إستسلام
عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة
فحوادث الدهور قد مرّت و هي تواكبهم
والقبور فغرت أفواهها و ضمَّت من الانام مواكبهم
الكلُّ فانٍ، و ليس من خالدٍ سوى الله والسماء
ومقاصده الخفيَّة في خلْقنا خُفِيَتْ حتى على الأنبياء
فلنَخْشع، و لنَضْرع، كي نرتع في جنَّاتِه السرمديّة
داهش من كتاب ” بروق و رعود”
نواقيس الصَّحوة
- السيّالات الروحيّة 1
- السيّالات الروحيّة 2
- السيّالات الروحيّة 3
- السيّالات الروحيّة 4
- الروح والسيّالات
- أبعادُ الحُرِّيَّة لدى مؤسِّس الداهِشيَّة
- أبعاد العدالة لدى مؤسس الداهشيّة
- أبعاد العدالة لدى مؤسس الداهشية (2)
- أبعادُ العدالة لدى مؤسس الداهشية(3)
- العدالةُ الروحيَّة والتقمُّص
- سيَّال قايين
- الزواجُ والعلاقةُ بين الرجل والمرأَة
- عوالمُ النَّعيم والجحيم والحضاراتُ الكونيَّة
- العوالمُ الجحيميَّةُ وعذابُها
- السَّـبَـبِـيَّـةُ الروحيَّـة
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 1
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 2
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 3
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 4
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 5
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 6
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 7
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 8
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 9
- السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة 10
- النظام الروحيّ والمسؤوليّة الخلقيّة
- أَهمِّـيَّةُ العقل في الرقيِّ الروحيِّ
- أَهمِّـيَّةُ الإرادة في الرُّقيِّ الروحيّ
- أَربابُ العِلمِ والتعليمِ العالي ووسائِطِ الإعلام
- أَهلُ الفكرِ والأَدبِ والفنِّ
- الحياةُ الثقافيَّةُ واالرُّقيُّ الحضاريُّ
- الرقيُّ الروحيُّ معاييرُهُ وأبعادُه
- الرُّقِيُّ الحضاريُّ في ضَوءِ التعاليمِ الداهشيَّة
- الطريقُ إلى العالَـمِ الواحد 1
- الطريقُ إلى العالَـمِ الواحد 2
- الطريقُ إلى العالَـمِ الواحد 3
- الطريقُ إلى العالَـمِ الواحد 4
بين ضوء الحقيقة وظلالها، حكاية الإبصار
نورُ الحقيقة
السيَّالات: مفهومُها، أَنواعُها، نشاطُها وتفاعُلاتُها
في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
ما هو السيَّال؟
تتمـيَّزُ الداهشيَّة باعتمادِ مفهومٍ جديد هو “السيَّال” لتفسيرِ أو تعليلِ كلِّ شيءٍ أو حدثٍ أو حالة، على الصعيدِ المادِّيّ أو النفسيّ، في الإنسان أَو الأرض أو الكونِ كلِّه. ومع أَنَّ هذه الكلمة ليست جديدةً في اللغةِ العربيَّة بلفظِها (إذْ إنَّها صيغةُ مُبالَغة لكلمة “سائل”)، فهي جديدة بمعناها. لكنَّ الأَديبَ المُلهَم، جبران خليل جبران، استخدمَها في كتابته العربيَّة، بضعَ مرَّات، بمعنًى يحملُ شيئًا من المدلول الداهشيّ، لكنْ على بعضِ غموض. فهو يُضمِّنُ الكلمة معنى الطاقة الخفيَّة المُتَّصفة بالانفعال والنـزوع.[1] فما هو مفهومُ “السيَّال” في الداهشيَّة؟
في 31 تمُّوز (يوليو) 1963 قمتُ بزيارتي الثانية لمُؤَسِّس الداهشيَّة؛ فاستقبلَني في رُواق المنـزل ببيروت. وبعد أن أمضَيتُ معه مُنفرِدًا نصفَ ساعة علَّمني في أثنائها كيفيَّةَ كتابة “الرمز المقدَّس”،[2] ودَّعتُه لأنصرف. فشيَّعَني إلى أَعلى الدرَج. وما إن أَدرتُ وجهي لأَردَّ له تحيَّةَ الوداع حتَّى اختفى أَمام عَينيَّ. وقد داخلَت يدي اليُمنى رائحةٌ عطريَّة لم تُفارقها بضعةَ أيَّام رغمَ غسلِ يَدَيَّ بالصابون. ولمَّا سألتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة عن الخارقتَين، في زيارةٍ لا حقة، قال لي: “لم أَكن أنا معكَ في الزيارة السابقة، بل كانت شخصيَّة من شخصيَّاتي.” وفهمتُ منه، للمرَّةِ الأُولى، أَنَّ الشخصيَّة سيَّالٌ روحيّ تابعٌ له، يهبطَُ من عالَمِه العُلويّ ويُؤدِّي مَهمَّة معيَّنة، ثمَّ يعودُ إلى عالَمِه بسرعةٍ تفوقُ سرعةَ النور أَضعافًا مُضاعفة. أَمَّا الرائحة الذكيَّة التي لازمَت يُمناي، فكانت أيضًا سيَّالاً روحيًّا عُلويًّا وُضِعَ فيَّ لمَهمَّةٍ أُخرى لا مجالَ لتفصيلها في هذا العَرض.[3] ففهمتُ أَنَّ السيَّالَ يُمكنُ أن يتَّخذَ شكلَ إنسان كما يُمكنُه أن يتَّخذَ أيَّةَ صورةٍ محسوسةٍ أُخرى.
وفي 27 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، بينما كان الدكتور داهش يُحادثُني، تغيَّرَت ملامحُه وازدادَ وجهُه بياضًا، وداخلَته قوَّةٌ روحيَّةٌ خارقة حوَّلَت ستَّة “رموز مقدَّسة” (أَي أوراقٍ مطويَّة دُوِّنَت عليها ابتهالاتٌ إلى الخالق) إلى إشعاعٍ تغلغلَ في جسدي واندمجَ فيه. فأَدركتُ الجوهرَ الإشعاعيَّ الخَفيَّ للسيَّال.
وفي أَواخر شباط (فبراير) 1964، زرتُ رجلَ الروح والمُعجزات، فاستزَدتُه إيضاحًا عن مدلول السيَّال؛ فناولَني مجلَّة “المُختار”، عدد فبراير، وطلبَ إليَّ أن أقرأَ فيه مقالاً للعالِم الروسيّ بروتوفسكي. مِمَّا يقولُ فيه:
“من كلِّ ذرَّات الكربون الموجودة في الكون سوف أختار واحدة من جسمك… ذرَّة في كروموزوم x الجنس، وهي من أَصغر الأَجسام التي تُحدِّد الصفاتِ الوراثيَّة التي نقلَتها إليكَ أُمُّك… وربَّما كانت ذرَّةُ كربونكَ في وقتٍ ما جزءًا من ماسة… ثمَّ لعلَّها مُحِيَت وانقسمَت مع ذرَّتَين أُخرَيَين من الأُوكسيجين لتكوين ثاني أُوكسيد الكربون، هذا في أَوراق نباتٍ ما، وهناك تحوَّلَ إلى سكَّر… هذا النباتُ ربَّما التهمَته بقرة، ولعلَّ واحدًا من أجدادِكَ الأَوَّلين شربَ لبنَ هذه البقرة أو أكلَ شريحةً من لحمِها، وقد تكون ذرَّةُ الكربون في أيٍّ منهما. وفي جسم جدِّكَ الأوَّل تسلَّلَت ذرَّةُ الكربون إلى إحدى كروموزوماته التي تنقلُ تعليماتِ الوراثة من الأَب إلى الطفل. وعلى مَرِّ الزمَن أَصبحَت جزءًا من أحد كروموزومَين x اللذَين حملَتهما أُمُّك…” ويمضي العالِم في إيضاحه رحلةَ تلك الذرَّة بعد أن يموتَ مَن يحملُها. فقد تنتقلُ إلى التربة فتدخل في تكوين بعض النبات، وقد يأكلُ الحيوانُ النبات فتصبح جزءًا منه، وربَّما تعود إلى الفضاء بواسطة التنفُّس لتُتابعَ دورتَها في الأَرض. ثمَّ يقول: “والهواءُ الموجود في رِئتَي الإنسان، في أَيَّةِ لحظة، يحوي ذرَّاتٍ يبلغُ عددُها رقمَ واحد وإلى يمينه 22 صفرًا، بحيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منَّا سوف يتنفَّسُ، آجلاً أَم عاجلاً، ذرَّةً سبقَ أَن تنفَّسَها من قبلُ أَيُّ شخصٍ يخطرُ ببالِكَ أَنَّه عاشَ على ظهر هذه الأرض: مايكل آنجلو أَو جورج واشنطن أَو سيِّدنا موسى… وسوف يتنفَّسُ ذرَّتَكَ بعضُ عباقرة المُستقبل…”[4]
ومِمَّا استنتجتُه من قولِ الدكتور داهش تعقيبًا على ما قرأتُه أَنَّ هذا هو السيَّال في صورته “المادِّيـَّة”. وهو سيَّالٌ عاقل، لكنْ لا نزعات له ولا إرادة. ولذلك فهو لا يُثابُ ولا يُعاقَب. لكنَّ هذه الصورة “المادِّيَّة” قد يُداخِلُها سيَّالٌ آخَر ذو إدراكٍ ونزعاتٍ وإرادة. وهذا السيَّال هو الذي يُحاسَب. فقد تحملُ الورقةُ أو الكتابُ أوالجبلُ أو الصخرةُ أو الشجرةُ أو الهواءُ أو الماء إلخ مثلَ هذا السيَّال، فضلاً عن الإنسان والحيوان والنبات. ولا عبرةَ للحجم، فالشمسُ سيَّالٌ مُدرِك وذو نزعاتٍ وإرادة، اندمجَ في صورةٍ مادِّيـَّة مُعيَّنة،[5] وكذلك الأرض من حيثُ هي جُرم، والزهرة وعِطر الوردة واللوحةُ الفنِّيـَّة والسمفونيَّة إلخ. لكنَّ انتقالَ السيَّالات من صورة “مادِّيـَّة” إلى أُخرى لا يحدثُ صدفةً، ولكنْ وَفقَ نظامٍ روحيّ مَبنيّ على الاستحقاق.
ومن خلال مئاتِ المُعجزات التي عاينتُها تتمُّ على يَدَي الدكتور داهش، في خلال سبعةَ عشرَ عامًا زرتُه أو لازمتُه فيها (من 1963 إلى 1980)، ومن خلال كثيرٍ من الإيضاحات التي أدلى بها والرسائل الروحيَّة الموحاة التي اطَّلعتُ عليها، أَمكنَني استخلاصُ التالي: السيَّالُ كيانٌ من الإشعاع الخَفيِّ المتواصِل Continuum، يستحيلُ أن تلتقطَه حواسُّ المخلوقات المادِّيـَّة أو أجهزةُ البشر العلميَّة المُتطوِّرة، وذلك لأنَّ جوهرَه روحيّ؛ فتردُّدُه frequency فائقٌ جدًّا يتخطَّى كلَّ تردُّدٍ كونيٍّ معروف.[6] وبجوهرِه الروحيّ يجمعُ بين الكائنات جميعها، سواءٌ كانت “مادِّيـَّة” أم روحيَّة، بشريَّةً أم ملائكيَّة، أرضيّةً (إنسانًا أو حيوانًا أو جمادًا) أم عُلويَّةً أم سُفليَّة. أَمَّا ما يراه البشرُ من السيَّالات فهو صُوَرُها “المادِّيـَّة” فقط؛ ولكنْ بإمكانِهم استنتاجُ وجودِها الروحيّ من خلال بعض نشاطها في الإنسان، المُتمثِّل بإدراك الأُمور والمفاهيم المُجرَّدة، وكذلك بالنزعات الإنسانيَّةِ الكُلِّيَّة كالمحبَّة والشفقة والرحمة والإيمان الدينيّ، والمواهبِ العلميَّة والأدبيَّة والفنِّـيَّة، كما بإرادةِ الإنسان المُتمثِّلة في اختياراتِه الحُرَّة لأَعماله. وقد رأَى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برغسن، حائز جائزة نوبل، أَنَّ الحياة النفسيَّة “كُتلة سيَّالة” masse fluide ، كما رأَى ك. برت C. Burt أنَّ الحياةَ “تيَّارٌ سيَّال” flowing stream.[7]
ومثلما أنَّ سيَّالَ الطاقة الإشعاعيَّة التي هي أحدُ مظاهر الصورة “المادِّيَّة” يُمكنُ أن يتجزَّأ إلى ما سمَّاه العلمُ بالـ”كوانتا” quanta التي هي دقائقُها الصُّغرى،[8] فإنَّ السيَّالَ الروحيّ يُمكنُ أيضًا أن يتجزَّأ، لكنَّ تجزُّؤَه لا يمنعُ التواصُلَ والتفاعُل بين أجزائه مهما تكن مُتباعدة.
والسيَّالاتُ هبطَت من العوالمِ الروحيَّةِ الإلهيَّةِ التي كانت فيها مُندمجةً بالأرواح الإلهيَّةِ المجيدة أصلاً، وبهبوطِها نشأَ الزمانُ والمكان (أو الزمانُ-المكان)، ثمَّ تكثَّفَت تكثُّفًا نسبيًّا في صُوَرٍ “مادِّيـَّة” اقتضَتها درجاتُها الروحيَّة المُتفاوتة. فهي نسيجُ الأكوان، معروفِها ومجهولها، بما ومَن فيها، ومن خلال جوهرِها الروحيّ يكونُ نشاطُها وتفاعُلُها فيما بينها، أيَّةً كانت صُوَرُها “المادِّيـَّة”. ومِمَّا تقدَّمَ شرحُه يتأَكَّدُ أنَّ السيَّالات العاقلة الخاضعة للحساب سابقٌ وجودُها لوجودِ صُوَرِها “المادِّيـَّة”. والقرآنُ الكريم يُشيرُ إلى ذلك بالآية القائلة: )ولقد خلَقناكم ثمَّ صوَّرناكم( (الأَعراف: 11)؛ كذلك في الآيةِ القائلة: )الذي خلقَكَ فسوَّاكَ فعدلَكَ، في أيِّ صورةٍ ما شاءَ ركَّبَكَ( (الانفطار: 8). فجَليٌّ من الآيتَين أنَّ الخَلقَ حدثَ قبل التركيب في الصورة، لأنَّ حرفَي العطف المُستخدَمَين (ثمَّ والفاء) يُفيدان التريُّثَ والتعقيب بدون أيِّ التباس.
وفي ما يأتي تفصيلٌ وإيضاحٌ لِما تقدَّم.
سيَّالاتُ “المادَّة”
ليس للمادَّة الأرضيَّة، أو لأيَّةِ مادَّةٍ أُخرى معروفةٍ أو مجهولة، كيانٌ نهائيٌّ مُستقلّ يختلفُ بجوهره عن السيَّالات العاقلة التي تمدُّ الإنسانَ بالإدراك والعواطف والنـزعات والمواهب والإرادة إلخ. فقد ظنَّ كثيرون من الباحثين والفلاسفة، بينهم الفيلسوف الفرنسيّ رينِه ديكارت، أَنَّ الروحَ والمادَّة كيانان مُتناقضان في طبيعتَيهما، فأَوقعَتهم هذه الفرضيَّة الثُّنائيَّة في تفسيراتٍ اعتباطيَّة لكيفيَّةِ التفاعُل بينهما. وقد أَدَّى ضعفُ براهينهم إلى ردَّةِ فِعلٍ كان من نتائجها، وَفقَ ما وردَ في باب “أنتم تسأَلون والدكتور داهش يُجيب” بمجلَّة “بروق ورعود”، “نشوءُ الفلسفات المادِّيـَّة النافية وجود الروح والقائلة بوجودٍ واحد في الكون هو الوجود المادِّيّ.”[9] وقد تنبَّهَ كثيرون من العُلماء والمُفكِّرين المُعاصرين لخطإ ثُنائيَّة الروح والمادَّة، لأنَّه يستحيلُ أن يُؤثِّر عامِلٌ غيرُ مادِّيّ في وجودٍ مادِّيّ.[10]
فالمادَّةُ، إذًا، قوامُها سيَّالاتٌ ذاتُ جوهرٍ روحيّ، لكنَّه مُنخفضُ الدرجة الروحيَّة، بطيءُ التردُّد frequency. ودرجاتُها وأشكالُها تتفاوتُ من كوكبٍ إلى آخَر. وأَيَّةُ كُتلةٍ مادِّيـَّة مُعيَّنة تُعتبَرُ مُعادِلة لطاقةٍ إشعاعيَّة معيَّنة.[11]
وفي الواقع إنَّ وراءَ مظاهر الكون “المادِّيـَّة” المُتقطِّعة والمتنوِّعة مُحيطًا من السيَّالات المتواصلة في سيَلان إشعاعها الخَفيّ. لكنَّ الإنسان لا يستطيعُ أَن يُلاحظَ منه إلاَّ مراكزَ التكسُّرات المَوجيَّة التي تحدثُ على سطحِ هذا المُحيط. فالكتابُ الذي بيدِك، والطاولةُ التي أَمامك، والكُرسيُّ التي تجلسُ عليها، والأشجارُ التي في الحديقة، والطيورُ التي تُغرِّدُ على أغصانها، وأصواتُ الأولاد، فضلاً عن جسمك وما فيه من خلايا وجُزَيئات وجينات— جميعُ هذه وغيرُها مِمَّا يُسمِّيه العلمُ بـ”الظواهر المادِّيـَّة”، بما فيها الذرَّاتُ والذُّرَيراتُ التي تتكوَّنُ المادَّةُ منها، إنَّما هي أَشبهُ بمراكز التكسُّرات المَوجيَّة في هذا المُحيط الدائم السيَلان؛ وهذه المراكز هي كلُّ ما يستطيعُ العلماءُ أن يُلاحظوه سواءٌ بحواسِّهم المباشرة أو بأَجهزتهم المُطوَّرة.
هذه النظرةُ الداهشيَّة— القائلة بوحدةِ الجوهر العاقل بين الإنسان وسائر المظاهر المادِّيـَّة في الكون كلِّه— يتكاثرُ مُؤَيِّدوها بين العُلماء الفلاسفة الذين يرَون أَنَّ التفسيراتِ الحاليَّة للوجودِ المادِّيّ لا تُحيطُ بجوهرِه وكُلِّيَّـتِه وقوانينِه. من هؤلاء السير آرثر إدِنغتون Sir Arthur Eddington الذي اعتبرَ أنَّ “قوامَ الكون جوهرٌ عقليّ”،[12] والسير جايمس جينـز Sir James Jeans الذي اعتبرَ الكونَ “فكرة مُفكِّر رياضيّ”،[13] والعالِمُ الفرنسيُّ جان شارون J. Charon الذي ميَّـزَ بين ماهيَّة الأشياء التي هي “واقعُها الحقيقيّ” وما يُمكنُ أَن يُدركَه الإنسانُ منها وهو “الواقعُ المعلوم”، وهما غير مُتماثلَين؛ ورأَى أنَّه، نتيجةً لذلك، لا يُمكنُ أن يكونَ إدراكُ الإنسان لمُحيطِه مُطلقًا، بل نسبيٌّ مهما تكُن الأجهزة المُطوَّرة التي يستخدمُها، لأَنَّ واقعَ الوجود الحقيقيّ يُعبَّرُ عنه بالتموُّجات المُتَّصلة المُستمرَّة، في حين أنَّ الواقعَ المعلوم يُعبَّرُ عنه بالجُزَيئات النوَويَّة ذات التوتُّر المُتقطِّع. [14] زِدْ إلى هؤلاء العلماء الفلاسفة أسماءَ كثيرين من الجيل الحديث، منهم: بول دايفيس Paul Davies [15] الذي ينظرُ إلى الكون نظرةً كُلِّـيَّة وَحدويَّة holistic ، ويرى أنَّ في الطاقة والمادَّة قوَّةً عاقلةً قادرة على التنظيم الذاتيّ، وأَميت غوسوامي Amit Goswami[16] الذي يرى أنَّ قوامَ الوجود هو عقلٌ واعٍ وليس مادَّة، ودايفِد فوستر David Foster،[17]وميناس كافاتوس Menas Kafatos ،[18] وغيرهم.
فالعالَمُ “المادِّيُّ” المنظور مُحدَّدة صُوَرُه وأشكالُه بتركيب حواسِّنا وبأَنواع الأشعَّة القليلة جدًّا التي نستطيعُ إبصارَها. فلو كانت عيونُنا أَكثرَ حسَّاسيَّة بحيثُ نستطيعُ أَن نرى الأَشعَّةَ السينيَّة (أَشعَّة إكس) مثلاً، أو أشعَّة جاما الكونيَّة، لَتغيَّرَت صُورُ الأشياء وأشكالُها تغيُّرًا تامًّا. وإيضاحًا لذلك أُوردُ ما جاءَ في باب “أَنتم تسأَلون والدكتور داهش يُجيب” حول هذا الموضوع في مجلَّة “بروق ورعود”:
“خُذْ مثلاً على ذلك صخرةً معيَّنة حجمُها مترٌ مُكعَّب. فإنَّ حجمَ الصخرة وشكلَها وصلابتَها وحرارتَها— كلّ ذلك حدَّدَه التركيبُ المُعيَّن الذي عليه حاسَّةُ بصرِكَ وحاسَّةُ لَمسِك. فإن حصلَ أَيُّ تغيير في تركيب هاتَين الحاسَّتَين تغيَّرَ بالتالي معهما شكلُ الشيء المَرئيّ وحجمُه وصلابتُه وحرارتُه. إفترِضْ أَنَّ لكَ عينًا تركيبُ عدستِها أقربُ إلى تركيب عدَسة مِجهَرٍ يُرى الشيءُ من خلاله مُضخَّمًا مليونَ مرَّة أكثر مِمَّا يُرى بالعَين المُجرَّدة، أو أنَّكَ من سُكَّان كوكبٍ عيونُهم مُركَّبة ذلك التركيب، فإنَّ الصخرة، إذْ ذاك، ستفقدُ أمامك شكلَها المألوف عند الناس فقدانًا تامًّا، ليس من حيثُ الحجمُ والضخامة فحسب، بل أيضًا من حيثُ شكلُها الخارجيّ الذي تلتقطُه العَين. فكم من نتوءاتٍ دقيقة، وخطوطٍ وتعرُّجاتٍ صغيرة، وأَوساخٍ وأَلوانٍ خفيَّة موجودة في الصخرة—ولكنَّها لا تبدو للعين المُجرَّدة—إذا بها عندئذٍ تظهرُ كبيرة جَليَّة وتُعطي الصخرةَ صورةً جديدة وشكلاً لم تألفه العينُ العاديَّة. فقد تبدو الصخرةُ آنئذٍ كسحابةٍ شفَّافة عظيمة، كما يبدو كلُّ ما يُحيطُها من أشياء أَشبهَ بأَبخرة أَو سُحُب. وهكذا يُمكنُك أَن تتخيَّلَ الصوَرَ الغريبة التي ستبدو عليها الأشياء إذا ما راحت حواسُّكَ جميعًا تتبدَّلُ أَجهزتُها. وإنَّ نسبيَّةَ الأَوضاع المادِّيـَّة أَكَّدَها العلماءُ الحديثون ابتداءً من آينشتاين، ولكنَّ الداهشيَّة أَدركَتها عن طريقة المعرفة الروحيَّة بصورةٍ مُسبَّقة، كما أَدركَت غيرَها من الحقائق مِمَّا لم يتوصَّل العلمُ إلى كَشفِه بعد. وقُصارى القول إنَّ ما يُسمَّى “مادَّة” ليس إلاَّ وجودًا “مادِّيًّا” مُؤَقَّتًا نسبيًّا يُخفي مظهرُه الحسِّيّ طاقةً لامادِّيَّة هي، أساسًا، قوامُ الموجودات كلِّها.”[19]
وفي التعاليم الداهشيَّة الموحاة أنَّ ثمَّةَ عوالِـمَ وكائناتٍ “مادِّيـَّة” كثيرة— منها ما هو في كوكب الأرض نفسِه— ترتفعُ درجةُ التردُّد في سيَّالات صُوَرِها “المادِّيـَّة” بحيثُ تعجزُ حواسُّ البشر عن إدراكها، كما تعجزُ أَجهزتُهم العلميَّة عن التقاطها، فتُصبح بالنسبةِ للبشر كأَنَّها غير موجودة. وهي ما دامت خاضعة للأَنظمة الطبيعيَّة في العوالم التي تنتمي إليها، يستحيلُ أَن تتحوَّلَ عن طبيعتِها الأصليَّة لتغدوَ مَرئيَّة محسوسة إلاَّ بسماحٍ إلهيّ.
إنَّ التعاليمَ الداهشيَّة المُؤَيَّدة بمئات الخوارق المادِّيـَّة الملموسة— أَمثال مُعجزات تكوين الأشياء وتكثيرها وإعادة تكوينها بعد إحراقها، ومُعجزات التجسُّد[20]—لَـتُؤَكِّدُ أَنَّ كلَّ كيانٍ “مادِّيّ” ذو طاقةٍ جوهرُها روحيٌّ خالد. فالأَشكالُ والمظاهرُ المحسوسة هي التي تتبدَّل، فنُسمِّي تبدُّلَها فناءً أو موتًا؛ لكنَّ السيَّالات التي هي جوهرُ طاقتِها يستحيلُ أَن تفنى. وهي إن تختفِ كطاقةٍ من جسمٍ عُضويّ أو غيرِ عُضويّ، تظهرْ في جسمٍ آخَر.
وقانونُ حِفظ الطاقة هو من القوانين الكُبرى التي اكتشفَها العِلم وأَكَّدَ صحَّتَها. فالطاقةُ محفوظة في الكون، لا تفنى. لكنَّ للطاقةِ مظاهرَ مُختلفة: فقد تكون حرَكيَّة، أو جاذبيَّة، أو حراريَّة، أو كهربائيَّة، أو مغنطيسيَّة، أو ضوئيَّة، أو امتداديَّة، أو كيميائيَّة، أو نوَويَّة، أو غير ذلك… وقد تتحوَّلُ الطاقةُ في شيءٍ ما من مظهرٍ إلى آخَر، أو يتحوَّلُ جزءٌ منها في ذلك الشيء من مظهرٍ إلى آخَر. والطاقةُ المحفوظة في الكون هي الطاقةُ العامَّة في مجموع مظاهرها. وما يُطَبَّقُ على المعادن والسوائل والغازات يُطبَّقُ أَيضًا على ما يُسَمَّى، اصطلاحًا، “الكائنات الحيَّة”. فالطاقة قوامُ كلِّ موجود، مهما يكُن صغيرًا تافهًا.[21] والعُلماءُ ما زالوا يُحاولون أن يوجِدوا قوَّةً ما تتوحَّدُ فيها مظاهرُ الطاقةِ كلُّها، ويُطلِقون عليها تسمياتٍ مختلفة، من أحدثِها ما سمَّوه بـsuperstrings.[22] كذلك اكتشفَ عُلماءُ آخَرون أَنَّ الطبيعةَ الأُولى للمادَّة ليست على الإطلاق مثلما تظهر؛ فهي أشبهُ بما سمَّوه “بلاسما” plasma.[23] بل إنَّ عدَّةَ عُلماء من الجيل الحديث بدأُوا يفترضون أَنَّ نسيجَ الكونِ لن يُفهَمَ فهمًا مُتكاملاً يتناولُ كلَّ مظاهر القوى فيه إلاَّ بتصوُّرِه نسيجًا عقليًّا يتكوَّنُ من مُحيطٍ من المعلومات.[24] وكأنَّهم يُريدون أن يقولوا “سيَّالات عاقلة”. بل إنَّ عدَّةَ عُلماء اكتشفوا، حديثًا، أَنَّ الفوتونات الضوئيَّة المتماثلة تتصرَّفُ التصرّفَ نفسَه حتَّى لو كانت الواحدة منها في نجمٍ والأُخرى على الأرض، كأنَّما يتَّصلُ بعضُها ببعض اتِّصالاً خارقًا لقوانين الطبيعة المعروفة، إذْ يقتضي هذا التصرُّف المُتزامِن بين الفوتونات أن تكون سرعةُ الاتِّصال بينها أسرعَ من النور. وهذه الظاهرة لاحظَها آينشتاين نفسُه ووقفَ عندها حائرًا.[25] وهذا يُؤكِّدُ ما أَعلنَه رجلُ الروح والمُعجزات لي منذ عشرات السنين عن أنَّ السيَّالَ أَسرعُ من النور أَضعافًا مُضاعفة.[26] وقد زاد الدكتور داهش تأكيدَه إيضاحًا بقوله لي: “إنَّ سرعةَ السيَّال تزدادُ بقدرِ ما يزدادُ ارتقاؤه الروحيّ، أي إنَّه في العوالمِ الفردَوسيَّة العُليا أسرعُ جدًّا منه في العوالمِ المادِّيـَّةِ الأُخرى.” وفي ضوءِ هذه الحقيقة يُمكنُ فهمُ السرعة التي يتمُّ بها هبوطُ شخصيَّات مُؤسِّس الداهشيَّة وتجسُّدها، ثمَّ عودتُها إلى عوالمِها العُلويَّة.
أخيرًا، لا بدَّ من السؤال: ماذا يحدثُ لو اندثرَت صُوَرُ الكونِ “المادِّيـَّة” كلُّها، معلومُها ومجهولُها، في ملايين المجرَّات والسُّدُم؟
ذلك يعني، في ضوء التعاليم الداهشيَّة، أَنَّ السيَّالاتِ الروحيَّة في الموجودات تكونُ قد تحرَّرَت من قيودِها المادِّيـَّة، أي من كثافاتها، بسبب استحقاقها وارتقائها إلى درجة الكمال؛ فإذْ ذاك تعودُ إلى أُمَّهاتِها، الأرواحِ الإلهيَّة النقيَّة، التي انبثقَت منها في عوالمِ الأرواح السعيدة قبل أن تنشأَ الأكوان ويكونَ مكانٌ وزمان؛ وهذه هي الغايةُ العُظمى الكامنة في أَعماق كلِّ كائن حتَّى لو لم يُدركها إدراكًا واعيًا.
وفي انتظار ذلك الحدَثِ الكَونيّ الذي لا يعرفُ أحدٌ زمانَه—الذي قد يمتدُّ إلى عشرات البلايين من السنين—تبقى لسيَّالات “المادَّة”، الموزَّعة في صُورِها وأشكالها، مَهمَّتان: الأُولى أَن تكونَ قَيدًا ذا كثافةٍ تُحدِّدُه درجةُ السيَّالات الروحيَّة المُندمجة فيها وَفقًا لاستحقاقِها، والثانية أَن تكونَ الشاهِدَ الأمينَ على ما تقومُ به السيَّالاتُ الروحيَّة، التي كانت مُندمِجة فيها، من أعمال وما ينشطُ فيها من رغباتٍ ونزعاتٍ وأَفكار. فحالما يضمحلُّ الكيانُ “المادِّيّ”، طبيعيًّا كان أم مصنوعًا، بعد أن يُفارقَه آخِرُ سيَّالٍ روحيّ خاضِعٍ للحساب، يقومُ للكيانِ “المادّيّ”، في عالَمٍ خاصّ، نموذجٌ يكونُ نسخةً مُماثلةً له تمامًا؛ وسيَّالاتُ هذا النموذجِ “المادِّيّ” لا تخضعُ للحساب الروحيّ، سواءٌ أَكانت للإنسان أم غيره، لأنَّها بدون حُرِّيـَّة، وَفقًا لِما علمتُه من مُؤَسِّسِ الداهشيَّة. أَمَّا الإنسان فتكون سيَّالاتُ الشكلِ “المادّيّ” التي انتظمَت سمعَه وبصرَه وسائرَ حواسِّه والتي اندمجَت في يدَيه ورجلَيه وجلدِه ولسانِه وسائرِ أَعضائه هي القوى المُدرِكة التي تشهدُ عليه ساعةَ الحساب. وهذا ما يُفسِّرُ قولَ السيِّدِ المسيح: “ولكن أَقولُ لكم إنَّ كلَّ كلمةٍ بطَّالة يتكلَّمُ بها الناس سوف يُعطَون عنها حسابًا يومَ الدين، لأنَّكَ بكلامِكَ تتبرَّر وبكلامِكَ تُدان”؛[27] كما يُفسِّرُ الآياتِ القرآنيَّة التي وردَت بهذا المعنى، من مِثل: )ويومَ يُحشَرُ أَعداءُ الله إلى النار فهم يوزَعون. حتَّى إذا ما جاؤوها شهدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودِهم: لِمَ شهدتم علينا؟ قالوا: أَنطقَنا الله الذي أَنطقَ كلَّ شيء، وهو خالِقُكم أَوَّلَ مرَّة، وإليه تُرجَعون. وما كنتم تستترون أَن يشهدَ عليكم سمعُكم ولا أبصارُكم ولا جلودُكم، ولكن ظننتم أنَّ الله لا يعلمُ كثيرًا مِمَّا تعملون. ([28] كذلك الآيةُ القائلة: )يومَ تشهدُ عليهم أَلسنتُهم وأَيديهم وأَرجلُهم بما كانوا يعملون.([29]
الإنسان في صورتِِه المُتكاملة
طالَما سمعتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة يقولُ لنا أو للزائرين مُعرِّفًا بكيان الإنسان ما فحواه: قِوامُ الإنسان روحٌ وسيَّالاتٌ وجسَد. فالروحُ نفثةٌ إلهيَّة لا تُداخلُ المادَّةَ إطلاقًا، ولا يُمكنُ أن تحتلَّ جسدَ الإنسان. وعالَمُها عالَمُ الحقيقةِ والخيرِ والجمال، عالَمُ السعادةِ والمعرفةِ والقدرةِ والطهارة، عالَمُ الخلودِ المُتخطِّي للزمان والمكان ولِما يُرافقُهُما من تحوُّلاتٍ ومُنغِّصات. ومن الأرواح انبثقَت سيَّالاتُ الأكوان، معروفِها ومجهولِها، ومنها سيَّالاتُ الإنسان. فالأَرواحُ مصدرُ كلِّ سيَّالٍ وهي مَعادُه.
لكنْ بما أنَّ البحثَ في الروح ليس من أهدافي في هذا المقام، فإنِّي أَكتفي بتذكير القارئ بما وردَ في القرآن الكريم عنها: )يسأَلونَكَ عن الروحِ. قُلِ الروحُ من أَمرِ ربِّي وما أُوتيتم من العِلمِ إلاَّ قليلاً(.[30]
أَمَّا سيَّالاتُ الإنسان فهي نوعان: سيَّالاتٌ تنتمي لعقلِه الواعي، وسيَّالاتٌ تنتمي لعقلِه الباطن. وسأَتناولُ إيضاحَها تِباعًا. علمًا بأَنَّ مفهومَ العقل الواعي وخصوصًا مفهومَ العقل الباطن، في الداهشيَّة، يختلفان عن مفهوميهِما في دراسات السيكولوجيِّـين الذين ما زالت مُحاولاتُهم مُتناقضةً وقاصرةً عن الوصول إلى الحقيقة الداهشيَّة.
أَوَّلاً- سيَّالاتُ العقلِ الواعي
سيَّالاتُ العقلِ الواعي هي سيَّالاتُ النفسِ الواعية بأكملِها. وهي تُكوِّنُ وَحداتِ الطاقةِ النفسيَّةِ الأساسيَّة في شخصيَّةِ الإنسان، وتختلفُ في كَمِّها الإشعاعيّ الخَفيّ ودرجاتِ رُقيِّها الروحيّ فيما بينها وبين فردٍ آوخَر. وكلٌّ من هذه السيَّالات يتكوَّنُ من طاقةٍ روحيَّة حيَّة مُتواصلة الفعَّاليَّة، تجتمعُ فيها—مثلما ذكرتُ سابقًا— ثلاثُ قوًى تضمُّ الإدراكَ والنـزعاتِ والإرادة. لكنَّ هذه القوى، على استقلالِها الوظيفيّ، يُؤَثِّرُ بعضُها في نشاطِ بعض، ذلك بأَنَّ التعبيرَ عن نشاطها إنَّما يتمُّ من خلال كيانٍ عُضويٍّ مُوحَّد (أَي جسدٍ حَيٍّ واحد). وهذا السببُ هو الذي يُبقي الإنسانَ مُوَحَّدَ الحياة والوجود بالرّغم من تعدُّدِ سيَّالاتِه.
وقد حاولَ الفلاسفةُ القُدامى والحديثون وعُلماءُ النفس المُعاصرون أن يُفسِّروا ما هيَّةَ “النفس”) (soul بالمفاهيم الدينيَّة والفلسفيَّة، وpsyche بالمفاهيم السيكولوجيَّة)، أو يُوضِّحوا مفهومَ “العقل الواعي” counscious / counsciousness، ويُعلِّلوا نشاطَه، لكنَّهم خبَطوا خَبطَ عشواء، وافترضوا شتَّى الافتراضات، حتَّى جعلَ بعضَهم الطاقةَ النفسيَّة مجرَّدَ مجموعة من العمليَّات البيوكيميائيَّة.[31]
غيرَ أَنَّ جماعةً من عُلماءِ النفس حاولوا الاقترابَ من المفهوم الداهشيّ في تفسيرهم وتعليلهم لسلوك الإنسان وشخصيَّتِه المُعقَّدة؛ من أَوائلهم العالِمُ النفسيُّ الأَمريكيّ، هاري ستاك ساليفان H. S. Sullivan (1892-1949). فقد جعلَ كيانَ الإنسان يتأَلَّفُ من “أنماطٍ سلوكيَّة” أَو “ديناميَّات” مُميَّزة، زاعمًا أَنَّه قد يكونُ لشخصٍ ما “ديناميَّة” شرِّيرة، ولآخَر “ديناميَّة” شهوانيَّة، ولثالث “ديناميَّة” الخوف إلخ. وقد حدَّدَ “الديناميَّة” أو “النمَطَ السلوكيَّ” بأَنَّه “غلافٌ يضمُّ فروقًا مُعيَّنة عديمةَ الوزن.”[32] وتحديدُ ساليفان يُقاربُ، في الظاهر، مفهومَ “السيَّال” في الداهشيَّة، لكنَّه غامضُ ومُشوَّشٌ، وعاجزٌ عن رَبطِ الإنسان بمظاهر الكَون الأُخرى وبمصدرِه.
وكان الفيلسوفُ الأَلمانيّ لايـبْنيتز Leibnitz قد حاول (1646-1716) أَن يجعلَ الكونَ أَقربَ إلى الفهمِ المنطقيّ، وغيرَ مُنفصل جوهريًّا عن الإنسان، فافترضَ وجودَ “وحدات حقيقيَّة”—سمَّاها “موناد” —monads تملأُ الكونَ كلَّه ، وتُكوِّنُ جوهرَه؛ وتصوَّرَ هذه الوحدات سلسلةً حيَّةً مُتواصلة مُتشابكة مُتراتبة، تتركَّزُ في كلٍّ منها “طاقةٌ أَصليَّة” نشيطة واعية، وكلُّ وحدة “تحملُ أَثقالَ ماضيها وتحبلُ بمُستقبلِها.” رؤوسُ هذه السلسلة العاقلة المُتراتبة هي الأرواح، ورأسُ الكلّ هو الله. لكنَّ الله ليس وحدةَ “موناد”، بل هو النظامُ القائم بين الوحدات والقابض عليه. [33]
وهكذا ما يزالُ العلمُ والفلسفةُ، بالرغم من محاولاتٍ كثيرة، قاصرَين عن فهمِ حقيقةِ الإنسان وعن اكتناهِ النفس وتعليلِ نشاطها وأَحوالِها وتناقُضاتها مثلما قدَّمَتها الداهشيَّة. فبماذا مدَّتنا تعاليمُها لإيضاح هذا الأمر الخطير؟
من تعاليم الداهشيَّةِ الموحاة— والمُؤَيَّدة بالمُعجزات إثباتًا لصحَّتِها— نستنتجُ أَنَّ نفسَ الإنسان أَو ذاتَه الواعية تتكوَّنُ من سيَّالِ رئيسيّ وسيَّالاتٍ ثانويَّة.
السيَّالُ الرئيسيّ
أَمَّا السيَّالُ الرئيسيّ فهو أَهمُّها، لأَنَّه يمدُّ الإنسانَ بالحياة، ويمنحُه طابعَ شخصيَّته المُميَّزة. والسيَّالُ الرئيسيّ يحتلُّ الجنينَ عند الولادة، في الشهر التاسع عادةً،[34] وقد يشذُّ عن ذلك فتُقدَّمُ الولادة فترةً لأسبابٍ روحيَّة. هذا السيَّالُ الرئيسيّ إمَّا أَن يكونَ تابعًا لسيَّال الأب الرئيسيّ وإمَّا لسيَّال الأُمّ الرئيسيّ. فإذا لم يكُن لأَيٍّ منهما سيَّالٌ درجتُه الروحيَّة بمُستوى الأرض، فالولدُ لا يكتمل. هذا إذا استثنَينا أَيضًا كَونَ أَحدِ الاثنَين مُصابًا بعاهةٍ أو مرضٍ يمنعُ تكوُّنَ الجنين لأسبابٍ يقتضيها استحقاقُ الجنين وأَبَوَيه.
غيرَ أنَّ الامتناعَ الروحيَّ الأَوَّل يُمكنُ تخطِّيه في حال وجودِ سيَّالٍ روحيّ في الأبِ أو الأُمِّ يكونُ على درجةٍ روحيَّة مُساوية لدرجةِ سيَّالٍ كائنٍ في عالَمٍ عُلويّ، أَي فردَوسيّ. فإذْ ذاك يحصلُ تَماسٌّ بين السيَّالَين. والعملُ الجنسيُّ يجعلُ السيَّالَ العُلويَّ يسقطُ ليحتلَّ الجنين. يقولُ الدكتور داهش في قطعة “شجرة معرفة الخير والشرّ” بأُسلوبٍ قصَصيّ هدفُه تقريبُ الحقيقةِ من الناس :
حلمتُ أَنَّني أَرتعُ في جنَّةٍ دانية قُطوفُها…
وكانت مُثقَلَةً بما تحملُه من الفواكه اللذيذة. وذَهِلتُ إذْ شاهدتُ أَنَّ كلَّ ثمرة ينبثقُ منها خيطٌ نورانيّ مُمتَدٌّ بصورة لانهائيَّة،
ووجهتُه كُرتُنا الأرضيَّة. وكانت آلافٌ من السيَّالات تجوبُ هذه الحديقةَ العجيبةَ الغريبة، وكلٌّ منها يتذوَّقُ ثمرةً منها… وفجأةً دوَّى صوتٌ رهيبٌ مَهيب قائلاً لي:
“إنَّ كلَّ سيَّال يتذوَّقُ من هذه الثمار هو تابعٌ لمخلوقٍ بشريّ يعيشُ في دُنيا الأرض حيثُ أنتَ تعيشُ أيضًا. فإذا تذوَّقَ السيَّالُ ثمرةً لذيذة أَثَّرَ مَذاقُها في الشخصِ الموجودِ بدُنياكم، وبعكس هذا إذا تذوَّقَ السيَّالُ ثمرةً ما لا تحتوي سيَّالاً عُلويًّا، فإنَّه يُؤَثِّرُ بالسيَّال الموجودِ في عالَمِ الأرض، فيرتكبُ الشخصُ عملاً غيرَ شريف يدعُه يسقط؛ وما سقوطُه إلاَّ بسبب تذوُّق السيَّال لثمرةٍ من الممنوعات. وهكذا الشخصُ الموجودُ في عالَمِ الأرض باستطاعتِه أَن يدَعَ السيَّالَ الموجودَ في هذا العالَم يرتقي أَو يسقط بواسطة أَعماله…”
وفجأةً اقتربَ منِّي سيَّالٌ قال لي:
“أَنا سيَّالٌ منكَ، فلو تزوَّجتَ لَكنتُ ابنتَكَ، ولَكنتُ ارتكبتُ آثامَ اللذَّاتِ المُحرَّمة، فحسنًا فعلتَ بعدمِ زواجِكَ، إذْ منعتَني من السقوط؛ وهذا أَشكرُكَ عليه…”[35]
إنَّ السيَّالَ الرئيسيَّ —كأيِّ سيَّالٍ آخَر— ذو طاقةٍ عاقلة إبداعيَّة مُستمدَّة من جوهرِه الروحيّ. وبفضلِ هذه الطاقة يُقَولِبُ جيناتِ الجنين ويُبرمِجُها وَفقًا لِما يُدخِلُه فيها من استعداداتٍ ونزعاتٍ كائنةٍ فيه، وتَبَعًا لدرجتِه الروحيَّة واستحقاقِه، ومُجاراةً لنظام العدالةِ الإلهيَّة.
وهذا السيَّال الرئيسيّ، كأَيِّ سيَّالٍ آخَر، يكونُ مُزوَّدًا بطاقاتٍ مُعيَّنة من الإدراك والنـزوع والإرادة. ولا ضرورةَ للإسهاب في تعريفِها وتحديد وظائفِها، فهي شائعةٌ في الكتُب السيكولوجيَّة. فأَكتفي بما لا بُدَّ منه.
القوى الإدراكيَّة الواعية
تتناولُ هذه القوى عدَّةَ استعدادات تناولَها الباحثون بالدراسة، ولِذا سأَذكرُ ما توضِحُه الداهشيَّةُ من نقاطٍ لم توضِحها الأبحاثُ العلميَّة.
أَ- الاستعداد الحِسِّيّ الخارجيّ والباطنيّ
وهو يشملُ الحواسَّ الخمس، يُضافُ إليها حسُّ الاتِّجاه والتوازُن الذي قلَّما ينتبهُ الباحثون له. فإذا كان هذا الاستعدادُ ضعيفًا بأَحد فروعِه في السيَّال الرئيسيّ، فإنَّ خلَلاً ما سيظهرُ في الجينات التي تحملُ البرامج المُعَدَّة لصَوغ الحواسّ، كالعمى أو الصَّمَم أو البكَم مثلاً. وهذا الخلَل لا يُمكنُ أن يحدثَ صدفةً، أي من جرَّاء خلَلٍ عفويّ طارئٍ على تركيب الجينات أَو الخلايا، مثلما يتوهَّمُ كثيرون من الباحثين؛ بل يكونُ ناشئًا عن استحقاقٍ له ناتجٍ عن أعمالٍ قام بها هذا السيَّالُ الرئيسيُّ في دورةٍ حياتيَّة سابقة. فالصدفةُ لا وجودَ لها في النظام الإلهيِّ العادل. وكما الحال في سببِ هذا الخلَل، فالحالُ في كلِّ خلَلٍ آخَر أَيضًا: إنَّه سببٌ روحيٌّ خاضعٌ لنظام الاستحقاق والعدالةِ الإلهيَّين.
ب- الاستعداد الذهنيّ
– وهو يشملُ وظيفةَ العقل بالمعنى الحَصريّ، أي الفهم والتفكير، وقدرةَ الرَّبط بين الأَسباب والنتائج، وبين الأَشياء، وبينها وبين رموزها اللفظيَّة أو التصويريَّة إلخ. وصحَّةُ عمل هذه الوظيفة تُولِّدُ سلامةَ المنطق التي تُؤَدِّي إلى صدقِ التمييز بين الحقِّ والباطل والخير والشرّ. فإذا طرأَ ضعفٌ ما على هذا الاستعداد في السيَّال الرئيسيّ، فإنَّه سيُؤَثِّرُ في تكوين الجينات الخاصَّة التي تتحكَّمُ بخلايا الدماغ. وهكذا قد يظهرُ خلَلٌ في عقلِ الولَد منذ طفولتِه أو في أيَّةِ مرحلة من مراحل عُمره، فيتمثَّلُ بهلوسةٍ سمعيَّة أو بصريَّة، أو بضعفٍ منطقيّ، أو بغير ذلك من مظاهر الخلَل العقليّ. وقدرةُ الاستنتاج والاستدلال واكتناه الأَشياء والمفاهيم قد تكون في الوليد قويَّةً أو مُعتدلةً أو ضعيفة وَفقَ ما يحملُه السيَّالُ الرئيسيّ أَصلاً، وتنمو بنموِّ دماغِه. والتربيةُ والثقافةُ وظروفُ البيئة تُؤثِّرُ فيها، فيما بعد، تأثيرًا قد يكون ضعيفًا أو معتدلاً أو قويًّا، لكنَّها لا تُبدِعُها أَو تُغيِّرُ درجتَها الأصليَّة. فتفوُّقُ أَفلاطون وأَرسطو وأَفلوطين والفلاسفة العِظام، أو تفوُّقُ غاليلِه ونيوتن وآينشتاين والعُلماءِ الكبار، هو في مُعظمِه كائنٌ في سيَّالاتهم الرئيسيَّة قبل أن يولَدوا. والقولُ بتساوي البشر على هذا الصعيد قولٌ باطل دحَضَته الاكتشافاتُ البيولوجيَّة الحديثة.
– وظيفةُ الانتباه، وبها يتمُّ تركيز الإدراك ومَنعُ تشتُّتِه، حسِّيـًّا كان أم ذهنيًّا، وسرعةُ الخاطر وحضورُ البديهة. وقدرةُ الانتباه قد تكون ضعيفةً أو قويَّة. وبها يمتازُ الخُطباءُ الكبار. وعرفتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أَنَّ كثيرين من الناس قد يكونون برُبع سيَّالِ انتباه طوالَ حياتهم، ولا تُفيدُ الثقافةُ والتدرُّبُ على تقويةِ هذه القدرة عندهم إلاَّ قليلاً. وضربَ لي مثَلاً يقظةَ بولس الرسول وقوَّةَ انتباهِه لكلِّ شاردةٍ أو واردة حينما كان يخطبُ مُبشِّرًا الأُممَ بالمسيح. ولمَّا سألتُه كيف يكون الانتباه أو أيُّ استعدادٍ آخَر سيَّالاً ما دامت هذه القوى جميعُها في سيَّالٍ واحد هو السيَّال الرئيسيّ؛ أجابني ما مفادُه: إعتَبِر السيَّالَ الرئيسيَّ حزمةً من الأَشعَّة الروحيَّة، وكلَّ قدرةٍ من القدرات أو استعدادٍ من الاستعدادات في الإنسان طاقةً (أَي شُعاعًا أو مجموعةَ أشعَّة) في تلك الحزمة.
– وظيفةُ التخيُّل، وبها يتمُّ بناءُ صُوَرٍ واقعيَّة أو وهميَّة، أو استحضارُ رُؤًى. ويتميَّزُ كِبارُ الشعراءِ والأُدباءِ والفنَّانين بقوَّةِ هذا الاستعداد. وقد سألتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة: كيف استطاعَ الأَديبُ الفرنسيّ جول فِرن Jules Verne (1828-1905) أَن يستبقَ الاختراعات والاكتشافات الحديثة فيتخيّلَها قبل حدوثِها؛ فأجابَني ما مفادُه: كان يعيشُ في حضارةٍ قديمةٍ سابقة لآدَم، وقد بلغَت فيها الاختراعاتُ مبلغًا عظيمًا تفوَّقَ على ما نعرفُه اليوم، لكنَّها اندثَرَت بحربٍ نوَويَّة نشبَت بين البشر. وصوَرُ تلك المُنجزات العلميَّة تظلُّ راسخة في سيَّاله، لكنَّها تكونُ غامضة.
– وظيفةُ التذكُّر، وبها يتمُّ الاستحضارُ الذهنيّ لِما تُدركُه الحواسُّ أَو العقلُ وَعيًا أو بناءً، أَو لِما يصوغُه الخيال، في ما سبقَ من الحياة.
وما يهمُّ أَن أُوضِحَه في هذا الصَّدَد هو أَنَّ الإنسانَ محرومٌ من القدرة على تذكُّر الماضي السابق لحياته الراهنة. وهذه القدرة يمتازُ بها الحيوان؛ لكنَّه امتيازٌ لا يجلبُ السرورَ والطمأنينةَ له، بل على العكس، يأتيه بالمُكدِّرات. فبفضلِ هذه القدرة— التي يُسمِّيها الدكتور داهش “الحاسَّة السابعة“—تعرفُ الحيوانات أَشياءَ كثيرة عن أَعمالها وأَوضاعها في تقمُّصاتها السابقة، وبينها تقمُّصاتٌ بشريَّة، كما تعرفُ أسبابَ سقوطِها وتقمُّصها بأجسامٍ حيوانيَّة، وفي ذلك من العذاب والألمِ شيءٌ كثير. وقد أكَّدَ الدكتور داهش هذه الحقيقة مرارًا في كتاباته. ففي خاتمة قصَّة “التقمُّّّص والتناسُخ أو عظُمَ ذنبُه فقُطِعَ ذنَبُه” يقول: “ونظريَّةُ التقمُّص تُؤَكِّدُ أنَّ المرءَ عندما يتقمَّصُ كحيوانٍ أَو طيرٍ أَو سواه يُعطى سيَّالَ معرفة الماضي، فيعرف أَنَّه كان بتقمُّصِه السابق رجلاً أو امرأَة، ولماذا تقمَّصَ الآن بالصورة الحيوانيَّة.”[36] أَمَّا الإنسان فقد حُرِمَ من هذا السيَّال رحمةً به. وقد أوضحَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة هذا الأمرَ في قصَّة بعنوان “أسرار الموت والحياة”. يقولُ فيها عن شابٍّ انتقلَ إلى الفردوسِ، بعد وفاته، وسُمِحَ له أن يرى أَحداثَ الأيَّام الأخيرة من حياته: فَـ“تكشَّفَت له حقائقُ الناس، فهالَته شرورُهم وأَخافته آثامُهم وإجرامُهم، وعرفَ لماذا لم يضع الله حاسَّةً سابعة للإنسان، وذلك لكي يمنعَ عنه أَهوالاً مُرعِبة إذا عرفَها لَتمنَّى الموتَ فورًا، وهذه حكمةُ الله جلَّت قدرتُه.”[37] وفورًا رُفِعَ منه سيَّالُ تذكُّر حياته السابقة رحمةً به.
وأَذكرُ أَنَّه لمَّا سألتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة، في إحدى زياراتي الأُولى له، عن سببِ نسيان الإنسان التامّ لأحداث حياته السابقة، تناولَ ورقةً من أمامه، وقال ما فحواه: “افترِضْ أنَّ هذه الورقة هي جسدُ إنسان، وأنَّه كتبَ عليها قصَّةَ حياته بألف كلمة هي كناية عن سيَّالاته وما قامت به من أَعمال.” ثمَّ مزَّقَ الورقة مئاتِ المِزَق الصغيرة جدًّا، وقال لي: “الموتُ يفعلُ بالسيَّالات ما فعلتُه بهذه الورقة، فيذهبُ كلُّ سيَّالٍ إلى حيثُ يستحقّ من التقمُّصات. هَبْ أنَّ مزقةً من هذه المِزَق أَوصلَتها الرياحُ إليك، وعليها حرفٌ أو كلمة، فهل يُمكنُكَ أن تعرفَ القصَّةَ بأكملها من الحرف أو الكلمة؟”
إنَّ حَجْبَ ماضي الإنسان عنه، هذا الماضي الذي قد يمتدُّ آلافًا وربَّما ملايينَ من السنين على هذه الأرض أو في العوالِمِ السُّفليَّة الجحيميَّة، لَيرفعُ عبئًا من الأَهوال والآلام لو كان على الإنسان أَن يحملَه دقيقةً واحدة لَقُضِيَ عليه مصعوقًا. وغيرُ صحيحٍ أنَّ بعضَ الناس يتذكَّرون أَحداثَ حياتهم السابقة. فهذا الزعمُ ليس إلاَّ إشاعاتٍ هدفُها تأكيدُ صحَّةِ نظريَّة التقمُّص. ولو كان صحيحًا، لَكانت الداهشيَّة أوَّلَ مَن أَعلَنَته وأَيَّدَته. وقد سألتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة ذاتَ مرَّة: ينسبُ البوذيُّون إلى بوذا أنَّه كان يعرفُ بعضَ تقمُّصاته، فهل هذا صحيح؟ فأجابَني: “لا شكَّ بأنَّ بوذا هادٍ عظيم، وروحانيٌّ ذو فضلٍ عظيم، لكنَّه يستحيلُ أَن يعرفَ حياتَه السابقة من غير وَحْيٍ روحيّ. ولم يكُن بوذا مُؤَيَّدًا بمِثل هذا الوَحي.”
ج- الاستعدادُ اللُغَويّ
هذا الاستعدادُ يشتملُ على طاقتَين: الأُولى تتمثَّلُ في سيَّال المهارةِ اللُغَويَّة في التعبير عن الأفكار وخلجات النفس، والثانية في سيَّال النُّطق.
وقد تَمَّ حديثًا اكتشافُ العُلماءِ لجيناتٍ معيَّنة ذاتِ علاقةٍ وثيقة بالاستعداد اللُغَويّ.[38] وهذا يُؤكِّدُ ما تقولُ به الداهشيَّة من أنَّ الاستعدادَ اللُغويَّ سيَّالٌ فطريّ. فإذا فقدَ الإنسانُ هذا الاستعداد مع الاستعداد الحرَكيّ التابع للإرادة (سيأتي الحديثُ عنه لاحقًا)، فإنَّه، إذْ ذاك، يُشبهُ الأَموات، ولكنَّه لا يكونُ، في الواقع، مَيتًا. وقد حدثَت مع مُؤَرِّخ “الوقائع الداهشيَّة”، الشاعر حليم دمُّوس، حادثةٌ عجيبة في 18 حزيران (يونيو) عام 1942، هذا مُلخَّصُها: لقد عرفَ حليم أنَّ ابنَ عمِّه، نجيب تامر دمُّوس، سقطَ عن عربةِ خَيل قبل ثلاثة أَيَّامٍ، فتهشَّمَ رأسُه. فاستغاثَ حليم برجُل الروح والمُعجزات. فأَعطاه الدكتور داهش “رمزَين مُقدَّسَين” (أَي دُعاءَين روحيَّـين كلٌّ منهما مكتوبٌ على ورقةٍ خاصَّة مطويَّة)، وطلبَ إليه أن يضعَهما تحت إبطِ المَيت. فذهبَ إلى المُستشفى حيثُ المَيت، ووضع “الرمزَين” تحت إبطِه. وإذا بالمَيت يفتحُ عَينيه تدريجيًّا وهو يقولُ مُبتسمًا: “إنَّني حَيّ كما ترى، ولم تنفصِل روحي [بمعنى سيَّالاتي الروحيَّة] عن جسدي الانفصالَ التامَّ. أَمَّا عدمُ استطاعتي التكلُّم أَو الإتيان بحركةٍ ما فهو بسبب ذهاب سيَّال النُّطق. ولكنَّكَ عندما وضعتَ ’الرمزَين المقدَّسَين‘، أَعادا إليَّ هذا السيَّال… لهذا تراني أَستطيعُ المُحادثة معكَ، يا ابنَ عمِّي.”[39]
إنَّ الاستعدادات الإدراكيَّة الفطريَّة المُشار إليها أَعلاه تتفاوتُ في قوَّتِها وضعفِها منذُ الولادة بين شخصٍ وآخَر. فالغباءُ، والتفكيرُ السطحيّ، والانتباهُ المُشتَّت، والخيالُ البليد، والتذكُّرُ الواهي، إذا حصلَت لإنسان مُجتمعة أو مُنفردة، تُضعِفُ قواه الإدراكيَّة بقدرِ الخلَلِ الذي تُحدِثُه؛ عِلمًا بأَنَّ سلامةَ نشاطِ هذه الاستعدادات الإدراكيَّة مرهونةٌ بسلامة الحواسّ، وخصوصًا بسلامة الدماغ وسائر الجهاز العصبيّ. لكنَّ انحطاطَ القوى الإدراكيَّة في السيَّال تبقى أَقلَّ شؤمًا وخطرًا على مصير السيَّال من انحطاط القوى النـزوعيَّة فيه. فما هي هذه القوى؟
القوى النـزوعيَّة الواعية
إنَّ السيَّالَ الرئيسيّ—ككلِّ سيَّالٍ آخَر— يتكوَّنُ من قوًى نزوعيَّة واعية، فضلاً عن قواه الإدراكيَّة الواعية التي سبقَ الحديثُ عنها. ولن أُفصِّلَ الكلامَ عليها، فهي معروفةٌ مدروسة. ولِذا سأَكتفي بالإيضاح الداهشيِّ عنها.
