصور الوسطى. وقد بين مؤسس الداهشية فى رسائله أسباب ذلك الاضطهاد ومراحله القانونية والتعسفية، ولكنها (أى الرسائل) فى الوقت نفسه، تعكس عظمة الدكتور داهش فى مقاومته ذلك الاضطهاد واسترداده لحقه بيده.
وهناك أيضا كتب تعالج الروحانيات، ومنها «ابتهالات خشوعية» الذى يضم صلوات الدكتور داهش وأناشيده الروحية التى يتوجه بها إلى الله، إله جميع الأديان التى كان يؤمن بها، وهو يستهل صلواته بأحد عشر ابتهالا اقتبس معناها من مزامير النبى داود، وصاغها بأسلوبه، وفى تلك الصلوات يعترف بالضعف البشرى واصطراع الخير والشر فى نفسه، ثم يستغفره تعالى ويستنجده فى سحق الميول الوضيعة، ومن الأناشيد الروحية ما يناجى فيها المؤلف عالم الروح حيث النقاء والبهاء.
وبالإضافة إلى هذا العدد الكبير من المؤلفات الرائعة، فإن الدكتور داهش كان مهتما بالفنون الجميلة بكل أشكالها، وقد استطاع أن يقتنى ما يزيد على 2000 عمل فنى، وكان أمله أن يستطيع أن ينشىء منها فى بيروت متحفا لا يقل شأنا عن المتاحف العالمية، ولكن أمله تحطم حين قامت الحرب الأهلية فى لبنان، وصارت بيروت أطلالا بائسة، وقد استطاع الدكتور داهش أن ينقل مقتنياته الفنية إلى الولايات المتحدة حيث قام بعض أصدقائه ومريديه بتحقيق حلمه، فأقاموا «متحف داهش للفن» فى شارع من أكبر شوارع نيويورك، وكان على رأس هؤلاء الأصدقاء السيدة الفاضلة مرفت زاهد وابنتها أميرة، وقد وصف المتحف فى إحدى المجلات بأنه «صندوق مجوهرات».
وقد دخل القائمون على المتحف فى معركة حين أرادوا الانتقال إلى مكان أوسع من المقر الأول، وكان أمامهم عدد من كبار رجال الأعمال، وكان التسابق محاولة جادة وقومية، كانت بمثابة خط الدفاع العربى الأخير، وعلى الرغم من أن المتحف كان الأكثر إيفاء للشروط المطلوبة، وكان فى طليعة المؤسسات المتسابقة، وفقا لكلام الصحف، ولاسيما الـ «نيويورك تايمز»، حتى لقد ذهبت إحداها إلى القول إن السباق بين «متحف داهش»، والمنافس الأقوى هو أشبه ما يكون بـ “منازلة داود لجليات الجبار” ـ على الرغم من ذلك كله، لم يكسب المتحف المعركة ـ وقد دامت ست سنوات ـ وكسبها متحف آخر مغمور لم يكن أصلا فى عداد المؤسسات السابقة، كل ذلك يفيد أن الدول المتقدمة لا تخلو هى أيضا من التمييز العنصرى.
وليس «متحف داهش» مقرا للوحات والتماثيل فقط، لكنه أصبح مؤسسة فنية عالمية تلقى فيه المحاضرات، وتنظم المعارض المختلفة للفن، وقد كان لى حظ وشرف إلقاء محاضرة فى المتحف عن الاستشراق الحديث، وكان ذلك بمناسبة إقامة معرض الفن الاستشراقى وتأثير مصر ودول شمال إفريقيا على عدد من الفنانين الأوروبيين، خاصة فنانى إنجلترا وفرنسا.
وأود أن أدون هنا أن دارا للنشر فى نيويورك باسم «الدار الداهشية» أصدرت وتصدر جميع مؤلفات الدكتور داهش، بالإضافة إلى إصدار كتب بأقلام آخرين، وقد شرفنى أنها نشرت لى أحد كتبى بالإنجليزية plain Talk.
وأود فى النهاية أن أشارك أصدقاء الدكتور داهش ومريديه فى الاحتفال بمرور مائة عام على ولادته، لقد كان الدكتور داهش عبقريا قل أن تجود بمثله الدنيا.
الشرق والغرب يلتقيان» في دبي
الامارات اليوم
معرض لفنانين غربيين عن الزخارف الإسلامية
«الشرق والغرب يلتقيان» في دبي
المصدر:
- ديانا أيوب – دبي
التاريخ: 19 يونيو 2011
المعرض أبرز اهتمام الغرب بفن الزخرفة الإسلامي. تصوير: مصطفى قاسمي
زخارف ونقوش إسلامية بأشكال عديدة، كالنجمات المضلعة والزهور، تعود الى القرن الـ،19 قدمها عدد من الفنانين الغربيين الذين أتوا في رحلات الى الشرق، قدمت في المعرض الذي افتتح بعنوان «الشرق والغرب يلتقيان»، ويختصر عنوان هذا المعرض، ما قدمته الحضارات الإسلامية على مر العصور القديمة من زخارف متنوعة ومتعددة في البناء والعمارة والكتب والمنسوجات والخشب، ولكن من خلال أيدي الفنانين الأوروبيين الذين نقلوها بعد رحلاتهم الى الشرق. وتعد الأعمال الـ45 الموجودة في المعرض، توثيقاً للزخرفة والتصاميم الإسلامية، كما انها تبرز التنوع الثري للوحدات الزخرفية الإسلامية واستخدامها الذي طال الكثير من الجوانب.
جونز
يشمل المعرض الذي افتتحه وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، عبدالرحمن العويس، الذي ينظم من قبل جامعة سيراكيوز، ومتحف داهش (مقره نيويورك) في المسرح الاجتماعي في «مول الإمارات»، أعمالاً تعود لفنانين ومهندسين اوروبيين نقلوا نقوش الزخرفة المتعددة من بلدان عدة ومنها مصر وتركيا وايران.
وكانت ابرز الأعمال الموجودة في المعرض للفنان أوين جونز، ومنها العمل الذي نقل فيه الزخرفة الخاصة بضريح السلطان سليمان القانوني، التي كانت عبارة عن وحدات مستمدة الأطراف تتقاطع افقيا وعموديا، مترابطة ومتتالية، وعلى خلفية حمراء. كما تميز هذا الفنان بتقديمه زخرفات متنوعة البلدان، كالمصرية والفارسية وكذلك التركية التي اخذت اشكالات متنوعة بين الأرابيسك والاطارات الهندسية. والى جانب جونز، برزت لوحات للكثير من الفنانين، ومنهم أشيل كوستان، وفيشو، ومارشان، وبرنارد ستميث، وليموان.
وتتباين الأشكال الزخرفية ومنها النجمات ذات الزوايا الثماني او الـ12 زاوية، التي تتقاطع زواياها ضمن مضلعات النجمة. والى جانب النجمات، برزت أيضا تفاصيل أخرى في الأعمال، ومنها الزهور التي تستخدم بكثرة، فتارة نجدها محفورة على الخشب مع أوراق الأشجار المتدلية، بطريقة متشعبة ومعقدة، وتارة تحفر بشكل عشوائي وغير منتظم. وكانت هذه الزخارف تزين المباني القديمة، وبعض الأسواق، والمساجد، والمنابر الخشبية الموجودة في المساجد، والأسقف، وكذلك بعض الأضرحة. ومن خلال التدقيق بين الزخرفة في الهندسة أو تلك المحفورة على الخشب، تمكن ملاحظة مدى اهمية الزخرفة في اظهار جمال الخشب ولونه، في حال استخدم مادةً اولية للفن، بينما نلاحظ أهمية الألوان، ولا سيما الأزرق والذهبي، والأحمر، في إبراز العمل في العمارة.
إضافات
قال نائب رئيس هيئة الثقافة في دبي، محمد المر، ان «المعرض مهم لسببين، أولاً لأن جامعة سيركيواز، تعد من اهم الجامعات في العالم، وبالتالي افتتاحها فرعا لها في الإمارات مهم جدا للبلد، وثانياً يقدم المعرض نسخاً لأعمال موجودة في متاحف عالمية، وبالتالي فرصة للمشاهد للتعرف إلى روائع القرن الـ19».
ولفت المر الى ان الفنون في تطور مستمر، ودائماً تقدم تجارب مختلفة، ولكن دائماً في كل فن هناك الجانب التراثي الذي يجب ان نحافظ عليه. ونوه بوجود اضافات في الزخرفة الإسلامية، وقد وجدت لإغناء الديكور العربي والعمارة، ولكن وجودها يحتاج الى الدقة لإغناء هذا الفن. وأشار المر الى ان الأعمال الموجودة في المعرض، التي هي عبارة عن مستنسخات وكتب تعد من افضل النماذج الأكاديمية في هذا المجال. واعتبر ان دبي باتت مدينة مهمة في الشرق الأوسط في استقطاب الفنون من كل انحاء العالم، ولاسيما مع معارضها ومزاداتها، فنشاطها جعلها تتقدم فنياً على الكثير من الدول في مجلس التعاون.
بينما من جهتها قالت أحد امناء متحف داهش للفن في نيويورك، أمينة زاهد، ان «انتقاء الأعمال التي عرضت في المعرض، أتى بناء على ما تمثله هذه الأعمال من تنوع في الزخرفة الإسلامية التي قدمت من الأوروبيين، وكذلك كونها تبرز كيفية تأثرهم بهذه الفنون». ولفتت الى ان دبي مع تطورها، أبرزت تاريخ الزخرفة الإسلامية في المباني الحديثة، اذ لاحظت انها تستخدم لدرجة كبرى، فنجدها في كل التفاصيل بدءاً من الثريات في الفنادق، وأسقف الغرف، ووصولاً الى نوافير المياه المزخرفة، وان قصد احدنا البحث عنها سيجدها في كل ما يحيطه.
ولفتت الى انها حرصت على اختيار اهم الفنانين، ومنهم اوين جونز الذي لديه كتاب فن التزيين الذي يدرس في كل جامعات الهندسة في الغرب. ونوهت بأن الزخرفة التي نقلت من الغربيين نقلت بدقة، وبالتالي تعتبر توثيقاً حقيقياً لما كان في القدم، لأن الزخرفة بخلاف التشكيل، كانت تعتمد على النقل الواقعي والحقيقي، فيما التشكيل الاستشراقي كان يتم احيانا من دون ان يزور الفنان البلدان الشرقية. ونوهت بأن الخطوط العربية تشكل جزءاً من الزخرفة، ولهذا وضعنا لوحة للفنان حسن شلبي.
واعتبرت زاهد ان ما ينقص دبي، هو فقط وجود المتاحف الفنية، لأنها تعد ملتقى للثقافات، ومحطة ثقافية مهمة في المنطقة، وتجذب الأعمال الفنية، وبالتالي لابد من الاهتمام بوجود متاحف.
رسالة نشرتها بعض الصحف العربية
حضرة الفاضل رئيس التحرير مجلّة ” العالم العربيّ “
سيّدي !
إني من عشاق مجلتكم المدافعة عن العرب والعروبة , والباذلة نشاطها في سبيل رفع معنويات هذا الشعب الذي ابتلي في هذا العصر بضربات دمويّة قصمت منه الظهر , وزلزلت منه الأركان , فاهّتز وتصدع , وكاد ينهار ذلك البنيان الشامخ الذي ناطح في حقبة من تاريخه المجيد قبة الزرقاء , واشمخّر وتطاول حتى بلغ قمّة الجوزاء .
نعم يا سيّدي !
أنا شاب عربيّ قرأ تاريخ الفتوحات العربيّة التي انطوى عهدها , فتألم ألما عظيما لما بلغته هذه الأمة العربيّة اليوم من الضعف والتفسخ والتخاذل ووددت لو يتاح لي يوما أن أقوم بعمل ما يرفع من بنيانها الذي انهار .
فكلّ منّا نحن العرب يمكنه أن يضع لبنة في بناء هذا الكيان . لأنه لو وجدت العزيمة الراسخة , والأيمان الوطيد , والمفاداة التامّة , والقناة التي لا تلين , والإخلاص الذي لا شبهة فيه , وعدم السير بركاب الأجنبيّ المستعمر , والاندفاع لمناصرة الحقّ الصريع دون غاية إلا للحق ّ وللحقّ وحده … إذ ذاك يمكن الأمة العربيّة أن تنهض من كبوتها , وتعود الى سيرتها المجيدة الأولى , وتتبّوأ مكانها اللائق تحت الشمس . فعصرنا عصر الآلة , عصر المادّة ,عصر السرعة الجهنميّة , ومن تأخر عن القافلة السائرة داسته سنابك خيولها المسابقة للرياح العاصفة ولاشت وجوده …
****
جئت بهذه المقدمة الوجيزة لأنني أعجبت بكفاحكم المتواصل في ما تنشرونه من مواضيع التي تهمّ العرب والعروبة , ولما يعود عليها بالخير والرفاهيّة , ولأنكم تقولون الحقّ وتعلنونه بصراحة تامّة لا يهمكم في ذلك لومة لائم .
وفي عددكم أول يناير 1953 قرأت العريضة التي قدمتها السيّدة ( ماري حدّاد ) الداهشيّة لفخامة رئيس الجهوريّة اللبنانيّة كميل شمعون , وهي تتضمّن حقائق خطيرة ارتكبها بشارة الخوري , رئيس الجمهورية السابق , الذي خلعه الشعب اللبناني بعدما كثرت جرائمه وذنوبه , وتعدّدت آثامه وعيوبه , وتضخّمت صناديقه وجيوبه من مال الأمة التي نكبت به نكبة عظمى .
وصدّقني أيّها الأخّ الكريم بأنّني لو لم أكن أنا شخصيّا قد اطّلعت ( عندما كنت منذ عامين في لبنان ) على سلسلة الجرائم الرهيبة التي اقترفها بشارة الخوري الطاغية ؛
ولو لم تتح لي الصدفة أن أطّلع على مقدار الاضطهاد العنيف المخيف الذي أوقعه بشارة الخوري على الداهشيّين الأبطال الذين رفعوا على بشارة الوصولي راية العصيان ، وراحوا يقذفونه بمقنبلاتهم الرهيبة التي ضمّنوها كتبهم السوداء الهائلة الاتّهامات الصادقة ، لو لم أعرف كلّ ذلك شخصيّا ، ولو لم أتأكّد تأكّدا تامّا لا شبهة فيه ، لاستعظمت ما نشر في عددكم الأخير .
أمّا وانّني كما قلت ( وللصدفة يد في معرفتي ذلك وقتذاك ) مطّلع على جميع الجرائم التي ارتكبها ذلك الباغية ، فقد وجدت أن عريضة السيّدة المجاهدة ماري حدّاد معتدلة جدّ الاعتدال ، وليس فيها ما يجرح سمعة الطاغية مثلما كان يستحقّ ، بالنسبة لأعماله الشرّيرة . وليس في العريضة ما يكشف الباغية كشيطان أثيم ضجّت منه أبالسة الدجنّات المدلهمّة …
انّ ما ارتكبه الطاغية من أعمال رهيبة تتبرّأ منه الانسانيّة المنكوبة بمثله . ففي جعبتي أيّها الكاتب الأديب من المآسي التي تمّت على يديه ما لا تسعه المجلّدات ضخمة . وعندما تنشرون تحريري هذا ، أرسل اليكم بالتتابع عيضا من فيض ممّا اجترحته نفسه الخسيسة من صغائر ، وما جنته يداه ( تبّت يداه ) من منكرات وكبائر …
لقد اعتدى على نساء مثيرات …فسفح شرفهنّ على مذبح شهوته الآثمة الملطّخة . واستعمل نفوذه في سبيل بلوغه لأربه الوضيع ، فضلا عن تهريبه لأموال الشعب بواسطة زوجته التي أرسلها الى أميركا وفرنسا وانكلترا وبلجيكا وسويسرة …فوضعت في مصارفها ثروات طائلة امتصّها هذا السارق من مال الأمّة …فيا ويحه ما أرهب انعدام صميره !
كما انّه ابتاع مزرعة في كاليفورنيا بلغت قيمتها ستّة ملايين دولار ، وقد كتبت الصحف الأميركية واللبنانيّة عن هذه المزرعة الشيء الكثير ، وقالت في بشارة الخوري ما لم يقله مالك في الخمر ….
وان أعجب لأمر – أنا وكلّ من عرف بمباذل بشارة الخوري وسرقاته – فعجبي هو لماذا لا يحاكم هذا السارق ، ويحكم عليه بالسجن المؤبّد ، وارجاع الاموال المنهوبة الى الأمّة المسلوبة …عفوا قلت يجب أن يسجن ، والحقيقة يجب أن يشنق !
انّ في هذا الأمر لسرّا مكنونا . وكلّ مكنون سيعلن . وليس خفيّ الاّ وسيظهر مهما كانت أسباب كتمانه على ظهر الأمّة ، ومهما كانت أسبابه ومسبّباته ….
وليته اكتفى بالسرقة ، واللصوصيّة ، والاعتداء على أعراض المحصّنات وخرقه للدستور ، وتحطيمه للقانون ، وافساده لضمائر القضاة والقضاء …
كلاّ . لم يكفه ذلك ، اذ شنّها حربا شعواء على الداهشيّين لأنهم آبأنّ محمّدا نبيّ مرسل ، وأنّ قرآنه الكريم منزل .
انّ تعصّبه الكاثوليكي الذميم أملى عليه أن يضطهد حتى شقيقة زوجته ، وهي الأديبة الفنّانة المعروفة السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة لأنها آمنت بنبيّ الاسلام وبقرآن محمّد ، فالله اكبر ! الله اكبر !
انّ سيّدة نبيلة تسجن لأجل ايمانها بالاسلام ، ويقف الاسلام مكتوف اليدين أمام جريمة رهيبة كهذه …
سيّدة نبيلة وعائلتها تسام الذلّ والخسف ، وتذوق عذاب السجون ، وتتمرّغ على فراش الألم والمهانة ، وليس في دنيا الاسلام من يمدّ يده وينشلها من محنتها الرهيبة ؟ ترى هل نحن في القرون المظلمة وفي عصر محاكم التفتيش الدمويّة ، أم نحن في القرن العشرين عصر النور والمدنية والحرية الفكرية كما زعموا ويزعمون ؟
واخجلاه ! وواعاراه ! اين هو الاسلام لا يثب على ذلك الوصوليّ المجرم فيمزّقه تمزيقا ، ويجعله عبرة للمستهزئين بالاسلام الحنيف ، دين الهداية والانصاف ؟
واويلتاه من حكم التاريخ الذي لا يرحم !
اين هم الذائدون عن حياض الدين ؟ وما لي أراهم صامتين صمت القبور حتى يوم النشور ؟
ولم لا يحرّكون ساكنا ولا يتحمّسون ( أتراهم أحياء أم هم أموات لا يستيقظون ) ؟
لقد كنتم أنت أوّل من نشر عن هذا الوصوليّ المرتكب يا سيّدي . شكرا لكم على جرأتكم التي هي جزء لا يتجزّأ منكم . وثقوا بأنّ التاريخ سيذكر لكم هذه الجرأة الواجبة في نشر الحقّ واعلان الحقائق ، واذاعة ما خفي من أمر بشارة الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا وقريبهم هنري فرعون .
هذا ( الأقنوم الرباعي ) الذي بغى وطغى وثار بتعصّبه الذميم على الفئة المسيحيّة البريئة المجاهدة التي آمنت بنبيّ المسلمين وقرآنه المبين ، هذا ( الأقنوم الرباعي ) المتعصّب نكّل بها لأنّه يكره الاسلام والمسلمين كراهية عمياء هوجاء ، لا يستطيع قلمي أن يصفها على الاطلاق .
