حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
فنـاء
ها إنّ الأعوام الزّاحفة الهاربة مرّ أمامي موكبها
والحلم الذي كان يراود نفسي قد اضمحلّ
ونجم أملي الذي كان يحبّب إليّ الحياة قد أفل
وهذا الشّباب الجميل الطّروب قد عفت آثاره
وشبح المشيب الرّهيب … قد بدت أخباره
ربّاه !.. وهل بعد هذا من أمنيّة سوى المنيّة ترقبني وأراقبها
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
الدُّكْتُورِ دَاهِش
- لماذا وضعت هذا الكتاب ؟
- كلمة تعريف بكتاب "أسرار الآلهة"
- إهداء كتاب :قيثارة الآلهة "
- أهلاً بالقلب المحطّم الملهم
- مقدّمة "القلب المحطّم "
- إهداء كتاب "نشيد الحبّ"
- مقدّمة كتاب "نشيد الحبّ"
- إهداء كتاب "الإلهات الستّ"
- هل هنالك من سرّ ؟
- تعريف بكتاب "الإلهات الستّ"
- إهداء الترجمة الفرنسيّة لكتاب "الإلهات الستّ"
- مقدّمة "جحيم الذكريات"
- نزوات (مقدّمة كتبا نزوات قلب
- مقدّمة كتاب "مختارات"
- من أنت يا سيّد ؟
- لماذا وضعت كتاب "كلمات"
- إهداء كتاب "كلمات "
- مقدّمة كتاب "بروق ورعود"
- هذه الأوراق
- مقدّمة "بروق ورعود" الترجمة الفرنسيّة
- إهداء كتاب "جحيم الدكتور داهش "
- مقدّمة كتاب "جحيم الدكتور داهش "
- حول مؤلّف "الجحيم"
- "جحيم " الدكتور داهش
- توطئة كتاب "نبال ونصال"
- مقدّمة كتاب "عواطف وعواصف "
- أدب فوق الأدب
- في موطن "عشتروت وأدونيس"(مقدّمة الكتاب )
- تمهيد كتاب "عشتروت وأدونيس"
- "عشتروت وأدونيس" في حبكة جديدة
- ثمّة حقيقة عظيمة
- مقدّمة الكتاب
- صوت كأنه الوعد (مقدّمة السنخة الفرنسيّة)
- سيف الحقيقة الرهيف سيبتر المجرم والمجرمين
- إنّ التاريخ لا يرحم (مقدّمة )
- تاج النجوم الداهشيّة (مقدّمة النسخة الفرنسيّة)
- أعجب كتاب طالعته (مقدّمة )
- سيرة جديدة عن حياة الناصري
- توطئة لكتاب الرحلة الأولى
- أنا توّاق للسفر والترحال
- لبنان زلزلته المآسي ودمّرته الدواهي
- طواه الموت فليته طواني
- رسالة لحمتها الحزن وسداها الشجن
- الحقّ أحقّ أن يتبع
- مقدّمة "قصص غريبة وأساطير عجيبة "
- لماذا كتبت كتاب "يدي المزلزلة "
- تعريف بالكتاب
- مقدّمة سلسلة "حدائق الآلهة "
- مقدّمة سلسلة "فراديس الإلهات
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
مُقدِّمات كُتُب الدُّكْتُورِ دَاهِش
لماذا وضعت هذا الكتاب ؟
مقدّمة كتاب
“أسرار الآلهة”
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
… منذ الصِّغر ،
كنت أتمنّى أن يأتي يوم
أستطيع فيه أن أضع كتاباً ما من بنات أفكاري ،
شارحاً فيه ما تجيش به نفسي
من شتّى الميول والعواطف والأفكار والآراء ،
نافثاّ فيه أحزاني وآلامي ، وآمالي وأحلامي ،
مدوّناً في صفحاته خطرات ليلي وصباحي ،
وذكريات أفراحي وأتراحي ،
وغير ذلك من شتّى الميول البشريّة الطارئة .
وها قد سنحت الفرصة الآن لذلك .
فأنا أقوم به مغتبطاً مسروراً .
ولمّا كنت من المعجبين بكتابات الكاتب الخياليّ الكبير
المرحوم (جبران خليل جبران) فقيد الشرق ،
تصفّحت كلّ ما كانت قريحته الفيّاضة ،
وخياله الواسع يوحيان إليه .
وكانت عرائس خياله تمدّه بالمساعدة في كلّ ما يكتب ،
فكأنّه معين لا ينضب .
وأيم الحقّ ! إنّني كنت أسبح في بحر من الخيال اللامتناهي
عند قراءتي بعض قطع خياله !
ولا أعود إلى نفسي إلاّ بعد مرور دقائق طويلة ،
من فرط نشوتي الروحيّة التي كانت تتركها في نفسي
قراءتي لتلك القطع السامية الخيال
التي كان كاتبها العبقريّ يرمي إلى غاية من ورائها .
وقد أعجبت بصورة خاصّة ببعض قطع من هذا النابغة الكبير
مثل : حياة الحبّ ، الأجنحة المتكسّرة ، مناجاة أرواح ،
مضجع العروس ، والأب سمعان .
… فاستهوتني هذه البدائع وأمثالها جدّ الاستهواء ،
ورغبت في أن أصوغها في قالبي بعد أخذ الفكرة عنه .
وعند ذاك ، حلّقت بروحي ، كما سبق وحلّق من قبلي ،
وأمسكت بقلمي ،
واستوحيت عرائسي الخفيّة !
فألهمتني كتابة ما كتبت من القطع
التي ألّفت بها كتابي هذا ،
وقد سمّيته : (أسرار الآلهة) !…
نعم ،
إنّ جبران خليل جبران لم يسبق لكاتب غيره
أن جاراه في خياله الواسع ،
وسيمضي زمن طويل أيضاّ ،
حتى يأتي ذلك الرجل الذي يستطيع أن يحلّ مكانه ،
ويتبوّأ في خياله المطلق ما كان جبران متبوّئاً إيّاه .
ولكنّ الفضل في ذلك يرجع إلى فتاته (سلمى كرامة)(3)،
تلك الفتاة اللعوب التي أحبّها وشغف بها .
ولكن … قدّر ألاّ تكون له …
فسحق الألم كبده ، وهاج ما كان دفيناً فيه من الشعور ،
فغادر الديار السوريّة إلى الأقطار الأميركيّة ،
بعد أن خلّفته معبودته سلمى كرامة
ذاهبة بعيداّ ما رواء الغيوم ،
إلى ذلك المكان البارد المنسيّ ،
قهراً وحزنا على زواجها برجل
غير فتاها (جبران) ، مرغمة مكرهة .
وكان رسمها لا يبرح مخيّلته
بعد مرور السنين الآفلة الطويلة .
… كان يظنّ أنّه يستطيع أن يتناساها ،
بمضيّ السينين الآتية ولكن ، أنّى له ذلك
وأشواك الذّكريات محيطة به من كلّ جانب ؟
كانت ذكراها تزداد رسوخاً في أعماقه بتوالي الأيّام الطويلة ،
وتقضّ مضجعه ، مخلّفة له آلاماً
لا طاقة لبشريّ على تحمّلها .
كان يصهر في كلّ دقيقة من دقائقه
بأتّون ذكرياته العالقة بفتاته وقد خلّفته وحيداً ،
في بحر هذه الحياة الصاخب الأمواج ،
المربّد الأثباج بعنف وقسوة !
هذه الحياة التي لا ترحم ، ولن ترحم !
ففتق الحزن المرير عليها قلبه الفيّاض الجائش ،
المليء بحبّه المكين لها ،
فأتى بدرره الخالدة التي نقرأها ،
فنسبح مع عرائس المروج !
نعم ،
إنّ سلمى كرامة هي المرأة التي حلقت
جبران خليل جبران !
فكتب ما كتب …
ولولاها لما قرأنا النبيّ ويسوع ابن الإنسان ،
وآلهة الأرض ، ومملكة الخيال ، والعواصف ،
وغيرها من بدائعه الخالدة !
و(ديانا)
هي فتاتي التي حالت القوّة ما بين قلبي وقلبها ،
فغادرتها مضطّرّاً ، مرغماً ، مكرهاً !
وصورتها منقوشة في أعماق أعماقي .
وكاد الحزن عليها يودي بي ،
لولا الأمل الذي لولاه لقضي عليّ :
أمل رؤيتها يوماً … مهما طال !
إذ ما زلت في سنّ الشباب ،
وهي ما زالت فتاة صغيرة السنّ …
نعم ،
إنّ ديانا لها كلّ الفضل في ما أتيت به
من هذه القطع التي استمددتها
من وحي جمالها البارع ، وحسنها الرائع !
نعم ،
إنّها مستمدّة من وحي لطفها الباهر ، ونورها الساحر !
إنّها مستمدّة من عطفة قوامها اللدن الميّاس !
إنّها مستمدّة من حلكة شعرها الداجي
المنسدل على كتفيها !
إنّها مستمدّة من عذوبتها اللاّحدّ لها !
إنّها مستمدّة من طهارة روحها ونقائها !
إنّها مستمدّة من صفاء عينيها وزرقتهما !
إنّها مستمدّة من وهج مقلتيها الفتّاكتين !
إنّها مستمدّة من نصوعها
الذي يفوق نصوع زنابق المروج !
إنّها مستمدّة من نقائها المزري بنقاء الياسمين !
إنّها مستمدّة من روحها النقيّة الحالّة فيّ !
إنّها مستمدّة من صفائها الذي ليس وراءه صفاء !
إنّها مستمدّة من حبّها العذريّ !
إنّها مستمدّة من صباها في العنفوان !
إنّها مستمدّة من سنواتها التسع عشرة !
إنّها مستمدّة منها !
ولولاها لما كان الكتاب !
إنّها مستمدّة من وحي حبّها لي وحبّي لها !
إنّها مستمدّة من ديانا التي ما زلت أتخيّلها
رغم بعدي عنها
سنتين قاسيتين ، مريرتين ، قاتلتين ،
أبديّتين ، أزليّتين !
إنّها مستمدّة منها وَلَها .
نعم ،
إنّ كتاب (أسرار الآلهة)
لولاها … لما كان !
داهش
أوّل آب 1932
كلمة تعريف بكتاب "أسرار الآلهة"
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
هذا الكتاب ألّفته عندما كانت سنّي عشرين عاماً . وها قد انطوت الأيّام ، وتسرّبت الشهور ، وأبيدت الأعوام ، وما زال مخطوطاً ومهملاً بزاوية النسيان .
واليوم نفضت عنه غبار الزمن وطالعته ، فإذاني أجد الكثير ممّا سبق وكتبته يحتاج لتشذيب وتهذيب ، فضلاً عن الحذف .
فعندما كتبت هذا الكتاب كنت في عمر الورود ، وكانت تنقصني الخبرة . وعزمت على أن أصرف النظر عن طبعه . ولكنّي عدت ثانية وصمّمت أن أدفعه إلى المطبعة مثلما سبق وكتبته دون أن أجري فيه أيّ تغيير .
فالفرق شاسع بين ما يكتبه المرء في مطلع شبابه وبين ما يدوّنه بعدما يكون قد حلب من الدهر شطريه ، وبعد أن يتلقّى من الدهر صفعات مزلزلة ، ويدخل في جوف أتّون متّقد بالنيران المبيدة ، فإذا بهذه النيران الجهنميّة تصهره ، ثمّ تبوتقه ، فإذاه شخص آخر لا يمتّ لشخصيّته الأولى بأيّة صلة .
وبعد ، فها هو كتابي أضعه بين أيدي القرّاء ، فليحكموا له أو عليه ، والسلام.
داهش
بيروت في 27 شباط 1979
إهداء كتاب "قيثارة الآلهة"
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
إلى الروح التي ما زالت ترفرف حائمة فوق رأسي .
إلى التي علّمتني معنى الحبّ السامي الملائكي بطهارتها .
إلى التي تتساوى بنقائها مع الملائكة الأطهار .
إلى حوريّة الغاب المتوّجة بإكليل من الغار .
إلى التي لا أطمع يوماً بعد الآن في رؤيتها .
إلى التي علمتني بجمالها السماوي عبادة الجمال .
إلى التي حبّبتني بالحياة بعد كرهي الشديد لها .
إلى التي فتحت مكنونات قلبي وأسراره الخفيّة .
إلى التي تبعث فيّ ميت الآمال وتذكيها ، ولا آمال .
إلى التي احبّتها روحي منذ القدم ، وإلى الأزل .
إلى من ارتشفت من رحيقها الخمريّ المسكر حتى ارتويت .
إلى التي لو تجسّمت لي (أفروديت) إلهة الجمال .
لتسليني عنها لما سلوتها …
إلى الروح التي تعانقت معها روحي منذ الأزل .
إلى الفتاة الفتّانة التي وهبتها قلبي وروحي .
إلى معبودتي لا بل إلهتي (ديانا) الرائعة الجمال ،
أقدّم هذا الكتاب .
الدكتور داهش
أهلاً بالقلب المحطّم الملهم !
مقدّمة الشاعر حليم دمّوس لكتاب “القلب المحطّم”
بقلم حليم دمّوس
يا أخي !
أرأيت الروض الناصع الزاهر بأزهاره ؟!
والبحر الواسع الزاخر بتيّاره ؟!
والفضاء الشاسع الباهر بأنواره ؟!
هذا هو الدكتور داهش الرائع الساحر بأسراره !
فمن بساطة متناهية إلى عبقريّة لا متناهية !
ويشهد عليّ هذا القلم الجاري على هذه الصفحة
يسوّدها كما تسوِّد فحمة (الليل) وجنة (النهار)،
أنني ما دخلت مرّة على هذا الأخ العجيب ، والإنسان الغريب ،
وهو في سرّ خلواته ،
إلا خرجت من غرفته حائراً مدهوشاً
لما أراه وألمسه من عجائبه وآياته !
فمن مطالعات دائمة ، ومراجعات ملازمة ،
وظاهرات روحيّة علويّة ،
إلى مباحث أخلاقيّة ،
إلى نشر آثار قلميّة ، وألوان أدبيّة فنيّة ،
هي بالإعجاب والدهشة حريّة !
وأمامي الآن مخطوطة (القلب المحطّم)،
من نتاج ذلك القلم (السحريّ) والفكر(الملهم)،
وهي صفحة من صفحاته ، ولمحة من لمحاته ، ونفحة من نفحاته !
وفيها الشعر والنثر ، والمعنى العميق الدقيق ، والمبنى الرصين الرشيق !
وفيها العناوين الفريدة ، والمباحث المفيدة ،
وكلّها ترمي إلى المرامي البعيدة ، والأهداف السديدة .
وأنت إذا طالعت هذه المجموعة من الألف إلى الياء
كما طالعتها أنا ، خشعت نفسك مثلي
لمثل هذه الرسائل البعيدة ،
والتأمّلات الرفيعة ، والأحلام الصريعة ،
والصرخات الداوية ، والكواكب الهاوية ، والآمال الذاوية ،
إلى ما هنالك من نفثات صادقة ، وقلوب خافقة ، ودموع دافقة ،
وذكريات مؤلمة ، وثورات مهدّمة ، وأجنحة محطّمة ،
ونفوس جائعة ، وحوادث رائعة ، وتنبّؤات واقعة ،
إلى غير ذلك من روائع بدائع الأقوال ،
حيث يتعانق الخيال بالحقيقة والحقيقة بالخيال !
وعندئذ تخشع الروح النقيّة فترتفع إلى العلياء ،
وتسمو إلى أسمى سماء !
***
فيا أخي !
إنّ كتاب (القلب المحطّم ) تحفة ! بل طرفة !
وهو عندي همسات إلهام ، ولمسات أقلام ،
وإن كان في نظر سواي عصارة يأس ودموع وآلام !
وإذا كان (الألم واليأس) ينبثق منهما
مثل هذه النظرات الأدبيّة المذهّبة ،
والخطرات الروحيّة المهذّبة ،
فمرحباً باليأس وأهلاً بالآلام !
ومرحى لنوائب الزمان ومصائب الأيّام !
لم أشكّ من وقع المصائب مرّة إنّ المصائب هذّبت أخلاقي !
هذا بيت من أبيات قلتها من سنوات ،
واليوم جاءت هذه المجموعة الفريدة تؤيّد هذا (البيت) وتقوّيه ،
وتدعمه بأدلّتها البالغة البليغة وتُعليه !
نعم ! هذا ما لمسته وشعرت به
بعد أن طالعت بلذّة روحيّة هذه المجموعة الفنيّة الرائعة ،
وبعد أن أتيت على آخر كلمة من آخر سطر
من آخر صفحة من صفحات هذا المؤلّف العجيب !
***
أهلاً بالقلب المحطّم الملهم !
أهلاً بالقلب الخافق الدافق !
فمنه ستتفجّر مياه الرحمة والحبّ والحنان !
… وحبّذا صخرة (اليأس)
تغالبها الرياح الهوجاء ،
وتشقّها عواصف الأرض والسماء ،
فتحيينا بمثل هذه الينابيع الروحيّة الصافية ،
وتنعشنا وتقوّينا بالأسرار الإلهيّة الشافية !
حليم دمّوس
بيروت ،12 حزيران 1942
مقدّمة "القلب المحطّم "
الترجمة الفرنسيّة
بقلم ماري حدّاد
“القلب المحطّم ” مجموعة من القصائد النثريّة والشعريّة التي تتنوّع تنوّعاً كبيراً في أغراضها وأساليبها الإنشائيّة المتّسمة أحياناً بالرمزيّة والسريّة .
ويصوّر المؤلّف نفسه فيها في مظاهر مختلفة .
بعد هذه القصائد تسابيح وابتهالات ، مثاله تلك المعنونة باسم “الله”:
“ كلمة رقيقة ، عذبة ، شفّافة ، أثيريّة مقدّسة !…
كلمة قاسية ، ولكنها عطوفة !…
كلمة رهيبة ، ولكنها معسولة !…
كلمة تضمّ في ثناياها أسرار الأبد وخفاياه !…”
وفي “صلاة الفجر ” يقول :
“اتبعيني يا بنيّتي لنذهب إلى “بيت الله” لنرفع له الصلوات …
لنتناس كلّ شيء يا بنيّتي ،ونتّجه نحو القدير …”
أمّا السلام فهو توق إلى العالم الآخر :
“سلام على ذلك العالم الروحيّ المضيء الخالد !…
سلام على تلك الربوع المقدّسة النقيّة !”
وثمّة صفحات تعبّر عن كره وازدراء تامّ للحياة والعالم :
“متى تحين تلك الساعة الخالدة ،
ساعة انطلاقي من (الأسر) إلى فضاء (الحريّة )؟!”
أمّا الموت الذي يرهبه الناس فيمجّده ويدعوه بحرارة “
“ ولكنّ الساعة التي تحين بها مغادرة الروح لجسدها البالي الحقير ،
ساعتذاك تهتك الأسرار الأزليّة الخالدة !
وتبدو الحقيقة التي نشدها البشر آجالاً عبثاً ،
فيعرف كلّ لم أتى إلى هذه الحياة الفانية ؟
وما سرّ الدموع والآلام التي كان يعانيها ؟”
أنّه موضوع يتردّد دائماً على صفحات الكتاب :
” نعم ، أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عني …”
وفي قصيدة أخرى تراه يحنّ إلى أقاصي الفضاء ….
“هناك حيث الهناء ، حيث السرور ، حيث النور ، حيث الحريّة والسعادة ،
حيث الحبّ والعدل ، حيث الخلود السرمديّ ، الأبديّ الأزليّ ، اللانهائيّ …”.
ويقول في موضع آخر :
“إذ أكون في الغد قد اندمجت مع (حبيبي)، وفي هذا سعادتي الكاملة الشاملة “…
ونلاحظ مقارنات كثيرة ، تتكرّر في صيغ مختلفة ، بينه
هو ابن النساء والخمر ، والجاه والمال ، والنفوذ والسلطان والحياة …
ولي الله ، والسماء ، والحقّ ، والمعرفة ، والعدالة ، والمجهول ،
والاندماج (بالقوّة الموجدة)!”.
وفي قطعة أخرى يقول :
“نفسي جائعة ! ولكن إلى غير خبزكم المعروف …
إنّ نفسي جائعة ، وجائعة …
ولكن ..إلى (الإكسير) السماوي”.
ويصبّ لعنات طويلة على المال سبب كلّ شرّ وهلاك ؛
إنّه العجل الذهبيّ الذي تنحني البشريّة أمامه ، مكبّلة بالعار والخطيئة .
أمّا الزواج فهو جريمة تولّد كائنات مرهونين للشقاء والعذاب والموت . وبدون الزواج ينقرض النوع البشريّ من سطح الأرض ، وانقراضه يكون لخير الإنسان ، ولكن هيهات أن يفعل البشر ذلك .
وفي إحدى صفحاته يشبّه الصداقة الزائفة بالبرج الحصين المنيع قد تقوّض فيقول :
“وفي ذلك البرج الضخم الفخم ،
الذي كانت ترتدّ عنه عقبان الجوّ ، ونسور السماء ،
وغزاة الهواء ، وغيلان الفضاء …
أصبح – واأسفاه ! مرتعاً لخفافيش الفضاء وصغار الطير …
فليندب النادبون ، وليندم النادمون ،
وليتب الأثمة والخاطئون ، ولتهم العبرات الحرّى من العيون ،
وليعتبر المعتبرون ، وليشهد هذه المأساة الأليمة الشاهدون “.
وفي قطعة أخرى يقول :
“أنا ثائر ! وسأظلّ ثائراً حتى تطوّق ثورتي الكائنات !
بل ، ستجتاح (ثورتي) معالم هذه النّظم الجائرة السخيفة ،
وتدكّها دكّاً ، وتتركها قاعاً صفصفاً ،
لتبني على أنقاضها نظماً أخرى “.
أمّا الحبّ ، حسبما يفهمه ، فقد رفعه إلى درجة سامية من الروحانيّة والقداسة ، وجرّده من كلّ قيد جسمانيّ . إنّه بالحبّ يبلغ الألوهة .
إنّ كتاب “القلب المحطّم” يعبّر عن شخصيّة الدكتور داهش الفريدة التي تضاهي بعظمتها أولئك القلائل الأعلام الذي شرّفوا الإنسانيّة بوجودهم على الأرض .
وبعض كتاباته تثير العجب ، لكن إذا أتيح للقارئ ، ذات يوم ، أن يتعرّف إلى صاحبها ، فإنه لن يجد أيّة مغالاة في ما يقوله : ذلك بأنّ كتاباته جميعها مبنيّة على يقين لا يتزعزع ، على قوّة الحقيقة .
هذا المؤلّف يعكس نفسيّة رجل يختلف عن جميع الرجال ، رجل يقف على النقيض منهم بأفكاره ، وميوله ، وأعماله . والسلطة والقوّة اللتان تنبعان من كلامه تفرضان نفسهما ، لأنّ كلام الدكتور داهش هو مقدّمة عمله ، فكلاهما وحدة تصدر عن مبدإ لا يعروه وهن أو تبدّل .
فلنحيّ فيه فجراً جديداً ، وآفاقاً مضيئة ، وينبوعاً لثروات روحيّة يمكن أن نستفيد منها إذا أردنا .
ماري حدّاد
بيروت ، في 9 كانون الثاني 1955
إهداء كتاب "نشيد الحبّ"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 3 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
إلى الروح التي اندمجت بكياني ،
إلى الحلم الفتّان الذي رافق آمالي ،
إلى طائر الفردوس المجنّح الذي واكب خيالي ،
إلى الأطياف الشفّافة ، الهائمة في سماء حياتي ،
إلى الفتنة الخلاّبة المحلّقة في جنات الخلد ،
إلى الخشف الوديع الذي يجوس الحدائق العامرة بأقحوانها العجيب ،
إلى ورود الفردوس التي تتراقص بألوانها العجيبة ،
إلى البحر الصخّاب المتلاطمة أمواجه بعنف ، والمتصادمة أثباجه بجبروت ،
إلى الجداول الرقراقة ، الوسنانة بين أحضان الغاب المقدّس ،
إلى الغابات الظليلة والمروج السندسيّة ،
إلى تلال الغيوم السابحة في الأوقيانوسات الإلهيّة ،
إلى رشإ الآجام الهائم بين الأدغال السحريّة ،
إلى ترانيم الغدران المذهلة بين شعاب الأودية الحصينة ،
إلى الكاعب الحسناء والفتّانة الدعجاء ،
إلى الظبية النافرة ، والمغناج اللعوب الحالمة ،
إلى الغادة الغيداء ، ذات الروعة والجمال ، والرقّة والدلال ،
إلى فصل الربيع الذي ينتشر فتنته
على الحقول الموشّاة بمختلف الأزهار الشذيّة ،
إلى الكواكب المتألّقة بأنوارها البهيّة ،
إلى عروس خيالي ، الهاجعة في أحلامي ،
إلى الفجر البهيّ بطلّه الهامي ،
إلى العاشق الولهان بدمعه الهامي ،
إلى ربة شعري ، وملهمتي قصيدي ، وإلهة إلهامي ،
أهدي كتابي هذا .
داهش
بيروت ، في 27/10/1968
مقدّمة كتاب "نشيد الحبّ"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من الصفحة 7 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
إنّ أوّل امرأة ، أغرت أول رجال الأرض ، كانت أمّنا حوّاء – هذا ما دوّنه الكتاب المقدّس بين دفّتيه .
ومن ذريّة آدم وحوّاء انبثقت الملايين ، تتلوها البلايين من الذكور والإناث ، واستمرّت الرواية تتابع فصولها طوال أحقاب وأجيال ….
رواية الإغراء الأنثويّ المحبّب وسيبقى هذا الإغراء مسيطراً على الجميع ما بقيت دنيانا العجيبة .
وكتابي هذا ، الفضل في ظهوره للمرأة – فهو من وحيها – وللمرأة دوّن كلّ سطر وشطر فيه .
لقد كان باستطاعتي أن أدّعي ، أنني أتغنّى بالكنيسة – بالمعبد- بالهيكل- بالفردوس المفقود – بالقوّة الموجدة – لكنّي إذ ذاك أكون قد خاتلت على نفسي ، قبل أن أخاتل على القارئ .