كلُّ سيَّالٍ رئيسيّ يمدُّ الإنسانَ بالحياة، ومعها حاجاتٌ فطريَّةٌ أَساسيَّة هي طاقاتٌ مُندمجة في السيّال الرئيسيّ نفسِه، أي هي طاقاتٌ جوهريَّةٌ منه. وقد تحدَّثَ عنها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة كما كتبَ فيها بطريقةٍ غير منهجيَّة. ويُمكنُ إجمالُها بستّ:
1- الحاجة الأَساسيَّة إلى الجنس الآخَر التي تتولَّدُ منها الرغبةُ الجنسيَّة. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة في سطوتِها: “ما أَعظمَ تأثيرَ الغريزة الجنسيَّة في الإنسان، وما أَشدَّ تسلُّطَها على قواه العقليَّة! وما أَقدسَ ذلك الإنسانَ الذي يَقدرُ على قَتلِ هذه القوَّة العاتية!”[40] وإنَّما جاءَ حكمُه هكذا بشقَّيه تأكيدًا لواقعٍ بشريّ، من جهة، وتشديدًا على أنَّ الغايةَ من الحياة الأرضيَّة هي تخطِّي الإنسان لمُستوى الطبيعة البشريَّة الذي سقطَ إليه بفِعلِ عصيانِه الأوامرَ الإلهيَّة في الفردَوس الأرضيّ، وبالتالي استعادتُه الروحيَّة للفردَوس المفقود.
2- الحاجة الأَساسيَّة لتأكيد السيَّال لذاتِه. ومنها تتولَّدُ أربعُ رغباتٍ عامَّة: الرغبة في الخلود، الرغبةُ في تقدير الذات، الرغبةُ في القوَّة، الرغبةُ في التملُّك. ورُقيُّ السيَّال مرهونٌ بمدى تغليب رغبتِه في الخلود الروحيِّ الدائم على رغبتِه في “خلودٍ” أرضيٍّ سرابيّ، سواءٌ كان عَبْـرَ شهرةٍ دُنيَويَّة أو عَـبرَ إيلاد البنين؛ وبمدى تغليب رغبتِه في تقدير ذاتِه الروحيَّة الأَزليَّة، عَبـرَ التمسُّك بالقِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة، على رغبتِه في تقديرِ ذاتِه الدُّنيويَّة العابرة عَـبرَ تشبُّثِه بقِيَمِ الوجاهةِ الاجتماعيَّة؛ كما إنَّ رُقيَّ السيَّال مرهونٌ بمدى تغليب رغبتِه في التعلُّق بقوَّةِ الله وحقيقتِه الأبديَّة، وبالتالي بقوَّة الضمير، على رغبتِه في القوَّةِ المادِّيـَّة المَبنيَّة على العُنفِ والتسلُّطِ والعدائيَّة؛ وبمدى تغليب رغبتِه في امتلاك ما لا يفنى على امتلاك ما يفنى. لكنَّ الواقعَ البشريَّ مُؤسِفٌ مثلما يُظهِرُه الدكتور داهش في كثيرٍ مِمَّا أُلهِمَه أَو أُوحِيَ إليه. وحسبي الشاهدُ التالي من “رسالة الضباب” التي أَوحَتها روحُ جبران خليل جبران في جلسةٍ روحيَّة. يُخاطبُ صوتٌ إلهيٌّ روحَ جبران طالبًا إليه أَن يُبلغَ إلى بَني البشر هذه الرسالة التي منها:
يا أَبناءَ الأرضِ المساكين،
منذُ عشراتِ الآلاف من السنين وأَنا أُشاهدُ أَعمالَكم، وأَسمعُ أَقوالَكم، وأُراقبُ أَفعالَكم، وأَقرأُ ما يجولُ في أَفكارِكم. وإذا هي هي لا تتغيَّر!
فأَنتم تفنَون في حُبِّ (المرأَة)، وتتهالَكون على (المادَّة)، وتعبدون (السلطة)، وتُقدِّسون (السَّطوة)، وتعتدون على (الضعفاء)، وتكفرون بـ(السماء)، وتُموِّهون (الحقائق)، وتُخادعون بعضكم بعضًا![41]
3-الحاجةُ الأَساسيَّة إلى صيانةِ الحياة. ومنها تتولَّدُ أربعُ رغباتٍ عامَّة: الرغبة في الطعام والشراب، الرغبة في السلامة والأمن، الرغبة في الرعاية والحماية، الرغبة في العمل والراحة. وجميعُها من حقوقِ الإنسانِ الأساسيَّة المشروعة في الأديانِ كلِّها، وقد شدَّدَ الدكتور داهش عليها في كتاباته. لكنَّ مقياسَ قيمة الحياة، في الداهشيَّة، هو مدى القيمة الروحيَّة والإنسانيَّة الإبداعيَّة التي فيها. فالتمسُّكُ بالحياة الأرضيَّة من أَجل الحياة لا معنى له. وعمرٌ طويلٌ فارغٌ من الرقيِّ الروحيِّ وإفادة الإنسانيَّة لا معنى له. يقولُ الدكتور داهش:
“ما أَشقَّ حياةَ الإنسان، وما أَكثرَ آلامَه على هذه الأرض! بل ما أَشدَّ تمسُّكَه بها وإقبالَه عليها بالرّغم من أَنَّه يُدرِكُ أَنَّه إنَّما يحيا حياةً لا معنى فيها للفرَح ولا قيمةَ فيها للحُزن.[42] كذلك يقول: “لا معنى لحياة الإنسان إذا لم يقُم بعملٍ إنسانيٍّ جليل.”[43]
رابعًا-الحاجة الأَساسيَّة إلى الإطار التوجيهيّ. ومنها تتولَّدُ رغبتان عامَّتان: الرغبةُ في التوجيه البشريّ والرغبةُ في التوجيه الغَيببيّ الذي هو مظهرُ سيَّال الإيمان الدينيّ في الإنسان، وإن هو تجاهلَه أو أَنكرَه استكبارًا. يذكرُ الدكتور داهش الرغبةَ الأُولى بقوله: “جميعُنا في حاجةٍ إلى الإرشاد.”[44] ويؤَكِّدُ الرغبةَ الثانية بإظهارِه أَنَّها في تكوين الإنسان بل تكوين كلِّ موجود، فيجعلُ عذابَ الضمير وآلامَ الروح نذيرَين بـ“الابتعاد عن وجهِ النور… وجهِ الأَملِ العَذبِ المُرتجى، وجهِ ما يَنشدُه الماءُ والهواءُ والفضاءُ والسماءُ، وجهِ مَن يتطلَّعُ إليه جميعُ الأَحياءِ دون استثناء، وجهِ مَن تتمنَّاهُ جميعُ المخلوقات معروفِها ومجهولِها، وجهِ الحقيقة الحقَّةِ العادلة، وجهِ الخالِقِ عَزَّ وجَلَّ.”[45] ويُقاسُ رُقيُّ السيَّال بمدى إشباعِه لهاتَين الرغبتَين. وسيَّالُ الإيمان الذي يحملُه سيَّالُ الإنسان الرئيسيّ الذي يمدُّه بالحياة هو الذي يُحدِّدُ له دينَه بنسبة درجتِه الروحيَّة. وقد قال لي مُؤَسِّسُ الداهشيَّة مرَّةً ما فحواه: إنَّ الإنسانَ لا ينشأُ على دين أَبَوَيه مثلما يظنُّ معظمُ الناس، بل درجةُ السيَّال الرئيسيّ هي التي تُحدِّدُ دينَه.” ولمَّا قلتُ له: وُلِدتُ مسيحيًّا كاثوليكيًّا قبل اعتناقي الداهشيَّة في السابعة والعشرين من عمري؛ أجابني: “كنتَ في المدَّة السابقة لإيمانكَ الجديد في حال انتظار وتأَهُّب، وإلاَّ لَما آمنتَ بالداهشيَّة.”
خامسًا-الحاجةُ الأَساسيَّة إلى الاستطلاع. ومنهاتتولَّدُ رغبتان عامَّتان: الرغبةُ في المعرفة العمليَّة، والرغبةُ في المعرفة النظريَّة. ولا شكَّ بأَنَّ رُقيَّ السيَّال يُقاسُ بمدى إشباعِه هذه الحاجة. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة، وهو الغَنيُّ عن المعارف البشريَّة لِما يُزوَّدُ به من إلهامٍ ووَحي: “كلَّما مرَّت بي الأَيَّامُ ازدَدتُ علمًا وأَفدتُ دروسًا أَنا في أَمسِّ الحاجةِ إليها؛ وكلَّما أَشرقَت شمسُ صباحٍ جديد، ازدَدتُ تفكيرًا يختلفُ عن تفكير اليومِ الماضي.”[46] ذلك فضلاً عن أنَّه كثيرًا ما أَكبرَ العقلَ والعلمَ وأَعلامَ الفلاسفةَ والعلماء.
سادسًا-الحاجة الأَساسيَّة إلى الجمال. ومنها تتولَّدُ رغبتان عامَّتان: الرغبةُ في تذوُّقِ الجمال والرغبةُ في مُحاكاتِه. يقولُ الدكتور داهش:
خلقَ اللهُ لنا الجمالَ الأَخَّاذ، ففُتِنَّا به منذ القديم،
وخفقَتْ له الأرواحُ والقلوبُ عندما شاهدنا قوَّتَه،
ولم نستطعْ أَن ندرأَ عنَّا سحرَه ولا فتنتَه،
ففاضت منَّا الكلماتُ والعبارات، وتدفَّقَت لِسحرِ حلالِه
تُترجِمُ ما نُحسُّ وما نشعرُ به أَمام كمالِه وجلالِه.
آهِ! كم نحن نخشعُ للجمال! وكم نُقيمُ له هياكلَ التكريم![47]
ورُقيُّ هاتين الرغبتَين يُقاسُ بمدى اهتمام الإنسان بالجمال الطبيعيّ ومُحافظتِه عليه، وبمدى تذوُّقِه الجمالَ الفنِّيّ وإقبالِه على روائعِه. أَمَّا إبداعُ الجمال الفنِّيّ فيستوجبُ سيَّالَ موهبةٍ خاصَّة، ذلك بأَنَّ الطاقةَ الإبداعيَّة ليست كائنة في كلِّ سيَّالٍ رئيسيّ يمدُّ الإنسانَ بالحياة.
وسنبحثُ في السيّالات الثانويَّة وسيَّالات المواهب، وتأثيرِ الإرادة، وكذلك في العقل الباطن، وتفاعلاتِ جميع هذه القوى، في أَبحاثٍ لاحقة.
[1] . في قطعة “ملكة الخيال” (من كتاب “دمعة وابتسامة”) يقول: “شعرتُ بأَنَّ في الأَثير المُحيطِ بي سيَّالاً يُضارعُ البخورَ عطرًا ويُعادلُ الخمرَ فِعلاً.” (المجموعة الكاملة لمُؤَلَّفات جبران خليل جبران، قدَّم لها وأَشرفَ على تنسيقِها ميخائيل نعيمة. بيروت: مكتبة صادر، 1955، ج 2 ، ص 157.) وفي قطعة “أَيَّتها الريح” (من الكتاب نفسه) يقول مُخاطبًا الريح: “تمرِّين غاضبةً في الصحارى فتدوسين القوافلَ بقساوة ثمَّ تُلحِدينها بلِحفِ الرمال. فهل أَنتِ أَنتِ ذلك السيَّالُ الخَفيُّ، المُتموِّجُ مع أَشعَّة الفجرِ بين أَوراق الغصون، المُنسلُّ كالأحلام في مُنعطفاتِ الأَودية؟…” (م. ك. ص 208). وفي “الأجنحة المُتكسِّرة” يقول عن الجمال: “إنَّ الجمالَ سرٌّ تفهمُه أَرواحُنا وتفرحُ به وتنمو بتأثيراتِه؛ أَمَّا أَفكارُنا فتقفُ أَمامه مُحتارةً مُحاوِلةً تحديدَه وتجسيدَه بالألفاظ، ولكنَّها لا تستطيع. هو سيَّالٌ خافٍ عن العَين يتموَّجُ بين عواطفِ الناظر وحقيقةِ المنظور” (المصدرُ السابق، ص 23). وفي كتاب “العواصف” يقول: “إنَّما الموسيقى لُغةُ الأرواح. هي سيّالٌ خَفيّ يتموَّجُ بين روحِ المُنشِد وأرواحِ السامعين” (م. ك. ص 140).
[2] . “الرمز المقدَّس” عبارة عن ابتهال يُرفَع إلى الله تعالى. وهو يُكتَبُ على ورقةٍ صفراء متوسِّطة الحجم، ثمَّ تُطوى الورقة طيًّا خاصًّا وتُحرَق.
[3] . الخارقتان المذكورتان والخارقة التي تَليهما مباشرةً فصَّلتُها في “مدخل الكتاب الداهشيّ”؛ والكتابُ كاملاً يقعُ في ستَّة أجزاء (أَكثر من ثلاثة آلاف صفحة) تتناولُ حياةَ الدكتور داهش ومعجزاته وتعاليمَه.
[4] . مجلَّة “المُختار”، فبراير 1964، ص 11-16. يُمكنُ قراءة مزيدٍ من مقال بروتوفسكي أيضًا في مُلحَق كتاب “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة –تركيبيَّة لأدبِه ورَسمِه وشخصيَّتِه” لغازي براكس (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1981) ص 526-527 (الحاشية).
[5] . كتبَ الدكتور داهش، عام 1976، قطعةً يُخاطبُ فيها الشمس، يقولُ فيها: “يا سيَّالاً مُتوهِّجًا مُتأَجِّجًا بأَمر خالق السماوات والأرضين!” (“عاشقُ الغِيد الصِّيد” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص53. كذلك خاطبَ الشمس في قطعةٍ أُخرى، عام 1977، قائلاً: “إنَّكِ سيَّالٌ عُلويّ يهبُنا الحياة ويبعثُ فينا الحيويَّة.” (“آمالُنا أَوهام” بيروت: دار النسر المحلِّق،، 1980) ، ص 46. كذلك في قطعة “بطلتان وشجرة” من كتاب “عاشق الغيد الصِّيد” (عام 1975، يقول: “وإذا بالظلمة تُخيِّمُ فيشملُنا الديجور، وتغمرُنا شلاّلاتٌ من سيَّال النور” (ص 115).
[6] . لا تُبصِرُ العينُ البشريَّة من الموجودات إلاَّ التي تتراوحُ تردُّداتُها بين 20 و40 تردُّدًا في الثانية، والتي تتحرَّك بسرعةٍ أَدنى من سرعة النور (أَي 300.000 كلم في الثانية)؛ والأُذنُ البشريَّة لا تسمعُ من الأصوات إلاَّ التي تتراوحُ بين حوالى 15 و20.000 تردُّد في الثانية.
- Henri Bergson. L’évolution créatrice (Belgique /France: Rombaldi, Collection des Prix Nobel, 1971), pp. 42-43
- Burt. The Young Delinquent, 1931, p. 423, f. 1.
[8] . يُعتبَرُ الكَمّ quantum هو المقدار الأصغر من الطاقة الذي يُمكنُ ان يوجَد مُستقلاًّ. ويُعبَّرُ عن الكَمّ رياضيًّا بصيغة hv حيث h تُمثِّل ثابتة بلانك، أَي 6.624×10-34، و v تمثِّل تردُّد الإشعاع. أنظر:
Nick Herbert. Quantum Reality: Beyond The New Physics. An Excursion into Metaphysics and the Meaning of Reality. (New York: Anchor Press/Doubleday, 1978).
[9] . أنظر مجلَّة “بروق ورعود”، العدد 2، السنة الأُولى، 23 نيسان 1968: “أَنتم تسأَلون والدكتور داهش يُجيب”، ص 117.
Daniel Dennett. Consciousness Explained (Boston: Little, Brown & Co., 1991), pp. 33-39 & 101-138.: . أنظر: [10]
[11] . هذه المُعادلة أَكَّدَها علميًّا آينشتاين، وعبَّرَ عنها بالصيغة التالية: E=mc2 (حيث E تعني الطاقة، وm كتلة المادَّة في حالة السكون، وc سرعة النور). وللطاقة مظاهر كثيرة: فإمَّا تكون طاقةً ضوئيَّة، أو كهربائيَّة- مغنطيسيَّة، أو حراريَّة إلخ. وما يُفقَدُ من كتلة مادّيـَّة معيَّنة يكون موجودًا كطاقة.
Sir Arthur Eddington. The Nature of the Physical World. London: Cambridge.. [12] University Press, 1935
Sir James Jeans. The Mysterious Universe. (London: Cambridge Univ. Press, 1930). .[13]
[14] . أنظر: – J. Charon. La connaissance de l’univers (Paris: Edition du Seuil. 1961): “Le psychisme dans l’univers, p. 135-153.
– J. Charon. De la physique à l’homme (Paris: Edition Gonthier, 1964), p 8.
– Max Planck. L’image du monde dans la physique moderne (Paris: Edition Gonthier, 1963), p. 65-81.
Paul Davies. The Cosmic Blueprint. (New York: Simon and Schuster,1988). . [15]
Amit Goswami with R. Reed & M. Goswami. The Self-Aware Universe: How Consciousness Creates the Material World. (New York: Putnam’s Sons, 1993). . [16]
David Foster. The Philosophical Scientists. (New York: Dorser Press, 1985). [17]
Menas Kafatos & R. Nadeau. The Conscious Universe: Part and Whole in Modern .[18] Physical Theory (New York: Springer-Verlag, 1990), pp. 166-189.
[19] . “بروق ورعود”، المصدرُ السابق، ص117-118.
[20] . أنظر غازي براكس: “مدخل إلى الداهشيَّة” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1992)، ص 74، 98، 108.
[21] . أنظر: Richard Feynman (prix Nobel). La nature des lois
physiques. Trad. de l’Américain (Paris: Marabout université, 1971, “Les grands principes de conservation”, pp. 71-101.
ُE. David Peat. Superstrings and the Search for the Theory of Everything. أنظر:[22]
. Chicago/Ney York: Contemporary Books, 1988.
[23] . Science News, June 21, 2003, p. 387.
Jacob B. Bekenstein, “Information in the holographic universe” in Scientific. [24]
American, August 2003, pp. 58-65.
. Anton Zeilinger, “Quantum Teleportation” in Scientific American, April 2000, أنظر: . [25] pp. 50-59 :
[26] . أَكَّدَ الدكتور داهش إيضاحَه لي بقولِه في قصَّة “هوفاميا”: “ها إنَّ روحي [سيَّالي] تخترقُ أَجوازَ الفضاء بسرعةٍ تفوقُ سرعةَ النور أَضعافًا مُضاعفة.” (قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979، ص 70.)
[27] . متَّى 12: 37-37.
[28] . سورة فُصِّلَت: 19-22. وجديرٌ بالذكر أنَّ أَعضاءَ الإنسان جُعِلَت عاقلة.
[29] . سورة النور: 24. أنظر أيضًا سورة الزخرف: 80.
[30] . سورة الإسراء: 85.
“Can science explain consciousness?” in Scientific American, July 1994, pp. 88-94.. [31]
وفي هذا المقال عَرضٌ لآراءِ عدَّة عُلماء وفلاسفة جمعَهم مُؤتَمرٌ في جامعة أَريزونا بالولايات المُتَّحدة.
Leibnitz. Selections, ed. By P. P. Wiener (N.Y.: Charles Scribner’s sons, 1951), [33]
see Introd. And pp. 106-117 & 299-355.
[34] . في قصَّة “الحلُم الهابط إلى أرض البشر” تقول أَحلام التي كانت في عالَمٍ فردَوسيّ: “ومن واجبي أَنا أن أَصدعَ للرؤيا المُقدَّسة التي شاهدتُها منذ تسعة أشهر، إذْ حُدِّدَت لي مدَّة أَقصاها تسعة أَشهر يجبُ عليَّ في نهايتها أَن أَتأَهَّبَ للهبوط إلى أرض البشر، واليومَ هو نهايةُ الشهور التسعة.” (د. داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة” ، ج 1، ص 34.)
[35] . د. داهش: “التائه في بيداء الحياة” بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص87-89. تُؤَيِّدُ هذه الحقيقةَ أيضًا رسالةٌ روحيَّة أَتَتني مُرتسمةً على ورقة بصورة إعجازيَّة في 10/12/1979وكثيرٌ من الإيضاحات المباشرة من الدكتور داهش.
[36] . د. داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 2، 39.
[37] . المصدرُ السابق، ص 194.
Nicholas Wade, “Early Voices: The Leap to Language” in New York Times,
July 15, 2003. . [38]
[39] . حليم دمُّوس: “مُعجزاتُ مُؤَسِّسِ العقيدة الداهشيَّة ومُدهِشاتُه الخارقة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 72-74.
[40] . د. داهش: “كلمات” (بيروت: دارالنار والنور، 1983)، ص 146.
[41] . د. داهش: “جحيمُ الذكريات” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1984) ص 269-270.
[42] . د. داهش: “كلمات”، ص 142.
[43] . المصدرُ السابق، ص 125.
[44] . المصدرُ السابق، ص 124.
[45] . د. داهش: “إبتهالات خشوعيَّة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 81-82.
[46] . د. داهش: “كلمات”، ص 132.
[47] . د. داهش: “بروق ورعود” (نيويورك: الدار الداهشَّة، 1999)، 68.
السيَّالات: مفهومُها، أَنواعُها، نشاطُها وتفاعلاتُها 2
السيَّالات: مفهومُها، أَنواعُها، نشاطُها وتفاعلاتُها
في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
في ما تقدَّمَ من هذا البحث (“صوت داهش”، شتاء 2004) أَوضحتُ مدلولَ السيَّال وَفقَ التعاليم الداهشيَّة، وأَهمِّـيَّتَه في تفسير أَو تعليل كلِّ شيء أَو حدَثٍ أَو حالة، على الصعيد المادِّيّ أَو النفسيّ، سواءٌ أَكان في الإنسان أَم الأرض أم الكون كلِّه. وبيَّنتُ أَنَّه بالجوهرِ الروحيِّ الإشعاعيِّ الخفيِّ الكامنِ في كلِّ سيَّال يتواصلُ الكونُ كلُّه، بل العوالمُ “المادِّيـَّة” والعوالمُ الروحيَّة؛ ذلك بأَنَّ “المادَّة” نفسَها إنَّما هي صورةٌ اقتضَتها درجةُ السيَّال المُتشكِّل فيها. وقد أَخذَت جماعاتٌ من الفلاسفة والعلماء بهذه النظرةِ أو ما يُقاربُها.
وعلى صعيدِ الإنسان أَوضحتُ أَنَّ أَهمَّ سيَّالات النفس الواعية (العقل الواعي) هو السيَّال الرئيسيّ الذي يمدُّ الإنسانَ بالحياة ويمنحُه الطابعَ المُميَّز، وهو يضمُّ قوًى نـزوعيَّة مُختلفة، وقوًى إدراكيَّة ذاتَ استعداداتٍ ذهنيَّة ولُغويَّة وحسِّيَّة خارجيَّة وباطنيَّة، وإرادة. وتتفاوتُ درجاتُ الرُقيِّ بين سيَّالٍ رئيسيٍّ وآخَر.
في الحلقة التالية سأُتابعُ البحثَ في السيَّال الرئيسيّ مُبرِزًا أَهمِّـيَّةَ بعضِ السِّماتِ السيكولوجيَّة في تأكيدِ وجودِه كيانًا نفسيًّا مُستقلاًّ قبل احتلاله الجنين وبَثِّ الحياةِ فيه، ثمَّ تابعيَّةَ السيَّالات الرئيسيَّة بعضها لبعض، والفرقَ بين السيَّال الرئيسيّ في الرجل والسيَّال الرئيسيّ في المرأَة، وسببَ الاختلاف المورفولوجيّ بين البشر؛ بعدئذٍ أَتناولُ السيَّالاتِ الثانويَّة وبعضَ الخصائص المُميَّزة في الكيان النفسيِّ المُختلِط كالضمير والمواهب، وأُنهي هذه الحلقة بالمفهوم الداهشيّ للأَعمار والموت.
الدليلُ السيكولوجيّ والعلميّ
لوجود السيَّال الرئيسيّ قبل الولادة
جرى الاعتقادُ التقليديّ في الأديان الإبراهيميَّة (الموسويَّة والمسيحيَّة والإسلام) أَنَّ النفسَ تُخلَقُ مع ولادةِ الإنسان، فلا وجودَ لها قبل ولادتِه. لكنَّ هذا الاعتقادَ التقليديَّ غيرُ مَبنيّ على قاعدةٍ موحاةٍ واضحةٍ حاسمة، بل على العكس من ذلك، فإنَّ إشاراتٍ مُتعدِّدة في العهدِ القديم والعهدِ الجديد من الكتاب المُقدَّس كما في القرآن الكريم تدلُّ على وجود سيَّالات النفس قبل الولادة، وتُؤَكِّدُ مبدأَ التقمُّص. وبما أنّي عرضتُ لهذا الأمر في بحثٍ سابق (“صوت داهش”، آذار 1996)،[1] فإنيِّ أَكتفي، في هذا المقام، بإعطاء الدليل الفلسفيّ والعلميّ على أسبقيَّة وجود السيَّال الرئيسيّ الذي تقولُ به الداهشيَّة، وأُدلي، بعدئذٍ، بالأدلَّة الداهشيَّة.
إنَّ جماعةً من عُلماء النفس المُعاصرين مِمَّن تخطَّوا المذهبَ الفرويديّ والمذهبَ السلوكيَّ Behaviorism،[2] وفي طليعتهم جايمس هيلمان J. Hillman، يرَون أَنَّ كثيرين من السيكولوجيِّين قد ذهبوا كلَّ مذهب في محاولاتهم لِفَهمِ قوى النفس حتَّى شطُّوا عن النهجِ المنطقيِّ السليم وجعلوا علمَ النفس دونما نفس. ولا يرى هيلمان سبيلاً للخروج من التخبُّط في التخمينات والتناقُض في الآراء بما يخصُّ طبيعةَ النفس ووجودَها إلاَّ في استخلاص النتائج العلميَّة من عشرات الدراسات التي أُجرِيَت على آلاف التوائم المُتماثلين Identical، كما على سِيَرِ المئات من المُتفوِّقين في كلِّ مجال. فهذه النتائج تُؤَكِّدُ أنَّ ثمَّةَ قوَّةً نفسيَّةً ديناميَّة (ذاتَ إدراكٍ واستعداداتٍ ونزعاتٍ وإرادة) تحتلُّ الجنينَ، وتُكيِّفُ شخصيَّتَه، وتطبعُه بطابعٍ مُميَّز، ولا علاقةَ لها بما ينتقلُ إليه من مُؤَثِّراتٍ وراثـيَّة عَبرَ الجينات، ولا بالتأثيرات البيئيَّة (تربويَّةً كانت أم ثقافيَّة أم غير ذلك) إلاَّ قليلاً.
هذه القوَّةُ النفسيَّة الديناميَّة—التي استـنـتجَها هيلمان بطريقةٍ منهجيَّةٍ من دراسات التوائم المُتماثلين وسِيَرِ المُتفوِّقين— أَعاد العالِمُ فضلَ اكتشافِها إلى أَفلاطون الذي سبقَ الجميعَ إليها عن طريقِ النظرِ العقليِّ الفلسفيّ، ثمَّ إلى أَفلوطين الذي أَفاض في شرحِها.[3] ففي الفصل العاشر من “الجمهوريَّة” يتحدَّثُ تلميذُ سقراط العظيم بأُسلوبٍ قصَصيّ ميثولوجيّ عن قوَّةٍ نفسيَّة ديناميَّة دافعة تحملُ قدَرَ الإنسان الذي اختارَه بنفسِه نتيجةً لحياته السابقة— وهو قدَرٌ محتومٌ عليه بضرورةِ استحقاقِه إيَّاه كما باختيارِه الطَّوعيِّ لوالدَيه المُقبلَين وللظروفِ الزمانيَّة والمكانيَّة التي سيعيشُ فيها.
يستخلصُ هيلمان، عالِمُ النفس البارز، من عشرات الدراسات التي وُضِعَت في أَربعمئة شخص من المُتفوِّقين في العلم أَو التكنولوجيا أَو الأدب أو الفنّ أَو السياسة أو القيادة العسكريَّة إلخ أَنَّ 60 بالمئة منهم كانت طفولاتُهم بائسة في فترة الدراسة، حتَّى إنَّ كثيرين منهم تخلَّوا عن التلقُّنِ المدرسيّ ليُباشروا المُطالعة بأَنفسهم أَو لينصرفوا إلى حياةٍ عمليَّة ناحجة. من هؤلاء المُتفوِّقين توماس مانْ T. Mann ورابندرانات طاغور R. Tagore حائزا جائزة نوبل للآداب، وروبرت براونِنغ R. Browning الشاعر الإنكليزيُّ الشهير، والموسيقار النروجيّ البارز إدوارد غريغ E. Grieg، والمُخترعُ الكبير توماس إديسن T. Edison، وريتشارد فاينمان R. Feynman حائز جائزة نوبل في الفيزياء.
وهؤلاء المُتفوِّقون المقطوعة مواهبُهم عن التأثيرات الوراثيَّة والبيئيَّة إلاَّ قليلاً يُمكنُ أن يكونوا عاديِّين في طفولاتهم أو صِباهم، كما يُمكنُ أَن يكونوا نوابغ. فمن الفئةِ الأُولى: المهاتما غانْدي M. Gandhi، والقائد الألمانيّ إروِن رومِل E. Rommel، ثعلبِ الصحراء، وإليانور روزفلت E. Roosevelt، زوجة الرئيس فرانكلن روزفلت وسفيرةِ الولايات المُتَّحدة إلى الأُممِ المُتَّحدة، والأَديب الفرنسيّ الكبير إميل زولا E. Zola (الذي كان يحصل على صِفر في وظائف الأدب الفرنسيّ المدرسيَّة). فهؤلاء جميعًا لم تبرز سِماتُ العبقريَّة في شخصيَّاتهم إلاَّ بعد تجاوزهم مرحلةَ الحداثة.[4]
أَمَّا الداخلون في الفئةِ الثانية (أي مَن تبرزُ فيهم موهبةٌ متفوِّقة باكرًا جدًّا لا يُمكنُ رَدُّها إلى مُكتسَباتٍ وراثيَّة أو بيئيَّة) فمن أَمثالهم: ابنُ سينا، وبليز باسكال B. Pascal، وأَنريكو فِرمي E. Fermi ، وتوماس إديسن T. Edison ، وجون واطسن J. Watson من العُلماء؛ وأُوغست كُونْت A. Comte ، وجون ستيوارت مِل J. S. Mill، وفولتير Voltaire من المُفكِّرين؛ والأُختَين شارلوت وإميلي برونتي C. & E Brontë ، وبابلو نيرودا P. Neruda، وألكسندر بوشكين A. Pushkin، وآرثور رامبو A. Rimbaud من الأُدباء؛ وبرنيني G. L. Bernini، ودورِر A. Durer، وجياكوميتي A. Giacometti، ومانتيغنا A. Mantegna من الفنَّانين؛ وشوبان F. Chopin، وليسْت F. Liszt، وموزار A. Mozart، وشتراوس R. Strauss من الموسيقيِّين…[5]
الأَدلَّة الداهشيَّة
إنَّ ما يذهبُ إليه هيلمان في كتابه “نظام رموز النفس” The Soul‘s Code (1996) أَكَّدَه مُؤَسِّسُ الداهشيَّة قبل ستّين سنة، وجعلَه من مُقوِّمات المبادئ التي بُنِيَت عليها تعاليمُه. فتلك القوَّةُ النفسيَّة الديناميَّة التي تحملُ بذورَ السِّمات الرئيسيَّة في شخصيَّة الإنسان ليست سوى سيَّاله الرئيسيّ الذي يمدُّه بالحياة عند ولادته، سواءٌ أَكان إنسانًا عاديًّا أم عبقريًّا؛ لكنَّ تلك القوَّة لا يتَّضحُ وجودُها المُستقلّ عن وجود السيَّالات الأُخرى المُكتسَبة عن طريق الوراثة إلاَّ في المُتفوِّقين، لأَنَّ العاديَّ يصعبُ أَن يُمَيَّزَ في سِماته النفسيَّة بين ما اكتسبَته شخصيَّتُه من سيَّالِه الرئيسيّ وما اكتسبَه من سيَّالاته الثانويَّة—مثلما سيتَّضحُ لاحقًا—بواسطة والدَيه أو أجداده عَبرَ الجينات الوراثـيَّة أو ما اكتسبَه من خصائصَ نفسيَّة من بيئتِه التربويَّة والثقافيَّة.
وقد استخلصتُ من أحاديثي مع مُؤَسِّس الداهشيَّة أَنَّنا حتَّى لو جعلنا مُعجزات موسى النبيِّ جانبًا وكذلك مُعجزاتِ السيِّد المسيح، لَما تمكَّـنَّا من العثور على أَيِّ عاملٍ وراثيّ قريب أو عاملٍ ثقافيّ مُعاصر يُمكنُه أَن يُفسِّرَ الرسالتَين الروحيَّتَين اللتَين اضطلعا بهما. والأمرُ نفسُه يصحُّ على الرسول العربيِّ الكريم كما على سقراط وغاندي؛ الأمرُ الذي يُؤَكِّدُ أَنَّ مَن نفحَ هؤلاء بكياناتهم النفسيَّة المُميَّزة لم يكُن آباءَهم ولا أُمَّهاتِهم، ولا البيئاتِ المناقِضة لِمُثُلِهم العُليا، ولا الثقافات المادِّيـَّة المُعاكسة لقِيَمِهم الروحيَّة والمُسيطرة على مُعاصريهم، بل سيَّالاتٌ عُلويَّةٌ مُتفوِّقة ليست من الأرض. وأَنا أَزيدُ إنَّ ما ينطبقُ عليهم ينطبقُ على مُؤَسِّسِ الداهشيَّة الذي لم يعرف من الدراسة النظاميَّة سوى ستَّة أَشهر، ومع ذلك كتبَ ما يُربي على مئة كتابٍ مُلهَم ، وقدَّمَ إلى العالَم رسالةً روحيَّة تجمعُ بين الأديان، وتُنادي بالحرِّيـَّة والعدالة والإخاء بين بني الإنسان، وتوضِّحُ ما غمضَ من الكتُبِ المقدَّسة، وتستبقُ العلومَ في كشفِها عن حقائقَ خطيرة في الوجودِ وما وراءَه؛ وإلى ذلك عانى الأَمرَّين من أجل رسالتِه، فاضطُهِدَ وشُرِّدَ، لكنَّه عاد بالنصرِ المُؤزَّر وأطاحَ بكرسيِّ الرئيس الطاغية الذي اضطهدَه وجعلَ لبنان مزرعةً لعائلتِه— كلُّ ذلك وهو لم يشهر سيفًا إلاَّ سيفَ الحقِّ والفضيلة.
وكم من عبقريٍّ، في سياق العصور، واجهَ الطُّغاةَ، دُنيَويِّين كانوا أَم دينيِّين، بشجاعةٍ وصبرٍ وثبات، من أَجلِ تغيير أوضاع الإنسان، وتحريرِه من أَوهامِه وخُرافاتِه وانحرافاتِه وضلالاتِه! وجهادُهم الذي دفعَ الحضارةَ إلى الأمام إنَّما يدلُّ على أَنَّ كثيرين منهم كانت سيَّالاتُهم الرئيسيَّة غير أَرضيَّة. فقد هبطَت إلى دُنيا البشر، في أَزمنةٍ مُتفاوتة، لتُؤَدِّيَ رسالاتٍ أَدبيَّة أَو فنِّـيَّة أو علميَّة أَو إصلاحيَّة معيَّنة، وربَّما رسالاتٍ تأديبيَّة أَحيانًا… فتُساعدَ الأَنبياءَ والمُرسَلين في جهودِهم الهادفة إلى ترقيةِ البشر.[6] لكنَّ هذا لا يعني أَنَّ السيّالات الرئيسيَّة الهابطة من عوالِمَ عُلويَّة يجبُ أن تُؤدِّيَ حُكمًا مَهمَّاتٍ سامية مُميَّزة، فلإرادة الإنسان دورٌ بالغُ الخطورة في المُحافظة على رُقيِّ سيَّالاته أو على تسفيلِها. وقد عرفتُ من الدكتور داهش أنَّ كثيرين مِمَّن كانت سيَّالاتُهم الرئيسيَّة هابطة من عوالِمَ عُلويَّة سفَّلوا تلك السيَّالات باستسلامهم للشهواتِ والنـزعاتِ الدُّنيويَّة، وبينهم أُدباء وشعراء وتلاميذُ أَنبياء.
وإن كان أَفلاطون قد لجأَ إلى القَصَصِ الميثولوجيّ لإيضاح نظرتِه في هذا الأمر الخطير، ثمَّ أَكَّدَ بعضُ علماء السيكولوجيا نظرتَه، فإنَّ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة أَثبتَ هذه الحقيقة بالقَصَصِ المُلهَم أَو الموحى كما بالخوارق المحسوسة المُعايَنة.
ففي “سرُّ سلَّةِ القصَب” وردَ على لسان سيّالٍ تابع لروحٍ ملائكيّ: “موسى النبيّ عرفتُه قبل مولدِه. فروحُه النقيَّة، قبل أَن تتجسَّدَ في هذا العالَم، كانت تُسبِّحُ الله في الملإ الأَعلى.”[7] وفي “مُذكَّرات يسوع الناصريّ” جاء على لسان يسوع الفتى: “لقد أَمرَني أَبي أَن أَهبطَ إلى هذا العالَمِ الجاحِد؛ ففعلتُ.”[8] وفي قصَّة “الحلمُ الهابط إلى أرض البشر” نتذكَّرُ القصَصَ الميثولوجيّ الأفلاطونيّ عن هذا الموضوع. فالملاك قال لأحلام الكائنة في عالَمٍ عُلويّ إنَّ المشيئةَ الإلهيَّةَ قضَت بأن تهبطَ في الشرق، وأنَّ لها أن تختارَ العائلة التي تودُّ الانتسابَ إليها. ومنحَها قدرةً روحيَّة لتتمكَّنَ من الاختيار. وفجأةً بدأ يسري سيَّالُها في مدُنِ الشرقِ كافَّةً، ويتغلغل في نفوس سكَّانها، ويختبر نزعاتهم ومطامحهم، حتَّى استقرَّ أخيرًا في مدينة القُدس. فاختار عائلةً ساكنة فيها. وأعلمَت أحلام الملاك باختيارها. “وفي اللحظةِ نفسها وُلِدَت أحلام وهي تصرخُ الصرخةَ المعروفة التي يُطلقُها كلّ مولود على الأرض.”[9]
وبين خوارق الدكتور داهش المُذهِلة خارقةُ تجسُّد حدثَت عام 1943 أمام عدَّةِ أَشخاصٍ معروفين بثقافتهم وذكائهم، بينهم الأَديبة والفنَّانة المرموقة ماري حدَّاد، ونِطاسيُّ الأمراض الجلديَّة الشهير الدكتور جورج خبصا، والمُحامي البارز (وزير التربية اللبنانيَّة فيما بعد)، الأستاذ إدوار نون. فبينما كانوا يحضرون جلسةً روحيَّة عقدَها الدكتور داهش، إذا بغادة حسناء تتجسَّدُ أمام عيونهم تحت النور الساطع، فيظنُّون في الوهلةِ الأُولى أَنّهم يتوهَّمون. وما بارحَهم تشكيكُهم إلاَّ بعد أن تلمَّسوها وسمعوها تقولُ لهم: “لا تظنُّوا أَنَّكم واهمون، فما ترَون هو حقيقة أَكيدة. إسمي ندى، وقد أَتيتُ من عالَمٍ مادّيّ آخَر إليكم.”
بعد تسعةَ عشرَ عامًا زارت الغادةُ منزلَ الرسالة، قبل تعرُّفي إلى مُؤسِّس الداهشيَّة بحوالى سنةٍ واحدة، فأخبرَني الشهودُ الثلاثة الذين ذكرتُ أسماءَهم آنِفًا بهذه الخارقة. والجديرُ بالذكر أنَّ الفتاةَ، يومَ تجسَّدت، كانت بالعُمرِ نفسِه حين قامت بزيارتها، وكانت تلبسُ الفستانَ نفسَه وتحملُ الحقيبةَ عينَها ولم يكونا من الزيِّ الدارج عام 1943ـ أَي سُمِحَ لها بأَن تتجسَّدَ في الجلسة الروحيَّة قُبَيلَ احتلال سيَّالها الرئيسيّ للجنين الذي تكوَّن، وبالتالي لولادتها. أمَّا أُسرتُها فمن الأُسَر الوجيهة، وقد فضَّلَت أن تبقى مكتومة نظرًا لظروف البيئة. فهذه الخارقة برهانٌ حاسِم على وجود الكيان النفسيّ الرئيسيّ (أَي السيَّال الرئيسيّ) لكلِّ إنسان قبل ولادته.[10]
هذا يتعلَّقُ بانتقال سيَّالٍ رئيسيّ من عالَمٍ إلى آخَر. لكنْ من ناحيةٍ أُخرى، قد يكون السيَّالُ الرئيسيّ (قبل احتلاله الجنين وبَثِّ الحياة فيه) كائنًا في الأرض، في إنسانٍ لفظَ نفَسَه الأَخير، أو انتقلَ من حيوانٍ أو طائرٍ قضى، أو ربَّما من شجرةٍ قُطِعَت أو غير شيء… فالاحتمالاتُ غيرُ محدودة ولا يعلمُها إلاَّ الله عَزَّ وجَلّ. وهذا النمطُ من الولادات هو الغالبُ، لأنَّ الأكثريَّةَ العُظمى من البشر عاديُّون، أي إنَّ سيَّالاتهم ما تزالُ بدرجة الأرض الروحيَّة؛ ذلك مع العِلم بأنَّ القانونَ الروحيَّ يبقى نفسَه من حيثُ التَّبَعيَّة، فلا يدخلُ أيُّ سيَّالٍ رئيسيّ جنينًا ما لم يكُن تابعًا للأب أو للأُمّ.
عام 1970 كنتُ ما أزالُ أَعملُ على أُطروحتي السيكولوجيَّة لشخصيَّة جبران خليل جبران وأدبه وفنِّه. وقد مرَّ معي أنَّه كان يعتقد أنَّه تقمُّص لدانتي غبريال روزيتّي D. G. Rossetti (1828-1882) وأنَّ روزيتّي تقمُّصٌ لوليام بلايك W. Blakeالذي تُوفِّي عام 1827. وقد عزَّزَ اقتناعَه بهذا الأمر أنَّ الثلاثة يتعاطَون الشعرَ والرسم، ويتشاركون في عناصرَ وجدانيَّة وفنّـيَّةكثيرة، فضلاً عن أنَّ ولادةَ كلٍّ منهم عقبَت وفاةَ الآخر بحوالى تسعة أَشهر. ففاتحتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة بهذا الأمر؛ فأكَّدَ لي أنَّه صحيح. فأدخلتُه في مُلحقٍ درستُ فيه جبران دراسةً نفسيَّة في ضوء المبادئ الداهشيَّة. [11]
السيَّالاتُ الرئيسيَّة وتابعيَّةُ بعضها لبعض
ولكنْ إلى مَن كان تابعًا سيّالُ روزيتّي في جبران؟ أَإلى والد جبران أَم والدته؟ من غير شكّ، لوالدته. وهذا يُفسِّرُ تعلُّقَه بها تعلُّقًا شكَّلَ مِحورًا نفسيًّا ديناميًّا رئيسًا في حياته وأدبِه ورسمِه.[12] فمَيلُ الإنسان إلى أحد والدَيه أكثرَ مِمَّا إلى الآخَر هو الذي يدلُّ على تابعيَّة السيَّال. كذلك حينما يُبدي الأبُ نحو ولدٍ أو أكثر ميلاً أَقوى مِمَّا تُبديه الأُمّ، فذلك دلالةٌ على أَصل السيَّال، والعكسُ بالعكس.
واشتراكُ أكثر من أَخٍ أَو أُخت في تابعيَّة سيَّالاتهم الرئيسيَّة للأَب أَو للأُمّ يجعلُهم يميلون عاطفيًّا بعضهم إلى بعض أكثر من مَيلِهم لأشقَّائهم أو شقيقاتهم الذين لا يُشاركونهم في تلك التابعيَّة.
على صعيدٍ آخَر، سأَلتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة مرَّةً: هل كان مُمكنًا أَن تولَدَ في غير زمان أَو مكان؟
فأَجابني ما فحواه: لا، فولادتي في القُدس، ثمَّ نقلي إلى لبنان في طفولتي، ونشري الرسالةَ الداهشيَّة فيه— كلُّ ذلك حدَّدَه قدَري الشخصيّ؛ وقدَري الشخصيّ حدَّدته تقمُّصاتي السابقة وسيَّالاتي.
فسأَلتُه: تُرى، لو لم نولَد نحن، تلاميذكَ الداهشيِّين، في هذا الزمان وهذا البلَد، أَكان يُمكنُ أَن يولَدَ غيرُنا لمُؤازرتِكَ؟
فأَجاب ما فحواه: ليس من شيءٍ عسيرٍ على الله، فهو تعالى كُلِّـيُّ القدرة. لكنْ أَما قال السيِّدُ المسيحُ لتلاميذه: “أَنا الكرمةُ وأَنتم الأغصان”؟… فالكرمةُ إذْ تنمو، تنمو وأَغصانُها معها، فهي تابعة لها. وهكذا فأنتم تابعون لي، لأنَّكم فيَّ. أَمَّا الذين يسقطون فيكونون أَشبهَ بالأغصان أَو العساليج التي تيبس بفِعل عدَم سَرَيان نسغ الحياة فيها؛ فإنَّها تنقصفُ وتسقطُ من الشجرة.
فسألتُه هل هذا ينطبقُ على أصحاب الهدايات الروحيَّة فقط أم إنَّه حقيقةٌ عامَّة؟
فأَجاب بما يُمكنُ إيجازُه: إنَّها حقيقةٌ عامَّة. فالذين آزروا الإسكندرَ الأَكبر من المُقرَّبين إليه كانت أَقدارُهم الشخصيَّة تُعِدُّهم ليولَدوا في بلدِه وزمانِه. وهكذا المثَلُ في مَن عاضَدوا نابوليون أو واشنطن أو لنكولن أَو هتلر وكانوا مُقرَّبين إليهم؛ والمثَلُ في مَن آزروا جمال عبد الناصر وكانوا مُقرَّبين إليه، لأنَّهم هم أنفسُهم كانوا مُقرَّبين إلى صلاح الدين الأَيُّوبيّ الذي انتقلَ سيَّالُه الرئيسيّ إلى عبد الناصر. كذلك في الأُسرة العاديَّة تكون السيّالات الرئيسيَّة في الأولاد تابعة إمَّا للأب أو للأُمّ، وقد تمتدُّ هذه التابعيَّة في العشيرة إلى الأحفاد وربَّما أحفاد الأحفاد إذا كانت التابعيَّة سائرة في خطٍّ مُستقيم. ولكنَّ هذه التابعيَّة لا تعني، في أَيِّ حال، أنَّ االسيَّالَ الرئيسيَّ التابع هو أَضعفُ من المتبوع أو أقلُّ درجةً روحيَّةً منه. فما يحصلُ بين الأنبياء والمُرسَلين وأَتباعهم هو شذوذٌ عن القاعدة، لأنَّ ترتيبَه الروحيَّ من عند الله وليس من عند البشر.
الاختلافُ المورفولوجيّ بين البشر
والاختلافُ بين الرجلِ والمرأَة
وقد استخلصتُ من مُحادثاتي مع مُؤسِّس الداهشيَّة، كما من بعض النصوص الروحيَّة الموحاة، أَنَّ البشرَ الحديثين جميعًا يتحدَّرون من آدَم وحواَّء معًا مثلما تنصُّ التوراةُ عليه. لكنَّ رجالَ الدين وقعوا في أخطاء فاضحة أَطلقَت النـزاعَ بين “حقائق” الدين و”وقائع” العلم؛ وهذه الأخطاءُ ناجمة عن تشبُّثِهم بالنصِّ الحرفيِّ للكُتُب المقدَّسة وحسابِهم أَعمارَ الآباء الأَوائل المذكورين في سِفر التكوين بين آدَم ونوح ثمَّ بين نوح والسيِّد المسيح من غير الأَخذ بالحسبان أَنَّ الكتَبةَ والناقلين قد يكونون أَسقطوا أسماء كثيرة عن عَمدٍ أَو عن غير عَمد. وهذا ما قلَّصَ الزمنَ منذ خَلق آدم. فإذا برجال الدين يتشبَّثون بأنَّ الحقبةَ التي تفصلُ آدمَ عن السيِّد المسيح هي حوالى أربعة آلاف سنة، وأنَّ الطوفانَ حدثَ قبل المسيح بحوالى ثلاثة آلاف سنة. وهذا الأمرُ هو الذي نقضَه العِلم، استنادًا للآثار المُكتشَفة. أَمَّا الحقيقة الداهشيَّة فهي أنَّ آدمَ تُوفِّيَ في الأَلف الثامن قبل المسيح، بعد أن عاش حوالى أَلفَين من السنين. والطوفان حدثَ في الألف السادس قبل المسيح؛ وقد رجَّحَ التنقيبُ العلميُّ مُؤَخَّرًا زمانَ حدوث الطوفان وأعادَه إلى حوالى 5600 سنة قبل المسيح.[13] وهذا يُؤَكِّدُ ما أَعلنَته الداهشيَّة قبل أكثر من نصف قرن. لكنَّ آدمَ هذا هو أَبو التكوين الذي ينتمي إليه الإنسانُ الحديث، أي البشرُ المُعاصرون والتاريخيُّون جميعًا. وقد سبقَه 759 تكوينًا، كلٌّ منها انتهى بدمارٍ وفناءٍ شبه شامل بعد تطوُّر وتقدُّم علميّ بارز وصلَت إليه حضاراتُ البشر الأَقدمين على امتداد ملايين السنين. ومن الطبيعيّ أن تبقى آثارٌ من حضاراتٍ سبقَت آدم.
أَمَّا الاختلافُ المورفولوجيّ فلا يعود إلى اختلاف البيئات التي عاشَ فيها البشر، مثلما يُظَنّ؛ فقد تُؤَثِّرُ البيئة تأثيرًا محدودًا في لون البشَرة، لكنَّها لا تُؤَثِّرُ في مورفولوجيا الإنسان (أي شكل رأسه وأعضائه). فالاختلافُ المورفولوجيّ بين البشر يعود إلى سببَين، وَفقَ ما عرفتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة: أوَّلاً، انحدارُ سيَّالات البشر من سيَّالاتٍ كانت في آدم وحوَّاء تنتمي لعوالمَ مُختلفة قبل هبوطِها في آدم. فالاختلافُ المورفولوجيّ في البشر الحديثين هو تابعٌ لاختلافٍ كان في مواطن السيَّالات الأَصليَّة. ثانيًا، تلقيحُ إناثٍ من الأرض من قِبَلِ رجالٍ هبطوا إلى الأرض في مركباتٍ فضائيَّة من عوالِمَ أكثر تقدُّمًا لكن قريبة من الأرض بدرجاتها الروحيَّة، وذلك في أزمنةٍ سحيقة بعد خَلق آدم الأَخير، الأمر الذي تركَ أَثرَه المورفولوجيّ في السُّلالات المُلقَّحة.[14]
أَمَّا الاختلافُ بين الرجُل والمرأَة في البنية وبعض الخصائص النفسيَّة فيعود، تبَعًا للتعاليم الداهشيَّة، إلى أنَّ سيَّالَ المرأة الرئيسيّ هو نصفُ سيَّال الرجُل. وهذا هو السببُ المباشر في اختلاف بِنيتها الأُنثَويَّة عن بنية الرجُل. وهذا الاختلاف لم ينتج عن تطوُّرٍ طبيعيّ للحفاظ على الجنس، مثلما يذهبُ أكثرُ الباحثين، بل عن خُطَّةٍ إلهيَّة تهدفُ، أَصلاً، إلى وَضعِ آدم وحوَّاء في الفردوس الأرضيّ أمام تجربة شديدة الإغراء: إمَّا الانصياع إلى أَوامر الله، وإمَّا الانجراف بتضليل الوساوس الشيطانيَّة. والانتصارُ على التجربة كان من شأنه أن يعودَ بسيَّالات آدم وحوَّاء إلى العوالمِ العُلويَّة التي هبطَت منها، بعد زمنٍ معيَّن يُقضِّيانه في الفردوس؛ في حين أنَّ الهزيمةَ أمام التجربة من شأنها أن تهبطَ بهما ثانيةً وتودي بهما إلى الشقاء والعذاب. وهذا ما صارا إليه فِعلاً، إذْ هبَطا إلى مُستوى البشر الذين كانوا في الأرض عند خَلقهما، وحقَّت عليهما سُنَّةُ التناسُل الأرضيَّة.
والجديرُ بالذكر أنَّ علماءَ الوراثة، بعد أن استمرُّوا طويلاً ينفون وجودَ أيِّ اختلاف بين جينات الرجل وجينات المرأَة، توصَّلوا، مُؤَخَّرًا، إلى اكتشافِ أَنَّ الاختلافَ بين جينات الاثنَين يتراوحُ بين 1 و2 بالمئة من المجموع، وهي نسبة خطيرة.[15]
لكنَّ كَونَ السيَّال الرئيسيّ في المرأة نصفَ سيَّال الرجُل لا يعني، في أَيِّ حال، أَنَّها دونه ذكاءً أَو مرتبة. فكم من عالمةٍ وأديبة وحاكمة بَرزنَ في سياق العصور. وسببُ ذلك أنَّ السيَّالات تختلفُ بسُموِّها الروحيّ (رُقيِّ إدراكها ونزعاتها). فنصفُ سيَّالٍ سامٍ، مُتفوِّقٍ في إدراكه ونزعاته، خيرٌ من أَلفِ أَلفِ سيّالٍ غبيّ وسافل. ذلك فضلاً عن أنَّ كلَّ إنسان لا يتأَلَّفُ كيانُه النفسيّ من السيَّال الرئيسيّ فحسب، بل فيه أيضًا مجموعةٌ كبيرة من السيَّالات الثانويَّة التي تدخلُ الجنينَ عن طريق الجينات التي يرثُها من والدَيه. وسأتحدَّثُ عن هذا الأَمر عمَّا قليل.
السيَّالاتُ الطارئة
ذلك فضلاً عن أنَّه قد تدخلُ الإنسانَ، بعد ولادته، سيَّالاتٌ طارئة في أَيَّة مرحلة من مراحل حياته، وذلك بطريقةٍ روحيَّة لا علاقةَ لها بالوراثة الطبيعيَّة. فقد عرفتُ من مُؤسِّسِ الداهشيَّة، مثلاً، أنَّ البطلةَ الداهشيَّة ماري حدَّاد دخلَها سيَّالٌ من المُفكِّر الفرنسيّ الكبير فولتير، وسيَّالٌ آخَر من ليوناردو دافنشي، الأَمرُ الذي عزَّزَ قوَّةَ الفكرِ والنقدِ والجرأَة عندها وروعةَ الرسم. كما عرفتُ أَنَّ كثيرين من النساء والرجال مِمَّن حضروا الجلساتِ الروحيَّة التي كان يعقدُها الدكتور داهش، كانت تُداخلُهم سيَّالاتٌ روحيَّةٌ عُلويَّةٌ جديدة بقوَّة الأرواح القدُّوس التي كانت تتجلَّى في الجلسات. وسبقَ أن أشرتُ في الحلقةِ الأُولى إلى أَنَّني تلقَّيتُ ستَّةَ سيَّالاتٍ روحيَّة دفعةً واحدة بصورة أشعَّةٍ تغلغلَت في جسمي، بعد ثلاثة أشهرٍ من تعرُّفي إلى رجل الروح والمُعجزات، وذلك بقوَّة روحٍ ملائكيّ، كما تلقَّيتُ عددًا كبيرًا منها في مراحلَ وظروفٍ مختلفة فيما بعد.
وجديرٌ بالذكر أنَّ حلولَ سيَّالاتٍ طارئة في بعض البشر في مراحلَ مختلفة من أعمارهم غيرُ نادر. وهذا ما يُفسِّرُ البروزَ المُفاجئ لموهبةٍ ما عند إنسان. لكنَّ بعضَ الموهوبين قد يُعطَون زيادةً تطبيقًا لقول السيِّد المسيح: “مَن له يُعطى وُيزاد.” مثالاً على ذلك، عرفتُ أنَّ ثلاثةَ سيَّالات تابعة للمسيح دخلَت جبران خليل جبران لعلاقتها بسيَّاله الرئيسيّ، وهي التي منحَت أَدبَه ورسمَه تلك القوَّةَ الروحيَّة النافذة التي جعلَته يُمهِّدُ الطريقَ لمُؤَسِّس الداهشيَّة مثلما مهَّدَ “السابق” الطريق إلى “النبيّ”. حتَّى كأنَّ جبران قد شعرَ بوجود سيَّال المسيح في نفسه، فكتبَ إلى صديقته مَيّ زياده قائلاً: “لقد وضعَني هذا النبيُّ قبل أن أُحاولَ وضعَه، وأَلَّفني قبل أَن أُفكِّرَ بتأليفِه، وسيَّرَني صامتًا وراءَه سبعةَ آلاف فرسخ قبل أَن يقفَ ليُمليَ عليَّ ميولَه ومقاصدَه. أَرجوكِ أَن تسأَلي رفيقي العنصرَ الشفَّافَ عن هذا النبيّ وهو يقصُّ عليكِ حكايتَه.”[16]
يبقى أَن أُشيرَ إلى أنّ الإنسانَ، بعد ولادته، لا يُعطى من السيَّالات الطارئة إلاَّ ما له ارتباطٌ بسيَّاله الرئيسيّ. فليس ثمَّةَ هِباتٌ مجَّانيَّة. ولا يُعطى إلاَّ المُستحقُّون، ولأسبابٍ روحيَّة. ومِثلُ تلك الهِبات الروحيَّة حصلَ في المسيحيَّة أَوانَ كان تلاميذُ السيِّد المسيح مُجتمعين والأبوابُ مُقفَلة، بعد أَيَّامٍ من صلبِه ودَفنِه؛ فظهرَ فجأةً لهم، ونفخَ في وجوههم قائلاً: “خُذوا الروحَ القُدُس.”[17] وفي التعاليم الداهشيّة أنَّ مَن ظهرَ للتلاميذ لم يكن يسوع بل شخصيَّةٌ عُلويَّة له (أي سيَّالٌ عُلويّ) كانت قد هبطَت من عليائها وتجسَّدَت وحلَّت محلَّه مُتَّخذةً شِبهَه؛ ولذلك أَوضحَ القرآنُ الكريم هذه الناحية فجاءَ فيه: “وما قتَلوه وما صلَبوه ولكنْ شُبِّهَ لهم.”[18] أَمَّا يسوع الناصريّ فقد عاشَ أَكثرَ من عشرين سنة بعد صَلبِ شخصيَّتِه، ولكنْ في الخفاء. وكان يُشرِف على نَشرِ المسيحيَّة. وقد اجتمعَ به بولس الرسول سرًّا، بعد إيمانه به.[19]
السيَّالاتُ الوراثيَّة
إنَّ معظمَ السيَّالات التي تُشكِّلُ كيانَ الإنسان النفسيّ-الجسديّ تأتيه عن طريق المُورِّثات (الجينات) التي تحملُ خصائصَ أَبوَيه مباشرةً وسُلالتَيهما مُداورة. والسيَّالاتُ الوراثيَّة شأنُها شأنُ السيّال الرئيسيّ من حيثُ الجوهر، أَي إنَّها وحداتٌ إشعاعيَّة مُدركة وذاتُ نزعاتٍ واستعداداتٍ وخصائصَ قوَّةٍ أَو ضعف؛ وهي التي تُساعدُ السيَّالَ الرئيسيَّ في قَولبة جينات الإنسان مُشارِكةً في تكوين المُقوِّمات الأُولى لطباعه وميزاته النفسيَّة الجسميَّة. لكنَّ فِعلَ هذه السيَّالات— كفِعلِ السيَّال الرئيسيّ— لا يظهرُ بتمامِه إلاَّ بعد أَن يكتملَ نموُّ الإنسان، حتَّى لو ظهرَ نبوغٌ ما في الصِّغَر.
