بشرية ضالَّة
أيَّتُها (الحقيقةُ) الضائعةُ في خِضَمِّ هذا الكونِ الحَرُون
نحنُ نخافكِ ونهابُك ولا نريدُ أن ندنُوَ منك
تسعينَ إلينا وتُناديننا كالأمِّ الحنونِ ونحن نُوغِلُ في البُعدِ عنكِ!
نعَم، أيتها الحقيقةُ الغرّاء، كم نفَرتْ نُفُوسُنا مِنْ مراكِ!
وكم أنكرَتْ أُممُ الأرضِ روائعَ مزاياكِ!
أنتِ تُريدين هدايتنا، ونحنُ في ضلالِنا عامِهُون!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
أقوال الصُّحف
الدكتور داهش والداهشيَّة
في الصَّحافة
- الحقيقة الكبرى
- الآنسة ماجدا حدّاد تنتحر
- مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
- مع زينا حداد في عالمها الأدبي
- الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
- الذكرى المئوية لولادة
- الرجل الذي أثار إهتمام الناس
- مذكّرات داهشيّة
- من مؤرّخ الرسالة الداهشية
- من هو الدكتور داهش
- الرسالة الداهشيّة ...
- المذهب الداهشي أسراره وتلاميذه
- المذهب الداهشي في لبنان
- الموت على طريقة داهش
- الوحيد في نيويورك
- أنا داهش أتحدّث اليكم
- عودة الدكتور داهش
- كيف عرفت الدكتور داهش؟
- كيف عرفت الدكتور داهش2
- لا كرامة لنبيّ في وطنه
- تعليق الاستاذ أنطوان اليوسف
- جورج شكور
- حديث طريف عن الداهشية
- «بُلبُل المنابر» يستردّ اعتباره في جامعة الأزهر
- وحسبُكِ في هذا النضال أن تكوني إميل زولا!
- أزمة كورونا في ضوء الفكر الداهشي
- داهش يفضح مظالم بشارة الخوري
- داهش.. وبشارة الخوري
- داهشيات
- دعوى خطيرة تقيمها ماري حدّاد
- حديث مع والدة الفتاة ماجدا حداد
- حق الرَّد
- حكاية سليم العشى مؤسس الداهشية
- حكاية سليم العشي الذي أدهش بغموضه بيروت
- داهش يعود قريبا الى لبنان
- سامح الجباس بين الواقع والخيال
- شخص غامض بقدرات خارقة للطبيعة
- العلايلي و لقمان
- نام داخل صندوق حديدي في قعر نهر
- دار العين تطلق رواية «رابطة كارهى سليم العشي»
- داهش بين القلم والألم
- سليم العشى المعروف بـ داهش يحوّل الورق
- " رابطة كارهي سليم العشي" يشارك بمعرض الكتاب الدولي
- بين الدهشة ونداءات التنوير
- استغرقت 43 شهرًا لتحضير «رابطة كارهي سليم العشي»
- سامح الجباس يناقش ويوقع رواية
- Back To كتاباتٍ ذات صِلة
بين الحقيقة والاِّتهام
الدكتور داهش والداهشيَّة في الصَّحافة
في قضيّة الداهشيّين ضدّ رجال العهد اللبناني البائد
كتاب مفتوح
من الأديبة المعروفة ماري حدّاد
مجلّة ( العالم العربي ) ، العدد التاسع ( 69) أول مارس 1953
بيروت – لمراسل ” العالم العربي ” :
لا تزال هناك بقية لقصة الاضطهادات التي انصبّت على الداهشيين في لبنان ، ولا يزال اهتمام الرأي العام في أنحاء البلاد العربيّة يتزايد بها منذ أفسحت ( العالم العربي ) صدرها لنشر القضية التي رفعتها الأديبة المعروفة السيدة ماري حدّاد .
وكانت جريدة ” لو جور ” الفرنسية قد نشرت مقالا بتوقيع ميشال شيحا – شقيق السيدة ماري – استهلّه بقوله : ” انّ البهيمية حين تعتدي على الروح تصبح الحياة لا قيمة لها ولا مغزى …” فعلّقت السيدة على مقال شقيقها متسائلة بقوَّة :
هل لا ينطبق قولك هذا على ما فعلته أنت في قضية الدكتور داهش فان اعتداءك يا أخي عليه هو اعتداء على المعاني الروحية التي ترمز اليها مبادؤه ، وقد لمس ذلك آلاف الناس في لبنان …
انك ورئيس الجمهورية السابق ( بشارة الخوري ) قد خشيتم هذا الرجل حين رأيتم نفوذه الأدبي القوي يزداد في نفوس الناس يوما بعد آخر …
انكم خشيتم أن يفضح استغلالكم للنفوذ في العهد الماضي ..
خشيتم أن يكتشف مؤامرتكم التجارية لمصالحكم الخاصة على حساب الوطن . فرأيناكم تجمعون قواكم ضده ، وعملت على بذر بذور التعصب والكراهية في الميادين التي نشط فيها لخدمة المواطنين …وكنتم بذلك مدفوعين بالأحقاد الشخصية ، والقيم المعنوية ، والفضائل جميعا …
ولقد استعان أعداء هذا الرجل معكم ، وعلى رأسهم السيد ” ألفرد نقاش ” فنشرتم الأكاذيب حوله وعملتم على النيل منه ، وتآمرتم على اخراجه من البلاد …
ولكن السيد نقّاش ، وكان رئيس الجمهورية في ذاك العهد ، أثبت لكم أن التحقيقات التي أجريت معه ، أوضحت أنه بريء براءة الذئب من دم ” ابن يعقوب ” ، ورفض أن يحقق لكم مطالبكم ، وأبى أن يشارككم في العدوان على حريات المواطنين !
ولما باءت تلك المساعي بالفشل الذريع استعنتم بأصدقاء من الفرنسيين في ذاك العهد – ولا ينكر أحد ما كان لهم من نفوذ – وطلبتم بهذه الوسيلة الى ادارة الأمن العام اللبناني اخراجه من البلاد ، ولكن هذه المحاولة لم تفلح أيضا ، لنفس السبب . وبالرغم من ذلك جميعا ظللتم على ملاحقتكم للدكتور داهش ، وتهديده بالأذى والشر …
وواتتك الفرصة ، حين استفدت من نفوذ صهرك رئيس الجمهورية السابق …ولكن القانون كان يقف بالمرصاد لحماية المظلومين …ولكن الاعتداءات تكرّرت ، والظلم توالى ، والاضطهاد تتابع ، استنادا الى هذه القوة الغاشمة !
اتهمتموه في سنوات الحرب بالجاسوسيّة …ونزعتم عنه الجنسيّة اللبنانية …وهذا أحاط به الخطر من كل ناحية ، ونكّلتم به تنيكلا ، وهو الرجل البريء والمواطن الصالح …
وأخذتم تلاحقونه بالدعايات السيئة ضده ، فأصدرتم الكتب والنشرات في مهاجمته بقسوة …ولكنني انبريت للدفاع عنه لايماني بأني أدافع عن الحق والحرية …
يا للسخرية ! انك تعقد المقالات في جريدة ” لو جور ” الفرنسية ، الجريدة التي تصدرها لتعظ الناس من فوق منبرها ، فما أبعد الشقة بين القول والعمل ، وبين التمني والحقيقة ، والنصوص والتنفيذ !
هل تستطيع وأنت تهاجمني –وأنا شقيقتك – أن تبرّر موقفك الظالم من قضية الدكتور داهش ؟! وكيف تستطيع أن تعتذر عن ظلمك لرجل صالح ، ساهمت في طرده من وطنه وجرّدته من كل سلاح !
قايين …قايين ! ماذا صنعت بأخيك ؟! يا ما أرهب الذكريات !
لقد أدخلتموني مستشفى المجانين …مستشفى العصفورية …انّ بعض هؤلاء الناس ينظمون صنع الجرائم ببراعة شيطانية ، يحسنون ابرازها في صورة الحقيقة …والحقيقة منها براء !
انك يا أخي تتكلم عن غاندي …وتسمعنا بعض الأقوال الرنانة البراقة ، فهل لنا أن نطمع بأن نراك تحاول أن تستهدي في أعمالك تعاليم هذا الرجل العظيم الذي يعتبر من رسل المحبة والسلام في العالم ، والذي حضّ على البعد عن كل عنف …
انني لا أبرئك من مسؤولية انتحار ابنتي ” ماجدة ” بسبب المظالم التي اقترفت ت…انها انتحرت احتجاجا على مذابح الأخلاق الكريمة ، والمثل العليا …ومن له أذنان للسمع فليسمع!
انّ التاريخ قد أعاد نفسه …وهذا الانقلاب الذي حدث في لبنان ضدّ الفساد وضدّ الطغيان…قد أثبت أن ” دريفوس ” الذي دافع عنه ” اميل زولا ” وأثبت براءته من الاتهام ..قد ظهر بصورة أخرى في شخص الدكتور داهش الذي ندافع عنه اليوم .
( ماري حدّاد )
الآنسة ماجدا حدّاد تنتحر
لأنّ داهش منعها من إغتيال رئيس الجمهوريّة قالت جريدة ” العهد ” بتاريخ 30 كانون الثاني 1945 :
في بيروت عائلة وجيهة معروفة بالنبل والأخلاق الكريمة , عميدها السيّد جورج إبراهيم حدّاد وزوجته السيّدة ماري حدّاد المصوّرة الفنّانة المشهورة , وهي إبنة المرحوم أنطوان شيحا وشقيقة الوجيه ميشال شيحا .
وقد أصيبت هذه العائلة بفاجعة مروّعة يوم السبت الفائت الواقع في 27 كانون الثاني 1945 نسرد حوادثها وأسبابها نقلاً عن أحد أصدقاء هذه العائلة , قال :
تعرّفت عائلة حدّاد بالدكتور داهش منذ سنتين ونيّف , وتأصّلت بينهما صلة المودّة . وحبّذت هذه العائلة أفكار الدكتور داهش الإجتماعيّة والدينيّة . ولم يرق ذلك في نظر بعض أقرباء هذه العائلة , فأخذوا يضطهدون الدكتور لإبعاده عن عائلة الحدّاد نهائيّاً . وأخيراً جرّد من جنسيّته اللبنانيّة وسجن ونفي كما يعلم ذلك الجميع .
ولمّا كان آل حدّاد يعتبرون أنّ هذا الحيف وقع بسببهم , رأوا من واجبهم الإحتجاج الصارخ والسعي المتواصل لرفع الحيف عن الدكتور داهش .
ولمّا رأت الآنسة ماجدا أن جميع المحاولات قد فشلت , فكّرت أن تنتصف للرجل المظلوم , وأخذت تدبّر العدّة للوصول الى غايتها , وتغتال الشيخ بشارة الذي ظلمه .
غير أنّ الدكتور داهش الذي كان في حلب عرف بهذا المسعى فردعها بتحرير عن ذلك وطلب إليها أن تستسلم لإرادة اللّه القدير , وأن تترك له وحده أمر الإهتمام بقضيّته .
وفي السابع والعشرين من هذا الشهر إتّجهت زينا , شقيقة الفقيدة , الى غرفة النوم التي تعوّدت ماجدا أن تختلي فيها لنفسها , فوجدت الباب مقفلاً من الداخل . فقرعته أولاً وثانياً , فلم يجبها أحد , فارتابت في الأمر . وقرعت بعنف ثمّ ضغطت على الباب بشدّة وإذا به ينفتح … ويا لهول ما شاهدت ! … أختها الحبيبة ماجدا ممدّدة على سريرها , والى يمينها مسدّس , والدماء تطوّق عنقها , وهي راقدة رقادها الأبديّ ساخرة من هذه الحياة القاسية .
وفي صباح الأحد الفائت ( أمس ) شيّع جثمانها حسب الطريقة الداهشيّة التي تعتنقها الفقيدة وعائلتها . ودفنت في مدفن خاص في جونية , دون أن يسمحوا لرجال الدين بمرافقة الجثمان أو الإقتراب حيث المدفن .
مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
جريدة اللواء الصادرة بتاريخ 31 كانون الثاني 1945 لصاحبها الأستاذ ابراهيم سليم النجار. تحت عنوان:
مجدا حداد تنتحر لأجل إبعاد داهش
وجدت الآنسة ماجده جورج ابراهيم حداد منتحرة برصاصة في صدغها في منزل والدها بعد ظهر السبت الماضي 27 كانون الثاني 1945.
و قد أثبت التحقيق الطبي و القضائي الذي قام به الدكتور الياس حلو و المستنطق أن الفتاة كانت من اتباع الدكتور داهش مؤسس الداهشية و معتنقة ديانته و قد عز على الفتاة ابعاد داهش إلى خارج الحدود و تجريده من جنسيته اللبنانية لسبب إيمانها مع والديها به فتوعدت وتهددت ذويها الذين كانوا السبب في الابعاد. و بقيت على تلك الحالة إلى أن قطعت الأمل من عودته إلى لبنان. و بينما كانت تطلع رسالة وردتها من داهش يشجعها فيها على الصبر و الثبات و عدم الانتقام ممن انتوت الانتقام منهم أظلمت الدنيا في عينيها فافرغت رصاص مسدسها في صدغها و قضت لساعتها مأسوفاً على صباها و علمها و رقيها. و المعروف أن الزميل الأستاذ ميشال شيحا صاحب جريدة ( له جور) هو خالها. أما خالتها فهي لور عقيلة صاحب الفخامة. رحم الله الفقيدة و عزى ذويها.
نقل الجثة إلى جونيه.
و قد نقلت الفتاة إلى جونيه حيث صلي على جثمانها بحضور السادة الدكتور خبصا الداهشي و الطبيب المشهور بالأمراض الجلدية.و الطبيب الدكتور فريد أبو سلمان الداهشي. و الأستاذ إدوار نون الداهشي و هو محام مشهور و صديق اصحاب الحكم. و الأستاذ الشاعر حليم دموس الداهشي.
و قد دفنت الفقيدة في مدفن عائلة خبصا و قد تأكد لنا أن والدي الفقيدة و شقيقتيها أي العائلة بأكملها و جميعهم من أتباع داهش لم يسمحوا للكهنة بالسير مع الجثة أو تلاوة صلواتهم الجنائزية عليها لأن عقيدتهم الجديدة تمنع رجال الكهنوت لاقتراب من جثماني أي فقيد داهشي.
و هكذا نزع آل حداد عقيدتهم الكاثوليكية واعتنقوا الديانة الداهشية.
العمدة
مع زينا حداد في عالمها الأدبي الحافل بالرؤى الفردوسية
الديار
19/7/2011
مع زينا حداد في عالمها الأدبي الحافل بالرؤى الفردوسية
Tuesday, July 19, 2011 – 12:40 AM
زينا حداد كاتبة لبنانية وضعت مؤلفاتها الادبية باللغة الفرنسية. ولدت في بيروت، بتاريخ 22 شباط 1922 لوالدين هما التاجر جورج حداد، والاديبة والفنانة المبدعة ماري حداد التي يضم متحف داهش للفن في نيويورك معظم اعمالها الفنية. وزينا هي الاصغر بين اخوات ثلاث حصلت دروسها الابتدائية في مدرسة راهبات الناصرة في بيروت، ثم انتسبت الى المدرسة الاميركية في المدينة نفسها من اجل تعلم اللغة الانكليزية.
في 29 اب 1942 تعرفت مع عائلتها الى الاديب والمفكر الكبير، الدكتور داهش فاتيح لهم ان يشهدوا المعجزات المذهلة التي كانت تحدث على يديه ويتحققوا من صحتها وسمو اهدافها، وان يطلعوا على دأبه الرفيع وتعاليمه السامية، الامر الذي دفعهم الى اعتناق دعوته الروحية التي عرفت بالداهشية، والتي اعلنت في بيروت بتاريخ 23 اذار1942، ونادت بضرورة العودة الى الايمان الصحيح بالله، وبانبيائه جميعا، وبوحدة رسالاتهم الالهية، ووحدة الاسرة البشرية وقدمت للانسانية حقائق روحية بالغة الشأن. وقد تبدلت حياة زينا وعائلتها بفعل هذا الحدث الجلل، اذ رأوا في الدكتور داهش منبعا للمعرفة العلوية الثرة منها للثقافات المختلفة، وادركوا انه يحمل في يمينه حقيقة تريد ان تبعث نورا جديدا في الحياة فاقتفوا سبيله، واقتدوا بسيرته المثالية.
تشهد السيدة زينا للدكتور داهش بفضله في تشجيعها على ارتياد عالم الكتابة، وفي اغنائها بمعارفه التي تجوز حدود ما يعرف البشر بالرغم من ان ما كان يعلمه لم يكن ليعدو الدروس الاولى، على حد قولها، من مؤلفاتها: قصص زينا ورحلات نحو المجهول، «مرآة الفراديس» «فسيفساء» «اوراق ذابلة وبراعم»، و«قصة تقمّص.»… وقد اتسمت كتاباتها بنفحات روحية تنير دياميس الحياة ترفدها مخيلة مجنحة ترود رحبات عالمنا لتحلق من بعد، بسرعة الفكر، نحو النجوم البعيدة، وتحط الرحال في فراديسها الالهية العجيبة، ولا تعود منها الا وقد زينت الطروس بفيض من مشاهد جمالاتها الخالدة. هذا البعد الكوني في ادبها، يسعفه اسلوبها الشيق المطبوع ببساطة التعبير وصدق الكلمات وغرابة الوصف، قد جعل من ذلك الادب ادبا مميزا يشق سبيله بسهولة الى العقول والقلوب في آن.
الذين عرفوا زينا حداد، والذين عايشوها يشهدون بانها مثال للزهرة الحيية الارجة التي تحجب وجهها الجميل خشية ان تراها العيون، لكن عبق طيبها يبوح بسرها، ويجذب السابلة اليها لم تكن زينا، في نظرهم جميعا، الا صورة مجسدة عن البراءة والطهر والحب والخلق الكريم والادب الجم والتواضع، وسواها من الشيم الرفيعة التي قلما اجتمعت كلها في شخص فرد، رجلا كان ام امرأة، شيم توجها ايمان عظيم بالله ورسالاته، وخضوع مطلق لمشيئته، هكذا كانت مذ اينعت، وما زالت كذلك، لم تتبدل قط، ما خلا انها ازدادت سموا على سمو ورفعة على رفعة، بمرور الايام وحققت لنفسها مزيدا من الدرجات صعدا نحو هدفها الاسمى في الحياة ومن البديهي ان تتجلى صورتها المحببة تلك في ادبها. وهل الادب الا انعكاس لنفسية الاديب، وتسجيل حي لمشاعره وخلجاته، ولوحة تبرز ميوله ونزعاته وتطلعاته فنقرأ فيه دخيلته بكل ما يعتمل فيها من خير وشر، ونستجلي من خلاله افاق فكرة وما يصبو اليه من اهداف؟!
مع ان زينا ناهزت التسعين من العمر، فانها ما زالت حتى اليوم وفية لعهدها مع القلم، وما زال، هو ايضا، وفيا لعهده معها. اصابعها المعتلة بداء المفاصل ابت ان تسلوه او ان تتخلى عنه،وان كابت الالام في حمله، فكأنها لم تعد تقوى على فراقه. ومن يدري، فلعل ذلك القلم يود ان يبقى ملازما ملهمته في رحلتهاالابدية نحو شواطئ اللانهايات فالموت، في عقيدتها، ليس نهاية الحياة وانما نقطة عبور من حياة الى حياة اخرى جديدة. وفي منظورها انها وجدت منذ الازل، وما زالت وستبقى ماخرة عباب اوقيانوسات العوالم من دهر الى دهر، على حد تعبيرها في كتابها قصة تقمص، هذه القناعة رافقتها منذ فتوتها، وقد باحت بها يوم كانت بعد في عمر الزهور، وبالتحديد قبل اثنتين وستين عاما خلت، اذ قالت: عجوز دهرية انا، ولا بدء لي. عجوز انا، نفخ الله في الحياة منذ بدء الازمنة وبرء الاكوان. ومنذ ذلك الحين وانا اشيخ في الترحال، اكدس الاعوام واجوب العوالم. وتنقضي الحياة سواء في هذه الدنيا او في عالم اخر فيربو عدد ولاداتي او عدد اعوامي. عجوز انا، وغضوني تكبر وتعمق. وما عام على الارض في عيني سوى جزء من ثانية في عالم اخر. ومع ذلك، فانا احسه طويلا، وثقله يتعاظم على كاهلي. عجوز انا او هنتني الاعوام!..
بيد ان هذه العجوز الدهرية، على خلاف سائر العجائز قد بقيت العمركله محتفظة بوجه وقلب طفولتين. كما انها احتفظت ببصيرة حادة قادرة على النفاذ الى جوهر الاشياء والامور، مهما صغرت ودقت او كبرت وتعاظمت، دون التوقف عند مظاهرها. حتى باتت ترى كل ما من حولها يضج بالحياة، ويؤدي دوره في سمفونية الكون الخالدة، في قصتها حبة الرمل التي ضمها كتابها قصص زينا او رحلات نحو المجهول، تتخيل ان تلك الحبة الصغيرة قد تكون له شمس مضطرمة تنيره… ثم تتساءل قائلة: اوليست الارض نفسها، في نظر الله، حبة رمل من بين حبات مثيلات لها لا حصر لهن في ملكوته؟ ترى، اي سر في ذلك؟! انني اعفر جبيني امام هذه القوة الالهية… ان ذلك الا سر من اسرار السرمدي.
حتى البرغوت، ذلك الكائن المزدري به من كافة البشر، تراه زينا من منظور مختلف عن منظورهم، فهو حسبما جاء في كتابها قصة تقمص كائن معاقب على اثام اتاها بارادته في ادوار سابقة ويخضع لنظام الارتقاء والسقوط الروحي كسائر الكائنات، ومن عجيب ما ذكرته عنه في قصتها انه قد رفع صلاة حارة الى خالقه، غب موته، وقبل مثوله امام سدة القضاء العلوي، معترفا امامه باثامه، مستغفرا اياه قائلا: من انا، يا رب؟ اكاد لا ارى، لقد عاقبتني ايها السرمدي اللامتناهي الذي تسبح السماوات كافة بمجده الابدي… عفوك، اللهم، عفوك لقد اتيت اثما جبت جميع درجات الناسوت. عرفت الشدائد العظيمة في مراحل كثيرة من حياتي… اليك ارجع الان، رباه، برغوثا… والحق ان هذه الصلاة الخشوعية هي مصداق لقول الله تعالى في قرآنه الكريم: «الم تر ان الله يسجد له من في السموات والارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب» (الحج: 18).
في قناعات زينا الفكرية ان كل ما في الطبيعة يتناجى ويعي ويفرح ويحزن ويصلي ويعاني التجارب ويأتي الخير او الشر ويرتقي او يسقط، كل بنسبة النظام الالهي الخاص بنوعه. ولذلك كانت زينا تحاول ان تتسقط همسات تلك الطبيعة، بطيورها وفراشها واحجارها وانهارها وسائر مكوناتها، ناقلة احاسيسها ازاءها الى الطروس، بكل صدق وبساطة. كما كانت تنظر بعين روحها الى الكواكب والنجوم وعوالمها السعيدة، تستلهم منها الرؤى الفردوسية عما فيها من جمالات فائقة الوصف، وبهجات لا تفنى، فتبادر على الفور الى تدوينها لتجمع لاحقا في كتابها مرآة الفراديس. وقد اخترت من فيض خيالها وقلمها قبسات من رؤياها الجميلة عن ادم وحواء في الفردوس المفقود، والتي ضمها كتابها قصة تقمص واصفة فيها جمال آدم وحواء اللامثيل له، وموضحة حقيقة السقوط والفداء. فذلك الفردوس كما جاء في رؤياها، كانت تنيره مجرة متألقة متعددة الالوان. وتحت رعاية العلي تتجاوز الكواكب وتتبادل البسمات وتتنزه حواء في ذلك الفردوس الساحر وهي تشع جمالا. وجهها ذو شقرة على استدارة. عيناها بلورتان متبدلتا الالوان تعكسان، على التوالي الوان جميع النجوم. جبهتها عريضة، ومحياها سماوي. شعرها الاشقر الطويل هالة حول رأسها. وجسمها الاهيف. كجسم ظبية، مرمر شفاف، وهوذا آدم جالس يستريح في ظل شجرة، وقد اسند ظهره الى جذعها. جميل كادونيس. رب هذا الفردوس هو رأسه مكلل باللوتس. شعره ابنوسي متموج. حاجباه رائعا الزج. مثل قوسين عيناه سوداوان كشعره، اهدافه كثيفة طويلة اما جبهته وانفه وفمه وذقنه فقد صورت تصويرا دقيقا…
ويطرد ملاك ادم وحواء من جنة عدن، ادم المسؤول عن الخطيئة الاصلية يورثها الاجيال الجديدة… ومنذ ذلك الحين وادم الذي يحمل وزر سقوط البشرية يسعى الى افتداء العالم…
لا اظنني قد وفيت زينا حداد وادبها حقهما من التعريف والاضاءة في هذه العجالة فما قدمته من كتاب حياتها لا يعدو كونه صفحة منه، وما قدمته من ادبها ليس الا باقة صغيرة من ازاهيره، فانا ما زلت عند مدخل عالمها الادبي، ولم اخص بعد في رحباته العابقة بعطر الهداية ونفحات الروح العلوي الخالد.
ماجد مهدي
الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
الديار
الى الدكتور داهش في ذكرى مولده
Saturday, June 11, 2011 – 10:37 PM
أيها الغريب الاتي من مطالع الشموس الابدية والنجوم البعيدة، ما الذي جاء بك الينا في مثل هذا اليوم الاول من حزيران، بعد ان طال غيابك عن دنيانا؟! هل تُرى شاقك السير في الدروب التي شرّفتها في سالف الزمن بوطء قدميك، ام شدك الحنين الى الأزاهير التي غرستها بيمينك وسقيتها من معين قلبك وحدبت عليها برموش عينيك، ام هاجتك ذكريات الأيام التي تركتها خلف مساحب خطاك محملة بأفراحك وأتراحك، ومضمخة بدموعك وضحكاتك، ام أغضبتك ظلمات عالمنا ومظالمه وقد غطت الآفاق وحجبت الفضاء والأعماق بعد رحيلك، فآثرت العودة اليه، مرة أخرى، من اجل انقاذه؟!..
ما أحيلاك، أيها الغريب، وأنت تهبط من مركتبك النورية. وجهك البهي الطافح بالبشر يضيء من جديد وحشة ليالينا، وبسمتك الالهية المفعمة بالحب الخالص تشيع الأمل العظيم في قلوبنا، ويدك الجبارة صانعة المعجزات تحيي الايمان في اعطافنا،و ترفعنا من الهوة، وتأخذ بأيدينا في الطريق الى حيث مقامك العلوي!
على دروب القدس، مدينة الأنبياء، وبين أزقتها اليقظة وفوق رباها وفي بساتينها، سرت خطواتك الأولى، تماما كما سار من قبلك المعلم والثائر الاعظم، سيد الحب والفداء، السيد المسيح! من هناك، وقبل ان تتفتح ورود الصبا على خديك، بدأتَ مسيرتك الخالدة، تتقدمك المعجزات التي أودعتها يد الله العلي أمانة في عنقك، وتواكبك شمس العالم الآخر التي كللت بها هامتك لتكون ينبوع معارفك العلوية وعنوان مجدك وفخارك! لم تضنّ على أحد، كائناً من كان، برؤية ظاهراتك الروحية الخارقة التي منحتك اياها القدرة الجبارة العليمة، والتي أعجزت الدنيا وبهرت الأبصار وأذهلت العقول! ولم تمنع أحداً قط من ولوج حدائق فكرك المزهرة بالحقائق الالهية الخالدة، والعابقة بشذا السماوات البعيدة! لم توصد بابك في وجه اي طارق له، وإن يكن عابر سبيل، ولم تردّ طلباً لكل من جاءك سائلاً، مؤملاً بك. كما لم توصد باب قلبك الفائق الرأفة والعطف، والمجبول بنور الرحمة الالهية، في وجه اي تواق للعبور الى رحباته وللعيش في حماه. وكانت يدك المباركة مثالاً للعطاء الأسمى الذي لا يعرف الحدود، تنثر نور الإيمان في كل مكان، وتكتب أسفار الهداية الخالصة لجيلنا، وللآتي من الأجيال، وتشد على كل يد تريد خيراً بالانسانية وتسعى لتحقيق وحدتها وسعادتها وارتقائها.
وكما في فلسطين، كنت كذلك في لبنان الذي كُتب عليك ان تنتمي اليه. فلقد ألقيت بذارك العلوي في كل تربة مررت بها هنا او هناك، مانحاً إياها كل عنايتك. فأينع من تلك البذور ما أينع، وأزهر منها ما أزهر، لكن كثيراً منها داسته الأقدام، او حاصرته الأشواك، أو أكلته طيور السماء، على نحو ما جاء في مثل سيد المجد. فأحزنتك ندرة الجنى، وضياع المجهود، وآلمك يُبوس بعض التربة وارفضاضها عن جواهرك الثمينة بعد تقبّلها، مرتكبة معك أبشع ضروب الغدر والخيانة. لكن كل ذلك لم يثنك عن المضي قدماً في مسيرتك، وعن الاستمرار في حمل شعلتك. وكانت ارض مصر محط احلامك ومهوى آمالك، فارتحلت اليها، وأظهرت فيها معجزاتك العجيبة على رؤوس الأشهاد، من اجل مجد الله، ولرد التائهين عن درب الله اليه. هناك، في تلك المدينة التي احتضنت الطفل المقدس يسوع تحت جناحيها في اثناء محنته، والتي كنتَ تعدها «مهبط الفراعنة العظام»، و«ينبوع الرقي والحضارة، ومعدنه المتألق»، تبرعم بيانك، وتفتحت أولى أزاهيره، وتبسمت أكمامها لشمس الحياة. وفوق تربتها الضاربة في جذور الزمن، الهاجعة فوق بحر من أسرار دفينة، فاض قلـمك، أول ما فاض، شاعرية وحباً وجمالاً وسحراً ومُثلاً، ومعرفة عميقة بالحياة والمجهول وطوايا الأبد وخفاياه، وحكمة فريدة لم تتأتّ من قبل لشاب في مثل عمرك أتم للتو سنواته الإحدى والعشرين. ولقد ضاقت الصفحات على رحابتها أمام فيض قلمك، واستحالت دكنة المداد المنسكب منه نوراً، لفرط سموّ فكرك، وتقاطرت الكلمات درراً نضيرة تبهر النواظر وتأسر الأفكار والألباب بسحر جمالها المبدع.
ومن مصر العزيزة عليك، الأثيرة لديك، ناداك أرز لبنان للعودة اليه وقد رأى روح أشعيا النبي قادمة للقاء العروس الالهية التي حان موعد زفّها اليك، تلك العروس التي تجلت لناظريه قبل مئات السنين، فأنشدها قائلاً «هلمي معي من لبنان، يا عروس، معي من لبنان»، والتي وصفها بأنها «جنة مغلقة، وينبوع جنات، وبئر مياه حية، وانهار من لبنان…» ولبيت النداء، وعدت الى لبنان، فكان لك مجد عروسك. بعدها أطلقت صرختك الروحية الداوية التي ما فتئت اصداؤها تتردد في البرية منذ سبعين عاماً، وحتى اليوم، على الرغم من عنت الظلاميين الظالمين، ابناء الهاوية ووقودها المستعر، الذين ناصبوك العداء، واضطهدوك، فعصفتَ بهم الى يوم يُبعثون… وطرق صوتك مسمعي وأنا في السابعة عشرة من عمري، فأحببته، وسعدت به، على انني لم اشعر قط بأنه غريب عني. وحين اكتحلت عيناي بمرآك للمرة الاولى، ازداد يقيني بأن معرفتي بك ومعرفتك بي ليستا وليدة الساعة، وإنما تعودان الى قرون وأجيال بعيدة. ولقد أحببتك من النظرة الاولى، وكان لي من رؤية معجزاتك الجبارة نصيب كبير، ومن معرفتك السامية ما لا يقاس بكنوز الدنيا قاطبة.
أيها الغريب الحبيب، أنت لست غريباً الا ههنا، في دنيا ضلت عن نور الله وأنبيائه، وانزلقت الى دركات الأكاذيب السفلية التي تعود عليها بالويلات الرهيبة، وتحكمت فيها الطائفية والمذهبية التي تكاد تقضي على القيم الروحية والانسانية، وسادت ارجاءها الظلمات والمظالم الشنعاء التي لم تُبق للأخوة مكاناً بين أبناء الحياة. لكنك، على الرغم من غربتك، دخلت قلوب الكثيرين ممن لم يزل في قلوبهم نور، وفي فكرهم نور، ويتزينون بالإيمان، ويسيرون في هدي العدالة، ويتعاملون فيما بينهم بالرحمة، على أنك دائماً وأبداً مقيم في قلوب سكان العوالم المضيئة الذين لا يُحصون، والذين يعرفونك حق المعرفة، ويقدرونك حق قدرك! لقد أتيت عالمنا غريباً، لكن كنت لنا هادياً وفادياً وحبيباً، وكنت خير معلم.
ماجد مهدي
الذكرى المئوية لولادة -الدكتور داهش
| ||
2010-07-29 | ||
تعرفت على دكتور داهش :
لم اكن اعرف يوما باني سوف اكتب كلمات امتنان وشكر لشخص لم اكن اعرفه يوما ولم التقي به مطلقا . فقط اطلاعي على كتابه، الذي كان له التأثير الكبير،عليّ، في تبني فكرة السفرالى الخارج انه كتاب الدكتور داهش ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية” والذي لم تجمعني بذلك الكاتب او المفكر سوى الفكرة نفسها، والسبب يعود لعدم وجود مادة “داهش” نفسها في الاطار الاعلامي والادبي والفكري لان تغيب الفكر كان هو الأساس،وعدم إتاحة المجال الواسع أمام اكبر شريحة في المجتمع، وحرمانها من الاطلاع على “الداهشية” والتعرف عليها .
كتاب مميز لفتى صغير :
القدر أبا إلا أن يعدني فجاءة الى ذاكرة قديمة جداً لأتذكر كتاب الدكتور” داهش” الذي قراءته في طفولتي ونعومة أظافري الفكرية،الذي لم أتذكر منه سوى انه تم قتله بطريقة غامضة،”كما كتبت الكاتبة العراقية لمياء نعمان في جريدة الصباح البغدادية :بأن الروح هي من اخطر الحقائق التي كشفت عنها الأديان والكتابات القديمة والعلوم الإنسانية والعلمية والبحثية وهي لاتخلو من الإشارات المتباينة المألوفة وغير المألوفة…
فأن عرض المعجزة الإلهية المتعددة لإنسان يؤمن بالله والإنسانية . صدفة القدر التي جمعني بمدير تحرير مجلة الحقائق اللبنانية في مكتبه في بيروت ، وبسرعة مدهشة لفت انتباهي اثناء تصفحي السريع لصفحات المجلة لموضوع عن” الداهشية” والدكتور”داهش “تبسمت بطريقة مختلفة كأني أتسأل في نفسي ليس وحدي الذي قراءة كتاب الدكتور داهش. فكان سؤالي للأستاذ علي مهدي الذي طرحته عليه، انتم تكتبون أيضا عن الدكتور”دهش” كان رده البسيط ، بنعم وماذا تعرف أنت عنه، حولت الإجابة سريعاً، على سؤاله ، في محاولة سريعة ، مني لعصر ذاكرتي، وما تبقى فيها من قراءة الكتاب ، فلم استطيع سوى قول الحقيقة التي روضتني سنوات طويلة واليوم اعبر عنها علنا، بقولي البسيط إن. للدكتور”دهش”دين قديم في ذمتي ، له الفضل عليّ في زرع فكرة السفر والتعرف على العالم الأخر. لم اعرفه سابقا،ولم تتيح لي الفرصة اكثر للاطلاع على أفكاره وتعاليمه و تراثه ومعجزاته. لان تعاليم الدكتور داهش الانسانية الذي اجهلها ويجهلها الآخرين أيضا . دهشت ليس من”دهش”وإنما من العظماء الذين يكتبون ويعيدون أحيا، ارثا ثقافيا قيما من تريخنا الانساني والثقافي والديني[1]. اعجبت لطبيعة الفكرة المتدولة كمادة يعمل على تشريحها علمياً من اجل إيصالها إلى شريحة واسع في مجتمعنا العربي المغلق على أفكاره ، حرمت هذه الشريحة سابقا من الاطلاع على تلك الأفكار ، بسبب الظلم الذي أصاب صاحب هذه الأفكار والمعجزات التي قام بها في تلك الفترة . وبسبب التغيب ألقصري، لهذه الآراء من المناهج الدراسية والدراسات المعمقة في كتب أو في الأبحاث الأكاديمية للطلاب أو المختصين من خلال كتب تاريخية توثيقية تتناول هؤلاء الأشخاص العظماء أمثال الدكتور “داهش” وغيره من أصحاب الفكر والاجتهاد العلمي والديني،لكي تصبح هذه المعلومات ذات قيمة للأجيال القادمة وللمكتبات العربية . ففي ابتسامتي وجدت من يسوق لأفكار سابقة كادت تنسى وتمحو بالقوة من تاريخنا ومخيلتنا. الاستغراب ليس من المقال لان المقالة،هي مادة جديدة و جيدة وقيمة. ولكن السبب الاساسي لم أرى أغنى من موضع الدكتور “داهش” وتفعيله كمادة للنقاش والبحث العلمي الذي لم تأخذ حقها والإطلاع عليها من قبل القراء. لان القارئ هو الحكم النهائي، في إعطاء حكمه النهائي على “الداهشية” من الناحية الاجابية او السلبية، ولا السياسين، وليس الرقيب والمقص. فالتأثير الايجابي للإعمال العلمية ،يمكن أن تترك صداها بين طبقات المجتمع كافة . لجهة تبنيها أو عدم تبنيها لهذه الأفكار والطروحات .
من هو دكتور داهش :
الاسم الحقيقي لداهش هو سليم العشتي لبناني “مسيحي بروتستاني” ولد في القدس 1 حزيران 1909 وتوفي عام 1980 في منزله ببيروت،غزت الظاهرة الداهشية المجتمع اللبناني منذ عام 1942 وصار للدكتور داهش إتباع من مختلف الطوائف وكتب العديد من الصحفيين والمهتمين بحالته المميزة عن ما يحصل في جلساته الروحية التي يحضرها الكثيرون والتي تبدأ عادة بعد رسم نجمة خماسية على ورقة وتكتب أحرف نحت كلمة جذبوها وتكتب أيضا بحق الله والنبي الحبيب الهادي يسمح لي بجلسة روحية أو بطلب بعض لتنفذ وتحرق تلك الورقة.