لقد سبق لرجال الدين أن ادّعوا أنّ – نشيد الأنشاد – الذي كتبه النبيّ سليمان منذ 3000 عام إنّما هو يتغنّى فيه بالكنيسة – وليس بالمرأة .
أمّا الحقيقة التي لا مراء فيها ، فإنّ النبيّ سليمان ، كان يتغنّى بسالبة لبّه وسارقة حبّه – (الملكة سبأ) – تلك الغادة الغيداء ، والكاعب الحسناء .
وهكذا خلّد سليمان قصّة عشقه للملكة سبإ بقصيدة حبّ عصماء ، يفوح منها أريج أزهار الجنّة المحيي للنفوس .
وها إني أعلن أنّ قصيدتي المنثورة ، والموسومة باسم (نشيد الحبّ) إنّما هي من تأثير المرأة ، ومن وحيها ، ومن رقّتها ، وعذوبتها ، وحلاوتها المعسولة …
وسأنشر هذه القصيدة مظهراً فيها كم هي قوّة المرأة التي تسيطر على الأفكار ، وتهيمن على العقول ، وتستلب الألباب ، كما أنه بين يديها أسباب الهناء والعذاب .
إنّ هذه القصيدة كتبتها وأنا ما أزال غضّ الاهاب ، بضّ الشباب ، وها إني أنشرها وقد بلغت سنّ الكهولة .
وما ذلك إلاّ لتذكّرني بذلك الماضي السحيق الذي طوته الأعوام البائدة ، مخلّفة لي ذكريات سجّلتها آنذاك بساعة نشوة وصفاء ، عفت الآن آثارها ، وامّحت حتى الأبد أسرارها .
داهش
بيروت ،الأربعاء في 23 تشرين الأوّل 1968
أهداء كتاب "الإلهات السّتّ "
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
إلى الجدول الرقراق المتدفّق بلطف دون أن نعيره اهتماماً .
إلى الإكسير الإلهيّ الخالد الذي لا تريد أن تتذوّقه أرواحنا الخشنة .
إلى الطيف الشفّاف الذي يجوب عالمنا كي يهدينا فلا نهتدي .
إلى النور السّاطع الذي يبدّد عنّا الظلمات الدّاجية فلا نرعوي .
إلى الخضمّ الجبّار الذي لا نجرؤ إن نخوض أعماقه في وضح النهار .
إلى المهنّد البتّار الذي سيجزّ رؤوس كافّة الفجّار والكفّار .
إلى البطل المسلّط علينا أشعّته الحقيقيّة ، فنقذفها بنبال باطلنا الدنيّة .
إلى الرفيق العلويّ ، والصّديق الأبيّ ، والخلّ الوفيّ .
إلى الحبّ الشامل ، والأمل الكامل ، في هذا العالم الخامل .
إلى البلبل الصدّاح بمرح ، دون أن نصغي إلى أنغامه العذبة .
إلى النّاظر إلينا بحزن ، المتألّم لجهلنا ، المنذهل لغرورنا .
إلى الأمنية الجذّابة ، الرّاغبة في الاندماج بنا عبثاً .
إلى الضيف المطرود من جميع أمم الأرض وقبائلها .
إلى المثخن بالجراح المميتة ، والمطعون بحراب وحوش البشر الغلظاء .
إلى الناظر إلى القرون والأجيال الزّاحفة … نظرة هزء وزراية .
إلى الرّوح الطّليق السّابح في الكواكب المتألّقة الخالدة .
إلى الشعلة الإلهيّة الملتهبة ، المستمدّة أنوارها من لدن الله .
إلى الصّفاء والنّقاء ، والطّهر والبهاء .
إلى الحقيقة المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم التّاعس الفاسد أهدي هذا الكتاب .
داهش
بيروت 15 تشرين الثاني 1942
هل هناك من سرّ ؟
بقلم حليم دمّوس
مأخوذة من كتاب “الإلهات السّتّ” للدكتور داهش ، الصفحة 8
إنّ جميع كتابات الدكتور داهش تجدها مشبعة بالآلام النفسيّة مفعمة بروح الأسى ، فيّاضة بالعبرات المترعة ، جيّاشة بالكآبة الصّارخة ، زخّارة بالأتراح المضنية ، وهذا ما يدعو إلى الغرابة والتساؤل ، إذ إنّه ما يزال في مقتبل العمر ، وعنفوان الصّبا . ولكنها في الوقت نفسه عميقة جبّارة ، عنيفة بتّارة ، فإنّك تتلمّس بين السطور روحه المتمرّدة الثائرة على هذا الكون وما يحويه ، وعدم اطمئنانه لأيّ مخلوق فوق هذه الأرض .
كما أنّه توجد له آراء غريبة في هذه الحياة ، يجدر أن يطّلع عليها القرّاء . فليتروّ مطالع هذا الكتاب في محتوياته بكل دقّة وإمعان كي يتبيّن معانيه ، ويتفهّم مراميه .
حليم دمّوس
1943
تعريف بكتاب "الإلهات السّتّ"
حليم دمّوس
هذا التعريف مأخوذ من مقدّمة كتاب “الإلهات السّتّ”
المطبوع سنة 1943
وبعد (ضجعة الموت) (الكلمات).
وبعد (الكلمات) تصدر اليوم (الإلهات السّتّ) . فهو إذن الهمسة الثالثة في أذن أبناء الأرض من وحي السماء . بل هو أنشودة علويّة ملهمة تطير على جناحين هما : الحقيقة والخيال . بل هو ثالث قمرين نيّرين من أنوار روحيّة لها بداية وليس لها نهاية .
تصفّحت هذه المجموعة فظننتها خيالاً في خيال . ثم بيّضتها بقلمي بعد أن امتزجت روحي بروح مؤلّفها العجيب ، فإذا هي حقيقة في خيال . ومن هذه الطرفة بل التّحفة اخترت عدّة فقرات نظمتها شعراً لتنشر في كتاب (نزوات قلب) من تأليف الدكتور داهش أيضاً . وقد أهدى كتابه هذا إلى الحقيقة ، تلك الشّعلة العظمى المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم . فاسمع ربّة الحبّ تجيب الشّاب بعد أن قال لها : لا تحاولي يا ربّة الحبّ إغرائي بعد ما ذقت من عذاب وقاسيت من أوصاب .
حديثك يشجيني وفيه عذاب على أنّ ليلات المحبّ عذاب
فقم وتمتّع يا حبيبي بصبوة بها العيش حبّ والحياة شباب
واسمع جواب الشّاب لربّة الحبّ أيضاً :
يا ربّة الحبّ الجميلة قد جرت كلمات ثغرك كالنّسيم الجاري
أما أنا فوحق حبّك قد خبت شمسي وغابت منذ فجر نهاري
وكذاك قيثاري تحطّم في يدي واهاً لرنّة ذلك القيثار
على أنّ من صفت نفسه وسمت روحه إلى ما وراء الأغاني والألحان والقوافي والأوزان ، علم أنّ هذه الطّريفة البكر ليست مجرّد لكمات وعبارات ، ولا مجموعة تخيّلات وتصوّرات ، بل أدرك بفطنته الشّفافة أنها وحي جديد لمرمى علويّ بعيد ، بل نافذة فريدة يطل منها على أرض جديدة وسماء جديدة .
ولن يزحزح السّتار عنها ، إلاّ من اقتربت روحه منها .
فهنيئاً لمن فهم الحقيقة وأفهم .
وسلام على من بشّر بها وعلّم .
حليم دمّوس
بيروت ، في 31 تمّوز 1943
إهداء الترجمة الفرنسيّة لكتاب "الإلهات السّت"
بقلم الدكتور جورج خبصا
أثر ملهم كتبه (فتى الإلهام ) لعالم مادي ، مصاب بالجنون ؛ عالم يشاء الله أن ينيره بشعاع من (الحقيقة ) .
ألا فلينعم القارئ النظر في هذه الكلمة التي هي سرّ السعادة الصافية الخالدة .
فإلى هذه (الحقيقة)،
رمز القوّة العلويّة ،
أهدي هذه الترجمة ، إجلالاً .
جورج خبصا
مقدّمة "جحيم الذكريات"
الترجمة الفرنسيّة
بقلم ماري حدّاد
ترى ، ما هي “الذكريات”؟
إنّها ذكريات أزمنة قريبة أو بعيدة ، وأحياناً ذكريات عالم آخر وحياة فردوسيّة سابقة ، راتعة في أحضان الحقيقة والطهارة والجمال حيث تدعو الحوريّات والإلهات إلى الحبّ الأقدس والأنقى والأصفى .
وشتّان ما بين هذا العالم الفردوسيّ والشقاء والقبح والآلام في الأرض !
يقول الدكتور داهش :”ترى ، ما هذا المجهول الذي يجور عليّ ويتشبّث بخطاي “؟
ومن هذه الآلام انبجست صيحات العذاب : تشوّق إلى الحقيقة ، نداءات إلى الموت نبع الخلود والإدراك والمعرفة .
-“ وأوتار تلك (القيثارة) الشجيّة النغم ، السحريّة التوقيع ،
تقطّعت ، وتفرّقت بدداً ، وغدت كالقصبة الجوفاء ،
تعبث بها رياح الصحراء ، فتوقّع الحاناً مشوّشة ، ضائعة …
لا حياة فيها ولا روح “.
-” ربّة الأحلام ! أنظري إلى عينيّ الذابلتين بعينيك المعسولتين النجلاوين ، فأنسى كياني بنظراتك الشافية لأتعاب روحي المتألّمة “.
-” أيتها الحياة ، إنّ قوانينك ظالمة ، قاسية ، جائرة “.
-” يا حبيبي الموت !…
يا حبيبي البهيّ وطيفي الوفيّ !
ألق على جسدي ظلاماً من خمود ،
وعلى روحي نوراً من خلود “.
-” ليت الآلهة تنظر إلى حالتي وترثي ،
ليتها تعيدني إلى موطني الذي أوفدتني منه
إلى هذه الأرض الشقيّة “.
وهنا تتتابع جميع فنون الإنشاء ، وفيها يعالج الدكتور داهش الكثير الكثير من الموضوعات : الصداقة ، والمرأة ، والفلسفة ، والتأمّل في الحياة والإنسان والطبيعة ، ولعنة العالم ، واستنزال السخط الإلهيّ على البشر .
ومن وجهة أخرى يمجّد إبليس لدى مقارنته الإنسان :
“ إلى ربّ الهاوية وسلطان الجحيم …
يا لليوم الذي تكون فيه نهاية كلّ حيّ !
حين أتوسّل إليك أن تضعني إلى يمينك ،
لأسخر بملايين البشر الموضوعين إلى يسارك ؛
إذ ستنقشع إذ ذاك (الغمامة) وينهتك (الحجاب)،
فيعرف كلّ منهم إنّما كان هو الشيطان !
كان هو الشيطان ،
وكنت أنت الملاك !”
وتطالعك عبارات أمثال هذه :
“أنا ذو بأس ، وبأسي أكبته ، وأمنعه عن الظهور“.
ثم نقرأ في “تخيّلات ستحقّقها الأيّام “:
” من يكون هذا الشابّ الراقص على قمم الجبال باصطخاب وجنون ؟
إنّه هائل … مخيف … جبّار … رهيب …قويّ …
مقتدر … ذو (قوّة تجتاح كلّ شيء)!…
إنّه عاصفة هوجاء ، وداهية دهياء ،
ورهبة هائلة ، وهول رهيب !
إنّه خوف لا يزول ،
وقوّة باطشة لا تحول !
إنه المنتقم الجبّار ،
والمحتكم القهّار !
إنّه …؟؟!!”.
وفي الكتاب أناشيد :
نشيد الورود المفعم بالنضارة والجمال ؛ و”أنشودة الروح ” التي تتسامى محاطة بالأسرار والرؤى ، أشبه بشهاب يتفجّر أفراحاً وأضواء .
تجتمع العناصر منصاعة لأوامر الإلهة إذ تقول :
“تغنّوا معي بالأناشيد العذبة …
لأنّ من تهواه نفسي وتحنو عليه روحي
قد أتى من الأبعاد السحيقة …
أنا المسيطرة على كلّ ما هو معروف ومجهول من أمور …
لقد تشبّعت روحي بالسعادة ،
وانتشت بالغبطة !”.
وفي قصيدة “جنّة الخلد” يقول :
” حلّقي يا روحي عالياً ، وجوبي الآفاق العلويّة !…
وابلغي يا روحي هناك حيث الفراديس الإلهيّة …
واجني يا منى نفسي أشهى ثمارها الجنيّة ،
ثم اقطفي من حدائقها الغنّاء أجمل أزهارها النديّة ،
وانشقي عبيرها الفوّاح ، وانعمي برائحتها العطريّة …
وانهلي من جدولها الرقراق بمرح دافق وشهيّة ،
وانظري إلى الحواري الراقصات بحللهنّ الأرجوانيّة …
واهزجي مع الملائكة الأطهار بأهازيجك القدسيّة …
وارفعي صلواتك بخشوع كي لا تعودي إلى أرض الخطيّة …
وافني بحبّ الله وسماواته النقيّة …
ولتمض الآجال والأجيال السحيقة وأنت غارقة في تأمّلاتك السماويّة !”
وإليك صلاة من أروع صلوات المؤلّف :
إلى فادي الأنام
” إلى من تجاوبت أصداء تعاليمه كافّة العوالم معروفها ومجهولها !
يا من ذاعت كلماته الطاهرة في مشارق الأرض ومغاربها …
يا من قادتنا تعاليمه الصادقة إلى الينابيع الإلهيّة السرمديّة “…
تلك نظرة سريعة على مجموعة من الأفكار جنيت من مجمل الكتاب ، كلّ قطعة من قطعه تؤلّف وحدة كاملة مختلفة عن الأخرى ؛ لكنّها جميعاً ذات خصائص غريبة كلّ الغرابة عن البشر ، ذلك بأنّ مصدرها أسمى بما لا يحدّ .
نعم ، إنّ طابعاً روحيّاً يمهر هذا المؤلّف ويسمو إلى الدوائر العلويّة الكلّية القداسة .
فهلاً تستطيع تعاليم هذا الكتاب أن ترتقي بنفوسنا المقيّدة ، وتحرّرها من الأغلال التي تكبّلها بالمادّة ، وتدعها ترنو نحو العلاء نحو السماء نحو الله جلّت قدرته ؟
ماري حدّاد
بيروت ، في 26 حزيران 1955
نزوات مقدّمة كتاب "نزوات قلب"
لمؤلّفه الدكتور دهش
مأخوذة من النسخة الشعريّة للكتاب
بقلم الأستاذ حليم دمّوس
أخي القارئ !
هل مررت يوماً على حديقة غنّاء فاخترت باقة من أعجب أزهارها؟
وهل دخلت مع صحبك كرمةً خضراء فقطفت سلّةً من أطيب أثمارها ؟
وهل تغلغلت في قلب غابة غبياء فالتقطت بلبلاً من أطرب أطيارها ؟
بل هل وقفت أمام بحيرة صافية الماء فنهلت قليلاً من أعذب انهارها ؟
***
هذا ما تمتّعت به منذ سنوات خلت إذ فزت بأشهى أمنيّة :
فلقد مررت مع إخوتي وأخواتي بحديقة الدكتور داهش الادبيّة ،
ودخلت خاشعاً إلى كرمته الروحيّة الشهيّة ،
وأصغيت إلى نغمات الأطيار الشجيّة في غابته الغبياء الغنيّة ،
وترشّفت بكأس شفّافة بعض ما ينسكب من خمرة آياته الكوثريّة !
***
أجل !
لقد تغذّيت مع إخوتي وشربت ،
وقرأت من أسفاره وطربت ،
وكشفت عن أسراره وعجبت !…
وها أنا أزفّ
إلى عشّاق الأدب الجديد الناصع ،
وأمراء البيان العربي المفيد الرائع ،
مجموعة (نزوات قلب)،
ليتغذّوا كإخوتي ويطربوا ،
ويراجعوا في هذه النزوات ويرجّعوا.
وهم :
كلّما راجعوها استطابوها ،
وكلّما رجّعوها استعذبوها ،
وعرفوا:
كيف تقطف أطيب المجاني ،
وكيف ترشف أعذب المعاني ،
وكيف تعزف أطرب الأغاني !…
وأدركوا عندئذ :
كيف يرصّع البيان … بالجمان ،
وكيف تسيل الأقلام … بالإلهام !
وكيف يقذف البحر … درّاً ،
ويقطر اليراع … فكراً ،
ويجري البيان … سحراً !…
***
وأقسم – وما أقسمت إلاّ صادقاً –
أنهم لو عرفوا ما عرفت ،
وفهموا سرّ وصفت ،
وأدركوا مساقط تلك الكلمات العلويّة ،
وحقيقة مهابط تلك النزوات القلبيّة ،
لخشعت نفوسهم لديها ،
وحنّت قلوبهم أبداً إليها ،
وأطلّت أرواحهم عليها ،
ورفّت جوانحهم حواليها !
***
فما نزوات قلب
سوى خلاصة ما دوّنه الدكتور داهش في الخلوات .
وما نزوات قلب
سوى زبدة ما حمله في صدره الجيّاش منذ سنوات .
وما نزوات قلب
سوى عبرات في عبارات ،
وبسمات في نسمات .
وما نزوات قلب
سوى عصارة ما استقطره قلمه الملهم
من إنبيق إلهيّ غير منظور !
وما نزوات قلب
سوى دموع تنسكب ، ودماء تسيل ،
وعواطف تذوب ، وعواصف تثور ،
وقلوب تنزو … وصدور تتأجّج وتتوهّج !
***
وما تلك الدموع المنسكبة والدماء السائلة ،
والعواطف الذائبة والعواصف الثائرة ،
والقلوب النازية والصدور المتأجّجة المتوهّجة ،
سوى سيّالات روحية سامية هامية ،
سكبتها يد العناية
لأنبل رسالة وأشرف غاية .
ولقد أنزلتها القدرة القهّارة ،
على يد شخصيّة جبّارة ،
وعبقريّة روحيّة مختارة ،
مثّلت وتمثّل وستمثّل على مسرح هذا الوجود
أدهش رواية ، لها بداءة ، وليس لها نهاية !
***
ولقد أحببت في كلّ ما نقلت ونظمت
أن أحافظ جهد الطاقة على أصل الكلمات ،
وعلى نصّ العبارات الواردة في قطع النزوات ،
وما ذلك إلاّ لأسهل على القارئ اللبيب
أن يراجع الأصل والفرع مراجعة المدقّق الدقيق ،
الواثق بصدق الرواية ، وصحّة النقل ، وأمانة النظم ،
واتّجاه الروح إلى أسمى الدرجات الفكريّة ،
والنزوات القلبيّة ، والنزعات الروحيّة .
***
ستقرأ الأجيال الآتية نزوات قلب
وما سبقها ولحقها من سلسلة المؤلّفات الذهبيّة
للصديق الحميم والروحانيّ الصميم العظيم ، مؤسّس الداهشيّة
وستدرك الإنسانيّة رويداً رويداً ،
لمحات من مراميها العاليات ،
ولمعات من مغازيها الغاليات ،
فتهتدي إلى أنوارها الزاهية ،
وتستكشف أسرارها العجيبة اللامتناهية ،
وذلك كلّما اقتربت من قدس أقداسها ،
وقبست من أضواء نبراسها ،
وتمكّنت بنعمة الروح من إزاحة الستار
عن أسرار آلهة تجّلت لمختار من إله واحد جبّار ،
وظهرت في (كلمته) الأزليّة الأبديّة ،
وهي المخلّص (الفادي) ، والهناء والسناء ،
والحبّ والبهاء ، والألف والياء !
حليم دمّوس
بيروت 1949
مقدّمة كتاب "مختارات من كتب الدكتور داهش "
بقلم الدكتور داهش
نهضت باكراً من فراشي ، لأنني مزمع السفر مساء اليوم بجولة في البلاد العربيّة – الكويت والبحرين – وقطر – والدوحة – ودبي .
وحال نهوضي ، تصفّحت ما سبق وكتبته من خطرات راودتني في أعوام شبابي الغابرة ، يضمّها مخطوط سأدفعه للطبع إن شاء الله .
وهذه القطع اخترتها من كتبي المختلفة ، وجمعتها في كتاب أطلقت عليه اسم “مختارات من كتب الدكتور داهش “. طالعتها فإذا بها مشحونة بالأسى ، مشبعة بالأحزان ، مغرقة بالأشجان ، فتأكّد لي أنني كتبتها وأنا أضع على عينيّ نظارة سوداء تجعلني أرى كل ما يحيط بي سواده دجوجيّ وليله أبديّ الظلمات .
تسعة وثلاثون عاماً مضت منذ دوّنت هذه الخطرات – أي كنت في شرخ شبابي وميعة صباي لا همّ يضنيني ، ولا فاجعة تصميني – إذ كنت يومذاك في عمر الورود .
إنّ من يطالع هذا الكتاب يتأكّد له أنّ الأسى هو ربيبي ، والموت هو حبيبي …
إنّ جميع أفراح هذه الحياة التاعسة ، إن هي إلاّ أتراح يخوض البشر عبابها ، خائفين هوج أمواجها المرعبة ، مكافحين منافحين حتى ينقضّ الموت عليهم فجأة ، فيذهبون وهم يجهلون من أيّ عالم كان مجيئهم ، مثلما يجهلون العالم الذي سيلجونه بعد ما توقّقت ضربات قلوبهم .
ترى هل كنت شاعراً بما كان ينتظرني من أهوال جسام عندما كتبت ما كتبه وجميعه يحمل في تضاعيفه الأشجان المؤسية .
إنّ البلاد العربيّة بأسرها تعرف ماذا أصابني في عهد بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة .
فقد ظلمت ظلماً رهيباً ، واعتدي عليّ اعتداء شائناً ، وجرّدت من جنسيّتي بطريقة اعتسافيّة لا مثيل لها ، وسلّط عليّ بشارة الخوري يومذاك وسائله الإعلاميّة من صحافة وإذاعة ، فراحت هذه الوسائل الإعلاميّة تنوشني نوش النسور الكاسرة لا لجريدة ارتكبتها ، أو جريمة أوقعتها ، ولكنّه الظلم المرعب البطّاش . ومن شاء أن يعرف الأسباب والمسبّبات ، فليطالع كتبي السوداء التي أصدرتها يومذاك فتتكشّف له حقائق هائلة ويطّلع على أسرار مرعبة عن ذلك العهد البغيض .
وبأسف عظيم أقول إنه لم يبرز إلى الميدان – في لبنان – رجل واحد يدافع عن الحقّ الهضيم ، وينافح عن العدالة تدوسها سنابك الباطل .
حتى صحيفة واحدة لم تتطوّع لشجب تلك الجريمة النكراء ، بل العكس ، راحت الصحف ، ويمكنني أن أؤكّد فأقول (جميع الصحف) من يوميّة وأسبوعيّة وشهريّة ، راحت تهاجمني مهاجمة شعواء وتحاول النيل منّي بوسائلها المقيتة .
إن دريفوس الضابط اليهودي الذي اتُّهم بتسليم اسرار الجيش الافرنسي للسفارة الألمانيّة في باريس ، والذي حوكم وحكم عليه بالسجن المؤبّد في (جزيرة الشيطان) وجد من يدافع عنه مدافعة جبّارة ، فقد أخذ (إميل زولا) على عاتقه مهمة الدفاع عن رجل فكّر أنّه (متّهم بريء) إذ كتب مطالعة ، أسماها – إني أتهم – هاجم فيها السلطات القضائيّة مهاجمة ضارية دفاعاً عن دريفوس ، مما اضطرّه للهرب إذ غادر فرنسا خوفاً من اعتقاله وسجنه لأنّ الشعب الافرنسي كان بأكمله ضدّ دريفوس المتهم . وأخيراً بُرّئ دريفوس وخرج من سجنه مرفوع الرأس ، موفور الكرامة .
وهكذا انتصر الحقّ على الباطل ، وعاد اميل زولا إلى بلاده المحبوبة – فرنسا – وضفر الشعب الافرنسي على رأسه أكاليل الغار لأنه دافع عن رجل كانت فرنسا بأكملها ضدّه ، ولم يناصره ويدافع عنه إلاّ الكاتب الألمعي – اميل زولا -.
أما في لبنان فلم يظهر أي رجل ، ولم يتطوّع أيّ مخلوق للدفاع عني ضد الظلم البطّاش الذي أنزله بي – بشارة الخوري – رئيس الجمهوريّة يومذاك .
فاضطررت أن أنتضي قلمي ، وأحارب به الباغية الطاغية ، ومن ساعده بجريمته المنكرة المستنكرة . وأخيراً قيّض لي الانتصار وباء هو بالانكسار .
فالحقّ لعلو ولا يعلى عليه على الإطلاق . وأخيراً إنّ ما كتبته هو شعوري الصادق الذي كنت أحسه فأخرجه بكلمات أدوّنها في أوقاتها المختلفة أسجّل فيها ما يختلج في نفسي من رغبات وميول ومن تمنيات وآمال …
واليوم وبعد أن توارى كناريّ الصبا الفتّان ، وزحفت الشيخوخة عليّ بثقلها الرهيب مطوّقة إياي تطويق السوار للمعصم …. رحت أستعرض ماضيّ وحاضري ، فإذا هما توأمان لا يفترقان ، فعالمنا تعمّه الشرور ، وليله أبديّ الديجور ، وستبقى العدالة فيه موؤودة حتى يوم النشور .
هذا هو رأيي ، بل هذه هي الحقيقة المرعبة واأسفاه .
بيروت ، في صباح 26/6/1970
داهش والساعة الخامسة والنصف صباحاً
من أنت يا سيّد ؟!
أنا يسوع الذي تضطهده
مقدّمة كتاب “مختارات من كتب الدكتور داهش ” الصفحة أ
بقلم المؤمن الأول
يوسف الحاج الداهشيّ
أجل . لقد مرّ على هذا السؤال الملحّ والجواب الهادئ ما يقارب العشرين من الأجيال ، وما زالت رنتهما جديدة في آذان الناس ولفظهما معسول المقاطع على لسان التاريخ والرسائل .
وهكذا قل عن موجة ذينك الصوتين العميقين واتصالهما الدائم بين الماضي البعيد والقريب الحاضر ، وتلك الصفحات التي خطتها أنامل الفداء والتضحية في سبيل الإنسانيّة ، فهي ما زالت طريّة المداد معصومة من التلف والفساد .
