أيْن المُلوك أين؟
أين المُلوُكُ والقادةُ العِظامُ، وأينَ تلك المواقعُ الشهيرة؟
أينَ الغُزاةُ الفاتحونَ وأصحابُ السُّلطان؟
أينَ الأكاسِرَةُ الجبابرةُ والقياصرةُ وأربابُ التيجان؟
أينَ الجُنُودُ والبُنُوذُ، وأينَ حّدُّ الحُسام؟
أينَ الأيّامُ الخوالي، ومَنْ يتباهونَ بالحوادث الجِسَام؟
للهِ! ها هم يرقدونَ جميعًا في بطن حُفرةٍ صغيرةٍ حقيرة!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
جمعه
الدكتور فريد أبو سليمان
- رسائل زعيم حزب الأحرارالى الدكتور داهش
- رسالة الدكتور داهش الأولى للدكتور حسين هيكل باشا
- رسالة الدكتور محمد حسين هيكل الأولى
- رسالة الدكتور داهش الثانية
- لولا داهش لقتلت ماجدا حدّاد
- التحرير الثالث الذي أرسله الدكتور داهش
- رسالة الدكتور حسين هيكل الثانية
- تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف
- تحرير يندّد بجرائم بشارة الخوري
- وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
- نشيد الطرب الشامل
- عريضة ماري حدّاد الى رئيس كميل شمعون
- عريضة شكوى الى مجلس النواب اللبناني
- لماذا قدّمت هذه العريضة
- رسالة مؤسّس الداهشيّة الى المحامي ادوار نون
- من مؤرّخ الرسالة الداهشيّة
- داهش والداهشيّة
- الاستاذ جبران مسّوح يرسل تحريرين
- رسالة نشرتها بعض الصحف العربية
- الحقيقة الكبرى
- من هو الدكتور داهش؟!.
- الداهشيّة أوّل من قرع نواقيس الخطر
- الى الثورة أيها المواطنون
- الدعوة الى الثورة الكاسحة
- دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
- داهش يعود قريبا الى لبنان
- داهش يفضح مظالم بشارة الخوري
- عودة الدكتور داهش
- الردّ على مجلّة الصياد
- الرسالة الداهشية
- رسالة ماري حدّاد الأولى الى بشارة الخوري
- رسالة ماري حدّاد الثانية الى بشارة الخوري
- بشارة الخوري المجرم السفّاح
- مات الدكتور داهش ودفن ثم بعث حيّا
- الأدباء والشعراء والصحفيّون ورجال الدين
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
مهما حاول الطُّغاة البُغاة أن يدفنوا الحريَّة فلن يستطيعوا
الرسائل المتبادلة
بين
الدكتور داهش مؤسّس الداهشيّة
والدكتور حسين هيكل باشا
جريمة الجرائم الهائلة
التي ارتكبها
بشارة الخوري الباغية
لقد انطوت حقبة من الزمن على الجريمة المروّعة التي أقدم على ارتكابها الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ، بعد أن تسنّم كرسيّ الرئاسة في عام 1943 .
وكان منذ اعتلائه كرسيّ الحكم ، قد بدأ اضطهاد مؤسّس الداهشيّة . والسبب الأساسيّ لاضطهاده هو أنّ السيّدة ماري حدّاد شيحا وقرينها جورج حدّاد وكريماتها ماجدا ، آندره ، وزينا قد اعتنقوا الداهشيّة .
وقد ساء ذلك بشارة الخوري وزوجته لور وهي شقيقة ماري حدّاد . كما استاء شقيقها المتعجرف ميشال شيحا ، واستبدّ الغضب بهنري فرعون صاحب اللطخة الخنزيريّة المدموغ خدّه باسوداده الكريه .
فناصبوه العداء ، وبذلوا كلّ ما بوسعهم لينالوا منه منالا ، فباؤوا بالفشل الذريع اذ لم يؤخذ على داهش أيّ مأخذ قانوني اطلاقا .
واذ ذاك أرسلوا له شرذمة من الرعاع المسلّحين ، فحاولوا اغتياله بعقر داره ، ولكنهم فشلوا ، فاعتقلته الشرطة المكلّفة بهذا الأمر وذلك بتاريخ 28 آب 1944 .
وتبع ذلك نفيه وتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده . ولم يقف الدكتور داهش مكتوف اليدين ، اذ أصدر 66 كتابا أسود و 165 نشرة سوداء مملوءة بما ارتكبوه من اجرام واعتداء على الحقوق والدوس على قوانين البلاد ، والعبث بموادّ الدستور الذي تقول احداها أنّ حريّة العقيدة مباحة ومقدّسة .
كما هاجم الداهشيّون بشارة الخوري وزبانيته ، ودخلوا السجون شامخي الرأس ، ورافعي الجبين .
وعندما لم يبق في قوس الشعب منزع ، ومضهم الاصطبار على سلسلة الجرائم التي ارتكبها بشارة الخوري وأفراد عائلته ، هبّوا هبّة رجل واحد ، وأعلنوها ثورة كاسحة ، وقلبوا له ظهر المجنّ ، فاذا بكرسيّه يتحطّم ، وبعرشه يتبخّر ، وبأيّام حكمه تزول ودولته تدول .
لقد طرده الشعب شرّ طردة فاذا هو الشريد الطريد والمنبوذ المريض . أقول المريض ، لأنّ بشارة الخوري – كما يعرف شعب لبنان بأسره – بعدما ارتكب جريمته ضدّ داهش بطريق العسف القسري ، سلّط داهش عليه قوّة روحيّة أفقدته عقله ، فأصبح مخبولا ، وفاقدا لرشده ن ومضيّعا لنهاه . فأخذته عائلته الى حيفا فتلّ أبيب ليرى الأطبّاء رأيهم فيه . وفي أثناء ذهابه الى اسرائيل ، كان يرقص ، ويخرج لسانه ، ثم ينطلق بضحك متواصل ، فبكاء مرير ، ثم يعتلي قضيبا ظانّا ايّاه فرسا عربيّا أصيلا الخ الخ …وهذا الأمر عرفه الشعب اللبناني بأسره ، وتندّروا به طويلا . لقد جوزي جزاء رهيبا للغاية .
ويومذاك كان مؤسّس الداهشية في منزل جورج حدّاد عديل الشيخ بشاره الخوري ، والداهشيّون فقط كانوا يعرفون هذا السرّ الخطير . أمّا الحكومة اللبنانيّة والشعب فكانوا يظنّونه بالعجم أو في بغداد ، بينما منزل السيّد حدّاد لا يبعد عن قصر الرئاسة أكثر من 40 مترا . ولو علم بشارة الباغية بوجود داهش بجواره لصعق رعبا ، ولهرّ هرير الخوف البالغ .
وبأسف عظيم أقول انه لم يدافع عن داهش المظلوم أيّ نائب أو وزير أو قاض أو محام …
حتى الصحافة راحت ترشقه بلسان حادّ ملفّقة عليه أساطير مختلفة تنسبها له ترضية لبشارة الخوري ، وكسبا لودّه ، ليقضي لها مصالحها .
وهكذا سجّل رجال لبنان والمسؤولين فيه على أنفسهم مسؤوليّة كبرى دوّنها التاريخ بين طيّاته لتبقى ذكرى مشؤومة خالدة تدين الجميع .
فالتاريخ لا يرحم . انها وصمة عار دمغت لبنان وصحافته ومسؤوليه ، لأنهم نكصوا ولم يؤازروا العدالة ، بل رموها بنبالهم السامّة قضاء لمصالحهم ، وتمشّيا مع مآربهم . فيا للعار العظيم !
انّ اميل زولا الكاتب الفرنسي الكبير دافع عن دريفوس الذي اتّهمته الحكومة الفرنسيّة بالخيانة العظمى ، والذي وقف الشعب بأكمله ضدّه .
كان اميل زولا الرجل الوحيد الذي دافع عن دريفوس البريء ، دفاعه التاريخيّ الخالد الموسوم باسم ” اني أتّهم ” . وقد اضطرّ زولا للهرب من فرنسا بعد دفاعه العظيم ذلك خوفا من القاء القبض عليه وزجّه بالسّجن .
ومضت الأيام ، وبقي اميل زولا المدافع الوحيد عن دريفوس المظلوم حتى ظهرت ، وأخيرا ، الحقيقة ، اذ اضطرّت الحكومة لاعادة محاكمة دريفوس مرارا ، وبالنهاية تبيّنت لها راءته ، فخرج مرفوع الرأس ، موفور الكرامة .
واذا باميل زولا تكلّل الجماهير رأسه بالغار ، لأنه كان المدافع الوحيد عمّن ظلمته حكومة بلاده وشعب بلاده .
ولكن في لبنان ، لم يظهر أيّ رجل أو أيّة صحيفة للدفاع عن المظلوم المضطّهد . فحقّ للتاريخ أن يدوّن هذا العار الذي حاق بلبنان ، وكانت نتيجته ثورة عارمة دمّرت عامره ، فاذا به وقد أصبح بلقعا خرابا ، وقفرا يبابا . والعياذ بالله .
انطوان مرعب الداهشيّ .
تعريف لا بدّ منه
بقلم حليم دمّوس الداهشيّ
في صيف عام 1951 هبط لبنان الدكتور حسين هيكل باشا الوزير المصري المعروف ، ومؤلّف كتاب ” محمّد ” و ” منزل الوحي ” وغيرهما من جمّ مؤلّفاته الأدبيّة العظيمة القيّمة . واصطاف مع عائلته في ضهور الشوير .
وقد اتّصل بي مستفسرا عن حقيقة جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة ، هذا التجريد الذي يعدّ وزرا لم يقدم على ارتكاب مثله أظلم الطغاة في أشدّ العصور همجيّة .
وقد اجتمع الدكتور حسين هيكل باشا بالسيّدة ماري حدّاد الداهشيّة شقيقة ميشال شيحا صاحب بنك ( شيحا وفرعون ) ، وصاحب جريدة ( له جور ) الافرنسيّة . كما اجتمع مع كريمتها أيضا . وفهم منهما أسباب هذه الجريمة الرهيبة التي تدع عرق العار ينهمر استيحاء وخجلا أمام التاريخ الذي لا يرحم .
وقد تأثّر الوزير المصريّ السابق تأثّرا بالغا من هذه الجريمة النكراء ترتكب في القرن العشرين ، وفي بلد يطلقون عليه اسم ( وطن الحريّة والوعي والدستور وبلد الاشعاع والعلم والنور ).
وللحال حرّر رسالة ضمّنها رأيه الصريح في هذه القضيّة الهامّة ، وبعث بها الى مؤسّس الداهشيّة .
وقد تلقى الدكتور حسين هيكل ردّا على رسالته يراه القارىء مع جواب حسين هيكل باشا عليه أيضا .
واذ نحن ننشر هذه الرسائل المتبادلة بين مؤسّس الداهشيّة وبين رئيس حزب سياسيّ مصريّ مشهور وأديب عربيّ كبير ، نودّ من الصحافة العربيّة الكريمة في المهجر والأقطار العربيّة وألأمطار كافّة أن تذيع في أعمدتها الحرّة أنباء هذه الجريمة التي لم يبق فرد الاّ استنكرها استنكارا تامّا . وليعلم الجميع أنّ الحقّ سينتصر ، وأنف المعتدي الغاشم معفّر بالرغام .
” حليم دمّوس . “
الرئيس المجنون

طردوه وأهانوه
هذه السطور العشرة أخذت من الكتاب الأسود رقم 66 الذي طبع ونشر مع سلسلة الكتب السوداء المرقّمة من 1 الى 66 ، وجميعها طافحة بمخازي الشيخ بشارة الخوري المجرم وزبانيته الأشرار الفجّار ، وهي لطخة عار أبديّ تدمغ هذا الوصولي الطاغية ، وتكشف سلسلة جرائم المرتكب الباغية . انّ المخازي التي دوّنت في هذه الكتب السوداء هتكت أسراره القذرة ولطّخت سيرته النجسة فاذا بروائحها النتنة تصرع الثعبان فتجندله لهول فضائحها المزلزلة .
لولا داهش لما عرف الرأي العامّ بأنباء المجرمين المتصنّعين العفّة والشّرف .
ولولاه لما انقضّت على رؤوسهم صواعق الهول العاصف والرعب المدمّر القاصف .
ولولاه لما زلزلت الأرض زلزالها فهتكت أسرار جرائمهم المخيفة فعرفها كلّ انسان .
ولولاه لما لعنتهم الألسنة ولما سلقتهم الشفاه بأفظع النّعوت عدلا وحقّا .
ولولاه لما ظهرت الكتب السّوداء التي تضمّ فضائح ارتكابات سيّد المجرمين العتاة بشارة فتشهّر اسمه .
ولولاه لما عرف الشّرق والغرب حقيقة المخزية التي مرغت شرفه بعار الأقذار النّتنة .
ولولاه لما دوّن التّاريخ اسمه مع شركائه المجرمين فسجّل عارهم الأبديّ .
ولولاه لما طاش عقله ، ولما تكسّر وتفكّك سهمه .
ولولاه لما خاب أمله ، ولما حطّم طرده له ظهره .
ولولاه لما حلّت عليه اللعنة فجنّ بعدما فقد عقله ….
ماري حدّاد الداهشيّة
شقيقة لور زوجة الباغية بشارة
الخوري وشريكه في الجريمة النّذلة المزلزلة
لطخة عار أبديّ
هذه المراسيم التي ستقرأونها في الصفحات التالية ، قد لا تعني شيئا بالنسبة للانسان العادي ، ولكنها في الحقيقة تمثل أرهب جريمة اقترفت في القرن العشرين من قبل رئيس الجمهورية بشارة الخوري ضد الدكتور داهش .
نعم أرهب جريمة لم ولن يسطّر التاريخ في صفحاته أشدّ سوادا منها . ذلك أنّ رئيس الجمهورية استغلّ مركزه ، بصفته أعلى سلطة في البلاد ، وأصدر مرسوما أول يحمل الرقم 1822 تاريخ 6 أيلول 1944 تمهيدا لجريمته ضد الدكتور داهش . هذا المرسوم ينص على اعطاء الحق لرئيس دوائر الاحصاء بشطب كل قيد مدرج بغير وجه حق في جداول النفوس . يا للمهزلة !!
وبناء على هذا المرسوم الذي أبسط المبادىء التي يقرّرها الدستور اللبناني والذي قال عنه المحامي الكبير فؤاد رزق في مجلّته ” المحامي ” انه مخالف لأبسط المبادىء الدستوريّة ويجب الغاؤه فورا لأن فيه افتئاتا على الحرية الشخصية ، التي كفلها الدستور لكل مواطن . قلنا بناء على هذا المرسوم عمد رئيس دوائر الاحصاء الى شطب اسم الدكتور داهش من جداول النفوس بموجب القرار 1543 .
وكانت ثالثة الأثافي ، المرسوم 1842 تاريخ أيلول 1944 وبه اكتملت الجريمة التي لطّخت سمعة لبنان وارجعته مئات الأعوام الى الوراء ، ومع ذلك لم يهتز المجلس النيابي لهذه الجريمة الهائلة بتجريد الدكتور داهش من جنسيته اللبنانية بمفرده دون أي لبناني آخر سواه واخراجه من لبنان . فيا لعار المثل القائل :” نيال مين عنده مرقد عنزة بلبنان ” .
ان رئيس الجمهورية باصداره هذه المراسيم الجائرة لغايات شخصية ومأرب ذاتية يكون قد داس على الدستور الذي أقسم يمين المحافظة على أحكامه . وكان واجب المجلس النيابي – الممثل للشعب- ان يتصدى لهذا الاعتداء الصارخ على قوانين البلاد ، ودستور البلاد . ولكنهم طبّقوا المثل القائل :” كما تكونوا يولّى عليكم ” .
والجدير بالذكر أنّ الداهشيّين فقط هم الذين قاوموا طغيان بشارة الخوري ، وذلك بقيادة مؤسّس عقيدتهم الدكتور داهش .
وانّها لوصمة عار تسم جبين كل لبناني عاش هذه المرحلة التي انتهت باسقاط شعبي عام للباغية بشارة الخوري وذلك بتاريخ 18 أيلول 1952 .
قرار الشطب بالمعاملة رقم 1543
بناء على المرسوم رقم 1822 تاريخ 6 أيلول 1944.
بناء على تحقيقات مفوض الأمن تحت رقم 1209 تاريخ 7\9\1944 (1)
بناء على مطالعة رئيس الإحصاء والأحوال الشخصية تاريخ 7 \ 9 \1944 (2)
بناء على موافقة مدير الداخلية ووزير الداخلية رئيس مجلس الوزراء تحت رقم 10471 تاريخ 14\9\1944(3)
تمّ شطب اسم موسى العشي وعائلته من سجلاّت المقيمين ونقلوا الى سجل أجانب المصيطبة برقم 1063 \ 3071 من التابعية الفلسطينية بالمعاملة رقم 1543 تاريخ 22\9 1944 .
- انّ التحقيق الذي أجراه مفوض الأمن لا يصحّ أن يطلق عليه اسم “تحقيق” لأنه لا وجود له الاّ على الورق وعلى الورق فقط ، فمفوّض الأمن لم يحقّق مع أحد ، ولم يستمع صاحب العلاقة أو أحد عارفيه وما ورد في هذا التحقيق سداه ولحمته الكذب المرذول الذي لا تخفى غايته على أحد .
- انّ مطالعة رئيس دوائر الاحصاء لا قيمة قانونية لها بل هي باطلة ومصيرها مصير التحقيق الذي فضحناه .
انّ موافقة مدير الداخلية ووزير الداخلية اشترطت أن يكون للسيد سليم العشي حقّ مراجعة المحاكم الصالحة وفقا لأحكام المرسوم 1822 . هذا الكلام بقي حبرا على ورق لأنّ داهش أخرج من البلاد بتاريخ 13 /9/1944 ، أي قبل يوم من موافقة رئيس مجلس الوزراء وقبل أن يتسنى له الاعتراض على اخراجه من البلاد ، مما يؤكد المؤامرة الرهيبة التي نفّذها رئيس الجمهوريّ وزبانيته والتي انتهت باخراج داهش من البلاد وأنف القانون والدستور في الرغام !…
المرسوم الداهشيّ
وهذا هو المرسوم الداهشيّ
الى محكمة الرأي العام العادلة
المرسوم الداهشي الذي نشره الداهشيّون في الكتاب الأسود الذي طبع ووزّع على الشعب اللبنانيّ وشعوب البلاد العربيّة . وهذا المرسوم هو ردّ على مرسوم بشارة الخوري الباغية . وقد نشرته الصحف ، يومذاك , وعلقت عليه بعبارات وقعت على بشارة الخوري وقع السياط اللاذعة .
………………………………………………………………….
بناء على الجريمة الفادحة الفاضحة التي ارتكبها الشيخ بشارة الخوري بالحاح من زوجته ( لور ) ،
وبناء على منع الرئيس ردودنا لدفع تهم الصحف الكاذبة المأجورة ،
وبناء على تنفيذهم هذه الجريمة في 28 آب 1944 باطلاع واشتراك رجال البوليس حفظة الأمن العام ،
وبناء على القائهم القبض على الدكتور داهش ووضعه في السجن دون أن يستطيعوا تقديمه الى المحاكمة لعدم وجود أيّة تهمة عليه ،
وبناء على تجريده من جنسيّته اللبنانيّة ونفيه وتشريده ،
وبناء على اشتراك دولة رئيس الوزراء في توقيع مرسوم التجريد ،
وبناء على اتّفاقهم مع محافظ حلب كي يصدر قراره رقم (413) باخراج الدكتور داهش من الأراضي السوريّة وابعاده الى الحدود التركية ،
وبناء على اضطهاد شقيقته ( أنتوانيت ) وزجّها في السجن لأنّها طالبت رئيس الجمهوريّة بمعرفة مقرّ شقيقها ،
نرسم ما يأتي :
أوّلا – يطبع عدد 10000 نسخة من هذا الكتاب الأسود الذي يشرح هذه القضية ويلقي عليها نورا أرادوه ظلاما .
ثانيا – يوزّع هذا الكتاب في جميع الأقطار العربية الناطقة بالضاد .
ثالثا – يعاد طبعه عندما تدعو الحاجة اليه باللغة العربيّة وأشهر اللغات الأجنبيّة أيضا .
رابعا – يكلّف المسؤول عن التنفيذ بطبع الجزء الثاني المتمّم لهذا الجزء ، وفيه من الخيرات الوفيرة والفضائح الهائلة الكثيرة الشيء الغزير ..فالى اللقاء !…
طبع في بغداد في 15/1/1945 .
رسائل زعيم حزب الأحرار الدّستوريّن
الدكتور محمّد حسين هيكل باشا
الى الدكتور داهش مؤسّس الداهشيّة
من هو الدكتور هيكل . اهتمامه بالحركة الداهشيّة . اجتماعه في ضهور الشوير بنخبة من اللبنانيين وبالسيّدة ماري حدّاد . رسائله الى الدكتور داهش . أبيات العلاّمة جمال الدين الأفغاني . النصر للحقّ ….
الدكتور محمد حسين هيكل باشا أديب كبير . وصاحب جريدتي السياسة الأسبوعيّة واليوميّة ، ورئيس مجلس الشيوخ سابقا ، وزعيم حزب الأحرار الدستوريين في مصر ، ومؤلّف كتاب “محمد”وكتاب “ولدي ” وغيرهما من الآثار الأدبية الخالدة . فهذا الأديب العبقري الذي اشتهر بشجاعته الأدبيّة ، وحريّة فكره ، وميله لمناصرة الحقّ ، زار في الصيف الفائت مع أسرته الكريمة ” ضهور الشوير” واتّصل وبالأوساط اللبنانية وبعدد كبير من رجال العلم والأدب والفنّ والطبّ والمحاماة والسياسة ودرس بنفسه أمورا عديدة في لبنان .
وكان من زائريه طائفة من كبار الموظّفين يومئذ ، بينهم الدكتور الأمير رئيف أبي اللمع . وكذلك الداهشيّة المجاهدة السيدة ماري حدّاد وكريمتها وغيرهم من أركان الداهشيّين . وقد وقف منهم – ولا سيّما من السيّدة حدّاد – على الحركة الداهشيّة وما أصاب مؤسّسها المصلح الروحاني من سجن ونفي وتجريد وتشريد منذ عام 1944 الى اليوم . فاهتمّ كثيرا لهذه القضيّة الاصلاحيّة ، وبدأت المراسلات بينه وبين الدكتور داهش . وقد اطّلعنا على صور رسائله التي كتبها بقلمه البليغ وملؤها عواطف عواطف نبيلة تتدفّق من صدر أديب حرّ ينطق بالحقيقة ويعلنها ببيانه الساحر فيقول :
رسالة محمّد حسين هيكل
الى حليم دمّوس
أخي حليم ،
ذكرت لي ما أصاب الدكتور داهش من اضطهاد شديد كان تجريده من جنسيّته بعض مظاهره ، مع أنّ التجريد من الجنسيّة عمل وحشي في نظري ، ولا تبيحه قوانين الأمم المتحضّرة .
وأتمنّى ، بعد أن شرحت لي دعوته الى الوحدة الدينيّة ، أن أستطيع المعاونة على رفع الاضطهاد عنه واعادة الجنسيّة اليه ، وان اقتضى الأمر أن يحضر هو الى مصر لتيسير هذا الغرض .
في نيّتي أن أزور سوريا بعد شهرين ، فهل أستطيع أن أرى الدكتور داهش هناك بعد أن حدثتني عنه وعن مذهبه الانسانيّ وأسراره العجيبة .
فلم أكن أعرف شيئا من ذلك لولا حديثك معي .
- ما دمت أنا تحت سماء لبنان التي اضطهدت الدكتور داهش وحرمته من جنسيّته ظلما وعدوانا ، فهل يرغب الدكتور داهش في أن أتّصل برجال الهيئة النيابيّة أو رجال الحكومة أو رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة نفسه ، فاحدّثهم في ما أصاب الدكتور ، وفي وجوب ردّ الجنسيّة اللبنانيّة اليه . وهل يعتقد الدكتور داهش أنّ في الحديث مع هؤلاء خيرا ومنفعة ؟
- يهمّني جدّا أن أطّلع على ما صدر عن الدكتور داهش نفسه من كتب وكلمات وآراء في توضيح مذهبه ، وكذلك آثاره الأدبيّة والاجتماعية والروحية . وأعدك يا أخي الحليم بأن أبدي رأي صريحا كتابة في ما أقرأ من ذلك .
وختاما ، أرجوك وقد أخبرتني أنّك ذاهب للقاء الدكتور داهش في حلب الشهباء أن تبلّغه خالص تحيّتي وتقديري أعماله مّما ذكرته لي عن حياته السامية ورغبته في خلاص أمّته وخلاص الانسانيّة من أخطار الشرّ التي تهدّد العالم . وفي انتظار كلمة تجيب على ما سألتك عنه ، أرجو لك مزيد التوفيق والسعادة .
محمد حسين هيكل
ضهور الشوير ، الأحد ، 8 تموز (يوليو) 1951 .
رسالة الدكتور داهش الأولى
للدكتور حسين هيكل باشا
أرسلت مع الشاعر حليم دمّوس
فسلّمها للدكتور حسين هيكل يدا بيد
حلب في 30 تمّوز 1951
حضرة الأديب الكبير الدكتور محمّد حسين هيكل باشا
حرسته عين العناية الساهرة
أخي الحبيب ،
واسمح لي بأن أدعوك بهذا الاسم الحبيب على فؤادي ؛
لأنني – والله شهيد على ما أقول – قد عرفتك منذ أعوام موغلة في القدم ، اذ طالعت ما خطّه يراعك الساحر منذ كنت يافعا .
نعم ، لقد قرأت كتبك منذ نعومة أظافري ، ولم يكن في مقدوري يومذاك أن أبتاعها لفقري المدقع ، فكنت أستأجرها وأرتشف محتوياتها بشغف عجيب . وكذلك نهلت من بيانك العذب المورد شابّا ، وانكببت على التهام مؤلّفاتك القيّمة كهلا .
وأيم الحق , كانت لي غذاء سماوّيا , وزادا روحيا , بل كانت لي الروح والراح .
وكلّما كنت أزداد من هذا الراح شربا أراني قد ازددت معرفة وحكمة وصحوا .
نعم , يا أخي الحبيب , لقد رافقتك في مراحل مؤلفاتك التي هي مفخرة للمكتبة العربية , وتاج ثمين يزين هامتها ما خلدت دنيا الأرض وخلدت أمّ الضاد .
وهكذا يكون الدكتور هيكل باشا قد أسدى للأدب الرفيع يدا بيضاء لا ولن تنسى على مر الدهور وكرّ العصور .
كما أنني كنت أطالع مجلّتك الراقية ” السياسة الأسبوعية ” من الدفّة الى الدفّة , وما زلت أحتفظ بهذه المجلّة القيّمة مجلّدة . كما اني احتفظ بمجموعة كتبك التي أعدّها ثروة أدبيّة ثمينة قيمة بالفخر والاعتزاز التاميّن .
إذن , ألا يحق لي أن أدعوك بأخي الحبيب , وأنا من كنت وما زلت أتغنى بأسلوبك الرائع وبيانك المشرق ووصفك الأخاذ الذي يهيمن على المشاعر الحسّاسة بعدما شبعت دنيا العروبة من الأسلوب الكتابيّ المائع الذي لا روح تسري فيه فتحييه .
لهذا آمل من أخي الأديب العروبة أن لا يستهجن مناداتي إيّاه بأخي بالنسبة لعدم مساعدة الظروف بالاجتماع به لتمكين أواصر الصداقة الأخويّة المتينة العرى فيما بيننا .
ومن هو الشخص – وهبه متحجّر العاطفة ، صخريّ القلب ، فولاذيّ الأعصاب – الذي لا يترب ويحلّق في الملإ العلويّ بعد قراءته لوصفك السحريّ العجيب ، لمغرب الشمس بين بودابست وفيينا ، وذلك في كتابك القيّم ” ولدي ” في الصفحة 278 :
” ظلّت المعركة السماويّة حامية الوطيس زمنا لم نر فيه المتحاربين ولم نر غير أثارها الدائمة التغير يتغالب فيها الدم واللهب والفضة والذهب . وكأنما كان هؤلاء الملائكة والجنّ فنّانين في قتالهم فلا يرضون أن يتناثر من دمهم ولهبهم ومن فضّتهم وذهبهم الاّ المقادير التي تبدع في السماء أبهى الصور وأكثرها أخذا باللبّ ولعبا بالفؤاد . فهذا الشفق الملتهب بالحمرة القانية شقّ طريقه من خلاله شعاع متورّد كأنّما الشمس تعود أدراجها كي تعيد الى النهار المحتضر حياة ونشاطا ، ثم لا يلبث الشعاع أن يخبوا لتندلع في نواحي السماء الداكنة الزرقة ألسنة كأنّها في حمرتها ألسن الثعابين الضّخمة المخفوفة ، ويبدو في الجانب الآخر قوس قزح بألوانه السبعة ، ثم يختفي ثم يبدو من جديد ، ثم اذا اللهب القاني قد غمر ألسنة الثعابين ، وامتدّ حتّى أحاط سحبا مجاورة بأطواق من نار . ثم اذا هدنة في المعركة السماويّة يشعرك بها بدء انحلال الدماء ، واستحالة لون السماء الى شيء من الزرقة ، ثم ما نلبث أن نرى صورة أخرى للمعركة بدت في الجانب الشرقي من السماء حتى لكأنّما لهذه الحرب ميادين مختلفة مثلما كان للحرب العظمى . ولقد كان هذا المغيب حقّا مغيبا أعظم ، وكان هذا الشفق ممّا يتضاءل أمام جلاله كلّ شفق .
وشدّت أنظارنا الى السماء أثناء هذه الحالات جميعا ونحن ذهول ، شرد لبّنا في عبادة هذا الابداع ، مفتونون به عن كلّ ما يتخطّاه القطار من سهل أو جبل ، ناسون أنّ ثمّ أرضا ، وأنّ نقطع أبعاد هذه الأرض الى غاية نقصدها .
ولم نتبادل أثناء ذلك الاّ عبارات الاعجاب بما جدّ في السماء ، جديد يهتزّ الفؤاد لروعة جماله . ولم يوقظنا من ذهولنا الاّ أن تبدّت عمائر فيينا يحجب بعضها بعض السماء . هنالك أدركنا أن في الحياة شيئا غير ما كنّا نشهد . وأسفنا لهذا الذي أفسد علينا بهرنا وذهولنا ، والذي نبّهنا الى الزمن وفراره ، وان كانت الطبيعة قد عنيت بأن تهوّن علينا من أسفنا ، فلم تقم عمائر فيينا الاّ ساعة آذن المغيب بالانحدار في غيابات الليل وظلماته ” .
هذا بعض ما وصفته بقلمك الجبّار الذي تنثال منه سلافة الرقّة البالغة منتهاها ، فحيّاك الله وبيّاك .
وهل بأمكاني أن لا أنتشي برحيق الغبطة والسرور وأندمج في لجج الانشراح والحبور بعد هذا الوصف العجيب الذي تعجز عنه الاقلام اللّهمّ ما خلا قلمك الذي برهن ويبرهن وسيبرهن أن من البيان لسحرا ؟
وان أنس فلن أنسى ، يا أخي ، قطعتك الوصفيّة التالية أيضا ص 337 من كتاب “ولدي ” :
” وقد رنّت الشمس نحو الغرب واحمرّ نورها . انظر الآن الى قمم الثلج . يا لبهاء الجمال الباهر ! … ما أشدّ هذا العيد سحرا ! استحال الثلج وردا ، فالورد عسجدا ، فالعسجد دما ، فدكّن الدم حتى أظلم . ويستحيل الثلج في هذه الألوان مبطئا متمهّلا ، والأنظار اليه مشدودة حتى لا يفوتها منه منظر . والقمر يحبو من وراء الثلوج متورّدا ليستحيل هو الأخر ورويدا رويدا الى لون الذهب . والسماء من وراء ذلك تضرب فيها أشعّة الشمس وتطوّق ما بها من سحب بمثل ما تصبغ به الثلج من ألوان .
بين هذه المناظر كلّها تائه اللبّ ، مشرّد النفس ، مسحور ، تتردّد بين الخوف أن ينتهي العيد ، وبين الرجاء أن ترى استحالات أخرى في لون الثلج وفي ضياء القمر ” .
بل ماذا يمكنني أن أقوله عن هذه القطعة الوصفيّة أيضا وأيضا ( صفحة 347) من كتاب ” ولدي ” :
” استدرت مع الصخرة فاذا بالمنظرين السابقين من مناظر المساقط دون هذا المنظر الثالث روعة بمراحل . واذا بي أعود أدراجي صائحا بزوجي أن تنزل لترى . ويضيع صوتي في خوار الهدير فلا تسمعه . وأصعد ما صعد حتى غدوت الى جانبها وأنا أكرّر الصياح : تعالي تعالي ، انّ ما ترينه هنا ليس شيئا . انّ الجمال كلّ الجمال في المنظر الثالث ! وهبطنا معا ، واجتزنا الصخر ، ووقفنا تتحرّك في صدورنا آهات الاعجاب والتقديس . لم يبق جسر ، ولم تبق صخرة ، ولم يبق ماء ، وانّما هو زبد ورغاء يندفعان بقوّة أشدّ قوّة في هذا الالتواء ، فيخال للانسان أنّ الصخر سيميد ، وأنّ الأرض ستنشقّ ، وستسقط السماء ، وتنهد الجبال هدّا . وهذا الزبد والرغاء ينبعث من قوّة انحدارهما رشّاش كأنّه البخار امتلأ به الجوّ كلّه أمام النظر . فكأنّما النهر كلّه بخار لا ماء فيه . والدويّ الهائل يزلزل السمع ويزلزل النفس ، ويزلزل الوجود كلّه زلزالا عظيما .
والشمس في السماء تحاول أن تخرق السحب لبعث بشعاع الى هذا المنظر فيستحيل الشعاع رشاشا وبخارا كأنه بعض هذا الماء الهائج في أنحداره , وكأنّ له ما للماء من دويّ وزئير . ونحن والذين يجيئون يشهدون هذا المنظر وقوف نقدّس القوة الهائلة تقديس إعجاب بل عبادة . وكيف لا نقدّسها ولم يبق لنا عاصم منها غير هذه الصخرة قد تتحطّم تحت سلطانها فاذا نحن هباء . ويصيبنا , الوقت بعد الوقت منها , رشاش فنستريح له كأنّه ماء زمزم او ماء بعض البقع المباركة , أليس هو أثر هذه القوة الطبيعية الكبرى ؟ أليس مظهر عظمة الوجود في بعض أركانه ؟ أوليس كلّها مظهرا للعظمة مقدّسا , ورشاش العظمة مقدس كالعظمة ذاتها . وله على الأقل قداستها .
وأطلنا الانتظار أمام هذه الصورة البديعة من الصور المساقط حتى كادت موليات النهار تنذرنا بضرورة الإسراع بالأوبة . لكنّ منظرا رابعا ما يزال .
ويجب أن نهبط اليه . فهبطنا . أتراني مستطيعا وصف كل شيء من هذا الذي نرى ؟ لقد أصبحنا لا نرى من المساقط إلاّ رشاشا يندفع اندفاع القذيفة يكاد يحطّم ما أمامه تحطيما . على أنّ هذا الرشاش انتشر أمامنا فأصبح عالما استغرق كلّ حواسّنا وكلّ حديثنا وكلّ تفكيرنا . واستبقانا أمامه زمنا جاء خلاله جماعة تقدّموا على سلّم من الحديد الى ناحية . فاذا بهم امتدّت اليهم منه ألسنة أرجعتهم القهقرى في خيفة وإعجاب .
وفي هذه اللحظة تكشّف بعض السحب فاذا الشمس قد انحدرت وراء الجبال , وأرسلت من أشعّتها ما ألهب الأفق . لكنّ الرغاء والرشاش لم يعبأ بهذا اللهب وبقيا في ناصع بياضهما وكأنهما يقذفان الى لجة النهر ثلجا مندوفا ما يكاد يصل الى اللجّة حتى يستحيل ماء مثلها له زرقة كزرقتها . ولمّا آن للنفس أن تستجم لتبتعث هذه المناظر البديعة النادرة في أطواء نفسها عدنا أدراجنا وقد تولاّنا من البهر ما ألقى علينا من وجوم الصمت بما لا يستطاع معه لأكثر من ألفاظ الاعجاب بقدس الجمال في أحد مناظر الطبيعة البديعة .
وارتقينا طريقنا حتى كنّا عند المقاعد فاذا الناس قد بدأوا ينصرفون اذ كانت لجّة الليل قد بدأت تدعوهم الى الأنصراف واذا كان مطلع القمر متأخرا تلك الليلة . وانصرفنا نحن الآخرين نحدّث أنفسنا ويتحدّث كلّ الى صاحبه بما تكنّه نفسه وبفاحش ما يدعو اليه حكم النظرة الاولى من خطأ “.
أيّها الشاعر , أيّها الأديب , بل أي أخي الحبيب !
لقد ضربت بسهم وافر من الأدب فأصبح أطوع لك من البان .
وأصدقك القول ان ما هذا بالوصف . كلا .إنّه موسيقى الآلهة يعزفها جوبيتير ربّ الأرباب لباقة من القيان ( الأولمب ) وغيد (البارناس )وكواعب جنّة جنّات الخلد .
إنّه وصف يأخذ بمجامع القلوب ويسمو بالروح فتحلّق عاليا , هناك بعيدا وراء العوالم المجهولة حيث تحيا الطمأنينة , وتسود العدالة , وترتع السعادة في مدينة السلام المقدّسة .
آه ما أبدع وصفك ! وما أشدّ وقعه العظيم على كلّ من لهم آذان فتسمع وأعين فتنظر . وحقّا لأنت جدير بأكثر من هذه المكانة الأدبية السامية . وإني أضرع الى الباري جلّت قدرته أن يبقيك ذخرا للأدب العربيّ الرفيع الذي رفعت من شأنه وبوأته عرشه الجديد .
أي أخي الحبيب !
هل تسمع دعاء من أحبّك قبل أن يعرفك شخصيّا ، ومن يتمنّى أن يجتمع بك فتتمّ أمنيته اذا أتيح له لقاؤك .
وبعد فماذا أقول ؟
هي ساعة سعيدة في تاريخ حياتي عندما قدم الشاعر العزيز الأخ حليم دمّوس حيث أقيم وسلّمني رسالتك التي كانت مفاجأة جدّ مفرحة لي . هذه الرسالة التي ختمتها بخطّ يدك الكريمة فقلت :
” أرجوك وقد أخبرتني أنك ذاهب للقاء الدكتور داهش في حلب الشهباء أن تبلّغه خالص تحيّتي وتقديري أعماله مما ذكرته لي الخ . “
فيا أخي !
انّ لساني عاجز عن ايفائك حقّ الشكر عليّ نحوك . كما أنّ بياني أعجز من أن يتجاسر حتى من الدنوّ لنوافذ هيكل أدبك البالغ قمّته المشمخرّة أبدا نحو العلاء .
نعم . لقد كانت رسالتك الكريمة كالترياق تسكبه الآلهة على أفئدة الحزانى والموؤدين فتعيد اليهم الأمل المفقود .
وهكذا كانت رسالتك إلي في وحدتي التي أقاسي من حنظلها الشيء المرير دون أن أتذمّر بعد ذلك الظلم الرهيب الذي أقدم عليه الشيخ بشارة الخوري رئيس جمهورية لبنان ، اذ اعتدى على الدستور اعتداء منكرا فأقدم على تجريدي من جنسيّتي اللبنانيّة ، وذنبي الوحيد هو أنني جعلت من لهم بي صلة من اخوان وأخوات أن يؤمنوا بنبوّة محمّد وأنّ قرآنه الكريم منزل .
وكان بين الذين آمنوا بهذا القول الحقّ السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة وقرينها وكريماتها الثلاث ، والسيّدة ماري حدّاد هي شقيقة السيّدة ( لور ) عقيلة رئيس الجمهوريّة .
واذ ذاك قامت قيامة بشارة الخوري كما ثارت ثائرة السيّد ميشال شيحا صاحب جريدة ( له جور ) LE JOUR الافرنسيّة وهو شقيق السيّدة ماري حدّاد .
وكذلك اهتاج هنري فرعون وهو قريب السيدة ماري حدّاد . وشقيقة هنري فرعون قرينة السيّد ميشال شيحا .
نعم ، قامت قيامة هذه الأقنوم الرباعي فهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور ، وقد قاموا بالمستحيل لكي يخرجوني من البلاد ، ولكنّهم لم ينجحوا مع بذلهم الجهود الجبّارة في هذا السبيل . فقد رفضت حكومة ( ألفرد نقّاش ) ، وكان ، يومذاك ، رئيسا للجمهوريّة – أي في أواخر عام 1942 – رفضت اخراجي من البلاد . وقد أفهم فخامة النقاش يومذاك ميشال شيحا ( وهو صديقه الحميم ) ، كما أفهم بشارة الخوري وزوجته ( لور ) وهنري فرعون أنه لا يمكن اخراج رجل بريء من البلاد بمجرّد أنّ عائلتهم اعتقدت بأنّ محمّد نبيّ مرسل وقرآنه الكريم منزل .
ودار دولاب الزمان ، واذا ببشارة الخوري يصبح رئيسا للجمهوريّة بعد بضعة أشهر من محاولاتهم الاجراميّة مع النقّاش . واذ ذاك ابتدأ الاضطهاد بصورة رهيبة . وقامت قيامة دوائر التحرّي والبوليس والعدليّة ليجدوا أيّ مأخذ قانونيّ على داهش ( أي عليّ ) ولكنّها فشلت بأكملها .
واذ ذاك ( أي بعد فشلهم من الناحية القانونيّة ) ركبوا مركبا خشنا ، اذ أرسل هنري فرعون وميشال شيحا شرذمة من الرعاع لكي يغتالوني في عقر داري ن وكان ذلك في 28 آب من عام 1944 ، ولكنهم فشلوا في الاغتيال .
وللحال حضرت شرذمة من رجال البوليس واستاقوا المعتدى عليه الى دائرة الشرطة . أمّا المعتدون فأطلقوا سراحهم .
وأدخلت الى سجن الرمل مدّة 13 يوما . وفي منتصف ليل 13أيلول من عام 1944 حضر مدير البوليس ومحمّد علي فيّاض مفوّض منطقة البرج الى السجن حيث السجين البريء ، وأركبوني في سيّارة ، وأبعدت الى حلب ، وهناك أطلعوني على تجريدي من جنسيّتي اللبنانيّة .
وهكذا تخطّى بشارة الخوري القوانين الموضوعة ، وداس على أشلاء الدستور وبعثرها !
والنوّاب ن نوّاب البلاد ! …بل نوائب لبنان …لم يرفع أيّ منهم صوته بالاحتجاج على هذه الجريمة الصارخة التي لم تجر على غرارها جريمة تساويها بقسوتها وبشاعتها .
وهل من المعقول أن مجلس ( 25 أيّار ) يرفع صوته بالدفاع عن الحرّيات المعتدى عليها وهو المجلس الذي ولد مزوّرا وعاش بصورة لا تشرّفه بكثير أو بقليل . وهذا يعرفه الجميع .
واليوم عندما أطلعني أخي العزيز حليم دمّوس على رسالتكم الكريمة له تمثّلت للحال كلمتكم الحكيمة ، وتمعّنت بفلسفتها البعيدة الأغوار .
