بينَ عالميْن
أيّتُها الرّوحُ الحَائرة، جُوبي العالَمَ الثاني وانظُري ما أرحَمَه!
وحلِّقي بعيدًا بعيدًا عن عالِمَنا المليءِ بالمآثم
وأوغلي في طبقاتِ الأثير مُكتشفةً أسرارَ العوالِم
وراقبي هناك الأنوارَ الدائمة السُطُوعِ والبهاء
وابلُغي الفراديسَ الإلهيةَ حيثُ نقاءُ الأرواح والهناء!
آهِ! ما أجملَ العيشَ هُناك، وما أقسَى عالَمنا وأظلمَه!
الدكتور داهش
من كتابه “بروق و رعود”
الإتِّجاه الرُّوحيّ
أقلامٌ مُستنيرة
من فيضِ الحبيب الهاديّ
أصداءُ الفكر الإِلهيّ
ماري حداد
الأديبة والفنانة والبطلة الداهشية
بقلم نجوى سلام براكس
حياتُها قبل اعتناقها الداهشية
ولدت ماري حداد في 9 آذار (مارس) عام 1884. كان والدها، أنطون شيحا، من الأثرياء، فهو صاحب مصرف ( بنك)؛ وكان على المذهب السريانيّ، لكنه تحوَّل إلى المذهب الكاثوليكي اللاتيني بفعل علاقة أُسرته الوثيقة باليسوعيين. وقد رُزِقَ والداها ست بناتٍ (كانت ماري الرابعة بينهن) وصبيين، ميشال (صاحب جريدة له جور Le jour الصادرة بالفرنسية في بيروت، وزوج مرغريت فرعون، شقيقة هنري فرعون)، وجوزف؛ أما شقيقاتها فهنَّ: لور (زوجة الرئيس اللبناني الأسبق بشاره الخوري)، أليس (زوجة الماركيز دو فريج)، أديل (أم المليونير سامي شقير)، ماتيلدا (أم بيار حداد وجدة زوجة خليل الخوري).
توفي أنطون شيحا في سن الحادية والخمسين مُخلفًا عائلةً كبيرةً لكن ميسورة. وبما أن زوجته كانت مريضة، ومناخ بيروت الرطب لم يكن يلائمها، فقد اضطرت إلى الإقامة في الخارج، أكثر الأحيان. ولذا أدخلت ماري وأخواتها مدرسة سيدات الناصرة L’école des Dames de Nazareth حيثُ كنَّ تلميذات داخلياتٍ صيفًا وشتاءً. وبما أن المدرسة كانت فرنسية، فقد أتَّقنت ماري فيها اللغة الفرنسية، في حين أن العربية أهملتها، لأن البرامج المدرسية لم تكن حافلة بها. كان الطعام رديئًا في المدرسة المذكورة، وكثيراً ما كان ملوَّثًا؛ كما إنَّ وجبات الطعام كانت شحيحة إلى حد أن ماري كانت تشعر دائمًا بالجوع، من جراء رفضها إياه. وكانت مع سائر الطالبات يُرغمن على تناول اللحم المقدَّد الجاسي الذي كان يسبِّب لهن الأمراض غالبًا. ولذلك كان والدا ماري يُرسلان لها ولأخواتها الحلوى لتُتِمَّ ما ينقصهن من غذاء، غير أن الراهبات الصارمات كنَّ يستولين على الحلوى في أكثر الأحيان مُدَّعياتٍ أنها ستوزع على اليتيمات. ومع أن أهلها وجميع أهالي التلميذات في تلك المدرسة الكاثوليكية كانوا مُطَّلعين تمامًا على الحياة القاسية والشاقَّة التي تعانيها البناتُ في مرحلة طفولتهن، فإنهم كانوا يتغاضون عن المساوئ والمظالم من أجل ألا يغضبوا الراهبات الكاثوليكيات، وبالتالي الكنيسة الكاثوليكية! هكذا كن يربين: طاعةٌ عمياء للرؤساء، واستسلام من غير أيِّ استفسارٍ أو اعتراضٍ حتى لو كانت المسألة صحيَّة! وإلا فجهنم في انتظار من يشكو أو يتذمَّر!
والحياةُ المُرهقة التي عاشتها بين الراهبات أحدثت أثرًا بالغًا ظهر في كتابها الأول “الساعات اللبنانية” (Les heures Libanaises). ففي مقالة وصفيَّة بُنِيَت على توريَةٍ بارعة تحت عنوان “الراهبة”La mante religieuse”. تعني بها “السُّرعوفة” وهي حشرة مفترسة معروفة – تقول: إنها لبهيَّة المنظر في ثوبها الصغير الأخضر، صورة الفضيلة والحشمة واللطافة. بذراعيها المنثنيين بلطفٍ تذكرك بصبيةٍ تنتظرُ خطيبَ أحلامها في القرن الوسطى. لكن لا ترفع عينيك عنها، بل راقِبْ رأسها الذي تحركهُ برياءٍ ومرونةٍ تامةٍ إلى جميع الجهات، ولن تجد راهباتُ الدير إطراء في هذه المقاربة(…)
إنها في جُمودها، وتيقظها، وتركيزها انتباهها على نفسها، تتهيأ للعمل، لكن ليس للتفاني في خدمةِ جيرانها، بل على العكس، لافتراسِ ضحاياها.
وبعد أن تصف انقضاض الراهبة – الحشرة على ذُبابة، تقول:
وها هي (أي الذبابة) في القبضة المُحكمة، قبضة قديستنا التي تجعلُ نفسها في وضع الصلاة والنشوة الروحية…
كانت والدةُ ماري تصطحب مناوبةً، كل سنة، اثنتين من بناتها لتُقيما معها خارج لبنان. وبعد أن أنهت ماري دروسها الثانوية، اصطحبتها والدتُها مع شقيقتها أولغا إلى سويسرا. وبعد عودة الفتاتين إلى لبنان، أصيبت ماري بمرض التيفوئيد هي وأكثر شقيقاتها، لكنهن شُفينَ منه إلا أولغا، إذ أودى المرضُ العصيّ بحياتها؛ فأقضت وفاتها مضجع ماري لأن أولغا كانت شقيقتها الأثيرة بسبب ميزاتها النفسية ولتقارب عمريهما.
تزوَّجت شقيقتها ماتيلدا بوديع حداد، فأعقب ذلك زواجُ ماري بشقيقهِ جورج حداد، التاجر المعروف، والقنصل الفخري لرومانيا بلبنان عهدئذٍ. وهكذا تزوجت أختان بأخوين. وقد اضطرَّت ماري، في أثناء الحرب العالمية الأولى، إلى التعايش مع زوجها وأهله في منزلٍ واحد. رُزِقَت ماري ثلاث بنات، ماجدا البكر عام 1916، وآندره (زوجة جوزف حجار) عام 1919؛ أما زينا الابنةُ الصغرى المدللة فوُلِدَت عام 1922.
بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، اصطحب جورج زوجته ماري إلى نورمبرغ Nureumberg بألمانيا حيث أجريت لها عملية جراحية لعلةٍ في أنفها، بعد أن امتنع الأطباءً اللبنانيون عن إجرائها عهدئذٍ. وكانت قد اصطحبت زوجها في عددٍ من سفراته إلى بلدان أوروبية، منها رومانيا وفرنسا.
هكذا تنحدرُ ماري حداد من عائلةٍ أرستقراطية، فأنسباؤها من كبار وُجهاء لبنان، ومن النافذين فيه اجتماعيًا وماليًا وسياسيًا. ولذا فغيرُ عجيبٍ أن يتملَّقهم اليسوعيون والإكليروس الكاثوليكي في لبنان، وأن يحضنوا هم بدورهم اليسوعيين حتى يعقدوا في دارتهم الرحبة مؤتمر خريجيهم السنوي عام 1941. وفجأةً يحدثُ الزلزال.
إعتناقها العقيدة الداهشية
في 16 آب من عام 1942، بينما كانت ماري وأفرادُ أسرتها يحتفلون بعيد “السيدة” في بلدة “جورة الترمس” بمنطقة كسروان في جبل لبنان، تناهَت إلى مسامعهم قرقعةٌ دفعتهم، مع كثيرين من سكان القرية إلى الخروج إلى الشرفات لاستطلاع الأمر، فرأوا بالونًا دفاعيًا ضخمًا تابعًا للجيش البريطاني – وهو من تلك البالونات المستعملة في الحرب كمُضاد للطائرات – يحطّ قريبًا منهم. تقول ماري: “في تلك الأثناء كانت ابنتي آندره في مستشفى الدكتور رزق تضع ابنها البكر (إيليا). وفي الثامن من أيلول (سبتمر) من تلك السنة لدى مغادرة آندره المستشفى، قرعنا منزل الدكتور داهش الذي كان تجاه المستشفى، فاستقبلنا بحفاوةٍ بالغة(…) وفي خلال المقابلة طلب زوجي، إذا كان ممكنًا، أن يسمح له بجلسةٍ روحية يتحقَّق فيها شيءٌ من الأعاجيب التي أسمعنا الكثير عنها صديقنا حليم دموس. فسُمِح له بذلك. فطلب، إذ ذاك، زوجي أن يحصل فورًا على غرضٍ معيَّن موجود في بيتنا الكائن في الطرف الآخر من المدينة، وهو كناية عن قطعةٍ أثريةٍ من الخزف معلَّقةٍ بإحكام، في خزانة الاستقبال. وفي الحال ظهرت القطعة المطلوبة بين يديه، وذلك على مرأى أشخاص كثيرين. كان الحادث بالغ التأثير: شيءٌ ينتقل من بيتٍ إلى آخر بسرعة البرق! أخذتنا الدهشة وتملكنا الجمود، فقرَّرنا متابعة اختباراتنا مع الدكتور داهش… شرع الزائرون يتبادلون أطراف الحديث مع الرجل العجيب إلى أن تطرَّق الحديث إلى بلدة (جورة الترمس) التي كانت تصطاف فيها ماري وعائلتها. وتخبر ماري أنه ما إن ذكرت اسم البلدة حتى دُهش الحاضرون؛ وكان بينهم الدكتور جورج خبصا، نطاسي الأمراض الجلدية الشهير، والأديبُ المعروف يوسف الحاج (والد الدكتور كمال الحاج)، والشاعرُ الزحلي الطائرُ الصيت حليم دمُّوس. وإذا بحليم يُخبرُهم: “كنتُ سائرًا في المدينة برفقة الدكتور داهش، وعلى مقربةٍ من مركز البريد، خاطبني الدكتور (داهش)، قائلاً: “أنظر، هنالك في الفضاء، بالونات الدفاع الموقَّت؛ لقد شُدَّت إلى الأرض بحبالٍ فولاذية غليظة”. أجبته:”نعم، إنها بالونات الدفاع الموقَّت، للجيش البريطاني. “ثم تابع: “أنظر هذا البالون”، وأشارَ بإصبعه إلى أحدها. في اللحظ نفسها، رأيتُ البالون المُشار إليه يطيعُه فيقطعُ حبلَه الفولاذي، ويطيرُ بعيدًا حتى يغربَ عن عينيّ. سألته مدهوشًا عن سبب الحادث فأجابني: دوِّن في مفكرتِك تاريخ هذا النهار، واعلم أن البالون سيُحلِّق إلى ما فوق قريةٍ لبنانيَّة حيثُ يهبط. سببُ ذلك أن في تلك القرية تنزلُ أسرةٌ ستؤمنُ بالرسالة الداهشية، وستقومُ فيها بدورٍ خطير، وقد تقدمت الحادثةُ لنبقى مُتذكرين اليوم الذي فيه ستدخلُ تلك الأسرة هيكل الرسالة الداهشية”. وما إن تناهى الخبرُ إلى مسامع ماري وجورج حتى شُدِها عجبًا، إذ سقط البالون بتاريخ 16 آب في قرية (جورة الترمس) بجوار الفندق حيث كان جورج وماري يصطافان مع بناتهما. كانت هذه الخارقة وما تبعها من معجزاتٍ عاينتها ماري وأفراد أسرتها في زياراتٍ متكرِّرة لرجل الروح باعثًا على إيمانها بالداهشية هي وجميع أفراد أسرتها وعلى جهادهم في سبيلها جهادًا سجَّله التاريخُ بأحرفٍ مُضيئة.
جهادها الداهشيّ
كان لإيمان ماري حداد بالداهشية مع أفراد أسرتها ضجة كبرى في جميع الأوساط. فشقيقها ميشال شيحا غاظة أن تعتنق أخته الداهشية، فتكسِر، هكذا، من عنجهية اليسوعيين ومن نفوذهم. فتآمر معهم على مهاجمة الدكتور داهش وتشويه سمعته في جريدتهم “البشير”؛ فراحت الصحيفة الكاثوليكية تنشر الأخبار الملفَّقة ضد مؤسس الداهشية – الذي كانت مُعجزاته تتردَّد أصداؤها في جميع الأوساط اللبنانية وكثير من الأوساط العربية – من أجل إبعاد ماري حداد وأسرتها عنه.
ولما أسقط في يد ميشال، استعان بهنري فرعون، شقيق زوجته، لتنفيذ المؤامرة، ثم راح يحرِّض بشاره الخوري على ذلك. وإذا رأت ماري شقيقها مصمِّمًا على تنفيذ خطته السوداء، أرسلت إليه كتابًا بتاريخ 16/2/1943 تنذره فيه بأن أيام محاكم التفتيش قد ولَّت، وبأن ويلاتٍ رهيبة سيجلبونها على أنفسهم إذا استمروا في مؤامرتهم ضد الدكتور داهش. وشاءت الأقدار أن يتولّى بشاره الخوري رئاسة الجمهورية اللبنانية في 21/9/1943، فخلت الساحةُ له لتنفيذ مؤامرته. ونزولاً عند رغبته، راحت الصحف في لبنان تنشر الأخبار الملفَّقة لتسويد صحيفة الدكتور داهش، وترفضُ، في الآن نفسه، نشرَ ردود الداهشيين على أكاذيبها؛ بل إن بشاره الخوري استأجر أقلام أربعة من الكويتبين، فأصدروا أربعة كتبٍ ملأى بالأكاذيب والافتراءات ضد رجل الروح البريء النقيّ. لكن ماري تشبَّثت بعيقدتها وازداد إيمانها اضطرامًا.
وبعد أن فشل بشاره الخوري وأعوانه في إلصاق أيةِ تُهمةٍ بمؤسس الداهشية، لجأوا إلى محاول اغتياله في 21/8/1944، لكنهم فشلوا. وفي 28/8/1944، دبروا مؤامرة اعتقل الدكتور داهش على أثرها، وأوقف في “سجن الرمل” خمسة عشر يومًا، أعقبها الرئيسُ الظالم بمرسوم تجريد رجُل الروح من جنسيته اللبنانية وإبعاده عن وطنه في 9/9/1944. كل ذلك بخرقٍ للدستور وبدون أيَّة محاكمة.
وتتابعت سلسلة الأحداث المُرعبة… وكان نتيجتها أن ماجدا، ابنة ماري البكر، هالها مصيرُ هاديها، فصمَّمت على قتل بشاره الخوري. وكان ذلك سهلاً عليها، لأنه زوجُ خالتها؛ فاحتازَت مسدسًا من أجل تنفيذ غايتها. تقولُ ماري في رسالةٍ لها إلى رئيس لبنان الجديد كميل شمعون ضد سلفِه الشيخ بشاره الخوري عن تصميم ابنتها على الانتحار: “وعندما علِمَ داهش بأمرها أرسل إليها تحريرًا يمنعها فيه من اغتياله. فما كان منها إلا أن انتحرت كاحتجاجٍ، لكي تُبلغ نبأ هذه الجريمة إلى الرأي العام. وهكذا ذهبت ابنتي شهيدة على مذبح الجريمة التي ارتكبها بشاره الخوري، ودمُها المسفوحُ لا يزالُ يصرخُ أمام عرش الديَّان طالبًا الاقتصاص العادل منه… وكان استشهادها في 27 كانون الثاني (يناير) 1945، على أثر أزمةٍ نفسيةٍ حادَّة اعترتها. و”مذكرات ماجدا” التي ترجمها الأديب اللبناني كرم ملحم كرم إلى العربية تشرحُ ذلك.
كما أدى الاضطهاد إلى انفصال ماري حداد وأفراد أسرتها عن الكنيسة الكاثوليكية. تقول ماري: “…أما انفصالنا عن (كنيسة روما) فقد أعلنَّاهُ، وأشهرناه، وأذعناه، لأننا ما عُدنا لنؤمن بقدسية هذه المؤسسة بعد أن شاهدنا أحبارها يدسون ضد الدكتور داهش، ويحرِّضون على قتله تحريضًا متواصلاً دون مُبالاةٍ بتعاليم السيد المسيح…
عاد الدكتور داهش إلى لبنان سرًا بعد شهر واحد من إقصائه التعسّفي عنه. ومن عرينه السريّ الذي لم يكن يبعد عن القصر الجمهوري أكثر من بضع عشراتٍ من الأمتار شنَّ على بشاره الخوري وأعوانه وزبانيته أرهب حملةٍ إعلامية عرفها التاريخ، إذ انطوت على 66 “كتابًا أسود” و165 منشورًا، فضح فيها مؤامراتهم على الشعب، ومظالمهم ومخازيهم الشخصية. والمهم هنا أن جميع تلك الكتب والمناشير صدرت باسم ماري حداد. وقد تبنَّتها ماري شخصيًا، وأرادت أن تصدر باسمها إمعانًا في إحراج الشيخ بشاره الخوري الذي كان متزوجًا شقيقتها لور شيحا، وإبعادًا للشكّ في وجود الدكتور داهش في بيروت.
لما أسقطَ في يدِ السلطة الحاكمة، فكّرت لور (زوجة الرئيس) بأن تتهم شقيقتها ماري بالجنون، علَّ هذا الاتهام يضعف تأثير “الكتب السوداء” في الرأي العام. فكان أن أمر الرئيس، بإيعاز من زوجته لور، بوضعها في مصحِّ الأمراض العقلية، ولكنهما اضطرا إلى إطلاق سراحها مُكرهين، بعد الحجر عليها عدة أشهر. وقد استغلَّت ماري وجودها هناك، فألفت كتابًا يفضحُ مخازي المسؤولين الذين كانوا يشتركون مع أزلامهم ليستولوا على ثروات أقربائهم، بعد اتهامهم بالجنون والحجر عليهم.
بعد إطلاق سراح ماري، عادت إلى كفاحها بضراوةٍ أشدّ من المرة الأولى، فقبضَ عليها وسُجنت بدون محاكمة. تقول ماري حداد في الشكوى التي أرسلتها إلى الرئيس كميل شمعون في 18 أيلول 1952 بعد سقوط بشاره الخوري: “وسوف تدهش فخامتكم إذا أعلمتكم بأن (بشاره) المذكور أمر فأوقفت في النظارة شهرًا كاملاً كنتُ أنامُ في خلاله على طاولة خشبيةٍ، وبرفقتي عشرات من الحراس والموظفين، فضلا؟ً عن الرجال الموقفين وذلك تشفيًا وانتقامًا منّي لأنني فضحتُ “بكتبي السوداء” جريمتهم النكراء ضد الدكتور داهش البريء…”.
ثم يقبضُ عليها ثانية فتسجن وتُسام العذاب. تقول في إحدى رسائلها لجبران مسوح، صاحب جريدة “المختصر” الصادرة في بونس إيرس بالأرجنتين: “إنني أستصرخُ ضمير العالم المُتمدِّن على الجريمة المُرعبةالتي إرتكبها الأنذال ضد امرأةٍ عزلاء بريئة… لقد جلدوني بضعة أيام باستمرار حتى تمزَّق لحمي وتدفَّق دمي، وأصبحت أقربَ إلى الموت منّي إلى الحياة… وقد جلدوا قريني جورج حداد وصهري جوزيف حجّار… كما إنهم جلدوا الشاعر حليم دموس…”.
وقد ورد في جريدة “الحياة” البيروتية بتاريخ 12 حزيران 1947 في صدد صدور الحكم على الداهشيين: “وأصدرت (المحكمة) عليهم الأحكامَ التالية:
ماري حداد ستة أشهر؛ وجورج حداد أربعة أشهر؛ جوزيف حجّار ثلاثة أشهر؛ حليم دموس أربعة أشهر…
وأختم كلامي على حياة ماري حداد بكلمة جبران مسوح الخالدة التي ضمَّنها رسالةً (ما تزال مخطوطة) إلى ماري بتاريخ 27 آب 1946: “هذا الحادث هو أعظم حادثة جرت في الشرق في هذا الجيل. وإني كلما قرأت تفاصيلها أرى ماري حداد فوق الجميع، فوق بشاره الخوري وفوق وزارته وحكومته. بل أنتِ فوق لبنان – كل لبنان لأنك تدافعين عن مبدأ وعقيدةٍ دفاعًا قصر عنه جميع الرجال”.
توفيت ماري حداد في مطلع عام 1973. وأذكر أني عندما قمتُ بزيارةِ منزلها في ذلك الوقت، بادرتني كريمتها زينا بالقول: “ألا ترغبين في توديع والدتي؟” دخلتُ غرفتها فرأيتُ باقةً من الزنابق الناصعة البياض موضوعة في وسطِ سريرها النحاسي. فعدتُ إلى زينا وسألتها: “أين جثة ماري؟ لم أرها!” فقادتني ثانيةً إلى غرفتها، وأشارت إلى زجاجةٍ وُضِعَ في داخلها رمادُ الجثَّة وقد استقرَّت فوق باقة الزهور. قالت : “لقد أوصت بحرق جثمانها”. فكان تأثّري عظيمًا لذاكَ المنظر الوداعي.
آثارُها الأدبية:
ليست الغايةُ هنا دراسة آثار ماري حداد الأدبية، إنما التعريف بها لأن دراستها تقتضي تأليف كتابٍ ضخمٍ يوفيها حقَّها. وسأعرضُ، أولاً، آثارها الموضوعة ثم الكتب التي ترجمتها.
الآثار الموضوعة
1 – “الساعات اللبنانية”
أحدثَ كتابُ “الساعات اللبنانية” Les heures Libanaises، عند صدوره، ضجّة كبيرةً في أكثر المحافل الأدبيَّة. وقد نُشِرَ في بيروت، عام 1937 تُزينه ثماني لوحات بريشتها المُبدعة. والكتاب عبارةٌ عن مجموعةٍ من المقالات الوجدانية المشبَّعة بصور الطفولة والطبيعة الجبلية والحياة القروية أو البدوية كما بأوصافٍ دقيقةٍ للفراش ولبعض الحيوانات الداجنة كالدجاج والحمار. كذلك وضعت بعض المقالات الوصفية في أشخاصٍ معنيين وعنونتها بأسمائهم، وقرنتها برسومٍ أبدعتها لهم، على الطريقة الجبرانية؛ منها “جرْوه”، و”سعدى”، “وعلي الصغير”، و”حمدَه” و”تلْجَه”.
يقول لويس فوسيل (Louis Vaixoelles) في توطئة للكتاب:
هذه الانطباعات عن الطبيعة؛ هذه الذكرياتُ عن طفولةٍ يتناولها الحزن والفرح، وترتاح إلى الوحدة الحالمة، وعن مراهقة استشفّت المظالم والآلام الإنسانيَّة، وبعثتها بعباراتٍ غشتها بالحذر والضبابية؛ هذه المشاهد التي تنقل الحياة والبيئة بجو وتعبير لا أدقَّ ولا أقدر – كلها لوحاتٌ رسمتها فنانةٌ ذات موهبةٍ رهيفة تجيد استعمال القلم أجادتها لاستعمال الريشة.
رهافة في الحسِّ العميق، فلسفة بلا كآبة، موهبة للصور البكر، بساطة، نضارة في الإلهام، عفوية دافقة – لكن تلك المزايا هي أيضًا المزايا التي أكبرها في رسم ماري حداد.
ويختم فوسيل توطئته بقوله:
سواءٌ استخدمت القلم أو الريشة لوصف المشاهد أو الأشخاص، تبقى ماري حداد شاعرة.
2 – “مُعجزات الدكتور داهش وظاهراته الروحيَّة”
ينطوي الكتاب على منتخباتٍ من الظاهرات الروحية التي حدثت بين كانون الثاني (يناير) وتموز (يوليو) 1944.
من ميزاته أنه يشتمل على مقدمةٍ تروي فيها ماري حداد قصة تعرفها إلى الدكتور داهش وإيمانها بعقيدته الروحية؛ كما بتدوين الوقائع التي تسرد بدايات الاضطهاد ضد مؤسس الداهشية، منذ محاولة شقيقها، ميشال شيحا، إستدراج الرئيس ألفرد نقاش عام 1942 إلى إخراج الدكتور داهش من لبنان، إلى إرسال بشاره الخوري رئيس البوليس العدلي، إدوار أبي جوده، في 28/1/1944، إلى منزل آل حداد مزودًا بتعليماتٍ سريةٍّ سرعان ما كشفها الدكتور داهش بطريقةٍ روحية، إلى الإفادات الثلاث التي أدلى بها إلى رئاسة البوليس العدلي كل من الشاعر حليم دموس، والدكتور فريد أبو سليمان، والأديب يوسف الحاج، والسيدة ماري حداد عما يعرفونه عن الدكتور داهش، فإلى محاولة بشاره الخوري الفاشلة لاستمالة المجلس النيابي لسنّ قانون يؤدي إلى منع الدكتور داهش من عقد جلساته الروحية. وتنهي ماري حداد كتابها بخاتمة ورد في نهايتها:
إنه (الدكتور داهش) نور من يشاء أن يستنير! إنه يُكرِّسُ حياته ومواهبه الإلهية لخدمة بشريَّة لم تُحقِّق. في الواقع، عظمة الإنسان وأصل رسالته الإلهية.