وإلى القارئين خلاصة الحادثة التي وقعت لبولس على مقربة من الشام كما هو مدوّن في كتاب “العهد الجديد” اصحاح (9: 1-22):
” أما شاول فكان لم يزل ينفث تهدّدا وقتلا على تلاميذ الرب . فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق ، إلى الجماعات ، حتى إذا وجد أناساً من الطريق – رجالاً أو نساءً – يسوقهم موثقين إلى أورشليم . وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق ، فبغتة أبرق حوله من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له : شاول شاول ! لماذا تضطهدني ؟ فقال : من أنت يا سيّد ؟ فقال الربّ : أنا يسوع الذي أنت تضطهده . صعب عليك أن ترفس مناخس . فقال وهو مرتعد ومتحيّر : يا ربّ ماذا تريد أن أفعل ؟ فقال له الرب : قم وادخل المدينة ، فيقال لك : ماذا ينبغي أن تفعل ؟ وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحداً . فنهش شاول عن الأرض وكان وهو مفتوح العينين لا يبصر أحداً . فاقتادوه بيده وأخلوه إلى دمشق ، وكان ثلاثة أيام لا يبصر فلم يأكل ولم يشرب .
وكان في دمشق تلميذ اسمه “حنانيا” فقال له الربّ في رؤيا : يا حنانيا ! فقال : ها أنذا يا ربّ ، فقال له الربّ : قم واذهب إلى الزقاق الذي يقال له ” المستقيم ” واطلب في بيت يهوذا رجلاً طرسوسيا اسمه “شاول”، لأنه هوذا يصلي وقد رأى في رؤيا رجلاً اسمه ” حنانيا” داخلاً وواضعاً يده عليه لكي يبصر ، فأجاب حنانيا : يا ربّ قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل ، كم من الشرور فعل بقديسيك في أورشليم ، وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة أن يوثق جميع الذين يدعون باسمك . فقال له الرب : إذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني اسرائيل ، لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي .
فمضى حنانيا ودخل البيت ووضع عليه يديه وقال : أيها الأخ “شاول” قد أرسلني الرب يسوع الذي ظهر لك في الطريق الذي جئت فيه لكي تبصر وتمتلئ من الروح القدس . فللوقت وقع من عينيه شيء كأنه قشور ، فأبصر في الحال ، وقام واعتمد وتناول طعاماً فتقوّى .
وكان شاول مع التلاميذ الذي في دمشق أياماً ، وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح : أن هذا هو ابن الله ، فبهت جميع الذين كانوا يسمعون ، وقالوا : أليس هذا هو الذي أهلك في أورشليم الذين يدعون بهذا الاسم ، وقد جاء إلى هنا لهذا ليسوقهم موثقين إلى رؤساء الكهنة ؟ وأما “شاول” فكان يزداد قوّة ويحيّر اليهود الساكنين في دمشق ، محقّقاًً أن هذا هو المسيح “. إنّ شاول هذا ، إنما هو “بولس الرسول” المعروف بين الرومانيين والعبرانيين أنه قطب من أقطاب السياسة ، ورب من أرباب الناموس ، وقد شنّ غارة جارفة على أولئك المسيحيين ، وعلى المسيحيّة في أوّل عهدها ، ولك يكتف بذلك حتى قام يلحق بهم إلى الشام ، وقبل أن يبلغها ظهر له يسوع وكانت تلك الظاهرة الروحانيّة .
واليوم في العام الثاني والأربعين بعد التسعمائة والألف في منتصف هذا الجيل الكافر ، تستيقظ الكلمة من رقادها العميق الصامت ليحملها جبار الحياة على شفتيه الناعمتين ويرمي بها آذان التائهين في صحراء الأهواء علّهم يهتدون .
لقد استوفت الأرض شرورها والدنيا غرورها ، ونالت كل نفس قسطها اللازم من تلاميذ السماء ، فإلى متى ، ثم إلى متى ؟!
وفي هذا اليوم – لا في الأمس ولا في الغد – قامت هذه الأنامل النحيفة تحمل يراعتها لتخوض مرّة أخرى معمعة الجهاد قولاً وكتابة ، فتستعرض الأجيال وتستنطق الوقائع ، وتكون شاهداً عدلاً على الأيام ، وتسير في الطليعة الروحانيّة حاملة علم النجوى ولواء الإلهام وصحائف التجلي ، تحت ظلال الكلمة التي هي الله وابن الإنسان والنبي الحبيب ، وما إلى ذلك مما ستوحيه إلينا طلائع الثلاثين وما بعد الثلاثين (4).
أوليست أول ظاهرة رأتها عيناي وسمعتها اذناي كانت هنا في هذه الغرفة الصغيرة الواقعة في بيروت (حي المزرعة) ، وكان ذلك عند الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين في 23 من شهر آذار سنة 1942 ، على يدي أنا المؤمن الأول الذي غمره الله بنعمه وخيراته ، وطاف عليه برحمته وبركاته ؟!
ألم يكن ذلك قبساً جديداً في سماء أرض الأحياء التي تكاد تنقلب فراديسها الآدميّة الزاهية إلى مستنقعات فتاكة منتنة ؟!
وهذه المدنيات الغاشمة والحروب المهلكة والتزاحم الجشع ، وبكلمة وجيزة هذه الجهالات العمياء ، أوليست كلها من نتاج تلك الضلالات وثمار هذه الجهالات ! ويا ويل الأنام من عثرات الأيام !
بلى وايم الله ! إنّها لساعة الولادة ، وقد ذرّ قرن الشمس في سماء المولود الجديد ، ودقّت ساعة العمل لتكون السماوات ثمن جهاد واجتهاد .
ثم أولم يمدد الإنسان الجديد المتمدن يده اللعوب إلى أبعد ممّا كان من حقّه كمخلوق صغير حقير أمام طبيعة قويّة حتى غلب على أمره ممّا تدفّق عليه من صدر هذه الطبيعة الجبّارة ؟!
وبعد كل هذا ، أما آن للحياة وأبنائها أن يسترحوا قليلاً ، وللسماء أن تتفجّر رحمة وحناناً ، وأن يذكر الإنسان أخاه الإنسان بالخير مهما كانت حاله وحيثما اتجهت رحاله ؟
لقد افتقد الله أبناء العهد القديم وهم في أشدّ محنتهم في أرض الفراعنة ، ثم افتقدهم في رسالة ابنه الحبيب حين دوّى صوت الرحمة في وادي الشريعة القاسية وفي دور القانون الظالم ، ثم كانت فترة بين عهد وعهد .
وهذه المرّة ، وهي ساعة الحكم الفصل بين الظلمة والنور وبين الضلالة والهداية ، فقد آن للقلوب المتحجّرة أن تلين ، وللنفوس المظلمة أن تستنير ، وأن تنتشر أنوارها على تلال القلوب وفي ساحات العقول ، وبين أدغال النيات ، وفي منعرجات الأفكار والخواطر .
فإذا كانت الأرض قد أصبحت ملجأ لأبناء الضلال الذي يعيثون فيها فساداً ، وقد غدت الإنسانيّة حيرى بين شبكات الواقع المحتوم ، والدول تتخوّف الغد المجهول ، وقد أوشك الحاضر الثائر أن يقضي على آمال الناس وراحتهم وسلامة حاضرهم وغدهم … أذا كان كل ذلك كذلك فلم هذه الدهشة من رجعة الراجعين ليتقدموا مرّة أخرى إلى ميدان العمل في سبيل الحقّ والواجب .
إنّها دهشة رهينة التلاشي إذا ما تطلّع عقلاء الناس إلى التطورات الكونيّة التي أغرقت هذا الإنسان الأرعن الجاهل في غمرة من الحقد والضغينة والطمع والكبرياء ، وكل رذيلة من شأنها هدم الإنسان بكامله .
فقد حقّ إذن أن يضرع أبناء الإيمان العاقل إلى الله القدير ليغمر هذه الأرض وأبناءها في بحور رحمته وحنانه ، في هذا الجيل أيضاً .
من أجل هذا حقّ للمعزّي أن يهبط مرّة ثانية ليضمّد جراح هذه الإنسانيّة التاعسة ، ويحمل مشعل الهداية أمام أبنائها المتشردين ، كما وجل عليّ أنا كواحد من أبناء الحياة أن أتمثل جهاد
رسول الأمم ، وأن أتناول تلك الحلقة وأسير بها في طريق الوصل بين حياة وحياة وفترة وفترة .
اللهم ارحم ضعفي … وساعدني في هذا الجهاد الجديد ، يا أرحم الراحمين وأقوى المساعدين .
يوسف الحاج الداهشيّ
1942
لماذا وضعت كتاب "كلمات"؟
بقلم الدكتور داهش
في بدء عام 1936 أحببت أن أدوّن في كلّ يوم من أيامه كلمة أقولها . وهكذا كان ، فما انقضى ذلك العام حتى اجتمعت في نهايته هذه الكلمات التي تشرح نفسيّتي شرحاً حقيقيّاً وافياً – ويجدها القارئ الكريم مجموعة في هذا الكتاب الذي يجده بين يديه .
إهداء كتاب "كلمات"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 6 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
إلى كلّ ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف .
إلى كلّ من تحنّ نفسه إلى الثورة الصارمة والبطش الذريع .
إلى كلّ من يخفق فؤاده بالكراهية لهذه البشريّة الكاذبة .
إلى كلّ نفس عطشى بحبّ الانتقام الرهيب .
إلى كلّ من يحمل بيمينه معول الهدم
ليقوّض به بناء هذه الجامعة البشريّة الفاسقة .
إلى كلّ من صفعه الدهر صفعات هائلة
فاستيقظ على نفسه ولكن بعد فوات الأوان .
إلى كلّ من تجرّع كأس البؤس والشقاء حتى الثمالة .
إلى كلّ ساخر من جميع ما تقع عليه العين ، وما يصل إليه الإدراك .
إلى كلّ من يتعشّق السلطان والمجد والسؤدد.
إلى كلّ من تساوره الأحلام العذاب الهانئة في غدوه ورواحه .
إلى كلّ من لا يؤمن إلاّ بما تؤكّده له اختباراته وتجاريبه السابقة .
إلى كلّ من لا يثق بأيّ مخلوق تظلّه السماء ، وتشرق عليه ذكاء .
إلى كلّ من يحنّ إلى السيطرة الشاملة بأوسع مراميها .
إلى كلّ من لا يؤمن (بالصداقة) هذه الكلمة البغيضة إلى قلبي .
إلى كلّ من لا يثق (بالمرأة) هذه المخلوقة المتلوّنة المراوغة .
إلى كلّ من يدين ، بما به أدين .
أهدي كتابي هذا .
الدكتور داهش
بيروت ، في 23 نيسان 1939
مقدّمة كتاب "بروق ورعود"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من كتاب “بروق ورعود” الصفحة 7
بقلم الدكتور داهش
هي بروق نفسيّة ورعود كلاميّة حاولت فيها شرح ما أشعر وأحسّ به في مختلف شؤون هذه الحياة بصورة موجزة لا تتعدّى السطور الستة لكلّ قطعة منها .
ومن يطالع الكتاب يظنني قد غلوت في بعض الآراء والمواضيع التي يحتويها كتابي .
ولكنني أصارحه القول بأنّ ما كتبته قد كتبته عن اعتقاد ويقين صادقين ، وبالأخصّ في ما يتعلّق برجال الدين وبالعدالة وبالمال والمرأة وغيرها كثير مما له صلة في حياة الإنسان على هذه الأرض السقيمة .
هذا رأيي أعلنه على رؤوس الأشهاد غير هيّاب ولا وجل من نقد الناقدين وألسنة المتخرّصين المتطاولين والسلام .
الدكتور داهش
بيروت ، شباط 1943
هذه الأوراق
مقدّمة كتاب “بروق ورعود” النسخة الشعريّة
التي نظمها الشاعر حليم دمّوس
بقلم حليم دمّوس
أرُعودٌ أم بروقُ ووعيدٌ أم بريقُ
هي إن شئت رعودٌ وهي إن شئت بروقُ
***
نزلت سطراً فسطراً كندى زهر الربيع
وانجلت شطراً فشطراً كبديع في بديع
***
هي حيناً زهرات وهي حيناً ثمرات
وهي حيناً قطرات وهي حيناً جمرات
***
ولها حيناً زفير وهديل وهدير
ولها حيناً زئير وصليل وصرير
***
ودموع وابتسام وهجوع وقيام
ونسيم وضرام وهزيم وسلام
***
قطع تُحفظ حفظاً قد حباها الوحي حظّاً
فهي نار تتلظّى بل شظايا تتشظّى
***
وهي للبعض وعيد وهي للبعض وعود
فهي إن شئت بروق وهي إن شئت رعود
حليم دمّوس
بيروت 6 أيلول 1943
مقدّمة "بروق ورعود" بترجمتها الفرنسيّة
بقلم ماجدا حدّاد
إنّ ما دفعني إلى ترجمة هذا الكتاب من العربيّة إلى الفرنسيّة ، متقيدة بحرفيّة النصّ جهد المستطاع ابتغاء أن يكون النقل دقيقاً واميناً للأصل ، هو جدّته وطرافة آراء مؤلّفه .
وبينما نجد أنفسنا حيال فقرات ذات عذوبة ورقّة لانهائيّتين ، تفاجئنا فقرات أخرى تدهش بقساوتها البالغة . فالمؤلّف يشهر فيها سيوفاً رهيفة تطيح بالرؤوس ، وتفلق الجماجم ، وتبتر الإعضاء ، وتمزّق الأمعاء .
وبغتة تطالعنا أفكار جديدة عجيبة لم يتجرّأ أيّ كاتب آخر إلى الإلماع إليها . وإذا القارئ ، وقد أخذته الدهشة ، يغوص في أعماق الكتاب السحيقة الأغوار .
وما أن ينهي قراءته حتى يعاودها وقد أسره ما يشتمل عليه من أفكار وحكم وآراء مستمدّة من حقائق الحياة الصارخة .
يا لله ! أيّ تأثير بالغ أحدثه هذا الكتاب في نفسي !
وإنّي أصارح القارئ بأنني عزمت على متابعة ترجمة مؤلّفات الدكتور داهش جميعها ليتسنّى لقرّاء اللغة الفرنسيّة أن يتذوّقوا الكتابات المبدعة التي يطلعها الأدب العربيّ .
لقد طالعت معظم ما وضعه الشاعر الفرنسيّ الشهير لامرتين من كتابات موسومة بالعذوبة والرقّة البالغتين ، وسهرت الليالي وأنا ألتهم ما أبدعته قرائح العباقرة الفرنسيين فكتور هيغو وشاتوبريان وألفرد ده موسّه وأناتول فرانس وكثيرين غيرهم ، فبدا لي أنّه من واجبي أن أترجم من العربيّ ما أظنّه قريباً من الذوق الفرنسيّ .
وهكذا باشرت مشروعي بحماسة .
ولن أنسى ، في عجالتي هذه ؛ أن أشكر المؤلّف الكريم الذي سمح لي أن أترجم هذا الكتاب وآثاره الأدبيّة الأخرى .
ماجدا حدّاد
15 أيلول 1943
إهداء كتاب "جحيم الدكتور داهش "
مأخوذ من الصفحة 43 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
إلى ربّ الهاوية القاطن في أعماقها السحيقة ،
هناك حيث تجد الاهوال دوماً به محيقة ،
إلى الخائض في محيط لجب من الظلمات المدلهمّة ،
حيث تنحلّ الأعصاب ، وتخور العزيمة ، وتفتر الهمّة .
إلى الهائم في عباب أودية الهول والرعب والهلع ،
والقاطن مع الطيوف الحائرة الأشباح الدائمة القلق والجزع .
هناك في تلك النخاريب التي تبعث الذعر في النفوس الأبديّة الاضطراب ،
وحيث تتجوّل الأبالسة المروعة ،
وترتع الشياطين المعولة بضجيجها السرمديّ .
هناك حيث تزحف مجموعات مخيفة من أرعب الأفاعي الخالدة في جهنّمها .
ومن عقارب الظلام في تلك الأروقة الدهريّة المتدفّقة بالأهوال .
فالغيلان الهائمة تختلط بالتوابع وهم يذرعون تلك الأعماق اللانهائيّة ،
بينما يرسلون صيحات منكرة تهتزّ منها قلوب الهلكى فتنخلع من هولها ،
ويطلقون ولولةً هائلة ترجّعها تلك الردهات المخيفة بجبروت جارف .
إلى سيّد الظلمات … وربّ الآثام … ومؤدّب الطغام .
إلى الهازئ بالنعيم … القاطن في أعماق أعماق الجحيم ،
والمخلّد في أتونه السرمديّ من جيل إلى جيل ،
حتى انقضاء الأعمار والأدهار ،
أرفع (جحيمي) هذا .
داهش
30 تشرين الأوّل 1944
\
مقدّمة كتاب "جحيم الدكتور داهش "
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
هذا (الجحيم) الذي يطالعك بأرهب أنواع العذاب وأروعها ، أراه برداً وسلاماً ، بل نعيماً مقيماً لأولئك المعذّبين !
فلو وكلّ الأمر لي ، وفوّض القول الفصل لإرادتي … لأنزلت بهؤلاء البشر الكفّار أروع العذابات الهائلة التي لو خطر شبحها لهم – حتى في عالم الأحلام – لأصيبوا بالشلل والسّقم ، والبكم والصمم ، ولقضوا حياتهم في وجل هائل ، وخبل عنيف بتّار .
إنّ البشريّة المجرمة الأفّاكة لا تترعرع إلاّ في تربة الإفك المرذول ولا تنمو إلاّ على سماد البهتان والزور .
ولا يهمّ هؤلاء الرّعناء سوى اتباع ميولهم الوضيعة ورغبات قلوبهم الدنيئة !
تجتمع بأحدهم فإذا به شامخ الأنف مشمخرّ الرأس ، وقد دفع بصدره إلى الأمام كأنّه ديك يصول ويجول على مزبلة قديمة . فهو يظنّ بنفسه أنه الفرد الأوحد الذي لا يشقّ له غبار في أيّ مضمار .
فهو من ناحية الفلسفة عريق ، ومن ناحية الحسب يرجع نسبه إلى أنبل الجدود وأرفعهم جاهاً ومقاماً وصولة واقتدار ، وفي العلوم والمعارف فهو الجهبذ الخطير والعالم النحرير .
وهكذا في كافّة المناحي والنواحي .
أمّا حقيقته الصادقة فهو ذئب ضار شنيع في ثوب جمل وديع .
وهو جاهل من أغبى الأغبياء في جسم أرعن دعيّ لم يغرف من بحر المعرفة الغرّاء إلاّ وشلاً من أقذر المياه الكدراء .
ألا لحى الله هذه البشريّة المذنبة الغارقة في محيطات شهواتها الذليلة .
لهذا … وبعد أن اختبرت أمور هذا العالم
وحلبت من الدهر شطريه وذقت شهده وحنظله ،
وبعد أن عاشرت الألوف من أبناء هذه الغبراء
وبلوت منها ومنهم أنواع البلاء ،
ودرست أخلاقهم ونفسيّاتهم ،
وعرفت سوء ضمائرهم ونيّاتهم ،
واكتشفت ما يطمحون إليه من شرور طامحة وآثام طافحة …
انثنيت عنهم وأنا أستمطرهم لعنات خالدات ،
وأشحت عنهم وأنا أستمطرهم لعنات خالدات ،
وأشحت بوجهي عن مرآهم ، وما عدت لأستطيب لقياهم ،
وأقسمت أن أذيقهم أشنع العذاب ، عندما تدنو ساعة الحساب .
هذا هو (اعترافي) أدوّنه ليبقى (شاهداً) عليّ في الأجيال القادمة الزاحفة فإنني لا أثق بأيّ بشريّ كائناً من كان !…
هذا ما أكّده لي اختباري الطويل في الكون ومن يدبّ عليه من حشرات أطلق عليها اسم (كائنات عاقلة ) .
نعم . لقد ضقت ذرعاً بهؤلاء البشر الملاعين !
فأحببت أن ألقيهم في (جحيمي ) هذا آخذاً بعضهم برقاب بعض ، علّني أبرّد غليلي ، وأشفي أوامي عندما أشاهدهم يتقلّبون على جمر الغضا ، والأبالسة يسوطونهم بسياطهم الأفعوانيّة !…
حتى إذا ما دنت ساعة الإنتقام الحقيقيّة لا الكلاميّة …
إذ ذاك يرى هؤلاء (الأجلاف) ما سأذيقهم إيّاه من بلاء مرعب بطّاش !… وسأنكّل بهم تنكيلاً رهيباً ، علّهم بعد ذلك عن كبريائهم وادعاءاتهم يرعوون ..
وإلى صوابهم ورشدهم يثوبون . فالألم خير مطهّر للأجساد والأرواح لو يعلمون !..
داهش
حول مؤلّف "الجحيم"
مأخوذ من كتاب “الجحيم” الصفحة 4
بقلم الشاعر حليم دمّوس
أمانا الآن من الدكتور داهش خمسة مصابيح نورانيّة من كتبه الأدبيّة :
أولها ضجعة الموت ، وآخرها عشتروت وأدونيس … ثم (الجحيم) هذا ، إلى أن يظهر سواه وسواه تباعاً بعون الله وهدايته .
وهذا المؤلّف الجديد يصدر اليوم بحلّة قشيبة في فترة هائلة مرعبة من فترات الحرب الرهيبة . وسنقوم بتحليله بعد أن نحلّل سواه من الكتب التي ظهرت على شاكلته .
أما مؤلّف (الجحيم) هذا فهو مثابر على نشر سلسلة كتبه التي سأكتب عنها دراسة مطوّلة بإذن الله تعالى .
حليم دمّوس
بيروت ، 15 حزيران 1943
"جحيم" الدكتور داهش
بقلم الشاعر حليم دمّوس
الأستاذ حليم دمّوس ، الشاعر اللبنانيّ المعروف ، اعتنق الداهشيّة في عام 1942 . ومنذ اعتناقه إيّاها ، تطوّع فنظم جميع كتب الدكتور داهش شعراً ، وجاهد جهاد الرآبلة ، وتحمّل ظلم السّلطات في سبيل عقيدته المثلى .
وها نحن نعيد نشر المقدّمة التي كتبها لكتاب “الجحيم” ، تأليف الدكتور داهش . فها هي :
من راجع مؤلّفات الدكتور داهش بك لمس في أكثرها آيات الجمال والإتقان ، وعرف أنّ للمؤلّف رغبة شديدة في تشجيع رجال الفنّ الموهوبين .
فهذه (ضجعة الموت) وما فيها من رسوم المصوّر (مورللي) وخطوط مشاهير الخطّاطين في هذا العصر كالهواويني وحسني والسيّد ابراهيم والشهابي وسواهم من أبناء الأقطار العربيّة .
وهذه (الإلهات الستّ) و(نشيد الأنشاد) ، ففيهما ريشة قيصر الجميل وماري حدّاد وخطوط مكارم والعنداري والهواويني وأمثالهم من الفنّانين والفنّانات . أمّا “عشتروت وأدونيس” ، فرسومها المئة والخمسون هي من خيال داهش وابتكاره ، وقد رسمها أشهر الرسّامين المبدعين .
وهكذا (جحيم) اليوم فسيشترك فيه فنّ الخيال وفنّ الريشة ، وفنّ الطباعة .
ترجمة “الجحيم” إلى اللغات الأجنبيّة
وما كدت أنتهي من تبييض هذا الجزء حتّى رأيت أديبين أريبين قد تطوّعا لترجمته إلى لغتين من أشهر لغات العالم وأكثرها انتشاراً .
فنقله الأستاذ جوزف حجّار ، من أنباء حلب ، إلى الإفرنسيّة النقيّة الديباجة .
ونقله الأستاذ يوسف مالك إلى الإنكليزيّة البليغة الراقية . وفي نيّتهما ترجمة بقيّة الأجزاء حال طبعها في أصلها العربيّ .
وقد اطّلع أحد أساتذة الجامعة الأميركيّة على بعض الترجمات الإنكليزيّة فكتب رسالة إلى صديقه الحميم الدكتور مصطفى خالدي ختمها بقوله :
” ولا يمكنني أن أفكّر بوجود أيّ كان للقيام بعمل كهذا . بل يحتاج إلى من يتقن كلّ الإتقان أصول الشعر المنثور في العربيّة والإنكليزيّة معاص أمثال النابغة اللبنانيّ جبران خليل جبران أو الشاعر الهنديّ الخالد رابندرانات طاغور أو الأستاذ المشهور أمين الريحاني “.
كلمة المترجم
أمّا الأستاذ يوسف مالك فقد أنجز ترجمة (الجحيم) إلى اللغة الإنكليزيّة كما تقدّم وصدّر الكتاب بمقدّمة أنيقة ، هذه ترجمتها :
” ليس (الجحيم( الكتاب الأوّل الذي تجرّأت فترجمته للدكتور داهش من العربيّة إلى الإنكليزيّة (8). ولكن ينبغي أن أعترف أنّه كان من أصعب الكتب وأمتعها في الوقت نفسه .
وهذا ما دعاني إلى أن أميل للقيام بهذا العمل الشاقّ بطيبة خاطر وارتياح تامّ مع أنّ المؤلّف كان بوسعه أن يختار سواي ويودع كتابه إلى أدمغة أنضج وأيادٍ أقوى .
وعلى ما وصل إليه علمي حتّى اليوم يمكنني القول إنّني لم أجد كاتباً في العربيّة استطاع أن يصف دركات (الجحيم) بهذا الشكل الواسع المخيف الراهن .
وهذا ما يجب أن يحمل الناس على التفكير العميق قبل خرقهم قوانين الفضيلة . إن الفقرات الواردة في الدرك الثامن والأربعين في وصف (رجال الدّين) لممّا يرعب ويحزن ، في حين أن أعمالهم – ويا للأسف – تطابق الحقيقة إلى مدى بعيد .
ويظهر أنّ ما قاله السيّد المسيح منذ نحو من ألفي سنة قد تأيّد الآن بصورة قطعيّة لا بالنسبة إلى الوصف الدقيق الذي دبّجه قلم الدكتور داهش بل بالنسبة لأعمالهم الخاصّة .
