العَدالةُ الموؤُدَة
يا أَعوادَ المشانِق، كم لكِ من ضحايا بريئةٍ شريفة!
وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحِبالكِ القوية!
ولؤَمَاءَ لم تَطلْهُمْ يدُ الأحكامِ العدليَّة!
إنَّ دُمَوعَ الآباءِ والأبناءِ تشُقُّ الفضاء
وصَرخاتِهم العميقةَ تخترقُ السحابَ فالسماء
لا كنتِ يا أحكام! وتَبًّا لكِ أيتها القوانينُ السخيفة!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
جمعته زينا حدَّاد الداهشيَّة
- إيضاح
- ستحيين دائما لأجلي
- روح تنوح
- ماتت
- لن تعود
- إبك إبك يا قلبي الحزين
- بعد فقدي إياها
- وراء الحجاب المجهول
- وصيتي ضموا ژفاتي إلى رفاتها
- نكبة مروعة
- الحزن يغمر روحي الحزينة
- ماجدا لقد ذكرتك فهاجتني ذكراك
- حيث ترقد
- کسل عجیب وانْحلال أعصابٍ غریب
- إلى اليمامة الذبيحة
- إلىٰ ربَّــة الفرا دیس الخالِدَة
- سأنتقم لك يا ماجدا سأنتقم
- دمعتان مذیبتان
- سأبحث عنك في الأرض والسماء
- طواك فليته طواني
- إلى روح ماجد الضحية الغالية
- أيتها الفقيدة أنت فكرة بل أنت عقيدة
- التاريخ المروع لجريمتهم الرهيبة
- في يناير صؤحت آمالي
- دمعتان مذیبتان
- وأخيرا أسقط الطاغية وطرد المرتكب الباغية
- ماجدا ! ... أيتها الرائعة في فرادیس
- ماجدا ! ... إن ذكراك خالدة
- ودوما نذكرك يا ماجدا
- طوال أيام حكم بشارة كنت في لبنان
- الى روح ماجدا النقية
- روحي تناجيك
- ذکری جريمتهم الهائلة أو كلمة من نار مبيدة
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
قصَّة اضطهادها واستشهادها
ومراثي الدكتور داهش والداهشيين بها
الحمامة الذبيحة
أو الشهيدة الداهشيَّة الأولى
ماجدا حدَّاد
من ينصره الله لا غالب له
إنَّ جمبع أعداء داهش سوف ينكسرون، وأشدّ ما في إنكسارهم هذا أثهم سوف يحملونه الى قبورهم، لأن هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء ، ولا تذوب عناصرها في الفضاء ؛ فهي ترافق مرتكبيها , ملتصقة بهم , مندمجة بخلاياهم، فتُذكر كلما ذُكروا، ويُذكرون كلما ذُكرت، فهم وهي عظة وذكرى للأجيال القادمة!
جبران مسُّوح
إذا انتصر الظلم على العدل بعض الوقت فلا بد من يوم يبطش فيه العدل بالظلم ثم يجعله عبرة للاجيال الزاحفة.
داهش


تعريف
بقلم ماري حداد الداهشية
ستة وعشرون عاما توارت منذ رحلت إبتتي ( ماجدا الفتية ) من عالمنا الفاني, سافحة دمها القاني كاحتجاجٍ على الجريمة المرعبة التي أوقعها المجرم بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية بمؤسس الداهشية في عام 1943 حتى 1952. وقد إنتحرت إبنتي ( ماجدا ) لتُسْمع صوتها للرأي العامّ اللبنانيّ والعالميّ , ولتوقظ ضمير الرأي العالميّ .
وكانت وفاتها في 27 كانون الثاني 1945 ؛ لأنَّ جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيته اللبنانيَّة ما كان ليقدم عليها بشارة الخوري لو لم أعتنق الداهشية أنا وقريني السيد جورج حداد وكريماتي أندره وزينة , ثم الفقيدة الغالية ( ماجدا ) قاطنة الفراديس الإلهيَّة .
لأنَّ بشارة الخوري هاله وهال زوجته اعتناقي مع جميع كريماتي وقريني وصهرنا جوزف حجَّار الداهشية , إذ تفانينا في سبيلها مما جعل بشارة الخوري زوج شقيقتي لور يُصْدر مرسوماً جرَّد بواسطته الدكتور داهش من جنسيته اللبنانيَّة وأنف الدستور في الرغام !
وإذ ذاك أصدرتُ عشرات الكتب السوداء مندِّدة بالعمل الإجرامي الذي ارتكبه رئيس الجمهورية , شارحة مراحل الجريمة النكراء , ووزعت هذه الكتب السوداء سرأ على الشعب اللبنانيّ الذي كان يستيقظ ليرى طرق بيروت وقُراها قد فُرشت بالكتب السوداء وفيها تفاصيل الجريمة الهائلة وقد سجنني بشارة الخوري مدَّة عام ٍكامل قضيته مع المحرمين والمرتكبين القبائح , إذ لم يكفه إنتحار إبنتي المُفداة ماجدا , بل تكملة لأحزاني الهائلة واتماماً لأشجاني المُرعبة زجَّني في أعماقِ السجون . والسجن كان حرياً بمن إعتدى على الحريَّات وعلى الدستور اللبناني الذي أقسم يمين المحافظة عليه , وكان أول من حنثَ بيمينه ومزَّق أشلاءه , وبعثرها الى جميع الجهات .
إنَّ التاريخ لا يرحم . والتاريخ قد سجَّل مراحل هذه الجريمة بعشراتِ الكتب التي ستملأ الخافقين ليقرأها جميع شعوب الأرض ويلعنوا من ارتكبها مثلما لعنوا وسيلعنون من إعتدوا على السيد المسيح .
إنَّ الحمامة الذبيحة ماجدا حداد التي قدمت نفسها قربانا لن يذهب دمها هدرأ .
وما دام رجل واحد أو سيدة تقرأ كتابا واحدأ من سلسلة الكتب السوداء التي صدرت والتي ستتوالى طبعاتها ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماءً , فسيبقى دمها المسفوح هو الدليل لمن سيقرأ تلك الكتب التي تشرح مراحل الجريمة الشنعاء الرهيبة .
انَّ ذكرك , يا ماجدا , لا ولن يبرح خاطري .
ونُبْلك أراه مائلاً دومأ أمامي .
ولطفك لن أرى له مثيلا أيَّتها اليمامة الذبيحة .
ورقَّتك , ويا لها من رقَّة لا يمكنني وصفها .
وتضحيتك سيذكرها الداهشيون , وسيخلِّدونها في بطونِ كتبهم التي سيؤلفونها . وخيالك لن يبرحَ أفكارهم .
لقد كنت , يا ماجدا , في إبان صباي , عندما أطلقت الرصاصة على صدغك فأردتك . واحرَّ قلباه عليك إ
والآن مضى , منذ تلك الدقيقة , ستة وعشرون عامأ بما كانت تحمله من أهوالٍ مُرعبة وأثقالٍ رهيبة .
وقد تقدَّم بي العمر وفعلت السنون فعلها المريع بي , ولكن هذه السنين المُنصرمة لم تستطع إزالة صورتك التي حُفرت في قلبي , ولن تُمحى حتى ولو طواني الموت بين ذراعيه الرهيبتين . فإليك , الى روحك النقيَّة ,
إلى فتنتك التي ضمَّها اللحد بين جنبيه ,
إلى حماستك المُلتهبة في سبيل الرسالة المقدسة ,
إلى شبابك الريان الذي طواه اللحد في أعماقهِ الرهيبة .
إلى روحك البهيَّة التي أصبحت تُعاين الله في فراديسه الخالدة ببهجاتها التي لا يمكن لقلم بشري أن يصفها , ضارعة إليه أن يجمعني بك قريبا لأحيي بطولتك التي سجَّلها التاريخ بين دفتيه إ وإلى اللقاء أيتها الشهيدة الغالية إ بيروت , 20 شباط 1971 الساعة السادسة مساء.
سيف الحقيقة الرهيف
سيبتر المجرم والمجرمين
بقلم الدكتور داهش
منذ سبعة وعشرين عامأ مضت , أطلقت ( ماجدا حداد الداهشية ) الرصاص على صدغها وضحَّت بحياتها , وذلك إحتجاجا على الظلم الرهيب الني أوقعه أقرباؤها بي , إذ جرّدت من جنسيتي , وأُبعدت , وشُردت في مشارقِ الأرض ومغاربها ٠
ولور قرينة بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية , يومذاك , هي خالة ماجدا حداد الداهشية ٠
وفي أواخر عام 1942 , إعتنق الداهشية كل من ماري حداد وقرينها جورج حدآد , وكذلك كريماتها : ماجدا الشهيدة , أندره , وزينة , كما آمنَ بها صهرهما جوزف حجار قرين السيدة اندره ٠
وقد حاول أقرباء ال حداد أن يبعدوا السيدة ماري وقرينها وكريماتها عن مؤسس الداهشية , واستعملوا كافة الطرق , ففشلوا وكان فشلهم ذريعاً ٠
وإذ ذاك صدر مرسوم النفي والإبعاد ٠ فما كان من ماجدا صاحبة العقيدة الداهشية الراسخة إلا الإحتجاج الصارخ , إذ أطلقت الرصاص على صدغها مُضحِّية بحياتها الغالية في سبيلِ ايصال صوتها للرأي العام , إستنكاراً لهذا النفي المُجحف والتشريد الذي تجاوز حدود القانون والدستور ٠
إنَّ هذه المأساة المُرعبة قد مضى عليها سبعة وعشرون عاما , وما تزال كأنَّها ( إبنة ساعتها ) ٠
وستمضي آجال وتتصرم أجيال , وستؤلف كتب كثيرة شارحة مراحل هذه المأساة الهائلة ٠ والشعوب القادمة ستكون الحكم إذ ذاك , ويكون التاريخ القول الفصل ٠ وسوف يميّز الصالح من الطالح ٠ وسيكون حكمه صارمأ ولكن عادلاً ٠
وبما أنني أعتقد إعنقادأ راسخأ بخلود الأرواح , وأنَّها تنتقل بعد الوفاة الى عوالمٍ ماديَّة أخرى , إذأ بوسعي أن أؤكد تأكيدأ جازمأ أنَّ الحساب لم يسدَّد بيني وبين من إرتكب الشرُّ الفاضح , وأنَّ الإقتصاص ‘“سيبدىء فور إنتقالي من عالم المادَّة الدنيوي هذا ٠
وسيكون الحساب عسيرا , وسيدفع الثمن غاليا . وإذ ذاك تنتصر العدالة بعد أن يساط الظلم سوطا رهيبأ , إذ لكلِّ جريمة ثمن ستدفعه عاجلاً أم آجلاً . وإنَّ ربُّك لبالمرصاد .
وما أروع الكلمة الخالدة التي تفوه بها الأديب الروسي العالمي تولستوي , إذ قال : إنَّ الله يُمهل ولكنَّه لا يهمل ٠
وإذ ظنَّ المُعتدي أته قد نجا بعدما انطلقت روحه من عالمِ الأرض ولم يقتص منه على ما إرتكبه من أهوال جسيمة , فظنُّه باطل وتخيّلاته وهميَّة ٠
وستوقظه الفجيعة التي ستنقضُّ عليه إنقضاض الصواعق في عالمه الذي أوصلته إليه أعماله الرهيبة ٠
وليثق الجميع بأن كل آتٍ قريب ٠
ومن يتهكم بأقوالي هذه , فإنَّما يتهكّم بنفسه وغبائه الشديد ٠ وإنّي أسأل بدوري, من أين أتيت أيها العلاَّمة العارف الغارق في العلوم والفلسفات ٠ ولكنَّه سيصمت , ولن يستطيعَ إعطائي الجواب ٠
وما دام الإنسان يأتي ولا يعرف من أين كان مجيئه , فما أحراه أن يجهل إلى أي مكان ستكون عودته , عند إنتهاء أيامه على أرض الشقاء هذه ٠
ولكئي أعتقد إعتقادأ راسخأ أنَّ كلَّ إبن أنثى سيذهب , بعد وفاته , الى عالمٍ ماديٍّ آخر , ويبدأ , هناك , حياة جديدة أخرى ٠
وهكذا يتسلسل موته وبعثه من عالمٍ الى عالمٍ حتى يبلغ عالم الروح , بعدما يكون قد تدرَّج في سلسلة إختباراتٍ وتجاربٍ هائلة , وبعدما تكون روحه قد بلغت الكمال , بعد سلسلة مرورها في عوالم عديدة ٠
هذا هو رأيي الخاص , ولكلٍّ رأيه الخاص ٠ وإنّي أستشهد بالآية القرآنية القائلة :
( إنك لا تهدي من أحببت ٠ إنَّ الله يُهدي من يشاء ) ٠ والسلام ٠
بيروت في 15 – 2 – 1972
داهش
الى ماجدا
عندما اعتنقت ماجدا حداد العقيدة الداهشية — كما اعتنقها والدها جورج ووالدتها ماري وشقيقاتها آندره وزينا وصهرها جوزف حجار – كتب الدكتور داهش لها القطعتين العاطفتين التاليتين ;
الى ماجدا
هل تنظرين زرقة السماء الصافية ؟
إتها مستمدة من زرقة عينيك الوسنانتين !
هل تشاهدين شقائق النعمان بألوانها القانية العجيبة ؟
إتها مستمدة من رقيق شفتيك !
هل ترين النسيم العابث بمختلف الأزهار النضرة ؟
إته يمثل تنهدات قلبك الرقيق !
أتنعمين النظر بهذه الطبيعة الستدسية الرحبة ؟
إتها صدى أحلامك وأمانيك الضاحكة !
أتطيلين النظر الى ذلك الغصن الأملود ؟
إته مستمد ٌّمن قوامك اللدن الفتَّان !
هل تنظرين تلك الزنبقة الناصعة الطروب ؟
إتها تمثل جمال يديك اللطيفتين !
أتختلسين النظر الى قرص الشمس المتوهِّج بالنور الإلهي ؟ إته إشراق وجهك السماوي الأخَّاذ !
أتسمعين تغاريد البلابل على أفنان الأشجار الغيضاء ؟ إنها صدى ضحكاتك الطروب !
أتسيرين بتؤدة وسكون , وروعة وجلال , بين الغياض والأرباض ؟
إته فصل الربيع الموشى بالخيرات !
أتبسمين فرحا وطربا ؟
إذن , فقد تضوع الزهر , وعبقت الورود لبسمتك الفتَّانة !
هل تنصتين الى خرير الجدول الرقراق ؟
إته يمثل وقع صوتك الناعم في القلوب العطشى للإصغاء إليه !
أتحلمين بحورية الجنان الدعجاء المكحولة الطرف ؟
إتها أنت يا أمنية روحي الوحيدة !
أي غادة الأحلام والرؤى ! أنت آية الله في أرضنا الشقية ! بعثك كي تكوني متعة للنواظر الكليلة , وبلسمأ للقلوب الجريحة من طعنات حراب هذه الأرض التعسة !
بيروت , صياح 23 كانون الأول 1942
داهش .
الى ماجدا أيضاً
يا غادة الأحلام الساهمة ! أنت لقلبي كالطق المتساقط على أفواف الأزاهير ! اءئ عينيك الوستاتتين أراهما كحلم رائع مبدع ! ووجهك اممشرق المتدقق بالحياة .. أراه يهزأ بالبدر المنير ! وتقاؤك — يا ملهمتي قصيدتي ! — يعبث بنقاء الياسمين !
أيا غادة الرؤى والأحلام الهنيتة ! أنت ( الأمل ) الجميل يداعب روحي , فتخنق في داخلي طربا وحبورا !
وعندما يتأكد لي أتك تفكرين بي –
أتيه صلفأ وخيلاء , وتذهب بي الأماني شتى المناهب !
وأراني أحلق بنفسي حتى أبلغ أرفع الكواكب … فأواكبها والفرح آخذ بروحي !
وهناك أهزج مع الملائكة أهازيج لم تسمعها قط أذن بشرية ! وأبقى في تلك الأعالي منتشيا ! وأجرع كؤوسا مترعة بالأكسير الإلهي المنعش ! وأتنوق لذة رحيق حبك المحيي ! فأخلد هناك مع الملائكة الأطهار ! وأمكث , يا غادتي , بعيدا عن عالم (الأرض ) , حتى نمضي بي قرون وأدهار ! ويدور الفلك دورته …
فإذا بنا نعود فنلتقي في ذلك الكوكب المنير ! .. وللحال أضدتك الى صدري الخفاق !
ونفرق معا في سبات عميق كلل العمق ! آه ما أجمل الحياة بجانبك في تلك الأماكن الخالدة : بالحب والجمال ! ..
داهش |
في 25 – 12 -1942
إقرأوا واضحكوا
بتاريخ 7 كانون الثاني عام 1945 , زار الشاعر حليم دتوس رئيس المجلس النيابي ( صبري حمادة ) . وبعدما إنتهت الزيارة , عاد الى منزل الرسالة الداهشية وقال لنا إنَّ صبري بك أعلمه بأنَّ بشارة الخوري قال له : ” لو طلبت مني كل من أمريكا , وبريطانيا, وفرنسا أن أعيد الدكتور داهش الى لبنان لرفضت طلبهم رفضا باتأ . فأنا قد أبعدته عن لبنان حتى الأبد ” .
ولو علم الغبي بشارة الخوري أنَّ داهشا كان يُقيم , في منزل عديله جورج حداد طوال أيام حكمه , لجحظت عيناه من الدهشة العظمى , وخصوصا أنَّ منزل جورج حداد لا يبعد عن منزل بشارة الخوري أكثر من ( 40 ) مترأ .
إذن، إنَّ مرسوم بشارة غير القانوني كان حبرا على ورق . وقد كلفه عمله المجرم أتعابا رهيبة وفضائح هائلة ما كان أغناه عنها . ولكن ” إنما تعمى البصائر لا الأبصار “.
ماري حداد الداهشية
الرسالة الأولى
في ليل 9 أيلول 1944, حدثت معركة دامية بين الكوميسير ( محمد على فياض ) والتحري ( عمر طبارة ) من جانب , والدكتور داهش من جانب آخر , وذلك على درج منزل السيد ( جورج إبراهيم حداد ) عديل رئيس الجمهورية بشارة الخوري . وكانت الساعة العاشرة والنصف ليلا , إذ حاول الدكتور داهش التخلص من قبضتهما والصعود الى منزل جورج حداد , فرطماه على رأسه بالمسدس.
وقد هبطت ( ماجدا حداد ) عند سماعها الصخب والضوضاء وهجمت عليهما كاللبوءة الجريحة ولكنهما أسرعا الى سيارتهما , بعدما وضعا فيها الدكتور داهش , وذهبا لدائرة البوليس المركزية . وقد تناوبا على جلده بقسوة وحشية لا مثيل لها ( 1) ؛ ثم إنطلقا به الى حلب . وقد ذهبت ماجدا وشقيقة الدكتور داهش السيدة ( أنتوانيت ) , في ذلك الليل البهيم , الى دائرة البوليس المركزية تبحثان عن الدكتور, فلاقتا من الضرب والإهانة ما يعجز القلم عن وصفه . وفي ما يلي يطالع ١لقارىء الرسالة التي خطتها الشهيدة ماجدا بيدها بعدما أبعدوا داهش عن لبنان الى حلب
دكتور, بالله عليك لا تغب عتا . مد عوفتك , وأنا خائفة أن تذهب وتتركني .
دكتور , خذني معك , أو دعني آتي إليك .
مد تعرفت إليك , كنت أضرع الى الله , دائما, أن يطهر نفسي ولو بمقاساتي جميع أنواع العذاب , مهما كانت , إلا عذاب بعدك عني , إلا عذاب عذابك , إلا عذاب عدم محبتك لي . دكتور , أؤكد لك أتني كلما آكل طعامأ أفكر بأنك جائع , فأكاد أختنق بالطعام , وكلما أشرب ماءً أفكر بأنك ظمآن , فأغص بالماء !
دكتور , أنا لا أستحق أن أكون بقربك , لا على الأرض , ولا في السماء , لكئ بعدك عني عذاب لا يُطاق . غير أنَّ مراحم الله واسعة جدأ , وأنا نادمة اشدَّ الندم على خطاياي . فأرجو من الله الرحيم أن يجمعني بك الى أبد الآبدين .
دكتور , أسأل الله أن يهديني الى ما يجب أن أفعله , لانَّ ثورة الإنتقام عظيمة جدأ في أعماقي.
وإني أتمنى لأعدائنا أن يتوبوا , لكن بعد أن ينالوا عقابهم ويذوقوا العذاب كله والمرارة كلها .
إنَّ نار الإنتقام مضطرمة في نفسي بصورة عجيبة , وأبتهل الى الله أن يمنح يدي القوة لأنتقم منهم إنتقاما رهيبا مهما كانت العواقب علي .
إني أغفر لهم لأنهم ضربوني وأهانوني , لكني لن أستطيع أن أغفر لمن عذَّبك وأهانك .
وإني أشكر الله لأنهم أهانوني أنا أيضاً ولأنهم ضربوني . ولكتي , لشدة قلقي وخوفي عليك , ولإهتمامي بالبحث عنك , لم أشعر بلطماتهم القوية , مع أنَّ آثار لطماتهم بقبضاتهم ما تزال ظاهرة على ذقني .
أرجوك , دكتور , وأرجو الله أن ندعوئي إليك , وآلا تفارقني بعد الآن .
10 ايلول 1944 ماجدا
(1) إذا أراد القارىء معرفة كيفية إقتياد الدكتور داهش لمحمد علي فياض وعمر طبارة الى منزل الحداد , في ذلك الليل الحالك , فعليه بمطالعة الكناب الأسود الذي نشرته ووزعته السيدة ماري حداد , فتتكشف له حقائق مفزعة .
الرسالة الثانية
وهذه رسالة ثانية كتبتها ماجدا الشهيدة
وهى رسالة مؤسية تبعث الحزن فى قلب كل من يطالعها
هاديَّ الحبيب الدكتور داهش .
رحلت . ولكن الى متى غيابك ؟
فمذ غادرتنا احتل الفراغ كل شيء : البيت والمدينة والبلاد .
ونحن ما زلنا نعمل . وكالعادة أنا أعمل , ولكن بلا فرح .
فاليوم لن تدخل الى المنزل الذي نظفته , ولن تنام فى السرير الذي رتبته , ولن تذوق الخضار ولا الثمار التى إشتريتها دونما اختيار , وقلبى منقبض , والدموع فى عينى . كما اننى لن أقول لك فى المساء : لقد ترجمت والدكتور خبصا كذا من صفحات كتبك.
بدونك , يا سيِّد , كل شيء قاتم حزين , فلماذا ؟ لماذا رحلت ؟ لماذا غادرتنا نحن الذين نحبك حبأ عظيما ؟ ومتى تعود ؟ فأنت تعرف جيدأ أننى لا أستطيع أن أحيا بدونك .
سبق أن شعرت , فى الماضى , بالألم الشديد , من جرَّاء غيابك يوما كاملا عنى . ومع ذلك ,
كانت الأمور مختلفة : ففى كل ساعة كنت أنتظر قدومك , وكان الإنتظار يحمل إليَّ الأمل . فإذا قرُع الباب , كنت أترك كل شيء وأركض لأفتحه : فربما تكون أنت القادم . صحيح أتنى كنت أخيب , مرارا ً, ولكنى كنت آمل , دائما , أن تكون رنَّة الجرس التالية هى رتنَّك .
وإذا ما رنَّ الهاتف , كنت أسرع نحوه عدوأ , فقد أسمع صوتك الحبيب , وقد أسمعه يقول لى :
أناآت, أو: تعالى إليَّ .
أما الآن فجرس الباب وجرس الهاتف يبعثان خفقاناً فى قلبى سرعان ما يهمد همودأ كئيبا جدأ ,
فلست أنت القادم ولست أنت المتكلم , فلماذا أركض ؟
دكتور , لست أعلم منذ متى أنت غائب . أمنذ البارحة ؟ أم منذ الأزل ؟ لست أعلم . فالزمن يجري بطيئا بطيئا . الساعة العاشرة . الساعة الحادية عشرة . متى يهبط الليل ؟ ففى الليل أستطيع أن أبكى وأبكى حتى أنام من شدَّة البكاء , وإذ ذاك ربما أراك فى الحلم , وربما أتخيَّل نفسى الى جانبك .
لكئ اليقظة قاسية مُؤلمة , والنهار الذي يبدأ يكون طويلا, مديداً بدونك .
ترى , أثمة أيام قاسية كثيرة تنتظرنى ايضاً ؟
لو تجرأت لقلت لك , يا سيد , أرجوك , تعال , تعال , فلن أستطيع الصبر , بعد , فالحياة بدونك جحيم رهيبة آلامه , وكأس غيابك المرة شربتها حتى الثمالة , وهل من شيءٍ بعد الثمالة ؟
لكنَّ رحيلك كان ضروريا , لا شك في ذلك . أوليس كل ما تفعله ضرورياً ؟
وإذا تألمت أنا على هده الأرض الفانية , أفليس ألمي أزهد ما أقدمه لك ؟ أنت يا من خلصتني من العدابات الأبديَّة , أنت يا من فتحت لي باب السماوات اللامتناهية , أنت يا من منحتني حبُّك , أنا الخاطئة الشقيَّة.
أعرف أني لا أستحقَّ محبَّتك , وما استحققتك قط . لكنَّ رحمة الله غمرتني بلا حدود . ومند حظيت بنعمة معرفتك التي لا نقدر , أسعى بكلِّ جهدي لأحصل من الرحمة الإلهية على نعمة بقائي دومأ الى جانبك , هنا , وفي الأبديَّة.
جميع الإخوة , يا سيد , يؤلمهم جدأ بعادك , لكتي أنا أعاني في كل لحظة ألف ألف عذاب , وفي كلِّ دقيقة أطرد شبح اليأس المرعب .
عبثا أفكر وأفكر لأتعزى عن رحيلك . فالأمر هنا أمر قلبي , وقلبي يهتف رغمأ عنه : تعال تعال أرجوك , تعال تعال أرجوك . تعال أو إستدعني إليك .
استمع , يا سيَّد , الى صلاتي , ولا تدعني بعيدة عنك .
15 أيلول 1944 ماجدا
الرسالة الثالثة
عاد الدكتور داهش من حلب بعدما أنقذه الله من الموت , وكانت عودته سريه , ولم يعرف بها غير الدكتور جورج خبصا الذي كتم عن الإخوة الداهشيين نبأ عودته الى بيروت .
وعندما عرفت ماجدا بوجوده فى بيروت كتبت له هذه الرسالة :
عزيزي الدكتور داهش
مذ عرفت أتك هنا وأنا أؤمَّل فى كلِّ يوم وكل لحظة أن أذهب وألقاك .
فى هذا النهار ظننت أتنى أستطيع أن أجعل الجواسيس ورجال التحري يضلون عن أثري ,
لكنَّ الدكتور خبصا لم يكن وافى الحذر , لأنَّ جاسوسا كان يتبعنى بصورة خاصة أينما ذهبت , وذلك خوفا على حياة ( الرئيس ) وعائلته من الإغتيال بيدي .
حلمت مرتين أتني ذهبت لأراك , ولكئ أمنيتى لم تتحقَّق . ومنذ يومين , نحو الساعة الثالثة صباحا , وبينما كنت أفكر فيك , متقلِّبة فى فراشى , سمعت صوتا يخاطبنى باللغة الفرنسية , قائلا : ” تعالى ” . فراودنى الأمل , إذ ذاك , بأنى سأستطيع الذهاب إليك , لكئ أمنيتى لم تتحقق أيضا .
دكتور , لا تظنَّ أنك فارقتنى لحظة واحدة , طيلة الأيام الماضية , لا فى بقظتى ولا فى نومى .
منذ مدة حلمت أنك فى السجن , وصوت يرنُّ فى أذنى ينبهنى من رقادي قائلا : ” إنَّهم لم يقدموا له طعاما ” . ثَّم رأيتك آتيا وعلى رأسك حمامة حمراء فهمت أنها علامة الإنتقام .
وفى ليلة 9 — 10 تشرين الأول حلمت أتك قادم الى بيروت بصحبة أناس , ثمَّ شاهدتك فى غرفة الجلسات الروحية حيث تجسَّدت الحمامة , فارتميت عليك وعانقتك وعانقتنى , ولازمتك مدَّة طويلة والدموع تنهمر على خديّ .
كان على الدكتور خبصا أن يخبرنى أنك هنا فلا يتركنى أتحرق من القلق , منتظرة بفارغ الصبر , عودة جوزف حجار زوج شقيقتى آندره من حلب , ليعلمنا عنك .
فى النهار , ولا سيما فى الليل , أفكر فى عذابك , ويجفونى الرقاد , فلا أستطيع النوم إلا بعد أن أتناول دواء , فإنَّهم ضربوك وأهانوك وسجنوك , وما استطعت أن أقوم بأي عمل لأجلك . حتى إننى لم أستطع أن أشاركك فى مأساتك فأكون معك .
ترى أهى روحى التى جعلتك تكتب قطعتك ” خذنى معك ” ؟ لا شكَّ أنها هى .
لقد تعذبت أنا , وتعذبت أنت. لكتني كنت أفضل كثيرأ أن اتعذب بعذابك. ولكن إن إستطعت أن أتحمّل آلامي , فهل أستطيع أن أتحمَّل آلامك ؟
في اليوم الذي أخذوك مني , حاولت أن أقوم بشيء لأجلك , لكني لم أستطع أن أقوم بعمل ينفع حاولت أن أتعلق بالسيارة, من الوراء ,فأكرهوني على تركها وأبعدوني.
لم أكن أعرف دائرة البوليس هناك . كنت أظنُّ أنها في السراي . ولم يخطر في بالنا أنَّهم أخذوك لحلب . تُرى أوضع علينا سيال , فرحنا نبحث عنك كالمجانين فلا نعثر عليك ؟
في تلك الليلة المشؤومة , أفرغت كل ما في قلبي عن بشارة الخوري , قلت لهم إنَّه مجرم , وإنَّ زوجته أفعى وليست إمرأة . وقلت لرجال البوليس أن يبلغوه أن يهتم بعاهرات بيته , وأته سيلقى جزاءه , وسيقتل هو وإبنه .
وفي دائرة البوليس المركزية , بعد أن شتمت بشارة الخوري وزوجته لور , ومحمد علي فياض مفوض البوليس , أراني هذا الأخير , وهو يضربني , زنزانة صغيرة سوداء , وقال لي : هنا ستنامين مع الجراذين . فأجبته : إتي أفضِّل هذه الزنزانة على قصر رئاسة الجمهورية حيث تقطن تلك الأفعى التي يقولون إنها خالتي . أما الجراذين فليست إلا أنتم يا من تخدمون هذه الحكومة . وقلت لمن ضربني : أين ضمائركم ؟ فأجابني : ولماذا الضمير ؟
في 28 أيلول , يوم توقيف شقيقتك أنطوانيت وذهاب جوزف الى حلب , أمضيت الليل كله وأنا أدور في البيت أفكر في الآلام العظيمة التي ستنتابك عندما ستعلم بتوقيف شقيقتك .
وفي الساعة الرابعة صباحا نمت وحلمت حلما عنك وعني . وبعد أن استيقظت أتت الروح فزارتني. فقلت لها بصوت عالٍ ” أرجوك أخبريني أين الدكتور ؟ أرجوك. لكنها باركتني طويلا , ثَّم توارت من غير أن تجيبني.
إنَّ الحياة بدونك , يا دكتور , جحيم متأججة . فكيف وأنا أعلم أنك تتألم ولا أستطيع القيام بأي عمل لأجلك . ولولا الدكتور خبصا لكنت ارتكبت جريمة , وليتمَّ ما يتم ّ.
كنت أسأل الله بحرارة , كل يوم , أ، يرسلوا لك حبي اللانهائي عله يكون كزيت ناجع على جراحك , فهل سمعت صلاتي ؟
أمس , نمت في منزلك , على المقعد الذي في غرفتك , لكن كيف يأتيني النوم وأنا أفكر في عذابك , وأتأمل سريرك الفارغ. إذ ذاك شعرت بيدٍ تعصر قلبي بقوة عجيبة. كدت أجئ وأصرخ من الألم , ثَّم أحسست يدأ تصفعني على خدي الأيمن فخدي الأيسر .
دكتور , حلمت , منذ خمسة أشهر , أن نصف شعري قد سقط , يومئذ سألتك عن معنى هذا الحلم , فأجبتني : معناه أتي سأفترق عنك . فقلت لك : سأصحبك الى أي مكان . فأجبتني : أين أين
يمكنك أن تذهبي ؟ وما قلته لي تَّم الان , فأتي لم أستطع أن أذهب الى حيث أنت , لأني لم أعرف أين تكون ؟
دكتور , ليكن هذا الفراق آخر فراق , بإذن الله . فأتي أسألك أن تصحبني أينما ذهبت . أطلب هذا منك ومن الله , ولا أطلب إلا هذا .
دكتور , إنَّ قلبي تملاءه رغبة في الإنتقام لك . ترى , أهذا سيال خبيث يتسلّط علي أم أته شعور نبيل ؟ أود أن أشرب دماء أعدائك , حتى ولو حطموني تحطيما . فأنّي كلما تخيَّلتك في آلامك أكاد أجنّ . لا سيما أني لست هناك , معك , لأعزِّيك وأخفِّف أوجاعك . إني لا أستطيع أن أحتمل مجرد التفكير بأنَّ ( دبوسا ) صغيرأ يخزك , فكيف أحتمل التفكير بأتهم يجلدونك . الويل لهم . هل يعلم هؤلاء المجرمون أنَّ إكليل المجد سيكلِّلك , بعد هذه الآلام ؟
دكتور , بعد بعادك عتا , إنقطعت عن الذهاب الى السوق لشراء الأطعمة . فما عدت أختار الخضار ولا الفاكهة . ولماذا أختارها , وهي ليست لك . صرت أحادث البائع بالهاتف , وهو يرسل إلي ما برسله .
فترة بعد أخرى توافيني أخبار آلامك , فأشعر بسكين يطعنني , ثم أفكر ببعدك عنّي ومتى سنلتقي , وإذا بسكين آخر يطعنني . وهكذا باستمرار …
أسأل الله أن يحفظك سالما , والا يسمح , بعد الآن , أن تمسّ شعرة من شعرك بأذى . وأطلب منه تعالى أن ينصرك بسرعة , وأن يجمعني بك الى أبد ألآبدين , فلا يفرقني عنك مُطلقا , لأنَّ بُعدك هو أرهب عذاب لي . وآمل أن ألقاك قريبا .
أرسل لك كل حبي , يا سيِّدي , مشفوعا بقبلاتٍ لا نهاية لها , عسى أستطيع بها أن أمحو آثار آلامك قبل أن يمحوها سفك دمهم . وأطلب أن أكون أول المنتقمين منهم بإذن الله .
الإثنين في 23 تشرين الأول 1944 ماجدا
الرسالة الرابعة
وعد الدكتور خبصا ( ماجدا ) يأنَّه سيأخذها حيث يُقيم الدكتور داهش سرأ في منزل أحد الداهشيين , ولكنَّه لم يستطع الوفاء بوعده لها .
والسبب المراقبة الدقيقة التي كانت تعد خطوات كلل داهشي وداهشية من قبل رجال التحري المتيقظين والذين كانوا لا يغفلون لحظة عن متابعة ماجدا أينما ذهبت, خوفا من إغتيالها الشيخ بشارة . وقد كتبت ماجدا هذه الرسالة الى الدكتور داهش بعدما فشلت فى الذهاب إليه .
عزيزي الدكتور داهش
إنتظرت اليوم الدكتور خبصا ليوصلنى إليك كنت أنتظر بفارغ الصبر وكانت الدقائق تمضى فأحسبها أطول من الساعات , وكاد رأسي ينفجر من شدة ألألم . حتى إتنى صرت أشبه بقطعة من الثلج من جراء قلق الإنتظار وعظم الفرح . لكنَّ أملي بلقائك سرعان ما خاب , وعندئذ تخيلت أنَّ العذاب الذي يعانيه أولئك الذين في دركة الجحيم المئة والخمسين يكون في أن يظنَّ الخاطىء أنَّه أدرك أمنيته , لكن أمله سرعان ما يخيب , فيموت إذ ذاك من شدة العذاب , ثم يحيا , ثانيةً , ليتألم نفس الألم.
إسمح لي , يا دكتور , أن آتي إليك وأبقى معك , فإنني خائفة جدأ عليك. إنَّ إيماني بالله عظيم , والله دائما معك , لكني , مع ذلك , خائفة جدآ من أن يقوموا بعمل دنيء ضدك .
أسألك , يا دكتور , بحرارة أن تدعوني إليك فآخذ معي مسدَّساً أدافع به عنك . حتى إذا ما همُّوا بالأعتداء عليك , لا أدعهم يمسُّونك بأذى ما دمت حيَّة . وإذا مت فإنَّ روحي تزورك وتساعدك .
دكتور , في اليوم الذي قادوك فيه الى ( العدلية ؟ ) , وعندما كان أولئك الرعاع يهدِّدونك ,
فتحت في حقيبتي مديَّة ذات شفرتين , وكنت أعتزم أن أنقضَّ بها عليهم لو أنهم اعتدوا عليك , وكنت مزَّقتهم بها قبل أن أموت . ولولا الدكتور خبصا لكان أولئك الرعاع قتلوك في ذلك اليوم ثم قتلونا .
وعندما كنت لدى المستنطق , أتى أولئك الأنذال ووقفوا أمامنا ليمنعونا من رؤيتك , فطردناهم وانتهرناهم , فذهبوا ثَّم عادوا . إذ ذاك قالت لهم آندره : ” أوباش “. فهجموا علينا . حينئذ أتى الدكتور خبصا وقال لهم : عار عليكم أن تتشاجروا مع نساء! فقلت أنا : نعم , نحن نساء , لكئ هؤلاء ليسوا رجالا , بل هم كلاب ! ثَّم تابعت : سنسحق رأس كلِّ حيَّة منكم , يا أنذال , يا جبناء ! وسنسحق الرأس الكبير , أولا , ثَّم نسحقكم أنتم. فهجموا عليَّ ليمزقوني , وكادوا يفعلون بي ما يريدون لولا الدكتور خبصا . ثَّم طردونا من هناك , لكننا لم نتحرك من أماكننا إلا بعد أن أخرجوهم أمامنا .
دكتور , مرارأ عديدة , عندما كنت أجلس بقربك , كنت أفكر فورأ بعذاب سيدنا يسوع المسيح .
( هنا , بعد أن كتبت هذه الكلمات إعترى أذني دوي شديد ! لماذا ؟ ) وقد فكرت , في ذلك الوقت ,
أنني كنت , أبام المسيح , ( هادية ) . فقلت في نفسي : إذا كانت ( هادية ) تحب المسيح — وقد كانت تحبه — مثلما أنا أحبك , فلا بد من أنها قد تألمت كثيرأ لآلامه . ولذلك فأني ما زلت , حتى الآن , أتألم جدأ كلما فكرت بعذابِ يسوع . وكنت أشكر الله لأنك أتيت الى العالم , هذه المرة , لا ليعذبك الناس , بل لتؤدبهم . لكن إرادة الله شاءت غير ذلك , فكُتب لك أن تتألم ايضاً , هذه المرة , حتى يكون لك حجَّةٌ عليهم فتؤدَّبهم , كما كتب لي أن أتعذب لعذابك .
دكتور , عندما كنت هناك , ولم نكن نعرف شيئا عما يجري لك , فكرت أن أقول إنك خطيبي .
ولو نفذت خطتي لكنت قمت بعمل مفيد . لكئ الدكتور خبصا لم يرضَ . ومنعني من ذلك . وكتب رمزأ داهشيَّا مقدساً .
عجيب أمر الإنسان ! ما أكثر أوجاعه وما أشداها ! بينما هو يقول : ” لقد وصلت الى غاية السعادة ” , إذا به يسقط في الشقاء .
حلمت , اليوم , أنني نمت على سرير, وغطيت نفسي بغطاءٍ أحمر شبيه بلون الدم . لكنني بقيت أشعر بالبرد . فرأيت , إذ ذاك , غطاءً أكبر من الأول , وهو أيضا أحمر كالدم . وقلت آتي به , وأضعه فوق الأول , وهكذا أدفأ . ترى , ألا يعني هذا الحلم أنَّ الإنتقام سيكون قريبا وشاملا ؟ فإن شاء الله أن تحلَّ ساعة الحساب سريعا . فقد عيل صبرنا .
دكتور , لاأستطيع أن أبقى بعيدة عنك . فأني مضطربة كثيراً وخائفة . وإني أقسم بالله على أني لا أخاف من شيء , وإنما خوفي هو قلقي عليك . فلا أريد أن تبقى حزينا . ولذلك فإني أتمنى الآن أن تعود الى عالمك الجميل حتى تتبدَّدُ آلامك . لكن , أليس من سبيل الى أن تأخذني , فأبقى معك حيثما كنت . وإذا كنت لا أستحقُّ رفقتك , فإني آمل برحمة الله , إذ لا نهاية لها . والله يعرف أني لن أستطيع الحياة بدونك . إنَّ الجحيم تستحيل بقربك الى نعيم , والنعيم بأعلى درجاته هو , من دونك , أشبه بالجحيم . واليوم كنت أنتظر النعيم , فإذا أنا في الجحيم , لأنني لم أجتمع بك . وأسفاه !
في 25 تشرين الأول 1944 ماجدا
الرسالة الخامسة
وفي اليوم التالي كتبت الرسالة الآتية
إستيقظت وفي نفسي شعور غامض، بالألم وكلام يحفر في قلبي بسكاكين من نار , فشوقي الى لقاء الهادي الحبيب لم يشبع وأمنيتي لم تتحقَّق . ولكن أسأل الله ألا يطول الفراق .
في 21 أيلول من العام الماضي 1943 , بينما كنت نائمة على شرفة منزلنا, حلمت حلما أخبرتك به, يومذاك, وها هو يتحقَّق الآن : رأيتك خارجا من الشمس وهي تغيب, وأنوار بهية عظيمة تحيط بك. وكان على رأسك تاج من الذهب في غاية الجمال, وبجانبك ملكة متهتكة — معلمة أولاد —
هي المجرمة ” لور “, وحولك جمهور عظيم يخضع لك ويكرمك.
أمَّا أنا فكنت أنظر الى هذا المشهد, وأنا واقفة على طريق ضيق مملوء بالحجارة.
ثم هبت عاصفة رهيبة , وسمعت صوتأ يقول : ” هذه هي التجربة “
عندئذ سقط تاجك, وهربت الملكة, وفرَّ الجميع. وبقيت أنا وحدي وأنت وحدك.
بعد ذلك رأيتك حزينا جداً. فتقدمت وجلست على حجر في طريقي٠ فاقتربت منك, فرأيتني وقلت لي : ” لقد أصبحت وحيدا يا ماجدا. جميعهم تركوني ” . فقلت لك : ” لا يا دكتور, إنَّ الإخوة لم يتركوك. إنهم ينتظروك في منزل الرسالة. وها أنذا معك لم أتركك. وليتأكد لك قولي , أنظر ما فعلت العاصفة بي ” . وكان جسمي , حينئذ, مثخناً بالجراح, من قمَّة رأسي حتى أخمص قدمي. فأجلستني, إذ ذاك في حضنك, وضممتني الى صدرك , وقلت لي : ” لأجل هذا أنت ملكتي الحقيقية ” . وتبدَّد حزنك, فوضعت يدي في يدك, ورجعنا معا الى بيتنا, فإذا هو منزلنا على الأرض. كان أكثر تواضعا , وحوله ساحة. فإذا بالإخوة يفدون ويرحبون بك, ثَّم يقولون لنا : إنَّ الأنذال بتروا رجل الحمامة ويدها من شدة غيظهم وبغضهم لنا. ” كانت الحمامة ما تزال حية في الحلم ” . بعد ذلك, عاد التاج الى رأسك , والعاصفة الرهيبة تقول : لم يسقط التاج إلا مؤقتا.
متى سأراك, يادكتور , متى؟ لقد أبعدوك عني, ثم عذبوك كثيرا ًكثيرا. لو أستطيع أن أمزِّقهم بأظافري إرباً إربا , إذا هم استمروا في ضلالهم واجرامهم, لأنهم عذَّبوك وجلدوك, وبرهنوا أنهم أحطُّ المجرمين. حبي العظيم لك.
في 26 تشرين الأول 1944, الساعة الخامسة ماجدا
الرسالة السادسة
جوزف حجار قرين السيدة آندره شقيقة ماجدا بلغ ماجدا – بطريق الخطإ – أن تحرق رسائل مهمة فيها فضائح رهيبة ضد بشارة الخوري.
وكانت هذه الرسائل ستنشر بكتاب أسود ، ويوزع الكتاب ليطلع عليه الشعب اللبناني، وإحراق هذه الوثائق هو خسارة كبرى للداهشيين ، لا شك فيها . وقد كتبت ماجدا هذه الرسالة بعد إحراقها الوثائق المشار اليها ، وكان الألم يفترسها افتراساً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها الهادي الحبيب
إني أخطأت نحوك خطأ عظيم
أولا – أتيت إليك قبل العودة من الشام
ثانية – أحرقت الرسائل دون أن أسألك ( لکئی عدت أعمل فيها منذ الفجر)
ثالثا – صدقت جوزف . لكن ، أكان بوسعي ألا أصدق كلامه ، ما دام الدكتور خبصا نفسه ( وهو وكيلك الحبيب ) صدقه ، ووصاني بحرارة أن أتقيد بكلامه لخيرك ؟
دکتور ، لم أكن أعرف أكثر مما قلته لك
ليتني أستطيع أن أراك وأشاركك عذابك .
دکتور ، رغم محبتي لك ، أخطأت نحوك فسببت لك الام عظيمة . وإني لن أنسى هذه الليلة ، ولو عشت ألوف السنين . فإني
رأيتك بعين نفسي وأنت تتألم ، وتألَّمت معك.
قال لي الدكتور خبصا: «لا تدعي عاطفتك تسيطر على عقلك وذلك لخير الدكتور » .
لقد سببت لك ، یا دکتور ، آلام مبرحة . ومن أجل ذلك أصبح عذابي فظيعاً . وهل أفظع من عذابي وأنا أفكر دائما بأنني سبَّبت حزنك ، وأعرف معرفة تامة أنني سببت لك آلاماً شديدة ، مع أني أفضل أن أقاسي عذاب الجحيم المتأجّجة حتى لا تتعذب أنت.
دکتور ، إن تألّمي لأجل آلامك هو أشد عذاب يمكن أن أصاب به .
وإني أفضل الجحيم على أن أشاهدك تتالم وعلى أن أعرف ألوان عذابك .
أطلب من الله ، وأطلب منك أن أصاب بعذاب يكون أضعاف آلامك . وأبتهل إلى الله أن يرفع عنك آلامك
دکتور ، یا روح حياتي ، إني أستحق جزاء عظيماً ، لكني أقسم لك ، وأنت تعلم والله شاهد ، على أني لم أفعل ما فعلت إلا حبّاً بك .
فمنذ يوم سجنك الأول ورغبة الانتقام تتقد في نفسي . ولكن عندما علمت إن الانتقام يجب ألا يحصل ، صعب الأمر عليَّ جداً، لأنني لا أفكر بعذابك – ودائما أفكر فيه – إلا تكویني جمرة من نار . وأنت تعلم ، یا دکتور ، أني أجن قهرا وألماً إذا وخزتك شوكة. دکتور ، عذري الوحيد هو محبتي لك العميقة غير المحدودة . دکتور ، بعد أن انال نصيبي من العذاب الشديد – وأنا أستحق كل الأوجاع – أرجوك أن ترد لي محبتك – إذا استطعت – لأنها حياتي في هذا العالم وفي الآخرة . مع أني أعرف أني لا أستحق حتى أن أرى خيال حذائك.
دکتور ، أرجوك أن تسأل الله أن يطهرني بعذاب أشد من عذابك، وأن يهبني القوة لأني ضعيفة. وأبتهل إلى الله أن يجعلني ، منذ اليوم ، سبب سرورٍ لك . إنها كل مشيئتي. واطلب إليه أن يرفع عنك كل ألم . وإذ ذاك مهما كان عذابي، فإني سأكون مسرورة . ذلك لأن عذابك هو عذابي الحقيقي ، وسرورك هو سروري الحقيقي ، في الماضي ، والحاضر ، والى الأبد.
ابنة أختك ليلي كتبت عن لساني : « خذني معك » . وأنت تعرف كل شيء .
ألم تشعر بعذابي وأنت تتألم ؟
دکتور ، أخطأت فسببت لك الألم . وهذا عذاب لن يفارقني إلى الأبد . فكيف أسبب لك العذاب وأنت روحي وحياتي ونوري .
لكنَّك رحیم ، یا دکتور ، وليس في لغات البشر كلمة بوسعها أن تصف رحابة مراحمك .
دکتور ، ها أنذا مستعدة لكل عمل ، حتى أكسب ، مجددا ، محبتك ، لأني أعرف ما تعني محبتك . إنها محبة الله . فأتوسل إليك أن تُعيدها لي ، لأن محبتك هي أملي الوحيد في هذه الدنيا وفي الآخرة.
أرجوك ألا تتركني ، فماذا يكون ، إذ ذاك ، مصيري؟
أرجوك أن تغفر لي وتشملني ، ثانية ، بمحبتك المباركة السامية العظيمة المقدسة
أرجو ألا تدعني بعيدةً عنك ، في الظلمات .أرجوك وأنا أبكي … وأنا أفرغ كل دموع عيني .
لكن، إذا كان حضوري لديك سيسبّب لك عذاباً جديداً ، فلا تطلبني ، لأني أفضل أن أموت من الألم ، بعيدة عنك ، على أن أسبّب لك عذاباً جديداً ، كما فعلت .
دکتور ، لأجلك أنا مستعدة للقيام بأي عمل ، خصوصا للإنتقام من أعدائك . وهذه هي رغبتي . فأذكر أني أحبك حبا عظيما . ولا أظن أن على الأرض ولا في السماوات ( بالرغم من أني خاطئة وضعيفة كل الضعف ) من يستطيع أن يُحبك مثلي.
وإذا كنت تريد أن لا أراك ، بعد الآن ، لأن حضوري يسبب لك الألم ، فأنا راضية ، وأعتبر بعدك عني عقابا لي وعدالة .
دکتور ، إني اشكرك كثيراً ، وعلى كل شيء وإني نادمة ندماً عظيماً . وعقابي هو عذابي
دکتور ، إني أحبك كثيراً … كثيراً …
دکتور ، أنت حياتي ، ودونك ليس لي حياة .
نهار الأحد، في 17 كانون الأول 1944
ماجدا
بالرغم من الرسالة,
دكتور, أنا لا أستحقّ غير الموت والجحيم .
لقد جعلت عاطفتي تسيطر على عقلي .
دكتور, يجب ألا أراك, فأنا لا أستحقَّ أن أراك بعد اليوم . لا أستحقَّ سوى العذاب . هذا العذاب الرهيب الذي قاسيته أنت, أنا كنت سببه, أنا وليس غيري . نعم أنا أنا . لتكن لعنة الله عليّ .
احلام ماجدا الداهشيَّة
أحلام ماجدا
١- حلم ليلة ١٦ – ١٧ أيلول ١٩٤٤
حلمت أَنَّني توقفت أمام المخفر حيث ضربني رجال الشرطة وذلك لأرى ، ثانية ، وجه الشرطي المعتدي الأثيم فترسخ صورته في خيالي . والسبب أن يوم الانتقام لا بد آت ، وفيه سيسدد له الحساب
۲- حلم ليلة ۲۰ – ۲۱ أيلول ١٩٤٤
رأيت في حلمي فراشتين رائعتين عجيبتين : إحداهما ذات رأس موشح بالذهب وأجنحة خضراء زمردية ، والأخرى ذات رأس مخضب بالحمرة وأجنحة مشربة بالألوان الزرقاء والبيضاء والحمراء.
لكن هاتين الفراشتين إنما كانتا روحين وافتا من العالم الأربعمئة ، حاملتين إلي البشائر . وقد قادتاني إلى ذروة جبل حيث تنبسط غابة بديعة . وهناك حملتهما بيدي . ثم طارتا الى عالمهما العجيب.
۳- حلم ليلة ۲۰ – ۲۹ أيلول ١٩٤٤
حلمت أنه أغمي علي ، فاختطفني رجال بشارة الخوري ، ووضعوني في سيارة إسعاف ونقلوني الى عينطورة حيث سجنوني هناك (1) . حاولت أن أهرب لكن ساقيَّ كانتا ضعيفتين ، فسرعان ما أعادوا القبض علي واحتجزوني.
