حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
خيالُ شاعر
أيتُها الفتاةُ الطُروب، صُولي وجُولي في هذا الكونِ الشاسع
وارقُصي واهزجي، ثم ابعثي الآمالَ في القلوب الحزينة
إن لكِ من صباكِ وفتوتكِ حُلةً رائعةً متينة
عندما تعبثُ أناملكِ البضةُ بالزهرةِ، تثملُ ولا تُفيق
والعصافيرُ تغردُ راقصةً عندما تُداعبين بتلك الأنامل ريشها الدقيق!
أما أنا، فأشعرُ بالسعادةِ تغمرُني عندما أتخيلُ حنانَ قلبكِ الواسع
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
الدكتور داهش
- تعريف بمؤلّفات الدكتور داهش
- أسرار الدكتور داهش الكاتب الملهم
- هل للداهشيّة كتاب مقدّس ؟!
- المطبوعات الداهشيّة
- كتب داهشيّة مخطوطة
- مؤلّفات الدكتور داهش فتح جديد في عالم الأدب
- رسالة من طبيب داهشيّ
- تحفة سنيّة
- مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة في معرض الكتاب
- أغرب جناح في معرض الكتاب بالقاهرة
- داهش الأديب العجيب
- سطّرت ملحمة التاريخ
- خواطر في أدب الدكتور داهش
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
دراساتٌ في أدبِ الدكتور داهش
تعريف بمؤلّفات الدكتور داهش
بقلم ماجد مهدي
صاحب ومدير ثانويّة النهضة العلميّة
هذا الكتاب يحوي بين دفّتيه طائفة من آراء الأدباء والكتّاب والشعراء والصحافيّين والنقّاد بأدب الدكتور داهش .
وللدكتور داهش أكثر من مئة مؤلّف ومصنّف ، إذ كتب نثراً وشعراً في المراثي والروحيّات والاجتماع والفنّ والنقد والهجاء والعنف والقصّة والغزل والدين … ثم تجاوز الجميع ، وخاض محيطاً لجباً عندما ألّف كتابه ” الجحيم”، وكان عمره يوم تأليفه له 30 عاماً .
وتراه في كتابه الفذّ هذا يجوب آفاق دركات الجحيم المتأجّجة بجهنّم النيران المتلظيّة، ويصف لنا أهوالها ورهبوت عذاب الهلكى في تلك الدركات السحيقة الأغوار ، الدامسة القرار ، الدجوجيّة الاستقرار . إنه وصف هائل الفواجع ، رهيب المناظر ، مرعب النتائج ، فهو مقضّ للمضاجع .
لقد وصف دركات سقر ، وأبدع بوصفه لعذاب الهلكى في تلك الديار الحافلة بالأهوال المحيقة .
لقد حاز الدكتور داهش قصب السبق بتأليفه لهذا السِّفر الجحيميّ ، وأبدع الإبداع كلّه .
فليس من السهل إطلاقاً أن يستطيع الكاتب – أيّ كاتب- أن يلج أبواب ذلك الجحيم ، ويصف دركاته المهلكة ونخاريبه الابليسيّة المفاجآت .
لهذا لم يجرأ أيّ كاتب أو أديب على طرق هذا الموضوع ، إذ تهيّب كلّ منهم ومكث وراء الباب المغلق ، دون أن يستطيع ولوج تلك الديار الجحيميّة الأبديّة الدجوجيّة .
فقد دانتي أليجيري أخرج لنا كتابه “الكوميديا الالهيّة” ، وأبو العلاء المعرّي تطرّق للموضوع بكتابه “رسالة الغفران” ، والحارث بن الأسد المحاسبي بكتاب “التوهّم “.
ولكن شتّان ما بين وصف هؤلاء الكتّاب الثلاثة لأهوال الجحيم ووصف الدكتور داهش المدمّر والمردِّم . إذ تفوق بوصفه المرعب العنيف ، بعدما خاض دركات الجحيم السحيق الأغوار ، وانتزع الخوف من تلك الدركات البطّاشة ، وأخرجها للقرّاء بكلمات مفعمة بالرهبوت ، مشبعة بالهلع المبيد .
فقارئ “جحيم داهش” تشدهه تلك الأهوال التي تحيط بالهلكى الكافرين ، والأفّاكين المذنبين الذين يتقلّبون بين أكفّ الرواعب المزلزلة .
والمعروف عن الأدباء أنّ كلّ أديب منهم مختصّ بموضوع من المواضيع . فمنهم من اختصّ بالدين ، فلا يستطيع تناول أيّ موضوع سواه ، ومنهم من اختصّ بالتاريخ ، فلا يتجاوزه إلى ما عداه . وآخر مختصّ بعلم الاجتماع ، فبحثه يدور حوله ، ولا ينتقل لموضوع آخر ، إذ لا استطاعة له أن يخوض إلاّ موضوع علم الاجتماع . وأديب آخر استهوته العاطفة ، فهو لا يدور إلاّ بفلكها الخ الخ …
أمّا داهش فقد خاض جميع المواضيع العامّة منها والخاصّة ، إذ ألّف كتباً عديدة في كلّ علم وفنّ ، وبسهولة عجيبة غريبة ، فأسلوبه من السهل الممتنع .
وكم قصصه العجيبة رائعة ومذهلة ! إنّها تستولي على الألباب ، فلا يسع القارئ إلاّ الاستمرار بمطالعة كتاب قصصه من الغلاف للغلاف ، لروعة ما يطالعه .
فقصصه لم يسبقه أيّ قصصيّ آخر بموضوعاتها المبتكرة ، وخصوصاً ما يتعلّق منها بالتقمّص وأسراره الخفيّة .
وبعد ، فهذا هو الكتاب بين يديّ القارئ ، فليخض عبابه ، وليتصفّح صفحاته ، فيأخذ فكرة عن أدب الدكتور داهش الغزير المادّة ، العجيب التنوّع ، الحافل بأعجب ما دوّنه قلم أو بلغه خيال . والسلام .
ماجد مهدي
بيروت ، 21 كانون الأوّل 1979
أسرار الدكتور داهش الكاتب المُلهَم
تحت هذا العنوان تشرت جريدة “الشمس” في عددها
الصادر بتاريخ 11 كانون الأوّل 1945 الكلمة التالية:
ولما ولج (داهش) السادسة عشرة من عمره أخذ يشعر بشوق ملحّ لأن يعبّر بالقلم عمّا يجيش في صدره من اتّجاهات فكريّة ، وميول خيالية وروحيّة ….
ومنذ ذلك الحين بدأ يكتب . وقد تجاوزت مؤلّفاته بعددها حتى الآن 100 كتاب .
وهي درر أدبيّة وروحيّة ملهمة ستفتح أعين الكثيرين من أمم وشعوب لرؤية أنوار الله السنيّة .
وأول قطعة له مؤرخة في 16 تشرين الأول عام 1927 وهي مدونة في كتابه (قيثارة الآلهة) وهي تحمل العنوان الآتي (إلى معبودتي الجميلة).
وكثير من الكتب الداهشيّة تحمل هذا الطابع الغزلي .
ولما نشر قطعته في بعض الصحف أثارت اعجاب المؤلّفين والشعراء والكتّاب في فلسطين ومصر .
وعندما وصلت إلى رجال الدين ظنها بعضهم أنها قطعة غراميّة … فوجدوها فرصة مؤاتية للقضاء على سمعة صاحبها . فأخذوا يطعنون به وبأخلاقه قائلين :
” إنّ من يتغزّل كهذا بالنساء لا يستطيع أن يتكلّم بأمور الدين “.
وبينما كان (داهش) يتغنى بمعبودته (الحقيقة) و(الحكمة) و(الروحانية) وسواها من الصفات المنبثقة من الله جلّ جلاله ظنّ بعض الغائصين في أوحال الدنيا الدنية وقذارتها أنه ينشد ما هم ينشدون ، ويعبد ما هم يعبدون في السرّ والعلانية .
ولكن كان كلّ ذلك ليتمّ ما قيل عنه وعن رسالته الروحية في الأنبياء :
” وسيكون مقدساً …
ولكنه سيكون أيضاً حجر عثرة وصخرة شكوك …
فيعثر بها كثيرون .
ويسقطون فيتحطّمون .
ويعلقون فيلقطون …”
(أشعياء . الفصل 8 عدد 14-15):
هل للداهشيّة كتاب مقدّس ؟!
جريدة الحرية ، في 6 أيار 1946
بقلم حليم دمّوس
عزيزي مراسل الحرية :
بعثت إليك برسالتي الأولى والثانية وها أنا أبعث إليك برسالتي الثالثة وفيه الجواب الأخير .
