فناء
ها إنَّ الأعوام الزاحفة الهاربة مرَّ أمامي موكبُها
والحُلُمُ الذي كان يُرَاوِدُ نفسي قد اضمحلّ
ونجمُ أملي الذي كان يُحبِّبُ إليَّ الحياةَ قد افلَ
وهذا الشبابُ الجميلُ الطروبُ قد عفتْ آثارُه
وشبَحُ المشيبِ الرهيبُ قد بدت أخبارُه
ربَّاهُ!… وهل بعدَ لهذا من أمنيةٍ سوى المنيةِ تَرقُبُني وأرقُبُها؟
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
الدكتور داهش
والروحانية
بقلم يوسيف الحاج
هذا سفر من أسفار المجهول خطت كلماته أنامل الدهر
الدكتور داهش والروحانية
قبل كل شيء
دعاء
اللهم !!
أنت وحدك الحكم العدل !
ولك وحدك الرحمة والانتقام !
فاحكم بين الحق والباطل !
يا أعدل العادلين ، يا أرحم الراحمين !
آمین ! …
الدكتور داهش
والروحانية
رسالة موجهة الى الذين يعنيهم الأمر ، والى عقلاء الأمة ومفكريها ، والى ذوي الايمان فيها ، ثم الى السواد الاعظم من الشعب الحساس الذي بعرق جبينه يأكل خبزه ، سلخناها عن كتابنا « الدكتور داهش » وبعثنا بها منفردة تحمل على صفحاتها القليلة أثراً رمزياً مما تضمنه ذلك الكتاب من مقدمة وخاتمة يفصل بينهما دروس ومعلومات قيمة عن الوسيط الروحاني الأعظم الدكتور داهش بك الذي حامت الظنون حول مواهبه الروحانية السامية وقامت القيامات على تعاليمه النفسانية وخوارقه المدهشة.
من أجل هذا كان لزاماً علينا ان نبادر الى عزل هذه الرسالة بكل اختصار والاسراع الى طبعها ونشرها دحضـــــاً للظنون وتنويراً للأذهان ! . . .
لعل بها عبرة لقوم يعقلون ! . . .
*
قبل المقدمة
حول المباديء الداهشية
نقلناها عن كتابنا ( داهش والداهشية) ، الذي نبين فيه بكل جلاء ووضوح من هو الدكتور داهش أصلا وفصلا مولداً ونشأة وتاريخاً ، وما هي الداهشية . ويشرح ذلك الكتاب جواهر الاديان كافة وعلاقة الداهشية بها مؤيداً ذلك بادلة وبراهين منطقية لاهوتية لا تقبل الرد .
ثم انه يقول بوحدة الاديان من حيث الغاية الروحية ، وبوحدة الاوطان ايضاً رغم الفوارق والفواصل التي ابعدت البعض منها عن البعض الآخر ، كما انه يقول بوحدة الغاية من كل الرسالات الروحية المنزلة والاتجاهات النبوية رغم اختلاف اللغات والعادات والازمنة ، ويشرح شرحاً وافياً النبوات وما هي والانبياء ومن هم والروابط الروحية التي تربطهم جميعاً بوحدة الغاية والقصد.
وهو يقول : ان الخلق كلهم مسوقون حتما بناموس النشوء والارتقاء والرجعة الى علة العلل وغاية الغايات التي هي الله جل جلاله اما ما يعتور السير في هذا السبيل من تقدُّم وتأخُّر ولفٍّ ودوران فهو على ذمّة صاحبه اذ لكل عمل ثوابه وعقابه والناس احرار بما يفعلون .
ثم يعود فيقول ان الناس يسيرون في طريق المخالفة لكل ما ورد في كتبهم الدينية من حيث الغاية الروحية المقصودة ، ويرى انه لو تبع كل فريق جوهر دينه ووصاياه لتلاقى الناس في كل ما يعملون واتجهوا جميعاً نحو المحبة والفضيلة والسلام وكانوا بغنى عن هذه الفوضى القاسية وهذا الضلال الداجي ولكانت الارض جنَّة من جنَّات الله وفردوساً من فراديس الخلود.
وهذه بعض كلمات ذلك الكتاب عن المباديء الداهشية :
أولا- ان الداهشية تنادي بوحدة الخليقة واستقرار الفضائل الروحية في كل شكل من اشكال الديانات السماوية، لأن مرجع كل عاطفة تدفع بالانسان نحو الحق انما هو مرجع واحد لا يتجزأ ما لم تتجزأ الأكوان كلها وتدبُّ الفوضى الى القوة الخالقة والمظاهر المخلوقة وذلك من المستحيلات في حكمة الله وطبيعة الوجود.
ثانياً – من المعروف الثابت ان الدين يصلح الحياة ولا معنى لدين لا تصلح الحياة به ، وان كل انسان من اي عصر كان والى اية طائفة ينتمي انما هو روحاني اذا قام بواجباته نحو ربّه ونفسه وقريبه والقريب في العرف الروحاني هو مطلق انسان على وجه الارض.
ثالثاً – ان هذا الجيل الذي ساد فيه التقاطع بين أبنائه ويسمونه جيل المدنية والقانون لهو أحوج الاجيال الى الروحانية والرجوع الى الله وزرع بذور الالفة والاتحاد وتنمية عواطف التساهل واحترام الذات في كل ما فيه من جامعات ومذاهب .
رابعاً ترى الداهشية عدم إمكان البناء صحيحاً اذا كانت الأدوات غير صالحة ، لهذا قد اتخذت على عاتقها ترقية الفرد أولاً ترقية روحانية عملية اختيارية وجعل هذه الترقية أساساً لترقية المجموع ، بناء عليه ترى الداهشية ان العمل الأولي إنما هو عمل فردي مجرَّد ، فهي تكشف لكل فرد من ابنائها حقيقة الوجود ووجودهم فيه والغاية من الحياة والموت ، وتبين لهم كل نقيصة لا بد من تجنبها وكل فضيلة لا بد من اتباعها طلباً للكمال ، فهي تقاتل الرذيلة وتعضد وتعزز الفضيلة.
خامساً – ان الداهشية ترفع الشخصية وتبنيها بينما نرى قوانين الاجتماع تضللها وتهدمها ، فهي تعيد الثقة الى النفس وتساعد على التجدّد وتسلح الانسان ضد اهواء نفسه وما كمن فيها من التطرف وهكذا تسوق الفرد الى السعادة الحقّة بمساعدتها ايَّاه على تكوين ذاته وتعتقد الداهشية ان هداية الانسانية لمن اصعب الامور واصعب من ذلك دفع هذه الانسانية الى معرفة نفسها وهذا لا يقوم الا بدفع الافراد ليكون كل انسان استاذاً لنفسه في فن الحياة الروحية.
سادساً – ان الداهشية تطلق قوة الاعتماد على النفس، وهذه القوة تكون غالباً متردِّدة او يائسة لكثرة ما كذبتها عوامل الحياة فتقف منفردة ويقودها هذا اليأس الى حيث تغور وتختفي فتأتي الداهشية الى هذه القوة فتشجعها وتثبت فيها حرية الضمير تجاه كل شيء في سبيل التوازن.
سابعاً – يعتقد الناس ان الكمال قليل في هذا العالم او انه غير موجود اما الداهشية فتعتقد بوجود هذا الكمال وبأكثر مما يظن حسبما ورد في الكتب الدينية ولكنه يبقى غالب الأحايين مجهولاً وقد عاش به ومن اجله الوف وملايين من الشعوب لم يعط لهم او هم اهملوا اعلانه ورفعه أمام جاهليه، فالداهشية تستخلص هذا الكمال وتعلنه وتعليه وهي لا تجهل صعوبة ذلك فان العصر الحاضر متأخر أدبياً كل التأخر رغم ارتقائه المادي الباهر ، وان اهمية هذا الواجب يثبت لها وجوب قيامها به مهما كلفها الامر.
تامنا – ان في تحويل المطامع الشخصية نحو وجهة المطامع العامة تحت راية الايمان العاقل تتولد الملذات الشريفة والمتنوعة في الانسان وهكذا يتَّفق الفكر مع العمل، اذ بدون هذا الاتفاق لا يمكن ان تَسْلم الانسانية من الاخطار ، وما الفكر في الانسان الا قوة تنتقل من حقيقة محسوسة الى حقيقة هي ما وراء المحسوس، فالداهشية تساعد الفكر على هذا الانتقال ، فالعمل ينتج من القوة التي نحسبها تأملا مجرداً.
تاسعاً – ان رحل الانسانية يتمشى في سبيل الدهور ظالماً نفسه بنفسه ، مولداً شقاءه من شقائه ، مخترعاً من الفضيلة اشكالاً تتنافر وتتباعد عن مصدرها الروحاني الاول ، وعبئاً يحاول دهاقنة السياسة وأقطاب الاجتماع الوصول الى التخلص من هذه الفوضى التي ستجر وراءها اهوالا مخيفة ان لم يلجأ الانسان للمرة الاخيرة الى الدين القويم المجرَّد من كل دخيل ونزيل.
عاشر أو اخيرا – ان هدف الداهشية في هذه الارض هو متابعة العمل بدون كلال في السبيل الذي يوحّد البشرية وينشر فوقها راية السلام لتتحرَّر ابدياً وتعيش تحت لواء المحبة الحقة التي تعدّها للدخول في ملكوت الله وجناته الخالدات حيث السعادة الدائمة التي يعجز القلم واللسان عن وصفها مهما علت الافكار وسمت العقول وامتدت أجواء الخيال في سماوات التصور …..
المقدمة
عن كتابنا ” الدكتور داهش “
هذا كتاب – هذا كتاب طفرت فيه يراعة واضعه عن الحدِّ المعروف ، ونهج جامعه نهجاً جديداً شذَّ به عن السبيل المعتاد فجاء كما يرى مخلوقاً عجيباً في عالم التأليف وحيداً في وقائعه فريداً في منازعه كما جاءت شخصية بطله متميزة عن سواها من الشخصيات العاملة في حقل الروحانية المقدسة ، فلا غرو اذا اشرأبت اليه الاعناق وتنقّره النفر القليل الحر وأجفل منه السواد الأعظم من الناس.
هذا تاريخ – هذا تاريخ تجمعت وحدات حوادثه في سلسلة واسعة الحلقات قد امتدت صعوداً حتى لتكاد تحتفر لها منفذاً في جدران الجنَّة وتشقّ لها طريقاً في فراديس الخلود حيث كانت جذوعها قد نبتت قبل انشاء العالم .
هذا سفر – هذا سفر من أسفار المجهول خطت كلماته أنامل الدهر وباركت صفحاته يمين الله فلا بدع اذا كان محطاً للوحي ومهبطاً للالهام.
هذا حدث – واخيراً هذا حدث من الأحداث المباركة نزل فجأة في نقطة دائرته وفي ملء حينه فلا غرو اذا اهتز له ذوو الايمان الحيّ وتندّى من اجله جبين السماء شفقة على ابناء الارض المساكين ، ولولا رحمة الله لكانت الارض على أفظع ما هي عليه اليوم من شقاء وبلاء ، تلك الرحمة السامية التي كلما رأت الخلل يتفاقم وقوعه في أنظمة الانسانية الغاشمة يريد ان يدفعها الى الخروج ليرمي بها الى هاوية الفناء والتلاشي يخلق الله لها من بين ابنائها انبياء ومرسلين وحكماء ومصلحين يتكفلون هدايتها سواء السبيل حتى في اشد حالات الفوضى وفي اعمق مهاوي الدياجي والظلمات .
الاقانيم الاربعة
ان هذه الاقانيم الاربعة التي هي ” الكتاب والتاريخ والسفر والحدث ” ، إنما هي رعشات روحية تنمُّ عن نقص بعيد في درس الحياة الدنيا وتحكم الارتباط اللامحدود.
وهي نفسها أدلة ناطقة تشير الى قرب الساعة الرهيبة التي يحلُّ فيها بأهل الارض ويل مُرعب يدكّ أركان العالم دكَّا ذريعاً اذا لم تتداركه يد جبّارة بريئة طاهرة تعالت عن كل غاية غير غاية الحق وهي تمتد الى الاغاثة والرحمة لا الى الاستعباد والنقمة .
وعبثاً حاول ويحاول دهاقنة السياسة وارباب العلم ورجال الدين والثروة الوصول الى اخماد نار هذه الفوضى الجاحمة التي طغت على الناس وقلبت عقليتهم رأساً على عقب ، فلا الارسطوقراطية والديموقراطية ولا الاشتراكية والاباحية تستطيع الوصول الى ذلك ولن تستطيعه ما دامت هـــــذه الفوضى صادرة عن جهل علة هي ما وراء الطبيعة يستحيل على العقل الوصول اليها والحكم على مقدراتها بواسطة العلم والطبيعة فقط .
لقد شذَّ الكل عن جادة الصواب وتاهت سفينة العقل في محيط الادعاء والبغض والطمع فأفلس العلم وفشل الاجتهاد وذهب الاختبار دون ما فائدة ولم يعد من مرسى امين تستقر فيه سفينة الإنسانية التائهة في هذا المحيط الصاخب.
لقد مرَّن الانسان نفسه على علمه واختباره حتى وعلى اديانه – كما يفهم هذه الاديان – الى ان خيل اليه انه قد قبض على أعنَّة الطبيعة واعتلى متون مقدراتها وكشف القناع عن غور كتمانها ، على زعمه ان هذه الطبيعة انما هي البداية والنهاية لهذا الوجود فكانت النتيجة هكذا فشلا ودماراً ، تأخراً وانكساراً، أفهل يعود بعد كل هذا ولو مرة اخرى واخيرة الى دين ربه الحي الدائم العليم عاملا على معرفة اصله وفصله نافضاً عن ذلك الدين كل زيادة ونقصان ولف ودوران وتحديد وتقليد حتى اذا فعل ذلك عن حسن نية وسمو قصد كما يجب ان يفعل يتجلى له الحق من الباطل والنور من الظلمة ويعرف اذ ذاك انه كان يسير بأعماله في طريق المخالفة وفي فيافي الضلال ، وهذا الدين الذي اعني انما هو الدين العلمي او العلم الديني المجرّد الذي ينادي بوحدة الرحمان والاكوان والانسان.
ان هذا الدين، متى عرفناه ادركنا حينذاك وأمنا بدون اقل شك ان تلك اليد الجبّارة التي هي وحدها لا سواه تستطيع بقوة الله القضاء على هذه الفوضى المستعصية انما هي يد انسان روحاني جاء يعمل على هداية النفوس الضالة واعادتها الى صوابها على ضوء السماء اللامع . هذا الانسان الروحاني انما هو واحد كالرجال غير انه جبَّار بقوة روحية لا يعرف للخوف صورة ولا قيمة للحياة عنده وهو يتفانى في سبيل رسالة ربّه متوقعاً كل عذاب وجور وضرب وتشريد وتجريد، اذ انه من اجل هذا قد اتى وبعد كل هذا فانه سينال اكليل الظفر ولو بعد حين.
هذا الانسان الفرد انما هو كتلة من الكمال البشري الذي نقص في الملايين من الناس فجاء ليساوي بين هذا النقص وهذا الكمال بميزان الحق والتضحية .
هذا الانسان الفرد هو وحده فقط يستطيع قمع هذه الفوضى السائدة ودكّ معاقلها في كل سهل وواد فلا علم له غير علم السماء ولا جند له غير الانذار والتبشير ولا لغة له غير لغة التعاليم والخوارق المُدهشة وهو لا يهتف الا باسم الله العلي العظيم ذاكراً بصلواته كل رسله الاطهار وانبيائه واوفيائه الأبرار!…
الناس بين الدين والعلم
ان الناس من هذه الناحية فريقان ، الاول ذو دين يتمسك به معما هو عليه دينه من دخيل ونزيل وتحديد وتسلط واستغلال فهو يميل اليه لانه يرى فيه نبع السلوى وبقايا الجواهر الأولية والفريق الثاني ذو علم محسوس فهو لا يريد ان يعترف الا بما يقع تحت حكم احساسه وآلته وميزانه فيميل اليه لما يرى فيه من الاعمال الغريبة والاكتشافات العجيبة ، والانسان بين هاتين النظريَّتين يتنازعه عاملان قويان ، العامل الاول الايمان الديني العاري عن البرهان العلمي – كما هو الواقع – والعامل الثاني العقل العلمي المنحصر في دائرة المادة فقط والى هذين العاملين معاً يفتقر الانسان دائماً وفي ميدان هذا التنازع قد فقد الضمير دليله فسادت الفوضي وما يحدث للفرد يحدث للعائلة والدولة والعالم اجمع .
وليس من وسيلة ينجو بها الانسان من هذه الفوضى غير ائتلاف هذين العاملين اللذين لا غنى له عنهما معاً . وهذا لا ولن يكون الا اذا عرف الانسان نفسه من اين أتى ، ولماذا اتى والى اين يذهب وليس باستطاعة الدين المقلد الوصول الى ذلك
صلة الوصل
الروحانية- اما الروحانية فلانها ما تزال نقية في جوهرها ، بريئة من كل تقليد وتفنيد تؤيدها الآيات وتدعمها العجائب المحسوسة فهي وحدها القوة النافذة التي باستطاعتها وحدها استجلاء حقائق المجهول والمعلوم الدين والدنيا – و ناموس ترابط بعضها ببعض ، هذه القوة هي نفسها تأخذ بيد العلم الصحيح لتنير طريقه وتقوم خطوات ابنائه في هذه الحياة المحفوفة بالآثام والشرور.
أجل . لقد لاقت هذه الروحانية منذ ازل وجودها وما تزال تلاقي حتى اليوم حروباً وعداوات يعجز التاريخ عن سردها ويكل اللسان عن ذكر وقائعها ولكنها قد انتصرت اخيراً واستطاعت بعونه تعالى ان تشق لها طريقاً الى قلوب المؤمنين وذلك منذ فجر التاريخ المعروف من الهند الى الصين الى اليونان والرومان فمصر فبابل حتى الى ارض الانبياء والحجاز والفرس بطريقة غريبة وشكل مدهش .
ولقد اخذت تظهر مرة وتختفي اخرى صارخة في آذان الناس على الرغم مما ذاقه رجالها من ألوان العذاب والاستشهاد متبرئة من كل ما كانوا يتلونه من الأدعية الشاذة، باسمها إلا من صفت نيته ونقت سريرته وهذا نفر قليل وقليل جداً.
وفي هذين العصرين اي منذ اواخر العصر الماضي لمع اول ضوء من اضوائها في اميركا واوربا فهب السواد الاعظم من الشعب لمناهضتها ظناً منهم انها جنون وبائي وضلال وكفر فانكرها العلماء وقبحتها الصحافة وسخرت بها ولعنها رجال الدين واشتبهت بها الشرائع المدنية وسفلها اسافل المشعوذين وثاروا عليها واضطهدوا ابناءها فلم يبق كاتب او صحافي إلا ونشر مقالات الهزء والسخرية بالارواح والروحانيين.
اللاروحانيون
والذين يفهمون الروحانية خطاً
لقد انقسم القائمون على الروحانية في بدء ظهورها ذاك الى ثلاثة اقسام:
القسم الاول – الماديون الذين لا يريدون ان يعتقدوا الا بالمادة فقط ولا شيء عندهم بعد الموت.
القسم الثاني – الفلاسفة الذين نسبوا الحوادث الروحانية الى فعل ارواح الموتى.
القسم الثالث – ارباب الدين الذين جهدوا في اقامة الحجة على صدورها من الشيطان.
ولكن لم يمر الزمان ولم يطل ليل الغفلة حتى تنبه الى الحادث الروحاني عقلاء العالم وعظماؤه فدققوا في البحث عنه وعينوا اللجان الرسمية له والنظر في وقائعه فكانت نتيجة كل ذلك انهم عدوه علماً حديثاً يؤيد بطريقة محسوسة وجود الله والنفس وصحة خلود الارواح، فأقره اكثرهم وألفوا فيه الكتب التي لا تقبل الرَّد لكونهم من افاضل الفلاسفة وارباب العلم ، ولقد أقبل عليه عدد عديد من المؤلفين والخطباء والحكام ورجال الدين للدفاع عنه فارتقى الخطباء المنابر ورحل المرسلون للتبشير وأسس الصحافيون الجرائد ونشر البلغاء مقالات رنانة زعزعت اركان الرأي العام وكسرت شوكة المضطهدين.
ولقد امتدت الروحانية وانتشرت في اميركا وانكلترا وفرنسا والمانيا وسائر الممالك الغربية حتى لم يبق مدينة من مدنها تخلو من جامعات وجمعيات عديدة دأبها درس هذا المذهب الجديد واثبات حقائقه وقد اصبح معتنقوه اليوم يعدون بالملايين وجامعاته وجمعياته وصحفه وفروعها تعد بالالوف ، وان نشرات عديدة تنشر كل يوم الى الشعوب بشرى اثبات وجود الله وخلود النفس وحقائق اسرار الغيب ومناجات الارواح وذلك بالادلة الطبيعية والآيات والعجانب الملموسة دون اقل شك ولا ادنى ارتياب .
وعبثاً يحاول اعداء النور خنق صوت الحق وملاشاته فلا معارضة العلماء ولا تهكمات الماديين ولا حرومات الكهنة جديرة بان تعرقل الوثبة الروحانية العامة الناهضة بالانسان الى استطلاع امر مستقبله وحقيقة مصيره .
تأييد صحة الروحانية
ان الامر الذي يؤيد صحة الروحانية واثباتها هو ما يأتي :
أولاً – اثباتها من علماء خطيرين خضعت لهم العلوم الكيماوية فلم يعد من مجال لغيرهم ان يحكموا في مشاكل خارقة العادة.
ثانياً – اقامة الامتحانات في كل صقع وقطر ومن اقوام لا معرفة لأحدهم بالآخر قصدوا جميعاً في بدء مباحثهم اكتشاف الخديعة التي كانوا قد توهموها في الحادث الروحاني وشفاء مواطنيهم من علة هذا الجنون الوبائي كما كانوا يزعمون .
ثالثاً – النتائج لدى التحقيق رغم كل هذه الامتحانات والوهم كانت واحدة وهذا مما يؤيد صدورها عن علة واحدة ترمي الى غاية ربانية واحدة . وخلاصة كل ذلك كانت تأييد حقيقة وجود الله ووجود النفس وبقاء شخصية الانسان الروحية بكمالها رغماً عن فناء جسده المادي بعد نشوء وارتقاء ورجعات وطوارىء وتطورات.
قائمة اسماء وأقوال
وهذه قائمة باسماء وأقوال البعض من العلماء والفلاسفة والادباء الذين كانوا اشد الناس عداوة للروحانية فاصبحوا بعد الاثبات اكبر المجاهدين في سبيل نشرها وتعميم فوائدها.
في اميركا
1- الحاكم ادمون رئيس قضاة ولاية نيويورك المشترع الفقيه الذائع الصيت الذي انتخب مراراً عديدة رئيساً لمجلس الاعيان الاميركي ، فهذا الحاكم لما شاع عنه خبر اعتناقه للروحانية قام عليه الدهريون وارباب الدين من كل مذهب وطائفة ورشقوه بمقالات رنَّانة مملوءة بالشتائم والسخرية فاجاب عليها كلها بكتاب دعاه ” ظهور الارواح “. احدث في الولايات المتحدة تأثيراً عظيماً جداً .
۲- الاستاذ ماييس مدرس العلوم الكيماوية في المجمع العلمي الوطني في الولايات المتحدة ومن اقواله العبارة التالية :
“رفضت في باديء الامر باحتقار الالتفات الى هذه الاشياء ولكن عندما رأيت بعضاً من اصدقائي غارقين في هذا النوع من السحر الحديث قصدت ان اصرف فكري الى هذه المسألة بغية ان انقذ اناساً وقورين متنورين يجرون باستقامة وراء ضرب كهذا من البله “.
ولكن اخيراً كانت نتيجة هذا الاستاذ انه غرق كالحاكم ادمون في بحر الروحانية الحديثة.
۳- العلاَّمة روبرت هير الواسع الشهرة الذي بدأ بأبحاثه سنة ١٨٥٣ اي في عهد شعر بنفسه – على ما قال ـ انه مدعو بفروض الانسانية الى بذل ما لديه من النفوذ في توقيف هذا الجنون الوبائي ما بين امّة تتجند للغرور الفظيع المدعو بالحادث الروحاني رغماً عن صراخ العلم والرشد ، ولكن لما تحقق هذا العلاَّمة بعد البحث والتنقيب وجود قوة طبيعية جديدة خاضعة لنواميس مجهولة جمع كل التفاصيل بهذا المعنى ودرجها في كتابه المدعو « أبحاث عرفية في ظهور الارواح ” نشره سنة ١٨٥٦ فصار له فوز عظيم في نفوس الامّة لان مؤلفه من علماء العصر فلا يمكن ان ينسب اليه الجهل او عدم الالمام بالحقائق الطبيعية .
٤- العلاَّمة روبرت دال اوين وهو من اعظم ارباب القلم في اللغة الانكليزية وكتابه المطبوع في فيلادلفيا سنة ۱۸۷۷ المدعو « عثار في حدود عالم الغيب » موعب من المعاني السامية واللمحات البديعة والنوادر المفيدة لكل ذي فهم وإدراك.
في انكلترا
العلاَّمة وليم كروكس البحاثة المعروف الذي اكتشف التاليوم واثبت بامتحانات عملية وجود حالة رابعة للاجسام تدعى بالمادة المشعة وهي التي اشتبه بوجودها العلامة فاراداي .
على ان عالماً كهذا لا يقدم على النظر في مسئلة مجهولة كالحادث الروحاني ما لم يتخذ كل الاحتياطات الوافية التي تقيه شر الخديعة والمقالة التي كتبها في مجلة ( الكواترلي ) الانكليزية في شهر تموز سنة ١٨٧٠ تدل على شديد الاحتياط الذي اتخذه هذا العلاَّمة قبل شروعه في العمل حتى اشترط ان يتم الحادث في معمله ذاته دفعاً لكل حيلة وخديعة وبعد ان قضى اربع سنوات في البحث والاستقصاء كتب هذه الجملة :
” لا اقول هذا ممكن بل صحيح !… “
۲- المجمع العلمي المنطقي ان هذا المجمع الذي تأسس في لوندره سنة ١٨٦٧ قرّر في جلسته المنعقدة في ٦ كانون الثاني سنة ١٨٦٩ بوجوب تعيين لجنة للنظر في الحادث الروحي والوقوف على صحة الأمر فتلقت الجرائد الانكليزية هذا القرار بهتاف الفرح ظناً منها انه سيكون الضربة القاضية على المذهب الحديث ولكن لا تَسل عن اندهاش عامة الانكليز حين بلغهم تقرير اللجنة بصحة الحادث بعد انهاكها في درسه ثمانية عشر شهراً متوالية ، ومن جملة اعضاء اللجنة المذكورة العلاَّمة رسل ولاس قرين دروين الشهير والمساعد في اعماله ، فلهذا لما تبين له صحة الحادث أقر جهاراً برأيه وألف كتابة المدعو « عجائب الروحانية الحديثة ، وهو الكتاب الذي استولى ولا يزال يستولي على نفوس اكثر الانكليز العقلاء.
3- اوجيست دي مورجان . رئيس جمعية الرياضيات في لوندره وكاتم اسرار المجمع العلمي الفلكي فهو من جملة الذين شهدوا بصحة ذلك امام لجنة المجمع المنطقي ،
٤- ومن اشد هؤلاء المعاندين الدكتور جورج سكستون الخطيب المصقع الذي اثار في باديء امره حربا عوانا على الروحانية انما بعد ان شرع في استقصاء الحوادث مدة خمسة عشر سنة متوالية كتب ما يأتي :
“اني حصلت في منزلي ذاته وبصحبة بعض من الوسطاء اخصائي وآل بيتي على برهان اكيد لا يشوبه ريب في صحة الرسائل الروحانية وورودها من ارواح اصدقائي واقربائي المتوفين ” .
5 – جمعية المباحث النفسية . تألفت جمعية لقِّبت (جمعية المباحث النفسية ) دأبها استقصاء الظهورات الغامضة الحديثة وقد جمعت في مجلدات مجلتها المدعوة « اشباح الاحياء “، الوفاً من الحوادث مثبوتة صحتها ..
٦ – وليم ستيد الكاتب النحرير والصحافي الاشهر صاحب مجلة المجلات الانكليزية الذي بكاه العالم عند غرقه في حادثة التيتانيك.
7- جامس جولي ، العالم الشهير في الطب والفيزيولوجيا.
8- واخيراً اوليفر لودج استاذ الطبيعيات في كلية اديمبورغ ورئيس مجمع تقدم العلوم البريطاني الذي نكتفي بدرج العبارة الآتية عنه :
مما قال : ( ان العلوم الطبيعية ليست محدودة في مدارها كما يظن البعض ويمكن التوسع فيها والوصول بها الى العالم الروحي واكتشاف نواميسه ، دعونا نحاول ذلك ، انصفونا وامهلونا ، دعوا الذين يفضلون البحث المادي يجروا في مباحثهم ولكن لا تمنعونا من البحث في العالم الروحي ولننظر لمن يكون الفوز اخيراً ، اساليبنا في البحث مثل اساليبهم ولو اختلفت مواضيعنا عن مواضيعهم ، فلينصف كل منا الآخر ولا يحتقروه ) .
في فرنسا
1- أوجيست فاكيري . من مشاهير الفرنسيين الذين سلموا بصحة الحادث الروحاني ، هذا الكاتب الشهير الذي أتى في كتابه المدعو « شتات التاريخ » على ذكر الامتحانات التي اقامها في مدينة جرسه بصحبة مدام جيراردان وفكتور هوغو وسنسرد ومن جملة اقوال سنسرد ما يأتي :
“اني اقرّ بوجود الأرواح الشاهد بها خمسة عشر الف امیر كى على العريضة التي رفعوها للمجلس النيابي الذي اعترف بعدها بالروحانية بعد البحث والتنقيب .
٢ – فكتور هوغو إمام شعراء الفرنسيين المتأخرين وهذه احدى عباراته في هذا الشأن :
قال : « كثيراً ما سخر الناس بالموائد الدوارة المتكلمة لهذه السخرية ، وعندي أن من واجبات العلماء ان يسبروا غور كل حادث مشكل يعرض لهم، ومن يعرض عن الانتباه للواجب الروحاني فانه يعرض عن النظر في وجــــه الحق ” .
3- بوشير المؤرخ المعروف قال :
“هزئت في باديء الامر بالحوادث الروحانية كباقي الناس غير اني تأكدت فيما بعد ان الهزء. الذي اتخذته باباً من الحكمة قد كان ضرباً من الجهل ” .
٤ – كميل فلاماريون الفلكي الطائر الصيت تنقَّر الحوادث الروحانية وشحن منها تأليفة العلمية الفلكية .
5 – موريس لاشاتر موءلف القاموس المسمى باسمه .
6- الدكتور جيليه الطبيب الشهير الذي وكل اليه المجمع العلمي الطبي رسالات شتى فقد نشر امتحانات روحية في جملة مؤلفات جامعة لفوائد كثيرة .
في المانيا
وخلافها من الممالك الأوربية
1- الدكتور رولنر من مشاهير أطباء المانيا ومدرس العلوم الفلكية في كلية ” لبسيك ” .
2 – العلامة زلنر الفلكي المشهور وقد نشر مؤلفاته في الامتحانات التي اقامها وكيف اقنعته الحوادث بعد ان كان في باديء امره شديد الاشتباه بصحتها وقد وافقه على رأيه الفسيولوجي وهبر والاستاذ فخنر ثم الدكتور لودفيك رينجهاوس من الاكاديمي الطبية الالمانية وكارلس دي بريل من علماء مونيخ والدكتور سرياكس من علماء برلين .
في روسيا
1-الاستاذ بوتليرو الذي أتمَّ امتحانات العلامة کروكس ذاتها ثم المستشار اسكندر اكساكوف الذي صرف امتحاناته الى تجليّات الارواح الحسية ، والكونت بوديسكو، واستروجاردسكي من افاضل العلماء في كلية بطرسبرج ثم العالم كوروفيتش .
في ايطاليا
اما في ايطاليا فالاستاذ اركوله كيايا قد اثبت علناً الحوادث الروحانية في مدينة نابولي ، والعلامة لومبروزو الذي بعد ان اعترض امتحانات اركوله أصبح من اخص اعوان الروحانية ثم سكيا باريللي الفلكي الشهير وفاسالو مدير جريدة ( الجيل التاسع عشر ).
في اسبانيا
رامون دي لاساجا من علماء الطبيعيات والكونت توريس سولاتوت من اشهر ارباب العلم .
وهكذا قل عن بلجيكا وغيرها من الممالك والجمهوريات هناك فان الروحانية شديدة الانتشار فيها ففي سائر مدنها جمعيات روحانية دأبها الوعظ ونشر الحقائق كما هي .
هذه هي الشواهد والادلة والمعلومات وهي القليل القليل من الكثير الكثير أوردناها في مقدمتنا هذه ولا قصد لنا بها غير كشف النقاب عن حقيقة الواقع . هدانا الله جميعاً سواء السبيل ! …
المؤلف
من تعاليم الدكتور داهش
الله
كلمة رقيقة عذبة شفافة اثيرية مقدسة .
كلمة تلفظها الشفاه برعشة وخشوع
كلمة ترددها القلوب برهبة وخضوع
كلمة ينشدها كل بائس ويائس .
كلمة عذبة تعرفها البرايا من قديم الزمان .
كلمة يعرفها الطفل في سنية الأولى .
كلمة هي البلسم الشافي للقلوب المتعبة .
كلمة هي التي لا يجاريها الكوثر في عذوبته
كلمة تحوي سر الحياة بأكملها .
كلمة تعلو على اية كلمة معروفة ومجهولة
كلمة صارمة بتَّارة عميقة جبَّارة .
كلمة اختارتها القوة الموجدة لتكون رمزاً لها .
كلمة قاسية ولكنها معسولة .
كلمة عميقة وعمقها لا حد له ولا نهاية
كلمة سماوية ليست ارضية
كلمة قدسية أزلية سرمدية أبدية
كلمة تضم في ثناياها اسرار الابد وخفاياه
كلمة جبَّارة تطغي على كل ما عداها
كلمة منتقمة لكنها عادلة تبعث الاطمئنان
كلمة مبكية مفرحة مؤلمة مؤمِّلة
كلمة موسيقية اللفظ روحية المعنى
كلمة هي البداية والنهاية
كلمة يا لها من كلمة عذبة خالدة
كلمة تضم الجبال والبحار والسهول والانهار والغابات والقفار وكل ما هو معروف ومجهول من مرئيَّات هذه الحياة والحياة الاخرى .
نعم . يا لها من كلمة عذبة خالدة :
الله الله الله الله
الروحانية وماهيتها
الروحانية – هي صلة الوصل بين السماء والارض .
الروحانية – هي التي يمكن بواسطتها ان تبعد الآثام المتراكمة على بني الانسان فينقى ويطهر من ادران خطاياه المتكاثفة.
الروحانية – تعلمنا اسهل الطرق واقصرها كيما نصل الى الفردوس الالهي وهي التي تدخل الى قلوبنا الشفقة والرحمة والعطف على ابناء بجدتنا.
الروحانية – تدعونا لأن نعرف ما هي السعادة وكيف يمكن الحصول عليها :
الروحانية – تعرفنا من نحن ومن اين اتينا وما الغاية من مجيئنا وما الذي يجب علينا تنفيذه تبعاً لأوامر وارادة مرسلنا.
الروحانية – تعرفنا ما هو الوجود وما الغاية من ايجاده.
الروحانية – تعرفنا اين كنا قبل مجيئنا الى هذا العالم والی این سنذهب بعد انقضاء ايامنا المعدودات .
الروحانية – تعرفنا معنى كلمة الشر وكيف كان ابتداء وجوده.
الروحانية – تعرفنا ايضاً اننا حشرة صغيرة تدب على هذه الكرة الحقيرة ولغاية سامية جداً وإلا لما وجدنا ..
الروحانية .. تعرفنا لماذا نحن نحب وما سبب البغض الذي يتمكن من قلوبنا .
الروحانية – تكشف لنا اسرار الازل والخلود وكل سرّ خفي مكين .
الروحانية – تميط لنا اللثام عما لا يمكن ان تصل اليه افهام الحكماء والعظماء
الروحانية – لغز خفي للرجل الغير الروحاني وبعكس ذلك لمن كان روحانياً
الروحانية – بتعلُّمنا ايَّاها يبعد عنا كل ما ينتج عنه الشرّ فنقرب بعده الى الخير .
الروحانية – تزيل عن اعيننا غشاوة الجهل وتلبسها ثوباً من نور المعرفة الابدي السطوع ..
الروحانية – فيض الهي ينعم به الخالق على من يطلبون معرفة الحقيقة الكامنة.
الروحانية – غيث الهي يفيض بدون انقطاع.
الروحانية – كوثر عذب يقبل عليه الروحاني بشغف وشوق.
متى عمت الروحانية يعم الصلاح وتبتعد الويلات وتبطل الحروب ويزول الحقد من البشر ويعم السلام اذ يعرف الجميع ما هي الغاية الاساسية لوجوده على هذه الارض ولا تعود المطامع الدنيوية لتتغلَّب عليه فيصير كأنه الحمل الوديع الهاديء ولا يطمح للدنيويات كالسابق بل تجتذبه الروحيَّات فيسرع اليها كي يصلها باسرع ما يمكنه الاسراع …
وفي النهاية اقول :
ان الروحانيَّة يجب ان تعم ارجاء هذا الكون وتفيض عيله فيعم السلام والآخاء والحب وكل متعلقات ذلك فنصبح وكأن الارض في السماء .
خلود الروح
وامكان استحضارها ومناجاتها و للدكتور داهش ،
نقلا عن مجلة ( الآخاء » عدد مارس سنة ١٩٣٤ بتوقيع تائب :
” … كل نفس ناطقة من شأنها أن تتشكك في كل أمر يجيء إدراكه فوق مقدورها اذا كان أوسع مما تحيط به او مما لا يقع في دائرة حسها وهذا امر قد فرغ البحث فيه بتواتر الشواهد والمشاهدات.
