حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

غُرُور

 

أَقصِرْن يا ابْنَ الأرض، وكَفاكَ فلسَفَةً كاذِبَة

يا مَنْ تدَّعي بأنَّك عظيمٌ مِنْ أحكَمِ الحُكماء

واعْلَمْ بأنّكَ لَسْتَ سِوى أَغبى الأغبياء

فلسَفةٌ ولاهُوتٌ وحَلُّ طلاسمِ القُبُور

ثمَّ ادِّعاءٌ سخيفٌ بتعيين يومِ النُّشُور

 يا لكَ مِن غِرٍّ ثرثار، تَضحكُ من كلامِكَ الثكلى النَّادِبَة!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

آراء ودراسات في كتاب أسرار الآلهة

ذوب عاطفة وعصارة روح

 

بقلم الكاتب الكبير سامي السرّاج

 

رأي الكاتب الكبير والصحفيّ المعروف سامي السرّاج بكتاب الدكتور داهش “أسرار الآلهة”. والأستاذ السرّاج حرّر في كبريات صحف مصر الأسبوعيّة واليوميّة ، ثم ترأس تحرير جريدة “الجامعة الإسلاميّة “، وحرّر بجريدة “فلسطين” و”الدفاع” وعدد من الصحف المختلفة .

 

ليس الشعر ملكاً للمجيدين من رجال القوافي والأوزان ، ولا حكراً لأساطين البديع والبيان ، إنّما الشعر فيض وجدانيّ ونبعة روحانيّة يؤتاهما كلّ من استغرقت “الشاعريّة” حواسّه ، ولقد ينحدر منه سيلها انحداراً ، فتجيء بالمقاطع والأوزان ، في اتّزان وغير اتّزان .

لكنّه في كلّ حال هو “الشعر” منظوماً كان أم منثوراً ؛ ولكنّه هو الفيض الذي يقذف به الإحساس الرقيق والتفكير الدقيق ، وتأتي به العاطفة المصقولة والذهن المجلوّ . وإنّ شعراً من هذا الطراز المتكامل ، لمن حقّه أن يجد إلى الروعة طريقه ، وإلى الإعجاب سبيله . فلئن فاتته الصّناعة الشعريّة ، لن تفوته “الشاعريّة” ، التي هي ملك للناظم والناس على السواء ، فهي توحي إليه ، وتمدّه بالإلهام والبيان ….

ذلكم هو الشعر بمعناه ، أو بما يقرب منه .

 

                                          ***

لقد أطلعني صديقي الدكتور داهش على كتابه الذي أسماه “أسرار الآلهة” فاجتليت فيه صوراً لما إليه أشرت . إنّه عالج الحبّ ، علاج من يحسّه إحساساً في شغافات قلبه ، لا علاج من يتخيّله تخيّلاً ، ويتوهّمه توهّماً . إنّه ألمّ بالنجوى الساحرة ، في سكون الليل وهدأة السحر ، فأحسن النجاء ما شاء له الإحساس وأسعفه البيان . إنّه طاف بأنحاء البؤس ، فتمثّله فناء وتلاشياً في خضمّ الحياة ، وأبدع في نعته ، وفي تلوين صوره ما شاء له الإبداع .

وفي كتابه هذا ، لذاذات من النوع الذي يبعث بها الخيال ، فتملأ أحاسيس القارئين متاعاً وطرباً .

ومتصفّح الكتاب ، يرى للمؤلّف آراء خاصّة في الحياة ، والمرأة ،والزواج ، والمال ، والمال ، وجمال النفس – ممّا لا يبرح موضوع تتبّع ذوي الفكر وأولي النهى ؛ وفي أرائه مرارة وأسىً ، وفيها ثورة على الوجود ، وتمرّد على الموجود !

فمن إرادة ترنو إلى النسف والشجب ، إلى فكرة ترمي للتشذيب والتهذيب ، إلى رغبة في صلاح المجتمع ، وجعله “إنسانيّاً” صرفاً ، إلى نزعة صوفيّة تنظر إلى ما يحيط بها نظرة زراية واحتقار !

فالكتاب ، على الجملة ، مجموعة نظرات ذات صور وألوان ، ومحصول فكر شتّى ومجتمعة، تتناول موضوعاً إثر موضوع ، وتنفي عن قارئها كلّ ملالة وسأم ، فهي ذوب عاطفة مؤلّفها ، وعصارة روحه ، وخلاصة تجاريبه .

وقصارى ما أنعت به هذا الكتاب ، أنّه مرآة إحساس كاتبه ، وصورة نفسه ، التي تعتلج فيها رغبات شتّى من تقديس المحبّة والجمال ، والحرارة والأسى ، والتصوير والخيال .

 

                                                                       سامي السرّاج

                                                                        القدس 1933

أتذكرين مقابلتك الأولى لي ؟

 

 بتاريخ 3 تشرين الثاني 1933 نشرت مجلّة “النفير” الحيفاويّة

قطعة ” أتذكرين مقابلتك الأولى لي؟”

 وعلّق عليها المحرّر مطلق عبد الخالق بهذه الكلمة :

هذا شعر لا نثر ! يقرأه المرء فيخيل إليه أنّه أمام ديانا !…

أشكرك يا صديقي داهش ! لقد أريتني ديانا

وجعلتني أنعم معك بجمالها الباهر

ووجهها الساحر وصدرها الزاخر وطرفها الساخر .

والفتيات اللائي كنّ معها يا أخي ؟! هل عذرنك على هواك ،

واعترفن لها أمامك بالحسن والجمال ؟

آه إنّ ذلك فوق طوق المرأة ! والحياة لا تقبله أبداً .

