في الفكر الداهشيّ
المفاهيم الأساسيَّة
القَسَمْ العَظيم
” أقسم بك , يا خالقي , انه لو وجد ملايين
من الأغبياء المارقين , أو الخونة المماذقين ,
و ملأوا طروس الأرض ,
لا بل لو نقشوا حجارة هذا الكون بأسره , قائلين بها :
” ان رسالتي هذه غير صادقة ” ,
لمشيت رافع الرأس , موفور الكرامة .
و سأبقى على تبشيري و إذاعة رسالتي ,
حتى تعم الأرض , و تنتشر في السماء أيضاً .
و لن تثنيني البرايا بأسرها عن أدائها , يا الله ,
ما دمت انت تمدّني بقوتك الالهية .
و هذه يميني يا خالقي ,
أرفعها لك من أعماق قلبي
الذي لا يخفق الاّ بذكر اسمك القدّوس ,
برهبة و خشوع كليين”(6) .
داهش
المفاهيم الأساسيَّة
كينونة الوجود الأزليَّة
أسس العقيدة الداهشيَّة
الحق أحق أن يتبع
بقلم الدكتور داهش
بتاريخ 10/3/1976، و في الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر، وصلت إلى نيويورك ابلطائرة الجامبو. و مكثت في أميركا عامين و نصف العام. و بأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص و الأساطير و عددها 85 قصة و أسطورة سيضمها مجلدان.
و هي المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتى الصور العجيبة الغريبة.
و القصة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتى الغرائب التي هي مزيج من الخير و الشر. و في النهاية يخرج بعظة و نتيجة تحضّ على الخير و تشجب الجريمة.
والقارئ لقصصي و أساطيري سيذهل لحكمي الصارم على كل ما تزخر به الحياة من شؤون و شجون.
و سيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة و الرجل أيضاً. و لكن الحقيقة أحق أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء عاره، متسربل بشناره.
إن على الكتاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة،بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا!
عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها، و قول الحق الصريح الواضح دون محاباة أو مواربة.
لهذا يرى القارئ أن حكمي على أبناء الكرة الأرضية من رجال ونساء هو حكم صارم، و لكنه حقيقي.
فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاًً غاشماً، إطلاقاً. و لكني أصف واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي، و المطوق الجميع حتى النواصي.
فالغش هو الاسائد، و الباطل سوقه رائجة،والاعتداء لا ينكره منكر، و الفساد متفشّ في عواصم الكرة الأرضية بأسرها، والفسق و الفجور مسيطران على الجنس البشري بأسره، و الأطماع حدث عنها ولا حرج، و كسب المال، و لو بطريق الحرام، غاية و ليس وسيلة، و الرذيلة صرعت الفضيلة، والشر بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضية، نافثاً فيها سمومه الرهيبة. و قد استجاب له أبناء الغبراء بقضهم و قضيضهم.
هذه هي الحقيقة، و الحقيقة لا يستطيع إنكارها إلا كل جاحد كاذب.
لهذا يرى القراء أن قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأة من الأوشاب و الاوزار الواقعية. و أنا لا يهمني آراء الغير إطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي، فما كتبته عن السلوك البشري أؤمن به إيماني بوجود الخالقي، إذ إنه حقيقة واقعة، و بذله نفسه عن الآخرين، و تمسكه بالفضيلة المثلى، إنه:
غاندي نبي القرن العشرين
وبانطلاق غاندي إلى عالم الأرواح النقي التقي، أقفل الباب إذ لم يأت إلىعالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً.
وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها و دناستها المشينة. و يوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم و سياسييه، و غمر الحزن النفوس و ساد الذعر الأفئدة، و راحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية.
وها إني أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة”الدفاع” الفلسطينية، بتاريخ شباط 1948، إذ قالت تحت هذا العنوان:
غاندي-نور وروح!
“من الغرب و الشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي. و ما سبق في هذا العصر، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل، شيوعه على معلم الهند ومحررها ووالدها. و هذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلها المصلح العظيم في نفوس الشعوب و الأفراد. و هو برهان، كذلك، على أن الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانية الشاملة.
لقد كان غاندي أرق و ألطف من أن يواجه بالقتل. كان نوراً له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام. و في عالمنا جوانب مظلمة كبيرة، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يهدي الحائرين، أقوياء و ضعفاء، إلى طريق الخلاص.
و في دنيا تفتقر إلى التضحية و المحبة، كان غاندي يلقي الدروس الرائعة فيهما. و حسبه أن احداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه. و إلى أن يستطيع الناس ذلك، سيبقون في حاجة ماسة إلى الاستقرار و سكينة النفس.
وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي. و هو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالغنم، عذباً كالفرات، مهيباً كالقداسة.”
فغاندي من امجده، و غاندي من أجله و أقدسه.
وبانطلاقه من ربوع دنيانا قضي على الفضيلة، إذ لم أر في عالمنا من يتشبث بناصيتها. فالجميع عبيد لشهواتهم البهيمة، كما هم عبيد لمصالحهم و عن يكن على آلام سواهم ممن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.
وأخيراً، إنني أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً:
إن عالمنا مصاب بطاعون الشرور المحيقة، و قاطنوه أشرار فجار.
فيا ويلهم، يوم حسابهم، و هم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتقاد، جزاء وفاقاً.
الدكتور داهش
بيروت، في 4 كانون الثاني 1979
توطئة
بقلم غازي براكس
هوذا الدكتور داهش الذي تفرد بين الناس بأعماله، يتميز بين الادباء بخوارق قصصه!
وإذا كان هوميروس قد عرف بأساطيره الميثولوجية؛ و فولتير بقصصه الغريبة الاحداث، و دانتي برحلاته إلى النعيم و الجحيم، و إدجار ألن بو بأقاصيصه العجيبة، و جول قرن برواياته الخيالية، و تولستوي بتصوير الحياة الواقعية، فإن الدكتور داهش استطاع أن يجمع فيه ميزاتهم جميعهم، و يتفوق عليهم بما وهبه الله من خصائص روحية فريدة تتيح له غماطة اللثام عن أسرار الحياة و الموت و ألغاز الوجود المادي و الروحي.
فبعد كتابه المعجز ” مذكرات دينار” الذي هو أشبه بأوذيسّة القرن العشرين، يطلع الدكتور داهش على العالم الأدبي بخمس وثمانين قصة موزعة في جزءين. و هي قصص قصيرة جذابة، من أي جانب أتيتها عدت منها وملء راحتيك جنى لن ينسى مذاقه اللذيذ العجيب!
فان نشدت المتعة و التسلية و جدتها في موضوعاتها الطريفة، و أحداثها الغريبة و حبكها المشوقة المثيرة، و عقدتها المحيّرة المربكة،وحلها المدهش المذهل. و إن توخيت الفائدة و العبرة لقيتهما حيثما مررت،بلا وعظ مملّ أو إرشاد مزعج أو إسهاب مسئم. فالحياة هي التي تتكلم بألسنتها اللامحدودة، و تنطق بأحداثها اللانهائية، فإذا أنت محمولفي زورق الخيال، فوق أمواجها المتدفقة، تارة متهادياً، طوراً مندفعاً، تشهد تحوّل الأسباب إلى نتائج و البذور إلى ثمار، في شريط من الأفراح و المآسي، و الآمال و الآلام، و الدمع و الابتسام، حتى لكأنك تسيح بين الآزال و الآباد، و قد تجمعت الحياةبين يديك نهراً خالداً!
تجول المؤلف في عالم الأرض. و الدهشة مستبدة بك، فكأنك لم تعرف الناس و لم تألفهم! فوجوههم غير التي عرفتها، بعد أن سقطت عنها الأقنعة! و حقيقتهم غير التي ألفتها، بعد ان بدت عارية، وكالحربة تطعنك في الصميم!
فالمرأة تغلب الشهوة الجامحة على رغباتها، و الخيانة على تصرفاتها،و الرياء يقود خطواتها، ومع ذلك، فعرشها في الأرض لا يتزعزع، و سلطانها على قلوب الرجال لا يتضعضع! و إن وجدت صادقة مخلصة فلا تكون من طينة الأرض لكن هابطة من بعض الكواكب القصية!
و الرجل يهيمن الطمع عليه، و تطوقه الغيرة، و يحف به الغدر و الظلم. فإن اطمان قلبك إلى امرئ فأكبرت أعماله و حمدت سيرته، فسرعان ما تكتشف أن هذا النور ليس من ذلك الظلام، و أنه كالذهب بين الرغام!
وقد يخطر على بالك أن الحياة قد تكون أصابت المؤلف بلطخات منها سوداء.فأظلمت نظراته، و قست عليها عباراته،واشتد تشاؤمه فتوهم أن الشر قد تسلطن على الأرض، و المفاسد قد عششت و فرخت في قاطنيها، لكنك لا تلبث أن تدرك، إذا كنت من ذوي الألباب، أنه أصاب بتصويره الفذ كبد الحقيقة، لأن رايتها هي رايته، و محجتها هي غايته،فهو رجل العدل و الصدق، و كلامه هو الفصل و الحق، و إنما نحن نعيش في مخادعة أنفسنا، نزين وجه الحياة القبيح حتى لا نفجع ببشاعة وجوهنا. في حين انه يصدقنا القول و التصوير و إن جرحتنا مدية الحقيقة، من أجل أن يقينا مخاطر الحياة المخيفة، و يعلمنا الأمثولة الشريفة.