أولست أنت القائل في كتابك “ولدي ” ( صفحة 7 ):
” لكنّا في الحياة ألاعيب يعبث بها القدر . ولئن بلغنا على الحياة ما بلغنا من جاه ومكانة ، ولئن امتلأت نفوسنا بما امتلأت به من عاطفة وفضيلة ، فلا يفتنا أنّا من القدر هاته الألاعيب ، وأنّ عبث القدر بها بعض حقّه . وانّا اذا أردنا أن نسمو على الحياة فنحدّق بالقدر وجها لوجه فلن يكون ذلك بالسخط منه والحقد عليه ، ولكن بالاذعان له والتسليم بحقّه والرضى بكلّ ما يصيبنا من جانبه . على أنّ أفدح ما تصيبنا به الحياة غير جدير أن يترك من الأثر في نفوسنا الاّ ما يذره أعظم ما يسرّنا .
وكما أنّ السعي والعمل أكبر مسرّة في الحياة تزيدنا رضى على رضانا وغبطة على غبطتنا بكل خير نناله , فالسعي والعمل هما كذلك أكبر عزاء عن أفدح سجن وأجل كارثة .
وكذلك قلت في الصفحة (13) من كتابك القيّم ما يلي :
” وأنا من هؤلاء . فليس يسيغ عقلي أن ينهزم الإنسان أمام حادث من حوادث الحياة أيّا كان جلاله وأن يهن ويضعف . وإذا اضطرّ الإنسان للوقوف أو التراجع يوما فليس وقوفه ولا تراجعه هزيمة تدكّ ركن عزمه ” .
فيا أيّها المعلم الحكيم , أصدقك القول انني ما انهزمت منذ يوم الجريمة التي ارتكبت بحقي . وها قد مضى عليها اليوم سبع سنوات طويلة , ولن أنهزم بأذن الله تعالى حتى ينتصر الحقّ وينهزم الباطل , إنّ الباطل كان زهوقا .
إنّ العدالة تقضي بوجوب مجازاة الطاغية الذي طغى وبغى وتكبّر وتجبّر . وعلام كانت كبرياؤه ؟ بل علام كان طغيانه ؟
إنهما كانا على عدم الاعتراف بنبؤة محمد ! يا لهزل الزمان ويا لهوان الأيام ! وهل هذا شيء يصدّق ؟ إنّه الحقيقة التامّة . انه الواقع الذي لا مرية فيه . واأسفاه ! ولكن . هل تصدّى العالم الإسلامي لهذا الطاغية فأوقفه عند حدّه ؟
وهل قامت الصحافة بواجبها حول هذا الأمر الجلل ؟
وهل ثار الرأي العام اللبنانيّ على هذه الجريمة التي أصبحت معروفة لديه معرفة تامّة ؟
لا يا سيدي . لا يا أخي !… لم يقم أيّ منهم بواجبه .
فلا العالم الإسلامي تحرّك . ولا أهتزّ قلم واحد من صحافته .
إن لم يكن دفاعا عن بريء مظلوم فعلى الأقل لأجل نبيه الكريم الذي يدين بدينه الحنيف .
كما أنّ الرأيّ العامّ اللبنانيّ الهزيل الذي تنقصه الثقافة التحرّرية لم يأبه للأمر , مع العلم أنّه اذا أصيب أيّ مواطن لبنانيّ بظلم فادح كهذا فكأنّ الجميع أصيبوا به .
إنّ الدستور اللبناني , يا أخي , أشبه ببيت عنكبوت واهي الخيوط لا يقوى على مجابهة النسيم الخفيف خوفا من تمزيقه , بل ملاشاته ودكّ آثاره دكّا . ومن العار أن نقول إننا شعب ديمقراطيّ دستوري ما دمنا لا نطبّق القول بالفعل , وما دام في لبنان ظلم خطير هائل كهذا .
كما أنّ المؤسف والمخيف جدّا هو عدم اهتمام النوّاب برفع حيف صريح كهذا ! وا أسفاه !
وبعد كلّ ذلك يتبجّحون بالقانون , والدستور , والعدالة !..
حديث خرافة يا أم عمرو …
إنّها كلمات جوفاء لا معنى لها , ولا رابطة تربط بعضها بالبعض .
إنها كلمات مفكّكة المعاني , ركيكة المباني ما دام القانون لا يطبّق إلاّ بطريقة كيفية تجرّ وراءها المآسي والكوارث وأخطر الحوادث .
واذا تأكد لك , يا أخي , أنّ لي شقيقة ووالدة وأنني كنت المعيل لهما , وأنّ شقيقتي أبرقت ثاني يوم أبعادي عن لبنان وتجريدي من جنسيّتي بالظلم والاعتداء الشائنين … أبرقت الى بشارة الخوري تطلب اليه إعلامها عن مقرّ أخيها – ( لأنهم أبعدوني تحت جنح الظلام دون أن يعلموا عائلتي بمكان وجودي ) – لكي تذهب الى محل منفاي وتقاسمني مصيري , فهل تعرف , يا أخي الدكتور هيكل , ماذا كانت نتيجة برقيّة شقيقة ملتاعة على مصير شقيقها البريء ؟
كان أنّ بشارة الخوري أوعز الى العدليّة أن تلاحقها .
فألقت العدليّة ( العادلة ) القبض عليها وزجتها في سجن النساء جزاء لها على التياعها .
هذه هي الحقيقة التي يعرفها الجميع في لبنان وفي المهجر .وهكذا كان مصير شقيقتي . وا أسفاه !
أمّا المصيبة العظمى والطامة الهائلة فهي موت والدتي الحزينة لأجلي . فقد برّح بها الحزن , وثقلت عليها وطأة الأشجان , فانتقلت الى عالم آخر غير عالم الأرض الرهيب .
ماتت وهي تصعد آهات الشجن الرهيب على وحيدها البريء .
والوحش … نعم يا سيّدي , الوحش الضاري لم يرتو بعد من دماء ضحاياه !
لقد ضحك عندما بلغه نبأ الوفاة . وكان ضحكه ضحك الفوز والانتصار على عدوه الذي علّم شقيقة زوجته أنّ محمد نبيّ كريم , وأنّ قرآنه المبين منزل حقّا .
وليت الأمر اقتصر على هاتين الضحيّتين البريئتين ( شقيقتي السجينة ووالدتي التي توفّيت ألما وحزنا ) , فقد سبق وانتحرت الشابّة (ماجدا حدّاد ) كريمة السيّدة ماري حدّاد احتجاجا على تجريدي من جنسيّتي اللبنانيّة , لأنها أمنت مع شقيقتها ووالديها بنبؤة محمد (ص) .
وبما أنّ آلها من الكاثوليك المتعصّبين المتمسّكين بتعاليم بابا روما وكنيسته , لهذا قامت قيامة ذويها عليّ فجرّدوني من الجنسيّة وشرّدوني .
وهكذا كانت ضحايا بشارة وزوجته وميشال شيحا وهنري فرعون ثلاثة .
هنا تذكّرت أيضا أنّني قرأت في كتاب ” ولدي ” ( صفحة 28 ) ما يأتي :
” فأمّا هذه البقاع القاحلة فأخوف ما تكون ساعات الظهيرة ، وحين الضوء فيها يبهر الأبصار .
اذا تولّت الشمس عنها بدأت تأنس اليها . ثم كان لك من نجمها ، وان غاب القمر ، سمير وأنيس .
سبب هذا ، فيما أخال ، أنّ الأحياء أشدّ ما يخشى الحيّ ، وأنّ الانسان أخوف ما يخاف منه الانسان .
فظلمة الأحياء الآهلة لباس لكلّ ألوان الغدر والغيلة واللؤم والجريمة .
أنت في كلّ خطوة لك فيها معرّض لغادر يسلبك مالك أو حياتك ، ولكمين تنصب حبائله لشرفك او نفسك . والنور وحده هو الكفيل بهتك الكثير ممّا تخاف من غدر الغادر ولؤم اللئيم . ” .
فيا أيّها المعلّم الحكيم . أيّها الصادق الأمين الكريم ! ما أصدق وصفك وما أحكم قولك ! انه الحقيقة التي لا تشوبها شائنة . انّ خبرة الأجيال أكّدت ما ذهبت اليه وما دوّنته في كتابك الثمين . وهنا خطر لي قول الشاعر الضرير البصير القائل :
“عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذ عوى
وصوّت انسان فكدت أطير “
انّ الاضطهاد العظيم الذي أصبت به هو لأجل تعاليمي التي لا ولن أحيد عنها قيد أنملة ، حتى ولو بذلت روحي في هذا السبيل الذي أدعو اليه .
فالمال ، والعظمة الكاذبة ، والغرور ، والمجد الوهميّ ، والسيادة المسيطرة ، والجبروت والطغيان ، هي حلم الجميع ومبتغى الكلّ ، وأمنية البشريّة ، منذ فجر تاريخها المعروف حتى يومنا هذا ، وحتى فناء كوكبنا الأرضيّ .
لهذا تراني الآن مواكب الانسانيّة المندثرة وهي لا غاية لها الاّ السيطرة والاثراء والطغيان .
أمّا العدالة ، أما الرحمة ، أمّا المساواة ، أمّا التضحية والمفاداة فهي كلمات طنّانة فارغة . وليس من يهتمّ بتبنّيها بصورة صادقة . ولكنّهم يتّخذونها ستارا لغايات يريدون تنفيذها بواسطتها .
هذا ما حاولت افهام اخواني ايّاه ، وما غرسته في نفوسهم ، فكان ما كان من الظلم الرهيب الذي نالني .
وعندما طالعت الصفحة 97 من كتابك ” ولدي” قرأت ما أثلج فؤادي ونزل عليه بردا وسلاما . اذ قلت لا فضّ الله لك فاها :
” كما انّ المجد والمال وكلّ ما ينظر اليه الناس على أنه غاية من الغايات التي يسعون اليها قد تجتمع كلّها للرجال ثم لا تكفي مع ذلك حتة لطمأنينته الى الحياة ، فيفرّ منها جميعا ويطلب الراحة في أحضان العدم يصل اليه من طريق الانتحار ” .
ثم قلت في الصفحة 151 :
” وأين يلتمس الناس سرّ الحياة ان لم يلتمسوه في الموت وهو غاية الحياة ومدى ما يصل اليه علمهم منها . أو لم ينفق كثير من المفكّرين والفلاسفة أعمارهم في استكناه ما بعد الموت ؟ “.
فأين هي جريمتي اذا كنت أحاول بما خصّني الله به من شعور الهاميّ أن أحاول مثلما سبق الكثيرون سواي أن ألج الى ذلك السرّ المصون علّني أفتح بعض مغاليقه ؟
وهل التشجيع بتجريد الجنسيّة والتشريد ؟
هذا الأمر الذي لم يقدم عليه جنكيزخان ، وتيمورلنك وغيرهم من أباطرة الظلم والجبروت في العصور المظلمة .
انّ هذا القرن يخجل أن يطلق عليه اسم ( القرن العشرين ) بعدما ارتكبت فيه مظالم بشعة شوهاء كهذه .
اذن بات من حقّي أن أردّد ما سبق وردّدته أنت يا أخي في كتابك “ولدي”( في الصفحة 157 ) اذ قلت :
” وفزعت لهذا المنظر ، وجاهدت كي أمحوه من أمامي . فعدت الى نفسي أحتمي بها من هول ما تلقى الانسانيّة . وليس كالنفس حصن اليه يفزع العقل والخيال يدّرعان به من خطوب الوجود . وتساءلت : أليس في الحياة الى جانب هذه الصّور الرهيب منظرها صور ذات بهجة ؟ أوليس الى جانب الحزن مسرّة ، والى جانب الألم أمل ؟ انّ الذين تدهمهم الهموم يجدون عنها في حكمة الحياة وفي لهوها عزاء “.
ثم ما كان أروعك وأحكمك عندما قلت في الصفحة 158 :
” ما لنا اذن نجزع من الموت ونهابه ؟ أم أنّا في الحقّ لا نجزع منه لأنفسنا وانما نجزع لما يحول بيننا وبين ما اعتدناه وألفناه . والحياة وكلّ ما فيها عادة . ولعلّ سائر صور الوجود عادة كالحياة الانسانيّة . ولعلّ للنبات وللجماد نوعا من الحسّ بالحياة ان اختلف عن حسّنا فهو أوفر عقلا وأسمى حكمة . وهذه الحيوانات الأخرى التي تتشابه وايّانا في نوع الحسّ بالوجود لها من سليقتها ما يبعد بها عن الألم . فهي لا تشعر به الاّ اذا أصابها ما يسبّبه . فاذا انقضى عادت الى مرحها في الحياة ومتاعها بها . ولم تخلق لنفسها ما نسمّيه نحن عالم الذكرى نملأه بالصّور المثيرة للحزن والشّجن “.
فيا أخي الحبيب !
هذا ما قلته أنا بالحرف الواحد . وهذا ما أعلنته لمن تبعني من اخواني فسلهم . سلّ أيّا منهم عن رأيه في الجماد والنبات والحياة والموت يجبك بما سبق ودوّنته أنت في كتابك العظيم .
ترى هل يقدم جلالة الفاروق على اضطهاد لأنك قلت : ” ولعلّ للنبات وللجماد نوعا من الحسّ بالحياة الخ …”؟
وهل تجرّمك السلطات المصريّة على رأيك الذي دوّنته بيراعك وضمّنته كتابك ؟
أمّا هنا في لبنان فقد نكّل بي بشارة الخوري ليس لأني قلت انه ربّما كان للنبات وللجماد نوع من الحسّ ….اذ لو جرّدني من جنسيّتي لو قلت هذا القول فربّما ماشاه الرأي العام وقال : انّ بشارة محقّ بتجريده لجنسيّة داهش لأنه نطق كفرا بوضعه حياة حسيّة للنبات للجماد .
أمّا وقد تمّ تجريدي من جنسيّتي وتشريدي في أربعة أقطار المعمور لأجل افهامي من تبعني أنّ محمّدا نبيّ ، فهذا يجوز في عرف اللبنانيين ، وهو حقّ لا يأتيه الباطل من الأمام أو الوراء . ويا للهول العظيم !.
والآن ، لنذكر ما يفهمه كلّ انكليزي وافرنسي وأميركي في عهدنا الحديث من معنى ( الحريّة ) ، فنقول انهم يفهمون أنّ الحريّة هي أن لا يخضع المرء الاّ للقوانين ، فلا يتّهم ، ولا يسجن ، ولا يعدم ، ولا يهان على أية صورة كانت بارادة شخص أو عدّة أشخاص . وهي أن تكون له الحقّ بابداء رأيه ، واختيار صنعته وممارستها ، والتصرّف بثروته كيفما شاء . وهي أن يغدو ويروح دون استئذان ، وأن لا يكون عرضه للمراقبة الصارمة ، ولا يقدّم حسابا عن أسباب ذلك . هي أن يكون له الحقّ بالاجتماع مع غيره امّا للتحدّث عن أعماله ، وامّا للاشتراك في البحث عن مذهب يختاره هو رفاقه ، وبتخصيص ساعاته وأيّامه للأشغال التي يميل اليها وتلذّ له .
وأخيرا هي الحقّ في ممارسة جميع الأعمال المشروعة ومشاركة الحكّام بحفظ النظام وتقرير الأمن .
هذا ما يفهمه ويسير عليه الأجانب .
أمّا نحن الشرقيين فانني أعترف والأسى يهزّ كياني أنّنا بعيدون عن هذا الأمر بعد الثريّا عن الثرى .
وللتدليل على صحّة قولي أضع بين يديك الفصل الثاني من كتاب ” الحريّة ” لمؤلّفه جون ستيوارت ميل ( ترجمه طه باشا سباعي ، ص 36 ) ، وهذا الفصل تحت عنوان ” في حريّة الفكر والمناقشة ” .
لماذا ينبغي اطلاق حرّية الفكر والمناقشة
” قد مضى بحمد الله ، ذلك الزمان الذي كنّا بحاجة الى الدفاع عن حرّية النشر واقامة الدليل على أنها ضمان لازم لحماية الأفراد من مظالم الحكومات المستبدّة ومفاسد الحكومات المختلّة . فغنيّ عن البرهان أنه لا يسوغ لسلطة تنفيذيّة أو تشريعيّة غير متّفقة المصالح مع الأمّة أن تعرض على الناس ما تراه مناسبا ، وأن تعيّن لهم ما يجوز سماعه من المعتقدات والأقوال . وهذا مبحث قد وفّاه الكتّاب السابقون حقّه من الشرح والاستقصاء ، فلا حاجة بنا الى زيادته ايضاحا وتوكيدا . نعم ليس يخشى اليوم في بلد من البلاد الدستوريّة أن تحاول الحكومة كمّ الأفواه وغلّ الأقلام ما لم تكن مدفوعة الى هذا العمل برغبة الجمهور الذي يجعل الحكومة سلاحا لتعصّبه وآلة لتنفيذ مآربه . فلنفرض ، اذن ، أنّ الحكومة متّفقة مع الأمّة كلّ الاتّفاق ، وأنّها لا تحدّث نفسها مطلقا باستعمال وسيلة من وسائل الضغط ما لم يكن تنفيذا لمشيئة الشعب . فهل اذا شاء الشعب ذلك كان عمله جائزا مشروعا ؟ اني أنكر عليه ذلك أيما انكار، فلا أعترف له بهذا الحقّ ، ولا أراه مصيبا في استعمال هذا الضغط سواء بنفسه أو بواسطة الحكومة ، لأنّ هذه السلطة غير مشروعة في ذاتها . ولا يجوز لأيّة حكومة أن تستعملها البتة ، سواء في ذلك أشرف الحكومات وأرفعها ، وأخسّها وأوضعها . وهي اذا صدرت بمشيئة الشعب وموافقته كانت أفظع وأشنع ممّا لوصدرت برغمه ومعارضته . فلو أنّ الناس قاطبة أجمعوا على رأي واحد وخالفهم في ذلك فذّ لما كان لهم من الحقّ في اخراسه أكثر ممّا له من الحق في اخراسهم لو استطاع الى ذلك سبيلا . اذ لا يقدح في أهميّة الرأي قلّة المنتصرين له وكثرة الزارين عليه . ولو كان الرأي متاعا خاصا لا قيمة له الاّ عند صاحبه ، وكان الضرر المترتّب على الحرمان من التمتّع به لا يتناول غير مالكه لكان في المسألة مجال للتمييز ، ومتّسع للتفريق ، ولكان هناك بون شاسع بين وقوع الضرر على فئة قليلة ووقوعه على فريق عظيم . ولكنّ الأمر بخلاف ذلك . فانّ المضرّة الناشئة عن اخماد الرأي لا تقتصر على صاحبه ، بل تتعدّاه الى جميع الناس حاضرهم وقادمهم . وما هي في الحقيقة الاّ سلب النوع البشريّ برمّته وحرمان الانسانيّة بأسرها من شيء فائدته لعائبيه ورافضيه أوفر منها لمؤيديه وقابليه . ذلك أنّ الرأي ان كان صوابا فقد حرم الناس فرصة نفيسة يستبدلون فيها الحقّ بالباطل ويبيعون الضلالة بالهدى . وان كان خطأ فقد حرموا كذلك فرصة لا تقلّ عن السابقة نفاسة وفائدة . وهي فرصة الازدياد من التمكّن في الحقّ والرسوخ في العلم على أثر مصادمة الحقّ بالباطل ، ومفارقة الخطاء بالصواب .
ونحن باحثون في كلّ من هذين الفرضين على حدة ، فانّ لكلّ منهما ما يخصّه ويناسبه من الأدلّة والبراهين .
فأوّلا – نحن لا نستطيع أن نكون على يقين من فساد الرأي الذي نحاول اخماده .
وثانيا – اذا فرضنا أننا على يقين من ذلك فاخماده لا يكون حسنة يرجى خيرها بل سيّئة لا يدفع شرّها .
الشطر الأوّل من الحجّة :
لننظر ، اذن ، في الفرض الأول . قد يجوز أن يكون الرأي المراد الغاؤه صائبا . لا شكّ أنّ الذين يريدون اخماده ينكرون صحّته ويجزمون بخلطه . ولكنهم غير معصومين من الخطأ ، وليس لهم حقّ الفصل في الأمر بالنيابة عن سائر البشر ، ومنع كلّ امرىء خلافهم من ابداء حكمة فيه . فاذا هم رفضوا استماع رأي ، لا لعلّة سوى انهم واثقون من فساده ، فكأنّهم يدّعون أن يقينهم هو اليقين المطلق . ولا نزاع في أنّ كلّ اخراس للمناقشة معناه ادّعاء للعصمة . ولو لم يكن هناك الاّ هذه الحجّة العامّة لكفى بها دليلا قاطعا ، وبرهانا ساطعا على خطاء القائلين بتقييد حريّة الفكر والناقشة ” .
ثم اليك ما ورد في الصفحة 48 تحت عنوان ” ضرب الأمثلة على ما تقدّم ” حيث قال :
” أقول انّ تحريم الدفاع عن رأي ما لأننا قد حكمنا عليه بالفساد أمر لا يخلو من العواقب الوخيمة . ولكي أزيد ذلك وضوحا وبيانا يجمل بي أن أحصر البحث في موضوع بعينه على سبيل التمثيل . ولكي يكون البرهان أقطع والدليل أنصع سأنتخب أقلّ الموضوعات موافقة لصالحي حيث يكون الدفاع عن حرّية المناقشة من أعسر الأمور ، لأنّ الأدلّة التي يتعيّن على طالب الحرّية تفنيدها تعتبر على أعزّ جانب من المنعة سواء من حيث الصدق ، أو من حيث المنعة .
فلنفرض ، اذن ، أنّ الرأي المطعون في صحّته هو الايمان بوجود الله والحياة الأخرى أو أي عقيدة من العقائد الأدبيّة التي أجمع الناس على صحتها .
انّ الجدال في مثل هذا الموضوع يعطي الخصم المتحامل مزيّة كبرى . فانه لا بدّ قائل لي ( وكثير ممّن لا يرغبون في أن يتّصفوا بالتحامل سيقولون ذلك في ضمائرهم ) : أهذه اذن هي العقائد التي لا تراها ثابتة ثبوتا كافيا لتسويغ حمايتها بصولة القانون ؟ أتعدّ الايمان بوجود المولى سبحانه وتعالى أحد الآراء التي يكون في الاقتناع بصحّتها ادّعاء للعصمة ؟
رويدك يا صاحبي ، أنا لا أقول ان في الاقتناع بصحّة العقيدة – مهما كانت – ادّعاء للعصمة . بل أقول انّ ادّعاء العصمة هو اجبار الغير على قبول رأينا في العقيدة دون الترخيص لهم في سماع ما قد يقوله الفريق المعارض .
فهذا الافتئات هو ما أسمّيه ( ادّعاء العصمة ) . وأنا أحتجّ أشدّ الاحتجاج ، وأعترض كلّ الأعتراض على هذا الادّعاء . وان كانت الغاية منه حماية أعزّ عقائدي وأقدس مبادئي . ولا أزال أقول وأكرّر أنّه مهما بلغ اقتناع المرء بفساد رأي من الأراء ، مهما بلغ اعتقاده بضرره وسوء مغبّته ؛ بل مهما بلغت يقته بمخالفته للدين والأدب ، فلا يجوز له – بناء على هذا الاعتقاد الفرديّ ، وان كان معزّزا بالشعور العامّ في مصره أو عصره – أن يحرّم سماع الدفاع عن هذا الرأي ؛ والاّ فقد أدّعى لنفسه العصمة .
ولا يقلّل من فساده هذا الادّعاء ، أو من خطره ، اجماع الناس على اعتبار ذلك الرأي منافيا للدين أو مناقضا للآداب . فان تلك هي الحال التي يكون فيها لآدّعاء العصمة أوخم العواقب وأوبل المضرّات …
نعم ، في أمثال هذه الحال بعينها قد ارتكب السّلف ما ارتكب من الغلطات المشؤومة والفعلات الشنيعة التي لا تزال كلّما ذكرت تراع من فظاعتها القلوب ، وتقشعرّ من هولها الأبدان . وهذه بعينها هي الظروف التي وقعت فيها تلك الحوادث الشهيرة والخطوب الفاجعة اذ كان القوم يتّخذون القانون سلاحا لاستئصال أفضل الناس وأشرف العقائد . فنالوا مع الأسف بغيتهم من الأفراد ، ولكنهم عجزوا عن القضاء على بعض العقائد فبقيت الى اليوم وصارت بدورها سلاحا لمحاربة الخارجين عليها أو الذين يفهمون من نصوصها خلاف ما يفهم الناس منها .
قصّة سقراط
لا يعدّ الكاتب مسهبا مهما كرّر على مسامع البشر أنه كان في غابر الزمان رجل يسمّى ( سقراط ) قام بينه وبين أهل عصره نزاع طار ذكره في الخافقين ، وحدثت بينه وبين أولي الأمر في عهده صدمة لا يزال صداها يرنّ في مسمع الجديدين .
ولد ذلك الرجل في عصر حافل بالعظماء ، وفي بلد حاشد بالنبلاء . فلم يكن ظهوره بين تلك الأنوار الباهرة والأطواد الشامخة ليغضّ من سناه ، أو ليخفض من علاه ، بل كان بشهادة أعلم الناس به وبعصره أطهر أهل زمانه خلالا ، وأكرمهم خصالا . وليس منّا من يجهل أنّ هذا الرجل هو الرأس والقدوة لكلّ من أتى بعده من دعاة الفضيلة وأنصار الحكمة ، وأنه هو الذي ألهم ( أفلاطون ) تلك الروح الشريفة العالية ، وعلّم ( أرسطاليس ) تلك الفلسفة العادلة الصادقة . وكلّنا يعلم أنّ هذين الحكيمين هما الينبوعان الرئيسيّان ، والمصدران الأوّلان اللذان منهما تشعّبت جميع المذاهب الفلسفيّة ، وعنهما تفرّعت كلّ المبادىء النظريّة . فهذا الاستاذ الأكبر ( سقراط ) الذي يمشي على أثره كلّ من جاء بعده من كبار الفلاسفة وعظماء المفكّرين ، والذي لا يزداد ذكره على مرّ الأيّام الاّ جدّة وبهاء وانتشارا . والذي اذا جمعنا كلّ من شاع صيته وطار ذكره من حكماء اليونان ، ثم وضعنا صيتهم في كفّة ، وجعلنا صيته في كفّة ، لرجّحت كفّته على كفّتهم ، وغطّت شهرته على شهرتهم .
أقول انّ هذا الحكيم الكريم قد رماه مواطنوه بتهمة الالحاد وفساد الأخلاق ، فحاكموه بين يدي هيئة قضائيّة اقتنعت بادانته وحكمت باعدامه .
اتّهموه بالالحاد لأنّه كان ينكر الآلهة الذين تعترف الحكومة بوجودهم . بل كان لا يؤمن بآلهة على الاطلاق كما يزعمون . واتّهموه بفساد الأخلاق لأنّه كان يغوي الشبّان بتعاليمه ومبادئه . ولدينا كل ما يحملنا على الاعتقاد بأنّ المحكمة التي نظرت في قضيّته اقتنعت من صميم الفؤاد بصحّة هاتين التهمتين .
وكذلك حكمت بالاجرام والاعدام على من كان أولى الناس ، في عهده ، بالاجلال والاكرام وأخلقهم بالتبجيل والاعظام “.
من هنا تدرك مقدار الجريمة الهائلة التي ارتكبها الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة وزوجته وشقيقها ميشال شيحا وقريبهم هنري فرعون .
هذه الجريمة التي هزّت أركان العدالة هزّا عنيفا ، وقوّضت دعائم القانون في لبنان ، وهشّمت جسم الدستور اللبنانيّ تهشيما فظيعا .
ولن يفوتني بهذه المناسبة أن أذكر لك أنّ السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة ( أي شقيقة عقيلة رئيس الجمهوريّة ) لم تقف مكتوفة اليدين أمام هذه الجريمة النكراء الرعناء ؛ اذ سرعان ما انتضت قلمها ، وراحت تروي للرأي العام اللبناني والعالميّ مراحل هذه الجريمة الشنعاء .
وقد كتبت وطبعت ووزّعت عشرات الكتب والنشرات السوداء ضمّنتها تفاصيل الجريمة من ألفها الى يائها ، كلّ ذلك تحت امضائها الصريح .
فجنّ جنون بشارة وعائلتها فألقوا القبض عليها وزجّوها في السجن هي وقرينها وسائر الداهشيين .
وقد نال الشاعر حليم دمّوس نصيبه من الاضطهاد الرهيب اذ سجن مثلما سجن بقيّة الدهشيّين الثائرين على الظلم مدّة تسعة أشهر وراء القضبان الحديديّة التي كانت جيدرة بأن تضمّ المجرمين الحقيقيين ، لكنها عدالة الأرض التعسة !
أمّا القضاة الذين حكموا هذه الأحكام الجائرة بضغط من أسيادهم ، فيا ويلهم من يوم الحساب الرهيب !
أي أخي الحبيب ،
لقد أطلت عليك فعذرا . ولكنّه الألم الصامت ، الألم الذي يسير في عروقي ممتزجا بدمائي هو الذي دعاني لهذا التطويل بقصد افهامك حقيقة الأمر لتكون مطّلعا على تفاصيل الجريمة المرتكبة بقدر الامكان .
لهذا ، انني أستحلفك بروح الملاك ( ممدوح ) الطاهرة التي بلغت حيث الرفيق الأعلى ، هناك حيث تتمتّع بما لا يمكن لقلم أن يصف ما تحويه تلك الربوع العلويّة من مفاتن وبهجات – أن تكتب ما يوحيه اليك ضميرك الحيّ حول هذه الجريمة الرهيبة وهذا الاعتداء الوحشيّ في بلد ديمقراطيّ يدّعي أنه يحكم بواسطة الدستور وهو بريء من هذا الاتّهام براءة الذئب من دم ابن يعقوب .
ومن لي غير الدكتور هيكل يبلّغ نبأ هذه الجريمة الى آذان العالم العربيّ قاطبة ليعلموا أيّة جريمة ارتكبت بحقّ شخص قال انّ محمّدا نبيّ مرسل ، وقرآنه الكريم كتاب منزل ، فنزلت عليه صواعق الظلم المزلزلة فدكّت عائلته دكّا ، وسجنته ، وجرّدته من جنسيّته ، وشرّدته ، وسجنت شقيقته ، وأماتت قهرا والدته .
انّ طلبي اليك هو عادل وحقّ .
لهذا أملي فيك عظيم ، أمل من ينصر الحقّ على الباطل ، متمثّلا بالقول المأثور القائل :
” لا يهزّ الظالمين صوت أشدّ من صوت جماعة متّحدة ” ، ومتأكّدا أنّ للكرامة والحرّية ثمنا فادحا ، كما أنّ السكوت على الذلّ هو أشدّ فداحة .
ولو لانت عزيمتي ووهنت ارادتي لخررت أمام الذي أدعوه بحقّ ( مجرما خطيرا ) . ولكن قوّة ارادتي ما كان لها أن تهن أو تلين ما دمت صاحب حقّ ، وحقّي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار .
لهذا يجب عليه هو أن يخرّ أمام الحقّ الذي يعلو ولا يعلى عليه .
أما كلمتك الأخويّة في تحريرك للأخ حليم دمّوس القائل فيها : ” انك مستعدّ لأن تتحدّث مع رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري فيما أصابني ، وبوجوب ردّ الجنسيّة اللبنانيّة إلي ” أشكرك من صميم الفؤاد على اهتمامك النبيل هذا ، وجوابي عليه للأخ الحبيب هيكل باشا هو :
انّ الحقّ يؤخذ ولا يستجدى
وهنا يطيب لي أن أحدّثك عن نفسيّة بشارة الخوري حول هذا الموضوع فأقول : لقد بلغني من مصدر ثقة مطّلع على الأمور ، وله صلة تامّة بالقصر الجمهوري ، قال :
” انّ بشارة الخوري أعلن لأصدقائه والموالين له : : اذا تجرّأ مجلس الوزراء وحدّثني بوجوب اعادة جنسيّة داهش فانني أقيل الوزارة حالا بما لي من حقّ دستوريّ يمكّنني من اقالتها . وكذلك اذا لمست رغبة من بعض النوّاب المعارضين لاثارة قضيّة جنسيّة داهش فانني لن أتردّد في حلّ المجلس واجراء انتخابات جديدة . ولن أمكّن داهش من استعادة جنسيّته على الاطلاق ” .
ولا يخفى عليك أنّ أهل البلاد بأجمعهم يعرفون هذا الأمر ولا يسكّون فيه مطلقا ، وهو اذا اتّفق لأحدهم وتحدّث أمام ( بشارة ) باسمي ، فانه يصاب برجفة راعدة ، ويصفرّ وجهه فاذا عليه مسحة الأموات .
فمن هنا تدرك ، يا أخي ، مقدار الغيظ والحفيظة اللذين يتأكلان صدر رئيس الجمهوريّة ليل نهار ، ويفتكان به ما لا يستطيع أخطر الأعداء فعله به .
وعلى هذا ، واذا كتب لي الحظّ أن يثير الأخ الدكتور هيكل باشا قضيّتي على صفحات الصحف المصريّة الحرّة ، فانني أؤكّد أنّ الرعديد بشارة يرتعد من الخوف عندما يعلم العالم الاسلامي بقلمك البليغ أسباب تجريده ايّاي من جنسيّتي فيتراجع رأسا ، لا عملا بالقول المأثور ” الرجوع الى الحقّ فضيلة ” ، كلاّ وألف كلاّ ، ولكن رجوعه يكون عن خوف وهلع قتّالين من العالم الاسلامي الذي لا يرحم من يهين نبيّه العظيم .
أمّا هنا في لبنان التاعس العاثر الحظّ فانّ نوّاب الأمّة لم يتجرّأ أيّ منهم على اثارة قضيّة جنسيّتي خوفا من اغضاب صاحب السلطان ، ومن غضب صاحب الصولجان . فانّ مصالحهم المادّية ستتأثّر بسخطه ، وهذا ما لا يريدون التفكير به مطلقا .
وانني أضع كبرهان أمام ناظركم الكريم هذه الكلمة الصغيرة التي نشرتها احدى الجرائد البيروتيّة في زاوية ( نقداتها ) . ومن مطالعتها يتأكّد لكم مقدار احترام الرأي العامّ لمجلس ( 25 أيّار ) التعيس .
قالت الجريدة بتاريخ 6 تمّوز 1951 ن تحت عنوان ” مثل بومة سليمان ” :
” جاء في نوادر الأدباء :
لمّا جمع سليمان الحكيم الطيور وتكلّم معها عن أحوالها ،سأل البومة :
- لماذا رأسك كبير ؟
قالت :
- لأني شيخة .
قال :
- ولماذا ذنبك صغير ؟
قالت لأني فريخة .
فاستغرب الملك سليمان جوابها ، وطردها من أمامه قائلا لها :
- انك كاذبة في ما تقولين من رأسك الى ذنبك .
وهؤلاء المدافعون عن جريمة ( 25 أيّار ) وما رافقها من عار وشنار ، هنا وفي الخارج ، مثل بومة سليمان :
كاذبون في كلّ ما يقولون من رأسهم الى ذنبهم ” .
– طائر-
والان ، ها انني أختم رسالتي اليك ، وبودّي لو أستطيع الاجتماع بك ، اذن لبلغت غاية ما أصبو اليه ، آملا أن تتيح الأيّام المقبلة هذه الفرصة السعيدة . واذ أودّعك أقول :
الحرّية الشخصيّة – بل والحريّة العامّة – ليست لعبة لتمنعها الحكومات أو الأشخاص ذوو السلطان والنفوذ بسبب ضغائن وحزازات تتأكّل صدورهم التي تعشّش فيها الأرقاط السامّة . نعم ، هي ليست ملك يمينهم لتمنعها متى شاءت ، وتمنحها متى طاب لها ذلك . بل هما ( أي الحرّية الشخصيّة والحرّية العامّة ) حقّان طبيعيّان للأفراد وللأمّة بمنزلة الحياة . وما علمنا أنّ انسانا على الأرض يدّعي لنفسه حقّ اعطاء الحياة ومنعها الاّ الله . والله جلّت قدرته خلق الناس بأجمعهم أحرارا . ألا رحم الله روح الخليفة العظيم عمر بن الخطّاب الذي خلدت حكمته اذ قال : ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا ” !
أي أخي الحبيب ، انّ أحبّ الجهاد الى الله كلمة حقّ تقال لحاكم ظالم دفاعا عن حقّ هضيم ، سلبه ايّاه ذلك الشيطان الرجيم .
والسلام على روحك الكبيرة وأدبك الذي لا ينضب له معين .
واذ أودّعك أقول :
مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها
وليحفظك الله للعروبة والاسلام .
ولأخيك داهش
رسالة الدكتور حسين هيكل الأولى
الى الدكتور داهش
ها هو نصّ رسالة الدكتور حسين هيكل بالحروف المطبعيّة
تسهيلا لقراءتها :
سيّدي الأخ الكريم الدكتور داهش حفظه الله وأبقاه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
حمل إلي الأخّ الوفيّ الاستاذ حليم دمّوس رسالتك . وحمل إلي معها طائفة من آثارك وما نشرته السّيدة ماري حدّاد عن الاضطهاد الذي أنزله بك خصومك لأنك دعوت المسيحيين الى الايمان بنبوّة محمّد المرسل وقرآنه الكريم المنزل .
واني لشاكر لك من صميم قلبي ما أثبتّه في رسالتك إلي عن كتاب ( ولدي ) . فقد أعدت به أمام بصيرتي عهدا لا أنساه ، شاكرا لك أن ذكّرتني بما كتبه ( جون ستيوارت ميل ) في كتابه عن ( الحريّة ) .
هذا الكتاب الذي تلوته وتدبّرته صدر شبابي ، فحلّت مبادئه من نفسي محلّ العقيدة والايمان وهدتني سبيلي الى اليوم ، وجعلتني أرى المصارحة بالحقّ أقدس واجب على كلّ من يؤمن بانسانيّته ، ودفعتني لأكرّر في كلّ مقام قول النبيّ العربيّ الكريم :
” الساكت عن الحقّ شيطان أخرس ” . لقد ذكرت لك في الكتاب الذي حمله اليك عنّي أخونا الاستاذ حليم دمّوس أنّني أرى تجريد أيّ انسان من جنسيّته وزرا منكرا ، واثما فاحشا يلجأ اليه الطغاة لمآربهم الاستبداديّة .
والتجريد من الجنسيّة لرأي يراه صاحبه أشدّ نكرا وأعظم وزرا . فجنسيّة المرء بعض حياته . فهي الصلة المقدّسة بين المرء ووطنه . وهي التي تتيح له أن يتمتّع بالحقوق التي يكفلها له الوطن . وكلّ عقاب وان عظم لا يساوي التجريد من الجنسيّة . بل انّ عقوبة الاعدام على فداحتها لأهون من التجريد خطبا ؛ لأنّ صاحبها يدفن في ثرى وطنه منسوبا الى بني وطنه ، ثم يتمتّع ذووه بعد انتقاله من بينهم باعزاز رفاته .
فان مات مظلوما لرأي رآه كان متاعهم أوفى وأوفر لأنّ صاحب الرأي هو النبراس المضيء الذي ينير السبيل أمام الانسانيّة حتى بعد ثوائه في قبره .
ألم تذكر في رسالتك ما أصاب ( سقراط ) هذا الفيلسوف الضخم والمعلّم الأوّل الذي أعدم مظلوما ، فزاد الظلم ذكره رفعة على رفعة ، على مدى الأجيال . فهنيئا لك يا أخي ما نزل بك من ظلم لأ،ّك حاولت ان تحارب التعصّب المذموم فحاربوك ، وحاولت أن تجمع كلمة بني الانسان في ظلّ الأخوّة بين أهل الأديان جميعا فاضطهدوك وشرّدوك …
ومن حقّك ، وأنت في منفاك ، أن تتمثّل بقول السيّد جمال الدين الأفغاني :
أنا عشت لست أعدم قوتا واذا متّ لست أعدم قبرا
همّتي همّة الملوك ونفسي نفس حرّ لا ترتضي الأسر قسرا
ولقد طالعت ما كتبته السيّدة ماري حدّاد في مذكّراتها التي نشرت في مجلّة (الرابطة الاسلاميّة ) ، وفي كتيّبها عن الداهشيّة ودعوتها الى الايمان بالنبيّ العربيّ والقرآن الكريم . فرأيتها تذكر فيهما أسماء كان لأصحابها شأن معك في عهد الرئيس ( ألفرد نقّاش ) .
وتذكر أشخاصا آخرين كانت لهم يد في اضطهادك .
ومن هؤلاء وأولئك من أعرفهم حقّ المعرفة .
وسأنتهز فرصة مقامي في لبنان لأتّصل بهم وأثير الحديث معهم في الموضوع حتى تكتمل لديّ صورته ، ولكي لا يقال ، من بعد ، انني سمعت طرفا وأغضيت عمّا سواه .
فاذا تمّ لي ذلك فسأثير مسألتك أوّل ما أعود الى مصر كما أثار الفيلسوف الفرنسي ( فولتير ) قضيّة ( كالا ) حتى بعد الحكم باعدامه . واني لأرجو أن أوفّق في اعادة الحقّ الى نصابه ، وفي ازالة ما يترتّب على تخفّيه من آثام لا يقرّها دستور ولا عدل .
وكن على ثقة أيها الأخ الكريم بأنّ النصر للحقّ لا محالة . وانّ الله على الظالمين ، يده فوق أيديهم وسلطانه جلّت قدرته فوق كلّ سلطان . وكم يسعدني لو استطعت أن ألقاك قبل عودتي الى مصر فأستمتع لحديثك . كما أرجو أن تتاح لي الفرصة لأقرأ من آثارك ما حمله إلي الأخ الوفيّ حليم دمّوس ، فتزيد قراءتها ويزيد لقاؤنا وشائج الصلة بيننا قوّة ومتانة .
أبقاك الله وقوّاك على أداء رسالة ألقى بها عليك القدر الرحيم هدى لمن يبتغون الحقّ ويسلكون طريقه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
محمد حسن هيكل
ضهور الشوير ، 9 آب ( أغسطس) 1951
رسالة الدكتور داهش الثانية
الى الأديب الكبير
حسين هيكل باشا
ردّا على رسالته المؤرّخة في 9 آب ( أغسطس ) 1951
حلب في 15 آب 1951
أخي الكريم الدكتور حسين هيكل باشا حفظه الله وأبقاه .
هي ساعة سعيدة عندما قدم الشاعر العزيز الأخ الداهشيّ المجاهد حليم دمّوس ، وسلّمني رسالتك التي كانت مفاجأة سارّة لي .
ولقد طالعتها بشغف عجيب وأنا في وحدتي التي تحمّلتها سبع سنوات ونيّفا بعد ذلك الظلم الرهيب الذي أصابني ، والذي تحدّث به الركبان .
أما المسبّب للتجريد من الجنسيّة فهو ما ذكرته أنت في رسالتك .
وقد شاركه في ذلك ثلاثة أشخاص من أفراد عائلته وأقربائه .