منذ أعوام عديدة وأنا أعرفُ الدكتور داهش ثابتًا في قوَّته غير المحدودة، دائم العظمة في أعماله، دائم العزم في تعاليمه! إنه الصخرة التي تسطو على الزمن والأحداث، وسلطته ما فتئت في اتساع.
3– مذكرات ماري حداد وتأملاتها في أثناء وجوجها القَسريّ في مصحِّ (العصفورية)
إن إدخال ماري حداد قسرًا إلى “العصفورية” عام 1945، كانت نتيجته وبالا على بشاره الخوري وزبانيته ممَّن كانوا يلجأون إلى اتِّهام أقربائهم اتهامًا كاذبًا بالجنون، ليحجروا عليهم قانونيًا، ويستولوا على ثرواتهم. وقد سمت ماري حداد الأشخاص الضحايا بأسمائهم، وشهَّرت بالجناة من أقربائهم في “منشور أسود” بني على ما كتبته، وصدر، عام 1946، تحت عنوان “كشفُ الستار وفضح اسرار العصفورية وما يرتكب فيها من جرائم رهيبة باسم العطف على البؤساء والمنكوبين”، الأمر الذي أحدث ضجة كبيرةً، عهدئذٍ، وكشف الستار عن فضائح لم يكن اللبنانيون يسمعون بها. وما سبق إصدار “المنشور الأسود” من إنذارات كان كافيًا لإحراج السلطة اللبنانية واستدراجها لإصدار أمرٍ بالإفراج عن الأديبة الحكيمة.
4 – مذكرات ماري حداد في السجن(1947)
دوَّنتها في أثناء سجنها ستة أشهر، لأنها صدعت بإيمانها بوحدة الأديان الجوهرية وبنبوَّة الرسول العربي، ولشجاعتها في تبنِّي “الكتب السوداء”. وفاضت فيها بوصف آلامها وغضبها وسَبرِ أغوار النفس البشرية.
5 – مجموعة قطع وجدانية لمطلع حزيران”
دأبت ماري حداد، مُذ تعرَّفت إلى مؤسس الداهشية، على كتابة قطعة وجدانية في أول حزيران (يونيو) من كل عام. لكنها ما تزالُ مخطوطة. بيد أني، من استماعي إلى كلماتها في احتفالات مطلع حزيران– التي كانت تقام في منزلها الذي أصبح مقرًا للرسالة الداهشية- استطعت أن استنتج الخصائص التالية: ينبوعٌ من العواطف الصادق يفيضُ من أعماقِ نفسٍ نقيةٍ مُحبَّةٍ مُؤمنة، وشلالٌ من الأفكار السامية التي تجذب المُستمع المُثقَّف إلى فوق، حيث الأرواح القدسية في عالمها الأزليّ؛ إلى كل ذلك مغزى عميق واسلوبٌ بليغ يخرجُ بهما المستمع من كل قطعةٍ كتبتها.
6 – الرسائل المتبادلة بين لور قرينة بشاره الخوري وشقيقتها ماري حداد الداهشية”
هذا الكتاب الذي ما يزالُ مخطوطًا ينطوي على مجموعةٍ من الرسائل الخطيرة بين الشقيقتين، مكتوبةٍ بالفرنسية، وفيها يتَّضح ما كان يجري وراء كواليس تلك المأساة الرهيبة التي حاولت فيها ماري حداد إدخال النور إلى بصيرة أختها المتواطئة مع شقيقها ميشال وزوجها الرئيس على اضطهاد مؤسس الداهشية. كما يُبرزُ إيمان ماري الراسخ، ومُرونتها، وذكاءَها في مخاطبة شقيقتها، وإنذارها لها بأن عهد الباطل سينطوي، وعهد الحقّ سيبزغُ عاجلاً أم آجلاً.
7 – “صواعقُ داهشية”
إنهُ الجزءُ الأخيرُ من سلسلة “وثائق تتكلم” التي تشرحُ قضية الاضطهاد ومُلابساته في جميع مراحلها. و”صواعقُ داهشية” ينطوي على جميع الرسائل والعرائض والبيانات التي كتبتها ماري حداد بالفرنسية أصلاً، وقدَّمتها إلى المسؤولين الرسميين في بيروت كما إلى الدبلوماسيين الأجانب والأمم المتحدة. وتبدو ماري حداد في مُعظم ما كتبتهُ صارمةَ المنطق، قويةَ الحجَّة، مُشرقة البيان حتى ليُمكنُ القول إنَّ هذا الكتاب من أجلِّ الوثائق التاريخية الأدبية لقضية الداهشية في عهد الطاغية الراحل بشاره الخوري.
في الترجمة
نقلت ماري حداد إلى الفرنسية عدَّة مؤلفات للدكتور داهش. طبع منها: “نشيد الأنشاد”، “عشتروت وأدونيس” مذكرات دينار”، و”مذكرات يسوع الناصري”، الجزء الأول. كذلك نقلت إلى الفرنسية “معجزات الدكتور داهش ووحدة الأديان” للدكتور غازي براكس(محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية ببيروت، عام 1970). وعلى امتياز ترجمتها بالدقَّة والأمانة، فقد اتَّسمت بطابعِ الإبداع الشخصيّ.
أسلوبها
كتبت ماري حداد كل آثارها بالفرنسية. وقارئ أدبها سرعان ما يأسره أسلوبها الأنيق البليغ الفريد الذي يحدث في النفس تأثيرًا باقيًا، لأنه أسلوب الصدق النابع من المُعاناة النفسية، وأسلوبُ البساطة التي تُلبسُ أعمق الأفكار وأسماها ثوبًا جميلاً.
وأسلوبُها في ترجمتها، كأسلوبها في كتابتها الإبداعية، يمتازُ بالبلاغة والوضوح والسلاسة. ومن خلال قراءة المقدّمات النفيسة التي وضعتها للكتب التي ترجمتها والمقارنة بين أسلوبها الإبداعي وأسلوبها في ما نقلته تتَّضح البراعةُ الأدبية التي خوَّلتها أن تجعل المنقول بمستوى الأصيل.
وهي في كثير من قطعها الوجدانية التي يضمّها كتاب “الساعات اللبنانية” تضمن كتابتها توريات ومغازي إنسانية وعبرًا. وإنك لتشعر بروحها تهبّ من كلماتها كما النسيم على الوجه في ليلةٍ قمراء، وإن وصفت فبدقةٍ عجيبة تدعك ترى بعين خيالك ما ترسمه بالكلمات.
مما تقول، مثلاً، في قطعة “عيوننا” (Nos yeux) : نرى عيونًا إنسانية عميقة، ملأى بالأفكار؛ وعيونًا أخرى فارغة. ثمة عيون مضاءةٌ بنور ذاتها حتى لتقول إنها مشاعلُ روحية. وثمة عيونٌ باردة، لا مبالية؛ وأخرى مُفعمةٌ بالسلام والعذوبة؛ وهناك العيون الطفولية، والساذجة، والطيبة، والجذَّابة. وهناك العيون التي تبُثُ فيكَ القُشعريرة وتُبعدكَ عنها.
حقًا! إن عالمنا لعظيم، لكن رؤيتنا ضعيفة، وعيوننا لا ترى شيئًا يفسّر أسباب الأشياء.نتجادل لنفهم، ولا شيء يتَّضح. فلننتظر الموت، فهو يحلّ معضلات كثيرة.
أما في رسائلها وعرائضها الداهشية، فهي تارةٌ تهدرُ كنهر جارف، وطورًا تجري بتؤدة ومهابة كما النيل. وقد أثّر أسلوبها البليغُ هذا في نفس الصحافي المهجري، جبران مسّوح، صاحب مجلة “المختصر”، فأرسل إلى الشاعر الداهشيّ حليم دمّوس يقول:
اجعل ماري أن تكتبَ إليَّ عن كل ذلك ليحيط علمي بكل أطراف الموضوع. إن ماري تستطعُ ذلك. لأنها الصوتُ الأقوى فيكم، وبيانها غير بيانكم، وفنُّها غير فنَّكم. ورسائلها، مع أنها بالفرنسية، فهمت منها ما أريد أن أفهمه، لأنها قلبُ القضية النابض ودماغُها المُفكِّر…”.
ماري الفنانة
قرَّرت ماري بعد أن كبرت بناتها أن تمارس فنّ الرسم الذي كانت تميل إليه مُذ كانت في الثالثة من عمرها. وقد اتَّفق قدوم الفنان البولوني ج. كوبيرت (J.Kobert) إلى لبنان ليستقر فيه، فانتهزت تلك الفرصة وتلقَّت عدّة دروس في الرسم على يديه (حوالى عشرين)، وسرعان ما برزت موهبتها وتخصَّصت في فنِّ وصف الأشخاص. وكانت ترافقها إلى محترف الفنان والدتها وبضعُ صديقات، منهن غلاديس شقير، والسيدة عمون، والسيدة بارت Bart،
وكان جورج حداد يقدر مواهب زوجته، ويشجعها على ممارستها. ولإفساح الوقت لها أحضر لها الخدام لمساعدتها في الأعمال المنزلية، ليتسنَّى لها الوقت الكافي لإشباع مواهبها.
وأول ما اشتهرت ماري حداد كفنانة يوم أقيم للوحاتها معرض في غاليري جورج برنهايم Georges Bernheim بباريس في تشرين الأول (أوكتوبر) عام 1933. وقد ابتاعت الحكومةُ الفرنسية إحدى لوحاتها، وهي ما تزالُ معروضةً في متحف اللكسمبورغ بباريس. وكان هذا نجاحًا وتشجيعًا لفنِّها.
يُشيرُ لويس فوسيل Louis Vauxcelles في مقدمته لمجموعة اللوحات (38 لوحة) التي عرضتها في غاليري برنهايم إلى أن الباريسيين كانوا ينجذبون إلى موضوعاتٍ ماري حداد الغريبة عنهم المُستلهمة من طبيعة لبنان وأضوائه وأنواع زهوره وأشجاره، تلك الطبيعة التي تذكّر بالفردوس الأرضيّ المفقود والتي غنَّاها لأمرتين، ثم تلك الوجوه العصبيّة أو المميَّزة ذات العيون السوداء النجلاء والتي تمثّل، في الأكثر، البدويَّات والقرويَّات بصرامةِ طباعهنَّ وعنادهنَّ كما القرويين اللبنانيين والفلاحين السوريين في أزيائهم الريفية وطرابيشهم وعمائمهم… وفي رسومها تلك نفذتْ بقوةٍ وفرادة إلى سيكولوجية الأشخاص الذين رسمتهم وإلى روح لبنان. ويلاحظ المشاهد ذو الخبرة أنها لم تنتم إلى أية مدرسةٍ معروفةٍ انتماءً التزاميًا ولا إلى أي أسلوبٍ فنّي سابق – إنها نسيجُ وحدها. ولا نجدُ أي تأثير قويّ لما نراهُ من معروضاتٍ في متاحف أوروبا لرسمها. فإنها كانت تستسلِم إلى إلهامها الخاص؛ وهذا ما ميَّز أسلوبها عن أساليب غيرها. وإنَّ قوة أسلوبها تنمّ أكثر عن طبع رجلٍ قويّ الشكيمة مما عن طبع أنثوي. وباختصار إن فنَّ ماري حداد يشهد لها بالعصامية والصدق والحس الرهيف بالطبيعة كما بنفسيات الأشخاص المرسومين. وقد أجمعت الصحافة الفرنسية والأجنبية على الإشادة بقوّة فنِّها وفذوذيته.
كتبت عنها جريدة “الدايلي ميل” Daily Mail اللندنية بتاريخ 14/10/1933: “كانت لوحاتُ هذه الفنانة خميلةً تكادُ تنطق لو أعطيت قدرةً النطق، أو انعكاساتِ ضوء، أو نماذج حية لبشر، وهي نماذجُ حاولُ فنانونا دراستها طويلاً. إن اللوحات تعكسُ سوريا بسمائها الغارقة في لون الشفق، وجبالها، وغابات صنوبرها العملاقة، وأشجار برتقالها، وغاباتِ أرزها المترامية الأطراف التي غنَّاها “لامرتين”. وقد نقلت مدام حداد كل ذلك بأمانة. إنَّ فنَّ مدام حداد فنٌّ قوي متمكّن من نفسه.
وقال جان فرانJean Ferran في تقديمه لمجموعة لوحاتها (68 لوحة) التي عرضت في فندق سان جورج ببيروت بين 16 و 26 كانون الأول (ديسمبر)، 1933، تحت رعاية سفير فرنسا، المفوّض الساميّLe Comte de Martel: “وبعد إلحاح كثيرين من وجهاء بيروت ومفكِّريها قبلت ]68 لوحة[ أن تعرض في فندق سان جورج عددًا من لوحاتها ]68 لوحة[. يظهر الأشخاص في رسومها قريبين من الفطرة والبداءة لم تؤثر فيهم بعد أساليبُ الحضارة الحديثة، فكأنما ألوفُ السنين الآسيوية ما زالت تطلّ من لمحاتِ وجوههم. كما اعتنت بتصوير الطبيعة الحيَّة والجامدة”.
وفي الكراس نفسه الصادر بمناسبة معرضها ببيروت نُشِرَت مقتطفات من 13 صحيفة فرنسية وألمانية وإيطالية تحدثت عن فنِّها وأشادت به بمناسبة معرضها بباريس. من آراء الصحافة أن لوحاتها تكشفُ عن “هذا العالم المُكتنف بالأسرار، مهد أعرَق الحضارات، هذا الشرق الذي يتفكَّك على مهلٍ تحت ضغط الحداثة”.
وقالت صحيفة ألمانية عن أعمالها الفنية: “إنها تسبر شخصية بلادها وشعبها بأشكال فنيَّة شخصية تمامًا وألوان قوية… إن رسومَ الأطفال الذين ينظرون نظرةً شرسة كأنهم ضوارٍ صغيرة أو الرسومُ الأقوى التي تظهر فيها وجوه نساء البلد تحت النقاب القاتم المتثني وهنَّ ينظرن إليك بعيونٍ حزينة ووقحة تحت جبهاتٍ كامدةٍ وموشومة – هي استشعار لعالمٍ شرقيّ تكتنفه الأسرار…”.
هذا وقد انتخبت ماري حداد رئيسة لنقابة الفنانين اللبنانيين في الثلاثينيات، قبل أن يتقلّد رئاسة النقابة قيصر الجميل.
أما اليوم فلوحاتٌ كثيرةٌ لماري حداد باتت تعرض في “المتحف الداهشي The Dahesh Museum القائم في مدينة نيويورك؛ وهي تجدُ استحسانًا كبيرًا من الزائرين ومتذوقي الفنون.
شخصيّتها:
إمتازت شخصية ماري حداد بسمات نفسية ثابتة اخترقت حياتها بمرحلتيها. من هذه السمات الاستعداد الفنّي والاستعدادُ الأدبيّ، وبكلمةٍ داهشية سيَّال الفن وسيال الأدب اللذان رافقها في مرحلتي حياتها.
كانت ماري تحب من الفنون الرسم والموسيقى وتمارسهما، وهذا جعلها تهوى مخالطة الأدباء والفنانين، ففتحت أبواب منزلها الرحب لهم. وقد برعت أيضًا بفنِّ الخياطة التطريز والتخريم، لكنها لم تتميَّز بها. وجلّ ما ظهر اهتمامها هذا في عنايتها بموائدها، إذْ كانت تزيّنها بالشراسف المطرَّزة تطريزًا فنيًا، فتجتذب إعجابَ ضيوفها.
ومن سماتِها الفنسية الثابتة عطفها على الصغار والضعفاء. أخبرتني زينا بأن والدتها كانت شديدة الاعتناء بها وبسائر أخواتها، ولا تذكر أنها ضربت مرّة واحدة، بل ربتهن والدتها بعنايةٍ وحنان وبساطة وصراحة؛ وهي الميّزاتُ التي فقدتها في طفولتها بمدرسة الراهبات الصارمات اللواتي كُنَّ خالياتٍ من العطف والحنان. كذلك فإنَّ موت والدها باكرًا وغياب والدتها عنها وعن شقيقتها، معظم الأحيان، جعلاها تعرفُ معنى فقدان العطف الأموميّ، فحضنت بناتها، إذ كُنَّ في الطفولة، حضْنَ أم مثالية، ثم عاملتهن معاملة الرفيقات لها إذ شببن عن الطوق. وكانت تردّد على مسامعهن: “لا أحد يمكنه إجبارُ آخر على متابعة الدراسة؛ فمن جدَّ وجد”. ولذلك لم تستخدم مع بناتها أسلوب القوَّة بل الإقناع.
كذلك كانت ماري، طوال حياتها، تحبّ الطبيعة حبًّا جمًّا. ويتجلَّى ذلك في اختيار مظاهر الطبيعة والقرويين والبدويات كمواضيع لرسومها. ذات يومٍ جالستها في الردهة الكبرى بدارها – مقرّ الرسالة الداهشية – حيث كانت معلّقة على الجدار أمامنا لوحةٌ للفنان سترايك، رائعةٌ، عظيمةُ الحجم، موضوعها تندمج فيه الأسطورة بمشاهد الطبيعة، وفي وسط القاعة يُنبوعٌ أخضر كبير تترقرقُ المياهُ فيه، وقد زُحرِفَ بتماثيل أسطورية لكيوبيد وأورفيوس. سألتها: أتحبين الطبيعة كثيرًا؟ راحت تتملَّى الينبوع من خلف نظارتيها المُستديرتين ثم قالت بما فحواه: إن الطبيعة في أكثر مظاهرها، وخاصة في أطيارها وأشجارها وأزهارها، ذاتُ روحيّة أرقى من روحية الإنسان. فلا عجب إذا أحببتُ الطبيعة وإذا أحبّها الأدباءُ والشعراءُ والفنانون الصادقون، ولا عجب إذا لجأ إليها المُتعبون طلبًا للراحة.
كما أخبرتني كريمتها زينا بأن والدتها كانت ترغبُ في القيام بالأعمال الرياضية وخاصة السير الحثيث. وكانت زينا تصحبها في نزهاتها عبر الجبال وغابات الصنوبر. وفي أثناء ذلك كانت تنعم نظرها في زهرةٍ أو شجرةٍ أو طائرٍ… لأن الطبيعة بالنسبة لها كائنٌ حيّ. ولشدّ ما كانت متَّحدة بعناصر الحياة، فقد كانت تمشي على الأرض كأنما تشعر أنها تدوسُ على شيء حيّ؛ وكانت تعطفُ ليس على الإنسان فحَسب بل على عناصر الطبيعة بما فيها الجمادُ الأصم. رأتني ذات يوم أُنظفُ سجادةً عجمية بمكنسةٍ كهربائية، فدنت مني بتؤدة وهمست في أذني: “إرأفي بها! لا تُلحِّي في تسيير المكنسة عليها!”.
ومن سماتها النفسية الثابتة دماثهُ أخلاقها، وعفَّةُ لسانها، ووداعتها، وتواضعها. لقد كانت لي أختًا كبيرة؛ عاشرتُها فأكبرتُها، وأصغيتُ إلى أحاديثها، فتلقّنتُ دروسًا في المحبّة والعطاء والتّضحية والإخاء… كانت في غاية الهدوء واللطافة. تتحدّثُ بصوتٍ خفيض، وتتصرّفُ باحترامٍ وتواضع، فلا تُبادر إلى الحديث إلا إذا بودِرَت إليه.
وما زلتُ أذكرُ أني رأيتها ذات يومٍ جالسةً في الرواق الطويل بمنزلها – منزل الرسالة الداهشية – تُحاولُ بِشقِّ النفس أن تلبسَ جواربَها. كان الفصلُ شتاءً والبردُ القارسُ يغزو منزلها الشاسع. إنحنَت لتلبسَ جورَبًا، فاستحالَ ذلك عليها. وبدا لي أنها شعرت بألمٍ في ظهرها. لكنها أعادت الكرّة دون جدوى. فما كان منّي إلا أن أسرعتُ نحوها، وانحنيتُ أمامها بُغيةَ مُساعدتها في ارتداء الجوارب. فأمسكت بيدي، وأنهضتني رافضةً أن ألبسها الجورب. ألححت في مساعدتها، لكنها ألحَّت في الرفض اللطيف، وأقسمت على أنها لن تدعني أقوم بإلباسها الجورب. وهكذا فضَّلت أن لا تلبس جواربها. فحملتها إلى غرفتها، واحتجبت فيها، وحملت فكرة عظيمة عن هذا المرأة المتواضعة.
وغير مرةٍ كنتُ أرها مُستاءة عندما تسمعُ أحدَ الزائرين يذمُّ شخصًا في أثناء غيابه، فتذكر كلمة المسيح القائلة “مَن قال لأخيه: يا أحمق، فإنه يستحقُّ عذابَ جهنم”. وكان أشد البغضاء إلى نفسها النميمة والاغتياب.
وكانت ماري، طوال حياتها، تشعر بالغربة حتى بين أفراد عائلتها، وكأنما كانت تشعرُ بأن صلة القربى الحقيقة هي الرابطة الروحيَّة لا الرابطة الماديَّة. فعندما فرغت من دراستها اضطرت إلى مُلازمة أفراد أسرتها في المنزل. كان والداها يعيشان حياةً اجتماعية تضجُّ بالزيارات والاستقبالات، كالآخرين من اللبنانيين الوُجهاء، فشعرَت بالغربة في تلك البيئة الدنيوية التي يهدرُ فيها الوقتُ، وتمرّ الأيام فارغةً عجفاء. وكانت ماري تتألم من نمط تلك الحياة التافهة، ومن الرِّياء الذي يسري في تقاليدها، ولذلك كان أفرادُ أسرتها يرونها غربية الأطوار بينهم. وقد نمَّت الداهشية فيها تلك البذور، فاستغلَّت، في الفترة الثانية، وقتها افضل استغلال.
كانت ماري امرأةً اجتماعية يغلبُ التفاؤل على طبعها، ولا تخلو أحاديثها من الفكاهة. كما كانت ترغبُ في أن يكون الإنسان عصاميًا يعتمد على نفسه في حلِّ المشاكل. كذلك كانت، طوال حياتها، تؤثر حريَّة القول والكتابة وإبداء الرأي، والاستقلال الشخصيّ، الأمر الذي كان يسبب لها، أحيانًا الشجار مع شقيقاتها. ولذلك كانت تُعجب بالمرأة الأوروبية العاملة المكافحة، وتفضّلها على المرأة الشرقية الخاملة؛ لكنها كانت ترى أن حريَّة المرأة الضرورية يجب أن تكون ضمن حدودٍ معينة، لا سيما على الصعيد الخلفي. وقد جعلها حبّها الحريّة والاستقلال الشخصيّ على خلافٍ في الرأي مع أفراد أسرتها الملتزمين للتقاليد القديمة الحافلة بالنفاق، في حين أن ماري كانت تميل إلى الصراحة والصدق في المعاملة.
وإيثارها الحريّة والاستقلال الشخصيّ جعلها تحترمُ قيمةَ الشخصيّة الفردية سواءٌ في التربية أم في اختيار موضوعات رسمها أو كتابتها. ولذلك كان تركيزُها على رسم الأشخاص ووصفهم، لأنَّ لكلِّ شخصٍ ميزاته وخصائصه التي يستقلُّ بها.
وقد آمنت ماري بمبدأ المحبّة والتسامح الدينيّ، مُذ كانت طالبة، بعد أن رأت في الكثلكة اجتماعاتِ نفاق ومآدبَ رياء، ولاقت من الراهبات القسوة والظلم في فترة دراستها، فنبذَت التعصُّب، ورأت الحقيقةَ غير محصورة في دينٍ واحد، مع أن أفرادَ أسرتها كانوا من الكاثوليك المتعصِّبين. كما كانت ترفضُ أكثر الشكليات والطقوس الدينية الكاثوليكية لا سيّما تلك التي تُفرض على الأطفال.
وبعد اعتناقها الداهشية، آمنت بوحدة الأديان، لأنها رأتها جميعها ذاتَ منبعٍ روحي واحد، وجميعها تحضُّ على الفضيلة وتمنع الرذيلة. ونزعتُها الروحانية الثابتة جعلتها في العهد الثاني من حياتها تعيش حياة تقشفٍ وزُهدٍ بعيدةً عن التَّرف والملاهي والحياة الاجتماعية الصاخبة البرَّاقة التي كانت تعيشُها شقيقتُها لور في قصر الرئاسة. وما كان أسهلَ أن تستفيدَ من تلك الفُرصة السانحة وتقتدي بشقيقتها، لكنها آثرت اتباعَ حياة الفضيلة و”المثل العُليا، فعاشت حياتها عظيمةٌ يإيمانها، عظيمةً بجهادها ونقائها وإخلاصها، عظيمةً بأدبها وفنِّها، عظيمةً بسمُوِّها. لقد تخلَّت عن ارستقراطية الحياة الأرضية المنغمسة بالدم الأزرق لتنتمي إلى العائلة الروحيَّة ذات النسغ النورانيّ.
كانت ماري جبَّارة الإيمان، فولاذية العزيمة، وقد تجلَّت جرأتها النادرة في تبنيها الكتبَ السوداء التي كان يُنشئها الدكتور داهش؛ إذ أصدرتها باسمها غير متهيِّبة من جحافل الحكم الباطل.
ومع معاناتها الاضطهاد، كانت تشعرُ بالطمأنينة النفسيَّة، لأن الداهشيَّة مدتها بالأجوبة الشافية لتساؤلاتها العديدة، فعزمت على مواصلة الجهاد حتى الرمق الأخير من حياتها بعد أن لمستِ الحقيقة الهادية على يديِّ الدكتور داهش.