فمن الحقّ والعدالة أن تشنّ على هذا الباغية المجرم حملة صحفيّة مزلزلة تقوّض له أركان تعصّبه الذميم ضدّ الاسلام والمسلمين ، فتعصف هذه الحملة الصادقة بتعصّبه الأرعن وتؤدّبه تاديبا يستحقه عن جدارة تامّة هو ومن آزره وناصره من رجال الدين ومن ذكرتهم أجمعين .
واذ أختم مقالي ، أكرّر لكم شكري على غيرتكم المشكورة واندفاعكم لمناصرة الحق الذي هو شعار مجلّتكم الحرّة الجريئة التي هي منبر مفتوح لكلّ متظلّم من أيّ حيف وصل اليه ، أو ظلم وقع عليه .
سدّد الله خطاكم في هذا الطريق النبيل .
محمود المصطفى
أوّل مقال لمجلّة "الغري" العراقيّة
صدر العدد 7 من مجلّة (الغري) النجفيّة (السنة الثامنة) لمنشئها العلامة شيخ العراقيين آل كاشف الغطاء ، وفي صفحتها الأولى المقال الآتي :
الدعوة إلى الإسلام في لبنان
من وراء حجب الأديرة والكنائس في لبنان انبثق فجر دعوة إسلاميّة جديدة قام بها جماعة من رجال الفضل وسيّداته ، وانضمّت إليها أسر مسيحيّة كريمة عرفت بالأصالة والدين بين الأسر اللبنانيّة العريقة .
ورئيس الدعوة المحمّدية الجديدة ، ومن له الفضل في نشر الفكرة ، هو الدكتور داهش المعروف بحريّة الرأي ، وسعة الأفق النفسي ، والتجرّد عن الأوهام والتقاليد .
وقد نشر الدكتور بين الملأ من أتباعه سلسلة من الكتب اشتملت على بواعث الدعوة ، وأسباب اعتناقه للدين الإسلامي ، من جملتها كتاب (محمد سيد الخلق ) وكتاب (مذكّرات دينار ).
وأسمى ما يلفت النظر من بواعث إسلامه ما تجلّى له من إعجاز القرآن الكريم بأسلوبه ونظمه في روائع سوره وآيه .
والقرآن معجز حقاً ، ولكنّ سرّ إعجازه لا يتجلّى إلاّ لأصحاب الملكات في البلاغة العالية ، وذوي الأحاسيس الذوقيّة الراقية ، ومن تبلغ عنده حاسّة التذوّق للفنون القوليّة مبلغاً يقوم مقام الشهود والعيان .
وفي طليعة الآيات القرآنيّة التي استفزّته واستدرجته ، ثمّ بهرته وراعته ، ثم هبطت عليه بالسكينة والإسلام آية النور :
] الله نور السموات والأرض . مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب درّي يوقد من شجرة مباركة ، زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار . نور على نور ، يهدي الله لنوره من يشاء ، ويضرب الله الأمثال للناس ، والله بكلّ شيء عليم [.
وقد كان لإسلام الدكتور داهش وعدد كبير من وجوه الأسر المسيحيّة صدى بالغ في الدوائر الإسلاميّة العليا ، ومنهم الشاعر الكبير حسّان حليم دمّوس ، وقد تلقت إسلامه صحف مصر بكثير من الحماسة والتقدير .
وكان لا بدّ لمجلّة (الغريّ) أن تساهم في إعلان هذه الدعوة المباركة التي تتوسّم فيها الهدى والرشاد .
إنه لا يسع المسلم إلاّ أن ينكر ما تلقاه الداهشيّة في ذلك الوسط الحرّ من مطاردة ومقاومة ، على حين يتمتّع أبناء العروبة في جميع البلاد الإسلاميّة بحريّة الرأي والدين .
كما نودّ أن يقف مسلمو لبنان موقفاً كريماً إلى جانب هذه الفئة المسلمة فلا يتركوهم بغير سند وعون .
وقياماً بحق هذه الدعوة علينا ننشر بعض ما جاء في كتاب (محمد سيد الخلق) الذي سبق أن ذكرناه ونأتي على بعض ما تضمّنه من كلمات الدكتور داهش الآتية :
محمّد – النبيّ العربيّ الأميّ القرشي يدعو الناس للسير في الطريق المستقيم .
محمدّ – رسول الله بل حبيبه ، بل نديمه ، بل صفيّه ، بل قرّة عينه .
محمّد – الأمين موحّد القلوب المتنافرة تحت رايات ربّ العالمين .
محمّد – النبيّ الصادق صاحب الآيات والمعجزات والوحي المبين .
محمّد – سيد الأنبياء الأتقياء ، وزعيم المسلمين الأبرار الأنقياء .
محمّد – المصطفى من الرفيق الأعلى ربّ العرش ذي الجلال والبهاء .
محمّد – اليتيم خير الخلق ، بل سيّد الخلق ، فبالصدق ينطق ، وبالحق يتكلّم ، وباليقين ينبئ ، وإنك لعلى خُلق عظيم .
محمّد – سيّد الكائنات ، وصفوة النوع الإنسانيّ .
لا كانت الدنيا ، ولا كان الخلق ، لو لم يكن محمّد .
القرآن – كتاب الله الشريف يتلوه من عمر قلبه بالإيمان .
القرآن – يؤمن بآياته البيّنات كل متزن العقل نيّر الفكر ثابت الجنان .
فمثل القرآن ، ما أنزل الله الرحمان ، وما أوحى به لإنسان .
ومثل محمد في الدنيا ما كان ، ولن يكون له صنوٌ في مكان .
” قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً “.
هذه نبذة وجيزة من كلمات الدكتور داهش نقدّمها لقراء الغريّ وفيها كفاية للحكم بإسلام من أقرّ بها .
مجلّة الغريّ
النجف ، العراق
المقالة الثانية في مجلة " الغريّ " العراقيّة
صدر العدّد ال 14 من مجلّة ( الغري ) العراقيّة ( السنة الثامنة ) التي يصدرها العلاّمة شيخ العراقيين آل كاشف الغطاء وفيها هذه المقالة بتوقيع ( رائد الحق ) الشاعر الناثر الشيخ سليمان الظاهر من علماء النبطيّة – جبل عامل – في لبنان الجنوبي .
حول الداهشيّة ودعوتها الجديدة
كتب اليّ حضرة المفضال الغيّور صاحب مجلّة تاغري الغرّاء بمناسبة الضجّة القائمة اليوم حول الداهشيّة ومراميها وأهدافها واختلاف أقاويل الناس فيها وفي دعوتها الجديدة , يستوضح عمّا بلغه علمي عن حقيقة أمرها وما الى ذلك مما يتّصل بهذا الموضوع الخطير .
فرأيت لزاماً عليّ وقد أحرجني – أيّده أللّه – لخوض بحث لم أكن أعدّدت له من قبل عدّته , ولم أكن أحطت به خبراً , أن أصرف وقتاً في الوقوف على الحقيقة , أو مايقرب من الحقيقة , لأسلم من المعرّة , من معرّة الحكم على القوم بما يجانب الحقّ فأتحمّل لوم اللائم ووخز الضمير .
فرأيت , مع إلمامي بعض الإلمام بشيء من أحوالهم , أن أتّصل ببعض من لي سابق معرفة وصداقة به , وهو من العليّة من أتباع المذهب الداهشيّ ومن دعاته ومروّجيه ومن احتملوا في هذا السبيل أذى كثيراً , ولم يمنعه ذلك كلّه عن المضيّ في الأمر , والدفاع باللسان واليراع والخطابة بتأييد ما يعتقده حقّاً .
فلم يضنّ بما طلبته منه , وكتب اليّ كتاباً , واصحبه بإضبارة من كتبهم المنشورة , وبالطبع منها ما يعرب عن إعتقادهم الصريح , ومنها ما يشرح شرحاً ضافياً عمّا لاقاه إخوانه من إضطهاد .
وكلّها كما كتب لي وكتبتم اليّ قد أهدي لكم منها .
ومما كتب اليّ بذلك الكتاب الذي لم أجده كافياً في الحكم لهم أو عليهم فيما أكتب , فراجعته في الإستيضاح عن أمور تزيدني إطمئناناً .
فلم يبخل عليّ بكتاب آخر فيه الصراحة .
وقبل نشر كتابيه بمقالي هذا , وقبل إبداء رأيي بمقالة القوم والحكم بإسلامهم , من أقوالهم وأفعالهم , أراني مضطرّتً الى تمهيد وجيز له كمال الإتّصال بهم , وبأنّهم قوم باحثون عن الحقّ , عاملون الى ما تطمئن به نفوسهم من الزلزال فأقول :
إن الشرق وهو المستغرق في الحياة الروحانيّة , منه إنتشرت الأديان السماويّة , وابتعث أللّه جلّ وعلا الأنبياء والمرسلين لإصلاح العالم الإنساني , والتسامي به الى أسمى مراقي الروح .
وفي هذه الأزمان التي اتصل بها الشرق وهو متأخّر في الحياة الماديّة بالغرب المنغمفي حمأتها , سرت فيه الروح الغربيّة الماديّة , وخاصة في معرّتها ونقائصها , وما تحمله من سموم مبادىء متناقضة متباينة عاكست سير الإنسانيّة المستقيم , وبعثت فيها الآلام النفسانيّة التي لا قرار لها والتي شكا منها الغرب قبل الشرق , وقام فيه من المصلحين من يعمل على إنقاذ البشر من شرور تلك السموم التي إضطرب لها العالم شرقيّة وغربيّة , وأنذره بالزلزال , بل وبالتلاشي من لوح الوجود , وهو صائر إليه عاجلاً أم آجلاً , إن لم يتغلّب المصلحون على محو تلك المبادىء المرتطم فيها , والسير فيه بمبادىء هي أقرب لصلاح البشر وإنقاذهم من هذه الهوّة السحيقة التي لا قرار لها .
وما صلاحه بالنازيّة , ولا بالفاشيّة , ولا بالشيوعيّة وما الى ذلك مما لا يعدّ , ولا يحدّ بحد , من سمومها القتّالة .
وإن من تعاليم الدين الإسلامي المبيّن دواءً لتلك الأدواء . والإسلام نفسه لا يناقض المسيحيّة ولا الإسرائيليّة من حيث القواعد العامّة الملائمة للعقول , ففيه الديانتان من هذه الناحية مجتمعتان , ولكنّه … وقد جاء خاتمة الشرائع , ونبيّه العظيم خاتمة للنبيين , فقد كفل بما فيه من تعاليم تصل بالعالم الى المثالية – سعادة البشر . وفيه ما يضمن بما فيه من مبادىء سامية , وما سنّ من سنن قانونيّة واجتماعيّة وماديّة وأدبيّة وروحيّة ما يردّهم الى الإعتدال والقصد , فلا بدع إذا بحث الداهشيّون , وهم من صميم الشرق الروحيّ , وقد رأوا تسرّب الماديّة الممقوتة بكل معرّاتها الى جماعات شرقهم , في طرق إنقاذهم من تلك المعرّات والنقائص .
ورأس الداهشيين رجل أوتي ذكاءً رائعاً , وفكراً صائباً , وصراحة فذّة , وصبراً عجيباً , ومعرفة بالأنفس وخوالجها … فليس من المستغرب أن يرشده بحثه في إدواء أمّته , وما آل إليه أمرها , وما شارك منها الكثيرون الغرب الماديّ في مبادئه الهدّامة الى أن دواء الداء الذي رآه منحصراً في إختلاف الأديان , وإن شئت فقل ( أرباب الأديان ) , باعتناق الدين الإسلامي الذي فيه ( المسيحيّة والإسرائيليّة ) وزيادة .
وهي التعاليم الكافلة لسعادة أمّته ومؤاخاتهم , ومداواة كل ما يشكون منه من إلحاد ومن مبادىء سرت ما بينهم , وكلّها معاول تهديم وضلال وإضلال .
قام داهش بك وأتباعه بهذه الدعوة , ولا عجب إذا نفر منها ومنهم من لا يهون عليهم التخلّي عن عقائدهم , وقيام ما يدعو الى اتباع سواها وهو من أهل دينهم .
ولاقى وأتباعه ما لاقوه من تهجين دعوتهم وإلباسها غير لباسها , وإبرازها في غير شكلها …
وبعد فأجتزىء بهذه المقدّمة الخاطفة , وأعود فأنشر كتابيّ ذلك الصديق :
الكتاب الأول
طلعت عليّ رسالتك الأنيقة المؤرّخة في 7 الجاري كانون الثاني 1947 طلوع القمر الساطع بعين المدلج الساري , فقرأتها مثنى وثلاث ورباع , وشكرت لكم تلك العاطفة الرقيقة المترقرقة من خلال سطورها . وللحال زرت منزل الداهشيّة حيث إجتمعت بفريق من الإخوان مع آل حدّاد وقرأت عليهم رسالتكم الكريمة , واستقرّ الرأي أن نبعث إليكم ببعض مطبوعات فيها الجواب الشافي الوافي عمّا سألتموني عنه , وما سألكم عنه صديقكم النجفيّ الصحفي , ولعله صاحب الغريّ , ويمكنكم أن تبعثوا إليه بنسخة من المرسل .
أمّا المقاومات والإضطهادات فلا تزال كالجمر تحت الرماد …
وكل دعوة إصلاحيّة لا بدّ لها من مقاومة وإضطهاد .
عذراً لهذا الإختصار والإكتفاء هنا بالتلميح , لا بالتصريح , فيما يتعلّق بأسئلتكم جميعها . فالأمور مرهونة بأوقاتها , ويكفي أن أقول بلساني ولسان إخواني الدّاهشيين المؤمنين الذين لا يخافون في الحقّ لومة لائم :
أنا بإسم ربّي رأيت النورا وكفى بربّي هاديــاً ونصيـراً
الكتاب الثاني
… وبعد فقد سألتموني عن الداهشيّة وأهدافها في رسالتكم الأولى والثانية .
وكنت أتمنّى لو راجعتم بعناية جميع ما أرسل إليكم , لأدركتم الأهداف من تلك الردود والمناشير والبيانات . وأن للداهشيّة أهدافاً عديدة :
منها تحطيم سلاسل الدجل والشعوذة , والضرب على أيدي رجال الدين الذين يشوّهون التعاليم السماويّة لغايات دنيويّة .
وهي تكره الذين يضلّون عن طريق العقل , ويضلّلون الملايين من عباد أللّه المساكين .
وهي تنزع وتهدف لتغرس في قلوب من ينتمون إليها محبّة النبي العربيّ القرشيّ , وتكريم ذكره , والإطّلاع على سيرته النبويّة الجليلة , والتعمّق في أسرار آياته وأحاديثه , والتمسّك بأهداب القرآن الكريم . وبعد إنتشار هذه الدعوة تزول الحدود والسدود , ويدين الجميع بدين الحق , دين المحبّة والحرّية والآخاء .
ومن أهدافها إنذار العالم ال‘سلامي بسوء المصير إذغ بقي مسترسلاً في غوايته , وهي تعتبر أن الإسلام لا يسير اليوم على تعاليم محمّد ووصايا أللّه وإرادته …
وإذغ كانت هناك فئة قليلة تسير على النهج القويم فهذا لا يكفي ولا يشفي .
ومما تقوله الداهشيّة إن من أراد أن يطلق عليه إسم مسلم وجب عليه أن يعود الى سيرة المجاهدين الأقدمين , وينسج على منوالهم , ويزهد في الدنيا , ويتطلّع الى المثل العليا , والفضائل السامية التي خلّدت ذكر محمّد وأبي بكر وعليّ وعثمان وعمر ومن طرّسوا على أثارهم من الأبطال العظام الذين جاهدوا وإستشهدوا في سبيل الحقيقة والإسلام .
ثم أن رجال الدين ولا سيّما رجال … الكاثوليك لم يتركوا وسيلة إلاّ حاربونا بها , ولم يتورّعوا عن نشر المختلقات وترويج المفتريات حول داهش وإخوانه .
وقد ظنّوا أن بعملهم هذا يثبطون من عزائمنا الفولاذيّة , ويضعفون من إيماننا الراسخ رسوخ الأطواد , فباؤوا بالفشل الذريع بعد أن تكشّفت الحقائق للجميع , فعرف الناس الصادق من الكاذب , والصالح من الطالح . ولذا أخذت دعوتنا تنو نموّ شجرة مباركة قويّة الأعراق والجذور , فلا تقوى هوج الرياح على إقتلاعها . وها إن عدد الأنصار أصبح عظيماً زالحمد للّه …
وهناك أسر وعائلات كثيرة تدين بالداهشيّة في لبنان وخارج لبنان , ولكنّها لم تبح بسرّها لأحد , لأسباب حكيمة , لأن ظهورهم اليوم يعرّضهم للإضطهاد والسجون وملاحقة الشرطة وخسارة بعض المصالح والوظائف …
ولكن هذه الفئة تعمل في لبنان , وخارج لبنان , بغيرة وإخلاص , وبصمت عميق , لأن إعلان إيمانها اليوم ليس من الحكمة في شيء … وقريباً يكشفون القناع عن وجه الحقيقة , ومعظمهم من عليّة القوم , ومن أصحاب المهن الحرّة والوظائف الرفيعة , والتجارات الواسعة …
وقبل كلمة الختام أتقدّم إليكم بطلب خاص وهو أن تبادروا لمعالجة هذه القضيّة ونشر مقالات متسلسلة , والطلب من صاحب مجلّة الغريّ وأصحاب غير صحف تعرفونهم ليوجّهوا نداءً صارخاً الى العالم الإسلامي أن يستيقظ من سباته العميق , ويدرك معنى الجهاد الحقيقي الذي يقوم به الداهشيّون دفاعاً عن الحقّ الشريف , وانتصاراً للدين الحنيف . وكلّما أنشأتم مقالة وأرسلتموها الى إحدى الصحف نرجو موافاتنا بنسخة منها لنحتفظ بها وننشرها بين الإخوة الداهشيين الذين يتوقّعون من أمثالكم رفع منار الحقّ والحقيقة والثبات الى النهاية لبلوغ الغاية :
وقلّ من جدّ في أمـر يحاوله وأستخدم الصبر إلاّ فاز بالظفر
هذان كتابان صريحان كل الصراحة بما يهدف إليه الداهشيّون , وبما يعتقدون . ومن نشراتهم المطبوعة ومنها بيان الى علماء المسلمين ووجهائهم وأدبائهم المحترمين , ومن إتصالنا ببعضهم ممن له مكانته الممتازة بين قومه والمستنيرين , ومصارحته لنا باعتقاده بنبوّة محمّد صلّى أللّه عليه وسلّم وبإعجاز القرآن , ومن أن النرء يدان بأقواله … كل أولئك مما نستدل منه على إسلامهم وأنّهم صائرون إذا ارتفع عنهم الضغط الى نباهة شأن , وسموّ مكان , وكثرة الأشياع والأتباع والأعوان .
وعلى المسلمين أن يناصروهم ويمدّوا إليهم يد المعاونة .
وألله الهادي الى سواء السبيل .
رائــد الحــقّ
سليمــــــان الظاهـــــــر
النبطيّــــــة – لبنــــــــان
الثورة الداهشيّة
مقتبسات مما نشرته بعض صحف حلب من 14 الى 24 كانون الأول 1947 وفي طليعتها جريد ” الجمهوريّة ” لصاحبها الأستاذ أشرف الكاتب
مرّ في هذا الإسبوع في مدينة حلب قبطان من أقطاب الداهشيّة :
الأستاذ الشاعر اللبناني الكبير ( حسّان ) حليم دمّوس , والأستاذ الأديب السيّد يوسف حجّار من أبناء حلب المعروفين .