و يعرج خيال المؤلف بك إلى الكواكب و العوالم العلوية، فتفتح امامك أبوابها الدهرية، و ترفع حجبها الأزلية، فإذا أنت تجوس ربوعها السعيدة، تشارك قاطنيها النشوة العظمى، و تدهش لأسرارها المذهلة، و أساليب حياتها العجيبة، فتوقن،إذ ذاك، بأن سعادة الأرض ليست إلاّ وهماً زائلاً و ظلاً حائلاً إزاء سعادتها الدائمة، و تدرك ان الحضارة البشرية ليست سوى درجة في سلّم الحضارات الكونية،إذ تكشف لك جوانب قليلة من علوم الكواكب الباهرة، فتتوق لأن تحرز نصيباً، و لو هزيلاً، من سامي معارفها، و حظاً، و لو ضئيلاً، من نعيم لذائذها.
و يفتح لك صاحب الكتابأبواب الجحيم، فتتعرف إلى أبالستها و قد تجسدوا في الأرض بشراً أسوياء، فساكنوا الناس و خالطوهم، حتى إذا ما اطمأن هؤلاء اليهم، كشف زبانية الجحيم عن حقيقتهم المرعبة، فكانت المأساة المفجعة!
أو يفتح لك أبواب القبور، فيطفر أمواتها يغرون الغواني بالقصور، حتى إذا دقت ساعة الحساب، و أسفر الميت عن وجهه الرعاب، حلّ العقاب و أي عقاب!
و تجول مع المؤلف في رحاب الطبيعة، فإذا أرضها وفضاؤها، نباتها و حيوانها جميعها كائنات عاقلة تدرك و تشعر و تريد، و تعاني الصراع بين الشر و الخير، فتعجب، إذ ذاك، من انك لست العاقل الوحيد بين الكائنات، و ترهف أذنيك لتلتقط همسات قد تبوح بها عرائس الانسام و القصب، أو طوائف الخضار و ألواح الخشب. و تغلغل بصيرتك- و قد شحذها لك المؤلف-إلى جواهر الأشياء، تكتشف معانيها الخفية و العلاقات بينها و بين الناس، فإذا الكل قائم على ناموس التقمص و على قانون العدالة الإلهية التي لا يختلّ ميزانها.
و تعترضك في أحداث التاريخ ثغرات تودّ أن تملأها، و أسئلة تتمنى الإجابة عنها، فإذا المؤلف يعطيك الجواب الشافي و التعليل العجيب اللذين لا يقدر عليهما إلا الرجل العجيب.
هكذا، يرى القارئ نفسه، وهو في سياحته الاخاذة، مدفوعاً إلى أن يعيد النظر في مفاهيمه التي ورثها عن الاجيال البائدة، و في اعتباره لنفسه و لحضارته. فليس الإنسان دائماً هو الأفضل بين المخلوقات حتى الأرضية منها فقد يفضله الكلب أحياناً، ذلك بأن القيمة الحقيقية هي للسيال حيثما هو و ليس للإنسان. و السيال- تلك الطاقة الإشعاعية الخفية الحية المشتركة بين الكائنات جميعها- قد يرتقي و قد يتسفّل حسب الميل الذي يحركه، ومسؤولية ارتقائه أو انحطاطه يتحملها هو وحده. أما الحضارة البشرية فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة الحياة الكونية المتصاعدة حتى اللانهاية.
وعلى ضوء ذلك، تكشف هذه القصص سر علاقات العوالم بعضها ببعض، و سر تفاهم الناس أو اختلافهم، و هناء الأزواج أو أشقائهم…فقد يرد ذلك إلى تلاقي سيالاتهم في دورات سابقة، كما إلى توافقهما أو تناقضها. فقد يعيش الفقيران سعيدين، و الغنيان شقيين، و قد يلهم الإنسان سيال من عالم علويّ، أو يوسوس له سيال من عالم سفليّ!
وقصص الدكتور داهش تمتاز بالعمق، على بساطة أدائها. و عمقها في أنها تنقلك من الاحداث العارضة إلى الجوهر، و تفتح بصيرتك فترى الحياة بأبعادها الحقيقية واستمراريتها الأبدية التي هي أعجب من الخيال. من هنا أن الخيال في هذه القصص جله حقيقة واقعية، لكنها تخفى عن عيون البشر العاديين.
وهذا الأدب القصصي ينقلك إلى ما يعادل الفلسفة الحية، الفلسفة التي ليست بشعوذات فكرية أو افتراضات متناقضة وهمية، إنما هي الحقيقة العارية التي أتيتك على أجنحة الخيال فتبهر عينيك، فلا يبقى ماثلاً أمام ناظريك إلا ميزان العدالة الإلهي!
وطرافة هذا الأدب ليست في البهلوانيات اللفظية، و الاستعارات البيانية، و الزخارف البديعية، و التدجيلات الفنية التي كثيراً ما يلجأ المحدثون إليها حينما يأخذهم هوس التجديد،بل هي في أفكاره السامية العجيبة، و موضوعاته الفريدة المبتدعة، و في إزاحة الستر عن حقيقة موجودة و ليست مخترعة،لأن حقائق الحياة كالقوانين الطبيعية يماط اللثام عنها. لكنها في صميم الوجود كائنة؛ و فضل الأديب العبقري في أنه يستطيع أن يحطم قشور الحياة لينفذ إلى لبابها، فيرى، إذ ذاك،ما لا يراه الذين ينظرون بعيون وجوههم فقط.
أخيراً، لا غنى عن الإشارة إلى أن العالم الطريف العجيب الذي يقدمه الدكتور داهش، في الأرض و البحر و الفضاء، و في داخل الأشياء، ليصلح أن يكون مادة غنية خصبة للسينما و التلفزيون. و لن فيها التشويق و الإثارة،و التعليم و الإفادة، و العمق و البساطة. فهي قصص خارقة من رجل خارق. إنها ألف ليلة و ليلة القرن العشرين كتبت بأسلوب حيّ أخاذ بجمال بساطته، لتكون متعة وفائدة للكثيرين.
غازي براكس
بيروت 4 كانون الثاني 1979
مقدّمة قصصٌ غريبة الجزء الثاني
بقلم الدكتور داهش
وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمّمة للجزء الأوّل .
فالقصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أواشابه ويتخلّص من أوزاره .
والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .
فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيحاكم ويحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .
والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟ فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ، وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .
ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .
وسأله تلامذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبوه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )
واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : ان يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).
ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريرا أو كسيحا أو مصابا بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزرا ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا ؟ !
ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريرا أو كسيحا كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .
اذا على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مرارا وتكرارا حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالم بعيد سعيد ، مخلّفا وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ اليه ترجعون ) .
وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 ( يا أيّها الانسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك ، في أيّ صورة ما شاء ركّبك ) .
وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ، فهل الى خروج من سبيل ؟ ) .
وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) .
وفي سورة المائدة ، آية 60 : ( قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكانا وأضلّ عن سواء السبيل ) .
والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيدا تامّا . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مرارا وتكرارا ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنبا وقدّم نفسه طعاما للأسد .
والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشرا ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيورا وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .
ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER ) ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماما ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .
ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …
وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيرا عميقا في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .
ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتا ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …
أليس هذا تقمّصا ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالم الوجود ؟
فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانية وثالثة ورابعة ، الخ…لكي تتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .
والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .
وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالا طويلا عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :
” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجسادا لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .
وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغة خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءا منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .
ولا تحسبنّ هذه العادة وقفا على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرة الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسبب ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.
والبوذيّون يعتقدون أن يوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .
والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….
ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :
انّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .
وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .
ويعمّر الانسان 70أو 80 أو 90 عاما . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .
ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّا اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .
اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر الى دهر ، ومن أزل الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقا ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .
ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذا يستحقّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلا وحقّا .
هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيبا أم مخطئا . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .
الدكتور داهش
بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979
الملك الكلب
كان كلبا هزيلا ، ملأت القروح جسده ، والطفوح الجربيّة جرّدته من شعره ، فاذا هو عار من كسوته التي تردّ عنه لذعات الذباب المؤذية .
وما يكاد يقترب من القرية حتّى يقذفه الأولاد بالحجارة خوفا من أقذاره الكريهة . وقد أصابه أحدهم بعينه ففقأها ، فسال دمها ممتزجا بقيوح قروحه النتنة . وقد فرّ مذعورا تلاحقه حجارة كلّ من يمرّ بقربه .
وعندما يعضّه الجوع بنابه الذي لا يرحم يلتجىء الى مزبلة القرية المنزوية في أقصى مكان بعيد عن العمران ، باحثا عن عظمة أو كسرة من خبز جافّة تردّ عنه غائلة الجوع الكافر .
ولسوء حظّه العاثر بينما كان يحاول التهام رجل دجاجة ملقاة في المزبلة ، وكان قد سبقه اليها جرذ ضخم ، نشبت بين الكلب والجرذ معركة ضارية قضم فيها الجرذ منخر الكلب فعوى ألما ، وملأ عواؤه تلك الضاحية المنعزلة ، وفرّ مذعورا وكأنّ أبالسة الجحيم تطارده ، والدماء الغزيرة تسيل من أنفه المقضوم .
وانكفأ على وجهه في حفرة مملوءة بالماء الآسن يريد أن يشرب ، ولا ماء في تلك الجهة ، فاختلطت دماؤه بالماء الملوّث ، فراح يلعق الماء الكريه بلذّة كبرى ، والدموع تتسايل من عينيه اللتين تكادان لا تظهران لكثرة القروح حولهما .