أنت تعلم أن الكتب الملهمة لا تهبط دفعة واحدة ولا تنتشر بالسرعة التي تنتشر فيها جريدة من الجرائد أو إذاعة من الإذاعات أو برقية من البرقيات .
فهذا الكتاب المقدّس لم يصل إلينا بحالته الحاضرة إلاّ بعد مرور مئات ومئات من السنوات .
وهكذا قل عن القرآن الكريم فقد دام هبوطه أكثر من 23 سنة كما جاء في كتب التاريخ .
ولكن في الرسالة الداهشيّة رسائل متسلسلة اجتماعية أدبيّة خياليّة فنيّة تأتي تباعاً وتطبع في أوقات معيّنة ولا سيّما بعد اضطهاد الدكتور داهش وسجنه وتجريده وإبعاده وتشريده فقد انقطعت تلك السلسلة مدة من الزمن ولا بد من عودتها عاجلاً أم آجلاً والأمور مرهونة في أوقاتها .
إلاّ أنّ هناك مجموعات نفيسة للغاية ستظهر للناس في حينها وهي أكثر من تسعين كتاباً بيضت بقلمي أكثر من نصفها وطبع قسم منها وسيطبع قسم آخر في هذا العام .
وإذا سألتني أن أختار لك أهمها فأجيبك أنّ هناك مجموعتين هما في نظري من الروائع الملهمة .
الأوّل : مذكّرات يسوع الناصري
والثاني : كتاب “الهادي”
وبما أنّ الوقت قصير معي الآن وأنا تحت سماء مصر فبعد عودتي إلى لبنان سأوافي جريدتكم “الحريّة” بوصف دقيق لكل كتاب من تلك الكتب الداهشيّة وعندئذ يتأكّد لكم صحّة ما أقول .
حليم دمّوس
المطبوعات الداهشيّة
تحت هذا العنوان كتبت جريدة “الدنيا” في العدد 166
الصادر بتاريخ 11 كانون الأول 1946 الكلمة التالية :
اجتمع مندوبنا بأحد اركان الداهشيّين ، وسأله عن مطبوعات الدكتور داهش ، ومنذ أيّ عام بدأت فأجابه بما يلي :
للدكتور داهش جلدٌ عجيب على المطالعة والكتابة .
فأحياناً كثيرة ينهض في منتصف الليل ويظلّ دائباً على الكتابة إلى أن يتنفّس صدر الصباح.
ولو شئت أن أصف لكم جميع كتبه لضاق بي المقام فهي تتجاوز التسعين ، وكلها أدبيّة واجتماعيّة وخياليّة ونفسيّة . وليست كلّها على أسلوب واحد . فمنها النثر المرسل ومنها المسجّع ، ومنها الشعر المنثور ، ومنها كلمات تنتهي بسطر أو سطرين . ومعظمها يهدف إلى تعاليم سامية متصلة الحلقات . وكلّما راجعها المرء تفهّم مضمونها وتكشّفت له مراميها الروحيّة التي لا يدركها إلا من دخلوا في الحظيرة الداهشيّة . وتلبية لرغبتكم الملحة أكتفي بوصف الكتب المطبوعة وهي سبعة :
1- ضجعة الموت
هو أوّل كتاب أصدره الدكتور داهش في القدس .
2- كلمات
مجموعة آراء وأقوال في المرأة والرجل والصديق والصداقة والمال والجمال والحياة والموت والجحيم والنعيم والفناء والبقاء .
3- الالهات الستّ
هو كتاب اجتماعيّ خياليّ ينشد الحقيقة والعدالة فلا يجدهما في هذه الحياة الفانية فيحنّ إليها في الحياة الباقية .
4- نشيد الأنشاد
من راجع التوراة وقرأ نشيد الأنشاد لسليمان الحكيم ظنّ أن هناك توارد خواطر عجيباً . ولكن من قابل بين (النشيدين) وجد تبايناً في بعض الأهداف الروحيّة والرغبات النفسانيّة . ولكن الاثنين في بحيرة الحقيقة السماويّة والمثل العليا الخالدة .
5- عشتروت وأدونيس
قطعة خالدة من الشعر المنثور .
6- بروق ورعود
مجموعة طريفة فيها وصف الحياة وأبناء الحياة من رجال الدين والدنيا والمرأة والمال والجمال والموت والخلود وغير ذلك من أغراض هذا الوجود .
7- جحيم الدكتور داهش
هو من أفخم الكتب التي ظهرت هذا العام من مطبوعات الدكتور داهش .
وصف الكتاب وحلّله الأستاذ حليم دمّوس في مقدّمة لا تنقص عن أربعين صفحة وذكر جميع المشاهير الذين وصفوا الجحيم أمثال دانتي والمعرّي وملتون وغيرهم .
وهي عبارة عن خمسين دركاً من الجحيم المظلمة المرعبة التي يقاسي فيها الخطأة .
11 كانون الأول 1946 جريدة الدنيا
كتب داهشيّة مخطوطة
جريدة الدنيا
تحت هذا العنوان كتبت جريدة “الدنيا” في عددها
الصادر بتاريخ 14 كانون الأوّل 1946 الكلمة التالية :
للدكتور داهش كتب مخطوطة لا تزال بدون طبع قد جاوزت التسعين ومن أسمائها : النعيم ، ومحمد سيد الخلق ، ومذكرات دينار ، والقلب المحطّم ، وأسرار الآلهة ، وقيثارة الآلهة ، وعواطف وعواصف ، وناقوس الأحزان ، والدهاليز ، ونزوات قلب ، وإنجيل الحب وقدس الأقداس ، ووحي الغاب ، صواعق داهشيّة ، أسراري ، وأسرار التنويم المغناطيسي ، فضح المشعوذين ، الوقائع الداهشيّة ، داهش بين المد والجزر ، من وحي السجن والتجريد والنفي والتشريد ، أسرار الموت ، كتاب (الهادي)، الديانة الداهشيّة ، مذكّرات يسوع الناصري الخ الخ …
جريدة الدنيا
14 كانون الأوّل 1946
مؤلّفات الدكتور داهش فتح جديد في عالم الأدب
90 مؤلّفاً مطبوعاً ومخطوطاً
بقلم يوسف الحاج الداهشيّ
منذ أكثر من عشر سنوات والدكتور داهش يعالج المواضيع الاجتماعية والأدبيّة والروحيّة بمؤلّفاته التي يصدرها من حين إلى آخر بأسلوب طريف وحلّة قشيبة وطبع متقن . فسلسلة كتبه تزدان بها المكاتب والمكتبات وخزائن الأدب في عالم العرب . ومواضيع مؤلّفاته بدأ الناس يتحدّثون بها بعد الحوادث الأخيرة لأنها تجمع بين الحقيقة والخيال ، والشعر والنثر ، والحكمة والنقد ، والجرأة والإنصاف ، والنصيحة والإنذار ،كل ذلك بلغة عالية نقية وعبارات رصينة معنىً ومبنىً .
ومن اطّلع على كتابه “ضجعة الموت” ظنّه أشبه برؤيا يوحنّا أي أنه ألغاز ورموز ومعميّات . ولكن من اقترب قليلاً من تفهّم تعاليم (الداهشيّة) وأهدافها عرف أن في تلك الألغاز اللفظيّة حقائق راهنة ستتكشّف لكلّ عين بصيرة كما ستتكشّف يوماً تلك الحقائق والرموز والمعميات المدوّنة في سفر الرؤيا … والويل لمن يزيد عليها حرفاً أو ينقص منها حرفاً .
وكذلك فان من اطّلع على كتاب “الإلهات الستّ” عرف أن هنالك أهدافاً سامية ستزيح الأيام الستار عنها ، وفيها بحث دقيق جدّاً عن (العدالة والحقيقة) اللتين لا وجود لهما بالمعنى العملي الصحيح في هذا العالم الفاسد ، ولذلك فالمؤلّف يعتقد بل يؤكّد أنّ هاتين الشعلتين الإلهيتين السماويتين ستظلاّن – ويا للأسف – تائهتين في صحراء هذه الحياة الفانية .
ولن يجدهما الإنسان إلاّ في السماء ، إذ لا نفوذ لهما ولا إقبال عليهما في هذه الغبراء ، أرض الظلم والشقاء .
أمّا كتابه “كلمات” فقد صدر عام 1939 ، وطبع في بيروت ، وفيه حملة بل حملات شعواء على هذا المجتمع ، ولا سيما على المرأة والصديق والمال . وهو يشكّ بالأمانة والصداقة ، ويعتقد أنّ وجود العنقاء والغول أقرب من وجود الصديق الذي لا يخون عهد الصداقة .