وقد أقيمت على شرفهما عدّة حفلات في الجامع الكبير , وجمعيّة البرّ والأخلاق الإسلاميّة , والكلّية الخسرويّة , وجمعيّة الإخوان المسلمين وسواها .
وقد شرح الخطيبان في هذه الإحتفالات الخطابيّة , وفي بعض المآدب التكريميّة أهداف الرسالة الداهشيّة التي ترمي الى توحيد الطوائف , بدعوة العالم المسيحي الى الإعتقاد بنبوءة محمّد وبالقرآن الكريم .
وقد رأينا , أمام أهميّة هذا الموضوع الحيويّ الخطير , أن نتّصل بهما ونسألهما المزيد عن الداهشيّة التي أحدثت ضجّة عظمى في الشرق والغرب والمهاجر , ولا سيّما في السنوات الأخيرة :
سؤال : كيف تنظرون الى الدكتور داهش ؟
جواب – ننظر إليه كمصلح عبقري شاهد أمراض هذا المجتمع الماديّ , البعيد كل البعد عن القيم الروحيّة , فأراد أ، يعيد الى ذاكرة ذلك المجتمع تلك القيم السماويّة التي , بدونها , ى أخلاق ولا رقي ولا إصلاح ولا صلاح .
وننظر إليه كفيلسوف حكيم شاهد شقاء الإنسان وتعاسته المتأتيّة من جهله لمصيره , فأراد أن يذكّره بخلود روحه , وأن الأرض مرحلة قصيرة , وأن الحياة الحقيقيّة تبدأ بعد الإنتقال من هذا العالم لأن الروح خالدة .
وننظر إليه كمشترع إنساني شاهد إفلاس الأنظمة الجائرة التي ترزح تحتها البشريّة , أكانت شيوعيّة أم رأسماليّة أم دكتاتوريّة أم غيرها من الأنظمة التي تسيطر على هذه الأرض , فأراد العودة الى الديمقراطيّة السمحاء المبنيّة على أخلاق الفرد والمجتمع , والمنبثقة من سنن السماء التي هي من صنع ألرحمن , والتي أنبتت جهوداً عادلة كعهد أبي بكر وعمر وعليّ وأمثالهم .
وأخيراً ننظر إليه كمجاهد كبير شاهد تنافر الأديان , وتفاوت المذاهب , وتضارب الآراء الفلسفيّة , فأراد أن يجمع كلمة الشعوب وقلوبها حول الكتب المنزلة في جوهرها الأصلي , وحول القرآن خاتمة الوحي والإلهام . وقد كلّفته هذه الثورة الفكريّة التي أراد أن يشعلها أنواع الإضطهاد والسجن والنفي والتشريد , كما تحمّل أتباعه عبئاً كبيراً من هذه الإضطهادات المتوالية .
س – ما هي الداهشيّة بالنسبة الى الإسلام ؟
ج – الداهشيّة هي الإسلام النيّر العامل المتدفّق نشاطاً وروحانيّة , كما تجلّى في عهد الخلفاء الراشدين . والداهشيّة تهدف الى خلق صرح جديد يدين بهذا الإسلام المجيد , فيقيم التوازن بين الروح والمادة وينشر العدل بين كافة الطبقات , والمساواة بين الرعية والرعاة . أمّا البلد الأول الذي سيتم فيه هذا التطور وذلك التبلور فهو لبنان مهد الداهشيّة ! … وللوصول الى هذه النتيجة العظيمة , يقوم الداهشيّون بدعوتهم العالم المسيحي الى الإعتقاد بنبوءة محمّد وقرآنه المنزل , حتى إذا ما تمّت هذه المرحلة عاجلاً أم آجلاً , بدأت مرحلة التنفيذ في الحقل الإجتماعي .
س – كم عدد الداهشيين ؟
ج – إن الداهشيّة منتشرة في لبنان , والعراق , ومصر , وفلسطين , وسورية . كما أنها إنتشرت بسرعة هائلة في أوساط المهاجرين في الأرجنتين , والبرازيل , والولايات المتّحدة حيث أصبح لها عدّة صحف تنطق بلسانها , وتدافع عنها وتنشر تعاليمها .
وإذا أردنا أن نعطي رقماً على وجه التقدير , نستطيع أن نقول إن عدد العائلات التي إعتنقت الداهشيّة يتجاوز الألفين . وكلّها من الطبقة المثقّفة المستنيرة , لأنّها رأت في هذه الدعوة الدواء الوحيد لأمراض الشرق , بل العالم بأسره .
الجمهوريّـة
كلمة " أخبار اليوم "
وهذا ما نشرته جريدة ” أخبار اليوم ” المصرية في عددها المؤرخ في 17 فبراير
( شباط ) 1945
انتحرت الآنسة ماجدا حداد . وقد أحدث انتحارها ضجة كبيرة في بيروت ، لأنّ الأمر يتعلق بداهش بك المشهور … والآنسة ماجدا من أرقى العائلات المعروفة في المدينة . خالتها عقيلة رئيس الجمهورية ، ووالدها قنصل رومانيا سابقا . أما داهش هذا فقد توصل أن يستهوي الكثيرين من الوسط الراقي وهم يسمونه ( المعلم ) ! ويعتقدون أن له رسالة لم تظهر بعد ، ممّا دعا الحكومة الى إبعاده بعد أن تفاقم أمره . وقد أثيرت قضيته في المجلس النيابي .
ويحلو لأتباع داهش بك أن يقولوا أن ّ للمعلم معجزات : فمرض رئيس الجمهورية ، واستقاله الوزارة السابقة ، ووفاة سليم تقلا ، ومرض وزيرين في الوزارة الجديدة .. كلها من معجزاته ….
الى السفّاح بشارة الخوري
الاستاذ جبران مسّوح
صاحب مجلّة ” المختصر ” الصّادرة في بونس ايرس بالأرجنتين
يرسل تحريرين
الى السفّاح بشارة الخوري
والى رئيس الوزارة رياض الصّلح
جبران مسّوح هذا الصّحفيّ النبيل الذي تطوّع فاحتضن القضيّة الداهشيّة ، ونشر بمجلّته أنباء الجريمة المروّعة التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري في سلسلة مقالات ناريّة انقضّت على رأس بشارة وذويه انقضاض الصواعق المدمّرة .
وقد أرسلت ماري حدّاد الى مسّوح مجموعة الكتب السوداء التي نشرها الداهشيّون عن جريمة تجريد مؤسس العقيدة الداهشيّة من جنسيّته اللبنانيّة لأن ماري حدّاد وعائلتها الداهشيّة عظم الأمر شقيقتها لور وشقيقها ميشال شيحا وبشارة الخوري وهنري فرعون , فجرّدوا داهشا من جنسيّته وشردوه .
وإذ ذاك أعلنت الحرب بين هذه الشرذمة الباغية على الحق والداهشيّين , وراحت الصّحف في الوطن والمهجر تنشر أنباء الجريمة فيتلهف الجمهور الى مطالعتها .
وقد أرسل جبران مسّوح الى بشارة المرتكب الجريمة والى رياض الصلح تحريرين يراهما القارئ منشورين بخطّ يد مسّوح , ننشرهما للذكرى وللتاريخ الذي سجّل اسم السفاح بشارة الخوري بين دفتيه , فيقرأ الناس أنباء جريمته المزلزلة فتلعن ألسنتهم مرتكبها . ومثلما سجلت جريمة الاعتداء على المسيح البريء هكذا سجّلت الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري . وستبقى وصمة عار أبديّ على جبينه الملطّخ بعار الاعتداء الشائن . وهكذا خلّد اسم بشارة الخوري إذ حشر نفسه بين زمرة كبار المجرمين الآثمين .
الدكتور داهش
الدكتور داهش
وقالت أيضاً في العدد العاشر، شهر أيلول 1946
بقلم صاحبها الأستاذ مسّوح:
على القارىء أن يراجع كلّ ما نشرناه في أعداد المختصر عن هذا الرجل. وخلاصته أنّ الحكومة جرّدته من جنسيّته ونفته بنفوذ بعض رجال الإكليروس. ولم ننشر غير ذلك لأنّه لم يتّصل بنا غير ذلك.
ولكنّنا في كلِّ هذه المدّة كنّا نطلب إفادات من مصادر مختلفة – رسميّة وغير رسميّة – لنصل إلى الحقيقة. ولكن… لا جواب أبداً… سكوت تامّ… تطنيش تام…
وهذا التطنيش له في اللغة العربيّة أسماء مختلفة مثل: هذا حادث مضى فلماذا العودة إليه؟ أو: يجب كتم الحادث لأنّ فيه أشياء عائليّة. أو: هذه الفضائح ليس من الحكمة نشرها في الظروف الحاضرة ولا سيّما أنّها تتعلّق ببعض شخصيّات كبيرة. الخ.
ولكنّنا رغم هذا التطنيش توصّلنا إلى كلِّ ما نريده من التفاصيل. وهي أوراق ووثائق تقع في 792 صفحة. وكلّ ما هو خطير فيها مسحوبة صورته على الزنك. فصرنا نعرف كيف نُفي الدكتور داهش، ولماذا نُفيَ، وإلى أين نُفِيَ، وكلّ ما يتعلّق بذلك.
وسوف ننشر كلّ ذلك بالتتابع لأنّه حادث لا نظير له في كلّ هذا الجيل في كلّ الأقطار العربيّة. ومن واجب كلّ الكتّاب أن ينظروا فيه لأنّ علاقته رأساً بحقوق الإنسان، وحريّة التفكير والمعتقد والكلام، وهو إذا اهتممنا به يكون خطوة إلى الأمام لكلّ البلاد العربيّة من حيث محاربة الظلم وأحترام حريّة الرأي، وهو خطوة إلى الوراء إذا لم نهتم به، لأنّه من الأمراض السريعة العدوى.
اشترك كثيرون في حادث نفي هذا الرجل: منهم بعض الوزراء، ومنهم رئيس الجمهوريّة، ومنهم بعض كبار رجال الدين، وكبار رجال البوليس وغيرهم. ولكن جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً، وتظهر إمرأة، إمرأة داهية ذكيّة قديرة، هي التي تدير هذه الحرب ضدّ الدكتور داهش، وهي التي تمدّها بجميع أنواع السلاح.
ثمَّ يظهر للدكتور داهش أنصار يدافعون عنه، منهم أطباء ومحامون وأدباء ورجال صناعة يدافعون بكلِّ ما لديهم من القوى وبكلِّ ما في القانون من وسائل الدفاع. ولكنّ جميع هؤلاء يتلاشى أثرهم شيئاً فشيئاً ، وتظهر إمرأة ثانية، إمرأة داهية وقديرة وذكيّة، وتدافع عن داهش فيرتفع صوتها فوق جميع اصوات المدافعين عنه، وتبقى المعركة بين إمرأتين. ويحمى وطيس السلاح، الجائز وغير الجائز، فمن غازات إلى قنبلة أتوميّة، إلى نشر فضائح يندرُ أ، يُسطّرها قلمٌ أو يفلت بها لسان.
ولكنَّ الأغرب من كلّ ذلك، الغريب جدّاً جدّاً جدّاً هو أنَّ المرأتين أختان. من أب واحد وأم واحدة. ولذلك يمكن القول إنَّ الحادث من أغرب ما جرى من هذا النوع في تاريخ البشر.
لور بنت أنطون شيحا، زوجة الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة، هي الإمرأة الأولى التي تحاول أن تقضي على الدكتور داهش. ماري بنت أنطون شيحا، زوجة جورج إبراهيم حدّاد، هي الإمرأة الثانية التي تدير حركة الدفاع عن الرجل. ولكنّ زوجة الرئيس تربح الحرب. ويصدر المرسوم بنفي داهش، فيُلقى عليه القبض، ويُهان، ويُجلد حتى يتمزّق لحمه، ويُساق إلى حلب، ومن هناك إلى الحدود التركيّة، حيثُ يترك بلا جنسيّة عرضة لجميع الأخطار.
وينتهي دور السيّدة لور بعد هذا الإنتصار. وتبقى ماري في حومة الدفاع وحدها. وللإختصار سيكون اسمها ماري حدّاد، لأنّ اسمها سيرد كثيراً. فهي الشخصيّة الوحيدة الباقية بعد أنْ غمر التطنيش جميع تفاصيل الحادث. بقيت كأنّها الإنسان الوحيد الذي نجا بعد غرق الباخرة. بقيتْ لتدلُّ جميع كتّاب اللغة العربيّة، وجميع مفكّريها، وجميع من فيها من الرجال وأشباه الرجال، بقيتْ ماري لتدلّهم أين غرقت الباخرة التي غرقت معها حريّة الفكر وحريّة الكلام وحقوق الإنسان.
ولا تزال ماري حدّاد إلى الآن تناضل وتجالد وتعارك في سبيل إعادة ذلك المنفيّ واطلاق سراحه. سجنوها 75 يوماً في العصفوريّة، ولكنّها خرجت إلى حومة القتال رأساً تطالب بحريّة الإنسان.
إسمعوا كيف تخاطب ماري حدّاد حبيب أبي شهلا وزير العدليّة. تقول:
” كنْ متأكّداً إذا لم يحكم عليك بما تقتضيه العدالة، فانّنا نأخذ حقّنا بأيدينا، ولا يمكننا أن ننام على ضيم… وما دمتَ قد أعلنتها علينا حرباً، فانّنا نرحّب بها ونشنّها عليك حامية الوطيس… إذا لم نكِل لك بذات الكيل إذن ما أحقر حياتنا، وما أتفه مرامينا… إنّ الطيور ليست بأكملها ممّا تؤكل لحومها”.
واسمعوا كيف تخاطب الكردينال تبّوني:
” ثقْ بأنّني أشهرتُ عليكم سلاحاً حقيقيّاً، وسأقارعكم، وأنازلكم جميعاً حتى أسحقكم… إنّ الصخور الصوّانية الصلداء تلين وتفنى دون أنْ يستطيع الإضطهاد أن ينال من صلابتنا ومن صلابة إيماننا وصلابة عقيدتنا قلامة ظفرْ… سنرفع صوتنا عالياً، وسنبذل حياتنا إذا اقتضى الأمر في سبيل رفع الحيف عن الدكتور داهش وإعادة جنسيّته المسلوبة إليه… إنّ الذي يريد أنْ يداس تحت الأقدام هو حرّ، ولكن هذه الحالة ليست حالتنا، نحن لا ندير خدّنا لضارب. إنّنا أحرارٌ بمعتقداتنا وأعمالنا… إنّنا في عصر تحرير الأمم والشعوب، وعلى كلّ شخص أن يحصل على الحريّة وأن يستحقّها، وأمّا الجبناء فهم وحدهم يبقون عبيداً أرقّاء “.
ثمّ اسمعوا كيف تقف ماري حدّاد أمام الحكومة وكيف تخاطبها بهذه الكلمات:
” نحن من الذين يستقبلون بصدور رحبة أيّة حملة تشنُّ علينا إذا كانت مرتكزة على الدليل والبرهان… نحنُ نقدِّس الحريّة الفكريّ’، والقلميّة، والكلاميّ’، بشرط أن يفسح المجال لكلِّ فرد من أفراد الأمّة ليدافع عن نفسه ويردَّ البرهان بالبرهان. أمّا أن تسمح الحكومة لفرد بنشر ما يشاء على صفحات الجرائد بدون قيد ولا شرط، ويمنع الثاني من نشر أيّة كلمة دفاعاً عن نفسه، فهذا ما تأباه النفس الحرّة ولا يرضى به إلاّ الجبناء العبيد “.
هكذا تقول ماري حدّاد، وتقول الحقيقة، لأنّ إدارة المراقبة كانت تشطب كلَّ ردّْ يراد به الدفاع عن داهش، ورئيس دائرة المراقبة نجيب اليان صرّح بهذه الكلمات:
” إنّ وزير العدلية حبيب أبي شهلا أبلغنا أكثر من مرّة أن نرفض كلّ تكذيب لِما نشرته الصحف ضدَّ الدكتور داهش، وأن نرحّب بكلّ ما يراد نشره ضدّه “.
وقال في وقت آخر:
” لدينا أوامر عالية تقضي علينا برفض كلّ تكذيب يأتينا من الدكتور داهش أو من مريديه، وأ، نستقبل كلّ ما يأتي للنشر ضدّه “.
فإدارة المراقبة كانت سلاحاً لمنع المظلوم أنْ يدافع عن نفسه، ولا يستطيع أحد أنْ يكذّب هذا الظلم لأنَّ ثلاث صفحات من ذلك التشطيب مسحوبة على الزنك. فهي شهادة ناطقة بما تقوله ماري حدّاد .
ماري حدّاد في هذا الحادث كأنّها إميل زولا يدافع عن دريفوس… وكأنّها فولتير يناضل ضدَّ تهم محاكم التفتيش، ويراجع المحاكم في أحكام صادرة ما روعي فيها الحقّ والإنصاف. ولكنْ ماري حدّاد بزّت الإثنين، وأتت بما يعجز عنه الإثنان مجتمعين، ماري حدّاد في هذا الصراع كأنّها الأسد وقد تألّبت حوله جميع أنواع الحيوان.. وقد جرح الأسد وسالَ دمُه ولا يزال يصارع..ووقعت مخالبه الواحد بعد الآخر ولا يزال يصارع. تمزّق جلده وظهرت عظامه ولا يزال يصارع ولا يزال زئيره عالياً.
ولكن ليذكر حملة الأقلام أنّ ماري حدّاد من لحمٍ ودمٍ. وعار عليهم أن تقع في الميدان ولا تجدُ بينهم من ينجدها. إنّي أتحدّاهم جميعاً أن يظهروا في هذا المعترك الذي تدعوهم إليه المروءة والشرف والشهامة، وأتحدّى كتّاب لبنان أولاً.. أتحدّاهم جميعاً- كبارهم وصغارهم – ففي هذا الحادث نعرف الفراغ الذي تركه جبران خليل جبران – هل يوجد كاتب لبناني يسدّه أم لا يوجد. وإذا كنّا لا نجد جواباً على هذه الكلمات غير التطنيش المعهود… فعندئذٍ لا نُلام إذا وقفنا فوق قبر جبران لنخبره أنّ ماري حدّاد وحدها تدافع عن مظلوم ولا يوجد بجانبها رجل.
إنّ البلاد العربيّة بحاجة إلى يقظة في ضميرها فوق يقظتها في سائر الشؤون. والأمّة التي لا يزال ضميرها نائماً قلّما تفيدها يقظتها في شيء آخر، فاهتمامنا بهذا الحادث هو دليل على ما فينا من ضمير مستيقظ حي، والويل لنا إذا لم نبرهن عن ذلك في مثل هذه الحال.
إنَّ البشر لم ينتقلوا من الطور الحيواني إلى الطور الإنساني إلاّ عندما استيقظ ضميرهم، أي عندما صاروا يفهمون كيف يحبّون الحقّ ويمقتون الباطل. وهنا تظهر الفضائل التي هي مقياس رقي الشعوب. فنحن في حادث الدكتور داهش يجب أنْ نعرف أين الحقّ وأين الباطل، وأنْ نكون قوّةً فعّالة في تأييد الحقّ ومكافحة الباطل.
إنَّ كلمة حريّة لا تكفي أن نردّدها ونتغنّى بها لنكون أحراراً. بل يجب أن ندافع عنها عندما تكون في خطر. وإذا لم نعمل كذلك فإذن نحن لا نستحقّها.
وفوق كلّ ذلك ففي هذا الحادث درس إجتماعي خطير نحن أحقُّ الأمم بأن نكتب عنه كثيراً. فالتعصّب الديني هو العامل الأول في هذه الجريمة. ولكنَّ التعصّب ليس نوعاً واحداً كما تبيّن في سير هذه المأساة. بل هو نوعان: هجومي ودفاعي. والفرق كبير جدّاً بين الاثنين.
