إستسلام

عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة

فحوادث الدهور قد مرّت و هي تواكبهم

والقبور فغرت أفواهها و ضمَّت من الانام مواكبهم

الكلُّ فانٍ، و ليس من خالدٍ سوى الله والسماء

ومقاصده الخفيَّة في خلْقنا خُفِيَتْ حتى على الأنبياء

فلنَخْشع، و لنَضْرع، كي نرتع في جنَّاتِه السرمديّة

 

داهش من كتاب ” بروق و رعود”

التأثير والتأثُّر

بهذا نطق الحقّ في صدى الموج

كيف عرفتُ الدكتور داهش

مقدمة

ليس في هذا الكتاب , أو هذه الحفنة المضمومة من الأوراق – أسمه كيف شئت- حروف استوت في ألفاظ ,. مثلما تعود ان يجد الناس في الكتب.

انما هو حشاشة ارفضّت قطراتها , بمواقع الاثم في منازل الناس, و جرت في خطوط رسمتها, ثم جمدت فيها. فكان الكتاب ,و كانت حروفه.

هذه الحروف التي غمستها طويلا ً بدم القلب, و خمرتها طويلاً في قطرات تلك الحشاشة , التي ذوت الاّ من الذكرى.

فأنا من هذا الكتاب , كتلك الشجرة التي اصطلح الناس – و بالأحرى علماء النبات منهم- على تسميتها ” بالشجرة الباكية”… و من خبرها: ان كل ما فيها يندى, و ليس كما يندى الشجر بل كما يبكي السحاب.

فهي أبداً تهطل, و عند جذعها أبداً مثل بحيرة, كأنما لتسبح فيها.. و هي ترتسم عليها بعريها حيناً, و بتبرج أوراقها حيناً , كما لو كانت لها مراة.

انها تدمع- فيما يراه الناس دمعاً – لتبقى و تدمع-فيما يسميه الناس دمعاً- لترقى … أما هي في حسّ طبيعتها , فتنمو و تشتد و تزدان, من ذوب ذاتها  لذاتها.

أو … كذاك الذي أجرى النهر من متحلب آلامه في الأساطير , ثم ذهب يغتسل فيه ليتجدد, و ينبت من بعد مثل كائن سعيد.و دائماً لن تجد الطريق الى اليم المحيط,الاّ اذا فجرت ينابيع نفسك هذا التفجير, فينعطف ينبوع على ينبوع, و يلتقي رافد على رافد… و يرتفع بالينابيع المد و لا يزال يرتفع, حتى يكون لك النهر الذي يطلب البحر.

و هو انما ينشده بالشوق, الذي لا يكون جاذباً الاّ اذا كان لاهباً أي موقد الام…

انا , و أنت و هو… ذرات ماء كنا في عرض المحيط , تبخرت, و احتملتها السحابة الى كل مكان.

 و كانت ترفضّ هنا و هناك, عنها في مثلها, لتنعقد على شكل و تتبلور في لون.. و تعالت عليها الأشكال و الألوان فتحجرت و استدارت دونها السدود.

و ما كان ليؤذن لها فتعود, الاّ بالانصهار الذي يرد اليها خصائص وجودها .. و من هنا كان الألم السامي سبيله…

و في هذا الكتاب ألم ساميّ, لنفس انسانية ظمئت, و أحبت الظماء يوم أحست بمكان الريّ… و ما كادت تهتف بهم ,  حتى امتدت اليها يد تسمرت عليها الجريمة… و شاع في الناس, ان يداً في البلد عطبت.

و أنا- علم الله- ما كنت لأجري حرفاً على قرطاس, لو ان من أكتب عنه يقرأني, أو يقرأ في يومه عن أمسه.

و لكن هي مأساته التي أملت عليّ, و كانت طليعة الماسي في هذا الشعب المرهق.. يوم باتت أكبر من حدود اللحم و الدم, و أوسع من واقعها في الزمان و المكان.. و يوم أضحت معنى فيما تملك الانسانية من وجوه الصراع الأقدس:

بين الحق و الباطل … بين المستصرخ و الناكل, بين الإباء و الإستعباد … بين الكبرياء و الأصفاد, بين المرؤة و الجريمة… بين المحبة و السخيمة , بين الشعب الغاضب و المتحكم الغاضب…

و نحن- ابناء النضال- نصفق, كلما سقطت في الميدان ضحية, لأنها الاعلان بانتصار الحق , بانتصار الحرية…

و بعد قد يعجب ناس اني أجريت قلماً بحرف مما يقرأون… و لكني بعجبهم – اذا وقع ذلك حقاً- أكثر عجباً, كأن المأساة هي أيضاً لا تكون كذلك , الا اذا هم عادوا فقاسوها بقياس عرفهم- و هو انانيات تدور على شهوات – و باركوها, و منحوها الحق بالاسم… و الا ظلت أشلاء لا اسم لها , مهدورة  مطلولة.

أترى ان حروف المأساة , هي أيضاً, مثل حروف  الألقاب و الأوسمة. هم أنفسهم ينفخون فيها الروح و يركبون خلقها على ما أرادوا, بينما في وعي الحياة – تقدست و تبارك اسمها- ان أضأل ذي نفس حية, هو أكرم من كل دنياهم, و سخريات دنياهم.

ذوا الدنيا على ما شئتم, عابثين أو لاهين… و لكن دعوا المفاهيم دعوها , اياكم و العبث بها… فانكم بذلك تعتدون على المفرغها من ذاته, تعتدون على ضمير الكون في معنى الكون.

ان من هو موطن الجريمة أو يصنعها, ليس هو الذي يسميها أي يقدر لها حدودها, و الاّ جاء عمله جريمة أخرى … فالجريمة لا تقدر الأشياء و تقيسها الاّ بذاتها, و ذاتها كلما تحركت كان المعنى : ان جريمة جديدة ولدت… على ان ما ترفعه و تعليه و تتلع جيدك طويلاً لتراه , اذا سئل عنه اخر , يجيب:

أذكر انني أتعبت بصري كثيراً- و انا أجيله في المنحدر البعيد دون مواطئ الخطو- فلم أرى الاّ شيئاّ تناهى في الضمور… و اذا صدقت أخمصي يوم حدثت فانه يكون … فقد قالت: ان عهدها به في عالمها, و كثيراً ما كانت تراه جيداً.

و انا لا يهمني فيما أقص للناس , ما كان هذا الرجل ؟ في خياله , في استمداد خياله, في غايته, في قصد غايته… بقدر ما يهمني: انه اراد و فكر , و ناضل و صبر, و ثبت لزمر من ورائها زمر , وتحدى الطواغيت من البشر , وما هانا على المكروه او تثنى في ايديهم وانكسر ,و لكن مثلما نشره قدر… عاد فطواه قدر, ثم ما هم وقيم الحق؟ . و ما أقدارهم في الإعطاء ؟ ليقولوا: خاطئ فجر.. و مارق كفر.

و غداة التحدي, أروني أي الناس قال:” انا” , و رمى المرأة بالحجر.

ثم هو – فوق انه ضحية بغي لا يتورع, و على الدروب من مجتمعنا مساحب اذياله- كان صديقاً كريماً لصداقته طعم الصدق.

فإن فاتني في ساحة الصداقة , ان أصدقه العون في بلواه, فلا اقل من ان أصدقه الكلم الطيب في ذكراه.

و هذا مداي, و ان كان قليلاّ في جنب مداه.

و انه قصاراي, و لعله يفي- و هو سماح- في جنب قصاراه.

و ها يدي بأفاويق نداي, و عسى ان يكون له عبق نداه…

في الطريق

 يومذاك . . لا اذكر جيدا”, لم وقفت ؟انا الذي من عادة قدمي انها لا تقف حتى في الوقوف نفسه, او في ايّ وضع اخر لا يعتمد القدم و بالأحرى ينحّيها. فهي لا تفتأ تتحرك على نفسها , وتشتد بها الحركة احيانا , في مثل رجفة جمدت على ضوء , او رعشة انعقدت على مقرور .

لقد عودتني ذلك منها . فكان شأني أني أسير ولا أقف ألا قليلا .. وفي هذا القليل ليس كما تعود الناس أيضا . فأنا لا أهدأ أو أستقر. ولكني يومذاك وقفت , ولا أدري لماذا ؟.. لعل ذلك مني كان فضولا , أو عفوا , أو استجابة لخاطرة شرود , أوتمادياً مع انتباهة كانت هاجعة في أعماقي فأصحيت وطفت فجأة .

وأذكر أيضا أن وقوفي كان في مأتاه , حيث تشق صدر الطريق آلة تزحم الناس وتزدحم بالناس .. يدعوها من يشأ التذحلق “حافلة ” وان كان اسمها عند جمهور العامة كما انتهى اليهم , وكما تحطم في منطقهم “ترمي”

أحسست حيالها احساسي بنعش مجلل بمثل اردية الموت , وان كان يمر في خطوة سيره الى غير غا يته ..  انه يسعى بأحيأ الى معايشهم , أو الى لهواتهم ,أو الى أي شيء آخر من هموم حياتهم .

و كانت حياة امتد الى قلبها الحديد, و مشت في عروقها روح الآلة فقست قسوة الحديد, و دارت دورة الآلة الصماء, دون ما نشوات ودون ما مشاعر, و في ماتي الطرق عندما ينحدر الأحياء كعهدك بالسيل… و كانت هذه الآلة تخب بينهم, فلا تحسبها الاّ كما تراءيت فيها , نعشاً استوى على صهوة الموج و أكف الخصم, و هو يلتف و يدور مترامياً الى أفق بعيد .

و أخذتني- و انا لم أزل عرض الطريق- إطراقة اتصلت فيها صحوة نفس, ماجت بأفانين شتى و صور شتى.. خلتني منها , اني لست في شيء من دنيا الطريق هذه, و انما انا إنسان من أفق اخر , شق له سبيل النظر الى أفق كأنه يتوارى .. و كان يرى فيه ما يرى, على الرغم مما ضرب دونه من ضفائر الضباب, واحتبك في وجوه من غلائل عتمة رقيقة كتلك التي تنعقد أول ما يتنفس الغروب.

في حس نفسي لحظة إذن , انني حقيقة حيال نعش هو الإطباقة الأولى لفكي الموت في حركة مضغه الدائم.

و النفس في مثل هذا التوتر من يقظتها , لا تجد حقيقة وراء ما تحس به… و في جو ما تحس به, لا يقع تمثيل أو تشبيه هناك, يبدو هو الحقيقة التي لم تفصح عنها طاقة الرموز فيما يدعونه اللغة , الا بهذا الضرب من التشبيه المشير…و لكنه في جو النفس, هو الحقيقة التي تجردت , و المعاناة التي أطلت دون قناع.

خلتني من هذه الآلة أمام نعش حقيقي فيما أتراءى, و لكنه استبد بي في مثل الدهشة , أنه يحمل أحياء و يسعى بهم.

فأنكرت انني أبصر جيداً و أسمع جيداً, و ظننتني واهماً في هذا و هذا… وطفقت أرود نفسي عما تسمع و ترى بيد أنه كان يتضح, في مدارات أذني شيئاً بعد شيء , و يستوي, في مطارح بصري شيئاً بعد شيء, أنهم أحياء حقاً بلحم و دم , يقبلون على نعشهم إقبال الرغبة المتلهفة , و يزدحمون في مطاويه ازدحام الغصة و قد امتدت التماعة منادية بالري, و يشتدون عليه اشتداد التائه و قد رأى في أثر الطريق أثر الرفيق. فراعني ما لبثت أسمع و أرى , و هالني ان كل ذلك أيضاً عند يدي.. فاستدرت على نفسي أنطوي الى أعماقها, لعلي أفلح في الهرب مما يقع قريباً:

نعش يسير بأحياء .. تلك كانت المأساة التي شهدتها… و قهقهت نفسي قهقهتها.. فكنت تحت أطباق الذهول كأني أسمع اليها من بعيد, و كانت كأنها تتراخى الى أذني من وراء أكوار التفت على أكوار.

و تماديت مع نفسي على مذاهبها.. فاذا بي منها , امام  مراة انعكست عليها ظلال ما رأى , و لكن في حقائقها التي تعرت, فأرتني  الحياة في معنى حضارتها الآلية الحمقاء : كائناً بشعاً, له شكل ما يسمونه عندنا في بيروت ” ببور الدحديلة ” , و هو يبثق أدخنته الكثيفة التي لا تلبث حتى تتغشاه و تلفه في مطاويها . و أرتني الأحياء : أكواماً من رمم, تتحرك حركة التشنج دون حركة الحس.

      و أرتني المعنى الإنساني: قلباً يرعف دماءه من ثقوب أحدثتها في نواحيه أنياب قاسية.

      و أرتني إنساناً ملفعاً, كأنما نسج من خيوط الأطياف, ينحني على هذا القلب الممزق الأديم , يرممه و يمسح جراحاته.. وانتبهت بغتة على دنيا الطريق و الناس, كمن ارتد من أعماق حلم كثيف, بيد سقطت على كتفي كانت يد ” حليم” و كان صديقاً قديماً.