4 – حلم ليلة ۱۹ – ۲۰ تشرين الأول ١٩٤٤
رأيت في نومي الهادي الحبيب يقول لي : « أعطيني الثياب التي تلطخت بدمائك ، فانها يجب أن تحفظ في متحفنا » . فناولته منشفة ملطخة ببقع من الدم . لكنني لم أشأ أن أخبره بأن ثمة ثوب آخر أكثر تلطخاً بالدم ، وقد أضعته (۲) .
ه – حلم ليلة ٢٤ – ٢٥ تشرين الأول ١٩٤٤
رأيتني أتمدد على سرير في بيتنا ، وألتحف بغطاء أحمر كالدم .
لكنني شعرت أن البرد ما زال يسري في جسدي . فنظرت فشاهدت في زاوية الغرفة غطاء آخر أحمر كأنه الدم ، إنما أكبر من الأول ؛ فقلت يجب أن ألتحف به أيضا.
٦- حلم ليلة ٢٦ – ۲۷ تشرین الأول١٩٤٤
حلمت أن جرذا ضخما كان يأكلني (٣)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إن ماجدا الشهيدة دفنت في جونية بجوار عينطورة . وكان لحدها سجن جسدها الأبدي .
علما بأن هذا الحلم حلمته قبل ثلاثة أشهر من وفاتها ، تقريبا . وقد تحقق ما رأته في المنام إذ دفنت في الموضع نفسه الذي شهدته في حلمها.
(۲) إننا نحتفظ بثوبها الملطخ بدمائها ساعة انتحارها . وسنضعه في المتحف الداهشي ليكون شاهداً ماديا على جريمة بشارة الخوري الذي ستلاحقه حتى في العالم الثاني.
(۳) إنما ( الجرذ ) يعني ( الموت ) الذي اغتالها وضمها إلى عالمه الخالي البارد المنسي .
۷- حلم ليلة ۲۹ – ۲۷ تشرين الأول أيضا
حلمت اني ووالدتي وامرأة أخرى كنا نجلس على مقعد تجاه منزل بشارة الخوري . قالت والدتي للسيدة : لقد نجحنا في حل مشكلة الدكتور داهش مع بشارة الخوري بطريقة حبية.
فأجابتها السيدة : لكنه إذا عاد ، فانهم سيحاولون ، ثانية ، قتله
فقلت : في أي حال لم ننس تصرفهم الوحشي مع الدكتور داهش . وإن انتقامنا سیکون رهيباً .
ورحت أبحث عن وسيلة للانتقام . فقلت في نفسي : إذا أطلقت الرصاص على منزل بشارة الخوري ، فإن الأضرار ستكون طفيفة .
إذن ، يجب أن أستخدم القنابل . وأفلحت في الحصول على ثلاث قنابل من عند الفرنسيين (1)
فسألت ضابطا فرنسيا عن طريقة استخدامها فأجابني أنه مريض وأن أسئلتي ستزيد مرضه تفاقماً. فانصرفت عنه الى ضباط فرنسيين آخرين ، لكنهم جميعا كانوا يعتذرون .
۸- حلم ليلة ۱ – ۲ تشرين الثاني ١٩٤٤
حلمت أن عصابة من ثلاثة رجال متنكرين تطاردني . ولما انسدت السبل أمامي ، أطلق أحدهم ثلاث رصاصات علي . فسقطت أرضاً والدماء تنزف من جسمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد طلبت ماجدا حداد ، فعلا ، قبل انتحارها ، قنابل من دائرة الأمن العام الفرنسي لاغتيال بشارة الخوري وعائلته . لكن رجال الأمن العام أبلغوا الحكومة اللبنانية وبشارة الخوري عن زیارتها وطلبها القنابل، لكن المعتدي لم يكتف بما فعل ، بل أخذ يطلق الرصاص الباقي علي دونما تركيز . فقلت له: «إذا كان لا بد من قتلي فالأفضل تسديد الرصاص الى قلبي». لكنه سرعان ما كفهم فعله نادماً ، وقال لي إن ثمة مؤامرة على حياتي نفذها هو وحاكها أشخاص آخرون .
۹- حلم ليلة ٣-٤تشرين الثاني ١٩٤٤
رأيتني وفي يدي سكين ألاحق بشارة الخوري وابنه لأقتلهما وبعد جهد تمكنت من بشارة وحاولت غرز السكين في بطنه ، لكن السكين لم ينفذ فيه سريعاً . وإذ أعدت الكرة اخترقه السكين حتی مقبضه.
۱۰- حلم ليلة 5 – 6 تشرين الثاني 1944
رأيت نفسي في حانوت لبيع النعوش . وكان فيه توابيت كثيرة مفتحة ، والناس يفدون ليدفنوا أنفسهم فيها طلبت من الحانوتي أن أدفن أنا أيضا ، لكنه لم يعرني انتباهه، فذهبت وأنا أقول في نفسي : لحسن الحظ أن الأمور جرت هكذا ، فأنا لم أمت بعد.
۱۱ – حلم ليلة ٥ – ٦ كانون الأول ١٩٤٤
حلمت اني هددت بيار الجميل بالقتل . واذا بشرذمة من الكتائب يوفدها فتحاصر باب منزلنا، فتقول لهم شقيقتي زينه : « ماجدا ليست هنا » .
ثم أرى نفسي في سيارة برفقة الدكتور خبصا، وإذا بجمهرة من الكتائب فيها وليم حاوي توقف السيارة. وما أن أنزل منها حتى ينقضوا علي ويمسكوني . ولكني ، رغم ذلك ، كنت أصرخ فيهم : « نعم ، سأقتل بيار الجميل . نعم ، لقد أنذرتكم ، وسترون انتقامنا قريبا .
۱۲- حلم ليلة ٧ – ٨ كانون الأول ١٩٤٤
حلمت اني أقرأ في سجل نبوءة كتبتها أنا وهي تنبئ بموتي القريب (۱)
۱۳ – حلم ليلة ۱۱ – ۱۲ كانون الأول ١٩٤٤
رأيت في الحلم أننا نتناول الغداء في مطعم . وقد قدمت لنا القطائف لكنها كانت ذات حرف أسود (۲)
١٤ – حلم ليلة ١٣ – ١٤ كانون الأول ١٩٤٤
حلمت أن الهادي الحبيب كان ممددا على سرير ، فأتت شقيقتي آندره وغطته . واذا الهادي الحبيب يرتعش بالروح ، فيخاطبني الروح قائلا :«لقد كتب على الهادي الحبيب أن يموت. وأنت أيضاً ستموتين»
١٥ – حلم ليلة ٥ – ٦ كانون الثاني ١٩٤٥
رأيت الهادي الحبيب يغادر المنزل ليتوارى عن أنظار المراقبين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) وحقا لقد ماتت ماجدا بعد مضي شهر ونصف تقريبا على هذا الحلم . فكان حلمها نبوء تحققت بحذافيرها
(۲) بتاریخ ۲۷ – ۱-١٩٤٥ وهو اليوم نفسه الذي انتحرت فيه ماجدا ، ابتاع والدها السيد جورج حداد بعض القطائف . لكن، لم يتناول أحد في المنزل شيئا منها للمصاب الطاریء الداهم . وبعد اسبوع اسودت دوائر القطائف ، فتحقق حلمها
لكنه ما لبث أن صعد الى قمة جبل بديع حيث كانت مدينة رائعة ثسمی ( مدينة السلام ) .
وشاهدت قطيعاً من الخراف البيض يصعد نحو المدينة ، وأمامه خروف كبير ناصع يقوده.
هذا الخروف كان الهادي الحبيب نفسه، وإذا رصاصة تنطلق فتصيبه ، فيسقط صريعا
مُذكَّرات الشهيدة ماجدا عن معركة الدرج الرهيبة
يوم السبت ، بين الساعة التاسعة والنصف والعاشرة ليلا ، طرق بابنا ؛ فأسرعت لأفتح ، فشاهدت رجلين عند الباب الخارجي ، في أسفل الدرج ، فسألهما :
– ما تريدان ؟
فأجاب أحدهما :
– نريد أن نكلم أنطوانيت ( شقيقة داهش ) لأمر ضروري، فلم أفتح لهما وقلت :
– أنطوانيت ليست هنا.
وبعد دقائق عادت الطرقات ، فنظرت وأنطوانيت من النافذة وسألنا :
– من الطارق ؟
فأجاب صوت معروف منا :
– أنا الدكتور داهش .
وسرعان ما تبيَّنا الدكتور داهش ، وكان واقفا بين مفوضين من مفوضي الأمن، قال :
– انزلي يا أنطوانيت ، أريد أن أكلمك.
فشعرت بالخطر يهدّد النبي ، فخلعت حذائي وهرعت هابطةً الدرج حافية ، تلحق بي أنطوانيت وأمي ، وبلغنا أسفل الدرج ، فوثبت أنطوانيت على أخيها تعانقه ، وأنا أمسك بيده وعانقته، وبدرت منه حركة يروم بها النجاة من المفوضين ، فأدركت مرماه ، ولأتيح له فرصة الصعود على الدرج وثبت على المفوض محمد علي فیاض ، وأكرهته بجميع ما أملك من قوة على الوقوف بالباب ، بينما بذلت أنطوانيت جهدها في إنقاذ أخيها من المفوض الأخر ، فهددني محمد علي فياض بمسدسه وصاح بي:
– دعيني ، وإلا أطلقت عليك النار .
قلت :
– إفعل
فأطلق الرصاص في الجو إرهابا ، وتسنّى له فتح الباب ، فانسل منه عدة أفراد من رجال الأمن، ودحرجوا النبي على الدرج بأيديهم وأرجلهم و قد شهروا مسدساتهم ، واستطعت أن أمسك بالنبي ، فضممته الى صدري بكل ما أوتيت من عزم ، وعلا صوتي فيهم :
– لن تمسكوه وأنا في قيد الحياة !
وأصبحت أنا وهو كتلة واحدة تتدحرج من درجة إلى درجة حتى الرصيف ، بل حتى قارعة الطريق . إذ ذاك وقفت أقاومهم ، وكان عليهم أن يتألبوا ستة ضدي لانتزاع النَّبي مني ، بعد أن أصيبوا بعدة لكمات.
وحاولت أن أصعد الى السيارة التي طرحوه فيها فرموا بي الى الأرض ، وانطلقت السيارة ، فالتفتُّ حولي ، فاذا الطريق يمتلئ برجال الأمن والكتائب وغيرهم . فأمعنت بشتمهم في وجههم ، وركضت وشقيقة النبي في الشارع حافيتين . وركبنا سيارة وعدنا سائقها بأن ندفع له فيما بعد، واتجهنا الى السراي، وهناك ترجَّلت وسألت :
. أين رجال الأمن ؟
فأقبلوا هازئین بنا . قلت :
لقد أتوا في هذا الليل ، بالدكتور داهش ليقتلوه ، فإذا أصيب بسوء فان خمسة عشر شخص مسؤولاً سيقتلون غدا . خمسة عشر داهشياً سيقضون عليهم . جميع الداهشيين لا يأبهون بالحياة . فأنذروا المسؤولين أن بشارة الخوري سيكون الضحية الأولى.
وعدنا الى السيارة ، فقلت لسائقها :
– اندفع بنا الى سجن الرمل، ومررنا أمام منزل النبي ، فدعوت السائق الى الوقوف لأدخل المنزل وأتي منه بمدية من مدى المطبخ ، على الأقل. ونزلت أنا وأنطوانيت . فاذا بقوة من الجند تحرس المكان وتمنعنا من ولوج الباب . ولكنَّنا استطعنا ، بعد جهد ، الدخول . فهرعت الى المطبخ، وهناك لقيت منشارة قديمة ، فأخفيته في صدري وشددت علیه زناري دون أن يبصرني أحد.
وأراد الجند منعنا من ركوب السيارة وحدنا، فبكت أنطوانيت وناحت ، بينما عمدت أنا الى شتمهم ، وشهرت بالمسؤولين المجرمين ، ونعتهم بالجبناء ، وهدَّدت أعضاء الحكومة ، وبشارة الخوري ، والخائن محمد علي فياض . وإذ لم يُحِر الجنود جوابا عمدوا الى ضربي ، ثم قادونا في سيارتنا الى مخفر البسطة.
وهناك نزلنا وأنا أعترض وأحتج عالياً على الظلم والعدوان ، وأهدّد بالانتقام. فاحتشد جمع من الناس، وأمامهم جميعا رحت أشتم بشارة الخوري ، ولور شقيقة المجرمين والأفاعي لا شقيقة أمي، فقادني شرطي إلى حجرة سوداء نتنة قائلا لي :
– سأحبسك مع الجرذان ، هنا ، طوال الليل.
فأجبت :
– الجرذان عندي خير من مجتمعكم ، مجتمع هؤلاء المجرمين ، إنها أشرف منكم جميعا ، وليلة أمضيها في هذه الزنزانة لأحلى عندي من ليلة أمضيها في رئاسة الجمهورية عند المجرمة خالتي . وإني أكرّر تحذيري :
إذا أصيب الدكتور داهش بأي أذى فإن خمسة عشر شخصا سيقتلون غدا .
فعادوا الى ضربي ، وقال أحدهم :
– ما داهش غیر سافلٍ قذر !
فقلت :
– عليك أن تطهر شفتيك – أنت وغيرك – قبل أن تتلفظ باسم داهش المقدس . فأنتم مجرمون تضطهدون هذا الرجل مثلما اضطهد جدودكم موسی ويسوع ومحمد وجميع الأنبياء الآخرين،
فانبرى أحد رجال الأمن يقول :
– هذه شقيقته ، لكن أنت من تكونين حتى تدافعي عنه ؟
وانهالت شتائمهم علي .
فأجبت :
– إنَّ حقارتكم لشديدة فلن تستطيعوا فهم معنى النبل ، وإن قذارتكم لكبيرة فلن تستطيعوا أن تدركوا أن بوسع الإنسان أن يدافع عن قضية العدالة وقضية رجل بريء اضطهد بظلم وجبانة ، دفاع لا تسيّره الأغراض الدنيئة.
وبعد عدة مكالمات هاتفية من هنا ومن هناك ، وبعضها إلى رئاسة الجمهورية ، أخلوا سبيلنا ، وجعلوا السائق ورفيقا له كان بجانبه مسؤولين عنا.
وطلبت من السائق أن يسير بنا إلى جونية ، فرفض وقادنا الى منزلنا، وقد طوقه الجند , فأوعزت اليه تكراراً بمواصلة المسير ، فتابع تقدمه غير راض ، حتى اجتاز رجال الأمن ، ثم توقف رافضاً متابعة السير.
فقلت له :
– إذهب الى المنزل مع أنطوانيت ، فهناك تدفع لك أجرتك، فمانع ورفيقه وحالا دون نزولي . وعبثا خاطبتهما وحاولت إقناعهما , وإذا بأربعة من الجيد يقتربون منا، فتملصت فجأة ، وانطلقت في ركض حثیت ، واهتديت الى سيارة تقودني الى جونية .
وبدت لي الطريق طويلة ، طويلة . وكنت أسائل نفسي : تُري ، ما الذي فعلوه بالنَّبي الحبيب ؟ لقد أرهقه المجرمون الأنذال على الدرج! هل أصيب بجروح ؟ لكن من المؤكد أنه أصيب برضوض.
إن العقاب الذي ينتظرهم لن يكون كافياً مهما عظمت ویلاته.
وشعرت بأني عاجزة ، وتراءى النَّبي لي مُضني ، جريحا، مريضاً ، فودَّدت أن أمزّق جسمي بأظفاري ، وتمنيت أن تنقض نيران السماء على مدينة بيروت فتحرقها.
ولم أكن أعرف منزل الدكتور خبصا ، لكن أمرا عجيبا حدث :
فقد وقفنا أمامه لنسترشد اليه.
وصعدت اليه بقوى خائرة ، واستعدت عزيمتي بشربي النبيذ الخالص مع الدكتور خبصا وعقيلته أوديت .
ثم ركبنا سيارة الطبيب، وشخصنا الى منزل الأستاذ ادوار نون في عاليه ، فبلغناه لدى الساعة الثانية والنصف صباحاً.
وأيقظ الدكتور خبصا الاستاذ نون ، فارتدي ثيابه ، وعند الساعة الثالثة كنَّا في دار فؤاد الخوري شقيق بشارة الخوري.
فكلفته بأن ينقل الى أخيه رسالتي الشفهية هذه :
إذا لم يطلق سراح الدكتور داهش فإنَّ ويلات لا تحصى ستنقض عليه وعلى أسرته ».
وقلت له أيضا : « يزعمون أن الدكتور داهش يعاشر نساء السوء. حتى لو كان زعمهم صحيح فعلی بشارة الخوري أن يبدأ فيهتم بنساء السوء اللواتي في عائلته ، أولا)) .
ماجدا حداد
٩أيلول ١٩٤٤
لَنْ تَعُود
مجلة الف لي وليلة
بتاريخ ۲۳ نیسان ١٩٤٥ نشرت مجلة ألف ليلة وليلة ، لصاحبها کرم ملحم کرم عدد کاملا عن مأساة انتحار ماجدا ، نقلا عن مذكراتها . وها نحن نعيد نشر الصفحة ٢٥ منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبات شغلي الشاغل بعد اعتقال النبي الحبيب أن أثأر له ممن أنزلوا به الضنى . وصمَّمت على القتل ، على الجريمة . روح بروح.
وأوشكت أن أدرك الوطر في 11 تشرين الثاني ١٩٤٤ في المعرض البلجيكي في بيروت . غير أن الزمن كان معاندي . فانطلقت إلى عاليه لتحقيق مأربي فما أسعفني القدر . وإذا رسالة تَرد من داهش تصدّني – عن المبتغی . قلت : بل سأنتقم ، سأنتقم من المضطهدين ، ممن كتبوا علينا الشقاء !
بيد أن الرسالة هنا، أمامي ، فكيف أنقض أمراً يفرضه النبي الحبيب ؟ .. وأدركني الوهن . وشعرت بأني أذوب ؛ بأني أفنی ساعة فساعة . وبدوت شرسةً ، کارهة للحياة . فدعاني الأهل إلى براح لبنان إلى مصر ، فرضیت بعد مكابرة . ولكن العصبة الحاقدة علينا لم تشأ أن أنطلق إلى مصر، فهي تصر على بقائي في لبنان أشقى وأتعذب .
أيها النبي ، أيها النبي ، أين أنت كي تنقذني من علَّتي ، كي تخفف عني وقع المصاب ؟ .. ليست حياتي ، وقد حجبوك عني ، غير نار تحرق ولا تبيد . هي نار دائمة الاضطرام . إلا أني سأنجو من أعبائي ، سأنتقم من أعدائك بنفسي . فإذا منعت عني قتلهم فلم تمنع عني أن أطفی حیاتي بيدي ، أن أسدّد إلى رأسي رصاصاً نويت أن أسدِّده إلى صدورهم !
أيها النبي ، لقد أبقيت في أضلعي لهيبة لا يخمد . كلِّي اليك حنين وهيام , على أن دهري كافر لا يشوقه أن أنعم بالهناء , فقد اختارني منذ نشأتي للموت ، ولست أخاف الموت ، أين أنت أيها المساس المنقذ کي اضمك إلى صدري ، كي أقبلك وكأني أقبل ذاك ؟.. لست أخشی برودتك وانت مستودع الشرر، تعال و عانقني ، انفذ إلی مکمن
العذاب وحل قيودي ، وضمد جراحي ، هي جراح لا أقوى على احتمال مضضها ا
إليك عني أيتها الحياة ، فأنت بؤرة ديدان ، ملعب ثعابين وتماسيح . شبعت منك على شحّكِ وحقارتك أيتها الدنيا . یا نبي السماء اغفر لي ، أنا علّة شقائك . دقت ساعة الخلاص !…)
وقفت يد ماجدة عن الكتابة . فجفاها القلم وقد أتعبته يمناها ، بل هي جفته وتعبت به . فاستلقت في سريرها، لا لتقرأ كعادتها ، بل لتدفئ المسدس البارد باللظى المتفاقم فيها . بركان على بركان . وإذا البركان الجامد ، الأخرس ، العابث به الجليد ، يتكلم ، لفظ كلمته.
هذا الساكت دهراً والناطق كفراً . لفظ کلمة ، حرفا . وبكلمة ، بحرف ، أطفأ حياة ! ماجدا في ذمة القدر . وتجاذبت الأيدي في مدينة بيروت المرعوبة، ورقة تنعي ماجدا حداد . ماجدا عنوان التضحية المثلى ، والحب المفجوع : « بحق الله والنبي الهادي ، جورج ابراهیم حداد وزوجته ماري شيحا والاخوة والأخوات الداهشيون ينبئون بأن روح عزيزتهم ابنتهما وأختهم ماجدا حداد قد انتقلت إلى جوار ربّها يوم السبت في
٢٧كانون الثاني ١٩٤٥ عن ثمانية وعشرين ربيعا . وهي تدين بالمذهب الداهشيّ . وجرى الاحتفال بدفنها يوم الأحد في جونية على الطريقة الداهشية . بحق الله والنبي الحبيب الهادي أن يمتّعها الله بجنَّات النعيم.
هذا نصیب ماجدا من دنیاها ، رصاصة وورقة بيضاء طبعت عليها ظلال من سطور ترف عليها النجمة الخماسية . نجمة تشع في نجمة تنطفى . فاکمدت الوجوه . هذه ضحية رخيصة . وطربت نفوس.
فالجهاد أحياه الاستشهاد . وهناك ، في المنفى القاتم ، انتفض قلب ، وومض رجاء على أطلال رجاء ، واختلجت شفتان بفيض الأسى : لن تعود !
داهش الجازع يتلهف على ماجدا المغالية في الوفاء !
لولا داهش لقتلت ماجدا بشارة الخوري
لولا داهش
لقتلت ماجدا بشارة الخوري
رسالة الدکتور داهش إلى ماجدا حداد
عزيزتي ماجدا ،
أيتها الصديقة النبيلة ، حيَّاك الله وأبقاك رمز للشهامة والإخلاص.
وبعد، فقد بلغني أنك تأثرت لفداحة ما أصابني على يد زوج خالتك بشارة الخوري من سجن وتجريد ونفي وتشريد ، بايعاز من خالتك وخالك ميشال شيحا . ولم يكتفوا بذلك ، بل طاردوا شقيقتي واضطهدوها ، ثم زجُّوها في أعماق السجون ، لأنها أرسلت الى الشيخ بشارة برقية تسأله فيها عن مقري كي تستطيع السفر حيث أقيم . وقد جُنَّ جنونه عندما حكم القضاة عليها بالسجن مدة عشرة أيام ، فاستأنف عليها الحكم بأمل أن تسجن سنوات ! فيا للظلم العظيم !
جميع هذه العوامل أثرت بنفسيتك وإحساسك المرهف ، فاذا بك تبعثين برسالة صاخبة مملوءة بالتهديد والوعيد للشيخ بشارة وزوجته .
ثم صمَّمت على اغتياله انتقاما لما حل بي وبسمعتك شخصياً من تلك الأكاذيب الحقيرة التي نشرتها جريدتا « العمل » و « الديار » ، ، إذ لفَّقوا التُّهم الدنيئة بايعاز من بشارة ولور وخالك ميشال شيحا وهنري فرعون .
والآن ، إنني أبعث برسالتي هذه إليك كي أنبهك وأنهى عن الإقدام على أي عمل عدائي ضد الشيخ بشارة أو سواه . واعلمي ، یا عزيزتي ماجدا ، أن الشيخ المرتکب للجريمة سينال جزاءه قريبا ، إذ ستكسر يه كجزاء روحي .
وسبق لي أن تنبأت عن كسر يده عندما زارني اسکندر رياشي في منزلي وقال لي :
– إذا جردك بشارة الخوري من جنسيتك بطريقة الظلم ، فماذا سيكون موقفك ؟
فأجبته :
– إذ ذاك ستكسر يده التي سيوقع بها المرسوم من العنق وقد نشر اسکندر رياشي نبوءتي في جريدة « الصحافي التائه » وذلك في العدد الصادر بتاريخ ۲۰ شباط ١٩٤٤.
وبما أن بشارة الخوري جرَّدني من جنسيتي فستكسر يده من العنق وستتحقَّق نبوءتی بحذافيرها(۱) .
وسيجازی ، أيضا ، روحياً ، فيصاب بخبلٍ وجنون(۲)
وفي النهاية سيطرده الشعب من كرسي حكمه (۳) ، فيُغادره مهاناً ذلیلاً ، منگس الرأس . وسيكون أول رئيس لبناني يطرد باجماع رغبة الشعب.
إن في السماء عين مراقبة تجازي المعتدي الذي أنزل بي محنة هائلة دون ذنب جنيته أو جريرة ارتكبتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) كسرت يده من العنق ، وتحققت النبوءة تماما . وقد اضطر للسفر الى القدس للاستشفاء في ١٥ شباط ١٩٤٥.
(۲) وجن أيضا وكان جنونه مطبقاً
(3) طرده الشعب طرد شائناً
أعود فأكرر عليك الوصية بأن لا تقدمي على أي عمل إرهابي لا أنت ولا أي أخ أو أخت داهشية، وقبل أن أودعك وأودع الإخوة والأخوات ، أخبرك بأنني سأسافر في خلال أيام معدودة الى بغداد ، وربما من هناك أقصد البصرة أو كربلاء.
أختم تحريري بتوديعكم بقلب مملوء بالشوق لمشاهدتكم واسلمي لمن لا ولن ينساك . والسلام .
حلب ، في ١٥ كانون الثاني ١٩٤٥
الدكتور داهش
ملاحظة : تسلمت ماجدا هذا التحرير في ۲۰ كانون الثاني ، فكان أسفها عظيما لعدم استطاعتها اغتيال مرتكب الجريمة القذرة ، تنفيذا الوصية مؤسس عقيدتها، وأرادت أن تسمع صوتها للرأي العام، فانتحرت.
!وراء الحجاب المجهول
عندما اطلع الدكتور داهش من أرض منفاه بواسطة الصحف على نبأ إستشهاد ماجدا المروع إحتجاجاً على إبعاده بكاها بدماء قلبه قبل دموع عينيه، وقد رثاها بقطع نثرية مؤثرة هي ذوب عاطفته وخلاصة شعوره و ها نحن منتخب إحدى مراثيه في تلك الحمامة الذبيحة.
وراء الحجاب المجهول !
١- هناك وراء الحجاب المجهول
خلال ملايين من النجوم السابحة في اوقیانوس الفضاء
تجاه قمم جبال الراحة السرمديه
وفي فرادیس الآلهة ذات الملذَّات السحرية
بلغت الصبية الخالعة عنها رداء المادَّة الزرية
هناك . هناك … تتَّجه روحي الحزينة
كي تجتمع بمن بذلت نفسها لاجلي :
ماجدا ماجدا – فتاة احلامي المتوارية !
۲- هناك في تلك الأبعاد السحيقة
في أقاصي السموات الشاسعة المسافات
حيث تتجاوز الارواح السُّدم وتبتعد عن المجرَّات
وفي ( حديقة الله ) التي تعجز الارواح عن وصف مفاتنها
حطَّت الفتية رحالها . وحقَّقت أبهى آمالها
هناك هناك تتَّجه روحي الحزينة
کی تجتمع بمن ضځت بوجودها لاجل وجودي
ماجد ماجدا — فتاة تخيلاتي السامية!
۳- هناك بين الأنوار البهية الدائمة السطوع
حيث لا حزن. ولا بكاء. ولا شقاء .
وحيث تحيا طمأنينة النفس السرمدية الخلود
تتنعَّم الارواح النقية تحت ظل العناية الإلهيَّة
فتغتبط روح من هي جزء مُنفصل عن روحي الشقية
هناك هناك تتَّجه روحي الحزينة
كي تجتمع من غادرت الحياة لاجلي
ماجد ماجدا – فتاة أماني الذاوية !
داهش
!سانتقم لك يا مجدا سانتقم
هذه المرثية كتبها مؤسس الداهشية عام ١٩٤٦ وأرسلها إلى آل حداد فأُلقيت على ضريح الشهيدة في ٢٧ كانون الثاني وذلك بعد إستشهادها بعام واحد.
سانتقم لك يا مجدا سانتقم !
ماجدا ماجدا !٠٠٠
اني ما زلت محافظاً على يميني وحاشا لي ان احنث بها
وكذلك رفاق جهادي الابطال المخلصين ،
اننَّ نعدُّ الشهور ونخوض في عباب السنين.
جهادنا ما فتر لحظة ولا توانی هنيهة.
جميعنا في هذا سواء. وكلنا في تضحينا متساوون.
الأيام تفنی ، والاسابیع تتبدَّد، والشهور تضمحل . والاعوام تتواری.
وساعة الإنتقام تدنو شيئا فشيئاً
سأحاسبهم حسابا عسيرا جدا يا ماجدا …
وسأدع مآقيهم تذرف الدماء عوضاً عن الدموع.
وما أذاقوني اياه بالكؤوس فسأجرعهم اياه بالبحيرات.
لتطمئن روحك أيَّتها المجاهدة الصافية الروح.
ولتهنأ نفسك أيتها البطلة التي احتقرت دنياها في سبيل أخراها .
لأن أخوانك الذين تعهدينهم مُضحّين بكل مرتخص وغال في
سبيل احراز الفوز النهائي.
هم هم في ثبات مبدأهم . ورسوخ عقيدتهم ، و مواصلة جهادهم –
وينصرهم الله ويسلمهم أعداءهم . كي تتم عدالة السماء .
لان ما زرعوه فإيَّاه سيحصدون.
فلتطمأن روحك النقية ايتها الروح البهية.
فاننا لانزال على العهد ثابتين !
وثقي يا شقيقة الروح الخالدة بانني سأنتقم لك انتقاماً هائلا مروعاً
سیدونه التاريخ بين دفتيه كي تطالعه الأجيال القادمة
واذا بالرعب الطاغي يتملك أفئدتهم لهول ذلك التنكيل المخيف العادل
فاشهدي يا سماء على قسمي المزلزل !
وأنت يا خالقي قرب ساعة الانتقام
كي تطرب العدالة و تبتهج في فرادیسها الفتانة ا٠٠
داهش
أقوال الصُّحف قبل الإنتحار
الرجل الذي أثار اهتمام الناس
زمناً في بيروت
بتاریخ ۲۵ تشرين الثاني ١٩٤٤ صدرت جريدة الأيام الدمشقية وفيها هذا المقال:
حديث حليم دموس عن الدكتور داهش
:ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور داهش ! ومن لم يسمع بهذا الاسم ؟ فقد شغل الناس في بيروت وقتاً غير يسير ، بسبب ما كان يبديه بأثناء إقامته ببيروت من خوارق روحية . فأمن الكثيرون به وصاروا من أتباعه واعتبرها الآخرون عجائب علمية بحتة ، فاعترفوا بقدرته وبراعته .
وقد أُبعد الدكتور داهش من لبنان فودعه مريدوه بالأسف والألم ، ومن بينهم شاعرنا المعروف حلیم بك دموس الذي هبط دمشق في الأيام الأخيرة ، فاتصل به مندوب «الأيام» ، وسأله عن صديقه الدكتور داهش . فجري بينهما الحديث الطريف التالي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س – كيف عرفتم الدكتور داهش ؟
ج – عرفته في بيروت عام 1936 أديب لوذعياً ، ومؤلفاته يربوعددها على التسعين ، وهو صاحب رسالة روحية عظمى . ومنذ عام ١٩٤٢ الى اليوم ، وأنا ألازمه ملازمة الظلّ لأدرس فيه هذه القوة الروحية العجيبة الغريبة.
س – ما هو الفرق بينه وبين علماء التنويم ؟
ج – الداهشيون لا يؤمنون بالتنويم ، فهو اتفاق بين المنوم والمدّعي النوم ؛ وظاهرات داهش وخوارقه ومعجزاته هي فوق الإدراك البشري .
س – هل ترون في بقائه في سورية او لبنان فائدة ما ؟
ج – إن في عواصم أوروبا وأميركا مؤسسات روحية وجمعيات لعلماء النفس تُنشطها الحكومات في سبيل رعاية هذه الحركة الروحية. وكان الأولى بحكومتي لبنان وسوريا أن تدرسا هذه القوة الكامنة في الدكتور داهش، وتؤلفا لجنة من الأطباء والعلماء والمحامين والأدباء والصحافيين لحضور جلساته الروحية ، وعندئذ تتجلى فيها الحقيقة التي هي بنت البحث . وقد شعرت أن الرأي العام يعطف على قضية داهش ، بعد أن سمعوا آراء مختلفة ضده ومعه . فبقاؤه في سوريا أو في بلاده خير من تجريده من جنسيته وإبعاده . هذا هو رأيي الخاص أكتبه بصراحة وإخلاص .
وقد أساء بشارة الخوري بتجريده من جنسيته . وسيذكر التاريخ عمله كلطخة عار تلاحقه مدى الأدهار
کیف عرفت الدكتور داهش
مع هذا العنوان صدرت جريدة “ألهدف“
في صباع ٦ كانون الثانے١٩٤٥، العدد ٣٩٣
وفيها هذه الكلمة لماري حداد :
لمحة تمهيدية
هي فصول ومذكرات كتبتها في أوقات الفراغ . وقد دونت فيها أهم ما عرفته عن الدكتور داهش منذ عامين .
ففي ۱۲ أيار من عام ١٩٤٢ أقيمت في نادي المهاجرين ( ساحة النجمة ) حفلة خطابية أدبية ألقي فيها الاستاذ يوسف الحاج محاضرة جامعة أتى فيها على ذكر الظاهرات الروحية التي جرت أمامه على يد الدكتور داهش ؛ وروى للناس شيئا كثيرا عن تلك الظاهرات ،
فخرجوا من الحفلة وهم بين مصدقين ومشككين لأنهم سمعوا أموراً خارقة يكاد العقل لا يصدقها ولا يسلم بها .
وانتشرت أخبار تلك الظاهرات في بيروت وقرى لبنان ومصايفه وسواحله ، وفي خارج لبنان أيضا . وبعد شهرين من تلك المحاضرة التاريخية أصبح للدكتور داهش تلامذة عديدون وأنصار ومریدون ، بينهم الشاعر والأديب والمحامي والطبيب والبعيد والقريب ، ، وكلهم من أرقى طبقة في الشعب علما ووجاهة وثقافة . وكلما مر أسبوع زاد عدد أنصار الدكتور داهش وأتباعه ، مما لفت اليه أنظار رجال الدين والدنيا بسرعة غريبة .
واتفق أن زارنا أحد الأصدقاء المفكرين وتحدث معي ومع زوجي جورج ابراهیم حداد عن تجارب الدكتور داهش وأعماله الخارقة . وفي اليوم الثاني – وكنا في مستشفى الجراح الدكتور رزق – زرنا الدكتور داهش ، وتعرفنا به شخصيا ، وكان لديه بعض الزائرين والمعجبين به ، فطلبنا اليه أن يقبلنا بين أنصاره . فوعدنا خيرا وودعناه وبعد أيام قليلة ، تسنی لنا أن نحضر جلسات روحية كانت سبباً لفتح عقولنا وأفكارنا لاكتشاف أسرار روحانية غريبة في بابها . وهذه الأسرار الغريبة العجيبة هي التي يسرني كثيرا أن أحدث عنها القراء في کتاب خاص باللغة الافرنسية ، ونصيحتي لقاری سطوري هذه أن يطالع الكتاب المذكور بتفكير عميق وإخلاص وتدقيق
ماري حداد الداهشية
بین أنصار داهش والحکومه
صدرت في جريدة اللواء العدد ۱۲۰٤ ، الكلمة الاتيه :
نقم أنصار الدكتور داهش على الحكومة لتجريده من الجنسية اللبنانية وإقصائه عن لبنان . وبعد اجتماعات متعددة وتبادل وجهات النظر في الأمر ، قرروا أن يقيموا الدعوى على الحكومة لدى مجلس شورى الدولة.
وقد علم مندوبنا الخاص أن المحامين الذين قبلوا هذه المهمة فؤاد رزق ، ادوار نون ، رامز شوقي ، اسکندر نقاش ، سليم أبو اسماعيل ، وتعهد هؤلاء المحامون بإعادة جنسية الدكتور داهش التي انتزعت منه ، وإعادته إلى لبنان .
وثائق تتكلم
بتاریخ ۱۱ كانون الثاني ١٩٤٥ صدرت جريدة الهدف، العدد ۳۹۷،
وفيها مقال ثانٍ لماري حداد
كيف عرفت الدكتور داهش
ترجمة عن الإفرنسية . بقلم الفنانة السيدة ماري حداد الداهشية وثائق تتكلم،
هذا هو اسم كتابي الأفرنسي الذي نشرت كلمته التمهيدية في المقال الأول ، والذي سيرافقني القارئ العزيز في مطالعة فصوله تباعاً.
نعم ، هي حقائق تتكلم ، ووثائق رسمية يقف بها الرأي العام على حوادث واقعية تحوم حول قضية الدكتور داهش منذ عام ١٩٤٢ الى اليوم .
فما بلغ القوم أنني أصبحت أشهد ظاهرات روحية وأزور الدكتور داهش ، أنا وزوجي وعائلتي ، وأصبحنا نستقبله في بيتنا كما نستقبل أي صديق ، حتى قامت قيامتهم وبدأوا يحاولون منعنا من الاتصال بالدكتور داهش، زاعمين أنه ذو سلطة روحية قاهرة يُخضع بواسطتها كل من يزوره فيصبح ، إذ ذاك ، رهن مشيئته وأطوع له من بنانه . ومن تلك الدقيقة بدأت الوشايات ، وأطلَّت الدسائس برؤوسها من أعماق رموسها.
وذهبت وفود إلى المراجع ذات الاختصاص طالبة اليها أن تبعد الدكتور داهش من البلاد لأننا نكاد ننخرط في صفوف تلامذته وأصدقائه ، وننضوي تحت لوائه.
ولما تفاقم أمر الدكتور داهش ، وامتدت دعوة ظاهراته الروحية ، ولاقت إقبالا شديدا من علية القوم ، انخلعت قلوب بعض رجال الدين ، فبرزوا الى الميدان وعزموا على قتل الفكرة في مهدها ، ودفنها في لحدها ، قبل أن يستفحل أمرها ، وعندئذ لا يعود بالإمكان دفع ما قد يحدث…….
ولم يقف عملهم عند هذا الحد، بل قصدوا بعض الأقارب ، وأوعزوا إليهم بوجوب شن حملة صحافية على الدكتور داهش کی يرغموا الحكومة على تحريك ساكنها والبطش به.
وبعد أن اتفقوا نهائيا على الحملة ، ودعوهم مغتبطين بفوزهم المبين . واستيقظت بيروت في أواسط عام ١٩٤٢ على حملة صحفية
عنيفة جداً ضد الدكتور .
وصدر على إثرها سلسله مقالات يطلب أصحابها من الحكومة أن تخرج الدكتور داهش من البلاد بعد أن تفاقم أمر دعوته والحديث عن .ظاهراته
واستمرت هذه الحملات تصدر يوميا بانتظام مدبر….
كيف عرفت الدکتور داهش ؟
بتاریخ ۲۲ كانون الثانے ١٩٤٥ صدرت جريدة “المستقبل الطرابلسية
لصاحبها الفير لطوف ، وفيها هذه الكلمة:
هو الروحاني العجيب الذي أثارت روحانيته المدهشة سخط رجال الدين وحملات صحفية صاخبة قضت بإبعاده عن البلاد ، وتتحدث عنه اليوم على صفحات « الهدف » الغراء الكاتبة الأديبة السيدة ماري حداد ، عقيلة الوجيه البيروتي السيد جورج ابراهیم حداد بكثير من الإعجاب . وهي من أنصاره وأتباعه الذين عرفوا عن معجزاته الروحانية الشيء الكثير، ووعدت بنشر معلوماتها عنه في كتاب خاص باللغة الإفرنسية . وهي مرتاحة لصراحتها في القول والعقيدة . وفي ختام حديثها تنصح بمطالعة كتابها هذا بتفكير عميق ، وإخلاص وتدقيق، ولا ندري كيف يكون تأثير هذا الكتاب على الرأي العام ، وبأية غضبة سیستقبله رجال الدين ؟!
أوراق النَّعْوَة الدَ اهِشَّية
لم يمض يومان على دفن ابنتي العزيزة ( ماجدا ) ، حتى رأينا أن نعلن نبأ وفاتها على طريقة الديانة الداهشية ، التي ماتت ابنتي وهي معتنقة أيَّاها بعد انسلاخها عن الكنيسة الكاثوليكية .
ولم نضع لِورقة النعوة إطار حزن ، مثلما اعتاد الجميع أن يشاهدوه لیدللوا به على حزنهم. لأننا نتأكد أنها غادرت أرض الشقاء إلى فرادیس الهناء . وفي الوقت نفسه أعلن أننا متمسكون بالديانة الداهشية ، بكل ما لدينا من قوة عقيدة. وفي سبيل هذه العقيدة نضحي بجميع ما نملكه من مال وعقار وقوة.
وقد طبعنا النعوة بعدة لغات وأرسلناها إلى المؤسسات الرسمية والدينية وقناصل الدول والصحف وسواها وهذه صورة زنكغرافية للنعوة التي وزعت :
ولم يسمح لرجال الدين بالحضور ، لأن ( الديانة الداهشية) تحظر الاعتراف بسلطة رجال الدين تحظيراً باتاً.
***
وقد سلمنا أحد الأشخاص كمية من أوراق النعوة كي يلصقها في الشوارع ليطلع عليها الجميع.
ولكن أوامر أعطيت من قصر الرئاسة إلى البوليس … كي يمنعوا نشرها . وقصدهم من ذلك أن لا يدعوا الرأي العام يعرف بحقيقة جريمتهم التي سببت انتحار ( ماجدا)، الضحية الأولى البريئة احتجاجا ، على مذبح رغباتهم الفاضحة ، وأهوائهم الجامحة، قبحهم الله . وسرعان ما طارد البوليس حامل النشرات وصادرها منه .
فما كان من زوجي (جورج) إلا أن اتصل بمركز مخفر ميناء الحصن ، وسأل مفوضها عن الأسباب التي دعته لمصادرتها ، بعبارات ونبرات استحقها هذا الموظف المنقاد لأوامر رؤسائه الغير العادلة .
فتهرب الموظف من الجواب وأحاله الى مركز البوليس العام . فاتصل بمدير البوليس الذي راوغ بالجواب ، وأحاله الى المدعي العام المركزي الذي أنكر وصولها إليه.
وفي مساء اليوم نفسه زارنا الاستاذ وديع نعيم ، وزير الداخلية ، معزياً ، ، وبرفقته زوجته . فذكرنا له حادثة مصادرة أوراق النعوة .
واحتججنا على هذا العمل الغير القانوني . وأكدنا له أننا سنطبع عشرات الآلاف منها ونغمر بها المدن والقرى والأقطار المجاورة ، ما دامت السلطة قد تحدت شعورنا العميق في ساعة حزننا على ابنتنا الشهيدة .
فاستنكر الوزير هذا العمل ، ووعد بأن يتلفن لمن صادروا الأوراق كي يعيدوها .
وفي اليوم الثاني ذهب زوجي جورج الى المدعي العام واستلم منه الرزمة المصادرة.
وها إن القارئ ” يجد الرقعة التي كتبها معاونه المفوَّض ، ووقعها بإمضائه عن مصادرة الأوراق وعددها .
وثيقة مصادرة أوراق النعوة
وهذا هو نصُّها :
إن هذه النشرات تصادرت من قبل المعاون أبو سلوان ، مخفر ميناء الحصن ، من يد المدعو ( میشال الباروكي ) بينما كان يوزعها ويلصقها على الجدران ، وعددها أربعمئة وثمانية وعشرون نسخة من أصلها ثلاث نسخات رفعت عن الجدران.
امضاء المدعى عليه. امضاء المعاون
میشال الباروكي ابو سلوان
وهكذا نكون قد استرجعنا الأوراق المصادرة ووزعناها في كل مكان وأنوف هؤلاء اللئام معفَّرة في الرغام !!
الحكومة تقع في حيص بيص
وضجت المدينة ، وراحت الألسنة تشيّع شتى الأمور . وراح ذکر الديانة الداهشية الجديدة يملأ الأذان بمختلف الأحاديث .
وراح كل إنسان يروج ما يراه ملائماً لمزاجه وذوقه . فوقعت حكومتنا في وهدة الحيرة . وأصيبت بذهول موجع مفجع ، اذ ظنت – أعاد الله صوابها اليها ۔
أنها بإبعاد الدكتور داهش وتجريده وتشريده تنتهي الضجة القائمة حوله . فاذا بها ترى أن الضجة إذ ذاك لم تكن بعد قد ابتدأت، فهالها الأمر … إذ في غيابه ازداد عدد أتباعه وأصحابه ، وزادت الأخبار رواجا ، والأفكار هياجة ، فأسقط في يدها وكانت من الخاسرين.
بعض أقوال الصُّحف بعد الإنتحار
الآنسة ماجدا حداد تنتحر
لأنَّ داهث منعها من اغتیال رئیس الجمهورية
قالت جريدة العهد بتاریخ ۳۰ کانون الثاني ١٩٤٥ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيروت عائلة وجيهة معروفة بالنبل والأخلاق الكريمة ، عميدها السيد جورج ابراهیم حداد وزوجته السيدة ماري حداد المصورة الفنانة المشهورة ، وهي ابنة المرحوم أنطون شیحا وشقيقة الوجيه ميشال شيحا. وقد أصيبت هذه العائلة بفاجعة مروعة يوم السبت الفائت الواقع في ۲۷ كانون الثاني ١٩٤٥ نسرد حوادثها وأسبابها نقلا عن أحد أصدقاء هذه العائلة ، قال :
تعرفت عائلة حداد بالدكتور داهش منذ سنتين ونيف .وتأصَّلت بينهما صلة المودة . وحبذت هذه العائلة أفكار الدكتور داهش الاجتماعية والدينية . ولم يرق ذلك في نظر بعض أقرباء هذه العائلة ، فأخذوا يضطهدون الدكتور ويسعون لإبعاده عن عائلة الحداد نهائياً . وأخيرا جُرد من جنسيته اللبنانية وسجن ونُفي كما يعلم ذلك الجميع .
ولما كان آل حداد يعتبرون أن هذا الحيف وقع بسببهم ، رأوا من واجبهم الاحتجاج الصارخ والسعي المتواصل لرفع الحيف عن الدكتورداهش.
ولما رأت الآنسة ماجدا أن جميع المحاولات قد فشلت ، فگرت أن تنتصف للرجل المظلوم ، وأخذت تدبر العدة للوصول الى غايتها وتغتال الشيخ بشارة الذي ظلمه، غير أن الدكتور داهش الذي كان في حلب عرف بهذا المسعى فردعها بتحرير عن ذلك وطلب اليها أن تستسلم لإرادة الله القادر ، وأن تترك له وحده أمر الاهتمام بقضيته.
وفي السابع والعشرين من هذا الشهر اتجهت زينا ، شقيقة الفقيدة ، الى غرفة النوم التي تعودت ماجدا أن تختلي فيها لنفسها، فوجدت الباب مقفلا من الداخل . فقرعته أولا وثانيا ، فلم يجبها أحد، فارتابت في الأمر . وقرعت بعنف ثم ضغطت على الباب بشدة وإذا به ينفتح، ويا لهول ما شاهدت ! أختها الحبيبة ماجدا ممدّة على سريرها ، والى يمينها مسدس ، والدماء تطوق عنقها ، وهي راقدة رقادها الأبدي ساخرة من هذه الحياة القاسية.
وفي صباح الأحد الفائت ( أمس ) شيع جثمانها حسب الطريقة الداهشية التي تعتنقها الفقيدة وعائلتها . ودفنت في مدفن خاص في جونية ، دون أن يسمحوا لرجال الدين بمرافقة الجثمان أو الاقتراب حيث المدفن.
فتاة من أنصار داهش تنتحر في بيروت
دفنها علمانیاً . کتابة رموز على نعشها
تحت هذا العنوان نشرت جريدة صوت الأحرار
الصادرة بتاریخ ۳۱ کانون الثاني ١٩٤٥ مايلي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقعت يوم السبت مساءً حادثة في هذا البلد كانت حديث الناس في الأندية والمجتمعات . فإن الآنسة ماجدا حداد كريمة السيد جورج حداد، وعمرها ثماني وعشرون سنة ، دخلت الى غرفتها في الساعة الخامسة بعد ظهر السبت ، وأقفلت الباب وراءها . ولم يمض عشر دقائق حتى سمع سكان البيت طلقاً نارياً يدوّي من الغرفة ، فكسروا الباب فإذا هم أمام الآنسة ماجدا مضطجعة بسريرها ، والدم يسيل من صدغها ، وبالقرب منها مسدس . فقد أطلقت رصاصة على رأسها من الجهة اليمنى كانت القاضية على حياتها ، فسقطت جثة لا حراك بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكمة الله !
وجاء والد الفتاة الى الغرفة ، ولما وقع نظره على ابنته ، قال : هذه حكمة الله !… وأشعرت دائرة البوليس والنيابة بالأمر . فجاء المدعي العام الاستاذ صاف رعد ومدير البوليس عارف ابراهيم ، وباشرا التحقيق.
وجاء الطبيب الشرعي الدكتور الياس الحلو ، وبعد الفحص الطبي والتحقق من الوفاة ، أذن بدفن الجثة.
وثبت من التحقيق الأول أن الفتاة انتحرت انتحاراً . وليس هناك ما يدعو الى الشك بوجود جناية .
وثبت أيضا أن الآنسة حداد اشترت المسدس منذ أيام بعد أن عزمت على اغتيال بشارة الخوري ، ولكنها استلمت تحریراً من داهش منعها فيه من اغتياله . ولثورة اعصابها انتحرت.
وانسحب المحققون عندئذ بعد أن ختموا التحقيق الذي بدأوا به .
رموز مقدَّسة
ورفض الوالدان تقبل التعازي ، وإجراء جنازة حافلة ، بل وضع
جثمان الفتاة المنتحرة في تابوت ، ونقل الى جونيه حيث دفنت الفتاة في مدفن الدكتور خبصا بدون أن يكون هناك أي كاهن أو راهب
وقد نقش على النعش الرمز الداهشي المقدس.
الدكتور داهش
ولهذه الرموز المقدسة معان تتصل بالدكتور داهش وعقيدته الروحية . وقد جرده بشارة الخوري من جنسيته لأجل صلته بعدیله جورج حداد .
والآنسة حداد المنتحرة من أنصار داهش ومن المؤمنين بما كان يأتيه من معجزات وخوارق . فأحدث إبعاده من لبنان أثر في نفسها . وما زالت كذلك حتى دفع بها اليأس إلى الانتحار بعدما منعها داهش من اغتيال بشارة الخوري .
ويظهر أن الرموز هي اصطلاح داهشي . ولهذا كتبت على النعش ضمن نجمة مخمسة للتدليل على تمسك آل حداد بالديانة الداهشية.
ودفنت الفتاة في مدفن الدكتور خبصا، وهو من أنصار داهش أيضا . وما برح الوالدان يرفضان قبول التعازي من الأقرباء والأصدقاء والأنسباء .
الیأس یدفع بفتاة إلى الانتحار
لأن الدكتور داهش لم ایسمح لها بإغتیال رئیس الجموريّة
هذا ما نشرته جريدة اللواء بتاریخ ۲۱ كانون الثاني ١٩٤٥
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجدت الآنسة ماجدا جورج ابراهیم حداد منتحرة برصاصة في صدغها في منزل والدها ، بعد ظهر السبت الماضي. وقد أثبت التحقيق الطبي والقضائي الذي قام به الدكتور حلو والمستنطق أن الفتاة كانت من أتباع الدكتور داهش ومعتنقة مبدأه .
وقد شق على الفتاة إبعاد داهش الى خارج الحدود وتجريده من الجنسية اللبنانية ، فتوعدت وتهددت الذين كانوا السبب في هذا الإبعاد ، وظلت على تلك الحالة الى أن قطعت الأمل من عودته . وبينما كانت تطالع رسالة وردتها من الدكتور داهش يمنعها فيها من اغتيال بشارة ، اسودت الدنيا في عينيها وأفرغت رصاص مسدسها في صدغها وقضت لساعتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقل الجثة إلى جونيه
وقد نُقلت الفتاة الى جونيه حيث صلي عليها بحضور السادة الدكتور خبصا والدكتور ابو سلیمان ، ومن حولهما السيدان ادوار نون وحليم دموس . ودفنت في مدفن عائلة خبصا .
ويقال إن ذوي الفقيدة ، وكلهم من أنصار الدكتور داهش ، لم يسمحوا للكهنة بالسير أمام الجثة ، لأن مذهب الدكتور داهش يحظر عليهم ذلك .
انتحار ماجدا حداد
ونشرت جريدة النضال بتاریخ ٣١كانون الثانے ١٩٤٥ المقال الآتي :
حادث أليم وقع بعد ظهر السبت ، ضحيته فتاة رائعة الصبا .