والسيَّالاتُ تتفاوتُ في عددِِها وقوَّتِها ودرجتها الروحيَّة، كما في نوعيَّةِ استعداداتِها والمواهبِ التي قد تحملُها، وكذلك في شُحناتها الذهنيَّة والنـزوعيَّة والصحِّـيَّة والمرَضيَّة. وهذا ما يُسبِّبُ اختلافَ الخصائص الجسديَّة والنفسيَّة حتَّى بين الإخوة أَنفسهم الخاضعين للظروف التربويَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الواحدة. ولا يقوى التشابُه بين الأشقَّاء إلاَّ إذا كانوا توائمَ مُتماثلين، أي من بُوَيضةٍ واحدة. ولا حاجةَ للتفصيل في هذا الأمر، فقد بات شائعًا في مئات المُؤَلَّفات الطبِّـيَّة التي تشرحُ البرمجة الوراثيَّة المُتأتِّية عن نوعيَّة الـد. إن. آي D.N.A. المنتقلة من الأَب والأُمّ عَبرَ الصبغيَّات (الكروموزومات).[20]
وجديرٌ بالذكر أَنَّ الآباء والأُمَّهات ينقلون إلى أولادهم المورِّثات التي اكتسبوها هم من آبائهم وأُمَّهاتهم وأجدادهم وجدَّاتهم صعودًا إلى حَدٍّ غير معلوم. ولذلك قد يظهرُ في بعض الأولاد صفاتٌ بقيَت كامنة latent لعدَّةِ أَجيال، بسبب اتِّحادٍ معيَّن بين المورِّثات نتيجةً لسببٍ روحيّ مجهول. ولذلك يظهرُ في العائلة شخصٌ يختلفُ كلَّ الاختلاف عن أَبوَيه في خصائصَ جسديَّةٍ أو نفسيَّةٍ ما.[21] أمَّا العاملُ فقد يعود إلى السيَّال الرئيسيّ الذي سبقَت الداهشيَّة العلمَ في تأكيد وجوده، وإمَّا إلى سببٍ روحيّ مجهول.
وإنَّه لَحَرِيٌّ بالبيان أَنَّ كلَّ سيَّالٍ مُشترَك بين الأَب أو الأُمّ وأولادهما يبقى على القوَّةِ نفسها لدى جميع المُشتركين فيه، مهما يكُن عددُهم، أي إنَّه لا يضعفُ بامتداده من الأب أو الأُمّ إلى الابن فالحفيد (وربَّما ابن الحفيد) إن كان الثلاثةُ (أو الأربعة) أَحياء معًا، على عكس أيِّ شيءٍ مادّيّ يمتدُّ أو يتوزَّع؛ وهذا يُثبِتُ أنَّ الديناميةََّ الوراثيّة ليست مادِّيـَّة، وإن تشكَّلَت بصورةٍ مادِّيـَّة.
والتشارُكُ في السيَّالات يحدثُ بين الإخوة والأخوات بقَدْرٍ يُساوي النصيبَ الذي أحرزَه كلٌّ منهم من سيَّالات الوالدَين الموروثة. كذلك يحصلُ التشاركُ في السيَّالات بين الزوجَين ومُقيمي العلاقات الجنسيَّة خارجَ الإطار الزوجيّ.
وأَمرُ التشارُك في السيَّال نفسه بين طرفَين أو أكثر يُرتِّبُ نتائجَ قد تكون وخيمة، أحيانًا، خصوصًا إذا تمادى أحدُ الأطراف في تسفيل سيَّاله؛ وتفصيلُ ذلك سيكون في حلقةٍ لاحقة.
شخصيَّةُ الإنسان أو كيانُه النفسيُّ التامّ
إذًا تتأَلَّفُ شخصيَّةُ الإنسان أَو كيانُه النفسيُّ التامّ من سيَّالٍ رئيسيّ يُداخلُ الجنينَ عند الولادة ويبثُّ فيه الحياة ويطبعُ شخصيَّتَه بطابعٍ مُميَّز، ومن سيَّالاتٍ موروثة، وأحيانًا من سيَّالاتٍ طارئة. وهكذا يتَّضحُ أنَّ شخصيَّةَ الإنسان المُجمَلة، في ضوء التعاليم الداهشيَّة، تضمُّ شخصيَّاتٍ جزئيَّة، أو بتعبيرٍ آخر، إنَّ ذاتَه البشريَّةَ الكُبرى تضمُّ ذواتٍ صُغرى هي كناية عن كياناتٍ نفسيَّة ذاتِ جوهرٍ روحيّ، أي سيَّالات. هذا المفهوم التجزُّئيّ للشخصيَّة تنبَّهَ له عدَّةُ سيكولوجيِّـين، في طليعتهم كارل يونغ Jung وكاتِّل Cattell ، ومُؤخَّرًا دانا زوهار Zohar. فقد اعتبرَ يونغ أَنَّ ما يُسمَّى بالـ”مُعقَّدات النفسيَّة” (أو “العُقَد النفسيَّة”) complexes إنَّما هو “شخصيَّاتٌ جزئيَّة” ذات استقلال في التصرُّف إلى حدٍّ بعيد. [22]وأَظهر كاتِّل في دراساته للشخصيَّة أنَّ الإنسانَ مجموعٌ من الوَحدات النفسيَّة المتنوِّعة في قواها واتِّجاهاتها ضمنَ وَحدة الشخصيَّة الكُبرى.[23] أَمَّا دانا زوهار فقد لجأَت إلى استخدام الإيضاحات العلميَّة المَبنيَّة على نظريَّة “الكوانتا” Quanta (الكَمّ) لتُحاولَ أن تُظهرَ أَنَّ كيانَ الإنسان النفسيّ ليس سوى ذواتٍ صُغرى subselves تجمعُها ذاتٌ كُبرى هي شخصيَّةُ الفرد. وذواتُنا الصُّغرى هي أَشبهُ بأَنظمةٍ مُتكاملة من الجُزَيئات يُحاولُ كلٌّ منها أَن يُؤَكِّدَ نفسَه من حينٍ إلى آخَر. فمرَّةً تكون شخصيَّةُ الفرد أَكثرَ تجزُّؤًا، إذْ يبرزُ فيها الطفلُ، أو المتمرِّدُ، أو الكئيب… ومرَّةً تبدو وقد تآلفَت وتكاملَت وتعايشَت بسلام. ومَن يعِشْ في نزاعٍ شِبهِ دائم بين ذواتِه الصُّغرى لا يبقَ له من الطاقة ما يستخدمُه لتوحيد ذواته؛ فيُفقَدُ الاتِّزان ويحدثُ الخلَلُ النفسيُّ أو العقليّ.[24] وتفسيرُ حالات الخَلَل، في ضوء الداهشيَّة، سأُرجئُه إلى ما بعد، حينَ أتحدَّثُ عن تفاعُل السيَّالات وعلاقة بعضها ببعض.
وقد وردَت عدَّةُ إشاراتٍ في الكتُب المقدَّسة إلى كَونِ شخصيَّةِ الإنسان عبارةً عن مجموعةٍ من الشخصيَّاتِ الجزئيَّة، أو السيَّالات بالتعبير الداهشيّ. ففي “العهد القديم” جاءَ أَنَّ إيليَّا النبيّ قال لأَليشاع: “’سَلْني ماذا أَصنعُ لكَ قبل أن أُؤخذَ عنك.‘ فقال أليشاع:’ليكُن لي سهمان من روحِك.‘”[25] وإنَّما السهمُ هنا يعني السيَّال. فإذا كانت النفس أو الروح ليست مجموعةَ نفوسٍ جزئيَّة، فكيف يُمكنُ تجزيئُها؟
ووردَ في “العهد الجديد” أَنَّ امرأَةً بها نزفُ دَمٍ دَنَت من خَلف يسوع ومسَّت هُدبَ ثوبه، وللوقت برِئت. وإذْ سأَلَ يسوع عمَّن لمسَه، تعجَّبَ تلاميذُه من سؤاله لأنَّ الجموعَ كانت تزحمُه. فقال: “إنَّه قد لمسَني واحدٌ لأنِّي شعرتُ بأَنَّ قوَّةً قد خرجَت منِّي.”[26] هذه القوَّة التي تخرجُ من إنسان لتحلَّ في آخَر إنَّما هي “السيَّال”.
وجاءَ في القرآن الكريم: “يا أَيُّها الناس، اتَّقوا ربَّكم الذي خلقَكم من نفسٍ واحدة وخلقَ منها زوجَها، وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً..”[27] فتلك النفوس التي تنبثُّ من نفسٍ واحدة وتتكاثرُ لتُصبحَ ملايينَ فبلايين إنَّما هي نفوسٌ جزئيّة أو سيَّالات.
وفي هذا الضوء يجبُ أن نفهمَ معنى “الضِّلع” التي استلَّها الربُّ من جسد آدم ليُكوِّنَ حوَّاء، فهي بعض سيَّالاته وقد اتَّخذَت صورةً مادِّيـَّة.
الضَّمـير
في كلِّ إنسانٍ سيَّالٌ مُميَّز هو السيَّال الأعلى. هذا السيَّال هو ما يُسَمَّى بالـ”ضمير”؛ وقد يكون السيَّالَ الرئيسيَّ أَو سيَّالاً موروثًا أو طارئًا. فميزتُه في أَنَّ درجتَه الروحيَّة هي الأعلى بالنسبة لسائر السيَّالات التي تُؤَلِّفُ كيانَ الإنسان النفسيّ.
وللضمير صوتٌ باطنيّ يكونُ قويًّا وفعَّالاً بقَدرِ ما تكونُ درجتُه الروحيَّة راقية. وعلى العكس، فهو يخفتُ حتَّى يكادَ لا يُسمَع في مَن تسفَّلَ كلُّ سيَّالٍ فيه. وهذا ما يُفسِّرُ تفاوُتَ النفوس “اللوَّامة” بين البشر.[28] فضميرُ غاندي الذي كان المرجعَ الأَعلى لتصرُّفاتِه، يستوحيه في اختيار أَعماله كما في حَلِّ مُشكلاته، ليس كضمير إنسانٍ عاديّ تارةً يسمعُ صوتَ ضميره فيرتدع عن إتيان الشرور أو تعاطي الرذيلة، وطورًا لا يسمعُه، وليس بالأحرى كضمير إنسانٍ أصبحَ مُجرمًا مُحترفًا، ففقدَ كلَّ صوتٍ يلومُه أو يردعُه. والضميرُ في الإنسان، بلا رَيب، هو مِقياسُ رُقيِّه الروحيّ.
المـواهِـب
الموهبة المَعنيَّة هنا هي القدرةُ العالية في الأَدب أَو الفنّ أَو العِلم. وهي، بصورةٍ عامَّة، سيَّالٌ عُلويّ، أي هابطٌ من عالَمٍ أَسمى من الأرض بدرجته الروحيَّة. وقد يكونُ هذا السيَّالُ رئيسيًّا أو موروثًا أَو طارئًا. وهو يُشكِّلُ دافعًا ديناميًّا في الإنسان، أَي رغبةً مِلحاحًا للتعبير عمَّا يختزنُه، بحيثُ يُصبحُ إشباعُه مُلِحًّا كإشباع أيَّة حاجةٍ أساسيَّة، كحاجة الطعام والشراب. ومَن يُحرِز مِثلَ هذا السيَّال تُصبح سعادتُه في تغذيته بتنميته والتعبير عنه بصورةٍ شبهِ دائمة. ولِذا فالموهوبون من الأُدباء والعُلماء والفنَّانين يعيشون حياتَهم للعطاء، ويذوبون تحت وهج مواهبهم، وترتاحُ نفوسُهم وإن يكونوا فقراء، شرطَ أن لا يُمنَعوا عن عطاء ثمارهم. ومن خلال قراءتنا لقصَّة “الحُلم الهابط إلى أرض البشر” التي أَلمعتُ إليها أَعلاه، يتَّضح لنا أَنَّ سيَّالات المواهب المُميَّزة تقطنُ في كواكبَ عُلويَّة مجيدةٍ خاصَّة، وأنَّ أصحابَها ينفخون روح العزاء والرقيِّ في الأرض؛ فهم يُساعدون الأنبياءَ والهُداةَ الروحيِّين، بصورةٍ عفويَّة، في إرهاف حسِّ الجمال في الإنسان، وترقية مداركه، وإصلاح مفاسده، كما في مَسحِ جراح البائسين والمظلومين ببلسمٍ عُلويّ.
وإذا كان سيَّالُ الموهبة هو السيَّال الرئيسيّ فصاحبُه يبقى مُستمرَّ العطاء والإبداع ما دام حيًّا، شرطَ أن لا يُصابَ بمرضٍ أو خلَل. فهيغو Hugo ظلَّ حتَّى أَواخر عُمره يُبدعُ في نثره وشعرِه، وفردي Verdi أَنهى أُوبرا “فولستاف” Falstaff في الثمانينيَّات، وميكال آنجلو كان ينحتُ تمثالَ “بيـيتا” Pieta قُبَيل أن يُتوفَّى في التاسعة والثمانين، وتيسيان Titian كان ما يزال يرسمُ لوحاته الرائعة في أواخر الثمانينيَّات، وغيرُهم كثيرون.
أمَّا إذا كان السيَّال موروثًا أو طارئًا، فإنَّه قد يُبارحُ صاحبَه في أيَّة مرحلة من عُمره لسببٍ روحيّ قد يعودُ إلى إهمالِ صاحبه له أو مُحاولة تسفيله إيَّاه. وهذا سرُّ كَفِّ كثيرين من الأُدباء والشعراء عن الإبداع بعد مرحلةٍ خصبةِ العطاء.
أَمَّا العناصرُ الأُولى التي تتألَّفُ منها سيَّالاتُ المواهب، أَعني الإدراك العقليّ والتخيُّل والتذكُُّر والمهارة اللُغويَّة أَو الصوتيَّة أو اللونيَّة، فقد أشبعَها الباحثون درسًا، ولا حاجةَ للمزيد فيها.
الغربةُ الروحيَّة
قد يشعرُ مُهاجرٌ بالغربةِ في البلدِ الجديد الذي استوطنَه، وقد يشعرُ المظلومُ بالغربة في وطنِه إذا اغتُصِبَت حقوقُه ولم يجِد مُناصِرًا، وقد تشعرُ المرأةُ بالغربة في قومِها إذا عومِلَت مُعاملةَ الأجيرة أَو الخادمة، لكنَّ هذه الغربة بمختلف أَوجُهها لا علاقةَ لها بالغربة الروحيَّة التي أَعنيها.
الغربةُ الروحيَّة هي غربةُ الأَنبياء في أوطانهم وبين أقوامِهم وأَهاليهم. إنَّها التي أشار إليها السيِّدُ المسيح بقوله مُخاطبًا أباه السماويَّ على جبل الزيتون، قُبَيل إلقاء القبضِ على شخصيَّته المُتجسِّدة: “بلَّغتُهم [تلاميذي] كلامَك قأَبغضَهم العالَمُ لأنَّهم لا ينتمون إلى العالَم كما أَنا لا أَنتمي إلى العالَم.”[29] وهي غربةُ مُؤَسِّس الداهشيَّة الذي قال وهو في الرابعة والعشرين:
“نعم، أَنا غريبٌ في هذه الحياةِ الغريبةِ عنّي،
نعم، أَنا جئتُ من عالَمٍ مُضيءٍ غيرِ هذا العالَمِ الكئيب…”[30]
والذي قال في الخامسة والثلاثين:
“أَنظرُ إلى كياني فأَجدُني غريبًا عن هذا العالَم البعيدِ عن أهدافي.
أَسيرُ في صحرائه مُنفرِدًا دون أَن يكونَ لي رفيق
يشعرُ ما أشعرُ به ويحسُّ ما أحسُّه في هذا الكون…” [31]
والذي تكرَّرَ شعورُه وتعبيرُه عن هذه الغربة حتَّى أيَّامه الأخيرة.
غربةُ الأنبياء والهُداة الروحيِّين تلك هي نفسُها، وإن تكُن أخفَّ حدَّة، غربةُ العباقرة من الأُدباء والشعراء والفنَّانين والعلماء مِمَّن أُوتوا موهبةً عُلويَّة. فكثيرون منهم يشعرون بالغربة الروحيَّة بالرغم مِمَّا يكتنفُهم من شهرةٍ وتكريم. يكفي النظر إلى الشاعر الفرنسيّ لامرتين Lamartine والشاعر الإنكليزيّ جون ييتس J. Yeats وإلى جبران خليل جبران ومُطلَق عبد الخالق، فنُدرك عمقَ الغربة التي عاشوها. إنَّه حنينُ السيَّال العُلويِّ للعودة إلى وطنِه الأصليّ غير الأرضيّ. هذا الحنين أَيَّده أيضًا السيكولوجيّ جايمس هيلمان.[32]
الأَعمار والموتُ
لا شكَّ بأَنَّ الطبَّ الجراحيَّ تقدَّمَ كثيرًا عمَّا كان عليه في بداية القرن العشرين، بفضلِ تكاثُر العمليَّات الجراحيَّة من جرَّاء الحروب والكوارث الطبيعيَّة والبشريَّة، ولا رَيبَ في أَنَّ معرفةَ العُلماء بأسرار الخلايا والجُزَيئات والمُورِّثات قد ازدادت أضعافًا عمَّا كانت عليه قبل نصف قرن، حتَّى إنَّ بعضَ الخُبراء في العِلم جعلوا يُبشِّرون بخلودٍ قريبٍ للإنسان مثلما ذهبَ إليه بِن بوفا Ben Bova [33] وغيرُه؛ لكنَّ الحقيقةَ الروحيَّةَ غيرُ ذلك. ففي التعاليم الداهشيَّة أنَّ الموتَ يحدثُ آنَ ينطلقُ السيَّال الرئيسيّ من الإنسان، هذا السيَّالُ الذي بثَّ الحياةَ فيه. وانطلاقُ هذا السيَّال مُحدَّدةٌ لحظتهُ بجينات الإنسان كما بأَعماله ورغباته معًا. أمَّا جيناتُه فعُمرُه فيها مُبرمَجٌ وَفقَ تقمُّصاته السابقة؛ وأمَّا أَعمالُه ورغباتُه فتبدأُ بتغيير ذلك البرنامج منذ وَعيِه الخيرَ والشرَّ ومسؤوليَّته عن أعماله وأَفكاره ورغباته.
إذًا ثمَّةَ نظامٌ روحيّ يستحيلُ على الإنسان تغييرُه. أَمَّا عُمرُه فهو رَهنٌ باستحقاقه، وبإمكانه إطالتُه أو تقصيرُه، لكنْ ضمنَ الحدود المرسومة لكوكبِ الأرض.
فمن الحقائق الروحيَّة التي تلقَّيتُها أنَّ الكائنات الذين في الدرجةِ العُليا من عوالم النعيم يعيشون مليونَي سنة من سنوات الأرض. وهذا العُمر يتناقصُ تدريجًا في مئةٍ وخمسين درجة حتَّى يصلَ إلى ما نحن عليه في الأرض التي هي على عتبة العوالم السُّفلى (أي مباشرةً بعد الدرجة الأُولى انحدارًا). فلا خلود (بمعنى عدم الموت) إلاَّ في العوالم الروحيَّة حيثُ ينتفي وجودُ المادَّةِ إطلاقًا. وفي هذا الضوء، مَن يطمحُ إلى الخلود الحقيقيّ فعليه أن يطمحَ إلى بلوغ العوالم الروحيَّة؛ ولا دخولَ إلى هذه العوالم السعيدة المجيدة الكلِّـيَّة المعرفة والقدرة إلاَّ لِمَن تخطَّى العوالمَ المادِّيـَّةَ جميعها بما فيها درجاتُ الفراديس المئة والخمسين. وهذا أمرٌ لا يستطيعُه إلاَّ إنسانٌ عاشَ عيشةَ المهاتما غاندي تقشُّفًا وزُهدًا ونزاهةً وتواضُعًا وصِدقًا في الظاهر والباطن وشجاعةً روحيَّة وخدمةً للإنسانيَّة. وأَمثالُ غاندي نادرون في التاريخ.
وعند انفصام السيَّال الرئيسيّ عن الجسد المادّيّ، يرتدي جسدًا روحيًّا (أو طَيفًا روحيًّا)، ويُؤتى المعرفةَ الروحيّة، فيُدرك أَخطاءَه ونتائجَها، وأسبابَ مُنغِّصاته، كما يُدركُ بواطنَ الذين كان يتعاطى معهم وحقائقَ الناس وشرورَهم رجالَ دينٍ ودُنيا؛[34] ثمَّ ينطلقُ إلى العالَمِ الذي يستحقُّه إذا كانت درجةُ السيَّال أرقى من درجة الأرض أو أسفل منها، أو يحتلُّ تجسُّدًا جديدًا في الأرض إذا كان ما يزالُ ضمنَ حدود مُستوياتها الروحيَّة.
ومن أَفضلِ النصوص الروحيَّة التي توضِحُ الموت خارقةٌ حدثَت في 1/8/1942، وقد دوَّنَها الشاعرُ حليم دمُّوس، مُؤَرِّخُ الوقائع الداهشيَّة. خُلاصتُها أَنَّه كان في منزله مع الدكتور داهش ويوسف الحاجّ عند الساعة العاشرة ليلاً. وإذا مُؤَسِّسُ الداهشيَّة يُحدِّقُ من النافذة إلى الفضاء. وسرعان ما شعروا بهمسٍ خافت عقبَه تكوَُّنُ “شبهِ ضبابة” تكاثفَت تدريجًا حتَّى تجسَّدت أمامهم شخصًا “أحمر الوجه، غريب التكوين… وجهُه كصفحةِ مرآةٍ صقيلة،” وكان يُقاربُهم طولاً. ثمَّ أخذ يُحدِّثُهم سريعًا بلغةٍ غريبة. فطلبوا إليه أن يُكلِّمَهم بالعربيَّة إذا أمكن. فوضعَ الدكتور داهش يدَه على فمِه، فطفقَ يتحدَّث بالعربيَّة. قال:
’إنَّني أَحدُ سكَّان عالَمٍ من العوالم الغير المنظورة بأعينكم البشريَّة. وقد سبقَ لي وكنتُ أحدَ أبناء أرضكم، وذلك منذ آلافٍ خلَت من الأعوام. فحدثَ لي ما تُسمُّونه أنتم ’الموت‘؛ ولكنَّه في حقيقته ’انتقال‘ من عالَم إلى عالَم آخر. وما كدتُ أُغمضُ عينيَّ نهائيًّا في أرضكم، وأخلِّفُ جسدي طُعمةً للديدان الحقيرة حتَّى وجدتُ نفسي في عالَمٍ بهيّ رائع الفتنة.
أَمَّا إذا سألتموني: ’وكيف لا نستطيع نحن الأحياء أن نُشاهدكم أنتم الذين خلعتم عنكم رداءَ المادَّة الغليظة وارتديتم اللباسَ الروحانيَّ الشفَّاف اللطيف؟‘ فهذا شرحُه يحتاجُ إلى مجلَّدات عديدة، ويحتاجُ إلى وجودي بينكم ساعاتٍ طويلة غير مُمكنة التحقيق، لأنَّ ساعةَ رحيلي من بينكم قد أزفَت … ولكنَّني أُفهمكم أنَّ لكلِّ بشريٍّ جسمَين: أحدُهما ’مادِّيّ‘، والآخَر ’روحانيّ‘… ويوجَد فارقٌ عظيم بين الموجات الاهتزازيَّة المادِّيـَّة والموجات الاهتزازيَّة الروحيَّة… فالموجات الاهتزازيَّة في عالمكم ’المادّيّ‘ تقلُّ جدًّا عن… التي تتمُّ في عالَم الأرواح.
فعندما يحدثُ عندكم ’الموت‘، ينفصلُ الطَّيفُ ’الروحانيّ‘ الذي يُمثِّلُ شخصيَّتَكم الثانية، وينطلق نحو عالَمِه الذي تأتلفُ اهتزازاتُه وموجاتُه باهتزازات وموجات هذا الطَّيف. ومن هنا يتعذَّرُ عليكم مُشاهدة هذا الطَّيف، لأنَّ نظرَكم ’المادّيَّ‘ يخضعُ لقانون عالَمكم ’المادِّيّ‘، ولموجاته البطيئة بالنسبة إلى العالَم الروحيّ وموجاته السريعة… ولأُقرِّبَ لكم الأمرَ زيادة كي تفهموه، أَقولُ لكم: هَبوا أَنفسَكم وُقوفًا في شارعٍ ما، وهَبوا أنَّ سيَّارةً ما تسيرُ بسرعةٍ جنونيَّة دون أن تتمكَّنوا من معرفة مَن هم في داخلها نظرًا لسرعتها الخاطفة. أمَّا لو قُيِّضَ لكم امتطاءُ سيَّارة ثانية وتبعتموها حتَّى تبلغوها، ثمّ سرتم جنبًا إلى جنب، فمهما كانت السرعة التي تسيرون بها، فإنَّكم ستُشاهدون مَن هم في داخلها، مثلما يُشاهدونكم هم بدورهم، لأنَّ سرعتَيكما مُتساويتان. وهكذا عالَمُنا ’الأَثيريّ‘ لا يُمكنُكم مُشاهدتُه بعيونكم التي ما تزال خاضعة لناموس المادَّة الأرضيَّة وموجاتها التي هي أَبطأُ جدًّا من موجات عالَمنا الروحانيّ.‘ وما لبثَ أن تلاشى من أمامهم.[35]
إذًا الموتُ ليس فناءً، فالسيَّالاتُ لا تفنى، بل تنتقلُ من حالةٍ إلى حالة، ومن تجسُّدٍ إلى آخَر؛ وقد يكونُ هذا التجسُّد في عالَمٍ عُلويّ مثلما الحالُ في الخارقة المتقدِّمة، كما قد يكون في الأرض أو في عالَمٍ سُفليّ. والشرحُ المُعطى تُؤَكِّدُه نظريَّةُ النسبيَّة التي قدَّمَها آينشتاين، كما يُؤَكِده ما أثبتَه العِلم عن عجز الحواسِّ الإنسانيَّة (وبينها البصر والسَّمع والشمُّ واللمس) عن تجاوُز حدودٍ معيَّنة.
(في الحلقة المُقبلة سأتناولُ بالشرح التفاعلات بين سيَّالات البشر في ذواتهم وفي ما بينهم، وبينهم وبين البيئة الطبيعيَّة، ثمَّ أتناولُ، في الحلقة الرابعة والأخيرة سيَّالات العقل الباطن.)
[1] . إيمانُ اليهود بالتقمُّص في حياة المسيح ظاهرٌ في إنجيل لوقا 9: 18-19، وإنجيل مرقس 6: 15-16. وإيمانُ السيِّد المسيح وتلاميذِه بالتقمُّص يظهر في متَّى 5: 48 و12: 32 و18: 18، وفي رؤيا يوحنَّا 2: 25-27. أَمَّا تلاميذ المسيح فيظهرُ إيمانُهم بالتقمُّص في متَّى 11: 13-15 و17: 10-13. والجديرُ بالذكر أَنَّ أُوريجينوس (من آباء الكنيسة الأوائل) كان يُؤمنُ بالتقمُّص.
والناظرُ في القرآن الكريم، من غير مُسلَّماتٍ سابقة، يمكنُه العثور على ما يؤَكِّدُ التقمُّص في عدَّة آيات: البقرة: 28 و165؛ الانفطار: 6-8؛ غافر: 111؛ المائدة: 160؛ الأعراف: 166؛ الواقعة: 60.
[2] . مذهب سيكولوجيّ أنشأَه جون واطسن J. Watson عام 1913، ثمّ طُوِّرَ فيما بعد؛ وهو يعتمد ملاحظةَ ما يُراقَبُ ويُحصى في سلوك الإنسان وردَّات فِعله، ويغضُّ النظر عن كلِّ ما هو ذاتيّ كالعمليَّات العقليَّة والعواطف والانفعالات والدوافع النفسيَّة.
James Hillman. The Soul’s Code: In Search of Character. [3]
and Calling (New York: Random House, 1996), pp. 3-62.
Ibid., pp. 3-40; 101-108; 128-136. .[4]
Dean Keith Simonton.Greatness (New York: The Guilford Press, 1994), pp. 239-246. . [5]
[6] . كنتُ قد فصَّلتُ البحثَ في هذا الموضوع في حلقتَين سابقتَين. أنظر غازي براكْس: “أَهمِّـيَّةُ العقل في الرقيِّ الروحيّ بمفهوم مُؤَسِّس الداهشيَّة” (“صوت داهش”، آذار/مارس، 1999، ص 5-18)؛ و”أَهلُ الفكر والأدب والفنّ: دورُهم ومسؤوليَّتُهم في الرقيِّ الحضاريّ في ضوء المفاهيم الداهشيَّة”، (“صوت داهش”، صيف 2002، ص 9-20).
[7] . الدكتور داهش: “قصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979) ص 20. وكلمة “روح” في العبارة الواردة يجبُ أن تُفهَم بمعنى “سيَّال روحيّ”، لأنَّ “الروحَ”، بالمفهوم الداهشيّ، لا تُفارقُ عالَم الأرواح.
[8] . الدكتور داهش: مُذكِّرات يسوع الناصريّ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 23.
[9] . الدكتور داهش: “قصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1 ، ص 35-36.
[10] . غازي براكْس: “مُعجزات الدكتور داهش ووحدةُ الأديان” ، مُحاضرة أُلقِيَت في المُنتدى الكبير بالجامعة الأمريكيَّة في بيروت، بتاريخ 12/5/1970، ط ثانية (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1974)، ص 31-32.
[11] . أنظر غازي براكْس: “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة-تركيبيَّة لأدبِه ورسمِه وشخصيَّته”، ط 2 (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1981) ص 534. وقد توفّيَ بلايك في 12/8/1827، ووُلِد روزيتّي في 12/5/1828 ثمّ تُوفِّيَ في 9/4/1882، وُوُلِد جبران في 6/1/1883. ومن حساب عدد الأيَّام بين وفاةِ بلايك وولادة روزيتّي، ثم بين وفاة روزيتي وولادة جبران نرى أنَّ الفترةَ هي نفسها تقريبًا: تسعة أشهر.
[12] . أنظر غازي براكْس: “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة-تركيبيَّة لأدبِه ورسمِه وشخصيَّته”، ط 2، “محور الأُمّ”، ص 115-221.
[13] . أكَّدت الاكتشافات الأثريَّة مُؤَخَّرًا ما ذهبَ إليه الدكتور داهش قبل أكثر من نصف قرن. أنظر:
William Ryan & Walter Pitman. Noah’s Flood: The New Scientific Discoveries About The Event That Changed History . New York: Simon and Schuster, 1998.
[14] . أنظر الدكتور داهش: : “قصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1 (“الكوكب فومالزاب”)، ص 212-217. ما قدَّمَه الدكتور داهش في القصَّة المُشار إليها مِثالٌ على زواج “أبناء الله” بـ”بنات الناس” وَفقَ ما وردَ في “سِفر التكوين”، 6: 1-4؛ علمًا بأنَّ التفسيرَ الذي يُعطيه معظم رجالُ الدين المسيحيّ لمفهوم هذا الزواج غيرُ صحيح.
Nicholas Wade, “Men’s Survival Secret: Bending Y Chromosome” in New York. [15]
Times, June 19, 2003.
وذلك نقلاً عن مجلَّة Nature الصادرة في التاريخ نفسه.
[16] . أنظر غازي براكْس: “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة-تركيبيَّة لأدبِه ورسمِه وشخصيَّته”، ط 2 ،ص 237-238 وص 540-541.
[17] . إنجيل يوحنَّا 20: 19-23. ليس في قدرة البشر أن يمنحوا الآخَرين سيَّالات، أو نِعَمًا، مثلما يحلو لبعض المُبشّرين المسيحيِّين أن يُسمُّوها؛ فهذا نوع من التدجيل.
[18] . سورة النساء: 157.
[19] . وَفقًا للتعاليم الداهشيَّة كان يتجسَّدُ للسيِّد المسيح، في فتراتٍ قليلة معيَّنة، سيَّالٌ عُلويٌّ واحد مُتَّخذًا شِبهَه، ولكنَّ التلاميذَ لم يكونوا يعرفون ذلك لسببٍ روحيّ؛ في حين أَنَّ كثيرين من الداهشيِّين— وبينهم أَنا— عايَنوا عدَّةَ شخصيَّاتٍ للدكتور داهش كانت تتجسَّدُ، في الوقت نفسه، إمَّا في مكانٍ واحد مُرتديةً ثيابًا مُختلفة، أو في أمكنةٍ مُتباعدة حتَّى آلاف الأميال. ومثلما صُلِبَت شخصيَّةٌ عُلويَّة للسيِّد المسيح، فقد قُتِلَت رَميًا بالرصاص شخصيَّةٌ عُلويَّة للدكور داهش في أوَّل تمُّوز/ يوليو عام 1947، وذلك في آذربيجان بإيران. وبعدئذٍ ظهرَ الدكتور داهش للناس وللصحافة مدَّةَ 37 عامًا. أنظر غازي براكْس: “مدخل إلى الداهشيَّة” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991 )، ص 120.
[20] . هذه القاعدة يُمكنُ أَن يكونَ لها شذوذ في حالة الاستنساخ إذا تَمَّ بنجاح من غير أَن يشتركَ فيه رجُل.
[21] . أنظر، مثلاً، ج. ب. جيلفورد (مُشرف على التأليف): ميادينُ علم النفس النظريَّة والتطبيقيَّة، ج 2، ترجمة د. يوسف مراد (مصر: دار المعارف، 1962)، ص 527.
- J. Jung. L’homme à la découverte de son âme (Genève: Ed Du Mont Blanc, 1962),. [22]
- 181-197.
- Cattell. La Personnalité, Vol. 2 (Paris: P.U.F., 1956) , p. 919 . . [23].
Dona Zohar. The Quantum Self: Human Nature . [24]
and Consciousness Defined by the New Physics (Ney York: Quill/William Morrow, 1990), pp. 107-124.
[25] . سِفر الملوك الثاني 2: 9. ومن المُضحِك أنَّ بعض الشارحين، لعجزهم عن فهم الحقيقة، فسَّرَ السهمَين بامتياز الابن الأكبر. فما علاقةُ الامتياز الدُّنيويّ بالروح، إذ قال أليشع لإيليَّا: “لِيكُن لي سهمان من روحِك.”؟
[26] . إنجيل لوقا 8: 46.
[27] . سورة النساء: 1 .
[28] . هذا الضميرُ العُلويّ الذي يلوم الإنسانَ على كلِّ ما يُسفِّلُ نفسَه سمَّاه القرآنُ الكريم “النفس اللوَّامة”، وجعلَه جليلَ الشأن، إذْ قال: “لا، أُقسِمُ ببومِ القيامة، ولا، أُقسِمُ بالنفسِ اللوَّامة…” (سورة القيامة: 1-2)
[29] . إنجيل يوحنَّا 17: 14.
[30] . الدكتور داهش: “القلبُ المحطَّم” (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1984)، ص 35. أنظر أيضًا “أنا وحيد”، ص 155؛ و”أنتم وأنا”، ص 97؛ و”لي ولكم”، ص 100.
[31] . الدكتور داهش: “نبال ونصال” (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1971)، ص 62.
James Hillman. The Soul’s Code: In Search of Character . [32]
and Calling, pp. 53-57.
Ben Bova. Immortality: How Science Is Extending Your Life Span-And Changing the World. New York: Avon Books, 1998. أ نظر [33] .
[34] . د. داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2، ص 193-195 من “أَسرار الحياة والموت”.
[35] . حليم دمُّوس: “مُعجزاتُ مُؤَسِّس العقيدة الداهشيَّة ومُدهِشاتُه الخارقة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 89-91.
سيَّالاتُ النفس الواعية: أَنواعُها وتفاعلاتُها 3
سيَّالاتُ النفس الواعية: أَنواعُها وتفاعلاتُها
في ضوءِ التعاليمِ الداهشيَّة (3)
بقلَم الدكتور غازي براكْس
في ما تقدَّمَ من هذا البحث (”صوت داهش“، عدَدَيْ شتاء وربيع 2004) أَوضحتُ مدلولَ السيَّال وَفقَ التعاليم الداهشيَّة، وأَهمِّـيَّتَه في تفسير أَو تعليل كلِّ شيء أَو حدَثٍ أَو حالة، على الصعيد المادِّيّ أَو النفسيّ، سواءٌ أَكان في الإنسان أَم الأرض أم الكون كلِّه. وبيَّنتُ أَنَّه بالجوهرِ الروحيِّ الإشعاعيِّ الخفيِّ الكامنِ في كلِّ سيَّال يتواصلُ الكونُ كلُّه، بل العوالمُ ”المادِّيـَّة“ والعوالمُ الروحيَّة؛ ذلك بأَنَّ ”المادَّة“ نفسَها إنَّما هي صورةٌ اقتضَتها درجةُ السيَّال المُتشكِّل فيها. وقد أَخذَت جماعاتٌ من الفلاسفة والعلماء بهذه النظرةِ أو ما يُقاربُها. وعلى صعيدِ الإنسان أَوضحتُ أَنَّ أَهمَّ سيَّالات النفس الواعية (العقل الواعي) هو السيَّال الرئيسيّ الذي يمدُّ الإنسانَ بالحياة ويمنحُه الطابعَ المُميَّز، وهو يضمُّ قوًى نزوعيَّة مُختلفة، وقوًى إدراكيَّة ذاتَ استعداداتٍ ذهنيَّة ولُغويَّة وحسِّيَّة خارجيَّة وباطنيَّة، وإرادة. وتتفاوتُ درجاتُ الرُقيِّ بين سيَّالٍ رئيسيٍّ وآخَر.
بعدئذٍ قدَّمتُ الدليلَ العلميَّ والسيكولوجيَّ على وجود السيَّال الرئيسيّ قبل الولادة، وعرضتُ البراهينَ الواقعيَّة التاريخيَّة على ذلك. ثمّ أَوضحتُ تابعيَّةَ السيَّالات الرئيسيَّة بعضها لبعض، وسببَ الاختلاف المورفولوجيّ بين البشر، وكذلك سببَ الاختلاف بين الرجُل والمرأَة. كذلك أَوضحتُ أَنَّ أُناسًا غير قليلين، خصوصًا الذين تبرزُ فيهم مواهبُ فجائيَّة، قد تُداخلُهم سيَّالاتٌ طارئة في مراحلَ مختلفة من حياتهم زيادةً على سيَّالاتهم الوراثيَّة. أَخيرًا تطرَّقتُ إلى كيان الإنسان النفسيِّ التامّ مُبيِّنًا مدلولَ الضمير ومعنى المواهب وأَسبابَ الشعور بالغربة الروحيَّة، والعوامل النفسيَّة للموت وتحديد العُمر. وفي هذا العدد سأَبحثُ في سبب الاختلاف في مدارك الناس ونزعاتهم وتفاعُل سيَّالاتهم فيما بينهم وبين بيئتهم الحيويَّة.
سببُ الاختلافِ في مدارك الناس
وفي نزعاتهم واستعداداتهم
لماذا هذا الاختلافُ الكبير في مدارك الناس، وفي نزعاتهم الراقية أو المنحطَّة ورغباتهم الخيِّرة أو الشرِّيرة، بل في استعداداتهم وهواياتهم؟
ينفي الدكتور مارتن سيلِغمان Martin Seligman –مُديرُ التدريب السيكولوجيّ العِِياديّ في جامعة بنسلفانيا، في كتابه ”ما بوُسعِكَ تغييرُه وما ليس بوُسعِك“1 What You Can Change and What You Can’t –أن يكونَ الجوابُ عن ذلك في أحداث الطفولة التي ضخَّم فرويد Freud تأثيرها كثيرًا، أو في عوامل البيئة المختلفة التي بالَغ السلوكيُّون Behaviorists في تضخيم تأثيرها أيضًا. مصدرُ الاختلاف الأهمّ يراه سيلِغمان في جينات كلِّ فردٍ وفي ما تحملُه المورِّثات من سِمات وخصائصَ واستعدادات مختلفة.
هذا الجوابُ صحيحٌ وجريء، لأنّه ينقضُ نظريَّة تساوي الناس عند الولادة، هذه النظريَّة العزيزة لدى كثيرين؛ لاسيَّما أنّ الأبحاثَ البيولوجيَّة تتوالى مؤكِّدةً تأثيرَ الجينات البالغ في تكوين شخصيَّة كلِّ إنسان ومَنحها طابعًا فريدًا. لكنْ لماذا يولَد الناسُ غيرَ مُتساوين؟
هنا الحدودُ التي تقفُ عندها المعرفةُ العلميَّة، لتبدأَ ما بعدها المعرفةُ الروحيَّة الداهشيَّة.
لقد باتَ مشهورًا أنَّ الجسمَ البشريَّ يُكوِّنُه 46 صَبغيَّةً (كروموزومًا) تنطوي على جينات (أي وحداتٍ وراثيَّة) يحملُ كلٌّ منها خاصَّةً مُعيَّنة من الخصائص الجسميَّة أو من الاستعدادات والمواهب وسائر السِّمات النفسيَّة التي من مجموعها ستُبنى الشخصيَّةُ المتفرِّدة لكلِّ إنسان في بُعدَيها الجسميّ والنفسيّ؛ لكنَّ بناءَ كائنٍ حيٍّ–إنسانًا كان أم غير إنسان–عمليَّة إبداعيَّة معقَّدة تتضاءَل حِيالَها عمليَّةُ بناء أكثر الأدمغة الإلكترونيَّة تعقيدًا وتطوّرًا. وفي التعاليم الداهشيَّة أنَّ عمليَّةَ التكوين هذه لَم تحدث صُدفةً ولا اضطرارًا من جرَّاء ظروفٍ بيئيَّة، ولا هي نتيجة تطوُّر مادِّيّ عَبْرَ ملايين السنين، بل في أساسها طاقةٌ روحيَّةٌ مُبدِعة هي السيَّالات الروحيَّة. هذه السيَّالاتُ، بما فيها من رئيسيَّة وطارئة ووراثيَّة، هي التي تبعثُ الحياةَ وتحملُ القِوى الإدراكيَّة والاستعدادات والنزعات والرغبات والمواهب التي تُصاغُ منها شخصيَّةُ كلِّ إنسان.
فالإنسانُ إذًا هو مجموع سيَّالاته، سيَّالاته التي تُعرِّضُه بواسطة جوهرها الروحيّ للتفاعُل مع كلّ إنسان، كما مع كلّ حَيّ وغير حَيّ، في الأرض كما في الكون كلِّه؛ إذْ إنَّ الكونَ بجميع مظاهره وعناصره ليس سوى نسيج من السيَّالات الروحيَّة. وسيَّالاتُ كلِّ شخص هي التي تمنحُه فرادتَه وتميُّزَه عن غيره بمستواها الروحيّ وبأنواع النزعات والرغبات والاستعدادات والمواهب التي فيها. فشخصيَّةُ الإنسان–ببُعدَيها الماديّ والروحيّ وبما فيها من اتِّزان أو خلَل على الصَّعيدَين الجسميّ والنفسيّ–مُبَرمَجة لا في المادَّة التي تُكوِّنُ جينات الإنسان، بل في السيَّالات العاقلة التي تُحيي تلك الجينات وتُبرمجُها، وتمنحُها خصائصَها ووظائفَها وأشكالها المتفرِّدة. لكنَّ اتِّصاف السيَّالات بحرِّيـَّة الإرادة يُفسِح المجال واسعًا أمام جُهدها الشخصيّ للاغتناء أو الافتقار في سياق الحياة؛ ذلك فضلاً عن أنَّه يبقى للتربية وللظروف البيئيَّة تأثيرٌ لا يمكن نكرانُه في صياغة شخصيَّة الإنسان سلبًا أو إيحابًا، لكنَّ هذا التأثير يبقى جزئيًّا محدودًا مهما يكن كبيرًا.
لقد جهدَ الفلاسفة وعُلَماءُ النفس، ولا سيَّما في القرن العشرين، لاستكشاف ماهيَّة النفس الواعية، أو ماهيَّة العقل الواعي Consciousness على حدِّ تعبير السيكولوجيِّين؛ فاختلفَت مذاهبُهم أيَّما اختلاف، وتضاربَت آراؤهم تضارُبًا شديدًا، حتَّى إنَّ المُؤتمَر الذي عُقِدَ في جامعة توسن Tucson بأَريزونا، في شهر أبريل 1996، وضَمَّ ألفًا من العُلَماء والفلاسفة والمُفكِّرين من 22 بلَدًا، وذلك من أجل التباحُث في ماهيَّة العقل الواعي ومصدره، لَم يُؤَدِّ إلاَّ إلى مزيدٍ من البلبلة والتبايُن في الآراء والاختلاف في النظريَّات. غيرَ أنَّ اتِّجاهًا يُمثِّلُه الدكتور تشالمِرز Chalmers يرى أنَّ العلمَ الحديث بحاجة إلى اكتشاف قوانينَ أساسيَّة جديدة تُضاف إلى القوانين الطبيعيَّة المعروفة كالجاذبيَّة والكهرطيسيَّة والوحدة المكانيَّة الزمانيَّة، ويعتبر أنَّ العقل الواعي لا بدَّ من أن يكون أحدَها، فيُصبح بصفته هذه خاصَّةً أساسيَّة في نسيج الكَون.2 وكَانَّما تشالمِرز ومَن نهَجَ نهجَه يُلمِعون إلى السيَّالات الروحيَّة بمفهومها الداهِشيّ من غير أن يُسمُّوها.
إنَّ السيَّالات بقوَّتها الروحيَّة الإبداعيَّة تصوغُ الجسمَ الحيَّ بكلِّ أعضائه وأجزائه تَبعًا لِمستواها واستحقاقها وبَرمَجتها، إذْ إنَّها تُعبِّر بواسطة الجسم الحَيّ–ولا سيَّما الدماغ وسائر الجهاز العصبيّ–عن نشاطها أفكارًا ورغباتٍ وأعمالاً. والإفرازات الكيميائيَّة (السيروتونين Serotonin وغيره ممَّا يؤثِّر في وظائف الدماغ واتِّصالاته الكهربائيَّة) ليست إلاَّ مظهرًا مادِّيـًّا من مظاهر نشاط السيَّالات الروحيَّة. ولهذا السبب نرى أنَّ العقاقيرَ المؤثِّرة في هذه الإفرازات قد تمنعُ ظهورَ الأعراض، لكنَّها لا تشفي العلَّة، لأنَّ العلَّة ليست في البِنْية المادِّيـَّة للجهاز العصبيّ بل في القوَّة النفسيَّة المُحرِّكة والمُشكِّلة له، أي السيَّالات الروحيَّة.
لكنْ ما سببُ الاختلاف في سيَّالات البشر منذ طفولاتهم، حتَّى في الأَبناء والبنات الذين ينحدرون من الأبِ نفسه والأُمِّ نفسها؟
الاستعداداتُ والنَّزَعاتُ والرَّغباتُ القويَّة لا تموت:
إنَّ الاختلافات في سيَّالاتنا مبنيَّة على نظام السَّبَبِيَّة الروحيَّة وفقًا للعدالة الإلهيَّة والاستحقاق الروحيّ (انظر ”صوت داهش“، عدَد سبتمبر، 1995، وعدَد مارس، 1996). فالسيَّالاتُ الروحيَّة لا تفنى، وسيَّالاتُ البشر إنَّما هبطَت إلى الأرض بِفِعلِ أعمالها ورغباتها وبالتالي استحقاقها. وعند الموت، تبقى في كلِّ سيَّال رغباتُه القويَّة القديمة ونزعاتُه، كما تبقى مُنطبعةً فيه نتائجُ الأعمال التي قام بها في خلال حياته السابقة، وذلك تبعًا لنظامٍ إلهيٍّ عجيب. وعند انتقال السيَّال الرئيسيّ إلى مولودٍ جديد بموجِب نظام التقمُّص الشامل، وامتداد السيَّالات الثانويَّة إليه بواسطة الجينات الوراثيَّة من والدَيه، فإذْ ذاك تنتقلُ معه تلك الرغباتُ والنزعاتُ والآثارُ التي انطبَعَت فيه خلالَ حياته السابقة، فضلاً عن خصائص الجسد من سمنةٍ أو نحافة، ومرضٍ أو صحَّة. فنزعاتُ العدائيَّة والعُنف والحسد والحقد والخيانة والشَّبَق والتسلُّط والكبرياء وغيرها من النزعات الرديئة تبقى كما تبقى نزعاتُ المحبَّة والغَيريَّة والشفقة والتسامُح والتقوى والإخلاص والوداعة والتواضع وسواها من النزعات الراقية؛ كذلك يبقى مستوى الإدراك، عاديًّا كان أم متفوِّقًا أم متخلِّفًا، كما يبقى كلُّ خلَلٍ نفسيٍّ سواءٌ نتجَ عن صدمةٍ أم عن سلوكٍ مُنحرِف.
وفي قصص الدكتور داهش التي تدورُ حول مِحوَر التقمُّص أمثلة كثيرة يتَّضحُ منها بجلاء كيف أنَّ النزعات تبقى فاعلةً في السيَّالات من دورٍ إلى آخر، وتُتابعُ نشاطَها سواء كانت متقمِّصة إنسانًا أم حيوانًا أَم نباتًا أَم جمادًا.
وبسبب خاصَّةِ الاستمرار النفسيّ هذه، نرى تقارُبَ النزعات والأهداف والمطامح والتصرُّفات ماثلةً بين أشخاص تاريخيِّين، قادةً كانوا أم أُدباء أم عُلَماء أم هُداةً أم مُصلحين؛ ذلك لأنَّ سيَّالاً مُعيَّنًا يكون قد انتقل من السابق إلى اللاحق.
العلمُ يُؤَكِّدُ التعاليمَ الداهشيَّة
يزعمُ المذهبُ النفسيُّ السلوكيُّ Behaviorism الذي أسَّسهُ جون واطْـسُن J. Watson (1878–1958) أنَّ الطفلَ إنتاجُ محيطه بصورةٍ كُلِّـيَّة. وهذا المذهبُ الذي انتشرَ في الأوساط العلميَّة الأمريكيَّة بضعَ عشرات من السنين يتَّفقُ مع النظريَّات الفلسفيَّة المادِّيـَّة التي تجعلُ الإنسانَ ثَمرةً للمؤثِّرات المختلفة في محيطه.
وكان الفيلسوفُ الإنكليزيّ جون لوك J. Locke (1632–1704) أَوَّلَ مَن أَعلنَ أَنَّ العقلَ في الطفل أشبهُ بلوحٍ للكتابة فارغ blank slate. وأَصبحَت هذه الفكرة شبهَ عقيدة لدى معظم المُفكِّرين في النصف الأَوَّل من القرن العشرين كردَّةِ فِعلٍ ضدَّ التمييز العُنصريّ والجنسيّ.
لكنَّ الدراسات العلميَّة البيولوجيَّة والسيكولوجيَّة الحديثة أحدثَت ثورةً في المفاهيم مُناقضة للمذهب النفسيّ السلوكيّ، كما للمذهب الفرويديّ، ولكلِّ ما شابهَهما، إذْ أظهرَت أنَّ الإنسانَ يولَدُ وأكثر مُقوِّمات شخصيَّته—بما فيها من مستوًى إدراكيّ وحياة انفعاليَّة واستعدادات ومواهب—مُبَرمَجة في جيناتِه Genes الفطريَّة، وأنَّ تأثيرَ العوامل البيئيَّة في الإنسان، سواء في طفولته أم سائر مراحل عمره، هو جزئيّ وليس كُلِّـيًّا.
فسيلِغمان وكثيرون غيرُه3 يُؤكِّدون أَنَّه قد أُجرِيَت دراساتٌ كثيرة، في عدَّة بلدان، على التوائم المُتماثلين Identical twins مِمَّن نشأوا في بيئاتٍ مختلفة، ومن مقارنتِها بدراساتٍ أخرى تناولَت التوائم غير المتماثلين والأشقَّاء العاديِّين، يتحصَّلُ أنَّ كثيرًا من السِماتٍ النفسيَّة (الإدراكيَّة والانفعاليَّة والنزوعيَّة) ومن الخصائص الجسديَّة له أصولٌ فِطريَّة في جينات الإنسان؛ إذْ ليس معقولاً أن يظهرَ عددٌ كبير من السِّمات النفسيَّة-الجسميَّة psychosomatic المُتماثلة في التوائم المُتماثلين إنْ لم يكن لها أُصولٌ وراثيَّة أو فطريَّة. من هذه السِّمات مدى سِمنة الجسم، والنزعة العُنفيَّة الإجراميَّة، ومستوى الذكاء العامّ الذي قد تصلُ نسبتُه الوراثيّةُ إلى 75٪، ونزعة الخجل الشاملة؛ ويُضيفُ فريقٌ من علَماء النفس إلى ذلك سماتٍ أخرى—لكن يُنازعهم في إثبات صحَّة وراثيَّتها آخرون—هي: مدى التقوى الدينيَّة، ونزعة المحافَظة والتعلُّق بالتقاليد، والاتِّجاه المِهَنيّ، والنزعة الانطوائيَّة السَّوداويَّة أو الانبساطيَّة الانشراحيَّة، والمَيل إلى المخاطرة، والنزعة التسلُّطيَّة، ومدى سيطرة الإنسان على ذاته، والمَيل إلى التفاؤل أو التشاؤم، ونزعة التشكيك في الناس والسخرية منهم. فالعلماء يذهبون إلى أنَّ مقدارَ سمنة الجسم مُبَرمَج في الجينات. فبإمكان إنسانٍ ما أَن يلجأَ إلى التمارين الرياضيَّة ويتَّبعَ نظامًا معيَّنًا للحِميةِ في طعامه ليُخفِّفَ وزنَه، لكنَّ مقدارَ السمنة المُبرمَج في جسمه سيعود فيتغلَّب على وضعه الجديد المُصطَنع، فلا يسمح بتغييره إلاَّ في حدودٍ نسبيَّة ضئيلة.4 كذلك الأمرُ في أكثر الأمراض العُصابيَّة neurosis، كالذُّعر غير المنطقيّ panic، والرُّهاب phobia، (مِثالُه الخوف من المرتفعات أَو من البحر أو من بعض الحيوانات الأليفة)، أو الوساوس المُستحوذة (Obsessive-compulsive disorder) OCD، شرّيرةً كانت أم ذاتَ نمطٍ تكراريّ غيرِ منطقيّ… فهذه الأمراضُ العُصابيَّة قد تنفعُ العقاقيرُ أو العلاجاتُ النفسيّة في تخفيف أو حَجبِ أعراضها، لكنَّها لا تُزيلُ عِلَلها.
ذلك مع العلم بأَنَّ فريقًا من علماءِ البيولوجيا اكتشفوا مُؤَخَّرًا أَنَّه ما زالت أَسرار كثيرة من كُتلة المورِّثات محجوبة عنهم، ومنها أنَّ كيفيَّة تتابُع الـ د. ن. آي. ليست النظامَ الرمزيَّ البيولوجيَّ الوحيد المخزون في الكروموزومات. فقد اكتشفوا في هذه الأَخيرة ظاهراتٍ متنوِّعة سمَّوها epigenetic phenomena تعملُ أَشبهَ بالمفاتيح لتقوية أَو إضعاف تأثير الجينات؛ وهي أَشبهُ بمعلوماتٍ مُرمَّزة من الكيميائيَّات المعلَّقة بالـ د. ن. آي أَو ببعض البروتينات البسيطة.5 وهذا يدلُّ على أَنَّ العلمَ ما يزالُ بعيدًا عن فهمِ كلِّ الأسرار المُكتنِفة لِبِنية الإنسان النفسجسميَّة.
الطبيعةُ البشريَّة ميَّالةٌ إلى الثبات لكنَّ الإرادةَ مُبدِعة
إنَّ السِّماتِ النفسيَّة المُشار إليها أَعلاه يتعذّرُ تغييرُها بقَدر ما هي فطريَّة وِراثيَّة، ويُمكن تغييرُها، في قدْرها الباقي، بعوامل التربية والثقافة والعشرة والجُهد الشخصيّ كما بالمُعالَجات الطبِّـيَّة إذا اقتضى الأمر.
ولأنَّ بناءَ المقوِّمات الأساسيَّة للشخصيَّة يتمُّ في سيَّالات الإنسان الفاعلة في جيناته الفطريَّة، فإنَّ الطبيعةَ البشريَّة تميلُ إلى الثَّبات، إذْ إنَّ تغييرَ الإنسان لسيَّالاته صعبٌ جدًّا؛ لكنَّه غيرُ مستحيل. فالاختباراتُ الشخصيَّة والدراساتُ الكثيرةُ تُظهرُ أنَّ الإنسانَ يستصعبُ جدًّا تغييرَ عاداته حتّى التي تؤثِّرُ فيها العواملُ البيئيَّة أكثر من العوامل الفطريَّة، كالتدخين مثلاً. فكثيرون ممَّن يُدمنون التدخينَ يستمرُّون في هذه العادة رغمَ إصابتهم بنوباتٍ قلبيَّة وإنذار الأطبَّاء لهم. أمَّا مُقترِفو الجرائم، مثلاً، من النزَّاعين إلى مُعاودة الجرائم، فالدراساتُ التي تناولَتهم أظهرَت أنَّ برامجَ الإصلاح التي أُخضِعوا لها لَم تكن نتائجُها مُشجِّعة.