ولم يقف هذا التشكك عند حد الامور الغريبة فقط بل يتناول الديانات والمباديء والمذاهب وما الى ذلك مما يستند الى اصل سماوي او أخلاقي او اجتماعي ولم ينكر احد ما تعرض اليه الانبياء المرسلون في بدء دعوتهم من الأذى وما تحملوه من المشقة في الاقناع، بل نرى ان أصحاب المبادي السياسية يلاقون مثل ذلك وكل مصلح يعمل عملاً غريباً ويطلب امراً غير مألوف يجد ما وجدوه .”
واما علم مناجاة الارواح فانه لم يعدُ هذه الامور لغرابته وعجز النفس عن ادراك كنهه ولهذا السبب ترى القائمين بمناجاة الارواح واحضارها والمشتغلين بعلم الروح يلاقون ما يلاقيه المصلحون في بدء دعوتهم وذلك ليس لانهم على غير حق بل لان هذا الأمر قد جاء غريباً على النفوس ليس في مقدورها إدراك حقيقته ولو وصل الشعب الى درجة الرقي العلمي فتوسَّعت مدار كه واشرف على حقائق هذا الكون الآهل بكل غريب كما نفر هذه النفرة وتشكك هذا التشكك فانا نرى الأوربيين تقام بينهم جماعات لدرس هذا العلم يؤمها الألوف من الطلاب والطالبات ولا يسمع منهم صوت ينعي على القائمين بهذا العلم، بل نرى ذلك على النقيض مما عندنا لا يدخر احدهم وسعاً في تشجيع هذا الامر والحث على استكمال فروعه ليصل الى درجة الاتقان والثبات.
لا نحاول البرهنة عن اثبات وجود هذا العلم واثبات العمل به في مختلف بقاع الارض فان ذلك قد تكفل به العلماء الذين وقفوا انفسهم على التخصص به والانقطاع له وهم كثيرون في سائر الممالك الراقية المتعلمة وقد تكفل به ايضاً الكتب المؤلفة بهذا العلم وهي أكثر من ان تحصى على اختلاف لغاتها ومناحيها انما نريد اثبات ذلك عن طريق الحس والمشاهدة.
وهذا افضل برهان للاقناع في الوقت الحاضر وقبل البدء في شرح هذا البرهان ألفت النظر إلى ما جاءت به الكتب المقدسة والمذاهب الدينية المختلفة فقد ورد في التوراة والانجيل المقدمين وفي القرآن الكريم الشيء الكثير ولأمر ما قامت فرقة من فرق الاسلام تقول بحلول الارواح في اجساد أخر بعد موتها ومن يراجع كتب على كثير من علم الروح ويتلاشى تشككه .
*
قل لي بربّك ما هو الذي يقف بك على حديث ذي شجون جرى في المنام بينك وبين شخص قد توفى منذ عشرات السنين ثم لا تلبث بعد صحوك ان تتفهم كل كلمة ذكرت في ذلك الحديث بل تتبين ملامح محدثك وحالته ولباسه وهيئته ثم تأخذ تقص على الناس ما رأيت وما سمعت كأنه حقيقة راهنة وأمر واقع محسوس وكثيراً ما تصادف في حال صحوك ما يقابل تلك الحالة المنامية مقابلة تامة فتذكر ان منامك قد تفسر ، افيعقل في مثل هذه الحالة ان تقول انك حادثت فلاناً المتوفى منذ عشرات السنين بجسمه وبلباسه وصحته وكامل هيئته ؟ او هي التي اوصلت اليك هذا الحديث ؟
ثم ما السر الذي جعلك تحفظ ما قيل في الصباح ولا تنسى منه قليلاً ولا كثيراً ، أو ليس لان روحيكما قد تقابلتا فتعارفتا فتحادثتا ؟ ان هذا لمحسوس، ولا يشك به العاقل فاذا ثبت هذا فما يمنعك من ان تصدق ان الحالة التنويم المغناطيسي هي حالة تشبه النوم تماماً ان لم تكن هو نفسه ؟
وبعد هذا ، فهل من مانع يجعلك تصدق مخاطبة الارواح بواسطة ذلك الوسيط ( النائم ، في حين ان التنويم المغناطيسي هو علم أوسع بكثير من علم قائم بذاته ، له قواعده وفروعه وهو حالة النوم الطبيعي العادي لما يعتري النائم من حالة معدوية واضطراب فكري اما النائم نوماً غير طبيعي فله كامل حواسه وسلامته من كل عامل ومؤثر في اعصاب فكره ومعدته فيتفرغ بعد انفصال روحه وارسالها في عالم الفضاء الى إدراك ما تصادفه روحه من عالم الارواح وتفهم ما يقال لها وعلم ما تقوله لغيرها ؟
ثم هبك جالساً منفرداً وقد سكن كل شيء حولك او مستلقياً على فراشك بقصد راحتك وليس للنوم فلا تشعر الا وانت في عالم اخر قد انفصلت روحك اليه فترى اناساً ليسوا بقربك واشياء لم تكن تفكر بها فتحادث اشخاصاً او تبتاع عقاراً أو سلعاً وتحس بلذة الغنى والسعادة أو بمرارة الفقر والشقاء بل قد تتجاوز هذه الحالة فتجول الافاق وتدبر الطرق للوصول الى غرضك وتختط خططاً لبلوغ غايتك التي عرضت – لك ساعتئذ ثم تحس بحرارة عملك هذا وانت سابح في تلك الافلاك فتشترك معك بعض جوارحك فتمد يدك مسلماً او مهدداً او تتكلم بكلام لا يفهمه من يكون حولك او يظهر السرور على اسارير وجهك ، كل هذا وانت في فراشك او مقعدك لم تعد غرفتك ولم تنتبه الى ما كان امامك وربما وضعت بجانبك لفافة تبغ فتلاشت وانت سارح في غير عالمك حتى تتنبه لعامل قوي مزعج مؤثر في ارجاع روحك الى حالتك الأولى وتشعر تماماً بكل ما قلته وما قيل لك في تلك الرحلة.
ألم يشعر كل واحد منا بمثل تلك الحالة التي قد تعرض للواحد أكثر من مرة في الوقت القصير ؟ انها حالة تشبه من وجوه عديدة حالة التنويم المغناطيسي الا انها حدثت بدون مؤثر مشاهد كالمنوم مثلا ، اما ان تلك الحالة قد حدثت بمؤثر داخلي عندك كنت انت نفسك الوسيط فيها فهو امر غير مشكوك به .
وبعد . فان بقيت في القاريء الكريم بقية شك مما ذكر فعليه ان يقرأ الكتب الكثيرة الموضوعة في التنويم المغناطيسي وهي بكل لغة وفي متناول كل انسان.
ثم ان الروح خالدة قبل وجودها في جسم ما وبعد مفارقتها لذلك الجسم، يؤيد هذا سائر الاديان بدون تفريق بينها، فاذن فهي موجودة حقيقة واذا كانت موجودة فامكان مكالمتها اذن هو ميسور . “
وهنا ينتقل الكلام الى صاحب التوقيع مع تخلل كلامه بشيء من تعاليم الدكتور داهش فيقول :
“… واني اذكر لك عدة حوادث وقفت عليها بنفسي في مناجاة الارواح ويمكنك ان تقف عليها انت ايضاً وهي ليست مما ينتجه الوهم والخيال بل هي حقائق لا شك فيها واليكها :
عقد الدكتور داهش بك جلسة روحانية كنت انا والدكتور س س في القدس حاضرين معه ففي تلك الجلسة حضرت نفس نابوليون بونابرت وقد أسدت الينا نصائح مفيدة جداً مساعدة لنا لدرجة جعلتنا معها ان نطلب لها الرحمة والترقي لانها ميالة بكليتها الى الخير .
وفي هذه الجلسة نفسها حضرت نفس المغفور له سعد زغلول باشا وكانت بمنتهى الرقة واللطف والتواضع وقد قالت لنا ان روحه قد طاف وزارات سائر الاماكن التي كان قد زارها زغلول باشا في حالة حياته وبعودته جذب روحه سيال الوسيط الدكتور داهش بك فجاء بدوره ليزوره فقمت انا وحييت بطل مصر ثم سألته عن درجته في عالم الارواح فاجاب : لا بأس بها ثم سألته هل في مقدوره الآن ان ينبئنا عن حالة مصر الحاضرة فأجاب : انني كنت عازماً على التحدث معكم بهذا الشأن الا انني اخذت اشارة روحية في هذه اللحظة تمنعني من الخوض في هذا البحث ، ولكنه قال : ان مصر الآن تجتاز ازمة شديدة ( اي في ذلك الحين ) وقد اوصانا وصية صالحة نافعة ، ثم سألته هل نقدر أن نكتب أقواله هذه فسمح بذلك ورغب الينا ان ننشر ذلك في صحف مصر اعترافاً بحقيقة وجود الأرواح وخلودها .
وفي تلك الجلسة نفسها حضر روح المسيو انطوان مزمر وهو واضع اصول علم التنويم المغناطيسي في عهده فقال بتواضع ولطف :
” لقد ابتدأت بتجاربي في علم التنويم المغناطيسي سنة ۱۷۳۳ ( اي السنة التي وضعت فيها القواعد الأولية لهذا العلم ) وقد تقدم هذا العلم تقدماً محسوساً لا ينكره احد وانني مطمئن على ان هذا العلم سيتقدم ايضاً وان هناك بعض امور تتعلق بهذا العلم قد وضعت معه ولم يبح بها لاحد من الناس “.
هذه حقائق ثابتة لا يعتريها الوهم ولا الشك وبما يدل على صحتها ان الدكتور داهش وسيط هذه الجلسة لم يكن ماسونياً ولم يكن يعلم شيئاً عن اسرار الماسونية وقد حضر روح اللورد كاجليسترو وتكلم لنا عن الدور الذي لعبه في الثورة الافرنسية ثم قال :
” انني كنت رئيساً لعدة محافل ماسونية ، عندها تبادلنا مع ذلك الروح السلام الماسوني على الدرجات الثلاث وحسب الطريقة الاسكوتلاندية انا والدكتور س س في القدس والروح معاً … “
ثم ان علم الارواح هذا هو عامل فعال في تهذيب النفوس و اصلاحها وذلك لان الارواح على طبقات ثلاث :
الاولى – الارواح السفلية وهي التي تغلبت عليها المادة فمالت الى الشر وهي إما نجسة وديدنها الشر والقاء الخصومة واما طائشة تحب الخلاعة والخفة والتلاعب ، واما متكبرة بمعارفها القليلة فتتعامى عن الحق واما عقيمة لا تصلح لخير ولا لشر ، ولله فيها شؤون .
الثانية – الارواح العلوية وهي التي لها سلطان على المادة تحب الخير وتبتعد عن الرذائل وهي اما صالحة توصف بالجودة وحب الصلاح وإلهام الافكار الحسنة ومعارفها قليلة وترقيها العقلي دون ترقيها الادبي ، واما حكيمة وهي حميدة لانقص فيها وعلومها اوفر اتساعاً واغزر مادة ، واما رفيعة جمعت بين الحكمة والعلم والفضيلة ولا تلقي تعاليمها الا لمن طلب الحق بخلوص نية وجرّد قلبه من المطامع الدنيوية .
الثالثة – الارواح النقية وهي التي قد بلغت ذروة الكمال و تجرَّدت عن كل نقص ولم يعد للمادة ادنى تأثير فيها فأصبحت معاينة الله مغتبطة به.
وهذا ما يدل بالبداهة على ان الهدف الاسمى للارواح نفسها انما هو ابعاد الخلق عن كل رذيلة والاخذ بيدهم الى كل فضيلة والهامهم الافكار النافعة لبني الانسان في تقرب العبد من ربّه وفى خلوص قلبه من عوامل الشر والفساد. ولا اذهب بالقاريء الكريم بعيداً في طريق البرهنة على ذلك فانني انا نفسي كنت قد عملت ما يعمله كل شاب في سني، غرته هذه الحياة وبهرجة من فيها وكنت ممن قد استولت على روحهم دوافع الشهوة وعوامل الطيش وممن لا يعرفون للصلاة وسائر العبادات معنى بل كنت ممن يهزأون بالصائمين وقائمي الليل وأعدهم من طبقة المجانين ، ثم على اثر حضوري اول جلسة روحية ذهبت اليها وانا مشبع بما وصفته آنفاً، تبدل كل ذلك في نفسي منذ اطلاعي على حقائق ما يجري في تلك الجلسة حتى تلاشى من نفسي كل اثر لماضيها واصبحت اشرف مثال للشاب الصالح المتدين الذي لا يفوته فرض في وقته ولا عمل خير يعرض عليه دون ان يستفيد منه ، لا اقول هذا مدحاً لنفسي بل هي الحقيقة المجرَّدة ساقني لذكرها البرهان على صدق دعواي.
يقول علماء النفس ان العادة لا يمكن استبدالها إلا بعوامل الميل والعمل المتكرّر فما قولهم في هذا الانقلاب الغريب السريع ذي الطفرة من الشقاء والشقاوة الى الصلاة والسعادة وهل هذا الأمر في مقدور عمل النفس تحديده او اظهار عوامله و كنهه ام هو فوق ذلك ؟
اقول هذا وهو حقيقة ثابتة ليعلم المتشككون في علم الارواح ان فوق مقدورهم ادراك ذلك بل هو فوق مقدور – العلم المسلم بنظرياته والمعترف بصدق تطبيقاته علهم يرجعون الى الحق وفي رجوعهم اليه فضيلة.
وهل بعد هذا كله يظل المكابرون متمسكين باقوال هي الى الهراء أقرب منها الى النقد النزيه الشريف ؟ وهل يبقى لديهم من الوهم ما يحملهم على التضليل وإبعاد الشقة بين الشك واليقين – وهذا الانقلاب الروحي الذي حدثتك عنه لم يحصل لي وحدي بل كان صديقي الدكتور س س مثلي تماماً في نزعاته وميوله واهوائه ويزيد عني في انه كان ملحداً فاصبح الان – مؤمناً ايمانا تاماً باراً نقياً .
فاذا كان هذا الاصلاح النفسي والصلاح قد حصلا لي ولصديقي بمجرد حضورنا الجلسات الروحية فما رأيك في الـ الوسيط والمحضّر وهو الدكتور داهش بك : فان من تحلُّ فيه تلك الارواح العلوية وتتكلم بلسانه وتقبل المجيء بناء على طلبه ( وهذه نعمة من نعم الله ) لهو اسمى بكثير ممن نفوسهم قد تدنست وهذا يدلُّ بوضوح على ان الدكتور داهش هو من عنصر صالح فى الأصل منذ نشأته وهو ليس انه لم يتدنس فقط بل ولا يمكن ان يخطر شيء من الدَّنس بباله اصلا.
وبالمقابلة ان روح توت عنخ آمون قد حضر في احدى الجلسات وقال لنا يجب ان تكونوا متواضعين مبتعدين عن الشر مواظبين على الصلاة .
واذكر انني حضرت احدى الجلسات وكان الوسيط غير الدكتور داهش فحضر روح بصورة معذبة مضطربة وكان الوسيط يتمثل بذلك الروح فأخذ في قطع شعر رأسه وقد جحظت عيناه ورجفت ركبتاه واصفر لونه فادركنا ان روحاً غريباً سفلياً ( لغاية ربَّانية ) قد حضر امامنا فاقسمنا عليه ان يُعلمنا من هو فقال : راسبوتين ، راسبوتين ! لقد كان خراب روسيا على يديّ وبسيبي أزهقت ارواح كثيرة وهي بريئة وارتكبت من الشرور ما لا يقع تحت حصر.
وكان صوته صوت المتعذب المتألم الامر الذي دعانا للعطف عليه فقلنا له لا تيأس من رحمة الله وسندعوا لك . فقال : لقد عوملت باقصى درجات العذاب فلن تقبل لي شفاعة ، ولن يتقبل لاجلي صلاة !
ثم فارقنا الروح وترك في نفوسنا صورة ظالمة للالم والمرارة.
فهذا يدل صراحة على ان علم مناجاة الارواح انما هو علم مفيد في إصلاح الخلق وهو داع لخير الانسان وسعادته ، وانه عامل قوي لمحو الجرائم وقتل الميل الى الشر، وكل ذلك ينطبق على الشرائع السماوية المقدسة التي جاءت حاثة عليه .
اقوال الصحف
خمسون صحيفة بين مجلة وجريدة من عربية واجنبية تكلمت عن الدكتور داهش بك ونقلت عنه الاحاديث الروحية والاخلاقية نكتفي باربعة منها فقط وهي :
١ – الصباح ، مصرية
۲ الدفاع ، فلسطينية
– الأخاء سورية ، وقد مر موضوعها ( خلود الروح )
٤ – النداء ، لبنانية
————–
الدكتور داهش في باريس
درجت جريدة الصباح بعددها ۲۲۱ تاريخ ۱۹ ديسمبر سنة ۱۹۳۰ تحت عنوان ” داهش بك يدفن نفسه سبعة ايام بلياليها ” الكلمة الآتية :
لم يعد احد من قراء العربية يجهل الدكتور داهش بك المنوم المغناطيسي الشهير والعالم الروحاني القدير مكتشف اسرار هوديني الخارقة مع اعمال فقراء الهند ومتصوفي الهندوسيين والمبتدع اعمالا شاذة لا يقبلها العقل ويأبى ان يصدقها لشدة غرابتها والدكتور داهش رغم صغر سنه قد تفوق على كل من سبقه بهذا المضمار حتى سمي بحق – ملك التنويم المغناطيسي وشيخ فقراء الهند وسحرتهم – وقد عرف القراء انه قبل مضي شهرين ذاعت شهرة الدكتور داهش وطبق صيته الافاق وراحت امهات الصحف الفرنسية والمصرية تكتب عنه الفصول الطوال ذاكرة مقدرته العجيبة في هذا العلم وقد وصل الى الصحف مقالات عديدة من اطباء وعلماء شاهدوا جلسات روحانية ومغاطيسية من الدكتور بأنفسهم فأرسلوا ما شاهدوه من الغريب كي تنشر للملأ ومنها مقالان وصلا لادارتنا ونشرتها جريدة الصباح في حينها ولم يقتصر الامر على ذلك فان لجنة جمعية المباحث النفسية الفرنسية أرسلت الى الدكتور كي يقوم امامها بتجاربه العجيبة ومنها ان يدفن نفسه لمدة سبعة ايام بلياليها وقد نشرنا هذا الخبر ايضاً، فلبّي الدكتور طلب اللجنة المذكورة وسافر على متن طيارة أرسلت خصيصاً كي تقلّه بسرعة تصحبه وسيطته الآنسة الحسناء انطوانت ، وقد استدعت اللجنة حين وصوله لجنة من الاطباء كي تقوم بفحصه طبياً وعند انتهاء الفحص القى الدكتور نفسه بالغيبوبة المغناطيسية ووضع بصندوق حديدي متّقن الاحكام ودُفن على عمق مترين بمكان خصص قبلا ووضع مقياس خاص على المكان الذي دفن فيه الى حين الانتهاء. وقد حضر هذه التجربة الخارقة ما ينوف عن مائة وخمسين – روحانياً – اربعة منهم من اساتذة السوربون وكلهم موقنون بأنه سوف لا تقوم للدكتور قائمة بعدها.
وقد كشف الاطباء عليه بعد مرور المدة واجمعوا أراءهم على انه قد مات ولكن لم تمض بضع دقائق حتى تحرك ورفع رأسه ودبَّت الحرارة في جسمه ثم انتصب والابتسامة على وجهه وقد منحته الجمعية لقب ملك التنويم المغناطيسي وشيخ فقراء الهند وسحرتهم العالم الدكتور داهش بك .
اعجاب الامراء بالدكتور داهش
” الصباح أيضاً” ،
وقد كتبت هذه الجريدة ايضاً في عددها ٢٤٣ تاريخ ۲۲ مايو سنة ١٩٣١ المقال التالى تحت عنوان ( الدكتور داهش).
لم نكن مخطئين عندما نظرنا الى الدكتور داهش نظرة الواثقين بكفاءته النادرة وقدرته الفذّة فقد اثبتت الايام القليلة التي قضاها الدكتور داهش بين ظهرانينا قدرته الخارقة ونمكنه المدهش في فنه .
زار مصر كثيرون من العلماء الروحانيين ومن يلجأون الى التنويم المغناطيسي لهتك اسرار الغيب والتنبوء بما يقع في المستقبل فلم يجد المصريون بين هؤلاء جميعاً مثل ما وجدوه في الدكتور داهش بك ولم يظفروا بمثل قدرته على اتيان الاعاجيب من امان واحلام والتكهن بما سيحدث قبل حدوثه وحلّ كل غامض وتفسير كل مُبهم والتعبير عما تكنه صدور الغير.
شاهدت الجماهير هذه الاعاجيب التي دانت لقوة الدكتور القادر وكان اسمه حديث الالسنة في المجالس العامة والمنتديات والمجامع حتى في المنازل فمن رأى دفعته الدهشة الى ان يروي لغيره ما شاهده ، ومن سمع نقل هذا الحديث الى غيره ايضاً وهكذا بات الدكتور داهش علماً من الاعلام بعد ان عرض فنه على انظار الجمهور لا لبس فيه ولا غموض ولا ابهام فكان على المسرح يحدث المتفرجين بما يجول في خواطرهم ويسميهم بأسمائهم وهم ممن لم تربطه به صلة سابقة ولا معرفة قديمة .
وقد وصلت اخبار الدكتور العجيب إلى مسامع عظماء رجال الدولة فكان موضع دهشتهم وتقديرهم حتى ان حضرة صاحب السمو الامير يوسف كمال استدعاه اليه في قصره العامر قبيل سفره في رحلة خارج القطر بأيام قليلة وطلب منه الكشف عما ستسفر هذه الرحلة وغير ذلك من شؤون الامير الخاصة فكان الدكتور كعادته بعيداً في نظراته صائباً في رأيه دقيقاً في تعبيراته صادقاً في نبؤاته وتكهناته وكان طوال المدة التي قضاها في حضرة الامير الجليل موضع اكرامه وتكريمه وابدى له سمو الأمير دهشته من مقدرته الخارقة وقوته النادرة .
ولعمري ان التقدير الذي حظي به الدكتور داهش من جميع طبقات الامة والاعجاب الذي استأثر به دون سواه من العلماء الروحانيين لم يكن من عفو الخاطر ولا من نتاج الحظ والبخت ولكن الدكتور قد وصل الى هذه الذروة بفضل جده واجتهاده وثباته ولما اظهره للمصريين من تمكنه في فن التنويم المغناطيسي.
ونحن لا ننكر ان بين هؤلاء الذين يدعون العلم بغوامض الاسرار دجالين مشعوذين يوهمون السذج والبسطاء انهم على شيء من العلم والمعرفة لكن سرعان ما ينكشف امرهم ويتبين الجمهور حقيقتهم فيتفرق عن تدجيلهم وشعوذتهم فان حبل الكذب دائماً قصير وثوب الرياء يشف عما تحته .
اما الدكتور داهش بك فقد حضر إلى مصر حضور العالم المتمكن من علمه وظهر على المسارح المصرية ظهور الواثق من نفسه وكان طبيعياً ان تتكلل مجهوداته بالنجاح وان يظفر بهذه المكانة الرفيعة التي لم يظفر بها احد قبله.
الدكتور داهش في رومه
“جريدة الدفاع”
الدفاع ١٢ / ٤ / ١٩٣٥
حيفا في 11 نيسان لمراسلنا الخاص :
“اتصل بنا من مصدر له صلة بالدكتور داهش بك ان الدكتور حين وصوله رومه لاخذ مناظر فلمه العجيب الذي كنت اخبرتكم عنه، اجتمع هناك بسعادة وزير العراق المفوض مزاحم بك الباجه جي الذي ما ان سمع بوجود الدكتور داهش في رومه حتى دعاه الى اقامة حفلة ساهرة قام فيها الدكتور بالغرائب والمدهشات وقد تسربت اخبار هذه المدهشات الى قداسة البابا بيوس الحادي عشر في قصر الفاتيكان فدعا الدكتور للاجتماع اليه يوم ٥ ابريل الحالي ( اي آنذاك ) واستغرق الاجتماع وقتاً طويلا كان فيه الدكتور موضع الحفاوة والاعجاب.
الدكتور داهش في فلسطين
استحضار الارواح شعوذة ام علم ؟
“جريدة النداء”
النداء 4 تشرين الثاني / ١٩٣٦
نشرنا في عدد مضى بحثاً طويلا في الارواح وقد اطلع عليه احد قرائنا الافاضل الدكتور سليمان سليم طبيب الصحة في القدس فارسل الينا مقالاً يتناول هذا البحث ننشره ليطلع قراؤنا على ما يجري في محافل العالم ونحن لا ندعم رأياً منه ولا ننكره في مثل هذا المقام الضيق ، ويرى القراء ان في المقال ذكراً لرجل يدعى داهش بك ذكرت الصحف المصرية كثيراً من اعماله العجيبة وسننشر غداً صورته مع بعض اعماله تلك.
وهذا هو المقال :
: منذ عشرين سنة ابتدأ فريق كبير من الفلاسفة والعلماء درس مظاهر النفس البشرية درساً علمياً دقيقاً ومضوا يجمعون الأدلة القاطعة على وجود قوى روحية غير منظورة لا تزال طي الغموض والابهام .
ومن اهم ابحاثهم الروحية مسألة الاستهواء والتنويم المغناطيسي وقراءة الافكار ومعرفة الماضي والشعور بالشيء قبل وقوعه والشعور مع الغائب في ساعات الخطر الخ …
واهم هذه المباحث جميعاً قضية استحضار الارواح بالاستهواء ومناجاتها ومعرفة المستقبل بواسطتها وشفاء الامراض العصبية المزمنة على طريقة الاستهواء والسيطرة على ارادة المرضى بواسطة الروح حتى اصبح هذا البحث علماً مستقلا له شروطه ومناهجه الخاصة.
ورغم ان هذا العلم – علم استحضار الارواح ومناجاتها – لم يزل في بداية نشأته فان التقدم الذي اصابه في بضع عشرة سنة جعل كثيرين يعتقدون ويصدقون وقائعه الغربية فلا يجرأون على تكذيب واحدة منها .
وقد ظهر علماء كثيرون في أوربا واميركا اعتقدوا بظهور الارواح ومناجاتها وكتبوا في هذا الصدد مقالات وفصولا مسهبة منهم السر أرثر كونان دويل الكاتب الانكليزي الذائع الصيت وهو من اشد الناس ايماناً بمناجاة الارواح ومخاطبتها واتصالها بالاحياء . ومنهم السير اوليفر لودج وألن كاردك والمستر ستيد صاحب مجلة المجلات الانكليزية وغيرهم من كبار العلماء.
كتب هؤلاء وكثيرون سواهم الفصول الطوال في استحضار الارواح ومخاطبتها ومناجاتها ومضوا ينشرون بهذا العلم ويذيعون حوادث العالم الروحي في الصحف والمجلات المصرية وسواها من صحف البلاد العربية الاخرى حتى ذاع هذا العلم بين جميع الطبقات في اصقاع العالم وكثر اهتمام العالم كله به.
ولا نبرح اليوم نطالع في كثير من المجلات والمؤلفات العلمية والمباحث الشائقة عن كيفية استحضار الروح بواسطة التنويم المغناطيسي والاستهواء الروحي وكيفية مخاطبتها والتحدث اليها عن شؤون العالم وحوادث الماضي والمستقبل والشؤون الخاصة الاخرى وكنا نطالع هذه المقالات والمباحث مطالعة سطحية بدون اكتراث لعدم اعتقادنا بهذا العلم الذي لم نكن نحسبه سوى اوهام وخزعبلات لا حقيقة له.ا
وهذا ما يقوله منكرو علم الارواح فهم يعتقدون ان مناجاة الروح ليس الا تدجيلا وشعوذة ويعلمونه بتأثر الاعصاب بالمظاهر والاقوال وانتقال هذا التأثر الى العقل الباطني يكون سبباً لحدوث حالة فكرية استثنائية يسهل معها نصور المرئيات على غير حقيقتها الواقعة أو تخيل الاشباح الوهمية ومخاطبتها والتحدث اليها .
ولكن كثيرين من منكري استحضار الارواح عادوا عن انكارهم واصبحوا يؤمنون بهذا العلم بعد ان شاهدوا بانفسهم الوقائع العديدة وفحصوها بدقة وصاروا يعتقدون به اعتقاداً جازماً.
وكنت انا ممن ينكرون هذا العلم الى ان اجتمعت الى المنوم المغناطيسي والعالم الروحي داهش بك وتحدثت اليه ووقفت على كثير من الحوادث بنفسي مما لم يسعني كما انه لا يسع غيري من خصوم علم الارواح لمنع وقوع الغش او التلاعب ولكن ذلك قد ذهب سدى ولم يبق لنا الا الاعتراف علناً بهذه الوقائع والتي هي اشبه بالمعجزات.
وها نحن نعرض هذه الحوداث على القراء كما وقعت :
(۲)
اختفاء المنوم
اعلن الدكتور داهش المنوم المغناطيسي انه سيختفي من بينهم فجأة وطلب منا ان نمسك به جميعنا قبل اختفائه فامسكنا به من جميع اطرافه فما لبثنا ونحن قابضون عليه ان فقدناه فلم نعد نراه ولا نسمع له صوتا الى ان كلمنا من علٍ، فاذا هو يتبختر في فضاء الغرفة كأنه يسير على الارض .
(۲)
رؤيا مزعجة
وبينما نحن في اشد حالات الاستغراب قال الدكتور داهش الآن سترون اشياء اخرى تحضر في بضع ثوان ولم يكد يتم كلمته حتى شاهدنا في فناء الغرفة عشرات من الصفائح الملآنة والفارغة وزجاجات من الخمر المعتقة مختومة مع قطع من السجاد وحرامات وشراشف ووسائد واسلحة نارية كانت تنطلق من نفسها وصداها يدوي في ارجاء المكان حتى ان رجال الأمن قد خفُّوا على صوتها الى المكان ظناً منهم انه قد حدث فيه حادث ما ولكنهم لسوء الحظ لم يعثروا على شيء.
والغريب في ذلك ان هذه الاشياء التي شاهدناها كانت منضدة بعضها فوق بعض بحيث يتعذر على اي شخص كان ان يرتبها على هذه الصورة في بضع ثوان .
(۳)
اغاني وطيور
وبعد ذلك بدأنا نسمع اصواتاً موسيقية واغاني عذبة وأناشيد مطربة تأخذ بمجامع القلوب ثم ظهر في ذات الوقت طيور حيَّة تحفُّ بأجنحتها حفيفاً في سماء الغرفة وتغرد تغاريد شجية.
(٤)
جلب محفظة من الخارج
وهنا سأله احدنا . هل بامكان الارواح ان تأتينا بأشياء من الخارج ؟
فاجاب : نعم ولكن بشرط ان تكون تلك الاشياء المطلوبة ملكاً لأحدكم . فقال السائل يوجد عندي في الصندوق الحديدي ملف يحتوي أسراراً ومعاملات تتعلق بي فهل لك ان تأتيني بها ؟
وكم كانت دهشتنا عظيمة عندما رأينا الملف بين يدي الدكتور بعد ثوان معدودة وهو يقلبه في محتوياته ثم ناولها له وبعد ان تحقق منها على انفراد أكد لنا بأنها هي الاوراق المطلوبة.
(٥)
شرح وتعليل
وسأل احد الحاضرين الدكتور داهش بك ، لماذا لا يجلب الحلى والجواهر الثمينة . والاموال لنفسه ما دام باستطاعته جلب كل ما يريد بواسطة الارواح وبذلك يصبح مثريا عظيما ؟ ولماذا لا تستخدم الارواح في معرفة حقائق العلوم والوجود بينما يقضي العلماء ايامهم الطويلة في بحثها وتحقيقها ؟ وما هو تعليل هذه المعجزات الروحية التي يشهدونها في علم استحضار الأرواح؟
عندئذ اخذ الدكتور يشرح بعض الحوادث ويعللها ثم قال: انه لا يستطيع جلب كل شيء من الخارج مهما كان تافهاً الا اذا كان ملكاً للسائل .
وهو لا يستطيع اجراء ذلك الا في سبيل الاثبات والبرهان على مقدرة الارواح وصحة هذه الاعمال وصدقها.
الدكتور داهش قبل الرسالة
ولادته ، نشأته ، فقرات متفرقة عن تاريخه الدكتور داهش هو سليم بن موسى الياس اليشي ( اي البشع نسبة الى النبي إليشع المعروف بالتوراة ) وقد تحرفت الكلمة الى ( العشي ) وصار يعرف بها وامه شموني بنت حنا كانون .
ولد في مدينة القدس بحي باب العامود بتاريخ ١٢ حزيران ۱۹۱۲ ، وهو الرابع بين اخوانه واخواته ، اما اخوانه فقد ولدوا بعده وماتوا واما اخواته فهن جميلة واليصابات ووديعة وانطوانيت .
ولما بدأ يمشي ترك والداه القدس وأتيا به حيفا ثم بيروت فسكنوا حي المصيطبة في بيت جرجي ناصيف وكان ابوه بشتغل في مطبعة الاميركان في هذه المدينة الى ان توفي ودفن في مصحّ هملن في الشبانية عام ١٩٢٠ والدكتور داهش حينذاك ما يزال في السنة الثامنة من عمره.
وبعد وفاة والديه ذهبت والدته الى طرابلس الشام ترافق شقيقته الكبرى جميلة التي كانت تتعلم هناك في مدرسة البنات الاميركية وقد ذهبت وديعة واليصابات الى بيت خالتها في القدس واما الدكتور وانطوانيت فقد توجَّها الى مدرسة الاميركان في غزير حيث صرف الدكتور عام الدراسة كاملا وكان فيها السباق في كل دروسه كما كان شأنه في الالعاب الرياضية وبما انه كان دائماً نحيل الجسم منحرف الصحة فقد اضطر الى ترك المدرسة في نهاية ۱۹۲۱ ورجع الى طرابلس وانضم الى والدته وشقيقته الكبرى ثم غادرهما الى القدس ودخل فيها المدرسة ولم يلبث ان تركها لأسباب صحية فصرف طيلة عام ۱۹۲٣ بين الدخول الى المستشفى والخروج منه وقد اشتدت وطأة المرض عليه حتى قارب من الموت، ولكن العناية الربانية شاءت ان تعافيه .
وكان منذ عام ١٩٢٠ اي منذ السنة التاسعة من عمره قد بدأ يشعر بميل شديد الى الامور الروحانية والخوارق والمعجزات وقد اخذ يقوم ببعض منها بطريقة مدهشة دون ان يعرف لها مصدراً أو سبباً كقوله لأحد التلاميذ من رفقائه مثلا : ان أمك ستحضر اليك في يوم كذا وغير ذلك من النبوآت التي كانت تتم بالفعل ، ثم تلاوته امثولته غيباً امام المعلم دون ان يكون قد طالعها مرة واحدة ، الى غيرها وغيرها من الأمور التي كان شعوره الباطني يدله على صحة وقوعها دون ان يكون هو نفسه عارفاً لها مصدراً أو غاية .
وفي عام ١٩٢٤ كان الدكتور في بيروت فلم يغادرها الى غير مكان وقد اخذ يميل كل الميل الى الدخول في مدرسة كبرى غير ان حالة والدته المادية ما كانت لتسمح له بذلك فكان يضطر الى استئجار الكتب من المكاتب لمطالعته اياها في البيت برغبة شديدة ، وبنوع خاص الكتب الروحانية وقد كان بسهر الليالي الطوال مكباً على المطالعة.
وفي عام ۱۹۲٥ ظهر للدكتور داهش امور لم يكن يعرف لها مرجعاً يردها اليه وان اهله وانسباءهم نظراً لأميَّتهم ما كانوا ليتنبهوا الى شيء من ذلك منها : ان أمه وخالته كانتا تمنعانه من المطالعة على ضوء القنديل هرباً من زيادة المصروف الذي كانت حالتهم المادية لا تسمح لهما به ، فبينما كان ذات ليلة يطالع كتابا روحانياً اذا بخالته تسرع وتطفيء القنديل وتنام قسماً كبيراً من الليل ، ولكن كم كان غضبها شديداً عندما استيقظت ورأت الدكتور ما زال يقرأ على الضوء ، فأيقظت زوجها ومشت معه ليطفئا القنديل ولكنهما وقفا مذعورين عندما رأيا ان القنديل غير مُنار وان النور الساطع على صفحات الكتاب كان خارجا من عيني الدكتور لا من قنديلها ومع ذلك فلم يفقها من الامر شيئاً .
وحدث مرة اخرى ان خالته حرَّضت خاله على ان يمنع الدكتور من مطالعة احد الكتب الروحانية وكان هو يميل الى مطالعته كثيراً مُدعية ان هذا الكتاب مملوء من التعاليم الشيطانية التي تورث الدكتور – على زعمها – الجنون المريع لا محالة اذا بقي مثابراً على قراءته ، فقام خاله واخذ الكتاب في غياب الدكتور وصب عليه كازاً واشعل فيه النار حتى اصبح رماداً ومشى ولكنه صرخ دهشاً عندما التفت الى الموضع الذي حرق فيه الكتاب ورآه قد عاد سليماً كما كان ولا اثر للنار فيه ، ورغم هذا ايضاً لم يفهم الاثنان من الأمر شيئا . وفي عام ١٩٢٦ قام الدكتور داهش بأول حفلة في بيروت، وكان ذلك يوم عيد مار الياس الذي فيه تجتمع الجماهير الغفيرة في كل عام لزيارة مقام هذا القديس العظيم وهي الحفلة الأولى التي اجرى فيها بعض تجاربه واختباراته في اخفاء الاشياء واعادتها الى مكانها وتحويلها من حالة الى حالة.
-سنة ١٩٢٧ – في هذا العام كان الدكتور داهش في بيت لحم والاعمال التي عملها فيها كان قد سبق له وعملها في غيرها من مدن فلسطين مما دفع رجال بعض الرئاسات …
الى محاربته محاربة قوية فاخذوا يتهدَّدون كل من يتردَّد اليه مُعلنين ذلك من على منابرهم وقد كانت الاسباب التي دفعتهم الى ذلك قوله عنهم انهم لا يتبعون تعاليم سيدهم وعلى الخصوص كشفه الستار عن اعمال البعض منهم بواسطة القوى الروحية الكامنة فيه ، لهذا اخذوا يحذرون الشعب منه خوفاً من ان يطلع الناس على حقيقة أمرهم …
۱۹۲۸- في هذا العام كانت تجارب الدكتور داهش واختباراته قد اتسعت فقام ببعض الحفلات وصار معروفاً من العامة والخاصة.