يقول مخبرنا المحلي إن الآنسة ماجدا کریمة الوجيه المعروف جورج ابراهیم حداد قرين السيدة ماري حداد قد انتحرت في الساعة الثانية بعد ظهر السبت في منزلها . وتفاصيل ذلك أن الآنسة ماجدا دخلت الى غرفتها ظهر السبت ، وأحكمت إقفالها إحكاماً مطبقاً ، ثم أقفلت النوافذ، وتوجهت إلى درج مكتبها ، فتناولت منه المسدس الذي كانت قد أعدته لهذه الغاية من قبل ، فأفرغت في صدغها رصاصة من مسدسها . دقت الساعة الثالثة بعد الظهر ، وماجدا لم تخرج من غرفتها . فاستبطأتها أختها ، ولكنها ظنَّت أن شقيقتها تنام كعادتها بعد الظهر . ولكنها قالت إن اختها لم تأكل لتنام ، فما بالها ؟ ولماذا تتباطأ في الجواب ؟ عند ذلك لم تر بدا من طرق الباب مرة أخرى ، فطرقته بعنف ، ولكن دون جدوى . فمن این لها بالجواب وماجدا قد انتقلت الى رحمة الله ! فقررت أن تعمد الى فتح الباب وكسره ، فخلعته ودخلت الغرفة . ولشد ما رأت ! رأت أن شقيقتها ممددة في سريرها ، والدم يبلل عنقها . فاستغاثت الفتاة ، فهرعت اليها أمها لترى ما الخبر.
فاذا بفلذة كبدها جثة هامدة لا حراك فيها . وفي صباح الأحد احتفل بتشييع جثمانها ووُريت الجثة في مدفنٍ خاص في جونية دون أن يسمح الداهشيون للكهنة بمرافقتهم .
المرحومة ماجدا
کريمة السید جورج حداد
تاریخ ۲۱ كانون الثاني ١٩٤٥ نشرت مجلة الصياد رسم ماجدا
وتحته الكلمة المذكورة أدناه :
المرحومة ماجدا کريمة السيد جورج حداد التي انتحرت بعد ظهر السبت الماضي ، تاركة كتابة تذكر فيه أسباب انتحارها وتطلب أن تدفن جثتها على الطريقة الداهشية ، وهذا ما تم والفتاة المنتحرة على جانب كبير من العلم والذكاء ، وكانت من أتباع الدكتور داهش ومن أشد المتحمسات لمذهبه الديني .
مارأي الحكومــــــــة
في هذه القضية المروعـــــة ؟
بتاریخ ٦شباط ١٩٤٥ ، نشرت جربة النضال المقال الثاني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساء الاثنين في 31 كانون الثاني ١٩٤٥ زارنا الداهشي حليم دموس وبمعيته الداهشي الشاب جوزف حجار احد تجار حلب وصهر جورج ابراهیم حداد ( زوج كريمته آندره ) زوج الرسامة المعروفة ماري حداد ، وقصا علينا مأساة ماجدا ، كريمة جورج وماري حداد ، التي انتحرت في منزلها في غضون الأسبوع الفائت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومما قاله لنا الداهشي جوزف حجار : منذ سنتين ونصف السنة ، تعرفت الى الدكتور داهش ، وكانت عائلة الحداد على اتصال وثيق به.
بيد أن كتلة من عائلتهم كبشارة الخوري ومیشال شيحا وفرعون شنَّت حرب شعواء على الدكتور داهش، مما أفضى إلى تجريده من جنسيته
وإبعاده الى حلب . وقد احتج آل حداد على هذا الظلم الرهيب دون جدوى . وكانت ماجدا تؤمن برسالة داهش وتفكر بطريقة لرفع الحيف
عنه ، وساورتها أفكار سوداء . واذا برسول يصل من حلب حاملاً کتاب من الدكتور داهش يدعو ماجدا الى التريث والاحتفاظ بأعصابها هادئة، ويوصيها أن لا تغتال الشيخ بشارة لأجله ، لأنه سينال جزاءه العادل.
وبعد وصول هذه الرسالة تأثرت ماجدا ، وباتت تنتظر . وبعد شتی المراجعات يئست وعجزت عن تنفيذ انتقامها برئيس الجمهورية ، لأن الدكتور داهش لم يسمح لها برسالته أن تنتقم له منه . وفي ۲۷ کانون الثاني سنة ١٩٤٥ اختلت في غرفتها كعادتها بعد الظهر للاستراحة والقراءة . فاستبطأت اختها زينا خروجها، فقرعت الباب ثلاث مرات . ولما لم تحصل على جواب ، همت بفتح الباب ، فوجدته مقفلاً من الداخل، فاقتحمته ، فوجدت شقيقتها البالغة ۲۸ سنة من عمرها مقتولة برصاصة بصدغها والدم يسيل من فمها.
وزاد الداهشي جوزف حجار بقوله : وقد جرى دفن ماجدا نهار الأحد في ۲۸ كانون الثاني قبل الظهر في مدفن خاص في جونيه على الطريقة الداهشية ، إذ نقل الجثمان رأسا للمدفن ووضع عليه رمز مقدس بشكل يشبه نجمة . واشترك جميع الحاضرين من الأتباع في صلاة الأموات الداهشية . وهكذا قضت ماجدا حداد نحبها ضحية بريئة . وقد روينا مأساتها . ونحن نسأل الحكومة ما رأيها في هذه القضية المروعة ؟
ما جدا حــــــــدَّاد تنتحر
نشرت جربية الثانية في نموها الصادر بتاریخ ٧ شباط ١٩٤٥ التالي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجدا حداد تنتحر لأن الدكتور داهش مؤسس الديانة الداهشية منعها عن قتل رئيس الجمهورية انتقاما مما سببوه له من اضطهاد وتشريد .
مأساة رهيـــــــبة
فوجئت بیروت يوم السبت الفائت بفاجعة مؤثرة كانت حديث الأندية والمجتمعات، فأسف الناس على زهرة تذويها رياح اليأس، ونجمة
تتوارى في ظلمة الرمس .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعيش في بيروت الآنسة ماجدا حداد في حضن والديها وبين شقيقتيها في بيت اشتهر بالفنون الجميلة من أدب وفن وتصویر وتأليف .
ومنذ سنتين ونيف تعرفت هذه العائلة بالدكتور داهش وأعجبت بمبادئهِ الإجتماعية والدينية ما لم يرق ذلك لرئيس الجمهورية وآله ، فقاموا بحملة عنيفة لإخراج الدكتور داهش من لبنان . فسجن ونفي بعد أن جُرِد من جنسيته اللبنانية في أواخر آب المنصرم ١٩٤٤.
فشق ذلك على آل حداد لعلمهم أن ما حل به لم يكن الأ بسببهم .
فاستولى اليأس على الأنسة ، وعزمت على أن تقوم سرا بعمل إرهابي علم به الدكتور داهش وهو في حلب . فاستنكر الأمر ، وكتب اليها رسالة ينهاها عن الإقدام على اي عمل عدائي ضد رئیس الجمهورية ، متنبئا لها بأن في السماء عيناً عادلة لا تنام ، وهي تراقب كل صغيرة وكبيرة ، وهي وحدها تعاقب كل من سبب له هذه المحنة الهائلة التي هو بريء منها.
فكانت هذه الرسالة صدمة عنيفة على هذه الآنسة الحساسة، فلجأت إلى الصبر مكرهة ، وأخذت ترتقب حوادث الزمن ، مما أثر على نفسيتها .
ولما كان من عادتها أن تأوي الى غرفتها بعد ظهر كل يوم جاءت شقيقتها زينا الى غرفتها ، فوجدتها مقفلة من الداخل . ففتحت الباب بشدة واذا بها تشهد منظراً مرعباً رهيباً……
رأت شقيقتها على سريرها ، وبيدها مسدس ، وقد أطلقت منه رصاصة واحدة نفذت من صدغها الأيمن الي صدغها الأيسر فصرخت ، وتراكض جميع أهل البيت وكان كل منهم في غرفته.
وجرى التحقيق بالحادث من قبل الحكومة . وأسف الجميع لهذا الحادث الأليم ، وانطفأ سراج فتاة في الثامنة والعشرين ربيعاً. تتقن ثلاث لغات اتقانا عجيبا وتكتب بالافرنسية والإنكليزية وتتحلى بأخلاق نبيلة نادرة.
ولم تشأ العائلة أن تحتفل بمأتم عزیزتها إلا على الطريقة الداهشية . ودفنت في مدفن خاص في جونيه.
هذا بعض ما قاله لنا الاستاذ حليم دموس ، وقد علمنا أن الفتاة كانت تطالع كتاباً من تأليف داهش بك ينتهي بمصرع بطلته . والكتاب
اسمه « ضجعة الموت ».
والمدهش أن الجنازة لم يرافقها رجال الدين . وقد نقش علی النعش الرمز الداهشي المقدس. فالديانة الداهشية لا تؤمن برجال الدين المسيحيين.
والناس يتناقلون كتاباً قيل ان داهش بك بعث به الى ماجدا في الشهر الماضي ، وفيه بعض تنبؤات لما وقع ولما سيقع في لبنان من حوادث عامة وخاصة …..
ماجدا حداد تنتحر لأجل داهـــش
وصدرت مجلة الدبور بتاريخ ٢شباط ١٩٤٥وفيها المقال الأتی :
في الأسبوع المنصرم انتحرت فتاة من آل حداد ودفنت على الطريقة الداهشية . وشاع في أوساط المدينة أنها انتحرت لأجل مؤسس الداهشية ، فأذاعت ، في سبيل انقاذه من المنفي ، بيانها. فكان أن عجز صوتها عن إقناع ذوي الشأن بالإفراج عن مؤسس عقيدتها، فانتحرت.
ويظهر أن لداهش مدفنة خاصة هو في جونيه . فمن مات من الداهشيين يلحد جثمانه بذلك المدفن .
ثورة فكريـــــة تجتاح العاصمـــــة
وحَــــيرة الحكومـــــة
في صباح 3 شباط ١٩٤٥ استيقظت بيروت، وفي الصفحات الأولى من الصحف أنباء أنتحار ماجدا الشهيدة الأولى ، والضحية الغالية ، وأخبار مختلفة متضاربة عن أسرار الديانة الداهشية الجديدة فأحدثت هذه المقالات رنة هائله ودويا عظيما في جميع الأوساط المدنية والدينية ، وفهمنا من الأخ الدكتور فرید ابي سليمان أن جماعة من رجال الحكومة تفكر في إيجاد وسيلة قانونية لإقامة دعوى علينا وعلى الأخوة الداهشيین ، لاعلانهم ديانة جديدة غير معترف بها رسميا من قبل الحكومة . أما الصحافة البيروتية فقد أحدثت مقالاتها ومنشوراتها صدی بعیدأ ودوا هائلاً في المدينة وفي الخارج .
حديـــث طريـــف عن الداهــــشية
وهذا ما نشرته جريدة “العهد مع رسم ماجدا بتاریخ ٦شباط ١٩٤٥
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفاصيل جديدة عن حادثة الانتحار . الفرق بين الداهشية والمسيحية .
رأي الداهشيين بالنبي محمد . آراء بعض الرصيفات عن الداهشية .
أول تصريح عن أهداف الداهشية وموقفها من الأديان السماوية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتينا في عدد سابق على ذكر صاحبة هذا الرسم وبعض العوامل التي أدت إلى انتحارها وهي في عنفوان شبابها
ومنذ يومين اجتمعنا إلى أحد معارفها الواقفين على حقائق الأمور ، فجري بيننا وبينه حديث عن الطريقة الداهشية ، ننشره كما أدلى به محدثنا دون أي تعليق منَّا .
وهو أول حديث يكشف الستار عن بعض أهداف هذه الطريقة الجديدة :
س : لقد كثرت الإشاعات حول وفاة الآنسة حداد . فهل لكم أن توافونا بأصدق رواية.
ج: إن ما نشرته «العهد» في المقال الأول كان أقرب الى الحقيقة كما شهد بذلك الذين عرفوا الفقيدة ومزاياها النادرة وعلاقة عائلتها بالدكتور داهش وأتباعه الذين انا واحد منهم . وكانت الفقيدة تعتقد ان في الدكتور قوة ستستفيد منها البشرية اذا فهمت حقيقة الداهشية وأهدافها .
س : ماذا تقصدون بالداهشية ؟ وما الفرق بينها وبين المسيحية ؟
ج : الداهشية تحترم الأديان السماوية : الموسوية والمسيحية والمحمدية ، وجوهر الأديان الإلهية ، وغايتها الابتعاد عن بعض التقاليد والمراسم الدينية المسرحية كعبادة الصور والتماثيل . وهي تسعى لإفهام الناس أن يقتربوا من الزهد والمحبة والبساطة والقناعة والاعتراف بتعاليم السيد المسيح وسائر الأنبياء المرسلين الذين غيروا وجه العالم ، فكرة وقولا وفعلا ، كموسى والمسيح ومحمد وبوذا وكونفوشيوس وسقراط وغيرهم من المصلحين والمجددین .
س : وهل تعترف الداهشية بالنبي محمد ؟
ج: كيف لا؟.. إنها أول من تقول إنه نبي أرسله الله نور وهدى للعالم ليحطم الأوثان والأصنام ، ويرفع مستوى الأفكار البشرية بالكتاب المنزل ، ويغذي العقول والأجيال بتلك الأحاديث الشريفة الغالية التي ألقاها بذوراً للأفهام، وهو اليتيم الأمي والنبي العربي الكريم .
س : ما هي الرسالة التي بعث بها الدكتور داهش الى الفقيدة ماجدا ؟ وما هو أهم محتوياتها ؟
ج : هي رسالة عثر عليها بين أوراقها تحمل تاريخ ١٥ كانون الثاني١٩٤٥. وأهم ما فيها أنه يحذرها من أي عمل إرهابي ضد أي شخص، وأن الله سينتقم قريباً من ظالميه ومسببي محنته.
ولما يئست من إتمام فكرتها وتنفيذ خطتها فضَّلت الموت على الحياة ، فانتحرت. وفي الرسالة نبوءة صريحة عن مصير رئیس الجمهورية، وقد تحققت.
س : من أين بعث اليها بتلك الرسالة ؟
ج : من مدينة حلب. وذلك بعد أن نفي من الحدود السورية الى الحدود التركية من جهة إعزاز . وهناك نجا بأعجوبة من الخطر الذي كان يهدده .
س : ولماذا أضطهد الدكتور داهش ؟
ج :المسائل عائلية أولا . ثم لأن (دعوته الجديدة) قد أثارت عليه غضب رجال الدين بمجرد سماعهم تعاليم الديانة الداهشية وسماعهم أيضا بما يقال عن ظاهراته الروحية العجيبة.
س: تقول بعض الصحف إن الديانة الداهشية منبثقة من (رمز داهشي) فما رأيكم في هذا الكلام؟ وهل يمكنكم تفسيرها لنا أو لسوانا؟
ج : ليس الداهشون في الهند أو في الصين . إنهم في مدينة بيروت وأنحاء لبنان . وكذلك كان على هؤلاء ان يسألونا عن حقيقة تلك الرموز المقدسة ، فتعطى لهم رويدا رويدا عندما يعتنقون مذهبنا. وعندئذ يفهمونها جيدا ويتعجبون عندما يتبين لهم أن هذه الأحرف الرمزية تؤلف عبارات خطيرة ومعاني ثمينة كبيرة يرتكز عليها هذا المذهب الجديد الذي يريد البعض مناهضته لغايات في النفوس … في حين أن حرية الفكر والمعتقد نص عليهما الميثاق الأتلنتيكي . فلماذا تريد بعض الصحف التعدي على حرية الآخرين ؟ فالانسان حر بعقيدته خصوصا إذا توجهت روحه إلى المثل العليا ، وبالدستور اللبناني مادة تقول : حرية المعتقد مصانة.
إن في الحياة أسرار عجيبة غريبة ، ولا سيما الأسرار الروحية التي تعلق عليها الداهشية أكبر أهمية ، لأن لها اتصالا بالقدرة الإلهية . وقد جاء في الكتاب المقدس « أن الله روح» . وجاء في القرآن الكريم : (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الأ قليلا ) .
المذهب الداهشي أسراره و تلامیذه
تعريف موجز عجيب عن الديانة: الداهشية الجديدة
حدیث طريف مع أحد الداهشيين
ونشرت أيضا جره الدنيا بتاریخ ٩ شباط ١٩٤٥ المقال الأتي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدكتور داهش شخصية فذة عجيبة . ومنذ ثلاثة أعوام وهذا الاسم يتردد ذكره باستمرار ، سواء أكان بواسطة الصحف السيارة أم في الأندية العامة والمجتمعات الخاصة أم في المخادع والمقاصير .
وراحت شتى الإشاعات تنسج حول مقدرته الروحية العجيبة شتى الأقاويل المدهشة والمثيرة . وقد كان للحكومة المحلية والسلطات التنفيذية نصيب كبير في التحقيق والتدقيق حول كل ما له علاقة بالدكتور داهش كما يعلم الجميع. فهنالك فئة كبيرة من الناس تطعن بالدكتور داهش طعناً ذريعاً .
كما إنه توجد فرقة أخرى تناصرة وتؤازره وتدحض ما تزعمه تلك الفئة ببراهين ثابتة دامغة . ثم توجد نخبة خاصة من أرقي طبقة في البلاد كأشهر الأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء والمحامين والتجار والوجهاء قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، وهم يعدونه ( نبي عصره ) بعد ان انشقوا عن الكنائس التي كانوا ينتمون اليها .
وهؤلاء يسمون أنفسهم ( المؤمنين ) ، وهم من الأقطاب الداهشيين … يبذلون النفس والنفيس من مال ووقت وعقار ، حتى ويضحون بأرواحهم ، إذا اقتضى الأمر ، في سبيل رفع الحيف عن كل ما له صلة برئيسهم الديني .
وإزاء هذه الحالة ، ولما كان هذا المذهب قد انتشر في الأوساط الاجتماعية ورددته الألسنة والشفاه ، اتصلت بنا تلفونيا وشخصيا جماعات عديدة محترمة راجية منا أن نستزيدها ما نشرناه في العدد الأول من الدنيا ، نتعلمها بما وصل الينا عن المذهب الجديد.
فرأينا أن نوفد مندوباً خاصاً عن جريدتنا إلى أحد الأقطاب الداهشيين ، فعاد الينا بهذا الحديث القيم . وها نحن نذيعه بواسطة جريدتنا ليشبع نهمة كل فضولي متشوق لمعرفة حقائق هذا المذهب وما يتفرع عنه من عقيدة داهشية ، وطقوس دينية ، قال :
تقدمت وصافحت القطب الداهشي فبادلني التحية بمثلها وسرعان ما أفهمته الغاية من زيارتي ، فرحب بي ، وقال :
– سل ما تريد وأنا على استعداد لإعطائك الجواب على كل سؤال توجهه الي .
المندوب – ما هو المذهب الداهشي الذي تعتنقه مع فئة كبيرة من
أرقى شخصيات البلاد ؟ وهل هو مخالف للتوراة والانجيل والقرآن وسائر الكتب المنزلة ؟
الجواب – المذهب الداهشي هو خلاصة ما أنزل على الأنبياء والمرسلين، لأنه يحترم كافة العقائد الدينية التي أوحى بها الله على أيدي رسله الأمناء … ولكنه لا يعترف ببعض الطقوس الدينية المسيحية كعبادة الصور الدينية ، والاحتفاظ بالأيقونات ، والمتاجرة بها ، وبالغفرانات ، والقيام بأثناء الصلوات العامة في الكنائس بالتبخير امام الهيكل ، والتمتمة والتعزيم ، ثم لا يسلم مطلقا بما يسمونه (سر الاعتراف المقدس ) . وهو يقول إن جميع ما ذكر هي بدع ابتكرها رجال الدين لمارب ذاتية ، وغایات دنیوية ، إذ لم يوص السيد المسيح والفنون ، هكذا الحروف الرمزية والرموز المقدسة والنجمة المخمسة وسواها من الاشارات تتألف منها أسرار الداهشية العجيبة ، وعليها أو رسله بوجوب السير على خطة كهذه.
فالداهشية إذن رسالة إلهية تهتم بلباب الدين لا بقشوره ، فهي تحترم جميع الأديان المنزلة وتريد من الذي ينتمي اليها أن يطبق الأقوال السماوية عمليا لا نظريَّاً . وهي تكره السخافة والعرض ، وتتمسك بالحقيقة والجوهر . فمن صفت روحه فكراً وقولاً وفعلاً كان داهشيَّا .
س: لقد قرأت نعوة المرحومة ماجدا حداد ، فاذا بنجمة مخمسة قد كتبت في داخلها حروف أبجدية . فماذا تعني هذه الحروف ؟
ج : ليست الحروف الستة التي شاهدتموها تعني غوامض . كما وقع في هذا الخطا بعض الصحف التي تسرعت وتوهمت وذكرت مثل هذا الزعم . ولكن هذه الحروف وسواها تحمل في طياتها جملاً رائعة المعنى ، بعيدة المرمی ، سامية الأهداف . وعليها يرتكز أساس الدين الداهشي الذي أصبحنا نعتنقه بفخر عظیم… وهنا أعطيك مثلا بسيطة على هذا :
ففي القرآن الكريم تجد كلمة ( بسملة ) وهي مختصر جملة بسم الله الرحمن الرحيم، وهناك كلمة صلعم مختصر وصلى الله عليه وسلم . وهكذا ( الحوقلة والحمدلة وكهيعص ) وغيرها كثير من الاصطلاحات التي اتفق عليها كبار أئمة الدين.
وكما إن الحروف الأبجدية – على قلتها – تتألف منها الكلمات والعبارات والسطور والفقرات والصفحات والملازم والكراريس والكتب والموسوعات ودائرات المعارف ومعاجم اللغات والعلوم والفنون ، هكذا الحروف الرمزية والرموز المقدسة والنجمة المخمَّسة وسواها من الإشارات تتألف منها أسرار الداهشية العجيبة ، وعليها ترتكز آیات الظاهرات الروحية ومدهشات العجائب الغريبة …
إذن ، فالحروف الستة المدونة ضمن النجمة المخمسة لها غاية دينية مقدسة، وهي إذا جمعت بطريقة خاصة يعرفها الأخ الداهشي تؤلف جملاً دينية كبيرة ذات مغزى بعيد . وعلى هذا التفسير المقدس ترتكز عقيدتنا الثابتة الحقة .
ولكل رسالة إلهية إشارات ورموز خاصة يختلف بعضها عن البعض الآخر . فشعار رسالة النبي سليمان مثلا هو ( النجمة المسدسة ) التي لا يزال اليهود يحتفظون بها، وهي مرسومة على أبواب مجامعهم وكنائسهم حتى اليوم . أما شعار رسالة السيد المسيح فهو النجمة المخمسة التي هي شعار رسالتنا الداهشية اليوم .
س : هل الدكتور داهش أُمِّي كما بلغنا أم تعلم في مدارس عالية ؟
ج : من يجرأ على رفع عقيرته بأن الدكتور داهش أمي فليتفضل للنزول إلى حلبة السباق الأدبي معه لنرى من سیکبو جواده ومن الفائز … أما التخرصات المغرضة فإننا نحتقرها ولا نريد أن نخوض هذا البحث مع من أشاعوها ….
فالمؤلفات المطبوعة التي تحمل اسم رئيسنا الديني هي خير رد على أمثال هؤلاء الموتورین . وتوجد من بنات أفكاره عشرات من الكتب الثمينة التي ستطبع في أوقاتها المناسبة . وبعضها تحت الطبع.
امَّا انهُ «هل درس في معاهد راقية ، فإني أجيبك : كلا . انهُ لم يمكث في المدرسة سوى ثلاثة شهور وذلك بميتم غزير .
واذا سألتني : إذن كيف تفسر تآليفه العديدة ؟ وكيف قيض له أن يضعها وهو كما وصفت ؟
فأجيبك : لأنه ملهم وصاحب رسالة سماوية ، ولو سلمنا جدلا مع القائلين بأنه أمي ، فله الفخر الأعظم بذلك . وتكون اذ ذاك معجزة حقا. باستطاعته نشر مؤلفاته الكثيرة الغزيرة وهو ( أمي ) كما يزعمون. واذا ظلّ هؤلاء الموتورون مصرين على إعلانهم عن أميّته كيداً وعناداً ، فإننا نقول لهم جهاراً :
كفاه فخرا بأن رسول الأمة المحمدية كان أيضا أميًّا ويتيماً، أوليس ذلك من الفخر والمجد بمكان عظيم ؟!
س : لماذا انتحرت الآنسة ماجدا حداد ؟
ج : إن ماجدا حداد هي الشهيدة الأولى في هذه الرسالة الداهشية . لأنه بعدما اضطهدت الحكومة الدكتور داهش لأسباب عائلية شخصية ، وكانت العائلة المسببة لما أصاب الدكتور هي عائلة الحداد نفسها صممت ماجدا على اغتيال من تتمكن من اغتيالهم انتقاما، لما أصاب رئيسها الديني على أيديهم من سجن وتجريد ، ونفي وتشريد.
ولكن رسالة خاصة وصلتها من الدكتور من حلب يقول لها فيها أن لا تقدم قط على أي عمل إرهابي ثأري ، وإلا فانَّه مضطر لأن يرفضها من بين أتباعه ، ويخرجها من الرسالة الداهشية . فكبر عليها الأمر ، وانصاعت لوصيَّتهِ مرغمة .
ولما طال عليها الوقت انتحرت احتجاجا على الحيف العظيم الذي وقع عليه ، ولكي توصل صوتها الى من اضطهد الدكتور ، بعد أن فشلت جميع المساعي المبذولة في هذا السبيل ، فذهبت ضحية طاهرة إلى الملا العلوي .
وهكذا سجلت هذه الشهيدة الداهشية الأولى بدمها الزكي الطاهر.
ان الاضطهاد والنفي والتعذيب والارهاب جميعها لا تستطيع قتل الفكرة التي اختمرت في الرؤوس ونزع الإيمان الصحيح الذي زرع في القلوب والنفوس ، ولقد ظنت الحكومة أنها بإبعادها للدكتور داهش تستطيع أن تحمل الأنصار والمریدین والمؤمنين لأن يتفرقوا عنه . فكان أن ازدادت الأواصر متانة ، ورسخ الإيمان الوطيد الى درجة بذل الروح رخيصة في حقل الايمان الغالي ، والهدف الروحي العالي . وهكذا جرت الرياح بغير ما كانت تشتهيه سفنهم لقد ظنوا أنهم سيخنقون الرسالة وهي ما تزال جنيناً في المهد . فكان لها بإذن الله الرسوخ والازدهار ثم الانتشار.
س : من الذي قام بمراسيم دفن شهیدتكم الأولى ؟
ج : لقد قام بمراسيم الدفن كل من الدكتور خبصا ويوسف الحاج وسواهما ، لأن المذهب الداهشي يسمح لأي أخ داهشي أن يتلو قطعة روحية ملائمة للموضوع المراد القيام به ، دون حاجة الى سيامة أو تعيين فئة معينة كالقسس عند بعض الطوائف المسيحية مثلا ، لأن الداهشيين جميعهم إخوة وكهنة لله العلي ، وتلك القطع التي تُقْرأ جميعها في مثل هذه المراسيم هي من وضع الدكتور داهش وإلهامه وتشريعه .
س : هل لك أن تشرح لي كيف تتم مراسيم الدفن في الديانةالداهشية ؟
ج : توضع الجثة في النعش . وتؤخذ الى المقبرة حيث يتلو أحد الاخوة عدة قطع روحية لرئيسنا الديني ، مما يجب قراءته في حالة الموت والدفن . وبعد الانتهاء من قراءة القطع ومن وضع الجثمان في الجدث ، يرسم الرمز المقدس كما هو في ورقة النعوة ، ثم يحرق وينثر رماده في الهواء .
وهناك قطع أخرى لمراسيم الزواج والعماد والعبادة وسواها ، وكلها مما كتبه رئيسنا الديني في أوقات مختلفة .
وأذكر أن ديانتنا تحارب كل رياء وتدجيل وكذب وتضليل . وما تلك الطقوس التي تمارسها بعض الطوائف المسيحية أثناء الدفن مثلاً کإبراز أكاليل الزهر ، وبسط الرحمة ، واستعراض صفوف اليتامی المساكين ، وقرع الأجراس والصلوات بأصوات عالية في الشوارع بلغات غريبة عجيبة ، وإنارة الكنائس ، وعزف الموسيقى هذه الطقوس وملحقاتها ليست سوى تدجيل على الأموات والأحياء معاً . وما هي إلا وسائل لكسب المال ووضع الفوارق بين المؤمنين كل حسب ما يملكه من دراهم وعقارات.
فرسالتنا تسخر بهذه البهارج المضحكة المؤلمة وتحتقر هذه المظاهر الشاذة التي هي الشعوذة بعينها .
س : ما هي كتبكم الدينية المعول عليها ؟
ج : أولها كتاب ( الهادي ) المنزل . وهو مجموعة عظيمة من الآيات المنزلة في مناسبات مختلفة تحمل اسم المكان الذي هبط فيه الوحي مع تاريخ اليوم والساعة والدقيقة . فهذا الكتاب الثمين هو وحي السماء لأبناء الأرض ليهديهم سواء السبيل . ويشتمل على آیات بینات تحتوي على نبوءات تمت ، ونبوءات ستتم في الأوقات المحددة لها ، مثلما هو مدون في تضاعيف سطورها .
س : هل يمكننا الاطلاع على هذا الكتاب ؟
ج : إنه محفوظ الآن في مكان أمين جدا في مدينة القدس مهبط الوحي والأنبياء والرسل .
س : فهمت منك أن الدكتور داهش منع ماجدا حداد من الانتقام له ممن سببوا له محنته الهائلة ، فهل القتل والاغتيال ممنوعان عندكم ؟
ج: إن الدكتور داهش منع ماجدا من اغتيال بشاره، وإلا فكن على ثقة تامة بأنه كان قد قتل كل من كان له نصيب في الاعتداء على رئيسنا الديني، لأننا نبذل أرواحنا رخيصة في سبيله، وفي سبيل المبدأ السامي الذي ينشده. ولكن الموت عندنا رخيص. وفي انتحار ماجدا
اكبر دليل على اننا لا نقيم للحياة وزنا، ولا تعيرها أي اهتمام . فالموت كما قال رئيسنا الحبيب (يقظ فتانة يحن إليها كل من صفت نفسه وسمت روحة).
ولكننا مرغمون على التمسك بنصوص التعاليم الدينية لمذهبنا المقدس. ولكن هذا لا يمنع أن تحدث بعض الأمور المثيرة التي لا يستطيع المرء معها أن يمتلك ثورة أعصابه ، فيحصل ما لا تحمد عقباه . وهنا أعطيك شواهد ببراهينها المادية الدامغة :
فالمسيحية تمنع القتل أيضا . ولكن كم وكم من حوادث الاغتيال والقتل تحدث كل دقيقة في جميع أنحاء العالم المسيحي ، ومن المسيحيين أنفسهم ؟ وهكذا قل عن المسلمين الذين تمنعهم عقيدتهم الدينية من ارتكاب هذا الأمر المخالف لشريعتهم . وهكذا ( الموسوية ) نفسها : أما قيل في رأس الوصايا العشر ( لا تقتل ) ؟ فكم من أعمال إرهابية وحوادث قتل يجري يوما بين أفراد الطائفة اليهودية ؟
إذن حوادث كهذه لا يستطيع المرء أن يتمسك فيها بالنصوص الدينية قلباً وقالباً ، فللأيام والأحوال الكلمة الأخيرة
س : من أين يعيش الدكتور داهش ؟
ج : يعيش من ريع كتبه ومؤلفاته ، فضلا عن أن أموالنا هي أمواله ، وكل ما نملكه ملك حلال له.
س : کم عمر مؤسس ديانتكم ؟
ج : هو اليوم في الثالثة والثلاثين من عمره .
س : ما هي العجائب التي شاهدتموها حتى اعتنقتم مذهبه ؟
ج : إن المعجزات التي شاهدتها بأم العين مع عشرات من الحضور كثيرة :
منها حضوري لجلسة روحية عقدها الدكتور داهش ، وفي أثنائها طلبت منه أن يحضر لي أشياء ثمينة تخصني ، وبلحظة وجدتها بين يدي . وهناك كتاب خاص مکتوب بخط يد الدكتور خبصا ، وكان قد أضاعه في باريس منذ اثني عشر عاما ، أحضر له بجلسة روحية ولا يزال في مكتبه إلى الآن . وقلم حبر ثمین ودبوس نفیس يخصان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في رأس المتن ، وقد استحضر له في جلسة روحية امام عشرات المشاهدين ؛ وكذلك مبلغ من المال مسروق للدكتور توفيق رزق الجراح المعروف . وفي جلسة خاصة استحضر للدكتور شاهين صليبي شجرة ليمون كاملة بورقها وجذورها، بينما كانت الغرفة مقفلة . وكذلك حول الماء الى خمر أمام المحامي الاستاذ إدوار نون وعائلته ، وأمام كثيرين.
ثم – وهنا بيت القصيد – التعاليم الروحية السامية . فما الظاهرات الروحية التي كلمتك عنها إلا وسيلة للإقناع والاقتناع فقط بوجود الروح وخلودها . أما الدين فيرتكز على التعاليم وليس على الأعاجيب والمعجزات . وهكذا تجد أنها واسطة وليست غاية .
س : إذن لماذا يكره رجال الدين الدكتور داهش بعد اطلاعهم على تعاليمه السامية ، ومعرفتهم بالهدف الروحي العلوي الذي ينشده؟ وما هي أسباب اضطهادهم ایاه ؟
ج : أتريدهم أن يقلدوه وسام الاستحقاق يا أخي !؟.. وهو قد أتى الى هذا العالم كي يدك معاقلهم الحصينة وينتزع منهم ما يظنُّونه حقوقاً قد اكتسبوها منذ ألفين من الأعوام ؟
وهل تريد أن يباركوه ، وهم يرونه يتولی مراسيم الدفن والعماد والقيام بالوعظ الديني في كل أسبوع مرتين عندما كنا نعقد جلساتنا الروحية.
نعم ، نحن لا نستغرب لعنهم إياه بالرغم من وصية السيد المسيح لهم إذ أوصاهم قائلا : « باركوا ولا تلعنوا » ! .
ولكنهم بشر . وللبشر حدود لا يستطيعون أن يتجاوزوها ، فأمرهم مع الدكتور داهش عظيم ، إذ بلغ بهم السيل الزُّبی ، ولم يعد في قوس اصطبارهم منزع .
ثم … ألم يضطهدوا الرسل والأنبياء والمصلحين في جميع الأدوار التي مرت علی تاریخ عالمنا المملوء بالإثم والفساد . وإنني أدلي برأيي قائلا لك : لقد أخطأ رجال الدين باضطهادهم للدكتور داهش ، وسجلوا على أنفسهم أتعاب ما كان أغناهم عنها . فقد سبق للكنيسة الكاثوليكية أن اضطهدت المصلح لوثير ، فما كان منه إلا أن انشق عن كنيستهم ، ثم كان ما يسمونه المذهب البروتستانتي الذي ذاع وشاع ، وملأ الأبصار والأسماع . فلو تركوا الدكتور داهش وشأنه لما انتشر مذهبه ولا امتدَّت شرارته بهذه السرعة الغريبة ، ولما تردد اسمه على كل شفةٍ ولسان . ويحضرني بهذه المناسبة قول القائل :
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ. طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتْ. ما كان يعرف طيب عَرْف العود
و ها هي قافلة الدكتور داهش سائرة . فلينشر رجال الدين ، وليختلقوا وليروجوا من الإشاعات ما شاؤوا حتى يوم يبعثون ، لأنها لن تجديهم نفعا ، ولن تعود عليهم إلا بالوبال الفاك.
س : لماذا لم تضعوا إطارة أسود على ورقة النعي لشهيدتكم الأولى ؟
ج : هذه عادات قديمة وتقاليد بالية . فنحن نعتقد أن من يسير على التعاليم السامية وينفذها بحذافيرها ، سيذهب الى فرادیس الخلد عند رحيله من دنيا الأرض الفاسدة . فلماذا نتوج الورقة بالسواد ، أن الأحرى بنا أن ندعها ناصعة البياض ؟ فإننا نعتقد الاعتقاد الجازم بأن شهیدتنا قد أصبحت ترتع في بحبوحة من السعادة الإلهية في جنَّاته الفتَّانة الخالدة .
س : ما هي تنبؤات الدكتور داهش التي تمت ؟
ج : هي عديدة لا تقع تحت حصر :
منها تلك النبوءة المشهورة يوم ألقي القبض على الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية . فقد طلبت زوجته (لور ) من شقيقتها السيدة ماري حداد ، والدة الشهيدة ، أن تتوسط لها مع الدكتور داهش كي ينبئها عن مصير زوجها بعد اعتقاله في راشَّيا . فكتب إليها الدكتور على ورقة لا تزال في خزانتها إنه سيعود إلى الحكم معززاً مكرمَّاً . وحدد لها اليوم والساعة التي سيعود فيها إلى منزله بين آله وذويه . وهذا ما تم بالحرف الواحد .
ثم نبوءته عندما بدأت الحكومة السابقة باضطهاده ، إذ أعلن أن من سيوقِّع على مرسوم إبعاده ستكسر يده من العنق . وقد حققت الأيام نبوءته هذه أيضا. ومن يشك ، فليرجع إلى جريدة « الصحافي التائه » ، فقد كتب صاحبها هذه النبوءة في العدد ۳۷ بتاریخ ۲۰ شباط من العام الفائت ١٩٤٤ . فليراجعه من يريد الحقيقة .
س : أين هو الدكتور داهش الآن ؟
ج : لا أستطيع أن أعلمك عن مقره لأنني أجهله . ولكنني سمعت بأن أشخاصا عديدين قد شاهدوه في محلات عديدة في نفس بیروت ، كما أن آخرين يؤكدون أنهم قد اجتمعوا به في دمشق ، وغيرهم في حلب ، وسواهم في بغداد أو البصرة ، وسواهم في كربلاء . ولا عجب ، لأن للدكتور شخصیات متعددة تستطيع الظهور في عدة أماكن في وقت واحد . وهي أمور أصبحنا نعرف أسبابها ومسبباتها .
المذهب الداهشي في لبــــنان
بتاریخ ۱۱ شباط ١٩٤٥، صدرت مجلة “الأحد” الدمشقية وهي تحمل هذا المقال :
انتحرت الآنسة ماجدا حداد عن عمر ناهز ال ۲۸ سنة في بيروت وجرى الاحتفال بدفنها على الطريقة الداهشية . هذا ما ذكرته صحف
بیروت آنئذٍ. وقد راجت اشاعات كثيرة عن الدكتور، وعن التدقيق حول كل ما له علاقة بالدكتور داهش . ولا يستغرب القاري حين يعلم أن نخبة من أرقى الطبقات في لبنان ، من أدباء وشعراء ومحامين وأطباء وتجار قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش، ويسمون أنفسهم ( بالداهشين ) . وهم يبذلون كل مجهوداتهم لرفع الحيف عن كل ما له صلة ( برئيسهم الديني ) ، ولو بالانتحار .
ويقول أحد أتباع الدكتور داهش إن مذهبهم لا يعترف بالطقوس الدينية الرائجة أو البدع التي يبتكرها رجال الدين لمآرب شخصية والطريف في الأمر أن الدكتور داهش له مؤلفات تحمل اسمه مع أنه لم يمكث في المدرسة سوى شهور لم تتعد الثلاثة. وقد استطاع تألیف کتبه بواسطة الوحي والإلهام . وكانت ماجدا حداد أول شهيدة إذ انتحرت من أجله ، وبسبب اضطهاد الحكومة له، رغم أنها تلقت رسالة منه بعدم الإقدام على أي عمل انتقام لأجله . وعند دفنها قرأوا على قبرها قطعة روحية ملائمة لموضوع الموت ، من تأليف الدكتور داهش ، وهي من مختارات کتاب ( الهادي ) المنزل، الذي يحوي كثير من النبوءات التي تمت ، والتي ستتم . وذكر أحد مريديه أن الموت رخيص جدا ، وفي انتحار الآنسة ماجدا حداد دليل على ذلك ، ويعيش الدكتور داهش من ريع كتبه ، وهو شاب في الثالثة والثلاثين فقط . ومن معجزاته التي يرويها أحد أتباعه أنه استطاع أن يحضر كتابا أضاعه الدكتور خبصا في باريس منذ اثنتي عشر سنة . ثم أحضر قلم حبر ودبوساً نفيساً يخصان المستر أوليڤر رئیس مدرسة الفرندس في لبنان أمام عشرات الأشخاص . وقد استحضر شجرة ليمون بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . كما حول الماء الى خمر أمام العشرات وبأوقات مختلفة . أما أهم تنبؤاته فهي تلك النبوءة المشهورة :
ألقي القبض على رئيس الجمهورية اللبناني ، فطلبت عقيلته أن ينبئها الدكتور داهش عن زوجها بعد اعتقاله . فكتب لها ورقة لا تزال في صندوقها دُوِّن فيها أن زوجها سيعود معززاً مكرماً . وحدد لها ، في تلك الورقة ، اليوم والساعة التي سيعود فيها إلى منزله . ولا يعرف أحد، في الوقت الحاضر وساعة كتابة ما تقدم ، مقر الدكتور داهش . ويقول بعض الأشخاص إنهم شاهدوه في محلات عديدة في نفس بیروت ، مع أن الحكومة أخرجته منها ، كما يؤكد آخرون أنهم اجتمعوا به في دمشق ، وآخرون في حلب …ولا عجب في ذلك لأن للدكتور داهش شخصیات متعددة تستطيع الظهور في كل مكان وزمان بوقت واحد.
الموت على طريقـــــة داهش
وهذا ما نشرته جريدة “المستقبل” الصادرة في طرابلس ، العدد .۳۰٠
بتاریخ ۱۲ شباط ١٩٤٥
تلقينا نبأ خاصاً بوفاة الصبية ماجدا ، كريمة الوجيه السيد جورج ابراهيم الحداد وعقيلته السيدة ماري كريمة المرحوم انطوان بك شيحا من أعيان بيروت . والفقيدة من أتباع الدكتور داهش . فماتت عن عقيدة داهشية ودفنت في جونيه على الطريقة الداهشية أيضا . وموت فتاة في ريعان الصبا تربت في بيت وجاهة وعلم يعد خسارة وفاجعة على الأهل . ولكن السيد حداد وعقيلته وأفراد الأسرة استقبلوا موت فقيدتهم بصبر مدهش يحسدون عليه : فلا بكاء ولا نحيب ، وأذاعوا نبأ وفاتها بأسلوب خاص لا نعي فيه ولا أية ظاهرة أسف، لاعتقادهم أنها حية بالروح حسب الدستور الداهشي ، وتوجوا نشرات النبي بآيات داهشية جاء فيها: «أنا ظل سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى ، والموت يقظة فتانة يحن اليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ، ويخافها من كثفت أفكاره وكثرت أوزاره ) .
فهنيئاً لوالدين يرون في مثل هذا المصاب العزاء والسلوى عن اقتناع وعقيدة . فلهما البقاء وللراحلة الخلود .
تنتحر من أجل داهش
وهذا ما نشرته جريدةة” المقطم ” المصرية تاریخ ۱۲ فبراير شباط ١٩٤٥
أقام في لبنان مدة رجل يدعی داهش تجنس بالجنسية اللبنانية وأخذ يجترح الخوارق ، حتى ظنوه رسولاً من السماء يأتي بالمعجزات .
وقد أخذت بهذا الاعتقاد برسالته بيوت عديدة فآمنت به واتبعت تعاليمه التي أخذ ينشرها في كتب ورسالات ، معلناً أنه جاء ليكمل رسالة المسيح ويدعو المؤمنين الى السير على تعاليمه سيراً صحيحاً غير مزيف.
ولما رأت الحكومة أن هذا الرجل أصبح ذا نفوذ عند عددٍ كبير من المثقفين ، إذ ذاك أصدر بشارة الخوري مرسوماً بتجريده من جنسيته اللبنانية.
شهيدة مبدأ داهش
واغتم أنصاره لإبعاده ، وحاولوا رفع أمر الإبعاد عنه ، فلم يفلحوا . وأخيراً وقع حادث انتحرت فيه فتاة من المؤمنين بمبدأ داهش . هذه هي الفتاة ماجدا کريمة السيد جورج ابراهیم حداد الذي كان قنصل لرومانيا لوقت خلا .
وتفصيل حكاية إنتحار هذه الفتاة أنها ، وأهل بيتها جميعا ، كانوا يؤمنون برسالة داهش . وتقول مع أهلها إنه أُرسل ليهدي الناس إلى تعاليم المسيح الحقيقية .
ولما يئست من أمر إرجاعه الى لبنان بعد توسلات متعددة توسلتها مع أهل بيتها عند الحكام ، دخلت الى حجرتها منذ بضعة أيام ، وانتحرت بإطلاق الرصاص على نفسها.
ولما جاء المحققون وفتحوا غرفتها ووجدوها مائتة بطلق ناري على صدغها الأيمن ، عملوا تحقيق تبين منه أن ليس في الأمر جناية وأن الفتاة جنت على نفسها .
ولما كان والد الفتاة من المؤمنين بداهش، رفض قبول التعازي واعتبر ابنته شهيدة ومنع الكهنة من الصلاة عليها ، ونقلها مع تلامذة داهش الى مدفن في جونيه . وهناك صلی عليها هؤلاء التلاميذ.
وقد كتب على نعشها الرمز الداهشي وله معاني تتصل بمذهب داهش، وتدل على تمسك آل حداد بهذا المذهب.
وقد كان لهذا الحادث أبعد صدى في لبنان .
حدیث مع والدة الفتاة ماجدا حداد
الام تقول : إنتحار ابنتي فعل إیمان
هل لداهش صلة بالنبي اليشع
ونشرت جريدة الدنيا البيروتية بتاريخ ١٦ شباط ١٩٤٥ مایلي :
السيدة ماري حداد أديبة ورسامة . ومؤلفاتها الإفرنسية ورسومها الزيتية معروفة ، ومنزلها في بيروت عبارة عن تحف أثرية مختلفة ومجموعة نفيسة من صورها النادرة.
ومنذ عامين ونيف اعتنقت مع زوجها وأسرتها المذهب الداهشي، بعد أن شهدت من الظاهرات الروحية والخوارق الداهشية ما دفعها الى تألیف کتاب فرنسي فريد في بابه وفي أسلوبه دعته : ( كيف عرفت الدكتور داهش ) أو ( وثائق تتكلم ! …)
وعلى أثر الفاجعة التي أصابتها بفقد کریمتها ( ماجدا ) عادت الى تدوین مذكراتها في خلواتها.
والی قراء ( الدنيا ) ترجمة مقالتها الفرنسية.
قالت : أجمعت آراء المفكرين من الناس أن في الحياة اسرار عظيمة ومفاجآت كثيرة . غير أن تلك الأمور الغريبة تعد لا شيء إزاء العجائب الحقيقية التي شهدناها بالامس ، ونشاهدها اليوم وغدا وإلى ما شاء الله
س : من هو الدكتور داهش ؟
ج : هو رجل يحيا بروح عجيبة فائقة حد البشر . فلندرسه. إنه في حياته المثل الطاهر للمبادئ الإنجيلية .
إن الأشخاص الأكثر ثقافة ينحنون أمام مؤلفاته العبقرية التي تتجاوز التسعين مؤلفاً ، والتي هي مفخرة اللغة العربية بشهادة من طالعوها في عجائبه ؟
هنا أتكلم کشاهدة عيان عن شفاء أمراض متنوعة . جراح دامية تلتئم بلحظة خاطفة بلمسة روحية . نقل أشياء بسرعة الفكر من بلاد الى بلاد . أوراق محروقة منذ سنوات لي ولسواي عادت بواسطة الدكتور داهش وهي لا تزال عندي . يأمر عناصر الطبيعة بجلسة روحية فتطيعه :
أنزل صاعقة بأمر منه ، والشتاء أطاعه ، وكذلك الهواء حول الماء إلى خمر أمام أفراد وجماعات . وكل ذلك شاهدته بأم عيني ولمسته بيدي وسمعته بأذني . أما مذهبه فهو الإخاء ، المحبة ، العدل ، طهارة القلب وطهارة الحياة.
اما عائلة الدكتور داهش فأصلها من (أدِن) الواقعة في بلاد ما بين النهرين واسم العائلة الأصلي (أليشي) نسبة إلى النبي (اليشع) الذي ظهر في عهد (ايليا) النبي . فحرفت كلمة (أليشي) في بلادنا مع الايام الى (العشي) ودُعي (سليم موسى العشي)، ثم الدكتور داهش .
وعاش والده بكل بساطة ووداعة مع عائلته ، وتوفي في لبنان .
وولده الوحيد ( الدكتور داهش ) في الحادية عشرة من عمره . ونشأ مع والدته وشقيقاته في حي المصيطبة . ومنذ ولادته رافقته العجائب.
منذ عامين سمعنا عن الدكتور داهش من أحد أصدقائنا ، والامور التي أخبرنا عنها ادهشتنا جداً .
فقلنا في أنفسنا : أترى صديقنا يخترع ما يقول ؟
ظننا ذلك لأن الذي رواه يكاد لا يصدق …..
ولكننا أحببنا أن ندرس المسألة بأنفسنا…….
وحدث أننا كنا ذات يوم في مستشفى الدكتور رزق ، فأحببنا أن نزور الدكتور داهش في منزله القريب من المستشفى . نظرنا اليه ، فاذا هيئته ليس فيها شيء غير اعتيادي ، ولكن الملاحظ الدقيق تستوقفه نظراته العميقة.
أما كلمات احاديثه القليلة فتدفعك الى الانتباه ……هي بسيطة ، صافية ، ولا تنطق إلا بالحقيقة .
* * *
ويوم زرناه كان عنده الدكتور جورج خبصا، طبيب الأمراض الجلدية ، فطرحت عليه بعض الأسئلة ، فأراح أفكاري بحجَّته المتينة وذكائه . وأصبحت أعتبر كل شيء عن الدكتور داهش صحیح لأن للدكتور خبصا نظرات صائبة ، وهو شاهد عيان ، وملاحظ نقاد….
وجميع ما سمعناه بعد تلك الزيارة يستدعي فضولية المفکرین . طلبنا أن نحضر جلسة روحية فوعدنا بذلك.
فبواسطة الدكتور داهش کنَّا باتصال مع عوالم غير عالمنا الأرضي والأرواح التي تحتل جسمه تعطينا براهین دامغة عن حقيقتها لقيامها بمعجزات لا يستطيع الفكر البشري تحليلها وتعليلها . مثلا :
جعل الشيء الواحد اثنين كالكتب والمزهريات والمرايا وغيرها ، وبقاؤها لدينا . كذلك تكثير الخبز والفاكهة ، ونقل أشياء تخصنا ونعرفها جيدا من مكان إلى مكان بسرعة غريبة … كل شخص منّا مؤلف من سیالاتٍ مختلفة . البعض منها علوي ، والبعض الآخر سفلي . ومن هنا اجتماع الرفيع والدنيء في الجسم الواحد ان الاكتشافات المعطاة بالجلسات الروحية أفهمتنا حقيقة أصلنا وذكرتنا بما قاله الشاعر فكتور هيجو : « الإنسان إله ساقط يتذكر السماوات )
وماذا نقول عن الأرض ؟
إن أرضنا جزء من الكل ، من هذه اللانهاية . وهي ليست منفصلة عن ذلك الكل . وقالبها الذي نعرفه نشأ منذ ملايين من السنين . وتمت لها أدوار عديدة منذ تكوينها. وما دور آدم إلا أحد تلك الأدوار المتعاقبة . وللحياة الروحانية أشكال لا تعد ولا تحصى . وهناك ( التقمص ) ، فهو حقيقة راهنة، وهي تعمل على هذه الأرض كما في غيرها من العوالم . وهي تسمى حسب اصطلاحنا درجات سماوية أو درکات جهنمية.
وقد جاء في الكتاب المقدس : « عند ابي منازل كثيرة » . ومن شاء فليراجع الفصل الحادي عشر من إنجيل متى حيث يقول : « الآن جميع الأنبياء والناموس تنبأوا إلى يوحنا . وإن أردتم أن تقبلوا فهو ایلیا المزمع أن يأتي ». وكذلك في الفصل السابع عشر من الإنجيل نفسه ما يثبت لنا التقمص ايضا حيث يقول :
« وسأله التلاميذ ان ایلیا ينبغي أن يأتي أولا … فأجابهم : إن ایلیا قد جاء ولكنهم لم يعرفوه ، بل صنعوا به ما ارادوا .. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان » .
إن الحياة على هذه الأرض هي دور تجربة ، وجميع الأديان متفقة على ذلك . لقد جئنا مرارة الى هذه الحياة ونحن موجودون منذ الأزل.
كيف نفسر التقمص بشريا ؟
إن الروح تشبه مجرى الكهرباء، فالنور هو الروح . والمصباح الذي ينكسر ويستبدل هو الجسد، ولو لم يكن هناك تقمص ، فكيف نستطيع أن نفسر العدل الإلهي ؟
الانتحار عمل إیمان
س : ماذا تقولون عن الانتحار بصورة اجمالية ؟
ج : لا شك أن الانتحار ممنوع
اما بخصوص ابنتي فان موتها هو « فعل إیمان »، وإحتجاج صارخ على الظلم البشري. فالانتحارات إذن متنوعة لا يشبه بعضها بعضا . لقد ماتت ابنتي زاهدة بأعراض الأرض الفانية الغير الأبدية . لهذا السبب وضعنا لها هذه العبارة السامية من كلمات مؤسس المذهب الداهشي : «انا ظل سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشی . والموت يقظة فتانة يحن إليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ويخافها من كثفت افكاره وكثرت اوزاره » ! .
وما كادت ابنتي تتوفی حتى بدأ الناس يتكلمون عن قيامتها باستهزاء أو غير استهزاء حسب معرفتهم بالدكتور داهش أو جهلهم له . ولكننا
نحن الداهشيين نعتبر ( القيامة ) كمسألة بسيطة عندنا . لأن الحوادث لا تتم لكل إنسان إلا في أوقاتها المعينة منذ الأزل . ونحن نستند بذلك
على النبوءات التي عرفناها وتمت في حينها تماما. فيوم توقيف الدكتور داهش، مثلا ، كنا عالمين في جلسة روحية سابقة بما سيتم . وهناك شهود على كلامنا هذا. ومن يريد أسماء أولئك الشهود تعطى له
ماري حداد
کلمـــة “أخبار اليوم”
وهذا مانشرته جريدة “أخبار اليوم ” المصرية في عددها المؤرخ في ١٧ فبراير (شباط) ١٩٤٥
انتحرت الآنسة ماجدا حداد . وقد أحدث انتحارها ضجة كبيرة في بیروت ، لأن الأمر يتعلق بداهش بك المشهور….والآنسة ماجدا من أرقى العائلات المعروفة في المدينة . خالتها عقيلة رئيس الجمهورية ، ووالدها قنصل رومانيا سابقا. اما داهش هذا فقد توصل أن يستهوي الكثيرين من الوسط الراقي وهم يسمونه ( المعلم ) ! ويعتقدون أن له رسالة لم تظهر بعد ، مما دعا الحكومة إلى إبعادهِ بعد أن تفاقم أمره . وقد أثيرت قضيته في المجلس النيابي .
ويحلو لأتباع داهش بك أن يقولوا أنّ للمعلم معجزات : فمرض رئيس الجمهورية ، واستقالة الوزارة السابقة ، ووفاة سليم تقلا ومرض وزيرين في الوزارة الجديدة .. كلها من معجزاته.
إيضاح
بقلم زينا حداد الداهشيَّة
استطعت أن أجمع المراثي التي كتبها مؤسس الداهشية في شقيقتي الشهيدة ماجدا حداد ، إذ وجدتها بمنزل والدي المرحوم جورج حداد، وعندما طالعتها وجدت أنه من الحرام الحرام أن لا تنشر في كتاب تتداوله الأيدي .
وإني أؤكد أن هذه المراثي لم يكتب أي أديب ما يضاهيها بروعتها . فالحزن سداها ، والشجن لحمتها ، والصدق ناطق في كل كلمة من كلماتها . ومن يطالعها يدخل الى ( مدينة الأحزان ) الموشحة بالأسي والمتشحة بالألم الأخرس العميق .
وإني أعتذر من الدكتور داهش لنشري مراثيه في هذا الكتاب ، إذ طبعته من غير أن أعلمه . وما ذلك إلا خدمة للمكتبة العربية التي هي بأمس الحاجة لكتاب رائع بهذا المقدار، وسيذهَل الأدباء لدى مطالعتهم هذه المراثي البالغة حد الإعجاز في روعتها، إذ إنني لم أقرأ لأي أديب عربي او غربي مراثي بمستواها المأساوي.
كما سيطَّلع القراء على سر المأساة الهائلة التي جعلت هذه الحمامة الوديعة ( ماجدا حداد ) تنتحر یأساً واحتجاجاً على الظلم الرهيب الذي أوقعه بشارة الخوري وزوجته لور بمؤسس عقيدتها الدكتور داهش.
لقد مر خمسة وثلاثون عاما منذ انتحرت ماجدا، وستمضي قرون وأجيال دون أن يُنسى هذا الحادث الذي ستدونه أقلام الداهشيين وغير الداهشيين .
فالظلم الرهيب يبقى سيفا مسلطا على رقاب مرتكبيه ، يلطخ اسمهم ، ويلوث سمعتهم ، ما دامت الأرض أرض والسماء سماء .
ومثلما يلعن جميع أهل الأرض من سبَّبوا مأساة السيد المسيح ، هكذا سيلعنون من أوقعوا هذه النكبة الهائلة بأسرة وادعة اعتنقت عقيدة روحية سامية.
وأخيرة إن الحق هو الظافر المنتصر ، والباطل المرذول هو المخذول المنكسر ، إذ يحيق به الذل والهوان ، ونهايته الى جهنم النار المتقدة ، وبئس المصير .
زینا حداد الداهشية
۱۹۷۹.۱.۲۷
ستحيين دائمـــاً لأجلي
مرفوعة إلى روح ماجدا حداد الخالدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بتاریخ ۲۲ كانون الثاني ١٩٤٥ ، حلمت بأنني أحادث ماجدا حداد ، وإذا بها تقول لي :
(إنهم يجرون لي عملية بقلبي)
فأجبتها – في الحلم طبعا -:(ستموتين ، ستموتين ! ولكنك ستحيين دائما لأجلي)
وفي ۲۷ كانون الثاني ١٩٤٥انتحرت الشهيدة ماجدا . وهذا ما دعاني لأن اكتب القطعة التالية التي وسمتها بإسم : “ستحيين دائمالأجلي”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيتها الروح النقية الرائعة في فرادیس الخلد الدائمة الممتع !
أيتها الفتاة الناصعة في نقائها، الرائعة في طهارتها !
أيتها الزهرة الندية ، ويا ربة الآمال الشذية !
أيتها الضحية الغالية، وربيبة الأخلاق العالية !
أيها الطيف النوراني السابح في بروج الأفلاك النيرة !
أيتها اليمامة التي أصبحت تحوم في العوالم السعيدة !
أيتها الشهمة النادرة الوجود في هذا الوجود؟
أيتها الدرة الغالية واللؤلؤة اليتيمة الدائمة التألق !
أيتها الخالعة ثوب المادة والمرتدية ثوبها الروحاني الخلاَّب!
أيتها الزنبقة الغضَّه العود، الهفهافة البراعم !
أيتها الفكرة المقدسة والرغبة النبيلة !
أيتها المغامرة المجازفة لأجل المبادىء السامية !
أيتها الصديقة الصادقة، ويا شهيدة الوفاء والإخلاص !
أيتها الباذلة روحك في سبيل عقیدتك الجبَّارة !
أيتها المحتقرة لهذه الأرض وما تحمله من زعانف كريهة !
یا من ضاقت بك رحاب الأرض المقفرة ،
فرحبت بك جنات السماء العامرة!
عندما بلغني نبأ مصرعك يا حبيبتي ،
تحطمت روحي وتهشمت نفسي !
آه! وانسحق قلبي وتمزقت شراييني !
وصعقت لهول النبإ المروع!
ثم أظلمت دنياي، والظلام أمام ناظري ،
في أعيش في محيط لانهائي من ليال ليلاء دامسة ،
لا نجم فيها ينير امامي السبيل .
لقد انتهت أيام سروري بانتهاء حياتك الأرضية ،
وانطفأت شعلة رغباتي بعد انطلاقك وانطلاق رغباتك ؛
وبت یا (مثلي الأعلى)،
أضرع إلى الله أن يردَّني اليه، سريعا،
كي أعود فأغمرك بعطفي وحناني .
وإذ ذاك تخلد روحي مع روحك اللطيفة
وتسعد بسعادتها .
حتى انتهاء الآجال والأجيال
نعم نعم ، يا أطهر من عرفتها من نساء الأرض .
أنت ستحيين بالروح دائما لأجلي .
بیروت ، في 3 شباط ١٩٤٥
عُدْ إليَّ سَرِيعاً
مهداة إلى روح مجدا العزيزة
أهكذا انقضت أوقات سعادتنا وتلاشت دقائقها؟
أهذه هي إرادة اللّه أن نخوض في محيط من الأحزان والدموع؟
ويلاه … وهل حقاً مضت إلى غير ما أوبة حتى يوم النشور؟
ربّاه … وهل قُضي عليّ أن لا أعود فأراها حتى تواريني القبور؟
للّه! … لقد كانت لأيام خلت رافلةً بثوب العافية,
تحيطني بعنايتها وتشملني بعين رعايتها.
إِيه أيها المنزل الرَحبُ الفسيح القاعات.
إن غيبة ملكتك أحال نورك ظلاماً, وردَّ بهجتك قُتاماً.
فسواءٌ لديّ اليوم البؤس والشقاء واللوعة والبكاء.
وسيّان عندي أقضيتُ في الغداة أو في العشيّة.
لأن حلمي الذي بُتُّ اليوم أتمنّاهُ وأتوقُ إلى مرآهُ,
هو اجتماعي بمن خلّفتّني وحيداً في صحراء هذه الدنيا التعسة.
إنني أراها في يقظتي ورُقادي,
وأرى شبحها اللطيف ماثلاً دوماً أمامي,
سواء أكان هذا في الليل أم في النهار,
في أوقات الصلاة والعبادة أم في أويقات التأملات الحزينة.
إنني أراها في الماء والهواء والسماء وقبّة الفضاء.
أراها في نور البدر الناعم الأضواء.
أراها في جمال الشَفَقِ البعيد الحالم.
أراها كقطرةِ الطلّ النديّة التي تُتوّجُ الزهرة البهيّة.
أراها من خلال الغيوم التي تكللُ هامة السماء القصيّة.
أراها مُتَلَفِعَةً بالضبابِ السابحِ في فضاء اللانهاية.
أراها من خلال دموعي الحرّى التي تتساقط على وجنتيّ الذابلتين.
أراها من خلال آلامي العميقة وأحزاني السحيقة.
أراها من خلال تأوهاتي التي تمزِّقُ قلبي الكئيب من أجلِ بُعدها الرهيب.
أراها هناك هناك …
حيث لا يستطيع أن يبلغ إليه فكريَّ الخياليَّ الهائم في بيداء تصوراته الشعرية.
أراها من وراء السُدُمِ العجيبة وهي تمرحُ بين أترابها من ملائكة اللّه الحيّ,
تنظرُ إلى عينيّ المقرّحتين وهي تبتسم ليّ بعطفٍ سماويٍ,
وترنو إليّ بعينها الروحيّة التي تذوب بالعاطفة الإلهية,
فأُلقي بنفسي في غمرة لذّتي ونشوتي بين أحضان عالم الأرواح بالمُتَع,
وأمكث مع فتاتي الفتّانة التي ضحّت بزهرة عُمرها وريّان صباها لأجلي.
هذه الفتاة التي بذلت نفسها وقدّمت روحها قرباناً على مذبح حُبّي …
وأقضي الساعات وأنا أرشفُ من رحيق وحيها وحُبّها,
وجوارحي تطلب من لقائها المزيد.
وعندما تهبط بنات النور إلى عالم الأرض المظلم ترتقي قمم الغيوم,
وتعود إلى موطن السلام الدائم وهي تلوّحُ ليّ بأناملها المعبودة وكأنها تقول ليّ اخلع رداءك المادي! وعُد إليّ يا حبيبي سريعاً كي نحّيا معاً في ربوع هذه الفراديس الخلاّبة حتى انقضاء الأعمار والأدهار. فتُجيبها روحي الحزينة:
لبّيك يا زهرة عمّري! … لبّيك يا حبيبة آمالي! … لبّيك!
روحٌ تنوحْ
مهداة إلى من ضحَّت بزهرة عمرها في سبیل مبدئِها
ماجدَا حدَّاد
يا نفسي الحزينة !
مزقي أثواب أفراحِك ، وارتدي مسوح أترحِك .
تجلي بالسواد القاتم ، وتمرغي بالرماد الدائم .
انطلقي في آفاق الدنيا ، وجوبي ربوع العوالم ،
باحثةً عمن خَلَّفتْكِ وحيدة في عالم اللوعة القاتلة
حُثِّي الخطى ، يا نفسي ،
وشقي بصرخاتك المدوية فضاء العالم الثاني .
أسْمِعِي ندبك الأرباب في عروشها ،
وقُضّي عليها مضاجعها .
علّها ترق لك وتعيد لك الصبية التي اخترتها خدينةً لكِ.
وأنت ، يا قلبي ، جلجل بناقوسِك ، واقرَع بجنونٍ متواصل ،
علَّكَ تُوصِلُ أَنغَامكَ الحزينة للظبية الشرود الهائمة ،
إذ عساها ترق على ، بعد أن أُدمِيَتْ مُْقلَتَاي ،
وعساها ترنو قليلا الى الوراء
وأنتما ، يا عيني المُقرّحتَيْن ،
واصلا سكب الدمع الهتون ،
علني أغرق في محيطه الغزير ، أو علني أصاب بجنون
ويا أملي الذي تبددت وتلاشیت بتلاشیه !
ويح روحي على أزهارك الفتَّانة تتناثر
التحقها أغلظ الأقدام التي لا ترحم ،
ثم تهب الرياح الهوجاء ، فتعصف بها وتبعثرها !
ويا أنَّاتي الدهرية !
ليذهب صداك إلى لحدها الصامت ،
في سكينة الليل الخرساء ، كي تعلم وتتيقن
أن حُبَّها العميق قد حفرته يد الأقدار في قلبي المدلَّه بها
وأن حَرْبة الشوق قد شطرتْ فؤادي
ونقشت في جوفه كلمة ( الحب ) الخالدة
الله ! لقد كانت بالأمس تزخر بالحياة
أما اليوم فهي تتوسد الحفرة بعد الممات !
لهذا أضرع إليك ، يا خالقي وموجدي
أن ترأف بمسكين فقد أمله بفقدها
فترده إليك ليجتمع إليها
وهناك في جنَّة خلودك الدانية القطوف ،
يبذل لها روحه وحبَّه
ويحيا بجانبها ما مكثَت السموات خالدة بخلودك .
بیروت ، في ٣ شباط ١٩٤٥
روحٌ تنوح وقلبٌ يمزّق الفضَاء بأَنینِه
یا وعول الغياض ، وأيائل الأرباض ، ابكي ظبيتك الراحلة
طوفي في الغابات ، وانشري النبأ المروع في الأدغال العميقة
وأنت ، يا أسود الآجام ، اخرجي من عرائنك ،
وازْأَري زئير الألمِ المُدَمَّی .
ويا أيتها الكواسر ، ضجّي بأصواتكِ المرعبة ،
وزلزلي مواطنَ السباع حزناً وأسی .
وانطلقي يا رياح السموم ، وهاجمي عواصم هذا العالم ،
واجعليه خرابا بلقعاً .
واطغَيْ یا محيطات الأرض ، وأَغرقيها بمن فيها
وأنت ، یا کواکب السماء ،
تساقطي مع المذنبات وأفني قاطنيها
واستيقظي أيتها البراكين ،
واقذفي بحممك على المسافات والأبعاد
وانطلقي يا زلازل ، واجعلي أرضنا السافلة أنقاضاً .
وَحَوِّمْ أيها الرعبُ القاتل وابطشْ بأوغادِ دنيانا .
وطَوِّفْ یا خوفُ ، واحصدْ بأهوالك الأرواح المذعورة .
وَتَقَوَّضي يا شوامخَ الجبال ، وليُعَفِّر الرغامُ أُنوفَكِ المشمَخِرَّة .
وِقفْ أَيها الهواءُ الجوَّاب ،
دون أن تُسمِعْني منك نأْمَةَ جَواب
وقِّفي ضرباتِ قلبكِ ، أيَّتها الحياة ،
کي تفنى الكائنات ، وتضمحلَّ الموجودات
وافْنَيْ يا صحارى المفَاوِز ، وتلاشَيْ من عالم الوجود .
فبالأَمس ، بالأَمسِ فقط ، كانت إحدى فتياتك موجودة ،
فإذا بها اليوم مفقودة .
لقد توارت ماجدا من عالم البؤسِ الرهيب
غابَتْ مثلما تغربُ الشمس ، وتبدَّدَتْ مثلما يتبدَّدُ الضباب ،
وأَفَلَتْ مثلما تأْفَلُ الزهرة النضيرة ؛
واضمحلَّتْ مثلما تضمحلُّ الأَماني العِذاب
بالأمس ، وَهَبَتْها الحياةُ وديعةً ثمينة ،
واليوم ، استردَّ الموت الفظّ هذه الأَمانَة المقدَّسة .
بالأمس ، كانت تبتسم ،
فتبتسمُ ملائكةُ الله من خلال شفَتَيْها المعسولَتيْن
واليوم ، طواها الموت ،
فغاضت الابتسامةُ من شفتيَّ المَحْزُونتين .
بالأمس ، كانت تُطيل النظر الى عينيَّ ،
فأشعرُ بالسعادة تغمرني بسيَّالِها الحبيب ،
واليوم ، أصبح الموتُ
يُطيل نظره الداجي الى وجهها المُشْرق ويتمتع بنور طهارتها .
لقد انَّخذهَا هذا العديم الشَّفقَة ،
في سراديبه المرعبة المدلَهمّة ، عروسة ساحرةً له ،
دون أن أستطيع الدفاع عنها ،
أو ردَّ عاديةِ القضاء المنقضَّة عليها .
لقد توارى لُطْفَها من أمامي ،
حتى يوم يستردَّني الله تعالى إليه .
ذهبت هذه الحبيبة ، وخلفتني في عالم الشقاء والبكاء ،
مُخَِّلَفةً لي ثروة طائلة من الأحزان الأبدية واللوعة السرمدية .
أحاول الذهاب إليها فيردعني سيف القدير قائلا لي :
رويدك ، يا حزين الروح !
رويدك ، فعما قريب تُزَفُّ إليك عروسك السماوية
إن الحزن الرهيب
هو كل ما تبقَّى لي
من تذكارات هذه الحبيبة الراقدة بسكون عجيب .
وعندما أطيل النظر في أقاصي السموات
المتوهجة بالكواكبِ النيِّرة ،
أرى نجماً يخطف بريقُه الأبصار ،
فتخشع له نفسي ، وتخفق لأجله روحي
فإلى هذا النجم الدائم التألُّق ،
ذَهبت من وهَبْتَها قلبي وروحي
ومن ذلك المكان
الذي يرتد عن أبوابه الحزن وتتحطم عند رتاجه الأتراح،
تنتظرني فتاة أحلامي بفارغ الصبر
وهي مفتوحة الذراعين كي تضمني الى صدرها الرَّحْبِ الحنون
هذا الصدر الذي يحمل أَطهر قلب
حمَلَتْه أُنثى في هذه الغبراء اللئيمة
فيا رب السماء والأرض !
منك أطلب ، ضارعاً ، أن تجمعني بها ، قريباً ،
في ذلك الكوكب الإِلهيّ .
بیروت ، في ٣ شباط ١٩٤٥
مَاتــــتْ
إلى رُوح الشهيدة الأُولى مَاجدا الخالدة
ماتت من كانت أملي الوحيد !
ماتت من كانت لي خير صديقة !
ماتت من كانت آيةً في الوفاء !
ماتت من كانت أُمثولةً في الطهارة !
ماتت من كانت نبراساً للفضيلة !
ماتت من كانت تُحرِق نفسها لتضيء سبيلي !
ماتت من كانت تُفني روحها في سبيلي !
ماتت من كانت تُسخّرُ عقلها لأجلي !
ماتت من شَقِيَتْ كثيراً لأجلِ إسعادي !
ماتت من كانت ظِلِّي على هذه الأرض الشقية !
ماتت من كانت تعتني بأمري !
ماتت من كانت تحنو على أكثر من أمي !
ماتت من كانت آية الله في خلقه !
ماتت من كانت تضحي براحتها في سبيل راحتي !
ماتت من كانت دوما تضع راحتها في راحتي !
ماتت من كانت تمارس الفضيلة
يا للفضيلة الموءودة من بعدها !
ماتت من زهدت في بهارج هذه الأرض البائسة !
ماتت من ضحَّت بشبابها على مذبح حبّي !
ماتت من لا أستطيع التفكير بسواها !
ماتت من أُقدسها وأخشع لذكراها !
ماتت ! يا ويح روحي القلقة الحائرة من بعدها !
ماتت من لا أستطيع الصبر على بُعدها !
ماتت ! ذَوت ! َفنِيَتْ ! ذابتْ ! تَلاشت !
ولكنها حيَّةٌ سعيدة خالدة ….
هناك في السماء البعيدة……
هناك هناك ……عند الله !
بیروت ، في ٣ شباط ١٩٤٥
اليَمَــــــامَةُ الراحِــــلَة
مهدَاة الى روح الزنبقة النقية والضحيَّة الغالية ماجدا حداد
كانت لي كالطلّ للزهرة ،
وكالشتاء للأرض المهجورة ،
وکالجفن للعين ،
وکالكرى للمُتعب الكليل ،
وكالعافية للعليل
وكالأمِّ الرؤوم للرضيع ،
وکالترياق لمن تجرع السموم
وكالبلسم على جراح الجندي القاتلة ،
وکالأمل لليائس ،
وکالتعزية للبائس ،
وكالقارب للغريق ،
وكملاك الرحمة الهابط على الأرض لمُؤَاساة الحزاني والموؤدین .
تحرق نفسها وتبذل روحها في سبيل راحتي .
كانت تشقى كي تسعدني .
كانت تغمرني بعاطفة حنانها
في كل دقيقةٍ من دقائقِ حياتها القصيرة .
كانت نسمة شفافة طوَّفت في دنيا أرضنا .
ثم عادت إلى فردوسها السحري .
كانت بدراً تام الإشراق ،
سرعان ما أرسل أضواءه الشعرية الحالمة ،
ثم ارتد عن أرضنا الكثيرة الأتراح .
غابت عن عيني بلحظة خاطفة ،
فحطمت قلبي ، ومزقت روحي ،
واسْتَلَبَتْ عقلي ،
فَذُعِرت وَدُهِشْت ثم شُدِهْت .
لقد اخْتَرَمَتْهَا يدُ المنون ،
وهي ما تزال غضَّةَ الإهاب ، ريانة الجلباب ، شفافة النقاب
لقد توارت ، وهي ما تزال زهرة ندية ،
لم تحقق آمالها الشعرية ،
وهي في عمر الزنبقة الناصعة الفتنة
ذهبت ! يا ويح قلبي ! وخلفتني وحيداً فريداً .
أندُب البؤْسَ الرهيب الذي تركته لي ،
بعد انطلاقٍ مزَّقَ كبدي ، وافْتَلَذ روحي .
لقد حيرتني هذه الغادة ، وتركتني فريسة سهلة للهواجس ،
أُنعم التفكير في مصيري ،
فأراه أقتم من مملكة الدجنَّات ، وسلطانِ الظلمات .
وليس من يقاسمني مصيري ،
بعد أن رحلت عروس أحلامي بعيدا عني ،
هناك ، وراء الأفق …… الأفق اللازوردي العجيب
هناك حيث ترتع مع فتيات السعادة وربات الفراديس !
فإليك … إلى روحك الطاهرة النقية
إلى نفسِك الشفافة الشعرية ،
إلى ذكراك التي سترافقني الى عالم الرُّموس الدامسة ،
إلى طيفك الذي يرافقني في عالم أحلامي ،
إلى آمالك وأمانيك
التي لاشتها يد الموت القاسية التي لا ترحم ،
إلى شبابك الريان ، وحسنِك الفتَّان ، وجفنكِ الوسنان ،
إلى عذوبتك الإلهية ، یا کوثر تخیلاتی البهية ،
أرفع لك كلمتي المُفْتَلذة من روحي الشقية ، لبعدكِ عني ،
ضارعاً إلى الله أن يجمعني بك ، قريبا ، في فردوسك الخلاب ،
وهناك ، أضمك الى فؤادي ، يا فؤادي ،
وأندمجُ بك وَتندمجين بي ، مدى الدهور والآجال
٤شباط ١٩٤٥
لن تعود !
لا توقظوا العروس فإنها تحلم أحلام السعادة
إنها تشاهد عريسها فتثمَلُ روحُها لعِظم غِبطتها .
دعوها تجوس بروحها الشفافة الربوع الممنوعة
لقد انطلقت بين الغيوم ، هناك ، وراء الأفق البعيد
إنها ترتقي النجوم ، وتسبحُ في أفلاكها الشاسعة المسافات .
ها قد بلغت قِمَّة « الجبل المقدس » ،
واعتلت ربواته العجيبة الأشجار ،
وها فتيات ( مدينة السلام ) يستقبلنها بأعذب الأناشيد
وأروع الأهازيج والأغاريد ؛
إنهن يرحبن بمقدمها الفتان ، ويعزفن لها على ناي الآلهة
لقد اقترب أميرُ مدينة السلام والطمأنينة وحارسها الأمين
وقدم لها كوبا ذهبيَّاً عجيباً ، يحتوي على إكسير المعرفة ،
فأَفرغتْه في جوفها حتى آخر قطرة ،
وإذ ذاك تكشفت لها حقائق السماء ،
وعرفت أسرار العوالم السعيدة
ولهذا أقول لكم ، يا أحبائي ،
والحزن يقطن في فؤادي المعذب
ويغمر روحي الحزينة لبعدها المذيب .
بأنها … لن تعود !
بیروت ، صباح ٤ شباط ١٩٤٥
روحٌ تمزّقها الأَحْزانْ
وتقطنُ بأعمَاقَها الأشجَان
ماجدا
إن حزني العظيم لفقير لن يعيد الحياة إليك ؛
ودموعي الملتاعة
لن تستطيع إلباسَك ثوبك المادي ، ثانية ؛
وأحزاني الهائلة
لن توقظكِ من رقادِكِ الأبدي ؛
وبؤْسي المرعب
لن يدعك تُطيلين النظر إلى وجهي ،
مثلما كنت تفعلين ؟
وألَمي العميق
لن يدعك تُقبلين نحوي بلهفة ،
لتُزيلي عن روحي الكآبة الخرساء ؛
وقلقي المتدفق
لن يستطيع بعثك من عالم المجهول القصي .
إذن ، فلأندبْ نفسي
ولتغمر روحي آلام الجحيم
المتدفق بالخوف العظيم ، والقلق المزلزل ، والرعب الأبدي .
ولتُمزق قلبي نسور الهاوية ،
ولتلتهمه عقبان الجحيم
بعد أن خيمت عليه الأحزان الأبدية .
وأحاطت به جيوش الأشجان السرمدية
ارقدي ، يا يمامتي الوفية ، رقاد الأزلي .
فعما قريب ، سألحق بك
وهناك في الفردوس البهي ،
في جنَّة جنَّات الخلد ،
في ربوع مدينة الله الخالدة بالملذات
سألتقي بك ،
یا ماجدا الوفية
وعند ذاك لن أفترق عنك ،
أيتها ( الحمامة الذبيحة ) ،
وسنمكثُ مع مدى الآباد والأحقاب
5 شباط ١٩٤٥
ابكِ ابكِ يا قلبي الحزين !
مهداة الى الیمامة الملطخة بدماء التضحية الغالية
وبذل الذات الصادق ، الزهرة الذابلة ماجدا حَّداد
عندما نضجت أُنوثثها الفتَّانة
وتفتحتْ براعم أمانيها المعسولة ،
وتكشفت أمام محاسنها الخلابة آفاق سحرية
تتدفق باللذة الإلهية ،
وحينما اطمأئت جوارها
لمن وهبته نفسها وقلبها وروحها وحبها ؛
في تلك اللحظة التي انتشَتْ بها عاطفتها الخفية .
وثملت منها أعماق نفسِها النقية ،
انقض عليها رسول الشؤم الذي لم يرحم فتوتها وفتنتها
وأوقف ضربات قلبها ،
الذي لم يكن ينبض إلا حبا بي وبإسعادي
وسرعان ما هوت على روحي
صواعق الأسى الشديد والألم العاصف المبيد ،
وزرع في حبة قلبي حزن خالد ،
ولوعة دهرية ، وغصة أبدية ،
فيا من کنت مصدراً لِسعادتي وإلهامي
لقد انطوت بانطوائكِ آمالي الشعرية ،
فانتشرت الآمي الدهرية .
لقد اصبحت بعد رحيلك عني
وحيداً فريداً في صحراء هذه الدنيا الرهيبة الألام
تحوم فوق رأسي خفافيش الظلام المرعبة ،
وتطوف حولي غربان الشؤم الهازئة بالأمي ،
ولكن أملاً واحداً يغمر قلبي ،
ويبعث في داخلي قبساً من نور الأمل العجيب ،
فتضطربُ روحي في داخلي ،
تريد الانطلاق السريع من جسدها المثقل بأتراحهِ الهائلة .
وهذا الأمل ، با ملاكي الراحل الى عوالم السعادة ،
هو اجتماع روحي الشقية بر وحك النقية
في عالم الصفاء والبهاء
إبكِ إبكِ يا قلبي الحزين
بيروت ۱۰ شباط ١٩٤٥
انتحبي يا روحي الشقيَّة
عندما صفت سماء حياتي ،
وتألقت نجوم الأمل العذب الذي كان يعتلج في صدري
وتحققت أحلام نفسي المعذبة ،
واطمأن فؤادي القلق الحائر ،
وهدأت عواطفي الثائرة المهتاجة ،
واغتبطَت جوارحي من عِظم السعادة التي بلغت إليها ،
بعد أتعاب أعوام كثيرة حافلة بالأتراح ،
وانشرحت أساريري
بعد انقشاع غيوم البؤس القاتل واليأس الرهيب
وحلقت روحي في سماوات السعادة ،
واستعدَّت كي تغرف من ينبوعها المقدس الخالد ،
إذ ذاك قهقه الموت الساخر ،
وفغر شِدقه الكافر ،
وابتلع في جوفه زهرة آمالي ..
تلك الصبية التي كانت تُعطر أيامي ،
ولطف لي من قسوة الحياة
بلطفها وحنانها السماويَّيْن الفتَّانَيْن .
فليبك الكون ، ولتضطرب العوالم ،
لأن ماجدا قد ذهبت عني بعيداً ،
وخلفتني وحيداً فريداً ،
حليف البكاء ، ربيب العناء ، سمير الشقاء ،
أليف السهاد ، رهيب الجهاد ،
أهيم في البلاد ، أَتيهُ في الوهاد !
إبكِ إبكِ يا قلبي الحزين ، إذ فقدت الخدين ؛
وانتحبي وانتحبي يا روحي الشقية !
صدى صوتها اللطيف ما يزال يرم في أذني ،
فأتقلب من عظم ألمي ، وأذكر عطر أنفاسها .
فتهزني موجة دافقة من حزن لا يوصف ؛
وأتخيلها ، عندما تحوم حولي .
كالفراشة وهي تحوم حول المصباح .
فتتفتح جروح قاتلة في روحي المذبوحة .
فأطوف في غرف المنزل ، باحثاً عنها ،
منقباً أرجاء الخبايا والزوايا ،
مناديا إياها بأعذب الألفاظ ، وأرق العبارات ، وأحب الأسماء :
ماجدا ! . ماجدا ! عودي إلي يا حبيبتي
عودي إلي يا قبلة آمالي
إن روحي تدعوك فه رحمتها ؟ وهلا أنصفتها ؟
فتردد الردهات صدى مناداتي
وماجدا . ماجدا المفداة دائبة على صمتها الأخرس الأبدي .
فليبكِ الكون ، ولْتَضْطَرِب العوالم ،
لأن ماجدا قد ذهبت عني بعيداً ،
وخلقتني وحيداً فريداً ،
حليف البكاء ، ربيب العناء ، سمير الشقاء ،
أليف السهاد ، رهيب الجهاد .
أهيم في البلاد ، أتيه في الوهاد !
إبكِ إبكِ يا قلبي الحزين ، إذ فقدت الخَديْن ؛
وانتحبي وانتحبي يا روحي الشقية !
الليل ! إني أخاف الليل ،
لأنني أتقلب فيه على فراش من عذاب الذكريات المُصَوِّحة !
تراودني فيه تذكارات الصبية التي أحبتها جوارحي ،
واطمأن لها فؤادي ،
ووهبها نفسي وروحي ،
فتعصف برأسي حُمَّى الجنون ،
فأضم الغطاء الى صدري ، ثم أرفعه الى شفتيَّ ،
وأقبله بولهٍ وجنون وقدسيَّة
متخيلاً صبية الأمس الثاوية الآن في ظلام الرمس ….
واذا بالعبرات الحری تسكبها مآقي بغزارة لا إرادة لي فيها !
دموع يخرجها قلبي ، وتُسْتَقْطَرُ من أعماق روحي !
وأعود لأَهيم في غرف المنزل وأنا أناديها :
ماجدا ! ماجدا ! أين أنت يا ماجدا ، ولماذا لا تجيبيني ؟
ولكن الصمت يغمرني
وأمام السرير الذي رقدت علیه رقادها السرمدي الأخير .
أجثو بتبتُّل ، وأرفع ضراعةً عميقةً للخالق المهيمن الرحيم
أن يمتعها بجنات النعيم ،
ثم أعود الى اكتئابي وحنيني وحزني وأنيني !
فليبك الكون ، ولتضطرب العوالم ،
لأن ماجدا قد ذهبت عني بعيدة ،
وخلفتني وحيداً فريداً ،
حليف البكاء ، ربيب العناء ، سمير الشقاء
أليفَ السهاد ، رهيبَ الجهاد ،
أهيم في البلاد ، أتيه في الوهاد !
إليك إك يا قلبي الحزين ، إذ فقدت الخَديْن ؛
وَانتحبي انتَحبي يا روحي الشقية !
بیروت ، نهار الأربعاء ٧ شباط ١٩٤٥
بَعد فقدي إيّاها
مهداة إلى روح الجزء الشفاف المنفصل عن روحي الحزينة ماجداحداد
أفدح نكبة يُمنی بها المرء فَقْدُ عزيزٍ غالٍ على فؤاده المُتَّيم به :
منذ الدقيقة التي يبسط سلطان الموت ظلَّه على ذلك العزيز المفقود ،
يُظلم الفضاء أمام من فُجع .
وتجَلِّلُ السماءَ غيوم قائمة سوداء ترعب الناظر إليها ،
و تخبو أشعةُ النجوم الدائمة التألق أمام عينيه ،
وتتساقط أزهار الربيع الخلابة من أكمامها ،
وتحتل الدجنةُ الكثيفة روح المنكوب بفقدِ عزيزه ،
وتتألم نفسه آلاماً مبرِّحةً لا يستطيع لها وصفاً ،
وتثورُ أعصابُه ، وتخور قواه ،
ويعلو نحيبُه ، ويتجاوب صدی عويله
ويستمرُّ هذا الانتحاب
باستمرار الذكرى العزيزة المفقودة حتى يوم الحساب ،
وتعصف حمى الجنون والاضطراب في رأسه
وتنطلق شياطين الألم في تلافيف مخيلته
وتدأب على تعذيبه ليل نهار ،
فينهض من فراش ألمه الدائم مذعورة مخبولا ،
و تُسابِقُ رجلاه الريحَ وهو يجولُ في غرف المنزل ،
باحثاً ، منقباً ، مناديا حبيبه “:
عُد أيها الراحل إليَّ ،
عُدْ یا حبيبي إليَّ ،
عُد یا من خلَّفْتَني ( غريباً ) في أرض الغُرَباء .
-٢-
ولكن الصَّدی رد کلماتِه بسخريةٍ ومجون قَاتلين
فيئن هذا اليائسُ المسكين أنين الإحتضار القاتل ،
ثم يلطم رأسه المملوء بالتذكارات المثيرة لطمات قوية متواصلة
وهو يهذي بكلمات تؤكد جنونه المطبق الذريع ،
فتارة يقول :
ماذا فعلت يا حبيبي ؟
ولماذا رحلت عني ؟
وهلا تعود لأفتديك بروحي وحياتي ؟
هلأ تعود لأطعمك قلبي
وأجتثَّ لك روحي من أصولها ؛
لأُقدِّمها لك عربون حبي الخالد وإخلاصي العميق الأبدي ؟
ولكنه لا يسمع جوابا على مناجاته فينقلب صاخباً :
۔ تعساً وبؤساً لك أيها الراحل الحنون !
أيها القاسي الصارم !
أيها العابث الساخر بآلامي !
إذْ كيف جاز لك أن تقضي على نفسك ،
وأنت موقنٌ بأن عملك هذا سيولد لي شقاءً رهيباً ،
حتى يوم أدخل إلى جوفر حفرتي المظلمة ،
وأتوارى فيها من عالم الحزن والألم .
ويستطرد :
. ويحاً ويحاً لك أيها القاسي !
-٣-
وما يلبثُ أن يعلو انتحابه ،
فتردّده غرفُ المنزلِ الخالية الخاوية ،
وتثور نفسه الصخَّابة بجنون رهيب ،
فتسمع جدران المنزل لهاثه المروع ونشيجَه المخيف ،
فتنكمشُ هذه الجدرانُ على نفسها ،
وتتقَّلصُ من فداحة الألم الذي تشاهده هذا المخلوق
المجبول بالشجن من قِمَّة رأسه حتى أخمص قدميه ،
دون أن يُتاح لأي بشري ،
أن يشاهد آلامه غير البشرية .
– ٤ –
وتحاول تلك الجدران أن تخرَّ وتُدَكَّ ،
ولكنها تتحامل على نفسها وتثبت ،
کي تشاهد المأساة في فصولها الأخيرة
وهنا يقفز هذا المخلوق ( المحتضر الحي) قفزات الألم الذريع ،
كأنه العصفور الذبيح وهو يقفز قفزات الموت الأخيرة
وتعادُ فصول الرواية ( دعاء المحبوب )
بعبارات تثير شفقة الجماد الأصم
إلى صخبٍ ولعناتٍ وتهديدٍ ووعيد ،
للزمان والمكان والقدر والقضاء والحياة والموت والفناء والبقاء ،
ثم هطول العبرات الغزيرة وخروج الآهات والتنهدات
من صدر موؤد مصدور ، وفؤاد مفؤود و بالألم والحزن مغمور ،
ثم ترديد عبارات مبهمة
يردد أمثالها سكان مستشفيات المجاذيب !
-٥-
وفي النهاية ،
يسقط على الأرض من الإعياءِ والتصورات ،
والحزن الصادر من روح ممزقةِ الأوصال ، مهشَّمة الفَلَذات !
وترتسم على وجهه حقيقةُ لا تُنقض :
ألا وهي حقيقةُ الألم العظيم ،
والحزن الرهيب المتجسد
واللوعة العميقة القاتلة
والبؤس السرمدي ،
واليأس الأبدي ،
والشقاء المتصل الحلقات ،
ولعن هذه الحياة ،
والانتظار بفارغ الصبر ليوم الممات !
بیروت ، في ٨ شباط ١٩٤٥
ماجــــدا بالأمـــس تجلَّى علي طیفُگِ
بتاريخ 10 شباط 1945 ، وفي الساعة الثالثة إلا خمس دقائق ، تجلت ( ماجدة الشهيدة ) أمام عيني ، واذامنظرها ملائكي رائع الفتنة يقصر الوصف عنه ، ولا يستطيع إعطاء صورة حقيقية عن الجمال الإلهي والروعة الفردوسية .
فيا أيتها الراحلة الحبيبة التي تجليت علي أنا الذي ما زلت في هذه الفانية المرذولة ، هذه الأرض أرض الأحزان وموطن الأشجان ، عندما هرعت اليك لألثم يديك ، تواریت وراء السحاب … وراء الغيوم ، وراء الضباب عائدة الى عالمك الفردوسي الخلاب .
وإذ ذاك بكيت بمرارة عظيمة ، وحزن هائل ، وناحت روحي على انطلاق عتي ، وأحسست بالوجيعة تطوقني ، وبالفجيعة تقطن في روحي الحزينة لأبعد حدود الحزن الرهيب ، فهنيئا لك يا ماجدا ، هنيئا بعالمك الفردوسي الخالد بلذاذاته السرمدية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجــــدا
بالأمـــس تجلَّى علي طیفُگِ النورانی و بشرني
كانت برهة فتَّانة…….
تلك البرهة التي تجلَّى فيها طيفكِ على بالأمس .
كان طيفكِ ، يا ماجدا ، خلَّابَ الفتنة ، متأَلِّق البهاء ،
دائم التأَلُّق .
كان يحفُّ بك جلالٌ رائع ،
وعظمة روحيّة تجلُّ عن الوصف .
وكان نقاؤكِ العجيب
يعصف بنقاء زنابق مروج الفراديس الخالدة بجمالها
اقتربت یا ماجدايَ من مكاني …..
وبحنوٍّ خارق
نظرتِ إلى عينيّ الدامعتين لابتهاجِي العظيم بالتقائِي بكِ.
وحيَّيتني تحيَّة الحب الصوفيّ – الحبّ الأفلاطوني –
الحبّ العذري – الحبّ العلوي – الحبّ الإلهي –
تحيّة المحبَّة التي لا تحمل في طيَّاتها أيَّ دنسٍ بشري
مما نعرفه في دنيانا التعسة،
ويغرق فيها كلُّ منَّا حتى نواصينا .
ثمَّ دوى صوتكِ العذب ،
وكأنَّه على قلبي ترجيعُ ترانيم قُمْريَ الليل ،
المسحور بأنوار البدر الشعرية ،
الهائم في دارات السماوات الرفيعة ،
والمرعب على آذان الأعداء
وكأنه جلجلة دوئ مقنبلاتٍ
يُفجرها أبالسة أربابِ الهاوية الطغام اللئام…
ورحت تقولين :
” إن الله يمهل ، ولكنه لا ولن يهمل “.
فقد أمهلهم الله لكي يتوبوا عن جريمتهم ، وإليه يثوبوا ،
ثم يعترفوا بجريمتهم النكراء المرعبة
ولكن المجرمين لم يثوبوا إليه ،
ولم يتوبوا عن الآثام الفاحمة الادلهمام ،
بل تكبروا وتجبروا ، ثم طغوا وبغوا ،
وارتكبوا من الموبقات أوبقها وأرهبها ،
ومن المحرمات أجرمها وأرعبها . .
وقلت : « سيصب الله ، جلت قدرته ،
جام غضبه الإلهي المرعب
على من اعتدى على داهش ،
فيدمرهم تدمير محققاً
وستصبح سيرتهم الملوثة أحدوثة القوم أجمعين .
وأكملت قائلة لي :
– لذلك أُعلمكَ أنَّ يوم سقوطهم سيكون عظيما ،
وصداه المزلزل سترجّعه عواصم الدنيا بأسرها
فكن ثابت یا من جاهد وكابد ،
وكافح ونافح ضد الباطل ، باطل هذه الطغمة المجرمة .
وكذلك ليثبت الإخوة والأخوات
حتى الساعة التي ينصركم فيها الله نصرة مبيناً .
وسيصبُّ الله ، جلت قدرته ، جام غضبه الإلهي المرعب
على من اعتدى على داهش،
فيدمرهم تدمير مخيفاً ،
ويجعلهم عبرة للأجيال الزاحفة ويذلهم بعد عزَّة .
وهكذا ستكون نهاية المجرم الذي سيحل به القصاص العادل » .
وهنا غبت عن عيني يا ماجدا الحبيبة ، واستيقظت .
وهذه البشرى سجلتها بدوري .
وها إني أنقلها بواسطة القلم إلى إخواني وأخواتي الداهشين
المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الحق ضد الباطل
والآن ، وداعا أي ماجد الوفية ،
وإلى ساعة التقاء روحي المشوقة للاجتماع بك
في فردوسك الإلهي الراتع بالبهجاتِ الخالدة .
بیروت ، في ١١ شباط ١٩٤٥
وراء الحجــــاب المجهـــول
مهداة إلى الضحية الغالية المهدُورَة الدّم الطّاهر البريء ماجدا حداد
هناك وراء الحجاب المجهول ،
خلال ملايين من النجوم السابحة في أوقيانوس الفضاء ،
تجاه قمم جبال الراحة الأبدية
وفي فرادیس الآلهة ذات الملذات السحريَّة ،
بلغت الصبية الخالعةُ عنها رداء المادة الزريّة
هناك ، هناك… تتَّجه روحي الحزينة ،
کي تجتمع بمن بذلتْ نفسها لأجلي :
ماجد ماجدا
فتاة أحلامي المتوارية !
* * *
هناك في تلك الأبعاد السحيقة
في أقاصي السموات الشاسعة المسافات ،
حيث تتجاوز الأرواح السُّدم وتبتعد عن المجرات ،
وفي ( حديقة الله ) التي تعجز الأرواحُ عن وصف مفاتنها ،
حطت الصبية رحالها وحققت أبهى آمالها .
هناك ، هناك … تتَّجه روحي الحزينة ،
کي تجتمع بمن ضحت بوجودها لأجل وجودي :
ماجدا ماجدا
فتاة تخيلاتي السامية !
* * *
هناك بين الأنوار البهية الدائمة السطوع ،
حيث لا حزن ولا بكاء ولا شقاء ،
وحيث تحيا طمأنينة النفس السرمدية الخلود ،
تنعم الأرواح النقيَّه تحت ظل العناية الإلهية ،
فتغتبطُ روحُ من هي جزء منفصل عن روحي الحزينة .
هناك ، هناك……تتجه روحي الحزينة ،
کي تجتمع بمن غادرت الحياة لأجلي
ماجدا ماجدا
فتاة أماني الذاوية !
بیروت ، في ١٦ شباط ١٩٤٥
أذکركِ یا مَاجَدا
ذكراكِ تُثير الاضطراب والأسى في أعماق روحي ،
وتبعثُ أشد الأحزان في أعماقي المشبعة بالأتراح
أذكرُكِ في كل صباح وعشيَّة .
أذكرُكِ عندما أضع رأسي على وسادتي المبلَّلة بدموعي .
وتمضي ساعاتُ الليل تباعاً وأنت لا تبرحين مخيِّلتي المحمومة ،
ويفر النوم مذعوراً
لفداحة الألم الذي أغوص في عبابه المتلظي بالحسرات ،
وتخرج الآهات من صدري المكلوم لفقدك ،
وتتابع الزفرات الحرى لأجل بعدك ،
فتُظلم ساعات حياتي التيسة من بعدك !
وفي الصباح أُرددُ اسمك ثُمَّ أُقَبِّلُ رسمَكِ !
أذكركِ عندما تهدلُ حمامةٌ أو تنوحُ يمامة !
أذكركِ عندما يشدو طيرٌ ويغرد عصفورا
أذكركِ عندما أتنسَّمُ عبيرَ وردة زكيَّةِ الرائحة !
أذكركِ عندما يعتلي البدر في مملكته الزرقاء ،
ويتبخترُ في عرشه السماوي !
أذكر عندما أُطيلُ النظرَ إلى الكواكب المتألقة !
أذكرك عندما يفتُنني مشهد خلاب !
أذكركِ في ساعات عمري التي يلاحقُ بعضها بعضاً !
أذكركِ في أعماقِ فؤَادي ، وتطربُ روحي لمناجاة روحك !
أذكر بحسرة ولوعة وأسى ،
يا أنبلَ من عرفتُ بين النساء !
أذكرك يا رفيقة روحي ! وأتمنى على الله أن يجمعني بك .
أذكركِ والحسرةُ الدافقة تجتاحُ روحي بجبروتها العاصف !
أذكركِ … وسأبقى على ذكركِ العزيز الذي هو أمنيتي .
أذكرك يا ربَّة أشواقي ، وسأمكثُ ذاكراً تضحيتك الغالية .
وسرعان ما أندفعُ كالسهم المارق في فضاءِ اللانهاية ،
حتى أبلغ موطنكِ الراتع في بحبوحة الطمأنينة
وساعتذاك تصبح ذكراك حقيقةً روحيَّة ،
وتندمجُ روحي المعذَّبة بروحك العذْبة
فتنسی شقاءَها الأرضيَّ الرهيب ،
وترشفُ تریاقَ روحك المتدفِّق العجيب ،
فتسعدُ روحانا في الجنان
تحت رعاية الله الفائقِ الرحمة والحنان .
نعم ، أذكُركِ يا ماجدا ،
عندما يزفر الهواءُ ، ويضطرب البحر ،
وبشرقُ البدر ، وتتأَلَّقُ النجوم ،
وتصفو السماءُ وتمتلىُّ صفحتها بالغيوم ؛
وعندما يعبث النسيمُ بأوراق الأَشجار الغضَّة ؛
ومن خلال هدير العاصفة وثورة العناصر الجبَّارة ؛
وعند هطول الأمطار، وتساقط الثلوج ؛
وفي أنين النفوس المتألمة ، وعويل الأرواح الحائرة ،
ونُواح الطبيعة الثكلى ،
وفي نشوة أزاهير الحقول العطِرة الرائحة !
وأرى طَيْفَكِ في السهول والتلال ،
وعلى الرَّبوات وفوق قمم الجبال الشامخة ،
وفي أعماق الأودية السحيقة ،
ثُمَّ من خلال السحابِ الذي تُتَوِّجُه الأشعةُ الرائعة الفتنة !
وأذكركِ في أعماق فؤَادي ، ومن خلال شغاف روحي الحزينة ،
أذكركِ ، أذكركِ ،
يا أبهي تخيُّلاتي وأروع تمنِّياتي !
بل يا أعزَّ عليّ من روحي ووجودي !
أذكركِ ، أذكركِ حتى يذكرني الموتُ فيضمّني إليه ….
وإذْ ذاك أجتمعُ بكِ ،
فتكملُ سعادتي إذ أَنتشي من رحيق إكسير حبِّك الخالد !
بیروت ، في ١٦ شباط ١٩٤٥
ضمّوا رفاتي إلى رفاتها
عندما تدقّ ساعتي الأخيرة السعيدة,
معلنةً انتهاء آلامي في أرض الشقاء والعناء,
وتهبط روح الطهر لترافقني إلى عالم البهاء والهناء,
فأوغلُ معها بمرحٍ وحبورٍ وفرحٍ وسرورٍ,
قاطعاً المسافات, مرتقياً الأبعاد السماويّة,
يدفعني الشوق الذي يقصّر عنه وصفي
كي اجتمع “بمجدا” الحبيبة …” مجدا” المفدّاة.
إذ ذاك … أطلب إليكم يا أحبّائي أن تضمّوا رفاتي إلى رفاتها
كي يطمئن جسدي الترابي الفاني بالمكوث معها,
مثلما تكون روحي الخالدة الشجيّة قد انتشت من امتزاجها بروحها النقيّة!! …
عندما تُقفل عيناي, وتَثقُلُ أذناي, وتصفرُّ وجنتاي,
وتهمد حركات الحياة في جسدي الراقد رقاده الأبديّ,
وتنطلق روحي في المسافات الزرقاء اللانهائية,
باحثةً عن روح “مجدا” التي بكيتها كثيراً, ونشدُّتها كثيراً, وحزنت عليها كثيراً …
حتى تجدها في فراديس الحُبِّ الحقيقي الخالد,
فتمتزج بها, وتغمرها بعطفها ولطفها وحنانها الأبديّ …
إذ ذاك … أرجوكم يا أعزائي الأوفياء أن تجمعوا بين رفاتي ورفاتها
كي يطمئن جسدي الغريب بالقرب من جسدها العجيب,
مثلما تكون روحي الفرحة قد امتزجت بروحها المرحة!! …
عندما يقف قلبي عن ضرباته المعتادة,
ويصبح جسدي كميّةً مهملةً لا شأن لها,
وتدبُّ برودة الموت في أطرافي المتصلّبة,
وتنسج يد الفناء رسومها الغريبة على أسارير وجهي الشاحب,
وتسبح روحي منقّبةً عوالم النجوم عن “مجدا” التي أحبّتها روحي,
وتجوس الفراديس الإلهية حتى تكتشف مقرّها الخلاب,
وتحيا بقرب روحها اللطيفة, وترتشف معها كؤوس المسرّات الروحيّة,
إذ ذاك … أضرع إليكم يا خلاّني الأمناء
أن تمزجوا رفاتي الخامدة برفاتها اللطيفة الهامدة
كي يطمئن جسدي البالي لانضمامه إلى جسدها الغالي,
مثلما تكون روحي الشقيّة قد سعدت باجتماعها بروحها الزكية.