لقد وصلنا إلى الزمن الذي أخذت فيه (المادّة) تسيطر على الأنظمة الاجتماعيّة ، وعلى الفضائل كافّة . لذلك أصبحت الحاجة ملحّة إلى (عالم روحيّ إصلاحيّ) من أجل خير البشر ، إذ إنّه بدونه ستبقى الأحوال الفوضويّة محتلّة المركز الأوّل في حياة الإنسانيّة .
وبينما أنا أدوّن هذه الكلمة علمت أنّ الترتيبات والتدابير قائمة على قدم وساق لوضع خطّة عامّة لاضطهاد المؤلّف العبقريّ من أشخاص يظنّون أنّهم بتشهيره لأعمالهم ، يغرز مسماراً جديداً في نعشهم .
هم يزعمون أنّه (كافر) بينما هو يدّعي (الإلهام).
وإن هم اضطهدوه دون أن يستطيعوا إقامة أيّة بيّنة قاطعة ملموسة ضدّه ، إذن فلا يمكن أن يكون في العالم شيء أحطّ من هذا العمل الشائن ، إذ أنّ ذلك لا يكون له سوى نتيجة واحدة هي انتشار شهرته وزيادة عدد أتباعه ، كما نلاحظ ذلك في كلّ يوم .
لذلك ننصح أعداءه وخصومه أن يقابلوه علناً ثمّ يصدروا حكمهم إذا كان هدفهم (خدمة الحقيقة) والسلام “.
أجزاء “النعيم” الثلاثة
لا بدّ لنا قبل كلمة الختام إلاّ أن نأتي هنا على ذكر كتاب (النعيم)، وهو وصف الدرجات العلويّة وكواكب الأحياء النورانيّة التي يتمتّع بها الأبرار الأطهار .
فالنعيم كالجحيم ذو ثلاثة أجزاء . وكلّ جزء من أجزاء (النعيم) يشتمل على وصف خمسين كوكباّ علويّاً على أسلوب (الجحيم) ونسقه وقطعه السداسيّة المسجّعة .
وجميع هذه القطع كنت من شاهدي كتابتها ، ومراجعي أصولها وفصولها .
فكان المؤلّف يضع أمامه عدّة ورقات بيضاء ، ولا يلبث أن يكتب الورقة إثر الورقة بخطّ سريع عجيب غامض ، تعوّدت فكّ رموزه وحروفه . ثمّ لا ألبث أن أختار دفتراً جديداً فأبيّض في كلّ يوم ما يكون قد أنشأه في ذلك اليوم بسرعة لا يتصوّرها فكر بشريّ ، فكأنّها مستمدّة من الإلهام لا من أطراف الأقلام .
مدخل كتاب “النعيم”
وهناك مدخل (للنعيم) كمدخل (الجحيم) سيرد ذكره في كتاب (نزوات قلب) ، ويرد مفصّلاً في الجزء الأوّل من (النعيم)، وهذا مثال منه :
جلست محزون الفؤاد موجعا معتمداً رأسي بكفيّ معا
كدوحة زاهية الأزهار مثقلة الأفنان بالأثمار
وهمت في تخيّلات شاسعة وفي فيافي ذكريات واسعة
وانطلقت روحي إلى السّماك وبلغت حتّى ذرى الأفلاك
إذا ملاك النور قد حيّاني برقّة رفّ لها جناني
وقال : يا ابن الأرض سر دون وجل فأرضكم ستنطوي على عجل
فسر معي حيث النجوم النيّره من قبل أن تهوي الرجوم بالكره
فطرت في الحال مع الملاك لأجتلي محاسن الأفلاك !!…
أمثلة من درجات “النعيم”
وهنا تختم كلمتنا لأمثلة ثلاثة من وسف درجات النعيم ، ثمّ يدخل القارئ بالفكر إلى دركات الجحيم ليرى الفرق بين الثواب والعقاب ، والعذوبة والعذاب .
الكوكب العلويّ الاوّل
في الكوكب الأوّل صوت عذب يقول طوبى للألى تعذّبوا
قد ناضلوا وبشّروا كثيراً وسبّحوا المهيمن القديراً
هناك رهط يرتدون حللاً شفّافة والنّور فيها اكتملا
هم ينشدون أطيب الألحان وحولهم ملائك الرحمان
وهكذا الأطفال وهي الطاهرة تشدو أغاريد هناك ساحره
هنا السماء انشطرت شطرين ولمعت في النجم كلّ عين
أرواح طهر في حمى السّعادة ظمأى إلى الصلاة والعبادة
ومكثت مغمورة بالبشر سعيدة بالرّوح طول الدّهر
***
الكوكب العلويّ الثاني
في الكوكب الثاني أرى الأطفال أزاهراً تكلّل التلالا
لم يغرقوا في لجّة المعاصي وفي بحار الإثم للنواصي
أزاهر جميلة البراعم ترفّ في النعيم كالحمائم
ها هم يخوضون مياه الكوثر فلا يموتون طوال الأدهر
أرواحهم تسري بها الأفراح وتمّحي هنالك الأتراح
والشفق الدامي وهامي الطلّ ينسكبان كالحيا المنهلّ
ومن هنا تبتسم الأزهار ومن هناك تلمع الأنهار
هنالك الأطفال يمرحونا في خلدهم ملائكاً قروناً …
***
الكوكب العلويّ الثالث
في الكوكب الثالث حوريّات بحسنهنّ الغضّ فاتنات
يقلن لي : يا فاتن الغواني أنظر إلى جمالنا الفتّان
وادخل إلى فردوسنا الجميل من بعد هذا السفر الطويل
لبيّت حالاً دعوة الحسان وسرت في حدائق الجنان
وإنّني – من بعد أن لبيّت دعوتهنّ مرحاً – بكيت
أحببت أن أعيش طول عمري في قلب فردوس شهيّ سحري
***
وهكذا عشنا هناك دهراً نعبث ليلاً ثمّ نجني الزهرا
ودّعتهنّ وبقلبي وجد لكوكب آخر حيث المجد !…
حليم دمّوس
أوّل كانون الأوّل 1945
توطئة كتاب "نبال ونصال"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 7 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
هي إضمامة من خلجات نفس ،
وذوب روح ،
كتبتها في مناسبات عديدة
تحمل في طيّاتها آمالاً وآلاماً .
فالحياة تزخر بالمنغّصات الهائلة ،
إذ ما يكاد المرء يفتح عينيه ،
حتى تفاجئه المصائب آخذة بعضها برقاب بعض !
وتحتاط الرزايا بكلّ من ولج هذه الكرة الأرضيّة ،
فإذا به تائه في مفاوزها المترامية ،
هائم في سباسبها اللانهائيّة !
وتتراءى له الغابات الغنّاء والأنهار الجارية
تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبيّة ،
فيهرع إليها ، وإذا به سراب في سراب ،
وما شاهده ليس إلاّ خدع نظر وأكذوبة بصر !
فيتهالك على الرمال المحرقة وهو يجود بالروح .
فيا لشقاء كلّ ابن حوّاء من ذكر وأنثى !
ربّاه ! أما حان للنهاية أن تأتي ؟!
أما أزفت الساعة لتقويض هذه الكرة الرهيبة ،
وتفكيك ذرّاتها وبعثرة أشلائها ،
وإفناء كلّ من يدبّ عليها ؟ !
إذ تعاظمت شرور بني الإنسان ،
وتلطّخت هذه الأرض بجرائم أبناء هذه المرذولة !
ربّاه ! قوّض معالم دنيانا ،
وأعصف بها أيّها الخالق الجبّار ،
فقد طغت الرذيلة ،
وطافت جيوشها في ربوع أرضنا الشقيّة
تعيث فيها فساداً شائناً !
وطافت فيها فساداً شائناً !
إنّ أبناء الأرض أصبحوا يعمهون في شرورهم المخيفة ،
ويغوصون في آثامهم المرعبة !
فدمّر أيّها القدير عالم المكر والرياء ،
فبفنائه يفنى الشرّ وتنتهي أسطورة آدم وحوّاء
وما جرّته ثمرتهما من رزايا على مخلوقات الأرض طرّاً .
داهش
بيروت ، صباح 8 حزيران 1971
مقدّمة كتاب "عواطف وعواصف"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 10 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
عواصف في فؤادي ! وعواصف في رأسي !
عواطف … ينبض بها فؤادي ، وتشعر بها روحي !
وعواصف … تثور في نفسي ، وأشعر بثورتها في قراري !
عواطف … تهزّ مشاعري ، وتغمرني بالرحمة والحبّ والحنان !
وعواصف … تعصف في أعماقي ، فتثير فيّ الاضطراب ويهتاج منّي الجنان !
عواطف… رقيقة تتدفّق في حنايا نفسي الخفيّة !
وعواصف … تجتاح كياني فتهزّني هزّاً عنيفاً !
عواطف … سامية تختلج في عروقي فتبعث فيها الطمأنينة !
وعواصف … عنيفة تصطحب في أعصابي فتسري فيها نيران الجحيم !
عواطف … أحسّ بها تكيّفني مثلما تشاء وتهوى !
وعواصف … تتلاعب بي ولا لعب الصبية بالأُكر !
عواطف … تناغيني ، ومن ثمّ تعود فتناجيني بحنين وحنان !
وعواصف … تهزأ بهدوئي ، وتأبى إلاّ أن تعلن عليه الحرب العوان !
عواطف … عامرة بالسكينة ، وراحة النفس ، وصفاء الخاطر !
وعواصف… مدمّرة تدكّ الحصون ، وتقتلع القلاع الحصينة !
عواطف … ساجية ، هنيئة ، مغمورة بالدّعة واللين !
وعواصف … صارخة بالعنف والاضطراب الرهيبين المرعبين !
عواطف … سماويّة ، قدسيّة ، عذبة ، نديّة !
وعواصف … شيطانيّة ، إبليسيّة ، معذّبة ، رديّة !
عواطف … مختلفة ، متباينة ، يضلّ فيها الفكر ويفنى الخيال !
وعواصف … هدّامة ، مقوّضة أسس السّلام العالميّ !
وأنا بينهما كالغريق التائه ، وقد شدهته الأمواج وهي تدافع بعضها بعضاً .
وإذا به صريع لججها السحيقة .
فوارحمتاه له !
داهش
بيروت ، 1943
أدب فوق الأدب !
مقدّمة كتاب ” عواطف وعواصف” للدكتور داهش ، الصفحة 5
بقلم العلاّمة الكبير عبد الله العلايلي
بين يديّ طائفة من تأمّلات روحيّة ، تحرّكت بها نفس وخفق بها جنان . إلى طائفة أخرى من أحلام روح هائمة بالجمال ، مفعمة بالحبّ ، تأوّد بها ضمير ، واستهام بها وجدان .
إلى صور وصور كانت مباءة حيوات أفتنّ لها خيال وتأنّقها بيان .
فجاءت آية فنّ كما شاءت تهاويل عبقريّة الفنّان ،
ورائعة أدب أشرقت بسنى إلهام الروح في قلب الإنسان !
***
مضيت أتلوها وأنا في مثل دغدغات النشوة عند حالم نشوان !
فخلتني أجنّح في جوّ أمان عبقريّات حسان !
تألّق كلّ شيء ، عنده ، في مثل سنى الألماس والعقيان ،
واحتبكت في فضائه أقواس تمور باللمعان ،
وانبثقت من حفافه ينابيع طهر تغسل ما على الأرض من أدران !
فظللت رانياً أطلب العلاء بالقلب ، وإن أعلقت دنيا الأرض بالجثمان .
***
فهذه رسالة أدب الصّدق دون ما زور أضاليل ينطق به أدب البهتان .
فإنّ في الأدب الحقّ قوى تنزع من النفس ألواناً وتجيء إليها بألوان .
وتبعث الإنسان بعثاً جديداً حتى يجيء كائناً حيّاً أسمى بين الافتان والافتنان ،
وتتناول المجتمع فتصوغه صوغاً آخر حتى يجيء
كائناً اجتماعيّا أكمل بين الإتقان والإحسان .
فليس إلاّ (أدب الصدق ) خالداً على لسان الدهور والأزمان .
وهل لغير أدب الخلود قدرة على استبدال ما ينبغي أن يكون
في الحياة والأخلاق والفكر بما هو كائن وما قد كان ؟
***
في طبيعة البشريّ معركة ضارية عوان ،
شبّت وما فترت منذ كان الدهر وليداً إلى أن كاد يخلولق منه الكيان .
تلك معركة الجسم والروح ! فالحيّ منها بين حيرة وإطمئنان !
وهو يسير تحت ثقلها مجهولاً لاهئاً ، فقد ناءت منه الأركان ،
ومسحته الكآبة ، وتمشّت على وجهه طيوفها ، وغارت في محاجره العينان ،
وراح يطلب الخلاص من لظى الصراع الدائر بين جوانحه في عنفوان ،
فيغمض عينيه مستسلماً لليأس أواناً ، ويفتحهما في أوان …
***
ورسالة (المصلح الحقّ) تنحصر في أن يجعل من عنيف الصراع
تفاعلاً ينضرّ مادّة الجسمان ،
فيتجوهر وجودها الترابيّ كالماس حتى يشعّ
بإشراق الروح مثل الكوكب الفتّان ،
ويسحق في وجودها وجود ذيّاك الأفعوان .
وبذلك يهيّئ السبيل ليرجع بالحيّ
وقد طرد أوّل عهده من ساحات الجنان .
***
تلك غاية (الدكتور داهش) ،
وفي سبيلها يرسل نفثات صدره المنبثق بشعلات الإيمان .
فجاءت أدباً فوق الأدب بما تميس به ميسان حاليات الأفنان !
وجاءت صوفيّة فريدة بما فيها من مثاليّة الضمير الريّان !
وبرزت في ألفتها صورة من نضار تراكب عليه درّ ومرجان !
***
ألا سر في طريقك غير عابئ بما يصدّونك به
من صارم أو مرّان .
فالناس من هذه (الأرض) في مثل مسبح التماسيح والحيتان .
وعسى أن يعود الكون ويبتسم ثغر الزمان .
والمجد لله في العلاء ، وفي الناس المسرّة ، وعلى الأرض السلام والأمان .
عبد الله العلايلي
بيروت ، 19 نوّار 1943
مقدّمات وخواطر في كتاب عشتروت وأدونيس
في موطن عشتروت وأدونيس
مقدّمة كتاب “عشتروت وأدونيس”
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من الصفحة 8 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
أنا الآن في موطن (عشتروت وأدونيس) أمتّع الطرف في هذا المحيط من الجمال الحالم وأجوس في هذه الرّبوع التاريخيّة الفائقة في فتنتها وروعتها .
وأنا مأخوذ بكثرة المشاهد الساحرة التي تمرّ أمامي :
فمن شلاّلات عذبة المياه تتدفّق بسخاء وهي تضجّ بموسيقاها الأزليّة ، إلى غابات كثيفة من أشجار الشربين الدائم الاخضرار . وقد قام شاهداً منذ مئات من الأعوام البائدة في هذه البقعة الحالمة كي يذكّرنا بمغامرات (عشتروت) مع حبيبها الجميل (أدونيس!) ..
فمن هذا النبع الفوّار بزبده الثلجيّ هرع (أدونيس) وملأ كفيه الرخصتين بمائه العذب كي يروي غليل معشوقته ابنة الآلهة .
نعم ، ابنة الآلهة (عشتروت) التي غادرت مقرّها الإلهي السعيد كي تنعم بقرب فتاها الفتّان ، وتتذوّق جمال محياه الرّيان . وتحت تلك الصخرة الجبّارة الرّصاصيّة اللون جلس الحبيبان الفتيّان يتناجيان ويتطارحان أحاديث الحبّ والهوى ، والحنان والجوى . وتحت أغصان هذه الجوزة الغضّة رقد المدلّهان وقد احتضن بعضهما البعض بعطف عجيب وحنوٍّ غريب .
وفي هذه المغارة الجبّارة الفوهة ، الغريبة الشقوق ، دلف المحبّان كي يستمتعا بالمشاهد الأخّادة التي حفرتها يد الطبيعة والزمان في تلك الجدران .
وفي الأحراش الكثيفة وراء الأطواد من الجبال الجبّارة الصاعدة في بروج الفضاء استظلّ المدنفان هرباً من حرارة شمس تموز المحرقة !
وهذا العصفور الغرّيد بمرح فريد قد سبق وغرّدت أجداده للعاشقين العجيبين .
وهذه الاطلال الدارسة والأكداس من ركام هذه الحجارة الضخمة هي بقايا ذلك القصر الفخم الجميل الذي شيّدته (عشتروت) لمن اصطفاه فؤادها الفتيّ .
وقد شهد هذا القصر في ذلك العصر أجمل ليالي الحبّ والغرام :
حب (ابنة الآلهة) لأجمل شاب في أرض لبنان .
أما الآن فقد داسه الزمان بأقدامه الجبّارة فهوى وتردّم !
ولم يبق منه سوى الأطلال المبعثرة والذكريات الآفلة !…
لقد غبطت (أدونيس) على ميتته في هذه البقعة من الأرض ،
لأنها أرض الأحلام الخياليّة ،
أرض الفتنة والجمال ،
أرض البهجة الخلاّبة ،
أرض الينابيع العذبة المتفجّرة ،
أرض الشلاّلات الموسيقيّة التوقيع ،
أرض الجبال العاتية الجبّارة ،
أرض غابات الشربين الدائم الاخضرار ،
أرض الطيور الصادحة والعصافير الشادية ،
أرض تلك المثلثة والغابة التاريخيّة الغبياء
التي سقط فيها (أدونيس) صريعاً ،
أرض السحر والجمال والروعة والجلال ،
الأرض التي اختارتها (عشتروت) لتكون عشّاً جميلاً لغرامها ،
الأرض التي قضت فيها (ابنة الآلهة) فترة من الزمان
تنعم بأشهى ما تبتغيه تلك الغادة المتجسدة في أرضنا الشقيّة ،
ثم الأرض التي ضمّت بقاياها الجميلة وحنت على جسدها الأملود
بعد أن غرست في صدرها نصلها الحاد حزناً على معبودها (أدونيس)
الذي قتله خنزير برّي في رحلة صيد من رحلاته في هذه الرّبوع !…
ثم عودتها ثانية إلى الحياة
بعد أن عاد حبيبها (أدونيس) من دار الموتى الباردة الرهيبة .
ألا حيّاك الله يا أرض (عشتروت) الجميلة و(أدونيس) الفتّان !
وليجمع الله (روحيكما) في عالم السعادة الخالد !….
الدكتور داهش
أفقا – لبنان
صباح الاحد ، في آب 1943
تمهيد كتاب "عشتروت وأدونيس"
بقلم حليم دمّوس
مأخوذ من كتاب “عشتروت وأدونيس” للدكتور داهش
من الصفحة 3
وهذه تحفة جديدة فريدة سيتناقلها الأبناء والأحفاد
بعد ضجعة الموت والكلمات ، والالهات الستّ ونشيد الأنشاد .
نعم هي أسطورة عشتروت ابنة الآلهة
وأدونيس أجمل شابّ في أرض لبنان !
وليت شعري !…
كم من كاتب المعيّ أنشأ هذه القصّة الطريفة نثراً !
وكم من شاعر عبقريّ استمدّ منها وحياً وصاغها شعراً !
وكم من أقلام سطّرت من إلهامها الخصب أروع شعراً !
وكم من أقلام عزفت قيثاراتهم من حوادثها أبدع الأغاريد !
بل ، كم من أعلام عزفت قيثاراتهم من حوادثها أبدع الأغاريد !
وهام بخياله الجوّاب في أودية الأحلام الواسعة ،
ورتعت روحه الظمأى تحت ظلال أشجارها ،
لتستمتع بشدو أطيارها وهدير زلال أنهارها .
وبعد ، فلا بيان شكسبير اكتشفها ،
ولا خيال بيرون عرفها ،
ولا يراع شيللي وصفها ،
ولا سواهم من الغابرين زحزحوا بدائع أستارها ،
ولا غيرهم من المعاصرين كشفوا روائع أسرارها !
إنها طلسم في خاتم الزمان ،
وآية من آيات الوحي والبيان !
وأخيراً ، اطلع صديقي الحميم الدكتور داهش بك
على جميع ما نظم الشعراء وما دبجه الكتّاب
من فرنجة وعرب حول هذه الأسطورة الخصبة .
ثم قرأها منذ أعوام في مجلّة (الرسالة) المصريّة
للأستاذ دريني خشبة وسواه من الأدباء .
فإذا كل ما طالعه كان مختصراً وغير ما يصبو إليه ويرجوه .
ولما كانت حوادث هذه الأسطورة قد وقعت تحت سماء لبنان الجميلة
مثلما تقول (الميثولوجيا) ،
فقد أحبّ الدكتور داهش
أن يزور بنفسه في هذا الصيف مغارة أفقا
والغابة المقدّسة المجاورة لمزرعة المنيطرة .
وهناك على نغمات المياه ، وهدير الشلالات ،
وأشعة الشمس ، وحفيف الشربين ،
ونفحات الرياحين ، وضجعة الجنادل ،
ويقظة البلابل ، ورهبة الجبال العالية ،
وصمت الأطلال البالية …
كتب الدكتور داهش مقدمته (في موطن عشتروت وأدونيس)
مستمداً الهامه العالي من مناظر تلك الربوع الفتّانة الساحرة .
ولم يكتف بالزيارة الأولى التي سحرته بذكرياتها وفتنته بآياتها ،
بل زارها ثانية ، حيث شرب من ذلك الماء النمير
الذي سبق لأدونيس وسقى منه براحته الرخصة حبيبته عشتروت ،
وقال لها بلسان الشاعر :
يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر
لولا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرّة في (القصر) واحدة
ثني ولا تجعليها بيضة الديك
وهكذا زار الدكتور داهش أرض ابنة الآلهة عشتروت
وابن لبنان الفتّان أدونيس !
وهناك استلهم النهر والصخر والجسر والقصر والطير والزهر …
وفاضت قريحته الجوّادة بقطعة نثريّة ستخلّدها الأجيال والآجال .
ولقد رافقته في المرّتين ، وشاركته في الزيارتين …
مع بعض الأخوة المؤمنين بعبقريته الالهاميّة
وظاهراته الروحانيّة .
وقد بهرتني تلك المناظر الطبيعيّة الخلاّبة ،
فجاد قلمي القاصر بأبيات هي عفو الخاطر
بعد رؤية تلك المناظر .
وما هي من ينبوع الكون الساحر
إلاّ قطرة من ذلك البحر الزاخر . أمّا الأبيات فهي :
أنا الآن في أفقا على ضفّة النهر
أراقب جري الماء من جانب الجسر
وتنظر عيني من بعيد مغارة
لها فوهة البركان في شاهق الصخر
وتسكب شمس الأفق فوق مياهها
أشعّة ألوان يحار بها فكري
هنالك شلاّلات ماء تدفّقت
وغابات شربين بأثوابها الخضر
أراها صفوفاً كالجنود تنظّمت
لتحرس ذاك النهر من حادث الدهر
هنا عشتروت الحسن والسحر والهوى
سباها أدونيس الجميل فتى السحر
هنا تحت ذاك الصخر كم جلسا معاً
أمام رياض الزهر في شرفة القصر
فمات شهيد الحبّ في قلب غابة
وماتت بنصل الحزن غلغل في الصدر
هنيئاً لمعشوقين ذاقا مع الصبا
كؤوساً من اللذات خالدة الذكر
حليم دمّوس
بيروت ، في 3 أيلول 1943
"عشتروت وأدونيس" في حبكة جديدة
مأخوذ من كتاب “عشتروت وأدونيس” النسخة الفرنسيّة
بقلم زينا حدّاد
إنّها حبكة جديدة لقصّة عشتروت وأدونيس الحبيبين اللذين اشتُهرا في العصور القديمة وخُلّدا في الأسطورة التي بعثت أحداثها رعشة في السماوات .
لقد صوّر الدكتور داهش الحبيبين في قصيدة رائعة فردوسيّة الإطار .
تُرى ، أفي نجمة كان لقاء عشتروت وأدونيس ، نجمة عجيبة متألّقة بالعديد من الشموس ؟
لست أدري . في أيّ حال تدور أحداث القصّة في حدائق خياليّة عجيبة ملأى بالأزاهير . وتستمع بملذّات هذا المكان الفتّان أسراب من العصافير والغزلان .
ويلتقي الحبيبان الفتيّان ليشربا حتى الثمالة كأس الإكسير الساحر الذي يسمّى “بالحبّ”.
وفجأة يطوى الفردوس ، ويموت أدونيس ، وتنتحب الطبيعة ، ساكبة دموعاً حرّى على أدونيس، أجمل شابّ في لبنان . وإذ ذاك يحتجب الربيع ، ويصفرّ الرداء الأخضر الذي يكسو هذا الفصل الجميل .
ويرتعش جبل البرناس متأثّراً ، ويهبط إلى الأرض .
لقد أضفى الدكتور داهش ألواناً كثيرة على القصّة . غمس قلمه بقوس السحاب المتعدّد الألوان ليدبّج قصيدة خياليّة عجيبة تفتن القارئ .
وأبدع في وصفه سواء لتحابّ العاشقين ، أو لموت أدونيس ثم عودته . إننا نرى بطلي القصّة يبعثان الماضي في تقمّص جديد .
زينا حدّاد
بيروت ، أوّل أيار 1943
ثمّة حقيقة عظيمة
مقدّمة كتاب “عشتروت وأدونيس”
النسخة الفرنسيّة
بقلم ماري حدّاد
الحياة حافلة بالأسرار .
من تراه يكشف حقيقة الأساطير ، أو ما نظنّه أسطورة ؟ ومن تراه يفضّ أسرار الميثولوجيا ، والإلهين المصريّين أيزيس وأوزريس ، وبوذا ، ولاوتسو ، وسواهم ؟
سيأتي يوم فيه يفسّر كلّ شيء وينجلي .
ولكن ، لنثق بأن مواضع الجمال والطهارة والقداسة ، حيث وجدت ، هي منبجسة من جود إلهيّ .
لقد تجسّدت الألوهة على الأرض ، غير مرّة ، لتعيننا على النهوض من سقوطنا . وها هو الإنجيل والكتب المقدّسة بين يدينا . وقد نزلت ، في أزمنة مختلفة منذ بدء الخليقة ، رسالات وحي تؤيّدها المعجزات والنبوءات .