وفي ٢ تشرين الثاني من هذا العام ابتدأ الدكتور للمرة الاولى في تنويم شقيقته انطوانيت وقد اصبحت بعد مرور شهر كامل تنام بصورة قطعية فاخذت تدخل عليها عن طريق الاستشارات والحفلات اموال لا بأس بها .
وفي هذا العام اخذ الدكتور يفكر متوكلا على الله في ما سيعمله كشفاء الامراض وكشف المُخبَّآت ، الى غير ذلك ، وفي هذا العام صار قادراً لان يعتمد على نفسه بينما كان قبلا يرى نفسه عاجزاً عن ذلك مهملا منذ صغره ومضطهداً من بعض افراد عائلته .
وفي 7 حزيران من هذا العام ايضاً قام بأول حفلة من نوع الفقيريزم ( الفقيرية ) أتى فيها بالغرائب من اعمال فقراء الهند.
۱۹۲۹ و ١٩٣٠ – في هذين العامين كانت شهرة الدكتور داهش قد اتَّسعت واصبح الناس يقصدونه من كل صوب ويدخل عليه من المال مبالغ طائلة فسافر مع شقيقته انطوانيت الى باريز ومكث فيها اربعة اشهر زار في خلالها معاهد العلم والتنويم المغناطيسي والجامعات النفسانية التي نال منها شهادة « دكتور » في ٢٢ ايار من السنة ذاتها ثم عاد الى القدس مع شقيقته المذكورة التي لم تفارقه مطلقاً منذ عام ١٩٢٨ وبعد رجوعه من باريز تتلمذ على يده في الروحانية بعض الاشخاص ولكنهم لعدم اهليتم وسفالة اخلاقهم طردوا شر طردة فقاموا يحملون عليه حملات مشينة في الجرائد .
۱۹۳۱ في اوائل هذا العام كان الدكتور داهش في بيروت وفي ٢١ كانون الثاني منه سافر الى القدس ومنها الى مصر حيث لاقى نجاحاً عظيماً جداً وكان زواره يُعدون بالألوف .
ولقد دعي من العائلة المالكة والامراء في مصر فصنع امامهم تجارب اشتهر بها هناك وكانت عودته منها الى القدس في ٢٣ حزيران .
۱۹۳۲ – قضى الدكتور داهش بضعة أشهر من هذا العام في حيفا وعكا قام فيهما ببعض حفلات نجحت كل النجاح ثم عاد بعد ذلك الى القدس وقد بدأ يستسلم الى تفكير عميق وتأملات كان يشعر فيها بطواريء روحانية دون ان بفقه لها سبباً .
۱۹۳۳ – في هذا العام أراد بعض الناس ان يفهموا شيئاً عن الروحانية ليدخلوا فيها فنصحهم الدكتور بان لا يقدموا على ذلك لعدم اهليتهم غير انهم اصروا على طلبهم متظاهرين بعكس ذلك ، وبعد الأخذ والرَّد صار ادخالهم واعطاؤهم بعض التعليمات الابتدائية وقد مرت سنة على وضعهم تحت مطرقة الاختبار.
وفي هذا العام تمت كتابة القطع التي تجمع كانت تحت اسم و أسرار الآلهة ) .
١٩٣٤ – في هذا العام كان الدكتور داهش في القدس وقد بدأ بكتابة قطع كتاب « القلب المحطم ، وكان يعطي بعضاً من تعاليمه إلى الاشخاص الذين احبُّوا ان يفهموا شيئاً عن الروحانية وهم ما يزالون تحت الامتحان .
وفي هذا العام بدأت ظاهرات روحانية ذكر فيها اشخاصاً سيدخلون الرسالة عام ١٩٤٢ وقد تم ذلك في حينه.
١٩٣٥ – في هذا العام سافر الدكتور الى القدس ايضاً مع شقيقته انطوانيت ثم إلى السودان ومنها عرج على مصر عن طريق وادي حلفا ومكث اسبوعاً كاملا فيها ثم اقبل الى فلسطين وغادرها وحده الى ايطاليا فباريس.
وفي شهر نيسان بينما كان في باريس أوحت له الارواح بان بعض الذين دخلوا الروحانية قد اخذت المادة تلعب في قلوبهم وامور الدنيا تلهيهم عن الاهداف الروحانية السامية فحزنت نفسه لهذا الامر وتألم كل الألم وقفل راجعاً الى فلسطين ، وفور وصوله اليها أخذ يؤنب هؤلاء الاشخاص تأنيباً موجعاً فبلغهم عدم اهليتهم للروحانية وقطع صلته وعاد الى لبنان .
– ١٩٣٦ في هذا العام وضع الدكتور داهش كتاب “كلمات ” ، الذي يبين فيه حالة المرأة السافلة وقيمتها المنحطة في المجتمع ، ثم اخذ يتنقل بين دمشق والقدس وكان يتألم في اعماق نفسه وتخيم الكتابة على سماء حياته ، والافكار المتضاربة تجول في رأسه المثقل باتعاب هذه الحياة القاسية ، كل ذلك كان لاجل خيانة الذين يحيطون به ، وقد مضت الايام تترى وهو يشاهد بألم وحزن شديدين ويرى ان النصائح لمثل هؤلاء الحمقى ضرب من المحال فأثر هذا في نفسيته كل التأثير حتى اعتلَّت صحته وقد اضطر الى دخول المستشفى في ٢٠ آذار من هذه السنة واشتد عليه الحال وبذل الاطباء كل جهد في سبيل شفائه.
ولما كانت العزة الالهية تريد ان تنفّذ على يده آياتها البينات أنقذته من براثن الموت مثلما حرسته في صغره من شتى الامراض ، ولما خرج من المستشفى ذهب رأساً الى لبنان لتغيير الهواء .
۱۹۳۷ في مطلع هذا العام حدثت امور اظهرت له وجوب الحذر من الأثمة الذين حاول ان يرقي نفوسهم ويطهر ارواحهم بتعاليمه الروحانية السامية .
۱۹۳۸ – في اواخر هذا العام ركب الدكتور داهش السيارة مع شقيقتيه انطوانيت ووديعة قاصداً مدينة بغداد فما وطأت قدماه ارض العراق وبلغ اعداؤه المطرودين خبر وصوله اليها حتى اخذت الرسائل المجرمة ترد الى دوائر الأمن العام والوزارات من داخلية وخارجية وفيها اشنع التهم واقبحها وبعد ان فحصتها الدوائر المختصة وحقَّقت بما جاء فيها تأكد لها انها حملة مجرمة تقوم بها شرذمة من اعداء صغار النفوس ، فعوضاً عن ان تصغي الحكومة اليها استدعت الدكتور داهش واكرمته كل الاكرام وخصوصاً بعد ان شاهدت اعماله العجيبة وسمو نفسه واخلاقه.
وقد دعاه الامراء والوزراء واكابر القوم الى منازلهم وضربوا بأقوال اعدائه عرض الحائط وقد كتبت الصحف المقالات المشبعة عن اعماله الغريبة المدهشة.
وبعد ان انتهى الدكتور من اعماله في العراق غادرها قافلا الى دمشق فوصلها في اليوم نفسه.
۱۹۳۹ – في هذا العام حدثت للدكتور داهش شتى المعاكسات فتألم لأمور كثيرة تناوبته ولم تدعه يعرف للراحة طعماً . وكانت الايام تمضي بسرعة وهو غارق في مكتبته بين اوراقه وكتبه الوفيرة يطالع بها قتلا للوقت الذي اصبح يراه عبئاً ثقيلا عليه ولا يستطيع ان يقوم بما يشعر به في قرارة قلبه. اذ كان يحس انه ملك قوة روحية كافية فيه لم تأت ساعتها. وعندما اتى فصل الصيف وكان قد مل البقاء في بيروت ،احب ان يقوم برحلة الى داخل البلاد السورية فركب السيار في ١٢ تموز الى طرابلس الشام ومن هناك اخذ القطار الى حلب ثم دير الزور فالى عين ديوار حيث الحدود السورية التركية ، ولم تكن هذه الرحلة الا ليتعرف الى هذه الجهات النائية التي كان يجهلها وبعد تجوله فيها أياماً غادرها عائداً الى فالوغا حيث كانت امه وشقيقته يصطافان معاً
١٩٤٠ – في مطلع هذا العام ابتدأ الدكتور داهش في وضع كتابه « الدهاليز » الذي كان يكتب فيه كل يوم صفحة واحدة حتى اذا ما انتهى العام خرج الى العالم بكتاب يحتوي على ٣٦٦ صفحة وهكذا كان يشغل نفسه الى ان تدنو الساعة التي يظهر بها على الملأ برسالته المقدسة . وكان الدكتور داهش يتحرق على تلك الساعة ويهمه ان تأتي وقد مضت الايام يسابق بعضها بعضا والملل يتسرب الى نفسه لتكرار تشابه الايام ، وقد حدثت خلال هذا العام شتى الاحداث من مؤلم ومبهج فانقضت ايام عام ١٩٤٠ وانطوت في ذمة الابد دون ان تبتديء الرسالة . . .
١٩٤١ – لما كانت الحرب في هذا العام مشتعلة الاوار وهي تزداد شدة في الاستعار لم يستطع الدكتور داهش ان يشبع رغبته من السفر الى الخارج مع انه شعر بميل غريب لمغادرة البلاد ولو لمدة وجيزة من الزمن فكان يقضي أوقاته في المطالعة والكتابة والقيام ببعض الزيارات للخاصة من معارفه .
ولكنك كنت تراه دائماً منكمشاً لا يولي ثقته لأي انسان اياً كان لانه اختبر الناس وفهم ظاهرهم وباطنهم وعرف أهدافهم ومراميهم وتفهم آمالهم وعرف كنه اعمالهم لذلك لم يعد يثق حتى بنفسه فكنت تراه منزوياً منعزلا في اكثر الاوقات حتى أثار دهشة الجميع واطلق الألسنة عليه بشتى التقولات فمن قائل انه من كبار الاغنياء لانه لا يشتغل ابداً الى قائل انه يعرف علماً سرياً يستطيع بواسطته ان ينال من المال المبلغ الذي يريده ، الى غير ذلك من الاقاويل الخيالية التي كانت تدور على ألسنة الناس من جميع الطبقات ومختلف العقليات حتى صوروه شخصية غريبة عجيبة ، اما هو فقد كان عاملا على الاستعداد للشروع بالرسالة الموكول امرها اليه الا انه كان يجهل تلك الساعة التي سيذيع فيها رسالته المقدسة.
وقد مضى هذا العام ايضاً وهو يرقب الامور بعين يقظة و قلب خفاق الى المستقبل المجهول وما سيحمله اليه من أمور . في هذا العام ظهر أول قبس من الرسالة وكان ١٩٤٢ ذلك يوم الاثنين في ٢٣ اذار الذي يعتبره الداهشون بدء عهد النبوَّة ، والذي هو بدء تاريخ جديد للدكتور داهش .
ولما كان الدكتور داهش قد اخذ منذ عام ١٩٣٦ يخط كلمة في مطلع كل عام تنبىء عن شعوره بتوديع العام الذاهب واستقبال العام الآتي فقد رأينا من اللازم ان نختم هذا الباب بأولى تلك الكلمات :
الكلمة الأولى لعام ١٩٣٦
دمشق ١٩٣٦/١/١
لقد توارى عام ١٩٣٥ بآلامه المبرحة وشؤونه المدلهمة واحداثه القائمة في فضاء المجهول ، ودموع مدرارة حرى ، وكيان توزعه شتى الميول المتضاربة وحب يتنازعه كثير من الرغبات الغير المستحبة ،
ولكنني اشعر في قرارة نفسي بصوت جبّار تهتزّ منه اعصابي ، وينخلع له فؤادي ، وهو يهيب بي لأن اسحق تحت موطيء قدمي افاعي التمنيات المرعبة الشوهاء وان اقوض جميع الأعمال الغير المرضية التي حاكتها يدي تحت جناح ليالي العام البائد ، وان احاول جهد المستطاع لأن اتغلب على ضعفي البشري الموروث، وان لا اقدم على اعمال يتندّى لها جبيني خجلا وحياء ، وكي لا اقف يوماً امام نفسي الخفيَّة الحكيمة موقف الذل والمهانة وهي تحاكمني على ما اقترفته من إثم رهيب ، ونقيصة بالغة ، ومن ثم تحكم علي بعذاب الضمير عذاباً ابدياً ، وآلام الروح آلاما سرمديا وثم الابتعاد عن وجه النور ، وجه الحقيقة ، وجه السعادة ، وجه البهاء، وجه الأمل العذب المرتجى ، وجه ما ينشده الماء والهواء والفضاء والسماء ، وجه من يتطلع اليه جميع الأحياء دون استثناء ، وجه من يتمناه جميع المخلوقات معروفها ومجهولها ، وجه الحقيقة الحقّة العادلة ، وجه الخالق عز وجل …
الصلوات الداهشية
توطئة
هذه صلوات خمس من الصلوات التي جاد بها الفيض الالهي على وفيه المحبوب الدكتور داهش بك.
انها ترياق القلوب وشهد الارواح سالت معسولة على رأس يراعة ملهمة تعودت ان تكون مجرى هذا الالهام ومهبط بركاته .
انها مُناجاة سامية اهتزت لها اركان الخلود اذ وقَّعها الوحي لحناً سماوياً على قيثارة الله لترن اناشيد علوية تنعش الآذان وتحيي الصدور.
انها حفيف اعلام ظافرة عرف ابطالها كيف يخرجون من معامع ميولهم الدنيوية بعد عودة وعودة، فاستحقوا الدخول حيث يسعدون وينعمون .
انها ومزامير داود سواء بل هي أجد منها سبكاً وافتاها انسجاما، فهي انشودات خرجت من سماوات الله لتموج في اجواء الفضاء وتدوي في اودية الدنى وبين كل عالم وعالم وهي لهب النفوس المشتاقة الى رحمة ربها والى التفاني في سبيل رضاه ثم الفناء في ذاته الربانية حيث الغبطة العظمى والسعادة التي لا توصف.
واخيراً ، انها رعشات من نفثات الله استحالت الى حروف فكلمات فعبارات لتكون هتاف المؤمن في نجواه ، وعزاءه في بلواه ، ورجاءه في آماله وشكواه ، فتقبلها يا الله ادعية المؤمنين المتَّقين ، آمين اللهم آمين
المؤمن الأول
صلاة النبي الحبيب الهادي
يا ابي وابا البرايا
ارحم ضعفنا الموروث ، شدد قلوبنا كي نؤمن بقدرتك ونحدث بعجائبك
اغرس في اعماقنا بذور الحب والشفقة والرحمة والحنان .
ابعد عنا التجارب التي تريد غوايتنا واسقاطنا في دياجير الخطايا .
سدد خطواتنا في طريق النور والحق واليقين،
ابعد عنا الأفكار الدنيئة ولا تدعها تقرب منا ..
انت خالق البرايا وما فيها فرحمتك وحنانك يسعان كل الكائنات معلومها ومجهولها.
اشفق علينا يا الله ولا تحاسبنا مثلما نستحق فنهلك .
لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب.
دع القناعة تحتل ارواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجدك .
ابعد عنا الاشرار والهازئين بكلام الله انر بصائرهم .
طهر ارواح الخطأة وارسل لهم قبساً من انوارك الالهية فبخشعوا لعظمتك .
أقلنا من العثرات الرهيبة واشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة.
ايها الاب العطوف
كل من ألقى اتكاله عليك ، وعمل بوصاياك ، وضحى من اجل اسمك ، واحتقر رغباته الارضية ، ونبذ الدنيويات ، وعطف على البؤساء ، وبشر بعجائبك ، وآمن ( بنبيك الحبيب المادي ) فله السعادة والسماء ، والنور والسناء ، هناك حيث الضياء والبهاء ، اذ يخلد مع الخالدين ، ويتنعم بانوارك الوضاءة حتي ابد الآبدين . آمين
سلام
سلام على ذلك العالم الروحي المضيء الخالد
سلام على تلك الانوار الدائمة السطوع
سلام على ذلك المجد الالهي الفائق البهاء
سلام على تلك الديار التي أحن اليها ابداً .
سلام على تلك الربوع المقدسة النقية .
سلام على ذلك الملأ السرمدي الطاهر .
سلام على قاطنيه الايرار المعاينين انواره الباهرة السنية
سلام على العالم المجهول الذي لا خباء له ولا أفول .
سلام على تلك الاماكن الأرجة العبير .
سلام على من مكَّنتهم قدسيتهم من ولوج ذلك المكان الحصين الامين
سلام على من اضطهدوا وعذبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقة
سلام على من ذاقوا الهوان وشربوا كأسهم المريرة حتى ثمالتها
سلام على ارواحهم السعيدة من الازل والى الابد .
سلام ابعثه من قلب كسير خافق حزين مكلوم.
سلام على عالم غير عالمنا المادي المرذول
سلام عبق فواح عطري لا مادي موبوء قذر
سلام أبدي الى احكامه العادلة النافذة
سلام من عالمي الحقير هذا ارسله الى ذلك العالم العظيم السامي .
سلام من مسكين ملأ الكون بآثامه وهو يضرع يغفر الله له آثامه تلك وان يسعه بمراحمه التي شملت الكائنات وطغت عليها
سلام سلام سلام
الى فادي الانام
هبطت في صباح عيد الميلاد المبارك
عام ١٩٤٣
ايها السيد المسيح :
يا سيد المجد الخالد والحب اللامتناهي !
يا رسول الله وكلمته السامية !
يا معدن الصفاء وينبوع النقاء !
يا من بذلت دمك الطاهر فداء لخلاصنا !
يا من تألمت لأجلنا كثيراً واحبيتنا الحب كله ! يا من يتغنَّى الكون باسمك وتشدو الملائكة في السماء لظلك !
ياسيد الارواح النقية وابا النفوس التقية !
يا من علمتنا الفضيلة وغرست في نفوسنا بذور الوفاء !
يا من ضحيت بكل شيء كي نستحق السعادة الابدية .
يا من كانت سيرتك نبراسا لنا يقينا العثرات !
يا من طُرد من الكهنة الفساق والأحبار المجرمين !
يا من نادي في صحراء هذا العالم فردَّد الكون صداه !
يا من تجاوبت أصداء تعاليمه كافة العوالم معروفها ومجهولها .
يا من ذاعت كلماته الطاهرة في مشارق الارض ومغاربها !
يا من انتشلنا من هوة الجريمة والاثم ودياجير المنايا الرهيبة .
يا من قادتنا تعاليمه الصادقة الى الينابيع الالهية السرمدية !
يا من تتغنى الاكوان باسمه وتردّد الكواكب امثاله !
يا من طوى العهد القديم ونشر لنا العهد الجديد !
يا من تألم على الصليب لأجلنا وهو وضاح الجبين باسم الثَّغر.
يا من افتدانا بينبوع دمه الذكي القاني !
يا من تحن اليه جوارحنا بعد مغادرتنا عالمنا الحقير الفاني
يا من نضرع اليه ان يقوينا ويسدّد خطواتنا ويهدينا !
يا من نراه في احلامنا ويتراءى لنا في خلال يقظتنا !
يا من نضرع اليه ان يبعث البنا بقبس من انواره الالهة
كي يسدّد خطواتنا نحو طريق النور والحق واليقين فنسعد بعد انتهاء حياتنا القصيرة الابد ونرتقى حيث العوالم العلوية الفتَّانة .
هناك حيث نحيا تحت ظل المسيح الفادي لنشدوا مع الملائكة الاطهار ونرنّم ترانيم الغبطة والحبور على القيثار ومن تلك الأعالي الفياضة بالسعادة الشاملة تنسى تلك الدموع والاحزان التي خلّفناها وراءنا في عالم الطلاح المغمور بالشقاء والأتراح.
نشيدُ مؤمن
سبِّحي الله ايتها الافلاك السابحة في اقاصي السموات !
واشدي بعجائبه ايتها الروح الطوَّافة في أرجاء هذا الكون !
وحدثي بمعجزاته الخالدة ايتها الشمس البهية !
وأشرف ايُّها البدر من علياءك واسكب على ارضنا اضواءك الشعرية !
ورنِّمي ايتها الطيور ترانيم الغبطة الهنية للعزَّة الالهية !
واصدحي يا بلابل الغاب ، واطربي ، واثملي في كل فجر وعشيَّة !
وتيهي يا ازهار الحقول بخيلاء وانت ترتدين حللك القرمزية !
وانت ايها الكون العنيف الصخاب الهدار أخشع أمام خالق الأكوان القدير الجبار !
وتغني ايتها العوالم المعروفة والمجهولة بصنع يديه !
ولتصمت الملائكة ولتخشع الارواح ولتستكن العناصر . وليغمر هذا العالم صمتٌ عميقٌ اخرس !
وليبق في خشوعه وصمته السحيق السائد حتى انتهي من ترديد نشيدي للخالق !
دعاء الفجر
الفجر يردّد الحمد لخالق الاكوان ورافع السماوات !
والطبيعة تملى امام صنع العلي موجد كل شيء من لا شيء !
والبحر الشاسع خاشع امام عظمة القدير المهيمن !
والسحاب الابيض يمخر في اوقيانوس الفضاء اللانهائي باعجاب!
والاشجار الغضة الغيضاء ترتعش رعشة الخشوع !
وابتدأت الورود الجميلة تستيقظ من سباتها وترفع صلاته لموجدها !
وغردت الطيور وهي جائمة على افنانها اغاريد الشكر الصادق!
وصدح بلبل بصوته الأخاذ داعياً الجميع للتأمل بقدرته تعالى !
وهدلت الحمائم وناحت اليمائم على باسق الدوح وراحت تنشد و تنشد !
واستيقظت الطبيعة بأسرها بعد سباتها العميق في ظلمة الليل البهيم فخشعت نفسي لروعة ما شاهدت !
وجثوت على ركبتي ضارعا الى الله ان يكلأنا بعين عنايته الساهرة التي لا تنام وان يغرس فينا روحاً جديدة سامية كي نسحق بواسطتها ميولنا الوضيعة الدنيئة !
اللهم اسمع الصلاتي واستجبها
يا ارحم الراحمين.
أدلة طبيعية على وجود الله
أدوات للبناء
من المعلوم ان لا هيكل بدون بناء ولا بناء بدون أدوات يتألف منها ذلك الهيكل ولما كان للهيكل الروحي كما للهيكل الجسمي ادوات يتألف منها اتينا بهذا الفصل نجمع ما يقتضي لنا جمعه من ادوات هذه الدروس والمعلومات لنشيِّد بها هيكلا لبحثنا هذا الذي يساعدنا على فهم كثير من الكتمات الروحية الغامضة التى ليس باستطاعة اي واحد من الناس إيجادها عن طريق الحس.
(1) أدلة طبيعية على وجود الله
لما كان الله علة العلل ومصدر وقوام الكائنات بأسرها وجب ان نأتي على اثبات وجوده بكل اختصار.
لا بدَّ لكل معلول من علة وتظهر عظمة العلة بأهمية المعلول ولئن كانت هذه العلَّة خفية غير منظورة ، مثلا اذا رأيت طائراً محلقاً في الجو اصابته رمية بندقية وهو يشق عباب الهواء فتحكم بمهارة الصياد ولو لم تره فليس من الضرورة اذا رؤية الشيء للحكم بوجوده فان من المعلول يتحقق وجود العلة .
ومن المباديء التي لا تنقض ان لكل معلول عقلي علة عاقلة فان رأيت مثلا آلة بديعة الصنع محكمة الوضع هل يخطر على فكرك انها تركبت من نفسها ؟ وان رأيت طرفة صناعية في منتهى الاتقان الا تحكم بصدورها عن فكر ثاقب تصورها وأبرزها الى حيز الفعل ؟ وهل لا تهزأ بمن يقول انها صنع رجل ابله او تركبت من حيوان أو على سبيل (الصدفة ؟ )
يستدل على وجود الانسان من اعماله وقد تحقق العلماء وجود الانسان السابق للطوفان من وجود مصنوعات غليظة اكتشفوها في الطبقات المتعلقة بتلك الازمنة كحطمة من اناء خزفي او حجارة منحوتة او سلاح من حجر وما شاكلها ، ويستدل من خشونة او اتقان العمل على درجة ذكاء صانعه فان لقيت مثلا في بلاد يسكنها المتوحشون تمثالا بديع الصنع حکمت حالا بأن ليس هذا عمل متوحش بل صاغه معلم ماهر يفوق السكان حذقاً وذكاء.
واذ تقرر ذلك فألقِ النظر الى ما حولك وتأمل في اعمال الطبيعة وما بها من المحاسن والنظام والتدبير الكامل فهل للعقول البشرية كفاية على ابداع الشيء منها ؟ فهي اذا ولا شك صنع عاقل يفوق العقل البشري فؤوقاً غير محدود .
يعترض البعض بقولهم ان اعمال الطبيعة صادرة عن قوى مادية تفعل آلياً تحت حكم ناموسَي التجاذب والتدافع فتتجمع ذرات الجسم وتنحل وتنشأ النباتات وتنمو وتتوالد ويتأتى نموها وازهارها واثمارها وتلوينها عن فعل الحرارة والرطوبة والنور والكهربائية وهكذا قل عن الاجسام الحيوانية ، واما الاجرام الفلكية فتتكون بفعل تجمع دقائق الأثير وتنتقل في سيرها بقوة الجاذبية الى والى والى الخ .
غير ان نظاماً آلياً كهذا لا يدل على وجود علة عاقلة حرة ، ان الانسان يحرك يده متى وكيفما شاء واما من يحركها من ناحية واحدة من الولادة حتى الموت فيكون آلة لا عقل ولا ارادة به . هكذا القوى الطبيعية فانها آلية محضة لا تتغير بل تظل تفعل على نسق واحد منذ الازل.
ولما كانت قوى الطبيعة مادية آلية محضة وليست بذاتها عاقلة فتحتّم اذاً وجود علة عاقلة حركتها ونظمتها على نسق مناسب لقوام الكائنات ، فتنظيم هذه القوى معلول عقلي يدل على علة عاقلة كآلة الساعة مثلا فانها تتحرك بنظام محكم وبهاؤها قائم باتقان حركتها انما القوة المحركة فيها مادية محضة وليست بعاقلة ومن ابتدع هذه القوة ونظمها واتقن فعلها فهو كائن عاقل استحال وجود الساعة بدونه ، فوجود الساعة اذاً يدل على وجود الساعاتي واتقان حركتها ينبيء عن مهارة صانعها وقط لا يخطر على فكر عاقل عند نظره الى نظام الساعة واشارتها الى الوقت ان يقول عنها عاقلة . يستدل على وجود الله هكذا من نظام الكون واحكام القوى الطبيعية العاقلة فيه ، وعليه فان الصواب وحكم الضرورة ينبئان عن وجود الله.
ان الشعوب الاكثر توحشاً يعتقدون غريزياً بوجود قوة علوية تفوق كل قوة بشرية وذلك بنظرهم الى اعمال في الطبيعة تتجاوز طاقة الانسان فاستدلوا منها على وجود كائن لا انتهاء لقدرته وبهذه كانوا اكثر صواباً من المتمدنين الناكري وجود الله….
النفس البشرية
ان الكون الغير المتناهي في سعته ودوامه مؤلف من عنصرين أصليين هما العنصر الروحي والعنصر المادي يتولاَّهما او بدبِّرهما كائن ازلي غير مُتناه ، اب الكائنات وعلة العلل الذي هو الله جلَّ جلاله . ففي العنصر الروحي تستفرد الأنفس ومنه تنشأ بفعل القدرة الالهية ولا يعلم اصل هذا العنصر هل هو متميز بنفسه او صدور من الجوهر الالهي ، وبعبارة اخرى هل الانفس اشعة منبثقة من الذات الالهية كما ذهب الى ذلك الفلاسفة الاقدمون وكثير من الحديثين أم جوهر قائم بنفسه ، ان الاراء متضاربة في ذكره والحقيقة مجهولة واما العنصر المادي او السيَّال العام ففيه مستقر العنصرالحيوي وسائر القوى الطبيعية ومنه تستفرد وتنشأ كافة الأجرام العضوية والغير العضوية بتجمّع دقائقه ، وهذان العنصران ايّ الروحي والمادي مُتحدان ابداً وفعل كل منهما بلآخر دائم الاتصال فالنفس عند استفرادها من العنصر الروحي تكتسي حالا وضرورة بقسم من العنصر المادي او السيال العام وتبقى مزملة به الى الابد وبواسطته يتم فعلها ، واما نبع ذينك العنصرين اي الروحي والمادي وكيفية اقترانهما معاً ونوع وزمن استقرار الارواح منهما ، هذه مشاكل ما زالت غميضة عن الانسان ولم يتوصّل العقل البشري بعد الى درجة ادراكها، فقط نعلم يقيناً باستنادنا الى وجود الله وعدله ان للنسمات الحيّة بأسرها اصلاً واحداً وغاية واحدة وطريقة لبلوغ الغاية واحدة .. واما العوامل المادية فهي المعامل التي فيها يمرن الروح على العمل لتكامل واتساع قواه العقلية .
الروح والمادة وتركيب الانسان
لم ينكر الكثيرون في عصرنا هذا وجود الارواح الاَّ لجهلهم طبيعتها وعدم المامهم بما تستخدمه من الوسائل لظهور فعلها ، فان تجلَّت لهم الحقيقة وادركوا انه ليس في الحوادث من الغامضة ما يخالف النواميس الطبيعية سلموا بصحتها وجعلوها من مصاف العوارض الاعتيادية التي لا ينفيها الصواب البشري ان الحوادث الروحية ناتجة عن فعل الروح بالمادة ومن بعتقد ان ليس في الروح مادة يعترض بقوله : كيف يمكن لغير المادي ان يفعل بالمادي . فاعتراض كهذا منقوض من قبيل ان الروح ليس بكائن مجرّد عن المادة لا شكل ولا صورة ولا قالب له ، بل هو كائن محدود مُكتسٍ بقالب بشري يحلّ في الجسم وقت الحياة ويبارحه بالموت دون انفصال هذا الكساء عنه .
لقد ثبت بالتنقر والامتحان ان الانسان مركب من اصول ثلاثة : الأول النفس او الروح وهي العنصر العقلي الباطني ، الثاني الجسد المادي الغليظ الذي تكتسي به الروح موقتاً لاتمام مقاصد الربانية فيها ، الثالث الجسم الروحاني وهو الوثاق اللطيف الرابطة النفس بالجسد، فبالموت تخلع عنها الكساء الغليظ ويبقى لها جسمها الروحاني المركّب من المادة الاثيرية الاصلية التي لا تقع لحفتها ودقتها تحت الحواس ، وهو في الحياة الجسدية الوسيط الناقل الى النفس التأثيرات الخارجية والى الجسد أوامر الارادة ، وبعبارة اخرى هو السلك الكهربائي القائمة بواسطته علاقات النفس مع الخارج وقد اكتشف العلماء في اوائل سنة ١٩٠٤ بروز أشعة خارج الجسد وقدم الدكتور شار بانتيه بيان تجاربه في ذلك للاكاديمي العلمية الفرنسية في شهر كانون الأول سنة ١٩٠٣ .
ان هذا الجسم الروحاني هو عديم الانفصال عن النفس يلازمها أبداً إن في الحياة الجسدية وان في الحياة الروحية وهو على درجات مختلفة من الرقة واللطافة يبلغ منتهاها في الأرواح النقية ، فهو جزء جوهري من الروح كما ان البدن هو جزء من الانسان ، وهو مادة بسيطة لا عقل له ، كما الجسد بذاته لا ادراك له وبلإختصار هو آلة لاعمال النفس كما ان البدن هو آلة لخدمة الانسان في اعماله.
النفس وخصائص الجسم الروحاني
من المعلوم ان النفس عديمة الموت اي لا يصيبها الانحلال الطاريء على الجسد المادي الذي حلّت به موقتاً على الارض فكما ان مادة هذا الجسد تتحول وتتبدل مراراً في مدار الحياة والنفس باقية على حالها لا تتغير كذلك زوال هذه الـ المادة عنها بالموت لا يحدث فيها ادنى تغير بل تبقى صحبحة سالمة ويظهر فعلها بالماديات بواسطة الجسم الروحاني المكتسبة به . ولما كانت النفس غير مادية فهي لا وجه لها من المشابهة بالمادة المعروفة لان الفكر الذي هو صورتها وصدور منها لا يمكن ضبطه تحت قياس او حل طبيعي او كيماوي ولكن لا ينبغي ان نتخذ لفظة غير مادية بالمعنى الحرفي لأن عدم المادية المطلقة هو العدم فالنفس شيء وهذا الشيء لا يمكن لاحدى حالات المادة المعروفة ان تصوره لنا مع ان العلم قد توصل اليوم الى نتائج مذهلة في تجزؤ المادة ، ولقد كانت نتيجة الامتحانات التي اقامها العلاَّمة ويليام كروكس امام الاكاديمي العلمية في باريس في افراغ الهواء والغاز وتجزئة ذراتهما إلى اقصى درجات التجزئة ، ان تلك الدقائق مع تجزؤها الغير المحدود ظلت تعد خشنة جداً بالنسبة الى كيان الروح التي هي الطف بغير نهاية من تلك الدقائق المتجزئة ، فبهذا المعنى نحن نفهم كلمة غير مادية التي تطلق على النفس اي جوهر لا مشابهة له بوجه من الوجوه للمادة .
ولرب معترض يقول : كيف يمكن لسيال لطيف كما هو الجسم الروحاني ان يبقى له شكل محدود ولا يتبدَّد تبدُّد البخار المتصاعد من المداخن . فعن هذا نجيب : اذا وقفت تجاه مرآة ألا ترى صورة جسدك مرتسمة عليها في كل عوارضه؟ فهذا الجسد الغير الملموس مركب من دقائق السيّال الاثيري النوري المنبعثة من جسمك والمرتسمة على صفحة القصدير.
وصورة الجسم الروحاني هي الصورة البشرية وعندما يتجلى الروح لاحد فيتجلَّى بالهيئة التي كان عليها في الحياة لان المادة الدقيقة المركّب منها هذا الكساء اللطيف تمكن النفس من تقلّبه اشكالا وألواناً بما لديها من السهولة في ضغطه او تمديده فالروح المترائي يقلب كساءه الروحاني على الشكل الذي عُرف به في الحياة ويحدث فيه حتى التشويهات الجسدية التي اصابته في تجسّده.
في النبؤات
النبوَّة لفظة تفيد معنى الاخبار عن الله وعن الامور الدينية ولا سيما عما سيحدث في ما بعد.
وهي نتيجة انطلاق النفس موقتاً من القيود الجسدية في من الامور البعيدة ما لا تراه وهي على حالتها الطبيعة کرجل مرتفع على جبل عال يرى عن بعد ما لا يراه من كان في اسفله ، فالروح المجرّد من وطأة المادة لا مسافة لديه ولا زمان الا ان توقد بصيرته هي بمناسبة درجة النقاء البالغ اليها، فالروح العلوي بالنسبة الى الروح السفلي اشبه برجل بيده نظارة وليس لرفيقه الا عيناه البسيطتان فلا يرى هذا الا النذر الزهيد مما يراه ذلك . وعليه فالروح على قدر ترقيه علماً ونظراً بعوارض ستحدث في خلال سنين او أجيال او اكثر يراها لا بالتتابع بل كلها معاً وبنظرة واحدة ويرى ارتباطها ببعضها ومكان وزمن وقوعها فما يكون للانسان مستقبلا يكون لديه حاضراً.
وقد يتفق احياناً للمتنبئين ان يروا حوادث الغيب وقت السبات المغناطيسي او الانخطاف كما في صورة او مرآة وشرح ذلك ان الفكر او المقصد الشاغل خاطر الروح متجسدة كانت او غير متجسدة ينفذ السيال العام كالصوت للهواء ويرتسم فيه كما في صفيحة فوتوغرافية فيبصر الرائي اعراضه ويصفها دون ان يتمكن من تحديد زمن وقوعها .
فالانبياء هم رتبة من رجال الله قاموا خصوصاً في زمن العهد القديم وكانوا يخبرون بالوحي عن مقاصده الخصوصية في الازمنة المستقبلة ويعلنون ارادته تعالى للبشر من جهة الواجبات المطلوبة منهم والحوادث المشهورة التى ستجري بينهم فكانوا بهذا الاختبار سفراء الله لدى البشر . وكانوا يدعون الرائين ورجال الله ورقباء وكان سبحانه يقيمهم ويرسلهم بحسب مقتضى الحال لكي يحرضوا الناس على واجباتهم ويبكتوهم على خطاياهم ويدعوهم الى التوبة والاصلاح وايضاً لكي يهذبوا الملوك وينبئوا باحكام الله على الشعوب وكانوا أيضاً مساعدين الملوك على الامور الشائعة التي تؤول الى ازدياد التقوى والفضائل.
وكان هؤلاء الانبياء متواضعين أمناء زهاداً منكرين لانفسهم ومبتعدين عن شهوات ولذات هذه الحياة وكانوا غالباً مضطهدين ومذلين وكثيرون منهم قضي عليهم بالموت بطرق متنوعة ولكنهم كانوا ذوي شجاعة واقدام وكان لهم سطوة کشهود الله وان بعض هؤلاء الانبياء كانوا قبل دعوتهم الى هذه الوظيفة فلاحين او رعاة مواش وكان بينهم نبيات ايضا.
وقد استقبل جميع هؤلاء الانبياء رسالاتهم من الله احيانا بالرؤى والأحلام واحياناً وهم في حالة السبات او الغبية وكانت هذه الاعلانات احياناً تصحب بظهورات العظمة الالهية الرهيبة المدهشة واحياناً كانت تسري خفية الى عقولهم بفعل الروح القدس واما هم فكانوا يوصلون هذه الرسالات بكل امانة الى الملوك والرؤساء والكهنة المرسلة اليهم خصوصاً أو الشعب عموماً اما كتابة او شفاهاً في الاماكن المشهورة وكانوا يجرون عند ذلك آيات او اعمالا رمزية لاجل تقرير هذه الرسالات وايضاح كيفية اتمامها .
