عظمةُ المُبْدع

عَدَالةُ المَوْت

أَيُّها الموتُ : أَنتَ عَادلٌ وأنتَ رحمةٌ لأَبناء الحَياة

فلولاكَ … لمَا عرفنا مَعنىً للراحَة السّرمديَّة

ولولاك … لما تذوَّقنا نعمةَ الغبطَة الأَبديَّة

ولولاك … لما أطمأنّت قلُوبُنَا الحائِرة في هَذا العالم الفاني

ولولاك … لما اكتشفنَا أَسرَار ذلك العَالم الثّاني

ولولاك … لما رأَت عيونُنا وجهَ الحقّ ربّ الحَياة والممات

 

 داهش

  من كتاب بُرُوقٌ وَرُعُود

التأثير والتأثُّر

الإتِّجاه الرُّوحيّ

جَمَعهُ
ماجد مهدي الداهِشيّ

هذا ما سبَّبَ دمار لبنان وخرابه ، وذهاب ريحه

أناشيدٌ حَزينَة

والِـدَةُ داهِش

                                                     بقلم أنطون مرعب الداهِشي

 

هي سيّدةٌ مثاليَّة بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة . وهي ذات فضيلة وتقوى ، فكلُّ من عرفها يتأكَّد له أَنَّ الكتاب المقدَّس لم يكن ليُفارق يدها . وبتكرار السنين أصبحَتْ مُلِمَّةً بكلّ آيةٍ فيه ، بعهدَيْه القديم والجديد ، إذْ أصبحَتْ حجَّّةً ذات برهان فوري . فما تكاد تسألها عن آيةٍ  أو واقعةٍ أو عظةٍ أو حربٍ أو حكمةٍ تودُّ أن تعرف مكانها في الكتاب المقدَّس ، حتى تبادرك فوراً وتُعلمك عن مكانها بالصفحة والعدد .

إنَّ هذه السيّدة المقتدرة تُوفي قرينها في 25 كانون الأوّل – عام 1920، وكان طفلها داهش لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره ، فضلاً عن شقيقاته الأربع .

وقد شقيت والدتُهم ، وواصَلَتْ كفاحها في الحياة بقوّة وصلابة ، وعنفوان وجبروت ، وأخيراً عُيِّنَتْ في مدرسة البنات الأمريكيّة بمدينة طرابلس (لبنان).

وعندما شبَّ نجلُها داهش عن الطوق كان سرورها به عظيماً ، وفرحُها لا يُعادله فرح .

ودارت الأيامُ دورتها …

وإذا بعام 1942 تُدويّ أبواقه العنيفة في مدينة بيروت ، وفي لبنان بأسره ، مذيعةً أنباءَ الخوارق التي يجترحها الدكتور داهش . فلم يبقَ منزل أو شارع أو متجر أو نادٍ أو حقل أو غابٌ لم يسمَعْ بالمعجزات التي تتمّ على يَدَيْ هذا الشابّ ، وهو لا يزال بمقتبل العمر .

وضجَّت المدُنُ والقُرى ، وهرعَت الجماهير إلى منزل هذا الفتى المعجز ، وشاهدوا بأُمّ أَعينهم خوارق مُزلزلة ، فخرجوا مذهولين مأخوذين ، وراحوا يُذيعون أنباءَ ما شاهدوه من مستحيلات خرقت النواميس الطبيعيّة .

واعتنق الكثيرون الداهشية بعدما لمسوا ما لمسوه ، وشاهدوا ما شاهدوه . أو لم تُؤْمنْ ؟ بلى ، لكنْ ليطمئنَّ قلبي . وقد اطمأنَّتْ قلوبُهم فاعتنقوا الداهشية بإيمانٍ وطيد وعزمٍ لا يتزعزع مهما عصفت الريح الزعزع .

وممن اعتنقوا الداهشيَّة السيّد جورج حداد عديل رئيس الجمهوريّة الباغية بشارة ألخوري الطاغية .

فقد اعتنق جورج حداد الداهشيّة ، وشاركته بالعقيدة زوجتهُ السيدة ماري حداد الأديبة والفنّانة المشهورة ، وكذلك كريماتها : ماجدا ، آندره ، وزينا .

وأَوَّل من اعتنق الداهشيّة الصحافي المعروف يوسف الحاج ، والشاعر الغرّيد حليم دمّوس والنطاسي ألاختصاصي جورج خبصا ، والدكتور فريد أبو سليمان ، وجوزف حجّار قرين آندره ابنة ماري حدّاد ، وغيرهم كثيرون ممّن آمنوا بالداهشيّة وتمسكوا بها تمسُّك الغريق بقشَّة النجاة .

ومنذ الدقيقة التي اعتنقت فيها ماري حدّاد الداهشيّة استاءَ شقيقها المتكبّر ميشال شيحا ، كما استاءَ هنري فرعون – وميشال شيحا قرين شقيقة هنري فرعون . كما ذُهِلَتْ لور زوجة بشارة الخوري وهي شقيقة ماري حدّاد التي عند اعتناقها وعائلتها الداهشيّة ، لم تكن شقيقتها لور قد تسنّمت الرئاسة بعد .

وفي خلال عام 1943 جلس الباغية بشارة الخوري على كرسيّ الحكم بلبنان . إذ أصبح رئيساً للجمهوريّة . ومنذ الدقيقة التي اعتلى فيها كرسيّ الرئاسة ابتدأ اضطهاد داهش . وقد ظنَّ بشارة الخوري أنه من السهل إلقاء القبض عليه ؛ وأحبّ أن يُسوّد صحيفته تجاه الرأي العام ، فأَرسل رجال التحريّ يُرابطون حول منزل داهش ، يُحصون أنفاس زوّاره ، ويملأون تقاريرهم بأسمائهم وساعات ولوجهم منزل مؤسّس الداهشيّة .

ومضت تسعة شهور طويلة بأيّامها وأسابيعها ، ولم تستطع زبانيّةُ الحاكم الظالم أن تدين داهشاً بأيّة بيّنة تُمكّنها من إِلقاء القبض عليه ، إذْ فشلوا وكان فشلهُم ذريعاً .

حينذاك شمَّر بشارة الخوري عن زنديه وخَرق قوانين البلاد ، وهشَّمَ موادّ الدستور القائل إِنَّ حريّة العقيدة مصونة ، فالإنسان حرٌّ بعقيدته تمام الحريّة .

قلتُ إِنَّ المجرم بشارة هشَّم دستور البلاد إذْ أرسَلَ شرذمة من عصابة أوغادٍ مسلَّحين بالمسدَّسات والهراوات والخناجر ، وقصدهم اغتيال داهش . وللمرَّة الثانية أَنقذَتْه عينُ العناية ، ومرَّغَتْ أُنوفَهم بالرَّغام .

وحرَّر محمّد علي فيَّاض تقريراً كاذباً أُمْلِيَ عليه ، واتَّهم فيه داهشاً بمحاولة اغتيال شرذمة المجرمين المُرسَلة لاغتياله . يا للهوان ! ويا للشَّرَف المسفوح على أعتاب الرئاسة ! كوميسير شرطة يُحرّر تقريراً كاذباً أُمْلِيَ عليه ، سافحاً شرفه ، مُسخّراً ضميره ، بائعاً ذمّته للشيطان الرجيم ! هذا هو الواقع ، وهذا ما حدث بتاريخ 28 آب 1944 ، ذلك اليوم المشؤوم المشحون بالأحقاد القَذِرة ، ذلك اليوم الذي لا ولن ينساه أيُّ داهشيّ أو داهشيّة ، ولذلك اليوم حساب حتى لو تأخَّر إلى يوم الحساب .

وأُوقِفَ داهش ، وأُطْلِقَ سراح المجرمين برعاية سيّدهم زعيم السفّاحين .

وطُرِبَ بشارة الخوري ، وهلَّلَ ميشال شيحا ، وصفَّقَ هنري فرعون صاحب اللطخة الخنزيريّة المتربّعة على خدّه منذ ولادته والتي سترافقهُ إلى لحْدِه . ورقَصَتْ لور وقد أسكَرتها خمرةُ الانتصار المدنَّسَة ، انتصار الرذيلة على الفضيلة . ولكن …

ولكن كانت الأهوال تنتظرهم ، وكانت الزلازل المُزَلْزلات تتربَّص بهم وهي تَعدُّ عليهم أنفاسهم .

وجُرِّد داهش من جنسيّته قسراً واغتصاباً ، وأُبعد عن البلاد ، وظنّ السفّاح بشارة الخوري ، والمُنافِقة لور أنّهما قد انتهَيا من أمر مُؤَسّس الداهشيّة ، لكنَّ ظنَّهما خاب ورجاءَهما ذاب ، إذ سرعان ما صدَرَت سلسلة من الكُتُبِ السوداء الرهيبة ، طافحةً بجرائم بشارة ومآثمه ، وملأى بأخبار اللوطيّ هنري فرعون ، مُشْبَّعةً بأسرار لور الجنسيّة القَذِرة . وجميع هذه الكُتُب ممهورة بتوقيع ماري حدّاد الداهشيّة .

وماري شقيقة لور ، شقيقتها سابقاً ، أي قبل ارتكاب الجريمة . أماّ الآن فقد أصبحت غريبة عن ماري حدّاد ولا تمتُّ لها بأيّة صلة . وتبعَ الكُتُب السوداء إلقاء القبض على ماري حدّاد ووضعها بالسجن عاماً كاملاً ، كما زُجَّ الشاعر حليم دمّوس في غياهب السجون أيضاً ، دون أن تكون عليه أيّة بيّنة إطلاقاً . ولكنه الظلم المرعب يرتكبه سيّد المجرمين بشارة الخوري سفّاح لبنان الباغية على الحقّ ومهشّم الدستور بارتكابه الإجراميّ الهائل .

وقد ندم هذا الأقنوم الثلاثيّ المجرم ، ندموا على تدخّلهم في مسألة داهِش ندماً عظيماً لم يُجْدِهم نفعاً ، إذ اُفتُضِحَتْ جرائمهم ، وكُشِفَتْ أستار فضيلتهم المزعومة ، فعرف الجميع أَدقَّ أسرارهم النتنة من الكُتُب السوداء التي كانت تُمطر البلاد من أقصاها لأدناها في كلّ يوم ، دون أن تستطيع دوائر التحريّ معرفة الموزّعين أو الطابعين لهذه الدواهي المرعبة .

وراحت ألسنةُ الخلق تُمطرهم بسهامٍ حادَّة ، وتسلقهم مندِّدة بجرائمهم التي تُؤيّدها البراهين والوثائق المطبوعة بالزنكوغراف .

وأخيراً ، طفَحَ الكَيْل ولم يعدْ في قوس الصبر منزع ، والتهبَت الثورة ، ثورة الشعب على المجرم بشارة المرتكب للجرائم المفضوحة .

وبين غمضة عينٍ وانتباهها حُطِّم كرسيّ حكمه على رأسه ، وطُرد من منصبه . وكان ، إذ ذاك ، مجنوناً إذْ سلَّطَ عليه داهِش سيّالاً روحيّاً أفقده عقله ، فأصبح بهلول لبنان وأضحوكته الأبديَّة .

وقد فقد بشارة عقله ، وطلّقَ رشاده ، وأضاع تمييزه بعدما جرَّد بشارة داهِشاً من جنسيّته بشهرٍ واحد . إذ استيقظ صباحاً وهو يرفع عقيرته بالغناء وقد أمسك بجَرْدَل الماء يقرعه ظانَّاً أنَّه الطبل ، فهرعَتْ لور لترى ما الخبر ، وإذا بها ترى قرينها وهو عاري الثياب ، وقد تأبَّط جردل الماء وهو يُردّد نشيد ” يا ريتني حصان” لعمر الزعنّي . ثم اعتلى السطل ظانّاً إيّاه فرساً أصيلة ، وراح يسوطها بحذائه يستحثُّها على الإسراع .

وإذْ ذاك انفجرت لور السفّاحة بالبكاء ، وعرفت أنَّ زوجها قد جوزي على اعتدائه على حريّة داهِش .

                                ولكن سبق السيف العذل

                    فما فات مات ، وهيهاتِ أن يعود مثلما كان هيهات

وتوارى المجرم بشارة الباغية في منزله بالكسليك ، نادباً أَيَّامه ، نادماً على ما فاته . وكان عقله قد تضعضع ، فبرزَتْ عيناه من محجريهما ، وجحظتا ، ممّا جعل أقرب معارفه يستعيذون بالشيطان عند مشاهدته .

لقد كان منظره مخيفاً جدّاً ، وقد قال أحد أصدقائه المقرّبين مُقْسِماً بالله ، ومُردّداً : إذا تجسَّد الشيطان لما كان منظره أشدّ خوفاً من منظر بشارة الخوري المرعب . وتأكيداً لشدّة انزعاج بشارة الخوري وزوجته وخوفهما ممّا أصابهما بعد الاعتداء على الدكتور داهش ، وسلسلة الرعب والمتاعب التي أحاقتْ بهما سأنشر صورة زنكوغرافيّة عن رسالة لور لأختها ماري حدّاد تطلب فيها الصلح معها لتتخلّص مع قرينها من الأهوال التي انصبَّتْ على رأسيهما انصباب الحُمَم . أنظر رسالة الأفعوانة لور في الصفحة 202 من هذا الكتاب .

وقد ردَّت السيدة ماري حدّاد عليها برسالةٍ رأيتُ أَنْ أنشرها ليعرف كلُّ لبناني في أيّ جحيم كانت تحيا هذه الحيَّة الرقطاء لور السفّاحة ، وقرينة السفّاح الباغية بشارة . لعنه الله .

انظر رسالة الأخت ماري حدّاد إلى لور في الصفحة 206 من هذا الكتاب .

والخلاصة أنَّ بشارة الخوري بعهده البغيض سَخَّر وسائل الدولة الإِذاعيّة بأكملها ضدّ داهِش . فكانت الصحف تنشر سلسلة من الأخبار الكاذبة عن مُؤَسّس الداهشيّة ، والراديو يدأَبُ ، ليل نَهار ، على بثّ السموم حوله ، والمدارس الاكليريكيَّة تُلقّنُ الطلبة والطالبات الصغار أشنع الأكاذيب ، ملفّقةً أحطَّ التُّهَمْ عليه ، لتُبعد تأثيره عنهم ، فداهِش هو الحربةُ التي وجَدَتْ مقتلاً من رجال الدين ، فاضحةً أعمالهم ، مندّدةً بتصرفاتهم ، مهاجمةً أكاذيبهم ، معلنةً رجاساتهم ، مبرهنةً تدجيلاتهم للرأي العامّ .

وقد هالهم الأمر فتكأكأوا عليه ، وتكالبوا ضدّه بجميع وسائل دعايتهم . حتى على منابر الكنائس كانوا يُذيعون أَخباراً ملفّقةً عنه ليُخيفوا الناس . والجماهير تُقاد كالأَغنام ، والدعاية تُؤثّر …

ولكنَّ سفينة الداهشيّة استمرَّت سائرة بعزمٍ وثبات ، متخطّيةً جميع الحواجز، مُدمّرةً كلّ العوائق ، مزيلةً كلَّ ما يعترض سيرها من عقباتٍ كأداء.

 وأخيراً ، انتصر الحقُّ وزَهَقَ الباطل ، إِذْ أعاد الرئيس كميل شمعون جنسيَّة داهِش السليبة .

وكان داهش ملازماً لبنان ، لم يُفارقه على الإِطلاق . ولكنْ لم يكن أحدٌ ما يعلم بهذا السرّ سوى الداهشيين .

وقد أُعيدت جنسيته إليه في عام 1953 . وسارت سفينة الداهشيّة مثلما يجب أن تسير رغماً عن الحاسدين والموتورين .

وقد أَحزنت والدة داهِش الجريمةُ التي أوقعها الباغية بشارة بابنها ، كما أَذْوَتْها حادثة انتحار ماجدا ابنة ماري حدّاد ، إذ انتحرَت احتجاجاً على تجريد داهِش من جنسيَّته وتشريده في أرجاءِ المعمور ، وقصدها أن تُسمع صوتها للرأي العام بواسطة الصحف اللبنانيّة ، ولكنْ لا حياة لمن تنادي . فالصحافة في بيروت ، عوضاً عن اتّباعها صوت الضمير ، ودفاعها عن الظلم الهائل ، راحت تنشر أكذب الحوادث ، وتختلق أحطَّ الأمور ، وتلصقها بالمُعتَدى عليه الدكتور داهش استدراراً لعطف المجرم بشارة .

أَقول هذا والألمُ يمضُّني ، والغضبُ يستفزُّني .

وكان نتيجة هذه التلفيقات ، وتسخير الضمائر ، ما حدث في لبنان منذ أَربعة أَعوام .

وما يزال الحبل على الجرّار ، مثلما يقول المثل .

إذْ تهدَّم اليوم لبنان ، وتيتَّم أبناؤه ، وذُبِحَ رجالهُ ، وترمَّلت نساؤه ، وثكلت أُمّهاتُه ، وتردّم بنيانُه ، وتزلزلت أركانُه ….

وما ذلك إلاّ لأنَّ جميع صحف لبنان لم تنحَزْ منها أية صحيفة لمؤازَرة الحقّ ، ومناصرة المعتدى عليه ، والتنديد بالمجرم .

كما لم يبرز أيُّ وزيرٍ ، أو نائبٍ ، أو محامٍ ، أو صاحب شهامة، ليشجب الظلم الذي أوقعه الوصوليُّ برجلٍ بريء .

هذا ما سبَّبَ دمار لبنان وخرابه ، وذهاب ريحه .

فيا أُمَّ داهش ، أيّتها الجبَّارة التي طواكِ الردى حزناً على ابنكِ ، لقد انتقم الله لكِ من الظالمين ، وأَدّب المدينة التي وقفَتْ مكتوفة الأيدي ، دون أن تنحاز لجانب الحقّ الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، بل استمرَّت بسيرها في ركاب المجرم والتصفيق له ، فإذا بالمقنبلات تُزلزل مدنها وتُردّم عامرها .

وما ربُّكَ بظالمٍ لعبيده ، إنّما هم لأنفسهم ظالمون .

                                                      أنطون مرعب الداهشيّ

                                                  بيروت ، الساعة 4 بعد الظهر

                                                      تاريخ 30/1/1979

وَفاةُ أُمّ النبيّ الحَبيِب

 رَقَدَتْ رُقَادَهَا الأَبديّ دُونَ أن تُزعجَ أحَداً

ظاهرةٌ في السَّماءِ غَريبَة

 

جاءَ في الوقائع الداهشيَّة ما يأتي :

عند الساعة الحادية عشرة ليلاً ، رقد جميع من في منزل الرسالة من آل حدّاد وحجّار وسواهم بعد جهادهم المتواصل في سبيل الرسالة المقدَّسة :

وأوت الفقيدة الغالية السيّدة (شموني) إلى سريرها ، وهي تشعر بضيقٍ في صدرها . فتحاملت على نفسها ، وجاءَت المطبخ والجميع نيام ، وصنعت فنجان شاي عساهُ ينعشها قليلاً ، فلم تجد إلى الراحة سبيلاً . وكانت الساعة عندئذٍ الواحدة بعد منتصف الليل ، فتوجَّهت بخطوات بطيئة إلى غرفة ابنتها انتوانيت وكريمتها ليلى ، وهناك أسلمت الروح قرب سريريهما .

وقبل وفاتها بعدَّة دقائق التفتت إلى حفيدتها ليلى ، وقالت لها قبل أنْ تنطلق روحها إلى باريها :

  • إني سأموت يا ليلى !… ووصيتي أن تُحافظي على الكتاب المقدّس الذي رافقني طول أيام حياتي ….

فبكت الحفيدة ووالدتها …. وهنا استيقظنا جميعاً ، وكنتُ مضطجعاً بعد تعب النهار في الغرفة التي كانت تنام فيها منذ عدَّة أشهر .

وهرعنا مذعورين لهذا النبأ المفاجئ مع الأخت ماري حدّاد ، وزوجها الأخ جورج حدّاد ، وكريمتيهما أندره وزينا .

أمّا الغلامان (إيليّا وهادي حجّار) فبقيا نائمين في غرفتهما دون أن يشعرا بالحادث المؤلم في سكينة ذلك الليل .

وللحال استدعينا الدكتور فريد أبو سليمان من منزلِه (فرن الحائك)، فحضر سريعاً بسيّارتِه واقترب من الفقيدة ، فإذا هي جثَّة بادرة . والتفت إلينا وقال :

  • إنها توفيت بالذبحة القلبيّة . وها قد فارقت الحياة ، وجميع الانعاشات الطبيّة لا تفيد .

وكذلك حضر من (جونيه) على جناح السرعة الدكتور جورج خبصا ، وزوجتهُ السيّدة أوديت ، على أثر مخاطبةٍ تلفونيَّة ، وكان الحزن يغمر قلوب الجميع ووجوههم لأَنهم بموتها فقدوا سيّدة بارَّة صالحة نقيَّة ، هيهات أَنْ يجودَ الزمانُ بمثلها على هذه الأرض الشقيَّة .

وهناك ظاهرة غريبة شاهدها جميع الحضور منا ، وذلك أَن النور الكهربائي انطفأ فجأةً في المنزل وفي الحيّ على أثر وفاتها . والتفتنا إلى السماء في تلك السكينة الرهيبة فإذا هي صافية وخالية من الغيوم . ولكننا مع ذلك كنا نرى بروقاً متوالية تلمع من أطراف السماء وجوانب الفضاء بصورةٍ غريبة . ثمَّ لمع أمام أعيننا كوكبٌ وهّاج تلألأ قليلاً من جهة الشمال ثمّ هوى وانطفأ بغتة وتوارى عن الأبصار . وعلى إثر ذلك عادت أنوار الكهرباء إلى المنزل والحيّ وسائر أحياء المدينة … فسبّحنا الله خاشعين ، وتأكّد لنا أَنَّ هذه الرُّوح الطاهرة تستقبلها الأرواح النورانيّة الطاهرة ، وترتفع بها إلى مقرِّها الأخير حيث السعادة والراحة بعد أَن تعبت كثيراً ، وتعذّبت كثيراً ، وجاهدت جِهَاد البطلات الباسلات حتى الدقيقة الأخيرة من حياتها .

أَمَّا دفنُها فكان الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم (23-11-1949) وذلك في مدفن آل خبصا في جونيه (كسروان). فرقدت بسلامٍ بجوار الشهيدة (ماجدا حدّاد) بعد إتمام معاملات الدفن من قِبَل الحكومة حسب الأصول .

وقد شيّعها إلى القبر كلٌّ من الإِخوة الدكتور خبصا ، جورج حدّاد ، الدكتور فريد أبو سليمان ، الدكتور نجيب العشي ، وبعض الأخوات الداهشيّات .

وقد ودَّعتُها بحرقةٍ ولوعة ، وشيّعتُها مع إخوتي وأخواتي بألمٍ ودمعة ، إذ كانت لي ولهم منذ عدَّة سنوات بمثابة المعزّيَة الرؤوم ، والأم الحنون . رحمها الله بعدد حسناتها ، إنها كانت كثيرة .

وهنا يجدر بي القول إنّ أحد المصوّرين البارعين حضر معنا إلى المدفن ، وأخذ عدَّة رسوم تذكاريّة ، وهناك على نعش الفقيدة نثرنا أكاليل الأزهار النديّة ، مبلَّلةً بدموعنا السخينة السخيَّة .

وفي خاتمة المأتم تلونا على قبر الفقيدة صلاة النبي الحبيب الهادي :

                        صَلاةُ النَّبيّ الحَبيب الهادي

يا أَبي وأَبا البرايا .

إِرحم ضعفنا الموروث .

شدّد قلوبنا كي نؤمن بقدرتكَ ونحدّث بعجائبك .

اغرس في أَعماقنا بذور الحب والشفقة والرحمة والحنان .

أبعدْ عنَّا التّجارب التي تريد غوايتنا وإِسقاطنا في دياجير الخطايا .

سدّد خطواتنا في طريق النُور والحق واليقين .

أبعدْ عنّا الأفكار الدنيئة ولا تدعَها تقرب منَّا .

أَنتَ خالق البرايا وما فيها فرحمتك وحنانك يسعان كلَّ الكائنات معلومها ومجهولها .

أشفِقْ علينا ، يا الله ، ولا تحاسِبْنا مثلما نستحقّ فنهلك .

لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفَنا بتيّارهِ الرهيب .

دَع القناعة تحتلّ أرواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجِّدك .

أَبعدْ عنَّا الأشرار والهازئين بكلام الله ، أَنِرْ بصائرهم .

طَهِّرْ أرواح الخطأَة وأرسِلْ لهم قبَساً من أنوارك الإلهيَّة فيخشعوا لعظمتك .

أَقِلنا من العثرات الرهيبة واشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة .

أَيُّها الأبُ العَطوف ،

كلُّ مَن ألقى اتكالَهُ عليك ، وعَمِلَ بوصاياك ، وضحَّى مِن أَجل اسمك ، واحتقر رغباتهِ الأرضيَّة ، ونبذ الدنيويَّات ، وعطف على البؤساء ، وبشَّر بعجائبك ، وآمن بنبيّك الحبيب الهادي ، فلهُ السعادة والسماء ، والنور والسناء ، هناك حيث الضياء والبهاء .

إذْ يخلد مع الخالدين ،

ويتنعَّم بأنوارك الوضّاءَة حتى أبَد الآبدين . آمين .

حليم دمُّوس

  23 تشرين الثاني 1949

  (نقلاً عن الوقائع الداهشيَّة)

مَرَاثٍ وتحارير وَبَرقيّات التّعازِي  بأمِّ الداهِشيّين

 

انهالت المراثي والبرقيات والرسائل على منزل الرسالة الداهشيَّة من مختلف أنحاء البلاد والمهجر فانتخبنا بعضها لننشره بهذا الكتاب . والتحارير والبرقيات مشحونة بالتعازي المؤثرة للخسارة الجسيمة التي حلت برحيل السيّدة الفاضلة والدة مُؤسِّس الداهشيَّة التي صبرت صبر الأنبياء . وجاهدت جِهاد الجبابرة . وثبتتْ في إيمانِها الراسخ الوطيد حتى وافتها منيّتها . ودُفِنَت بمدفن آل خبصا في (جونيه) حسب المراسيم الداهشيَّة بعد أن أبَّنها أحد الداهِشيين ، ونُثِرَت على نعشِها الأزهار . تغمَّدها الله برحماته ، وأَسكنها فسيح جنّاتِه .

إلى رُوحِكِ التقيَّة يا أمَّـاه

 

من ابنة إلى أُمّها الرّاحلة

بقَلَم أنتوَانِت

 

أُمَّاه !… وما أَعذب كلمة أُمَّاه !

لقد انتهت رحلتُك التي قطَعْتِها في دنياكِ الفانية ،

بعد أن قمتِ بأداء رسَالتك على وجهها الأتمّ .

لقد شقيتِ في حياتك كثيراً وتعذّبتِ كثيراً ، وتألمّتِ كثيراً .

كانت أيامُ حياتك سلسلةً من الشقاء الصارخ ، والآلام المبرّحة .

كنتِ جبّارة يا أُمَّاه !… مثلما كنتِ نبيلة النبالة بأكملها .

ما كنتِ تلينين إلاّ للحقّ ولا تُعْنَين الاَّ بهِ .

فقدتُكِ يا من أَرَيْتَني نور الحياة

ففقدتْ نفسي البهجة ، وتوارى عن نفسي الحبور .

وبتُّ يا أُمَّاه لا أترقّب من الغد إلاّ كلّ من ما هو قاسٍ القسوة كلّها .

لقد فقدتُ الأمل بعد فقدك . واويلتاه ويا خيبتاه !

لقد كافحتِ كفاح مَرَدة الجبابرة دون أن تلين قناتُكِ ،

وشققتِ طريق العيش قسراً عنه وبمرارة علقميَّة ،

كلّ ذلك في سبيل إعالتنا ونحن ما نزال في دور الطفولة .

بالأمس … هذا الأمس الكافر الذي لا ولن أنساه …

هبط الموتُ كالبازي الكاسر

واختطفك من بين أحضاننا بلمحةٍ خاطفة . واحرَّ قلباه !

كنا ننظر إلى سكراتك … سكرات الموت ،

والأَلمُ يحزُّ في أعماقِ أرواحنا

دون أن نستطيع ردَّ غائلة الموت القاسي عنكِ .

وكوميض البروق الخاطفة هَوَيْتِ كجبلٍ شامخٍ مشمخرّ !

وإذا بكِ جثّةٌ لا نبض فيها ولا حراك إذْ فقدتِ الحياة .

وأنا في هذه الساعة أتأكّد أن الله قد كافأكِ على استقامتكِ ،

وأدخلكِ إلى فراديس جنّاته الخالدة الدانية القطوف .

فهنيئاً لروحك التي لم تَحِدْ عن تعاليم سيّدها الفادي الحبيب .

فإلى روحكِ التي انطلقَتْ إلى غير رجعة ،

إلى روحكِ التي باتت ترتع في مُتَعٍ وبهجاتٍ لا أستطيع لها وصفاً ،

إلى روحكِ التي تعذّبت كثيراً ،

فلاقت بعد العذاب الهناءَ السرمديّ والخلود الأبديّ .

أَرفع كلمتي هذه ،

راجيةً من خالقي وموجدي أن يُقرّب ساعة لقائي بكِ ،

كي تسعد نفسي وتنتعش روحي الحزينة لفقدك يا أُمَّاه !

 

                                                        الحزينة

                                                    ابنتكِ أنتوانِت

                                        بيروت ، في 23 تشرين الثاني 1949

ذكراكِ خَالدة

 

                    رثاء التَقيّة النقيّة والدَة الهَادي الحبيب

                                                        شعر حَليم دمُّوس

 

أحبيبةَ الفادي المسيحِ الهادي                  أَجرَيْتِ دمعي من نجيعِ فؤَادي

واهاً لعهدِكِ ! إِنَّهُ عهدُ التُّقى                  والطُهر والتسبيح والإِنشادِ

وَدَّعتِنا ليلاً لكيما تبلغي                       دار السعادة بعدَ دار فسادِ

طوباكِ يا من قد وَلَدْتِ مُعَزِّياً                 يهدي الأنامَ إلى سبيلِ رشادِ

اليومَ نلتِ المجدَ من ربِّ السَّما               ونزلتِ جنَّتَه على ميعادِ

تتضرَّعين إلى الإِله لأَجلنا                   وتراقبين مظالمَ الأضدادِ

أَرضَيْتِ ربَّكِ طفلةً وعجوزةً                 فتخيَّري في الخُلدِ أَجملَ نادِ

لله روحُكِ إِذْ لمحنا نورَها                    في الأُفقِ مثل الكوكب الوقَّادِ

كالطير سرتِ إلى النعيمِ وفي الحَشَا          شوقٌ إلى الأبناءِ والأَحفادِ

حَمَلتْكِ أَجنحةُ الملائكِ في الدُّجى             وحَنَتْ عليكِ مواكبُ الأَجنادِ

ذكراكِ خالدةٌ نُرَدِّدُ لحنها                     في مَسْمَعِ الأجيالِ والآبادِ

فلَكِ الهناءُ بجنَّةٍ عُلويّةٍ                      ولَكِ المُنى بلِقَا المسيحِ الفادي

 

                                                      23 تشرين الثاني 1949

هيَ أُمُّ داهِشْ

 

            إلى رُوح الوَدَاعَة وَالإيمَان وَالصّبر

           المغفور لهَا الأُمّ شمُوني وَالدَة الدّكتوُر دَاهِشْ

                                                        شِعْر يوسفْ الحاج

                                                          (المؤمنُ الأوَّل)

لا تَقْربوها في ضريحِ هَوانِها               لا تُزعجوها في فسيحِ جِنانها

عاشَتْ تلوكُ الصَّابَ من آلامها             وهَوَت على الأوصابِ من أَشجانِها

وتقبَّلَتْ ظُلْمَ الورى بإِماتةٍ                 ما شاهَدَتْها الأرضُ في إِنسانِها

فاستنجدَتء بالصبر في أَحزانها            واستَسْلَمَتْ لله في إِيمانها

أُمٌّ رأَتْ جورَ القَضا بوحيدها              والصمتُ معقودٌ برأسِ لسانها

يمشي طريداً في البلاد مُشَرَّداً             في الأرضِ لا يأْوي إلى لبنانها

حتى إذا عرفَتْ بواقعِ أمرهِ                من شُرذماتٍ في أَذَرْبيجانِها

لبسَتْ ترابَ القبر بعد فراقِه               والنفسُ قد خلعَتْ لباسَ هوانِها

ومشَتْ إليه في رياضِ سمائِه              لا تنثني عن سبلها ومكانِها

ومشى إليها باسطاً كفَّ الرِّضا             يتَلمَّسُ اللهَثَات من رضوانها

                                ***

هي أُمُّ داهشَ والوداعةُ أُختُها              والطهرُ والإِيمانُ من إِخوانِها

كانت لنا رَكْباً نسيرُ برحْلِهِ                والنفسُ تهوى السَّيْر في ركبانها

هي “مريمٌ” أنا لسْتُ أَبكي مريماً           بَلَغتْ ذُرى العلياءِ في سُلطانِها

أشُمُونتي نامي على فُرُش الهَنَا            وانْسَيْ دُنَى الأحزانِ في أحزانِها

فالنفسُ إِن ضَرَبتْ على وَتَر الهُدى        بعدَ القضا طربت على ألحانِها

 

                                                    يوسف الحاج

                                       رأس بيروت ، 24 تشرين الثاني 1949

إلى الأمّ شمُوني

 

مَاري حَدَّاد

 

أُختي الحبيبة !

رحلتِ فجأَةً من بيننا ، وعادت روحُكِ النقيَّة إلى باريها ،

رقَدْتِ رقادكِ الأبديّ ،

وعلى وجهكِ المتألِّم المعذَّب ظهرَتْ علاماتُ السرور ،

وعلى أساريركِ بشائرُ الانبساط والغبطة .

لقد كنتِ أُمَّ الآلام الثانية مريم أُمّ يسوع .

إِنَّ وَلَدَكِ انتُزعَ مِنكِ بقوَّةِ الظُّلم .

وكم كنتِ تنوحين وتقولين وقلبُكِ جريحٌ ونفسُكِ منسحقة :

ابني طاهر … ابني بريء … والله كبير . فلتكن مشيئتُه .

ومع أَنَّ عينيكش كانتا مغمورتين بالدموع السخينة ،

فإِنَّ روحكِ بقيت صامدة أمام العاصفة الهوجاء .

أمَّا جسمُك الجبَّار كالسنديانة ،

فقد مَالَ منحنياً ، وخانَكِ على طريق الجلجلة .

فرزحتِ تحتَ أعباءِ الحياة القاسية .

ولكن هناك من ساعدكِ في حَمْل صليبِ آلامكِ …

هو ذلك (الكتاب المقدَّس) الذي كان يرافقُكِ ليلَ نهار .

وكنتِ تُردّدين كلماته ،

وشفتاكِ تتلوانِ بهدوء وسكينة ما يحتويه من روح الحياة والعزاء .

ولذلك لم تشائي أن تعرفي في حياتك كلّها كتاباً غير الإِنجيل الطاهر .

أليس فيه معرفة الحقيقة ؟

لقد رافقَك من مهد الطفولة إلى القبر .

وقد تكشَّفَتْ لكِ أسرارُه منذ نعومةِ أظفاركِ .

حتّى أصبح معلّمَكِ الوحيد ومدرستَكِ الكبرى .