عندما تنظرون جثّتي التي غادرتها الروح,
وتشاهدون السكينة الخرساء الأبديّة التي تغمرها,
وتلمسون جلال الموت يظللني بجناحيه الكئيبين,
وتخاطبوني فلا تسمعون مني الجواب,
لا تحزنوا عليّ إذ ذاك … ولا تنتحبوا,
بل اطربوا في أعماق قلوبكم واغتبطوا,
لأنني أكون إذ ذاك قد اجتمعت بروح “مجدا” الحبيبة, “مجدا” المفدّاة,
فتاة أحلامي الذهبية, وربة آمالي الشعرية,
“مجدا” من ضحّت بحياتها لأجل حياتي,وبذلت روحها لأجل روحي.
وأوصيكم يا أحبّائي الأعزاء أن تضعوا رفاتي مع رفاتها
كي يبتهج جسدي بانضمامه إلى جسدها,
مثلما تكون روحي الحائرة قد اجتمعت بروحها الطاهرة!! …
أبكیكِ بدماءِ قلبي الحزين
أبكيك يا ماجدا الحبيبة !
أبكيك بدماء قلبي الحزين !
أبكيك بنواح نفسي الملتاعة !
أبكيك بعويل روحي الحائرة لفقدك !
أبكيك بدموع فؤادي المتيم المُيتَّم
أبكيك بصراخ أعمق أعماق عواطفي !
أبكيك بأنين جوارحي المتألمة المعذبة !
أبكيك بحرارة ومرارة هائلتين قاتلتين !
أبكيك بكاء أبدا سرمديا !
أبكيك ما دمت في أرض الشقاء !
وأرجو قربك في موطن البقاء !
وأرثيك بأعظم من رثاء إرميا لأورشلیم
حينما اجتاحتها جحافل الغزاة !
وأنشد برغبة تفوقُ رغبة موسى لمشاهدة أرض الميعاد !
وأرغب في البلوغ إلى فردوسك
کرغبة الهلْكى في جنات الخلود !
وأتمي الاجتماع بكِ
مثلما تتمنَّى الأرواحُ
أن تجتمع بخالق البرايا وموجد الكائنات
آه . ولكن متى متی یا ماجدا يتم هذا اللقاء المرجی ؟!
ومتى متى تهدأ نفسي القلقة ، وتطمئن روحي الوجلة !
آه ! إنني أبكيك يا ماجدا .
نعم إنني أبكيك بدماء قلبي الحزين !
وستبقى روحي في أنين … حتى يوم لقياك !
بیروت ، في 16 شباط 1945
نَكْبَةٌ مروِّعَة
يا نفسُ أجملي جزعاً ، فإن ما تحذرين قد وقعا !
نعم ، هي نكبة مروعة هائلة !
فقد ذهبت من كنت أحيا على هذه الأرض حبا بها !
ذهبت الفتاة التي كانت لي كالظل !
فمن بسواها ، في حزني ووحدتي ، سأستظل ؟
لقد حلقَّت بعيداً الصبيَّة التي كانت تحنو علي
حنو المرضعات على الفطيم !
دوت من كانت تجد راحتها براحتي وهناءَها بهنائي ؛
رحلت من كانت تسهر الليل بقربي تتألم لألمي ؛
وانطوت صحيفة النبيلة التي ماتت كي تحييني
فمن يستطيع ملء الفراغ الذي خلفته وراءها !
كنت سعيداً فأصبحتُ بعدها شقياً !
كنت مُشبعاً بالمرح فأصبحت مُثقلاً بالترح !
بالأمس كانت تسير حيثما أسير ،
وأينما ئجه أراها بجانبي
واليوم أتلفت کمن به جِنَّة لِأراها !
وإذا بالقدرِ اللئيم الساخر يناديني وهو يقهقه قائلا :
” أيُّها الشقُّي التاعِس ،
عبثاً محاولتك الغبيَّة … فصبيَّة الأَمس
قد أصبحت وديعه ثمينه بين أحضان الرَّمْس !
فتُظلمُ السماءُ أَمام نظري ، وسرعان ما أُصابُ بِمسٍّ ،
وتدورُ بي الدنيا دورانها البهلواني ، فأسقط إعياءً ،
ثم أجثو على ركبتي وأضرع إلى الله المهيمن الجبار ،
بقلبٍ يفعمُهُ الإيمان ، مناجياً الله من أعماق روحي قائلا :
أي إلهي وخالقي ! إنني أَتَّجِهُ نَحْوَك بعقلي ونفسي وروحي
أن ترحم ضعفي وتُنهي أيامَ حزني نَوْحي ، وبثّي وبَوْحي
فتردّني إليك … وتجمعني بِمَاجدا المُفداة لنقدم عبادتنا بين يديك !
بيروت في ١٦ شباط ١٩٤٥
إعصفي يا رياح
القرار
إعصفي يا رياح واهطلي يا سماء
وانتحب يا صباح واكتئب يا مساء
واضطرب يا زمان واصطخب يا قدر
بعد ذات النقاء
هناك في الهضاب هناك في الضباب
“مجدا” ابنة السحاب قد لاقت الصحاب
فاعصفي, فاعصفي يا رياح, يا رياح
بعد ذات الوفاء, الوفاء!
مرّت على الغيوم واجتازت الغموم
يا سعدها تحوم في ذروة النجوم
فاهطلي, فاهطلي يا سماء, يا سماء
بعد ذات الصفاء, الصفاء!
يا غادةَ الحُبِّ وحَبَّةَ القلب
طيري على السُحُب لرؤية الربِّ
وانتحب, وانتحب يا صباح, يا صباح
بعد ذات السناء, السناء!
في ثغرك البسيم ووجهك الوسيم
عذوبة النسيم في جنّة النعيم
فاكتئب, فاكتئب يا مساء, يا مساء
بعد ذات الهناء, الهناء!
طوفي مع الرياح في عالم الأرواح
فأنت في الأفراح ونحن في الأتراح
فاضطرب, فاضطرب يا زمان, يا زمان
بعد ذات الولاء, الولاء!
يا خالق السماء ومبدع الأكوان
أرسل لنا العزاء وبلسم السلوان
فاصطخب, فاصطخب يا قدر, يا قدر
بعد ذات البهاء, البهاء!
واسمع بكا الحزين والدمع والأنين
وأطلق المسكين واجمعه بالخدين
والتهب, والتهب يا جنان, يا جنان
بعد ذات الضياء, الضياء!
فأنت ربُّ الجود ومصدر الوجود
أَرجِع فتى القيود لموطن الخلود
فاحتجب, فاحتجب يا قمر, يا قمر
بعد ذات النقاء, النقاء!
القرار
إعصفي يا رياح واهطلي يا سماء
وانتحب يا صباح واكتئب يا مساء
واضطرب يا زمان واصطخب يا قدر
والتهب يا جنان واحتجب يا قمر
بعد ذات النقاء
الحزنُ يغمر روحي الحزينة
عبثا يطلع ( الربيع) على هذا العالم الكئيب، فإنه لن يستطيع إدخال الفرح إلى روحي الملتاعة. و عبثا تشدو بلابل الرياض الفتانة، فإن الأحزان قد قطنت في حنايا نفسي البائسة. و عبثاً يطلع ( البدر ) و يختال في ذُرى السماء الزرقاء، فإنه لن ينالَ من شعور الميت، بعد موت ماجدا العزيزة.
و عبثا أفراح هذه الدنيا و مبهجات هذه الحياة السرابية، فإنها لن تستطيع إدخالي في مواكبها المزيفة الفانية. و عبثأ أملي بالغد و رجائي في المستقبل، لأنه لم يعد لي غد أو مستقبل، بعدما رحلت، بالأمس، من إفتدتني. و عبثاً مشهد المروج الموشاة بالورود و الإقحوان و شقائق النعمان، فإنها لم تعد لتستطيع أن تشعرني بجمال الطبيعة الفتان. كل ما تراه عيناي الذابلتان الدامعتان، يحمل إلى نفسي البائسة و روحي الحزينة، ظلال الموت و ظلام الرمس، ذلك الرمس المعبود الذي يضم في جوفه رفاتَ صبيَّة الأمس الثاوية في نعشها حتى يوم النشُور، تلك الغادة التي انطلقت مثلما تنطلقُ الشُّهب واضمحلَّتْ مثلما تضمحلُّ البروقُ الخاطفة بلمحةٍ مومضة !
فيا أيها القبر السحيق ضُمَّ اليك جسدي المسكين ، وخفِّف من أَنينه وحنينه ، مثلما غمرت الأحزانُ القاتلة روحي الحزينة .
بیروت ، في 19 شباط ١٩٤٥
مـــوتُ عذرَاء
ربات السَّحاب اجتمَعْنَ على الغيوم ،
وجلَسْنَ يَنْتَحِبْنَ ويُبَلِّلن الضَّباب ، ثم ينثرنَ الهموم.
لقد أعْوَلْنَ على زهرة ( اللوتسِ ) المقدَّسة
التي قَطَفَتْها يدُ الموت قبل أن تتفتَّح براعمُها اللطيفة !
فاعْصفي يا رياحَ نفسي ،
وأطفئي شُعلَة عقلي وحسِّي ،
وُضمّيني اليها في رَمْسَها ، فهو رَمْسي .
بلبلُ الفردوسِ غرَّد أُنشودته الإلهيَّة ،
ثمَّ نشرَ جناحَيْه وحلَّق نحو السماءِ البهيَّة ،
فاستيقظَ فُؤادي وخفقَ بحبِّه .
ولكنّه كان قدَ أوغل عنّي في بُعْده ،
فابْكي ، ابْكي يا نفسي الملتاعة لوداعه ،
واكتَئبي يا روحي الحزينة لضياعه .
هي كالبرق الخاطف وَمضَتْ في سماءِ حياتي ثمَ مضتْ ،
فأَصبحتُ ، يا ويحَ روحي ، حليفَ السُّهاد أَتمنَّى الاستشهاد ،
لأنَّني تيتَّمتُ من بعدها ،
ولا طاقة لي على بُعدها .
آه ! نُوحي نُوحي يا روحي المعذَّبة ،
واطلبي من الله أن يجمعكِ بروحها العَذْبة
بیروت ، في ۲٥ شباط ١٩٤٥
ماجدا لقد ذكرتُكِ فهاجتْــني ذکراكِ
یا ملاكَ أَحلامي الراقدة رقادَكِ الأبديّ ،
إنّ حزني الرهيب على فقدي إِيّاكِ ،
لن يستطيعَ أَن يُعيدَكِ إليّ ثانيةً ؛
ودموع عيني الغزيرة
لن يكون باستطاعتها أَن تبعثَ فيكِ حياةً جديدة ؛
وأَتراح روحي الملتاعة لن توقظكِ من رقادك السرمديّ ؛
وأشجان نفسي الشقيَّة
لن تُعيد الى قلبك المخلص ضرباته الصامتة ؛
وقلقي المتواصل
لن يستطيعَ بَعْثَكِ ثانيةً ، الى عالمي الزريّ،
ما دمتُ مُكَبَّلاً بقيوده البغيضة ؛
وبؤْسي العنيف لن يُحرِّكَ عاطفَتك النبيلة عليَّ ، بعد اليوم ؛
ويأسي المُخيف لن يبعثَ في فؤادكِ الرحمةَ على فتاك ؛
وأَلمي المُدَمَّی
لن يدعك تتلهَّفين لإِزالته أو تبديده عني كعهدك السابق ؛
وثورتي النفسيَّة ،
من سيُلطِّف حدّتَهَا ، ويكسر شوكتها ، بعد أن فقدتُكِ ؟
فلأَندُبْ نفسي ولتغمُرْ روحي أعمقُ الأحزان
وليخالط نهاري ليلٌ حالكُ الدُّجی سرمديُّ البقاء .
وليتمزَّقْ قلبي …
هذا القلب المُفْعَم بالحسرات ، المُشْبَع بالزفرات ،
ولتنبثقْ منه دماءُ الحياة
ولتعصِفْ بي رياحُ الشَّجن
وأنتَ امْكُثْ بقربي دوماً أيّها الأَلم .
ونُوحي يا روحي الحزينة ،
واكتمي ما تَلْقَيْنَه من بعدها وبه لا تبوحي .
واهاً لك يا حبيبة أمانيَّ وغادةَ أحلامي !
لقد اخترمَتْك يدُ المنون ،
واقتطفَتْ زهرتكِ اليانعة قبل أَوانها فذَویت وتوارَیْتِ .
أما الآن ، فارْقُدی یا حبيبةَ خيالي رقَادَك الأزليَّ
فعمَّا قليلٍ تَرَيْنني بجانبك .
آه ! ما أَتعسَ حياتي ، وما أَمرَّ أَيَّامي ،
بعد أن فقدتُكِ !
هل تسمعین یا ماجدا ؟
بیروت ، في ۲۸ آب ١٩٤٥
سأذهب حيث تكونين
مرفوعة إلى ماجدا ربَّة الإخلاص التَّام،
ماجْدَا! ماجْدَا!
قي ظلمة الليل أَدعوكِ إليَّ… و لكنْ ليس من مجيب.
في حِنْدِس الدُجنَّة أنتحب بمرارةٍ لأجلكِ يا حبيبتي.
في الظلام الشامل،
أهرق دموعَ عينيّ و أبكيكِ بمرارةٍ بعيدة الأغوار.
إنَّني ارفعُ أكفَّ الضراعة لخالقي و موجدي طالباً إليه أَن يجمعني بكِ . أتمنَّى الموت كي يغمض عيني مثلما أغمض عينيك. أناجيه، و أُناغيه،
و أُناشده الله أَن يرقَّ لحالتي المُؤسية فيحقِّق طلبي.
أُقبِّلُ طَيْفَكِ يا ماجدا بوَلهٍ عظيم و شوقٍ متدفِّق. أخشع أمام خيالك المعبود.
أتمثَّلُكِ أَمام عينيَّ المُبتَّلتَيْن بدموعي الموجِعة السخيَّة.
تئنُّ أعماقي عندما أعودُ بالذاكرة لأَيامك الخوالي.
تضطربُ أَحشاني وتذوبُ حشاشتي.
أراك بعين الخيال فتعصفُ بي حُمَّى الجنون.
أصيحُ بطَلَبكِ العزيز المَنَال كالطفل الذي ينادي أُمَّه الحنون.
بتبتلٍ أجثو أمام رسمك المحفور في أعماق فؤادي.
بقدسية أرنو نحو العلى حيث تخلدين في جنَّات النعيم.
أقدم نفسي قربانا أمام مذبح إخلاصك العظيم.
أبذل حياتي في سبيل تخليد من افتدتني بحياتها.
أفنى لأجل من ابتاعت بحياتها مماتها،
كي تدرأ الأخطار عن حياتي.
ماجدا! لقد اعطيتني درساً خالدأ في إنكار الذات.
ماجدا! لقد أكدت لي الإخلاص بإخلاصك العجيب، و برهنتِ عن وفائك بموتك الغريب.
ماجدا! ما أقسى الحياة إذا لم تكوني فيها إلى جانبي.
ماجدا! و أنا أيضاً أحتقر هذه الأرض الفانية.
ماجدا! إنها دار البؤس العنيف، ووادي الدموع المخيف.
ماجدا! يا لسعادتك حيث ترتعين…
ماجدا! ماجدا! يا رفيقة أحلامي المغالية بوفائك.
سأذهب نعم، سأذهب حيث تكونين.
بيروت في ٢٨ آب ١٩٤٥
الساعة العاشرة ليلاً
حيــــــثُ تــــرقد
مُهداة الى روح غادة الأحلام الوفية ماجدا النقية
هناك، هناك في قرية ( جونية ) إحدى قرى لبنان،
الجاثمة في سفح الجبل الجبار الشامخ الذرى، القوي العنفوان، الهاجعة بسكون في السهل الفسيح
المنبسط تجاه شاطىء البحر المتوسط،
هناك على قِمَّة التلِّ المرتفع،
حيث تنتصبُ أشجارُ السَّرو الكئيبة،
ترقدُ ماجدا المخلصة، ماجدا الوفيَّة !
هناك، هناك تنطلقُ روحي في كل عشيَّة
لتحومَ حول مضجعها المقدَّس الأخير . …
***
هناك، هناك حيث يُقَبِّلُ الموجُ أقدامَ هذه القريةِ الصغيرة،
وحيث السكون يحفُّ بقمة التلِّ الحبيب الى روحي،
تقف العصافيرُ على أشجار المقبرة
التي تضمُّ رُفاتَ من افْتَدَتْني،
وتصدحُ بعذوبةٍ شجيَّة للغَادة النائمة بهدوءٍ نومَ الأبديَّة،
للغادة الراقدة … ماجدَا، ماجدَا فتاة الاحلام الشعريَّة !
فهناك، هناك أذهبُ في ظلمة الليل البهيم،
فتناجي روحي روحها .
***
هناك .. في تلك البقعة البعيدة، البعيدة القريبة،
يَجْمَحُ بي الخيالُ فأحلّق إليها تحملني أَجنحةُ الشوق العميق،
فأجلس بجانب جَدَثها الطاهر، وأحدِّثها أحاديثي العجيبة،
ولكن ليس من مجيب ! .. الله ! لقد صمتت الحبيبة،
ماجدا، ماجدا شقيقة روحي النقيَّة .
هنا، هنا أُحبُّ أَن أُغمضَ عينيَّ وأرقدُ الى جانبكِ .
***
هناك، هناك في تلك الربوع الخاوية،
تمرحُ الصبايا ويهزجُ الفتيان .
فيا أَيُّها السائرون
بالقرب من المكان الذي ثَوت فيه أمالي،
وتوارت فيه رغباتي، وقَطَنَتْ في جوفه زفراتي،
إنني أستحلفكم بأقدس ما تتمنَّاه أفئدتكُم الفتيَّة،
أن تضعوا زهرةً نديَّة على قبر هذه الصبيَّة،
وتذرفوا دمعة الأسى الصارخة والإلتياع المُروِّع
على حبي الصريع .
وأندبوا أَيُّها العابرون شبابَها السريع الصريع،
وحُسنها الفاتن البديع،
وقولوا : هنا دُفِنَتْ أمالُ شابّ،
واضمحلَّت أحلامُ ناهدٍ غضَّة الإهاب .
وهنا هنا ستُضَمُّ رفاتُه الى رفاتها .
ثمَّ أَطرقوا برؤوسكم وعودوا بخشوعٍ إلى منازلكم .
وعندما ترفعون صلاوتكم إلى خالق البرايا،
اضْرَعوا إليه أَن يجمعَني بها قريبا .
بيروت، في ٢٨ آب ١٩٤٥
الى راحـــــلة
مُهداة إلى ضجيعة الرمس القاسي ماجدا الشهيدة
قلبك أشدُّ صفاءً من شهر آب، يا حبيبتي!
لا سحابةَ من الكذب تُجَلّلُ صفحة نفسك النقيَّة!
و لا غمامةَ من الرياء تكلِّل صفاء روحك التقيَّة!
طهارةُ خُلقك كانت تفتُنني وتستهويني!
ورقَّةُ قلبك كانت، يا أمنيَّتي، تَسْبيني!
سذاجتُك طالما استولت على لبِّي!
آه! لقد توارى بدري و دُفن حبّي!
كنت آيةً في بساطةِ قلبك الشديد الإخلاص!
فمتى تدقُّ ساعتي؟ و أُبشَّرُ بدنوِّ ساعة الخلاص؟
ذكرُكِ يرافقني، يا بدري الآفل، في الليل و النهار!
فأتخيَّلكِ خلال صدح الطيور،
و خرير الجداول، و مُناغاة الأنهار!
لقد أصبحتُ حليفَ السهاد، بعد ان غادرتِني!
فلما قسوْتِ عليَّ، يا ملاكي اللطيف، و لما غَدَرْتِني؟
ربَّاه! وهبيني كنتُ مذنباً فهلَّا عَذَرْتني؟
أبكيكِ أيَّتها الغالية في إِخلاصك ووفاكِ!
و تنوحُ روحي لأَجلك و حقَّ من اصطفاكِ!
إنني ميتٌ بينما يظنَّني الجميعُ حياً!
و لن أحيا، يا ملاكي المتواري، حتى أموت.
بيروت فجر ٥ أيلول ١٩٤٥
كسل عجيـــــب وإنحلالُ أعصابٍ غريب
١ تشـْـــرين الأوَّل ١٩٤٥
كسل عجيـــــب وإنحلالُ أعصابٍ غريب
مأخوذة من كتاب” سفَّاح لبنان النَّذل”
أو ” يوميات الذعر و الرعب و الهول الطاغي”
اليوم هو يوم الكَسلَ العام،ّ وانحلال الأعصاب التامّ،
إذ ما كانتْ لديَّ رغبة
سواءً أكانت في الكتابة أم المطالعة أَم في أيّ أمرٍ آخر.
لقد كنتُ أرى الدنيا بما حَوَتْه أتفه من بعوضة!
كنتُ اتمنَّى الانعتاق الكليّ من كبول جسدي الماديّ!
كنتُ ارغب أن تقف ضرباتُ قلبي الكليل،
و يكون اليوم آخر عهدي بهذه الدنيا الكثيرة الأتعاب!
كنتُ أستعيد تذكارات أيَّامي السعيدة
التي ألقتْ عليها الحوادثُ الرهيبة وشاحها المُظلم،
و كأنّها كفنُ الموتى المؤلم!
استعدتُ ذكريات الراحلة الغالية ماجدا،
هذه الفتاة الوفيَّة، مَنْ بذلَتْ روحها في سبيلي،
من افتَدتْني بنَفسها ووجودها!
و إذ ذاك احتقرتُ نفسي، و أنحيتُ عليها باللوم والتقريع:
يا لي من جبان! يا لي من رعديد يتبجَّج بالشجاعة و هو فاقدُها!
يريد البقاء و يتشبَّث بالوجود،
بعدما احتقرت فتاة هذا الوجود لأجله و في سبيله!
أنت عظيمة ماجدا ! أنت ضحيَّة لا يُستعاضُ عنك!
أنت آية الإخلاص في دنيا الشرّ و الآثام!
أنت قدِّيسة ، أصبحت ترفلين الآن بثوب النعيم الناصع النقاء!
أنت أصبحت تُعاينين القوَّة الموجدة، فيا ما اعظم هناءك!
أما أنا…أنا المسكين…
أنا المتعب البائس، و الشقيُّ اليائس،
فيا ما اعظم شقائي!
يمين الله يا ماجدا!
يا أختَ روحي البهيَّة،
و يا طلبة نفسي الخفيَّة،
و يا مسرى روحي و هَناءها،
و يا من لا أنشدُ في عالم السماء إلَّاها!
لئنْ طلبتُ البقاء في عالم الشقاء،
فلِغاية واحدة،
وهذه الغاية هي التي تدعني اتشبَّث بأهداب هذه الأرض الملعونة،
ألا وهي ترقّبي ساعة الانتقام الهائلة
ساعة فَتْكي بكلّ منْ كان له يدٌ مجرمة في قضيّتي
التي أدت لأن تُهرقي دمك الزكيَّ الطاهر .
فَارقدي يا ملاكي !
ارقدي بسلام
ولتكلأكِ عينُ القدير الذي لا ينام ،
ولتَحُطْكِ السعادة يا أبهى مَنْ عرفتُه ومن سأعرفه !
وثقي يا أمنية أحلامي ،
ويا مَنْ تطلبك روحي الولهی بشوقٍ لا يمكنني وصفَهُ ،
بأنّني سأنتقم لك انتقاماً مروّعاً تتحدّث به الأجيال والآجال ،
ثمّ سأطير إليك ،
وأحلِّق حيث تكونين ،
وأضرعُ إليك أن تقبليني يا ملاكي النقيّ التقيّ ،
فالشوق قد برَّح بي ،
واللوعة قد أضنَتْي ،
لوعة فراقك التي لن تغادرني حتَّى أغادر الأرض ،
وأَجتمع بمن أُقدِّس ذكراها ،
وأخشعَ لمرآها !
الله يا ماجدا !
يا أيتها المفداة القاطنة في جنّات الخلد !
متى يتم اللقاء ؟
سَــآمَة و مَلَل أُصَابُ بهمَا اليوْم
٤ تشرينْ الأوَّل ١٩٤٥
سَــآمَة و مَلَل أُصَابُ بهمَا اليوْم
مَأخوذة من کتاب “سفاح لبنَان النذلْ”
أو يوميات الذعر وَالرعب والهول الطاغي”
لم أستطع النوم بالأمس ،
فقد أُصبْتُ بأرقٍ متواصل حرمني نعمة الرقاد التي أَنشدها
كي أَتناسی بواسطتها آلام الحياة لساعاتٍ قليلة
وكانت تذكاراتُ المحنة التي أُصبتُ بها في العام الفائت
تمرّ أمام مخيّلتي شريط سينمائيّ دون انقطاع .
وكان أشدّ ما يُصميني ، ويُدمي فؤادي ،
ويثير أعصابي ، ويغمرني بالحزن القاتل ،
مأساة ماجدا الحبيبة ،
ماجدا شقيقة روحي المُغْرقة في وفائها العجيب
ويشهد الله على ما أقول :
إنَّني ، في كل مرة ، أحاول جهدَ استطاعتي
أن أُبعد خيالها من ذاكرتي كي لا تنفطر مرارتي .
وأسقط صريع الحزن المميت ،
فلا أعود أستطيع مواصلة الكتابة ضدّ هؤلاء المجرمين .
وإنني أُقسم ، صادقا فيما أقول :
إن غايتي في الحياة
هي الانتقام ممّن سبَّبوا موتها الفاجع لقلبي
إن يوم الانتقام آتٍ ، مهما طال
فَلْيَفْرحْ هؤلاء ، وَلْيمرحوا ،
وليشربوا نخب انتصارهم الموهوم
فما بعد الظلام إلَّا النور ؟
وما بعد الأفراح سوى الأتراح !
إلى اليَمــَـامة الذبيحــَـة
حيَّاك الله يا روح ماجْدا الوفيَّة !
ماجْدا يا شقيقة روحي !
إني أُقبِّلُ الترابَ الذي يضمُّ رُفاتَك الغالية بورَعٍ وخشوع ،
وأَذرفُ دموع عينيَّ ودماءَ قلبي
لفراقك إيَّاي ، يا أَعزَّ عزيزةٍ عليَّ .
وأَضرعُ إلى القوّة المُوجِدة
أن تجمعَ في النهاية بين روحي وروحك الحبيبة ، يا حبيبة
وبعد ، فلقد دار الفَلَكُ دورته الأُولى منذ رِحْلَتكِ الأبديَّة
ومن تلك الدقيقة المشؤومة لم تكتحلْ لي عينٌ برؤيتك .
ولكنَّك ، يا حبيبتاه ،
أقرب إليَّ في مماتك منك إليَّ في حياتك !
لأن روحك الشفَّافة لا تغادرني لحظة واحدة ،
وطيفك المعبود يحفُّ بي مثلما يحفُّ الهواءُ بالفضاء !
أنت تَحومین بقربي ولا تُفارقين لي ظلَّاً !
إنني أراك في الماءِ والهواء ،
وأَتخيَّلُكِ تنعمين في السماء !
أراكِ في خلال آمالي وأَحلامي ،
وأَتَبَيَّنُ ظلالكِ في ساعات الأمي !
إنَّني أَنشدُك في ثواني وحدتي الكئيبة الخرساء ،
وأَبتغي الاندماج بك في دقائق أحزاني الهوجاء !
إنَّني أَراك تمرحين في عوالمك الفتَّانة ،
وتُنشدين أجمل الأشعار تحت ظلال الأشجار الفَيْنانة !
وأَنت تردّدين اسمي في نهاية مقاطع نشيدك السحريّ ،
داعيةً إيَّاي كي أُلبّي نداءَكِ الصارخ المُلحّ بالشوق ،
ساعة اللقاء .
فيا ماجدا ، یا شقيقة أيَّامي الأزليَّة ،
ويا رفيقةَ تمنّياتي السرمديَّة !
سأُلبِّيكِ ، يا حبيبتاه ، سأُلبِّيكِ .
بعد أن أَكونَ قد انتقمتُ لكِ من مُبغضيّ ومُبغضيكِ .
سأُلبِّيكِ ، يا أوفي الفتيات لي وأَرأَفهنَّ عليّ، سأُلبِّيكِ .
فأنتِ أَبرُّ اللواتي لشخصي ، وحق أمكِ وأبيكِ .
إن ساعَة الانتقامِ الرهيب
تدنو ، یا مَاجدا العزيزة ، رويداً رويداً .
فهي تُسابقُ الأَيامَ بجنون ، زاحفة بعضُها على بعض .
وفيالقُ العدالة تعضُّ على نواجذها تُرید اجتياز الزمان .
وجحافلُ الحق البتَّار تكاد تجتاز المسافات قبل الأوان ،
كي تعصف بِشراذم الأوباش وفلول الأنجاس ،
متخذةً إيَّای واسطةً لها ،
لتُنَكِّل بهم بواسطتي ، قريباً ، تنکيلاً رهيباً ،
وتجعلهم أُمثولة الوری ،
يتحدث عنهم الخَلَفُ عن السَّلف حديثاً عجيباً .
فأَمهليني ، يا (مَاجداي ) ، أمهليني ،
فإنَّ حُمّى الانتقام قد أَكَلَتْ لحمي وَبَرَتْ عَظْمي
آه ! يا مَاجدا لقد مضى حوْلٌ کامل مذ غادَرْتني ، يا حبيبتي ،
ففي ذلك اليوم المعلوم المشؤُوم
لم أستطعْ مرافقةَ جثمانكِ الطاهر .
واليومَ ، أيضاً ، لا أستطيعُ مرافقةَ إخوتي
الزيارة جَدَثكِ القاهر
فالغاصبُ النَّذْلُ لا يزال يستمدُّ قوَّته الشيطانيَّة
من سيِّده ووليّ نعمته إبليس
والذي سيُؤَدَّبُ لا يزال ضميرُه النَّتِنُ
مشبعاً بكل ما هو حقير وزريُّ خسیس
فالصبرُ ، يا حبيبتي ( ماجدا ) ، أوْلى لنا،
حتى تشاءَ العنايةُ أن تجمعنا .
إنَّ روحي القويَّة ما تزال في عنفوانها وعزَّتها،
لأنَّها في أوج قوّتها
فهي تريد أن تُذِلَّ وتُخْضِع لا أَن تُذَلَّ وتُخْضَع .
إذن اطمئنِّي في سماواتكِ الرفيعة ،
لأنَّ ساعةَ ( الانتقام ) مهما طالت لا شكَّ آتية .
سلامٌ على روحكِ العَذْبة البهيَّة !
سلامٌ على أمانيك وأحلامك الشعريَّة !
سلامٌ على رغباتك التي وارَتْها الأبديَّة !
سلامٌ على إخلاصك العجيب ، یا ذاتَ الحَميَّة !
سلامٌ عليكِ ، يا ربَّة آمالي النديَّة !
سلامٌ على الحقيقة التي بتِّ تنعمين فيها ،
یا قاطنة العوالم السرمدية !
سلامٌ على التربة النديَّة التي تضمُّ رفاتَك النقيَّة !
سلامٌ على طهارتكِ العجيبة الأزليَّة !
سلامٌ علی کیانك الروحيّ الخالد يا مَاجدا الوفيَّة !
سلامٌ من مشتاقٍ مُدَلَّهٍ الى عوالمك العلويَّة !
هناكَ حيثُ يتمُّ اللقاءُ !
سلامٌ سلامٌ !…
بیروت ، في ۲۷ كانون الثاني ١٩٤٦
إلىٰ ربَّــة الفرا دیس الخالِدَة
وشمْسَها الوضَّاءَة الدَائِمَة السُّطُوع
مَاجْدَا
وهَاهِيَ القطعَة السَّابقة ، وَقد نظَمَها الشاعر الدا هشي حليم دمُّوسْ
إيه مجدا يا أُخت روحي النقيَّة يا ابنة الخلد والسماء الوفيّة
نحن خُضْنا معاركاً ذات شانِ کحروب شديدة العنفوان
فَالتقـــينا کشــامـــخ البـنيانِ وثَبتْنَا كراســـخ الأركـان
يا لهَــا من معـــاركٍ ومـــلاحمْ تفصلُ النور عن ظَلام المظالِم
سنــدكُّ الطغــاة دكـــاً ســـريعاً. و(الوصولي) سوف يهوي صريعاً
***
إيهِ مجدا يا أخت روحي الأبيَّة يا ابنة الخلد والسماء الوفيَّة
أنــا أحيــا لِقــذف ذَاك الأَثیم. في دياجي أعماق نار الجحيم
ذلك(الجلف)سوف يلقى النهاية کلُّ بدْءٍ لهُ ختــام الروايــة
قصَّةٌ في البلاد بيت القصيدِ سوف تروى من طارف وتليد
وَستلقي سمّ الردى الأُفعوانة وبُعَيْدَ العذاب تلقى المهـــانَة
وكذاك الأعوان يلقــون ضرّا وقصاصاً يجرُّ للموت جرَّاً
فارقبي دورة الزمان المؤاتي فحسابُ اللئام لا شكَ آتِ
***
ایهِ مجدا يا أخت روحي الفتيَّة يا ابنة الخلد والسماء الوفية
أَرقـــدي في هنــاءَةٍ واكْتــمال وارتعي في ظلال ربّ الجلالِ
وامرحي في فردوسك السحريِّ في اغتباط وظلِّ عيش هنيّ
واْرقبـــي يا رفيقـــةَ الأَتقيـاءِ هول بَطشي بطغمةِ الأدنياءِ
فانْتِقامـــي مردَّدٌ في الدهــورِ وسیَدْوي غداً بأذْنِ العصورِ
داهش
بیروت، في ۲6 كانون الثاني ١٩٤٧
سَعَــــادتي بلقيَــــاكِ
یا روحَ ( إرمْيا ) المُفْعَمة بالكآبة ،
المُتْرَعة بالأَسي ، المُشْبَعة بالشَّجن !
غذّيني بترياق أحزانك الفائضة ،
كي أصوغَ منها ( مَرثية مُؤسية ) للمُخلصة ( ماجدا ) الوفيَّة
أَنجديني ، یا روحَ إِرميا ،
ودعيني أَسكب دموعَ عينيَّ المقرَّحَتْين
وأهرقُ دماء قلبي الذبيح الممزَّق ،
ثمَّ أغمس ريشتي بمادّتها ،
وأَندب أَملي الضائع وسعادتي المفقودة .
أَسعفيني يا مَنْ كابَدْتِ الغَصص،
وخلدت مراثيك ما خلدت دنيانا الفانية !
ودعي ( مرثاتي المفجعة ) تتفوّق على مراثيك المحزنة الموجعة .
آه ! أنا أبكي الأنغام العذبة الجَرْس،
الفتَّانة الانسجام ، الرائعة الأَلحان !
هذه الأَنغام الإِلهيَّة التي تحطَّمتْ عنها القيثارةُ الصَّنَاع ،
فتبدَّدَتْ أَلحانُها إلى غير ما أَوبة ، واحرَّ قلباه !
أنا أَبكي الإِخلاصَ الغريب ،
والحبَّ العجيب ، والوفاءَ النادر الرطيب ، واخسارتاه !
أنا أَبكي ربيعَ عمري الذي أحاله غياب خِلَّه عنه
إِلى شتاءٍ مُروِّع تخوضُ شياطينُ ثلوجه المرعبة
في سماءِ حياتي الميمة ، الدائمة الأَمطار الغضوب . واتعَسَاه !
أَنا… تقضُّ مضجعي ،
في ظلمات لياليَّ العابسة باستمرار ،
أشباحُ الذكريات التي مَضَتْ وانْقَضَتْ ،
فتؤَرِّقُني هذه التذكاراتُ السعيدة المريرة ،
فأَنتحب في سكينةِ الليل بمرارة صابيَّة وأَتمنَّى الموت ،
والموتُ يدأَبُ في الهزْءِ منِّي والابتعاد عنِّي ،
ويُسَرُّ بتشفِّيه من حزني ، واویلتاه !
أَنا أَذهب بعين الخيال الى الماضي البعيد القريب ،
فأَری ( فتاة أحلامي ) وهي جالسةٌ بقربي ،
ناظرةً إليَّ بعينَيْن ساجِيَتَيْن ساهِمَتَيْن ،
وماءُ الصَّبْوة يتدَّفقُ من أَعصابها ، والرقَّة تنثال من أَعطافها !
فأُردّدْ اسمَها وأَهرعُ إِليها ، وإذا بي أَصطدم بالخيال !
وهكذا تتردّمُ الأحلامُ ، وتتقوَّضُ الآمال !
فيعلو منّي النّحيب ، ويدأَبُ فؤادي بالوجِيب ،
واحُزْناه ! َبل واخيبتاه !
فيا ماجدا الوفيَّة !
ما أَشبهني بتلك الشجرة المُورقة الوارفة الظليلة
التي شدا على فنَنِها الأُمْلودِ عصفُورُها الغرِّيد
فأَسكرها ، وحلَّق بروحها بعد أَن أَطربها ،
ثم ما لبث أَن غادرها ورحل عنها بعيداً بعيداً !
وبعد أَن هجرها ( الحبيب )
ذَوَتِ وُرَيْقَاتُها الخضراءُ ، وتساقطت حزناً عليه ،
وأصيبَتْ بوحشةٍ قاتلةٍ وكآبةٍ مرعبةٍ داجيةٍ مريرة ،
فهَرِمَتْ وشاخت وباتت تنتظر العفاءَ فالفناء !
بل ما أَشبَهَني ببُحَيْرةٍ عَذْبَة المياه ،
تتكسَّرُ عليها أشعَّةُ الشمس فتتلأْلأُ صفحاتُها الرائعة .
فتنتشي أسرابُ الإِوزِّ السابحة فيها بمَرَحٍ وطَرَبٍ مُبْهجَيْن ،
والنسيمُ العَذْبُ
يمرُّ على رؤوس الأَشجار الغَيْضاءِ القائمةِ على ضفَّتي البحيرة
فيبعثُ السِّحْرَ في هذا المشهد الخلَّاب .
ولكنَّ فصلَ الشتاءِ القارس في برودته وزمهرير ثلوجه …
يضَعُ حدًّا لهذه السعادة المُؤقَّتة ،
فتغادر أسرابُ الإِوزِّ موطنَ أَمانيها ،
وتتجمَّدُ صفحةُ البُحَيْرة ،
وتذوي أَوراقُ الغَيْضة الفَيْنانة ،
وتبكي عناصرُ الطبيعة على سعادة عَفَتْ ومضت .
ولكنَّ للبحيرة أَملاً وطيداً في عودة الحياة السعيدة
إلى ربوعها ، ثانيةً ،
واكتحالِ عينيها بإِوزِّها الجميل الناصع في بياضه ؛
وكذلك سيعود العصفورُ
فيغرِّدُ على فَنَنِ الشجرة الحزينة لفراقه المؤْسي
بعد أَن تعود الطبيعةُ فتمنحها موسیقی فتنتها الأَخَّاذة ،
في فصل الربيع الخلَّاب .
أَمَّا أَنا ، یا ماجدا الوفيَّة ،
فإنَّ سعادتي لن تعودَ إلى ، ثانيةً ،
حتى يأْمرَ الله باستِردادي إليه ،
وإذ ذاك أنتشي وتكمل سعادتي بلقياكِ !
بیروت ، في ۲۷ كانون الثاني ١٩٤٨
سَــأَنتقم لكِ يَا مَاجْـــدَا سَأَنتقِم
ماجْدا! ماجْدا!
إنّي ما زلتُ محافظاً على يميني،
و حاشا لي أَن أَحنِثَ فيها.
و كذلك رفاقُ جهادي الأَبطالُ المخلصون.
إنَّنا نعدُّ الشهورَ و نخوضُ في عُباب السنين.
جهادُنا ما فَتَر لحظةً ، ولا تناهى هُنَيْهَة.
جميعُنا في هذا سواءٌ، و كلُّنا في تضحيتنا متساوون.
الأَيام تُفنى، و الأسابيعُ تتبدَّد، و الشهور تضمحلّ،
والأَعوام تتوارى، و ساعةُ الانتقام تدنو شيئاً فشيئاً.
سأُحاسبُهم حساباً عسيراً جدًّا، يا مَاجدا،
و سأَدَعُ مآقيهم تذرف الدماءَ عِوَضاً عن الدموع،
و ما أَذاقوني إيَّاه بالكؤُوس فسأُجَرِّعُهُم إيَّاه بالبُحَيرات.
لتطمئنَّ روحُكِ، أيَّتها المجاهدةُ الصافيةُ الروح،
ولتهنأُ نفسُكِ أيَّتُها البَطَلةُ
التي احتَقَرتْ دنياها في سبيل أُخراها؛
لأَنَّ إِخوانَكِ الذين تعهدينهم مضحِّين بكلِّ مُرتَخَص و غالٍ
في سبيل إحراز الفوز النهائي،
هم هم، في ثبات ايمانهم،
ورسوخِ عقيدتهم، و مواصلة جهادهم.
وسينصُرُهم الله، و يسلِّمهم أَعداءَهم كي تتمَّ عدالةُ السماء،
لأنَّ ما زرعوه فإيَّاه سيحصدونه.
فلتطمئنَّ روحُكِ التقيَّة، أَيَّتُها الروحُ البهيَّة!
فإِنّنا ما نزال على العهد ثابتين.
و ثقي، يا شقيقةَ الروح الخالدة،
بأَنَّني سأنتقمُ لكِ انتقاماً هائلاً مُرَوِّعاً
سيدوِّنُه التاريخُ بين دفَّتيْه كي تطالعه الأجيالُ القادمة.
وإِذا بالرعب الطاغي يتملَّكُ أَفئدتهم
لهولِ ذلك التنكيل المخيف الرهيب العادل.
فاشهدي، يا سماءُ، على قَسَمي المُزَلْزل!
وأَنتَ، يا خالقي، قَرِّب ساعة الانتقام
كي تطربَ العدالة و تبتهجَ في فراديسها الفتَّانة
بيروت في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٨
في يَــنـَـــــاير صَوَّحَت آمَالي
لقد ماتت مَاجدا في يَناير.
و في هذا الشَّهر الكئيب،
تذرف السماءُ دموعَها المدرارة، بلوعةٍ و غزارة!
والطبيعةُ نفسُها تحمل طابع البؤْس البالغ
والحزن الواقعيّ المتدافع!
وتنقضُّ الصواعقُ من الأعالي،
حاملةً الهول الطاغي، و الذعر الباغي!
والبروقُ الخاطفة للأَبصار
تومضُ معلنةً لِلجميع، بتأَلُّقها، عن قِصَر الأعمار!
والرياحُ بِهزيمها تُعْولُ و تنوح، و تصفر و تئِزُّ،
وهي تزرع الاضطرابَ في ربوع أرضنا التاعسة!
والعواصفُ الهوجاءُ تقتلع جبابرة الأشجار الشامخة،
فتخرُّ ساجدةً أمام عَصْفها المُرَوِّع!
والغيوم السوداءُ تطوفُ في الفضاء،
و كأَنَّها جيشٌ جرّار لَجِبٌ قدم للغزو و التنكيل!
وما تلبث الأَمطارُ الغضوب أَن تنصبَّ من علٍ،
وكأَنَّها القنابلُ الذرِّية المجنَّحة
وهي تقذف بمائها وهوائها وبَرْدِها على دنيانا،
دنيا البشر الراسفين في قذارات أجسادهم الماديَّة الترابيَّة،
فيذعر الجميع،
ويفرُّون من هول جماح غضب الطبيعة المرعب،
ويدخلون إلى منازلهم كي تُؤُويَهم،
وتدرأَ عنهم غضبَ جبابرة الطبيعة الثائرة الشياطين،
المندفعة بنثر ثلوجها و كأَنَّها حمَمُ البراكين!
في هذا الشهر الذي يموت فيه جمال الطبيعة الفتَّانة،
وتذوي فيه أزاهيرُ الحقول النَّضرة،
ووردُ الرياض، وأقحوان الغِياض،
ماتت ماجْدا الجبَّارة بإيمانها، المندفعة بحميَّتها و غَيْرتها
لنُصرة العدالة الصريعة تحت أَقدام الظالمين الأفَّاكين.
لقد صرعَتْ نفسها برصاصة!
وأحرَّ قلباه! على صباها الذاوي!
لقد أَزهقتْ روحها بيدها
لأجل إسماع صوتها للرأْي العامّ
بأَنَّ هُناك طغمةً مجرمة
أَبَتْ إِلا دَوْس أَشلاءِ العدالة و تقطيع أَوصالها،
والولوغ بدماءِ ضحاياها.
لقد ضحَّتْ هذه الفتاةُ البريئة بأعزّ ما تملكه،
وأَثمنِ ما وهبها إيَّاه الله جلَّتْ قدرتُه ،
فوهَبَتْني روحها، و ماتت كي تُحْييني.
ماتت! والوعتاه! كي تردَّ إلي حرِّيتي السليبة.
فهل هناك تضحية تتفوَّق على تضحيتها العظمى! واحسارتاه!
لقد ماتت ماجْدا، فمات قلبي في داخلي !
وذَوتْ أَوراقُ حياتها الفوَّاحة اليانعة، فذبلَتْ أَيَّامُ حياتي،
وأَصبحتُ جسدأً مهدَّماً مردَّمَ الآمال!
أطلبُ تحقيق المحال، و هو عودة الروح إليها،
وهذا محال!
فلماذا لا تنطلق روحي إليها؟
وبانطوائِها انطَوَتْ سعادتي،
واحتلَّ مكانها شقاءٌ رهيب قاسٍ مُدلهمُّ الدُّجنات! وا أسفاه!
ماتت اليمامة الطاهرة، ومكث الذئب المرعب!
لَعَنَه الله وقطَّع أَوصاله، وفضحَ العليُّ آله.
ماتت بسبب ظلمه الرهيب،
فالويل له من يوم الانتقام القريب!
ماتت- مات جسدُها المادّيّ،
ولكنَّ روحها النقيَّة وفكرتها النبيلة السامية ما تزال حيَّة.
وستبقى خالدةً ما خلدت السماءُ والأرض.
إِنَّ أَنوار البدر الناعمة الأشعَّة،
لم تعد لتُؤَثِّر على عاطفتي.
وَمناظر أَزاهير الحقول،
وهي تتموَّجُ بتأْثير مداعبة النسيم لها،
لم تعد لتُثيرَ خيالي.
وأروعُ ما تحتويه الطبيعة، في فصل الربيع،
من وَشْي مفاتنها، لم تعد لتَفْتُنَنِي.
ومنظرُ غروب الشمس، وهي تجنح نحو الغروب،
لم يعد ليُدخل البهجةَ إلى فؤادي الكسير.
كلُّ ما تقعُ عليه عيناي أصبح لا يحمل إليَّ
إلَّا الكآبة الصارخة و التفجُّع المتواصلَ العميق.
وبموتها، مات في داخلي
كلُّ ما تقعُ عليه العينُ أَو يصلُ إِليه خيال.
فإِليك،
إِلى روحِكِ الثائرة الجبَّارة،
إِلى طيفك الروحانيّ المحلِّق في حدائق فردوس النعيم،
إِلى تضحيتكِ العجيبة و بطولتِكِ الخالدة،
أرفعُ كلماتي هذه المُفْتَلَذَة من كبدي،
يا أعزَّ عزيزة لديّ!
وثقي ، أَيَّتها الوفيَّةُ النادرة،
أَنّ أُمنيتي المنشودة و طلبتي المرجُوَّة،
هي أَن أَثوي في رَمْسك!
هناك ، بالقرب من البحر،
حيث تحنو حفرتك على جثماني فتحتويه قريباً،
بعد انْ تَسمحَ عينُ العناية المراقبة،
ويد العدالة البطَّاشة
أَن أُوقِعَ الإنتقام
بالطغمة التي سبَّبت لنا هذه المأْساة الدهريَّة.
أحيَّــيكِ بخشوع،
وأَضرعُ إليه، تعالى، أن يجمعَني بكِ قريباً.
بيروت الخميس في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٩
دمعَتَـــان مُذيبَـــتان
واأُمَّاه ! ووامَاجداه !
إنِّي أُناجيكما بدموع عيني ، وبدماءِ قلبي ،
وبُعصارة نفسي، وبُخلاصة روحي .
أُناجيكما مُناجاةً يملأُها الحزن الفاجع، واللوعة الخرساءُ القاتلة . أُناجيكما بحبٍّ وحنوٍّ وشوقٍ مُلحٍّ
لمُشاهدتكما قريباً في عالمكُما المضيءِ السامي .
أُناجيكما وأَنا أَضرعُ إليه تعالى أَن يحمعَني بكما
في عالم لا يعرف للأحزان اسماً .
أُناجيكما، واللوعةُ تقطنُ في قلبي،
والأسى المروّع يثوي بين ضلوعي .
أُناجيكما يا من كُنتما تُحيطانني بِعنايتكما وَتشملانني بِرعايتكما . أُناجيكما وأنا حزينُ النفس كسيرُها،
وعَبَراتي تتساقط حزناً على فراقكما المدمَّى .
أُناجيكما يا من ضحَّيتما لأجلي كثيراً،
وجاهَدْتُما جهادَ الجبارة في سبيلي .
أُناجيكما بلوعةٍ جارفة أقضَّت عليَّ مضجعي
وحَرمتْني نعمةَ الطمأْنينة .
أُناجيكما وأَرثي نفسي لبقائي في عالم الفناءِ ،
بعدما رحلتما حتى يوم الدِّين عنّي .
أُناجيكما والتشوقُ يدفعني للولوج إلى عَالمكما .
تُرى هل تطولُ بي الأيام للقائكُما ؟
إنَّنا ما نزالُ في حربٍ ضروس مع أعدائنا، أعداءِ الحقيقة الناصعة . وهذه الحربُ لن تكفَّ
حتى تكفَّ ضرباتُ قلوب أحدَ الفريقين المتنازعين .
وأَصدُقكُما أيتها العزيزتان الراحلتان من عالمِ الفناءِ
إلى عالم الخلود والهناءِ ،
أنني ما كنتُ لأستطيعَ البقاء في عالَم المكر والختل والرياء ،
لولا هذا الواجب المقدَّس الذي هو فرضٌ إلهيُّ مُلقى على عاتقي،
ألا وهو تحطيمُ أعدائنا الخَونة،
وتمزيقُ شملهم شرَّ مَُمزَّق،
وجعلُهم عبرةً للأيَّام،
وأُضحوكةً مرذولةً لكافَّة الأنام .
فاهنَأَا في عالَمكما النيِّر الخالد البهجَات .
وتأَكدا أَنَّني لا ولن أَنقاعس عن جهادي الجبار .
حتى يَنصرني الله انتصاراً ساحقاً
فأُؤَدَّب طغمة المُجرمين،
وإذْ ذاك باستطاعتي أَن أقول وأَنا مطمئنّ :
– الآن أطلِقْ عبدكَ أيُّها السَيَّد،
فقد آن لَه أن يستريح بعد كفاحه المتواصل .
واجمَعْه بأَعزَّائه الراحلين … أُرْقُدا أُرْقُدا بسلام،
فقد إنتصَرْتُما بَرحيلكما عن عالمِ المكْر بين هؤلاءِ الأَنام .
الجمعة في ٢٧-١-١٩٥٠
إلى الشهيدة الراحلة
ذكرتُك يا ماجدا الراحلة ففاضَتْ دموعي !
ذكرتُك أيتها المتفانية بعقيدتك فهمَتْ عبراتي !
ذكرتُ صباكِ الغضّ ووسامتَك المحبَّبة فحزنَتْ روحي !
ذكرتُ مواقفكِ الصلبة الصلدة ضدَّ من إضطهدوني،
فأكبرتُ فيكِ إيمانكِ الذي لا يتزعزع .
ذكرتُ براءتكِ وكأَنكِ طفلٌ لم يتعدَّ الخامسة .
ذكرتُ بسمتكِ التي كنتِ تُقابليني بها، وإذا بالأسى يغمرني .
ذكرتُ تلهّفكِ للقائي، فقلتُ : تبًّا لكَ أيها الردى ما أَصلدَ فؤادَك !
ذكرتُ انطلاقكِ عني وأنت ما تزالين في شرخ الصبا وإبّان الفتوَّة ! وإذا الأرضُ تدور بي وكدتُ أن أفقد صوابي !
ذكرتُ كلَّ ذلك ولكنه قد مضى وإنقضى .
وقد مرَّ منذ ولوجك العالم الآخر ثمانية وعشرون عاماً ! واحرَّ قلباه ! إنَّ عجلةَ الزمان لا تتوقّف يا ماجدا المفداة.
إنها دائبة الدوران، ولا من يستطيع إيقافها.