العجائب
العجيبة حادثة تحدث بقوة إلهية خارقة مجرى العادة الطبيعية لاثبات ارسالية من جرت على يده أو فيه والعجائب الحقيقية هي فوق الطبيعة لا ضدها تحدث بتوقيف نواميس الطبيعة يخضع لها النظام الطبيعي ، ولنا في فعل الارادة مثال يظهر لنا حقيقة امر العجائب اذ بها نرفع اليد وبذلك نوقف الثقل . ويناط فعل العجائب بالله وحده او بمن سمح له بذلك فاذا آمنا بالاله القادر على كل شيء لم يعد يعسر علينا التسليم بامكانية العجائب . ويجب التمييز بين العجائب الالهية والمعجزات التي يفعلها المحتالون بالمكر او بواسطة علوم غامضة او مـــــا يعرفونه من نواميس الطبيعة مما يجهله الآخرون من عامة الناس.
فاذا نظرنا الى العجائب التي عملها المسيح نرى انها كانت مما لا يقدر على عمله الا الله وحده ، وكانت قابلة الفحص البليغ وزيادة التروي فيها وكان عليها باعث كاف يستدعى اجازة الله بها ، واما حيل السحرة والانبياء الكذبة فلا يمكنها ان تحتمل الفحص والامتحانات القوية ، فالقدرة على عمل العجائب للذين خولهم الله اياها برهاناً قاطعاً على صحة التعليم الذي نادوا به والامر الذي ارسلوا لاجله فهي تعتبر من هذا القبيل كختم الله الذي لا يوضع على الكذب بل على الحق .. اجل ، ان الآيات والعجائب الكاذبة التي صنعها الشيطان وخدامه كانت تتراءى انها صحيحة حتى كانوا يضلون بها لو امكن المختارين ايضاً كما قال المسيح ولكن كل من يطلب برغبة ان يعرف الله بالحق ويعمل مشيئته لا يمكن انه يخدع بها.
الصلاة
الصلاة هي مناجاة باطنة بين النفس وبين الله عز وجل بها يجد الحزين عزاء والضعيف غوثاً واليائس تشديداً فما أحلى اويقات تمتثل فيها النفس لدى الحضرة الالهية وتعرض لأبيها الحنان شدتها مستمطرة عونه ورفقه فتسمع اذ ذاك في خلوة ضيرها صوتاً سرياً هو نبع القوة في الكفاح وبلسم شاف لكل جرح ونور هاد في كل ريب به تنتعش قواها وتنهض متنشطة ماضية العزم مستعدة لاقتحام اشد صعوبات الحياة .
ولكن لا تتوقف الصلاة على تلاوات جامدة ومقالات لا نهاية لها تتلوها الشفتان ولا دخل للعقل والقلب بها، فالصلاة انما هي صراخ نافذ يصعد من جوارح القلب وطيران رفيع ترتقي به النفس الى العلى لاستمطار ما تفتقر اليه من الغوث والنور .
وحسب الصلاة ان تكون تنهداً واحداً او عاطفة شكر او ذكر تأسف او نظرة واحدة مصعدة الى العلا.
اجل ، حسن للمرء ان يرفع قلبه الى الله كل صباح ومساء اذا كان يشعر بنفسه مستعداً لذلك وفي كل وقت متى شعر في نفسه بتأثر باطني محرك من مشهد الطبيعة التي هي صوت الله الحي بتنظيمها وتكوينها فليصعّد الى الباري تعالى زفرات الحب والسجود ولئن كان مقيماً على شاطيء البحر او في غابة او بين الحقول وفي اية ساعة كانت من الليل أو النهار.
ولكن يجب ان لا نتوهم ان بالصلاة ننال كل ما نطلب وتزول عنا شدائد الحياة فان ناموس العدل سيجري مجراه ولا يمكن لأهوائنا ومرغوباتنا ان تخلَّ فيه اذ كيف يقصي الله عنا محنا هي شرط ضروري لترقينا وسعادتنا ام كيف يجيبنا الى كل ما نطلب ونحن لا ندري بالاضرار الناتجة عن حصول ما نرغب . ان الانسان المؤمن العاقل لا يطلب قط الى الله رخاء العيش ولا دفع المصاب بل يسأله فقط ان ينير فيها لادراك الناموس ويقوي عزيمته لكمال حفظه ويرسل الله الارواح العلوية لتشدده في غمرات الحياة ، فصلاة كهذه لا تذهب سدى بل تجتذبه الى القوة العلوية لتنشيط همته وتشديد ضعفه وانجاده على الظفر باهواء الجسد وبوساوس الارواح الشريرة ، فكما يهتز سطح الماء عند إلقاء حجر فيه بتموجات دوائرية هكذا يهتز السيال العام عند تصاعد صلواتنا وافكارنا بتموجات لا حد لسرعتها وامتدادها فتنتبه لها الارواح العلوية ولئن كانت في بعد شاسع وتؤازرنا بسوائلها من أقاصي الفلا وهكذا تفعل الصلاة في الانفس المتألمة انها تمغنطها على نوع القول وتخرق السوائل الكثيفة الملتحفة بها فتنير ظلامها وتبرد غليلها . فما اشد ما تبتهج هذه الانفس المسكينة عندما تشعر انه ما زال في الوجود اناس يهتمون بها ويذكرونها بالمحبة ويصلون من اجلها، ويا ليتنا ندرك ما تفعل الصلاة الحارة الكريمة فى اشقاء الفلا وما تجلب لهم من السلاح والقوة .والرجاء
ان الصلاة من اجل الارواح المتألمة لمن افضل انواع المحبة وليس من يعجز عن مباشرتها ، والصلاة التي تصير بالاشتراك اي بين اناس متحدين معاً بالفكر والقلب لها مفعول يتعذر علينا تصوره . فلنصلين اذا جملة ولنصلين خصوصاً على من مات حديثاً من احبائنا واقربائنا فان صلاتنا هذه تسهل لهم الانعتاق من السوائل المادية وتزيل عنهم حالة الاضطرابات الصائرين اليها فينتبهون لذواتهم ويشكروننا على احساننا ومحبتنا.
ان كل ما في الكون يسبح الله ويمجده والبرايا باسرها من احقر الاهباء المختلجة في النور الى اعظم الاجرام المندفعة في الفلا تصلي الى خالقها وابيها . انظر الى الطبيعة في زهو النهار وسكون الليل ، انصت الى زمزمة البحر وخرير المياه وهزيز الارياح ودوي الغابات وحفيف الورق فانك تسمع ايَّان توجهت وكيفها انقلبت ألحاناً طبيعية متصاعدة من الاكوان كلها لتمجيد الباري وحمده ، فلنضمن اصواتنا الى اصواتها ولنسبحن بالقلب والروح من يليق له كل حمد وتسبيح.
السيَّالات
لقد اجمع اكثر علماء اليوم على ما علمته الروحانية منذ نشأتها من ان المادة في الأصل واحدة وهي سيَّال ذو مرونة وتمدّد لا حدّ لهما وبتراكيبه الغير المحصاة تحصل كافة انواع الاجرام المنظورة والغير المنظورة فهو في جوهره الاصلي غير منظور ولا يمكن مسه ولا وزنه انما بتجمع وقائعه وتكاثفها تحصل كافة المواد الأرضية الغليظة ، وليس هذان التكاثف والتلاصق بدائمين فان المادة الغليظة تتصاعد في معراج تقلباتها فتعود الى مصدرها السيَّال الاصلي فلهذا ليس للعوالم الا وجود وقتي فتبرز من لجة الاثير وتحلّ ثانية فيه بعد قضائها دوراً من الحياة .
ويقسم السيال العام بالنسبة الينا الى حالتين متميزتين وهما الحالة الاثيرية القابلة الوزن ثم الحالة المادية الموزونة الصادرة من الاولى ، والنقطة المتوسطة بين هاتين الحالتين هي تحول السيال الى مادة محسوسة ولا يتم هذا التحول بنوع فجائي بل بتدريج بطيء لان تقلبات المادة من اغلظ الجوامد حتى السيال الاصلي مرتبطة ببعضها كسلسلة مستحكمة متناسبة الحلقات . ولكل من الحالتين المذكورتين حوادث خصوصية تابعة لها فتنوط بالثانية حوادث العالم المنظور وبالاولى حوادث العالم الغير المنظور ، وبما ان الحياتين الروحية والجسدية متلاصقتان ابدأ فتصور غالباً حوادث كل من هاتين الحالتين معاً انما الانسان لا يستوعب الا الحوادث الروحية المرتبطة بالحياة الحسدية وتفوته الحوادث الروحية المحضة فلا يصيبها بحواسه المادية بل يدركها بحالة الروح .
ان السيال العام وهو على الحالة الاثيرية ليس بثابت على نمط واحد بل يتقلب اشكالا والواناً وربما كانت انواع تقلباته على الحالة الاثيرية اكثر منها عدداً مما على حالة المادة المحسوسة – وهذا هو الواقع ومن هذه التقلبات تتألف انواع السوائل المتميزة في خواصها عن بعضها البعض مع صدورها عن عنصر اصلي واحد ، وتجد الارواح في هذه السوائل ظواهر مادية بمناسبة ما يجده المتجسدون في الاشياء المحسوسة وتفعل بها ما نفعل نحن بالمواد الارضية من تأليف واحكام وتركيب نسبة الى المفاعيل المقصودة انما طرائق عملها تختلف عن طرائقنا وهناك ايضاً قد خصّ بالارواح المتنورين ادراك كيفية فعلهم بعناصر عالم الغيب والمتأخرون منهم لا يدركون كنه الحوادث الشاهدين لها ولئن شاركوا احياناً محدثيها في العمل كما الجهلاء من بيننا لا يدركون كيفية السمع والنظر ولئن كانوا يسمعون كل حين وينظرون.
ان سوائل عالم الغيب لا تصيبها حوادثنا ولا تقع تحت حكم أدق آلاتنا العلمية ومنها ما تختلف عن سوائل مركزها الارضي اختلافاً هذا حدّه حتى يتعذر علينا تصورها كما يتعذر على الاكمه ( وهو المولود اعمى ) ان يتصور تمييز الالوان ، انما من السوائل ما هي منوطة بعالمنا الارضي ومرتبطة بالحياة الجسدية ارتباطاً جوهريا فنستطيع نحن ان نشهد مفاعيلها ولئن كنا لا نراها كما نشهد مفاعيل السيال المغناطيسي ولا نبصره وبهذه المشاهد نتوصل الى معرفة بعض خواصها فتنحل بها معظم الحوادث الغامضة الممتنع شرحها بالنواميس المادية المعروفة.
اما الجسم الروحاني فمؤلف كباقي السوائل من السيال العام الأصلي وهو ايضاً على درجات مختلفة من النقاء نسبة الى حالة الروح الادبية فلا تستطيع الارواح السفلية ان تنتقل على هواها الى عالم علوي فان كثافة جسمها الروحاني تحول دون رغبتها وذلك ان المحل هو دائماً بمناسبة سكانه، فالماء مركز للأسماك والهواء للطيور والارض للحيوانات البرية والسوائل الاثيرية للأرواح فكما لا تستطيع الأسماك عيشاً في الهواء ولا الوحوش البرية في الاجواء هكذا الارواح السفلية لا تقوى على تحمل لمعان السوائل العلوية وقوة تأثيرها ولا يعني ذلك انها تموت فيها كالاسماك في الهواء فان الروح لا يموت بل ان قوة غريزية تقصيها عنها كما نبتعد نحن غريزياً عن نار أجاجة او نور شديد الضياء ، وعليه لا تستطيع هذه الارواح خروجاً من مركزها المناسب لطبيعتها فان أحبت الانتقال الى مركز علوي وجب عليها ان تسعى في تغيير جبلتها بتجردها من الاميال البهيمية واصلاح ما بها من الرذائل والشوائب وتطهيرها من الاوزار الادبية فهذه تتدرج شيئاً فشيئاً الى المراكز العلوية كما يتدرج رويداً رويداً نظر من عاش مديداً في الظلام الدامس الى ضوء النهار ثم الى نور الشمس.
ولما كانت السوائل موصلة للفكر كما الهواء موصل للصوت كان فعل الفكر في السوائل كفعل الصوت في الهواء فيسوغ اذاً القول بان في هذه السوائل تموجات واسعة فكرية تتلاقى ولا تختلط كتموجات الصوت في طبقات الهواء وليس هذا فقط بل ان الفكر مع صوغه صوراً سيالة ينعكس في الجسم الروحاني كما في مرآة ويرتسم فيه ارتسام الاشياء في الصحيفة الفوتوغرافية كما مرَّ فان تصور المرء مثلا قتل احد من الناس انفعل حالا جسمه الروحاني بهذا الفكر وارتسمت حركة القتل وصورة المقتول ونوع السلاح ومشهد القتل في كل العوارض التي يقودها الفكر تماماً وكمالا ، وعليه فان كل فعل او حركة او فكر خفي يرتسم ويكتب في سفر الحياة وتقرأه كل نفس.
ان لهذا المبدأ تأثيراً فعالا في اصلاح اميالنا وتحسين سلوكنا اذ بتأكدنا ان كلاً من اعمالنا واخفى ما يحول في ضمائرنا يرتسم حالا للعيان ليشهد بشرِّنا او صلاحنا نعود متيقظين لكل منها تجنّباً للخزي الاليم الذي يعترينا من ظهور افعال او افكار رديئة بدت منا .
ان لفعل الارواح في السوائل نتائج في غاية الاهمية عائدة على المتجسدين وذلك ان السوائل لما كانت موصلة للافكار والافكار تغير خواصها، عاد من الواضح الاكيد انها تتشرب صفات الافكار فتطهر او تدنس وفقاً لطهر او دنس السرائر. ان الافكار النجسة تفسد السوائل كما تفسد الابخرة الوبائية الهواء فالسوائل المقذوفة من الارواح النجسة نجسة والمقذوفة من الارواح النقية نقية.
وتختلف صفات السوائل على اختلاف صفات الافكار فليس للسوائل صفات جنسية من ذات نوعها بل تكتسب صفات المركز المستحكمة فيه وتتكيف بتكيف الارتشاحات الناشئة من هذا المركز كتكيف الهواء بالأبخرة المتصاعدة فيه والماء باملاح الطبقات الساري فيها، فخواص السوائل اذاً هي کخواص الهواء والماء اي وقتية او مستمرة وفقا للظروف المعارضة لها وليس للسوائل ايضا اسماء خصوصية بل يشار اليها كالروائح بخواصها ومفعولاتها ومنشأها فتتم من الوجه الادبي بآثار عواطف البغض والحقد والحسد والكبرياء والرياء والجود والوداعة والحب والاسعاف والحلم الخ. واما من الوجه الطبيعي فهي مهيجة او مسكنة او قابضة او ملينة او نافذة او مقوية او مخدرة او منومة او سامة او شافية الخ وبلإجمال ان انواع السوائل هي على عدد العواطف والفضائل والرذائل البشريَّة، ثمَّ على عدد خواص المادة بالنسبة الى المفعولات الناتجة عنها .
شيء عن الثواب والعقاب
بعد الموت
ان حالة المائت التي تشعر بها النفس عند الموت هي بمناسبة التلاصق القائم ما بين الجسد والجسم الروحاني ، على ان لحالة النفس الادبية تأثيراً كلياً في سهولة او صعوبة هذا الانفصال وعلى قدر تعلق المرء بالارضيات يزداد التصاق الجسد بالجسم الروحاني استحكاماً ، فكل منا في وسعه ان يجعل الانفصال الاخير سهلا ميسوراً بتجريد قلبه وقت الحياة – كما يقتضي من خيرات هذه الدنيا وملاذها .
ان النفس بعد تجردها من الكساء الجسدي تنفتح عيناها فترى صورة أعمالها وافكارها ورغباتها وتنجلي لديها اعمالها الماضية من المولد حتى الموت فلا يفوتها فعل ولا قول ولا فكر ثم تتنبه ذاكرتها الى العصور الخوالي فتتأمل في كل تجسداتها العديدة وتعد المراحل التي قطعتها وتقيس المسالك التي طوتها وتتبصر في ما أتته من خير او شر وما احرزت من النجاح وعلة كل ما اصابها في الماضي والحاضر وما يحق لها ان تتوقعه في المستقبل. با لها من ساعة رهيبة فيها يكون الروح ديان نفسه والشريعة الالهية وحدها الممتنعة التغيير هي التي تقضي وتنفذ بفعل القوى المناسبة لأعمال النفس الحرة ومركز الارتقاء البالغة اليه ، فمقدار عذاب الروح او نعيمه يكون بمقدار نقائصه او فضائله فمن كان فيه نقائص عشر يتألم اكثر من ليس فيه غير خمس فقط كما ان عذاب المصاب بعلتين هو اشد من عذاب من ليس فيه الا علة واحدة ، ولكل ذنب عقاب كما لكل فضيلة ثواب ، والندامة هي الخطوة الاولى في طريق الاصلاح ولكنها لا تكفي وحدها لمحو الذنوب بل يقتضي معها التكفير ثم التعويض . واما الآثام التي لم يحصل منها ضرر صريح للقريب فيتم تعويضها بعمل ما كان واجباً عمله ، فالمتكبر يضطر الى التعويض عن كبريائه بالتواضع والقاسي بالليونة والمحب لذاته بمحبة القريب والغضوب بالوداعة والكسلان بالنشاط والشهواني بالعفة وذو المثل الردي بالقدوة الحسنة الخ وعلى هذا الحال يترقى الروح باصلاح ماضيه .
ان حالة الروح بعد موته هي نتيجة العادات والميول المُتحكمة فيه فلا يحصد المرء الا ما زرع فالمتكبر يتألم في عالم الغيب بنظرة نفسه مقصاً في المكانات الدنيئة وعظمته قد زالت كالدخان وحشمه وندماؤه قد غادروه وان من كان يرذلهم في حياته ويحتقرهم قد تعالوا فوقه بالعز والمجد فيحصل له من انخذاله هذا عذاب لا يطاق ، واما المرائي فيتألم بظهور خطاياه لكل ناظر اذ تنجلي مسطرة على جسمه الروحاني نياته المضرة واعماله الخفية ونفاقه وكل ما كان يسعى جهده في مواراته وكتمانه ، وعذاب الشهواني يتوقف على تملك الشهوات له مع عجزه عن ارواء غليلها – فما تربطه او تحله على الارض يكون مربوطاً او محلولا في الفلا ومن ربط نفسه بنعيم الدنيا وملاذ الجسد سوف تتحول هذه الملاذ فيه بعد الموت الى اوجاع أليمة عندما يفقد امكان شفاء غلة شهوات وميول آخذة به كل مأخذ ولا تسل عن يأس البخيل وعذابه عندما يرى امواله و دنانيره قد توزعت بين الآخرين ولم يبق له شيء يملكه ، واما المحب لذاته فيقاسي في عالم الغيب ما قاساه غيره منه اي يبقى مهملا مخذولا ليس من يد عطوفة تأخذ بناصره ولا من كلمة حبية تعزيه في ضيقته سوف يجوع ولا يطعم ويعطش ولا يسقى اذ لم يهتم في حياته الا بنفسه ، واما حالة القتلة وسافكي الدماء فمريعة جدا وهكذا الذين تكون آثامهم من الشرور العميقة الضرر.
كما ان لكل رذيلة عقوبة لها هكذا لكل فضيلة سعادة بها هيهات ان يتمكن العقل البشري من تصور ما يذوق الروح الصالح من النعيم بعد مبارحة هذه الحياة وبعد عودات وعودات اذ يكون غنياً بالفضائل متجرداً من الرذائل فيطير الى العلا بخفة ولطاقة لا حد لهما منطلقاً من اسر الجسد وعاهاته مشعاً بجسمه الروحاني اللطيف ، ، ومن ذا يصف المشاهد الزاهية النضرة التي تعرض لمرأى الروح في عالم الغيب بعد سقوط الحجاب الجسدي منه وانطلاقه من اسر المادة اذ يرنو ببصره الى مساحات الفلا الغير المحدودة فيجدها مزدهية بملايين من شموسها الزمردية والياقوتية والزبرجدية وسواها من الالوان المتفننة فيراها ليس كما يراها البشر كحباحب صغيرة متنورة في كبد الجلد بل يبصرها في ملء حجمها وسعتها ويشهد كيفية تجاذبها لبعضها وسرعة سيرها في طرقها المحدودة كأنها كرات نارية نثرتها في الفضاء يد غير منظورة ثم يتأمل في تكوين العوالم الجديدة وبروزها من غمرات الاثير وظهور الحياة على سطحها ودرجات الترقي البالغ اليها سكان كل منها ومحافل الارواح السابحة في بحور النور واقتران الحياة والحركة في كل مكان بالنظام والوحدة .
ان الاقطار العلوية هي مسكن البهاء والنور والارواح الحالية بها تنشيء من الفنون ما يتعذر استيعابه على العقل البشري في هذه الحياة ، هناك تقام الافراح والاعياد الزاهية باجتماع الارواح العلوية من كل اقطار الكون وكل منها متلألي بنوره الذاتي وبسناء كسائه اللطيف الدال على صفاته ودرجة ترقيه….
هذا هو شيء من مصير الانسان بعد الموت بكل اختصار .
التناسخ او التقمص
آراء و نظريات
التقمص هو عبارة عن انتقال النفس الانسانية من جسد الى جسد آخر ويسمى في اصطلاح علماء الافرنج متميسيخوز Metempsycose وهي كلمة يونانية مركبة من متا ومعناها تغير او انتقال و بسيخي ومعناها نفس.
والتناسخ هو في التعليم البرهمي والبوذي عبارة عن انتقال النفس بعد الموت الى جسد من اجساد المخلوقات العليا او الدنيا جزاء للفضيلة او قصاصاً على الرذيلة وقد تتحول النفس ايضاً الى العالم النباتي او الجمادي، وذهب هيرودوتس الى ان المصريين هم اول من تمسك بهذا المذهب وكانوا يعتقدون ان النفس تتسريل بالتتابع بصور جميع الحيوانات التي تعيش على الأرض وانها بعد ذلك ترجع بعد دور ٣ آلاف سنة الى جسد انسان لكي تبتديء ثانية بسياحتها الابدية، والمتأخرون من الفيثاغوريين كانوا يذهبون الى ان للنفس حياة خاصة بها كانت لها بالاشتراك مع الارواح قبل نزولها الى الارض وانه لا بد ان يكون شيء من الاتفاق بين قوى النفس والصورة التي تتخذها. واما افلاطون فانه من القائلين بهذا المذهب وهو يتكلم عنه في كتابه الفيدو ذاهباً الى ان النفس توجد قبل ظهورها في الانسان وانها لا تزال تتذكر بعد ظهورها فيه تلك الحالة تذكراً غير واضح وانها بعد الموت تطلب وتختار بحسب خاصياتها الذاتية جسداً آخر وحسب زعمه ان كل نفس ترجع الى مصدرها الاصلي في مدة ١٠ الاف سنة وبعد ان تكمل كل حياة تصرف الف سنة في العالم الجهنمي في حالة مطابقة لتلك الحياة وهذا الرأي يظهر في اقوال الافلاطونيين المتأخرين.
وقد اوضح ذلك بورفيروس بكل دقة في الرأي الافلاطوني الحديث ، اما القبالة فكانوا يذهبون الى انه من المقتضى على كل نفس ان ترجع الى اتحادها السري بالجوهر الالهي ، ولكن لا بد لها قبل ذلك من ان تظهر في كل الكمالات التي لها اصل في ذاتها ويظن ان اوريجانوس في تأليفه عن المبادي. كان متمسكا بهذا التعليم لكي يتوصل به الى العلة النهائية للخليقة وان الله اوجد العالم ليكون مكان تطهير للانفس التي اخطأت في السماء وذلك يوضح السبب الذي لاجله اوجد الله في عمله نقائص كثيرة في الظاهر . لكن كتاب اوريجانوس لا يوجد الا في الترجمة اللاتينية ككتاب المباديء من قلم روفينوس الذي يعتقد المحققون الحديثون انه غير الاصل وادخل فيه بعض آرائه وهذا الرأي المنسوب الى اوريجانوس قد تمسك به ايضاً الغنسطيون والمانيون والدرويده وفي شرح المواقف وغيره ان اهل التناسخ او التناسخية المنكرين للمعاد الجسماني يقولون ان النفوس الناطقة انما تبقى مجردة عن الابدان اذا كانت كاملة بحيث لم يبق شيء من كمالاتها بالقوة فصارت طاهرة من جميع العلائق البدنية فتخلصت ووصلت الى عالم القدس. اما النفوس التي بقي شيء من كمالاتها بالقوة فانها تتردد بالابدان الانسانية فتنتقل من بدن الى آخر حتى تبلغ النهاية في ما هو كمالها من علومها واخلاقها فحينئذ تبقى مجردة مطهرة عن التعلق بالابدان ويسمى هذا الانتقال نسخاً ، وقيل ربما نزلت الى الاجسام النباتية ويسمى رسخاً ، وقيل الى الجمادية كالمعادن والبسائط ويسمى فسخاً .
والتناسخ في هذه الاحوال الثلاثة يسمى بالافرنجية ( متمور فوز ) ويطلق عليه بالعربية عموماً اسم مسخ .
وقالوا ان هذه التنزلات المذكورة هي مراتب العقوبات واليها الاشارة بما ورد من الدركات الضيقة في جهنم وقالوا ان النفس في جميع التنزلات المذكورة تردد في الاجسام حتى تنتقل الى بدن الانسان وتتردد في الامم حتى تبلغ كمالها من العلوم والاخلاق فتخلص من الابدان كلها وقد يقال ان النفوس الكاملة تتصل بعالم العقول والمتوسطة باجرام سماوية او اشباح مثالية لبقاء حاجتها الى الانشكال والناقصة بابدان حيوانات تناسبها الى ان تتخلص من الظلمات وهذا كله رجم في الظن بناء على قدم النفوس وتجردها .
من الاقوال الروحانية
هذا خاضعة لشريعة ان النفس رغم بلوغها المرتبة البشرية تبقى مع التناسخ اي يتكرر حلولها بجسد مادي مراراً عديدة حتى بلوغها درجة النقاء ، فالبشر اذا أرواح متجسدة قضوا وسوف يقضون تجسدات وافرة العدد على سطح العوالم ، وكل تجسّد يكون للروح كبوتقة يتنقى فيها من بعض الأوزار و ميدان حرب تتسع فيه قواه العقلية ودرجة جديدة بصعدها في سلم الكمال.
ويفقد الروح عند تجسده ذكر ماضيه بالكلية وتبقى فيه فقط القوى والصفات والميول التي اكتسبها سابقاً وتكون كامنة فيه لحين تكامل نموه الجسدي ، والباعث لهذا النسيان تمكن العنصر الحيوي من الجسم الروحاني وتناقص حركته الاهتزازية لاتحاده بالجسد المادي ، وبهذا النسيان منة من جوده تعالى لان تذكر سابق وجودنا المستوعب ربما من الآثام والفظائع يكون عذاباً لا يطاق مع صعوبات ومرارة الحياة الجديدة ، ففي كل تجسد يكون الروح مع قدمه انساناً جديداً مزوداً بما اكتسب سابقاً من الصفات العقلية والادبية ليتمكن بها من حسن القيام بمهمته الجديدة وبعد نفاد القوة الحيوية وانقضاء الأجل يعود الى الحياة الروحية وتنجلي لديه تقمصاته الماضية فيرى ما اكتسب أو خسر ، وعليه فالروح لا يتغير و نسيانه لماضيه وقت التجسد لا يضر شيئاً بشخصيته فهو قبل التجسد وحين التجسد وبعد التجسد .
ان من يعتزل عن الناس لا يأتي فضيلة ولا رذيلة . فتذهب حياته سدى اذ باجتنابه دواعى الشر يُضِع معاً فرص الخير .
ومعلوم ان تجسداً واحداً لا يكفي الروح لامتلاكه كل خير وتجرده من كل شر ، هل يمكن للمتوحش الافريقي ان يبلغ في حياة واحدة درجة الاوربي الكامل التمدن ؟ هذا مستحيل واعظم المستحيلات ايضاً ان يبقى ابديا على حال الهمجية والجهل محروماً من لذة العلم ونعيم الكمال اذ يكون هذا منافياً لعدل الله وجوده ولناموس الترقي العام القائمة عليه الطبيعة ، فالانسان اذا ينال من التجسدات ما يعوزه لبلوغ الغاية القصوى . ويبقى الروح بين كل تجسّد وآخر زمناً متفاوت المدة ينعم فيه او يشقى وفقاً لما عمل من خير او شر في تجسده المنقضي . ويترقى ايضا في الحالة الروحية باكتسابه معارف يتعذر عليه اكتسابها في الحالة الجسدية ، ومعلوم ان الحالة الروحية هي حياة الروح الحقيقية ففيها يجتني ما اكتسب من ثمار التقدم في جهاده الجسدي ويتأهب لتجسد اي كفاح جديد يكفّر فيه عن ماضي زلاته ويختار لنفسه المحن الزمنية التي تساعده على بلوغ المرام .
ان من الناس من يستغربون قضة اختيار المحن وبرتاون ذلك لما اختار الانسان الا العيش الرغيد في انه لو صح والتنعيمات الزمنية . والحال ليست الاشياء الارضية في نظر الروح كما هي في نظرنا فان الروح في عالم الغيب يقابل التنعمات الدنيوية الزائلة بتلك السعادة الراهنة التي يستشفها فيهزأ بالدنيا ونعيمها ويختار المحن ليسهل عليه بلوغ الغاية كما يختار العليل امر العلاجات لينال بها الشفاء.
هذا وان لدينا كل يوم مثل ذلك في الانسان الذي يكد ويتعب ليلا ونهاراً ليجمع من المال ما ينعم به آخر حياته والجندي الذي يخاطر بحياته في طلب العلا والتاجر والرحالة اللذين يتعرضان لاخطار البر والبحر قصد الغني والمجد . ومَنْ من الناس ينبغ في العلوم او الفنون أو الصنائع قبل ان يجوز باختياره في المراكز الوطيئة ؟ فما يحدث في عالمنا الجسدي يتم في عالم الغيب والروح الناظر الى بعد والمقدر الحياة الزمنية حق قدرها لا يتردد في اختيار مشقات زائلة تعود عليه بسعادة ابدية . وان من يقول لو كان الانسان مخيراً في انتخاب عيشته لاختار ان يكون اميراً مثرياً فهو اشبه بقصير بصر لا يرى الا ما يمس او بولد شره يسأله والده عما يرغب في مستقبله من ان الانسان حرفة فيجيب حرفة الحلواني او القطائفي . كمسافر في واد عميق يكتنفه الضباب من كل جهة ولا يرى مدى طريقه ولكن عند بلوغه قمة الجبل يحدق ببصره الى المسافة التي قطعها وما بقي له من المسالك لبلوغ الغاية ، واذ يرى عن بعد الاخطار والمصاعب التي سيلقاها في طريقه يتخذ الوسائط المناسبة لبلوغه مكان الراحة بأمان . هكذا الروح المتجسد طالما هو مقيد بالسلاسل المادية لا يمد بصره الى ما هو خارج الحياة ولكن بعد انطلاقه من سجنه الجسدي يقدر الامور حق قدرها ولا يهوله اذ ذاك التعرض لمصاعب تورده منهل النعيم .
من المقرر ان اختيار المحن لا يشمل عوارض الحياة كلها بل المركز والجنسية ونوع العيشة فقط .
مثلا يختار الروح حالة الفقر واما الصعوبات التي ستدهمه والعوارض المستهدف لها فهي موقوفة على حكم الظروف وبالاخص على اعماله الحرة ، فهو كمن يختار طريقاً كثير الوعورة فقد يمكن ان يسقط مرة او مرتين او اكثر او لا يسقط بتاتاً على قدر تحفظه وانتباهه ، وهكذا قل عمن يختار التجسد بين قوم لصوص او قتلة ليتجرد من هذه الرذائل او ان يولد غنياً مثرياً باستظهاره على التجارب المعرض لها ليستظهر على خداع الغنى وغروره ولا يصرفه الا في سبيل الرحمة وعمل الخير ، وهذه من اشد المحن صعوبة وخطراً.
ولا يتناول اختيار المحن الا الارواح الممتلكة درجة كافية من الترقي واما الارواح الحيوانية وارواح المتوحشين الذين في منتهى الهمجية فتتولى امرها الارواح العلوية وتختار لها من التجسد ما يناسب حالها وتقدمها وهكذا بعض الارواح الشريرة المتصلبة في الاثم فقد يحكم عليها غالباً بالرغم عنها بتجسد اليم تكفر به عن ذنوبها ويعود عليها بالاصلاح.
وعلى قدر ترقي الروح ادبياً تخف عنه وطأة المادة ويزداد نقاء فتتسع قواه ويمتد شعوره ، وتتضاعف سعادته ، وقد يسيء غالباً التصرف باختياره المعتوق فيتقاعد عن العمل ويطيل بذنبه سري تجسداته المادية فتصبح هذه من باب القصاص له ، فلهذا ليس لتقمصات الروح في اجساد مادية غليظة عدد محدود بل ذلك مقصور على ارادته وجده في العمل ، ولما يكتسب الروح درجة الترقي البالغ اليها العالم المستقر فيه ينتقل الى عالم ارقى منه.
وليست الاجساد بغليظة المادة الا في العوالم المتأخرة كعالمنا الارضي وأما في العوالم الاخرى فهي ألطف وأقل مادة وتكاد في العوالم العلوية ان تشابه الجسم الروحاني في لطافتها وخفتها وبهائها ، ولا يزال الروح يزداد ارتقاء إلى ان يستغني عن التجسّد فيحيا بالحياة الروحية وحدها ويتم ارتقاؤه فيها بانواع ووسائط اخرى الى ان يبلغ ذروة الكمال، ويحظى بالله الخير الاعظم ويصبح من عدد ملائكته الانقياء الموكول اليهم ادارة العوالم ورعاية باقي الارواح على اختلاف طبقاتها .
وتكتنف الارواح في خلال تجسداتها العالم الملتصقة به فتكون إلفة اجتماعية قائمة بنفسها متميزة عن الجامعة البشرية .
وتتبادل على الدوام هاتان الجامعتان التنقل من الواحدة الى الاخرى بالموت والمولد فيوافي كل يوم للعالم الجسدي عدد جسيم من سكان الفلا ويرحل الى عالم الغيب عدد مواز من العالم الجسدي ، وفي بعض أعصر رتبتها الحكمة الربانية تتضاعف هذه التبادلات عدداً فيهاجر المتجسدون على اثر الانقلابات الطبيعية بالالوف الى عالم الغيب ويعقبهم بعد قليل ارواح اخرى تتجسد مكانهم بالالوف . فما الكوارث والآفات الطبيعية الا وسائل ضرورية لتجدّد سكان العالم الجسدي وتنشيطه بحلول ارواح جديدة فيه اكثر ارتقاء من التي قبلها ، لهذا ترى كل نكبة عامة تحل بشعب من الشعوب يعقبها دائماً اصلاح جديد في احواله العقلية والادبية .
فما يتم بين الجامعتين الروحية والجسدية من عالم واحد يتم ايضاً ما بين سكان عالم وآخر وذلك اما بالتنقل الافرادي على نسق نظامي واما بالتنقل الاجمالي عند وقوع بعض الظروف الاستثنائية ، فبهذه تتجدّد احوال سكان كل عالم بحلول ارواح جديدة فيه تأتي فتختلط بجامعته الروحية ثم تتجسد فيه كباقي الارواح . وبما ان ما اكتسب في السابق من الصفات الادبية والترقي العقلي يصحبها دائماً فيكون حلولها بذاك العالم مجلبة للفلاح والعمران ، وتكامل جسمها الروحاني يحسن شكل الاجساد التي حلت بها ، ويستفاد من تعليم الارواح ان جلاء اجمالياً كهذا قد تمّ في الماضي من عالم ارقى من عالمنا الارضي والارواح المنحدرة اليه أرمز اليها بشخص آدم فدعيت عند تجسدها بالذرية الآدمية وقبل ظهورها كانت الأرض آهلة بسكان لا يعرف زمن بدءهم كما القارة الاميركية كانت عامرة بالسكان عند دخول الاوربيين اليها .
ويؤيد الكتاب هذا الرأي بتكلمه عما كانت عليه الذرية الآدمية من النشاط والذكاء وما استنبطت من الصنائع والفنون حال ظهورها على الارض دليلا على انها ارواح ترقَّت قبل انحدارها الى هذا العالم وانها ليست من اصل واحد من الشعوب الهمجية المستقرة قبلاً فيه .
فرأي كهذا لا تنافيه الآثار الجيولوجية ولا العلم الانتروبولوجي ( وهو علم تعريف الانسان ) بل تصادق عليه الاكتشافات العلمية ويؤيده الصواب .
اذا نفينا الرأي التناسخي وقلنا بوحدة حياة الانسان الجسدية اضطررنا الى الاقرار برأي خلقة النفس من الجسد وان قلنا بهذا الرأي اي بخلقة النفس من الجسد وجب على القائلين بغير التناسخ ان يحلوا لنا الاعتراضات الآتية :
اولا– لم نجد في اكثر الناس استعدادات شتى متجردة عن الخواطر المقتبسة بالتهذيب ؟
ثانياً– لماذا نجد في بعض الفتيان اهلية غير اعتيادية الصناعة من الصنائع او علم من العلوم فينبغون فيها نبوغاً عجيباً ويلبث غيرهم متقهقرين فيها رغما عن كدهم وجهدهم !
ثالثاً — من اين تتأتى في بعض الناس تلك الافكار الغريزية ? التي لم يتلقنوها من احد ولم يصبها غيرهم ؟
رابعاً – من اين تتأتى في بعض الفتيان من ذوي الحسب ميول وخيمة يعجز التهذيب عن استئصالها وفي بعض فتيان عواطف شريفة وفضائل كريمة لا تضر بها الامثال الرديئة ؟
خامساً واخيراً – ما الداعي لوجود المتوحشين تجاه المتمدنين والهمجية ازاء العمران ، واذا التقطت طفلا همجياً من اواسط افريقيا وربيته في اشهر المدارس الاوربية هل يبلغ قط درجة ارسطو او نوتون .؟ هذا حسب الواقع المعروف علمياً.