فضلاً عن إنّ مرض التعصّب انتقل في جسم الأمّة من مكان إلى مكان في السنوات الأخيرة. وضروري أنْ نعرف أين مكانه اآن لنحاربه في وكره.. كلّ هذه النقط المهمّة في الموضوع يجب أنْ نعالجها بحريّة وصراحة. ويجب أنْ نجابه الحقائق بلا خوف مهما كانت غريبة عن أذهاننا ومهما كانت بعيدة عمّا ألفناه من أنواع الفكير.
كلّ ذلك سوف يظهر جليّاً في تفاصيل هذه الكارثة التي لم تتمَّ فصولها بعد. فالكاتب الذي يثق بنفسه نحن نؤكّد له أنّ هذه ساعته. ويرانا على إستعداد لأنْ نمدّه بما يريد من التفاصيل والوثائق.
إنّ البلاد العربيّة تريد في مثل هذا الموقف أن تعرف هل عندها مفكّرون وكتّاب يستحقّون ثقتها أم هي فقيرة من هذا الوجه. هل يقودها أدباؤها أم هي تقود أدباؤها؟ هل عندها اقلام تحمي حريّتها أم يجب على عامة الناس وبسطائهم أن يحموا تلك الحريّة إذا هاجمها مهاجم؟ هل الأدب العربي قوّة فعّالة موجودة أمْ هو خلط وأوهام؟..
من هو داهش؟
في كلِّ التفاصيل التي وردت بقلم ماري حدّاد لم يرد اسمه إلاّ الدكتور داهش. ولكن المرسوم الذي صدر بإخراجه من البلاد يضع له إسم:” سليم موسى العشّي المعروف بداهش “. وفي الوثائق أيضاً أنَّ ” الدكتور داهش لبناني وإبن عائلة لبنانيّة ومولود في هذه البلاد “.
وهذا التعبير الأخير فيه شيء من الإبهام.. فلا نعرف أي بلاد، ولا إسم البلدة التي ولِدَ فيها، ولا التاريخ. فنعود إلى تلغراف نشرته شركة روتر بتاريخ 17 أيّآر 1946. يقول هكذا:” في مكان من صحراء شمالي العراق يقيم الدكتور داهش المنفي لحركة دينيّة تحتضن الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة. وهو ينتظر الفرصة السانحة للخروج من منفاه وتبليغ رسالته إلى الإنسانيّة… هو الدكتور سليم داهش الأشوري وعمره 34 سنة. ولِدَ في قرية صغيرة بين الفرات ودجلة… عاش في لبنان… يمضي أيّامه في المنفى في التأمّل.. نُفِيَ إلى البلاد التي ولِدَ فيها… يتلقّى أتباعه رسائل منه خلسة يحملها سعاة أمناء… درس الدكتور داهش في باريس، وكانت قدرته العجيبة على التنويم المغناطيسي موضوع دهشة علماء النفس الفرنسيين المبرزين “.
ثمَّ نترك تلغراف روتو ونعود إلى الوثائق فنجد هذه السطور:” موسى العشّي والد الدكتور داهش أقام مع عائلته في بيروت عاملاً في المطبعة الأميركيّة من سنة 1912 إلى سنة 1918. وفي إحصاء 1921 تقيّد الدكتور داهش في سجل النفوس مع والدته وشقيقته. وبقي في لبنان إلى سنة 1931. ثمَّ سافر إلى فلسطين وبقي ثلاث سنوات فلم يكن حاضراً إحصاء 1932. فعاد إلى لبنان سنة 1934 وطلب أن يقيّد اسمه، وتمَّ له ذلك “.
فنفهم من كلِّ هذه التفاصيل أنّ الرجل ولد بين الفرات ودجلة كما تقول روتو. ولكنّه عاش في لبنان وحصل على الجنسيّة كما حصل عليها سواه من الذين يقيمون في لبنان. وتذكرة جنسيّته مسحوبة على زنك تحمل رقم 516 وتاريخ 22 حزيران 1934.
محاكم تفتيش في بلادنا
مقال للأستاذ جبران مسّوح , صاحب مجلة المختصر, في العدد الثاني من السنة الأولى , شباط 1946
من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم
جاء في إحدى جرائدنا التي تصدر في هذه العاصمة الخبر الآتي :
تلقّينا برقية بتوقيع من السادة جوزف حجّار وزوجته وأولاده وماري حدّاد وزينا حدّاد وعائلتهما وجورج إبراهيم حدّاد والدكتور عشّي والدكتور فريد أبو سليمان والدكتور خبصا وزوجته وأولاده بأنّهم أبرقوا لقداسة البابا بانفصالهم عن الكنيسة الكاثوليكيّة .
ويقولون إن إنفصالهم هذا مسبّب عن مساعي نيافة الكردينال تبّوني وسيادة المطران مبارك لدى السلطات ضدّ رئيسهم الدكتور داهش , مما أدّى الى نفيه وتجريده من الجنسيّة اللبنانيّة .
هذا هو الخبر بحرفيّته . ورغم ما فيه من الإضطراب والغموض نفهم منه أنّ إنساناً إسمه الدكتور داهش جرّد من جنسيّته ونفي , وأنّ ذلك كان بمساعي الكردينال تبّوني والمطران مبارك .
فمن هو هذا الدكتور داهش ؟ وما هو دخل الكرادلة والمطارين في شرائع البلاد حتى يتمكّنوا من نفي إنسان وتجريده من جنسيّته ؟
سألنا عن ذلك بعض الأشخاص الذين لهم إطّلاع على هذه الحوادث فقالوا : إنّ الدكتور داهش دجّال ؛ فسألناهم عن نوع تدجيله . وكل ما قدرنا أن نفهمه هو أن الرجل من الذين ينظرون الى بطن الكف فيعرفون الأمراض ويعطون علاجات لمداواتها .
عندئذ ذهبنا الى الأديب يوسف بو ورده لنسأله عن ذلك لأننا نثق بتفكيره كما نثق بنزاهته وهو يطالع بعض صحف الوطن تباعاً وكل ما أخبرنا عن الحادث هو هذا :
” إنّ الدكتور داهش يداوي أمراضاً كثيرة , ويقوم بأعمال تدلّ على ذكاء فائق , منها ما هو فوق المألوف , وأن جمهوراً من الناس يثق به , منهم أدباء معروفون ومن جملتهم حليم دمّوس الذي نشر تحت توقيعه أنّه شاهد بذاته هذه الأعمال الخارقة . ثم أن الدكتور داهش يشكّ فيما جاء في الإنجيل بشأن العجائب الدخيلة , ويعلم الناس عن عدم صحّة هذه الأعمال التي تخالف سنن الطبيعة الخ ” .
نستدلّ من ذلك على أن تدخّل الكرادلة والمطارنة في الموضوع هو الذي نستغربه , وكيف أن هذا التدخّل ينتهي بنفي الرجل وتجريده من جنسيّته , الأمر الذي لم تستطعه محاكم التفتيش فيما مضى .
من نحو أربعماية سنة ظهر في إيطاليا رجل إسمه برونو كان يشك بعجائب الإنجيل للسبب ذاته . أي لأنّها تخالف سنن الطبيعة . فقامت محاكم التفتيش تناقشه الحساب وحاكمته نحو أربع سنوات لكي ” يرجع عن ضلاله ” .
ولكن الرجل لم يخن ضميره , ولا محاكم التفتيش , ولا ” رجع عن ضلاله ” . فأحرقوه بالنار كما هو مشهور , ولكنّهم لم يجرّدوه من جنسيّته , بل بقي إيطالياً .
ومحاكم التفتيش في بلادنا قامت بمثل ذلك تماماً في قضيّة الدكتور داهش , فهي لم تحرقه لأنّ شرائع هذا العصر لا تجيز ذلك , ولكنّها نفته لأنّ شرائع هذا العصر تجيز النفي , ثم جرّدته من جنسيّته , وهو ما لم تعمله محاكم التفتيش من أربعة أجيال .
ثم نلاحظ من الخبر الذي نقلناه أن بين أتباع الدكتور داهش من هم دكاترة , أيضاً , أي اصحاب شهادات علميّة . فالرجل إذن لا يقود عامة الناس بل يلتفّ حوله أدباء ومفكّرون ومثقّفون . فهو ذو نظرة جديدة في الحياة , وله فكرة إصلاحيّة يريد أن يقدّمها الى هذا الوطن التاعس الذي لم تعد تروج فيه غير الأضاليل .
وهؤلاء المتظلّمون , لماذا يرفعون شكواهم الى البابا إذا كان عندهم حكومة تنصفهم ؟ أفلا نفهم من ذلك أنّ هؤلاء الشجعان الذين لا يخونون ضمائرهم ولا أنكروا قائدهم في ساعات الشدّة – ألا نفهم أنّهم إشتكوا الى الحكومة فلم تلبّهم , وطلبوا الإنصاف فلم ينصفوا . فلم يبق أمامهم إلاّ هذا الباب – باب الإنفصال عن الطائفة – وهو ما يلجأ إليه الناس عندما يسدّ الظلم في وجوههم جميع الأبواب .
نريد من قادة الرأي العام , ومن الكتّاب والمفكّرين والخطباء , ومن كل المنادين بالحرّية والإستقلال ونزع نير الإستعباد , ونريد من الحكومة أيضاً أن نعرف أين نعيش الآن . بالأمس ألقوا الناس في السجون في دمشق لأنّهم لم يصوموا رمضان . واليوم ينفى إنسان ويرّد من جنسيّته في لبنان لمثل هذا السبب .
فهل طردنا فرنسا من البلاد لكي نسلّمها الى السلطات الدينيّة ؟
إذا كان الأمر كذلك , فنحن إذن نسير الى الوراء , وما حكومتنا الحاضرة إلاّ آلة في يد محاكم تفتيش تشتغل في الخفاء , وتردّ الأوطان مئات السنين الى الوراء .
نترك الخبر الآن ونهتم قليلاً بعنوانه , أي بعبارة : من حضن إبراهيم لحضن الشيطان الرجيم ” فنريد أن نعرف تلك اليد الطاهرة ” التي سطّرت هذه العبارة , وأن نبحث معها في الأمر على ضوء العلم , أو أحكام السنن الطبيعيّة أو إرشاد العقل .
فمن هو إبراهيم هذا ؟ وما هو هذا الحضن الذي يسع ألوف الملايين من الناس ؟ ثمّ إذا انفصل أحد الناس عن طائفته ينتقل حالاً من ذلك الحضن الى حضن الشيطان الرجيم , بدون أن نفهم كيف يتمّ هذا الإنتقال .
لكي نصدّق كل ذلك يجب أن نترك العلم جانباً , وندع أحكام الطبيعة وراء ظهورنا , وندوس إرشاد العقل . ولكننا مع ذلك نصطدم بالآداب الإجتماعيّة التي لا تسمح أن يجتمع الرجال والنساء والأولاد والبنات في حضن واحد إلاّ إذا كان هناك حواجز تفصل بين الجنسين , وهو ما لم يذكره لنا أولئك الذين يتعيّشون , الى الآن , في نقل أولاد آدم من حضن الى حضن .
ثم نأتي هنا على ذكر حضن الشيطان الرجيم . فمن هو هذا الشيطان الرجيم ومن يقدر أن يثبت لنا وجوده ؟ وهل صحيح أن حضنه واسع مثل حضن إبراهيم فيسع كل بقيّة الطوائف ؟
وبعد هذا وذاك نصطدم أيضاً بالمبادىء الإنسانيّة . فهل صحيح أن البشر جميعهم يتوزّعون بين هذين الحضنين , ولا مقر آخر لهم إذا خطر لأحدهم أن لا يقيم في حضن ؟ وهل ينطبق كل ذلك على طبائع ذلك الإله الذي يقولون إنه شقوق رحيم ؟
إن الذي ينظر في أكفّ الناس ليعرف أمراضهم ويداويها , ثم ينكر عجائب الإنجيل التي لا يؤيّدها العقل ولا يصادق عليها علم ولا تدعمها سنّة طبيعيّة , إن الذي يعمل ذلك كلّه لا يكون دجالاً . ولكن الدجّال هو الذي يعلّم الناس حتى في هذا العصر خرافات الأحضان بكل وقاحة وبدون حياء أو خجل .
إن تعليم هذه الأضاليل هو إحتقار للعقل البشري , وازدراء بالكرامة الإنسانيّة , واستخفاف بأذهان الناس . ومع ذلك فنحن نترك هؤلاء المضللين أحراراً يسرحون ويمرحون , فلا ننفيهم ولا نجرّدهم من جنسيّتهم ولا نحرّك لهم ساكناً .
إننا نتركهم وشأنهم , ولكننا لن نسمح لهم أن يحوّلوا حرّيتنا واستقلالنا الى محاكم تفتيش .
البوُمُ الإله
العدد الحادي عشر، 15 أيلول 1946
مجلّة ” المختصَر “
في ليلة حالكة الظلام وقف بوم على غصن سنديانة. وبينما هو واقف أحسّ بخلدين ينسلاّن في هدوء بين جذوع الشجرة.
فنهرهما ناعقاً:” من هذا… يو. يو.. “.
فأجاباه بصوت مرتجف:” ماذا تريد منّا؟ فصرخ بهما:” أتركا المكان حالاً “.. فذهل الخلدان لآنّ البوم عرف أنّهما إثنان.. وهربا إلى حيوانات الغاب يقصّان ما جرى ويؤكّدان أنّ البوم لا شكَّ أعظم الحيوانات والطيور وأحكمها… وأنّه يرى في الظلمة ما لا يستطيعه سواه. ويجيب بحكمة وسداد رأي على كلِّ سؤال…
فدهش سكان الغاب من هذه العجيبة وألّفوا على الأثر وفداً من عقلائهم ليذهب في الليل ويختبر هذه المسألة، أي يضع البوم تحت التجربة والإمتحان.
ووصل الوفد إلى المكان المعين، وأحاط بالشجرة، وأخذ يلقي الأسئلة على البوم. فكان هذا يجيب عنها الجواب الصائب. فعرف عدد الوفد وأسماء أعضائه، وألوان جلودهم وريشهم، حتى عمّت الدهشة جميعهم وراحوا يتهامسون قائلين:
- حقّاً إنَّ هذا الطير يصنع العجائب وهو إله. فلماذا لا ننادي به ملكاً علينا فنتّقي بهدايته الضلال والأخطار، ونعيش في هذا الغاب عيشة الهناء والأمان.
واتّفقت كلمة الوفد على مبايعة البوم، ونودِيَ به ملكاً على جميع طيور الغاب وحيواناته. وكان إيمانهم بما فعلوه قويّاً لا يتزعْزعْ.
ولكن هناك ثعلباً خامره الشكَّ فقال لهم: يجب أن نعرف إذا كان البوم يرى في النهار كما يرى في الليل؟…
فغضبَ الجميع لهذه الوقاحة وعدّوا هذا الشكَّ جريمة لا تغتفر. وطردوا الثعلب من كلِّ منطقتهم لأنّهم لا يريدون أن يناقشهم أحد في قدرة البوم الذي ألّهوه ونصّبوه ملكاً عليهم.
ثمَّ عينوا يوماً تكون فيه حفلة التنصيب.. وقرّرت اللجنة التحضيريّة أن تكون الحفلة في النهار ليراها الجميع ويتسنّى لهم أن يشتركوا فيها ويفرحوا في مهرجانها.
وجرت الحفلة في فخفخة وبهجة… وأنشدت جوقات الطيور أناشيد السرور. وفي نهايتها مشى البوم على رأس موكب كبير من سكّان الغاب يترنّح في مشيته زهواً وخيلاء.. ويتلمّس طريقه بعينيه الكليلتين.. إلى أنْ شطَّ به الطواف وانتهى إلى خارج الغاب، فصار في الطريق الذي يسير به البشر بخيولهم وعرباتهم. فاقتحمها على رأس موكبة الطائع المستسلم إلى قدرته. ولم يحفل بمواكب البشر ودواليب العربات.
فصاح طير من الطيور ينذر بالخطر ثمَّ صاحَ آخر… وظلّت الرعيّة سائرة وراءه تأبى أن يتزعزعَ إيمانها.
وبسرعة البرق داست إحدى العربات الكبيرة ذلك الموكب.. فمات فريق من تلك الرعيّة، وجرح آخرون، ونجا عدد قليل في المؤخّرة.
ماري حدّاد
مغزى هذه الأسطورة أنَّ الإنسان إذا كان له رأي صائب في أمر فليس ذلك دليلاً على أنّه يفهم جميع الأمور، أو أنَّ المرء قد يكون شديد البصر في قضيّة ويكون أعمى في قضيّة ثانية.
الدعوة الداهشيّة
وقالت ” المختصَر ” في عددها الحادي عشر، تاريخ 15 أيلول 1946:
بما أنّنا سوف نهتمّ من الآن وصاعداً بحادث الدكتور داهش يجب أن نقول شيئاً عن دعوتهِ التي حدث لأجلها كلَّ ذلك. وخلاصتها أنَّ الرجل يعتقد أنَّ الأديان الثلاثة بمنزلة واحدة، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.
وهو يريد أنْ يأخذ خلاصة هذه المذاهب ويجمعها في دين واحد.
ويرى أنَّ هذه أحسن وسيلة لاتّفاق الشرقيين وسيرهم وراء عقيدة واحدة وزوال كلَّ ما بينهم من الخلافات.
وطبيعي أنّ الأوساط الدينيّة هي أول من يهتمّ بهذا الدين الجديد. فكيف تلقّاه رجال القلانس، وكيف تلقّاه رجال العمائم؟ هذا ما يجب أنْ ننظر فيه جيّداً لنأخذ درساً جديداً عن التعصّب قد يكون من أعظم الدروس التي نحن بحاجة إليها.
وقد قلنا في غير هذا المكان كيف يكون التعصُّب هجوميّاً وكيف يكون دفاعيّاً. وإنّه مثل المرض ينتقل في الجسم من مكان إلى مكان.
ولم نذكر شيئاً عن اليهود لآنَّ التفاصيل التي وصلت إلينا ليس فيها ما يدلُّ على رأي أوساط الدين اليهودي في هذا المذهب الجديد. وقد يكون ذلك لقلّة عددهم في لبنان. أو أنّهم لم يشاؤوا أنْ يتداخلوا في هذه القضيّة بعدما أدّت إلى كلِّ هذه النتائج.
كلماتُ ” السائح “
وقالت مجلّة ” المختصَر ” في العدد الحادي عشر ما يلي:
في حادث الدكتور داهش سوف ننشر كلّ ما يصل إلينا من منشورات الصحف عن هذا الموضوع. فكلّ صحيفة قالت شيئاً نرجو أنْ تتكرّم علينا به لكي لا يضيع حقَّ أحد. ومن مجموع أقوال الصحف ومن الوثائق التي لدينا تظهر الجريمة بكلِّ تفاصيلها. فالأدلّة تأتي وتجتمع من تلقاء ذاتها حتى تشاهد الجناية كأنّها تتمثّل أمامك على لوحة السينما.
وفي عدد 18 تمّوز 1946 من مجلّة ” السائح ” وردت هذه الأسطر التي ننقلها بحرفيّتها وهي مكتوبة بقلم صاحب السائح عبد المسيح حدّاد الكاتب الحمصي المشهور. قال:
” كلّ ما ندركه في حادث الدكتور داهش أنَّ الفكرة الجديدة لا تعيش طويلاً إذا كانت غير صالحة للحياة. ولكنّها تعيش طويلاً إذا تناولتها أيدي الإضطهاد. أمّا إذا كانت صالحة للوجود فلا الحكومة ولا أكثريّة الشعب ممّا يقتلعها من تربة نفوس الأقليّة. ولنا في التاريخ عِبَرْ كثيرة تضع أمام أبصارنا الحقَّ الخالد.