      فألقى عليّ و التقيت عليه ما تعودناه من عبارات تقليدية لا تحمل معنى , و لا تقصد الى أكثر مما تقصد حركة اليد للسائر المجد … و حين تعتمد لتعبر عن معنى , فثق ان حظ الصدق قليل.

      و لقد استرعى انتباهي انني رأيت حليماً على غير ما أعهد … فبصره سادر أو يكاد , و هو مع خواطره كمن هو في شأن مع نفسه.

      فصمت و صمت .. و مر وقت قبلما أخذته بقولي: فيم ؟ أنت كالمأخوذ أو الغريب التائه.. فردّ: أحقاً تجدني غريباً؟ … قلت : على ما أرى , أظن انك غريب حتى عن وجودك , عن ماضيك, بل عني انا.. و كأنما استخفه انه كذلك, أو استخفه اني اكتشفته, لا أدري.. و لم يزد على الأخذ بيدي و أشار الى ” فتى” كان لا يبعد عنه الا لفتة الرائي لأول ما تقع .. ثم قال:

      انه هو… و تبينت الفتى , فعرفت في ملامحه ملامح رجل رأيته لهنيهة في المراة , كان يحمل بلسماً.. فعقلتني الدهشة كالمذعور المستبشر.. فابتسم حليم لما ساورني و لم يدر سره.

      و انصرفت.. و لم أدر الى أين.

      و كان هذا أول لقاء…

أطلال تتهامس

 كالسائر مع خطوه, طفقت أسعى و أضرب في الدرب … الذي أحسسته و كأن ما خلفت منه , يرتد و ينطوي فيما استقبلت , فهو أبدأً يمتد.

و هذه الدروب للقرية أو المدينة, للغابة أو الصحراء, مثلها في ميول نفسك … التي هي لا تبعد كثيراً , عن انها قرية أو مدينة عند بعض, غابة أو صحراء عند بعض آخر.

و أنا يومذاك – اذا قصدت الى الدقة في التعبير – كان الدرب يسير بي – مثلما يسير بالسيل – الى غاية باتت في وعي الطريق.. و ظلت غير واضحة لنفسي , أنا الذي كنت السائر القاصد على ما يرى الناس منه .

و للطريق وعي لعله أعمق من التاريخ , و أسخى بذكريات من انحدر اليه و انحدر منه .. كأنها الصحيفة  التي ليس تطوى, فهو مشرعة بكل ما وقع اليها من ناس و أحداث… نفض بعضها جفن الليل , على بعض تراخى به لحظ النهار.

و لبثت أعبر الطريق و كأني أقرأها صفحة و فيها  حرف من كل معنى أو اسمعها أسطوانة و فيها نغمة من كل لحن…

فأرى مشهداً ممتداً يدور في ناظريّ مثل شريط سريع : يقع فيه القبح على الجمال, و تسقط في افترارة الملهاة دمعة المأساة, و تتفتح الزهرة عن طيب موصول بالنتن, و تسكب  السحابة حبات قلبها ليتلقاها المستنقع, و تلتقي يد تعتصر قلباً بيد تبعث الحياة في القلب.

وأسمع لحناً فيه: من نعيب البوم على ترنيمة البلبل , و من عواء الذئاب على بغام الظباء, و من زقزقات على فحيح, و من هزيم يزأر به الإعصار على هينمات يبثها النسيم في الأشجار.

فظللت بين ما أرى و ما أسمع , أخطو بمثل حس ” المعري” الذي خامره , ساعة ان استيقظ على معنى الحياة في معنى التراب, و استفاق على أصداف إنسانية ملأت سبيلي و سبيلك … و لعلها أيضاً لم تزل تنبض بمثل ما يمشي على عروقي و عروقك , و تمور أعماقها بمثل أحاسيسي و أحاسيسك. فكنت في مواقع الخطو – على ما أوصى – لا تكاد أمس صدر الطريق الا مساً رفيقاً , كنقلة كانت تصاحبها رفّة من جناح الطائر . و لقد طالت بي الطريق حقاً و امتدت حقاً و ما أدري أكانت هي كذلك في طولها و امتدادها .. أم هو الحس الذي استبد بي و ما زايلني , صور لي و قدر.

و سواء أكان هذا أو ذاك , فقد بت أحس بالطريق على انها في بكل ما حوت و كل ما اتسعت .

انها تعيشني , كما لو لم تكن الا متجسد ظلالي , على ما مضيت أشعر.. أو انني أعيشها , كما لو لم أكن الا متجسد ظلالها , على ما مضى بشعر المعري…

و أفضت بي أخيراً الى ركن يتفرع منه شارع عريض , انتثرت فيه – كيفما ذهبت أمد الطرف – أطلال تتحرك , أو هكذا خيل اليّ .. و كانت تتدانى فتتهامس في أمر يبدو أنه خطير . و تسقطت أطراف الحديث , الدائر في شيء  كثير من الذعر و في شيء مثله من الدهش.. فاذا هو نبأ عن رجل عظيم كما دعوه , في أنباء كالأساطير من آياته .

أمّا أنا , فما أعرت النبأ من اهتمامي , و انصرفت أتأمل هؤلاء الأطلال الأحياء, و أتأمل دنيا القصور في ساحتهم … التي نضدوها بالرياش, و بثوا في نواحيها ما تحصي و ما لا تحصي من مظاهر البذخ , و أحاطوها بما تعرف و ما لا تعرف من فن الزينة.

و لكنهم لم تزد في حس  نفسي يومئذ عن مثلها دنيا خرائب , و هذه الرياش المبثوثة شباك العناكب – و انا رأيتها تنسج خيوطها .

لقد كان عليها مسحات من زينة , و لكنها زينة التراب , و في كبد التراب كبد الظمأ.. فمن هباءة الفناء على ذوبه , نبتت حباته و امتدت أضالعه.

و كلما أمعنت و حدقت , و بالغت في الإمعان لأبالغ في التحديق , لا يكون لدنيا قصورهم في بصري , الا صورة لتلك المدينة التي تاهت في الدروب الحائرة من رمال الأحقاف في الأسطورة العربية .. و التي كانت ترى مع الأصيل لبعض السائرين أحياناً , في خيوط السراب و على لعاب الآل الفائر … فيذهبون ضاربين ملحين وراء مفاتنها , فلا يظفرون منها الا بالعطش الحارق الذي يكون قد امتصهم , و ألقى يهم ممددين على الرمال ” كقصب السكر” الممضوغ ؛ أو صورة من كأس أبي نواس” الفارسية ” التي رسمت عليها يد صناع : فوارس تطارد في لهوها العابث وحشاً و ظباء, الى ما تشاء من دنيا فتيان مماريح , انقطعت بينهم و بين أنفسهم , الا عما هم فيه من مجون , و فتنة تلوح باللذة.

هذه الرسوم التي كانت تتبدى لعيني أبي نواس – و قد تعتعه السكر- بكل حياتها و حرارة لهوها , و تقوم في المرمى القريب للحظة بحركاتها , و قد اشتد الطراد و جد الهزل…

فكانت تروقه, و تدنو منه حركات الرسوم , فيشارك أشخاصها مرحهم و يطلق لقهقهته أعنّتها , و ينتصر حيناً لهذا و حيناّ لذاك.. و ترتسم اللهفة على قسماته مرة , و قد كاد فارسه المفضل يسقط و تختانه ضربة تصرعه … و تجمد أساريره في غضب, و قد أوقعت حركة الفرس رمحه من يده في لحظة كانت حاسمة … و يصفق صاخباً , و قد استرده فارسه و استرد موقفه أيضاً .

و كان يصبح ,و عهده انه غادر دنيا في المأس , و لكنه لا يقع منها الا على رسوم باهتة و ذكريات حياة كانت في مقلة عربيد و لم تبرح .

و ليس مثل كأس أبي نواس الفارسية, صورة” صادقة” لدنيا القصور التي رأيتها . . فهذه الدنيا المشدودة بالفتون و الثراء و الترف, لا تزيد عن مثلها كأس ازدانت بما تشاء من رسوم, معتّقة الراح تصرع لب شاربها, وتريه من باطلها المزخرف افانين. .و لا تزال به حتى يقع تحت وطأتها لا يريم و لا يفيق , ساعياً وراء خيالات لا تطبق منها الا على حفنة ظلال و قبضة ريح.. ثم هي لا تثبت , الا كما مضى المثل بدنانير ” ابي الطيب”…

و على انني شردت هذا الشرود , و أمعنت في التأمل هذا الإمعان, و لم أعد أعي الا على ما أنا فيه من خاطر يتصل بخاطر, و رؤى تنحدر برؤى… أعادتني الوشوشات التي ارتفعت قليلاً , و التي اشتدت قليلاً , اليها.

فاذا هي لم تزل تدور على نبأ الرجل المرعب, و غرائب ما أتى و يأتي به .. و أخذهم مثل الذهول أو الجمود الواجم .. و ند صوت يقول : انه رجل هائل .. فذعر منهم من ذعر, و فر منهم من فر , و ازور بعض, و حنق بعض لبث يلوح بقبضته تارة و يصرّف على أسنانه تارة.

و استدرت أراه .. فاذا هو الفتى الذي كنت رأيته في المرآة يحمل باسماً , يسير و لا يعيرهم التفاته, يمر و بصره عالق في الأفق كأنه يبصر شيئاً وراءه فهو يناجيه, يمشي و كأنما هو يعلو مع خطواته.

و بصرت بحليم من قريب , فأوسع الخطوة اليّ و قال: لم ازل أجدك حيث غادرتك في  أسباب الطريق؟..قلت:

نعم لم أزل في الطريق الى البيت .. أو في الطريق الى .. و لم أتمّ.. فقد ذهب يشدني و أشار يقول : إنه بيته و لم تخطئه فأنت عنده .. و لم ينتظر ردي, فقد ولج الباب الى المنزل, و يده لم تسقط عن يدي إلا عند مقعد هناك.

بين مستشفيين

اتخذت مقعدي هناك, إزاء نافذة تشرف على بناء يجثم كالطود… و لكنه يضج بالحركة التي لا تفتأ دائرة , ثم لا يؤذن لها فتموت أو تجمد في ساعة من ليل أو نهار.

بل خلتها حركة هاربة من الموت و قد اتشحت منه بالذعر حين أحست بأنامله التي لم تنعطف بعد بأظافرها.

و من نوافذ البناء كانت تطل وجوه : لبعضها مياسم المومياء , و في غضون بعضها عمق الأخاديد , و على قسمات بعضها رشح آهات مرة .. و خيل اليّ اني في ” متحف الشمع ” الذي كنت  رأيته في القاهرة , بيد ان دمى هذا المتحف تذهب و تجيء.

فقلت لبعض من حضر – و كان غير غريب عني , فقد سبق لي به لقاء كان عفو سبيل , او ظلاّ للحظة تقع كثيراً مع خطو العابر- و أشرت الى البناء المقابل: أتراه متحفاً لحكاية حياة و أحياء, و عى التاريخ من شأنها و شأنهم ؟ .. و تلبثت صاحبي طويلاً, و أخذني بلفتة حائرة , اتصلت بها ابتسامة أكثر إمعاناً في الحيرة  و كانت مشوبة مع ذلك بتساؤل كأنها تطلب الوضوح.

فعدت أسأل , و عاد الى إصغائه. و كان سؤالي في هذه المرة بعيداً عن معنى السؤال, الا في مقدار ما تشاء ان تسميه كذلك .. فقد اشتمل على أخبار و ذكريات , و كنت كلما زدته بياناً زادني تساؤلاً عما أقصد اليه.

فتلفت أطلب من ينقذني منه, كالمقعد المستغيث و قد أطبق به رعب, و لمنه و هو المشدود الى مكانه , ما كان يرى الا رأساً تتحرك و تضطرب, تارة بنظرة تتوسل و أخرى بنظرة تتقلص و تجحظ ذعراً . فقد حسبت انّي بليت منه بصنو” كيسان” صاحبنا الأعجوبة بين الرواة في التاريخ , و كان تلميذاً للكسائي اللغوي.. و الناس ركبوا في شأنه مركب الخيال الساخر, و حملوه على مثل أرجوحة الأساطير .. فقصوا عنه , و أضفوا عليه.

و تزيدوا في هذا و هذا , حتى لفقوه و اخرجوه نموذجاً فذاً  من عبقرية الغباء , ان كان للغباء عبقرية و استقام للغبي هذا الوصف.

و انا ما أحسب العبقرية تضيق عن اقبح لأنها اتسعت للحسن, و تنكمش عن الغباء, لأنها انبسطت للذكاء .. و الا فما أجدك تقول , في هذا :” الغباء الكيساني ” المحير البدوات و المدهش اللفتات .