وقد وهبَكِ الله نعمةَ الذكاء الفطريّ الخارق

الذي يُنشئ النوابغَ الخالدين ،

فأصبحتِ مستحقّة لأن تكوني ، بكلِّ جدارة ، والدة داهش .

ولأوَّل مرَّة تعرَّفتُ بكِ أصبحت لي أُختاً حقيقيَّة ،

وأُلفتُنا مَكَّنَتْ بيننا صلةَ المحبَّةِ الراسخة .

وكنتُ أقولُ دائماً :

ما أطيبَ الحياة مع هذه الأُخت العظيمة ، النبيلة الصادقة ،

الباذلة لنا بوداعة كلَّ ما يزخرُ به قلبُها الكبيرُ الكريم .

لقد اقتبستُ فوائدَ غالية من مزاياكِ العالية .

وكنتُ أُريدُ البلوغَ إلى درجتكِ .

ولكنْ من أين لي ذلك ؟

لقد ترصَّدكِ الموتُ ، يا أُختي ، في أواخر هذا العام ،

وأخذَكِ من بيننا ،

وفرَّقَ الدهرُ شملَنا على هذه الفانية .

وها أنا جالسة على حافة الطريق في منعطف الحياة ،

أتَلفَّت يميناً وشمالاً ، وإلى الأُفق البعيد .

فتواريت سريعاً ، وأنا أُفتّش عبثاً عنكِ ، فلا أجدكِ ،

بعد أن كنتِ بقربي منذ هنيهة .

وها أنا الآن لا أرى آثاراً جديدة لأقدامك

على رمال هذه الحياة الفانية .

إنَّ روحكِ كانت كسهم منطلق ومتّجه دائماً إلى العلاءِ ، إلى فوق .

أمَّا قَدَماكِ فقد كانتا وحدهما فقط تلمسان الأرض ،

بينما روحُك تُجاورُ السماءَ وتلامسُها .

إنَّ كنوزَكِ كانت مكدَّسة في الأهراءِ الخالدة

حيثُ لا يُصيبُها صَدأ ولا يأْكُلُها الدود .

لقد انفصلَتْ روحُك مِن هذه الأرض بلا ألم ولا جهود ،

كالثمرة الناضجة المُعَدَّة للحصاد الإِلهيّ .

وبينما أنا أُعانقُكِ الآن للمرَّةِ الأخيرة

أستودعُكِ رسالةً لا شكَّ أنَّكِ ستقومين بتأديتها هناك .

والله وحده يعلمُ عددَ الأيَّام التي ستفصلُ بيننا .

وإنّي أطلبُ من الله القدير أن أُكمل الحياةَ الأرضيَّة الباقية لي

بالكمال الذي أكملت بهِ رسالتَكَ على هذه الأرض .

فإلى اللقاءِ ، يا أُختي ، إلى اللقاءِ .

 

                                                كتَبَتْها بالفرنسيّة

                                                  ماري حدّاد

                                          في 24 تشرين الثاني 1949

مَاتَتْ حُزناً على وَلدَها الحَبيبْ

 

 زينَا حدّاد     

 الحياة كبرقٍ وامض يمرُّ بسرعة خاطفة .

ولا شيء يستطيع أن يوقف مجراه إلاّ يَدُ الله

التي تلقي مرساتها على كل حياة بشريّة

في الساعة التي يختارها .

إنَّ نفثة تهبُّ كعاصفة

فتلقي الأشرار الذين يلتهون بملذّاتهم الوقتيَّة الزّائلة ،

ويغرقون في لجج العذابات الهائلة التي يستحقّونها .

غير أنَّ نفثته الإِلهيّة تتحوّل إلى نسمةٍ لطيفة

فتعيدها إلى البشريّة المسكينة العائشة ببؤس على الأرض ،

والمحطَّمة من هول الحزن والظلم والقهر ،

ولكنها عائشة برعاية الكتاب المقدّس الطاهر .

                                       ***

وهكذا ماتت والدة الدكتور داهش

وهي مستحمَّة بدموع مريرة حزناً على ولدها الحبيب .

إنّ الكتاب المقدّس كان دائماً بين يديها ،

وهي منه عرفت كيف أن الله يعاقبُ الأثمة الظالمين .

وكانت تتّخذ إيزابيل الزانية ونيرون الظالم كمثل للزناة والظالمين .

إن إِيمانها بالله كان عجيباً ،

وكان ذلك الإِيمان العظيم يهزُّ حنايا روحها المتألّمة المتألمة ،

ولا سيّما في أيامها الأخيرة .

وقد حملها هذا الإِيمان إلى فاديها الحبيب

الذي سيرفع قريباً يده القويّة لينتقم انتقاماً رهيباً ،

وفي الساعة التي يريدها ،

من الذين اعتدوا على الدكتور داهش فسبّبوا موت والدته حزناً وأسىً عليه .

وهكذا سينتقم الله من أولادهم انتقاماً مريراً فيميتهم موتة رهيبة جداً .

وإن الله للظالمين لبالمرصاد ،

والجزاء سينقضُّ قريباً على هام المجرمين .

والويل لهم يومذاك ،

والرعب الطاغي سيبيدهم

ويُفنى أسماءهم حتى الأبد .

 

                                                كتَبَتْها بالفرنسيَّة

                                               زينا حدّاد الداهشيّة

                                   بيروت ، في 24 تشرين الثاني 1949

التَّاريخُ سيُخلِّدُ اسْمَكِ

 

رسَالة تعزَية من الدكّتور نجيب العَشّي

 

شقيقة الروح أنطوانيت

بريد الشؤم يفاجئنا اليوم بفقدان الجوهرة الثمينة صاحبة التقوى والفضيلة ، أمّ الجميع ، الأمّ “شمونة” ، هذه الأمّ التي جاهدت وحاربت كل حياتها بصبر وجَلَدٍ عظيمَين انتهت بسجن ست سنوات مريرة .

هنيئاً لكِ أيتها الأم الراحلة الفاضلة التي أَهدت إلى العالَمِ المظلِم جوهرةً متلألئة لتنيرهُ كما استنرنا نحن .

هنيئاً لكِ لأنَّ التاريخ سيخلِّد اسمك إِلى الأبَد .

وستَرين من أعالي السموات ، من أَحضان سيّدنا إبراهيم أنّ أكبر رؤوس هذه البشريَّة الحقيرة ستنحني على أقدام من تركتِ في هذه الدنيا الفانية .

هنيئاً لكِ ، لأنكِ أنت السبب – من بعد الله- في رفع شأننا ومستوانا ومعرفتنا الحقيقة الكاملة الشاملة التي يتوق إليها العالَم أجمع .

وأنت أيتها العزيزة النبيلة (أنطوانيت)،

إليكِ وللسيّدة ماري حدَّاد الأخت المجاهدة الجريئة الحرّة ،

ولجميع الداهشيّين المخلصين لرسالتهم المقدَّسة

أقدّم أرقَّ عواطفي وتمنّياتي العميقة .

وأطلب منهُ عزَّ وتعالى أن ينصرنا نصراً قريباً ،

بحقّ النبيّ الحبيب الهادي . آمين .

 

28 تشرين الثاني 1949   بيروت ،شارع ميّ زيادة            نجيب العشّي

مَن أنتِ ؟ وَمَن كُنتِ ؟

 

وإلى أينَ تواريْتِ ؟

مُهدَاة إلى رُوْح الحَبيبة

 محَاسِن م .

مَن أنتش ؟

تُرى هل أنتِ عنوانُ الصبر والآلام ؟

أم أنتِ (سيَّال) النبيّ (أيُّوب) عليهِ السلام ؟

ترى ؟ هل أنتِ بشريَّة ؟

أم ملاكٌ طاف في هذه الفانية ثمّ عاد إلى عليائهِ السرمديَّة ؟

تُرى ؟ هل هيَ أنتِ ربَّة الكمال والشمم والعنفوان ؟

أم طيفٌ عُلْويّ زار عالمنا وشرب كأس العلقم المرير في كل آن ؟

من أنتِ أيتها السيّدة الفاضلة ؟ ومَن هي روحكِ النقيَّة ؟

هل أنتِ إِلهة جبَّارة حتى تحمّلتِ ما لم تحملْهُ الجبال ؟….

وكنتِ راضيةً تبسمين إلى القدر القاسي ؟!…

 

مَن كُنْتِ ؟

هل كنتِ سرّاً من أسرار الآلهة حتى حملتِ في أحشائكِ (نبيّاً) كريماً ؟

أم كُنتِ طيراً من طيور الجنَّة

وضع في دنيانا (طيراً غريباً) يجهلُه العالَم الأَثيم ؟

هل كنتِ ربَّة (الأمانة) حتى اصطفاكِ الله ووضعت (المخلِّص) الأمين ،

كي ينشر تعاليمه السامية في هذه الفانية المدلهمَّة ،

رحمةً بنفوسنا الغارقة في الظلمات الكثيفة ؟

أم كنتِ قبساً من أنوار الله السرمديَّة حتى ظهر منكِ ذلك النور الوضّاء

الذي أضاءَ قلوبنا ، وثبَّت أقدامنا على الصراط المستقيم ؟

والآن … إلى أين تواريتِ ؟

واأسفاه !… في لحظةٍ واحدة غادرتِ أرضنا وتواريت عن أعيننا .

انعمي في فردوسكِ ، واهنئي ، واطمئنّي !

لأنكِ الآن تحت لواء من كنتش تحبّينهُ ،

والذي سرتِ على طريقِه ، وعملتِ بوصاياهُ .

اهزجي ، واطربي الآن في عالمكِ البهيّ ،

لأنّ روحكِ كانت تحنُّ دوماً إلى لقاءِ مقرّها الأخير .

لقد صبرتِ وأخيراً ظفرتِ .

 

هاجمتكِ عاصفة هوجاء ولطمتك أمواج عنيفة .

وأَعداء ألدَّاء نزعتْ من بين أحضانكِ فلذةَ كبدكِ الوحيد .

كنتِ تبسمين للقدَر وعزاؤكِ قولُكِ (لتكن مشيئة الله).

أنشدي الآن أناشيدكِ المقدَّسة ،

وانظري بعين الرحمة إلى إخوتك وأخواتِك الممزَّقة قلوبهم

لوعةً وأسىً على فراقكِ .

كان سلوتكِ الوحيدة وسميركِ المخلص في دنيانا (كتاب الله المنزل)،

وكان رفيقَك الأمين في حلِّكِ وترحالكِ

أوّاهِ يا حبيبتي !… أين أنتِ الآن ؟

أوّاه على فراقكِ !… إن قلبي يصرخ ويناديكِ !…

وكم كنتُ أَودّ أن أقبّلكِ قبلة الوداع الأخيرة ،

كم كنتُ أحبّ أن أحظى بكِ قبل هذا الفراق النهائي !

واحسرتاهُ عليك يا أمَّ (الحَبيب)!

لقد تمزَّق قلبكِ من شدَّة الحزن والشقاء ،

وتركتش عالَمنا غيرَ آسفةٍ عليهِ ….

والآن يا حبيبتي !

نامي مطمئنة في مضجعك الأبديّ ،

واقبلي مني السلام .

سلامٌ على يومٍ وُلدتِ فيه ،

وعلى يومٍ انطلقت روحكِ فيه .

سلامٌ على جسدكِ ولحدك .

سلامٌ على صبركِ وآلامك .

سلامٌ على دينكِ وشدَّة يقينك .

سلامٌ على وداعة نفسكِ ، وطهر قلبكِ ونسلك …

سلامٌ على بهاءِ عالَمك .

سلامٌ على روحك .

سلامٌ على يوم لقاءنا بك .

سلامٌ ، وسلامٌ ، وسلام !

 

                                                   محاسن م

                              مساء الاثنين الواقع في 28 تشرين الثاني 1949

لا تبكي

 

 إلى العزيزة انتوانيت

 أميرة  م.

                                         -1-

 فجعتِ يا حبيبتي ،

بمصيبةٍ فاجأتكِ ،

جعلتكِ تندبين وتتأوهين

على عزيزةٍ غالية تركتكِ

وحيدة فريدة تتنهّدين ….

لا تبكي لا تبكي !

                                         -2-

مصيبتكِ هي مصيبتنا ،

وكل ما تشعرين بهِ طوَّق قلوبنا .

عزيزتي !… كفاكِ حزناً وبكاءً .

ليتنا بقربكِ حتى نشكو معاً آلامنا ،

حتى نؤاسيكِ بحزننا يا حبيبتنا !

لا تبكي لا تبكي !

                                        -3-

حبيبتي !.. بالله عليكِ لا تبكي .

دموعكِ الحارَّة جرحت قلبي ،

وصرخاتكِ المدويّة أذابت فؤادي .

تنهّداتكِ أَثلجت دمي في عروقي ،

ونحيبك – وحقّكِ – مزَّقَ روحي .

لا تبكي لا تبكي !

                                       -4-

أذكري عزيزتي فضائلها ،

اذكري ماضيها واذكري صبرها ،

اذكري أسرها وسهر لياليها

وهي تترنّم بإِنجيلها وأَقوال فاديها .

هنيئاً لها أنها تنعم بفراديسها .

لا تبكي لا تبكي !

                                      -5-

 أمانة الله على الأرض رجعت إلى باريها .

انطلقتْ وهي تسبّح الله في لياليها .

سارت وهي صابرةٌ طالبةً الغوث في دياجيها .

لله المجد في السماء ولتكن مشيئتُه على الأرض … هذه تراتيلها وأَغانيها .

ظفرت بجنَّة الخلد ، وصافحت مسيحها وفاديها !!

لا تبكي لا تبكي !

                                                          أميرة  م

                                      ظهر يوم الأربعاء في 30 تشرين الثاني 1949

كلمَةُ طِفل

 

  الطفلُ هَادي حَجَّار عمرهُ سَبعَة أعوَام كتَبَ بلغتِهِ الطفوليَّة هذه الكلمَة إذ قال :

                   إنّني أُقدِّم كلمَتي للمَرحُومَة وَالدَة مُؤسِّس الدَّاهشيّة

 

                                        ماتت

                             إِفرحي وامرحي في السماء

                                 ما بين فرح وحبور

                             وارتعي بين الملائكة الأَبرار

                               وامكثي بغبطة وسرور

                           لقد رحلتِ ومضت أَعوام وشهور

                            تلاشت وبادت وأَفنتها الدهور

 

                                                      هادي حجّار

                                                30 تشرين الثاني 1949

رسَالةُ انتوَانِيت

 

      إلى أحَدِ أقربَائِهَا

 

عزيزي

ظروف قاهرة جدّاً أخَّرتني عن إرسال التحرير المؤرخ في 4 تشرين الثاني .

وها إني أُرسل إليك اليوم تحريري هذا

والألم يفترسني افتراساً مروّعاً .

لقد ماتت والدتي .

ماتت ، واحرَّ قلباه !

وهي تردد آيات الكتاب المقدّس 

الذي لم تفارقه منذ نعومة أظافرها حتى وافتها منيّتها .

ماتت وهي لم تشاهد ابتسامة عطف

ممن كانت تأمل وتتوق أن ترى ابتسامته بوجهها .

ماتت والحزن يقطن في حنايا نفسها المعذّبة ،

والأسى يكمن في أعمق أعماق روحها الحزينة .

ماتت بعد أن أدّت رسالتها الشاقَّة في مفاوز هذه الحياة التعسة

التي لم ترحم أتعابها وأوصاب روحها

التي مزّقتها الآلام وشتَّتَتْها التعاسة المتواصلة .

لقد أَغمضَتْ عينيها حتى الأبد ،

ولن تكتحل بعد اليوم أعيُننا بمرأى وجهها الحنون .

فيا للمصيبة العظمى التي حلَّت بنا !

خسئتِ أيتها الحياة الخسيسة ،

ولعن الله دنيانا التاعسة بما تحتويه في ثناياها من كل حقير وتافه !

وأنتَ ، يا خالقي ، أطْلِقْني

ودَعْني أجتمع بمن أسأتُ إليها في حياتها ،

علّني أُكفّر عن عقوقي لها بعد مماتي .

آه لقد أَفلتْ أضواء حياتي ،

وانطفأت أنوارُ الأمل في روحي .

 

                                                  الحزينة انتوانيت

                                      بيروت ، في 2 كانون الأوّل 1949

قَتَامٌ هيَ الحَيَاةُ بدُونِكِ

                                   

مَرثيَّة من أَحَد أَقربَائِها

تبّاً لكِ أيتها الأقدار الغاشمة ،

ومحقاً لك أيها الزمن الغادر الماكر .

فلقد جرفتَ بتيّاراتكَ الرهيبة ربَّة الطهر والنقاء ،

كالشرارة المندلعة بسرعة الوميض .

وأنتَ يا موت !

أيها القاسي ، أيها العاتي !

مددتَ أصابعك القتاديَّة بجرأة الرآبلة دون ما خوفٍ يسيطر عليك ،

وقطفتَ زنبقةً نقيَّة ….

وكان عليك ألاّ تقطفها قبل الأوان .

فأَلهَبْتَ فؤادي الشجن ، وسحقتَ قلبي سحقاً هائلاً .

آهِ منك أيُّها الموتُ الجبّار الذي التففت حولها ،

وكبّلتهَا بسلاسلك المرعبة بجبروت عاصف ،

فعصفتَ بروحي عصفاً مروّعاً ،

وتركتني أخوض في خضمّ من الهواجس والآهات ،

والزفرات المضنية المبيدة ،

ربّاه !… أحقاً قُضي الأمر ؟

فذوت وانطوتْ تحت الثرى ،

دون أن أودّعها الودَاع الأخير ،

وأتمتّع بمرأى أنوار وجهها الحنون ؟!

أَحقاً توارَتْ في جوف حفرةٍ مظلمة

مَنْ كانت تعطف عليَّ وتحبّني حبّاً شديداً ؟!

فغابت عني إلى يوم الحشر والنشر ،

مُخلّفةً لي أحزاناً رهيبة وأتراحاً مزلزلة !

أحقّاً ابتعدت عني من كانت لنفسي الشقية خير أنيس ،

فحلّقت بعيداً إلى العلاء ،

وتركتْني وحيداً فريداً في بيداء هذه الحياة الزريَّة ،

أندب سوء حظّي المنكود ؟!…

عندما يمرُّ ببالي طيفُها اللطيف تتدفّق مآقيّ بدموع مدرارة ،

وتراودُني ذكرياتُ تلك الأيام الزاهية الآفلة ،

ويصيبني شجنٌ رهيب ، وحزن مذيب ،

فيمزّق أَحشائي ، ويفري كبدي ، لبُعدها المرجّى .

قتامٌ هي الحياة بدونها ،

وسخامٌ دجوجيّ فاحم يغشّي فؤادي لرحلتها الأبديَّة .

إنّ روحي توَّاقة للإِفلات من قفصها الرهيب ، والارتقاء إلى عالم الخلود ،

لأنها ما عادت لتطيق البقاء في هذا الجحيم المستعر .

انفرجي أيتها الأرض تحت موطئ قدميّ ،

وابتلعيني بين طيَّاتكِ السحيقة الأغوار ،

فما عدت أستطيع أن أحيا بدونها لحظةً واحدة .

ويا روحي الكسيرة ،

أطلقي العنان لعناصركِ المجهولة لترتقي الأجواءَ العلويَّة ،

وتحطّي الرحال في الفراديس الأزليَّة ،

فلربما تندمجين بمن تتوقين لمرآها دوماً وأَبداً في سكونٍ واطمئنان .

الوَداع ، أيتها العزيزة ، الوَدَاع .

ادخلي إلى فرح سيّدكِ ،

فلقد ذقتِ الأمرَّين وبلوتِ البلاءَ الأعظم ،

وتجرَّعتِ كؤوساً مترعةً بالصاب والعلقم .

انعمي بالجلوس عن يمين العزَّة الإلهيَّة ،

فلقد آن لكِ أن تستريحي من العناء والشقاء والبلاء .

ألا فلتحرسك عين العناية الساهرة ،

ولتكلأكِ السَّماء بشآبيبَ من الرحمة والحنان .

ولتشيّعك أرتالٌ من الساروفيم والكاروبيم

بأناشيدها العذبة التي تأخذ بمجامع الروح وتفوق الوصف .

أمَّا أنا فسوف أندب وأنوح وأُعول

إلى أن تنطلق روحي من جسدها الماديّ الفاني ،

وتجتمع بروحك الرقيقة العذبة ،

فيكون اجتماعنا أبدياً إلى انقضاء الدهور والقرون .

فإنا لله وإنّا إليه راجعون .

 

                                                   قريبك الملتاع لفراقك

                                                  8 كانون الأوّل 1949

مَوتُكِ

 

 مهدَاة إلى رُوح وَالدَة داهِش

 

موتُكِ أَحال قلبي جمرةً لا تنطفئ

إلى انطفاء دقائق حياتي القصيرة من هذا الوجود .

موتُكِ أطار صوابي ، وأفقدني حواسي وذهب ببصري وبصيرتي .

موتُكِ أذاقني ألواناً عديدة من عذابات لا عهدَ لي بها مطلقاً .

موتُكِ أجّج فيّ بركاناً على أهبة الانفجار .

موتُكِ موتٌ لي وحياة جديدة لكِ مفعمةٌ بالمسرّات والأَفراح .

موتك راحة لك وهناء ، وعذاب لي وشقاء .

موتُكِ أَشعرني ما هو الحزن الصاهر ، والأَسى القاهر

بأتمّ معانيه وأكمل مراميه .

موتُكِ أماتَني وأنا حيّة ، وأيقظتك يقظة فتّانة في جنان الخلد الأزليّة ،

حيث بتِّ ترتعين مع الأطهار الأبرار .

موتُكِ وما أمرَّ هذه الكلمة على مسمعي ،

وما أقساها ، وما أَبشعها وأفظعها !

موتُكِ أخمدَ عواطفي وتمنيّاتي ، وآمالي وأَحلامي .

موتُكِ أَمات في نفسي الكسيرة كلَّ نَبْض ينبض في عروقي ،

لا بل هدَّمني وردَّمني .

موتُكِ هالني وانقضَّ عليَّ انقضاضَ الكواسر على فرائسها .

موتُكِ سهمٌ حادّ تغلغل في فؤادي فمزّقه تمزيقاً وبدَّده شذر مذر .

موتُكِ مُهَنَّدٌ مُرهَفٌ بتّار بترني من الوريد إلى الوريد .

موتُكِ حدٌّ نهائي فاصل لآلامك وأحزانكِ وأتراحك .

موتُكِ دكَّني دكّاً في قعر هاويةٍ متّقدة .

موتُكِ نَغَّصَ عيشي ومزَجَ في دمائي الأَلم الرهيب والعذاب المذيب .

موتُكِ أَحال أدمعي دماً فجفَّتْ ، ونضبَ المعين .

موتُكِ ما أَمرّه ! وما أَشدّه على قلبي الحزين فواحسرتاه !

 

                                                          صديقتك التي لا تنساك

                                                          10 كانون الأول 1949

وَاحَسْرَتَاه

 

عبد الأحد

 

انطلقْتِ كالسهم المارق من ربوع دنيانا الحقيرة ،

بعد أن طوّفتِ في مفاوزها ،

فلم تُصْدَمي إلاّ بأرهب الآلام المبرّحة ،

وقاسيتِ عذاباتٍ جسيمة أثقلَتْ كاهلكِ وأودت بحياتك الغالية .

حملتِ صليبك حتى النهاية ،

ولم تتقاعسي عن أداء فريضة الصلاة وتلاوة آيات الكتاب المقدّس ،

منذ تنسّمك الحياة إلى ساعة انطلاقك .

 

فهنيئاً لكِ أيتها القديسة .

هنيئاً لكِ لأنكِ ستدخلين الجنّة آمنةً مطمئنة ،

بعد أن جاهدتِ جهاد الجبابرة ، وكافحتِ كفاح الأبطال الميامين .

لقد نافحتِ بكلّ أمانةٍ وإخلاص ،

وكافحت بإِيمان حارّ لا تزعزعه هوجُ الرياح والأعاصير ،

مهما هبَّت وزَحَفَتْ وعصفت وقصَفَت .

 

فسلامٌ على روحك النقيَّة الأَبيّة .

وسلامٌ على روحك العامرة بالإيمان الصادق الراسخ رسوخ الأَطواد ،

فبإِيمانك القويّ اغتصبتِ السماء اغتصاباً ،

وفتحتِ مغاليق الجنّة غير هيّابة بل وثّابة .

تهلّلي تهاليل الفرح والحبور ،

أيتها الأرواح الطاهرة ،

واهزجي أَهازيج الغبطة والسرور ،

ورنّمي ترانيم البهجة والمحبّة ،

واعزفي على الناي والقيثار لتستقبلي عروس القداسة .

واسكب عليها ، ما موجدي ، قبساً من أنواركَ العجيبة ،

واشملْها بمراحمك الجمَّة ،

وأَسكِنْها فسيح جنّاتك الوارفة الظلال .

وأَضرع إليك بخشوع وخضوع وانكسار قلب ،

أن تطفئ سراج حياتي وتجمعني قريباً بمن تاقت نفسي لمرآها .

فمتى ، يا الله ، ستنقذني من هذا السعير ؟

 

                                                              عبد الأحد

                                                       10 كانون الأول 1949

رسَالَة إلى مؤرّخ الرسَالة   حليمْ دمّوسْ

 

عبد السميع المصري 

أُستاذي العظيم

وصلني اليوم نعي والدة الدكتور داهش

وإني أتقدَّم إليك وإلى جميع الداهشيين بالعزاء

وأسألهُ تعالى أن يلهمكم الصبر الجميل

وأرجو الله أن تكونوا بخير وعافية

وأن تصلوا ما انقطع من رسائلكم الرقيقة الجميلة

ولكم مني أطيب التمنيات والتحيّات .

 

                                                 عبد السميع المصري

                                                 بنك مصر (أسيوط)

                                                 19 كانون الأوّل 1949

مَرَّت كَطَيْرٍ في الوُجُود

 

  إلى رُوح المكافِحة النقيّة والمجَاهدة التقيّة

                                وَالِدَة مؤسِّس الداهشيّة

                                                                    شعر حليم دمّوس

القلبُ يخفقُ بالأنينْ                       ويذوبُ مِن عِبَر السنينْ

فتقبَّلي لحنَ الحنينْ                       وأصغي إلى شعري الحزينْ !

                            ***

والَهْفَتي ذهبَ الشبابْ                    ومضتْ ليالينا العِذابْ

وتحجَّبتْ طيّ الترابْ                    أُختُ الهداةِ الخالدينْ !

                            ***

مرَّت كطيرٍ في الوجودْ                  وسمتْ إِلى روض الخلودْ

أتُرى إذا ذهبتْ تعودْ                    وتزور مغنى المتعَبينْ !

                            ***

أمُّ (الحبيبِ) على الغمامْ                 طارت إلى دار السلامْ

حنَّتْ إلى باري الأنامْ                   وأتتْ مقرَّ الصالحينْ !

(إِنجيلها) كان الرجاءْ                و(مسيحها) كلُّ العزاءْ

والروح ترنو للعلاءْ                 لترى بهِ نورَ اليقينْ !

                          ***

يا أمُّ ذكركِ لن يغيبْ                ما دمتِ والدةَ (الحبيب)

فهو (المعزّي) للكئيبْ               وهدايةٌ    للعالمينْ !

                          ***

كم خُضتِ في بحر الحياةْ           وسلكتِ لجَّ النائباتْ

فنجوتِ من كيدِ الطغاةْ              وبلغتِ شاطئكِ الأمينْ !

                          ***

طوباكِ قد نلتِ الجزاءْ              ونزلتِ أخدار السماءْ

فالجسمُ يفنى كالهباءْ                 والروح في الحصنِ الحصينْ !

                          ***

والقلب يخفق بالأنينْ               ويذوبُ مِن عِبَر السنينْ

فتقبَّلي لحنَ الحنينْ                 وأصغي إِلى شعري الحزينْ !!..

 

                                                  حليم دمّوس

                                        بيروت ، 20 كانون الأول 1949

ودَاع عَام 1949

 

               أو

عَام حُزني العَظيْم عَلى مَن وَلَدَتْني

                                                             الدكتور داهش

إيه يا عام الشؤم المروّع !

يا عام يا عام ! لقد أذقْتَني اللوعة الرهيبة ،

وأدخلتَ في أعماق فؤادي أحزانَكَ المهيبة .

آه ، يا عام التعاسة الفائضة بالصاب والمرّ والغسلين !

لقد أذقتني الألم المرير القاتل والأسى الشديد ،

وسَقَيْتَني كؤوسَ اليأس الطافحة بالحزن المبيد !

نعم أيها العام !… لقد أَشعرتني باليأس العظيم ،

بعدما رحَلَتْ عني ، في خلال حكمك لأرضنا التاعسة ،

والدتي ، مَنْ أَرَتْني نور الحياة .

آه ، كم تراني أتمنّى الرحيل من هذه الأرض أيها العام القاسي القلب !

وكم أودُّ الانطلاق من دنيا الأَلم

إلى العالم الذي بلغَتْه من وَلَدَتْني !

أوَّاه يا عام الشؤم !

إنني أتمنّى أن ينيلني الله بغيتي ،

فيأمر حاصد الأرواح أن يستّل روحي المعذّبة بمنجله السماوي ،

فيريحني من آلامي الهائلة وأوجاعي المتواصلة .

نعم نعم أيها العام التاعس .

هذه هي أُمنيتي وتلك هي آمالي ورغبتي ،

بل وحلمي الذي تتوق إليه نفسي ،

وتحنُّ إليه روحي .

فهل تتحقّق أمانيَّ ، وتتمّ أحلامي

فأَجتمع بمن أحبَّتْني كثيراً ،

وضحَّت من أجلي كثيراً ،

وبكت لأَجلي كثيراً ،

وماتت حزناً وألماً على ما أَصابني من عنتٍ وظلمٍ وإرهاق ؟

واويلتاه ! وواتعساه !

فإنني لم أقمْ بما توجبه عليّ البنوَّة نحو أشرف الأُمّهات ،

لقد قسوتُ عليها كثيراً ،

ولم أحن عليها في خريف عمرها وشتاء أيامها ،

فسامحيني سامحيني يا أُمّاه !

فإنّ الندم يُقطّع كبدي تقطيعاً رهيباً .

وليُسامحني الله وليجمَعْني بكِ قريباً .

 

                                                          داهش

                                            بعد منتصف ليل 1 كانون الثاني 1950

 

  بَلَغتِ غَايتكِ الكُبرى

                            

إلى رُوْح التقيَّةِ النقيَّةِ أمّ دَاهِش في ذِكرى الأَربَعينْ

 (من 23 تشرين الثاني 1949 إلى 3 كانون الثاني 1950)

 حليم دمّوس

 

ها قد مرَّت الأربعون يوماً على وفاتكِ يا أُمُّ النبي الهادي .

وها إني أراك بعين الفكر ، وأنتِ تنظرين إلينا ونحن أمام القبر .

وها نحن نرى مواكب الأيام تمرّ ، ومركبة الزمان تكرّ .

فتمشي القافلة إِثر القافلة ولسان حالنا يقول مع الشاعر :

 

يدفّن بعضنا بعضاً وتمشي              أواخرُنا على هام الأوائل

ولكن لا بدّ لنا في مثل هذه الحوادث الجسيمة ،

والذكريات الموجعة الأليمة ،

إلاَّ أن نقف معتبرين ، وننظر متفهّمين ،

لندرك الغاية الكبرى من أسرار (الحياة والموت).

لقد علَّمتنا الأديان أن نسمة الحياة وسرَّ الممات مصدرهما الله ومرجعهما الله .

وإذا كنا قد خرجنا من ظلمة العَدَم إلى نور الوجود ،

فلا بدَّ لنا ، بعد انتهاء أيامنا المحدودة على الأرض ،

من أن نخرج يوماً من عالم الوجود ، وأرض الجدود ، إلى عالم الخلود .

وهذه الحقائق عرفناها أيضاً بفضل التعاليم الروحيَّة السامية

التي لقَّننا إياها ابنكِ الهادي ، الهابط إلى الأرض قبل ظهور المسيح الفادي .

وإذا كنا – ونحن في أجسامنا الترابيَّة – قد عرفنا هذه الحقائق الروحيَّة ،

فكيف بكِ الآن وقد تكشَّفَتْ لك حقائق السماء ،

بعد أن خلعتِ حلّتك الترابيَّة ،

وارتفعَتْ روحك إلى الأخدار السماويَّة ؟

لقد كانت روحكِ جبَّارة ، ونفسك مرتفعةً دائماً إلى الأعالي .

وكان إيمانك بالسماء أرحَب من السماء ، وأرسخ من الجبال الشمّاء .

علَّمتِ الناس دروس الحياة بصمتكِ العجيب ،

وصبركِ الأعجب ، وأَعمالكِ المتواصلة ،

وحطَّمتِ كبرياءَ المتعجرفين بوداعتكِ المتناهية ،

وآثارك الفاضلة ، وأخلاقكِ المتكاملة ،

لقد كنت بعظمتكِ خادمة الجميع يا سيّدة الجميع .

ولذلك بحنينٍ وأَنين سيذكرك الجميع !

أمَّا أنا فلن أنسَى مزاياك وسجاياكِ ما دام لي قلبٌ يخفق ولسانٌ ينطق .

لقد رافقتكِ في حركاتك وسكناتكِ ، وراقبتكِ في روحاتكِ وغدواتك ،

ولازمتك في مواقفك الخطيرة ، ومحنتك الأخيرة .

فيا لجهادك العظيم ، ويا لكفاحكِ الأَعظم ،

ويا لأُمومتكِ المجلجلة يوم أبعدوا عنكِ ولدكِ الوحيد ،

ووضعوهُ وراءَ الحديد ،

ثمَّ جرَّدوهُ من جنسيّتهِ وأبعدوهُ من أرض الجدود

إلى ما وراء الحدود !..

لقد شاهدتكِ في مواقف عديدة ،

فإذا أنتِ ثابتة الإيمان ،

رابطة الجنان ، راسخة الأركان ،

كأنَّك تلك السنديانة الجبّارة الثابتة أمام العواصف الزاحفة ،

والصواعق المنقضّة والبروق الخاطفة ….

قالوا :” إنَّها أُمِّيَّة”.

قلتُ : نعم ، إنها أُمِّيَّة !

ولكنَّها أمٌّ نقيَّة ، وزوجةٌ تقيَّة ،

وأُختٌ وفيَّة ، وأرملة أبيّة ،

وقد ألقَتْ علينا بذكائها الفطريّ دروساً عظيمة ثمينة ،

لم نسمعها من بلغاء الواعظين .

وغرست في قلوبنا حبَّ الكتاب المقدَّس أكثر من رجال الدين ،

فرقدت رقاد الأبطال الميامين ،

وعادت إلى معسكر الأنوار كالقائد المنتصر ، فحُسِبَتْ من عداد الخالدين .

يا أم الهادي ، ويا تلميذةَ الفادي !

لقد كنتِ بيننا القلب الخافق بحبّ الله والمسيح وبني الإنسان .

وكنتِ اللسان الناطق بعظمة الخالق ،

وجمال الحب والسلام والطهارة والإيمان .

فحياتكِ صفحة أبديّة الذكريات ، قدسيّة الكلمات ، طيّبة النفحات .

ففيها ذكريات بلاد ما بين النهرين ، وبيت المقدس وأرزة لبنان .

وأعظم تعزيةٍ لي بعد موتكِ المؤلم أَنني تشرَّفتُ بمعرفتك في سنواتكِ الأَخيرة

وأنتِ في حزنكِ العميق ، وقلبك السحيق ، وعطفكِ الرقيق .