وقد ذكّرني رأيه بقصّة جرت لهارون الرشيد ، وقد سمع مرّة وهو جالس ليلاً في شرفة قصره أحد المغنّين ليلاً ينشد هذا البيت من الشعر :
وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب يرقُّ ويصفو إن كدرت عليه
فناداه الرشيد قائلاً :
- يا هذا ! … جئني بهذا الصديق وخذ نصف مملكتي .
أمّا كتابه الرابع “نشيد الأنشاد” فهو على أسلوب سفر سميّه (سليمان الحكيم ) ، وفيه رموز دقيقة لها علاقة بالرسالة الداهشيّة ، ولا سيّما بعد امتدادها واتّساع نطاقها وانتشارها في العالمين القديم والجديد .
وكذلك قل عن كتابه الخامس “عشتروت وأدونيس” إذ حاول بعض كتبة العصر وأدباء الغرب صياغة هذه الأسطورة القديمة شعراً ونثراً ففشلوا ، وقصّروا وهم في منتصف الميدان ، وظهر كتاب الدكتور داهش فبرز آية في الإبداع ، وفي إبراز روح الاسطورة وحقيقتها بإنشاء شائق وطبع أنيق وأسلوب رشيق .
وفي هذا العام (1946) والدكتور بين السجن والتجريد والنفي والتشريد ، أشار على أنصاره في لبنان بضرورة طبع كتب من سلسلة مؤلّفاته الداهشيّة التي لا تزال مخطوطة .
منها كتاب “بروق ورعود” وهو يشتمل على 200 قطعة نثريّة مسجّعة . وكلّ قطعة ستّة أسطر ، وسجعة السطر الأول في الغالب كالسادس والثاني كالثالث ، والرابع كالخامس . وفيها وصف الحياة والموت ، والشباب والمشيب ، والفرد والمجتمع ، والصديق والمرأة والمال والإنسان ، والأمانة والخيانة ، ورجال الدين والدنيا ، والوطن واليأس والأمل …إلى غير ذلك من الأغراض التي تحوم عليها حياة بني آدم من بؤس وهناء ، وفناء وبقاء .
وفي صدر الكتاب رسم المؤلّف ، وتحت رسمه هذه الكلمات :
“الانتقام هو شعاري
والتأديب المرعب محطّ افتخاري
وحلمي الذهبي البطش بكلّ ذئب ضاري
نعم . هذه هي أمنيتي في الحياة وما أرجوه من الباري “.
وقد صدّر الكتاب بمقدّمة عنوانها “صعاليك”، وهذا بعض ما جاء فيها :
“عجبت لأولئك الأذلاّء الرعاديد الخاضعين الخانعين أمام حثالات البشر ونفايات الدنيا وزعانف المستنقعات ، أولئك الوصوليّين ” الذين قادتهم الأقدار للجلوس على أرائك الأحكام وهم مهازل الأيام ، أمّا أنا فإنني أشمخ بأنفي على أنوفهم المعفّرة . وقريباً سأدعهم يتذلّلون أمام قدميّ وهم يطلبون منّي المغفرة ، لأنّني لم أبعث لأطيع بل لأطاع .
نعم لقد أرسلت كي أحكّم سيفي في رقاب أعدائي الأنذال . وسأنتقم منهم شرّ انتقام بلا هوادة ولا كلال ، ممّا ستتحدث عنه الدنيا على توالي الأيام وكرور الآجال”.
وإليك ما جاء في الصفحة 98 من كتابه (بروق ورعود) تحت عنوان “جبروت”. وفيها إشارة إلى بعض أهداف الداهشيّة بعد ترسيخ أركانها وانتشارها ، حيث قال :
جبروت
سأدكّ معتقدات العالم السخيف الفاني
وسأجعلها طعمة لعواصف الأقدار الهوجاء
وسأبني عالماً آخر لا يمتّ بصلة للمدنيّة المنقرضة العرجاء
وسأنشئ ديناً واحداً يتبنّاه جميع أهل الأرض
ومن يخالف أوامري ستهوي به شهُبي وعليه صواعقي ستنقضّ
وسأنفّذ هذا بمفردي … وأعلنه عندما تأزف ساعة الإعلان .
أمّا كتاب “جحيم الدكتور داهش ” فقد ظهر في أوائل عام 1946 مشتملاً على 152 صفحة بلونيه الأسود والأحمر .
يبدأ الكتاب بمقدّمة للأستاذ حليم دمّوس تستغرق أربعين صفحة ، وفيها ، بعد التمهيد ، درس لكلمات الجحيم والنعيم ، والثواب والعقاب ، والوجود والخلود ، وذكر الذين كتبوا في هذا الموضوع كدانتي ، وأبي العلاء المعرّي ، وملتن ، وسواهم ، وجاء على أمثلة من القطع الشعريّة التي نظمها العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي إذ حوّل نثر الدركات المظلمة الخمسين إلى شعر فصيح متين .
وكلّ درك من هذه المجموعة يشتمل على 24 سطراً ، وفيها وصف مرعب للخطأة والهلكى والمعذّبين في تلك النيران المتّقدة والأماكن الرهيبة التي وصفتها الكتب المنزلة ، ولا سيّما الأناجيل الطاهرة والقرآن الكريم وبعض الأحاديث الشريفة والكتب التاريخيّة والفلسفيّة من قديمة وحديثة . وهناك الدركان الأخيران من هذه المجموعة وهما (49و50) ، فقد خصّهما المؤلّف بوصف لاسع لاذع ضدّ المطرود عبد الرحيم الشريف بعد أن خان الامانة وتلبّس بالخيانة في حوادث يعرفها السواد الأعظم من أهل لبنان وفلسطين ومصر وغيرها من الأقطار العربيّة .
وإليك مثالاُ من الدرك الأوّل منهما (49) قال :
الدرك المظلم التّاسع والأربعون
الاسخريوطي “الخليلي” الخائن الجديد
الخنازير تقود هذا “العاق” المطرود ، والكلاب القذرة تخفره
الّلطمات الصاّرمة تكال لهذا “النذل” مهزلة الفلسطينيين وموضوع سمرهم
ولعلّ صوت هذا “الخليلي” (1) الناسج على منوال “الاسخريوطي!”
فقد خان “سيّده” ومهذّبه منذ ستّة أعوام في مدينة “القدس”
وكان هذا المخاتل المرائي يتظاهر بالتقوى ويجاهر بنعمة روح القدس
واقتادت أقذر الخنازير هذا الخائن فإذا باللؤم مرسوم على وجهه
وكانت أشرس الكلاب الذئبيّة تقود خطواته المعوجّة وهي توجّهه
وهو يسير منكّس الرأس والّلطمات الصّارمة تتساقط على جسده المخروطي !
إقتلاع حزمة شعر ممّن حمل بها سفاحاً
اجتثات لسانه الأفّاك من جذوره ، ثمّ إدخال رأسه مقلوباً في مرحاض
إجهاضه – لعنه الله- وولادته ثعباناُ كنوداً ، وعقرباً عربيداً .
وخيطت يداه بشعر بشع اقتلع من مؤخّرة شقيقته الزّانية !
وحزمت ساقاه بلسانه النتن بعد أن استلّ من أعماق حنجرته
وقيّد من وسطه بأفعى لسعته بأنفه ثمّ بأسنانها خنجرته (2)
وعندما مثّل بجسمه النتن جرجرته الكلاب إلى أقذر وأنتن مرحاض
وعلّق مقلوباً بعد أن أدخلوا رأسه فيه فأصيب بالإجهاض والإحماض
فولول طالباً الرحمة من الأبالسة وكانت عينه إليهم بذلٍّ رانية !
الروائح المستكرهة تغمر هذا الزّنديق المماذق عشرة آلاف من الأعوام
أفتكُ الأبالسة تتشاجر لحصولها على شرف التنكيل به
إخراجه تحت اللكمات والركلات ، ثمّ عجنه بالرّوث والاستهزاء بأمّه وأبيه
ومكث هذا الدجّال ورأسه في المرحاض عشرة أجيال كاملة !