أما نحن ، فقد أنعم علينا ، إذ إن الأرض لم تشاهد قط ، حتى هذا اليوم ، ما نشاهده ، وما سنشاهده أيضاً .
ثمة وسيط علويّ بين السماء وبيننا ، به نتصل بالعوالم الروحيّة ، تتجسّد فيه أسمى الأرواح ، وتعطينا أدلّة محسوسة على وجودها . وليس لنا ، أمام الحقيقة الجليّة ، إلاّ الإقبال على فرح اكتشاف ، غير متوقّع طبعاً ، ولكنّه مدهش غريب .
لقد اهتدينا ، على يد الدكتور داهش ، إلى طريق الله ، وأي طريق !
إنه يرفع لنا الستار عن عدد كبير من أسرار أصلنا ومصيرنا ، ويذكّرنا ببيت فكتور هيغو :” الإنسان إله ساقط يتذكّر السماوات “.
لا شيء ، ممّا يقوله أو يكتبه ، إلا له معنى عميق . وحيث لا نرى إلاّ العاديّ المألوف ، تختبئ حقيقة إلهيّة عن بصرنا المحدود ، وعقلنا المغمور بالضباب .
ولعلّ هذه هي حال “عشتروت وأدونيس” ، القصيدة التي ولدت في الأماكن نفسها حيث وقعت قصتها . وقد سيّر اليراعة في سرعة الفكر ، كما هي الحال دائماً في كلّ ما يكتبه الدكتور داهش .
ثمّة حقيقة عظيمة في هذه القصيدة : الحبّ ذو أصل إلهيّ ؛ والبشر هم الذين رذلوه ومرّغوه بحمأتهم . والحبّ ، بشخص عشتروت ، يحيي الأرض التي ليست ، بدونه ، إلا قفراً يباباً . إنّها حواء ، وقد تطهّرت .
وأدونيس ، آدم جديد ، يتعقّب سيّاله الحبيب الذي هو جزء من ذاته . يقول لها :” أيتها المعبودة المفدّاة “.
ويسير العالم ، مرحلة تلو أخرى ، مع تقمّصاته المتعاقبة ، نحو الحياة الروحيّة ، واستعادة كرامة الإنسان الأخيرة .
إن التجليات العلويّة ، التي هبطت من وراء العالم ، ومرّت بالأرض ، هي أشبه بتضحية موصولة من أجل التكفير ، لافتداء الجنس البشريّ .
يقرن أدونيس ، في القديم الغابر ، بوجه المسيح ، من غير أن يصل أبداً إلى كماله . فقد مات وعاد إلى الأرض ، مثله ، بعد أن زار عوالم الجحيم .
لقد كانت حياة عشتروت وأدونيس في أفقا استذكاراً للفردوس الأرضيّ فهي تقول له :” كنت أحسبني في جنّة عدن “.
في ذلك الزمان ، كانت العناصر والحيوانات والطبيعة كلّها تهتزّ متناغمة مع الإنسان ، كما تنشد هذه القصيدة .
أفقا العامرة بذكريات لا تبلى ، موطن الجمال والطهارة والبهاء ! أطلال القصر والجذوع الدهريّة والغابات الغبياء والشلالات والعصافير بأغاريدها العذبة ما برحت تتحدّث عن الحدث الإلهيّ .
لقد استولت عليها ارتعاشة ، فقيل إنّ أنفاس عشتروت وأدونيس هبّت في النسيم .
إنّه بعث !
إفرح ، يا لبنان ، وارتفع عن وضاعتك ، وأرم بسعف نخيلك أمام النبيّ الجديد !
اهتف له ، يا لبنان ، فتحيا في سعادة .
ويخلد مجدك الذي أنت غافل عنه ، إذا شئت ذلك ، يا لبنان !
إنّ قصيدة “عشتروت وأدونيس” ، شقيقة “نشيد الأنشاد” ، هي إذا نشيد بالمعنى الروحيّ الخالص .
والذي يعرفون مؤلّفها جيّداً سبق لهم أن نهلوا من الأنوار التي تهبهم الفهم . أما الآخرون ، فما زال لديهم متسع من وقت . وليس لهم إلاّ سلوك الطريق الصحيح ، إذا شاؤوا أن يروا ويسمعوا ، ويدفعوا عنهم ندم المستقبل .
يسرّني أن اترجم أيضاً عدّة مؤلّفات للدكتور داهش ، منها مؤلّف موحىً هو “مذكرات يسوع الناصري”، أو حياة يسوع الملهمة منذ عامه الثاني عشر .
لم يقل الإنجيل كلّ شيء . ولكنّنا نقرأ في هذا الوحي الجديد الصفحات المثيرة ، وقد عدنا إلى الإنجيل لاستيعابه جيّداً ، واستكماله ، وملاءمة حياتنا معه .
لا يؤبه للزمان ، فسوف ندرك ، بواسطة الدكتور داهش وأعماله ، عظمة الأبديّة حيث يمضي بنا نحو السعادة .
ماري حدّاد
بيروت ،9 كانون الأوّل 1943
مقدّمة كتاب "نشيد الأنشاد"
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 9 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
من يجهل نشيد الملك العظيم ،
النبي سليمان الحكيم ،
الذي أنشده قبل ثلاثة آلاف من الأعوام ،
وما زالت تتجاوب صداه الأدهار ،
وتحفظ آياته الأخّادة للأجيال المقبلة .
إنّ في (نشيد الأنشاد)
لسحراً خلاّباً يأسر الأفئدة ويستولي عليها ،
فتفتن بتلك العبارات العذبة ،
وتحلّق في أعالي السماوات ،
طوال سماعها لعذب ترديد
هذا النشيد المبدع !
إنّ من يقرأ (نشيد الأنشاد)
يتأكّد له أنّ “النبي سليمان “
قد لمس الحبّ فؤاده بأنامله السحريّة !
فتفجّر ينبوع شوقه العميق ،
وشعر بآلام مضنية وآمال عذبة هنيئة ،
وإذ ذاك التجأ إلى القلم ،
وراحت عاطفته الجيّاشة تتدفّق بغزارة
مظهرة ما يكنّه في أعمق أعماقه .
فكشف لنا بنشيده الخالد سرّ أسراره !
ستمضي أجيال ! وتباد أمم !
وتندثر حضارات !
وتندرس عواصم ! وتزول معالم !…
أما “نشيد الأنشاد”
فسيبقى خالداً على مرّ الأجيال ،
ما بقي الحبّ ،
وما بقي ذكر وأنثى !…
الدكتور داهش
31 أيلول 1943
صوت كأنّه الوعد !
مقدّمة “نشيد الأنشاد” (الترجمة الفرنسيّة)
بقلم ماري حدّاد
بكلمات جديدة ، وكلمات قديمة أيضاً ، يتعالى ، بفم الدكتور داهش ، نشيد علويّ انبثق من حنايا نفسه انبثاق أغاني البلبل في غاب العوالم السماويّة .
خطّته يده ، في ساعة ملهمة ، بريشة مغموسة في الجمال والطهارة ؛ أمور غريبة تجري على أرضنا ، ولكنّها طبيعيّة فيها مثلما يسيل الماء بطلاقة من منبعه .
وما يغنّيه ، من خلال رمز إنسانيّ ، إنّما هو الجمال بكلّ براءته الأولى ، كما خلقه الله ليكون بردة آدم وحوّاء الأبديّة في الفردوس الأرضي . ولكنّهما مزّقا بردة الجمال والفرح والخلود ، وهاما على وجهيهما ، في الآلام والموت ، مع ذكرى السقوط وغصص الندم .
على أنّ صوتاً يرتفع كأنّه الوعد . وما فتئ لبنان يرجّع نداءه من قبل أن يكفّ الصدى عن الترديد ، مع سليمان : هلمّي ، أيتها العروس ، معي من لبنان !
لبنان ، يا بلاد الأرز والزيتون والكرمة ! يا وطن الأشذاء والزهور ! يا تربة الكلمات الإنجيليّة ! يا أرض الأنبياء والمعجزات !
لبنان ، ثمّة صوت يرتفع فيك ، مردّداً من جديد نداء سنيّاً إلى الحبّ الإلهيّ والجمال الأوّل ، المستغرقين ، في موضع ما ، بسبات عميق .
“لا توقظن من اختارتها روحي حتّى تشاء”.
ستأزف تلك الساعة ، ومن لبنان يتعالى نشيد حبّ وأمل .
” سندخل في قدس أقدامك الطاهرة بثياب جديدة من الجمال والخلود . ولا نتيه بعيداً عن قطيع إلهنا”.
لأنّ نبيّا جاء مؤيّداً بروح الله وكلامه ومعجزاته .
كثيرون هم المدعوّون إلى الوليمة الإنجيليّة ، حيث يمنحون نور المسيح وتعاليمه . ولكنّ النور يلد الحقيقة ، والناس يخشون الحقيقة .
إنّني مدينة للدكتور داهش على ما أعطيته هذه الصفحات القليلية من سعادة . وأشعر بأنّي في منجاة من كلّ مجاعة روحيّة قد يأتي بها المستقبل ، إذ إنّ أهراءنا تمتلئ كل يوم بفيض من مآثر الدكتور داهش ؛ مآثر ذات أبعاد فائقة تستمدّ إلهامها وحجّتها من العالم الروحيّ .
وإنّ للغد القول الفصل .
ماري حدّاد
بيروت ، أوّل آب 1943
سيف الحقيقة الرهيف سيبتر المجرم والمجرمين
مقدّمة كتاب
“روح تنوح”
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من الصفحة 11 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
منذ سبعة وعشرين عاماً مضت ، أطلقت (ماجدا حدّاد الداهشيّة) الرصاص على صدفها ، وضحّت بحياتها ، وذلك احتجاجاَ على الظلم الرهيب الذي أوقعه أقرباؤها بي ، إذ جرّدت من جنسيّتي ، وأبعدت ، وشرّدت في مشارق الأرض ومغاربها .
ولور قرينة بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ، يومذاك ، هي خالة ماجدا حدّاد الداهشيّة .
وفي أواخر عام 1942 ، اعتنق الداهشيّة كلّ من ماري حدّاد وقرينها جورج حدّاد ، وكذلك كريماتها : ماجدا الشهيدة ، وآندره ، وزينة ، كما آمن به صهرهما جوزف حجّار قرين السيّدة آندره .
وقد حاول أقرباء آل الحدّاد أن يبعدوا السيّدة ماري وقرينها وكريماتها عن مؤسّس الداهشيّة ، واستعملوا كافة الطّرق ، ففشلوا وكان فشلهم ذريعاً .
وإذ ذاك صدر مرسوم النفي والإبعاد . فما كان من ماجدا صاحبة العقيدة الداهشيّة الراسخة إلاّ الاحتجاج الصارخ ، إذ أطلقت الرصاص على صدغها مضحية بحياتها الغالية في سبيل إيصال صوتها للرأي العام ، استنكاراً لهذا النفي المجحف والتشريد الذي تجاوز حدود القانون والدستور .
إنّ هذه المأساة المرعبة قد مضى عليها سبعة وعشرون عاماً ، وما تزال كأنها (ابنة ساعتها ).
وستمضي آجال وتتصرّم أجيال ، وستؤلّف كتب كثيرة شارحة مراحل هذه المأساة الهائلة .
والشعوب القادمة ستكون الحكم إذ ذاك ، ويكون التاريخ القول الفصل .
وسوف يميّز الصالح من الطالح .
وسيكون حكمه صارماً ولكن عادلاً .
وبما أنني أعتقد اعتقاداً راسخاً بخلود الأرواح ، وأنها تنتقل بعد الوفاة إلى عوالم ماديّة أخرى ، إذاً بوسعي أن أؤكّد تأكيداً جازما أنّ الحساب لم يسدّد بيني وبين من ارتكب الشرّ الفاضح ، وأنّ الاقتصاص سيبتدى فور انتقالي من عالم المادّة الدنيويّ هذا .
وسيكون الحساب عسيراً ، وسيدفع الثمن غالياً . وإذ ذاك تنتصر العدالة بعد أن يساط الظلم سوطاً رهيباً ، إذ لكلّ جريمة ثمن ستدفعه عاجلاً أم آجلاً . وإنّ ربّك لبالمرصاد .
وما أروع الكلمة الخالدة التي تفوّه بها الأديب الروسي العالميّ تولستوي ، إذ قال : إنّ الله يمهل ولكنّه لا يهمل .
وإذا ظنّ المعتدي أنه قد نجا بعدما انطلقت روحه من عالم الأرض ولم يقتصّ منه على ما ارتكبه من أهوال جسيمة ، فظنّه باطل وتخيّلاته وهميّة .
وستوقظه الفجيعة التي ستنقضّ عليه انقضاض الصواعق في عالمه البغيض الذي أوصلته إليه أعماله الرهيبة .
وليثق الجميع بأنّ كلّ آب قريب .
ومن يتهكّم بأقوالي هذه ، فإنّما يتهكّم بنفسه ، وبغبائه الشديد . وإنّي أسأل بدوري من أين أتيت أيّها العلاّمة العارف الغارق في العلوم والفلسفات ؟ ولكنه سيصمت . ولن يستطيع إعطائي الجواب .
وما دام الإنسان يأتي ولا يعرف من أين كان مجيئه ، فما أحراه أن يجهل إلى أيّ مكان ستكون عودته ، عند انتهاء أيّامه على أرض الشقاء هذه .
ولكنّي أعتقد اعتقاداً راسخاً أنّ كلّ ابن أنثى سيذهب ، بعد وفاته ، إلى عالم مادّي آخر ، ويبدأ ، هناك ، حياة جديدة أخرى .
وهكذا يتسلسل موته وبعثه من عالم إلى عالم حتى يبلغ عالم الروح ، بعدما يكون قد تدرّج في سلسلة اختبارات وتجارب هائلة ، وبعدما تكون روحه قد بلغت الكمال ، بعد سلسلة مرورها في عوالم عديدة .
هذا هو رأيي الخاص ، ولكلّ رأيه الخاصّ .
وإني أستشهد بالآية القرآنية القائلة :
] إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء[ .
والسلام .
داهش
بيروت ، في 15/2/1972
إنّ التاريخ لا يرحم !
مقدّمة ماري حدّاد لكتاب “روح تنوح” أو “قيثارة الأحزان”
تأليف الدكتور داهش
ستّة وعشرون عاماً توارت منذ رحلت ابتني (ماجدا) الفتيّة من عالمنا الفاني ، سافحة دمها الفاني كاحتجاج على الجريمة المرعبة التي أوقعها بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة بمؤسّس الداهشيّة في عام 1943 حتى 1952 . وقد انتحرت ابنتي (ماجدا) لتسمع صوتها للرأي العام اللبنانيّ والعالمي ، ولتوقظ ضمير الرأي العامّ .
وكانت وفاتها في 27 كانون الثاني 1945 .
لأنّ جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة ما كان ليقدم عليها بشارة الخوري لو لم أعتنق الداهشيّة أنا وقريني السيّد جورج حدّاد وكريماتي أندره وزينه ، ثمّ الفقيدة الغالية (ماجدا) قاطنة الفراديس الإلهيّة .
إنّ بشارة الخوري هاله وهال زوجته اعتناقي مع جميع كريماتي وقريني وصهرنا جوزف حجّار الداهشيّة ، إذ تفانينا في سبيلها جعل بشارة الخوري زوج شقيقتي لور يصدر مرسوماً جرّد بواسطته الدكتور داهش من جنسيّته اللبنانيّة وأنف الدستور في الرّغام !
وإذ ذاك أصدرت عشرات الكتب السوداء مندّدة بالعمل الإجرامي ، الذي ارتكبه رئيس الجمهوريّة ، شارحة مراحل الجريمة النكراء ، ووزّعت هذه الكتب السوداء سرّاً على الشعب اللبناني الذي كان يستيقظ ليرى طرق بيروت وقراها قد فرشت بالكتب السوداء وفيها تفاصيل الجريمة الهائلة .
وقد سجنني بشارة الخوري مدّة عام كامل قضيته مع المجرمين والمرتكبين للقبائح ، إذ لم يكفه انتحار ابنتي المفدّاة ماجدا ، بل تكملة لأحزاني الهائلة وإتماماً لأشجاني المرعبة زجّني في أعماق السجون . والسجن كان حريًّا بمن اعتدى على الحرّيات وعلى الدستور اللبنانيّ الذي أقسم يمين المحافظة عليه . وكان أوّل من حنث بيمينه ومزّق أشلاءه ، وبعثرها إلى جميع الجهات .
إنّ التاريخ لا يرحم . والتاريخ قد سجّل مراحل هذه الجريمة بعشرات الكتب التي ستملأ الخافقين ليقرأها جميع شعوب الأرض ويلعنوا من ارتكبها مثلما لعنوا وسيلعنون من اعتدوا على السيّد المسيح .
إنّ الحمامة الذبيحة ماجدا حدّاد التي قدّمت نفسها قرباناً لن يذهب دمها هدراً .
وما دام رجل واحد أو سيّدة تقرأ كتاباً واحداً من سلسلة الكتب السوداء التي صدرت والتي ستتوالى طبعاتها ما دامت الأرض والسماء سماءً ، فسيبقى دمها المسفوح هو الدليل لمن سيقرأ تلك الكتب التي تشرح مراحل الجريمة الشنعاء الرهيبة .
إنّ ذكرك ، يا ماجدا ، لا ولن يبرح خاطري ، ونبلك أراه ماثلاً دوما أمامي .
ولطفك لن أرى له مثيلاً أيّتها اليمامة الذبيحة .
ورقّتك ، ويا لها من رقّة لا يمكنني وصفها .
وتضحيتك سيذكرها الداهشيّون ، وسيخلّدونها في بطون كتبهم التي سيؤلّفونها .
وخيالك لن يبرح أفكارهم .
لقد كنت أنا يا ماجدا ، في إبّان صباي ، عندما أطلقت الرصاصة على صدغكِ فأردتكِ . وأحرّ قلباه عليك !
والآن مضى ، منذ تلك الدقيقة ، ستّة وعشرون عاماً بما كانت تحمله من أهوال مرعبة وأثقال رهيبة .
وقد تقدّم بي العمر وفعلت السنون فعلها الذريع بي ، ولكنّ هذه السنين المنصرمة لم تستطع إزالة صورتك التي حفرت في قلبي ، ولن تمحى حتّى ولو طواني الموت بين ذراعيه الرهيبتين .
فإليك ، إلى روحك النقيّة ،
إلى فتنتك التي ضمّها اللحد بين جنبيه ،
إلى حماستك الملتهبة في سبيل الرسالة المقدّسة ،
إلى شبابك الريّان الذي طواه اللحد في أعماقه الرهيبة ،
إلى روحك البهيّة التي أصبحت تعاين الله في فراديسه الخالدة ببهجاتها التي لا يمكن لقلم بشريّ أن يصفها ،
ضارعة إليه أن يجمعني بك قريباً لأحيّي بطولتك التي سجّلها التاريخ بين دفّتيه !
وإلى اللقاء أيتها الشهيدة الغالية !
بيروت ، في 20/2/1971 ماري حدّاد الداهشيّة
والساعة (6)مساءً والدة الشهيدة ماجدا
تاريخ النجوم الداهشيّة
مقدّمة “روح تنوح”
الترجمة الفرنسيّة
بقلم ماري حدّاد
لقد رحلت ، سريعة مرتعشة الجناح ، نزعت نفسك من حبّنا ، وحطّمت جميع الأواصر التي كانت تقيّدك وتأسر انطلاقة نفسك الثائرة .
في العاصفة صرخة ألم عظيمة تعالت من الأرض ، وارتسمت بحروف من نار ، فرجّعت جميع الأصداء نبراتها المؤلمة . وجميع الأصداء ردّدت رنين ناقوس التفجّعات وأصوات اليأس .
وإذا بالكوابيس وأشباح الموت تسكن ربوعنا العالية حيث كان يسود السلام وصفاء الحبّ .
لقد طرحوا أرضاً أبهى آمالنا ؛ وقالوا :” انقضى كلّ شيء ، جميع مطامحهم وأحلامهم قضت نحبها “.
وهبط الليل على حزننا .
ثم بزغ الفجر ، وتبعته الشمس المجيدة متغلّبة على الدياجير .
وأشرق الأمل الخالد وقد عقد على جبهته تاج من النور . وإذا بماجدا الظافرة في عالم مجيد .
لقد ثارت على الظلم والطغيان ، وزرعت بذرة الحريّة الشريفة ، ونمّى دمها الفتيّ الثمار التي أزف جناها .
لا ، ليس للموت وجود ؛ فثمّة الأبديّة كلّها للانتصار والثأر والانتقام .
نعم ، لقد بلغت ذروة الجبل المقدّس ، فرحّبت بمقدمها صبايا مدينة السلام ، مرتّلات الترانيم والأناشيد المقدّسة .
نعم ، إنّ قيثارات الآلهة عزفت لها أنشودة الحبّ .
وأمير مدينة السلام والصفاء ، تقدّم نحوها وقدّم إليها الكأس القرمزيّة العجائبيّة التي تحتوي على إكسير المعرفة .
فاحتست هذا الشراب الإلهيّ حتى القطرة الأخيرة .
طوباها في جنّات الله !
طوباها لأنّها ألهمت عواطف هذا الكتاب ، واسحقّت تاج النجوم الداهشيّة المقدّسة .
ماري حدّاد
1971
أعجب كتاب طالعته
مقدّمة كتاب “مذكّرات يسوع الناصريّ”
تأليف الدكتور داهش
بقلم إيليّا حجّار
هذا الكتاب العجيب يكشف لنا حياة السيّد المسيح الخفيّة . فحياته عندما كان طفلاً فمراهقاً مجهولة تماماً ، وليس من يعرف عنها شيئاً . فالأناجيل الأربعة تذكر حوادث معجزاته وخوارقه عندما كان قد بلغ الثلاثين من عمره ، أمّا ما سبقها من السنين فليس من يعرف عنها أيّ شيء .
وعندما طالعت هذا الكتاب الرائع بأسلوبه ، المدهش بأسراره ، والمذهل بحوادثه ، استهواني استهواءً تامّاً ، فرحت ألتهمه التهاماً ، وتمنّيت لو كان عدد صفحاته ألف صفحة ، إذا لاستمرّيت في مطالعته التي لا تملّ إطلاقاً .
أمّا كيف استطاع الدكتور داهش معرفة حياة السيّد المسيح المجهولة ، فهذا الأمر سيكشف للقرّاء ، بل وللعالم بأسره في وقت قادم ، وكلّ آت قريب ، وإذ ذاك ستتناول أسرارها صحافة الدنيا بأسرها .
إنّ سرّ اكتشافه العظيم لحياة المسيح سيكون إعلانه ، عندما يذاع ، أشدّ مفعولاً من القنابل النوويّة والهدروجينيّة . وسواء أصدّق العالم ، الأن ، صحّة ما هو مدوّن في هذا الكتاب أم لم يصدّق ، فالحقيقة تبقى حقيقة ولو حاربتها البشريّة بقضّها وقضيضها .
أمّا أنا فإنّي أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً : إنّ “مذكّرات يسوع الناصري” هي مذكّرات حقيقيّة لا ريب فيها ، لأنّ السرّ كُشف لي ، ووثائقه ثابتة لا أستطيع لها إنكاراً .
وعندما تأزف ساعة كشف الحقيقة سيؤمن بها كلّ من يلمس اليد ما لمسته بنفسي ، وسيكون إيمانه مثل إيماني إذ تتزلزل الجبال وتُدكّ دون أن يعتورني الشكّ بصحّة هذه الحقيقة .
وإلى ذلك اليوم الذي أرجو أن يكون قريباً ، أنا على يقين بأنّ كلّ من سيقرأ هذا الكتاب الرائع سيكون مسروراً جدّا بمطالعته ، ومعجباً بأسلوبه ، ومأخوذاً بحوادثه .
وإنّي أترقّب الجزء الثاني بفارغ الصبر . فلعلّ الدكتور داهش يسرع بطبعه ليشبع رغبتي ورغبة القرّاء لاكتشاف صفحة مجهولة من حياة مؤسّس الديانة المسيحيّة .
إيليا حجّار
بيروت ، الساعة 9 من ليل 22/1/1979
سيرة جديدة عن حياة الناصريّ
مقدّمة كتاب “مذكّرات يسوع الناصريّ”
النسخة الفرنسيّة
بقلم زينا حدّاد
إنّني أغامر فأكتب كلمة حول “مذكّرات يسوع الناصريّ ” بقلم الدكتور داهش .
إنّ القرّاء الذين لم يعرفوا المؤلّف سيعتقدون ، لأوّل وهلة ، أنّ هذه القصّة المرويّة شبيهة بالكتب الأخرى عن حياة يسوع . فمنذ ألفيّ سنة تتابعت سير المسيح متشابهة لأنّ معلومات المؤرخين عن حياته الخاصّة محدودة .
وقد استطاع التلاميذ أن ينشروا الأناجيل ويرووا بعض الوقائع . ولكنّ الدكتور داهش استطاع أن يقصّ علينا مرحلة مجهولة من حياة يسوع ، واصفاً هذا الجانب المحجوب الذي هو الوجه الأجمل في عمره بأسلوب بسيط يزيده رونقاً وبهاءً .
إنّ الدكتور داهش صاحب الشهرة الأدبيّة والمؤلّفات الكثيرة التي تتنافس في جمالها يزفّ ، الآن ، إلينا مخطوطاً جديداً بعنوان “مذكّرات يسوع الناصري “.
والدكتور داهش يجعلنا نشعر ، بعد تمكّنه من تأليف كتاب كهذا ، أنّه كان جزءاً لا يتجزّأ من حياة المعلّم الخاصّة ؛ كان رفيقه في تطوافه ، دائم الحضور معه ، حتى يجوز القول إنّه كان ظلّ المعلّم يتبعه خطوة فخطوة : لقد كان الشاهد العيان لحياته .
إنّ كتاب الدكتور داهش يسحر القارئ فيدفعه إلى التهامه دفعة واحدة ، لكن ما أن يفرغ من قراءته حتى ينجذب إليه مجدّداً فيطالعه ثانية وثالثة …
وليس عجيباً أن يكون الدكتور داهش ، منذ ألفي عام ، جزءاً من روح ذلك الجبّار الروحانيّ المسمّى المسيح . فالداهشيّة تؤمن بالتقمّص .