وانقضى فصل الخريف ، واحتلّ فصل الشتاء بجيوشه الكثيفة ، وراحت بروقه تومض ، ورعوده تقصف ، ورياحه تعصف ، وأمطاره تتساقط بغزارة عظمى .
ثمّ ابتدأت الثلوج بالانهمار ، فغمرت البطاح ، والبرد اشتدّ أمره ، والزمهرير انقضّت جحافله ، فسادت وعبثت ما شاءت لها السيادة والعبث ، وهامت الذئاب تريد طعاما .
وكان الكلب الأجرب بأسوأ حالة وأتعس عيش مرير ، فهو أبديّ الفرار من الشوارع المطروقة والمساكن العامرة بالسكّان ، فهو يكاد لا يظهر حتّى تطوّقه العصيّ لاعبة على ظهره ، قارعة بعنف بطنه ، كما كانت الحجارة تنصبّ عليه انصباب الحمم ، لهذا فهو لا يجرؤ على الذهاب حيث يكون الناس .
وقد اتّخذ له مأوى غارا بلحف جبل ، يغادره الى المزبلة عندما يعضّه الجوع الذي لا يرحم . وفي ليلة ثلجيّة اكتست منها الجبال والأودية والطرقات فأصبحت بحلّة بيضاء ناصعة ، هامت الذئاب باحثة عن فريسة ، فاذا بها تجد هذا الكلب قابعا بغاره ، فهاجمته ومزّقته تمزيقا مروّعا . وبعد لحظات ، أصبح كومة من العظام مجرّدة من اللحم تماما .
انّ هذا الكلب التعيس كان ملكا آمرا ناهيا ، ففي كلمته موت أو حياة . وقد سبق له ، عندما كان ملكا متربّعا على عرشه الأمبراطوريّ ، أن ظلم أحد الشبّان بعدما استهوته زوجته الفاتنة ، فاستلبه ايّاها . ولم يكتف بهذه الجريمة الكبرى ، بل أمر ، أيضا ، أن يلقى للذئاب الجائعة وهي في دهاليز قصره . فألقي هذا الشاب المسكين بينها فافترسته حيّا .
وها قد نال جزاءه العادل اذ تقمّص كلبا مريضا تعاف الاقتراب منه حتى الكلاب لقذارة الرائحة المنبعثة من قروحه النتنة .
ثمّ افترسته الذئاب مثلما سبق له فأمر بالقاء الشابّ الى جمهرة الذئاب .
انّ الله جلّت قدرته يمهل ولا يهمل . وأخيرا فانّه يجازي كلّ مخلوق بنسبة عمله ، فما تزرعه ايّاه تحصد .
لقد زرع هذا الملك شرّا . فاذا هو كلب نجس مزّقته الذئاب اربا اربا . وما ربّك بظالم عباده ، انّما هم لأنفسهم ظالمون .
الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، ابتدأت كتابتها في الساعة 4،30 بعد ظهر 18/1/1978 وأنجزتها الساعة الخامسة
مُقدمة قصص غريبة الجزء الثالث
کتاب قصص غريبة وأساطير عجيبة
جواهر وكنوز و فك طلاسم ورموز
بقلم نجوى براكس
“قصص غريبة وأساطير عجيبة” ! هوذا جزؤه الثالث يبصر النور في عالم الديجور ، ويظهر إلى الوجود ليدهش الموجود.
إنه موسوعة حياة وممات ، عقاب وثواب ، سيثير ضجة فكرية مزلزلة في عالم الأدب والأدباء.
فأساطيره جواهر وكنوز، وقصصه فك طلاسم ورموز ، ولا يمكن قلماً بشرياً أن يضارعه سطوع حقائق ، ويماثله تدوين وثائق.
وقصصه القصيرة تفض ختم الماورئيات ، وتنفض شجرة الإنسان ، وتفتح مغاليق باب التقمُّص ، وتسبر أغوار النفوس البشرية ، مشرحة إياها تشريحاً معنوياً !
إن موضوعاته لمُستقاة من صميم الحياة الواقعية ، وعُقدها محكمة الحبك ، وحلها هو الكلام الفصل والحكم العدل !
وإذا استشففت مغزى هذا الكتاب ، لتلقنت من خلال سطوره أسمى الدروس والفوائد ، وأغنى العظات والعبر، بعد تجلي العدالة الإلهية والنظام الربَّاني السائدين أبداً في العوالم الروحية والمادية على حد سواء.
ومعظم قصصه تدور حول المرأة التي لا تدرك مسؤولية الحنث بالقسم ، وخيانة الزوج ، فتبدو على حقيقتها الباطنية بنزعاتها وأفكارها وميولها وغاياتها ، بعد تمزيق ستارها الخارجي البرَّاق الذي يبهر البصر ليعمي البصيرة !
وكما المرأة ، كذلك الرجل ، لذلك لا مناص لهما من القصاص ! فالشهوة والمال ربَّا جسدهما الفاني ، باستثناء الذين يتمتعون بسيَّال نقي تقي صاف ، محافظين على طهارته السماوية ، ولما تشبه دنايا الأرض وسفالاتها !
والمال ؟ يا له من معبود حقير ، آمر ، ناه ، في هذا العالم الداهي ! كذلك توضح قصصه الكيفية والسبب لوجود بعض المخلوقات على الأرض كالنحلة والفراشة والوردة ، إذ لكل مخلوق قصة خَلْق !
ويميط اللثام عن حقيقة الموت ، فإذا هو وسيلة نقل سيالات إلى عوالم روحية ومادية ، ويُظهر الكاتب أن كل إنسانٍ يُعاقب ويثاب حسب ما يمليه عليه دينه .
فأبطال قصصه يتوخون الموت ويتمنونه ، إذ فيه خلاص سيَّالاتهم من عالم عشَّشت فيه الرذائل وكثرت الدواهي.
وكم من بطل قتل نفسه بقوس إخلاصه المِرنان ، إذ يعتبر الموت خيراً هاجماً ، بينما يظنه البشر شراً داهماً، فيبلغ سيَّاله المرتقى حيث الملتقى.
وتنتقل بخيالك مع الكاتب إلى كواكب علوية لن تخطر على فكر إنسان ، ككوكب فومالزاب والسادلاييم ، واسمانديون والماهيا هوبال ومايا ، فتتعرف على سكانها ، ونظام حياتهم ، وطريقة انتقالهم ، ومنجزاتهم وأشكالهم ، وأعمارهم وزمنهم ، وعاداتهم وتقاليدهم ، وعلى طيرهم ونباتهم ، ومائهم وسمائهم ، فتشاركهم اللذَّة بفكرك ، فكيف بك لو زرتهم بسيَّالك ؟
فمخلوقات هذه الكواكب الموغلة في المسافات الشاسعات ، والممتدة في الفضاء اللانهائي ، تزور عالمنا مزودة إيَّانا – إذا سمح لها بذلك ـ بمعلومات عن كواكبها ، تاركة أثراً ولو يسيراً من زيارتها الكونية ، وتأخذ بدورها تقريراً عن عالم البشر ومخلوقاته وكيفية بناء مساكنهم وآخر اختراعاتهم ومنشوراتهم الخ الخ …
وداهش الأديب يدهش عالم الأدب بمعجزات كتاباته الخارقة بكشف طوايا النفوس وفضح خبايا القلوب !
ما أن يتناول قلمه حتى تسيل كلماته على الأوراق سيلان الماء في الوادي ، فيبدع – وأيم الحقّ – أيما إبداع !
وليت شعري ! كيف يستطيع إخراج قصصه وأساطيره بهذه السرعة الفائقة ، والمستعصية على العقل البشري المحدود.
إني أخاله يفتح “جارور اللوح المحفوظ” ، فيطالع عناوين رئيسة من سفر حياتي ، أو أحسبه يُشاهد فلماً روحياً يُعرض له بشريّاً ، أو ترتعش فيه الروح فتُلهمه الشروح !
أضف إلى ذلك أن الزمان والمكان مطواعا سيال قلمه الجبَّار ، وحكمه البتَّار.
تطالع قصصه ، فتسلب منك النهى ، وتدهشك الرؤى ، ببسيط مبنى وعميق معنی.
وقد فاضت قريحته ، ونضحت يراعته بمقطوعات أدبية وردت على لسان أبطاله ، فزادت القصص سحراً على سحر ، وأخرجتها آيات خيال ووثائق جمال.
أما لغته فتسكرنا بجمال ألفاظها ، وببعدها البعد كله عن الزخارف البديعية ، والتصانيع الإنشائية ، وتشجينا أوصافه الفردوسية الخلابة، ويطربنا خرير عباراته المنسابة في جدول سرده الأخاذ بمجامع الأفئدة.
إنه ـ باختصار – سفر سهل القراءة ، عصي التقليد ممتنعُه.
وقد حلّق بخياله الواسع الشاسع في سماء اللامحدود ، ثم انقض على الحقيقة الواقعية المؤلمة انقضاض النسر على بغاث الطير ، ناهشاً حقيقتها المادية الواهنة ، مؤدباً إياها تأديباً روحياً عادلاً.
تنقاد له ، فيحدو لك حداء الماضي والحاضر والمستقبل ، بلسان معرفته الروحية : كشّافة المجاهل ، فصاحة المعميات ، علامة الغيوب، جوابة النفوس.