ولكنْ ما مدى حريَّة الإنسان في تغيير ما بشخصيَّته إذا كانت الطبيعةُ التي يولَد بها الإنسان ميَّالة إلى الثبات؟
الإيمانُ بأنَّ اللّهَ يختارُ مَن يُريد ليُكافئَه ويرفعَه أو ليُعاقبَه ويخفضَه، وذلك دونما نظر لاستحقاق الإنسان، أخذ به كثيرون من المسيحيِّين، وخصوصًا في القرون الوسطى، واستعاضوا عن الأعمال الصالحة بالنعمة غير المشروطة. لكنَّ الداهشيِّين تأكَّدَ لهم أنَّ النظامَ الإلهيَّ الذي يسودُ الكونَ كلَّه مرتبطٌ بالعدالة والسببيَّة الروحيَّين. ولذلك فولادةُ الإنسان في وضعٍ جسديٍّ وصحيٍّ وعقليٍّ معيَّن مُرتبطٌ باستحقاقه. وكلُّ تغييرٍ يطرأُ عليه بجهده الشخصيّ، أو بجُهدٍ طبيّ، مرتبطٌ أيضًا باستحقاقه.
فالإنسانُ حرُّ الإرادة، وحريَّتُه منحةٌ إلهيَّةٌ، ولذلك فوَضْعُه النفسجسميّ الحاليّ هو الذي سبَّبَ صياغتَه في حياةٍ سابقة، فأصبحَ جسدُهُ بما فيه من صحَّةٍ أو مرض، ومن توازنٍ عقليٍّ أو خَلل، قدرَه الشخصيَّ الذي صاغَهُ بأفكاره ورغباته وأعماله الحرَّة.
لكنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يُغيِّرَ مصيرَه في حياةٍ مُقبِلة بتغيير أفكاره ورغباته وسلوكه إلى الأفضل والأسمى في دوره الحياتيِّ الحاليّ، لكنَّ تغييرَه لوَضعه الراهن المقيَّد بجيناته وبالتّالي بسيَّالاته الراهنة يتطلَّبُ منه جُهدًا شخصيًّا جبَّارًا؛ هذا إذا لَم تكُن الإصابةُ في عقله.
فَذو الجنسيَّةِ المثليَّة الشاذَّة، مثلاً، إمَّا أن يكونَ بإرادته قد اختار هذا السلوكَ كتجربةٍ راقَتهُ؛ فإذْ ذاك بإمكانه أن يتخلَّصَ منه قبل أن يُصبحَ عادةً فيه مُستفحلة؛ وإمَّا أن يكونَ هذا السلوك فيه صفةً وراثيَّةً، أي قد داخلَ سيَّالاً فيه امتدَّ إليه من أبيه وربَّما من جَدّه؛ وإذْ ذاك عليه من أَجل تغيير سلوكه أن يبذلَ جُهدًا جبَّارًا ويُقاومَ ميلَه المتأصِّل في جيناته مُقاومةً مستمرَّة حتَّى يرتقي السيَّالُ بقَهر النزعة المِثليَّة فيه قهرًا متواصلاً. ولا شكَّ بأنَّ هذه المغالَبة الطويلة شاقَّة ومُضنية. لكنَّ مَن أراد الارتقاءَ بسيَّالاته عليه أن يتحمَّلَ التعبَ والانزعاجَ الشديدَين. وقِسْ على هذا السلوكِ الجنسيّ كلَّ عادةٍ سيِّئة متحكِّمة بالإنسان وكلَّ رذيلةٍ متأصِّلة فيه.
وقد أسفرَت دراستان علميَّتان نُشِرتا في فبراير 1996—إحداهما عن مرَض آلتسايْمِرز Alzheimer’s، والأُخرى عن الوساوس المُستحوِذة—عن أنَّ للإرادة تأثيرًا لا يُستهانُ به في إعادة تنظيم الخلايا الدماغيَّة المُختلَّة؛ فالأفكار والرغبات والتصرّفات بإمكانها، إذا كانت متواصلة ومُلِحَّة، أن تُصحِّحَ شيئًا مِمَّا اختلَّ من وظائف الدماغ، وبالتالي أن تُبرئَ الإنسانَ من عاداتٍ أو انفعالاتٍ مرَضيَّة.6
حاجةُ السيَّال إلى تحقيق ذاته
إنَّ القوَّةَ الدافعة لجميع الحاجات والرغبات والاستعدادات الكامنة في أَيِّ سيَّال هي حاجةُ السيَّال إلى تحقيق ذاته، فهي الحاجةُ الأُمّ. إنَّها غايةُ الحياة في السيَّال التي بدونها ينتفي نشاطُه. فمثلما يتحقَّقُ كيانُ الجسم عُضويًّا بنشاط الحياة البيولوجيَّة التي تنتظمُ خلاياه وأنسجتَه جميعَها لتوجِّهَها إلى بناءِ الأعضاءِ عُضوًا فعُضوًا، هكذا ينطوي كلُّ سيَّال على دوافعَ مُختلفة تنشطُ جميعُها، بقوَّةِ الحياة التي فيها، إلى التحقُّق. وهذا النشاط يقوى أَو يضعف تَبَعًا لقوَّة الدوافع أَو ضعفِها.
والتحقُّق التامّ لذات السيَّال لا يتمُّ إلاَّ بإشباع طبيعتِه، سواءٌ كانت مادِّيـَّة أم روحانيَّة، مُتخلِّفة في بُعدِها الإدراكيِّ أم متفوِّقة. وإلاَّ فشعورُ صاحب السيَّال بعدم الامتلاء وبالجوع إلى الغذاء يبقى قائمًا. وهذا الإحساسُ يولِّدُ الشعورَ بعدمِ الرضى والإحباط. ولذلك فالتغلُّبُ على هذا الشعور يستوجبُ مشقَّةً كبيرة وانزعاجًا شديدًا، ويقتضي، بصورةٍ عامَّة، زمنًا مديدًا.
أَمَّا إذا تمَّ الإشباعُ فيتولَّدُ عنه الشعورُ بالرضى، ويكونُ هذا الشعور مصحوبًا بلذَّةٍ حسِّـيَّة في حال إشباع الدوافع المادِّيـَّة كالشهوات الجنسيَّة، أَو لذَّةٍ معنويَّة كالجاه والسيطرة، أَو مُقترنًا بمُتعةٍ عقليَّةٍ روحيَّة في حال إشباع الدوافع الراقية أَو الروحيَّة كالتذوُّقِ الفنِّيّ والأدبيّ والتأُمُّل في عظمةِ ما أَبدعَته القوَّةُ الموجِدة.
بَيدَ أنَّ تغذيةَ اللذَّةِ المُصاحبة لإشباع الرغبات والنزعات المتولِّدة من دوافعَ مُنحطَّة—كالشَّبق والحسَد والعِدائيَّة وحُبِّ الإيذاء والكبرياء والأنانيَّة والتسلُّط والبُخل والجشَع—تستثيرُ نشاطَ هذه الدوافع نفسها، بحيثُ تكونُ نتيجتُها حَطَّ السيَّال لا ترقيتَه؛ وقد تُؤَدِّي إلى هبوطِه إلى درَكٍ سُفليّ بفِعلِ جاذبيَّة المَيل الذي فيه، الأمرُ الذي يُولِّدُ تبكيتَ الضمير والندَم، وربَّما الوساوس. وهكذا كثيرًا ما يعقبُ الألمُ المعنويُّ اللذّةَ المنحطَّة، فتكونُ كالشصِّ الذي يُقدِّمُ الطُّعمَ إلى السمكة ليُهلكَها.
وقد أكَّد جولدشتاين Goldstein وعشراتٌ مِمَّن بحثوا في الشخصيَّة الإنسانيَّة أنَّ الدوافعَ والنزعات والاستعدادات في الإنسان همُّها الأوَّل أن تُحقِّقَ ذاتَها. ولِذا فالشعورُ بالاكتفاء أَو الشعورُ بعدم الرضى ينجمان عن مدى إشباع تلك الدوافع أو عدم إشباعها.
تناقضُ السيَّالات في الإنسان
يُولِّدُ التناقُضَ في نزعاته وتصرُّفاته
إنَّ الباحثَ المتأَمِّلَ في مَن يعرفُهم من الناس، سواءٌ كانوا من الأَقربين أم الأَبعدين، لا بُدَّ من أَن يُلاحظَ أنَّ التناقضَ يبدو في ميولهم وتصرُّفاتهم، حينًا بعد حين. فقد يُظهرُ الواحدُ منهم التسامُح في موقف، والعصبيَّةَ في موقفٍ آخر، أو الكرمَ في ظرفٍ والبخلَ في ظرفٍ آخر، أو التعفُّفَ حينًا، والفجورَ حينًا آخَر… ومردُّ ذلك إلى أنَّ كلاًّ من البشر يتأَلَّفُ كيانُه النفسيّ من سيَّالاتٍ متفاوتة بدرجاتها الروحيَّة، وبالتالي مُتناقضة بنزعاتها. وهذا يُثبِتُ أنَّ النفسَ ليست—مثلما يظنُّ أكثرُ الناس—وحدةً لا تتجزَّأ. فشخصيَّةُ الإنسان يطبعُها سيَّالُه الرئيسيّ بطابعه، لكنَّ نفسه تنطوي على كثيرٍ من السيَّالات الأُخرى الطارئة أو الوراثيَّة المتفاوتة في أَنواعها ودرجاتها.
فإذا حصلَ الاختلافُ بين دافعٍ قويّ ودافعٍ ضعيف ينتميان إلى المجال النفسيِّ عينِه، كموقفِ الإنسان من الآخَرين مثلاً، فالصراعُ لا يكون حادًّا بين ميول الإنسان، إذْ إنَّ الدافعَ الأَقوى هو الذي يُسيطرُ حينذاك. وهكذا يبقى السيَّالُ الأشدُّ مُهيمنًا على تصرُّفات الإنسان، وإن يكُن السيَّالُ المُناقضُ الآخَر يُحاولُ أن يُسمعَ صوتَه بين الفينة والأُخرى.
لكنَّ التناقضَ يتَّخذُ مظهرَ صراعٍ حادّ بين ميول الإنسان إذا وقعَ الاختلافُ بين دافعَين قويَّين يُمارسان نشاطَهما في المجال نفسِه. مِثالُه أن يكونَ في الإنسان سيَّالٌ يدفعُه إلى المحبَّة والغفران، وآخَرُ يدفعُه إلى الأَنانيَّة والحقد؛ أَو أن يكونَ فيه سيَّالٌ يدفعُه إلى الوداعةِ والتواضُع، وآخَرُ إلى الغطرسة والكبرياء. فإذا نشطَ السيَّالُ الأوَّل بَدا روحانيًّا خَلوقًا، وإذا نشطَ السيَّالُ الثاني بَدا مادِّيـًّا غليظًا. فكأنَّما الإنسان هو غيرُ إنسان. فبطرس صخرةُ الإيمان هو غيرُ بطرس المُشكِّك والمُنكِر معرفتَه للمسيح، وبولس رسولُ الأُمَم هو غيرُ شاوول المُضطهِد لتلاميذ المسيح، وفكتور هيغو V. Hugo والمتنبّي الحريصان على المال في واقعهما المعيشيّ هما غير الشاعرَين الكبيرَين المُمجِّدَين للسخاء والأسخياء.
فإذا اتَّسعَت الشقَّةُ كثيرًا بين سيَّالَين مُتناقضَين في دوافعهما القويَّة ودرجَتَيهما حدثَ ما يُسمَّى بـ”انفصام الشخصيَّة“ schizophrenia، المرضِ الذي ما يزالُ أطبَّاءُ النفس حائرين في تفسيره، مُحاولين ردَّه إلى عدمِ الاتِّساق في وظائف الدماغ أَو إلى أسبابٍ أُخرى7؛ وإنَّما هو سيطرةُ سيَّالٍ أَدنى على الشخصيَّة في ظروفٍ معيَّنة، بحيثُ يحصلُ هذا الاختلاطُ في ذهن المُصاب. وقد ظهرَت هذه الحالة في كثيرين من العباقرة والألمعيِّين، من أَبرزهم جان ناش J. Nash، حائز جائزة نوبل في الاقتصاد )1994).
والجنون شرُّ أمراض الشخصيَّة. وهو حالةٌ تحتلُّ فيها دماغَ المُصاب وأعصابَه سيَّالاتٌ سُفليَّةٌ غريبةٌ عنه، فتحجبُ عنه الإدراكَ الصحيح والمنطقَ السديد عقابًا له. وللدكتور داهش مِثالان عنه في أُقصوصتَين واقعيَّتَين.8
وبدأَ يتَّضحُ للعلماء ما ذهبَت إليه الداهشيَّة، قبل أكثر من نصف قرن، من أنَّ النفس تتكوَّنُ من وَحداتٍ من القوى النفسيَّة المتناقضة. يقول ستيفن بِنكر Steven Pinker في بحثٍ عن تأثير الجينات: ”إذا كانت النفس نظامًا مُركَّبًا يضمُّ قُدراتٍ كثيرة، فإنَّ الرغبةَ العدائيَّة هي عُنصرٌ واحد من بين عدَّة عناصرَ فيه. فبعضُ القُدرات يمدُّنا بالجشَع أَو الشَّبَق أَو الخُبث المُؤذي، لكنَّ قُدراتٍ أُخرى يُمكنُ أَن تمدَّنا بالعطف والتبصُّر واحترام الذات والرغبة في احترام الآخَرين وإمكانِ التعلُّم من التجربة والتاريخ. والتقدُّمُ الاجتماعيّ قد يحصلُ من تصادُم هذه القُدرات بعضِها ضدَّ بعض.“9
ورأَت دانا زوهار Dana Zohar أَنَّ النفسَ يتعذَّرُ فَهمُ أَنشطتها المتناقضة إلاَّ إذا فهمنا كيانَها وجوهرَها في ضوءِ نظريَّة ”الكوانتا“، بمعنى أنَّ شخصيَّةَ الإنسان تنطوي على ذواتٍ صُغرى subselves هي في صراعٍ شبهِ دائم بعضها مع بعض. فإذا اشتدَّ النزاع، انتابَ المرضُ النفسيُّ أو العقليُّ الشخصيَّة، ففقدَت الاتِّزان، وحصلَ الانفصامُ وغيرُه من الأمراض العُصابيَّة neurosis أَو الذُّهانيَّة psychosis.10
تفاعُل الإنسان مع مَجالِه الحيَويّ
تُعطي الداهشيَّة مجالَ الإنسان الحيَويّ مفهومًا جديدًا. فهو يتكوَّنُ من البيئة البشريَّة-الطبيعيَّة (الإنسان والحيوان وسائر عناصر الطبيعة ومظاهرها) التي يتفاعلُ معها إنسانٌ ما إيجابًا أَو سَلبًا بالنسبةِ لِما فيها من سيَّالات تتجاوبُ أَو تتنافرُ مع سيَّالاتِه، إمَّا بسبب نوعها، أو بسبب درجتها الروحيَّة، أو بسبب تقمُّصاتٍ سابقة تمَّت فيها علاقاتُ مودَّة أو كراهية بين أَحد سيَّالاته وبينها؛ ذلك مع العلم بأنَّ مفهوم المجال الحيَويّ يشملُ أيضًا الأحوالَ والأحداثَ التي تتمُّ في هذه البيئة البشريَّة-الطبيعيَّة ويكونُ لها تأثيرٌ حسَنٌ أَو سيِّئ في وضعِ الإنسان النفسيّ.
1- تفاعُلُ الإنسان مع مجالِه الحَيويِّ البشريّ
جديرٌ بالذكر أَنَّ المجالَ الحيَويَّ المعنيَّ هنا ليس بالضرورة مُجملَ الوسَطِ المكانيّ-الزمانيّ الذي يُحيطُ بإنسانٍ ما. فكلُّ ما لا يتفاعلُ الإنسانُ معه، وإن يكُن في حَيِّه أو مدينته أو وطنِه أو عصرِه، لا يدخلُ في مجالِه الحيَويّ؛ وعلى العكس من ذلك، فكلُّ ما يتفاعلُ الإنسانُ معه، وإن يكُن بعيدًا عنه في الزمان والمكان، يدخلُ في مجاله الحيَويّ. فإذا سمعتَ سمفونيَّة لموسيقارٍ حَيٍّ أَم آخَرَ تُوفِّيَ منذ قرن، أو قرأتَ كتابًا لأديبٍ مُعاصِر أَم آخَرَ تُوفِّيَ منذ قرنَين، أو تأمّلَتَ لوحةً فنِّيَّة لفنَّانٍ قديمٍ أَم حديث… وتأثَّرتَ إيجابًا أَو سلبًا بما سمعتَ أو تأمَّلتَ أو قرأتَ، وشعرتَ بانجذابٍ إلى الأسمى، إلى قِيَمٍ عُليا، أَو إلى الأسفل، إلى قِيَمٍ دُنيا، فإنَّكَ تكونُ قد تأثَّرتَ بسيَّالاتِ ذلك الموسيقار أو الأديب أو الفنَّان، كما تأثَّرَ هو بك، سواءٌ أَكان حيًّا أم ميتًا.
رُبَّ سائلٍ: كيف يتأَثَّرُ الميت؟
سألتُ مرَّةً مُؤَسِّسَ الداهشيَّة عن هذا الأمر؛ فأجابني بما فحواه: كُنْ على يقين من أنَّ كلَّ أديبٍ أو مُفكِّرٍ أَو فنَّانٍ يُبدِعُ عملاً أدبيًّا أو فنِّيـًّا يكونُ قد وضعَ فيه بعضًا من سيَّالاته، ويبقى العملُ مُرتبطًا به روحيًّا؛ فإذا أحدثَ عملُه تأثيرًا مُفيدًا للإنسان الذي يقرأُه أو يتذوَّقُه، يرتقي صاحبُ العمل بنسبةِ ما يرتقي القارئُ أو المتذوِّق، والعكسُ بالعكس. بل أكثر من ذلك، فالأعمالُ العاديّة التي يقومُ بها إنسانٌ ما تبقى نتائجُها تُؤَثِّرُ في مصيره حتَّى بعد موتِه بقدرِ ما يتأثَّرُ بها الناسُ سلبًا أو إيجابًا.
وهكذا نتيجةً لوجود الإنسان الحتميّ في بيئةٍ اجتماعيَّة-طبيعيَّة معيَّنة، فإنَّ سيَّالاتِه، بما تنطوي عليه من قوًى فطريَّة، إدراكيَّة ونزوعيَّة وإراديَّة، لا تلزمُ الحالةَ نفسَها التي وُلِدَ الإنسانُ عليها. فهي تتأَثَّرُ باستمرار بالمجال الحيَويّ الذي ترتبطُ به من الولادة حتَّى الوفاة، بحيثُ إنَّ الفطرةَ والاكتسابَ يتلازمان طولَ الحياة. وقد يكون الاكتسابُ صادرًا عن التربية والتوجيه أو التعليم أو الاختبار أَو المُحاكاة أَو العشرة أو المطاعم والمشارب (مثلما سنرى لاحقًا)، أَو أَيِّ تأثيرٍ آخَر.
وأَوَّلُ ما يكونُ التأَثُّرُ، بعد الولادة، بالأُمّ كما بمُعاملة الوالدَين للولَد، خصوصًا بالمقارنة مع معاملتهما لسائر الأشقَّاء والشقيقات إذا وُجِدوا. وفي هذه الحال من الطبيعيّ أن يميلَ أحدُ الوالدَين إلى الولد الذي ينتمي سيَّالُه إليه أكثر مِمَّا يميلُ إلى سائر الإخوة أو الأَخوات—في حال وجودهم—الذين لا تنتمي سيّالاتُهم الرئيسة إلى الطرفِ نفسه؛ فتنشأُ عن هذا التمييز صفاتٌ نفسيَّة في الولد لا تظهرُ في الآخرين من أشقَّائه أو شقيقاته.11
وبعد ذلك يكون للعشرة والاختلاط تأثيرٌ بالغ في توجيه السيَّالات ورَفعِ درجاتِها أو خفضِها. فسيَّالاتُ الرفقاء والأصدقاء تتشابكُ بقدرِ ما يحصلُ بينها من تعاطُف. وكذلك يحدثُ التشابُك بين الزوج والزوجة، كما بين مَن يُقيمون علاقاتٍ عاطفيَّة خارجَ نطاق الزواج. وفي ضوءِ ذلك يتَّضحُ خطرُ ارتيادِ الملاهي الماجنة، والمراقص الخليعة، وما شاكَل، بل حتَّى المسابح العامَّة الإباحيَّة؛ وخطرُ ارتباطِ رجلٍ حميد بامرأةٍ رديئة، أو بالعكس، وصداقةُ إنسانٍ راقٍ لإنسانٍ سافل. وقد أكَّد مُؤَسِّسُ الداهشيَّة أنَّ مثلَ هذا التشابُك بين السيَّالات قد يبقى آلافًا من السنين، ويُعرِّضُ أصحابَه إلى مصائبَ كثيرة.12
والتلازُم بين الفطرةِ والاكتساب يجعلُ السيَّالات في تطوُّرٍ دائم إمَّا إلى الأفضل وإمَّا إلى الأسوإ. فبفضلِ المُؤَثِّراتِ التي يتعرَّضُ لها الإنسانُ في مجالِه الحيَويّ قد يتَّجهُ دافعُ الشَّبَقِ إلى الاعتدال في الشهوة، والأنانيَّةُ إلى الغَيريَّة، والحسدُ إلى المحبَّة، والبُخلُ إلى الكرَم، والجشَعُ إلى القناعة، والكبرياءُ إلى التواضع، وهلمَّ جرَّا… فترتقي مُجملُ السيَّالات؛ أَو قد تنعكسُ الآيةُ، فتنحطُّ درجاتُ السيَّالات. لكنَّ التطوُّرَ في اتِّجاهِ التحسُّن عسيرٌ وبطيءُ التحقُّق، لأنَّ إمكانات الرقيّ، من جهة، لا تتمُّ إلاَّ ضمن حدودٍ تسمحُ بها استعداداتُ الإنسان وقدراتُه النفسيَّة، ولِكونِ الفطرة، من جهةٍ أُخرى، ميَّالةً إلى الثبات. من أجل ذلك يستلزمُ التحسينُ النفسيُّ خُبراتٍ مُكتسَبة راقية خصبة، تُعزِّزُها قوَّةٌ إراديَّة نشيطة تُجاهدُ النفس ”الأَمَّارة بالسوء“ بلا هوادة. وبسبب صعوبة الارتقاء وبُطئه أتاحت الرحمةُ الإلهيَّة للإنسان فُرَصَ التقمُّص المُكرَّرة حتَّى يستأنفَ السيَّالُ نشاطَه من أجل ارتقائه.
2- التجاذبُ والتنافُر بين البشر
إنَّ مفهومَ التجاذُب والتنافُر، في التعاليم الداهشيَّة، يُوضِحُ غوامضَ كثيرة كان يتعذَّرُ إيضاحُها من قبل، ويُعطي معنى التفاعُل بين الإنسان ومجاله الحيَويّ بُعدًا جديدًا بالغَ الأَهمِّـيَّة.
فمثلما أنَّ التجاذُبَ والتنافُرَ قائمان في الكون كلِّه على الصعيد الطبيعيّ، فالتجاذبُ والتنافُر قائمان أيضًا في الكون كلِّّه على الصعيد الروحيّ الذي عليه تتلاقى السيَّالات. وبما أنَّ الموتَ أو الاندثار لا يتناولُ إلاَّ بِنيةَ الموجودات المادِّيـَّة، بشريَّةً كانت أَو غير بشريَّة، فالجوهرُ الحَيُّ الكائن في كلِّ سيَّال يبقى حيًّا ومعه مُستوى الإدراك والنزعاتُ والرغباتُ وما لاقت السيَّالاتُ من تجاذُب وتنافُر مع مجالها الحيَويّ في أدوارٍ سابقة. في ضوءِ هذا الإيضاح يمكنُ أن تُعلَّلَ أحداثٌ تاريخيَّة كثيرة يتعذَّرُ تعليلُها، سواءٌ على صعيد الأفراد أم الشعوب.
قلتُ للدكتور داهش ذاتَ مرَّة: إبراهيمُ الخليل، أَبو الأنبياء، تقدَّمَ إلى ملكيصادق، ملك ساليم، فباركَه الملك؛ وقدَّمَ إبراهيم العُشر إليه من كلِّ ما يملك. والكتابُ المقدَّس، في عهدَيه القديم والجديد، يُعظِّمُ ملكيصادق ويُسمِّيه ”كاهن الله العَليّ“، مع أَنَّه ملكٌ كنعانيّ، وهذا قبل أن تقومَ رتبةُ الكهنوت عند اليهود، وليس ما يوضِحُ ذلك.
فقال لي ما فحواه: السببُ هو أنَّ ملكيصادق الملك كان فيه سيَّالٌ من إبراهيم النبيّ نفسه. وهذا السيَّال ينتمي إلى المسيح. ولِذا جعلَه داوودُ النبيّ في مزاميره رمزًا للمسيح الآتي، وقد تنبَّه لذلك أيضًا بولس الرسول. وهذا يدلُّ على أنَّ السيَّالات السامية أَو الرديئة ليس لها وطنٌ محدَّد أو شعبٌ معيَّن أو حتَّى دينٌ بعينه.13
قلتُ: معنى ذلك أنَّ أحداثَ البشر كلَّها، كبيرة وصغيرة، ذاتُ عِلَل روحيّة.
فقال ما موجزُه: من غير شكّ. ذلك لأنَّ نظامَ السبَبيَّة الروحيَّة يُهيمنُ على الكونِ كلِّه. خُذْ مثلاً على ذلك بشارة الخوري. لماذا اضطهدَني هو نفسُه، ولم يضطهدني مَن كان قبله أو بعده من رُؤَساء في لبنان؟ السببُ هو أنَّ فيه سيَّالاً من هيرودُس وآخرَ من بيلاطس اللذَين على يدَيهما تَمَّ اضطهادُ المسيح. خُذ ْمثلاً آخَر عبد الرحيم الخليليّ. فمع أنَّه كان من أَتباعي في فلسطين، وائتمنتُه فأَودعتُ لدَيه كلَّ ما كان معي من دنانير، فقد خانَني وسرقَني ثمَّ شوَّهَ سمعتي. لماذا؟ لأنَّ فيه سيَّالاً من يهوذا الإسخريوطيّ الذي خان المسيح وسلَّمَه إلى أعدائه. وكنتُ أَعلمُ ذلك؛ لكنْ كان عليَّ أَن أُفسحَ له مجالَ التوبة علَّه يتغلَّب على سيَّاله الخائن الرديء. فلم يستفِد من الرحمة الإلهيَّة.
وبما أنَّ البشر تتنوَّعُ شخصيَّاتُهم بتنوُّع السيَّالات التي تُحييهم وما تنطوي عليها من مدارك ونزعات واستعدادات، فإنَّ العقائد الدينيَّة والسياسيَّة والنظريَّات والمنظَّمات والأندية إلخ إنَّما تستهويهم بنسبة مُطابقة سيَّالاتهم لِما يُريدون اعتناقَه أو الانخراطَ فيه. ولذلك لا يُنتظَرُ من البشر أن ينجذبوا جميعًا إلى عقيدة دينيَّة أو سياسيَّة أو اجتماعيَّة واحدة ولا إلى غيرها من الاهتمامات إلاَّ إذا تقاربَت سيَّالاتُهم جدًّا في درجاتها واهتماماتها.
وأَسطعُ مثَلٍ واقعيّ للتجاذُب بين السيَّالات يراه الدكتور داهش في الصداقة المُخلصة التي تدفعُ الصديق إلى خدمة صديقه بكلّ اندفاع وإخلاص حتَّى الاستعداد للتضحية بنفسه من أجله. ولنا من موقف الدكتور جورج خبصا من مُؤَسِّس الداهشيَّة، ثمَّ موقف الدكتور داهش من النِّطاسيِّ الشهير بعد وفاته ما يُؤَكِّدُ ذلك. يقولُ رجلُ الروح في إحدى مراثيه لخبصا:
لِتنسَني يميني إنْ نسيتُكَ، يا أَخي الحبيب،
ولتُمزِّقْ قلبي نسورُ الفضاء،
ولتقتلعْ عَينَيَّ بمخالبِها القاطعة،
هذا إذا سَلوتُكَ، يا مَن أَصبحتَ جزءًا لا يتجزَّأُ عنّي.
فأَنتَ سيَّالٌ من روحي التعيسة لِفقدِكَ الأَبديّ،
وذكرُكَ لن يُفارقَني حتَّى يُواريَني الثرى.14
كذلك ناجى الدكتور داهش ماجدا حدَّاد، شهيدة الداهشيَّة الأُولى التي انتحرَت في 27 /1/1945احتجاجًا على اضطهاد مَن آمنَت به، ليكونَ موتُها صرخةً في ضمائر الظالمين. وقد أفردَ لها كتابًا كاملاً من المراثي. وقد جعلَ تحت عنوان إحداها الإهداءَ التالي: ”مُهداة إلى روح الجزء الشفَّاف المُنفصل عن روحي الحزينة ماجدا حدَّاد“.15 وقد وردَت في عدَّة قِطَعٍ وجدانيَّة مِمَّا كتبَه مُؤَسِّسُ الداهشيَّة إشاراتٌ شبيهة بما تقدَّم؛ وهي تُؤَكِّدُ أَنَّ التجاذبَ الروحيَّ الشديد يدلُّ على أصلٍ روحيٍّ واحد تفرَّعَ منه، على الأَقلّ، سيَّالان في الاثنَين. ولعلَّ أوضحَ تلك القِطَع قصيدتُه ”من قديم الزمان“.16
هذه الحقيقة تجلَّت في الحبِّ الرومَنسيّ، أو الأفلاطونيّ، أو العُذريّ، الذي يبدو فيه سببُ التجاذُب الشديد بين الطرفَين أَشبهَ بسرٍّ غامض لا علاقةَ له بالشهوة أَو الإخلاص أو العناية المتبادَلة. هذا الحبُّ الذي يوصَفُ باللامعقول، والذي لا يعتمدُ صفاتٍ معيَّنة جسميَّةً كانت أم معنويَّة، ولا مالاً أَو جاهًا أَو مهنة، يراه عالِمُ النفس هيلمان من خصائص قدَرِ الإنسان قبل أَن يولَد. وقد أَظهرت الدراساتُ السيكولوجيَّة أَنَّ الحبَّ الرومنسيَّ الفُجائيّ لا علاقةَ له بالوراثة ولا بالبيئة.17 وهذا الرأيُ يُؤكِّدُ النظرةَ الداهشيَّة.
3- تأثيرُ الصلاة في شفاء المرضى ومُساعدة الموتى
عام 1943، عقدَ الدكتور داهش جلسةً روحيَّة للمُحامي والوزير اللبنانيّ السابق، إدوار نون، الذي كان قد كتبَ في منزله 72 سؤالاً عن أُمورٍ مختلفة مجهولة أَو غامضة طالبًا أجوبةً عنها. فطلبَ الروحُ العليُّ إليه أَن يضعَ الأسئلة في ظرفٍ أمامه. وبلمح البصر ارتسمَت الأجوبةُ الروحيَّة بصورة إعجازيَّة تحت الأسئلة. بين الأسئلة واحدٌ عن مدى إفادة المرضى والموتى من الصلوات. كان الجوابُ الروحيُّ أَنَّهم يستفيدون من صلوات أهلهم وأقربائهم ومَن يتَّصلون بهم بسيَّالاتهم؛ وأنَّ على المسؤولين عن المُستشفيات أَن يُقيموا فيها مركزًا خاصًّا للصلاة من أجل المرضى. وهذا يعني أَنَّ الصلاةَ، بالرغم من ضرورتها، فهي لا تُفيد إذا كانت صلواتٍ عامَّة يتلوها المؤمنون بُغيةَ مُساعدة مريضٍ أو ميتٍ ما، سواءٌ كان المُصلُّون من رجال الدين أَم من عامَّة الناس. فالصلاةُ لا تُفيد إلاَّ بقدرِ ما تكون صادرةً بإيمانٍ وصدقٍ عن أُناسٍ تربطُهم بالمريض أو الميت سيَّالاتٌ معيَّنة، بناءً على نظام السَّببيَّة الروحيَّة.
هذه الحقيقة الروحيَّة استشفَّتها دانا زوهار مُنطلقةً من واقع ”الكوانتا“ العلميّ لتنفيَ الموتَ بمعنى الفناء الدائم، وتُؤكِّد أنَّه حيثُ يكون تعاطفٌ وتشابكٌ بين الذوات الإنسانيَّة—حتَّى بين ذوات الموتى وذوات الأحياء—فهناك يكون التأثيرُ المتبادَل. تقولُ عن الموتى: ”إنَّني (إلى حدٍّ ما) جزءٌ منهم. فمن خلالي، من خلال أَنَّ جوانبَ من كياناتهم مُتشابكة مع كياني، هم مُتقمِّصون، مُندمجون في حياتي، ليعيشوا مثلما أَعيش.“18
وموضوعُ تأثيرِ الصلاة في شفاء المرضى دفعَ المعنيِّين من الباحثين إلى القيام بدراساتٍ واستطلاعاتٍ كثيرة في هذا المجال؛ لكنَّها أَسفرَت عن نتائجَ فيها بعضُ التناقُض. غيرَ أنَّ الناحية الإيجابيَّة من الصلاة، سواءٌ قام بها المرضى أنفسُهم أم أقرباؤهم، دفعَت أَكثرَ معاهدِ الطبِّ الأمريكيَّة (أكثر من 70 معهدًا من أصل 125) إلى تضمين برنامج التدريس مادَّةً توضِحُ تأثيرَ الروحانيَّة في مُعالجة المريض.19
تفاعُلُ السيَّالات البشريَّة مع ما هو غيرُ بشريّ
هذا التفاعلُ يتَّخذُ إحدى حالتَين: إمَّا يكون تعاطفًا وتجاذبًا وتلاؤمًا، وإمَّا يكونُ تنافرًا وتناقُضًا. فالتعاطفُ الذي يحصلُ بين إنسانٍ ما وبعضِ الحيوانات الأَليفة أو البرِّيـَّة أحيانًا ذو معنًى سيكولوجيٍّ خاصّ في الداهشيَّة. فإمَّا يكون بين الحيوان وصاحبِه سيَّالٌ مُشترَك، وإمَّا يكون بينهما تشابكٌ في السيَّالات نشأَ، في دورةٍ حياتيَّة سابقة، عن تعاطُفٍ بينهما.
هذا التعليلُ يصحُّ أيضًا في حال انجذاب إنسانٍ ما إلى مظهرٍ مُعيَّن من مظاهر الطبيعة، كشجرةٍ أَو صخرةٍ أو جبلٍ ما إلخ. ذلك بأنَّ السيَّالات منتشرة في الطبيعة كلِّها، وهي في انتقالٍ مُستمرٍّ بين مظاهرها وبينها وبين البشر، تَبعًا لاستحقاقها. ولا علاقةَ لذلك باللعبة الرمزيَّةِ الرومنسيَّة أو بما تُمثّلُه الطبيعةُ عامَّةً من روحانيَّة. فالدليلُ هو تركيزُ الإنسان، فنَّانًا أو أديبًا كان أم عاديًّا، على مظهرٍ طبيعيٍّ معيَّن وإيلاؤه اهتمامَه وعواطفَه.
أَمَّا التنافُر بين إنسانٍ ما وحيوانٍ أو مظهرٍ طبيعيٍّ مُعيَّن فتعليلُه هو التناقضُ الحاصل بين سيَّالات الاثنَين، سواءٌ أَكان ذلك في الدرجةِ الروحيَّة، أَم في تباغُضٍ وتَعادٍ حدَثا بينهما في تقمُّصٍ سابق. ولا علاقةَ لذلك بما يُمكنُ أن يحصلَ، أحيانًا، من أحداثٍ في طفولةِ الإنسان يبقى تأثيرُها راسخًا في نفسه، كالخوف من البحر بعد غرقٍ سابق، أو الخوف من الكلاب بعد مُعاناةِ عضَّة إلخ.
وثمَّةَ ظاهرةٌ مرَضيَّة ما يزالُ الأطبَّاءُ عاجزين عن فَضِّ سرِّها، وهي الحسَّاسيَّة allergy. فمن حسَّاسيَّة لَمسيَّة، يستثيرُ الجلدَ فيها أنواعٌ خاصَّة من الأقمشة أو العناصر، إلى حسَّاسيَّة شمِّيَّة تستثيرُ الأنفَ فيها أصنافٌ معيَّنة من الروائح أو ذَرِّ الأشياء، إلى حسَّاسيَّة حَشَويَّة يستثيرُ المعدةَ فيها أَلوانٌ معيَّنة من الأطعمة أو الأشربة أو العقاقير إلخ. هذه الظاهرة يتعذَّرُ تفسيرُها وتعليلُها إلاَّ في ضوءِ تناقُض السيَّالات الكائنة في الأشخاص المعنيِّين والأشياء التي تُسبِّبُ لهم الحسَّاسيَّة.
وجديرٌ بالذكر أنَّ سيَّالات الأطعمة والأشربة تُؤَثِّرُ في سيَّالات الإنسان سلبًا أو إيجابًا، وهي تتأَثَّرُ بها، لأنَّ سيَّالاتها تتَّصفُ بالإدراك والشعور، وإن يكن وَفقَ نظامٍ مُختلف عمَّا يعهدُه البشر.20 وليس أدلُّ على ذلك من الكحول واللحوم الدهنيَّة مُقابل عصير الفواكه والبقول والخُضَر. فسيَّالاتُ الأخيرة أفضلُ من الأُولى. وقد أظهرَت مئاتُ الدراسات الطبِّيَّة هذه الحقيقة التي أَعلنَها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة لتلاميذه منذ عام 1942. فطعامُه المفضَّل طوالَ حياته كان الفواكه والخُضَر، ولا سيَّما البصَل. وإن يأكل اللحمَ، فيأكله نادرًا ونَزرًا. وكان يدعو أَتباعَه إلى الاقتداء به من غير إلزامِهم. والطبُّ يُقيمُ المُفاضلة بين الأطعمة بناءً على تركيبها الكيميائيّ؛ لكنَّ هذا التركيبَ عينَه هو نتيجةٌ للسيَّالات الديناميَّة التي برمجَت جيناته. وبهذه السيَّالات التي هي نسيجُ الطبيعةِ كلِّها يتفاعلُ الطعامُ كما عناصر الطبيعة مع الإنسان.
تقولُ دانا زوهار: ”إنَّ المادَّةَ غيرَ الحيَّة التي نتكوَّنُ منها نحن الكائناتِ العاقلة هي في تغيُّرٍ مُستمرّ. وفي حال البشر، يتمُّ تغيُّرُها تمامًا كلَّ سبعِ سنوات. فليس من ذرَّةٍ واحدة مُشاركة في بناءِ كياني الطبيعيّ الآن كانت فيه قبل سبعة أَعوام. إنَّّ أَجسامَنا الحيَّة هي في تغيُّرٍ ديناميّ دائم ومُتبادَل مع أَجسامٍ حيَّة أُخرى حولنا كما مع العالَم غيرِ الحَيِّ الذي يُحيطُنا. فكيف يُمكنُ أَن تكونَ الذرَّاتُ نفسُها جزءًا من بِنيةٍ عاقلة في وقتٍ ما من تاريخِها، وجزءًا من شيءٍ غيرِ حَيّ في وقتٍ آخَر!“21
الهرَمُ
إذًا وَفقَ التعاليمِ الداهشيَّة تبقى سيَّالاتُ الإنسان المُقولِبة لجيناته في تفاعُلٍ مع مجالِه الحيَويّ وإرادته طولَ حياته. لكنَّ أعمالَه وأفكارَه ونزعاتِه، إذا كانت شرّيرة أو سافلة، تُسبِّبُ هبوطَ سيَّالٍ أو أكثر من سيَّالاته، وبالتالي مُغادرتَها جسمَه لتتقمَّصَ بالشكلِ الذي تستحقُّه. كذلك فالعمليَّاتُ الجراحيَّة التي تُجرى له والأمراضُ العُضال التي يُعانيها وأسبابٌ نجهلُها تدَعُ السيَّالات تتركُه تدريجًا. وبقدرِ ما يتركُه من سيَّالات يتسرَّبُ الهرمُ إليه؛ فيضعفُ بصرُه وسمعُه وعقلُه وذاكرتُه، وجسمُه… لكنَّ الموتَ لا يُصيبُه إلاَّ حينما يُغادرُه سيَّالُه الرئيسيّ الذي منحَه الحياة. «
(في العدد المُقبل معنى العقل الباطن وتأثيراتُه في ضوء الداهشيَّة)
المراجع:
- Knopf, NY, 1994 . إعتمدتُ في هذا البحث بعضَ ما وردَ في مراجعتي لكتاب سيلِغمان (”صوت داهش“، أَيلول، 1996.
- New York Times, C 9, April 16, 1996.
- على سبيل المثال أنظر: Jeff Lyon & P. Gorner. Altered Fates The Genetic –
Reengineering of Human Life. Norton, 1995.
– Steven Pinker, “The Blank Slate” in: Discover, Oct. 2002, pp. 34–40.
-
“Weight, fate, set point, counterpoint” in U. of California at Berkeley Wellness Letter,
Vol. 11, Issue 9, June 1995
- Wayt Gibbs, “The Unseen Genome: Beyond DNA” in Scientific American, Dec. 2003.
- New York Times, February 25, 1996; Newsweek, February 26, 1996.
- أنظر: Darold A. Treffert, M.D. Extraordinary People: Understanding “Idiots Savants” (New York: Harper & Row, Pub., 1989), pp. xxv–xxvii, 208–212.
- أنظر مثالاً على ذلك قطعتَي ”معركة حقيقيَّة واقعيَّة“ و”يا للهَول“ في ”قصص غريبة وأساطير عجيبة“، الجزء الأوَّل (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979) ص 24–
- Steven Pinker, Ibid., p. 40.
- Dana Zohar. The Quantum Self: Human Nature and Consciousness Defined by the New Physics (New York: Quill/William Morrow, 1990), pp. 107–124.
- Ornstein. The Roots of the Self: Unraveling the Mystery of Who We Are (San Francisco: Harper, 1993), Chapter “Why Are Children in the Same Family so Dissimilar?”, pp. 115–129.
- أنظر د. داهش: ”قصص غريبة وأَساطير عجيبة“، ج 2 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 121.
- أنظر سِفر التكوين 14: 17–24؛ وسِفر المزامير 110: 4؛ ورسالة بولس الرسول إلى العبرانيِّين: 7. وأكثر الشارحين للكتاب المقدَّس يجعلون موقعَ ساليم مدينة أورشليم نفسها (القُدس)؛ و”ساليم“ تعني السلام. أمّا ”ملكيصادق“ فتعني: مَلِكي صادق.
- د. داهش: ”نهرُ الدموع: مراثي الدكتور داهش في شقيق روحِه الدكتور جورج خبصا“ (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 52.
- د. داهش: ”الحمامة الذبيحة أو الشهيدة الداهشيَّة الأُولى ماجدا حدَّاد“ (نيويورك: الدار الداهشيّة، 1990)، ص 175.
- د. داهش: ”أَسرار الآلهة“، ج 2، (بيروت: دار النسر المحلّق، 1980)، ص 72– كذلك من الأمثلة قولُ حرمخيس لأمونارتس: ”فالسعادة هي أنتِ، وأنتِ ينبوعُ الفرح الدافق الذي احتلَّ كياني منذ شاهدتُكِ. فأنتِ، لا شكَّ، جزءٌ من روحي المنفصلة عنِّي من قديم الزمان.“ ثمَّ تعليق الدكتور داهش على ذلك بقوله: ”إذًا فقد كانا معًا منذ آلاف الأعوام؛ وهذه حقيقة يُثبتُها الشعورُ العنيفُ المُشترَك.“ (”قصص غريبة وأساطير عجيبة“، ج 1، ص 220). أنظر كذلك قولَه: ”فأنا هي، وهي أنا؛ وعندما تتقمَّص ستكون نجواي الوحيدة“ (”قصص غريبة…“، ج 3، ص 159)؛ وكذلك عنوان قطعته: ”أَِليس، هذا السيَّالُ المنفصلُ عنِّي“ (”القلب المحطَّم“، بيروت: دار النسر المحلِّق، 1984)، ص 345.
- James Hillman. The Soul’s Code: In Search of Character and Calling, (New York: Random House, 1996), pp. 140–147.
- Dana Zohar. The Quantum Self: Human Nature and Consciousness Defined by the New Physics, p. 148.
- أنظر: Claudia Kalb, “Faith and Healing” in Newsweek, Nov. 10, 2003, pp. 44–56
- أنظر د. داهش: ”قصص غريبة وأساطير عجيبة“، ج 2، أقصوصة ”حديث بين بصلتَين خضراوَين“، ص 91–93.
- Dana Zohar. The Quantum Self: Human Nature and Consciousness Defined by the New Physics, p. 57.
تقول البارونة سوزان غرينفيلد—أُستاذة الفيزيولوجيا والتشريح المقارَن في جامعة أُوكسفورد—في مقابلة معها أَجرتها Discover: ”إنَّ كلَّ جينة تُشارك في كثيرٍ من الوظائف، وإنَّ وظائفَ كثيرة تُشارك فيها جيناتٌ كثيرة. وهذه الجينات بدورها ستنشط أو تكفّ عن العمل تَبعًا لِما يحصل في نمطِ حياتك مع محيطكَ الشخصيّ ومُثيراته.“ Sept. 2003, p. 20
سيَّالاتُ العقلِ الباطن في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة (4)
سيَّالاتُ العقلِ الباطن في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة (4)
بقلم الدكتور غازي براكْس
في ما تقدَّمَ من هذا البحث (“صوت داهش”، أَعداد شتاء وربيع وصيف 2004) أَوضحتُ مدلولَ السيَّال وَفقَ التعاليم الداهشيَّة، وأَهمِّـيَّتَه في تفسير أَو تعليل كلِّ شيء أَو حدَثٍ أَو حالة، على الصعيد المادِّيّ أَو النفسيّ، سواءٌ أَكان في الإنسان أَم الأرض أم الكون كلِّه. وبيَّنتُ أَنَّه بالجوهرِ الروحيِّ الإشعاعيِّ الخفيِّ الكامنِ في كلِّ سيَّال يتواصلُ الكونُ كلُّه، من ذرَّاتِه إلى مجرَّاتِه، بل العوالمُ “المادِّيـَّة” والعوالمُ الروحيَّة؛ ذلك بأَنَّ “المادَّة” نفسَها إنَّما هي صورةٌ اقتضَتها درجةُ السيَّال المُتشكِّل فيها. وقد أَخذَت جماعاتٌ من الفلاسفة والعلماء بهذه النظرةِ أو ما يُقاربُها.
وعلى صعيدِ الإنسان أَوضحتُ أَنَّ أَهمَّ سيَّالات النفس الواعية (العقل الواعي) هو السيَّال الرئيسيّ الذي يمدُّ الإنسانَ بالحياة ويمنحُه الطابعَ المُميَّز، وهو يضمُّ قوًى نـزوعيَّة مُختلفة، وقوًى إدراكيَّة ذاتَ استعداداتٍ ذهنيَّة ولُغويَّة وحسِّيَّة خارجيَّة وباطنيَّة، وإرادة. وتتفاوتُ درجاتُ الرُقيِّ بين سيَّالٍ رئيسيٍّ وآخَر.
بعدئذٍ قدَّمتُ الدليلَ العلميَّ والسيكولوجيَّ على وجود السيَّال الرئيسيّ قبل الولادة، وعرضتُ البراهينَ الواقعيَّة التاريخيَّة على ذلك. ثمّ أَوضحتُ تابعيَّةَ السيَّالات الرئيسيَّة بعضها لبعض، وسببَ الاختلاف المورفولوجيّ بين البشر، وكذلك سببَ الاختلاف بين الرجُل والمرأَة. كذلك أَوضحتُ أَنَّ أُناسًا غير قليلين، خصوصًا الذين تبرزُ فيهم مواهبُ فجائيَّة، قد تُداخلُهم سيَّالاتٌ طارئة في مراحلَ مختلفة من حياتهم زيادةً على سيَّالاتهم الوراثيَّة. أَخيرًا تطرَّقتُ إلى كيان الإنسان النفسيِّ الواعي التامّ مُبيِّنًا مدلولَ الضمير ومعنى المواهب وأَسبابَ الشعور بالغربة الروحيَّة، والعوامل النفسيَّة للموت وتحديد العُمر. أَخيرًا، بحثتُ في سبب الاختلاف في مدارك الناس ونزعاتهم وتفاعُل سيَّالاتهم فيما بينهم وبين بيئتهم الحيويَّة، طبيعيَّةً كانت أَم بشريَّة. وقد أَبدَيتُ عدَّةَ براهينَ علميَّة على ما أَقول.
وسأَقصرُ بحثي في هذا العدد على سيَّالات العقل الباطن وَفقَ المفاهيم الداهشيَّة.
بعد شرحي المفصَّل لمفهوم سيَّالات العقل الواعي (أَو النفس الواعِـية) consciousness في ضَـوءِ التعاليم الداهشيَّة، لا بدَّ من إيضاح مفهوم سيَّالات العقل الباطن unconscious، فأَهمِّـيَّتُها لا تقلُّ عن الأُولى. وقد يجدُ القارئُ بعضَ الصعوبة في استيعاب مدلولاتها الجديدة، لأَنَّ مفهومَها الداهشيّ يختلفُ اختلافًا كلِّـيًّا عن المفاهيم السائدة حاليًّا للعقل الباطن، ولا سيَّما تلك التي ذهبَ إليها سيغموند فرويـد Sigmund Freud ( 1856-1939) ومَن جاراه من المُحلِّلين النفسانيِّـين. لكنَّ الصعوبةَ ستتلاشى تدريجيًّـا. ولا بدَّ من الإشارة، هنا، إلى أنَّ الإنسانَ ليس بوُسعِه أَن يُدرِكَ بعقلِه الواعي نشاطَ سيَّالات العقل الباطن، لكنَّها هي مُدرِكة لذاتِها ولكلِّ نشاطٍ تقومُ به وواعية بالنسبة لها. فهي خفيَّة عن إدراك الإنسان، لكنَّها غيرُ خفيَّة عن إدراكِها هي. وسنرى أنَّ للعقلِ الباطن لا بُعدًا واحدًا، بل أَربعةَ أَبعاد: بُعدِ السيَّال الأساسيّ، والبُعدِ الأرضيّ، والبُعدِ السُّفليّ، والبُعدِ العُلويّ.
أَوَّلاً- السيَّالُ البشريُّ الأَساسيّ
تسهيلاً للقارئ لا بُدَّ من أَن نُميِّـزَ، أَوَّلاً، بين السيَّالِ الرئيسيِّ الواعي الذي يمنحُ الجنينَ الحياة، ويدمغُ الإنسانَ بطابعٍ شخصيٍّ مُميَّز (وقد تكلَّمتُ عليه في الحلقة الأُولى من هذا البحث) والسيَّالِ الأَساسيّ الذي يُمثِّلُ أَحدَ أَبعاد العقلِ الباطن. يُشيرُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة إلى هذا السيَّال الأساسيّ الذي يعمُّ جميعَ البشر في قصَّته القصيرة المُعنونة “الكونتنيار وصناديقُه الـ25”[1]، حين يتحدَّثُ عن سيَّال الأشجار الأَساسيّ الذي يشملُها جميعًا مهما تكُن أَنواعُها. والبشرُ الذين يعنيهم هم السلالاتُ المُنتمية إلى جميع الشعوب والمُتحدِّرة من آدَم وحوَّاء. أَقولُ ذلك لأنَّ في التعاليم الداهشيَّة أَنَّ البشرَ مرُّوا، قبل تكوين آدَم، بـ759 تكوينًا. وبذلك تتَّفقُ الداهشيَّة مع العلمِ القائل بأَنَّ الإنسانَ العاقل Homo Sapiens يرقى قِدَمُه إلى ملايين السنين. لكنَّ الداهشيَّة تتميَّزُ بإيضاح ما عجزَ العلمُ عن إيضاحِه حتَّى اليوم، وهو أَنَّ البشرَ السابقين لآدَم توصَّلوا إلى بناء حضاراتٍ فاقَ بعضُها الحضارةَ الحاليَّة بالعلوم والاختراعات؛ لكنَّ كلاًّ منها انتهى بفناءٍ كلِّيّ أو شبه شامل بعواملِ إبادة بشريَّة أَو طبيعيَّة.
في التعاليم الداهشيَّة، كما في المسيحيَّة، أَنَّ الخطيئةَ الأَصليَّة الناتجة من عصيان آدَم للأَوامر الإلهيَّة انتقلَت إلى كلِّ إنسان. يقولُ الدكتور داهش:
وقد أَغرى (الشيطانُ الرجيمُ الذي تزيَّا بشكلِ حيَّة) حوَّاء لتقتسمَ مع آدَم ثمرةَ الجنسِ الذي ستبقى البشريَّةُ تُعاني منه مُعاناةَ البؤس العظيم، والشرِّ العاصِف، والتعاسةِ الكُبرى، والتشرُّدِ الأَبديّ، والهَولِ الطاغي… والخوفِ المُتواصِل، والقلَقِ الجهنَّميّ الطافِح اللافِح.[2]
ويقولُ بولس الرسول: “والخطيئةُ دخلَت في العالَم بإنسانٍ واحد، وبالخطيئة دخلَ الموتُ إلى جميع البشر لأنَّهم كلَّهم خطئوا.”[3] هذا الانتقالُ المتواصلُ للخطيئة الذي تأخذُ به الداهشيَّةُ والمسيحيَّة دمغَ النوعَ البشريَّ كلَّه، وأَصابَه بحتميَّة الموت وتقصير العُمر كما بالأمراض والآلام وسائر أَنواع الشقاء. وذلك يدلُّ على أنَّه يجري بوراثةٍ متسلسلة لا انفصامَ لها. ولا علاقة مباشرة لهذا الاتِّصال بسيَّالات النفس الواعية، أَسيَّالاتٍ رئيسيَّة كانت أَم وراثيَّة أم طارئة، مهما تكن عليه من سمُوٍّ أو انحطاط؛ بل علاقتُها بعناصرَ ثابتة في سيَّالٍ عامّ ينتظمُ جينات الجسد البشريّ الوراثيَّة.
وردَ في القرآنِ الكريم: “يا أَيُّها الناس، اتَّقوا ربَّكم الذي خلقَكم من نفسٍ واحدة وخلقَ منها زوجَها، وبثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً.” (النساء 1). فالمُتأَمِّلُ في عبارات هذه الآية لا بدَّ من أن يستخلصَ أَنَّ الخَلقَ حدثَ أَصلاً لآدَم فقط، ومنه خُلِقَت حوَّاء. أمَّا البشرُ الآخَرون فقد “بثَّهم” الله (أَي نشرَهم وأكثرَهم) منهما. والكيانُ الذي يحملُ خصائصَ التواصُل الدائم معهما، والذي تدلُّ عليه لفظة “منهما” هو السيَّالُ الأساسيّ، السيَّالُ الذي يبني الجسمَ البشريَّ في صورةٍ معيَّنة تُميِّزُه عن المخلوقات الأرضيَّة الأُخرى، وتمنحُه عُمرًا لا يتجاوزُه، وحواسَّ مُعيَّنة، ودماغًا يجعلُه مُهيَّأً لتطوير مُحيطِه وابتكار العلوم والفنون والآداب والتكنولوجيا وسائر وسائل الحضارة.
لكنْ ما الدليل على أَنَّ هذا السيَّالَ الأَساسيَّ هو سيَّالٌ عاقِل؟
حسبُنا نظرة إلى تكوين الجسم البشريّ –أَو الجسم الحيوانيّ إذْ هو مُشابهٌ له في معظم جيناته وأَنسجتِه وأَعضائه– لنُدركَ أَنَّه ليس مُجـرَّد بلايينَ من الذرَّات متراكمة دون نظام، لكنَّه تركيبٌ معقَّد ومنظَّم تنظيمًا عجيبًا. وإنَّه لَتنظيمٌ فائقٌ للصورة الداخليَّة والخارجيَّة لحشدٍ هائل من الطاقات الكهربائيَّة والتفاعلات الكيميائيَّة التي تحدثُ في نحو ستّين ألف بليون من الخلايا الدقيقة الوظائف في الجسد البشريّ، والتي يولَدُ منها، ويموت، في جسم الفرد، يوميًّا، خمسمئة بليون خليَّة في عمليَّة تجدُّديَّة دائمة.[4] ولا رَيبَ في أَنَّ وراءَ هذا التنظيم العجيب للجسد البشريّ وما فيه من أَنسجة وأَجهزة وأَعضاء قوَّةً عاقلة باطنيَّة محجوبة عن عقل الإنسان الواعي. وإنَّها لَقوَّة مُدبِّرة تُهيمنُ على نظام الجسَد، وتضبطُ وظائفَه الفيزيولوجيَّة، ونموَّه، وتجدُّدَ خلاياه، ومُقاومتَه غارات الجراثيم، وحركاتِ الدم والتنفُّس والهَضم وجميع العمليَّات التي تجري خارجَ رقابة العقل الواعي وإرادة الإنسان الواعية. وتلك القوَّةُ المُدركة الخفيَّة التي لا تخضعُ لإرادة الإنسان الواعية ليست ثمرةَ الدماغ البشريّ، بل هي مصدرُ تكوينه وتكوين الجهاز العُضويِّ كلِّه، وهي التي تقودُ العمليَّةَ التنظيميَّة التي تضبطُ وظائفَ ذلك العدد الهائل من الخلايا والأنسجة بطريقةٍ خفيَّة عن عقلنا الواعي. تلك القوَّةُ الخفيَّةُ العجية الذكاء هي قوَّةُ السيَّال الأساسيّ العاقل الذي أَوضحَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة ماهيَّتَه، والذي تتفرَّعُ منه سيَّالاتُ الإنسان الشكليَّة االعامَّة في البشرجميعًا (أي التي تختصُّ بأنواع الحواسّ وقدراتها وتكوين سائر الأَنسجة والأعضاء، إلاَّ ما يُميِّزُ الذَّكرَ عن الأُنثى فهو يعودُ إلى السيَّالِ الرئيسيّ).