ولدى مطالعة هذا الكتاب نلج عالماً سحريّا ، خياليّاً ، لكنّه مع ذلك واقعيّ ؛ فهو عالم روحي يميط اللثام عن أسرار العوالم الأخرى .
إنّ الدكتور داهش يروي لنا قصّة حقيقيّة ترقى وقائعها إلى عشرين قرناً ، لكنّها تذكّرنا الحاضر . ففي هذا الجيل أخذ الإلحاد أو جحود الله يتفاقم ، وبدأنا نواجه هوّة يحاول الدكتور داهش أن يملأها ويسدّ فراغها بوحي سماويّ . وهو في كتابه يذكّرنا بصوت إلهيّ يرفرف فوقنا منذ بدء الأزمنة . واليوم يدوّي هذا الصوت وتتجاوب أصداؤه في العوالم ، وأبواق الله تذيع البشرى وتبلّغ الرسالة .
يجب أن نستعيد ذاكرتنا . لقد ولد المسيح في ذلك اليوم البعيد . وحياته وكلامه يجب أن يخرجا من حيّز النسيان . ومن أجل إحياء هذا الحدث الجليل ، وصف لنا الدكتور داهش ، في سيرته ، حياة يسوع الناصري ، فادي العالم ، عارضاً أحداثها للقارئ كأنّها شريط مصوّر .
إنّ عظمة هذا السّفر النفسي غير محدودة . فمعه سيبقى يسوع حيّاً في قلوبنا إلى الأبد .
زينا حدّاد
6/3/1979
توطئة لكتاب
“الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضيّة”
الرحلة الأولى
تأليف الدكتور داهش
بقلم الدكتور فريد أبو سليمان
في الثاني من آب 1969 غادر الدكتور داهش لبنان ، برفقة الدكتور جورج خبصا أخيه الحبيب وطبيب الأمراض الجلديّة الأشهر ، للقيام برحلة حول العالم .
وكان الدكتور داهش منذ 28 آب 1944- ذلك اليوم المشؤوم الذي اعتدي فيه على حرّيته ظلما وعدواناً – متوارياً عن العيان .
وكانت الصفحة اللبنانيّة تتخبّط في ما تذكره عنه من أخبار ، وما ترويه من أمور ، وما نشره من اختلاقات ما أنزل الله بها من سلطان .
لقد حجز الطاغية حرّيته بطريقة التعسّف الرهيب والظلم الهائل دون ذنب جناه أو وزر ارتكبه . وبأسف عظيم أقول إنّه لم تشجب أيّة صحيفة يوميّة أو أسبوعيّة أو شهريّة هذا الظلم الهائل الذي أوقعته به بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة يومذاك ، ولم يحرّك أيّ صحفيّ قلمه ليناصر المظلوم البريء .
وبالعكس ، راحت هذه الصحف ترشق داهشاً بألسنة حداد لتنال إعجاب الحاكم الطاغية ، مع أنّ الصحفي صاحب رسالة مقدّسة واجبه أن يناصر العدالة ويهاجم الباطل ، وإن يكن هذا الباطل متربّعاً بدست الأحكام .
ثلاثة عشر عاماً قضّاها وراء أربعة جدران لم يشاهد خلالها سوى أخوانه المجاهدين المخلصين ، هؤلاء الذين هاجموا الباغية بكتبهم السوداء التي زلزلت عرشه وهدّمت كرسيّه ، وحطّمت كبرياءه ، وردّمت عنفوانه ، وكشفت أسراره ، وهتكت مخبّآته .
وإذ ذاك أعلن الشعب ثورته على هذا الباغية طارداً إيّاه من الحكم . فقبع في منزله بالكسليك ، والألم يعتصر قلبه ، والحزن يفري كبده ، والشّجن يؤرق جفنه ، وذكريات السلطة تبعد الكرى عنه . وهكذا انتصر الحقّ وزهق الباطل ، إنّ الباطل كان زهوقاً .
وليته وجد صحفيّ أو نائب أو وزير أو أديب يشجب جريمة الاعتداء التي ارتكبها الباغية الطاغية بشارة الخوري بنزعه جنسيّة رجل بريء ، مثلما وجد في فرنسا ، إذ هبّ الكاتب الكبير إميل زولا يدافع عن دريفوس ، متطوّعاً لمناصرة ظافرة . وقد اضطرّ بعدما نشر دفاعه ” أنا أتّهم” لمغادرة فرنسا ، فإذا هو شريد طريد ، يجوب مدناً عديدة بسبب دفاعه عن رجل ظلمته حكومة بلاده ، متحمّلاً شظف العيش في هذا السبيل النبيل . وأخيراً ، انتصر الحقّ وخرج دريفوس من سجنه ظافراً منصوراً ، وأعيدت كرامته إليه . وعاد إميل زولا إلى بلاده محمولاً على الأعناق . فقد قدّر الشعب الفرنس هذا البطل المغوار الذي لا يشقّ له غبار وذلك بعد أن تأكّد للفرنسيين أنهم وحكّامهم كانوا أجمعين مخطئين لظلمهم لدريفوس ، بينما كان إميل زولا هو الوحيد على صواب . وهكذا انتصر حقّه على باطلهم ، فأقامت فرنسا له عيداً تكريميّا يحتفل به كلّ عام لأجل مناصرته العدالة .
أمّا في لبنان فلم يوجد أيّ شخص دافع عن الدكتور داهش واستنكر الظلم الرهيب الذي أوقعه بشارة الخوري به . وهذه وصمة عار ستبقى خالدة ما خلد الزمان ، تذكر وتعلن وتنشر كلّما ذكرت قضيّة ظلم داهش .
وبعد فالقارئ سيجد في كتاب “الرحلات الداهشيّة” هذه لذّة فريدة . فإنّه سيجوب مع الكاتب المدن والعواصم ، ويخترق السهول والفيافي ، ويرتقي الجبال ، ويهبط إلى الأودية ، وسيزور المتاحف والمخازن ، ويطوف في المعابد والملاهي ، ويرود كلّ مكان وطئته أقدام داهش وخبصا .
وسيدهش من الوصف الدقيق والتدوين الأمين اللذين يلمسهما في كلّ ما خطّه الكاتب ، وهما من المزايا التي تفوّق بها الدكتور داهش على أكثر الرحّالة العالميين ، وخصوصاً رحّالة العرب الأقدمين .
لكنّ هذه الرحلة اللذيذة المثيرة المفرحة في مختلف تنقّلاتها ومحطّاتها ، محزنة مفجعة في نهايتها . ذلك بأن الدكتور خبصا أصيب بتسمّم في الدم بأثناء هذه السفرة ، ممّا نغّص عيشه وأبعد النوم عن عينيه ، وبعث الألم العميق في نفس رفيق رحلته الدائم : الدكتور داهش . فإذا به يرسل نفثات صدره الحزين ، وأنّاته وتأوّهاته على الذي رافقه من بيروت إلى طهران ، فالهند ، فينوم بن ، عاصمة كمبوديا ، فبانكوك ، فهونغ كونغ ، فكيوتو ، فطوكيو ، فنارا ، فأوزاكا ، فنيكّو ، فكماكيرا ، فهونولولو ، فسان فرنسيسكو ، فلوس آنجلوس في كاليفورنيا ، فنيويورك ، فشيكاغو ، فلندن فباريس ،فروما ، فغيرها وغيرها من البلدان ، حتى عاد أخيراً معه إلى بيروت بتاريخ 19 تشرين الأوّل 1969 وهو أقرب إلى الهيكل العظميّ منه إلى الإنسان الحيّ .
وفي 23 تشرين الأوّل أدخل الدكتور خبصا إلى مستشفى أوتل دييه ، فمكث فيه 16 يوماً ، ولم تنفع فيه حيل الأطبّاء ، فمات في الساعة الخامسة والثلث من فجر 8 تشرين الثاني مأسوفاً عليه ، مبكيّاً على أخلاقه العالية وخلاله النبيلة .
ولا شكّ في أنّ القارئ سيلقى في مطالعة هذه الرحلة العجيبة الطريفة المتعة والفائدة .
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت ، في 16/1/1979
أنا توّاق للسّفر والترحال
مقدّمة كتاب
“الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضيّة”
الرحلة الثانية (عام 1970)
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
أنا بطبيعتي أحبّ الرحلات وأتوق للسّفر والترحال شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً .
أحبّ السّفر إلى الصحارى ، والتجوال في شعاب الجبال ، كما أحبّ الهبوط إلى الأوديّة السحيقة ، وأرغب مشاهدة العواصم الكبرى ، والقرى النائية الهاجعة بأحضان الغابات الظليلة .
وأحبّ أن أرود المتاحف العالميّة لأشاهد لوحات الفنّانين العظماء ممّن دان لهم الفنّ ، وأصبح أطوع لهم من بنانهم .
لقد زرت متحف الأرميتاج الروسي في مدينة ليننغراد ، كما زرت متحفي تريتيكوف وبوشكين في مدينة موسكو .
كذلك شاهدت متحف المتروبوليتان العظيم في نيويورك ، وتجوّلت في متحف بروكلن وتملّيت جميع لوحاته المعروضة لوحة فلوحة . كما شاهدت متاحف لوس آنجلوس ، وسان فرنسسكو ، وغيرها كثيراً من متاحف الولايات المتحدة ، وخصوصاً متحف الفنون الجميلة الحكومي في شيكاغو وواشنطن . وقد أخذت بروعة متحف واشنطن العظيم ولوحاته الساحرة وأناقة المبنى الضخم الفخم .
كما زرت متحف البرادو المشهور بأسبانيا ، ومتحف اللوفر العظيم بباريس ، ثم متحف مارسيليا وغيرها من متاحف المدن الافرنسيّة العديدة ، ثم متحف النمسا المدهش الذي يضمّ مئات من لوحات أشهر الفنّانين العظماء ، ثم متحف روما الغنيّ بمحتوياته ، ومتحف الفاتيكان الذي يحتوي على كنوز لا تقدّر بمال إطلاقاً .
كذلك زرت متاحف نابولي وميلانو وغيرها من المتاحف المنتشرة في المدن الإيطاليّة .
وزرت أيضاّ متاحف برلين وميونخ ، واستمتعت بعظمة الفنّ المذهل الذي تحويه متاحف الشعب الألماني العريق .
ولن أنسى متاحف هونغ كونغ ، وطوكيو ، ونارا ، وكيوتو ، ونيكو ، وأوزاكا ، ويوكوهاما، وكماكيرا . فالكنوز التي تنطوي عليها تلك المتاحف خالدة بروائعها النادرة .
كذلك ارتدت متاحف سيام ، وأخذت بما تحويه من روائع عريقة في القدم ، مذهلة بدقّة الفنّ . وشاهدت متاحف تركيّا ، وفنلندا ، والدانمارك ، وبولونيا ، وبلجيكا ، ورومانيا ، وبلغاريا ، وقبرص ، وآثينا باليونان ، وأديس أبابا في الحبشة ، وطرابلس الغرب ، وجيبوتي ، ونيروبي ، وتنزانيا ، وغيرها وغيرها الكثير من مختلف المتاحف في العديد من البلدان التي لا تحضرني أسماؤها الآن .
ومع ذلك ، فجميع هذه المتاحف لم تشبع رغبتي للفنون الجميلة ، فأنا أتوق للفنّ ، وأتعشّقه ، وأبحث عنه ليل نهار ، فهو لي كالروح للجسد .
وبهذه المناسبة تذكّرت مثلا شائعاً دوّنته الكتب إذ قال :” اثنان لا يشبع نهمهما شيء : طالب علم وطالب مال “.
وأزيد عليهما ثالثاً فأقول :” وطالب فنّ” – الذي هو أنا – فإني ، وأيم الحقّ لا يمكن أن أشبع نهمي من الفنّ إطلاقاً . فمنذ طفولتي وأنا أتوق لمشاهدة أي شيء يمثّله الفنّ ، سواء أكان لوحة زيتيّة أم مائيّة أم بالباستيل . كما أرغب رغبة عارمة بالتماثيل الفنيّة سواء أكانت منحوتة من الحجر أم من الرخام أو العاج أو البرونز أو الخشب أو المعدن . والخلاصة أنّ الفنّ يستهويني ويجذبني كالمغناطيس المقتدر .
وفي خلال سفراتي المتعدّدة ورحلاتي المتواصلة ابتعت من متعدّد الفنون عدداً كبيراً بذلت في سبيله أموالاً طائلة . وقد غصّت خزائني بروائع الفنّ ، فهي لي متعة للنظر وروعة للبصر ، وسأبتاع منها الكثير أيضاً ، إن شاء الله ، برحلاتي القادمة إذا ما امتدّ بي الأجل ، وإلاّ فإنيّ لا آسف على رحيلي من هذه الأرض التي يملأها شقاء متواصل وعذاب دائم .
وأؤكّد للقارئ أنّ الموت والحياة لديّ سيّان ، فأنا لا آبه إن دنا أجلي في هذه اللحظة التي أدوّن بها أفكاري هذه .
كما أؤكّد أنّه لا يهتزّ بي وتر واحد إذا دنت ساعة منيّتي ؛ فقد شبعت من لؤم البشر ، وغدر الأصحاب الزيّفين ، ودناءة المدّعين بالصداقة كذباً ورياء .
فأنا أعلم الناس بما يضمرونه في قلوبهم ، وما يختزنونه بأفكارهم . وتأكيداً لما أقول ، فإنيّ كتبت تحت رسمي الفوتوغرافي في كتابي “كلمات”- وما كان عمري ليتعدّى السبعة وعشرين عاماً – الجملة التالية :
” حينما تشكّ بأقرب المقرّبين إليك تبدأ في فهم حقائق الكون ، وتتكشّف لك أسرار مكنونة كنت جاهلاً إياها . فكن على حذر ، وإيّاك والسقوط بشرك من يدّعون الإخلاص لك وما حقيقتهم إلاّ ذئاب كاسرة يرتدون أثواب الحملان الوديعة “.
هذا ما كتبته عندما كنت في شرخ الشباب ، فكيف لي أن أثق بأحد بعدما حلبت من الدهر شطريه ، وبلغت من العمر أرذله !
وبعد فإني أهيب بالقارئ ليمتطي الطائرات معي ، وليجوب البلدان التي جبتها ، ويزور المتاحف التي بهرتني .
وقد دوّنت رحلتي ، ثم دفعتها إلى المطبعة فجاءت على الصورة التي يجدها القارئ بين يديه . فإن حازت إعجابه ، فهذا يزيد سروري ويضاعف جهدي ، ويحفزني على مواصلة إخراج بقيّة رحلاتي ليتمتّع بمحتوياتها القرّاء . والسلام .
داهش
بيروت ، الساعة 8 من ليل 5/3/1979
لبنان زلزلته المآسي ودمّرته الدواهي !
مقدّمة كتاب
“الرحلات الداهشيّة حول الكرة الأرضيّة”
الرحلة الثالثة (1971)
لمؤلّفه الدكتور داهش
بقلم الدكتور داهش
هذا هو الجزء الثالث من “رحلاتي حول العالم ” . وقد غادرت أمريكا عائداً إلى لبنان لكي أطبع رحلاتي في بيروت ، وإلاّ لما غادرت بلاد الحريّة المطلقة .
لقد نعمت عامين ونصف العام في نيويورك ، وكاليفورنيا ، ولوس آنجلوس ، وبيفرلي هلز ، وفنكس ، ولاس فيغاس ، وفرجينيا ، وواشنطن ، وجبال الروكي ، وفلوريدا ، وغيرها وغيرها من الولايات الأمريكيّة ، وجميعها تتمتّع بحريّة شاملة .
عدت إلى بيروت لأطبع كتبي ، وإذا بي أجد أنّ الحالة الأمنيّة فيها مؤسفة ، وحوادث الخطف تمتلئ بأخبارها الجرائد اليوميّة ، والانفجارات قائمة على قدم وساق ، والاشتباكات متواصلة ، والخلاف متفاقم ، والنقمة عامّة ، والسكينة مفقودة ، والخصام عارم ، وعدم الاستقرار متمركز ، ومثبّت نفسه بعنفوان !…
وإذا الغلاء متصاعد ، والماء شحيح ، والكهرباء انقطاعها متواصل ، والتلفون أعجز من أن يمكّن المرء من الاتصال بالذين يودّ محادثتهم !
وكذلك التهجير مستمرّ ، فكم وكم من المنازل والمدارس قد استولى عليها الهاربون من هول المدفعيّة وتفجير القنابل وصواعق الصواريخ المدمّرة ! إنا فوضى هائلة ، وبؤس شديد ، واضطراب شامل ، ورعب ماحق ، وبلايا متواصلة ! فالأيتام في كلّ منزل ، والقتلى في كلّ عائلة . والقلق هائل ، والوجل صائل وجائل !
وفي الساعة الثانية عشرة من منتصف ليل 30/4/1979، وكنت نائماً بفراشي ، استيقظت على انفجار هائل أرعب دويّه المسامع ، عقبه تحطيم غرفة نومي ، إذ اقتلعت النافذة فيها ، وتفجّر سقفها ، فتساقطت الحجارة منه لتملأ أرض الغرفة .
كما هوت قطعة كبيرة من الخشب فوق تختي ، لكنّ عين العناية أنقذتني إذ استقرّ لوح الخشب على حديد سجف النافذة فلم يسقط عليّ ، وإلاّ لكان أوردني موارد التهلكة ، إذ إنّ ثقله كان كافياً للقضاء عليّ ، وخصوصاً أنه يهبط من علوّ يبلغ خمسة أمتار . وقد تذكّرت البيت الشعري القائل :
وإذا العناية راقبتك بعينها نم ، فالمخاوف كلّهنّ أمان
وهكذا نجوت من موت محقّق أو من عاهة مستديمة .
وكذلك اقتلعت النوافذ في الصالون وغرفة مكتبي ومدخل المنزل ، وزعزعت قوّة الانفجار الهائل قرميد السقف وأطارت بعضه ، فأسرع الاخوة بإحضار مئات من قطع القرميد من زحلة ، وتولّوا إصلاحه وإصلاح ما تردّم من هول الخمسين كيلو غراماً من الديناميت الشديد المفعول .
حقّا إنّ الداخل إلى لبنان مفقود ، ومغادره هو المولود . فالمرء يخرج من منزله وهو لا يعرف إذا كان سيعود إليه حيّاً ، أم يكتب له أن يقضي نحبه برصاصة قنص أو رصاصة طائشة ، أو متفجّرة ترسله إلى العالم الآخر .
إنّها حياة قلقة تدع المرء حيالها شريداً بأفكاره ، حائراً بمصيره . وها قد مضت أربعة أعوام ، وبدأ العام الخامس ، وما تزال حرب لبنان دائرة رحاها ، متفجّرة صواريخها ، محمحمة مدفعيّتها ، وطعمتها الشبّان والشيوخ والنساء والأطفال .
إنّه غضب الله قد انصبّ على البلاد والعباد ، فهل اتّعظوا ؟!
وبعد ، إنّ ما يصيب الإنسان هو من صنع يديه ونتيجة لأعماله . فلو لم نستحقّ ما أصبنا به لما أوقعه الله فينا .
وقديماً نصح الأب نوح قومه أن يرتدّوا عن معاصيهم ، فتهكّموا عليه ، فأهلكهم الله وأباد وجودهم .
وكذلك أبناء سادوم وعامورة ارتكبوا الشرور ، وتمنطقوا بالمعاصي فأمطرهم الله ناراً وكبريتاً جزاءاً على شرورهم العظيمة وآثامهم المروّعة .
إن البشر اسمهم مشتقّ من الشرّ . فالويلات تنصبّ عليهم انصباب الحمم بالنسبة لأفكارهم ولأعمالهم ولارتكاباتهم الإجراميّة . فإذا أردنا أن تزول عن كاهلنا هذه الدواهي المرعبة ، فما علينا إلاّ التزوّد بالفضيلة ، ورفعنا أكفّ الدعاء لباري الوجود لكي ينهي أيّام محنتنا المزلزلة . فمن سار مع الله أقاله الله من عثرته وأنقذه من كوارث الزمان ، وأوصله إلى شاطئ الأمان .
والآن ، لننس ما قاسيناه في هذه الأعوام الطافحة بالمخاوف والأهوال الجسام ولنلج الطائرات والقطارات والسيّارات التي أقلّتني ، ودعونا نجوب المدن التي حللت بها ، والأماكن التي شاهدتها ، ففي ولوجنا إياها متعة لنا تنسينا أعوام الحرب وويلاتها ، ومخاوف الصواريخ وتفجّراتها .
بيروت ، الساعة الواحدة والنصف بعد ظهر 7/5/1979
داهش
طواه الموت فليته طواني
مقدّمة كتاب “نهر الدموع”
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من الصفحة 8 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
في عام 1942 زارني الدكتور خبصا طبيب الأمراض الجلديّة المشهور في منزلي ببيروت ، وتكرّرت زياراته لي وزياراتي له ، وتوطّدت صداقتنا ؛ ثمّ اعتنق الداهشيّة .
ومضت الأيّام تباعاً ، وتلاحقت الأسابيع ، وانطوت الأعوام يلاحق بعضها بعضاً ، وتوثّقت أواصر الإخاء بيننا ، فأصبحنا روحاً واحدة تحتلّ جسدين .
وفي خلال الأعوام الطويلة تأكّد لي أنّ الدكتور خبصا نبيل كلّ النبالة ، شهم الشهامة بأكملها ، عزوف ، أنوف وذو شمم ، يندفع لمساعدة الفقراء والمعوزين ، ولا يتقاضاهم أجراً عندما يقصدون عيادته لتطبيبهم ؛ لا ، بل ينقدهم بعض المال ويقدّم لهم الدواء مجّاناً !
والحقّ يقال أنّ الدكتور خبصا حاتميّ بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معان سامية . فالمال لديه وسيلة وليس غاية إطلاقاً .
وقد بذل الدكتور خبصا أوقاتاً ثمينة في ترجمة كتبي الأدبيّة بالاشتراك مع الأخت الغالية ماري حدّاد الداهشيّة . كما ترجم لي ، بمفرده ، كتابي “الإلهات الستّ” و”ضجعة الموت” إلى اللغة الافرنسيّة .
وفي 2 آب عام 1969 سافرت برفقته ، وقمنا بجولة حول العالم ، واستمرّت رحلتنا شهرين و19 يوماً . وفي خلال هذه الرحلة أصيب الدكتور خبصا بتسمّم في الدم . وبعد عودتنا إلى بيروت في 19 تشرين الأوّل 1969 . أدخل إلى مستشفى أوتل دييه بتاريخ 23 تشرين الأوّل 1969 ، فمكث فيه 16 يوماً ، وتوفّي في الساعة الخامسة والثلث من فجر اليوم السابع عشر لدخوله المستشفى ، الموافق الثامن من تشرين الثاني 1969 .
توفي فتوفّيت آمالي ، وأصبت بحزن عميق سحيق ، وتلاشت البسمة عن شفتيّ ، وأصبحت أشاهد عالمنا أضيق عليّ من سمّ الخيّاط .
لقد فقدت أخاً مخلصاً وفاؤه نادر ، وصدقه لا شكّ فيه ، وشهامته لا تعلوها شهامة .
لقد غيّبته المنيّة بجدث قاس لا يرحم . فيا لتفاهة هذه الحياة الشقيّة !
وبعد موته عرفت من عائلات ثلاث أنّه كان قد خصّص كلّ عائلة بمبلغ من المال ينقدهم إيّاه كلّ شهر لفقرهم . وأقسم على أنّني لم أكن أعرف هذا قبل وفاته ، إذ لم يتفوّه أمامي بكلمة عنه ، مطبّقاً المثل القائل :” لا تدع يسراك تعرف بما تفعله يمناك “.
وقد بكاه الكثيرون ، وتأسّفت عليه عائلات عديدة ، لأنه كان يعطف ، كما ذكرت ، على المعوزين ، ويساعد ، جهد استطاعته ، المحتاجين . وقد خصّص يوماً من كلّ أسبوع لتطبيب الفقراء مجّاناً .
إنّ المدّة التي أمضيتها برفقة أخي النبيل هي ثمانية وعشرون عاماً ، كان فيها المؤمن والمجاهد والمحارب في سبيل عقيدته دون كلل أو فتور .
وقد كافح ونافح حتى آخر لحظة من حياته في هذا السبيل .
واليوم ، لقد انطوت تسعة أعوام وثلاثة شهور منذ انطلقت روحه للملإ الأعلى ، مخلّفة إيّاي في عالم شقاؤه أبديّ وعذابه سرمديّ .
وكم أتوق أن تنطلق روحي لعالمه الذي أصبح يرتع في ربوعه ؛ فأنا مؤمن وواثق بأنّ حياة المرء لا تنتهي بالموت ، بل تبتدئ بالدقيقة التي تفارق فيها روحه جسده .
فإذا كانت أعماله صالحة وكان سلوكه في عالم المادّة خيّراً ، انطلقت روحه إلى عالم مادّي آخر يسعد فيه بمقدار الصلاح الذي كان يسيّره ويوجّهه في عالم دنياه . وهكذا يتدرّج من عالم إلى عالم إلى عالم … حتى يندمج بالقوّة الموجدة فتكتمل سعادته المبتغاة .
وإن كانت أعماله في عالمه الأرضيّ شرّيرة فذهابه يكون إلى عالم عذابه شديد وعقابه مبيد .
وهذا الأمر ذكرته الأديان المنزلة قاطبة ، ولم آت فيه بجديد .
وها إنّي أنتظر الساعة التي يدعوني فيها ملاك الموت ليصحبني إلى العالم الذي سألتقي فيه بأخي الحبيب الدكتور جورج خبصا ، فتتمّ سعادتي بلقائه .
الدكتور داهش
بيروت ، الساعة 11 من ليل 17/1/1979
رسالة لحمتها الحزن وسداها الشجن
توطئة كتاب “نهر الدموع” للدكتور داهش
بقلم الدكتور فريد أبو سليمان
هذه الرسالة الحزينة تفيض بالألم النفسي المشبع بالأتراح والشّجن المؤسي ، وطلب الانعتاق لهول الرزايا الفادحة . فأنت تلمس في كلّ سطر من سطورها ، لا ، بل في كلّ كلمة من كلماتها ، ألماً مدمّى ، وشكوى صارخة ، وحزناً عميقاً ، وثورة عارمة ، ويأساً بالغاً ، وعنفاً جامحاً ، وهولاً منقضاً ، وزلزالاً متفجّراً ، ثم استسلاماً شاملاً للإرادة السماويّة .