وإنني لأعلن جهاراً نهاراً إيماني الوثيق بالتقمُّص ، وبأن حياتي الحاضرة هي نتيجة حيوات ماضية ، وحصيلتها ستكون الآتية.
وللتقمص سر جوهري هو في خطوط نورانية من نسيج الروح ، وما الأجساد في الإنسان والنبات والحيوان والجماد سوى أزياء سيَّالات ترتديها – كما فصلناها – زمناً معيناً في عالم معين. فنحن إذاً من السيَّال نولد ، ويه نحيا ، وإليه أبدأ نعود !
وبما أن تركيبه جوهري ، نوراني ، إشعاعي ، فمن المستحيل رؤيته بالعين المجرَّدة ، فهو كالهواء موجود لكن غير منظور .
ومن المستحيل لأي بشريٍّ مهما بلغ فكره ، واهتدت روحه ، وطال نُسْكُه وسَمت نفسه ، ونقت سيَّالاته ، معرفة تقمُّصٍ واحد من تقمُّصاته السابقة ، لأن السيَّال يكتنفه النسيان ، فسبحان حكمة الديان في الإنسان.
ويتمتع كل منا بصفات عالقة من تقمصاته السابقة ، وما الحالات النفسية سوى صدى هذه السيَّالات في جسده.
وتوضح هذه القصص أن الإنسان ليس ارقى الخلائق ، بل أرقاها من كان أسماها في سيَّالها ، وأتقاها في إيمانها ، وأنقاها في أفكارها ، وأصفاها في نيَّاتها ، بغضِّ الطرف عن صورتها المادية.
وما تكرار الحيوات – خاصة في عوالم الماديات – سوى نتيجة للشرور والشهوات ، والميول والرغبات ، والاتجاهات والنَّزعات .
والرحمة الربَّانية تخوّلنا التردُّد إلى كواكب مادية آلاف المرات ، وإن هذا العدد لكاف في بلورة جوهر سيَّالنا ، وإفساح المجال لنا في بلوغ أعلى درجات النعيم درجة درجة ، حيث السعادة الأبدية ، أو الهبوط إلى أسفل دركات الجحيم دركة حركة ، حيث العذابات الدامية.
إذ يكاد يكون مستحيلاً عقلياً بلوغ بوذا وسقراط وعلي بن أبي طالب وغاندي مثلاً هذه الدرجة من الروحانية في تقمُّصٍ واحد !
قال بوذا الفيلسوف الهندي ، ومؤسس الديانة البوذية التي يعتنقها خمس مائة مليون بشري : «كنا بالأمس في هذه الحياة ، وقد جئنا الآن ، وسوف نعود حتى نصیر کاملين مثل الآلهة . .
وتعلمنا هذه القصص أن من أخلص يُخلص له ، ومن أحب يحب ومن أحسن يُحسن إليه ، ومن قَتَلَ يُقتل ، ومن سلب يُسلب . ومن أذى يؤذى ، فما زرعه الإنسان إياه يجني.
والحقيقة التي لا يختلف فيها مؤمنان ، أن كل خائن موقفه الشائن عليه حائن ، وأن الظالم إنما يظلم نفسه. . فالحيوات متعددة ، والقصاص متنوع ، والثواب مختلف ، والعدالة واحدة !
اما سيَّال الانتقام فيسري في جسد الإنسان أو الحجر أو الشجر أو الشيطان نفسه إذا لزم الأمر . فكما يتكلم الإنسان ، تتحاور النباتات ، وتتحدث الجمادات ، وتنطق الحيوانات ، وإن تباينت اللغات !
طوبى لنا – نحن الداهشيين – الذين سمحت لنا سيالاتنا بمعرفة غابرنا ، فأدركنا أن عمل الإنسان يحدّد سيَّاله ، وسيَّاله يحدّد عالمه ، وعلينا أن نتضرَّع إلى الله – جلَّت قدرته – بآياتِ الحمد والشكر ، لأننا نعيش مع داهش ، وفي عصر داهش، وفي عالم داهش، فنتبصر بعجائب داهش، ونطالع نفائس داهش !
أما أنت يا قارئ هذه القصص ، فتفكر بها وتأمل …
فالإضاءات وراء الكلمات ، والدوحات في بدرات ، والمغزى خلف المعنى ، والعبرة طي العبرة.
واعلم علم اليقين بأن لك حيوات ماضية وآتية ، فاضبط نفسك ، وطهر سيَّالك ، لأنك لا تدري متى توافيك المنيَّة.
وأنتم يا فلاسفة الحياة ، ويا عشاق الحقائق ، ويا نساك الصوامع ، ويا بحاثة العلوم ، ويا جهابذة الأدب :
إستقوا الحقائق الروحية الكبرى من سفر التقمُّص الرائد :
” قصص غريبة وأساطير عجيبة “.
بيروت في ١٩٧٩/٥/١٢
دناءة قُنْصل
وقعت حوادث هذه القصة الحقيقية سنة ١٩٣٣ م
شاب في العقد الثاني من عمره ممتلى نشاطاً وحماسة ، كبير الأمال ، بعيد المطامح ، لكنه لم يخبر الحياة وغدرها ، وما تكنّ في أطوائها من مكر ونفاق ورياء . وليست ( الحياة ) هي الفاسدة بل البشر هم الفاسدون.
كان بطل روايتنا ( نوسترادميس ) رساماً بارعاً يُشار له بالبنان . وقد أغرم بهذا الفن الجميل منذ عهد باكر ، فدرسه على أيدي أساتذة برعوا في فن التصوير ، وطبقت شهرتهم الأفاق ، ففاقهم . وكم من الساعات أمضاها مكباً على لوحة التصوير ، والريشة لا تفارق يمناه.
وكانت الجموع تتوافد على منزله بقصد التوصية على بعض الرسوم . وعندما تأكد لنوسترادميس أنه أحاط تماماً بدقائق أصول فنّه الجميل ، فقد شعر أن مدينة القدس مسقط رأسه ضاقت بمطامحه الكبيرة وآماله الواسعة ، وتقلصت آفاقها أمام عينيه ، ففكر بمغادرتها إلى مدينة أخرى تكون أرحب مجالاً ، ويمكنه أن يبرز فيها ويشتهر كما هي أمنيته . وقد صمم فعلا على هذا الأمر ، وبات يرقب الفرصة المناسبة لمغادرة مدينة القدس إلى أرض الفراعنة : مصر .
مستر ( هولي ) رجل بدين ، قبيح المنظر ، ضخم الأنف ، قصير العقل . وُظِف في دائرة الأشغال الحكومية قبل عشر سنوات ، لكن الأيام لم تزده حنكة كما كان المأمول ، بل ازداد عقله ظلاماً على ظلام، فأصبح في ادلهمام.
أحب المستر هولي فتاة صغيرة السن ما تزال طالبة في مدرسة بإحدى القرى . وقد تعرف بها عندما أوفدته الحكومة في مهمة إلى تلك المدرسة ، فاتفق أنه وصل في الفرصة التي تخرج في أثنائها التلميذات لقضاء فترة استراحة ، فشاهد بعينيه الصغيرتين فتاة طويلة القامة ، تميل إلى الشقرة قليلاً .
ويبدو أن كيوبيد كان حاضراً في تلك اللحظة ، فصوب سهمه إلى قلبه فأصابه ، وولد فيه حباً فجائياً غير منتظر …
من ذلك اليوم جعل المستر هولي يتردّد ، في أغلب أوقات فرصه ، إلى تلك القرية ، ويخلق المناسبات التي تخوله الدخول إلى المدرسة والاستمتاع بتملي سالبة لبّه .
وقد استفسر بطريقة غير مباشرة عن فتاته وعائلتها وعمرها ، وكل شاردة وواردة يستفيد منها . وبمرور الأيام، ومساعدة الظروف الخاصة ، استطاع أن يكلمها ، فبادلته الكلام بالمثل ، وأصبح هذا الأمر شيئاً عادياً .
وقد اتفق الاثنان على أن يعلما أهلها بأمر حبهما ، ووجدا أن العطلة الصيفية أفضل فرصة مناسبة لذلك . وشعرا أن الأيام التي تفصلهما عنها طويلة ، فأخذا يعدانها ، معللين نفسيهما بأن لكل درب نهاية . وأخيراً ، أقبلت العطلة الصيفية ، وذهبت فتاتنا إلى منزلها العائلي لتقضيها فيه.
جانیت
جانيت فتاة في العقد الثاني من عمرها ، طويلة القامة ، بيضاء اللون ، ذات جاذب مقبول . وقد أمضت ثلاث سنوات في الحياة المدرسية ، لكن هذه المدة بدل أن تحسن سلوكها المنحرف السابق زادته اعوجاجاً ، ولقحته بسوء الأدب والكلام البذيء ، والأمور المنافية للشهامة والمخلّة بالكرامة ، مما يدلُّ على فساد منبتها وسقيم تربية والدتها لها. وهكذا انتقلت من سيء إلى أسوأ مما جعل أساتذتها يضجون بالشكوى منها.
وقد طُرِدت ثلاث مرات ، وفي كل مرة كان يتوسط لها أحد الأشخاص المحترمين ، فترجعها إدارة المدرسة رحمة بمستقبلها ، وعلى امل إصلاحها … ولكن ، هيهات هيهات ، فإن كل هذه المحاولات ذهبت هدراً وهباءً.
ولا شك بأن القارئ اللبيب عرف من هي هذه الحيَّة الرقطاء . إنها نفسها التي وقع في شراكها تعس الحظ والمستقبل المستر هولي .