وقد ظنّوا أنهم قد بلغوا الغاية بعد فعلتهم الرهيبة والتي هي وصمة هائلة سيسجّلها التاريخ بين دفّتيه بقلمه المرعب الذي لا يراعي فيه الاّ الحقّ . ولكنّ ظنونهم خابت ، وآمالهم تبدّدت ، وأحلامهم الجميلة سرعان ما تبخّرت . اذ كانت النتيجة مخيفة جدّا . كيف لا وقد صمّمت يومذاك ، ماجدا حدّاد أن تغتال المجرم . وعندما عرفت بعزمها وتصميمها التامّين أرسلت آمرها بأن لا ترتكب جريمة القتل … فأسقط الأمر في يدها وانتحرت . وكان انتحارها كاحتجاج صارخ على تجريدي من جنسيّتي . وذنبي الوحيد هو أنني جعلت من لهم صلة بي من اخوان وأخوات أن يؤمنوا بنبوءة محمّد , وبأن قرآنه الكريم منزل .
وكان على رأس من أمنوا بهذا القول الحقّ السيدة ماري حدّاد الداهشيّة وقرينها وكريماتها الثلاث .
والسيّدة ماري حدّاد هي شقيقة ( لور ) عقيلة رئيس الجمهوريّة . والمنتحرة احتجاجا على التجريد هي كبرى كريمات السيّدة ماري حدّاد المجاهدة الجبّارة .
ومنذ انتحرت الشهيدة ( ماجدا ) برزت الفاجعة المؤسية ، وظهرت أولى نتائج التجريد ، بسبب عقيدة الداهشيين الذين هم أحرار باعتناق ما يشاؤون ما دام الدستور يحمي عقائد المواطنين ، ويردّ ببنوده عنهم كيد الكائدين ….
وتبعت فاجعة الانتحار سلسلة كتب سوداء أصدرتها السيّدة ماري حدّاد اذ شرحت فيها أسرار تجريدي من جنسيّتي والأسباب الحقيقيّة التي أدّت الى هذا التجريد والتشريد القسريّين .
أي أخي الكريم ،
أمّا قولك انّك مستعدّ لأن تتكلّم مع المسؤول الأساسيّ عن وجوب ارجاع جنسيّتي السليبة إلي ، فانني أشكرك على اهتمامك بهذا . ولكنّني أجيب أخي حسين هيكل قائلا :
” انّ الحقّ يؤخذ بالقسر والاغتصاب ولا يستجدى استجداء ” .
والأيّام كفيلة باظهار حقيقة هذا القول . انني صاحب حقّ ، وحقّي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار . والحقّ يعلو ولا يعلى عليه .
لهذا فانني أرجو من الأخ الكريم أن لا يكلّف نفسه مؤونة التحدّث مع المسؤول الأوّل عن التجريد . وسيأتي اليوم الذي يدفع كلّ من ظلم وتجاوز الحقّ حسابا عمّا ارتكبه وجاءه من حسنات وسيّئات . وسيكون الجزاء من نوع العمل .
فالجبان ، والعديم الشرف ، والساقط النفس هو من لا يحاسب الطغاة حينما تدقّ ساعة الحساب .
والتاريخ يعلّمنا أنه ما من ظالم غاشم الاّ ولاقى شرّ الجزاء الرهيب .
وسيجرّع المظلوم ظالمه كأس الذلّ والمهانة حتى الثمالة ….وأنا لا أشكّ بأنّ ساعة الحساب ستدقّ أعاجلا كان هذا أم آجلا . وعند ذاك سأدقّ أعناق أعدائي دقّا مزلزلا . ويومذاك ستجلجل نواقيس الهلع ، وسيعمّ الرعب والجزع في أفئدة كلّ من اعتدى على حقّي المقدّس الذي وهبني ايّاه الله كحقّ طبيعيّ أنعم به مثلما ينعم به كلّ مخلوق من مخلوقات الباري جلّت قدرته .
ورحم الله الخليفة العادل عمر بن الخطاب الذي راحت كلمته قولا مأثورا اذ قال :” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا ؟!”
أخي الدكتور المنافح عن الحقّ الهضيم .
بعدما طالعت رسالتك الكريمة تمثّلت للحال الكلمة البليغة القائلة :
” أحبّ الجهاد الى الله كلمة حقّ مدوّية تقال بوجه حاكم ظالم فتدكّ كبرياءه ، وتحطّم صلفه ، وتصفع خيلاءه ، فتظهره قزما حقيرا وامّعة مرذولا” .
نعم يا أخي ،
انني أشبّه الحقّ بقطعة من الفلّين الذي لا ولن يمكن أن تغرقها هوج الأمواج الغضوب مهما زمجرت الرياح العاصفة ، ومهما ثارت الأمواج العنيفة الهادرة بجبروت .
نعم ، مهما تألّبت عليها العواصف الغضوب فانها تبقى طافية على وجه المياه المزبدة …
أعود فأقول : لقد تبخّرت آمال من جرّدوني من جنسيّتي … اذ ظنّوا أنّه بعد ابعادي ستترك ماري حدّاد وعائلتها عقيدتهم الداهشيّة . وقد خابت آمالهم اذ ازدادت العقيدة تغلغلا في أعماق أعماقهم . وصقلت سلسلة الاضطهادات أرواحهم فازدادت رسوخا . وبوتقت نيران المظالم نفوسهم فطهّرتها بلهيبها المقدّس فازدادت شعلتها تألّقا . وتأصّل الايمان في كيانهم فزادوه تشبّثا . وهكذا باء خصومي بالخسران المبين .
وقبل أن أختم تحريري اليك أضع بين يديك كلمة صغيرة واختصرتها من الفصل الثاني من كتاب ” الحريّة ” لمؤلّفه ( جون ستيوارت ميل ) ، ترجمه طه باشا السباعي ، وذلك لكي تعلم – وأنت تتأكّد هذا دون ريب – كيف ينظر الأجانب الى الحريّة ، وكيف يقدّسونها بعد الله .
جاء في الصفحة 36 تحت عنوان ” في حريّة الفكر والمناقشة ” :
“لا يجوز البتّة لأيّة حكومة من الحكومات أن تعتدي على أيّ فرد من أفراد الشعب لأجل تعاليمه ومبادئه وعقائده سواء في ذلك أشرف الحكومات وأرفعها ، وأخسّها وأوضعها . وهي اذا صدرت بمشيئة الشعب وموافقته كانت أفظع وأشنع ممّا لو صدرت برغمه ومعارضته . فلو أنّ الناس قاطبة أجمعوا على رأي واحد ، وخالفهم في ذلك فرد فذّ ، لما كان لهم من الحقّ في اخراسه أكثر ممّا له في اخراسهم لو استطاع الى ذلك سبيلا ، اذ لا يقدح في أهميّة الرأي قلّة المنتصرين له ، وكثرة الزارين عليه .
ولو كان الرأي متاعا خاصّا لا قيمة له الاّ عند صاحبه وكان الضرر المترتّب على الحرمان من التمتّع به لا يتناول غير مالكه لكان في المسألة مجال للتمييز ومتّسع للتفريق ، ولكان هناك بون شاسع بين وقوع الضرر على فئة قليلة ووقوعه على فريق عظيم . ولكنّ الأمر بخلاف ذلك ، فان المضرّة الناشئة عن اخماد الرأي لا تقتصر على صاحبه بل تتعدّاه الى جميع الناس حاضرهم وقادمهم . وما هي في الحقيقة الاّ سلب النوع البشريّ برمّته ، وحرمان الانسانيّة بأسرها من شيء فائدته لعائبيه ورافضيه أوفر منها لمؤيّديه وقابليه . ذلك أنّ الرأي ان كان صوابا فقد حرم الناس فرصة نفيسة يستبدلون فيها الحقّ بالباطل ، ويبيعون الضلالة بالهدى . وان كان خطأ فقد حرموا كذلك فرصة لا تقلّ عن السابقة نفاسة وفائدة ، وهي فرصة الازدياد من التمكّن في الحقّ ، والرسوخ في العلم ، على أثر مصادمة الحقّ بالباطل ، ومقارنة الخطأ بالصواب ” الخ …
أمّا قصّة الفيلسوف ( سقراط ) والحكم الظالم الذي صدر عليه ، وتقديس الأجيال لذكراه فذلك أشهر من أن يعرّف . وقد حفظ التاريخ أسماء الحكّام والقضاة الذين حاكموه ، تذكرهم الأجيال باللعنة الأبديّة ، وتستمطرهم الألسنة غضب الله ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء .
وهكذا دوما يعيد التاريخ نفسه ، ويحشر الطغاة الأثمة اسماءهم في السجلّ الأسود لتعود الألسنة فتمطرهم باللعنات جزاء وفاقا .
واذ أختم رسالتي بشكرك أودّ أن تزداد صلات صداقتنا بالرسائل التي سنتبادلها معا . والسلام عليكم من المخلص .
داهش
حاشية : في كلّ البلدان الراقية يكون القضاة سياج الحرّيات المهدّدة من الحكّام والمتنفّذين . ويقف في وجوههم شاهرا سيفه ذا الحدّين لبتر رغباتهم وردّ كيدهم الى نحرهم ، وانقاذ من يريدون افتراس حرّياته ، ودوس حقوقه ، والاعتداء على حقّة بباطلهم .
هذا هو موقف القضاة النزيه العادل .
أمّا هنا في لبنان فانظر ، يا أخي الدكتور هيكل ، ماذا كان موقف قضائه الذليل الخاضع والمهان الخانع :
لقد كلّف المجرم الأوّل ( يوسف شربل ) المدّعي الاستئنافي العام أن يلاحقني ، وأن يتّخذ كلّ ذريعة مهما كانت وكيفما كانت لآجل ايقافي موقف المتّهم .
ففشل ( شربل ) رجل القانون والمؤتمن على العدالة ، ومهشّم القوانين ، والراقص على أشلاء الحقوق الهضيمة .
نعم فشل في مهمّته ممّا اضطرّ المجرمين لأن يرسلوا إلي شرذمة من الرعاع ، فاعتدوا عليّ في عقر داري …وللحال برز رجال الشرطة واعتقلوني ، وأطلقوا سراح المجرمين الذي أرسلهم خصومي الأدنياء في نفوسهم ، وكلّفوا صنيعتهم المستنطق نديم حرفوش الذي وضع ضميره في ذمّة الأبالسة .
وراح هذا المستنطق المسخّر لوجدانه ينفذّ مآرب الطغمة الوصوليّة ، وذلك لقبوله الانضمام الى معسكرهم الشرّير ، وتحقيقه المضحك المبكي مع الأبرياء وهو متأكّد من أمر المؤامرة المجرمة المبيّتة التي ارتكبت باطّلاعه واطّلاع ريئسه ( يوسف شربل ) المدّعي الاستئنافي العامّ .
فيا لعار لبنان بقضاة مسخّرين لارتكاب الآثام وطمسهم للحقّ واعلائهم للباطل .
ولكن ، ثق يا أخي حسين هيكل ، بأنّ جريمة هذين القاضيين لن تموت ….وسيدفعان ثمن جريمتهما بحقّي وحقّ سواي كاملة غير منقوضة ….
والأيّام القادمة ستؤكّد لك أنه ما من حق ضاع ووراءه مطالب .
وما من ظالم الاّ وسيكتوى بالنار الصاهرة المذيبة عندما تدقّ ساعة الحساب الرهيبة الهائلة .
بقي ( ميشال شيحا ) وهو خال ( ماجدا حدّاد ) التي انتحرت احتجاجا على جريمة تجريدهم لجنسيّتي بالاعتداء الصارخ …
انّ هذا المخلوق قد دمّر بغبائه العظيم عائلته المتعجرفة تدميرا تامّا ، وشهّرها تشهيرا رهيبا . فهو المسبّب الحقيقي لانتحار ابنة شقيقته المأسوف عليها ( ماجدا حدّاد ) . وهو المسؤول عن سجن شقيقته المجاهدة ماري حدّاد ، وسجن قرينها الداهشيّ جورج حدّاد . وهو المسؤول عن المأساة المدمّية التي حدثت منذ ثماني سنوات حتى اليوم ….
انّ هذا المتعجرف المغرور قد ذهب الى ألفرد نقّاش عندما كان رئيسا لجمهوريّة لبنان عام 1943 ورجا مرارا وتكرارا أن يبعدني عن لبنان ….
واستحلفه باسم الصداقة التي تربطه به منذ سنوات أن ينفّذ هذه الجريمة ….فرفض فخامة ( النقاش ) يومئذ طلبه رفضا باتّا ….
وعندما اعتلى ( بشارة الخوري ) الحكم – وبشارة مقترن بشقيقة ميشال شيحا المدعوّة ( لور ) – اذ ذاك طرب لهذه الفرصة السانحة ، وبالمؤامرة مع صهره وشقيقته نفّذت الجريمة اذ أرسلو شرذمة الرعاع فاعتدت عليّ ، ثم اعتقلوني وأبعدوني عن البلاد ، وجرّدوني من جنسيّتي رغما عن القانون ، ورغما عن الدستور حامي الحرّيات المهدّدة بأمثالهم .
وأخيرا ليتأكّد أخي حسين هيكل أنّ ( ميشال شيحا ) سيذوق من المرّ والصاب والغسلين أضعافا مضاعفة ممّا أذاقنيه .
أمّا الآن فكفاه عارا أنّه سبّب مقتل ابنة شقيقته ، وسجن شقيقته ماري حدّاد الأديبة الفنّانية . وسجن صهره ، والتنكيل بكريمتي شقيقته الداهشيّتين ، ثم اصدار شقيقته سلسلة من الكتب السوداء الرهيبة التي شرحت فيها مراحل جريمتهم الشوهاء الشنعاء ، ثم تبرّؤها من الانتساب اليهم . هذا تمّ بسبب هذا المتعجرف القاحل الفكر ، الماحل التمييز ، والذي يقول عن نفسه انه أنبغ من أنبته لبنان منذ كان لبنان …يا للغرور الأعمى ، ويا للسخف والعته ، ويا للجنون المطبق !
أمّا المستقبل فهو الذي يتكفّل بتأديب هذا المجرم العديم العاطفة والذي نكب نفسه ونكب عائلته .
واذا كان حرّا بنكبة ذويه فهو وشأنه الخاصّ …أما أنّه ينكبني وأنا الغريب عنه قلبا وقالبا ، جسما وروحا … فهذا ما سوف يؤدّب عليه تأديبا صارما جدّا . وقد قال السيّد المسيح : ” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد ” . وهذا ما سيتمّ دون زيادة أو نقصان . والسلام عليكم من المخلص .
داهش .
لولا داهش لقتلت ماجدا حدّاد
المجرم بشارة الخوري
رسالة الدكتور داهش الى ماجدا حدّاد
عزيزتي ماجدا ،
أيّتها الصديقة النبيلة ، حيّاك الله وأبقاك رمزا للشهامة والاخلاص .
وبعد ، فقد بلغني أنّك تأثّرت لفداحة ما أصابني على يد زوج خالتك بشارة الخوري من سجن وتجريد ونفي وتشريد ، بايعاز من خالتك وخالك ميشال شيحا . ولم يكتفوا بذلك ، بل طاردوا شقيقتي واضطهدوها ، ثم زجّوها في أعماق السجون ، لأنّها أرسلت الى الشيخ بشارة الخوري برقيّة تسأله فيها عن مقرّي كي تستطيع السّفر حيث أقيم . وقد جنّ جنونه عندما حكم القضاة عليها بالسجن مدّة عشرة أيّام ، فستأنف عليها الحكم بأمل أن تسجن سنوات ! فيا للظلم العظيم !
جميع هذه العوامل أثّرت بنفسيّتك واحساسك المرهف ، فاذا بك تبعثين برسالة صاخبة مملوءة بالتهديد والوعيد للشيخ بشارة وزوجته . ثم صمّمت على اغتياله انتقاما لما حلّ بي وبسمعتك شخصيّا من تلك الأكاذيب الحقيرة التي نشرتها جريدتا ” العمل ” و”الديار ” ، اذ لفّقوا التّهم الدنيئة بايعاز من بشارة ولور وخالك ميشال شيحا وهنري فرعون .
والآن ، انّني أبعث برسالتي هذه اليك كي أنبّهك وأنهاك عن الاقدام على أيّ عمل عدائيّ ضدّ الشيخ بشارة أو سواه . واعلمي ، يا عزيزتي ماجدا , أنّ الشيخ المرتكب للجريمة سينال جزاءه قريبا ، اذ ستكسر يده كجزاء روحيّ .
وسبق لي أن تنبّأت عن كسر يده عندما زارني اسكندر رياشي في منزلي وقال لي :
- اذا جرّدك بشارة الخوري من جنسيّتك بطريقة الظلم ، فماذا سيكون موقفك ؟
فأجابته :
- اذ ذاك ستكسر يده التي سيوقّع بها المرسوم من العنق .
- وقد نشر اسكندر رياشي نبوءتي في جريدة ” الصحافي التائه ” وذلك في العدد الصادر بتاريخ 20 شباط 1944 .
وبما أنّ بشارة الخوري جرّدني من جنسيّتي فستكسر يده من العنق وستتحقّق نبوءتي بحذافيرها .
وسيجازى ؛ أيضا ، روحيّا ، فيصاب بخبل وجنون .
وفي النهاية سيطردخ الشعب من كرسيّ حكمه ، فيغادره مهانا ذليلا ، منكّس الرأس . وسيكون أوّل رئيس لبنانيّ يطرد باجماع رغبة الشعب .
انّ في السماء عينا مراقبة تجازي المعتدي الذي أنزل بي محنة هائلة دون ذنب جنيته أو جريدة ارتكبتها .
أعود فأكرّر عليك الوصيّة بأن لا تقدمي على أيّ عمل ارهابيّ لا أنت ولا أيّ أخ أو أخت داهشيّة .
وقبل أن أودّعك وأودّع الاخوة والأخوات ، أخبرك بأنني سأسافر في خلال أيّام معدودة الى بغداد ، وربّما من هناك أقصد البصرة أو كربلاء .
أختم تحريري بتوديعكم بقلب مملوء بالشوق لمشاهدتكم . وأسلمي لمن لا ولن ينساك . والسلام .
حلب ، في 15 كانون الثاني 1945 الدكتور داهش
ملاحظة : تسلّمت ماجدا هذا التحرير في 20 كانون الثاني ، فكان أسفها عظيما لعدم استطاعتها اغتيال مرتكب الجريمة القذرة ، تنفيذا لوصيّة مؤسّس عقيدتها ، وأرادت أن تسمع صوتها للرأي العامّ فانتحرت .
التحرير الثالث الذي أرسله الدكتور داهش
للدكتور محمّد حسين هيكل
ردّا على تحريره المؤرّخ في 20 آب 1951
وبأسف فقد هذا التحرير
من مؤسّس الداهشيّة الى الدكتور محمّد حسين هيكل باشا
حلب في 31 آب 1951
أي أخي المفدّى ،
ما أبدع ، وما أروع ما خطّه يراعك القادر .
لقد بلغت من الأدب الغاية ، وتمكّنت من أسسه حتى النهاية .
وارتقيت قممه الشامخة ، وتربّعت على عرشه المشمخرّ ،
فدان لك بكلّيته ، وأصبح أطوع لك من البنان .
فبورك بتلك الساعة التي بشّر بها المبشّرون أن ولد لعالم الأرض طفل هو من يعرفه الشرق والغرب ، اليوم ، باسم الأديب المصري الكبير ( الدكتور حسين هيكل باشا ) .
انّ شخصيّتك كسب عظيم لعالم الأدب . وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان مطلقا .
أخي ، لقد هبطت عليّ رسالتك الأخويّة المبهجة ، فكانت لي كالطلّ المحيي للورود . طالعتها وتمعّنت في كلّ كلمة انبثقت من قلبك الكبير وعاطفتك النبيلة ، فتمتّعت روحي ، وانتشت نفسي وأنا في وحدتي وخلوتي . فجازاك الله عني كلّ خير أتمنّاه لك .
أمّا وعدك باثارة مسألة ظلمي الرهيب ، بعد عودتك الى القاهرة ، فهذا أمر عظيم لا أدري بأيّ لسان أشكرك عليه .
ومن تراني متألّما الألم كلّه بسبب عدم استطاعتي الكتابة اليك بخطّ يدي بداعي الحادث المؤلم الذي وقع لي . وقد ذكره لك أخي حليم دمّوس في حينه .
ولكنّ أملي أن أشفى بعد وقت ليس بالطويل . واذ ذاك يسعدني أن أكتب اليك الى القاهرة فأتنسّم أخبارك التي تراني أبدأ بشوق شديد وشغف أشدّ لمعرفتها .
واذ أودّعك أؤكّد لك أنّني جدّ مشتاق لمشاهدتك التي أصبحت أمنيتي في هذه الحياة الدنيا . ومن يدري لعلّ الأقدار تجمعني بأخي يوما ، فتتحقّق هذه الأمنية الغالية . ودم لأخيك .
داهش
حاشية : اتفقت مع الأخ حليم دمّوس أن نضع كتابا نشرح فيه أدبك الكبير ونتطرّق فيه لمؤلّفاتك القيّمة . وأملي أن تسمح لنا باخراجه ونشره .
رسالة الدكتور حسين هيكل الثانية
الى الدكتور داهش
هوذا نصّ الرسالة بالحرف المطبعيّ تسهيلا لقراءتها :
ضهور الشوير في 16 سبتمبر( أيلول ) 1951
أخي الودود الدكتور داهش بك
تحيتي الخالصة اليك . سلّمني أخونا الاستاذ حليم دمّوس رسالتك الثانية . وكم وددت كما وددت لو أنّها كانت بخطّ يدك . فالحظّ كالأسلوب عنوان صاحبه . شفاك الله ممّا ألمّ بك .
وقد طالعت كتابك ( مذكّرات دينار ) ، فأخذت بتصويره وانطلاق أسلوبه ، وشاقني أن أطّلع على كتاب لك تصوّر في دعوتك الانسانيّة الى عالم أفضل . وقد أخبرني الاستاذ حليم أن ذلك سيكون قريبا ان شاء الله . فالأمور مرهونة بأوقاتها .
تحدّثت الى كثيرين بينهم عزّ الدين بك العمري والدكتور رئيف أبي اللمع عمّا أصابك ، فعرفت أنّ صلة أسرة حدّاد بحرم رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة كانت سبب تجريدك من جنسيّتك وابعادك عن وطنك . واني لأرجو أن أساهم في رفع الحيف عنك جهد ما أستطيع . أشكر لك اقتراحك وضع طتاب عني وعن مؤلّفاتي . وأعترف لك بأنّني أؤثر أن أدع الحكم على آثاري لجيل مقبل ان قدّر لهذه الآثار أن تبقى من بعدي ، على أنّني أدع لك وللاستاذ حليم دمّوس أن تفعلوا في هذا الشأن ما تشاؤون ، مشكورين أجزل الشكر .
والأن أودّعك ، فاني مرتحل الى مصر في أسبوع . ورجائي أن أقرأ من خطّ يدك ما يطمئنني على صحّتك ، وأن أراك على ضفاف النيل ان شاء الله .
ودمت لأخيك
محمّد حسين هيكل
حاشية : سرّني أمس أن زارتني السيّدة ماري حدّاد وكريمتها والطبيبان الدكتور خبصة والدكتور أبو سليمان مع الاستاذ دمّوس . وقد أهدتني السيّدة ماري رسمين من صنع يدها بأمركم . شكراني لكم جميعا .
حسين هيكل .
صورة زنكغرافية عن بعض فقرات من رسالة الدكتور حسين هيكل للدكتور داهش . وقد نشرتها جريدة “البيرق ” بعددها الصادر في 24 /1/1952 . وما تلقّفتها أيدي القرّاء حتى انخلع قلب بشارة الخوري هلعا ورعبا ، وصدرت الأوامر فورا لرجال الشرطة والتحرّي لمصادرة أعداد البيرق من الباعة ، فطافوا في الشوارع والأسواق والأزقّة والمنازل وصادروا الأعداد ، كما طوّقوا ادارة البيرق وفتّشوها . وما ذلك الاّ لأنّ بشارة الخوري المجرم تأكّد له أنّ الدكتور حسين هيكل اذا أثار قضيّة تجريد مؤسّس الداهشيّة من جنسيّته ظلما وعدوانا ، وأظهر السبب الحقيقي لتجريده ، فاذ ذاك ستكون نهايته هذا المجرم الأثيم ، الطاغية الباغية بشارة الخوري .
وما عتّم أن طرد الشعب بشارة الخوري وحطّموا له كرسيّ حكمه على رأسه ، فهوى عرشه ، وتبدّد حلمه ، وكان أوّل رئيس مطرود من الحكم في لبنان .
صورة زنكوغرافية عن رسالة الدكتور داهش الثانية الى الدكتور حسين هيكل ، وقد نشرتها جريدة “البيرق ” في 6 شباط 1952 ، وقد هال نشرها الباغية بشارة الخوري وعائلته ، فصادر أعداد الجريدة من الأسواق مثلما صادر أعداد ” البيرق ” الصادر في 24 كانون الثاني 1952 .
وها نحن ننشر بالزنكغراف المقال الذي نشر في ” البيرق ” يومذاك ، ونضعه تحت أنظار القرّاء :
تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف على رسالة
الدكتور حسين هيكل باشا الى مؤسّس الداهشيّة
التي نشرت في جريدة ” البيرق “
حضرة رئيس تحرير جريدة ( البيرق ) الغرّاء المحترم
بمناسبة الرسالة البليغة التي نشرتموها بالأمس في جريدتكم ( البيرق ) الغرّاء والمرسلة من سعادة الدكتور حسين هيكل باشا الى الدكتور داهش زعيم الداهشيّة أقول :
انّني اجتمعت منذ شهر في القاهرة بالدكتور حسين هيكل . وقد استوضحني عن حقيقة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته ….ودهش كيف أنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر ثائرتها لظلم كهذا يقع بأحد أفراد اللبنانيّين ، ما دام الدستور يحرص على جنسيّة كلّ مواطن .
وكان صمتي خير جواب على أسئلة الباشا لأنّ الصحافة اللبنانيّة لم تثر هذه الحادثة الجليلة الخطر حينما وقع التجريد على مؤسّس الداهشيّة .
أمّا اليوم وبعد أن نشرتم رسالة هيكل باشا فانني أعدّها بادرة خير ووثبة جريئة نحو الحقّ . كما انّ رسالة الباشا هي حربة العدالة مصوّبة على وحش الباطل .
وقد أرسلت الى الباشا بضعة أعداد من ” البيرق ” لأنّني – فيما أذكر – قد تحدّث الدكتور حسين الى عدد من اللبنانيّين في القاهرة ، وتحدّث أيضا مليّا مع الأديب والشاعر اللبناني المعروف الاستاذ صلاح الأسير حول قضيّة الدكتور داهش ، وسأله كيف تجيز الصحافة اللبنانيّة لنفسها السكوت عن وزر عظيم كهذا يرتكب في عاصمة تنتهي الحوادث المؤلمة بين المصريّين والانكليز سيثير قضيّة تجريد الدكتور داهش في الصحف المصريّة . وسيحدث دويّا هائلا في صحافة الشرق كافّة . وهذا أعدّه أنا ( بصفتي مواطنا لبنانيّا ) لطخة عار على لبنان وصحافة لبنان : أي انّ الأديب المصريّ الكبير تبنّى القضيّة بمجرّد معرفته بها واطّلاعه على أسبابها ومسبّباتها ، بينما الصحافة اللبنانيّة لم تتجرّأ على الخوض في مسألة حيويّة لها صلة بكل مواطن ومواطنة . وهي في صلب الدستور اللبناني كحقّ مقدّس لكلّ فرد من أفراد الشعب .
وهكذا يسجّل التاريخ على صحافة لبنان صفحة سوداء لا تمحوها الأجيال الزاحفة .
اذن فأنا – كلبناني صميم – أشكرك لأنك برهنت ، قبل الجميع ، على أنك صحافيّ جريء تقول الحقّ وتنشر الحقّ ولا تخشى في قوله ونشره لومة لائم ….
وختاما ثق يا سيّدي الفاضل بأنني لا أعرف عن الداهشيّة ما هي معتقداتها ، وما هي اهدافها ومراميها .
وكلّ ما أعرفه عنها أنّ مؤسّسها اضطهد وأبعد من لبنان لأنّ له صلة بآل حدّاد أقرباء الرئيس . وهذا سبب لا يبرّره عرف أو قانون لتجريد رجل ذي عقيدة من جنسيّته ، وجنسيّة المرء بعض حياته كما جاء في رسالة الدكتور هيكل المنشورة في ” بيرقكم ” الأغرّ .
واذا وددت أيها الصحافي الجريء الاجتماع بي لأطلعك على رأي هيكل باشا بعدما زار لبنان في الصيف الفائت ودرس قضيّة داهش عن كثب ، فانني لا أتردّد عن اعلامك برأي هذا السياسي الكبير والأديب الخطير – بما تركته جريمة ابعاد داهش بالظلم من أثر سيّء في نفسه . والسلام عليك .
أنطوان اليوسف
تحرير يندّد بجرائم بشارة الخوري
سيّدي رئيس تحرير البيرق الأغرّ
أنا لبناني أقطن دمشق . وما دمتم قد نشرتم رسالة الدكتور حسين هيكل باشا التي أرسلها الى الدكتور داهش ، وبما أنّ داهش لبناني ، وقد أسّس عقيدة اعتنقها عدد من شعراء وأدباء وأديبات لبنان ، وكذلك من أطبّائه وتجّاره حتى ووزرائه – لأنّ الاستاذ ادورا نون داهشيّ – فأنا كلبناني ( وأتكلّم بالأصالة عن نفسي ، وبالنيابة عن اخواني اللبنايين ) جدّ متشوّق لمعرفة الأسباب الحقيقيّة التي تذرّعت بها السلطات لتجريد داهش من جنسيّته ممّا أثار ضجّة عظمى طوال تسع سنوات وما تزال في اتساع .
وقد اشترك في هذا المضمار – مضمار شجب هذا التجريد – كبار الكتّاب والصحفيّين أمثال الدكتور حسين هيكل باشا الوزير والأديب المصري المعروف ، والصحافي المهجريّ جبران مسّوح ، وسليم خبّاز ، وصاحب مجلّة ” الغريّ ” النجفيّة آل كاشف الغطاء ، والنائب توفيق السمعاني صاحب جريدة ” الزمان ” العراقيّة ، ويوسف كمال صاحب مجلة ” الرفيق” الأرجنتينيّة ، وفريد نزها صاحب ” المجلة السريانية ” ، ويوسف القهوجي صاحب جريدة ” الصباح ” التي تصدر في الولايات المتحدة ، وغيرهم كثير ممّن لا تحضرني أسماؤهم . وجميع من ذكرت شجبوا واستنكروا هذا التجريد الذي لا تقرّه الشرائع والقوانين المتمدينة على الاطلاق ، وجميعهم دهشوا من أمر التجريد تصدره السلطات اللبنانية ، ولبنان هو الذي يتغنّى به الجميع …ويقولون انه موطن الحرّية وبلد العلم والعرفان والشعلة المضيئة الوضّاءة .
سيدي المحرر !
ألست توافقني أننا كنّا في غنى عن ثورة الأقلام التي أثارها الأدباء في كافّة الاقطار والامصار حول هذه القضيّة التي تمسّ ادارة الحكم في لبنان ؟ واسمع يا سيّدي الفاضل ماذا كتبه الأديب المهجري جبران مسّوح في مقال ، من سلسلة مقالاته التي كتبها حول هذا الموضوع ، وذلك في مجلّته ” المختصر ” التي تصدر في عاصمة الأرجنتين اذ جاء في العدد العاشر من شهر أيلول 1946 ما يلي :
” انّنا سوف ننشر حوادث هذه الجريمة التي أنزلها البغاة بالدكتور داهش . وسننشرها بالتتابع لأنّها جريمة لا نظير لها في كلّ هذا الجيل ، وفي كلّ الأقطار العربيّة . ومن واجب أحرار الكتّاب وحملة الأقلام أن يهتمّوا بها الاهتمام التامّ لأنّ علاقتها رأسا بحقوق الانسان وحرية الفكر والمعتقد والكلام . فاذا نحن اهتممنا بهذا الأمر ، تكون خطوة الى الأمام لسائر الأقطار العربية من حيث محاربة الظلم واحترام حريّة الرأي ، وتكون خطوة الى الوراء اذا لم نهتمّ بها ؛ بل عار على كل أديب حرّ ان هو لم يذع أنباءها …”
فيا سيدي
ما دمت قد تطوّعت ونشرت تحرير الدكتور حسين هيكل الذي أرسله الى داهش ، فاننا نأمل أن تستمر وتنشر ما يوحيه اليك ضميرك حول هذا التجريد الذي جرى ضدّ الدكتور داهش وضدّ الدستور وضدّ قوانين لبنان ….
وما دام فرد لبنانيّ قد اعتدي على حقوقه فكأنّ كلّ لبنانيّ قد مستّ حقوقه وديست بارادة الحاكم .
وأنت كصحافيّ من واجبك الدفاع عن حقوق مواطنيك ما دمت تحمل رسالة نبيلة ، ألا وهي رسالة ( الصحافة ) المدافعة عن الحقّ ، والمنافحة عن العدالة . وان تقاعست ، تكون قد خنت ضميرك وتخطّيت واجبك . وأنت لا يمكنك أن تقدم الاّ على كلّ ما هو نبيل وعادل . ولي وطيد الأمل أن أقرأ ما سيخطّه يراعك حول هذه القضيّة التي هي قضيّة كل لبناني أصيب بحريته التي هي هبة من لدن الله .
أمّا اذا صمت ، مثلما صمتت صحافة لبنان حول هذه القضيّة ، فقل انّ لبنان جدير بالحكم الدكتاتوريّ القسريّ ، ومن العدالة أن تداس حقوق شعبه ما دامت صحافته خانعة أمام ارادة الحاكم الظالم ، والسلام .
ملاحظة – انا يا سيّدي قطنت سوريا بعدما قطعت الأمل من عدالة القوانين اللبنانيّة التي يسخّرها الأقوياء لارادتهم حسبما يشاؤون . وهذا أنت تعرفه دون ريب مثلما يعرفه الجميع واأسفاه ….
والجريمة العظمى التي لم يرتكب مثلها حتّى برابرة مجاهل الأدغال الأفريقيّة هي جريمة جلد السجين سليم المزرعاني حتى الموت ، ثمّ جلد زوجته وابنته وهما بحالة الخطر العظيم . ترى هل تجري مظالم رهيبة كهذه في أيّة بقعة من بقاع العالم ؟ لا ، لا يا سيّدي ! حتّى محاكم التفتيش في العصور المظلمة تتبرّأ من جريمة صارخة نكراء كهذه .
هذا ما يجري في لبنان في أيّام حكم الطغاة واأسفاه !
فاكتب يا أخي اكتب ما يمليه واجبك وضميرك ودفاعك عن الحرّية، وعمّا ارتكبوه من البربريّة مع المزرعاني السجين الذي مات بتأثير الجلد والهمجيّة مع زوجته وابنته ….وانّا لما ستكتبه لمنتظرون .
دمشق ، أوّل شباط 1952 أنطوان صقر صفير
حاشية :
لا حاجة بي للقول انّ رئيس تحرير هذه الجريدة المنافقة الماسحة للجوخ عند بشارة الخوري السفّاح قد أهمل نشر هذه الكلمة ، وضرب الصفح عنها . هذه هي صحافة لبنان المجرمة ! وقريبا ستنظر عيونهم المذهولة دمار بلدهم الذليل والخاضع الخانع لأمثال الباغية بشارة الخوري – لعنه الله – وقد أمست بلقعا وخرابا !
وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
بتاريخ 18 أيلول 1952
طرد الشعب السفّاح الباغية بشارة الخوري .
وقد كتب مؤسّس الداهشيّة في اليوم نفسه
كلمة مبدعة بل قنبلة ذرّية مروّعة أطلق عليها اسم :
وأخيرا أسقط الطّاغية وطرد المرتكب الباغية
وفي 20 أيلول 1952
أي بعد مرور يومين على تحطيم كرسيّ حكم المجرم الطاغية
أطلق داهش صاروخه المدمّر على سارق الجنسيّات وأسماه :
نشيد الطرب الشّامل
وها انّا ننشرها للرأي العامّ
لنخلّد فيهما فرح الشعب اللبناني وابتهاجه
بسقوط مجرم سفّاح
هو أوّل رئيس يطرده الشعب من الحكم بلبنان
وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
هذه القنبلة المدمّرة ألقيت على ضريح زنبقة الرسالة ماجداحدّاد
حيث تثوي أيضا والدة مؤسّس الداهشيّة
يا روحي أمّي وماجدا العزيزتين عليّ !
هي بشرى أزفّها الى روحيكما ،
فاسمعاها من عالمكما الروحاني الطاهر :
لقد طرد الشعب ذلك المرتكب الجاني شرّ طردة ، وأهانه شرّ اهانة .
فهرول الضخم الجسم والصغير العقل
يتعثّر بأذيال الخيبة ويرتطم بالذلّ والمهانة .
طرده بعدما باع للشيطان روحه ، وسلّمه ضميره ، ووهبه وجدانه .
طرده عندما امتدّت يده الملوّثة الى صندوق الأمّة .
يغترف أموالها لينفقها على ملذّاته الآثمة .
طرده عندما تاجر بالنفوذ ، وحكّم الأغبياء من آله في رقاب اللبنانيين ،
يسومونهم الذلّ ، ويسخّرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة .
طرده عندما أفسد ضمير قدس من أقداس العدالة .
مما لم يرتكب بعضه حتى نيرون طاغية زمانه ،
طرده عندما عرف أنه حمّل زوجته
الملايين المسلوبة من الفقير والمسكين ،
فطارت بها وأودعتها في مصارف أوروبا .
طرده عندما أصبحت البلاد تعيش على شريعة الغاب ،
فالوحوش الأكثر ضراوة هو الفائز في الميدان .
طرده عندما شاهده يزجّ بالأبرياء من خصومه في السجون ،
ويطلق سراح اعوانه المعتدين .
طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أقسم أن يحافظ عليه ،
فكان كاذبا لئيما ، ومجرما أثيما .
طرده عندما سخّر القوانين لمصلحته ومصلحة ذويه
ممن تكدّست في خزائنهم الأموال على ظهر الشعب الكادح .
طرده عندما ضجّت شياطين جهنّم الحمراء نفسها بابنه
وتهريبه للحشيش ومتاجرته به .
طرده عندما جعل لبنان ( مزرعة ) له ولآله ،
وبقرة حلوبا تدرّ عليهم الخير الوفير ، وليمت الشعب رغم أنفه .
طرده عندما سوّد سمعة البلاد اذ شهّرها تشهيرا مرعبا ،
وهبط بسمعتها الى الدرك الأسفل ، لعنه الله .
طرده عندما لم يتورّع وهو حامي الدستور – يا للمهزلة –
من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربّعا على عرشه ،
ناشرا لسموم افكه ، موزّعا بين الأنام مكره ، وباسطا عليهم شرّه .
طرده عندما أصبحت البلاد لا تنام الاّ على أنباء الاغتيالات ،
يقوم بها الانصار في وضح النهار ،
ولا تستيقظ الاّ على هجوم عصابات المقرّبين
على الذين لم يرضخوا لأوامر هذا المعتدي على الحقّ ،
والدائس على أشلاء الفضيلة .
لقد أصبح لبنان في عهد المجرم يئنّ أنين المختصرين
تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف .
وظنّ الجميع أنّ ليلهم الثقيل الفاحم الدجنات سيستمرّ لأعوام طويلة .
فهلعت قلوبهم ، واضطربت نفوسهم ، وخارت عزائمهم ،
وحارت أرواحهم المتألّمة من هذا الطاغية المرتكب …
واذا بصوت من عالم الغيب يدوّي في آذان الزمان وهو يقول :
لقد دنت ساعة المجرم ، ودقّت نواقيس نهايته ،
وحلّت دقيقة خلعه وطرده .
فطرب الشعب ، وثارت حماسته ، وتأجّجت حميّته ، فثار ثورته العنيفة ، وقام قومة رجل واحد مطالبا برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة .
وذهل ( الوصوليّ ) ، واصطكّت فرائضه رعبا وهولا . وانقضّت عليه أخبار الثورة الحماسة انقضاض الصواعق ترشقها السماء رشقا مزلزلا .
وجحظت عيناه من هول الموقف ، وطلب النجاة بعدما شاهد أنّ سفينته التي كان يقودها قد تحطّمت بسبب سوء قيادته لها . ولم يعد بالامكان انقاذها ، فرضخ ذليلا وأنفه راغم . وتفجّرت من عينيه دموع الغيظ والقنوط الهائلين لمصيره الأسود الذي سداه الذلّ ، ولحمته العار ، هذان الأقنومان اللذان لحقا به نتيجة لتصرّفاته المجرمة طوال أيام حكمه البغيض .
وهكذا انتهى هذا العهد الملوّث يا أمّاه ، ويا ماجداه !
انتهى على أشنع صور الاذلال المخجل لمثل هذا الوصولي المرتكب . قاتله الله وقتله !
حالما تنفّست البلاد الصعداء ، بعدما طرد سارق الجنسيّات في ظلمات الليالي الحندسيّة ، تذكّرت يا ماجدا العزيزة يوم تراءيت لي في الحلم منذ عام ، وبشّرتني بسقوط هذا المجرم قريبا ، فتأكّد لي أنها كانت رؤيا حقيقيّة ، وأنك زرتني يومذاك بروحك حقّا ، وبشّرتني بما تمّ الآن . فيا لعالم الروح الذي لا تخفاه خافية !
انّ المجرم الأكبر سرق حنسيّتي في شهر أيلول ، وفي شهر أيلول سرق سلطانه ، وتحطّم صولجانه ، وكشف زوره وبهتانه ، وتلجلج فيه من الخوف لسانه . فيا لعدالة السماء ما أعظمها !
وبسقوط الباغية الطاغية انفضّ عنه أنصاره وأتباعه ، وابتعد عن دائرته أشياعه ، وفرّ منه أعوانه ، وهوى سلطانه …فاذا هو وحيد فريد الاّ من أشباح الجرائم الهائلة التي ارتكبها ، هي تحوم حواليه ، وتبعث الذعر في روحه الآثمة .
وساعتذاك عرف أنّ جميع من كان يظنّهم مخلصين له انما كانوا عبيد مصالحهم الماديّة ، وقد ربطتهم به أواصر الغايات الدنيويّة دون سواها .
فتألّمت روحه ، وناحت نفسه اذ عرف أيّ احترام شخصيّ كانوا يضمرونه له ، بدليل خذلانهم ايّاه بعدما طرده الشعب ذلك الطّرد الموجع الشنيع .
فيا أمّاه ، ويا ماجداه !
لقد تأكّد بالبرهان أنّ الطاغية كان يستمدّ قوّته من منصبه . عندما تحطّم عرشه ، وثلّ صولجانه ، انفضّ عنه أعوانه ، فاذا به يندب جهله !
أمّا الداهشيّون فانما يستمدّون قوّتهم العظمى من ايمانهم الجبّار الذي يدكّ الجبال دكّا ؛
هذا الايمان الوطيد الأركان الذي هزأ ويهزأ وسيهزأ بكلّ طاغية سفّاك ، وباغية أفّاك .
فالايمان الصحيح هو الذي يثلّ العروش ، ويحطّم المناصب ، ويقوّض أرائك الحكّام ، ويلقّن الطغاة دروسا رهيبة على مدار الأيّام والأعوام .
واعلمي يا أمّاه أنّ السفينة الداهشيّة الجبّارة ستبقى ماخرة عباب الأوقيانوسات المهتاجة الثائرة ، تجتاز هوج أمواجها المزمجرة الغضوبة دون أن يعتريها أيّ ضعف أو وهن ، وستهاجم العواصف المحيطة بها من جميع نواحيها ، وستذلّل العقبات الكأداء ، وستسحق كلّ من يعترض سيرها الجبّار ، حتى تنال باذن الله كامل الانتصار .