في الخلقة
من مقالات مترادفة لقنها روح غاليلوس على يد الوسطاء للجمعية الباريسية الروحانية في خلال سنتي ١٨٦٢ و ١٨٦٣ عن الفضاء والزمان.
قال : الفضاء لفظة تدل على معنى مفهوم بذاته لا يحتاج الى التعريف فأفضل تحديد اطلق على الفضاء انه مسافة تفصل بين جرمين وهو لا حد له .
أقول ان الفضاء لا حدَّ له بدليل ان من المستحيل تصور حدود تحدّه فاسهل لنا معما نجد من الصعوبة في استيعاب اللانهاية ان نشير بالفكر أبدياً من ان نتصور موقفاً لا مساحة بعده نجول فيها ، وان شئنا ان نمثّل في ذهننا المحدود عدم تناهي الفضاء فلنتصورن أنفسنا طائرين من الارض نحو احدى جهات الكون بسرعة الشرارة الكهربائية التي تقطع في الثانية ألوفاً عديدة من الفراسخ فبعد طيراننا بثوان قليلة لا تعود الارض تتراءى لنا الا ككوكب حقير ضعيف النور جداً وبعد قليل تتوارى عن نظرنا بالكلية والشمس ذاتها لا تعود تلوح لنا الا كنجم صغير متوغل في اقاصي الفلاء وعوضها ينجلي لاعبننا نجوم عديدة لا نكاد نميزها من المحطة الارضية ، واذا لبثنا طائرين بالسرعة ذاتها فنقطع في كل هنيهة عوالم متجمعة وسيارات ساطعة وبقاعاً زاهية نثر فيها الله العوالم كما نثر الزهور في مروجكم الارضية.
على انه لم يمض على سفرنا إلا دقائق قليلة ومع هذا فقد نأينا عن الارض ملايين بملايين من الفراسخ ورأينا الوفا بالوف من العوالم ولكن لدى التحقيق لم نخط بعد ولا خطوة واحدة في الكون ، واذا استقام سفرنا البرقي لا دقائق وساعات بل سنين واجيالاً والوف اجيال وملايين بملايين بملايين من العصور والدهور فلا نكون مع هذا قد خطونا ولا خطوة واحدة في طريقنا وذلك الى اي صوب اتجهنا واية نقطة انتحينا من تلك الذرة الحقيرة التي بارحناها وانتم تدعونها أرضاً .
الزمان– واما الزمان فهو كالفضاء لفظة معتبرة بنفسها غنية عن التحديد وقد يسوغ ان ندعوه تعاقب الاشياء وهو مرتبط بالابدية ارتباط الاشياء باللانهاية فلنتصورن انفسنا في بدء عالمنا اي في عصر بدأت فيه الارض تتبختر تحت النفخة الالهية وبرز الزمان من مهد الطبيعة السري فقبلها كانت الابدية سائدة ساكنة والزمان يجري مجراه في عوالم أخرى ولما برزت الارض الى حيز الوجود استبدلت فيها الأبدية بالزمان واخذت السنون والقرون تتعاقب على سطحها حتى اليوم الاخير اي ساعة تبلى الارض من العتق وتمحى من سفر الحياة ففي ذلك اليوم يبطل تعاقب الاشياء وتزول الحركات الارضية التي كانت مقياساً للزمان وبزوالها يزول الزمان أيضاً ، فينتج من ان الزمان يتولد من تولد الاشياء وينقضي بانقضائها وهو بقياس الابدية كنقطة صغيرة جداً سقطت من عباب الجو في البحر الدنى . وتختلف الازمنة باختلاف العوالم وخارج هذه التعاقبات تسود الابدية وحدها وتملأ بضيائها فلوات الفضاء الغير المحدودة هذا فقضاء لا حد له وابدية لا قرار لها هما الخاصيتان العظيمتان – للطبيعة العامة .
ولما كان الزمان تعاقب الاشياء الزائلة ومقياسها فاذا جمعنا ألوفاً بألوف من القرون والاحقاب فلا يكون هذا العدد الا نقطة زهيدة في الابدية كما الالوف بالألوف من الفراسخ تُعد نقطة صغيرة في الفضاء واذا مضى على حياتنا الروحية عدد من القرون يوازي قدر ما يكتب على طول خط الاستواء فينقضي هذا العدد الجسيم والنفس كانها اليوم ولدت ، واذا اضفنا إلى العدد المذكور سلسلة أخرى من الاعداد ممتدة من الارض الى الشمس واكثر فينقضي هذا العدد الغير المدرك قياسه من القرون والنفس لا تتقدم يوماً واحداً في الابدية رغم استمرارها على السير – ذلك لان الابدية لا حد لها ولا قياس ولا يعرف لها بدء او نهاية ، فاذا كانت القرون المذكورة كلها لا تعد ثانية بقياس الابدية فما اهمية عمر الانسان على الارض يا ترى ؟ ! . . .
اي لسان يستطيع ان يصف تلك العظائم الباهرة المسترة في دياجي الدهور التي تلألأ سناها في عهد لم يكن قد ظهر بعد شيء من عجائب الكون الحالي ، تلك الدهور القاصية التي اسمع الرب فيها صوت كلمته فاندفعت تيارات الاهباء والذَّرات لتشيد بتجمعها المهندم هيكل الطبيعة الغير المحدود ، ذلك الصوت السري الكريم الذي تجله وتهواه كل خليقة وبرنته السحرية ارتجت الافلاك وسبحت عجائب الله.
هذا ولقد ضربت صفحاً عن ذكر العالم الروحي الذي هو ايضاً قسم من الحلقة العامة ويتمم ما رسمه عليه المبدع العظيم من التقادير الازلية ، على اني لا استطيع ان اتوسع في كيفية خلقة الارواح نظراً الى جهلي للمسألة وعدم اجازتي بأن ابوح بأمور تيسَّر لي التعمق فيها فقط اقول لمن تطلب الحق بخلوص النية وتواضع القلب ان الروح لا يشرق عليه النور الالهي لينال به من الاختيار المعتوق معرفة ذاته ونصيبه من الاستقبال الا بعد ان يكون قد جاز بقضاء محتوم في مسبحة النسمات السفلية من البرايا وفيها انجز ببطء فرود شخصيته ففي ذلك اليوم يسم الله جبهته بوسم مثاله وينخرط الروح في سلك الانسانية متدرجا الى الروحانية ! ….
واخيراً اقول : اذا احدى الدويبات الحقيرة التي تقضي حياتها الوجيزة في قعر البحار ولا تعرف من الطبيعة الا الأسماك وغابات المياه نالت فجأة من العقل ما مكنها من درس عالمها واخذت تقيس عليه افكارها في الكائنات، فما عسى يكون تصورها للعالم الارضي الغير الواقع تحت نظرها؟ واذا بمعجزة اخرى انتقلت بها هذه الدويبة من القعر الى ما فوق المياه بالقرب من جزيرة غناء اكتست بمروج زاهية فأي تغيير يطرأ على افكارها السابقة ؟ وكم تتسع دائرة تصوراتها وما تزال هذه دون الحقيقة ؟..
هذا بيان حال علومكم النظرية في الجيل الحاضر يا بني البشر ! …
الاحلام
ان للحواس الجسدية كالسمع والنظر وغيرها أجهزة خصوصية مقصور انفعالها على الاشياء المادية فقط، انما الحاسة الروحية فليس لها مكان معين اي ان الروح يبصر بكل كيانه ويسمع ويحس كل شيء دخل في دائرة اشعة جسمه الروحاني فهذه تظهر الحياة الروحية أي حياة الروح خارجاً عن الجسد وشرح ذلك ان النفس ولئن كانت وقت الحياة مكبلة بقيود المادة الجسدية فتتمكَّن مع هذا من الانطلاق حيناً بعد حين من سجنها لتتمتع بجزء من حريتها الاصلية ويتم هذا الانطلاق وقت الرقاد وفي السبات المغناطيسي والانخطاف والاغماء وفي كل عارض شأنه ان يقطع موقتاً الحياة العلاقية ففيها تتطلق النفس من اسرها وتبقى مرتبطة بالجسم برابط هو جزء من جسمها الروحاني لا ينقطع بتاتاً الا بالموت وبهذا الرابط تنتبه النفس الى كل ما يطرأ على الجسد فتعود اليه حال اضطراره الى حضورها.
لمَّا يرقد الجسد تنطلق منه الروح وتزداد قواها عما في اليقظة فتتذكر شيئاً من ماضيها وتستكشف احياناً امر المستقبل ويتيسر لها مناجاة الارواح الاخرى، ان في هذا العالم وان في عالم آخر. فما تلك الاحلام الغريبة والبعيدة التصديق الا ذكر الاماكن والاشياء التي رأيتموها او سوف ترونها في تجسد أخر لان الروح بانطلاقه من قيد الجسد وقت الرقاد يبحث غالباً عن ماضيه ومستقبله .
فالحلم هو تذكر ما رآه الروح وقت الرقاد ولسنا نحلم دائماً لاننا لا نتذكر دائماً ما رأيناه او كل ما رأيناه وقت الهجوع بل نذكر فقط ما يعرض لنا في حالة الاضطراب الملازمة لمبارحة الروح وعودتها إلى الجسد ويضاف الى ذلك ذكر ما صنعناه وقت اليقظة والمهمات الشاغلة لأفكارنا وهذا هو الباعث لتلك الاحلام الباطلة التي لا معنى ولا سياق . والتي يراها العلماء والسذج معاً وقد يمكن إعزائها أيضاً الى الخلال الناتجة عن عدم تذكرنا لكل ما تراءى لنا في الحلم كرواية حذف منها بالعرض جمل متعددة فان جمع ما تبقى منها لا يكون له معنى ولا سياق.
وان معظم الاحلام تتأتى عن بواعث طبيعية فزيولوجية محضة ذلك لان ليس كل روح ينال ملء الحرية وقت الرقاد بل يبقى الاكثرون تحت حكم المادة وعلى حالة اضطراب لا تمكنهم من ان يعوا لانفسهم فتكون احلامهم تخيلات او صوراً سيالة وهمية ناشئة عن اعتقادات باطلة او تذكارات قديمة او عن الشهوات والاهواء والخوف وتبكيت الضمير وشواغل البال واحتياجات الجسد او تضايق في وظائف الجسم كالتنفس ودورة الدم والهضم وما شاكلها من العلل الطبيعية المحضة.
وبعبارة ثانية ان بفعل النوم الصحيح تقوم روابط الالفة بين الارواح المتجسِّدة والغير المتجسِّدة ولهذا لا تأنف الارواح العلوية من التجسُّد بيننا لان في وسعها ان تستقي بواسطة الرقاد من نبع الصلاح وتخالط أحباءها السماويين لتنال بهذه المخالطة عوناً على عدم الزلل في وسط تيار الرذائل العالمية فالرقاد لهذه الارواح باب السلوى والمنهاج المؤدّي إلى السماء ريثما يوافيها الاجل المحتوم فينقذها من القيود الجسدية ويعود بها الى مقرِّها السعيد . وقصارى القول ان ما تراه النفس وتصفه وقت انطلاقها من الجسد إن في الحلم وإن في النظر الروحي او السبات المغناطيسي أو الانخطاف ينوط بدرجة ارتقائها وبحالة الشخص الادبية والطبيعية.
وعليه ان من الصواب ان نتنقر الرؤى والاحلام بعين البحث والنقد تمييزاً لصحيحها من باطلها واحسن وسيلة لذلك هو درس نواميس عالم الغيب واستقصاء غوامضه عن يد وسيط روحاني صادق .
اسئلة واجوبة روحانية
يتوهم الكثير من الناس ان الروحانية هي واسطة سهلة وباب رحب لاستكشاف الكنوز واستنباء المستقبل وفتح الفال وحل المسائل العلمية الى غير هذه من دواعي الطمع وحب الأرضيات ، فدفعاً لهذه الأوهام رأينا ان نذكر بعض الأسئلة والاجوبة التي تطرح على الارواح فهي لا تخلو من فائدة :
- س – هل تجيب الارواح على كل سؤال يطرح عليها ؟
- كلا، فان الأرواح الرصينة لا تجيب الا على اسئلة غايتها خيركم الروحي وترقيكم الادبي.
(۲) س – هل الاسئلة الجدية هي واسطة لابعاد الارواح الطائشة ؟
ج – ليست الاسئلة التي تبعد الارواح الطائشة بل صفات من يلقي الاسئلة .
(۳) س- اية اسئلة تكرهها الارواح الصالحة ؟
ج- هي التي لا فائدة منها او يشتمُّ منها رائحة الفضول او الطمع.
(٤) س – هل من اسئلة تكرهها الأرواح الناقصة ؟
ج – لا تكره الا الأسئلة التي تزيح النقاب عن جهلها وخداعها .
(٥) س – ما قولك في من يتخذون المخابرة الروحانية باباً للهو والهزل او لاستنباء أمور تهم احوالهم الزمنية ؟
ج- هؤلاء تسر بهم الارواح الناقصة لمداعبتهم وخداعهم.
(٦) س – أليس من حوادث يتنبأ الأرواح عنها وتتم في حينها ؟
ج- يتفق أحيانا ان الروح يستشعر حدوث بعض امور يرى من الفائدة كشفها ولكن هذا لا يمنع الأرواح الماكرة من نشر النبوات الكاذبة .
(۷) س- ما هي اخص دلائل النبوات الكاذبة ؟
ج – هي التي لا تأتي بفائدة عامة أو يكون مرجعها النفع الخاص.
(۸) س- لماذا الأرواح الرصينة لا تعيّن زمن حدوث الأمور اغلب الأحايين ؟
ج – يكون هذا اما عمداً منها لسبب ما او عدم معرفة.
ان الروح يستشعر احياناً وقوع امر ما انما زمن وقوع هذا الأمر يكون في الغالب متعلقاً بحوادث لم تتم بعد ولا يعلمها الا الله.
(۹) س – كيف يتفق ان بعض الناس يستدلون على قرب موتهم ويحددون زمن وقوعه ?
ج – تطلع ارواحهم على ذلك عند انطلاقها من قيود الجسد ويبقى فيها ذكره عند اليقظة فهؤلاء لا يهولهم امر الموت ولا يرون فيه الا انتقالا من حالة إلى حالة او تغيير كساء خشن بكساء لطيف ، ان خشية الموت سوف تتناقص وتتلاشى عند انتشار الحقائق الروحانية.
(۱) س – هل يسوغ استشارة الارواح في الصوالح الزمنية ?
ج – قد يمكن ذلك في في بعض الظروف وعلى مقتضى نية المستشير وصفات الروح الموجهة اليه الاستشارة ، ومن الواجب ان تتأكدوا ان الارواح الصالحة لا تتواطأ قط على مجاراة مطامعكم واما الشريرة فتهزأ بكم بمواعيد سرابية ليس وراءها الا الخيبة والحسرة ثم اعلموا انه اذا قدر عليكم محنة فالارواح الصالحة تساعدكم على تحملها وتخفف عنكم وطأتها ولكن قط لا تستطيع ان تدرأها عنكم لأن بها خيركم الروحي ونجاح مستقبلكم .
(۱۱) س- انستطيع ان نستنبيء الارواح عن احوالها و مراكزها في عالم الغيب ؟
ج – نعم بشرط ان يكون هذا الاستنباء ناتجاً عن المحبة وطلب الفائدة الروحية.
(۱۲) س – هل تستطيع الارواح ان تصف لنا نعيمها أو شقاءها ؟
ج- نعم لأن فوائد عظيمة تنتج لكم من ذلك أخصها اطلاعكم على ماهية الثواب والعقاب بعد الموت ورفع الاوهام المتركبة على عقول بعض السذج من هذا القبيل وإحياء الايمان فيكم وتقوية رجائكم في صلاح أبينا السماوي ، ان الارواح الصالحة يلذ لها وصف نعيمها والشريرة تجد راحة في تبيان ما تُقاسيه من تباريح العذاب، خصوصاً اذا لاقت من سامعيها عواطف الإشفاق والتآسي، لا خفاكم ان غاية الروحانية هي اصلاحكم الروحي والغرض منها وقوفكم على حقائق ما بعد الموت لتتجردوا من الارضيات وتسعوا وراء السماويات.
(۱۳) س- هل يجوز استشارة الارواح في امر الصحة؟
ج- نعم لأن الصحة شرط ضروري لحسن القيام بالعمل المتجسد الانسان لاجله فقط لا ينبغي استشارة اياً كان من الأرواح لأن الجهلاء يكثرون بينهم .
(١٤) س- الحسن استشارة مشاهير الاطباء المتوفين ؟
ج- ليس هؤلاء المشاهير بمعصومين عن الخطأ وقد تتصلّب فيهم احياناً بعض آراء فاسدة لا ينتزعها الموت منهم بسهولة، ان العلوم الارضية ليست بشيء بالنسبة الى العلوم السماوية وهذه لا يمتلكها الا الارواح العلوية فاليها يجب ان تلجأوا في كل امر .
(١٥) س- هل العالم بعد موته يقر باضاليله العلمية ؟
ج – ان كان قد تجرّد من الكبرياء وادرك نقصه فيقر بها بلا خجل والا فتبقى فيه بعض الاوهام التي تركبت عليه في الحياة .
(١٦) س – هل يمكن استرشاد الارواح في المباحث والاكتشافات العلمية ؟
ج-ان العمل هو صنع العقل ولا يكتسب الا بالعمل وبالعمل وحده يتقدم المرء في طريقه ، اي فضل يبقى للانسان اذا امكنه ان يعرف كل شيء باستنباء الارواح ؟ ألا يصبح الغبي الجاهل بهذه الطريقة عالماً ؟ ثم ان لكل شيء وقتاً معيناً يأتي في حينه اي عندما تكون الافكار مؤهلة لقبوله واما بتلك الطريقة فيقلب الانسان نظام الاشياء اذ يقطف الثمرة قبل نضجها .
(۱۷) س – يظهر من بعض الحوادث الروحانية ما هو مناف لكل النواميس الطبيعية المعروفة أفلا يجوز الاشتباه بصحتها ؟
ج- السبب في ذلك هو بعد الانسان في الحاضر عن معرفة كل النواميس الطبيعية فلو عرفها كلها لأصبح روحاً علوياً ففي كل يوم تظهر اكتشافات جديدة تكذّب من ظن بنفسه قد بلغ منتهى المعرفة ولم يعد في الطبيعة شيء خاف عليه فبهذه الاكتشافات المستجدة ينبه الله الانسان على ان لا يثق بأنوار علومه اذ سيأتي يوم فيه يعود علم العلماء خزياً لهم.
(۱۸) س – لم لا تكون رؤية الارواح عامة مستمرة ؟ ألا تكون هذه اقوى وسيلة لاقناع المنكرين؟
ج – بما ان الارواح تحتاط بالانسان من كل جهة فرؤيتها تكون باعثاً لتشويش افكاره وعرقلة له في اعماله وعائقاً لحريته واما المنكرون فلديهم دلائل أخرى واضحة تقنعهم اذا ارادوا ونزعوا عنهم الكبرياء ، لستم تجهلون ان كثيراً من هؤلاء رأوا بأعينهم ولم يصدقوا بل نسبوا كل ذلك الى الوهم فلا تقلقوا لهم لانهم سوف يذعنون للحقيقة عاجلا ام آجلا.
(۱۹) س – هل رؤية الارواح في العوالم العلوية اكثر وقوعاً من هنا :
ج- كلما ارتقى الانسان في الحياة الروحية ازداد سهولة في مناجاة الارواح واما في عالمكم السفلي فكثافة الجسد هو العائق الأكبر الذي يحول دون معاينة سكان عالم الغيب.
(۲۰) س – هل الارواح التي تتراءى لنا في الحلم هي ارواح الاشخاص انفسهم المتجلية بهيئتهم ؟
ج -كثيراً ما يكونون هم انفسهم .
(۲۱) س – ان الفكر نوع من الاستحضار به تجتذب الارواح الينا فكيف ان من نفتكر بهم بالأكثر وتتلهف إلى لقياهم لا يتراؤون لنا في الحلم في حين ان أناساً لانفكر بهم بتراؤون لنا غالب الأحايين ؟
ج- ليس للأرواح إمكان مطلق للظهور لمن تشاء حتى ولا في الحلم فان موانع عديدة غير منوطة بارادتها تحول دون ذلك واما الارواح التي تتراءى في الحلم وانتم غير مفكرين فيها فلا يبعد ان يكون لها بعض التعلق بكم، فضلا عن ان ليس لكم أقل إلمام بعلاقات عالم الغيب ولا بكل الاحباء والمعارف الذين لا فكر لكم بهم وقت اليقظة .
(۲۲) س – ما هي أخص الشروط الواجبة لفوزنا بتعاليم الارواح العلوية منزهة عن كل ضلال ؟
ج- صنيع الخير واستئصال الكبرياء والتجرّد من حب الذات خاصة .
(۲۳) س – هل تحضر الارواح العلوية المجالس الروحانية المنزلية ؟
ج – كلا.
(٢٤) س – هل تحضر الارواح السفلية المجالس الرصينة ؟
لا يؤذن لها بالحضور الا لغاية الاستفادة فلا تجسر حينئذ على ان ترفع صوتها او تبدي حراكا.
(٢٥) س – عندما نستحضر روحاً علوياً عُرف على الارض هل يحضر بنفسه ام يرسل من ينوب عنه ؟
ج – يحضر بنفسه ان أمكنه والا فيرسل من ينوب عنه.
(٢٦) س – هل يكون للنائب كفاية على سد مسد الروح العلوي ؟
ج- ان الروح عارف بمن يسلم اليه أمر نيابته ثم اعلموا ان الارواح العلوية كلما ازدادت ارتقاء انضمت الى بعضها في وحدة الفكر حتى لا يعود لمسئلة الشخصية حيز عندهم ولا من يلتفت اليها وهذا ما يجب ان تسعوا في البلوغ اليه في عالمكم الارضي ثم هل تظنون ان ليس من الارواح العلوية القادرة على تعليمكم الا من عرفتم منها على الارض ؟ ما بالكم تعتبرون دائماً انفسكم مثال الخليقة وان لا شيء في الدنيا خارجاً عن عالمكم الحقير ؟ انكم في هذا تشابهون المتأخرين الذين لم يخرجوا قط عن جزرهم فظنوا ان المسكونة لا تمتد خارجاً عنها.
(۲۷) س – هل تستطيع الارواح العلوية ان تنهي شريرة عن الخداع ؟
ج- لا ريب في ذلك ومن الوسطاء من تميل اليهم الارواح العلوية بنوع خاص لسبب من الاسباب فتقيهم شر الخداع ولا تدع الارواح السفلية تسطوا عليهم ..
(۲۸) س – ما الداعي لهذا الاختصاص ؟ .
ج- لا يدعى هذا اختصاصاً بل عدلا لأن الارواح العلوية لا تميل الاَّ الى من ينقاد لنصحها ويبذل جهدها في اصلاح نفسه وترقيه الروحي فوسيط صالح كهذا يكون محبباً اليها فتتخذه تحت كلائتها وتسعفه في كل ظرف وحاجة.
(۲۹) س- هل العلم في الروح دليل ارتفاعه ؟
ج- كلا قد يمكن مع علمه ان يكون بعد تحت سلطة الرذيلة والاوهام ، ان في عالمكم الارضي من هم في منتهى الكبرياء والحسد والتعصب فهل يتجردون من هذه النقائص حال مبارحتهم الحياة ؟ كلا ان الرذائل على اختلاف انواعها تحتاط بالروح بعد موته ملتصقة به كالهواء وهؤلاء أشد خطراً من الارواح الشريرة لأن فيهم قد اجتمع الكبرياء مع النباهة والمكر مع الذكاء فيطغون بعلمهم السذّج ويشربونهم مبادئهم الباطلة وهذا ما يعرقل قليلا وثبة الروحانية فعلى الروحانيين الخبيرين ان لا يألوا جهداً في كشف خداعهم وتمييز الحق من الباطل .
(۳۰) س – لم يسمح الله بنفاق الارواح الشريرة عند انتحالها اسماء مبجّلة ؟
ج- ان سؤالكم هذا أشبه بقول من يسأل لم يسمح الله بأن يكذب الانسان او يجدف ؟ فللارواح كما للبشر الاختيار المعتوق في عمل الخير او الشر ولكن عدل الله لا يفوت احداً منهم بل ان كل امرء يلقى جزاء اعماله .
(۳۱) س – هل من ضرر في استحضار الارواح السفلية وهل يخشى على الوسيط شرها ؟
ج – لا تجسر الارواح الشريرة على إلحاق الأذى بمن يكون تحت حماية علوية بل انها تهاب الوسيط الفاضل لما له عليها من السلطة الادبية.
(۳۲) س – ما هي اخص الشروط لاستحضار الارواح الصالحة ؟
ج= التهيُّب والاختلاء الباطن وصفاء النية والصلاة الحارة.
(۳۳) س- هل اجتماع الاشخاص في وحدة الفكر تزيد الاستحضار قوة ؟
ج- نعم ولا شيء يضر بالاستحضار مثل تباين الافكار تضادد النيّات .
(٣٤) س- هل يستطيع الروح ان يحضر عدة مجالس في أن واحد ؟
ج- نعم بشرط ان يكون روحاً علوياً .
(٣٥) س- كيف يتم ذلك ؟ هل تتجزأ الارواح ؟
ج- ان الشمس واحدة وتنير مع هذا اماكن عديدة معاً فكلما تعالى الروح وتنقى ازدادت اشعة فكره قـــــوة وتمدداً ، اما الروح السفلي فلا يستطيع لتغلب المادة عليه ان يحضر الا مكاناً واحداً ولا ان يكاتب الا وسيطاً واحداً ،
هذا بعض ما تقوله الارواح في ما يتعلق بلأسئلة والاجوبة ، منها نتحقق ان الروحانية ليست ضرباً من اللهو ولا باباً للمتاجرة ولا موطناً للطمع بل هي منحة كريمة أفاضها العلي في بني البشر لتحسين نظام الهيئة الاجتماعية وارتقاء الانسانية في درجات العوالم العليا.
توطئة
واخيراً
رأس الزاوية .
ان الحجر الذي رذله البناؤون هو صار رأساً للزاوية م ص (٢١ : ٤٢ )
وهو خاتمة كلامنا عن ” ادوات للبناء” ، وفيه من صحة المقابلة والمطابقة بين التعاليم الداهشية وتعاليم الانجيل ما يلفت الانظار ويكشف الستار ، نسوق ذلك الى الذين يؤمنون واما الذين لا يؤمنون فنحيلهم على المواضيع التي مرت وبنوع خاص اثبات وجود الله عن طريق الطبيعة نفسها وعلى ناموسها العجيب المحسوس.
توطئة
واخيراً ، وبعد جمع هذا العدد القليل من المواضيع التي تساعد على فهم كثير من الحقائق الروحانية المذكورة في الكتب المنزلة كلها وقد اسميناها ادوات للبناء ، باعتبارنا اياها من الاجزاء التي يتألف منها هيكلنا الروحاني، كما يتألف هيكلنا الجسماني من أجزاء مادية ، نبادر الى درج ما جاء في الكتاب المُقدَّس الذي هو مصدر ومرجع التعاليم المسيحية التي نحن من أبنائها وقد اكتفينا به دون سواه رغم ثقتنا الاكيدة بوجود هذه المطابقة في سائر الكتب الدينية والمذاهب المختلفة تحاشياً منا التعرض الى الاتهام بما ليس من حقنا في نظر السواد الاعظم من الناس وقد اعتمدنا على النسخة الكاثوليكية لعلمنا بان ابناءها ينكرون ما عداها من النسخ التي هي في نظرهم محرفة مغلوطة .
واما اختيارنا عنوان هذا الفصل « رأس الزاوية » فهو لان السيد المسيح قد قال في عرض التنويه عن نفسه العبارتين التاليتين :
انجيل متى الفصل ٣١ عدد ٤٢ و ٤٤ :” فقال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب ان الحجر الذي رذله البناؤون هو صار رأساً للزاوية ومن سقط على هذا الحجر يتهشم ،ومن سقط هو عليه يطحنه . ” .
مكتفين بهذا النزر القليل من الشواهد والادلة تنويراً للاذهان وتدليلا على وحدة الاديان .
التقمص
اولا التقمص
الداهشية تقول به
وقد كانوا يدعونه في عهد المسيح تجسداً او قيامة اي رجوع الارواح ثانية الى اجساد جديدة لا قيامة الاجساد ذاتها ، لافتين الانظار الى ما ورد في أواخر رسالة بطرس الرسول في الفصل الاول منها عدد ۲۰ و ۲۱ اذ يقول فيها بشأن النبوة ما يأتي :
“… عالمين قبل كل شيء ان كل نبوَّة في الكتاب ليست بتفسير فرد من الناس ، لانها لم تأت نبوّة قط من ارادة بشر انما تكلم رجال الله القديسون محمولين بالهام الروح القدس . . .
( 1 ) – روح ايليا النبي الذي صعد باعجوبة سنة ٨٩٦ ق . م على وجه التقريب تتقمّص في جسم يوحنا المعمدان الذي ولد قبل المسيح بستة شهور . استناداً الى نبوّة اشعياء سنة ۷۰۰ ق . م ، والى ملاخي سنة ٤٠٠ م ، بشهادة الملاك جبرائيل وزكريا ابي يوحنا ويوحنا نفسه حتى والمسيح ايضاً :
” انجيل مرقس الفصل الاول : عدد ٢ و ٣ كما هو مكتوب باشعياء النبي ها أنذا مرسل ملاكي امام وجهك يهيء طريقك قدامك . صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة . “
عن ملاخي – يقول في سفره المدروج في التوراة الفصل الثالث العدد الأول منه :” ها أنذا مرسل ملاكي فيهيء الطريق امامي الخ . ثم يقول في عدد ٥ و ٦ من الفصل الرابع من السفر المذكور” ها أنذا ارسل اليكم ايليا النبي قبل ان يجيء يوم الرب العظيم الرهيب . فيردّ قلوب الاباء الى البنين وقلوب البنين الى آبائهم الخ . » .
يوحنا المعمدان – ايليا العهد الجديد –
نقلا عن الفصل الاول من انجيل لوقا في الأعداد الآتية : عدد ( ه ) كان في ايام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة ابيّا وامرأته من بنات هرون اسمها اليصابات (٦) وكانا كلاهما بارين امام الله سائرين في جميع وصايا الرب واحكامه بغير لوم ( ۷ ) ولم يكن لهما ولد لأن اليصابات كانت عاقراً وكانا كلاهما قد تقدما في ايامهما ( ۸ ) وبينما كان يكهن في نوبة فرقته امام الله (۹) اصابته القرعة على عادة الكهنوت ان يدخل هيكل الرب ويبخر ( ۱۱ ) فتراءى له ملاك الرب واقفاً عن يمين مذبح البخور ( ۱۲ ) فاضطرب زكريا حين رآه ووقع عليه خوف ( ۱۳ ) فقال له الملاك لا تخف يا زكريا فان طلبتك قد استجيبت وامرأتك اليصابات ستلد ابنا فتسميه يوحنا ( ١٤ ) ويكون لك فرح وابتهاج ويفرح كثيرون بمولده (١٥) لانه يكون عظيماً امام الرب ولا يشرب خمراً ولا مسكراً، ويمتليء من الروح القدس وهو في بطن أمه (١٦) ويردّ كثيرين من بني اسرائيل الى الرب الههم ( ۱۷ ) وهو يتقدم امامه بروح ايليا وقوته ليردّ قلوب الآباء الى الابناء والعصاة الى حكمة الابرار ويعد للرب شعباً كاملاً ( ۱۸ ) فقال زكريا للملاك بما اعلم هذا فاني انا شيخ وامرأتي قد تقدمت في ايامها ( ۱۹ ) فاجاب الملاك وقال له ، انا جبرائيل الواقف امام الله وقد أرسلت لأكلمك وابشرك بهذا ( ٢٠ وها انك تكون صامتاً فلا تستطيع أن تتكلم الى يوم يكون هذا لانك لم تصدق كلامي الذي سيتم في أوانه …
( ٥٧ ) اما اليصابات فلما تم زمان وضعها ولدت ابناً ( ٥٨ ) فسمع جيرانها واقاربها ان الرب قد عظم رحمته لها ففرحوا معها ( ٥٩ ) وفي اليوم الثامن جاؤا ليختنوا الصبي ودعوه باسم ابيه زكريا (٦٠) فاجابت امه قائلة كلا لكنه بدعى يوحنا ( ٦١ ) فقالوا لها ليس احد في عشيرتك يدعى بهذا الاسم ( ٦٢ ) ثم اومأوا الى ابيه ماذا يريد ان يسمى (٦٣ ) فطلب لوحاً وكتب فيه قائلا اسمه يوحنا فتعجبوا كلهم ( ٦٤ ) وفي الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم مباركاً الله ( ٦٧ ) وامتلأ ابوه زكريا من الروح القدس وتنبأ قائلا ( ٦٨) مبارك الرب إله اسرائيل لانه افتقد وصنع فداء لشعبه ( ٦٩ ) واقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه (۷۰) كما تكلم على افواه انبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ( ٧٦ ) وانت ايها الصبي نبي العلي تدعى لانك تسبق امام وجه الرب لتعد طرقه وتعطي شعبه علم الخلاص المعرفة خطاياهم ( ۸۰ ) وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح . في البراري الى يوم ظهوره لاسرائيل.
عن الفصل الثالث من انجيل لوقا نفسه :
عدد ( ۱ ) في السنة الخامسة عشرة من ملك طيباريوس قيصر حين كان بيلاطس البنطي واليا على اليهودية وهيرودس رئيس ربع على الجليل ۰۰۰ (۲) وحنان وقيافا رئيسي الكهنة كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية ( ٣ ) فجاء الى بقعة الأردن كلها يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا ( ٤ ) كما هو مكتوب في سفر اقوال اشعيا النبي صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة.
وهذا هو الشطر الاخير من شهادة يوحنا اذ ارسل اليهود من اورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من انت :
العدد ( ۲۳ ) الفصل الاول من انجيل يوحنا :
“فقال انا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب كما قال اشعيا النبي ( ٢٤ ) وكان المرسلون من الفرييسيين ” .
عن انجيل يوحنا الفصل الثالث عدد (۲۸) انتم تشهدون لي باني قلت لكم انني لست المسيح بل انا مرسل امامه …
انجيل متى الفصل الثالث عدد ۱ و ۲ و ۳ : في تلك الايام اقبل يوحنا المعمدان يكرز في بريَّة اليهودية ( ٢ ) ويقول توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات (۳) فان هذا المقول عنه باشعيا النبي القائل صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة » .
وهذه هي شهادة المسيح له حين كان يوحنا في السجن بعد ما رجع تلميذا يوحنا من عنده اذ سألاه أأنت هو ام ننتظر آخر :
انجيل متى الفصل الحادي عشر عدد (۷) فلما ذهبا هذان جعل يسوع يقول للجموع عن يوحنا ماذا خرجتم الى البرية تنظرون أقصبة تحركها الريح ( ٩ ) أم ماذا خرجتم تنظرون أنبيا ؟ نعم اقول لكم وافضل من نبيّ ( ١٠ ) لان هذا هو الذي كتب عنه ها أنذا مرسل ملاكي امام وجهك يهيء طريقك قدامك ( ١٤ ) وان أردتم ان تقبلوا فهو ايليا المزمع ان يأتي ..
انجيل متى الفصل السابع عشر عدد ( ٩ ) وفيها هم نازلون من الجبل اوصاهم يسوع قائلا لا تعلموا احداً بالرؤيا حتى يقوم ابن البشر من بين الاموات ( ١٠) وسأله التلاميذ قائلين لماذا تقول الكتبة ان ايليا ينبغي ان يأتي اولاً ( ۱۱ ) فاجاب وقال لهم ان ايليا يأتي ويرد كل شيء (۱۲) واقول لكم ان ايليا قد جاء ولكنهم لم يعرفوه بل صنعوا به كل ما ارادوا هكذا ابن البشر ايضاً مزمع ان يتألم منهم (۱۳) حينئذ فهم التلاميذ انه قال لهم عن يوحنا المعمدان . »
وكان هذا القول بعد قطع راس يوحنا بأمر من هيرودس نزولاً عند طلب ابنة هيروديا بحادثة ولأسباب مذكورة في الانجيل .
انجيل يوحنا الفصل التاسع عدد ( ۱ ) وفيما يسوع مجتاز رأى رجلا أعمى منذ مولده ( ۲ ) فساله تلاميذه قائلين يا رب من أخطأ أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ ( ٣ ) اجاب يسوع لا هذا ولا ابواه لكن لتظهر أعمال الله فيه.
انجيل مرقس الفصل السادس عدد ۱۲ و ۱۳ ( عن تلاميذ المسيح ) فخرجوا وكرزوا بالتوبة واخرجوا شياطين كثيرين ومسحوا بالزيت مرضى كثيرين فشفوهم . ( ١٤ ) وسمع هيرودس الملك لأن اسمه كان قد اشتهر فقال ان يوحنا المعمدان قد قام من الاموات ومن اجل ذلك هذه القوات تعمل به ( ١٥ ) وقال آخرون انه ايليا وآخرون أنه نبي كأحد الانبياء ..
انجيل لوقا الفصل التاسع عدد ( ۱۸ ) ( بعد موت يوحنا) وفيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه فسألهم قائلا من تقول الجموع إني هو ( ۱۹ ) فاجابوا ، يقولون انك يوحنا المعمدان وآخرون انك ايليا وآخرون انك نبياً من الانبياء قد قام ( ٢٠ ) فقال لهم وانتم من تقولون اني هو، أجاب بطرس قائلا انك مسيح الله .