نعم … ولكنك ، يا صديقي ، “إنسان” روحاني فوق الحياة …

وحسن “ديانا” روحانيّ فوق الحياة !

وما لا تقبله الحياة يقبله ما فوق الحياة !

وانعم ، يا أخي بإلهتك التي تعدّها “إلهة” أجمل من فتيات السماء …

فأنت تستحق هذا ، وأكثر منه ! هل تسمع ؟”.

                                                             المحرّر مطلق عبد الخالق

                                                                   مجلّة النفير

                                                              3 تشرين الثاني 1933

 

تعريف بكتاب "أسرار الآلهة"

 

تأليف الدكتور داهش  

 بقلم محمّد علي الطّاهر

 صاحب جريدة “الشورى”بالقاهرة

قَبل كلّ شيء ، أريد أن أعترف لك ، أيّها القارئ الكريم ، بأنّني عاجز كلّ العجز عن الإتيان- في هذه المقدّمة الوجيزة ، وفي هذه العجالة السريعة – على كلّ ما في هذا الكتاب الخالد ، من معاني الحياة ، وأسرار الوجود !… وأنّ ما أضعه مقدّمة لهذا الكتاب إن هو إلاّ وشل من فيض بحره الزخّار ، المتلاطم الأمواج ، المربدّ الأثباج ، الذي لا يقرّ له قرار !

ولا تحسبنّ أنّني أقصد إلى المبالغة فيما أقول ، وبحسبي أن أحيلك إلى ما يحتويه الكتاب من رائع المشاهد ، وبارع الفصول ، وأنا ضمين أنّك لا تجابه البداية ، حتى تخلص منها إلى النهاية ، ثمّ تحسّ ، في أعماق نفسك ، أنّك انتقلت من عالم قديم … إلى عالم جديد !

” أسرار الآلهة “! وهل يدرك كنه أسرار الآلهة الخفيّة إلاّ من جدّ في البحث عنها ، وتعمّق في دراستها ؟…. ومن – يا ليت شعري – أولى من الدكتور داهش بك في البحث عن تلك الأسرار ، وفي دراسة ما تحتويه من عبر ومعان ، ورموز ومرام – أقول من أولى من الدكتور داهش بك بهذا ، وهو الضارب بأوفر سهم في عالم “الروحانيّات” ، والذائع الصيت ، في ذلك ، في جميع أقطار المعمور : في الشرق والغرب ، وفي الشمال والجنوب !

غير أنّ الدكتور بعيد كلّ البعد عن طلاّب الشهرة وذيوع الصيت ، عازف كلّ العزف عن زبارج الدنيا ، وزخارف الحياة . ولذلك فلا بدع أن تعاف روحه الكبيرة الأرض ، وتطلب لها مكاناّ في السماء ، لتخلص من شرور البشريّة وآثامها – ولكن دون جدوى … فهي ما تكاد ترتفع قليلاّ ، حتى تعود فتهوي صريعة نحو أمّها الأرض ، لتناجي روح حبيبته “ديانا”!

إذاً … فالدكتور لم يشذّ عن غيره من عباقرة الكون ، وفلاسفة الوجود ، الذين صهرهم الحبّ ، وتركهم يخلّفون لنا هذه العبقريّات الجسان ، التي لا تزال نستمدّ منها إلهام الوحي ، ووحي الإلهام ….

والحقّ أنّنا نحمد “لديانا” وجودها ، ونحمد للأقدار حبكها هذه الحوادث التي أهابت بالدكتور داهش بك أن يطلع علينا بكتابه “أسرار الآلهة”، هذا الكتاب الخالد الذي لا أتردّد لحظة عن عدّه فتحاً جديداً في عالم الآداب والفنون !

“أسرار الآلهة” يكاد يكون قطعة تامّة ، لحمتها الحبّ ، وسداها تقديس الجمال . فأنت لا تكاد تفتح الكتاب ، حتى ترى الدكتور يناجي حبيبته “ديانا”، “حبيبة الماضي”، “الحبيبة الغادرة” التي أحبّها “من قديم الزمان”، فيودّعها “الوداع الأبديّ”، قائلاً لها ، وحشرجة الحزن الأليم تكاد تخنقه :” ما زلت وفيّاً لك !” ولكنّي أرغب إليك أن ” لا تضنّي عليّ برؤيتك ” ، يا “فتاتي الأولى ” التي ” من النظرة الأولى إليك عرفت ما هي الحياة ، وتأكّدت من وجود ما يطلقون عليه اسم السعادة “، وإيّاك أن تنسي “مقابلتك الأولى لي ” ساعات كنت أُقبل منك ” بتقبيل المكان الذي كنت واقفة فوقه ، واستنشاق ذلك الهواء الذي كان يحفّ مكانك ، فأقدم على تقبيله بولهٍ وشغف “…

يناجي الدكتور حبيبته بهذا ، ثم لا يعتّم أن يقف منها موقف الحائر المشدود ، ويسألها بلهف واندهاش :” متى أعود فأراك ؟” ولكنّها ، شأن الكثيرات من بنات حوّاء ، تقف منه موقفاً سلبيّاً … فلا تحير جواباً . ولكنّه ككلّ عاشق ولهان ، لا ييأس ، فيلحف عليها في السؤال ، ويذكّرها “بليلة الربيع القمراء”، فلا تجيبه إلاّ بهذه الجملة المقتضبة ، مشيرة بإصبعها الجميل ، نحو لوحة مجلّلة بإطار :” من صبر ظفر”. ولكن ها قد مرّ على ذلك الموقف الرائع ثلاث سنوات ، والدكتور صابر ، ولا صبر أيّوب ! ولكنّه ، حتى هذه الساعة ، لم يظفر !.. تُرى ، ألم تحن ساعة الظفر بعد ؟!