من أجل تلك المزايا النفسية الفريدة في شخصية ماري حداد، ركَّز جبران مسوح عليها أكثر من تركيزه على الاضطهاد نفسه، ليس لأنها امرأة فحسب، بل أيضًا لمكانتها الاجتماعية وصفاتها النفسية ومواقفها البطولية التي لم تعرف الخنوع والخضوع للظالمين. ورد في رسالةٍ ما تزالُ مخطوطة كتبها جبران مسوح إلى ماري حداد بتاريخ 27 كانون الأول 1946: “والحقيقة أن هذه السجون التي تدخُلينها، يا ماري، ستكون عظيمةً في تاريخ لبنان، وسيقصُدُها الناسُ من كل مكان لزيارة أثرٍ تاريخي عظيم الشأن، ولا سيما أن أختكِ مي (زيادة) سبقتكِ إلى هذه السجون، وسجَّلت فيها هذه الأمجاد، لكي تأتي بعدها وتتمِّمي ما بدأت به…”.
عشرُ سنواتٍ (1942 – 1952) عانت خلالها ماري الأمرين. ولا شكَّ بأن التاريخ سيخلِّدها رمزًا للمرأة البطلة المؤمنة المُجاهدة، وللأديبة الفذَّة والفنانة الفريدة، إذ إنها تخلَّت عن راحتها من أجل نُصرة الحرية، ونُصرة عقيدتها، ولم تترك قلمها ولا ريشتها حتى في سجنها.
لقاء مع الشاعر حليم دموس
بقلم الأستاذ ظافر كالوس
دخل عليَّ في مكتبي في جريدة التقدّم بحلب، في العام الف وتسعمائة وخمسين، الشاعر الكبير المرحوم حليم دموس الذي كانت تربطني به رابطة حبٍّ وتقدير؛ وبعد أن قبلَّني قال لي:
“هل لديك وقت؟”
قلتُ: ليس الآن، بل على العشاء ادعوك في فندق بارون.
قال ضاحكًا مُبتهجًا: “لقد فزت”.
قلتُ: وبماذا؟
قال: “بك يا أخي الحبيب”.
وأردف قائلاً: “لقد تصيدتُ سمكةً مُشبعة بالرُّوح الإنسانية وبالقيم الروحية”.
قلتُ: تفضل فأرو قصتك.
وتربَّع الشاعر الكبير والداهشي الأمين، وقال: “باختصار، أنا داهشي مؤمن، لا بدَّ من أن تسمع آرائي”.
قلتُ: لقد قرأت كثيرًا عن الدكتور داهش، وعرفتُ بعض المبادئ الداهشية العامَّة، وما زلتُ أبحث عن أسرار هذه الظاهرة الغريبة. إن لبنان يعيشُ ثورة الداهشية، بل مُعجزاتها؛ عائلةُ السيد جورج حداد أصبحت كلها داهشية، وتبعتها عائلات أخرى عديدة. وسمعت من السيد جوزيف حجار، وهو لشقيقي رفيق العمر، وإنسان صادق، لا يعرف الشرّ أو الحقد، يعيشُ على القيم الإنسانية ولها، ويعامل الآخرين على أساسها، سمعت منه أنه فقد مرَّةً حقيبة يده وفيها وثائق عمله الخاصَّة وبعض أمواله، فراجع الشرطة في بيروت، ولكن دون جدوى. وحين قصد الدكتور داهش، دخلَ عليه قلقًا مُتجهمًا؛ فسأله الدكتور داهش: “ما بك يا صديقي؟” فقال له: “لقد فقدتُ حقيبتي في غفلةٍ مني”. فقال له الدكتور “تلفت… إن حقيبتك السوداء بقربك”. فتلفَّت جوزيف فوجد حقيبته، التي فقدها، بجواره. قال حليم دموس: “تمهَّل سأروي لك على العشاء التفاصيل . أقولُ لك ماذا إنتابني أنا حليم دمُّس، الداهشيّ المؤمن، الشاعر الذي هز المنابر في لبنان والدول العربية، كيف اصبح يهتز لذكر الداهشية ويترنح أمام القدرة الفائقة التي يتمتَّع بها الدكتور داهش. لقد أوتي الدكتور داهش قوَّةً روحية يستطيع بها أن يسيّطر على المادَّة، أن يخترق نواميس الطبيعة ويجترح المُعجزات! والحق أقول، إن هذا الرجل أُعطيه الخالق – عز وجل – إلى عباده، ونعمةٌ من نعمه. هدية السماء إلى الأرض هو، وطريق الأرض إلى السماء. لم يَجُدِ التاريخ بمثله منذ آلاف السنين. على يديه تنجلي الحقائق، وتنكشفُ الأسرار. إنه نور الأمل، وسفينةُ النجاة لهذا الشرق الغارق في اليأس والتعس والظلام”.
ثم نهض حليم من مقعده وهو يقول لك “لن أطيل عليك الآن، وإلى اللقاء على العشاء، في فندق بارون “.
خرج الشاعر المؤمن من مكتبي، وتركني في ذهول. لم أستطع أن أتابع عملي ولا أن أقرا المواد التي تعرض عليَّ. طرت أسبح في الفضاء تتجاذبني طيوفُ فرحٍ ودهشة وانبهار، وتتراءى لي خيالاتٌ وصوت بشرني بكونٍ جديد وعالمٍ جديد. ومع اقتراب الموعد، أسرعتُ إلى الشارع لعلّي أجدُ طريقي، ورحتُ أخطفُ المسافة بين مكتبي والفندق حيث ينتظرني السرّ الخطير، وكأنني ريشةٌ قد عصفت بها الريح. لا أدري كيف أمشي، كيف أسير، إلى أين أقصد نسيتُ الفندق، نسيتُ الدرب!
لقد طرتُ بين الواقع والمجهول لأحط على شرفةِ فندق بارون، وقد انتصب أمامي شبحٌ طويل، وصاح بي:”ها قد أقبلتُ”.
تأبطني حليم، فسرتُ معهُ غارقًا ما بين شاعريته وإلهامه وبين الداهشية التي يؤمن بها إيمانًا صافيًا نقيًا.
جلسنا إلى المائدة نتجاذبُ أطراف الحديث. والحليمُ يُفضي بمكنوناتِ القلبِ ويُفيضُ برائع الكلام، وأنا أُصغي إليه بكل جوارحي وأؤثر الصمت حتى لا أجرح الأنغام. حدثني كثيرًا، وكان حديثه يتسربُ من الأذن إلى القلب فالجوارح… حدَّثني الشاعرُ الكبير عن عروس شعره، الرسالة الداهشية التي ألهبته وألهمته، فأعطاها ما في الرُّوح والقلب، ووقف لها نفسه وأدبه، وجاهدَ في سبيلها جهاد الجبابرة الرآبلة الأبطال. حدَّثني عن جمال رسالته الجديدة وفتنتها وكيميائها العجيبة التي حوَّلته، وفق تعبيره، من ماديّ صرفٍ إلى روحيّ صرف، فانصرفَ عن اهتماماته العادية الخاصّة إلى الاهتمام بقضايا الروح والإنسان، ونشر المحبّة والإخاء ومبادئ العدالة والمساواةِ بين البشر كافة.
ورحنا نُحلقُ في أجواء الداهشية الرحبة وتجوّلت في مفاتنها العجيبة. وذكر لي ما يتعرَّضُ له المؤمنون بها من سخرية الجهلاء وتآمرهم، وكيف أن هؤلاء الجهلاء لا يدركون أنهم زائلون، وأن القوة الروحيّة هي الباقية الخالدة، تعيشُ في قلوبِ المؤمنين بها إلى الأبد، وأن الشرَّ ليس له خلود، والخير وحده خالدٌ مع الزمن لأنه أقوى من الزمن. وقد تذكَّرنا الآية الكريمة التي تقول: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون) (سورة يس: آية (30).
وهكذا أدركت ظاهرة التحوّل، وظهرت المُعجزة الكبرى التي تضافُ إلى مُعجزات الداهشية الخارقة. لم يكن من الصعب عليَّ أن ألمس الفرق بين الرجلين: بين شاعر الأمس وشاعر اليوم، بين حليم الأمس الذي كان في كل وادٍ يهيم، ويعبقُ شعرهُ برائحةِ المادّة المُنبعثة من الإطراء والتزلّف والمديح واقتناص المناسبة، وبين حليم اليوم المترفّع عن الدنيويات، المحلّق في سماء الوحي والروح، الداعي لعبادة الديَّان ووحدةِ الأديان ونشر المحبَّة والأمان.
لقد ذُهلت لهذا التغير. وما بين شاعرية حليم الفذَّة ووقائع تُلمسُ وتُرى جرت بين يديه وأمام ناظريه، تلك المُعجزات الخارقة التي اجترحها الدكتور داهش، وحفظها حليم دموس عن ظهر قلب، أقمتُ لي عالمًا أعيشُ فيه ساعاتٍ من الزمن العجيب!
طال زمانُ عالمي ما طال العشاء السحري، إلى أن اقتحمت خيوط الفجر شبابيك الفندق، فخرجنا منه نسيرُ في شوارع مدينة حلب التي هجعت، فلا تدري من هما الطارئَان اللذان يقطعان أخاديدها، وما هو حديثهما. لم تدرِ حلب أن أملأ عذبًا يرفرف في سمائها، وأن أحاديث المحبَّة والنور والهداية تضوعُ مع نسيمها، وتسهرُ مع نجومها وناسها نيام.
وفي اليوم التالي سافر حليم إلى بيروت. وكان كلما تسنَّى له أن يزور حلب، يهرعُ إليَّ مُشتاقًا لنقضي بعض السهرات الرائعة، وليس لدينا سوى الشعر وحديث الداهشية التي كان مؤمنًا بها أشدّ الإيمان.
واتفق أن طال غيابه عني، فاشتدَّ شوقي إليه وحنيني إلى سهراته الرائعة ومجالسه المُمتعة، فدعوته لقضاءِ فصل الربيع في حلب؛ فردَّ عليَّ بأبياتٍ من شعره الغالي حفظتها في قلبي:
فتى “التقـــــــــدم” قد حيــــــــــــــــاك لبنــــــــــــــــانُ وحـــــــــــــــــام حولك أنصــــــــــارُ وإخوانُ
دعوتنـــــــــــــي، فأتــــــــاـك الشعر مبتـــــــــدرًا لخدمة الشعب؛ إن الشعب يقظانُ
فاسمع حنيني عسى الرحمنُ يجمعنا كمــــــــا يعلــــــــــــم إنجيـــــــــــل وقــــــــــــــــــرآن
فأخذتُ بهذه الأبيات اللطيفة الرائعة، وتذكَّرت ما كان يردّد على مسمعي من كلامه العذب وشعره الروحي الخالد، ودعوته المؤمنة الصادقة لنبذ التعصُّب وتوحيد الأهداف، وتألف القلوب، والرجوع إلى الله الواحد الأحد، خالق الخلائق ومُبدع الأكوان. ولكم كنتُ مُعجبًا ومتأثرًا بهذه النفس النقية، وتلك الكلمات المفتلذة من الروح:
بالداهشية قد عرفتُ محمدًا وتلوتُ قرآن الهدى المُتسامي
وعرفتُ نصرانيتي ومسيحها لمَّــــــــا عرفتُ حقيقة الإســـــــلام
أو حين يقول:
ولـــــــــــــــم أرَ مثــــــل الداهشية درةً مُباركةً تدعو لكشفِ الحقائق
حقائق إنجيلٍ وآياتِ مصحفٍ لتعزيز أدياــــــــنٍ حسانٍ شقائق
تعاليـــم موسى والمسيح وأحمد كينبوع نــــــــــــورٍ بالسعادة دافق
أما الدكتور داهش فقد هجر لبنان؛ ولكن الرُّوح ما زالت في أغصان الأرز، تعيشُ ليومٍ تصبحُ فيه وارفةً تحتضن الجبل وتمد ذراعيها إلى زُرقةِ البحر لتمتطيه إلى كل أفقٍ كبير.
هل نحنُ وحيدون؟
لبول ديفس
Are we Alone?
By Paul Davies
عرضٌ ونَقد
بول ديفس هو أستاذ الفلسفة الطبيعية في جامعة آديلايد Adelaide في جنوب أستراليا، وحائز جائزة تمبلتُن Templeton المرموقة، عام 1995، على إسهامه في توسيع دائرة الوعيّ الروحيّ والدينيّ بكتبه الفلسفية العلميَّة التي أربت على العشرين.
يقول في مقدِّمة كتابه “هل نحن وحيدون؟”. “إن اكتشاف وجود حتى جرثومة واحدة غير أرضية يمكن أن يحدث تغييرًا في نظرتنا إلى العالم كما في مجتمعنا يكونُ بعُمق التغيير الذي أحدثته الثورتان الكوبرنيكية والداروينية، هذا إذا أمكنت البرهنة على أن الجرثومة قد تطورت تطورًا مُستقلاً عن الحياة في الأرض؛ بل إن هذا الإكتشاف يُمكن أن يعدَّ أعظم اكتشاف علميّ في التاريخ. أما في الحالة القصوى التي يثبتُ فيها التقاطُ رسالة من كائنٍ غريبٍ عن الأرض، فإن التأثير المُحتمل لذلك من كائنٍ غريبٍ عن الأرض، فإن التأثير المُحتمل لذلك سيكون ذا نتائج مهيبة على البشريَّة”.
أهمية كتاب ديفيس تكمنُ في تسليطه الضوء على التأثيرات العميقة التي سيحدثها اكتشافُ حياةٍ راقيةٍ خارج الأرض في العقائد الدينية التقليدية كما في النظريات العلمية الرائجة اليوم.
فعلى الصعيد الديني، يرى ديفس أن الاكتشاف، إذا حصل، فإنه سيُلقي الشكّ على كل ما يمنح الإنسان مكانةً مميَّزة سواء بالنسبة للكائنات الأخرى أم بالنسبة لله. فالأرض لا يتعدَّى عمرها أربعة بلايين ونصف بليون سنة، وهو عمر قصير قياسًا إلى أعمال كثيرٍ من الكواكب التي تأهلُ الكون. والحضارةُ البشرية التاريخية إنما نشأت منذ بضعة آلاف من السنين فقط، وهي مدة جدُّ قصيرة لا تتيحُ للعقل أن يتطوَّر وينمو في خلالها إلا بمقدارٍ ضئيلٍ جدًا إذا وجدت في الكون حضاراتٌ ما زالت تنمو باطرادٍ منذ مئات الألوف من الأعوام. فمرتبة الإنسان العقلية ستبدو، إذ ذاك، أقرب إلى الدرجة الدنيا في سُلَّم التطور الإدراكي. ووضع الإنسان الزري نسبيًا لن يسمح له بالإدعاء بأنه سيّد الكائنات، بل سيدفعه إلى التبصّر في مكانته المتدنيَّة.
والرأي الدينيّ القائل بأن الغاية الإلهيَّة من خلق الإنسان هي أن يتمجَّد الله به سيبدو سقيمًا فبأي مجدٍ من الناس سيُحظى الخالق متى اكتشفت حضارات فائقة بنتها كائناتٌ أعظم جدًا من البشر برقيها العلميّ والروحيّ!
كذلك القول بأن الله تجسَّد في الأرض من أجل الإنسان لتمتعه بمكانةٍ عُظمى في الكون سيبدو قولاً لا أساس له من الصحَّة.
ومن الممكن، برأي ديفس، أن تكون تلك الكائنات الفائقة قد تخلَّت عن مفاهيم البشر الدينية التقليديَّة، واعتبرتها بدائية جدًا، وأن تكون قد أخذت بمفاهيم روحية جديدة تختلف عن المفاهيم التقليديَّة اختلافًا كبيراً، فإذا ذاك سيدفع المنطق الصحيح معظم الناس إلى تبنّي مفاهيم الكائنات المتفوقة. بمعرفتها.
أما على الصعيد العلميّ، فاكتشاف حياةٍ راقية خارج الأرض سيكون، برأي ديفس، أشبه بزلزال يُقوض عدَّة نظريَّات ما زالت رائجة من غير أن تكون قد اكتسبت صّحة علميَّة نهائية. من الأمثلة على ذلك:
أ – ستقوِّض نظرية أنريكو فرمي Enrico Fermi القائلة بأنه يستحيل وجود حياة عاقلة خارج الأرض بسبب أن الكون أقدم جدًا من الأرض، ولِمُضي عدة بلايين من السنين لم يظهر في خلالها أي برهان ملموسٍ على وجود كائناتٍ راقيةٍ غير أرضية.
ب – ستقوِّض النظرية الداروينية في جانبها القائل بالتطوّر وفق الانتخاب الطبيعي والتحوُّلات الفجائية العشوائيَّة. فإذا كان يستحيل على الانتخاب الطبيعي – الذي ينحصر هدفه بتأمين التناسل الناجح – أن يفسر ظهور مواهب عليا في التاريخ البشريّ كالمواهب الفنية والأدبية والعلمية التي لا علاقة لها بإنجاح التناسل على الإطلاق، فإنه بالأحرى يستحيل عليه أن يُفسر نشوء قدرات إدراكية وروحية راقية جدًا، ولا تمتُّ بأية صلةٍ إلى انجاح التناسل.
ج – ستقوض الداروينية الجديدة في جانبها القائل بنشوء الحياة العاقلة صدفةً، وبأن الكون أشبه بساعةٍ دقيقةٍ معقَّدةٍ صنعها صانعٌ أعمى. من الآخذين بهذا الرأي رتشارد دوكنز, صاحب كتاب “صانعُ الساعات الأعمى” The Blind Watchmaker” وجاك مونود Monod J. ، وس. ج. غود S.J.Gould.
د – ستقوِّض نظرية التطوُّر التصاعدي التي أخذ بها تيلار ده شاردان teihard De Chardin والناهجون نهجه من علماء الكثلكة ممن يعتبرون الإنسان ذروة التطور الحياتيّ والكائن المؤهل لبلوغ الألوهة.
ه – ستقوِّض النظرية القائلة بأن اللانظامية (أو الفوضوية)Chaos تسود الكون، لأن وجود حضاراتٍ متفوِّقة في رحاب الكون سيؤكد وجود تخطيطٍ ذكي فائق لأصل الحياة ولانتشارها.
وهكذا يتوقع ديفيس أن يكون لاكتشاف حياة عاقلة خارج الأرض تأثيرٌ خطير في التفكير البشري، يحدث تغييرات أساسية بل انقلابات في المفاهيم الدينيَّة والعلميَّة.
***
لكن ديفِس، على رحابة آفاقه الفكرية، وقع في عدة مغالطات، منها:
أ – مجاراته فريق الباحثين الزاعمين، بأن عدم تيقنهم من وجود نوع من العقل الواعي غير المجسد يدفعهم إلى افتراض عدم وجوده. ومنطق هذا الرأي يشبه زعم انريكو فومي بأن لا وجود لحياةٍ عاقلةٍ خارج الأرض بسبب أنها لم تثبت وجودها على الأرض. فالآخذون بمثل هذا الرأي يغيبُ عن بالهم أن العقل البشري، على تقدمه، قاصرٌ عن الإحاطة بجميع مظاهر الحياة وأشكال الإدراك الواعي في الكون، كما هو عاجز عن إدراك الأسباب التي تمنع الكائنات الأرقى من إثبات وجودها لنا وفق ما نرغب.
ب – يذهب ديفِس إلى أن ظهور العقل الواعي، سواء في الأرض أم خارجها، إنما يحدث نتيجة للتنظيم الذاتي في العضويات، بعد أن تبلغ مرحلة بعيدة في التعقيد complexity. لكنه لا يوضّح كيف يتمُّ التنظيم الذاتي، ومن يضع صورته. فإذا لم تكن وراءه طاقة روحية عاقلة تحرِّكه إلى غايةٍ معيَّنة، فما الذي يحركه؟
ج – يرى ديفِس أن التنظيم الذاتي في العضويات ينتج عن القوانين الطبيعية. فإذا كان هذا صحيحًا، فكيف وجدت القوة المُنظمة في تلك القوانين، وما هو جوهرها؟
هذه المُغالطات وأمثالها مما يتعلق بتفسير الحياة والعقل الواعي وتعليل ظهورهما مردّها إلى رفض معظم الباحثين في العلوم الطبيعية أن يأخذوا بأي تفسير أو تعليلٍ لا يمكن إخضاعه للاختبار المادي، الأمر الذي أفقدهم صورةً بالغة الأهمية لحقيقة الكون الجوهرية ولحقيقة مصدر الحياة، وهما الحقيقتان اللتان كشفت عنهما التعاليم الداهشيَّة.
أ – إن نسيج الكون – أي نسيج المادَّة منظورة كانت أن غير منظورة، عضوية أم غير عضوية – هو نسيجٌ روحيّ تسميه الداهشيَّة “سيَّالات” والسيَّالات وحدات من الطاقة الإشعاعية التي لا تلتقطها الحواس ولا الأجهزة العلمية لتردُّدها المُتناهي في سرعته. وهذا المفهوم من شأنه أن يعطي الجواب الشافي للعلماء الذين يتنافسون اليوم لتقديم نظرية موحَّدة لتفسير قوى الطبيعة بضمّها جميعًا في قوة واحدة. من أهم محاولاتهم النظرية المُسماة بـ”الخيوط الفائقة” Superstring theory”.
ب – ليست الطاقة الإشعاعية أو الطاقة الكهربائية المغنطيسية التي في أساس الوجود الماديّ كلّه إلا تعبيرًا من تعابير سيّالات المادّة هذه، التي يمكن أن تسمّى “سيَّالات الشكل العامّ”.
ج – هذه السيَّالاتُ ذاتُ جوهر روحيّ مُنخفض الدرجة، به تتوحَّد الموجودات وإن اختلفت مظاهرها المحسوسة. وهي تتصف بالإدراك. ولذلك فلا معنى للبحث عن ظهور الإدراك في العضويات المعقّدة، لأنه في أساس المادّة، في جوهرها، سواء أكانت عضوية أم غير عضوية.
د – ليست “النفس” سوى سيَّالات روحية تندمج بسيَّالات المادّة أي الشكل العامّ.
هـ – قد تكون السيَّالات الروحية طليقةً، مثلما يحدث لحظة انطلاقها من الجسد عند الوفاة مثلاً؛ وإذ ذاك لا تخضع للقوانين الطبيعية، ولا لقيود الزمان والمكان.
و – بما أن النوع الإنسانيّ، باعتراف ديفِس، ليس فريدًا لا في شكله ولا في قدرته العقلية، فليس واجبًا أن تكون اشكال الحياة الراقية في الكون شبيهة بالإنسان لا من حيث بنية الجسد ولا من حيث النَّمط التفكيريّ.
ز – إذا اختلف أيّ عالم عن عالمنا اختلافاً أساسياً بنسيجه الماديّ بحيث يخضع لقوانين طبيعية غير القوانين المعروفة لدينا، فلن نستطيع أن ندرك طبيعته، لأنه بتركيبه وأنظمته خارج مقدراتنا العقلية المبنية على مقدراتنا الماديَّة.
فضلاً عن ذلك، إذا كانت الحياة المألوفة قائمةً بالدرجة الأولى على عنصر الكربون، فما الذي يؤكد أن لا تكون عناصر أخرى أساسًا لأنواع أخرى من الحياة، لا سيَّما أن الاكتشافات الأخيرة في أعماِق البحار أظهرت وجود أنواع من العضويات لا علاقة لها البتة بالكربون، بل تقوم حياتها على الاستفادة من عنصر الكبريت بالدرجة الأولى. ولذلك لا يُستبعد أن يكون للحياة مظاهرُ مختلفة في كوكب المريخ مثلاً. هذه النظرية يتكاثر أنصارُها بين العلماء. من أبرز هؤلاء العالم البيولوجي الألماني كارل شتيتر، حائز “جائزة لايبنتس” العلمية الألمانية البالغة الاعتبار، وأول من اكتشف “حياة جرثومية (ميكروبية) في براكين كما في حقول نفط مرتفعة السخونة تحت بحر الشمال الأوروبي” وقد استطاع أن يربِّي هذه الجراثيم في مختبره بجامعة ريغنسبورغ في أجواء حراريَّة لا تتدنى عن 113 درجة مئوية. والجراثيم تتعيش بأكل الكبريت ومواد معدنية أخرى، ولا تحتاج إلى الهواء. ويعتقد شتيتر أن أمثال هذه الجراثيم يمكن أن تكون عائشة في كوكب المريخ.
والنظرية القائلة بوجود أكوان كثيرة متوازية لا تروق ديفِس، لكنه لا يقدّم أية حجّة علمية ضدَّها. وهذه النظرية، في رأينا، صحيحة، إذ إنها تجعل لكلّ مجموعة من العوالم قوانين طبيعية خاصَّة بها، وعناصر مادية تكون أساسًا لأشكال الحياة فيها.
كذلك في رأي عالم الفلك فرد هويل Fred Intellingent Universe أن أصل الحياة لم ينشأ في الأرض، بل نشأ في عوالم أخرى. أما نشأتها على الأرض فقد بدأت عندما أمطرت كوكب الأرض عضوياتٌ مُتناهية في صغرها نفذت إليه من الفضاء الخارجي. ويرفض هويل النظرية القائلة بنشوء الحياة على الأرض نتيجة للصدفة أو لعمليات كيميائية وفيزيائية عشوائية. وهو يرى أن وراء أشكال الحياة تخطيطًا متفوقًا في ذكائه يدلُّ على وجود كائناتٍ عاقلة متفوِّقة في رحاب الكون تتدخل حيانًا في ظروف الأرض، وأن وراء تلك الكائنات السامية عقلاً أسمى يُديرُ العمليات الكونية.