فقد زعموا على كيسان , أنّه ” كان يروي غير ما يسمع , ويفهم ما تعني الكلمات , ويملي غير ما يحفظ , ويحفظ غير ما يقيد ويكتب ” . ومع ذلك عاش في علم الرواية وكان إماما” …

وما أن تبدّى لي , في الخاطر المائج , وجه صاحبنا الراوية حتى نسيت أمر هذا الكيسان الجديد الذي يقع في الجانب القريب منّي … فقد إستيقظت على الناس وشأنهم فيما يروون ويفهمون , وفيما يحفظون ويكتبون .. فإذا كيسان ليس واحدا” نادرا” في الناس , بل الواحد النادر فيهم من ليس مثله , من يروي حقاً ويفهم حقاّ .. وإذا هذه ” الصفة الكيسانيّة ” تكاد تكون صفة بشريّة .

فالناس يروون ما توهّموا أنه سمعوه , وكذلك هم لا يفهمون ولا يحفظون ولا يكتبون , إلاّ في دائرة من هذا الوهم المطبق . وقلّما يحاولون ألأنقلاب عنها , وإذا حاولوه فقلّما يستطيعون النفاذ من محيط الدائرة الى خارجها …

وهنا عدّت فأحسست حيال الناس وحيال حقائقهم , بإحساس المعرّي الذي كان إحساس أي متوحّد آخر :

بعدي عن الناس برء من سقامهم   

وقربهم للحجا والدين أدواء

كالبيت أفـــرد لا إيطــاء يدركــه

ولا سناد ولا في اللفظ إقواء

وضاق جليسي بتأمّلي الطويل , فقد ظنّ أنّي أستجمع ما أريد أن أفضي به إليه إستدراكاً للحديث .. فظلّ لذلك جامعاً نفسه للإصغاء , مثل شيء فرضته عليه أو أخذته به . وكان صمتي لا الى نهاية – على ما حسب – ولم يطق أن يكون إستجماعه نفسه أيضاً لا الى نهاية , فوصل حديثي الذي إنقطع بحديث رام أن يستدرجني به . ومشت في عروقي رعدة ذعر – علم أللّه – وخشيت على أعصابي إذ أنا إرتددت إليه مرّة أخرى , وإبتليت ” بكيسانيّته ” فتعلّقت آخر بالحديث … وهكذا نجوت , وتخيّلتها أعجوبة , أي نجاتي منه … وعلمت بعد ذلك أنّه لم يكن من جماعة الدار , وإنّما هو من أبناء أولئك الناس , وكان ” حلاّقاً ” دعي قبل قليل لبعض شأنه …

ومع أنّ الحديث دار على أنحاء ومع أنّ الحضور إشتركوا فيه وكل على لونه .. ظلّ في نفسي ظمأ أن أعرف سرّ البناء المقابل , وكان بصري لا يحول عنه إلاّ قليلاً , لتحيّة أو مع سبيل في أسباب الكلام .

وأقبل ” حليم ” وكان قد إنصرف لأمر في الدار , وإستنبأته نبأ البناء فقال :

إنّه مستشفى , وهؤلاء الذين تراهم يغدون ويروحون , مرضى أو في شؤونهم ..

قلت : أترى الناس يصحّون هناك ؟ ..

قال : ربّما ولكن صحّة اللحم والدم ..

قلت : لو وصلتم بسبيل بين هذه الدار وتلك ..

قال : وما يدريك , فلعلّ القدر هيّأ هذا الجوار بين مستشفيين , لتتم حكاية الصحّة التي تحلم بها الحياة وتنشدها …وهذه الطريق بينهما , هي الطريق أبداً , التي قلّما ترفع طرفها الى فوق .. إنّها درب الحياة التي عرفت الأزل وألأبد طفلين , ولكن قلّما وقفت عندهما وعبّت من منهلهما , فهي – ما بقيت – تشتدّ ظآمئة لاهثة وراء أطياف الريّ , أمّا الينبوع , فكانت قد أضلّته ولبثت تتقلّب في أطياف تتواثب وتقع , مما يصوّره الدمع الذي تعلّق في أهدابها .

هنا , أشار مشتدّاً الى كنف الطريق التي تقوم عليه الدار . ولكنّه إنقلب عنّي , فقد سمع من يناديه .

وكان صوتاً رخيم الجرس , مسح ضوضاء الحضور كما لو إبتلعها خضمّ أمس بعيد .

في الغرفة المدهشة

ما كان إلاّ بعض وقت حتى أقبل من يدعو الحضور الى غير مكانهم … وسرت بينهم همسة طويلة كانت تدور ولا تنقطع , تمرّ من لسان الى لسان الى لسان , وكان فيها بشر , وكان فيها رهبة .

أمّا أنا فإنقطعت عندي الهمسة ببشرها ورهبتها , وما أعطيتها أكثر من أذني , فلبثت دون لون .. لقد كنت خالي النفس والذهن , عمّا يقع في الغرفة المنتظرة التي تحيا بالأسرار .

فولجنا دهليزاً يغيب في خطوة , الى قاعة تتنفس بالسعة قليلاً , الى دهليز أكثر طولاً من صنوه .. وكنّا عند الغرفة التي يتخوّفونها , وبالأحرى يرتقبونها بتخوّف .

ولكني لم أقع فيها على شيء غير عادي , قد يوقظ الحس على معنى , ويحرّك الخيال على غير مألوفه بمبهمات تدور على أنواء , وأنواء تجري عجلات عربتها في جنباته فتلقي جوّه في الملتفّ من غبارها السحري .

لقد كانت عادية بكل ما فيها , فرياشها ليس الى الزينة الاّ في اليسير منه وأثاثها ليس الى اليسار إلاّ في بعض منه , ونفائسها ليست الى الأستهواء أو في شيء منه .. إلاّ إن كان تناقضها يحسب كذلك . فبينما تجد لوحات رائعة من ” فوتغرافيّة ” وفنيّة تفيض بالحياة وتزخر بالبهجة والمراح , تجد بعض محنّطات وتشابيه محنّطات الى أشاويه منحوتات وتشاويه حياة .. لإنسان أو حيوان أو نبات , ولإرتسامات معان أكثرها ينطق بالرعب ولألوان أكثرها قاتم متجهّم .

وما ملك عليّ منها , مثل تلك الجمجمة , الحقيقيّة أو المنحوتة على مثالها لم أعد أذكر جيّداً , إطمأنّت على نضد في جانب الغرفة وأعدّت لتكون ” منفضة ” لرماد الدخان .

وعلى غؤور محجريها وعريهما إلاّ من عتم الثقوب كانت كأنّها تنظر مرّة بإستخفاف وسخرية , ومرّة بحقد وتحدّ .. ويرتسم على منابت أسنانها معنى من كل معنى يفيض في ضحكة جمدت على تكشيرة صارخة بالإشمئزاز . ولم أشك ساعتئذ في أنّي سمعتها , وعجبت لأن أحداً لم يكن يسمعها .

وحين قات لزائر جديد مثلي – كان ينفض رماد دخانه فيما هو مستقر عبقريّة الأبداع الكوني – أسمعت ضحكتها ؟ .. نظر اليّ نظراً حائراً إرتبت معه في سلامة سمعه , ولعله إرتاب هو أيضاً في سلامة وعيي .

فانصرفت عنه ضائقاً بفعله , ضائقاً بحسّه الوحشيّ البليد , ضائقاً ببشريّته التي لا تملك منها إلاّ صورة مشدودة فيما إتفق لها من لحم , بدأ يتسنّه ويمشي فيه النتن الذي سوف يصير إليه .. وبعض أبناء الناس – إن كنت لا تعلم – قبل موته يموت , وقبل نتنه في التراب ينتن في مترف الثياب .

وأدرت بصري , فوقف كرّة أخرى دون قصد عند الجمجمة .. فإذا هي لم تزل تحدق تحديقها , ولم تزل تبثّ نظرتها الجامدة ولم تزل ضحكتها تنتهي بالتكشيرة المشمئزّة .

ولكنني في هذه المرّة , أحسسّت كأنّما هي ترمقني بحنان وتضحك لي في بشر .. وإتّسعت في عينيّ دائرة حنانها على دائرة بشرها وإستوتا نقطة نور إنتشرت في الفضاء القريب من بصري . ودارت بها آلة القدر مثل شريط “فيلم ” دارت به آلة الناس . فإذا أنا منها أمام : غانية تجسّدت في جمالها أساطير الجمال التي زعم فيها زاعم الأغريق أنه جمال ذهب بلب أربابه , وظلّ في طاقة الحياة حكاية هي أكبر من أن تكون . وإذا دنيا من القصور كانت تتقلب في أفخمها وأمرعها بالترف .

وإذا ملك يعنو بين يديها , يتلقّى الإيماء منها باللهفة الكبرى .. وذاب في الظلّ لشفتيها الحالمتين , ساعة إنفجرتا عن حديث طويل .. وكان ” شهريار ” ذاك العاتي , وكانت ” شهرزاد ” تلك التي ذهبت تضع في الصخر الحياة , وتفجر ينابيعه المدفونة في السدود . وشاقني ما كنت أسمع من لياليها وهي تتحدّث , فخلت على لسانها إسطوانة الغيب تدور بما لم تعد تعي الحياة , من كنّه ذاتها وحكاية أيّامها . ولبثت مشرع الخاطر ذاهب البصر في مدىً كان قد جاز إليه قلب وسمع … وأغمضت ” شهرزاد ” طرفها فجأة فذاب كل شيء في محجري الجمجمة , التي لم تزل حيث قامت تحدّق تحديقها .. ولفافة التبغ لم تزل حيث كانت تبصّ بعين حولاء , وتمجّ دخانها ترسم به خطوطاً بلهاء حائرة إن شئت , ومعربدة حمقاء إن شئت … وإنسان – على العهد به – بليد الطبع وحشي الطبيعة , لم يعي إلاّ نداء الدخان . وإتصلت أسباب الحديث بين الحضور وإلتقت مذاهبه , وضجّوا موسّعين على طيّتهم , موغلين في مناسباته كيفما اتفق وعرض لهم . وعلى تشعّبه وتشعّبهم فيه , كان يدور في الكثير الغالب على سرد جوانب مما وقع لهم في هذه الغرفة , التي يقف – على ما قال أحدهم – عند الساحل الأدنى من خضمّها الواسع , ألإدراك البشري حائراً مشدوهاً .

فروى حليم : أنّه في عام    1942 بينما هو في نفر يتنسّمون هنا النسيم الروحيّ , أطافت بهم روح جبران خليل جبران وذكّرت حليماً بالصلة ألأدبيّة بينهما , وترتدّ الى عام 1910 , وما درى إلاّ بورقة بيضاء تسقط وقد إنطوت على ثلاثة أبيات من قصيدة حليم فيه وهي :

أخا الثورة البيضاء في الشرق لفتةً

الى بقعة في الشرق بيض عبيدها

عبيد تقاليد تقادم عهدها

وأغلالها مشدودة وقيودها

فأشرف علينا من سمائك ساعة

عسى عظة قبل الردى نستفيدها ..

 

وإستدارت ” يوسف الحاج ” إلينا وكان منصرفاً يكتب ولا أدري فيما يكتب … وأخذ بيده ثقباً كبيراً في سجادة وسعت أرض الغرفة , وأنطلق يقصّ نبأ الحجر الذي سقط هكذا بغتةً , ولطف ربّك حال دون سقوطه على أحدنا , وكنّا عدداً نتوزع الغرفة على أطرافها وخلالها .. وأراني الحجر وكان ضخماً كبيراً , وقال إنّ له به قرابةً قريبة فهو من بلده , وليس فقط , فانّه من حقله .

ومضى الدكتور ” خبصا ” يشرح مستخدماً أسلوباً له وحظ علمي ونسب موصول بالمعرفة , وإن لم يك يخلو من قطع وتأكيد وحماسة , ولكنّها حماسة مفكّرة فيها من العاطفة بمقدار ما في الفكرة لديه من الصدق .

والدكتور ” خبصا” , كما تعلم , عليم نابغ في فنّه , ولكنّك تعجب إذا علمت أيضاً أنّه عليم واسع الثقافة الروحيّة على فروعها كمن لم يفته في الموضوع بحث باحث .. وأخبرني , بعد , أنّه وقّر في نفسه هذا الشغف قبلما إنتهى إليه نبأ هذه الدار .

وكان بينه وبين نفسه لا يرتاب في تفسير شغفه المفاجىء بأنّه إستجابة خفيّة في نداء الدار الروحيّ الذي لا تفتأ تبثّه وتطلقه مثل مصدر وإرسال , وتتلقّاه أوعية بشريّة هيّأت لتكون أجهزة لاقطة تحسّ جيداً وتهتف بما أحسّت جيّداً .

قلت له أستزيده : إذا كنت كما تقول , جهازا” لاقطاً فما حاجتك الى غشيان الدار ؟ وهي – بكل ما يعتمل فيها – في أعصابك غير حائلةً عن حسّك .. أجاب :

كما تقول , ولكن لأكون أكثر وضوحاً بالتماس المثل الماديّ وإستخدامه . فشأن الأجهزة الحيّة حتى الصالحة منها , شأن هذه ألألآت التي تراها , لا تخلو من الطفيليّات ” برازيت ” وتطفح بها أحياناً فتطغى على نقائها , وتحيل ما فيها من صفاء ماتع عذب , الى كدورة مؤذية ونشاذ يتكثّر على نشاذ ..