وبعد ، فلعلّه يشوقك ، أيّها القارئ ، أن تعرف الآن من هي “ديانا” هذه التي كان لها ، في حياة الدكتور ، أعمق الأثر ، وأبلغ التأثير ؟..

“ديانا” ، هذه ، فتاة بارعة الجمال ، نائلة من الثقافة العصريّة أوفى حظّ ، وأوفر نصيب . تعرّف إليها الدكتور داهش بك ، في مصر ، في إحدى السهرات التي اعتاد أن يدعوه إلى إحياء مثلها أعرق البيوتات المصريّة حسباً ونسباً … وستعرف ، أثناء إطّلاعك على هذا الكتاب ، أنّها إحدى كرائم الأُسر المالكة في أرض الكنانة … وأنّ حبّ الدكتور لها ، وحبّها للدكتور كانا يفوقان الحدّ .

هذه هي “ديانا” التي أسرت لبّ الدكتور ، وملكت عليه فؤاده ، فما عاد لينطق إلاّ باسمها ، أو ليحلو له لذيذ العيش بعد فراقها هذا الفراق الطويل !

وقد حاول الدكتور أن ينساها ، فكان تارةً يتصوّرها “ساقطة” ، “غادرة” ، وآناً “ميّتة” مسجّاة في قبرها … كلّ ذلك كان يحاوله الدكتور ويتصوّره ، لينساها ، ولكن عبثاً كانت المحاولة ، وعبثاً كان التصوّر ! ووشكان ما كان يتمشّى اليأس في مفاصله ، فيتمنّى الموت … ويصرخ بأعلى صوته :” إنّني أرقب الموت … ولكنّه يشيح بوجهه عنّي … وا أسفاه ! حتى الموت لم ينلني بغيتي ؟”.

ولكنّ رجلاً كالدكتور داهش لا يظلّ مستسلماً لليأس . فهو ما يكاد يرى الموت يشيح بوجهه عنه ، حتى تعود إليه الطمأنينة والهدوء ، فيهتف ، وهو يتنفّس تنفّس الصعداء : لا ! لا ! “الأمل يحدوني للحياة “. ثم يأخذ في مخاطبة الأمل مخاطبة هي أمتع ما وقعت عليه في كتاب . فاسمعه يقول :

” أيّها الأمل ! لولاك ما بقي قلبي ينبض نبضات الحياة … ولولاك لم تخطّ يراعتي هذه الكلمات التي تجود بها قريحتي المتعبة كلّ التعب !”.

أرأيت ، أيّها القارئ ، ماذا يفعل الأمل بالنفوس ؟… إنّه يحيل يأسها من الحياة ، رجاءً بالحياة ، ويترك القرائح المتعبة تخطّ الكلمات الخالدة !

نعم …. وما دام أنّ الظروف تحول ، في الوقت الحاضر – ونأمل ألاّ يطول أمد هذا الوقت – دون الدكتور ، ودون محبوبته “ديانا” ، فماذا الذي يمنعه من أن يتصوّرها “بين الغابات” ، ويدعوها قائلاً :” أين أنت ؟ ” بل ماذا الذي يمنعه من أن يستبدل اسمها بأسماء فتيات أُخر – والفتيات في الدنيا كثيرات – فيهتف بالأولى مناجياً :” سوسو” ، وبالثانية منادياً :” آمال” ، وبالثالثة مستصرخاً :” نِعمت” ، وبالرابعة ، وبالخامسة ، وبالسادسة …إلى آخر هذه الحلقة المفرغة التي لا ندري أين ينتهي طرفاها … هل من يمنعه هذا ؟! كلاّ … حتّى ولا “ديانا” نفسها التي لا ندري متى تفيق من سباتها … فتذكر الحبيب ، وتحنّ إلى الأيّام – ولا نقول الليالي – الأولى !

وعلى ذكر الغابات ، أحبّ أن أثبت هنا أنّ الدكتور داهش بك مغرم بالطبيعة غراماً شديداً ، مفتتن بها كلّ الافتتان . فهو لا يفتأ في كلّ مناسبة يردّد أسماء الطير والأشجار ، ويتغنّى بالنسيم والزهر ، ويناجي النجوم والقمر ، حتّى إنّك لتكاد لا تقرأ قطعة من كتاب “أسرار الآلهة ” دون أن تصطدم بهذه الأسماء التي ما كن ليخلو منها ديوان من دواوين عباقرة الشعراء ….

فالدكتور يبحث عن أسرار الآلهة . وإذا لم تكن أسرار الآلهة في المرج والغيطان ، والنسمات والوديان ، فهل – يا ليت شعري – تكون في الماخور والحان ، وفي المداخن والجدران ؟!

والمهمّ في الأمر أن تعلم أن الدكتور يجري تطبيقات هذا الافتتان بالطبيعة في حياته المنزليّة . فأنت لا تكاد تجتاز عتبة الباب حتى ترى أمامك بستاناً مجلّلاً بمختلف الزهر والاقاح … وما تكاد تدخل المنزل حتى تصطدم بالطيور المغرّدة حبيسة في الأقفاص ، واللوحات الموشّاة بشتّى المناظر الطبيعيّة معلّقة على الجدران ، وجلود الحيوانات ، الأليفة منها وغير الأليفة ، مفترشة الأرض ، هذا عدا عن الأصداف والأثريّات وما إليها …. ممّا يدلّ أبلغ دلالة على نفس فطرت على عبادة الفنّ ، وتقديس الحبّ والجمال ! …