فبإخلاصٍ تخدمين مَنْ عاش قربكِ ،

وبحرارة إيمان تسبحين ربكِ .

وبرجاء المؤمنة المطمئنّة الآمنة ،

تنتظرين حياةً سعيدة ثانية ، بعد هذه الحياة الشقيّة الفانية .

فأمام ضريحك المجلَّل بالطهر والنقاء ، وأزاهير المحبَّة والوفاء ،

أقف وأخواني وأخواتي بلوعةٍ وأنين ، في ذكرى الأربعين .

وإلى روحك الراتعة في نعيمها الأبديّ ، ومقرّها السرمديّ ،

أسكبُ دموع روحي السخيّة فأرثيكِ ،

وأَرفع عواطف قلبي النقيّة فتناجيكِ وتناديكِ :

 

يا أُمّ داهش ما أسمى مَزاياكِ                وما أشدّ اكتئابي يوم منعاكِ

وراءَ نعشك أنفاسٌ مسعَّرةٌ                  وفوق قبركِ تهمي دمعةُ الباكي

الأربعون مضت كالحلم ! والهَفي!          ولم يعدْ للحزانى غير نجواكِ

تركتِ لبنان في حزنٍ وفي أَلَمٍ              لكنَّ روحكِ طارت نحو أَفلاكِ

لولاكِ لم نكتشِفْ نور الهدى عجلاً         ولا عرفنا فتى الإِلهامِ لولاكِ

وقد نثرنا أكاليل الورود على               نعشٍ يضمّ لدى (مَجْدا) بقاياكِ

جاورتِ بالروح (موسى) بعد رحلته        يا طيبَ مثواهُ بل يا طيب مثواكِ

الموتُ سرٌّ عجيبٌ نحن نعرفهُ             ويقظةُ الروح تحيي مهجة الشاكي

نامي فكلّ هناءٍ في الحياةِ سُدىً            وليس يبقى لنا إلاّ سجاياكِ

نامي فإنَّ كتاب الدهر علَّمنا                أنَّ الأزاهير قد حُفَّتْ بأشواكِ

وأَن كلَّ اجتماعٍ لا دوام لهُ                وأَنَّ كلَّ هزارٍ قيد أشراكِ

وليس غير التقى للنفس يرفعها            إلى العلاءِ فبشرانا وبُشراكِ

إِني عرفتُكِ أعواماً مسلسلةً               فكنتُ أنعمُ في قدسيّ مَغناكِ

أُصغي إلى كلماتٍ منكِ طاهرة           تزيدني في الدجى شوقاً لذكراكِ

لم تعشقي هذه الدنيا وزخرفها            لكنْ عشقتِ إلهَ الكون مولاكِ

كم قلتِ لي سأرى وجه الحبيب غداً      وهو الذي في جنان الخلد يرعاكِ

أَقصى مُناكِ اجتماعٌ بالمسيحِ وقد         بلغتِ غايتكِ الكبرى فطوباكِ !

 

                                                              حليم دمّوس

                                                     مؤرّخ الرسالة الداهشيّة

دَمعَتَانْ مُذيْبَتَانْ

 

 الدكتور داهش

واأُمَّاه ! ووامجْداه !

إِنّني أُناجيكما بدموع عينيَّ ، وبدماءِ قلبي ،

وبعُصارةِ نفسي وبخُلاصة روحي .

أُناجيكما مناجاةً يملأُها الحزنُ الفاجع ، واللوعةُ الخرساءُ القاتلة .

أُناجيكما بحُبٍّ وحُنُوٍّ وشوقٍ مُلِحٍّ ،

لمشاهدتكما قريباً في عالمكما المضيء السامي .

أُناجيكما وأَنا أَضرع إليه تعالى أَن يجمعني بكما ،

في عالمٍ لا يعرف للأحزان اسماً .

أُناجيكما واللوعة تقطن في قلبي ،

والأَسى المُروِّع يثوي بين ضلوعي .

أُناجيكما يا من كنتما تحيطانني بعنايتكما وتشملانني برعايتكما .

أُناجيكما وأنا حزين النفس كسيرها .

وعَبراتي تتساقطُ حزناً على فراقكما المدمّى .

أُناجيكما يا من ضحّيتما لأجلي كثيراً ،

وجاهَدْتُما جهاد الجبابرة في سبيلي .

أُناجيكما بلوعةٍ جارفة أقضَّتْ عليَّ مضجعي وحرمتني نعمة الطمأنينة .

أُناجيكما وأَرثي نفسي لبقائي في عالم الفناء ،

بعدما رحلتما حتى يوم الدين عنّي .

أُناجيكما والشوقُ يدفعُني للولوج إلى عالمكما .

تُرى ، هل تطول بي الأَيام للقائكما ؟

إننا لا نزال في حربٍ ضروس مع أعدائنا ،

أَعداءِ الحقيقةِ الناصعة .

وهذه الحربُ لن تكفَّ

حتى تكفَّ ضرباتُ قلوبِ أحد الفريقين المتنازعين .

وأُصدقكُما أيّتُها العزيزتان الراحلتان

من عالم الفناء إلى عالم الخلود والهناء ،

أنني ما كنتُ لأَستطيع البقاء

في عالم المكْر والخَتْل والرياء ،

لولا هذا الواجبُ المقدَّس

الذي هو فَرْضٌ مُقَدَّس مُلقَى على عاتقي ،

ألا وهو تحطيم أعدائنا الخوَنَة ،

وتمزيق شملهم شرَّ ممزَّق ،

وجعلهم عِبْرَةَ الأيّام ،

وأُضحوكَةً مرذولةً لكافّة الأنام .

فاهنَأا في عالمكما النيّر الخالد البَهَجَات .

وتأكّدا أنني لا ولن أتقاعس عن جهادي الجبّار

حتى ينصرَني الله انتصاراً ساحقاً ،

فأُؤدّب طغمة المجرمين ،

وإذْ ذاك باستطاعتي أن أقول وأنا مطمئنّ :

  • الآن أَطلِقْ عبدَكَ أيُّها السيّد ،

فقد آن له أن يستريح بعد كفاحه المتواصل .

واجمَعْه بأعزّائه الراحلين .

أرقدا ، ارقُدا بسلام ،

فقد انتصرتما

برحيلكما

عن عالم المكر بين هؤلاءِ الأَنام .

                                                       داهش

                                            بيروت ، 27 كانون الثاني 1950

 

دمُوعٌ مُفْتَلَذة

 

  جورج حدّاد

واعزيزتاه !

أُخاطبُكِ من عالم الفناء بقلبٍ عركه الألم الرهيب ،

وروح عصرتها الأحزان ، ونفس صهرتها الأشجان .

أُخاطبُكِ من عالم الهباء وكلّي مجبول بالتعاسة المروّعة لفراقك السرمديّ .

أُخاطبُكِ من وادي الدموع ، وأذرف الدموع على رحيلك الأبديّ .

أُخاطبُكِ من عالمنا ، عالم السراب الزائل ،

وعالمُكِ عالمُ الخلود الباقي أَبدَ الدهور .

نعيش ردحاً من الزمن ، ثم نعود إلى عالم الحقيقة الساطعة ،

التي تظهر جليّة كالشمس في رابعة النهار ،

فنرى عالمنا الزريّ التعيس من وراء الحجاب الشفّاف المجهول

كظلّ سحابة متلاشية وخيالات وهم مضمحلّ .

إنّ حياتنا في هذا الوجود قصيرة بالنسبة لحياتنا الآخرة ,

ومع هذا نراها ثقيلة الوطأة على أنفسنا كغلس الليل البهيم .

فوجودنا على هذه الغبراء هو تأدية رسالة واجبة ملقاة على عاتقنا

يجب أن نقوم بها على أحسن وجه وأكمله تجاه العناية الإِلهيّة ،

وعلينا أن نتحمّل الصعاب الجسام ،

والعقبات الكدراء العِظام التي تعترض مسالكنا الوعرة ،

بصدر رحيب ، مثلما تحمّلتِ أنت ما لا يمكن أن يتحمَّله أيّ بشريّ سواكِ .

وهذا يعود إلى قوّة إيمانكِ الجبّار ،

الراسخ في صميمك كالجبال الرواسي ،

وفي مخلِّصك السيد المسيح ربّ الأرباب

الذي أنقذكِ ، من هذا الجحيم المتصدّع ليل نهار ،

إلى مملكته العظيمة هناك ، هناك في أعالي القبّة الزرقاء ،

فارتاحت نفسك من العذابات وخلدت روحك الطاهرة مع القدّيسين الأبرار ،

تسبّحين الباري تعالى بسكينة وضمير مرتاح ،

وفي ظلّه الظليل تنعمين ، بعد أن قمت بواجبك المقدّس خير قيام ،

فاستحققت هذه المكافأة العظمى من سيّد الأَطهار ومؤدّب الأشرار .

إننا لا نزال نرتقب ، بفروغ صبر ، ساعة فكاك أَسرنا وانطلاقنا

إلى عالمك الدائم السناء والهناء .

فلقد أَشعلتِ أفئدتنا بنيرانٍ خالدة حتى يوم النشور .

فأصبحنا مُفتَلَذي القلوب مُرَدّمي العواطف ،

يُطلُّ النهار علينا فنقول :

امضِ واجرفنا معك ؛

ويأتي الليل بدجنته الفاحمة فنقول :

ضمّنَا في جوفك البهيم .

وهكذا تمضي الأيام ،

وتتبعها الأشهر ، وتلحق بها الأعوام تلو الأعوام ،

ونحن لا نزال نتخبّط خبط عشواء في هذا القفر العجاج ،

ولسنا ندري متى سنرحل من مفاوزه العرجاء .

إنني أغبطك على عالمكِ السعيد ،

وأتمنّى دنوّ الساعة التي أعود فيها وأَجتمع بك ثانية ،

بعد أن مزّقتنا يد الأعداء الظالمين الغاشمين ،

فلم أتمكّن من وداعك في ساعاتك الأخيرة .

فعسى أن نلتقي في الآخرة .

فيكون فرح عظيم على كرّ العصور ومضيِّ الدهور .

ربّاه استجِبْ لدعائي فهذا هو مُناي ورجائي .

                                      جورج حدّاد بيروت ، السبت في 11 آذار 1950

يا قَبْرَهَا

 

                                 إنّا على العَهْد !

                   إلى رُوح أمّ النبيّ الهَادي بمنَاسَبَة مُرُور تسْعة أشهر

         على وَفاتِها رَحَمَها الله (23 تشرين الثاني 1949- 23 آب 1950)

                                                                  حليم دمّوس

 

هنالك عند البحر في مفرقِ الدرْبِ       ضريحٌ لأُمٍّ في ضميري وفي قلبي

وتحت ظلال السروِ تثوي بقربها        فتاةٌ لها كالأمِّ عاطفة الحبِّ

فجئتُ أناجي الأمَّ ذات عشيَّةٍ            وقد سال دمع العين فوق ندى العشبِ

وقفتُ أُناجيها وعند ضريحها            قلوبٌ من الإخوان تحنو على التُرْبِ

فيا قبرَها الريّانَ بالبرّ والتقى            سقيتَ غوادي العفو من مقلة السُحْبِ

ويا قبرَها إنَّا على العهد بَعدها          مَع النَّجلِ والأتباع والأهل والصَحْبِ

نسير كهادينا على منهج الهدى         ونقفو خُطاهُ في السلامِ وفي الحربِ

إلى أن يتمَّ الفَوزُ باسم عقيدةٍ           مسدَّدةِ الأهدافِ قدسيَّةِ الكتبِ

فيا أُمَّ مَن نَهوى ونهوى جهادَهُ         أطلّي على لبنانَ من أبعد الحُجْبِ

طويتِ بهذا اليوم تسعة أشهرٍ          ونحن إلى مثواكِ ننظر عن قُرْبِ

لقد كنتِ أمّاً للجميع فشعشعي          بنوركِ مثلَ الشمس والبدر والشهْبِ

وقد كنتِ رَمزَ الطُّهر سرّاً وجهرةً     وسيِّدةَ الأخلاق في الشرق والغربِ

وهذا شذا تقواكِ فاح عبيرهُ            بخوراً بجنح الليل يُحيي فتى اللبِّ

سنذكر أيَّاماً بقربك قد مضتْ          كحلمٍ لذيذٍ مرَّ بالعين والهدبِ

تمسَّكتِ بالإِنجيل منذ طفولةٍ           فأنقذكِ الفادي لدى الموقفِ الصعبِ

فَطِرْتِ إلى الأفلاك مثلَ حمامة        تعيد أَغانيها على الفنن الرَطْبِ

سلاماً إلى أن يجمعَ الله شملنا         فعند مسيح الله مجتمع الركبِ

ومَن وقفتْ للربّ كُلَّ حياتها          فلا بُدَّ أن ترتاحَ في جنَّة الربِّ !

 

                                                          حليم دمّوس

                                                  الخميس ، 24 آب 1950

 

ذكرى وَالِدَة مؤسّس الداهِشيَّة

 

يوم الخميس الواقع في 23 تشرين الثاني كانت ذكرى مرور عام كامل على وفاة السيّدة الفاضلة والدة مؤسّس الداهشيَّة .

فبعد ظهر ذلك اليوم اجتمع الإخوة الداهشيّون في منزل الرسالة ثمّ أقلَّتهم السيَّارات إلى ضريح الفقيدة في مدفن آل خبصا في جونيه حيث نُثِرت الأزهار على قبرها ، وبعد أن أُخذت عدَّة رسوم من قِبل أحد المصوّرين قُرئت كلمة بليغة مرسلة من نجلها من خارج لبنان … وهذا نصُّها :

 

                              سَلَاماً لروحكِ يا أُمَّاه

                                                         الدكتور داهش

أُمّاه !.. إن معركة الحقّ ضدّ الباطل ما تزال في إبَّان عنفوانها .

فهي ما زالت مشتعلة الأوار متلظّية حتى يتمّ الانكسار ،

انكسارهم هم … أولئك الذين أَطالت لهم العناية حبال صبرها العجيب ،

فبشّروهم بشرِّوهم بالغروب والذبول والأفول …

إذا فلتطمئنّ روحك وروح ماجدا العزيزة في عالمكما الروحي .

فسلاماً لروحيكما النقيّتين …

أمَّاه !.. ها قد طوى الدهر عاماً كاملاً مذ توارَيْتِ عنّا .

عامٌ ويا لهُ من حالكِ الاهاب مدلهمّ الجلباب !

لقد جرفتهُ يد الزمان العاتي فبدّدتهُ ومزّقته وبعثرتهُ أيدي سبأ .

وفي هذا العام الحافل بشتَّى الشؤون والشجون ،

كنتُ أُراقبُ من عريني تلك المعركة ، معركة الخير والشرّ .

ألا ثقي يا أمّاه !.. إِنّ قناتي ما لانت ولن تلين ،

وعزيمتي ما وهنت ولن تهن مدى السنين ،

إنني ما زلتُ ثابتاً على عهدي ،

وسائراً في الطريق الذي قالهُ وعدي ،

فأنجديني يا روحَ أمّي !

وابعثي في أعصابي النور والنار .

أمَّا أنا يا أمّاه ، ويا ماجدا الشهيدة الوفيّة ،

فإنني أشعر بأَنَّ ساعة العدالة الرهيبة قد أَصبحت أقرب من حبل الوريد ،

فأنجداني يا من أصبحتما تعاينان الحقيقة والحق .

وأَلهماني الطريق السوي حتى ينصرني الله .

واهنأ في عالمكما السامي المضيء .

واطمئنّا فستدقُّ ساعةُ وصولنا إلى حقنا المبين .

 

                                                        داهش

                                               23 تشرين الثاني 1950

...وَلسَوفَ تنتقِمُ العَدَالة

 

                            إلى رُوح وَالِدَة داهِش

                             (1949- 1950)

 عامٌ مضى عَجَلاً وهذا الثاني               وجميلُ ذكركِ في فمي وجنَاني

يا أُمّ مَن قاد النفوسَ إلى الهدى              وإلى جِنان الصالحاتِ دعاني

طوباكِ عجَّلْت المسيرَ ونحن في             وادي الكرى هولَ الحياةِ نعاني

جاورتِ من حَنَّت إلى الأُخرى وها          روحاكما في الخُلْدِ تلتقيانِ

سبَقَتْكِ كي تستقبلَ الرُّوحَ التي               طارت من الدنيا إلى الديّانِ

لا موت للأَرواح بعد ذهابها                 عن أَرضنا للعالم الروحاني

كانت حياتكِ دمعةً وكآبةً                     والروحُ شاخصة إلى الرحمنِ

هذا ضريحكِ والأزاهرُ فوقهُ                 نُثرت كدمع العين من أجفاني

ذكرى جهادكِ بين قومٍ آثروا                 ظلمَ البريء لكي يُمجَّد جانِ

ولسوف تنتقم العدالةُ فانظري                عدلَ السماءِ بمجرمٍ خوّانِ

ولك الكرامة في الثريَّا والثّرى              يا مَن بذكراها يطيبُ بياني

ما أنت مائتةٌ فذكرُك خالدٌ                   بالروحِ بالحسناتِ بالإيمانِ

فتنعّمي وتبسّمي وترنّمي                    قرب المسيحِ بأعذب الألحانِ

 

                                                       حليم دمّوس

                                                 23 تشرين الثاني 1950

ابنكِ هُوَ الوحيدُ الذي لا يُغْلَب

 

                        رثاء الأم شموني في ذكرى وَفاتِها

                                                                 مَاري حَدّاد

السلامُ عليكِ أَيَّتها الطوباويّة ، يا أُمَّ النبيّ الحبيب ،

السلامُ عليكِ أَيَّتها الأنبلُ والأعظم والأنقى بين النساء .

من الألوهة أَصلُكِ ،

ومنها كان جوهرُك ،

ومع ذلكَ اجتزتِ طريقَ الحياة ، دائبةً على عملكِ اليوميّ ،

ورأسكِ شامخ ، تصارعين من أجل إِعالة أسرتك ،

وكجبّار أسطوريّ تُزاولين أشقّ الأعمال ،

بلا تردّد ولا كلال ،

غير مُزدرية إلاّ الشرَّ وقُبح الخطيئة

الكتاب المقدّس كان رايتكِ ،

فهو لم يُبارح وسادتَكِ .

لقد كان لكِ الغذَاءَ الروحيّ الذي يمدُّكِ أبداً بالقوّة ،

وها أنتِ قد أدركتِ غايتكِ . فَفوقْ . في الملأِ الأعلى ،

تجنين الآن الثمار التي زرعتِهَا في الأرض .

فاغتبطي اليوم ، معنا ،

لأنّ طريق المجد فُتِحَتْ أمامنا بعد المِحَن السابقة

ومثلما كنت واسطة هبوط ابنك إلى الدنيا ،

فإنَّ روحكِ تساعده في أعماله ،

إنّكِ تعاونينه بملءِ قدرتك ،

وبجميع الوسائلِ الروحيَّة غير المحدودة التي تملكين ،

وذلك لأنَّ الله معكِ ولأنَّ الله معه .

فابنُك هو الوحيد الذي لا يُغْلَبْ ،

وحده الظافر ، وحده القويّ المُسلّح بذراع الله ،

وأسلحته هي الحقيقة والعدالة ومحبّة الإِنسانيَّة المؤمنة .

فليحيَ الهادي الحبيب ، وليحيَ جميع الذين يقتفون آثاره .

مباركةٌ أنتِ في النساء .

النور كلَّلكِ ،

ومن هو ابنُكِ أتى بالنور الذي سيُضيء العالمَ كلَّه أكثر فأكثر .

ليحيَ الدكتور داهش ،

ولتحيَ في السعادة الخالدة الأُمُّ القدّيسة التي ولدَتْه .

وأنتِ أَيَّتها الملائكة ، رنّمي أنشودة حُبٍّ في هذه الذكرى ،

ألا تَوِّجي جبينها الأنقى بأجمل أزهارك ،

ألا كَلّلي جبينها الظافر بالغار .

 

                                                  كتَبَتْها بالفرنسيّة

                                                   ماري حدّاد

                                             23 تشرين الثاني 1950

إنَّ للجَريمَةِ ثمناً

 

                  قيلت في ذكرى وَالدة مُؤَسّس الداهِشيَّة عام 1951

                                                                   الدّكتوُر دَاهِش

أَيَّتها الرُّوح الجبَّارة !

عندما تدقّ الساعة زلزليهم ، واعصفي بهم وقوّضيهم .

حيّاكِ الله يا روح والدة داهش .

ويا أَيَّتها الرُّوح التي انطلقت من عالَم الأرض الفانية ،

وأصبحتْ تنعم في عالمِها الرُّوحيّ الخالد ،

إِحضري أَيَّتها الرُّوح إِحضري ،

وأصغي لما يقولهُ (الكتاب المقدّس)،

هذا الكتابُ الإِلهيّ الذي لم يفارقك يوماً من أيّامِ حياتكِ ،

والذي كان دستوراً ونبراساً يُضيء طريقكِ السويّ ،

ومبعثاً لنشاطكِ الرُّوحيّ .

قال الكتاب المقدّس :

” وعندما طغى فرعون ملكُ مصر وتكبَّر ،

وبعدما بغى وتجبّر ،

دفعهُ الله بين شِدْقَي البحر المُهتاج ،

فافترسه مع جيشهِ الجرّار ،

والتهمَهُ بشراهةٍ مرعبة ،

وقضمَ زردَ مركباتِه القويّة ففكّكها تفكيكاً ،

وقضقض حديدها ،

وصهرَ فولاذها في أحشائهِ صهراً مُذيباً .

وهكذا أبادهُ الله إِبادةً مروّعة ,

وجعل اسمهُ لعنةً خالدةً مدى الآجال والآزال .

أمَّا (سدوم وعامورة)،

فقد أَمطرهما الخالقُ بنيرانِ غضبهِ ، وكبريتِ نقمته ،

وسلَّط عليهما دخان لعنتِه المُخيفة .

فإذا هما كدجّنةِ أسحاقِ الهاوية بفحمتهما الدجوجيَّة .

ثم قصفهما برعودِه ، وزلزلهما ببروقِهِ ،

فدكَّهما دكّاً مُبيداً ،

وراح أسماهما لعنةً خالدةً ما خلُدتِ الأَجيال .

وذلك (الطوفانُ) الساحق ،

وسيلُه الجَبَروتيّ الماحقُ الذي أذلَّ الجبابرة ،

وأَفنى البطارقةَ والقياصرة ؛

ذلك (الطوفانُ) الشيطانيُّ المُخيف ،

الذي أماتَ كلَّ ذي نَسمةٍ وحياة ،

ما خلا الأب نوح الصالح وعائلته ؛

و(أبشالوم) ابنُ الملكِ داود النبيّ الذي سلَّمَهُ الله إلى أَعدائهِ ،

فكانت نهايتهُ درساً أليماً لكلّ طاغيةٍ يسير في طريق الشرّ والجريمة ،

والملك (نبوخذ نصر) الذي فقد عقلهُ وتاه في البراري بضعَ سنوات ،

يُعاشر ضواري الوحوشِ ويؤاكلها ،

لأنهُ طغى وبغى ، وارتكب النقائص ،

وانتقصَ من حقوق أفرادِ شعبِه ،

فاقتصَّ منهُ الخالق اقتصاصاً مرعباً ،

وأدَّبَهُ تأديباً عادلاً …”

هذا قليلٌ قليل من كثير كثير ،

ممَّا يزخرُ بهِ (الكتابُ المقدَّس )،

مِمَّا تخبرنا بهِ صفحاتهُ عمّن اتَّجهوا إلى الشرّ ،

فضربهمُ الله ضرباتهِ القاضية ،

بعد أن أَطال لهم الحبلَ على الغارب لعلَّهم يرعوون ؛

فلم يفعلوا .

وإذ ذاك نكَّلَ الله بهم تنكيلاً يخيفُ الحديد الصَلْد ،

والفولاذ الصَلْب ،

وشهَّرهم تشهيراً أبديَّاً .

وعندما تذكرهُم الألسنةُ والشفاهُ ،

تلعنهم لعَناتٍ مرعبات يستحقّونها بالعدل والقسطاس .

وهكذا يا روح والدة داهش ،

سينكّل (العليّ) بمن اعتدى على ولدكِ ووحيدِك بالظلم والاعتداء والافتراء ،

وبأحطّ طريقةٍ من طُرق الخيانةِ والرياء .

وهكذا سيُفني الله من ساهمَ في هذه  الجريمةِ البغيضةِ التي عرفها الجمهور ،

ودوَّت أخبارها في أربعة أطراف المعمور .

وهكذا سيخزي الله مبغضي ولدكِ البريء ،

وسيجعلهم يرتدون العار لباساً شائناً لهم ،

ولذريّتهم مِن بَعدِهم …

ويزدردون الغِسلين شراباً شائكاً لهم .

وهكذا سيعصف الخالِقُ بهم عصفاً رهيباً ،

بعد أن يسلِّط عليهم غضبَهُ الإِلهيّ ،

فيُبيدهم ويُعفّي ذكرهُم الكريهَ من صفحة الوجود .

إنّ صدى الجريمةِ التي ارتكبها الطُغاةُ المجرمونَ

بحقِّ مؤسِّسِ الداهشيَّة

لَهْيَ وصمةُ عارٍ سوداء تلطِّخ تاريخهم المجرم ،

وتسجّلهُ عليهم بِمداد العارِ الذي لَن تزولَ آثارُه .

وهيهات أن تزول هيهات .

إنَّ للجريمة ثمناً .

ومَن يرتكب جرماً سيدفعهُ أَضعافاً مضاعفةً ,

مهما طالت الأيام والأزمان ،

ومهما ظنّ أَنهُ قد أَصبح في مَنجاة وأَمان .

إنَّ هذه الجريمةَ المزلزلة لن ينساها أيُّ داهشيّ .

وستُرضعُ الأمّهاتُ الداهشيَّاتُ أَخبارها للأطفال مع الحليب ،

لكي تغذّي الحقدَ في نفوسهم ،

وتؤجّج النيرانَ في أَرواحهم ،

وذلك ضدّ كلّ مَن ينتمي إلى العائلة المجرمة الغاشمة ،

التي ارتكبت هذه الجريمة التاريخيَّة الهائلة .

وإذا ظنَّ المجرمونَ الأغبياء ،

إنّ الداهشيين قد تناسَوا مع مرور الأعوام هولَ جريمتهم السافلة ،

ألا خسئت ظنونهم ،

وبئست تخيّلاتهم ،

ويئست أوهامُهم ، واضمحلَّت أحلامُهم …

إذن لنوقظْهم ، ولنُرجعْهم إلى صوابهم ، فنقول :

ليعلم هؤلاء الأشقياءُ التعساء أنّ النارَ ،

النارَ المتأجّجةَ المتوهّجة ،

النارَ الهائلَة ،

النارَ المبيدةَ التي ستندلعُ يوماً لتأكلهم أَكلاً عاصفاً ،

إنّ هذه النار الجهنميَّة الأوار ،

كامنةٌ بيقظةٍ تامَّة تحت الرَماد ،

وهي متشوّقة إلى الدقيقةِ التي سيُفَكُّ فيها عِقالها لتنطلِق كالمرَدةِ الظافرة ،

لتحتاطَ بهم إِحاطةَ السِوار بالمعصَم ،

ولتفتك بهم فتكاً ذريعاً لا يُبقي ولا يَذَر …

                                       ***

واسمعي ، يا أُمّ داهش ،

ماذا فعل الربُّ بالملِك (يربعام)،

وكيف كانت نهايةُ هذا الملكِ الشِّرير ،

ومَن يلوذُ بهِ من عائلتهِ الشرّيرةِ أيضاً ،

كما جاء في الأًصحاح الرابع عشر من سِفر الملوك الأول . وهذا هو :

” قال الربّ : لأنك ارتكبتَ الشرور ، ولم ترعو عن غيّكْ ،

لذلك ها أَنذا جالبٌ شرَّاً على بيت (يَربعام)،

وأقطعُ ليربعام كلَّ بائلٍ في حائط ، محجوزاً أم مُطْلقاً في اسرائيل .

وأنزعُ آخرَ بيت يَربعام كما يُنزع البعرُ حتى يفنى .

مَن مات ليربعام في المدينة تأكلهُ الكلاب ،

ومَن مات في الحقل تأكلهُ طيورُ السماء ،

لأن الربّ قد تكلّم “.

وهذه النهاية ستكونُ بإذن الله نهايةَ المجرمِ الطاغية ،

ونهاية عائلتهِ وشريكتهِ في الجريمة الخالدة .

ومَن اعتدى على داهش فسَيُعتَدى عليه عاجلاً أم آجلاً .

وإذا كان قد وُجدتْ كلاب تأكل جُثث عائلة يربعام المجرم ،

فإنّ الكلاب نفسَها ،

ستأنف مِن مسّ جُثّة المجرم المعتدي على داهش .

وكذلك ستأنف مِن مسِّ جثث عائلتِه ،

لأنهم لا يستحقُّون أن تمضغَ لحومَهُم القذِرة حتى الكلاب …

وجاءَ في الأصحاح الثامن والثلاثين من سِفر التكوين ،

وفي العدد السابعِ منهُ ما يلي :

” وكان (عِيْر) بِكرُ (يَهوذا) شرِّيراً في عين الربّ . فأماتهُ الربّ “.

إذنْ ، مثلما أمات الربُّ (عِيراً) هكذا ستكون نهاية (البعير) الشرّير ،

بل (الخِنزير) الحقير …ويا لحقارةِ هذهِ النهايةِ الوضيعة !

وإذا تساءَل الناس :

تُرى لماذا يُطيل الله أيامَ سيطرةِ هذا المخلوقِ التعِس ،

ما دام لا يرتكبُ إلاّ النقائصَ الفاضحة ،

ولا يغوصُ إلاّ في مستنقعات الشرور الطافحة ، والشهوات الجامحة !؟

قلتُ : إذا تساءَل الناسُ عن هذا السرّ أُجيبهم :

إنَّ سِفر (الجامعة) لسلَيمان الحكيم ،

يقول في أصحاحهِ السابع وعددهِ الخامس عشر :

” قد يكونُ شرِّيرٌ يطول في شرِّه ” وتمتدُّ أيّام حكمهِ ،

وما ذلك إلاَّ ليزيدَ الله عليه ضرَباتِهِ إذا لم يرتدع عن مكرِه .

                                     ***

فيا روحَ والدةِ داهش !..

إننا نعاهدكِ أمامَ السماء بأننا لا نزال على العهد ،

وسنقيم عليه ، ولن ننحرف عنهُ قيدَ أُنملَة ،

ومنِ انحرف عنهُ من الإِخوة ،

ليحذف الله اسمَهُ من سِفر (الخلود) جزاءً عادلاً .

كما أننا نعاهدك – ونحن فوق قبركِ –

بأننا سنبقى ثابتين في إيماننا ثبات الصخورِ الصَلْدة ،

راسخينَ في جهادنَا المقدَّس رسوخَ الجبالِ المشمخرَّة .

وسندأَبُ على شنّ هجومنا الصاعق

ضدَّ كلّ من ارتكبوا الجريمةَ بحقّ داهش ،

حتى تدقّ الساعةُ الفاصلة ،

وينصرنَا الله عليهم نصراً مُبيناً .

وإذْ ذاك سيكون الجزاءُ الرهيب بمقدار الجريمة المرعبة .

وحينذاك ستسمعين من عالمك

قضقضةَ عِظام رقاب الخوَنةِ المارقين ،

وهي تجلجل جلجلة الأبالسةِ في أروقة الجحيم .

وساعتذاك تطمئنُّ روحك الجبَّارة .

وكذلك تبتهج روح (ماجدا) الغالية شهيدة الوفاءِ الخالد ،

(ماجدا) التي بذلت روحَها فداءً عن مؤسّس عقيدتها الداهشيَّة ،

والتي أَصبحت ترتعُ في عالمها المضيء الخالد .

                                       ***

ألا حيَّا الله روحيكما المضيئتين ،

الخالدَتين في جنَّاتِ الخُلْد الدائمةِ المُتَع والبهجات ،

الفيّاضةِ بالسعادةِ السرمديَّة ، الزاخرةِ بالغبطة الأبديَّة ،

المشعَّة بالأنوار الإِلهيَّة إلى ما لا انتهاء .

                                      ***

وأَختم تحيَّتي قائلاً :

إذا ظنَّت الطغمة الشرّيرة ،

التي ارتكبت الجريمة المروّعة بحق مؤسّس الداهشيَّة ،

أنَّ قناتَنا قد لانت ، وعزيمتنا قد وهنت وهانت ،

بعدما عانت ما عانت ….

فإننا نجيبهم وبَسمةُ السخرية اللاذعة ،

وابتسامة الاحتقار العميق تعلوانِ وَجنَاتنا :

ألا فاعلموا أيُّها الوصوليُّون المرتكبون ،

أنَّ أيَّام حتوفكم أَصبحتْ أقرب إليكم من أُنوفكم …

وقريباً سيبطش عدلُنا بباطلكم بطشاً ذريعاً .

وسيكون سقوطكم عظيماً وسريعاً .

وبدورةِ القدَر دورتهُ ستسقطون ، فتنذهلون وتبهتون .

أمَّا أبناءُ الشعب فسيبتهجون وسيطربون .

 

                                                     داهش

                                             23 تشرين الثاني 1951

وَأخيراً أُسقِطَ الطاغيَة

وفي شهر أيلول من عام 1952 طرد الشعب الثائر بشارة الخوري من أريكة حكمه . وحطّموا له عرشه فلاذ بالفرار خوفاً من البطش به . وثورة الشعب الكاسحة كانت بسبب جرائم هذا الباغية المتواصلة واعتدائه على الدستور وتحطيمه لبنود القانون . وقد ملأ خزائنه بمال الشعب وامتصّ دماء الفقراء ، ونكّل بخصومه ، وكان لبنان بقرة حلوباً له ولأقربائه . وهكذا تمّت نبوءة داهش إذ ختم رثاءه لوالدته بنبوءة طرد بشارة الخوري من الحكم . وقد تحقق ذلك بالحرف الواحد .

 

                               وَأخيراً أُسقِطَ الطاغيَة

                               وطُرِدَ المرتكِبُ البَاغِيَة

هذه القُنبلةُ المدَمِّرة أُلقِيَتْ عَلَى ضَرِيْح زَنبَقَةِ الرسَالَة ، الشَّهيدة مَاجِدا حدَّاد ، حَيْثُ تثوي وَالِدَة مؤسِّس الداهشيَّة . وقد أُلقِيَتْ في 20 أيلول 1952 ، أي بَعدَ يَومين من طَردِ الشعبِ للمُجرمِ بشَارَة الخوري . (1945-1952).

يا روحَي أُمّي وماجدا العزيزتَين عليَّ !

هي بُشرى أزفُّها إلى روحيكما ،

فاسمعاها من عالَمكما الروحانيِّ الطاهر :

لقد طَردَ الشَّعبُ ذلك المرتكبَ الجاني شرَّ طردة ،

وأَهانَه شرَّ إهانة .

فهرول الضخمُ الجسم والصغيرُ العقل

يتعثَّر بأذيال الخَيبة ويرتطم بالذلِّ والمَهانة .

طرده بعدما استفحلَتْ شرورُه ، وعمَّ ارتكابُه ،

وشاعَ ظُلمه ، وعَظُم اختلاسُه .

طرده بعدما باع للشيطان روحَه ، وسلَّمه ضميره ، ووهبه وجدانه .

طرده عندما امتدَّت يدُه الملوَّثة إلى صندوق الأُمَّة

يغترفُ أَموالها ليُنفقها على ملذَّاته الآثمة .