وما ذهبَ إليه الدكتور داهش في تعاليمه بشأن هذا الموضوع، منذ أَوائل العقد الرابع من القرن العشرين، أَخذَ يتنبَّهُ له فريقٌ من العلماء، منهم ونتِربِرت Winterbert الذي يُؤَكِّدُ أَنَّ في الجسد الحَيِّ عقلاً باطنًا ذا ذكاءٍ خارق يبدو عقلُنا الواعي ضئيلاً إذا قيسَ به. [5]
وهكذا تبدو الطاقةُ النفسيَّة الواعية في الإنسان، بقواها الإدراكيَّة والنـزوعيَّة والإراديَّة، غيرَ مُطلقة الفاعليَّة، بل هي محدودةٌ بالصورة الجسديَّة (المُشتقَّة من السيَّال الأساسيّ) التي سُجِنَت فيها. وهكذا يكونُ الجسدُ بجميع أَعضائه وحواسِّه وأَنسجته وسيلةً للتعبير عن فاعليَّة السيَّالات الواعية وقَيدًا لها. فبالسيَّال الأساسيّ تُحَدَّدُ نوعيَّةُ حواسّ الإنسان ودرجة قوَّتها، ونوعيَّة نُطقِه وتواصُله مع مُحيطِه الطبيعيّ. مِثالٌ على ذلك أَنَّ التجاربَ العلميَّة أَثبتَت أَنَّ مجالَ الإبصار لدى القِطَط يبلغُ 187 درجة، في حين أَنَّه في الإنسان لا يتعدّى 125 درجة. كذلك تسمحُ قوَّةُ الإبصار لدى النحل برؤية ما فوق البنفسجيّ ، وهذا ما لا تستطيعُه عينُ الإنسان؛ وفي حين أَنَّ النحلةَ لا ترى اللونَ الأحمر، فالإنسانُ يراه. وهذا يعني أَنَّ هيئةَ الطبيعة بكلِّ منظوراتها تختلفُ اختلافًا كبيرًا بين نظر البشر ونظر النحل. كذلك بينما تبلغُ الدرجةُ العُليا لسلَّم السَّمع لدى الإنسان 20 أَلف هرتز، فإنَّها تبلغُ لدى الهرّ 47 ألفًا وخمسمئة هرتز، ولدى الخفَّاش 95 ألف هرتز، ولدى أصناف من الحيتان ثلاثمئة ألف هرتز.[6] فهذه الفروقُ الكبيرة في قدرات الحواسّ إنَّما فرَضَتها السيَّالاتُ الأساسيَّة للإنسان والنحل والقِطَط والخفافيش والحيتان. وقِسْ على ذلك نوعيَّةَ الحواسّ وقُدراتها في سائر الحيوانات، بل حتَّى في الأَشجار والأَزهار وسائر كائنات عالَمِ النبات حيثُ تتغيَّرُ الحواسُّ ووسائطُ الاتِّصال بالمُحيط تغيُّرًا كبيرًا.[7]
إنَّ الصورةَ “المادِّيـَّة” المتولِّدة من السيَّال البشريِّ الأساسيّ جعلَتها الإرادةُ الإلهيَّة أشبهَ بسجنٍ لسيَّالاتِ النفس الواعية التي استحقَّت أن تنـزلَ فيه وتندمجَ به لمدَّةٍ تُحدِّدُها العدالةُ الإلهيَّة من خلال السيَّال الرئيسيّ الذي بانطلاقه يحدثُ الموت. ولذلك فسيَّالُ الجسدِ الأساسيّ ليس سابقًا بوجوده لسيَّالات النفس الواعية، وليس بين الأوَّل والثانية علاقة السبب بالنتيجة، أَي ليس هو مصدر الحياة النفسيَّة ومنبعَ النشاط الفكريّ والوجدانيّ والإراديّ في أيِّ كائن، مثلما يتوهَّمُ كثيرون من الباحثين الآخذين بنظريَّة التطوُّر المادِّّيـَّة، بل بين سيّالات النفس الواعية والسيَّال الأَساسيّ علاقةٌ وثيقة ومُجرَّدُ تفاعُل.
ثانيًا- البُعدُ الأَرضيُّ للعقلِ الباطن
في “قصَّة “الهبوط وخَلق آدَم” الداهشيَّة الموحاة أَنَّ مجموعةً عظيمةَ العدَد من السيَّالات العُلويَّة (أَي الكائنات السامية) التي كانت تنعمُ في مختلف درجات الفراديس المئة والخمسين عصَت الأوامرَ الإلهيَّة التي حظَّرَت عليها اجتيازَ تخومِ المُحيطِ المادِّيّ (وهو يضمُّ بلايين النجوم والكواكب) إلى المُحيط الروحيّ قبل انقضاءِ الأزمنة المُحدَّدة لكلٍّ منها وَفقَ درجتِه الروحيَّة. لكنَّها غُرَّت وتآمرَت مُذعنةً لقيادة رئيس الملائكة، وحاولَت تجييشَ قواها ومعارفَها لتخترقَ المُحيطَ الممنوع، فإذا القدرةُ الإلهيَّة تُعاقبُها فورًا وتُهبِطُها كتلةً واحدةً إلى الأرض مُكوِّنةً منها آدَم. وبقيَّةُ القصَّة معروفة في سِفر التكوين من الكتاب المقدَّس. وقد علمتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أَنَّ كلَّ سيَّالٍ روحيّ يُمكنُ أَن يتجزَّأَ أَو يتضاعفَ أَو يتكاثرَ إلى ما لا نهاية؛ لكنَّ أَجزاءَ كلِّ سيَّال أو صوَرَه المختلفة المتعدِّدة تبقى مُرتبطةً بعضها ببعض ارتباطًا خفيًّا عن العقل الواعي الفرديّ. وهكذا يُؤَثِّّرُ بعضُها في بعض وَفقًا لنظام العدالة الإلهيَّة، من غيرِ أَن يكونَ للإرادة الواعية في الفرد سلطةٌ مباشرة على السيَّالات الخارجة عن كيانه الشخصيّ.
وبما أَنَّ آدَم، الإنسانَ الواحد، أصبح عدَّةَ بلايين من البشر، وقد يتكاثرُ فيزدادُ عدَّةَ بلايينَ أُخرى، وبما أنَّ تجسُّدَ أيِّ سيَّال قد يتمُّ لا في البشر فحسب، بل في الحيوان أو النبات أو الجماد وَفقًا لاستحقاقه (ذلك لأنَّ نسيجَ الكونِ كلِّه هو من السيَّالات العاقلة)، فكلُّ إنسانٍ لا بُدَّ من أن يكونَ له عدَّة امتدادات في المخلوقات الأرضيَّة جميعها، ترتبطُ ارتباطًا خفيًّا بسيّاله الرئيسيّ أو بسيَّالاته الثانويَّة، الوراثيَّةِ منها أَو الطارئة. لكنْ بما أنَّ امتدادات هذه السيَّالات خارجة عن دائرة إرادته، ولا تستطيعُ أن تفرضَ مشيئتَها كُرهًا، فتأثيرُها الخفيّ يكونُ أَشبهَ باستهواءٍ غامض لمَن ترتبطُ به.
ولعلَّ أَوضحَ ما تتمثَّلُ هذه الظاهرة في التكتُّلات الفكريَّة والأدبيَّة والفنّـيَّة التي تتشكَّلُ عفويًّا، منتشرةً في أكثر من بلد، من غير ضرورة لإعمال المُنضمِّين إليها التفكيرَ المنطقيَّ الإراديَّ فيها. فالمذاهبُ الأَدبيَّة والفنّـيَّة الكلاسيكيَّة والرومنسيَّة والرمزيَّة والتكعيبيَّة وغيرها دليلٌ على ما أَقول. وقد مثَّلَ لي مُؤسِّسُ الداهشيَّة مرَّةً بجمعيَّة “إخوان الصفاء” و”الرابطة القلميَّة” دليلاً على صحَّةِ هذه الظاهرة. فسيّالاتُ المُنتمين إلى كلِّ مذهبٍ من تلك المذاهب يستهوي بعضُها بعضًا لارتباطٍ خفيٍّ بينها. وإذا زدنا تقمُّصات الإنسان السابقة إلى تأثيراتِ البُعد الأرضيّ من العقل الباطن، نفهمُ كثيرًا من الأسبابِ الباطنيَّة التي قد تُؤثِّرُ في المواقف الوجدانيَّة اللاشعوريَّة لكلِّ إنسان.[8]
ثالثًا- البُعدُ السُّفليُّ من العقلِ الباطن
يتمثَّلُ هذا البُعدُ بالسيَّالاتِ الهابطة إلى الدركاتِ السفليَّة والتي هي امتداداتٌ للسيّالاتِ الواعية في كلِّ إنسان؛ وهي سيَّالاتٌ شرّيرة تعدَّت الحدَّ الأَدنى من المُستوى الأرضيّ في انحطاطِها، فاستحقَّت أَن تُغادرَ جسدَ الإنسان لتتجسَّدَ في إحدى الدركاتِ الجحيميَّة الرهيبة جزاءَ ما كسَبَته. وقد يكونُ السيَّالُ هبطَ إلى العالَمِ السُّفليّ والإنسانُ الذي هو تابعٌ له ما يزالُ حيًّا، وذلك من جرَّاء عملٍ شنيعٍ جدًّا قامَ به؛ أَو قد يكونُ السيَّالُ هبطَ إلى مقرِّه الجديد في حياةٍ له سابقة على الأرض. والسيَّالاتُ الشرّيرة سمَّتها الكتُبُ المقدَّسة بالـ”شياطين”.
لكنَّ هذه السيّالات الجحيميَّة شأنُها شأنُ سائر السيَّالات الخارجة عن نفس الفرد الواعية ودائرة إرادته، أَي إنَّ تأثيرَها فيه غيرُ إكراهيّ، بل إيحائيّ، استهوائيّ. فعنها تصدرُ وساوسُ الشرِّ الخنَّاسة والأفكارُ السيِّئة المُلِحَّة لتتسلَّطَ على سائر سيَّالات الإنسان، وتجذبَها إلى عالَمِها. وإنَّه لَخطأٌ فادِح، وَفقَ التعاليم الداهشيَّة، أَن نعتقدَ أَنَّ الله، العادلَ الرحمنَ الرحيم، خلقَ الشياطينَ لتجريبِ الناس وإسقاطِهم بالرّغم عنهم، ثمَّ تعذيبِهم، من غير أَن يكونَ للناس أيَّة علاقة بهم. فالشياطينُ، في المفهوم الداهشيّ، ليسوا سوى سيَّالاتٍ روحيَّة هبطَت من عوالمَ عُلويَّة إلى عوالمَ سُفليَّة بعد ارتكابِها المعاصي، أَو سقطَت من بشرٍ إلى دركاتٍ جحيميَّة بعد اقترافها أَعمالاً شرّيرة. وهكذا لا يُسمَحُ لأيِّ سيَّالٍ شيطانيّ بالوسوسة لإنسانٍ ما ومُحاولة السيطرة على أَفكارِه لاجتذابِه إلى عالَمِه إلاَّ إذا كان السيَّالُ تابعًا لذلك الإنسان، وإلاَّ انتفَت العدالةُ الإلهيَّة. وبصورةٍ عامَّة، ليس من إنسان إلاَّّ تنتابُه الوساوسُ أَحيانًا، لأنّه مُحالٌ أَلاَّ يكونَ لكلِّ بشريّ سيَّالٌ سُفليّ (أَي شيطانيّ) أَو أَكثر.
يقولُ الدكتور داهش في “حُلم مَهيب رهيب”:
[من قِمَّة] جبلِ المعرفة… كنتُ أَُشاهدُ سيَّالاتي الموجودة بعوالمَ عديدة، منها عوالمُ لا بأسَ بها، ومنها عوالِمُ تعيسة. وبعَينِ العجَب العظيم كنتُ أُشاهدُ سيَّالاتي الموجودة بعوالمَ مُنحدرة الدركات وهي تُرسلُ إشعاعاتِها لسيَّالاتي الأُخرى الكائنة في عوالمَ رفيعة، حاضَّةً إيَّاها على ارتكابِ الممنوعات والمُحرَّمات بُغيةَ إسقاطِها وسَحبِها إلى الدركات المُنحدرة بالأَغوار السحيقة حيثُ تُقيمُ سيَّالاتي. ففهمتُ، إذْ ذاك، أَنََّّ ما يُساورُنا من رغبات لارتكاب المُحرَّمات هو منَّا وفينا، أَي إنَّ سيَّالَنا الموجود بدرَكٍ سحيق هو الذي يعملُ جاهدًا لِيدعَنا نسقط، فإمَّا يفشل أَو يُكتَبُ له الفوَز. إذًا لا يستطيعُ أَيُّ سيَّالٍ خارجيّ أَن يدعَنا نسقط، فهذا الأمرُ ممنوعٌ مَنعًا باتًّا. وإذا سقَطنا، فيكونُ سقوطُنا من سيَّالِنا الذي نحن أَوصلناه إلى درَكٍ سُفليّ، فأَصبحَ يرغبُ بالانتقامِ منَّا، وجَعلِنا ننقادُ لإيحائه بواسطة الإشعاع الذي يُرسِلُه لكي يوقعَنا بشِباكِه، وهنا الطامَّةُ الكُبرى.
إذًا رُقيُّنا أَو انحدارُنا يكونُ بنسبة مُقاومتِنا وجهادِنا أَو خضوعِنا واستسلامِنا لوسوساتِ سيَّالِنا السُّفليّ. فإذا انصَعنا لرغبتِه فنفَّذنا أَوامرَه وارتكبنا الممنوعات، فإذْ ذاك لا بُدَّ من أَن نسقطَ وننحدرَ لدرَكِه، وإذا لم ننصَعْ لأَوامرِه ونواهيه نرفعُ سيَّالَنا ونوصِلُه إلى مَلإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالةُ الإلهيَّة إذْ يُجازى كلٌّ منَّا بحسبِ عملِه، أَو بالأحرى نحن الذين نُجازي أَنفسَنا فنوصِل سيَّالاتِنا إلى درجةٍ عُلويَّة أَو دركةٍ سُفليَّة. وما ربُّكَ بظالِمٍ لخلائقِه، إنَّما لأنفسِهم يظلمون.[9]
لكنْ قد يُسمَحُ، أحيانًا، لسيَّالاتٍ سُفليَّة غريبةٍ عن إنسانٍ ما أَن تحتلَّ جسدَه وتستولي على عقلِه الواعي عقابًا لمعاصيه، في حدود العدالة الإلهيَّة. وفي الأَناجيل أَمثلة كثيرة عليها، وبعضُها كان يُخرِجُه السيِّدُ المسيح بقوَّةٍ روحيَّة من المُُصاب بها، وذلك إذا استحقَّ الإنسانُ بُرءَه منها. ومِثالٌ مُعاصِرٌ بارزٌ عليها السيَّالُ السُّفليّ الذي سُمِحَ له بأن يحتلَّ الرئيس بشارة الخوري، ويُصيبَه بالجنون في أَواخر عهده. وكان مُؤَسِّسُ الداهشيَّة قد تنبَّأَ بجنون الرئيس وكَسرِ يَدِه التي وقَّعَ بها مرسومَ تجريد الدكتور داهش من الجنسيَّة اللبنانيَّة؛ وقد نشرَت النبوءة جريدةُ “الصحافيّ التائه” لإسكندر رياشي قبل سنةٍ من الحادث التأديبيّ.
ومن مُحادثتي مع مُؤسِّسِ الداهشيَّة استخلصتُ أَنَّ الضميرَ نوعان: ضميرٌ أَعلى يُمثِّلُ صوتَ السيَّال الواعي الأَعلى فينا، وهو يُرشدُنا ويردعُنا عن إتيانِ المساوئ، وقد سبقَ كلامي عليه (في الحلقة السابقة)؛ وضميرٌ أسفل يُمثِّلُ صوتَ السيَّال الهابط حديثًا إلى درَكٍ جحيميّ، إذْ يُؤَنِّبُ صاحبَه ويُبكِّـتُه على أنَّه تركَه يسقط، ثمَّ ما يلبثُ، بعد استقرارِه في الجحيم وخَوضِه أَهوالَ العذاب، أن يشرعَ في إرسالِ إشعاعاته الخفيَّة إلى مَن أَسقطَه مُوسوِسًا له بإتيان المُنكَرات والمُحرَّمات ليجرَّه إلى حيثُ هو يُعاني العذاب.
لقد رأَينا أَنَّ الداهشيَّة تتميَّزُ بمفهومِها العميق للعقلِ الباطن بأبعاده المُختلفة. فالمُحلِّلون النفسانيُّون والباحثون السيكولوجيُّون لم يستطيعوا أن يزيدوا شيئًا يُذكَر على تعليلات فرويد، وتعليلاتُه غيرُ صحيحة بنظَر الداهشيَّة وفي رأيِ كثيرين من عُلماء النفس الحديثين. لذلك فالعقاقيرُ والعلاجاتُ النفسيَّة التي يُحاولون بها إبراءَ المرضى المُصابين بالوساوس الخبيثة أو الشرّيرة المُتسلِّطة المُزمِنة وما يُماثلُها لا تُجدي بصورةٍ عامّة؛ وهي إن أَوقفَت الأعراضَ مؤَقَّتًا، فإنَّها لا تُزيلُ العلَّة.[10]
البُعدُ العُلويُّ من العقلِ الباطن
مثلما أَنَّ للبشر جميعًا سيَّالاتٍ سُفليَّة تُعاني أَهوالَ الدركات الجحيميَّة، فلكثيرين منهم سيَّالاتٌ عُلويَّة تابعة لهم ترتعُ في الدرجاتِ الفردوسيَّة. هذه السيَّالاتُ الراقية تكونُ نزعاتُها الروحيَّة قد تعدَّت الحدَّ الأعلى من المستوى الأرضيّ، فتخلَّصَت من شوائب الدنيا وجواذبِها وقيودِها، فاستحقَّت أَن تتجسَّدَ في أَحد عوالمِ النعيم وَفقَ درجةِ استحقاقِها. وقد يكون ارتقاءُ السيَّال إلى العالَمِ العُلويِّ قد تَـمَّ على أَثرِ اجتراحِه عملاً ساميًا جدًّا وهو في الإنسان الحَيّ؛ أَو قد يكون ارتقى إلى عالَمِه المجيد في دورةٍ حياتيَّـة سابقة.
هذه السيَّالاتُ العُلويَّة هي التي تُلهِمُ البشرَ الذين هي تابعة لهم بالمآثرِ الروحيَّةِ الكُبرى والمآتي الإنسانيَّةِ العظيمة، وبالأعمالِ الأدبيَّةِ والفنِّـيَّةِ الخالدة، والاكتشافاتِ والاختراعاتِ التي تُغيِّـرُ مجرى التاريخ ومسيرة الحضارة؛ لكنَّ تأثيرَها لا يتعدَّى مجرَّدَ الإلهام غيرِ الإكراهيّ، الإلهامِ الذي قد ترفضُه إرادةُ الإنسان الذي هي تابعة له أَو تقبلُه، وذلك تبَعًا لمُستوى سيَّالاتِه الراهنة. ذلك بأَنَّ لكلِّ سيَّالٍ في الإنسان إرادتَه الخاصَّة التي بها يختارُ واعيًا ما يشاء، ويتحمَّلُ مسؤوليَّةَ اختيارِه لأعماله التي بموجِبِها يُثابُ أَو يُعاقَب؛ فإذا قرَّرَ الإنسانُ أَمرًا ما، يكونُ القرارُ صادرًا عن السيَّال الغالب على السيَّالات الأُخرى أَو عن مُحصَّلة النـزاع بينها. ولذلك نرى غيرَ قليلٍ من أولئكَ المُبدِعين ينقطعُ عنهم الإبداع الحقيقيّ بعد تسفيلهم لسيَّالاتهم.
لقد تعذَّرَ على السيكولوجيّين اكتناهُ الإلهام وفهمُ سرِّه، بعد أن رأَوه مُرتبطًا بالميتافيزيقا. وبما أَنَّ كثيرين منهم أخذوا يُؤثرون أن ينهجوا في مُعالجاتهم لموضوعاتهم النفسيَّة منهجَ العلوم الطبيعيَّة– أي يبحثون في النفس من غير أَن يُؤمنوا بوجود النفس مُجاراةً لزيِّ العصر الآخِذ بالإلحاد والتفسيرات المادِّيـَّة – فقد تجنَّبوا البحثَ في “الإلهام” واستعاروا له اسمًا آخَر هو “الحَدْس”. لكنَّهم فوجِئوا بمُعضلة جديدة حينما تعذّرَ عليهم تفسيرُ كثيرٍ من الاكتشافات والاختراعات المهمَّة التي كانت مفاتيحُها أَو السبُلُ الموصِلة إليها تُشرِقُ فجأةً في أَذهانِ أَصحابِها؛[11] فاخترعوا، إذْ ذاك، مُصطلَحَ “الصُّدفة السعيدة” تهرُّبًا من مُواجهة المُعضلة.
كان أَفلاطون (427 ق م؟-347 ق م؟) أَوَّلَ مَن تحدَّثَ عن الإلهام في أثناء كلامه على العبقريَّة في كتابه “إيون” Ion فقال: “إنَّ موهبتَكَ الظاهرة في كلامِكَ البليغ على هوميروس ليست فنًّا (صناعة)، بل إلهام: ففي داخلِكَ إلهٌ يختلج.” وتابعَ قائلاً: “[إنَّ الشاعر هو] شيءٌ مقدَّس، ولا يظهرُ منه أَيُّ إبداع حتَّى يُلهَم… ذلك لأنَّ الشاعرَ لا يُنشِدُ بفِعلِ فَنّ (صناعة)، بل بفِعلِ قوَّة إلهيَّة.”[12]
وكثيرون من الفلاسفة ذهبوا مذهبَ أَفلاطون؛ منهم سبينوزا B. Spinoza (1632-1677)، وشيلِنـغ Schelling F. von (1775-1854)، وكروتشِه B. Croce (1866-1952)، وبِرغسون H. Bergson (1859-1941)، فكلُّهم يعتبرون الإلهامَ هِبةً شبهَ إلهيَّة.
وكثيرًا ما كان مُؤَسِّسُ الداهشيَّة يقولُ لي، عندما أَستشيرُه في مُعضلةٍ تعترضُني وتتعدَّدُ الحلولُ أمامي: “اتَّبِعْ إلهامَك.” وقد يحدثُ أحيانًا أَن يُجاملَه أحدُ أتباعه مُلِحًّا عليه في أن يستقبلَ شخصًا ما، بينما يكون هو غيرَ راغبٍ في استقبالِه، فيحصلُ ضررٌ من الزيارة، فيقولُ لنا: “قلتُ لكم ’عليََّ أَن أتبعَ إلهامي دائمًا.‘”
الأَحـلام
عام 1899 أَصدرَ سيغموند فرويد كتابَه الشهير “الأَحلام”؛ فاعتبَرَته الأوساطُ المُؤَيِّدة للتحليل النفسانيّ إنجازًا كبيرًا. ومنذُ ذلك الحين صدرَت عشراتُ المحاولات التي نهجَت مناهجَ مختلفة، بل مُتضاربة أحيانًا في تفسير الأحلام، وكلٌّ منها يَدَّعي الصحَّةَ العِلميَّة. وبالرغم من ذلك فهذا الميدانُ ما يزالُ غامضًا جدًّا وحافلاً بالتخمينات والأوهام، وما يزالُ عالَمُ الأحلام موصَدَ الأبواب يأبى أن يقتحمَ أحدٌ مجاهيلَه ويفضَّ أَسرارَه.
يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة، بعد استيقاظِه على أثرِ حُلمٍ مُزعِجٍ رآه:
إنَّ عالَمَ الأحلام ما يزالُ مُغلَقًا على الإنسان، لم يستطعْ أحدٌ أن يُحطِّمَ قيودَه. وقد ذهبَ علماءُ الأحلام في تفسيرِها مذاهبَ شتَّى، كلٌَّ حسبَ اجتهادِه.
كما إنَّ فرويد Freud خبطَ خَبطَ عشواء في تفاسيرِه للأحلام وتآويلها، إذْ أَرجعَها للناحية الجنسيَّة. فكلُّ هاجِسٍ، في رأيِه، مرَدُّه إلى الجنس؛ وكلُّ نأمةٍ سببُها الجنس؛ وكلُّ حُلمٍ، سواءٌ أكان جيِّدًا أم خبيثًا، مَرجعُه الجنس!
والخُلاصة لم يستطعْ أَيُّ عالِمٍ نفسانيّ أو مُؤَوِّلٍ للأحلام أَن يأتيَنا بتفسيرٍ حقيقيّ صحيح لِما نراهُ في أَحلامِنا.
أمَّا أَنا فأَقول: إنَّ أَحـلامَنا (ليس كلُّ حُلـم طبعًا)، بل الأحـلام التي لها معنًى وتستدعي تفسيرًا، أَسبابُـها روحيَّـة، ودوافعُها روحيَّة.
ثمّ ضربَ مثَلَين على قولِه استقاهما من الكتاب المقدَّس: الأوَّل الحلم الذي رآه فرعونُ مصر، ولم يستطعْ أن يفضَّ سرَّه إلاَّ يوسف الصدِّيق؛ والثاني الحلم الذي رآه نبوخذنصَّر، ولم يقوَ على تفسيرِه إلاَّ النبيُّ دانيال.[13]
ويُعلِّقُ الدكتور داهش على تفسير الحُلمَين قائلاً:
من هنا يرى القارئ أَنَّّ الأحلامَ سبـبُها روحيّ، إذْ عندما يعجزُ جميعُ المُدَّعين بعلمِ الغَيب والمُتشدِّقين بعِلم النفس ومَن ضربَ بمعاولِهم عن الإتيان بتفسيرٍ صحيحٍ لها، يبقى النبيُّ وحده قادرًا على تفسير الحُلم وتفصيلِ وقائعه، لأنَّه يملكُ الناحية الروحيَّة، أَي إنَّه موهوبٌ من السماء قوَّةً روحيَّة يستطيعُ بواسطتِها فضَّ مغاليق عالَمِ المجهول. وما خَلا هذا فكلُّه سفسطة وأَضاليل.[14]
وذلك لا يمنع، وَفقَ ما أَعلمَني الدكتور داهش، أن يكونَ كلُّ إنسانٍ مسؤولاً عن أحلامِه، وعمَّا يرتكبُ فيها من خيرٍ أو شرّ، بسببِ ارتباطِه غير المباشر بالسيَّال الـمَعنيِّ بالحُلم. ولذلك كان مُؤَسِّسُ الداهشيَّة يطلبُ من أتباعِه أن يكتبوا “الرمزَ الداهشيَّ ” المقدَّس ويطلبوا فيه أن يكون تأويلُ الحلم للخير في حال رؤيتِهم أحلامًا سيِّئة.
ويسوغُ القول إنَّ كثيرين من المُفكِّرين وعُلماء النفس المُعاصرين بدأُوا يقتربون بعضَ الشيء مِمَّا تذهبُ إليه الداهشيَّة. فقد ناهضوا نظريَّةَ فرويد واعتبروا أَنَّها لا تُمثِّلُ من الإنسان إلاَّ المرتبةَ النفسيَّةَ الدُّنيا فيه حتَّى قال دالبييز Dalbiez : “إنَّ مُؤَلَّفات فرويد هي أَعمقُ تحليل عرفَه التاريخ لِما ليس في الإنسان هو أكثر إنسانيَّة.”[15] كذلك ذهبَ شتوكر Stocker إلى أَنَّ فرويد “اكتفى في كلامِه على الإنسان بنظرةٍ بترَت منه رأسَه.”[16] كما تنبَّهَ شتوكِر وبرتيليمي Berthélemy إلى أنَّ العقلَ الباطن لا بدَّ من أن يكونَ ذا بُعدَين، بُعدٍ سُفليّ، وآخرَ روحيٍّ عُلويّ يُلهِمُ الاكتشافات والاختراعات والأعمالَ الإبداعيَّة الفكريَّة والأدبيَّة والفنِّـيَّة والدعواتِ الروحيَّة السامية.[17]
أَخيرًا، لا بُدَّ من السؤال: لماذا لا يستطيعُ الإنسانُ أن يُفسِّرَ أحلامَه؟
لقد سبقَ أَن أظهرتُ أَنَّ لكلِّ إنسان عقلاً باطنًا ذا أَربعة أَبعاد: بُعدٍ يتغلغلُ في سيَّالِه الأساسيّ الذي يشبكُه بكلِّ البشر، وثلاثةِ أَبعادٍ أُخرى أرضيَّة وسُفليَّة وعُلويَّة. وقد فهمتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أنَّ الحلمَ الذي يراه النائم، إذا لم يكن أَضغاثَ أحلام، فليس بالضرورة أَن يكونَ صورةً تعكسُ حاجاتِه أَو رغباتِه أو أحوالَه أو دوافعَه النفسيَّة الشخصيَّة. فقد يعكسُ الحُلمُ حالةً أو حادثةً رهيبةً أَو مُمتعةً أو عجيبةً يمرُّ فيها سيَّالٌ تابعٌ له، يكونُ في تقمُّصٍ سابق أو شخصٍ آخَر أو عالَمٍ آخَر أو حيوانٍ أو أَيِّ كائنٍ مرتبطٍ بشبكته الروحيَّة، لكنَّ السيَّالَ الحالِمَ لا يكونُ بالضرورة في جسمه الحاليّ. وبما أَنَّ هذا السيَّال جزءٌ من شبكةِ النائم الروحيَّة، فإنَّ ما يحدثُ لهذا السيَّال أَو ما يشعرُ به يتركُ آثارَه الواقعيَّة أَو الرمزيَّة في عقل النائم الباطن الذي يشملُ الأبعادَ الأربعة المُشار إليها سابقًا. فالأمرُ في مُنتهى التعقيد، ويتجاوزُ حدودَ الإدراك البشريّ. ولذلك حصرَ الكتابُ المقدَّس في الأنبياء القدرةَ على تفسير الأحلام.
الـرُّؤَى
وقد عرفتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أَنَّ الأَحلامَ الروحيَّة قد تتحوَّلُ إلى رُؤًى في أَثناء النوم، أَي أَحلامٍ صحيحة ذاتِ وقائعَ وتواريخَ واقعيَّة لأحداثٍ مجهولةٍ ماضية أَو حاضرة أَو مُقبلة، وذلك لأسبابٍ روحيَّة. لكنَّها أَكثرُ ما تحدثُ في خلال بعثات الأَنبياء، إذْ تحلُّ سيَّالاتٌ عُلويَّة في بعض أَتباعِهم المُقرَّبين، ومردُّ ذلك إلى قربِ السيَّالات تلك من سيّالات النبيّ. من أمثال ذلك رؤيا يوسف إذْ ظهرَ له ملاكٌ في الحلُم وبشَّرَه بولادةِ ابنٍ له من مريمَ العذراء؛ ورؤيا شاوُل، وهو في دمشق، بأنَّ رجلاً اسمُه حنانيَّا دخلَ إليه ووضعَ يدَيه عليه، فشُفِيَ من العمى، ورؤيا حنانيَّا نفسه إذْ أُوعِزَ إليه بأن يذهبَ إلى حيثُ شاوُل لأنَّ الربَّ اختارَه رسولاً إلى الأُمَم.[18]
وفي كتابات مُؤَسِّس الداهشيَّة أَمثلة كثيرة على الرُّؤى الصحيحة. ففي “رؤيا مُخيفة تُحقِّقُها الأَيَّام” يسردُ ما رآه في الحلُم بتاريخ 10 تـمُّوز (يوليو) 1944، ثمّ كيف تحقَّقَت رؤياه في الأحداث التي وقعَت له في 28 آب (أُوغسطس) من العام نفسه، إذْ أُلقيَ القبضُ عليه من قِبَل السلطات الغاشمة.[19] كذلك الرؤيا التي تجلَّت له فيها الشهيدةُ ماجْـدا حدَّاد تُبشِّرُه بسقوط الرئيس الذي اضطهدَه.[20] والرؤيا السامية التي شاهدَ فيها مباهجَ الفراديس والأنبياءَ، وسعادةَ الأبرار من المُؤمنين برسالته، وعذابَ المُنافقين والأَشرار من مُضطهِديه.[21]
وفي “أَسرار الموت والحياة” يُبدي الدكتور داهش أَنَّ مَن أَوصلَ سيَّالَه إلى درجةٍ روحيَّة تُمكِّنُه من دخول أَحدِ عوالمِ النعيم، فإنَّه قد يدخلُ في خلال أحلامِه فردوسًا يكون بدرجةِ سيَّالِه نفسها. وما يراه من رُؤًى يكونُ واقعيًّا صحيحًا. ويوضِحُ “أنَّّ الحلُم الذي يراه الحالِم في عالَمِ الأرض لمدَّة دقائق، يحياه في عالَمِ الفردَوس هذا [أَي الذي وصفَه] أَعوامًا عديدة.”[22]
ومن قراءة قِصَصِ الدكتور داهش يتَّضحُ أنَّ الرُّؤى قد تحدثُ لأشخاصٍ مُميَّزين كما لأشخاصٍ عاديِّـين، وذلك لأَسبابٍ روحيَّة، منها إظهارُ العدالة الإلهيَّة، وكَشفُ التقمُّصات أَو بعض الأَسرار الروحيَّة.
ففي قصَّة “صفحة مجهولة من غرام الإمبراطور نابليون” يروى كيف تراءت له بوليت غوتيه في عدَّة أَحلام، رآها في آخرِها برفقةِ فتاةٍ والأمواجُ تُغالبُهما حتَّى تبتلعَهما، وشاهدَ نفسَه طائرًا فوق جثَّتَيهما. ثمَّ عرفَها في الواقع وأقام علاقةً خفيَّةً معها. وبعد أن سقطَ عرشُه ونُفِيَ إلى جزيرة سانت هيلانه، كادت بوليت –التي رُزِقت بابنةٍ منه سرًّا– أَن تُجَنّ؛ فاستقلَّت زورقًا وانطلقَت إلى جزيرة مَنفاه. لكنَّ الأمواج هاجت فابتلَعتها مع ابنتِها هنريِت. وفي اللحظةِ نفسِها انطلقَت نفسُ نابليون.[23]
وفي “حرمخيس وأَمونارِتس” يروي الدكتور داهش قصَّةَ حبٍّ مُفاجئ شبَّت نارُه بين الكاهن حرمخيس وإحدى الفتيات الجميلات اللواتي كنَّ يتردَّدنَ إلى المعبد، فوقعَ الكاهنُ في غيبوبة بينما كان مع حبيبتِه، وتجلَّى له أُوزيريس وقال له: “لقد عفَوتُ عنكَ، أَيُّها الكاهن، فأَمونارِتس جزءٌ منك، وقد كنتما كزوجَين منذ آلاف الأعوام البائدة… لذلك سأَدعُ اليومَ جميعَ الكَهَنة يحلمون حُلمًا واحدًا يختصُّ بزواجِكَ لكي لا تُطرَدَ من هيكلي عندما يُعرَف حبُّكما. وعند ارتباطكَ بمواثيق الزواج بها، تُرسَمُ هي كاهنة، وتُصبحُ أَنتَ، إذْ ذاك، رئيسَ الكَهنة…” وما لبثَت الرؤيا أَن تحقَّقَت.
وفي “الكلب الشريد الطريد” يُشاهد مالكولم، في رؤيا، تقمُّصَه السابق؛ وفي “مَن القاتل؟” يعترفُ الهندوسيّ شاندرا بوزو، بعد رؤيا رآها، بأنَّه هو الذي قتلَ سيِّدَه لضربه البقرة؛ وينكشفُ في رؤيا “الأعمى” سببُ عَماه.[24]
صورةُ الإنسان الكُلِّـيَّة
تلك هي صورةُ الإنسان الكُلِّـيَّة خارجَ ذاته الإلهيَّة التي انفصلَ عنها. وهي صورةٌ تُساعدُ على إيضاح مركز كلِّ فرد بالنسبة إلى غيره من المخلوقات. فكلُّ إنسانٍ هو أَشبهُ بعقدة حيَّة مُميَّزة في شبكة من السيَّالات الروحيَّة الخاصَّة به والتي تُهيمنُ روحُه الإلهيَّةُ عليها هيمنةً غيرَ مباشرة. ومثلما أَنَّ الروح تتأَثَّرُ درجتُها بمُستويات مجموع سيَّالاتها في العوالم المادِّيـَّة، فالفردُ البشريُّ، الذي هو جزءٌ بسيطٌ من تلك الشبكة الروحيَّة المُنبثَّة في أرجاء الكون، يتأَثَّرُ أَيضًا بكلِّ حركةٍ عُلويَّة أو سُفليَّة تطرأُ على الشبكة التي ينتمي إليها. ولِذا فقيمةُ الإنسان الحقيقيَّة ليست محدودةً بسيَّالاته الذاتيَّة التي هي قوامُ كيانه العُضويّ، بل تتأَثَّرُ أيضًا بسيَّالاته اللاذاتيَّة، سيَّالات عقله الباطن في أَبعادها الأربعة.
أَمَّا ما اصطُلِحَ على تسميته بـ”شخصيَّة” الإنسان، فإنَّما هو كيانٌ عابرٌ زائل يضمُّ مجموعةً من السيَّالات ذاتَ تجسّدٍ معيَّن. وبعبارةٍ أُخرى، إنَّ الشخصيَّةَ البشريَّة تنظيمٌ مُؤقَّتٌ خاصّ يشملُ سيَّالاً رئيسيًّا هو الأَهمّ، وسيَّالاتٍ أُخرى معيَّنة تُميِّزُ فردًا ما، مُحدِّدةً كيانَه العُضويّ، أَي بناءَه الجسميَّ-النفسيّ، وتفرُّدَ نشاطه وتطوُّرَه وتفاعُلَه مع مجالِه الحيَويّ مدى دورٍ واحد من أَدوار حياته التقمُّصيَّة. من ذلك نرى أَنَّ الشخصيَّةَ البشريَّةَ كيانٌ جزئيّ ناقص لا يُحقِّقُ غايةَ تمامه إلاَّ في اتِّحادِه بالروح التي انبثقَ منها. كذلك لا تُحقِّقُ الروحُ كمالََها وتمامَ معرفتها وقدرتها وسعادتها ومجدها إلاَّ باندماجها بالقوَّةِ الموجِدة التي أَبدَعتها. وهذا الأمرُ الأَجلُّ يستحيلُ تمامُه إلاَّ بعد أَن تكونَ جميعُ السيَّالات الروحيَّة التي انبثقَت من الروح وهبطَت إلى عوالم مادِّيـَّة قد تسامت في عوالمِ النعيم بأَسرِها، ثمَّ تجاوزتها مُتجرِّدةً ومُتحرِّرة من كلِّ كثافةٍ مادِّيَّة، وارتقَت إلى العوالم الروحيَّة الخالدة، وصعَّدَت في معراجها مئةً وخمسين درجة حتَّى تجاوزت الأُولى منها؛ فإذْ ذاك تندمجُ بالعزَّة الإلهيَّـة. وهذا الحلمُ الأعظم لم تُحقِّقه بعد أَيَّةُ روح منذ بدءِ الخليقة.
وهكذا بفضلِ التعاليم الداهشيَّة الموحاة تنجلي، للمرَّةِ الأُولى في تاريخ الفكر والأديان ، حقيقةُ الإنسان النفسيَّة جلاءً لم يكُن مَيسورًا من قبل؛ فنُدرك أَنَّ لكلِّ إنسانٍ ذاتًا عُظمى هي روحٌ إلهيَّة انبثقَ منها، وأنَّ نفسَه البشريَّة تشتملُ على ذواتٍ صُغرى مُختلفة الدرجات الروحيَّة ومُرتبطة ارتباطًا غير مباشر بذواتٍ صُغرى غيرها في الأرض أو في عوالمَ عُلويَّة أو سُفليَّة، وأنَّ طريقَ خلاصه هو في أن يتغلَّب على رغباته الأرضيَّة ووساوسه السفليَّة، ويُوجِّه أَفكارَه ونزعاتِه نحو كلِّ ما هو خيرٌ وحقٌّ وجمال. ذلك بأنَّ قيمةَ الإنسان الروحيَّة تكمنُ في نوع العلاقات التي يُقيمُها سيَّالُه الرئيسيّ مع سيَّالاته الواعية الأخرى كما مع سيَّالاته الباطنيَّة ومع أَمِّه، الروح الإلهيَّة التي انبثقَ منها. وقد أَدركَت دانا زوهار بعضَ هذه الحقيقة حين قالت: “أَنا مُرادفة لعلاقاتي— علاقاتي مع ذواتي الصُّغرى التي في شخصيَّتي (الماضية والآتية)، وعلاقاتي مع الاخَرين، ومع العالَمِ كلِّه.”[25]
البرهانُ المادّيّ على خلود النفس
بعد هذه الجولة الداهشيَّة إيضاحًا للكيان النفسيّ، هل ثمَّةَ برهانٌ مادِّيّ على خلود النفس؟
التعاليمُ الداهشيَّة تُؤَكِّدُ أنَّ السيَّالات التي تشتملُ عليها نفسُ الإنسان لا تفنى، كشأنِ السيَّالات في الكون كلِّه، لأنَّ جوهرَها روحيّ وذو اتِّصال بالعالَمِ الروحيِّ الخالد حيثُ أُمَّهاتُها الأرواحُ السرمديَّة. والبرهانُ المادِّيّ الحاسِم على خلود الروح هو المُعجزاتُ الملموسة التي تخرقُ القوانينَ الطبيعيَّة بالنسبة لمعرفتِنا البشريَّة القاصرة، ولا تخرقُها بالنسبة لمعرفتها الكاملة التي تُحيطُ بأسرارِ كلِّ شيء. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة موضِحًا هذا الأمر الخطير:
هذا البرهانُ القاطع الحاسِم يلمسُه كلُّ إنسان يحضرُ إحدى الجلساتِ الروحيَّة التي أَعقدُها. ففي أَثناء الجلسة تتجسَّدُ روحٌ[26] يُمكنُ أَن يُخاطبَها المرءُ وتُخاطبَه من غيرِ لبسٍ أَو غموض، وبقدرتها أَن تُحدِثَ خوارقَ ومُعجزات دلالةً على وجودِها. ولنفرُضْ أَنَّ ساعتَكَ التي تعرفُها جيِّدًا كانت في منـزلك–وكان منـزلُكَ في أَمريكا أَو الصين أَو القاهرة أَو بيروت– فبُعدُ المكان لا أَهمِّـيَّةَ له على الإطلاق، وإذْ ذاك يطلبُ حاضِرُ الجلسة من الروح أَن تُحضِرَ له ساعتَه.
ويكونُ الجوابُ مُدهِشًا سريعًا، إذْ إنَّه في أَقلّ من ثانية يجدُ ساعتَه في معصمِه. وهذا برهانٌ مادِّيّ دامِغ لا يُمكنُ دحضُه على الإطلاق. فإذا كان حاضِرُ الجلسة مسيحيًّا ترسَّخَ إيمانُه بأَناجيلِه؛ وإذا كان مُسلِمًا ازداد إيمانُه بما أُنزِلَ في القرآن الكريم؛ وإذا كان يهوديًّا قويَ إيمانُه بتوراتِه، وهلمَّ جرًّا. فالغايةُ من الجلسة الروحيَّة إذًا هي مُساعدةُ الناس على العودة إلى الإيمان الدينيّ بالتمرُّس بالخير والفضيلة. وهذا يُعَدُّ انتصارًا للروح على المادَّة في عصرٍ تغلَّبَت فيه المادَّةُ على الروح. وليس الأمرُ مُقتصرًا على هذه الظاهرة فقط، بل تحدثُ في أَثناء الجلسة خوارقُ عديدة كلٌّ منها من شأنِه أَن يُرسِّخَ الإيمان في قلوبِ الحاضرين لها.
يُمكنُكَ، مَثلاً، أَن تُحضِرَ معكَ صحنَ الطعام الذي تتناولُ فيه طعامَكَ بمـنزلِك. وهذا الصحن مادَّتُه بورسلين. فعندما تتجسَّدُ الروح، بإمكانِكَ أَن تطلبَ منها أَن تُحوِّلَ لكَ مادَّتَه إلى خشب. وفي الحال يتحوَّلُ الصحنُ، وأنتَ مُمسِكٌ به بكِلتا يدَيك، إلى صحن خشبيّ يبقى عندكَ بمادَّتِه الخشبيَّة طوالَ الأيَّام والأعوام. كما بإمكانكَ أن تطلبَ من الروح أَن تحوِّلـه مثلاً إلى مادَّة حديديـَّة، وبلحظة يثقلُ وزنُه، إذْ يتحوَّلُ مثلاً إلى صحن حديديّ، بينما أنتَ مُمسِكٌ به جيِّدًا بكلتا يدَيك. وهكذا يُمكنُكَ أَن تطلب من الروح أَن تحوِّلَـه لأَيِّ نوعٍ تُحبُّه أنت، إلى قصدير أو كريستال…
وعندما سُئلَ الدكتور داهش: هل بإمكان الروح أن تُحوِّلَ الصحن إلى ذهب؟ رَدَّ بالإيجاب، لكنَّه أوضحَ أنَّ الغاية ليست الاستفادة من المُعجزات لإشباع المطامع الدنيويَّة؛ فالسيِّدُ المسيح لم يكن عاجزًا عن استحضار نقود وإعطائها لتلاميذه الجائعين، وهو الذي أطعمَ الآلافَ من بضعة أرغفة. واستطرد موضِحًا:
لكنَّه لو فعَل لَما كان وُجِدَ دينٌ اسمُه الدينُ المسيحيّ، لأنَّ الناسَ، إذْ ذاك، كانوا يقولون: إنَّ التلاميذ يتبعونه لأنَّه يُغدِقُ الأموالَ عليهم. كما إنَّه يجبُ أَن يشقى هؤلاء التلاميذ وعلى رأسهم سيِّدُهم، فيُضنيهم الجوع والعُريُ والعذاب والكفاح، حتَّى يستحقَّ كلٌّ منهم المُكافأَة على جهاده الفادِح. فإذا كنتَ أنتَ في جلسة روحيَّة، وطلبتَ من الروح أَن تُحوِّلَ لكَ الصحنَ إلى ذهَب، لَقالت لكَ الروح، مثلاً: ’إنتزِعْ مسمارًا من الحائط وأَمسِكه جيِّدًا بيدِك.‘ وبينما أنتَ مُمسِكٌ به يتحوَّلُ إلى مسمارٍ ذهبيّ، ويُمكنُكَ أن تأخذَه للصاغة، فيُؤكِّدون لكَ أَنَّه ذهب لا غُبارَ عليه… ولكنَّ الظاهراتِ الروحيَّة إنَّما تتمُّ لأجل إدخال الإيمان في القلوب، وليس للإفادة المادِّيـَّة والاستفادة على الإطلاق، أَي إنَّ الظاهرة لا تحصلُ ليبتهجَ المُشاهِد بما شاهَد، لكنَّه يدخلُ كافرًا، ليخرجَ مُؤمنًا بربِّه وبيومِه الأخير.[27]
[1] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 155-156.
[2] . الدكتور داهش: “قِصَص غريبة وأَقاصيص عجيبة”، ج 3 قَيد النشر.
[3] . رسالة بولس إلى روما 5:12.
- Policard. Cellules vivantes et populations cellulaires. Paris, 1994, p. 143. . [4]
- Winterbert. Le vivant créateur de son évolution (Paris, 1963), pp. 48, 249-250, . [5]
360-361.
Grande encyclopédie, tome 1, “Abeilles”; tome 5, “chat”; Science et vie, Nov. 1974, .[6]
- 50.
Cleve Backster, “Primary Perception and How it Came About” in Dahesh أنظرْ.[7]
Voice, Winter 2004, pp. 23-35.
[8] . لقد كان العالِمُ النفسيُّ السويسريّ كارْل يونغ Carl Jung (1875-1961) أَوَّلَ مَن ذهبَ إلى أَنَّّ للإنسان “عقلاً باطنًا جمْعيًّا” collective unconscious ، وذلك من خلال ملاحظته ظاهراتٍ دينيّة واجتماعيّة ذاتَ دلالات رمزيَّة لا تخضعُ لرقابةِ العقلِ الواعي، وهي مُشتركة بين جماعاتٍ مختلفة. لكنَّه، مع ذلك، لم يستطع أن يُدركَ حقيقةَ هذا البُعد الأرضيّ للعقل الباطن في الإنسان.
[9] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 3، قَيد النشر.
Martin E. P. Seligman. What You Can Change and What You Can’t. New York: A. Knopf, 1994. أنظر:. [10]
وكذلك مُراجعة هذا الكتاب في “صوت داهش”، السنة الثانية، العدد الثاني، سبتمبر (أيلول) 1996، ص 72.
Paul Roberts, “Forbidden Thinking” in Psychology Today, May/June, 1995, أنظر كذلك:
- 34-40 & 62-68.
[11] . وُضِعَت عشراتُ السِّيَر المُنفردة للمُخترعين والمُكتشفين فضلاً عن كتُبٍ جامعة لسيَرِهم؛ من هذه الأخيرة:
Dean Keith Simonton. Greatness New York/London: The Guilford Press, 1994.
Daniel J. Boorstein. The Discoverers: A History of Man’s Search to Know His World and Himself. N. Y. : Random House, 1983.
Plato. The Collected Dialogues (New Jersey: Princeton . [12]
University Press, 1999), pp. 220-221.
[13] . أنظر سِفر التكوين: 40 و41؛ وكذلك سِفر دانيال: 2 و3 و4.
[14] . الدكتور داهش:” الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة”، ج 1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1982)، ص 92-93.
Desclée de Brouwer et cie, 1949), p. 384.
1957), pp. 8-9, 57.
1956), 3ème Partie
[18] . إنجيل متَّى 1: 20-21. سِفر أعمال الرُّسُل: 9: 10-16.
[19] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج1 ، ص 12-19.
[20] . “الرسائل المُتبادَلة بين الدكتور داهش مُؤَسِّس الداهشيَّة والدكتور حسَين هيكل باشا” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1981) ، ص97-98.
[21] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 3، “حلُم مَهيب رهيب”، قَيد النشر.
[22] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 2، ص 188-195.
[23] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1، ص 56-61.
[24] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1، ص 54، وج 2، ص 179 و211.
Dana Zohar. The Quantum Self: Human Nature and .[25] Consciousness Defined by the New Physics (New York: Quill/William Morrow, 1990), p. 237.
[26] . أراد الدكتور داهش أن يُبسِّطَ الشرح للقارئ تسهيلاً، لكنَّ الأمر أكثرُ تعقيدًا. فالروح لا تتجسَّدُ على الإطلاق، إنَّما يحصلُ تماسٌّ بين سيَّال الدكتور داهش الأسمى والروح التي لا تُبارحُ عالَمَها الإلهيّ. وبفضلِ هذا التماسّ تحدثُ المُعجزات.
[27] . مجلَّة “بروق ورعود”، السنة الأولى، العدد الأوَّل،23 آذار 1968، صفحة 5-6.
وقد جرَت عدَّةُ مُحاولات طبِّـيَّة للبرهنة على وجودٍ لنفسٍ مُستقلَّة عن الجسد من خلال ما لاحظه الأطبَّاء في المُستشفى العامّ بساوثمبتن Southampton بإنكلترا من نشاطٍ فكريّ وعمليّ ومُحادثاتٍ مع آخرين كان يتذكَّرُها فئةٌ غيرُ قليلة مِمَّن توقَّفَ عملُ أدمغتِهم ثمَّ أُنعِشَت حياتُهم. وقد نُشِرت دراستُهم في مجلَّة Resusscitation ، عدد تمُّوز (يوليو) عام 2001. كذلك جرَت أبحاثٌ مُماثلة تناولَت 344 شخصًا مِمَّن توقَّفَ عملُ أَدمغتهم، ثمَّ تَـمَّ إنعاشهم. واستطاع 62 منهم أن يتذكَّروا نشاطًا قاموا به في أثناء غيبوبتهم. وقد نُشِرت الدراسات في مجلَّة Lancet الطبّـيَّة، عدد كانون الأوَّ ل (ديسمبر) عام 2001. لكنَّ هذه النتائج يردُّها أطبّاءُ كثيرون إلى عواملَ فيزيولوجيَّة.
كذلك حاولَ بعضُ العلماء أن يُبرهنوا علميًّا وجودَ قوَّةٍ خالدة، لكنَّ أبحاثَهم شديدةُ الصعوبة، تتخطَّى إدراكَ معظم المثقَّفين. أنظر على سبيل المثال: F. Tipler. The Physics of Immortality. N. Y.: Doubleday, 1994.
الروح والسيّالات
(الحلقة 61 ، مجلّة” الدبّور “، 20 حزيران 1949)
الروح والجسد في عراك دائم .
هذا ما علمناه من الدكتور داهش في جلساته الروحيّة .
وكانت الروح القدسيّة التي كانت تحتلّه في تلك الأثناء تأتي وتكشف لنا النقاب عن أسرار هذا الوجود .
وقد فهمنا أنّ في كلّ دين من أديان الأرض قبسا من الحقائق الالهيّة ، وأنّ هذه الأديان كالأجناس والألوان البشريّة متّصلة ببعضها بعضا ، متمّمة لبعضها بعضا .
فمن الدين الأوّل البدائي للأديان السامية حلقة من التعاليم التي تزداد رقيّا وروحانيّة كلّما ازدادت البشريّة أو كلّما ازدادت فئة منها رقيّا واستعدادا لتقبّل الحقائق الخالدة .مثلا:
انّ رجل الغابات لا يمكنه – بالنسبة لتطوره الروحيّ – أن يتقبّل تعاليم المسيح ، له المجد . فرجل الغابات الخارج من الحيوانيّة هو بميوله وغرائزه – وهذه كلّها سيّالات روحيّة مسؤولة – قريب كلّ القرب من الأرض والمادّة ، بعيد كلّ البعد عن السماء والروح .
ورجل الغابات هذا قد تناسل ، فاذا بسيّالاته تنتشر في أجسام جديدة . وتتبع هذه السيّالات تطوّرات العصور والدهور . ويأتي الأنبياء والمرسلون ويشيّدون الأديان بموجب خطّة مرسومة منذ الأزل من العناية الالهيّة الضابطة لكلّ شيء . فرجل الغابات هذا ، أو من تناسل منه – وهو سيّال منه – ينال نصيباً من التفهّم والرقيّ الروحيّ بصورة تدريجيّة .
الروح البشريّة
وقد علمنا أمرا مهمّا جدّا ، وهو أنّ الروح لا تتمركز في الجسم ، بل هي في مكانها العلويّ. ومن ذلك المركز تسيّر الروح الجسد أو الأجساد المتعلّقة بها .
أمّا في هذا الجسد فلا يوجد الاّ نفس للحياة وسيّالات مختلفة نشعر بها في ميولنا . فالبخل سيّال درّاك مسؤول ؛ وهكذا الكرم .والظلم سيّال مسؤول ؛ وهكذا العدل ؛ والكسل والنساط ، والبغض والحبّ ، والشراهة والاعتدال والطمع والقناعة ، وهكذا قل عن بقيّة النزعات والنزوات التي يشعر بها كلّ انسان ….
والحرب مشتعلة بين الحسن والقبيح ، أي بين الخيّر والشرّير . ومصير الروح متعلّق بنتيجة معركة سيّالاتها الأرضيّة . فامّا أن تتغلّب السيّالات الطيّبة على السيّالات الشرّيرة ، فترتقي الروح وترتفع في سلّم السماوات . وامّا أن تتغلّب السيّالات الشرّيرة على السيّالات الطيّية ، فتتدنّى الروح وتهبط الى الدركات السفليّة .
وعلمنا أيضا أنّ هذه الأرض قديمة جدّا يعود تاريخ خليقتها الى 76 مليون من الأعوام . وقد مرّ عليها 760 دورا من الأدوار التجديديّة ، ونحن الآن في دور نوح ، أي دور الطوفان .
وكانت المخلوقات في العصور الأولى أقلّ رقيّا ممّا هي عليه الآن ، أي انّ نزعاتها الشرّيرة كانت هي المتغلّبة على النزعات الطيّبة تغلّبا تامّا . وهذا الوضع يتجلّى في أشكالها الجسديّة اذ كانت تلك الأجساد قبيحة المنظر، مرعبة الهيئات ، تحيا طويلا على الأرض . وكانت في حرب دائمة ، كالديناسور والأكتيوزور والجبابرة والماموث الخ…
وعلى مرّ العهود وتوالي الأجيال ، وبعد الآلام والمحن التي مرّت بها الأرض ومن فيها ، ارتقت تلك السيّالات نوعا ، فكان من نتيجتها أن ارتقت الأشكال الجسديّة التي تأخذها هذه السيّالات في عصرنا الحاليّ. ونحن في تقدّم دائم بفضل التلقيح السماويّ الذي يأتينا بصورة مستديمة من السماء ، والمتجلّي بالأنبياء والمصلحين والهداة والعلماء والحكماء الذين يأتون الى الأرض في كلّ أمّة من الأمم وفي كلّ شعب من الشعوب وفي كلّ دور من أدوار التاريخ الأرضيّ ، الى أن يحلّ ملكوت الله المتنبأ عنه والذي سيتمّ بعد انتصار الخير الساحق على الشرّ الباطل .
أمّا نحن ، معشر البشر ، فعمّال في هذا العراك الغير المنظور . ومن نتيجة أعمالنا ، امّا أن يتأخر مجيء ذاك العهد الروحيّ العادل ، وامّا أن يتقدّم أجله .
والقضيّة مهمّة جدّا بالنسبة الى كلّ فرد منّا، اذ لا يمكننا التملّص من نتائج الأحوال العامّة التي يخلقها في المجتمع انتصار الخير أو انتصارالشرّ. هذه هي مسؤوليّتنا الجماعيّة .
أمّا مسؤوليّتنا الفرديّة ، فهي تامّة ثابتة بموجب قوانين غير منظورة نعطي عنها شرحا قليلا فنقول:
لكلّ روح سيّالات . ومن هذه السيّالات من ارتقى الى السماء وتتجلّى آثاره فينا بالنزعات الطيّبة .
ومن هذه السيّالات أيضا من هو باق على الأرض ، وتتجلّى آثاره بنزعاتنا المادّيّة . ومن هذه السيّالات من تدنّى وعصى فاستحقّ العقاب والجحيم ، وتجلّى آثاره فينا بالنزعات الشرّيرة .
وكلّ انسان يشعر بهذه النزعات الثلاث : نزعات طيّبة ، ونزعات مادّيّة تسمّره في الأرض ، ونزعات شرّيرة تدفع به الى ارتكاب الشرور .
أمّا جسدنا فهو المستودع وآلة التجربة التي تأتي اليها هذه السيّالات لتتجرّب وتمتحن . وظروف الحياة المختلفة التي نمرّ فيها هي التي تخلق ذاك الامتحان .
فاذا انتصرت سيّالات الخير على النزعات الشرّيرة في الانسان ، انسحقت تلك السيّالات الشرّيرة ، ثمّ تهذّبت وارتقت الى السماء لتتّصل بأخواتها . والعكس بالعكس .
وهذا يعطيك فكرة عن أسباب تنوّع الناس في نزعاتهم وميولهم . فمنهم من تسيطر فيهم الميول الروحيّة كغاندي مثلا أو جبران الخ … وهذا ناتج عن انتصار السيّالات الصالحة فيهم على تلك الميول الجسديّة والميول الشرّيرة في محنتهم الأرضيّة ، فأصبحت معظم سيّالاتهم أو كلّيّتها صالحة للسماء .
ومن الناس من تسيطر فيهم الرغبات الأرضيّة والسيّالات الشرّيرة على السيّالات الصالحة ، فيتجلّى ذلك في اتّجاه حياتهم وأعمالهم وأفكارهم ، اذ كلّها تتّجه نحو الأرض أو الشرّ . وكلّما ازداد في الانسان عدد سيّالاته الصالحة ، أصبح ميّالا للخير أكثر فأكثر . وكلّما ازداد فيه عدد السيّالات الشرّيرة ، أصبح ميّالا للشرّ أكثر فأكثر . وهذا هو سبب تنوّع الناس نزعاتهم .
وعندما تنطلق هذه السيّالات من الجسم بواسطة الموت ، ترى في لحظة واحدة نتيجة تصرّفها في المدّة التي أعطيت لها كي تتجرّب على الأرض . فامّا صعود وهناء ، وامّا هبوط وشقاء .
أبعادُ الحُرِّيَّة لدى مؤسِّس الداهِشيَّة
مفهوم الحُرية ذو أبعادٍ مُتعددة،منها الروحية والنفسية والفكرية العقائدية والسياسية الاجتماعية. وكثيرون هُم الذين بحثوا في بُعدٍ أو أكثر من أبعادِها، لكنَّ الذين أحدثوا تأثيراً بالِغاً في مسيرتِها التاريخية كانوا قلائل، وفي طليعتِهم أُولئك الأفذاذ النادرون الذين جعلوا حياتهم تطبيقاً عمليًَّالآرائهم، فانوا تجربةَالكفاح المريرة من أجل الحرية، وتألموا، واضطهدوا، وشربوا كأس الموتِ من أجلِ انتصارها، فخَلَدوا في التاريخ مشاعِلَ تُضيءُ دربَ النضال المِثَالي أمام الذين يأبون أن يعيشوا أذلاءَ تحت الشمس. من هؤلاء الروَّاد العباقِرة مَن لم يخُضِ الكفاحَ المسلَّح المؤدِّي إلى الثورة الحمراء، بل اكتْفى بأن يجعلَ من نَمَطِ حياته نَموذجاً لثورةٍ فكريةٍ بيضاء استطاعت أن تُحدث تأثيراً بالغاً في مجرى التاريخ، أمثال سُقراط والمسيح وغاند. وفي خطِّ هؤلاء الخالدين كان نِضالُ مُؤسِّس الداهشية من أجلِ انتصار الحرية بمُختلِفِأبعادها، ولا سيَّما الفكرية العقائديَّة منها، في مجتمعٍ كان وما زال يرزحُ تحتَ قيودٍ كثيرةٍ. وفي هذا البحث سأتناولُ الحرية بمختلف أبعادها لدى مؤسِس الداهشية.