قلت : إذا  فأنت تغشى الدار لتصنع في نفسك ألأعجوبة التي عجزت عنها العبقريّة الآليّة في المحيط الماديّ ..

قال : إنّه ما عنيت نفسه , فهذا القرب ثقل وإرهاف وتجوهر .. إنّه يزوّد المرء في مثل ” ورق النشّاف ” إذا إستقام هذا التعبير يمتصّ من جوّك أي سيّال يمتدّ إليه فيلطّخه …

وكان وجوم .. فقد أطلّ ” الرجل المنتظر ” وأقبل حتى إتّخذ مجلسه إزائي .. أمّا هم فتعلّقوه بأبصارهم تعلّق الظامىء , وأمّا أنا فذهبت أتبيّن وأتأمّل …

تقع منه العين أول ما تقع , على خلق إستوى بنيانه , وإنتصب في قامة هي أقرب الى الطول – إذا كنت أنا أو صاحبنا يوسف الحاج مقياسه وركّب عليه وجه صبيح جاء نموذجاً جميلاً للطابع الشرقي , واضح التقاسيم ينطق بالعذوبة والبراءة والبشر , دون ما تعقيد يعبّر عمّا وراءه في أعماق الروح من تعقيد .. لو رأيته خارج هذه الدار أو خارج أطار ما يروى عنه لحسبته ” فتى زينة ” من فتيان جيلك الذي يعبث .

وأنت من كنت في أعصابك , لا بدّ أن تتزلزل في المشبوب من لحظه .. وإنّك تظلّ أقوى قوّة ما إبتعدت بمنابع عينيك عن منابع عينيّه . وإن كنت تعرف ما يسمّونه في الجغرافية ” بالأسر النهري ” هذا الأسر الذي عبّر عنه أبو الطيب بقوله ” جرى الوادي فطمّ على القري ” تدرك ما هما وما خطرهما .

ولا تحسب أنّه يبالغ من ذهب يحدّثك , بأن لموجات لحظه هديراً يسمع ماردا” فوّاراً , يتّصل بهدير عميق عمق الأبديّة والمجهول .

ومال عليّ يقول : لظننت أنّك تزورنا وما شككت في أنّك فاعل …قلت :

يسرّني أنّي كنت عند ظنّك , وأنّي واقع من نفسك هذا الموقع .. وأطرد يمدّ لي في حديث كالذي يتألف بالإيناس آخر , ورأى بصري وقد ثبّت على غرابين في المحنّطات , يجنّحان في وضعهما الجامد .. وأحدهما الى الآخر كأنّه يهمس في أذنه , فبدهني :أستلفتك فيهما شيء شدّ إنتباهك ؟ ..

قلت : لا , وإنّما هي ذكرى مرّت في خاطري , بمرأى هذين الغرابين على وضعهما الهامس .

وأشار بابتسامة من يودّ أن يسمع وأن أقصّ عليه , فاسترسلت أقول :

كان ذلك يوماً في الخلاء القريب من المدينة , في ضاحية القاهرة حيث يقع المقطّم – وأعني الجبل لا الجريدة – فرأيت على نشز غرابين في مثل هذا الوضع الهامس , كأنّما يتمادّان حديثا” خطيراً أكسبهما مظهر الجد .وكان إنهماكهما القاسي فيه يدلّ على أنه مرعب أو أنه أكبر من وجودهما , ولقد هزّ مرآهما نفسي فسجلّت وقفتهما الهامسة بأبيات :

وقفت على ” أبدوان ” غدا    

                          وفيه الغراب يناجي الغراب

ترى؟ أين عنه طحا الساكنوه

                          فقال مجيباً ويــا للجــــــواب

الى أين ؟ لا أين لكن هنــــــا

                          عناكب ينسجن خـف الحباب

فأظهر سروراً .. وعطف يقول في إبتسامته العذبة التي لا تكاد تذوب عن شفتيه :

بودّي أن يكون لهذين تأمّل غرابيك … وأشار إليهما … وكان بصري قد إنجذب الى شيء لم أعد أدري ما هو .. وهبّ من زعم أنّهما تحرّكا حركة الحياة وأنّهما نطقا , وكان أقرب الحضور من الغرابين , وكان في مظهره ما يدلّ على أنّه رأى … أمّا أنا فلم أر, وكان حظّي غير سعيد .

وتولاّني دهش .. طفق يراودني عنه ” يوسف الحاج ” ويريني جانب اليسر فيه , فمثله كحادث وقع هنا كثيراً , وقصّ عليّ قصّة ” صورة العصافير ” وكانت معلّقة غير بعيد .. وكيف هبّت بحياة وزقزقة , من مكانها في الظلّ المطبوع , تتواقع على كتفي سيّدة أسماها وإن لم تخنّي ذاكرتي بعد هذا الأمد الطويل , فالسيّدة قرينة صحفي مشهور في البلد اللبناني , أمّا اسم هذا الصحافي فتائه ألآن عني .

وعاد ” الرجل ” – الذي كانوا يدعونه بينهم , في الهمس , ” الحبيب ” , ولم أتبيّن وجه هذه التسمية والى ما ترمز وتشير – فمال عليّ مرة أخرى وقال مشيراً الى الجمجمة :

وهذه , ألم تشدّ إليك ذكرى أو ترك شيئاً ذاب في محجرها ؟ .. فوجمت قليلاً , وتعلّلت بأنّها خاطرة جرّها حديث الغرابين … ووصل حديثه ولكن في سمع الحضور :

وما يدريكم لمن كانت هذه الجمجمة , وعلى أي جسد نبتت وركّبت .. وراح يرمقني كأنّه يقول : إنني أعرف من شرودك ما أعرف من صحوك .

وعلى الرغم من أنّه سرت في أعصابي رعشة , تعلّلت بأنّها نغمة أطلقها في الناس ” الخيّام ” يوم هتف بصانع الفخّار , وغير بعيد أنّه وقف عليها في ” رباعياته ” .. ولكنّه إستمرّ يقول – ولم يزل يرمقني باسماً :

ولولا أنني أخشى على أعصاب أحدكم , لقلت لم نستبعد أنّها ” ش ” .. وما نطق يالشين وكاد يمرّ لسانه بسائر حروف الإسم , حتى إنتفضت .. ولكنه إنقلب يضحك في مقدار أكبر من الإبتسام ودون القهقهة , وقال :

لا ترع , أقول إنّها ” شجرة الدّر ” أو أنّها ” كليوبترا ” أو واحدة من الكثيرات اللواتي على شاكلة هذه وهذه … وأنا ما إحتفاظي بها في هذا الشكل , إلاّ إبتلاء  وإختباراً لطباع بعض الناس , وإلاّ غصّة للكبرياء , التي تقتحمنا رافعة ذيل حماقتها , كأنّما لتعلن بأن زيادتها على الناس كان معنىً في الذنب .. إنه حقاً زيادة هي معنى في النقص .

إن الكبرياء شعور بنقص الذات وجبر لهذا النقص بالتظاهر . وما حاجة العظيم الى الأثواب ؟ .. والعظمة ذاتيّة تكون أكثر عرياً .

فالكبرياء مرض بين أن يكون في الذات أو أن يكون في الإدراك , وفي كلتا حالتيهما تعبّر عن أنّها كشجرة الأوراق في الخريف أو كزعب النعام في الإعصار ..

” زعموا أنّ تفاحةً نبتت في أصل ” شجرة بلوط ” فأطلّت هذه عليها من عليائها الشامخ بخيلاء وإزدهاء , وقالت :

أنت حقيرة , حقير جناك الذي تحملين … حتى صوتك حقير في نجوى النسيم , ساعة ينطلق في السّحر , يغازل غانيات الأشجار ويسامرها .. وإنتفضت تصفّق , فقد مرّت الريح تهدهدها , وذهبت تضحك متمايلة في سخرية وكبرياء .. وهبّت في إثر الريح أعاصير تزأر فطالت ضحكتها واستحالت قهقهة لم تزل تمتدّ , ولكنّها إنقلبت فجأة الى مثل حشرجة رهيبة إنكفأت معها ترتطم بالأرض عند قدم التفّاحة , فمالت هذه عليها راثية تقول :

لعلّك الآن – أيّتها الأخت – أصدق رمزاً في الكبرياء ..

ومرّ سائر جدّ به المسير , فوقف عندهما تعباً ضاوياً , وأهوت يده تطعم من ثمر البلوطة , فخبطته مرارة حادّة , فتقزّز مستنفراً كالذي مسّته أفعى , وتزايد به الظمأ , وتلبّث في حيرة طويلاً قبل أن أخذ من ثمر الأخرى , فأحلولى وشاع الريّ في جوانحه , فقال :

مباركة أنت , فانّك تحملين عصارة الذات في شكل خدود الحسان . وأمّا أنت الأخرى , فبعداً لك . إنّك تحملين عصارة الكبرياء في شكل ثفر الجمال .. وسمعت كلتاهما حكم الحقيقة عليهما , فما تاهت إحداهما وهي كبيرة الذات , كبيرة الوجود , ولقد تضاءلت الأخرى , وهي عديمة الذات كبيرة في العدم , وراحت وقد إحتضرت عليها الكبرياء كأنّها تنظر الى أشلائها ممزّقةً .. وقيل بعد حين : إن المواقد انتهبتها , وحالت في الرماد والدخان تقول أيضا” :

” إنني لم أزل كبرياء تعلو … “

ورأيت في إقباله عليّ ببشاشته تارةً ودعابة تارةً ما شجّعني على أن أطالبه بما يسمّونه بينهم ” جلسة روحيّة ” , وسبق لي أن أسميته ” جلسة تنسّم روحيّ ” فأطرق قليلاً ثم أجاب :

عزيز عليّ ردّك , وعزيز عليّ الآن أني أجيبك , وعسى أن يكون في الأيّام بيننا متّسع .. وما رأيت أن ألحّ , على أن “ّ حليماً  ” كفاني مؤونته , فقد رجا وبالغ في الرجاء ,  ورغب إليه وألحّ في الرغبة .

وكان منه أنّه فاجأني بمسألته : كيف عهدك بأعصابك ؟

أجبت : إنّها جدّ قويّة , ولكن حيث لا أطلبها ..

فقال مبتسماً : أذن إستعملها الآن , ولا تفكّر أنّك تطلبها ..

فقلت : وما وراءه ؟ ..

ولقد جحظت حينما أجاب : لتأخذني بنوم مغناطيسي أريك أفانينه ..

قلت : وهل جدّ قولك ؟ ..

قال : نعم , كل الجدّ ..

قلت : ولكني – وإن قرأت عن التنويم وأصوله وتفسيره كثيراً – لم أزاوله ولو مرّة ..

أجاب : وماذا يضيرك , فأنا الذي أنوّم نفسي تنويماً ذاتياً . ولكن ساعدني أنت بأعصابك , وأستجمع عزمك من أطرافه , وأفرغه في كلمة واحدة ” نم ” تنطق بها ولا تزيد ..

وأقدمت على القول في شيء من الحذر ..

كذلك .. هو مطلب سهل , وأظن أنّي لا أضعف عن إتيانه والقيام به حسناً .

قال : هو ذاك .. أكنت تظن أنّي أجشّمك وأقحمك , أو أوردك ثم لا أصدرك .. واستدار في مقعده نصف إستدارة , وأستدرت أواجهه . وتحلّق الحضور دوننا في دائرة ألاّ قليلاً , لا يخطئهم فيها وجهه . وصعّروا جانب وجوههم نحوه , حتى لتحسب أنّهم منه ” كعبّاد الشمس ” منها , تلك النبتة التي نعرفها جيداً في ساحات منازلنا وفي حقول ريفنا بين المزهرات .

وشرع تارةً حليم وتارةً يوسف الحاج , يلقنني كلّ بدوره كيف ينبغي أن أنطق كلمة ” نم ” هذه , ويقيسان مقدار النبرة التي تنبغي لها , ويختاران الصوت الذي يلائمها .. وبذلك يستقيم أداؤها على الوجه الذي تتمّ معه التجربة , فتهفو الروح وتستجيب دون ما تفزّع أو نفور… كأن ” البروتوكول ” يأبى إلاّ أن يعيش هناك أيضاً , ويعمل حتى في الساحات التي تقع وراء أفقه , حيث ينقطع سراب الأحياء وبخار لهاثهم الذي يعيشون في كنهه ويتقلّبون في أفانين من مخترعاته : وكأنّ ” الرجل ” أحسّ بما يجول في خاطري ويمشي على مدى مع نفسي , فنزع يقول :

ربّما .. ولكنّه ” بروتوكول ” أظنّه لتهييئنا , فعمله ينتهي هنا حيث بدأ … فالمحراب – يا أخي – لفتة الى الروح في الأحجار , وليس ليكون أحجاراً في الروح .

وأول معنى العبادة في المحراب أن يذوب حسّ الحجر فيها , وإلاّ كانت العبادة فيه عبادة له .

وهذه المعاني : من خشية الى تواجد الى إستغراق , نبثّها عند الحجر في نحو ما يشير ويعبّر , وليس للحجر في نحو ما يجسّد من تقاطع الأبعاد , التي هي فيه ظلال لضلوع البناء .