طرده عندما تاجر بالنفوذ ، وحكَّم الأغبياء من آله في رِقاب اللبنانيِّين ،

يسومونهم الذلَّ ، ويسخِّرونهم لقضاء مآربهم الوضيعة .

طرده عندما أَفسد ضميرَ قدسِ أقداس العدالة

ممَّا لم يرتكب بعضَه حتّى نيرون طاغيةُ زمانه .

طرده عندما عرف أنَّه حمَّل زوجته

الملايين المسلوبة من الفقير والمسكين ،

فطارت بها وأودَعَتْها في مصارف أُوروبَّا ،

طرده عندما أصبحَت البلاد تعيش على شريعة الغاب ،

فالوحوش الأكثر ضراوةً هو الفائزُ في الميدان .

طرده عندما شاهده يزجُّ بالأَبرياء من خصومه في السجون ،

ويُطلق سراح أَعوانه المُعتَدين .

طرده عندما رآه يدوس على بنود الدستور الذي أَقسم أن يُحافظ عليه ،

فكان كاذباً لئيماً ، ومجرماً أَثيماً .

طرده عندما سخَّر القوانين لمصلحته ومصلحة ذويه

ممَّن تكدَّسَتْ في خزائنهم الأموالُ على ظهر الشعب الكادح

طرده عندما ضجَّت شياطين جهنَّم الحمراء نفسُها بابنه

وتهريبه للحشيش ومتاجرته به .

طرده عندما جعل لبنان “مزرعةً ” له ولآله ،

وبقرةً حلوباً تدرُّ عليهم الخير الوفير ، وَلْيمُت الشعب رغم أَنفه .

طرده عندما سوَّد سمعة البلاد إذْ شهَّرها تشهيراً مرعباً ،

وهبط بسمعتها إلى الدَّرك الأسفل ، لَعنه الله .

طرده عندما لم يتورَّعْ وهو حامي الدستور – يا لَلمهزلة –

من ارتكاب جريمة التزوير الدنيئة ليبقى متربِّعاً على عرشه ،

ناشراً لِسُموم إفكه ، موزِّعاً بين الأنام مَكْره ، وباسطاً عليهم شرَّه .

طرده عندما أصبحت البلاد لا تنام إلاَّ على أنباء الاغتيالات ،

يقوم بها الأَنصار في وَضَح النهار ،

ولا تستيقظ إلاَّ على هجوم عصابات المقرَّبين

على الذين لم يرضخوا لأَوامر هذا المعتدي على الحقِّ ،

والدائس على أَشلاء الفضيلة .

لقد أَصبح لبنان في عهد المجرم يئِنُّ أَنيْنَ المُحتضَرين

تحت ضغط هذا الكابوس العنيف المخيف .

وظنَّ الجميع أنَّ ليلهم الثقيل الفاحم الدجنَّات سيستمرُّ لأَعوام طويلة ،

فهلعتْ قلوبُهم ، واضطربتْ نفوسُهم ، وخارتْ عزائمُهم ،

وحارتْ أرواحُهم المتألِّمة من هذا الطاغية المرتكب …

وإذا بصوتٍ من عالمَ الغيب يُدوِّي في آذان الزمان وهو يقول :

” لقد دنَتْ ساعةُ المجرم ، ودُقَّتْ نواقيسُ نهايته ،

وحلَّتْ دقيقةُ خَلْعِه وطرده .”

فطرب الشعب ، وثارت حماسته ، وتأجَّجت حميَّته ، فثار ثورتَه العنيفة ، وقام قومةَ رجلٍ واحد مطالباً برأس المجرم المعتدي على حقوق الشعب قاطبة .

وذَهِل “الوصوليُّ” ، واصطكَّت فرائصُه رعباً وهولاً . وانقضَّت عليه أخبار الثورة الحاسمة انقضاضَ الصواعق ترشقها السماء رشقاً مزلزلاً .

وجحظت عيناه من هول الموقف ، وطلب النجاة بعدما شاهد أنَّ سفينتَه التي كان يقودها قد تحطَّمت بسبب سوء قيادته لها . ولم يعدْ بالإِمكان إنقاذُها ، فرضخَ ذليلاً وأَنفُه راغم . وتفجَّرت من عينيه دُموعُ الغيظ والقنوط الهائلَين لمصيره الأَسوَد الذي سَداه الذلُّ ، ولحمته العار ، هذان الأُقنومان اللذان لحقا به نتيجةً لتصرُّفاته المجرمة طوال أَيَّام حكمه البغيض .

وهكذا انتهى هذا العهد الملوَّث يا أُمَّاه ، ويا ماجداه !

انتهى على أشنعِ صُوَرِ الإذلال المُخجِل لمثل هذا الوصوليِّ المرتكب .

قاتله الله وقَتَله !

حالما تنفَّست البلاد الصُّعداء ، بعدما طُرِد سارق الجنسيَّات في ظلمات الليالي الحندسيَّة ، تذكَّرتُ ، يا ماجدا العزيزة ، يومَ تراءيتِ لي في الحُلم منذ عام ، وبشَّرتِني بسقوط هذا المجرم قريباً ، فتأَكَّد لي أنَّها كانت رؤيا حقيقيَّة ، وأنَّك زُرتِني بروحكِ حقاً ، وبشَّرتِني بما تمَّ الآن . فيا لعالَم الروح الذي لا تخفاه خافية !

إنَّ المجرمَ الأكبر سَرق جنسيَّتي في شهر أَيلول ، وفي شهر أيلول سُرِق سلطانُه ، وتحطَّم صولجانُه ، وكُشِف زُورُه وبهتانُه ، وتلَجْلَج فيه من الخوف لسانُه . فيا لَعدالَة السماء ما أعظمَها !

ويسقوط الباغية الطاغية انفضَّ عنه أَنصاره وأَتباعه ، وابتعد عن دائرته أَشياعه ، وفرَّ منه أَعوانه ، وهوى سلطانه … فإذا هو وحيدٌ فريد إلاَّ من أشباح الجرائم الهائلة التي ارتَكبها ، وهي تحومُ حواليه ، وتبعثُ الذعر في روحه الآثمة .

وساعتذاك عرف أَن جميع من كان يظنُّهم مخلصين له إنَّما كانوا عبيدَ مصالحهم المادِّيَّة ، وقد ربطتهم به أواصرُ الغايات الدنيويَّة دون سواها .

فتأَلَّمتْ روحه ، وناحتْ نفسه ، إذْ عَرَف أيَّ احترامٍ شخصيٍّ كانوا يُضمرونه له ، بدليلِ خذلانهم إيَّاه بعدما طرده الشعبُ ذلك الطردَ الموجِع الشنيع .

فيا أُمَّاه ، ويا ماجداه !

لقد تأكَّد بالبرهان أَنَّ الطاغية كان يستمدُّ قوَّته من منصبه . وعندما تحطَّم عرشُه ، وثُلَّ صولجانُه ، انفضَّ عنه أعوانُه ، فإذا به يندبُ جهله !

َأمَّا الداهشيُّون فإنّما يستمدُّون قوَّتهم العظمى من إيمانهم الجبَّار الذي يدكُّ الجبال دكّاً ؛

هذا الإيمانِ الوطيدِ الأركان الذي هزأَ ويهزأُ وسيهزأُ بكلِّ طاغيةٍ سفَّاك ، وباغيةٍ أفَّاك .

فالإيمانُ الصحيح هو الذي يثلُّ العروش ، ويحطِّمُ المناصب ، ويقوِّضُ أرائك الحكَّام ، ويلقِّن الطُغاة دروساً رهيبة على مدار الأيَّام والأعوام .

واعلمي ، يا أُمَّاه ، أنَّ السَّفينةَ الداهشيَّة الجبَّارة ستبقَى ماخرةً عُبابَ الأُوقيانوسات المهتاجة الثائرة ، تجتاز هُوجَ أَمواجها المُزمجِرة الغضوبة دون أن يعتريهَا أيُّ ضعفٍ أَو وَهَن ، وستُهاجم العواصف المحيطة بها من جميع نواحيها ، وستُذلِّل العقبات الكأْداء ، وستَسحق كلَّ من يعترضُ سيرَها الجبَّار ، حتَّى تنالَ ، بإذن الله ، كامل الانتصار .

أمَّا الطاغية المطرود سارقُ الجنسيَّات فإنَّني أُؤكِّد لكِ أنَّه سيُحاسَب من الداهشيَّة . وسيكون حسابُه عسيراً ، وسيكون انتقامنا مريراً . فمرتكبُ الإِثم لن ينجو من العقاب ، وطابخُ السمِّ آكلُه .

والآن ، أُودِّعكما ، أَيُّها الروحان الخالدان الراتعان في أَحضان الخلود ، هناك في جنَّات النعيم ذات المجد والبهاء الفائقَين .

                                                                 داهش

                                                         18 أيلول 1952

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتبها في اليوم الذي طَرد فيه الشعبُ المجرمَ السفَّاح بشارة الخوري الباغية ، فانزوى مُهاناً ذليلاً وقَبع في منزله بالكسليك كالجرذِ بالمرحاض .

إنَّ رُوحَكِ تُنَاجيني وَتهْديني

 

  الدّكتوُر دَاهِش

أُمَّـاه ،

خمسة أَعوام طواها العدم في أَحشائه ،

منذ الساعة التي خلعتِ فيها جسَدَكِ التُرابيَّ الفاني ،

وحَلَّقتِ بروحكِ الُمجاهِدَة في فردوس الأَرواح الخالد .

نعم خمسة أَعوامٍ توارى فيها وجهُكِ عنّي ،

ولكنَّ روحكِ قريبةٌ دائماً منّي .

واليوم تأتي ذكرى رحيلك الفُجائي

إلى العالم الذي كنتِ أبداً تحنّين إليه ،

وتتمنّينَ الولوجَ في ربوعه السعيدة .

في هذا اليوم نفسه أرفعُ إليكِ كلمتي

لأؤكِّدَ لكِ فيها

أنَّني مع إخواني المُجاهدين ،

سنُثابرُ على السير في الطريق التي خطَّتْها يدُ العناية ،

ورسمتْهَا القوَّةُ المُبدعة منذ فجر الخليقة ،

وقبل أن تكتحل أعيُننا بمشاهدة عالمنا الماديّ هذا .

إِنَّ الإيمان الراسخ الوطيد ،

يدفعُنا لأنْ نشقّ طريقنا العظيم العقبات ،

بجبروتٍ صارم ،

دونَ أنْ تلينَ لنا قناة أو نُصاب بأيَّ وَهَن .

وكلُّ من تلينُ له قناة ، أو يسقطُ على حافّة الطريق ،

ويتركُ محراثه من يَده المتأَرجحة الواهنة ،

إذاً فلتحلَّ عليه لعنةُ ربِّ الكائنات ،

وليضمحلَّ اسمهُ من سِفْر الوجود ،

وليكنْ فريسةً سهلة لأَعدائه ،

ومثاراً لهزئهم وسخريتهم ،

وليعبثوا بوجوده ما شاءَ لهم العبث ،

ثم ليبطشوا مُنكّلين به ،

ليجعلوه مُثْلَةً للأجيال الزاحفة ،

ودرساً رهيباً للذين أقسموا على أن يُجاهدوا حتى الرَّمق الأخير ،

ثم نكثوا ، فنكّل العليُّ بهم دنيويَّاً وأُخرويَّاً ،

والويلُ لهم يومذاك من يوم الحساب الهائل الرجفات .

أَمّا مرتكبُ الجريمة الهائلة :

ذلك الأَثيم المعوجُّ الطرق ،

السالك في شعاب الظلمات الدجوجيّة ،

فأنَّى له الخلاص ، وأنَّى له الهروبُ والاختباء ؟

ألا ثقي ، يا أُمَّاه ،

بأنَّ يوم الرجوع قد أَصبح قابَ قوسين أو أَدنى .

وعند ذاك ستُزلزلُ السماءُ زلازلها ،

وستقصفُ السماءُ برواعبها ،

وستنقضُّ الصواعقُ المُدَمِّرة على كلِّ من كانت له يدٌ سوداء ،

في الاعتداءِ على الأبرياء .

وسيُؤْخَذُ الُمجرم بجريمتِه ، ويدفع حسابها غالياً وغالياً جدّاً ،

لأنَّ منْ أَخَذَ بالسيف فبالسيف يُؤخَذ .

ومَنْ زَرَعَ زُؤَاناً فزُؤاناً يحصد .

أَمَّا حبَّة القمح ،

تلكَ الحبَّة التي دُفِنَتْ في الأرض ،

وظنَّ الغبيُّ الجاهل أَنّها قد ماتت ولن تقوم لها قائمة

لأنَّ الأرض قد ضمّتها في أحشائها ،

أقولُ : سيأتي يومٌ وهو قريب ،

وحينذاك ستبرزُ الحبَّةُ ، وإذا بها سنبلةٌ جميلة ،

وقد شمَخَتْ بأنفها نحو الشمس ،

تُرافقها مئاتٌ من حبّاتِ القمح التي تنبضُ بالحياة .

وعند ذاك يبتدئ عهدٌ جديد

يفوزُ به الحقُّ وينتصرُ على الباطل ،

وإنَّ ذلك اليوم ليس بالبعيد .

والسلامُ على روحكِ وروح ماجدا الشهيدة .

                                                          دَاهِش

                                                    23 تشرين الثاني 1954

!سَيُلاقوُن شرَّ الجَزَاء

 

                             من مُؤَسّس الداهِشيَّة إلى روْح وَالِدتِه

                                      في ذِكراها السَادسَة

                                      (1949- 1955)

أي أُمَّاهُ العزيزة !

ستّةُ أَعوامٍ طواها الزمانُ في غيهبهِ المجهول ،

منذُ رافقكِ ملاكُ الربّ في رحلتك الروحيَّة الأبديَّة .

فيا لحياةِ الإنسان التعيسةِ التي أُشبّهُها ببرقٍ سرعانَ ما وَمَضَ ومضى .

في تلك اللحظة المَهيبة تجلَّى لكِ رسولُ الخالقِ ،

وكان رفيقَ سفرتكِ إلى عوالمِ النجومِ البهيَّةِ الساطعةِ الأضواء ،

المُترعَة بالغِبطة والسعادة الفائقتي الوصف .

وعندما بلغتِ جنَّةَ أمانيكِ الروحيَّة ،

ونهلتِ من ينبوعِ الإِكسير الذي لا يُسمَحُ بهِ إلاَّ للمستحقّين من الأَبرار ،

عند ذاك اطّلعت على أسرار المعرفةِ الإِلهيّة ،

وعرفتِ أَسرارَ الولادة والموت ،

فالثواب والعِقاب .

في تلك اللحظة – لحظة معرفتك الروحيَّة –

تأكَّد لكِ كم هي حقيرةٌ ،

تلك الجيفةُ النَخِرة التي كنت تَحْيَيْنَ في ربوعها المُظْلِمَة ،

ثمَّ خَلَّفتِها غيرَ مأسوفٍ عليها ،

وعلى أمانيها التي هي سَرَابٌ قُلّب ، وبرقٌ خُلّب .

إنَّ هذه الجيفة الباليةَ يا أُمَّاه –

لا أزالُ أنا وإِخواني وأَخواتي من الداهشيينَ المُجاهدين –

نحيا في منحدراتها الوَعرةِ المسالك ،

نحاربُ في شعابِها المرعبة ذئابَ البشر ممَّن طلَّقوا الشرَف ،

وسرَّحوا الكرامة ، وداسوا على المُرُوءَة ،

ووطَّأوا بنعالهم القذرة رأسَ الفضيلةِ الناصعة الجبين ،

وفَكَّكوا أوصالَ الشهامة ،

وبعثروا أشلاءَ النَّبالة ،

ورقصوا بجنونٍ وهم يجرعون ابنةَ العناقيد ،

ظانّين أنَّهم بمحاربتهم للحقيقة ستُعقد لهم ألويةُ الانتصار .

وما دروا أنَّهم إِنَّما يقودون خطواتهم إلى شرّ الانكسار ،

ثمَّ إلقاءِ أَرواحهم الملوَّثة بين أشداقِ جهنّمَ النار ،

الأبديَّة الاستعار .

إنَّ هذه الفئةَ من البشرِ ممَّن طلَّقوا الشرَف ،

وباعوا الكرامةَ في سوقِ النخَاسَة ،

تعرفينهم جيّداً يا أُمَّاه ،

وأَعرفهم أنا وبقيَّةُ إِخواني وأَخواتي .

وسَيُلاقون شرّ الجزاءِ على ما ارتكبوهُ بحقّي وحقّ الداهشيين ،

لأنَّ الحقَّ الذي ندعو إليهِ هو منارةٌ ساطعةُ الأضواء

لا تستطيعُ أَنْ تتغلَّب عليها أَعْتَى الأَنواء .

فمن عالمي الحقير الفاني ،

أَضرعُ إلى الخالقِ عزَّ وجلَّ أَنْ يُهْديني سَواءَ السبيل ،

ويُسدِّدَ خطواتي نحو الحقّ الصريح الواضح ،

وأَن يقيني العثرات ،

وأن يصوغ من قلبي فولاذاً صَلْباً صَلْداً ،

لكي لا يَعْتَورَني أيُّ وَهَنٍ أو ضعفٍ ،

منْ أَجلِ أَنْ أُتمّمَ ما يجبُ عليَّ القيامُ بهِ ،

حسبما هو مقدَّرٌ عليَّ في لوحِ القَدرِ منذ الأزل .

وعندما تؤدَّى الرسالة على وجهها الأَتمّ والأَكمل ،

إذْ ذاكَ أَضرعُ إلى القوَّةِ الموجدة أَنْ تأمر بإعادتي إليها ،

فأهرَعُ إلى لقائِكِ بفرَحٍ عجيب ،

ومَرَحٍ غريب ،

وأَمكثُ في عالمِ البهجات الروحيّ إلى ما لا انتهاء .

وهناكَ اجتمعُ بماجدا المُفدَّاة قاطنة الأفلاك الهنيَّة !

 

                                                             دَاهِش

                                               الأربعاء ، 23 تشرين الثاني 1955

                                               1-9-14 داهشيّة

!سَيَعُود مُنتصِراً إلى لبْنانِهِ

 

                        إلى رُوح والدة دَاهِش في ذكراهَا السَّادِسَة

                                   (1949- 1955)

                                                                 شعر حليم دمُّوس

سيعودُ مُنتصِراً إلى لُبنانهِ                كالليثِ مُنطلقاً إلى أوطانهِ

سيعود (هادينا الحبيبُ) إلى الحمى       عَوْدَ الربيعِ الغَضّ في نيسانهِ

والعدلُ والوجدانُ من أنصارِهِ            والحقُّ والإيمانُ من أعوانهِ

والحُبُّ مِلْءُ فؤادهِ لبلادهِ                 والنورُ منسكبٌ على أَردانهِ

لا تجزعي يا أُمَّ داهِش واصبري              ففتَاكِ مشتاقٌ إلى إخوانهِ

ستٌّ من السنواتِ قد مرَّت على               ذِكراكِ بين حنينهِ وحنانهِ

وطويتِ أعواماً وأنتِ بعيدةٌ                   عنهُ وذاك القلبُ في خفقانهِ

قَسَماً بطهركِ ما ذكرتكِ مرَّةً                  إلِاَّ ذكَرتُ فتاكِ في إِيمانهِ

وذكرتُ دعوتَهُ وقوَّةَ روحِه                   وعظيمَ غَيرتِهِ على سلطانهِ

فغداً بعودتهِ سنشدو غِبطةً                     كالبلبلِ الشادي على أغصانهِ

فتمتَّعي بالخُلْد يا ذاتَ التُّقى                    فلكِ الخلودُ على مدى أزمانهِ

وتمتَّعي بجوار (ماجدا) إنِّها                   عاشتْ وماتتْ وَهْيَ طوعُ بنانهِ

واستشهدَتْ من أجلِه وتحمَّلتْ                 ظُلْمَ الطُغاةِ وحاربت بلسانهِ

هذا فتاكِ الفَذُّ فاستمعي لهُ                     بالرُّوحِ إِنَّ الرُّوحَ مِلْءُ جنانهِ

من أرضِ منفاهُ يحنُّ بلهفة                   لثرى ضريحٍ أَنتِ مِنْ سُكَّانهِ

أَسمِعْتِ خطبَتهُ البليغةَ فانصتي               لكلامهِ الغالي وسِحْر بيانهِ

مَنْ كانَ جبّاراً فسيفُ جهادهِ                  ماضٍ وطيفُ الهول في ميدانهِ

سيف الحقيقة سيفُهُ لا سيف مَنْ              يمشي إلى الهيجاءِ قبل أَوانهِ

سيكون صاعقةً على أعدائِه                  ومُحطِّماً منْ خانَ أهلَ زمانهِ

سيناصرُ المظلوم بعد رجوعهِ               ويؤدّبُ الطاغي على طُغيانهِ

ويشاركُ الجَذْلانَ في أفراحهِ                 ويشاركُ المحزونَ في أحزانهِ

فترنّمي يا أمَّ داهِش وافرحي                فالنصرُ مكتوبٌ ليوم رهانهِ

وتهلّلي ولكِ الهناءُ فداهشٌ                  سيعود منتصراً إلى لبنانهِ

 

                                                          حليم دمُّوس

                                                   23 تشرين الثاني 1955

العُمْر سَرَاب

 

إلى رُوح والدَتي في ذكراهَا السَّابعَة

           (1949-1956)

                                                          الدكتور دَاهِش

 

أي أُمَّـاه !

أنتِ أصبحتِ تنعمين الآن ،

في مدينة السلام الهاجعة بطمأنينةٍ لا نهائيّة ،

هناك حيث ترتعين في غياضها الخضر ،

وارباضها المزدهرة بورودِ الخُلد الفوَّاحةِ العبير .

أمَّا (عالمي) أنا فإنهُ يضجُّ بالصخب ،

ويعمرُ بالاضطراب ،

ويموج بالرزايا الزلزلة .

تمرُّ بنا الأيام ، وتتلوها الشهور ،

وتسيرُ في إِثرها الأعوام ،

وخيول رغباتنا الجامحة تُسابق الزمن ،

وتطير على أَجنحة الشوق الملحّ ،

لقنص لذَّةٍ حقيرةٍ عابرة يعقبها نَدَمٌ مرير ،

وجزاءٌ صارم تفرضهُ عينُ العدالة الساهرة .

ثمّ … ثمّ نعود لاجتراح المعاصي ذاتها ،

ونغرق في خضمّها حتى النواصي ،

غيرَ معتبرين بالقصاص الدنيويّ الأصغر .

وفجأةً ، وفجأةً ينقضُّ بازي الموت ،

ويقتصّ أرواحنَا ،

فإذا بنا بغتةً أمام العدالة الإلهيَّة وجهاً إلى وجه .

ويا لها من ساعةٍ هائلةٍ رهيبة حيثُ لا بدَّ أَنْ نُحاسبَ حساباً عسيراً ،

ولكنَّهُ عادلٌ العدالةَ كلَّها ،

وإذْ ذاك يبتدئ قصاصنا الروحيُّ الأكبر .

                                          ***

أُمَّـاه !

ما أُحيلى عالمكِ الجميل الخلاَّب .

وما أتعسَ (عالمي) عالَم السَراب ،

عالَم الوحول ، عالَم التراب !

ويومَ تدقُّ الساعة التي لا بدَّ منها ، ولا محيصَ عنها ،

ويومَ يهبطُ ملاكُ الربّ ليبلّغني أَنَّ ساعتي الأَخيرة قد دنت ،

ويومَ أَخلعُ رداءَ جسدي الماديّ القذِر عنّي مخلفاً إيّاهُ غيرَ مأسوفٍ عليه .

لحظتذاك أَبسط جناحَيَّ اللذينِ الحَّ بهما الشوق إلى لقياك ،

وأوغلُ في أوقيانوسات الفضاء اللانهائي ،

حتى أبلغ إلى مدينة الدعة والطمأنينة حيث تقيمين ،

مخلّفاً ورائي الأحزانَ المُترعة بالبؤس ،

والأسى المشبَع بالأشجان ،

لأحيا حياةً جديدة مُفعمةً بما لا يستطيع قلمٌ بشريّ

أن يصف سعادتها السماويّة الخالدة .

                                 ***

والآن أودّعُكِ وماجدا الضحيّة الخالدة الباقية ذكراها حيَّةً في قلبي ،

والقاطنة في شغاف روحي ،

حتى يردّني الخالقُ إليهِ .

وعند ذاك أحيا معَك حتى انقضاء الدهور .

                                                  دَاهِش

                               بعد ظهر الجمعة في 23 تشرين الثاني 1956

!يا أُمُّ داهِش اسْمَعي

                              

                          في الذكرى السَّابعَة لأُمّ دَاهِش

                                (1949- 1956)

                                                               حليم دمُّوس

يا أُمَّ داهِش اسمعي خواطري                  فأنتِ مِلْءُ خاطري وناظري

وأنتِ في الأفلاكِ تنظريننا                     بعينِ روحٍ وخيالٍ باهرِ

وتذكرينَ يومَ كُنتِ بينَنا                        وتسمعين الآنَ صوتَ الشاعرِ

وتبصرينَ أخواتٍ ههنا                        وإِخوةً من غائبٍ وحاضرِ

لكِ الهنا بجنَّةٍ عُلْويَّةٍ                         وأنتِ فيها كالملاكِ الطاهرِ

وحولكِ الأبرارُ في نعيمهمْ                   من حامدٍ مُسبّحٍ وشاكرِ

فاستقبلي عاطفة نبعثها                       إليك يا ذات النقاء الظاهر

واستقبلي أزاهراً ننثرُها                     كأَدمعٍ على ثراكِ العاطرِ

نامي هنيئاً ففتاكِ حاملٌ                      لنا قريباً أطيبَ البشائرِ

سيدحرُ البُطْلَ بسيفِ حقّهِ                   مؤدّباً كلَّ أثيمٍ غادرِ

غداً يعود ظافراً إلى الحمى                 فتنعمُ الدنيا (بهادٍ) ظافرِ

فاستبشري واغتبطي وبشّري               أَهلَ شعوب الأرضِ والعشائرِ

وهنّئي (مَجْدا) بمجدٍ خالدٍ                   يفوح منكما كوردٍ زاهرِ

جاورتما (فادي) الورى في جنَّةٍ             قُدْسيَّةٍ بعد جهادٍ نادرِ

سُقيتُما عفو السماءِ كالندى                  ورحمةُ الله كغيثٍ ماطرِ

جسماكما في أرضنا وإنما                 روحاكما في ظلّ ربٍّ قادرِ

 

                                                        حليم دمُّوس

                                                 بيروت ، 23 تشرين الثاني 1956

لقَد انتصَرَ الحقُّ أخيراً

 

                        مَرفوعَة إلى رُوحِ وَالِدَةَ الدّكتُور دَاهِش

                                                                إيليَّا حَجَّار

من عالَمِ الأرض الفاني أُقدِّمُ كلماتي هذه ،

أُقدِّمُها إليها حيث ترتع مطمئنّةً في جنّاتِ الخلود

سابحةً في موطنها الجديد ،

موطن السعادة الأَبديَّة ،

موطن الطهارة والنقاء ،

نعم موطنها هي في أَعالي السماء .

لقد مَضَت الأَيّام ،

وتراكضت الأَعوام ،

واضمحلَّت الأَجيال ،

وصمتت أصوات الماضي ،

وخفَتَ هديرُ الرياح المريع ،

ولم يبقَ سوى الذكرى ،

لكنَّ الذكرى حيَّة لا تضيع .

فلنرجعْ إليها ونُقَلِّبْ صفحاتها ،

صفحات الجريمة والبغض ،

صفحات الاعتداء الشنيع الذي وقع على الدكتور داهش،

هذا الاعتداء الذي سيبقى في نفوسنا

حتّى يُؤَدَّب المجرمون ويُلاقي كلٌّ منهم العقاب ،

ويا له من عقاب !

لكن ، الآن ، بعد أَنْ سقَطَ بشارة الخوري ،

وتدهور إلى الحضيض ،

وانتهى عهده عهدُ الفساد والإِجرام ،

فيا والدة الدكتور داهش ،

لتكن روحُكِ النقيَّة الطاهرة سعيدةً في نعيمها .

لقد انتصر الحقُّ ، أخيراً .

نعم ، لقد انطلقت روحُكِ من عالَمِ الأرض ،

من جرّاء العذاب المُبرِّح والتضحيات الجمَّة ،

لكنّكِ الآن سعيدة سعيدة

حيثُ أنتِ في فردوسِكِ الدائم .

فإلى اللقاء ،

إلى اللقاء .

                                                    إيليّا حجّار الداهشيّ

                                                في منزل الهادي الحبيب

                                                23 تشرين الثاني 1956

!رُوحُهَا نجمةٌ متألّقَة

 

             في الذكرى السَّابعة لِوَفاةِ وَالدَة مُؤَسّس الداهِشيَّة

                                                               زينَا حدّاد

بخشوع أتأمّل ،

أتأمّل فأذكر وجهاً عزيزاً نائماً ، وجهاً مغضَّناً ،

لكنَّه هادئ عذب رغم سنواتٍ من معاناة الآلام .

هناك عند القبر ،

تراودني الذكريات ، ذكرياتُ عملها الدّائب ،

وإبائها وشرفها وتواضعها ،

ووداعتها وخصوصاً حبها الكبير لله .

كل هذه الصفات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا القلب الكريم .

إِنَّ حبّ الله كان المنارة المُضاءَة أمام ناظريها .

كان دربها الوحيد في غمار هذه الحياة .

لقد اجتازت بتؤدة وثقة كلَّ الصعاب المتلاحقة ،

حتى بلغت هدفها السامي الأخير ،

واحتقرت كلَّ شؤون هذه الدنيا ،

لتقدِّس الله وتعبده فتتوجه إليه بالصلاة والعبادة ،

مندمجةً بالكتاب المقدَّس وحدة لا تنفصم .

نعم لقد انطلقَتْ من هذه الأرض ،

بعد سلسلة من النوازل التي أصابتها فحطَّمتها ،

وبقيت حتى الرمق الأَخير ،

تناضل وتتحمَّل بجدارة وصفاء مسؤولياتها في الحياة ،

رغم الآلام الُمحيقة . لكنَّها عدالة السماء الأكيدة ،

سوف تصبّ انتقامها وتُنْـزل صواعقها ،

على أولئك الذين اضطهدوا وهاجموا أحبّاءَها .

إنَّ روحَها تشبه النار التي لا تنطفئ ،

تلك النار التي يرى الإنسان فيها شعلة حبِّ الإِله المُبدعِ ،

تلك الشعلة حتى الموت لم يقوَ على إطفائها .

أرى تلك النار المتأججة تتراقص على أكفِّ النسيم ،

وعلى صداحِ أجراس الملائكة ،

لتصبح كوكب سموٍّ وإشعاع ثم تتحوّل إلى نجمة متألّقة .

                                        ***

يا صاحبة الجمال الخارق .

من يستطيع نشدان تلك الغبطة ، إن لم تكن والدة النبي ؟

فطوباك بمجدك الخالد .

وها أنذا الآن أمام طيفك الأرضيّ .

أسكبُ دموع الفرح لأنني أعلم مصيرك .

                                                     كتَبَتْها بالفرنسيّة

                                                       زينَا حدّاد

                                                 23 تشرين الثاني 1956

إلى وَالدَتي ومَاجدَا

                            

                   طوَالَ أيَّـام حُكم بشَارَة ، كنتُ في لبنان

                مَرثيّة لمؤَسِّس الداهشيَّة بَعدَ إِعَادَة الجنسيَّة لَه

                                                                الدكتُور دَاهِش

الكلمة التي ألقاها مؤسِّس الداهشيَّة على ضريح اليمامة الذبيحة الشهيدة (ماجدا حدّاد). فور ظهوره بعد احتجابه ثلاثة عشر عاماً كان فيها بمنزل الرسالة الداهِشيَّة ، وبشارة الخوري وحكومته يَظُنَّان أنَّهما قد نفياه ، بينما كان ينشر كتبه السوداء في طول البلاد وعرضها ، ذاكراً فيها فضائح وقبائح المجرم سارق الجنسيَّات . 

 

يا روحَ أُمّي العزيزة ، ويا ماجدا الوفيَّة ،

حيَّاكُما الله ، ومَتَّعكما بجنَّاته الإِلهيَّة .

ها إني أُخاطبكما من بيروت يا أُمَّاه ، ويا ماجداه !

أَرثيكما والأَلَمُ العظيم المُدَمّى يحتلُّ فؤادي المهشَّم .

وما ذلك إلاَّ لأنَّ المؤمن الثاني الأَخ البارّ حليم دمُّوس

قد انطلقَ إلى ربوعكما الفتَّانة

وإنّي مؤمنٌ كلَّ الإِيمان بأنَّ روحه ، الآن ، حاضرة هنا معنا .

فسلامٌ على روحكَ ، يا أَخي الحبيب حليم .

سلامٌ على إخلاصكَ النادر في عالمنا المُشَبَّع بالشرور الهائلة .

سلامٌ على جهادِكَ العظيم الذي كوفئتَ عليه بالعدل والحقّ .

فإنَّ الله وهبَكَ نعيمه ،

فأصبحتَ ترتعُ فيه والبَهَجات النقيَّة تغمرُ روحكَ .

فهنيئاً لكَ هذه الجنّات الخالدة التي كسبتَها بجهادكَ الروحيّ العظيم .

ويا طاهرَ القلب ، ويا نقيَّ الوجدان ، ويا عفَّ اللسان ،

أيُّها الحبيب الراحل إلى عوالم النجوم النيّرة السعيدة ،

سنلتقي بكَ قريباً ، هناك ،

هناكَ في تلك الجِنان الساحرة .

نعم ، لقد ظهرتُ بعد أَن انتصر الحقُّ ،

فحُطِّمَ الباطلُ تحطيماً عظيماً .

عدتُ … وهل يستطيع الظلمُ الشنيع

إلاَّ أنْ ينكفئ بذُلٍّ مُريع ؟

ظهرتُ لأنَّ حقّي واضح وضوح الشمس

وهي تُذَهّب البطاحَ الشاسعة .

وهكذا انكفأ المعتدي بمَسكَنَة ، وهو متسربلٌ بعاره الأَبديّ .

وهكذا بُطِشَ بالظلم ، فتحطّم نيرُه ،

وتقوَّضَتْ أَركانه ، وتزلزلَ بُنيانُه .

فذُعِرَ باضطرابٍ وهَلَع من أَمامه .

وهكذا تبعثرت صفوفُه ، وانكفأتْ صفْوته ،

وتفرَّق أَنصارُه ، وتمزَّق أَعوانُه .

إِنَّ يَدَ الله القويَّة ، يده الُمزَلْزِلَة العادلة ، لهي بالمرصاد ،

تُراقبُ كلَّ مَنْ طَغى وبَغى – بالظُّلمِ – على العباد .

إِنَّ الله جلَّتْ قدرتُه يُمْهل ، ولكنَّه لا يُهْمل .

والآن ، أنا أَذكرُكِ يا ماجدا ،

يا من تجرَّعت كأس الآلام الرهيبة .

أَذكرُكِ يا شهيدة الداهشيَّة الأولى ،

وأذكر فداءَكِ العجيب .

أَذكرُكِ يا أيَّتها الزنبقة الأَرجة العَبَق ،

ما انبثق فجرٌ وزحَفَتْ دُجُنّاتُ ليل .

وسأَذكرُكِ أبداً أيَّتها النجمةُ المتألّقة

في حنايا روحي المضطربة لبعدكِ عنّي .