أمّا الطاغية المطرودة سارق الجنسيّات فانني أؤكّد لك أنه سيحاسب من الداهشيّة . وسيكون حسابه عسيرا ، وسيكون انتقاما مريرا . فمرتكب الاثم لن ينجو من العقاب ، وطابخ السمّ آكله .
والان أودّعكما أيّها الروحان الخالدان الراتعان في احضان الخلود ، هناك في جنّات النعيم ذات المجد والبهاء الفائقين .
داهش
18 أيلول 1952
……………………………………………………………………….
كتبها في اليوم الذي طرد فيه الشعب المجرم بشارة الخوري الباغية ، فانزوى مهانا ذليلا وقبع في منزله بالكسليك كالجرذ بالمرحاض .
نشيد الطرب الشامل
أنشدوا …فقد سحق التنّين المخيف وتحطّم تحطيما مروّعا !
أي اخواني وأخواتي الأعزّاء ،
أنشدوا نشيد الظفر التامّ ،
والانتصار الشامل العامّ ،
فقد سقط ( التنّين ) المرعب ، وكان سقوطه عظيما ،
وكان سقوطه رهيبا !
لقد تحطّمت أيّام حكمه البشعة ،
واندثرت لياليها الداجية المفزعة .
وسيف العدالة المصلّت بجبروت
بتر بحدّه الرهيف
أريكة الوصوليّ المخيف ،
فردّمها ، وحطّمها شرّ ترديم وتحطيم .
لقد انقضّ نسر القضاء المظفّر
وحطّ بقضائه على التنّين المجرم الأبتر ،
فمزّقه تمزيقا هائلا …
وهكذا وضع حدّا لجرائمه
التي لا تستطيع أن تستوعب بعضها مجلّدات ضخمة !
وتبهنس الليث الهصور ,
ثم وثب مقضّا كالصاعقة المزلزلة
على الوحش المفترس ،
والذئب الشّرس ،
فبطش به بطشا مروّعا !
***
رنّموا ، رنّموا أيّها الأعزّاء ،
وارفعوا عقيرتكم بالغناء ،
بعدما ارتفعت عن أكتافكم وكواهلكم شرّ أنواع البلاء .
اطربوا يا رفاق ، فقد تحطّم التنّين القذر ،
وانتهى عهد جرائمه المتواصلة .
لقد لطمت العدالة بجبروتها المزلزل ذلك الوجه الصّفيق ،
فجحظت عيناه وجلا ،
وأسرع يختبىء خجلا ،
وسيف العدالة يطارده ،
ودموع الأبرياء تلاحقه ،
ودماء الشّهداء تتبعه أنّى أنزوى ،
وحيث توارى …
وقايين ….
وحاول الاختباء في حفرة مظلمة ،
ولكنّ عيني أخيه هابيل بقيتا تطيلان النظر اليه
في ظلمات تلك الحفرة الدجوجيّة !
وأين أين قايين
ممّا ارتكبه هذا ( الوصوليّ ) اللعين ؟!
بوركت يا قايين اذا ما قورنت بهذا اللصّ الزنيم ،
والمرتكب الأثيم .
***
تهلّلوا تهلّلوا ،
فانّ قلاع السارق الشّرير قد دكّت ،
وأريكة حكمه قد خرّت ،
بعدما تطاولت واشمخرّت ،
اثملوا ، يا رفاق ،
برحيق الفوز العظيم ،
بعدما اصفرّت أيّام حياة الغول المجرم ،
وتساقطت أمانيه السخيفة الذاوية
كتساقط أوراق الأشجار في الخريف
أما جبروت الرياح العاتية .
لقد وطىء القدر بنعله الهائلة
رأس التنّين المذعور لهول الفاجعة ،
فهرول مشدوها يسابق الريح المهتاجة ،
وهو يسحب وراءه جسمه المترهّل الثقيل …
فصاح الشعب طربا :
أنظروا !….
أنظروا من تضخّم كرشه على حساب عقله !….
أنظروا !….
لقد عمّت الأفراح في المنازل ،
وشمل الطرب أبناء البلاد بأسرها .
فكنتم ترونهم ، يا رفاقي ، مهنّئين بعضهم بعضا ،
بعد زوال هذا الكابوس الشيطاني الجهنّمي !
انّ الشعب حكم على المجرم المحتال ،
والسارق الدجّال .
نعم ، حكم عليه فخلعه خلعا موجعا رهيبا ،
يستحقّ أشدّ منه قسوة وتأديبا .
***
أمّا ( التاريخ ) فماذا تراه سيجسّل عنه في صفحاته ؟
وماذا سيسطّر عن جرائمه وسيّئاته ؟
انّه لعنة التاريخ ، وعار البلاد ،
وشارة الاستبداد ،
وبشارة الاستبعاد !
عنوان الرذيلة ،
وعدوّ الفضيلة !
مفسد الضمائر ،
وهاتك أعراض الحرائر !
سالب خزينة البلاد ،
بالظلم والوحشيّة الشنيعين !
حبل به بدنس ،
ومنه الفحش قد انبجس ،
فيا للرّجس !
هو هو المزوّر الأكبر ،
والخليع المخلوع الأشهر ،
والخاضع الأذلّ المعفّر ،
والخانع القميء المعصفر ،
ومقبّل النعال المحقّر ،
عندما تنقضي مصلحته الذاتيّة ذلك ،
لكي ينجو بنفسه من المهالك ….
فيا لعار المهانة الشائنة والذلّ العظيم !
***
يا رفاق الجهاد الجبّار
ذوي العزيمة التي قهر الفولاذ الصّلب ويصهر ،
دون أن تلين أو تقهر ارادتهم الراسخة الأسس ،
ودون أن تنال محاولات الباطل
من ايمانهم الوطيد قلامة ظفر ،
اجرعوا أكواس الاكسير الخالد ،
بعدما بطش العدل بباطل ( التنّين )
فجعله مهزأة وأضحوكة للبلاد بأسرها .
فاسمه اللعين أصبح شارة الذلّ والابتذال ،
وعنوان الحقارة والاحتقار ،
والوضاعة الغارقة في حمأة الدناءة ومستنقع العار …
***
وماذا يا رفاق ؟…..
ماذا سيخلّف هذا الجيفة النّتنة
لعائلته التّعسة التي تلوّثت بأوشابه ،
والتصقت بهم كالتصاقها به ؟
ماذا سيخلّف لهم الاّ الخساسة والدّناسة ،
والحطّة الورّجاسة ،
والصيت العارم القبيح ،
وتلالا من التدجيل ،
وجبالا ممّا نسجه لضحاياه من خسيس الأحابيل ! …
الأبناء تبارك آباءهم ،
وتترحّم عليهم بعد انتقالهم الى الدار الأخرى ،
أمّا أبناؤه …فعوضا عن الترحّم عليه ،
سيرجمونه بلعناتهم ،
ويمطرونه بتجاديفهم ،
قائلين :
- لعنت أيّها الذميم الدميم ،
والمجرم الأثيم ،
فاقبع نارا في دركات الجحيم ،
وتجوّل قارا في ردهات الشيطان الزنيم ،
لأنّك لم تترك لنا الاّ عار الصيت المخجل ،
والثروة المسروقة بطرق الاحتيال والتدجيل .
انّنا نخجل باسمك اللعين ،
ولسوف نتبرّأ منك ومنه في يوم الدين .
سيقولون هذا اذا كشف الله عن أبصارهم وبصائرهم
المسدل عليها ستار ابليس الرجيم .
ولكن … ( هل يلد الصلّ غير الأفعوان ؟ )
هذا محال ، هذا لا يكون .
***
أنشدوا ، أنشدوا يا رفاق ،
بعدما تقلّص ظلّ الباغية ،
وعصف الحقّ بباطل الطاغية ،
فاذا هو الذليل المهان ….
هو وكلّ من سار بركابه ،
وشاركه في ظلمه وارتكابه .
وأنت … أنت يا حبال المشانق التي قضيت على أرواح بريئة ،
تنفيذا لرغبات هذا الشيطان الابليسيّ ،
آن لك أن تعانقي هذا المجرم الذي طغى وبغى ،
وتكبّر وتجبّر ،
وارتكب كلّ نقيصة يمكن أن تمرّ بمخيّلة آثم وجان ،
واجترح من الفظائع الدامية
ما يحسده عليه ربّ أرباب الأبالسة ،
في جهنّم النار المتّقدة .
عانقيه ، عانقيه يا حبال المشانق ،
فتريحنا من جرائمه المتكاثرة ،
وتريحه من وجود القذر .
انّه العار المتجسّد على أرض البلاد التي يحيا فيها ،
ويتنسّم هواءها النقيّ ،
فيفسده بجراثيم سخائمه ،
ويلوّثه بطاعون ارتكاباته وجرائمه .
هناك ، حيث يقبع في قفر الكسليك ،
على مقربة من بلدة جونية ،
بين وحوش البرّية وأشواكها ،
وحيتان البحار وأسماكها .
***
أمّا أنتم يا أبناء وطني المفدّى ، من مقيمين ومغتربين ،
فلكم الآن ، بعدما تحطّم ذلك التنّين النتن اللعين ،
أن تهزجوا ، وتطوبوا ،
وتنشدوا نشيد الفرح والسرور ،
والغبطة والحبور .
نعم ، أيّها الأحبّاء ،
لقد سقط التنّين المجرم ،
وانتهى عهده الظالم المظلم ،
ولن تقوم له قائمة حتى يوم النشور .
***
أرقصوا يا رفاق أنشدوا في الأفاق
أنّ عهد النفاق أنّ صلّ الشّقاق
أنّ دبّ الفساق
قد تحطّم قد تردّم
قد تهدّم
وأتى عهد جديد فارتدوا درع الحديد
لنعيد
مجدنا الزاهي العتيد
ونبيد
في الصّدام بالحسام
كلّ من يبغي علينا من طغام
من لئام
أشعلوا نار الضّرام
في الصدور
وتغنّوا بأناشيد السرور
والحبور
انّ ( تنّينا ) زنيما
ورجيما
سار في درب الشرور
والفجور
انّ ( تنّينا ) أثيما
ولئيما
غاب في طيّ القبور
للدهور
يا رفاق يا رفاق
بيروت 20 أيلول 1952
عريضة ماري حدّاد الى الرئيس كميل شمعون
بتاريخ 30 تشرين الأوّل عام 1952 قدّم وفد من الداهشيين هذه العريضة الى الرئيس كميل شمعون رئيس الجمهوريّة الذي اعتلى هذا المنصب بعدما حطّم الشعب كرسيّ بشارة الخوري ، وطرده من سدّة رئاسته ذليلا مهانا . والوفد مؤلّف من السيدة ماري حدّاد وقرينها جورج حدّاد والدكتور جورج خبصا والشاعر حليم دمّوس والدكتور فريد أبو سليمان .
وقد قدّمت هذه العريضة مع سلسة الكتب السوداء التي طبعت ونشرت ووزّعت ، وفيها شرح عن الجريمة المرعبة التي ارتكبها المجرم بشارة الخوري ضدّ مؤسّس الداهشيّة . وهذه العريضة تطالب رئيس الجمهوريّة الجديد كميل شمعون باعادة جنسيّة داهش السليبة .
وقد قال الرئيس كميل شمعون للوفد الداهشيّ :
” انّ هذه الكتب والمناشير السوداء وصلتني بأكملها الى لندن ، عندما كنت سفيرا لبلادي فيها . وسأعيد جنسيّة داهش اليه ” .
وقد أعيدت جنسيّته .
وكان أوّل مرسوم صدر بعهد الرئيس شمعون هو اعادة الجنسيّة التي اختلسها الباغية بشارة الخوري ، وأنفه في الرغام .
وقد نشرت هذه العريضة مجلّة ” العالم العربي ” المصريّة ، في أعدادها 67و68و69 . وها نحن نعيد نشرها بكتابنا هذا نقلا عن المجلّة .
أوّل قضيّة ….
ضدّ رئيس جمهوريّة لبنان السابق !
الداهشيّون ومفاسد العهد الماضي في لبنان !
” العالم العربي ” تنفرد بنشر عريضة الدعوى المرفوعة
صورتها لرئيس الجمهورية الحالي
العدد السابع ( 67و68) أول يناير 1953
بيروت – لمراسل العالم العربي :
السيدة ماري حدّاد أديبة كبيرة ، وفنانة لبنانية شهيرة ، ومنذ عشر سنوات ( 1942-1952 ) اعتنقت تعاليم الرسالة الداهشية ، فاضطهدت كثيرا لأجل عقيدتها الجديدة التي جعلتها هي وزوجها وكريماتها الثلاث ، يؤمنون ايمانا راسخا بنبوّة محمد والاسلام الحنيف والقرآن الكريم المنزل !
وكان في طليعة مضطّهديها ومقاوميها رئيس الجمهورية اللبنانية السابق “بشارة الخوري ” وزوجته ” لور ” وهي شقيقتها ، وشقيقها “ميشال شيحا ” ونسيبهم هنري فرعون ، مع فريق من رجال الدين المتعصّبين ! .
وبعد أن عزل صهرها الشيخ بشارة عن رئاسة الجمهورية ، وانتهى العهد البائد على أثر ثورة الشعب والانقلاب الأخير في 18 أيلول ( سبتمبر ) 1952 ، رفعت هذه السيدة المجاهدة شكوى خطيرة الى رئيس لبنان الجديد الأستاذ كميل شمعون ضد سلفه الشيخ بشارة الخوري وهذا نصها :
المعتدون على الحريّة سيلاقون مصيرهم المخزي
هذا جزاء كلّ طاغية ونهاية من يكبّل الحريّة باستبداده
نص العريضة كما نشرتها مجلّة ” العالم العربي ” المصريّة
هذا ما تكلّم به ( جون وايلكزبوث ) وهو يطلق في نفس الوقت رصاص مسدّسه على الرئيس الأميركيّ ( لنكولن ) وذلك في 14 نيسان عام 1865 .
ومع أنّ ( لنكولن ) لم يعرف عنه الاستبداد وتكبيل الحريّة فقد ذهبت كلمة القاتل مثلا يجمع الناس على أنه من أصدق الكلمات التي دوّنها التاريخ بين صفحاته .
وكلّ من قرأ ويقرأ وسيقرأ تاريخ الطغاة ، والمستبدّين البغاة ، ممّن حكموا بأمرهم ، ونكّلوا بالعباد ، دائسين القوانين ، وتجاوزين روح الدستور ، منفّذين رغباتهم الديكتاتوريّة البغيضة ، منكّلين بالحقّ ، باطشين بالعدالة ، سالبين للحرّيّات – كلّ من قرأ سيرة أولئك المسيطرين بالظلم والاعتداء الصارخين ….يتأكّد بأن مصيرهم كان الموت القسريّ المحتّم بيد أحد الأفراد الذين أصابهم الاضطهاد الغير العادل .
فالتاريخ يعطينا الوف الأدلّة والبراهين القاطعة على صحّة الكلمات التي تفوّه بها قاتل ( لنكولن ) . فالحكّام الرومان ، الذين كانت مصائر شعوبهم ألعوبة بأيديهم ، لم ينج شرّ طغاتهم من القتل رغما عن شدّة الحذر وعظم الاحتياطات التي اتّخذوها لأنفسهم كي لا يلاقوا هذا المصير الحتمي .
وكذلك قياصرة روسيّا وأباطرتها ، وسلاطين تركيّا ودكتاتوريّو عصرنا الحديث أمثال هتلر وموسوليني الخ .
نعم يا فخامة الرئيس .
انّ عاقبة الظلم وخيمة ن وبشارة الخوري ظلمنا ظلما رهيبا جدّا .
فسجننا ، ونكّل بنا ، لأنّنا دافعنا عن مؤسّس عقيدتنا الدكتور داهش الذي اعتدي عليه اعتداء شائنا لا يصدّق . وهذا أمر أصبح لدى القاصي والداني . فلم نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الجريمة التي لم تشهد لها مثيلا حتى أشدّ العصور المظلمة ، بل بعنا كافّة أثاثنا ورياشنا وأراضينا ، وطبعا بأثمانها 175 نشرة و66 كتابا أسود فضحنا بها أمر هذه الجريمة النكراء . وبهذا قمنا ببعض واجبنا المفروض علينا أداؤه .
انّ الداهشيّين – يا فخامة الرئيس – هم أوّل من فضح جرائم بشارة الخوري بواسطة الكتب السوداء التي طبعوها ووزّعوها في عام 1944 والأعوام التي تلت حتى يوم سقوط ( بشارة ) الذي خلعه الشعب خلعا أبديّا غير مأسوف عليه .
وعندما نشر الداهشيّون كتبهم السوداء الرهيبة عن بشارة الخوري ، وسلسلة سرقاته وارتكاباته ، كانت أكبر الرؤوس – من زعماء ، ووجهاء ، ونواب ، واقطاعيّين ، ووزراء – يحنون أمامه رؤوسهم بخشوع تامّ ، ويحرقون أمامه البخور بخضوع عامّ .
يومذاك كان الداهشيّون يحطّمون بمقنبلاتهم المخيفة معاقله فيردّمونها ترديما ، وقد تحمّلوا منذ ذلك الحين سلسلة من الاضطهادات الرهيبة ما تنوء تحتها الجبال الرواسي دون أن تلين لهم قناة . ولم يأبهوا للتهديد والوعيد ، بل استمرّوا في مهاجمتهم بشارة الخوري حتى يوم سقوطه ….
وهذا ما يبعث في قلب كلّ داهشيّ الفخر التامّ لأنّه لم يحن رأسه للوصوليّ على الاطلاق ، لأ،ّ الداهشيّين كانوا متأكّدين أنهم انّما يدافعون عن قضيّة حقّ كفلها الدستور ألا وهي ( الحريّة المقدّسة ) التي اعتدى عليها بشارة الخوري بشخص داهش .
وعندما اشتدّت الحملات الداهشيّة عليه وعلى آله ،
وعندما تأكّد بشارة الخوري أنّ الاضطهادات المتواصلة زادت من ايمان كلّ داهشيّ بوجوب مواصلة كفاحه حتى النهاية …لجأ بشارة الخوري الى طريقة ظنّها كفيلة بايصاله الى ما يبتغيه ، فأرسل – بواسطة تحرير أرسله كبير الديوان ( جورج حيمري ) – يستدعي الاستاذ حليم دمّوس الداهشيّ ظانّا أن باستطاعته شراءه بالماديّات ، اذ استعدّ أن يدفع له تعويضا ماديا عن سجنه ايّاه دون ذنب جناه أو وزر أتاه .
فكان جواب الاستاذ دمّوس لبشارة الخوري أنه يقبل بالتعويض . ولكن من مال بشارة الخوري مرتكب جريمة سجنه ، وليس من مال الأمّة ( لأنّ بشارة الخوري أراد ارضاء الاستاذ دموس من صندوق الأمّة ) . وسيطبع بهذا المال كتبا سوداء جديدة ضدّ جريمة بشارة . وهكذا صفع دمّوس الداهشيّ البريء بشارة الخوري المعتدي وأظهر له أنّ العقيدة الراسخة تقهر أيّ طاغية مهما كان صاحب عنفوان ، وسيطرة وسلطان . …
***
والآن آمل أن يصغي فخامة الرئيس لهذه الحادثة التاريخيّة التي يعرفها ولا ريب . وها هي :
عندما أدخلت السيّدة زينب بنت علي بن أبي طالب أمام ابن زياد ، وكان أمامه رأس أخيها ( الحسين ) الذي قتل في معركة كربلاء المشهورة ، بادرها قائلا : ” الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأبطل أحدوثتكم ” .
فلم تمهل زينب ( ابن زياد ) بل ثارت صائحة به قائلة :
” الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيرا . انما يفضح الفاسق الغادر ، ويكذّب اللئيم الذي هو أنت ” !…
ولو أحبّ ( ابن زياد ) لبطش بها ، أو لأمر فسجنت وهو صاحب الدولة والصولجان ، والقدرة والسلطان . ولكنّه رغما عن سوء أخلاقه ، وانعدام أدبه ، أبت نفسه عليه أن يعتدي على امرأة ضعيفة – وهو صاحب الحول والطول – فأمر باطلاق سراحها ….
جئت بهذه الحادثة التاريخيّة ، لأقارن بين ما صنعه ( ابن زياد ) بمن يعتبرها عدوّة له وهي غريبة عنه لا تربطها به أيّة رابطة ، وبين ما فعله معي بشارة الخوري الوصوليّ ، وهو زوج شقيقتي .
وسوف تدهش فخامتكم اذا أعلمتكم بأنّ ( بشارة ) المذكور أمر فأوقفت في النظارة شهرا كاملا كنت أنام في خلاله على طاولة خشبيّة ، وبرفقتي عشرات من الحرّاس والموظّفين ، فضلا عن الرجال الموقوفين . وذلك تشفّيا وانتقاما منّي لأنّني فضحت ” بكتبي السوداء ” جريمتهم النكراء ضدّ الدكتور داهش البريء .
انّني من صلبهم ، وذات صلة رحم بهم ، وعاملوني هذه المعاملة الدنيئة التي لا تشرّفهم ، والتي سيسجّلها التاريخ لعنة مقوّضة مزلزلة يقرأها الجميع ، فيلعنون حتى ذكر أسمائهم البغيضة من الله ربّ العالمين ، والناس أجمعين .
فكيف اذا كانت معاملتهم للشعب اللبنانيّ الذي نكب بحكمهم الجائر وعهدهم البائد ؟ انّ الجميع ، يا فخامة الرئيس ، يعلمون بأنّ الأيّام التي تولّى فيها بشارة الخوري الحكم كانت أيّاما حالكة السواد ، فاحمة الجلباب ….
وكانت النتيجة الحتميّة لارتكاباتهم المتواصلة تسع سنوات طويلة أن ثار الشعب عليهم تلك الثورة العادلة ، فكان مصير أعداء ( الحريّة المقدّسة ) الى الخلع الموجع الذي أوصلهم اليه اعتداؤهم المتواصل على القانون ، واحتضانهم للباطل الذي انقلب عليهم ، فأبطل حكمهم حتى يوم يبعثون . والآن أرف لفخامتكم تظلّمي فأقول :
فخامة رئيس الجمهوريّة المعظّم
أتقدّم لفخامتكم بعريضتي هذه رافعة شكواي وتظلّمي ضدّ أفراد عائلتي ، وهم : بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة السابق الذي خلعه الشعب عن أريكة حكمه بعدما طغى وبغى واعتدى على حقوق الآمنين ، وسلبهم قوتهم ، وداس على حرّياتهم ، فكان جزاؤه العادل طرده من كرسيّ الحكم . فخرج يجرجر ذيل ذلّه وعاره المعيبين – وزوجته ( لور ) وشقيقها ( ميشال شيحا ) ونسيبهم ( هنري فرعون ) ، اذ تآمر هؤلاء الأربعة على اغتيال الدكتور داهش . فأرسل أحدهم ( هنري فرعون ) شرذمة مأجورة من المجرمين بقصد اغتيال مؤسّس الداهشيّة . وكان ذلك بتاريخ 28 آب 1944 . ولكنها فشلت باغتياله . وعوضا من اعتقال المجرمين اعتقل الدكتور داهش ، وزجّ في السجن ، وأطلق سراح المجرمين . وتبع هذا الاعتقال تجريد داهش من جنسيّته اللبنانيّة اذ داس بشارة الخوري على قوانين البلاد ، وامتهن موادّ الدستور ، وضرب بالعدالة عرض الحائط ، متجاوزا بمرسومه الغير القانوني جميع القوانين التي اصطلح علماء التشريع وجهابذة القانون , فارضا إرادته الدكتاتوريّة بالظلم البشع الشنيع .
وشفع بشارة جريمته بجريمة ثانية لا تصدّق , إذ زجّ شقيقة داهش في السجن , لأنها أبرقت اليه تطالبه بعرفة مقرّ شقيقها المعتدى عليه بالظلم , لكي تذهب اليه وتقاسمه مصيره . ويمكن فخامتكم سؤال الوزير سليم حيدر لتعرفوا كيف رغب بشارة يومذاك بسجنها لأعوام . ولكنّ القاضي سليم حيدر أبى أن يقبل بظلم عظيم كهذا …
أما أنا فأنني لم أقف مكتوفة اليدين أمام هاتين الجريمتين المنكرتين المستنكرتين , إذ طبعت 165 نشرة و 66 كتابا أسود شرحت فيها للملإ بأسره أنباء هذه الجريمة الهائلة التي ارتكبها بشارة الخوري ضدّ مؤسس الداهشيّة . وتمّ توزيع هذه النشرات في الشرق والغرب . وتحمّلت أنا وقريني وعدد كبير من الداهشيين ألم السجون مرارا وتكرارا , ومرارة الاضطهاد المتواصل طوال تسعة أعوام سوداء ,هائلة بمحنها ورهبوتها , ولكننا لم ننحن أمام الظلم الذي امتزج بدم بشارة الخوري امتزاج الروح بالجسد .
ولم تلن لنا قناة , ولم نأبه بالوعد أو الوعيد , بل مكثنا طوال مدّة حكم الباغية بشارة نواصل حربنا ضدّه , ونوجّه سهامنا المسنونة الى صدره ,لأن صاحب الحقّ قويّ بحقّّه وجنانه ,جبار بإيمانه ووجدانه .
والتاريخ يبرهن أنّ أصحاب العقيدة لا يمكن أن تؤثر فيهم سلسلة الإضطهادات مهما بلغ رهبوتها المزمجر .
وكان من نتائج تجريد داهش القسري من جنسيّته – التي هي حقّ طبيعيّ له – أنّ ابنتي الشهيدة ماجدا صمّمت على اغتيال بشارة الخوري الذي أقسم اليمين تحت قبّة البرلمان بأنّه سيحافظ على الدستور محافظة تامّة . وكان قسمه كاذبا ، بدليل ارتكابه جريمة تجريد داهش من جنسيّته . أقول ان ابنتي عزمت على اغتيال بشارة الخوري . وعندما علم داهش بأمرها أرسل اليها تحريرا يمنعها فيه من اغتياله . فما كان منها الاّ أن انتحرت كاحتجاج ، لكي تبلّغ نبأ هذه الجريمة الى الرأي العامّ . وهكذا ذهبت ابنتي شهيدة على مذبح الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري ، ودمها المسفوح لا يزال يصرخ أمام عرش الديّان طالبا الاقتصاص العادل منه .
وأزيد فخامتكم اطّلاعا فأقول : انّ هنري فرعون ، بعدما اعتقلوا داهش ، زارنا في منزلنا واعترف قائلا لنا : ” انهم لم يستطيعوا أن يضعوا يدهم على داهش بواسطة القانون ، لأنهم لم يجدوا عليه أيّ مأخذ قانوني ، فاضطرّا لاعتقاله بهذه الطريقة القسريّة ” ! فطردناه من منزلنا ، وأفهمناه أنّ الحرب بيننا قد أصبحت أمرا واجبا لا مفرّ منه .
يا صاحب الفخامة ،
انّ الحريّة حقّ مقدّس يتمتّع به كلّ لبنانيّ تظلّه سماء لبنان . ولكنّ شخصا واحدا لا يزال مبعدا عن وطنه بطريق الظلم العنيف . وما دام الله القدير قد أسقط الطاغية الذي ضجّت البلاد مما ارتكبه من أمور تتنافى مع العدالة ، فانني أطلب من فخامتكم أن تأمروا باعادة قيد اسم داهش الذي شطبه بشارة من دفتر قيد النفوس ، وتصدروا مرسوما تلغون به مرسوم بشارة المزيّف الذي لم يرتكز باصداره ايّاه على أيّ قانون يخوّله حقّ الاعتداء على الحرّيات ، ويمكّنه من انتزاع الجنسيّات .
انّ التقرير الذي وضعته هيئة الأمم المتّحدة عن حقوق الانسان الأساسيّة لكلّ رجل وامرأة في العالم يمنع تجريد أيّ انسان من جنسيّته منعا باتّا .
ونحن في لبنان نفاخر العالم برقيّنا ، كما انّ لبنان قد وقع على هذا الميثاق الانساني العظيم . فمن العار علينا أن نبقي هذه الوصمة التي لطّخ بشارة بها لبنان ، بارتكابه وزرا رهيبا كهذا ، فبسبب ارتكابه ايّاه استشهاد ابنتي ، وموت والدة داهش غمّا وبؤسا ، بعدما قاست لبعد ابنها ما قاساه أيّوب الصدّيق .
وانّي أتخيّلها واقفة أمام الديّان تشكو من سبب مأساة ابنها ومأساتها .
يا صاحب الفخامة ،
توجد هنالك أسرار رهيبة سنكشفها للبنانيّين بأسرهم في قاعات المحاكم ، في عدليّة بيروت ، وهي بأكملها تدين بشارة الخوري . وعندما تذيعها صفحات الجرائد سيهلع بشارة الخوري من هولها ورهبوتها . كما انني سأقاضيه على اضطهادنا وسجننا ، ونحن أبرياء . ولن أترك نشاطي ، وسأواصل جهادي حتى أدفع بهذا الأقنوم الرباعي أمام محاكم الجنايات ، ليحاسبوا على ما ارتكبوه من جرائم ضجّت من هولها أبالسة الجحيم في عوالمها السحيقة …
وهنا أودّ أن أوجّه انتباهكم الى أنّ المجرم بشارة الخوري والسيّدة زوجته وشقيقها ميشال شيحا وهنري فرعون أرادوا أن يحفّفوا من وقع جريمتهم أمام الرأي العام ، فزعموا أنهم ارتكبوا هذه الجريمة لأنّ ( داهش ) جعل الكثيرين يعتنقون مبادئه ويحبّذون عقيدته !
ونسي هؤلاء أنّ أقوالهم لا يعتدّ بها على الاطلاق . لا بل تظهرهم جاهلين بأصول المحافظة على حرية المعتقدات التي يكفلها الدستور اللبناني .
وها انّي أزيد في عريضتي قطعة من كتاب ” الحرية ” تأليف _ جون ستيوارت ميل ) وترجمة ( طه السباعي ) ، اذ يقول :
لقد مضى بحمد الله ذلك الزمان الذي كنّا فيه بحاجة الى الدفاع عن حرية النشر واقامة الدليل على أنها ضمان لازم لحماية الأفراد من الظلم ، فغنيّ عن البرهان أنه ر يسوغ لسلطة تنفيذيّة أو تشريعيّة غير متّفقة المصالح مع الأمة أن تفرض على الناس ما تراه من الآراء ، أن تعيّن لهم ما يجوز سماعه من المعتقدات والأقوال .
وهذا مبحث قد وفّاه الكتّاب السابقون حقّه من الشرح والاستقصاء ، فلا حاجة بنا الى زيادته ايضاحا وتوطيدا .
نعم ، ليس يخشى اليوم في بلد من البلاد محاولة كمّ الأفواه وغلّ الأقلام .
فانّ المضرّة الناشئة عن اخماد الرأي لا تقتصر على صاحبه . بل تتعدّاه الى جميع الناس حاضرهم وقادمهم . وما هي في الحقيقة الاّ سلب النوع البشريّ برمّته ، وحرمان الانسانيّة بأسرها من شيء فائدته لعائبيه ورافضيه أوفر منها لمؤيّديه وقابليه . فلو أنّ الناس قاطبة أجمعوا على رأي واحد وخالفهم في ذلك فرد لما كان لهم الحق باسكاته . ذلك أنّ الرأي ان كان صوابا فقد حرم الناس فرصة نفيسة يستبدلون فيها الحقّ بالباطل ويبيعون الضلالة بالهدى . وان كان خطأ فقد حرموا كذلك فرصة لا تقلّ عن السابقة نفاسة وفائدة ، وهي فرصة الازدياد من التمكّن في الحقّ والرسوخ في العلم على أثر مصادمة الحق بالباطل ومقارنة الخطإ بالصواب ” .
وهكذا يفهم الغربيّون معنى الحريّة ويصونونها ويفتدونها بالمهج والأرواح مهما غلا ثمنها وعزّ . فالحرية أجمل هديّة منحها الخالق لعباده من أبناء البشر .
ولكنّ ( ميشال شيحا ) يفهم الحريّة بطريقة عكسيّة مؤسفة ان دلّت على شيء فانها تدلّ على ضيق تفكير وعنجهيّة فخرية وارستقراطية مزيّفة مخجلة .
وأثبت قولي بدليل ذهاب ( ميشال شيحا ) مرارا وتكرارا الى منزل الاستاذ ( ألفرد نقّاش ) عام 1943 عندما كان رئيسا للجمهوريّة . وكانت زياراته للنقّاش في الليالي المظلمة الحالكة ، وذلك ليرجو منه بصفته صديقا له أن يخرج داهش من البلاد . ولكنّ النقّاش أفهمه بأنه لا يمكنه أن يرتكب وزرا عظيما كهذا ، وأنه لا يستطيع أن يسلب جنسيّة رجل بريء اذ توجد محاكم باستطاعتها محاكمته واذانته اذا كان مذنبا ، فكيف به وهو بريء . وهكذا صفع النقّاش ( ميشال شيحا ) برفضه تنفيذ مثل هذه الجريمة التي لا يقرّها عدل ولا يجيزها قانون ، ولو كان لدى ( ميشال ) أية جرأة أدبيّة ، ولو كان محقّا بطلبه لذهب الى صديقه ( النقّاش ) في رابعة النهار ! وأيّة أوزار تتفوّق على انتزاع جنسيّات الأفراد التي يكفلها الدستور أبو القوانين .
وأختم عريضتي بكلمة فخامتكم الخالدة التي ألقيتموها بمناسبة عيد الاستقلال اذ اختتمتموها بهذه الكلمات النبيلة وهي :
” ولبنان أخيرا –كما يحلم أبناؤه – يريد أن يكون الأرض المضيافة حيث يستطيع المضطهدون في أيّ بلد كان أن يستنشقوا آمنين نسيم الحريّة ” .
وعليه آمل من فخامتكم أن تتوّجوا عهدكم السعيد بازالة هذه المظلمة المظلمة التي أوقعها المجرم بشارة الخوري الباغية بالدكتور داهش ، فيعود الى وطنه الذي أبعد عنه بالظلم والاعتداء . وهكذا يحقّ العدل ويزهق الباطل ، انّ الباطل كان زهوقا .
ملاحظة :
أرفقت مع عريضتي هذه جميع المنشورات والكتب السوداء لكي تطالعوها وتطّلعوا على مراحل الجريمة النكراء التي فضحتها وأذعت خفاياها . وهذه بعض أسماء الكتب التي أرفقتها بعريضتي :
- الكتاب الأسود 2- فضيحة العهد القديم 3- فضيحة الفضائح 4- شكوى الى مجلس النواب اللبناني 5- الهارب من القضاء 6- فضائح وقبائح “شربل ” 7- كشف الستار عن أسرار يوسف شربل 8-الى الثورة أيها المواطنون ! 9- عريضتي الافرنسية التي أرسلتها الى هيئة الأمم المتحدة المنعقدة في باريس عام 1948 .
وستجدون فخامتكم في الكتاب الأسود وثائق هويّة الدكتور داهش ووالدته وشقيقته منشورة بالزنكغراف .
وأخيرا ، آمل أن تطالعوا تحرير الدكتور داهش المرسل منه الى المحامي الاستاذ ادوار نون ، وقد قدّمته كعريضة شكوى الى مجلس النواب اللبناني ، اذ فصّل الدكتور داهش بتحريره ما أصابه من جلد وتعذيب تقشعرّ منهما النفوس .
بيروت ، في تشرين الأول 1952 ماري حدّاد الداهشيّ
عريضة شكوى الى مجلس النواب اللبناني
حول قضيّة الدكتور داهش
قدمتها وكيلته العامة
ماري حدّاد
…………………..
ليس الله مع الظلم
بل
مع الحق
في الاعادة افادة
نعيد نشر العريضة التي قدّمتها السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة الى المجلس النيابي اللبناني ، مرفقة ايّاها بالتحرير المرسل من الدكتور داهش الى المحامي ادوار نون يذكر له فيه ما لاقاه من ضروب العسف والطغيان والاعتداء الشائن من حفظة الأمن ، نزولا على طلب المجرم بشارة الخوري .
وكان من واجب أيّ نائب ، بعد اطّلاعه على هذه الرسالة المرعبة أن يوجّه سؤالا الى الحكومة عن هذه الجريمة التي تسوّد صحيفة لبنان ، وتدعه مضغة في الأفواه . ولكن لم يتجرّأ أيّ نائب أن يثير هذه القضيّة بتوجيه سؤاله للحكومة ، وهكذا خلّد تخاذل النوّاب بقضّهم وقضيضهم ، ودخلت الجريمة في التاريخ ، اذ سجّلها بأحرف من نار لتبقى شاهدا بأنّ لبنان الذي يزعمون أنه بلد الحريّة وموطن الاشعاع والنور …ما هو الاّ وطن الاعتداء على الأبرياء ، وأنّ الحريّة المزعومة بعيدة فيه بعد السماء عن الأرض ، بدليل تقاعس نوّابه وصحافته ومحاميه ووزرائه ومثقّفيه الذين جبنوا جميعا عن رفع كلمة حقّ تقال بوجه حاكم ظالم . وا أسفاه !
لماذا قدّمت هذه العريضة ؟
بقلم ماري حدّاد الداهشيّة
منذ شهر هاجمت بعض الصحف الدكتور داهش بك ، وتهجّمت عليه بنشرها سلسلة مقالات مغرضة ملأتها بالافتراءات الوقحة الرخيصة .
وكانت هذه الصحف مدفوعة بايعاز من يهمّهم أمر الخلاص من الدكتور داهش ، وكانت الغاية المنشودة من هذه الحملة المقصودة المتواصلة تشويه سمعته أمام الرأي العامّ والانتقاص من كرامته .
وكانت المقالات تختم بهذه العبارة : ” اننا اتّهمناه فهل يستطيع تكذيبنا ؟ ” وسرعان ما كان الدكتور يبعث بردّه المفحم كي ينشره . ولكنّه كان يصطدم برفض قلم المراقبة في دائرة المطبوعات ولا يسمح بنشره .
فتصدر الصحف في اليوم الثاني وهي تقول : ” لقد ألقمناه حجرا فلم يستطع الرد ” . وعند مراجعتنا لمدير قلم المطبوعات نجيب ليان استوضحناه الاسباب لعدم سماحه بالنشر ، فقال بالحرف الواحد :
- لدي أوامر صريحة من وزير العدلية حبيب أبو شهلا يرفض كلّ ما يرسله الدكتور داهش أو أحد أعوانه ردّا على ما يكتب ضدّه ، مما اضطرّ الاستاذ حليم دمّوس لمراجعته فكان جوابه واحدا .
وازاء هذه الحالة اضطررت لأن أراجع بنفسي كلاّ من رئيس الجمهوريّة ورياض الصلح رئيس الوزراء ووزير الداخليّة ، وحبيب ابي شهلا وزير العدلية ، وذكرت لهم امّا أن يسمح لنا بالنشر كي نكذّب ما يكتب من مختلقات ؛ وامّا نضطرّ الى أن نتّخذ طريقة أخرى نراها مجدية لنا .
فكان الوعد القاطع أنهم سيوقفون الحملة ، ولن يسمحوا بالنشر لا مع ولا ضدّ .
وبالرغم من هذه الوعود الرسميّة المقطوعة ، وبالرغم من قمابلتي لهم ثانيا وثالثا وأخذ الوعود باستمرار ، فانّ الحملة استمرّت . وفي النهاية تمتّ المأساة مثلما يعرف كلّ لبناني ولبنانيّة . فألقي القبض على الدكتور داهش وسجنوه ، ثم جرّدوه وشرّدوه ، ليس من لبنان فقط بل من البلاد السورية أيضا ، بينما نحن نعيش في عهد الحرية والاستقلال ، وتحت ظلّ الدستور حامي الحرّيات وسياج الأمّة الحصين .
ماري حدّاد
لحضرة رئيس المجلس النيابي اللبنانيّ ونوّابه المحترمين
يا حضرة الرئيس ،
جاء في مطلع خطابكم البليغ عندما فزتم مجددا برئاسة المجلس النيابي الكلمة الخالدة :
” في هذه الساعة التي حملتني ثقتكم الغالية الى رئاسة المجلس من جديد ، أشعر والفخر مالىء نفسي أنّ اقتراعكم ليس موجّها لشخصي الضعيف بقدر ما هو موجّه للفكرة التي اعتنقها ، والمبدإ الذي أدين به ، هو استقلال لبنان استقلالا كاملا غير منقوض ، وسيادته العامّة في حدوده الحاليّة ، والدفاع عن الدستور سياج الحريات ” . فباسم هذا الدستور وتلك الثقة وذلك المبدأ النبيل نطلب منك ومن سائر النوّاب الأحرار أن تستعملوا سلطتكم الدستوريّة لاظهار العدالة وتأييد الحقيقة في القضيّة الآتية :
لقد بلغكم ، ولا ريب ، أنه في 28 آب الفائت سجن الدكتور داهش بعد أن اعتدي عليه ، وفي الثامن من شهر أيلول جرّد من جنسيّته اللبنانيّة بموجب مرسوم نشر في الجريدة الرسميّة في الثالث عشر من أيلول دون أن تقدّمه الحكومة الى المجلس النيابي ، وبدون موافقته عليه ، كما نصّ بذلك الدستور اللبناني حتّى اضطرّ الدكتور وهو مبعد عن لبنان أن يوكل عنه كلاّ من الأستاذ فؤاد رزق واسكندر النقاش ورامز شوقي وسليم أبو اسماعيل ، بمعرفة واشراف وكيله العامّ الأستاذ ادوار نون ، وذلك لاستعادة جنسيّته السليبة اليه بعد ذلك التجريد والتشريد الغريبين .
وقد جاء في المادّة الخمسين من الدستور اللبناني ما يلي :
” عندما يقبض رئيس الجمهورية على أزمّة الحكم عليه أن يحلف أمام البرلمان يمين الاخلاص للأمّة والدستور بالنصّ التالي :
أحلف بالله العظيم أنّي أحترم دستور الأمّة اللبنانيّة وقوانينها ،
وأحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه ” .
نعم لقد أقسم فخامة الرئيس في البرلمان أمام نواب الأمّة بأنه سيحترم الدستور وقوانين هذا الدستور .
ولكن بعمله هذا تجاوز صلاحيّته ، ولم يحافظ على الأمانة الملقاة على عاتقه عملا بنص الدستور الصريح القائل بمادّته الستين :
” لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته الاّ عند خرقه الدستور وفي حالة الخيانة العظمى ” .
فبتجريد أيّ فرد لبناني – بقطع النظر عن الدكتور داهش – من جنسيته اللبنانيّة يكون بموجب هذه المادّة مسؤولا ، ومحاكمته واجبة أمام مجلس النواب الأعلى لأنّ المادّة الستين تتابع النصّ قائلة :
” أمّا أنّ التبعة فيما يختصّ بالجرائم العموميّة فهي خاضعة للقوانين العامّة . ولا يمكن اتّهام الرئيس بسبب هذه الجرائم ، ولعلّتي خرق الدستور والخيانة الكبرى ، الاّ من قبل مجلس النواب …ولا تجوز محاكمته الاّ أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة الثمانين”.
وجاء في المادة الحادية والستين من الدستور :
” يكفّ رئيس الجمهورية عن العمل عندما يتّهم ، وتبقى سدّة الرئاسة خالية الى أن تفصل القضيّة من قبل المجلس الأعلى ، اذ انّ واجب المجلس النيابي أن يقوم بتعهّداته تجاه الأمّة وتجاه ضميره وتجاه القانون ” .