وأخذني ما أسمع عمّا أتوقّع , ولبثت مشدوهاً , نديان المعنى . وذهلت عمّا وراء ” ما أنا ” بكل ما فيه , بهذه اللحظة المستعلية بكل ما فيها .. وقطع حديثه بحركة راح يأتيها وعاد الى سكينته , فعاد حليم وعاد الحاج يروّيانني الأداء أللازم لهذه ال ” نم ” … ولكم كنت أتمنّى في أعماقي لو إستمرّ حديثه المندّى بالعبق , فلفعله أثر هو الأعجوبة وليست الأعاجيب … إلاّ عند ذي حسّ بليد استوى على قلب جفّ فيه معناه , فانقلب جزءاً من آلة في أجزاء كثيرة من مثله .

فتلك الأعاجيب تجد من شاء يفسّرها على ما شاء . أمّا الحرف ذو المسّ السحريّ , والشميم الموصول بروح الجمال المحض , فذلك هو الأعجوبة , وذلك هو الخالد .

بيد أنّي لم أجد منقلباً عن ال “نم ” هذه ولم أجد مفرّاً , ولو التمست وحاولت .. فاستسلمت اليها وانصرفت أمرن على أدائها , فيما يلزم لها من نبرة وطبقة صوت , وإجتماع أعصاب , وموفور عزم .

وفي آخرة شاء ربّك فأدّيت هذه ال ” نم ” على وجهها , وأذن لي فانبريت أهتف بها تلقاء وجهه وأردّدها .. ولمن خانني الحظ فجرى لساني بها مرّةً على نحوها العامي في الطلب .. فتنمّر حليم وإنقلبت سحنته , حتى لقد ذعرت , وقال :

ألأرواح تأبى أن تجيب بالعاميّة . فراقني جدّاً – وأيم الحق – أن يكون للأرواح هذا المقدار من الغيرة على مشخّصات قوميّة أنا شديد الإيمان بها وبأشيائها .. وأنثنيت الى كلمة ال ” نم ” أعالجها وأردّدها مسرعاً , وكان في شدّة ضبطي الذي أخذت نفسي به , على أن تكون فصحى وفي شدّة إسراعي , ما جعلني لا أقوّم فصحى أو عاميّة فتقع فصحى مرّة لتقع عاميّة مرّات , واشتبكتا على لساني أخيراً , فطفقت أبتسم وضغطت عليه أن لا يزيد .

وعاودت التجربة من جديد , فأفلحت هذه المرّة وما كدت , فتغشّى لحظة ” الرجل ” وتحيّرت على قمّتي مقلتيه هباءة كأنّها من ذائب النوم .

وتراخى جفنه في إختلاجة دارت على مثلها , فأغمض طرفه مرّات وأنثنى عنه مرّات .. وكان أخيراً أنه هوّم , وكان أخيراً أنّه نام .

وعجل أحدهم – ولم أعد أتبيّنه من وراء السنين التي مرّت بيني وبين الحادث – فتناول عصابة سوداء أو شيئاً كالمنديل الأسود فشدّ بع على عينيه , وأشار اليّ أن أسأل وأن أخطّ بادىء بدء رقماً كيفما اتفق … ففعلت وكان رقماً مؤلفاً من تكرار عدد على مثله , ويغلب أنّه ( 55) فما تلبّثت عنه وعن سواه مما جرت به أقلام الحضور .

وأضطرب ” الرجل ” إضطرابه , وذهب وجهه يتقلّص ويتمدّد في حالة أزعجتني , وبدت صورة من الألم القاسي راحت ترتسم ذؤابة ذؤابة … وهتفت : لا أريد الإستمرار . وهتف بي هاتف منهم بكلمة ” إضغط ” .. وما فهمت وأمتلكتني حيرة , وأستبدّ بي رعب من مكروه يقع .

فلبثت زائغ البصر ساعة مرّة , وأهتديت أخيراً الى أن ألضغط يعني : حركة تتم بوضع الكفّين على مقدم الرأس بحيث يلاقي الإبهامان الصدغين وسائر الأصابع الأخرى مشتبكة على اليأفوخ . وقمت بالضغط هذا , فأستقرّ ” الرجل ” وأنا تنفّست الصعداء . على أنّه إنبعث يقول – في حركة سريعة بدأت كانتفاضة كبيرة ذهبت تتناهى في رعشات خفيفة :

ما تشاء من دنيا وثروة ونفائس وألأحجار الكريمة , مبذول لك … فأظهرت إعراضاً وأظهر إلحاحاً – وقيل لي : إيّاك وشيئاً من هذا , فقد تلبّسته روح دنيا ” فالرجل ” كما تعلم ” سنترال ” روحيّ أعظم , وهذه كانت عبارتهم . وأتى من يده بحركة , بدأت من الهواء وإنتهت على النضد , وإذا فوقه ستمائة ليرة لبنانيّة في ست قطع من ذوات المائة .

وأدركه التعب , وأشير عليّ بأن أوقظه .. فبادرت الى ” الضغط ” وصرخ بي صارخ : ما تفعل , أنت تزيد في معنى سباته .. وأسقط في يدي ورجعت كرّة أخرى الى تلك الساعة المرّة التي كنت قد نجوت منها بعد عنت , ولكنها نجاة ما إتسعت لأتنفس بالحمد . وخشيت أن يستمر ” الرجل ” فلا هو يستيقظ – وما كان له أن يفعل ما أخبرت به , فقد فرضت عليه النوم كجبّار القمقم في ” ليالي شهرزاد ” التي أخبرت في مزاعمها أنه ألقي به في قاع من قيعان المحيط الأعظم فضاق بقمقمه وضاق به قمقمه , ولبث أجيالاً ولبث دهوراً – ولا أنا أملك لإيقاظه .

وما كان من سبيل فالتمست الفرار . وأمكنتني الفرصة فخففت أشتد .. وأشتدّ في أثري حليم يتنادى :

الى أين ؟ .. قلت ولم أقف : أنا منصرف .. فقال : كيف ؟ قلت : لا كيف ولا أخواتها في الإستفهام .. قال : ولكن أما ألقيت عليه نومه .. قلت : لا , وإنّما هي ال ” نم ” التي لقنتنيها ..

قال : لا أدري وجهاً لإبائك عن أن تفعل , وهو يسير ..

قلت : يسير ؟ .. ماذا تقول بربّك , لقد إرتعدت بظن أنّ من ينام هذا النوم كمن يموت , وزدتني رعدة وأنت تحمّلني أمر إيقاظه .. فضحك حليم – وما ظنّك بضحكة حليم , أنّها كل تصفيق الغاب جاء في ضحكة , أو في بعض منها وفي سائرها لك أن تفرض ما تشاء – وملت أنقلب معه ..ولكني عدت فأستوقفته :

أناشدك أن لا تكون الأداة في هذه المرّة , كلمة كتلك ال ” نم ” فقد أتعبتني كما شهدت ..

قال : لا , لا تخف . أنّها في هذه المرّة نفخة ..

فصرخت : ماذا تقول ؟ .. كانت كلمة يضبطها الحرف , وأتعبتني .. فكيف بها نفخة , ولعلّ لها منازل ومعارج لا تنتهي , وجسّات أنامل على ” نوطة ” يستحيل عليّ إتقانها ..

قال : لا . هي نفخة ورقيقة أيضاً , كأيّة نفخة لا حدود لها ولا قيود ..

قلت : فهيّا إذن .. ولك منّي أن أنفخ ما شئت ولو برئة مثل ” كير الحدّاد ” أو مثل ضرف زمّارنا في الحيّ القديم .. وكان بهجة الأفراح في ” جوقة الزغلول ” الذي ضرب المثل بطبله يوم كانت بيروت القديمة وكانت أفراحها , وذلك الجوّ المرح الذي مسحه الشرق بروائه ومتعه , وأطلق فيه دغدغات أحلامه .

وأنتهيت الى مقعدي السابق , وحللت العصابة ونفخت في عينيّ ” الرجل ” ومع كل نفخة كان يرفّ طرفه ويخفق رأسه , وواليتها ولم يكن كثيراً .. فأفاق وكانت بهجة , وكان حديث موصول بودّ .

وما هو حتى أخذ بصره النّضد وعليه الستمائة ليرة , فقال : ما بالك لم تأخذها …

أجبت : أبيت على الروح أيّ شيء ليس من طبيعتها , وأبت عليّ إلاّ شيئاً من طبيعتي , وما حاجتي الى الزيادة , وأنا أريد التخفّف , ولن أدع لها أن يكون إباؤها أكبر من إبائي ..

قال : يروقني هذا منك , في ناس إنصرفت إنسانيّتهم تنشد الروح وليس هرباً من طبيعتها وتراب طبيعتها , بل زيادة في حساب الكثيب . شأنهم في ذلك , شأن من يريدون سرعة النفاذ في الصحراء الى ما ورائها , وهم يحملون كثبانها . وكلّما مرّوا بكثيب , تحرّكت فيهم شهوة جديدة اليه , ولا يزالون به ويزال بهم حتى تدفنهم , في شهوة الرمال , الكثبان التي يحملونها .

فالثري الضخم الواسع الثراء , يرفع صلاته , ليس بمعنى الشكر , بل بمعنى الطمع , فهو يطلب المزيد .. والفقير المعدم اللاصق بالأرض يرفع صلاته , ليس بمعنى القلب بل بمعنى المعدة .

والمعدة إذا  دارت وحدها وعملت في الإنسان وحدها , لم يعد كائناً تعمل فيه معدة بل عاد معدة تدور على ما وقعت .. وبذلك ينتكس إنتكاسة الى أدنى يومه , قبل مراحل تطوراته , ومنازل تقلّبه في الوجود .. يوم كان يهضم بكل ما فيه , قبلما وزّعت إرادة الإبداع وظائفه لتعمل , وكل وظيفة في نطاقها تكمل على الأخرى معناها , لا أن تشلّها بتجاوزها .. وكلّما شلّت وظيفة وظيفةً أخرى , كان المعنى أنها أكلتها .

والوظيفة كما قيل تخلق العضو , وبتحيّفها تحيّفه , وبجفافها جفافه , وبخريفها خريفه .. والإنسان اليوم , في نفسه , في أخلاقيّاته , في أسلوب تفكيره , في بناء مجتمعه , كائن أكبر ما في خلقه أمعاؤه بل هي كلّ خلقه .

ألست تجدني عند صواب الرأي إذا أنا قلت : إن إنسان اليوم , أكل فيه عضو , بوظيفته , سائر وظائف أعضائه … وما أحسبني أفرط في التشاؤم شأن شاعر أحسّ .

لقد لفّ إنسان اليوم خريف , إستدار وكاد يلتف على معناه والخريف إذا  اتصل , اتصل  الى موت , إذا لم تبادره السحابة بقلبها تمسح على قلبه بالقطرات .

والسحابة حين تهب كل قلبها فإنما ليسلم على الطبيعة الحيّة قلبها . وطفت في عينيّه نظرة مبهمة , وتندّى صوته بحنان , وهمس كأنه لا يخاطب سامعاً بل ليرتد همسه الى أعماقه : مسكين أنت أيّها الإنسان .. كم أنت تشتدّ ضارباً في الصحراء , تأبى أن تنزل عن عاتقك كثبان الرمال التي تحملها وتسعى على مثلها .

فما أحوج صحراءك الى واحة , وما أحوج ظمأك الى سحابة تجري قلبها : تصنعك , وتصنع الواحة في الصحراء .. ونهض , ونهض الجمع , وانصرفت لأقبل في صباح يوم آخر …

وكان بصحبتي صديق شاقه خبر الدار .. وعلى العهد بالغرفة  المدهشة , كانت مكتظّة بالحضور .. ودار حديث الجماعة اليوم على الأديان وما بينها في منابت تنوّعها من إلتقاء وما بينها في أحواض مصابها من تباعد وتردّم في الأقنية الموصلة بينها .

وكانت الجماعة ترشح ثقةً بمبدأ الدين , لترتدّ فترشح ثقةً بأديان الناس ذات العبق السماوي … وأمنيّتهم : لو في الناس مهندس معماري يصلح في الأقنية , المتردم منها , لا سيّما وهذه الأديان في جوهرها , محبة وتواصل واستعلاء … وترادف الأسماء للشيء الواحد لا يجعل منه أشياء إلاّ في حدّ ما يجحد من لبابه , ويتعلّق بقشوره . والحرف يكون أحمق الوجود كلّما استنبت في غير أرضه , وكسر على غير طبيعته , وأفرغ في خلق غير خلقه .. والحرف الأحمق يصعد بحماقة ويهبط بحماقة دائراً ممتدّاً في عقل الناس وقلب الناس .. إلاً فيمن يردّ الى الحرف عقله , أو من يردّ الناس عن حماقة حروفهم .

بهذا تحدثت يومذاك , ومرّ في خاطر صديقي المرافق آية من التنزيل تدلّ على أن العبرة ليس بنوع الدين بل بروحيّة التديّن التي تثبت وحدها في ميزان القلب وتلا :

” إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين , من آمن منهم بأللّه واليوم ألآخر وعمل صالحاً , فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” .