1_الحُرِّيَّةالروحيَّة
أصل الحرية الإنسانية، في تعاليمِ مؤسِّس الداهشية، كائنٌ في جوهرِ الأرواحِ ذاتِها، الأرواح الأُمَّهات التي منها إنْبَثَقَتِ الكائناتُ كلُّها، والتي هي نَفَثاتٌ إلهِّيةُ تحيا في عوالم الأرواح، عوالِمِ الخيرِ والحقِّ والجمال، عوالِمِ الكمال، ولا تحيا في أيَّةِ أجساد. فالقوة الموجدة إذ خَََلَقَتِ الأرواح على صورتِها ومِثالِها- قبل إبداعِها الأكوانَ الماديَّة-جعلَت فيها جوهرها الإلهيَّ، والحريةُ مُتأصلةٌ فيه.
ولِذا فحُرِيَّاتُ الإنسان جميعها، وبرأسِها الحرية الفكرية العقائدية، هي فرعٌ من الحريةِ الأزلية.
يقول مؤسِّس الداهشية: “أوجَدَنا اللهُ ثمَّ ترَكَ لنا الإرادةَ والاختيار.”وقد كرَّرَ في عدَّةِ مواضِع من كُتُبِه أنَّ الحرية “نعمةٌ سماوية”و”منحةٌ إلهية”وهَبَنا اللهُ إيَّاها،وأنها “هديَّةُ الخالق لخلائقه.”
هذه الحرية هي الأساسُ الذي بُنِيَ نظامُ العدالةِ الإلهيِّة الشامل الذي بموجبهِ يَنالُ الإنسانُ ثواباً أو عقاباً على أعمالِه وأفكاره ورغباتِه.فالمساسُ بالحرية الفكرية العقائدية، مساسٌ بالعدالة الإلهية، وكلُّ اعتداءٍ عتى الحريات اعتداءٌ على المشيءة الإلهية الأزَليَّة.حتى الهدايةُ الروحية لا يجوزُ أن تكونَ إكراهاً برأيِ مؤسِّس الداهشية، فهو يقول بلسان يسوع الناصريّ مُخاطبِاً آدوم ابن بطرس الرسول :”فما تزرعهُ،يا عزيزي آدوم، إياه تحصُد.هذه هي العدالة الروحيةُ التي لا تتأثرُ بعوامل أرضيةٍ سخيفة، مثلما يجري على هذه الأرض التي أتَيتُ إليها خِصِّيصاً كي أضَعَ لها دستوراً سماويَّا ً لتسيرَ عليه. هذا إذا أرادت هذا الأمرَ بمَحْضِ اختيارِها ومِلءِ إرادتِها، وإلاَّ فالويلُ لأبناءِ الأرض !”
والسطرُ الأخيرُ يجبُ ألاَّ يُحْمَلَ مَحْمَلَ الوعيد، فهو إنما يُوَضِّحُ العاقبةَ المشؤومةَ التي سيؤولُ البشرُ إليها إن هم رَفَضوا الوصايا الإلهية بِمَحْضِ اختيارهم. وهذا يقَعُ في الخطِّ القرآنيّ الشريف الذي صدَعَت به الآيةُ القائلة { لا إكراهَ في الدين. قد تبيَّن الرُّشدُ من الغَيِّ، فمَن يكفُرْبالطاغوت ويؤمِنْ باللهُ، فقد اسْتَمسَك بالعُروةِ الوُثقى لا انفصامَ لها، واللهُ سميعٌ عليم.}
بناءً على ذلك يُصبحُ الدفاعُ عن الحرية حقّاً مشروعاً بمنزلةِ دِفاعِ الإنسان عن نفسِه إن إن اعتُدِيَ عليه.بل إنَّ مؤسِّس الداهشية يجعلُ من الدفاعِ عن الحرية ” واجباً سماويّاً مُقدَّساً” لأنَّهُ دِفاعٌ عن شريعةٍ أزليةٍ مُقدَّسة. فمَنِ اعْتدى على الحرية فكأنَّما اعْتدى على المشيئةِ الإلهية وعلى الإنسانِ نفسه بجوهرِه الروحيّ الذي هو قِوامُ شخصيّتِه وحياتِه.
لكن هل الإنسانُ يتمتَّعُ بالحرية التي تتمتَّعُ بها الأرواحُ القُدسيَّة؟
قَدَرُ الإنسانِ الشخصيّ
لا يرى مؤسِّسُ الداهشية أنَّ الحرية المُطلَقَة الكاملة يُمكِنُ أن تتحقَّقَ إلا في عوالِمِ الأرواح القُدسيَّةحيثُ الكمالُ الإلهيُّ والتنزُّهُ عن الأبعادِ الماديَّة. فكلُّ نَقصٍ وبالتالي كلُّ ضعفٍ، سواءٌ كان في المعرفة أم القُدرة أم في أيِّ مجالٍ آخر، هو قيدٌ للحرية بمعناها الكامل.
وبهذا المعنى تُصبِِِِِِِحُ الحريةُ في الأرض، مهما تكُن واسعة، حريةً نسبيةً جزئية. فالإنسانُ مُقيَّدٌ بالقوانينِ الطبيعيَّة المُهَيمِنة على الأرض، كما هُو مُقَيَّدٌ بالنظامِ الروحيِّ الذي فرضَتْهُ المشيئةُ الإلهيةُ على البشر .
إنَّ الإنسانَ لا يستظيعُ أن يعيشَ إلاَّ عُمراً مُحَدَّداً ، وهو خاضِعٌ للحزنِ والغضب والألَم والخوف والعطَش والجوع، كما هو خاضِعٌ للأمراضِ والضعفِ والتداعي التدريجيّ الذي يقودُهُ من الشباب إلى الكُهولة فالشيخوخة فالموت . يقولُ مؤسِّسُ الداهشية إنهُ منذُ ولادتِهُ في الدنيا كُتِبَ عليه الشقاءُ والأََلمُ….
” و نُقِشَ أيضاً في نفسي الحزنُ والفَرَح، وجميعُ العواملِ البشريَّةِ الأُخرى التي لم أكُنْ مُقَيَّداً بها قبل مجيئي إلى أرضِ الفساد.”
ولمَّا كانت القوَّة المُوجدَة قد مَنَحَت الإنسان عقلاً هو قَبَسٌ من الإدراكِ الإلهيّ ، فقد إسْتَطَاعَ بإعمالِ عقلِه أن يُعزِّزَ قُدرتَه تجاهَ قوى الطبيعة تدريجيَّاً ، فاختَرعَ العَجَلةَ ثُمَّ السيَّارة فالطيَّارة فالصاروخ يُذَلِلُ بها المسافات ويُسع آفاق معرفته، واكتشفَ العقاقير المُتنوِّعة يُكافِحُ بها الجراثيمَ والأوبئة، وطوَّرَ علومَه في جميع الميادين… لكنَّه مع تقدُّمِه العظيم سيبقى خاضِعاً لسُنَّةِ الموت، وللحُزنِ والشقاء اللذين تأتي بهما المصائِبُوالأحداثُ المتوقَّعة والمُفاجئة، ولِمِحَنِ الشرور تتقاذَفُهُ أمواجُها، وسيبقى علمُهُ محدوداً ، والغيبُ محجوباً عنه، ومعظمُ أسرار الكون موصَدة أبوابُها دونَه. لكن، لماذا أُخضِعَ الإنسانُ لهذه القيود الطبيعيَّة والروحية؟
الجواب، في رأي مؤسس الداهشية ، هو لأنه استحق هذه القيود بما قام به أو استسلم له، بملء إرادته واختياره، من أعمالٍ وأفكارٍ ورغباتٍ في دوراتٍ حياتيةٍ سابقة يرقى أولها إلى اللحظة التي سقط فيها من العوالم الروحية . يقول الدكتور داهش : ” ليتنا نذهب إلى العالم الآخر طاهرين كما أتينا منه .”
ويستفظع حقارة الإنسان وذله بالنسبة لما كان عليه قبل سقوطه، متمنياً ” لو أنه ظل في ملإه العلوي نقياً طاهراً من أدران هذه الحياة وأوضارها.” وقد يختصر رأي مؤسس الداهشية في إستحقاق الإنسان للحياة الأرضية بقوله:
” أنا أؤمن بأنه توجد عدالةٌ سماويةٌ ، وأن جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغصاتٍ وأكدارٍ إن هو إلا جزاءٌ وفق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من أثام وشرور؛ ولهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة ومآسيها غير متبرمين ولا متذمرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونظمها السامية .”
وهكذا ليس من تسيير للإنسان ، برأي مؤسس الداهشية ، فالقدر الذي ينوء تحت قيوده إنما هو قدرٌ شخصيٌ صنعه لنفسه بملء إختياره في سياق حيواته المتتابعة ؛ ” فالمرء يصنع الخير أو الشر لنفسه ، وليس الخير أو الشر يتبعانه ، بل هو مسبب اتصالهما به أو انفصالهما عنه بالنسبة لأعماله.” بل يصح القول ، برأي الدكتور داهش ” إن لا يجازي الإنسان أو الحيوان ، إنما الحيوان يجازي نفسه وكذلك الإنسان ، بالنسبة لأفكره وأعماله .” وقوله هذا يقع في خط الآية الكريمة القائلة { إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.}
وقصارى القول ، يرى مؤسس الداهشية الحياة الأرضية مهما اتسعت الحريات فيها،سجناً كبيراً مروعاً لا خلاص منه إلا بالموت :
” أشبه الحياة بقفصٍ رهيبٍ هائل، والبشر بالطيور الرازحة فيه، ومهما بذلت الطيور من مساعٍ وجهودٍ لاجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه ، حتى يأتيها داعي الموت ويحررها من تلك العبودية الصارمة ، ويعتقها من ذلك القيد الثقيل .”
2- الحرية النفسية
لكن هذه العبودية الصارمة لا تنال حرية الإرادة بقدر ما تعني حرية إختيار الأعمال والأفكار والرغبات الشخصية التي تنزع إلى الخير أو الشر ، أي إرادة الارتقاء الروحي أو التسفل. فالإنسان يمكنه أن يتجه بأفكره ورغباته وجهة المحبة والرحمة والتسامح حيال الآخرين أو وجهة الأذى والبغض والإجرام حتى لو كان مسجوناً . وبهذا الاتجاه الذي يختاره يرفع نفسه أو يسفلها . هذه الحرية النفسية يصونها النظام الإلهي الشامل . يقول مؤسس الداهشية بلسان زوس، رب الأرباب ، في ” أسطورة الشمعة الباكية”:
” وبما أنني قد وضعت نظاماً للأرض ، وهذا النظام يطبق على أي مخلوقٍ يرودها بالولادة أو سواها ، فإنني ملزم بالتقيد بهذا النظام الإلهي المفروض على أبناء الأرض . ونظامي هذا يمنع حتى الآلهة والإلاهاتأن يسيطروا على أي مخلوقٍ بشريٍّ مهما إرتكب من موبقات .”
إستحالة سيطرة إنسان علةإرادة آخر، أي على حريته النفسية ، سببها أن ثواب الإنسان وعقابه اللذين هما كفيا ميزان العدالة الإلهية مبنيان على الحرية النفسية ، وقد أشرت إلى ذلك في أبعاد الحرية الروحية .
لكن مؤسس الداهشية لا يرى في حرية الإرادة البشرية حرية حقيقية للنفس . حرية الإرادة أساس محاسبة الإنسان ، لكنها لا تمنح النفس حرية حقيقية إلا بقدر ما تكون النفس متحررةً من قيود النزعات السفلية . فكل ما يحد من تحرك النفس نحو الأسمى ، نحو الروح ، الأم الإلهية التي انبثق ، يشكل قيداً للنفس .
وأقوى القيود التي تكبل النفس وتمنع ارتقاءها الروحي عبوديتها للمال وعبوديتها للشهوة . وقد فصل مؤسس الداهشية سلطانهما على النفس في كثير مما كتب . فالبشر جميعهم عبيد للمال ؛ إنه ” الإله الأصفر ” الذي وحد الناس قاطبةً في عبادته ، ومن أجله باعوا شرفهم وضمائرهم ودينهم وتخلوا عن السماء . أما الشهوة فتأثيرها في الناس بالغ شامل . وقد يختصر رأي مؤسس الداهشية في قوة سلطانها قوله :” يا للعاطفة الجنسية ! كم تؤثر على المرء وتدعه عبداً صاغراً لسلطتها الرهيبة ، فيقوم بما تفرضه عليه إرادتها التي لا تقهر .”
وقد صور الشهوة الجنسية وتأثيرها الجارف تصويراً رائعاً في سداسيةٍ عنوانها ” الشهوة الجارفة ” فقال : ” أيتها الشهوة البهيمية الجارفة مواكب العالمين ، أنتِ أعجوبة هذا الكون وآيته الفريدة ، أنت تتسلطين على عقولنا وأفكارنا الشريدة ، أنت تكبليننا بقيودك المتينة ، فلا نستطيع منك خلاصاً ، أنت تسيطرين على أعصابنا ، وإرادتنا ، فلا نجد مناصاً ، ولذلك فأنت تكتسحينا حتى نصبح أمامك أذلاء خاضعين! “
وكثيراً ما جمع الدكتور داهش المال والشهوة ، ورأى فيهما متحدين أساس شقاء البشر وويلاتهم وعبوديتهم النفسية .
لكن هل لهذه العبودية النفسية من نهاية ؟
في رأي الدكتور داهش أن الإنسان بإمكانه ، ما دام يستحيل أن يغتصب غاصبٌ حرية إرادته ، أن يختار طريق الروح ، وذلك باتباعه طريق الصلاح أي بممارسته الفضائل واعتناقه المثل الإنسانية العليا . يسأل آدوم ، ابن بطرس الرسول ، يسوع : ” للسماء طريق ؟ وأين هي ؟ فيجيبه :
“هي في قلبك،
وقلب كل شخصٍ يحيا على هذه الأرض.
فبعملك الصلاح تظهر لك طريق السماء واضحة .
وإذ ذاك يمكنك أن تسير عليها
حتى تبلغ أبوابها العجيبة ،
ثم تلجها بقلبٍ مفعمٍ بالغبطة والحبور .
وحينما يشير يسوع إلى نجمةٍ بهيةٍ فيها المجد العظيم ، يستنجده بطرس لبلوغ قمة ذلك المجد ، فيجيبه يسوع : ” هذا طوع يديك إذا أردته .”
وخلاصة الرسالة الداهشية تقوم على إعادة إنارة الطريق الروحية التي تؤدي إلى خلاص الإنسان من مختلف قيود العبودية . يقول مؤسسها : ” ليت البشر يعتنقون مذهبي الذي يرمي إلى الإنعتاق من ربقة هذه الحياة المليئة بالشرور .”
ذلك كان موقف الدكتور داهش من الحرية في بعديها الروحي والنفسي ، وهما بعدان قلما يخوضهما المعنيون بالحرية إلا الفلاسفة منهم . فما موقف الدكتور داهش من أبعادها الأخرى ؟
3- الحرية الفكرية العقائدية
حيال الحدود الضيقة المفروضة على الحرية النفسية لدى معظم الناس ، يبقى عزاء الأكثرية محصوراً في الحرية الفكرية العقائدية والحرية السياسية الإجتماعية اللتين كرستهما شرعة حقوق الإنسان ، عام1948 ، بعد كفاحٍ طويلٍ مريرٍ قامت به مختلف الشعوب ، ففضلاً عن الثورة الأمريكية التي اندلعت في 4 تموز (يوليو) 1776 ، والثورة الفرنسية التي تمخضت ب ” إعلان حقوق الإنسان والمواطن ” في 26 آب (أغسطس) 1789 ، شهد النصف الأول من القرن العشرين اندلاع ثوراتٍ متعددة نادت بمبادئ الحرية ، على اختلافٍ في أبعادها وحدودها ، علماً بأن النصف الثاني من هذا القرن ما يزال يشهد كفاحاً عنيداً تقوم به منظمة الأمم المتحدة من أجل إلزام الدول كافة صيانة حقوق مواطنيها وفي رأسها الحريات الخاصة والعامة .
ومؤسس الداهشية أحد القلائل الذين شاركوا ، عبر التاريخ ، في تدوين ملحمة الحرية الحية . من أجلها عانى اضطهاد الدولة اللبنانية أيام كان الطغيان متربعاً على كرسي الحكم . فقد تآمر عليه بشارة الخوري (1943-1952) وزبانيته من رجال دينٍ ودنيا، ليكفوا نشاط دعوته الروحية القئمة على الإيمانبوحدة الأديان ، فحاولوا خنق صوته وتحريم أعماله الخرقة بسنِّ قانونٍ في المجلس التشريعي ، لكنهم فشلوا ؛ فاشتروا ضمائر أكثر الصحافيين وأخذوا يهاجمونه مفترين عليه الأكاذيب ، مشوهين سمعته الطيبة ليبعدوا الناس عنه ، ولا سيما جمهور المثقفين الذين أقبلوا عليه بعدما شبعوا رياءً ونفاقاً من بعض السلطات الطائقية ، ومنعوه كما منعوا أنصاره من تارد على تلك الافتراءات والمختلقات الشنيعة ؛ ولما أيقنوا بأن عزيمة الدكتور داهش لا تهن وإمان أتباعه به لا يتزعزع ، اسْتعدوا عليه أحد الأحزاب الطائفية التي كانت عاملاً أساسياً في حرب لبنان الأهلية وفي خرابه ، فقبضت السلطات عليه في 28 آب (أغسطس) 1944 ، وسجنته ثلاثة عشر يوماً في سجن الرمل الشهير بقسوته ، من غير تقديمه إلى المحاكمة ، لعجزهم عن إثبات أية تهمةٍ عليه ، ثم أصدر الرئيس مرسوماً أدى تنفيذه إلى تجريد مؤسس الداهشية من جنسيته اللبنانية وإقصائه عن وطنه إلى الحدود السورية التركية من أجل تعريضه لنيران حمية الحدود ، خصوصاً أن البلاد كانت ما تزال تعيش في أجواء الحرب العالمية الثانية ، فتجاوز الرئيس بعمله هذا صلاحيته المحددة بالقوانين ، وخرق الدستور الذي أقسم اليمين للمحافظة عليه .
لكن مؤسس الداهشية تمكن من العودة سراً إلى بيروت ، بعد مضي شهرٍ واحدٍ على إبعاده ، وشن ضد الذين ظلموه وظلموا الشعب حملةً كتابيةً رهيبةً شهرت فضائحهم ومثالبهم ، إذ أصدر من مقره السري 66 كتاباً أسود ضد الطغاة وزبانيتهم ، و 165 منشوراً . وقد أدى قلمه الجبار وعمله الدائب ليل نهار ضد البغاة إلى استنفار الشعب في ثورة عارمة ضد ظالميه ومستثمريه ، أدت إلى إسقاط بشارة الخوري عن كرسي الحكم وقيام عهد الرئيس كميل شمعون (1952-1958 ) الذي أعاد إلى الدكتور داهش جنسيته السليبة ، في بداية عهده .
قصة الظلم البغيض هذا والكفاح العنيد من أجل انتصار الحق والحرية روت فصولها في المراسلة التاريخية التي جرت بين مؤسس الداهشية والدكتور محمد حسنين هيكل ، رئيس مجلس الشيوخ المصري ، ورءيس الحزب الدستوري ، وصاحب مجلتي ” السياسة الأسبوعية ” و ” السياسة اليومية ” .
ففي صيف 1951 زار الدكتور هيكل لبنان ونزل في مصيف ضهور الشوير مع عائلته . فاتصل بالشاعر الداهشي حليم دموس مستفسراً عن تجريد الدكتور داهش من جنسيته اللبنانية . وعلى أثر ذلك اجتمع به و بالدكتورين جورج خبصا وفريد أبو سليمان وبالسيدة المجاهدة ماري حداد ، الأديبة والرسامة ، التي كانت شقيقتها لور ، عقيلة بشارة الخوري ، قد استفزت زوجها الرئيس لكي يسجنها ؛ فقاست ماري في السجن شهوراً طويلة ، ثم خرجت منه وعزيمتها أشد وإيمانها بمؤسس الداهشية أقوى .
ثم جرت مراسلة بين الدكتور هيكل والدكتور داهش حول اضطهاده وتجريده من الجنسية . وقد احتل موضوع الحرية الفكرية العقائدية فسحة كبيرة منها .
جاء في رسالة هيكل الأولى إلى مؤسس الداهشية : ” لقد ذكرت لك في الكتاب الذي حمله إليك عني أخونا الأستاذ حليم دموس أنني أرى تجريد أي إنسان من جنسيته وزراً منكراً ، وإثماً فاحشاً يلجاء إليه تاطغاة لمآربهم الا ستبدادية.
والتجريد من الجنسية لرأي يراه صاحبه أشد نكراً وأعظم وزراً . فجنسية المرء بعض حياته . فهي الصلة المقدسة بين المرء ووطنه . وهي التي تتيح له أن يتمتع بالحقوق التي يكفلها له الوطن . وكل عقابٍ وإن عظم لا يساوي التجريد من الجنسية . بل إن عقوبة الإعدام على فداحتها لأهون من التجريد خطباً ؛ لأن صاحبها يدفن في ثرى وطنه منسوباً إلى بني وطنه ، ثم يتمتع ذووه بعد انتقاله من بينهم بإعزاز رفاته .
فإن مات مظلوماً لرأي رآه ، كان متاعهم أوفى وأوفر لأن صاحب الرأي هو النبراس المضيء الذي ينير السبيل أمام الإنسانية حتى بعد ثوائه في قبره .
ألم تذكر في رسالتك ما أصاب (سقراط) هذا الفيلسوف الضخم والمعلم الأول الذي أعدم مظلوماً ، فزاد الظلم ذكره رفعةً على رفعة ، على مدى الأجيال ؟ فهنيئاً لك ، يا أخي، ما نزل بك من ظلمٍ لأنك حاولت أن تحارب التعصب المذموم فحاربوك ، وحاولت أن تجمع كلمة بني الإنسان في ظل الأخوة بين أهل الأديان جميعاً فاضطهدوك وشردوك…..
ومن حقك ، وانت في منفاك، أن تتمثل بقول السيد جمال الأفغاني :
“أنا إن عشت لست اعدم قوتاً
وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر لا ترتضي الأسر قسرا”
نستنتج من مراسلة الدكتور داهش للدكتور هيكل أن مؤسس الداهشية مع الحرية الفكرية العقائدية المطلقة .فهو يستشهد بما كتبه جون ستيوارت ميل (1806-1873) في الفصل الثاني من كتاب ” الحرية ” بقوله: ” فلو أن الناس قاطبةً أجمعوا على رأيٍ واحدٍ ، وخالفهم في ذلك فردٌ فذ ، لما كان لهم من الحق في إخراسه أكثر مما له من الحق في إخراسهم لو استطاع إلى ذلك سبيلاً . إذ لا يقدح في أهمية الرأي قلة المنتصرين له وكثرة الزارين عليه (…) ذلك أن الرأي إن كان صواباً ، فقد حرم الناس فرصة نفيسة يستبدلون فيها الحق بالباطل ويبيعون الضلالة بالهدى. وإن كان خطأً ، فقد حرموا كذلك فرصة لا تقل عن السابقة نفاسة وفائدة ، وهي فرصة الازدياد من التمكن في الحق والرسوخ في العلم على أثر مصادمة الحق بالباطل ومقارنة الخإ بالصواب .”
وهذا يعني أن القمع الفكري العقائدي لا مكان له في الداهشية ، كما لا مكان للإكراه الفكري أياً كان موضوعه ومن أية جهة أتى . فالنفس الحرة هي التي تتسع لحريات الناس ، ولا مجال فيها للتزمت والانغلاق ، فالتسامح شعارها ، وتفهم الآخرين همها ، لأن من لا يستطيع أن يتفهم مواقف الآخرين وآراءهم ، لا يستطيع أن يحس بآلامهم وأحزانهم ويشعر بحاجاتهم ، وبذاك يكون قد أقام بينه وبينهم سداً نتيجته اللاتواصل فالبغضاء فالعداء . وهذه النتيجة ليست في خط القيم الروحية التي تحرر النفس وتسمو بها إلى الأعلى .
فضلاً عن ذلك يرى الدكتور داهش ، مثلما رأى جون ستيوارت ميل أن الذي يجبر إنساناً على اعتناق عقيدة ما أو يحظر عقيدةً ما ، يرى في نفسه العصمة من الخطاء . لكن العصمة غير كائنةٍ في البشر . وادعاء بعض السلطات للعصمة لم يجر إلا الويلات والشقاء للناس ، ذلك بأن مدعي العصمة يجعل من نفسه ظلاً لله على الأرض وبين يديه الحقيقة المطلقة . وإعدام سقراط ومحاكمة غاليليه أمام محكمة التفتيش الكاثوليكية برهانان تاريخيان صارخان بوجه مدعي احتكار الحقيقة . فمعرفتنا البشرية للحقائق كانت وما تزال معلرفةً نسبيةً جزئية ، ولن يحيط بالحقيقة المطلقة إلا كائنٌ اندمج في الذات الإلهية فأحاط بأسرار الأكوان كلها معلومها ومجهولها .
الحرية حقٌ طبيعي
يلتقي مؤسس الداهشية وجون ستيوارت ميل وسائر المفكرين الذين كانوا في أساس الثورات التي أدت إلى قيام الحكم الديمقراطي في المفهوم القائل بأن الحرية حق طبيعي هو للإنسان بمنزلة الحياة .
فمنذ القرن السابع عشر بدأت تتفاعل الأفكار العلمية والفلسفية الجديدة مشجعة على الإيمان بنظام كوني شامل وقانون طبيعي عام يشمل الإنسان . وفي سياق القرن الثامن عشر ، عصر الأنوار ، وبانتشار آراء المفكرين الفنسيين ، نشأت فكرة أن الحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان ، ومنها حق الحرية ، لم يتنازل المواطن عنها لحكوماتهم ، بل تنازلوا لها عن حق حماية تلك الحقوق وصيانة الفرص المتيحة لتنفيذها . وفشل أية حكومة في صيانة حقوق المواطن الطبيعية يعطيهم حق الثورة عليها ، لأن قيام الحكومة لا يكون إلا بعقدٍ اجتماعي بينها وبين الشعب من أجل رعاية مصالحه والمحافظة على حقوقه .
ومن البديهي أن يقف الدكتور داهش من الحرية هذا الموقف ، لأن مفهومه هذا مستمدٌ من نظرته الشاملة للكون . فالقوة الموجدة وضعت نظاماً روحياً أساسه العدالة يشمل الكائنات جميعها ، وبينها الإنسان . ولا تستقيم العدالة على الصعيد البشري إلا إذا تمتع الإنسان بحرياته الشخصية والعامة ، لن جزاءه سيبنى عليها . فالحرية إذاً حقٌ طبيعيً لا يمكن نزعه منه . يقول الدكتور داهش :
” الحرية الشخصية – بل الحرية العامة – ليست لعبة لتمنعها الحكومات أو الأشخاص ذوو السلطان والنفوذ بسبب ضغائن وحزازات تتأكل صدورهم التي تعشش فيها الأراقط السامة . نعم هي ليست ملك يمينهم لتمنعها متى شاءت ، وتمنحها متى طاب لها ذلك . بل هما (أي الحرية الشخصية والحرية العام) حقان طبيعيان للأفراد وللأمة بمنزلة الحياة . وما علمنا أن إنساناً على الأرض يدعي لنفسه حق إعطاء الحياة ومنعها إلا الله . والله – جلت قدرته- خلق الناس بأجمعهم أحراراً .ألا رحم الله روح الخليفة العظيم عمر بن الخطاب الذي خلدت حكمته إذ قال : ” متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحراراً ” “
القضاء هو سياج الحرية
في رأي مؤسس الداهشية – كما في رأي معظم المفكرين السياسيين – أن العقد السياسي الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة في الدول الديموقراطية لا يتطلب من المواطن أن يتنازل للدولة إلا عن حق حمايته ممن يحاولون الاعتداء على حقوقه وبرأسها حرياته الشخصية والعامة ، وعن حق إسترداد ما سلبه من تلك الحقوق . وفي الدول الديموقراطية استقلت مؤسسة القضاء عن مؤسسات الدولة الأخرى التنفيذية والتشريعية ، وذلك حتى لا يصبح القضاء مسخراً لنزوات الحكام ومآربهم الشخصية أو لأية سلطة أخرى غير سلطة العدالة .
يقول الدكتور داهش في رسالته الثانية إلى هيكل : ” في كل البلدان الراقية يكون القضاء سياج الحريات المهددة من الحكام والمتنفذين ، ويقف في وجوههم شاهراً سيفه ذا الحدين لبتر رغباتهم ورد كيدهم إلى نحرهم ، وإنقاذ من يريدون افتراس حرياته ودوس حقوقه والاعتداء على حقه بباطلهم . هذا هو موقف القضاء النزيه العادل .”
ونزاهة اقضاء في أمريكا بالنسبة للقضاء في لبنان ، أيام الحكم الخوري الباغي ، هو الذي جعل الدكتور داهش يكبر في أمريكا الحرية والقانون والعدالة ودور الصحافة الناقدة لأخطاء الحكام والرسميين ، ذلك مع تعريضه بالجشع المسيطر على كثير من سكان أمريكا ومرافقها ، وتشهره بالإباحية المتمادية فيها كما في معظم البلدان الأروبية . يقول في” مذكرات دينار”:
” إن أعظم عظيمٍ يتساوى في هذه البلاد [أمريكا] مع أحقر حقير ، فلا سائد ولا مسود في كافة أرجاء البلاد التي يرفرف عليها العلم الموشى بالنجوم التي يسبح فوقها النسر الجبار .”
ويحسن بالقارئ أن يقارن بين القضاء الأمريكي والقضاء اللبناني في عصر الطاغية البائد ؛ وقد صور الدكتور داهش جانباً مخزياً منه في ” مذكرات دينار ” وهو يتمنى – بلسان الدينار الذهبي بطل قصته – أن تنعم العواصم الشرقية بالحرية التي تنعم بها أمريكا ، بعد أن تحطم قيود الاستعمار التي كانت تكبلها عهد ذاك . وإكبار الدكتور داهش لعدالة القضاء وللحرية الفكرية في أمريكا يكرره في معرض مقارنته بينهما وبين حالتهما المخزية في لبنان ، وذلك في قطعةٍ كتبها ، عام 1948، بعنوان ” أسرعي أسرعي أيتها الباخرة بالرحيل ،” يرد فيها على القضاء اللبناني ، راجي الراعي ، الذي كان قد نشر ، في العام نفسه ، مقالاً يحرض فيه اللبنانيين المهاجرين على العودة إلى لبنان .
” إن الحق يؤخذ ولا يستجدى”
متى فسد القضاء في دولةٍ ما ، لا يبقى لمن اغتصبت حقوقهم وسلبت حرياتهم إلا أن يعتمدوا على أنفسهم . أما الأساليب المتبعة فقد تكون ثورية مسلحة أو ثورية فكرية تعتمد نشر الفكر المنير والمستنفر للرأي العام . وقد اتجه الدكتور داهش الاتجاه الثاني مقتدياً بغاندي كما بالمسيح قبله . وهو يسمي الناصري ” سيد الثورة النبيلة ” التي أطلقها ” كي يحطم بواسطتها كبول الظلم والإرهاق ، ويقطع أغلال الرق والعبودية ، وكي يحقق الحلم الذهبي الذي نشرته البشرية الحائرة في أمرها ، منذ كون الباري هذا العالم التاعس البائس (…).
ثلاثة وثلاثين عاماً جاهد جهاد المستميت داعياً الجميع للانقضاض على دستور القوة والبطش ، دون أن يسير في ركابه أحد ، خوفاً من الدولة الرومانية القوية الشكيمة وذات الشوكة والاقتدار . اللهم ، ما خلا نفراً من البسطاء الذين فتنتهم تعاليمه العلوية ، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهية .
لم يياس ولم يقنط ، ولم يتراجع ، ولم يلق سلاحه ، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس ، طاغية فلسطين ، حيث نشأ ابن السماء ، وحيث ترعرع . وفي النهاية ، عظمت التضحية وضخم العداء …”
تلك الثورة الفكرية التي أطلقها الناصري سلك طريقها واتبع مبادئها مجدداً مؤسس الداهشية . لكن بدل أن يسمع هيرودس كلاماً شفهياً، أسمعه كلاماً مدوناً كان ينقص عليه وعلى زبانيته كالصواعق المدمرة .
عرض الدكتور محمد حسين هيكل على الدكتور داهش أن يبحث موضوع اضطهاده وتجريده من الجنسية اللبنانية مع الئيس الراحل بشارة الخوري ، فرفض لإيمانه بأن ” الحق يؤخذ ولا يستجدى ، ” وليقينه بأنه سيسترد حريته وحقه السليب في الجنسية دونما أي تنازلٍ أو تزلفٍ أو شفاعة . ويقينه كان مبنياً على العدال الإلهية التي تمده بمعرفةٍ روحيةٍ خارقة كما على دروس التاريخ وعبره التي تؤكد أن الحريات تنتزع انتزاعاً من البغاة بالكفاح المديد البطولي . يقول في رسالته الثانية إلى هيكل :
” لهذا فإنني أرجو من الأخ الكريم أن لا يكلف نفسه مؤونة التحدث مع المسؤول الأول عن التجريد . وسيأتي اليوم الذي يدفع كل من ظلم وتجاوز الحق حسابأً عما ارتكبه وجاءه من حسنات وسيئات . وسيكون الجزاء من نوع العمل . فالجبان ، والعديم الشرف ، والساقط النفس هو من لا يحاسب الطغاة حينما تدق ساعة الحساب .
والتاريخ يعلمنا أنه ما من ظالمٍ غاشمٍ إلا ولاقى شرالزاء الرهيب . وسيجرع المظلوم ظالمه كأس الذل والمهانة حتى الثمالة … وأنا لا شك بأن ساعة الحساب ستدق عاجلاً أم آجلاً . وعند ذاك سأدق أعناق أعدائي دقاً مزلزلاً . ويوم ذاك ستجلجل نواقيس الهلع ، وسيعم الرعب والجزع في أفئدة كل من اعتدى على حقي المقدس الذي وهبني إياه الله كحق طبيعي أنعم به مثلما ينعم به كل مخلوق من مخلوقات الباري – جلت قدرته …”
ولا شك بأن ما ورد في رد مؤسس الداهشية كان نبوءةً بالثورة الشعبية التي أطاحت بعد عامٍ واحدٍ برئاسة بشارة الخوي ، كما يمكن اعتبارها ، إذا ضمت إلى كلماتٍ كثيرةٍ دونها قبلها وبعدها ، نبوءةً بالحرب الأهلية اللبنانية التي قلمت مخالب أعداء الدكتور داهش وحطمت أجنحتهم .
والحقيقة أن من يتصفح مؤلفات مؤسس الداهشية يرى فيها منثرةً كلماتٍ كثيرةً في الكفاح من أجل الحرية ، ومآل الحكم الظالم ، ومصير الشعب الخانع .
فمما يقوله في وجوب النضال ضد البغاة:
” يجب على المظلوم المعتدى على حقوقه وحريته أن يرجم ظالمه بصواعق مزلزلة تردمه وتدمره ، وتجعل عاليه سافله.”
” ولو لانت عزيمتي ووهنت إرادتي لخررت أمام الذي أدعوه بحق( مجرماً خطيراً ) . ولكن قوة إرادتي ما كان لها أن تهن أو تلين ما دمت صاحب حق ، وحقي واضحٌ وضوح الشمس في رابعة النهار . لهذا يجب عليه هو أن يخر أمام الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه .”
ومما يقوله في مآل الدولة الباغية :
” دولة الظلم والشرور وما كانت ترتكبه من حقير الأمور ستتقوض أركانها الواهية سريعاً لتستقر في بطون القبور ، وتمكث فيها إلى يوم النثور .”
” أشبِّه رئيس الدولة الظالم المستبد بمزبلةٍ موبوءةٍ تكدست فيها أنتن الأقذار … أما المتزلفون له ، والملتفون حوله ، والناسجون على منواله ، والضاربون على طبله ،والعازفون على مزماره … فهم أخط أنواع الحشرات الموبوءة وأدناها ..”
ومما يقول في مصير الشعب الخانع :
” الجبان – في شريعتي – ليس أهلاً للحياة مطلقاً . فإما أن نجبن فيستعبدنا القوي الغاشم ، وإما أن نظهر شجاعتنا ، ونطلق بطولتنا ، فننتزع بواسطتهما حريتنا المقسة الخالدة .”
” الشعب الخاضع الخانع لحاكمه الظالم يجب أن يقرن بالنير عوضاً عن الأبقار والحمير .”
” إن الشعب الذي يقبل مثل هذه المعاملة المهينة ، ولا يثور ، هو شعبٌ ميتٌ لا يستحق الحياة .”
ومن هذه الأقوال وغيرها مما يشابهها يستنتج أن مؤسس الداهشية يرى في ممارسة الحرية مستوىً عقلياً وحضارياً تستحقه الشعوب عن جدارة ، بعد كفاحهم الطويل وارتقائها الثقافي واستنارة الرأي العام فيها ، وإلا فستكون بمنأى ع الحرية لأنها أعجز عن الاضطلاع بأعبائها . وهذا الأمر يقودنا لتحمل مسؤولية الحرية .
4- الحرية السياسية الإجتماعية
لقد خرج لبنان من عهد الانتداب ونال استقلاله عام 1943 ، وكان أول رئيس حكمه في العهد الاستقلالي هو بشارة الخوري . لكن الشعب اللبناني ،حقيقةً ، بمستوى مسؤولية الاستقلال ، جديراً بتحملها ؟
لقد حول بشارة الخوري الدولة إلى شبه مزرعة يستغلها هو وأسرته وزبانيته ، كما حول الشعب إلى بقرةٍ حلوبٍ يستدرها لمصلحته . وهذا الأمر شائعٌ مشهور . ( راجع ما كتبه فليب حتى وكمال الصليبي عن عهد الطاغية في تأريخهما للبان المعاصر ) . لكن هل حاسبه الشعب على تصرفاته ؟
هنا تبرز أهمية الرأي العام . فالشعب إذا لم يكن واعياً لحقوقه ومراقباً ومحاسباً لممثليه ، فوجوده وعدم وجوده سيان .
لقد ارتكبت جريمةٌ رهيبةٌ بحق مؤسس الداهشية ، اشترك فيها رئيسٌ ووزراء وقضاة … جريمةٌ حطمت بها القوانين وانتهك الدستور ! فهل تحرك النواب ، ممثلو الشعب لاستجواب المسؤولين عنها ؟ لا . ذلك لأن الرأي العام في لبنان لم يكن له وجود .
يقول الدكتور داهش :
” والنواب ، نواب البلاد ! بل نوائب لبنان … لم يرفع أي منهم صوته بالاحتجاج على هذه الجريمة الصارخة التي لم تجر على غرارها جريمةٌ تساويها بقسوتها وبشاعتها .”
” وهل من المعقول أن مجلس (25 أيار [مايو] ) يرفع صوته بالدفاع عن الحيات المعتدى عليها ، وهو مالمجلس الذي ولد مزوراً وعاش بصورةٍ لا تشرفه بكثيرٍ أو بقليل ! وهذا يعرفه الجميع .”
إن ممارسة الحرية السياسية ممارسةً صحيحةً تقتضي ناخبين مثقفين مستنيرين وصحافةً حرةً جريئة . فإذا عم الجهل معظم الشعب فباع أبناؤه أصواتهم وضمائرهم بالمزاد للمرشحين وما فطنوا بأن من ابتاعها سيعاملهم كالسائمة ، وسيستعيد منهم ما دفعه لهم أضعافاً ، فلا يكون الشعب ،إذ ذاك ، جديراً بحرية الايتقلال ولا بمستوى تحمل مسؤولية الحرية . يقول مؤسس الداهشية :
” إن الرأي العام البناني الهزيل الذي تنقصه الثقافة التحررية لم يأبه للأمر ، مع العلم أنه إذا أصيب أي مواطنٍ لبناني بظلمٍ فادحٍ كهذا فكأن الجميع لأصيبوا .”
أما الصحافة اللبنانية في ذلك العهد المشؤوم فقد كانت – للأسف – مأجورة الأقلام ، تخدع الشعب وتزور الحقائق وتعمم الجهل بدل أن تكون وسيلة لإنارة الرأي العام ولمحاربة الظلم وفضح مرتكبيه . يقول مؤسس الداهشية عن الصحافة الأمريكية وهدفه أن يقارن القارئ بينها وبين الصحافة اللبنانية :
” أما الصحافة فإنها لا تترك كبيرةً أو صغيرةً إلا تقتلها بحثاً وتنقيباً ، منتقدة ألياء الأمور عندما تجد أية هفوةٍ تبدر من أحدهم مهما كانت تافهة .
” والغريب أن الشخصية الرسمية التي ينتقدها الكتاب تصلح خطأها دون تذمر ، بل هي تشكر من نبهها إلى خطاءها .”
إن الحرية السياسية الاجتماعية لا يمكن أن تمارسها في جو يسيطر عليه الجهل والخوف واللامبالاة تجاه الحقيقة . كذلك يستحيل أن تمارس في مجتمعٍ حددت له طريق الاختيار سلفاً . ولا يحطم هذه القيود إلا الثقافة الواسعة التي تفتح بصائر المواطنين على حريات الأمم الأخرى وكيفية ممارستهم لها ، كذلك الصحافة الجريئة النزيهة التي تؤمن بأن الرسالة الصحافية هي بالدرجة الأولى تحري الحقائق ونشرها ومحاسبة الرسميين المؤتمنين على حماية حقوق الشعب ومصالحه .
حدود الحرية الاجتماعية الخلقية
لم يجد مؤسس الداهشية ضرورةً لوضع حدودٍ لأي بعدٍ من أبعاد الحرية إلا لبعدها الاجتماعي الخلقي . وقد سبق أن أوضحت أن غايته من رسالته الروحية هي تحرير الناس من القيود التي تكبل نفوسهم وتمنعها من الارتقاء الروحي ، بل تستعبدها ؛ وأعتى تلك القيود هو قيد الشهوة الجنسية الجارفة . فالإباحية الجنسية ، مثلاً ، إذا تركت بلا رقابة أو حدود ، تتحول إلى وباء يفتك بالأسرة ويقرض بنيان المجتمع ، ويهدد الدولة بتفككها ، ولذا يتوجب على الحكومات أن تضع حدوداً للإباحية الجنسية لا يتجاوزها المواطن .
يقول في معرض كلامه على باريس وكونها ربة الحريات :
” إن الحرية مطلب كل مخلوق حي ، ينشدها ويسعى ورائها ليل نهار ، ويبذل في سبيلها كل مرتخصٍ وغالٍ . ولكن هذه الحرية تفقد معناها ومبناها عندما تتجاوز حدها الأخلاقي ، وتسف مثل هذا الإسفاف البشع .
“إن الواجبات الإنسانية تفرض على القائمين بشؤون الحكم أن يحدوا مثل هذه الحريات التي أصبحت خطراً على الهيئة الاجتماعية ، وضربةً قاصمةً للفضيلة والآداب .”
هذا الرأي الذي أعلنه الدكتور داهش عام 1946 ، لم يحد عنه في مختلف كتاباته ؛ وقد كرره بصيغٍ مختلفةٍ في معرض رحلاته التي ضمتها سلسلة ” الرحلات الداهشية حول الكرة الرضية .”
ففي رحلته الأولى ،يثور على السائرات شبه عاريات في الشارع العام من هاواي ، كما يثور في نيويورك على التباهي بالإباحية والانحراف الجنسي . وفي برلين يتساءل ، بعد أن شاهد عرضاً إباحياً في مقهى ليلي كان من ضمن البرنامج السياحي الذي أعده الفندق الذي نزل فيه :
” كيف تسمح الحكومة بمثل هذه الأوكار التي تعشش الرذيلة فيها ؟ هذا سرٌ عويص لا تفهمه إلا الحكومة التي سمحت به .”
وفي رحلته السادسة ، يتعجب ويشمئز مما شاهده في شارع الغانيات بأمستردام ؛ وفي ستوكهولم تعظم ثورته على الإباحية الجارفة ، فيكت قطعة بعنوان ” الأرض ستدمر ؛” مما يقوله فيها :
” إن الفحشاء التي مثلت بأرقى مدن الأرض لا تصدق وقائعها ! (…) . كيف تسمح الحكومة بمثل هذه اللوثات الفاضحة ! ألا يوجد رجل فضيلةٍ ونساء قيمٍ أخلاقيةٍ في البلاد ! كيف يسمح الأخ لأخته أن تحضر موكب الفسق ! وكيف يسمح الزوج لزوجته أن تذهب لدار الفجور ! إن الجبال ستتفكك أوصالها ! والأرض ستفك منعقالها ! وستعصف بدنيانا صواعق الغضب الإلهي المبيد (…) فدنيانا أصبحت بحاجةٍ ماسةٍ لأن تدمر تدميراً نهائياً . فمدتنتا سادوم وعامورة اللتان أمطرهما الله ناراً وكبريتاً ، ومحاهما من عالم الوجود لفسقهما ودعارتهما ، لا تذكر مخازيهما إذا قيست بما يجري اليوم في أرقى عواصم الدنيا …”
إن رأي مؤسس الداهشية في حدود الحرية الاجتماعية الخلقية يقع بخط الشرائع السماوية كما في خط رائدي الفلسفة أفلاطون وأرسطو . فافيلسوفان اليونانيان شددا على حاجة المجتمع لوضع حدودٍ على أعمال الفرد التي قد تهدد الفضيلة وتنميتها . فلا يكفي أن يكون للمجتمع مجرد قوانين ، بل يجب أن تكون القوانين عادلة بحيث تتيح للفاضلين من الناس أن يحققوا طبيعتهم في ضوء هداية عقولهم . والشرائع العادلة تعزز الحرية ، والحرية والحكم الصالح يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب . وأول واجبات الحكم الصالح تثقيف المواطن ، وفي رأس الثقافة تنمية الفضيلة .
وفي العصر الحديث ينضم إلى هذا الرأي القاضي الإنكليزي البارز اللورد ديفلن الذي يرى أن الحدود القانونية يمكن تطبيقها حتى في مجال الحرية الاجتماعية الخلقية بقدر ما يمكن الأعمال الشخصية أن تخرب أو تفسد المؤسسات التي تشكل بنية المجتمع . لكن بقدر ما تبقى الأديان مصدراً سلطوياً لضبط الفرد لنزواته ، من الأفضل ألا تتدخل الدولة بوضع حدودٍ لأعماله في شرائعها المدنية ، لكن ماذا لو تنازلت المؤسسات الدينية نفسها عن دورها الضابط للنزوات الفردية ، أو ضعف تأثيرها جداً ؟
بقلم الدكتور غازي براكس
أبعادُ العدالةِ لدى مؤسِّس الداهشيَّة
النظام الخُلُقي
ما دام الإنسان يتعذر عليه أن يعيش بمعزلٍ عن الناس ، فكيف عليه أن يتصرف في علاقاته معهم من أجل تحقيق أهدافه التي غالباً ما تكون الثروة والرفاهية ، أو القوة والسلطة ، أو السعادة بمفهومها الفضفاض ؟ هل يجوز للإنسان ، فرداً كان أم جماعة ، أن يستخدم أية وسيلةٍ يراها مناسبة شريفةٌ كانت أم دنيئة تحقيقاً لأغراضه أم ثمة حدودٌ واجبةٌ لتصرفاته وقيمٌ عليه التزامها دون غيرها ؟
هذه الأسئلة وسواها مما يستهدف التمييز بين الحقوق والواجبات ، أو الحق والباطل ، أو الفضيلة والرذيلة ، أعطت الأجوبة عنها الشرائع الدينية والسنن الاجتماعية والنظريات الفلسفية في سياق العصور . ومجموع تلك الأجوبة ، في كل نظامٍ ديني أو إجتماعي أو فلسفي ، جرى الاصطلاح على تسميته ب”النظام الخُلُقي” أو “الفلسفة الخُلُقية ” ethics . وإنما همنا ، هنا ، جانبٌ واحدٌ من هذا النظام هو مفهوم العدالة وكيفية تجلي أبعادها في تعاليم مؤسس الداهشية .
نظام العدالة الإلهية الشامل
يستحيل على الملحد أو المشكك في وجود قدرةٍ أليةٍ مبدعة أن يؤمن بوجود نظامٍ شاملٍ لعدالةٍ روحيةٍ غير منظورة ، فهو يميل إلى تعليل الأحداث الجارية بالصدف السيئة أو الحسنة ؛ بل إن المؤمن نفسه يتعذر عليه أن يتصور بوضوح سريان العدالة الروحية الشاملة في العالم ، وخصوصاً في ماجريات الحياة اليومية . ولذا فإن من أتيح له أن يعاين معجزةً حقيقية ويلمس من خلالها وجود القوة الروحية الجبارة التي تحدثها فيؤمن بها يكون قد حظي بمساعدةٍ عظمى ، ذلك لأن الإنسان ، مهما تكن علومه ومواهبه ، لعاجزٌ عجزاً تاماً عن إتيان المعجزات . وهذه الاستحالة أكدها جمهور العلماء ، لأن الإنسان ، أياً كان ، خاضعٌ لقوانين طبيعية تهيمن على الأرض كما على الكون المادي كله ، وهذه القوانين ثابتةٌ لا يمكن خرقها .
غير أن الخوارق لا تحدث إلا عند بعثة الرسالات السماوية تأكيداً لصحتها وإثباتاً لوجود العالم الروحي الإلهي الخالد المنوط به تسيير العوالم جميعها ، وإجراء العدالة الروحية الشاملة فيها . وتوضيحاً لهذا الأمر سأذكر بإيجازٍ حدوث ظاهرة روحية مذهلة للدكتور جورج خبصا ، نِطاسي الأمراض الجلدية الشهير ، يوم كان مرافقاً مؤسس الداهشية في رحلته الأولى حول العالم عام 1969 .
ففي الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام المذكور ، وصل مؤسس الداهشية ورفيقه الدكتور خبصا إلى مطار ميونخ بألمانيا ، واستحال عليهم أن يجدا غرفةٌ شاغرة ٌ يبيتان فيها سواءٌ في فندق ٍ أو نزل ٍ صغير ٍ أو حتى منزل ٍ خاص ، وذلك من جراء إقبال الناس على إحتفالاتٍ موسميةٍ ستقام في المدينة ، فاضطرا ، مع ثمانية عشر شخصاً آخرين ، إلى تمضية الليلة على المقاعد في محطة المطار . وفي تدوينه لوفائع اليوم التالي ، يقول الدكتور داهش :
في الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم تجلت روح للدكتور خبصا وقالت له : ” امض الآن برفقة الدكتور واستقلا تكسياً واذهبا به إلى المدينة . وعندما تبلغانها اذكرا لسائقها أنكما لم تجدا أية غرفةٍ في أي فندق .” وتابعت الروح المتجلية قائلة ً :” الغرفة التي يجب أن تنزلا فيها مهيأة ٌ لكما ، والسائق سيعلمكما بها .”
فصعدا في أول سيارةٍ في الموقف . وإذ أخبرا السائق باستحالة عثورهما على غرفةٍ شاغرة ، قال لهما إن صديقه أبلغه ” أن في منزله غرفة ً ذات سريرين فقط يريد إيجارها لشخصين …” فطلبا إليه إيصالهما إلى المنزل . فاستأجرا الغرفة لليلةٍ واحدة ، ووضعا حقائبهما فيها ، ثم انصرفا إلى المدينة يشاهدان معالمها الفنية والسياحية . وعند الثامنة مساءً عادا إلى المنزل ، فوجداه مقفلاً ولا أحد فيه . وبعد محاولاتٍ غير مجديةٍ لدخوله وقلق ممضًّ وأفكارٍ سوداء ساورتهما ، وانتظارٍ دام ساعة ً ونصف الساعة ، تجلت الروح في وجه مؤسس الداهشية وقالت للدكتور خبصا :” سأقود خطاكم إلى مطعمٍ قريبٍ من هنا ، وهناك توجد المرأة صاحبة المنزل .” وهذا ما تم فعلاً . وعند تدوين الدكتور داهش لهذه الحادثة الخارقة يعلق قائلاً :
ومن لا يصدقها [ أي الظاهرة الروحية ] أعتبره عائداً بصفقة الغبون ، لأنه يبقى جاهلاً هذه القوة الروحية الجبارة التي تسيِّر عالمنا الأرضي في كل لحظةٍ من لحظاته بنسبة سيالات البشر واستحقاقاتهم ، وذلك وفق نظامٍ وضعه الخالق لكوكب الأرض .
وقد أكد مؤسس الداهشية أن هذا النظام الإلهي المبني على العدالة الروحية كما على حرية الإنسان النفسية هو نظامٌ شاملٌ ثابتٌ لا يتغير ولا استثناءات له . يقول على لسان زوس ، رب الأرباب ، في ” أسطورة الشمعة الباكية ” : وبما أنني قد وضعت نظاماً للأرض ، وهذا النظام يطبق على أي مخلوق يرودها بالولادة أو سواها ، فإنني ملزمٌ بالتقيد بهذا النظام الإلهي المفروض على أبناء الأرض . ونظامي هذا يمنع حتى الآلهة والإلاهات أن يسيطروا على أي مخلوق بشري مهما ارتكب من موبقات .
ونظام العدالة الإلهية يقضي بأن يستوفي الإنسان جزاءه عما يأتيه من أعمالٍ ورغباتٍ خيراً كان أم شراّ. في كتاب الدكتور داهش الملهم ” مذكرات يسوع الناصري ” يقول يسوع لآدوم بن بطرس الرسول :
فما تزرعه ، يا عزيزي آدوم ، إياه تحصد . هذه هي العدالة الروحية التي لا تتأثر بعوامل أرضية سخيفة، مثلما يجري على هذه الأرض …
وكيفية تنفيذ العدالة الإلهية تكون بموجب قانونٍ إلهيٍّ شاملٍ هو السببية الروحية التي تقضي بأن يجازى كل مخلوق بحسب أعماله ورغباته . وقد أوضحت هذا الأمر وفصلته في بحثٍ سابقٍ بعنوان ” السببية الروحية والعدالة الإلهية ” ( صوت داهش “، كانون الأول / ديسمبر 1995 ) كما أوضحت مفصلاً في بحثٍ آخر عنوانه ” العدالة الروحية والتقمص” ( ” صوت داهش ” آذار / مارس 1996 ) أن العدالة الإلهية قد تتخذ مجراها في عدة أدوارٍ حياتيةٍ يعيشها الإنسان متقمصاً إنساناً أو حيواناً أو جماداً ، لا في دورٍ بشريٍّ واحد فحسب .
أوضاع البشر نتيجة ٌ لنظام العدالة الإلهة
ما من إنسانٍ عاقلٍ يستعرض التاريخ البشري بنظرةٍ فاحصةٍ إلا يتأكد له أن نهر الحياة الجاري في الأرض منذ ألوف السنين مصبغ ٌ بالدم ، وأن اللون الأسود القاتم هو اللون الطاغي على سائر الألوان في عيون البشر . فالآلام والأمراض والمصائب لا تستثني أحداً ، والكوارث الطبيعية لا تستثني بلداً ، وشريعة القوة هي السائدة ، فالفرد القوي يسحق الفرد الضعيف ، والظلم مستشرٍ حيثما كان ، منذ بدء التاريخ؛ وهذه الحقيقة يؤكدها الدكتور داهش في مواضع كثيرةٍ من كُتُبه القصصية الوجدانية . ويمكن إيجاز موقفه من الظلم بالسداسية التالية :
لقد داس القوي على أعناقنا وهشم رؤوسنا
لقد استلب أموالنا ، ثم سطا ظلماً على أعراضنا
لقد شاهد آلامنا ، فسخر منا لاهياً ثم طرب لأمراضنا
لقد انتزع منا بيوتنا ، وطردنا منها طردةً منهكة
لقد هزأ بنا وبأجدادنا طويلاً متخذاً إيانا ألاعيب مضحكة
ثم نراه وقد تخلى عنا ، بعد أن قوض أمانينا وحطم كؤوسنا .
وبالرغم من قيام الأنظمة الديمقراطية الحديثة ، ونشوء منظمة الأمم المتحدة ، ما زالت العدالة بين الشعوب أمنية سرابية ، والدولة القوية لا تعدم حيلةً تتوسلها تحت شعار المؤزارة ورفع الحيف لتجذب إليها الشعوب المظلومة ، لكنها لا تلبث أن تصبح جلادها الجديد . يعقب الدكتور داهش بلسان الدينار الذهبي ( بطل قصة ” مذكرات دينار ” ) ، على خطاب الملك جورج السادس عشية الجلسة الافتتاحية لمنظمة الأمم المتحدة في 10/1/1946 ، بقوله :
وقد كان هذا الخطاب بمثابة افتتاح هذا المؤتمر الذي يهدف لبناء ( عالم جديد ) تشيد أسسه على حجارة ( العدالة ) … هذه الكلمة الخرافية السحرية التي رددتها الأجيال منذ فجر التاريخ ، وما زالت ترددها دونما انقطاع .
ولكن عندما تريد الدولة القوية أن تبطش بدولةٍ أقل قوةً منها ، فإنها تسخر بشعب تلك الدولة ، بعدما تخدعها وترقيها بهذه العبارة الخيالية كما يرقي الحاوي أفعوانه !…
وإذ ذاك يتم لها ما تريد بمؤازرة ذلك الشعب نفسه ، لأنه يعتقد أنه سيتمتع بالعدالة التي تضن بها دولته عليه . وعندما يسقط في الشرك ، يسام الذل والهوان .
ولذلك كله يرى مؤسس الداهشية أن القوانين التي تسنها الشعوب إما تكون سخيفةً، مصوغةً بطريقةٍ تخدم الأقوياء وذوي المصالح الكبرى ، أو تبقى حبراً على ورق ، إن طبقت فعلى القاصر والفقير والضعيف ، أما المجرمون الكبار فيتملصون من قبضة العدالة أو يصبحون من مشَّرعيها . هذه الحقيقة التي نشر الدكتور داهش صورها الاتمة في ” مذكرات دينار ” أجملها في سداسية بعنوان ” العدالة الموؤدة ” :
يا أعواد المشانق … كم لك من ضحايا بريئةٍ شريفة !
وكم من أثمةٍ لم يتأرجحوا بحبالك القوية ،
ولؤماء لم تطلهم يد الأحكام العدلية !
إن دموع الآباء والأبناء تشق الفضاء !
وصرخاتهم العميقة تخرق السحاب فالسماء !…
لا كنت يا أحكام !… وتباً لك ، أيتها القوانين السخيفة !