والدكتور ، بعد ، على شدّة افتتانه بالطبيعة ، وتقديسه للحبّ والجمال ، مفطور – فطرة غريبة!!- على كراهية رجال الدين . فهو سيّئ الظن بهذه الطغمة إلى أبعد حد . وليت في المجال متّسعاً ، إذاً لحدّثتك عن وقائعه مع رجال الدين ، وقصصاً طريفة لا تملّها الأسماع . وبحسبي الآن أن أحيلك إلى قطعه الثلاث :” الكاهن” ، “الأب انطون والشيطان” ، ” رجال الدين ” لتلمس بيدك مبلغ كراهية الدكتور لهؤلاء القوم الذين يبيعون الآخرة بالدنيا ، وهم يعتقدون أنّهم إنّما يبيعون الدنيا بالآخرة ، كما يقول دكتورنا الصادق الأمين !…

وأحبّ ألاّ يفوتني لفت نظر القارئ إلى أنّ الدكتور داهش بك هو ، من دقّة الإحساس وخياليّة التفكير ، في درجة يكاد ، عندها ، لا يُدرَك إلاّ بالضمير ! ولكن أحبّ ألاّ يفوتني ، في نفس الوقت ، أن أصارح القارئ بأنّها دقّة إحساس مرتكزة على مرارة التجاريب ، وخياليّة تفكير مبنيّة على الواقع الملموس . وما امتزج الإحساس بالتجربة ، والخيال بالواقع ، حتّى كانت الحكمة التي ليس وراءها حكمة , والعبقريّة التي دوّنها العبقريّات !…

والدكتور خياليّ ، ينشد العمق ، ويتحرّى الدقّة ، حتى في منتخباته ، أثناء مطالعاته – والدكتور كثير القراءة ، واسع الإطلاع – في شتّى الكتب الأدبيّة والاجتماعيّة والفلسفيّة . فأنت لا ترى في هذه المنتخبات إلاّ “جرازيلاّ!” و”هيرو ولاندر ” ، و”التغيّر” ، و”الإله العاشق” ، وأمثال هذه المنتخبات الرائعة التي كتب لها البقاء والخلود ، في عالم الحياة . ولعلّ في انتخاب الدكتور لهذه القطع الخالدة سرّاً لا أعلمه أنا ولا أنت … ولكن ألا تظنّ معي أنّ الدكتور ينتخب هذه القطع ، لأنّ لها مساساً بنفسه الثائرة ، وروحه المتمرّدة ، وقلبه الجيّاش بشتّى العواطف والميول ؟!

إقرأها بإمعان ، تجد فيها شبهاً كبيراً بما خطّ يراعه من بارع القطع ، ورائع الكلمات … ألا تجد أنّ اسم “ديانا” يتخلّل أكثر هذه القطع والكلمات ، فيزيدها رونقاً وجمالاً ؟!

وأظنّ أنّه لم يعد بي حاجة أن أبيّن لك أنّ الدكتور – وهو من تعرف في الروحانيّة – يضرب بسهم وافر في الحكمة والفلسفة . وأنا هنا أكتفي بزعمي هذا ، وأحيلك ” إلى توطئة الكتاب” ، “ومكنونات ثائرة” ، و”حياتي”، لترى مبلغ هذا الزعم من الصحّة أو الخطإ . غير أنّني على يقين تام بأنّك ستوافقني كلّ الموافقة ، على أنّ الدكتور له في عالم الفلسفة قدم راسخة ، وباع طويل !!

وعند هذا الحدّ أقف بك ، أيّها القارئ الكريم ، وأنا أعترف للمرّة الثانية ، بعجزي كلّ العجز ، عن إيفاء صديقي الدكتور حقّه ، من التقدير والثناء . وأقسم لك – غير عاد ولا واغل – بأنّه لولا ما يربطني الدكتور داهش بك من روابط الصداقة والإخاء – لكان شأني معه ومع كتابه غير ما رأيت ، ولعقدت على رأسه إكليل الغار …. ولكن …نعم ….ولكن خشيت إن حاولت هذا أن أتّهم بالغلوّ والإغراق . وأنا – يعلم الله – بعيد كلّ البعد عن الغلوّ والإغراق …

 محمد علي الطاهر

يوم الجمعة في 7/9/1934

 

لله ما خطّت يمينك داهش

 

تحيّتي إلى مؤلّف كتاب “أسرار الآلهة”

 (نشرت بجريدة “الدفاع” الفلسطينيّة )

لله ما خطّت يمينك داهش                        من رائع الكلم البديع الغالي

أنا بعدما فاضت عليّ فنونه                      فاضت عليّ روائع الآمال

وغدوت أسري في الخيال ميمّماً                 شطر الهدى ، وأنا خليّ البال

كلم من الدرّ النضيد معينها                      كلم من النمط الرفيع العالي

كلم يحارُ المرء في تعداد ما                     تحويه من حكم ومن أمثال

والحسن في طيّاتها متجسّد                       كتجسّد الأرواح ، في الأشكال

تمليه روحك ، يا أخي ، والروح إن             تملي كلاماً سار نحو كمال !

وأنا الذي روحي صفت ، فيها أرى             ما لا يراه الخلق من أمثالي

أنا أستشفّ حلاوة   وطهارة                    وعذوبة في القول والأعمال !

يهنيك ! روحك في الخيال تكوّنت               من رقّة ولطافة وجمال

إنّي أراها بالخيال ، وحبّذا                      روح خياليّ يرى بخيال !

“أسرار آلهة” بدت في حلّة                      نوريّة تسمو عن الأسمال

“أسرار آلهةٍ” ترى مطوّية                      في عالم الأقدار … والأحوال !