ورقصت جانيت طربًا أمام والديها عندما أعلمتهما برغبة المستر هولي ، قائلة لهما :
لقد خبرته يا والدي، وعجمت عوده ، فرأيته سخيف العقل لدرجة متناهية ، ولهذا أبشرا فإنني في الغد القريب سأقوم بكل ما تتطلبانه مني ، أي بعد زواجي . وأنت يا والدي ، سأحقّق حلمك بشرائي لك الماكنة الزراعية التي كنتُ أسمعك تردّد أن ابتياعها هو أمنيتك ..
ففتل الأب شاربه الأيمن بيده اليسرى مُبتسماً ، وازداد وجهه الأرقش احمراراً من نشوة الفرح ، وربَّت بيده على كتفها تحبباً ، قائلا لها :
– لا عَدِمْتُكِ يا بنية ، وحقّ أبيك إنه لصيد دسم .
ونام الثلاثة بجفون مطمئنة قريرة ، مُنتظرين دنو ساعة الصباح ليتمُّوا حَبك مؤامرتهم على المستر هولي .
الزواج
ذهب المستر هولي إلى منزل عروس المستقبل ، حاملاً علبة جميلة المنظر، وقرع الجرس . وإذا بشخص أحمر الوجنتين كأنما صفع عليهما عشرات الصفعات ، وإنما كان والد الآنسة جانيت الحسنة السلوك . فاستقبل المستر هولي بوجه باش هاش ، وابتسم المستر هولي ابتسامة عريضة انفرجت لها شفتاه عن أسنان صفراء وبعد أن تأبط ذراعه أدخله الى حيث جانيت ووالدتها التي تجاوزت عقدها الخامس غير المبروك.
جلس الأربعة وتباحثوا في أمر الزواج وما يلزمه من إعداد ومعدات ، وحدَّدوا موعد الزفاف بعد عشرة أيام . ولما تساءل الوالد :
ترى، أليس هذا الميعاد قريباً ؟
صاحت به جانيت ، رامقة إياه شزراً بطرف عينها اليمنى :
كلا، بل هذه المدة تُعَدّ طويلة
فانصاع حضرة الوالد الشديد لهذا الحكم السديد.
ومضت الأيام سراعاً ، وعقد الزواج في اليوم العاشر بين زغاريد الوالدة ذات الصوت الجرسي والأقرباء المتعددين.
وهكذا حصل المستر هولي على جوهرته جانيت التي نشأ حبُّه لها من نظرةٍ سطحية ليس إلاَّ.
نوسترادَمیس
لما كان هم المستر هولي الوحيد عمل كل ما يحوز رضاء فاتنته ورخاءها ، أحبَّ أن يُفاجئها بأمر يجمع بين الغرضين.
وإذ كانت شهرة نوسترادميس في فنِّ التصوير قد بلغت الحد الأقصى ، حمل المستر هولي صورة العرس التي تصوَّراها في يوم الزفاف ، وذهب بها إلى هذا الفنَّان وعرضها عليه ليرسم له استناداً إليها رسماً زيتياً مُكبراً يُفرغ فيه كل فنِّه . وقال له :
لك مني أي مبلغ تطلبه لقاء إتِّقانك هذا الرسم لي ، فأفرغ جعبة فنّك بعمله ، واقض الأيام التي تريدها في سبيل إنجازه على الوجه الأكمل.
وبعد عشرة أيام طوال قصد المستر هولي الرسَّام ، وإذا به يرى في صالة المنزل الصورة بعينها ، ولكنها مُكبرة تكبيراً جميلاً لم يكن ليحلم أن بامكان أي فنَّان أن يأتي بمثله . فوقف مكتوف اليدين ، مفتوح الفم ، شاخص البصر إلى هذه المعجزة الفنية ، وهو مدهوش غاية الدهشة من هذا الاتِّقان التَّام . وأكبَّ على وجنتي الفنَّان يقبلهما مُظهراً اغتباطه وامتنانه . فكان تأثر نوسترادميس بالغاً لتقدير المستر هولي ؛ وعندما عرض عليه ثمن الرسم لم يأخذه ، إذ قال له :
– خمسة أعوام أمضيتها في هذا الفنّ الجميل ، وفي أثنائها لم يقدر أحد أي رسم من رسومي مهما بلغ إتِّقانه سواك . ولهذا اسمح لي ألاَّ أخذ ثمناً لرسمي هذا ، وعُدَّه هدية العرس مني إليك.
فشكره شكراً عميماً وخرج مسروراً وأيّ سرور.
ونشأت بعد هذه الحادثة صداقة متينة بين الاثنين ، فكانا يتلاقيان أغلب الأحيان .
الطلاق
ما هي إلا خمسة أشهر، وعند انتهائها كُشِفت الحقيقة أمام عيني المستر هولي ، فرأى … ويا لهول ما رأى ! ..
فقد اعتاد أن يذهب بمهمة تقتضيها وظيفته في مطلع كل شهر ، فيغيب عن منزله يومين ليعود بعدهما.
ونسي ، في هذه المرة ، بذلة يتطلبها غيابه ، فعاد إلى المنزل ، لكنه لم يجد فيه زوجته جانيت . فاستغرب الأمر ، وسأل الجيران عنها ، فأجابوا بأنهم لا يعرفون الوجهة التي قصدتها . فذهب إلى منزل والديها ، فقالا له : ربما نزلت إلى السوق . ولكنه لم يقتنع بهذا ، بل قصد جميع المنازل التي اعتادا أن يذهبا إليها ، ليرجع ، بعد جولته الواسعة ، بُخفَّي حُنَين.
وحار في أمره وبينما هو مستغرق في هواجسه إذا سيارة تمر بسرعة خاطفة ، وقد لمح فيها زوجته بصحبة شاب لم يتبيَّن ملامحه تماماً . وفي اللحظة نفسها مرت أمامه سيارة أجرة ، فاستوقفها بعصاه المدنية ، واستقلَّها ، واستحثَّ السائق على الانطلاق بأقصى سرعته ، واعداً إياه بجزيل العطاء . فاندفع السائق مُطلقاً لسيارته العنان ، فمضت تسابق الرياح ؛ وبعد أن عطف في مُنعطفات عديدة تابعاً السيارة الأولى ، استوقف سيارته فجأة ، بعد أن وقفت السيارة المطاردة ..
ونزلت جانيت يتبعها الشاب المجهول ، ودخلا منزلاً فتحه الشاب بمفتاح أخرجه من جيب معطفه.
انتظر الزوج المسكين عشر دقائق على أحر من الجمر ، وهو يدور حول البيت لعله يرى منفذاً يستطيع الولوج منه إلى الداخل ، ولكن بحثه كان بدون جدوى .
أخيراً استرعت نظره كوَّة مرتفعة يمكنه إذا وقف على السيّارة أن يشاهد من خلالها ما في الداخل. فنفَّذ فكرته سريعاً باعتلائه السيَّارة ، ناظراً الى داخل الغرفة .
وإذا به يرى زوجته مع الآخر بحالة مريبة ، فلم يتوان في كسر الزجاج بقبضة يده . فذُعر الاثنان ، ونظرا إلى فوق ، فرأيا رجلا أشبه بالوحش وقد أدخل رأسه في فجوة الزجاج المحطَّم ، ونزفت الدماء من جروحه التي أحدثتها شظايا الزجاج المتطايرة ورؤوس بقاياه الحادة.
وسرعان ما عرفت الزوجة زوجها ، فهرولت هاربة ، مُستنجدة ، مرعوبة ، ولحق بها الشاب خائفاً مذعوراً ، وامتطيا السيارة مُسرعين إلى جهة غير معلومة.
بعد هذه الحادثة قُطِعت الصِّلات الزوجيَّة ، إذ إن المستر هولي تابع قضيَّته هذه في المحكمة الكنائسيَّة ، وطلَق امرأته التي ثبتت خيانتها له بدليل لا يعتوره الشَّك مُطلقاً.
وقد اعترفت الزوجة أمام المحكمة الكنائسية بفعلتها ، فجاز الطلاق ، وقد حرَّقت الأرم غيظاً وأسفاً ، وودَّت لو كان بالامكان أن ترجع إليه ثانية ، ولو خسرت في هذا السبيل أيّ أمرٍ عزيز ؛ ولكن أنَّى لها ذلك بعد ثبوت خيانتها الهائلة !
جانيت و نوسترادَميس
ذهبت جانيت إلى الرسام نوسترادَميس ، راجية ، باكية ، مُسترحمة ، وقصَّت عليه ما حدث بينها وبين زوجها ، متوسِّلة إليه أن يتكلَّم معه ويلطّف نقمته ليرجعها إليه.
وقد طلبت منه هذا الأمر لعلمها بالصداقة المتينة التي بين نوسترادميس وزوجها هولي ؛ وصوَّرت له نفسها ضحيَّة مسكينة لسوء فهم زوجها ، وليس لها من نصير ، وأكدت له أن الشاب الذي رآه زوجها معها لم يكن سوى ابن عمها ، وقد صحبته إلى منزله كما ترافق أية فتاة ابن عمها . فوعدها خيراً ، قائلا لها :
اليوم أكلم صديقي المستر هولي. وإذا كان الأمر كما ذكرته ، فحلُّ المشكل بسيط ولا يحتاج لأي مجهود.