فلتمضِ الأيام ولتتصرَّم الأعوام،
ففي تصرّمها تصرُّمٌ لحياتي،
وفي فنائها فناءٌ لوجودي المادي،
علَّني ألتقي بكِ في عالم الروح
عندما أصبح روحاً شفافة .
وإذ ذاك لن أنفصل عنك
طوال العصور والأدهارْ !
مدينة زاكوباني البولونية،في ٢ تشرين الأول ١٩٧٢
الساعة ( ٨ ) و١٠ دقائق صباحاً
سأبحَثُ عنكِ في الأرض والسَّمَاء
مُهداة للحمامة الذبيحة ماجدَا حدَّاد
سأبحثُ عنكِ في حدائق الورود،
وفي بساتين الزنابق الناصعة البياض،
وفي مروج شقائق النعمان القانية اللون،
وفي الغابات ذات الأشجار الباسقة،
وفي الأدغال التي تختلط فيها الحشائش بالأزهار الوحشيَّة،
وفي الأودية حيث يختبىء البنفسج الحييّ بين الصخور الداكنة، وسأتجوَّل بين البحيرات، علّي أجدُكِ أيتها الجنّية الفاتنة،
وسأرتقي قممَ الجبال الشامخة باحثاً عنكِ ، يا عروسَ أحلامي وأمانيَّ، وسأخوض الأنهارعلّي أَجِدُكِ تتحدَّثين مع عروس نهرٍ ساحرة المفاتن، وسأقتحم الحصونَ المنيعة،
علّك تمتنعين عن دنيانا وراءَ أبوابها المحصَّنة،
وسأشقُّ أمواج الأوقيانوس العظيم لعلّي أجدكِ مع عرائسه الفاتنات، وأنت تُنشدين معهنَّ أناشيد حبّك وهيامك بي .
وسأَسأل عنكِ طيورَ الغاب علَّها تعرف مخبأَكِ النائي،
وسأتوسَّل الى فراش الحقول أن تُنبئني إذا كنتِ ضيفتَها المكرَّمة، وسأصعد إلى الفضاء ، إلى النجوم، إلى الكواكب النيِّرة،
وسأتجاوزها إلى المجرَّة، إلى السُّدُام، إلى العوالم الممنوعة،
وسأَطُرق باب جنّة النعيم ثم أدخلها عنوةً ،
وهناك سأجدكِ ، يا أحلى أمانيّ وأبهى تصوّراتي وأروعها !
نعم سأجدُكِ دامعةَ العين، خفّاقةَ الجنان،
لأنكِ انتقلت إلى عالم الخلود دون أن أكون برفقتك .
وها قد هرعتُ إليكِ، أيتها المخلوقة السماوية، ووجدتك .
وسأضمُّك إلى صدري،
وأَطبع قبلة ( مولَّه مُدَلَّه ) على ثغرِك الإِلهيّ العجيب،
وسأمكثُ معكِ مدى الآجال والآزَال .
آهٍ ، ما أسعدني بلقائك يا أحبَّ إليَّ من روحي. .
بيروت، ١٣ – ١ – ١٩٧٤ الساعة التاسعة صباحاً
ماجــــدَا تذكّرتكِ فهَاجتني ذكراكِ
تذكَّرتُكِ ، يا ماجْدا الشهيدة، فإذا بالأَسى يغمُرني،
تذكَّرتُ غَيْرتَكِ عليّ ، واندفاعَكِ ، وتضحيتكِ العُظمى ،
فإذا بالحزن العميق يشملني .
إنَّ مرور الأيّام وكرور الأعوام ليس بإمكانه أن يُنسيني إياك .
فذِكرُكِ أبداً قاطنٌ في قلبي،
ورسمُك محفورٌ بأعمق أعماق كياني !
لقد كنتِ فراشةً جميلة تُضفين على وجودي بهجةً وسروراً،
وكنتِ تُحيطينني بعطفٍ كبير،
وكأنني طفلٌ مُدلَّل !
وعندما أَتخيَّلُ تلك الأَيَّام البعيدة السعيدة،
وأراكِ بعين الخيال وأنت تبذلين النفس والنفيس في سبيل راحتي، مُضَحيَّةً بكلِّ رخيصٍ وغالٍ ، لكي أكون سعيداً في حياتي،
إذْ ذاك تنهمرُ الدموعُ من عينيَّ الذابلتين،
وأشعر بيأسٍ قاتل يُحيطني كإِحاطة السِّوار لمعصم الحسناء ،
وأروح أُناجيكِ مُناجاةً حزينة،
ضارعاً إليه تعالى أن يُقصّر أيَّام حياتي،
علّي أجتمع بك بعد مماتي،
لأنَّ حياة الأرض تعيسة ومخيفة بعد إنطلاقك،
لا أرى فيها إلّا الشقاءَ الرهيب،
والحزن والشَّجن وكلّ ما فيها كئيب .
فيا أيَّتُها الزهرة التي عطَّرت الأجواء لفترة قصيرة ثم ذبلت وتوارت ! ويا أيَّتُها الوردة الجوريّة التي عفت آثارها إذْ طواها القبرُ الدجوجيّ، هذا القبر الجلْف الذي لا يرحم ،
ويا أيَّتُها الوفيّة التي ضَحَّتْ بزهرة صباها لأجلي،
إنني أُحيّي الوفاء فيكِ،
وأتمنّى، قريباً ، أن أُلاقيك،
وإذْ ذاك أسعد، وأشعر بلذّة الحياة بوجودك،
في فراديس الخلد المتلألئة بالأنوار الإلهيّة السرمديّة،
ضارعاً إلى الله – جلَّتْ قدرتُه الأبديَّة –
أن يُحقّق لي هذا الحلم الفاتن،
حلم إجتماعي بك حتى أَبدِ الآبدين .
ضاحية دوغلاستون في نيويورك
الساعة ١١ قبل الظهر، تاريخ ٩- ١٠ – ١٩٧٦
ماجــــدَا
تذكّرتكِ فهَاجتني ذكراكِ
تذكَّرتُكِ ، يا ماجْدا الشهيدة، فإذا بالأَسى يغمُرني،
تذكَّرتُ غَيْرتَكِ عليّ ، واندفاعَكِ ، وتضحيتكِ العُظمى ،
فإذا بالحزن العميق يشملني .
إنَّ مرور الأيّام وكرور الأعوام ليس بإمكانه أن يُنسيني إياك .
فذِكرُكِ أبداً قاطنٌ في قلبي،
ورسمُك محفورٌ بأعمق أعماق كياني !
لقد كنتِ فراشةً جميلة تُضفين على وجودي بهجةً وسروراً،
وكنتِ تُحيطينني بعطفٍ كبير،
وكأنني طفلٌ مُدلَّل !
وعندما أَتخيَّلُ تلك الأَيَّام البعيدة السعيدة،
وأراكِ بعين الخيال وأنت تبذلين النفس والنفيس في سبيل راحتي، مُضَحيَّةً بكلِّ رخيصٍ وغالٍ ، لكي أكون سعيداً في حياتي،
إذْ ذاك تنهمرُ الدموعُ من عينيَّ الذابلتين،
وأشعر بيأسٍ قاتل يُحيطني كإِحاطة السِّوار لمعصم الحسناء ،
وأروح أُناجيكِ مُناجاةً حزينة،
ضارعاً إليه تعالى أن يُقصّر أيَّام حياتي،
علّي أجتمع بك بعد مماتي،
لأنَّ حياة الأرض تعيسة ومخيفة بعد إنطلاقك،
لا أرى فيها إلّا الشقاءَ الرهيب،
والحزن والشَّجن وكلّ ما فيها كئيب .
فيا أيَّتُها الزهرة التي عطَّرت الأجواء لفترة قصيرة ثم ذبلت وتوارت ! ويا أيَّتُها الوردة الجوريّة التي عفت آثارها إذْ طواها القبرُ الدجوجيّ، هذا القبر الجلْف الذي لا يرحم ،
ويا أيَّتُها الوفيّة التي ضَحَّتْ بزهرة صباها لأجلي،
إنني أُحيّي الوفاء فيكِ،
وأتمنّى، قريباً ، أن أُلاقيك،
وإذْ ذاك أسعد، وأشعر بلذّة الحياة بوجودك،
في فراديس الخلد المتلألئة بالأنوار الإلهيّة السرمديّة،
ضارعاً إلى الله – جلَّتْ قدرتُه الأبديَّة –
أن يُحقّق لي هذا الحلم الفاتن،
حلم إجتماعي بك حتى أَبدِ الآبدين .
ضاحية دوغلاستون في نيويورك
الساعة ١١ قبل الظهر، تاريخ ٩- ١٠ – ١٩٧٦
طواكِ فليْته طواني
ماجدا، طَواكِ الرَّدى وأنتِ فتيَّه !
ف لور ذبحتْكِ هذه الداعرة الشقيَّةْ !
فيا لوعتي فقدتُك حمامةً لطيفةً نقيَّةْ !
وويحَ قلبي افتقَدْتُك يمامةً رقيقةً تقيَّهْ !
غبتِ عن عيني فإذا الدهرُ يرميني بنبله وقسيِّهْ ،
ويُصميني بضربات قَدَرهِ وقسوة عِصيِّه !
فرحتُ أُناجي روحَكِ الشفّافةَ الوفيَّهْ ،
مُستنجداً، راجياً لقياكِ بجنّاتك الغنيَّهْ !
واهاً ! كيف توارَتْ فراشتي وكنَّا سويَّهْ !
ماجْداه ، رحماك ِ، لقد حَطَّمْتني بليَّةٌ إثر بليَّهْ !
أُفكِّرُ بكِ، دوماً، كلّ بكرةٍ وعشيَّهْ !
أصبحت روحاً شفّافة ترود روضةً بهيَّهْ،
ولألقاكِ أرجو أن تنشبَ بروحي المنيِّهْ .
الولايات المتحدة الأمريكية
الساعة الواحدة والربع بعد الظهر ٢١ —٥ — ١٩٧٨
متى أراكِ ؟
ماجْدا ، أَراكِ في تأَلُقِ النجوم النَيِّرة !
أَراكِ في حفيف الأشجار الخضراء الغَضّة!
أَراكِ في هينمة النسيم المنعش!
أَراكِ في الربيع الفاتن الضاحك!
أَراكِ في الوردة الجوريَّة المُذهِلة!
أَراكِ في الزنبقة الناصعة البياض!
أَراكِ في البنفسج المتواضع!
أراك في فراشة الحقول الهائمة بين الأزاهير!
أَراكِ في صَدْح طيرٍ شادٍ على الأفنان!
أَراكِ في لمعان البروق المُومضة!
أَراكِ في العاصفة الغاضبة الثائرة!
أَراكِ في دمدمة العناصر الجبَّارة الهوجاء!
أَراكِ في مُكاء الريح و بُكاء الأمطار الغزيرة!
أَراكِ في الأُفق البعيد البعيد!
أَراكِ وراءَ الغيوم السابحة بأوقيانوسات مجهولة!
أَراكِ هناك في السُّدُمِ الموغلة في القصاء!
أَراكِ في متاهة المجرَّة الكبرى!
أَراكِ وراءَ ما تراه عيونُنا القاصرة!
أَراكِ هناك هناك في فردوس النعيم المقيم!
أَراكِ في رِحاب الله و ملكوته!
فتخشع نفسي لصفاءِ نفسِكِ،
و ترتعش روحي لنقاء روحكِ!
فمتى تلتقي روحي الشقيّة بروحك النقيَّة؟
و متى متى أَراكِ؟؟
الولايات المتحدة الأميركية
الساعة الثانية ربعاً بعد ظهر ١٩٧٨/٥/٢٢
إلى رُوح ماجدَا الضحيّة الغاليَة
الذكرىٰ الأُولى للشهيدَة ماجدَا حدَّاد
أي ماجدا الغالية!
أي ماجدا المفدَّاة!
أي ماجدا زنبقة الجنَّة الفوَّاحة العبير!
أي ماجدا الخالدة بِتضحيتها ،
الخالدة بعقيدتها،
الخالدة بعالمها الروحاني الخالد!
أَيَّتها الضحيَّة الغالية،
ضحيَّة المجرم العاتي،
ضحية شيطان الشياطين، ورئيس الأبالسة اللعين،
ضحية وب الشرور، و إله المعاصي، و مرتكب الإِثم،
وطاعون الدنس، و رهبوت الرجس،
ذلك الطاغية الحقير، و الباغية على الحقِّ المنير،
ونزيل الهاوية المُدلهمَّة الظلمات، الغارقة في دجنّات الديجور،
والخالد أبدأ في أُوقيانوسات الويل والثبور.
أَي ماجدا الحبيبة إلى قلبي، القريبة إلى نفسي، الممتزجة بدمائي!
يا أخت روحي منذ الأَزل و حتَّى الأبد!
يا من أَصبحت الآن روحاً شفَّافة كاملة الطهر،
تجوسين فردوس النعيم بين اترابك من الأرواح الأبرار،
والصالحين من معشر الأطهار.
هي بُشرى أزفُّها لروحك العارفة بما يجري في عالم الأرض،
هي بُشرى تتمنى روحي
أَن تُحَقِّقها عين العدالة المراقبة بالسرعة العاصفة،
ألا و هي قربُ الظهور، لكي يتمَّ كسر الأَعناق و تحطيم الظهور،
عنق المجرم الذي يستحقّ الدقَّ الهائل بمطرقة الفولاذ الصَلْد الصَلْب، ذلك العنق الكريه، المعلَّقة به آلاف الجرائم الرهيبة،
التي ارتكبها هذا الشيطان البغيض،
الراقص على أَجداث من أَلحَدَهم حُفَرهُم،
بعدما أَلحد ضميره النتن في زوايا القبور النخرة.
لعنه الله من مجرمٍ حسود كنود.
أمَّا ظهره،هذا الظهر المثقل بأَطنان من المعاصي والارتكابات الشائنة، فإنَّ ربّ الأبالسة نفسه ينوء بمثل هذا الحِمْل الجارف المخيف.
إِنَّ هذا الظهر الشيطانيّ سَيُسْحَقُ سَحْقاً
تتحدَّث عنه الركبان في كل مكان و زمان،
ليبقى أُحْدُوثة التاريخ، و أُسطورة للأجيال الزاحفة،
يبقى بشارة للعَار الهائل،
وعنواناً للجريمة الملوَّثة بعار الارتكابات المجرمة،
التي أقدم عليها بضميرٍ مفقود،
وروح مجرمة مثقلة بجرائمٍ دمويّة ارتكبها هذا السفَّاح القبيح،
لفحهُ الله بألسنة نيران جهنَّمه الخالدة الأوار.
وثقي يا ماجدا الخالدة أَنَّه لن ينجو من القصاص،
الذي سينقضُّ عليه انقضاض الصواعق المزمجرة المدمِّرة،
فيدمِّره تدميراً نهائياً.
و هكذا يلقى جزاءه العادل، لأنَّ للسماء عيناً مراقبة،
والله يُمهل و لكنَّه لا يُهمل.
هي الحقيقة يا ماجدا!
يا فتاة الأحلام التي انطلقت في ربيع العمر،
ضحيَّة لهذا النذل النتن،
الذي كانت حياته لا تقوم إلَّا على التهام أجساد ضحاياه،
وشُربه لدمائهم البريئة.
إن الكأس التي سقانا إيَّاها،
سيجرعُ كؤوساً من الصاب المرير المذاق، أضعاف أضعافها.
فالسنونُ تمضي، والشهور تضمحلّ،
والأيَّامُ تفنى، و الساعات يبتلعها تنِّين العدم،
ودقائق الاقتصاص تقترب رويداً رويداً.
وفجأة سينقضُّ النسر المنتصر من حالق على البوم الباغية،
وعليه ستدور الدوائر.
وإذ ذاك، يكون التنكيلُ بمقدار الجريمة الهائلة المُرتكَبة.
والآن!
أُودِّعك يا ماجدا الغالية! يا ضحيَّة التنّين الشره،
وأنا أَنحني بتبُّتل أمام رفاتك المقدَّسة،
وأمام رفات والدتي الجبَّارة بإيمانها بخالقها، و خالق البرايا بأَسرها. أَنحني أَمامك بقدسيَّة، و أنا أُردِّد لك قسمي العميق،
بأَنَّ المجرم الرعديد لن ينجوَ من القصاص الهائل،
هو وكُلُّ من كان له شريكاً و مساعداً.
يا من غَادرتُما وادي الدموع،
فكافأكما الله جزاء لإِيمانكما وغيرتكما وإِخلاصكما وتضحيتكما،
أن ترتعا في جنَّة الخلد الفيَّاضة بالنعيم الأبديّ المتع.
وفي ذلك الفردوس الروحاني العجيب،
مسح السيِّد المسيح بأَنامله الإِلهيَّة،
كُلَّ دمعة سكبتها أَعينكما في عالم الأرض،
فاستحالت أتراحكما الأرضية إلى بهجات روحيَّة خالدة اللذاذات،
يعجز قلمي البشريّ الضعيف أن يصفَ عظمة بَهجاتها اللانهائية. وداعاً يا ماجدا الوفيَّة، و يا أُمِّي التقيَّة،
وإلى اللقاء العاجل.
الدكتور داهش
١٩٤٦/١/٢٧
أَيتها الفقــــيدَة أنتِ فكرة بل أَنــتِ عقيدة
ماجدا! …أيتها القصيدة التي نظمت الآلهة أبياتها الساحرة.
إن سفينتنا الجبَّارة لا تزال تمخرُ في عباب البحيرة المظلمة،
وهي تشقُّ شوامخ جبال الأمواج المُشمخرة بعنفوانٍ صارم،
والأمواج الهادرة الغضوبة تندفع بقوَّة الأَبالسة،
فترُطم جوانب السفينة محاولة تحطيمها بقصد إغراقنا
و جعلنا فريسة سائغة المذاق للوحشِ المجرم،
الذي مزَّق لحوم الأبرياء، والتهم أشلاءهم ،
سنتان مضتا و هذا الوحش المخيف لا يزال ينهش أجسام ضحاياه،
و يفترس الشرفاء منهم،
وسيّده – ربُّ أرباب الهاوية – يقود خطواته،
ويرشده إلى ما فيه اخيراً هلاكُه.
أمَّا ركّاب هذه السفينة الذين تعرفينهم جيدا،
والذين حملوا راية الجهاد بقلبٍ أشدّ صلابة من الفولاذ الصَلب الصلْد، فإنهم ينظرون من نوافذ سفينتهم الأمينة،
للوحش اَلقزمل، الفيليَ التركيب،
وهم يسخرون من محاولته افتِراسهم.
وقد شرَع كلٌّ منهم حربته ليسدِّدها إلى المقتل،
من هذا الهُولة الأُشوه عند ظهوره.
ولكن.. و لكن هنا الوحش الغوليّ الجسد، الفيليَّ التركيب،
هو أجبن من أن يظهر أمام الأبطال
ضيوف السفينة الهازئةَ بالعواصف التي تَحتاطُها
وتكتنفها من كافة الجهات،
وهي مُستهينة بالمخاطر التي تحيق بها،
غير عابئة بالبروق والرعود المُومضة و المزمجرة
والمنقضَّة بهديرها المجلجل،
وعريرها المصلصل على هيكلها الجبَّار…
نعم، يا ماجدا العزيزة.
إن المخاوف الهائلة، و الأخطار المزلزلة،
التي أحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم،
لم تؤثر على سفينتنا البتَّة
وستمكثُ ماخرةً عباب البحيرة المهتاجة، و المدلهمة الغضوب،
غير آبهة بجسيم الخطوب،
حتى تصل أخيراً إلى مرساها الأمين ومَرفئها الحصين.
وإذ ذاك ستنقضُّ على الوحش المجرم
وتبطشُ به بطشاً ساحقاً لا تقوم له من بعدها قائمة .
وهكذا نقتصّ منه اقتصاصاً تهلعُ حتى من ذكره الأفئدة،
و يرويه الخلف للسلف…
وداعا أي ماجدا الحبيبة.
ومن ينصره الله فلا غالب له و السلام.
١٩٤٧/١/٢٧
التاريخُ المروِّعُ لجريمتِهمْ الرهيبَة
هذه الكلمة الناريَّة أُلقيَت على ضريح اليَمَامَة الشهيدَة ماجدَا حدَّاد بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٨
ثلاث سنوات انطوت
منذ اليوم الذي ارتكب فيه الوصوليّ الأثيم جريمته المُنكَرة.
ثلاث سنوات انقضت في كفاحٍ جبَّارٍ متواصل،
لم اتراجعْ فيها إلى الوراء ، بل مضيتُ قدماً إلى الأمام.
ثلاث سنوات بأيّامها و لياليها،
بل بساعاتها و دقائقها و لحظاتها و ثوانيها،
دأبتُ فيها على شنِّ حربي المقدَّسة
ضدّ الوغد و عصابته المجرمة .
كافحتُ ، و ناضلتُ ، و هاجمتُ ،
وانقضضتُ انقضاضَ الليوث المزمجرة على الأنذال
الذين استخدموا مناصبهم لأذيَّتي،
فآذيتُهم في سمعتهم وشرفهم،
وجعلتُ جميع الألسنة تنهش كرامتهم نهشاً لاذعاً.
لقد ملأتُ الخافقين بكتبي السوداء
الطافحة بنتاناتِهم و قذاراتهم،
وعَرضتُها على أبناء الشرق و الغرب،
فترنَّحت الأنوف،
وطاشت الأرواح،
وتألمت النفوس،
لفداحة ما احتوَتْه تلك السجلّاتُ السوداءُ المفزعة،
من حقائق رهيبة ذُعِرَ لها أعدائي،
فلعنوا تلك الدقيقة الفاحمة التي ارتكبوا فيها نذالتهم،
بقصد اغتيالي،
وذلك في الثامن والعشرين من آب عام ١٩٤٤،
فخيَّبت القدرةُ لهم آمالهم،
وكُتِبتْ لي النجاة من شِراكهم الخسيسة.
في ثلاثة أعوام سقطوا،
وكان سقوطُهم عظيماً !
سقطوا أَمام مُواطنيهم،
وأَمام العالَم بأسره في أربعة أطراف المعمورة.
سقطوا… يا ويحهم ! بل يا لِعارهم المشين !
وكُشِفتْ عورتُهم أمام جميع أبناء السبيل،
وهُتِكَتْ كرامتهم،
وسُفِحَ شرف كلّ أُنثى تخصُّهم،
فبدَتْ أمام الجميع عاريةً مثلما ولدتها أمُّها.
كلُّ ذلك كان بفضلي،
بفضل ثباتي،
بفضل مُثابرتي على إعلان عارهم للملأ بأسره.
لقد اغتبطتُ للنتيجة،
سُررتُ وفرح قلبي،
رغماً عن الحزن الأبديّ الذي سيُلازمني
حتى تُواريني الحفرةُ المدلهمَّةُ الظلمات،
حزني على الشهيدة النبيلة ماجدا،
ماجدا أنقى و أطهر فتاة عرفتُها،
هذه الفتاة الذبيحة،
هذه البريئة المظلومة، هذه القدّيسة الخالدة،
هذه التي ضحَّت بحياتها احتجاجاً على إبعادي المجحف
ماجدَا، ماجدَا،
ثقي يا أطهر النساء
بأنَّ يوم الأوغاد الأخير
قد أصبح أقرب إليهم من حبل الوريد.
إِني سأنتقم منهم،
سأَبطش بهم،
سأنكِّل بأبنائهم،
سأفتكُ بنسائهم،
سأُلبس العار لفتياتهم،
سأُؤَدّبُ أقرباءَهم ،
سأردّم ديارهم وأَجعل أعاليها أسافلها.
كل هذا سأُقدمُ عليه، يا ماجدا، إذا ساعدتني العناية لتحقيقه.
إذا ساعدتني العناية لتحقيقه.
فيا أحلى أمانيَّ !
وأبهى أحلامي!
و أسمى تصوّراتي السماويّة !
ماجدا!
سأجعلهم أمثولةً تقرأها الأجيال الآتية،
فترتعبُ و ترتعش من أَعلى قمّتها حتى أخمصها ،
و ترتجف رجفة الرعب والذعر والهول الجارف .
سأنتقم منهم،
يا أعزَّ مخلوقةٍ لديّ ،
انتقاماً لم ينتقم مثله رجلٌ أو إمرأةٌ ما على الأرض،
من أي مخلوق أُوذي منه .
وسيتمُّ هذا الإنتقام إذا مدَّ الله في عمري .
إنَّ الأيام تمرُّ وتمضي،
ولكنَّ الانتقام لا يزول بمضّيها و تسرّبها ،
بل ترينه ينمو ويترعرع ،
وسيُثمر ثماراً جنيّة، وسيُؤتى أُكلَه باذن الله تعالى .
فيا ماجداي،
لتطمئنّ روحُكِ في جنَّة خلدها،
يا ملاكي الحارس اللطيف،
فانَّ جذوة الانتقام العجيب،
وجمرة الحقد الأبدي الغريب ،
وسعير البغض الخالد الرهيب ،
ترينها تتلظَّى، أبدا، في أعمقِ أعماق روحي الثائرة،
ونفسي الراغبة بتحطيم أعناقهم،
بعد اذاقتهم أرعب الآلام وأشدّها قسوةً ووحشيَّة .
آه ! يا ماجدا !
إني أَحيا في أعماق جهنّم المتأجّجة بالنيران الهائلة،
منذ الدقيقة التي رحلت فيها عنّي بسبب جريمتهم المخيفة،
وإنَّ النيران الآكلة
تسري مع الدم الذي يسري في أعصابي.
وإنَّ النوم العذب قد حُرمتُه،
لأنَّ شبح حبّ الإنتقام يقضُّ عليَّ مضجعي دوماً وأبداً.
وثقي أيَّتُها اليمامة
التي انطلقت إلى ربوع الخلد الأبديّة المتع،
إنني أودُّ أن أنطلق إليكِ وأجتمع بكِ في الحال،
كي تتم ّسعادتي حينما ألقاكِ .
ولكنّ ما يمنعني عن التحليق إلى ربوعك السعيدة
هو ترقّبي الفرصة المؤاتية
التي سأُحيل فيها سعادتهم إلى شقاء، وفرحهم إلى تَرَح،
وأدع دموعهم تجري مجرى الأنهار
في الليل و النهار.
هذا ما يدعُني أفضّل البقاء في عالم الأرض الشقيّة
وعندما تدقُّ ساعةُ الحساب .
وتدنو نهايتهم الأليمة،
وأشاهد مصرعهم المُفرح لروحي الثائرة،
والمُبهج لنفسي المهتاجة،
إذ ذاك ترينني قد اتممتُ رسالتي،
و تقرُّ عيني لهذه النتيجة التي احيا بها و لها و لأجلها(ا)
وعندئذٍ فقط أُسرع إليك، يا ماجدا الحبيبة،
إلى مدينة السلام،
حيث أحيا بقربك بامانٍ واطمئنان،
دون ان أنفصل عنك حتى نهاية الادهار.
٢٧ كانون الثاني ١٩٤٨
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) وإذا فشلت بالتنكيل المرعب بهم لأسبابٍ تعرفُها السماء وأَجهلها أنا ، فإذ ذاك
ستبتدئ حربي الضروس معهم في العالم الثاني
في يـــنَـاير صَوَّحَت آمٰاليْ
مرثية ارسَلَهَا مُؤَسّسُ الداهِشيَة و ألقَاها الشاعِر حَليمْ دمّوس
على ضرِيح الشهيدَة الغالية مَاجدَا حدّاد
تَسْمَعُونَ الآن قطْعَةَ رِثاء تَبْعَثُ الأَسى في النفوس و تُشيْعُ الحُزْنَ في أَعْمَاقِ الرُوح، وَتَسْكُبُ اللَوْعَةَ في القَلْبِ ، فَتَمتزجُ بهِ امْتزَاجَ الرُوح بالجَسد.
و هذه القِطْعَةُ الفَيَّاضَةُ بالأتراح و الاحزان، و المُشْبَعةُ بالآلامِ
والأشْجَان، كَتَبَها الدكتور داهش بَعْدَ انتحارِ الشَهيدَة ( ماجدا حَدَّاد).
وكان انتِحارُها في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٥ بِسَبب ظُلْم المجرم بشارة الخوري لمؤسِّس الداهشيَّة وانتِزاعِهِ مِنْهُ الجنْسيَّة اللبنانيَّة،مُخْترِقَاً بعمله الإِجْراميِّ هذا نصوص الدُسْتُور.
و هكذا داس هٰذا البشارة المجرم على اشلاء القانون و بعثر بقايا الدستور الذي هشّمه و ردّمه.
و لكِنْ لِيَثِق العَالَمُ بأسْرِهِ بأَنَّنَا سَنُهَشِّمُ المجرم بشارة، وَسَنُرَدِّمُه
تَرْديماً عِنْدَما تَدُقُّ سَاعَةُ الانْتِقامِ المُرْعِبَة.
أَمَّا المَرثيةُ التي افتَلَذَهَا دَا هش مِنْ صَميمِ روحِهِ فَقَدِ اسْتَهَلَّهَا
ببيْتَيْنِ بَلِيغَينِ يُعَدَّانِ مَفْخَرَةً مِنْ مَفَاخِرِ الرِّثَاءِ العَرَبيّ، و هُما لِأَعْرَابِيَّةٍ فِي رِثاءِ وَلَدِها . فَقَالَ دَاهِش يُخَاطِبُ رُوحَ مَاجدَا:
أُسَائِلُ عَنْكِ الركْبَ هَلْ يُخْبِرُونَنِيْ بحَالِكِ كَيْمَا تَسْتَكِنَّ مَضَاجِعَهْ
فَلَمْ يَكُ فِيهِـــمْ مُخْبِرٌ عَنْكِ صَادِقُ وَلا فيهمُ مَنْ قَالَ إِنَّـكِ رَاجِعَهْ
أما مرثيَّتُهُ للشَهِيدَة مَاجْدا فَقَد وَسَمَهَا بهذا العنْوَان :
في يناير صوَّحت آمالي
أُنظرها في الصفحة ٢٢٧. ٢٧كانون الثاني ١٩٤٩
دمعتان مذيبتان
هذه الکلمة ارسلها مؤسس الداهشيَّة والقاها الشاعر حليم دموس
على ضريح الشهيدة ماجدا بتاريخ. ١/٢٧ /١٩٥۰
انظرها في الصفحة ۲۳۱
إنَّ للجريمَــــــةِ ثمناً
مرفوعة إلى روح والدة مؤسس الداهشية و روح ماجدا حداد قيلت في ذكرى والدة مؤسس الداهشية
أيتّها الروح الجبَّارة!
عندما تدقُّ الساعة زَلزِليهم، واعصفي بهم و قوِّضيهم.
حيّاك الله يا روحَ والدة داهش.
ويا أيَّتُها الروحُ التي انطلقتْ من عالَم الأَرض الفانية،
وأصبحتْ تَنعمُ في عالَمها الروحيِّ الخالد،
احضَري، أيَّتها الروح، احضَري،
و أَصغي لما يقوله الكتاب المقدَّس،
هذا الكتابُ الإلهيُّ الذي لم يفارقك يوماً من أيَّام حياتك،
والذي كان دستوراً و نبراساً يُضيء طريقكِ السويَّ،
ومبعثاً لنشاطِك الروحيّ.
قال الكتاب المقدّس :- ” و عندما طغى فرعون ملكُ مصر و تكبَّر،
وبعدما بغى و تجبَّر، دفعه الله بين شدقَي البحر المهتاج،
فافترسه مع جيشه الجرَّار،
والتهمهُ بشراهةٍ مُرعبة،
وقضم زَرَدَ مَرْكباتهِ القوية ففكَّكها تفكيكاً،
وقضقضَ حديدها،
و صهر فُولاذها في أحشائه صهراً مُذيباً .
وهكذا أَباده الله إِبادةً مروعة،
و جعل اسمه لعنةً خالدة مدى الآجال و الآزال.
أمَّا سادوم و عامورة،
فقد أَمطرهما الخالق بنيرانِ غضبه، و كبريت نقمته،
وسلَّط عليهما دخان لعنته المخيفة .
فإذا هما كدجنَّة أسحاقِ الهاوية بفحمتهما الدجوجية .
ثمَّ قصفهما برعوده . وزلزلهما ببروقه،
فدكَّهما دكاً مُبيداً ،
و راح اسماهما لعنةً خالدة ما خلُدت الأجيال.
وذلك الطوفانُ الساحق،
وسيله الجبروتيُّ الماحق الذي أذلَّ الجبابرة،
وأَفنى البطارقة و القياصرة؛
ذلك الطوفانُ الشيطانيُّ المخيف
الذي أمات كلَّ ذي نسمةٍ و حياة،
ما خلا الأَب نوح الصالح و عائلته؛
و أَبشالوم إبن الملك داوود النبيِّ الذي سلَّمه الله إلى أَعدائه،
فكانت نهايتُه درساً أَليماً لكلِّ طاغيةٍ يسيرُ في طريق الشرِّ و الجريمة؛ و الملك نبوخذنصَّر الذي فَقدَ عقلَه و تاه في البراري بضع سنوات، يعاشرُ ضواري الوحوش و يؤاكلها،
لأنه طغى و بغى، وارتكب النقائص،
وانتقصَ من حقوق أَفراد شعبه،
فاقتصَّ منه الخالقُ اقتصاصاً مُرعباً،
وأدَّبه تأديباً عادلاً…
هذا قليلٌ قليل من كثيرٍ كثير
ممَّا يزخرَ به الكتابُ المقدَّس،
ممَّا تُخبرنا به صفحاته عمَّن اتَّجهوا إلى الشرِّ،
فَضربهم الله ضرباته القاضية،
بعد أَن أَطال لهم الحَبلَ على الغارب لعلَّهم يرعوون؛
فلم يفعلوا.
وإذ ذاك نكَّل الله بهم تنكيلاً يُخيفُ الحديد الصلد،
والفولاذ الصلب،
وشهَّرهم تشهيراً أبدياًّ.
وعندما تذكُرهم الأَلسنة والشفاه،
تَلعنهم لعناتٍ مرعبات يستحقُّونها بالعدل و القسطاس .
وهكذا، يا روحَ والدة داهش،
سيُنكِّل” العليُّ” بمن اعتدى على ولدكِ ووحيدكِ بالظلم والاعتداء والافتراء، وبأحط طريقة من طرقِ الخيانة و الرياء.
وهكذا سيُفني الله مَن ساهم في هذه الجريمة البغيضة التي عرفها الجمهور،
ودوَّت أَخبارها في أَربعة اطراف المعمور.
و هكذا سيُخري الله مُبغضي ولدك البريء،
وسيجعلهم يرتدون العار لباساً شائناً لهم
ولذُريتهم من بعدهم…
و يَزدرِدون الغِسلين شراباً شائكاً لهم.
وهكذا سيَعصف الخالق بهم عصفاً رهيباً،
بعد أن يسلِّط عليهم غضبه الإلهيَّ ،
فيُبيدهم و يعفِّي ذِكرهم الكريه من صفحة الوجود.
إن صدى الجريمة التي ارتكبها الطغاة المجرمون
بحق مؤسس الداهشيَّة
لَهي وصمةُ عارٍ سوداء تُلطِّخ تاريخهم المجرم،
وتسجِّله عليهم بمداد العار الذي لن تزول آثاره.
وهيهات أَن تزول هيهات.
إنَّ للجريمة ثمناً.
ومَن يرتكب جُرماً سيدفعُه أضعافاً مضاعفة،
مهما طالت الأيامُ و الأَزمان،
ومهما ظنَّ انه قد اصبح في منجاةٍ وأَمان.
إن هذه الجريمة المُزلزلة لن ينساها أيُّ داهشيّ.
وستُرضعُ الأُمَّهات الداهشيَّات أَخبارَها للأَطفالِ مع الحليب،
لكي تغذِّي الحقد في نفوسهم،
وتؤجِّج النيران في أَرواحهم،
وذلك ضدَّ َّكلِّ من ينتمي إلى العائلة المُجرمة الغاشمة
التي ارتَكبت هذه الجريمة التاريخيَّة الهائلة.
وإذ ظنَّ المجرمون الأغبياء
أن الداهشيون قد تناسوا مع مرور الأعوام هول جريمتهم السافلة،
ألا خسئت ظنونهم، وبئست تخيُّلاتِهم،
ويئست أوهامُهم، و اضمحلَّت أَحلامُهم…
إذن، لنوقظْهم، و لنرجعْهم إلى صوابهم، فنقول :
ليعلمْ هؤلاء الأَشقياء التعساء أنَّ النار،
النار المتأَجِّجة المتوهِّجة،
النارَ الهائلة،
النارَ المبيدة التي ستَندلع يوماً لتأكلهم أكلاً عاصفاً؛
إنَّ هذه النار الجهنَّمية الأوار
كامنةٌ بيقظةٍ تامَّة تحت الرماد،
وهي متشوّقة إلى الدقيقة التي سيُفكُّ فيها عِقالُها لتنطلق كالمردة الظافرة، لتحتاط بهم إحاطة السوار بالمعصم،
ولتَفتك بهم فتكاً ذريعاً لا يُبقى و لا يَذَر…
***
واسمعي، يا أُمَّ داهش،
ماذا فعل الربُّ بالملك يربعام،
وكيف كانت نهايةُ هذا الملك الشرِّير،
ومَن يَلوذُ به من عائلته الشرِّيرة ايضاً ،
كما جاء في الأصحاح الرابع عشر من سِفر الملوك الأَوَّل. و هذا هو : ” قال الربُّ : لأَنك ارتكبتَ الشرور، و لم ترعوِ عن غيِّك،
لذلك ها أَنذا جالبٌ شراً على بيت يربعام،
وأَقطعُ ليربعام كلَّ بائلٍ في حائط، محجوزاً أم مطلقاً في إسرائيل.
وأَنزعُ آخِر بيت يربعام كما يُنزَعُ البعر حتَّى يفنى.
مَنَ مات ليربعام في المدينة تأكله الكلاب،
ومَنَ مات في الحقل تأكلهُ طيور السماء،
لأَنَّ الربَّ قد تكلَّم.”
و هذه النهاية ستكون بإذن الله نهاية المجرم الطاغية،
ونهاية عائلته و شريكته في الجريمة الخالدة.
ومن اعتدى على داهش فسيُعتدى عليه عاجلاً أَم آجلاً.
وإذا كان قد وُجدت كلابٌ تأكل جثث عائلة يربعام المجرم،
فإن الكلاب نفسها
ستأنفُ من مسِّ جثَّة المجرم المعتدي على داهش.
وكذلك ستأنفُ من مسِّ جثث عائلته،
لأنهم لا يستحقُّون ان َتمضغَ لحومَهم القذرة حتى الكلاب…
و جاء في الأَصحاح الثامن و الثلاثين من سفر التكوين،
وفي العدد السابع منه ما يلي:
” و كان عيرُ بكر يهوذا شرِّيراً في عين الربِّ، فأَماته الربُّ.”
إذن، مثلما أمات الربُّ عيراً هكذا ستكون نهاية البعير الشرِّير،
بل الخنزير الحقير… و يا لحقارة هذه النهاية الوضيعة!
و إذا تساءل الناس:
ترى لماذا يُطيلُ الله أَيَّام سيطرة هذا المخلوق التعس،
ما دام لا يَرتكبُ إلَّا النقائص الفاضحة،
ولا يغُوصًُ إلَّا في مستنقعات الشرور الطافحة، و الشهوات الجامحة؟ قلتُ : إذا تساءل الناس عن هذا السرِّ أُجيبُهم:
إنَّ سِفرَ الجامعة لسليمان الحكيم
يقول في إصحاحه السابع و عدده الخامس عشر:
” قد يكون شرِّيرٌ يطولُ في شرِّه و تمتدُّ أَيَّام حكمه،
وما ذلك إلا ليَزيد الله عليه ضرباته إذا لم يرتدع عن مكره.
***
فيا روحَ والدة داهش!
إننا نُعاهدكِ أمام السماء بأَنَّنا لا نزالُ على العهد،
وسنُقيمُ عليه، و لن ننحرف عنه قيد أُنملة .
ومن انحَرف عنه من الإخوة،
ليَحذف الله اسمَه من سِفر الخلود جزاءً عادلاً. كما إنَّنَا نُعاهدكِ – و نحن فوق قبركِ – بأَنَّنا سنبقى ثابتبن في إيماننا ثبات الصخور الصلدة، راسخين في جهادنا المقدَّس رسوخ الجبال المشمخرَّة.
وسندأَبُ على شنِّ هجومنا الصاعق
ضدَّ كلَّ من ارتكبوا الجريمة بحقِّ داهش
حتَّى تدقُّ الساعةُ الفاصلة،
وينصرنا الله عليهم نصراً مبيناً
وإذ ذاك سيكونُ الجزاء الرهيب بمقدار الجريمة المرعبة.
وحينذاك ستَسمعينَ من عالَمكِ
قضقضة عظام رقاب الخونة المارقين،
وهي تُجلجل جلْجَلةَ الأبالسة في أروقة الجحيم.
وساعتذاك تطمئنُّ روحكِ الجبَّارة.
وكذلك تبتهجُ روحُ ماجدا الغالية شهيدةِ الوفاء الخالد،
ماجدا التي بَذَلَت روحها فداءً عن مؤسِّس عقيدتها الداهشية،
والتي أَصبحت ترتَعُ في عالَمها المُضيءُ الخالد.
***
أَلا حيَّا الله روحيكما المضيئتين
الخالدَتين في جنَّات الخلد الدائمة المُتع و البهجات،
الفيَّاضة بالسعادة السرمدِّية،
الزاخرة بالغبطة الأَبديَّة ،
المشعَّة بالأَنوار الإِلهيَّة إلى ما لا انتهاء .
***
وأختمُ تحيَّتي قائلاً:
إذا ظنَّتْ الطغمة الشرِّيرة
التي ارتَكبت الجريمة المروِّعة بحقِّ مؤسِّس الدّاهشيَّة
أَنَّ قناتنا قد لانت، و عزيمتنا قد وهنَتْ وهانتْ ،
بعدما عانَتْ ما عانتْ…
فإنَّنا نجيبهم و بسمةُ السخرية اللّاذعة
وابتسامةُ الإِحتقار العميق تعلوان وجناتنا:
ألا فاعلموا، أَيُّها الوصوليُّون المرتكبون
أَنَّ أَيَّام حتوفكم أَصبحت أَقرب إليكم من أُنوفكم…
وقريباً سيبطشُ عدلُنا بباطلِكم بطشاً ذريعاً .
وسيكونُ سقوطُكم عظيماً و سريعاً .
وبدورةِ القَدَر دورته ستَسقطون، فتَنذهلون وتُبهتون.
أَمَّا أَبناء الشعب فسيبتهجون و سيطربون .
داهش
٢٣ تشرين الثاني ١٩٥١
وأَخيراً أُسْقِطَ الطَّـــاغية
و في شهر أيلول من عام ١٩٥٢ طرد الشعب الثائر بشارة الخوري من اريكة حكمه، و حطموا له عرشه فلاذّ بالفرار خوفاً من البطش به. و ثورة الشعب الكاسحة كانت بسبب جرائم هذا البَاغية المتواصلة واعتدائه على الدستور و تحطيمه لبنود القانون . و قد ملأ خزائنه بمال الشعب، وامتصَّ دماء الفقراء ، و نكَّل بخصومه،
و كان لبنان بقرةً حلوباً له و لأقربائه . وهكذا تمَّت نبوءة داهش إذْ خَتَم رثاءه لوالدته بنبوءةِ طرد بشارة الخوري من الحُكم. و قد تحقَّق ذلك بالحرف الواحد.
وأَخيراً أُسْقِطَ الطَّـــاغية
وطُردَ المرتكبُ البَاغِية
هذه القنبلة المدمّرة أُلقيت على ضريح زنبقة الرسالة الشهيدة مَاجدا حدَّاد حيث تثوي والدة مؤسّس الداهشيَّة. وقد أُلقيت في 20 أيلول 1952 . أيْ بعد يَومَين من طردِ الشعبْ للمجرم بشارة الخوري.
1952-1945
يا رُوحَي أُمِّي وماجدا العزيزتَين عليَّ !
هي بُشرى أَزفُّها إلى روحيكما،
فاسمعاها من عالمكما الروحانيِّ الطّاهر:
لقد طَرد الشعبُ ذلك المرتكبَ الجاني شرَّ طردة،
وأَهانه شرَّ إهانة.
فهرول الضّخمُ الجسم والصغيرُ العقل
يتعثَّر بأَذيال الخَيبة ويرتطم بالذلِّ والمَهانة.
طرده بعدما استفحلَتْ شرورُه، وعمَّ ارتكابُه،
وشاع ظلمه وعَظُم اختلاسُه.
طرده بعدما باع للشيطان روحه،
وسلَّمه ضميره، ووهبه وجدانه.
طرده عندما امتدَّت يدُه الملوَّثة إلى صندوق الأُمَّة
يغترفُ أَموالها ليُنفقها على ملذَّاته الآثمة.
طرده عندما تاجر بالنفوذ، وحكَّم الأغبياء من آله في رِقاب اللبنانيِّين،
يسومونهم الذلَّ، و يسخِّرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة .
طرده عندما أَفسد ضميرَ قدسِ أقداس العدالة
ممَّا لم يَرتكبْ بعضَه حتَّى نيرون طاغيةُ زمانه.
طرده عندما عرف أَنَّه حمَّل زوجته
الملايين المسلوبة من الفقير والمسكين ،
فطارت بها وأَودَعتْها في مصارف أُوروبَّا.
طرده عندما أَصبحت البلاد تعيش على شريعة الغاب،
فالوحش الأَكثر ضراوةً هو الفائز في الميدان.
طرده عندما شاهده يزجُّ بالأبرياء من خصومه في السجون،
ويُطلق سراح أَعوانه المُعتَدين.
طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أَقسمَ أَن يُحافظ عليه،
فكان كاذباً لئيماً، و مجرماً أَثيماً.
طرده عندما سخَّر القوانين لمصلحته و مصلحة ذويه
ممن تَكدسَتْ في خزائنهم الأَموالُ على ظهر الشعب الكادح.
طرده عندما ضجَّت شياطين جهنَّم الحمراء نفسُها بابنه
وتهريبه للحشيش و متاجرته به
طرده عندما جعل لبنان” مزرعةً” له ولآله،
و بقرةً حلوباً تدرُّ عليه الخير الوفير، ولْيمُت الشعب رغم انفه.
طرده عندما سوَّد سمعة البلاد إذْ شهَّرها تشهيراً مرعباً،
و هبط بسمعتها إلى الدَّرك الأَسفل، لَعنه الله.
طرده عندما لم يتورَّعْ وهو حامي الدستور- يا لَلمهزلة-
من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربَّعاً على عرشه،
ناشراً لِسُموم إفكه، موزّعاً بين الأَنام مَكْره، و باسطاً عليهم شرَّه.
طرده عندما أَصبحت البلاد لا تنام إِلَّا على أَنباء الاغتيالات،
يقوم بها الأَنصار في وَضَح النهار،
و لا تستيقظ إلا على هجوم عصابات المقرَّبين
على الذين لم يرضخوا لأوامر هذا المعتدي على الحق،
و الدائس على أشلاء الفضيلة.
لقد أصبح لبنان في عهد المجرم يئن أنين المُحتضرين
تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف.
وظنّ الجميع أَنَّ ليلهم الثقيل الفاحم الدجنَّات سيستمر لأعوام طويلة،
فهلعتْ قلوبهم، واضطربتْ نفوسُهم، و خارتْ عزائمُهم،
وحارتْ أرواحهم المتألِّمة من هذا الطاغية المرتكب…
و إذا بصوتٍ من عالَم الغيب يُدوِّي في آذان الزمان و هو يقول:
” لقد دنتْ ساعةُ المجرم، و دُقَّتْ نواقيسُ نهايته،
و حلَّتْ دقيقةُ خَلْعِه و طرده.»
فطرب الشعب، وثارت حماسته، وتأَجَّجت حميَّته، فثار ثورتَه العنيفة، وقام قومةَ رجلٍ واحد مطالباّ برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة.
و ذُهِلَ ” الوصولي” واصطكت فرائصه رعباً و هولاً. وانقضَّت عليه أخبار الثورة الحاسمة انقضاض الصواعق ترشقها السماء رشقاً مزلزلاً.
و جحظت عيناه من هول الموقف، و طلب النجاة بعدما شاهد أن سفينته التي كان يقودها قد تحطمت بسبب سوء قيادته لها. و لم يعد بالإمكان إنقاذُها ، فرضخ ذليلاً وأَنفهُ راغم. و تفجَّرت من عينيه دموع الغيظ و القنوط الهائلَين لمصيره الأَسود الذي سدَاه الذلُّ، و لحمته العار، هذان الأُقنومان اللذان لحقا به نتيجةً لتصرُّفاته المجرمة طوال أيَّام حكمه البغيض.
و هكذا انتهى هذا العهد الملوَّث يا أماه، و يا ماجداه!
انتهى على أشنعِ صُورِ الإذلال المخجِل لمثل هذا الوصوليِّ المرتكب.
قاتله الله و قتله!
حالما تنفَّست البلاد الصُّعداء، بعدما طُرد سارق الجنسيات في ظلمات الليالي الحندسية، تذكرت يا ماجدا العزيزة، يوم تراءيت لي في الحلم منذ عام، و بشرتني بسقوط هذا المجرم قريباً ، فتأكد لي أَنَّها كانت رؤيا حقيقِّية، و أَّنك زُرتِني بروحكِ حقاً، و بشَّرتِني بما تمَّ الآن. فيا لعالم الروح الذي لا تخفاه خافية!
إن المجرم الأَكبر سرق جنسيَّتي في شهر أَيلول، و في شهرِ أَيلول سُرق سلطانُه، و تحطَّم صولجانُه، و كُشف زُوره و بُهتانة، و تلَجْلج فيه من الخوف لسانُه. فيا لعدالة السماء ما أَعظمها!
و بسقوط الباغية الطاغية انفضَّ عنه انصاره و اتباعه، و ابتعد عن دائرته أَشياعه، وفرَّ منه أعوانه، و هوى سلطانه…فإذا هو وحيدٌ فريد إَّلا من أَشباح الجرائم الهائلة التي ارتكبها، و هي تحومُ حوليه، و تبعثُ الذّعر في روحه الآثمة.
و ساعتذاك عرف ان جميع من كان يظنُّهم مخلصين له إنما كانوا عبيد مصالحهم المادِّيَّة، و قد ربطتهم به اواصرُ الغايات الدنيويَّة دون سواها.
فتأَلَّمتْ روحه، و ناحتْ نفسه،إذْ عَرَف أي احترامٍ شخصيٍّ كانوا يُضمرونه له، بدليلِ خذلانهم إيَّاه بعدما طرده الشعبُ ذلك الطردَ الموجِع الشنيع.
فيا أُمَّاه ويا ماجداه!
لقد تأَكَّدَ بالبرهان أَنَّ الطاغية كان يستمدُّ قوَّته من منصبه. و عندما تحطَّم عرشُه، وثُلَّ صولجانهُ ، إنفضَّ عنه أَعوانهُ ، فإذا به يندبُ جهله!
أما الداهشيُّون فإنما يستمدُّون قوَّتهم العظمى من إيمانهم الجبَّار الذي بدكُّ الجبال دكَّا ؛ هذا الِإيمانِ الوطيدِ الأَركان الذي هزأَ و يهزأُ بكلِّ طاغيةٍ سفَّاك، و باغيةٍ أفَّاك.
فالإِيمانُ الصحيح هو الذي يثلُّ العروش، و يحطِّمُ المناصب، و يقوِّضُ أَرائك الحكام، و يلقّنُ الطّغاة دروساً رهيبة على مدار الأيَّام و الأعوام.
واعلمي، يا أُمَّاه، أن السفينة الداهشيَّة الجبَّارة ستبقى ماخرةً عُبابَ الأُوقيانوسات المهتاجة الثائرة، تجتاز هُوجَ أمواجها المُزَمجِرة الغضوبة دون أَن …
يعتريَها أَيُ ضعفٍ أَو وَهَنْ ، و ستُهاجم العواصف المحيطة بها من جميع نواحيها ، وستُذلل العقباتِ الكأْداء وستَسحق كلَّ من يعترضْ سيرها الجبَّار، حتَّى تنالَ بإذن الله، كامل الإنتصار.
أما الطاغية المطرود سارقُ الجنسيَّات فإنَّني أُؤكِّد لكِ أََّنه سيُحاسب من الداهشية. و سيكون حسابُه عسيراً ، وسيكون انتقامنا مريراً. فمرتكبُ الإثم لن ينجو من العقاب، و طابخُ السمِّ آكلُه.
والآن، أُودِّعكما، أَيُّها الروحان الخالدان الراتعان في َأحضان الخلود، هناك في جنَّات النعيم ذات المجد و البهاء الفائقَين.