التاريخ شاهد على الطغاة:
التاريخ العالمي هو الشاهد الحي والوحيد على كثير من هذه المجازر التي ارتكبت بحق ابناءه المظلومين ، هناك الكثيرين الذي تمت معاقبتهم نتيجة لأفكارهم المختلفة عن الطبقة الحاكمة الذي عجزوا على مواجهتهم وتم قتلهم فيما بعد ، دون ذنب لقد اضطهدوا وعذبوا هؤلاء العلماء ، وشوهت أفكارهم واضطهادهم حتى تمت براءتهم لاحقا ابتدأ من” يسوع الناصري النبي “الآرامي” و” العالم غليليو مرورا بالكاتب والفيلسوف “الروسي” بولغاكف، و”سليمان المرشد” السياسي السوري،وسليمان رشدي والدكتور”داهش” الأديب والمعجزة اللبناني .
لاول مرة على مدى ثلاثة عقود مرت لم يقع بين يدي جريدة فيها ، مقالة تتحدث عن الدكتور”داهش” ولم تسمع إذني صوت ينطق اسم “داهش” ، ولم ترى عيناي مطبوعة طبع فيها اسم الدكتور”داهش”سوى الكتاب الذي قراءته سابقا” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية “.
في بحث الأستاذ ماجد مهدي[2] الذي نشر في مجلة الحقائق على جزاءين، والذي يمكن القراء، الأجيال الصاعدة التواصل من جديد مع الأشياء القديمة والغير معروفة. فالجيل المثقف الذي يتمرد على كل شىء ويتحدى كل الممنوعات ويجتاز كل الحواجز والعقبات الاجتماعية والطائفية ، وكل شيء غائبا أو مغيب من مواضع الدكتور “دهش” . لأني لم اسمع قطعا في أوساطي تتحدث أو تستعرض هذا الموضع، وعندما سألني،”الأستاذ علي مهدي مدير تحرير مجلة الحقائق”. ما معرفتي بالدكتور داهش كان جوابي لا اعرفه شخصيا ، لكني اطلعت على كتابه الذي لايزال عالقا في ذاكرة الطفل ، والقابع في مكتبتي، متذكرا تلك الصورة التي طبعت في مخيلتي صورة “الدكتور داهش ” لانها كانت مرسومة رسما، وبالالوان الزيتية، كأننا في متحف الارميتاج الروسي في مدينة الثلاثة أسماء “سنات بترسبورغ ” [3] ،في جناح الرسم الكلاسكي الجميل. وبالرغم من محاولتي الدءوب لاسترجع ذاكرتي للعودة إلى مضمون الكتاب فلم استطيع بتلك السرعة لاني كنت بنوع من الدهشة. وكان كل شي استطيع ان اصفه هو فكرة المعرفة والسفر، التي تبلورت لدي وسببها الأساسي إلى ذلك الرجل الذي قراءة له كتاب، ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية “[4].
طفل يقرءا للدكتور داهش :
قصتي مع هذا الكتاب تعود إلى العام 1980. عندما كنت طفلا صفيرا، لا يحب الدراسة ولا المدرسة ، ودوما اهدد أهلي باني لا أريد متابعة المدرسة، وأريد الاقلاع عنها، واستبدلها بأي عمل أو صنعة ما تنفع في الحياة . عندها علم اخي الكبير هشام “مرضي الصبياني”، الذي كان مولعا بشراء الكتب القيمة والنادرة،و لكونه شغوف بالقراءة التي ورثني هذه المهنة ، فيما بعد . لقد عاد ذات يوم من إحدى معارض الكتب وبصحبته مجموعة من الكتب الجيدة ، وهو المدرك تماما ، باني لا اريد متابعة الدراسة. وانا صاحب المقولة الدائمة ،كل عام ،هذا العام الاخير ، نادني، قائلا … جئتك بكتاب جديد لتقراءه عله يفيدك. انت اليوم بالصف السابع، تستطيع الفهم والتميز. فالهدف عنده كان احدث تغير ثوري ونوعي وجدري في فهمي الصبياني. بالطبع استطع فعل ذلك ، فهذا التغير النوعي الذي أحدثه في داخلي من خلال كتاب الدكتور”داهش” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية، لم يكن يعرف هو بان للكتاب سوف يكون له قدرة هائلة من التأثير عليّ. هو الذي أحب أن اطلع عليه،لأنه أراد لي ارق وأعلى المراكز العلمية التي وصلت إليها اليوم،أخذت الكتاب ، بشكل استهزائي، اطلعت على كتاب “الدكتور داهش ” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” الذي زرع في داخلي فكرة السفر ،واصبحت الدراسة موضع هدف أساسي واهتمام خاص ، أنهيت دراستي العلمية، فكان التأثير على شخصي، وإنا الغير قادر على فهم قوة التأثير الايجابي التي تركها هذا الاطلاع وشخص الكاتب، ولم استطيع التحدث عن هذه الثورة التي عصفت في راسي، و مدى تأثيرها على مسيرة حياتي، لم يكن التغير سريعا بل تدرجيا ، لذلك لم يتاح لي التعبير الفعلي عن سبب هذه القوة والتأثير العجيب . ولم يتسنى لي مناقشة الفكرة مع احد ، حتى اخي الذي رحل مبكرا ، قبل النقاش معه في موضوع الكتاب وتأثير الدكتور” داهش” الايجابي . لان الجميع لم يعرفه أو يتعرف على أفكاره، أفكار “الدهاشية” ، وانأ لم اكن على ثقافة اوعلى اطلع جيد، و قدرة غير تامة على مناقشة أو المجاهرة العلنية في أفكار”داهش ” أو البحث عن أفكاره بسبب قدرة عقلي البسيط على الاستيعاب آنذاك بالرغم من كوني أتبنى الأفكار العلمانية المنفتحة على كل الاتجاهات .
أفكار الدكتور “داهش” الكثيرة والكبيرة التي يعجزج المراء العادي فهمها لانها افكار زهدية وربانية .هي التي كانت السبب بالسفر ،والصمود لفترة كبيرة في عالم الاغتراب ، هناك نمت في الغتراب لدي افكار التعرف على الحضارات ، والثقافات الجميلة المختلفة، والديانات السماوية المختلفة وعلى مذهبها الاجتهادية ، على القوميات وعلى اللغات المختلفة ،على الدول والشعوب المتنوعة في الإشكال والألوان والأعراق ،وعلى قراءة التاريخ القديم وحب المعرفة والاطلاع على الآثار والأعمال الانسانية الخالدة ، التي كلها سخرها الله لخدمة البشرية[5]. لقد كان شعار الذي تعلمته وترك اثأرا كبيرا في داخلي كثيرا : “ليس هناك من لغة او ديانة اوشعب اوثقافة غير جيدة ، ولكن هناك ثقافة للشخص هي الغير جيدة “[6]. هل هذا التأثير الايجابي على شخصي كان من أثار كتاب الدكتور” داهش”، و بدون وعي مباشر حملته وقراءته وبداء يتفاعل تدريجيا مع الوقت على مراحل .طبعا لا لان الدكتور ترك أثره الايجابي والباقي للفكر الانفتاحي الذي انضويت تحته.
نعم بكل فخر اقول بان الدكتور”داهش” ترك انطباع مميز في نفسي هو حب السفر والترحال ، والتنقيب عن الحرية التي لاتزال تمخرا في اعماقي .كما يقول الشاعر الفارسي عبد الرحمان الجامي يكتب في بيت من الشعر : من ذهولي لم افهم ما يقوله لي ذلك الملاك …. وعندما اغادر مجلسه سوف ادرك من الاخرين مضمون ما قاله [7]. لقد كان اخي الموجه ولكن الدكتور صقل هذا الانطباع الحضاري في شخصي . لجهة المعرفة والتعرف على الاخرين. لقد نمت في داخلي وفي عقلي ثقافة الوسط والانفتاح على كل شيء. لم اكن على معرفة سابقة بوجود مذهب اسمه” الداهشية ” او اتباع لهذا المذهب او التوجه نحوهم . لان ثقافتنا كانت ناقصة وغير كاملة لمعرفة الكثير عن فكر واراء شخص “الدكتورداهش”، لان أصحاب القوة والنفوذ وبقدرة إعلامهم ،استطاعوا أن يشوه صورة صاحب هذا الفكر بغض النظر إن كانوا مثقفون معه أو مختلفون معه ، لم تكن وقتها حرية كلمة أو فكر ولا صحافة حرة ولا تعبير،كما هو الحال اليوم . طبعا ان غياب وضعف منظمات المجتمع المدني حينها ، حالت دون القدرة على التعرف على فكره ومعجزاته التي سموها هرتقات وشعوذة “لقد صوبوا لي الزملاء الاعزاء الفكرة اثناء الجلسة التي لم اعرفها جيدا، وان هذه الصورة ليست صورة الدكتور ” داهش” وانما هي صورة الحكومة واجهزتها الامنية والمخابراتية انذاك ، الخاطئة التي روجتها عن افكاره لانهم لم يعجبوا بافكاره وتعاليمه ومعجزاته )[8] . لانهم اخافوا الافكار الجامعة المنيرة ثقافة المعجزات والعيش المشترك.لقد كانت قدرة”الدكتورداهش” كبيرة وقوية ، في التأثير ألمعجزي وعلم الغيبيات ، حاربوه واضطهده وزورت الحقائق ضده وضد الذين كانوا معه او إلى جانبه ، لم يعرفونه أو قرءوا عنه يكتب د. محمد بيضون [9]” يندر اليوم بشر مسطتير، فيوشك ان يمزق البلاد وان يودي باهلها الى الهالكة من مواجهة تغلبت عليها الصفة المذهبية ، وانما هو امر جديد كل الجدة على البلد فقد جرت العادة من يوم نشاء لبنان المعاصر ان يخترق بخط فاصل ” بين المسلمين والمسيحيين”.كم كان الدكتور “داهش” مدهشا لكونه كان يطرح فكرة التلاقي والتآخي والجمع بين الأديان لا ، لصراع الأديان والمذاهب الذي وصلنا إليه اليوم،الالتقاء الروحي بين الأديان والمذاهب، هو عمل أنساني لان الانسان من صنع الله سبحانه وتعالى … ان رفضه للتفرقة ومحاولته الدءوب لتأسيس أخلاقيات جديدة تبنى على الاسس الروحية المجتمعة ،عذا هو الخطر بحد ذاته على اصحاب المصالح والنفوس الحاقدة لان الأخلاق الجديدة والمليئة بالحديثة عن فكر “الداهشية” أساسها روحانية الإله الواحد، الأوحد،،،. كان الدكتور داهش ضحية التعصب الديني والطائفي الاعمى والحاقد على كل الاشياء ، لقد آمنا بالاديان والانبياء جميعا ، و أمنا بالتعدية والحوار ، دعا إلى نبذ التفرقة العمياء وتوحيد الجميع في ظل إخوة روحية لا انفصام لعراها . الى ان قتله ولم تفسرعملية قتله. لقد خافوه وخافوا فكره الانفتاحي التوحيدي ،لانهم متعصبين ظلاميين جهلاء وكما قال السيد المسيح “اغفر لهم يا آبتا لا يدركون ماذا يفعلون .
لقد مات داهش” شهيدا مظلوما ” في سبيل نضاله وإيمانه بفكره الأتي من الإيمان بروحية الله لوكان يعرف ماذا يحدث اليوم في وطنه وفي المنطقة لكان اكثر قوة وتصلبا بفكره التوحيدي الروحاني الذي يجمع بين الجميع ويخفف من الألم والعذاب، من القتل الجماعي والذبح على الهوية والتهجير ألمناطقي، يكتب د. حسن العلوي بهذه الوجهه القائلة ” بان السائد في الدهن السياسي والوجداني الحاكم تفضيل مبدأ العمل بالهوية المزورة “[10]
… وما السبب الذي يدفع الى ذلك … لقد علما الدكتور “داهش” بان الإنسان هو هدية من الله على الأرض يجب المحافظة عليه … لان الانسان ولد من فيض المحبة الاهية . نعم سيطرت النزعة الإنسانية على السلطة والعنف أصبح سيد الموقف ، ونسيا الإنسان تعليم الكتب المساوية ، كم احوج مجتمعنا اليوم الى داهش جديد جامع بين المذاهب والاديان الاخرى …او الى تطبيق تعاليم وأفكار الدكتور داهش التوحيدية .
مقارنة بين طبيبين في الشرق العربي والغرب الروسي :
هنا اتذكر الشيء الذي كنت احاول ان اتذكره من اجل المقارنة معه ” الدكتور داهش، مع الدكتور بولغاكف ” لأعطي مثلا، ولم استطيع اجاده بالرغم من شدة حبي واعجابي الكبير بالكاتب الروسي ، ميخائيل بولغاكوف لكن اليوم أحاول أن أقوم بمقارنة بسيطة بين طبيين مارسا الطب في حياتهما ولقيا حتفهما شهيدان ظلما من قبل السلطات المحلية في بلادهم ،السلطات المعنية بملاحقة السحراء والمشعوذين،لان الرجلان اتهما بممارسة “السحر والشعوذة في بلاديهم” ،الدكتور “داهش” اللبناني وميخائيل بولغا كوف الروسي ، الذي تعرفت ،على ادبه اثناء دراستي الجامعية في جامعات روسيا الاتحادية ، فالروائي والأديب السوفياتي “الأوكراني” الأصل، الدكتور ميخائيل بولغاكوف، اضطهدته الشيوعية يومها عندما كتب روايته الشهيرة “الملم ومرغريتا”[11]. و التي منعت هذه الرواية من النشر والتوزيع وبقيت سرية يتم تدولها من شخص الى جانب اعمال أخرى له”كقلب كلب “. بالرغم من شهرتها العجيبة التي لم تستطيع السلطات القمعية والمخابراتية الحد من نشرها ،والتي نالت شهرة عالمية واسعة ليس في روسيا وإنما في كافة بقاع العالم والتي نالت شعرة واسعة اضطرت الحكومة الروسية في عام 1990 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وغياب النظام الشيوعي من إعادة الاعتبار للرواية والكاتب والسماح بنشرها في الدولة الروسية وإدخالها المناهج التعليمية ،والسماح بإظهارها في أفلام ومسرحيات،فهذا اعتذار رسمي للكاتب من قبل السلطة الحكومية . فالرواية التي يدخل في كتبتها نوع من الحقيقة الخاصة ، والذي يصور الكاتب فيها الحياة من خلال، الصورة السريالية للمجتمع السوفياتي، ومن خلال عرض تاريخي لصلب السيد المسيح وعملية الاغتيال التي تمت بحقه ، فكانت الجريمة الإنسانية بحق الديانة السماوية والإنسانية معا، متنكرين لكل القدرات الإنسانية و المعجزات السماوية ،التي يتحكم بها الانسان من من خلال قدرات ربانية ينجزها الانسان في مجتمع يغتال فيه ويتغير ثقافته ودينه. “لقد جمع الكاتب في عمله ثلاثة صور أو” طبقات” فنية سمكية في كتلة متجانسة واحدة منها ، موسكو الثلاثينات بعمل تفصيل للوقائع والمعيشة في حياة العاصمة ، والثانية منها الحالة الفوضوية القديمة للرواية بما فيها شخصية السيد المسيح في الرواية يشوع الغانوصوري وتبشيره بالخير ونهايته الفاجعة . واخيرا قصة حياة المعلم ومرغريتا وحبهما “.
هنا الحصار والحضر الرقابي الذي قامت به الدولة ضد المعجزات الغيبية، مسلطة إعلامها وأجهزتها وقواها عليه، لقد اتهمته السلطة الشيوعية بالشعوذة والسحر وترويج لفكرة التدين وتنمية الروح الدينية.
لم يعرف القارئ الروسي او الغربي أهمية هذا الكاتب العظيم، وإبداعاته الفكرية والروحية لان السلطة شنت عليه و ضده وضد كل قارئ له أبشع التهم، فالعذاب الذي تلقه الكاتب، ليته يعلمه القارئ اليوم انه أفضل روائي وكاتب اروبي وعالمي، ذاع صيته بعد اطلاع القراء على أعماله الرائعة والمميزة من حيت المعنى والمضمون، لذا كانت لي رغبة شغف أثناء دراستي واطلاع على أعماله وكتبه ونقاده، من اجل المقارنة مع شخصية من بلادنا فلم تجول في راسي هذه الشخصية،عند تقديم امتحان في الأدب الروسي المعاصر كانت رويته وإعماله من نصيبي ، بعدها لم اعرف بمن اشبه واشبه قصته واضتهده ونعته وممارسة كل اسليب التنكيل والحرمان الثقافي والاجتماعي والادبي بحق انسان كانت له قدرات إلهية ،ولكن بعد عصر الذاكرة فهمت ان قصة الدكتور” مخائيل بولغاكوف” هي شابيه كثيرا بحكاية الدكتور” داهش” ومن الغرابة المطهدان كانهما عاشا في نفس الوقت والبلد الوحد، لكن الكاتب الروسي مات عندما ولد الدكتور داهش في لبنان.
عود بالذاكرة الى الوراء لستة وعشرون سنة مضت “26 عام”. لكي اقول كلمة شكر للدكتور “داهش” واعبر بها عن امتناني وعرفانا مني بالجميل له ، هوالذي له في ذمتي دين . كما يقول القول الروسي : حتى لو اتت الكلمة متأخرة ، افضل من ان لاتاتي ابدا . ان كلمتي هذه كلمة حق تقال ولا اريد الدخول في عملية بحث علمي اودراسة من اجل مناقشة افكار معينة ، او الدخول في سجال في افكار “الدكتور داهش”، الذي اجهل الكثير منها، كفكر وفلسفة بحد ذاتها ولكن بظل عددا هائل من الباحثين والخبراء بأفكار وبمنجزاته وتعاليمه ، ولهم القدرة على المعالجة العلمية والروحية بافضل مني بكثير .لكن احتفظ في هذا الكلمة التي ماهي الا كلمة وجدانية عقلانية نابعة من شعور مدفون طوال مدة طويلة في ذاكرتي، وبمناسبة المئوية لولادة “الدكتور داهش” التي دفعتني بان اكتب هذه الخواطر الوجدانية…
–شكرا دكتور داهش …في يوم مولدك :
فان حب المعرفة والتعرف على كل شيء جديد في العالم هي فلسفة بحد ذاتها ، لقد نسيت الاسم مع مرور الزمان الذي ترك عندي، هذا الانطباع القوي في حياتي وذاكرتي ، ولكن كنت دائما أتذكر شيء ولا استطيع أن أتذكره، كأني فقدته، شيء لا عرف ما هو وعن ماذا أفتش، السبب بسيط لان التفاعل كان غائب مع افكار الدكتور ولم يكن صدى افكره تتفاعل في المحيط الذي عشت فيه ومعه ولكن الفكرة موجودة وعاشة في داخلي ، لقد سفرت الى الخارج لاكمال دراستي التي اصبحت الهدف المزروع في داخلي، بناءا على قرءاتي البسيطة لتلك الافكار . كانت روسيا مقر دراستي الجديدة وموطاء قدي الاول بعد مغادرتي من بيتي وبلدي ، ولم اعرف بان الدكتور داهش زارها وعاش بها لمدة وكتب عنها ، واصبحت محطة تاريخية في حياته، ولكن ما هي انطبعاته عن هذه الحالة الغوفائية بالطبع لا نعرفها.
المراجع والمصادر:
[1]. ماجد مهدي ، الشاعر الداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن الجزء 1 ، مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد158 ،2009 ،ص،36-40.
[2] ماجد مهدي ، الشاعر الداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن، الجزء 2 ، مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد159 ،2009 ،ص،41- 42.
[3]ناصر عراق،موسكو عاصمة القياصرة والثوار،مجلة دبي الثقافية شهرية العدد54، “نوفبر تشرين الثاني “،2009 .14-20 .
[4]راجع ، كتاب، “دكتورداهش” كتاب الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية ،600ص.
[5] راجع كتاب تيدروبرت جار ، اقليات في خطر 230 ، اقلية في دراسته احصائية سياسية واجتماعية ، ترجمة عن الانكليزية ، رفعت سيد احمد ، القاهرة ، مكتبة مدبولي ، 1995،510ص.
[6] د.قاسم عبده قاسم ،اعادة قراءة التاريخ ،كتاب مجلة العربي ، 78 ،اكتوبر، 2009، ص،125 .
[7]د.محمد رضا شفيعي كركي،الادب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى ايامنا ، ترجمة بسام ربابعة ، عالم المعرفة ، الكويت ، العدد، ،368، 2009،ص،39-44 .
[8] ماجد مهدي ، الشاعرالداهشي حليم دموس شاعر الوحدة الدينية والانسانية في ذكراه الثانية والخمسن، الجزء 1 مجلة الحقائق الشهرية ،بيروت ،العدد158،2009 ،ص،41-42
[9] حازم صاغية ، نواصب وروافض منازعات السنة والشيعة في العالم الاسلامي اليوم ، دار الساقية ، يروت ، 2009 ، ص ، 11
[10] د. حسن العلوي ، شيعة السلطة وشيعة العراق صراع الاجناس، دار الزوراء ، لندن ، 2009، ص، 68 .
[11] راجع رواية ،، مخائيل بولفكاف، المعلم ومرغريتا ، الطبعة العربية ،دار رادوغا ، موسكو ، 1990،476ص.
د.خالدممدوح العزي
باحث وكاتب اعلامي .
dr_izzi2007@hotmail.com
الرجل الذي أثار إهتمام الناس
زمناً في بيروت
بتاريخ 25 تشرين الثاني 1944 صدرت جريدة ” الأيّـام ” الدمشقيّة
وفيها هذا المقال :
حديث حليم دمّوس عن الدكتور داهش
الدكتور داهش ! ومن لم يسمع بهذا الإسم ؟ فقد شغل الناس في بيروت وقتاً غير يسير , بسبب ما كان يبديه باثناء إقامته ببيروت من خوارق روحيّة . فآمن الكثيرون به وصاروا من أتباعه , واعتبرها اآخرون عجائب علميّة بحتة , فاعترفوا بقدرته وبراعته .
وقد أبعد الدكتور داهش من لبنان فودّعه مريدوه بالأسف والألم . ومن بينهم شاعرنا المعروف حليم بك دمّوس الذي هبط دمشق في الأيّـام الأخيرة , فاتّصل به مندوب ” الأيّــام ” , وسأله عن صديقه الدكتور داهش . فجرى بينهما الحديث الطريف التالي :
س – كيف عرفتم الدكتور داهش ؟
ج – عرفته في بيروت عام 1936 أديباً لوذعيّاً , ومؤلّفاته يربو عددها على التسعين , وهو صاحب رسالة روحيّة عظمى . ومنذ عام 1942 الى اليوم , وأنا ألزمه الظلّ لأدرس فيه هذه القوّة الروحيّة العجيبة الغريبة .
س – ما هو الفرق بينه وبين علماء التنويم ؟
ج – الداهشيّون لا يؤمنون بالتنويم , فهو إتّفاق بين المنوّم والمدّعي النوم ؛ وظاهرات داهش وخوارقه ومعجزاته هي فوق الإدراك البشري .
س – هل ترون في بقائه في سورية أو لبنان فائدةً ما ؟
ج – إنّ في عواصم أوروبا وأميركا مؤسّسات روحيّة وجمعيّات لعلماء النفس تنشّطها الحكومات في سبيل رعاية هذه الحركة الروحيّة . وكان الأولى بحكومتي لبنان وسشوريا أن تدرسا هذه القوّة الكامنة في الدكتور داهش , وتؤلّفا لجنة من الأطبّاء والعلماء والمحامين والأدباء والصحافيين لحضور جلساته الروحيّة , وعندئذ تتجلّى فيها الحقيقة التي هي بنت البحث . وقد شعرت أنّ الرأي العام يعطف على قضيّة داهش , بعد أن سمعوا آراء مختلفة ضدّه ومعه . فبقاؤه في سوريا أو في بلاده خير من تجريده من جنسيّته وإبعاده . هذا هو رأيي الخاص أكتبه بصراحة وإخلاص .
وقد أساء بشارة الخوري بتجريده من جنسيّته . وسيذكر التاريخ عمله كلطخة عار تلاحقه مدى الأدهار .
مذكّرات داهشيّة
بقلم صحافي خبير متقاعد , وهو من محرّري جريدة ” ألأقلام ” سابقاً
لقد دوّنت في سطور ما عرفته عن الدكتور داهش رغم تنكّبي عن طرق الموضوع خوفاً من أعداء الرجل , وهم ذوو سلطان , ويخشى شرّهم … فقد ابتلى أللّه البلاد برهط من المتسلّطين الأنانيين المتعجرفين المدّعين الألوهيّة على الأرض , وقد جعلوا آلهتهم بطونهم وجيوبهم , فهم ( ل يحلّلون ولا يحرّمون ) , وقد قالت حكمة العصور : _ من لا يخاف أللّه خف منه ) .
وقد كتبت ما أعرفه عن الرجل عفواً لوجه أللّه الكريم , وهو ما عرفته عن داهش مما قرأته وسنعته , لأنني ما إجتمعت بالرجل قط , ولا رأيت له وجهاً . وكل ما اتصّل بي عنه جاءني على ألسنة القوم أو قرأته هنا وهناك . فتّشت الذاكرة فتذكّرت أنني سمعت لأول مرّة بهذا الإسم غير العادي … ( داهش ) , خلال مسامرات نفر من كبار الناس على مائدة الطعام حول مأدبة قضتها ظروف إستثنائيّة , فجمعت الصدف أكابر السادة من ذوي المقامات السامية وأهل الحصافة والصحافة .
وأتى أحدهم عرضاً على ذكر داهش أثناء حديثه … فنهض أحد الحاضرين وروى حادثاً مدهشاً ( وليست النسبة هنا في كلمة مدهش الى الدكتور داهش , بل لأن الحادث بحدّ ذاته مستغرب لأنّه غير عادي ) .
وملخّص الرواية التي ذكرها المتكلّم أن سرقة مبلغ من المال وقعت لشخصية معروفة في بيروت , وقد توصّل صاحب المال الى إسترداد المبلغ على يد الدكتور داهش الذي بواسطة علومه الروحانيّة عرف السارق , وأرشد إليه وإلى مكان المال المسروق , فاستردّه .
أمّا راوي هذه الحادثة فكان شقيق الشخص الذي وقعت معه حادثة السرقة , ولذلك كانت الرواية موضوع تعجّب الحاضرين وإعجابهم .
وسمعت بعد ذلك الشيء الكثير عن داهش من مجموعة راقية تعرفه , ومن أشخاص رافقوه وشهدوا مجالسه الروحانيّة , وظاهراته واختباراته , فسمعتهم يروون عنه بإعجاب كبير ما شاهدوه من مدهشات خارقة هي فوق العلم , وفوق الفلسفة وتعليلها , والكيمياء وتحليلها .
وقد أكّد أحدهم أمامي أن الدكتور داهش تنبّأ يوماً لبعض أخصّائه عن رجل معروف في دمشق ومصر وبيروت وإيران بأن أجله قد دنا .. وإن أيّامه أصبحت معدودة محدودة , في حين أنه لم يكن هناك دليل على قرب أجل ذلك الصديق الخليل …
وتمّت النبوءة … وقضى الرجل نحبه بعد أيّام قليلة في المكان والزمان اللذين عيّنهما داهش شفاهاً وكتابةً … ولولا رغبتي في عدم الإسترسال في التفاصيل لذكرت الأسماء ولأتيت على تعيين الزمان والمكان …
لقد تمنّعت مراراً عن تلبية دعوات عديدة دعيت إليعا لحضور جلسات روحيّة مع الدكتور داهش , لأنني لا أحبّ المشاهد المستغربة , مع أنني من اللذين يعرفون بالمطالعة والبحث أن العلوم الروحانيّة كائنة , ومنها أنواع مختلفة في أقطار العالم , ولها جمعيّاتها النفسيّة الخاصّة . وقد شاهدت بنفسي حفلات قام بها بعض المنصرفين الى هذه العلوم . كما أنني سمعت ممن أصدّقهم روايات عن مشاهد غريبة كان يقوم بها المحترفون لأجل تحصيل المال واختزان الثروة .
أمّا الذي إمتاز به الدكتور داهش عن سواه فهو أنّه لم يكن يتقاضى مالاً من الذين يحضرون جلساته الروحيّة , ويشاهدون ما يقوم به من المدهشات والخوارق .
ثم أن مجرّد إطلاق تسمية داهش على الرجل طيلة إشتهاره دليل واضح على عدم إدّعائه النبوّة أو الألوهيّة , وهي تسمية تخفّف من المغالاة في إضطهاده من جانب رجال الدين الغيّورين على مهنتهم والمحتكرين لصنعتهم .
وفضلاً عن كل ما تقدّم , فأن الرجل لو كان من المتهتّكين المنصرفين الى الدعارة – كما أشاعوا عنه زوراً وبهتاناً – لكان الذين إتهموه في أخلاقه أمسكوه بالجرم المشهود . ولما عجزوا عن مراقبته والقبض عليه متلبّساً بالجريمة وهم القابضون اليوم على رقاب مصلحة بوليس الأخلاق والأمن العام وتحت تصرّفهم النيابة العامة ولهم الحول والطول . ولمّا لم يجدوا ما يؤاخذونه عليه قانونيّاً عمدوا الى الإستبداد والظلم شفاءً لكبريائهم , وانتقاماً لألوهيّتهم المصطنعة . وكان الأجدر بهم والأشرف لهم أن يتركوا الرجل يسير في طريقه آمناً مع صحبه الأمناء , يدعو الناس الى معرفة أللّه واحترام جميع الأديان المنزلة والى مكارم الأخلاق وإلى المبادىء الدينيّة السماويّة السامية .
ولعل جرمه العظيم لديهم أنّهم إحتكروا لأنفسهم خيرات الأرض , ويريدون أيضاً إحتكار سعادة السماء .
ألا لعنة أللّــه على المنافقـين المرائيـن …
فيليـب نقّــاش
من مؤرّخ الرسالة الداهشية
الى صاحب مجلة ” العالم العربي “
53 – شارع ابراهيم باشا القاهرة
الى الاستاذ منير خليل واسعد حسني
أخي صاحب مجلّة ” العالم العربي ” أيّدك الله .
أمّا بعد التحية الأخويّة فانّني أرسل اليكم قطعة ثمينة أرى من الضروري نشرها برمّتها ، اذ فيها شرح كامل لمراحل الجريمة ( المعلومة والمجهولة أسرارها ) التي ارتكبها الباغية بشارة الخوري المخلوع ، وأفراد عائلته ، وطغمة رجال الدين المتعصبين ضدّ المصلح العظيم مؤسّس الداهشيّة ، الذي جعل مئات العائلات المسيحيّة يؤمنون ايمانا صحيحا بالنبيّ محمّد وبقرآنه الكريم المنزل .
وقد اجتمعت بعشراب بل بمئات الأشخاص في الآونة الأخيرة ممّن طالعوا ما نشرتموه عن القضيّة الداهشيّة ، وسألوني أسئلة عديدة عن مجلّتكم وعن القضيّة الداهشيّة ، ورجوني بالحاح أن أطلب من السيّدة ماري حدّاد كي تبعث الى مجلّتكم الغرّاء من مذكّراتها القديمة والجديدة ، وخصوصا ما دوّنته في مذكّراتها عن الأسباب الحقيقيّة التي دعت الى اضطهاد مؤسّس الداهشيّة ، ففعلت وأخذت منها هذه القطعة التاريخيّة الثمينة التي ترونها في طيّه ، والتي آمل أن تنشروها دون أن تحذفوا منها شيئا . وبهذا تكون مجلتكم هي الوحيدة التي تنشر أسرار هذه القضيّة الهامّة التي يهتمّ لها الرأي العام فعلا . كما أنّني آمل أن تنشروا صورة ميشال شيحا المسبّب الأساسي للجريمة ، لأنّ كثيرين طلبوا أن يشاهدوا رسمه . وقد أرسلته اليكم بتحريري السابق .
هذا والمولى القدير يكلأكم بعين عنايته ، ويوفّقكم برعايته الصمدانية ، واسلموا لأخيكم .
بيروت 8 آذار 1953 حليم دموس
..!من هو الدكتور داهش ؟
العالم العربي ، العدد العاشر ( 70 ) أول ابريل 1953
الدكتور داهش …رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره …نشأ في عائلة نكبها الدهر . فذاق من بطش الأقدار أهوالا … وهو شخصية فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها …عركها الدهر عراكا جبارا ؛ فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف …وقد تعرفنا اليه اتفاقا ، فوجدما فيه مقدرة روحية ، وعبقرية أدبية جذبتنا اليه مع لفيف من خيار القوم أدبا وثقافة .
وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين – رغم سنّه الحديث – خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروح عالية وأفكار سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها , وبأسلوبه السهل الممتنع , الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة , وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبي الأداب .
وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مصلح ديني وأجتماعي عظيم , صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت فيه المظالم .. يأكل فيه القوي الضعيف .. ويبطش فيه الذئب المفترس بالحمل الوديع !
وهو ينشد ( المحبة ) بين الشعوب والأفراد .. تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان والتي لعبت في تحقيقها الغايات الغاشمة .
وهو ينشد الترفع عن ( المادة ) الطاغية والاتجاه نحو الفضيلة والمثل العليا .
وهو يتغنى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجبات إصلاحية في كل فرد .
وقد وطد الدكتور داهش العزم على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوري , وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة , والى وصايا الأنبياء . وليس مثلما يعلّمهم رجال الدين النفعيّون !
كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها منزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح , وهي إرادة الله .
فالتعصب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدموية التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصب الذميم إلا بينة صريحة , وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .
فرغبة الله جل جلاله لا تتفق البتة مع استعمال الأديان لغايات تعصبية قبيحة , فالأديان جعلت مختلفة مع اختلاف الشعوب والألوان , وكلها تأمر بالعدالة والمحبة .
ماري حدّاد
الرسالة الداهشيّة ...
جريدة الهدف 10 آب 1965
الذين يجتمعون الى الدكتور داهش ، وبعضهم علماء وأطبّاء ومثقّفون ، يخرجون من لدنه وعلى شفاههم سؤال واحد :
ما هذا الذي نرى في الثلث الأخير من القرن العشرين ؟
ان الخوارق الروحية التي يأتي بها الدكتور داهش تقطع بأشياء يقف أمامها العقل عاجزا حائرا .
ليس أسهل من التشكيك ومن الاستلشاق ..في عصر مادّي يعيشه . اللامادّيون فقط ، لا يرون فيما يأتيه هذا الرجل بدعا ولا عجبا . فالشرائع تتحدّث عن الأرواح والخوارق . والدكتور داهش يقول :
لم يعد من السهل ارتداد انسان اليوم الى صفاء الايمان بعد طغيان المادّة على حياتنا وانتشار الفساد في مجتمعاتنا ، فجاءت الرسالة الداهشية تؤكد خلود الأرواح وفناء الأجسام ، أي انّ الداهشيّة تبشّر بقيمة المعنويات وتمقت بهرجة المادّيات وفقا لما جاء في الأديان السماوية . وتعتبر قوّة الأرواح الخارقة كمعجزة لهذه الرسالة ووسيلتها الأولى لاقناع الناس بمبادئها .
واذن فالرجل الذي يعيش بيننا منذ نيّف وعشرين عاما وينادي بثبات وايمان أن : تعالوا الى كلمة سواء ، عودوا الى الجوهر والقيمة ، يجب أن نخلي بينه وبين ما هو فيه فقد يصبح له شأن عظيم …
قد تمضي سنوات أخرى على القول ” لا كرامة لنبي في وطنه ” . لكن رسالة هذا الرجل لا بد منتصرة ومنتشرة ، وسيكون ناصرها الأبعدون كما يعتقد ، بل بجزم الدكتور داهش نفسه ، والمقربون جدّا اليه .
وغدا عندما يأتي الناس أفواجا من بعيد ، ليروا خوارق هذا الانسان الذي انتظمت فيه الظواهر الروحية ، ويحارب التدجيل والشعوذة حيثما وجدت ، سيصبح لبنان شيئا أخر .
وغدا أيضا عندما تتقبل عقول الناس توضيحه الروحي والحسّي لأشياء كانوا يلوكونها ولا يدركونها ، كقضية الصلب مثلا وتأكيد الدكتور داهش بواسطة الظواهر أنّ للانسان شخصيّات متعدّدة ، وبذلك يترجم القول ” ولكن شبّه لهم ” ، في ذلك الغد سيكون الانقلاب الكبير …
حسب لبنان يومئذ أنه سيصبح ثروة سياحية كبرى .
حسبه أن واحدا من بنيه جاء يحسم ، وهو يثبت الايمان في القلوب ، قضايا هي مثار جدل ومتاجرة وانقسام ، كل ذلك في حدود قوله :
” ولعل مبدأ السيّالات الذي تبشر به الداهشية أقوى دليل على تجاوبها مع الاسلام والمسيحيّة ، مع روح هاتين الشريعتين اللتين تلتقيان ، عند الذين يعلمون …في الجوهر وفي كلّ ما هو قيمة ونافع لبني الانسان …”
المذهب الداهشي : أسراره وتلاميذه
تعريف موجز عجيب
عن الديانة الداهشية الجديدة
حديث طريف مع أحد الداهشيين
ونشرت أيضا جريدة الدنيا بتاريخ 9 شباط 1945 المقال الآتي :
الدكتور داهش شخصية فذّة عجيبة . ومنذ ثلاثة أعوام وهذا الاسم يتردد ذكره باستمرار ، سواء أكان بواسطة الصحف السيارة أم في الأندية العامة والمجتمعات الخاصة أم في المخادع والمقاصير .
وراحت شتى الاشاعات تنسج حول مقدرته الروحية العجيبة شتّى الأقاويل المدهشة والمثيرة . وقد كان للحكومة المحلية والسلطات التنفيذية نصيب كبير في التحقيق والتدقيق حول كلّ ما له علاقة بالدكتور داهش كما يعلم الجميع .