وفي ختام كلامنا عن هذه الشواهد القليلة في التقمص نقول انه كان من اخص عقائد اليهود في عهد المسيح كما جاء ذلك مثبوتاً في كتابهم السري المدعو القبالة . وان الشواهد التي تقدمت تثبت لنا مصادقة المسيح عليه ، اذ لو كان هذا الاعتقاد ضلالا لما غفل المسيح عن تكذيبه عندما نقل اليه او احد تلاميذه ما يقول الشعب من امكان عودة ايليا الانبياء إلى الحياة بجسد جديد وليس هذا فقط بل لما تساءل القوم عمن كان يوحنا المعمدان فأجابهم يسوع انه هو ايليا ذاته المزمع ان يأتي مفنداً بذلك نكران الفريسيين لرسالته باحتجاجهم بان مجيء ايليا سيتقدم مجيء المسيح ومن حيث ان ايليا لم يأت فلا يمكن ان يكون هو المسيح فدحض يسوع رأيهم باثباته ان يوحنا هو شخص ايليا ذاته المتجسد ثانية ثم عن نفسه ايضاً الخ…
الاحلام
ثانياً – الاحلام
الداهشية تقول بها اذا كانت صادرة عن نوم صحيح.
…
رغبة بالاختصار نضرب صحفاً هنا عما جرى ليوسف ابن يعقوب حبيس حادثة امرأة فوطيفار الكاذبة وتفسيره أحلام رئيس السقاة ورئيس الخبازين ثم تفسيره حلم فرعون نفسه عن سبع بقرات قباح المنظر عجاف الابدان وسبع بقرات حسان المنظر سمان ، وذلك في فصلي الاربعين والحادي والاربعين من سفر التكوين.
مكتفين بما ورد في العهد القديم عن ابراهيم وسارة وأبيملك ، وفي العهد الجديد عن الملاك والمجوس ، ثم الملاك ويوسف خطيب مريم ، وهو ما يؤيد قول الدكتور داهش في موضوعه ” خلود الروح ” ” وموضوع الاحلام ” .
العهد القديم سفر التكوين الفصل العشرون عدد (1) وارتحل ابراهيم من هناك الى ارض الجنوب واقام بين قادش وشور ونزل بجرار ( ۲ ) وقال ابراهيم عن سارة امرأته هي اختي . فبعث ابي ملك ملك جرار فأخذ سارة ( ۳ ) فأتى الله ابيملك في حلم الليل وقال له انك هالك بسبب المرأة التي اخذتها فانها ذات بعل ( ٤ ) ولم يكن أبيملك دنا منها فقال يا سيدي أأمة بارة تقتل ( ٥ ) أليس انه هو قال لي هي اختي وهي ايضاً قالت هو اخي ، بسلامة قلبي ونقاء كفي صنعت ذلك ( ٦ ) فقال له الله في الحلم وانا ايضاً قد علمت انك بسلامة قلبك صنعت ذلك فكففتك عن ان تخطأ الي ولذلك لم ادعك تمسها.
العهد الجديد انجيل متى الفصل الاول عدد ( ۱۸ ) اما مولد المسيح فكان هكذا . لما خطبت مريم امه ليوسف وجدت من قبل ان يجتمعا حبلى من الروح القدس (١٩ ) واذ كان يوسف رجلها صديقاً ولم يرد ان يشهرها هم بتخيلتها سراً ( ۲۰ ) وفيما هو متفكر في ذلك اذا بملاك الرب تراءى له في الحلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف ان تأخذ امرأتك مريم فان المولود فيها ( ولم يقل منها !… ) انما هو من الروح القدس .
( عن المجوس ) عدد ( ۱۱ ) واتوا الى البيت فوجدوا الصبي مع مريم أمه . فخروا ساجدين .. وفتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا من ذهب ولبان ومر . ( ۱۲ ) ثم أوحي اليهم في الحلم ان لا يرجعوا الى هيرودس فرجعوا في طريق اخرى الى بلادهم ( ۱۳ ) ولما انصرفوا اذا ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلا قم فخذ الصبي وامّه واذهب الى مصر الخ…
(۱۹) فلما مات هيرودس اذا بملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم بمصر ( ٢٠ قائلا تم فخذ الصبي الخ.
(۲۱) ولما سمع ان اركيلاوس قد ملك على اليهودية مكان هيرودس ابيه خاف ان يذهب الى هناك .. فأوحي الله في الحلم فذهب الى نواحي الجليل !…
النجوم
ثالثا – النجوم
الداهشية تقول بها وتسميها عوالم الأحياء .
وهي من المنازل التي اشار اليها المسيح بقوله : ان في بيت أبي منازل كثيرة ( ي . ف ١٤ ع ٢ )
النجم او كوكب الصبح الساطع ، او طلسم وجمعه طلاسم وطلسم وجمعه طلسمات ويلفظونه طلسما .
هو نجم ذو شعاعات خمسة ( لا ستة كما هو خاتم سليمان) يستعمله الداهشيون رمزاً الى نجم المسيح المنير الذي يظهر لنا اکثر اشعاعاً من كل النجوم ويشيرون به الى المدينة المقدسة او اورشليم الجديدة المذكورة في الانجيل وهي المملكة التي ستحل محل الارض فيما بعد . اما الحروف المكتوبة فيه فهي ترمز الى اسماء مقدسة يعرفها الداهشيون ويستعملونها كما كان يستعملها تلاميذ المسيح في عهدهم حتى والمسيح نفسه كما سيأتي في عرض النقل . وهذه هي الشواهد الانجيلية :
انجيل متى الفصل الثاني عدد (1) ولما ولد يسوع في بيت لحم في ايام هيرودس الملك اذا مجوس قد أقبلوا من المشرق الى اورشليم (۲) قائلين اين المولود ملك اليهود فانا رأينا نجمه في المشرق فوافينا لنسجد له (۳) فلما سمع هيرودس الملك اضطرب هو وكل اورشليم معه (٤) وجمع كل روساء الكهنة وكتبة الشعب واستخبرهم اين يولد المسيح (٥) فقالوا له في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا كتب (٦) وانت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغيرة في رؤساء يهوذا لانه منك يخرج المدبر الذي يرعى شعبي اسرائيل . (۷) حينئذ (دعا) هيرودس المجوس سراً وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر .
(۸) ثم ارسلهم الى بيت لحم قائلا اذهبوا وابحثوا عن الصبي متحققين واذا وجدتموه فأخبروني لكي اذهب انا ايضاً واسجد له (۹) فلما سمعوا هذا من الملك ذهبوا فاذا النجم الذي كانوا رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق الموضع الذي كان فيه الصبي (۱۰) فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيها جداً (۱۱) واتوا الى البيت فوجدوا الصبي مع مريم أمه . الخ »
انجيل متى الفصل السادس عــــدد (٣٤) اما انا فاقول لكم لا تحلفوا البتة لا بالسماء فانها عرش الله (٣٥) ولا بالارض فانها موطيء قدميه ولا بأورشليم فانها مدينة الملك الاعظم ».
( الطلسم ) يوحنا الفصل الثامن عدد (۳) وقدم الكتبة والفريسيون الى يسوع امرأة أخذت في زني واقاموها في الوسط (٤) وقالوا يا معلم ان هذه المرأة قد أخذت في الزني (٥) وقد اوصى موسى في الناموس ان ترجم مثل هذه فماذا تقول انت (٦) وانما قالوا هذا تجريباً له ليجدوا ما يشكونه به . اما يسوع فأكب يخط بأصبعيه على الارض (۷) ولما استمروا يسألونه التفت وقال لهم من كان منكم بلا خطيئة فليبدأ ويرمها بحجر (۸) ثم أكب ايضاً يخط على الارض (۹) اما اولئك فلما سمعوا طفقوا يخرجون واحداً واحداً وكان الشيوخ اول الخارجين وبقي يسوع وحده والمرأة قائمة في الوسط (۱۰) فانتصب يسوع وقال لها يا امرأة اين الذين يشكونك أما حكم عليك احد؟ (۱۱) قالت لا يا رب .
فقال يسوع ولا انا احكم عليك اذهبي ولا تعودي تخطئين . »
ومؤخراً درجت جريدة « الجمهور ، البيروتية أن المنقبين قد عثروا على واحد من هذه الطلاسم بينما كانوا يحفرون في آثار ارض المقدس.
النجوم – عوالم الاحياء والمنازل الكثيرة
من رسالة القديس بولس الاولى الى اهل كورنتس الفصل الخامس عشر من عدد (٥) الى (٤٢) ومن عدد (٤٤) الى (٤٨) :
“ولكن يقول قائل كيف يقوم الاموات وبأي جسد يبرزون . يا جاهل ان ما تزرعه انت لا يحيا الا اذا مات . وما تزرعه ليس هو ذلك الجسم الذي سوف يكون بل مجرد حبة من الحنطة مثلا او غيرها من البزور الا ان الله يجعل لها جسماً كيف شاء ولكل من الزروع جسمه المختص به. ليس كل جسد جسداً واحداً بل للناس جسد وللبهائم جسد آخر وللطيور أخر والاسماك آخر . ومن الاجساد اجساد سماوية واجساد ارضية ولكن مجد السماويات نوع ومجد الارضيات نوع آخر . ومجد الشمس نوع ومجد القمر نوع آخر ومجد النجوم نوع آخر لان نجماً يمتاز عن نجم في المجد .
يزرع جسد حيواني ويقوم جسد روحاني ، بما انه يوجد جسد حيواني فانه يوجد جسد روحاني ايضاً كما كُتب جُعل الانسان الاول آدم نفساً حيّة وآدم الآخر روحاً محيياً .. ولكن لم يكن الروحاني اولاً بل الحيواني وبعد ذلك – الروحاني . الانسان الأول من الارض ارضي والانسان الثاني من السماء سماوي . على مثال الارضي يكون الأرضيون وعلى مثال السماوي يكون السماويون.
المدينة المقدسة المرموز اليها والى النجم بالطلسم – :
“رؤيا يوحنا الفصل الحادي والعشرون عدد (۱) ورأيت سماء جديدة وارضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد زالتا والبحر لم يكن من بعد (۲) وانا يوحنا رأيت ) المدينة المقدسة اورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله الـ مهيئة كالعروس المزيّنة لرجلها . (۳) وسمعت صوتاً عظيما من العرش قائلا هوذا مسكن الله مع الناس وسيسكن معهم ويكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلها لهم . (9) وجاءني واحد من الملائكة السبعة الذين معهم الجامات السبعة المملوءة من الضربات السبع الاخيرة وكلمني قائلا هلم فأربك العروس امرأة الحمَل (١٠) وذهب بي في الروح الى جبل عال وأراني المدينة المقدسة اورشليم نازلة من السماء من عند الله (۱۱) ولها مجد الله الخ ) . عدد (۲۲) ولم ان فيها هيكلا لأن الرب الاله القدير والحمل هما هيكلها (۲۳) ولا حاجة للمدينة الى الشمس ولا الى القمر ليضيئا فيها لان مجد الله أنارها ومصباحها الحمل (٢٤) وستمشي الامم في نورها ويأتي ملوك الارض بمجدهم وكرامتهم اليها (٢٥) وابوابها لا تغلق نهاراً لأنه لا يكون ليل (٢٦) وسيؤتى بمجد الامم وكرامتهم اليها . (۲۷) ولا يدخلها شيء نجس ولا فاعل الرجس والكذب الا الذين كتبوا في سفر الحياة للحمل . » النجم ايضاً – رؤيا يوحنا الفصل الثاني والعشرون عدد (١٦) انا يسوع ارسلت ملاكي ليشهد لكم بهذه الكنائس انا أصل داود وذريته وكوكب الصبح الساطع . عدد (۱۹) ومن اسقط من كلمات هذه النبوة يسقط الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومما كتب في هذا الكتاب” .
وختاماً لهذا الموضوع وفضلا عما مرَّ فيه من الاثبات في صحة المطابقة بين الداهشية والانجيل كما هو شأنها في كل كتب الديانات المنزلة فيما لو فتش فيها ذووها ، فاننا ندرج هنا الكتاب الذي وردنا من الولايات المتحدة منذ ربع جيل حين كان الدكتور داهش صبياً ولم نكن نعرف عنه شيئاً وهو جواب على كتاب منا قد ارسلناه بهذا الشأن وهذا دليل على ان الله عز وجل قد وضع على عاتقنا فرضاً لازماً مثل كل واحد من الناس لنكون حصاة في بناية الروحانية منذ عهد بعيد وليس كما يدعيه البعض من اننا اعضاء شركة مساهمة لها غايات دنيوية ورغبات غير سامية جئنا نلتف حول الدكتور داهش للوصول اليها كما يزعمون. ولو راجع الناس عيشتنا الداخلية منذ نعومة اظفارنا حتى حياتنا الزوجية وما كنا نكتبه ونقوله كلما كان القدر ينكبنا بموت اولادنا الاربعة واحداً بعد واحد في اصقاع متباعدة وازمان مختلفة وما كنا نلقيه من الخطب والمواعظ في محافل الأحرار عن هذه الكنيسة ” اورشليم الجديدة” ومؤسسها الموهوب سويدنبورغ » ومن على منابر ومذابح الكنائس المختلفة الطوائف دون ما تمييز بينها يتبين له بكل وضوح اننا كنا منذ القديم ولا نزال على ازدياد من غواة الروحانية ومن عشاق الايمان الملتهبين بحرارة ناره النورانية ومن طلاب المعرفة مهما لاقينا في سبيلها من اصناف العذاب وألوان التعب والمشقات، ثم يثق باننا لو لم نكن قد رأينا في الدكتور داهش ذلك النبي المجهول والوسيط الروحاني الأعظم – ضالتنا المنشودة – وتسلمنا على يده بعض مفاتيح معرفة الحقيقة الروحانية الشاملة الحقة لما كنا تخلينا عن جهودنا تلك وعن امجاد هذه الحياة ولجأنا اليه نطلب الاستزادة ونتجلبب يجلابيب روحانيته الطاهرة النقية رغم قول القائلين وتهجم المتهجمين.
و مما يرد في هذا الجواب يتأكد القاريء انه لا يزال على وجه هذه الارض ذوو نفوس عطشى الى معرفة الحقيقة وخدمة الكلمة الحقة يدأبون على العمل في تأسيس المؤسسات وتأليف الجمعيات للوصول الى غاية اسمى وارفع من هذه الأرض وطلابها المغرورين وكفى بهذا دليلا لقوم يعقلون.
وهذه هي ترجمة الجواب الذي ارسله الينا حضرة الاب فِركنْ رئيس كنائس ” اورشليم الجديدة” ، نقلناه عن كتابنا هيكل سليمان المطبوع منذ اثنتي عشرة سنة :
عن « مونالنس بان » الولايات المتحدة في ١٤ كانون الثاني سنة ١٩٢١
سيدي العزيز الاستاذ يوسف الحاج المحترم .
ان كتابك اللطيف المؤرخ في 1 تشرين الثاني أحدث فيَّ لذة كبرى وتأثيراً عميقاً .
ان كان الله يدعوك لتكون اساساً وعماداً ” لأورشليم الجديدة “، في وطنك المحبوب فانك بعملك هذا تترك اسماً خالداً في اسفار كنيسة المستقبل … ولتشجيعك ارسل اليك الآن مع احتراماتي الخالصة المؤلف الوحيد الذي طبعته بالافرنسية وعنوانه ” قانون الايمان في اورشليم الجديدة” ، الذي فيه اختصرت بلغة بسيطة لاهوت الكنيسة الجديدة .
واسمح لي يا سيدي المحترم ان اسدي اليك بنصيحة اقتبستها من اختباراتي الشخصية وهي :
ان امكنك ان تقرأ مؤلفات هذه الكنيسة كل يوم وبدون انقطاع فانك تجد فيها كل مرة شيئاً جديداً وحقيقة جديدة تكون قد فاتتك في المطالعات السابقة وبنوع خاص تمكن نفسك من معرفة لاهوت ” الكنيسة الجديدة” ، فان اول مؤلف يقتضي مطالعته انما هو ( الديانة المسيحية الحقيقية ) . واني مستعد لتقديم جميع المعلومات التي ترغبها والاجابة على جميع الاسئلة التي تروم طرحها عليَّ.
متمنياً لك كثيراً النجاح والنور الاكبر في جميع سبلك .
المخلص لك فرکن
النبوة والانبياء
رابعا النبوة والانبياء
الداهشية تقول بالنبوات ووحدتها واستمرارها اذ ان مصدرها واحد وهو الله عز وجل فالأنبياء العديدون واللغات والأزمنة المختلفة انما هي صوت واحد لغاية واحدة هي ترقي المخلوقات في مدارج النشوء والارتقاء والتطور وبنوع خاص الانسان الذي بعد مروره في سلسلة الحياة العامة قد وصل الى درجة تجعله اهلا للحلول الالهي ، والرسالات الروحانية انما هي فروع ترجع الى اصل واحد ومرسل واحد هو الله وحده ولكل فرع درجاته ولزومياته حسب مقتضى المكان والزمان حتى اذا طال عهد رسالة ما وضل اهلها وتغلبت الطقوس والتقاليد على اصولها طغت عليها رسالة ثانية او تداخلت في بنائها لارجاع الناس الى الصواب باساليب اخرى وتعاليم ثانية حسب قابلية النفوس وتقدمها – او تأخرها بعض الأحايين .
فما من أمة في الارض الا وكان لها نبيها او رسولها وما من وثنية في الناس الا وكانت في بدء ظهورها ديناً صحيحاً وصوتاً علوياً طغت عليه التقاليد والطقوس فجعلته وثنية كفريّة وهذا هو السبب في اختلاف الاديان والمذاهب التي جعلت الحياة هكذا شقاء وتعاسة كما نرى ، اما الانبياء والرسل فلم ينقطع لهم صلة بين الله والناس وحاشا لله ان يفعل ذلك اذ الويل للارض اذا خلت من اصواتهم العلوية المقدسة . ولو كان الناس عن هذا غافلين.
اما القول عن الانبياء الكذبة والشياطين وعجائبهم وآياتهم فلا ينفي وجود غيرهم من الانبياء الاوفياء الصادقين والملائكة والمرسلين فلكل فريق منهم علامات وفوارق وامكانيات ونهايات وشروط وقصور تشير اليهم بكل جلاء ووضوح . كما تشير الى وجوب السهر والانتظار لكل طاري روحاني جديد.
رسالة القديس بولس الاولى الى اهل كورنتس
الفصل الثاني عشر من عدد ٤ الى ١٢ :
ان للمواهب انواعاً لكن الروح واحد . وللخدم انواعاً ولكن الرب واحد وللاعمال انواعاً لكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل . وانما يعطى كل واحد اظهار الروح للمنفعة . فيعطى واحد بالروح كلام الحكمة وآخر كلام العلم بذلك الروح عينه . وآخر الايمان بذلك الروح عينه . وآخر مواهب الشفاء بالروح الواحد. وآخر صنع القوات وآخر النبوة وآخر تمييز الارواح وآخر انواع الألسنة وآخر ترجمة الألسنة . وهذا كله يعمله الروح الواحد بعينه موزعاً على كل واحد كيف شاء.
عدد (۲۸) وقد وضع الله في الكنيسة اناساً اولاً رسلا ثانياً انبياء ثالثاً معلمين ثم قوات ثم مواهب شفاء فاعانات فتدابير فأنواع السنة فترجمة السنة …
الفصل الرابع عشر من الرسالة نفسها من عدد ١ الى ٧ :
اتبعوا المحبة وتنافسوا في الروحيات وبالأحرى ان تتنبأوا فان الذي ينطق بلسان لا يكلم الناس بل الله اذ لا يسمع احد غير انه بالروح ينطق باسرار . اما الذي يتنبأ فيكلم الناس كلام بنيان وموعظة وتعزية . الناطق بلسان انما يبني نفسه اما الذي يتنبأ فيبني كنيسة الله . اني احب ان تنطقوا جميكم بألسنة ولكن بالاحرى ان تتنبأوا لان الذي يتنبأ اعظم ممن ينطق بألسنة الا اذا كان يترجم لتنال الكنيسة بنياناً . فالآن ايها الاخوة اذا قدمت لكم وانا ناطق بألسنة فماذا انفعكم ، ما لم أكلمكم اما بوحي او بعلم او بنبوة او بتعليم.
عدد ( ۲۸ ) اذن فالألسنة آية للمؤمنين بل للكفرة واما النبوة فليست لاجل الكفرة بل لاجل المؤمنين (۲۳) فاذا اجتمعت الكنيسة كلها معاً ونطق الجميع بألسنة فدخل الأميون او الكفرة أنما يقولون انكم قد جننتم (٢٤) اما اذا تنبأ الجميع فدخل كافر او امي فان الجميع يحجونه والجميع يحكمون عليه (٢٥) و تنكشف خفايا قلبه فحينئذ يخر على وجهه ويسجد لله لمنادياً ان الله فيكم بالحقيقة (٣٢) .
رسالة القديس يوحنا الاولى الفصل الرابع عدد ( ۱ ) ” ايها الاحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الارواح هل هي من الله لأن انبياء كذبة كثيرين قد خرجوا الى العالم (٢) وبهذا تعرفون روح الله . كل روح يعترف بان يسوع المسيح قد أتى في الجسد فهو من الله (۳) وكل روح يحل يسوع فليس من الله وهذا هو روح المسيح الدجال الذي سمعتم انه يأتي والآن هو في العالم . “
انجيل متى
الفصل السابع عشر عدد (١٥) احذروا من الانبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وهم في الباطن ذئاب خاطفة (١٦) من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنى من الشوك عنب أو من العوسج تين؟”
الفصل العاشر عدد (۱۹) فاذا اسلموكم فلا تهتموا كيف أو بماذا تتكلمون فانكم ستعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به (۲۰) انكم لستم انتم المتكلمين لكن روح ابيكم هو المتكلم فيكم . (٤١) من قبل نبياً باسم نبي فأجر نبي ينال . ومن قبل صديقاً باسم صديق فأجر صديق ينال .. الفصل الثاني عشر من عد ٢٤ الى ٢٨ :
“وسمع الفريسيون فقالوا انما هذا يخرج الشياطين ببعل زبوب رئيس الشياطين . فعلم يسوع افكارهم فقال لهم كل مملكة تنقسم على نفسها تخرب وكل مملكة او بيت ينقسم على نفسه لا يثبت . فان كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على نفسه فكيف تثبت مملكته . وان كنت انا اخرج الشياطين ببعل زبوب فأبناؤكم بمن يخرجون . فمن اجل هذا هم يحكمون عليكم . وان كنت انا بروح الله أخرج الشياطين فقد اقترب منكم ملكوت الله” . . .
الفصل الثالث والعشرون من عدد ٢٩ الى ٣٤ :
الويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المرآوون فانكم تشيدون قبور الانبياء وتزينون مدافن الصديقين . وتقولون لو كنا في ايام آبائنا لما كنا شاركناهم في دم الانبياء.
فانكم تشهدون على انفسكم انكم بنو قتلة فجمِّموا انتم مكيال آبائكم . ايها الحيَّات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم . من اجل ذلك ها انا ارسل اليكم انبياء وحكماء وكتبة فمنهم من تقتلون وتصلبون ومنهم من تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة الى مدينة »
الفصل الرابع والعشرون عدد (۳)) وبينما هو جالس في جبل الزيتون دنا منه تلاميذه على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما علامة مجيئك ومنتهى الدهر (٤) فاجاب يسوع وقال لهم احذروا ان يضلكم احد (٥) لان كثيرين سيأتون باسمي قائلين انا المسيح ويضلون كثيرين (۱۱) ويقوم كثيرون من الانبياء الكذبة ويضلون كثيرين (٢٤) فسيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون علامات عظيمة وعجائب حتى انهم يضلون المختارين لو امكن . (٤٢) فاسهروا اذن لانكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي الرب » .
انجيل لوقا
الفصل الثاني عشر عدد (٣٥) لتكن احقاؤكم مشدودة وسرجكم موقودة (٣٦) وكونوا مثل رجال ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى اذا جاء وقرع الباب يفتحون له للوقت .
الفصل الثاني والعشرون عدد (٣٤) فاحترسوا لأنفسكم ان لا تثقل قلوبكم في الخلاعة والسكر والهموم المعاشية فيقبل عليكم بغتة ذلك اليوم (٣٥) لانه مثل الفخ يطبق على جميع المقيمين على وجه الارض كلها (٣٦) فاسهروا وصلوا في كل حين لكي تستأهلوا ان تنجوا من جميع هذا المنتظر ان تكون وان تقفوا بين يدي ابن البشر ..
انجيل يوحنا
الفصل السادس عدد (١٤) فلما عاين الناس الآية التي عملها يسوع قالوا في الحقيقة هو النبي الآتي الى العالم .»
الفصل الرابع عشر عدد (١٥) ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي (١٦) وانا اسأل الاب فاعطيكم معزياً آخر ليقيم معكم الى الابد . »
الفصل الخامس عشر عدد (٢٦) ومتى جاء المعزي الذي أرسله اليكم من عند الآب روح الحق الذي من الآب ينبثق فهو يشهد لي (۲۷) وانتم تشهدون لانكم معي منذ الابتداء ..
الفصل السادس عشر عدد (۸) ومتى جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة (۱۳) ولكن متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم الى جميع الحق لانه لا يتكلم من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي . هو يمجدني لانه يأخذ مما لي ويخبركم . »
الفصل الرابع عشر عدد (۱) لا تضطرب قلوبكم انتم تؤمنون بالله فآمنوا بى ايضاً (۲) ان في بيت ابي منازل كثيرة والا لقلت لكم فاني منطلق لأعد لكم مكاناً (۳) واذا انطلقت واعددت لكم مكاناً آتي وآخذكم الي لتكونوا انتم حيث اكون انا . »
تبين مما مرَّ ان روحاً واحداً يوزع المواهب الروحية وان النبوات مستمرة الاتصال بين السماء والارض وليس كل نبي كذاباً اذا كان لا يخالف التعاليم السماوية … وهذا ما تقوله الداهشية نفسها . وكفى ٠٠٠
فترة انتقال
هذه نفئات من الشعر الروحاني الهاديء الوثاب ، ندرجها ترويحاً لنفس القاريء من عناء المواضيع البعيدة الغور الشاسعة المرامي التي قطعها في دنيا هذا الكتاب ، ولنفثاتنا هذه شأن كبير في الغاية التي نتوخى ، ولعل بين القراء من يميل الى الشعر او انه من أربابه .
وقد تناقلتها الجرائد والمجلات اكثر من مرة وبنوع خاص الذرة والذرة الداهشية ، منها فقد هزت النفوس هزاً عنيفاً شاملا ولفتت الانظار ونبهت الافكار لما تحوي من حقائق ثابتة ودروس قيمة ما انكرها حتى المكابرون ! …
وهذه النفئات هي لمؤمنين واثقين صادقين ، لهما في ميدان الجهاد الاجتماعي جولات مشهورة وفي كتاب العلم والادب صفحات ممهورة وكلمات مأثورة !! ….
ولقد وقفا على عتبة الكهولة والشيخوخة بعد ما لاكتهما انياب النوائب والاختبار وأكل الدهر على ظهريها وشرب فأصبحا لا يثقان الا بعد طول البحث ولمس الحقائق حتى في كل شيء!…
(1) انا
انا اين من نفسي ونفسي من أنا
بين الوجود وبين طيات الفنا ؟
انا في الطفولة لست مثلي في الصبى
ان الصبى مهد الصبابة والهنا
انا في الشباب الغض ريشة طائر
لا تستقر على هنالك او هنا
انا في الكهولة لست أهدأ آمناً
للعيش من بعد التجارب والعنا
انا في اقاصي العمر رسم بقية
مني تحاول ان تظل وتعلن
انا في تراب اللحد ذرة ملحد
زعم البداية والنهاية في الدني
انا في ضمير الكون سر غامض
فانا اذن في أيهم حقاً . انا ؟
انا ما وراء القبر يقظة مؤمن
جاء الحياة وراح عنها مؤمنا
(۲) الدنيا عجائب
وقفت أراقب الدنيا بنفسي
بمرقب عاقل وبرأي صائب
لعلي اكشف الاستار عنها
واظفر بالمقاصد والرغائب
ولم انفك حتى عدت منها
بصفقة خاسر ورجاء خائب
هي الدنيا وكم فيها خفايا
علت فوق الرغائب والمراقب
فما في الروض من زاه وذاو
وما في الماء من جار وراسب
وما في الجو من حلك ونور
وما في الريح من آت وذاهب
وما في الجسم من لحم وعظم
وما في الروح من عاص وتائب
غرائب كلها تبدو وتغدو
سوائلها بترتيب مناسب
وإدراك ابن آدم غير كاف
ليبلغ كنه اسرار الغرائب
ويأبى ان يكون الله عوناً
له عند الشدائد والنوائب
لذاك تراه يخبط في دجاه
تضلله المارب والمشارب
عجيب” كل ما في الكون حقاً
من الأدنى الى اسمى المراتب
نعيش على العجائب وهي فينا
ونهزأ حين نسمع بالعجائب …..
يوسف الحاج
الذرة والذرة الداهشية
ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ( القرآن الكريم )
وقنبلة ذرية در قرنها
على جبل في مطلع الشمس شاهق
أغارت على (اليابان) تطوي اديمها
كطي سجل من بقايا المهارق
شرارة ارض لم ير الدهر مثلها
وطلسم جو طار فوق البواشق
محجبة عن كل فكر ومقلة
وفي قلبها اسرار تلك الدقائق
أطلت على الدنيا على حين غرة
عرفنا بها كيف انقضاض الصواعق
فأفنت دياراً وهي في حجم بيضة
بها روع الغربي قلب المشارق
فيا لاكتشاف أبطل السحر سره
وبات حديث القوم من كل ناطق
حمامة سلم انهت الحرب فجأة
وما حلقت إلا كلمعة بارق
شعاع من ن المولى القدير وقوة
تدل عليه منذ بدء الخلائق
فكانت كحد بين عهدين : واحد
غريب وثان، صاحب غير صادق
فيا لك من ( عهد جديد ) محجب
ويا لك من عهد قديم مماذق
ويا لك مخدوعاً ويا لك خادعاً
اذا انت لم تنظر بمنظار حادق
فكم وعدوا الشعب الضعيف ونظموا
بنود اتفاقات وشتى وثائق
وكم ملأوا الدنيا بمؤتمراتهم
لعقد مواثيق ونشر ملاحق
وما اسم انتداب في الورى ووصاية
سوى شص صيد في في الضعف عالق
اذا الغرب لم يعطف على الشرق قلبه
ولم يتساو الناس مثل الزنابق
فلا الأمن مأمول بسيف محرر
ولا العدل منصوب بميزان رافق
وان لم تكن بين الشعوب
فسوف نرى الاشلاء ملء الخنادق
اخوة فتجرفنا حرب ضروس جديدة
تدير المنايا في صفوف الفيالق
وتنتشر الذرات فوق كتائب
وتفتك في هاماتهم والمفارق
وتزرع فوق البر والبحر هولها
وتقذف بالنيران بين المضايق
ويحكم شعب آخراً بنفوذه
ويقضي على المغلوب عبد المناطق
فنبكي على سلم تألق وانطوى
ونسكب دمعاً كالندى المتسابق
وتنظم ابيات الرثاء ملاحماً
وننثرها بين القنا والبنادق
لعمرك ما الدنيا ؟ وهذي ( جزيرة )
تردمها بالموت ( ذرة ) طارق
اذا نسفت طوداً وأخفت مدينة
فما حال جسم بعد روح مفارق
فما انت من هذا الثرى غير ذرة
تعود الى الباري بشتى الطرائق
كهارب تجتاز الأثير ونورها
يشع كعقد لامع متناسق
كرهت اباطيل الانام ودجلهم
ولم او في اخلاقهم الي فارق
فما رن في اذني سوى صوت خادع
ولا سمعت الا حديث منافق
ولا وقعت عيني على غير آثمٍ
ولا لمست كفي سوى كف فاسق
ولم ار مثل ( الداهشية ) ذرة
مباركة تدعو لكشف الحقائق
حقائق انجيل وآيات مصحف
لتعزيز أديان حسان شقائق
تعاليم عيسى والكليم واحمد
كينبوع نور بالسعادة دافق
و في نهضة ( الهادي ) هداية انفس
الى ظاهرات باهرات صوادق
رسالة اصلاح وبعثة ثورة
على كل طاغ مستبد ممالق
تدك تقاليداً وتبني عقائداً
وتهدم ما شاد الورى من فوارق
وتنشر ) روحانية ( فاح طيبها
كعرف نسيم بالأزاهر عابق
تنزلها الارواح وحياً وحكمة
وآياتها مدعومة بالخوارق
عجائب من امر الاله بمثلها
أني انبياء الله هدياً لابق
فكن واثقاً بالله جل جلاله
فاجمل ما في الروح ايمان واثق
فمن جاء شراً نال نقمة قادر
ومن جاء خيراً نال نعمة
و من عاش في الغبراء رهن مطامع
رازق يظل أليف الهم رهن الطوارق
تسلح بروح الحق وانشر لواءه
ودع ذرة الارهاب في كف حانق
فذرتهم تدعو الى الشر والأذى
وذرتنا للخير بين الخلائق
فمن انت يا ابن الارض تحت سمائها
وعمرك فيها عمر زهر الحدائق
تهيأ فان الارض تفنى واهلها
كطوفان نوح زاهقاً بعد زاهق
تهيأ ونق النفس من نزعاتها
لترتع في نجم مع الشمس شارق
هنالك ارواح ترف سعيدة
كأجنحة فوق الغيوم خوافق
منازل في رحب الفضاء كثيرة
نسير اليها لاحقاً إثر لاحق
أحن اليها بكرة وعشية
بأنات محزون وآهات عاشق
فيا رب أدخلني جنانك انها
محطة آمالي ونجوى سوابقي
بقية روحي في يديك جعلتها
فعجل بساعاتي هنا ودقائقي
فقد سئمت نفسي الحياة وارضها
واصبحت مشتاقاً الى ظل خالقي !
بيروت
حليم دموس
الانسان - ذلك الاله المجهول
ويجوز ان نسميه آدم الالهي او الاله الآدمي
…
من اين اتى والى اين يذهب
قال المسيح في مواضع مختلفة بهذا الشأن ما يأتي : فتشوا الكتب… انتم لا تعلمون من اين اتيتم والى اين تذهبون … لقد ضللتم لانكم لا تعرفون الكتب ولا قوة الله”.
أما وقد جهل الناس الطبيعة وأفسدوا ناموسها فيهم وناموسهم فيها فصُمَّت آذانهم عن سماع صوتها الصارخ المنادي دائماً بوجود الله ووحدة الأكوان فلنرجع الى سماع صوت الحق الهاتف على ألسنة رسله وأنبيائه الأوفياء في كتبه المنزلة فانها ما تزال بالرغم من تلاعب التأويل فيها قادرة على تعريفنا انفسنا باسم هذا المخلوق العجيب : الانسان.
قالت التوراة « العهد القديم »
– في سفر التكوين :
الفصل الأول عدد ( ۲۷ ) : «فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكراً وانثي خلقهم . ( ۲۸ ) وباركهم الله وقال لهم انموا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض » .
الفصل الثاني عدد ( ۷ ) وان الرب الاله جبل الانسان تراباً من الارض ونفخ في انفه نسمة حياة فصار الانسان نفساً حيّة . ( ۲۲ ) وبنى الرب الاله الضلع التي اخذها من آدم فاتي بها آدم ( ۲۳ ) فقال آدم هوذا هذه المرأة عظم من عظامي ولحم من لحمي . هذه تسمى امرأة لأنها من امري أخذت”.
الفصل الثالث عدد ( ۲۲ ) ( بعد وقوع آدم وحواء في خطيئة المخالفة ) وقال الرب الاله هوذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل فيحيا إلى الدهر “.
( ٢ ) في سفر الخروج الفصل السابع عد (۱) قال الرب لموسى انظر قد جعلتك إلها لفرعون وهرون اخوك يكون نبيَّك » .
2- قال العهد الجديد
1 في انجيل منى
الفصل الخامس عد (٤٨) فكونوا كاملين كما ان اباكم السماوي هو كامل »
الفصل السادس عدد (٢٤) لا يستطيع احد ان يعبد ربَّين لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويرذل الآخر . لا تقدرون ان تعبدوا الله والمال ..
الفصل العاشر عد (۱۹) لانكم لستم انتم المتكلمين لكن روح ابيكم هو المتكلم فيكم .
الفصل السابع عشر عد (١٩) الحق اقول لكم لو كان لكم ايمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من ههنا الى هناك فينتقل ولا يعسر عليكم شيء » .
الفصل الثاني والعشرون عدد (٤٤) يردد فيه قول داود …. قال الرَّب لربّي اجلس عن يميني حتى اجعل اعداءك موطئاً لقدميك » .
2 في انجيل لوقا
الفصل الثاني عشر عدد (۳۸) « بعد كلامه عن اصل يوسف خطيب مريم انه ، ابن أنوش ابن شيت ابن آدم ابن الله » .
3 في انجيل يوحنا
الفصل الرابع عشر عدد (۱۰) اما تؤمن اني انا في الأب والأب فيَّ . الكلام الذي اكلمكم به لا اتكلم به من عندي بل الأب الذي هو مقيم فيَّ هو يعمل الاعمال . (۱۲) الحق اقول لكم ان من يؤمن بي يعمل الاعمال التي انا اعملها ويعمل اعظم منها لأني ماض الى ابي (١٤) في ذلك اليوم تعلمون اني في ابي وانتم في وانا فيكم » .
الفصل السابع عشر عد (۲۳٫۲۲) وانا قد اعطيتهم المجد الذي اعطيته لي ليكونوا واحداً كما نحن واحد . انا فيهم وانت فيَّ ليكونوا مكملين في الوحدة ) .
الانسان ايضاً
متفرقات وخواطر
سفر الملوك الفصل الثاني عد (۹) فلها عبرا قال ايليا لأليشاع سلني ماذا اصنع قبل ان أوخذ عنك . فقال اليشاع ليكن لي سهمان في روحك » .
انجيل لوقا الفصل الثالث عشر عدد (۱۱) واذا بامرأة بها روح مرض منذ ثماني عشرة سنة…
وفي مواضع اخرى نرى المسيح ينتهر الحمَّى في جسم حماة بطرس فتفارقها للحال ويأمر البحر والريح فيهدءان ، ولما لمسته المرأة ذات النزيف وشفيت قال لتلاميذه ان قوة خرجت مني ، وقد وعد تلاميذه بشرب الخمرة « هذه » في ملكوت أبيه ، ويقول انه قد جاء ليلقي ناراً لا سلامــــاً وان الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة اولاداً لابراهيم .