لكن هذه القاعدة العامة لها استثناءاتٌ كثيرة ، لا سيما في البلدان التي انتصرت فيها الحرية وازدادت حرمة حقوق الإنسان ؛ والمثل الأبرز على هذا الصعيد يراه الدكتور داهش في الولايات المتحدة الأمريكية التي ، على غطرستها حيال الشعوب الأخرى ، تمكنت من إقامة العدالة على أرضيها إلا في مجالات قليلة .
ويؤكد الدكتور داهش أنه على استحقاق البشر لما ينزل فيهم من آلام ومصائب ، فإن الصالحين نسبياً بينهم قد يُمتحنون أحياناً ليسبر عمق إيمانهم فيزداد فضلهم ؛ هكذا تكون المصائب حافزاً لهم إلى مزيدٍ من الارتقاء الروحي ؛ علماً بأن تلك المصائب الامتحانية تبقى خاضعة لنظام السببية الروحية ، وإن لم تكن نتيجةً للاستحقاق الشخصي .
ويبقى في التاريخ الديني مثل أيوب الصالح هو الأبرز على هذا الصعيد . غير أن مؤسس الداهشية يمدنا بمثلٍ جديدٍ يعرضه في كتابه الملهم ” مذكرات يسوع الناصري ” هو سجن الشرطة الرومانية لبطرس الرسول يوم كان المسيح ما يزال في حداثته ز فبعد أن يحضر شقيق سمعان بطرس إليه ويخبره بأن موت قائد الشرطة الرومانية في كفرناحوم الذي حدث على أثر تقريعه وتهديده ليسوع ، ألقيت تبعته على سمعان بطرس ، فحكم عليه بالسجن عاماً كاملاً ، يقول يسوع الفتى لشقيق سمعان :
– يا للظلم الشنيع !
لا تحزن ، ولا تبتئس ،
فإن هؤلاء الأشرار سيلاقون أشد الجزاء .
ليكن إيمانك بالله وطيداً .
فإن هذا الأمر قد تم كتجربة
ليُعجم بواسطته صلابة إيمان سمعان .
فإذا لج وتذمر يكون الخسران حليفه ،
وإن صبر واستسلم للإرادة الباري تعالى ،
فالفوز سيسير في ركابه .
ويا لسعادته !
ومثل بطرس الرسول كثيراً ما حدث وتكرر قبله وبعده ، عند بعثة كل رسالةٍ سماوية. فاضطهاد الأنبياء
وتلاميذهم في جميع العصور يستوي في الخط نفسه . إنه معاناة العذاب والاضطهاد والاستشهاد من جراء التشبث بالإيمان الروحي الجديد ؛ علماً بأن الرسالات السماوية والهدايات الروحية كلها ذات وحدةٍ جوهرية .
ولئلا يخسر أي إنسان فضله في الصبر والاستسلام للمشيئة الإلهية ، عند حلول المصائب ولآلام ، بسبب عجز البشر عن كشف أسرار السببية الروحية المهيمنة على مجرى الحياة ، فإن مؤسس الداهشية يوجب الإيمان بعدالة السماء في كل ما يصيبنا . يقول:
أنا أؤمن بأنه توجد عدالة ٌ سماوية ٌ، وأن جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغصات وأكدار إن هو إلا جزاءً وفاقاً لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثام ٍ وشرور ؛ ولهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة ومآسيها غير متبرمين ولا متذمرين ، بل قانعين بعدالة السماء ونظمها السامية .
وينبه الدكتور داهش الناس إلى أن العدالة الروحية كانت – وما تزال – مقترنة بالرحمة الإلهية التي تتجلى في إرسال الأنبياء والهداة من أجل إنارة بصائر الناس علهم يرون الطريق الذي يؤدي بهم إلى الارتقاء الروحي وبالتالي إلى إبعاد الآلام والمصائب عنهم ؛ لكن الناس كانوا- وما زالوا- يجحدون المرسلين ويضطهدونهم منزلين بهم أشد العذاب .
نعم ، إن الإنسان يستحق هذا المصير التاعس
إذ كم من المرات زار أرضنا عددٌ من الأنبياء ، رُسُل الله ،
وشرحوا لنا حقيقة الوجود ، والغاية التي خلقنا لأجلها ،
وأطلعونا على أسرارٍ روحيةٍ سماوية ،
وأكدوا لنا أننا ، إذا سرنا على هداها،
وتنازلنا عن بعض لذات جسدنا الحسية الترابية ،
فإننا ننال عوالم فردوسية متعها خالدة ولذاتها سرمدية .
وإذانا نهزأ بهم وبتعاليمهم ،
ونسخر من أسرارهم الروحية وإرشاداتهم السماوية ،
ونضطهدهم ونرشقهم بكل فريةٍ ،
ونصمهم بكل نقيصةٍ وتهمةٍ زرية …”
واضطهاد الأنبياء والهداة يؤدي إلى مضاعفة عقاب الظالمين وإلى رسوفهم في شقائهم وويلاتهم طول أجيالٍ كثيرة متعاقبة ، لأن العقاب الإلهي لا ينال الجاحدين البغاة فحسب ، بل يمتد أيضاً إلى أبنائهم وأحفادهم وذراريهم بسبب كونهم امتداداتٍ نفسية وراثية لطاقاتهم الإدراكية والنزوعية والإرادية.
هذه الحقيقة التي أوضحها مؤسس الداهشية في مواضع مختلفة من كتاباته ، أشير إليها في الوصية الثانية من وصايا الله العشر التي أنزلت على موسى النبي ، في معرض تحريم عبادة الصور والتماثيل أيا يكن من تمثله . قالت الوصية : ” لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إلهٌ غيورٌ أفتقد ذنوب الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع من مبغضي ، وأصنع رحمةً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي .”
تلك كانت صورة النظام الإلهي للعدالة الروحية الشاملة ولمفاعيلها في أوضاع البشر . وعلى هذه القاعدة بني مفهوم نظام العدالة ، في التعاليم الداهشية ، بأبعاده المختلفة : العدالة في التعامل ، عدالة السلطة ، عدالة القضاء ، العدالة السياسية ، العدالة بين الشعوب .
العدالة في التعامل بين الناس
من البديهيات في التعاليم الداهشية أن كيفية تعامل الإنسان مع الآخرين يحددها مستوى سيَّالاته . والسلوك التعاملي يتأثر ، بالدرجة الأولى ، بالمبادئ الخلقية الدينية ، أو الخلقية الفلسفية التي يعتنقها الإنسان .
ولا شك في أن المؤمن بخلود النفس وبالثواب والعقاب إيماناً صادقاً يكون له من ضميره رادعٌ عن أعمال الإساء للآخرين ؛ أما الملحدون أو المشككون أو المراؤون فليس لديهم ما يردعهم عن إشباع نزواتهم ومطامعهم باستخدام كل وسيلةٍ ممكنة مهما تكن دنيئة . لا يشذ عن هذه القاعدة إلا قلائل من المفكرين يكونون متمتعين بمستوى إدراكي عالٍ يمكنهم من تصور نتائج أعمالهم على الصعيد الاجتماعي ، فيؤثرون الصيت الحسن على السمعة الرديئة . وهؤلاء يبقون قلةً ضئيلة ً في كل مجتمع ، ونفورهم من الإيمان الديني يكون مصدره ، في الغالب ، ما زرعه رجال الدين من مظالم وفضائح وقبائح في طريق الإيمان عبر العصور .
وبما أن الناموس الروحي هو ناموس الحق والعدالة ، فمن تكن أعماله عادلة يكون مجارياً للناموس الروحي ، وبذلك يرقي نفسه ويزيدها سلاماً واطمئناناً ، ومن تكن أعماله مؤذية فإنه يناقض الناموس الروحي ، وبذلك يسفِّل نفسه ويزرع فيها بذور الاضطراب ، فضلاً عن أن أعمال الباطل ستعاقب صاحبها وفقاً لنظام السببية الروحية الشامل .
وفي العصور الحديثة ليس من شخصٍ مثّل العدالة في السلوك الاجتماعي مثلما مثلها المهاتما غاندي ( 1869-1948 ) في سلوكه المبني على اللاعنف والصدق والتواضع والاستقامة . والدكتور داهش يستشهد بحياته وتصرفاته في كتابه “مذكرات دينار” كما في مواضع أخرى من كتبه ، بينها مقالٌ كتبه في “وداع عام 1948” الذي شهدت أوائله مصرع غاندي ؛ مما يقول فيه :
لقد تقوضت أعمدة الفضيلة،
وأُلحدت العدالة في جدثها السحيق الأغوار،
وتوارى الحق غائصاً في أعمق الأسحاق خجلاً واستحياءً،
وكيف لا تقوض أعمدة الفضيلة ،
ولم لا تلحد العدالة في أغوارها ،
ولماذا لا يتوارى الحق وينطوي على نفسه أسفاً وخجلاً
بعدما أطلق الجاني الأثيم (جوداس) ، شقيق (يهوذا) الإسخريوطي الخائن،
رصاصةً على( نبيّ) الإنسانية ورسولها ومصلحها الأمين (غاندي )!
لكن ما تعني العدالة في التعامل ؟
إذا نظرنا في عمقٍ إلى أعمال الناس وتصرفاتهم وإلى نتائج تلك الأعمال والتصرفات فيما بينهم ، لرأينا أن العدالة في التعامل تقوم على أساسٍ عام هو الصدق في التعاطي بين الناس بحيث لا يخدعون في إتخاذ مواقفهم بعضهم من بعض ، سواءٌ على الصعيد الاجتماعي أم عى الصعيد السياسي أم على الصعيد الديني أم على الصعيد الاقتصادي . وأفهم بالصدق ، هنا ، الصراحة فضلاً عن الاستقامة والأمانة والإخلاص ، أي ما تنطوي عليه الكلمة الإنكليزية Honesty من مدلولات . فالتاجر الذي يغش ، والسياسي الذي يخادع ، ورجل الدين المرائي، والمرأة المماذقة تملقاً ، والرجل المنافق تزلفاً – هؤلاء جميعاً وأشباههم يطعنون عدالة التعامل في الصميم .
وقد شدد مؤسس الداهشية على الصدق في التعامل ، وحمل على الرياء والخداع والمماذقة حيثما كانت ، سواءٌ في قصصه أم في مقالاته الوجدانية . وتبرز أهمية الصدق في التعامل لديه في ” أسطورة الصدق ” التي ساقها في كتابه ” مذكرات دينار ” على لسان طاغور ، شاعر الهند الأكبر . وفحواها أن غلاماً غريباً أقبل إلى الناسك المعلم جومايا يحمل له الورود والأثمار طالباً إليه أن يقوده إلى طريق الحقيقة . فأجابه المعلم المتصدر حلقة أبناء النساك :” لتحل عليك البركات ، يا بني . إلى من تنتسب؟ إن الكمال الروحي لا يحاول الوصول إليه إلا البراهمة .” فقال الغلام :” لست أدري ، يا سيدي ، ابن من أنا . وسأذهب لسؤال والدتي عن ذلك .” وانصرف الفتى إلى أمه واستوضحها الأمر ، ثم عاد إلى المعلم الناسك ، وأجابه عن سؤاله قائلاً : ” لست أدري ، أيها المعلم ، فقد قالت لي أمي إنها كانت في إبان فتوتها مع أشخاصٍ كثيرين ، وحينما وضعتني ، كانت بدون زوجٍ معروف .”
ويردف الدكتور داهش على لسان طاغور قائلاً:
” فارتفعت بين الجالسين همهمةٌ كدوي النحل استنكاراً . ورمق آخرون الغلام شزراً . ولعن سواهم هذا الطريد البريء . عند ذلك تقدم الناسك جومايا وفتح ذراعيه ، وضم الغلام إلى صدره وقبله بلهفةٍ ، ثم قال :
- أنت تفضل على البراهمة بكثير ، يا بني ، . فإنك ورثت أنبل وأسمى فضيلةٍ ألا وهي الصدق .”
وإذا سلمنا بأن لكل إنسان حقوقاً شخصية ً طبيعية – منها الحريات والملكية والحرمة الشخصية – تقضي
العدالة الإلهية بألا تسلب منه أو يعتدى عليها ، فيمكننا أن نستنتج أن العدالة تقضي بأن يؤدى إلى كل ذي حق حقه ، كما تقضي بأن الأذية لأي حق يعاقب عليها بمثلها . والوجه القصاصي من العدالة عبرت عنه شريعة ” العهد القديم ” بالقول المأثور ” العين بالعين والسن بالسن ” ؛ أما الوجه الإيجابي فقد عبرت عنه كلمة السيد المسيح القائلة ” عاملوا الناس بمثل ما تودون أن يعاملوكم به ؛ هذه هي الشيعة وكلام الأنبياء .”
وسبق أن أدرج كونفوشيوس هذه القاعدة في تعاليمه ، وكررها في تضاعيفها ، جاعلاً إياها جوهر العدالة في السلوك الاجتماعي .
وقاعدة العدالة بوجهها القصاصي الآنف الذكر بني عليها نظام العدالة الروحية الشامل ؛ فالإنسان يحصد ما يزرع ، ويعاقب بمثل العمل المسيء الذي قام به . وكثيرةٌ هي القصص التي جعلها الدكتور داهش تطبيفاً لهذه الشريعة الروحية .
لكن الإنسان الطامح إلى تخطي درجة الأرض الروحية ، يجب أن يتجاوز مبادلة السيئة بمثلها . وهذا ما ميز موقف السيد المسيح ودفع زخماً روحياً سامياً في تعاليمه . فهو يقول :
سمعتم أنه قيل :” العين بالعين والسن بالسن .” أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير . من لطمك على خدك الأيمن ، فاعرض له الآخر (…) وسمعتم أنه قيل :” أحبب قريبك وأبغض عدوك .” أما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم ، فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات ، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار ، وينزل غيثه على الأبرار والفجار . فإن أحببتم من يحبكم ، فأي أجرٍ لكم ؟(…) فكونوا أنتم كاملين مثلما أن أباكم السماوي كامل .
وما دعا إليه المسيح لا يطيقه إلا الساعون إلى الكمال ، ولذلك جعل مطلبه الدرجة الأخيرة في معراج الارتفاء الروحي لبلوغ الكمال . ونادرون بين البشر هم الذين طبقوا هذه التعاليم السامية .
ومن الخطاء الظن بأن القرآن الكريم لم يناشد الناس ليأخذوا بالصفح والرحمة والإحجام عن الإنتقام . فقد ورد فيه عدة آيات ٍ تحض على ذلك ؛منها :” وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، والله يحب المحسنين .”
ومن عرف مؤسس الداهشية عن كثب ، تأكد له أنه طوال حياته لم يعامل المسيئين إليه بمثل ما عاملوه به، بل تجاوز عن سيئاتهم وشملهم بشفقته ورحمته ومحبته . وهذا الثالوث من العواطف السامية يحتل الصدارة في ” صلاة داهش ” التي يرددها يومياً أتباعه النتشرون في مختلف أنحاء العالم . أما المواقف التأديبية المجلجلة التي وقفها الدكتور داهش من الطغاة وأعوانهم ، فإنما أملتها عليه مبادئه التي توجب الثورة على الحكام الظالمين وأيدتها المشيئة الإلهية التي زودته بقوى روحيةٍ خارقة ، وذلك ليكون الطغاة عبرةً للظالمين في كل عصرٍ ومصر ، وتذكيراً لأولي الألباب بأن نظام العدالة الإلهية المهيمن على الأرض لا بد أن يأخذ مجراه الروحي ضد المتسلطين الجائرين وأعوانهم .
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم المفارقة بين طلب المسيح إلى الله أن يغفر لأعدائه ” لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون ” ، وسخط الله عليهم وتشريدهم بعد تدمير أورشليم.
وجوهٌ من العدالة في التعامل
إكتفى الدكتور دهش كمُصلح ٍ روحيٍّ بأن يضع القاعدة ويسلط الأضواءعلى نماذج من التعاطي بين الناس ليُظهر وجه العدالة فيه . وحسبي أن أورِد، في هذا المقام ، أربعة نماذج :
1- بين الرجل والمراة
مع بداية عام 1936 بدأ الدكتور داهش يخط ” كلماته ” في المرأة والصداقة والحياة بمختلف شؤونها وشجونها . كان عمره ستة ً وعشرين عاماً . لكنه كان قد خاض من المحن أهوالها ومن خيانات النساء والأصدقاء أفظعها ، فأتت خواطره وآراؤه في المرأة – كما في الصداقة والحياة – قاتمة ً سوداء ، معبرة ً عن تجاربه الشخصية الكاوية ، لكنها ، مع ذلك ، كانت مبنية ً على قاعدة العدالة في التعامل بين الرجل والمرأة ،ألا وهي الصدق في التعاطي . فالمرأة التي تخدع الرجل لتوقعه في أشراكها ثم تخونه هي امرأة ً ظالمة ، والعدالة تقضي بمعاقبتها وتشهيرها . وإن هو صب جام نقمته على المرأة الخائنة المنجرفة بشهوتها ، فقد نال رشاش نقمته الرجل أيضاً الذي يشارك المرأة في المسؤولية المشتركة أوضحها الدكتور داهش في سداسيةٍ بعنوان ” لا المرأة ولا الرجل ” أدرجها في كتابه ” بروق ورعود ” الذي وضعه عام 1942 ، وقد جاء فيها :
أنا لا أؤمن بالمرأة . كما إن الرجل لا ثقة لي به في هذه الغبراء
المرأة شهوانية هوجاء . والرجل ذو أنانيةٍ وسلطةٍ رعناء
المرأة تبتسم لكل معجبٍ بها . والرجل لا يتورع أن ينصب حباله لكل ابنة حواء
المرأة تقسم أنها عفيفة . والرجل يؤكد أنه بعيدٌ عن الفحشاء
مع أن ربة الحقيقة لو تجلت لصاحت بصوتٍ من العلاء :
إن المرأة الطاهرة والرجل العفيف النفس لا وجود لهما في دار الشقاء.
غير أن الموازنة الموضوعية شبه الشاملة بين الرجل والمرأة سنراها في كتابه المعجز ” مذكرات دينار ” الذي كتبه في أوائل عام 1946 . ففيه يدلي برأيه الموضوعي على لسان الدينار الذهبي ، بطل قصته . يقول :
أنا لا أستطيع أن أحكم على نساء الأرض قاطبة ً بسبب اتجاه امرأةٍ واحدة . كما إنه لا يمكنني أن أصدر حكمي ، أيضاً ، لأجل ميولها وضعفها .
فالمرأة كالرجل ، تشعر كشعوره ، وتتمنى كتمنياته . ومثلما توجد خائنات ٌ ، يوجد أيضاً رجالٌ يتفوقون عليهنّ بالمكر والخيانة والمراوغة . كما أنه توجد نساءٌ مغالياتٌ في وفائهن ، وكذلك بعض الرجال .
فإذا وضعنا المرأة على المشرحة ، وقارنا بينها وبين الرجل ، كي نصدر حكمنا على أفضلهما ، لبؤنا بالفشل ، كذلك . وأستطيع أن أقول إنهما متساويان : فإن المرأة تتمم الرجل ؛ وهذه حكمة السماء وإرادة الباري تعالى .
أما تلك الصورة المضحكة التي ملأوا بها صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية ، وشحنوا بأخبارها بطون الكتب ؛ تلك الخرافة القائلة بأن المرأة ضعيفة ٌ كل الضعف أمام رغباتها ، وأن الرجل يتفوق عليها في هذا المضمار ، فإنني أهزأ بمختلِقها ، وأسخر بمخترعها . فوقائع الحال برهنت ، والظروف والمناسبات أكدت أن الرجل أضعف من المرأة ، وأن المرأة تتفوق عليه بهذه الناحية . ولكن، لكل حالةٍ شواذ . فإن هذه النظرية لا يمكن تطبيقها على العموم . فإذا أكدنا هذا ، فإننا نكون جد مخطئين في حكمنا المنقوص
وخلاصة الأمر أن المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات . وما نشاهده من شذوذٍ في بعض النساء أو الرجال ، لا يمكننا أن نأخذه كمقياس ، لنقارع به خصومنا في ساعات المفاضلة بين الجنسين .
ومن تعميم الدكتور داهش التساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة يستخلص أنه لم يميز الرجل بأي حق ما كما لم يحرم المرأة من التمتع بأي حق يتمتع به الرجل . وبناءً على ذلك يمكن أن نفهم أنهما يتساويان في حقوق الزواج والطلاق والإرث ، كما في الحقوق المهنية والسياسية والثقافية والإجتماعية .
وبقوله ” إن المرأة تتمم الرجل ؛ وهذه حكمة السماء وإرادة الباري تعالى ” جعل من الزوجين ، وبالتالي من الأسرة ، الوحدة الطبيعية التي يتكون منها بناء المجتمع .
2- العدالة في التعامل الديني
قاعدة العدالة في التعامل هي الصدق ، مثلما سبق ذكره . وأوجب ما يكون الصدق هو في التعامل الديني ، وخصوصاً لدى من يتقلدون الإرشاد الروحي والرعاية الدينية كالكهنة والراهبات . فالإنسان العادي قد يكون مؤمناً صادقاً أو مشككاً أو ملحداً ، وليس من أحدٍ له الحق في فرض إيمان ديني معين على أحد ، لأن حق الإعتقاد والعبادة هو من الحريات الشخصية التي لا يجوز المساس بها . لكن الذي يختار بإرادته أن يكون مرشداً روحياً أو راعياً دينياً ، رجلاً كان أو امرأة ، يجب عليه أن يكون صادقاً في عمله وممارسته واجبات دينه ؛ أما إذا كان مرائياً ، فإنه يصبح بمنزلة المخادع المضلل للمؤمنين عمداً وقصداً ، وإذ ذاك يتوجب ضحه وتشهيره برأي مؤسس الداهشية .
وموقف الدكتور داهش ما هو إلا رجعٌ وتأكدٌ لموقف السيد المسيح من الكهنة المرائين الذين كثيراً ما ندد بهم ، لنقضهم فضيلة الصدق ، قاعدة العدالة في التعامل بينهم وبين المؤمنين . وحسبنا التقريع الشهير التالي :
الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون ، تقفلون ملكوت السماوات في وجوه الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون (…)
” الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون ، انتم أشبه بالقبور المكلسة ، يبدو ظاهرها جميلاً ، أما باطنها فممتلئ ٌ من عظام الموتى وكل نجاسة . وأنتم كذلك ، تبدون في ظاهركم للناس أبراراً ، أما باطنكم فممتلئ ٌ رياءً وفسقاً .”
وفي ” مذكرات دينار ” عدة أمثلةٍ حيةٍ على أرباب الرياء الديني وضحاياه المساكين . فمن مطران يلقي موعظة ً أمام المؤمنين يندد فيها بالمكر المداجاة ، فيستدر تبرعات السذج ، ثم تأتيه أرملة ٌ فقيرة ٌ ذات ستة أطفال تطلب معونته ، فيصرفها بحجة أن خزانة المطرانية خالية ؛ إلى كاهن ٍ يغتنم فرصة غياب المطران ، فيفتح باب خزنته بمفاتيح مزيفة ويستولي على كل ما فيها ، ثم يسام مطراناً بعد موت الأول ، فيعتدي على عفاف اللاجئات إليه بتحريف أقوال السيد المسيح وتأويل معانيها . وما قولك بالمطران (مبروك) الذي يفاجئه موعد القداس الذي عليه أن يقوم به إذ كان مستغرقاً في لعبة قمار مع أحد الكهنة ، فيبادر إلى إلقاء ورق اللعب في جيب كمه السري العريض مع بعض الحلى التي سرقتها وجلبتها له خادمة ٌ من أقربائه ، ويلقي في جموع المؤمنين عظة ً تشجب القمار ومساوئه ؛ ولشدة حماسته وسرعة حركات يده ، ” أفلت الجيب المثبت في كمه من عروته ، فانقذفت أوراق اللعب في الهواء ، وتناثرت الحلي ، فاصطدمت بوجوه بعض المستمعين لموعظته الفذة …” لكن المطران الماكر لم يعدم حيلة ، بل سرعان ما حول الفضيحة إلى انتصارٍ خطابي له فقال :
أرأيتم كيف تبعثرت هذه الأوراق وتفرقت أيدي سبأ ؟
هكذا سيبعثركم الله في أروقة الجحيم المتقدة النيران ، إذا لم تقلعوا عن رذية القمار والسرقة الدنيئة .
وهكذا سيكون خجلكم عظيماً أمام عرش الديان ، في اليوم الأخير ، فيما لو استمر المدمنون منكم على التعلق بهاتين الجرثومتين اللتين تقودان إلى الهلاك الأبدي .
وكي أستطيع أن أشرح لكم أضرار هاتين النقيصتين المرذولتين بصورةٍ تقربها إلى أفهامكم ، وتظهر لكم فداحة نتائجها ، أحببت أن أقرن القول بصورةٍ عملية ، فوضعت ورق اللعب مع هذه الحلي التي أحضرها السارق لي كي أعيدها لصاحبها ، بعدما اعترف ، فوعظته وأنبته على عمله الذميم ، فندم وطلب التكفير …”
وطبعاً كان تأثير (مبروك) في المؤمنين بالغاً إلى حد أن صاحب الحلي المسروقة الذي كان بينهم تقدم وأعلن تبرعه بالحلي للمطران المفوه التقي !
3- العدال بين المستثمرين والزبائن
في رأي الدكتور داهش أن قاعدة الصدق نفسها يجب أن تبنى عليها علاقات المستثمرين بالزبائن ، سواءٌ كان المستثمرون مالكين أو محامين أو أصحاب متاجر أو شركات … وقد مدته رحلاته حول العالم بين سنة 1969 و 1983 بتجارب ومشاهداتٍ وافية ليصدر آراءه في التعامل بين الناس . ففي نيويورك لم تعامله الجمارك باستقامةٍ وعدل . وفي عدة مطاعم في عدة مدنٍ أمريكية شاهد اللصوصية والابتزاز الحقير للزبائن . وفي نيويورك استأجر شقة ً ، فتقاضاه صاحبها سلفاً 1600 دولار إيجار شهرين ، لكن ظروفاً طارئة ً جعلت الدكتور داهش يعدل عن الإيجار بعد ساعةٍ واحدة ، ويطالب المالك بإعادة حقه إليه ، غير أن المالك رفض واستولى على المبلغ . فأوكل الدكتور داهش محامياً ليعيد إليه حقه السليب . لكن المحامي لم يقم إلا باتصال هاتفي مع المالك كانت نتيجته الفشل ؛ ومع ذلك طالب الدكتور داهش ب 820 دولاراً لقاء أتعابه .
وقد علق مؤسس الداهشية على هذا الحادث الذي هو نموذجٌ عما يقع يومياً في أمريكا بين المستثمرين والزبائن بقوله :
إن هذا إلا سرقة قذرة دونما ريب . إنه لصوصية ٌ دنيئة ٌ للغاية . فمن يقتنص المال بهذه الطريقة المدنسة ما هو إلا مختلس ٌ جبانٌ يجب تشهيره . فالسارق بحطةٍ يجب أن يزج بالسجون ، فهي مكانه الدائم على ارتكاباته الملوثة .
وفي فلاكستاف كانت للدكتور داهش انطباعات سوداء عن الشركات السياحية التي تغري الزبائن بما تقوم به من دعاية ، فإذا هم يبحثون عن الماء في صحراء . فبعد اجتيازه مسافاتٍ هائلةٍ بالحافلة ليرى ” الهنود الحمر ” ويصور مشاهد عن حياتهم حسبما وعد به ، فوجئ بالمنع . فقال معلقاً :
وبأسفٍ كبيرٍ أقول إننا قطعنا آلاف الكيلومترات لكي نشاهدهم ونلتقط صوراً سينمائية ًعنهم ، بعد أن قرأنا الإعلانات التي تصدرها شركات السياحة ، وهي تؤكد إمكان السائح أن يشاهد الهنود الحمر ، ويسجل بعدسته مناظر حياتهم ؛ فإذا بنا نفاجأ ، عند وصولنا إليهم ، بأن يقال لنا ” ممنوع أن تأخذوا أية صورة للهنود !” إذاً هذه الشركات ليست إلا فخاخاً تنصب لاصطياد السائح الذي يصرف الألوف ويبذلها بسخاء في سبيل أخذه لقطاتٍ سينمائية لقبيلةٍ هنديةٍ تاريخها معروف ، فيفاجأ مثلما فوجيئنا بالمنع .
كلا ، إن هذا إحتيال وضيع ! ويجب على السلطات الضرب بعصاها الحديدية على يد هذه الشركات التي همها الوحيد جمع المال وتكديس الدولارات ، ولكن بطريقةٍ غير شريفة على الإطلاق . وهذا غير جائز .
ومن يطالع سلسلة ” الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية ” بأجزائها الاثنين وعشرون يقف على أحداثٍ كثيرةٍ مر بها المؤلف في مختلف بلدان العالم ، تجري في الشركات والفنادق والمستشفيات والمصارف والمتاجر والغالريهات وغيرها ، كلها تظهر أن العدالة في المعاملة بين الناس ، ولا سيما بين المستثمرين والزبائن ، أصبحت كلمة ً لا معنى لها ، وأن الصدق اختفى من تعاطيهم ليحل محله النفاق ؛ ذلك بأن تحصيل المال بأية وسيلة أصبح هم البشر الأول ، فهو إلههم القوي الأوحد الذي وحدهم على اختلاف مشاربهم وأجناسهم . إزاء هذا الوضع الظالم يناشد مؤسس الداهشية الدولة بالتدخل منعاً لابتزاز الناس .
تلك كانت العدالة في التعامل بين الناس في المفهوم الداهشي .
أبعادة العدالة لدى مؤسس الداهشية (2)
العدالةُ في الحكم
بقلم الدكتور غازي باركْس
العدالةُ لدى مؤسس الداهشية ذاتُ ثلاثة أبعادٍ رئيسة، هي العدالة في التعامل بين الناس، والعدالة في الحكم، والعدالة بين الشعوب. وقد مهدتُ، في العدد السابق، بإيضاح نظام العدالة الإلهية الشامل في فكر الدكتور داهش، ونتائجه الظاهرة في أوضاع البشر، ثم فصَّلت مفهوم العدالة في التعامل بين الناس مركزًا على ثلاثة أوجهٍ منها تتمثل في عدالة التعاطي بين الرجل والمرأة وبين المرشد الديني والمؤمن، وبين المستثمرين والزبائن، ومبينًا أن العدالة في التعامل تقوم على أساسٍ عام هو الصدق بمعناه الواسع الذي يشمل الاستقامة والأمانة والإخلاص فضلاً عن الصراحة.
وفي هذا المقال سأتناولُ المفهوم الداهشي للعدالة في الحُكم من خلال الأنظمة السياسية، وسلطات الحُكم الثلاث، وأنظرُ في أساليب العقوبة، وواجب الثورة على الحكام الفاسدين.
الأنظمة السياسية
منذ صيف عام 1969 ، بدأ مؤسس الداهشية رحلاته حول العالم بغية تعرف الشعوب عن كثب في معالمِ حضاراتها، كما في عاداتها وأخلاقها ومحاسنها وسيئاتها؛ فزار مُعظمَ الدول في آسيا وإفريقيا وأُوروبا وأمريكا الشمالية، ودون رحلاته في سلسلة “الرحلات الداهشية حول الكرة الأرضية” في 22 مجلدًا. ومن خلال تعاطيه مع الأفراد والجماعات حيثما ذهب، تحصلت له خبرةٌ أيدت نظرته الثاقبة الصائبة المبنية على معرفته الروحية الخارقة. وفي مطلع عام 1982، إذْ كان في فندق بدفورد بباريس، كتب كلمةً انطوت على خُلاصةِ نظرته في الأنظمة السياسية المهيمنة على العالم. وقد جاءَ فيها: في عصرنا الحالي لا تسمعُ إلا بالنظم الديمقراطية، والدكتاتورية، والرأسمالية، والاشتراكية، وسواها وسواها من المضحكات المبكيات على اختلاف اشكالها وألوانها واتجاهاتها. وقد سلبت من الإنسان روح إنسانيته بعدما أوقعته في شباكها اللعينة الكاذبة، وأسرته، فإذاهُ آلةٌ مسيرة غير مخيرة. لقد اصبح خاليًا من التعاطف والتواد والتراحُم والشعور الإنساني المتبادل بين الإنسان وأخيه الإنسان.
فإذا لم ينبذ الجميعُ هذه العقائد الإلحادية القذرة، فسيبقون راسفين في قيودهم الشيطانية التي تشد على أعناقهم لتوردهم موارد التهلكة.
إن العودة إلى الدين هي طريقُ الخلاص للجميع، ففيه يجد الإنسانُ راحته وأمنه، وفيه يجدُ قلبه وقد اطمأن، وروحه وقد استقرت.
إن الدين هو الطريق الوحيد الذي يقودُ إلى واحةِ الأمان والطمأنينة. فعليكم بالعودة إليه والسير في طريقه المستقيمة، لكي يكون معنى لحياتكم واستقرار لوجودكم الذي عصفت به المادية عصفًا مبيدًا.
فالحياةُ بدون القيم الروحية السامية جحيم مخيف رهيبٌ بنتائجه المزلزلة.
ماذا يمكننا أن نستنتج من موقف الدكتور داهش السابق من الأنظمة السياسية المعاصرة، إذا استلهمنا نظرته الروحية الشاملة التي استمد منها موقفه؟
أولاً – إن الأنظمة السياسية لا معنى لاختلاف تسمياتها إذا اتفقت في نتائجها الوخيمة على الإنسان.
ثانيًا: لا يكون الإنسانُ إنسانًا إلا بقدر ما يتمتع بروحٍ إنسانية تتجلَّى في “التعاطف والتواد والتراحُم والشعور الإنساني المتبادل”.
ثالثاً: البشرُ إخوةٌ في أسرةٍ واحدة، ويجبُ ألا يفصل بينهم لون أو عرقٌ أو معتقد أو قومية.
رابعًا: إن للأنظمة أشكالاً برَّاقة تجتذب الإنسان في مراحل زمنية معينة، لكن هذه الأشكال البرَّاقة ليست إلا شباكًا تأسره وقيودًا تكبّل حريته الروحية، فيصبح عبدًا للنزعات المادية أو القومية أو العرقية. وبدل أن يساعد النظام الإنسان على تناميه وتفتحه الإنساني، يخنقه ويزرع الشقاء في نفسه.
بناء على ذلك يمكن أن يُقاس صلاح نظام ما بقدر ما تتهيأ فيه ثلاثة عناصر هي الحرية والعدالة والروح الإنسانية. ولئن تهيأت الحرية والعدالة نسبيًا في بعض الأنظمة المعاصرة، فإن الروح الإنسانية مفقودة منها جميعًا فما ضمان إدخال الروح الإنسانية إلى النظام السياسي؟ في رأي مؤسس الداهشية الضمان الوحيد لذلك هو العودة إلى الدين؛ لا إلى قشور الدين وأعراضه المتمثلة بطقوسه وشعائره أو حدوده الاجتماعية التي أملتها الظروف المحيطة بنشأة الدين، بل إلى جوهره المتمثل بالقيم الروحية السامية. فالقشور والأعراض هي التي تفرق دينا عن آخر، والمُغالاة في التشبث بها تؤدي إلى عصبيةٍ عمياء، طالما أضرَّت بالدين والإنسان، وطالما أشعلت الفتن والحروب؛ في حين أن الجوهر الروحي واحدٌ في الأديان كلها.
إذًا لا يدعو الدكتور داهش إلى جعل دينٍ معينٍ يسيطر على الدولة، فالدين الواحدُ، من حيث هو تنظيم بشري، ليس بإمكانه السيطرة على دولة ما إلا بأعراضه. وهذه الهيمنة، إذ حدثت، تجعل الحرية والعدالة في خطر، والمؤمنين بسائر الأديان والعقائد في مستوى أدنى. وبدل الأخوَّة الحقيقية الموحِّدة والمطمئنة، يقوم سيّد ومسود، ومستثمِر ومستثمَر، ويشيع الشعور بالحرمان والظلم لدى الأقليات أو المستضعفين، وهذا ينفي الحرية تدريجيًا ويقضي على العدالة والأمان.
خلاصة القول إن ما يدعو إليه الدكتور داهش هو جعل القيم الروحية أساساً حيًا في كل نظام سياسي. والقيم الروحية نجدها في جوهر الأديان جميعًا فإذا خلا منها دين، فهو يبطل أن يكون دينًا حقيقيًا لفقدانه الهداية الروحية.
وفي نظام سياسي أساسه القيم الروحية، لا يكون الحاكم ولا المحكوم أسيرين للنزعة المادية التي تستهدف كنز الثروة على حساب حرمان الآخرين، ولا رهن النزعة المادية التي باسم الحرية تبيح كل محرمٍ وكل شهوةٍ بهيميةٍ مجاملة لكل حركةٍ تحررية إباحية متطرفة لا يُقيّدها وازعٌ ولا رادع.
وبما أن الأنظمة السياسية المعاصرة قد تساوت في سلبها “من الإنسان روح إنسانيَّتة”، فمن البديهي أن تصبح المفاضلة، لدى مؤسسة الداهشية، مقصورة على مدى توافر مقومات الحرية والعدالة في النظام. وعلى هذا الصعيد، سبق أن رأينا أن الديمقراطية الأمريكية كانت تستهوي مؤسس الداهشية منذ أكثر من خمسين سنة، أي مذ وضع كتابه “مذكرات دينار” في أوائل عام 1946.
وجدير بالذكر أن مفهوم الدكتور داهش للنظام السياسي العادل هو قريبٌ من مفهوم المهاتما غاندي في الغاية التي يجب أن يهدف إليها، وهي حماية حقوق الإنسان الأساسية والعمل على تنميته الروحية. كذلك يلتقي مع أفلاطون وأرسطو في أن بناء الدولة يجبُ أن يقوم على الفضيلة، وعلى تشجيع المواطنين على طلبها وممارستها في تعاملهم. وبذلك يختلفُ مفهومُ الدكتور داهش للنظام السياسي اختلافاً أساسياً عن مفهوم الحكم الماكيافلي القائم، لا على الفضيلة والقيم الروحية، بل على المراوغة والبطش والقوة، واستخدام أقذر الوسائل وصولاً إلى الغاية.2
سُلُطاتُ الحُكمِ الثلاث
إن ما عاناهُ مؤسسُ الداهشية من ظلمِ طاغيةِ لبنان شحذ رأيه المبدئي الحاسِمَ في رفضِه لكل سلطةٍ مستبدَّة، لأن الاستبداد يؤدِّي غالبًا إلى ظلم الرعية. فالرئيس المستبد يجرفُه الصلفُ والتجبر إلى الطغيان، والطغيان يعني تخطي القوانين والدستور إن كان ثمة وجودٌ لها. وهذه التجربة تمثلت واقعياً في ما يسمى بـ”ديمقراطية” لبنان عهد بشاره الخوري (1943 – 1952) الذي ما زال اللبنانيون يعانون عواقبه الوخيمة، لأن بذور الفساد التي زرعت منذ نصف قرن ما زالت تنمو وتعطي ثمارها المرة. فرئيسُ السلطة التنفيذية الذي يتجاوز صلاحياته، ويضرب بالدستور عرض الحائط، لا يكون رئيسًا ديمقراطية حقيقيًا، بل رئيسٌ مستبد في نظامٍ ديمقراطي لم تطبق مبادئه.
كذلك السلطة التشريعية إذا لم تؤدِ دورها مثلما يجب، تصبح مجرد واجهةٍ كاذبة لحكمٍ ديمقراطي كاذب.
فمجلس الأمة يجب أن يكون مستقلاً برأيه، معبرًا عن مصلحة الشعب، وصائنًا للحريات التي يضمنها الدستور، وليس خانعًا خاضعًا لنزوات الرئيس التنفيذي.
كما إن السلطة القضائية إذا لم تؤد دورها مثلما يجب، تغدو وسيلة قمع للحريات ووسيلة تعذيبٍ وإذلالٍ للمواطنين. وهذا ما وقع فعلاً في لبنان عهد بشاره الخوري الذي جعل القضاءَ أداةً طيعةً لتنفيذ مآربه الشخصية ومصالحه العائلية.
يقول مؤسسُ الداهشية في رسالته الأولى إلى الدكتور حسين هيكل، رئيس مجلس الشيوخ المصري ورئيس الحزب الدستوري في الأربعينات:
إن الدستور اللبناني، يا أخي، أشبهه ببيتِ عنكبوت واهي الخطوط لا يقوى على مجابهة النسيم الخفيف خوفًا من تمزيقه، بل ملاشاته ودكِّ آثاره دكَّا. ومن العارِ أن نقولَ إننا شعبٌ ديمقراطي دستوري ما دُمنا لا نطبقُ القولَ بالفِعل، وما دامَ في لبنان ظلمٌ خطيرٌ هائلٌ كهذا.
كما إن المؤسف والمخيفَ جدًا هو عدمُ اهتمام النواب برفعِ حيفٍ صريحٍ كهذا! واأسفاه!
وبعد كل ذلك يتبجحون بالقانون، والدستور، والعدالة!…
حديثُ خُرافةٍ يا أم عمرو…
إنها كلماتٌ جوفاءُ لا معنى لها(…) ما دامَ القانونُ لا يطبقُ إلا بطريقةٍ كيفيةٍ تجرُّ وراءها المآسي والكوارث وأخطر الأحداث.
أما السلطة القضائية في البلدان الراقية فقد أعلن الدكتور داهش بعض مهامها في رسالته الثانية التي رد فيها على رسالة الدكتور حسين هيكل المؤخرة في 9 أوغسطس (آب) 1951:
في كل البلدان الراقية يكون القضاء سياج الحريات المهدَّدة من الحكام والمتنفذين، ويقف في وجوههم شاهرًا سيفه ذا الحدَّين لبتر رغباتهم وردّ كيدهم إلى نحرهم، وانقاذ من يريديون افتراس حرياته، ودوس حقوقه، والاعتداء على حقِّه بباطلهم:
إذًا الديمقراطية لا تستتمُّ معناها إلا إذا كانت السلطات الثلاث منفصلة، مثلما هي الحال في البلدان الراقية، وقادرة على تنفيذ مهامها ففي حدود الصلاحيات الدستورية المُعطاة لها. أما أن يتضمن الدستور بنودًا تبقى حبرًا على ورق، أو لا ينفذ منها إلاَّ ما يوافق مصلحة الرئيس التفنيذي، ففي هذه الحال لا معنى للدستور ولا للديمقراطيَّة. مثال ذلك أنَّ المادّة الستين من الدستور اللبناني تلقي التبعة على رئيس الجمهورية في حال خرقه الدستور، وتوجب محاكمته أمام “المجلس الأعلى”. لكن “المجلس الأعلى” المنصوص عليه في المادة الثمانين من الدستور لم يرَ النور، ولم يجرؤ أحد من النواب على المطالبة بتنفيذ بنود الدستور كاملة.
نموذج الحاكم الفاضل
يقول الدكتور داهش، بلسان “الدينار” بطلِ قصته الفذة “مذكرات دينار”.
دُهشت كثيراً عندما شاهدتُ البساطة التي تمت بها مقابلتنا لجلالة الملك فيصل الأول (1883 – 1933 )، الديمقراطي الصحيح وابن الشعب، هذا الذي التفَّتْ حوله القلوب تفتديه بالمهج والأرواح، هذا الملكِ الذي يسير بين أفراد شعبه دون حاجةٍ لحراسته لأنه ليس له عدو يخشى منه على حياته الغالية على قلوب العرب.
من هذه الفقرة نستنتجُ عدة أمور:
الحاكمُ الديمقراطي، برأي الدكتور داهش، ليسَ من المحتوم أن يكون في نظام جمهوري. فرئيسُ جمهورية قد يكون حاكمًا مستبدًا، دكتاتورًا، وملكٌ قد يكون ديمقراطيًا صحيحًا. فالديمقراطي هو من يشعر أنه فردٌ من الشعب، يتحسس حاجات أبناء الشعب، ويشاركهم في آلامهم، ويشعر بحرمانهم بحيث لا يكون له عدوٌ في الشعب، فيسير بين الناس دون حراسة. وهذا يُذكرنا بالخليفة العادل عمر بن الخطاب. فحيثما يشيعُ العدلُ وينتفي الظلم، يطمئن الناس، وتتجه قلوبهم إلى الحاكم.
لكن مثل هذا الحاكم، ملكًا كان أم رئيسًا تنفيذيًا منتخبًا، سواءٌ اختاره الشعب مباشرةً أم اختاره المجلس التمثيلي، لن يكون “ديمقراطيًا صحيحًا وحاكمًا فاضلاً ما لم يتمتع بنبلِ النفس وحميدِ الخصال؛ وهذا يوجبُ الترفعَ عن كل ما يغري من وسائل فيها كسبٌ لمغانم شخصية أو عائلية أو حزبيَّة أو فيها حتى مجالٌ للتسلط على الناس. ولا يتم ذلك إلا بتواضُعٍ فطري في الإنسان. فإذا استحال على الحاكم أن يكون مثل غاندي، الإنسان الكامل، فيجب أن يتحلَّى، على الأقل، بالتواضُع والشعور الإنساني الصادق. فمن العسير جدًا أن يكون حاكمٌ “ديمقراطيًا صحيحًا” من غير أن يكون فاضلاً بمعنى من المعاني. فأن يعيش الحاكمُ عيشًا أرستقراطيًا باذخًا مُغرقاً في الرفاهية والترف، بينما يكون كثيرون من شعبه غارقين في الفقر والبؤس، يُنافي روحَ الديمقراطية الصحيحة.
هذا يؤدي بنا مجددًا إلى ضرورة أن يكون نظامُ الحكم مبنيًا على القيم الروحية التي ينطوي عليها جوهرُ الأديان جميعًا.
لكن للحاكم الديمقراطي صورةٌ أخرى لدى الدكتور داهش، إنها صورة سعد زغلول (1857 – 1927)، رئيس الوزارة المصرية في العشرينيات من فترة الانتداب البريطاني الصعبة على مصر.
فمن خلال ما كتبه عنه الدكتور داهش في “مذكرات دينار” نستنتجُ أن قوة سعد زغلول مستمدة من حب الشعب له، ومن معالجته الأمور بحكمةٍ سياسيةٍ وروح وطنية حقيقية، كما من شجاعته في مواقفه ضد المتسلِّطين الإنكليز، وثباته في جهاده رغم العراقيل والمصاعب الكثيرة.
والشجاعة في مواجهة الأزمات مع الحكمة السياسية من أهم مزايا الرئيس الناجح. وبهاتين المزيتين يمتدح الدكتور داهش الرئيس جون كِندي ولا سيما في معالجته قضية الصواريخ السوفياتية في كوبا.
واجباتُ السلطات العادلة تجاه الشعب
لقد رأينا أن النظام الصالح، في رأي مؤسس الداهشية، يمكن أن يقاس صلاحه بقدر ما يتهيأ فيه ثالوثُ الحرية والعدالة والروح الإنسانية، وأن أسس هذا الثالوث قائمةٌ في القيم الروحية السامية التي ينطوي عليها جوهر الأديان السماوية كلها، دونما تفريق بينها.
وبناءً على هذا الأساس الروحي تترتبُ على السلطان العادلة عدةُ مسؤولياتٍ تجاه الشعب:
أولاً – بما أن الحياة والحرية منحتان إلهيتان، وجبَ على الدولة العادلة، استنتاجًا، أن تصونَ سلامة الأفراد وتحافظ على حرياتهم، وتدفعَ كل خطرٍ أو ضررٍ قد يتهدد حياة المواطن أو ممارسة حرياته. ]أنظر أبعاد الحرية لدى مؤسس الداهشية”، صوت داهش”، عدد آذار (مارس) 1997[.
ثانيًا- صيانةُ الحياة والحريات، استنتاجًا، توجبُ على الدولة العادلة أن تسنَّ القوانين التي تضمنُ تلبية الحاجات الأساسية التي بدون إشباعها يُهددُ وجودُ الإنسان ماديًا أو معنويًا فالحاجاتُ الماديةُ الأساسية هي المأوى والمأكل والملبس والصحة، والحاجاتُ المعنوية التي بدونها لا يكونُ الإنسانُ إنسانًا هي الثقافة.
ولكي يستطيع المواطنون أن يقوم كل منهم بواجبه ودوره في تلبية حاجاته الأساسية المادية والمعنوية، يترتب على الدولة العادلة أن تضع أمامهم فرصًا متكافئة ليعملوا، ويحصلوا من أعمالهم ما يسدُّ كلفة تلك الحاجات الأساسية. وإذا تعذر على فئةٍ من المواطنين لأسباب قاهرة، أن يسدوا حاجاتهم الأساسية بأنفسهم، فعلى الدولة العادلة أن تستلهم “الشعور الإنساني المتبادل”. و”القيم الروحية السامية” في العطف عليهم ومساعدتهم.
وهذا الأمر يستلزم سنّ قوانين إنسانية، وقوانين تضع حدودًا لجشع التجار والمستثمرين، بحيث لا تكون الحرية الاقتصادية وسيلة لقتل الضعيف وتكثير الفقراء، وتوسيع الهوة بين الأثرياء جدًا والمعدمين. يقول الدكتور داهش، إذ يلاحظ فرقًا كبيرًا في ثمن سلعةٍ بين نيويورك وفرجينيا: “إنها سرقةٌ كبرى! في مثل هذه الحالة يجبُ على الحكومة أن تحدِّد الأرباح لهؤلاء التجار الجشعين“. وكثيرةٌ هي تعليقاته على جشع التجار الأشعبي في رحلاته، حتى إنه يجعل هذا الجشع الحرام سببًا من أسباب الحروب التي تنكبُ الأغنياء أكثر مما تنكبُ الفقراء، فيقول: “هي عدالةُ الله هذه الحروب الضروس التي تُفني الزرع والضرع فلو لم يستحق الناس هذه النكبات المزلزلة. لما أدَّبهم الله بنسبة استحقاقاتهم“.
وبكلمة أخرى إن النظام الاقتصادي المتَّبع يجب ألا يُبعدَ الإنسانَ عن إنسانيته ويفقده جوهره. فإذا كان همّ الإنسان الأول التركيز على جمع المال وإنمائه، يُصبح قلبه حيث كنزُه، وتبتعدُ عاطفته حتى عن أسرته. وهذا الإدمانُ في تكديس الأموال، إذا أصبح غاية، يخدرُ ضمير الإنسان، ويدفعه إلى الجشع وبالتالي الظُّلم.
وفي مثل هذا النظام الرأسمالي الذي لا يضبطُه ضابط، يُصبحُ العمالُ والموظفون أنفسُهم مهدَّدين أيضًا بالابتعاد عن الغاية الروحية، إذ يجعلون أصحاب رؤوس المال مثلهم العليا، يحتذون خطاهم، ويفرغونَ أنفسهم من الشعور الإنساني. وهذا يقودهم، في أكثر الأحيان، إلى التخلي عن عملٍ يحبونه ويجدون فيه عزاءً وتحقيقًا لذاتهم وتعبيرًا عن شخصيتهم، من أجل عملٍ آخر لا يحبونه، ولكنه يكون مصدر مالٍ أكثر لهم. والغايةُ الماليةُ قد تطيحُ بهم خارج الطريق القويم، فيلجأون إلى المحرَّمات والأعمال غير المشروعة، لأنها تدُّر عليهم مالاً أكثر في طريق أقصر. والمفاسدُ والشرورُ التي يتمخصُ بهما المال إذا أصبح غاية الإنسان العُظمى، أي معبودَه، عرضَها مؤسسُ الداهشية في كثيرٍ من كتاباته.
كذلك إذا حاصرَ الجهلُ فئةً من المواطنين، فإن مجالُ حرياتهم يضيق، كما يضيقُ مجالُ عملهم، وتكافؤ الفُرَص ينتفي، إذْ ذاك، أمامهم. بل إن الحرية الحقيقية في الاختيار والتمييز بين الصالح والطالح، والخطأ والصواب، والحق والباطل، تُصبحُ بحُكمِ الملغاة.
ولذا شدَّد مؤسس الداهشية، في كتاباته كما في أحاديثه بمجالسه الخاصة، على أهمية العلم وجلال العقل وضرورة الثقافة وتوفير المدارس؛ وقد أيدَ أقواله بأعماله فأنشأ أكبر مكتبه خاصة في البلاد العربية (حوالى ربُع مليون كتاب)، وأنشأ متحفًا فنيًا يكاد يُضارع المتاحف الدولية الكبرى (وهو قائم في مدينة نيويورك). والثقافةُ الضرورية تشتملُ على مد المواطنين بالعلوم والآداب والفنون. فالعلومُ تُساعدُ على تنمية المدارك العقلية وتصويب المنطق، والآدابُ تُساعدُ على تنمية نزعات الخير وتهذيب النفس، والفنون تُساعدُ على تنمية حِسِّ الجمال لدى الإنسان ليُصبح قادرًا على إبداع الجمال أو تذوُقه، وعلى استشفاف مظاهر الجمال الروحي في كل إبداعٍ جميل، طبيعيًا كان أم إنسانيًا؛ ذلك بأن في كل جمال حقيقي ملمحًا من ملامح الألوهة يجذبُ الإنسانَ إلى فوق، إلى مصدر الحقِّ والخير والجمال.
ثالثًا- يتوجب على الدولة العادلة أن تختار ذوي الأخلاق الحميدة والنفوس النبيلة لتسنم المناصب الرفيعة. فالجدارةُ الثقافية والخبرة لا تكفيان وحدهما لتولي المنصب الرفيع؛ ذلك بأن أصحاب النفوس اللئيمة والأخلاق الوضيعة، إذا جعلتهم الظروفُ يحتلون المناصب العالية، لا يمكنهم أن يكونوا عادلين، لأنهم بتأثيرٍ من طبيعتهم الرديئة سيتصرفون. ومن واجب الحكام ألا يُفسِحوا الفُرَصَ أمام أمثال أولئك اللؤماء، لينزلوا الظلم بالناس. ويرى الدكتور داهش أن في رأس أولئك الموظفين القناصل والسفراء وممثلي الدول على مختلف الأصعدة. فالممثل مرآة لحكومته وأمته. ولذا يجب أن يكون من الطبقة الرفيعة في أخلاقه وآدابه كما في علومهن ومقدرته. فإذا لم تكن تربيته عالية، وتصرفاته نبيلة، وأقواله صادقة، سيَّرته ميوله الوضيعة وغاياته الشخصية الدنيئة.
كذلك من واجبات الحكومة أن تُطارد الفوضويين واللصوص والمجرمين وتطهر البلاد من شراذم الفجار والفاسقين، وتضع حدودًا خلقية للحرية حتى لا يكون مناخها المبارك موبوءًا بالجراثيم النفسية الفتاكة.
أما السلطة القضائية فيجبُ ألا تميز بين إنسان وآخر من حيث الغنى والفقر، أو الوجاهة والوضاعة، أو قوة النفوذ السياسي وضعفه؛ فجميعُ المواطين يجبُ أن يكونوا سواسية أمام القانون. والصورةُ الواضحة في كتابات الدكتور داهش في صورة العدالة في لبنان في العهد الخوري مقارنة بالعدالة في أمريكا. فالقاضي في لبنان هو رهنُ نزوات الرئيس التنفيذي وأعوانه، يجعلُ الأبيض أسود والأسود أبيض، يهشم القوانين ويرقصُ على أشلالها، يحكمُ حكمًا صارمًا على من يسرقُ الرغيف من أجل سد جوعه وجوع أطفاله، بينما يُشاركُ سارق الألوف والملايين في مغانمه الحرام؛ يتزلفُ للمرأة النافذة ويتملقُها، بينما يراودُ الفقيرة الضعيفة عن نفسها وبيتزها؛ فلبنان كان منكوبًا “بقضاةٍ مسخَّرين لارتكاب الآثام وطمسهم للحقّ وإعلائهم للباطل“12 أما القضاء في أمريكا فيقول عنه: “إن أعظم عظيم يتساوى ]فيها[ مع أحقر حقير، فلا سائد ولا مسود في كافة أرجاء البلاد…”.
وفي ردٍّ على مقال كتبه الأديبُ اللبناني، القاضي راجي الراعي عام 1948، يحثّ فيه اللبنانيين على الرجوع إلى لبنان، يقول الدكتور داهش:
أيها (القاضي الراضي) الذي لا أدري
كيف لم تبككَ (العدالة) المؤدة بإرادة (الغاصب)، بعدما شاهدته من الأحكام الجائرة.
والأمور القضائية (اللاعادلة)، وأنتَ ربُّها وربيبها، وأنتَ الناظرُ من وراء (روبك)،
ثوبك القضائي الأسود،
تلك المهازل التي تمثل كل يومٍ
بل كل ساعةٍ بل كل دقيقة،
والعدالة التي تنحرُ ليل نهار على وضح النهار لأجل تنفيذ رغبة المسيطر،
وأنت الذي عرف وتأكد مقدار الأحكام الجائرة التي لفظها زملاؤك القضاة تحت سمعك وبصرك:
كيف يا (راجي) لا تريدني
أن أثمل من العظمة الأمريكية، هذه البلاد التي ولدت فيها أنت،
والتي هي مهد للحرية الفكرية!
نعم، أيها (القاضي العليم)،
لقد سقتني أمريكا خمرتها بكؤوسها العسجدية، فسجَدتُ أمامَ عدالتها الحقيقية، وبتُّ أندِّدُ بظُلمِ الباغية وارتكاباته الجنكيزخائية
أساليب العقوبة
يشير مؤسس الداهشية إلى أمرين مهمين يتعلقان بتطبيق العدالة هُما: ماهية الدافع إلى المخالفة والسجون.
ففي رأيه أن الدافع إلى الجنحة أو الجريمة يجب أن يكون له وزنٌ في تقرير نوع العقوبة. فاللصُ الذي يسرقُ بدافع الدناءة وحب الإيذاء يجبُ أن لا تساوى عقوبته بعقوبة الذي يضطر اضطرارًا، مثلاً، إلى سرقة صغيرة ليبعد شبح الموت عن ولده المريض؛ ففي الحال الأخيرة يجبُ اعتبارُ الحاجة الملحة المقرونة بعاطفة شريفةٍ هي الحافز على السرقة؛ كما يجب ألا تساوى عقوبة اللص المحترف بعقوبة تلك التي تبتاعُ ما هي بحاجةٍ إليه وتنصرف بدون دفع الثمن من جرَّاء شرود ذهنها واضطراب نفسها.
وتطبيق القوانين في المحاكم كما بأيدي رجال الأمن يجب أن يقترن بالعطف والشفقة على الفقير والضعيف، لا سيما إذا كان المخالف غير مُدمن للإجرام أو المخالفة.
الأمر الثاني هو السجون وما يعاني المساجين فيها. وقد أُتيح لمؤسس الداهشية أن يدخلها بريئًا، ويعاني، كما يعاينُ، الأهوال فيها. ففي 28 آب (أوغسطس) 1944 اعتقله زبانيةُ الجحيم اللبناني، وبدون محاكمة زجّوا به في “سجن الرمل” اثني عشر يومًا، وبعدها أبعدوهُ قسرًا إلى دمشق فحلب فإعزاز على الحدود السورية التركية حيثُ أمضى أربعة أيام، قادوهُ بعدها إلى الحدود التركية ليعرِّضوه إلى القتل برصاص الحامية هناك. غير أن الله أنقذهُ وأعادَهُ سرًا إلى لبنان بعد شهرٍ واحدٍ من أقصائه. وقد فصَّل رجلُ الروح والخوارق مراحل المأساة التي عاناها وفنون التعذيب الوحشي الذي قاساهُ، من ضربٍ ولكم وشتمٍ ولذعٍ بالسياط… في كتابه “بريء في الأغلال أو يوميات سجين الغدر والخيانة “. ولم تنسه آلامه أن يصف ما كان المساجين المساكين يلاقونه هنا وهناك من فتكِ رجال الشرطة الأجلاف بهم، وأن يصف حياة المساجين البائسة التاعسة.