إنّنا لا نستطيع السكوت عن مقاومة داهش ومقاومة دعوته من قبل الحكومة في حين أنّه لم يقمْ بدعوته بالسيف.. ولم يطلق سهمه إلاّ للجمع بين الأديان. فإذا كان نبيّاً كذّاباً فلماذا لم يترك وشأنه لتموت دعوته من تلقاء نفسها. فالباطل لن يثبتْ طويلاً. ولكنَّ الإضطهاد يحدث في تابعيه عوامل غريبة تحملهم على الثبات “.
عبد المسيح حدّاد
حِكَمْ داهشيّة
وقالت ” المختصَر ” في عددها الحادي عشر 15 أيلول 1946:
إذا كان عدوّك ضخماً غليظ الرقبة فذلك أفضل لك، لأنّه أسهل عليك غرز السكين في ثور من غرزها في برغوث.
الدكتور داهش
كلَّ شيء عظيم في النفس العظيمة. وكلَّ شيءٍ حقير في النفس الحقيرة.
الدكتور داهش
الحاكم المستبدّْ الذي يعتدي اليوم على زيد من الشعب سيعتدي في الغذ على عمْرْ الذي هو أحد أفراد الشعب أيضاً.
ماري حدّاد
مجلّة المختصَر
العدد الحادي عشر، 15 أيلول 1946
The return of Dr. Dahesh
www.saudi24news.com/2021/07/the-return-of-dr-dahesh-sayed-mahmoud.html
The return of Dr. Dahesh – Sayed Mahmoud
Posted in: Tuesday, July 27, 2021 – 9:40 PM | Last update: Tuesday, July 27, 2021 – 9:40 PM
In the eighties of the last century, a phenomenon called the pavilion of the Dr. Dahesh Foundation drew the attention of visitors to the Cairo Book Fair. At that time, I was standing with many boys waiting for gifts distributed by the pavilion officials, and there were large “posters” and posters of a mysterious man, along with some books on magic and the paranormal. It kept arousing our teenage imaginations, and after that, Dr. Dahesh remained in the memory as a mystery referring to those distant years.
A few days ago, writer Sameh Al-Jabbas visited me with his new novel “The Association of Selim Al-Ashi Haters” (Dar Al-Ain 2021), which all revolves around Dr. Dahesh, through an imaginary novelist who restores his biography, and creates for it the contexts that make him a representation of an integrated phenomenon in which what is artistic intertwines with what is A politician inside Lebanon, who at the time was bearing many questions of Arab modernity politically and culturally.
Salim Al-Ashi, whose biography is based on the investigation of the novel, is a young man who turned into a legend in his time because of what he was doing of hypnosis and then necromancy and became a prophet and a guide to his followers, and called himself the astonishment because what he did contributed to the astonishment of people in his time and produced many books that were prohibited from circulation In Egypt and the Arab countries, some of them have been translated into French and English.
The novel raises many questions about its artistic ambition to restore a personal biography that stands between reality and fiction, but what really excited me is related to the author’s effort in formulating a narrative collage that builds relationships between Dahesh’s texts and other writers such as Tawfiq al-Hakim, Naguib Mahfouz and Youssef al-Sibai, and he remained concerned within the large-sized novel by highlighting the value of Correlations,” or narrative reproduction, in addition to the fondness for text reproduction processes, and here is the most important game that recalls what the prominent French critic Roland Barthes was putting forward about “the novelist” as a means of codification, employment and attention to the daily life of people, and everything that happens in life, to create “writing.”
The novelist that Barthes practiced in his texts is not linked to specific themes, or to the process of telling a story, but to the way of cutting reality. As indicated by an article translated by Lotfi Mansour by Emmanuel Berry, a method that Sameh al-Jabbas perfectly practiced.
The idea of “the novelist” means, above all, what is outside the novel, and this is exactly what the novel wanted to pay attention to in the “meta-narrative”, that is, before writing and what is outside it, where one can read a real drama of the person as a response to confronting the problem of stereotype, and traffic From fiction (as a horizon) to meta-narrative (as a successful practice).
The writer used an impressive archival material that required him to completely devote himself to the process of researching various sources and information vessels, then he carried out a reformulation process for this archive and excluded from it materials that weighed his subject or those that did not fit his ambition to rebuild the past, and because looking at the past is basically the historian’s business, it does not meet Usually the novelist’s passion, whose game he prefers to play, is to doubt this past in the first place, and to convey this doubt to the reader’s mind and provoke him to continue in the reading game, which is also a seduction.
In this ambition, the writer usually seeks the form of the novel that is being made, and in this way you can know more about the novel than just looking at it as a subject already made up by others.
According to this perception, Sameh presented himself as a character within the text with a full presence in the way of breaking illusion and appeared in his fat and flesh as an Egyptian writer chosen by an institution to write a novel about Dr. Dahesh and sign a contract in which he adheres to strict rules and conditions, the most important of which is his residence in the house of Salim Al-Ashi, the founder of Dahesh? It is a house that seems from the narrative context to be the house of curses.
Al-Jabbas succeeded in creating a novel with a rare suspense in the Arabic novel, and besides it, he produced complete knowledge without losing the element of entertainment and pleasure, which is an effective element in the production of this type of novel.
And part of the writer’s intelligence is related to his presence in the text. He is an Egyptian writer who writes a biography of a Lebanese personality. What provokes him originally is related to the field he came from, so he worked for a long time on the presence of Dahesh in Egypt and asked if he had followers in it? I also took care of the Egyptian creators’ handling of ideas about reincarnation, magic and the paranormal that come from the other world and overlapped with texts by Tawfiq al-Hakim, Youssef al-Sibai, Naguib Mahfouz and Abdel Hakim Qassem. Memory dropped them.
Selim El-Ashi Haters' Association
https://english.ahram.org.eg/NewsContent/18/62/414484/Books/Review/Book-Review-Selim-ElAshi-Haters-Association.aspx
Book Review: ‘Selim El-Ashi Haters’ Association’
The novel was written in a New Testament style. Each close individual or disciple told Dr. Dahesh’s story from his or her own perspective
Ossama Lotfy Fateem , Sunday 20 Jun 2021
Rabetat Karihy Selim El-Ashi’ (Selim El-Ashi Haters’ Association), by: Sameh El-Gabbas, (Cairo: Dar Al-Ain)
Could there have been a prophet in the twentieth century that we have not heard of? Could his ideas have influenced writers, philosophers, musicians, politicians, and novelists? Could those who wrote about him or met him have vanished as well and fell from books and magazines? Is it possible that an individual has written one hundred and fifty books in Arabic but none of them exist in the Arab World? That is what Sameh El-Gabbas is telling us in his latest novel ‘Selim El-Ashi Haters’ Association”.
The novel’s beginning is any writer’s dream, an assignment to write a novel about a specific person, the material needs digging, the writer’s creativity is added to the mix, the time is unlimited, and the financial return is quite lucrative.
The commissioned novel is about Selim El-Ashi or Dr. Dahesh, as he was called by his followers. The name means the amazing, the astounder, or the astonisher. His field was one of miracles and supernatural powers, and his legacy is establishing a philosophy or a religion unifying humanity as a whole.
Dr. Dahesh’s influence needs to be researched with an unbiased mind to be detected in the work of our contemporary writers and artists. El-Gabbas highlighted many lines or complete novels in Naguib Mahfouz, Tewfik El-Hakim, Youssef Idris, Jobran Khalil Jobran, and Youssef El-Sebai’s work that carry the obvious influence of Dr. Dahesh’s work.
The writer used a strict methodology to detect that influence in other people’s work. He used the timeline of Dr. Dahesh’s visits to Egypt and compared what was published in that year and re-read them with the intention of finding something different than the usual style of the various writers and he did.
For instance, he found that Youssef El-Sebai’s ‘Azrael’s Deputy’ (‘Naeb Azrael’) — where the angel of death deputises a human, and the question of re-incarnation and the possibility of returning back to earth in a different form was examined — to be a completely different style from his known romantic novels.
The same was found in Youssef Idris novel ‘A House of Meat’ or (‘Beit men Lahm’) — where a blind man is married to a woman and lives with her family, which is composed of her mother and two sisters; there is some sort of an unspoken agreement among the five of them that they take turns in sleeping with the blind man.
The novella is weird and El-Gabbas made the connection between ‘A House of Meat’ and Bethlehem, where Dr. Dahesh was born. These are just a couple of examples among many that the novelist found through research of the literature (magazines, short stories, and novels) that he sees carried the influence of Dr. Dahesh when he visited Egypt and certainly spread his ideas.
The novel was written in a New Testament style. Each close individual or disciple told Dr. Dahesh’s story from his or her own perspective. How they met him, what did they see to make them believe in him, the miracles that he performed that they witnessed, and the superpowers he possessed.
His powers varied from mind reading to speaking in English at the age of three, turning white papers to money, healing the sick, having multiple personas that uncovered themselves in the same time in front of his disciples, hypnotism, and summoning the spirits. All these unnatural powers were observed by many who did not believe in him at first and ended up becoming his followers and advocates.
Dr. Dahesh and his followers suffered due to their new-found doctrine, he was imprisoned for a few months, exiled and stripped of his Lebanese citizenship for a few years, some of his followers were tortured in prison, others had their money and properties taken from them by the government, and many were erased totally from history by their own families.
They were simply considered as stains in their families’ histories. His followers were among the upper class in general, families that have political influence and power; having a Dahesh follower among them would have a certain negative impact on their image in society, as well as their influence and interests.
Dr. Dahesh performed miracles that can only be compared to those of prophets — according to the testimonies of his followers dug and discovered by the novelist. Having believers is only normal after seeing with their own eyes the abilities he possessed.
El-Gabbas’ writing style is smooth and attractive, the type that keeps the reader in anticipation to the last page. The twist in the end combined with a love story that the fictional writer that wrote the tale experienced during his research is a reminder that this is a novel despite the many facts mentioned and documented within it. The novelist made a huge effort to find Dr. Dahesh’s followers and found the main ones, those who kept writing about him until they died, and those who believed in his reincarnation theory and found their call in carrying on his message to those who did not hear about it.
Dr. Dahesh’s ideas can be summarised in the following paragraph that the writer took from one of the books talking about ‘Daheshism’: “I believe that there is a divine justice, that all what we go through in our lives is a punishment for sins that we have committed in pervious lives, therefore we should accept the pain that we experience without complaint, rather acknowledging the celestial justice.”
This paragraph highlights the concept of “recycling” spirits. This idea creates an instant conflict with the main three religions of the Middle East, which in turn led to a full-scale war against Daheshism. This war manifested itself in the deliberate absence of all his books in Arab countries and the complete removal of his traces from the area as if he never existed.
Away from the novel and the information it holds — which seems quite real — there are two facts that we are sure of; first, there is a museum carrying Dr. Dahesh’s name in New York that was opened officially in 1995 and still functions to this very day. Second, Dr. Dahesh died in 1984 and his will was to be buried in Lebanon, but so far this wish was not accomplished. The logical deduction was that the authorities refused such a request for unknown reason(s), especially that such a request is granted easily for individuals who die outside their native land.
The novel is certainly an example of how authorities re-write history as they see fit according to reasons that they only know about. The message is clear: if you are outside the norms that society upholds, then you will be erased from existence.
سامح الجباس بين الواقع والخيال
http://www.egyptnewsapp.com/1/Article/2063/2158838#.YbPCCr3MKUk
سامح الجباس بين الواقع والخيال فى رواية “رابطة كارهى سليم العشى“
اليوم السابع – 12/10/2021 3:04:39 AM – GMT (+2 )
الروايات التى تتناول شخصيات غامضة خارقة للطبيعة ظهرت فعلا فى الواقع بجاذبية كبرى، إذ يسعى القارئ بشكل فطرى لتتبع أثر الحكاية ليعرف هل هذا ما حدث فعلا أم أنها مجرد حكاية وهكذا يمكن القول إن رواية سامح الجباس “رابطة كارهى سليم العشى” تقع بين الواقع والخيال.
ولا تخلو الرواية الصادرة منتصف العام الجارى عن دار العين من تتبع الوثائق التى تخص الشخصية المحورية وهى سليم العشى أو الدكتور داهش حيث يستعرض الكاتب الباحث وراء شخصية سليم العشى رحلته إلى مصر، حيث يقول إنه نُشر فى مجلة الصرخة عدد مارس 1931، صفحة رقم 24: “وصل إلى مصر الدكتور داهش المنوم المغناطيسى والعالم الروحانى وهو الذى أدهش العلماء بواسطة وسيطته المدموازيل “انتوانيت”، يقرأ أفكار الناس – ويعلم ما يجول بخاطرهم، ويقرأ الخطابات المقفلة ويخبرهم عن أحوال الغائبين والتائهين وعن أحوال التجارة والزواج والسفر ونتائج القضايا، سواء عن الماضى والحاضر والمستقبل، كل ذلك ببراهين علمية ثابتة، شهد بمقدرته العلمية أكبر معهد للتنويم المغناطيسى بباريس وجمعية المباحث النفسية الفرنسية والعظماء والكبراء يقابل زائريه بلوكاندة جلوريا بشارع عماد الدين”.
وتتناول الرواية فى مقطع آخر منها سيرة الدكتور داهش الذى ولد فى فلسطين، وانطلق منها لجميع أنحاء العالم ليعرض مواهبه ويؤثر على الناس بكاريزمته الهائلة، لدرجة جعلت الرئيس اللبنانى بشارة الخورى يسجنه وينفيه، كما سجن أتباعه، وسحب منه الجنسية اللبنانية، لكن الدكتور داهش عاد ونشر رسالته وعارض حكم الخورى، حتى وفاته سنة 1984 في نيويورك.
شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
www.paranormalarabia.com/2022/01/blog-post_21.html
21 يناير 2022
الدكتور داهش : شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
إعداد : كمال غزال |
يعتبر سليم موسى العشي (1909-1984) أحد أهم الشخصيات الغامضة في القرن العشرين ، حيث لقبه أحد الصحفيين بـ “داهش” لامتلاكه قدرات خارقة للطبيعة شهدها ناس كثر وذكرعنه بأنه كان يتواصل مع أرواح وكيانات من خارج عالمنا، وعلاوة على ذلك هو أديب لبناني ومؤسس عقيدة في الروحانية تدعى بـ ” الداهشية”، له مؤلفات عديدة عن الموت وأحوال الروح وقام برحلات حول العالم.
بعد أن اتسعت شهرة داهش، تناهت أخبار “معجزاته” إلى المحافل العلمية في باريس، فاستضافته جمعية المباحث النفسية الفرنسية، وسافر إليها برفقة شقيقته أنطوانيت. طلب المجتمعون منه أن يريهم مُعجزةً من مُعجزاته، أجابهم أنّه سيريهم آية يونان النبي (يونس). فطلب منهم وضعه في صندوقٍ حديديّ محكم الإغلاق، ودفنه في قعر نهر السين، سبعة أيام تحت الحراسة المُشدّدة. ارتعب المجتمعون بادئ الأمر، لخطورة العرض، لكنّهم عادوا فقبلوا عندما كتب لهم إقراراً بأنّه هو المسؤول عن عاقبة طلبه. وبعد أن فحصته لجنةٌ طبيّة، قاموا بتنفيذِ طلبه. وبعد 7 أيّام، وأمام 150 شاهداً من المهتمين بالأمور النفسية، رُفع الصندوق، وفُتح، وإذا بجسده يتحرك، ووجهه يبتسم. بعد هذه المعجزة المذهلة، مُنح داهش شهادة العلوم النفسية من قبل “الجمعيّة النفسية الدولية” بتاريخ 6 أيار 1930، ثمّ شهادة الدكتوراه من قبل معهد “ساج” الإنكليزي في باريس، بتاريخ 22 أيّار 1930.
أما عن بعض أعماله السحرية في لبنان، فكتبت مجلة “الحوادث” أن داهش حوّل الورق العادي بين يديه إلى عملة الدولار وإلى الليرة اللبنانية، كما أن الخشب كان ينقلب إلى ذهب أمامه في الحال، وأنه أعاد مرات ومرات خاتماً أو ساعة أو معطفاً ضاع من صاحبه قبل سنوات.
أما الرواية التي تناقلها سكان بيروت فهي أنه بعام 1968، دخل داهش يوماً محلاً ليقصّ شعره فوجد زحمةً كبيرة عند الحلّاق وكان يوم سبت. فطلب من الحلّاق أن يقصّ له شعره ليردّ الحلّاق وهو يحدّق بالزبون الجديد: “إذهب ساعة أو ساعتين ثم عدّ لأحلق لك”. ويُقال إن داهش فصل رأسه عن جسده وأعطاه للحلّاق موضحاً أنه سيعود لأخذه لاحقاً بعد الإنتهاء. لكن بالتأكيد تبقى هذه القصة ضمن نطاق الروايات.
نبذة عن طفولته
لجأت عائلته من الطائفة السريانية إلى فلسطين بعد أن هاجرا من بلاد ما بين النهرين في العام 1906. وفي العام 1909 رُزقا بصبيٍ في مدينة بيت لحم بعد ثلاث بناتٍ فسمّياه (سليم) .
وما أنْ أخذَ الصبيُّ يدرج، حتّى تركَ والداه القدس إلى حيفا، ثمّ انتقلا مع أولادهما إلى بيروت في العام 1911، وبعد بضعِ سنوات حصل أفراد العائلة على الجنسية اللبنانية.
رسالته الروحية
“الداهشيّون”، أي أتباع داهش، يعتبرون أنه رجل روحاني يحمل فلسفةً عميقة تدعو للسلام ونبذ الكراهية والخلافات الدينية والحروب، ولذا يتم تحقيرهم اليوم إعلامياً. وكانوا في حينه يتهافتون إلى منزله في منطقة “زقاق البلاط” في وسط بيروت للتبرك منه، ولا يزال منزله الكبير قائماً هناك ومهجوراً منذ فترةٍ طويلة.
باشر داهش سلسلةَ رحلاتٍ عالَميَّة شملَتْ معظمَ أَقطار العالَم يدفعُه إلى ذلك أَمران: الأَوَّل، حبُّ الاطِّلاع على معالم البلاد العمرانيَّة والحضاريَّة والتاريخيَّة والطبيعيَّة والاجتماعيَّة… والثاني، البحث عن الصنائع الفنِّيَّة لابتياعها. وقد دوَّن الدكتور داهش مشاهداتِه وانطباعاتِه في سلسلةٍ تقع في 22 جزءًا أَطلق عليها اسم “الرحلات الداهشيَّة حول الكرة الأَرضيَّة”.
في 23 آذار 1942، أَعلن الدكتور داهش في بيروت رسالةً روحيَّة دعا فيها الناسَ إلى الأَخذ بجوهر أَديانهم بعيداً عن قشورها أَو مظاهرها الوثنيَّة. كما دعاهم إلى الأُخوَّة الإنسانيَّة على تبايُن الأَعراق والقوميَّات، وإلى الإيمان بأَنَّهم-مَثَلُهم في ذلك مَثَلُ سائر المخلوقات-خاضعون لنظامٍ روحيٍّ عادل يقضي عليهم، تبعاً لاستحقاقهم، بالتقمُّص على الأَرض أَو في عوالمَ أُخرى ريثما يتسنَّى لهم الارتقاءُ الروحيُّ بإرادتهم، والاندماجُ، أَخيراً، في عالَم الروح. ولقد شهدَتْ تلك الدعوة إقبالاً شديداً من مختلف فئات الشعب اللبنانيِّ، فاعتنقها لفيفٌ من الأُدباء والأَطبَّاء والمحامين والوجهاء في عدادهم السيِّدة ماري حدَّاد، شقيقةُ زوجة بشاره الخوري.