وليس من يجرؤ على الدّنوّ من مكانه الفحش الرّوائح الخنّاقة
وكانت الأبالسة تتسابق إلى تعذيبه فتقوم بينهم كلّ دقيقة خناقة
وعندما انتهت أجياله العشرة أخرجوه تحت عنيف اللكم والضرب
وإذا به معجون كالفضّة السّائلة كالبخار وهي تسكّ في دار الضرب
ولعِظَم ما لاقاه من روائح وأهوال كانت روحه منسحقة وخاملة
إجلاسه على خازوق ذي أسنان متفرّعة مسنّنة مفزعة
نهيقه كالحمير وتجريعه القيح ثم تمريغ عينيه بالفلفل الإبليسي
دودة رهيبة تخرج من جوفه المرحاضيّ النّتن فيُرغم على التهامها
وأجلس هذا الدجّال السّاقط على خازوق عظيم
وجرّع أكره وأنجس السوائل المعروفة في عالم الدّجى
وأطعم الفلفل الجهنّميّ ومرّغت به عيناه وإذا بالليل قد أدجى (3)
وخرجت من فمه الموبوء دودة ملأت ألف بئر عميقة
فاضطرب هذا الخائن المطرود ، وللحال سمعت الشياطين نهيقه
وراح يستعطف السّماء وهو يقسم على توبته بالله العليّ العظيم .
(1)- الخليلي : هو عبد الرحيم الشريف “الخليلي” أي مسقط رأسه مدينة الخليل .
(2)- خنجرته : أي طعنته بأسنانها كالخنجر .
(3)- أدجى الليل : أظلم أي لم يعد يبصر بعينيه !…
وعلى هذا النحو يطالع القارئ الدرك المظلم الخمسين وفيه وصف دقيق لطريقة الرقصة المسمّاة (الهِنّ) وهي طريقة ابتكرها عبد الرحيم الشريف الخليلي كاتب محكمة الصلح في القدس سابقاً ، وكان يقول إنه بواسطتها يستطيع أن يحضر الأرواح ويناجيها …
والطريقة كما جاءت في شرح الجحيم (ص146) هي أنّ (عبد الرجيم) يلطم جبينه ثم يدير عجزه ، ثم يخرج لسانه ، ثم يقفز كأنّ به مسّاً من الجنّ …ثمّ يضرب بيده على صدره وينطرح أرضاً ويخرج من أنفه خنخنةً حمّارية إلى آخر ما هنالك من مضحكات تخرج الثكلى عن دائرة وقارها …
وقد فضحت الصحف أعمال هذا الدجّال الدعيّ فأصبح أمره معروفاً عند الخاصّ والعامّ بشعوذته واحتياله خصوصاً بعد أن أخرج من وظيفته في (رام الله).
وممّن شاهدوا قفزاته في طريقته الهنيّة الخفيّة الكركوزيّة الدكتور سليمان سليم طبيب صحّة قضاء (رام الله)، والأب يشوع السرياني المقيم في دير السريان في القدس (والمرشّح للمطرانيّة) ، والأستاذ خليل سليمان ، المدرّس في الناصرة ، وكذلك الأستاذ عبد القادر الشهابي الخطّاط الفلسطيني المعروف والمقيم حالياً في بيت لحم ، وعبد الأحد أحد أساتذة مدرسة بيت لحم وغيرهم .
أمّا كتب الدكتور داهش التي لا تزال مخطوطة فعددها أكثر من خمسين كتاباً نذكر منها الكتاب الماثل للطبع “مذكرات دينار”، و”قيثارة الآلهة”، و”أسرار الآلهة”، و”روح تنوح”، و”عواطف وعواصف”، و”ومذكرات يسوع الناصري”، و”ومحمد سيّد الخلق”، وكتاب “الهادي الإلهي”، و”أسراري”، و”أسرار الموت”، و”صواعق”، و”دهاليز”، وبقيّة أجزاء “الجحيم”، و”النعيم”، وناقوس الأحزان”، و”نزوات قلب”، و”انجيل الحبّ”، و”قدس الأقداس”، و”وحي الغاب”، و”أسرار التنويم المغناطيسي”، و”أسرار الداهشيّة”، و”داهش بين المدّ والجزر”، وفي هذا الأخير أقوال طريفة ، وهي عبارة عن مجموعة ما نشرته الصحف عن الدكتور داهش بأقلام حاسديه وأعدائه ومريديه وأحبّائه . وسنأتي على وصف المؤلّفات المخطوطة في فرصة ثانية للعبرة والذكرى والحقيقة والتاريخ .
يوسف الحاج الداهشيّ
بيروت ، عام 1946
رسالة من طبيب داهشيّ
أكتب ما تريد
رسالة من طبيب داهشيّ
تحت هذا العنوان تشرت جريدة “النضال” في العدد 2163
الصادر بتاريخ 22 تشرين الثاني 1948 الكلمة التالية :
إنّ المقصود من المكتبة الداهشيّة مؤلّفات الدكتور داهش مؤسّس الداهشيّة . ولم يطبع من هذه الكتب إلاّ سدسها حتّى اليوم ، وسأبعث بها إليك في البريد العادي لا بالطائرة ، وسترسل إليك هذه الكتب مضمونة حسب إشارتك خوفاً عليها من الضياع .
وهذه الكتب ليست كلّها تعاليم داهش وأهدافه الإصلاحية من دينيّة واجتماعيّة . فهناك كتب عظيمة لم تطبع بعد ، وأهمّها كتاب “الهادي” وهو منارة الرسالة ودليل الداهشيّين في سيرهم الروحي ، وسيكون مرجعهم الوحيد لكلّ مشكلة غامضة تقع أمامهم . فأقوالهم وحي السماء ، وأوامره الروحية لكلّ مشكلة غامضة تقع أمامهم . فأقوالهم وحي السماء ، وأوامره الروحية فصل الخطاب من حيث الحكمة والمعرفة والاهتداء إلى الحقيقة الروحية الكاملة .
أمّا طبع هذا الكتاب وبقيّة الكتب الخطيّة المتعدّدة ، فسيتمّ في أوقاته حسب الوصيّة .
وجميع مؤلّفات (المكتبة الداهشيّة) ظهرت باللغة العربية ، وستنقل تباعاً إلى أشهر اللغات الحيّة ، وسوف أوافيك بالترجمة الانكليزيّة تحقيقاً لرغبتك .
وثق أيّها العزيز أنّه متى انتشرت هذه المؤلّفات يدرك عندئذ أصحاب العقول المريضة أن الداهشيّة رسالة جامعة وستمثّل دوراً إصلاحيّاً عالميّاً لا يحلم به بعض المتبجّحين المغرورين الذين لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم الشامخة .
الدكتور فريد أبو سليمان
تحفة سنيّة
بقلم سليم نادر
أخي الشاعر القدّيس الأستاذ حليم دمّوس المكرّم ،
في ساعة مباركة تلقّيت بيد الغبطة والسرور كتبكم الثلاثة :مذكّرات دينار ، بروق ورعود ، والدكتور داهش والروحانيّة ، ثم رسالتكم اللطيفة الرقيقة ، الطيّبة الأريج ، الفوّاحة بالصدق والإخلاص والمحبّة والسلام . فما لبثت أن فضضتها بسرعة البرق الخاطف ، وانصببت على مطالعتها انصباب الليث على فريسته المستطابة . ولم يمض خمسة أيّام ، حتى انتهيت من قراءتها .
وها أنا ، في يديّ اليراع والقرطاس ، لأكتب إليكم كلمة شكر وثناء على هذه التحفة السنيّة التي تكرّمتم بها عليّ ، والتي بتّ أحسبها من أثمن مقتنياتي في هذه الحياة الدنيا . وأمّا كلمتي فيها ، أيّ فيما رأيته واستفدته منها ، وما تركته من التأثير الصالح في نفسي ، فسأخصّ بها كتابي اللاحق ، بعد أن أطالعها ثانيةً مطالعة دقيقة محقّقة ، لأنّكم تعلمون أنّ إلمامةً سريعة بهذا المقدار بكتب ثلاثة هذه قيمتها في عالم الفكر والروح لا تمكّن القارئ من إبداء رأي صحيح فيها .
وكلّ ما أستطيع أو أريد أن أقوله في هذه اللمحة هو إنّي أكاد (1) أعتقد أنّك والأخ القدّيس يوسف الحاج ، والأخت القدّيسة ماري حدّاد ، صادقون كل الصدق في إيمانكم وجهادكم وأقوالكم وأفعالكم . فيا ليتني أقدر أن أطير إليكم ، وأقع بينكم ، لأتلقّن شفويّاً هذه المبادئ المقدّسة منكم . ولكن إذا حجزت المسافات بين الأجساد ، فأرواحكم العلويّة كفيلة بتلقين روحي كلّ ما يعوزها من الحكمة والمعرفة ، هذه الروح الساعية في طلب الخلاص سعيكم ، والدائبة في معرفة طريق السلام دأبكم .
والسلام عليكم وعلى سائر الأخوان السائرين في سبيلكم من أخيكم المحبّ المشتاق .