وأظهر الحضور شغفهم بأن يعرفوا في أيّة سورة هي من سور القرآن الكريم . فأجبت بأنّها في سورة البقرة .

وأداروا الحديث – وهو ذو مفارقات تتدانى مع المناسبة من قرب أو من بعد – وأفاضوا حول الروح وعالمها وغموض هذا وهذا , فعاد صديقي واستشهد بآية :

” ويسألونك عن الروح , قل الروح من أمري ربّي , وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً ” .. وسئلت أيضاً فأجبت بأنّها في سورة الإسراء .

واستمرّ الحديث واستمرّ الإنتقال , الى أن أجري ذكر السيّد المسيح وظهوره .. وهنا عاد صديقي فقال : إن القرآن يجعل ظهوره علامةً على القيامة وقرب إنتهاء أجل الحياة الدنيا , وتلا  ” وإنّه لعلم للساعة فلا تمترنّ بها ” .

وضجّ ضجيج الحضور – وبوغتّ ولم أدر لماذا – وانطلق بعضهم الى مكتب قريب يسجل الآية وآخر الى ” مفكرة جيبه ” يقيّدها … وتعلّقوا بي يسألون ويلحّون : في أيّة سورة هو منزلها .. والغريب أن ذاكرتي فيها خانتني خيانة قصيرة , فتردّدت بين أن تكون في ” الزخرف ” أو في ” الدخان ” وهما سورتان متعاقبتان بمحلّهما من القرآن .. وتمنّى بعض من حضر لو كان ثمّ قرآن ليتحقّق من منزلها في أيّة سورة .

وأنقطع الحديث , فقد أطلّ ” الرجل ” وألمّ ببعض ما دار منه وأحيط ببعضه , واتّجه نحوي اتجاهه يوم أمس .

وهيمن على الحضور صمت , كأنه يرهف أذنه ويمدّها ليتسقّط حتى النأمة مع النفس .. فقد نام ” الرجل ” وغدا مصدراً لأعاجيب .

فقد رأى صديقي على منضدة بقربه خنجراً صغيراً , فإذا هو يطول ويثبت على ما انتهى اليه من طول فافتلتها صرخة تلجلجت في شفتيه , فأنبهي وأنبه سواي , ورأينا الخنجر في خلقه الجديد .

ومادوا في عجب , قطعه عليهم , في هذه المرّة صوت ” الرجل ” نفسه يقول : في زاوية الغرفة روح تحمل شيئاً أحمر .. فالتفتنا ولم نر الروح , ولكن رأينا كتاباً أحمر الجلد يهبط ويثبّت على الطاولة , وكانت دهشتي كبيرة , فقد كان القرآن .

واستبدّت به رعدة , وهتف ولم يزل في حمّى رجفتها – يخاطبني :

أنظر للصفحات , فإذا بأوراق القرآن تفتح بقوّة روحيّة , وإذا كل آية قد أحيطت بدائرة حمراء جرى بها  ” قلم تلوين ” وهي الآيات المختلف عليها .

فماج الحضور بعض في بعض .. وإنّهم في دهشتهم حين عطف , وأخذني : بأن أطبق يدي على ورقة بيضاء .. وكان أنّي فتحت كفّي فإذا بالورقة صارت الى رسالة , ورسالة اليّ من ” ناحوم ” صاحب النبوءة المعروفة في ” العهد القديم ” . وكانت واضحة الحروف وإن لم تكن جميلتها . وفيها : نبأ عن مصير لا أطمع في أن أنتهي الى مثله , وفيها عظة وتذكير أرجو لنزوعي أن يصيب حظاً منهما

وكان قد أخذ التعب من ” الرجل ” مأخذه , فبادرت الى إيقاظه وردّه الى الصحو – إذا كان الصحو والإعفاء معنيين في الجفون والأهداب.

رجعة إخوان الصفاء

غدوت لا أطيق صبراً عن الدار و تلك الجماعة ‘ فلها و لهم عندي حنين .. حنين استعلى على نفسه , و جاز حده الى نوع من التعلق .. بات و له في الحس معنى لا ينتهي بذكرى , و يغفي على حلاوة وقع , بل يلح فيك بهوى و يدور عليك من نواحيك بخيوط تستفيق منها على شباكه .

و يمضي , و تمضي , و ما كنت منه على اختيار , و ما كان منك على توقف الاً و أنت عند مشارفه و متنور منازله .

و ظمأ المعنى ليس كظمأ الحس , يروى بالنهلة , و يصمت أزيزه بالصبابة , بل شأنه أنه يرشف الرشفة ليعاودها أشد نهماً , و يمص المصة لتستدركها شفتاه أكثر لغباً , و تتحركا بداعيتها أحر نداءً .

فهذا الحنين مشكلة في ظمإه , مشكلة في ريه .. و ريه دائرة من ظمإه اتسعت بما وقع اليها , لتعود فتتسع بما لا يزال يقع اليها.

مثلما تفعل القطرة او الحصاة , و قد وقعت في الصمت من سكون البحيرة … فهي لا تنطوي على جوانحها فيما رسبت اليه , بل لتبدأ من حدود وجودها الصغير وجودها الكبير بما تحدث من دوائر على وجه الغمر .. موقظة السكون على انها المعنى الجديد الذي يحركه , و يبث في أذنه خبر الوجود الذي لا يعلم عنه .. فينكر عليها غير وجوده و تنكر عليه أنكاره , و يشتد فيستفيق , و بين ضلوعه و في صدره , ضجة حركة لا عهد له بمثلها , و في أحشائه جنين صغير كبير.. فيدير طرفه ظامئاً الى ما حدثت عنه القطرة أو الحصاة , يوم مرت بساحته تلهو .

فكنت مع هذا الحنين الظامىء –إلّم أرى مطلاً مع النهار – أرى منحدراً مع الأصيل , أو خارجاً مقبلاً من ملاءة الليل .

و ما كان حنيني – هذا الذي أصف – الى عجائب ما رأيت , أنا الذي شهدت كثيراً من أفاعيل المرتزقة بالعجائب و مئات أيديهم .. على ان ما رأيت هنا في هذا الدار بالأمس القريب , و ما فصلت و رأيته هنا و هناك في منازل عديدة من الأرض بالأمس البعيد , ليس أعجوبة الاً في مقدار غفلتنا , على ما تستحوذ , فتهتز اهتزازاتها أو تزلزل زلزلتها , مثل غفلة أخذت ببغتة و ما كانت بغتة مما يخيف .. فتتنفض بكل كيانك , و تتوانى فيه رجفة و تتباعد , و ما كانت أكثر من مسّة لهو أخذك بها رفيق خليط يعبث . ان أيسر ما يقع لك و لا يستلفتك , مما أعطت إرادة الأبداع الكبرى في الطبيعة , و تعطي إرادة الأبداع الصغرى في الإنسان , لهو أخطر شأناً و أكبر بمعنى الأعجوبة .

فالطبيعة يوم لم تكن تفسر , كانت تعبد بمظاهرها و ليس بعلتها البعيدة … و معطيات الذهن البشري في الآلة لو لم نقف على كنه السر الآلي فيها , لشدنا ” الأولمب الجديد ” على تلال وثنية جديدة للذين أتت عن أيديهم .. و أصعدنا  فنثرناهم في الكواكب , ليكون بعضهم  ” جوبيتر” و ” هبل” و ” اللات ” و بعضهم ” مولوك ” و ” بعل” و ” يزدن” , و بعضهم ” أدونيس ” و ” بوذا” و ” عشتروت” . و هذه العجائب لم تكن لتزيد فيما تستهوي به , عن بعض العقد الفنية – مع النظر التجريدي- في الموسيقى و التمثيل و الرقص و لا سيّما الرواية البوليسية منها . . ففيها كلها ما يأخذو هي لم تكن لتأخذ من تأملي و جذبات قلبي مأخذاً أو شيئاً منه لولا , ما  ماسها في حياة جماعة الدار من غمسات تندى بنقاء الأحاسيس و عبق الأخلاق و طهر النزوع.

لقد امتلكني حنين عميق حقاً, و لكن الى مثل هذا الإخاء المواج بتألق الخصب و زهوات النماء و ترقرق الجريال الممرع.. لقد امتلكني حقاً, ما تواصل بينهم من إخاء , و ما تعاقد بين قلوبهم من ود .. في دنيا جمحت بالإنسان عن قاعدة إنسانية , لتستوي به على قاعدة دناوتها .. فبات موصول النسب بمعناها , و باتت رعونتها المتوحشة التي لم تتقلم أظفارها , في مشابك الوجدان من طبيعته , و مراشف الإستمداد الأخلاقية , و مشارف الوحي لقيمه… فجاءت طبيعة ذات نيوب و أخلاقية ذات أظفار , و قيماً ركبت على مخالب .

و هو اذا تحرك بهذه و هذه , مشى بجراح ليدفن فيها جراحاً أكثر عمقاً, و خدّد في الضمير أخاديد طمرها على شهوات , و أجرى ايها سحابة نزواته فأسقاها .

و يوم تقابل من هؤلاء انسان و انسان , ولد أنكر لون من ألوان المأساة .

وولد المجتمع المترع بالشر , الذي لم يكن فساده أبداً بمعنى ذاته , بل بفكرة أهوائه , التي نفذت الى محل الضمائر و تمددت .. فوقف الفرد للفرد و الجماعة للجماعة في كل مكان , و قد تملأوا بضراوة كالحة , و ذهب كل حي يكافح التيار , و المجتمع يطفو و يرسب في فوضى اللجة العاتية النكراء.

لقد عاد المجتمع بهذا الانسان , مجتمعاً ذئبياً بكل ما فيه… و لعله أتاك نبأ جماعة الذئاب و هي تريك أنها تآخت متناصرة , و لكن لترتد فتلغ في دماء الذي ناء و انطوى على جراحه منها .. و إن كان أتاك حقاً فقل انه حكاية مجتمع الناس أيضاً .. اذا أنت كشّفت أثوابه و عريته مما يتقلب فيه من زيوف ,, و حررت أبجديته لتؤلف لك حروف و كلماتها على ما تعي , لا على ما بث من وعي هو بعض عمل الكذب…

في ناس هذه الدنيا الجموح على ما نبأتك من أمرها و أمر أبنائها , لقيت جماعة هذه الدار و كانت تطفو بهم ,كركن من سفينة غارقة ظل كبيراً على الموج.. انه من السفينة و لكن فوقها , و انه مما امتد اليه الغرق و لكن ليظل منطقة لأمل الملاح بالنجاة, و مراداً لحنين الشراع الى الفضاء الذي هو حنين الجناح الى الانطلاق و التحليق.

لقيت جماعة هذه الدار فأحسست بأمل ضائع , يوم وجدت-ما كنت أظن أنني أجد- جماعة تصافوا هذا الصفاء, و توادوا هذا النحو من الود, و توحدوا على منازع رأوها – و مهما تكن – توحد التجرد.

فراقني ما بينهم من ذلك كله, و في مقياسي ليس من حرب الا في حد يسير, للمنازع في ذاتها .. أي بدرجتها في منازل الفكر أو وراء منازله , و لوجهتها في مألوف الطبع أو غير مألوفه , و محلها في معروف القدر القيمي او دون معروفه..

بل هو –أي الحساب في سائره , في أكبر نصيبه _ على مقدار ما تكون المنازع حياة عاملة في كائن حي, و هوى جميعاً في نفر جميع , و مشابك.. أضالع في نسيج ضليع.. يتجاوب بالحس متوزعاً في مداراته , على ما يتجاوب به في القاعدة لملتقى جهاته.

فالمعنوية –كائنة ما كانت حتى المتقهقرة منها – تجد قيمتها في مقدار ما تملك من وقع, و تصنع من حياة.. و أذكر أنني قرأت يوماً خبراً عن قائد من قواد تاريخ الناس القديم , و قد حاصر مدينة فأثقل عليها و أرهقها .. و أرسا النداء في أهليها ليخرج – من باب المدينة – كل بأنفس ما يحسب انه كذلك , و ينجو مم خرج يحمل نفيساً حقاً.. و لم ينج كما روى الراوي- الا أحد ثلاثة : شخص حمل وثنه , و شخص حمل أباً متهدماً عجوزاً , و شخص حمل كتاباً.. فذاك لأن وثنه يشير الى قلب , و الآخر يشير الى معرفة أي الى فكر.

يومذاك أخذت جماعة الدار بمقياسي هذا الذي ترى , فما أخطأ واحدهم منزلة فيه.

عرضت ما بينهم من صداقة و ما بينهم من إخاء, أول ما عرضت على اللغة .. فإذا صداقتهم معنى في الصدق , و اذا إخاؤهم معنى من اللذة في الألم . و اذا هم في هذا و هذا أعمق جداراً من ان تنهض اللغة بتخوم بنايتهم.