وسأَندبُ أفولكِ السريع قبلَ الأوان ،

يا أطهرَ الغيد الحسان !

وسأقفُ قلمي المرتعش على رثائك ،

أستوحيه من عُصارة قلبي الحزين .

وسأنثرُ بواسطته دمعي المدرار على الطروس ،

مثلما تُنثرُ الورودُ والزنابق الفوّاحة العطر

على قبركِ الحبيب ،

نادبةً زهرةَ الحُبّ الثاوية في مضجعها الأَخير حتى الأَبد .

 

                                                         دَاهِش

                                                 27 كانون الثاني 1958

أَيّتهَا المَجْهولة

                       

  زينَا حَدّاد

 في اليوم الذي فيه لبسْنَا سواد الحِدَاد عليك .

وبينما كان النعش يلجَ منزله الأخير ،

كانت روحك المُعْتَقة من قيودها تدخل فردوس النعيم .

سعيد ذلك الفردوس الذي استقبل ضيفاً سامياً :

والدة نبيٍّ عاشت في عالمنا التاعس .

إنَّ السماءَ مجهولة لدينا ، وهنيئاً لمن يستطيع ولوجها ،

وليبتهج من يقدر على العيش فيها .

أَيُّها الفردوس المجهول ، كم تبدو نائياً عني ،

وكم هم قلَّة أولئك الذين يستطيعون بلوغك !

لكنَّ ثمّة امرأة ، عانت من شقاء العالم ، تحيا فيك الآن .

أَيُّها العالَم المجهول ، ذو الأسرار الإِلهيَّة العديدة .

إنَّ ذلك اليوم أَضفى فخراً عليك إذْ شرَّعتَ أبوابك لنجمة سنيّة ،

تُضيء فردوسك بأضوائها الوهّاجة.

أَيَّتها القدّيسة المجهولة في أَرضنا ،  

والمباركة في عالمٍ مجهولٍ بعيدَ المنال ،

أنتِ شمسٌ ساطعة ، فلماذا نبكي فُقْدَانك ،

بينما تحتفي السماء بميلادِ بلوغك إيَّاها ؟

وها أنَّني أَضمُّ صوتي إلى أصواتِ فردوسك البهيّ ،

فنبتهج بولادة كوكبٍ هو أنتِ .

 

                                                        كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                          زينا حدّاد

                                                       23 تشرين الثاني 1957

إلى زَنبَقَةِ الفِرْدَوس

 

 زينَا حَدّاد

عامٌ آخر يمضي ، فنستعيد ذكرى رحلتكِ الأخيرة .

وما العام الذاهب إلاّ كصفحةٍ نطويها في كتاب .

سراعاً تتراكم السنون ، ولكنني ما زلت أُشاهد وجهَكِ ،

فكأَنَّ اليوم ما زال هو الأمس .

إِنَّه وجهٌ نبيل ، أنوف .

وعيناكِ الزاخرتان بالحياة يحتدم فيهما الذكاء ومعرفةُ الله .

وكنتِ ، أبداً ، متهيّئة ، لتتلي علينا غيباً أيّ مقطع من الكتاب المقدَّس .

لقد كانت يداً آثمة ، تلك التي قصَّرتْ أَيَّامَكِ واختطفتكِ فجأة .

كنتِ كسيرة القلب ، إذْ غيَّبكِ الحزنُ على ابنكِ الحبيب .

الذي اعتدى عليه الطُغاة كما لم يعتدوا على أحد .

قلبُك الأموميّ لا يمكنهُ أنْ يكون غير مبالٍ إزاءَ عذابه .

ولكنَّ الله الذي وضعتِ فيه أمَلَكِ كلَّه ،

لن يكون بمنأى عن المأساة ،

لأنَّ عدالته هي الحاكمة .

ومن سمائكِ ستنظرين العقاب القاسي الذي ينتظر المجرمين .

وستشهدين ، أيضاً ، الغد المجيد الذي ينتظر ابنكِ .

وسيكون العزاءُ عظيماً ،

يغمر الشخصيّة السامية المُتجلّية في الدكتور دَاهِش .

سعيدةٌ أَيَّامُكِ في الفراديس .

إنني أُشاهدكِ ، كما في حلم ،

محلّقةً من فردوسٍ إلى آخر ،

تحيين في غبطةٍ أزليّة ،

والعصافير تُكلّلُكِ بأجنحتها المصطفقة الفَرحة ،

والأَزهار المنثورة تنبسطُ أَديماً تحت قدميكِ ،

والأرواح القاطنة في تلك العوالم ،

تُحبُّ وتُمجّدُ المرأة العظيمة التي هي أمُّ النبيّ .

أَنظري ، من البعيد ، رسالة ابنك تُزهر ،

كأنَّها زنبقةٌ تتفتَّح ، وتُعطّرُ العالَم بأَريجها الخالد ،

لأَنَّها دعوةٌ إلى الله

المنسيّ في هذا القرن العشرين الشّرير ،

دعوةٌ إلى العدالة ، إلى الطيبة ، إلى وصايا الله .

وفي هذه الأرض ، قبل أَنْ ترتفعي إلى عالمكِ ،

كنتِ تُحبّين الله ومبادئه ،

وعشتِ في سبيلهِ .

علِّمينَا أَنْ نُسبِّحَ الخالق كما تُسبّحينه أنتِ الآن ،

وسيشترك معك الأطهار بترانيمهم الرائعة ،

والملائكة بموسيقاهم وأنغامهم .

فطوبى ، طوبى لكِ هذا المصير الذي كان مُعَدّاً لكِ .

ولنتهلَّل بالفرح الذي سيغمرك بقرب سيّدنا الحبيب .

                23 تشرين الثاني 1958                            

كتَبَتْها بالفرنسيّة  زينَا حَدّاد

مَا غَادَرْتِ هذِهِ الغَبْراء

 

                                   إِلاَّ ليخلّدَكِ التَّـاريخ !

                                                                 إيليَّا حَجّار

إلى والدة مُؤَسّس الداهشيَّة التي رحلتْ عن هذه الأرض الشقيَّة لعشر سنوات خَلَتْ ، أَرفعُ هذه الكلمة الوجيزة راجياً أَنْ تصلها ، حيثُ هي الآن ، في عالَمِ البهاء والنقاء والمحبّة والهناء .

 

أعوامٌ عشرة تتصرَّم من حبل الدهر فكأنها قطرة من بحرٍ خضمّ !

أعوامٌ عشرة كنا قبلها ننعم بأحاديثكِ الشيّقة ، ولقياك الحبيبة إلى أفئدتنا .

فأمسينا بعدها وكأننا في ديجور قاتم وظلام جاثم .

تدغدغنا الذكريات وتراودنا الأحلام .

أعوام عشرة مضت فتبدّلت حال الكون ،

وتحرَّرَتْ شعوب ، وحَدَثتْ إنْقلابَات ،

وتوفي الألوف المؤلَّفة من البرايا ،

لكنْ ، رغم كلّ ذلك بقي طيفُكِ الحبيب مائلاً أمامنا .

فإنَّكِ ما غادرت هذه الغبراء إلاّ ليخلّدَك التاريخ .

ألا يا والدتنا الرؤوم وشقيقتنا الكبرى ،

نحن ، الآن ، نرثي أنفسنا فوق هذا الضريح ،

ولا نرثيك ،

فيا لغبطتك في جِنان الخُلد الدائمة السناء ،

ويا لتعاستنا في كَوْنٍ يسوده الشقاء . وإذ نجتمع هنا اليوم ،

فلنعلمَك أَنَّنا مُتضافرون في ولائنا لابنك الحبيب المفدَّى ،

مُتآخون في الإِيمان ، مُتَّحدون في العقيدة ،

نفدي هادينا بالدماءِ ونذود عنه بصدورنا .

فقد عاد إلى الميدان مسترجعاً حقوقه المُغْتَصَبة ،

بعد أَنْ داسَ بقدمه رأس المجرم الأثيم ، والصلّ اللئيم ،

القابع في منزله كالجرذ الحقير ،

في دوّامةٍ من الخوف والقلق ،

بعد أَنْ فَشِلَتْ مؤامراته الدنيئة على نجلكِ البريء .

ألا أَيَّتها المُصطفاة من بين النساء ،

نحنُ اليوم نقف في هذا المكان حيارى ،

فنأيُك عنّا خَلَّفَ دموعاً في أعيننا غزيرة ،

وحرقَات في نفوسنا جمّة ،

وغَصّات في أفئدتنا كثيرة ،

وندباً على ألسنتنا وبكاء ،

ونحيباً بلا عزاء ،

فنحن الذين أُصِبْنا بالنكبة الصمَّاء ،

وعلينا انْقضَّت شدائد الدهر بكلكلها المُخيف .

فسلامٌ عليكِ ، ونداءٌ نرسله إليكِ ،

ونفثة من روحكِ الطاهر نستجديها من لدنكِ .

اللَّهم كنْ بعونَنا فأنتَ رَائدَنا ، وأنتَ مَرامَنا ،

وأنتَ ناصرَنا على أعدائنا الأَنذال .

 

                                                     إيليا حَجّار

                                                23 تشرين الثاني 1959

مَاتَتْ حُزناً على وَلدَها الحَبيبْ

  زينَا حدّاد     

 

 زينَا حَدّاد

 لنذكر اليوم ماضياً يعود إلى عشرِ سنواتٍ خَلَتْ ، يوماً شبيهاً بهذا .

إِنَّ وجهَكِ الذي غضّنته الكآبة ،

وقلبَكِ العارم بالأحزان على ابنكِ الحبيب ،

قد ناما إلى الأبد ها هنا .

إنَّ القلبَ المملوء بالمرارةِ قد استيقظ بعيداً .

هنالكَ في عالَمٍ رائعٍ حيثُ لا وجود للخطيئة والجريمة .

                                  ***

كنتِ تمقتين الجريمة ،

فكيفَ بالُمجرمين الذين تسبَّبوا في المصاب الذي ألمَّ بكِ !

لكنْ لا بُدَّ لله من أنْ ينتقم للمظلومين .

وسَتُشاهدين من أَبعادِ فردوسَكِ يداً إلهيَّة ،

تنقضُّ كالصاعقة على المُجرمين فتحيلهم إلى عدم .

                                  ***

نعم ، إنّ الاعتداءَ على ابنكِ الحبيب ،

ذلك الاعتداء الذي كان سبب وفاتك المبكّرة ،

سوف يتمُّ الانتقام له لأنَّ العدالة هي قانون الله الأَزليّ .

كلُّ مجرم سوف يُعاقب لقاء جريمته ،

ودماءُ ضحيَّته ستُلاحقه حتى العالَمِ الآخر .

هنالك من سمائك سوف تتعزَّين بعمل الله ،

وها إن الحاضر والمستقبل يُنشدان ، مُكْرَهَيْن أو طائعين ،

عظمةَ ابنكِ المقدَّس إلى الأَبد .   

 

         كَتَبتْها بالفرنسيّة .زينا حدّاد ، 23 تشرين الثاني 1959

سَلام

 

زينَا حدَّاد

  سلامٌ على روحٍ غادرت عالَم الموت إلى حيث الحياة الخالدة .

سلامٌ على روحٍ تحرَّرَتْ من أرضِنَا الكئيبة محلِّقةً في السموات العليا .

سلامٌ على روحٍ آثرَتْ العوالم العلويّة على قسوةِ التراب .

إنَّ الأبديّة تحضنها بشمُوسها السنيَّة ، تلك الدراري العجيبة .

وأشعَّة كواكبها تُهَدْهدها بأبهى أَنوارها .

أَيَّتها الرُّوح النشوى بالغبطةِ الإِلهيّة .

لماذا أَبكي ذكراك ؟ فأنا أُؤمن بوجودك في قممِ العوالم الفتّانة ،

وأشعر بنظراتك تخترق روحي .

وعند ذاك أُحيّي روحاً تغمرها الحياة والبهجة ،

لا روحاً تكتنفها ذكريات الموت .

فيُرَدِّد فؤادي على الدوام : سلامٌ ، سلامٌ ، سلام

على تلك الحياة السماويَّة التي أنقذتْ روحاً تعيسة .

سلامٌ ، سلامٌ ، وطوباك أيَّتها الحبيبة الغالية .

                                                             كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                               زينَا حدّاد

                                                          23 تشرين الثاني 1961

ذكْرى وَالِدَة النَّبيّ الحَبيب الهَادي

 

 زينَا حدّاد

يا رمادها المُتَطاير ،

إِنَّ ريح الخريف ،

ريح تشرين الباردة ، حملَتْكَ إلى غير رجوع .

ها قد ماتت الأوراق ،

وانتحبت الأشجار المعرَّاة .

إنَّ رمادها قد تناثر .

 

انتحبي ، انتحبي ،

إنَّها انطلقت إلى غير رجوع .

اليوم هاكم أصداء البكاء تعود .

 

وتنبجس الدموع على الرماد .

لقد مرّت السنون .

وها ذكرى الأيام الماضية ،

تتمتم بسكون أفكارها ،

تتأوّه وتبكي على الرماد المتطاير كالبخور .

المتسامي إلى الله .

                                                  كَتَبتْها بالفرنسيّة زينَا حدّاد

                                                   23 تشرين الثاني 1962

مَاتَتْ تحْتَ رَايَةِ النّجْمَةِ الدَّاهِشيَّة

 

                        في ذكرى انتقال والدة الهادي الحبيب

                                                                      ماري حَدّاد

في مثل هذا الصباح ،

وفَدَت الزنابقُ حُزَمَاً طويلة الساق متراصَّة .

بعضُ الطيب يتفاوح من براعمها الورديَّة ،

التي تتفتّح على بياضٍ نقيّ ،

مُصعِّدة شذاها مصحوباً بنسمةٍ من السعادة .

لقد وفَدَتْ بعد سَفَرٍ طويل ،

منبثقة من الأرض انبثاقَ حوريّات رائعة ،

باسطةً محاسنها في أبدع تكاوينها .

أتت تُحيّي ذكرى أعظم امرأة عرفها هذا العالم .

أتت الزنابق شهداءَ طوعيّين ….

تقدمةً مقدَّسة .

فإنَّها ستنتثر على القبر المقدَّس ،

الذي يُخبئ ، هناك تحت غابة الصنوبر ، الوديعة الأعزّ .

إنَّها ستنتثر ،

وتحمل الريح شذاها ونفسها نحو التي تثوي ،

هنالك في الأعالي ، في فردوس الله ،

بين الزنابق الخالدة ،

بين جميع الزهور في جنّة الملائكة .

هنالك ، في الأَعالي ، تُقيم في ظلّ الأرز العَطِر .

وهنا على الأرض ، جميع العصافير ، على الأغصان ،

تحتفل بحياة التضحية التي عاشتها ،

إنَّها تُنشد رفعة قلبها السامي وجماله ونقاءَه .

وسُحابةَ حياتها الأرضيَّة ، كانت السماءُ تُرافق خُطاها ،

ومعجزاتُ الابن الإِلهيّ ،

ما كانت لتُدهش هذه الأمّ العظيمة المتواضعة ،

التي كانت تُعايِشُ السماء والملائكة .

طوبى لها ! على أذرع الملائكة ماتت ،

وعلى ذراعَي ابن حبيبٍ غمرها بعطفه ،

وتحت راية النجمة الداهشيَّة .

فسلام على نفسها السامية ! سلام على مجدها الخالد .

ولتكن مباركة إلى الأبد !

                                                        كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                          ماري حَدّاد

                                                    23 تشرين الثاني 1962

منذ 14 عَاماً تواريتِ

                           

زينَا حَدّاد

ها إنّ السنوات تسارعت منذ غيابك .

واليوم هوذا الخريف الرابع عشر يبكي على ضريحك المقدَّس .

هي ذي الأشجار تخلع أوراقها ،

ذارفةً دموعها على ماضيِكِ بيننا ،

وها هي الريح تنتحب .

نحن كلنا هنا ،

أصدقاؤك يتذكَّرونَ شخصاً حبيباً تلاشى في أبعادِ السماء .

أين أنتِ ؟ أيَّتها الرُّوح العزيزة إلى قلوبنا .

أين أنتَ ؟ يا زنبقة السماء الطاهرة .

كنتِ في هذا العالَم راية الله ولسان حاله ،

تتمتم شفتاك اسمه المقدَّس .

ها قد حملَتْكِ غيمةٌ بيضاء ساطعة ،

رفعَتْكِ من عالَمِ الأرض إلى السَّماوات العُليا ،

هنالك حيث صرتِ نجمة مقدّسة تسجد لموجدها .

هكذا عندما غادرتنا للقيام برحلتك الطويلة أصبحنا أيتاما .

لا نبكي اليوم والدة النبي الحبيب ، بل نبكي والدتنا .

نعم قد كنت أمَّنا الروحيّة إذْ هديت نفوسنا سواء السبيل ،

والآن ها قد أصبحتِ كوكباً سماويَّاً .

اسطعي ، اسطعي في الأمسيات الصافية النيِّرة .

وها إني أستطيع القول ، إذْ أَرى لمعان النجوم ،

إنّك بينها ، وإنَّكِ تنتمي لله .

                                                        كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                          زينَا حَدّاد

                                                      23 تشرين الثاني 1963

نرثيكِ بقلوبٍ مُلتاعَة

 

 زينَا حَدّاد  

 الأشجارُ تعرَّتْ من أوراقها ،

والسماءُ أربدَّ أديمُها ،

والطبيعة الحزينة تذرفُ دموعها !

لكنْ هنالك ، وراءَ السحب الكثيفة ،

تلتمع النجوم وتتلألأ ملء الفرح ،

لأنَّها تنتمي إلى سماءٍ إلهيّة قصيّة .

أيَّتها الدراريّ ، يا أبناءَ الله ،

لقد استقرَّ في أحدكم كائنٌ عزيز ،

نفسٌ حبيبةٌ إلينا ،

قلبٌ تقيٌّ عزيز على قلوبنا ،

قدّيسةٌ دائمةُ المثول في أَذهاننا .

ها أنذا أبعث ذكراكِ ،

أُفكّر بالآلام التي قاسيتها ،

تلك الآلام التي أصبحت كسُلَّمٍ ترقاها روحُكِ بعناء درجةً درجة ،

لتبلغ عالَم الغبطة الإِلهيَّة .

تلك الآلام المُمِضَّة نفسها ،

كانت مركبة رحيلك إلى مواطن الأسرار المقدّسة .

 أيَّتها المُباركة بين النساء ،

إنَّ عالمنا يجهلكِ ،

أمَّا عالمُكِ فيعرفُ قَدْركِ .

وها إنَّ أناشيده تُمجّدكِ بين الأرواح المقدَّسة ،

لأنَّكِ وَلدْتِ نبيّاً .

لنبعث ، اليوم ، ذكرى هذا الماضي المجيد .

ومع أنَّك بعيدةٌ جداً عنّا ،

فأنتِ ما زلت حاضرة معنا ،

لأنَّ ابنكِ على الدوام ، بيننا .

 

                                                 كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                  زينَا حَدّاد

                                             23 تشرين الثاني 1964

الأَرز يَحْتَفي بخُلُود ذِكراكِ

 

 ماري حَدّاد

لقد اخترتُ الأزهار لتعبّر عن جلالة الذكرى ،

إنَّ الوردة ، إذا تفتّحت بتلاتها وزَهَتْ ألوانها ،

وفاضت بعطورٍ إِلهيّة ،

هي نشيد ثناء لجمال روحك وطهرها .

والزنبقة مليكة الإِباء والشمم ،

تكتب بعبقها نبل نفسك ،

تلك النفس التي لم تفهم معنى الخضوع ،

واتّجهت دائماً نحو دروب القِمم .

إنَّ البنفسجة تنحني أمام التواضع الغاسل روحك الراقية السامية .

إنَّ زهرة البانسي إذْ تنتفض عذوبة ،

وتقبّلها ألفُ قطرة ندى ،

تعدِّد ذكريات وجودك بيننا ،

وتعود بنا إلى الأيام التي أمضيناها معاً ،

أياماً تفتقر إلى السعادة ، ولكنْ يملأها العزم والأمل .

لكنَّ أزهار الدنيا جمعاء لا تكفي لتستطيع التغنِّي بعظمةِ روحك ،

وإنشاد فيض حكمتكِ ،

أو طيبتكِ ، أو محبَّتكِ التي لا تنضب ،

أو تجرّدكِ الدائم .

إنَّك خضتِ الحياة بعزمِ إرادتك الجبَّارة ،

وحطّمتِ جميع قوى الشر

التي ألقت بشفراتها السنينة تحت خطواتك ،

ثمَّ تحرَّرْت من تلك القيود الماديَّة ،

وارتقيتِ إلى أسمى العوالم الروحيَّة دونما كبول تقيدك .

وها إنَّ كلّ أزهار الأرض قد كونت أكليلاً لك ،

أكليلاً من الحبّ يتوّج جبينك الأبيّ بهالة نصر خالد .

وها إنَّ الأرز يضمِّخ الفضاء ببخور المجد ليحتفي بخلود ذكراك ،

يا مَنْ كنتِ في عالَم الأرض اختنا الحبيبة .

 

                                                                كَتَبتْها بالفرنسيَّة

                                                            ماري حَدّاد الداهشيَّة

                                                            23 تشرين الثاني 1964

قَارُورَة الشّمْس

 

إلى رُوح وَالِدَة نبيّنا الحَبيب الهَادي (الأُمّ شمُوني )

في ذكرى انطلاَقِها عن هَذهِ الفَانيَة إلى الدّيَار العُلويَّة

                                                                 مُوسى المَعْلُوف الداهِشيّ

يَا أمُّ والدُّنيا سَرَابْ                   ذكراكِ أَزكى مَا يُذابْ !

فيضُ الهداية أَحرفٌ                 سُكِبَتْ ضياءً في كِتابْ

فقرأْتِهَا رؤيا تنمَّتْ                   للعليِّ مَدَى اغترابْ

تحيا العيونُ دَجيَّةً                    إِنْ لـمْ يَحُلَّ بها شِهَابْ

مَنْ أَنتِ يَا قارورةً                   هَلَّتْ كشمسٍ في الغياب ؟!

إِنّا على النَّزْعِ الأَخيرِ                لأَرضنا نبكي الشَّبَابْ

رُدِّي لنَا آمالَنا                        فعلى يديكِ ستُسْتَجَابْ

في يَقْظةٍ عُلويَّةٍ :                    أَنَّا إلى الهادي انتسابْ

مِنْ أَمسنا وعدُ النبيِّ                 لَنا خلاصاً وانجذَابْ

فقلوبُنا للداهِشيَّة                      أَذرُعٌ فوقَ العُبَابْ

رُبَّانَها كمَّ الرّياحَ                     السُّودَ في صدرِ التّرابْ !

رُوحُ الأَبالسةِ “البشَاريُّ”              الذي في النّار طَابْ

لعنتْه كلُّ الأَنبياءِ                      فنسْلُهُ الطّاعونُ غابْ

يَا شرَّهُ !  أَحفادُهُ                    في الغَابِ آكلة الضِّبَابْ

بغَتِ الضِّباعُ بعهدِهِ                  وطغت بلبنَانَ الذِّئَابْ …

يَا أُمُّ ، يَا جِسرَ الّذي                 شَرَّعتِهِ لله بَابْ !!

للنعمةِ الفِردوسِ نَصبُو               أَعيناً شَامَتْ ثَوابْ

فتنَاثَري كالدِّيمة                      الريَّا عَلَى دُنيا السَّرابْ

إِنَّ النفوسَ إذا تَسَامَتْ                أَشرَقَتْ فيها الرِّغابْ

جئنا مَعَ الأَنسَامِ                      باسمِ الحقِّ نَسْأَلُكِ الجَوَابْ …

 

                                                   موسى المعلوف الداهشيّ

                                                   23 تشرين الثاني 1964

روحي تنَاجيكِ

 

 مَاري حَدّاد

أُختاه ،

أيَّتُها القريبة القريبة ، البعيدة البعيدة !

منزلُنا الذي فيه نُقيم كان منزلَكِ ،

أمضيتِ فيه سنواتٍ عديدة ملأى بالمشاقّ والهموم المضنية ،

بالأتراح الراجحة على الأفراح .

لقد تقدَّمتِ بخُطىً ثابتة ، وطيدة ، في طريق الحياة .

وكنتِ لنا جميعاً مثالاً للفضائل كلّها ،

وحصناً منيعاً لا تقوى على هدمه أو زعزعته

شياطينُ الدركات ، ولو اجتمَعَتْ .

فالعزمُ ، والحكمةُ ، والتواضعُ ، والطيبةُ كانت تحتلُّ روحَكِ ،

والطهارةُ كانت تُنيرها .

كنتِ آلهةً هبطَتْ من العوالم العلويّة ،

وكان البهاءُ والنبلُ يضفيان هالةً من ضياء

على جبهتك المكلَّلة بغارِ الانتصار .

رحلتِ كثمرةٍ عجيبة انفصلَتْ عن شجرتها بعد أن اكتمل كيانُها ،

رحلتِ وعلى شفتيكِ بسمةُ السرور والرضى .

تلك كانت ساعتكِ المُثْلى ، إذْ فيها تحقَّقت أمانيكِ كلُّها .

نحنُ نبكيكِ في الوقت الذي استقبلتكِ فيه السماءُ بفرح .

فأيّامُ محنتكِ الأرضيَّة قد طُوِيَتْ .

رحلتِ … ولكنَّك باقيةٌ أَبداً في ذكرياتنا اليوميَّة ،

وفي محبّتنا العظيمة .

فالسلامُ عليكِ ،

أيَّتها الأُختُ البعيدة عنّا .

سلامٌ أَرفعهُ إلى عالمكِ الخالد .

سلامٌ إلى مجدكِ السرمدي .

سلامٌ إلى أُمّ النبيّ الحبيب الفائقة السعادة .

مباركةٌ أنتِ بين النساء .

 

                                                كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                 مَاري حَدّاد

                                          بيروت ، 23 تشرين الثاني 1965

أنتِ سرٌّ في خَاطري

 

 زينَا حَدّاد

تشرين ، ها إنّ البساتين ترتدي الحداد ،

فترمي عن كواهلها الأَزهار والأوراق اليابسة ،

وهي ذي الرياح تلفح التلال بكآبة .

إنّ قلبي في تلك الساعات الحالكة السواد ،

يشبه تلك المناظر الحزينة .

إنني أُفكّر بالأرواح التي فارقتنا ،

وبالنجوم القصيّة التي تحجبها الغيوم إذْ تسكبُ دموعها بسخاء .

لقد مرَّت الأيَّام الحلوة لكنّها سوف تعود بمسرَّاتها فتُزهر من جديد .

لكنْ أَنتم أيُّها الأصدقاء الأوفياء لن تعودوا إلينا .

إنَّ ستاراً كثيفاً قد فرَّقنا .

ها إنَّني أُحاول أنْ أتذكَّر وجوهكم ، أقوالكم ،

أقطفها بالذكرى … وكأنني أقطف زهور ربيع مرح .

أجمع الذكريات ،

أضعها في روحي وقد خدَّرتني تذكارات الماضي .

إِي يا أمّ النبيّ الحبيبة ،

إنَّ أفكاري اليوم تتّجه إليكِ فطالما تعذَّبت ها هنا .

إنَّ أرضنا الملعونة لم تخفّف من إشقائك ،

لكنَّ السماء شرَّعت أبوابها لك ،

ورفعتك إلى حيث الجمال والنور .

لقد أصبحت شمساً نيِّرة في عالمٍ يسخو بتقديره إيَّاك .

فتألَّقي ، تألَّقي ، يا ذات البهاء .

أضيئي أرواحنا بأشعتكِ السحريَّة .

وأذكرينا حيث أنت ، في ذياك النجم السعيد الذي فيه تقطنين .

 

                                                كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                  زينا حَدّاد

                                           23 تشرين الثاني 1965

مبَارَكةٌ أَنتِ بَين النِّسَاء

 

 زينَا حَدّاد

مباركةٌ أنتِ بين جميع النساء .

أيَّتها المُباركة ، لم تشفع بكِ الحياة .

فقد أشقَتْك وكنتِ فيها فقيرة يجهلها الجميع ،

وعذّبتكِ حتى النفس الأَخير .

لم تدرك الحياة فيك معاني السموّ في حاضرك وماضيك ،

وعظمة حَمْلكِ المقدَّس .

إنَّ الجميع تجاهل حضورك الإِلهيّ في هذا العالَم .

نعم حضورك الإِلهيّ ، لأنَّك والدة نبيّ .

ها قد رحلت عنَّا ، في يومٍ شبيهٍ بهذا ،

فبكتكِ الطبيعة ،

لكنَّ السماء احتفت بك في غمرة من الأفراح ،

إذ أنك مخلَّدة فيها ،

ومليكة عليها ، تاجها الغبطة السماويّة .

سلامٌ أيُّها العالَم السعيد ،

سلامٌ يا سماء الأنقياء ،

سلامٌ أيَّتها الرُّوح ، يا أمُّ النبيّ الإلهيّة ،

وأنت أيَّتها النجوم المتوهّجة ،

اسكبي أنوارك ، اسكبي عطورك ،

اسكبي بخورك السماويّ

على تلك الجوهرة السماويّة

الدائمة البريق في أرواحنا حتى الأَبد .

                                                  كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                     زينَا حدّاد

                                                 23 تشرين الثاني 1966

إلى رُوحِ والدَتي في عَالَم الخُلُود

 

 الدّكتُور داهِش

 

في مثل هذا اليوم منذ أربعة وعشرين عاماً ،

انتقلت والدتي من عالم المادَّة الفاني

إلى عالَم الرُّوح الخالد .

في مثل هذا اليوم ، وفي فجر 23 تشرين الثاني 1949،

غادرت والدتي عالَم التَّعاسة والشَّقاء ،

وحلَّقتْ نحو مدينة الطمأْنينة والبهاء .

انطَلَقتْ وفي قلبها حسرةٌ عميقة لظُلم ابنها البريء ،

وعدم استطاعته الظهور ،

لأنَّ ذئاب الغدر ، ووحوش الظلم العاتي

يترقَّبون ظهوره لينقضُّوا عليه .

انطَلَقتْ والأَلمُ يشيعُ في حنايا نفسها القلقة ،

والاضطرابُ على وحيدها يسري في أعمق أعماقها .

لقد جرَّد بشارة الخوري نجلها من جنسيَّته اللبنانيَّة ،

وشرَّدهُ دون ذنبٍ جناه أو جرمٍ قد أَتاه .

وذلك لأنَّ عديله السيّد جورج حدّاد وعائلته قد اعتنقوا الدّاهِشيَّة ،

وآمنوا بها إِيماناً عميقاً .

وزوجةُ السيّد حدّاد هي الأديبة والفنَّانة ماري حدَّاد ،

وماري حدَّاد هي شقيقة لور زوجة بشارة الخوري .

لهذا سلَّطَ بشارة وزوجته نقمتهما على داهش ،

وصبُّوا الويلات الرهيبة عليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .

ولكنّ العقيدة هيهات أَنْ تلين أمام غطرسة الوصوليين وجرائمهم ،

إِذْ ما لانت عزيمة السيّد حدّاد وزوجته النبيلة ،

بَلْ قاوموا ، مع الداهشيين ، هذه الطغمة المجرمة الأثيمة ،

وراحت الكتبُ السوداء تُطبَع بالأُلوف .

فاستيقظ سكان بيروت ،

وإِذا بالشوارع مفروشة بالكُتُب السوداء الرهيبة ،

وقد كُتِبَ على الصفحة الأولى في كلٍّ منها :

بقلم ماري حدَّاد الداهِشيَّة .

وفي هذه الكُتُب السوداء شرحٌ وافٍ لهذه الجريمة النكراء .

فعرفَ الجميع أنّ داهشاً بريء .

وأمَّا الُمجرم فهو سواه ،

وذلك الُمجرم ، قد عَرفه الجميع ، ولَعنه الجميع ،

ولاكتْ اسمه الجماهير بسخريّةٍ وعنف .

وزُجَّت ماري حدّاد ، شقيقة رئيسة الجمهوريّة ، في السجن عاماً كاملاً ،

فضلاً عن إِدخالها إلى العصفوريَّة ،

إذْ ظنَّ الأثمة الطُّغاة أنَّهم بوضعِهَا في مستشفى المجاذيب ،

يَدَعُون الجمهور يظنُّ أنَّها مُصابةٌ بلوثةٍ عقليَّة .

ولكنَّ هذه الحيلة الدنيَّة لم تنطوِ على أحد ،

إِذْ عرفَ الجميع ، ممَّا طالعوه في الكتب السَوداء ، الحقيقة الناصعة .

ومنذُ تلكَ الدّقيقة ، سجَّل التاريخ اسم بشارة الخوري في صفحاته

على أنَّه مرتكبُ هذه الجريمة الهائلة .

وستبقى هذه الجريمة لطخة عارٍ تُسوِّدُ صحيفة هذا المرتكب الأثيم ،

ما دامت الأَرضُ أَرضاً والسَّماءُ سماءً .

والشعب كان يَظُنُّ أنَّ داهشاً قد انتقل إلى عالم الخلود ،

بينما كان داهش يعيش في منزل السيّد جورج حدّاد الداهشيّ

طوال عهد الشيخ بشارة البغيض .

وأخيراً طَرَدَ الشعبُ الوصوليَّ المرتكب ،

وقَذَفَهُ عن كرسيّ حُكمه إلى غير ما رجعة ،

وشمَتَ به الأصحابُ والأحبابُ قبل الغرباء ،

وأَصبح اسمُه لطخة عارٍ وشنار .

وخَلَفَهُ كميل شمعون على كرسيّ الحكم .

وأَولُ مرسومٍ أصدره في عهده ،

هو مرسوم إِعادة جنسيّة داهش المظلوم .

وهكذا انتصر الحقُّ وذلَّ الباطل ، إنَّ الباطل كان ذلولاً .

                                  ***

في مثل هذا اليوم بتاريخ 23 نوفمبر 1949، أَيقظتني شقيقتي أنتوانيت ،

وإذا بي أَجد والدتي وقد أصبحَتْ جسداً دون روح .

لقد كانت أيام والدتي شقاءً وكدّاً وعناء .

لقد تَعِبَتْ في حياتها الأرضيَّة ،

إذ كانت وحيدةً عندما توفّي والدي الذي لا أَذكُرُ ملامحه ،

لأَنني كنتُ طفلاً يافعاً .

فاضطُرَّتْ لتُعيلنا أَنْ تشتغل أشغالاً شاقَّة ،

وكان الكتابُ المقدَّس لا يُفارقها ،

فهي لا تُطالع سواه ولا ترضى عنه بديلاً .

وقد حَفِظَتْ منه آيات عديدة من العهدين : القديم والجديد .

لقد خلَّفتْ وراءَها الهموم وحلَّقت إلى ما وراء الغيوم .

فإليكِ ،

إلى روحكِ التي باتت تُعاينُ الجنَّة الخالدة ،

وتتمتَّع فيها بأَروع ما أَوجده الله

في هذه الجنَّة الوارفة الظلال .

إلى روحكِ الشفَّافة التي تركت عالم الشقاء ،

وأصبحَت في عالَم البقاء ،

أَرفع كلمتي بعد مرور خمسة وعشرين عاماً طواها الدهر الأزلي ،

راجياً أن يجمعني الله بك قريباً .

وإلى ساعة الملتقى

أُودِّعُك يا من أَودُّ أنْ أَلقاكِ قريباً بإِذن الله تعالى .