سليم نادر
كونشاس ، البرازيل
16 حزيران 1950
مؤلّفات الدكتور داهش الأدبيّة
هذا ما نشر عن مؤلّفات الدكتور داهش في الكرّاس الخاص
بمعرض الكتاب العربي في بيروت بتاريخ 1/11/1978
إلى من يحب الأدب الصادق الذي يدخل القلوب بلا استئذان
إلى من يستسيغ ذوب العاطفة التي تهزّ أوتار النفوس
إلى من يجذبه الخيال المبدع الذي يبتكر العوالم العذراء
إلى من يرغب في الفكر العميق والأسلوب النضر الرشيف
إلى من يتعشق القيم السامية والمثل العليا
إلى من كانت نفسه قلقة مرهقة وطلب الراحة والسلام
- مذكرات دينار : أوذيسة القرن العشرين ، صوت السماء المدوّي في عالم الأرض (بالعربية والفرنسية).
- عشتروت وأدونيس : قصة الحبّ الخالد وصراع الخير والشر ورمز انتصار الحياة على الموت (بالعربية والفرنسية ).
- الجحيم : أبرع وأرهب وصف لدركات العذاب منذ عهد الكوميديا الإلهيّة لدانتي .
- نشيد الحبّ : جمال البساطة والعفويّة في تناجي المحبّين .
- نبال ونصال : آمل وآلام تجسدها نفس كبيرة في نثر شعري رائع .
- عواطف وعواصف – مختارات – بروق ورعود – كلمات : صرخات مزلزلة وآهات موجعة وثورة تدكّ أبراج الفساد والطغيان وتمجّد الفضيلة والإيمان ببيان مشرق فتّان .
- ضجعة الموت : قصة الإنسان الذي يوقظه الموت على حقائق الأبديّة وجمالها وقساوة الأرض وقبحها .
نشيد الأنشاد : شعلة الحب الخالدة يحييها الدكتور داهش في القرن العشرين (بالعربية والفرنسية ).
أغرب جناح في المعرض
في معرض الكتاب بالقاهرة
أغرب جناح في المعرض
تحت هذا العنوان نشرت جريدة “الجمهوريّة” المصريّة في عددها
الصادر بتاريخ 3 فبراير (شباط) 1979 الكلمة الآتية :
جريدة “الجمهوريّة” المصريّة
لم يكن ارتفاع أسعر الكتب هو الشيء الغريب الوحيد في المعرض . فهناك جناح بأكمله يثير الدهشة والغرابة والتساؤل . الجناح لدار نشر لبنانيّة اسمها “دار النسر المحلّق للطباعة والنشر” . وعندما تلقي نظرة على كتبها المعروضة ، تحدث المفاجأة ، فجميع الكتب المعروضة لمؤلّف واحد . ثمّ تلمح كتاباً يتيماً ، فتفاجأ أنّ الكتاب عن المؤلّف الواحد . فتأخذ نسخة من قائمة المطبوعات ، فتجدها عن مؤلّفات هذا الكاتب الواحد . إنّه الدكتور داهش ، والقائمة تعدّد مؤلّفاته شعراً ونثراً وفلسفة ومختارات ، فنجد 13 مؤلّفاً باللغة العربيّة ، 4 كتب باللغة الفرنسيّة . أمّا المؤلّفات التي تحت الطبع – كما تقول القائمة – فهي 26 مؤلّفاً ، من بينها الوقائع الداهشيّة 30 جزءاً .
وتسأل صاحب دار النشر ، والذي ألّف كتاباً اسمه “صوت داهش” عن المؤلّف الذي امتلأ الجناح بمؤلّفاته ، فيقول :” إنّه الدكتور داهش – الذي توفّي منذ عامين – وله 85 مؤلّفاً . وهو رجل له معتقد فلسفيّ روحيّ “.
-” وأنت لماذا لم تطبع كتباً أخرى ؟” فتأتي الإجابة أكثر غرابة :” أنا تاجر ، ودار النشر هذه من أجل مؤلّفات الدكتور داهش “. وتسأل :”لماذا؟”، فيقول :”أنا داهشيّ”.
-” وهل الداهشيّة مذهب فلسفيّ أو اتّجاه ؟” فلا تجد إجابة محدّدة ، فتزداد دهشة ، وتجد نفسك أمام أغرب جناح وأغرب صاحب دار نشر وأغرب مؤلّف !!
داهش الأديب العجيب
مأخوذة من كتاب “معجزات وخوارق الدكتور داهش “، تأليف لطفي رضوان
بقلم لطفي رضوان
رئيس تحرير مجلّة “المصوّر” المصريّة سابقاً
إنّ نهمي إلى مزيد من المعرفة عن الدكتور داهش الجبّار ، قد تزايد وتزايد حتى أصبحت لا أجد طعماً لراحة أو متعة ً في أيّ شيء جميل يمتع غيري من الناس .
ووجدت حلاً …
لماذا لا أبحث عن بعض الذين يتردّدون على الدكتور داهش لأقف منهم على مصادر وأماكن كتبه .
ووجدت واحداً .
وقد زادني هذا “الداهشيّ: حيرةً فوق حيرتي . لقد قال لي :”إنّ مؤلّفات الدكتور داهش تربو على الستين مؤلّفاً أدبيّاً ، عدا مؤلّفاته في حقول أخرى “.
يا إلهي !
ستّون مؤلّفاً أدبيّاً !
وعدت أسأل الشخص الكريم :
- وأين أجد بعض هذه المؤلّفات ؟
قال :
إنّها تنفد بمجرّد طرحها في المكتبات ؛ فلا تضيّع وقتك سدىً . لن تجد واحداً منها على الإطلاق .
وسألته :
- إذن ، بماذا تنصح ؟
قال :
ألم تشاهد مكتبة الدكتور داهش ؟
قلت :
-لا.
قال :
إنّ في منزله أكبر مكتبة خاصّة من نوعها في العالم ، على ما أظنّ ، إنّ فيها ما يربو على مئة ألف كتاب في مختلف حقول المعرفة … في الروحانيّات وأصول الأديان ، والتاريخ ، والعلوم ، والآداب ، والفلسفة ، وخصوصاً الفنّ …
قلت :
- وبعد ؟
قال :
- إذا استطعت أن تطلب إلى الدكتور أن يعيرك بعض كتبه من مكتبته تحلّ مشكلة البحث عن بعض مؤلّفاته .
وقرأ حيرتي البادية بوضوح على وجهي .
فقال :
- ومع ذلك فسوف أقوم بإعارتك كتاباً أو اثنين من كتب الدكتور .
وسألته بعد أن شكرته :
- وأي نوع من مؤلّفات الدكتور ؟
فقال :
- بعض مؤلّفاته الأدبيّة لترى وتقف على فكره منذ ثلاثين سنة خلت ، وتعرف كيف كان ينظر إلى الدنيا وإلى الناس وإلى نفسه أيضاً .
قلت :
- إذن عليّ مؤقّتاً بهذه المؤلّفات وأنا لك من الشاكرين .
وسلّمني الصديق “الداهشيّ” بعضاً من كتبه الأدبيّة قائلاً :
- عندما تفرغ من قراءتها أكون قد وجدت لك بعضاً من كتبه الروحيّة . وأنت تجد في كتبه الأدبيّة التي ألّفها منذ أكثر من أربعين سنة ، كيف كان يفكّر في شرخ شبابه ، وكيف كانت نظرته إلى الحياة وما بعد الحياة ، ولهفته الشديدة إلى السعي للتمتّع بالحياة الأخرى …بالموت .
فهو يقول :” إنّ الأسى هو ربيبي والموت هو حبيبي “.
أجل إنّ هذا الذي يرتاع منه الناس جميعاً ويخافون حتى ذكر اسمه ، يناجيه الدكتور داهش بشوق عظيم وحبّ عميم . فاسمعه يخاطب “الموت” في قطعة كتبها في مدينة القدس بتاريخ 7 كانون الثاني 1935 ، وقد ضمّها كتاب “القلب المحطّم”، ونشرت في المصنّف المعنون “مختارات من كتب الدكتور داهش “:
أيها الموت
يا موت !
أيّها الحبيب الشفيق ، ويا نعم الصديق !
يا سمير وحدتي ، وأنيس يقظتي ، ومخفّف بلوتي !
يا طلاب نفسي ، ومطمح روحي ، ومهوى فؤادي !
يا عشيقي البعيد . ومرادي القريب !
يا حبيبي الموت !
أقفل عيني “يا حبيبي ،
أقفلها فقد تعبتا من النظر إلى هذا العالم القذر الموبوء !