فهنالك فئة كبيرة من الناس تطعن بالدكتور داهش طعنا ذريعا . كما إنه توجد فرقة أخرى تناصره وتؤازره وتدحض ما تزعمه تلك الفئة ببراهين ثابتة دامغة . ثم توجد نخبة خاصة من أرقى طبقة في البلاد كأشهر الأدباء والشعراء والمفكرين والأطباء والمحامين والتجار والوجهاء قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، وهم يعدونه (نبيّ عصره) بعد أن انشقوا عن الكنائس التي كانوا ينتمون إليها . وهؤلاء يسمون أنفسهم (المؤمنين ) ، وهم من الأقطاب الداهشيين… يبذلون النفس والنفيس من مال ووقت وعقار، حتى ويضحون بأرواحهم، إذا اقتضى الأمر ، في سبيل رفع الحيف عن كل ما له صلة برئيسهم الدينيّ .
وإزاء هذه الحالة ، ولمّا كان هذا المذهب قد انتشر في الأوساط الاجتماعية ورددته الألسنة والشفاه ، اتصلت بنا تلفونيا وشخصيا جماعات عديدة محترمة راجية منّا أن نستزيدها ما نشرناه في العدد الأول من الدنيا ، ونعلمها بما وصل الينا عن المذهب الجديد .
فرأينا أن نوفد مندوبا خاصا عن جريدتنا الى أحد الأقطاب الداهشيين ، فعاد إلينا بهذا الحديث القيّم . وها نحن نذيعه بواسطة جريدتنا ليشبع نهمة كل فضولي متشوق لمعرفة حقائق هذا المذهب وما يتفرغ عنه من عقيدة داهشيّة، وطقوس دينية ، قال :
تقدّمت وصافحت القطب الداهشي فبادلني التحية بمثلها .
وسرعان ما أفهمته الغاية من زيارتي ، فرحّب بي ، وقال :
- سل ما تريد وأنا على استعداد لاعطائك الجواب على كل سؤال توجهه إليّ .
- المندوب – ما هو المذهب الداهشي تعتنقه مع فئة كبيرة من أرقى شخصيات البلاد ؟ وهل هو مخالف للتوارة والانجيل والقران وسائر الكتب المنزلة ؟
الجواب – المذهب الداهشي هو خلاصة ما أنزل على الأنبياء والمرسلين ، لأنه يحترم كافة العقائد الدينية التي أوحى بها الله على أيدي رسله الأمناء. . . و لكنه لا يعترف ببعض الطقوس الدينية المسيحية كعبادة الصور الدينية, و الإحتفاظ بالأيقونات, و المتاجرة بها, و بالغفرانات, والقيام بأثناء الصلوات العامة في الكنائس بالتبخير امام الهيكل, و التمتمة و التعزيم, ثم لا يسلم مطلقا” بما يسمونه (سر الاعتراف المقدس). و هو يقول إنّ جميع ما ذكر هي بدع ابتكرها رجال الدين لمآرب ذاتيّة, و غايات دنيوية, إذ لم يوص السيد المسيح أو رسله بوجوب السير على خطة كهذه.
فالداهشية إذن رسالة إلهيّة تهتم بلباب الدين لا بقشورة, فهي تحترم جميع الأديان المنزلة و تريد من الذي ينتمي إليها أن يطبّق الأقوال السماوية عمليا” لا نظريا”. و هي تكره السخافة و العرض, و تتمسك بالحقيقة و الجوهر. فمن صفت روحه فكرا” و قولا” و فعلا” كان داهشيا”.
س:لقد قرأت نعوة المرحومة ماجدا حداد, فإذا بنجمة مخمسة قد كتبت في داخلها حروف أبجدية. فماذا تعني هذه الحروف؟
ج:ليست الحروف الستّة التي شاهدتموها تعني غوامض, كما وقع في هذا الخطأ بعض الصحف التي تسرّعت و توهّمت و ذكرت مثل هذا الزعم. و لكنّ هذه الحروف و سواها تحمل في طيّاتها جملا” رائعة المعنى, بعيدة المرمى, سامية الأهداف. و عليها يرتكز أساس الدين الداهشي الذي أصبحنا نعتنقه بفخر عظيم. . . و هنا أعطيك مثلا” بسيطا” على هذا :
ففي القرآن الكريم تجد كلمة (بسملة) و هي مختصر جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) و هناك كلمة صلعم مختصر (صلّى الله عليه و سلم). و هكذا (الحوقلة و الحمدلة و كهيعص) و غيرها كثير من الإصطلاحات التي اتّفق عليها كبار أئمّة الدّين.
و كما إنّ الحروف الأبجديّة _على قلّتها _تتألف منها الكلمات والعبارات والسطور والفقرات والصفحات والملازم و الكراريس والكتب والموسوعات ودائرات المعارف ومعاجم اللغات والعلوم والفنون, هكذا الحروف الرمزية والرموز المقدّسة والنجمة المخمية و سواها من الإشارات تتألف منها أسرار الداهشية العجيبة, و عليها ترتكز آيات الظاهرات الروحية و مدهشات العجائب الغريبة. . . إذن, فالحروف الستّة المدوّنة ضمن النجمة المخمسة لها غاية مقدسة, و هي إذا جمعت بطريقة خاصة يعرفها الأخ الداهشي تؤلف جملا” دينيّة كبيرة ذات مغزى بعيد. و على هذا التفسير المقدّس ترتكز عقيدتنا الثابتة الحقّة.
ولكل رسالة إلهية إشارات ورموز خاصة يختلف بعضها عن البعض الآخر. فشعار رسالة النبي سليمان مثلا هو ( النجمة المسدّسة ) التي لا يزال اليهود يحتفظون بها ، وهي مرسومة على أبواب مجامعهم وكنائسهم حتى اليوم . أما شعار رسالة السيد المسيح فهو النجمة المخمّسة التي هي شعار رسالتنا الداهشية اليوم .
س : هل الدكتور داهش أميّ كما بلغنا أم تعلم في مدارس عالية ؟
ج : من يجرأ على رفع عقيرته بأن الدكتور داهش أميّ فليتفضّل للنزول إلى حلبة السباق الأدبي معه لنرى من سيكبو جواده ومن هو الفائز … أمّا التخرّصات المغرضة فإننا نحتقرها ولا نريد أن نخوض هذا البحث مع من أشاعوها … فالمؤلفات المطبوعة التي تحمل اسم رئيسنا الديني هي خير ردّ على أمثال هؤلاء الموتورين . وتوجد من بنات أفكاره عشرات من الكتب الثمينة التي ستطبع في أوقاتها المناسبة . وبعضها تحت الطبع .
امّا انه ” هل درس في معاهد راقية ” فإنني أجيبك : كلاّ . انه لم يمكث في المدرسة سوى ثلاثة شهور وذلك بميتم غزير .
وإذا سألتني : إذن كيف تفسر تأليفه العديدة ؟ وكيف قيّض له أن يضعها وهو كما وصفت ؟
فأجيبك : لأنه ملهم وصاحب رسالة سماوية ، ولو سلمنا جدلا مع القائلين بأنه أميّ ، فله الفخر الأعظم بذلك . وتكون إذ ذاك معجزة حقا باستطاعته نشر مؤلفاته الكثيرة الغزيرة وهو ( أميّ ) كما يزعمون .
وإذا ظل هؤلاء الموتورون مصرين على إعلانهم عن أميته كيدا وعنادا ، فإننا نقول لهم جهازا :
كفاه فخرا بأن رسول الأمة المحمدية كان أيضا أميّا ويتيما … أوليس ذلك من الفخر والمجد بمكان عظيم ؟! ..
س : لماذا انتحرت الآنسة ماجدا حداد ؟
ج : إنّ ماجدا حداد هي الشهيدة الأولى في هذه الرسالة الداهشية . لأنه بعدما اضطهدت الحكومة الدكتور داهش لأسباب عائلية شخصية ، وكانت العائلة المسببة لما أصاب الدكتور هي عائلة الحداد نفسها صممت ماجدا على إغتييال من تتمكن من إغتيالهم انتقاما لما أصاب رئيسها الديني على أيديهم من سجن وتجريد ، ونفي وتشريد …
ولكن رسالة خاصة وصلتها من الدكتور من حلب يقول لها فيها أن لا تقدم قطّ على أي عمل إرهابي ثأري ، وإلا فانه مضطر لأن يرفضها من بين أتباعه ، ويخرجها من الرسالة الداهشية . فكبر عليها الأمر ، وانصاعت لوصيته مرغمة .
ولما طال عليها الوقت انتحرت إحتجاجا على الحيف العظيم الذي وقع عليه ، ولكي توصل صوتها الى من اضطهد الدكتور ، بعد أن فشلت جميع المساعي المبذولة في هذا السبيل ، فذهبت ضحية طاهرة إلى الملأ العلوي .
وهكذا سجلت هذه الشهيدة الداهشية الأولى بدمها الزكي الطاهر انّ الاضطهاد والنفي والتعذيب والارهاب جميعها لا تستطيع قتل الفكرة التي اختمرت في الرؤوس ونزع الأيمان الصحيح الذي زرع في القلوب والنفوس . ولقد ظنت الحكومة أنها بإبعادها للدكتور داهش تستطيع أن تحمل الأنصار والمريدين والمؤمنين لأن يتفرقوا عنه . فكان أن ازدادت الأواصر متانة ، ورسخ الايمان الوطيد الى درجة بذل الروح رخيصة في حقل الايمان الغالي ، والهدف الروحي العالي . وهكذا جرت الرياح بغير ما كانت تشتهيه سفنهم …. لقد ظنوا أنهم سيخنقون الرسالة وهي ما تزال جنينا في المهد . فكان لها بإذن الله الرسوخ والازدهار ثم الانتشار …
س : من الذي قام بمراسيم دفن شهيدتكم الأولى ؟
ج : لقد قام بمراسيم الدفن كل من الدكتور خبصا ويوسف الحاج وسواهما ، لأن المذهب الداهشي يسمح لأي أخ داهشيّ أن يتلو قطعة روحية ملائمة للموضوع المراد القيام به ، دون حاجة الى سيامة أو تعيين فئة معينة كالقسس عند بعض الطوائف المسيحية مثلا ، لأن الداهشيين جميعهم إخوة وكهنة لله العليّ ، وتلك القطع التي تقرأ جميعها في مثل هذه المراسيم هي من وضع الدكتور داهش وإلهامه وتشريعه .
س : هل لك أن تشرح لي كيف تتم مراسيم الدفن في الديانة الداهشية ؟
ج : توضع الجثة في النعش . وتؤخذ إلى المقبرة حيث يتلو أحد الأخوة عدة قطع روحية لرئيسنا الديني ، مما يجب قرأته في حالة الموت والدفن . وبعد الانتهاء من قراءة القطع ومن وضع الجثمان في الجدث ، يرسم الرمز المقدس كما هو في ورقة النعوة ، ثم يحرق وينثر رماده في الهواء .
وهناك قطع أخرى لمراسيم الزواج والعماد والعبادة وسواها ، وكلها مما كتبه رئيسنا الديني في أوقات مختلفة .
وأذكر أنّ ديانتنا تحارب كلّ رياء وتدجيل وكذب وتضليل . وما تلك الطقوس التي تمارسها بعض الطوائف المسيحيّة أثناء الدفن مثلا ، كإبراز أكاليل الزهر ، وبسط الرحمة ، واستعراض صفوف اليتامى المساكين ، وقرع الأجراس والصلوات بأصوات عالية في الشارع بلغات غريبة عجيبة ، وإنارة الكنائس ، وعزف الموسيقى … جميع هذه الطقوس وملحقاتها ليست سوى تدجيل على الأموات والأحياء معا . وما هي إلا وسائل لكسب المال ووضع الفوارق بين المؤمنين كل حسب ما يملكه من دراهم وعقارات .
فرسالتنا تسخر بهذه البهارج المضحكة المؤلمة وتحتقر هذه المظاهر الشاذة التي هي الشعوذة بعينها .
س : ما هي كتبكم الدينية المعوّل عليها ؟
ج : أولها كتاب ( الهادي ) المنزل . وهو مجموعة عظيمة من الآيات المنزلة في مناسبات مختلفة تحمل اسم المكان الذي هبط فيه الوحي مع تاريخ اليوم والساعة والدقيقة . فهذا الكتاب الثمين هو وحي السماء لأبناء الأرض ليهديهم سواء السبيل . ويشتمل على آيات بيّنات تحتوي على نبؤات تمّت ، ونبؤات ستتم في الأوقات المحددة لها ، مثلما هو مدون في تضاعيف سطورها .
س : هل يمكننا الاطلاع على هذا الكتاب ؟
ج : إنه محفوظ الآن في مكان أمين جدا في مدينة القدس مهبط الوحي والأنبياء والرسل .
س : فهمت منك أنّ الدكتور داهش منع ماجدا حداد من الانتقام له ممن سببوا له محنته الهائلة ، فهل القتل والاغتيال ممنوعان عندكم ؟
ج : إنّ الدكتور داهش منع ماجدا من اغتيال بشارة ، وإلاّ فكن على ثقة تامّة بأنه لكان قد قتل كلّ من كان نصيب في الاعتداء على رئيسنا الديني ، لأننا نبذل أرواحنا رخيصة في سبيله ، وفي سبيل المبدإ السامي الذي ينشده . ولكن الموت عندنا رخيص . وفي إنتحار ماجدا أكبر دليل على أننا لا نقيم للحياة وزنا، ولا نعيرها أي إهتمام . فالموت كما قال رئيسنا الحبيب ” يقظة فتانة يحنّ اليها كل من صفت نفسه وسمت روحه “. ولكننا مرغمون على التمسك بنصوص التعاليم الدينية لمذهبنا المقدّس … ولكن هذا لا يمنع أن تحدث بعض الأمور المثيرة التي لا يستطيع المرء معها أن يمتلك ثورة أعصابه ، فيحصل ما لا تحمد عقباه .
وهنا أعطيك شواهد ببراهينها المادية المادية الدامغة :
فالمسيحية تمنع القتل أيضا . ولكن كم وكم من حوادث الاغتيال والقتل تحدث كل دقيقة في جميع أنحاء العالم المسيحي ، ومن المسيحيين أنفسهم ؟ وهكذا قل عن المسلمين الذين تمنعهم عقيدتهم الدينية من ارتكاب هذا الأمر المخالف لشريعتهم . وهكذا ( الموسويّة ) نفسها : أما قيل في رأس الوصايا العشر ( لا تقتل ) ؟ فكم من أعمال إرهابية وحوادث قتل يجري يوميا بين أفراد الطائفة اليهودية ؟
إذن حوادث كهذه لا يستطيع المرء أن يتمسك فيها بالنصوص الدينية قلبا وقالبا ، فللأيام والأحوال الكلمة الأخيرة .
س : من أين يعيش الدكتور داهش ؟
ج : يعيش من ريع كتبه ومؤلفاته ، فضلا عن أنّ أموالنا هي أمواله ، وكل ما نملكه ملك حلال له .
س : كم عمر مؤسس ديانتكم ؟
ج : هو اليوم في الثالثة والثلاثين من عمره .
س : ما هي العجائب التي شاهدتموها حتى اعتنقتم مذهبه ؟
ج : إنّ المعجزات التي شاهدتها بأم العين مع عشرات من الحضور كثيرة :
منها حضوري لجلسة روحية عقدها الدكتور داهش ، وفي أثنائها طلبت منه أن يحضر لي أشياء ثمينة تخصني ، وبلحظة وجدتها بين يدي . وهناك كتاب خاص مكتوب بخطّ يد الدكتور خبصا ، وكان قد أضاعه في باريس منذ اثني عشر عاما ، أحضر له بجلسة روحية ولا يزال في مكتبه حتى الآن . وقلم حبر ثمين ودبوس نفيس يخضّان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في رأس المتن ، وقد استحضر له في جلسة روحية أمام عشرات المشاهدين ؛ وكذلك مبلغ من المال مسروق للدكتور توفيق رزق الجرّاح المعروف . وفي جلسة خاصة إستحضر للدكتور شاهين صليبي شجرة ليمون كاملة بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . وكذلك حول الماء الى خمر أمام المحامي الأستاذ إدوار نون وعائلته ، وأمام كثيرين .
ثم – وهنا بيت القصيد – التعاليم الروحية السامية . فما الظاهرات الروحية التي كلمتك عنها الا وسيلة للاقناع والاقتناع فقط بوجود الروح وخلودها . أما الدين فيرتكز على التعاليم وليس على الأعاجيب والمعجزات . وهكذا تجد أنها واسطة وليست غاية .
س : إذن لماذا يكره رجال الدين الدكتور داهش بعد اطلاعهم على تعاليمه السامية ، ومعرفتهم بالهدف الروحي العلوي الذي ينشده ؟ وما هي أسباب اضطهادهم اياه ؟
ج : أتريدهم أن يقلده وسام الاستحقاق يا أخي !؟ .. وهو قد أتى إلى هذا العالم كي يدك معاقلهم الحصينة وينتزع منهم ما يظنونه حقوقا قد اكتسبوها منذ ألفين من الأعوام ؟
وهل تريد أن يباركوه ، وهم يرونه يتولى مراسيم الدفن والعماد والقيام بالوعظ الديني في كل أسبوع مرّتين عندما كنا نعقد جلساتنا الروحية .
نعم نحن لا نستغرب لعنهم إياه بالرغم من وصية السيد المسيح لهم إذ أوصاهم قائلا : ” باركوا ولا تلعنوا “! …
ولكنهم بشر . وللبشر حدود لا يستطيع أن يتجاوزوها ، فأمرهم مع الدكتور داهش عظيم ، إذ بلغ بهم السيل الزبّى ، ولم يعد في قوس اصطبارهم منزع .
ثمّ… ألم يضطهدوا الرسل والأنبياء والمصلحين في جميع الأدوار التي مرّت على تاريخ عالمنا المملوء بالأثم والفساد. وإنني أدلي برأيي قائلا لك : لقد أخطأ رجال الدين باضطهادهم للدكتور داهش ، وسجلّوا على أنفسهم أتعابا ما كان أغناهم عنها . وقد سبق للكنيسة الكاثوليكية أن اضطهدت المصلح لوثير ، فما كان منه إلاّ أن أنشق عن كنيستهم ، ثم كان ما يسمونه المذهب البروتستانتي الذي ذاع وشاع ، وملأ الأبصار والأسماع . فلو تركوا الدكتور داهش وشأنه لما إنتشر مذهبه ولا إمتدت شرارته بهذه السرعة الغريبة ، ولما تردد اسمه على كل شفه ولسان . ويحضرني بهذه المناسبة قول القائل :
وإذا اراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
وها هي قافلة الدكتور داهش سائرة . فلينتشر رجال الدين ، وليختلقوا وليروجوا من الأشاعات ما شاؤوا حتى يوم يبعثون ، لأنها لن تجديهم نفعا ، ولن تعود عليهم إلاّ بالوبال الفتاك .
س : لماذا لم تضعوا إطارا أسود على ورقة النعي لشهيدتكم الأولى ؟
ج : هذه عادات قديمة وتقاليد بالية . فنحن نعتقد أنه من يسير على التعاليم السامية وينفّذها بحذافيرها ، سيذهب إلى فراديس الخلد عند رحيله من دنيا الأرض الفاسدة . فلماذا نتوج الورقة بالسواد ، مع أنّ الأحرى بنا أن ندعها ناصعة البياض ؟ فإننا نعتقد الاعتقاد الجازم بأنّ شهيدتنا قد أصبحت ترتع في بحبوحة من السعادة الألهية في جناته الفتانة الخالدة .
س : ما هي تنبؤات الدكتور داهش التي تمّت ؟
ج : هي عديدة لا تقع تحت حصر :
منها تلك النبؤة المشهورة يوم ألقي القبض على الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية . فقد طلبت زوجته (لور) من شقيقتها السيدة ماري حداد ، والدة الشهيدة ، أن تتوسط لها مع الدكتور داهش كي ينبءها عن مصير زوجها بعد إعتقاله في راشيا . فكتب اليها الدكتور على ورقة لاتزال في خزانتها إنه سيعود إلى الحكم معززا مكرما . وحدد لها اليوم والساعة التي سيعود فيها إلى منزله بين آله وذويه . وهذا ما تمّ بالحرف الواحد .
ثم نبؤته عندما بدأت الحكومة السابقة باضطهاده ، إذ أعلن أنّ من سيوقع على مرسوم إبعاده ستكسر يده من العنق . وقد حققت الأيام نبؤته هذه أيضا . ومن يشك ، فليرجع إلى جريدة ” الصحافي التائه ” ، فقد كتب صاحبها هذه النبؤة في العدد 37 بتاريخ 20 شباط من العام الفائت 1944 . فليراجعه من يريد الحقيقة .
س : أين هو الدكتور داهش الآن ؟
ج : لا أستطيع أن أطلعك على مقره لأنني أجهله . ولكنني سمعت بأنّ أشخاصا عديدين قد شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، كما أنّ آخرين يؤكدون أنهم قد إجتمعوا به في دمشق ، وغيرهم في حلب ، وسواهم في بغداد أو البصرة ، وسواهم في كربلاء . ولا عجب ، لأنّ للدكتور شخصيات متعددة تستطيع الظهور في عدّة أماكن في وقت واحد . وهي أمور أصبحنا نعرف أسبابها ومسبباتها .
المذهب الداهشي في لبنان
بتاريخ 11 شباط 1945 ، صدرت مجلة ” الأحد ” الدمشقيّة وهي تحمل هذا المقال :
انتحرت الأنسةماجدا حداد عن عمر ناهز ال 28 سنة في بيروت ، وجرى الأحتفال بدفنها على الطريقة الداهشية . هذا ما ذكرته صحف بيروت آنئذ . وقد راجت اشاعات كثيرة عن الدكتور داهش . ولا يستغرب القارىء حين يعلم أنّ نخبة من أرقى الطبقات في لبنان ، من أدباء وشعراء ومحامين وأطباء وتجار قد اعتنقوا مذهب الدكتور داهش ، ويسمون أنفسهم ( بالداهشيين ) . وهم يبذلون كل مجهوداتهم لرفع الحيف عن كل ما له صلة ( برئيسهم الديني ) ، ولو بالانتحار .
ويقول احد أتباع الدكتور داهش إنّ مذهبهم لا يعترف بالطقوس الدينية الرائجة أو البدع التي يبتكرها رجال الدين لمآرب شخصية . والطريف في الأمر أنّ الدكتور داهش له مؤلفات تحمل إسمه مع أنه لم يمكث في المدرسة سوى شهور لم تتعدّ الثلاثة . وقد إستطاع تأليف كتبه بواسطة الوحي والألهام . وكانت ماجدا حداد أول شهيدة إذ إنتحرت من أجله ، وبسبب إضطهاد الحكومة له ، رغم أنها تلقت رسالة منه بعدم الأقدام على أي عمل انتقام لأجله . وعند دفنها قرأوا على قبرها قطعة روحية ملائمة لموضوع الموت ، من تأليف الدكتور داهش ، وهي من مختارات كتاب (الهادي ) المنزل ، الذي يحوي كثيرا من النبؤات التي تمّت ، والتي ستتم . وّكر أحد مريديه أنّ الموت رخيص جدا ، وفي إنتحار الآنسة ماجدا حداد دليل على ذلك . ويعيش الدكتور داهش من ريع كتبه ، وهو شاب في الثالثة والثلاثين فقط . ومن معجزاته التي يرويها أحد أتباعه أنه استطاع أن يحضر كتابا أضاعه الدكتور خبصا في باريس منذ إثنتي عشر سنة . ثم أحضر قلم حبر ودبوسا نفيسا يخصان المستر اوليفر رئيس مدرسة الفرندس في لبنان أمام عشرات الأشخاص وقد إستحضر شجرة ليمون بورقها وجذورها ، بينما كانت الغرفة مقفلة . كما حول الماء إلى خمر أمام العشرات وبأوقات مختلفة . أمّا أهمّ تنبؤاته فهي تلك النبؤة المشهورة : ألقي القبض على رئيس الجمهورية اللبناني ، فطلبت عقيلته أن ننبئها الدكتور داهش عن مصير زوجها بعد إعتقاله . فكتب لها ورقة لا تزال في صندوقها دوّن فيها أنّ زوجها سيعود معززا مكرما . وحدد لها ، في تلك الورقة ، اليوم والساعة التي سيعود فيها الى منزله . ولا يعرف أحد ، في الوقت الحاضر وساعة كتابة ما تقدم ، مقّر الدكتور داهش . ويقول بعض الأشخاص إنهم شاهدوه في محلات عديدة في نفس بيروت ، مع أنّ الحكومة أخرجته منها ، كما يؤكد آخرون أنهم اجتمعوا به في دمشق ، وآخرونفي حلب … ولا عجب في ذلك لأن للدكتولر داهش شخصيات متعددت تستطيع الظهور في كل مكان وزمان بوقت واحد .
الموت على طريقة داهش
وهذا ما نشرته جريدة ” المستقبل ” الصادرة في طرابلس ، العدد 300 ، بتاريخ 13 شباط 1945
تلقينا نبأ خاصا بوفاة الصبية ماجدا ، كريمة الوجيه السيد جورج ابراهيم الحداد وعقيلته السيدة ماري كريمة المرحوم انطوان بك شيحا من أعيان بيروت . والفقيدة من أتباع الدكتور داهش . فماتت عن عقيدة داهشية ودفنت في جونية على الطريقة الداهشية أيضا . وموت فتاة في ريعان الصبا ترّبت في بيت وجاهة وعلم يعّد خسارة وفاجعة على الأهل . ولكن السيد حداد وعقيلته وأفراد الأسرة استقبلوا موت فقيدتهم بصبر مدهش يحسدون عليه : فلا بكاء ولا نحيب ، وأذاعوا نبأ وفاتها بأسلوب خاص لا نعي فيه ولا أية ظاهرة أسف ، لاعتقادهم أنها حية بالروح حسب الدستور الداهشي ، وتوجوا نشرات النبإ بآيات داهشية جاء فيها : ” أنا ظل سرعان ما يطوف في وادي الحياة ويتلاشى ، والموت يقظة فتانة يحن إليها كل من صفت نفسه وسمت روحه ، ويخافها من كثفت أفكاره وكثرت أوزاره “
فهنيئا لوالدين يرون في مثل هذا المصاب العزاء والسلوى عن إقتناع وعقيدة . فلهما البقاء وللراحلة الخلود.
الوحيد في نيويورك
متحف داهش.. خط الدفاع الأخير عن العرب
متحف داهش هو المتحف العربي الوحيد في نيويورك..تمَّ افتتاحه عام 1995 ويحتوي على أكثرمن 1500 لوحة من مدرسة الفنّْ الاكاديمي ومن المعروف أنَّ الفنّ تلأكاديمي الذي كان منتشراً في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تراجع أمام المدارس الحديثة مثل التأثيريّة والسرياليّة.
وقد كان لمتحف داهش الفضل لعودة الإهتمام بذلك الفنّ ولاقت المعارض التي نظّمها المتحف إقبالاً شديداً من الجمهور ومديحاً من النقّاد.
د. مرسي سعد الدين
وقد نظّم المتحف أخيراً معرضاً بعنوان ” مواجهة الآخر ” استمرّ أربعة شهور وهو لفنّان نحت فرنسي شارل كوردييه الذي أثار ضجّة في الوسط الفنّي في باريس في أربعينيات القرن التاسع عشر حين عرض في 1840 في صالون باريس المشهور تمثال نصفي لرجل من دارفور وآخر لما أطلق عليها اسم ” فينوس أفريقيّة “
وكان كوردييه في سن ال21 من عمره وبذلك بدأ ما اطلق عليه بعد ذلك الفن الأنتوجرافي وقد ابتاعت الملكة فكتوريا التمثالين هدية للأمير البرت في عيد ميلاده.
وقد عرض كوردييه تماثيله في وقت كانت فرنسا قد قضت على الرّق وإن كانت الولايات المتّحدة لا تزال تعتنق مبدأ التفرقة العنصريّة. وكان ذلك أكثر من عشر سنوات قبل نداء ابراهام لنكولن بالمساواة بين الزنوج والبيض.
ومن مقولات كوردييه المشهورة لأن الجمال ليس وقفاً على عنصر مميّز فإنّي أقدّم لعالم الفنّ فكرة عالمية الجمال. إنّ كل عنصر له جماله الخاص الذي يختلف عن العناصر الأخرى . إنّ أجمل سوداء ليست تلك التي تشبه غالبيتنا أو حتى تلك التي تعبّر عن الصفات المرتبطة بعنصرها. وقد كتب كوردييه تلك الكلمات عام 1862 حين كانت الحرب الأهليّة الأميريكيّة على أشدّها من أجل تحرير العبيد.
ولتأكيد فكرته قام كوردييه بأسفار عديدة بدأها بالجزائر، ثمّ إلى دول عربيّة وآسيويّة وأفريقيّة وقدّم تماثيل لشخصيّات من جميع الدول.
وكان عام 1848 الذي عرض فيع كوردييه تمثاليه عاماً مرتبطاً بأحداث جسام وخاصة في إطار المناداة بالقضاء على العبوديّة، كما كان العام الذي شاهد تطوّراً صناعياً وتكنولوجيّاً، وأيضاً العام الذي عقد فيه أول مؤتمر في أمريكا للمناداة بحقوق المرأة وفي العام نفسه أصدر كارل ماركي وفريدريش إنجلز كتباً بعنوان ” المانفستو الشبوكي ” وفي عام 1848 ولِد بول جوجان الذي اشتهر باسلوب غير تقليدي واختار للموضة موديلات من عالم متغيّر وكان عام عام 1848 هو العام الذي أنهت فيه فرنسا الرّق في داخلها وفي مستعمراتها، وكانت انجلترا قد سبقتها بإلغاء الرّق عام 1833.
وحين أرادت الحكومة الفرنسيّة أنْ تعرف المزيد عن شعوب مستعمراتها كلّفت كوردييه بالقيام بعدّة أسفار في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وتركيا وغيرها من الدول. وكانت الجزائر أول دولة زارها كوردييه وكتب في مذكّراته يصف تلك الزيارة يقول: لم أستطع أن أقاوم إنجذابي الشديد لذلك الجزء من العالم. لقد شعرت بفضول جامح مثل ذلك الذي شعرتُ به وأنا أبدأ بقراءة ” الف ليلة وليلة ” كان تفكيري بمثابة منشور ضوئي prism أستطيع من خلاله أن أخلق أعمالاً فنّية جديدة وأذكر حين أبحرتُ للمرّة الأولى على طول ساحل أفريقيا الشمالي، في الجزائرالتي يبرق بياضها في حبور وبمجرّد أن تركت السفينة توجّهت إلى بيت صغير له حوض قائم على أعمدة من رخام. ولمّا كان باب منزلي مفتوحاً دائماً فإني استطعت أن أستقبل وأرحّب بجماعات من الجزائريين ممّا أعطاني الفرصة لأتعرّف عليهم.
وبعد أن عاد كوردييه من الجزائر أقام ثلاثة أبنية على الطراز المعماري الجزائري، استوديو في شارع سانت ميشيل بالحي اللاتيني المشهور، وفيلا دور ساي في عام 1867 ثمّ بعد ثلاث سنوات بنى فيلا في نيس وفي عام 1869 زار كوردييه مصر وكتب يقول انّ المصريين هم يمثّلون المقاومة الطبيعيّة للغرب وأنّهم مركز الدفاع الأخير للشخصيّة المصريّة الأصليّة .
ويحاول البعض أن يربط بين أعمال كوردييه الفنيّة وبين فكرة الإستشراق وخاصة إنّ حكومته أرسلته في بعثات للتعرّف على سمات وأنماط الشعوب المختلفة، ولكن تماثيل كوردييه تعبّر عن الشعوب المختلفة لا بصفته نحّات إستشراق ولكن باعتباره جزءاً من جيل حاول أن يعرف المزيد عن الآخر.
وقد استطاع كوردييه أن يقنع وزير الفنون الجميلة الفرنسي بإرساله إلى اليونان، وفعلاً خصّص له مبلغ 700 فرنك في الشهر وفي 16 أبريل 1858 وصل إلى اليونان وكان لهذه الزيارة أكثر من غرض واحد، ولكن أهم تلك الأغراض دراسة مناجم الرخام وإعادة إستثمار تلك المحاجر التي خلقت من رخامها أجمل التماثيل الكلاسيكيّة. وبالإضافة إلى هذا الهدف الرسمي ، فإنَّ كوردييه إستطاع أن يخلق 27 عملاً فنّياً من لوحات وتماثيل وأيقونات. وتعكس تماثيله من اليونان وخاصةً لنساء البلاد مدى إهتمامه بتفاصيل الأرديّة التقليديّة. ومن الطريف إنَّ نساء البلد الذي أقام فيه حين عرفن أنّه يريد أن يدرس الجمال الإغريقي نظّمن حفلاً كبيراً تجمّعن فيه وظهرّنَ في أحسن ما لديهنَّ من ملابس تقليديّة.
ومن أهم ما حقّقه كوردييه إستعمال الرخام الملوّن في تماثيله وخاصة ” الأونكى ” الذي عثر عليه في مناجم في الجزائر في الفترة ما بين 1850 – 1870 واستعمله فعلاً في العديد من تماثيله، وكان ينادى دائماً بأنّه يريد أنْ يحيى استعمال الرخام الملوّن مثل ما مثل قدماء المصريين ويقول كيف نستطيع أنْ نعطي حياة جديدة لفنٍ كان سامياً ورفيعاً في مصر.
وقد تعرّض كوردييه لهجومٍ قاسٍ من بعض النقّاد الذين صدمهم وجود تماثيل لسود في صالون باريس الشهير، بل إنّ بعضهم وصف أعماله بأنّها لا تنتمي إلى الفنّ الحقيقي ولكن في الوقت نفسه نجد أنّ هناك من وقفوا بجانبه ودافعوا عنه ومنهم الفنّان المعروف دي كامب والناقد الفنّي دومنيك دميني الذي قال بعد زيارته لمعرض كوردييه نحن ننظر هنا إلى كاليري من السود من جميع الإنماط، ننظر إلى أنواع متعدّدة من الوجوه التي تتدفّق حيوية، كما أنّها تمتاز بجمالٍ عظيم وجميعهم تقريباً لا يعبّرون عن بلادهم بل أنّهم يلعبون دوراً ليس من إختيارهم بل كمجرّد ممثّلين في دراما يؤلّفها البيض وبرغم أنّنا لا نرى البيض إلاّ أنّهم موجودون حولنا سواؤ في عاداتهم أو أذواقهم بل وجبالهم ورمانسيتهم التي تنعكس في هذه التماثيل، ولهذا المعرض قصّة تعود إلى عام 1998 حين فكّرت مجموعة من النقّاد والفنّانين في تنظيم معرض لأعمال كوردييه التي كان قد تمَّ جمعها علة فترة عشرين عاماً ، وتقرّر تنظيم المعرض في متحف دورساي وذلك بالتعاون مع المتحف القومي للفنون في كيبك في كندا وجاء بعد ذلك كتحف داهش الذي عرض إقامة المعرض وبذلك نعطي الفرصة للمرّة الأولى للأمريكان لمشاهدة أعمال ذلك الفنان الذي يعدِّ رمزاً لمعركة تحرير الرّق ليس في أوروبا فقط ولكن في أمريكا أيضاً وبذلك يكون متحف داهش قد وقف جنباً إلى جنب بجوار أعظم متاحف العالم ومن المعروف أنّه سبق له أنْ نظّم معارض مختلفة بالتعاون مع اللوفر والمتحف القومي في لندن.
وقد كان لي حظ زيارة متحف داهش عدّة مرّات بل ودعيت لإلقاء محاضرة في عن الإستشراق الجديد حين كان المتحف ينظّم معرضاً لأعمال الفنانين المستشرقين .
وقد سعدتُ حين شاهدت تلك المجموعة الكبيرة من الأعمال الفنّية التي جمعها الدكتور داهش والتي على أساسها أنشىء المتحف في نيويورم، والمتحف في رأي يعدُّ أنجح دعاية للعرب إذ ليس هناك أكثر إيقاعاً من الفنون والثقافة في عكس صورتنا في الخارج، والغريب أنّه برغم عشرات المقالات التي نشرت عن المعرض في أمريكا وأوروبا فإنّه لم ينشر خبرٌ واحد في الصحافة المصريّة والصحافة العربيّة.
أنا داهش أتحدّث إليكم
أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .
ترى ماذا سيقول الناس عنّي بعد موتي وزوالي ؟
إنّ البعض سيستمطرون على إسمي اللعنات والنقمات
كما إنّ آخرين سيردّدون ذكري بالتقديس والرحمات ,
وستخرج آهات عميقة من شتّى القلوب والصدور
بعضها آهات غبطة وحبور , وبعضها غصّات لساكن القبور.
أمّا أنا , فحسبي أن اكون بين يدي الديّان لعرض أعمالي؟
من ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟
لعلّ الأسواء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكل من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .
قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”
حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .
أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .
داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وبينزع منها صورة الشرّ التي طبعت في مخيلاتهم عنه ؟
ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .
داهش من هو ؟
إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , ذادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .
ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .
وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستولى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .
تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942 . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مستعدّ للتضحية بكل شيء مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .
و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”
مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .
تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره :وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيءً فشيءً أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحس أنه مرتبك بعض السيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .
” قوتي هبة و ليست علماً ”
الله , الروح , المادة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.
داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصر أضعف إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”
و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبين أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوتي هبة و ليست علماً , و الظواهر تجري بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعد مستقيمة .
و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”
و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .
و عليك أن تكرر هذه العملية مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المهجزات ” بنفسك .
الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.
الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”
و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “
و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدونها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :
” في المساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمز مقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصية من شخصيات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .
وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .
” نحن نؤمن بالتقمّص “
والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوى إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلب على كلّ الميول والنزعات : المأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق .
– الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !
– الكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .
– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟
” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “
التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .
ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .
لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .
لماذا قامت القيامة على داهش
تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وززجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .
” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي رد مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجود خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.
” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم : أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيعد و يرسل الى مجلس النواب و يرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “
و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية في 9 أيار 1948 ما يلي :
” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً نت إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”
و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التيكانت توجه اليهم في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “
ماجدا … لماذا انتحرت
و القصة التي لغط بها الناس يومذاك أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنت مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم بصورة مذلة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كان ستقتل به الشيخ بشارة ” .