 

                                                    دَاهِش

                                      باريس ، الساعة السادسة والنصف

                                       من صباح 23 تشرين الثاني 1973

خلَّفْتِ رَجُلاً أرَادَتْه العِنَاية

 

                                     ليبدِّلَ وَجْهَ العالَم

                في الذكرى السابعَة وَالعشرين لوَفاةِ والِدَة مُؤَسِّس الداهشيَّة

                                                                   زينَا حدّاد

والدةٌ يجهلها الجميع في عالمنا ،

لكنها امرأةٌ وفَدَتْ إِلينا تتوّجُها هالةٌ من القدسيَّة .

إن صفاتها العظيمة المخبوءَة : التواضع ، البساطة ، الصلاة ، مخافة الله ،

كلّها كانت جزءاً لا يتجزَّأُ منها .

تعلَّمَتْ الكتاب المقدّس أَثناء طفولتها ،

وما فتئت تطالعه وتعيد قراءَته حتى تنـزَّل في قلبها كأنَّه نُقِشَ فيه .

أيَّّتها السيّدة ، لقد أحببتِ الشرف ، فجعلته ملءَ جبينك .

ها يداكِ المدمَّاتان ، أَجهدتهما الأيام القاسية ومتاعب السنين .

ها أنك أَنشأتِ أطفالك

بمعونة الكتاب المقدّس الذي أصبح خدينك الدائم .

نعم برأس يرفعه الإِباء قمتِ بكلِّ الأَعمال بلا خجلٍ أو حياء .

وفي قلبِ هذه العائلة التي أنجبتها وُلِدَ طفلٌ ، طفلٌ عادَ ليتجسَّد ثانيةً ،

إنَّه نفسه الذي طالما تغنّيتِ بمجده أثناء مطالعاتك .

لقد رفضتِ التعرُّف إلى شخصيّته الإِلهيَّة أَثناء حياتك ،

لأنَّ تواضعكِ جعلكِ ترفضين هذا المجد المنبثق من قلب عائلتك .

لكنَّ القداسة انبجست من أحشائك أيتها المختارة من بين النساء .

يا والدة النَّبي ،

لقد تُوفّيتِ ، وقد تهشم قلبك من جرّاء النكبات .

مخلِّفةً رجلاً سيبني بمعتقده مجد القرن العشرين ،

رجلاً أرادته العنايةُ ليبدّل وجه العالَم ،

وليمجّد الله جلَّ جلالُه ، وليغرسَ في الأرضِ عدالة الله .

هكذا يا والدتنا شمونة لعبتِ دورك في هذه الحياة ،

الدور الذي كان خاصّتكِ منذ الولادة ،

أن تحملي نبيَّاً على ذراعيك ،

نبيّاً ، أي رايةً من رايات الله ، وشعاراً مقدَّساً من لدنه .

أيَّتها المرأة ، إنّ الصعاب التي اعترضتك لم توقف مجرى الحياة لديك .

فقد بقيتِ ثابتةً كالصخر ، إلى اليوم الذي أرهقك فيه الجهد والعمل .

وقد أدّيتِ واجبك حتى الثانية الأخيرة ،

ثمَّ انطلقتِ إلى الربوع الإلهيّة التي منها أتيتِ ،

وذلك بتاريخ الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني 1949.

وها قد مرَّت ستة وعشرون من الأعوام ، مرَّت سِراعاً .

وها إني أرى كأنّما في البارحة ،

عينيك السوداوين الثاقبتين تطالعان الكتاب المقدس دونما كلال ،

وأنت تعيشين في ظلّ ابنك الذي يشبه أنوار الشمس السنيَّة .

نعم هو الكوكب الآتي من الشرق ليضيء عالمنا .

والآن من عالمك القصيّ حيث يعيش الجمال ، وتحيا الغبطة والعدالة ،

تستطيعين رؤية ابنك يتوّجه المجد الإِلهي .

أيَّتها المقدَّسة بين النساء تستطيعين أَنْ تفخري بأُمومتكِ للنَّبي .

أَنشدينا من عالمك ، نشيد الغبطة ،

لأنَّ كوكبك دفق علينا أشعّةً من الأنوار الخالدة .

                                                                كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                                  زينَا حدّاد

                                                              23 تشرين الثاني 1976

الكِتَابُ المقدَّسُ عَزاؤهَا

 

في ذكرى وَالِدَة النَّبيّ الحَبيب الهَادي

زينَا حدّاد

امرأة بسيطة ،

وجهها غضَّنه الشقاء والتعب .

صعبة كانت حياتها .

عزاؤها الوحيد كان الكتاب المقدَّس .

أَناملها الرشيقة تقلّب تلك السطور المقدَّسة عن ظهر قلب .

إِيمانها لا يتزعزع .

وهي دوماً سائرة في الطريق القويم .

ها قد غادَرَتْنا في أحد الأيام .

حلَّقت بأجنحتها بعيداً ،

بعد أنْ اندمجت بكتابها الحبيب ،

كتابها الذي رافقها في التحليق ،

ها قد تركت مرارة الأَرض ،

لتبلغ نجوم السماء القصيّة ،

وفي قلبها شعلة لا يخمد لها أوار ،

هي محبّة الله .

تركَتْنا في أحد الأيّام ،

إلى حيث المجهول الكبير ،

حاملةً معها قطافاً من زهر ،

اختارته أثناء عبورها هذا العالَم ،

لتهديه إلى خالق الأنام .

لقد حلَّقَتْ بأجنحتها في الفضاء الكبير ،

نحو الأفق الخفيّ ،

فسكبت غيمةٌ صامتةٌ الدموعَ على ضريحها .

أيَّتها المرأة المباركة ، المجهولة ها هنا ،

لقد كنتِ مِثَالاً للفضيلة ،

كنتِ شبيهةً بزهرة المرغريت التي تحتجب تحت أعشاب الحقول ،

بتواضعٍ وبساطةٍ فيزداد جمالها .

                                                           كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                              زينَا حدّاد

                                                        21 كانون الأول 1977

أَيَّامُهَا الحَزينَة

 

                       أَمْسَتْ دُهُورَ سَعادَةٍ أَبَديَّة

            في ذكرى الست شمُوني وَالِدَة النَّبيّ الحَبيب الهَادي

                                                              زينَا حدّاد

في ليلةٍ حالكةٍ انطَلقَتْ روحٌ تحلّق ،

إنَّها روحٌ مقدَّسة ،

روحٌ في صلاة خاشعة ،

صوتها ذو نبرة جميلة إلهيّة .

وفي تحليقها الأخير كانت ما تزال تنشد للخالق ،

في تلك الليلة السوداء ،

تلك الليلة الشبيهة بأخواتها ،

غادرتنا امرأة مجهولة إلى أقاصي الأفق ،

إلى حيث النجوم السامية .

هنالك ، توهَّجت الشموس بالسعادة عندما شاهدتها ،

وأضاءَت الفراديس بلايين من أنوار الابتهاج ،

لاستقبال الروح العائدة إلى الله .

إنَّها عودة الوالدة شموني إلى باريها ،

امرأة باركتها السماوات ،

زنبقية الوجه ، رائعته ،

امرأة مختارة بين كلّ النساء

لتكون والدة النَّبي الحَبيب .

وجه غضَّنه جهد السنين ،

يدان دائبتان على العمل مشقّقتان ،

ذاك كان رمز الحياة الشقيّة التي قاست منها هذه الامرأة ،

عذاباً وفاقاً للأعوام التي قضتها في ربوع دنيانا .

إنَّ حياتها كانت صلاة دائمة ،

وهكذا غادَرَتنا بعد أنْ أَعطتنا أمثولة للقداسة الحقيقيّة ،

هي أمّ ، أمّ نبيّ ،

مشعلٌ أرسله الله ،

كالشمس يُسلِّط أشعته الدافئة في عالَم الأرض .

أمّ سكبت دموعها على ابنها إذْ ضحّى به الطُّغاة والمجرمون ،

هذه كانت أعظم امرأة مرّت عبر الأجيال ،

فعاشت تحتجب بالبساطة ويجهلها الجميع .

وها قد غادَرَتْنا إلى فردوسِهَا ،

حيث استقبلتها دموعها وقد استحالت إلى لآلٍ زاهرة ،

وصلواتُها وقد أصبحت غمائم بخور ،

وأيَّامُها الحزينة وقد أمست دهورَ سعادة أبديّة .

أيَّتها الأمُّ السماويَّة !

إنَّ أصداء صلواتك المقدَّسة تُردّدها السماوات ،

ولا أستطيع اليوم ، لأستعيدَ ذكراك ،

سوى إِرسال تحية إعجاب لامرأة مباركة بين النساء .

عساك تقبلين تحيتي واحترامي الدائمين .

 

                                                     كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                               زينَا حدّاد ، 23 تشرين الثاني 1978

موسى ! مَن أَنْتَ ؟

 

                     في ذكرى وَفاة وَالِد مُؤَسِّس الداهِشيَّة ،

             وقد انطلَقَ إلى العالَمِ العُلويّ في 25 كانون الأول 1920

                                                                    زينَا حدّاد

أبٌ ؟ نعم ، أنت أبٌ مجهول ،

على كوكبٍ قضيت فيه فترةً قصيرة من الزمن .

لقد رحلتَ عن أرضنا شابّاً بعد تنفيذك لوصايا الله .

وعندما حلَّقت بروحك ،

معتلياً القمم السماويّة الباهرة بشموسها المتعدِّدة الأَلوان ،

كُنتَ تجهلُ أنَّ ابنك هو رسولُ الخالق المبارك .

وإِنَّك الآن ، من عليائك ،

تتحقَّق هويَّة قداسة ابنك مفتخراً بهذه الأُبوّة .

 

موسى ! مَنْ أنتَ ؟

ما سبب كونك “أبا المخلِّص”؟

إنِّي لَعلى يقينٍ أنَّك تنتمي إلى هذا الكتاب المقدَّس الذي حفظتُه ،

وأنَّ اسمك مرتبطٌ به ، فأنتَ جزء منه ،

أنتَ واحد من القدّيسين الذين نذروا أنفسهم لله ،

وقد حُفِظَ لكَ عرشك في إحدى السماوات العُلى ، إلى الأبد ،

ومن هنالك تلقي نظرة عطف على ابنكَ الحبيب .

الكواكب المتألّقة تتوّج رأسك ،

والمختارون يرتّلون لكَ أناشيد الربّ .

اليوم نعرفُ قَدْر هذا الرجل القدِّيس ،

إنَّه كنـزٌ نفيس يتجاوز كلّ ثمن …

إنَّه ينبوعُ إِكسيرٍ يروي العطشى .

                                                كَتَبتْها بالفرنسيّة

                                                   زينَا حدّاد

                              الساعة الواحدة من بعد ظهر 24 كانون الأول 1978

المصطَفَاةُ مِنْ بَين نِساءِ العَالمين

 

  الدّكتُور فَريد أبو سُلَيمَان

غادرت الأمُّ شموني ، والدةُ النبيّ الحَبيب الهَادي ،

أرضنا الشقيّة وانطلقت نحو العوالم البهيّة ذات السعادة السرمديّة .

تركَتْ هذا العالم مُخَلِّفةً وراءها تاريخاً من المشقّات ،

التي تحمّلَتْها دون أن يعتريها وَهن .

تميَّزت بحياتها عن نساء العالمين جميعاً ،

فمذ كانت طفلةً صغيرة في مدرسة موسى والد النبيّ الحبيب ،

وحتى يومها الأخير ،

لم تتعلّق ببهارج الحياة ولم يخدعها زخرفُها .

كان همُّها الوحيد قراءة الكتاب المقدَّس .

فكانت تطالعه بنَهَمٍ وتُردِّد أقوال السيد المسيح وحِكَمه .

فأُعجِبَ بها موسى من بين جميع تلميذات مدرسته ،

وسرعان ما مال قلبه إليها فتفاهم معها لكي تكون شريكة حياته .

لقد اختارتها العزَّة الإِلهيّة ،

ورفعتها فوق نساء العالمين لتكون والدةَ النبيّ الحبيب الهادي ،

ممَّا يؤكِّد لنا أنَّها كانت أَطهر امرأة على وجه الأرض .

كانت تعمل بلا كلال ولا ملل .

تحمَّلت مشقَّات الحياة ،

وشربت كأس مرارتها حتى الثمالة .

جاهدت جهاد الأبطال ،

وكافحت كفاح الجبابرة ،

وكابدت ما لم تتحمَّله امرأة في العالَم قاطبة .

حين اندلعت الحرب الكونيّة الأولى ،

اقْتيدَ زوجها إلى المعسكر تاركاً لها خمسة أولاد ،

دون أيِّ قدرٍ من المال يذكر .

فلكي تعيلهم ، كانت تقوم بأعمالٍ يعجز عنها الرجال الأشداء ،

حتى أنَّ جيرانها في حيّ المصيطبة في بيروت ،

أطلقوا عليها لقب “الشريفة”.

مات زوجها وهي في ريعان الشباب ،

فلم تؤثر فيها مغريات الدنيا ،

وجاهدت الجهاد الأكبر في سبيل تربية أولادها .

رافقتُها منذ عام 1942 حين اعتنقت الرسالة الداهشيّة ،

حتى يوم انطلاقها من هذا العالَم الفاني .

كانت تعمل من الفجر حتى أواخر الليل ،

وحينما لم يكن لديها عمل ما ،

كان الكتاب المقدَّس شغلها الشاغل .

منذ شنّ الطاغية بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ،

حملته التعسفيَّة على ابنها وأَتباعه حتى ساعة رحيلها ،

لاقت وعانت من الآلام والعذاب الشيء الكثير ،

مما يفوق ما قاسته مريم العذراء ،

في أثناءِ مُحاكمة السيّد المسيح وصلبه .

وها هي الأم شموني الآن ،

تجني ثمرة أَتعابها ومقاساتها في الفراديس السماويّة ،

حيث السرور والغبطة السرمديّة والسعادة اللانهائيّة .

فهنيئاً لكِ يا والدة نبيّنا الحبيب ،

ويا أمّنا السماويّة في عالمك المضيء الخالد في الأنوار السحريّة ،

وارتعي في جنّاته الخالدة ذات المُتَع الأبديّة .

 

                                                         الدكتور فريد أبو سليمان

                                                        20 كانون الثاني 1979

إلى أُنْشُودَةِ الطّهْرُ "السيّدَة شمُوني"

 

 نجْوى بَراكس الداهِشيّة

النقاءُ طبعُكِ ، والصفاءُ سجيّتُك ، والتقوى جِبِلَّتُكِ

يا خيرَ نساءِ العالمين ، يا أُمَّ السيَّالِ السابعِ

نَهَلْتِ من الكُتُبِ المقدَّسةِ وعَلَلْتِ من مغزاها

ما إنْ ثمُلْتِ حتّى استعْليتِ ذُرَى مراتِع

كُنتِ غِرِّيدةً بالتقوى ، بالصلاة ، بالصومِ ، بالإِيمانِ

فأضحيتِ أنشودةَ طُهرٍ خالِدَةً في المسامعِ

أَبَوْتِ ابنك الهادي وأَمَمْتِه فتقمَّصت الوالدَيْن

تضاعف نشاطُك ، وتدَفَّق منكِ العطاءُ تدَفُّقَ المنابعِ

بسطتِ جناحيك العَطوفين عليه فضمَمتهِ

وأشبعتِه من حنَانِكِ ، وسقيتهِ سخيْنَ المدامعِ

عانَيْتِ اضطهاده ، فافترشتِ الجهادَ وتوسَّدْتِ الجَهْدَ

حتّى أَيقظكِ انتقالكِ يقظة المعرفة الروحيَّة في فَلَكِ النور الواسِعِ

حَيّي من عالمك شُعَاعَ سيّالٍ أضأتِهِ

فتوهّجَ بالنبّوة وتلألأَ بالمعجزة وتأَلّقَ بالرمز الشافعِ

 

                                         نجوى براكس الداهشيّة

                                   الساعة 11 من ليل شباط 1979

المَليكةُ المُمَجَّدة

 

غازي براكس

 

                                 -1-

هادرٌ سادرٌ نهرُ حَسْرتي ، وأَسِيٌّ شقيٌّ كَناريُّ فؤَادي ،

لأَنَّني لم أَحْظَ بتَملّي وجهكِ النورانيّ ، يا أُمَّ الحبيب الهادي ،

ولم أَذَّخِرْ من سموِّ خُلُقِكِ وحكمتِكِ ، لغدي ، خير زادي .

فهَلا تُغَلْغِلُ شمسُكِ بعضَ نوركِ في كلماتي ومِدادي ،

ليقوى على التغنّي بمجدكِ الروحيّ فمي العَييُّ ووضيعُ إِنشادي

وتنبعثَ الحياةُ في جَمادي وتستعرَ النارُ في رمادي .

 

                                 -2-

تُرى ، أَيُشرق عليَّ وجهُكِ الوضّاءُ من فراديسكِ السماويَّة ،

فيُفتِّتُ قشرةَ الطين المَهين التي تُغَشّي عيني الترابيَّة ،

فأُبصركِ على حقيقتك السَنيّة البهيَّة الإِلهيّة :

مليكةً مغبوطةً ممجَّدَةً على عرش الأَبديَّة ،

تخشعُ أَمامكِ السُّدُمُ والمجرّاتُ والأرواحُ القدسيّة ،

وتجثو الملائكةُ وعرائسُ النور والعوالمُ النقيَّة !

 

                                  -3-

أَيُّ سرٍّ عجيبٍ لَفَّكِ ورفعَكِ على نساءِ العالَمين ،

وجعلَكِ تتهادَيْنَ فوق هاماتِ الأحقابِ والسنين ،

وتهبطين من قلب دوائر النور العليا إلى كوكب الصلصال المهين ،

متخلّيةً عن نعيمكِ الأزليّ لتُعايشي البَشَر المساكين !

أَيُّ سرٍّ عجيبٍ ألهبَ فيكِ الشوقَ والحنين

لتتجسَّدي في أرض الزُّناة والبغاةِ ، أرض الشياطين والثعابين !

 

                                     -4-

بعينِ روحي أراكِ هابطةً من أَجواز العلياء

بعد أن سقطَتْ عن عينيكِ حجبُ الغَيْب والخفاء

فأَدركتِ أَنَّ حبيب الله لا بدَّ هابطٌ إلى أرض الشقاء

فأَبيتِ إلاَّ أنْ تكوني أُمَّاً لفادي الأنام رسول السماء …

وإذا أَنتِ طفلةٌ في آزخَ يُشرقُ فيكِ النقاء والذكاء ،

وكأنَّ أَترابكِ كواكبُ خابية وأنتِ بينهنَّ ذُكَاء !

 

                                     -5-

وفَتَح الله عينَيْ موسى رجلِ البرِّ والتُقى عليكِ ،

فرأى الشموس والدراريّ تغفو في أَعماق ناظريكِ ،

والفراديس الإِلهيَّة الهازجة بالغبطة تترجَّح بأهداب جفنَيكِ ،

ورآكِ نبع الحياة المقدَّس ، والوجودَ فيض يَدَيْكِ ،

ونظر إلى ربّات الجمال فإذا هنَّ إماءٌ جاثياتٌ حواليكِ ،

فأقسمَ أَن يتخلَّى عن كلّ ذويه حُبّاً بضوءِ عينيكِ .

 

                                      -6-

وحَدَتْه يَدُ الرُّوح من جنان آزخَ إلى القُدسِ الشريفة ،

تُنسيه أَهوالَ السفر وآلام الغربة الرفيقةُ “الشريفة”،

حتى إذا تضوَّعَتْ في المدينة المقدَّسة الزنبقةُ النقيَّة العفيفة ،

ومضى بضعٌ من السنين كانت العناية الإِلهيَّة بها رئيفة ،

فاجأَتْها خفقةُ الجنين المقدَّس ، وهي تسير ، فرفَعها “الرُّوحُ ” روحاً لطيفة ،

كحمامةٍ عجيبةٍ حلَّقَتْ فوق المنازل ثمَّ حطَّتْ على الرصيف خفيفة .

 

                                       -7-

يومها لم يشعرْ أَحدٌ بسرّها إلاّ جارَةٌ واحدَهْ ،

لكنَّ الحجارة في الطريق ارتعشَتْ تحتها ونهضَتْ ساجدهْ ،

والطيور حوَّمَتْ حولها مبتهجةً ، مُنتشيةً ، مُغَرِّدَهْ ،

والأشجار حَنَتْ عليها مُعَظِّمةً مكبِّرةً ، متعبِّدهْ ،

والنسائم خشَعَتْ بين يديها مُهَلّلةً مزغردةً ، مُهَدْهِدَهْ ،

وملائكة الرحمان ظَلَّلَتْها مُسبّحةً مصلِّيةً ومُنشدَهْ !

 

                                       -8-

وما طالَ الزمانُ حتى وُلِدَ ابنُها ، ابنُ السماءِ الحبيبْ ،

مَنْ لأَجله غادَرَتْ وطنَها المقدَّس العجيبْ ،

فامتلأتْ غبطةً ونعمة ، وإذا الكون كلُّه قلبٌ قد عراه الوجيبْ ،

وإذا الأَفلاكُ والمجرّاتُ تسجد لمرآه السماويّ المَهيبْ ،

لكنَّ الأُمَّ المباركَة كَتَمتْ في نفسها اللغز المُحَيِّر الغريبْ ،

وحَنَتْ عليه تُرضعه العطف والحكمة مع نقاءِ الحليبْ .

 

                                          -9-

ونما الشبلُ الإِلهيُّ بين يديها كإلهٍ وَلَدَتْه الأَساطيرْ !

فكانت تُهدهده بحنانها وتُرنّمُ له قُدسيَّ المزاميرْ ،

حتى إذا أَطلَّ ربيعُه الثالث أَطلَّ الرُّوحُ من وجهه المُنيرْ !

فرأته ينطق بالمهد عُجاباً ، شافياً نفسه من داءٍ أَعجز النطاسيّ القديرْ !

فابتهَلَتْ تشكر الله وتغفو على الحلم الفردوسيّ الكبيرْ ،

وكَتَمتْ في صدرها رؤيا السماء العجيبة وسرَّ ابنها الإِلهيِّ الخطيرْ .

 

                                         -10-

ولبّى موسى أَمر ربّه ، مُخَلِّفاً بناتٍ قاصراتٍ وطفلاً يتيما ،

وأرملةً ، بل لبوةً من الأولَمْب تُواجهُ غاباً رجيمَا ،

كيفما اتَّجهَتْ لا ترى إلاّ ذئباً غدّاراً وأفعواناً زنيمَا .

وإذا الفقرُ يبني حولها سوراً ، ويتركها تستنصر الرحيمَا ،

فتخوض غَمْرَ الحياة ، تُرَوِّضُ المستحيل ، تجعلُ كلَّ عَمَلٍ تافهٍ عظيما ،

طارحةً وراءَها أشباهَ رجالٍ ، وساطعةً في دياجي الأَيَّام بدراً كريمَا .

 

                                         -11-

بهارجُ الجسَد وزخارفُ الدنيا نبذَتْها ، واجتَذَبَتْها بساطةُ الرُّوح الجميلةْ ،

والتيجان جعَلَتْها موطئاً لقدمَيْها ، لأنَّ الله زفَّ إليها أَكاليلهْ ،

وأَلقابُ النُبل والشرف الزائفة لم تَخْدَعْها ، لأنَّها وحدها ” الشريفة النبيلَهْ”،

وبينما النساءُ يُؤَلِّبنَ الخُلاَّنَ حولهنَّ ، اختارها الله له خليله ،

سُبُلُ الغوايةِ والإِغراءِ عافَتْها ، لأنَّ الرُّوح هداها سبيلَهْ ،

والسماء باركتها لأنها عشقَتْ حقيقتها ، والعالم أبغضها لأنها كرهَتْ أباطيله .

 

                                          -12-

وشَبَّ ابنُ السماءِ مُفْعَماً بالحكمة الأَزليَّة ، وحلَّ روحُ الله عليهِ .

فأَومأَ للجمادِ فأَطاعه ، وتحرَّكَ يسعى إليهِ !

وأمَرَ شياطينَ الأمراض فاندحَرتْ مذعورةً أَمام نورِ عينيهِ !

وفضَّ مغاليقَ الغيب ، ففُتِحَتْ صفحاتُه جليَّةَ السطور أَمام ناظريهِ !

وإذا النابهون والأَذكياء يتهافتون خاشعين مُكبِّرين بين يديه ،

مُسبّحين الذي أَرسلَ إليهم هادياً تعنو جباهُ المتجبّرين عند قدميهِ .

 

                                          -13-

وهلعَت أبالسةُ الجحيم رُعباً ، وارتجَّت الدركاتُ السُّفْلى ذُعراً :

لقد ظهرَ مَنْ يُردّمُ مملكتَها في الأرض ويدحر زبانيتَها دحراً !

فتألّبَتْ جيوشُ الظلام عليه لعلَّها تسومُه عذاباً وقهراً !

من كلِّ فاسقٍ ومَكّارٍ ، وباغيةٍ ، وسفّاح يوقعون به شَرّاً .

وأَذِنَ الله ، لحكمةٍ منه ، أَن يقبض الطغاةُ على ابنه اعتداءً وغدراً ،

ويسوموه عذاباً وعَنْتاً وتشريداً ممّا سيُرَدَّدُ دهراً فدهراً .

 

                                           -14-

وكانت الأُمُّ الحنون تتفطَّرُ على ابنها الوحيد تنوشُه الذئابْ ،

وتنقضُّ وحوشُ الظلامِ عليه بالسياطِ والحرابِ والسِّبابْ !

لا لجُرمٍ أَتاه ، أو حتى لذنْبٍ بسيطٍ عليه يُعاب ،

لكنْ لأنّه دعاهم إلى الإيمان بالرُّوح ، وبالصفاءِ والتحابّ !

دعوةُ الفضيلةِ والمحبَّة والعدالة لم تُعجب الطاغية وأذنابه الكِلابْ ،

لم تَرُقْهم لأنَّهم وحوشٌ أرادوا أن تبقى الدولةُ لهم غاب !

 

                                      -15-

أيَّّتها الأُمُّ الإِلهيّة الغامرة بحبّها وحنانها الأكوانا ،

أَنّى لأحداق الناس أن ترى قلبك يتفجَّر على ابنكِ أحزانا ؟!

أَنّى لعيونٍ تُرابيّةٍ أن ترى السحاب باكياً على وحيدكِ هتّانا ؟!

الطيورُ تصدحُ أسىً ، والطبيعةُ كلُّها تُشاطرك الأَشجانا .

أَنّى لأبناءِ إبليس أن يروا ، الآن ، داهشاً على عرش السماءِ سلطانا ؟

ويَرَوْكِ مليكةً إِلهيَّةً يحفُّ الملائكةُ بكِ خَدَماً وأعوانا !

 

                                      -16-

أَلا تمجَّدي في ملكوتكِ الأَقدس أيَّتها العروسُ الإِلهيّة !

فلكِ ولابنكِ المجدُ والسعادةُ ولأعدائكما الأهوالُ الأَبديّة .

أَلا اغتبطي ، فالنصرُ قريبٌ والفجرُ سيُبَدِّدُ الظلمة الدجوجيَّة .

أَلا تهَلَّلي ، فبعد الشقاء الأرضيّ سعادةٌ سماويَّة سرمديَّة .

واسكبي علينا فيضاً من رحمتكِ ومن سيّالاتكِ العلويَّة ،

حتى نقوى على الإقتداء بسيرة ابنك الإِلهيّ وسيرتكِ القدسيَّة .

 

                                                         غازي براكس

                                                   بيروت ، 15 شباط 1979

سَلَامٌ عَليكِ يَا زَنبَقَةَ الفَراديس

 

 فارس زعتر

لن أَرثيكِ ،

فالسلام على يوم ولادتكِ ويوم تواريكِ .

سلامٌ عليكِ يا أُمَّ الهادي ،

بل يا أُمَّ رسالتنا الداهشيَّة المقدَّسة ،

سلامٌ عليكِ أَيَّتُهَا الشَجرةُ الإِلهيَّة المُباركَة ،

ومباركَةٌ ثمرتُكِ حتى الأَبَد .

سلامٌ عليكِ يا زَنبَقَةَ الفَراديس العلويَّة النقيَّة الناصعة !

سلامٌ عليكِ يا عالمَ الطهر والفضيلة السماويَّة !

سلامٌ عليكِ يا ابنة الله الحبيبة إليه ،

يا من اختارَتْ جسداً أرضيَّاً بالياً

حتى تحمل إلينا رسول العوالم المضيئة !

سلامٌ على آلامكِ وأوجاعكِ وشقائكِ وجهادكِ الصامت ،

وأنتِ ما زلتِ في دنيا البشر الأنذال .

سلامٌ عليك أيُّها الملاكُ السماويُّ الوضَّاء

الذي هبطَ من وراءِ المجرّات واخترق العوالم الممنوعة ،

كي يُقدِّمَ لنا العزاء !

سلامٌ عليك أيُّهَا القلبُ العطوف

الذي سيظلُّ يغمر ديانتنا الجديدة

بدفئه وحنانه حتى يوم يُبعَثون .

سلامٌ عليكِ أيّها اللغز الأزليّ ،

ويا أيتها المجاهدة العظيمة .

سلامٌ عليكِ أيها العالم القصيّ النَّيِّر

الذي ارتضى عالمَ الظلمات ردحاً من الزمن ،

حتى يساعدنا على تبديد ظلماتنا !

سلامٌ عليكِ أيَّتها السفينة الكونيَّة

التي مَخَرتْ عبابَ النور والزمن غير المحدود ،

حاملةً إلينا ابنها الحبيب !

سلامٌ عليكِ يا غصناً من شجرة الله

ارتضى أن يُزهر في أَرض البشر الأَنذال !

سلامٌ عليكِ ، يا أُمَّاه الحنون ،

يا من أضاءَ المكانُ حولي ساعةَ نظرتُ إلى رسمها الرائع الجمال !

سلامٌ عليكِ يا من أراكِ ماثلةً دوماً في الداهشيَّة ،

وأنتِ ترعينها بقلبكِ العارم بالحنان ،

وبعينيكِ اللتين لا تنامان !

سلامٌ أُرسله إليكِ من دنياي الفاسدة هذه ،

راجياً أن يحمل معه بعضاً ممّا يجيش في صدري

من الشوق إليكِ ،

من التقديس لكِ ،

من الخشوع أمام موطئ قدميكِ !

سلامٌ عليكِ أيتها الحقيقة التي تُشرق على دنيانا ،

ولكننا نُغمض الأجفانَ عنها ونتجاهلها .

سلامٌ عليكِ ، يا أختاه ،

يا من ستُخلّدين اسمكِ في العالم المادّي ،

كما هو خالد في العالم الروحي .

سلامٌ عليكِ أيَّتُها المُجاهدة الكبرى ،

ويا صدراً احتوى كلمات العليّ بمحبّةٍ ، وطول أناة .

سلامٌ على قلبكِ الذي احتمل خناجر الآلام ،

وسيوفَ الأَهوال ،

وهو ما برح يخفق ، وسيظلُّ يخفق حتى الأَبَد .

سلامٌ عليكِ أيتها الشمس المشرقة أبداً ،

أَيُّها التواضعُ الكامل ،

أيتها المُثُل العليا كلّها .

سلامٌ عليك أيَّتها الجبّارة ،

المنتصرة على تفاهات الوجود ، وأوهام الحياة وأَضاليلها .

سلامٌ ترفعهُ نفسي في هذا اليوم الجديد ،

راجياً أن تشملني رعايتُك وعطفُك ،

وأن تُلهميني الفضيلة والقوَّة ،

وأن تُنقذيني من العثرات وتهديني سواءَ السبيل .

أَجل ، لن أرثيكِ ،

لأنَّكِ حيَّة وموجودة معنا أَبداً .

فالسلامُ عليكِ أَيتها المباركة في النساء ،

حتى أَبَد الدهور .

 

                                            فارس زعتر

                               بيروت ، الساعة 8و 10 دقائق صباحاً

                                         تاريخ 15 شباط 1979

أُمُّ الحَبيبْ

 

شعر طوني شعشع

نفِخ الصُوْر ، فلا يُغْني الدعاءْ              قُلْ : على الأرضِ ، ومَنْ فيها ، العَفَاء

أَجْدَبَتْ تُرْباً ، وجفّتْ أَغصناً ؛              أين .. أين الفأس ؟قد مات الرجاءْ !

كلُّ شيءٍ بات في سكرته                   يتشهّى – وهو لا يدري – الفناءْ

كم نبيٍّ ضوّعَتْ آياتُه ،                     ثمّ لفّ الثلجُ عِطْرَ الأنبياءْ ….

ورنا الله إليها ، فرأَى                       أَعيناً في مُوحشِ القَفْر وِضَاءْ

قال :” فَلْنُرسِلْ إليها (هادياً)؛                لن يموت الوَرْدُ يُتْماً في العراءْ “

نزل الأَرضَ ملاكٌ مُجْتَبٍ :                مَنْ تُرَى تحضنُه بين النساءْ ؟

ورأى عينيكِ في صَمْتِهما ،                ورأَى قلبكِ يَنْدى بالصفاءْ

قال :” طوباكِ …” وألقَى نوره ؛           وإذا صدرُكِ محرابُ السماءْ !

أَيُّ مَجْدٍ أنتِ قد أُعْطِيْتِهِ                    دونه التيجان زَيْفٌ وهباءْ

أنتِ رافقتِ خطاه ولداً ؛                   أَنتِ مَنْ هَدْهَدَهُ كلَّ مساءْ

ومَسَحْتِ الدمع عن أَهدابه ؛               آهِ ما أَوجع حزنَ الغُرَباءْ

يا لها من غربةٍ لا تنتهي :                بيتُه خلف متاهات الفضاءْ …

هل سألت النَفْسَ في حَيْرتها :             “أَتُرَاهُ ليس من طين وماءْ ؟”

كم جراحٍ سِلْنَ من مُهجتِهِ                  أفعمَتْ قلبَكِ منهنَّ الدماءْ

وَهَجَرْتِ الأرضَ ، يا أُمّ ، وما             هتكَ الظلماءَ سيفٌ من ضياءْ

إرجعي اليوم تَرَيْ أعداءَه                 يتلاشَوْنَ دخاناً … وخَواءْ …

وغداً تنبلج الشمسُ … فما                غَرُبَتْ إلاَّ لتزدادَ بهاءْ

وإذا غبتِ عن الدنيا ، ففي                مقلة الهادي لنا ألفُ لقاءْ !