فأنت ترى معي ، أيّها القارئ الكريم ، كيف كان يفكّر هذا الرجل العجيب منذ نيّف وأربعين عاماً ، وكيف أنّ الماديّات – وهو بعد في ريعان شبابه – لم يكن يأبه لها ، وكان لا يعطيها إلاّ ظهره ، وكيف أنّ نفسه كانت توّاقة إلى العالم الآخر ، العالم المجهول لنا … ولكنه هو كان على بيّنة ممّا فيه ، لأنه كان يتغزّل بهذا العالم الآخر ، وكان يرجو ويلحّ في رجائه أن يسعده الإله بإدخاله إليه ، وهو بعد شابّ ! لماذا كان هذا التفكير من الدكتور داهش من ذاك الوقت ؟
هذا هو السؤال الذي حاولت أن أجد له الجواب الشافي . وقد بحثت كثيراً في بعض كتبه التي وقعت في يدي ، فلم تزدني هذه الكتب إلاّ غموضاً ، فهو غير مكترث للحياة ، غير آبه لما فيها من متع حسيّة وماديّة ، معرض كلّ الإعراض عن لذائذ الدنيا .
وبعد ، فقد عثرت في كتاب آخر له على سطور يصف فيها جوع نفسه وحسّه لا إلى الطعام والشراب وليس إلى الغيد الحسان ، بل إلى شيء آخر … إقرأ معي ما خطّه الدكتور داهش وهو في عنفوان شبابه :
نفسي جائعة !…
نفسي جائعة …ولكن إلى غير خبزكم المعروف …
وروحي صابية .. ولكن إلى غير عالمكم هذا ..
وقلبي ينبض بغير ما تنبض به قلوبكم …
نعم !
إنّ نفسي (جائعة) وجائعة ..
ولكن ! إلى (الإكسير) السماويّ !
لطفي رضوان
سطّرت ملحمة التاريخ !
بقلم ماجد مهدي
إلى من امتشق قلمه من غصون الفراديس الإلهيّة
إلى من غمس ريشته الملهمة بنور الحقيقة الأزليّة
إلى من خطّ لبني الأرض درب الحياة السرمديّة
إلى الذي تفيض كلماته أنهراً تصبّ بقلب الأبديّة
إلى البريء الذي ، وهو بأغلاله ، اغتصب الحريّة
إلى مؤدّب الطغاة ، إلى الحبيب هادي البريّة
إلى داهش العالمين العظيم ، مؤسّس العقيدة الداهشيّة
أرفع هذه القصيدة …..
أنشد الكون واستهام الوجود نفخ الصّور فاستفاقت وعود
داهش ملء بردتيك شموس فيض كفّيك نقمة ووعيد
أنت في شاسع المجرّات حرّ وبنو الأرض للدنايا عبيد
كم تعهّدت في الزمان وروداً ونما الشوك … أين تلك الورود ؟
هذه الأرض في المتاهات ضلّت والأناسيُّ جائر وجحود
منك وعد أن لن يطول زمان والمعزّي روح الإله يعود
وهجرت الفردوس تختار أرضاً يتنزّى منها دمٌ وصديد
جئت طوعاً وفي يمينك سيف و (بروق) تنزّلت (ورعود)
رحت تصلي قلانس الرجس ناراً في غداة …هم للجحيم وقود
قلت للموت : يا حبيبي أقبل أنا مضنى وفي هواك عميد
(ضجعة الموت) يقظة يتعرّى الكون فيها ، ويستباح الخلود
أعلنت في الكون عن (أسرار آلهة) ما أجمل السرّ تجلوه الأناشيد (2)
رنّمت فجراً على (قيثارة آلهة) وقِّع عليه تردّد صوتك البيد
و(عشتروت) على الأجيال قد نعمت في جنّة رتعت في ظلّها الغيد
إسمع (أدونيس) شجو الطير ناحبة قد حطّم القوس ربّ الحبّ “كيوبيد”
فقم أدونيس ها عشتار في ألقٍ أرش سهامك (فالخنزير) رعديد
خلّدتهم داهش بالفنّ ، في كلم على الدهور لهم من فيك تمجيد
وأرض كنعان (بالإنشاد) هائمة و (للأناشيد) في الآفاق ترديد
صوت النبيّ (سليمان) ومن ملكت عليه لبّاً ، تباريحٌ وتسهيد
أغفوا على الحبّ ، كم أجيال انقرضت بأرض لبنان كم أغفت مواعيد
خلّدت يا داهش ذكراهما أبداً تفنى الطيور ولا تفنى أرجائه الأغاريد
من كوكب الصّبح قد هاجرت من زمن وإن رجعت ففي أرجائه عيد
أبن الفراديس ، من يدري سواك تُرى كيف (النعيم) وكيف الروح تصعيد
حدّثت عنها فهاتيك النجوم هنا ؛ على الطروس نجيمات أماليد
منها الفراشات كم نفّضن أجنحة على الوريقات فالألوان تجديد
وفي (الحدائق) أطيار مهلّلة (لعاشق تيَّمته الغيد والصيد )
وللحواري حسن ليس ندركه ما للبهاء ولا للحسن تحديد
قد جئت منها ونجم الصّبح في حزن تدعو الخراف : إلى (فردوسه ) عودوا
***
هذا (جحيمك) بالدياجر غارق تعوي الذئاب به ويغلي الدّود
وهبطت في الدركات تسعى مدلجاً نور الحباحب ها هنا مفقود
أقعت عجوز هولة دهريّةٌ شقّ الدّروب بوجهها التجعيد
والفاسقات من الجمار فراشهم فهم عليها ركّع وسجود
أهوت أبالسة الجحيم عليهم بسيوف نار ما لهنّ غمود
“ربّاه ! أغفر يا رحيم ذنوبهم القلب يحزن فالعذاب شديد
إسمح إلهي أن أعود إلى الدُّنى أهدي الأنام فقد تحلّ قيود !”
هتف الخطاة إليك :”شكراً” داهش؛ مجّدت يا ذا العطف ، منك الجود”
وهناك في الأعماق (عبد) خائن خان (الحبيب) فسمّي (المطرود)
قادته شرذمة الأبالس فجأة : (عبد الرجيم) فأين أين عهود؟
أنت الشريف ؟ لعنت يا شرفاً به أخفى خناه حاقد وحسود
ورموه في المرحاض عشرة أدهر تلك الروائح بعدهنّ مزيد
شرطوه بالسكّين ، ويحه مجرماً نسل الخيانة فاسق وكنود
هذا (الجحيم) لمن أساؤوا جنّة ٌ عدل الإله !… تبارك المعبود
سطّرت داهش فاليراعة ألهمت لا شكّ إسمك في الدُّنى سيسود
وفضضت ختم الأمس : هاكم سرّه وجه المسيح (الناصري) يعود
وأشرت (للدينار) : أنطق وافتضح زيف النفوس : دواؤه التفنيد
فرد وحيد أنت قد مجّدته “غندي” الذي هو في الجهاد عنيد
خلّدت (خبصا) يا لحزن قد جرى (نهراً غزيراً بالدّموع) يجود
(روح تنوح) على الذبيحة “ماجدا” (قيثار حزنك) آهة وقصيد
وصعدت في آفق (الخيال مجنّحاً) تلك العوالم ما لهنّ حدود
***
يا (للإلهات) قد حيّرتهنّ وقد طرقن بابك شوقاً وهو موصود
قد رمت مجداً ، فلا الأولمب مسرحه مجد الإله وغير الله مردود
ويا لها (كلمات) كلّها حِكَم تقول حقّاً وداعي الحقّ صنديد:
” لا تأمن الناس حتى الأقربين –ولو أمّا – على الشكّ سرُّ الكون معقود “
أنت (البريء بأغلال) فلا صفدت أفكارك الشمّ ، ما للفكر تقييد
سطّرت ملحمة التاريخ أحرفها (من وحي سجنٍ ، بها نفي وتجريد)
“جريمة القرن” للآباد تدمغهم بشارة العار ، هم للعار تجسيد
بالأمس هاجوا .. عصابات لهم خرجت تريد رأسك ، فانظر ، إنّهم دود
فليسلم “البشارة” مسخٌ قد هزأت به سليل بغي عدوُّ الله مفؤود
سارت بموكبه المحموم جمهرة من القلانس ، تلك الأغرب السّودُ
من كلِّ زانٍ وأفّاك وطاغية عبيد مال ، وأنذال مناكيد
ساموك حيفاً ، فلا جنسيّة بقيت ما أرهب الظّلم ، بعد السجن تشريد
قد همت ليلاً على وجه ، فوالهفي إبن السماء ، غريب الدار معدود
وفي السّجون أحبّاء قد اضطهدوا فيهم “حليم” بقلب السجن غرّيد
والعابثون بقدس الهيكل ابتهجوا قد غاب سوطٌ عليهم أمس ممدود
ما للرجال بلبنان ؟ ألا رجل يقول قولاً له بالظّلم تنديد
فقل للبنان ، يا للعار ، لا أدب ولا أديب على الظّلاّم صنديد
الكلّ خانوا أمانات فلا عجب إن في الديار صواريخ وبارود
“من صارع الحقّ بشّره بمصرعه” قول “العليّ”، وما إلاّه مردود
***
قد عدت من نوىً ، يا غبطتي ، جيش العِدى في الصّبح سوف تبيد
بالأمس قد مكروا ..فعلّمهم غداً مكر السّماء ، وكيف أنت تكيد
حلّ انتقامك (فالصواعق) أرعدت وأتت عليهم ، فاللحوم قديد
بيراعة ما للدّنى عهد بها حمر سطورك ، (والصحائف سود)
هتكت سرائرهم وعفّر أنفهم في كلّ سطر فاسق مسفود
في عزّ سلطتهم سحقت إباءهم جنّ الزنيم فعقله مصفود
قالوا : قضيت ، وكنت فيهم رابضاً راموا الفرار ودربهم مسدودة
زلزلتهم ومدى الدّهور لعنتهم أنّى استقرّوا ، أرضهم ستميد
ماجد مهدي
بيروت ، في 20/1/1980
خواطر في أدب الدكتور داهش
بقلم ايليا حجّار
صاحب دار النسر المحلّق للطباعة والنشر
بيروت – لبنان
إنها ليست دراسة ، فعلى من يريد دراسة أدب الدكتور داهش بكليته ، أن يقرأ كتبه ، مقارناً بينها ، مستخلصاً ما يريده المؤلّف منها ، سابراً أغوارها العميقة ، دارساًً منقباً ، باحثاً مستخلصاً .