وفي الواقع ، ذهب نوسترادَميس في الليلة نفسها، إلى صديقه هولي ، وتكلّم معه بهذا الشأن ، راجياً إيَّاه أن يرجعها إليه، ولكن المستر هولي أفهمه أن هذه الحيَّة السَّامة كذبت بما أخبرته إيَّاه ، وأن ليس لها أي ابن عم ، وقد شاهد بعينيه دناستها ورجاستها ، وختم حديثه معه بقوله :
– إذا كنت تريد لي امرأة مومساً ، أمسكتها بالجرم المشهود ، فقل . ولكني لا أظنّ أنك ترضى لي هذا الأمر.
فأجابه :
إن كانت هذه هي الحقيقة، فإن الأمر لخطير، وأنت أعلم بحقيقة الحال ، ولك ما تشاء.
وانصرف مودعاً إيَّاه .
وفي اليوم الثاني أتت جانيت إلى منزل الفنَّان وسألته عمَّا تمّ بأمرها ، فأخبرها بحقيقة ما حصل ، فكظمت ما بنفسها من غلٍّ وحقد ، مرجئة نفث سمُِّها الزعاف الى الوقت الذي تحين فيه الفرصة المناسبة . وقد ظنَّت أنه لم يُشدّد على زوجها بقبولها ، ولهذا أضمرت له كل شرّ.
وقد خرجت مودِّعة إيَّاه ، شاكرة بالظاهر ، ومُضمرة له كل أذيَّة في سرِّها.
نوسترادميس في مدينة القاهرة
بعد هذه الحادثة بأربعة أشهر سنحت الفرصة لنوسترادميس بالسفر إلى القاهرة . وقد هبط تلك المدينة التاريخية الرائعة ، وكله آمال بالمستقبل . وقد سبقته شهرته الفنيَّة إلى تلك الديار ، فأقبل عليَّة القوم على رسومه يبتاعونها بأفحش الأثمان ، وأطنبت الصحف في وصف لوحاته الفنيَّة وصفاً يحسده عليه الفنَّانون الكبار أنفسهم . وبالطبع وصلت الصحف إلى البلدان العربية كافة ، واطلع عليها القاصي والدَّاني ، ومن جملتهم السيّدة جانيت، أخبث امرأة عرفها العصر الحديث.
وكانت عند قراءتها لوصف بعض اللوحات يهتز كل جسمها غيظاً وغضباً منه ، وذلك ، حسب ظنّها، لأنه لم يساعدها في مسألة إرجاعها إلى زوجها هولي.
جانيت وأحد القَنَاصل
لما ضاقت سُبل العيش في وجه جانيت، ونبذها أهلها وطردوها من منزلهم، وبعد أن تبذَّلت في سوق العوام ، ورأت نفسها أحطّ من أيّة امرأة ساقطة أخرى ، اسودَّت الدنيا في عينيها، وأحبَّت أن تجرّب حظّها بالسفر إلى الخارج.
ولما رأت مبلغ النجاح الذي أحرزه نوسترادميس في مدينة القاهرة ، قالت بنفسها : لماذا لا أذهب إلى هذه المدينة، وأحترف الرقص في إحدى الصَّالات ، وخصوصاً أنني أتمتَّع بشيءٍ من الجمال ، وقد أحصل ، بهذه الطريقة ، على ما تشتهيه نفسي من أشياء كثيرة . وصمَّمت على هذا الأمر .
وفي اليوم الثاني ذهبت إلى القنصل كي تؤشر على جواز سفرها .
ولما كانت شروط القنصليَّة لا تسمح بالسفر إلا لصاحب مهنة معروفة ، سألها القنصل عن المهنة أو الغرض الذي تريد السفر لأجله إلى مصر ، فأجابت بأنها تريد احتراف الرقص في إحدى الصالات.
وعندما استوضح منها عن الأسباب ، وعرف أنها طالقة من المستر هولي ، وراها شابة ما تزال في مُقتبل العمر وذات جمال ، أحبَّ أن يغتنم الفرصة ويُبقيها لنفسه . وما أن أعلمها برغبته في غير حياء كأحد أبناء الشوارع المتشرّدين ، لبَّت طلبه مُسرعة ، غير مصدِّقة ما تسمعه أذناها.
ومنذ هذا التاريخ نشأت العلاقات الأثيمة بينهما، وما لبثت أن توطَّدت بعد ذلك.
وبينما كانت تطالع إحدى الصحف المصرية ذات يوم ، إذا بها ترى رسم نوسترادَميس مع إحدى لوحاته الفنيَّة ، وقد أطنبت تلك الصحيفة بمديحه . فقفزت عن مقعدها قفزة دعت القنصل الجالس بجانبها يقف ويمسكها من يدها مُستفسراً عمَّا بها ، فقالت له :
– إذا كنت تحبُّني فعلاً فحقّق لي هذه الأمنية التي طالما جاشت في صدري.
وأخبرته أن زوجها كان سيرجعها لولا تحريضات نوسترادَميس له بعدم قبولها ، وغير ذلك من الأكاذيب . وقالت له :
إذا كنت تحبُّني فعلاً ، فاستعمل وظيفتك واسطة لإخراج نوسترادَميس من مصر . وإن لم تلبِّ طلبي هذا فسيتأكَّد لي ، إذ ذاك ، أنَّك تتظاهر لي بالحبِّ تظاهراً صُوَرياً فقط.
فوعدها بانجاز ما طلبته منه ، وأخبرها بأن الأمر بسيط لا يحتاج إلى مجهود كبير .
وفي اليوم التالي نرى القنصل الذي حلف اليمين المُعظمة أمام مليكه لسلوك طريق الصّدق والاخلاص وعدم استعمال وظيفته للإضرار بالغير ، نراه وقد ضرب بهذه اليمين عرض الحائط في سبيل امرأة . وهكذا تصدق كلمة نابليون التاريخية الخالدة : ( فتش عن المرأة ).
جلس هذا الكاذب الأفَّاك بينما جلست خائنة العهود الزوجيَّة أمامه ، وأملت عليه ما تريد ، وكتب هو تقريراً حشاه بأكاذيب متعدِّدة بدون أن يردعه رادع الضمير أو الشرف . وختم تقريره بإمضائه ، ووضعه في غلاف مرسلاً إيَّاه إلى وزارة الداخلية لتَطَّلع عليه حكومته
نوسترادميس والحكومة المصرية.
لما اشتهر أمر نوسترادَميس في القطر المصري أكْبَرَ رجال الدولة المصرية قدر هذا الفنَّان ، وأقبلوا على رسومه يفتنونها . وقد توطَّدت الصداقة بينه وبين أحد كبار موظفي الداخلية.
وذات يوم ، قرع جرس التلفون ، وكان المتكلّم ذلك الموظف الكبير . قال له :
– مما لا شك فيه أن لك عدواً في الخارج.
لكنه لم يحبّ أن يذكر له اسم هذا العدو بموجب وظيفته الحكومية . وتابع قائلاً :
لقد تسلَّمت الحكومة اليوم تقريراً بشأنك ، وإني مُوقن تمام اليقين بأنَّ هذا التقرير كُتِبَ لغاية لا أدريها . وأحبّ أن ألفت نظرك إلى هذا كي تحتاط للأمر.
وإذا كان لك أعداء فأخبرني بأسمائهم.
وكان بأسئلته هذه يريد سماع اسم القنصل من فمه ليتأكَّد له أنَّه عدوّه. ولكن نوسترادميس لم يذكره له ، إذ أنَّى له أن يعرف بأن القنصل قد انقلب عدواً له بغير سابق معرفة ! أو أنَّي له أن يعرف بأن مُطلقة المستر هولي أصبحت خليلة للقنصل ، وأنها باتت عدوّة لدودة له بغير ذنب جناه !
كل هذه الأمور المجهولة لديه دعته لأن يذكر لذلك الموظف عدم وجود أي عدو له .
اخيراً ، قال له الموظف :
أولا تذكر أن لك عدواً في الخارج ، واسمه يتألف من أربعة أحرف . ، وهو موظف حكومي ؟
فأجابه :
– لا أعرف أي موظف حكومي أو غير حكومي يكنُّ لي العداء .
فكان جوابه الأخير .
احترز فإن أعداءك يعملون في الخفاء للايقاع بك.
ومضى فصل الشتاء ، وحلَّ فصل الصيف وهو فصل شديد الحرارة في مدينة القاهرة ، فغادرها نوسترادَميس إلى لبنان، مُصمِّماً على العودة إليها في الشتاء القادم .
منع السفر إلى مصر
ومضت الأيام ، وتصرَّمت الشهور ، وحلَّ فصل الشتاء ، فأحبَّ نوسترادَميس أن يرجع ثانية إلى المدينة التي قضى فيها أشهراً قليلة . فذهب إلى القنصل غير الشريف في قسمه ليُؤشر له على جواز سفره.
ولما قرأ هذا الموظف اسم نوسترادَميس على جواز السفر هبَّ واقفاً كأنَّ أفعى لدغته ! وكانت وقفته الفجائية كوقفة عشيقته في السنة الماضية ، عندما قرأت إطراء احدى الصحف اليومية ، كما ذكرنا ، لأحد رسومه الفنيَّة . وسأله :
اأنت نوسترادَميس ؟
فاجابه :
نعم ، أنا هو . فما هو وجه الغرابة ؟ إذ إنَّني أرى أسارير الاستغراب بادية على جبينك !
فقال :
– لا شيء . ولكنَّني لا يُمكنني أن أعطيك تصريحاً وأؤشّر على جوازك إلا بإستئذان من وزارة الخارجية المصرية.
وفعلاً ، قدَّم له ورقة كي يُعبئتها ، فملأها ، وسلمها له.