تعرّض داهش للملاحقة من قبل رئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري، الذي جرّده من جنسيته اللبنانية وطرده من البلاد بعدما اعتنقت شقيقة زوجته الأديبة المعروفة ماري شيحا حداد المذهب “الداهشي” الذي بدأ بالانتشار. قرّرت “ماري” قتل بشارة الخوري، لكن محاولتها فشلت قبل أن يضعها الأخير في مصح “دير الصليب” حيث انتحرت بعد أشهر من وجودها هناك.
هذه المقالة كتبها داهش عام 1948 ونُشرت في عدد من الصحف اللبنانية ومن بينها جريدة «الحياة» ، وقد تنبأ فيها بشكل صريح وواضح بان لبنان سيشهد حرباً أهلية مدمّرة وطاحنة عام 1975 انتقاماً من النظام اللبناني الذي اضطهد العقيدة الداهشية واتباعها، وجاء فيها:
” عندما تدق ساعة الحساب الرهيبة، سأدق أعناق المجرمين الوصوليين دقاً هائلاً، وسأمزق قلوبهم المفعمة بالجرائم تمزيقاً مروعاً، وسأمزج الصاب والغسلين المريرين الكريهين مذاقاً، واسكبهما في أفواههم التي لا تنطق إلا بالكذب الشائن والأفك المبين. وإنني اقسم، غير حانث، بأنني سأنكل تنكيلاً مخيفاً بكل من تدخل في هذه الجريمة الوحشية المنكرة المستنكرة، جريمة تجريد مؤسس الداهشية من جنسيته اللبنانية بالظلم والعدوان “.
وكان لداهش، بحسب أتباعه، ستّ شخصيات روحية مختلفة، وكان العديد يتهافتون الى منزله في محلة زقاق البلاط يومياً لتتاح لهم فرصة مشاهدة ظاهرته الروحية، علماً أن المذهب الداهشي هو مزيج روحي ونتاج فكري من نبع الأديان التي تقرّ بسلطة الله العليا وبوحدانيّة الكتب السماوية والاعتراف بجميع الأنبياء، من دون تفرقة بين مذهب وآخر.
وبعد الحكم عليه بالنفي، سافر «داهش» مع بعض أتباعه إلى أذربيجان، عام 1948، وهناك أعدِمت واحدة من شخصيات داهش الستة رمياً بالرصاص، في حين كان داهش ما زال موجوداً بلحمه وعظمه في مكان آخر من العالم، وكل هذه الحقائق موثّقة بالصور والصحف التي صدرت في تلك الحقبة، والتي انفردت بنشر مقالات وأخبار عن إعدام داهش الذي بقي حياً في مكان ما في العالم.
يشار إلى أن داهش توفي في العام 1984 في ولاية نيويورك داخل أحد المستشفيات بسبب مرض “تخثر العظام”، وتمّ تحنيط جثمانه ووضعه داخل منزله الذي تحوّل إلى متحفٍ كبير.
منزله “المسكون” في بيروت
يُقال إن المنزل الذي سكنه دكتور داهش في بيروت في أهم مراحل حياته “مسكون” بروح صاحبه التي لم تفارقه بعد، ويُحكى أن الأنوار تُضاء وتُطفأ بين الحين والآخر، وتارة أخرى يُحكى أن أحواض الزرع الموجودة على شرفاته تظهر مرة خضراء ومرة يابسة، والأهم يبقى ألا أحد يجرؤ على الاقتراب منه أو الدخول الى هذا المنزل القائم في محلّة زقاق البلاط في بيروت.
وبين هذا وذاك، ما زال منزله مادة دسمة لمرويّات تشبه (الفزّاعة) ، والتي تتخطّى حدود واقع كونه كان مهجوراً لفترة قصيرة خلال الحرب الأهلية، ومن ثمّ عادت ملكيته لعائلة حداد، وتحديداً للرسامة (زينة حداد) التي ما زالت تسكن بداخله، وحيدة لا تستطيع الحراك والتحدّث بسبب مرضها وكبر سنها (93 عاماً).
وأخيراً .. توفي داهش تاركاً خلفه تساؤلات وحكايا ما زالت تعشّش خلف الماورائيات، إذ كان بـ«ستّ أرواح» على حدّ زعم أتباعه، أي «الداهشيّين» المنتشرين في لبنان والعالم، و«مشعوذاً» حسب رأي رافضي أفكاره الفلسفيّة والماورائيّة التي ما زالت تدرّس في الجامعات الأميركية، وهي موزّعة بين طيّات أكثر من 300 كتاب و500 لوحة في دار نشر خاصة بطباعة كتبه (دار النسر المحلِّق ).
العلايلي و لقمان
janoubia.com/2021/02/20/العلايلي-و-لقمان-والصورة-الكبيرة/
العلايلي و لقمان.. و«الصورة الكبيرة»!
علي مطر في 20 فبراير، 2021 تحت تصنيف التصانيفالرئيسية، خاص
مع أنني حملت الكاميرا في السادسة عشر، وصورت مشاهير كثر، ما رغبت مرة بأن أطلب من مشهور أن آخذ لقطة معه. اعترف بالكامل أن شعوري بالندية هو السبب الرئيسي. هي صورة وحيدة أحتفظ بها مع شهير، علم من بلادي العلامة اللغوي الفذ عبدالله العلايلي. والجميل في هذه الصورة أنها بعدسة رشا الأمير شقيقة حبيبنا لقمان، المغدور على يد الشر . لكن، أيضا، خلف هذه اللقطة قصة. قصة حالمين بوطن يطفو على بحيرة من العلم بدل الذي يطفو على بحيرة من الكذب، كما كتبت غير مرة في صحفنا المحلية. الحالمان هما لقمان سليم ورشا الأمير. اقرا ايضاً: بين لقمان والمرفأ والناس.. اتهامات وتساؤلات برسم «سماحة الأمين العام»! لم نكن على موعد رشا وأنا، التقينا صدفة. كنت كعادتي امشي، اجوب المدينة وعند رصيف حديقة الصنائع المواجه لمبنى الانيون حيث دار “الجديد”، كانت رشا تستعد للصعود إلى سيارتها حين لمحتني. تبادلنا التحيات. وتحيات رشا دائما مجبولة بابتسامة وعينين لا تهدان في البحث عن معنى قد يكون عبر فلا يهرب. قالت، هل تذهب معي عند عبدالله العلاليلي؟ ماذا، اتمزحين. هذا سيكون تحقيقا لأحد أحلامي. لم أعد أذكر ما دار بيننا في الطريق نحو بيت عبدالله الحبيب في منطقة زقاق البلاط، لكن أرجح الآن أنني اخبرتها عن صورة الرجل في ذهني. في البيت الذي ولدت فيه كان في مبنى قديم في المصيطبة يملكه جرجي ضاهر أبو نقولا، وكان جميع أبنائه داهشيين، نسبة إلى الروحاني الكبير الدكتور داهش الغني عن التعريف لجيل بكامله. كنت في العاشرة حين رأيت صورة داهش معلقة في صدر الصالون الكبير لبيت ضاهر الذي يعلو طابقنا الأرضي. في ذلك اليوم طلبت مني أمي أن أصعد الى بيت أم نقولا لكي أقضي لها حاجة، والارجح أن أم نقولا طلبت ذلك من أمي. وقد أستمر هذا الأمر حتى مغادرة بيت ضاهر منزلهم إلى رياق بعد سنتين، ضمن رحلة مغادرة العائلات المسيحية المنطقة الغربية. كانت أم نقولا تطلب مني إحضار حاجيات من الدكان، وفي كل مرة توصيني أن أنتبه من “الاتوتوموبيل”، وحين أعود تنقدني ربع ليرة كانت بالنسبة لطفل ثروة، ولاحقا صارت تعطيني الألعاب القديمة التي يتركها أبنها الأصغر ميشال الذي كان يكبرني بخمس سنوات، لكنه كان يعترض في كل مرة. وفي كل مرة كنت أدخل إلى الصالون منتظرا أن تكتب لائحة الأغراض ثم إحضار كيس الحمل كنت أنظر إلى صورة الدكتور داهش الفوتوغرافية وينتابني شعور بالغموض ما زلت احتفظ به حتى اليوم كلما رأيت صورة الرجل.. هل سردت لرشا هذه التفاصيل؟ لم أعد أذكر، لكن أرجح أنني ربطت الشخصيتين، العلاليلي وداهش في جمل ما، ذلك أنني حين عملت لاحقا في العام 1980، في مجلة “الجمهور الجديد”، كـ office boy ، ثم كمصور صحفي، صدر في العام التالي كتاب عبدالله العلالي” كيف عرفت الدكتور داهش”، وأرسلت إلى المجلة بطبيعة الحال نسختان للكتابة عنه. وحين رأيت نسخة على مكتب مدير التحرير فضلو هدايا، كانت الصورة نفسها على الغلاف التي في صالون بيت ضاهر. استاذنت الأستاذ فضلو استعارة الكتاب وشرعت بقراءته. كانت لغة العلايلي صعبة علي في تلك الفترة لكن بإصرار غريب كنت أعيد وأعيد القراءة راغبا في استيعاب ما كان يجري في بيت الدكتور داهش، بينه وبين أصحابه واتباعه ومن بينهم العلامة العلايلي. في منزل عبدالله العلايلي، صيف- خريف 1996، دخلت مع رشا التي من حساسيتها واحترامها لفت رأسها بمنديل، جعل وجهها المستدير أكثر استدارة. كانت رشا مع لقمان قد رتبا لقاء ثقافيا نادرا بين مجموعة من أساتذة الأدب والفلسفة في جامعة تهران. لم يكن الوفد قد وصل بعد. رحب بنا أهل العلايلي ودخلت مع رشا إلى صومعته. كان كما في الصورة المنشورة، هو الذي أصلا بجسد صغير، بدا أنه طفل شيخ. يا إلهي ما أروع هذا الإنسان وما اغناه علما واخلاقا، إنه من حظي الكبير أن ألتقي به، وبقيت بين وبين نفسي أشكر رشا على هذا اللقاء لسنوات انقطعت خلالها علاقتنا بسبب انشغالي بهموم المسرح والسينما والكتابة والعزلة. في انتظار الوفد أخذت لي رشا صورتين أو ثلاث، لعل في إحداها أقبل رأس الشيخ الجليل. ثم توليت عملية التصوير بنفسي، بالكاميرا، point and shoot التي احضرتها رشا معها. خرجت رشا من الغرفة الصومعة، لمتابعة أخبار وصول الوفد الإيراني. لم يكن لي علم بكل تلك التفاصيل، الأرجح قد ترويها رشا يوما من وجهة نظرها، لكنني بقيت لحوالي العشرين دقيقة مع عبدالله في صومعته. أنظر إليه وهو ينظر للبعيد. لم اجرؤ على ازعاجه بوميض فلاش الكاميرا، المحكوم باطلاقه، نظرا لمحدودية الكاميرا، ولا على طرح سؤال واحد من سيل الأسئلة المتدفق في رأسي، وفي مقدمها علاقته بداهش. وحيدان هو وأنا. لا ازيح نظري عنه. هو ينظر في البعيد ومن وقت إلى آخر ينظر إلي ويبتسم بصمت مرحبا بي. آخذ نفسا لارفع الكاميرا، وشيء ما يمنعني من كسر هيبته العلمية بوميض فلاش، لعله لا يرغب برؤيته. كذلك لم أخرج كلمة واحدة. دخل الوفد الإيراني وكأن تلامذة يدخلون على قديس. بتواضع شديد تحلقوا حواليه مطلقين عبارات الترحيب والإعجاب. كانوا أربعة على ما أذكر. اعتبروا كتابه ” الأمام الحسين” مرجعا، وهم يدرسونه في الجامعة. التقطت عدة لقطات. كانت رشا تضئ بالفرح لهذا. لا أعرف لماذا أتخيل الآن لقمان حاضرا هناك. هل كان هناك؟ بالتأكيد إن لم يكن جسدا فقد كان في الخلفية، حيث اجتهد كنملة، وتحرك كفراشة كي يلاقح الأفكار والثقافات، كي يصنع الملعب الذي يجيد اللعب فيه، لعبة الكلمة.
نام داخل صندوق حديدي في قعر
|
دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي» لـ سامح الجباس
https://www.dostor.org/3485704
دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي» لـ سامح الجباس
السبت 19/يونيو/2021 – 07:51 م
تنظم دار العين للنشر والتوزيع، حفل توقيع ومناقشة أحدث إصداراتها، رواية “رابطة كارهى سليم العشي” للكاتب سامح الجباس، وذلك في السادسة من مساء غد الأحد، بمركز القنصلية الثقافي بوسط القاهرة.
ويناقش الرواية الدكتور محمد سليم شوشة، أستاذ مساعد الأدب العربي بكلية دار العلوم – جامعة الفيوم.
وسامح الجباس طبيب وروائي من مواليد يناير 1974. عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة. صدر له العديد من الأعمال الأدبية٬ نذكر من بينها: المجموعة القصصية “المواطن المثالي”٬ رواية للأطفال بعنوان “بحر العواصف”٬ رواية “بورتوسعيد”٬ رواية “كريسماس القاهرة”٬ “الذئب الأزرق”٬ و”لعنة سومانات” روايتين للأطفال٬ رواية “حبل قديم وعقدة مشدودة”٬ رواية “علي سبيل المثال”٬ كتاب “كيف تكتب السيناريو”٬ ورواية “نادي النيل الأسود السري”.
كما تعاقد الكاتب سامح الجباس، مع دار مصر العربية٬ على ترجمة رواية “أسد أسبرطة”٬ للروائي جون بيرك٬ وهى الرواية المستوحى منها فيلم “300” الشهير.
وعن روايته الأحدث “رابطة كارهى سليم العشي”٬ قال الكاتب الروائي سامح الجباس لــ”الدستور”: فى الأربعينيات من القرن الماضى شغل سليم العشى الشهير باسم “الدكتور داهش” الأوساط اللبنانية ثم العربية كساحر ومؤلف وفيلسوف غامض. وفى عام 1942 ضجت الأوساط اللبنانية بإعلان الدكتور “داهش” مبادئ العقيدة الداهشية وأنه نبى القرن العشرين .
من هو الدكتور داهش ؟ منذ ولادته عام 1919 وحتى اليوم أثارت شخصية الدكتور داهش الخوف والغموض ليس فقط فى لبنان – خاصة – ولكن أمتد تأثيره إلى بلاد أخرى .لكن لا أحد استطاع حتى اليوم فك غموض هذه الشخصية التي مازال لها أتباع ومتحف خاص فى نيويورك .
من هو الدكتور داهش ؟ وماهى الداهشية ؟ قضى المؤلف ثلاث سنوات فى البحث والعمل والتنقل حتى استطاع ليس فقط الكشف عن أسرار مذهلة عن الدكتور داهش ومؤلفاته وحياته ولكن كشف الروائى سامح الجباس عن كثير من الأسرار المتعلقة بكبار الشخصيات الأدبية والفنية المصرية.
“رابطة كارهى سليم العشي”٬ هى الرواية العربية الأولى٬ التي تحاول أن تكشف أسرار الدكتور داهش الذى مازال حتى اليوم يثير الخوف والجدل والغموض حول شخصيته على الرغم من مرور أكثر من 37 عام على وفاته .
ومما جاء في رواية “رابطة كارهى سليم العشي”٬ للكاتب الروائي سامح الجباس نقرأ:؛ لقد طالت بعض الاتهامات والاتفتراءات الدكتور “داهش”٬ وكانت أغلبها تتعلق بكونه “مشعوذا” ولققد تصدي لهم الدكتور فريد أبو سليمان الطبيب الشهير.
لقد تميز نشاط الدكتور فريد أبو سليمان ــ المؤمن السادس ــ في حياته الداهشية بفضحه للشعوذة والمشعوذين٬ حتي لقبته بعض الصحف اللبنانية “بفاضح المشعوذين”٬ وقد دفعه إلي ذلك ما أكدته له الداهشية من أن الخوارق أو المعجزات إنما هي وقف علي رسل الله أو هداته٬ يصنعونها بهبة وإذن منه تعالي. أما ما يزعمه المشعوذون من قدرات خارقة سواء أكان تنويما مغنطيسيا أم قراءة أم معرفة غيب٬ فليس في حقيقته إلا دجلا قوامه الخفة أو المهارة أو التمويه أو الاتفاق المسبق.
داهش بين القلم والألم
داهش بين القلم والألم – Parachutetouch’s (wordpress.com)
مايو 31, 2009 بواسطة parachutetouch
داهش بين القلم والألم
أحمد صالح محارم– صحفي مصري مقيم في نيويورك
إن لله عباداً اختصهم بمواهب خارقة وحبب الخير فيهم.. وهو تعالى “يلقي الروحَ من أَمره على مَن يشاء من عباده ليُنذر يومَ التلاقي.” (غافر: 15). هؤلاء هم الآمنون من عذابه يوم القيامة وأنت مع كلمات وأفكار وتجارب الدكتور داهش في الحياة تجد نفسك مشدوهاً وكأنك تخاطب نفسك قائلاً: “الله” .. مرتين.. مرة لأن ما حولك جميل.. والمرة الثانية لأنه أقوى منك.. فالجمال قوة.. فأنت إذا ذهبت إلى متحف داهش في مدينة نيويورك تفخر بكونك عربيّا تنتمي لأمة أخرجت إنساناً متميزاً مثل الدكتور داهش الذي أُقيم له هذا المتحف في قلب منهاتن، وسط نيويورك عاصمة الدنيا، ليكون فخراً لشعب لبنان والأمة العربية والإنسانية، ذلك بأنّ كل ما فيه ينطق بمعنى الإبداع والحرية والجمال الإنساني. مرات كثيرة مددت يدي لقراء كف من كل أنحاء الدنيا.. لكننا أَمام الدكتور داهش لسنا أَمام منجّمين وقُرّاء كفّ.. فنظرية “كذب المنجمون ولو صدقوا” تظلّ نبراساً في الطريق. مع الدكتور داهش نحن أمام ظاهرة القوى الخارقة.. والناس النادرون في التاريخ من أصحاب الرسالات يُؤتون موهبةً خاصّة من عند المولى سبحانه وتعالى.. وهم أنفسهم قد لا يدركون لذلك سبباً.. والله يعلم حيث يضع رسالته. و الدكتور داهش إنسان متميز، ولذلك هو علامة ظلت بارزة ولم تضع وسط الزحام. أعطاه الله بسطة في العلم والرزق من غير أن يدخل مدرسةً، وسعةً في الرزق والأخلاق.. فسعة الأرزاق من سعة الأخلاق.
إن كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش” هو تلخيص لتجربة شخصية عاشها الصحفي اللامع لطفي رضوان رئيس تحرير جريدة المصور المصرية سابقاً.. فهو يحكي للقراء في المقدمة لماذا أصدر هذا الكتاب إذ إنه شخصياً ومع تجربته الطويلة والعريضة والعميقة لمدة 33 سنة كصحفي قد رأى عجباً، وليس من السهل أن يصدق شيئاً حتى يراه بعينيه
ويلمسه بيديه.
قابل لطفي رضوان الدكتور داهش للمرة الأولى، فشاهد كيف يتحول الورق العادي إلى ورق بنك نوت، وبأرقام واضحة ومحددة. ثم قابله ثانية، فرأى كيف يتحول النحاس والرصاص إلى ذهب وكيف حول فراطة الليرات اللبنانية إلى جنيهات ذهبية ماركة جورج (وهي أغلى قليلاً منة ماركة اليزابت) بقوة روحية خارقة. في المقابلة الثالثة زاد انبهار الرجل لكون الدكتور داهش يحفظ القرآن كما الإنجيل عن ظهر قلبه، فهو يؤمن بأن أصل الأديان واحد.