وما كلماتها الحزينة سوى سياط من نار متأجّجة تسوط روح المجرم الباغية الذي اعتدى على داهش البريء دون أن يردعه ضمير ، إذ باع ضميره بسوق النخاسة ، فضلاً عن تسخيره لوجدانه ، ثم بيع روحه النجسة لمولاه الشيطان الرجيم وزميله إبليس الزنيم . فمن شبّ على شيء شاب عليه .
وبهذه المناسبة تذكّرت الكلمة العظيمة الخالدة التي سطّرها يراع داهش ، وهي مطبوعة في كتابه “بروق ورعود” (الصفحة 12) ، فأضعها أمام أنظار القرّاء ، إذ إنّها تنطبق على المجرم الباغية ، وكأنّ داهش كان يعنيه عندما كتبها :
العدالة الموؤدة
يا أعواد المشانق ، كم لك من ضحايا بريئة شريفة !
وكم من أثمة لم يتأرجحوا بحبالك القويّة ،
ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدليّة !
إنّ دموع الآباء والأبناء تشقّ الفضاء ،
وصرخاتهم العميقة تخترق السحاب فالسماء !…
لا كنت يا أحكام … وتبّاً لك أيتها القوانين السخيفة !
وهي ذي الرسالة الفذّة :
إلى أخي الحبيب خبصا
أخي الدكتور الحبيب ،
لولاك لما استطبت حياتي ،
ولولا وجودك لما رضيت بوجودي ،
ولولا أملي بأنه سيأتي يوم ألتقي فيه بك ،
لفضّلت الانتحار على هذه الحياة الشقيّة
بعد أن تخلّت عني السماء مثلما يظهر !
إنّني أنام ، يا أخي ، والحزن يملأ شعب روحي ،
وأستيقظ بينما الأسى يكون مخيّماً على كياني !
فيا لها من حياة بائسة شقيّة !
ويا لها من آمال مصوّحة !
ترى ، هل هنالك غاية روحيّة تريد الخير من هذا الشرّ ؟
لتكن إرادة الله ، يا أخي .
فما حيلتي ، بعد أن أصبحت أرسف بقيود الحديد ،
وأنام في غرفة يطوّقها الحديد ،
وأستنشق روائح كريهة يفضّل عليها الصديد !
أقبّلك من وراء جدران الظلم الرهيبة قبلات الحبّ الصادق ،
وأبعث إليك بخلاصة ما تجود به روحي الغارقة بآلامها
ممّا تبقى في هذه الروح المكبّلة
من رمق أخير يكاد أن يعود إلى موجده ،
فتنتهي بانتهائه ساعات آلامه ، وتمضي أيّام أحزانه .
فإلى اللقاء ،
يا أعزّ من تحمله هذه الأرض الشقيّة إلى فؤادي المعنّى .
المدلّه المشتاق
داهش
بيروت ،في 9 أيلول 1944
الدكتور فريد أبو سليمان
الحقّ أحقّ أن يتبع
مقدّمة كتاب” قصص غريبة وأساطير عجيبة” الجزء الأول
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذة من الصفحة 5 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
بتاريخ 10/3/1976 ، وفي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر ، وصلت إلى نيويورك بالطائرة الجامبو . ومكثت في أمريكا عامين ونصف العام .
وبأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص والأساطير وعددها 85 قصّة وأسطورة سيضمّها مجلّدان .
وهي المرّة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتّى الصّور العجيبة الغريبة .
والقصّة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتّى الغرائب التي هي مزيج من الخير والشرّ . وفي النهاية يخرج بعظة ونتيجة تحضّ على الخير وتشجب الجريمة .
والقارئ لقصصي وأساطيري سيذهل لحكمي الصارم على كلّ ما تزخر به الحياة من شؤون وشجون .
وسيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة والرجل أيضاً . ولكنّ الحقيقة أحقّ أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء الرياء . فالحقيقة تمزّق هذا الغطاء المزيّف فيظهر المجرم الآثم وهو متلبّس عاره ، متسربل بشناره .
إنّ على الكتّاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها . فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة ، بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا !
عليهم أن ينقضّوا انقضاض النسور على فرائسها ، وقول الحق الصريح الواضح دون محاباة أو مواربة .
لهذا يرى القارئ أنّ حكمي على أبناء الكرة الأرضيّة من رجال ونساء هو حكم صارم ، ولكنّه حقيقي .
فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاً غاشماً ، إطلاقاً . ولكنّي أصف واقعنا الحياتيّ الحافل بالمعاصي ، والمطوّق الجميع حتى النواصي .
فالغشّ هو السائد ، والباطل سوقه رائجة ، والاعتداء لا ينكره منكر ، والفساد في عواصم الكرة الأرضيّة بأسرها ، والفسق والفجور مسيطران على الجنس البشريّ بأسره ، والأطماع حدّث عنها ولا حرج ، وكسب المال ، ولو بطريق الحرام ، غاية وليس وسيلة ، والرذيلة صرعت الفضيلة ، والشرّ بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضيّة ، نافثاً فيها سمومه الرهيبة . وقد استجاب له أبناء الغبراء بقضّهم وقضيضهم .
هذه هي الحقيقة ، والحقيقة لا يستطيع إنكارها إلاّ كلّ جاحد كاذب .
لهذا يرى القرّاء أنّ قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأةً من الأوشاب والأوزار الواقعيّة . وأنا لا يهمّني آراء الغير أطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي ، فما كتبته عن السلوك البشريّ أؤمن به إيماني بوجود خالقي ، إذ إنّه حقيقة واقعة ، بل حقيقة مخيفة صادعة ، لا يأتيها الباطل من الامام أو الوراء .
رجل واحد فقط تفوّق بصلاحه وصدقه وصفاء روحه وإخلاصه للحقيقة ، وبذله نفسه عن الآخرين ، وتمسّكه بالفضيلة المثلى ، إنّه :
غاندي نبيّ القرن العشرين
وبانطلاق غاندي إلى عالم الروح النقيّ التقيّ ، أقفل الباب إذ لم يأت إلى عالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً .
وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948 ، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها ودناستها المشينة . ويوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم وسياسيّيه ، وغمر الحزن النفوس ، وساد الذعر الأفئدة ، وراحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضيّة .
وها إنّي أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة “الدفاع” الفلسطينيّة ، بتاريخ أول شباط 1948 ، إذ قالت تحت هذا العنوان :
غاندي نور وروح !
” من الغرب والشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي . وما سبق ، في هذا العصر ، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل ، شيوعه على معلّم الهند ومحرّرها ووالدها . وهذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلّها المصلح العظيم في نفوس الشعوب والأفراد . وهو برهان ، كذلك ، على أنّ الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانيّة الشاملة .
لقد كان غاندي أرقّ وألطف من أن يواجه بالقتل . كان نورا له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام . وفي عالمنا جوانب مظلمة كبيرة ، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يهدي الحائرين ، أقوياء وضعفاء ، إلى طريق الخلاص .
وفي دنيا تفتقر إلى التضحية والمحبّة ، كان غاندي يلقي الدروس الرائعة فيهما . وحسبه أنّ أحداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه . وإلى أن يستطيع الناس ذلك ، سيبقون في حاجة ماسّة إلى الاستقرار وسكينة النفس .
وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي . وهو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالنغم ، عذباً كالفرات ، مهيباً كالقداسة “.
وبإنطلاقه من ربوع دنيانا قضي على الفضيلة ، إذ لم أر في عالمنا من يتشبّث بناصيتها . فالجميع عبيد لشهواتهم البهيميّة ، كما هم عبيد لمصالحهم وإن يكن على آلام سواهم ممّن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوّثة بطاعون الاغتصاب الدنيء .
وأخيراً ، إنّني أعلن بصوتي الجهوري قائلاً :
إنّ عالمنا مصاب بطاعون الشرور المحيقة ، وقاطنوه أشرار فجّار .
فيا ويلهم ، يوم حسابهم ، وهم يتقلّبون بين أشدق النار الأبديّة الاتّقاد ، جزاء وفاقاً .
الدكتور داهش
بيروت ، في 4 كانون الثاني 1979
مقدّمة كتاب "قصص غريبة وأساطير عجيبة" الجزء الثاني
لمؤلّفه الدكتور داهش
مأخوذ من الصفحة 7 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته “35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمّمة للجزء الأوّل .
فالقصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص إيماني بوجودي، أي إنّ الإنسان يتكرّر مجيئه إلى الأرض ليتطهّر من أوشابه ويتخلّص من أوزاره .
والتوراة تذكر في “سفر الخروج” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر إذا سقط على رجل فأماته . ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثم ّ يذرّون رماده في الفضاء ؛ كما كانوا يحكمون على البهيمة إذا ضاجعها رجل بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .
فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنهما مسؤولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسؤوليته عندما يقدم على عمل غير شرعي فيحاكم ويحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الإجرامي .
والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن إيليّا النبيّ قائلين له إنّ النبوءات تؤكّد أنّ إيليّا سيعود إلى الأرض , ثانية ، فمتى تكون عودته ؟ فأجابهم إنّ إيليّا النبيّ قد عاد إلى الأرض ، وهو يُعرفُ ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس لها لأنّها كانت قرينة أخيه .
ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي ” (متى 11-14).
وسأله تلاميذه أيضاً عندما شفى الضرير فقالوا له :” يا سيّد ، من أخطً أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه ، ولكنّ لتظهر أعمال الله فيه ” (يوحنّا 9: 1-3).
واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الإنجيل :” وقال آخرون إنّه (أي المسيح) إيليّا وآخرون انه نبيّ . فلما سمع هيرودس قال : إن يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” (مرقس 6: 15-16).
ثم أليس من الظّلم العظيم أن يولد طفل ضريراً أو كسيحاً أو مصاباً بأيّة عاهة … فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة إذا كان لم يرتكب وزراً ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا؟!
ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنه ارتكب شروراً جسيمة جعلته يولد ضريراً أو كسيحاً كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .
إذا ، على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مراراً وتكراراً حتى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك إلى عالم بعيد سعيد ، مخلّفاً وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها .
والدّين الإسلامي يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28:] كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون [.
ويقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 ] يا أيّها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك ، في أيّ صورة ما شاء ركّبك [.
وفي سورة غافر ، آية 11 :] قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا . فهل إلى خروج من سبيل ؟[.
وفي سورة الواقعة ، آية : ] نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون [.
وفي سورة المائدة ، آية 6 : ] قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكاناّ وأضلّ عن سواء السبيل [.
والديانة البوذيّة أمر التقمّص تأكيداً تامّاً . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنه تقمّص مراراً وتكراراً ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنباً وقدّم نفسه طعاماً للأسد .
والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص , لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفاً من الإضرار بها ، لأنهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي إلاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشراً ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيوراً وما شاكل ، كلّ منها تحوّل إلى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .
ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر (CLEVE BACSTER) ، وهو أكبر اختصاصي أمريكي بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النباب يفكّر ويشعر كالإنسان تماماً ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .
ويقول هذا العالم (باكستر) إنّ الزهرة تعرف إذا كان الشخص سيقتطفها ، وإذ ذاك يغمرها الخوف . وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ؛ فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر إحساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …
وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيراً عميقاً في تفكير البشر ونظرتهم إلى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .
وممّا يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فإذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتاً ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار ، ويتتالى هذا الأمر في كلّ عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …
أليس هذا تقمّصاً ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، إلى عالم الوجود ؟
فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانية وثالثة ورابعة ، الخ … لكي تتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم التتالية .
والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودته إلى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .
وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد “الديار” الأسبوعي (ص 44) مقالاً طويلاً عن الأشجار والنباتات أجتزئ منه هذا المقطع :
” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجساداً لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .
وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغة خاصّة فيما بينها ، ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بإرواء الزهور والأشجار لأنها (روح) ، ونؤدّب من يقتطع جزءاً منها ، لأنّ ذلك في نظرنا (جريمة).
ولا تحسبنّ هذه العادة وقفاً على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتى يقال إنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وإنّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة , وأنّ ما يرمز إليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه ” هذا لحمي” ، أنه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرة الميلاد ورأس السنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشجرة التي قيل عنها بسبب ذلك إنها “الشجرة المباركة”.
والبوذيّون يعتقدون أنّ بوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبية الحياة .
والديانة الطاوية تقول لأهلها :” خذوا الحكمة من الشجرة ، الخ ، الخ “….
ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :
إنّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الإنسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .
وعندما يتوفّاه الله يذهب إلى النعيم إذا كانت أعماله صالحة ، أو إلى الجحيم إذا كانت أعماله شرّيرة .
ويعمّر الإنسان 70 أو80 أو 90 عاماً . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضّيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاماً هي سنوات الطفولة غير المسؤولة ، إذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .
ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّا إذ إنّ دنياني حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضّم الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستبعده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ … جميع ما ذكرت تقوده إلى مهاوي الهلاك المؤكّد .
إذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم إلى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر إلى دهر ، ومن أزل إلى أبد . وهذا أمر غير جائز إطلاقاً ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميمة . لهذا أعطانا فرصة إصلاح أنفسنا والإرتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا إيّاها 6000 مرّة نعود فيها إلى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والإرتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .
ففي خلال هذه التقمّصات 6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وإيابه . فإذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، إذاً يستحقّ ، إذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلاً وحقّاً .
هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ؛ فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيباً أم مخطئاً . وإني أعلن على رؤوس الأشهاد إيماني بالتقمّص كإيماني بحقيقة وجودي ، والسلام .
الدكتور داهش
بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979
العدالة الإلهيّة
من خلال “قصص غريبة وأساطير عجيبة”
بقلم طوني شعشع
يخطئ من يتصوّر أنّ بين الفلسفة والأدب ، ولا سيّما الميثولوجيا ، حدوداً قاطعة . فقد يبلغ من تداخلهما عند بعض المفكّرين أن يحار الباحث في هويّة المفكّر : أفيلسوف هو أم شاعر ؟ ولعلّ أفضل مثال ، بهذا الصدد ، هو نيتشه . ومن يدري ؟ فلربّما كان نموّ الفلسفة في تربة الأسطورة ، حتّى ليسوغ القول إنّ الفلسفة هي الأسطورة متجرّدة من كسوتها المنمّقة . ومن يرجع إلى بداءة التفكير الفلسفيّ – وفق ما اصطلح على اعتباره بداءة – لا يعدم أدلّة على تداخلهما عند الفلاسفة الإغريق ، قبل سقراط ، وعلى نحو فريد ، عند تلميذه العظيم أفلاطون . فإذا علمنا أنّ الكثير ممّا خلّفه لنا اولئك الفلاسفة ، من مقطّعات ، هو أصلاً قصائد ، وأنّ أفلاطون زاول الشعر قبل الفلسفة ، ثمّ استخدمه في عرضها ، لم نجد حرجاً في الاعتقاد بأنّ بين الفلسفة والأدب وشائج لا يجوز الاستهانة بها …
ولكن إذا حصل ، في ما بعد ، تمايز بين الثقافتين : الفلسفيّة والأدبيّة وخصائصهما وشروطهما ، فلا يحول ذلك دون ترافدهما . فقد يطرق الأديب موضوعات تتّصل بالفلسفة ، وقد يعمد الفيلسوف ، أو صاحب العقيدة الفلسفيّة ، إلى استخدام القصّة أو المثل أو الأسطورة من أجل أن يبثّ آراءه ويجلو مراميه .
في هذا الضوء علينا أن نقبل على رائعة الدكتور داهش “قصص غريبة وأساطير عجيبة” (في جزءيها)(12) . فما همّه السلوة أو المتعة الجماليّة ، بل عرض عقيدته الروحيّة من خلال القصّة والأسطورة . على أنّ ذلك لا ينفي ما في رائعتة من بديع الوصف وغريب الخيال وجميل البيان ، ممّا يستحقّ دراسة مستقلّة مستفيضة . ولكنّ ذلك كلّه ليس غاية في ذاته ، بل روافد وأدوات من أجل غاية أبعد هي : العقيدة الداهشيّة .
والحقيقة أنّ للدكتور داهش ، من خلال “قصصه وأساطيره”. غايتين : فكريّة نظريّة (عرض آرائه في الوجود والناس والأشياء …)، وخلقيّة عمليّة (البحث على ممارسة الفضائل واجتناب الرذائل) . غير أنّهما ليستا منفصلتين ، بل متلازمتان جوهريّاً : البعد الخلقيّ أحد أبعاد النظرة الداهشيّة إلى الوجود ، زد أنّ النظرة الداهشيّة – وبخاصّة في بعدها الميتافيزيقيّ – تحمل معتنقها ، من غير اللجوء إلى الوعظ المباشر ، على مزاولة الفضائل … وما تمييزنا بين الغايتين إلاّ في سبيل المزيد من الشرح والجلاء .
ويتهيّأ لنا أنّ هذه “القصص والأساطير” يمكن أن تندرج في سياق ما ندعوه ” الأسلوب النبويّ” في مخاطبة الناس . السيّد المسيح بشّر بملكوت السماء متوسّلاً الأمثال ، والقرآن الكريم حافل بالقصص والأمثال ، والإشارات إليها … وللأسلوب النبويّ جملة فوائد ، منها أنّ النبيّ – في رأي ابن رشد – لا يتوجّه بكلامه إلى النخبة المثقّفة من الناس فقط ، بل إليهم كافّة . فما هم جميعاً في مستوى واحد من حيث الفهم والتصوّر والتصديق .
الأمثال والقصص – والمجاز عموماً – أجدى في تبليغ الحقائق الروحيّة إلى الناس جميعاً ، على تفاوت مستواهم : العامّة يكتفون بالظاهر ، بينما ينفذ الخاصّة إلى الباطن ، وكلّهم يقين بأنّ لهذه القصص والتشابيه مرامي أبعد من ظاهرها القريب . وسواء أحصل التصديق بالظاهر أم بالباطن ، فالغرض واحد وهو ممارسة الفضائل من أجل الخلاص .
وعندنا أنّ ” الأسلوب النبويّ” أصلح في التعبير عن الحقائق الروحيّة ، ما دام العقل البشريّ – ومن ثمّ اللغة الفلسفيّة المجرّدة – أعجز عن القطع في المسائل الروحيّة . ومن فضائله أنّه يفيد الدنوّ من الحقيقة ، لا القبض عليها ؛ ومنها أنّ الرمز أداة إيحاء تنطوي على دلالات جمّة ، في حين أنّ المفهوم المجرّد غالباً ما يشتمل على دلالة واحدة محدّدة ، قد يخطئ التأويل ، لكنّ الرمز هو أبداً في غنىً وتجدّد ، وربّما اكتسب مع الزمن أبعاداً ما كان ليفطن إليها أوّلاً …
وعلى الجملة ، فإنّ “قصص الدكتور داهش الغريبة وأساطيره العجيبة” هي ، بالنسبة إلى العقيدة الداهشيّة ، أشبه بأمثال السيّد المسيح بالنسبة إلى العقيدة المسيحيّة . فما هي ، إذن ، التعاليم الداهشيّة من خلال هذه “القصص والأساطير “؟
***
لا يصعب على الباحث أن يكتشف أنّ الفكرة الغالبة على الكتاب هي العدالة الإلهيّة : كلّ ما يأتيه الإنسان ، من خير أو شرّ ، له ثوابه أو عقابه . والعدالة قد تكون قريبة ، في حياة واحدة ؛ وقد تكون بعيدة ، في حياة ثانية ، سواء على الأرض أو في عالم آخر . والمؤلّف يجهر ، في مقدّمة الجزء الثاني من الكتاب ، قائلاً :” أنا أؤمن بالتقمّص إيماني بوجودي”. والتقمّص ، في شرعه ، قانون أملته الرحمة الإلهيّة ، علّ الإنسان “يتطهّر من أوشابه ويتخلّص من أوزاره ” ، إذ إنّ الحياة البشريّة الواعية المسؤولة أقصر من أن تتيح له ، حيال مغريات الأرض وتجاربها الجمّة ، الانتصار على نفسه والعودة إلى مصدره (مقدّمة الجزء الثاني ،ص 7). وإذا لم يقيّض لبعضهم الانتصار على تجربة ، ومات ، فلا يظنّ أنّه نجا منها . عليه أن يجبهها ، في أدوار حياة لاحقة حتّى ينتصر عليها ويرتقي (ج 2 ، ص 38-39).
وتقضي العدالة الإلهيّة ، أحياناً ، أن يجيء الجزاء من نوع العمل ، إمّا على يد من حلّ به البلاء في دور سابق ، كالمرأة التي ألقت لولديها طعاماً للذئاب الجائعة ، فافترسها في حياة ثانية ذئبان هما ولداها نفسهما (ج 1 ، ص 106)؛ وإمّا مباشرة من العدالة الإلهيّة ، كالطفل الذي ولد أعمى لأنّه سمل عيني صديقه في دور سابق (ج 2 ، ص 211) …. ولا بدّ أن يعجب القارئ من تغيّر العلاقات بين الأفراد ، من دور إلى دور ، وتنوّعها : فقد تستحيل الصديقة إلى شقيقة ، والشقيقة إلى عشيقة ، والابن إلى ذئب ، والهرّة عند سيّدة بيت إلى سيّدة ثريّة ، ابنتها سيّدة البيت سابقاً ، والكلب إلى أمير ، واللحّام إلى كلب … وقد تبقى العلاقة هي هي ، وإنّما تنتقل إلى نوع آخر من الكائنات ، كالزنجيّة وأولادها الذين أصبحوا ، في دورة لاحقة ، هرّة وأجراءها … علاقات متنوّعة متحوّلة معقّدة يتعذّر عليك التكهّن بما ستؤول إليه ، حتما ، لأنّها تضرب جذورها في تقمّصات متعدّدة سابقة ، لا قبل للطاقة البشريّة باستيعابها …
وتقضي العدالة الإلهيّة ، أحياناً أخرى ، بانتقال بعض الصفات الجسميّة والأمراض من دور إلى دور ، كالزنجيّة التي تقمّصت هرّة سوداء ( ج 2 ، ص 117) ؛ والسيّدة التي كانت هرّة كسرت رجلها وبقر بطنها ، في حياة سابقة ، وإذا بها في التقمّص اللاحق ، تشكو ألماً في رجلها … وألماً متواصلاً في بطنها “(ج 1 ، ص 87).
والعدالة تقضي ، أيضاً ، بانتقال العواطف والميول من دور إلى دور . فمن الحبّ ، مثلا، ما يولد من نظرة أولى ، وسرّه أنّ الحبيبين كانا ينتميان ، في الأصل ، إلى روح واحدة تجزّأت عبر الزمان . يقول حرمخيس الكاهن في معبد أوزريس ، لأمونارتس ، الفاتنة التي تدلّه بها فجأة : ” أنت – ولا شكّ – جزء من روحي المنفصلة عنّي من قديم الزمان ” (ج1 ، ص 220) . ويؤكّد المؤلّف ، في الموضع نفسه ، قائلاً :” فقد كانا معاً منذ آلاف الأعوام ، وهذه الحقيقة يثبتها الشعور العنيف المشترك “. وربّما جال في ذهن القارئ أنّ لجبران مثل هذا الاعتقاد في قصّته “رماد الأجيال والنار الخالدة ” (عرائس المروج). ولكنّ مقارنة سريعة بين القصّتين تظهر أنّ جبران يقتصر على هذه الفكرة ، بينما تندرج ، عند الدكتور داهش ، في سياق نظرته إلى العدالة الإلهيّة : الكاهن حرمخيس نذر نفسه للإله أوزريس ، ولكنّه حنث بقسمه ، فقضت العدالة الإلهيّة بأن يلتقي حبيبته ، في حياة لاحقة ، وبينهما من العمر فارق كبير ، زد أنّ على امونارتس ، حبيبته ، التضحية بسعادة زواجهما ، بأن تغادر حرمخيس حتّى يقيّض لها الإلتقاء به في تقمّصات آتية …ترى ، أين نجد كلّ هذه التفاصيل والأسرار في قصّة جبران ؟
ولكنّ حبّ حرمخيس وأمونارتس نادر الوقوع في التاريخ البشريّ ، بل قل يكاد يكون مستحيلاً . فما الحبّ على الأرض ، في رأي المؤلّف ، إلاّ ” الشهوة العارمة التي تتأجّج في قلب كلّ من الشابّ والشّابّة “، أمّا الحبّ الحقيقيّ السامي ” فموطنه هنالك هنالك بعيداً في السماوات العلويّة “(ج 2، ص 210) . وربّما اتّضحت لنا ، في هذا الضوء ، قصّة الشاعر الذي جاب الصحارى ناشداً الحبّ الخالد ، فلم يجد إليه سبيلاً إلا الانتحار علّه يحظى بحبيبته في عالم فوق هذا العالم (ج 1، ص 123).
إذا ، فقد يتقمّص الحبيبان في كوكب آخر ، غير الأرض ، إذاً عزّ عليهما اللقاء فيها (ج 2، ص52). ولا بدّ ههنا من إشارة إلى أنّ “التقمّص”، بعد الموت ، في كوكب آخر ، يفيد أنّ الحياة الثانية ليست ولكنّه ماديّ أيضاً . “أحلام” قبيل مولدها ، غاب “جسدها أمام دهشة الحضور وعجبهم الشديد ” (ج 1، ص 35) ؛ والشاعر ، بعيد انتحاره ، خلع الجسد الأرضيّ ” ليرتدي الجسد الروحي الخالد” (ج 1 ، ص 126). إذن ، فليس صحيحاً ما هو شائع من أنّ الإنسان ، بعد الموت ، يستحيل ، إذا تصفّت نفسه ، إلى كائن روحيّ لا تشوبه مادّة . الداهشيّة تؤكّد أن الحياة الثانية هي أيضاً ماديّة ، والإنسان يحتاج إلى أزمنة متطاولة جدّاً ، وتقمّصات جمّة وتجارب هائلة ليعطى له الاندماج بالعالم الروحي ، ومن ثمّ بالله ، جلّت ألوهيّته . وعليه ، فلا يجوز أن تؤول ، على أنّها مجاز ، الأوصاف القرآنية عن الجنّة ، والحياة الثانية .