لكنها محاولة صغيرة ، في خضمّ هذا الأدب الكبير ؛
غمامة بيضاء ، رقيقة ، تمخر عباب الأدب الداهشي ،
تنهلّ على الأوراق ، غيوث إيمان ويقين .
أنا من عاشر داهش :
من عاشه رسولاً محارباً ،
من عاشه قائداً مجاهداً ،
من عاشه أديباً علاّمة ،
من عاش آلامه وأفراحه ،
ضحكاته ودموعه ،
عقيدته ومبادئه .
عشت ذلك كلّه صغيراً ،
وعشت ذلك كلّه كبيراً ،
فأدركت عظمة الرجل ،
وآمنت به عبقريّاً فذّاً ,
وآمنت به صاحب رسالة روحيّة عظيمة ،
يجترح المعجزات والخوارق فيخشع لها الإنسان ،
ويؤمن بقدرته الكافر ،
ويكتب مبدعاً ، معجزاً ،
فيطغى بعنفوان يراعه على الورقة المستسلمة ،
طغيان النسور المحلّقة في أجواز السماء
تفيض عظمة ، وخيلاء .
يخوض غمرات الحماس فأتساءل :
من غيري في يوم آت سيدرس أدب الدكتور داهش ؟
وهل أعطي الموت فرصة اقتناصي قبل أن أفي داهش حقّه مني ؟
وما حقّه إلاّ أن أهبه قلمي إذا استطعت .
هذا إذا كنت جديراً بذلك .
أدب الدكتور داهش
خروج عن التقاليد ،
وتحدّ لكل ما يؤمن به الناس من معتقدات وخرافات ،
خيال ثائر كالفرس الجموح متمرداً على قيود البشر ،
وهزالة عقولهم ، وعقم نفوسهم .
عبارات كالسيوف القاطعة بانقضاضها ، إذا هجا عدوّاً لدوداً ،
كالخير في عطائه إذا كتب هادياً مرشداً ،
كالعذوبة جمالاً ، إذا وصف ليلة ربيع قمراء أو تغنّى بباقة ورود جوريّة ،
وتناجيها الأذهان فتخدر .
أدب فريد في عصر فريد ،
أدب الدكتور داهش ،
في عصر سيطلق عليه التاريخ يوماً ،
اسم ، عصر الداهشيّة .
أدب سيخلّد على مرّ العصور
ما دامت الحياة قائمة على سطح هذا العالم ،
وما دام في الوجود نسمة روح .
العقيدة في أدب الدكتور داهش
لا يغرب عن بال القارئ أن الدكتور داهش مؤسّس عقيدة روحيّة ، لها أتباعها ومبادئها وأسسها الثابتة وقواعدها المتينة .
فلأدبه والحالة هذه اتصال عميق بتعاليمه وإرشاداته الروحيّة . ولو طالعنا كل كتبه ، بدءاً بكلمات ، ومروراً بكتاب الجحيم فمذكرات دينار ، فقصص غريبة وأساطير عجيبة ، لوجدنا في كلّ عبارة يخطّها هادفاً إلى غاية تتخطّى حدود الأدب ، لتبلغ آفاق الروح . فالصلوات التي كتبها والأسلوب الوعظي الذي يستعمله في كلّ مؤلّفاته ، والحكم التي يطعّم بها فصول كتبه العديدة ، كلّها تبرز العقيدة في أجلّ معانيها ، وأنبل مراميها .
ولا يستطيع الدكتور داهش ، وهو صاحب موهبة وإلهام روحيّين ، أن يكتب ، إلاّ وتتخلّل عباراته الشائقة ، وكلماته المشوّقة ، تلك الألحان الملائكيّة الجرس ، الروحانيّة المغزى ، مبادئ وتعاليم الداهشيّة .
هو كالنور ، يشرق على الورق ، فيطرد عن صدر الطروس البالية ، غياهب الظلمة والديجور .
هو كالخير ، يذرع الفصول جيئة وذهوباً ، فيرفع القارئ إلى سماء لا تدركها عقول الناس وغايات هذا العالم .
هو الهادي الحبيب ، كل حرف من حروفه ، شمعة مضاءة ، لا خباء لنورها ولا أفول لضوئها ، فهي تبقى أبداً ، أيكة خضراء نضرة في صحراء من الجهل والضلال .
الهجاء في أدب الدكتور داهش
للدكتور داهش والاضطهاد بشتى أنواعه ، صلة وثيقة . فقد تعرّض بخلال حياته ، إلى حملات شتى قام بها أنذال مغرضون ناصبوه العدوان فهم ظالمون ، جائرون : الكذب بحلّهم – والإفك بترحالهم .
لقد حمل لواء عقيدة روحيّة جديدة ، عقيدة تصفع الباطل المستشري في عالم الأرض . وقد تعارضت مبادئه ومصالح رجال الدين والدنيا وحصلت سلسلة معارك متصلة الحلقات ، كانت خاتمتها اضطهاد الدكتور داهش والداهشيّين بأثناء عهد الطاغية بشارة الخوري ، ذلك الاضطهاد الذي لم يحصل له مثيل في تاريخ لبنان ، بل في تاريخ العالم . واستطاع الدكتور داهش أن يدافع عن نفسه بضراوة ويرد الكيل إلى أعدائه مئة كيل بل قل ألف كيل وكيل .
فقد شنّ حملات كتابيّة رهيبة دمّرت أسس أعدائه ، وزلزلت كيانهم ، وهدمت بنيانهم ، وستأصلت شأفتهم ، وأذاعت على الملإ حقارة أرومتهم ، وفضحت سرّهم ، وهتكت مخبّآتهم .
وكانت مدرسة هجائيّة فذّة النوع ، فريدة الأسلوب ، أسّسها الدكتور داهش واعتبرت الأولى من نوعها في العالم .
إنّ الكتب السوداء والمناشير الداهشيّة قد دافع بها الدكتور داهش عن نفسه محارباّ بها بشارة الخوري وعهده البغيض . وكانت المقالات المرسلة إلى الصحافيين في البلاد العربيّة والمهجر ، ردّاً على عملاء مأجورين حاولوا عبثاً النيل من المعتقد الداهشيّ ، والكتب التي ألّفها الدكتور داهش شارحاً مراحل الاضطهاد الداهشي وشناعة الجريمة التي أطلقت عليها صحافة المهجر إسم جريمة القرن العشرين ، كلّ هذه الوثائق ، المؤدبة ، الزاجرة ، الصافعة ، القاصمة ، تؤلّف (أدب الدكتور داهش الهجائيّ).