 

                                              طوني شعشع

                                       بيروت ، في 17 شباط 1979

يا أُمَّ خَيرِ النَّاس

 

 شعر ياسر بدر الدّين

أُمّ الحبيب وزينة الأحبابِ                  قومي فنور الله في أهدابي

قمرٌ بجفني والحبيب بمهجتي              والشمس قربي والنجوم ببابي

قومي شموني فالوجود مفاخرٌ              بحبيبهِ ، والحب ملء كتابي

قومي فقد طرب الضياء بأفقنا              والحق أشرق بعد طول غيابِ

قومي اشهدي علم الحقيقة خافقاً                  بين اختيال ذرىً وزهو روابي

ومعاقل الكفار تبكي مجدها                      يا للقصور غَدت طلول غرابِ

عصفت بها صيحات ربكِ فامحت               وتبددت في الريح وهم سرابِ

فالمؤمنون على الزمان أعزّةٌ                    والظالمون ديارهم لخرابِ

هذا هو الهادي يعلمنا الهدى                     بمحبّةٍ كالجدول المنسابِ

فإذا تحدث فالقلوب خفوقةٌ                       والنجم ينصت حالم الأهداب

وتهب موسيقى كأنسام الصبا                    فعلى جفون الليل ألف رباب

يا أم خير الناس أشكو لوعتي                   في هذه الدنيا وطول عذابي

وتطاول الأحزان سوراً في دمي                وصراخَ آلامي وغَدر صحابي

خبأتُ في قلبي الجمال وسحرهُ                  وغزلت شال الحب من أعصابي

وملأت عمري بالمحبّة والهوى                 والعمر يملأ بالأسى أكوابي

فعلى دروب الشعر تاهت أحرفي               وقتلت نفسي واستبحت شبابي

ولكم رغبتُ من الحبيب مودةً                   فتناثرت بين الدموع رغابي

يا أم داهش إنّ ذكرك خالدٌ                      كالوشم ينقش ساعد الأحقاب

زينت دنيانا بطيبٍ عابقٍ                        هلاّ غمرت الخلد بالأطياب

 

                                                      ياسر بدر الدين

                                                     18 شباط 1979

إلى أُمّ النَّبيّ

 

 إيليّا حجّار

عشناها تلك الفترة الحالكة ، السوداء ،

تلك الفترة المظلمة ، كالديجور القاتم ، الساحم ،

فترة اضطهاد النبي ، على يد طغمة مجرمة ، مرذولة ،

زماناً جرَّب الله فيه رسولَه وصفيَّه ،

فحطَّت في منزلنا غيومُ الكآبة ،

ورتعَتْ بين جدراننا أسراب الأسى والدموع .

عشناها فكنتِ الإِيمان الذين لا يتزعزع ،

والصوتَ الهادئ الوديع ، الدائم الصلاة والابتهال ،

والعمل الدائم الصابر الذي لا يعتوره كلال ،

ولا يدانيه ملل ،

والفكر اليقظ الناشط ،

الذي لا تنال منه نوائب الزمان ، ونوازل الحدثان .

أمّ النبي ، بل أُمُّنا الأولى ، وحبّنا الأسمى ،

أنتِ التي احتملت الوديعة الغالية ، والهبة النفسيّة ،

والروح الطهور ، والكلمة الصادقة ، واللحن الساحر ،

والمسفونيّة الملائكيّة ، والموجة الهائلة ، والثورة العارمة ،

والشلاّل الدافق ، رسول الخير والسلام ،

رسول الحق والمعرفة .

لقد تقادم العهد ، ومرّت السنون بطيئة ،

تتلاشى في ركاب الأفق البعيد .

وغادرتنا روحُك الحلوة ،

منطلقةً إلى فردوس البهاء الدائم والجمال العارم

بعيداً عن شقاء دنيانا التاعسة ،

بعيداً عن ظلام هذه الأَرض الظلوم ،

خلَّفتِ العائلة الكبيرة تبكي حنان الوالدة ،

وعطفَ من كانت فينا مثالاً للسموّ ، مثالاً للنقاء .

أيّتها الحمامةُ البيضاء ،

يا من ترفرف بأجنحة الطهر ،

وتُزغرد تراتيل الإِيمان الصادق ،

وتُردّد في كلّ ثانية آية الإنجيل ،

الكتاب الذي كان لا يفارقك لدقيقة ،

أيتها الآية الحكيمة

التي اختارها الله ،

فأَنْجَبَتْ للعالم

نبيّنا الحبيب الهادي .

ها إنني أُحاول عبثاً ،

أن أَرقى إليك ،

أن أُبحِر إلى عالمك السماوي

على بساط من الأحلام الحلوة ،

من الغمائم الرقيقة ،

من السدم الليلَكية

أَود عبثاً ولوج كوكبك البهيّ ،

فردوسَك الجميل الذي ترتعين فيه ،

بعيداً عن هذا العالم ،

أيتها الطاهرة بين نساء العالمين ،

يا ابنة السماء ،

وأُمَّ الأنبياء .

 

                                            إيليّا حجّار

                                    بيروت ، 26 شباط 1979

صَلِّي لِأَجْلِنَا

 

 ماجد مهدي

من جحيمنا التائه إلى فردوسكِ السرمديّ ،

من دروبنا المظلمة إلى عوالمكِ السنيَّة ،

من فضاءِ عالمنا الملوَّث بالأَرجاس ،

إلى سماء دنياك العابقة بالعطور الأََزليَّة ،

من ربوعنا التي أَخنى عليها الشقاء ،

وعشَّش فيها الكذب والرياء ،

إلى الأَفلاك التي ترتعينَ فيها بسعادةٍ وهناء ،

من نفوسنا الحزينة المثقلة بالأَتراح ،

إلى روحكِ الطاهرة الهائمة في بحور السعادة والأفراح ،

من قلوبنا المدمَّاة وجراحاتنا النَازفة

إلى قلبكِ النابض في قلب السرمديّ ،

من أنّاتنا وآهاتنا ،

من آلامنا وآمالنا ،

من زفراتنا وأشواقنا ،

ومن ذرَّات التراب التي سنثوي تحتها

فتندمجُ بذرَّاتنا ،

إلى كلِّ نسمةٍ تهبُّ على ربوعك ،

إلى كلِّ شعاعٍ يمرُّ بطيفكِ الحبيب ،

إلى كلِّ طائرٍ يطيرُ في فردوسك ،

بل إلى كلِّ ذرَّة من ذرَّات عالمكِ الخالد .

نعم ، من الظلمة إلى الضياءِ والسناء ،

منَّا إليكِ ، يا أُمَّ هادينا الحبيب ،

يا أُمَّنا التي لا نستحقُّها أُمّاً لنا ،

ويا أُمَّ هادينا الذي لا نستحقُّه هادياً لنا ،

منَّا إليكِ ،

حنينٌ متدفِّقٌ من حنايانا المعذَّبة ،

ودُعاءٌ يرتفعُ من أَوصالنا المتقطِّعة ،

ونداءٌ ينطلق من صرخاتنا الدامية ،

وصلاةٌ تخرجُ من أفئدتنا المكتوية ،

نعم ، حنينٌ إليكِ علّكِ تسكبين بعضاً من حنانكِ الإلهيّ

في كؤوسنا المترعة بالصاب والعلقم ،

ودُعاءٌ لكِ علّكِ تسترحمين مليكَ السماوات

وربَّ العوالم ، جلَّت أُلوهيّتُهُ ، من أَجلنا ،

ونداءٌ يحملُ إِليكِ خبايا النفس وخفاياها

فتُحمِّلينها عزاءً من عطفكِ ورحمتك ،

نعم ، وصلاةٌ نستنجدُ بكِ فيها ،

لتكوني أنتِ ، يا أُمَّنا ،

لتكوني أَنتِ الصلاة المستجابة أَمام العرش ،

من أَجل خلاصنا .

أَيَّتُها الأُمُّ السماويّة ،

يا أُمَّ النبيّ الحبيب ،

أيَّتها الزنبقة الهابطة من جنَّة الجنّات

إلى دنيا الشرِّ والأَشرار .

لقد عُدْتِ إلى هذه الأرض التعيسة ،

وكانت حياتُك سلسلةً من الآلام المزلزلة ،

احتملتِها بصبر الرجال وعزيمة الجبابرة ،

وحَمَلتِ ، على جراحاتكِ ،

برسولِ الضياء ،

وأَعظم مَن أشرقَتْ عليه ذُكاء .

حَمَلتِ بسيِّد الهداية والهُداة ،

حَمَلتِ برسولِ الحبِّ والمحبَّة .

حَمَلتِ إلى ظُلمتنا دنيا من الأنوار الإلهيَّة الساطعة ،

حَمَلتِ إلينا كوكبَ الضياءِ المتألِّق في دنيا الكواكب ،

حَمَلتِ إلينا قلبَ المجرَّة الأزليَّة النابض وروحها الخالد .

حَمَلتِ إلينا الراحمَ لشقائنا ،

والمعزِّي لآلامنا ،

والمفتدي لخطايانا وآثامنا .

حَملتِه إلينا يا ابنة السماء ،

فشاركتِهِ آلامَه وأحمالَه ،

وعشتِ جوعَهُ وأوجاعَه ،

وذَهلتِ في أَحلكِ ليالي عذابه واضطهاده ،

فقاسمتِهِ كؤوس المرّ التي أرادها له طُغاة لبنان ومجرموه ،

وذَرَفتِ دُموعَ الحزنِ بسبب المظلمة التي أَرادها له جلاَّدوه ،

ونَزَفتِ جراحُ قلبكِ حين ألقوا عليه القبض وقيَّدوه ،

وتَلَهَّفتِ لما يسُدُّ الرَمق ، وموائدُ الطُغاة تضجُّ بأصناف المآكل ،

واشتَهَيتِ لُقمةَ العيش ،

ويدُ الظالمِين تُمسكَ لقمة العيش عنكِ وعن ابنكِ الحبيب .

فيا لتعاسة البلد الذي لم يستضفكِ ،

ويا لشقاءِ أُمَّةٍ لم تحتفِ بكِ ،

وبئسَ الأَرض التي قَدَّمَت لكِ الأشواكَ عوضاً عن أكاليل الزهور ،

وصبّت لكِ العلقم عِوضاً عن الإكسير الخالد ،

ونَصَبَتْ لكِ الأشراك بَدَل أن تُقيم لكِ عرشاً في القلوب ،

وَنَبَذَت اسمَكِ بَدَلَ أن تُقيم لكِ تمثالاً في كلِّ بيتٍ وفي كلِّ زاوية ،

وحَمَلَتْ عليكِ سيُوفَ الظُلم ، بَدَلَ أَن تُهلِّل لعودتك ،

وَظَلَمَت ابنكِ الحبيب بَدَلَ أن تُصلّي لكِ شكراً على هديَّتك .

بِئسَ أَيامهم لأنَّها لم تبعث الفرح إلى أَيَّامه وأيَّامك ِ.

وَبِئسَ لياليهم لأَنَّها لم تحمل غير الترح إلى لياليه ولياليكِ .

وبِئسَ موائدهم التي لم تتَّضع لحضوره وحضوركِ .

وبئس أحلامهم التي تعاظمت بغير رضاهُ ورضاكِ .

إِنَّ أيَّامَهم قد حَبِلَت بالشقاء ، فوَلَدَت المصائب والنَوائب .

ولياليهم قد أظلَمَت ، فلا يُسمعُ فيها غير نعيق البوم وطائر الشؤم .

وموائدهم قد انقلبتْ فوقهم ،

فَجَعَلَت عاليهم سافلهم ، وسافلهم في الدركات .

وأحلامُهم قد استحالت أشباحاً سوداء

تطوفُ في نخاريب جهنَّم المتَّقدة الأُوار .

أما أنتِ ، يا أُمّ الهادي الحبيب ،

فقد نِلتِ جزاءَ صبركِ ،

فاحتضنتكِ الأَفلاكُ البعيدة ،

وغمرتكِ السعادةُ الأَبديَّة ،

وأَحاطَتْ بِكِ ملائكةُ الرحمة تُغنِّي لكِ وتناجِيكِ .

إِن اسمكِ قد خلَّدته عوالمُ السماء ،

وستُخلِّده الأجيال المتعاقبة في كوكبنا التعيس .

فتكونين مع هادينا قِبْلَةً لصلواتهم ،

ومنارةً لأيَّامهم ،

وعزاءً لقلوبهم ،

وسيُردِّدون الترانيم لكِ ، ولثمرةِ بطنك ،

وسيذرفون دُموع التكفير على ما أَصابه وأصابكِ ،

وسيتضرَّعون إلى سُدَّتكِ علَّكِ تُصلِّين لأَجلِهم ،

وستمرُّ الأجيالُ والآجال ،

وستُبادُ شعوب وتنقرض أُمم ،

وسيبقى ذكرُكما خالداً إلى ما لا انتهاء .

فيا أُمَّنا .

ويا أُمّ هادينا ،

هوذا ابنكِ الحبيب إلى جانبنا ، ونحن نستظلُّ برحمته .

هوذا ابنكِ الحبيب في بيوتنا ، وبيوتُنا تتمنَّى لو تطولَ أيَّامه لتتبارك بوجوده .

هوذا ابنكِ الحبيب يجلسُ إلى موائدنا ، وموائدنا تتبارك بملابس يديه .

هوذا ابنكِ الحبيب ، وحياتُنا مدينَة له ولفدائه .

هوذا ابنكِ الحبيب ، وصورتُكِ الغالية إلى جانبهِ يتأملها ،

والأشواقُ تحمله بعيداً إِليكِ ،

فاحفظيه واحفظينا ،

وساعديه وساعدينا ،

وصلِّي من أجله ولأَجلنا .

                                                            ماجد مهدي

                                                      بيروت ، 27 شباط 1979

أَيَّتُها الإمرأَة الحَبيبة

 

  جوزف حجّار

 

لقد عاشرتُكِ مدّة سنوات إذ عشنا سوية تحت سقف واحد ،

وعرفتُكِ المعرفة التامّة ،

فخشعتُ أمام جبروتك في حقل الروحانيّة المقدّسة

واحتقارك الكامل للدنيويات ،

وتمسككِ الشديد الذي لا يعرف الضعف بكلام الله

وبالقيم الروحيّة السماويّة الخالدة .

فكنتِ لي مدرسة الفضائل التي يحبُّها الله ،

وعنوان الشهامة الوداعة والمحبّة والتضحية .

فما رأيتكِ يوماً تهتمين بنفسك ،

ورأيتك دائماً عيناً ساهرة بغيرة على حاجاتنا وتعزيتنا ،

وبثّ الأمل في نفوسنا ،

أثناء المراحل الشاقّة التي مررنا بها ،

بفعل الطاغية الذي ناصبنا العداء دون سبب ،

سوى كبريائه وعنجهيته وميوله الوضيعة ،

التي سحقها الموت بسحقه وطرده من الوجود الأرضي .

لقد شاءت إرادة الله أن تغادرينا ،

نحن الموجودين في عالم الأحزان

لولوج العالم السماوي الخالد المترع بالبهجات والأفراح ،

التي أعدتّها العناية الإلهيّة

لمن يسيرون في طرق الفضيلة بأنواعها المختلفة .

فطوباكِ ثم طوباك .

وأتمنى على الله أن يكتب لنا جميعاً نعمة مغادرة الأرض ،

في الساعات التي حددتها مشيئتُه القدسية ،

لنلتحق بكِ وننعم معك بالغبطة السماوية الخالدة إلى أبد الدهور ،

آمين .

                                           جوزيف حجّار

                                           8 آذار 1979

 

لَن نَنسَاكِ

 

هادي حجّار

أرسل الله ملاكه في يوم كئيب                إلى أرض العذاب والبلاء

لينتزع من أرضنا امرأة انتهت مهمتها        ويذهب بها إلى العلاء

فأغمضت جفنيها بسرور من يطمح           أن يكون له بربّه لقاء  

وقلبها على وليدها تتركه محاطاً              بطغاة عهد الذُلِّ والشقاء

وبزبانية الأرض تجار الدين                 أصحاب الأثواب الحالكة السوداء

ولكن يد الله فوق أيدي من ساورتهم          نفسهم بالتحرش برسول السماء

فهتكت سيرتهم بستة وستين كتاباً             أسود تمّ لهم فيها الاهداء

ذلك اليوم في الجنة كان سروراً              وغبطة وحبوراً واحتفاء

غردت الطيور وفاحت بأَريجها الزهور      وانحنت الزنابق البيضاء

تحيي من اختارها الله لكي تكون             أم الحبيب وخيرة كل النساء

سلام عليك يا أم المؤمنين                    يا أرقى النساء يا رمز العطاء

انظري إلينا من عالمك الفتّان وادعي لنا      أن نكون جديرين باستحقاق الأنبياء

 

                                                                  هادي حجّار

                                                                 9 آذار 1979

لَقَد حَضَنْتِ دَاهش العَالَمينْ

 

 نقولا ضاهر

خيَّم ظلام دامس ملأ أرجاء العوالمِ العلويَّة ،

وساد سكون رهيب شمل الكواكب السماويّة قاطبة ،

فالحركة توقّفت ، والعيون جحظت ،

والآذان أصغتْ ، وكلُّ ذي نسمة حيّة جَمد .

فالطبيعة عَبست ، وعناصرها استكانت ،

ثم هاجت العواصف وماجت ،

وراحت تصفر في طول الكواكب وعرضها ،

صفيراً متواصلاً ينذر سكان السماء ،

أنَّ ساعةَ الفراق قد أزِفت ،

أنَّ ساعة الانفصال قد قربت ،

أنَّ ساعةَ الشفقة والرَّحمة قد مدَّت يدها

لتنتشل التائهين من أبناء الفانية ،

أنَّ ساعة الهداية قد دقَّت أجراسها ،

لإِيقاظ الضمائر النائمة وغسلها من شوائب الأرضِ التعيسة .

هي مشيئة الخالق جلَّ جلاله ،

أرادها شجرة عطاء سخيّة ،

أرَادها كرمة ، عناقيدها المعرفة وعصارتها عصب الحياة .

هذا عهد قطعته على نفسكِ !

ما أن وطئت أرضاً محفوفةً بالذلّ والهوان ،

حتى جنَّت الطبيعة جنونها فرحاً وحبوراً بكِ ،

فالغزالة تأهّبت ،

وراحت تلقي حبالَ أشعتها الذهبيّة على الرَوابي والبطاح ،

فانتشت الطبيعة وارتدت أجمل حللها القرمزيّة ،

فزنابق الحقول الناصعة ،

وأزاهير المروج السندسيّة تعانقت ورقصت لقدومك ،

على أنغام موسيقى تسابيح الطيور وشدو البلابل ،

وحفيف أغصان الأشجار الوارفة الظلال ،

وخرير مياه الجداول الشلاّلة المنسابة بين الصخور ،

جميعها بتضرّع وخشوع تمجّد باريها ومبدعها ،

شاكرة عطفه عليها ورأفته بها .

مباركة أنت بين النساء كافّة !

اختارتك السَمَاء لتلدي ابناً هادياً ، ونبيّاً فادياً ،

ومُعزّياً مؤدباً ، رسول المحبَة والسلام ،

يعزّي النفوس الحَائرة ويثبّت العزائم الخائِرة .

كنت بالأمس ، وما بين الأمس واليوم قرون وأجيال ،

خطىً كُتبَت عليكِ ، سُطِّرت في سفر الأنبياء ، في سفر الخلود ،

مشبعةً بالآلام ، مفعَمة بالأحزان والحرمان : من ولادة في بيت لحم ،

فاضطهاد ، فهروب إلى مصر ، وتحمّل مشقّات الطريق ،

فدرب الجلجلة ومأساة خشبة الصَّليب ،

حاكتها أيادٍ أثيمة مجرمة ، أيادي الطّغاة العتاة ،

أيادي الشرّ والغرور ،

أيادي أمجادهم الباطلة وأطماعهم الزائلة ،

التي كانت ولا تزال ،

وأنتِ تنظرين إليهم ودموع الأسى اغرورقت في عينيكِ ،

أسفاً على مَن رفض شهدَ الحياة متجرّعاً حَنظلَها ،

على شعوب قدّست الأباطيل وغربت عن وجه الحقيقة ،

وأنت تدرين أنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ،

وأنّهم في لجج الحياة تائهون .

كم من أساطيرَ نُسجت باسمك مدى أجيالٍ وآجال ،

حتى التحمت بتاريخهم وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ منه ،

وأنتِ تنظرين بعين المعرفة واليقين إلى إفكهم وحبائل مكرِهم وأضاليلهم .

كُنْتِ بالأمس ، وما تزالين ، عهداً قطعته على نفسك ،

ترافقين نورَ الحيّ ويُرافقك ،

أينما وُجد تحطّين ، معه تمكثين ،

وبجانبه ترقدين ،

وفي غرفتك تقبعين والكتاب المقدّس ما فارق يوماً يديك وأنت تصلّين ،

تعلمين أنَّ الحياة ، إيمانٌ وتنهّد ، صلاة وتهجُّد ، خشوع وتزهّد ،

فزيارتكِ اليوم لهذا الكوكب التَّعيس ، عالم الأرض الكافر ،

النافر من قدسيَّة الحقّ ،

الفارغ من قيمه الروحيّة ،

ما هي إلاّ لتلقّني قاطنيه درساً في العفّة والكرامة ،

والعزّة والشهامة ، والشرف والاستقامة .

لا تأبهين بحركات البشر وسكناتهم ،

ولا بأقوالهم وأفعالهم ،

لأنكِ تعلمين من أين أتيت وإلى أين ترجعين ،

أتيتِ من عالم الحقيقة ، من عالم الطّهر والنّقاء والرِّقّة والصفاء ،

الذي لا تشوبُه شائبة ولا تراه عين بشري على الاطلاق ،

ولا يحلم به كبار علماء الأرض وفلاسفتها ،

وعظام شعراء الإنسانيّة وفنّانيها .

فأنتِ اليوم تقفين وقفةَ عزّ وفخرٍ وتأمّل ،

بعد أن حافظت على العهد وأدّيت الأمانةَ ،

وحضنتِ المولود العظيم داهش العالمين ،

رابضةً بقربه كالرئبالة الهصور ،

متربصةً بأَعدائِه وحسَّاده ، بعقل راجح وعيون ثاقبة ،

تراقبين عن كثيبٍ مصائب الدّهر وفواجعَ الحياة ، وكوارثَ الأيام ،

وبالأخصّ الجريمة الشنعاء ، والمصيبة النكراء ،

والاضطهاد الجائر التعسّفي من شراذم البشر الأَذلاَّء الملاعين ،

وأنت كالصخرة بجبروت عزيمتك تصمدين ،

وكالجبل الأشمّ بجميل صبرك لا تتزحزحين ،

وكالطود الشامخ بإيمانك الجبّار لا تتزعزعين .

كأنكِ تعلمين أنّ التاريخ يعيد نفسه ،

وإنّك اليوم ، كما بالأمس ، تنظرين من عليائكِ إلى مواكب الأجيال الزاحفة ،

إلى مواكب الدّاهشيين الأبرار ،

إلى اليوم الموعود ،

الذي ينتقل فيه ابنك الحبيب من نصر إلى نصر ،

رافعاً راية الحقّ ، راية السماء ، ساحقاً أعداءه سحقاً مبيناً .

فيا أمَّنا الحبيبة “شموني”.

يا من تغنَّت الحقيقة باسمك ،

وشهدت لك الدنيا بجميل صبرك وعظيم مجدِكِ وحكمتك ،

أنتِ في قلوبنا أبداً ،

وستَظلّين نبراساً للعفّة والشرف والكرامة ،

ومنارة هداية تشعّ أنوارها البهيّة على الداهشيين أجمعين ،

كي يخطوا خطواتكِ الجبّارة ،

ويحذوا حذوك السّامي كي يرتقوا بنفوسهم ،

ويصلوا إلى عالمك الروحيّ ليجتمعوا بكِ ،

فتتمّ إذ ذاك الفرحة العظمى ،

ويرتعوا في ملكوت الله الفسيح وفردوسه النّعيم المقيم .

 

                                                             نقولا ضاهر

                                                      بيروت ، 9 آذار 1979

رَحَلُوا وَهُم يَحْملُونَ مَخَازيهم

 

أنطون مرعب الدّاهشيّ

وانقضَّ ملاكُ الموت ، وانتزع روح المجرم بشارة الخوري هذا الباغية الذي ارتكب جريمة نزع جنسية مُؤسّس الداهشيّة ، لأنَّ شقيقة زوجته الأديبة ماري حدّاد وقرينها وكريماتها اعتنقوا الداهشية . وإذْ ذاك سلَّطَ هذا الطاغية الغاشم رجالَ تحريّه وشرطته ودَرَكه يُطاردون داهشاً والداهشيّين ، وراحت وسائلُ الإِعلام بقضّها وقضيضها تنشر أوقَحَ الأكاذيب ، وتُذيع أَشنع المختلقات ، وتُلفِّق أَحطَّ المفتريات مُلصقةً إيّاها بمؤسِّس الداهشيّة .

وراح الخطباءُ البائعون لضمائرهم يعتلون المنابر مندّدين بداهش ، راجمينه بما تزخر به بيوتهم الطافحة بالمخازي ، وما ذلك إلاّ لأنَّ الحقد الدفين الذي استبدَّ ببشارة الخوري ، وزوجته لور ، وشقيقها ميشال شيحا ، وهنري فرعون ، تَفَجَّر تفجُّراً مُدَمِّراً ضدَّ داهش الذي اعتنقت مذهبه ماري حدّاد الأديبة والفنّانة الشهيرة ، وكافَّة أفراد عائلتها . فجُنَّ جنونهم وقامت قيامتهم . وسخّرت الصحافة ضميرها ، وراحت تنشر سمومها الناقعة ضدّ مُؤسّس الداهشيّة الذي أَصبح شغل لبنان الشاغل أَعواماً وأَعواماً .

ولم يصبر الداهشيون على الضيم إطلاقاً ، إذْ نشروا 66 كتاباً أسود و 165 نشرة طافحة بمخازي بشارة الخوري وزبانيته الأَجلاف . وندَّدت هذه الكُتُب السوداء بالمخازي التي يرتكبها بشارة الخوري وطغمته الابليسيّة ضدّ القانون وضدّ الدستور ، شاجبةً ارتكابه جريمة نزع جنسيّة رجل بريء لغاية في نفس يعقوب .

وتفاقم الأمر ، وعظمَ الخَطْب ، وتحدَّثت الأَلسنة بالمخازي المرتكبة والمنشورة في الكُتُب السوداء مع الوثائق الثبوتيّة والأرقام المؤكِّدة لما ذكرَتْه هذه الكتبُ التي زلزَلَتْ أَركانهم ، وهدَّمَتْ أُسُسَهم ، ولطَّخَتْ سمعتهم ، وشوَّهَتْ سيرتهم ، وفَضَحَتْ جرائمهم ، وهتكَتْ مخبّآتهم ، ورَدَّمَتْ أمانيهم ودَمَّرَتْ أَحلامهم ، وعَصَفَتْ بطمأنينتهم ، وبعثَرت أشلاءَهم .

وإِذْ ذاك أَصدر بشارة الخوري أَوامره الباغية ، فسُجِنَتْ شقيقة زوجته عاماً كاملاً إذْ ألقى بها بين المجرمين أمثاله .

كما سُجِنَ الشاعر الغرّيد حليم دمّوس بطريق العسف والطغيان ، وهو البريء براءَة الذئب من دم ابن يعقوب .

فالكتب السوداء تحمل توقيع ماري حدّاد ، فلماذا سُجِنَ دمّوس ظلماً ؟!

إنه المجرم الطاغية الذي أَمر فأطاعوا أمره ، وانصاعوا لرغباته المجرمة .

واستمرَّ الداهشيّون بحملتهم الكاسحة المتواصلة حتى قُيِّضَ لهم الظفر والانتصار . فالحقّ ينتصر مهما احتاطَتْ به عواصفُ الظلم الحالك .

فما عتّمت الثورة أن أن أَعلَنَتْ رايةَ عصيانها ، إذْ نَهَضَ الشعبُ بقضّه وقضيضه وأَسقط هذا الباغية ، فإذا هو معزولٌ عن حكمه ، مُنْزَوٍ في منزله ، نادبٌ حظّه ، لاعنٌ زمانه ، شاتمٌ أَيَّامه ، مستعيدٌ أمام بصره جرائمه ، ومُعدِّدٌ آثامه .

وعاد داهش إلى لبنان ظافراً منصوراً ، واستعاد جنسيّته السليبة ، وأَنف بشارة الخوري معفَّر بالرغام . مُكرَه أخوك لا بَطَل .

واشتدَّ الحزن على بطل الجريمة الشائنة بشارة الخوري ، وجازَتْه العدالة إذْ فتك به السرطانُ المخيف ، فكان صدى أنينه تُرجّعُه غاباتُ الكسليك . ثم تجلَّى له ملاكُ الموت مختطفاً روحه ، منتزعاً أنفاسه ، مخمداً أرجاسه .

فذهَبَ غير مأسوف عليه حاملاً معه آثامه ومخازيه ، ووقف أمام العدالة مُهاناً ذليلاً ليدفع الحساب عن جرائمه الهائلة .

هذا فضلاً عن التاريخ الذي سجَّل جريمته المرعبة بين دفّتيه .

وكلُّ من يقرأ تفاصيلها يلعن مرتكبها مثلما يلعن الجميع قايين قاتل شقيقه هابيل .

فليحذَر الحكّامُ الظالمون ، وليعتبروا بمصير هذا الطاغية الذي دوّن التاريخ اسمه وحشَرَه بين المجرمين الآثمين .

 

                                                        أنطون مرعب الداهشيّ

ترجمة رسالة لور الثانية إلى ماري حدَّاد

 

 عزيزتي ماري

قرأتُ رسالتَكِ غيرَ مرَّة . وأَنا سعيدةٌ جدّاً أَن أَطَّلعَ على أخبارِك من غير واسطة . وأَنا أَشعرُ كم تتأَلّمين وتتعذَّبين . ولذلك يهمُّني أَن أَخبرَكِ بأنَّني قريبةٌ جدّاً منكِ ومن عذاباتِك . هل تَحسبين أَنَّ غيابَ ماجدا الصغيرة التي كنتُ أَحبّها وأَعزُّها بنوعٍ خاصٍّ لم يُسبِّبْ لنا جميعاً تلك الآلامَ التي لا تُصَدَّق ؟

إنَّ أَفكاري كانت دائماً عندكِ في حزنكِ ، ولكنَّ الله أَراد ذلك . وعلينا أَن نخضع لإِرادته الإِلهيّة ، إذْ لا مردَّ لأَحكامه . وكلُّنا يعرفُ ذلك .

ولكنْ هناكَ مسأَلةٌ ينبغي أَن أَقولَها بصراحة . فقد أَصبحَ لديَّ ، اليوم ، فكرةٌ واضحة بأنَّهم نسبوا إليكِ وحمَّلوكِ أشياءَ كثيرةً أنتِ بالطبع تجهلينها تماماً حتّى الآن .

ونحن أَيضاً قد حمَّلونا أَكداساً من المناشير والكراريس الرهيبة ، فضلاً عن رسائلَ شخصيَّة إليَّ مع تهديداتٍ فائقةِ العُنْف . ووزَّعوا عدَّةَ صورٍ فوتوغرافيَّة (1) مُخجِلة تجعلُ أيَّا كان أَن يغضبَ ويثور . وكلُّها تحملُ إِمضاءكِ . وكان يصلُني منها تِباعاً رسالتان أن ثلاث كلَّ أُسبوع . ولا شكَّ أن يكونَ ذلك قد كلَّفَ نفقاتٍ ومبالغَ طائلة !

لكنَّ ذلكَ كلَّه كان في الماضي . أمَّا الآن فسنطوي صفحةَ الماضي بإرادتِنا ، من غير أَن نلتَفِتَ إلى الوراء . وأعودُ مجدَّداً وأُكرِّرُ لكِ : دعينا نقتربُ بعضُنا من بعض ، ولا نفترق . فبين الشقيقات أَلفُ مسأَلةٍ ومسأَلة يتبادَلْنها . وإِنَّه لَفَرحٌ عظيمٌ لي أَنْ أتمكَّن من القيامِ بأيِّ شيءٍ نحوك .

أَنتِ تعِبَة ، وفي حاجةٍ إلى مداراةِ نفسِك والعناية بها . ولو كنَّا جميعُنا في البيت ، كما كنَّا في السابق ، لَما تردَّدْنا في أَنْ نخدمَ بعضُنا بعضاً . ولكنْ علينا أَن نعتبرَ أنَّه لا شيء تغيَّر ، وأنَّ ما يمكنُ أن تقومَ به الواحدةُ منّا نحو الثانية ستُؤدِّيه مسرورةً .

قد تحتاجين إلى مقوِّياتٍ أو غيرِ ذلك . افتحي قلبَكِ ، يا عزيزتي ماري ، وقولي كلَّ شيءٍ بكلِّ بساطة وصراحة ؛ قولي لي ما يُمكنُني القيامُ به لأُريحَك .

سرَّني كثيراً ما ذكرتِه لي عن آندره . ولا عَجَب ! فمن المستحيل أَلاَّ يكون لوالدةٍ مثلِك التأْثيرُ الطيِّبُ في أَولادِها . وزينا ؟

أَنا في نيَّتي أَنْ أذهبَ ثانيةً لزيارة “دير عنايا”. وكنتُ منتظرةً أن يصبحَ الطريقُ سالكاً . وقد بلغَني أنَّه صار كذلك . وعندما أَتمكَّنُ من الذهاب ، سأُصلِّي هناك لكلٍّ منَّا . وعندئذٍ ، أَطلبُ إلى الراهبِ القدِّيس (2) أَنْ يشملَنا جميعاً ببَركاتِه . فهل تريدين أن تقومي ، يوماً ، بهذه الزيارة أَيضاً ؟

أَنتظرُ منكِ رسالةً طويلة تضَعين فيها قليلاً من قلبِك الكبير ، كما وضعتُ أَنا ، في رسالتي هذه ، قلبي كلَّه .

ماري ، أُختي العزيزة دائماً ، أُقبِّلُك .

                                                           لور

                                                    9 كانون الثاني 1951

ترجمة جواب ماري حدَّاد الثاني إلى لور

 

عزيزتي لور

  • ها قد مضتْ مدَّةٌ طويلة دونَ أَنْ أستطيعَ الكتابةَ إليكِ . والسببُ هو قريني جورج الذي كان يُمانعُ بالصُّلح ممانعةً عنيفة ، ممَّا اضطَرَّني إلى أَنْ أَكتبَ رسالةً إلى داهِش أَرجوه فيها أَن يأمرَ جورج بأَنْ يكونَ مُتسامحاً ومتَّفِقاً معي في أَهدافي النبيلة .

ومنذ يومَين ، تسلَّمَ قريني جورج رسالةً (3) من مُؤَسِّس عقيدتِنا الداهِشيَّة يهدِّدُه فيها بإِخراجِه من حظيرةِ الداهشيَّة إذا رفضَ أَنْ ينهجَ مثلَنا طريقَ الواجبِ والحقّ .

ولمَّا تسلَّم جورج هذه الرسالة ، انقلَبَ رأساً على عَقِب ، فأَصبحَ كالحَمَلِ الوديع بعد ثوراتِه العنيفة . فشكرأ لله تعالى .

2- قلتِ لي في رسالتِكِ الثانية ما يأتي :” سرَّني كثيراً ما ذكرتِه لي عن آندره . ولا عَجَب ! فمن المستحيل ألاَّ يكون لوالدةٍ مثلِك التأَثيرُ الطيِّبُ في أَولادِها .”

الجواب : دَهشتُ كيف لم يُخبرْكِ الأستاذ نون أَنَّ آندره كانت ثائرةً أَكثرَ منْ والدِها . ولكنَّها ، بعد أَنْ تسلَّمتْ رسالةً من داهش يطلبُ إليها فيها أَن تضعَ الحبَّ فوق البغضاء ، رضخَتْ للحال ، وأَصبحتْ طائعة .

وعليه ، فالفضلُ هنا يعودُ إلى داهِش أَيضاً ، وليس إلى تأثيري في أَولادي مطلقاً . والرسالة التي تسلَّمَتْها آندره يعرفُ أَمرها الأُستاذُ نون جيِّداً .

3- ربَّما لم يَبْلغْكِ أَنَّ جوزف حجَّار قد هَجَرَ ابنتي آندره نهائياً . وهو لا يريدُ أَنْ يكونَ له بها أيَّةُ صِلة ، وذلك منذ مدَّةٍ طويلة . وهو يُقيمُ في حلب بمفردِه . وبعضَ الأَحيان ، يزورُ ولدَيه في بيروت .