وكان القنصل قد طلب من الحكومة الا يُعطى نوسترادميس تصريحاً بالسفر ، وذلك نزولاً عند رغبة عشيقته التي قالت له – عندما أعلمها بزيارة نوسترادميس للقنصلية بقصد التأشير على جواز سفره :
إختر أحد اثنين : إما التأشير له وتركي إيَّاك ، وإما عدم التأشير له وبقائي معك.
ففضَّل الأمر الثاني على الأول . وإنما هذا يدل على نفسه الوضيعة وأصله غير الشريف ، وعدم تروي ولاة الأمور بتوليته هذا المنصب، وهو الرجل الحانث باليمين ، غير الكفؤ بتسيير الأمور كما تتطلبها الذمَّة الوفيَّة والأمانة الحقيقيَّة.
ولكن لتبقى هذه الحادثة كعبرة وذكرى للتاريخ ، وبناء على طلب القنصل من حكومته عدم السماح لنوسترادميس أتى التصريح بالرفض .
نوسترادَميس والقنصل
استغرب نوسترادميس الأمر، ورأى أنه لا بدَّ من أن يكون وراءه سبب خَفي . وإلا فما معنى عدم السماح له بالدخول إلى مصر ؟؟ مع العلم بأن كبار رجال الحكومة يعرفونه معرفة أكيدة ، ولهم به ثقة تامَّة . وقد قلَّب هذه الظاهرة الغريبة على وجوه متعدّدة، فرأى الأمر غريباً ، حقاً ، في بابه.
وفي النهاية عرف حقيقة ما يجري ، بعد أن علم أن مُطلقة المستر هولي ، ومتبذّلة الشوارع بعد طلاقها، هي عشيقة القنصل اليوم .
فذهب إلى القنصل ، وأخبره حقيقة الأمر، وأن المنع منه لا من الحكومة المصرية ذاتها ، وأن القنصل يتَّبع تعليمات تلك المومس المعروفة حتى عند زبالي شوارع هذه المدينة . فقال له القنصل :
لقد تمَّ الآن ما تّم ، ولا يمكنني الرجوع عمَّا أقدمت عليه زوراً وبهتاناً . ولكنه كان يضمر له غلا وحقداً مكيناً ، ولو استطاع أذيته لما تأخر .
جانیت وأسرار القنصليَّة
أما المومس المتبذلة جانيت فقد صالت وجالت ، وأصبحت أسرار القنصلية عندها مُبتذلة بفضل قنصلنا الكليّ الشرف . وكانت تلقي بكلِّ ما يتعلّق بأسرار القنصليَّة ، مما كان يتفوّه به حضرة بطلنا في أثناء سكره ، لمن كانوا يتردّدون عليها ، قبل معرفته بها ، من ماسحي أحذية ، وسائقي سيارات وعربات ، وشيالي خضار ، ومن على شاكلتهم ، وصاحبنا على غفلة ، وأصحاب الأمر والنهي غافلون عنه.
وعندما رأى حضرته أنه أصبح مقَّيداً بها ، وعجز عن تحمل نفقاتها الطائلة ، أحبّ التخلُّص منها ، فطلب إجازته ، فأُعطيت له . وقد سافر ليقضي عطلته بين أهله الذين تربَّى على أيديهم .
ولكن ، هل استطاع التخلُّص منها ؟ كلا. بل إنها تبعته إلى هناك.
وأحب الهروب من وجهها فذهب إلى الخرطوم .
لكن بمضي الوقت ، كان حب هذا الوغد قد تأصَّل في نفس خائنة الزوجية ، فأرسلت إليه رسالة تخبره فيها بأنها تنتظر مجيئه ، وأنها ستقتل نفسها إن لم يأت ، وعبارات أخرى كهذه ، ندع نشرها إلى حين آخر بالزنكغراف ، كما جاءت في رسائلهما المتبادلة.
وعندما رأى أنها قد اطَّلعت على أسرار حكومته ، وإذا صمَّم على تركها ، فعلاً ، فإنها لن تتوانى في إذاعة أخباره وأسراره لحكومته نفسها ، فقد وجد أن من الحكمة أن يجاريها في ما تطلبه ، فتزوّجها بعد أن أَسْلَمتْ ظاهرياً ، ورجع بطل الخائنين الساقطي الذمّة والشرف مع بطلة العهر والرذيلة.
وهما إن طالت حياتهما فلوقت محدود معدودة أيامه . وبعدها ينقصف عمرهما، ويعضّان البنان أسفاً على ما اقترفته أيديهما الملوثة بالجرائم التي تقشعر منها الفضيلة .
وستجد بعدها نوسترادميس واقفاً يضحك بملء شدقيه على هذين الوغدين السافلين ، وستنتصر الفضيلة على الرذيلة ، وسنرى أي منقلب ينقلبون.
القدس ۲۰ أيار ۱۹۳۳
مقدمة قصصٌ غريبة الجزء الرابع
مقدمة
بقلم طوني شعشع
ما تزال الأساطير أفقاً رحباً للتأملات الفكرية، الممعنة فيها تعليلاً و تأويلاً… و ما تزال النفوس البشرية- على ذيوع الثقافة العلمية-مولعة بها، و بكل غريب فيها، فكأن ثمة حاجة، فيها، لم يشبعها العلم، بالرغم من عظيم مآثره؛ أو كأن ثمة آثار ما برحت كامنة فيها منذ طفولة الشعوب!…
و إذا رأى بعضهم أن زمن الأساطير قد تولى، فإن الأسطورة ما فتئت، في مجال الفن، باباً مشرعاً لبثّ فكرة أو عقيدة،و لا سيما إذا تعلقتا بموضوعات روحية. ولعل الفكرة، متشحة بالخيال، أفعل، في النفس، منها مجردة من كل صورة.
و لا يخرج كتاب الدكتور داهش” قصص غريبة و أساطير عجيبة”- في أجزائه الأربعة-عن هذا المنحى. فالرجل صاحب عقيدة روحية، لها أشياعها و مؤيدوها، همه الحقيقة التي بها يؤمن، والقيم التي بها يدين، يجلوها سافرة بلا أصباغ و لا مساحيق، و إن هي آلمت نفوساً أو تنكرت لها نفوس…لنسمعه يقول، في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب: ” الحقيقة أحق أن تذكر دون أن يسدل عليها رداء الرياء…إن على الكتاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها.”
و عليه فليس القارئ،ههنا، مدعوا إلى رحلة في دنيويات الخيال، فحسب.ثمة ما بين السطور، فكرة روحية أو عبرة خلقية، وإن كان بعض ما في الكتاب لا يخلو من متعة الفن!
و الحق أن مطلب الحقيقة ليس شأناً عارضاً في أدب الدكتور داهش. فمن يرجع إلى حياته الأدبية، لا يصعب عليه الاهتداء إلى هاجس”الحقيقة” الذي لازمه واستولى على كيانه.”الإلهات الست” – وهو من بواكيره-نشيد روحي حزين يصعده شاب غريب الأطوار، برزت له الدنيا بمفاتنها، فأشاح عنها الطرف،رغبة منه في الحقيقة المطلقة التي لا موطئ قدم لها على هذه الفانية!
على أن ما يميز”قصص غريبة و أساطير عجيبة” صفة الغرابة فيها. و قد يصعب على العقل البشري، أول بدء، قبول ما تشتمل عليه من آراء. و ربما ظن القارئ أن هذه الآراء بعيدة عن التصديق، بحجة أنها ” غريبة” أو غير مألوفة لديه، فيسبق إلى روعه أنها نسج خيال. و الحق ان نظرة خاطفة إلى تاريخ البشرية كافية لتؤكد له أن الحقائق التي كانت، أولاً غريبة على الأفهام، فجبهت بالرفض الصارخ، أمست من بديهيات الأمور. ومن يدري؟! لعل أغرب الأشياء أقربها إلى الحقيقة!!
و لعل الغرابة تتصل وثيقاً، عند الدكتور داهش، بالغربة. فما أكثر ما تظلّم و تألّم من غربته الروحيّة على هذه الغبراء، يحدوه الحنين القاهر إلى وطن روحيّ بهيّ بعيد. وليس إلجافه في نشدان الموت-حتى أهدى إليه أول مؤلّفاته المطبوعة:”ضجعة الموت”- و مناجاته إياه بأرق الألفاظ و أعذبها إلاّ صدى لازماً لتلك الغربة الروحية:”نعم!أنا غريب في هذه الحياة الغريبة عني!…غريباً أتيت إلى هذا العالم… و غريباً أغادره!” ترى، ألا يسوغ القول، و الحالة هذه، إن تلك الغربة الروحية هي التي أتاحت له أن يرى الأمور ما يبدو غريباً؟ ألا يلزم من كونه غريباً في وجوده، أن يكون غريباً في آرائه؟ فكأن تلك الغربة شقت له نافذة يطلّ منها على آفاق لا عهد لعقول البشر بها!
***
و يا أيها القارئ، ثمة مصباح تستطيع به ان ترتاد عالم داهش، و تستبين آراءه في كثير من مناحي هذه الدنيا ، و ما بعد هذه الحياة؛مصباح لا يصعب حمله على أحد، و الطواف به، و ربما انكشف لبعضهم، في ضوئه ما خفي على سواه، بيد أن أسوأ القارئ، طرّا، من اتخذ أداة سلوة أو متعة،فحسب.