والمادة السبعون تقول :
” لمجلس النوّاب أن يتّهم الوزراء بارتكابهم الخيانة أو باخلالهم بالواجبات المترتّبة عليهم ” .
والمادة الحادية والسبعون تقول ما نصّه بالحرف الواحد :
” يحاكم الوزير المتّهم أمام المجلس الأعلى ” .
والمادة الثانية والسبعون تقول :
” يكفّ الوزير عن العمل فور صدور قرار الاتّهام بحقّه . واذا استقال فلا تكون استقالته سببا لعدم اقامة الدعوى عليه أن لايقاف المعاملات القضائيّة ” .
وها نحن منتظرون لما سيقوم به مجلس النوّاب والأمّة ، بعدما شرحنا لهم ما قام به فخامة الرئيس ووزيرا الداخليّة والعدليّة بتجريد رجل لبناني من جنسيّته وابعاده عن مسقط رأسه بعد ظلمه وسجنه ونفيه دون محاكمة وبدون موافقة المجلس على ذلك التجريد .
انّ المادة الثامنة من الدستور صريحة حيث تقول :
” الحريّة الشخصيّة مصونة وفي حمى القانون ، ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف الا وفاقا لأحكام القانون ، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة الا بمقتضى القانون ” .
ثمّ ان المادة الثالثة عشرة من الدستور اللبناني تقول :
” انّ حريّة ابداء الرأي ، قولا وكتابة ، وحريّة الطباعة ، وحريّة الاجتماع ، وحريّة تأليف الجمعيّات مكفولة جميعها ضمن دائرة القانون ” .
ونحن نقول انّ معالي وزير العدلية أوعز الى قلم المراقبة بأن يرفض أيّ ردّ بقلم الدكتور داهش ، أو أحد وكلائه أو أصدقائه ، وسمح للصحف أن تنشر ما تشاء ضدّ الدكتور داهش .
نعم هذا ما فعله في عهد الاستقلال وفي ظلّ الدستور المقدّس .
وقد جاء في المادة التاسعة عشرة من الدستور اللبناني ما يلي :
” في الأصل لا ينشر قانون الاّ بعد أن يقرّه مجلس النوّاب ” .
ورئيس الحكومة بموافقة وزيري الداخليّة والعدليّة أصدر قانونا دون الالتجاء الى مجلس النواب .
وهذا القانون يقضي بتجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانية بعد أن كان مسجونا بالظلم ، وتمّ ابعاده ، ليس خارج الحدود اللبنانيّة فحسب ، بل السوريّة أيضا ، أي من قرية ( اعزاز) الى الحدود التركية ، وهاذ أغرب مرسوم صدر .
فهل ينشر قانون تضرب به الحكومة المادّة التاسعة عشرة عرض الحائط كأنها حبر على ورق ؟
وهل يرضى المجلس النيابي بأن يتجاوز حقوقه وواجباته ، والمجلس هو سياج الأمّة ، ومنها استمدّ قوّته ؟ فبناء عليه نرجو بعريضتنا هذه من المجلس النيابي الكريم أن يستجوب الحكومة لتعيد الى الرجل البريء جنسيّته اللبنانيّة بعد أن مرّت عليه عدّة أشهر خارج لبنان ، وهو يعاني مرارة التجريد والتشريد والحرمان . ولا ريب أنّ الرئيس والأعضاء سينصتون الى هذه العريضة بآذان صاغية وقلوب واعية ، فيصدرون حكمهم بالغاء نزع الجنسيّة الذي لم يستند على القانون ولا على أيّة مادّة من موادّ الدستور الصريحة .
واذ ذاك يعود لكلّ ذي حقّ حقّه ، وتنالون شكر الأمّة وتقديرها لعدالتكم ونزاهتكم وتطبيقكم لمواد الدستور الذي هو قدس الأقداس ، وحامي جمى الجميع ، والسلام .
بيروت في 25 كانون الثاني سنة 1945 ماري حدّاد
ملاحظة :
نلفت نظر النائب الكريم الى نصّ الرسالة التي بعث بها الدكتور داهش من حلب الى وكيله الاستاذ أدوار نون وفيها شرح مؤلم لما أصابه من ظلم وارهاق رهيبين ….
رسالة مؤسّس الداهشية
الى المحامي أدوار نون
أخي الاستاذ ادوار نون حفظك الله .
يا أخي انّ ما حدث لي ، وما سأرويه لك لهو أشبه بالأساطير اليونانية .
ومن يقرأ حكايتي يظنّني روائيّا بارعا لفداحة ما أصبت به من الحكومة اللبنانية في عصر الحرية والنور ، والتبجّح بالتمسّك بنصوص القوانين الموضوعة .
والآن أصغ الى قصّتي الواقعيّة ، وبلّغها لآذان الرأي العامّ وللمراجع الرسميّة ، علّك تستطيع انتزاع حقّي السليب من هؤلاء الذين لم يتورّعوا عن دفعي الى الموت لغاياتهم الوضيعة . فشاء لي الله الخلاص ، وأنوفهم راغمة .
بتاريخ مساء السبت الواقع في 9 أيلول 1944 قدم الى سجن الرمل كلّ من مدير البوليس عارف ابراهيم وعمر طبارة ، رئيس دائرة التحرّي ، ومحمّد علي فياض ، كوميسار منطقة البرج ، وطلبوا من الجاويش قيصر الذي كان دور حراسته في ذلك المساء أن يبلّغني أنّ مذكّرة اخلاء سبيلي قد صدرت بحقّي ، وأنّ ادارة السجن ستخلي سبيلي في هذا المساء بشرط أن لا أخبر أيّ سجين أو أيّ شخص آخر من الحرس عن هذا الأمر . وبالفعل حضر قيصر وبلّغني عن هذا الأمر ، وأقسم عليّ ان لا أبلغ أحدا عما سمعته . وهنا داخلني الريب وقلت له :
- اذا كان حقيقة ما تقول ، فلماذا هذا التكتّم ؟ ولماذا لا أخرج الآن ؟
أجاب : ” لأن المذكرة لم تصلنا حتى الان ” .
قلت له :
- وكيف عرفت بها اذا ؟
قال : ” هذا لا يهمّك معرفته ، والمهمّ أن أشخاصا سيحضرون في الساعة العاشرة ليلا ويوصلونك . فقط أكتم هذا كلّ الكتمان ” .
أجبته : ” اعلم يا قيصر أنني لا أخطو خطوة خارج السجن الاّ اذا حضر كلّ من الدكتور خبصا والاستاذ ادوار نون ، فعندها يتأكّد لي صدق كلامك فأذهب برفقتهم . أمّا اذا حضر سواهم فانها مؤامرة للتخلّص منّي ” ….
وغادرته وأنا في أشدّ حالات الانفعال . أمّا هو فعاد يرجوني ويكرّر عليّ كتمان الأمر . وبطبيعة الحال دخلت الى غرفة السجن ، وبلّغت المساجين قائلا لهم : ” توجد مؤامرة خطيرة على حياتي ، فانهم يريدون ، مثلما يزعمون ، أن يخلو سبيلي بشرط أن أكتم هذا الأمر ، وقصدهم الحقيقي من هذا الكتمان أنه عندما أخرج ، أو بالأحرى عندما يخرجونني ، اذ ذاك يطلقون عليّ النار ، ويدّعون قائلين : ” انّه حاول الهرب وتمكّن من الخروج ، فاضطررنا لأن نطلق عليه النار ” ، ويسدل الستار على هذه الجريمة . والآن اعلموا جميعا أنّ هذا الأمر ، اذا وقع ، فواجبكم ان تبلّغوا أهلي وأصدقائي كي يذيعوا للرأي العامّ تفاصيل هذه الجريمة الرهيبة ” ….
وقد عرف قيصر بأنني بلّغت السجناء فلم يكن راضيا . وللحال بلّغ بدوره مدير البوليس وزميله عن معرفة جميع السجناء بتفاصيل الحادث ، فأسقط في أيديهم ولم يكونوا ممتنّين .
وفي الساعة العاشرة ليلا فتحت غرفة السجن ، وتقدّم مني قيصر وبرفقته دركيّان ، وقالوا لي : ” انهم ينتظرونك كي تذهب برفقتهم ” . فمانعت جدّا ، لأنني عرفت بالمكيدة . ولكنّهم أصرّوا الاصرار كلّه . فلم أقتنع وطلبت منه المذكّرة التي تقول باخلاء سبيلي ، وقرأتها .
ثم بالرغم عنّي أخذت الى غرفة المدير . وهناك وجدت من ذكرتهم لك ، أي مدير البوليس وعمر طبارة ومحمد علي فياض ينتظرونني . فطلبت منهم استدعاء أصدقائي ، فمانعوا وقالوا : ” نحن نوصلك ” . وقد ذهبنا أوّلا الى منزلي ، فشاهدته مطوّقا بعشرات من رجال البوليس ، فدهشت جدّا . ومن هناك قصدنا منزل الأخ جورج حدّاد ، عديل صديقك سابقا ، كي آخذ بعض النقود من شقيقتي ، لأنهم أخبروني أنهم ينوون أخذي الى طرابلس الشام لأمكث فيها مدّة شهر ، ثم يعيدونني الى بيروت .
وعندما وصلنا الى منزل الأخ جورج قرع محمّد علي فياض جرس المنزل ، وأطلّت علينا شقيقتي أنطوانيت . فاستدعيتها للنزول ، ففعلت . ونزلت معها ماجدا ابنة جورج حدّاد . وما شاهد محمد علي نزؤلهما حتى جذبني بشدّة عظيمة ، فحاولت التخلص من جذبه العنيف . وهنا دارت رحى معركة رهيبة استعمل فيها عمر طبارة اطلاق أربع أو خمس طلقات نارية من مسدسه .
وما لبث أن شعرت بضربة من مسدّس محمد علي فياض على أم رأسي ، فهويت الى الأرض لا أعي شيئا من هول الرطمة التي نالتني من يد هذا الوحش الأثيم .
والغريب أنني كنت أسمع الضوضاء والصيحات والأحاديث التي كانت تدور بين المجتمعين ولكنني لا أستطيع أن أتكلّم ، فقد عقد لساني من هول الضربة . وأخيرا وضعوا القيد الحديديّ في يدي ، وحملوني ، ثم ألقوني بسيّارة مدير البوليس الشهم ، بارك الله بأصله السامي .
وأقسم لك يا أخي العزيز بربّ السماء ، وبدم يسوع المسيح الطاهر ، أن الوغد الهمجيّ محمد علي فياض منذ القاني في السيّارة حتى بلعت الى مركز البوليس على البرج ، وهو ينهكني بلطمات عنيفة جدّا على وجهي وفكّي وصدري ورأسي وكافّة أعضائي ، وهو يشتمني بشتائم لم أسمع طوال عمري أحطّ من عباراتها .
وعندما بلغت الى المركز العامّ الذي تعرفه جيّدا ، طلب إلي أن أنزل ، فحاولت النزول ، ولكنّني لم أستطع من عظم ما لاقيته من ضرب مبرّح ، واذا بهؤلاء الوحوش الثلاثة يهوون عليّ بقبضات أيديهم . وانبرى محمد علي يركلني بقدمه بكلّ ما أوتيه من قوّة لأخرج ، فتحاملت على نفسي ، فما استطعت الى ذلك سبيلا ، بل سقطت من الاعياء ، ولم أستطع السير على قدمي . وهنا كان على درج المركز عشرات من البوليس ، فحملوني وأدخلوني الى غرفة رجال التحري التي تقع بالقرب من غرفة عمر طبارة !
وهنا نعم هنا أمسك الوغد محمد علي فياض سوطا غليظا وراح يهوي له على جسمي بصرامة رهيبة خلت معها أنّ روحي قد خرجت من بين جنبيّ ، وتشقّق اللحم متفسّخا ، وانبثقت الدماء من جسدي . وبالرغم من هذا ، فانّه لم يكفّ عن متابعة سوطي بقوّة ، حتى تصبّب العرق منه ، وأصبح يلهث كالحيوان الذي قام باعماله الشاقّة طوال نهاره وليله .
وهنا ألقى السوط من يده ، فأمسكه عمر طبارة وأكمل جلدي بقوّة عظيمة . وعندما تعب من كثرة الجلد تناوله آخر ، فآخر ، فآخر …حتى ظننت أنهم يريدون اماتتي بواسطة الجلد .
وأخيرا تقدم مني عارف ابراهيم مدير بوليس بيروت الفائق الرقّة والتهذيب وذو الأخلاق الكريمة …وراح يصفعني صفعات متتاليات بكلّ ما لديه من عزم وجبروت ، فانبثق من فمي الدم ، وما عدت أعي شيئا ، لأنّ الأرض دارت بي ، أو درت بها ، وغاب الوجود من أمامي …وعندما استيقظت كانت يقظتي على مياه باردة سكبها هؤلاء الجلاّدون عليّ ، وأعادوا الكرّة للمرّة الثانية من جلد وتعذيب ، ثم جملوني الى السيارة ، والشتائم المبتذلة التي يخجل السوقة من التلفّظ بها تنصبّ على رأسي من فم الشريف والحسيب النسيب محمد علي فياض كوميسار منطقة البرج ، هذا الرجل المؤتمن على الأخلاق ، وعلى المحافظة على المن العام . فيا للعار !
والويل لك ايتها الأمّة المنكوبة بمثل هؤلاء السفّاحين الأجلاف !
وفي السيارة ، نعم في السيارة يا أخي ادوار ! ….أركبوني فيها وأنا مكبّل بالحديد ، وجلس عن يميني رجل التحري المدعوّ عبد السلام عيتاني ، والذي جلس عن يساري اسمه سيزاك ستراك ، أمّا السائق فاسمه محمد المكّي وهو ابن الشيخ حسن مكّي ، وهو بوليس تحرّ أيضا ، وقد جلس بجانبه المفوّض عمر طبارة .
وهنا أيضا – بكلّ أسف يا أخي ادوار – أمسك عمر هذا بسوطه ، وراح يسوطني به ، والسيّارة سائرة بنا ، ووجهتها طرابلس ، فتألّمت جدا ، وقلت له : ” أليس من العار أن يجلد رجل لم يسىء الى أحد من الناس ، ولم تثبت عليه تهمة ، لا من النيابة العامة ولا ومن رجال الشرطة الخفية ؟ وهب ( لا سمح الله ) أنّ أيّة تهمة ثبتت عليّ ، فهناك محاكم كي تحاكمني بموجب قوانين البلاد ، ثم تحكم عليّ بالسجن …أمّا الضرب والجلد والارهاق والتعذيب فهذا ممّا لا تستعمله سوى الشعوب الهمجيّة البربريّة ” .
وكأنّ كلامي هذا كان حافزا له لتجديد جلدي ، ففعل ، واذا بضربتين من سوطه تقعان على قلبي ، فشعرت أنه قد توقّف عن الخفقان . وسوط آخر هوى به على يدي اليسرى عطّل لي ثلاثة أصابع منها ، فعدت للغياب عن الوعي . وعندما عاد إلي شعوري في الطريق وجدت السيّارة ما زالت تنهب بنا الأرض نهبا ، أمّا أنا فقد كانت هيئتي على الصورة الآتية :
كنت أرتدي قميصا ممزّقا من تأثير المعركة دون جاكيت ، لأنّ محمد علي جذبني منها وخلعها عن جسمي ، ثم ألقاها أرضا وداسها بقدميه . وكان البنطلون ممزّقا أيضا ، ورأسي مورّما من هول اللطمات التي أصابتني ، وجسمي معجونا بعضه ببعض من مئات السياط التي نالتني على أيدي هؤلاء الأجلاف . ووجهي لو شاهده أقرب الناس إلي لما عرفه ، فقد كنت مورّم الوجه ، أعمش العينين ، أشعث الشعر ، وبحالة مؤسفة جدّا يتألّم لها حتى العدوّ .
ولم يكفني كلّ ما لقيته من اضطهاد مثلما يظهر لأنّ عمر طبارة أكمل قذفي بشتائمه المخجلة . ودهشت كيف تقبل حكومة تحترم نفسها بتوظيف مثل هذا المخلوق وأشباهه …وأكملت السيّارة سيرها وأنا أقول في كلّ لحظة انهم يريدون الآن اطلاق النار عليّ ، والانتهاء من أمري .
وفي الساعة التاسعة صباحا بلغنا حلب ، وهناك رأسا أصعدوني الى دائرة الامن العامّ الافرنسيّة للجيش .
ولمّا كان الوقت باكرا ، لم يكن بعد قد حضر الا موظّف واحد سلّموني له ، فأدخلني الى غرفة النظارة المخيفة ، ثم أغلق عليّ الباب . وبعد نصف ساعة تقريبا فتح عليّ الباب ، وطلب إلي الخروج ، ففعلت ، وأدخلت الى غرفة ثانية ، واذا بي وجها الى وجه مع الحاج توما ، وهو رئيس الدائرة ، وكنت قبل عامين أو أكثر قد اجتمعت مرة واحدة معه بدائرة الامن العام في بيروت ، فدهش عندما شاهدني الدهشة الكليّة ، واستفسرني عن الأسباب ، فأخبرته أن الحكومة اللبنانيّة تريد هكذا ، والسبب هو صداقتي لعائلة جورج حدّاد ، فدهش جدّا .
وهنا تعرّيت ، ودعوته يشاهد آثار الضرب العنيف الذي نالني على يد هؤلاء الأوغاد ، اذ كان ظهري ومؤخرتي وصدري قطعة واحدة من لطخة سوداء ، فذعر الحاج توما ولم يصدّق ما شاهدته عيناه . انّها وحشيّة لم يجر على غرارها الا في تلك العصور المظلمة السحيقة ، عصور محاكم التفتيش الرهيبة . وما لبث أن حضر الجلاّدون الأربعة وسلّموا الحاج توما رسالة بخصوصي ، فقرأها ، وقال لهم : ” انّها غير رسميّة ” . فقالوا له : ” اذن دعه يذهب معنا ” … فاستلموني وذهبوا بي الى سراي الحكومة ، وهناك أصعدوني برفقتهم ورفقة مدير بوليس حلب الى غرفة المحافظ احسان الشريف ، في الطابق العلوي ، وسلّموه رسالة مختومة ففضّها وقرأها . وهذه الرسالة أظنّها رجاء من حكومة لبنان كي تبعدني من سوريا أيضا ، ولا تسمح بسكني في حلب أو سواها من الأراضي السوريّة ؛ فهذا ما فهمته من أشخاص بعد خلاصي من التهلكة التي حفروها لي كي ألاقي بواسطتها حتفي .
وبعد أن تلا المحافظ الرسالة ، ناوله طبارة مرسوم اخراجي من الأراضي اللبنانيّة ، ولم يكن لي أي علم به الاّ في هذه اللحظة . واليك ما جاء في هذا المرسوم الذي لا يستند على قانون ، والذي لا يسمح به الدستور ولا النصوص الصريحة بخصوص الجنسيّة .
مرسوم رقم 1842 K
ان رئيس الجمهورية اللبنانية – بناء على الدستور اللبناني – وبما أن وجود السيد سليم موسى عشي المعروف بداهش في الأراضي اللبنانيّة من شأنه احداث اضطراب واخلال في السكينة العامة ، وبناء على اقتراح مجلس الوزراء ووزير الداخلية – يرسم ما يأتي :
المادة الأولى – يخرج السيد سليم موسى عشي المعروف بداهش من أراضي الجمهورية اللبنانية .
المادة الثانية – يبلّغ صاحب العلاقة مآل هذا المرسوم بموجب محضر ينظّم حسب الاصول .
المادة الثالثة – على وزير الداخلية تنفيذ هذا المرسوم .
بيروت ، في 8 أيلول 1944 الامضاء ( بشارة خليل الخوري)
صدر عن رئيس الجمهورية –
رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ( رياض الصلح ) .
يبلّغ الى رئاسة الجمهورية – رئاسة الوزارة – وزارة الداخلية – وزارة العدلية – صاحب العلاقة .
وعندما انتهى المحافظ احسان الشريف من تلاوته قال لعمر طبّارة :
” نحن لا نستطيع قبوله في أراضي سورية ما دامت حكومة لبنان لا تقبل به . وكان الأحرى بحكومة لبنان ، ما دام الرجل لبنانيّا ، ان لا تخرجه خارج حدود بلاده ، بل تبقيه في قرية لبنانية لمدّة تحدّدها له ” .
فأجابه عمر طبارة :
” انّ الرجل غير لبناني مثلما يزعم ” .
فأجبته للحال :
” أنت تتكلّم بغير الحقيقة لأنني لبناني ، وتذكرتي التي تؤكّد لبنانيّتي يعود تاريخها الى عام 1923 ” .
فأجابه المحافظ :
- انه لم يجرم في بلادنا ، والقانون لا يساعدني على وضعه في السجن دون جريمة ارتكبها .
- فأجابه عمر : ” انني أضعه على مسؤوليتي ” .
وهنا انتهت المقابلة ، فرافقوني الى غرفة رئيس فرقة التحرّي في حلب . وهناك جلس عمر المذكور وكتب ورقة قال فيها انه يضعني في نظارة حلب على مسؤوليّته حتى تبتّ الحكومة اللبنانية في أمري .
وللحال اقتادوني الى السجن المخيف ، وهو تحت السراي ، وينزلون اليه بعشرين درجة تحت الأرض . وقد مكثت فيه مدّة ثلاثة أيّام بلياليها . وكان قصدهم أن يميتوني ولا ريب .
أمّا اذا حدّثتك عمّا لاقيته في سجني من ضروب العسف والجور ، وما قاسيته من الجوع والعطش والعري والشتائم ، فان نفسك ستتألّم جدا ، لهذا أجتازه ، وأقول : في صباح يوم الثلاثاء أخرجوني من السجن ، وأصعدوني الى الطابق العلويّ . وبعد أن عرضوني للمسؤول عن أخذ البصمات والعلامات الفارقة ، قام بمهمّته وأخذ بصماتي وعلاماتي الفارقة كأنّني مجرم مزمن ، ثم اقتادوني الى المصوّر ، فأخذ صورتي وأنا بتلك الحالة المحزنة ، ثم أعادوني ثانية الى السجن المظلم الرهيب .
وفي الساعة الحادية عشرة ، أو أزيد ، من صباح يوم الاربعاء أخرجوني من السجن ، وأنا بحالة أقرب فيها الى الموت منه الى الحياة ، وأركبوني بالسيارة التي أوصلوني بها من بيروت الى حلب ، وذهبوا بي الى قرية سورية تبعد عن حلب مسافة 45 كيلومتر على وجه التقريب اسمها اعزاز . وعندما بلغناها اقتادوني الى مخفر الدرك ، واختلوا بقائد الدرك ، ولفّقوا عليّ ما شاء لهم التلفيق ، وأعطوه التعليمات التي زوّدهم بها رؤساؤهم ، ثم عادوا وطمأنوني بأن مصيري قد بتّ فيه ، وبأنني سأمكث مدّة شهر في اعزاز في أي مكان أختاره ، ولكن يجب علي أن أثبت وجودي في كلّ يوم أمام مخفر الدرك .
ثم ودّعوني بعد أن طبع عمر طبارة الخبيث على جبيني ، ويا للسخرية !…قبلة سبق وطبعها يهوذا الاسخريوطي على جبين سيّده قبل تسليمه ليد أعدائه .
أمّا أنا فما كدت أذهب لاسأل عن فندق لآخذ فيه قسطا من الراحة ، وأتناول بعض الطعام ، بعد أن كادت روحي تزهق من شدّة النصب والجوع والعطش طول مدة سجني في بيروت وحلب ، اذا باثنين من رجال الدرك يغذّون السير في أثري , وللحال وصلوا إلي ، وألقوا القبض عليّ ، وأفهموني أني بتّ أسيرهم ، وأنّ سيارة تنتظرني لتقودني الى الحدود التركية .
فدهشت جدّا ، وأبيت أن أصدّقهم . فاقتادوني الى المركز ، وهناك أطلعوني على قرار رقمه ( 413 ) أصدره عليّ ، علي ما يظهر محافظ حلب ، وهو يقضي باخراجي من الحدود السورية ، وادخالي ضمن الحدود التركية التي لا تبعد عن اعزاز أكثر من خمسة أو ستة كيلومترات .
فذعرت ، وعرفت بالمؤامرة الرهيبة ، ورفعت عيني الى السماء أستمطرها اللعنات على أصحاب الضمائر الميتة .
وهذا القرار يقول في فقرة من فقراته : ” اذا وجد في أي وقت من الأوقات الدكتور داهش ضمن الأراضي السورية فانه يلقى القبض عليه ، ويحاكم ، ثم يسجن عملا بقانون قمع الجرائم ” .
وبعد توسّلات عديدة قبل القائد أن أمكث ليلتي في اعزاز ، فأدخلوني السجن أيضا فبتّ ليلتي بضيافته . وفي الصباح الثاني ، وبعد الظهر منه ، اقتادوني الى الحدود التركية ، ليدخلوني فيها .
أمّا قصد الحكومة اللبنانية ، من وراء اتّفاقها مع الحكومة السورية على ابعادي من بلادها السورية وادخال الى الحدود التركية ، فهاك أسبابه :
عندما يشاهدني الحرس التركي سيطلق النار عليّ ولا شكّ ، أو أنهم يحاكمونني ، ثم يحكمون عليّ بالاعدام كجاسوس نظرا لظروف الحرب ، وخصوصا لأنهم سيدفعون بي الى داخل الحدود دون أن يسلّموني للحكومة التركية تسليم اليد .
ولو فرضنا المستحيل ونجوت من الاعدام ، فالقانون التركي يقضي بأن يسجن من يلقى عليه القبض ضمن حدوده مدّة ثلاثة أشهر ، ثم يخرج الى خارج الحدود . وهكذا ان نجوت من الاعدام فانهم يحكمون علي بالسجن مدّة ثلاثة أشهر ، ثم يخرجونني الى الحدود ، فيلقي رجال الدرك السوريّ عليّ القبض ، ويسجنونني المدة التي سيحكم عليّ بها ، وفي نهايتها يبعدونني الى الحدود التركية ، فيعاد تمثيل هذه المأساة الى ما شاء الله ، ويقضى عليّ في السجن .
والآن انني أطلب منك يا أخي ادوار أن ترفع قضية على ( الحكومة اللبنانية ) لعملها الغير القانوني ، وترفع قضيّة على من اعتدى عليّ منهم ، وأن تدع الأستاذ حليم دمّوس ينقل رسالتي هذه على نسخة ثانية ، ويرفع بواسطتها بدوره قضية على الحكومة وعلى المعتدين ، وأن تجري اللازم مثلما يخوّله لك القانون كموكّلي .
وفي الختام سلام من المتألّم .
حلب في 12 تشرين الاول 1944
صديقك
الدكتور داهش
من مؤرّخ الرسالة الداهشية
الى صاحب مجلة ” العالم العربي “
53 – شارع ابراهيم باشا القاهرة
الى الاستاذ منير خليل واسعد حسني
أخي صاحب مجلّة ” العالم العربي ” أيّدك الله .
أمّا بعد التحية الأخويّة فانّني أرسل اليكم قطعة ثمينة أرى من الضروري نشرها برمّتها ، اذ فيها شرح كامل لمراحل الجريمة ( المعلومة والمجهولة أسرارها ) التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري المخلوع ، وأفراد عائلته ، وطغمة رجال الدين المتعصبين ضدّ المصلح العظيم مؤسّس الداهشيّة ، الذي جعل مئات العائلات المسيحيّة يؤمنون ايمانا صحيحا بالنبيّ محمّد وبقرآنه الكريم المنزل .
وقد اجتمعت بعشراب بل بمئات الأشخاص في الآونة الأخيرة ممّن طالعوا ما نشرتموه عن القضيّة الداهشيّة ، وسألوني أسئلة عديدة عن مجلّتكم وعن القضيّة الداهشيّة ، ورجوني بالحاح أن أطلب من السيّدة ماري حدّاد كي تبعث الى مجلّتكم الغرّاء من مذكّراتها القديمة والجديدة ، وخصوصا ما دوّنته في مذكّراتها عن الأسباب الحقيقيّة التي دعت الى اضطهاد مؤسّس الداهشيّة ، ففعلت وأخذت منها هذه القطعة التاريخيّة الثمينة التي ترونها في طيّه ، والتي آمل أن تنشروها دون أن تحذفوا منها شيئا . وبهذا تكون مجلتكم هي الوحيدة التي تنشر أسرار هذه القضيّة الهامّة التي يهتمّ لها الرأي العام فعلا . كما أنّني آمل أن تنشروا صورة ميشال شيحا المسبّب الأساسي للجريمة ، لأنّ كثيرين طلبوا أن يشاهدوا رسمه . وقد أرسلته اليكم بتحريري السابق .
هذا والمولى القدير يكلأكم بعين عنايته ، ويوفّقكم برعايته الصمدانية ، واسلموا لأخيكم .
بيروت 8 آذار 1953 حليم دموس
داهش والداهشيّة
من مذكّرات الأديبة المعروفة
السيدة ماري حدّاد الداهشيّة
أسرار القضيّة التي هزّت أركان العهد البائد
صحافة المهجر وأدباؤها يذيعون تفاصيل الجريمة المرتكبة
ضدّ الداهشيين
فضائح هائلة يذيعها الداهشيّون ضدّ رجال العهد اللبناني المندثر
بيروت – لمراسل العالم العربي – ما كاد العدد الأخير من ( العالم العربي ) يوزّع في لبنان وسوريا حتى تخاطفته أيدي القرّاء بلهفة بالغة ، وطالعوا بنهم وشوق شديدين ما تنشره السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة عن أسرار اضطهاد زوج شقيقتها بشارة الخوري الذي خلعه الشعب وما أنزله من تنكيل وارهاق بالداهشيين طوال حكمه المجرم الذي امتدّ تسع سنوات طويلة . وقد اتّصل بي الكثيرون وبلّغوني أن أشكر صاحب مجلّة ( العالم العربي ) لافساحه صدر مجلّته الحرّة لنشر أنباء هذه المأساة الداهشيّة ، وأعلموني بتشوّقهم الشديد لمعرفة أسباب اضطهاد داهش الأساسيّة ، فاتّصلت بدوري بالأديبة السيّدة ماري حدّاد التي سلّمتني هذه المذكّرات الثمينة التي أرسلها بدوري الى مجلّتكم كي تنشر فيها . فيطّلع العالم العربي على حقيقة الأسباب والدوافع التي حدت ببشارة الخوري لارتكاب تلك الجريمة التي دوّت أنباؤها في ارجاء المعمور ، وسيخلّدها التاريخ بين دفّتيه كوصمة عار . انها قضيّة القرن العشرين ومأساته الأليمة .
الى كلّ مغترب لبنانيّ أذيع هذه الحقائق المروّعة المرعبة .
كان للجريمة الرهيبة ، التي أقدم عليها الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة الأثيم ، وقع عاصف في المهجر . وهناك عشرات من الصحف العربيّة وسواها نشرت أنباء هذه الجريمة الشائنة ، وعلّقت عليها بما بلغ اليه علمها .
ومنذ أيّام وافانا البريد برسالة من الكاتب العربيّ المعروف الاستاذ جبران مسّوح صاحب مجلّة ( المختصر ) التي تصدر في ( بونس أيرس ) ، ففضضتها وطالعتها . واذا بهذا العربيّ الأبيّ يطلب منّا تفصيلات وافية عن أسباب ومسبّبات تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة ، كي ينشر عنه للمهاجرين المتعطّشين لمعرفة أسرار هذه الوصمة السوداء ، واللطخة الهائلة التي وصمت بشارة الخوري وزوجته ، وشقيقها ميشال شيحا ، وهنري فرعون الذي أمسكه حرس الليل في حالة مريبة مع أحد الغلمان …
وللحال بادرت وكتبت الى الأستاذ مسّوح التحرير الذي سيطالعه القارىء الكريم . وهكذا كانت نتيجة الظلم الشنيع ، والاعتداء الفظيع على بنود الدستور ، ودوس بشارة الخوري على موادّه المقدّسة ، بعدما أصغى لنصائح ميشال شيحا ، ورضخ لأوامر زوجته لور ؛ فذاع عملهم الشائن في كلّ مكان ، وتحدّثت به الركبان ، في لبنان وخارج لبنان .
فاليكم يا أبناء المهجر هذه المأساة الصارخة طالعوها ، واطّلعوا على خفاياها ، وليحدّث الصديق صديقه ، والرفيق رفيقه عمّا ارتكبته وترتكبه هذه العصابة الشرّيرة . ففي نشركم هذا تؤدّون أجلّ خدمة لأبناء وطنكم من مقيمين ومغتربين .
وامنعوا الراغبين في العودة الى الوطن ، في هذا العهد الفاسد ، حتّى يقضي الله على هذه الطغمة الأثيمة بعد أن تتردّم ترديما ، وتتحطّم تحطيما ، ولا تعود ويقوم لها قائمة ؛ بل تصبح في حياتها الآتية حائرة هائمة .
أمّا الآن فاليكم تحرير الأديب جبران مسّوح صاحب مجلّة ( المختصر ) ، وهذا نصّه :
بونس أيرس , 27 كانون الثاني 1946
سيّدي
أرسلت اليكم مع البريد نسخة من مجلّتي ( المختصر ) كهديّة لكم .
وفي العدد الثاني نشرت شيئا عن حادث الدكتور داهش , وكيف نفتّه الحكومة وجرّدته من جنسيّته اللبنانيّة بمساعي ميشال شيحا , شقيق عقيلة رئيس الجمهوريّة الذي انساق بدوره لكردينال ومطران .
فالذي أرجوه من فضلكم أن تخبروني عن هذا الحادث كلّ ما لديكم من التفاصيل ,حتّى اذا نشرت عن هذا الموضوع أكون قد نشرت حقائق مأخوذة عن مصدر وثيق .
ماذا عمل الدكتور داهش حتّى استحقّ الاعتقال والنفي والتجريد من الجنسيّة ؟
ما هي سلطة الكردينال والمطران حتى يتدخّلا في شريعة البلاد , ويؤثرا على السلطة الحاكمة ؟
لماذا انفصلت العائلات المظلومة عن الكثلكة , وأبرقت الى ( البابا ) في ( روما ) عن انفصالها بسبب اضطهاد داهش ؟
جميع هذه التفاصيل أرجو الإفادة عنها بكلّ صراحة ودقّة عند سرد الحوادث ليكون للكلام قيمته , أي لا تدعوا للغاية أو التشفي سلطة عليكم عندما تكتبون إلي ّ.
واني بأنتظار جوابكم لأنشر كلّ ما يختص بهذا الموضوع الخطير واقبلوا شكري واحترامي .
جبران مسّوح
وهذا هو تحريري اليه ردّا على رسالته الاستفساريّة :
لحضرة الصحافيّ القدير والأديب النحرير جبران مسّوح المحترم
تحيّة عطرة أرسلها من لبناننا المكبّل , الى ابن المهجر الحامل شعلة الثقافة والحريّة ، في بلاد غمرتها أنوار المدنيّة . أمّا بعد ، فأبدأ رسالتي بالثناء على أريحيّتكم ، ونخوتكم الشهمة ، بالاهتمام في قضيّة الدكتور داهش ، ونشر شيء عنها في مجلّتكم ( المختصر ) دفاعا عن الحقّ المهضوم ، وعن العدالة التي عبثت بها الغايات . وهذا ممّا يؤكّد لنا نبالة أخلاقكم ، لأنّ المظلوم قلّ أن يجد مناصرا لوجه الله في أرض طغت عليها ( المادّة ) ، وفي عالم كلّ ما يجري فيه مبنيّ على المنافع الخسيسة ، وعلى المآرب الحقيرة .
وفي اهتمامكم بهذه القضيّة ، واعلان فصولها ، تكونون قد خدمتم ليس المبادىء القويمة فحسب ، بل جميع أبناء المهجر ، وذلك باعطائهم فكرة صادقة عمّا يجري في بلادهم من طغيان وارهاق واضطهاد ، وظلم واستبداد ، في عهد الخوري رئيس الجمهورية اللبنانيّة ، وفي عهد زمرته التي يطلقون عليها رسميّا اسم ( الكتلة الاستقلاليّة ) . وكم كان الأمر أقرب من الحقيقة لو أطلقوا عليها النعت الذي ينعتها به الشعب بأكمله ألا وهو ( الشرذمة المجرمة الاستغلاليّة ) التي ضجّت البلاد من فظائعها الرهيبة ، وفضائحها النتنة ، وجرائمها المروّعة ، ونشرت الصحف المحليّة والعربيّة عن مآسيها ومعاصيها الفصول الطوال . وأنتم بلا شكّ مطّلعون تمام الاطّلاع على هذه الوقائع الصادقة الصادعة .
أمّا القضيّة التي طغت بفظاعتها على جميع الجرائم المرتكبة ، حتى أصبحت محطّ اهتمام كلّ فرد ليس في لبنان فقط ، بل في جميع الأقطار العربيّة ، فهي قضيّة الدكتور داهش ، تلك الحادثة الهائلة التي لم تسجّل مثلها حتّى قرون الهمجيّة ، وأجيال الاستبداد والتنكيل في عصور محاكم التفتيش المدلهمّة .
وبما أنكم تطوّعتم للدفاع عن الرجل المظلوم ، وطلبتم التفاصيل عن مصادرها الأصليّة ، كي تطلعوا عليها الرأي العامّ في المهجر ، فها انني أجيبكم عليها لأنيركم عن حقائق الأمور ، وعمّا هو مكشوف ومستور . وجميع ما أكتبه اليكم ، وجميع ما نشرته في مؤلّفاتي ( أي الكتب السوداء ) التي بعثت بها اليكم لا يعبّر الاّ الشيء القليل عن الحقيقة المؤلمة ، ولن يستطيع أن يصف الآلام الجسام ، والعذابات العظام التي حلّت بنا بسبب استبداد حكومتنا ، وعلى رأسها ( دكتاتور لبنان ) الطاغية بشارة الخوري ، هذا المجرم الأصيل . فليس في القول مبالغة . والوقائع هي أمام الجميع تثبت مراحل الظلم ، وتخفي الأحزان النفسيّة ، والآلام الروحيّ’ التي لا يشعر بها الاّ من ابتلى بهذه المظلمة .
من هو داهش؟
الدكتور داهش رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره .
نشأ في عائلة نكبها الدهر فذاق من العذاب ومن بطش الأقدار أهوالا . وهو شخصيّة فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها ، عركها الدهر عركا جبّارا ، فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كلّ ما هو عادل نبيل شريف .
وقد تعرّفنا اليه اتّفاقا ، فوجدنا فيه مقدرة روحيّة ، وعبقريّة أدبيّة جذبتنا اليه مع لفيف من خيار القوم أدبا وثقافة .
وهو صاحب مؤلّفات تجاوز عددها السبعين ، رغم سنّه الحديث ، خاض فيها المواضيع الاجتماعيّة بروح عالية وأفكار تعود بالخير على جميع من يطالعونها ، وبأسلوبه السهل الممتنع الذي أعجب أدباء الشرق ممّن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة ، وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبّي الآداب .
وها انّني أرسل اليكم شيئا من هذه المؤلّفات لكي تطّلعوا عليها ، وربما نالت استحسانكم .
وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح دينيّ ، واجتماعي عظيم ، صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت عليه المظالم ، يأكل فيه القويّ الضعيف ، ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع .
وهو ينشد ( المحبّة ) بين الشعوب والأفراد ، تلك المحبّة التي أوصت بها جميع الأديان ، والتي تعبث في تحقيقها الغايات الغاشمة .
وهو ينشد الترفّع عن ( المادّة ) الطاغية ، والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .
وهو يتغنّى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجبات اصلاحيّة في كلّ فرد .
ويرى لأجل تحقيق هذه الأساطير الخياليّة – ويا للأسف – أن لا طريق سوى العودة الى ما أوصى به المصلحون والمرسلون والأنبياء الأطهار .
فالأديان قد انقلبت الى مؤسّسة تجاريّة تنحر فيها الفضيلة والمبادىء السامية على مذابح المادّة والشهوات ، ومنابر النور والهداية قد انقلبت الى منابر ظلام .
وكم وكم من الاختلاقات الوضيعة قد أضافها رجال الدين الى الدين الصحيح مدى الأجيال والقرون .
وكم وكم من البدع ما زالوا يبتدعونها للحصول على ذلك المال الخسيس ، وتلك السيطرة الدنيويّة الزائلة الفانية .
فالدين لم يبق دينا ، بل أصبح آلة تتلاعب بها يد الغايات ، وقد شوّهت هذه المآرب وجهه الجميل ، فجعلته آية ازدراء واحتقار بين الشعوب ، وعنوان الظلام والظّلاّم الغلاظ الرقاب عوضا من أن يكون شعلة نورانيّة مقدّسة تهتدي بها الجماعات ، وتسير في أثرها الأمم .
وقد وطّد الدكتور داهش العزيمة على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري ، وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة والى وصايا الأنبياء ، وليس مثلما يعلّمهم ايّاها رجال الدين النفعيّين .
كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح ، وهي ارادة الله عزّوجلّ .
فالتعصّب جريمة بشريّة تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدمويّة التي جرت في تاريخ العالم من جرّاء التعصّب الذميم الاّ بيّنة صريحة وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .
فرغبة الله جلّ جلاله لا تتّفق البتّة مع استعمال الأديان لغايات تعصّبيّة قبيحة . فالأديان جعلت مختلفة اختلاف الشعوب والألوان ( ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ) . ولكنها جميعها تأمر بالعدالة والمحبّة الشاملة لا بالأحقاد والضغائن .
أمّا نحن فقد جذبنا هذا التعليم الصحيح الفصيح فانضممنا الى الدكتور داهش ، وأصبحنا ندين بأفكاره ومبادئه .
تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة
وقامت قيامة رجال الدين المنتمين الى الكنيسة الرومانيّة من موارنة وسريان كاثوليك وأرمن كاثوليك وسواهم , وفي طليعتهم المطران مبارك , والقاصد الرسولي الكردينال تبّوني , لأنهم شاهدوا أن مبادئ داهش أخذت تسري وتجري في جميع الأوساط .
وقد شعروا أن بهذا التعليم الحق القضاء التامّ على نفوذهم الغاشم ,
وعلى تعاليمهم الزائفة التي يجنون من ورائها المغانم . لأن الاعتراف بجميع الأديان واحترامها يعني انتهاء التفرقة بين الفئات , وحلول المحبة والوئام بين الطوائف المتعددة , وهذا مالا يريده الأحبار الذين كانوا دوما في جانب المستعمرين المستبدين يتعيّشون من فضلات موائدهم , ويأتمرون بأوامرهم لقاء بعض الفوائد الحقيرة .
أمّا العودة الى تعاليم الإنجيل المقدّس , فهي تعني إبطال (القداديس ) و ( والاعترافات ) وحذف ( الزيّاحات ) و ( الغفرانات ) وتحطيم ( الأصنام ) و(الأيقونات ) وما تجرّ وراءها من واردات , وحسنات , ونذورات .. يقدم عليها الأغبياء من (المؤمنين ) بأوهام الاكليروس أصحاب الغطرسة والعجرفة الوهميّة .
رأينا أنها تعني أيضا توزيع ( الأوقاف ) على البؤساء والمعوزين , وإنشاء المدارس والمستشفيات والمؤسسات الاجتماعيّة من أموال المؤمنين , تلك الأموال التي يتصرف بها رجال الدين لمنافعهم الشخصيّة ومآربهم الدنيئة الدنيويّة .