داهش اليوم
كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .
وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبنه . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .
وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .
وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .
عودة الدكتور داهش
بتاريخ 26 آذار 1953 نشرت مجلّة الصياد هذه الكلمة
لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان ، فقد كنا نتوقع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيته ويحق له أن ينعم فيه بنفس الحرية والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين .
ولكن الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسباب بحق الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان !
ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي أو مدير شركة كهرباء مثلا ، لقلنا ان من حق انصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريته المسلوبة !
ولكن الدكتور داهش في نظر هؤلاء مؤسس ديانة جديدة . وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء .
وكم كنا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار ، ولنا بينهم أكثر من صديق ، تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم ، لم تؤسّس على الشتم والاهانة وارسال الكتب المغفلة …وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير ، كما أسست – وهذا هو الأهمّ – على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيد المسيح .
الردّ على مجلّة “الصياد”
بتاريخ 2 نيسان 1953 رددنا على كلمة ” الصيّاد” بهذا المقال
الذي نشرته المجلّة مختصرا . وها هو
حضرة رئيس تحرير الصيّاد الغرّاء المحترم
تحية وسلام – وبعد فأمامي عددكم المؤرّخ في 26 آذار 1953 .
وقد طالعت الكلمة التي نشرتموها بقلمكم الظريف في افتتاحيتكم تحت عنوان ( عودة الدكتور داهش ) ،
وبما أنني من عشّاق أسلوبكم البارع ، وأطالع جميع ما تنشرونه باستمرار ،
وبما أنّني ( داهشيّة ) بكلّ ما تعنيه ( الداهشيّة ) مثلما يعرف الجميع ، رأيت أن أبعث اليكم بردّي لكي تنشروه بحذافيره ، لأنّه اذا حذفتم بعض العبارات تفقد الجمل بعض ما أرمي اليه ، وأودّ أن يعرفه قرّاء مجلّتكم المحبوبة . لهذا آمل ان ينشر على علاّته . ولا أشكّ بأنّ رحابة صدركم كفيلة بتحقيق رغبتي العادلة . والآ، ابدأ فأقول :
أوّلا – لقد أنصفت عندما قلت في مطلع كلمتك ما يأتي : ” لن تدهشنا عودة الدكتور داهش الى لبنان . فقد كنا نتوقّع ، منذ زوال العهد الماضي ، أن يعود الرجل الى البلد الذي يحمل جنسيّته ويحقّ له أن ينعم فيه بنفس الحريّة والحقوق التي ينعم بها سائر المواطنين “.
الجواب – اذن ، أنت تعترف صراحة بأنّ ( داهش ) كان مظلوما ومعتدى عليه من زوج شقيقتي ( بشارة الخوري ) الطاغية الذي اسْتَلب جنسيّة مؤسّس الداهشيّة ، متجاوزا بعمله هذا سلطاته الدستوريّة ، دائسا على قوانين البلاد ، مهشّما بنود الدستور الذي ائتمنه الشعب عليه . فضلا عن اليمين التي أقسمها تحت قبّة البرلمان بأنه سيحترم الدستور ، ويطبّق بنوده المقدّسة على الجميع بميزان العدالة ، فيوزّعها بالحقّ والقسطاس . ولكنّه حنث بيمينه وضرب بها عرض الحائط ، اذ سرعان ما اعتدى على ( داهش ) . وهذا الاعتداء الرهيب يعتبر اعتداء على كلّ لبناني ، لأنّ ( الدستور ) هو سياج الحريّات المهدّدة ، وحاميها من عدوان الحاكم المسيطر ، ورغما عن هذا الاعتداء البربريّ الصارخ فانه لم يجرأ صحافيّ واحد ( والصحافة رسالة سامية ) على أن يحرّك قلمه ليهزّ به عدوان الباغية ، بل بالعكس قامت قيامتهم على داهش البريء لينالوا عطف من بيده مقاليد السلطات العليا …متناسين أنّ أفضل جهاد عند الله كلمة حقّ تقال بوجه حاكم ظالم .
هذه حقيقة راهنة تعرفها أنت ، وأعرفها أنا ، مثلما يعرفها كلّ لبناني ، بعدما وقفت انا واخواني الداهشيّون بوجه هذا المعتدي ، وفضحنا ارتكاباته بعشرات ( الكتب السوداء ) التي طبعناها ووزّعناها في جميع أنحاء الشرق والغرب ، متحمّلين في هذا السبيل أرهب ما يمكن لمجاهد مخلص أن يتحمّله من الضغط والارهاب والبطش والتنكيل والسجن المتواصل …حتى أزفت الساعة ، ساعة ثورة الشعب على من طغى وبغى ، وتكبّر وتجبّر ، وتطاول أنفه واشمخرّ حتى بلغ السّماك . واذا بالطاغية يستحيل الى قزم قميء لا قوّة له ولا سلطان بعد ان تحطّم ما كان يظنّه سلطانا وصولجانا …. وهكذا انتصر الحقّ وزهق الباطل ، انّ الباطل كان زهوقا .
ثانيا – قلت : ” ولكنّ الذي أدهشنا هو أن تسبق عودته ( أي عودة مؤسّس الداهشيّة ) تلك المجموعة من المناشير التي بعث بها أنصاره الى الصحف ، وفيها ما فيها من الشتائم والسّباب بحقّ الذين ساهموا في ابعاد الدكتور داهش عن لبنان “.
الجواب – انّ المناشير التي أشرت اليها في كلمتك سبق لنا أن وزّعناها بالبريد الى كافّة أقطار الدنيا . وذلك في اثناء سيطرة ( بشارة الخوري ) المخلوع بارادة الشعب . فضلا عن أننا وزّعناها ، يومئذ ، بعشرات الألوف في جميع أنحاء لبنان ، وفي قلب العاصمة بيروت أثناء تحكّم (بشارة ) برقاب العباد .
وعندما وزّعنا هذه ( الكتب السوداء ) كنّا نعتبر أنّنا نقوم بواجب مقدّس ملقى على كواهلنا وعواتقنا ، وذلك لكي ننير الاذهان ، ونلقي نورا على جريمة أرادوها ظلاما كثيفا .
ولم نقم بعملنا هذا – أي لم نطبع ونوزّع هذه الكثرة من الكتب والنشرات السوداء – الاّ بعدما يئسنا اليأس التامّ من وجود أيّ ( صحفيّ لبنانيّ ) يتبنّى قضيّة الدفاع عن ( مظلوم بريء ) لينتزع حقّه السليب بقلمه .
نعم ، لم يوجد حتى ( ظلّ هذا الصحفي ) في عهد ( بشارة الخوري ) ، مثلما وجد في فرنسا ( اميل زولا ) ذلك الرجل النبيل الذي خلّد التاريخ اسمه الى الابد .
اميل زولا الذي دافع عن ( دريفوس ) لأنّه كان يعتقد أنّه بريء . وقد وضع نفسه في فوهة البركان عندما تحدّى ارادة الحاكمين ، ورغبة القضاء ، وثورة الشعب ضدّه ، وقبل أخيرا أن يغادر وطنه ، وينفي نفسه ، دون أن تلين له قناة ، أو تهن له عزيمة . كلّ ذلك دفاعا عن رجل يعتقد ببراءته .
نعم ، يا سيدي ، نعم ، لم يوجد في لبنان ( صحفيّ واحد ) تجرّأ وكتب ( كلمة حقّ ) حول هذا الاعتداء على ( جنسيّة ) رجل ، وحريّة رجل يكفلهما له الدستور ككلّ مواطن . فاضطررنا اضطراراً ، وأرغمنا لأن ننزل الى ميدان الكفاح ، ونقتحم معاقل المعتدين ، ونحن على أتمّ الاستعداد لتقبّل أية تضحية مهما عظمت في هذا السبيل النبيل .
وأظنّ ، بعدما عرف الآن الكاتب البارع – سعيد فريحة – السبب ، زال منه العجب . أليس كذلك ؟
ثم هب أنّ هذا الاعتداء ، أوقعه الطاغية على شخصك ، فهل كنت سترشقه ( بالورود والياسمين ) ، وتسكب على قدميه ( عطر الناردين ؟…) ، أم كنت تفكّ عقال قلمك الجبّار ، وتطلقه في اثره أينما سار ، ليقوّض من بنائه ما يقوّض ، حتى تدمّره على رأسه تدميرا مزلزلا – مثلما فعلت يوم استدعاك ( ناصر رعد ) تنفيذا لرغبة أحد السلاطين (أي شقيق بشارة السلطان سليم ) .
ترى ، كيف جاز لسعيد فريحه أن يطلق ، يومذاك ، صواريخه على الحكّام الظالمين …ويأتي نفس ( سعيد فريحة ) اليوم بافتتاحيّته ليقول للداهشيّين :” لا يجوز لكم أن تنكّلوا بمن ساهموا بجريمة ابعاد مؤسّس الداهشيّة عن وطنه لبنان ” ؟ انّني انتظر منك جوابا في العدد القادم .ولكلّ سؤال ، يا سعيد ، جواب …
ثالثا – قلت :” ولو كان الدكتور داهش رئيس حزب سياسي ، أو مدير شركة كهرباء مثلا – لقلنا من حقّ أنصاره أن يستعملوا لغة السباب والشتائم في الدفاع عنه وعن حريّته المسلوبة “.
الجواب – وكبار الادباء ، والكتّاب المسيحيّون الذين هاجموا بأقلامهم السليطة الشعب اليهوديّ ، وملأوا مئات المجلّدات بأقذع ما يمكن أن تسمعه اذن بشريّة لأنّ اليهود سبّبوا صلب سيّد عقيدتهم ( يسوع المسيح ) كانوا متأكّدين أنّ ( المسيح ) مؤسّس عقيدتهم لم يكن ( رئيس حزب سياسي ) ولا (مدير شركة كهرباء مثلا ) ، ومع هذا خاضوا بأقلامهم واقتحموا معاقل اليهود فزلزلوا أسسها وردّموا آثارها ، ودكّوها دكّا عاصفا لم يبق ولم يذر . فالأديب العالميّ الاميركيّ المعروف ( هوبكنس ) صاحب كتاب ” جريمة اليهود الوحشيّة ” قال الشيء الكثير . وها اني أنقل لك جملة عاديّة من مؤلّفه الثمين . قال :
” واليهود – هؤلاء الوحوش الضارية – هؤلاء المجرمون الأفكة – هؤلاء الأثمة المنغمسون في النقائص من قمم رؤوسهم حتى أخامص أقدامهم – البائعون أعراض نسائهم – المقدّمون فتياتهم لكل طارق – العابثون بالفضيلة – الهازئون بالشرف – الضاحكون عندما تذكر أمامهم كلمة الضمير – هؤلاء هم الذين تقع عليهم تبعة صلب السيّد المسيح “!
ثمّ يستطرد هذا الكاتب فيذكر عبارات دمويّة مقوّضة ترزح تحت معانيها أطواد الجبال المشمخرّة .
وكذلك فعل الكاتب الانكليزي السير ( جون مايلز ) ، والدوق ( هدلتون ) ، والمستر (براندي ) ، والكاتب النروجي ( أدامس ) ، والاديبان الروسيّان ( ستربتوفسكي ) و( تورغنيف ) ، وسواهم وسواهم اذ ملأوا كتبهم بما يطلق عليه الناس اسم ( شتائم ) سكبت في قالب أدبيّ عنيف جدّا ، فعلوا هذا ، واطلقوا مقنبلاتهم على رؤوس اليهود واليهوديّة ، محمّلينهم تبعة صلب السيّد ( المسيح ) مع أنهم متأكّدين انه لم يكن ( رئيس حزب سياسي )….
فاذا ترسّمت أنا وبعض الداهشيّين خطوات كبار أدباء الغرب فانّما نكون قد تشبّهنا بالكرام من الأدباء المرموقين . والمثل العربي يقول “: انّ التشبّه بالكرام فلاح …”
رابعا – قلت :” ولكنّ الدكتور داهش في نظر الداهشيّين مؤسّس ديانة جديدة ، وتأسيس الديانات يجب أن ينزّه عن الكلام البذيء “.
الجواب – عندما يعتنق أيّ امرىء مذهبا ما ( بقطع النظر عمّا اذا كان مذهبا اجتماعيّا او سياسيّا او دينيّا ) فانّه يخوض المعارك القلميّة ، حتى والحرب الفعليّة ( كالحرب الصليبيّة مثلا ) دفاعا عن عقيدته التي آمن بها وهو يستعمل جميع أنواع الأسلحة التي يعتقد أنّها ستوصله الى غايته …
ونحن عقيدتنا التي آمنّا بها ، والتي ندافع عنها دفاع المستميت تقول : ” من لطمك على خدّك الأيمن حطّم له خدّه الأيمن ثمّ ردّم له الخدّ الأيسر ترديما تامّا “. وعندما شاهدنا أعداءنا قد اعتدوا علينا بدون سبب ، وشفعوا جريمة انتزاع الجنسيّة بمحاولتهم تأليبهم علينا قطيعا من ذئاب المرتزقة من ( الكويتبيّين ) الذين غمسوا أقلامهم الصفراء في مستنقعات آسنة , وقصدهم من كلّ ذلك تشويه سمعتنا تجاه الرأي العامّ ليصرفوا الأذهان عن جريمتهم النكراء ، ونيّاتهم السوداء …اذ ذاك تأكّد لنا أنّه ” لا يفلّ الحديد الاّ الحديد ” فشمّرنا عن سواعد الجدّ ، ونزلنا الى الميدان الذي أرادوه ، ونقدناهم من بضاعتهم ….ولكن بطريقة مروّعة مزلزلة قصمت من هؤلاء الذئاب المفترسة الظهور ، اذ حطّمنا بعصانا الفولاذيّة ضراوتهم ، وقضينا على شراستهم …ثمّ هل نسيت المثل القائل :
” العبــد يقــرع بالعصــا والحــرّ تكفيــه الاشــارة “!
ولمّا كانت القطعان المأجورة لأسيادها تهاجمنا لمنفعة ذاتيّة – لا لمنفعة عموميّة – رأينا أن نخاطبها باللغة التي تفهمها وتهضمها بسهولة تامّة …
وهكذا كنّا لهم من المنصفين . فمن ارتكب شرّا تقع عليه تبعته . فما كان أغناهم وأغنانا عمّا تمّ ووقع ، ولكن …لهم أعين ولا ينظرون ؛ أو قل ” انّما تعمى البصائر لا الأبصار “. رفع الله عن أعينهم غشاوة الجهل ، وأعادهم الى صوابهم . انّه أرحم الراحمين .
خامسا – قلت :” وكم كنّا نودّ لو أنّ هؤلاء الانصار – ولنا بينهم أكثر من صديق – لو تذكّروا أنّ الديانة المسيحيّة وهي أوسع الديانات انتشارا في العالم لم تؤسّس على الشتم والاهانة ، وارسال الكتب المغفلة ، وانما أسّست على الحبّ والتسامح والخير “.
الجواب – انني أذّكر السيّد ( سعيد فريحة ) المسيحيّ بأنّ مؤسّس عقيدته المسيحيّة قال :” بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد !”.
ثمّ قال :” ما جئت لألقي سلاما بل سيفا . جئت لأفرّق الابن عن أبيه ، والابنة عن أمّها ، والأخّ عن أخيه …” الى آخر الاية .
وعندما جاءته تلك ( المرأة ) طالبة شفاء ابنتها قال :” ليس حسنا ان يطرح خبز البنين للكلاب “.
واذ ذاك عرفت المرأة أنّه يعنيها بكلامه ، فتواضعت وقالت له : “والكلاب يا سيّدي تأكل الفتات المتساقط تحت المائدة ” ، أي قبلت بسبب ايمانها ان تنعت بالكلب الذي وصفها به السيّد المسيح .
ثمّ …ألم يقل السيّد المسيح لتلاميذه ” اذهبوا وقولوا لذلك الثعلب هيرودس …”
انّني أعتقد تمام الاعتقاد أنّ السيّد المسيح كان ثائراً كبركان فيزوف . نعم , كان ثائراً على جميع الأوضاع والقوانين ، ثائرا حتى على نفسه . وقد قادته هذه الثورة أخيرا الى خشبة الصليب فعلّق عليها دون أن يتراجع عن ثورته حتى آخر لحظة من حياته .
هذا هو السيّد المسيح . هذا هو الناصريّ الذي أعرفه كما هو على حقيقته الواقعيّة ووجهه السافر . امّا قولك :” انّ المسيحيّة أسّست على الحبّ ، والتسامح …والخير …” فزمجرة مدافع المسيحيّين، وتدفّق نيران الأسلحة الجهنميّة التي تطلقها (الدول المسيحية ) بعضها على البعض ، وافناؤهم للملايين لأجل مصالح ماديّة دنيويّة ، وليس لغايات دينية سامية – تبرهن أنك تنظر الى هؤلاء الذين يدّعون انهم ( مسيحيّون ) بمنظار (أبيض ) سوّد الله وجوههم !…
فأيّ ( تسامح ) هذا الذي يرتكبونه ؟ وأيّ ( حبّ اوخير ) يبغونه ؟
أبتشريدهم عرب ( فلسطين ) ، وطردهم من وطن آبائهم وجدودهم ؟ أم باعتدائهم على الدول الضعيفة وأكلها كلقمة سائغة ؟ أم باستئسادهم على حفنة من زنوج ( الماوماو ) في مجاهل القارّة الأفريقيّة ؟
كفانا يا سيّدي كفانا !…انّ (المسيحيّة ) اليوم أصبحت كورقة المئة ليرة اللبنانية ( المزيّفة ) . والعياذ بالله !
سادسا – قلت” انّ الديانة المسيحية ( وهذا الأهمّ ) أسّست على الظلم والاضطهاد وعلى الخشبة التي علّق عليها السيّد المسيح “
الجواب – ذاك عهد قد مضى وانقضى ( عهد الظلم والاضطهاد والتعليق على الخشبة ). فعهد محاكم التفتيش المرعب قد عفت آثاره ، وانطفأت أخباره ، بعدما هتكت أسراره التي لم تشرّف مرتكبيها . انها لطخة عار ، وليست اكليلا من الغار …فنحن يا سيّدي نعيش اليوم في عصر المدنيّة والنور ، عصر الحريّة ، عصر الدستور الذي يتساوى أمامه الكبير والصغير ، الأمير والحقير ، وذلك بعد جهاد قرون ، واضطهاد أجيال مخيفة .
واذا كنت تعني أنّه كان من الواجب ان يضطهد ( داهش ) لأنّ صاحب كل رسالة يجب ان يضطهد ويحني هامته أمام مضطهديه ….اذا كان هذا ما تعنيه فانني أقول لك :
( ثق بأنني لو لم أكن متأكّدة – انا واخواني الداهشيين – بانّ مؤسّس عقيدتنا هو الثائر الأوّل على كلّ طاغية ، ومرتكب باغية ، لما تبعناه ، ولا ترسّم أي منّا خطاه . فثوراته الدائمة هي التي جعلتنا نكون أتبع له من ظلّه . وداهش نفسه خلق فينا روح التمرّد الأبديّ ، والكفاح السرمديّ ، والنضال الأزليّ ، ما بقيت روحنا في جسدنا الأرضيّ …
وتمرّد داهش على العتاة ومحاربته ايّاهم بجبروت وعنفوان مزلزلين هما اللذان جعلانا نضحّي في سبيله بأموالنا وأرواحنا .
ويطيب لي بهذه المناسبة ان أسمعك بعضا من كلماته الثوريّة لتدرك أيّة عزيمة فولاذيّة تحتويها روحه القويّة ، قال :
” أنا القويّ الجبّار ، والعنيف البتّار ، فمهما حاولت الأحداث أن تتغلّب عليّ أو تخضعني لجبروتها فانها لن تعود الاّ بصفقة الخاسر المغبون ، ولن تتمكّن من اماتة ما يجيش في نفسي من نزعات تبغي الانطلاق من هذه القيود . كلاّ !…انا لن أتقاعس عن نيل أهدافي ، وبلوغ اتّجاهاتي التي أطمح اليها .
وسأحقّق أمانيّ عاجلا ام آجلا وسأسحق ما يقف في طريقي من عقبات كأداء وسأردّمها ترديما . وسأهزأ بالانسان ، وبالطبيعة ، وبالقدر !…وسأبلغ آمالي ، وأحقّق أحلامي ، وأنف الحياة في الرغام”.
وقال :” نفيت لأني اتّهمت بكوني أثرت في نفوس أتباعي الثورة الجارفة ، ونفثت في أرواحهم حبّ تقويض أرائك الحكّام المستبدّين!”
وقال :” نحن قوم مسالمون ، نحترم صاحب السلطان ما دام يحترم حرّيتنا ، امّا اذا حدّ من حرّيتنا المقدّسة ( هديّة الخالق للخلائق )، اذ ذاك ننقلب الى أسود ثائرة نبطش بهذا الحاكم الجبان ، ونؤدّبه تأديبا مرعبا مرهبا . ونجعله عبرة لكل معتبر “.
وقال :” لو كانت ثورتي الجارفة ضدّ أعدائي غير محقّة لأصغيت لكلّ من يريد مناقشتي او مجادلتي .
ولكنّني صاحب حقّ صريح اعتدى عليه الحاكم الوصوليّ الظالم . لهذا لا أقبل أيّ مناقشة أو جدال . وسأمكث على مهاجمتي العنيفة المستمرّة حتى أنتزع حقّي المغصوب ، وأستعيد حرّيتي السليبة “.
وقال :” الجبان في شريعتي ليس أهلا للحياة مطلقا . فامّا أن نجبن فيستعبدنا القويّ الغاشم ، وامّا أن نظهر شجاعتنا ، ونطلق بطولتنا ، فننتزع بواسطتها حرّيتنا المقدّسة الخالدة “.
وقال :” سأنهض ، وأحطّم قيودي ، وأجتاز جحيم هذه الحياة بقلب جريء وارادة جبّارة ، وأتمكّن من ناصية المجد والانتصار “!!
هذا غيض من فيض ممّا تفجّرت به روح ( داهش ) الثائرة على كلّ ما تقع عليه العين ، او يصل اليه الخيال . هذا هو مؤسّس عقيدتنا الداهشيّة ، وباعث فينا روح الثورة المندلعة بنيرانها الجهنميّة الأوار ، لتزدرد كلّ من يريد الاعتداء على حريّة معتقدنا التي كفلها الدستور سياج الحرّيات وحاميها الأمين . فنحن أحرار بما نعتقده ، ونهاجم كلّ من يقترب من عريننا الذي نحميه بمهجنا وأرواحنا .
كما انّنا لا نهاجم صاحب أيّ عقيدة ولو آمن بالشيطان . فله معتقده ولنا معتقدنا .
وأختم ردّي بقولي : ما كان أغنى بشارة الخوري عمّا أصابه من الداهشيّة طوال تسعة أعوام عارمة بكتبها السوداء ، لو ترك لنا حرّيتنا التي وهبها الله جلّ اسمه لنا ، فأراد هذا الطاغية سلبنا اياها . فكان ما كان ممّا يعرفه جميع سكّان لبنان . وسلام عليك من المخلصة .
ماري حدّاد الداهشيّة
لاحقة :
ذكرت في كلمتك كلمة ” ارسال كتب مغفلة “
وجوابي عليها أنني ما تعوّدت مطلقا ان أرسل كتابا مغفلا لأيّ شخص كائنا من كان .
وكتبي السوداء التي كنت أشحنها بأرعب وأرهب ما يمكن ان يخطّه قلم بشريّ …كانت تحمل توقيعي الواضح الصريح .
خذ مثلا ( كتابي الاسود ) الذي عنونته هكذا ” سأغتال الشيخ بشارة الخوي المجرم “، ( ونشرتي السوداء ) التي عنوانها ” سيقتل الشيخ بشارة الخسيس ، وستنتقل روحه الى ابليس ” وهكذا ( كتابي الأسود ) الذي عنوانه ” يجب محاكمة رئيس الجمهورية بشارة الخائن ” الى آخر ما هنالك …
وقد وزّعت هذه الكتب في أعوام 1945 و1946و1947و1948 أي عندما كانت كلمة ( بشارة الخوري ) دستورا نافذا لا مهرب منه .
يومذاك كان أكبر رأس يطأطىء أمام ( بشارة الخوري ) ويحرق امامه بخور الذلّ والمهانة …
اذن ، غير معقول أن أرسل الى أيّ فرد من الناس ( تحريرا مغفلا ) ولا أدري كيف استنتجت مثل هذا الاستنتاج فبنيت عليه حكمك .
اذن يجوز لي ان أقول :” انّ بعض الظنّ اثم “.
واذ أختم مقالي ، آمل منك أن تنشر موضوعي الذي امتدّت فروعه ، وتشعّبت أصوله . وانّني مستعدّة لاعطائك أيّ ردّ ترغب في توجيهه إليّ من منبر مجلّتك . والسلام .
بيروت 26 آذار 1953 ماري حدّاد
كيف عرفت الدكتور داهش؟
بتاريخ 22 كانون الثاني 1945 صدرت جريدة ” المستقبل ” الطرابلسيّة
لصاحبتها الفيرا لطّوف, وفيها هذه الكلمة :
هو الروحانيّ العجيب الذي أثارت روحانيّته المدهشة سخط رجال الدين وحملات صحفيّة صاخبة قضت بإبعاده عن البلاد, وتتحدّث عنه اليوم على صفحات ” الهدف ” الغرّاء الكاتبة الأديبة السيّدة ماري حدّاد, عقيلة الوجيه البيروتي السيّد جورج إبراهيم حدّاد بكثير من الإعجاب. وهي من أنصاره وأتباعه الذين عرفوا عن معجزاته الروحانيّة الشيء الكثير, ووعدت بنشر معلوماتها عنه في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة. وهي مرتاحة لصراحتها في القول والعقيدة. وفي ختام حديثها تنصح بمطالعة كتابها هذا بتفكير عميق, وإخلاص وتدقيق ولا ندري كيف يكون تأثير هذا الكتاب على الرأي العامّ, وبأيّة غضبة سيستقبله رجال الدين؟!
كيف عرفت الدكتور داهش 2
تحت هذا العنوان صدرت جريدة ” الهدف “
في صباح 6 كانون الثاني 1945, العدد 393,
وفيها هذه الكلمة لماري حدّاد :
لمحة تمهيديّة
هي فصول ومذكّرات كتبتها في أوقات الفراغ . وقد دوّنت فيها أهم ما عرفته عن الدكتور داهش منذ عامين .
ففي 12 أيّـآر من عام 1942 أقيمت في مادي المهاجرين ( ساحة النجمة ) حفلة خطابيّة أدبيّة ألقى فيها الأستاذ يوسف الحاج محاضرة جامعة أتى فيها على ذكر الظاهرات الروحيّة التي جرت أمامه على يد الدكتور داهش ؛ وروى للناس شيئاً كثيراً عن تلك الظاهرات , فخرجوا من الحفلة وهم مصدّقين ومشكّكين لأنّهم سمعوا أموراً خارقة يكاد العقل لا يصدّقها ولا يسلّم بها .
وانتشرت أخبار تلك الظاهرات في بيروت وقرى لبنان ومصايفه وسواحله , وفي خارج لبنان أيضاً . وبعد شهرين من تلك المحاضرة التاريخيّة أصبح للدكتور داهش تلامذة عديدون وأنصار ومريدون , بينهم الشاعر والأديب والمحامي والطبيب والبعيد والقريب , وكلّهم من أرقى طبقة في الشعب علماً ووجاهة وثقافة . وكلّما مرّ أسبوع زاد عدد أنصار الدكتور داهش وأتباعه , مّما لفت إليه أنظار رجال الدين والدنيا بسرعة غريبة .
واتّفق أن زارنا أحد الأصدقاء المفكّرين وتحدّث معي ومع زوجي جورج إبراهيم حدّاد عن تجارب الدكتور داهش وأعماله الخارقة . وفي اليوم الثاني – وكنّا في مستشفى الجرّاح الدكتور رزق – زرنا الدكتور داهش , وتعرّفنا به شخصيّاً , وكان لديه بعض الزائرين والمعجبين به , فطلبنا اليه أن يقبلنا بين أنصاره . فوعدنا خيراً وودّعناه .
وبعد أيّـام قليلة , تسنّى لنا أن نحضر جلسات روحيّة كانت سبباً لفتح عقولنا وأفكارنا لإكتشاف أسرار روحانيّة غريبة في بابها . وهذه الأسرار الغريبة العجيبة هي التي يسرّني كثيراً أن أحدّث عنها القرّاء في كتاب خاصّ باللغة الإفرنسيّة . ونصيحتي لقارىء سطوري هذه أن يطالع الكتاب المذكور بتفكير عميق وإخلاص وتدقيق .
ماري حدّاد الداهشيّة
لا كرامة لنبيّ في وطنه
مائة عام خلت، مذ ومض نور اخّاذ خطف الابصار في لبنان لبرهة ثمّ ما لبث أنْ توارى. هذا القبس الذي شعّ من خلف ربوات الأرز حمل خيوط الحقيقة لغير مستحقّيها آنذاك، إنّه ذلك الفيلسوف العظيم والأديب المتجلّي والرسام الشفّاف، جبران خليل جبران.
آمن بأنّ الحقيقة والخلاص ليسا حكراً على دين أو طائفة ما، لا بل راح يكرّز بوحدة الأديان ووحدانية ينبوعها الزلال. لأجل هذا رفضه أبناء بجدته وساطوه بألسنتهم اللاذعة التي لم تكن أبداً لتنطق سوى بكلمات التعصّب الأعمى الساري في عروقهم والممتزج في خلاياهم. فكان إختياره أنْ نفى نفسه وفكره وقلمه الى ما وراء البحار . من هناك أطلق أحكامه الصاعقة التي بترت أفاعي المصالح والغايات المتسربلة بلباس الدين، ومزّق الأقنعة الصفيقة عن وجوه من يحكمون باسم العدل والحرّية المقدّسة وجلّ ما يختلج في ثناياهم حبّ المال والسلطة ضاربين بذاك العدل وتلك الحرّية عرض الحائط، فقال بصوتٍ ردّدت صداه الآفاق تلك الكلمات الخالدات ، ” الويل لأمّة كثرت فيها طوائفها وقلّ فيها الدين … الويل لأمّة تلبس ممّا لا تغزل وتأكل ممّا لا تزرع … الويل لأمّة ممزّقة والكلّ ينادي أنا أمّة …” .
مرّت أعوام وأعوام على ذلك القلم الثائر في منفاه يسطّر حروف الحقّ على صفحات مجّدت إسمه ليصبح الأديب الأشهر والروحانيّ الأعمق والأكثر وعياً وإدراكاً للحقائق الأزليّة في بلاد الإغتراب . عندها فقط تبنّى لبنان هذا الولد البار ونسي أبناؤه لا بل تناسوا ما قذفته ألسنتهم الرعناء في وجهه قبل أعوام. إنْ كان جبران قد غفر لهم ذلك، فلم ولن يفعل التاريخ .
ومرّةً أخرى تجود السماء بأحد أسطع أنوارها على لبنان، ألا وهو داهش الأديب المعْجزْ والروحانيّ العظيم. جاء مبشّراً ونذيرا، يحثُّ العالمين للعودة الى الفضائل والتمسّك بحياض الحقّ ونبذ التعصّب. بشّر بالسماء وحسن المآل إنْ أنكر المرء ذاته ووضع نفسه في خدمة خالقه وسار حسب تعاليم دينه الحنيف، أي دين كان، فكلّ درب شائك يحارب فيه الإنسان شهواته الوضيعة وميوله السفليّة ويمحقها بقوّة إيمانه بحبال العزّة الإلهيّة لا شكّ سيقوده الى الفراديس العلويّة .
ضمّن الدكتور داهش أفكاره السامية تلك في حوالي 150 كتاباً تناولت مختلف ميادين الأدب من شعر منثور، وقصّة مثيرة، ورواية. كلمات لا بل آيات يفيض منها الضياء فتكون منارة هدى للنفوس التائقة للإنعتاق من كبول الجسد والتحرّر من عبوديّة الرغبة والسلطة والمال. تلك الكلمات فعلت فعل السحر في قلوب العطشى للحقائق الروحيّة، لكنّها كانت كالمهنّد الباتر يشهر في وجه وائدي الحقّ ومضطهدي الحرّيات. فما كان من أولئك الأخيرين إلاّ أنْ أنكروا هذه الهبة السماويّة لا بل عذّبوا منْ أُرسل بينهم سراجاً منيراً، ووضعوه غياهب سجونهم، وسلبوه جنسيّته ، ومن ثمّ نفوه خارج البلاد ليأمنوا صوت اللّه فيه الذي زلزل كيانهم، وأقضّ مضاجعهم.
لكنّه عاد، وأبى إلاّ أنْ يبعث بنات أفكاره رسلاً تتغلغل في نفوس مستحقّيها. وبعد إتمام ما كان قد وهب نفسه ووقته وكلّ ما أوتي من طاقة لإرسائه، هاجر الى الولايات المتّحدة وأنشىء متحف داهش في جادة ماديسون في مدينة نيويورك، ذلك المتحف الذي يضمّ الآلاف من اللوحات والمنحوتات الغنيّة بقيمتها الفنّية والمادّية . أضف الى ذلك المعبد الفنّي، أسّس الدكتور داهش مكتبة عملاقة تحوي الآلاف من الكتب المتنوّعة بمضمونها وهي بمثابة مرجع موثوق للحضارة الإنسانيّة.
أفواج إثر أفواج من الأميركيين وغير الأميركيين يتوافدون الى متحف داهش شهريّاً، وحين ولوجهم ترتسم على وجوههم علامات الدهشة والإعجاب بهذا الشخص المعجز الذي قام وحده بما قد تعجز عن إتيانه مؤسّسات كبيرة لا بل قل دول.
هو مفخرة ومحطّ إعتزاز لكلّ من آمن بما بشّر فيه من قيم سامية وتعاليم راقية. ينال التقدير والتكريم على صفحات المجلاّت والجرائد في بلاد الغربة القصيّة، ولكنّي أقولها وفمي ملؤه ماء، ليست هذه هي الحال في بلاد منشئه.
تساؤل يطرح نفسه في الختام، أما آن للبنان أنْ يتعلّم إكرام بنيه في أرضه؟ ألا يرى بأنّ التاريخ يعيد نفسه؟ النور ينبثق دائماً من جنباته لكنه يأبى أنْ يحتضن النور في مشكاته، فترى ذاك الأخير يمتطي الأثير ليضيء عبر البحار والأمصار، تاركاً لبنان ينعي ما أصابه من الخسران ولكن بعد فوات الأوان …
ياسر عطوي
الكتاب الذي أرسلته إلى الشيخ بشارة الخوري
رئيس جمهورية لبنان بتاريخ 2 سبتمبر 1946:
معالي الرئيس المُكرّم
وصلتني في هذا الأسبوع رزمة فيها أوراق ومنشورات ووثائق كلّها تتعلّق بقضية الدكتور داهش. و كنتُ انتظر مثل هذه المعلومات من مدةٍ طويلة لأصلْ إلى أعماق هذه المسألة التي هي أهم حادث جرى في الشرق في هذا الجيل. و من رأيي أن تتناوله أقلام الكُتّاب بشيءٍ من الصراحة على الحقّ ليكون خطوة إلى الأمام في كل الأقطار العربية. أما إذا لم يقم المفكرون بواجبهم نحوه فهو بدون شك خطوة إلى الوراء. و معلومٌ أن كل خطوة من هذا النوع-سواء كانت إلى الأمام أم إلى الوراء- تجر وراءها خطوات من جنسها. مجموعة الأوراق و المنشورات التي دخلت إليّ تقع في 792 صفحة. و أنا أطالعها الآن للمرة الثانية بكلِّ ما يمكن من العناية و التدقيق.
و هي تؤيّد ما تقوله ماري حداد من ان هناك جريمة منظمة لإخراج داهش بلا محاكمة و تجريده من جنسيته. وهي جريمةٌ بالشكلِ الذي أخذته صارت تستحقّ الدرس. لأن نوع التعصّب الذي تخللها يجعلنا عن المتعصّبين-لا المُسلّمين. و هي حقيقة يجب أن نحاربهها بكلِّ ما يعرفه البشر من الشجاعة.واعتقد أن الشعب الذي لا يجابه الحقائق لا يستحقّها.
تمرُّ بالحادثِ شخصيات كثيرة، و لكن الشخصية التي تطفو على الجميع هي ماري حداد، تلك الباسلة التي مثّلت دور أميل زولا في حادث دريفوس و فولتير في دفاعه عن الذين ظلمتهم محاكم التفتيش، بل هي بزّت الاثنين معاً في تقديسِ عقيدةٍ والنضال من اجل حرية الفكر والكتابة والاجتماع. و من عجائبه الإقرار أن لا يوجد في لبنان من يدافع عن حرية الإنسان غير امرأة. على كثرة الذين يسبحون في الكتابة و الخطابة والشعر.
يؤلمني شيء واحد. هو ان يحدث هذا الأمر على دوركم. و أريد منكم شيئاً واحداً: هو أن تسعوا في إطلاق سراح داهش و ختم هذه المأساة-او ان تكونوا من الرجال الذين لا يهمهم ماذا يقال عنهم بعد موتهم.
إني سألق كتاباً في هذا الموضوع . و انا أكتبه لأجل دعوته، و لا لأجل الذين نظموا الجريمة. أنا اكتب لأجل ماري حداد التي وقفتْ وقفة أسدٍ تألّبت حوله جميع أنواع الحيوان. و هي تحارب وحدها لأجل حرية الفرد في الشرق كلّه. بينما جميع كتّابنا و مفكرينا يتفرّجون عليها كأنّهم شرذمة من القرود!
إن كتابي هذا لا نظير له في اللغة و العربية، و سيكون صاعقة على أعصابِ جميع حملة الأقلام في الشرق. ليفيق شعبنا و يسأل: هل عنده كتّاب و أدباء؟ أم عنده زمرة عبيد موجودين دائماً تحت الطلب في أسواق المزاد.
و جلّ ما اتمنّاه أن اكتب بيدي أن تشريد داهش كان في أيامكم وإطلاق سراحه كان في أيامكم و أظنُّ أني أطلب أمراً عادلاً و غير مستحيل.