الروح – وهي أسيرة – لو أدركت             “أسرارها” تنجو من الأغلال !

                                                                  محمد عفيفي شاهين

                                                                    17/9/1934

                                      

ثورة كهدير اليمّ

 

 إلى مؤلّف “أسرار الآلهة”

(نشرت بجريدة “الجامعة الإسلاميّة” الفلسطينيّة)

 بقلم صبحي عبد الخالق

هذا كتابك من وحي وإلهام                           فيه عصارة آمال وآلام !

“أسرار آلهة” سالت أشعّتها                           في جدول من لذاذات وأحلام !

فكانت الزهر في لون وفي أرجٍ                      وكانت الطير في لحن وأنغام !

من حكمة جمعت أشتاتها صوراً                     شتّى من الأدب العالي بإحكام !

ومن خيال جميل فيه تعزية                         عمّا تقاسيه من برح وأسقام !

وذكريات عِذاب ، أمرها عجب !                   ذابت كذوب المنى في قلبك الدامي

وثورة كهدير أليم صاخبة                          ستغسل الأرض من رجس وآثام !

                                                                  صبحي عبد الخالق

                                                                    15/9/1935

أدب الروحانيّة الواقعيّة

 

كتاب “أسرار الآلهة” للدكتور داهش

أدب الروحانيّة الواقعيّة

 بقلم باسيل دقّاق

محرّر في جريدة “الحياة” البيروتيّة

 

لم يكن داهش بك رسولاً فحسب ، بل كان أديباً من ألمع الأدباء . وفي الفترة التي قضاها في هذه الأرض ألّف كتباً نفيسة تزخر بالمرامي البعيدة والمواضيع الجميلة الحافلة بالرقيق من التعابير ، والسلس من الجمل ، والبليغ من الحكم ، والرائع من التصاوير .

ويمتاز الأدب الداهشيّ بالروحانيّة الواقعيّة على أوسع مداها . فيجد المطالع نفسه ، دون أن يدري ، وهو يحلّق بطائرة الفكر والروح في الأجواء البعيدة بين الملائكة والأرواح الهائمة في الفضاء اللانهائي ، ويتّصل بالآلهة في مقرّها العلويّ ، ويعيش لحظات سعيدة معها في جنانها الخالدة . ويكتشف المطالع أنّ الآلهة لها مثل عواطفنا ، فتحبّ ، وتبغض ، وتغضب ، وتثور ثم تهدأ ، ويأكل الحسد قلبها فتسعى للقضاء على أعدائها ، ولو كانوا من الأطهار الأبرياء ، كما هي الحال عندنا تماماً في هذه المعمورة ، حيث يبطش القويّ بالضعيف ، ويتحكّم أصحاب السلطان ، كما يشاؤون ، بمن أوقعهم سوء طالعهم تحت سلطانهم ، ويكيد الأشرار للأبرار المكائد غيرةً وحسداً .

ثم يهبط بك هذا الأديب الفذّ من دنيا الآلهة إلى دنيانا ، فيجعلك تعيش لحظات مع بعض من جارت عليهم الأقدار والنوائب ، وهدّتهم جيوش المصائب ، فباتوا مذهولين ، وإذا هم سائرون لا يدرون أيّ طريق يسلكون .

ويتحوّل الأدب الداهشيّ إلى الحياة الاجتماعيّة ، فلا يلقي الدروس والمواعظ ، ولا يسرد الحكم تباعاً ، بل يشرح الحوادث بأسلوب جذّاب خاصّ يجعل القارئ يستخلص الحكمة من تلقاء نفسه دون حاجة إلى شرح أو تمديد . وهذه ناحية من الأدب الرفيع قلّ من استطاع ، من الأدباء ، بلوغها .

إنّ قوّة روحانيّة الدكتور داهش تتجلّى بأوضح صورها في هذه الكتب القيّمة العديدة التي وضعها . فداهش بك ، كما هو معلوم عند الجميع ، لم يتلقّ تعليماً عالياً ، بل حصل على نزرٍ يسير من العلوم التي لا تفيد إنساناً غير شيئاً . ولكنّ القوّة العليا التي كانت تسيّره ، ورسالته المقدّسة التي كان يسعى لإتمامها ، وروحانيّته السامية ، والوحي العلويّ العجيب الذي كان يسيّر خطاه ، كلّ هذا جعل منه أديباً لا يضاهى ، وكاتباً كبيراً ينافس أكبر الكتّاب والمنشئين الذين قضوا نصف عمرهم في تلقّي الدروس والعلوم في أشهر الكلّيات والجامعات .

 

                                           “أسرار الآلهة”

يقدّم الدكتور داهش بك لكتابه بالتحدّث عن نفسه ، وعمّا دفعه إلى وضع هذا الكتاب . فينسب السبب إلى الكاتب الكبير جبران خليل جبران ، ويصف تأثير كتبه فيه . وكما كان جبران يتحدّث دائماً عن الفتاة التي أحبّها ، يحدّثنا داهش بك عن فتاته التي ملكت عليه شغاف قلبه ، وهو تارة يسمّيها “ديانا” وطوراً “سوسو”.

يبدأ الكتاب في العام 1927 . وتتتابع الحوادث متسلسلة حسب تواريخها ، حتّى جاء الكتاب كأنّه مذكّرات كاتبه . ولكنّها مذكّرات لا كبقيّة المذكّرات . فالحديث فيها طليّ أخّاد ، والوصف ساحر بديع . فهو عندما يحدّث معبودته ويبثّها أشواقه وعواطفه الملتهبة ، يخيّل للقارئ أنّه هو نفسه العاشق الذي يضع قلبه عند قدمي حبيبته يستعطفها علّها تلين ، وتشفق عليه ، فتمنحه حبّها كاملاً ، وتسعده بعد طول الشقاء .