إنها تعني كثيرا من الأمور التي يفضل هؤلاء الأحبار أن تبقى طيّ الكتمان عن أعين شعب جاهل غافل حيران .
وقد وجد ذئاب الأديرة والقصور الشامخة حلفاء طبيعيين في عيالنا الأرستقراطي الإقطاعيّة من آل الخوري وشيحا وفرعون وسواهم وسواهم , وجميعهم من أقربائنا الأقرباء .
وكيف لا يكون الأمر هكذا ! وهؤلاء الأرستقراطيّون يظنّون أنّ الدم الملوكيّ الأزرق يجري في عروقهم , وأنهم هابطون رأسا من فخذ الإله (جوبيتير ) ربّ الأولمبوس …
فكيف يرضون على إحدى عائلاتهم وهي تسير جنبا الى جنب مع رجل ديمقراطيّ لا يدّعي الألوهيّة ؟ وليس في خزائنه أطنان من الرنّان , وهم الذين لا يقيمون وزنا إلا لأصحاب الرنّان الطنّان … حقّا ان هذا جرم , وجرم فظيع … يستحقّ الدكتور داهش عليه الشنق …
امّا الطامّة الكبرى فهي انشقاقنا عن رجال الدين … المطبّلين والمزمّرين باسم صهري بشارة الخوري أثناء الانتخابات … وبشارة هذا يركض وراء الرئاسة منذ عشرين سنة ! …
فكيف ننشق وندعهم يغضبون فيحوّلون مجرى الانتخابات ؟
وأخيرا كيف نغيّر معتقدنا الدينيّ دون الاستئذان من هؤلاء الآلهة العظام ؟
وكيف نعتنق مذهبا ومبدأ هو نقيض ما يدينون به ويعتقدون , وهم الذين يفكّرون أن الدنيا خلقت لأجلهم دون سواهم , ويتمتّعون بخيراتها مع من ينسج على منوالهم بحرمان الآخرين ؟
وهكذا من حقارة الى حقارة , ومن وضاعة الى وضاعة , اختمرت فكرة الجريمة في رؤوس هؤلاء الأثمة , وقرّروا بالإجماع أن يتخلّصوا من الدكتور داهش , فتخلص هكذا مصالحهم وموارد منافعهم المختلفة فبدأوا بالتهويل , ولجأوا الى حكومة السيّد الفرد النقاش طالبين إبعاد الدكتور داهش عن لبنان .
وقد رجعوا كثيرا وحاولوا كثيرا ، وأقاموا الأرض وأقعدوها . ولكن باؤوا بالفشل الذريع ، اذ ردّ طلبهم المجحف بعد أن تبيّن من التحقيقات أن عملهم هذا لا يبرّره أمر ، بل هو اعتداء صريح .
وهكذا اشتعلت حفيظتهم ، وأخذوا يترصّدون الفرصة السانحة للقضاء على هذا البريء الذي أرادوه ضحيّة شهواتهم الأشعبيّة ، ورغباتهم المنحطّة الدنيّة .
واذا بالساعة قد دقّت ، وبالفرصة في أتت ….عندما بوّأت الأقدار بشارة الخوري صولجان الأحكام في لبنان !.
فما كلد يجلس هذا المخلوق على كرسيّ الرئاسة حتى جعل دأبه دأب الدكتور داهش مؤسّس الداهشيّة . وأخذ يضطهده وينكّل به بشتّى الوسائل رغبة منه في أن يلجىء الدكتور داهش الى الهرب والكفّ عن دعوته الجديدة .
فبدأت التحريّات البوليسيّة ، والمناورات الشرطيّة المعهودة في بلاد مثل بلادنا ترزح تحت نير الاقطاعيّين الذي يفرضون ارادتهم فوق القوانين الموضوعة ، فيسخّرون زبانيتهم المتوظفين تحت أيديهم لقضاء لبانات قلوبهم الوضيعة ….
وتبعتها محاولات الإرهاب والترهيب . ولكن عبثا مثّلوا مهازلهم ومناوراتهم الصبيانيّة . فقد ثبت الدكتور داهش في داره لا يبدي ولا يعيد ، وهو ينظر نظرة الاحتقار العميق لهذه المحاولات التي لها أثرها في نفوس غير نفوس الأحرار الذين لا يقيمون وزنا الاّ للضمير ، وللقانون .
وعندما شعر بشارة الأثيم أنّ هذه المراوغات لا تستطيع أن تنيله مأربه من الدكتور داهش اغتاظ غيظا شديدا ، واستدعى المدّعي العام الاستئنافي يوسف شربل الخاضع الخانع المؤتمر ذلاّ بأوامر بشارة ، وطلب اليه أن يخرجه من هذا المأزق ، لأن الجميع عرفوا العداوة الشخصيّة التي تتأجّج في صدر رئيس الجمهوريّة ضدّ الدكتور داهش ، وعدم تمكّن هذا الرئيس المجرم من الوصول الى بغيته في أذيّة داهش ، ممّا عدّه في نظره فشلا ذريعا أمام الرأي العام. وهذا طبعا لا يجوز لمن يظنّ نفسه فوق القوانين ، وفوق المجتمع ، وصاحب الكلمة النافذة الناجزة مهما تضمّنته هذه الكلمة من أنواع المعاصي والانحراف عن جادّة الدساتير الموضوعة في البلاد .
فأخذ يوسف شربل يحقّق ويدقّق ويلفّق ، ويغري شهودا ليشهدوا زورا ضدّ الدكتور داهش بأنه يستغلّ مواهبه لغايات ماديّة …ولكنه أسقط في يده . ولم يستطع أن يقيم أي دليل ، او أي جرم يدين به الدكتور داهش .
ومضت الشهور ومؤسّس الداهشيّة ثابت في دعوته الجديدة ثبات الجبال . وخصومه اللؤماء تتأكلهم الاحقاد ، وتتأجّج في افئدتهم نيران التشفّي لعدم استطاعتهم النيل من هذا الرجل العظيم العبقريّ . وهم الوضعاء الأدنياء ، والجهلة اللؤماء .
وأخيرا شاهدوا أنهم كانوا من مشيّعي الدكتور داهش ، ومن النافخين له في البوق ، وأنّ محاولاتهم المجرمة أشهرته ، وأفسحت دائرة اخباره ، حتى طغت على لبنان والبلاد العربيّة والمهجر بينما هم بدوا في ثوب الفشل والخذلان .
وكان هذا الأمر الصدمة الأخيرة التي حطّمت سدود حيائهم المفقود وشرفهم الموؤود ، وجرفت بتيّارها الرهيب آخر حاجز كانوا يقيمونه بينهم وبين ارتكاب الجريمة . فقرروا اغتياله دون زيادة أو نقصان …
وهكذا اتفق رئيس الجمهورية ( بشارة ) وامرأته لور – التي كانت شقيقتي – وشقيقها ( ميشال شيحا ) وهنري فرعون وحبيب أبو شهلا ( وزير عدليتهم وقتذاك ) ومدير البوليس عارف ابراهيم ودوائره ورجال الدين وسماسرتهم ….على ان يرسلوا شرذمة من الرعاع الأشقياء ممّن ينتمون في بيروت الى حزب يطلقون عليه اسم ( الكتائب اللبنانيّة ) ليغتالوا الدكتور داهش وهو في عقر داره ، واعدين هذه العصابة المجرمة بالجوائز الماليّة ، والعفو عن العقاب وطمس الجريمة ….
وهذا بعد ان شنّوا حملات صحافيّة عنيفة ، بذيئة ، سخيفة ، ملأوها بالافتراء الرخيص ، وباختلاقات حقيرة ما أنزل الله بها من سلطان . وكانت غايتهم من تلك الحملات في جرائدهم المأجورة ان يسوّدوا صفحة الدكتور داهش امام الرأي العامّ لتبرير ما قد عزموا النيّة على القيام به . وكانوا يمنعوننا عن الردّ على هذه الهجمات الفظيعة اذ كانت دائرة المراقبة الحكوميّة ترفض التأشير على مقالاتنا والترخيص بنشرها .
وقد فصّلت مراحل هذه المأساة في ( كتبي السوداء ) داعمة إياها بالبراهين الماديّة الملموسة التي لا ولن يستطيعوا أن يدحضوها . وشرحت فيها كيف حاولوا تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة وكيف كتب الله لها الفشل الذريع …
وعندما رأوا ان أمرهم قد افتضح , وأن الجميع فهموا أن الرعاع الذين حاولوا قتل الدكتور داهش كانوا موفدين من قبل
( رئيس الجمهوريّة ) , أخذ هذا (الرئيس الأثيم ) يفكر كيف ( يلفلف ) الأمر بعد أن أخذ بشرك جريمته النكراء … فتناول قلمه الرخيص , وبشطبة واحدة شطب اسم الدكتور داهش من ( سجلّ النفوس ) , وجرّده من جنسيّته اللبنانيّة , مخالفا بذلك بنود الدستور , والقوانين الوطنيّة والدوليّة , ضاربا عرض الحائط بكل الاعتبارات الوجدانيّة , والروادع الإنسانيّة , محطما على مذبح انتقامه الحقير كلّ عدالة وضمير .
وبعد أن قام هذا الظالم بعمله هذا أبعد الدكتور داهش الى الحدود التركيّة حيث أدخلوه خلسة ليلاقي حتفه بعد أن سجنوه وجلدوه وشتموه وجرّدوه … ولم يكتف بشارة المجرم بهذا كلّه بل تعداه فزجّ شقيقة داهش في السجن لأنها طالبته ببرقيّة أن يعلمها عن مقر شقيقها لكي تذهب وتراه …
ولا يخفى عليكم ما هي حالة رجل بدون جنسيّة ولا هويّة في ظروف الحرب الحرجة . ففي أيّة مدينة أو في أيّ بلد قبضوا عليه يزجونه حالا في السجن لأنه غريب ولا يحمل هويّة … هذا اذا لم يقتله حرس الحدود , عندما أدخلوه خلسة الى الأراضي التركيّة .
وقد ترك الدكتور داهش وراءه والدة مسنّة وشقيقة ملتاعة لا معين لهما سواه بعد الله .
ولقد تمّ هذا الانتقام الوحشيّ ليس لجريمة ارتكبها الدكتور داهش , بل بمجرّد الانتقام , وللأسباب التي شرحتها آنفا . لأنه لو ارتكب داهش أيّة جريرة – مهما كانت طفيفة – لأستغلها بشارة الخوري وعظّمها , وضخمها , وأحاله الى المحاكم لترى أمرها معه ,فتدينه , وتقضي على سمعته الى الأبد , ولما احتاج الى اللفّ والدوران , ولما سلك هذا المسلك الأعوج , وأحرج موقفه , ووضع نفسه موضع المجرم أو المتهم في قفص الاّتهام وهو رئيس جمهوريّة لبنان …
فأيّ ضمير ملوّث بالآثام ، وأيّ وجدان مثقل بأوزار الجرائم يقبل أن يعامل رجل بريء بمثل هذه المعاملة ارضاء لشرذمة من الاوغاد والادنياء ؟
هذا ما صنعه بشارة الخوري حامي الدستور ، والمدافع عن ذمار العدالة .
وهذه هي الجريمة الهائلة التي ارتكبها هذا الوصوليّ الأثيم .
ولكن ثق يا سيّدي بأنّنا لا ولن نصمت ما لم نحاسبه عليها ، ونرجع العدل الى نصابه ، والحقّ الهضيم الى أربابه …
لقد فصّلت مراحل القضيّة الداهشيّة في كتبي السوداء ، وفي نشراتي التي وزّعتها بعشرات الألوف حتى غمرت الشرق بأكمله ، موجّهة اتهاماتي الصريحة لهذا الوصوليّ المتعجرف الأثيم .
وكان جوابه الحقير أن زجّني مع زوجي وبعض اخواني الداهشيّين في ظلمات السجون ، ولم يجرأ على محاكمتنا ، لأنه يتأكّد بأنه سيكون الخاسر المنكسر ، ونكون نحن الظافرين المنتصرين .
وقد انتحرت ابنتي الغالية ماجدا ، وهي في ربيع حياتها ، احتجاجا صارخا على ما أتاه أهلنا بهذا الرجل البريء من أمور رهيبة لا يستطيع المرء التفكير فيها الاّ والألم يحزّ في قلبه ويقطّع أحشاءه …
ولكن عبثا كانت تضحيتها ، وعبثا كانت صيحاتنا ! فلا من مستمع ولا من مجيب …
أمّا مجلس ( نوّاب بشارة ) فهو رهط من المرتشين المرتكبين الذين لا ضمائر لهم ولا وجدان . انّهم يصمتون على تصرّفات السلطة التنفيذيّة لكي تصمت هي بدورها عن فضائحهم ومخازيهم التي ضجّت من هول نتانتها الآفاق .
ولكن ثق بأننا سنأخذ حقوقنا كاملة غير منقوصة بعون الله وحقيقتنا البتّارة ، وعزيمتنا الوثّابة الجبّارة .
أمّا حقّنا الصريح فهو وحده الذي سيحقّق لنا الانتصار المبين ، اذ لا بدّ للحقّ أن يعلو على الباطل ، مهما طالت الأيّام ، وتوالت الأعوام ، انّ الباطل كان زهوقا .
انّ هؤلاء الطغام ما خطر على بالهم قطّ أنّ القضيّة ستتطوّر مثل هذا التطوّر الخطير ، ولم يفكّروا لحظة واحدة بأنّنا لسنا ممّن ينامون على الضيم ، أو يقبلون بالظلم ، ولم يمرّ في خاطرهم بأنّ جريمتهم النكراء سيفتضح أمرها وتنتشر مثل هذا الانتشار الهائل . ولولا ذلك لما أقدموا على أقدموا عليه ، ولما تشبّثوا الآن هذا التشبّث الأعمى في جريمتهم انقاذا لما يظنّونه ( وقارهم ) و ( هيبتهم ) أمام الشعب …فاذا خضعوا للحقّ فتحوا عليهم أبوابا عديدة سيطرقها المظلومون بعنف متى انتصب الميزان ، والمظلومون لا عداد لهم في لبنان .
الخاتمة
أمّا انفصالنا عن ( كنيسة روما ) فقد أعلنّاه ، وأشهرناه ، وأذعناه ، لأننا ما عدنا لنؤمن بقدسيّة هذه المؤسّسة بعد أن شاهدنا أحبارها يدسّون ضدّ الدكتور داهش ، ويحرّضون على قتله تحريضا متواصلا دون مبالاة بتعاليم السيّد المسيح .
ولربما تعجّبت يا سيدي من أن يجري في لبنان الديمقراطي ، وفي وسط القرن العشرين ، مثل هذه الأعمال الشائنة التي لم تسجّل مثلها القرون الوسطى .
ولكنّها الحقيقة المؤلمة المرّة !….
واذا كانت حكومة بشارة الخوري هكذا مع الطبقة المثقّفة ، فكيف بها مع الضعفاء والفقراء والمقصومي الظهر ؟
انها لا تحيا الاّ بارهابها ، ولا تعيش الاّ وراء بنادق جنودها ، ومسدّسات شرطتها ، ولا يمضي يوم واحد الاّ ويزداد عدد هؤلاء الشرطيّين المولّجين بحماية الحكّام الطغاة من نقمة الشعب المتألّم ، ومظالم لم تعد تخفى على أيّ مخلوق ، وسرقاتهم لا يمكن احصاؤها ، وتهريبهم للأسلحة والحشيش والذهب ، ومتاجرة الحكومة بضمائر قضاتها ونوّابها أصبحت من الأمور العاديّة التي تسجّلها الصحافة في كل صبح وعشيّة بلا استغراب ولا تعجّب ، كأنّها أصبحت من العناصر الطبيعيّ’ في جوّ هذا البلد الموبوء . فحكومة هذا ديدنها وهذا وضعها ، لا تتورّع من ارتكاب جريمة محاولة قتل رجل عبقريّ مصلح عندما تجد في تعاليمه وأفكاره ما هو نقيض ما تنطوي عليه أرواحها المجرمة وأطماعها اللئيمة …
وفي الختام ، انني متأكّدة أنكم ستناصرون الحقّ ، وستنشرون فضائحهم التي تضمّنت بعضها كتبي السوداء ، ليس في مجلّتكم الحرّة فحسب ، بل في الجرائد الأجنبيّة أيضا . وذلك لكي يطّلع جميع الاخوان المهاجرين على حقيقة الأمور في لبنان ، فتكون عضبتهم سببا لاصلاح هذا البلد الذي هو تربة الأجداد والآباء ، وموطن الأحفاد والأبناء . والله سيكافئهم عمّا تقومون به في هذا السبيل النبيل ( فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره ) ، والسلام .
ماري حدّاد الداهشيّة
ملاحظة : انني اتصلت هذا النهار بالاخوة الداهشيّين ، وبلّغتهم أن يرسلوا اليكم عشرة أنواع من كتبي السوداء ، ومن كل نوع 300 نسخة ، وذلك ضمن طرود بريديّة . وانني أرجو أن تتفضّلوا بتوزيعها على جميع المهاجرين ولكم في ذلك ثواب عظيم . ولم أرسل هذه الكتب من لبنان لأنّ الحكومة ستصادرها دون ما ريب ، وخصوصا أنّ الرقابة علينا هائلة جدّا .
ماري حدّاد
الاستاذ جبران مسّوح يرسل تحريرين
صاحب مجلّة ” المختصر ” الصّادرة في بونس ايرس بالأرجنتين
يرسل تحريرين
الى السفّاح بشارة الخوري
والى رئيس الوزارة رياض الصّلح
جبران مسّوح هذا الصّحفيّ النبيل الذي تطوّع فاحتضن القضيّة الداهشيّة ، ونشر بمجلّته أنباء الجريمة المروّعة التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري في سلسلة مقالات ناريّة انقضّت على رأس بشارة وذويه انقضاض الصواعق المدمّرة .
وقد أرسلت ماري حدّاد الى مسّوح مجموعة الكتب السوداء التي نشرها الداهشيّون عن جريمة تجريد مؤسس العقيدة الداهشيّة من جنسيّته اللبنانيّة لأن ماري حدّاد وعائلتها الداهشيّة عظم الأمر شقيقتها لور وشقيقها ميشال شيحا وبشارة الخوري وهنري فرعون , فجرّدوا داهشا من جنسيّته وشردوه .
وإذ ذاك أعلنت الحرب بين هذه الشرذمة الباغية على الحق والداهشيّين , وراحت الصّحف في الوطن والمهجر تنشر أنباء الجريمة فيتلهف الجمهور الى مطالعتها .
وقد أرسل جبران مسّوح الى بشارة المرتكب الجريمة والى رياض الصلح تحريرين يراهما القارئ منشورين بخطّ يد مسّوح , ننشرهما للذكرى وللتاريخ الذي سجّل اسم السفاح بشارة الخوري بين دفتيه , فيقرأ الناس أنباء جريمته المزلزلة فتلعن ألسنتهم مرتكبها . ومثلما سجلت جريمة الاعتداء على المسيح البريء هكذا سجّلت الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري . وستبقى وصمة عار أبديّ على جبينه الملطّخ بعار الاعتداء الشائن . وهكذا خلّد اسم بشارة الخوري إذ حشر نفسه بين زمرة كبار المجرمين الآثمين .
رسالة نشرتها بعض الصحف العربية
حضرة الفاضل رئيس التحرير مجلّة ” العالم العربيّ “
سيّدي !
إني من عشاق مجلتكم المدافعة عن العرب والعروبة , والباذلة نشاطها في سبيل رفع معنويات هذا الشعب الذي ابتلي في هذا العصر بضربات دمويّة قصمت منه الظهر , وزلزلت منه الأركان , فاهّتز وتصدع , وكاد ينهار ذلك البنيان الشامخ الذي ناطح في حقبة من تاريخه المجيد قبة الزرقاء , واشمخّر وتطاول حتى بلغ قمّة الجوزاء .
نعم يا سيّدي !
أنا شاب عربيّ قرأ تاريخ الفتوحات العربيّة التي انطوى عهدها , فتألم ألما عظيما لما بلغته هذه الأمة العربيّة اليوم من الضعف والتفسخ والتخاذل ووددت لو يتاح لي يوما أن أقوم بعمل ما يرفع من بنيانها الذي انهار .
فكلّ منّا نحن العرب يمكنه أن يضع لبنة في بناء هذا الكيان . لأنه لو وجدت العزيمة الراسخة , والأيمان الوطيد , والمفاداة التامّة , والقناة التي لا تلين , والإخلاص الذي لا شبهة فيه , وعدم السير بركاب الأجنبيّ المستعمر , والاندفاع لمناصرة الحقّ الصريع دون غاية إلا للحق ّ وللحقّ وحده … إذ ذاك يمكن الأمة العربيّة أن تنهض من كبوتها , وتعود الى سيرتها المجيدة الأولى , وتتبّوأ مكانها اللائق تحت الشمس . فعصرنا عصر الآلة , عصر المادّة ,عصر السرعة الجهنميّة , ومن تأخر عن القافلة السائرة داسته سنابك خيولها المسابقة للرياح العاصفة ولاشت وجوده …
****
جئت بهذه المقدمة الوجيزة لأنني أعجبت بكفاحكم المتواصل في ما تنشرونه من مواضيع التي تهمّ العرب والعروبة , ولما يعود عليها بالخير والرفاهيّة , ولأنكم تقولون الحقّ وتعلنونه بصراحة تامّة لا يهمكم في ذلك لومة لائم .
وفي عددكم أول يناير 1953 قرأت العريضة التي قدمتها السيّدة ( ماري حدّاد ) الداهشيّة لفخامة رئيس الجهوريّة اللبنانيّة كميل شمعون , وهي تتضمّن حقائق خطيرة ارتكبها بشارة الخوري , رئيس الجمهورية السابق , الذي خلعه الشعب اللبناني بعدما كثرت جرائمه وذنوبه , وتعدّدت آثامه وعيوبه , وتضخّمت صناديقه وجيوبه من مال الأمة التي نكبت به نكبة عظمى .
وصدّقني أيّها الأخّ الكريم بأنّني لو لم أكن أنا شخصيّا قد اطّلعت ( عندما كنت منذ عامين في لبنان ) على سلسلة الجرائم الرهيبة التي اقترفها بشارة الخوري الطاغية ؛
ولو لم تتح لي الصدفة أن أطّلع على مقدار الاضطهاد العنيف المخيف الذي أوقعه بشارة الخوري على الداهشيّين الأبطال الذين رفعوا على بشارة الوصولي راية العصيان ، وراحوا يقذفونه بمقنبلاتهم الرهيبة التي ضمّنوها كتبهم السوداء الهائلة الاتّهامات الصادقة ، لو لم أعرف كلّ ذلك شخصيّا ، ولو لم أتأكّد تأكّدا تامّا لا شبهة فيه ، لاستعظمت ما نشر في عددكم الأخير .
أمّا وانّني كما قلت ( وللصدفة يد في معرفتي ذلك وقتذاك ) مطّلع على جميع الجرائم التي ارتكبها ذلك الباغية ، فقد وجدت أن عريضة السيّدة المجاهدة ماري حدّاد معتدلة جدّ الاعتدال ، وليس فيها ما يجرح سمعة الطاغية مثلما كان يستحقّ ، بالنسبة لأعماله الشرّيرة . وليس في العريضة ما يكشف الباغية كشيطان أثيم ضجّت منه أبالسة الدجنّات المدلهمّة …
انّ ما ارتكبه الطاغية من أعمال رهيبة تتبرّأ منه الانسانيّة المنكوبة بمثله . ففي جعبتي أيّها الكاتب الأديب من المآسي التي تمّت على يديه ما لا تسعه المجلّدات ضخمة . وعندما تنشرون تحريري هذا ، أرسل اليكم بالتتابع عيضا من فيض ممّا اجترحته نفسه الخسيسة من صغائر ، وما جنته يداه ( تبّت يداه ) من منكرات وكبائر …
لقد اعتدى على نساء مثيرات …فسفح شرفهنّ على مذبح شهوته الآثمة الملطّخة . واستعمل نفوذه في سبيل بلوغه لأربه الوضيع ، فضلا عن تهريبه لأموال الشعب بواسطة زوجته التي أرسلها الى أميركا وفرنسا وانكلترا وبلجيكا وسويسرة …فوضعت في مصارفها ثروات طائلة امتصّها هذا السارق من مال الأمّة …فيا ويحه ما أرهب انعدام صميره !
كما انّه ابتاع مزرعة في كاليفورنيا بلغت قيمتها ستّة ملايين دولار ، وقد كتبت الصحف الأميركية واللبنانيّة عن هذه المزرعة الشيء الكثير ، وقالت في بشارة الخوري ما لم يقله مالك في الخمر ….
وان أعجب لأمر – أنا وكلّ من عرف بمباذل بشارة الخوري وسرقاته – فعجبي هو لماذا لا يحاكم هذا السارق ، ويحكم عليه بالسجن المؤبّد ، وارجاع الاموال المنهوبة الى الأمّة المسلوبة …عفوا قلت يجب أن يسجن ، والحقيقة يجب أن يشنق !
انّ في هذا الأمر لسرّا مكنونا . وكلّ مكنون سيعلن . وليس خفيّ الاّ وسيظهر مهما كانت أسباب كتمانه على ظهر الأمّة ، ومهما كانت أسبابه ومسبّباته ….
وليته اكتفى بالسرقة ، واللصوصيّة ، والاعتداء على أعراض المحصّنات وخرقه للدستور ، وتحطيمه للقانون ، وافساده لضمائر القضاة والقضاء …
كلاّ . لم يكفه ذلك ، اذ شنّها حربا شعواء على الداهشيّين لأنهم آبأنّ محمّدا نبيّ مرسل ، وأنّ قرآنه الكريم منزل .
انّ تعصّبه الكاثوليكي الذميم أملى عليه أن يضطهد حتى شقيقة زوجته ، وهي الأديبة الفنّانة المعروفة السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة لأنها آمنت بنبيّ الاسلام وبقرآن محمّد ، فالله اكبر ! الله اكبر !
انّ سيّدة نبيلة تسجن لأجل ايمانها بالاسلام ، ويقف الاسلام مكتوف اليدين أمام جريمة رهيبة كهذه …
سيّدة نبيلة وعائلتها تسام الذلّ والخسف ، وتذوق عذاب السجون ، وتتمرّغ على فراش الألم والمهانة ، وليس في دنيا الاسلام من يمدّ يده وينشلها من محنتها الرهيبة ؟ ترى هل نحن في القرون المظلمة وفي عصر محاكم التفتيش الدمويّة ، أم نحن في القرن العشرين عصر النور والمدنية والحرية الفكرية كما زعموا ويزعمون ؟
واخجلاه ! وواعاراه ! اين هو الاسلام لا يثب على ذلك الوصوليّ المجرم فيمزّقه تمزيقا ، ويجعله عبرة للمستهزئين بالاسلام الحنيف ، دين الهداية والانصاف ؟
واويلتاه من حكم التاريخ الذي لا يرحم !
اين هم الذائدون عن حياض الدين ؟ وما لي أراهم صامتين صمت القبور حتى يوم النشور ؟
ولم لا يحرّكون ساكنا ولا يتحمّسون ( أتراهم أحياء أم هم أموات لا يستيقظون ) ؟
لقد كنتم أنت أوّل من نشر عن هذا الوصوليّ المرتكب يا سيّدي . شكرا لكم على جرأتكم التي هي جزء لا يتجزّأ منكم . وثقوا بأنّ التاريخ سيذكر لكم هذه الجرأة الواجبة في نشر الحقّ واعلان الحقائق ، واذاعة ما خفي من أمر بشارة الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا وقريبهم هنري فرعون .
هذا ( الأقنوم الرباعي ) الذي بغى وطغى وثار بتعصّبه الذميم على الفئة المسيحيّة البريئة المجاهدة التي آمنت بنبيّ المسلمين وقرآنه المبين ، هذا ( الأقنوم الرباعي ) المتعصّب نكّل بها لأنّه يكره الاسلام والمسلمين كراهية عمياء هوجاء ، لا يستطيع قلمي أن يصفها على الاطلاق .
فمن الحقّ والعدالة أن تشنّ على هذا الباغية المجرم حملة صحفيّة مزلزلة تقوّض له أركان تعصّبه الذميم ضدّ الاسلام والمسلمين ، فتعصف هذه الحملة الصادقة بتعصّبه الأرعن وتؤدّبه تاديبا يستحقه عن جدارة تامّة هو ومن آزره وناصره من رجال الدين ومن ذكرتهم أجمعين .
واذ أختم مقالي ، أكرّر لكم شكري على غيرتكم المشكورة واندفاعكم لمناصرة الحق الذي هو شعار مجلّتكم الحرّة الجريئة التي هي منبر مفتوح لكلّ متظلّم من أيّ حيف وصل اليه ، أو ظلم وقع عليه .
سدّد الله خطاكم في هذا الطريق النبيل .
محمود المصطفى
الحقيقة الكبرى
في قضيّة الداهشيّين ضدّ رجال العهد اللبناني البائد
كتاب مفتوح
من الأديبة المعروفة ماري حدّاد
مجلّة ( العالم العربي ) ، العدد التاسع ( 69) أول مارس 1953
بيروت – لمراسل ” العالم العربي ” :
لا تزال هناك بقية لقصة الاضطهادات التي انصبّت على الداهشيين في لبنان ، ولا يزال اهتمام الرأي العام في أنحاء البلاد العربيّة يتزايد بها منذ أفسحت ( العالم العربي ) صدرها لنشر القضية التي رفعتها الأديبة المعروفة السيدة ماري حدّاد .
وكانت جريدة ” لو جور ” الفرنسية قد نشرت مقالا بتوقيع ميشال شيحا – شقيق السيدة ماري – استهلّه بقوله : ” انّ البهيمية حين تعتدي على الروح تصبح الحياة لا قيمة لها ولا مغزى …” فعلّقت السيدة على مقال شقيقها متسائلة بقوة :
- هل لا ينطبق قولك هذا على ما فعلته أنت في قضية الدكتور داهش فان اعتداءك يا أخي عليه هو اعتداء على المعاني الروحية التي ترمز اليها مبادؤه ، وقد لمس ذلك آلاف الناس في لبنان …
انك ورئيس الجمهورية السابق ( بشارة الخوري ) قد خشيتم هذا الرجل حين رأيتم نفوذه الأدبي القوي يزداد في نفوس الناس يوما بعد آخر …
انكم خشيتم أن يفضح استغلالكم للنفوذ في العهد الماضي ..
خشيتم أن يكتشف مؤامرتكم التجارية لمصالحكم الخاصة على حساب الوطن . فرأيناكم تجمعون قواكم ضده ، وعملت على بذر بذور التعصب والكراهية في الميادين التي نشط فيها لخدمة المواطنين …وكنتم بذلك مدفوعين بالأحقاد الشخصية ، والقيم المعنوية ، والفضائل جميعا …
ولقد استعان أعداء هذا الرجل معكم ، وعلى رأسهم السيد ” ألفرد نقاش ” فنشرتم الأكاذيب حوله وعملتم على النيل منه ، وتآمرتم على اخراجه من البلاد …
ولكن السيد نقّاش ، وكان رئيس الجمهورية في ذاك العهد ، أثبت لكم أن التحقيقات التي أجريت معه ، أوضحت أنه بريء براءة الذئب من دم ” ابن يعقوب ” ، ورفض أن يحقق لكم مطالبكم ، وأبى أن يشارككم في العدوان على حريات المواطنين !
ولما باءت تلك المساعي بالفشل الذريع استعنتم بأصدقاء من الفرنسيين في ذاك العهد – ولا ينكر أحد ما كان لهم من نفوذ – وطلبتم بهذه الوسيلة الى ادارة الأمن العام اللبناني اخراجه من البلاد ، ولكن هذه المحاولة لم تفلح أيضا ، لنفس السبب . وبالرغم من ذلك جميعا ظللتم على ملاحقتكم للدكتور داهش ، وتهديده بالأذى والشر …
وواتتك الفرصة ، حين استفدت من نفوذ صهرك رئيس الجمهورية السابق …ولكن القانون كان يقف بالمرصاد لحماية المظلومين …ولكن الاعتداءات تكرّرت ، والظلم توالى ، والاضطهاد تتابع ، استنادا الى هذه القوة الغاشمة !
اتهمتموه في سنوات الحرب بالجاسوسيّة …ونزعتم عنه الجنسيّة اللبنانية …وهذا أحاط به الخطر من كل ناحية ، ونكّلتم به تنيكلا ، وهو الرجل البريء والمواطن الصالح …
وأخذتم تلاحقونه بالدعايات السيئة ضده ، فأصدرتم الكتب والنشرات في مهاجمته بقسوة …ولكنني انبريت للدفاع عنه لايماني بأني أدافع عن الحق والحرية …
يا للسخرية ! انك تعقد المقالات في جريدة ” لو جور ” الفرنسية ، الجريدة التي تصدرها لتعظ الناس من فوق منبرها ، فما أبعد الشقة بين القول والعمل ، وبين التمني والحقيقة ، والنصوص والتنفيذ !
هل تستطيع وأنت تهاجمني –وأنا شقيقتك – أن تبرّر موقفك الظالم من قضية الدكتور داهش ؟! وكيف تستطيع أن تعتذر عن ظلمك لرجل صالح ، ساهمت في طرده من وطنه وجرّدته من كل سلاح !
قايين …قايين ! ماذا صنعت بأخيك ؟! يا ما أرهب الذكريات !
لقد أدخلتموني مستشفى المجانين …مستشفى العصفورية …انّ بعض هؤلاء الناس ينظمون صنع الجرائم ببراعة شيطانية ، يحسنون ابرازها في صورة الحقيقة …والحقيقة منها براء !
انك يا أخي تتكلم عن غاندي …وتسمعنا بعض الأقوال الرنانة البراقة ، فهل لنا أن نطمع بأن نراك تحاول أن تستهدي في أعمالك تعاليم هذا الرجل العظيم الذي يعتبر من رسل المحبة والسلام في العالم ، والذي حضّ على البعد عن كل عنف …
انني لا أبرئك من مسؤولية انتحار ابنتي ” ماجدة ” بسبب المظالم التي اقترفت ت…انها انتحرت احتجاجا على مذابح الأخلاق الكريمة ، والمثل العليا …ومن له أذنان للسمع فليسمع !
انّ التاريخ قد أعاد نفسه …وهذا الانقلاب الذي حدث في لبنان ضدّ الفساد وضدّ الطغيان…قد أثبت أن ” دريفوس ” الذي دافع عنه ” اميل زولا ” وأثبت براءته من الاتهام ..زقد ظهر بصورة أخرى في شخص الدكتور داهش الذي ندافع عنه اليوم .
( ماري حدّاد )
!من هو الدكتور داهش؟
العالم العربي ، العدد العاشر ( 70 ) أول ابريل 1953
الدكتور داهش …رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره …نشأ في عائلة نكبها الدهر . فذاق من بطش الأقدار أهوالا … وهو شخصية فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها …عركها الدهر عراكا جبارا ؛ فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف …وقد تعرفنا اليه اتفاقا ، فوجدما فيه مقدرة روحية ، وعبقرية أدبية جذبتنا اليه مع لفيف من خيار القوم أدبا وثقافة .
وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين – رغم سنّه الحديث – خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروح عالية وأفكار سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها , وبأسلوبه السهل الممتنع , الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة , وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبي الأداب .
وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح ديني وأجتماعي عظيم , صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت فيه المظالم .. يأكل فيه القوي الضعيف .. ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع !
وهو ينشد ( المحبة ) بين الشعوب والأفراد .. تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان والتي لعبت في تحقيقها الغايات الغاشمة .
وهو ينشد الترفع عن ( المادة ) الطاغية والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .
وهو يتغنى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجبات إصلاحية في كل فرد .
وقد وطد الدكتور داهش العزم على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري , وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة , والى وصايا الأنبياء . وليس مثلما يعلّمهم رجال الدين النفعيّون !
كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح , وهي إرادة الله .
فالتعصب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدموية التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصب الذميم إلا بينة صريحة , وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .
فرغبة الله جل جلاله لا تتفق البتة مع استعمال الأديان لغايات تعصبية قبيحة , فالأديان جعلت مختلفة مع اختلاف الشعوب والألوان , وكلها تأمر بالعدالة والمحبة .
ماري حدّاد
الداهشيون أوّل من قرع نواقيس الخطر
وهاجمت بشارة الخوري وفضحت ارتكاباته بجرأة خارقة
ما كدنا ننشر في عددنا السابق القطعة المسمّاة ( داهش ينتقم من بشارة الخوري ) . حتى انهالت علينا المخابرات التليفونية وفيها يستفسرنا القراء طالبين بألحاح أن نوالي نشرنا عن الداهشيين , وكيفية مهاجمتهم العنيفة لبشارة الخوري عندما كان يتمتع بكامل سلطانه في ذلك العهد البائد ؛ لا أعاده الله .
وها نحن عملا برسالتنا الصحفيّة ننشر ما قام به الداهشيّون في خلال الأعوام الماضية فأقضّوا مضجع الباغية بشارة الخوري , وهتكوا سيرته , ومزّقوا سريرته .
إن البطولة لا يستطيع أن ينكرها منكر ,كما إنّ الجميع يقدسونها . وما قام به الداهشيّون هو البطولة بعينها . وها هو مقالنا عمّا قام به الداهشيّون المجاهدون :
……………………………………………………………………..
لا يستطيع أيّ لبنانيّ أن ينكر أنّ الداهشيّين كانوا أوّل من هاجموا بشارة الخوري مهاجمة عنيفة بطّاشة لم يجارهم فيها أيّ انسان . فقد هاجموا بشارة وعهده منذ عام 1944 مهاجمة مروّعة مخيفة ، ومزّقوا ستار الرياء عنه ، وهتكوا الارتكابات المرعبة التي كان يقوم بها هو وأفراد عائلته ، وذلك بسلسلة كتب سوداء بلغت 66 كتابا و165 نشرة ، ويحمل كلّ منها بين دفّتيه أرعب ما يمكن أن يخطّه قلم ، أو يجرأ أن يتحرّك به بنان ؛ حتى ظنّ اللبنانيّون قاطبة أنّ الداهشيّين بالنسبة الى جرأتهم الخارقة قد أصيبوا بمسّ جارف ، خصوصا لأنّ الشعب كان يظنّ ، يومذاك ، أنّ بشارة الخوري هو رجل النزاهة والأخلاق ، وأنّه المحافظ على الدستور روحا ونصّا ، وأنّه لا يمكنه الاّ أن يحرص على تنفيذ القانون ويوزّعه بالعدل والقسطاس . وراحت الأيّام تزحف ، واذا بالارتكابات تترى كسيل جارف طغى على كل شيء فاكتسح في سيره الطاغي كلّ ما يعترضه من عقبات . واذا بملايين الخزينة اللبنانية تنتقل الى آل بشارة والى ذويه . واذا بالفضائح النّتنة تعبق وتفوح ورائحها فتزكّم الانوف . واذا بالجرائم تستفحل والأعراض تستباح ، والظلم يعمّ ، والبغي من الطاغية يشمل ويعظم ، حتى باتت بيروت – بيروت العاصمة نفسها – وكأنها ( وادي القرن ) دون ما ريبة أو شبهة .
واذا بنبوءة الداهشيّين التي ضمّنوها كتبهم السوداء ، ونشراتهم الدجوجيّة ، تصدق صدقها التامّ وتتمّ بحرفيّتها . فآمن الناس ان الداهشيّين كانوا من الصادقين ، وكانوا من المجاهدين الأحرار الذين رفعوا صوتهم وشهروا سوطهم ، وأتّهموا بشارة الخوري بمساوىء ومخاز لو أصاب رشاشها ابليس نفسه لتوارى في أعمق أعماق جحيمه خجلا ولفرّ وجلا مما اقترفه من آثام وذنوب ، فلا تستطيع جهنّم النار المتّقدة أن تغسل له البعض من تلك الاوزار الابليسيّة المروّعة .
وقد دخل الداهشيّون السجون مرارا وتكرارا ، واعتمدوا بالآلام المتواصلة ، وغمرتهم سلسلة من الموجات العنيفة من الاضطهادات المزلزلة التي كان يوقعهم بها بشارة الخوري ، وخصوصا اضطهاده العنيف الذي وقع على المجاهدة الأديبة والفنّانة المعروفة السيّدة ماري حدّاد الداهشيّة . وهي شقيقة زوجته التي مزّقت السّجف والستائر عن افكه المبين ، فاذا به يبدو أمام الشعب قزما حقيرا ، وامّعة مرذولا لا يستحقّ سوى الصفع الذريع الأليم .
والآن ، وبعد أن تنفّس الشعب الصعداء ، بعدما دكّ عرش المرتكب الطاغية دكّا ، وبعد ان قوّضت أريكة حكمه تقويضا تامّا ، وبعد ان مزّق الرأي العامّ أحلامه وبعثر أمانيه رئيسا للجمهورية مدى الحياة ، مثلما كان يتخيّل ويأمل لكي تزداد جرائمه وتستفحل مخازيه ، بعد الذي قام به من الجرائم المروّعة ، أصبح من حقّ كل لبناني – وايّ لبناني لم يصب بجرائمه الفاضحة – أن يطالب بمحاكمته محاكمة علنيّة لكي ينال جزاءه العادل مثلما يستحقّه فترتاح العدالة وتطمئنّ الحقيقة ، ويبتهج لبنان بأسره لمصيره المخيف .
وبعد ها نحن ننشر احدى النشرات السوداء التي وزّعها الداهشيّون عام 1946 ، ومن مطالعتها يتأكّد للجميع أيّة قوّة عاصفة صبّها المجاهد الكبير الدكتور داهش في خلال سطوره القويّة وكأنّها السياط المتينة اللاهبة تلذع جسد الطاغية بشارة الخوري لذعا أليما جدّا .
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه النشرات السوداء الداهشيّة المتواصلة كان لها فضل عظيم في غرس روح الكراهية والاشمئزاز في نفوس القرّاء . وكانت البزرة الأولى التي نمت في تلك التربة الخصبة . وعندما ترعرعت وأوتيت أكلها كانت نتيجتها تلك القدرة التي أطاحت بعرش الطاغية ، فهوى وكأنّه ورقة صفراء من أوراق الخريف الهزيلة اقتلعتها عاصفة مزمجرة فعفّت آثارها ، وطويت أخبارها .
وهكذا تنفّس اللبنانيّون الصعداء بعد زوال هذا الطاغوت الذي ازدرد اموال الشعب بكلّ طريق حرام .
وكالحوت الشره الدائم الجوع خاض في مستنقعات الشرّ ، وابتلع كلّ ما اعترض طريقه فدمّره تدميرا ، واذا بالبلاد وقد أصبحت في عهده البغيض بلقعا خرابا ، وقفرا يبابا … انظر نشرة “الى الثورة أيها المواطنون ” على الصفحات التالية
الى الثورة ايها المواطنون
أمّا النشرة الداهشيّة المزلزلة التي وزّعت بطول البلاد وعرضها
والطاغية في ابّان حكمه البغيض فها هي :
الى الثورة ايها المواطنون !
أيّها المواطنون
أترضون بمسابقة الحمير في أكل الشّعير بينما رئيس جمهوريّتكم الخائن يتنعّم مع شرذمة عصابته والأدنياء من ذويه بأفخر قمح شهير وينام ملء عينيه بفراشه الوثير المصنوع من أجود أنواع الحرير ؟ !