وان للاطفال ملائكة في السماوات تشاهد الله كل يوم ، وقد صعد الى العيد بعد ما قال لاخوته انه لا يصعد هذا العام.
وينادي الناس بـ « يا اولاد الافاعي كما فعل يوحنا قبله ويلقب الوالي بالثعلب ويفضح اسرار سامرية البئر . ويقول عن الروح الشرير انه يجلب معه ستة ارواح شريرة اخرى ويسكنون قلب الانسان وان الروح الشرير الذي كان محتلا جسم مجنون الشَّط كان جوقات من الارواح التي خرجت ودخلت قطيع الخنازير فرمت بنفسها في الجرف . ولما قال له تلاميذه رأينا واحداً يصنع العجانب باسمك فمنعناه قال لهم لا تمنعوه لان كل من ليس علينا فهو معنا وقد رأينا القائد والجند الذين اتوا للقبض عليه يسقطون على وجوههم عندما قال لهم « انا هو » للمرة الأولى وللمرة الثانية يقبضون عليه بدون صعوبة واخيراً نسمعه وهو على الصليب بعد شعوره بآلام كثيرة وعرق من الدم يقول : إلهي الهي لماذا تركتني ? » ! ! .
وكم من مثل هذه الحوادث والاقوال المدروجة في صفحات الكتب المقدسة التي تلفت الانظار وتحرك الافكار وتسترعي الانتباه العميق فلا عجب والحالة هذه اذا كان السيد المسيح يلح في تفتيش الكتب وفهمها كما يجب، ونحن نزولا عند هذا الطلب حاولنا ونحاول ان نفعل شيئاً من هذا قدر ما يسح لنا هذا المؤلف الصغير الذي اخذناه من مؤلفاتنا التي فسحنا لها مجالات وافية لمثل ذلك سننشرها في المستقبل القريب ان شاء الله .
وقد آن لنا ان نعلن ان كل ما قلناه ونقوله في هذا الكتاب انما هو اجتهاد شخصي قد يمت الى شيء من التعاليم الداهشية على سبيل المقارنة والتدليل وليس هو التعاليم نفسها التي يستحيل فهمها إلا في كتابي «الهادي » و « مذكرات يسوع الناصري » وما يلحق بهما من الكتب المتعلقة بهذا الشأن ، كما نعلن اننا قد لجأنا في كثير من مباحثنا الى دائرة المعارف والمذهب الروحاني ومرشد الطالبين وبعض الكتب المنزلة مضيفين اليها أراءنا الشخصية وشيئاً من اقوال عميدنا الأكبر ورئيسنا الاعظم الدكتور داهش ومما قيل عنه كما مرَّ .
في سياق الموضوع
معنى الكلمة ومدلولها
قليلا من التنبه يظهر لنا بكل جلاء ان معنى الكلمة ومدلولها حتى في كل لغات الارض قد لعبا دوراً هاماً في ميدان الفهم وبنوع خاص في ميدان الالفاظ الدينية ، والعربية هي واحدة منها بل ام من امهات اللغات العالمية حتى بين الشرقية المقدسة وفيها الكثير من الكلمات الرئيسية التي لو اعرناها قليلا من الانتباه لتكشفت لنا اسرار واسرار ما كنا لنعبأ بها من قبل ولعرفنا انها سبب من الاسباب التي اقصت عنا فهم الحقائق في طريق الحق والنور والحياة فضلا عن الجمل والصفحات الروحية الرمزية واليك بعض ذلك :
الله وإله وربّ . نفس وروح وملاك وجن . وابليس زابليس. سماء وجهنم وجنة وفردوس . آدم ومرء ومرأة وحواء وانسان موت وحياة وانتقال . وحي والهام ومناجاة وحلول . الخ الخ .
فلفظة الله مثلا هي اسم الجلالة واسم الذات الواجب الوجود لا تؤنث ولا تُثنى ولا تجمع وهي وحدها المتكرر ذكرها في كل الفصل الاول من سفر التكوين. وفي اوائل الفصل الثاني تتميم الفصل الاول بينما نرى لفظتي «الرب الاله» هما المتكرر ورودهما في الفصل الثاني الذي ينص عن دور تكويني تقل وقائعه عن الفصل الأول . وهاتان اللفظتان تذکران وتؤنثان وتجمعان وتصرفان ومعنى الاولى : الملك والسيد والمصلح ج ارباب وربوب . ومعنى الثانية : المعبود مطلقاً ج آلهة.
و «سماء» (لغة) : ما نشاهده فوقنا كقبة زرقاء محيطة بالارض من الفضاء الواسع ، سقف كل شيء ، ظهر الفرس مسكن ارواح الابرار الخ. ج سموات وسموات ، ومنها – سما يسمو سمواً اي علا وارتفع.
واليك ما ورد بهذا المعنى في الفصل الأول من سفر التكوين عدد (٧،٧،٦ ) : قال الله ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين مياه ومياه . فصنع الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد فكان كذلك . وسمى الله الجلد سماء … وهكذا شأن كامل البقية من هذه الالفاظ وغير من الجمل والفصول التي نقلنا عنها بعض الشيء في ما مـرَّ من الكلام.
فهل بعد هذا كله من غرابة اذا قلنا بقدامة الخلـق وبوفرة الارباب والآلهة – اللهم اذا كانت الالفاظ لا تحمل معنی « الله » الذي لا معبود سواه وبتعدّد السماوات وبعوالم الأحياء وبروحانية الامراض ولزومية الموت والاتصال الخلقي من ادنى ذرة الى اكبر كوكب واخيراً بالوهية هذا المخلوق العجيب الذي هو الانسان نفسه وذلك بناموسٍ تدريجي متناسب الجزئيات والكليات وإلا فما معنى النشو والترقي والخلود والسير صعوداً الى الله والفناء بذاته الربانية التي هي غاية كل مخلوق في كل سماء وكوكب والانسان واحد منها بل هو مصنوع على صورة الله ومثاله . اذن لقد صدق الكتاب اذ يقول « أنا اقول بانكم كلكم آلهة وابناء الله تدعون » . وإذن فانا وانت وهو ، ونحن وانتم وهم ، وانت وانتما وانتنَّ وهنَّ . كلنا من الله خلقنا والى الله نعود فهو اله الالهة ورب الارباب وملك الملوك وسلطان السلاطين واب الآباء ورئيس الرؤساء وهو البداية والنهاية والالف والياء ازليّ ابديّ سرمديّ به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء اننا لله وانا اليه راجعون ! …
الدكتور داهش ذلك الانسان المجهول
ها نحن على عتبة الشطر الاخير من الكتاب بعد ما اشبعناه درساً وتنقيباً ولم نمسك القلم عن التطاول الى ابعد الشوارد والشواهد الطبيعية والروحانية حتى تكشفت لنا ستائر الكتمان عن حقيقة الانسان هذا الاله المجهول والنبي المرذول والتراب المجبول والكائن الذي لا يفنى ولا يزول مهما دارت الدوائر وحالت الحؤول.
واذ قال الله لها كوني فكانت كان هذا الانسان كائناً فيها هذا الكائن المخلوق الذي صنعه الله على صورته كمثاله ونفخ فيه نسمة حياة فصار روحاً حيَّاً وصار كواحد من الآلهة يعرف الخير والشر لذلك سلطه الله على طير السماء وسمك البحر وجميع اشجار الارض واثمارها ونباتها وما يدب عليها واقامه وصياً على نفسه وسيداً لأعماله مُخيراً معتوقاً امام رفعة الامل وحطة الفشل بين درجات ودركات وانه لفي نعيم خالد فيما لو عرف كيف يغلب الجبلة التي هو منها وينصر السماء التي هي فيه.
هذا الانسان انما هو كون في ذراته وملكوت في خطراته ورعشاته ، تواكبه الرحمة وتراقبه النقمة حتى الى ما وراء الهجعة والانتقال ، والانسان يجمع على « ناس وأناس ، والانسانية جامعته الكبرى وفيها القوي والضعيف والغني والفقير والكبير والصغير والملك والمملوك والعالم والجاهل والصحيح والعليل والمؤمن والملحد والسياسي والحكيم فأين صورة الله في كل هؤلاء الناس يا ايها الناس ؟ واين هو الانسان اذن ومن هو وما هو يا ترى ؟ ! … فهل يلام المرء اذا راح يفتش عن انسانه في ذاته وفي مثاله . وعن كيانه في اكوان الله وآياته واعماله ؟ وهل يستوي الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون ؟ … فالانسان عندهم انما هو القوة والغنى والجمال والنسب والادعاء والتعصُّب والرياء والطمع وكل ما من شأنه . حب الذات وبلوغ الغايات ولو باسفل واحط الصفات.
وهذا الانسان في تعريفهم اياه انما هو ذلك الفاتح البطاش السفاح الذي يبني امجاده على جماجم الاشلاء ويجبل طينها بدماء الابرياء ويحفر اسمها على صدور الفقراء الضعفاء ، وانه ذلك الصارخ في ابواق الوطنيات دون ما ثقة ، والديانات دون ما ايمان ، وشريعة ( فرق تسد » انما هي الضالة المنشودة لكل انسان و اناس من هذه الانسانية ، اهذا هو الانسان الذي عنه نفتش ؟ وهل هذا هو الذي صنعته على صورتك كمثالك با الله ? عفوك اللهم ثم عفوك !
اما وقد ضللنا السبيل في التفتيش عن هذا الانسان الذي نطلب في دنيا المدنية فلنرجع الى الدين لعل في كتابه الكريم اثراً عنه :
قال المسيح عن يوحنا المعمدان : ه … ماذا خرجتم تنظرون أإنساناً لابساً لباساً ناعماً . هوذا الذين عليهم اللباس الناعم في بيوت الملوك . ام ماذا خرجتم تنظرون : انبياً . نعم اقول لكم وافضل من نبي » . وكان لباس يوحنا من وبر الابل وطعامه الجراد وعسل البر وقد قطع رأسه هيرودس كما
مرَّ الكلام عنه.
وفي انجيل متى الفصل الثامن منه عدد ( ١٩ و ٢٠ ) … دنا اليه كاتب وقال له يا معلم اتبعك الى حيث تمضي . فقال له يسوع ان للثعالب اوجرة ولطيور السماء اوكاراً واما ابن البشر فليس له موضع يسند اليه رأسه . . وهذا ما ورد في انجيل مرقس الفصل الثالث منه عدد ( ۲۰ و ۲۱ و ۲۲ ) وأتوا الى بيت فاجتمع ايضاً جمع حتى لم يقدروا ولا ان يأكلوا خبزاً . وسمع ذووه فخرجوا ليمسكوه لانهم قالوا انه شارد العقل . واما الكتبة الذين نزلوا من اورشليم فقالوا ان فيه بعل زبوب وانه برئيس الشياطين يخرج الشياطين ، . ونسمعه يقول لهم في الفصل الخامس من انجيل لوقا عدد ( ۲۳ ) . . . لا شك انكم تقولون لي هذا المثل ايها الطبيب اشف نفسك… وفي عد ( ٣٢ ) منه يقول ، اني لم آت لأدعو صديقين بل خطأة الى التوبة ، . ويقول الى الابناء في الفصل السادس منه عد ( ٢٦ ) « الويل لكم اذا قال الناس فيكم حسناً فان آباءكم هكذا فعلوا بالانبياء الكذبة » . ونرى من الضروري ان نعيد الى ذهن القاريء ما مرَّ في موضع آخر وهي الاعداد الآتية التي لها شأن كبير في ما نريده في هذا الباب ( ۸ و ۹ و ۱۰ و ۱۱ و ۲۰ ) من الفصل الرابع عشر في انجيل يوحنا : « فقال له فيلبس يا رب أرنا الاب وحسبُنا . فقال له يسوع انا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفوني. يا فيلبس من رآني فقد رأى الاب فكيف تقول انت ارنا الاب . اما تؤمن اني في الاب والاب فيَّ ، الكلام الذي اكلمكم به لا اتكلم به من عندي بل الاب الذي هو مقيم فيَّ هو يعمل الاعمال .
في ذلك اليوم تعلمون اني انا في ابي وانتم في وانا فيكم » .
وقال في انجيل لوقا الفصل الرابع منه عد ( ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ و ٢٧ ) « وقال لهم الحق اقول لكم ليس نبي مقبولا في وطنه . في الحقيقة اقول لكم ان ارامل كثيرات كن في اسرائيل فى ايام ايليا حين أغلقت السماء ثلاث سنين وستة اشهر وحدث جوع عظيم في الارض كلها . فلم يبعث ايليا الى واحدة منهن الا الى صرفت صيدا الى امرأة ارملة . وان برصاً كثيرين كانوا في اسرائيل في عهد اليشع النبي ولم يطهر احد منهم الا نعمان السوري » .
واخيراً ندرج ما ورد في انجيل يوحنا الفصل الخامس منه (٢٦) ومتى جاء المعزي الذي ارسله اليكم من عند الأب روح الحق الذي من الأب فهو يشهد لي » .
وفي الفصل السادس عشر منه عد (۱۳۸) ومتى جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة . … فهو يرشدكم الى جميع الحق لأنه لا يتكلم من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بما يأتي . وهو يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم » .
وقد سمعناه في مواضع كثيرة يقول : لا تهتموا بما تأكلون وبما تلبسون، أليس الجسد افضل من اللباس والروح افضل من الجسد ! و ” حيثما تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم ويقول لذلك الغني الذي اخصبت كورته : يا جاهل في هذه الليلة روحك تؤخذ منك وهذا الذي جمعته لمن سيكون ؟ ! … .
ان هذه الاقوال التي اخترناها من الكتاب المقدس وكم يوجد مثلها في هذا المعنى نتخذها دليلا صادقاً في تفتيشنا عن الانسان من هو وما هو ونحن فيها لواثقون ، والى القاريء شرح ذلك :
يريد السيد المسيح ان يقول لنا :
اولاً : ان الحياة الدنيا انما هي واسطة وليست غاية ولا يمكنها ان تكون غاية لانها زائلة والانسان فيها عابر سبيل كيفما تطور وحيثما حل واينما بلغ ومهما رجع فاستعمال الناس لها كغاية واعتمادهم عليها فقط واكتفاؤهم بها انما هو السبب الرئيسي في ضلال وتضليل الانسان فيها .
ثانياً : ليس الانسان بأشيائه المادية الزائلة فهو نسمة من الله خالدة تعلو وتسمو كلما طرح عن نفسه اثقال الدنيا التي هي سبب تطاحنه وتنازعه وتكالبه عليها، وليست كلها من لزوميات حياته ، وقد سمعناه يردد للناس في غير موضع قائلا : تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلو الاحمال وانا اريحكم فان حملي خفيف ونيري هين ، واني وديع ومتواضع القلب فتجدون راحة لنفوسكم.
ثالثاً : ان نُظم هذا العالم وشرائعه وعاداته وتقاليده قد ضيعت على الناس طريق الصواب فضلُّوا عن الحق وفسدوا ومرضوا وزاغوا والتضخوا وليس من يعمل صلاحاً حتى ولا واحد فأين هو الطبيب الماهر الذي يدير المبضع في اجسامهم ليشفيهم ولا يتلهى بترتيب الفراش والتداوي بأحاديث ملاقة.
رابعاً : اما وقد ضل الناس طريق الحق والنور والحياة فلا عجب اذا كانوا يحاربون كل من يحمل كلمة الحق ولا يعبأ بأشيائهم الذرية الزائلة التي هي سبب شقائهم في الارض ، مهما أتهموه بشرود العقل وبكل سفالة وائم وجريمة .
خامساً : هذا الانسان الطبيب انما هو ذلك الذي يفتش عن المرضاء لا عن الاصحاء الذين لا حاجة لهم به وهل بقي على الارص غير مرضاء واشقياء ؟ ! . . وهو يقول ببعد الانسان عن معرفة نفسه وذلك لانه يفتش عن جوهره في عرضه وعن لبابه في قشوره وعلى هذه الحالة فمن العبث ان يجد الانسان نفسه عن هذا الطريق الوعر .
سادساً: يقول لنا بضرورة التفتيش في الكتب لتعلم اننا مرضاء وان الصحة هي الغاية وان الطبيب الحقيقي لا يمالق وان هذا الطبيب انما هو رجل روحاني لا جسماني وذلك لفناء الثاني وبقاء الأول وان هذا الروحاني انما هو انسان مرذول ممقوت شارد العقل في نظرهم وذلك لبعده عن الرياء والكذب والنفاق وكل ما من شأنه ان يزيد المريض مرضاً والشقي شقاء كما فعل أباؤهم بالأنبياء الكذبة الذين جاؤا ويجيئون للقتل والنهب والسلب والعظمة والمجد لان هذا كله مجد باطل زائل وشر مؤلم قتال يذهب بصاحبه الى الهاوية في كل شيء .
فالانسان في نظر المسيح اذن انما هو روح علوي قد هبط الارض لرسالة علوية يقدم على تبليغها الى الناس دون ما خوف ولا وجل ولا تردّد ولا فشل عالماً كل العلم ان الانسانية المتقلبة على جمر التقاليد والجهل ستهبُّ في وجهه هبَّة واحدة لأنه غريب عندهم ولانهم غرباء عن انسانهم الذي هو فيهم.
هذا هو انسان الله وذلك هو انسانكم ايها الناس ! . . . فمن اي فريق من هذين الانسانين الدكتور داهش يا ترى ؟ ومن هو وما هو واين هو ؟
بيت القصيد
الدكتور داهش – اجل . لقد عرفنا في ما مر من الكلام شخصاً يدعى سليم موسى العشي وقرأنا حياته الى ان وطأت قدماه عتبة الصبى ومطلع فجر الشباب وكنا نلمح في خلال نموّه ونشوئه اقباساً من الاضواء الغريبة التي لم يتنبه الناس لها ولا اقرب الناس اليه حتى ولا هو نفسه فلم تكن تلك الأقباس غير هبَّات روحية جاءت تشق طريقاً للنور بطريقة تدريجية الى ان شبَّ الشفق الطفل وتفجرت ميازيب الصباح واطلت شمس الروحانية العليا ثم دوى صوت الرسالة فاذا بسليم قد صار داهشاً كما صار ابرام ابراهيم ويعقوب اسرائيل الخ ! . . .
ويصعب على قلم الكاتب مهما كان قديراً ان يحلل شخصية الدكتور داهش كما يسهل عليه ذلك .
فان نحن ذهبنا في تشريحه كمنوم مغناطيسي كما لا يزال الناس يظنونه حتى الان تصدت لنا مؤلفاته الأدبية القيّمة التي تخطت الخمسين عداً طالبة منا البحث والتنقيب في بلاغتها و بيانها وسمو روحها واسلوبها الجديد وانشائها الممتاز مما يدل على تفوق كبير في صناعة الادب بينما نوى صاحبها ما يزال حتى اليوم يجهل قواعد الصرف والنحو حين يكون خالياً من الوحي والالهام وان اقدمنا على تحليله كرجل سياسي حنكته الايام وعاركته الليالي فلا نجني من اقدامنا هذا غير الفشل والحبيبة لأن اقواله وافعاله ومؤلفاته كلها لا تمت بشيء الى كل ما يسمونه سياسة .
فالدكتور داهش اذن انما هو مثل من المثل العليا في كل شيء ، ومؤلفاته تؤيد كل ما ورد في جوهر الاديان كافة وتذهب بالانسان الى اعلى درجة من درجات التثقيف الاخلاقي الروحي مدعومة بسائر التعاليم الطبيعية الصحيحة التي لا تخالف بشيء التعاليم الدينية الحقة في كل مذهب وفي كل دين بل هي شرح لهــــا فهو يحث على اتباع الفضيلة والابتعاد عن الرذيلة بعد السعي الكبير في التمييز بين الاثنتين لاختلاط بعضها ببعض ويقول بلزوم اعتراف الناس بحقيقة وقوع الديانات المنزلة كلها لاتصال بعضها ببعض وحقيقة بعضها مع بعض وكل صوت يخرج من بيوت الله ضارباً على وتر التفرقة والجدل والتخاصم انما هو صوت رجل زمني له غاية في النفس او انه يجهل الكتب المنزلة . وهو يقول بلزوم دراسة النواميس الطبيعية لمن يريد وذلك بطريقة تُعرِّف الانسان حكمة الله فيها وتدله على وضع الاشياء الطبيعية في مواضعها المفيدة ليكون رجوعها على الانسان خيراً لا شراً وتكون له مشعال هداية لا ظلام كفر وضلال . ويشدّد بلزوم الاتصال الانساني في كل شيء بطريقة دينية علمية طبيعية تكفل سلامة الجميع من الفوضى وتضمن حق الفرد الضروري من التعدي والحرمان . وهو يقول بوصول الانسانية الى حافة الهاوية وتطور انتقال عام مرعب كما ورد في سائر الكتب الدينية فالويل لمن ينام على ثقةٍ دون استعداد ..
واخيراً لو احصينا خلاصة تعاليم الدكتور داهش لرأيناها كلها قد جاءت مطابقة لجوهر كل دين وكل رسالة وكل علم صحيح والغاية منها انما هي هداية الانسان الى خيره مجتمعاً ومنفرداً حياً وميتاً ، مؤيداً تعاليمه كلها بعجائب وآيات ملموسة محسوسة كان لنا الحظ الاوفر ان نشاهد الشطر الاكبر منها وكلها لا تقبل الردّ ولا التخمين ، وقد عرفناه وعاشرناه طيلة سنوات ثلاث كان لنا فيها المنارة الروحانية الوهاجة التي انارت امامنا طريق الحق والحياة والأمل والثبات . فكل من اقترب من الدكتور داهش وتقرَّب اليه وطال وقت اقترابه وتقرُّبه تكشفت له اسرار من الحياة وشعر بتجدّد كلي في داخله يرقي شخصيته ويسير به نحو الكمال . فالدكتور داهش بحر من الروحانية متلاطم الامواج يسابق بعضها بعضاً للوصول الى غاية الغايات وعملة العلل التي هي الله جل جلاله . فهل يكون انسان الله غير هذا وهل تكون صورة الله في انسانه غير هكذا ؟
واخيراً ، ان ما يسهل على الكاتب تحليله في الدكتور داهش انما هو اختصار القول عنه انه واحد من رجال الله الأوفياء الصادقين ونبي من انبيائه الانقياء المقربين ففي عنقه تبليغ رسالة وفي قلبه وروحه همة وبسالة وإنهُ لمستعد ان يشرب الكأس وكل اللذين معه حتى الثمالة ويُدعى عهد رسالته ” عهد النبوة” ، وكان ذلك يوم الاثنين في ٢٣ آذار سنة ١٩٤٢ وقد أعلنه الداهشيون على رؤوس الاشهاد ، ودوت اصواتهم به في كل صقع وبلاد، وقد وصلت اخبار رسالة هذا العهد الداهشي الجديد حتى الى « العالم الجديد. »
هذا هو الدكتور داهش نبي القرن العشرين وهذه هي رسالته التي هي رسالة كل دين ، وهولاء هم الداهشيون وحظّهم الأوفر أنهم اول المؤمنين واول المضطهدين .
هكذا هكذا تنزل الرسالات ويتجدَّد كل دين .
اللهم لك الحمد يا اعدل العادلين ويا ارحم الراحمين آمين اللهم آمين . ..
إفاداتٌ ثلاث للحقيقة والذكرى والتاريخ
هذه افادات ثلاث قدّمت خطاً الى رئيس البوليس العدلي في بيروت الاستاذ ادوار ابي جوده بطلب رسمي منه وذلك بتاريخ ۲۳ شباط سنة ١٩٤٤ وها نحن ندونها في هذه المجموعة للحقيقة والذكرى والتاريخ . ولزيادة الايضاح في تعريف الدكتور داهش :
افادة السيدة ماري حداد
سمعت الناس يتحدثون عن الدكتور داهش وعن معجزاته. وسمعت ذلك من اشخاص يستحقون كل الثقة فذهبنا لزيارته.
وكنت اعتقد وفي الوقت نفسه كنت على حذر وشك : كنت اعتقد لان كل شيء في الحياة معجزة اذا فكرنا قليلا بالحبة التي تنمو في الارض . وبالكهرباء . وبالاختراعات العلمية . وبالولادة . والحياة . والموت . وما شاكل …
وكنت على حذر وشكٍّ لان الحذر والشَّك ، وفكرة افتراض الشر قبل الخير هي نتيجة ضرورية للاختبار . ولا سيما في هذا العصر الذي نجد فيه ( المال ) هو سيد العالم حتى ان ادنى واخس انسان غني يكون محترماً من الجميع …. فهل هناك شخص فوق ( المال ) وفوق ( الوجاهة ) وفوق ( المقامات العالية ( ? … كلاً . لم اعرف احداً كهذا . ان الجهة الروحية في الحياة . والاتجاهات العالية نحو المثل العليا يظهر ان وجودها ضئيل جداً .
وكذلك وجود الاشخاص الذين عندهم الفكر العاقل الكامل.
ولكنني وجدت نفسي امام حادث فريد وغريب في بابه : ان الدكتور داهش ( الذي تسألونني عنه ) هو اعجوبة هذا العصر.
لانه يضع كل شيء في مكانه ويعطي كل شيء قيمته الحقيقية. وهذا أمر غير منتظر . ولم يسمع بمثله . ولا يصدق .
ولكنه صحيح وواقعي .
هو يرتكز على انجيل ( السيد المسيح ) له المجد . هو الشخصية العليا لهذا الانجيل .
كنا نعرف هذا ( الكتاب المقدس ) ونعتبره عملا ألهيا عبقرياً نعجب به.
ولكن معرفتنا اياه غير كافية لتجعل حياتنا مطبقة عليه تماماً.
اذن . نحن مطمئنون بان الدكتور داهش هو رجل الانجيل.
وبعد ذلك وجدنا أنفسا فجأة امام قوة فوق الطبيعة .
لأننا شاهدنا ثانية عودة المعجزات الانجيلية :
فالماء يتحول الى خمر كما في ( قانا الجليل ) – وهي اول معجزة للسيد المسيح وعندها آمن به الجميع
ثم تعداد الخبز ، وتكثير السمك .
وكذلك نظرنا مضاعفة أشياء أمامنا .
وشاهدنا ايضاً شفاء أمراض وتحقيق نبوءات
وهنا لا شيء يكون مخبّاً . فلا الفكر ولا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل .
ولا توجد ايضاً مسافات . ولا صناديق حديدية مقفلة .
وشاهدنا ايضاً كيف تنزل العقوبات بالذين يتهجمون او يعتدون على الدكتور داهش .
وشاهدناه يأمر عناصر الموت والحياة فتطيعه للحال .
وعرفنا الدكتور داهش كيف يتكلم .
وعرفناه بكتاباته . وبتأليفه ، وبمعجزاته ، وبصلاته مع الناس . فهو عندما يتكلم فليس من حجة مهما كانت بليغة وقوية تقف امام حجته .
لقد شاهدناه بين كبار الرجال . والكتبة والصحافيين . وجماعات من ذوي الثقافة العالية . فكانوا كلهم معجبين به حتى انهم يصبحون بتفكيرهم امامه صغاراً .
وكانوا كلهم يطلبون منه إرشادات وتعاليم . فكان يعطيهم اياها ببساطة كاملة ووداعة متناهية.
هو أكمل تعبير للعبقرية من حيث سمو وجهة نظره . ونبل فكره وصفائه .
هو ايضاً الشخص الحقيقي لاستعمال الاشياء العملية الراهنة التي يمكن وجودها . لأنه يعلمنا ويتركنا نقدر الاشياء وحدها كما تستحق ، تلك الاشياء الازلية وليس الاشياء الفانية …..
اما تعاليمه فيتركنا نلمس بها بالاصبع حقيقة الروح . ويفتح لنا نافذة واسعة على العالم الثاني الذي لم يتمكن احد من اختراقه واجتيازه حتى الآن.
واذا كنا آمنا به فلأننا وجدنا براهين ملموسة لا تنكر عن رسالته الروحية . والا فلماذا لم نكتف بالكهنة والاحبار الذين ينتسبون الى الانجيل ؟
لكن هذا الستار ولو كان جميلاً جداً فانه لا يمكنه تغطية اكاذيبهم وأعمالهم التي تضر بالعقيدة اكثر مما تنفع…
فقد تعوَّد الناس المعاملات والدفع في المسائل الدينية…
فالكنيسة – وخصوصاً كنيسة رومية – كل شيء عندها يدفع ثمنه :
كالغفرانات . والالقاب .. والتحليلات وما شاكل .
ولذلك . فكل حذرٍ يزول . وكل شكٍّ يسقط من تلقاء نفسه عندما تتعرف الى شخصية الدكتور داهش . ونجد انفسنا مخجولين من الافكار الدنيئة التي تساورنا .
ان الدكتور داهش هو معجزة هذا العصر.
ومنذ ( السيد المسيح ) لم يوجد تجسد انساني بهذه العظمة . ان الدكتور داهش قضى بضعة أشهر فقط من حياته في مدارس بسيطة وصغيرة وذلك في غزير وصيدا . ولم يتلقن العلوم ، وهو يقول عن نفسه : أنا ابن الحياة .
اما عدد مؤلفاته فأكثر من الاربعين . وستكون بناءً عظيماً لشرح شخصيته .. وكلها كتبت بسرعة لا تصدق . وانا شاهدته مراراً في ساعات إلهامه وكأن القلم بين يديه طير على الورق .
وقد شاهدنا حياته اليومية ( ونحن كثيرون نشهد بذلك ) وقد عاشرناه . و درسناه . واطلعنا على كل شيء يخصه منذ ساعة ولادته الى اليوم .
اما ( المعجزات ) فكانت دائماً تحتاطه . وكل ماله علاقة به مدوَّن من عامه الثاني عشر . حتى ان كل دقيقة من حياته مكتوبة يوماً بعد يوم .
اما نتائج تعاليمه فليس فيها ظلّ من الشَّك . بل كلها حقائق واطمئنان وثقة بكل ما ينتظرنا بعد الموت.
اننا بتعاليمه نترفع عن الصغائر . والاشياء التي كان لها قبلا في نظرنا أهمية أصبح لا أهمية لها على الاطلاق وليس هناك من هموم تساورنا ، بل حياة سعيدة وكفي .
هذه هي المدرسة الوحيدة التي توحي الينا أشياء عظيمة في سائر العلوم : كتاريخ الأرض وعلم الفلك والنجوم . والطب .
وأسباب الأمراض وكيفية شفاءها . واسرار الولادة . والموت . والخلود . وأشياء أخرى لم نكن نعرف عنها شيئاً . ولكن ساعة نشر هذه الأمور لم تأت بعد … ولو كان عندنا حكومة حكيمة متنوّرة لأدركت ان في شخصية الدكتور داهش ينابيع لا تنضب ولا تثمن . وكان بامكانها الاستفادة منه قبل ان تسبقها الشعوب التي ترغب في تجديد قواها بمثل هذه القوة العجيبة التي لا يمكن العاقل ان يشك فيها . انها قوة ينحني أمامها كل شيء بدون استثناء لأنها قوة ( الله ) .
أنا لا أشفق على الذين يحاربون الدكتور داهش . ولكن أشفق على اولائك المتحايدين الذين لا يتدخَّلون لدرس هذه القوة الخارقة.
ولكن ليس من كرامة لنبي في وطنه
ونحن سنكذب يوماً هذا المثل…
وهنا تسألونني ( وكيف يعيش الدكتور داهش ؟ ) فالجواب :
إنني شاهدت عنده من الدراهم اكداساً مكدسة . ولا يوجد عند (بنك) ما يوجد عنده من المال.
وقد شاهدته يعطي الفقراء بدون حساب.
ولكنه لنفسه بكل دقة يعمل الحساب .
فعسى ان يرى الناس هذه القوة العجيبة التي ستبدّد انوارها ظلمات الجهل من سماء بلادي.
بيروت ماري حداد
افادة الاستاذ حليم دموس
اولاً – سبق وأدليت بمعلوماتي عن الدكتور داهش في التحقيق الأول الذي أجراه المفوض العدلي فاضل عازوري مند سنة خلت .
واظن ان تلك الاوراق قد تحولت في حينها الى المدعي العام الاستاذ ديمتري الحايك .
فاذا شئتم مراجعتها ففيها الكفاية .
ثانياً – اما معرفتي بالدكتور داهش فتمتد إلى عام ١٩٣٦ وليس له من مهنة سوى تأليف كتب ادبية اجتماعية صدر منها كتاب ( ضجعة الموت ) و ( كلمات ) و ( الالهات الست ) وقريباً يظهر ( عشتروت و ادونيس – ) و ( نشيد الانشاد ) ر ( جحيم الدكتور داهش ) و ( بروق ورعود ) .
وهناك كتب اخرى مذكورة بتفصيل في مؤلفاته المطبوعة ولا سيما في كتبه الاخيرة ( الالهات الست ونشيد الانشاد والجحيم ) وهو غاوٍ للظاهرات الروحية منذ زمن بعيد وكان قد سافر الى العراق ومصر وفلسطين وافريقية واوروبة وقام باعمال عديدة بالتنويم . وقد جمع من ذلك اموالا تكفيه . وانصرف بعدها الى المطالعة والتأليف ودرس الروحية السامية واهدافها العالية .
ثالثاً – أما سؤالكم عن امواله . وأين هي ؟ فهذه أمور شخصية يمكنكم ان تسألوه عنها رأساً.
رابعاً – هو يعيش بكل بساطة . واعرف تمام المعرفة انه مستغن عن جميع الناس . ويفرّق الزائد عنه في كل شهر على عائلات مستورة. واحياناً يفرق ذلك في كل اسبوع . ولو شاء الثروة بما عنده من مواهب وقوى خارقة لأصبح في مدة قصيرة روكفلر لبنان . بل قارون هذا الزمان .
خامساً – هو لا يمتهن ( التنويم ) ولا يتعاطى ( مناجاة – الارواح ) للتكسب والاستفادة . بل هو غاوٍ فقط .
واذا قام بتجربة علمية او روحية مع بعض اعوانه واخوانه ولي الشرف ان اكون منهم – فما ذلك الا طلباً للحقيقة ورغبة في معرفة الكون العجيب الغريب . ووصولاً لادراك كل مجهول كما يفعل كل باحث او عالم . وكل مكتشف او مخلوع اتسعت دائرة علمه وفنّه .
وان من ينشد ( الحقيقة ( السامية كالدكتور داهش يجب تنشيطة لا تثبيطه خصوصاً وان كثيرين من رجال ونساء كانوا منغمسين في حمأة الرذيلة اصبحوا اليوم بفضل تعاليمه السامية الجليلة . سالكين طرق الصلاح والفضيلة .
سادساً – لم اجده تناول بارة واحدة او قبل هدية تذكر من أحد . بل بالعكس انه يرفض الهدايا ويكرهها ..
وانا منذ عشرين شهراً متصل به لتبييض عدة كتب أدبية له جاهزة وماثلة للطبع . وطالما ارسل من ماله الخاص هدايا الى كثيرين ممن دعوه الى وليمة عائلية او حفلة ادبية . وطالما ألبس العراة . واطعم الجياع . وخدم البائسين سراً . وهداهم الى الطريق القويم انه رجل صلاح . وتعاليمه روحية بحتة . وهي تعاليم شريفة عالية تستند على الكتب المنزلة ولا سيما الاناجيل ( الاربعة ) التي يعتبرها الدكتور داهش زبدة ( الكتاب المقدس ) وروح الكتب الالهية المنزلة . خصوصاً … وهي من اقوال السيد المسيح وتعاليمه السماوية.
سابعاً – الدكتور داهش يعيش مع عائلته على نفقته الخاصة ومن ماله الخاص اما الذين يعتقدون باعماله الروحانية ويؤمنون بها فانهم يستفيدون منه ومن تعاليمه دون أن يفيدوه.
فانا مثلا كنت مادياً محضاً . فاصبحت روحانياً محضاً وما ذلك الا بفضل الدكتور داهش وروحانيته الممتازة . فقد تكشفت لي حقائق سماوية عظيمة لا يستطيع هذا القلم الضعيف وصفها .
ثامناً – واخيراً … ان شهادتي هذه بالدكتور داهش مجردة عن كل غاية . فهو انسان صالح . طاهر السيرة . عفّ اليد واللسان . يعيش عيشة السيد المسيح وتلامذته . والنبي محمد وصحابته . ويعمل الخير حباً بالخير . وقد اتى امامي بمعجزات خارقة :
فمن نقل اشياء ، وشفاء امراض . وكتابة مؤلفات ملهمة وسواها من نبؤات عن حوادث تمت في اوقاتها تماماً.
واعتقد كل الاعتقاد ان ما قام به الدكتور داهش من الاعمال الحسنة والظاهرات الروحية الخارقة يساعد الحكومة والشعب على تهذيب الاخلاق . وتقريب النفوس البشرية الى المبدع الخلاّق.
فهو في نظري يستحق اعجاب لبنان وتمجيد الانسانية لعبقريته النادرة . ومعجزاته الروحية الباهرة ، التي تسيّرها قوة خفية إلهية قادرة..
فليدرسها كل عامل أمين.
رحمة بعشاق الحقيقة وطلاب النور واليقين.
وخدمة خالصة لابناء الارض المساكين.
حليم دموس
افادة المؤلف
– سؤال الرئيس العدلي – متى تعرفت بالدكتور داهش ؟
جواب يوسف الحاج – تعرفت بالدكتور داهش بك منذ ثلاث سنوات تقريباً . وكان الدافع الى هذا التعرف شهرة الدكتور في البلدان العربية كافة فضلا عن البلاد الاوروبية مما كان يأتيه فيها من الاعمال المغناطيسية والمعجزات الروحية.
سؤال – هل يتقاضى الدكتور داهش بدلا عن أعماله وتعاليمه ؟
جواب – كلا . بل انه يفرّق ما يفيض عن النفقات التي يدفعها على طبع كتبه من ماله الخاص الى الفقراء على ايدي آخرين، منهم الجراح المعروف الدكتور توفيق ابراهيم رزق صاحب مستشفى رزق ، وسواه .