أما أقوالُ الشهود الكثيرين ممن يزعمون رؤية مركباتٍ فضائية غريبة أو يدَّعون نقلهم إليها أو إجراء تجارب عليهم من قبل ركابها الهابطين من الفضاء الخارجي، فلم يناقش ديفِس صحَّتها في كتابه، ذلك لأنه وجد أن أقوالهم بمعظمها ليست كاذبة، لكن تغلبُ عليها الصفة الذاتية الدينية. وتعليله لتفشي هذه الظاهرة أننا نعيشُ في عصر أخذت فيه المؤسسات الدينية التقليدية تميل إلى التراخي والإنحلال، والناس بدأوا يبتعدون عنها باحثين عن عزاء – لم يجدوه فيها – في حضاراتٍ راقية خارج الأرض، حضاراتٍ قادرةٍ سامية تكون بديلاً عن حضارة الأرض الحالية التي باتت تلهو بالتفاهات وتبعث على السام. فالهابطون من الفضاء الخارجي يمثلون اليوم، في رأي ديفِس، دور الملائكة في الأزمنة القديمة؛ إنهم وسطاء بين الله والناس، والناس توَّاقون لإقامة علاقاتٍ مع الآلهة.
وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى المؤتمر العلميّ الذي عقد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا M.I.T. (13 – 17 يونيو 1992) حول المركبات الفضائية الغريبة وما يتعلق بها من روايات الشهود المخطوفين. وقد رئس المؤتمر أستاذ الفيزياء المرموق في M.I.T. دايفد بريتشاردD.Pritchard ، وأستاذ الطب النفسي البارز في جامعة هارفرد جون ماك Mack J. ، حائز جائزة “بوليتزر” على كتابه “خطف: لقاءات بشرية غير متوقعة مع كائنات غربية” الذي أحدث ضجة صحافية كبيرة. وقد أصدر بريان C.D.Bryan وقائع المؤتمر ملخّصة ومعزَّزة بعدِّة مقابلات مع العلماء المحاضرين والشهود في كتاب عنوانه “لقاءات غير متوقعة من النوع الرابع.
وقد دُعي إلى المؤتمر عدّة شهود ثقات اختيروا من بين كثيرين ممن يزعمون أنهم خطفوا إلى صحون طائرة ثم أعيدوا بعد أن أجريت عليهم تجارب مُختلفة. وقد أثار اهتمام المؤتمرين اشتراكُ الشهود ممن حضروا المؤتمر أو ممن أدلوا بشهاداتٍ سابقة أمام عدّة باحثين في اعطاء روايات متشابهة بمعظم تفاصيلها عن كيفية خطفهم، كما عن خصائص المركبات الفضائية وصفات ركَّابها غير الأرضيين، وأنواع التجارب التي أجريت على الشهود الذين ينتمون إلى بلدانٍ وجنسيَّاتٍ مختلفة، كما إلى مذاهب دينية متنوعة، ومنهم المتزوجون والعازبون والرجال والنساء والأولاد، وخريجو الجامعات وذوو الثقافة الثانوية. وهذه أهم النقاط المشتركة التي أسترعت اهتمام الدراسين:
1 – عمليات الخطف حدث أكثرها ليلاً. والأشخاص المعنيون كانوا، في الغالب، يسحبون من أسرَّتِهم أو سياراتهم أو الأماكن التي هم فيها بواسطة حزمةٍ من الأشعة الغربية، كانت ترفعهم مقلةً إيَّاهم إلى المركبة الطائرة التي كثيراً ما تكون شبه ثابتة في الفضاء. أما رفاق المخطوفين فكانوا يجمدون في أماكنهم ريثما تتوارى المركبة الفضائية.
2 – الأشعة الغريبة المسلَّطة على المخطوفين كانت تخترق بهم الحواجز المادية أبوابًا كانت أم نوافذ أم جدرانًا، ثم تلقي بهم على طاولةٍ مستطيلة داخل المركبة. والجدير بالذكر أن الشهود أجمعوا على أن قوّة المقاومة لديهم كانت مشلولة.
3 – المركباتُ الفضائية كان أكثرها بشكلٍ صحون مستديرة تتوهجُ من الخارج والداخل بنورٍ برتقالي يميل إلى الحمرة.
4 – أجمع معظمُ الشهود على أن رجال الفضاء كانوا إما قصارًا (2/1 3 – 2/1 4 أقدام)، نحافًا، يميل أديمُهم إلى اللون الرمادي، وإما طوال القامة أقرب من البشر.
أما رؤوسهم فكبيرة، لا شعر فيها ولا في أبدانهم؛ وأفواههم كناية عن شق مستقيم صغير بلا شفاه تتحرَّك، وآذانهم كأنما غير موجودة؛ وعيونهم واسعة جدًا، وحالكة السواد، لا بياض فيها ولا بؤبؤ، ولا أجفان؛ وهي جامدة لا رأرأة فيها.
وقد أجمع الشهود على أن رجال الفضاء لا ثياب عليهم، وأن أجسامهم لا تماثلُ أجسام البشر، فلا بطن لهم، ولا سرة، ولا أعضاء تناسلية، ولا صدر؛ وهم لا يبدون أنهم يتنفسون الهواء. أيديهم بلا مرافق، وأرجلهم بلا ركب، وهي متساوية في ثخانتها من الفخذ حتى أدنى السَّاق. ومنهم من تنتهي أيديهم بأربع أصابع، ومنهم من تنتهي أيديهم بثلاث.
5 – أجمع الشهود على أن رجال الفضاء كانوا يخاطبونهم بالفكر لا بالكلام؛ وكانوا يجرون عليهم تجارب مختلفة، منها أخذ عينات من سوائلهم الجنسية أو جلودهم، أو إجراء حمل سريع في النساء من غير جماع. ثم يعاد المخطوفون إلى منازلهم أو الأمكنة التي خطفوا منها. وأحيانًا، كانوا يعيدون خطف المرأة الحامل، بعد عدة أيام، فيسحبون منها الجنين بطرق خفية. وقد رأى كثيرون من الشهود عشرات الأجنِّة في المركبات الفضائية موضوعة في سوائل خاصة ضمن آنية شفافة.
كذلك روى كثيرون منهم أن رجال الفضاء (وأحيانًا نساء الفضاء وهن لا يختلفن عن الرجال إلا بنحافة أجسامهن) كانوا يعرضون أمامهم مشاهد وصورًا مختلفة الموضوعات ويدرسون انفعالاتهم تجاهها.
6 – كثيرون من المخطوفين, رجالاً ونساءً، أدخلت عميقًا في أنوفهم أداةٌ دقيقة تحمل في رأسها كرة صغيرة جدًا، ثم سحبت وقد اختفت منها الكرة. ومعظم المخطوفين كانوا يصابون برعافٍ دموي نتيجة لهذه العملية، بعد أن يعادوا إلى منازلهم أو أماكنهم الأصليَّة. وقد رجَّح الباحثون أن الكرة الصغيرة قد تكون جهاز مراقبة يبثُ إشاراتٍ معينة يلتقطها رجالُ الفضاء.
7 – لم يذكر أي من المخطوفين الموثوق بهم أنه حدث له أي أذى نتيجة لخطفه أو للتجارب التي أجريت عليه؛ بل إن عدَّة مخطوفين ذكروا حدوث شفاءات لهم، منها شفاء أحدهم من مرض الإيدز المحقَّق، وبرءُ آخر من عمًى في رؤية الألوان. أما الشعور العامّ الباقي في المخطوفين فهو خشية مقترنة بالاحترام والخشوع أمام القدرة الخارقة التي واجهوها. واستخلاصًا للوقائع الصحيحة وفرزها من الروايات المختلفة، كان لا بد للباحثين من استبعاد أعداد لا يستهان بها من مدَّعي رؤية الصحون الطائرة ممن تحدوهم دوافع مختلفة لاختلاق الحكايات، والإبقاء على الشهود الثقات.
وقد أكد الدكتور جون ماك مصداقية الشهود الذين قابلهم معتمدًا على عناصر يمكن إجمالها بعشرة:
1 – إتِّزانُ شخصيَّاتهم.
2 – خلوهم من أي مرضٍ عقلي يمكن أن يكون علّة ما يروونه.
3 – ثبات رواياتهم وتماسكها وعدم تناقضها، على اختلاف أماكنهم وانتماءاهم القومية والدينية.
4 – شدَّة الانفعال الذي كان يعتري الشهود عند روايتهم ما حصل لهم، الأمر الذي يؤكد مُعاناة تجربة شعورية واقعية صادفة.
5 – حدوث تغييرات معينة في أجسامهم لا يمكن نسبتها إلى أمور نفسية أو طبيعية.
6 – ثبوت وجود تغيرات كيميائية في التربة حيث كان هبوط المركبات الفضائية.
7 – حصول حوادث خطف لأولاد لا يتعدى بعضهم الثالثة – وأحيانًا الثانية – من العمر، وتماثل روايات الأولاد عما رأوه.
8 – وجود شهود آخرين لعملية الخطف الحاصل، في أكثر الأحيان، ليس بينهم وبين المخطوفين أية صلة.
9 – معظم المخطوفين يحملون رسالةً فكرية من الفضائيين هي أن الحياة في الأرض باتت مهدَّدة بخطرٍ ماحق شامل، وأن هذا الخطر سيتفاقم إن لم يغير البشر نمط سلوكهم. وقد يستوجب استمرار الحياة على الأرض نشوء نوع جديد من الحياة.
10 – معظم المخطوفين أكَّد لهم رجال الفضاء أنهم قاموا بزيارات كثيرة للأرض منذ آلاف السنين، وأنهم سيقومون بزيارات أخرى من أجل متابعة دراسة الحياة فيها.
ختامًا، أناشد القارئ أن يعود إلى ما كتبه الدكتور داهش قبل حوالى عشرين سنة في موضوع الحضارات الكونية، في كتابة ذي الأجزاء الأربعة، “قصص غربية وأساطير عجيبة” (راجع مقال “العوالم العلوية” في الصفحة 38 من هذه المجلة)، فهو يفتح أمامه آفاقًا جديدة مثيرة، ويجعله يتبصَّر في مكانة الإنسان الحقيقيَّة بالنسبة للحضارات الكونية وفي الخطر الرهيب الجاثم على صدر الأرض، كما في الطريق الطويلة التي على الإنسان أن يجتازها ليستحق أن يُنعت بأنه كائنٌ راق. *
د. غازي براكُس
إضطهاد الفكر
في مثل هذا اليوم من عام ١٩٤٤ وتحديداً في الثامن والعشرين من شهر آب أغسطس تم الإعتداء على الدكتور داهش في محاولة لإغتياله لكنّ تلك المحاولة انتهت بإعتقاله ومن ثم تلفيق التهم الباطلة عليه لينتهي الامر بنفيهِ خارج البلاد وتجريده من جنسيته بعدما تعرض لضروبٍ من العذاب والتنكيل.
وكل هذا تم توثِّيقه في كثير من الكتب التي تناولت حياة الدكتور داهش . لكنَّ ما تعرض له الدكتور داهش من إعتداء سافرٍ على حريته لم يكن إعتداءً يستهدفُ شَخصه إلا في ما يمثله وما يدعو له من أفكار ، ولم يكن هذا الإعتداء وتلك الجريمة سابقةً في التاريخ ، بل إنها جريمة متكررة حدثت ولا تزال تحدث ، ما وجد الإنسان على هذه الارض ، فالتاريخ يذكر لنا الفيلسوف اليوناني سقراط ( ٣٩٩ ق.م )، وكيف تم اتهامه بالالحاد وافساد الشباب . بينما كان السبب الحقيقي هو أسلوب سقراط في الاسئلة اَلذي نالَ من سمعة الحكماء والفضلاء ، فقد إتَّخذه العامة في أثينا قدوةً لهم ، واسبلُوا عليه لقب ناقد أثينا ، ودأَبُوا على استعمال اسلوبه في الاسئلة الامر الذي هدد بتفكيك النظام الاجتماعي القديم ،إضافة إلى نظرتهِ الخاصة للدين حيث أعتاد أن يقول (إن العيش بالفضائل أهم من عبادة الألهة ) فأتُهم لدى الحاكم الذي اقتنع بالقضية ومن ثم وجه الاتهام إليه وأَمره بالمثول أمام المحكمة ومحاكمته بتهمة إفساد الشباب والهرطقة ، وقد انتهت هذه المحاكمة باقتراح عقوبة الموت، والذي تم بواسطة سائل (الشوكران الابقع) .كما أن الكتب المقدسة تذكرُ قصة النبي موسى مع (الكهنة والحاكم) (فرعون) وما جرى بينهما من أحداث يعرفها الجميع . وفي نفس السياق تأتي قصةُ يسوع المسيح وما تعرض له من عذاب ٍ ، إنتهى بتعليقه على الصليب بعد أن حكم عليه الحاكم (بيلاطس) بناءً على طلب ( الكهنة) . كما يذكر التاريخ قصة النبيّ محمد مع حاكم مكة وكهنة أصنامها وما تعرض له من محاولات لاغتياله وإنهاء دعوته بعد أن رفض كل محاولات ( قريش) المُغرية من أجل ترك ما يدعو إليه من عبادة الله والتخلي بالتالي عن عبادة الأوثان حيث قال قولته الشهيرة (والله لو وُضع القمر في يميني والشمس في يساري على أن أترك هذا الأمر مافعل ).
نستنتج مما سبق ذكره عن هذه الشخصيات التاريخية ما يلي :-
١- أنهم جميعاً دعوا لأفكار تنويرية قوَّضت الافكار السائدة و البالية في مجتمعاتهم
٢- أنهم جميعاً شكلوا خطراً على السلطة السياسية و الدينية في مجتمعاتهم مما أدى إلى تحالف السلطتين ضدهم .
٣- أنهم جميعاً أُتهموا بالهرطقة أو السحر أو الشعوذة .
٤- أن المؤمنين وجدوا فيهم مُخلصين فاتبعوهم مُنسجمين معهم .
٥- جميعهُم عانوا من القتل أو الإضطهاد أو النفي والتشريد .
٦- أخيراً أنهم جميعاً إنتصروا وانتشرت أفكارهم وأتت أُكلها بينما انهزم أعداؤهم ولُعنوا في صفحات التاريخ وعلى لسان الاجيال المتعاقبة . لذا فإن قضية إضطهاد الدكتور داهش تُعد فعلياً جريمة القرن العشرين لما حَملتهُ من أبعادٍ و أسباب ومسببات ! فهذه الجريمة ستكون نقطة مفصليَّة في تاريخ البشريَّة فما بعدها ليس كما كان قبلّها ، ورغم أن هذه الجريمة تتشابه في ابعادها ومسبباتها مع ما تعرض له الانبياء والفلاسفة الهداة والمصلحين إلا أنها تختلف إختلافاً عميقاً من حيث جوهرها ومن حيث ما طرحه صاحبها من أفكار ! فقد كانت دعوة كل المصلحين السابقين ( خاصة بمجتمعاتهم و تختلف عن بعضها البعض باختلاف المجتمعات من حيث الوعي والافكار والمعتقدات السائدة في زمانهم ،وإن كانت تتشابه في جوهرها ومبادئها ) بينما دعوة الدكتور داهش وأفكاره تهدفُ إلى إحتواء كل ما جاءَ به الهداةُ والمصلحون و بوتقتهُ في وحدةٍ واحدة’ كفيلة بتوحيدِ هذه المعتقدات ضمن رؤيةٍ مُوحِّدة تُزيلُ الخلافات الوهميَّة المُصطّنعة والقائمة بين أصحاب الاديان والمعتقدات السائدة والتي أدت إلى نشوب الصراعات و الحروب المدمرة والتي تملأ صفحات التاريخ ، فكل الاديان السابقة تقريباً قد تم حرفها عن مسارِها الذي وُضع لها ، بما يخدم أصحاب السلطات الزمنية و الدينية، فظهر هذا التشوُه في بنيانها و اصبحت الناس تتبعها اتباع عادة لا يقين وعبادة ، وليس أقرب مثلاً ما شاهدناه في العقد السابق من توضيف أقلَّ ما يقال عنه سافلٌ وحقير للدين في الصراعات الوحشية الدائرة رغم أننا نعيش عصر النور والمعرفة والقانون . لذا فإن دعوة الدكتور داهش قبل حوالي خمسة وسبعين عاماً كانت كفيلة بأن تُجنب البشرية كل هذه المآسي والالام التي عاشتها ، وتوفرُ عليها الكثير من الدماء التي سُفكت على مذبح العنصرية ، البغيضة ،فالحرب الأهلية اللبنانية في سبعينات القرن الماضي ، كانت نتاجاً طبيعياً لرفض دعوة الدكتور داهش ، كذلك ما حل بفلسطين ، وما شهدته البوسنة والهرسك من إبادة جماعية ، ومجازر رهيبة ، يندى لها الضمير ، بسبب الدين وفي سبيل أصنام الطوائف والمعتقدات.
لقد أراد الدكتور داهش أن يضع حداً لكل هذه المآسي ، فقد نظر إلى المعتقدات ، والاديان ،والفلسفات والافكار الإصلاحية ، التي قامت على هذه الأرض وتفحَّصها تفحُّص الخبير العارف فوقف على علَّتها ، وحدد غثّها من سمينها فوجدها وروداً نضرة جميلة ، لكن أشواك الضلال، التي أقامها أصحابُ المصالح ، من رجالِ دينٍ ودنيا حولها، تكاد تخنقها وتُميتها في مهدها ، فعَمدَ إلى قطفِها من بين هذه الأشواك ،! وقام بجمعها ليُكوِّنَ منها باقةً وردٍ جميلة ، يرى كل قومٍ جمال معتقدهم ضمنها ، ويقتنعُون ، أنَّ ديانتهم جزء ثابت من منظومة أديان أرادها الخالقُ نوراً للبشرية ، وأنَّ ما اتبعوه وأمنوا به ليس سوى جزء من صورة كليَّةٍ شاملة وأن جمع هذه الأجزاء متى ما جمعت جنباً إلى جنب في إطار واحد . فإنها تشكل صورة الحقيقة لهذا الكون وما وراء هذا الكون.
نعم أراد الدكتور داهش ، أن يصنع من رحيقِ كل هذه الورود ، روح عطرٍ واحد تمتزج فيه الروائح المنعشة للنفس ، فيتنسمُ الناسُ فيه روح الايمان الصادق. لكن ما أرادهُ الدكتور داهش من خلال دعوته يُعدُ أمراً مستحيلاً نظراً لما يعيشه الناس من ضلال وتعصب ، وما يبثه رجال الدين من أسباب الفرقة والاختلاف بين الاديان كما بين أجزاء الدين الواحد، لذا فقد زوَّدَتهُ العناية الإلهية بقدرات إثباتية يراها المشكك فينقلب مؤمناً ، وأنعمت عليه بقلمٍ عبقري مبدع يصيب في كتابته لب الحقيقة فلا يعود لصاحب المنطق من عذرٍ أو حجة يحتج بها على ما دعى إليه الدكتور داهش وهاهي أكثر من مائة وخمسون كتاباً شاهداً على ذلك.
إن جريمة القرن العشرين التي تحلُ ذكراها اليوم لم تنتهِ بعد وففصولها لا زالت مستمرة، لأن حملة التشويه والشيطنة التي تعرض لها الدكتور داهش في حينها على أيدي رأس الدولة وحكامِها ورجالِ دينها ومُشرعيها والكثير من أعلاميها لازالت أثارها المعنوية قائمة إلى اليوم ، ولا يزال العامة يرددون بعضاً من ترهاتها ، الامر الذي يهيب بكلِ مؤمن وكل حُرٍّ، ذو عقلٍ وقلم ! أن يَنبري لفضحِ ابعاد هذه المؤامرة الدنيئة التي إستهدفت القضاء على الحقيقة في مهدها وتشويهها لإبعاد الناس عنها .إن الافكار التي جاء بها سقراط لم تمت بجرعةِ سم (الشوكران الابقع) وهي اليوم أحد المراجع الرئيسية للفلسفة الغربية و كذلك الموسوية ، والمسيحية، والديانة المحمدية ، وكل الفلسفات الاصلاحية بقت بين ما ذهب مضطهدوها إلى صفحات التاريخ السوداء ، عنواناً للظلم والإجرام وطُعمةً للألسنة الَّلاعنة ، ما تعاقبت الاجيال وما بقيت الحياة على هذه الارض.
كما أن دعوة الدكتور داهش لا تزال قائمةً ، يلتف حولها اتباعها وهي في نموٍ مستمر ولن يمضي زمناً طويلاً حتى تبرز للعيان بروز الشمس في وضح النهار .
عبدالرحمن يماني
بيروت ٢٨آب ٢٠٢٠
الدكتور داهش والعلم
بقلم حسين يونس
قيل بأن العلمَ نورٌ، والدراسةُ هي العلم وذلك النور ، ومن لم تشأ الظروف لهم بالدخول الى المدرسة، ليرتشفوا من مناهل علومها وآدابها لظروفٍ قاهرة أو غيرها، كانوا في منطق العلم والنور من الجاهلين. الا فيما ندر. ولكن ا… ما هو الجهل وما هو العلم؟
الجهلُ هو كلّ ما هو مُنافي للعقل والمنطق بالإثباتات والبراهين، هو الإعتقاد بالمعرفة الكليَّة، وماهيَّة الأشياء، أو الإعتقاد بمعرفةِ شيءٍ ما على خلاف ما يكون، هو الغرور المتسلِّط على كياننا، المسيطر على أعصابنا، والمتملِّك من عقولنا، هو رؤية الوهم، ونبع التخلُّف، وسَبر ِأغوار المجهول، هو جهل النفس وقدراتها، ومعرفة ذاتها ومستوياتها، وطبيعتها وكثافاتها الماديَّة على إختلاف صورها، هو الحُكم على النظريَّات والحقائق من دون التمعُّنِ بها ، والتأكُّد منها، ودراستها من مختلف جوانبها.
ومما لا شكَّ فيه أنَّ الجهلَ نقيضُ العلم، لكنَّه لا يعني الأميَّة على الأطلاق، فقد تكونَ مُتعلِّماً وذو ثقافةٍ ومعرفةٍ ولك باعٌ في الصرف والنحو، ولكنَّك لا تدرك من العلوم شيئاً، ولا تدرك من كنه فضِّها مقدار ذرَّة.كحال بعض رجال الدين مثلاً. وقد تكون عالماً أو فيلسوفاً متشدِّقاً بنطريَّاتٍ لا تخضعَ للتدقيق أو التمحيص لمعرفة حقائقها، وتثبت الأيَّام أو علماءً وفلاسفة آخرين أنَّك على غير صواب.كحال ستيف هَوكينغ وسيغمان فرويد.أو أن تكون عالماً في إختصاصٍ معيَّنٍ حسبما شاءات بك الأيام للدراسة في مجالها إرضاءً لولي أمرٍ أو رغبةً بك في مجالٍ دون الآخر، أو لموهبة نبغت فيك في سنِّ الطفولة، وجاهلاً في إختصاصات أُخر. وكما قال أبو النوَّاس ” عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء ” ،ولكن رغم كلِّ ذلك وبشكلٍ عام، الناسُ أعداءَ ما يجهلون.
والجهل هو آفة المجتمعات، وأخطرها مُتعصِّبٌ لفكرٍ أو دينٍ أو قوميَّةٍ أو حزبٍ أو لونٍ أو عرقٍ الخ…. فالقائمة طويلة ولا تنتهي بحدود علمنا ولا بجهلنا. وهذا ما يُبعد الإنسان عن المعرفة والحقيقة، فالمتعصِّبُ لا يرى حقائق ولا يتقبَّل رأيٌ آخر، ولا يرَ إلهً سوى اله غروره المتعدِّد الميول والرغبات، فيدَّعي المعرفة، حتى ليظنَّنَ بأنَّه قايضٌ على ناصية الحكمة، فرأيه صواب وإنْ كان على خطأ، وما يعلمه هو قمَّة الوعي الروحيً والإدراك الفكريّ، وما يفعله عين العقل والصواب، وذروة الأخلاق وحُسنَ الرقيّ، فيسيء فهم الشرائع السماويَّة، ليأوِّلها كيفما تشاءُ مصالحه وأهدافه، ويضيفُ من المفاهيمِ والأحاديثِ ما لذَ منها وطاب، ناسباً إياها لأهلِ الثقةِ وأصحاب الدين والمعرفة، حتى لتضيعَ بين الحقيقة والوهم، والأهداف والميول، فيتمكَّن التطرُّف من فكره ، وتتغلَّب الحيوانيَّة في نفسه، ويتمَّلك الغضب منه سريعاً، فيصبح أقرب الى الهمجيَّة منه الى الحضارة، فيعتدي بإسم الله والدين ، وبإسم الفكر والهدف الأعظم على من هم دونه إعتناقاً لإعتناقه أو فهماً لأفكاره، ويظلم من إستطاع إليه سبيلا بحجَّة الأمرِ يالمعروف والنهي عن المُنكر، فيكبتُ الحريَّات التي منحها ربُ السماء لعباده دون إستثناء، ومن يعارضه فهو جاحدٌ فاجر وزنديقٌ كافر، فيحلُّ سفك دمِ أخيه الإنسان بإسم المحبَّة والهداية التي يؤمن بها، مما تنعكس سلباً على الدول والأمم، فتتدهور رؤى المجتمعات والأفراد الى مستنقعات الرذيلة والتخلّف، مما ينتج عنها الإنحطاط الخُلقي، والذي يقف حائلاً في وجه تقدُّمِها وتطوُّرِها.