و إذا ولجت،أيّها القارئ،عالم داهش، فقد يخالجك شعور بأن الأشياء من حولك تضج بالحياة، و ان م الحيوان ما تفوق ملكات إدراكه ملكات إدراكك، و أن بينك و بين الكائنات و شائح أكثر مما يخيّل لك،و أوثق: فقد ترنو على الحجر المهمل، فلا ترى إليه شيئاً جامداً، بل دنيا صغيرة لها نظامها، ولها ثوابها و عقابها؛ و قد تنظر إلى الزهرة النامية، في زاوية الدار، فتستغرق في لحظات تأمل عميق، و تسأل نفسك: أتراها تعي ما يراودني من ذكر؟ و هل بيني و بينها أسباب لا اعرف منها غلاّ إنها، الآن، نبتة في داري؟! و قد تصادف كلباً هزيلاً عليلاً، عند عطفة شارع، فتحملك أجنحة الحياة إلى أدوار حياة سابقة، و تتساءل: ما الذي اجترحه هذا المخلوق حتى استحق هذا المصير الذريّ؟!….
و من جراء ذلك، و قد تستبدل بقيم السلوك، عندك، قيماً جديدة، فتحترم الأشياء، إذ عن لكل موجود معنى وجوده، و لا محلّ للمصادفة في العالم، بل ثمة أسباب تضرب جذورها في تربة الزمن البعيد، عبر تقمصات متعددة معقدة.. كل ذلك وفقاً لقانون العدالة الإلهية: فلا عقاب او ثواب إلاّ له أسبابه القريبة أو البعيدة . و لعلّ بعض ما يحسب شراً، منقلب ،يوماً إلى خير عميم.
و لا بد من إن يستوقفك، في عالم داهش، شأن المرأة في الأرض وسلطانها على القلوب و مطلب السلطة عندها؛ و تستوقفك ثورته الطاغية على خيانتها، و على خرافة حب، و إكباره اللذين تجسدت فيهم قيم الصدق و الإخلاص والوفاء…و قد أشاطره الإيمان بأن زنبقة الحب البيضاء لا تنمو في تراب الأرض، و إن المرأة-الحلم أجمل من المرأة- اللحم و الدم، و أن أنقى الحب و أبقاه ما لا يحقق على الأرض مرتجاه!…
و لعلك واقع، في الكتاب على قصص معروفة ، منها التاريخيّ أو الأدبيّ او الشعبيّ… غير أن يراعة المؤلف أضفت عليها، بصياغتها ثانية، و بما حذفت منها أو أضافت عليها، رونقاً فنياً جديداً. هذه اليراعة لا بد أن تأسرك بسردها الحوادث، ودقة وصفها، حتى كأنك ترى المشهد رأي العيان؛ و لا بد أن تملك عليك مشاعرك و أنفاسك، فتجري في إثرها، يرفدك شوق ملحاح إلى الخاتمة التي غالباً ما تأتي غير متوقعة؛ فكأنك، مع تلك اليراعة تسير على أرض المفاجآت.
و بعد، لا غرو أن التأمل في النجوم المتألقة عينها، خير من النظر إلى ظلالها المرتسمة على وجه البحيرة! ثم، أما حان موعد الرحيل في عالم داهش، أو في بعض أرجائه؟.!…
طوني شعشع
في 3/8/1983
حقيقة مفزعة
أحبها منذ كانت طفلة، و كان حبه لها عظيماً؛ فهي له كل شيء، ويدونها هو حيّ ميّت!
كان يترصد الساعات التي يتاح له فيها الاجتماع بها، فيهبها حبه العارم و شوقه الحميم.
و راحت الأيام تزحف و الأعوام تفنى… و إذاها صبية رائعة الفتنة، متأججة العاطفة، ذواقة، فضلاً عن ثقافتها الواسعة و حبها للفنون الجميلة.
أما عائلتها فمن اعرق العائلات حسباً و أوطدها نسباً.
و أحب حبيبها أن يربط حياته بحياتها، فهي له كالشمس التي تبعث الحياة في الجماد و النبات.
إنها معبودته الوحيدة الفريدة؛ فحياته يدوّنها ظلام دامس رهيب الدجنات!
و دارت الأيام دورتها و إذا بمعبودته قد غادرت مع والدتها المدينة التي يقطن فيها من أحبته حباً عارماً، و إذاها تدخل جامعة تستأنف فيها علومها.
وحدث، ولا حرج عن حبيبها الذي أضناه بعدها و أسقمه فراقها؛ فشدّ رحاله إليها. و كان لقاء بعد فراق قصير ذاقا فيه من لوعة البعاد أشكالاً و ألواناً.
واستضافته والدة حبيبته بمنزلهم الرحب…
وكم كانت سعادته عظمى! إنه يشاهد معبودته كل يوم، و هذا غاية ما يطمح إليه و يتمناه.
ومكث في ضيافتهم مدة طويلة ،ثم اضطرته الظروف ان يسافر واعداً حبيبته أن يعود ثانية ،تحمله أشواقه بلقائها المرجّى.
***
مضى عام منذ غادرها مضطراً ، لكنها كانت لا تفارق خياله، فهي ماثلة أمامه ليل نهار.
إنها حلمه المرجّى و أمله المبتغى، و أمنيته التي يتوق ان تتحقق. و يا لأحلام الإنسان ما أبأسها وما أقصى ما تبطنه لمن يظنّ أن السعادة هي قريبة إليه قاب قوسين.
وأمضّه الشوق…فاتصل بها، و اعملها بأن مشاغلهم تسمح له بالسفر إليها، ،فطلب منها ان توافيه. و هذا ما كانت ترغب فيه. فإذاها وقد وصلت للمدينة التي يقطن فيها.
التقى الحبيبان بعد افتراق عام و نيّف،فتبادلا أكؤس الحب و الغرام و الجوى و الضرام…
أربعة عشر يوماً منذ وصولها…
و في هذا اليوم الرابع عشر شعر حبيبها بألم في رأسه وضيق بصدره، فلجأ لفراشه باكراً.
و في تمام الساعة الواحدة في فجر 18/!/1980 غادر فراشه دون أن يستطيع النوم، وذهب إلى المطبخ ليشرب، فدهش إذ وجد الباب الموصل غليه مغلقاً؛ وهذه هي المرة الأولى التي يشاهده فيها مقفلاً، فهو أبداً مفتوح على مصراعيه، و مثبت بخيط كي لا يغلق. كما شاهد درفتي باب المطبخ مغلقتين أيضاً، فدفع إحداهما و دخل.
و إذاه يشاهد حبيبته جالسة أمام المدفأة، و بجوارها ينتصب صديق حبيبها الحميم! فذهل لمشاهدتهما في هذه الساعة المتأخرة من الليل البهيم بمفردهما!..
ومن عادة صديقه أن يكون غارقاً بنومه في هذه الساعة من الفجر. و صديقه هذا هو عنوان الشهامة و الصدق و الإخلاص و المفاداة بنفسه لأجل صديقه… فكيف به يجده،الآن، بهذا المكان في هذا الفجر البارد؟!…
إنها المرأة!…المرأة التي تضعضع العقول، و تسلب النهى، و تعصف بالصداقة و الأصدقاء، فإذا هم أضداد!…
***
وران صمت عميق، صمت أخرس شامل عام…فلا حركة أو نأمة إطلاقاً! إنه إله الصمت قد أقى سياله على الألسنة الثلاثة،فلم ينبس أي منهم بلفظة ما.
إذ إن الموقف أملى عليهم هذا السكوت المخيف، و الصمت المرعب! ثلاثون دقيقة تسربت و الثلاثة مسمرون في أماكنهم دون حركة إطلاقاً.هي تصطلي أمام المدفأة، و حببها جالس على كرسيه دون ان تبدر منه نأمة ما، و صديقه منتصب كالرمح، و ثابت بمكانه دون أن تطرف له عين!…
إنه موقف عجيب غريب! بل قل إنه موقف مضطرب رهيب!…
لقد كشف القناع، و هتكت المخبّات،وانجلت الحقائق سافرة!
إنها لحظة كافرة تحمل بمضامينها أرهب وأرعب ما يتصوره فكر أو يصل إليه خيال!
و كانت تعمل في صدر حبيبها شتى العوامل ومختلف المتضاربات!
-واهاً للسنين الماضية! وواهاً لظني الحسن بمن كنت أحب! و تعساً لما وصلت إليه!…
وصمم أن يخلع عنه هذا النيّر البغيض، النيّر الذي كان يظنه نعمة سماوية و سعادة فردوسية!
فإذاه يكتشف أنه كان يخوض موطن اللعنات السرمدية.
لقد اعتزم أن يكون حراً طليقاً منذ الدقيقة التي دخل فيها إلى المطبخ و شاهدهما معاً!
لقد أصبحت الدنيا بأسرها بنظره أضيق عليه من سم الخياط.
لقد كفر بالمرأة، و شكك بالوجود و الموجود. و تأكد له أن وجود الإنسان في عالم المادة ما هو إلاّ جزاء رهيب لا يخلصه منه سوى الموت الحبيب!
ونهض،ثم غادرهما معاً…ودخل إلى غرفته، و أمسك قلمه، و شرع بكتابة هذا الحادث الذي غيّر ماجريات حياته.
واعتزم أن يضع حداً لعلاقته نعها، فهي حرّة بتصرفاتها التي باتت لا تعنيه بكثير أو بقليل إطلاقاً.
و دوّن الحادث المفاجئ المزلزل تحت عنوان:
“الحقيقة المفزعة”
بيروت،الساعة الثالثة من فجر 18/8/1980.