ويلزم ، ممّا تقدّم ، أنّ الكواكب ليست قناديل معلّقة في الفضاء لتؤنس الإنسان . هذه الفكرة هي من بقايا الاعتقاد بمركزيّة الأرض ، الذي اندثر إلى غير رجعة . الكواكب ، في العقيدة الداهشيّة ، عوالم آهلة بكائنات ، منها ما هو أدنى من الأرض ، ومنها ما هو أرقى … لذلك لا نعجب إذا جال بنا الدكتور داهش في بعض الكواكب ، وحدّثنا عن أنظمتها وأشكال سكّانها وحضاراتها ، ممّا يصعب ههنا إيجازه . فليراجعها من شاء الاستيضاح في مواضعها من الكتاب ( ج 1 ، ص 212 ؛ ج 2 ، ص 107 وص 223).
على أنّ التقمّص ، في رأي الدكتور داهش ، قانون يتعدّى البشر إلى الكائنات جميعاً . أليست تحوّلات الأشجار ، في خلال الفصول الأربعة ، ضرباً من التقمّص ؟( ج 2، ص 10) . وإذا كان التقمّص لا يفهم إلاّ من خلال العدالة الإلهيّة ، فهذا يستتبع أنّ الجماد والنبات والحيوان تثاب وتعاقب ، وأنّها مدركة حرّة مسؤولة .
يجب ، والحالة هذه ، ألاّ تحمل قصص الأشياء والأشجار والأزهار والحيوان … على محمل المجاز أو التشخيص . المسألة أعمق ممّا يتصوّر ، إذ يؤكّد الدكتور داهش أنّ لما ندعوه ، خطأ ، كائنات ” غير عاقلة” ، ملكات إدراك تجاوز الطاقة البشريّة . فقد يسمع بعضها أحاديثنا ويعيها ويحفظها (“القنديل اليتيم ” ج 1 ، ص 78؛ والتقى النسر بالنمر ” ج 2، ص 43 ). وربّما أعطي لبعضها “شعور” فطريّ يعرف به نوايا البشر وخفاياهم ، كالأفاعي التي زوّدت بالسمّ لمجازاة المستحقّ من الناس (” حديث بين أفعوانتين” ج 1، ص 197)…
ويذهب الدكتور داهش إلى أبعد ، فلا يجد حرجاً في القول إنّ من الحيوان ما أعطي له معرفة تقمّصه السابق :” المرء عندما يتقمّص كحيوان أو طير أو سواه يعطى سيّال معرفة الماضي ، فيعرف أنّه كان بتقمّصه السابق رجلاً أو امرأة ، ولماذا تقمّص الآن بصورة الحيوانيّة “(ج 2، ص 39). أمّا البشر فقد أغلقت دونهم هذه المعرفة . وإذا بدا لنا ، في بعض القصص والأساطير ، إنّ من الناس من عرف تقمّصاته ، بالأحلام أو بسواها ، فمردّه ، في رأينا ، إلى ضرورة تعليل الحادثة من غير إساءة إلى المقتضيات الفنيّة للقصّة .
ولا يفوق بعض الحيوان الإنسان من حيث قوى الإدراك عنده ، فقط ، بل من حيث مستواه الخلقيّ أيضاً .” الهرّة البطلة” أنشبت أظافرها في المعتدي الأثيم وأوردته موارد التهلكة (ج 1، ص 112)؛ والكلب نكتار آثر ، بعد سياحته “البشريّة” في عالم الناس ، أن يرجع كلباً كما كان (ج 1 ، ص 132)….
وههنا بعض الجدّة في النظرة الداهشيّة إلى التقمّص . الشائع أنّ تقمّص الأنسان حيواناً دليل على انحطاطه الخلقيّ ، وعقوبة له . أمّا الداهشيّة ، فليس يلزم عندها ذلك ، ولعلّ بعض التقمّصات الحيوانيّة أو النباتيّة أرقى مستوى من تقمّصات إنسانيّة !
يتحصّل لنا ، ممّا تقدّم ، أنّ ترتيب الكائنا النوعيّ ، من وجهة روحيّة ، بات عرضة للطعن فيه ، وأنّ معيار التقدّم لم يعد وقفاً على الإنتماء إلى النوع . هذه النظرة الفلسفيّة الجديدة لا تقلّ ثورة عن آراء كوبرنيكس في النظام الكونيّ : لم تعد الأرض ، في التصوّر الكوبرنيكي ، مركز الكون ؛ بيد أنّ الإنسان لم يتنازل عن سلطانه ” ومركزيّته” على الأرض . أمّا في النظرة الداهشيّة ، فقد زلزل عرش الإنسان ، وبات مخلوقاً كسائر المخلوقات الأرضيّة .
وممّا تحصّل لنا ، أيضاً ، أنّ للماجريا على الأرض أسباباً قريبة ، وأسبابا بعيدة . الأسباب الحقيقيّة للأشياء ليست القريبة الظاهرة ، إنّما البعيدة الخفيّة . وما الأولى غير منفذ طبيعيّ للثانية . السبب الظاهر لضرب الأم ابنتها بقضيب فولاذيّ هو انفعالها من جرّأء مشادّة عنيفة بينهما ، أمّا السبب الحقيقيّ البعيد فيعود إلى دورة حياة سابقة ضربت فيها سيّدة القصر (أي الفتاة في التقمّص الجديد) هرّة جائعة ( الأمّ في التقمّص الجديد نفسه ) بهراوة أودت بحياتها (ج 1، ص 86) وقس على ذلك سائر القصص والأساطير الدائرة على محور التقمّص …
وإذا حدّدت الصدفة بأنّها التقاء سلسلتين من الأسباب الطبيعيّة ، ولا رابطة عليّة بينهما ، فهذه الحلقة السببية “المفقودة” موجدة حتماً في التقمّصات السابقة . على أنّ جهلنا بالأسباب البعيدة ، وأقتصارنا على القريبة منها ، هو ما يقودنا إلى الإعتقاد بالصدفة . فليس صدفة ، على سبيل المثال ، ما طرأ على الزحّافة من خلل ، وانقضاض الذئاب على بوشكين وكراسيا : العقاب اللازم عن جريمتهما ، في تقمّص سابق ، هو الرابطة السببيّة الخفيّة بين سلسلتي الأسباب الظاهرة (ج 1، ص 70).
ولكنّ الأسباب البعيدة لا تفعل إلاّ من خلال السببيّة الطبيعيّة ، وعليه فلا وجود “للخارق”. وما يروى من كرامات وخوارق – ما خلا معجزات الأنبياء الصحيحة – هو ، في رأي الداهشيّة ، أكاذيب وشعوذات لا طائل تحتها …. لذلك يسخر الدكتور داهش ، في بعض قصصه ، من رجال الدين “المتخرّصين والزاعمين أنّ صورة مريم العذراء دمعت عيناها ، وأنّ صورة السيّد المسيح تفجّرت من عينيه الدموع …(ج2 ، ص 43-44) ؛ ويهزأ أيضاً بمدّعي علم الغيب :” هذا لا يعلمه إلاّ الله والراسخون بعلم الغيب ، ، إذا وجد حقّاً علم اسمه علم الغيب … ولكن هيهات !” (ج 1، 131).
***
تلك هي جولة سريعة ، وسريعة جدّاً ، في مضامين “قصص غريبة وأساطير عجيبة ” للدكتور داهش ، أردناها مدخلاً صغيراً إلى دراسات أعمق وأشمل . الكتاب أغنى من أن تستنفده دراسة ، بل قل دراسات … فما برحت فيه موضوعات جمّة للبحث والتقصّي … على أنّنا نودّ ، قبل أن نمسح اليراعة ، أن ننبّه إلى أمر مهمّ ، مفاده أنّ القارئ قد يصطدم “بغرابة” التعاليم الداهشيّة ، ويرى أنّها بعيدة عن التصوّر المألوف ، ومن ثمّ فما هي إلاّ ضرب من الخيال .
والحقيقة أنّ الاحتجاج “بالغرابة” ، في نقد التعاليم ، قد ينقلب حجّة تؤيّد صحّتها . ذلك بأنّ “الغرابة” كانت ملازمة ، أوّل بدء ، لنشوء الحقائق العلميّة : ألم يكن “غريباً” ، وغريباً جدّاً ، القول إنّ الأرض تدور ، والشمس ثابتة ؟ ألم يكن ” غريباً” وغريباً جدّاً ، الاعتقاد بنسبيّة الزمن واعتباره بعداً رابعاً من أبعاد المكان ؟ ألم يكن “غريباً” ، وغريباً جدّاً ، القول إنّ المادّة مؤلّفة من ذرّات ، والذرّة أشبه بنظام شمسيّ موغل في الدقّة ؟….
هذه الحقائق العلميّة جبهت ، أوّل الأمر ، بالرفض ، والاستهجان ، لأنّها كانت “غريبة” تخالف المألوف الشائع . ولكنّها استحالت ، مع الزمن ، مألوفة لا يجادل في صوابها اثنان . وعليه ، فلا يبعد أن تصير التعاليم الداهشيّة إلى ما صارت إليه الحقائق العلميّة .
أجل ! لا بدّ للحقيقة أن تسطع . ومن يجبن دون التحديق إليها ليس أهلاّ للوقوف تحت وجه الشمس !
طوني شعشع
زحلة ، في 9/9/1979
لماذا كتبت كتاب "يدي المزلزلة
أو كيف سقطت سقطت الموت المدمّرة”
مأخوذة من الصفحة 7 من الكتاب
بقلم الدكتور داهش
بتاريخ 16 نيسان 1976 – وكنت إذ ذاك في أميركا – أحببت أن أشترك في مباراة ركض . وكان منافسي في السباق صبيّة بعمر الورود لا تجاوز الثمانية عشر عاماً ، في حين أني بلغت خريف عمري . وقد اتّفقت معها على أن أدفع لها مئة دولار إذا سبقتني ، أو تدفع لي المبلغ نفسه إذا فزت عليها .
وكنت معتدّاً بنفسي ، واثقاً بتفوّقي عليها في ميدان الركض . إذ كنت في المدرسة – وأنا في سنّ الطفولة – أفوز بالسباق على زملائي من التلامذة الذين هم بعمري .
وانطلقنا نعدو … واندفعت بكلّ ما لديّ من قوّة ، أريد الفوز والانتصار . وفجأة اصطدمت رجلي اليمنى بيسراي وأنا بعنفوان ركضي البالغ بسرعته الحدّ الأقصى .
وإذا بي أهوي بجبروت صارم على الأرض الصلدة ، وتصطدم ذقني بالأرض حتى خلتها تحطّمت تحطّما مروّعاً .
وأسرع الجميع وأنهضوني ، وإذاني لا أستطيع السير إطلاقاً . فقد تمزّقت عضلات فخذيّ ، وجرح وجهي ، وتدمّت شفتاي ، وشعرت بألم هائل في خنصر يدي اليسرى . فحُملتُ إلى السيّارة ، وأسرعوا بي إلى المستشفى وأنا بحالة مؤسفة للغاية .
وفي المستشفى أخذت لي ثماني صور كهربائيّة تبيّن منها أنّ إصبع يدي اليسرى قد انحرفت عظمته عن مكانها . وكان ألمي عظيماً ومتواصلاً ، وأنيني لم أستطع إيقافه .
وقال الطبيب :” من العجيب أنّ حوضك لم يتحطّم ، فسنّك تحتّم أن يتحطّم الحوض حتى في حال السقوط البسيط ، فكيف والسقطة بالغة الشدّة “. وأكمل قائلاً:” يظهر أنّ عظمك فولاذيّ المتانة !”.
غادرت المستشفى وأنا بحالة محزنة …
فالسير مستحيل عليّ ، فضلاً عن الآلام التي كانت تنوشني نوش النسور الكاسرة .
ومضت الأيّام ، وتبعتها الأسابيع فالشهور ، وخنصر يدي اليسرى يتفاقم ألمه ويتعاظم تورّمه !
20 طبيباً زرتهم في أمريكا ، فلم يجدني طبّهم نفعاً إطلاقاً !
أخيراً ، عرفت أنّ مدينة بلتيمور الأمريكيّة فيها مستشفى يعدّ أشهر المستشفيات ، وأطبّاؤه من أقدر النطاسيّين العالميّين . فزرت هذه المدينة ، وأجريت الكشف على إصبع يدي المردّم ، لكنّي لم أفز بأية نتيجة مفيدة إطلاقاً .
وقد مضى ، حتى الآن ، عامان وعشرة أشهر على حادث سقوطي سقطة الموت المزلزلة ، وما زال خنصري لا أستطيع إطباقه على كفّي . كما أنّ كفّ يدي ما زال حتى الآن متورّماً ، بعد مضيّ هذه الأعوام الثلاثة على وقعتي المروّعة المشؤومة .
إذاً ، على القارئ أن لا يستغرب صدور كتاب خصّصته بأكمله ليدي ، فوصفت آلامها ، واستمرار حالتها المفجعة ، واستحالة برئها .
أخيراً ، أقول : ربما أستيقظ ، يوماً ، فأراها قد شفيت . فليس على الله شيء عسير .
الدكتور داهش
بيروت ، صباح 17/1/1979
تعريف بكتاب "خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر"
مأخوذة من كتاب “خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر”
للدكتور داهش ، الصفحة 5
بقلم إيليّا حجّار
هي تخيّلات فكاهيّة غريبة متداخلة بعضها في بعض ، عجيبة الخيال ، متسلسلة الأحداث.
وهي تبرهن بصورة قاطعة أنّ داهش خياله خصب للغاية ومشوّق . فقارئ هذه القصّة أو هذا الحلم يطالع وقائعه بشغف شديد .
والغريب في الأمر أنّني كنت حاضراً حينما كتب داهش هذه التخيّلات البالغة بغرابتها ، ولم يستغرق بكتابتها أكثر من ساعة .
فقد أمسك القلم وراح يدوّن أفكاره المذهلة بسرعة عجيبة غريبة دون أن يتوقّف إطلاقاً ودون أن يشطب أيّة كلمة منها .
وبنهاية السّاعة كانت قطعة ” خيال مجنّح أو حياة الأحياء في القمر ” قد أنجزت ، فقرأها علينا ، وكنّا ثلاثة رجال وامرأة ، فدهشنا لسرعة كتابته الصّاروخيّة ، وشاقتنا ماجريات الحوادث التي ذكرها في قصّته العجيبة .
وإنّي أتحدّى أيّ كاتب أن يستطيع كتابة قطعة تضارعها بالغرابة ، كما أتحدّى الجميع أن يستمرّوا بكتابتهم ساعة تخلق بنهايتها قصّة رائعة – عجيبة الحوادث التي لا يمكن أن تمرّ بخاطر أيّ كاتب – كهذه القصّة المعجزة !!
أمّا قصّة ” شوارب مستطيلة ولحى وبيلة ” فهي تماثل قصّة “حياة الأحياء في القمر”، وقد نسج فيها على المنوال نفسه .
والآن أترك القارئ ليتصفّحهما ويبدي رأيه فيهما مثلما أبديت رأيي ، والسلام .
إيليا حجّار
بيروت ، الساعة السابعة مساءً
تاريخ 11/1/1979
مقدّمة سلسلة "حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيّة"
الجزء الثاني
“ذكريات الماضي”
بقلم الدكتور فريد أبو سليمان
هذه خلجات نفسيّة دوّنها الدكتور داهش بأوقات مختلقة . فهي تارةً مفرحة وطوراً مؤسية ، تبعاً للحالة النفسيّة التي كان يمرّ بها .
كذلك يرى القارئ أنّه صبّ جام غضبه على المغتصب الطاغية الذي تجاوز دستور البلاد ، وهشّم موادّ القانون حامي الحرّيات ، دون أن يردعه وزير أو يوقفه عن تجاوزه نائب ، وهذا أمر مرعب للغاية . فاضطرّ الدكتور داهش – لكي يدافع عن حرّيته السليبة التي اعتدى عليها ذلك الغاشم – أن يلتجئ للقلم . وإذا بسلسلة من الكتب السوداء الطافحة بأفظع القبائح تظهر لعالم الوجود ، كاشفة أسرار الطاغية ، ناشرة تجاوزات الباغية ، وفيها البراهين الحسيّة المجسّدة عن ارتكاباته الهائلة ، فعرفه الجميع بعدما بدا عارياً من رداء الغشّ الذي كان يحجبه عن الأنظار .
وإذ ذاك عمّت الثورة أرجاء لبنان من أدناه إلى أقصاه ، وهبّوا هبّة رجل واحد فأسقطوه عن أريكة حكمه ، وحطّموا على رأسه عرشه ، فإذا هو وحيد فريد يندب الحكم الذي تبخّر بعدما ردّمه الشعب له . فاعتزل ، ونيران الندم تقطّع كبده .
وكانت الكتب السوداء متداولة بين الأيدي في جميع البلاد العربيّة ، شارحة مراحل الجريمة النكراء التي ارتكبها الحاكم المتعسّف بحقّ الدكتور داهش ، وهو البريء الذي لم يقترف جرماً استحقّ عليه التجريد من جنسيّته ظلماً وعدواناً ، وتشريده في أرجاء عواصم الكرة الأرضيّة.
والمؤسف الأسف العظيم ، أنه لم يظهر في لبنان أيّ وزير أو نائب أو سياسيّ يشجب هذه الجريمة الرهيبة التي ارتكبت ضدّ الضمير وأنف القانون معفّر بالرّغام .
وتذكّرت ، إذ ذاك ، قضيّة دريفوس المشهورة التي تطوّع فيها الكاتب الشهير إميل زولا فدافع عن دريفوس الذي كانت الحكومة الافرنسيّة قد قدّمته للمحاكمة ، فقضت المحكمة عليه بالسجن المؤبّد في جزيرة الشيطان ، ذلك فضلاً عن ثورة الشعب العارمة ضدّ دريفوس .
شخص واحد فقط ناصره هو إميل زولا .
أخيراً ، وبعد إعادة محاكمته بفعل مقالات زولا العظيمة ، برّأته المحكمة وأعيد شرفه إليه .
وقدّرت الحكومة جهاد إميل زولا ، وقدّسه الشعب لأنه أعاد الحقّ إلى نصابه ، بعدما اخطأوا جميعهم ، وكان هو الوحيد ذا نظرة ثاقبة جعلته يناصر المظلوم المضطهد من قبل الجميع .
وكم كان جميلاً ، وكم كان رائعاً لو وجد شخص في لبنان كإميل زولا ، دافع عن حقّ بريء ظلمه الحاكم الغاشم لأسباب شخصيّة ، إذاً لكان التاريخ سجّل اسمه بين صفحاته ، ولخلّد كمناصر للحقّ والعدالة .
ولكنّ هذا الشخص اللبناني لم يوجد ، لأنّ الجميع كانوا يتزلّفون للحاكم ، ولم يجرأ أحد ما على أن ينحاز للحقيقة ويدافع عن بريء مظلوم .
هذا ما حدث ، وهذا هو الواقع الذي يعرفه الجميع .
كما حدثت تجاوزات خطيرة في ذلك العهد سبّبت ، أخيراً ، هذه الحرب القذرة التي دمّرت لبنان وهدّمته ، وشرّدت بنيه ، ويتّمت أطفاله ، وذبحت رجاله ، وهجّرت قاطنيه … والعياذ بالله .
وبعد ، فليدخل القارئ إلى رحاب حدائق الآلهة التي توشّيها الورود الفردوسيّة ، وليجب ربوعها الفتّانة .
وليتخلّل باسق أدواحها ، وليصغ لتغريد أطيارها ، وليتمتّع بصره بروعة بحيراتها ، وليتنسّم عبق أزهارها المضوّعة ، وليسحر بالفراش الملوّن وهو يحوّم حول فلّها وياسمينها ، وشقائق نعمانها ونسرينها .
وليهم مع صبايا الغابات ، وحوريّات الجنان ، وقيان الفردوس ، الراقصات الهازجات بمرح ، وهنّ ينشدن أناشيد الفرح والسرور والغبطة والحبور .
وليقتطف الأثمار الجنيّة من تلك الفراديس البهيّة ويتذوّق حلاوتها الفردوسيّة .
ففي كلّ ثمرة حلاوة تدعه يتذوّق سواها حتى تثمل نفسه وتنتشي روحه ، فيخرج من حدائق الآلهة وهو مأخوذ بما تزوّد به من جمال وروعة وفتنة خلاّبة أذهلت لبّه وأكسبتها حبّه .
وهذا غاية المبتغى .
الدكتور فريد أبو سليمان
بيروت في 19/1/1979
مقدّمة سلسلة "فراديس الإلهات يرصّعها اللينوفار المقدّس"
تأليف الدكتور داهش
بقلم ماجد مهدي
منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم ، والدكتور داهش يتحف دنيا الأدب بروائع كتاباته وبليغ عباراته . فقد اتّصف أدبه بالشموليّة والغزارة ممّا جعله الكاتب الأوحد الذي طرق كلّ باب من أبواب الفكر دون تهيّب أو وجل ، مضيفاً للمكتبة العربيّة آثاراً جليلة تستفيد منها الأجيال قاطبة .
وأدبه ، على هذه الشموليّة ، يتّصف أيضاً بالعمق والتجديد ، وبطرح موضوعات جديدة ، وبالكشف عن حقائق مجهولة سوف تغني ، لا الأدب العربيّ فحسب ، بل العالميّ أيضاً .
فبعد سلسلة من الكتب التي تطرّق فيها للاجتماع والفنّ والهجاء والرثاء والحكم والقصّة والدين ، وبعد أن خاض أعماق “الجحيم” فسبر أغواره ، وكشف أسراره ، وبعد أن امتدّ قلمه في آفاق الماضي مستلهماً منه “مذكّرات يسوع الناصريّ” بحقيقتها الجليّة ، عاد اليوم فأتحف الأدب بسلسلتين جديدتين هما :” حدائق الآلهة توشّيها الورود الفردوسيّة ” ، و “فراديس الإلهات يرصّعها اللينوفار المقدّس ” . وما كان أحوج عالم الفكر إلى هذه الحدائق وتلك الفراديس .
ويجدر بالقارئ ، بعد دخوله لتلك الحدائق ، أن يكمل رحلته عبر هذا العالم الجديد “فراديس الإلهات” الذي أبدعته أيضاً مخيّلة الدكتور داهش الخصبة ، وصوّرته يراعته الفذّة الملهمة .
فسوف يجد ، ولا بدّ ، وهو يدخل إلى هذا الفردوس الإلهيّ ، وبعد أن يفاجئه اللينوفار المقدّس مرصّعاً آفاقه الشاسعة ، يجد فيه ما ينسيه عالم الأرض وويلاته ، ويعزّيه عن مشاهد البؤس والشقاء التي يزخر بها .
فالحبّ السماويّ هو المهيمن على ربوع تلك الفراديس ، الحبّ الطّاهر الشفّاف المنزّه عن الغايات ، والذي تسكبه الآلهة إكسير سعادة لقاطني تلك العوالم .
والجمال الإلهيّ ترك فيه لمسات خالدة لا توصف ، إذ كلّ ما في تلك العوالم يشرق بسحر خلاّب وفتنة سرمديّة لا يصيبها الذبول ، ولا يعتريها الأفول .
فالمروج السندسيّة ، والغابات البكر البهيّة ، والبحرات الحالمة السحريّة ، وحدائق البرناس بورودها المخمليّة ، وأسراب الطيور ذات الألحان الشجيّة ، والشمس (أمّ الكائنات) ، والغادات الساحرات ، ربّات الفتنية الفردوسيّة ، تمرّ بها جميعاً فتخشع لإله الكائنات الذي خلقها على صورته فأضفى عليها من سحر جماله .
وتعجّب أيضاً ، وأنت تغذّ السير في تلك الفراديس ، أشدّ العجب ، لأنّ الدكتور داهش قد أنطق كلّ ما فيها ، وألقى عليها بردة الحياة الكاملة ، فالبنفسج يتّضع ، والأقحوان يتدلّه بهوى حوريّات الفردوس ، والطيور تبثّ شكواها وتعبّر عن عميق هواها ، والبحيرات تردّد أناشيدها ، والشلاّلات تهدر بجبروت وترفع صلواتها .
ويعرّج الدكتور داهش في رحلته “الفردوسيّة” على نجوم وكواكب لا عهد للقارئ بها وبأنظمتها ، فيلتقي عرائس الشعر والخيال وإلهة الحبّ وإلهة السخاء وأمير مملكة السعادة وقاطنيها ، كما يلتقي بالمجاهدين الأبرار الذي ساروا في حياتهم الأرضيّة حسب الإرشادات الإلهيّة ، فاستحقّوا تلك السعادة الأبديّة .
وكلّما استمرّ القارئ بمطالعة هذا السفر تترى أمامه المشاهد والصّور ، وتعظم لديه العظات والعبر ، ولن يكلّ أو يملّ ، إذ إنّه لحظات هنيئة في عوالم لا تعرف الظلم والتعذيب ، والرياء والأكاذيب .
ويكمل الدكتور داهش تصوّراته السّنيّة ، فبعد أن نرى معه “عاشق الغيد الصيّد” يذكّرنا أنّ حياتنا في الأرض ما هي إلاّ أسقام ، وأنّ “آمالنا أوهام “. ثم ينطلق بنا إلى “ينبوع السعادة” فنسمع عند ضفافه “أغاريد شاعر”، ونشنّف آذاننا بسماع “أناشيد البحيرات” خاتمين رحلتنا العجيبة فوق “جبل المسرّات”.
حينذاك ، نستيقظ من النشوة التي غمرتنا ، لنجد أنفسنا في العالم الذي انطلقنا منه ، فنرى الحياة فيه سوداء قاتمة ، وقاطنيه قد غرقوا في المعاصي حتى النواصي وابتعدوا عن طريق الصّواب ، فنشكر الدكتور داهش على هديّته ، ونمجّد فراديسه الحافلة بأشهى المتع وأدبه الذي لا ينضب له معين .
ماجد مهدي
بيروت ، في 16/1/1980