داهش
١٨ أيلول ١٩٥٢
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبها في اليوم الذي طرد فيه الشعب المجرم السفاح بشارة الخوري الباغية، فانزوى مُهاناً ذليلاً وقَبع في منزله بالكسليك كالجرد بالمرحاض.
ماجدا أيتها الراتعة في فراديس الخلد
إنني أحيّي بطولتك الخالدة
هذه الكلمة كتبها مؤسس الداهشية وألقاها الشاعر حليم دموس على ضريح الشهيدة الغالية ماجدا بتاريخ 27 كانون الثاني 1953.
1953-1945
بعد ظهر الثلاثاء الفائت احتفل الداهشيون بالذكرى الثامنة لوفاة المرحومة ماجدا حداد ضحية المجرم بشارة الخوري نزيل الكسليك القريب من قبر ضحيته التي تستصرخ السماء لما ارتكبه من جرائم في عهده البائد.
و قد حضر الاحتفال عدد من آل حدَّاد و خبصا و دموس و أبو سليمان وحجار وعشي وغيرهم من الداهشيين وأصدقاءهم من بيروت و جونيه و ضواحيها. و قد اخذوا يتوافدون تباعاً بسياراتهم من كل ناحية و هم يحملون باقات الأزهار و الرياحين التي نثروها على ضريح الشهيدة الغالية و بعد تلاوة قطع داهشيَّة روحية تلا الأستاذ حليم دموس رسالة بليغة وردت من مؤسس الداهشية يناجي بها روح الفقيدة. و قد كان لها وقعها العميق في نفوس المستمعين و ختمها مؤرخ الداهشية بأبياتٍ رقيقة في ذكرى صاحبة الذكرى.
و كان في طليعة النسوة السيدة ماري حداد الأديبة الكبيرة. و قد جدَّدت قسمها على قبر ابنتها بأنها ستتابع رسالتها حتى النهاية و انها ستلاحق المجرم بشارة الخوري و سائر أفراد أسرتها المرتكبين الذين كانوا سبب هذه الفاجعة المؤلمة و الجريمة النكراء.
و بعد أن تلا الدكتور نجيب العشي قطعة داهشية بعنوان ( سلام) نثرت الزهور على قبر الفقيدة، و أخذت عدة رسوم و مشاهد لهذه الذكرى الثامنة، و تفرّقت الجماهير و هم يردِّدون ذكرى الفقيدة و بطولتها و جهادها في سبيل عقيدتها الراسخة. و هذه هي القطعة التي أرسلها مؤسس الداهشية:
مَاجدا!..أيتها الراتِعة في فراديس الخلد
إني احيي بطولتك الخالدة
أي ماجداه!..
إنني أنحني أمام جَدثك الطاهر الذي يضم بقاياك العزيزة.
أحيّي استشهادك الذي سيخلده التاريخ كوَصمة عارٍ أبدية امتزج بالمجرم الباغية في العالمين المادي و الروحي.
أحيّي تصميمك الجبَّار عندما عزمت على اغتيال(الوصولي) المعتاد ارتكاب الجرائم فمنعتكِ يومئذ من تلويث يديك البريئتين بدمه النجس
و أكدت لك- إذ ذاك- أن هذا النتن الملوث الأشوه سيموت موتاً أدبياً و سيشهر تشهيراً معيباً أبدياً، و أنه أينما صار و كيفما توجه ستشير إليه الأصابع كلصٍ وضيعٍ مُحتال، و كسارقٍ رقيعٍ دجَّال.
و بلَّغتُكِ أيضا انَّ الشفاه ستلعن البطن الذي حمله ووضعه، و الثدي الذي أرضعه، و الحليب الذي أشبعه من غذاء الختل و الرياء إذ سيشبُّ على الطوق بينما يعشّش في صدره صديد المكر، و يقطن في رأسه الغيلة و الغدر، وتمتزج بروحه اوشاب ملوثة بطاعون الدنس و العهر، و تتفوق مرارتها على العلقم و الصبر…
و أعلمتك يا ماجدا أن الألسنة ستصب عليه لعناتها صباً رهيباً. و ستنعتهُ بما تنعتُ به شر اللصوص المحترفين، و الأثمة المجرمين، و ذلك بعد أن يرتكب جميع أنواع الموبقات، و يخوض في لجج المستنقعات.و سيلعنه الشعب، بعد أن يعرفه أي ذئب كاسر فظيع، مختبئ بثوب حمل وديع. و ها قد تحقّق ما أنبأتك يا ماجداه!
فجئت أبلغ روحكِ الخالدة بأن الشعب قد حطم عرشهُ ومرغَ
بالرغام أنفَه ، وعفَّرَ بالسخام عهدهُ ووطِئ حكمه وداس على رسمه بعد ان اصدر عليه حكمه . فهرول الثخين العقل ، الضخم الجسم ، مختبئا في وکړٍ سبق له أن بناه ، ليكون له ملجأ بعد أن تتحطم اريكة حِماه ، فأصبح یا ماجداه مَيْتاً يتجول في عالم الأحياء وهو يحمل لعنته مثلما سبقه لحملها زميله في الشر ( قايين ) اللعين .
وهكذا يا مَاجداه !.. كان من الأفضل أن لا تُنجِّسي يدك بدمه المصاب بطاعون الجرائم وإلاَّ لخلُد إسمُهُ كشهيدٍ اغتالته صاحبة عقيدة دينية تتأجج بنيران إيمانها الوطيد .
إن الحكمة من عدم إغتيالهِ قد ظهرتِ الآن بأتمّ وضوح بعد أن نزعت الحقيقة القناع الكاذب عن وجه هذا المجرم البغيض فظهر أمام الملإ طاغية مرتكباً، وباغية يستحق الشنق أمام محكمة العدالة التي ستطاله عاجلاً أم آجلاً وذلك لكي يقدم الحساب العسير لما جنته نفسهُ الأمَّارة بالسوء وما ارتكبتهُ روحهُ النجسة ذاتُ الجبلة الجهنمية الاجرام .
أما أنت يا ماجدا — أيتها البطلةُ المغوارة — فقد سفحت دمك على مذبح جريمة بشارة الخوري المطرود من الشعب الثائر لجرائمه الهائلة لكي تُسمعي صوتك للرأي العام العالمي أقدمت على بذل روحك ولم تحجُمي عن هذه التضحية الهائلة … فدوت أنباء قربانك العجيب في مشارق الأرض ومغاربها، وعرفت الدنيا بقضّها وقضيضها أسباب مأساتك الخالدة … هذه المأساة التي ستكلّف المجرم غالياً، وغالياً جدًّا .
وثقي أيتها الشهيدة الخالدة بأنه في الوقت التي ستشرق فيه شمس حقيقتنا على البلاد بأسرها، إذ ذاك سيغرب باطل المجرم ومن ساعده على جريمته المنكرة المستنكرة .
وسيقف المتَّهمون بأقفاصِ الاتهام ليصدر عليهم الحكم الرهيب الرادع . وهكذا يطبّق مثل السيد المسيح القائل : بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد .
أودِّعك يا ماجداه !.. وأودّع من أرتني نور الحياة، وأستلهمُ روحيْكما العزيزتين في السراء والضراء .
داهش
٢٧كانون الثاني ١٩٥٣
ماجدا !…إنّ ذكراك خالدة في نفسي
قاطنة في روحي
هذه المرثية كُتبت في ذكرى ماجدا الداهشية
١٩٤٥ – ١٩٥٦
أي ماجدا الغالية،
نحن نحيا في سرابٍ زائل نظنَّه حقيقة راهنة،
وأنت تحيين في حقيقة يظنّها الأغبياء من البشر سراباً حائلاً ٠
فَباسم هذه الحقيقة الحقّة أحيّيك
وباسمها السماوي السامي ترينني أناجيك،
وباسمها السرمدي الخالد أدعوك باسمك العذب وأناديك ٠
ماجدا !
إنَّ إسمك مشتق ومقتطع من ( المجد ) ،
وها قد حططت رحالك في عالم المجد الخالد بظلِّ الله العليّ .
فلهذا أناجيك من عالمي السرابي الترابي،
الغارق في النقائص، والغائصُ في مستنقع الموبقات الهائلة ٠
أناجيك يا ماجدا وأنا أحنّ إلى الولوج لموطنك الدائم النعيم ٠
هناك هناك في تلك الربوع السحرية الأخّاذة الفتنة،
الدائمة الربيع، الراتِعة في البحبوحة الروحية،
المترعة بالنشوة العظمى،
هناك حيث لا يحيا الحزن، وحيث تخيّم الطمأنينة
وتهيمن على أرواح من بلغوا بجهادهم المرير المرعب
إلى تلك الفراديسِ الغناءِ بِمباهجها العجيبة،
هناك هناك حيث يتمتّعون بما لا يستطيع أن يصل إليه خيال،
أو يرقى إليه تصوُّرٌ بشري محدود؛
هناك في تلك الكواكب النيّرة التي نثرها الله القدير،
أراك تمرحينَ كالرشاءِ الغرير وأنت تهزُجين أهازِيجكِ الروحية الخلاّبة مع أَترابك من أرواح الأطهار والأبرار،
أولئك الذين وطئوا مغريات أرضنا التاعسة،
فكوفئوا بارتقاءِ أرواحهم وبلوغها إلى تلك الجنَّات
الأبدية الاخضرار ٠
فيا ماجدا الوفيَّة!
لتهنأ روحكِ الشفَّافة في نعيمها الأزلي المقيم ٠
وثقي انني لا أزال على العهد أُقيم ٠
وسأبقى ما بقيت روحي في جسدي،
أسيرُ مع إخواني في هذه الطريق التي تعرفينها جيداً،
حتى نحقّق — بإذن المهيمن القدير —
ما نصبوا إليه، مما نهدف للحصول عليه
وسنحطّم سدوداً بالية أكل الدهر عليها وشرب،
ونقوّض حصوناً، وندمر قلاعاً، ونبعثر أشلاءها،
وننثر بقاياها في أربع جهات هذا الكون الغادر،
وذلك بمساعدة خالق الأكوان القادر،
وستدقُّ هذه الساعة دون ما ريب .
وستعلن بصوتها الجَهْوَريّ
ابتداء ساعة العمل المثمر الذي أُوتي أكله،
لأن هدفنا هو الروح دون المادَّة .
فالمادة الحقيرة فانية،
أما الروح فهي الحقيقة الأزلية الخالدة .
أُحييك يا ماجدا
وأنحني أمامَ ذكرى والدتي المجاهدة
في سبيل سيدها فادي الأنام . والسلام
داهش
٢٧ كانون الثاني١٩٥٦
ودوماً نذكرك يا مَاجدا
مرثية لمؤسس الداهشية أُلقيت على ضريح الشهيدة ماجدا حدَّاد
ماجْدا
أيتها الزنبقة الأرجةُ الضَّوع، الفوَّاحة العبير !
أيتها القاطنة في أَرواحنا،
ويا شهيدة بشارة الخوري هذا الباغية!
إننا نذكرُك يا ماجدا، و نذكر الإِيمان الذي عَمرَ به صدرُك،
و تفجَّرَ في روحكِ الجبَّارة اندفاعاً على الطريق القويم.
نذكرك يا ضحيّةَ الغدر الرهيب، و العدوان الأثيم.
إن قلوبنا مملوءَة بحبِّ الثأر ممن دعاك تتوسدين لحدك البارد الكئيب
اليمامةُ تنوح،
والقمريُّ يندب،
والحمامة تهدلُ هديلَ الألَمِ الطاغي،
والشحرور صمَتَ عن شدوِه،
والعندليب يترنَّم ترانيم الحزن البالغ،
والحسون يُغرِّد أنغام الشجن المؤسي
والكناريّ يستدرّ بنواحهِ الدمع الهتَّان!..
إن أناشيدها و تغاريدها وَصداحها
و هديلها و نواحها الحزين تملأ الآفاق!
العصفور يتنقل على الأغصان و هو حائر مُلتاع،
لأن انزواءَك أبديّ!
حتى الفَراش الفاتن هام في الحقول و هو يَبكيك و يرثيك!
و الورود الضاحكة ماتت الابتسامة على أَفوافها
حزناً على فراقك المؤسي.
أواه! ما اصعب فراقك أيّتها الجبَّارة الوفيّة!
حتى الطبيعة نفسها بكَتْكِ ، اليوم، يا ماجْدا بدمعها المدرار،
و كأنها تمثَّلت الجريمة التي أوقعها الغدرُ الرهيبُ بكِ ،
في السابع والعشرين من كانون الثاني ١٩٤٥.
أواه! يا ماجدا الوفية!
يا صريعةَ المجرم بشارة الخوري الطاغية،
و يا أَوَّل شهيدةٍ داهشيَّة !
لقد فتحنا، الآن، كتاب عقيدتنا المقدَّسة،
وابتدأنا نطالع صفحته الأولى، ثم تابعنا القراءَة ،
و كلما طالعنا صفحة جديدة من صفحاته العديدة ،
نكتشف فيها ما لا يخطرُ على فكر أو يمرّ على خاطر!
و عندما نصل إلى الصفحة التي دُوِّن فيها فصل
« إن الجزاء من نوع العمل»
إِذًْ ذاك تطربُ روحُكِ ،
و تبتهج و هي راتعةٌ بنعيمها ،
لما سيتمّ ، إذْ سيشمل ويعمّ ،
و يد الله مع العاملين المخلصين.
نودّعُكِ أيّتُها الزهرة النديَّة،
و ننحني أمام جَدَثك الطاهر،
و جَدَث والدة داهش
رفيقتك في جنّة الخلد
الأبديّة المتَع و البهجات.
بيروت ، ٢٧كانون الثاني ١٩٥٧
طوال أيام حكم بشَارة كنتُ في لبنان
إلى والدتي و ماجدا
طوال أيام حكم بشَارة كنتُ في لبنان
مرثية لمؤَسِس الداهشية بعد اعادة الجنسيّة لَه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلمة التي ألقاها مؤسس الداهشية على ضريح الحمامة الذبيحة الشهيدة ماجدا حداد فور ظهوره بعد احتجاب دام ثلاثة عشر عاماً كان فيها بمنزل الرسالة الداهشية- و بشارة الخوري و حكومته يظنَّان أنهما قد نفياه بينما كان ينشر كتبه السوداء في طول البلاد و عرضها- ذاكراً فيها فضائح و قبائح سيّد المجرمين السارقين للجنسيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا روحَ أُمي العزيزة، و يا ماجدا الوفيّة،
حيَّاكُما الله، و مَتَّعكما بجنَّاته الإلهيّة،
ها اني أخاطبكما من بيروت يا أُمَّاه، و يا ماجداه!
بيروت التي كنت فيها طوال أيام حكم بشارة الخوري المجرم.
أرثيكما و الالمُ العظيم المدمّى يحتلُّ فؤادي المهشّم.
و ما ذلك إلّا لأَنَّ المؤمن الثاني الأَخ البارّ حليم دموس
قد انطلقَ إلى ربوعكما الفتَّانة.
وإِنّي مؤمنٌ كل الإيمان بأنَّ روحه، الآن، حاضرة هنا معنا.
فسلامٌ على إخلاصكَ النادر في عالمنا المُشبَع بالشرور الهائلة.
سلامٌ على جهادك العظيم الذي كوفئت عليه بالعدل و الحقّ.
فإن الله وهبك نعيمه،
فأصبحتَ ترتعُ فيه و البَهجاتُ النقَّية تغمرُ روحك.
فهنيئاً لك هذه الجنَّات الخالدة التي كسبتَها بجهادك الروحي العظيم .
و يا طاهر القلب، و يا نقيّ الوجدان، و يا عفَّ اللسان.
أيُّها الحبيب الراحل إلى عوالم النجوم النيّرة السعيدة،
سنلتقي بك قريباً، هناك،
هناكَ في تلك الجنان الساحرة.
نعم، لقد ظهرتُ بعد أَن انتصر الحقُّ، فحطَّم الباطل لتحطيماً عظيماً.
ظهرت… و هل يستطيع الظلمُ الشنيع
إلَّا أن ينكفئ بذُلٍّ مُريع.
ظهرتُ.. لأنَّ حقّي واضح وضوح الشمس
و هي تُذَهِّب البطاحَ الشاسعة.
وهكذا انكفأ المعتدي بِمسكنة، وهو مُتسربلٌ بعارهِ الأبديّ.
و هكذا بُطِش بالظلم، فتحطَّم نيرُه ،
و تقوَّضَتْ أَركانه ، و تزلزلَ بنيانُه.
فذُعِرَ رفاقُ المعتدي، أولئك خفافيشُ الشؤم،
ففرّوا باضطرابٍ وهلعٍ من أمامه.
و هكذا تبعثرت صفوفُه، وانكفأَتْ صفوتُه،
و تفرَّق أَنصارُه، و تمزَّق اعوانه.
إِنَّ يَدَ الله القويَّة، يده المُزَلْزِلَة العادلة، لهي بالمرصاد
تُراقبُ كلَّ من طغى و بغى- بالظّلم- على العباد.
إن الله جلَّتْ قدرتُه يُمهل، و لكنه لا يُهمل.
والآن، أنا أذكُركِ يا مَاجدا،
يا من تجرَّعتِ كأس الآلام الرهيبة
أذكرك يا شهيدة الداهشية الأولى،
و أذكرُ فداءَك العجيب.
أذكُركِ يا أَيتها الزنبقة الأَرجة العَبَق،
ما انبثق فجرٌ وزحَفَتْ دُجُنَّاتُ ليل.
و سأذكركِ أَبداً أيتها النجمةُ المتألِّقة
في حنايا روحي المضطربة لبعدك عني.
و سأَندبُ أفولكِ السريع قبل الأَوان،
يا أطهرَ الغيد الحسان!
وسأقفُ قلمي المرتعش على رثائك،
أستوحيه من عُصارة قلبي الحزين.
وسأنثرُ بواسطته دمعي المدرار على الطروس
مثلما تُنثرُ الورودُ و الزنابق الفوَّاحة العطر
على قبركِ الحبيب،
نادبةٌ زهرةَ الحبّ الثاوية في مضجعها الأَخير حتى الأَبد .
٢٧ كانون الثاني ١٩٥٨
إلى روح ماجدا النقــــيَّة
مرثية لمؤسسِ الداهشية في ذكرى استشهاد مَاجدَا
١٩٥٩–١٩٤٥
أي ماجْدا المفدّاة!
ها قد مضى أربعة عشَرَ عاماً منذ طواكِ الردى عنَّا،
و نحن ما زلنا نسير في مفاوز هذه الحياة
و بين أشواكها الرهيبة.
نسير غير آبهين بهذه المصاعب و المشقّات،
نسير بقلوبٍ عامرة بالإيمان الجبَّار،
نسير غير عابئين بما يقوله الناسُ عنّا
وما يُلفّقونه من أساطير خرافيّة مضحكة.
و هكذا يا ماجْدا العزيزة، تمضي الأيّام،
وتتصرَّم الشهور و تنطوي الأعوام،
وبانطوائها تقترب سَاعتنا الأخيرة رويداً رويداً،
و إذا بنا قد خلعنا أجسادنا الماديّة الحقيرة
في أرضنا الزريَّة الحسيرة،
وإذا بنا وجهاً إلى وجه نلتقي بك يا أَعزَّ عزيزةٍ لدينا،
و إذ ذاك نرتَعُ معاً في جنّات الخلد
التي وعد الله بها أتقياءَه السائرين في طريق العدالة و الحقّ.
و منذ تلك اللحظة السعيدة،
ننسى ما لاقيناه من آلامٍ و مشقاتٍ هائلة،
وما أمامنا من أحزانٍ رهيبة
يرتجف قلمي عند ذكرها البغيض،
والآن ، نودّعُكِ يا ماجْدا
ونعدُكِ بأَن نبقى تلك الصخرة الصلدة الجبَّارة
التي ترتدُّ عند أقدامها جميع المحاولات الباطلة،
حتى نلتقي بك.
و إذ ذاك تبدأ حياتنا الروحية الجديدة.
والآن، وداعاً ، وإلى اللقاء.
٢٧ كانون الثاني ١٩٥٩
رُوحي تنَـــــــاجيكِ
سأذكرُك ما ارتعشَتْ زهرةٌ من قطرة الندى الحبيبة.
سأذكرُك ما تأَلَّقَ نجمٌ وأَرسل أنواره العجيبة على أرضنا التعيسة. سأذكرُك عندما تهدلُ الحمامة، و بعدما تنوح اليمامة.
سأذكرُك عندما يُحوّم الفراش المُذهَّب الجميل
فوق أزهار الربيع الخلّاب.
سأذكرُك عندما يسحرني البدرُ التَّام الإشراق.
سأذكرُك عندما أجوسُ المروج المتوَّجة بورودٍ جوريّة فاتنة.
سأذكرُك ما غرَّد عصفورٌ طليق على الأدواح،
و ترنَّم على الأغصان هزار مُبدع،
و شدا في الغابات الفتَّانة عندليب طليق.
سأذكرُك عندما يعتلي البدرُ كبدَ السماء،
متبختراّ في أُوقيانوساتها الشاسعة المسافات.
سأذكرُك عندما تومض السُّدُمُ في مدار أفلاكها الغامضة.
سأذكرُك عندما تبهرني أضواء ملايين النجوم
التائهة في درب المجرة اللانهائي.
سأذكرُك ، سأذكرُك يا ماجدا الحبيبة،
ما دام فيّ عرقٌ ينبض، و قلبٌ يخفق، و روحٌ تتلهّف للاندماج بك.
سأذكرُك حتى ألقاك في فردوسكِ الأبديّ النعيم.
نعم، سأذكرُك حتى يذكرني الموتُ و يجمعني بك.
١٩٦٠/١/٢٧
ذكرى جريمتهم الهائلة
او
كلمة من نار مبيدة
هذه الكلمة النارية ألقيت على ضريح الشهيدة ماجدَا حدَّادالغالية بتاريخ ١٩٧٩/١/٢٧
في مثل هذا اليوم منذ 34 عاما انطوى عهدها،
أطلقت ماجدا النار على صدغها، فإِذاها جثة هامدة.
لقد انتحرت.
نعم انتحرت لتُسمع صوتها للرأي العام،
مندِّدةً بالجريمة الهائلة التي اوقعها المجرم بشررة الخوري.
بمؤسس عقيدتها، الدكتور داهش.
و كانت بمقتبل عمرها الفتيّ، لهف نفسي على صباها الغضّ.
لقد انطفأَتْ شُعلةُ حياتها بلحظةٍ خاطفة،
و ذهبت مخلِّفةً بقلوبنا حسرةً هائلةً و حزناً مدمِّراً.
و الشيطان، حليف بشارة، إبليس لبنان القذر،
تهلَّلَ و فرِحَ أيضاً، و كان طربُه عظيماً،
و شاركَته بابتهاجه الوغد بشارة السوء. فالدم المسفوح هو ما يتمنَّاه، و إزهاق الأرواح هو ما يبتغيه، لعنه الخالق.
و شاركته بفرحته، المدنَّسة مُلوَّثة الشرف، زوجته،
هذه الخانية السافحة عفافَها المدنَّس.
نعم، إنها تُلوِّثه دوماً و تكراراً فيلتصقُ بها العار الأزليّ.
فالشرفُ لديها أُضحوكةٌ تقادم عليها العهد،
و الدَّنَس، غريقةٌ بمحيطهِ و سالكةٌ لطريقه.
إنها صورةٌ واضحةٌ فاضحة لهتك الفضيلة و نحرها.
فيا لها من امرأَةٍ قذرة، ملطَّخة الشرف بعارِ الدعارة النتنة.
لقد ذَهَبَتْ ماجدا، هذه الحمامة الوديعة،
و اليمامة اللطيفة، ضحيَّةَ هذا الفيل الضخم الكِرش.
لقد تضخَّم كرشه على حساب عقله،
فإِذاه أضحوكة لبنان تلعنه شفاه الخلائق.
لقد توارت ماجدا من عالم الأرض،
و أصبحت تنعم بملإٍ علويّ.
أما جريمتهم الهائلة، جريمتهم المرعبة،
فقد سجَّلها التاريخ بأحرفٍ من نارٍ مبيدة متَّقدة اللهيب.
و ستُذكر هذه الجريمة دوماً و أَبداً.
و مثلما ذُكِرَت خيانة الاسخريوطيّ للسيِّد المسيح،
هكذا ستُذكر هذه الجريمة المروّعة .
و كُلُّ مَنْ قرأَها ويقرأَها و سيقرأَها
سيلعنُ السفَّاح القاتل،
بشارة الخوري الباغية،
كما سيلعنُ زوجتّهُ الخانية لور،
أفسق امرأةٍ عرفتها أرضُ البشر.
بيروت الساعة بيروت الساعة ١٠ من صباح
١٩٧٩/١/٢٧
ابنتي الحبيبة ماجدا
في كلِّ لحظةٍ، تحملُني خواطري إلى هيكلٍ مقدَّس من الظلَّ و الصمت. إنه مَلاذُ أَيَّامي و مخاوف لَياليّ. إنَّه سريرُكِ أَجثو قربه، يا ماجْدا، لأنَّكِ دائماً هناك ممدَّدة عليه، في السكينةِ الأبديَّة.
شفتَاي تتلمَّسان عينيكِ و جبينَكِ الثلجيَّ الجميل حيث يثوي صفاءُ الروح، بلا أَيَّة ثنية، في سكينة الجسَد. فالزنابقُ تجمَّعَتْ من كلِّ مكان، و كوَّنَتْ مضجعاً ملكيَّاً لرقاد العذراء.
أجفانُكِ أَطبقتْ على أسرار الحياة و الموت و ما وراءَهما، فَفي حوزتكِ الآن معرفة الأسرار كلِّها.
إنَّ الرصاصةَ التي اطلقَتْها يدُكِ القاسية على صباكِ، فاستثارتْ آلام مُحبّيكِ، تلك الرصاصة وضعَتْ حدًّا، بلمحةٍ خاطفة، لصخب حياةٍ نشيطة مدوِّيه في كل ما تحمل من معانٍ: في النظرة الناريَّة، في الحديث المُتَوقّد، في الحيوية التي لا تكلّ و الإرادة التي لا تنثني.
و الآن يَرين الصمت.
شعرُك مُلتصقٌ بصدغيك،متجمِّدٌ في الدم الذي انبجس بكلِّ ما في قوَّته الجديدة مع اندفاع، فأين ضفائرُكِ التي كانت تُكلِّل رأسك بإكليلٍ من البهاء؟!
و أنفُكِ المرتعش كوَّنَ ينبوعَين أُرجوانيَّين، و من شفتيكِ رسَمَ الدَّمُ الدفيق تعرُّجاتٍ لا تمَّحى بحروفٍ مُحرقة. لكنَّ حاجبيكِ و عينيكِ و جبينكِ لم تُصَبْ بأَيَّة لطخة، فجمالها مَصون، و هي تعكسُ العظمة وازدراءَ كلِّ ما ليس نُبلاً و نقاءً.
إنها تعكس احتقارَ الكلماتِ الباطلة و الأفكار الدنيئة الخبيثة؛
تعكسُ كلَّ ما هو نقيّ و مُقَدَّس في الفكر و العاطفة؛ تعكسُ السلامَ الأَبديَّ في الحب الأَبديّ: ذاك الذي يُوجَد على تخومُ فردوسٍ فُقِد في الماضي السحيق ووُجِدَ الآنَ في الغبطة الخالدة.
لا تستيقظي يا بُنيَّة، إنَّما دعيني أَبكي و أَبكي لأنّي ما زلتُ هنا عند سريرك، بينما الموتُ قد غيَّبكِ.
لا تستيقظي، فليس في الحياة ما يستحقُّ أن تُفيقي من سُباتٍ جميلٍ كسُباتك. فجميع الكنوز حملتِها معك، حتّى قلوبنا ووجوهنا. لكن دعيني أَثمل من ألمِ ماتبقَّى لي.
دعيني أُقبِّل أَجفانك المطبقة و جبينك الناصع. أَودُّ أَن أُبعد عنه هذه الضفائرَ المخضَّبة.
دعيني أُقبِّل يديكِ وذراعيكِ اللتين مابرحتا غضَّتين، وأَلمس الثوبَ الصغير المتواضع الذي كثيراً ما كويتُه لكِ.
دعيني ألمس هذا الجسد الذي كان دائمَ الارتعاش، و هاتين القدَمين اللتين أتمّتا الآن مَسيرهما السريع.
لا تَستيقظي، فكلَّ صباح نستيقظُ في الأرض على الاوجاع، و كلَّ ليلةٍ ، نموتُ في الهمِّ و الغَمّ.
إن حُبَّنا يحيط بكِ مع الزنابق. فلتتفتَّح الزنابقُ أكثر في دموعنا،
و لتخفرْكِ و تُغدقُ عليكِ أريجَ عطورها.
إنَّ الهيكل المقدّس حيث تتتظرينني دائماً، ثاويةً بين الزنابق، هو محطَّةٌ مختارةٌ لي، هناكَ أَذهب اطلبك في قلبي ووحدتي.
تُرى أأنتِ التي تعودين عندما يهبُّ الهواءُ مالئاً أنفي بالطيب و البخور؟!
أأنتِ التي تُنادينني في نومي و تُؤمئين إِليّ؟
ليتَ شِعري! أأنتِ التي تتقدّمين للقائي، مشيرةً بيدكِ نحو آفاقٍ فردوسيَّة؟
أَما انتهى نهاري بعد؟ سأنتظرُ عند سريرِك، و شفتاي على أجفانك الباردة… فهاتي يدَك
في ٢٠ تموز١٩٤٥ والدتك الحزينة
ماري حداد
لفت نظر:
هذه المرثية كتبتها في ” العصفورية” بأَثناء احتجازي القسري بأمرٍ من السفاّح المجرم بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية، و ليُدخل برَوْع الشعب اللبناني أنَّ الكُتُب السوداء التي نشرتُها ووزّعتها عن فضائحه وارتكاباته و جرائمه إنّما كتبتُها و انا غير مكتملة العقل. و لكنه أُرغم على إطلاق سراحي بعد تهديده بفضيحة شائنة مزلزلة- مكره أخوك لا بطل- و أُخرجَتْ، ايضاً، معي امرأة وابنتيها كانوا محجوزين بأمرٍ منه، نزولاً على رغبة أَحد الانذال ليستولي على أَملاكهما؛ و الشيخ بشارة له علاقة مع زوجة هذا النذل. و من أحب معرفة أسرار هذه الجريمة الشائنة فليُطالع كتابي« أسرار العصفورية بلبنان و فضائحها المخزية ».
و قد رفضتُ « أن أغادر العصفورية »إلا مع الامرأة المسكينة و ابنتيها. و خوفاً من تنفيذ نشري كتاباً أسود عن الفضيحة المخزية التي ستدكّ أُسس بشارة الخوري و تُحقّره بأعينِ كلّ من سيطلع على الفضيحة المزلزلة التي سأنشرها مع وثائقها، أضطر الطاغية، مُرغماً و مُكرهاً لإطلاق سراحهم و سراحي؛ و كانوا قد أمضوا بضع سنوات في “العصفورية”. فيا لهذا المجرم السفاك الذي يستحق الشنق عدلا و حقاً.
لتهنأْ رُوحُكِ بالراحَـــة الأَبديّة
مهداة إلى ماجدا ابنتي الحبيبة
ماجدا،
إنَّ الآلام الهائلة الناتجة عن خسارتك لن تُعيد لك الحياة،
و دموعي مهما امتزجت بالكآبة و المرارة،
فلن تُرجع جسدَكِ المادّي إلى الوجود،
و أَوجاعي التي لا توصف لن توقظكِ من سباتكِ الأبديّ.
حتى لو أصبحتُ فريسة العذاب و الهواجس الممضّة.
فلن تستطيعي الالتفات إليّ ، كما في السابق.
و كآبتي العميقة لن تدفعَكِ إليَّ حيّةً ،
فَتنتزعي آلامي الخرساء.
و عذابي المتجدّد أبداً لن يُعيدكِ إليَّ من عالمكِ البعيد المجهول.
إيه يا ماجدا،
سأذرفُ الدموع هتّانة تغذّيها تفجّعاتي،
و شقاءٌ جهنّمي سيَجتاح نفسي التي يهزّها رعبٌ مميت،
و نسورُ الهاوية ستُمزّق فؤادي،
و تفترسه عقبانُ الجحيم،
بعد ان تنقضَّ عليه اسرابُ العذاب و الأوصاب.
إيه يا يمامتي الوفيّة،
لتهنَأْ روحُك بالراحة الأبديّة،
لأنّني عمّا قليلٍ سألحقُ بكِ.
هنالك في جنّة الجنّات العجيبة الخالدة،
في قلب مدينة الله العارمة بالملذّات،
سألتقيك، يا ماجْدا الوفيّة ،
و لا أعود فانفصل عَنْكِ ، أَبدَ الدهر،
أي يمامتي الذبيحة على هيكل التضحيات،
و سنبقى معاً مدى الأجيال و الأزمان.
ماري حداد
٢٧ كانون الثاني ١٩٤٦
لم نَعدْ نلتقيكِ إلا بضع سَاعات !
كان ذلك في مثل هذا الصباح،
في السابع والعشرين من كانون الثاني …
لكنْ ، ها أنت تَعْبُرين في خاطري ! …
صدى كلماتكِ لم يكفَّ عن ترجيع صوتكِ في مغنى طفولتكِ!
أحياناً نسمعُه وشوشاتٍ،
وأحياناً يتعالى حتى كأنَّ الخيال يتجسَّد حقيقة !
وإذْ ذاك نشعر به عنيفاً ككلامنا
ويُخيَّل إلينا أنَّ حضوركِ لا بُدَّ واقع، وأنَّ الوهم سيتحقّق !
في هذه الليلة، بحثتُ عنكِ في الرُؤَى الأولى التي راودَتْني في نومي. أردتُ إكتشافَ وطنِكِ …
فرأيتُ هُنالك، في البعيد، مُدُناً غامضةً مُضيئة …
ولكنّها ممنوعة !
شاهدتُ كائناتٍ وُلِدَتْ من جوهرٍ نورانيّ .
وأعدادٌ قليلةٌ من الحيوان اجتازَتْ بلَدَ أَحلامي وارتيَادي،
فتشبَّثَتْ بها عيني ،
لكني لم أستطع اللحاق بها و هي تُغِذُّ السير،
حتى تتوارى تدريجيّاً… و أَغيبُ تائهاً في نومي.
كان ذلك في مثل هذا اليوم …
الشمس لم تُتمَّ دورةَ النهار بعد،
و مع ذلك غادَرْتِنا٠
جسدُكِ كان مُسَجىً ضحيَّةً لنفسكِ العنيفة التي لاتُقهَر،
نفسك التي كانت جانيةً عليكِ
مازلت أسمع صراخ أُختيك و أصواتهما المذعورة.
ما زلتُ أرى وجهيهما، و رعبَهما،
و شفاهَهما المرتجفة التي عَيَّتْ عن التعبير،
و إنهيارنا مُهدَّمين حواليك.
جسدُكِ كان هامداً… لقد انتهى كل شيء!…
ثم كانت الغارة القضائيّة.
كلُّ ما في الأرض مناظر للمشاهدة.. .
كلُّ ما فيها دنيء حقير…
و لكن ماذا يهمُّكِ ؟
فقد كنت تُحلّقين في الأعالي…
أُفكّر في طفولتك،
فأراكِ نَمَوْت و كبرتِ سريعاً سريعاً،
واجتحتِ مراحلَ حياتكِ اجتياحاً،
آنفةً من التلهّي بألعابِ عمرك،
طامحةً إلى أشياء أخرى،
إلى الكتب و البلدان الجديدة، و الأسفار و الحركة…
كنت تستعجلين السير، و كان الزمان يستحثُّكِ .
فلا أراك تقفين،
و لا أراكِ تستريحين…
بل كنتِ ، و انت تتفجّرين حيويّةً ،
تُسرعين على الدوام متقدمةً نحو مصيرك الذي لا يُرَدّ !
لكنْ ، أَلسنا نتبعُكِ ؟
خُطانا تقتفي خُطاكِ ، و أقدامُنا تترسَّم آثاركِ الواضحة.
و إنّنا نعرف الطريق، إنها طريق الحياة!
وثبةٌ واحدة و هروبي من الدنيا يتحقق،
و روحي تلتقي، هُنالك روحَكِ .
في مثل هذا اليوم السابع و العشرين من كانون الثاني ١٩٤٥
بلغت الأجَل المحدَّد .
و قبل ذلك بعشرة أعوام سجَّلتِ في مفكّرتكِ اليومية:
«إني أرى نفسي، الآن في عام ١٩٤٥»…
فلمَ حدّدتِ هذا التاريخ ، قبل عشرة أعوام ،
كنهايةٍ لِمطافك؟
و هَبَطَ الليل…
و جسدُك كان ما يزال مُسَجًّى…
لقد اختطفكِ الموت ،
و كانت تلك ليلتكِ الأخيرة!…
رفَع الموتُ روحَكِ و أَنِفَ من جثّتك فتركها للأحياء!..
و ناديتُكِ و حادثتُكِ باطلاً.
و في ليلتكِ الأخيرة كنتِ غاضبة، و أبداً لن تردّي.
كان جَسَدُكِ شهادة،
لكنَّ حضوركِ الحقيقيّ تقلَّص فجأة!ً…
و كان يوم السبت،
وطلعَ الأحد علينا حزيناً، لكن مُشْمِساً.
فقد دَوَّنتِ أحلامك النبويَّة، و قلت فيها:
« سيّارتان كانتا في الموكب على طريق جُونيه ،
وكان الطقس جميلاً،
و لكنَّ نون و العشّي كانا بعيدين…»
و رافَقْنا إلى هناك، ثوبَ الجسد
الذي انسلَّت منه نفسُكِ
إنسلال العصفور المتعطّش إلى الحرّية من القفص .
وها أربعة أعوام قد تصرّّمت…ولكنك ما زلت مِلءَ المنزل حاضرة!
٢٧ كانون الثاني١٩٤٩. ماري حدّاد
إلى مَـــــاجدَا
ماجدا ! ..ماجدا!..
أدعوك بصوت يائس:
تجلّي لي… أَظهري وجهكِ المُشِعّ بالنور والغبطة.
ضُمّيني إلى صدرِك.
أبسُطي عليَّ جناحَيْكِ الملائكيَّيْن.
ألا تشعرين بعذابي ٠أَنتِ التي عانَيْتِ عذاباً عظيماً ؟
فيا أَيَّتها الراتعة في قلب الفردوس ساعديني.
بدموعي المنبجسة من قلبي، كتبتُ كلماتي هذه.
إنها تندفقُ من نبعٍ لا ينضب.
ما زلت أَرى على سرير اوجاعك دمَك المسفوح .
هذا الدم يجبُ أن يبقى ماثلاً ، دوماً ، أَمام عينيَّ ،
حتّى يذكّرني بالانتقام.
فليُعنّي الله، و ليتمَّ هذا الانتقام على يدي .
ماجدا، يا جزءًا من ذاتي،
إنَّ يَدكِ التي كانت تريد الانتقام للهادي الحبيب من أعدائه،
يدكِ تلك أَطلقت الرصاصَ على جبينكِ المتوَّج بالمجد.
فلتُساعدني هذه اليد على أَن أَمحو من العالم آثار المجرمين،
أولئك الذين كنتِ تودّين إِبادتَهم.
و لتجذبْني نظراتكِ العلويَّة إلى فردوسكِ الخلَّاب ،
يا ماجدا الحبيبة.
فسأكون خفيفةً إذ تَرْفَعينَني إليكِ .
فمتى يحلُّ ذلك اليوم الجميل، يا سيِّد؟
٢٣شباط ١٩٤٥ زينَه حدّاد
الزنبقَـــــة الذاويَة المتفَتِّحة
ينبوعُ ماء يتدفَّق !
سمعُته من بعيد،
يبكي..يبكي.
على أُختٍ… على شقيقة !
على زنبقةٍ من أَجمل الأزهار !
و خريرُ الماءِ يدقُّ ناقوسَ الحزن،
و موسيقاه كئيبة شجيَّة !
الطبيعةُ في حِدَاد
تبكي هذا الخَطْبَ الجسيم !
الينبوعُ يتدفَّق…و لكَّنه يئنُّ قائلاً :
« زهرتي ذبلَتْ و أَكمامها تناثرَتْ ،
و تركتني وحدي في حزني،
و غادرتْني و نسيتْني وحيداً في شقائي،
إذ توارَتْ ثم ذبَلتْ !… »
يا أجملَ الينابيع !
إسقِ جذورَ الزهرة غير المنظورة،
اسقِها بجميع مياهك العذْبة،
كي تعودَ فتحيا ثانيةً
و أذرفْ آخرَ دمعةٍ من دموعك ،
– إنها حبَّة لؤْلؤ
هي كلُّ روحك-
على تلك الزنبقة المتفتّحة
و المملوءَة جمالاً.
لتُقفَل هذه الزنبقة على لؤْلؤَة
هي أجمل ما في العوالم!..
إنّها تغمرُها ثمّ تطيرُ بها
إلى عالَمٍ آخر
هو أَجمل فردوس
للسعادة الأبدية.
نهار الجمعة في ٢٣ شباط ١٩٤٦. زينا حداد
إلى أُختي
ها قد مرَّتْ عشرة أعوام على حبَّنا البعيد،
و كنتُ دائماً أُحبُّك.
و عندما كنتُ شقيقةً لكِ كنتِ تُحبّينني أيضاً
و ذلك الحب هو ما أتذكَّره الآن،
لقد كنَّا شقيقتين ، كلٌّ منَّا عزيزةٌ على الأُخرى.
و أَنت الآن ما زلتِ شقيقتي.
أما أنا فلا أَدري إذا كنتُ ما أَزالُ شقيقتَكِ ،
لأنَّ عالمَكِ الروحيّ يختلف عن عالمنا الأَرضيّ الشقيّ التاعس.
إنَّ نظركِ الآن أشدُّ نفوذاً من نظري القاصر.
و شعورك العلويّ هو غير شعورنا في هذه الدنيا الدنيَّة.
إنَّك، و لا ريب، تهزئين بعذابي، وتضحكين من آلامي.
أما أنا فأبكي…
و من ذلك استنتجتُ أنَّني لم أَبقََ لكِ كما كنتُ أَوَّلاً.
و لكنّنا كنا دائماً نعيش بإيمانٍ واحد ولإلهٍ أبويٍّ واحد.
و لذلك فسنبقى شقيقتين متَّحدتين بمحبَّةٍ أخويَّةٍ سرمديَّة .
فإلى اللقاء.
بيروت في ١٨ شباط ١٩٥٥ زينَه حدَّاد
ذكرىٰ
ها قد انقضتْ اثنتا عشرة سنة .
إنني أرى من جديد الأيام التي مضت.
إنني أَراها دائماً :
كيف كنا نحبُ أن نركض و أَن نسبح
عند شاطئ البحر؟
إنني أرى شعرَكِ الذهبيّ كشعاع الشمس
يتطاير مع الريح و يتماوج على ظهرك بخفّة.
إنني أسمع أيضاً صدى ضحكاتك المرحة ترنُّ على الشاطئ
و أنت تجمعين الأصداف المتنوّعة الألوان
التي كانت تزيّن عنقك وساعديك
كأَنها عقودٌ من الأزهار على زيّ مدينة ( تاهيتي) .
و كنت تفضّلينها على أَثمن الجواهر.
إنني أسمَعُ وقعَ خطواتكِ المُتراكضة
على الرمل الناعم المحرق عند الظهيرة.
و كنتِ تغوصين بفرحٍ كسمكةٍ في هذه المياه الصافية
إنني أَرى نظرك الحالم سابحاً في الأفق البعيد،
تُرى هل عند الحواري الجميلات في الكهوف البحرية العميقة؟
أم كنت تفكرين برحلتك الأخيرة التي توصلكِ إلى مقرِّكِ البعبد؟
أم إلى تفاهاتٍ أرضية و أنت راقدة عند ضفَّة البحر.
و نظرك ممتزجٌ باللانهاية
و عيناك الواسعتان الجميلتان كانتا تحلمان أحياناً
وهما تنظران بإعجابٍ إلى الأمواج المتكسرة على الصخور.
و كنت عندئذٍ تتأمَّلين قرص الشمس في الغسَق البعيد
في زرقَة البحر اللازَوَرْديّ
لتعودي من جديد في فجرِ سماء صافيةٍ .
أنت تنظرين إلى الصخور الكيير التي تتلقَّى دائماً الامواج
و هي تلاطمها بجبروتٍ بلا كللٍ أو ملل.
هل بعد أن تُلطَم ليلَ نهار ألا تتأَلّم من تلك الضربات الأبديَّة؟
أليس حظُّها قاسياً؟
و هكذا فإنّ حياتك قد انكسرت كما تتكسّر الأمواج على الشاطئ.
لقد رقدتِ كما ترقد الشمسُ عند المغيب في آخر النهار،
و قد استيقظتِ في صباح جديد و فجرٍ جميل.
و ربما كنتِ واحدة من تلك الصخور الجاثمة
تتلِّقين ليل نهار لطمات الأمواج التي تغمرك بزبَدها الناصع البياض.
ومَن يَدري ماذا يُعدُّ لنا بعد هذه الحياة من فرحٍ أو ترحٍ…
و هكذا من عالمكِ العلويّ
ألقي نظرةً بعيدةً حالمة لتخترق أعماق روحي
مثلما كانت تخترقها في الزمن الغابر
زينَا حدَّاد ١٤ تموز ١٩٥٦
ماجـــدَا الحَبــــيبة
اليوم ، يدعوني الماضي إلى جوار قبرك ،
ويدفعُني إلى إحياءِ ذكراكِ .
أربعةَ عشَرَ عاماً عَبَرَتْ ، منذ وفاتكِ ،
تتابعَتْ فيها أيَّامٌ أليمة و فراقاتٌ مؤسية.
غالباً ما أنسى أَنّكِ غادرتِنا إلى الأَبَد،
فأترقّب أن أراكِ تَدخلين من الباب
و تجلسين بيننا، زاخرةً بالحيويّة ، فائضةً بالانفعالات !
و قد تكونين، حقاً، بيننا، ترَيّننا و لا نستطيع أن نراكِ .
و إِنّي لأَشعرُ أنَّ روحكِ تزورنا،
و أُحسُّ بحضوركِ ،
لكنَّني،وللاسف، لا أستطيعُ مشاهدَتَك.
أُحبُّ أَن أرى محيّاك، ثانيةً،
أُحبُّ أن أشعر أَنَّكِ بقربي.
لقد حَمَلَ الموتُ صباكِ بعيداً ، بعيداً في عالم المجهول ،
و بمنجله حصَدَكِ قبل الأوان !
كبرعُمِ زهرة نَثَرتْه الريح قبل تفتّحه، هكذا كنتِ !
فتعالَيْ في هذا اليوم الذي حدَّد مصيرك.
لتأتِ روحُكِ فتنضمُّ إلينا في الصلاة،
و لتأتِ أيضاً أرواحُ جميع مَنْ فارقونا
من إخوتنا وأخواتنا الداهشيّين،
فتشاركنا في الصلاة،
ليكون جميع موتانا قريبين منّا سواء بالمحبَّة أَم بالابتهال .
سلامي لكم أيّها الموتى الأبرار،
سلامُ الله معكم
إنَّ غبطة السماء و سعادتها تُظّللانكم إلى الأبد.
زينة حدَّاد
٢٧ كانون الثاني ١٩٥٩
أصبحتِ تحيينَ في سعادةٍ تامَّة
خمسة عشر عاماً!
إنه عمرٌ قد مضى مُذ إعتزمتِ الارتحال عنّا .
رحلتِ في هَوَسِ الصبا،
مجتازةً بسرعةٍ تخومَ الأرض إلى العالَم الآخر .
ولا بدَّ من أن يُخلِّف كلُّ راحلٍ عزيز
جرحاً في القلب بالغاً و لا بُرءَ له .
إنَّ تتابع السنين لا يمكنه أن يدفن الماضي
الذي يُبعث كلَّ لحظة حيًّاًً في نفسي.
إنّك في عالمكِ تهزئين منّا،
من حياتنا الحقيرة الشقيّة.
تُشاهديننا ننتحبُ على قبرك،
فَتبتسمين ساخرة،
إذْ إنَّ الموت كان تحوُّلاً لك .
فبعد أن كنتِ بالأمسِ كائناً تاعساً.
أصبحت الآن- كما آمل،تحيَيْن في سعادةٍ تامّة.
و لكني، مع فرحي بأن أراكِ سعيدة،
ينتابني- و للاسف- حسدٌ لكِ ،
ريثما أستطيع الانضمام إليك، مدى الدهور.
زينة حدَّاد
٢٧/ ١/ ١٩٦٠
بَعد عشْــــرين عاماً
ماجدا ،
ها قد مضى عشرون عاماً ،
كلٌّ منها أشبه بيومٍ واحد. !
رقدتِ في ذلك الشَّفق ،
تُهدهدُكِ أمواجُ الأُفق .
و اصطخابُها الجهنّمي
ما زال يدوّيّ في أُذُنَي !
لقد حملَتْكِ العاصفةُ غير واعية.
تُرى ، أين رماكِ أوقيانوس الفضاء؟!
ها إنَّ الفجر قد بزغ !
فهل استيقظتِ؟
إنَّ الشمس،هنا، تنتظرُ الساعة
التي تتوّجُكِ فيها،
يا عذراءَ الموج !
أيتها الروح الخالدة،
أيتها الروح الجميلة،
أَتُرَاكِ سَلَوْتِنا ؟!
في أيّ حال سأبكيكِ أنا،
لأنك في ذاكرتي إلى الأَبَد .
زينة حدَّاد
٢٧/ ١/ ١٩٦٥
ورَاءَ الغــــمَام تواريْتِ
في الغمام تواريتِ،
ووجهُكِ بدَّلَتْه التحوُّلات!
فإذا نظرتُ، الآن، إليكِ،
فلن اعرفكِ.
واحدٌ وعشرون عاماً عَبََرتْ ،
و أنا أُحاول كلَّ يوم ، أن أراكِ ، ثانيةً ، في خيالي .
لكنْ ، وا أسفاه ! فبيننا وبينكِ حجابٌ
لستُ أدري كم من السنين سيفصلنا عَنْكِ .
ها أنا أشاهد عينيكِ، مُجَدَّداً،
وأرى جرأتَكِ ،
فأقول لنفسي :
كلّ هذا أصبح جزءاً من الزمن الغابر.
و أُحاول أن أنسى هذه الخواطر الحزينة،
لكني أَبوء بالفشل،
فحضورُ ذكراكِ لا يُمحى.
وددّتُ ان أعرف أين أنتِ ،
فعالمُ الارواح يختلف كثيراً عن عالمنا .
إنه عاَلمُ النور و الجمال
المُعدّ للأنقياء ،
للذين تنزَّهوا عن دناءَات الجسد حقارات الدنيا،
لمن يطمحون إلى فكرةٍ نبيلة مجيدة.
فسلامٌ عليك، يا أختاه،
و سلامٌ على عالمكِ و على موتانا الأعزّاء.
زينة حدَّاد
٢٧/ كانون الثاني / ١٩٦٥
سَـــــنلتقي يَا ماجــــدَا
غمامةٌ بيضاء كانت لكِ كفناً، فاتَّشحتِ بها رداءً نقياً ،
و قمتِ برحلتكِ الأخيرة نحو موطنٍ بعيد لا تطاله نظراتُنا المتطفّلة، بينما أنت تُشرفين من عليائك على عالمنا الحقير،
دونما أَسَف لِمغادرته.
واحسرتاه! لن يجمعَنا الموتُ سريعاً،
و سنحيا ، بعدُ ، في الذكريات .
أُختاه! لا وجودَ للزمَّن في عالمك ،
لكنَّ كلَّ ثانيةٍ تمرُّ في عالمنا تبدو طويلة طويلة،
و مع ذلك أَشعرُ أَنَّني أقتربُ منكِ أَكثرَ فأَكثر.
ما أعظمَ رغبتي في أَن أُشاهدَ وجهكِ الجديد
و هو يتأَلَّقُ بين الشموس الخالدة!
لقد احبَّكِ الموتُ فاختار صِباكِ .
كنتِ زنبقةَ الطهارة، و بيده قطَفك! و لطالما حَننْتِ إِليه !
في هذه الساعات الحزينة حيثُ أوراقُ الأشجار في مأْتم ،
تلتهب أفكاري فأُخاطبُ الموت قائلة :
« لقد نسيتني يا موت » .
إن الأَوراقَ اليابسة تتساقط و تتفتَّت
و تنثرها الرياح، فَتلقى مصيرَها .
لكنَّني أَنا أَصرخ :
« يا موتُ لا تنسني.
ألا أحمِلْ رسالتي إليها، وائتِني بجوابها على دعائي » .