أَمَّا السببُ فقد صرَّحَ لنا به ، فقال :” أَنا لا أُريدُ أنْ يكونَ لي أيَّةُ صِلةٍ بامرأةٍ اعتدى عليَّ أَهلُها بالظلم الصارخ لأَجل عقيدتي الدينيَّة . وأُحبُّ أنْ أَقطعَ كلَّ صلةٍ تربطُني بمثلِ هذه العائلة .”

من هنا تُدركين ، يا عزيزتي لور ، أنَّهُ كان من المستحيل لغير داهش أَن يدعَ آندره تتغيَّرُ وتمتلئُ بالحبِّ عِوضاً عن البغضاء .

4- سأَلْتني في رسالتِكِ الثانية عن زينا . فأجبتُكِ أَنَّ زينا قد اقتَرَنَتْ بداهِش (4).

وكانت نتيجةُ هذا الزواج طفلَين (5). وطبعاً من المستحيل أَن يبقى هذا الخبرُ مكتوماً إلى الأَبد .

غيرَ أنَّ المُضحِكَ الُمبكي هو أنَّ أَفقرَ وأَحقرَ الفتيات يتزوَّجن ويعشنَ مع أزواجهنَّ تحت سقفٍ واحد . أَمَّا بناتي الثلاث فقد حلَّ عليهنَّ غضبُ ربِّ السماء، واشتركَ معه سيِّد الجحيم أيضاً ، وذلك بصورةٍ مرعبةٍ لا تُصَدَّق :

فابنتي ماجدا انتحرتْ حزناً واحتجاجاً على إِبعادِ داهش من البلاد بسبب علاقتِه معنا ، وآندره هجَرَهَا زوجُها لأَجلِ ظُلمِه وسَجْنه بسببِ عقيدتِه الداهشيَّة .

وزينَا تزوَّجت بداهِش ، ومنذُ أربعةِ أَعوام تبعَتْه إلى بغداد بطريق التهريب . وقد ذاقتْ مرارة الموت في ذهابِها إليه وعودتِها إِلينا ، لأنَّها لم تسافرْ بجوازِ سفرٍ قانونيٍّ . والآن تعيشُ التعيسة زينا في حالةٍ مؤسفة مُحزنة . وهي دائماً مريضةٌ لِشِدَّة آلامِها المتواصلة . وعندما أَراها بهذه التعاسة ، أتمنَّى أَنْ ينقضَّ عليَّ الموت ، فيريحَني من آلامي التي لا تُطاق . وأيَّة تعاسةٍ أَعظمُ وأَبلغُ وأَشدُّ من انقضاضِ صواعقِ النكبات المرعبة علينا بواسطة عائلتنا !

نعم ، يا عزيزتي لور ، لقد نُكِبْنا نحن فقط من بين المليون لبنانيّ . ولم يُنكَبْ غيرُنا بمثلِ هذه النكباتِ المخيفة . والله يشهدُ على ما أَقولُه . وأَنت تعرفين هذا جيِّداً .

5- تأَكَّدي ، يا عزيزتي لور ، أنَّني داهشيَّة قلباً وقالباً ، روحاً وجسداً ، دنيويّاً وأُخرويّاً .

وثقي بأنَّه لا توجد ، ولنْ توجد أيَّةُ قوَّةٍ ، أَرضيّة كانت أَمْ سماويّة ، تستطيع أنْ تُزعزعَ عقيدتي الداهشيَّة الراسخة رسوخَ الجبال الثابتة .

وثقي أَنَّني أُفضِّلُ داهش حتى على كريماتي الثلاث اللواتي أَعزُّهنَّ أكثرَ شيء من بعد الله .

وأَغتنمُ هذه الفرصة لأُقسم لكِ أَنَّ لله تعالى شاءَ لي ولِبَنَاتي الحياة . وإِلاَّ فاعلمي بأنَّه لو قُدِّرَ وقُتِلَ داهش ، عندما أُرسِلَت العصابةُ المُجرمة التي اعتدتْ عليه بتاريخ 28 آب 1944 ، لكنتُ انتحرتُ أَنا وبناتي دون أيِّ تردُّد ، وفي الحال ، ولكنتم قُتلْتم أَنتم عن بكرةِ أَبيكم . ولكنْ ، شاء الله لنا ولكم الحياة ، إِذ حفظَ حياتَه .

لهذا أُصارحُكِ مصارحةً تامَّةً بأنَّني مُستعِدَّةٌ للصلح (6) ولإِعادةِ الصِّلاتِ الأخويّة التي ماتَتْ والدتُنا العزيزة وهي تُوصينا بها خيراً ، بشرطٍ واحدٍ أَلا وهو إِعادةُ جنسيَّة داهِش السليبة إِليه مع التعويضات الأَدبيَّة والماديَّة والمعنويَّة . وهذا حقٌّ صريحٌ أُطالبُ به بكلِّ ما فيَّ من قوّةٍ وإِيمانٍ ويقين ، وإنْ يكنْ داهش لم يطلبْه . وهذا حقُّه الواضح وضوحَ الشمس في رابعةِ النهار ، ولا يختلفُ فيه اثنان قطّ .

وأَنا مستعدَّةٌ أَنْ أَجتمع بكِ عند نون أَو في أيِّ مكانٍ ترغبين فيه ، وتعودَ المياهُ إلى مجاريها .

6- أَمَّا إِذا لم يتحقَّق طلبي العادل هذا فثقي ، يا عزيزتي لور ، بأَنَّ ماري ستخسرونها إلى الأَبد ، وكذلك زينا . فأَنا وابنتي لسنا بأفضلَ من ماجدا الشهيدة .

إِنِّي أَتعذَّبُ عذاباً هائلاً جدّاً لا أستطيع أَن أَصفَه لكِ بقلمي على الإطلاق ، عذاب الضمير الذي يُلاحقُني وكأنَّه مَطارقُ الهاوية تدقُّ فوق رأسي دَقَّاً . عذابٌ مرعبٌ مدمِّرٌ عذابُ الضمير الذي يلازمُني في يقظتي ومنامي ، في قعودي وقيامي ، في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ حياتي ، إذْ يُعذِّبُني هذا الضميرُ ويقولُ لي : إِنَّ شقيقَكِ وشقيقتَكِ وزوجَها اضطهدوا داهش وشرَّدوه بسبب إِيمانكم برسالتِه الروحيَّة . وخصوصاً عندما أُشاهدُ زينا المريضة التَّعِسة وهي تتحمَّلُ عذاباً أَشَدَّ من عذابي .

وهكذا تمضي الأَيّامُ وأنا أتقلَّبُ في سعيرٍ جهنّميٍّ من القلق والاضطراب الإبليسيِّ الذي لا يُصدَّق ، وذلك منذ 28 آب 1944 حتى الساعة التي أَكتبُ إليكِ فيها رسالتي هذه . ولن ينفكَّ عذابي المُرعب المُهلك هذا حتّى تعودَ جنسيَّة داهِش إليه (7). أمَّا إذا لم تُعَدْ فالقبرُ أَفضلُ مكانٍ سيأوي فيه قلبي الكئيبُ المعذَّبُ وضميري الأبديُّ القَلَق .

وفي هذا راحةٌ لي لا أَنشدُ سواها بعد آلام نفسي الحزينة .

7- لقد أَخطأتم بإرسالِكم رجال التحرّي الذين يمكثون في كلِّ يومٍ في الدكَّان بالقربِ منْ منزلنا . أقولُ : أَخطأتم ، لأَنَّ هؤلاء الموظّفين قالوا لمنْ يجلسون عندهم إنَّكم أَنتم شخصيَّاً أَمرتم بهذه المراقبة علينا خوفاً منْ مجيءِ داهش من حلب .

ثمَّ تكلَّموا عنكم أَشياء لا يستطيعُ قلمي أَنْ يذكرَها مُطلقاً . وبما أَنّك شقيقتي ، رأيتُ من واجبي أَنْ أُنبِّهك لهذا الأَمر كي تكوني على علمٍ به .

وأَنا متأسِّفةٌ أَنْ أقولَ إِنَّنا أَصبحنا وكأنَّنا عصابةٌ من اللصوص وقُطَّاعِ الطُّرُق ، إذْ منذ 7 سنوات حتى الآن لم تَنقطِع المراقبة علينا كأَنّنا مُجرمون أو مُدمنون على الجرائم .

وقد قالَ بعضُ الجيران :” لم تُرسلِ السلطة لأيِّ حزبٍ من الأَحزاب المُعارِضة رجالاً من التحرِّي باستمرار مثلما أَرسلت إلى منزلِ ماري حدّاد شقيقة زوجة رئيِس الجمهوريّة “.

وهذا لا يَليقُ أبداً . وقد أَصبحَ حديثُهم هذا كتَفْكِهة يتسامرون به مع سكَّان الحيِّ .

فهل توجدُ حالةٌ تعيسةٌ أَكثرُ من هذه الحالة ، يا لور ، بعد أَنْ أَصبحنا نحنُ وأَنتم مُضْغة في أفواهِ الجميع ؟

8- أَفرضي أَنَّ ابنتَكِ هيكيت قد انتحرَتْ ، لأَنّنا جرَّدْنا صاحبَ عقيدتِها الدينيّة من جنسيَّته بسببِ إِيمانها به ، وذلك لأَنّنا على كرسيِّ الحُكم – مع العلم أَنَّ الدستورَ صريحٌ بأنَّ لكلِّ لبنانيٍّ أَنْ يعتقدَ بمَن يشاء – فهل كنتِ ، وأَنتِ والدتها ، تصفحين عن عمَلِنا ؟

وهل كنتِ تقبلين أَن تصالحينا ؟ وسأَرى ماذا ستكونُ نتيجةُ شعوري النبيل هذا .

9- لم أُصدِّقْ نون عندما قال إِنَّكِ قلتِ له :” لِتطردْ ماري زوجَها جورج ، ونحن نأْخذُ لها غرفةً لِسَكَنها ، ونحن مستعدُّون لإطعامِها .”

أَظنُّ أنَّ هذا رأيه الشخصيّ ، إذْ لا أعتقدُ أنَّ شقيقتي لور التي تعرفُ كم هو مقدارُ جِهاد جورج حدّاد ، وكم مرَّةً من المرَّاتِ سُجِنَ لأَجلِ عقيدته ، وما هي الآلام والأحزان التي تحمَّلها ، وكيفيّة فقدانه لِفِلْذة كبدِه ماجدا ، وحالة ابنتيه آندره وزينا … نعم ، لا أصدّقُ أنَّ لور تعتقدُ ، بعد كلّ هذا ، أنَّ ماري يمكنُها ، من أجلِ سقف بيتٍ يُؤويها ولقمةِ خبزٍ تتبلَّغُ بها ، أَنْ تطردَ رفيقَ حياتها ورفيقَ جهادِها ، وتتركَ أيضاً عقيدتَها التي بذلت من أَجلِها كلَّ مرتخصٍ وغالٍ .

إِنَّ هذا الكلامَ لا يمكنُ أن تتفوّه به لور (8). وأُريد أنْ أَتحقّقَ منها هذا الأمر ، لأنَّه يهمُّني جدّاً . ذلك أَنَّ شقيقتي لور تعلمُ ، بل تتيقّنُ جيّداً أنَّه من المستحيل عليَّ أَنْ أقولَ لها : أَتركي بشارة ، وأَنكريه ، وخاصميه ، وأنا كفيلةٌ بإِطعامك وإِسكانك ….

10- أظنُّكِ لا تجهلين أَنَّ الشهيدة ماجدا كانت قد صمَّمتْ على اغتيالِ زوجِك لأنَّه جرَّد داهش من جنسيَّتِه . وعندما بلغَ داهشاً هذا الأمر – وكانَ في حلب – كتَبَ إليها ، وهدَّدها بفصلِها عن الحظيرة الداهشيَّة . وقد أَعلمها ، في تلك الرسالة ، أَنَّ القتلَ في شريعته ممنوعٌ منعاً باتّاً ، وأنَّ هذا الأمر يُعَدُّ جريمةً مُنْكَرة لا يقبلُ بها على الإطلاق .

وإذّاك ، أُسقِطَ في يدِها ، وانتَحَرَتْ .

وأَظنُّكِ ، يا عزيزتي لور ، على يقينٍ من أنّّ من يُقْدِمْ على الانتحارِ يَسهلْ عليه جدّاً اغتيالُ أيِّ شخصٍ يريدُ الانتقامَ منه ، ما دام مُصَمِّما على الموت .

لكنَّ داهِش منعَ هذا الأمر منعاً باتّاً ، فأنقذ زوجَك من خطرِ الموت المُحقّق . كما إنَّه جعلَ ، الآن ، ابنتي آندره وقريني جورج أَن يغيِّرا أَفكارهما ، وأَن يرغبا في السلامِ بعد الخصام . وأَنا سأَرى ماذا ستكون نتيجة نبالةِ داهش وسموِّ همَّتِه ومكارمِ أَخلاقِه .

11- قلتِ لي في رسالتِك الثانية :” ولكنَّ الله أرادَ ذلك . وعلينا أَن نخضعَ لإرادتِه الإِلهيَّة ، إذ لا مَرَدَّ لأَحكامِه . وكلُّنا يعرفُ ذلك .”

الجواب : منذ ثلاثةِ أَعوام اعترفَ أَلْفرِد نقَّاش أَنَّ شقيقَكِ ميشال شيحا ذهبَ إلى منزلِه مراراً وتكراراً ، وذلك في الليل ، ورَجَاه أَنْ يُبعِدَ داهش من البلادِ بسببِ تأثيرِه علينا .

وقالَ النقَّاش إنَّه أَخبر ميشال بأنَّه سيُحقِّقُ في ما ينْسبُه إلى داهش . فإذا وجدَ عليه شيئاً أَحالَه على المحاكمة . وهو لا يستطيعُ إِخراجه من البلاد مُطلقاً لأنَّ هذا شيءٌ ضدَّ القانون وتحطيمٌ للدستور . وهو لا يُريدُ في مدَّةِ رئاسته أن يدوسَ القانون ويُحطِّمَ الدستور .

وبالفعل ، جرى يومئذٍ تحقيقٌ دقيقٌ جدّاً خرجَ داهش ، في نهايتِه ، أَنقى من ثلجِ جبلِ صنِّين .

أمَّا عندما تسلّمتم أَنتم الحُكم ، يا شقيقتي لور ، فإنَّ داهش تجرَّدَ من جنسيَّته بعد محاولاتٍ حكوميّة متواصلةٍ لاثباتِ أيَّة فِرْيَةٍ ضدَّه دون نتيجة .

وهذا معروف عندكِ تماماً ، لأنَّ المُجرم الأَثيم يوسف شربل المُدَّعي الاستئنافيّ العامّ اتَّصل بجميع الحكومات العربيّة ، وطلبَ منها معلومات عن داهش في أَمَلِ أَنْ تكون ضدّه . فجاءَت مُخيِّبةً لأَمَلِه ، لعنه الله .

وعليه ، فأَنا لا أُوافقُ مُطلقاً على أنَّ هذه هي إرادةُ الله بما وقعَ من نكباتٍ وآلامٍ وأحزان ، ومُنغِّصاتٍ وأَشجان ، بل أَقولُ إنَّ مُسبّبَها الأَساسيّ بكلِّ أسفٍ هو شقيقُكِ ميشال شيحا . ثمَّ اشتركتم أَنتم معه ، بعد وصولِكم إلى الحُكم ، ويا للأسَف !

إذن ، فميشال كان هو حجَرَ الزاوية بمقتل ابنتي ماجدا . وهو حجَرُ الأَساس أيضاً بهَجْر جوزف حجَّار لزوجتِه ، ابنتي آندره . وهو سببُ تشريدِ ابنتي زينا وطفلَيها ….

تُرى ، لماذا لا يهتمُّ الآن ميشال بابن أُخته خليل الخوري ، ويمنعُ تأثيرَ الدجَّال طهراً عنه ؟ وأَنتم أيضاً أولستم مؤمنين بدجلِه القَذِر ؟

إسمحي لي ، يا لور ، أَن أَقول لكِ ما في قلبي . ولنْ أَخدعك بكتمانِه . فأَنا تربَّيتُ على الصدق ، ونشأَتُ بين أحضانه . ولذلك لا أُريدُ إلِاَّ أَنْ أَكون صادقةً معكِ الصدقَ كلَّه ، بقَطْعِ النَّظر عن تأثير هذا فيك . وأَظنُّك تُسَرِّين بصدقي ، وتَبتهجين بصراحتي .

وهذا أَفضَلُ من أَن أَكونَ مُرائيةً أُبطِنُ غيرَ ما أُظهر .

نعم يا عزيزتي لور . كان على شقيقِكِ ميشال أَنْ يمنع تأْثيرَ الدجَّال طهراً عن خليل وغير خليل … فهل من العدالة أَن تُنْـزَعَ الجنسيَّة عن داهِش اللبنانيِّ ، ويُعطى الدجَّال غيرُ اللبنانيِّ جنسيَّةً لبنانيَّة ؟

أَصدقُكِ القول ، يا لور ، إنّ المقالَ الذي نشرته الجريدة العراقيّة حولَ الدجَّال طهراً تحت عنوان :” راسبوتين لبنان الذي يؤثِّرُ على أَكبر الشخصيّات الرسميّة اللبنانيّة ” قد أثَّر في نفسي ، واستأْتُ منه كثيراً . وكيف لا أَستاء ، والكاتبُ يقصدكم في كلمتِه الصريحة ، ويعنيكم في حديثِه . وإنْ يكنْ لم يذكر اسمَكم بصراحة . ثمَّ يجبُ عليَّ أنْ أذكر لك أنَّ طهراً قال لِمَتيلد طوبيّا ، في الصيف الفائت ، إنَّكم بخلاءُ جدّاً ، بينما تكنـزون الذَّهَبَ بالقناطير ، وإنّه يستفيد الآن بواسطتكم لأنَّكم في الحُكم الخ ….

ولا أريدُ أنْ أُسهبَ في ما تكلَّم به عليكم ، فاسأَلي مَتيلد تعرفي أيَّ صلٍّ لئيمٍ هو هذا الدجَّال الأَرمنيّ المُلقَّب بطهراً الذي تحمونه وتدافعون عنه ، بينما هو يطعنُكم من الوراءِ بخنجرِ لؤمه المُرهَفِ الحَدِّ .

فأين هو أخي ميشال شيحا ؟ ولماذا لا يمنعُ تأثير الدجّال طهراً عن ابن أُخته ، ما دام قد تدخَّل بمسألةِ داهش بكلِّ ما عنده من قوَّةٍ وعلمٍ ومعرفةٍ ونفوذ ؟

وأين العدالةُ بهذا الأمر ، يا لور ؟ … مع العِلم بأنَّ طهراً تعرفُه عواصم أَورُبَّا بأسرِها بأنّه دجَّالٌ خطير . وقد صدرت ضدّه أَحكامٌ عديدةٌ لا شكَّ في أنَّكم تعرفونها ، وسمعتم بها ، وآخرها الحُكم الذي نشرته ضدّه جريدة “أيسي باري Ici Paris. وخلاصتُه أنَّه احتالَ على سيّدة فرنسيّة ، فباعَ أثاثَ منزلها ، فصدرَ ضدّه أَمرٌ بالسّجنِ عاماً كاملاً مع غرامةٍ ماليّةٍ فادحة ، ثمَّ الطّرد من فرنسا نهائيّا . وأظنّك قرأت عن هذا الأمر .

فأين هو الفخرُ بصداقةِ دجّالٍ كهذا وحمايته ؟ وأين المُساواة التي يتغنَّى بها ميشال في كتاباتِه دائماً ؟ ألا توافقينني على ما ذكرتُه لكِ ، يا عزيزتي لور ؟ أوليس لي الحقُّ في سرده لك ، وأنا المُصابة بأعَزِّ ما لديّ ؟

هذه هي النتيجةُ المؤسفةُ التي أَوصَلَنا إليها ميشال بتحريضِه إيَّاكم على داهش ، إذ انقلَبَت المسألة كلُّها ضدَّنا ، فتحمَّلنا ما لم يتحمَّلْه بشريٌّ بسببِ ميشال ، وذكاء ميشال ، ورغبة ميشال الذي يسرُّه أنْ يقولَ الناسُ عنه إنَّه ذكيّ وألمعيّ وذو مكانةٍ أدبيّة ، مع أنَّه هو سببُ خرابِ العائلة وتدميرِ سُمعتِها وشماتِة الأَعداء بنا وبكم . فهل هذا هو ما يسمُّونه ذكاء ؟ يا له من ذكاءٍ يقودُ إلى الخراب الشامل والفضيحة الُمزَلزِلة !

وهنا لا يفوتُني أَن أُخبرَك بأنَّ شقيقَكِ قد تكلَّم لبعض الأَشخاص في عدَّةِ مناسبات ، فقال إنَّه لا يعتبرُني شقيقةً له ، وإنَّه لا يهتمُّ بي سواءٌ متُّ أَم حييت . وأَنا أُجيبُه أَنَّه كان عليه ألاَّ يهتمّ بشؤوننا ، منذ أَمدٍ بعيد ، وألاَّ يذهبَ تحت جنح الظلام إلى منزلِ النقَّاش بطريقةٍ سريّة غير مُشرِّفةٍ ليتآمرَ على رجلٍ بريء . وقد أَدَّت مؤامرته الليليّة إلى نكبةٍ مُرعبة ، أَلا وهي انتحارُ ابنتي ماجدا ، ثمَّ ما تبع ذلك من سجنِنا وتشريدِنا ونشر سلسلة من الكُتُبِ السوداء التي مسَّت عائلته في الصميم . وهذا قدْ تمَّ وحدثَ بسبب تدخُّلِه واهتمامه المتواصلين . والآن ، يقولُ إنَّه لا يأبَهُ ولا يهتمُّ !

تُرى ، ماذا كان فعلَ بنا هذا الشخصُ المتكبِّر لو كنَّا نحن الذين نَكَبْنَاه بابنته وبسجنِه بواسطة زياراتنا السريّة إلى النقَّاش تحت ستار الليل ، وتآمرنا عليه وعلى عائلته ؟ أَلسْنَا أحراراً في عقيدتنا وشؤوننا العائليّة الخاصَّة حتّى أَصابَنا بأعزِّ ما نملكُه ؟

أَلا فاعلمي ، يا عزيزتي لور ، أَنَّني لن أَمدَّ يدي لمصافحة ميشال . ولا أَرغبُ في مُصالحتِه مُطلقاً لا في هذا العالَم الفاني ، ولا في العالَم الثاني .

12- قلتِ إِنَّك تفتخرين بذكائي وعبقريَّتي وثقافتي …

الجواب : اسمحي لي ، يا عزيزتي ، أن أُذكِّرَكِ بأنَّكم اتّهمتموني أَمام الجميع بأنّني مجنونةٌ ، مخطوفةُ العقل ، مسلوبةُ اللبِّ ، وقد نفَّذتم اتِّهامكم إيّاي بالجنون بوَضْعي في العصفوريّة إثباتاً للناس أَنّني مُصابةٌ بالجنون حقاً . وهذا يخالفُ ما ذكرتِه لي في تحريرِكِ من أَنّني ذكيَّة ، ومثقَّفَة ، وعبقريَّة .

وقد حاولتم أَن تجعلوا الأَطبّاء يُوقِّعون تقريراً يُثبِتُ جنوني . وقد وافقَ المجرم مِلِر رئيس العصفوريّة على هذا الطلب ، فبرهَنَ أنَّه خالٍ من الضمير وساقطُ النفس وعديمُ التربية المنزليّة . وكان جزاؤه على محاولة ارتكابِ هذه  الجريمة المرعبة الطَّرْدَ من رئاسةِ العصفوريَّة (9) ، لأنَّ الداهشيّين كتبوا إلى السُّلُطات المختصَّة في لندن ، وأَطلعوها على الحقيقة ، وأكَّدوا لها أنَّهم مستعدُّون لِطَبْعِ نشَراتٍ مرعبةٍ عن هذا الأَمر ضدَّهم ، فطردوه وعيَّنوا مجرماً آخر مكانَه .

13- ذكرتِ لي أَنَّ العمَّة العجوز لبيبة تُوفِّيَتْ . ثمَّ قلتِ إنَّكِ طلبتِ من روحِها أَن تجمعَني بك كالسابق . وأَردفتِ قائلةً :” أَلا تظنِّين أنَّها ستُحقِّقُ ذلك؟”

الجواب : يا عزيزتي ، كيف يحقُّ لكِ أنْ تؤمني بمناجاة الأَرواح وإِمكانِ مساعدة روحِ ميتٍ مُتَوفَّى لمَن يطلبُ مساعدتَه ، ما دمتم قد اضطَهَدتموني وأَفراد عائلتي والداهشيِّين لأَجلِ إِيماننا بمناجاة الأَرواح . ثمَّ جرَّدتم مُؤَسِّس الداهشيَّة من جنسيَّته ، لأنَّه أكَّد إِمكان مُناجاة الذين غادروا عالَم الجَسَد الفاني ؟

الحقيقة أَنّني في حيرةٍ وغرابةٍ فائقتين من هذا الأمر . والله شهيدٌ على ما أقولُه بإيمانٍ تامّ .

14- قلتِ لي :” إنَّهم نسبوا إليكِ وحمَّلوك أَشياءَ كثيرةً أَنتِ بالطبع تجهلينها تماماً حتّى الآن .”

الجواب : ما دمتِ متأَكِّدةً حقّاً أنَّ “الكُتُبَ السوداء” لم أَصدِرْها بذاتي ، إذن لماذا ألقيتم القبضَ عليّ ثلاث مرّات ، وزجَجْتموني في العصفوريّة ، ثمَّ في السجنِ مع العاهرات ؟ وكانت مدَّةُ سجني تسعة أَشهرٍ كاملةٍ تحمَّلْتُها بأَلمٍ عظيمٍ مروّع ، وصبرٍ يتفوَّقُ على صَبرِ أَيُّوبَ البارّ .

ألا يجوزُ لي أنْ أَسألكِ لماذا ارتكبتم معي هذه الجريمة ما دمتم تعتقدون أَنّني لست أنا التي كتَبتْ تلك المناشير المُرعبة ؟ إِنّني أَنتظر الجواب عن هذا السؤال ، يا عزيزتي لور ، على أحرِّ من الجمر المتَّقد .

15- قلتِ إِنَّهم حمَّلوكم أَكداساً من الكراريس المُرعبة والرسائل الشخصيَّة مع تهديداتٍ عنيفةٍ هائلة تفوق الطاقة .

الجواب : ما كان أَغناكم ، يا عزيزتي لور ، عن هذا الأمر ، وعن تحمُّل تلك المشقّات ، لو لم تتدَخَّلوا في عقيدة الداهشيّين . فهم أَحرارٌ أنْ يؤمنوا بالشيطان أنَّه الخالق عزّ وجلّ ، إذا أرادوا ذلك . تُرى ، هل يستطيعون أَن يمنعوكم أَن لا تؤمنوا بأيِّ مخلوقٍ ، إذا طابَ لكم الإِيمانُ به ؟ وها إِنَّكم تؤمنون بالدجَّال طهراً ، ولا تخجلون !

إذن ، اسمحي لي أنْ أَقولَ لكِ – وإنْ كنتِ شقيقتي – إِنَّ تدخُّلكم في عقيدتهم سبَّبت لكم قَطْعَ صِلاتٍ عائليَّة ومشقّاتٍ جسيمة ما كان أَغناكم وأَغنانا عنها ، واأسفاه !

16- فهمتُ من نون أنَّك قلتِ له إنَّك “فقيرة” ، وإنَّه لا يوجد معكِ نقودٌ لكي تساعديني . وكان نون يتكلَّمُ على هذا الأمر ، وهو يكتمُ ضحكةً تحملُ شتّى المعاني .

الجواب : يا شقيقتي لور ، ثقي بأنَّني لا أمدُّ يدي حتَّى لداهِش . وما دام الله قد أَعطاني العافية ، فإنّني أجِدُ من واجبي المفروض عليَّ أنْ أَشتغلَ وأَخدمَ في المنازل لكي أَحصل على رغيفي بعَرَق جبيني مُطبِّقةً كلام الله جلَّ اسمُه :” بعَرَقِ جبينِكَ تأَكلُ خبزَك .” وهذا ما أَعدُّه شرفاً عظيماً لي ، إذْ إنَّني أَشتغلُ وأَحصلُ على رزقي بشرفٍ تامّ ، وأَنام وأنا مطمئنّة الضمير ، آمنةٌ على مستقبلي الروحيّ ، وغير خائفةٍ أنْ أذهبَ إلى جهنَّمَ النار المتَّقِدة المُعَدَّة للأشرار والكذَبَة المُرائين الذين يأْفكون ويسرقون دون خوفٍ من الخالق الذي سيُحاسبُهم حساباً عسيراً في دنياهم وأُخراهم . فيا للرعبِ العظيم ! وأنتِ تعرفين من أَعني بكلامي !

17- بما أنَّكِ شقيقتي ، وبما أنَّ المَثَلَ المعروف يقول :” الدم لا يصيرُ ماء “، فإنِّي أقولُ لكِ بإخلاصٍ عميق وبدون أيَّة غاية أَنْ تُسرعي وتُنهي مسألة الجنسيَّة . فعلى المرء العاقل أن لا يقول :” اليوم هو لي “، بل لِيَذْكرْ أنّه يوجد شيءٌ اسمُه “الغد”.

وربَّما انقَلَبَ عليه هذا “الغد” ، فيكون ندمُه عظيماً ، ولا يعود النَّدَمُ يُجديه نفعاً .

تذكَّروا دائماً أنَّ الداهشيِّين رغما عن سلسلة اضطهاداتهم ما لانَتْ لهم قناة ، ولن تلين ، ولم تغرَّهم الوعود ، ولم يأَبهوا للتهديد . ومثلُ هؤلاء الأشخاص لا يُمكنُهم إلاَّ أنْ يحفظوا في صدورهم أَمرَ الاضطهاد الذي أصابَهم ضدَّ القوانين وضدَّ الدستور أيضاً .

وثقي يا عزيزتي لور ، بأنَّه يوجد داهشيّون كثيرون مكتُومون لا أَعرفهم حتّى أنا بالذات . وأَنا لا أقولُ لكِ هذا إلاّ لأؤكِّدَ لكِ أنَّ الزمان ، يا لور ، لا يبقى باسماً لأيِّ مخلوق . إِنَّ كَسْبَكم صداقة الداهشيِّين خيرٌ من معاداتكم إيَّاهم ، وهذا لا يكون بمصلحتِكم في شيء . فإذا كنتِ حكيمةً ، فتأَكَّدي أنَّ نصيحتي غاليةٌ ، وفي الوقتِ نفسِه مخلِصةٌ الإِخلاصَ كلَّه .

18- قد تكونُ رسالتي هذه إليكِ ، يا عزيزتي لور ، آخر رسالة ، وتنقطعُ بعدها العلاقاتُ بيننا إلى الأبد ، وأَكونُ أَنا غريبةً عنكم روحاً وجسداً ؛ هذا إذا لم يكن الحقُّ والعدالة هما السائدَين ، وإذا لم تُعَدْ الجنسيَّة إلى داهِش مع التعويضات التامَّة . كما إنَّها قد تكون بدايةَ عهدٍ جديد ، عهدِ علاقاتٍ أَخويَّة يغمرُها الحبُّ والوئام (10)، علاقاتٍ أبديَّة لا انفصامَ لها ؛ هذا إذا تمَّ الأَمر ، يا عزيزتي لور ، وفقَ ما يرتضيه الضميرُ الحيُّ والحقُّ والعدل والقانون والدستور .

وإنِّي أَنتظرُ ، لمدَّةِ أُسبوع ، جوابَكِ إليَّ حولَ هذا الأَمر . فإذا انتهى الأُسبوع ، ولم أَفزْ بطَلَبي العادل ، سأرفعُ ضراعتي إلى الله كي يُعيدَ الحقَّ إلى نِصابِه ، والعدلَ إلى محرابِه ، وأَنْ يُجازيَ كلاًّ حسبَ استحقاقِه ونيَّاته .

أُودِّعُك ، ولي أَملٌ وطيدٌ أَنْ يعودَ بيننا الحبُّ الأَخويُّ الذي تُوُفِّيَتْ والدتُنا وهي تُوصينا به خيراً .

منزل الرسالة ، بيروت ، 13 نيسان 1951                ماري

الدَّاهشيُّونَ يَشْكُرُون

 

إلى الإخوان الأمناء .

إلى الأصدقاء الأوفياء ،

إلى الذين بعثوا ببرقيَّاتهم ورسائلهم ،

إلى الصحافة الحرَّة في الوطن والمهجر ،

إلى جميع الذين عزونا بفقد

أُمِّ داهش مُؤَسِّس الداهِشيَّة

نبعثُ إليهم بعاطفة شكرنا العميق .             عن (منزل الرسالة) آل حدّاد

الهوامش  

 

  • ليس خفيّ إلاَّ سيظهر . فالصورة الجنسيّة القَذِرة صورتها . وقد وزِّعَتْ على جميع المجالس النيابيّة في العالَم ، وعلى قناصلِ دول الكرة الأرضيّة كافّة .
  • يا للسخافة ! ستطلب من القدّيس ! يا للمهزلة ! كما إنَّها تطلب من أُختها ماري حدّاد الداهشيَّة أنْ تذهب إلى الدير ، وتصلِّي للقديس شربل . أَلا فلتعلم هذه اللور أنَّ منْ يذهب ويصلِّي لشربل ما هو إلاَّ معتوهٌ فاقدٌ العقل ، يستحقّ الرثاء الأبديّ . فلتذهب هي إليه ، ولتصلِّ له ما شاء لها وهمها الضالّ . فما صَلاتها إلاَّ سراب بسراب تائه في قفرٍ يباب .
  • لم نتسلَّم رسالة من داهش ، إذْ إنّه كان موجوداً في منـزلنا . وهو الذي كَتَبَ ونَشَرَ سلسلة “الكُتُب السوداء” ضدّ المجرم بشارة الخوري وزوجته أفعوانة الإِثم الرهيب . ولكنَّها خِدْعة نستدرج بها المجرمة لور لنغْتَالها . “فالحربُ خدعة.”
  • هذا غير صحيح إِطلاقاً . ولكنّه أُذيع نكاية بعائلة بشارة الخوري ، ومن أَجل أن تستمرَّْ الصُّحف في نشر جريمتهم ؛ وهذا يؤلمهم .
  • للنكاية بهم هذا الزّعم – زعم ولادة طفلين وهميّين .
  • هذا حلمٌ بعيد المنال لنْ تحصلَ عليه طُغمة الشرِّ الوبيلة : لور وبشارة وفرعون وشيحا أَبطال الجريمة المُرعبة .
  • وقد عادت جنسيَّته إليه رغماً عن هذه الطُغمة الوصُوليّة المُجرمة ؛ عادت جنسيَّته إليه ، وأَنفهم مُمَرَّغٌ في الرغام ، فضلاً عن طرد الشعب اللبنانيّ بشارة الخوري عن أَريكة حكمه .
  • إنَّ لور التي ارتكبت جريمة الاعتداء على داهش ليس كثيراً عليها أَنْ تطلب من أختها ماري أَنْ تطرد زوجها . فيا للأخلاق التي استقتها من تربيتها المنزليّة !
  • وبعد طرده ، فقد عقله ، وأُدْخِل إلى العصفوريّة في لندن إذ كان جنونه مُطبقاً .

الوئام لا يمكنه العودة إطلاقاً . فثعبانة الاثم لور تستحقّ الشّنق ، بعد عذابات هائلة جزاءً لها على جريمتها القذرة . ولكن “الحرب خدعة” . وقصد ماري حدّاد أن تجرّها لحتفها ، لعنها الله .

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!