سؤال – من اين يعيش الدكتور داهش :
ج – مما لاحظته كل هذه المدة انه يعيش من بقايا امواله التي كان يكسبها حلالا عندما كان يقيم الحفلات المغناطيسية في البلدان العربية والأوروبية معاً .
س – اذكر لي شيئاً من عجائبه.
ج – اذكر لك ثلاث حوادث او ثلاث ظاهرات ( وهنا ذكرت له مفصلا ظاهرة الدكتور شاهين الصليبي وشجرة الليمون . وظاهرة المستر اولفر والمال والدبوس ورسالة السيد جورج النجار ، وكذلك موت العصافير الثلاثة امام صاحب جريدة ( الصحافي التائه ) الاستاذ اسكندر الرياشي والشيخ منير تقي الدين والاستاذ حليم دموس . ثم احياء تلك العصافير بعد الظهر بوجود الاستاذ ادوار نون وبعض الاخوة الداهشيين وفضلا عن ذلك فقد اتيت على ذكر مؤلفات الدكتور داهش التي بلغت الخمسين تقريباً بين ادبية وروحية . وذكرت في افادتي كيف يعيش الدكتور داهش . وكيف يصوم ويصلي . فانه يعيش قديساً . ويصوم ويصلي صدّيقاً.
و صرحت في افادتي ان كل من تقرب الى الدكتور داهش شعر بتجرد كلي . وراحة نفس تامة . وان جميع تعاليمه وصلواته التي تعلمناها تنفرنا من المال ومن الحياة المادية القلقة القدرة .
وهنا قدمت للمحقق عدداً من جريدة ( العالم العربي ) العراقية . وفيه مقالتان ممتعتان عن الدكتور داهش واعماله الخارقة :
الأولى بلسان الجريدة ..
والثانية نقلا عن جريدة ( الاهرام ) المصرية .
وهكذا انتهى الاستنطاق عن مفاخر الدكتور داهش وروحانيته اللامعة.
وقد اكدت له في الختام ان الحكومة اللبنانية الوطنية اذا درست بتدقيق مميزات الدكتور داهش ومواهبه الخارقة وجب ان تستفيد منها عاجلا أم آجلا.
بيروت ٢ شباط ١٩٤٤ يوسف الحاج
مسك الختام
هذه رسائل “داهشية” إلهامية جعلناها مسك الختام لكتابنا هذا لما فيها من بركات ونِعَم حلَّت في ملء حينها لتظهر للناس وعي الارواح في كل سطر من سطورها .
انها درجات في الاتجاه تنتقل فيها الارواح من رقَّة ، الى ذكريات ، الى تنهدات ، الى تفجرات فنبؤات فتهديدات : والارواح طبقات منها اللطيف والخفيف والعنيف ولكل واحد عمله في صفحة الواجب المحتوم ، فهي تبغض الشر وتحب الاشرار وتحارب الكفر وتعطف على الكفار وتغفر للذين يجهلون ما يعملون لعلهم عن شرهم وكفرهم وجهلهم يرجعون ، والى ربهم ورشدهم يهتدون حتى متى مضوا ساروا في نعيمها ينعمون وهم الى الأبد مؤمنون وفيها خالدون . والا فسيعلم الظالمون اي منقلب ينقلبون ! . .
داهش يسمع الأحاديث من مسافاتٍ شاسعة
وصيّتي
اطلب تنفيذها من اخوتي وأخواتي الداهشيين
أعزائي الأحباء!
سلامٌ على أرواحكم الطافحة بالحنان
وقلوبكم النبيلة العامرة بالإيمان, وبعد,
هذه هي وصيّتي إليكم,راجياً منكم أن تنفذوها بحذافيرها عندما تقضي إرادة الموجد المهيمن بردّي إلى وطني الحقيقي بعد أن ذُقت الأمرّين في أرض الشقاء والعناء.
نعم يا اخوتي!
إنني أطمع لأن أخلع عني ردائي المادي الفاني,
وأتسربل الرداء الروحاني الخالد,
مُخلّفاً ورائي أتعاب هذه الدنيا الزائلة التي تزخر بالشرور والآثام.
لقد آن لي أن أستريح بعد أن كلّت قدماي من السير في مفاوز هذه الفانية.
وعندما تأفل حياتي, ويكفّ قلبي عن الخفقان,
وتغمض عيناي عن مشاهدة مهازل هذه الأرض الزرية,
وتنطلق روحي حيث جنّات الخلد السرمدية…
إذ ذاك انقلوا جثماني والحدوه في مقرّه الأخير,
واتلوا عليه القطع التالية التي خلّفتها لكم, وابدأوا
أولاً بصلاة (النّبي الحبيب الهادي),
ثانياً بقطعة (أيها الموت),
ثالثاً بقطعة (عندما أغادركم),
رابعاً قطعة (اذكرني ولا تنسني),
خامساً قطعة (عد إليّ سريعاً),
سادساً قطعة (ضمّوا رفاتي إلى رفاتها),
سابعاً قطعة (اعصفي يا رياح),
ثامناً قطعة (سلام),
وفي الختام, لتحرسكم عين العناية التي لا تنام,
طالباً إليه أن يجمعني بكم قريباً.
صلاة النّبي الحبيب الهادي
يا أبي وأبا البرايا,
ارحم ضعفنا الموروث.
شدّد قلوبنا كي نؤمن بقدرتك ونحدّث بعجائبك.
اغرس في أعماقنا بذور الحبّ والشفقة والرحمة والحنان.
أبعد عنّا التجارب التي تريد غوايتنا وإسقاطنا في دياجير الخطايا.
سدّد خطواتنا في طريق النور والحقّ واليقين.
أبعد عنّا الأفكار الدنيئة ولا تدعّها تَقرُبُ منّا.
أنت خالق البرايا وما فيها.
فرحمتك وحنانك يسعان كل الكائنات, معلومها ومجهولها.
أشفق علينا يا اللّه ولا تحاسبنا مثلما نستحق فنهلك.
لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب.
دع القناعة تحتلُّ أرواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجّدك.
أبعد عنّا الأشرار والهازئين بكلام اللّه, أَنِر بصائرهم.
طهّر أرواح الخطأة, وأرسل لهم قبساً من أنوارك الإلهية فيخشعوا لعظمتك.
أقلنا من العثرات الرهيبة واشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة.
أيها الآب العطوف,
كل من ألقى إتكاله عليك, وعمل بوصاياك,
وضحّى من أجل اسمك, واحتقر رغباته الأرضية,
ونبذ الدنيويات, وعطف على البؤساء,
وبشّر بعجائبك, وآمن بنبيّك الحبيب الهادي,
فله السعادة والسماء, والنور والسناء,
هناك حيث الضياء والبهاء, إذ يخلد مع الخالدين,
ويتنعم بأنوارك الوضّاءة حتى أبد الآبدين, آمين.
أيها الموت
يا موت!
أيها الحبيب الشفيق, ويا نِعمَ الصديق.
أيها الطيف الساري والقضاء الذي لا بد منه.
أيها الخيال الذي أراك في منامي وأتخيلك في أحلامي.
يا سمير وحدتي, وأنيس يقظتي, ومخفّف بلوتي.
يا طِلابَ نفسي, ومطمح روحي, ومهوى فؤادي.
يا عشيقي البعيد, ومرادي القريب.
يا عروسي الهائم في مشارق الأرض ومغاربها, وفي معالمها ومجاهلها.
أيها العاصفة الجبارة المجتاحة كل من يقاوم إرادتها البتّارة.
يا شِبعَ نفسي الجائعة, وريّ روحي الظامئة.
يا فردوسي المفقود, وأملي المنشود.
يا مَنحى نفسي, وخِفية روحي, ومسرى ضميري.
يا سعادتي وهنائي, ويا ماحي شقوتي ومزيل عنائي.
يا ابن الخفاء ورسول السلام, ويا بارقة الرجاء ومزيل الآلام.
يا موقِفَ نبضات القلوب, ومجتثَّ حركات الأجسام.
يا كَفَنَ المطامع, ونعشَ المظالم, ورمسَ الأحقاد.
أيها الهادم الباني, والمقوّض المعمّر, والعابس الباسم , والقلق المُطمَئِن.
أيها العابسُ المُشفِق, والشجاع الوجل, والمَرِح الحزين, والمضطرب الهادئ.
يا رسول الآلهة, ومُنَفذ الإرادة المجهولة الأبدية السرمدية.
أيها الغائب الحاضر, الباطن الظاهر, المعلوم المجهول.
أيها الهازئ بشرورنا, الساخر بآثامنا, المشفق على جهالتنا.
أيها الشاهد ما ترتكبه البشرية من مظالم, وما ترمي إليه الإنسانية من أطماع.
أيها الموجود في كل زمان ومكان,
في الماء والهواء, في السهول والجبال, وفي المنخفضات والمرتفعات,
في الأودية والحزون, في المعالم والمجاهل, في الأبعاد والأسحاق.
أيها الناظر غير المنظور, الحاصر غير المحصور.
أيها المحصي علينا أعمالنا بكل دقّةٍ وإمعان.
أيها القائم وحدك بما تعجز عنه البشر قاطبةً.
أيها المعجزة الفريدة, بل يا معجزة المعجزات.
أيها الحاكم بأمره, السارية كلمته قانوناً نافذاً ودستوراً حاسماً.
أيها الناظر بلا شيءٍ إلى كل شيءٍ.
أيها الكأس التي ذاقها الأوّلون وسيذوقها الآخرون.
يا إمام رغائبي, ودليل ميولي, ومتّجه آمالي.
يا عزيزي وحبيبي, وصباحي ومغيبي.
يا أملي ومناي, ومطمحي ورجاي.
يا باعث إحساسي, ومرهِف شعوري.
يا ملاذ نفسي, ومعاذ روحي.
أيها الكرى المعسول الذي يراودنا بين فترة وأخرى.
يا حبيبي الموت!
أقفل عينيّ يا حبيبي!
أقفلهما فقد تعبتا من النظر إلى هذا العالم القذر الموبوء.
نَعَم, وأوقِف ضربات قلبي.
هذا القلب المحطم الذي أجهدته كثرة الضربات دون جدوى.
وأخفِت أنفاسي, فقد عافت استنشاق هواء هذا العالم الفاسد.
وأفقد فيّ حاسة الشمّ,
إذ بحسبي ما تنسمّت من رائحة هذه الحياة الكريهة النتنة المفعمة بالأرجاس.
وقيّدني بقيودك الخفيّة الخفيفة الظِل.
فقد تعبت قدماي من السير في مفاوز هذا العالم المليء بالشرور والآثام,
الزاخر بالحسرات والآلام.
وأنِخ عليّ بكلكلك المريح,
فقد ضاق صدري بسخافات البشر وسخريات القَدَر.
وضَع بَلسَمَكَ الشافي على جراحات روحي الحائرة الحزينة,
فقد آن لها أن تستشعر نعيم السعادة الأزلية,
والغبطة السرمدية, والنشوة الخالدة القدّسية.
أُدنُ مني… لا تنأ عني.
فإني أتذوق الراحة إلى قربك,
وأتلظى في جحيم العذاب لبُعدِك.
وأشفق عليّ يا حبيبي فقد تعبت نفسي من البقاء في هذا العالم البارد المخيف.
هاتِ يدك الحارة وضعها على يدي الباردة.
ودع قلبي يخفق خفقات الغبطة والحبور.
هاتِ يا حبيبي ولا تقسُ عليّ,
إذ حسبي في هذا العالم الفاني قسوة من يعيشون فيه.
هاتِ يا حبيبي!
وارحمني من هذا العالم واختطفني من هذه الحياة.
آه يا حبيبي! ما أتعس هذا العالم!
وما أمَضَّ آلام هذه الحياة!
وما أشقى هذا الوجود وما أقساه!
للّه!… وما أجمل عالمك وأبهاه!
رحماك,رحماك, يا حبيبي الموت ألا تسمع؟
عندما أغادر كم
عندما يضرب البُعد بيني وبينكم حاجزاً منيعاً,
وأغيب عن أعينكم المشتاقة لرؤية وجهي المعروف لديكم,
ويلحُّ بكم الشوق العميق لأن تعودوا فتجتمعوا معي كالسابق,
إذ ذاك تذكّروا أقوالي لكم, وقرّبوا صورتي إلى مخيلتكم,
وتأكدوا بأن ما تتمنّونه هو أمنيتي التي كنت لا أحيا إلا لها,
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …
عندما يتأكّد لكم إنني جُلدتُ وصُفعتُ وأُهنتُ,
وساقني الجلاّدون تحت الإهانة والشتم المرذول,
وزجّوا بي في أعماق سجنٍ مرعبٍ مخيف,
وهناك لم يقدّموا لي ما أسدُّ به جوعي الشديد وعطشي المهلك,
إذ ذاك تذكروني يا أحبّائي مثلما تكون ذكراكم ممتزجةً في روحي,
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …
عندما تمضي الأيام , وتنصرم الشهور, وتفنى الأعوام,
وأنتم تترقّبون عودتي المبتغاة, لأمكث بينكم,
ولكن رغبتكم الملحّة تبقى حبيسة في صدوركم دون أن تتحقّق أمنيتكم,
إذ ذاك , تذكّروا يا أعزائي إجتماعاتي السابقة بكم وقولوا: لقد كان حلماً عذباً طوّف في عالمنا للحظات ثم توارى,
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …
عندما تتبدد أمالكم في إمكان عودتي حيث أنتم,
ويطوي الزمان أعوامه في لُجَجِهِ الُمدلهمة ,
وتطوّف تذكاراتي في أفئدتكم فتقرأون ما خلّفته لكم,
إذ ذاك قولوا: لقد توارى عن عالمنا كالبرق الخاطف,
وتأكدوا بأنني أنظركم من عالمي البعيد بشوقٍ وحنين,
لأنني أحبكم كثيراً! … أحبكم كثيراً! …
اذكرني ولا تنسني
عندما تُطوى صحيفتي من هذا الوجود,
وبعدما تتأكد يا أخي الحبيب بأنني لن أعود,
وبعدما يبلُغُكَ أنني قد اخترقت السدود, واجتزت الحدود,
وخلعت عن نفسي تلك القيود, وبَلَغتُ بروحي عالم الخلود,
وعندما أكون قد التحقت بمن سبقني من الآباء والجدود,
فإياك, إياك أن تستسلم لسلطان الحزن والجمود,
بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني!…
عندما تراودك ذكريات أيامنا العذبة الزاهية,
وتخامرك تذكارات أويقات سعادتنا الهانئة الذاهية,
وتمرُّ بك أطياف أمانيّ الخلابة والمصوّحة الآفلة,
وترى ورود رغباتي الذاوية,
وأزهار أشواقي الذابلة,
وبعدما أكون قد حلّقت بعيداً بعيداً عن هذه الفانية,
لا تسكب عبراتك, لأنني أكون في جنّةٍ قطوفها دانية,
بل اذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني! …
عندما تشعر بنسماتٍ لطيفةٍ تداعبك وتُحييك,
ثم تحوّم حولك برقّةٍ فائقةٍ كي تُحَيّيك,
وتهبط الأطيار الفائقة الفتنة على الأيك وتناغيك,
وتُطلِقُ لك أغاريدها العذبة فتذكِّرُك بهاديك,
وبعدما تُبعَثُ أحلامك من مراقدها وتنطلق أمانيك,
فاعلم بأنها جميعها من وحي روحي تناجيك,
فاذكرني, اذكرني يا أخي الحبيب ولا تنسني! …
عُد إليّ سريعاً
مهداة إلى روح مجدا العزيزة
أهكذا انقضت أوقات سعادتنا وتلاشت دقائقها؟
أهذه هي إرادة اللّه أن نخوض في محيط من الأحزان والدموع؟
ويلاه … وهل حقاً مضت إلى غير ما أوبة حتى يوم النشور؟
ربّاه … وهل قُضي عليّ أن لا أعود فأراها حتى تواريني القبور؟
للّه! … لقد كانت لأيام خلت رافلةً بثوب العافية,
تحيطني بعنايتها وتشملني بعين رعايتها.
إِيه أيها المنزل الرَحبُ الفسيح القاعات.
إن غيبة ملكتك أحال نورك ظلاماً, وردَّ بهجتك قُتاماً.
فسواءٌ لديّ اليوم البؤس والشقاء واللوعة والبكاء.
وسيّان عندي أقضيتُ في الغداة أو في العشيّة.
لأن حلمي الذي بُتُّ اليوم أتمنّاهُ وأتوقُ إلى مرآهُ,
هو اجتماعي بمن خلّفتّني وحيداً في صحراء هذه الدنيا التعسة.
إنني أراها في يقظتي ورُقادي,
وأرى شبحها اللطيف ماثلاً دوماً أمامي,
سواء أكان هذا في الليل أم في النهار,
في أوقات الصلاة والعبادة أم في أويقات التأملات الحزينة.
إنني أراها في الماء والهواء والسماء وقبّة الفضاء.
أراها في نور البدر الناعم الأضواء.
أراها في جمال الشَفَقِ البعيد الحالم.
أراها كقطرةِ الطلّ النديّة التي تُتوّجُ الزهرة البهيّة.
أراها من خلال الغيوم التي تكللُ هامة السماء القصيّة.
أراها مُتَلَفِعَةً بالضبابِ السابحِ في فضاء اللانهاية.
أراها من خلال دموعي الحرّى التي تتساقط على وجنتيّ الذابلتين.
أراها من خلال آلامي العميقة وأحزاني السحيقة.
أراها من خلال تأوهاتي التي تمزِّقُ قلبي الكئيب من أجلِ بُعدها الرهيب.
أراها هناك هناك …
حيث لا يستطيع أن يبلغ إليه فكريَّ الخياليَّ الهائم في بيداء تصوراته الشعرية.
أراها من وراء السُدُمِ العجيبة وهي تمرحُ بين أترابها من ملائكة اللّه الحيّ,
تنظرُ إلى عينيّ المقرّحتين وهي تبتسم ليّ بعطفٍ سماويٍ,
وترنو إليّ بعينها الروحيّة التي تذوب بالعاطفة الإلهية,
فأُلقي بنفسي في غمرة لذّتي ونشوتي بين أحضان عالم الأرواح بالمُتَع,
وأمكث مع فتاتي الفتّانة التي ضحّت بزهرة عُمرها وريّان صباها لأجلي.
هذه الفتاة التي بذلت نفسها وقدّمت روحها قرباناً على مذبح حُبّي …
وأقضي الساعات وأنا أرشفُ من رحيق وحيها وحُبّها,
وجوارحي تطلب من لقائها المزيد.
وعندما تهبط بنات النور إلى عالم الأرض المظلم ترتقي قمم الغيوم,
وتعود إلى موطن السلام الدائم وهي تلوّحُ ليّ بأناملها المعبودة وكأنها تقول ليّ اخلع رداءك المادي! وعُد إليّ يا حبيبي سريعاً كي نحّيا معاً في ربوع هذه الفراديس الخلاّبة حتى انقضاء الأعمار والأدهار. فتُجيبها روحي الحزينة:
لبّيك يا زهرة عمّري! … لبّيك يا حبيبة آمالي! … لبّيك!
ضمّوا رفاتي إلى رفاتها
عندما تدقّ ساعتي الأخيرة السعيدة,
معلنةً انتهاء آلامي في أرض الشقاء والعناء,
وتهبط روح الطهر لترافقني إلى عالم البهاء والهناء,
فأوغلُ معها بمرحٍ وحبورٍ وفرحٍ وسرورٍ,
قاطعاً المسافات, مرتقياً الأبعاد السماويّة,
يدفعني الشوق الذي يقصّر عنه وصفي
كي اجتمع “بمجدا” الحبيبة …” مجدا” المفدّاة.
إذ ذاك … أطلب إليكم يا أحبّائي أن تضمّوا رفاتي إلى رفاتها
كي يطمئن جسدي الترابي الفاني بالمكوث معها,
مثلما تكون روحي الخالدة الشجيّة قد انتشت من امتزاجها بروحها النقيّة!! …
عندما تُقفل عيناي, وتَثقُلُ أذناي, وتصفرُّ وجنتاي,
وتهمد حركات الحياة في جسدي الراقد رقاده الأبديّ,
وتنطلق روحي في المسافات الزرقاء اللانهائية,
باحثةً عن روح “مجدا” التي بكيتها كثيراً, ونشدُّتها كثيراً, وحزنت عليها كثيراً …
حتى تجدها في فراديس الحُبِّ الحقيقي الخالد,
فتمتزج بها, وتغمرها بعطفها ولطفها وحنانها الأبديّ …
إذ ذاك … أرجوكم يا أعزائي الأوفياء أن تجمعوا بين رفاتي ورفاتها
كي يطمئن جسدي الغريب بالقرب من جسدها العجيب,
مثلما تكون روحي الفرحة قد امتزجت بروحها المرحة!! …
عندما يقف قلبي عن ضرباته المعتادة,
ويصبح جسدي كميّةً مهملةً لا شأن لها,
وتدبُّ برودة الموت في أطرافي المتصلّبة,
وتنسج يد الفناء رسومها الغريبة على أسارير وجهي الشاحب,
وتسبح روحي منقّبةً عوالم النجوم عن “مجدا” التي أحبّتها روحي,
وتجوس الفراديس الإلهية حتى تكتشف مقرّها الخلاب,
وتحيا بقرب روحها اللطيفة, وترتشف معها كؤوس المسرّات الروحيّة,
إذ ذاك … أضرع إليكم يا خلاّني الأمناء
أن تمزجوا رفاتي الخامدة برفاتها اللطيفة الهامدة
كي يطمئن جسدي البالي لانضمامه إلى جسدها الغالي,
مثلما تكون روحي الشقيّة قد سعدت باجتماعها بروحها الزكية.
عندما تنظرون جثّتي التي غادرتها الروح,
وتشاهدون السكينة الخرساء الأبديّة التي تغمرها,
وتلمسون جلال الموت يظللني بجناحيه الكئيبين,
وتخاطبوني فلا تسمعون مني الجواب,
لا تحزنوا عليّ إذ ذاك … ولا تنتحبوا,
بل اطربوا في أعماق قلوبكم واغتبطوا,
لأنني أكون إذ ذاك قد اجتمعت بروح “مجدا” الحبيبة, “مجدا” المفدّاة,
فتاة أحلامي الذهبية, وربة آمالي الشعرية,
“مجدا” من ضحّت بحياتها لأجل حياتي,وبذلت روحها لأجل روحي.
وأوصيكم يا أحبّائي الأعزاء أن تضعوا رفاتي مع رفاتها
كي يبتهج جسدي بانضمامه إلى جسدها,
مثلما تكون روحي الحائرة قد اجتمعت بروحها الطاهرة!! …
إعصفي يا رياح
القرار
إعصفي يا رياح واهطلي يا سماء
وانتحب يا صباح واكتئب يا مساء
واضطرب يا زمان واصطخب يا قدر
بعد ذات النقاء
هناك في الهضاب هناك في الضباب
“مجدا” ابنة السحاب قد لاقت الصحاب
فاعصفي, فاعصفي يا رياح, يا رياح
بعد ذات الوفاء, الوفاء!
مرّت على الغيوم واجتازت الغموم
يا سعدها تحوم في ذروة النجوم
فاهطلي, فاهطلي يا سماء, يا سماء
بعد ذات الصفاء, الصفاء!
يا غادةَ الحُبِّ وحَبَّةَ القلب
طيري على السُحُب لرؤية الربِّ
وانتحب, وانتحب يا صباح, يا صباح
بعد ذات السناء, السناء!
في ثغرك البسيم ووجهك الوسيم
عذوبة النسيم في جنّة النعيم
فاكتئب, فاكتئب يا مساء, يا مساء
بعد ذات الهناء, الهناء!
طوفي مع الرياح في عالم الأرواح
فأنت في الأفراح ونحن في الأتراح
فاضطرب, فاضطرب يا زمان, يا زمان
بعد ذات الولاء, الولاء!
يا خالق السماء ومبدع الأكوان
أرسل لنا العزاء وبلسم السلوان
فاصطخب, فاصطخب يا قدر, يا قدر
بعد ذات البهاء, البهاء!
واسمع بكا الحزين والدمع والأنين
وأطلق المسكين واجمعه بالخدين
والتهب, والتهب يا جنان, يا جنان
بعد ذات الضياء, الضياء!
فأنت ربُّ الجود ومصدر الوجود
أَرجِع فتى القيود لموطن الخلود
فاحتجب, فاحتجب يا قمر, يا قمر
بعد ذات النقاء, النقاء!
القرار
إعصفي يا رياح واهطلي يا سماء
وانتحب يا صباح واكتئب يا مساء
واضطرب يا زمان واصطخب يا قدر
والتهب يا جنان واحتجب يا قمر
بعد ذات النقاء
سلام
سلامٌ على ذلك العالم الروحي المضيء الخالد.
سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع.
سلامٌ على ذلك المجد الإلهي الفائق البهاء.
سلامٌ على تلك الديار التي أحنُّ إليها أبداً.
سلامٌ على تلك الربوع المقدسة النقية.
سلامٌ على ذلك الملأ السرمدي الطاهر.
سلامٌ على قاطنيه الأبرار المعاينين أنواره الباهرة السنيّة.
سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له ولا أفول.
سلامٌ على تلك الأماكن الأرجة العبير.
سلامٌ على مَن مكّنتهم قدسيتهم من ولوج ذلك المكان الحصين الأمين.
سلامٌ على مَن اضُطهدوا وعُذِبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة.
سلامٌ على مَن ذاقوا الهوان وشربوا كأسها المريرة حتى ثمالتها.
سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزل وإلى الأبد.
سلامٌ أنثره على هذا الطرسْ من قلبٍ كسيرٍ خافقٍ حزينٍ مكلومٍ ممزّق.
سلامٌ على عالمٍ غير عالمنا المادي المرذول.
سلامٌ عبقٌ فوّاحٌ عطريٌ لا ماديٌ موبوءٌ قذرٌ.
سلامٌ أبديٌ إلى أحكامه العادلة النافذة.
سلامٌ من عالمي الحقير هذا أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي.
سلامٌ من “مسكينٍ” ملأ الكون بآثامه وهو يضرع إلى اللّه أن يغفر له آثامه تلك!
وأن يَسَعَهُ بمراحمهِ التي شملت الكائنات وطغت عليها!
نعم! … سلامٌ … سلامٌ … سلامٌ!
ملاحظة: أرجو أن تنقشوا على بلاطة القبر هذه القطعة:
إلى حبيبيَّ الموت
إلى القوّة القادرة, القاهرة, الصاهرة…
إلى الحقيقة المجهولة منذ الأزل والى الأبد…
إلى التمنّيات المعسولة, المريرة الطعم, السائغة المذاق…
إلى القوّة الجبّارة, السامية, العلوية, السماويّة…
إلى كل ما أرجوه منذ وُجِدتُ على هذه الفانية…
إلى تمنّياتي الحارة, العميقة, الخرساء, الصارخة…
إلى كل آمالي, ورغائب نفسي, وخفاياها…
إلى عشيقي, وأليفي, وخديني, وأحلامي الذهبية…
إلى حبيبي … “الموت”… أُسلِّمُ نفسي وروحي!…

وليُنقَش على صفحة الرخامة المقابلة هذا الرسم وتحته الكلمة التالية:
أنا ظِلٌّ سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى…
والموت يقظةٌ فتّانةٌ يحنُّ إليها كلُ مَن صَفَت نفسه وسَمَت روحه…
ويخافها مَن كثُفت أفكاره, وكثُرت أوزاره…
وبعد موتي سيهبط أشخاصٌ آخرون يأتون بعدي من ذلك العالم
السحريّ الذي سأنطلق إليه.
داهش 9 شباط 1945
و داع و استقبال ١٩٤٥ - ١٩٤٦
في مطلع عام ١٩٤٦ أرسل الدكتور داهش من عرينه إلى الأخ جورج ابراهيم حداد وزوجته الاديبة الملهمة والفنانة العبقرية قطعتين بليغتين رائعتين :
أولاهما يودع بها عام ( ١٩٤٥ ) الذي ذاق فيه الأمرين وانتابته في خلاله الأحداث الجسام . واناشته بأنيابها القاطعة.
اما القطعة الثانية فقد استقبل بها العام الجديد وفي صدره يجيش ألم وأمل . وفي عينه وروحه عبرة وعبر …
ولما كان كتابي هذا ماثلا للطبع رأيت ان أوشّي به هاتين القطعتين الداهشيتين اذ فيهما نبؤة ستتم . وحوادث جسيمة ستلعلع ونعم
وهذه القطعة الأولى :
وداع عام الفواجع والمحن والشقاء
يا عام الماسي العظام
ويا ربيب الدواهي الجسام !
انني ارقب احتضارك الموجع .
وأشاهد فداحة آلامك
دون ان تأخذني بك رأفة او حنان .
وأصدقك . أنني سعيد لشقاءك .
مطمئن الخاطر لهول نواحك وبكاءك .
فقد اخترمت في مطلع ايامك الداجية السواد الفاهمة الجلباب أعز عزيزة على فؤادي .
فشمت بجريمتك العظيمة اعدائي ….
لقد طويت يا عام السوء صفحتك النقية البيضاء .
فطويت معها الصدقاء والتضحية والاخلاص والوفاء .
و اطلقت العنان للسفاحة السفاكة صاحبة الجريمة الشنعاء .
فطغت ، وبغت . وتكبرت . فطاولت بأنفها المشمخر صلفاً
بروج السماء . . . .
لقد احتضنني الشقاء في ايامك ايها العام ،
وتبناني البلاء في ركابك
ثم طاردتني أبالسة الشر والضغينة
وأقضت مضجعي افاعيك اللعينة
وفي خلال لياليك الليلاء – وانا أليف الأرق حليف السهاد.
كنت اتقلب على فراش من الجمر المستعر الابدي الاتقاد .
ايها العام المحتضر !
ان شهورك الطويلة الكئيبة قطعتها ونفسي تفيض باعظم الآلام وارهبها .
واروع الاهوال وارعبها …
وانت انت تحمل في صدرك قلباً يتفوق بصلابته على الفولاذ الصلد…
واها لك يا عام الشقاء !
فكم سفحت في خلال ساعاتك الازلية من دموعي الهتَّانة.
وكم تأوهت وكم تذوقت المرّ الممزوج بالصاب والعلقم الكريهين.
وكم … وكم يا عام الشؤم راودتني فيك فكرة الانتحار
كي اضع حداً لآلامي !…
ولكن روحي الجبارة كانت تنتصر على هذا الضعف رحمة بساعة ( الانتقام ) المرعبة كي لا تضيع وتتبدَّد …
ان صرخات اعدائي الأجلاف ومن يمدون اليهم بصلة كانت تدوي في أذني وكأنها ضربات المطارق المجلجلة . انه صراخ فرحهم الوحشي في تلك الخلوات والحفلات على ما اوقعوه بي من نكبات متصلات الحلقات …
ولكنني … كنت اهزأ بغبطتهم السرابية وأتهكم على آمالهم الخيالية الترابية . واسخر بأحلامهم الوهمية الزرية .
تلك الآمال التي فتنتهم . والاحلام التي خدعتهم … وبالحبالة أوقعتهم فقد ظنوا انهم قد انتصروا وان انتصارهم كان حاسماً.
وما درت شرذمة الصعاليك . وبعثة المفاليك أنني لهم بالمرصاد . وانني احصي عليهم كل كبيرة وصغيرة ، واحاسبهم على همساتهم مهما دقت . لان جرائمهم الزرية ستقودهم الى حتفهم بظلفهم …
نعم ستأتي ساعة الحساب يا عام الشؤم . وسيكون الاقتصاص مروعاً وعادلاً.
ان صراخ الهول يكاد يطرق آذاني ويردمها.
صراخ معشر الثعالب المكرة . هؤلاء الذين قهقهوا قهقهة السعالي في ظلمات الليالي … غير عالمين ما تبيته لهم الايام في طياتها وثناياها من شرور وأفدح الامور.
فلو تكشفت لهم الحقيقة . واعطي لهم معرفة الغيب .. لصعقوا من الرعب والجزع . والهول والهلع ، ولانطلقت ارواحهم الى اسحق الدركات المخيفة…
إيه يا عام الشؤم ! بل يا عام العار والعاب .
بل يا عام الثعالب ويا امكر من غراب ويا افتك من الذئاب .
انني ألعنك في سري وعلني . العنك في يقظتي ورقادي .. ألعنك في كل صباح وعشية . ألعنك عند الفجر وبعد الغسق .
ألعنك في ساعة احلامي . ألعنك حتى ساعة انتقامي.
واستمطر عليك شآبيب الغضب الالهي المبيد . واضرع الى العزة الالهية العادلة ، ان تمحقك وتواريك . وتدع اسمك سُبَّة الدهر في جبين الأبد…
وخسئت يا شر الاعوام ، ولعنت ايها المثقل بآثام الايام .
ومحق القدير اسمك وعفى رسمك . وحذف ذكرك من قائمة الاعوام ، وألقاك مع طعمتك الآثمة في أسحق دركاته المبطنة بالخوف ، الزخارة بالهلع ، الفياضة بالاضطراب ، المائجة بأشد انواع العذاب . النائحة في الذهاب والاياب ، وابقاك معهم ايها العام سجناء الألم العميق الخالد . والنحيب اللانهائي والشقاء الابدي ، والعذاب السرمدي . من ابد الى ابد ، . ودهر الى دهر ، وازل الى ازل ، مدى الاحقاب والاعمار.
هذا الجزاء الرهيب القريب الذي سيدمر اعدائي ويزلزل أسسهم ويزرع الشقاء في ذريتهم ويجعلهم اضحوكة الاجيال وعبرة الآحال …
آه ما اعذب الجزاء الهائل المدمى على فؤادي المعنَّى …
۳۱-١٢ – ١٩٤٥ .
استقبال عام ١٩٤٦
ماذا تحمل لي يا عام ! في جعبتك المملوءة بالمفاجآت الجسام ؟ ? لقد اشرفت على عالمنا تتقدمك الامطار الغزيرة وهي تقدمك الى دنيانا ، فهل افهم من اكفهرار جوك ، وتلبد غيومك ، وقارس بردك ، وثورات زوابعك ، وانين هوائك ومائك…. أنك تعني بان أيامي في خلالك ستكون سلسلة من الشقاء والعذابات متَّصلة الحلقات ؟
لقد أخفتني يا عام في مطلعك . فهلا رحمتني ونصرتني قبل مصرعك ؟ …
ان زميلك الراحل المخيف ، سلط عليَّ بتَّاره الرهيف العنيف ، وطوقني بشراكه الجهنمية … فمكثت طوال أيام حكمه الجائر وانا اتخبط في شباكه اللعينة تخبط الليث المطعون بحربة قاطعة …
ان زميلك الصريع قد استنزف ما اختزنت مآقي من دموع فأجدب معينها ونضب ، فرحماك ايها الوليد الجديد .
واكفني مؤونة الأحداث الجسيمة الرهيبة ، وما تبيته لي من ويلات عظيمة مهيبة …
ان الألم المدمى قد شربت كأسه حتى ثمالتها ، فسكرت من رحيقه الجهنَّمي ، وتاهت اماني وتلاعبت أنامل الطيوف المرعبة في احلامي فمزقتها شر ممزق … فهلا رثوت الي يا عام؟ وانتشلتني من وهدة الحيرة والآلام ؟
يا رسول السماء وسفير الاقدار ،
انني أصدقك القول ، مؤكداً لك ان عزيمتي لم تصب بوهن بالرغم من نائبات العام الذي ثوى وفي اعمق اعماق الدركات نواری وانطوى ،
لك الله يا من هيمنت على عالمنا وسيطرت عليه بعد ان قضى القضاء العادل على عام الشر الفادح ،
لي فهلا سرت في ركابي وازرتني على قوات الشر التي تكاثفت مجتمعة في سبيل القضاء عليَّ قضاء ذريعاً .
هلا منحتني سيف نقمتك الخفي كي أقضي به على هذه القوات الدنيَّة ? هلا اغدقت عليَّ نعمة ثورتك الزاحفة كي أبتر بها رؤوس الأفاعي الشوهاء التي لا يطيب لها الا ان تنشر في طريقي سموم البؤس والشقاء . واليأس والبلاء .
ان عزيمتي يا عام لم تهِن . وان ارواح الجبابرة وثوراتهم تسري مع الدم في عروقي ، لهذا اقطع العهد امامك على نفسي واعداً اياك بان ( حربي المقدّسة ) لن تضع اوزارها ضد رسل ابليس اللعناء ولن اعيد سيفي الى غمده قبل ان ادعه يبطش بهم ويرتوي من دمائهم النجسة .
وبعد ان يصول ويجول في جثتهم المدنسة .
وثق ايها الضيف الحديث العهد بأنني بالرغم من تأكدي انك تحمل لي في حقيبتك الجبارة انواعاً رهيبة من التنكيل والعسف ، والطغيان والنّسف ، والجبروت والقصف.
وبالرغم من معرفتي ان الاهوال ستحيط بي في خلال ساعاتك.
وبالرغم من شعوري بان الألم سيعضني بأنيابه الافعوانية في خلال شهورك وبالرغم من انك ستمنح هؤلاء الأعداء الألداء بعض معونتك …
فانني أعلنك بان عودي لن يلتوي ولن ينحني وقناتي الصلبة الصلدة لن تلين ولن تنثني ! ولن تستطيع عواصفك الهوجاء ورياحك العوجاء اقتلاع بذور الايمان المغروسة في أعماق روحي التي تأبى الرضوخ لأتباع ابليس وزبانيته .
وانني اتنبأ لك ايها العام منذ الآن قائلا لك : انه مهما حدث لي في أثناء حكمك من امور رهيبة مخيفة ومهما جرفتني الأحداث بتياراتها العنيفة فانه ستأتي الساعة الاخيرة التي سينتصر فيها الحق على الباطل . وسيكون انتصاره حاسماً ، وسيكون انتصاره جازماً ، لأن الباطل كان زهوقاً ! … وما يجب ان يتم سيتم رضيت أم أبيت .
صباح الثلاثاء 1 كانون الثاني ١٩٤٦ داهش