وقد وفّق كلّ التوفيق بإطلاقه اسم “ديانا” على فتاة أحلامه ، لأنّ وصفه البديع لجمالها ، يجعلها أجدر بمثل هذا الاسم من صاحبة الآلهة .

ويستعرض الكاتب كلّ العواطف والإحساسات التي يشعر بها العشّاق ، من فرح وحزن وغيرة وسعادة ويأس وأمل . ويظهر لنا بوضوح كيف أنّ العشّاق يفرحون ويحزنون لأتفه الأسباب . فعند مغادرته مصر ، حيث ترك ديانا ، نرى أنفسنا وقد تخيّلنا شابّاً أذابه الفراق ، يودّع حبيبته بعبارات تقطر شقاء وألماً ، ويتوسّل إلى ربّه أن يرحمه ويجمعه بمن يحبّ ، ولا يتركه يتلظّى بنار البين .

والظاهرة التي تسود كتب الدكتور داهش بك ، والتي تبدو بوضوح خلال كتاباته ، هي التجاؤه دائماً إلى الله ، متوسّلاً إليه أن يعينه على تحمّل مصائب الحياة ومظالم البشر ، وألاّ يدعه يقنط أو ييأس ، وأن يشمله برحمته ، وينفحه بقوّة من عنده يستعين بها للقضاء على الشرور والآثام المحيطة به ؛ وهكذا كان الأنبياء .

وفي إحدى الليالي يناجيها ويدعوها إليه ، فيخيّل له أنّها تجيبه من بعيد ، من المدينة التي تسكن فيها . ويدور حوار بينهما ، فهو يدعوها إليه ، وهي تعتذر بالقيود الزوجيّة التي تمنعها من موافاته . ويلحّ هو من جانبه ويخبرها بأنّه على فراش الموت . فتستهتر بكلّ القيود ، وتطير إليه ليموت بين ذراعيها وهي تبكيه بدموع سخينة .

هنا أيضاً يبدع داهش بك في وصفه . فهو يصف بإسهاب العواصف التي تجيش في أعماق الحبيبين ، والأفكار التي تمرّ بمخيّلتيهما ، والآلام التي يشعران بها عندما يتأكّدان من أنّهما سيفترقان ، وأنّ الموت سيكون سبب هذا الفراق . وإنّه لوصف بديع ساحر يحوي كلّ نبيل وشريف من العواطف ، وأرقّ المعاني والتعابير .

ويعود إلى عالم الحقيقة ، فيرى نفسه وحيداً ، فتنتابه نوبة مفاجئة من اليأس والقنوط والثورة على التي تعذّبه ، فينهال عليها تقريعاً ولوماً ، وينعتها بأحطّ النعوت ، ويلعنها مستنزلاً عليها غضب السماء ونقمة الأرض .

ولكنّه لا يلبث أن ينتبه إلى نفسه ، فيغيّر لهجته ، ويحاول أن يراضيها ، فيأخذ في التغنّي باسمها ، ووصف جماله وتأثيره فيه .

ثمّ يقصّ علينا قصّة شابّ نام ، في غابة ، بعد أن أخرج صورة حبيبته من جيبه ، وأخذ يناجيها ويقبّلها ، فجاءته ثلاثة أشباح راحت تتأمّله مشفقة ، وهي تلعن الفتاة التي كانت سبب شقائه ولم ترع له عهداً . ثم كشف حجاب الطبيعة ،فبانت مدينة كبيرة ، وفي إحدى غرف بناية ، في أحد شوارعها ، ظهرت فتاة حسناء مستسلمة لعناق رجل . ولم تكن هذه الفتاة سوى “سوسو”. وما هذه الرؤيا إلاّ صورة مجسّمة للأفكار التي كانت تمرّ في مخيّلته عند تفكيره بحبيبته المتزوّجة من غيره في مصر .

ويتحدّث بعدئذ عن الأمل . وللامل دور كبير في حياة الدكتور داهش بك. فكم من مرّة عاكسته الأقدار ، وأحبطت مشاريعه ، وتوالت عليه المصائب من حيث لا يدري ، فكان يتسلّح بالأمل بالمستقبل لمجابهة كلّ هذه الضربات . وكم من مرة تربّص به أعداؤه ، ودبّروا له المكائد للتخلّص منه والقضاء على رسالته ، وألّبوا عليه كلّ قوى الشر التي يتحكّمون بها ، طمعاً في أن يقنط أو ييأس من متابعة رسالته ، فينفض يديه منها إلى الأبد . فكانوا يفشلون دائماً لأنّهم كانوا يرونه يتسلّح بعزيمة لا تكلّ ، وبأمل وطيد لا يتزحزح بأن تتعدّل الأحوال ، ويأتي اليوم الذي ينتصر فيه على أعدائه ، ويرتفع صوت الحقّ على كلّ صوت عداه ، وتفوز قوى الخير على قوى الشر .

هذا الأمل ، الذي التجأ إليه في أشدّ الساعات حرجاً والذي كان له فضل كبير في تحمله الأرزاء ومجابهتها ، هذا الأمل هو الذي يحدّثنا عنه تحت عنوان :” أيّها الأمل!”.

ولمصر مكانة خاصّة عند داهش بك . فهو يحبّها ويهواها كما يقول . وأحد أسباب حبّه لها كونها حارسة كنزه الثمين .