انهم جماعة تأملت , و ضربت في خيال التأمل و آفاق خياله ما وسعها, وارتدت بأفكار التمست لها صيغها . و نظمت منها مدرسة للتأمل و الفكر و الأخلاق , و تمذهبت على طريقتها و منهجها.. ثم ما بالت بشيء الا انها اطمأنت , و ما طمعت بشيء الا ان هذا الإطمئنان لذّ لها و أشعرها بريّ أو خياله, و لكنه ري على أي حال , لأنه اطمئنان في أعمق ما قيل منه , و ايمان في أثبت ما يحكى من حكاياته.

و ميزاتهم هذه مجتمعة ليس تجدها – اذا التمست- الا عند ” إخوان الصفا ” يوم نفروا من مجتمعهم هذا النفور , و تأملوا هذا التأمل , و فكروا على هذا النحو من الفكر , و نظموا أنفسهم  في مدرسة على هذه السنة من النظم , و تمذهبوا في هذا الأسلوب من التمذهب و حاولوا أخذ المجتمع و الحياة وفق مناهجهم.. جاعلين مثل هؤلاء , قاعدة كل ذلك , الأخوة بمعناها المثالي و غاياتها العليا كروح فلسفة , و الصداقة بمعناها التناصري كعصبية عمل و عضل حياة و ألياف وجود.

فخلت رجعة هؤلاء الإخوان في إخوان هذه الدار , و تمثلت إخوان الصفاء في مدينتهم السعيدة, و كيف كانوا بوجودهم و بما يحلم به وجودهم من آفاق رفيعة , أكبر من كل دنياهم التي جرت و عجت في السفوح و بين ملتقياتها .. أما هم , فكانوا حلم القمة أو القمة التي باتت تحلم بكبرياء.

رسائل نبتت عليها حياة

و تمادت بي الذكريات المحدوة بنداء بعيد, كان قد ذهب مضمحلاً في التاريخ , الذي ليس يتذكر جيداً الا التوافه الكبرى و الأكاذيب الكبرى , و أشياء كثيرة من سخريات على أشياء يسيرة من بركات.

فهو يحفظ حسناً و يتحدث حسناً , عن اصطراعات الناس في دائرة أطماعهم , و عن شهوات تأنقت و أسماها لهم حضارات .. و عن وحشيات  تجلببت و افتنّت و أسماها لهم أمجاداً و بطولات.. و عن عظام ذوبت و تزخرفت , في أوسمة و ألقاب, و أسماها لهم عظمات .. و عن دماء و أشلاء خيط بعض منها على بعض وترونقت , وأسماها لهم رفاهيّات .

شأنه في ذلك شأن الخضمّ , لا يحدّثك حديث أعماقه , حديث حقائقه , بل حديث عواصفه , حديث زبده .

تمادت بي الذكريات الى معاكف المتوحّدين الذين استعلوا على الحياة وهجروها الى ما فوقها , وفي زعمها أنهم هجروها الى ما دونها .. وما بصرت بهم إلاّ حين سارت قافلتها قليلاً فرأتهم من شعاب الأودية , آفاقها المطلّة الملهمة .. وقصّت يومذاك قصّة الآفاق التي كانت يوماً أعماقاً .

لقد راقني شأنهم الذي بات نادراً في عرف هذا الجيل من حياة الناس وإستهواني , يوماً وراء يوم , أنه في هذا اللون الصريح من التمذهب المجتمع القلب في تيّار الأهواء .

وكان تمذهبهم هذا وحدة – أو قل توحّدهم – هي الأعجوبة التي أغرتني بهم , وحملتني على غشيان ساحتهم , وأثارت عندي داعيةً إليهم في لذة وفي خلب .. فأنا أشهد ميلاد صوفيّة جديدة تحلم على أكف الصخب الدائر بعنفوان من طيش , يتكسّر على عنفوان مثله من ضرّاء .

وكان صوفيّة مقتصدة , لا تضيق فتتنكّر بكل ما جاء من هناك , من دنيا الناس .. ولا تتسع فتبسط جناحها وتطويه على كل ما جاء منها .

وفي معروفي : ظلّت صوفيّتهم صوفيّة تحض على منهج سلوك فقط , وتحرّض على إخاء , وتحرّض على الصدق في هذا أو هذا .. تمسح به الفقاقيع النوافخ من الرغوة , فيما ظنّه الناس منها حبّات قلوب في منظوم عقود .. مطمئنّةً إطمئنانها , ساعيةً سعيها , ” فتحت الرغوة اللبن الفصيح ” كما هتف في الدهر البعيد هاتف , كان له في ضمير الحقيقة مجيب . فما أنكرت منها وما أخذت عليها حتى كان أيلول سنة 1944  وكان آخر عهدي بغشيان الدار وبمجالس جماعتها .

فقد إنصرفت مع وجه دنياي التي إبتعدت بي عربتها , وانهمكت في الساحة المكتظّة المشتبكة .. تدور الى غاية مبهمة وراء حدودها , أو أنّها تدور في حدود غايتها نفسها , التي ليست هي إلاّ مواقع الظلال لحركاتها الدائرة المشتدّة .

وكثيراً ما حسبتني وحسبت الناس – وأنا أتأمّل مع سانحة قلّما تفلت للمرء من أنامل الغيب وتقع للحي الكادح – أننا لم نزل كما كنّا ونحن غلمة , نمتطي الجياد الخشبيّة فيما يسمّونه ” الدّوّيخة ” نستبق عليها .. وتظل المسبوق أبداً لأنّك السابق أبداً … ونشتدّ طالبين ما وراء مواقفنا , ونحن على الحقيقة سكون في أصل حركة كبرى لا نملك النقلة فيها .

وتنتهي أنت وأنتهي أنا , وينتهي غيرك وغيري أيضاً , بدوار وربما بأكثر منه .. وتقفل كما كنت وأنت طفل , برأس تورّمت واستبدّ بها دوّار مخيف أو مزعج .. وتكون أمنيتك من بعد كما كانت من قبل , أن ترتدّ إليك هدأتك الساذجة وركود أعصابك الذي كان قبلما أقدمت على المغامرة , في لعبتك يوم كنت صغيراً , وفي لعبة الحياة بك يوم أصبحت كبيراً .

إنّها هي هي , لعبة تنفّس فيها لهونا , وأخرى مبهمة .. تراب بفمي ولا أقول : أيّ لهو فيها يتنفّس ؟ ..

وهذا الشأن للحياة , راح يمعن في خيال نفسي , ويمعن في أشياء ما تلبّد منه فيبعثرها ويحرّكها .. وإذا بصوت هدير عميق يتناهى مقبلاً ويتّضح شيئاً بعد شيء لينكشف عن مجرى عريض لنهر يتدفّق وينطلق كالكشف الساقط , أو العارض المنحدر قطعاً , والمتدحرج أمواجاً كما لو أنه البحر لم يتبسّط . بل إنتصب عند الأفق وطفق يهوي بأمواجه – وفي جوّه أشرعة مراكب ماخرة , وسفينة دار بها الماء فدارت برؤوس راكبيها .. وكنت تراهم : بين متشبّث بحرف من هنا وحرف من هناك لم يسقط , وآخر سقط على ظهر السفينة لا يعي , أو هو زائغ البصر يراوده إغماء لم يأخذه بردائه , وآخر قام بطنه في حلقه ليس يمسك منه , وآخر وآخر مما أحصت تلك الحكاية .. وكان النهر ” نهر دجلة ” , وكانت السفينة سفينة ” بشّار ” الشاعر التي إستقلّها الى ” المهدي ” ووصفها بقوله مصوّراً شتاء الطريق :

تلاعب نينان البحور , وربّما

                                                   رأيّت نفوس القوم من جريها تجري

وأنا ساعة عرضت صورتها إزاء صورة الحياة لم أميّز بين السفينتين … ويوم يتمزّق شراعاهما في العاصف , لا أدري أيّة الأخشاب هي التي تبقى , وأيّ الشراعيين يكون هو الأصدق بياناً , وأيّة الأمزاق والجراح تكون هي الأبلغ في قصّة المأساة .

وقيل : ستخيط يد , هذا الشراع على ذاك .. لتقول المأساة الجديدة : إنني لست جديدة إلاّ بأنني أكثر جراحاً وأكثر خيوطاً , فأنا في الجراح نبتّ .

وتستمرّ مأساة الشراع وتستمرّ مقالتها , ولكن بأكثر لذّة وأقلّ ألماً .. ففي وعي الشراع حكاية قديمة : بأن أول شراع سقّ الطريق وإنبسط عند الأفق , كان هو الشراع الذي أغتسل بذوب الأرجوان , واصطبغ بحمرة الجراح .. وباتت له جراحه كأنّها أجنحتها .

وكان أول طائر حلّق , هو الذي تمزّق غشاء الخفّاش فيه وصنع الريش من الأمزاق .. وظلّت الريشة معنى في الأمزاق , وظلّت الريشة معنى في التحليق …

وأنا في مجالس جماعة الدار , كان يروقني ما بينهم من كبرياء الثقة بحقيقتهم الذي هو سبيل الى كبرياء الأعتداد بوجودهم , وما بينهم من كبرياء الأطمئنان الذي هو سبيل الى كبرياء الألم , إذا ما وقع بينهم , ومشى في  ساحتهم  , ودار على حبّات عقدهم وفي خيط ما بينهم .. ولكنني خلت يومذاك – على ما رأيت في مجالسهم – أنّ الألم يهن ولا يهينون , وتنقطع خيوطه وأسبابه في خيوطهم وأسبابهم , لتعود أقوى قوّةً وأصلب شكيمةً .

وأذكر يوماً وردت الدار , وورد في إثري جمع رأيت أفرادهم للمرّة الأولى , وكانوا على ما عرفت بعد ذلك – ماري حدّاد وزوجها وكريماتها الثلاث وصهرها يوسف الحجّار , إن كنت لم أخطىء إسمه بعد هذه الحقبة الطويلة – وعرفت أن كبرى بناتها وضعت في المستشفى المقابل منذ أيّام … ورغم أنها في بقايا لم تجفها من زحير الوضع , نهضت ساعية لتبترد من ظمأ , الى خلطاء وخلاّن على معنى من معاني قلوبهم , والى عشراء وإخوان على مرشف من مراشف ضمائرهم .

وخلت في الأم الوالدة التي تأمّلتها طويلاً أنّها كصخرة الهيكل , تعي أسراره وتحفظ أدهاره , ثمّ لا تنوء به ليله ونهاره … وسمعتها تتحدّث , فخلت قلباً يكشف أغواره , ويبثّ رؤاه وأخباره .. وخلتها إذ تصمت وتتأمّل , محيطاً يحلم بعوالم لانهاياته ويسدل أستاره ؛ وعلمت أنها راهبة في معبد الفنّ , تجتلي أصائله وأسحاره , وتتملّى ضحوات شمسه وأمطاره … وما شككت ففي مقلتيها شعلة وفي جبينها شارة .. ومن بينهم بقيت لها في نفسي أثبت إنطباعة كأنّها عبارة , بل كأنّها البارق يلتفّ نوره وناره .

وخرجت وأنا أردّد مع الأول قوله :

رسائل إخوان الصفاء كثيرة

 ولكنّ إخوان الصفاء قليل

وكان هذا آخر العهد بهم .

كرة الحياة يوم مشوا عليها

ظلوا حتى يوم فارقتهم على ما قصصت عليك, جماعة تنشد لذّ الروح في عزلتها , والتمست السعادة في التوحّد , والهرب من واقع الحياة المتجهّم وواقع الناس .

وكنت أظنّ أنّهم ما لبثوا في إهابهم , قانعين بهذا اللون من التآخي الصوفي , وهذا المشرب المنتشي في خطة العيش , حاذين بذلك حذو الجماعات التي طلبت سموّها في البعد المستعلي .

وكنت أتمنّى لهم لو داموا , ولم يتنكّبوا النّسق الذي إستنوا والسبيل الذي شرعوا .. ولكن ترامى اليّ كما ترامى للناس , أنّهم ركبوا التيّار وانطلقوا يكافحون .

ويوم نمي إليّ ذلك قلت كأن الجماعة أبت أن تسجل على نفسها ما سجّلته الجماعات الأولى ممن عرفنا وعرف التاريخ من المتوحّدين .. وأبت أن تذيب أنفسها ورغبات قلبها  المصلحة في حروف صنيع الأوّلين .. وإنّما في حياة على ما اتسعت , وعلى ما تحجّرت معنويّاتها , وعلى ما نفرت وأمعنت في مذاهب جموحها .

فأكبرتهم , ورثيّت لهم .. في خفقتين متقابلتين لشعور إمتدّ وامتدّتا عليه , ومشتا فيه جميعاً إذ مشى ودار في أحناء نفسي وعلى أنحائها .

أكبرت فيهم ثقتهم واعتداديتهم .. فمن كافح مجتمعاّ جاء من قوّة حقيقيّة في مقدار مجتمع .. ومن صاول الحياة في معنى حماقتها كان الحياة في معنى أخلاقيّتها  وسمو الأحاسيس لطبيعتها .. ومن لم يأخذ على أيّ نحو من نواحي الأخذ , لا يعطي على أي نحو من نواحي الأعطاء … ومن يفض يعبّر عن أنه إمتلأ .

لقد أكبرتهم على معنى من هذه المعاني , وانتظرت أثرهم وحكاية أيّامهم .  