الجهل هو ظلمة النفس، تعشِّش في قلوب أصحابها، تسيطر على عقولهم، فيتيهون في دنيا الرذيلة بكل أشكالها، يغوصون في مستنقعاتها الملئءَ بالحسد والتعصُّب، يزرعون بذور الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد وحتى في البيت الواحد إن إستطاعوا الى ذلك سبيلا، مروِّجين لأفكارهم السوداء والنابعة من جهلهم للحقائق الروحيَّة وعدم إدراكهم للمنطق السليم، متمسِّكين بشعاراتٍ روحانيَّة لمفاهيمٍ ماديَّةٍ تخدم مصالحهم، غارسين في نفوس أتباعهم حبَّ الجريمة بإسم الله والأنبياء، ُمُبتعدين عن وجه النور الأعظم، وجه الحقِّ والخير والجمال، وجه العادل والمنعم والمبدع.
أمّا العلم والمعرفة، فهي طبعاً لا تعني القدرة على الكتابة والقراءة، هي الدراسات والثقافاتُ التي تمكِّن أصحابها من الرؤية الصحيحة والتفكير السليم والعمل الجليل، والوصول الى الحقائق الموضوعيَّة، والغاية المرجوَّة، حيثُ يُبنى اللاحق على السابق، ومهما نهلنا من مَعينِهما وأرتشفنا من راحتِهما فلن نتمكَّن من المعرفة الكليَّة ، فالجسد محكومٌ بعمرٍ لا نستطيع أن نمدَّه، والعقل محدودٌ بطاقاتٍ لا يمكن تجاوزها، ومهما بلغنا منهما ، فلن يكون إلاَّ جزءٌ يسير نكتسبه من خلال الدراسة والقراءة مع مرور الأيَّام وسهر الليالي، ولكن رغم ذلك فهما طريقٌ من طُرقِ التَّطور الحضاري، والنافذة التي منها نتعامل مع الآخر بروح المسؤوليَّة وبواقعٍ ممنهج، ومعرفةً للحقائق العامَّة والنفس البشريَّة.
العلمُ هو إدراك الأمور، ومحاولة فكِّ ألغازها ومعميَّاتها من خلال البحث في كُنهها، مُستندين الى التجارب والأبحاث لمعرفة حقائقها ومسبِّباتها، مُبتعدين عن النظريَّات التي لا تمتَ الى الحقيقة والواقع بصلة أو التأكُّدِ منها. كما أنَّ العلم هو معرفة الذات أولاً، بها تهوِّن المقتضيات، وتتكشَّف المعميَّات، فنفهم المتطلبات والحاجات، فنعمل على سمو النفس بسنِّ القوانين والإلتزام فيها، لتميّزنا عن المجتمعات المتخلِّفة.كما معرفةُ الآخرين من خلال فهم عاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم ومداركهم وثقافاتهم وأديانهم، فندرك ماهيتهم وسلوكهم ، ونتعرَّف على الأفكار التي تستحوذ على عقولهم ، فنبادلهم الوعي والإدراك لِما فيه الخير للجميع.
والعلم جهلٌ إن لم يقترن بنشره حيثُ تدعو الحاجة، فلا مكان للأنانيَّة في نشر الوعي والثقافة في المجتمعات المتخلِّفة، فهي تساعد على التفكير الصحيح والتمييز بين الحقِّ والباطل ، والخروج من مجاهل العصور المظلمة، فالإحساس بالمسؤوليَّة واجب روحيّ ، يهيمن على القلوب المؤمنة بضرورة السمو الجماعي نحو المُثلِ العليا من خلال إنارة مشاعل المعرفة العلميَّة والثقافيَّة كما الروحيَّة، والأخذ بالضَّالين والمتخلِّفين بالعمل لِما فيه الصالح العامّ وخدمةً للأخوة الإنسانيَّة.
العلمُ معراج المعرفة، به تتكشَّف أسرار العلوم والتكنولوحيا، فتتمُّ الأختراعات العلميَّة التي تفسح المجال أمام الدول للتطوّر والتقدُّم والأزدهار ، وتؤسس لمستقبلٍ زاهي ورخاءٍ للجنس البشريّ. مُتيحةً الأمكانيَّات الهائلة لرفع دعائم الحياة الماديَّة والروحيَّة لحياةٍ أفضل، والتآلف بين الأمم ومختلف طبقات البشر .والناظر الى مسيرة الحضارة الإنسانيَّة يرى أنَّه لا مناص من الوقوف جنباً الى جنب مع كل إنسانٍ للوقوف بوجه التحدِّيات التي تواجه البشريَّة جمعاء نحو التنمية العلميَّة والإجتماعيَّة والإقتصاديَّة، وتطوير مبادىء العدالة الإنسانيَّة .
والعالِم جاهلٌ، حين يعتبر علمه وإختراعاته مساويةً لعمل الله وتكوينه، كما أنَّ نظرياته وإكتشافاته منافيةٍ لوجود االله وقدرته، فينكر على الله ألوهيَّته، ليتربَّع على عرشها، ظاناً انه الإله الأوحد. يقول الدكتور داهش: ومن لم يهتديَ من أصحاب العلم والفكرِ والأدب إلى أدلَّةٍ وبراهينٍ مادِّيـَّة لوجود الخالق، فعليه ألاَّ يُجاهر ويعلن رأيَه الشخصيّ السلبيّ، والذي ليس له أَيِّ دليلٍ أيضًا ، مُدَّعياً أنَّه العالم الحكيم وفيلسوف عصره، ذو الرأيُ السديد. فالعِلمُ مازال يجهل الكثير من الأسرار في الطبيعة المادِّيـَّة نفسها، فكيف بالأحرى في العالَمِ الروحيّ، مع الأخذ بعين الإعتباربأن علمه وطاقته محدودتين ، وإدراكه مقيَّد بقوانين لا يستطيع النفاذ منها الى عوالم الرُّوح. لإثبات وجودها وبالتالي تأكيدُ وجودِ الله بصورةٍ ملموسة.
فذلك لا يتمُّ إلاَّ بصُنع المُعجزات التي أُيِّدَ الله بها الأنبياءُ والمُرسَلون وحدَهم بالقوَّةِ الروحيَّةِ التي تصنعُها، فهي الدليلَ الساطع على وجودِ قوَّةٍ غير بشريَّة وغير أرضيَّة، لأنَّها تخرقُ النواميس الطبيعيَّة، وتُنبئُ عن وجود قوَّةٍ خارقة غير خاضعة للقوانين المادَّيَّة. أَمَّا العلمُ البشريُّ فمن المُتعذِّر أن يستطيعَ البرهنة المادِّيـَّة على خلود الروح ووجود الخالق، فيفصل بين الرُّوح والمادّة وينشر نظريَّات لا تمتُّ الى الحقيقة بصلة، فيخطىء أكثر مما يُصيب.. مُتناسين قوله تعالى في كتابه الكريم : ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5] .هذا إن كان يؤمن بالله ورسله, فإذا كان العلمَ على طريقة هكذا علماء، جحود وجود الله وقدرته وعلمه، فكيف يكون الجهل؟!..
قال الوحي لمحمَّد: إقرأ !…
فقال: فما أنا بقارئ !…
قال: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِيعَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ” .
وفي مكانٍ آخر من الكتاب الكريم نفسه، قيل له:” خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ . فمن يقصد بالجاهلين؟
فإذا كان الجاهلون من لم يذهبوا الى المدرسة وينالوا الشهادات العليا، وإن كان قلَّة العلم وعدم القراءة والكتابة جهلاً ، فمحمدٌ النبي الأمّيّ، وداهشٌ الهادي الإلهيّ الذي لم يذهب الى المدرسة سوى أشهرٍ قليلة اول الجاهلين، وان كان قلة الإيمان، ومعرفة السماء، وطُرق ارتقائها، وفهمِ حقيقةِ الإنسان، ومعرفة اكتناهِ النفس وتعليلِ نشاطها وأَحوالِها وتناقُضاتها ، وأَن الكونَ غيرَ مُنفصل جوهريًّا عن الإنسان علماً، فنحن آخر المتعلِّمين ولو نلنا الشهادات الجامعية والدراسات العليا والدرجات العلميَّة أو الدكتوراه، وخضنا الإختصاصات بمختلف مجالاتها، والعلوم على إنواعها.
ولكن مهلاً ،كيف يكون محمَّدٌ جاهلاً وهو صاحب روائع الإعجاز البلاغي في القران الكريم وصياغة صوره البيانيَّة المُحْكمة، وإعجازه اللغوي، ، أضف اليه الأبعاد الأخلاقية والقوانين السماويّة والتي خطّ بها طريق السما، ، والدعوة الى عبادة الأله الواحد في صحراء الجهل، وفي المجتمعات الوثنيَّة وبين عبدةِ الأصنام ،وحكم بين الخلق بالعدل الالهيّ، ونشر الفضيلة ومكارم الأخلاق، وزرع بذور المحبَّة في القلوب الجلفاء والعيون المتحجِّرة، ونادى بالوحدة الإنسانيَّة بين المسلمين ،وتوضيح ما خُفيّ من حوادث واحداثٍ عفا عنها الزمن في التاريخٍ القديم والحديث، وتصحيحٍ للأفكار الخاطئة في دياناتٍ سابقة، ، حبثُ باتت اشبه بالأساطيرِ والقصص.
كيف يكون محمَّدٌ جاهلاً، وهو الذي انتقل بالجهل والجاهلية الى ثقافاتٍ متنوِّعة رغم تعدُّدِ أعراقها ناشراً فيها طريق المعرفة والحضارة، وهي التي كانت ترزح تحت قيودٍ فكريَّة وعاداتٍ إجتماعيَّة وتقاليدٍ ومفاهيمٍ أقرب الى العصور المتخلِّفة ، فقد كانوا بؤدون الفتيات أحياءً، وهو أسوء أنواع الجهل، رغم علومهم ونبوغهم في الأدبِ والشعر والطب وعلوم الفلك.
كيف يكون محمَّدٌ جاهلاً وهو الذي إنتقل بهم من حالات الإنقسام الحاد والصراعات القبليَّة الى وحدةٍ إيمانيَّة ،فأخوَّةٍ في الدين والمنطق، وهو القائل ” إنَّما المؤمنون إخوة “.كما كنَّى أبا الحَكَمِ بأبا جهل، والمعروف عنه (أي أبا جهل) أنَّه كان حكيم قومه ، وذو ثقافةٍ ، شديد الذكاء وصاحب رأيٍ سديد في ذلك العصر .
وهنالك من الدلالة الشيء الكثير عن محمَّد وعلم محمَّد أفاضت بها الكُتب والكتَّاب، وبما أنَّه ليس موضوع بحثنا هذا، فسأكتفي بهذا القدر عنه. لأنتقل الى الحديث عن الدكتور داهش والعلم موضوع بحثنا هذا.
ولكن لا بدَّ من ملاحظةٍ أشير إليها قبل البدء وهي : أنَّه حين نريد البحث في الدكتور داهش، لا يمكننا التكلُّم عنه جزئيَّاً، فالسيَّال العشرين وشخصياته الروحيَّة وشخصه البشريّ ، هم وحدة كاملة، مُتكاملة، شاملة وعالمة.
كيف يكونُ داهشٌ جاهلاً وهو القائل: ” أحبُّ الكُتُبَ حُبَّ السُكارى للخمرِ، لكنني كلما إزدَدتُ منها شرباً، زادتني صحواً “. وهو الذي كان يقرأ الصُّحفَ اليوميَّة ومجلاَّتها المعروفة يوميَّاً، ويقتطع منها المقالات والآراء والحوادث التي يحدُ فيها عبرةً ومنفعةً للأيام القادمة، قبل أن يستيقظ النيام. لم يكن همَّه من المعرفة إختراق آفاقها فحسب، بل الإحاطة بها، فهي غايته الأسمى، تُنعش قلبه وعقله وفكره، فيقول: الكتُبُ هي طعامي المُفضَّل. ونَهَمي لالتهامِ مُتنوِّعاتِها لا يُشبِعُ فضولي مهما طالعتُ منها. فأَنا أَقرأُها وأَتذوَّقُ حلاوتَها، وأَنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أَودُّ فَضَّ مغاليقِها واستيعابَ أَسرارها المكنونة دومًا وأَبدًا.وفي مكانٍ آخر يقول: حُبِّي بل شغَفي الشديدُ لمُطالعة مُختلفِ أَنواع الكُتُب يسري مع الدماء في عروقي. وأجملُ ما أَتوقُ لمُشاهدتِه رُكامٌ من الكُتُب وتلالٌ من مُؤلَّفاتِ الفلاسفة والحُكماء، وجبالٌ مِمَّا أَنتجَته قرائحُ العُلماءِ والمُكتشفين والمُخترعين، وخُلاصةُ ما تمخَّضَت به عقولُ وأَفكارُ الأُدباءِ الأَفذاذ والشُّعراءِ المُلهَمين المُبدِعين.
كيف يكون جاهلاً وهو الكاتبٌ المُلهم، أنجز كتابه الأول ضجعة الموت وهو بعنفوان الشباب ونضارة الصِّبا ، تلاه قيثارة الآلهة ، فأسرار الآلهة بجزئين لكلٍّ منهما، وما أن كانت بداية الثمانينات من القرن العشرين حتى أربت كتبه على المئة وخمسين كتاباً من روائع الأدب، والإبداع الفكريِّ ، وفي شتَّى الألوان والأنواع، بأسلوبٍ لا يضاهيه فيه فلاسفة الأدب وجهابذته. فتُخالجَ النشوةُ السامية قارئَ كتبه. وتسمو ببالنفس إلى ما يتخطَّى المعهود والمألوف من الحياة، فتشعرُ كأنَّكَ في معبد السماء تصلّي بمهابةٍ وخشوع. وهو الذي يكتبُ للحقِّ، والحقيقة فيقول:” ليس من يكتبُ للهو ، كمن يكتبُ للحقيقة “. كما كان يستأنسَ مُصاحباً ومنادماً الكُتُب والكنوز الفنِّـيَّة، فأنشأ مكتبته الخاصة التي تحتوي على نصف مليون كتاب لعباقرة أهل الأدب والفكر والفنِّ في العالم، تشمل الأدب والنثر والشعر والفلسفة والقصص والرثاء والعلوم وغيرها من شتى المجالات، وبلغاتٍ متعدِّدة، منها العربيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة .كما أنَّه كان عاشقاً للفن، مُحبَّاً للجمال، مهتمَّاً بكلِّ أشكاله، لأنَّ الجمالَ الحقيقيَّ لا ينفصلُ عن الخير والحقيقة. فجمع اللوحات العظيمة، وما سجَّلته لنا من حوادث تاريخيَّة ودينيَّة بارزة هي تراثٌ للإنسانيَّة يستطيع المرء مشاهدتها بإسلوبٍ حيٍّ فيه مُتعةً، وجمال، ولطالَما كان يتملَّى وجوهَ لوحاتِه الرائعة التي كانت تأهلُ جدران منـزله الفسيح، فأنشأ مُتحفه الشهير في نيويورك، يضاهي المتاحف العالميَّة أطلق عليه إسم ” مُتحف داهش للفن ” ويضمُّ فيما يضم اللوحات الزيتيَّة والمنحوتات والرسومات والمطبوعات والصور لمجموعةٍ من الفنانين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فتنبهر من روعة الفنِّ العظيم وذلك الإبداع الذي لا يوصف، إنَّه مُتعةٌ للبصر، تستمتع بروعته العيون، وتنتشي القلوب خاشعةً للجمال، أضف إليها التماثيل البرونزيَّة والرخاميَّة الرائعة التي تُطِلُّ منها ملامحُ الجمالِ الفردَوسيّ الذي يأسرُ العقلَ والقلبَ، وآواني وزهريَّات السيراميك والبورسلين، ذات الزخارف الصينيَّة المنمَّقة والرائعة الجمال.
كيف يكون جاهلاً وهو العارف بأمرض العصر، والنفس الإنسانيَّة، يستحثُّ الناس لمعرفة الذَّات، داعياً بالعودة الى جوهر الدين الصحيح، وللإيمان بالله واليوم الآخر، والتمسُّك بعرى الفضيلة، والسير في طريق الحقِّ والنور واليقين، ناشراً تعاليم صدقٍ ومبادىء حقٍّ ، داعياً لوحدة الأديان، ووحدة الإنسانيَّة، راسماً طريق الخلاص ، شارحاً المفاهيم الروحيَّة وأسرارها التي خُفيت على البشريَّة وعلماءها وفلاسفتها وعباقرتها.
إن كان صاحبَ كلُّ ما تقدَّم جاهلاً، فمن هو المتعلِّم؟! ..دعونا نستعرض البعضَ من علم الدكتور داهش وفكره، ونقارن بينه وبين أصحاب العلم والعلوم والمعرفة والفلسفة.
من تعاليم الدكتور داهش: جميع العناصر الماديَّة على إختلاف أنواعها وأشكالها وأحجامها وصورها، معروفة أو مجهولة،ليس لها كيانٌ نهائيٌّ مُستقلّ يختلفُ بجوهره عن السيَّالات العاقلة التي تمدُّ الإنسانَ بالإدراك والعواطف والنـزعات والمواهب والإرادة إلخ.. وهي ذات جوهرٍ روحيّ، مُنخفضة الدرجة الروحيَّة، بطيئة التردُّد. وإنَّ وراءَ مظاهر الكون “المادِّيـَّة” المُتقطِّعة والمتنوِّعة مُحيطًا من السيَّالات المتواصلة في سيَلان إشعاعها الخَفيّ.فالعالَمُ “المادِّيُّ” المنظور مُحدَّدة صُوَرُه وأشكالُه بتركيب حواسِّنا وسرعة ذبذباتها وبأَنواع الأشعَّة القليلة جدًّا التي نستطيعُ إبصارَها.
كذلك يؤمن بوحدة الجوهر العاقل بين الإنسان وسائر المظاهر الماديَّة، وينظر الى الكون نظرة وحدويَّة شاملة، حيث العوالم الماديَّة والفراديس الإلهيَّة تسكنها الكائنات الحيَّة بأشكالٍ متفاوتة، حسب درجاتها الروحيَّة وإستحقاقاتها.وإنَّ ثمَّةَ عوالِـمَ وكائناتٍ “مادِّيـَّة” كثيرة ، لا تقعُ تحت مُتناوَل حواسِّ البشر وأَجهزتهم العلميَّة ،منها ما هو في كوكب الأرض نفسِه، ترتفعُ درجةُ التردُّد في سيَّالات صُوَرِها “المادِّيـَّة” بحيثُ تعجزُ حواسُّ البشر عن إدراكها، كما تعجزُ أَجهزتُهم العلميَّة عن التقاطها، فتُصبح بالنسبةِ للبشر كأَنَّها غير موجودة. فليستِ المادَّةُ المعروفةُ في الأَرض هي المادَّةَ الوحيدةَ المُنتشرةَ في الكون؛ ففي رِحابِه أَصنافٌ من المادَّة غير الأَرضيَّة بل غير المعروفة في النظامِ الشمسيِّ كلِّه، وسُرعةُ اهتزازها الذَريِّ أَعلى جدًّا مِمَّا يعرفُه الإِنسان. ولذلك من المُستحيل أَن يكتشفَ العُلماءُ وجودَها بصورةٍ حسِّيَّةٍ ملموسة.، وهي ما دامت خاضعة للأَنظمة الطبيعيَّة في العوالم التي تنتمي إليها، يستحيلُ أَن تتحوَّلَ عن طبيعتِها الأصليَّة لتغدوَ مَرئيَّة محسوسة إلاَّ بسماحٍ إلهيّ.
هو الذي يؤَكِّدُ أَنَّ كلَّ كيانٍ “مادِّيّ” ذو طاقةٍ جوهرُها روحيٌّ خالد. والأَشكالُ والمظاهرُ المحسوسة هي التي تتبدَّل، فنُسمِّي تبدُّلَها فناءً أو موتًا؛ لكنَّ السيَّالات التي هي جوهرُ طاقتِها يستحيلُ أَن تفنى. وهي إن تختفِ كطاقةٍ من جسمٍ عُضويّ أو غيرِ عُضويّ، تظهرْ في جسمٍ آخَر. كما يؤكِّد منذ عشرات السنين عن أنَّ السيَّالَ أَسرعُ من النور أَضعافًا مُضاعفة. ويزيد ” بأنَّ سرعةَ السيَّال تزدادُ بقدرِ ما يزدادُ ارتقاؤه الروحيّ، أي إنَّه في العوالمِ الفردَوسيَّة العُليا أسرعُ جدًّا منه في العوالمِ المادِّيـَّةِ الأُخرى.” وفي ضوءِ هذه الحقيقة يُمكنُ فهمُ السرعة التي يتمُّ بها هبوطُ شخصيَّات مُؤسِّس الداهشيَّة وتجسُّدها، ثمَّ عودتُها إلى عوالمِها العُلويَّة.
هو الذي يعلم بأنَّ قِوامُ الإنسان روحٌ وسيَّالاتٌ وجسَد. فالروحُ نفثةٌ من لدن الله جُلَّ جلاله لا تُداخلُ المادَّةَ إطلاقًا، هي أمُّ سيَّالاته، ولا يُمكنُ أن تحتلَّ جسدَ الإنسان. ولأنَّها نفثة إلهيَّة خلقَها الله على صورته ومثاله، فلا يشوبها الدَّنَس ولا تُخالطُها المادَّة. وعالَمُها عالَمُ الحقيقةِ والخيرِ والجمال، عالَمُ السعادةِ والمعرفةِ والقدرةِ والطهارة، عالَمُ الخلودِ المُتخطِّي للزمان والمكان ولِما يُرافقُهُما من تحوُّلاتٍ ومُنغِّصات. ومن الأرواح الإلهيَّةِ المجيدة انبثقَت سيَّالاتُ الأكوان، التي كانت فيها مُندمجةً أصلاً، وبهبوطِها نشأَ الزمانُ والمكان، ثمَّ تكثَّفَت تكثُّفًا نسبيًّا في صُوَرٍ “مادِّيـَّة” اقتضَتها درجاتُها الروحيَّة المُتفاوتة. فهي نسيجُ الأكوان، معروفِها ومجهولها، بما ومَن فيها، ومن خلال جوهرِها الروحيّ يكونُ نشاطُها وتفاعُلُها فيما بينها، أيَّةً كانت صُوَرُها “المادِّيـَّة”. وأنَّ السيَّالات العاقلة الخاضعة للحساب سابقٌ وجودُها لوجودِ صُوَرِها “المادِّيـَّة”. معروفِها ومجهولِها، ومنها سيَّالاتُ الإنسان. فالأَرواحُ مصدرُ كلِّ سيَّالٍ وهي مَعادُه. وتشكل السيَّالات أبعاد الإنسان الروحيَّة خارج العالَم الروحيّ، وهي التي تخضع للإنتقال ولتقمُّص. غير أنَّ بعضًا قليلاً منها يتَّحدُ بجسد الإنسان ليُشكِّل ذاتَه النفسيَّة المتمتِّعة بالإدراك والنزعات والإرادة في دورةٍ من دورات الحياة التي تكاد تكون لا نهائيَّة. والجسدُ يتكوَّن من سيَّال الشكل العامّ الذي تؤلِّفُ طاقاتُه الاشعاعيَّة ذات التردُّد المُنخفض نسبيًّا العناصرَ الأوليَّة “الماديَّة” في الطبيعة.
ومثلما أنَّ سيَّالَ الطاقة الإشعاعيَّة التي هي أحدُ مظاهر الصورة “المادِّيَّة” يُمكنُ أن يتجزَّأ إلى ما سمَّاه العلمُ بالـ”كوانتا” “ quantaالتي هي دقائقُها الصُّغرى، فإنَّ السيَّالَ الروحيّ يُمكنُ أيضًا أن يتجزَّأ، أو يتضاعف أو يتكاثر، لكنَّه لا يمنعُ التواصُلَ والتفاعُل فيما بينها مهما تكن أشكالها ، وأعدادها، والمسافات التي تفصل بينها.
ونتيجةً للعدالة الإلهيَّة، توجَّب أن يكون للسيَّالات الهابطة من عالم الروح، بفِعلِ استحقاقها المَبنيِّ على أَعمالها ورغباتها المُختارة، مقرٌّ مؤقَّتٌ تُعاني فيه المِحَن والتجارب التي تستحقّها حسب درجتها الروحيَّة. وهذا المقرُّ الماديُّ أشبه بسجن يحدُّ من قدرتها ومعرفتها وراحتها وفق استحقاق تلك السيَّالات. والقوَّةُ الموجِدة التي أَبدَعَت القوانينَ الكونيَّة التي بموجِبِها يسيرُ كلُّ شيء ليست هي التي تُعاقبُ الكائناتِ على أَعمالها، بل إنَّ سيَّالاتِ الكائنات (أَي طاقاتها الروحيَّة الإدراكيَّة النُّـزوعيَّة) هي التي تُعاقبُ نفسَها بنفسها وَفقًا لنظامِ السَّبَـبيَّةِ الروحيَّة الشامل المُتلبِّس للسَّبَـبِـيَّةِ الطبيعيَّة والمُشتمِل على نظامِ العدالةِ والاستحقاق الإلهيّ. وبعبارة أخرى يصنع السيَّال مصيره بإرادته، ويجعل نفسه ملائمًا لشكلٍ خاصّ من أشكال الحياة الراقية أو المنحطَّة في عالم الأرض أو غيره من العوالم الأخرى.