وخلال وجوده مع الدكتور داهش في بيروت أجرى اتصالاً هاتفيا بمنزله بالقاهرة فوجد أن عنده ضيوفاً في منزله في مصر وقد حددهم له داهش قبل إجراء المحادثة الهاتفية. ويقول رضوان إنه خرج من هذه المقابلات بشيء من الوسواس وهو معذور طبعاً. لكنّ زياراته كانت فرصة لاكتشافه معنى السيّال الروحي الذي وهب الله للدكتور داهش. وقد تناول لطفي رضوان بعضاً من مؤلفات داهش من خلال صديق مشترك لهما، وبدأ في قراءتها.. فأدرك أن أدب الصدق هو سمة كتابات داهش.
ولقد اضطُهد د. داهش من قبل بني قومه ابتداءً من رئيس الجمهورية في ذلك الوقت السيد بشاره الخوري إلى رجال الأمن والدين والأوساط الإعلامية والأدبية والسياسية والاقتصادية، وذلك عندما بدأ دعوته لتقريب الأديان وجعل المؤمنين يؤمنون بوحدتها الجوهرية. أصبح الدكتور داهش هو المضطَهَد الأول في لبنان. لكنّه سرعان ما بدأ حملته في الخفاء ضد مضطهديه، فأصدر 66 كتابًا أسود و165 منشورًا فضح فيها مخازي مضطهديه ومظالمَهم. وقد فعل ذلك وهو لا يبعد عنهم إلا عشرات الأمتار فقط. وقد وساعده في ذلك أعوانه الذين لهم حيثية واعتبار في المجتمع اللبناني. وقد قدمت إفادات ثلاث منهم إلى رئيس البوليس العدلي في بيروت للحقيقة والذكرى والتاريخ. إفادة من السيدة ماري حداد الداهشية، وإفادة الأستاذ حليم دموس الشاعر الداهشي الكبير، وإفادة المؤمن الأول يوسف الحاج الداهشي. وبعد الإعجاب والانبهار الشديدين، قدم لطفي رضوان في كتابه “معجزات وخوارق الدكتور داهش”- قدم د. داهش المعجزة. فأشار إلى أنه ولد داهش في مدينة القدس في أول يونيو 1909. وهناك حكايات كثيرة عن طفولته وصباه وشبابه. كيف عاش يتيماً وحدث له ومعه العديد من المعجزات.. وقد عرفه الأوروبيون كشاب يأتي بالمعجزات، فأرسل معهد ساج في فرنسا فاستضاف د. داهش الذي أجرى خارقة مذهلة أمام 150 من المعاينين. وقدم له المعهد شهادة بأنه قد أتى أمامهم بمعجزة. ويومها عرف أهل لبنان وفلسطين أن الشاب الذي سخر منه المغرضون الجهلة يملك قوة روحية ليست للبشر. وعرف أنه قادر على إتيان كثير من الخوارق. وفهمنا أن السيّالات الروحية العلوية هي مكمن القوة في داهش.، إذ يقول د. غازي براكس، الحائز شهادة الدكتوراه في الآداب وأستاذ علم النفس الأدبي سابقاًـ بأن السيّال وحدة نفسية ذات طاقة حيوية انفعالية وإدراك نسبي. ونزعة نوعية وخصائص وظيفية. والسيّالات منها ما هو فطري ومنها ما يطرأ على تكوين الإنسان الجسدي خلال مراحل نموه وكل سيّال لا بد أن يلقى جزاء عمله خيراً أم شرا. ونفس كل إنسان تتكون من سيّالات، لكنّ الهداة الروحيين تمتاز سيّالاتُهم بأنها علوية موهوبة قوى روحية خارقة من لدنه تعالى.
ثم ينتقل رضوان لبداية داهش وكيف صمد وكيف نجح. ولقد قبل داهش التحدي الصادر من بشارة الخوري، رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق، ومن سلطاته وكان بين الطرفين حربٌ امتد أثرها على طول البلاد العربية، وانتقلت نتائجها إلى أوربا والمهجر في أمريكا. وكسب داهش جولته الأولى، الأمر الذي أثار المزيد من الغضب عليه من السلطات اللبنانية. واهتمت الأوساط العربية في المهجر بموضوع داهش ومن أمريكا بدأوا يدافعون عن الهادي المعجزة داهش. وقد اتضح ان له ست شخصيّات غير شخصه البشري وهي كناية عن سيّالات روحيّة تتجسد أحيانًا فتتخذ شبهه. ولقد شاء القدر أن تلقى شخصيّة الدكتور داهش مصرعها في أذربيجان بإيران في أول يوليو 1947، لكنها بُعثتْ من الموت لأن شخصيّاته لا تخضع لقوانين الأرض الطبيعية، وبينها نظام الموت. ويحكي رضوان عن خوارق وعجائب داهش كما سمعها من أفواه شهودها وهم كثيرون. وفي النهاية يشير رضوان لأغرب ما سمعه عن داهش مثل تكوين جريده قبل خمسة أيام من صدورها، وتجسّد فتاه لم تكن في عالم الأرض، وهبوط كائن من الكواكب، والمائدة التي تهبط من السماء، والموزة التي اختفت من بين يدي رجل همّ بالتقافها وفمه، وست شخصيات مماثلة لداهش تجتمع معاً. إن كتاب رضوان هو شهادة لصحفي قدير لداهش المعجزة، كتاب يستحق أن يقرأ.
سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق العادى بين يديه إلى عملة الدولار
كتب وجدي نعمان
يحوّل الورق العادى بين يديه إلى عملة الدولار والخشب إلى ذهب.. إنه سليم العشى المعروف بـ”داهش” ومؤسس الطائفة الداهشية فى لبنان، قالوا عنه ساحر وشخص روحانى وصاحب دعوة دينية، فما حقيقة هذا الرجل؟
اسم الدكتور “داهش” لا يحظى بالكثير من الشهرة حالياً لكنه كان مشهورا بين أبناء حقبة الخمسينيات حتى السبعينيات، فهو اسم مخيف بالنسبة لهم.
سليم موسى العشى أو الساحر المعروف بـ “داهش” ولد فى بيت لحم الفلسطينيّة عام 1909 نزحت عائلته نحو بيروت بعد 3 سنوات من ولادته.
سليم العشى
وقيل إن أول المفاجآت فى حياته أنه شخّص مرضه لطبيبه وهو فى سن الثالثة فى العشرين من عمره بادر سليم العشى إلى تغيير اسمه واختار “داهش” (وهو لقب أطلقه عليه أحد الصحفيين) لأن أعماله كانت خارقة للطبيعة.
سافر إلى فرنسا التى اعترفت بقدراته الهائلة على تخطّى الطبيعة الماديّة وخرق قوانينها، فمنحه معهد “ساج” الباريسى شهادة دكتوراه فخرية
ومن بعض أفعاله الخارقة للطبيعة التى هزت “بيروت” تحويله الورق العادى إلى عملة الدولار وإلى الليرة اللبنانية، وأنّ الخشب كان ينقلب بين يديه إلى ذهب أمام الجميع.
أشهر الروايات المخيفة عنه التى يتناقلها معظم سكان بيروت حتى اليوم، حدثت عام 1968، عندما دخل داهش يوماً ليقص شعره فوجد زحاما عند الحلاق فطلب منه الحلاق: العودة بعد ساعة أو ساعتين، هنا، يُقال إنّ داهش فصل رأسه عن جسده وأعطاه للحلّاق موضحاً أنّه سيعود لأخذه لاحقاً بعد الانتهاء!!!
أيضا من الغرائب عندما تحدى داهش 10 من الخبراء فى حقل دراسة الظواهر الخارقة للطبيعة فى فرنسا، حين طلب منهم وضعه فى حقيبة سفر ثمّ إنزاله لقاع نهر “السين” ووضعه تحت مراقبة وبعد أسبوعٍ انتُشلت الحقيبة من النهر وخرج منها سليما وغير مبلّل.
ويرى أتباع الفكر الداهشى أن هذا الرجل الغامض هو روحانى يحمل فلسفةً عميقة تدعو للسلام وأن الداهشية طريقة دينية تشمل جميع الأديان لكن تمت مواجهته من النظام الرئاسى بالبلاد.
وتعرّض للملاحقة من قبل رئيس الجمهورية اللبنانى آنذاك بشارة الخورى، الذى جرّده من جنسيته اللبنانية وطرده من البلاد، بحسب ما ورد فى الوثائق فإنّ لداهش 6 شخصيات ظهرت فى عدة أماكن: واحدة أُعدمت رمياً بالرصاص فى أذربيجان عام 1984 فى حين كان يتناول طعامه فى مكان آخر من العالم.
وما هو مؤكد أنه توفى فى العام 1984 فى ولاية “نيويورك” داخل أحد المستشفيات بسبب مرض “تخثر العظام”، وتمّ تحنيط جثمانه ووضعه داخل منزله الذى تحول إلى متحفٍ كبير.
رحل الدكتور داهش لكن أسراره بقيت، ومقتنياته، لكن ماذا عن تعاليمه؟ هل لا يزال هناك من يتبعه أم ذهب فى طى النسيان.
" رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض الكتاب الدولي
www.eldyar.net/articles/390526/رابطة-كارهي-سليم-العشي-يشارك-بمعرض-الكتاب-الدولي
الديار
” رابطة كارهي سليم العشي” يشارك بمعرض الكتاب الدولي
- 2021-07-10 20:19:23
تشارك دار العين بكتاب ” رابطة كارهي سليم العشي ” للكاتب سامح الجباس في معرض القاهرة الدولي للكتاب عن دار العين للنشر .
نُشر في مجلة الصرخة عدد مارس 1931، صفحة رقم 24: “وصل إلى مصر الدكتور داهش المنوم المغناطيسي والعالم الروحاني وهو الذي أدهش العلماء بواسطة وسيطته المدموازيل “انتوانيت”، يقرأ أفكار الناس – ويعلم ما يجول بخاطرهم, ويقرأ الخطابات المقفلة ويخبرهم عن أحوال الغائبين والتائهين وعن أحوال التجارة والزواج والسفر ونتائج القضايا, سواء عن الماضي والحاضر والمستقبل, كل ذلك ببراهين علمية ثابتة. شهد بمقدرته العلمية أكبر معهد للتنويم المغناطيسي بباريس وجمعية المباحث النفسية الفرنسية والعظماء والكبراء يقابل زائريه بلوكاندة جلوريا بشارع عماد الدين”.
هكذا تحكي رواية سامح الجباس الأحدث، رابطة كارهي سليم العشي،عن الدكتور داهش، اسم الشهرة لسليم العشي. كيف بدأ حياته كمنوم مغناطيسي وساحر شاب يأتي في الحفلات الليلة بالفنادق حتى ظهوره كمؤسس عقيدة سُميت بالعقيدة الداهشية، آمن بها أتباع ومريدين من الوسط الثقافي والفني اللبناني والمصري.
يتعمق سامح في أعماق الحكاية، ينتقل لبيروت ليعيش هناك بالقرب من بيت داهش في زقاق البلاط ليتتبع سيرة أغرب كاتب عربي ويحاول حل لغز تأثر نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف أدريس ويوسف وهبي والفنانة اللبنانية ماري حداد والشاعر اللبناني حليم دموس وغيرهم الكثير.
الحكايات السحرية والقدرات الخارقة، والحيوات المتعددة لسيرة داهش أكبر من ضمها في كتاب واحد لكن نجح الروائي سامح الجباس في الإمساك بأطراف الحكاية بأكملها وعرضها بحيادية وإثارة، فلا يفلت القارئ من قبضته إلا بانتهاءه من القراءة كاملة.
داهش الذي ولد في فلسطين، وانطلق منها لجميع أنحاء العالم ليعرض مواهبه ويؤثر على الناس بكاريزمته الهائلة، اضطهده الرئيس اللبناني بشارة الخوري وسجنه، كما سجن أتباعه، وسحب منه الجنسية اللبنانية لكنه عاد ونشر رسالته وعارض حكمه، حتى وفاته 1984 في نيويورك، له الكثير من المؤلفات والكتب الأدبية والتي تحدث بها عن رحلاته ومغامراته، وعقيدته الداهشية التي تؤمن بكل الأديان.
بين الدهشة ونداءات التنوير
https://whbanlibrary.blogspot.com/2021/10/blog-post_92.html
رابطة كارهي سليم العشي.. بين الدهشة ونداءات التنوير
(0)
يوسف الشريف
سليم موسي العشي أو دكتور داهش، هل سمعت هذا الاسم قبل صدور تلك الرواية؟ بالطبع لا، فقد محى العالم آثار هذا الرجل الذي جاء في زمن ما ليحذر الناس ويهديهم. ولكن ها هو يظهر من جديد متمثلا في صورة الطبيب والكاتب المصري سامح الجباس.
الكاتب في تلك الرواية البديعة الصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع، استعاد سيرة هذه الشخصية الغريبة، ليفسر ويوضح ويسرد بعض الأمور التي قيلت أو المتعلقة أو التي تحوم حول شخصية الدكتور داهش. ولكن قبل أن نبدأ معاً في قراءة بعض سطور الرواية لا بد أولاً من أن نسأل بعض الأسئلة الهامة للغاية، ويجب أيضاً أن تجاوب على هذه الأسئلة بصدق شديد حتى ولو بدت لك الأسئلة سهلة الإجابة.. هل أنت محب للخير؟ وتحب الناس كافة على اختلاف أشكالهم وألوانهم واعتقاداتهم؟ أي أنك تهتم بالإنسان فقط دون أن تنظر إلى أي شيء آخر؟!
إذا كانت الإجابة بنعم فلتأتي معي لنكمل الحديث عن بعض النقاط داخل الرواية. ولكي نتحدث عن الفكرة الأهم في الرواية من وجهة نظري، لا بد أولاً من أن نعرف ما هي رسالة “سليم العشي” أو دكتور “داهش” بطل الرواية؟
“في 23 آذار/ مارس 1942 أعلن الدكتور داهش في بيروت رسالة روحية دعا فيها الناس إلى الأخذ بجوهر أديانهم بعيداً عن قشورها أو مظاهرها الوثنية، كما دعاهم إلى الأخوة الإنسانية على تباين الأعراق والقوميات“.
هكذا ببساطة تطرح الرواية بعض الأسئلة التي لا يحب أحد الاقتراب منها أو مواجهتها، ولكن من ضمن الإجابات التي عثرت عليها لتلك الأسئلة المشتتة المتصارعة المقتحمة لعقلي أثناء قراءة الرواية، أن أي دين جاء لشيء واحد فقط وهو خدمة الإنسان. أي أن الدين جاء ليضع للإنسان بعض الأمور والضوابط التي تنفعه وتعلي من إنسانيته وترتقي به وتجعله إنساناً حقيقيا محباً لكل من حوله ويحاول جاهداً أن ينفع نفسه ومن ثم ينفع الناس، هذا هو جوهر أي دين ولا سيما جوهر الأديان السماوية أو الإبراهيمية.
وقد جاء الدكتور داهش ومن بعده كاتبنا المبدع سامح الجباس ليقولوا لنا ويلفتوا أنظارنا إلى شيء ربما لا يلاحظه كثير منا، وهو أننا للأسف ابتعدنا عن تلك الجواهر، أي أننا بالتدريج أخذنا نبتعد عن جوهر الإيمان الحقيقي، وجوهر الدين الذي هو مليء بالمحبة والأخوة والصفاء ومنفعة الناس وأخذنا نتمسك بالظواهر، ونشكل بعض تلك الظواهر علي حسب عادتنا وأهواؤنا ونستميت في الدفاع عنها.
“الداهشية إذن رسالة إلهية تهتم بلباب الدين لا بقشوره فهي تحترم جميع الأديان المنزلة وتريد من الذي ينتمي إليها أن يطبق الأقوال السماوية عمليا لا نظريا“
إذن عندما ظهر سليم العشي ليقول رسالته وأفكاره وسط عالم أصبح يتمسك بظواهر الأمور ويعبدها وكأنها جزء من الدين والإيمان الحقيقي كان لا بد أن يضطهد من البعض وأن يؤمن بأفكاره البعض. وهؤلاء المؤمنين بتلك الأفكار قد عانوا في سبيل إيمانهم هذا ودفعوا الكثير من التضحيات فنجد أن من بين المؤمنين أناس على درجة رفيعة من العلم والثقافة فنري الأديبة الرسامة (ماري حداد)، والشاعر (حليم دموس)، والطبيب (جورج خبصا)، والأستاذ الجامعي (غازي براكس).
ولكن سؤال واحد لم أجد له إجابة، كيف استطاع سليم العشي أن يقوم ببعض المعجزات؟ نعم فقد كان يقوم ببعض الأمور الغريبة التي لا يمكن أن يصدقها العقل، وقد أتخذ من هذه المعجزات المدهشة دليلا على أن الله يتبني رسالته وأفكاره. فهل هذه حقيقة؟
الحقيقة أن جوهر أفكار ورسالة دكتور داهش والتي أشرنا إليها من قبل لا يمكن أن يرفضها شخص مؤمن حقيقي، فتلك الأفكار يمكن أن تجنبنا خوض الكثير من الحروب التي أدت إلي تفكك الكثير من الأمم وإسالة بحور من الدماء. فهي رسالة توعية وتنبيه للعالم ولهؤلاء الذين يتمسكون بالظواهر ويدافعون عنها وكأنها الدين أو من يتمسكون بآرائهم ومعتقداتهم حتى الموت ويظنون إنهم على صواب والباقيين على خطأ والباقيين هؤلاء الذين لا يفعلون مثله يجب قتلهم أو موتهم أو إبادتهم من العالم.
وإذا تتبعت معي تاريخ الحروب في العالم وتاريخ النزاع الدائر بين الإنسان وأخيه الإنسان ستجد أن كل الحروب والمنازعات تأتي من هذا التمسك الزائف ببعض الأفكار السطحية المادية السخيفة على اختلاف شكلها أو أسمها، فهناك من يحارب من أجل المال أو لأنه أبيض والباقيين أصحاب بشرة سمراء أو العكس، أو لأنه يختلف عن الآخرين دينيا وفكريا. فإذا عدنا إلى أفكار دكتور داهش نراها أفكار أو رسالة سلام للعالم.
وفي الوقت الذي صرح سليم العشي وقال تلك الأفكار التي تضمها رسالته، كان العالم في حالة حرب، وقد تشبعت الأرض بدماء أناس من مختلف الأجناس والشعوب والأديان. فقد أعلن سليم العشي عن رسالته تلك في عام 1942 حيث العالم يقتل بعضه البعض في حرب عالمية أي حروب دائرة لا يعرف أحد لماذا تجري؟ ومن مصلحة من أن تظل إراقة الدماء مستمرة؟!
ولذلك كل شيء في رسالة الدكتور داهش منطقي وطبيعي، ولكن الغريب هي تلك الأفعال أو الخوارق والمعجزات غير المنطقية، فهل كان داهش حقاً مدعماً بجنود لا نراها من الله يساعدونه في تحقيق أفكاره ومبادئه؟ ولكن إذا كان ذلك فلماذا ذهبت أفكاره أدراج الرياح بعد موته واختفت سيرته تماماً؟ أم كان الدكتور داهش متعاونا مع قوي خفية يستطيع من خلالها عمل أشياء خارقة منافية للعقل الإنساني؟! هذه ليست من الأسئلة المهمة بالنسبة لي.