ورثيت لهم , لأنني أعرف من شأن أبناء الإثم أكثر مما يعرفون , ومن دنيا الأنانيين المستغلين أكبر مما يتوهّمون .. فانطويت بين إكبار ورثاء , أرتقب شأنهم وشأن هؤلاء الناس …

يوم هم خرجوا من معتكفهم الطائف بالنشوات , الى حيث اللجّ ملعب الحيتان .. كانت صورة هذا البلد اللبناني , على أي وضع ” بوز” أخذتها تجيء وجهاً بغيضاً  كالحاً من وجوه البؤس , وانطباعةً حيّة للشقاء الدائر بعنفه , وارتسامةً لبحّة الألم التي إختننق فيها صراخ طويل .

فالبلد منهبة , والحكم إعتساف جور وغلبة ,

والمجتمع كلّه يتردّى ويتردّد , بين عقبة وعقبة ,

والناس مذعورون , بين طغاة كذبة , وآخرين هم أعتاب كذبة ,

وضعاف تدور بهم رحى مسغبة , على رحى متربة ,

وإنسانيّة محطّمة الضلوع بين فكّي محربة ؛

وأتون يتلظّى , وشعب في يدي مسجرة حطبة , أو شذاة حطبة .. ومقدساته خشبة أو هشيم خشبة .. وتقاليده الكبرى التي سقاها ماء قلبه ورعاها , إتخذها المارقون المستخفّون عتبة بل مواطىء عتبة .

لقد كان هذا البلد اللبناني مثلما قلت أصفه يوماً , يسير مسرعاً الى حالة من التعقّد الروحي والتأزم الأدبي , تعلّق بها حالة من التخبّط الإجتماعي والتردّي السياسي … حتى بات الشعب وهو يشعر بأنّه سائر بإرادة ودون إرادة الى هوّة سحيقة , هوّة مظلمة داكنة , هوّة فاغرة بعيدة الأغوار .

ففي كل حقل يشعر بداء يحز على نفسه , وينعطف بعبنفه على الصدور فيطبّقها في قوّة والحاح … ويشعر بقلق مهيض حتى لكأن حياته سلسلة هزّات متّصلة تبعث على الحيرة والرعب , وكانت على أي حال نذيراً بثورة البركان .

وكانت ثورة البركان ثورتهم , وهي وإن لم تأت على المبطل , فقد تركت في فنائه جذوة فنائه , التي تشتعل ولا تنطفىء مع الهبوب والإعصار .

صراع واستبسال

 لقد عقدوا عزمهم أخيراً على الكفاح …

فخرجوا برغبة فكر ورغبة قلب , وبيدهم معول الهدم يتحدّون العابثين المستخفّين ,, يدفعهم الى ذلك شعور من الحق الذي لا يتراجع عن مواقفه ولا يثني عمّا اندفع إليه .. وهذا الشعور من شأنه أنه يصنع البطولات , إذ يطيف بالنفس ويعمل فيها عمله .. فاذا هي قوّة ماضية وإرادة لا تني وعزمة غلاّبة , كما يكفيها  على نحو تحسّ معه بكل مغارز الباطل مهما استخفى في مجاري المجتمع .

حتى إذا استوى فيها الشعور بالإصلاح , غدا كل الفكر وكل المنطق وكل اللذة بل كل الحياة .. وكثيراً ما شكّل هذا الشعور أزمة نفسيّة عند صاحبه , تجعله والهاً به شاخصاً إليه .. فهو في الذكرى نجوى وحنين , وفي النضال عواصف وروعود , وفي العاطفة هيام , تكون نهايته أبداً التضحية وسقوط المصلح ضحيّة .. فإنّ لحن الإصلاح لا يكون خالداً إلاّ إذا كانت حشاشة المصلح نفسه آخر مقاطعه بحيث يكون قراراً صامتاً للّحن الصارخ الخالد .

إنّ لحن الإصلاح في حقيقة لحن الحياة والموت .. فالذين يحسّون بنزعة الإصلاح في أنفسهم , لا يفتأون يردّدونه في إستهواء , وهم مأخذون بما فيه من بدوات , تبثّ الثورة في عقولهم وقلوبهم . ولا تنشبّ أن تلهب المجتمع لتخرجه إخراجاً آخر , يجيء وفق إرادتها الحرّة وفكرتها المصلحة .

والنفس التي شاعت فيها ثورة الإصلاح تتمرّد حتى لتتحدّى كل الأوضاع وتتنمّر حتى لتجابه كل الأخطار , مطمئنّة الى أنها قوّة لا تدحر ولا تتغلّل , وأنها لا بدّ أن تتمدّد في المجتمع بما فيه من النزعة الجديدة , نزعة الإصلاح , وبما فيه من الفكر الجديد , الفكر المتحرّر .

فالمصلح حسّاس يتأجج فيه لهيب أقداس , لا سبيل الى كبته أو كظمه , فلا بدّ أن يثور كما يثور البركان ويحرق كل ما في المجتمع من زائفات .. فالمصلح بركان حيّ , يحرق كثيراً ويزلزل كثيراً ,  ولكنّه دائماً عنوان على حيويّة المجتمع , كما يكون البركان الأرضي  عنواناً على حيويّة الأرض .. وسبيلهما واحد , فهما لا يزأران ويزلزلان , إلاّ بما يوضع أمامهما من العقبات التي لا تلبث حتى تضحي كالكثيب المهيل , مذرورةً متناثرةً بما فيها من القوى الزاخرة .

وإن لحن الأصلاح هو فكرة الحياة .. فأولئك الذين لا يتّصل بسماعهم هذا اللحن , يعيشون بدون رغبات خالدة ونشوات أبديّة .. لذلك لم يكن لهم سبيل إلاّ سبيل التداعي والإنقراض , ولم يكن فيهم شعور إلاّ شعور بالسأم والملال , وإنهم عمّا قليل يظفر بهم الموت الأدبي ويتحكّم بمصائرهم كما تحكّم بمعايشهم .

إنّ المصلح قد يخسر نفسه في عصره , ولكن ليملك العصور التاليّة  : ودائماً يكون المصلح أكبر من الزمن لأنّه يطبعه ويفرض نفسه عليه . إنّه يملك أجيالاً كاملة بمجموعها , فهو أكبر من كل ملك في كل بقعة من الأرض .

إن الأفراد والجماعات , إنما يعيشون في كل دور بما أعطى المفكّرون المصلحون وعلى هباتهم … وعلى كل , فالذي لا ينكر أن عقل المجتمع يكون في عقل المفكر المصلح , ودماءه في دمائه .. لذلك يجيء وهو في قوّة مجتمع كامل , يناهضه ثمّ يقوده .. ودائماً تكون نفسه أكبر من الألم وهذا سرّ نجاحه .

لقد أزورا , حينما إنكشف لهم شبح الجريمة , في سياسة الأحكام وتصريف الأوضاع , وفي الأخلاق والسلوك , وفي كل شيء بسيطرة طبقة بغيضة , حتى لقد خيّل إليهم أن ملاك الحقّ هجر التحليق في آفاقنا . فاندفعوا يقومون بفروض التحليق له والقربان إليه .

وما تقهقروا على ما أخذوا به من إعنات وقسوة بل ووحشيّة أحياناً .. ثم ما تردّدوا على ما قذفوا به من إتّهامات , بعضها من تهم الأرض وبعضهم من تهم السماء .

ولست أجد في هذا المقام أجمل من كلمة الفيلسوف الفرنسي ” رينان ” حينما قال في ذكرى  ” سبينوزا ” وأشار الى النافذة التي كان يطلّ منها , وكانت رمز التجذيف الى زمن غير بعيد : لعلّ أللّه كان أقرب الى هذه النافذة من أي مكان آخر .

والمصلح الحقّ لا يبالي , فهو يبثّ كلمته الى الذين يتلعون أبصارهم الى الفجر , الى الشمس , ويولّون ظهورهم الى الظلام , ليخشعوا في محراب أللّه الذي يشملهم بضيائه الأبدي .

تأوّد وذكرى

أي أخي ! … من وراء هذا المنحنى الأرضي الذي تنتفخ فيه الحمأة , ويستأله الطين , وتنتصب أشباح الوحول أرباباً بكبريائها وعتوّها .. أناجيك !

أناجيك لأني عرفتك , وقليل هم الذين عرفوك .

أي أخي ! … عرفتك لأني رأيتك بغير مناظرهم الذي عهدوا .

وما كان لأبناء الطين أن يتحسّسوا الحقيقة في أبناء اليقين …

إلاّ تحسّساً أعمى يمشي على ضلال وتشدّه عصا أنى سعى ,

أي تشدّه جريمة أنّى إنقلب .

فالتحسّس الأعمى كتلة من الظلمة .

فإذا ذهب يعتصر من ذاته ,

إعتصر ظلمةً أي ظلماً وإضطهاداً .

إعتصر سواداً أي أحقاداً ,

إعتصر أشباحاً مرعبة تتراءى ,

أي باطلاً يمرّ به باطل …

أي أخي ! …

عرفت فيك ملامح إنسان غريب ,

عبر مشيراً ثمّ توارى سريعاً .

ولكنّه ترك على دروب أبناء الطين آثار مسيره ,

ليقولوا يوم أن يستفيقوا :

  • ” من هنا مرّ إنسان …” –

ومن هو هذا الإنسان ؟

  • هو داهش !

أي أخي ! …

في حكاية مأساتك حكاية مأساة الحرّية في كل جيل …

فأنت وإن ظنّوا أنهم هزموك … إنما واقع الحال ينادي :

إنّك أنت الذي هزمتهم بل هدمّتهم بل هشمّتهم …

لهذا قد إنتصرت وما إنكسرت .

فإنك جعلت من نفسك .. أو بالأحرى جعلوا منك بأيديهم ..

حلقة جديدة في سلسلة المناضلين الأحرار .

وهذا الأمر لا يستطيعه إلاّ كل ثائر جبّار …

ولم يعد بعيداً أ، تلتفّ حلقات هذه السلسلة الداهشيّة

وتنعقد عليهم إنعقادها على أعناقهم

وتطبق فوق ساحتهم إطباقة الموت .

أي أخي ! …

في طبيعة أبناء الحريّة طبيعة الأوقيانس الشاسع المسافات .

وفي طبيعة أبناء القيود وعبيد الأغلال ,

طبيعة التراب , طبيعة الجماد .

وهذه حكايتهما وبالأحرى حكاية معناك :

بين الحقّ والباطل وبين مستصرخ وناكل …

تراقص المحيط مضطرباً مترنّحاً كبحر إستقبل بين حناياه العاصفة ,

فماد  بها ومادت به زمناً 

وانطلق يقذف بالزبد يعبّر عن أنه حانق …

*  *   *

 

شعر البحر الثائر بأن الصخور الجامدة في أرجائه ليست من طبيعته …

وهو إذا ترامى منطرحاً تعباً تستقبله بقسوتها فتتكسّر عندها أمواجه .

فاستدار عليها يزمجر غاضباً ثائراً هادراً …

فقد أيقن أنّها مكمن العاصفة فهو ينوء باقتلاعها …

وحين طاولته طمى عليها محتقراً إيّاها .

مزدرياً بها , متجاهلاً وجودها .

وهو وإن لم يقتلعها فقد ردّها الى حيث لا يكون لها حساب

في كبرياء الوجود …

                           *   *   *

في طبيعة البحر رشاقة الحركة الرخيّة .

وفي طبيعة الجماد الجلمودي سكون بليد متجهّم …

وبينهما وقف  ” إنسان ” فيه وعي السكون وقصد الحركة ..

يصل أسباب أحدهما بأسباب الآخر .

وكانت كبرياء  ” الجماد ” عمياء  .. فلم تقنع بغير وجودها .

فانطلقت أعاصير البحر تزأر في مثل زأرات الرآبلة …

ووقف هذا  ” الإنسان ” عند الشاطىء ينظر متفجّعاً ..

فإذا  ” الجماد ” المخدوع ترقص فوقه موجة مارحة …

في نغمة تخبر أنّه كان هنا شيء فيما زعموا …

                           *   *   *

مضى ذلك ” الإنسان ” وقد أبصر وسمع مطرقاً قائلاً :

  • بهذا نطق الحقّ في صدى الموج … فتفتّت ” الجماد ” وبدّدته الرياح الى غير ما رجعة .

ولم يكن طويلاً حتى كان بنفسه

رجفة رعشات وخلجات ورجعة أصداء الموج !! … وشرع الناس يروون من بعد أمثولة هذا ” الإنسان ” .

                           *   *   *

أي أخي ! …

لست أبكيك , فأنت أعزّ من البكاء وما كان لمثلك أن يكفّن بالدموع .

فالبكاء معنىً من إنكسار الرغبة …

أمّا أنت – بمأساتك بل بثورتك التي أعلنتها – فقد سجّلت إنتصاراً وفجّرت نوراً ونارا ,

وأطلقت في دنيا الظالمين إعصارا ,

تصرخ به موجة الدهور في أذن الأحرار أجيالاً وإعصارا !….

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!