جبران مسوح
الكتاب الذي ارسلته إلى رياض بك الصلح
بتاريخ 10 سبتمبر 1946:
سعادة رياض بك الصلح الأفخم
وصلت إليّ في المدّة الأخيرة منشورات ووثائق تقع في 792 صفحة تتعلّق بحادث نَفِي الدكتور داهش. و الذي يطالع هذه الاوراق جميعها يشعر أن هناك جُرماً لا تستطيع قوّة أن تخفيه, و طبيعي ان هذا الحادث كان صدمة هائلة لما كنّا نقيمه من الآمال في مستقبل أوطاننا بعد أن نالت حرّيتها واستقلالها. و الاوساط الأدبيّة هنا إهتمّت بالامر وسوف نصدر كتاباً عن المسألة نشرح الحادث كما هو و نبين الحظر الذي فيه على روح العدالة و حريّة الكلام واحترام العقيدة. و أنه قد يكون خطوة إلى الوراء لكل الأقطار العربية. لأن الفساد شديد العدوى أن لم تؤخذ الاحتياطات . بينما يمكن ان يكون خطوة الى الأمام إذا روعِيَ الحقّ فهو ان أعيدت إلى داهش حريته وأخذ الحقّ مجراه في الاقتصاص من المجرمين.
و بين هذه الوثائق موجود ان سعادتكم خاطبتم إحسان الشريف تلفونياً إلى حلب تقولون له:” أرجوك يا إحسان أن تصدر قراراً بإبعاد الدكتور داهش من كل الأراضي السورية”
فأجابكم إحسان:” كيف يمكنني ان أقوم بهذا العمل و الرجل لم يُجرم”. فأجبتموه يا سعادتكم : ” أرجوك… إنها خدمة شخصيّة لي و للرئيس… لن ننساها لك”
و اني أستغرب كل ذلك لأني طالما سمعت عنكم ما لا يلتئم مع مثل هذا التصرف، و إذا كان صحيحاً، فما هي الظروف التي حملتكم على مثل ذلك؟. و إذا كان غير صحيح فما هي الوثائق التي تثبت عدم صحته؟
في اعتقادي أن هذه المسألة هي أعظم حادث جرى من هذا النوع في الشرق كلّه في هذا الجيل. و يجب ان نضع لها تاريخاً صادقاً ليعرف الآتون بعدنا كيف يجب أن تكون الحكومات و ما هي نتيجة مثل هذه الجريمة على تاريخ البلاد كلّها و على سُمْعتها بين بقية الشعوب.
إني أتمنّى ان يكون لديكم ما يبرّركم من مثل هذه التّهمة لتكون صفحتكم في تاريخ هذا الحادث ملائمة لما لكم من حسن السُمْعة. واقبلوا احترامي
جبران مسوح
ألا ترون يا رياض بك ان هذه الجريمة تحطُّ من قدر لبنان الذي يريد ان يكون الدماغ المُفكّر للأقطار العربية؟
مات داهش
و بعد ان شاءت الأقدار أن يلقى الدكتور داهش مصرعه في أذربيجان بإيران، بتاريخ أول تموز سنة 1947، نشرت مجلة ” الرفيق”(1) الصادرة في بونس إيرس، عاصمة الأرجنتين، و ذلك في عددها الثالث من سنتها الثالثة، تاريخ أيلول 1947، الكلمة الآتية تحت عنوان” مات داهش”، كافتتاحية، بقلم صاحبها يوسف كمال.
مات داهش
” بينما نستعدّ لنشر شيءٍ عن حياة رجل شغلَ الصحف الوطنية اسمه، و بهرَ الكثيرين عمله الخارق للعادة…
بينما نريد كتابة شيء عن حياة داهش الذي أدهش العالم و أوقع الكثيرين في حيرة على اختلاف وجهات نظرهم و تباين أفكارهم…
بينما نستعد و نريد كتابة كلمة، كما قلنا، لنشر أعمال الرجل و مآتيه، و كلام مريديه و مناوئيه، و قد انقسم الجمهور شطرين، كل له رأيه: فمنهم المُحبّذ المُرحّب، و منهم الشاتم الناقم على داهش النابغة، يكيل له، و يريد له القتل!…
بينما نحن على ذلك العزم و تلك النيّة، إذا بنا نُفاجأ بمقتلِ داهش غريباً عن وطنه، بعيداً عن أهله، في بلاد فارس، و على حدود القوقاس!
و ما قتْلُ داهش، كما اتتنا الأخبار الأخيرة، إلا نتيجة اضطهادات سبّبت قتله- و هو الرجل البريء-اعتباطاً وعلى طريق الظنِّ و الشُبْهة بأنه جاسوس، و ذلك لعدم وجود ما يثبت هويته. و قد كانت الحكومة اللبنانية قد جرّدته من الجنسيّة بحجّة أنه ” دجّال… مشعوذ…”إلخ…
و لكن الدجّال المشعوذ، يا عباد الله، و يا أولياء الأمر، لا يكون إلا أضحوكة، و غير قادر على جذب القلوب إليه، بل وتحويلها عن عقيدتها، خاصة إذا كانت كبيرة القلوب التي التفّتْ حول داهش و حدبت عليه. و” التدجيل والشعوذة” يتأتيان من المرض و العلّة و ضعف الدم. و داهش من الأطباء المداوين للنفوس و العقول بالدعوة الحسنة والبرهان و الحجّة، لا بالشعوذة كما تقولون. و إن يكن ما يدّعيه خصومه قريباً من الصحّة، إذن فالداهشيّون أو من اعتنق مذهب داهش، و هم من عليّة القوم، مجاذيب و مجانين!… و هذا لا ينطبق و لا على فرد منهم. فكلّهم لا تأخذه الدهشة، و له من عقله رجحان لا تميله الأهواء و لا الإغراء، و لا يرضخ إلا لواحدٍ هو الحقّ الذي رآه فآمن به، لا أكثر و لا أقل.
إن الذي يتسلّط على قلوب الناس و يستميلُها، فترضخ لإرادته، و تعمل طبق مرغوبها بالدعوة الحسنة، دون ان يسحب سيفاً و لا أن يشهر حرباً، لا يُعتبر مجنوناً، و لا يُعدّ في مصافِ المشعوذين. و ما هو إلا حكم صادق، ولسان حقٍّ ناطق، رأى الحكمة فأخذ عنها، و رأى حقاً فجاهر به و دعا إليه.
إن(داهشاً) لاقى وجه ربه آمناً مطمئناً من أعماله في الحياة. و سيكون له مع خصومه غداً وقفة تدهشهم أمواتاً بأكثر ما أدهشتهم وهم أحياء، إذ يقفون أمام القوّة القادرة القاهرة التي لا يسيطر عليها شيء، و هي المسيطرة على كل شيء، ألا وهي (قوّة الله).
مات داهش ككلِّ حيّ…
مات، و كلنا للموت. و لا يبقى غير الله الدائم الحيّ.
و لكن تعاليم داهش لا تموت. و سيحفظها التاريخ في أحضان الدهر، تتداولها في كل عصر و مصر.
فإلى روحه و أرواحهم، و روح كلّ مُصلح رحمة و سلام.
و لنا على هذا الحادث كلام بأعداد آتية إن شاء الله.”
بونس إيرس يوسف كمال
صاحب مجلة ” الرفيق”
خوارق الدكتور داهش و عجائبه
كما سمعتُها من أفواهِ شهودها
لقد اعتمدتُ في كثير مما هو مدوّن في هذا الكتاب على ما نُشر عن الداهشيّة. و لكن الذي يجعلني راضياً كل الرضى أن بعضاً مما هو مدوّن فيه قد عايشته بنفسي، و لمسته بحواسي، و شهدته في لحظاتٍ متباينة من أحاسيسي… و في لحظاتٍ، كان الشكّ هو المحور الأساسي لتفكيري و أنا أرى و أسمع في جلسات الدكتور داهش…و في آونة اخرى، كان الاقتناع المُطلق هو المُسيطر على نفسيتي حيالَ ما أراه و ما أسمعه.
كذلك وضعت ثقتي التامّة في الزميل الدكتور غازي براكس، لأنه أديب و عالم على ثقافة ودراية عالية، ممّا جعلني أرجع إلى ما كتبه بصدقٍ عن الداهشية محاولاً الاستشهاد به وجلاء ما غمض عليّ فهمه و تفسيره.
و قد رأيتُ أن لا اكتفي بما شاهدته و ما قرأته، بل رأيت أن اتّصل بالأفراد الذين يُتاح لي رؤيتهم ممن شاهدوا مُعجزات الدكتور داهش لأستمع من كلٍّ منهم على قصّته مع رجل الخوارق و العجائب، يرويها لي بأمانة مطلوبة للتاريخ و الحقّ.
فتعال معي، أيها القارئ لنبدأ بالمؤمن السادس بين أوائل الداهشيّين، أي إن خمسة فقط قد سبقوه إلى اعتناق الداهشية منذ إعلانها في لبنان.
إنه الدكتور فريد أبو سليمان.
الدكتور فريد أبو سليمان
طبيبُ الأمراض التناسليّة و الجلديّة في بيروت
قال الدكتور أبو سليمان:
إعتنقتُ الداهشية في أوائل فصل الخريف من عام 1942.
وكنت، وقتئذ،أعمل طبيباً في مستشفى الدكتور توفيق رزق في بيروت. و يقع هذا المستشفى تجاه منزل الدكتور داهش. وظللّتُ أعمل في هذا المستشفى قرابة ثلاث سنوات دون أن أسمع شيئاً عن داهش و الداهشيّة.
و خلال عملي في المستشفى مررت على واحد من المرضى، و كان صحفياً يدعى توفيق عواد فوجدت عنده الأستاذ يوسف الحاج، وهو واحد من معارف والدي. و كان يعلم عن ولعي بالغيبيات كقراءة الفنجان و التنويم وما إليها.
و قد رحّب بي الأستاذ يوسف الحاج، و عرّفني بصديقٍ له كان بصحبته. و كان هذا الصديق هو الدكتور داهش. و دعاني الدكتور داهش لزيارته قائلاً إن منزله تجاه المستشفى، و لن أجدَ عناءً في الذهاب إليه. و تدخّل يوسف الحاج في الحديث فقال الكثير عن مُعجزات الدكتور داهش وسمعتُ ما قاله يوسف الحاج و أنا مُوقن ان المسألة لا تعدو شعوذة، و أن الدكتور داهش لن يكون أكثر من مشعبذ أو (رجل خفة)، كما نقول نحن. و لذلك لم أشأ أن أكره نفسي و أضيع وقتي في زيارته.
و نسيت الموضوع… و مضى شهر ، و إذا بي أرى الدكتور داهش يدخل المستشفى لاستخدام التلفون. فسألني عندما رآني لماذا لم أقم بزيارته كما وعدت.
و أسقط في يدي.
فاتفقنا على موعد أزوره فيه هو الحادي عشرة من صباح اليوم التالي.
و قام الدكتور داهش بعمل مُعجزة مدهشة أمامي لم يترك في نفسي أي مجالٍ للشك في صحّتها، ممّا دفعني إلى زيارته كل يوم لأرى جديداً من هذا الرجل.
وذات يوم طلبت إليه السماح لي بحضور جلسة روحيّة، فوافق و في أثناء الجلسة الروحيّة طلبتُ على سبيل امتحان ، أن يقال لي أين أضعت فردة قفاز قديم كنت قد فقدتها قبل تعرفي إلى الدكتور داهش بزمن طويل. و ما إن أنهيتُ سؤالي حتى قال الرُّوح لي بفم الدكتور داهش:
-القفاز في يدك.
و فعلاً كانت فردة القفاز بيدي. فلم أصدق عيني، و ظننتني واهماً للوهلة الاولى. لكن ما ان فُضّت الجلسة حتى أسرعتُ إلى منزلي، و أحضرت الفردة التوأم التي كانت ما تزال عندي، و قابلتها بالفردة المُستحضرة روحيّاً، فإذا هي اختها تماماً! و قد أريت القفاز من بعد لمئات الأشخاص.
هذه الخارقة المُذهلة رسخت الإيمان في نفسي بالداهشيّة.
و دعني أقصُّ عليك بعض ما شاهدته من مُعجزات قام بها هذا الرجل العجيب.
ففي أحد الأيام قمنا بزيارةٍ ليوسف الحاج الداهشيّ ، المؤمن الأول، و كان يقطن في قرية اسمها” الشبانيّة” ، وهي قريبة من بلدة “حمانا”. وجلسنا على صخرة ضخمة في أرض تخصّه، و رحنا نتحادث. و كان معنا الدكتور داهش و الشاعر حليم دموس. و قد استوحى حليم بيتي شعر من تلك الجلسة، و كتبهما على الصخرة. ثم عاد كل منّا إلى منزله.
و في اليوم التالي التقينا في زيارة للدكتور داهش، و طفقنا نتحادث.و تمنّى بعضنا لو نجدّد الجلسة على صخرة الشبانيّة، فإذا برجل المعجزات يرتعش بالرُّوح و يسألها:
-ما دامت هذه رغبتكم، فما يمنع أن نجلس عليها الآن؟
فقلنا:
-و كيف يحدث هذا، و الغابة في الشبانيّة، و نحن الآن في بيروت؟
أجاب:
-أنظروا إلى فضاء الغرفة.
وإذا بنا نرى كتلةً ضخمة تهبط في لطفٍ و على مهل. و ما إن حطَّت على أرض الغرفة حتى بادرنا إلى الإمساك بها، فوجدناها لا تزحزح. و بعد ان فحصناها، رأينا عليها بيتي الشعر الذين كتبهما حليم بخطِّ يده.
و قد أحدث هبوط الصخرة هزة في المنزل و تكسّر بلاط الحجرة حيث استوت. و بقيت الصخرة أياماً كثيرة مكانها يشاهدها الزائرون حتى حطّمها العمال، في ما بعد، و أخرجوها من المنزل.
هذه القصّة. و إليك قصّة اخرى من مُعجزات الدكتور داهش.
كان يقطن في لبنان مستشرق إنكليزي اسمه دانيال أوليفر. و كان هذا الرجل يعيش في مكان هادئ في” رأس المتن” حيث يدير مدرسة للأيتام.
و يبدو ان وليفر سمع بقصّة الصخرة التي هبطت بمنزل الدكتور داهش، فذهب إليه ملتمساً صداقته، و ليرى إذا كان ما يشاع عنه من إتيانه للمُعجزات حقيقياً أم مجرّد”هلوسة” مجانين.
و قرع المستر أوليفر الباب. و ما إن فتح له حتى بادره الدكتور داهش بصفعة قوية على وجهه. ثم قاده إلى الداخل، و قال له:
-إقرأ هذه الورقة أيها الرجل.
و ألقى أمامه بورقة مطويّة.
و قرأ الإنكليزي الورقة، و كانت ملأى بأفكاره و مخطّطاته و كلّها تفضحه كجاسوس.
فأصيب أوليفر بما يشبه الدوار، و أخذى يرتعش!…
بعد هذه الحادثة أخذ أوليفر يكرر زياراته للدكتور داهش، و عاين الكثير من مُعجزاته، و أصبح داهشيّاً.
و ذات يوم، ونحن في جلسة مع الدكتور داهش، طلب المستر أوليفر منه أن يهديه إلى المكان الذي أضاع فيه ” دبوس ربطة عنق” ( كرافاته) من الذهب كان قد تلقاه هدية من خطيبته منذ نيّف و ثلاثين عاماً، و لكنه فقد منه في أستراليا.
و ما إن أتمّ كلامه حتى وجد ( الدبوس) في ربطة عنقه.
و جن جنون الإنكليزيّ، و أصبح من أشدِّ المُخلصين للدكتور داهش.
و تابع الدكتور أبو سليمان قائلاً:
– و أذكر أني حضرت، مرّة، جلسة روحيّة عقدها الدكتور داهش، و كان حاضراً أيضاً المستر دانيال اوليفر. ويبدو ان الدكتور داهش عرف بالرُّوح أن الإنكليزي كان ما يزال يشكّك بقدرته.
فسأله ماذا يريد أن يحضر له من منزله في رأس المتن ليؤمن بقوّته الروحيّة، فأجابه أوليفر:
– أحضر لي الحصان و البقرة اللذين في مزرعتي.
و يظهر أنه قال هذا ليُعجّزه. لكن ما إن أنهى عبارته حتى سمع حصانه يصهل على باب منزل الدكتور داهش، وبقرته تخور!…
فاضطر لاستئجار سيارة “لوري” بأجرٍ باهظ لنقل هاتين الدابتين إلى قريته.
واستطرد الدكتور أبي سليمان قائلاً:
هذه المُعجزات التي شاهدتها وغيرها زادت إيماني برسالة الدكتور داهش، و بأنه رجلٌ منحه الله قوة روحيّة ليجترح بها الخوارق لم يمنحها أيّ مخلوق سواه في هذا العصر الماديّ.
و قد كنت قبل إيماني به كاثوليكياً متعصباً. و معروف أن الكاثوليك لا يعترفون بالإسلام ديناً منزلاً، و لا بنبوة محمد. و ما يزالون حتى اليوم على هذا المعتقد الخاطئ.
فآمنت، أنا الكاثوليكيّ المتعصّب سابقاً، بالدين الإسلاميّ، لأن الداهشيّة تعترفُ بجميع الأديان المنزلة، و تعتبرُ أنها من منبع قدسيّ واحد هو الله ، سبحانه و تعالى.
و كان كل يوم يمرُّ عليّ يزيدني إيماناً بالداهشيّة و مؤسّسها، حتى إن الحكومة اللبنانية-وكانت تشنُّ حرباً على الدكتور داهش – طلبت إليّ أن أترك هذا الرجل، و أن أمحو من خيالي ووجداني عقيدتي الداهشيّة، فتضاعف لي تعويضاتي؛ إذ كنت وقتها أعمل طبيباً في بلدية بيروت ، و اتقاضى دخلاً شهرياً يقارب خمسة آلاف ليرة لبنانية. لكنني رفضت عرضها المغري، فصدر قرار بطردي من وظيفتي.
كما إنني تعرّضتُ للسجن خمس مراتٍ في سبيل إيماني بالدكتور داهش.
ماذا أقول لك, هل أقصّ عليك المزيد من مُعجزات هذا الرجل ؟
صحبت الدكتور داهش, ذات يوم, لزيارة آل حدّاد. وقد ركب إلى جانبي في سيّارتي . وما أن وصلنا الى المنزل المقصود حتى رأيت الدكتور داهش يخترق الباب قبل أن يفتحه لنا أحد , وكأنّه طيف من الأشعة, ويبقى الباب موصداً كما كان, و انا أحاول الدخول، فلا أستطيع . وبعد دقائق أكثرت فيها من قرعي للباب، فتحَ لي أصحاب المنزل وهم يقولون في عجبٍ عظيم:
بينما كنا جالسين، و الباب موصد، رأينا الدكتور داهش يدخل إلينا فأخذنا عجبٌ عظيم، وانشغلنا عنك و عن طرقاتك!
ثم قال الدكتور فريد أبو سليمان:
-سأقصّ عليك مُعجزتين توضّحان لك كيف تتمُّ العدالة الإلهيّة بين البشر.
كنت، ذات مرّة، أزور الدكتور داهش. ثم ودّعته، و نزلت لأركب سيارتي التي كنت قد اوقفتها أمام باب المنزل. صعدت إليها، و لم يكن خلفي أية سيارة. وما إن أدرت المحرّك وهممّت بالرجوع قليلاً إلى الوراء حتى فوجئت بسيارة واقفة خلفي كدت أصطدم بها. ترجّلت ، و نظرت إلى داخلها في عجبٍ، فرأيتها موصدة الأبواب، و ليس فيها سائق.
فشعرت بدافع يدفعني للصعود ثانية إلى المنزل، و مفاتحة الدكتور داهش بالأمر، لأن الحادثة بدت لي كأنها ظاهرة روحيّة.
و ما إن سردت القصّة على الدكتور داهش حتى قال لي:
-حسناً فعلت بإخباري. فهذا تنبيهٌ لك بأن سيارتك ستصدم سيارة أخرى قريباً .
فأجبته:
– ولم ذلك ؟
فقال:
-لأن سائق السيارة التي ستصدمها ظلم واحداً من الناس. و لتتمّ عدالة السماء التي لا مفرَّ منها، يجب أن يحدث الاصطدام بين تلك السيارة و سيارتك أنت بالذات. و لن تؤذى سيارتك، لكن السيارة الأخرى سينزل فيها عطب، و لن يُصلح العطب إلا بإبدال قطعة صغيرة في المحرّك. و”قطعة الغيار” هذه لن يجدها صاحب السيارة الظالم إلا عند الرجل المظلوم. و هذا سوف يطلب منه ثمناً مرتفعاً جداً. و سوف يقبل صاحب السيارة المصدومة هذا الثمن ” غصباً عنه” حتى تعود العدالة إلى مجراها.
و قد حدثت، بعد أيام قليلة، و بصورة مفاجئة، عملية التصادم، بينما كنت ذاهباً بسيارتي إلى عيادتي. وتتبعت ذيولها، فإذا بمراحلها و نتائجها تتمّ وفق ما ذكر لي الدكتور داهش بكل دقّة!
أما المُعجزة الثانية فخلاصتها أنه بينما كان الدكتور جورج خبصا يسير بصحبة الدكتور داهش وراء “صيدلية حمادة” في بيروت، إذا بمؤسّس الداهشيّة يرتعش بالرُّوح و يخاطب رفيقه قائلاً:
-أنظر إلى هذا البائع الجوال.
و كان تجاههما على بضعة أمتار بائع أمام عربة محمّلة بطيخاً. فأشار الدكتور داهش بيده، فإذا بطيخة ترتفع عن العربة في الهواء، و تقع على الأرض محطّمة. ثم أعاد الإشارة، فارتفعت بطيخة اخرى، و سقطت محطّمة أيضاً. إذ ذاك سأله الدكتور خبصا متأثراً:
-و لكن لم يحدث ذلك؟ فهذا البائع مسكين، و هذه الخسارة تكلّفه غالياً!
فأجاب الدكتور داهش وهو مرتعش بالرُّوح:
-أجريت ذلك أمامك لأعلمك أن العدالة تجري على جميع الكائنات، كبيرها و صغيرها، بصورة طبيعية، من غير أن يتنبهوا لكيفية سيرها. فهذا البائع ربح اكثر مما هو محدّد له في هذا النهار و ربحه غير الحلال و إن يكن ضئيلاً خسره بتحطّم البطيختين. و لو لم أفعل ذلك بالمُعجزة لأنبّهك إلى كيفية حدوث العدالة الإلهيّة، لكانت العربة سقطت في حفرة من غير انتباه صاحبها، و لتدحرجت هاتان البطيختان بالذات من فوق العربة و تحطمتا.
و تابع قائلاً:
-إن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد. و إن أعمال البشر جميعاً و علاقاتهم بعضهم ببعض تترتّب عليها نتائج من شأنها أن تتيح إقامة العدل الإلهيّ بينهم.”فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره. و من يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره.”
الآنسة أوديت كارّا
موظفة بشركة” طيران الشرق الأوسط”
قابلت هذه الآنسة اللطيفة الرفيعة ألتهذيب، و جلسنا نتجالس عن ظروف تعرفها إلى الدكتور داهش. قالت:
إعتنقت المبادئ الداهشيّة عام 1968، بعد ان وقعت لي حوادث كثيرة، واجترح الدكتور داهش أمامي عدداً من المُعجزات التي لا يصدّقها عقل. فقد كنت أمضي يوماً من كل شهر في مدينة بيروت حيث إن عملي كمضيفة طيران يتطلب منّي المبيت في بلاد أخرى كثيرة بعيدة عن لبنان.
و حدث أن كنت في مدينة بنغازي بليبيا حيث سلمني أحد الزملاء –الذين يعملون معي في شركة الطيران-ساعة مُعطّلة لكي أصلحها له في بيروت، و أعود فأسلمها إليه في ليبيا بعد إصلاحها. لكن هذه الساعة ضاعت مني في بنغازي قبل سفري إلى بيروت. و حزنت وقتها على فقداني الساعة، لأنها سُلّمت إليّ كأمانة.
و مضت الأيام و الشهور. و بعد ثلاثة اعوام من هذا الحادث اصطحبني صديق إلى الدكتور داهش لأرى بنفسي بعض مُعجزاته كما رواها لي هذا الصديق.
و اعجبتُ كل الإعجاب بكلِّ ما شاهدته خلال مقابلتي السريعة معه ممّا دفعني إلى أن أرجوه أن يسمح لي بحضور جلسة روحيّة كتلك التي يعقدها بين الحين و الحين، و يحضرها الداهشيّون من خلصائه.. و فهمت أن هذا يقتضي كتابة الرمز الداهشيّ مرّة كلّ يوم، مدة شهرٍ كامل. و الرمز الداهشيّ كناية عن ابتهال لله تعالى ليسمح بحضور الجلسة الروحيّة.
و قمت بالمطلوب. و سُمِحَ لي بحضور جلسة روحيّة في منزل الدكتور داهش.
وعُقدت الجلسة، و كانت في وضح النهار. و قبيل انتهائها أحسّست أن ساعة في يدي. تحسّستها و عجبت. وسألت الدكتور داهش:
-ما هذه الساعة، يا دكتور؟!
قال الدكتور داهش:
-تذكري.
و تذكرت… إنها الساعة التي فُقدت مني قبل ثلاثة أعوام في بنغازي. و كنت قد نسيتها تماماً.
و قال لي الدكتور داهش:
-إن قوّة روحيّة جبّارة قامت بهذا العمل، و لست أنا.
حملت الساعة و انا أكاد أطير من الفرح. و خرجت من الجلسة و أنا أهتف و أقصُّ على كل من يقابلني قصّة الساعة التي فُقدت في بنغازي منذ ثلاثة أعوام، ثم أحضرتها قوّة روحيّة في يدي و أنا في حضرة الرجل العظيم، الدكتور داهش.
و من ذلك اليوم و أنا داهشيّة، و إيماني بمؤسّسها لا يتزعزع.
و حدث أن سلمني الدكتور داهش شمسية، و طلب مني أن أحافظ عليها لأن فيها سيالاً روحيّاً خاصاً.
و ذات يوم أحسّست بتعبٍ مُفاجئ، فذهبت إلى طبيب الشركة، و نسيت في عيادته الشمسية. و ما إن تذكّرتها حتى عدت أبحث عنها في العيادة و في كل مكان قصدته في ذلك اليوم، لكن محاولتي جميعها كانت دون جدوى.
و في اليوم التالي طلبتُ مقابلة الدكتور داهش لأعتذر له عن ضياع الشمسية. و بينما أنا في طريقي إلى منزله، شاهدت فتاة تسير في الشارع و هي تحمل شمسية مشابهة لتلك التي فقدت مني، إذ كانت مميزة عن الشمسيّات العادية. فشككت فيها، و حاولت الجري وراءها لأتحقق الأمر، لكنها اختفت من أمامي.
فتابعت طريقي إلى الدكتور داهش. و قبل أن أفاتحه بالموضوع، وجدت الشمسية قابعة بجواري. و إذا به يبادرني بقوله:
-لقد ضاعت منك منذ يومين. و الفتاة التي شاهدتها في الطريق تحملها ليست بشريّة، لكنها من عالم آخر و قد تجسّدت للحظات في الأرض. حافظي على الشمسية، يا ابنتي.
فماذا أقول لك، يا سيدي، بعد العجائب و المُعجزات التي شاهدتها…أكثر من أنني ازددت إيماناً بالدكتور داهش و بدعوته الروحيّة، وازددت إعجاباً بتواضعه الذي هو من تواضع الرسل المُلهمين!
الدكتور غازي فؤاد براكس
دكتوراه في الآداب
أستاذ علم النفس الأدبيّ في قسم الماجستير بكليّة الآداب
في الجامعة اللبنانية
و جلستُ أكثر من مرّة مع هذا الدكتور العالم الشاب غازي براكس. و كنت قبل أن أراه قد قرأت العديد من كتبه و مؤلفاته، و خاصة كتابه القيّم: ” جبران خليل جبران في دراسة تحليليّة تركيبيّة لأدبه و رسمه و شخصيّته”. وهو كتابٌ يعدُّ أروع و أوفى ما كتبه عن جبران ، شاعر المهجر الخالد.
و جلست إلى الدكتور غازي، و بدأنا الحديث. فقال لي:
كان ذلك عام 1962، العام الذي بلغت فيه ذروة اضطرابي النفسيّ و بلبلتي الفكرية. ” فالحقيقة” التي عشقتها منذ كنت يافعاً، و طالما بحثت عنها في كتب المفكرين و الفلاسفة، وجدت أنني ما زلت بعيداً عنها، و ما زالوا بعيدين عنها بعد السماء عن الأرض!…و”الحقيقة” التي ظننت، بضعة أعوام، انها قد تكون في إحدى العقائد الحزبية الوطنية، انتهيت إلى أن أراها مجرّد سراب في صحراء؛ فعطشي على أشدّه و ليس من ماء!… و القيم التي كان يخيّل إليّ أنها مجسّدة في بعض من يسمّونها مفكّرين و زعماء سياسيين و قياديين ثوريين و مصلحين اجتماعي، اكتشفت…أخيراً…أنها أوهام خادعة و حيل بارعة!…
في ذلك العام لم يبق في نفسي إلا الأسئلة!…الأسئلة الملحّة وحدها دون أجوبة لها:
الشرّ لماذا ما يزال مسيطراً على الأرض، مستبداً بالإنسان و الأوطان؟! و المذاهب الدينيّة القائمة، و الاحزاب السياسية الراهنة، و جميع الفلسفات…لماذا لم تُصلح الفساد المستشري؟! و الإنسان من يكون؟!
و هل هو مُسيّر أم مُخيّر في أعماله؟! و لماذا يشعر الإنسان-سواء في الشرق الذي يزعم انه ” روحانّي”، أم في الغرب الذي يزعم أنه ” ماديّ” – لماذا يشعر الإنسان أنه يعيش في دوامة القلق و الاضطراب، و أنه أقرب إلى الشقاء منه إلى الهناء. فلا تكديس الأموال يسعده، و لا استسلامه للشهوات، ولاسعيه وراء الأمجاد الدنيوية؟! و الموت ما هو؟ و لم البشر يولدون بعضهم أغنياء و بعضهم فقراء، و آخرون ذوي عاهات، و غيرهم ذوي أجسام سليمة؟! وهل، حقيقة ثمة إله و عدالة إلهيّة؟! و ما البرهان على وجود خالقٍ للكون؟ و الكون ما مصيره؟ و ماذا في تلك البلايين من النجوم؟ و أي دين هو الصحيح؟ و لم التضارب بين الدين و العلم؟ و لم كانت الأضرار التي نتجت، عبر القرون، عن رجال الدين و سيرهم و تعاليمهم أكثر من الخير؟!…
أسئلة و أسئلة تغلي و تفور في داخلي، و ليس من أجوبة حاسمة عليها!…
هذا الاضطراب النفسي وهذه البلبلة الذهنية اللذان عانيتهما ، عبّرتُ عنهما في العام نفسه – 1962- في مجموعة شعرية أسميتها ” أنا و الله و العالم”. و لكنّي عبّرت فيها أيضاً عن حاجتي الملحّة إلى الهداية و السلام النفسيّ.
و الهداية و السلام…و الحقيقة… أتاني من يشير لي على منبعها، في ذلك العام نفسه.
فقد زارني صديق قديم لي هو الأستاذ الشاعر موسى المعلوف، و قال لي، بعد أن عرف حالتي النفسيّة:
-ثمّة رجل واحد قادر في هذه الأرض يمكنك أن تجد عنده ما تبحث عنه. إنه في لبنان، و في بيروت بالذات. ستلقى عنده وحده الأجوبة الشافية الحاسمة لجميع الأسئلة التي ما تزال تختلج في ذهنك و تُقلق نفسك. و عهدي بك أنك جريء، و تحبّ المعرفة، و تسعى إلى الحقيقة. فاعتبر هذا الرجل كتاباً، واقرأه.
و أخذ الأستاذ معلوف يحدثني عن الدكتور داهش و مُعجزاته وتعاليمه… و الحقيقة انه جعلني أمسك برأس الخيط الذي سيقودني، في متاهة الحياة و سراديبها، إلى منبعِ النور.
و رحت أبحث بنفسي عن كل ما يتعلّق بالدكتور داهش، و أطالع كل ما ألفه و نشره، و كل ما كُتب عنه تمجيداً و تجريحاً. و ظللّت سنة كاملة أقرأ و أبحث و امحّص، و أعود تارة إلى الكتب العلميّة الحديثة، و طوراً إلى الكُتب المُقدسة توراةً و إنجيلاً و قرآناً، و إلى تعاليم بوذا ولاوتسو و كونفوشيوس… حتى أتيحت لي زيارتي الأولى له في أواخر شهر تموز (يوليو) سنة 1963.
جالسته دون ان أسأله رؤية أية مُعجزة من المُعجزات التي طار صيتها كلّ مطار في ربوع لبنان و البلاد العربية؛ فلم اكن أشعر أني بحاجة ملحّة إلى رؤية الخوارق على يديه،و هو نفسه لم يعرض عليّ أن يقوم أمامي بأية مُعجزة. فقد أحسسّت أنني مؤمن بالرجل منذ المقابلة الأولى ، و أن تعاليمه مغروسة في نفسي، لأنها وحدها حسمت الاضطراب في فكري و القلق في ذاتي، ووحدها أعطيتني الأجوبة الشافية الوافية على جميع الأسئلة التي لم اعثر لها على جواب. و شعرت بقلبه المحبّ الكبير يعطف عليّ و يفهمني. و أحسسّت بأنه عالمٌ فوق العلماء، و أديبٌ فوق الأدباء… و مع ذلك متواضع إلى أبعد حدود التواضع!
و تكرّرت زيارتي الأسبوعية له. و ما لبث الُمعجزات التي لا يرقى الشكّ إلى صحّتها ، و لا يحيط بها الإيهام أو التمويه لا من قريب و لا من بعيد…ما لبث تلك الخوارق الساطعة أن تتابعت أمام عيني. و حسبي أن أذكر، في هذا المجال، واحدة منها فقط حدثت في أواخر فصل الشتاء من عام 1964.
فقد حدثت شقيقي بما عاينته من خوارق باهرة، و ما قرأته و سمعته من تعاليم جليلة من أهدافها توحيد الأديان، وإظهار وحدة الدين و العلم، و بعث السلام الحقيقي الفعلي في نفس الإنسان. و أعلنت له أن المُنقذ الوحيد للعالم في هذا العصر هو الدكتور داهش. فأجابني- سامحه الله:
-لا منقذ إلا المال.
و كان شقيقي متزوجاً حديثاً و موظفاً في الدولة. فاستطرد قائلاً:
-إن راتبي لا يكفيني. و هذه مشكلتي . فلو ارتفع راتبي الآن إلى ألف ليرة لبنانية لحلت مشكلتي، و أصبحت بغنى عن الله و الأنبياء. فالاقتصاد هو كل شيء في هذه الحياة.
حاولت أن اضرب له أمثلة كثيرة على أغنياء يعيشون أشقياء، و على أن المال لا فائدة له مع المصائب الفادحة. فكم من مُصاب بعاهة، أو مريض استعصى شفاؤه، أو رجل صدعت الخيانة الزوجية بيته و شردت أولاده، يتمنّى لو يهب ملايينه لمن يعيد الصحّة إلى جسمه و السلام إلى بيته و نفسه! و لكن يبدو ان محاولاتي ذهبت أدراج الرياح. أخيراً…شعر شقيقي بما يدفعه لزيارة الدكتور داهش على سبيل الفضول، و طلبَ مني أن أسهّل له ذلك. فاتّصلت هاتفياً بمؤسّس الداهشيّة، و شقيقي إلى جانبي، و أعلمته برغبته في زيارته. فسمح لنا بمقابلته في النهار نفسه. ولازمت شقيقي في منزله حتى حان الموعد، ثم رافقته بسيارته إلى مقرِّ الدكتور داهش.
وما إن دخلنا و اطلَّ علينا الرجل العظيم حتى بادرت إلى التعريف بشقيقي. و إذا الرجل العجيب يرتعش بالرُّوح فوراً، و يخاطب أخي قائلاً، و نحن لم نجلس بعد:
-أتريد أن أرفع راتبك إلى ألف ليرة شهرياً؟
فدُهش شقيقي، لأن الدكتور داهش كشف أفكاره. و أسقط في يده. و كانت دهشتي أعظم، لأن رجل الخوارق لم يفضح أفكاره فقط و يعلن ما قاله شقيقي لي إذ كنا منفردين، بل هو يُعلن في سؤاله أيضاً عن سلطة قادرة غير بشريّة.
أجاب أخي بعد لحظات تردّد: -وكيف يمكن ذلك؟ فأنا موظف و مصير ترقيتي و تعديل راتبي يخضعان لقوانين الدولة و ديوان المحاسبة و عشرات المعاملات الرسميّة التي لا يمكن، في أي حال، تجاوزها.
فبادر رجل الرُّوح إلى مخاطبته ثانية، و بنبرةٍ حازمة:
-أسألك: أتريد ان أرفع راتبك إلى ألف ليرة؟ قل نعم، و بلمح البصر اغيّر سجّلات الدولة كلها.
كنت أتمنى أن يقول أخي نعم – و انا أدرى بنفسه و بما كان يقوله لي- و ذلك حتى تحدث مُعجزة عظيمة قد تهديه إلى الإيمان كما اهتديت. و لكن شقيقي- و للعجب!-قال:
-لا .أريد أن آكل خبزي بعرق جبيني. و يكفيني ما سمعت منك.
لكن يبدو ان الدكتور داهش عرف، بقوّة الرُّوح، أن ما يقوله أخي لا يعبر عن حقيقة نفسه. فعاد و سأله :
-إذن، قد ترضى بأن يدخلك مبلغ كبير من المال بطريقة أخرى، كاليانصيب مثلاً؟
فلم يمانع أخي.
واستدعى الرجل العظيم بعض من كان في منزله، و طلب منه ان يأتيه بورقة يانصيب قديمة مع اللائحة التي تحمل نتائج السحب العائد إلى تاريخ الورقة. و لم تمض دقائق حتى كانت أمامنا ورقة يانصيب تعود إلى ما قبل ثلاثة أشهر تقريباً، و معها لائحة النتائج.