وسيَّالاتُ النفسِ بأكملِها. تُكوِّنُ وَحداتِ الطاقةِ النفسيَّةِ الأساسيَّة في شخصيَّةِ الإنسان، وتختلفُ في كَمِّها الإشعاعيّ الخَفيّ ودرجاتِ رُقيِّها الروحيّ فيما بينها وبين فردٍ وآخَر. وكلٌّ من هذه السيَّالات يتكوَّنُ من طاقةٍ روحيَّة حيَّة مُتواصلة الفعَّاليَّة، تجتمعُ فيها ثلاثُ قوًى تضمُّ الإدراكَ والنـزعاتِ والإرادة. لكنَّ هذه القوى، على استقلالِها الوظيفيّ، يُؤَثِّرُ بعضُها في نشاطِ بعض، ذلك بأَنَّ التعبيرَ عن نشاطها إنَّما يتمُّ من خلال كيانٍ عُضويٍّ مُوحَّد (أَي جسدٍ حَيٍّ واحد). وهذا السببُ هو الذي يُبقي الإنسانَ مُوَحَّدَ الحياة والوجود بالرّغم من تعدُّدِ سيَّالاتِه. وأَنَّ الجسد يتكوَّن من سيَّالٍ أساسي، ونفسَ الإنسان أَو ذاتَه الواعية تتكوَّنُ من سيَّالِ رئيسيّ وسيَّالاتٍ ثانويَّة وطارئة. فالذاتَ البشريَّةَ الكُبرى تضمُّ ذواتٍ صُغرى هي كناية عن كياناتٍ نفسيَّة ذاتِ جوهرٍ روحيّ، أي سيَّالات. ومَن يعِشْ في نزاعٍ شِبهِ دائم بين ذواتِه الصُّغرى لا يبقَ له من الطاقة ما يستخدمُه لتوحيد ذواته؛ فيُفقَدُ الاتِّزان ويحدثُ الخلَلُ النفسيُّ أو العقليّ
يقول الدكتور غازي براكس: ” أَمَّا السيَّالُ الرئيسيّ فهو أَهمُّها، لأَنَّه يمدُّ الإنسانَ بالحياة، ويمنحُه طابعَ شخصيَّته المُميَّزة. والسيَّالُ الرئيسيّ يحتلُّ الجنينَ عند الولادة، في الشهر التاسع عادةً، وقد يشذُّ عن ذلك فتُقدَّمُ الولادة فترةً لأسبابٍ روحيَّة. هذا السيَّالُ الرئيسيّ إمَّا أَن يكونَ تابعًا لسيَّال الأب الرئيسيّ وإمَّا لسيَّال الأُمّ الرئيسيّ. فإذا لم يكُن لأَيٍّ منهما سيَّالٌ درجتُه الروحيَّة بمُستوى الأرض، فالولدُ لا يكتمل. هذا إذا استثنَينا أَيضًا كَونَ أَحدِ الاثنَين مُصابًا بعاهةٍ أو مرضٍ يمنعُ تكوُّنَ الجنين لأسبابٍ يقتضيها استحقاقُ الجنين وأَبَوَيه. غيرَ أنَّ الامتناعَ الروحيَّ الأَوَّل يُمكنُ تخطِّيه في حال وجودِ سيَّالٍ روحيّ في الأبِ أو الأُمِّ يكونُ على درجةٍ روحيَّة مُساوية لدرجةِ سيَّالٍ كائنٍ في عالَمٍ عُلويّ، أَي فردَوسيّ. فإذْ ذاك يحصلُ تَماسٌّ بين السيَّالَين. والعملُ الجنسيُّ يجعلُ السيَّالَ العُلويَّ يسقطُ ليحتلَّ الجنين “.
وسيَّالُ الإيمان الذي يحملُه سيَّالُ الإنسان الرئيسيّ الذي يمدُّه بالحياة هو الذي يُحدِّدُ له دينَه بنسبة درجتِه الروحيَّة. وقد قال مُؤَسِّسُ الداهشيَّة مرَّةً ما فحواه: إنَّ الإنسانَ لا ينشأُ على دين أَبَوَيه مثلما يظنُّ معظمُ الناس، بل درجةُ السيَّال الرئيسيّ هي التي تُحدِّدُ دينَه.
كلُّ سيَّالٍ رئيسيّ يمدُّ الإنسانَ بالحياة، ومعها حاجاتٌ فطريَّةٌ أَساسيَّة هي طاقاتٌ مُندمجة في السيّال الرئيسيّ نفسِه، هي خصائص وطاقاتٌ جوهريَّةٌ منه. منها الفهم والتفكير وسرعة الإنتباه والتخيُّل والتذكُّر، وحاجات أساسيَّة لتأكيد السيَّال لذاتِه. فيرغب في الخلود، وفي تقدير الذات، وفي القوَّة، وفي التملُّك. وفي الحاجة الى الآخر، كذلكُ في المعرفة النظريَّة وفي المعرفة العمليَّة. ولا شكَّ بأَنَّ رُقيَّ السيَّال أو تسفّله يُقاسُ بمدى إشباعِه هذه الحاجات. لكن الطبيعةَ البشريَّة تميلُ إلى الثَّبات، فرغبة السيَّال في تحقيق ذاته هي حاجته الأهم وغاية وجوده، تنشط فيه دوافعه ورغباته المختلفة بالقوَّة التي فيه، حسب نشاطها أو ضُعفها تبعاً لقوَّة دوافعه روحيَّةً كانت أم ماديَّة، آخذين بعين الحقيقة إنَّ تغييرَ الإنسان لسيَّالاته صعبٌ جدًّا؛ لكنَّه غيرُ مستحيل.
كذلك يضيف الدكتور داهش الى الحواس الخمس حسُّ الاتِّجاه والتوازُن الذي قلَّما ينتبهُ الباحثون له. فإذا كان هذا الاستعدادُ ضعيفًا بأَحد فروعِه في السيَّال الرئيسيّ، فإنَّ خلَلاً ما سيظهرُ في الجينات التي تحملُ البرامج المُعَدَّة لصَوغ الحواسّ، كالعمى أو الصَّمَم أو البكَم مثلاً. وهذا الخلَل لا يُمكنُ أن يحدثَ صدفةً، أي من جرَّاء خلَلٍ عفويّ طارئٍ على تركيب الجينات أَو الخلايا، مثلما يتوهَّمُ كثيرون من الباحثين؛ بل يكونُ ناشئًا عن استحقاقٍ له ناتجٍ عن أعمالٍ قام بها هذا السيَّالُ الرئيسيُّ في دورةٍ حياتيَّة سابقة. فالصدفةُ لا وجودَ لها في النظام الإلهيِّ العادل. وكما الحال في سببِ هذا الخلَل، فالحالُ في كلِّ خلَلٍ آخَر أَيضًا: إنَّه سببٌ روحيٌّ خاضعٌ لنظام الاستحقاق والعدالةِ الإلهيَّين.
فإذا طرأَ ضعفٌ ما على الإستعداد الذهني في السيَّال الرئيسيّ، فإنَّه سيُؤَثِّرُ في تكوين الجينات الخاصَّة التي تتحكَّمُ بخلايا الدماغ. وهكذا قد يظهرُ خلَلٌ في عقلِ الولَد منذ طفولتِه أو في أيَّةِ مرحلة من مراحل عُمره، فيتمثَّلُ بهلوسةٍ سمعيَّة أو بصريَّة، أو بضعفٍ منطقيّ، أو بغير ذلك من مظاهر الخلَل العقليّ. وقدرةُ الاستنتاج والاستدلال واكتناه الأَشياء والمفاهيم قد تكون في الوليد قويَّةً أو مُعتدلةً أو ضعيفة وَفقَ ما يحملُه السيَّالُ الرئيسيّ أَصلاً، وتنمو بنموِّ دماغِه. والتربيةُ والثقافةُ وظروفُ البيئة تُؤثِّرُ فيها، فيما بعد، تأثيرًا قد يكون ضعيفًا أو معتدلاً أو قويًّا، لكنَّها لا تُبدِعُها أَو تُغيِّرُ درجتَها الأصليَّة. فتفوُّقُ أَفلاطون وأَرسطو وأَفلوطين والفلاسفة العِظام، أو تفوُّقُ غاليلِه ونيوتن وآينشتاين والعُلماءِ الكبار، هو في مُعظمِه كائنٌ في سيَّالاتهم الرئيسيَّة قبل أن يولَدوا. والقولُ بتساوي البشر على هذا الصعيد قولٌ باطل دحَضَته الاكتشافاتُ البيولوجيَّة الحديثة.
إنَّ الاستعدادات الإدراكيَّة الفطريَّة المُشار إليها أَعلاه تتفاوتُ في قوَّتِها وضعفِها منذُ الولادة بين شخصٍ وآخَر. فالغباءُ، والتفكيرُ السطحيّ، والانتباهُ المُشتَّت، والخيالُ البليد، والتذكُّرُ الواهي، إذا حصلَت لإنسان مُجتمعة أو مُنفردة، تُضعِفُ قواه الإدراكيَّة بقدرِ الخلَلِ الذي تُحدِثُه؛ عِلمًا بأَنَّ سلامةَ نشاطِ هذه الاستعدادات الإدراكيَّة مرهونةٌ بسلامة الحواسّ، وخصوصًا بسلامة الدماغ وسائر الجهاز العصبيّ. لكنَّ انحطاطَ القوى الإدراكيَّة في السيَّال تبقى أَقلَّ شؤمًا وخطرًا على مصير السيَّال من انحطاط القوى النـزوعيَّة فيه.
يقول الدكتور غازي براكس:بالإنتباه يتمّ تركيز الإدراك ومنع تشتُّته، حيثُ يمتاز الخطباء الكبار بقوَّة الإنتباه وسرعة الخاطر، وعرفتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أَنَّ كثيرين من الناس قد يكونون برُبع سيَّالِ انتباه طوالَ حياتهم، ولا تُفيدُ الثقافةُ والتدرُّبُ على تقويةِ هذه القدرة عندهم إلاَّ قليلاً. وضربَ مثَلاً يقظةَ بولس الرسول وقوَّةَ انتباهِه لكلِّ شاردةٍ أو واردة حينما كان يخطبُ مُبشِّرًا الأُممَ بالمسيح. ولمَّا سَئل الكتور داهش كيف يكون الانتباه أو أيُّ استعدادٍ آخَر سيَّالاً ما دامت هذه القوى جميعُها في سيَّالٍ واحد هو السيَّال الرئيسيّ؛ أجاب ما مفادُه: إعتَبِر السيَّالَ الرئيسيَّ حزمةً من الأَشعَّة الروحيَّة، وكلَّ قدرةٍ من القدرات أو استعدادٍ من الاستعدادات في الإنسان طاقةً (أَي شُعاعًا أو مجموعةَ أشعَّة) في تلك الحزمة.
كذلك يتكلَّم الدكتور داهش عن إنفصام الشخصيَّة، فيصفه تناقضٌ كبيرٌ بين سيَّالين روحيين في دوافعهما القويَّة . وهو سيطرة سيَّالٍ أدنى على الشخصيَّة الإنسانيَّة في ظروفٍ معيَّنة. كذلك الجنون شرُّ أمراض الشخصيَّة، وهو إحتلالٌ لسيَّالٍ سفليّ غريب دماغ المُصاب ، ، فيحجب عنه الإدراك الصحيح والمنطق السديد جزاءً له عن أعمالٍ قام بها طائعاً مُختارا.
هذا الأمراض ، مازال الأطباء وعلماء النفس واقفين حائرين أمامها، فالبعض منهم يردَّه الى تعذُّر فهم أنشطة النَّفس، أو عدم إتِّساق وظائف الدماغ.
كما يقول: بأن للحيوانات ” حاسَّة سابعة ” فتعرفُ أَشياءَ كثيرة عن أَعمالها وأَوضاعها في تقمُّصاتها السابقة، وبينها تقمُّصاتٌ بشريَّة، كما تعرفُ أسبابَ سقوطِها وتقمُّصها بأجسامٍ حيوانيَّة، وفي ذلك من العذاب والألمِ شيءٌ كثير. وقد أكَّدَ الدكتور داهش هذه الحقيقة مرارًا في كتاباته. ففي خاتمة قصَّة “التقمّص والتناسُخ أو عظُمَ ذنبُه فقُطِعَ ذنَبُه” يقول: “ونظريَّةُ التقمُّص تُؤَكِّدُ أنَّ المرءَ عندما يتقمَّصُ كحيوانٍ أَو طيرٍ أَو سواه يُعطى سيَّالَ معرفة الماضي، فيعرف أَنَّه كان بتقمُّصِه السابق رجلاً أو امرأَة، ولماذا تقمَّصَ الآن بالصورة الحيوانيَّة” .أَمَّا الإنسان فقد حُرِمَ من هذا السيَّال رحمةً به.
كذلك يؤكِّد الدكتور داهش أَنَّ البشرَ الحديثين جميعًا يتحدَّرون من آدَم وحواَّء معًا مثلما تنصُّ التوراةُ عليه. لكنَّ آدمَ المذكور في التوراة هو أَبو التكوين الذي ينتمي إليه الإنسانُ الحديث، أي البشرُ المُعاصرون والتاريخيُّون جميعًا. وقد سبقَه 759 تكوينًا، كلٌّ منها انتهى بدمارٍ وفناءٍ شبه شامل بعد تطوُّر وتقدُّم علميّ بارز وصلَت إليه حضاراتُ البشر الأَقدمين على امتداد ملايين السنين. ومن الطبيعيّ أن تبقى آثارٌ من حضاراتٍ سبقَت آدم.
يقول الدكتور براكس: أَمَّا الاختلافُ المورفولوجيّ فلا يعود إلى اختلاف البيئات التي عاشَ فيها البشر، مثلما يُظَنّ؛ فقد تُؤَثِّرُ البيئة تأثيرًا محدودًا في لون البشَرة، لكنَّها لا تُؤَثِّرُ في مورفولوجيا الإنسان (أي شكل رأسه وأعضائه). فالاختلافُ المورفولوجيّ بين البشر يعود إلى سببَين، وَفقَ ما عرفتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة: أوَّلاً، انحدارُ سيَّالات البشر من سيَّالاتٍ كانت في آدم وحوَّاء تنتمي لعوالمَ مُختلفة قبل هبوطِها في آدم. فالاختلافُ المورفولوجيّ في البشر الحديثين هو تابعٌ لاختلافٍ كان في مواطن السيَّالات الأَصليَّة. ثانيًا، تلقيحُ إناثٍ من الأرض من قِبَلِ رجالٍ هبطوا إلى الأرض في مركباتٍ فضائيَّة من عوالِمَ أكثر تقدُّمًا لكن قريبة من الأرض بدرجاتها الروحيَّة، وذلك في أزمنةٍ سحيقة بعد خَلق آدم الأَخير، الأمر الذي تركَ أَثرَه المورفولوجيّ في السُّلالات المُلقَّحة
أيضاً من تعاليم الدكتور داهش، أنَّ الموتَ يحدثُ آنَ ينطلقُ السيَّال الرئيسيّ من الإنسان، هذا السيَّالُ الذي بثَّ الحياةَ فيه. وانطلاقُ هذا السيَّال مُحدَّدةٌ لحظتهُ بجينات الإنسان كما بأَعماله ورغباته معًا. أمَّا جيناتُه فعُمرُه فيها مُبرمَجٌ وَفقَ تقمُّصاته السابقة؛ وأمَّا أَعمالُه ورغباتُه فتبدأُ بتغيير ذلك البرنامج منذ وَعيِه الخيرَ والشرَّ ومسؤوليَّته عن أعماله وأَفكاره ورغباته.
إذًا ثمَّةَ نظامٌ روحيّ يستحيلُ على الإنسان تغييرُه. فعُمرُه فهو رَهنٌ باستحقاقه، وبإمكانه إطالتُه أو تقصيرُه، لكنْ ضمنَ الحدود المرسومة لكوكبِ الأرض.
كذلك كشف الدكتور داهش عن حقائق روحيَّة منها: أنَّ الحياةُ تنتشر في جميعِ أَرجاء الكون، في النجوم والكواكب المختلفة بعناصرها، وإن كانت متأجِّجة بالنيران أو باردةً كالجليد، لأنَّ مصدرَ الحياة كامنٌ في السيَّالات الروحيَّة المُنبثَّة في كل مظهرٍ من مظاهر الطبيعة الحيَّة أَو الجامدة، ولا يقتصر نشاط الحياة على أشكال مألوفة، فحيثما تكون طاقة منظِّمة تكون حياة ، وقد تكونُ الطاقةُ المُنظَّمة في بيئةٍ صخريَّةٍ أَو غازيَّةٍ أَو جليديَّةٍ أَو ناريَّة.
فالحياةُ ذاتُ أَشكالٍ ومُقوِّماتٍ لانهائيَّة. وطبيعتُها وخصائصُها تتبدَّلُ بحيثُ تأتلفُ مع طبيعة العالَم الذي هي فيه ومع خصائصه.
نكتفي بهذا القدر من علم الدكتور داهش وثقافته ومعرفته، لأنَّ علمه لا ينضب، ومعرفته أوسع من الخيال، وثقافته ليست وقفاً على مادَّة أو حِكراً على مُعلّم.
من نظريَّات العلمء وأرآءهم: يظنُّ الكثيرين من الباحثين والفلاسفة أنَّ الروُّحَ والمادَّة كيانان مُتناقضان في طبيعتَيهما، فأَوقعَتهم هذه الفرضيَّة الثُّنائيَّة في تفسيراتٍ اعتباطيَّة لكيفيَّةِ التفاعُل بينهما. وقد أَدَّى ضعفُ براهينهم إلى ردَّةِ فِعلٍ كان من نتائجها، وَفقَ ما وردَ في باب “أنتم تسأَلون والدكتور داهش يُجيب” بمجلَّة “بروق ورعود”، “نشوءُ الفلسفات المادِّيـَّة النافية وجود الرُّوح والقائلة بوجودٍ واحد في الكون هو الوجود المادِّيّ، وقد تنبَّهَ كثيرون من العُلماء والمُفكِّرين المُعاصرين لخطإ ثُنائيَّة الروح والمادَّة، لأنَّه يستحيلُ أن يُؤثِّر عامِلٌ غيرُ مادِّيّ في وجودٍ مادِّيّ.
- ما زالوا العُلماءُ يُحاولون أن يوجِدوا قوَّةً ما تتوحَّدُ فيها مظاهرُ الطاقةِ كلُّها، ويُطلِقون عليها تسمياتٍ مختلفة، من أحدثِها ما سمَّوه بـsuperstrings .
- وقف آينشتاين حائراً من سرعة الفوتونات الضوئيَّة المتماثلة، فتصرُّفها المتزامن نفسه ولو كانت الواحدة منها على نجم والأخرى على الأرض ،يحتِّم أن تكون سرعة الإتِّصال فيما بينها أسرع من سرعة الضوء.وهذا الإتِّصال خارق لقوانين الطبيعة المعروفة.
- حاولَ بعض عُلماءُ النفس المُعاصرون أن يُفسِّروا ما هيَّةَ “النفس بمجموعة من العمليَّات البيوكيميائيَّة.
- إِنَّ المادَّةَ الخفيَّة -أَو المادَّة “المُظلمة” مثلما يُسمِّيها عُلماءُ الفيزياء الفَلَكيَّة- أَخذَت تجتذبُ اهتمامَ العُلماء في العقود الأَخيرة من القرن العشرين، حتّى إنَّهم يُقدِّرونَ أَنَّها تؤَلِّفُ حوالى 90 بالمئة من المادَّة الكونيَّة. والبحثُ فيها وفي”الثقوب السوداء“ أَدَّى ببعض العُلماء إِلى افتراض وجود عوالمَ مادِّيَّة مُتوازية، لكنَّ نظريَّاتهم لم تتمخَّض بعدُ بأَيِّ برهانٍ مادَّيّ أَكيد. وهكذا تكونُ الداهشيَّةُ، منذُ أَوائل الأَربعينات، قد أَعلَنَت حقيقةً روحيَّةً تَنبَّهَ العُلماءُ مؤَخَّرًا لوجودها وما زالوا حائرين أَمامَ أَسرارها.
- غيرَ أَنَّ جماعةً من عُلماءِ النفس جعلَوا كيانَ الإنسان يتأَلَّفُ من “أنماطٍ سلوكيَّة” أَو “ديناميَّات” مُميَّزة، وكان الفيلسوفُ الأَلمانيّ لايـبْنيتز Leibnitzقد حاول أَن يجعلَ الكونَ أَقربَ إلى الفهمِ المنطقيّ، وغيرَ مُنفصل جوهريًّا عن الإنسان، فافترضَ وجودَ “وحدات حقيقيَّة”—سمَّاها “موناد” —monads تملأُ الكونَ كلَّه ، وتُكوِّنُ جوهرَه؛ وتصوَّرَ هذه الوحدات سلسلةً حيَّةً مُتواصلة مُتشابكة مُتراتبة، تتركَّزُ في كلٍّ منها “طاقةٌ أَصليَّة” نشيطة واعية، وكلُّ وحدة “تحملُ أَثقالَ ماضيها وتحبلُ بمُستقبلِها.” رؤوسُ هذه السلسلة العاقلة المُتراتبة هي الأرواح، ورأسُ الكلّ هو الله. لكنَّ الله ليس وحدةَ “موناد”، بل هو النظامُ القائم بين الوحدات والقابض عليه.
- بعد أن استمرُّوا علماءَ الوراثة، طويلاً ينفون وجودَ أيِّ اختلاف بين جينات الرجل وجينات المرأَة، توصَّلوا، مُؤَخَّرًا، إلى اكتشافِ أَنَّ الاختلافَ بين جينات الاثنَين يتراوحُ بين 1 و2 بالمئة من المجموع، وهي نسبة خطيرة.
- لا ريبَ أَنَّ معرفةَ العُلماء بأسرار الخلايا والجُزَيئات والمُورِّثات قد ازدادت أضعافًا عمَّا كانت عليه قبل نصف قرن، حتَّى أصبح إنَّ بعضَ الخُبراء في العِلم جعلوا يُبشِّرون بخلودٍ قريبٍ للإنسان وغيرُه؛ لكنَّ الحقيقةَ الروحيَّةَ غيرُ ذلك.
- نظريَّة تساوي الناس عند الولادة، هذه النظريَّة العزيزة لدى الكثيرين من الفلاسفة والعلماء؛ لاسيَّما أنّ الأبحاثَ البيولوجيَّة تتوالى مؤكِّدةً تأثيرَ الجينات البالغ في تكوين شخصيَّة كلِّ إنسان ومَنحها طابعًا فريدًا.
- آلاف النظريات نتعلمها، ونعمل عليها ولأجلها، ثم تنقض وكان شيءاً لم يكن.
- لقد جهدَ الفلاسفة وعُلَماءُ النفس، ولا سيَّما في القرن العشرين، لاستكشاف ماهيَّة النفس الواعية، أو ماهيَّة العقل الواعي على حدِّ تعبير السيكولوجيِّين؛ فاختلفَت مذاهبُهم أيَّما اختلاف، وتضاربَت آراؤهم تضارُبًا شديدًا، حتَّى إنَّ المُؤتمَر الذي عُقِدَ في جامعة توسن Tucson بأَريزونا، في شهر أبريل 1996، وضَمَّ ألفًا من العُلَماء والفلاسفة والمُفكِّرين من 22 بلَدًا، وذلك من أجل التباحُث في ماهيَّة العقل الواعي ومصدره، لَم يُؤَدِّ إلاَّ إلى مزيدٍ من البلبلة والتبايُن في الآراء والاختلاف في النظريَّات.
- يزعمُ المذهبُ النفسيُّ السلوكيُّ أنَّ الطفلَ إنتاجُ محيطه بصورةٍ كُلِّـيَّة. وهذا المذهبُ الذي انتشرَ في الأوساط العلميَّة الأمريكيَّة بضعَ عشرات من السنين يتَّفقُ مع النظريَّات الفلسفيَّة المادِّيـَّة التي تجعلُ الإنسانَ ثَمرةً للمؤثِّرات المختلفة في محيطه. وأَنَّ العقلَ في الطفل أشبهُ بلوحٍ للكتابة فارغ، وأَصبحَت هذه الفكرة شبهَ عقيدة لدى معظم المُفكِّرين في النصف الأَوَّل من القرن العشرين كردَّةِ فِعلٍ ضدَّ التمييز العُنصريّ والجنسيّ. لكنَّ الدراسات العلميَّة البيولوجيَّة والسيكولوجيَّة الحديثة أحدثَت ثورةً في المفاهيم مُناقضة للمذهب النفسيّ السلوكيّ، كما للمذهب الفرويديّ، ولكلِّ ما شابهَهما، إذْ أظهرَت أنَّ الإنسانَ يولَدُ وأكثر مُقوِّمات شخصيَّته—بما فيها من مستوًى إدراكيّ وحياة انفعاليَّة واستعدادات ومواهب—مُبَرمَجة في جيناتِه Genes الفطريَّة، وأنَّ تأثيرَ العوامل البيئيَّة في الإنسان، سواء في طفولته أم سائر مراحل عمره، هو جزئيّ وليس كُلِّـيًّا.
ذلك مع العلم بأَنَّ فريقًا من علماءِ البيولوجيا اكتشفوا مُؤَخَّرًا أَنَّه ما زالت أَسرار كثيرة من كُتلة المورِّثات محجوبة عنهم، ومنها أنَّ كيفيَّة تتابُع الـ د. ن. آي. ليست النظامَ الرمزيَّ البيولوجيَّ الوحيد المخزون في الكروموزومات. فقد اكتشفوا في هذه الأَخيرة ظاهراتٍ متنوِّعة سمَّوها epigenetic phenomena تعملُ أَشبهَ بالمفاتيح لتقوية أَو إضعاف تأثير الجينات؛ وهي أَشبهُ بمعلوماتٍ مُرمَّزة من الكيميائيَّات المعلَّقة بالـ د. ن. آي أَو ببعض البروتينات البسيطة. وهذا يدلُّ على أَنَّ العلمَ ما يزالُ بعيدًا عن فهمِ كلِّ الأسرار المُكتنِفة لِبِنية الإنسان النفسجسميَّة.