نعم ، أختاه ! أشتاقُ إلى رؤْيتك ،
أشتاق لأَن أَجتمع هنالك ،
في عالمكِ البهيّ القصيّ ، بالكثير ممَّن أحبَّهم قلبي.
زينة حدَّاد
٢٧/ كانون الثاني / ١٩٦٩
إلى مَاجــــدَا بعد سَبْعة و عشْـــرين عَاماً
بعد أن اجتزتِ تخوم الأرض
لتُغادري عالمَ الموت ،
مَلأٌ سحريّ يتأَلّقُ بالأنوار
شَرَع أبوابه لاستقبالكِ .
وإذْ ذاك كانت يقظُتكِ ،
فلم تعد الأرضُ لكِ
سوى كابوسٍ مخيف
و حلم سخيف !
هناكَ،
قطفت من ثمار الحياة الابديّة و أكلتِ ،
ومن إِكسير المعرفة الإِلهيّة شربتِ .
كلَّ عام،
كنتُ أُحيي ذكراكِ ببضع كلمات
فأنتِ حتى هذا اليوم،
ما زلتِ حيَّةً أمامي كما كنتِ في الماضي .
ومُجدَّداً أَرى رهبةَ ذلك اليوم
الذي غادرتِنا فيه ،
أرى تلك الدموعَ التي سُفِحَتْ .
إنَّ العاصفة الجامحة حصدَتْكِ في طريقها .
ومنذ ذلك الحين ما زالت ذكراك تُحاصرني ،
وما بَرح قلبي يعتصرُه الألم.
سبعة و عشرون عاماً من الفراق،
إنها زمن و عمر:
زمن مضى على افتراقنا،
وعمرٌ حملتِه إذْ حَمَلَكِ ذلك الفجرُ الأسود بعيداً.
ولكن ما العمل ؟
لا شيء ، لا شيء سوى أن نتحمَّل نتائج عملك ،
ونُطيع الشريعة التي توصينا بالصبر .
إنَّ الفراق لقاسٍ عندما تكون المحبَّة هي الجامعة .
وقد تكون الساعة التي ألقاك فيها
قد أصبحَتْ قريبة ،
وآمُلُ أن تكون هذه الرسالة
آخرَ ما أُرسلهُ إليكِ.
أَشعرُ أَنَّ قواي تُغادرني ،
فقد أحتاج لمرحلةٍ أخيرةٍ بعد،
وأكونُ قد اجتزتُ طريق حياتي في هذه الدنيا
وإذْ ذاك أَتأهَّب لاقتفاء آثارك .
وحينما سأراك، ستكون فرحتي الكبرى ،
وسنتعانق عناقاً طويلاً ، ونتحدّث عن الماضي والحاضر،
حتى يجمعنا المستقبل إلى الأبد .
زينة حدَّاد ٢٧/ ١ / ١٩٧٢
من وَطنكِ المقدّس قبّليني
ماجْدا!
ها أنا أرى، ثانيةً ، اليوم الذي تواريت فيه وراءَ الأفق البعيد .
ها أنا أرى، مجدَّداً ، تلك الساعة الرهيبة،
وتلك الصورة المذهلة المثيرة التي رسَخَتْ في قلبي إلى الأَبَد!
لقد إقتحمتُ باب حجرتكِ
لأُشاهدكِ وقد أصبحتِ موغلةً في القَصاء !
منذ ذلك اليوم اللعين ، تتراءَى الأعوامُ لي وكأنَّها أجيال ،
فأُواكبُ الزمن . وكلَّ يومٍ ، أتقدَّم خطوةً لأنضمَّ إليكِ .
لكنْ يبدو لي أنَّ هذا التقدُّم بطيء ،
فالطريق عسيرة وعثاء .
كم من حادثٍ هزَّنا !
كم من زوبعةٍ حاوَلتْ أن تقتلعنا من جذورنا !
ولكننا — ونحن أشبه بالقصب — ما زلنا نصمد بعون الله
أكثر من السِنديانات الدهريّة ،
( كما قال لافونتين ) .
في تلك الساعات المُؤسية،
طالما تمنّيتُ أن تكوني بيننا .
ومن يدري ؟ فربّما كنت بجانبنا غير منظورة !
لأنني كنتُ أحبُّ جرأَتَكِ المهووسة .
فإنَّ عملاً واحداً لم تُمْلِهِ الرويّة قضى عليك .
ماجدا ،
بعد إحدى وثلاثين سنة ما زال يحضرني الرعبُ الذي استبدَّ بي
عندما شاهدتُكِ !
واأسفاه !
لم أستطِعْ أَن أَغبطَ تاجَكِ السماويّ ،
ولا أن أسمع ترانيم السماوات لاستقبالكِ .
لكنْ ، أما كان ذلك اليوم أروعَ لكِ
لو إنتظرتِ نداء المشيئة الإلهيّة ؟
وماذا تنفع العودة إلى الوراء ؟
لقد أردتِ أن تُغادرينا،
لكنْ لا بدَّ من أن تكوني قد تبيّنتِ الخطأ الكبير في تصرّفكِ
الذي اساءَ لنا إِساءَةً عُظمى .
ماجدا،
أشعر، الآن، وأَنا أكتب لكِ ،
أنكِ قربي تهدين قلمي .
وَأشعرُ أَنكِ أصبحتِ ظلّي،
تَقتفين أثري خطوةً فخطوة .
والآن، كم أتمنّى أن أراكِ ، ثانيةً ،
وأضمِّك على صدري، وأقبّلكِ ،
لأُشبع رغبتي بأن تكوني إلى جانبي ،
لأنّني ما زلتُ ابكيكِ
مُذْ تواريتِ كغمامةٍ بيضاء .
لقد حملَتْكِ عَرَبةٌ سماويّة
نحو ذلك العالم المجهول .
ماجدا،
من وطنكِ المقدَّس قبليني .
زينة حدَّاد
٢٧/ كانون الثاني / ١٩٧٦
مَاجــــــدَا بَعدَ أَربَعَـــة وثَلاثين عَاماً
ماجْدَا ،
ماذا تريدين أن أقول لكِ اليوم ؟
فلستُ أَدري بما أُجيبُك، بعد مُضيّ أربعة وثلاثين عاماً على افتراقنا ! ويلفُّني حجابُ الحداد الذي حاكَتْه دموعي .
منذ ذلك اليوم وأَنا مُزلْزَلة ،
وما برحتُ أرتجُّ لعِظَم الصَّدمة .
منذ غيابكِ ما زلتُ أختلجُ لهذه الذكرى المحزنة،
فأبكي .
لقد خَلّفتِني وحيدة أُصارعُ صعوبات الحياة .
رَحلتِ ، تحملكِ العاصفةُ ، في زمن الأوراق الميتة ،
فما إستطعتُ أن أنسى، بعد، تلك الدقيقة،
و هول ذلك اليوم .
رَحلتِ مع الريح ، مع السحاب ،
وقد حَمَلاكِ إلى قِمَمٍ وضاءَة في عالمٍ آخر مجهول لدينا .
كلَّ صباح ، أراكِ في ذكرياتي،
وأُشاهدُ فتوَّتَكِ بُرعمَ ورد ،
زنبقةً تُهدهدُها النسائمُ الناعمة .
إنَّ الوقت ينساب،
وأنا عاجزة ٌعن الالتقاءِ بكِ ،
عاجزةٌ عن رؤيتكِ ثانيةً ،
عن الوصول إليكِ ولو بقبلةٍ خالدة .
يقولون إنَّ الحياة قصيرة ،
أمّا أَنا فإنَّني أَراها طويلةً جدّاً
تتسحَّبُ من دون نهاية .
يا إلٰهي !
متى ارى حلمي وقد أصبح حقيقة ؟
متى أترك هذا العالم الجحيميّ
الذي تهزُّه الأشجان ! ..
من دونكِ ،
أشعرُ بوحشة الليالي ،
فأجيبي ندائي .
تعالي، إِقتربي منّي ،
لامسيني بقبلةٍ تستحيل فيها أوهامي حقيقةً
فأجدَكِ في جنّة عدن ،
فأنسى ، هكذا ، علقم الأرض ومرارتها .
الآن ، أُهديك باقةً من القُبلات
النابعة من قلبٍ كسير،
وأقدّم لك، أيضاً ،
مطراً من الورود ،
آملةً أن تبلغ تقدمتي المتواضعة سماءَكِ النيِّرة .
١٩٧٨/١/٢٧ زينا حدَّاد
مَـــاجدَا إ نحنُ نُنَــاجيكِ!
وهذه باقة من قصائد حزينة نظمها الشاعر حليم دموس الداهشيّ وألقاها على ضريح الشهيدة الذبيحة ماجدا حداد بمناسبات وفاتها.
مَـــاجدَا إ نحنُ نُنَــاجيكِ!
في الذكرى الثالِثة لانتحارِ مَاجَدا الشهيدَة الأولىٰ
١٩٤٥ – ١٩٤٨
كانت اليوم الذكرى الثالثة لوفاة المأسوف على صِباها المرحومة ماجدا كريمة الوجيه السيَّد جورج ابراهيم حدَّاد ٠
وقد أَصبح هذا النهار ذكراً دائماً في رسالتهم الداهشيِّة يُخلِّدون فيه تذكارَ شهيدتهم الأُولى ٠
واجتمع عددٌ من الإخوة والأَخوات الداهشيِّين في منزل الرسالة، وتقرَّر ذهابُ عددٍ مخصوص الى الضريح في جونيه ، حيث اجتمع هناك الأَشخاص الآتية أسماؤهم :
حليم دمّوس ، الدكتور جورج خبصا ، جورج حدَّاد ، جوزف حجَّار ، الدكتور فريد أَبو سليمان ٠ ومن السيِّدات : ماري حدَّاد، وكريمتها زينا، وأُوديت زوجة الدكتور خبصا التي حضرتْ من منزلها في جونيه مع كريمتها الصغيرة هادية ٠ وكان عددٌ كبيرٌ من الأهالي مجتمعين حول المدفن وعلى الطرقات وعلى الشرفات والسطوح.
وبعد إقامة المراسيم الدينيَّة الداهشيَّة ، نثروا الورود وأَكاليل الزهر والزنبق على القبر، وأخذوا عدَّة صورٍ لذكرى هذا الإحتفال السنويّ ٠ وأَلقى الأُستاذُ حليم دمُّوس قِطعاً نثريَّة من المراثي التي كان الدكتور داهش قد كتبها عندما بلغه نبأُ مصرعها المؤثِّر ٠ وختم الحفلة بأبياتٍ ناجى بها الشهيدة ماجدا ومؤسِّس الداهشية، وهذه هي :
هنيئاً لمَجدا إذ رأَتك حيَالها وقد لبِستْ ثوباً من النورِ غالیا
شهيدةُ إخلاصٍ شهيدة دعوةٍ مقدَّسةٍ تُدني الذي كان قاصيا
فَدَتكَ احتجاجاً يومَ أَقصوكَ عُنوةً فيا لك مفديًّا ويا لك فاديا ! ..
تطوف عذاري الطهر في الخُلْدِ حولها يرجّعنَ في دار النعيم الأَغانيا
وانت تناجيهنَّ جذلانَ راضياً وتَسقي وتُسقی کوثر الحب صافيا
* * *
أداهشُ يا ابن الروحِ إنكَ خالدٌ وإن كنتَ يا ابن الأرض بالجسم ثاويا
لقد أَورق الروض الذي قد غرستهُ لأَرواحنا الظمأى فكن أنتَ هانيا
خيالُك في عيني ووحيُكَ في فمي وصوتُك في الأسماعِ ما زال دَاویا
ودعوتُكَ الغرّاء تهدي سبيلنا وتُنعشُ مشتاقاً الى الحقِّ صاديا
على صخرة الإيمان شِدنا بناءَها فكن لازدهار الداهشيّة داعيا
ومهما دهتْنا في الحياة نوائبٌ ستبقى لنا ۔ مادامت الأرض – هاديا !
وهكذا خُتمت الحفلة ، وعادوا بالسيَّارات إلى منزل الرسالة في بيروت وهم يترحَّمون على زنبقة الرسالة النقيَّة
جريدة ( الدنيا) البيروتية
٢٧ كانون الثاني ١٩٤٨
نحنُ نخشعُ لذكراكِ
يا رفيقة الجهاد الباسلة، والنجمة الساطعة الآفلة، إنني أنحني أمام قبرك الصامت، خاشعا لذكراك الخالدة كالأرز، الممتدة كالبحر، ولعقيدتك الراسخة رسوخ هذه الجبال الشمَّاء ، وباسمي وباسم اخواني وأخواتي الداهشيين أناجي روحك النقية المرفرفة فوقنا والسابحة في عالمها العلوي مع روح والدة مؤسِّس عقيدتنا الداهشيَّة فأقول :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلىٰ رُوح الشهيدَة الداهِشيَّة مَاجدَا بذكراها السَابعة
١٩٤٥ – ١٩٥٢
السبعةُ الأعوام يا مَجْدا انطوت لكنَّ ذِكْرَكِ يا شهيدة باقِ
واليوم أقبلَ ثامنٌ وقلوبنا كأنینِ موجٍ زاخرٍ دفَّاقِ
وكمثل هينمة النسيم إذا سرت بین الندى والزهرِ والأوراقِ
هذا ضريحكِ حيث غابت نجمةٌ أبديَّةُ الإشعاعِ والإشراقِ
رقدت وهٰذي ( أُمُّ داهش ) قربَها مشتاقةٌ حنَّت إلى مشتاقِ
نعم الجوار بتربةٍ وبجنَّةٍ تتمتَّعان برحمة الخلاقِ
هذا هو المجدُ العظيم لأنفسٍ قُدسية النفحات والأعراقِ
زهدت بدنياها فكان ثوابها مجدَ السماءِ وبهجة الآفاقِ
طوباكِ يا مجدا فروحك قد سمت عن عالمٍ هولَ الحروبِ يُلاقي
والناسُ بين مطامعٍ وتناحرٍ و تنافُرٍ و تنافُسٍ و سباقِ
في ( عالم الأرواح ) أنتِ ونحن في أرض طغت بمظالمٍ ونفاقِ
فستَسْمعين أَنيننا وحَنيننا شوقاً لِمجدا ربة الأخلاقِ
إن فرّقتْنا الحادثاتُ على الثرى فسنلتقي في الخُلدِ بعد فراقِ
فإلى اللقاءِ أَيا شهيدةَ أَرضنا فالخُلْدُ دارُ سعادةٍ و تلاقِ
حليم دموس
۲۷ كانون الثاني ۱۹۵۲
الزنبقَـــــة النقـــــية ماجــــــدَا الدّاهشيَّة
قصيدَة رثى بهَا الشاعِر الدَّاهشي حَليم دمُّوس
الشهيدَة مَاجدَا وَختمَ بهَا الحفل الحزين في ذكراهَا الثامنة
١٩٤٥– ١٩٥٣
عذراءُ جمَّلها العفافُ بثوبِه وكسا الجلالُ جمالها الروحاني
تقضي الحياةَ أَمام هيكل ربِّها کیما تفوز بنعمة الرضوانِ
رَغِبَتْ عن الدنيا وزخرفها وما تحويه من خِدَع النعيم الفاني
وهَبَتْ محاسنها وزهرة عمرها لله خالق حسنها الفتّانِ
وأَبت على الدنيا عواطفها فما الدنيا سوى ضرب من البهتانِ
قَنِعَتْ بصحبة طهرها وتحصَّنتْ بالله خالقها من الشيطانِ
لا شيءَ يَبْهرُها ويصرف قلبها طول الحياةِ عن النعيم الثاني
۲۷ كانون الثاني ١٩٥٣
نامي فقد سقَط البَاغي !!
قصيدَة لمؤرّخ الرسَلة الدَّاهشيَّة حَليم دمُّوس
ألقَاهَا في ذكرىٰ اسْتشهَاد مَاجدَا الحاديَة عشرة
بالأَصَالَة عن نفسِه ونيابَة عَن جميع الأخوة والأَخوات
1945 – 1956
في كل عامٍ لنا شعرٌ بذكراكِ وكلُّ عاطفةٍ تهفو لنجواكِ
فحدّثينا ایَا مجدا فكم نصتتْ أسماعُنا لمعاني صوتك الزاكي
وزوّدينا حديث الروح إن حُرمتْ عيوننا في حمانا نورَ مرآكِ
عشرٌ من السنواتِ السود قد ذهبت لكنَّ روحكِ طافت بين أَفلاكِ
هناك في الخلدِ ارواحٌ مطهَّرةٌ ترنو اليك ودار الخلْد مأواكِ
فهل تخاطبنا الأرواحُ إنْ رحلتْ وهل تعود لهذا العالم الشاكي
نامي هنيئاً فقد اكملتِ مرحلةً فيها السعادةَ ربُّ الكون أعطاكِ
نامي أَيا بنتَ حدَّادٍ فأنت هُنا رمز الوفاءِ وعين الله ترعاكِ
نامي فقد سقط الباغي وسوف يرى حسابَهُ وهو ذاك الضاحك الباكي
نامي فكلُّ نعيمٍ لا بقاءَ لهُ في عالمٍ ببني الإنسانُ فتَّاكِ
وانتِ في جنّة الاطهار باسمةٌ وأمُّ ( داهش ) في الفردوسِ تلقاكِ
إنْ حلّ جسمكما أرضاً فروحکما عند الإلهِ فطوباها وطوباكِ
الجمعة ٢٧ كانون الثاني ١٩٥٦ المؤرخ حليم دموس الداهشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة بعد تلاوة هذه الأبيات نثرت الرياحين على ضريح الفقيدة وأخذ المصور السيد جريش و هو من زحلة يعمل في محلات دالاتي ونهرا عدة رسوم للأخوان و الأخوات ثم تليت قطعة سلام. و عادت السيارات إلى بيروت وفيها من ال حداد وحجار وخبصا ودموس وأبي سليمان وجميلة وال نعيمة ونخلة وأيوب.
شهيدة الظُّلَّام ! شهيدة الِلئام !
في الذكرى الثانيَة عَشرة لِلزنبقة النقية
الشهيدة مَاجدَا الدَّاهشية
١٩٤٥-١٩٥٧
١- نواكِ يا ماجْدا قد حرَّك الوَجدا
وجدَّدَ العَهْدَا والذِكر والودَّا
ياًأُختَنا مجدا
٢- تجري بنا الأيّام كأَنها أحلامْ
والعامُ. إثر العام يَمرُّ كالمنامْ
مودِّعاً مجدا
٣-مجدا ابنةُ السَلامْ شهيدةُ الظُّلَّامْ
شهيدة اللئامْ مَنْ عذَّبوا الكرامْ
وعذَّبوا مجدا
٤-البحرُ والتلالْ والروضُ الظلالْ
والسهلُ والجبالْ وماؤها الزلالْ
ناجتكِ يا مَجدا
٥- والغابُ والوادي والبلبل الشادي
والكوكبُ الهادي وأرض أَجدادي
تحنو على مَجدا
٦- نامي ففي الضريحْ مختارة المسيح
شفى مَعَ الكَسيح فؤادَها الجريحْ
في القبر يا مجدا
٧- سيري اَيا مجدا واستقبلي المَجدا
والنور والسعْدا و الشكر و الحَمدا
في الخلْد يا مجدا
٨-غنت لكِ الأطْيار و حنَّتِ الأنهار
فلْتُنظمِ الأشعار وَلْتُنثر الأزهار
فداكِ يا مجدا
يوم الأحد في ٢٧ كانون الثاني ١٩٥٧
حمامة الفردوس و النسر الإلهي
بقلم الدكتور غازي براكس
-١-
هبطَتْ من الفِردَوسِ جناحاها صَباحان لم يُشرقا، قَبْلُ على دنيا الترابْ! و عيناها شَفَقَان تُراودهما رُؤًى زاهراتٌ من الفراديس العِجابْ !
ومِسْمعاها أُرغنان تُداعبهما أنغامٌ شجيَّاتٌ عَزَفَتْها الإِلهٰاتُ للأربابْ!
وشفتاها وردتان تُندّيهما خمورٌ من دوالي النعيم و شهدِ الحبّ المُذابْ.. ! واستيقظَتْ في الأرض،فجأةً ، فإذا حولها نهرُ عُهرٍ و علقمٍ و صابْ! وموجٌ صخّابٌ من البشر، فيهمُ العقارب والأفاعي، والثعالبُ والذئابْ!
-٢-
فشعَرَتْ بغربةٍ هاصرةٍ عاصرةٍ، ونشبَتْ في نفسها مخالبُ العذابْ،
وحنَّتْ روحُها الوالهة إلى عالم الآلهة ، هنالِكَ وراءَ السحابْ ،
وسيطرَ عليها وجومٌ و سهومٌ ، و هيمنَ اكتئابٌ واضطرابْ ،
حتى إذا كادت تُظلمُ عيناها، وتُناديها من شاطئ الموت سفينةُ اغترابْ، أَطلَّ عليها نسرٌ من الأُولَمپ رأتْ فيه عزم البحار و حكمةَ الأحقاب،
ولمحَتْ في نور عينيه وجهَ النعيم و صورةَ هاتيكَ السماواتِ الرحابْ!
-٣-
و تدلَّهَتْ حمامةُ الفردوس، زنبقةُ الجّنةِ، بالنسر الإِلٰهيّ العظيمْ،
وعاوَدَتْها ذكرياتُ هواهما العلويِّ الهنيِّ في عوالم النعيم المقيمْ،
وإذا السماءُ تَدْفقُ امامها نهرَ كوثرٍ، و يُظلّلُها كلُّ ملاكٍ كريمْ،
و إذا النورُ و الحقُ و الحياةُ تراها في حبيبها الإِلٰهيِّ معاً تُقيمْ!
عشقَتْها… عشقَتْه… عشقَتْ فيه السماءَ ووجهَ الرحيمْ،
وأَشاحَتْ عن الدنيا… حانة الفحشاء…عن ابنة الشيطان الرجيم.
-٤-
حيثما جالسَتْ حبيبها غابت الأرضُ عنهما، و حلَّت فراديس السماءْ! واستحال الشوكُ ورداً حولها، و الجلاميد ألانَها الحنان و الرجاءْ!
وملاكُ الحبِّ مَسَح بجناحه كلَّ شيٍء ، فإذا الكلُّ مزهرٌ وضّاءْ!
و إذا كلُّ ذرَّةٍ من التراب والهواء تسمع فيها الصلاةَ والدعاءْ!
ما أروع الحبَّ والإيمان إذا ائتلفا! إنّهما الشمسُ حرارةً و ضياءْ!
وهما الوردُ و الزنابقُ و الفلُ طيبَ عرَفٍ وسِحْرَ رُوَاءْ !
-٥-
وسَهَتْ حمامةُ الفردوس عن أنّها لا تحيا مع (الحبيب)في(مدينة السلامْ) بل في غابة الأرض التي تمورُ فيها الضواري و السعالى ومسوخ الظلام!
إنها مملكة إبليس فيها عرشه يخفره زبانيته الفسّاق الظّ لام!…
وأَذِنَت السماءُ أن تأسرَ النسرَ الإِلهيَّ زمرةٌ من الأشرار الطَّغامْ(١)
وبدأَتْ تُنْسَجُ مأساتُه- مأساتُها- و كلُّ نجمةٍ لفَّها قتَامْ!…
ورُوِّعَتْ وزُلْزِلَتْ حمامةُ النقاء والسلام، وهمَّت بأن تشرب كأس الحِمامْ.
-٦-
هو مأسورٌ ؟! و جناحُه ضمَّ السماءَ، و قلبُه وَسِعَ الأَنامْ ؟!
هو مأسورٌ؟! وهو مَنْ علَّمَ الناس كيف يكونون أحراراً لا عبيدَ الرُّغامْ؟!
هو مأسورٌ؟! و يَدُهُ حطَّمَتْ كلَّ قيدٍ طوَّقَتْه الأكاذيبُ و الأوهامْ؟! هومأسور؟! فيانجومُ تساقطي وزَلْزلي الأرضَ، وأجِّجي فيها الاصطدامْ،
ويا رجومُ تفجَّري ، ويا كواكبُ تزعزعي وليُفكِّكْ ذرّاتِكِ رهبوتُ الاصطدامُ،
و لتتفتَّح القبورُ و تلفظْ امواتها، و لتزرع الارضَ هولاً هياكلُ العظام.
-٧-
و أَطَلَّت الشمسُ على الأرض، بعد سجنه، اثنتَيْ عشرة إطلالَة(٢) لكن!.. كيف تكون مشرقةً،و(النور) غائبُ عن ( منزل الرسالة)(٣)؟! لا، الشمسُ بقعةٌ سوداءُ، والنور اختفى من الأرض والسماء، لا محالة! و إذا البابُ يُقرَعُ…فتُطلُّ مَجْدا و ترى زمرةً من البشر الحُثاَلَة(٤)،
و بينهم حبيبها- حبيب الله- داهشّ، بينهم ساطعةٌ شمسُ النبالة!
ناداها لتُوافيه أخته،(٥) فهبطّت الحمامةُ و هي تطير هبت الرِئبالة!
-٨-
عانقَتْه، عانقَتْ وجهَ السماء، ووثبَتْ لبوةً جريحةً على المفوَّض الحقير(٦)، فأفلتَ الحبيبُ من أيديهمُ ، و صعدَ الادراج مسرعاً كأنّه يطيرْ،
و تبعَتْه البطلة الوفيَّة كالرعد يتبع البروق ،وعاجله زبانيةُ الطاغية الشرّيرْ فأدركوه ، و أدركته فاستمسَكَتْ به، و إذا الاثنان كتلةٌ واحدةٌ تدورْ،
كتلةٌ من الإيمان و الصمود، من النقاء و الفداء،كتلةٌ من نُورْ
تهبط الأدراج وسط موجٍ عجّاج، و فوقها تنهالُ قبضاتُ أبناء الديجورْ.
-٩-
لو لم تأذن السماءُ لاَنْهدَّت الأرضُ تحتهم وابتلعتهم القبورْ،
لَبُعثِرتْ جُثَثُهم ملعونةً في كلِّ دربِ وحوَّمت فوقها العقبان و النسورْ،
و لهدّمت و ردّمت منازلهم على هامهم، و أصبحوا عبرة مدى الدهورْ. لو لم تأذن السماءُ لتحوَّل رصاصُهم و سبابُهم رشقَ لآلئ و زهورْ،
و لكان أجنادُ السماءِ تهافتوا بين يَدَيْهِ يَفتدونه بالصدورْ،
ولَكانت الأَنهارُ و البحارُ و الرياحُ و الحجارُ كلُّها عليهمُ تثورْ!
-١٠-
وانتزع الأوغادُ النسرَ الالهيّ المدمَّى من ذراعيْ غادَةِ الوفاءْ،
و طرحوها على الثرى مهيضةً ،فتلَقَّفَتْها بحنانٍ أَذرُعُ الغبراءْ:
– يا ربّةَ الاخلاص انهضي و لقِّني رهطَ الذئاب أمثولةً حمراءْ. المجرمون سلَخوا عنك قلبَكِ، ولطّخوا أيديهم بالدماءْ.
فوق التراب والحصى أَلقَوْكِ، لا تحزني، فغداً مهادُك من ررودٍ وضياءْ. جريمتهم رهيبةٌ مروّعة!.. مادَتْ لها الأرض وارتجَّت السماءْ!
-١١-
وانتفضتْ لبوةُ الفردوس الجريحة صارخةً بوجه طغمة الأشرارْ:
أَأَنتم حماةُ العدالة ؟! ويح العدالة منكمُ يا زمرةَ الفجار.
أَنتم حماةُ كلّ باغٍ و طاغٍ، و داعرٍ و فاجرٍ، و مكّارٍ و غدّارْ،
أَبلغوا رئيسكم(٧) – خنزيركم- مأواه في التاريخ لن يكون إلا بؤرة الأقذاْر.
أبلغوا زوجته أُمَّ الزنَّى والخنى(٨)، أبلغوا أخاها(٩) المغرور المسعور المهذارْ
أنّنا سنكون عليهم أعتى من النار و الاعصار، و أحدَّ من بتَّار الأقدار.
-١٢-
وانطلقَت (سيّارة العدوان)(١٠) بالحبيب إلى المجهول، إلى ما وراء الحدود، واندفعَتْ لبوةُ الفردوس تُسابقُها حافيةً،لاهثة…تكاد بنفسها تجود.
وغابت( الشمس) عن عينيها، وراح الفَلكُ بها يدور، والأرض بها تميد!
– إلهي! أَلْهِمْني…- إلى السراي، إلى السراي حيث للظلم عرشٌ يسودْ.
وأسرعَتْ… ووصلَتْ وسط الجنود، وراح صوتُها يُجلجل فوقهم كالرعودْ تقصف رأس الطاغية، و رأس كلّ فاسقٍ و مارق، و حسود و حقود.
-١٣-
لهفي عليه! لهفي عليكِ يا مَجْدا! يا حمامة الجنانِ البَهيَّة!
كيف تقوَيْنَ عليهم، يا رخصةَ العود، يا دمعةً نقيّة ووردةً نديّة!؟
كيف تقوَيْنَ على وحوش الظلام، على سلالات الدركات الجهنميّة؟! قبضوا عليكِ…جرَّروكِ، صَفعوكِ، سجنوكِ في زنزانةٍ دجوجيّة(١١) فانتصبتِ بينهم كما انتصبَتْ بين الشَّوْكِ والدِّمَن زنبقةً إلهيَّة!
صحت فيهم: – ها جرذان زنزانتي، فهي خيرٌ منكم يا حثالات البشرية.
(١٤)
فكُّوا إسارها…و بِمَ انتفعت؟ ما دام الحبيبُ) مأسوراً فهي مأسورة.
أهانوا ابن السماءِ وهي صامتةٌ؟! أتكون الجحيم ظافرةً والسماء مدحورة؟!
-لا يا إلهي… فأذَنْ بأَن أَثأر لابنكَ الحبيب من الطغمة المسعورة.
وهاجت كلبوةٍ جريحةٍ، واعتزمَتْ أن تُطيح برأس العصبة الموتورة… فناداها صوتٌ نبويٌّ من البعيد:- حذاري فكلُّ فعلةٍ في السماءِ مسطورة،
غداً، تنقضُّ عليهم رجومي و صواعقي، و يُصبحون لجهنّم طُعمةً مصهورة
-١٥-
أَعنّي يا إلهي! ففي عروقي حريقٌّ، و في عينيَّ من فؤادي دِمَاءْ!
حبيبي فراشُه الترابُ والعذاب، وبنو الجريمة ينعمون في أسرَّة الهناءْ؟! أَعِنّي…أَيدخل الطعام والشراب إلى فمي، وهو يعاني الجوع والظَّماءْ؟! كيف أَحيا، بَعْدَه، و هو حياتي! كيف أُبصرُ، وهو في عيني الضياءْ؟! لا، لم يبقَ لي أيُّ حبيب، فرحتي الموت، عرسي بالفناءْ.
يا عريسي، يا حبيبي الموت هيّا واسْقِني كأسَ العزاءْ.
-١٦-
وانتضَتْ(قاذفَ الموت)(2ا) واطلقت على رأسها الطفل (رُسُلَ البلاء)(١٣)!
وأحرَّ قلباه! زنبقةُ الفردوس قُصِفَتْ وضرَّجَتْها سيولٌ من النجيع حمراء!
كتلةُ المشاعر المتأجِّجة خَمَدَتْ! و شعلةُ الحياة المتوهّجة رمَّدها انطفاء! واحرَّ قلباه! هل يطلعُ الزنبقُ والوردُ والفلُ بعدها؟… هل تُشرقُ ذُكاء؟! هل تُغرّدُ البلابل والحساسين؟ هل يسطعُ البدرُ في العلياءْ؟!
هل تُهدهدُ الأنسامُ الغياض الغبياء، و يتّشح بالشفقِ الأحمر المساء؟
-١٧-
و طار( الغرابُ الأسود)(14) إلى ( الحبيب)، فزلزل قلبَه الوجيبْ!
وتصدَّعَتْ أَضلاعُه، وتقصفَّتْ أعصابُه فكأنها الهشيم اجتاحه حريق رهيبْ!
وتضرَّمَتْ آلامُه، وتردَّمت احلامُه، وأَظلمَتْ أيامُه، و غصَّ بالنحيب!
– واهاً لكِ! يا بلسمي الشافي، يا كوثري الصافي، يا خيرَ طبيبْ!
واهاً لكِ! يا جناحي المهيض، يا منبعي المفيض، يا أوفى حبيب!
واهاً لكِ! يا وردتي الذابلة، يا شمسي الآفلة، يا فجري الكئيب!
(١٨)
مَجْداي! أين أنتِ؟ هل أنتِ يمامةٌ استعارَتْ نواحي لِهديلها العجيبْ ؟!
أم أنتِ ندى الصباح ارتقى إلى الفضاء بعد ان انهمر من دمعي الصبيب؟! مَجْداي! هل أنتِ أشواقي و لوعتي ارتَسَمَتْ شفَقاً حزيناً عند المغيبْ؟! أم أنتِ آهاتي و زفراتي تجسَّدت انساماً تهبُّ على وجهي الغريبْ؟! مَجْداي! هل أنتِ في الأقحوان، في الزنبق، في البيلسان، في أي طيب؟!
أم أنتِ في الجنان، لدى الرحمن؟ بحق عينيك أجيبي.آه! لن تُجيبْ!
-١٩-
وحَقِّكِ يا مَجْدا، دَمُك المسفوح الزكيُّ سيتحوَّل إل إعصارْ،
إعصارٍ هدّار من دمٍ و من نار، سيزرع فيهم الدَّمارْ.
و حَقّك، يا مَجْدا، ستنقضُّ عليهم و على ذراريهم صواعقُ الأقدارْ.
ستلعنُهم الملائكة، و يلعنُهم البشر، و تلعنُهم حتى أبالسةُ النارْ.
وسيكون مأواهم في الأرض بُؤر الأقذار و الأَجحار و الأوكارْ.
وسيكون مثواهم في الآخرة جهنَّم بُحيرةَ الكبريت والقار! وبئس القرارْ.
(٢٠)
تهلَّلي واغْتبطي يا زنبقة السماء، يا عروس الفداء.
فها حبيبك الإلهيّ على عرش المجد شامخٌ، وتحت قدميه يتمرَّغ الأعداء.
ألا افرحي و رنِّمي، يا ربّة النقاء و البهاء، و إلٰهة الاخلاص و الوفاء. فها حبيبكِ السماويّ تخشع الأكوان لاسمه، واسمك سيعلو مُعَظَّماً بين الأسماء. فأنتِ في الداهشيّة المقدَّسة اوّلَ بطلةٍ ممجَّدة، أنت بكرُ الشُّهداء.
بيروت ٨/٢٢/ ١٩٧٩ غازي براكس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كان اليوم الأسود ، يوم ألقت زمرة الأشرار القبض على الهادي الحبيب في ٢٨ آب ١٩٤٤
(٢) أمضى الهادي الحبيب ١٢ يوماً في سجن الرمل ، ثم صدر مرسوم إخراجه من لبنان ، فاستّدرجهم إلى منزل الرسالة .
(٣) كان منزل الرسالة يقيم فيه، أصلاً ، جورج وماري حدَّاد البطلان ، وبناتهما المجاهدات
(٤) هم رجال الأمن الذين يطبّق عليهم المثل القائل «حاميها حراميها »
(٥) هي أَنطوانت شقيقة الهادي الحبيب .
(٦) هو المفوَّض ( الكوميسير) محمد علي فيّاض
(٧) بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية (١٩٤٣-١٩٥٢)
(٨) لُور زوجة بشارة الطاغية وهي خالة الشهيدَة مَجْدا.
(٩) ميشال شيحا خال الشهيدَة مجدا ، وأحد رؤوس الاخطبوط المجرم .
(١٠) سيارة رجال الأمن بل رجال العدوان والظلم .
(١١) كان ذلك في مخفر البسطة
(١٢) المسدس
(١٣) الرصاص
(١٤) نبأ الموت
مجدَاي قد طال الغيابْ !
لقد غَيَّبَ الثرىٰ ( مَاجدَا ) الوفيّة ، فنَاحَت رُوحُ دَاهِش لفراقها ، ثمَّئيت وَقَّعَت أنامِلُه علی قَيثَارةِ الأحزانِ مرثيَّات خالدّة .
وهَذِه الأبيَات التي كتبتُها على لسَانِ الهَادي الحَبيبْ ، مَاهيَ إلاّ أصداءٌ لنغمةٍ من أنغام قيثارِه ، وَترجيعُ آهةٍ من آهاتِ روحِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم مَاجد مهدي
مجداي حطَّمتُ الربابْ. مجداي قد طال الغيابْ
مجداي قيثاري التوَی يأساً فقد ملَّ العتابْ
مجداي دمعي قد همی أفلا تردين الجوابْ ؟ !
صلَّيتُ أن لا ترحلي فرحلتِ ما خلف السحابْ
وسُقيتِ كأساً من سنیً وسقيتِني كأسَ العذابْ
تلك الأماني صَوَّحتْ أين الصِبا ؟ أين الشبابْ ؟
غِبَّ ارتحالكِ قد ذَوتْ والعمرُ أمسى فى اكتئابْ
مُنّي علــيَّ بنظـــرةٍ «من خلف سِتْرك والحجابْ»
سَحقــاً لأَفعــى هُيِّجتْ نَفَثَتْ لنـــا سُمَّــاً و صــابْ
خنزيرُها کم عبَّ من بؤَر النتـــانــة و استطـــابْ
يا بؤسَ لبنــانٍ بهم ويلٌ لهـــم يـــوم الحســـابْ
ذبحوكِ مَجــدَا ويحهم في بَطشهِـــم فَاقــوا الذئابْ
ردَّدْتُ إسمك في الربی وتنـــاثـــرتْ كَلِمــي هبـــابْ
والبيتُ کم ساءَلتُه فبکــی وأَعيـــاه الجوابْ
أوراقُــكِ اسْتَحْلَفْتُها : قولي ولـــو خَبَـــراً كَــذَابْ
فتماوَجَتْ تلك السطورُ. كأنَّـــهــا وهــمُ الســرابْ
وحمــائــمٌ أَطلقتُــهــا غــذَّت وجابتْ في الرحابْ
عادَتْ إلى أقفاصِها والدمعُ في العين انسكابْ
جبـتُ الشوارعَ لاهفاً والناس من أمري عِجابْ :
«هلّا لــمـحـتُم لي فتاةً سِحْرُها شَهْـــدٌ مُذابْ
بعيونها طُــهــرُ الملائكِ وجهُهـــا غــضُ الإهــابْ
في محنتي ، في شقوتي. كانــت عَزائــي المستطابْ
إِنْ غاب يومـاً طيفُهــا عنَّي فقلبي في اضطرابْ
هاجــتْ لُظلــمٍ حَاقنــي ثارتْ كما الأُسُدُ الغِضابْ
خرجَــتْ تُريــدُ حِمایتــي من شرِّ أعداءٍ صِلابْ
صاحــتْ بهــم وتَبَهْنَسَتْ خســئاً عصــاباتِ الكلابْ
إنْ منه نِلتــم مأْربـاً منــكم سنجتــثُّ الــرقابْ
***
بِـالله عنهــا أَخــبروا هلَّا ارتمــتْ وسط العُبابْ
أم هــل غَوَتَهـا أنجــمٌ سئمتْ سُرىً عَبْرَ الضبابْ »
***
وتفرقَّــتْ عنِّــي الجموع مخــافةً مثــلَ الــذُبابْ
وتَهامســوا فـي رعــدةٍ فكأنَّنــي قَــدرٌ يُهــابْ
قالــوا : أَيومُ البَعــث أَم رَجــع الــمؤدّبُ للعـقــابْ ؟
القــبــرُ غيَّــبَ داهشــاً أَيشُقُ أســجــافَ التُرابْ ؟
هذا الــذي هَلَــعَ الطُغاة لذكرهِ و هَــوتْ رِقابْ
قضَّ المضـاجــع إسمُهُ وبنــوره هتــكَ الحجابْ
سَامـوه ظلمـاً واعتــدُوا ولِمــوته سَكبــوا الشــرابْ
وصحائفٌ سوداء أغمدها. بأكبـــدِهـــم حِـــرابْ
راحــتْ تُزلـــزل بغيهــم وتُحيــلُ قصــرهُــمُ خـرابْ
هدَمَــتْ شوامــخَ بُطلهــم هــدَّتْ وردَّمـتِ القِبــابْ
وبـکـی الــزنیــمُ مــصيرهُ وبــدارهِ نعــقَ الغُــرابْ
فرحَــت أزاهــيرُ السمــا غنَّــت لهادیــها تحــابْ
رجــع الحبيــب مظفــراً والحــقُّ يُغْتَصَـبُ اغتصابْ
نادي الرفاق :«إلى الفدى هذا السبيلُ الى الثوابْ »
***
وتركتُهــم في لغوهِــم والقلــبُ خالجــهُ ارتيـابْ
ورجعــتُ وحــدي يائســاً أهــذي كَمــن فقـدَ الصوابْ
وضــممـتُ رسمكِ لاهفــاً فبـَـكـى الأحبَّــة والصِحـابْ
قالوا : « زُهَيْرتُـكَ التوتْ ودِمــاؤهــا رَوَتِ الثياب»
فلعنــتُ حظّـي في الحيـاة وظُلــمَ أبنــاءِ الــترابْ
یا مـوتُ أنــتَ المُرتجـی خُــذْنــي وعجِّــلْ بالإِيابْ
دعــني أجــوسُ ربوعَــها رُحمــاكَ قـد طال الغيابْ
ماجد مهدي
بیروت ، في ٢٦ / ۸ / ۱۹۷۹
أيها الموت
با موت!
أيها الحبيب الشفيق، ويا نعم الصديق.
أيها الطيف الساري والقضاء الذي لا بد منه.
أيها الخيال الذي أراك في منامي وأتخيلك في أحلامي.
يا سمير وحدتي, وأنيس يقظتي, ومخقف بلوتي.
یا طلاب نفسي , ومطمح روحي, ومهوى فؤادي.
یا عشيقي البعيد, ومرادي القريب.
يا عروسي الهائم في مشارق الأرض ومغاربها, وفي معالمها ومجاهلها.
أيها العاصفة الجبَّارة المجتاحة كل من يقاوم إرادتها البتارة.
یا شبع نفسي الجائعة, وري روحي الظامئة.
یا فردوسي المفقود, وأملي المنشود.
یا منحي نفسي , وخفية روحي, ومسری ضميري.
يا سعادتي وهنائي, ويا ماحي شقوتي ومزيل عنائي.
يا ابن الخفاء ورسول السلام, ويا بارقة الرجاء ومزيل الآلام.
یا موقف نبضات القلوب، ومُجتثَّ حركات الأجسام.
یا گفن المطامع, ونعش المظالم, ورمس الأحقاد
أيها الهادم الباني، والمقِّوض المعمّر, والعابس الباسم, والقلق المُطمئن.
أيها العابسُ المُشقق, والشجاع الوجل
والمرِح الحزين, والمضطرب الهادئ.
یا رسول الآلهة, ومنفِّذ الإرادة المجهولة الأبديَّة السرمديَّة.
أيها الغائبُ الحاضر, الباطن الظاهر, المعلوم المجهول.
أيها الهازئ بِشرورنا, الساخر بآثَامنا, المشفق على جهالتنا.
أيها الشاهد ما ترتكبه البشرية من مظالم, وما ترمي إليه الإنسانية من أطماع.
أيها الموجود في كل زمان ومكان,
في الماء والهواء, في السهول والجبال, وفي المنخفضات والمرتفعات,
في الأودية والحزون, في المعالم والمجاهل, في الأبعاد والأسحاق.
أيها الناظر غير المنظور الحاصر غير المحصور.
أيها المحصي علينا أعمالنا بكل دقة وإمعان.
أيها القائم وحدك بما تعجز عنه البشر قاطبة.
أيها المعجزة الفريدة, بل یا معجزة المعجزات.
أيها الحاكم بأمره, السارية كلمته قانون نافذاً ودستوراً حاسماً.
أيها الناظر بلا شيء إلى كل شيء .
أيها الكأس التي ذَاقها الأولون وسيذُوقها الآخرون.
يا إمام رغائبي، ودليل ميولي، ومتجه آمالي
يا عزيزي وحبيبي، وصباحي ومغيبي،
يا أملي ومناي، ومطمحي ورجاي،
یا باعث إحساسي، ومرهف شعوري.
يا ملاذ نفسي، ومعاد روحي
أيها الكرى المعسول الذي يراودنا بين فترة وأخرى.
يا حبيبي الموت؟
أقفل عيني يا حبيبي!
أقفلهما فقد تعبنا من النظر إلى هذا العالم القذر الموبوء .
نعم, وأوقف ضربات قلبي.
هذا القلب المحطم الذي أجهدته كثرة الضربات دون جدوى .
وأخفت أنفاسي, فقد عافت استنشاق هواء هذا العالم الفاسد.
وأفقد في حاسة الشم
إذ بحسبي ما تتسم من رائحة هذه الحياة الكريهة النتنة المفعمة بالأرجاس.
وقيدني بقيودك الخفية الخفيفة الظل.
فقد تعبت قدماي من السير في مفاوز هذا العالم المليء بالشرور والآثام.
الزاخر بالحسرات والآلام.
وأنخ علي بكَلْكَلِكَ المريح
فقد ضاق صدري بسخافات البشر وسخريات القدر.
وضع بلسمك الشافي على جراحات روحي الحائرة الحزينة
فقد آن لها أن تستشعر نعيم السعادة الأزلية
والغبطة السرمدية, والنشوة الخالدة القدسية.
أَدنُّ مني… لا تنأ عنِّي.
فإني أتذوق الراحة إلى قربك,
وأَتلظى في جحيم العذاب لبُعدك.
وأشفق علي يا حبيبي
فقد تعبت نفسي من البقاء في هذا العالم البارد المخيف.
هاتِ يدك الحارة وضعها على يدي الباردة.
ودع قلبي يخفق خفقات الغبطة والحبور.
هات يا حبيبي ولا تقسُ عليّ،
إذ حسبي في هذا العالم الفاني قسوة من يعيشون فيه.
هاتِ يا حبيبي؟
وارحمني من هذا العالم واختطفني من هذه الحياة.
آه يا حبيبي! ما أتعس هذا العالم!
وما أمض آلام هذه الحياة!
وما أشقى هذا الوجود وما أقساه!
لله!… وما أجمل عالمك وأبهاه !
رحماك رحماك يا حبيبي الموت ألا تسمع؟
القدس ، في ٧ كانون الثاني ١٩٣٥
عندما أغادركم
عندما يضرب البعد بيني وبينكم حاجزا منيعا,
وأغيب عن أعينكم المشتاقة لرؤية وجهي المعروف لديكم ,
ويلحُّ بكم الشوق العميق لأن تعودوا فتجتمعوا معي كالسابق,
إذ ذاك تذكروا أقوالي لكم, وقربوا صورتي إلى مخيلتكم,
وتأكدوا بأن ما تتمنونه هو أمنيتي التي كنت لا أحيا إلا لها,
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً… !
عندما يتأكد لكم إنني جُلدت وصُفعت وأُهنث
وساقني الجلَّادون تحت الإهانة والشتم المرذول ,
وزجوا بي في أعماق سجن مرعب مخيف,
وهناك لم يقدموا لي ما أسد به جوعي الشديد وعطشي المهلك,
إذ ذاك تذكروني يا أحبائي مثلما تكون ذكراكم ممتزجة في روحي
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً… !
عندما تمضي الأيام , وتنصرِم الشهور, وتُفني الأعوام.
وأنتم تترقبون عودتي المبتغاة, لأمكث بينكم .
ولكن رغبتكم الملحَّة تبقى حبيسةٌ في صدوركم دون أن تتحقق أمنيتكم.
إذ ذاك , تذكَّروا يا أعزائي إجتماعاتي السابقة بكم وقولوا: لقد كان حلماً عذباً طوف في عالمنا للحظات ثم تواری
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً…!
عندما تتبدد أمالكم في إمكان عودتي حيث أنتم,
ويطوي الزمان أعوامه في لُجَجِهِ المُدلهمَّة,
وتطوف تذكاراتي في أفئدتكم فتقرأون ما خلفته لكم
إذ ذاك قولوا: لقد توارى عن عالمنا كالبرق الخاطف
وتأكدوا بأنني أنظركم من عالمي البعيد بشوقٍ وحنين ,
لأنني أحبكم كثيرا! … أحبكم كثيراً..!
اذكرني ولا تنسني
عندما تطوى صحيفتي من هذا الوجود,
وبعدما تتأكد يا أخي الحبيب بأنني لن أعود ٫
وبعدما يبلغك أنني قد اخترقت السدود, واجتزت الحدود
وخلعتُ عن نفسي تلك القيود، وبلغتُ بروحي عالم الخلود
وعندما أكون قد التحقت بمن سبقني من الأباء والجدود
فإياك إياك أن تستسلم لسلطان الحزن والجمود ،
بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني…!
عندما تراودك ذكريات أيامنا العذبة الزاهية,
وُتخامرك تذكارات أُويقات سعادتنا الهانئة،
وتمر بك أطياف أماني الخلابة والمصوّحة الآفلة,
وتری ورود رغباتي الذاوية
وأزهار أشواقي الذابلة,
وبعدما أكون قد حلّقت بعيداً بعيداً عن هذه الفانية,
لا تسكب عبراتك, لأنني أكون في جنة قطوفها دانية,
بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني… !
عندما تشعر بنسماتٍ لطيفة تداعبك وتُحْييك,
ثم تحوم حولك برقة فائقة كي تُحَيّيك,
وتهبط الأطيارُ الفائقةُ الفتنة على الأيكِ وتُناغيك,
وتطلق لك أغاريدها العذبة فتُذكِّرك بهاديك,
وبعدما تُبْعثُ أحلامك من مراقدها وتنطلق أمانيك,
فاعلم بأنها جميعها من وحي روحي تناجيك,
فاذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني … !.
ســـلام
سلامٌ على ذلك العالم الروحي المضيء الخالد.
سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع،
سلامٌ على ذلك المجد الإلهي الفائق البهاء.
سلامٌ على تلك الديار التي أحن إليها أبدا.
سلامٌ على تلك الربوع المقدسة النقية.
سلامٌ على ذلك الملا السرمدي الطاهر.
سلامٌ على قاطنيه الأبرار المُعاينين أنواره الباهرة السنية.
سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له ولا أفول.
سلامٌ على تلك الأماكن الَأرجة العبير.
سلامٌ على من مگنتهم قُدسيتهم من ولوج ذلك المكان الحصين الأمين.
سلامٌ على من اضطهدوا وعذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة.
سلامٌ على من ذاقوا الهوان وشربوا كأسها المريرة حتى ثمالتها .
سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزل وإلى الأبد.
سلامٌ أنثره على هذا الطرسْ من قلب کسيرٍ خافقٍ حزينٍ مكلومٍ ممزق.
سلامٌ على عالم غير عالمنا المادي المرذول
سلامٌ عبقٌ فواحٌ عطريٌ لا ماديٌ موبوءٌ قذز،
سلامٌ أبدي إلى أَحكامة العادلة النافذة ،
سلامٌ من عالمي الحقير هذا أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي
سلامٌ من مسكين” ملأ الكون بآثامِه وهو يضرع إلى الله أن يغفر له آثامه تلك!
وأن يسعهُ بمراحمه التي شملت الكائنات وطغت عليها !
نعم !…سلامٌ…سلامٌ… سلامٌ!
إلى حبيبي الموت
ملاحظة :أرجو أن تنقشوا على بلاطة القبــر هذه القطعة:
إلى حبيبي الموت
إلى القوة القادرة, القاهرة, الصاهرة …
إلى الحقيقة المجهولة منذ الأزل والى الأبد…
إلى التمنيات المعسولة, المريرة الطَّعم, السائِغة المذاق
إلى القوة الجبارة, السامية, العلوية, السماوية…
إلى كل ما أرجوه منذ وجد على هذه الفانية…
إلى تمنياتي الحارة, العميقة, الخرساء , الصارخة…
إلى كل آمالي. ورغائب نفسي، وخفاياها …
إلى عشيقي , وأليفي , وخديني, وأحلامي الذهبية…
إلى حبيبي .. “الموت”… أسلم نفسي وروحي…!
وليُنقش على صفحة الرخامة المقابلة هذا الرسم وتحته الكلمة التالية:
أنا ظلٌّ سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويَتلاشَی…
والموت يقظةٌ فتّانةٌ يحنُّ إليها كل من صَفَت نفسه وسَمَت روحه…
ويخافها من كثُفت أفكاره, وكثُرت أوزاره …
وبعد موتي سيهبط أشخاصٌ آخرون يأتون بعدي من ذلك العالم
السحري الذي سأنطلق إليه.
داهش 9شباط 1945