و طلبَ الدكتور داهش مني و من شقيقي أن ندقّق في قراءتنا للأرقام الرابحة. فطالعناها مراراً، و إذا هي بعيدة كل البُعد عن رقم الورقة التي أمامنا. إذاً هي خاسرة، لا شك في ذلك. ثم عاد رجل الرُّوح فطلب إليّ و إلى شقيقي أن ننقل رقم الورقة الخاسرة، بالعربية و الأجنبية على ورقتين، و يحتفظ كل منا بالورقة التي دون عليها في جيبه. ففعلنا.
حينئذ سأل الدكتور داهش شقيقي عن المبلغ الذي يريد أن تربحه الورقة. فترك أخي الحرية الاختيار له. فقال رجل الرُّوح:
-إذاً أكتب القيم الكبرى على اوراق صغيرة، ثم اطوها واختر واحدة منها.
فكتب أخي القيم المالية على عدد من الأوراق، ثم ثناها، واختار إحداها، فإذا فيها رقم (10 آلاف).
عندئذ وضع الدكتور داهش يده فوق ورقة اليانصيب الخاسرة على ارتفاع نحو ثلاثين سنتمتراً منها- و كانت الورقة على منضدة صغيرة بيننا- و طلب إلى شقيقي أن يضع كفه فوق يده، و يردد بعده:
-بحق الله و النبي الحبيب الهادي ان تتحوّل هذه الورقة الخاسرة إلى ورقة تربح 10 آلاف ليرة لبنانية.
وردّد أخي العبارة. و شهدت بأم عيني أرقام الورقة التي أمامنا تتغير، فيختفي الرقم القديم، و يحلّ مكانه رقمٌ جديد.
و عادَ أخي، كما عدت، إلى الورقة التي دوّنا عليها رقم الورقة الخاسرة، أي رقمها القديم- و كانت ما تزال في جيب كلٍّ منّا!- فإذا الرقم الجديد يختلف عن الرقم القديم كل الاختلاف. ثم قابلنا الرقم الجديد بالرقم الذي يربح 10 آلاف ليرة لبنانية في لائحة النتائج، فإذا هو نفسه.
و قدم الدكتور داهش الورقة العجائبيّة إلى شقيقي، لكنّه أبى أن يستلمها لأسبابٍ لست أعلمها.
و بعد يومين عدت لأزور رجل الرُّوح بصحبة شقيقي، فإذا الدكتور فريد أبي سليمان تسلّم حوالة بالقيمة الرابحة من مديرية اليانصيب.و علمت فيما بعد أن المبلغ وزع على عشرِ عيالٍ فقيرة.
بقي أن أقول إن شقيقي انقطع بعد تلك الظاهرة الباهرة عن زيارة الدكتور داهش. و مع مرور الأعوام ارتفع راتبه إلى ما يناهز ثلاثة آلاف ليرة لبنانية. لكنه، مع ذلك، لم يذق طعماً للسلام و الطمأنينة. و بعد مضيّ اثني عشر عاماً تقريباً على لقائه مع رجل الرُّوح، أتاني شقيقي ليقول لي: ” لقد كان الحقّ بجانبك . فالمال لم يحلَّ مشكلتي . “
وخلال عامي 1964 و 1965 تكاثرت مقابلات الصحفيين اللبنانيين مع الدكتور داهش ، ونشروا عشرات المقالات الأضافية عن مُعجزاته بعد أن لمسوها بأيديهم ، وشاهدوها بعيونهم ، وصوّروا مراحلها باّلاتهم الفوتغرافية . كما عقدوا عشرات المقابلات مع شهود عيان لخوارقه يروون فيها ما تمَّ أمامهم من عجائب وخوارق مُذهلة .
كذلك تكرّرت زيارتي لمؤسّس الداهشيّة، و تكاثرت مُعجزاته أمامي، و جميعها ساطعة محسوسة ملموسة. فدفعني ضميري و حبي للحقيقة على ان أحدّث طلابي عما رأيته، و أردَّ على تساؤلاتهم التي أثارتها مطالعاتهم للمقابلات الصحفيّة مع الرجل العجيب و شهود خوارقه،و ذلك خدمة نصرة لحقيقة روحيّة عظيمة سطعت في عصرٍ إلحاديّ ماديّ، هذه الحقيقة التي كانت مُضطهدة في كل جيل. و كنت عهدئذ أستاذ في زحلة-المدينة التي نشأت فيها- أعلّم في معاهدها الكبرى الثلاثة الفكر والفلسفة و الأدب. و كان لا بد في معرض حديثي لطلابي من ان أشرح لهم أن الداهشيّة تدعو إلى الإيمان بوحدة الأديان و بالأنبياء جميعاً. و هذا يحتّم الإقرار بأن القرآن كتابٌ مُنزل ومحمّدا رسولٌ صادق . وبلغَ كلامي الأساقفة ورجال الدين المسيحي في زحلة . واعتبروا الأمر خطيرا ، لأنني مسيحي في مدينة مسيحيّة اعلن ضرورة التسامح والإيمان بالإسلام أيضا كدين مُنزل . فاجتمعوا ، وقابل وفد منهم السلطات السياسية ، واستعدوها عليّ فأمرت بنقلي من زحلة . وكان لعملهم هذا تأثير معاكس بالنسبة لي وللداهشيّة . فقد انتشرت الداهشيّة بين صفوف الطلاّب في زحلة وضواحيها حتى أنشئت مدرسة خاصة بالداهشيّة. وانتقل تدريسي إلى الجامعات في بيروت، و أصبح حديثي عن الداهشيّة محاضرات في القاعات الجامعيّة.
وبالمناسبة أذكر أنني دُعيتُ إلى القاء محاضرة في كلية الحقوق التابعة للجامعة اللبنانيّة في بيروت، بعنوان ” الداهشية حقيقة روحية تؤيّدها المُعجزات”، و ذلك بتاريخ 21 أيار 1971. لكن السلطة السياسيّة بأعلى مقاماتها تدخّلت لمنعها بالاشتراك مع السلطات الدينيّة المسيحيّة. لكن محاولاتهم باءت بالفشل، إذ أصرّت رابطة الطلاب في كليّة الحقوق، كما أصرَّ عميد الكلية الشهم الدكتور إدمون نعيم على إجراء المحاضرة التي أمَّها الألوف من الناس. ولم يستطع ” أزلام” السلطات المتآمرة إلا منع المصوّرين الصحفيين من التقاط الصور لي و للجمهور الحاشد.(1)
أما مُعجزات الدكتور داهش التي عاينتها فتعدّ بالمئات. و حسبي ان أذكر بضعة نماذج منها:
1-بعد زيارتي الأولى لمؤسس الداهشيّة و مشاهدتي أولى المُعجزات، لاحظت أن رجل الرُّوح يطلب إليّ أو إلى غيري من الحضور كتابة ” رمز” داهشيّ (أي ابتهال للخالق عزّ و جلّ ليسمح بإتمام مُعجزة)، (1) ثم إحراقه، و ذلك بصورة دائمة قبل حدوث أية خارقة. فطاف في ذهني خاطر ظلّ لعدّة ساعات يحاورني و يلحّ عليّ أشدَّ الإلحاح، وهو: لماذا علينا أن نكتب الرمز الداهشيّ دائماً، ثم نحرقه، قبل حدوث أية مُعجزة؟ أليس الرُّوح قادراً على صنع مُعجزة من غير هذا ” الطقس” المُعيّن؟
و طلبت مقابلة الدكتور داهش. و دون أن أفاتحه بكلمة واحدة مما جال في خاطري، نظر إليّ وهو مرتعش بالرُّوح، و خاطبني قائلاً:
-خذ ورقة من هذه الأوراق التي أمامك.
و كان أمامي كدسة من الأوراق الخالية من أية كتابة. فأخذت إحداها.
و قال لي:
-ارسم على وجهي الورقة كلمة”الله” بإصبعك.
ففعلت.
ثم قال:
-اعرك الورقة البيضاء، بكفك، ثم ردد ورائي هذه الكلمات:” بحق الله العظيم أن تتمَّ الآن مُعجزة إذا كان الرُّوح الذي يخاطبني علوياً، و بحق الله العظيم أن لا تتمَّ أية مُعجزة إذا كان الرُّوح الذي يخاطبني غير علويّ.”
فعلتُ ما أوصاني به، ثم فتحت الورقة البيضاء المدعوكة في كفيّ، فإذا برسالة روحيّة قد خطّت عليها، بصورة عجائبية، و هي تخاطبني باسمي، و تظهر حقيقة رسالة الدكتور داهش الروحيّة العظيمة، و تطلب منّي نقل رسالته إلى العالم. و هكذا أخرست شكوكي، وتمّت المُعجزة بدون كتابة الرمز.
- كنت في جلسة عند مؤسّس الداهشيّة عندما حضرت سيدة لبنانية و بصحبتها صديقة صينيّة قالت بالإنكليزيّة إنها أحبت أن تختم زيارتها لبيروت برؤية الدكتور داهش، بعد أن سمعت الكثير عن مُعجزاته، ثم تسافر ، في اليوم نفسه إلى بلدها.
و رحّب بها الدكتور داهش ببسمته اللطيفة، و قال للمترجمة اللبنانية أن تطلب إلى صديقتها الصينية أن تأخذ أية ورقة بيضاء من حقيبتها، و تكتب عليها ما تريده بلغتها الصينية، ثم تطوي الورقة دون ان يراها أحد، و تلقي بها من النافذة إلى الطريق العام.
و مزّقت السيدة الصينية طرفاً من علبة السجائر التي كانت في حقيبتها، و فعلت ما طلبه الدكتور داهش.
و سرعان ما توجّه رجل الرُّوح إلى النافذة، و مدَّ يده في الهواء، و إذا به يمسك لوحة زيتية عليها رسم!
و نظرت السدة الصينيّة إلى اللوحة التي قدّمها إليها الدكتور داهش بعجبٍ عظيم، و قالت:
-إنني كتبت على الورقة التي رميتها عبارة” مراكب في البحر” بلغتي الصينية.
و كانت اللوحة التي بين يديها مرسوماً عليها مراكب في البحر!
3-ذات يوم كنت مع عدد من الزائرين مجتمعين بالدكتور داهش في منزله. فقال أحد الحضور وهو مُمْسكٌ بنسخةٍ من جريدة ” الحياة” البيروتيّة:
-هل قرأت ، يا دكتور ، خبراً عن عزم رجل هنديّ على إلقاء محاضرة عن ” اليوجا” في قاعة ” الوست هول” بالجامعة الأميركية غداً؟
فأجاب الدكتور داهش بالنفي. فقرأ عليه السائل الخبر.
و أخذتُ أنا الجريدة لقراءة الخبر، فلم أعثر له على أثر، و أبديت عجبي. عندئذ طفقَ جميع الحاضرين يتداولون الجريدة علّهم يعثرون على مكان الخبر منها، فلم يفلحوا. و زاد دهشتنا أن قارئ الخبر لم يستطع الاهتداء إليه ثانية.
إذ ذاك ارتعش الدكتور داهش بالرُّوح، و قال:
-لن تستطيعوا إيجاد الخبر.
فدفعني الفضول إلى أن أستأذن الدكتور داهش بنسخِ عناوين الجريدة في جميع صفحاتها، حتى موضوعات الإعلانات، و قلت له:
-بعد خروجي سأبتاع نسخة أخرى من جريدة ” الحياة” و سأبحث فيها عن مكان الخبر، وما الذي طرأ عليه في هذه النسخة التي معنا الآن حتى عدنا لا نراه.
فقال لي:
-افعل ما تشاء.
وانتحيت، و رحت أنقل العناوين و الموضوعات صفحة صفحة حتى أتيت على سطر الجريدة الأخير. و ملأت بتلك العناويبن ورقة كبيرة على وجهيها. و طويت الورقة، و جعلتها في جيبي. وعدت إلى حيث كان يجلس رجل الرُّوح.
فإذا به يقول لي:
-لن تقرأ شيئاً فكما محوت من الجريدة الخبر، محوت لك ما كتبته.
و فتحتُ الورقة التي خططّت عليها العناوين-وقد استغرقت كتابتها ما يزيد عن ربع الساعة- فإذا هي فارغة بيضاء. فأخذني العجب!
و في اليوم التالي اتّصلت بكثيرين من أصدقائي، هاتفياً، و بينهم من كان خارج بيروت، و طلبت إليهم، دون أن أعلمهم بالمُعجزة التي حدثت امامي، أن يبحثوا في عدد الأمس من جريدة ” الحياة” عن خبر محاضرة” اليوجا” لكنهم جميعاً لم يجدوا أي أثر للخبر.
أخيراً اتصلنا بجريدة ” الحياة” نفسها، و سألنا المسؤولين عن مكان نشر الخبر في عدد الأمس، دون أن نعلمهم بمقصدنا، لكنهم بحثوا كثيراً، و تعجبوا كثيراً، لأنهم لم يعثروا على الخبر، مع يقينهم بأنهم نشروه في عدد البارحة!
أجل. لقد استطاع الدكتور داهش، بقوة الرُّوح اللامحدودة، أن يمحو الخبر من جميع أعداد ” الحياة” الموزعة في ألوف الأماكن و عشرات البلدان، بلحظة واحدة!
4-كنّا مجموعة لا تقلّ عن خمسة عشر شخصاً جالسين متقابلين في الممر الواسع الطويل الذي يقود إلى القاعة الكبرى في منزل الدكتور داهش. و كنت جالساً قبالة رجل الرُّوح. و رحنا نتحادث. و مرَّ بخاطري كتابٌ معروفٌ باسم ” إنجيل برنابا”، و ما كنت قد اطلعت عليه بعد. فسألت الدكتور داهش إن كان قد اطّلع على الكتاب. فإذا به يقول لي:
-هوذا الكتاب.
و بلمح البصر رأيت ” إنجيل برنابا” يتكوّن بين يديه.
ناولني إياه، و طلب إليّ أن أوقّع اسمي على صفحته الأولى مع تاريخ اليوم، ثم أن يوقّع أيضاً جميع الحاضرين أسماءهم.
ثم أخذت أقرأ فقرات منه. و بينما نحن في هذه الحال، نهضَ الدكتور داهش يهمُّ بالدخول إلى القاعة الكبرى التي كان بابها مفتوحاً بجانبي. و في اللحظة نفسها سمعنا صوته آتياً من أول المدخل، أي على بعد حوالي عشرين متراً، وهو ينادي إحدى الداهشيّات:
-زينا…
فالتفتنا جميعنا إلى مصدر الصوت…و دهشنا! إنه الدكتور داهش نفسه، و لكنه بثياب تختلف عما كان يرتديه قبل ثانيتين إذ كان يجلس معنا. و لمعَ في خاطري و خاطر الكثيرين في الحال أنه لا بدَّ من أن تكون شخصيّة من شخصيّاته و قد تجسَّدت بومضة عين. و نهضنا مسرعين نحوها، و كنت في الطليعة. و سار الدكتور داهش- او شخصيّته- إلى غرفة الاستقبال الأولى، و نحن نتبعه. و ما إن وصل إلى وسطها حتى اختفى من أمام أنظارنا.
و في اللحظة نفسها، و العجب آخذ منّا، رأينا الدكتور داهش يخرج من باب غرفة نومه المفتوح على غرفة الاستقبال، و كان يرتدي البيجاما و التعبُ بادٍ على وجهه. فسألنا مُستغرباً تجمّعنا و ضجيجنا:
-ماذا حدث؟ و متى جئتم كلكم إلى المنزل؟!
و ما هي إلا دقائق حتى انجلتْ الحقيقة: لقد كان الدكتور داهش مريضاً ملازماً فراشه، بينما نحن نظنُّ أننا مجتمعون به. فمن جالسناه و حادثناه و تكوّن “إنجيل برنابا” بين يديه بصورة عجائبية إنما كان إحدى شخصيّاته غير البشريّة، ومن نادى”زينا” و تبعناه ثم توارى فجأة عن أنظارنا إنما كان شخصيّة أخرى من شخصيّاته العجيبة التي لا تخضع للقوانين الأرضية!
ذاك جانب من الدكتور داهش كما عرفته، و كأنني أعرفك البحر بقطرة منه. من عاين مُعجزاته، لا سيما الكثير منها، لا يمكنه الشكّ بصحّتها على الإطلاق. فهي ساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار. و هي تحدث مع إحراق الرموز الداهشيّة و بدونها، وتتمّ في منزله و في غير منزله، و امام المؤمن و الجاحد على السواء. و من قال إنها علم، فليخبرنا عن الكُتب التي تعلّم صُنع المُعجزات، و الجامعات التي تدرّس هذا العلم. و لكنه لن يفعل، لأن كلامه هراء بهراء؛ إذ لو كان ثمّة علم كهذا، لبادرت الدول العظمى إلى الاستفادة منه، و هي تنفق البلايين لتتقدم خطوة واحدة في شتى حقول المعرفة! و من قال إنها قدرة شيطانيّة، و الشيطان هو الذي يصنع الخوارق، فإننا نجيبه: إذا كان الله تعالى يصنع الخوارق و يأمر بالخير و ينهى عن المنكر، و الشيطان، أيضاً، يصنع الخوارق و يأمر بالخير و ينهى عن المنكر، فما الظلمة في عقول الناس الذين ” ختم الله على قلوبهم و على سمعهم و على أبصارهم غشاوة و لهم عذاب عظيم.”
السيّد جورج هنري شكور
تاجرٌ لبناني و كاتبٌ باللغة الفرنسيّة
قصّ عليّ هذا الشاب قصّته مع الدكتور داهش التي زادت إيمانه و إيمان أفراد أسرته بالداهشيّة و بقدرة مؤسّسها الإعجازيّة.
قال:
-ألمّت ضائقة بوالدي قرّر على أثرها أن يبيع محلّه التجاري الذي يملكه. و عرضه للبيع بسعر 300 ألف ليرة لبنانية. و لكن احداً لم يتقدّم لشرائه لارتفاع السعر الذي حدده والدي.
و ضاق والدي بهذا ” النحس” الذي أصابه…
و ذات يوم أتاني يقول لي:
-طالما رويت لي عن مُعجزات الدكتور داهش الذي آمنت به أنت و إخوتك. فإذا كان يملك قدرة روحيّة خارقة، حقيقة، فليصنع مُعجزة و ينقذني من ورطتي. فأنا أبوكم و أنتم أولادي.
و ذهبت إلى الدكتور داهش. و قبل أن أتحدّث إليه ، فاجأني هو بقوله:
-خذ ورقة من على هذا المكتب،واذهب بها إلى والدك، و قل له أن يكتب عليها الرقم الذي يريد ان يبيع به محلّه. قل له أن يحدّد القيمة التي يريد أن يُباع بها محلّه و يدوّنها على الورقة.
و لم أنبس ببنت شفة.
أخذتُ ورقة بيضاء من على مكتب الدكتور داهش، و ذهبت بها إلى والدي. و كتب والدي على الورقة: ” مليون ليرة لبنانية.”
و بعد ثلاثة أيام بيع المحل بمليون ليرة لبنانية!
و كان المشترون قد رفضوا شراءه بثلث المليون منذ أقل من أسبوع واحد! و قبّلني والدي و الفرح يغمره، و قال لي:
-اذهب بي إلى هذا الرجل المُعجزة، فإني قد لمستُ قوته الروحيّة مثلك يا ولدي.
و حدثت أمامي مُعجزة اخرى عايشتها بمراحلها المختلفة.
فقد كنت ذات يوم، في منزل الدكتور داهش، فرأيته يقف أمام النافذة المطلة على الشارع العام، و يقول مشيراً إلى فانوس إضاءة نصبته البلدية على منعطف الشارع:
-ما أزعج هذا الضوء! قريباً سيتحطّم.
كان الوقت فجراً. و بعد ساعة تقريباً غادرت منزل الدكتور داهش لأذهب إلى عملي، فإذا بي أرى بعين العجب شاحنة مسرعة تنحرف عن الطريق و تصعد على الرصيف حيث الفانوس المذكور، فتحطّمه!
و في اليوم التالي جاء عمال البلدية و أصلحوا الفانوس لأهمية موقعه على الشارع العامّ، و كان يتألّف من دوائر من البلاستيك داخلها مصباح. لكن لم يطل الزمن حتى عادت سيارة فحطمته. و أعاد عمال الكهرباء محاولة إصلاحه مراراً بعد ان تحطّم تكراراً. و أخيراً اضطر العمال إلى تغيير موضع الفانوس و شكله. و بعد ذلك سلم الفانوس!
السيّد جوزف حجّار
رجلُ أعمالٍ معروف
و جوزف حجّار هذا رجل لطيف العشرة، باسم الثغر، تشعر، و أنت تتحدث إليه من أول مرة، أنك على صلة وثيقة به منذ عشرات السنين. و لذلك أحسّست وأنا أتأهب لسماع ما سيقوله عن الدكتور داهش أنني سأسمع الصدق بعينيه، و كلام العقل و التعقّل بلا تزويق أو تنميق. فالرجل، مظهراً و مخبراً، صادق، نقي السريرة.
قال لي:
-سنة 1942 توجّهت مع زوجتي إلى مستشفى رزق للتوليد في حيّ المزرعة ببيروت. و كنت قد سمعت عن الدكتور داهش و ما يأتي به من خوارق. و لما كنتُ اعرفُ أنه قريباً من المستشفى، و قد دفعني حبّ الاستطلاع إلى زيارته. و فعلت.
وجدته شاباً لطيفاً أنيقاً جداً. ما إن نظر إلى وجهي حتى ابتسمَ و أشار إلى ركن من حجرة الاستقبال.
التفتُّ إلى حيث أشار، فأخذني عجبٌ عظيم!
لقد وجدت في هذا الركن من الحجرة ” بيانو ” ! نعم . أملكه في منزلي في حلب . وكنت أعلم أن أحدا في بيروت ليس عنده مثل هذا ” البيانو ” . فهو موروث عتيق ، أقْدَمَ من أن يملكه معاصرٌ في بيروت .
وسألت نفسي : ” رّبما يخلق من الشبه أربعين ” ، كما تقولون أنتم في مصر ، إذ إنّ بين بيروت وحلب حوالي 380 كيلومتراً .
وقرأ الشاب العجيب الدكتور داهش ما يجول بفكري ، فابتسم إبتسامته الرقيقة الجادة ، وقال لي :
– لا تظنّ أنّ ما تراه أمامك مجرّد خيال . تفضّل وتحسّسه . إنه ” البيانو ” نفسه الذي تعتزّ به في بيتك بحلب .
وتحسّست ” البيانو” ثم قمتُ بفحصه …
إنه هو ! وهذه العلامات والخدوش التي أصابته من طول قِدَمِه واستعماله … هي هي التي في البيانو خاصتي الموجود في حلب !
ولمّا أحسّست أن عقلي لن يستطيع فهم ما حدثَ لعِظَمِ الخارقة ، قلت لنفسي : لا بدّ من أن أقطع الشك باليقين . فتركت زوجتي في المستشفى ، وسافرت إلى حلب …
فلم أجدَ البيانو ! …
وكنت قد تركته قابعا في حجرة الاستقبال في بيتي هناك !
كيف تحرّك؟! ومتى تحرّك؟! ومن الذي حرّكه؟! و لماذا تحرّك؟!عدت إلى الدكتور داهش لأعلن له انني أصبحت داهشيّاً.
إنها مُعجزة من عشرات المُعجزات التي رأيتها بعد ذلك.
برأيي أن خوارق الدكتور داهش تدلُّ و تؤكّد بالبرهان الماديّ المحسوس وجود عالم روحيّ مستمدٌّ من الله، و أن وحدة الأديان هي دستور هذا العالم الروحيّ.
السيّدة هيلدا يوسف مراد
موظفة في واشنطن-أميركا
-مات زوجي، و أصبتُ بحالة اكتئاب شديدة، و جفاني النوم تماماً، و أحسّست بأنني أسيرُّ نحو نهايتي المحتومة…الموت!
و قد عرضت نفسي على عشرات الأطباء النفسيين و غير النفسيين…و لكن بلا جدوى.واشتدت حالتي سوءً، و كدتُ أفْصَل من عملي في جدّة بالسعودية.
و جئت إلى بيروت في إجازة. و نصحني بعض الأصدقاء بمقابلة الدكتور داهش؛ و لم أكن قد سمعت باسمه. وقلت لنفسي: ” لن أخسر شيئاً على الإطلاق من مقابلته و عرض مشكلتي الصحّية عليه.”
و ذهبت إليه بصحبة بعض أقاربي.
سألني الدكتور داهش:
-ماذا تريدين مني ان افعله لك؟
قلت:
-أريد أن اشفى من الأرق و من حالة الاكتئاب.
فقال مبتسماً:
-أنت الآن في أحسن حال. لقد شفيت منذ وطئت قدمك ارض هذه الحجرة.
و أحسّست بالسرور يغمرني، و بحالة الإكتئاب تزول عني.
ثم قال الدكتور لي:
-أطلبُ منك الآن، أن تمسكي بهذا القضيب الخشبي و تكتبي عليه اسمك في عدة مواضع منه.
و أمسكت بالقضيب الخشبيّ، وهو قطعة من إطار معد للبراويز، و كتبت عليه اسمي، كما طلب، في عدّة مواضع.
و عاد الدكتور داهش يقول:
-و الآن، اقذفي به إلى فوق، إلى سقف الحجرة.
و فعلت.
و مد الدكتور يده نحو السقف،والتقط قطعة الخشب. و إذا بها قد تحولت، بلمح البصر إلى برواز يحيط بالزجاج، و ضمنه صورة زوجي الذي مات…صورة له كانت احسن صورة!
برواز كامل معدّ لتعليقه على الحائط. و على الإطار مخطوط اسمي مكرراً كما كتبته على القضيب الخشبي بخط يدي!
و ذُهلت… و ذُهل معي الحاضرون… وكانوا أكثر من عشرين شخصاً.
و خرجت من عنده حاملة صورة زوجي. و أخذتها معي، بعد ذلك، إلى مقرِّ عملي في جدّة.و قد شفيت مما كنت أعاني من الأرق والإكتئاب على مدار ثلاث سنوات تقريباً.وانشرح صدري، و أصبحتُ أنام ملء أجفاني.
و أصبحت داهشيّة.
و رأيت أن اترك عملي في جدة لأكون في بيروت قريبة من منقذي، هذا الرجل الخارق القوّة.
و مضى عامان… و أنا بلا عمل.
و ذات يوم قال لي الدكتور داهش.
-لا بأس من أن تعود إلى العمل.
و عيّنْتُ موظفة في السفارة العراقية بواشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية.
و في أحد الأيام، بينما كنت في مكتبي بالسفارة و قد أغلقت على نفسي الباب لأنني كنت أقوم بعملٍ سريٍّ وهامّ، سمعت طرقاً على باب غرفتي، فتضايقت، و لكن قلت بصوتٍ غاضب:
-ادخل.
و فُتِحَ الباب. و إذا بي أرى أمامي الدكتور داهش!
ذُهلتُ…و صحتُ فرحة:
-أنت هنا في واشنطن، يا دكتور؟! متى وصلت؟! و كيف دخلت؟! و لماذا لم أعرف بموعدِ وصولك لأكون بانتظارك؟!
و عشرات الكلمات خرجت من فمي بلا وعي، و لكنها كانت متلاحقة من شدّة فرحي واستغرابي.
و مكثَ معي الدكتور داهش يحادثني حوالي ساعة. و عندما اعتزم الانصراف، هممّت بالوقوف لأوصله حتى باب المكتب. و لكنّه قال لي:
-لا تتحرّكي. ابقي في مكانك حتى انصرف.
وامتثلتُ لأمره لحظة. لكن ما إن خرج من باب حجرتي حتى هرولت وراءه…فلم أجد له أثراً!…
سألت موظف الاستعلامات و البواب، فأكّدا لي أن أحداً لم يدخل و أن أحداً لم يخرج. ذلك مع العلم أن ليس من احد يستطيع مواجهة أي موظفٍ في السفارةِ ما لم يُعلم الموظف هاتفياً بالأمر!
فيما بعد تأكّد لي أن الدكتور داهش لم يبرح بيروت في تلك الأثناء!
إذن، من يكون هذا الرجل العجيب الذي ينتقّل كالبرق من الشرق إلى الغرب؟!
و اليك قصّةٌ أخرى حدثت لي مع الدكتور داهش:
أنا من أشدِّ المولّعات بالعصافير. و قد جمعتُ منها مرّة ستة في قفصٍ واحد. و ذات يوم وجدت واحداً منها قد فارق الحياة، إذ كان منطرحاً في أرض القفص جثةً هامدة. فحزنتُ عليه.
و حملت القفص و حزني إلى الدكتور داهش. فطيّب خاطري، و سألني:
-أتحبين أن تشاهدي هذا العصفور الميت…يحيا و يطير؟
فأجبته:
-ليت ما تقوله يحدث، يا دكتور.
قال:
-إذن، أخرجيه من القفص، و أمسكي به في يدك، و ضعيه على راحتك، و قفي أمام النافذة.
و فعلتُ. و إذا بي أحسُّ بالعصفور الميت ينتفض بالحياة!… و يفلت من كفِّ يدي طائراً…محلّقاً في السماء!…
ماذا اقول لك عما شاهدته من مُعجزات هذا الرجل.
قد لا تصدقني… و لكنني أقسم لك بالله سبحانه و تعالى ان كل ما رويته لك حدثَ معي و أمامي.
السيّدة رباب المقدم
ربّة بيت
هي سيدة يبدو عليها الاتزان و الوقار. أحسّست و انا أتحدّث إليها انها من النوع الذي لا يتكلم إلا بحساب ومراجعة في الذهن قبل أن ينطلق اللسان. و لهذا جلست أمامها اتأملها و هي تقصُّ عليّ بعضاً مما شاهدته في الجلسات الروحيّة التي كان الدكتور داهش يعقدها بين الحين و الحين…
فماذا قالت السيدة رباب؟
قالت:
-قرأت في مجلة ” الأسبوع العربي” ،في أحد أعدادها الصادرة عام 1964، موضوعاً عن الدكتور داهش والعجائب التي تصدر عنه في جلساته الروحيّة. و طبعاً لم أصدق كلمة واحدة ممّا نُشِرَ في هذه المجلّة على الرغم من انّها مجلّة رصينة تتّسمُ موضوعاتها بالجدّية و الصدق. و مع ذلك، فقد قلت لزوجي:
-لماذا لا نذهب إلى هذا الرجل لنقطع الشك باليقين؟! لماذا لا نقتحم عليه داره، و نرى ماذا يفعل؟ و هل يملك حقاً قوّة روحيّة خطيرة كما جاء في المجلّة؟!
و تردّد زوجي بعض الوقت… و لكنني ألححت عليه، فوافق آخر الأمر.و ذهبنا إليه.
كان الدكتور داهش يتصفّح البريد الذي وصله في صباح اليوم الذي زرناه فيه. و بين أكوام البريد امسكت بألبوم أعجبني. و كان الألبوم هذا ملآن بصورٍ خاصّة بمنتجات إحدى الشركات الكبرى في أسبانيا. و أعجبتني صورة ل”قطاعة الورق” شكلها جميل فعلاً، ووجدت تحتها كلمة ” صناعة إسبانية”.
نظر الدكتور إليّ، و قال مبتسماً:
-هل أعجبتك هذه القطعة؟
قلت:
-نعم.
قال:
-إذن ضعي إصبعك على صورتها.
و فعلت.
و إذا بالصورة تتجسّد، وتتحوّل إلى قطعة من الصلبِ عبارة عن القطاعة ذاتها، و قد كُتِبَ عليها:” صناعة إسبانية”.
وابتسم الدكتور، و قال لي:
-تفضلي خذيها هدية.
و في جلسة أخرى، أمسكت بألبوم و تصفحته، فوجدت أن أوراقه كلها باتت بيضاء، ليس فيه صورة واحدة.
وقلت للدكتور :
-يبدو أنك لم تُلصق عليه الصور بعد.
فقال:
-نعم. هذا صحيح.
و بعد ثوان، قال لي:
-انظري.
فنظرتُ، و إذا بالألبوم قد امتلأ بفراشات حلوة الألوان، و لكنها ميّتة مُحنّطة.
و امسك الدكتور داهش بالألبوم…و إذا بهذه الفراشات حيّة…تنطلق من الألبوم لتطير في جوِّ الغرفة!…
هاتان المعجزتان و غيرهما مما شاهدت جعلتني أؤمن إيماناً راسخاً، أنا و زوجي و جميع أولادي، بالداهشيّة ومؤسّسها.
الأستاذ إيليا حجار
أديبٌ و صاحبُ ” دار النسر المحلّق للطباعة و النشر”
إنه شابٌ لطيف العشرة، يقظ، ذكي، تنمُّ ملامحه عن الجسارة و الإقدام. و بمعنى آخر، هو شاب نبيه لا تجوز عليه الألاعيب و اللف و الدوران.
قال لي بلا مقدمات:
-لقد ولدتُ داهشيّاً، لأن والدي اعتنق الداهشيّة، و أنا لم أولد بعد. وكنت أتحرّك مع الدكتور داهش، و أنا طفل صغير، إلى أكثر الامكنة التي يذهب إليها. و اتنقل في صحبته عندما كان مُضطهداً من رئيس الجمهورية بشاره الخوري و من رجال حكومته.
و كنت لا أدرك عظمة ما يفعله و أهمية ما يجترحه من مُعجزات، لأن عقلي، وقتها كان قاصراً عن فهمِ ما يأتي به هذا الرجل الجبّار.
و مع أنني كنت صغيراً في السنوات التي شهدت اضطهاد رئيس الجمهورية للدكتور داهش، و صراع الرجل الجبّار مع رأس الحكم و زبانيته، فإن كثيراً من أحداثِ الاضطهاد ما تزال راسخة في ذهني.
فقد كان بشاره الخوري يظنُّ أن الدكتور داهش هو خارج لبنان- إذ إنه كان قد أمر بتجريده من الجنسية اللبنانيّة و نفيه-لكن مؤسّس الداهشيّة، في الواقع و الحقيقة ، لم يغادر لبنان، و كان يمضي أكثر أوقاته في منازل أصدقائه و اتباعه من الداهشيين، و بين هذه المنازل بيتنا_ أي بيت جدي جورج حداد، عديل رئيس الجمهورية- وهو لا يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من بضع عشرات من الامتار.
و لكن، بعد أن بدأ الدكتور داهش حملته الرهيبة على بشاره الخوري و كل من اشترك في المؤامرة عليه، و ذلك بنشره عشرات الكتب و المناشير السوداء التي تفضح الحكم و أعوانه، و تظهر مخازينهم، إذ ذاك بدأ منزلنا يتعرّض للهجمات و المُداهمات المتكررة التي كان يقوم بها رجال الشرطة و رجال الأمن العامّ بحثاً عن الدكتور داهش الذي أقضَّ مضاجعهم.
و كثيراً ما كان الدكتور داهش موجوداً في منزلنا عند مداهمته و تفتيشه، و لكن أبصار رجال الشرطة تعجز عن رؤيته، فيعودون أدراجهم خائبين.
و حدثَ ذات مرة، أن داهم البوليس منزلنا، و كان الدكتور داهش يجلس في البهو معنا عندما قرع البوليس الباب. و رفضتُ أنا أن أفتح الباب خوفاً من أن يقبضَ على الدكتور داهش، و لكن الدكتور نفسه أمرني أن أفتح الباب لهم. فامتثلتُ.
و بحثَ البوليس عن الدكتور داهش في كلّ ركن من أركان المنزل، و لكنهم لم يعثروا له على أثر، في الوقت الذي كنّا فيه نقف معه أمامهم، بل إنني كنت أقول لرجال البوليس:
-تفضلوا. الدكتور بجواري.
فكانوا يصيحون في غضب:
-أين هو أيها الولد الكذّاب؟
و كان الدكتور ينظر إليهم مبتسماً ساخراً دون أن تتمكن عيونهم من رؤيته. و خرج رجال البوليس مُغتاظين دون ان يستطيعوا القبض عليه.
و هاجمنا ذات ليلة رجال البوليس بعد أن حرّر الدكتور داهش منشوراً رهيباً ضد رئيس الجمهورية اللبنانية، واستولوا على عشرات الألوف من نسخِ هذا المنشور كانت موجودة في بيتنا، ووضعوها في أوعية، و ختموها بالشمع الأحمر، و حملوها معهم إلى مركز البوليس الرئيسي.
و بعد رحيلهم ظهر الدكتور داهش وقال لجدّي جورج حداد:
-اذهب إلى مركز البوليس ومعك سيارة نقل، و قل لهم: أنا جورج حداد، داهمتم بيتي، واستوليتم على مناشير تطعن برئيس الجمهورية كانت لديّ . أريد أن تعيدوا لي هذه المناشير.
فارتسمت الدهشة على وجه جدّي ووجوه الحاضرين، و قالوا إن ذلك يترتّب عليه مسؤولية جزائية عظيمة. لكن الدكتور داهش أمرَ بأن ينفّذ جدّي ما طلبه منه.
و ذهب جدّي إلى مركز البوليس وطالبهم بتسليمه المنشورات التي تهاجم رئيس الجمهورية مكرراً العبارات التي أوصاه الدكتور داهش بقولها. و إذا برجال البوليس يسارعون، بلا وعي او تفكير، إلى حملِ الأكياس الملأى بالمناشير السوداء و يضعونها في سيارة النقل!
إن هذه الُمعجزة برهنت أن لا إرادة في الأرض يمكن أن تقهر الدكتور داهش.
و كثيرة كثيرة هي المُعجزات و العجائب التي شاهدت مؤسّس الداهشيّة يجترحها و أكتفي أن أذكر منها التالية:
1- في عهد الاضطهاد، مررنا بأزمة مالية أثرت على والدي كثيراً، فكان يبدو دائماً مهموماً. لكن الدكتور داهش سرعان ما كان يبدّد هموم أبي بالنصح و الفعل معاً.
و أذكر أن الدكتور داهش قَدِمَ مرّة إلينا حاملاً عدة سلال فارغة. فتعجّبنا و سألناه عن امر هذه السلال. و إذا به يبتسم، و يمس بإصبعه السلّة الأولى، فتمتلئ بثمار المانجو. ثمّ يمسّ السلّة الثانية، فتمتلئ أيضاً. و هكذا حتى امتلأت جميع السلال بهذه الثمار الشهيّة. فأكلنا يومها مانجو فقط حتى امتلأت بطوننا.