إنّه كانصباب الحمم الجحيميّة ، تمزّق اختلاقات أعداء داهش الأفّاكين ، وكاندفاع الأمواج المهتاجة ، يقتلع الصخور الجاثمة على الشاطئ ، وكجبروت الأسود الجائلة في الآجام بحثاً عن الفريسة لتمزّقها إرباً إرباً ، وكرعب البراكين الثائرة وهول الزلازل المدمّرة .
لكنه هجاء الحق المقوّض لافتراءات الباطل ،
هجاء الخير للشرّ البذيء الدنيء ،
هجاء العصا الفولاذيّة المؤدبة
للرؤوس المنحنية الجبانة ،
والرقاب الذليلة الخوانة .
القصّة في أدب الدكتور داهش
للدكتور داهش أسلوب قصصي فريد ، فهو يسعى من خلال القصّة إلى إيصال فكرة معيّنة للقارئ ، وترسيخ مبدإ سامٍ ، إلى زرع تعاليم وإرشادات ، وذلك بأسلوب جميل وممتع .
ففي كتابه “مذكرات دينار” نوع جديد من الأدب القصصي الذي طرحه الدكتور داهش .
هو قصّة دينار ذهبي يلد في منجم ، ثمّ يسكّ في دار ضرب النقود ، ثم يمضي متنقلاً من منزل إلى دكان ، إلى حانة ، إلى تاجر ، فرجل دين ، فحاكم ، راوياً أثناء تنقلاته ، مشاهداته ومطالعاته ، شارحاً ظروف تجواله . فالكتاب قصة طويلة تحتوي عدداً من القصص القصيرة والحوادث التي تعترض الدينار الذهبيّ في تنقلاته .
وكتاب مذكرات دينار مملوء بالتشاؤم والريبة والشكّ ، فهو يظهر الناس على حقيقتهم فإذاهم كاذبون ، منافقون ، مرتشون ، وزناة فجرة ، ومكرة .
وبعد “مذكرات دينار” كتاب ( قصص غريبة وأساطير عجيبة) وهو في ثلاثة أجزاء ، ومختلف بمغزاه ومبناه عن كتاب “مذكرات دينار”.
والكتاب يحوي على قصص قصيرة ، والغاية منه ، إبراز الحقائق الداهشيّة وشرح المعتقد الداهشيّ ، بأسلوب أخّاد ومثير .
فقصص الكتاب تعالج مواضيع الإيمان بالله ، والثواب والعقاب والتقمّصات الروحيّة ، والعوالم الأخرى ، والخير والشرّ ، والفضيلة والرذيلة .
تكبّ على الكتاب ، فتبغتك عذوبة قصصه ، الغنيّة بالأفكار ذات الخيال الساحر ، والمتنوّعة المواضيع ، والغاية أن يفهم الإنسان ، أنّ الحياة حلقة مولودة بسلسلة مفقودة ، نأتي إلى عالم الأرض فنخضع لتجاربها القاسية وغواياتها الضارية ، ومغرياتها القاضية ، ونتخبط في خضم ملذاتها وشهواتها حتى يوم انتقالنا إلى عالم آخر ، حيث الحصاد ، حصاد كل فكرة ونأمة وعمل أتيناه أخيراً كان أم شرّاً .
لقد سكب الدكتور داهش كل أفكاره في كتابه “قصص غريبة وأساطير عجيبة” وذلك بقالب فريد ، وصاغه صياغة فنان ماهر ، لعقد من اللآلئ باهر .
الحبّ في أدب الدكتور داهش
الحبّ ، جال في رحابه الشعراء ، وحلّق في أجوائه المنشدون ، وصال في دروبه الأدباء وعاشه كل إنسان ، أحلاماً وآمالاً ، تمنيات وأفراحاً ، توقعات وأتراحاً .
الحبّ ذلك الإكسير السحري الذي يجرعه المرء فيسكر ، ويغيب في عالم ، حدوده أحلام الزهور ، وآفاقه أجفان الورود .
الحبّ ، طرقه الدكتور داهش في العديد من كتبه ، كضجعة الموت ومذكرات دينار ، وبروق ورعود ، وكلمات ، وسلسلتي حدائق الآلهة توشيها الورود الفردوسيّة وفراديس الإلهات يرصّعها اللينوفار المقدس .
أما في كتاب ضجعة الموت فالمعاني تلتقي والروحانيّة الصرفة والنزوع نحو عالم آخر ، وفي كتاب (مذكرات دينار) ، و(بروق ورعود)، و(كلمات) . فالمؤلّف يقف من الحبّ موقف الناقد الذي لا يثق بوفاء المرأة ، ولا يؤمن بأخلاصها .
ويرى الحبّ شهوة عابرة ، ورغبة وقتية زائلة ، وليس كما يصوره الشعراء ، تلك الشعلة الخالدة .
وفي سلسلتي (حدائق الآلهة) و(فراديس الإلهات) ، وهما عشرون جزءاً يتغنى بالحبّ ، لكنّه الحبّ الذي لا تطمح إليه مدارك البشر ولا تبلغ عتبته عقول الناس ؛ تلك المدارك وتلك العقول التي أعمتها ملذات الجسد .
الحبّ في عرف الدكتور داهش ، نزعة سامية ، تتخطّى الحدود التي رسمتها لها مشيئة الأنام وترقى بالمحبّين إلى حيث الفردوس المقيم .
الحبّ الداهشيّ ، قبلة عفيفة تطبعها الروح على جسد يطلب منه الانفلات من قيود المادة ومن كبول الشهوة . ذلك ما جسّده الدكتور داهش في كتاباته ، فيرسم لنا الدرب ، درب الحبّ الطاهر ، الحبّ المرفرف بأجنحة الملائكة ، والمنشَد بتضرعات المبتهلين .
البشر في أدب الدكتور داهش
كيفما سرت مطالعاً أدب الدكتور داهش ، منقباً سطوره ، جائباً فصوله ، فإنك تصطدم بتلك الصخرة العنيدة ، تلك الصخرة الجلموديّة ، التي جعل الدكتور داهش منها سيفه وترسه ، صخرة الازدراء ، والشكّ بالبشر ، صخرة ترفض الانصياع لذل المتزلّفين ، وحقارة الوصوليين ودناءة النفعيين ، وأصحاب الغايات الكاذبين ، ومهما حاولت أن تنفذ إلى قلبها ، أن تخترق حجبها ، فهي تجبهك بعنفوانها وسيطرتها وسلطانها وعظمة صولجانها .
داهش لا يؤمن بأحد ،
داهش لا يثق بأحد ،
داهش اختبر الرجال فأدرك أنهم مزيج مآرب وغايات ومشارب .
داهش اختبر النساء فعلم أنّهنّ أفاع وعقارب .
داهش أدرك أنّ كلّ ابن أنثى عبد تقوده مصلحته ، فكيف يتساوى من يريد نفسه سيّداً حرّاً كريماً ، ومن يرى الناس عبيداً أرقّاء وإماء أذلاّء للحكام وخصوصاً بشرقنا التعيس . لهذا فعندما يمتدح الدكتور داهش أحداً أو يمجّد شخصاً ما مثلما فعل بكتابه (نهر الدموع) المرفوع لأخيه في العقيدة الدكتور جورج خبصا أو كما كتب مثنياً على بعض رفاق الطريق والجهاد فإنّه يخرج عن القاعدة ، قاعدته هو وذلك نادراً ما يحدث .
تبدأ رحلتك بأدب الدكتور داهش ، وتصل لنهايتها فيدهشك وجهها الحزين ، المتشائم ، المشكّك وتخرج منها مردّداً : لعنت هذه الأرض وقاطنوها .
خلاصة
مهما كتبت ومهما حاولت ، ومهما أردت أن أفي أدب الدكتور داهش حقّه ، فهذا أمرٌ لا يتم بصفحات معدودة وآراء محدودة .. أيستطيع الطير الصادح أن يستوعب بإنشاده ألحان السماء العلويّة ؟ وهل للنسمة اللطيفة أن تجاري الرياح العنيفة ، والجدول الرقراق أبإمكانه أن يبلغ عظمة الاوقيانوس الجبّار ؟
كلاّ وألف كلاّ !
فالدكتور داهش أديب وليس كالأدباء ،
هو مدرسة فكريّة جديدة ،
وبحر أدب سامق ، جامع ، مانع ، وينبوع فكر ، وعمق مغزى ، ورقة كلمة ، وبطش إرادة ، وخيال جامح ، اجتمعت كلها ، فكوّنت مفهوماً جديداً لفن الكتابة وروعة الكلمة وأعطت أبعاداً جديدة لعالم الأدب
إيليا حجّار
بيروت 20/1/1980