ولعلَّ الأَعظمَ بين عُلماء العصور الحديثة هو آينشتاين.الذي ميَّـزَ بين المُؤَسَّساتِ الدينيَّةِ المُنظَّمة التي بنَت تعاليمَها على تخويفِ المُؤمنين من القوى الغَيبيَّةِ الجبَّارة وعقابِها أَو على إرشادِهم إلى التعاطُفِ والتحابِّ والتزامِ الأخلاقِ الشريفة من جهة، و”الشعورِ الدينيِّ الكَونيِّ” الذي لا يستندُ إلى عقيدةٍ مُحدَّدة، والذي يُخالِجُ العُلماءَ الحقيقيِّـين لدى تأَمُّلِهم في نظام الكَونِ العجيب المُتناهي في دقَّتِه من جهةٍ أُخرى. ويرى آينشتاين “أَنَّ المَهمَّةَ الجُلَّى للفنِّ والعِلم هي أَن يوقِظا هذا الشعورَ ويُبقِياه حيًّا في مَن يقدرون على الإحساسِ به.” وهو يرى أَنَّ العالِمَ الحقيقيَّ يُهيمنُ عليه شعورٌ بالسَّبَـبيَّةِ الكَونيَّة التي تشملُ أَيضًا الرَّبطَ بين أَعمال الإنسان ومصيره. و”شعورُه الدينيُّ يتمثَّلُ بدهشةٍ كُبرى أَمام ائتلافِ القوانين الطبيعيَّة التي توحي بعقلٍ بلغَ من التفوُّقِ حدًّا لو قورِنَت به أَعمالُ البشر المُنظَّمة كلُّها، الفكريَّةُ والمادِّيـَّةُ معًا، لَبَدَت جميعُها مُجرَّدَ ظلالٍ تافهة.
ونظرةُ آينشتاين إلى العُلماء المُستنيرين، وهم فئةٌ من العباقرة، تأخذُ بها التعاليمُ الداهشيَّة التي توضِحُ أَنَّ سيَّالاتِ الهداية الروحيَّة التي تكون في الأَنبياء والرُّسُل تهجرُ المُؤَسَّساتِ الدينيَّة، بعد أن تفسد، لتحتلَّ العباقرةَ الذين يُصبحون أَمَلَ الارتقاءِ الحضاريِّ الروحيّ. وفي هذا الضوء نفهمُ سببَ اضطهاد رجال الدين لمُعظم العباقرة في سياق التاريخ، ذلك بأَنَّ إبداعَهم، عِلمًا، وفلسفةً، وأَدبًا، وفنًّا، يشقُّ طريقًا مُباشرةً إلى القوَّةِ الإلهيَّةِ الموجِدة هي أَيسرُ للإنسانِ الذكيِّ وأَوضحُ وأَقوَم من الطريق المُلتوية الوعثاء التي يفرضُها رجالُ الدين. فسقراط وكوبرنيكس وغاليله وبرونو وفولتير وروسّو وهيغو ولامرتين وتولستوي وجبران وغيرُهم كثيرون مِن العباقرة الذين اتُّهِموا بالهرطقة أو الإلحاد، فاضطُهِدوا وحُرِّمَت كتبُهم، هم أَقربُ إلى جوهر الدين والروحانيَّة من أكثر رجال الدين.
لكنَّ أَهمَّ ما يُفرِّقُ العِلمَ عن العقائد الدينيَّة التقليديَّة من حيثُ النظرةُ إلى الإنسان هو أَنَّ العِلمَ لا يُميِّزُ بين الإنسان والطبيعة. فالعناصرُ المادِّيـَّةُ التي كوَّنَته هي نفسُها التي كوَّنَت الطبيعة؛ ولِذا فالعُلماءُ لا يعتبرون الإنسانَ حدَثًا استثنائيًّا مُنفرِدًا في الكَون، فهو جزءٌ من كُلّ، ومُداخِلٌ للكُلّ. وهذا الاختلافُ في الموقف جعلَ انفصالاً وعداءً بين المفاهيمِ الدينيَّة والعِلم طوالَ قرونٍ كثيرة. وهنا فَضلُ الداهشيَّة. فتعاليمُها تُؤَيِّدُ العِلمَ بِشَبْكِه الكائنات جميعًا بعضِها ببعض؛ لكنَّها تزيدُ عليه إيضاحَها بأَنَّ النسيجَ الأصليَّ للكون كلِّه هو من السيَّالات الروحيَّة العاقلة التي تتفاوتُ مُستوَياتُها تفاوُتَ الكائناتِ نفسها؛ وهذا ما يُقيمُ الوحدةَ المادِّيـَّةَ كما الوحدة الجوهريَّة بين الموجودات جميعها، كبيرها وصغيرها، من المُستوى الأعلى إلى المُستوى الأدنى. فالداهشيَّة أَزالت الحاجزَ الذي وضعَه شارِحو العقائد الدينيَّة، بدافعٍ من استكبارهم، بين الإنسان والطبيعة، إذْ رفضوا أَن يكونَ في الحيوان والنبات والجماد خصائصُ نفسيَّة وحياةٌ عاقلة مسؤولة كما في الإنسان، ذلك بأنَّ الإنسانَ، في نظرِهم، هو سيِّدُ الكون. فضلاً عن ذلك فالتعاليمُ الداهشيَّة أَوضحَت أَنَّ الوحدةَ الروحيَّةَ الجوهريَّة قائمةٌ بين ما يُعتبَرُ “مادِّيـًّا” وما هو روحيٌّ محض، فألقى هذا المفهومُ ضوءًا على معقوليَّة تأثير الكائنات الروحيَّةِ المحض في الكائناتِ “المادِّيـَّة”، وذلك بواسطة الجوهرِ الروحيِّ المُشترك، أَي السيَّالات الروحيَّة، الذي يجمعُ بينها.
وتأثيرُ العلم الخطير في حياةِ البشر يقضي، وفقًا للتعاليم الداهشيَّة، بأَن تكونَ الغايةُ من استخدام إنجازاتِه شريفة، سواءٌ كانت اختراعاتٍ أم اكتشافات. ولا رَيبَ في أَنَّ معظمَ العلماء الكبار تُحرِّكُهم، أَصلاً، دوافعُ شريفة متولِّدة من طاقات الإبداعِ فيهم التي هي سيَّالاتٌ راقية. لكنَّ كثيرين منهم في أيَّامنا هذه—وللأَسف— تُؤَدِّي أَبحاثُهم وإنجازاتُهم إلى الضررِ بالبشر أو الحيوان أو الطبيعة؛ ذلك بأنَّ المُؤَسَّسات العسكريَّة أو الصناعيَّة تستخدمُ إنجازاتِهم بالاتِّفاق مع الجامعات أَو إدارات المُختبرات من غير أَن يعرفَ العلماءُ بذلك أَحيانًا كثيرة؛ وكثيرون منهم، في حال معرفتهم، إمَّا يكونون قد رُبِطوا بقيود العقود، أَو أُخرِسوا بالمال والوعود. حتَّى إنَّ هذا التورُّطَ المقصودَ أم غيرَ المقصود أَثارَ استنكارَ غير قليلٍ من المُفكِّرين، منهم دايفِد نوبِل David Noble وماكْس أُوتو Max Otto. ففي كتابٍ أَصدره حديثًا نوبِل بعنوان “دينُ التكنولوجيا” عرَّضَ بالجامعات التي تربطُ أَبحاثَ أَساتذتها من العُلماء، على غير علمٍ منهم، بالمُؤَسَّساتِ العسكريَّة. وقد أَوضحَ المُفكِّرُ الأَمريكيُّ، الأَلمانيُّ المولد، ماكْس أُوتو في كتابه “العِلمُ والحياةُ الخُلُقيَّة” خطرَ انجراف العُلماء إلى خدمةِ الأَغراضِ السياسيَّة غير الشريفة، ولا سيَّما عند استدراجِ أَصحاب السلطة العباقرةَ منهم واستثمارِهم لطاقاتهم الإبداعيَّة في تدمير العُمران وقَتلِ المُحاربين وغير المُحاربين من الأبرياء رجالاً ونساءً وأَطفالاً.
وكان يُحزِنُ رجُلَ الروح أَن يرى أَنَّ بَونًا شاسعًا يفصلُ العُلماءَ خاصَّةً، والعباقرةَ عامَّةً، مِمَّن يكونون أُمناءَ لرسالاتِهم، وهم نُخبةٌ ضئيلة في العالَم، عمَّن جرَفَتهم الأَطماعُ والشَّهواتُ الدُّنيَويَّة وخانوا رسالاتِهم. كما كان يُحزِنُه أَنَّ ذَوي المواهبِ العالية المُحافظين على سُمُوِّ سيَّالاتهم قلَّما استطاعوا التأثيرَ الواسعَ في عامَّةِ الناس الذين ما زالوا الأَكثريَّةَ الساحقة في كلِّ مكان، يُلازمون مُستواهم الفكريَّ النـزوعيَّ الوضيع على كرور القرون. يقولُ الدكتور داهش في مُقارنةٍ بين التقدُّم التكنولوجيّ والتدهوُر الخُلُقيّ في القرن العشرين: “حقًّا إنَّ الإنسانَ سيطرَ باختراعاتِه المُذهِلة على البحرِ والجَوِّ، ولكنَّه، للأَسف، لم يستطع أَن يُسيطرَ على نزواتِه ورغباتِه!”
وهكذا نرى أنَّه ما يزالُ العلمُ والفلسفةُ، بالرغم من محاولاتٍ كثيرة، قاصرَين عن فهمِ حقيقةِ الكون والإنسان وعن اكتناهِ النفس وتعليلِ نشاطها وأَحوالِها وتناقُضاتها مثلما قدَّمَتها الداهشيَّة. فهي الحدودُ التي تقفُ عندها المعرفةُ العلميَّة، لتبدأَ ما بعدها المعرفةُ الروحيَّة، والتي هي طريق العلم والعلوم والفلسفة والخلاص والسماء.
من هنا نعرف ان المعرفة النبويّة والمستمدّة من السما، من الله عزّ وجلّ، هي فوق المعرفة البشريّة وعلومها، وقواعدها،وفلسفتها، وقوانينها، بل هي العلم والمعرفة، أضف اليها الأهداف السامية والنبيلة التي تسمو بالنفس البشرية الي العوالم الفردوسيّة، والتي هي طريق الخلاص لكلّ نفسٍ دخلت الى المدرسة أم بقيت علي سجيّتها. فبعملك الصلاح ترى طريق الله جلياَ واضحاً.
وفي النهاية: يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة، وهو الغَنيُّ عن المعارف البشريَّة لِما يُزوَّدُ به من إلهامٍ ووَحي: “كلَّما مرَّت بي الأَيَّامُ ازدَدتُ علمًا وأَفدتُ دروسًا أَنا في أَمسِّ الحاجةِ إليها؛ وكلَّما أَشرقَت شمسُ صباحٍ جديد، ازدَدتُ تفكيرًا يختلفُ عن تفكير اليومِ الماضي، ذلك فضلاً عن أنَّه كثيرًا ما أَكبرَ العقلَ والعلمَ وأَعلامَ الفلاسفةَ والعلماء.
ولا رَيبَ في أنَّ أهلَ العلمِ والفكرِ والأدبِ والفنّ، أصحاب الصِّدق في الرسالاتِ الأَدبيَّة، والتأملات الروحيَّة يتميَّزوا بالشجاعةِ الروحيَّة، لأنَّها صِفةٌ مُلازمةٌ أصلاً لسيَّالِهم الراقي، إذا لم ينحنوا أو يجبِنوا ويقفوا وقفة ذُّلٍ أمام طاغية، فكان الدكتور داهش يُكبِرُ الذين يُقارعون أَصحابَ الشرِّ والظلمِ. فهم خيرُ جُلَساءِ، ومن الأقربِ إلى روحه السامية المُتطلِّعة دومًا إلى الإبداع، والأَكثرِ إيناسًا وتشويقًا في مُحادثتِهم إيَّاه، والأكبرِ قيمةً إذا اضطُرَّ إلى وَزنِ قيمةِ الزائرين. فلا رجالُ الدين، ولا رجالُ الحُكمِ والنفوذ، ولا ذَوو الجاهِ العريض والثروة، كانوا ليملأُوا عينَه وقلبَه مثلما كان المُبدِعون في كلِّ مجال. أَنَّهم بُناةُ الحضارةِ ومُطوِّروها ومُجدِّدو نسغ الحياةِ فيها بعد الأَنبياءِ والمُرسَلين. لعلمه أنَّ كلِّ عبقريٍّ مُزوَّدًا برسالةٍ محدودةٍ، عليه أن يُتِمَّها إذا لم يُسفِّل سيَّالَه العُلويَّ، وذلك في مجالٍ خاصّ، سواءٌ أَكان في العلم اكتشافًا أو اختراعًا، أم في الفكرِ والأدبِ هدايةً أو كِفاحًا وإصلاحًا، أم في الفنِّ إعلاءً لغرائز الإنسان الدُّنيا ونهوضًا به إلى سماءِ الجمال؛ فالجمالُ الفنِّيُّ، سواءٌ في الأدبِ أو الرسم أو النحت أو الموسيقى، خيرُ ما يُجسِّدُه، في رأي الدكتور داهش، هو الواقعيَّةُ الحيَّة، وبعبارةٍ أُخرى، صدقُ الواقع الموضوعيّ المُتناوَل وحيويَّتُه ، نفسيًّا كان أم طبيعيًّا،. فبقَدرِ ما يدعُ الأديبُ أو الفنّانُ هذه الواقعيَّةَ الحيَّة ترفعُ صنيعَه الإبداعيَّ إلى مرتبةٍ تُداني ما أَبدَعته القدرةُ الموجِدة، يكونُ قد نجحَ في مَهمَّتِه، وإبلاغِها إلى القارئ أو المُتأَمِّل، كما نجحَ في تأدية دَورِه في المجتمع.
فسيَّالاتُ العباقرةِ تابعةٌ لسيَّالات الهداية الروحيَّة التي تُرسِلُها العنايةُ الإلهيَّة إلى الأرض في كلِّ فترة لتُجدِّدَ حيويَّةَ الروحِ وتُنمِّيَ الحضارةَ فيها. وبسببِ هذه الموهبة الفطريَّة وما تحملُه من مَهمَّةٍ روحيَّة، ومن المُحال أن يُصبحَ الإنسانُ من عباقرةِ الفلسفة أو العلم أو الأَدبِ أو الفنّ بمجرَّدِ المُطالعة وحيازة الشهادات الجامعيَّة ومُمارسةِ فنٍّ من الفنون، إن لم يُعطَ الموهبةَ من فوق. فالثقافةُ تصقلُ الموهبةَ، لكنَّها لا تُبدِعُها.
كذلك كان الدكتور داهش يُكبِرُ العُلماءَ الذين التزموا الإيمانَ والذين لم يطوِّح بهم الغرورُ والاستكبارُ فيُعمَون عن إدراكِ أَنَّ نظامَ الكَونِ الدقيقِ العجيب، المُهيمنِ على مجرَّاتِه كما على ذرَّاتِه وذريراته، يستحيلُ وجودُه من غير قوَّةٍ كونيَّةٍ عاقلة مُدبِّرة ، قوَّة إلهيَّة موجدة ومنظِّمة، هي علَّةُ حدوثِه ووجوده.وجُعلت للخلائق غاية، وأَنَّ الأَنظمةَ الكونيَّةَ يستحيلُ أَن توجَدَ نفسها بنفسِها، وأَنَّ الفكرَ في الإنسان لا بُدَّ من أَن يكونَ له مصدرٌ عاقِل، وأَنَّ تركيبَ الكون المعقول إنَّما أُوجِدَ لكائناتٍ عاقلة، والأنواعَ البشريَّة قد لا تعني شيئًا ذا قيمة على الصعيد المادِّيّ، لكنَّ وجودَ العقل في الكائناتٍ الحيَّة في الكون، هو حتمًا من الوقائع ذاتِ الدلالةِ البالغةِ الخُطورة، ولا بمكن أن يكون الكون من غرائب الصُّدف.
فالى المعلم وصاحب العلم وألعلوم ، داهش العظيم والحبيب اخشع صاغراً، راثياً لجهالتي، راجياّ ان يُنير بصيرتي، ويزيدني من علمه علماً والذي هو أولاً وأخيراً علم السما، وعلم الله.
للباحثين عن الحقيقة
بسبب العديد من المغالطات في المعلومات حول الدكتور داهش والداهشيَّة، والتي تَردُ في بعضِ وسائل الإعلام ، سواءً المرئي منها او المكتوب، أو فيما تتناقله وسائل التواصل الإجتماعي على إختلاف أنواعها، ارتأينا أن نُصدر سلسلة أفلامٍ وثائقيَّة قصيرة، مُلقين فيها الضوء على حياته ، تعاليمه، ومبادئه، كاشفين الحقيقة من مصادرها، ليتثنَّى للجميع التمييز بين مفاهيم الحق السماوية وأوهام الباطل الأرضيَّة . فالداهشيَّة رسالةٌ روحيَّة، فكريَّة، علميَّة وفنيَّة، غايتها توضيحيَّة، توحيديَّة وإصلاحيَّة، هدفها إثبات وجود الرُّوح وخلودها، ووجود الخالق والثواب والعقاب، ببراهين حسيَّة ماديَّة ،أقرب الى عقولنا ويحتاجها عصرنا الماديّ والمتطوِّر، لا تتناقض مع الأديان أو مع العلم الصحيح، ثابتة في تاريخها، تدعو الإنسان للعودة الى جوهر الأديان، بعيداً عن قشور التأويل والتفسير والتحليل وفزلكاتها، والتمسُّك بتعاليم السماء ووصاياها ، والإلتزام بها، والسير على خطى الأنبياء في طريق الحقّ والنور واليقين والفضيلة ، فهذا هو طريق السماء الواضح والجَليّ للرقي الروحيّ والخلاص من عوالم المادّة الى عوالم الروُّح.
ولكن قبل البدء بما نصبو اليه من إيصالٍ للرسالة التي نؤمن بها وبصاحبها، نلفت نظر الباحثين عن الحقيقة ، إلى الأخذ بعين الإعتبار مسألتين مهمَّتين للتأكد من صحة خبرٍ ما . الأولى أن يكونَ ناقلُ الخبر ذو ثقافةٍ وعلمٍ ومعرفة، يميِّز بين الواقع والخيال ولا تنطلي عليه الخدع والأوهام ، يُفكّر ويُحلّل ويُمحّص، والثانية أن يكونَ ذو سيرةٍ حسنة وعلى قدرٍ من الأخلاق لا يُباعَ وضميره لقاء حُفنةٍ من الدراهم, خدمة لأصحاب السياسة والسلطة ورجال الدين، أو الترويج لِما هو كذب وافتراء لمصالحٍ شخصيَّة أو أنانيَّة.
يقول الدكتور داهش: ” الحقُّ أحقَّ أن يُقال “.
وليس أصدق من حقيقةٍ تكون مستندة الى أقوال صاحبها الثابتة والموثَّقة من خلال مؤلّفاته وكتاباته التي أربت على المئة والخمسين مُجلَّداً، كما الى كتابات المؤمنين به وبها، ذوي الثقافات العالية، والمراكز الرفيعة، والأخلاق الفاضلة، والنزعة الإنسانيَّة، بالإضافة الى شهادات المعاينين لظاهراته الروحيَّة ومُعجزاته الباهرة السنيَّة، وتأكيدهم حدوثها بالرغم من إختلاف تآويلهم حولها .
أضف الى ذلك الإرتباط الوثيق بين تعاليم الدكتور داهش ودعوته ووصاياه وبين دماثِة أخلاقه، فهو صاحب الإرادة الفولاذيَّة في مرضاةِ الربِّ العظيم والخاشعِ الأبديّ لله جُلَّ جلاله حبَّاً وإجلالاً، متمسِّكا ً بالحقّ والمنطق، وصدقه الصادق فيما يقول وفيما يفعل، المحترم لحريَّة الآخرين وأرآءهم ، وهو صاحبُ الحقَّ الذي لا يُدينُ أحداً ، إنَّما قد ترك الحسابُ لربِّ الحساب، فقال:
ترى ماذا سيقولُ الناسُ عنّي بعد موتي وزوالي ؟
إنّ البعضَ سيستمطرون على إسمي اللعنات والنقمات
كما إنّ آخرين سيردّدون ذكري بالتقديسِ والرحمات ,
أمّا أنا , فحسبي أن اكونَ بين يديّ الديّان لعرض أعمالي؟
كما نلفتُ نظر المشاهدين والباحثين وحتى الفضوليين، بأنَّ ما تمّ من ظاهراتٍ وخوارقٍ مُذهلة على يديّ الدكتور داهش هي خوارقٌ ومعجزاتٌ حقيقيَّة، وقد شملت الإنسان و الحيوان و النبات والجماد , و كلها ماديٌّ محسوس ثابت : ثابت في بقائه, ثابت في الصور الفوتوغرافية . و من يستطع أن ينظر إليها جميعاً دفعة واحدة, بألوفها و شمولها وعظمتها الخارقة , لا يسعه إلا أن يخشع و يمجد القوة الروحية الجبَّارة التي تصنعها . فاجتراحُها كان في وضَحِ النهار، وتحت الأنوار الساطعة، في المنزل كما على الطريق، في لبنان والخارج على حدٍّ سواء، فليس للمكان أو الزمان أهميَّةً في حدوثها، وقد دوِّنت وقائعها تدوينًا فورياً مع أصحابها وشهودها، والتي أربت على العشرينِ مًجلَّداً بقلم الشاعر حليم دمّوس أولاً، ومن بعده بقلم الدكتور فريد أبو سليمان والأديبة ماري حدَّاد، ومن ثمَّ الدكتور غازي براكس، كما أنها دونت بدقةٍ في الرحلات الداهشيَّة حول الكرة الأرضية . مع الأخذ بعين الإعتبار بأن الكثير منها قد صِّورت وسُجِّلت بكاميرات التسجيل كشاهدٍ للذكرى والتاريخ .
كما أنَّه لا يُمكن أن تُصنَّف بين ألعاب الخفَّة أو الإيهام أو السحر أو مناجاة الأرواح أو التنويم المغناطيسي كما يدَّعي أصحاب العلوم الكاذبة. فالحقائق الروحيَّة تنقض إدِّعاءاتهم وتقوّض معتقداتهم التي لا تمتَ الى الحقيقة بصلة.
وهنا لا بُدَّ أن نَلفِتُ إنتباههم كمُعاينين وشاهدين ومؤمنين بإن الخوارق والظاهرات والمعجزات الروحيَّة التي ظهرت على يديِّ الدكتور داهش كانت هبةً من الله ولم تكن علماً، و لم تكن بقدرته البشريَّة ولا بمشيئته، فإرادته كإرادة أيِّ إنسان، خاضعة لقوانين الأرض التي ولد فيها، بل بقوَّةٍ روحيَّة غير أرضيَّة، لا تخضع لقوانين عالمنا، فالرُّوح العليّ هو الذي اتَّخذه وسيطاً روحيَّاً وإناءً مُختاراً ليصنع مُعجزات الهداية على يديه. أما قال الله عزَّ وجل في كتابه الكريم:
” رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ “.
وإن كنتم في شكٍّ مما صنعه الرُّوح العليّ على يديّ مؤسِّس العقيدة الداهشيَّة من أعمالٍ خارقة ، نردِّد ما قاله الوحي الإلهي:
“ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَآءكُم مِّن دُونِ اللّه إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ” .
أمَّا الغاية العامّة من كلِّ مُعجزة هي مُساعدة شهودها والسامعين بها على الإيمان بالله، وما يستلزم ذلك من إيمانٍ بخلودِ الروُّحِ وبالثوابِ والعقاب وبالقيمِ الروحيَّة وممارستها, ذلك بأنَّ حدوث المعجزة يؤكّد تأكيداً مباشراً وجود روحٍ خارقِ القدرة والمعرفة يجترحُها, والروُّحُ قوَّةٌ إلهيَّةٌ تشهدُ لمُبدعِها الأزليّ, وتخشعُ لذكره.
أما عن ما يتداوله البعضُ من الناس، لمعجزاتٍ لم تَردْ في أيٍّ من الكُتب الداهشيَّة، فهي محضُ إفتراء، هدفها الأساس بلبلة العقول في المجتمع اللبناني والعربي كي لا يُميِّز بين الواقع والمُلفَّق، بين أمِّ الحقيقة وما نُسِجَ من وحي الخيال، وما ذلك إلاَّ بإيعازٍ من بعض رجال السلطة ورجال الدين، هدفه التعتيم على المبادىء الداهشيَّة وتعاليمها، التي تدعو فيما تدعو الى الإيمان بالله واليوم الآخر، والعودة الى الوصايا العشر جوهر الأديان الإلهيَّة وركيزتها. كما الى الإلتزام الخُلقي، ونبذ التعصُّب والتمييز والتضييق على الحريَّات، وفتح أبواب العلم والوعي والمعرفة أمام الجميع ليحلَّ على الأرض السلام.
هدفه تشويه صورة الرُّسل والأنبياء، رجال الله المُوحى إليهم، أصابع الرحمة الإلهيَّة، المُرسلون، المُبشِّرون، المُنذرون والشاهدون على أعمال البشر، فتارةً يدعونهم بالشعراء أو المجانين، وطوراً بالسحرة والمشعوذين. فقوله تعالى واضحٌ في سورة البقرة من القرآن الكريم:
” أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ” .