ويحدّثنا عن أول لقاء بينه وبين “سوسو” ، فنجد أنّه أحبّها من النظرة الأولى . فقد رآها بين صويحباتها ، وصعقه جمالها الأخّاد ، فلم يعد يدري ما يفعل ، وأحسّ كأنّه يعيش في الأحلام . ودون أن يرى الفتيات اللواتي كنّ معها ، تقدّم منها … ولم تستنكر رفيقاتها فعلته ، وما سخرن منه ، بل رحن يستعطفنها ويرجونها أن تشفق على شبابه ، وأن تبادله عاطفته .

والملحوظ في هذا الحبّ العنيف ، الذي يصفه لنا الدكتور داهش بك ، أنّه حبّ عذريّ طاهر شريف ، لا يرمي إلى غاية سافلة من ورائه . فإنّه يكتفي بمناجاة حبيبته مناجاة أفلاطونيّة ، لا أثر للنزوات الطارئة ، أو الرغبات الطائشة ، بل كلّ ما فيها سام قدسيّ طاهر . ويتمثّلها بشخص الإله “ديانا” ، فيركع في محراب جمالها ، ويسكب سيل عواطفه الفيّاضة تحت قدميها دون أن يحيد عن الطريق القويم الذي اختطّه لنفسه .

هذه هي روح داهش بك . هذه هي روح من أرسلته القدرة الإلهيّة لإتمام رسالة خاصّة في دنيانا ، فترفّع عن الماديات بكلّ أنواعها ، وابتعد عن كلّ مغريات الحياة الدنيويّة . فإنّنا نرى في كتبه غراماً ولكنّنا لا نرى فساداً . إنّه غرام مثالي يجعلنا نرى الحبّ بغير الصورة التي رسمها لنا بقيّة الكتّاب ، ولأول مرّة ؛ الحب كما أراده الله أن يكون ، فغيّره البشر وحوّروه وجعلوه فاسداً شريراً ، بعد أن محوا منه كلّ ما كان فيه من قداسة وطهارة .

ثم يسرد علينا قصّة فتاة جميلة إلى أبعد حدود الجمال تموت بين يدي كاهن ، بعد أن تطلب منه أن يغفر لها ذنوبها . ويشتدّ حزن زوجها عليها ، فيقع في غيبوبة طويلة ، فيحمله الكاهن إلى مكان آخر ويتركه مستسلماً لغيبوبته ، ثم يقفل راجعاً إلى حيث فراش الشابة الميّتة فيركع أمامه ويأخذ في البكاء .

أمّا سبب حزنه فنعلمه بعد حين ، عندما يقترب من الشابة ويناجيها بأعذب الأسماء ، ويكشف لها عن سرّه الدفين الذي حفظه في قلبه خمس سنوات كاملة . لقد أحبّها كلّ هذه المدّة دون أن يبوح لها بحبّها ، ولم يبح لها به الآن إلاّ لأنّها أصبحت في العالم الآخر .

وفي هذه القصّة أيضاً مثل آخر من هذا الحبّ الطاهر الذي نجده في كلّ جملة من الكتاب . وداهش بك إذ يتحدّث عن الكاهن ، يتحدّث عن نفسه ، فيصف ما كان يلاقيه من عذاب في بعده عن حبيبته “سوسو”، والآلام التي كانت تحيطه من كلّ جانب ، وهو يرى نفسه مجبراً على الحياة بدونها .

ولا بدّ أنّه كان في ذلك الحين ، أي في العام 1933 ، محاطاً بأعداد أشرار يدبّرون له المكائد للإيقاع به . حتّى أنّه راح يصف نفسه هائماً في صحراء مترامية الأطراف لا يعرف كيف يخرج منها ، ولكنّه لا ييأس ، بل يأمل في الفرج القريب . ثم يتخيّل نفسه سائراً في الطرق ، تحت الأمطار الغزيرة ، والرياح تعصف به من كلّ جانب ، وما من لباس يستر به نفسه ، وأصدق وصف لحالته النفسيّة التي كان فيها ذلك الحين هو قوله :” ها قد زلّت بي قدمي …”

وما هذه الحياة الراكدة والأوحال التي تحيط به إلاّ الخطايا والموبقات المنتشرة حوله في قلوب الناس وأفعالهم . ولكنّه لا يقنط مع كلّ هذا ، ويعود إلى الأمل والثقة بالله وبعدالته .

وتحت عنوان “الحبّ في الخيال” يقدّم لنا وصفاً من أبدع ما جادت به قريحته الفيّاضة . فقد قسم الحياة إلى أربعة أقسام أطلق على كلّ منها اسم فصل من الفصول السنة . ففي الربيع يصف لنا نفسه مع معبودته ، وهما يسبحان بروحيهما في الفضاء اللانهائي ، وينتقلان بين المروج الخضراء والأنهار المنسابة بهدوء خلال البساتين والحدائق الغنّاء .

وفي الصيف نراهما في الحقول وفي الجنائن ، حيث يتسابقان والطيور لجني الثمار الناضجة ، ويستمتعان كلّ الاستمتاع بقربهما ، ويتبعان الفراشات وهي تحوم حول الأزهار الفوّاحة ، وينهلان من ندى الصباح حتى يرتويا .

ويدركهما الخريف فيفزعهما ، ويستعجلان عودتهما عندما يريان الرياح تعصف بالأشجار ، ويسمعان ندب الياسمين ورثاء الرياحين .

أمّا في الشتاء ، فنرى أمامنا كهلين ، حنت ظهريهما الأيّام ، وقد التصقا ببعضهما ، وجلسا قرب الموقد يرتجفان من البرد ، وهما على عتبة الأبديّة ، ينتظران من لحظة إلى أخرى أن ينتقلا إلى العالم الآخر .