لقد رزحت البلاد تحت وطأة عصابة بشارة الخوري المجرم ، هذا اللصّ الذي لم تعد الخزينة ، بما تحتويه من ملايين ، لتستطيع ان تشبع نهمه الأشعبيّ المخيف . فالسرقات التي قام بها ، والملايين التي أغدقها على عائلته وأفراد عصابته ممّا لا يستطيع قلمي أن يحصرها ، وهي أشهر من أن تذكر .
واخيرا تفاقمت الحالة ، وازدادت سوءا على سوء ، فوقعت البلاد في حالة من الفوضى لم تمرّ بها في أيّ عهد من أشدّ العهود سوادا . وبلغ الاستهتار بشيخ اللصوص بشارة الخوري وازدرائه باللبنانيين أن أطعمهم الشعير الأسود الذي تأنف الكلاب من تناوله ، بينما هذا الوقح الشرّير يتناول أفخر أنواع القمح وأجوده .
انّ مائدته لا تحتوي الاّ على الطيّبات النادرة ، والخبز الأبيض الشهيّ تعمر به مائدته ، ولكنّها بأكملها مسروقة من المكلّف اللبناني الفقير . والشعب ، هذا الشعب الصبور ، قانع بهذه الحالة التي لا ترضى بها أحقر وأحطّ انواع الحيوانات في الدنيا .
انّ ملك انكلترا الذي لا تغرب الشمس عن أمبراطوريّته الشاسعة ، يشارك أفراد شعبه في نوع الخبز الذي يتناوله ، متمشّيا بذلك مع قوانين بلاده . فهل أصبح الشيخ بشارة المجرم يتفوق ( بالعظمة ) على جلالة ملك انكلترا ام ماذا ؟
بالامس حاولت ازدراد كسرة من خبز اعاشتنا المحترمة ، ولكن عبثا كانت محاولتي ومجازفة كانت تجربتي . فبعد المعركة التي قام بها فكّاي باشتراك أسناني وأضراسي معا لمحاولة عجنها عدت بصفقة الخاسر المغبون اذ كانت تلك الكسرة أشبه منها بالمطّاط الصلب ، ممّا اضطرّني أخيرا لأن ألقي سلاحي وأعترف بانكساري بعد ظفرها عليّ . وأسرعت بالقائها لكلبي ” بوبي ” الذي أشاح بدوره عنها رافضا ايّاها بإباء وشمم .
فهل تقبل أيّها الشعب الخاضع ، والذليل الخانع ، ما رفضته الكلاب وما أنفت من استساغته الحمير نفسها ؟
انّ الولائم التي تقام في كلّ مناسبة – وياما أكثرها من مناسبات !- تكلّف الخزينة عشرات الألوف من الليرات التي اقتطعت من دم الفقير المسكين .
واعترفت السلطات الرسميّة أنّ حفلة الشاي وحدها ، سواء كانت في ( النرمندي ) ام سواه من الفنادق تكلّف مبلغ 5000 ليرة لبنانية ، ناهيك عن حفلة غداء أو عشاء ، وهي تكلّف من 15000 الى 20000 ليرة وتفرش الموائد بالخبز الذي يتفوّق ببياضه على ثلج جبل صنّين المشهور .
يا أبناء وطني المستعبدين لبشارة الخوري المجرم وعائلته ، انّ هذا البشارة قد استغلّكم استغلالا رهيبا ، فمكتبه قائم كشرك مخيف ليصطاد بواسطته الزبائن .
ويزعم ابنه لكل موكّل يكلّفه بقضيّة ما أنه سينهي قضيّته بربح مضمون .
وهكذا يقبض لقاء هذه الوعود المجرمة مبالغ باهظة جدا . وكيف لا يوكّله الجميع وهو ابن اللص الشهير ( رئيس الجمهورية ) على امل ربحه قضاياهم . وهكذا تتكدّس الأموال في صندوقه بعد هذا الاستغلال المخيف .
وأظنّ لم ينس الشعب ، بعد ، هدم سينما الرويّال . وما ذلك الاّ لأنّ شقيق بشارة يملك وراء تلك السينما قطعة أرض أصبحت قيمتها بعد هدم السينما فادحة المبالغ . ولم تهدم تلك السينما الاّ بقصد رفع ثمن تلك القطعة .
واذا أردت أن أعدّد الجرائم والاختلاسات التي يقوم بها آل بشارة واقرباؤه ، فانّ مجلّدات ضخمة تمتلىء بنصبهم ودجلهم واحتيالهم دون أن أنتهي من تدوين ارتكاباتهم المروّعة . فهم يحلبون اللبنانيين حليا متواصلا غير ناظرين الاّ لمصلحتهم الخاصّة ولسان حالهم يقول : من بعدي الطوفان .
وهاكم الفصل الأخير من الدراما المحزنة التي مثّلت على مسرح لبنان أمام نظركم وبصركم وأنتم لائذون بالصمت المحزن العميق مع أنّ المفروض عليكم الآن القيام بالثورة الجارفة واسقاط هذا الخائن عن كرسيّ حكمه الجائر . أمّا الفصل المحزن فهذا هو :
نشرت كافّة الصّحف نبأ الشرطي الذي أطلق الرصاص على صدغه فسقط صريعا يتخبّط بدمه . وهكذا ذهب الى خالقه يشكو ( بشارة الخوري ) المسبّب الاساسي لكلّ مأساة تمت وتتمّ وستتّم لكل فرد من أفراد اللبنانيّين نتيجة لسرقاته العظمى التي سبّبت هذه الأزمة الرهيبة في الأموال والأخلاق .
وها اني انقل لكم نبأ انتحار هذا الشرطي من جريدة ” الحياة ” الصادرة في 3 ايار 1946 قالت :
شرطي ينتحر لأنّ راتبه لا يكفيه
واحد من اولئك الذين كانوا أحرى بالترقيات
تناول شرطي البلديّة السيد عبد القادر فارس مرتّبه ، صباح يوم أمس ، وقدره مئة وثلاث عشرة ليرة ، فما وصل الى بيته عند الظهر الاّ وكان المرتّب قد نفد منه بتمامه . وعندما سألته زوجته عن المرتّب قال لها انّه صرفه للدائنين ولم يبق معه سوى ربع ليرة .
وصعب على الزوجة ان تظلّ طوال هذا الشهر على الطوى وعندها ستّة أولاد كلّهم بحاجة الى الغذاء والكساء ، فبدأت تولول وتندب حظّها وتنحي باللائمة على الزوج العديم الفقير .
واسوّدت الدنيا في عينيّ الشرطي المسكين , ودخل على اولاده يشبع نفسه منهم لثما وهو يذرف الدموع الغزيرة , ثم أخرج مسدّسه وأفرغ منه رصاصة واحدة على صدغه الأيمن خرجت من صدغه الأيسر , وسقط على الارض يتخبّط بدمه الزكيّ بينما اصحاب الحكم المسؤولون عنه يرقصون ويطربون بين المآدب والعزائم وهم متخمون .
ونقل الجريح بحالة الخطر الشديد الى المستشفى حيث توفي .
فيا لك من مجرم خطير أيّها الرئيس الحقير . وهكذا يهدر دم هذا الفقير المسكين , ربّ العئلة المسكينة لأنّه ليس لديه أيّ قرش ليطعم أطفاله الذين تيتّموا بعد انتحاره , بينما بشارة الخوري وزمرته الفاسقة وعائلته المختلسة يعيشون من دم هؤلاء اللبنانيين البؤساء وهم يمتصّونه في كلّ دقيقة من دقائق حكمهم المرعب .
فيا ابناء وطني هبوا رجل واحد , وأعلنوها ثورة دامية حمراء , واكتسحوا هؤلاء المجرمين , وابطشوا بهم بطشا ذريعا , ولقنوهم درسا رهيبا , مبرهنين للسفراء الذين ينظرون اليكم اليوم نظرة ازدراء لرضوخكم لهذه العصابة , وقبولكم بهذا الذل والهوان المعيبين , بأنكم جديرون بالحياة بعد تأديبكم لبشارة الشرير وزبانيته . واذا تقاعستم ورضختم فهنيئا لكم خبز الشعير ومشاركتكم به معشر الحمير .
غرش الفقير
أمّا غرش اللبناني الذي جمع منه مبلغ مليون ليرة تقريبا , فقد استولى عليه بشارة الخوري وعائلته باشتراك الوزراء وبعض النواب المختلسين المدلّسين .
وعندما سأل أحد النوّاب رئيس الحكومة في الجلسة النيابية الأخيرة : كيف توزّعت هذه المبالغ الضخمة من غرش الفقير ؟ أجابه رئيس الحكومة إنها توّزعت للمؤسسات التي تعطف على البؤساء والمعوزين , ومنها مبلغ مائة ألف (000 00 1 )
ليرة لبنانية أعطي كإعانة لمستشفى المطران عقل .
ولكن اقرأ , أيها الشعب , ماذا كان جواب المطران في اليوم الثاني لتصريح رئيس الحكومة الرسمي تحت قبّة البرلمان , وقد نشرته الصحف .
وها اني أعيد نقله عن جريدة ( الحديث ) المؤرخة في 4 أيار 1946 , قالت :
المطران عقل لا دخل له بقرش الفقير
تلقينا من سيادة المطران بولس عقل كلمة تكذيبية يصحّح فيها ما جاء في بعض الصحف من تصريح الحكومة خلال جلسة المجلس النيابي يوم الثلاثاء الماضي عن تخصيص ماية الف ليرة من قرش الفقير للمستشفى المجانيّ تحت إدارة المطران بولس عقل .
ويقول سيادته إنه لم يدفع له من قرش الفقير قرش واحد , ويستغرب ذكر اسمه في الموضوع .
خطاب أدّت هذه الفوضى الرهيبة , والاختلاسات المخيفة الجارفة بالبلاد نحو الهاوية التي تضم الخراب والبؤس والشقاء الدائم الى ان يقف الزميل النائب محمد العبّود في الندوة النيابية ويلقي الخطاب الخطير الذي اتّهم فيه الحكومة اتّهاما صريحا دون لفّ ودوران . وها إنني أنقل ملخّص خطابه عن جريدة ” التلغراف ” الصادرة 4 أيار 1946 . قالت :
خطاب النائب العبّود في المجلس
سيّدي الرئيس , حضرة الزملاء . لن أتحدّث عن السياسة الخارجيّة ولا عن البيان الذي كنّا سمعنا أنه سيلقيه معالي وزير الخارجيّة . فلبنان قال كلمته , واستقلال لبنان يستطيع أن يضمنه غدا وبعد غد والى الأبد الشعب اللبناني الواعي المتحفّز للحياة والحريّة . ولكن ّ للشعب اللبناني حقوقا أخرى يراها ضائعة اليوم بين أيدي المسؤولين اللبنانيين أنفسهم , وينظر الى مصيره المظلم بحذر وتشاؤم , وما مصيره إلا ” الفقر والأفلاس ” اذا بقينا سائرين كالسكارى في هذه الطريق , طريق التبذير واستثماره مرافق الدولة ,وسوء استعمال النفوذ ، والفوضى ، والمحسوبية ، وارتجال السياسة الانشائية . الى أين نحن سائرون أيّها السادة ؟ انّ التذمّر منتشر بين جميع طبقات الشعب ، وها هو الشعب اليوم يديننا نحن النوّاب ولم يعد يقبل لنا عذرا . فهو يردّ على كل نائب مستقيم يحتجّ بأنه لا يستطيع أن يقف ضد هذا التيّار قائلا له : اذن اذهب الى بيتك ، فنظافة كفّك ونزاهتك وابتعادك عن هذه الوليمة التي شرابها دماء الشعب وطعامها جثثه لا يفيدك شيئا . وسكوتك عن الجريمة اشتراك غير مباشر بها . انّ الشعب على حقّ ، أيّها السادة ، في رفع صوته وفي تذمّره . فماذا صنعنا له ؟ أنمنّ عليه بالاستقلال ، وهو وحده الذي اشتراه بدمه ؟ أجل أرجوكم أن تقولوا لي ماذا صنعنا له ؟ بل بالأحرى قولوا لي ماذا لم نصنع به ؟ وكيف يستطيع هذا الشعب الصغير ، في هذه البقعة ، أن يتحمّل أعباء موازنة أربت على الثمانين مليونا لا تشعر البلاد بأية فائدة فيها ؟ وكيف يستطيع الشعب المسكين غدا ان يؤدّي ضرائبه الباهظة ليغذّي هذه الخزينة الجائعة ونحن قد أقمنا في وجه تجارته العراقيل التي لا عداد لها ؟ وسننّا للتجارة القوانين التي سوف تقتلها ، ورفعنا الرسوم الجمركيّة الى درجة لا يصدّقها العقل ، حتى أصبحت البضائع التي تهرّب من الأقطار المجاورة هي وحدها التي تباع في الأسواق . والمزارع الشقيّ ترك الأرض بائرة وطلّق المحراث بعد أن رأى أنّه لا يحصد ما يزرع ولا يأكل ما يحصد . والعامل البائس لم يعد ينظر الى غده بطمأنينة . وها انّ البطالة بدأت تنتشر بشكل مخيف . والعمّال ، منذ مدّة ، يسمعون بأنّ الحكومة تهيّىء قانونا للعمل ، ولكن أي فائدة للقوانين اذا لم تكن الحكومة تشعر حقيقة مع العامل ؟ وها هو اضراب واحد مضى عليه أسابيع دون أن نتمكّن من ايجاد حلّ له ، وبدون أن نخاف الله أو الضمير ، أرسلنا رجال الدرك والشرطة الذين هم مظلومون قبل غيرهم الى العمّال المظلومين ليظلموهم بدورهم . انّنا نحن اللبنانيين لا نبلغ المليون وكلّنا نعرف بعضنا . فكيف يجوز لنا أن نهدّد العامل الذي هو من أهلنا لأنّه يطلب كفافه من العيش ؟ وأيّ حاجة لتأليف اللجان ودرس القضيّة ؟ كلّنا نعلم ما هو المبلغ الذي يحتاج له أبسط انسان ليعيش أحقر عيشة . فلماذا هذا الاستهتار بحقوق العامل ؟ ومن المؤلم ان نسلّط رجال الجيش والشرطة والدرك على أخيهم العامل وهم أنفسهم مظلومون يعيشون من قلّة الموت . ومن هذه الموازنة التي بلغت الملايين التي لا حصر لها لا يستطيع أحد من هؤلاء الذين هم سياج الأمن في البلاد ، وتقع على عواتقهم أثقل الواجبات ، لا يستطيع أحدهم ان يشتري دواء لولده اذا مرض أو يؤدّي القسط المدرسي المستحقّ أو يشبع عائلته خبزا . انني لم أعرف أحذق منّا بتهيئة الاستقبالات واقامة الولائم واحياء الحفلات وايفاد السفراء والمستشارين والقناصل ، وغدا سنصبح جميعا وزراء وسفراء ومدراء ، ولكنّنا لن نجد من يدفع لنا مرتّباتنا ، لأنه لن يبقى هناك من يدفع ضريبة . وهذه الاعاشة الرديئة القذرة التي توزّع على اللبنانيين ، والتي تأنف ان تأكلها الكلاب ، والتي استطيع أن أؤكّد أنها مضرّة بالصحة العامّة ، وخطر عليها ، أتريدون من الشعب أن يهنّئنا عليها ؟ أوليس غريبا أن يجوع اللبناني والقمح في الشرق يزيد على أضعاف استهلاكه ؟ أنرسل قمحنا النظيف الطيّب الى الناس في سبيل ربح غير مشروع لنأكل نحن هذه القذارة ؟
أخشى ان يكون الغرور لعب بأعطافنا ايها السادة ، فأصبحنا نتخيّل أنّنا دولة عظيمة لها اساطيلها الجويّة والبحريّة الضخمة ، ولها جيشها اللجب .
وأخشى أن نكون ننوي ان نعمل أنفسنا موسوليني او هتلر – وعلى من ايها السادة ؟ على الشعب لأننا ، مع الأسف ، ” مرجلتنا ” غالبا لا تكون الا بعضنا على بعض .
ولكنّ هذه الحرب لم تثر الاّ على الظلم والديكتاتورية والاستبداد .
والرأي العام الخارجي لن يصفّق لنا عندما يسمع أنّنا لم نكد نخرج من تحت نير الاجنبي حتى جعلنا النير في أعناق شعبنا . يجب أن نضع حدّا للاسراف والتبذير حتى لا نضطرّ ، كما نفعل اليوم ، لأن نسرق التاجر والصانع وسائق السيّارة والعامل والفلاّح ، لنصرف ما سرقناه على هذه الدوائر التي اصبحت ملجأ او فندقا .
انّ الشعب صابر على مضض ، ولكن أنستطيع ان نضمن انه سيظلّ مغضيا على قذى وأن هذا التذمّر المكبوت لن ينفجر يوما ؟
لقد آن لنا ان نستفيق ، أيّها السادة ، من سكرنا ، وحان لعقدة ألسنتنا ان تحلّ . انّ الشعب يشكو الظلم والتبذير والاسراف وعدم تقدير المسؤوليّات والمحسوبيّة والفوضى واستثمار النفوذ .
ونحن نوّاب الشعب فأمّا ان نقوم بواجبنا وندافع عن حقوقه ، وامّا أن ننصرف الى بيوتنا ، فهذا أفضل وأشرف . والسلام .
الثورة !……الثورة !…..
أمّا الآ، لقد انقضى عهد الكلام ولم يعد يجدي مع هؤلاء الأنذال المسيطرين سوى حد الحسام . فالى الأمام الى الأمام .
الدعوى الى الثورة الكاسحة
النشرة الثورية الثانية
الدعوى الى الثورة الكاسحة
وشقّ عصا الطاعة وتأديب الخونة المرتكبين
أيّها الشعب اللبناني !
لقد دقّت ساعة الخلاص بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزّبى بل جاوز الزّبى .
ايها الشعب النبيل !
لقد استفحلت جرائم الشيخ بشارة الخائن وزمرته الشرّيرة ، بعد ان امتصّوا دماء الشعب الفقير ، وأرهقوه بضرائبهم الفادحة كي يتنعّموا بخيراتها الوفيرة . انّ الحالة التي وصلت اليها البلاد لهي مؤسفة حقا . فالفوضى ضاربة أطنابها في البلاد ، والعدالة مفقودة فهي لفظة خرافية لا معنى لها ، والاختلاسات لم يعد أمرها خافيا على أحد ، وتهريب الحشيش والأفيون والأسلحة الذي يقوم به النوّاب أصبح حديث الكبير والصغير . ومهزلة القضاء ، وقبول القضاة للرشوة باعترافهم الذي سجّلوه على أنفسهم بمذكّراتهم أكّدا للعالم أجمع أنّ عدالة القضاة أسطورة تقادم عليها العهد . ومئات الآلاف من الليرات التي أغدقها بشارة وزبانيته على رياض الصلح وطغمته في رحلاتهم الى الحجاز والقاهرة ولندن دون أن يقدّموا حسابها أمام المجلس تؤكّد للملإ قاطبة أنّها سرقة جريئة أقدم عليها المسؤولون باستهتار عظيم بأموال الشعب الفقير المغلوب على أمره . ومبلغ ال35 ألف ليرة ثمن سيّارة رئيس المجلس النيابي ، هذا المبلغ المقتطع من قلب المكلّف اللبناني في سبيل تمتّع صبري حمادة المتواضع بفخفخة تصمه بالعار المهيمن . وملايين الليرات التي تدفّقت من صندوق المالية لآجل رحلات بشارة الخنفشارية وظهوره بمظهر الملوك وبذله لأموال الأمّة بأوجه الحرام ثم لا يخجلون من نعته بأبي اللبنانيين ….!
وأخيرا …مهزلة توظيفه لنجله الأحمق ميشال في وزارة الخارجيّة بوظيفة كبرى ذات راتب ضخم مما لم يجرأ على القيام بمثله أيّ مرتكب أثيم ، بينما أرباب الكفاءة وحملة الشهادات يتسكّعون على أبواب الحكومة دون ان يعيرهم أحد أيّ التفات .
ولم تقتصر الحال على هذا بل زاذ الأمر ضغثا على ابّالة فقد عيّن بشارة “الدكتور لطيف ” زوج شقيقته يمنى كطبيب للبلديّة عوضا عن الدكتور الحلو ، كما أنه أغدق على ابن شقيقته مبلغا كبيرا . وأخيرا فرض شقيقه سامي الخوري وزيرا مفوّضا للبنان في القاهرة ، والجميع يعرفون من هو ” سامي ” وما هو مؤهلات هذا السامي .
ان الخزينة اللبنانية أصبحت محطّ رحال بشارة وطغمته ، يغترفون منها الأموال كيفما شاءت رغبتهم المنحطّة وميولهم المجرمة ، ثم يصدرون مراسيم بهلوانية يزعمون فيها أنّ هذه المبالغ الضخمة صرفت في وجوه عديدة ولأمور خطيرة ، وحقيقة الأمر انهم يملأون بها خزائنهم ، والشعب المسكين يتضوّر من الجوع والحرمان. وماذا يهمّهم هذا الشعب ما داموا آمنين مطمئنّين ، وما دامت الامور دانت لهم ، وما دام الشعب لا يحرّك ساكنا .
أيّها الشعب ! أيّتها المنظّمات ! يا رجال لبنان الأشاوس ! ويا شبيبته المتوثّبة الساهرة والعارفة بما ارتكب ويرتكب في كلّ يوم !
انّنا ندعوكم الى الثورة والانتقاض على هذه العصابة الشرّيرة والقائها خارج الحكم ، بعد ان طغت وبغت وأصبحت عالة على لبنان وسمعة لبنان ، وبعد أن أصبح داؤها عياء لا ينجح فيه ترياق . وانظروا الى التاريخ يحدّثكم أحاديث البطولة والمجد الفائقين .
عندما أرهق الإقطاعيون الروس ونبلاؤها الشعب بمطاليبهم , وثقلت وطأتهم عليهم , وأبوا الاّ وضع انيارهم على اعناق الفقراء , ثارت النخوة في رؤوس هؤلاء الفقراء , وتأججت نيران الثأر في أعصابهم , فأعلنوها ثورة هائلة على هذه الطبقة الحاكمة , فاذا بها بين عشيّة وضحاها في خبر كان , بعد ان عصفت بهم ارادة الشعب المسكين الذي تحمل أذاهم بصبر وطول أناة . وعندما لم تجد معهم هذه الأناة فتيلا عصفوا بمن يدعونهم أمراء ونبلاء , فتحطمّت آثارهم , وعفت أخبارهم , وهكذا تحرّر الشعب , ومنذ ذلك التاريخ البعيد لم تعد لهم قائمة , وهكذا كانت نتيجة ظلمهم لأبناء الشعب وافتئاتهم على حقوقهم المقدسة .
وفرنسا ألم تحدث فيها الثورة الفرنسية التي دكت الطغيان من أسسه ومزقته شذر مذر ، بعد ان استحكمت فئة النبلاء والزعماء والأثرياء والطبقات الحاكمة بطبقة الشعب المحكومة ؟ ولمّا لم يبق في قوس صبر الشعب من منزع عصفت حمّى النخوة في رؤوسهم، وهبّوا هبّة رجل واحد في وجوه القوم ، وجردوا جردتهم على الأنذال ممّن استعبدوهم ، فاذا بهم يحطّمون عروشهم ويقوّضون كراسي حكمهم ويبعثرونهم في مشارق الأرض ومغاربها !
وكم وكم من الرؤوس العظيمة أطاحتها مقصلة ” الجيلوتين ” ففصلتها عن أجسادها ، وتسلّمتها الأحداث لتجعلها طعمة لديدان الأرض الكريهة . ولم تنج الملكيّة نفسها من الانتقام العادل . فقد سلّم الشعب الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت الى المقصلة ، ففصلت بشأنهما ، وحاسبتهما على ما أنزلاه بالشعب من فقر وهوان وجوع وحرمان . ان الملكة ماري انطوانيت عندما شاهدت الشعب الثائر يهاجم بلاطها استفسرت الأمر ، فقيل لها : انّ ثورتهم لأنّهم جياع ، ولا يوجد خبز ليأكلوا فتهدأ ثورتهم . فقالت : ” ما دام الخبز غير موجود فلماذا لا يأكلون البسكويت ؟ …” وماذا يعنيها من جوع الشعب ما دامت هو وذووها قد أتخمتهم الأطعمة !…
وهذا ما هو واقع اليوم في لبنان . حقا ان التاريخ يعيد نفسه ! انّ بشارة الخوري وزوجته لور وذويهم وطغمتهم الذين تبوّأوا مقاعد الحكم قد أتخمتهم كثرة الأطعمة بمختلف أنواعها وتعدّد أصنافها ، وثقلت جيوبهم ، وعمرت خزائنهم بأموال الشعب الفقير التي يستنزفونها من عرق جبينه ودماء قلبه .
فالثورة الثورة أيها الشعب الجائع ! أيّها الشعب المعتدى على حقوقك وحرّياتك !
الثورة الثورة يا جميع من يضمّه لبنان من أدناه الى أقصاه !
انّ الجبان الذليل هو من يقبل السكوت على هذه الحالة المؤسفة التي كان يرسف في كبولها ، والشريف الأبيّ من ينتقض على هذه الطغمة ويلقيها خارج كراسي الحكم . انّ العالم بأسره ينظر اليكم ليعرف اتّجاهاتكم وميولكم ، وليتأكّد اذا كنتم أهلا للاستقلال حقّا .
فمن رضخ لحكم هؤلاء الأنذال فانّما يرضى ان يمكث راسفا في قيود الذلّ والمهانة . ومن انتقض فله الحريّة الشاملة بأتمّ معانيها .
انّ واجب كلّ لبناني ، حال اطّلاعه على هذا المنشور الثوريّ ، ان يغلق متجره ومحلّ عمله في الحال . وعلى العمّال أن يضربوا عن العمل ، وينزلوا الى الشوارع ويهتفوا بسقوط الحكومة ، ويطلبوا بتنحّي بشارة المجرم عن كرسيّ حكمه ، فانه غير جدير به . وعلى كلّ فرد من الأفراد سواء كان شيخا أم شابّا ام طفلا ، امرأة أم فتاة أم طفلة ، أن يعلن الثورة في طوق استطاعته ، وأن يعلن الجميع عن عدم قبولهم بهذه الحالة الرهيبة التي باتت تجتاح البلاد ، وأن يبقوا على ثورتهم واحتجاجهم واضرابهم حتى يعاد الحقّ الى نصابه ، والعدل الى مجراه …أي حتى تسقط الحكومة من يد الغاشم بسقوط بشارة ( سارق الشعب وماصّ دمائه والعابث بحرّياته ومقدساته ).
كما انه من الواجب على جميع مخافر البوليس والدرك ، وبالأخصّ مركز البوليس الرئيسي ومقر قيادة الدرك ، أن يستسلموا للقوّات التي ستتسلّم مخافرهم ومركزهم الرئيسي ، وان لا تبدي أيّة مقاومة والاّ فالعاقبة ستكون عليها جدّ وخيمة . فان القوّة ستقابلها قوّة مسلّحة تكفل اعادة صوابها اليها بل تأديبها . ان الواجب يدعوها الى ان تستسلم ، لأنّها تتأكّد ان واجبها الوطني يدعوها للانشقاق عن طغمة الطغيان والانضمام الى رعيل الحقّ الذي يعيد الى النفوس السكينة والاطمئنان .
وليعلم رجال البوليس والدرك قاطبة ، هؤلاء المعلّقة عليهم مهمّات باهظة وخدمات مرهقة أن الرواتب التي يتناولونها لا تفي بحاجاتهم المنزليّة ، فهم مثقلون بديون كبيرة بالنظر لضآلة ما يتقاضونه ، بينما كبار الموظّفين تزداد رواتبهم الضخمة وتتكدّس الأموال في خزائنهم .
لهذا نعدهم عندما نتسلم زمام الحكم أن ننصفهم انصافا سيكونون عنه راضين ، وسيكونون مطمئنّين لمستقبلهم تمام الاطمئنان ، وهذا فرض واجب بل عهد مقدّس نقطعه على أنفسنا وسنحقّقه باذن الله تعالى !
كما انّ واجب كل لبناني يغار على الحقّ والعدالة أن يطالب بتنحية بشارة عن أريكة الحكم وتأديبه ، وجعله عبرة لكلّ معتبر ، لأ،ّه سيحاكم على التّهم الخطيرة التي تمّت في عهده المشؤوم ، وسيعطي حسابا عن كلّ كبيرة وصغيرة قام بها عندما نفتح السجلات ، ونحاكمه على ما أقدمت عليه نفسه المجبولة بالذلّ والخيانة ، وسيدفع أفدح الأثمان لأجل سلسلة جرائمه المتّصلة الحلقات .
فيا أيّها الشعب عليك الآن أن تبرهن عن أهليّتك للتمتّع بالحريّة ،
وعن نضجك الأخلاقي التامّ ، ومعرفتك لما آلت اليه البلاد بسبب هذه الطغمة السفاكة ، فتبادر ، حال اطّلاعك على هذا المنشور ، وتقتصّ من بشارة وزمرته ، هذا البشارة الذي وضع نعله على رأسك وتحكّم في مصيرك .
انّ الواجب يدعوك الآن ان تضع انت نعلك على عنقه الكريه وأعناق أتباعه الأذناب ، وتلقّنهم درسا لا ينسونه على مدار الأيام والأعوام الآتية .
أمّا اذا جبنت ، أيّها الشعب ، وتقاعست فاصمت عن مطالبتك بحقوقك ، وساعتذاك لا يحقّ لك ان تطالب بشارة وزمرته بأن يرفعوا نعالهم عن عنقك . وانكمش على نفسك وخض في خضمّ عارك وذلّك المعيبين ، واذ ذاك تلعنك الأجيال الآتية ، ويكون اسم لبنان مهزلة البلدان على كل شفة ولسان !…
فهيّا هيّا الى الثورة !!
تنبيه خطير : انّ كل لبناني مدعوّ لاغلاق متجره بتاريخ 15 من الشهر الحالي وعدم فتحه ، واعلانه الثورة التامّة حتى يسقط بشارة المجرم عن أريكة حكمه . ومن يتجرّأ على فتح متجره فانّ اسمه سيسجّل وسينكّل به في الظروف الملائمة تنكيلا رهيبا .
دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
على الرئيس السابق بشارة الخوري
وقرينته لور وميشال شيحا
ماري حدّاد الداهشيّة تقدّم عريضة لرئيس الحكومة
طالبة محاكمة بشارة الخوري وشيحا والسيدة لور
أوّل محاكمة من نوعها حافلة بالأسرار
جريدة الشرق 27 تشرين الثاني 1952
أشرنا في عدد أمس الى الوفد ” الداهشي ” الذي قابل حضرة رئيس الوزراء السيد خالد شهاب مطالبا بالسماح للدكتور داهش بالعودة الى لبنان ، ويقول أحد مندوبينا المحليين أن السيدة ماري حدّاد شقيقة السيدة لور ، قرينة السيد بشارة الخوري رئيس الجهورية السابق ، وقد قدّمت لرئيس الوزراء عريضة تطلب فيها مقاضاة صهرها السيد بشارة الخوري وشقيقها السيد ميشال شيحا ، وشقيقتها السيدة لور ، وتطلب محاكمتهم علنا على زجها في السجن دون حقّ أو عدل نكاية وانتقاما لتمسكها بعقيدة لا يريدون أن تدين بها .
وفي العريضة المذكورة تتّهم المذكورين أعلاه بأنهم داسوا الدستور والأنظمة وأوردت أسبابا عن الغاية من اعتقال الدكتور داهش وتجريده من جنسيّته اللبنانية وابعاده عن لبنان الى الحدود السورية فالتركية ، ممّا كان سببا في نشر سلسلة الكتب السوداء التي كانت أول مسمار في نعش عهد السيد بشارة الخوري .
ويقول أحد أركان الداهشيين أن محاكم لبنان ستشهد أول دعوى من نوعها يماط اللثام فيها عن كثير من الأسرار الرهيبة التي لم تتصل بأحد .
داهش يعود قريبا الى لبنان
أول رسالة يخطّها بعد ردّ جنسيّته
جريدة الأسواق 14/2/1953
هذه أول رسالة كتبها داهش الى أصدقائه في لبنان بعد اعادة الجنسية اللبنانية اليه وقد أعلن فيها عزمه على المجيء :
بغداد في 7 شباط 1953
تحية وسلام
وبعد ، فقد وصلتني برقيتكم المؤرخة في 6 شباط والتي تعلمونني فيها أن جنسيّتي التي هي حق صريح لي ولكل لبناني قد أعادتها الىّ حكومة الامير خالد شهاب .
وعليه آمل ان تبلّغوا شكري للصديق النبيل الامير خالد شهاب لاعادته العدل الى نصابه ، والحق السليب الى أربابه .
انّ الدستور اللبناني يكفل حق الحرية التامة لكل لبناني – ضمن القوانين التي تسري على الجميع سواسية – وأنا قد اغتصب الوصولي بشارة الخوري حقوقي التي يكفلها الدستور ، هذا الدستور الذي أقسم أنيحافظ عليه بصفته رئيسا للجمهورية – ولكنه حنث بيمينه الباطلة ، وحطّم بنود الدستور ، وداس على أشلائه الممزقة .
انّ الحريّة منحة سماوية يهبها الله لمخلوقاته ولا توجد أية قوّة أرضية تستطيع حجبها عن أي مخلوق : وان أعجب لأمر فعجبي هائل لوقوف الصحافة موقف اللامبالاة وعدم الاكتراث حول أمر نزع جنسيتي . مع ان واجب الصحفيين – والصحفيون أصحاب رسالة سامية – أن يدافعوا عن الحريات دفاعا جبارا ويزلزلون بأقلامهم النارية ارتكابات أي وصولي يبغي على الحرية ، ويكبلها بقيوده الاجرامية . وان صمتوا ولم ينافحوا عن العدالة الصريعة بأقدام الباطل ، والحرية المدوسة بسنابك البغي والعتيّ ، اذن فانّ سيف ديموقليس الذي يحمله الباغية المعتدي يكون أبدا مرهف الحدّين ومعلّقا فوق رؤوسهم لكي يهوي بأيّة لحظة يراها ذلك الجاني مهشّم القوانين ، والعابث بالحريات ، والمستهتر بالدساتير .
وثق بأنه لو حدث في اوروبا لاي فرد – كائنا من كان – ما حدث معي ، وهذا مستحيل حدوثه في البلاد الاوروبية ، قلت اذا وقع المستحيل واعتدى أي حاكم على جنسية أي فرد ، مهما صغر شأنه وضؤلت مكانته ، اذن لثار الشعب ثورة كاسحة ماحقة ساحقة ، ولسقطت الحكومة ، ولدكّ عرش المعتدي ولثلّ بغيه ، ولتحطّمت أريكته ، ولزجّ في أغوار السجن بعد محاكمة علنية وتشهير سافر تتناقل أنباءهما صحافة الدنيا بأسرها .
وها هو التاريخ يضمّ بين دفتيه أنباء الثورة الافرنسية التي دكّ فيها الشعب سجن ( الباستيل ) وحطم الملكية المعتدية على حقوق الشعب فاضمحلّت تلك الملكية ودكّت أركانها دكّا عاصفا حتى يوم يبعثون….
والآن ، آمل من أخي الاستاذ حليم ، بصفته وكيلا عني ، ان يبادر فيخرج لي تذكرة هوية لكي أستطيع العودة الى وطني الذي سلخني عنه الباغية المعتدي ، هذا المعتدي الذي شهّرت أنباء جريمته المروعة في الخافقين ، وتحدّثت عنا ألسنة الخلق فسلقته بألسنة حداد وفضحت جريمته وهتكت ستره ومزّقت سريرته ، فعرف الجميع من هو المجرم المرتكب ومن هو البريء .
وأكبر برهان ، وأثبت دليل على نعتي ايّاه ( بالمجرم الوصولي …) هو تلك الثورة الشعبية اللبنانية الكاسحة التي انصبت على رأس ( بشارة الخوري ) وذلك لعظم ما ارتكبه من الشرور والمعاصي ضدّ الشعب اللبناني ، واغتصابه لثروة البلاد ، وامتصاصه لدماء الشعب ، واعتدائه على الأحرار الأنفار من أبنائه الأخيار الذين لا ولن يرضخوا لجرائمه المعروفة ، فنكّل بهم تنكيلا شائنا .
نعم ، لقد ثار الشعب عليه ثورته الكاسحة ، فاذا به بين غمضة عين وانتباهتها وقد دكّ عرشه وفقد الى الأبد أريكة حكمه …وهكذا تم سقوطه بعدما خلعه الشعب وطرده ، فأصبح الوصولي أسطورة يتندّر الخلق بأخبار مساوئها التي لا يحصيها عدّ …
واذ أودّعك وأترقّب هويّتي اللبنانية ، أقول حقّا لقد صدق الشاعر العربيّ القائل :
وما من يد الاّ يد الله فوقها وما ظالم الاّ ويبلى بأظلم
المخلص داهش
ملاحظة : حقيقة الأمر أنّ الدكتور داهش كان في بيروت ، وفي منزل آل الحدّاد الذي كان لا يبعد أكثر من 40 مترا عن القصر الجمهوري ، حيث كان يقيم الطاغية الباغية بشارة الخوري ، ولكن قصدا للتعمية ونظرا لظرف الدكتور داهش الخاص ورد في الرسائل أنها تصدر عن حلب أو بغداد الخ ..
داهش يفضح مظالم بشارة الخوري
نشرت جريدة ” الجهاد ” في عددها الصادر بتاريخ 24/3/1953 تحت عنوان : داهش يهاجم بشارة الخوري ، ما يلي :
اليوم عاد !!
الرجل الذي شغل الناس شهورا بحالها في عهد الشيخ بشارة الخوري ، واتّهموه بحمل شبح الجنون الى عدّة شخصيّات سياسية ونسائية ، يفتح قلبه لأول مرّة بعد ظهوره من جديد ، واسترجاعه الجنسية اللبنانيّة ، ويتحدّث عن نفسه ، وعن جلساته الروحيّة …والظواهر الخارقة للطبيعة التي استطاع تحقيقها على رؤوس الأشهاد !
كان ولا يزال أشبه بالاسطورة !
اسمه – كما يقول المقرّبون اليه – سليم العشي …ولقبه ، كما يعرفه الناس في ثلاثة أرباع الدول العربيّة والشرق الأوسط ، هو الدكتور داهش .
قيل منذ سنوات انّه اختفى نهائيّا ….
قيل أيضا انّه اغتيل على حدود ايران ، وانّ اتباعه في البلاد العربيّة قطعوا لأجله الحدود ، واتّشح اكثرهم بالسواد .
ثم ظهر فجأة …وعادت الابتسامة الى شفاه الداهشيّين من جديد :
لكنّه هذه المرّة كان شخصا آخر !…انّه يهرب من عدسات التصوير . يغلق بابه في وجوه الصحفيّين . يعتذر عن مقابلة غير المرغوب فيهم ، ويختفي من درب كلّ من يحاول الاستطلاع أو التجسّس عليه !
ولكنّ الرجل ما لبث ان تكلّم :
قال الرجل الذي تبدو على محيّاه مسحة من الطيبة :
” نفتني حكومة بشارة الخوري في البداية الى بلدة ” اعزاز ” القريبة من مدينة حلب ! وبعد ذلك أفلتّ من الرقابة في بلدة ” اعزاز ” وهربت الى العراق ، ثم استقرّ بي المقام في بلاد العجم حيث نزلت في ضيافة عائلة ايرانية تعتنق المذهب الداهشيّ ” .
- ألم تأت بظواهر روحانية في العراق أو ايران ؟
- كانت في الواقع جلسات سريّة . فقد كنت في عداد المختفين !
أوكتو بلا سم !
وعدنا نسأل الدكتور داهش :
- هل صحيح انّك تخترق الجدران ؟
- انني منحت قوة روحية تتيح لي القيام باعمال خارقة وذلك لاثبات وجود عالم آخر .
وعاد الدكتور ابو سليمان يقول :
- أنا والاستاذ أدوار نون نشهد بأنّ الدكتور داهش يخترق الجدران بكلّ سهولة . فقد ذهبنا ذات مرّة لزيارة أحد الأصدقاء ، عندما هممت أنا والاستاذ نون برنّ الجرس ، اختفى الدكتور داهش ، ووجدناه داخل المنزل …قبل أن يفتح الباب !
وسألنا خارق الجدران :
- بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟!..
- كما قلت قوّة تمنحني ايّاها …الارواح !
- هل أحضرت لأحد الأشخاص شيئا من بعيد ؟
- خذوا باريس مثلا . لقد عاد الدكتور خبصا من العاصمة الفرنسية ، بعد أن أنهى فيها دراسته الطبيّة ، وجاء إلي يتحدّاني …ويطلب مني أن أعيد اليه في بيروت مفكّرة تهمّه جدا فقدت منه في باريس !
- وهل أعدتها اليه ؟
- بكلّ تأكيد
- . وكان ذلك في جلسة روحيّة !
- بماذا تفسّر هذه الظاهرة ؟
- لا أملك وسيلة تفسيرها . انّها ظاهرة خارقة للطبيعة !
طهرا …بك دجّال !
ودخلنا مع الدكتور داهش في حديث آخر ، فسألناه :
- هل تعرف الدكتور طهرا بك ؟
أجاب باستخفاف :
- أسمع به !
- هل له شيء من قوّتك ؟
- بل هو مشعوذ دجّال ، قام رفيقي الدكتور أبو سليمان بكشف ألاعيبه ، وفضح أساليبه حتى في التلفزيون . انّه يعتمد في شهرته على مائدة المسامير التي ينام عليها دون أن تخترق المسامير ظهره !
- وبماذا تفسّر هذه اللعبة ؟
- مسألة بسيطة . انّ كثرة المسامير وملازمتها لبعضها البعض ، تجعلانها متوزّعة على الجسم ، بحيث لا تخترقه ولا تترك عليه أكثر من علامات !
- ما دمت فريد عصرك …فلماذا اضطهدوك في عهد الشيخ بشارة بدلا من أن يكرّموك ؟
- كل ذنبي مع الشيخ بشارة ، ان السيّدة ماري حدّاد ، شقيقة زوجته لور اعتنقت المذهب الداهشي .
- لقد اتهموك يومها بافتتان الناس !
- الناس أحرار اذا افتتنوا بي …ما دام ذلك لن يلحق بهم أيّ أذى !
- قالوا عنك انّك تغرّر بالنساء !
- هذه دعاية مغرضة اشاعتها الصحافة اللبنانية بتحريض من بشارة الخوري ومن الاكليروس المسيحي اثناء العهد البائد .
- قالوا أيضا انّك تسبّبت في جنون بعض الناس !
- مجرد اشاعات لتأليب الناس عليّ ، ومنعهم من مساندتي اذا ما فكّر المسؤولون في اضطهادي ! لكن للتاريخ يجب أن يقال ان بشارة الخوري جنّ عقابا له على اضطهادي وتجريدي من جنسيتي وذلك بقوّة روحية .
- والآن ؟؟
- لقد عدت الى سابق جنسيتي ، وصدر قرار باعادتها إلي ، ونشر القرار في الجريدة الرسميّة !
وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا .
عودة الدكتور داهش
بتاريخ 26 آذار 1953 نشرت مجلّة الصياد هذه الكلمة
لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان ، فقد كنا نتوقع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيته ويحق له أن ينعم فيه بنفس الحرية والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين .
ولكن الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسباب بحق الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان !
ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي أو مدير شركة كهرباء مثلا ، لقلنا ان من حق انصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريته المسلوبة !
ولكن الدكتور داهش في نظر هؤلاء مؤسس ديانة جديدة . وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء .
وكم كنا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار ، ولنا بينهم أكثر من صديق ، تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم ، لم تؤسّس على الشتم والاهانة وارسال الكتب المغفلة …وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير ، كما أسست – وهذا هو الأهمّ – على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيد المسيح .
الردّ على مجلّة "الصياد"
بتاريخ 2 نيسان 1953 رددنا على كلمة ” الصيّاد” بهذا المقال الذي
نشرته المجلّة مختصرا . وها هو
حضرة رئيس تحرير الصيّاد الغرّاء المحترم
تحية وسلام – وبعد فأمامي عددكم المؤرّخ في 26 آذار 1953 .
وقد طالعت الكلمة التي نشرتموها بقلمكم الظريف في افتتاحيتكم تحت عنوان ( عودة الدكتور داهش ) ،
وبما أنني من عشّاق أسلوبكم البارع ، وأطالع جميع ما تنشرونه باستمرار ،
وبما أنّني ( داهشيّة ) بكلّ ما تعنيه ( الداهشيّة ) مثلما يعرف الجميع ، رأيت أن أبعث اليكم بردّي لكي تنشروه بحذافيره ، لأنّه اذا حذفتم بعض العبارات تفقد الجمل بعض ما أرمي اليه ، وأودّ أن يعرفه قرّاء مجلّتكم المحبوبة . لهذا آمل ان ينشر على علاّته . ولا أشكّ بأنّ رحابة صدركم كفيلة بتحقيق رغبتي العادلة . والآ، ابدأ فأقول :
أوّلا – لقد أنصفت عندما قلت في مطلع كلمتك ما يأتي : ” لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان . فقد كنا نتوقّع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيّته ويحقّ له أن ينعم فيه بنفس الحريّة والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين “.
الجواب – اذن ، أنت تعترف صراحة بأنّ ( داهش ) كان مظلوما ومعتدى عليه من زوج شقيقتي ( بشارة الخوري ) الطاغية الذي استلب جنسيّة مؤسّس الداهشيّة ، متجاوزا بعمله هذا سلطاته الدستوريّ’ ، دائسا على قوانين البلاد ، مهشّما بنود الدستور الذي ائتمنه الشعب عليه . فضلا عن اليمين التي أقسمها تحت قبّة البرلمان بأنه سيحترم الدستور ، ويطبّق بنوده المقدّسة على الجميع بميزان العدالة ، فيوزّعها بالحقّ والقسطاس . ولكنّه حنث بيمينه وضرب بها عرض الحائط ، اذ سرعان ما اعتدى على ( داهش ) . وهذا الاعتداء الرهيب يعتبر اعتداء على كلّ لبناني ، لأنّ ( الدستور ) هو سياج الحريّات المهدّدة ، وحاميها من عدوان الحاكم المسيطر ، ورغما عن هذا الاعتداء البربريّ الصارخ فانه لم يجرأ صحافيّ واحد ( والصحافة رسالة سامية ) على أن يحرّك قلمه ليهزّ به عدوان الباغية ، بل بالعكس قامت قيامتهم على داهش البريء لينالوا عطف من بيده مقاليد السلطات العيا …متناسين أنّ أفضل جهاد عند الله كلمة حقّ تقال بوجه حاكم ظالم .
هذه حقيقة راهنة تعرفها أنت ، وأعرفها أنا ، مثلما يعرفها كلّ لبناني ، بعدما وقفت انا واخواني الداهشيّون بوجه هذا المعتدي ، وفضحنا ارتكاباته بعشرات ( الكتب السوداء ) التي طبعناها ووزّعناها في جميع أنحاء الشرق والغرب ، متحمّلين في هذا السبيل أرهب ما يمكن لمجاهد مخلص أن يتحمّله من الضغط والارهاب والبطش والتنكيل والسجن المتواصل …حتى أزفت الساعة ، ساعة ثورة الشعب على من طغى وبغى ، وتكبّر وتجبّر ، وتطاول أنفه واشمخرّ حتى بلغ السّماك . واذا بالطاغية يستحيل الى قزم قميء لا قوّة له ولا سلطان بعد ان تحطّم ما كان يظنّه سلطانا وصولجانا …. وهكذا انتصر الحقّ وزهق الباطل ، انّ الباطل كان زهوقا .
ثانيا – قلت : ” ولكنّ الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته ( أي عودة مؤسّس الداهشيّة ) تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسّباب بحقّ الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان “.
الجاوب – انّ المناشير التي أشرت اليها في كلمتك سبق لنا أن وزّعناها بالبريد الى كافّة أقطار الدنيا . وذلك في اثناء سيطرة ( بشارة الخوري ) المخلوع بارادة الشعب . فضلا عن أننا وزّعناها ، يومئذ ، بعشرات الألوف في جميع أنحاء لبنان ، وفي قلب العاصمة بيروت أثناء تحكّم (بشارة ) برقاب العباد .
وعندما وزّعنا هذه ( الكتب السوداء ) كنّا نعتبر أنّنا نقوم بواجب مقدّس ملقى على كواهلنا وعواتقنا ، وذلك لكي ننير الاذهان ، ونلقي نورا على جريمة أرادوها ظلاما كثيفا .
ولم نقم بعملنا هذا – أي لم نطبع ونوزّع هذه الكثرة من الكتب والنشرات السوداء – الاّ بعدما يئسنا اليأس التامّ من وجود أيّ ( صحفيّ لبنانيّ ) يتبنّى قضيّة الدفاع عن ( مظلوم بريء ) لينتزع حقّه السليب بقلمه .
نعم ، لم يوجد حتى ( ظلّ هذا الصحفي ) في عهد ( بشارة الخوري ) ، مثلما وجد في فرنسا ( اميل زولا ) ذلك الرجل النبيل الذي خلّد التاريخ اسمه الى الابد .
اميل زولا الذي دافع عن ( دريفوس ) لأنّه كان يعتقد أنّه بريء . وقد وضع نفسه في فوهة البركان عندما تحدّى ارادة الحاكمين ، ورغبة القضاء ، وثورة الشعب ضدّه ، وقبل أخيرا أن يغادر وطنه ، وينفي نفسه ، دون أن تلين له قناة ، أو تهن له عزيمة . كلّ ذلك دفاعا عن رجل يعتقد ببراءته .
نعم ، يا سيدي ، نعم ، لم يوجد في لبنان ( صحفيّ واحد ) تجرّأ وكتب ( كلمة حقّ ) حول هذا الاعتداء على ( جنسيّة ) رجل ، وحريّة رجل يكفلهما له الدستور ككلّ مواطن . فاضطررنا اضطرارا ، وأرغمنا لأن ننزل الى ميدان الكفاح ، ونقتحم معاقل المعتدين ، ونحن على أتمّ الاستعداد لتقبّل أية تضحية مهما عظمت في هذا السبيل النبيل .
وأظنّ ، بعدما عرف الآن الكاتب البارع – سعيد فريحة – السبب ، زال منه العجب . أليس كذلك ؟
ثم هب أنّ هذا الاعتداء ، أوقعه الطاغية على شخصك ، فهل كنت سترشقه ( بالورود والياسمين ) ، وتسكب على قدميه ( عطر الناردين ؟…) ، أم كنت تفكّ عقال قلمك الجبّار ، وتطلقه في اثره أينما سار ، ليقوّض من بنائه ما يقوّض ، حتى تدمّره على رأسه تدميرا مزلزلا – مثلما فعلت يوم استدعاك ( ناصر رعد ) تنفيذا لرغبة أحد السلاطين (أي شقيق بشارة السلطان سليم ) .
ترى ، كيف جاز لسعيد فريحه أن يطلق ، يومذاك ، صواريخه على الحكّام الظالمين …ويأتي نفس ( سعيد فريحة ) اليوم بافتتاحيّته ليقول للداهشيّين :” لا يجوز لكم أن تنكّلوا بمن ساهموا بجريمة ابعاد مؤسّس الداهشيّة عن وطنه لبنان ” ؟ انّني انتظر منك جوابا في العدد القادم .ولكلّ سؤال ، يا سعيد ، جواب …
ثالثا – قلت :” ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي ، أو مدير شركة كهرباء مثلا – لقلنا من حقّ أنصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريّته المسلوبة “.
الجواب – وكبار الادباء ، والكتّاب المسيحيّون الذين هاجموا بأقلامهم السليطة الشعب اليهوديّ ، وملأوا مئات المجلّدات بأقذع ما يمكن أن تسمعه اذن بشريّة لأنّ اليهود سبّبوا صلب سيّد عقيدتهم ( يسوع المسيح ) كانوا متأكّدين أنّ ( المسيح ) مؤسّس عقيدتهم لم يكن ( رئيس حزب سياسي ) ولا (مدير شركة كهرباء مثلا ) ، ومع هذا خاضوا بأقلامهم واقتحموا معاقل اليهود فزلزلوا أسسها وردّموا آثارها ، ودكّوها دكّا عاصفا لم يبق ولم يذر . فالأديب العالميّ الاميركيّ المعروف ( هوبكنس ) صاحب كتاب ” جريمة اليهود الوحشيّة ” قال الشيء الكثير . وها اني أنقل لك جملة عاديّة من مؤلّفه الثمين . قال :
” واليهود – هؤلاء الوحوش الضارية – هؤلاء المجرمون الأفكة – هؤلاء الأثمة المنغمسون في النقائص من قمم رؤوسهم حتى أخامص أقدامهم – البائعون أعراض نسائهم – المقدّمون فتياتهم لكل طارق – العابثون بالفضيلة – الهازئون بالشرف – الضاحكون عندما تذكر أمامهم كلمة الضمير – هؤلاء هم الذين تقع عليهم تبعة صلب السيّد المسيح “!
ثمّ يستطرد هذا الكاتب فيذكر عبارات دمويّة مقوّضة ترزح تحت معانيها أطواد الجبال المشمخرّة .
وكذلك فعل الكاتب الانكليزي السير ( جون مايلز ) ، والدوق ( هدلتون ) ، والمستر (براندي ) ، والكاتب النروجي ( أدامس ) ، والاديبان الروسيّان ( ستربتوفسكي ) و( تورغنيف ) ، وسواهم وسواهم اذ ملأوا كتبهم بما يطلق عليه الناس اسم ( شتائم ) سكبت في قالب أدبيّ عنيف جدّا ، فعلوا هذا ، واطلقوا مقنبلاتهم على رؤوس اليهود واليهوديّة ، محمّلينهم تبعة صلب السيّد ( المسيح ) مع أنهم متأكّدين انه لم يكن ( رئيس حزب سياسي )….
فاذا ترسّمت أنا وبعض الداهشيّين خطوات كبار أدباء الغرب فانّما نكون قد تشبّهنا بالكرام من الأدباء المرموقين . والمثل العربي يقول “: انّ التشبّه بالكرام فلاح …”
رابعا – قلت :” ولكنّ الدكتور داهش في نظر الداهشيّين مؤسّس ديانة جديدة ، وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء “.
الجواب – عندما يعتنق أيّ امرىء مذهبا ما ( بقطع النظر عمّا اذا كان مذهبا اجتماعيّا او سياسيّا او دينيّا ) فانّه يخوض المعارك القلميّة ، حتى والحرب الفعليّة ( كالحرب الصليبيّة مثلا ) دفاعا عن عقيدته التي آمن بها وهو يستعمل جميع أنواع الأسلحة التي يعتقد أنّها ستوصله الى غايته …
ونحن عقيدتنا التي آمنّا بها ، والتي ندافع عنها دفاع المستميت تقول : ” من لطمك على خدّك الأيمن حطّم له خدّه الأيمن ثمّ ردّم له الخدّ الأيسر ترديما تامّا “. وعندما شاهدنا أعداءنا قد اعتدوا علينا بدون سبب ، وشفعوا جريمة انتزاع الجنسيّة بمحاولتهم تأليبهم علينا قطيعا من ذئاب المرتزقة من ( الكويتبيّين ) الذين غمسوا أقلامهم الصفراء في مستنقعات آسنة , وقصدهم من كلّ ذلك تشويه سمعتنا تجاه الرأي العامّ ليصرفوا الأذهان عن جريمتهم النكراء ، ونيّاتهم السوداء …اذ ذاك تأكّد لنا أنّه ” لا يفلّ الحديد الاّ الحديد ” فشمّرنا عن سواعد الجدّ ، ونزلنا الى الميدان الذي أرادوه ، ونقدناهم من بضاعتهم ….ولكن بطريقة مروّعة مزلزلة قصمت من هؤلاء الذئاب المفترسة الظهور ، اذ حطّمنا بعصانا الفولاذيّة ضراوتهم ، وقضينا على شراستهم …ثمّ هل نسيت المثل القائل :
” العبد يقرع بالعصا والحرّ تكفيه الاشارة “!
ولمّا كانت القطعان المأجورة لأسيادها تهاجمنا لمنفعة ذاتيّة – لا لمنفعة عموميّة – رأينا أن نخاطبها باللغة التي تفهمها وتهضمها بسهولة تامّة …
وهكذا كنّا لهم من المنصفين . فمن ارتكب شرّا تقع عليه تبعته . فما كان أغناهم وأغنانا عمّا تمّ ووقع ، ولكن …لهم أعين ولا ينظرون ؛ أو قل ” انّما تعمى البصائر لا الأبصار “. رفع الله عن أعينهم غشاوة الجهل ، وأعادهم الى صوابهم . انّه أرحم الراحمين .
خامسا – قلت :” وكم كنّا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار – ولنا بينهم أكثر من صديق – لو تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم لم تؤسّس على الشتم والاهانة ، وارسال الكتب المغفلة ، وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير “.
الجواب – انني أذكر السيّد ( سعيد فريحة ) المسيحيّ بأنّ مؤسّس عقيدته المسيحيّة قال :” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد !”.
ثمّ قال :” ما جئت لألقي سلاما بل سيفا . جئت لأفرّق الابن عن أبيه ، والابنة عن أمّها ، والأخّ عن أخيه …” الى آخر الاية .
وعندما جاءته تلك ( المرأة ) طالبة شفاء ابنتها قال :” ليس حسنا ان يطرح خبز البنين للكلاب “.
واذ ذاك عرفت المرأة أنّه يعنيها بكلامه ، فتواضعت وقالت له : “والكلاب يا سيّدي تأكل الفتات المتساقط تحت المائدة ” ، أي قبلت بسبب ايمانها ان تنعت بالكب الذي وصفها به السيّد المسيح .
ثمّ …ألم يقل السيّد المسيح لتلاميذه ” اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب هيرودس …”
انّني أعتقد تمام الاعتقاد أنّ السيّد المسيح كان ثائرا كبركان فيزوف . نعم , كان ثائرا على جميه الأوضاع والقوانين ، ثائرا حتى على نفسه . وقد قادته هذه الثورة أخيرا الى خشبة الصليب فعلّق عليها دون أن يتراجع عن ثورته حتى آخر لحظة من حياته .
هذا هو السيّد المسيح . هذا هو الناصريّ الذي أعرفه كما هو على حقيقته ووجهه السافر . امّا قولك :” انّ المسيحيّة أسّست على الحبّ ، والتسامح …والخير …” فزمجرة مدافع المسيحيّين، وتدفّق نيران الأسلحة الجهنميّة التي تطلقها (الدول المسيحية ) بعضها على البعض ، وافناؤهم للملايين لأجل مصالح ماديّة دنيويّة ، وليس لغايات دينية سامية – تبرهن أنك تنظر الى هؤلاء الذين يدّعون انهم ( مسيحيّون ) بمنظار (أبيض ) سوّد الله وجوههم !…
فأيّ ( تسامح ) هذا الذي يرتكبونه ؟ وأيّ ( حبّ اوخير ) يبغونه ؟
أبتشريدهم يدهم عرب ( فلسطين ) ، وطردهم من وطن آبائهم وجدودهم ؟ أم باعتدائهم على الدول الضعيفة وأكلها كلقمة سائغة ؟ أم باستئسادهم على حفنة من زنوج ( الماوماو ) في مجاهل القارّة الأفريقيّة ؟
كفانا يا سيّدي كفانا !…انّ (المسيحيّة ) اليوم أصبحت كورقة المئة ليرة اللبنانية ( المزيّفة ) . والعياذ بالله !
سادسا – قلت” انّ الديانة المسيحية ( وهذا الأهمّ ) أسّست على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيّد المسيح “
الجواب – ذاك عهد قد مضى وانقضى ( عهد الظلم والاضطهاد والتعليق على الخشبة ). فعهد محاكم التفتيش المرعب قد عفت آثاره ، وانطفأت أخباره ، بعدما هتكت أسراره التي لم تشرّف مرتكبيها . انها لطخة عار ، وليست اكليلا من الغار …فنحن يا سيّدي نعيش اليوم في عصر المدنيّة والنور ، عصر الحريّة ، عصر الدستور الذي يتساوى أمامه الكبير والصغير ، الأمير والحقير ، وذلك بعد جهاد قرون ، واضطهاد أجيال مخيفة .
واذا كنت تعني أنّه كان من الواجب ان يضطهد ( داهش ) لأنّ صاحب كل رسالة يجب ان يضطهد ويحني هامته أمام مضطهديه ….اذا كان هذا ما تعنيه فانني أقول لك :
( ثق بأنني لو لم أكن متأكّدة – انا واخواني الداهشيين – بانّ مؤسّس عقيدتنا هو الثائر الأوّل على كلّ طاغية ، ومرتكب باغية ، لما تبعناه ، ولا ترسّم أي منّا خطاه . فثوراته الدائمة هي التي جعلتنا نكون أتبع له من ظلّه . وداهش نفسه خلق فينا روح التمرّد الأبديّ ، والكفاح السرمديّ ، والنضال الأزليّ ، ما بقيت روحنا في جسدنا الأرضيّ …
وتمرّد داهش على العتاة ومحاربته ايّاهم بجبروت وعنفوان مزلزلين هما اللذان جعلانا نضحّي في سبيله بأموالنا وأرواحنا .
ويطيب لي بهذه المناسبة ان أسمعك بعضا من كلماته الثوريّة لتدرك أيّة عزيمة فولاذيّة تحتويها روحه القويّة ، قال :
” أنا القويّ الجبّار ، والعنيف البتّار ، فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها فانها لن تعود الاّ بصفقة الخاسر المغبون ، ولن تتمكّن من اماتة ما يجيش في نفسي من نزعات تبغي الانطلاق من هذه القيود . كلاّ !…انا لن أتقاعس عن نيل أهدافي ، وبلوغ اتّجاهاتي التي أطمح اليها .
وسأحقّق أمانيّ عاجلا ام آجلا وسأسحق ما يقف في طريقي من عقبات كأداء وسأردّمها ترديما . وسأهزأ بالانسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !…وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي ، وأنف الحياة في الرغام”.
وقال :” نفيت لأني اتّهمت بكوني أثرت في نفوس أتباعي الثورة الجارفة ، ونفثت في أرواحهم حبّ تقويض أرائك الحكّام المستبدّين!”
وقال :” نحن قوم مسالمون ، نحترم صاحب السلطان ما دام يحترم حرّيتنا ، امّا اذا حدّ من حرّيتنا المقدّسة ( هديّة الخالق للخلائق )، اذ ذاك ننقلب الى أسود ثائرة نبطش بهذا الحاكم الجبان ، ونؤدّبه تأديبا مرعبا مرهبا . ونجعله عبرة لكل معتبر “.
وقال :” لو كانت ثورتي الجارفة ضدّ أعدائي غير محقّة لأصغيت لكلّ من يريد مناقشتي او مجادلتي .
ولكنّني صاحب حقّ صريح اعتدى عليه الحاكم الوصوليّ الظالم . لهذا لا أقبل أيّ مناقشة أو جدال . وسأمكث على مهاجمتي العنيفة المستمرّة حتى أنتزع حقّي المغصوب ، وأستعيد حرّيتي السليبة “.
وقال :” الجبان في شريعتي ليس أهلا للحياة مطلقا . فامّا أن نجبن فيستعبدنا القويّ الغاشم ، وامّا أن نظهر شجاعتنا ، ونطلق بطولتنا ، فننتزع بواسطتها حرّيتنا المقدّسة الخالدة “.
وقال :” سأنهض ، وأحطّم قيودي ، وأجتاز جحيم هذه الحياة بقلب جريء وارادة جبّارة ، وأتمكّن من ناصية المجد والانتصار “!!
هذا غيض من فيض ممّا تفجّرت به روح ( داهش ) الثائرة على كلّ ما تقع عليه العين ، او يصل اليه الخيال . هذا هو مؤسّس عقيدتنا الداهشيّة ، وباعث فينا روح الثورة المندلعة بنيرانها الجهنميّة الأوار ، لتزدرد كلّ من يريد الاعتداء على حريّة معتقدنا التي كفلها الدستور سياج الحرّيات وحاميها الأمين . فنحن أحرار بما نعتقده ، ونهاجم كلّ من يقترب من عريننا الذي نحميه بمهجنا وأرواحنا .
كما انّنا لا نهاجم صاحب أيّ عقيدة ولو آمن بالشيطان . فله معتقده ولنا معتقدنا .
وأختم ردّي بقولي : ما كان أغنى بشارة الخوري عمّا أصابه من الداهشيّة طوال تسعة أعوام عارمة بكتبها السوداء ، لو ترك لنا حرّيتنا التي وهبها الله جلّ اسمه لنا ، فأراد هذا الطاغية سلبنا اياها . فكان ما كان ممّا يعرفه جميع سكّان لبنان . وسلام عليك من المخلصة .
ماري حدّاد الداهشيّة
لاحقة :
ذكرت في كلمتك كلمة ” ارسال كتب مغفلة “
وجوابي عليها أنني ما تعوّدت مطلقا ان أرسل كتابا مغفلا لأيّ شخص كائنا من كان .
وكتبي السوداء التي كنت أشحنها بأرعب وأرهب ما يمكن ان يخطّه قلم بشريّ …كانت تحمل توقيعي الواضح الصريح .
خذ مثلا ( كتابي الاسود ) الذي عنونته هكذا ” سأغتال الشيخ بشارة الخوي المجرم “، ( ونشرتي السوداء ) التي عنوانها ” سيقتل الشيخ بشارة الخسيس ، وستنتقل روحه الى ابليس ” وهكذا ( كتابي الأسود ) الذي عنوانه ” يجب محاكمة رئيس الجمهورية بشارة الخائن ” الى آخر ما هنالك …
وقد وزّعت هذه الكتب في أعوام 1945 و1946و1947و1948 أي عندما كانت كلمة ( بشارة الخوري ) دستورا نافذا لا مهرب منه .
يومذاك كان أكبر رأس يطأطىء أمام ( بشارة الخوري ) ويحرق امامه بخور الذلّ والمهانة …
اذن ، غير معقول أن أرسل الى أيّ فرد من الناس ( تحريرا مغفلا ) ولا أدري كيف استنتجت مثل هذا الاستنتاج فبنيت عليه حكمك .
اذن يجوز لي ان أقول :” انّ بعض الظنّ اثم “.
واذ أختم مقالي ، آمل منك أن تنشر موضوعي الذي امتدّت فروعه ، وتشعّبت أصوله . وانّني مستعدّة لاعطائك أيّ ردّ ترغب في توجيهه إليّ من منبر مجلّتك . والسلام .
بيروت 26 آذار 1953 ماري حدّاد
الرسالة الداهشيّة ...
جريدة الهدف 10 آب 1965
الذين يجتمعون الى الدكتور داهش ، وبعضهم علماء وأطبّاء ومثقّفون ، يخرجون من لدنه وعلى شفاههم سؤال واحد :
ما هذا الذي نرى في الثلث الأخير من القرن العشرين ؟
ان الخوارق الروحية التي يأتي بها الدكتور داهش تقطع بأشياء يقف أمامها العقل عاجزا حائرا .
ليس أسهل من التشكيك ومن الاستلشاق ..في عصر مادّي يعيشه . اللامادّيون فقط ، لا يرون فيما يأتيه هذا الرجل بدعا ولا عجبا . فالشرائع تتحدّث عن الأرواح والخوارق . والدكتور داهش يقول :
لم يعد من السهل ارتداد انسان اليوم الى صفاء الايمان بعد طغيان المادّة على حياتنا وانتشار الفساد في مجتمعاتنا ، فجاءت الرسالة الداهشية تؤكد خلود الأرواح وفناء الأجسام ، أي انّ الداهشيّة تبشّر بقيمة المعنويات وتمقت بهرجة المادّيات وفقا لما جاء في الأديان السماوية . وتعتبر قوّة الأرواح الخارقة كمعجزة لهذه الرسالة ووسيلتها الأولى لاقناع الناس بمبادئها .
واذن فالرجل الذي يعيش بيننا منذ نيّف وعشرين عاما وينادي بثبات وايمان أن : تعالوا الى كلمة سواء ، عودوا الى الجوهر والقيمة ، يجب أن نخلي بينه وبين ما هو فيه فقد يصبح له شأن عظيم …
قد تمضي سنوات أخرى على القول ” لا كرامة لنبي في وطنه ” . لكن رسالة هذا الرجل لا بد منتصرة ومنتشرة ، وسيكون ناصرها الأبعدون كما يعتقد ، بل بجزم الدكتور داهش نفسه ، والمقربون جدّا اليه .
وغدا عندما يأتي الناس أفواجا من بعيد ، ليروا خوارق هذا الانسان الذي انتظمت فيه الظواهر الروحية ، ويحارب التدجيل والشعوذة حيثما وجدت ، سيصبح لبنان شيئا أخر .
وغدا أيضا عندما تتقبل عقول الناس توضيحه الروحي والحسّي لأشياء كانوا يلوكونها ولا يدركونها ، كقضية الصلب مثلا وتأكيد الدكتور داهش بواسطة الظواهر أنّ للانسان شخصيّات متعدّدة ، وبذلك يترجم القول ” ولكن شبّه لهم ” ، في ذلك الغد سيكون الانقلاب الكبير …
حسب لبنان يومئذ أنه سيصبح ثروة سياحية كبرى .
حسبه أن واحدا من بنيه جاء يحسم ، وهو يثبت الايمان في القلوب ، قضايا هي مثار جدل ومتاجرة وانقسام ، كل ذلك في حدود قوله :
” ولعل مبدأ السيّالات الذي تبشر به الداهشية أقوى دليل على تجاوبها مع الاسلام والمسيحيّة ، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان ، عند الذين يعلمون …في الجوهر وفي كلّ ما هو قيمة ونافع لبني الانسان …”
رسالة ماري حدّاد الأولى الى بشارة الخوري
السيدة ماري حدّاد هي شقيقة لور زوجة بشارة الخوري وعندما اعتنقت ماري حدّاد وقرينها وكريماتها الداهشية ابتدأ بشارة باضطهاد داهش اضطهادا متواصلا . وهاكم رسالتان من سلسلة رسائل بعثتها ماري حدّاد لبشارة الخوري حول هذا الاضطهاد المجرم
الى رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري
عريضتنا هذه لم تكتب الاّ بعد أن وصلنا من مصدر وثيق أنّكم أصدرتم أمرا باستجواب رئيسنا الديني الدكتور داهش سعيا وراء اعتقاله .
انّنا لم نستغرب هذا الأمر ، اذ اننا عالمون حقّ العلم الحقد الدفين الذي تضمرونه للدكتور داهش في قلبكم ، بعد أن تمّ بواسطته انفصال احدى عيالكم عن الديانة الكاثوليكيّة المارونيّة رغما عن رغبتكم وخلافا لمصلحتكم .
وطالما جاهرتم بهذا العداء ، وطالما اجتهدتم قبل أن تصلوا الى رئاسة الجمهورية ، وسعيتم وراء اخراجه من لبنان. فلم تفلحوا . فلا عجب أن تعيدوا اليوم الكرّة وأنتم في أوّل منصب في البلاد وبين يديكم دفّة الأمور .
ولكن لنا أيضا كلمتنا في الموضوع نرغب في أن نقولها اليوم قبل أن يستفحل الأمر وذلك ليس من صالحكم .
فانّ حرّية الدين وحريّة نشره حقّان معترف بهما في الدستور اللبناني الذي تخضعون ونخضع نحن له . فها انّ السنّي والبروتستنتي والشيعي والكاثوليكي والدرزيّ والأرثوذكسي وسواهم يعيشون في هذه البلاد ، ولم يخطر على بال أيّ رئيس حكومة أن يضطّهد أيّا منهم لأنّهم لا ينتمون لعقيدته الدينيّة . وها ان الدعاية البروتستنتيّة منتشرة في طول البلاد وعرضها ، ولم يجرؤ أي من رؤساء الحكومة اللبنانية الكاثوليكية على منعها . اذ ان هؤلاء الرؤساء يعرفون أنّ هذا التعدّي يكون اهانة لبلادهم وصفعة في وجه القانون . وانّ الداهشيّة ستعيش وتنمو في لبنان وخارج لبنان رغم جميع المحاولات لقمعها والوقوف دون انتشارها . فيجب أن تعلموا ذلك !.
واذا كانت يد الأقدار قد أجلستكم على كرسيّ الرئاسة لوقت معيّن ، فاعلموا أنّه من الخطأ الظنّ بأنّ الرئاسة أعطيت لكم لتتصرّفوا كما تشاؤون لسدّ الضغينة التي في قلبكم ضدّ الدكتور داهش .
فان الدستور يحمي جميع المعتقدات ونحن من الذين يجاهرون بفاعلية القانون ويطالبون بتطبيقه بالحرف الواحد .
فانّ للدكتور داهش ولاتباعه ، من أفراد وجماعات ذوي مكانة اجتماعية ، هدفا دينيّا نبيلا هم أحرار في اعتناقه ونشره ، وليس لأحد سلطة عليهم البتّة ما داموا سائرين في دائرة الحقّ والعدل . وما دام القانون يضمن حريّة المعتقدات والأديان اليوم وغدا والى ما شاء الله .
فكفى استجوابات سريّة ومحاولات فاشلة . فان كان لكم على الدكتور داهش أيّ لوم فها انّ المحاكم مفتوحة ، والقانون صريح ، والحقوق مصونة ، ولا داعي للاستجوابات الغافلة بين الجدران الصامتة . ونعلن لك يا بشارة أنّ نسخا عديدة من هذه العريضة رفعت الى قناصل الدول والمراجع الايجابيّة ليأخذوا علما بواقعة الحال . وعندئذ تجري العدالة مجراها ، ونقتصّ من كلّ من يحاول الاعتداء على الحريّة الشخصيّة المقدّسة .
والسلام
بيروت 12 تشرين الأوّل 1943
ماري حدّاد الداهشيّة
رسالة ماري حدّاد الثانية الى بشارة الخوري
الى بشارة الخوري
ها قد سبق ودفعت جزءا طفيفا من ديونك للعدالة الالهيّة .
ولكنّك لم تنتفع من الانذار الخفيف الذي ألمّ بك ، وظللت متشبّثا بموقفك دون أن تعوّض عن الأضرار والرزايا التي سببّتها للغير .
ولكن أقلّ صدمة تصيبك بعد تلك الصدمة الاولى ستقضي على كلّ شيء : على جسمك المسكين وعقلك المترنّح .
فافحص ضميرك اذا ساعتدتك ذاكرتك على ذلك . ولكن ربّما يكون الوقت قد فات . والدينونة في انتظارك حتى في هذا العالم .
لقد سعيت وقضيت حياتك للوصول الى هدف واحد وهو الوصول الى منصب كان مطمح آمالك وآمال العائلة منذ زمن بعيد .
فيا ليتك على الأقل جعلت من طموحك وسيلة لنشر العدالة وتوطيد القوانين .
ولكنّك قد استفدت من تولّيك الحكم في أوّل منصب للبلاد فاستعملت الطغيان والقساوة وارتكبت جميع أنواع الموبقات والتعدّيات .
لقد جعلت نفسك مطيّة مسوقة ممّن هم حولك وهم يؤثّرون عليك . ويجعلونك تقول وتعمل كالعوبة مسكينة بأيديهم .
وكثير من الموظّفين ساروا على آثارك خوفا من أن يفقدوا رضاك ومنصبهم …
ولكنّك ويا للأسف لست بآلة . بل أنت انسان وكثير من الأعباء والمسؤوليّات تثقل ضميرك وفيها القضاء عليك .
انّك ستجبر على تبرير مواقفك أمام المحاكم . فقد سبّبت انتحارا . وحاولت قتل الدكتور داهش . وسجنتني في العصفوريّة كما سجنت غيري في سجن الرمل …وجميع هذه الأمور ستوزن بميزان العدل . ولا تظنّن أنّ حلّة الكاهن في ساعة الموت كافية لتبييض روحك السوداء . فاليد الأثيمة التي ترتفع لن تمنع عدالة السماء من أن تقتصّ منك بكلّ صرامة .
فالخزعبلات الاكليركية الحقيرة هي روايات باطلة لا قيمة لها أمام من يسبر غور القلوب . وستدفع الثمن فادحا عن كلّ عمل من أعمالك النذلة .
ماري حدّاد الداهشيّة
30/9/1945
بشارة الخوري المجرم السفّاح
ظلمه ولّد هذه القصيدة المزلزلة
بعد 27 عاما من طرده
والقصر احتواه صمت أخرس ، فكأنّه القبر القديم البالي !…
وسمع صوت البوم وهو ينعب في هذا الصرح الخالي ،
مردّدا بنعيبه : يا لبشارة التعيس بعد هذا الاذلال !
انّه زلزال مردم مدمّر …فيا لهول ذا الزلزال !
دكّ عالي بشارة ، فاذاه يتدحرج سفلا من الأعالي …
طرده الشعب طردا معيبا بعدما سامه شرّ اذلال ،
وحطّم كرسيّ حكمه تحطيما مروّعا فاذاه رقيق الحال .
عصف بطاغوته عصفا شائنا ، ومرّغ أنفه بالأوحال .
هو سبّة الدهر ، وعار الدّتى ، فما هو الاّ أنتن محتال .
هو خائن أقسم وحنث ، فطوّقته الخيانة من رأسه للأذيال .
هو شين التاريخ ولعنة العالمين ، يفضّل عليه أحطّ زبّال .
هو خزي على لبنان ، ووصمة عار تردّدها الشفاه في الليالي .
هو باغية مدنّس …ارتكب الاجرام ، واختلس طائل الأموال .
ناح لطرده وسفح دموعه الحرّى …وها أنا أرويها للأجيال .
وزوجته فطرت مرارتها حزنا وألما لما أوصلها غرور ميشال
عشرة أعوام ارتكب فيها الفواحش …وبكلامي لست أغالي .
الأبرياء زجّهم في السجون ! يا ويله من سفّاك لم يبال .
وماري حدّاد شقيقة زوجه .. سجنها بدناءة ..فيا لضيعة الأمال !
فضحته وشهّرته ومزّقت شرفه ، فاذا النار بقلبه بازدياد اشتعال .
هو لعنة الرجس ، لا شكّ فيها …تؤيّد قولي فيه سفالة الأفعال .
طردوه ، وألبسوه حلّة العار لا الغار …وليتهم أوردوه حتفه بالاغتيال .
لبنان امتصّ ضرعه ..وان ذكرت جرائمه تتردّم شواهق الجبال .
هو بصقة العار ، ولعنة الأكوان طرّا ، وسيصفّق دوما بالنعال .
طردوك يا أدنى وغد ..فلا أقامك الله يا معشر الأنذال .
بيروت الساعة الواحدة بعد الظهر
19/10/1979
مات الدكتور داهش ودفن ..ثم بعث حيّا
مأخوذة من كتاب “مراثي الأدباء والشعراء الخ ..بمؤسّس العقيدة الداهشيّة ” الصفحة 7
بقلم الدكتور فريد أبي سليمان
بتاريخ 28 آب 1944 اعتدي على مؤسس العقيدة الداهشيّة ,اذ أرسل له المسؤول الأوّل شرذمة من الرعاع ليغتالوه بعقر داره . وتبع ذلك تجريده من جنسيّته اللبنانيّة , وتشريده , وأنف القانون معفّر بالرغام وممرّغ بالسّخام .
وهكذا اعتدي على البريء رغما عن احد بنود الدستور اللبناني القائل : ” انّ حريّة المعتقد مصونة ” .
لقد داس بشارة الخوري القانون ، وخرق موّاد الدستور اللبناني ، فلعتدى على بريء ذنبه الوحيد اعتناق الأديبة والفنّانة ( ماري حدّاد ) شقيقة زوجته للداهشيّة مع قرينها وكريماتها الثلاث ( ماجدا ) و (أندره ) و(زينا) . واذ ذاك ثارت ثائرة بشارة الخوري وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا ، وهالهم الأمر ، وتآمروا على داهش ، ففشلت خطّتهم ، وأنقذه الله من غدرهم .
وتابعت المؤامرة فصولها بتجريده من جنسيّته اللبنانيّة وتشريده في أرجاء الكرة الأرضيّة . وفي 28 حزيران 1947 وصل الدكتور داهش الى أذربيجان ، فالقي القبض عليه لأنّه لم يستطع اثبات هويّته ، اذ لا أوراق رسميّة لديه بعد نفيه ، فظنّت السلطات أنّه جاسوس ، خصوصا أنّ فتنة دامية كانت قد قامت في أذربيجان وجرّت ذيولا خطيرة ؛ فاعدم رميا بالرصاص بتاريخ أوّل تمّوز 1947 ، وذكرت الصحافة العربيّة والعالميّة أنباء اعدامه ودفنه .
ولكنّ الحقيقة أنّ من أعدم كان أحدى شخصيّات الدكتور داهش ، فلمؤسّس الداهشيّة ستّ شخصيّات مقرّها في عوالم أخرى من الكون . وقد تجسّدت هذه الشخصيّات مرارا وتكرارا ، وشاهدها الكثيرون في مناسبات متنوّعة عديدة . وقد ذكرت الصحف أخبار ظهورها ، وعقدت الفصول الطويلة حول تجسّداتها .
وهذا التجسّد يثبت بالبرهان المحسوس الملموس الآية الواردة في القرآن الكريم والقائلة : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ) “سورة النساء :آية 157 ” . أي انّ أعداء السيّد المسيح ظنّوا أنهم صلبوه لكنّه في الحقيقة لم يصلب بل صلب مكانه ” شبهه ” أي شخصيّته الثانية .
ومؤسّس الداهشيّة موهوب قوّة روحيّة سماويّة ، وقد اجترح المعجزات الباهرة أمام الألوف خارقا بها النظام الطبيعي المعروف وقوانين الطبيعة التي لا تخرق .
ذلك بأنّ قوّة الروح هي فوق القوانين . وهذه القوانين تخضع للقوّة الروحيّة .
وعندما اعدم داهش رميا بالرصاص ، أي عندما أعدمت شخصيّته في أذربيجان ، كان الدكتور داهش في منزل الرسالة في بيروت بين أتباعه الداهشيّين المجاهدين الأمناء والأوفياء لمؤسّس عقيدتهم الراسخة رسوخ شوامخ الجبال المشمخرّة .
وها نحن نضع أمام أنظار القرّاء صورتين لاعدام الشخصيّة :

ولنزيد القارىء علما حول هذه المعجزة نقول : انّ الشخصيّة هي من عالم آخر غير عالم الأرض ، اذا لو أعيد فتح الحفرة التي دفنت فيها الجثّة لما وجد فيها أيّ شيء ، ذلك لأنّ الشخصيّة تعود الى عالمها ثانية .
وعندما نشرت الصحف أنباء اعدام الدكتور داهش أرسل بشارة الخوري بطلب ( رهنما ) سفير ايران يومذاك في لبنان واستوضحه أمر اعدام مؤسّس الداهشيّة . وقد أرسل رهنما سائلا وزارة الخارجيّة الايرانيّة عن حقيقة الحادث ، فأتاه الجواب مؤكّدا أنباء الاعدام بتقرير رسميّ يصف فيه المصرع بتفاصيله . وقد بلّغ رهنما بشارة الخوري الخبر ، مزوّدا ايّاه بهذا التقرير الرسميّ . حينئذ انفرجت أسارير بشارة الخوري ، وابتهج لخلاصه من عدوّه داهش الذي سبّب له آلاما عظمى بسبب الكتب السوداء التي نشرتها شقيقة زوجته ماري حدّاد وفيها من الفضائح الهائلة ما يزكّم الأنوف .
وهكذا أقضّت مضجعه ، وحرمته من النوم لكثرة ما أوجعته …
وها هو الأن ، وقد تأكّد له موت داهش ، اطمئنّ الى أنّه انتهى من أمره . ولو عرف بأنّ داهش لا يزال حيّا يرزق وأنّه يقيم في منزل شقيقة زوجته ، ومنزلها لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من أربعين مترا ، قلت لو عرف ذلك لصعق ولانطلقت روحه ذعرا ورعبا . وبعدما نشرت الصحف اللبنانيّة نبأ اعدام الدكتور داهش ، بادر العديد من الصحفيين والأدباء والشعراء ورجال الدين والسياسيين ، فرثوه وقد انتخبنا من مئات المراثي مجموعة ضممناها لكتابنا هذا ، محتفظين بخطوط من رثوه لنشرها بالصحف عندما تدعوا الحاجة لذلك . واليوم ، وبعد مرور ثلاثين عاما على هذا الحادث التاريخي العجيب ، أحببنا أن نجمع ما انتخبناه من المراثي التي قيلت بمؤسّس الداهشيّة ، وننشرها بكتاب ليطّلع عليه الرأي العامّ . والسلام .
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت في 5/3/1979
...الأدباء والشعراء والصحافيّون الخ
يرثون مؤسّس العقيدة الداهشيّة
انّ نبأ مصرع مؤسّس الداهشيّة العظيم في أذربيجان الايرانية في مطلع تمّوز سنة 1947 أحدث هزّة عنيفة في نفوس الداهشيين والألوف من أنصارهم في مختلف المدن العربيّة والأجنبيّة ، وضجّة في صحف المهجر ، والعالم العربي ، اذ نشرت جميعها الخبر المفجع وصور مصرع الدكتور داهش الذي ما كان ليحدث لولا المؤامرة الجهنّميّة التي دبّرها ضدّه رئيس لبنان الطاغية بشارة الخوري وزبانيّته الأشرار .
وقد استثار خبر مصرعه قرائح المئات ممّن عرفوا قدره وعبقريّته حتى من غير الداهشيين فدبجوا في شخصه مراثيا وكلمات عبّروا فيها عن شعورهم وأرائهم .
وفي الذكرى الأولى لمصرع الدكتور داهش ، اجمتع الأخوة الداهشيّون في اليوم نفسه والساعة نفسها ، في كلّ من أذربيجان وبغداد ، والنجف الأشرف ، ودمشق ، وبيروت ، وسان باولو ، وغيرها من مدن العالم …وبعد صمت رهيب وتأمّل عميق القيت على مسامعهم هذه الباقة من المراثي والكلمات .
وجدير بالذكر أنّ عددا ضئيلا جدّا من الداهشيّين المقرّبين من الدكتور داهش كان يعرف أنّ مؤسّس الداهشيّة ما يزال حيّا يرزق وقد أنقذه الله بحكمة منه اذ استبدل به احدى شخصيّاته ، تماما كما تمّ في حادثة صلب المسيح . وقد بقي هذا الأمر سرّا اخفي حتى عن الداهشيّين مدّة طويلة من الزمن ، ثم عرفوا بأنّ الشخصيّة هي التي استبدلت بداهش .