2-كنت و أنا طفل موضع مداعبة الدكتور داهش. ومما أذكره أنه رآني مرّة ألاحق بعض النمال، فانحنى و رسم دائرة حولها. فكان النمل يتحرّك داخل الدائرة. وكلما وصل إلى الخطّ المرسوم، ارتدَّ عنه كأنه حصنٌ او سورٌ لا يُخترَقْ. ثم سألني الدكتور داهش عن الموضع الذي أحبُّ ان يخرج النمل منه، فأشرت إلى نقطة في خطِّ الدائرة. فرسم عند تلك النقطة النجمة الداهشية. و إذا بالنمل يتحرّك و يخرج منها كأنها المنفذ الوحيد له!
3- دخل الدكتور داهش ذات يوم إلى محلٍّ تجاري نملكه في بيروت، و كنا نعرض فيه للبيع أصنافاً من الألعاب و الطيور المحنّطة. و إذا به يضع يده على أحد الطيور المحنطة، فتدبّ الحياة فيه، و يتحرّك و يترك القاعدة التي كان مسمراً عليها! فنضعه في القفص بضع سنين!
السيد سليم قمبرجي
أحد رؤساء أقسام شركة مارشال الأميركية
و الممثّل الوحيد لها في الشرق الأوسط
قصتي مع الدكتور داهش سريعة و مقتضبة، ذلك لأن هذا الرجل أقنعني ببساطة متناهية بأنه يملك قوّة روحيّة ليست من البشر. فقد أمضيتُ في أميركا ثلاثة عشر عاماً. و كنت أعيش هناك في هدوء واستقرار عندما تلقيت خبراً محزناً من لبنان بأن والدي قد توفاه الله. فحزنتُ حزناً شديداً، و قرّرت العودة إلى بيروت فوراً. و رجعت فعلاً لأتلقى العزاء في والدي.
و لاحظ شقيق لي مدى حزني على والدي، فأراد أن يخفّف عنّي بعض هذا الحزن، فقال لي:
سأذهب بك إلى الدكتور داهش، و هو كفيل بأن يعيدَ الهدوء إلى نفسك، و أن يمسح عنك الأحزان التي تحسّ بها.
و صحبني شقيقي إلى الدكتور داهش. و كان هذا عام 1963.
أعطاني الدكتور داهش ورقة بيضاء، و طلب مني أن أدوّن عليها اسمي. ثم طلب ان أعركها ضمن كفي.
ففعلت.
عندئذ قال لي:
-افتح يدك الآن.
و فتحت يدي. فإذا بهذه الورقة البيضاء المعروكة المهلهلة قد تحولت إلى ليرة لبنانية، واسمي ما يزال عليها بخط يدي.
و قال لي:
-احتفظ بهذه الليرة، و لا تصرفها أبداً.
وعدت إلى أمريكا، و بقيت فيها ستة أشهر. ثم جدَّ في أسرتي ما دعاني إلى الرجوع مرّة أخرى إلى بيروت. و في يوم وصولي اتّصلت بالدكتور داهش تلفونياً. فقال لي عبر أسلاك الهاتف:
-هل معك الورقة التي تحولت إلى ليرة لبنانية؟
أجبته:
-نعم.
فقال:
-افتحها الآن.
وفتحتها…
يا إلهيّ! لقد وجدت الليرة اللبنانية قد كُتِبَ فيها، و هي في محفظتي بجيبي، أنني سأتعرّض للغرق و أنا في الباخرة التي عدت بها إلى بيروت في يوم كذا، الساعة كذا.
و كان كل ما كُتب في هذه الليرة، بصورة عجائبية، قد حدث لي فعلاً خلال رحلتي من أميركا. و كان التاريخ المحدَّد لوصولي إلى ميناء بيروت هو بالضبط التاريخ الذي وصلت فيه.
و بالإضافة إلى النبوءة التي تضمّنت مُلابسات رجوعي، احتوت الليرة على عدة نبوءات أخرى تمت بحذافيرها. إذ ذاك و بدون أي تردّد، آمنت بأن الدكتور داهش مزوّد بقوّة غير بشريّة، و صدّقت بدعوته الروحيّة.
بعد ذلك، كرّرت زيارتي لمؤسّس الداهشيّة، و شاهدت مُعجزات كثيرة تمّت على يديه. أكتفي بذكر واحدة منها.
فقد زرته مرة وأنا أحمل عدداً من حبّات الأفوكادو الخضراء الفجّة جداً، و هي تقتضي عدة أسابيع لتنضج. فإذا به يتناول هذه الثمار الفجّة من الكيس واحدة واحدة، و ما إن يلمسها حتى تنضج و يتغيّر لونها، فنأكلها بشهيّة!
السيّد علي قمبرجي
مدير محلات تجاريّة في بيروت
قال السيد علي لي:
-كثيرة هي المُعجزات والخوارق التي قام بها الدكتور داهش معي و مع أفراد أسرتي.و إليك بعضاً منها:
ذات يوم من عام 1963 حدث في بيتنا حادث مؤسف.فقد كانت زوجتي تعدُّ لنا الطعام، و إذا بها تُصاب بحروقٍ بالغة مشوّهة في وجهها.
و عرف صاحب المحلاّت التجاريّة التي كنت أديرها بمصابي، و كان على صلة بالدكتور داهش. ففاجأني ذات يوم بحضوره على منزلي بصحبة مؤسّس الداهشيّة.و إذا برجلِ العجائب يمدُّ يده، فيلمس وجه زوجتي المُحترق المشوّه. و ظننت أنا أنها مجرّد مجاملة و تعزية منه.و لكن ما إن همّ بتوديعنا و مغادرة المنزل، حتى كانت الحروق الشديدة قد اختفتْ آثارها نهائياً من وجه زوجتي. فحمدتُ الله على سماحه بهذه المُعجزة، و على رحمته التي جسّدها بهذا الرجل العجيب.
و إليك قصّة أخرى حدثت مع زوج شقيقتي النقيب غازي فرج.
مرض زوج شقيقتي بداء القلب، و أمضى عشرات الشهور يتنقل بين عيادات الأطباء المتخصّصين بلا جدوى ولا أمل في الشفاء . و أجمع كل الأطباء على وجوب سفره إلى أميركا لإجراء عمليةٍ جراحية هناك، و أنها لن تكون مضمونة السلامة، و لكنّها الأمل الوحيد في نجاته مؤقتاً.
وحملتُ زوج شقيقتي إلى الدكتور داهش، و طلبتُ مساعدة روحيّة له. فقال الدكتور إن المساعدة الروحيّة ستحدث لهذا الشاب، وإن الله تعالى سوف يُشفه ممّا يعانيه.
و رجعت بزوجِ شقيقتي إلى المستشفى للمرّة الثانية خلال أسبوع واحد لإجراء تصويرٍ للقلب ملوّن بواسطة الأشعة، و ذلك للتأكّد ممّا ظهر في تصوير الأشعة السابق، و لإظهار المكان الذي تُلِفَ من القلب، بدقّة لكي أحمل كل هذه النتائج و الوقائع إلى أميركا، كما قال الأطباء في بيروت.
و في حجرة الأشعة، و قبل أن يأخذوا الصور المطلوبة، صاح المريض:
-أنا أشعر بأنني شُفيت. نعم، لقد شُفيت، و لا داعي لعمل الأشعة. و لكنني أصرّرت على تصوير قلبه بالأشعة. و فعلاً أخذت له صورٌ ملوّنة. و عرضت الصور على الطبيب المختصّ، فقال:
-لا يوجد أي مرضٍ في قلبِ هذا الشاب.
و صُعقنا!…و احضرنا للطبيب صورة الأشعة التي أخذت له في الأسبوع السابق.
قارنَ الطبيب بين الصورتين، فإذا الدهشة ترْتَسِمُ على وجهه، و سمعناه يتمّتم:
-مش معقول!…مش معقول!…
فسألناه:
-ما هو هذا غير المعقول؟
أجاب:
-في صورة الأشعة التي أخذت قبل أسبوع، يبدو المرض واضحاً جداً في هذا الجزء من القلب. و كان هذا الجزء هو الذي ستُجرى فيه الجراحة بأميركا. و في صورة الأشعة الثانية التي أخذت له اليوم، لا أثر إطلاقاً للمرض!…ماذا حدثَ ، بالله عليكم! كيف حدث هذا؟! إنه أمر لا يمكن حصوله طبياً.
قلنا له:
-لقد شفاه الدكتور داهش بقوّة الله.
و أصبح زوج شقيقتي، و شقيقتي، و أنا…من معتنقي الداهشيّة.
الأستاذ ماجد مهدي
صاحب ومدير” مدرسة النهضة العلمية” في لبنان
قال الأستاذ ماجد مهدي:
-تناهتْ إليّ أخبار الدكتور داهش عبر جريدة ” النهار” البيروتية، في الملحق الصادر بتاريخ 21 آذار 1965. ثم تتبّعتها في الجرائد و المجلاّت الأخرى كمجلاّت”اللواء” “و الأسبوع العربي” و ” الجريدة” و غيرها…
و كان عمري وقتها ستة عشر عاماً. و لم يكن البيت الذي نشأت فيه إلا صورة مصغّرة للمجتمع الكبير المطبوع بالرياء البشريّ و الأكاذيب و الأضاليل، هذا المجتمع الذي باع نور السماء بظلمات الماديّات، وارتضى أن يكون قفراً تتصارع فيه الذئاب الخاطفة بدلاً من واحة المحبّة و الإخاء، هذا المجتمع الذي قوّضت الطائفيّة أسس صلاحه، فحفل بمشاهد الكفر و الإلحاد و تألّه العباد.
فما إن قرأت عن ُمعجزات الدكتور داهش حتى وجدتني أمام آراء مُتضاربة قاسمها المشترك أنّها جميعها تقرّ بوجود قوّة فائقة تتجلّى خوارق مُذهلة، و لكنها تختلف في تفسير هذه القوّة من حيث منشأها و طبيعتها و غايتها. لذلك صمّمت على أن أتعرّف إلى الدكتور داهش.
فذهبت إليه، و شاهدت، كما شاهد الكثيرون، مُعجزات تحقّقت منها بحواسي و عقلي…
ثم قرأت كتبه و تفهّمت مبادئه، فوجدتها عابقة بروحانية يفتقر إليها عصرنا الماديّ.
و عندما جالسته و عايشته، وجدته المثل الأعلى لتلك المبادئ التي ينادي بها.
و بدأت التعمّق في فهم مبادئ هذا الرجل. و بدأت أيضاً أكفر بالمجتمع الذي أعيش فيه مع أهلي و عشرتي.
لقد فتحت مُعجزات داهش عيني على واقع عظيم، إذ إنها تؤكّد وجود الله تعالى، و تظهر حقيقة قوّته اللانهائية، و تثبّت بالبراهين المحسوسة و الأدلة الملموسة وجود العالم الثاني، نعيماً كان أو جحيماً. فالأرض ليست مركز الكون، كما يظن، لا فلكياً و لا ذهنياً و لا روحيّاً، و لا هي الدرجة الأسمى للحضارات الكونية. أما مصير الإنسان فيها بعد الموت، فيكون رهن أعماله.فالصلاح و عمل الخير يسموان به إلى الدرجات ( أي النعيم)، و الانغماس في المفاسد والشرور ينزل به إلى الدركات ( أي الجحيم).
منذ ذلك الحين، آمنت بأن الدكتور داهش هو صوت العناية الإلهيّة،و بأن الأرض قد سكرت من خمر الخطايا، وترنّحت في كفرها و نكرانها للخالق المعبود، و تربّع إبليس على عرشها كاهناً!
حقائق كثيرة تعلمتها من الداهشيّة…و لعلّ أبرز ما أحبُّ أن اعترف به هو فضلها في استئصال سوسة الطائفيّة البغيضة كلّياً من جذور نفسي. فقد جعلتني تعاليم الدكتور داهش أؤمن إيماناً راسخاً بوحدة الأديان، و بأخوة الإنسان للإنسان. و في ظلِّ الداهشيّة، صرت أهزأ بتجّار الطائفية، و أسخر من مستغلّيها، و أشفق على ضحاياه.
إن الحقّ الذي شعرت بأنَّ نوره غمر قلبي، كان لا بدّ من أن أزفّ بشراه إلى أهلي… و لكن أهلي قاموا ضدّي. و كان صراعٌ مريرٌ مؤسف بيني و بين والدي.
لم يكن والدي من الذين يعملون بقول جبران خليل جبران:
” أولادكم ليسوا أولاداً لكم.
إنهم أبناء و بنات الحياة المشتاقة إلى نفسها…
و مع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم.
أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبّتكم،
و لكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم.
لأن لهم أفكاراً خاصّة لهم.”
و من أعجب ما قاله والدي، مرّة، وهو محتدٌّ:” لا أرضى أن تكون أخلاقك كأخلاق الأنبياء، لأن الأنبياء حرموا أنفسهم لذائذ الحياة”.
و قد منعني والدي من قراءة القرآن الكريم و الإنجيل، واستنجد بالشيوخ من أصدقائه لكي يَسْدوا إليّ النصح بضرورة طاعة الأهل طاعة عمياء،
و الخضوع لإرادتهم، لأن طاعتهم من طاعة الله.
و لكنني لم أصغ إلى النُّصح. و كيف أصغي، و قد قرأت في سورة العتكبوت من ” الكتاب الشريف”:”ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. و إن جاهداك لتُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون”
أولم يقل السيد المسيح:” أعداء الإنسان أهل بيته”؟
أولم يعلن الإمام عليّ بن أبي طالب أن ” لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق”؟!
و طردني والدي لفترة من الوقت…إلى أن قرّرت السفر إلى فرنسا لأدرس الطبّ.
و في فرنسا رحت أنشر الداهشيّة في المحيط الذي كنت أعيش فيه، ليقيني بأنها وحدها تقدّم إثباتاً محسوساً لوجود الله تعالى وللقوّة الروحيّة التي لا تحدّها قيود الزمان و المكان.
وألقيت أكثر من محاضرة عن الداهشيّة. و نالت المحاضرات الإعجاب و التفهّم و التقدير. و تلقّيت رسائل كثيرة من جنسيّاتٍ مختلفة تطلب مني مزيداً من المعلومات عن الدكتور داهش و رسالته التي تعدو إلى وحدة الأديان، و عن المُعجزات التي قام و يقوم بها.
بعد ذلك النشاط الذي قمتُ به في فرنسا، قررَّ والدي قطع علاقته بي نهائياً، و منعَ عني مصاريف الدراسة والإقامة في فرنسا. و لكن هذا لم يُضْعف عزيمتي. و قد تلقيت من أصدقاءٍ كثيرين يؤمنون بما أؤمن ما أعانني على مواصلة الدراسة و الإقامة في تلك البلاد.
و عدت في إجازة الصيف إلى لبنان بعد ثلاث سنوات أمضيتها في فرنسا، فوجدت والدي في ثورةٍ عارمة. فطردني من المنزل، و حرَّم عليّ دخول المدرسة التي كان صاحبها.
فاتّصلت بالدكتور داهش أعلمه باضطهاد والدي لي، فهدّأ خاطري، و سألني:
-ما هو عمر والدك؟
فأجبته:
-خمسون عاماً.
لكنّه عاد فطرح عليّ السؤال نفسه مراراً حتى استغربت منه!
و في الأسبوع نفسه، زارنا الدكتور غازي براكس ليقول لوالدي ناصحاً:”إن الداهشيّة إنما جاءت لتُعيدَ البشر إلى أديانهم المنزلة، و أنها جاءت لتُزيل الفوارق بين البشر و الطوائف، ليحيا الجميع إخوة في ظلِّ ربٍّ واحد، خالق السماوات و فاطر الأرض…” و كانت زيارته المحاولة الأخيرة لإفهام والدي بضرورة العودة عن موقفه المُجْحف بحقّي، و المقاوم للداهشيّة و مؤسّسها.
لكن والدي زادَ اضطهاده لي، و غالى في عناده…
عندئذ أخبرت الدكتور داهش تلفونياً بما أعانيه، فقال لي بصوتٍ حازم:
-سوف يزول…سوف يزول…
و لم تلبث أن نشبت مشاجرة حادّة بيني و بين والدي، فصاح والدي متحدّياً:
-إذا كان داهش صاحب قوّة روحيّة حقّاً، فليمتني إذا استطاع.
و في اليوم التالي، أخذ والدي يعُد لإقامة مهرجان دعا إليه شيوخاً من بعلبك و بيروت، ومفتياً كبيراً من لبنان، ليقوموا بمواجه الدكتور داهش و محاربة الداهشيّة و تفنيدها…
لكن المفاجأة المؤسفة المُذهلة حدثت! والمُعجزة تمّت!
فقبل بضع ساعاتٍ من إقامة المهرجان، توفي والدي بالسكتة القلبية.
وما إن اتّصلت بالدكتور داهش لأبلغه الخبر، حتى طلبَ إليّ، و أنا على التلفون، أن أفتح ورقة سلمني إيّاها منذ زمنٍ، ففتحها. و إذا فيها نبوءة خطيّة بأن والدي سوف يتوفى في نفس التاريخ الذي مات فيه، وأن القوم الذين سيدعوهم لتفنيد الداهشيّة،سوف يحضرون مأتمه، ويشيعون جثمانه و جنازته.
و أصبحت المدرسة التي ورثتها عن والدي بعد موته، والتي كانت مسرحاً للهجوم على الداهشيّة- أصبحت اليوم صرحاً تربوياً من صروح الداهشيّة في لبنان.
و لهذا، فأنا داهشيّ راسخ الإيمان بصدق الدعوة الروحيّة التي يقوم بها الدكتور داهش، و بخوارقه ومُعجزاته التي يجترحها بإذنه تعالى.
السيّد نقولا ضاهر
موظفٌ في مصلحة الهندسة في بلدية بيروت
ماجيستير في التاريخ العام
كثرت الأحاديث عن الدكتور داهش في لبنان و سائر البلاد العربيّة منذ الثلث الأول من القرن العشرين. و بما أنّي ولدت و ترعرعت في منطقة المصيطبة و المزرعة ببيروت حيث نشأ هو و قطن، فقد كان لي منذ نعومة أظافري، النصيب الوافر في سماع ما يرويه الجيران عن أعماله العجيبة.
و دارت الأيام…و اتيحَ لي أن أتعرّف بالدكتور داهش بواسطة شقيقتي إيلين التي كانت قد تعرّفت إليه من قبل.و في أثناء زيارتي الأولى له سألته عن عدّة أمور كانت تجول في خاطري منذ عهد بعيد. منها: عندما يتوفّى المرء و يصبح جثّة هامدة، فأين تختفي الرُّوح؟ ماذا يحصل بعد الوفاة. زد أنني كنت أحرص، في فتوَّتي، على ألا أؤذي أي مخلوق. سواء أكان طائراً أم حشرة أم سواهما؛ و كان يراودني أنه قد يُكتب لي أن أكون يوماً مثلها، فيُصيبني ما قد يصيبها إذا آذيتها…فهذه التساؤلات و الخواطر حدثته بها؛ فكان يصغي إليّ بكلِّ تواضع و هدوء ورويّة. وممّا قاله لي: ” تساؤلات وجيهة، يجدر بالمرء أن يعرف أجوبتها. بيد أن الإجابة الوافية الشافية عنها لا تتأتى إلا في أثناء الجلسات الروحيّة. فالرُّوح توضّح لك كل شيء؛ الماضي و الحاضر و المستقبل ماثلة كلّها أمامها.”
سألته:” و ما هي الجلسات الروحيّة؟ إنه ليشوقني أن أحضر إحداها.” فأجاب:” الأمر بسيط جداً. عليك بكتابة ” الرمز الداهشي- و ما هو إلا ابتهال يتوجّه به الإنسان إلى القوّة الموجدة، إلى الله جلّ اسمه-و ذلك مرة كل يوم، وعلى مدى شهر واحد. و من ثمّ يسمح لك بحضور جلسة روحيّة تحصل ظاهرات يكون في استطاعتك أن تسأل ما تشاء. و في الجلسة الروحيّة تحصل ظاهرات روحيّة و مُعجزات فائقة يلمسها الحاضرون لمس اليد؛ فهي لا تقبل الشكَّ إطلاقاً. كل ذلك لإثبات وجود الرُّوح و قوّتها و خلودها، و إعطاء فكرة واضحة عن العالم الآخر و العدالة الإلهيّة و الثواب والعقاب…”
أعددت الشهر الرُّوحي، و تسنى لي أن أحضر جلسة روحيّة، و ذلك في 20 تشرين الأول عام 1964. و قد حصلت فيها أمامي خوارق كثيرة أكتفي بذكر بعضها. منها استحضار رسالة في ظرف مُلصق كان قد أرسلها إليّ أحد الأصدقاء في الكويت، و تسلّمتها بيدي، و لكنها فُقدت. و في أثناء الجلسة الروحيّة خاطبتني الرُّوح قائلة:”أتريد رسالتك المفقودة؟” فأجبتها:”نعم.” و في الحال، فتح الدكتور داهش المأخوذة بالرُّوح راحة يده اليمنى، فإذا بها فارغة. ثم ضرب بها ركبتي اليسرى، فإذا بالرسالة” تخلق” بين راحة يده و ركبتي. ثم سلّمها إليّ، ففضتها، فإذا هي الرسالة نفسها بتاريخها القديم؛ وما أزال حتى الآن محتفظاً بها.
و كنت قبيل انعقاد الجلسة الروحيّة، قد كتبت “رمزين” داهشيّين على جهتي ورقة صفراء، و أحرقتها، و غلفت رمادها بورقة صفراء خالية من أية كتابة، ووضعتها في يدي. و في أثناء الجلسة، طلبت الرُّوح إليّ أن أفتحها؛ ففعلت. و إذا بالرماد يختفي، و تحلّ محلّه الورقة الصفراء الاولى و على جهتيها ” الرمزان” كما كتبتهما بيدي! و قد طلب إليّ أن احرقها ثانية؛ ففعلت. بعد ذلك، أخذت الرُّوح كوباً مملوءاً من الماء، فسكبت نصفه على رأسي، و النصف الآخر على رأس شقيقتي إيلين التي كانت تحضر الجلسة أيضاً، فإذا بالماء المسكوب يتغلغل في رأسينا بلمح البصر بغير أن يترك أي أثر للبلل علينا.
و ثمة خارقة أخرى وقعت في العام نفسه ( 1964) يحسن بي الكلام عليها ههنا في شيء من التفضيل.فقد كان الدكتور داهش في زيارة أسرة تقيم في محلة المصيطبة على مقربة من منزلي؛ و كان يرافقه الدكتور فريد أبو سليمان. و لما علمت بأن الدكتور داهش في زيارة جيراننا، هرعت إلى مقابلته. و بعد انقضاء وقتٍ قليل إلتفتَ إليّ و سألني:” هل سيارتك معك في الخارج؟” أجبته:” نعم. ” عندئذ، طلب إلى الدكتور أبو سليمان أن يسبقه إلى منزله، و قال له:” سأذهب مع الأخ نقولا.” فاستأذن الدكتور أبو سليمان، و خرج و هو يلتفتُ إلى الدكتور داهش من حين إلى آخر، الأمر الذي استرعى انتباهي، وأثار استغرابي. و لم يطل الوقت بنا حتى هبَّ الدكتور داهش مودّعاً، فخرجت معه، و استقللت سيارتي إلى منزله.
في أثناء الطريق، سألني:” هل لديك قداحة او علبة ثقاب” فأجبت بالنفي. و أردفت أقول:” سأبتاع لك علبة ثقاب من أي حانوت نصادفه في طريقنا.” و لما اقتربنا من أحد الحوانيت ، و هممّت بوقف السيارة، قال لي:”لا تبتاع من هذا الحانوت، فإن فيه قوم أردياء.” نظرت إلى الداخل، فإذا ثمة جماعة يقامرون و يسكرون. وقبل ان أهمَّ في متابعة السير، قال لي و هو ينظر إلى الأمام:”إنتبه! ثمة سيارة وراءك مُقبلة بسرعة”؛ و هذا ما كان في الواقع.
حاولت العروج على حانوت آخر، فبادرني بقوله:” لا تفعل. راوده على غرار السابقين”. ثم قال لي:” تابع سيرك. حيث أقول لك:” قف”، تقف.”و لما بلغنا مجمّع مدارس الإنكليز و الفرنسيين و راهبات مار يوسف الظّهور،
-و كانت الساعة الرابعة بعد الظهر ساعة انصراف الطّلاب إلى منازلهم- طلبَ إليّ أن أقف؛ فانتحيت جانب الرصيف، ووقفت.
أخذ الدكتور داهش”رمزاً” مطوياً بيده اليسرى، و مدَّ يده اليمنى من نافذة السيارة إلى خارجها ، و ما كان أعظم دهشتي و انا أراه يلتقف من الهواء قداحة مُذهّبة جميلة المنظر، فأحرقَ بها” الرمز” المقدس في داخل السيارة، وتصاعد الدخان… ثم تناول الدكتور داهش القداحة، و قذف بها إلى خارج السيّارة، فاختفت من فورها! ثم أخذ رماد”الرمز” المحروق، و رماه على خارج السيارة أيضاً، فإذا مصيره مصير القداحة نفسه! بعد ذلك ، طلب إليّ أن أتابع سيري إلى منزله، فامتثلتُ. ولدى وصولنا إليه، دعاني إلى زيارته، فلبّيْتُ دعوته.
صعدنا الدرج، و دلفنا في ممرٍّ قصير إلى صالة رحبة… و يا للمفاجأة العظمى! كدت لا أصدّق نظري! أحقيقة ما أرى؟ الدكتور داهش في بيجاما مخطّطة بالأحمر و البيج يجلس على مقعدٍ أشبه بالسرير، و لفيفٌ من الزوار (فيهم الدكتور فريد أبو سليمان) يتحدّثون إليه! أما الدكتور داهش الذي كنت أرافقه ، و الذي كان يرتدي سترة ذات لون بنيّ و بنطلوناً بلون البيج، فراح يصافح الحاضرين المأخوذين بما يشاهدون، ثم صافحَ الدكتور داهش ذا البيجاما المخطّطة! و لما دنا منّي، مدّ يده إليّ مصافحاً، وقال لي:” أستودعك الله.إلى اللقاء”؛ فصافحته. و ما إن خطى بضع خطوات حتى توارت نصب عيني فجأة، و ذلك قبيل وصوله إلى الباب المؤدي إلى خارج الصالة! حينئذ، قال لي الدكتور داهش:”لا بدَّ انك علمت، يا أخي نقولا، بأن من رافقته كان شخصية روحيّة من شخصيّاتي الستّة… أما أنا فلم أبارح طول هذا النهار، و ذلك لوعكة صحية ألمّت بي . و حرارتي ما تزال مرتفعة.”
و مما أذكره أيضاً انني كنت ، ذات يوم من عام 1965، في زيارة الدكتور داهش بمنزله. و بينما كنت اتحدّث إليها أخذ فجأة بالرُّوح، و قام أمامي بعدة أعمالٍ خارقة، منها استحضار محفظة لي من دُرْج مكتبي المُقفل، في منزلي، و هي تحتوي على اوراق تخصني.
لقد عايشت الدكتور داهش مدّة خمس عشرة سنة، كما تسنّى لي مرافقته في بعض رحلاته و لا سيّما إلى إيران و مصر في عام 1971. وبحسب القول إن ما قام الدكتور داهش امامي من خوارق مُذهلة، و ما زودني به من إرشادات و تعاليم روحيّة لم يتوخّى منها إطلاقاً أي غرض ماديّ، و ما وقعت عليه في مؤلفاته الأدبيّة من آراء ونظرات في شتى شؤون الحياة، و بخاصّة في الصداقة والمرأة و رجال الدين و حقيقة الأديان و تعدّد المذاهب-إن ذلك كلّه كان له الأثر العميق الفعّال في مجرى حياتي، الأمر الذي بدّل مفاهيمي، و حملني على الإيمان الراسخ بالوحدة الدينيّة الجوهريّة ونبذ الطائفيّة، هذه الآفة الاجتماعية البغيضة. كما حملني على الإيمان بحقيقة الإسلام و رسالة النبيّ محمد، و بالعدالة الإلهيّّة و المسؤوليّة الذاتيّة، و بأن الجزاء من نوع العمل ، و باستمرارية الحياة بعد الموت، و بالعوالم الأخرى، الماديّة منها والروحيّة، و بأن السيّالات الروحيّة هي نسيج الكون و جوهره… هذه الحقائق كان لها التأثير البعيد في نفسي. فكلّها يرمي إلى إصلاح الفرد جذريا لبناء مجتمع مثالي فاضل، أركانه المحبّة و الحقّ و الجمال و الخير.
لقد آمنت الإيمان المُطلق بأن الدكتور داهش هو هادٍ من هُداة الله؛ وهو، أيضاً، مُصلحٍ و مُربٍ و طبيبٍ للنفوس البشريّة المريضة التي ترزح تحت نير ميولها الوضيعة ورغباتها الدنيئة، و التي تقدّس المادّة وتعبد المال وتتهالك على الجنس وتعشق الباطل و تُسيء إلى كل ما هو صالح لها في هذا العصر المخيف، عصر سادوم و عامورة، بل قل بابل القرن العشرين.
إن ما عاينته من خوارق الدكتور داهش، و ما قبسته من تعاليمه القويمة و إرشاداته الحكيمة أكّد لي أن حياتنا على الأرض ما هي إلا جزء من حياتنا الكبرى، و ان ترقية النفس البشريّة لا تتمّ إلا عن طريق إدراك الحقائق الروحيّة ومجاهدة الإنسان بسيّالاته الوضيعة في سعيه إلى الأفضل.
وإنه ليحضرني ههنا قول السيّد المسيح:” من ثمارهم تعرفونهم.” وما ثمار الدكتور داهش إلا الحقّ و الخير والجمال، يقدمها بكلّ تواضع ومحبّة و إنسانية. وما الإخوة و الأخوات الداهشيّون الصادقون إلا بعض ثماره. وبحسبي أن أشير ، في هذا المقام، إلى من ترك منهم أثراً في نفسي، و أخصّ بالذكر النطاسيّ البارع الذي اشتهر بطبِّه وأعماله الإنسانية الدكتور جورج خبصا. هذا العالم النبيل الُمجاهد و الإنسان الخلوق بشهامته و كرمه الحاتميّ وقف إلى جانب الدكتور داهش في السرّاء والضرّاء و لا سيّما في أشدّ أوقات محنته الأليمة مع الطغاة من الحكام اللبنانيين، و ذلك بكلِّ فخرٍ وثبات في العقيدة، لا يضنَّ بالتضحيّات الجسام.
ولا أنسى الأخت الأديبة ماري حداد ، رئيسة جمعية الفنانين اللبنايين سابقاً تلك الأخت التي كافحت بإيمانها الجبّار ضدّ الظّلم و الظّلام من أجل مبادئ إنسانيّة شريفة هي الخير كله لصلاح الفرد و إصلاح المجتمع. فقد تحمّلت السجن و العذاب و قاومت الشرّ، و نشرت باسمها ضدّ أعداء الدكتور داهش عدة نشرات و كتب سوداء تفضح فيهم أعمالهم و مثالبهم، فكانت بحقّ نداءً إلى الحقّ، و نبراساً للكلمة الحرّة الجريئة، و جرساً للحريّة في الوطن العامّه الراسف بالأغلال.
هذه بعضٌ من ملامح الدكتور داهش و ثماره الجيّدة. و قديماً قيل:” و شبه الشيء مُنجذب إليه”. و إني قد تكلّمت بما علمت، و شهدت لما رأيت. والسلام على من اهتدى، فهدى.
و بعد... إليك أغرب ما سمعته
من مُعجزات داهش!…
إذن ، و قبل أن أسرد قصصاً هي في رأيي أغرب من أي خيال، أود أن أقول:
إذا كان مقياس الإيمان بفعلٍ من الأفعال أو بعقيدةٍ من العقائد، إذا كان مقياس الإيمان هو الحماس الشديد، والثّقة التي تنطق بكلّ ثقلها خلال حديث هذا المؤمن أو ذاك، و الصدق كل الصدق في نبرات الصوت و إيماءات الحركة، و اليقين بما يتحدث به المؤمن… فإنني أقول إن كل هذه الصفات و ما هو أقوى منها بما يعجز القلم عن وصفه… كل هذه الصّفات كنت أسمعها بأذني، و أحسّها بجوانحي، و أقرأها في ملامح كل من المتعصّب لإسلامه- أحسد هؤلاء الذين تحدّثوا إليّ بكلّ هذا الحماس و كلّ هذا اليقين. نعم، حسدتهم لأن مثل هذا الشعور الذي يشعرون به حيال الدكتور داهش و مُعجزاته هو فوق كل إحساس و فوق كل يقين.
و مع ذلك، فإن ما سأسرده في هذا الباب يفوق كل ما سبق و قد سمعته بنفس الصدق و نفس اليقين ممّن هم على أعلى درجة من الثقافة و العلم.
فقد قيل لي إن تكوين شيء غير موجود، و تكوين شيء قبل وجوده، و تكوين شيء بعد فنائه: هذه الأمور الثلاثة سواء في نظر الرُّوح العليّ. ذلك بأن القادر على خلق المجرّات، و المهيمن على الموت و الحياة، قادرٌ على فعل أي شيء، و كلّ شيء. مستندات ووثائق و سندات مالية وصور… أحرقت أمام أعين كثيرين، و أعيد تكوينها في مثلِ لمحِ البصر.
وهؤلاء الكثيرون يعدّون في نظري على أرفع درجة من العلم و الثقافة وسعة الاطّلاع، و معرفةٍ بصفاتِ الخالق الواحد الأحد.
تكوين جريدة قبل خمسة أيام من صدورها
و قد سمعت أن شخصاً محترماً، هو السيد فيليب حدشيتي، ذهب إلى الدكتور داهش حاملاً في يده جريدة ” ليجور” Le jour اللبنانيّة التي تصدر بالفرنسيّة في بيروت. و كان السيد المذكور قد دوّن على هوامش الجريدة عدّة أسئلة قرّر طرحها على الدكتور داهش خلال الجلسة الروحيّة التي دُعِيَ لشهودها.
و عُقدت الجلسة أمام كثيرين.
و سأل الدكتور داهش السيد فيليب:
-هل تؤمن بالله تعالى؟
فأجاب السيد فيليب:
-أصدقك القول، يا دكتور، إنني لا أؤمن بوجوده. و هذا ما كنت أقوله و أنا في باريس.
و سأله الدكتور داهش:
-وماذا تريد كي تؤمن و يظهر خطأك الفاضح؟
قال:
-أريد مُعجزة.
فقال له الدكتور داهش:
_إذن انظر إلى الجريدة التي في يدك.
و عندما نظر السيد فيليب في جريدته التي حملها معه عند دخوله، صرخَ من فرط الدهشة، ذلك لأن عدد الجريدة الذي أحضره معه كان يحمل تاريخ 28 نوفمبر ( تشرين الثاني)، و إذا به يجد العدد بخمسة أيام. أما الأسئلة التي دوّنها على حواشي الجريدة، فكانت ما تزال هي نفسها.
و بعد 5 أيام،صدر عدد 3ديسمبر ( كانون الأول) فقابله العدد الذي كان في يده عند حضوره الجلسة الروحيّة، فإذا هو نفسه بكل ما كان منشوراً فيه من حوادث و أنباء محلية وعالمية.
لقد أحدثَ داهش مُعجزة تكوينيّة تحمل في ذاتها مئات التنبؤات، في صورة الأخبار و الحوادث التي لم تكن قد عُرفت بل ولِدَتْ بعد.
و خرج السيد فيليب الحدشيتي من منزل الدكتور داهش مؤمناً بقوّة الله القادر على كل شيء.
تجسّد فتاة لم تكن في عالم الأرض
واقرأ معي، أيها القارئ، بل هذه المُعجزة، كما رويَتْ لي:
كان ذلك عام 1943 في جلسة روحيّة عقدها الدكتور داهش في منزله. و كان السيد بين الحضور المحامي والوزير السابق إدوار نون و الدكتور جورج خبصا و السيد جورج حداد و الأديبة ماري حداد و غيرهم.
و بينما الجلسة منعقدة، إذا بصبية حسناء تتجسّد أمامهم فجاةً، تحت النور الساطع. وبهت الجميع، و ألجمت الأفواه، و خرست الألسنة، فظنّوا إنهم في وهمٍ مبين. و لكن الفتاة تفاجئهم بقولها:
-لا تظنّوا أنكم واهمون. فما ترون هو حقيقة واقعة… أنا اسمي ” ندى” و قد أتيتُ من عالمٍ ماديٍّ آخر.
و لم يصدق الحاضرون. و بدأ كلٌّ منهم يتحسّسها بيده، فإذا هي لحم ودم كالبشر، و لكنها كانت ترتدي فستاناً، و تحمل حقيبة، لم يكونا من الزي الدارج في الناس سنة 1943.
وبعد تسعة عشر عاماً تزور الصبية نفسها الدكتور داهش و قد أصبحت من سكان الأرض، و كانت في نفس العمر الذي تجسّدت فيه قبل تسعة عشر عاماً، و تلبس نفس الثوب، و تحمل نفس الحقيبة.
و شرح الدكتور داهش هذه الظاهرة بقوله:
-إن هذه المُعجزة الإلهيّة تؤكّد تأكيداً حاسماً استمرار الحياة و تقمّص النفوس وانتقالها بعد الوفاة من دور حياتي إلى دور حياتي آخر في الأرض، او من كوكب إلى كوكب آخر حسب درجة استحقاقها.
فهل تصدق، أيها القارئ؟
إن الله قادر على كل شيء، و يؤتي الحكمة من يشاء من عباده.
تجسّد عصفور من لوحةٍ زيتية
ثم اقرأ معي هذه الخارقة العجيبة:
“يشير الدكتور داهش، مرّة إلى لوحة فنيّة رسمتها السيدة ماري حداد،و فيها عصفور على شجرة، فتتحرّك الألوان من اللوحة، و تتّخذ دماً ولحماً و ريشاً، وتتحوّل إلى عصفورٍ يفرُّ من الرسم ليحطّ على كتفِ السيدة أوديت، عقيلة الدكتور جورج خبصا طبيب الأمراض الجلديّة المشهور في بيروت. أما مكان العصفور في اللوحة الفنية فيبقى أبيض فارغاً. و يوضع العصفور في القفص عدة سنوات.”