ثم ينتقل الدكتور داهش بك إلى سرد قصّة “عشق كيوبيد”، فيحدّثنا عن ابنة ملك ساحرة الجمال غارت منها “أفروديت” ، فأمرت ابنها “كيوبيد” بأن يقتلها . ولكن جمالها غلب لبّه ، فيأخذها إلى قصر في جزيرة نائية ، ويعيش معها . وكان لا يأتيها إلاّ في الليل ، ويحذّرها من محاولة رؤية وجهه . وتطلب منه في أحد الأيّام أن يأتيها بأختيها ، فيفعل . ولكنّهما تدفعانها إلى محاولة رؤية وجهه ، ممّا يؤدّي إلى هجره إيّاها . وهامت الفتاة باحثة عنه دون جدوى . وقد حاولت أن تستعطف ” أفروديت” ، ولكنّها كانت قاسية فطردتها . وأخيراً توسّل “كيوبيد” إلى “إله الآلهة ” أن يقبل توبة حبيبته ، فقبل ، وربطهما برباط الزواج ، وعادت السعادة إلى الحبيبين .

إنّها قصّة خياليّة ، وهي ترينا أن الآلهة لها مثل عواطفنا ، وتحسّ وتتأثّر مثلنا . وقد أراد أن يظهر لنا أنّ قوى الشرّ مهما طغت وبغت واسترسلت في الظلم لا بدّ أن يأتي يوم تنتصر فيه قوى الحقّ ، وتكون الغلبة للخير على الشر .

وينتقل بنا الدكتور داهش بك من الجوّ الخيالي إلى جوّ واقعي ممزوج ببعض الخيال . وهذا المزج هو من الدقّة بحيث لا يشعر القارئ أنّ القصّة التي يطالعها هي من نسيج الخيال ، بل قابلة الوقوع ، وأنّ أبطالها أحياء يقابلهم كلّ يوم تقريباً .

وعنوان القصّة “الأب أنطون والشيطان “. أمّا الشيطان فمعروف ولا يحتاج إلى تعريف . وأمّا الأب انطون فأحسن وصف له ما قاله فيه داهش بك في مستهلّ القصّة :

كان الأب أنطون الكلّيّ الاحترام والقداسة

متعمّقاً في الأمور اللاهوتيّة ،

متصفّحاً كلّ ما جاء في الكتب السماويّة ،

عارفاً ما هي الخطيئة المميتة والخطيئة البسيطة ،

دارساً أنواع عذاب المطهر والجحيم والنعيم “.

والأب أنطون كاهن كبقيّة الكهنة ، ليس له من صناعة سوى الاتجار بالدين ، وباسم الدين ، وبكتب الدين ، وبتعاليم الله . وكان يقبض ثمن “أتعابه” ذهباً رناناً يدفعه الناس راضين مغتبطين . ألم يمنحهم بدل ذهبهم بركته ؟ ألم يلق عليهم عظاته التي لا ينضب معينها ؟ !… ألم يتل بعض الصلوات على نيّتهم ؟!… فماذا يريدون إذاً ؟!… إنّ ما يمنحهم إيّاه لأغلى من كلّ ذهب الدنيا .

ولم يكن ينسى أن يمرّ في طريقه على بساتين أفراد رعيّته ، فيبارك الأثمار والفواكه ، ويخصّ نفسه بكميّة منها ليتذوّقها . هذا مع العلم أنّه يتذوّقها كلّ يوم .

وفي أحد الأيّام ، بينما كان عائداً إلى الدير ، طرق أذنيه أنين متواصل ، ولمّا بحث عن مصدره وجد مخلوقاً منطرحاً على الأرض ، والدماء تنزف من جراحه الكثيرة . ولمّا سأله عن اسمه أجابه :” أنا وليّ نعمتك وصديقك “. فلم يعرفه . وبعد حوار طويل أخبره أنّه الشيطان ، وأنّ جراحه سبّبها فريق من الملائكة ، وطلب منه أن يأخذه إلى الدير ليداوي جراحه . ولكنّ الأب أنطون رفض بكلّ شدّة وعزم .

ولكنّ الشيطان لم يقنط ، بل راح يُفهم الأب أنطون أنّه مجبر على العناية به جرياً وراء مصلحته . لأنّه إذا مات (أي الشيطان ) لانعدمت الخطايا والمفاسد والموبقات من الدنيا ، وأصبح الناس كلّهم أطهاراً لا يحتاجون لمن يغفر لهم خطاياهم ، أو يعظهم . وبهذا تسدّ أبواب العيش أمام الأب أنطون ويموت من الجوع . وقد اقتنع الأب أنطون بهذا المنطق ، وحمل الشيطان على ظهره ، وأخذه إلى الدير حيث راح ، هو وبقيّة الكهنة ، يعتنون به ، ويضمّدون جراحه .

القصّة ، كما ترى ، جميلة . ولكنّ الوصف الذي تحتويه ألذّ منها بكثير لما يحويه من تعابير رائعة ، وجمل سلسة ، وأدب رفيع .

وواضح هنا أنّ داهش بك لا يعني كاهناً خاصاً في قصّته هذه ، بل هو يتحدّث عن الكهنة بوجه عام ، ويطلع الناس على مخازيهم ومفاسدهم التي يخفونها عن أفراد رعيّتهم تحت ستار التجرّد والمسكنة والفقر والقناعة ، وسائر الفضائل التي لا يضمرون إلاّ عكسها تماماً .

وبهذه القصّة ينهي الدكتور داهش بك كتابه “أسرار الآلهة” ، وهي خير خاتمة لهذا الكتاب القيّم ، الحافل بالقطع الجميلة التي تستحقّ عن جدارة عنوان “أسرار الآلهة”.

 

 باسيل دقّاق

 بيروت ، 1946

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!