بعد هذه المقدَّمة القصيرة، ندخل صلب موضوعنا، فنبدأ الحديث عن حياة الدكتور داهش من المهد الى اللحد، ولو بطريقةٍ مختصرة، علَّنا نُسهب في توضيح الحقيقة من مصدرها، لمن خُفيَت عليه أو أساء فَهْمُها .
نبدأ بالطفل المعجزة:
في حيِّ باب العمود من مدينة القدس , مدينة الانبياء , ولد الدكتور داهش , في الأول من حزيران سنة 1909.
والده موسى الياس اليشي (نسبة الى اليشع النبي) ,و والدته شموني ابنة حنا مراد كانون .عاشا , قبل زواجهما , في شماليّ ما بين النهرين , الاب في بلدة إسفِس , و الام في بلدة آزخ, اعتنق موسى البروتستانتيَّة الانجيليَّة ، وأَنشأَ مدرسةً ، في مسقط رأْسه ، انصرف فيها الى تعليم الناشئة بنفسه .
وكانت شمُوني إحدى تلميذاته ، فاجتذبَت نظرَه باستقامتها وصلابتها وذكائها ، فمال قلبُه اليها ، واقترنَ بها ، بعد أن اعتنقَتِ البروتستانتيَّة بدورها . ثمَّ رحَلا الى فلسطين عام 1906 ، في ظروف خطرة ومؤلمة ، وسكَنا في القدس ، وهناك حُرِّفَ اسمُ العائلة من (أَليشي ) الى (العشِّي ) مثلما يجري في كثيرٍ من الأَسماء .
ووُلِدَ لهم صبيٌّ بعد ثلاث بنات . أسمياه سليم.
وما ان أخذ الصبي يَدرُجُ, حتى ترك والداهُ القدسَ الى حيفا. وعام 1911 انتقلا, مع أولادهما , الى بيروت, حيث سكنوا في حي المصيطبة, بمُلْك جرجي ناصيف.
وهكذا اصبحت الاسرة النازحة عربية اللسان, بروتستانتية المَذهب, وبعد عشرة أعوام ستصبح لبنانية الجنسية.
اليتيم المعذب:
في 25 كانون الاول سنة 1920 , توفي والدُ الطفل المُعجز, بعد ان اصيبَ بالسلّ. فوضع سليم و شقيقته الصغرى انتوانيت في مدرسةٍ للأيتام تابعةٍ للإرسالية الامريكية في غزير, احدى قرى لبنان.
لكن الصبيَّ ساءتْ صحتُه , بعد مضيِّ اشهرٍ قليلة , فتركَ المدرسة , و كان اخرُ عهده بها.
و قد لازمه داءُ الربو حوالي ثلاث سنوات, حتى قاربَ الموت , لكن العنايةَ الالهية انقذتهُ و عافتهُ.
الفتى الشغوف بالمعرفة:
كان سليم شغوفا بالمعرفة , لكن وضعَ اسرتهِ الاقتصادي لم يسمحْ له بمتابعةِ دروسهِ, ولا بإبتياعِ الكُتُبَ. فما ان تحسنت صحتُه مع بداية عام 1923 , حتى اخذَ يستأجرُ الكتبَ من المكتباتِ ,فيطالعُها و يطيلُ السهرَ عليها . فحصَّلَ مع الزمن معرفةً واسعةً شاملةً بنفسه دونما استعانةٍ بأحد. وفي 7/3/1923, حصَلَ سليم على تذكرة هُوِيَّة الجنسية اللبنانية, بعد ان حازتها والدتُه قبل عامين.
الفتى المؤدب:
ما ان بلغَ الفتى العجيبُ الرابعةَ عشرةَ من عمره , حتى اخذَ يَشْفَعُ خوارقه التي يصنعُها , في مدن فلسطين , بتقريعه رجال الدين على انحرافهم عن تعاليمِ المسيح, و اتجارِهم بتعاليمه المقدَّسة , و بفضحِهِ سلوكَهم الشائن و اعمالَهم الخفيَّة المُنكَرة , داعياً الصبيةَ الكثيرين الذين كانوا يلتفُّون حوله, الى عدمِ الانخداعِ بأقوالهم؛ حتى بلغَ ذروةَ حملته عليهم , في بيت لحم , سنة 1927 , فضجَّ الكهنةُ منهُ , واستعدوا عليه رجالَ السُّلطة. و كانَ رجالُ الدين يتهدَّدونَه في كنائسِ بيتَ لحم , ويتوعدونَ كلَّ من يتردَّدُ اليه, مُحذِّرين الشعبَ منه . لكن خوارقهُ كانت تزدادُ, و نفوذهُ في الناسِ كان يتعاظمُ , على صغرِ سنه ,لانَّ اللهَ ايَّدهُ بسُلطانه.
داهش الناس:
ما ان ناهزَ الفتى الخارقُ العشرين من عمره , حتى اخذَ يلتفُّ حوله عددٌ من المُثقفين الفلسطينيين ممن مالت قلوبُهم الى الامور الروحية, فتتلمذوا له . و كان بينهم الشاعرُ مطلق عبد الخالق , و الوجيه توفيق العسراوي.
و ذات يوم من سنة 1929 , ألهمَ الفتى العجيب بأنه يجبُ ان يغيرَ اسمهُ , و يتَّخذَ اسما روحيا, ولقباً، و بانه سيُعطى الاسمَ الجديدَ عن طريقِ القرعة. فأخبرَ تلاميذهُ بذلك , فعمدوا الى كتابة اسماءٍ كثيرة , على قصاصاتٍ من الورق , ثم طووها وخلطوها . واختار (سليم) واحدة منها , فإذا فيه اسمُ (داهش). ثمَّ كُتِبَت ألقابٌ كثيرة، وطويت أوراقُها وخُلِطت، ثمَّ اختيرت واحدةٌ منها، فإذا فيها لقب دكتور. لقد اراد الله ان يعرف رسوله , من بَعد بهذا الاسم الروحيّ , وبه تشيعُ عجائبهُ بين الشعوب , ليكونَ داهشَ الناس . ورافقه لقبُ “دكتور” مثلما رافق لقب “الحكيم” سليمان النبي. وبذلك تحققت نبوءة أشعيا النبي القائل:” لأنه قد ولد لنا ولدٌ, اعطيَ لنا ابنٌ, فوضعتِ السيادةُ على عاتقِه, وسيُلقب بالعجيب المُشير [ داهش الحكيم ], جبَّارِ الله, الأبِ الأبديّ , أميرِ السلام.” (أشعيا6:9).
وكما ذكرنا آنفاً، فقد تجلَّت على يديّ الدكتور داهش بقدرة الروح العليّ مئات الأنواع من المُعجزات الروحيَّة المُذهلة،
ومن أصناف تلك المعجزات :
– شفاء الامراض المُستعصية شفاء فورياً؛
– الإنقاذ من الموت , أو من أضرار الحوادث الجسيمة ؛
– تصوير وقائع الحياة , و تسجيل أحاديث الناس الحرفية , مهما كانت خفيّة و أينما كانوا , بصورة عجائبية ؛
– التنبؤ بتفاصيل الأحداث المقبلة , مهما تعقدت و تعددت وتنوعت ؛
– معرفة الفكر و الحلم وما يكتمه الإنسان ؛
– التكلم بأي لغة كانت ؛
– إحياء الجماد و ميت الحيوان ؛
– تجسيم الصور؛
– تكوين الأشياء قبل وجودها المحسوس, و إعادتها الى الجمود بعد فنائها ؛
– إنماء النبات , و إنضاج فج الثمار , بلمح البصر ؛
– تغيير طبائع الأشياء و وظائفها , و تكبيرها و تصغيرها وإطالتها و تقصيرها و تغيير أشكالها و ألوانها ؛
– تحويل المعادن العادية الى معادن كريمة , و الأوراق العاديّة الى عملة فعليّة ؛
– تحويل أوراق اليانصيب الخاسرة الى رابحة لشتى القيم ؛
– معرفة الضائع و استحضاره بلمح العين ؛
– نقل الأشياء المادية من مكان الى آخر بطرفة جفن , و إن وزنت الأطنان, و بعدت ألوف الكيلومترات ؛
– و إن أعظم معجزاته ، هو تعدد شخصياته و قدرتها الروحيّة الخارقة.
هذا بعض من أصناف العجائب التي تجري على يدي رجل الروح الخارق , معجزة القرن العشرين . و سأكتفي , لضيق المجال , بذكر مُعجزة يونان النبي :
بعد ان اتسعت شهرةُ داهش , و تناهتْ اخبارُ معجزاته الى المحافل العلمية في باريس, ارسلت اليه ” الجمعية النفسية الدوليَّة ” في باريس تستضيفه على نفقتها. فسافر اليها برفقة شقيقته انتوانيت, وذلك على يقينه ان تلكَ الجمعية وغيرها مما يُماثلُها بعيدةٌ عن فهم الحقائق الروحية بُعدَ السماء عن الارض.
و اذ طُلبَ اليه ان يُري المُجتمعين مُعجزةً من معجزاته , اجابهم انه سيريهم ايةَ يونان النبي.
فطلبَ ان يوضعَ في صندوقٍ حديدي , و يُحْكَم اغلاقه , ويُدْفَن في قعر نهر السين , سبعةَ ايام , تحت الحراسة المشدَّدة .
اجفلَ المجتمعون , اولاً , لخطورة العرض , لكنهم عادوا فقبلوا , عندما كتبَ لهم اقراراً بأنَّهُ هو المسؤول عن عاقبةِ طلبه.
و بعد ان فحصتهُ لجنةٌ طبيةٌ ,استحضروا صندوقاً حديدياً, وأنزلوه فيه, واغلقوه عليه اغلاقاً مُحْكَماً, ثمَّ اسقَطوا الصندوق الى قعر نهر السين.
و بعد مضيِّ سبعةِ ايام من الحراسة المُشدَّدة مدى الليل والنهار, وأمام150 شاهداً من المهتمين بالامور النفسية , رُفِعَ الصندوق , وفُتِحَ . واذا بالجثمانِ الساجي يتحرك , و بالوجهِ الواجِمِ يبتسِم.
بعد هذه المعجزة المُذهلة , مُنح داهش شهادة العلوم النفسية من قبل ” الجمعية النفسية الدولية” بتاريخ 6 ايار 1930 , ثم شهادة الدكتوراه من قبل ” معهد ساج” Sage Institute الأميركي في باريس, بتاريخ 22 ايار 1930.
ملاحظة: لمعرفة المزيد حول عاَلم المعجزات والخوارق الداهشيَّة المُذهلة، عليكم بالعودة الى كتاب أضواء جديدة على مؤسس الداهشيَّة ومعجزاته الروحيَّة للإطلاع على أنواعها وتفاصيلها وشهودها ومكانها وزمانها وكيفيَّة حدوثِها.
الاديب المعجز:
بدأ الدكتور داهش بتدوينِ افكارِه و عواطفِه من سنة 1927 ,حتى اذا بلغَ اواسطَ العام 1933 , قد انهى تأليفَ كتابِه الاول”اسرار الآلهة “بجزءين, وقبل تمامِ العام نفسِه, انجزَ كتابه الثاني “قيثارة الألهة” بجزءين, فالثالث “ضجعة الموت”.
و مابين 1933 و 1950 توالتْ مؤلفاتُه حسبَ الترتيب التاريخي التالي: القلبُ المحطَّم, الالهات الست, كلمات, جحيم الذكريات, الدهاليز, النعيم, الجحيم, بروق و رعود, عواطف و عواصف, مذكرات يسوع الناصري, نشيد الانشاد,ناقوس الاحزان او مراثي إرميا,عشتروت و أدونيس, نبالٌ و نصال, من وحي السجن و التجريد و النفي و التشريد, اوهامٌ سرابية و تخيُّلاتٌ ترابية, الحمامة الذبيحة او شهيدة الداهشية الاولى ماجدا حداد, ابتهالاتٌ خشوعية, مذكرات دينار.
و بين 1950 و 1983 ألّفَ الدكتور داهش عشراتِ الكتب الاخرى التي تضمُّ , فيما تضمُّ, مجموعةَ “قصص غريبة و اساطير عجيبة” بأربعة اجزاء, و سلسلة “حدائق الآلهة” و “فراديس الإلاهات”في عشرين جزءاً, وسلسلة”الرحلات الداهشية حول الكرة الارضية” في اثنين و عشرين جزاً, بحيث أربت مؤلفاته على المئة و الخمسين.
و قد خاضَ الدكتور داهش معظمَ الميادين الادبية, و جلّى فيها.
الرسالة الالهية:
إن المعجزات التي صنعها الدكتور داهش لم تكن غايةً بحدِّ ذاتها, بل وسيلة, و بكلمةٍ اصح شهادةً على صحة الرسالة الالهية التي كان الدكتور داهش يشعرُ بإرهاصاتها, و يرتقبُ بشوقٍ عظيمٍ ان يُحقِّقها الله على يديه, منذُ حداثتِه, حتى اذا ما بلغ السابعة و العشرين, سنة 1936, سجَّلَ في كتابه “كلمات ” شعوره قائلاً:
” اشعرُ بأني احوي في اعماقي قوى روحيةً خفيةً هائلة تَودُّ الانطلاق, لتقومَ بعملٍ خطيرٍ عظيم, و لكنني أكبتها الى اجلٍ معلوم. و لن يمضي غير قليل حتى تتفجَّرَ ينابيعُها, و تجتاحَ في طريقها كلَّ ما يعترضُها من حواجزٍ و عقبات, ثم تبرزَ للعيان جلية, واضحة, لا لبسَ فيها ولا غُموض”
و ما ان انقضى العامُ المذكور حتى اثبتَ الدكتور داهش في كلمةِ استقباله للعام التالي هذا القسم العظيم:
” اقسمُ بكَ يا خالقي, انه لو وُجِدَ ملايينُ
من الاغبياء المارقين, او الخونة المماذقين,
و ملأوا طروسَ الارض,
لا, بل لو نقشوا حجارةَ هذا الكون بأسرِه , قائلين:
“ان رسالتي هذه غيرُ صادقة“,
لمشيتُ رافعَ الرأس, موفورَ الكرامة.
و سأبقى على تبشيري وإذاعةِ رسالتي,
حتى تعمّْ الارض , و تنتشرَ في السماءِ ايضا.
و لن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها , يا الله,
ما دمتَ انت تَمُدُّني بقوتكَ الالهية.
و هذه يميني, يا خالقي ,
ارفعها لكَ من اعماقِ قلبي
الذي لا يخفقُ إلاّ بذكرِ اسمكَ القدُّوس,
برهبةٍ و خشوعٍ كُليّين“
و كان على الارض ان تنتظرَ حتى 23 آذار 1942, لتشهدَ تمامَ الحدث الجَلَل, اذ إن الارواحَ العلوية تنزَّلت, في هذا اليوم, على الدكتور داهش , بحضور المؤمنِ الاول الاديب يوسف الحاج, مُعلنةً قيامَ الرسالةِ الداهشية, و بدءَ التاريخ الداهشيّ في العالم, و ذلك في اول جلسةٍ روحيةٍ عقدها مؤسسُ الداهشية.
إضهاد مؤسس الداهشية و اتباعه:
بعد إعتناق الاديب يوسف الحاج الداهشية, تتابع المؤمنونَ بها من رجال الادب و العلم, و اعيان المجتمع. و كان بينهم رئيسة نقابة الفنانين , الاديبة ماري حداد, شقيقة زوجة رئيس الجمهورية اللبنانية الاسبق بشارة الخوري, فآمنت هي و زوجُها و افرادُ عائلتها , بعد معاينتهم معجزاته الدامغة.
إزاءَ هذا المدِّ الايمانيِّ الجديد يغزو المجتمعَ اللبناني , في مختلفِ طوائفه , موحِّداً بينها , مُزلزِلا اوهامَها و تقاليدَها البالية, مُحدِثا ضجةً مُدوية في الصحافة اللبنانية و العربية , خافَ ذو و ماري حداد وانسباؤُهاـــ و لا سيما شقيقتها لور و شقيقها ميشال شيحا ـــ ان يضعفَ في لبنان نفوذُ الكثلكة التي كانوا يتعصبون لها, فأخذوا ينسجون المؤامرات على رجل الروح , متعاونين مع رئيس الدولة بشارة الخوري وزبانيته و المتواطئين معه من رجال الدين , مُهدِّمين بذلك املَ الشعب اللبناني بوحدة اجتماعية روحية.
حاولوا, اولا ,اقناع ماري حداد بالتخلّي عن عقيدتها الجديدة, لكن مساعيهم تحطمت على صخرةِ إيمانها الوطيد.
إذ ذاكَ , حاولتِ السلطاتُ احالةَ رجل الروح على المحاكمة , بتُهَمٍ راحت تُدبِّرُ من يَفتَريها عليه . ففشلت فشلا ذريعاً , المدعي العام المركزي الاستاذ ديمتري الحايك الذي كلفه رئيس الدولة بهذه المهمة فضّل ان يُقالَ على ان يُصدرَ اتِّهاماً بحقِّ الدكتور داهش , وآمن برسالته السماوية.
حينئذ , عمدتِ السلطاتُ الى استمالة النواب بمختلفِ الاساليب الترغيبية و الترهيبية, ليقرُّوا مشروع قانون يمنعُ ” مناجاة الارواح”, و بالتالي يمنعُ الدكتور داهش من ممارسةِ نشاطه , و اجتراحِ معجزاته, ذلك مع العلم بأنَّ معجزات داهش لا علاقة لها ” بمناجاة الارواح”؛ غير ان السلطة الغاشمة , آنئذ ٍ, اصرت على تسمية ” الجلسات الروحية الداهشية ” بـ ” بمناجاة الارواح” لتتسنى لها ذريعةٌ لملاحقة رجل الروح البريء. لكنَّ مشروعَ الحكومة سقطَ , ايضا. عندئذ , نشطتِ السلطات, بالتعاون مع رجال الدين المسيحي , الى تشويهِ سمعةِ رجل الروح الطاهر بتلفيق الشائعات و الإفتراءات الخسيسة عليه, و تَذْييعِها بين الناس, في الكنائس, و المدارس , و الصحف . و مُنِعَ الداهشيون من الردِّ على تلك الحملات من الاكاذيب الدنيئة.
اخيراً , لجأتِ السلطاتُ الى اساليبها الجحيمية لمحاربة رجل الله , فألقتِ القبضَ عليه في 28 آب 1944 , و دونما مُحاكمة , زجَّت به في السجن. ثم ما لبثت ان سَجَنَتِ الداهشيين البارزين , تِباعا , و بينهم الاديبة ماري حداد نفسها دونما محاكمةً ايضا.
و في 9 ايلول 1944 , أبعدت السلطاتُ مؤسس الداهشية الى خارج الحدود اللبنانية , بعد ان جرَّدته من جنسيته اللبنانية بطريقةٍ تعسفية خرقت بها الدستور , وبعد ان سامته من الجلدِ و العذابِ والاهانةِ الواناً. ثم أُبعِدَ, بتواطؤٍ بين بشارة الخوري و محافظ حلب , الى الحدود التركية.
وهكذا , شُرِّدَ رجل الروح , و رُمي في بحار الاخطار تتقاذفه امواجها , من دون ان يعلو, في لبنان, صوتٌ واحدٌ يدافعُ عنه, من نائبٍ او صحافيٍ او قاضٍ او مواطنٍ عادي.
وحدها اصواتٌ من وراءِ البحار , من اميركا الجنوبية كانت تُسمعُ غاضبة, و كان اعلاها و اجرأها صوت الاديب جبران مسوح , صاحب مجلة ” المختصر”, الصادرة في بونس ايرس(الارجنتين). ومما قاله في حملته على مضطهدي الداهشية التي إمتدت نحو سنتين :
” جميعُ اعداءِ داهش سوف ينكسرون, و احطُّ ما في انكسارهم هذا انهم سوفَ يحملونه الى قبورهم, لان هذه الجريمة لا تتلاشى في الهواء, و لا تذوبُ عناصرُها في الفضاء.
فهي ترافقُ مرتكبيها, ملتصقةً بهم , مندمجةً بخلاياهم . فتُذْكرُ كلما ذُكِروا, و يُذكرون كلما ذُكِرَت. فهم و هي عظةٌ و ذكرى لكلِّ الاجيال القادمة”
رجل الروح يؤدب و ينذر متنبئاً:
بعدَ مُضيِّ شهرٍ واحدٍ على نفي مؤسس الداهشية , تمكنَ رجلُ الروح من العودةِ سراً الى لبنان في 9/10/1944. و من عرينه , و رغم انوفِ الالوفِ ممن يترصدونه , نَجَحَ في شنِّ حملةً إعلاميةً رهيبة, لم تَعرِفِ الارض مثيلها, ضدَّ الطُّغاةِ و زبانيتهم. فوضعَ ووزعَ على نطاق واسع , 66 كتابا اسود , و 165 منشورا تناولت رجالَ الحكمِ و الدينِ ممن تآمروا عليه , ففَضَحت مخازيهم و قبائحهم , و هَتَكتْ اسرارهم و مؤامراتهم على الشعب وجعلتهم مُضغةً في افواهِ الدبلوماسيين الاجانب و رؤساء الدول.
و قد ساعدت هذه الكتبُ و البياناتُ السوداء على ايقاظ الشعب واثارته ضدَّ حُكامِه البُغاة, فأسقِطَ بشارة الخوري من على كرسي الرئاسة سنة 1952 , و انتُخِبَ كميل شمعون رئيساً للجمهورية, فردَّ الجنسية للدكتور داهش , في اول عهده, سنة 1953.
نبوءة خراب لبنان:
في 4 كانون الثاني 1948 , نشرت جريدة “الحياة” البيروتية , و بعض الصحف اللبنانية الاخرى نبوءةً للدكتور داهش , مفادها ان بيروتَ ستحترقُ بالكبريتِ و النار, و ان الخرابَ سيعمُّ لبنان من اقصاه الى اقصاه , و ذلك نتيجةً لإضطهاد الدولة لمؤسس الرسالة الداهشية , ولسكوتِ الشعب الممثَّل بنوابه و قضاته و ادبائه و صحافييه عن هذه الجريمة.
و لأن ابعادَ هذه النبوءة الرهيبة تخطتْ منطقَ المراقبين , و ناقضتْ رغباتِ الظالمين والطامعين , فقد وقفتِ الصحافة, آنذاك, منها موقفَ الساخر .
لكن التاريخ, اليوم , بعد نكبة لبنان و شعبه , هو الذي يستهزىءُ بأولئك الساخرين.
إهتمام الدكتور داهش المُثلَّث :الرسالة و الثقافة و الفن.
بعد ان استرد الدكتور داهش جنسيته السليبة بكفاحه العنيد , انصرفَ الى اتمامِ رسالته الالهية , فكان , حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل , يستقبل زائريه الذين كانوا يتقاطرون عليه بالعشرات , يوميا, فيعاينون معجزاته , و يستمعون الى تعاليمه الروحية, و بينهم كثيرون من الصحافيين الذين كانوا ينشرون في صُحُفِهم تحقيقاتٍ مثيرةً عن معجزاته , مؤيدةً بالصور الفوتغرافية التي تسجِّلُ مراحلَ اجتراح الخوارق .
وبدءًا من سنة 1969 , باشر الدكتور داهش”رحلاته حول الكرة الارضية” التي دون وقائعها في سلسلة تضم 22 جزءأ. و قد سجَّلَ فيها مشاهداتِه , و إنطباعاتِه ,و احكامِه البتَّارة على مدنية القرن العشرين, حيثما حلّ , مُنذرا ً الشعوبَ بكارثةٍ شاملةٍ اذا لم يرعووا عن مظالمهم و معاصيهم المُتعاظمة .
فضلاً عن ذلك , و عن وضعه عشرات المؤلفات الاخرى , صرف مؤسس الداهشية قسطاً وافراً من وقتِه , لإتمامِ إنشائِه مكتبةً ثقافيةً جامعةً كان قد بدأ تجميع كُتُبها , منذ عنفوان شبابه , و قد ضمَّتْ , حتى الآن, نحو نصف مليون كتاب في لغاتٍ مُتعدِّدة, إختارها بنفسه من بلدان كثيرة , لتكونَ تراثا للداهشيين يستحثهم على الاستزادة من المعرفة.
كذلك تمكن , بفضلِ مراسلته للفنانين و معارضِهم , تلك المراسلة التي بدأها منذ عنفوان شبابه, وإشتملت على نحو نصفِ مليون رسالة , كما بفضلِ رحلاته الكثيرة ,من إنشاء مُتحفٍ داهشيٍّ للفنّ يضمُّ الوف القطع النفيسة في الرسم و النحت . و هوذا متحفه اليوم يقوم بنيويورك عاصمة الدنيا.
و في 1/9/ 1980 , غادر مؤسس الداهشية لبنان, ليتابع جولاته في بلدان العالم.و يتم رسالته الروحية.
و في 9/4/1984 عاد ابنُ السماء الى فردوسِه مُخلِّفا ً رسالةً الهيةً بدأت تغزو الشرق والغرب . و لن يطولَ الزمان حتى تمدَّ شجرةُ الداهشية المباركة اغصانها على الارض كلها, و تحت افيائها تتآخى شعوبُ العالم , و تسودُ الفضيلةُ و العدالة , و تنتصرُ الحرية, منحةُ الله للإنسان , و يعودُ كلُّ مؤمنٍ الى جوهر دينه النقيّ , القائم على المحبة و الرحمة و الاحترام لكل إنسانٍ آخر كما على التسامح و السَّماحة الخُلُقيَّة.
حسين بونس
المراجع: -كتاب أضواء جديدة على مؤسس الداهشيَّة