و إذا ظننت أنك بلغت أقصى مسارح الخيال، فاقرأ معي هذه المُعجزة المُذهلة:
هبوط كائن من احد الكواكب
“في مطلع أوغسطس (آب) 1942، كان الدكتور داهش برفقةِ الأديب يوسف الحاج و الشاعر حليم دموس في منزل الأخير في رأس بيروت. و في الساعة العاشرة ليلاً،انتصبَ رجل المعجزات في الغرفة المضاءة يحدّق من نافذتها إلى السماء المتألقة بالنجوم. و ما هي إلا لحظات حتى تراءى أمام الثلاثة شبه ضبابة أخذت تقترب و تتكاثف تدريجياً إلى أن انجلت أخيراً عن كائن أشبه بالبشر، إنما أحمر الوجه، نافذ النظرات، متألّق المحيّا، و أخذ يحدثهم بسرعة عجيبة ولغة غريبة لم يفهموا منها شيئاً. فتقدم الدكتور داهش، و رسم ” الرمز” الداهشيّ المقدّس على فمه، فطفقَ يتكلّم العربيّة.
و ممّا قال: إنه أحد سكان عالم من العوالم التي لا تدركها الأبصار البشريّة، و سبق أن كان احد أبناء الأرض منذ بضعة آلاف من السنين. و ما إن ماتَ مخلّفاً جسده طعمة للديدان حتى وجد نفسه في عالم مجيد بهيّ. و بعد أن حدثهم بأمور خطيرة كثيرة، أخذ يتلاشى أمامهم تدريجياً حتى غيّبه المجهول.”
فهل هناك أعجب من هذه الخارقة؟!
نعم، أيها القارئ. ستلقى أعجب منها ما دمت تتتبّع مُعجزات الدكتور داهش، الرجل الأعجب على هذه الأرض.
الدكتور داهش حاضرٌ في كلِ مكان
فقد كانت مرّة، السيدة زايد في منزلها ببيروت، فاتّصلت هاتفياً بمنزل الدكتور داهش تودُّ محادثته. فكلمتها الآنسة زينا حداد قائلة لها:
-الدكتور داهش في طرابلس،(1) و هو في زيارة لآل الملاَّ هناك. و قد ذهب البارحة إليهم، و بات ليلته عندهم. فإذا أردت محادثته، فهاك رقم التلفون عند آل الملاَّ.
و اعطت زينا رقم تلفون آل الملاَّ للسيدة زايد، و هو يبدأ بالرقم (9)، كما الحال في جميع أرقام منطقة طرابلس. في حين أن أرقام الهاتف في بيروت تبدأ برقم(2) أو (3).
و تلفنت السيدة زايد على الرقم المُعطى لها و البادئ بتسعة. فإذا الدكتور داهش يتكلّم معها.
و بعد أن حادثته، أقفلت الخط، و عادت فاتّصلت تلفونياً بمنزل الدكتور داهش تريد أن تشكر زينا على أنها أعطتها رقم طرابلس، و تطمئنها بأنها تكلّمت مع الدكتور داهش عند آل الملاَّ.
لكن المفاجأة حدثت!…فقد أجابها الدكتور داهش نفسه من منزله في بيروت! فتعجبت عجباً عظيماً، لأنها، قبل هنيهات فقط، كانت تتحدّث معه وهو في طرابلس!
و سألته:
-وكيف يمكن أن يحدث ذلك، ومنذ لحظات كنت أكلّمك و أنت في طرابلس؟!
فأجابها:
-لابأس، لا بأس. يمكنك أن تطلبيني على أي رقم فتجديني.
و لم تصدق السيدة زايد ما سمعته، لأنه وراء حدود العقل! لكنها، مع ذلك، أقفلت الخط، و عادت فطلبت رقماً، هو رقم منزل صديقة لها تسكن في حرج بيروت.
و إذا المفاجأة العظيمة تحدث ثانية. فقد أجابها الدكتور داهش من منزل صديقتها! و كادت السيدة زايد يُعقد لسانها، لكنها تمالكت و سألته بحيرةٍ و ذهولٍ عظيمين:
-ولكن، كيف يمكن ذلك، و نحن ما زلنا خاضعين لقوانين الأرض؟!
فأجابها رجل المُعجزات العظيم:
-حيثما تطلبيني تجديني. فأنا في كل مكان تبحثين فيه عني.
و ما إن أقفلت السيدة زايد الهاتف حتى قرع جرس منزلها، فأسرعت و فتحت الباب، و إذا هي وجهاً لوجه أمام…الدكتور داهش!!
إن ما أرويه ليس قصّة خيالية، لكنه قصّة واقعية تجري حوادثها في لبنان…و في القرن العشرين!
داهش يقرأ الكتابة و الفكر عن بعدٍ شاسع
و مرّة أخرى اتصلت السيد زايد صباحاً بالدكتور داهش في منزله تقول له:
-قرأت في الجريدة التي وصلتني هذا الصباح مقالاً عنك. فهل قرأته؟ فأجابها:
-لا لم أقرأه. إقرئيه بقلبك.
و بدأت السيدة زايد تقرأ المقال بقلبها… لكنها توقفت، بفكرها، عند عبارة لم تحسن قراءتها. فإذا بالدكتور داهش يقرأها لها فوراً.
ثم قال لها:
-بجانبك صك، فضعيه بيدك وانظري إليه.
ففعلت.
و اخذ الدكتور داهش يقرأ لها الصك كلمة كلمة على التلفون!
حبقة صغيرة تصبح عملاقة بلحظات
و إليك هذه الخارقة الفريدة التي تظهر قدرة الدكتور داهش غير المحدودة.
ففي يوم من أيام عام 1964، كان السيد شفيق المقدم و زوجته رباب في زيارة للدكتور داهش. و في أثناء تبادل الحديث، و تطرقوا إلى ذكر الحبق ورائحته الطيّبة. فقال داهش:
-عندي حبقة طولها طول شفيق ومدة يده.
فقالت السيدة رباب:
أظنّك تمزح. فانا لم أر حبقاً يعلو أكثر من شبر أو شبرين.
فقال الدكتور داهش:
-هيا معي لأريكم حبقتي.
و توجّه الدكتور داهش إلى شرفة منزله يتبعه الحضور و معهم السيد مقدّم و زوجته. و ما عن وصلوا إلى الشرفة حتى رأت السيدة رباب إناء معدنياً فيه حبقة صغيرة؛ و لم تر غيرها في الشرفة. فقالت له متعجباً:
-اهذه هي حبقتك العملاقة؟
فأجابها:
-نعم، انظري. أليست بطول شفيق و مدة يده؟
ووضع الدكتور داهش يده فوق الحبقة وهو يتكلم، فإذا بها تنمو تدريجياً و تطول…وتطول!… و يثخن جذعها حتى إنها مالت لتهوي أرضاً، لأن قاعدتها الصغيرة لم تعد تحملها، فبادر شفيق إلى إحاطتها بذراعيه و تجميدها.
و بعد أن توقفت الحبقة عن النمو، قال رجل الخوارق لشفيق- و كان من الرجال الطوال:
-مدّ يدك إلى أعلى على مداها.
فمد شفيق يده، و إذا بأنامله توازي قمة الحبقة، بينما يده الاخرى تحيط بها لتجمّدها! و قال السيد شفيق للدكتور داهش في دهشة بالغة:
-ماذا أفعل بها؟ فإنها ستهوي إذا أنا تركتها!
فقال له:
-انقلها إلى زاوية الشرفة، أسندها اليها، واطمئن بالاً.
و نقلها شفيق إلى الزاوية. و هناك أشار الدكتور داهش إليها، فأخذت تتقلّص و تصغر تدريجياً حتى عادت إلى حجمها الصغير، و ذلك بعد أن ضمّخت المكان كلّه بأريجها الفوّاح الطيّب!
فأية قدرة روحيّة عجيبة يملكها هذا الرجل؟!
داهش يسمع الأحاديث من مسافاتٍ شاسعة
وهاك هذه الخارقة:
كان الأستاذ المحامي نصّوح المأمون يتمنّى أن يتعرّف إلى الدكتور داهش، لكنه لم يهتد إلى الطريقة المناسبة التي تقوده إليه بسرعة، فحار في أمره.
و ذات مرة زار شقيقته جمانة، فبادرته بقولها:
-أحزر من زرته امس.
فحاول أن يحزر، لكن تخميناته باءت بالفشل.
فقالت له بنبرة المنتصر:
-لقد زرت الدكتور داهش.
فهتف متعجّباً!…ورجاها أن تتّصل به لتستأذن له بزيارته، فرفضت. فعاد يلح عليها متوسّلاً، لكنها زادت في إصرارها!…و بينما هما في مدٍّ و جَزْر، إذا بالهاتف يرن، و بالدكتور داهش نفسه يتكلّم قائلاً لجمانة:
-ما دام أخوك يريد أن يزورني، فلما تحاولين منعه و تصرّين على عدم الاستئذان له؟ أبلغيه أني أرحب به.
و بهتت جمانة، كما دُهش نصّوح.
و كان ان تحقّقت امنية نصّوح المأمون، فزار مؤسس الداهشيّة، و أخذ يتفهم مبادئ عقيدته، و حصل على مساعدات روحيّة منه.
فماذا يكون موقفك أيها القارئ الكريم، لو حدث معك هذا الحادث بعينه؟
المعطف الضائع يتكون على زنده وهو يسير في الشارع
واسمع ما سأقصّه الآن عليك:
السيد جورج حداد-عديل رئيس الجمهورية اللبنانية السيد بشاره الخوري-أضاع معطفاً ثميناً له (ترانشكوت) في فلسطين، قبل أن يتعرّف إلى الدكتور داهش بسنين عديدة. و مضت الأعوام، و تعرّف إلى الرجل الخارق، و سمع الكثيرين عن قدرته على معرفة مكان الشيء المفقود، بل على إحضاره. فاغتنم الفرصة في أثناء جلسة روحيّة عقدها داهش، فسأله عن معطفه الذي أضاعه في فلسطين، فأجابه الرجل العجيب:-لا تهتم به، فإنه سيحضر.
و أخذ السيد حداد يتحدّث بين معارفه عما قال له داهش، فقالوا له: ” إنه يلعب بعقلك. فلو كان قادراً فعلاً لأحضره، لكنه أرجأ الأمر حتى تملّه فتنساه.”
و مضت الأشهر… و ذات يوم، بينما كان جورج حداد يسير في احد شوارع بيروت متّجهاً إلى مكتبه وهو يتأبّط محفظة يضع فيها أوراقه، و إذا به يشعر بثقل فجائي على زنده المحيط بالمحفظة.فالتفت و صاح مدهوشاً مكبّراً، و كاد لا يصدق عينيه. لقد رأى معطفه الضائع نفسه مطوياً على زنده!
و هرول السيد حداد إلى الدكتور داهش يقول له:
لقد عاد المعطف الذي اضعته في فلسطين!
-ومن اتى لك به؟
-لقد تكون على زندي و انا أتأبّط محفظتي و أسير في الشارع!
و قال الرجل العجيب مبتسماً:
-إذن إعلم إن القوة الروحيّة الإلهيّة التي وعدتك بإحضاره هي التي أحضرته.
ترى، ماذا سيكون شعورك، أيها القارئ، لو كنت فاقداً معطفاً، ثم رأيته يولد في لحظة، حول زندك و أنت تسير مسرعاً إلى عملك؟
إن هذه الخوارق لم تحدث أيام المسيح، و لا أيام موسى النبي، ولا في حكايات ألف ليلة و ليلة، بل تحدث في القرن العشرين، و في بيروت!
وردة في صورةٍ تتجسّم لتقطفها السيّدة حداد
و اليك هذه القصّة العجيبة:
التقى الدكتور داهش بالسيدة الأديبة ماري حداد و كريمتيها آندره و زينا في جلسة. و في الغرفة التي كانوا يجلسون فيها كان معلّقاً، بين عدة لوحات فنية، لوحة ضمن إطار زجاجي مرسوم عليها وردتان: إحداهما جوريّة، والأخرى زهرية اللون. وهذه اللوحة كناية عن غلاف أنيق لعلبة شوكولا، انتزع منها،ووضع ضمن إطار زجاجي.
التفتَ داهش على السيدة الفنانة ماري حداد و قال لها:
أتحبين أن تقطفي الوردة؟
فالتفتت ماري على حيث أشار، فلم تشاهد اية وردة او باقة ورود! فسألته:
أية وردة تعني؟
فأشار إلى غلاف علبة الشوكولا ، و قال لها:
-قومي فاقطفيها.
فظنت ماري الأمر مجرّد مزاح، لكنها قامت و هي تتساءل كيف تقطفها و هي صورة ضمن إطار زجاجي!
وما إن اقتربت منها حتى قال لها داهش:
-مدّي يدك، واقطفيها.
ومدّت يدها… و إذا بالوردة الجوريّة تنفر خارج الزجاج متجسّمة. فقطفتها بدهشةٍ عظمى! و قال لها الرجل العجيب:
-إذا أردت فخذيها، أو انتزعي، إن شئت، بعضاً من ورقاتها، و أعيديها.
فقالت ماري:
-سأنتزع ورقتين منها، و أعيدها.
و هكذا فعلت. و عادت الوردة إلى الرسم ناقصة ورقتين، و مكان النقص ظاهر في الصورة، وبقيت الورقتان معها شاهدتين على القوّة الروحيّة الهائلة التي تحتلّ الدكتور داهش!
داهش يتحدث بالتلفون
وهو غير موضوع في “البريز”
واقرأ هذه الحادثة المُذهلة:
كانت السيدة ميريلا يواكيم تزور الدكتور داهش، فرأته يمسك بسماعة الهاتف، و يأخذ بمحادثة الآنسة إيلين ضاهر على الطرف الثاني من الخط. لكنها سرعان ما لاحظت أن سلك الهاتف غير موضوع في” البريز”. فاعتبرت الأمر لا يعدو المزاح، لأن جهاز التلفون بجوارها، و هو مقطوع تماماً عن “البريز” و سلكه على جانبه. و يبدو ان الرجل القادر عرف فكرها،فقال لها وهو يناولها السماعة:
-خذي تكلّمي معها.
و أمسكت بالسماعة و هي غير مصدّقة. و لكن المفاجأة المُذهلة حدثت فوراً: نعم. إنها تسمع صوت الآنسة إيلين!.. وراحت تحدّثها بعجبٍ عظيم! لكن هذه الحادثة المُدهشة ليست الأعجب بين خوارق الدكتور داهش المتعلقة بالتلفون. فإليك هذه الاخرى:
رئيس وزراء لبنان يتحدّث تلفونياً
بعلبةِ كبريتٍ بقوّة داهش
السيد حسين العويني، رئيس وزراء لبنان السابق، زار الدكتور داهش. و فيما هما يتحادثان، أمسك داهش علبة عيدان ثقاب صغيرة (علبة كبريت)، وقال له مقدّماً إليه علبة الثقاب:
-أتريد ان تتحدّث مع منزلك؟
-وبم اتحدّث
فأجابه داهش:
-بعلبة الكبريت هذه.
فضحكَ رئيس الوزراء . فقال له الرجل العجيب:
-هيا تحدّث.
و شرع السيد حسين العويني يتحدث مع أهل منزله بواسطة…علبة الثقاب، و هو غاية العجب!
لكن أهل بيته لم يصدّقوه بعد ان أخبرهم بما حدث امامه، مُقسماً الأيمان المغلّظة!
ترى لو حدثت معك هذه الخارقة، أيها القارئ الكريم، أكان صدّقك ذووك؟
أغلب الظنّ أنهم ما كانوا ليصدقوك أيضاً، لأن أعمال الدكتور داهش وراء حدود العقل، وراء حدود العلم، مهما تقدّم…إنها تكاد تصعق العقل البشريّ بجبروتها!
الكلماتُ المحبّرة تترك أماكنها
لتتبادل مواضعها في صفحتين متقابلتين
واستمع الآن على هذه الحادثة الغريبة العجيبة:
الشاعر الكبير حليم دموس كان مواظباً على تأريخ الوقائع الداهشيّة، ينقلها يومياً، متسلسلة على سجّلات الوقائع. و ذات مرّة اخطأ في نقل صفحتين؛ فقد نقل ما يجب ان يكون على صفحة اليسار إلى اليمين، و ما يجب أن يكون على صفحة اليمين إلى اليسار. و بعد ان فرغ من خطِّ الوقائع الروحيّة سيكدر الدكتور داهش.
لكن حليماً ما لبث أن فوجئ بالرجل العجيب واقفاً إلى جانبه يربّت على كتفه قائلاً له:
و أشار داهش بيده باتجاه اليسار، كما أشار بيده اليمنى باتجاه اليمين، و إذا بالأسطر و الكلمات و الحروف التي في الصفحتين تغادر أماكنها وتتحرّك في الهواء، و يجتاز بعضها بعضاً، ثم ترتسم الكلمات التي خطّها على الصفحة اليمنى على اليسرى، و بالعكس! و هكذا تنزل كل صفحة في مكانها الصحيح!
فأية قوّة هي هذه القوّة!…
صورة ليرة ذهبيّة في الكاتالوج تتجسّم
و هذه الخارقة فريدة:
دخلت الآنسة إيلين ضاهر إلى منزل الدكتور داهش تزوره. فرأت بين يديه كتالوجاً فيه صور لمختلف انواع النقود القديمة، و هو يتصفّحه. فجلست بجواره تراقبه، و تنظر على ما ينظر إليه، و إذا به يسألها:
-ما يَرقْك من صور هذه العملات؟
فأشارت له إلى صورة لليرة ذهبيّة قديمة.
فنفخ داهش فوق الصورة، و إذا بالليرة الذهبية تتجسّم، و يفرغ مكانها.
شرشف ينبسط
تحت الصحون و الاطعمة و الجالسين حولها
وهاك عجيبة أخرى:
ذات يوم، اجتمع مؤسّس الداهشيّة و أنصاره: الدكتور جورج خبصا و الدكتور فريد أبو سليمان و الشاعر حليم دموس، في منزل داهش، و أرادوا ان يتناولوا الطعام. و كانت والدة الدكتور داهش و شقيقته غائبين. فأشار الرجل العجيب إليهم ان يبسطوا على الأرض شرشفاً يضعون فوقه الصحون و المساند التي سيجلسون عليها. فبحثوا في المنزل عن شرشف أو بساط ما مناسب، و لا سيّما عن شرشف ملون كانوا قد اعتادوا استعماله في مثل هذه الظروف، لكنهم لم يعثروا على شيء.
أخيراً وضعوا الاطعمة و الصحون على الأرض و حولها مساندهم التي جلسوا عليها. و فيما هم يأكلون، ارتعش داهش بالرُّوح، قال لهم:
-أتبحثون عن الشرشف لتضعوه تحتكم و تحت الأطعمة؟
فأجابوا:
-نعم، لكننا لم نعثر عليه.
فقال لهم:
-أنظروه، فها هو ممدود تحتكم.
ونظر الجميع بعين العجب إلى الشرشف الملون. فقد كان حقّاً مبسوطاً تحتهم و تحت الصحون!
فأية قدرة فائقة مدّته تحتهم وهم جالسون عليه يأكلون!
قماشة تُخاط قميصاً
يلبسها داهش بلمحِ البصر
و اليك هذه المُعجزة الفريدة من نوعها:
كان الدكتور داهش يلبس ثيابه تأهباً لزيارته للدكتور شاهين الصليبي بصحبة الدكتور فريد أبو سليمان. ولاحظ ان قميصه وسخة ومشوبة بلطخات. و لم يكن بين يديه قميص نظيفة أخرى.و تذكر أن لديه قماشة حريرية من التي تسمى بالـ 5500 فأتى بها قائلاً: “لو خيطت هذه قميصاً!” و بسط القماشة.
و سرعان ما ارتعش بالرُّوح، و رمى بالقماشة على جسمه، فإذا هي قميص جاهزة يلبسها، و قد اختفت تحته القميص القديمة المتسخة! أي إن القماشة الحريرية خيطت قميصاً، في لحظة، بقدرة قادر، و ألبسها الدكتور داهش بطرفة عين، بعد ان اختفت قميصه القديمة!
ألوف الليرات تهبط بين يدي داهش
ثم تُتْلف!…
و هاك هذه الخارقة الطريفة:
كان الأديب يوسف الحاج أول من آمن بالداهشيّة في لبنان. و كثيراً ما كان يشكو في زيارته الأولى من دين عليه يبلغ بضعة ألوف من الليرات، و يعلن انه إذا استطاع أن يفي ديونه يتفرّغ للرسالة الداهشيّة.
و ذات مرّة، بينما هو يتكلّم في الموضوع نفسه شاكياً، ارتعش الدكتور داهش بالرُّوح. و بحركة من يده، هبطت من الفضاء امامه كومة من الأوراق المالية من فئة المئة ليرة لبنانية. فقدّمها إلى يوسف الحاج.
و أخذها يوسف الحاج شاكراً مسروراً. لكنه بعد دقائق أخذ يشكو من مغصٍ فجائي أصاب أمعاءه، و يضع يديه ضاغطاً على معدته. فسأله حليم دموس عمّا به، فشكا له آلاماً في معدته…و لم يلبث أن ذهبَ إلى بيت الخلاء.
وما إن عاد حتى بادره الدكتور داهش بقوله:
-أليس من العيب، يا يوسف، أن تدّعي أن المغصَ قد أصابك لتذهب إلى بيت الخلاء لكي تعدَّ المال الذي جاءك روحيّاً؟! هيا معي. واتجه داهش إلى بيت الخلاء بصحبة يوسف الحاج و حليم دموس.
وهناك قال ليوسف:
-ضع المال كلّه في كرسيِ الحمّام جزاءً لك.
ثم قال لحليم:
-وأنشدّ ” السيفون”.
و جذب حليم ” السيفون” واندفعت المياه تبتلع ألوف الليرات، و تجرفها إلى جوف الكرسي، فإلى المجاري…
و إذ ذاك، أخذ يوسف يلعن الإنسان ووساوس الشيطان!
مُعجزات شهودها آل بلطجي
وهذه خارقة شهودها من الأسر المعروفة في بيروت. فآل البلطجي شهرتهم في مرفأ بيروت قديمة قدم المرفأ، ويعرفهم كلّ لبنانيّ. و قد سمعوا بمُعجزات الدكتور داهش يرويها الكبير و الصغير، الغني و الفقير، فأحبّوا التعرّف عليه والاستفادة من قدرته الروحيّة.
و كانت الفرصة مؤاتية.فالسيدة فاطمة البلطجي، قرينة السيد محمود البلطجي، أضاعت خاتم برلنت ثميناً جداً, وطرقت أبواب المنجمين و من لفَّ لفّهم طوال عام كامل دونما جدوى، حتى قرّرت أخيراً زيارة مؤسّس الداهشيّة وطلب معونته.
فزارته في أوائل 1961 بصحبة قرينها و زوجته الثانية السيدة رويدة؛ و كانت حاملاً.
و طلبت السيدة فاطمة مساعدته في إيجاد الخاتم الثمين، فوعدها خيراً بعد أن أفهمها أن هذه الخوارق لا تتمَّ إلا في جلساتٍ روحيّة، ولأجل غاية سامية هي إثبات وجود الرُّوح وخلودها.
كذلك سألته السيدة رويدة أذكراً تلدُ أم أنثى؟ فأجابها أن لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، عزَّ و جلَّ. و لكنه أعطاها ورقة مطوية بصورة”رمز” داهشيّ، و أوصاها بأن تحتفظ بها، ومتى ولدت فلتخابره تلفونياً.
وودّع آل البلطجي الدكتور داهش.
و غلّفت السيدة رويدة ” الرمز” و خاطته، و علّقته في ثيابها.
نبوءة مفصّلة بولادة طفلة
للسيّدة رويدة البلطجي
ومرت الشهور…وحان مخاضها، فأدخلت مستشفى طراد. واتفق أن الطبيب الذي كانوا يرجون إشرافه على عملية التوليد، الدكتور فؤاد طراد، كان غائباً في باريس، فحاروا في الأمر: أينقلونها إلى مستشفى آخر أم إن الدكتور سامي طراد، نجل الأول، يشكل لها جمعية أطباء؟
و بينما هم في حيرة و تشاور…و آلام المخاض تشتدًّ على السيد رويدة، إذا بالهاتف يرن، وبالدكتور فؤاد طراد يتكلم من مطار بيروت، وقد وصل إلى العاصمة اللبنانية فجأةً و دونما انتظار.
فأحضروه إلى المستشفى حالاً، و أجرى لها عملية التوليد بنفسه بعد نصف ساعة. وولدت طفلة بارعة الجمال سُميت نجوى، و كان ذلك بتاريخ أول حزيران سنة 1961.
و ما إن تمّت الولادة حتى تذكّرت السيدة رويدة ” الرمز” الداهشيّ المطوي الذي أعطاها إيّاه الدكتور داهش قبل عدة أشهر، و كان ما يزال مخيّطاً و معلّقاً بثوبها. و تذكّرت انه أوصاها بأن تخابره تلفونياً بعد ان تضع ولدها.
فاتّصلت به هاتفياً، فهنأها على سلامتها، و طلبَ إليها أن تفتح ” الرمز” ألمخيّط.
و فتحته. و إذا بها تُدْهَش كما دُهش الحاضرون ممّا كان مدوّناً فيه قبل أشهر. لقد كانت نبوءة تفصيلية بعملية ولادتها وملابساتها، ذُكر فيها تاريخ الولادة و الساعة و الدقيقة، واسم المستشفى، و أن الدكتور فؤاد طراد سيكون غائباً في باريس، و يحضر فجأة، و يجري لها عملية التوليد. و سمّت النبوءة الأشخاص الذين سيكونون حاضرين في تلك الأثناء، و اعلنت أن السيدة رويدة ستضع طفلة جميلة جداً.
و كل ما ذكرته النبوءة تمَّ بحذافيره.
و ليس هذا كل العجب!…
خاتم برلنت ضائع
يتكوّن في كفِ السيّد محمود البلطجي
فلم تطل المدّة حتى عقد للسيّد محمود البلطجي و عقيلته السيدة فاطمة جلسة روحيّة كان من جملة حاضريها نجلها السيد علي و السادة وفيق زنتوت و صلاح و حسن البلطجي و الدكتور فريد أبو سليمان.
في أثناء الجلسة التفت الدكتور داهش إلى السيد محمود قائلاً:
-افتح كفك.
ففعل.
ثم قال له:
– أطبق كفك.
ففعل.
فضرب له يده المطبقة قائلاً:
– إفتحهما الآن.
و شُده الجميع!…لأن الخاتم الضائع ولد في كفِّ السيد محمود البلطجي!
ترى من من القراء لا يأخذه العجب إذا رأى بعينيه ما رآه آل البلطجي؟!
نواة مشمش تتحوّل بلحظاتٍ شجرة كبيرة مثمرة
واسمع، أيها القارئ الكريم، هذه المُعجزة، و سبّح الله تعالى الذي وهب هذا الرجل- الذي هو من أبناء امتنا ويتكلّم لغتنا- قوّة خارقة لم يسمع بها السلف حتى في كتب أساطيرهم و أوهامهم.
فقد دخل ذات يوم آل الحداد إلى الحديقة المحيطة بمنزل الدكتور داهش وهو معهم، فإذا به ينحني و يلتقط نواة مشمش، فيريهم إياها، ثم يضعها في الأرض قائلاً:
-بحقّ الله أن تنمو هذه النواة فوراً، و تصبح شجرة مشمش مزهرة مثمرة. و إذا المفاجأة التكوينيّة تحدث: فقد انبثقَ من النواة جذع صغير ما لبث أن تصاعد و تضخّم، و تفرّعت منه غصون و أفنان. و تعاقبت الفصول على الشجرة العجائبية بلحظاتٍ، فأزهرت،و أثمرت و نضجت ثمارها!ودعا الرجل العجيب الحضور إلى أن يقطفوا من ثمر المشمش، و يأكلوا.
و قطفوا و أكلوا!…وبقيت الشجرة التي كوّنتها قوّة الله سبحانه و تعالى على يد داهش منتصبة يراها كلّ زائر شهادة على القدرة الروحيّة الخارقة الخالدة التي أيّده الله بها.
اختصار الزمان و المكان
و لعلّك، يا قارئي الكريم، طالعت مرّة في كتب روائية عن آلهة او كائنات يحيون في كواكب غير كوكبنا الأرضي، يختصرون الزمان و مسافات المكان…أو لعلّك سمعت شيئاً عن نظرية النسبيّة الشهيرة التي وضعها دماغ العالم الألماني الجبّار آينشتاين و المسمّاة بنظرية ” النسبيّة”. لكنك بلا ريب لم يُتَحْ لك، مثلي، أن تتحقّق من هذا الأمر كيف يحدث بصورة ملموسة. و لكن استمع ماذا حدث على يديّ رجل المُعجزات، داهش:
كان في نيويورك، و صعد سيارة تقودها إحدى معارفه، السيدة زايد، ليذهبا إلى إحدى الولايات الأميركية. فسألها:
-كم من الوقت يستغرق قطع هذه المسافة؟
فأجابته:
-ساعة أو أكثر إذا لم يعترضنا في السير أيّ ازدحام.
فقال لها:
-امضي. بربع ساعة فقط ستبلغين الولاية.
فلم تصدق السيدة زايد، واعتبرت الأمر مزاحاً، لأن المسافة و الزمان الذي يستغرقه اجتيازه معروفان لكل أمريكي ينتقل بين المدينتين، فضلاً عن أنها كثيراً ما قطعت هذه المسافة في السابق، و يستحيل ان تقطعها بربع ساعة إلا طائرة تخرق الجدار الصوتي!
و ضبطت ساعتها، وانطلقت بسرعة عادية…
و بعد ربع ساعة تماماً كانت في تلك الولاية!
مائدةً تهبطُ من السماء
و لا شكّ ، يا أخي العربي، مسلماً كنت أم مسيحيّاً، بأنك سمعت بحادثة المائدة العجيبة التي ذكرها القرآن الكريم:
“إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن يُنزل علينا مائدة من السماء؟ قال:اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نريد أن نأكل منها، و تطمئن قلوبنا، و نعلم ان قد صدقتنا، ونكون عليها من المشاهدين. قال عيسى ابن مريم: اللهم ربّنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا و آخرنا و آية منك، وارزقنا و أنت خير الرازقين. قال الله: إنني منزلها عليكم. فمن يكفر بعد منكم، فإني أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين” (سورة المائدة: 112-115).
و يقول بعض المفسّرين عن قوله تعالى:”إني مُنزلها عليكم” يمكن أن تعني تنزيلها في المستقبل. و يقول إخواننا المسيحيون إن الأناجيل لم تذكر أن السيد المسيح قد إجترح مثل هذه المُعجزة.
و لكن…اسمعوا:
التأم في منزل رجل العجائب جمعٌ كان يضمّ عدداً من الأطباء البارزين بينهم الدكتور جورج خبصا و الدكتور فريد أبو سليمان، و الوزير اللبناني السابق الأستاذ إدوار نون و السيد جوزف حجّار و غيرهم…
ودعاهم الدكتور داهش للجلوس حول المائدة، فجلسوا. و كانت الطاولة خالية من أي طعام.
فقال لهم داهش:
-اطلبوا كما يحلو لكم. و كل ما تطلبونه سيحضر بقوّة الله.
و أخذ الحاضرون يطلبون كل على هواه…
و إذا بالثمار تحضر في غير اوانها…و بالصحون تحضر ملأى بالأطعمة الشهية…و بالنبيذ يحضر و كأن مذاقه من نبيذ الجنّة لا الأرض!
و هكذا مُلئت المائدة بمختلفِ الألوان و الأصناف، و أكل الجميع وهم يكبّرون و يسبّحون الله و يمجّدونه، ويذكرون آية المائدة الواردة في القرآن الكريم، و تحويل عيسى المسيح للماء خمراً في عرس قانا حسبما جاء في الأناجيل…
والحيوانُ أيضاً يطيعُ داهش!
وقد تكون سمعت عن سليمان الحكيم و كيف سخّر الله له الطير و الحيوان. فاسمع هذه القصة؛ فهي لا تقلّ غرابة عما نُسِبَ لذلك النبيّ العظيم.
خرج الدكتور داهش مرّة في زيارة لبعض معارفه في جبل لبنان، و كان يصحبه السيد حسن البلطجي. و ما إن وصلت سيارتهما إلى المنزل المقصود حتى اهتاج كلبٌ عقورٌ وهجم عليهما وهو ينبح مكشّراً عن انيابه.
فاضطرب حسن، خصوصاً أن الخوف من ألكلاب الشرسة يعاني منه منذ طفولته.
و إذا بالرجل العجيب يأمر الكلب المُهاجم قائلاً:
-اصمت واذهب إلى تلك الشجرة.
و أشار إلى شجرة معينة في تلك الناحية. ثم قال له:
-در حولها ثلاث دورات.
و إذا بالكلب يدور حول الشجرة ثلاثاً.
ثم قال له:
-و الآن اقفز ثلاث قفزات.
فإذا بالكلبِ يطيعه.
و هكذا راحَ داهش يُصدر إيعازاته إلى الكلب، تارةً بالدوران حول الأشجار، و طوراً بالقفز، و الحيوان يُنفّذ الأوامر طائعاً صاغراً.
أخيراً أمره قائلاً له:
-و الآن اذهب إلى تلك العتبة، وأقعد عندها و لا تتحرّك.
و نفّذ الكلب العقور الأمر ورأسه مُنكّس!
و دخل رجل الخوارق و حسن على المنزل، وقاما بزيارتهما إلى أهله .ثمَّ ودّعاهم، وانصرفا.
وفور خروجهما التفت حسن إلى الكلب، فإذا به ما يزال جامداً في مكانه كأنما سمّر بالأرض.
و صعد الاثنان إلى السيارة. و حينذاك نظر الدكتور داهش إلى الكلب مشيراً له بيده أن يتحرّك.
و إذا الكلب يعود إلى طبيعته السابقة، فيهتاج و يطارد السيارة!
فسبحان من بيده القدرة يمنحها من يشاء من بني الإنسان، فيُطيعه حتى الحيوان!
اختفت الموزة بين يده و فمه!
السيد طانيوس المجدلاني حلاّق معروف في حيّ المزرعة ببيروت. و كان في الوقت نفسه حلاّق الدكتور داهش الخاص، يتردّد إليه يومياً تقريباً ليحلق له ذقنه.
و ذات مرّة بعد ان انهى حلاقته، قدم رجل الخوارق إليه موزة. فتناولها بسرور، وقشّرها. ثم هوى بفمه عليها،واقتطع منها مضغة أولى. لكنه ما إن قرّب الموزة من فمه ثانية حتى اختفت هي وقشرتها من يده!
فتخيّل، أيها القارئ العزيز، أن ما حدث مع السيد مجدلاني حدث معك. فكيف يكون شعورك حينئذ، خصوصاً إذا كنت من أصحاب الشهية القويّة؟!
البصل يختفي من الصندوق لكن وزنه يبقى!
سنة 1969 قام الدكتور داهش برحلته الاولى حول العالم بصحبة الدكتور خبصا. وقد التقى في أثناء سفرته بالآنسة أوديت كارّا- و كانت تعمل مضيفة في” طيران الشرق الأوسط”- فكلّفها بأن تحمل له معها، يوم تعود إلى بيروت، صندوقاً كرتونياً ملآن بالبصل الكبير الحجم.
و عاد الدكتور داهش إلى لبنان. و ما لبثت الآنسة أوديت أن قدمت إلى منزله و هي تحمل صندوق البصل بمشقّة. فشكرها على تكبّد مشاق حمله، خصوصاً أن بعض من كان حاضراً راز الصندوق فوجده باهظ الثقل.
و فتح الصندوق…و إذا بالمفاجأة المُذهلة تواجه الحضور! لقد كان الصندوق فارغاً، و مع ذلك فثقل البصل فيه!
و سرعان ما أوضح الرجل العجيب هذا الأمر العجيب فقال لهم:
-البصل ما يزال موجوداً في الصندوق، لكن سيالاً روحيّاً قدْ وضِعَ عليه، فأخفاه!
داهش يعرف لا الأفكار فحسب بل الأحلام أيضاً
ذات صباح استيقظت السيدة الأديبة ماري حداد، و سرعان ما فوجئت بحضور الدكتور داهش و بقوله لها:
لقد حلمت كذا و كذا.
وروى لها تفاصيل حلمها.
فأية قدرة هي هذه القدرة التي تكشف، لا الأفكار فحسب ، بل الأحلام أيضاً!
ستّ شخصيّات متماثلة لداهش تجتمع معاً
أما أغرب ما سمعته من خوارق الدكتور داهش فهو تجسّده أحياناً تجسّدات متعدّدة متماثلة في الوقت نفسه. وسبق ان تحدثت في هذا الكتاب عن هذا الموضوع. لكني أود أن أشير، هنا ، إلى للدكتور داهش ستّ شخصيّات غير بشريّة قد تتجسّد أحياناً منفردة، وقد تتجسّد مجتمعة! لكن تجسّد الشخصيّات الستّ مجتمعة في مكان واحد وزمان واحد امر نادر. و لم يذكر المؤرخون العلمانيون او الدينيون ان أمرا خطيراً كهذا قد حدث في التاريخ البشريّ عبر مئات القرون.
و مع ذلك، ، فقد أتيح للأستاذ إدوار نون، الوزير اللبناني السابق، أن يشاهدها جميعها متجسّدة في الوقت نفسه، لكن كل شخصيّة كانت ترتدي زيّاً يختلف عما ترتديه الشخصيّة الأخرى. و قد سلّم عليها، و حادثها. وهي تماثل الدكتور داهش تماماً، لكنها لا تخضع لقوانين الأرض، ومنها الموت. فلكلّ منها عالمها الخاص تهبطُ منه بلمحِ البصر وتعود إليه بطرفة جفن!
ترى، لو أخبر الأوائل بهذه العجائب المُذهلة، فهل كانوا يصدقون؟ و ها هي تحدث أمام عيون الألوف من الشهود، و تصوّرها الكاميرات ، وتكتب فيها الصحف التحقيقات المثيرة. فهل بعد كل ذلك يمكن للإنسان المحقّق البحث عن المعرفة و الوقائع الصحيحة ان يتغاضى عن حدثٍ خطيرٍ كهذا يتمّ في القرن العشرين، و في بلد عربي شقيق هو لبنان؟!
و إلى ...ختام؟!...
قد يتساءل القرّاء، بعد أن ذكرت مراراً عبارة ” الجلسة