فأنا لن يفرق معي سليم العشي أو المعجزات التي فعلها على قدر ما أثر في أفكاره تلك، التي نادى بها كثيرون قبله، وسينادي بها كثيرون بعده. ولأننا هنا نتحدث عن تلك الرواية بالتحديد فلا بد أن نشيد بجرأة كاتب تلك الرواية الجريئة سامح الجباس، وأن نشكره على مجهوده في أن يكتب رواية بمثل تلك الأهمية بأسلوب سرد ملهم وسلس ومبتكر وأن يستخدم ويسخر كل التفاصيل والمعلومات المحيطة بروايته مهما بدت صغيرة.
ولذلك أرى أن نهاية الرواية حين وصف الكاتب نفسه بسليم العشي، جاءت موفقه تماماً حيث نادت أحد أبطال الرواية علي الكاتب وقالت له يا سليم، ولم تقل له يا سامح. ولذلك تأكد لي صدق رؤيتي وهي أن الكاتب يريد أن يقول إننا بحاجه إلى استعادة تلك الأفكار وليس من الهام أن نتحدث عن شخصية سليم العشي ولكن لا بد أن ننادي بنفس الأفكار سواء على لسان سليم العشي أو سامح الجباس أو شخص آخر لا نعرفه الآن وربما يظهر بعد حين.
استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
سامح الجباس: استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي».. والكتابة التقليدية أصبحت من الماضي (dostor.org)
سامح الجباس: استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي».. والكتابة التقليدية أصبحت من الماضي
الأربعاء 15/ديسمبر/2021 – 02:51 م
سامح الجباس
شارك طباعة
كان سليم العشي (دكتور داهش) شخصية جدلية في زمنه، فالرجل الذي بدأ حياته (صبي عجلاتي)، تحول لاحقًا إلى ساحر له مريدوه، ثم تفاقم الأمر حتى باتت هناك عقيدة تسمى بـ”الداهشية” نسبة له، ودخل في صراعات ضد الحكومة اللبنانية، التي سحبت عنه الجنسية اللبنانية.
هذا الشخص المثير للجدل، صديق الفنانين والسياسيين والمشاهير، والذي جاب العالم وكتب أدب الرحلة، اختفت مع موته الكثير من مؤلفاته والمراجع المتاحة عنه، لقد حدث ما يشبه عملية التعتيم على مؤلفاته، لم تعد تلك المؤلفات موجودة، وحتى الكتب والمقالات التي كُتبت عنه اختفت وبات من العسير الوصول لها.
أثارت علامات الاستفهام حول الرجل، مخيلة الروائي المصري سامح الجباس (1974)، الذي قرر أن يكتب عن سليم العشي، وانطلق في رحلة بحث طويلة، استغرقت 43 شهرًا، تحضيرًا لروايته “رابطة كارهي سليم العشي” التي صدرت قبل شهور عن دار العين.
ورواية “رابطة كارهي سليم العشي”، ليست الرواية الأولى في رصيد سامح الجباس، الأديب البورسعيدي، فقد سبقتها مجموعة مميزة من الروايات منها: “حي الإفرنج”، و”كريسماس في القاهرة، و”بورتو سعيد”، و”حبل قديم وعقدة مشدودة” و”نادي النيل الأسود السري”، كما أصدر الجباس مجموعة قصصية وحيدة وقام بترجمة بعض أعمال سومرست موم، وقد حصل الجباس على عدة جوائز مصرية وعربية عن كتاباته، أبرزها جائزة كتارا للرواية.
“الدستور” حاورت سامح الجباس، حول روايته الأحدث، ومشواره الأدبي.. وإلى نص الحوار:
لماذا اخترت سليم العشي ليكون بطل وموضوع روايتك؟
أنا بطبيعتى أنجذب تجاه الشخصيات الغريبة أو المنسية التى أهملها التاريخ الرسمى المدون لذلك وبالصدفة عام 2017 قرأت للمرة الأولى عن سليم العشى وشهرته الدكتور داهش، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة طويلة فى البحث والتنقيب ليس فقط عن شخصيته الفريدة ولكن أيضاً عن التأثير – الخفى أو المنسى – عن عمد الذى تركه خلفه.
وعندما لم أجد أن الأدب “العربى” قد تعرض لهذه الشخصية، فقد قررت أن أخوض هذه المغامرة، وهذا أطول وقت استغرقته فى كتابة رواية لى فقد استغرقت عملية البحث والكتابة حوالى ثلاث سنوات وسبعة أشهر .
أنا أؤمن بماقالته الروائية البلاروسية الحائزة على جائزة نوبل 2015 سفيتلانا أليكسييفيتش: “أنا مهتمة ببسطاء الناس، البسطاء العظماء، تلك طريقتى، فبالمعاناة يتمدد البشر، فى كتبى، يحكى هؤلاء البشر تواريخهم الصغيرة، فيتشكل التاريخ الكبير فى الطريق…”
واجهت صعوبة وتعتيمًا أثناء دراستك البحثية حول شخصية سليم العشي.. كيف تعاملت مع الأمر؟
بالفعل واجهت صعوبات كثيرة، فمع أن الدكتور داهش ترك خلفه مائة وخمسون كتاباً، بالإضافة إلى عشرات الكتب التى ألفها المعاصرون له، إلا أننى وجدت صعوبة كبيرة فى الحصول على أى نسخة كاملة منها سواء ورقياً أو الكترونياً، لكنى أردت البحث عن الحقائق كما قال الناقد رونان ماكدونالد فى كتابه “موت الناقد”: “إن الفن يستطيع أن يعثر على الحقيقة فى المناطق التي يعجز العقل عن الوصول اليها”.
كنت أغوص بين أكشاك الكتب والمجلات القديمة فى سور الأزبكية فى محاولة العثور على أي كتاب أو مجلة قديمة تضىء لى هذا الطريق الوعر المظلم، كما تعددت زياراتى لمعايشة الأماكن التي كان يزورها أو يقيم فيها الدكتور داهش .
لقد زادت تلك التحديات من إصرارى على محاولة البحث عنه أكثر وربما كانت هذه الصعوبات هى ما ألهمتنى عنوان الرواية “رابطة كارهى سليم العشى”.
استخدمت تقنية سردية نادرة في الأدب العربي.. هل الطريق الصعب في السرد من عوامل ضمان نجاح الرواية؟ وما مميزات هذه التقنية من وجهة نظرك؟
أنا فى كل رواياتى أفكر كثيراً جداً فى اختيار تقنية السرد المناسبة لها، والتى تكون خاصة جداً بهذه الرواية، دون غيرها من رواياتى، وفى هذه الرواية اخترت طريقاً صعباً وهو أن أجعل نفسى شخصية روائية، وأن أمزج بين الحقيقة والخيال مزجاً يستحيل الفصل فيه بينهما، وعلى الرغم من صعوبة هذه التقنية إلا أننى أحب التجريب وأكره الكتابة السهلة التقليدية وأجدها أصبحت من الماضى “العتيق”، أنا أؤمن أن الروائى كمستشكف الآثار عليه أن يتعب كثيراً وأن يسلك – فى كل رواية – طريقاً جديداً لا يتوقعه القارئ منه.
وربما كان هذا من العوامل التى جذبت القراء إلى روايتى، فهى رواية أسئلة، ليس فيها راوى عليم، كمعظم الروايات، بل إن الراوى والقارىء ينطلقان معاً من نفس النقطة، ويتشاركان فى كل سطر فى الرواية فى نفس الأفكار والمشاعر فى نفس اللحظة .
يقول هنرى جيمس إن الرواية، انطباع شخصى مباشر للحياة، وهى عمل فنى، مثلها مثل القصيدة، أو المسرحية والمبرر الوحيد لوجودها، هو أنها تحاول – بالفعل – تصوير الحياة، ولا فرق بينها وبين لوحة المصور أو الرسام، فالروائى يبحث دائما عن الحقيقة، ولا يقل انشغاله بالبحث عن الحقيقة، عن المؤرخ، ويرجع الفرق بينهما، إلا أن المؤلف، يجد مادته بصعوبة أكبر، ونجاحه متوقف على الدرجة التي يحقق بها النجاح، فى التغلب على هذه الصعوبة.
صدرت لك مجموعة قصصية قبل سنوات طويلة.. هل هجرت كتابة القصة القصيرة؟
أنا كتبت بعض القصص القصيرة قبل أن أبدأ النشر، ثم كنت أكتب روايتى الأولى (حى الإفرنج) فى ذلك الوقت، وكنت أجد نفسى أكثر فى عالم الرواية، لكنى عندما قررت النشر لم أجد نصوصاً جاهزة للنشر سوى القصص القصيرة، فقدمتها للنشر بينما أواصل كتابة روايتى الأولى، وقد حققت تلك المجموعة وقت نشرها فى 2006 نجاحاً ملفتاً وكُتب عنها كبار الكُتاب مقالات نُشرت فى أكثر من جريدة، كما نوقشت بواسطة أحد كبار الأدباء المشهورين وقتها فى معرض الكتاب.
لكن عالم الرواية – فى الحقيقة – هو عالمى الخاص.
حصلت على جوائز عدّة مثل إحسان عبد القدوس وكتارا.. هل ترى أن الجائزة معيار صادق لجودة العمل الأدبي؟ وأي الجوائز أقرب لقلبك ولماذا؟
فى الحقيقة “بعض الجوائز” لها معايير واضحة للجودة وتستطيع الحكم عليها عندما تقرأ العمل الفائز فتجده بالفعل يستحق الفوز، و”بعض الجوائز” – للأسف – المصرية تحديداً تُمنح بالواسطة والمحباة والمجاملات – خاصة للصحفيين – وكلنا نميزها بسبب “ضعف مستوى” الأعمال الفائزة ويؤكدها “ضعف مستوى” أعضاء لجان التحكيم عندما يُعلن عنهم، فمثلاً تجد – بوضوح – أعضاء لجنة تحكيم مثلاً فى مجال الرواية هم شعراء فى الأصل أو مجرد صحفيين تتم مجاملتهم بوضعهم أعضاء لجنة تحكيم، أو روائيين ليس لهم أى منجز أدبى ذو قيمة.
أما أقرب الجوائز إلى قلبى فهى جائزة كتارا للرواية العربية فى 2015 لأنها جاءت لى فى وقت كنت أعانى فيه الكثير، كما أنها منحتنى شهرة “عربية” وتُرجمت بسببها روايتى إلى الإنجليزية والفرنسية.
لك أيضًا كتابات في أدب الطفل.. ما الذي يختلف في كتابة أدب الطفل عن الكتابة للراشدين؟
حصلت على جائزة عربية هامة فى السعودية فى أدب الناشئين وصدرت لى ثلاث روايات فى هذا المجال، وأنا أيضاً أكتب بفكر وتكنيكات سردية مختلفة لهذا السن مع المحافظة على عنصرىّ التشويق والدهشة.
لكن فى مصر هناك عدد قليل جداً من الناشرين “النادرين” المهتمين بأدب الأطفال والناشئة، وهم يهتمون بترجمة القصص الأجنبية إلى العربية أكثر من اهتمامهم بالكتابة العربية الأصلية، ولا تتعدى إصداراتهم العربية أكثر من خمسة كتب فى السنة، ولهم مؤلفوهم “الخاصين بهم”
لذلك لم أنشر رواياتى للناشئين فى مصر حتى الآن.
لك كتاب عن كتابة السيناريو.. هل ننتظر قريبًا عملًا سينمائيًا أو دراميًا من كتابتك؟
الدراما عالم غريب جداً بالنسبة لى، ففى عام 2012 كانت شركة صوت القاهرة ستنتج لى مسلسلاً تلفزيونياً بعد إعجابهم وإشادة لجان القراءة بالمسلسل، ثم تعثرت الشركة وتوقف المشروع، وفى عام 2017 حصلت على المركز الأول فى مسابقة جمعية مسافرون مع نقابة المهن السينمائية فى فئة المسلسلات، وتم توزيع الجوائز فى المجلس الأعلى للثقافة، ولم يتحمس أى منتج للمسلسل بلا سبب، وفى عام 2020 كنت المصرى الوحيد الذى ترشح لجائزة الدوحة للكتابة الدرامية فئة المسلسل التليفزيونى، ولللأسف أُعلن عن فوز متسابق آخر. إن واقع الدراما المصرية – المؤسف – الذى يقوم على عنصرين هما:ورش الكتابة، وسرقة أفكار المسلسلات الأجنبية بشكل سافر، هو مايستهوى المنتجين غالباً منذ سنوات، لذلك أجد سيناريوهاتى خارج هذا الإطار المسيء إلى الدراما المصرية (التى كانت رائدة) ذات يوم.
اشتغلت بالترجمة.. على أي أساس تختار النص الذي ترغب في ترجمته.. وما الاقتراحات التي تحب أن تتقدم بها لتطوير تيار الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية؟
فى الحقيقة أنا لست مترجماً بالمعنى الفعلى لهذا المصطلح، ترجمت بعض الروايات – أغلبها للروائى الشهير سومرست موم – بتشجيع من أحد الناشرين الأصدقاء ولأنى كنت أملك الوقت الكافى لترجمة رواية، حيث أننى غالباً أقدم عملاً روائياً كل سنتين.
والترجمة إلى اللغة العربية أصبحث كثيرة ومميزة جداً فى الفترة الأخيرة مع وجود عدد كبير من المترجمين ومع اهتمام دور النشر العربية بتقديم هذه الترجمات إلى القارىء العربى، وعيبها الوحيد هو ارتفاع ثمن الكتاب بشكل مبالغ فيه بالنسبة للقارئ.
كيف ترى المشهد الأدبي مصريًا وعربيًا؟ ما الأسماء التي تلفت نظرك وتحب المواظبة على قراءة منتجهم الأدبي؟
بصراحة المشهد الأدبى “العربى” أكثر اتزاناً ووضوحاً من المشهد “المصرى”، ففى السنوات الأخيرة هناك “فوضى” و “عشوائية ” فى دور النشر وفى الأعمال المنشورة، فقد دخلت دور نشر مجهولة الأهداف، بلا رؤية واضحة، غير تقديم كل “تافه” و “رخيص” و “سطحى” بكميات كبيرة كأنها (الضباب) الذى يغطى على جمال المنظر الطبيعى.
وهذا يظلم الكثير من الكُتاب الجيدين الذين لايُجيدون (صناعة الصخب) حولهم، فالبرميل الفارغ “أعلى” صخباً للأسف.
أنا أقرأ بشكل يومى وأحاول تتبع الكثير من الروايات المصرية من دور النشر المختلفة، ولا أجد حرجاً فى أن أكتب على صفحتى مشيداً بأى رواية جيدة بغض النظر عن كاتبها ومدى شهرته، بينما – أتجاهل تماماً – الأعمال الضعيفة التى لاتستحق حتى ثمن الورق الذى طُبعت عليه.
تنقلت بين دور نشر عدّة.. لماذا؟ هل يفيد الكاتب أن يستقر مع ناشر واحد؟
أعتقد أنه من المفيد للكاتب أن يستقر فى دار نشر واحدة، لكنى حتى الآن – على مدى خمسة عشر عاماً من النشر – لم أجد هذا الاستقرار.
فللأسف هذه مشكلة – أغلب – الكُتاب، أنت تنشر مع ناشر ما، وأنت تحاول أن تحصل على إيجابيات أكثر من السلبيات (وهى واردة بالطبع).
وأنا أقيّم تجربتى مع الناشرين بهذه المقاييس، وأناقشهم دائماً فيما أجده من سلبيات، لكنى إذا وجدت أن السلبيات أكثر من الإيجابيات وأنها ستضر كتاباتى، فإننى لا أكرر التجربة مرة أخرى مع الاحتفاظ بعلاقة الود مع الناشر السابق فلسنا فى معركة، إنما أعتبر أن الكاتب والناشر شركاء فى النجاح، فإذا حدث خلاف أو لم يتحقق النجاح المرجو، تنتهى هذه الشراكة بهدوء، وهذا من حقوقى الأساسية ككاتب حر.
سامح الجباس يناقش ويوقع رواية "رابطة كارهى سليم العشي"
www.dostor.org/3690261
سامح الجباس يناقش ويوقع رواية “رابطة كارهى سليم العشي” بمكتبة الميكرفون
الجمعة 21/يناير/2022 – 01:43 ص
سامح الجباس
شاركطباعة
تستضيف مكتبة الميكرفون بالإسكندرية، في السادسة من مساء اليوم الجمعة، حفل توقيع ومناقشة رواية “رابطة كارهى سليم العشي”، والصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع، للكاتب سامح الجباس.
وتدور أحداث رواية “رابطة كارهى سليم العشي”، للكاتب سامح الجباس، فى الأربعينيات من القرن الماضى حول شخصية سليم العشى الشهير باسم “الدكتور داهش”، والذي شغل الأوساط اللبنانية ثم العربية كساحر ومؤلف وفيلسوف غامض. وفى عام 1942 ضجت الأوساط اللبنانية بإعلان الدكتور “داهش” مبادئ العقيدة الداهشية وأنه نبى القرن العشرين .
“رابطة كارهى سليم العشي”٬ هى الرواية العربية الأولى٬ التي تحاول أن تكشف أسرار الدكتور داهش الذى مازال حتى اليوم يثير الخوف والجدل والغموض حول شخصيته على الرغم من مرور أكثر من 37 عام على وفاته .
وسامح الجباس طبيب وروائي من مواليد يناير 1974. عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القصة بالقاهرة. صدر له العديد من الأعمال الأدبية٬ نذكر من بينها: المجموعة القصصية “المواطن المثالي”٬ رواية للأطفال بعنوان “بحر العواصف”٬ رواية “بورتوسعيد”٬ رواية “كريسماس القاهرة”٬ “الذئب الأزرق”٬ و”لعنة سومانات” روايتين للأطفال٬ رواية “حبل قديم وعقدة مشدودة”٬ رواية “علي سبيل المثال”٬ كتاب “كيف تكتب السيناريو”٬ ورواية “نادي النيل الأسود السري”.
ومما جاء في رواية “رابطة كارهى سليم العشي”٬ للكاتب الروائي سامح الجباس نقرأ: “يمكنني أن أعطيك رمزين مقدسين، فاذهب إلي المستشفي وضع هذين الرمزين تحت إبط الميت، فتري ظاهرة ستدهشك جدا، اكتمها الآن عن الجميع، لأن الناس لن يصدقوك، وها أنا سأعود ثانية إلي رأس المتن مع المستر أوليفر والسيد أمين، فاكتب إلي ما سيحدث معك.
وهكذا فعلت سرا دون أن يدري أحد، وإليك ما جري. توجهت بمفردي إلي المستشفي، والرمزان المقدسان معي، ودخلت إلي حيث كانت الجثة مسجاة في غرفة الموتي، قبل أن توضع في النعش بمعرفة الطبيب الصحي الدكتور إلياس حلو، والحقيقة أنني دهشت وخشعت لما حدث أمامي.
ولما كانت الجثة ستؤخذ اليوم إلي زحلة حيث تدفن، ولما كان يتوجب علي مرافقتها للأخذ بالخاطر مع آل الميت والأنسباء والأصدقاء، رأيت أن أكتب إلي الدكتور داهش عما تم معي فقلت له ما خلاصته: أخي داهش، بعد ما غادرتك والمستر أوليفر وأمين نمر، ذهبت إلي المستشفي، ودخلت حيث ابن عمي ووضعت تحت إبطه الرمزين المقدسين، فإذا به يفتح عينيه رويدا رويدا وهو يبتسم ويقول:
ــ إنني حي كما تري، ولم تنفصل روحي عن جسدي الانفصال التام، أما عدم استطاعتي التكلم، أو الإتيان بحركة ما، فهو بسبب ذهاب سيال النطق، لهذا تراني أستطيع المحادثة معك يا ابن عمي.