وكان أول ما صدمهُ في “سجن الرمل” غرفة الأحداث الجانحين، وذلك يوم الجمعة، في أول أيلول (سبتمبر) 1944. رآهم شبه عُراة، ضائعين، مهملين، تغمرهم القذارة؛ فتألم أشد الألم، وسجل ملاحظاته على قصاصاتٍ من الورق كان يُدونُ انطباعاته عليها خفيةً.
وفي اليوم الثالث من الشهر المذكور كتب قائلاً في صدد حال الأحداث: “إن السجون جعلت للإصلاح والتهذيب”. ثم كتب:
من المعلوم أن السجون إنما وُجدت للتأديب، وليس للتعذيب.
فالداخلُ إلى السجن، مهما كان شأنه، يدخلونه رأسًا إلى الغرفة الخامسة. فترى فيها الشاعر والأديب، والتاجر والعامل، والحمَّال وبائع السوس ، والنشَّال والفحَّام، وسالب الناس وقاطع الطريق، وشتى أصحاب المهن والحرف. وهذا خطأ فاحش من المسؤولين وممن بأيديهم مقاليد الأمور.
فالواجب والحكمة يقضيان على أرباب الأمر أن يفرزوا كل فرد مع فئته. فلا يجوز، مثلاً حشر الأدباء والشعراء في غرفة واحدة مع اللصوص والقتلة. وقس على ذلك.
فالفوضى ضاربة أطنابها بصورة مُخيفة. والحابل تراه مُختلطًا بالنابل. والعياذُ بالله!
هذه هي كلمتي أضعها في كتابي هذا كي تبلغ من يهمهم أمر الإصلاح. هذا إذا كانوا يريدون الإصلاحَ لا الفوضىى والانتقام.
إن هذا الأمر لرهيبٌ إذا كان ذلك الشاعرُ أو الأديبُ من المجرمين حقيقة؛ فكيف إذا كان بريئًا، ولعله يريدها أصحابُ المناصب زُجِّ بمَن قادهُ سوءُ مصيره بين أيديهم، فدفعوهُ هم بدورهم إلى هذه الغياهب الدائمة العذاب.
ثم من الواجب أن تكون هناك أماكنُ خاصة يوضع فيها المتَّهمون دون أن يختلطوا بالمجرمين، حتى إذا ما دانهم القضاء، وقيلت فيهم كلمةُ الفصل النهائية، إذ ذاك يتصرف بهم الظالمون كيفما يشاؤون وتشاءُ رغباتهم وميولهم الانتقامية.
ومَن يُنعمِ النظرَ في الملاحظات السابقة يُدرِك أن مؤسس الداهشية إنما أعطاها منطلقًا من قاعدة العدالة ومن مبادئ عِلم النفس الإجرامي. فالسجونُ التي يجب أن تكون للتهذيب والتأديب، جعلها الحكام الوصوليون للانتقام والتعذيب، وحشروا فيها الأبرياء مع المجرمين، والمتهمين المنتظرين صدورَ الأحكام مع المحكوم عليهم، غير مكترثين بالآلام والجروح النفسية البالغة التي يحدثها السجنُ الاعتباطي في النفوس الحساسة أو البريئة وفي 8/9/1944، أي اليوم السابق لإبعاد الدكتور داهش قسرًا عن لبنان، عثر حراس “سجن الرمل” على منشار في فراش أحد المساجين، فسكبوا على جسمه صفيحة ماء، وجلدوه جلدًا هائلاً، ثم وضعوه في زنزانةٍ منفردة. فهال الأمر رجل الروح، فكتب معلقًا: هل بلغت القسوةُ والفظاعة بهؤلاء درجة يأنفُ أن يأتي بمثلها الوحوش!” ثم أردف قائلاً: ” أيجري مثل هذا ونحن في عصر الحرية والنور! أيجري مثل هذا ونحنُ في القرن العشرين!”
وكأنما يريد أن يثبت أن حُكام تلك الدول الغاشمة وموظفيها الممالئين إنما يعيشون بأجسادهم في القرن العشرين، في حين أن عقولهم وطباعهم ما زالت تنتمي إلى عصور الهمجية. كذلك يستشف من تعليقاته أنه يجعل الدول الراقية المتبجحة، عهدئذٍ، بأنها تحارب من أجل تحرير الناس من الخوف والظلم والعوز ومن أجل تطبيق شرعة حقوق الإنسان – يجعلها مشاركة في المسؤولية عما يجري في البلدان المتخلِّفة وسجونها من استباحةٍ لكرامة الإنسان وللأعراف الدولية.
أخيرًا يجدرُ بالذكر أن عقوبة الإعدام محظرة في العقيدة الداهشية بناءً على أمر روحي أساسُه أن واهبَ الحياة وحده له حق استردادها. وإذا كان لا بد من عقوبةٍ قصوى، فلتكن السجن المؤبد مقرونا بالتهذيب والإصلاح الروحي المبني على إيضاح ناموس السببية الروحي.
الثورة على الحكام الفاسدين ضرورةٌ محتومة
اقتراف الحاكم للظلم رأسُ المفاسد التي تستدعي الثورة عليه. عام 1933، كتب الدكتور داهش “حلم غريب” وقد بناهُ على تورية، إذ جعل ديموقليس، الخطيب، يخطب في الشعب معلنًا نبوءته لما سيقع للحكومة. ومن الواضح أنه كان يقصدُ الدولة المصرية في العهد الملكي وما ارتكبته من مظالم. كان المؤلف عهدئذٍ، في الرابع والعشرين، والرسالة الداهشية لم تؤسس ولم تعلن بعد؛ ومع ذلك فنظرتُه الروحية الخارقة كانت واضحة. مما يقولُ على لسان ديموقليس:
يا مَن بيدِكُم مقاليدُ الأمور،
إن الشعبَ اختاركم
لتحكموا بينه بالعدل أحكامًا عادلة،
لا أن تكونوا جلاديه(…)
أنظروا إلى التاريخ القريب،
لا، بل إلى (الثورة الفرنسية)
التي التهمت الأخضر واليابس(…)
أخبروني أين هو الباستيل،
رمزُ الجبروت والقوة الغاشمة؟(…)
أيتها الحكومة! اسمعي (نبوءتي) الصادقة:
“إن الظلم والإرهاق اللذين تزرعينهما اليوم، ستحصدينهما غدًا: ثورةً وانقلابًا.
وفي امبراطورية روسيا المسكينة، لكِ خيرُ شاهد…”.
ولا تقتصرُ مفاسدُ الحكام الذين يستحقون طرد الشعب لهم على الظلم فحسب، بل تشملُ أيضًا، برأي مؤسس الداهشية، عدة أمور، منها: الفسق، السرقةُ من خزينة الشعب، استغلال النفوذ للاستفادة المالية، تقريبُ الحاكم لأقربائه حتى لو كانوا أغبياء، وتحكيمهم برقاب الناس، خرق الدستور بتجاوز الصلاحيات المنصوص عليها في بنوده، تسخيرُ القوانين وتأويلها لمصلحته الشخصية أو مصالح أعوانه، تزويرُ الانتخابان التدخل في أحكام القضاء، سجن المناوئين أو غتيالهم الخ… كل من هذه المفاسد تستحق الطرد، وقد جمعها بشارة الخوري كلها في شخصه.
يرى الدكتور داهش أن “التاريخ يعلمنا أنه ما من ظالمٍ غاشم إلا ولاقى شر الجزاء الرهيب…” وعلى الصعيد الروحي، يستشهد بقول المسيح:
“بالكيل الذي تكيلون يكال لكم ويزاد”. وهو يذكر المظلومين بـ”أن الحق يؤخذ ولا يستجدى“، وبأنه “ما من حق ضاع ووراءه مطالب، لأن صاحب الحق لا يعدم نصيرًا؛ وإن عدمه كان الله نصيره“.
وفي العقيدة الداهشية أن على الداهشيين أن يكافحوا الظلم بجميع الوسائل، وأن الثورة على الحكام الطغاة أو الفاسدين واجبة، وأنه إذا حدث مثل تلك الثورة، تكون إصبع الروح القدسية هي التي حركتها، ليستقيم ميزان العدالة الروحية الشاملة.
ولكن يجب الانتباه لأمر في غاية الأهمية هو أن الثورات بحد ذاتها لا تكون بالضرورة عاملاً للتقدم الحقيقي في المجتمعات البشرية؛ والتاريخ حافلٌ بالأمثلة على الفظائع التي تتمخضُ الثورات بها. حسب القارئ أن يعتبر بذيول الثورة الفرنسية والثورة البلشفية، وهما أعظمُ ثورتين في التاريخ. لكن الثورات وسيلة بشرية ضرورية يتخذها مجرى العدالة الإلهية. والأخذُ بمنهج غاندي السلمي في الثورة على المظالم والمفاسد هو الأفضل. ووحدها تعاليمُ الأنبياء والهُداة يمكنها أن تغير المجتمع تغييراً إيجابيًا وتدفعُ به صعدًا في معراج الرقي الروحي، إذا اعتنقها الناسُ صادقين، فأثرت في سيالاتهم (أي طاقاتهم النفسية) وغيرت نزعاتهم؛ (إن الله لا يُغيرُ ما بقَومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسهم) (سورة الرعد:11)
والحكمُ أو السيادة كالثورة بين يدي الإنسان، قد يكون تجربة له كما قد يكون استحقاقًا. فإما أن ينجح فيكون عادلاً وفاضلاً، فيكافأ، وإما أن يفشلَ فيظلم ويأتي الشر، فيعاقب عقابًا شديدًا.
وفي رأي مؤسس الداهشية أن مَن لا يستطيعُ إسماعَ صوته في وطنٍ وئدتِ العدالةُ فيه وافترسَهُ الظلم، فهجرته إلى بلادٍ تُصانُ فيها الحريات أولى به. يقولُ في مقالٍ كتبه عام 1948، وقد أشرنا إليه سابقًا:
إنني لن أشتاق إلى وطنٍ تنحرُ فيه الحرية، وتذبح الحقيقة، وتُداسُ بين ربوعه العدالة، وتُهشم بين سمعه وبصره الكرامة، وتكبلُ بين جدران سجونه القاتمة الحريةُ الفكرية بزج أدبائه وشعرائه وأبريائه مع محترفي الإجرام لأنهم جاهروا بحرية أفكارهم التي تشجبُ جرائم المالكين سُعداء لزمنٍ محدود”.
من كلمات الدكتور داهش
- إن العودة إلى الدين هي طريق الخلاص للجميع ففيه يجد الإنسان راحته وأمنه، وفيه يجد قلبه وقد اطمأن، وروحه وقد استقرت.
- ومن المعلوم أن السجون إنما وجدت للتأديب وليس للتعذيب.
- الحياة بدون القيم الروحية السامية جحيم مخيف رهيب بنتائجه المزلزلة.
- صاحب الحق لا يعدمُ نصيرًا؛ وإن عدمه كان الله نصيره.
- إن السجون جُعلت للإصلاح والتهذيب.
- الحقُ يؤخذ ولا يُستجدي.
أبعادُ العدالة لدى مؤسس الداهشية(3)
بقلم الدكتور غازي براكس
العدالة بين الشعوب
بدأتُ، في العددين السابقين من “صوت داهش”، بإبراز نظام العدالة الإلهية الشامل الذي بُنيت عليه أبعادُ العدالة كلها في المفهوم الداهشي؛ وبعده تناولتُ العدالةَ في التعامل بين الناس مبينًا أبرز أوجُهها أي عدالة التعاطي بين الرجل والمرأة، وبين رُعاة الدين والمؤمنين، وبين المستثمرين والزبائن؛ بعدئذٍ عالجتُ العدالة في الحكم موضحًا رأي مؤسسٍ الداهشية في الأنظمة السياسية، وفي سلطات الحكم الثلاث، وأعطيتُ نموذجًا مُعاصرًا للحاكم الفاضل، ثم أوضحتُ واجباتِ السلطات العادلة تجاه الشعب، ورأي الدكتور داهش في أساليب العقوبة كما في ضرورة الثورة على الحكام الفاسدين. أما في هذا العدد فسأتناولُ المفهومَ الداهشي للعدالة بين الشعوب، وبه أختمُ أبعاد العدالة لدى مؤسس الداهشية.
الحروب: أسبابها وعواقبها الوخيمة
تطبيقُ العدالة، في رأي الدكتور داهش، يجب ألا يقتصر على العلاقات القائمة بين السلطة الحاكمة والمواطنين في دولةٍ ما، بل يجبُ أن يسود العلاقات بين الدول، فلا يبقى في العالم شعوبٌ مسيطرة مستعمرة وشعوبٌ مسودة مستعمرة. وفي كتابات مؤسس الداهشية كثيرةٌ هي الإشاراتُ إلى الكوارث والويلات التي تتمخض بها الحروب. ومآسي الحرب العالمية الثانية يجدُها القارئ منتثرةً في قطعه الوجدانية، بدءًا من مطلع عام 1941. ففي “استقبال عام 1942” يقول:
لقد جال الحديدُ في العام الماضي،
فهدم البنيان ودك أسس العمران،
وأطلق شياطينه المرعبة تفتكُ بأشلاء الإنسان!..
وبين هذا وذاك كنتَ تسمع أنينَ البائسين.
وصراخَ الثكالى والميتمين…
والحرب الهدامة تضحك من هذا،
وتقهقهُ من ذاك…
ولهيبها الجهنمي يزدادُ استعارًا…1
وفي “استقبال عام 1945”2 يتعجب من رجال الحرب وهم “يمثلون ويرقصون” على أنقاض عالم مهدّم فقد فيه الأمن، وقامت في كل بيتٍ مناحة، وعم الشقاء، وتصاعد عويلُ الثواكل إلى أبراج السماء، وهيمن البؤس والهلع…
وأسبابُ الحروب، في رأي الدكتور داهش، تعودُ جميعها، في نهاية التحليل، إلى المطامع الأشعبية، مهما حاول القادةُ أن يموهوها بإلباسها شعاراتٍ وغاياتٍ شريفة3. والتاريخُ يؤكد رأيه. فالحروبُ الصليبيةُ نفسها كانت تعبئ وتحركُ جنودها المغانُم المنتظرة. حتى مجاري العنجهية العنصرية أو العقائدية تصبُّ في مطمع الاستيلاء على مزيدٍ من الأراضي والمغانم. وأبرزُ مثل لذلك ادعاء هتلر أنه أشعل الحرب العالمية الثانية دفاعًا “عن الحق الصريع… وعن العدالة المهيضة الجناح”، في حين أن الحقيقة العارية أعلنها بقوله أيضًا “إنه لا يقبل أن يسام الشعبُ الألماني عذاب الحرمان في مجاله الحيوي… وإنه لن يرضخ لما تريد بريطانيا فرضه من السيطرة على العالم وحصولها على حصة الأسد”.
لكن دافع المطامع قد يتعزز أحيانًا بردةِ فعلٍ انتقامية، ذلك بأن، لكل شعبٍ نفسية أو سيكولوجية خاصة تحدّدها عدة عوامل، منها التاريخية والحضارية والبيولوجية والبيئوية. وهذا ما حدث للشعب الألماني في نهضته السريعة بعد الحرب العالمية الأولى، وإيقاده الحرب العالمية الثانية. يقول الدكتور داهش موضحًا هذا الأمر بلسان جلبرت، أحد أبطال قصته:
إن الأمة الخاسرة تحمل في نفسها حقدًا هائلاً، وتصبرُ على جرحها المُميت كالأسد الجريح. وتمضي الأعوامُ وهي تنتظر الفرصة المؤاتية كي تنقض على الدولة التي أصابت منها مقتلاً؛ تلك الدولة التي أذلتها في كبريائها، وحطمت من عنفوانها، وهزأت بها أمام الدول الأخرى. وعندما تدقُ الساعة، تَثِبُ وثبةَ الأسد الصحيح المعافى، وتعمل أنيابها القاطعة وبراثنها الحادة في جسد الدولة التي أذلتها، فتقطع أوصالها، وتسكر من خمرة دمائها. وهكذا تعود فتثأرُ لما أصابها منذ أعوام، طالت أم قصرت.
وتدورُ عجلة الدهر القُلَّب، فيرتفع ميزانُ القدر، فتعودُ هذه الدولةُ للانتقام والثأر؛ وهكذا دواليك.
ويكاد يكون مستحيلاً إقناعُ شعبٍ مقهورٍ مدحور باعتناق مبدأ السلام والتخلي عن العنف، ومصالحة حاضره مع ماضيه، لأن نفسية الشعب تبقى مطعونةً، مكبوتة الألم والشكوى حتى تحين الفرصة التي تسمحُ بالتفريج عما كان مكبوتًا، فيكونُ رد العنف بالعنف، والحرب بالحرب، لأن الماضي الجريح الطعين يبقى ماثلاً في الحاضر.
الاستعمارُ وضرورةُ مقاومة مظالمه
أبرز مؤسس الداهشية مظالم الاستعمار ومساوئه في معرض حديثه عن غطرسة الإنكليز في الهند ومصر.
فمن أمثلة المظالم التي انطوى عليها تطبيقث القانون الإنكليزي على الهنود: منعهم من ركوب الدرجة الأولى في القطارات، ومنعهم من رد الاعتداء وحماية النفس، وضياعُ حقهم في كل قضيةٍ بين هندي وإنكليزي، وسجنُ الأبرياء وقتلهم لأنهم هنود، وسلبت الشعب من كل حرية حقيقية؛ وعلى الصعيد الاقتصادي، تحطم الصناعات اليدوية الحيوية كالغزل والنسيج، وتمخص ذلك بالمجاعات؛ إذ كان ملايين الهود يغزلون وينسجون في أكواخهم، ويعتاشون من الصناعات الصغيرة قبل احتلال الإنكليز لأرضهم. وقد زاد مصيبتهم هذه ألمًا أن كثيرين من سكان المدن الهنود تحولوا إلى سماسرة وعُملاء للإنكليز الذين كانوا يمتصون دماء الجماهير الضعيفة8
أما مصر فقد شهدت أيضًا من غطرسة الإنكليز ما شهدته الهند. والدكتور داهش سلط الضوء في مرحلة احتلالهم لمصر، على حادثة مصرع سرْدار الجيش المصري وحاكم السودان العام، السير لي ستاك، وعلى ما تمخضت به من ذُيول تدمغُ الحكمَ الإنكليزي بوصمة الظلم المُستنكر. فقد اغتنم الإنكليزُ فرصة مقتل السردار (وقد يكونون وراءها)، فخرقوا الدستور المصري الذي ينص على أن ملك مصر هو القائد الأعلى للجيش، فعزلوا الضباط وفق هواهم، وأخرجوهم من السودان معتبرينه ملكًا لهم، ضاربين عُرضَ الحائط باتفاقية 1899، واحتلوا جمارك الاسكندرية، وأخذوا البريء بجريرة المذنب، حتى بدا وجههم في أبشعِ ما يكونُ من صلفٍ وتجبر واحتقار للشعوب9.
إن الظلم – سواءٌ أوقعه حاكمٌ وطني على مواطنيه أو حاكم أجنبي على شعبٍ مُستَغل أو مُستَعبد- يبقى منكرًا مقاومته واجبة، بل في رأي مؤسس الداهشية، “إن الشعب الذي يقبلُ مثل هذه المعاملة المهينة ولا يثور، هو شعبٌ ميت لا يستحق الحياة“
وثورةُ الشعب المُستَعبد على ظالمه هي حقٌّ مقدَّس تباركه السماء وتؤيده. يصفُ الدكتور داهش انتفاضة الهنود في بومباي وإحراقهم البضائع الأجنبية رمزًا لرفضهم سلطة الإنكليز بقوله:
لكن مواكب إحراق البضائع الأجنبية استمرت، وجعل الهنودُ يجتمعون في الميادين العامة، ويشعلون النيران في الثياب والسلع الأجنبية، والأناشيد ترتفع إلى عنان السماء، والأضواءُ ينعكسُ نورها الأحمرُ على الوجوه والبيوت… وكأنما هو لون الغضب المقدَّس، الغضب الوطني، غضب الأمة التي سُلبت حقها، وديست كرامتها، وفُرض عليها الفقرُ والجوع.
وعلى أن مقاومة الغاصبين والمستعمرين، إن تكن ضرورية، في رأي مؤسس الداهشية، فالعنف لا يراه أفضلً وجوهها. وقد عرض أسلوبين للمقاومة في الهند ومصر.
فالهند أتيح لها رجل روحاني عظيم استطاع بسمو نفسه، وثباته في جهاده، ونور عقله الصافي أن يحررها من ربقة المستعمرين، وذلك بسياسة العصيان المدني وعدم التعاون التي بثها في نفوس الهنود. لكن طريقة اللاعنف التي أراد المهاتما غاندي أن ينهجها الشعب، فيرد العنف باللاعنف، فلا يؤذي رجال الأمن أو الموظفين، بل يتحمل الإيذاءَ والإرهاق والإهانة بدون تذمّر، هذه الطريقة المثلى لم يقدر المجاهدون الهنود على اتباعها، لأنهم عجزوا عن إلجامِ جموح عواطفهم ونزواتهم والسيطرة على انفعالاتهم؛ الأمرُ الذي جعل غاندي يفرضُ الصوم على نفسه، “كعقوبةٍ للعنف الذي ارتكبه الشعب، وتطهيرًا لنفسه، وتقوية لروحه التي يجب أن تلاقي آلامًا أكثر ما دام الجهادُ هكذا محفوفًا بالعنف، وما دام المجاهدون غير قادرين على ضبط عواطفهم وتنفيذ مبدئهم”.
وقد أكبر الدكتور داهش موقف غاندي، وأجلَّ شخصه ومجَّده رافعًا إياه إلى مرتبة الإنسان الكامل الذي حقَّق سموه بإرادته الجبَّارة وجهاده لجواذب الدنيا ومغريات الجسد، فاستحق أن يكون مقاربًا للأنبياء.
أما مصر فقد أتيح لها قائدٌ كبيرٌ استطاع أن يعالج الأمور بحنكةٍ ومرونةٍ وحكمةٍ هو سعد زغلول. فهو وإن لم يستطع أن يسمو بنفسه إلى المرتبة التي سما إليها قديسُ الهند، فإنه داناهُ في معالجته الحكيمة للأمور الشائكة. يخاطبُ مجلس الأمة، على أثر مصرع سردار الجيش وثوران عنجهية المندوب السامي البريطاني، فيقول:
“… أرجو الأمة جمعيها أن تدقق في الحالة الحاضرة تدقيقًا عميقًا، وأن تتأملها من كل وجوهها، وأن تحترس كل الاحتراس من الاندفاع وراء الأهواء والانفعالات التي لم تكن نتيجة تدبر في الحال وتأمل فيها، لأن الموقف دقيق جدًا، وأقل حركة طائشة تكلفنا أكلافًا باهظة. فعلينا أن نتذرع بالصبر، وأن نلزم جانب السكينة، وأن نثبت للناس أجمع أننا أمة حكيمة، تعرفُ كيف تضبط نفسها وقت الشدة، وكيف تلين لظروف وتشتد لظروفٍ أخرى، فنعرف العالم أجمع أننا عالمون بحقيقة موقفنا، وأننا نحاول أن نصل إلى غايتنا بوسائل الحكمة والرزانة، بالوسائل المشروعة، لا بوسائل الخفَّة والطيش… فالزمن أمامنا طويل، وحياةُ الأمم طويلةٌ، وإننا إذا لم نحصل على مقصدنا اليوم، فسنحصل عليه غدًا. ويجب أن نجعل دائمًا نصب أعيننا أن من الواجب علينا ألا نُمكن الخصوم منا، وألا نجعل لهم سلطانًا علينا ولو بظاهرٍ من الحق. ويجب علينا أن نجرِّدهم من كل سلاحٍ بالحقّ، وأن نسلح أنفسنا دائمًا بالحق وباللياقة…
الحرب… أكبر خدعة“
الشعب الذي لا يكون فيه رأي عام مستنير يمحص أعمال الحكام وقراراتهم، ويراقب تصرفاتهم، وينتقد أخطاءهم لا يمكن أن يستفيد من نعمة الحرية التي يكون راتعًا فيها. ولذلك يرى مؤسس الداهشية أن على العقلاء في كل قومٍ أن يحبطوا مساعي القادة والسادة لإيقاد الحرب، وذلك بمناقشة آرائهم الثورية. وفضح التمويه الذي يلبسونه شعاراتهم الوطنية التي يلهون بها نفوس الشبان ويغررون بهم دافعين اياهم إلى أتون الحروب. فالمغانم والمكاسب التي يحلم بها القادة من انتصارهم “لا تساوي قلامة ظفر أحقر جندي يسقط في معركة يشنها دون أن تحقق آماله بعد انتهاء الحرب ووضع أوزارها”. وآمال كل جندي ومواطن تكون معلقة على وعودٍ عرقوبية يجود بها القادة عليهم لتخديرهم، من تأمين العدل والرفاهية والسعادة للشعب، وإعلاء الحق، وضمان الحريات والحقوق الإنسانية للعالم… فالحروب “أكبر خدةعة”، وهي “إثمٌ رهيب فادح لا يغفرُ الله لمن ارتكب جريمته”.
فبعد أن تكون الحربُ قد حولت العمران إلى أنقاض، ويتَّمتِ الأطفال ورمَّلت النساء، ينتظر الشعب المرهق بالفقر والمآسي أن يحقق القادة وعودهم له، فإذا “الرخاء الذي أصبح لديه يقينًا لكثرة ما ردَّده الساسة على مسامعه، قد استحال إلى جوع جارف يحتل المدن والقرى، ويفتك بالعباد أكثر مما فتكت الحرب الجنونية بجيوشها اللجبة. ويبقى القوي قويًا يسيطرُ على الضعفاء كعهده السابق والغني يمكث متحكمًا بالفقير مثلما اعتاد قبل الحرب الضروس”.
ويرى الدكتور داهش أن الشعارات والدعايات الكاذبة لم تتغير في جميع الحروب الحديثة. ولعل أكثرها تأثيرًا في الأعصاب ما يتعلقُ بالوطن والوطنية، وواجب الدفاع عن أرض الجدود المقدسة؛ فهي تعمي الشعب عن رؤية أي حق مقدس غير حقه هو. وهذه العصبية القومية العمياء إذا شُحنت بعصبيةٍ عقائدية سياسية أو دينية، حولتِ الشعبَ إلى وحشٍ ضار يفتك بالآخرين بلا تردّد أو رحمة. يقولُ الدكتور داهش في سُداسيةٍ بعنوان “أسطورة (في سبيل الوطن)”.
أيها الأبطالُ الذاهبون طُعمة الأطماع والأهواء من أبناء المنافع
لقد خدعوكم وإلى الحرب دفعوكم طعامًا لنيران المدافع
ثُم قالوا: إننا فِدَى الوطن وعنكم نُدافع…”.
ورجل الروح الخارق يرى أن وطنه الحبيب ليس في هذا العالم الشرير المدنس، بل هو في ملا الأرواح القدسية الطاهرة. وهو يناشد كل من تاقت نفسه إلى الكمال الإنساني أن يجعل قلبه وكنزه لا في وطن أرضي لا بد من أن يزول، بل في وطن سرمدي.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الفلسفة الداهشية القائلة بالتقمص الذي يستتبع أن كل إنسان يمكن أن ينتمي إلى عدة أوطان في دورات حياتية مُتعاقبة، بل قد يصبح في دورة لاحقة ابن وطنٍ قد حاربهُ في دورةٍ سابقة، فيمكننا أن نفهم مهازل الحروب والعصبيات القومية أو العرقية أو العقائدية التي تثيرها. يقول الدكتور داهش بلسان روح جلبرت، أحد الجنود الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى:”
لقد اجتمعنا هنا (أي الأرواح)، وكونا أسرةً روحيةً واحدة؛ فأعداءُ الأمس الذين كانت تغمرُ قلوبهم الكراهية، أصبحوا أصدقاء اليوم، تعمرُ أرواحهم المحبة الحقيقية.
فالألماني والبريطاني والفرنسي والتركي والبلجيكي واليوغسلافي والبلغاري والروسي والزنجي والأميركي والاسترالي وغيرهم من مختلف الجنسيات التي فرضتها غايات الأرض فرضًا على الأمم – أصبحت، الآن، تنتمي إلى جنسية روحية واحدة، بعد أن نبذت أضاليل الأرض وسخافات الحياة.
فهنا لا سائد ولا مسود، لأن قانون السماء قد وحَّد بين الجميع. والحقيقة الإلهية كشفت عن أعينهم غطاءً الجهل، فاصبحوا يخجلون مما كانوا يقومون به في عالمهم المشتقَّ من الجحيم“.
إن النص السابق لجديرٌ بأن يستوقف ذوي البصائر النيرة؛ فما إن انتهت الحربُ الباردة بانهيار الاتحاد السوفياتي وتفاءل الناس بالخير والسلام حتى اندلعت نيرانُ العصبيات القومية منذرة بشر مستطير، ففي ظرف بضع سنوات وقعت حوالى خمسين حربًا إتنية سقط فيها مئاتُ ألوف الضحايا، وشرد عشرات الملايين، وازداد خطرُ انتشار الأسلحة النووية بين الشعوب بازدياد الفوضى فيها، وتعاظم أمرُ الغلاة في الأديان جميعها حتى كأنها خلت من روح الهداية وداخلتها روحُ الضلال.
إذًا الحربُ منكر يجب على العقلاء أن ينبذوهُ ويسفهوا بالحجة الدامغة مروجيه، لأن الحروب لا تتمخض إلا بالخراب والويلات على الظافرين والخاسرين، ولأنها نفي لناموس المحبة الشاملة التي أرادها الله، من خلال رسله جميعًا، في الناس.
لكن هذه القاعدة لها استثناء واحد فقط هو الدفاع عن النفس. فمثلما أن الفرد يحق له أن يدافع عن نفسه دفاعًا مشروعًا ضد مغتصب أو معتدٍ، هكذا يحق للشعب أن يذود عن أرضه إذا تأكد له أن شعبًا عدوًا يعتزمُ اغتصابها. يقولُ الدكتور داهش بلسان جلبرت:
إن الدفاع عن الوطن فرضٌ مقدس إذا حاول العدو اغتصابه لاستعماره وإذلال شعبه الأبي. فالدفاع عن أرض الجدود والآباء أمانة قلَّدتها السماءُ أعناقنا، وأوكلت أمر الدفاع عنها لنا ولأولادنا.
فالتراجع عن الواجب عارٌ لا تمحوه عابراتُ الأعوام. هذا إذا تأكدنا أن العدو سيخترق حرمةَ حدودنا كي يستعمرنا ويسرِبلنا بعار عبوديته الذليلة التي لا تطاق.
السلام العالمي والعالم الواحد
يقول مؤسس الداهشية على لسان جلبرت:
إن على ساسة العالم، في أربعة أقطار المعمور، أن يبنوا (عالمًا واحدًا)، إذا رغبوا في أن يسود السلام العام أرجاء هذه الكرة اللعينة.
أما الطريق الموصلة إلى هذا الهدف الجليل، فيمكن اختصارها بالأمور التالية:
أولاً، ضرورة تأمين إجماع الدول، ولا سيما الكبرى منها، على تحقيق هذا الهدف. وهذا يقتضي أن يعمل الواعون المخلصون بمساعدة الأمم المتحدة، على نشر ثقافةٍ تستهدفُ إقناع الرأي العام في كل دولة أن الأرض عالمٌ واحد ذو مصير واحد، وأنها وحدة متكاملة، لا جزءَ منها بوسعه ن يعتزل عن الأجزاء الأخرى مستغنيًا عنها ومكتفيًا بذاته، مهما أذخر من القوة. ولذا فإن الخطر على القوميات أو الثقافات في تصارعها، مهما يكن مقلقًا ومؤلمًا، فإنه يبقى دون الخطر الأعظم على الأرض كلها من جراء حربٍ نووية قد يفجّرها العصابيون من الحكام الطامعين أو الحاقدين أو الموتورين، أو من أخطارٍ فلكية إفنائية قد تفاجئ كوكبنا الصغير، واحتمالاتها العلمية كثيرة، أو من أخطارٍ عامة ناتجة عن انتشار الأوبئة بسبب التلوث العام في المياه أو الهواء، أو بسبب المجاعات المروعة التي تصيب الملايين كل عام في إفريقيا وآسيا، والتي قد يحولها جفاف شامل غير منتظر إلى كارثة عالمية.
ثانيًا، أن يقتنع ممثلو الأمم بأن الدول يجب أن تكون عالمًا واحدًا، لا ثلاثة عوالم، شرقية وغربية وغير منحازة، كما كانت الحال قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، ولا عالمين، عالم السادة الأقوياء وعالم التابعين الضعفاء مثلما الحالة اليوم؛ بل عليهم أن يقنعوا بأن البشر كافةً أسرةٌ إنسانية واحدة، فيعملوا بإخلاص من أجل خير هذه الأسرة؛ والكبير فيهم يكون كالأب المسؤول عن خير أبنائه، أبٍ محب شفيق غير متسلِّط لا يفرق بين ابنٍ وآخر، ولا يتحيزُ لواحدٍ دون آخر.
ثالثاً، طرح الأطماع جانبًا من الجميع في سبيل سعادة الأسرة الإنسانية”، والتنازل عن كل مطمعٍ قومي يؤدي إلى إثراء شعبٍ على حساب شعبٍ آخر. وعلى الواعين في كل أمة أن يعوا أن القومية مرحلةٌ في المسيرة التاريخية الحضارية وليست المحجّة الأخيرة. فالمجتمع البشري تطور من كيان العشيرة فالقبيلة إلى كيان المدينة – الدولة فالأمة – الدولة؛ ولا شيء يمنعُ من أن يتابع تطوره إلى أسرة دولية تكون الأرضُ كلها بيتًا لها. والمرحلةُ الأخيرةُ بدأت ملامحها تظهرُ في الأفق العالمي مع انتشار الأفكار والقيم المختلفة لدى الشعوب طرًا وتقاربها وتفاعلها، وذلك بوسائل الإعلام الحديثة الشاملة، ومنها “الإنترنت” والأقمار الصناعية. كذلك تكاثر نشوء المنظمات العالمية المهتمة بشؤون العالم كله تكاثرًا لم يعهده التاريخ من قبل؛ منها “منظمة حقوق الإنسان” ومنظماتُ السلام العالمي، فضلاً عن “البنك العالمي” ومنظمة “اليونسكو” وكثير غيرها مما هو داخل الأمم المتحدة أو خارجها.
رابعًا، أن يضع ممثلو الدول “قانونًا عالميًا شاملاً، يدخلون فيه الدول الصغرى التي تنقادُ إلى آرائهم”؛ وهذا يقتضي أن تتصرف الدول الكبرى بحكمةٍ ومحبة وإخلاص لخير الإنسان حيثما كان، فتحترم حق تقرير مصير الدول لنفسها، كما تحترم ثقافاتها وعقائدها الدينية وتقاليدها وأعرافها وقيمها، الأمر الذي يؤدي إلى جعل الدول الصغرى تثقُ بالدول الكبرى فتنقادُ لها مثلما ينقادُ الابنُ لوالده المؤدبِ المحب الحكيم، علمًا بأنه لا يجوزُ، في أي حال، فرضُ إراد الكبير على الصغير فرضًا.
خامسًا، أن“يوحد ممثلو الدول أهدافهم السامية ومثلهم العليا“. وليس هذا الأمر عسيرًا إذا تفهم الجميع خصائص الحضارات المختلفة وخصائص أديانها؛ فمن القواسم المشتركة بينها يمكن استنتاج القيم والمثل العليا التي يرضى بها الجميع. فالفضيلة نوةَ بها الهداة والرسل والحكماء جميعًا، وكذلك العدالة والحرية. لكن الديمقراطية ونظام الحكم ليس محتومًا على جميع الشعوب أن تنظر إليهما من خلال منظورٍ واحد؛ فقد عرف التاريخ ملوكًا ديمقراطيين ورؤساء جمهورياتٍ مستبدين (أنظر “العدالة في الحكم” في العدد السابق). والوعي السياسي الثقافي مختلفٌ بين شعبٍ وآخر؛ فيستحيلُ افتراضُ مستوى النضج الروحي الفكري الواحد حيثما كان. أما الغطرسة، وادعاءُ العصمة أو الكمال فأمر
“ممقوت” ممجوجٌ لدى أكثرية الناس، وإن تظاهروا بالخضوع له أحيانًا.
إن الدكتور داهش يرى أن هذا الهدف الجليل ليس مستحيلاً لكنه صعبُ التحقيق في هذا العصر، لأن المطامع المادية ما تزالُ هي التي تحرك الشعوب وتملي عليها أهدافها، وتخطط سياستها الداخلية والخارجية. أما الشعارات التي يطلقها زعمءا الدول من حين إلى آخر، منذ تأسيس الأمم المتحدة، من مثل الرغبة في بناء عالمٍ جديد تسوده العدالة والطمأنينة، وتعمُه الحرية، وينتفي فيه العوز والخوف والإكراه إلخ… تلك الشعارات التي أطلقها ونستن تشرشل وروزفلت في أوائل عام 1946، وما زال الرؤساءُ يكررونها بصيغٍ مختلفة أكثر من نصف قرن، برهنت الأحداث التاريخية أنها مجرد كلام يطلق في الهواء أو يبقى حبرًا على ورق، لأن النيات غيرُ صافية والقلوبَ غير صادقة.
يختصر رجل الروح والخوارق رأيه في اجتماعاتِ الأمم المتحدة منذ تأسيسها بقوله على لسان “الدينار”، بطل قصته الفذَّة “مذكرات دينار”.
إنني أرى ما لا ترونه، يا معشر الساسة، وأعرف ما لا تعرفون، يا أرباب الدهاء والسياسة. فالغيبُ قد تكشف لي بدائع أسراره.
والإلهام تدفقت عليَّ روائع أنواره(…)
لقد رأيت نير القوي يطوِّق أعناقكم،
وسيف الجبار يكم أفواهكم،
وقنابله الفتاكة تردم دياركم وتحصد أورىاحكم،
وما هذا المؤتمر إلا مؤامرة أبيتم إلا إدخال بلادكم ضمن دائرتها، وتقديم أنفسكم المخدوعة قربانًا على مذبح شهواتها(…)
فالنياتُ، يا ساسة، لن تصح ما دام هناك مناجمُ تحتوي أجوافها على معادن الألماس والفضة والذهنب والبلاتين. ولن تصفو ما دام هنالك آبارُ النفط والزيت والبترول(…)
- قايين، قايين! أين هو أخوكَ هابيل، يا قايين؟
- لا أعلمُ أين هو. فهل أنا حارسٌ عليه وأمين؟(…)
- يا مَن بأيديكم القواتُ المادية،
- ويا من تسيطرون على الطاقة الذرية،
- ويا من تدعون بحبكم للبشرية،
- إذا كان السلام بغيتكم، والحق ديدنكم،
- والعدالةُ أُمنيتكم،
- فهاتوا البرهان على صدق نيتكم.
- هاتوا، يا أقوياء، وأشهدوا الكون على تضحيتكم…
- أعيدوا لكل ذي حقٍّ حقَّه، وحرروا المستعبد من رقَّه، والمغبون من غبنه، ومكنوا رب البيت من بيته؛ فربُّ البيتِ أدرى بالذي فيه، بظواهره وخوافيه.
ولكنكم قلبتم الآية، وعكستم الحقائق، وأضعتم الغاية. فأصبح رب البيت يئنُّ تحت نير الغُرم، وأنتم، أيها الأقوياء، تتمتعون بالغنم(…)
وما دمتم مجتمعين لتقرير صرح سلام عالمي تسودُه العدالة الشاملة، فلماذا – يا ليتَ شعري! – شحذتم خناجركم، وحمل كل منكم غصن زيتون في ميناه، وشهر خنجره المرهف الحد بيسراه متحينًا الفرصة كي يغمده في ظهر زميله الجالس بقربه وينتهي من أمره؟
إنني أؤكد لكم أنه لا المؤتمراتُ، ولا القراراتُ، ولا المداورات، ولا المناوراتُ تستطيع أن تمنع وقوع حرب فناء ثالثة.
فما دامت شياطين “اطماعكم لا تزالُ قاطنة في أعماق أفئدتكم، ومستقرة في تلافيف أدمغتكم، وساريةً في كريات دمائكم، وهاجعة في ضلوعكم وأحشائكم، وملتصقة في كيانكم منذ تكوينكم… فليست بعيدةً تلك الساعةُ الرهيبة التي تهيئون بها معداتكم، وتتمون بها استعداداتكم…
وإذ ذاك تنطلق تلك الشياطين الجهنمية من عقالها، وتخرجُ فدائح أثقالها، كي تدمر الأرض وما فيها وتردمها بمن فيها.
إن نهاية تصارع المطامع للسيطرة على الأرض، يراها الدكتور داهش بخسران الأرضِ كلها في حربٍ فنائية شاملةٍ لا تبقي ولا تذر، وقد تكون أقرب إلينا مما نتصور.
لكن أليس من حل؟
بلى، إنه في العودة إلى تعاليم السماء ممارسةً، والتمسك بالقيم الروحية التي من أجلها اضطهد الهداةُ والمرسلون والأنبياء. إنه الإيمان بوحدةِ الأديان الجوهرية، وبالإخاء الإنساني الشامل. إنه الشعور بالعطف والشفقة على الفئات الضعيفة أو الفقيرة داخل الدولة الواحدة، كما على الشعوب الضعيفة أو الفقيرة، في أسرة الدول، وبواجب مساعدتها لإقالتها من كبواتها. فلو كانت روح الدين السمحة في المسيحية والإسلام وفي سائر الأديان ما تزالُ معافاةً فعالةً، لما حمل الأوروبيون شارةَ الحب والفداء، شارةَ الصليب، على صدورهم ليجتاحوا الشرق الأوسط ويقتلوا ويفتكوا ويدمروا باسم الصليب، ولما عادوا في العصر الحديث إلى استعمار الشعوب وامتصاص قواها؛ ولما حدثت المجازر بين الكاثوليك والبروتستانت كما بين السنة والشيعة، والسيخ والهندوس، والمسيحيين والمسلمين واليهود. لكنه فراغُ الأديان من نسغها الروحي الحقيقي – النسغ الذي من أجل نشره وتعزيزه في العالم هبطت الرسالاتُ السماوية وكان الهداةُ والحكماء – هو الذي جعل الجميع يعبدون المال، وينسون وصية سيد المجد، فيحركهم الجشعُ إلى السيطرة فالحروب، وهو الذي جعل الباحثين الذين غاب الله من قواعدهم العلمية أو من ضمائرهم يرون الدين مجرد دينامية اجتماعية عمياء تمتطيها المحركات الاقتصادية والسياسية وردود الفعل القومية والإتنية لمزيد من السيطرة الإقليمية أو العالمية.
وفي هذا التصادم القومي أو الحضاري الفارغ من جوهر الحضارة لن يكون الفوزُ، في المدى البعيد، لأية دولة. فالجميع، في ظل الغمامة النووية، سيقومون بانتحار جماعي. ومن هو الأكبر اليوم سيحل به ما حل بالأكبر قبله منذ ألفي عام. فروما التي كانت تترنح الأرض تحت أقدام جحافلها أصبحت مقطعة الأوصال، مرملة ميتمةً ترثي أبناءها. ولا يغين عن البال، إذا كنا مؤمنين بوجود عدالة إلهية، أن الثواب والعقاب يقعان على الشعوب والمجتمعات مثلما يقعان على الأفراد. فالدولة الفاسدة الباغية ستلاقي جزاءها، والدولةُ الجشعة المتغطرسة ستنقلبُ على رأسها، ويأكلُ الآخرون لحمها.
أما إذا كان الحقُّ هو رائدَ الشعوب, والفضيلةُ هي نهجها، فلا خوفَ على الدول فُرادى ولا خوفَ على الأرض.
فالأرض التي كونها الله، والخيراتُ التي ملأ بها أرجاءها، تستطيع أن تغرق كل حي على ظهرها، وتكفيه مؤونة الاعتداءات؛ هذا إذا سلمتِ النيات، وأخلصت القلوب، وإذا طردنا منا شياطين الأطماع التي تقطن في داخلنا مثلما تقطن الأفاعي في الشقوق والنخاريب.
وريثما تتقارب سيالات البشر، عبر العصور الآتية، في مستوياتها وتوجهاتها، في مداركها ونزعاتها، فتقوم حضارةٌ واحدة تسوسُها حكومةٌ حكيمةٌ عالميةٌ واحدة، فعلينا أن نبقى مردِّدين: (يا أيها الناسُ، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا؛ إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبير)، و(لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا، ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة، ولكن ليبلوكم في ما أتاكم، فاستبقوا الخيرات، إل الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).
العدالةُ الروحيَّة والتقمُّص
بقلم الدكتور غازي براكس
في التعاليم الداهشيّة أنَّ الإنسان قوامُه جسَدٌ وسيَّالات وروح. فالروح هي أُمُّ سيَّالاته، لكنَّها لا تسكن جسدَه، بخلاف الظنِّ الشائع، بل تحيا في العالم الروحيِّ، لأنَّها نفثة إلهيَّة خلقَها الله على صورته ومثاله، فلا يشوبها الدَّنَس ولا تُخالطُها المادَّة. والجسدُ يتكوَّن من سيَّال الشكل العامّ الذي تؤلِّفُ طاقاتُه الاشعاعيَّة ذات التردُّد المُنخفض نسبيًّا العناصرَ الأوليَّة “الماديَّة” في الطبيعة. أمَّا السيَّالات فهي التي تُشكِّلُ أبعاد الإنسان الروحيَّة خارج العالَم الروحيّ، وهي التي تخضع للتقمُّص. غير أنَّ بعضًا قليلاً منها يتَّحدُ بجسد الإنسان ليُشكِّل ذاتَه النفسيَّة المتمتِّعة بالإدراك والنزعات والإرادة في دورةٍ من دورات الحياة التي تكاد تكون لا نهائيَّة.
فنتيجةً للعدالة الإلهيَّة، توجَّب أن يكون للسيَّالات الهابطة من عالم الروح، بفِعلِ استحقاقها المَبنيِّ على أَعمالها ورغباتها المُختارة، مقرٌّ مؤقَّتٌ تُعاني فيه المِحَن والتجارب التي تستحقّها حسب درجتها الروحيَّة. وهذا المقرُّ الماديُّ أشبه بسجن يحدُّ من قدرتها ومعرفتها وراحتها، تُمضي فيه الزمن الذي تُحدِّدُه المشيئةُ الإلهيَّةُ وفق استحقاق تلك السيَّالات.
وبناءً على ناموس العدالة والاستحقاق، وُجِدَت الأرض كوكبًا ذا مُستوًى مُنخفض نسبيًّا بين بلايين الكواكب، وكُوِّنَ البشرُ وسائر المخلوقات فيها، حيوانًا ونباتًا ومعادن وسوائل وغازات… وُجِدَت الأرض أشبه بصفٍّ ابتدائيّ في مدرسة الكون التي لا تُحصى صفوفُها، إذ إنَّ كلَّ كوكب أو نجم أو جُرم فضائيّ واحدٌ من صفوفها.
ومثلما يكون، بين أفراد الصفِّ المدرسيِّ الواحد، تقارُب في المستويات من جهة، وتفاوت من جهة أخرى ناشئ عن الدرجات المختلفة في الذكاء، والنشاط، والاجتهاد، والخمول، والنزعات الخيِّرة والشرِّيرة، فيما بينهم، هكذا في صفِّ الأرض أيضًا. ففيه سُلَّم روحيَّة ذات حدٍّ أعلى وحدِّ أدنى للمعرفة والقُدرة والخير والشرّ والراحة والشقاء. فبين الصخرة والعشبة والجرثومة والقرد والنسر والإنسان تقاربٌ من ناحية، وتفاوتٌ من ناحية أخرى، لكنَّ الجميعَ في صفٍّ واحد.
وإذا خُيِّل للإنسان أنَّ بينه وبين سائر الموجودات الأرضيَّة فارقًا شاسعًا جدًّا، فذلك لسببَين: أوَّلاً، لأنّه يجبُ أن يحصلَ فارقٌ كبيرٌ في صفّ أفراده يُعدُّون، لا بالعشرات بل بألوف الأجناس، وبلايين بلايين الكائنات؛ ثانيًا، لأنَّ الإنسان يقيسُ قيمة الموجودات الأرضيَّة النفسيَّة بمقاييسه البشريَّة، وهذا معيارٌ خاطئ. فالفوارق أقلُّ جدًّا ممَّا يتصوَّر الإنسان، وهي لا تتناول الجوهر، بل تتناول درجته الروحيَّة وكيفيَّة التعبير عن نشاطه.
إذا حلَّلنا الذاتَ النفسيَّة لإنسانٍ متوسِّط في إدراكه وسلوكه الشخصيِّ وفي أوضاعه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، بحيثُ يصلحُ لأن يكون نموذجًا لفئةٍ تضمُّ بلايين من الناس، لرأيناه يتكوَّنُ من مجموعة حاجات ودوافع ورغبات وأفكار وقِيَم مُعيَّنة: فهو حريصٌ على المال، شغوفٌ بالظهور والوجاهة، نزَّاعٌ إلى الغرور والكبرياء، ميَّال للسيطرة على غيره، مأخوذ بالشهوة الجنسيَّة والملذَّات الحسيَّة، متَّصف بنزعة عدوانيَّة غالبًا مُقنَّعة. وإذا فعلَ التهذيب والتَّمْدين فِعْلَهما في نفسه، لَرأيناه يُنفقُ المال من أجل الخير العامّ، ولكن حبًّا بالظهور أيضًا، ويتواضع لرؤسائه ومُساويه من زُملائه ليستكبر على مرؤوسيه، ويُنَكِّر نهمَه للسيطرة بثوب مزيَّف قد يُسمّيه الطموح أو إرادة القوَّة، أو العزَّة والكرامة، ويُحمِّل نزعتَه العدائيَّة قيمة اجتماعيَّة فيحوِّلها إلى الدفاع عن الطائفة أو الأسرة أو الحزب أو الوطن، ويحتال على الآخرين في إشباع شهواته، بما يُسمّيه الآداب واللياقة والمشاركة الاجتماعيَّة. لكنَّ الدافعَ النفسيَّ الأصيل وراء هذه التصرُّفات ما يزال هو نفسه، وإن اختلف الاتّجاه أو الغاية. هذا الإنسان المتوسِّط الذي هو نموذج لبلايين من الناس، دوافعُه ورغباتُه وأفكارُه مبنيَّة على قِيَم ماديَّة فرديَّة أو مقنَّعة بقناع اجتماعيّ. إنَّه منجذبٌ إلى الأرض، راضٍ بأوضاعها، ممجّد لقيَمها، منصرف همّه إلى تحسين أحواله الماديَّة والاجتماعيَّة، سواء على صعيد الفرد، أو الوطن، أو البشريَّة. ولذلك تُسمَّى سيَّالاته بالسيَّالات الماديَّة النـزعة.
غير أنَّ فئة كبيرة من الناس قد تكون أكثر من الأولى، تقترنُ فيها السيَّالات (الماديَّة النـزعة) بسيَّالات شرِّيرة. فواحدها إذا حرص على المال، قتّر وسلب غيره؛ وإذا استعلى على أحد، نبذَه وحقَّره وكدَّرَ عَيشَه؛ وإذا سيطر، ظلم واستعبد؛ وإذا اشتهى، اغتصبَ وشذَّ وسكر وعربد؛ وإذا عادى، أذى وقتل حتى لسببٍ تافه.
وثمَّة فئة ثالثة كانت وما تزال قليلة العدد، تقترن فيها السيّالات الماديَّة النزعة بسيَّالات روحانيَّة. فهي، أحيانًا، تفعل الخير، لأنَّ الخير هو الأسمى؛ وتحبُّ القريب لأنَّ المحبَّة هي الأغنى؛ وتدرك أنَّ الإنسان أخو الإنسان، غنيًّا كان أم فقيرًا، سيِّدًا أم مسودًا، فتتواضع وتعدل؛ وتغضب للحقّ، وتسخط على الطغيان والباطل، وإن كلَّفتها الغضبة عذابًا واضطهادًا؛ وتروِّض وحش الشهوة فيها، فتُذلِّله وتخضعه لرقابة العقل وصوت الضمير الأعلى.
فالإنسان هكذا، إلى أيَّة فئةٍ انتمى، تُشكِّلُ ذاته النفسيَّة مجموعةٌ من السيَّالات الروحيَّة الجزئيَّة المُتجسِّدة، المتفاوتة في دوافعها ونزعاتها وقواها ودرجاتها، المتآلفة تارَّة والمتضاربة طورًا، لكنَّها، على تفاوتها، استحقَّت أن تتعايش معًا، في الجسد الواحد، تمامًا مثلما البشر والحيوانات وسائر الكائنات الأرضيَّة استحقَّت أن توجدَ معًا في جسد الأرض الواحد. غير أنَّ لكلِّ سيَّال من سيَّالات الفرد إرادته الخاصَّة، ودرجته الروحيَّة الخاصَّة التي تُميِّز نزعته نحو الخير أو الشرّ، ولذلك فتطوُّر السيَّال، ارتقاءً أو انحطاطًا، مرهون بنشاطه الخاصّ، إلى حدّ بعيد.
فمريم المجدليّة كان فيها سبعة سيَّالات نجسة، أي شرِّيرة، أخرجَها المسيحُ منها، بقوَّة الروح؛ [1] وهذه السيَّالات كانت تُعايش في جسدها سيَّالاتٍ روحانيَّة أهَّلَتها للإيمان بالناصريّ، ولحياة عفيفة نقيَّة. وبطرس الرسول كان فيه سيَّال روحانيٌّ راقٍ، هو الذي خاطبَه المسيح بقوله: “أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سـأبني كنيستي”؛ [2] لكنَّ بطرس كان فيه أيضًا سيَّال آخر غير راقٍ هو السيَّال المشكِّك الذي خاطبَه المسيح، في الوقت نفسه تقريبًا: “اذهب خلفي يا شيطان، فقد صرتَ عقبةً دوني، لأنَّ أفكارَك ليست أفكار الله بل أفكار البشر”؛ [3] هذا السيَّال هو الذي كان مبعث شكّ بطرس وضعفه عدَّة مرَّات. [4] وسيَّال بولس (شاول) الذي دفعه إلى اضطهاد المسيحيّين ليس هو سيَّال بولس الرسول الذي دفعه إلى الجهاد والتألُّم والتضحية بنفسه من أجل نشر المسيحيَّة في العالم. [5] وسيَّال جبران خليل جبران الذي هيمن على “دمعة وابتسامة” هو غير السيَّال الذي هيمن على “العواصف”، وهذان غير السيَّال الذي أملى عليه “النبيّ” و “يسوع ابن الإنسان”. [6]
وإذا كانت السيّالات التي تتوسّل الجهاز الجسديّ الواحد متعدِّدة، ومتفاوتة، ومتمايزة في نشاطاتها ودرجاتها، فليس من العدالة أن يكون مصيرُ السيّال الذكيّ كالغبيّ، ولا الكريم كالبخيل، ولا العفيف كالزاني، ولا المتكبِّر كالمتواضع… وبعبارة جامعة، لا يكونُ مصيرُ السيَّال الروحانيّ كمصير السيّال الماديّ أو السيّال الشرِّير؛ فكلُّ سيّال يتحمّل مسؤوليّة نشاطه الخاصّ.
ومع أنّ الإنسان يجتاز عدّة مراحل في عمره: من الطفولة إلى المراهقة، إلى الشباب، إلى الكهولة، فإلى الشيخوخة، ومع أنَّ خلاياه تتبدّل في سياق هذا التطوُّر، فتموت الملايين منها وتتجدَّد الملايين، وتتغيَّر صورتُه الشكليَّة، فإنَّ سيَّالاته الروحيَّة التي تُؤلِّف ذاته النفسيَّة يبقى كلٌّ منها متحمِّلاً مسؤوليّته الخاصَّة باستمرار، لأنّه يبقى هو نفسه.
وعند الوفاة، تنطلقُ سيَّالاتُ الإنسان، وكلٌّ منها بلغ درجة روحيَّة معيّنة تختلف عن الدرجة التي بلغَها كلٌّ من السيَّالات الأخرى. والعدالة الإلهيَّة تقضي بأن يلقى كلُّ سيَّال تجسُّدًا يتُاسب درجة استحقاقه. لذلك جعل العقلُ الإلهيُّ المدبِّر أشكالاً ماديَّة تكادُ لا تُحصى في الأرض، يحتلُّ السيَّالُ المنطلق من جسده البشريّ واحدًا منها. وقد يكونُ جسدًا بشريًّا آخر، أو جسدًا حيوانيًّا، أو نباتيًّا، أو معدنيًّا، أو غير ذلك… وقد ينطلق سيّالٌ ما من الإنسان ليلاقي مصيرًا تجسُّديًّا جديدًا، قبل أن تحين لحظة الموت، وذلك نتيجة عمل حاسِم يؤدِّيه السيّال فيسمو بسببه سموًّا عظيمًا أو يتسفَّل تسفُّلاً كبيرًا، بحيثُ لا يبقى جهازُه الجسميُّ الحاليُّ صالحًا لإيوائه لتميُّز هذا السيَّال تميُّزًا كبيرًا عن إخوته السيّالات الأخرى.
غير أنَّ الأشكالَ الماديَّة المألوفة في الأرض قد لا تبقى جميعها صالحة لملاءَمة السيَّالات الروحيَّة المُتجسِّدة ذات الدرجات الأرضيَّة، إذْ إنَّ هذه تتطوّر باستمرار. لهذا السبب كانت أشكال الحياة الأرضيّة في الأزمنة السحيقة زحّافات وحشرات وحيوانات هائلة الخلقة؛ ومعظم تلك الأشكال الحيوانيّة قد انقرضَت لأنّ صورَها الماديّة لم تبقَ ملائمة لاستقبال السيّالات الأرضيّة المستمرّة التطوُّر. ولهذا السبب أيضًا، ظهرت أشكال ماديّة جديدة، كان شكل الإنسان الحديث من بينها؛ وقد تظهر في المستقبل، إذا أُتيح للكوكب الأرضيّ أن يبقى، أشكال أخرى. لكنّ بنية الإنسان ليست أفضل الصور الحيّة، حسبما يُظَنّ؛ فليس ضروريًّا أن يكون الشكلُ الباقي هو الأفضل، لكنّه الأنسب للاندماج بالسيّالات الأرضيّة الباقية. فالانسانُ بشكله الحاليّ ليس كائنًا لا تستغني الحياةُ عنه، فهو مجرّد مظهر من مظاهرها. وليس من كائنٍ لا غنى للحياة عنه إلاّ الله. من أجل ذلك قد ينقرض الإنسان بشكله الحاليّ من الأرض، إذا قضَت المشيئةُ الإلهيّة ذلك، وقد ينحلُّ الكوكبُ الأرضيُّ نفسه وتتفكَّك ذرّاتُه إذا أصبح غير مُلائم لسيَّالات المخلوقات الأرضيَّة بسبب تدنِّيها الروحيّ الكبير. أمّا الظروفُ البيئيّة المرافقة لظهور أصناف الكائنات فهي أسباب لا بدّ منها لاستمرار سيّال الشكل في تلك المخلوقات.
وليس غريبًا أن يتّخذ السيالُ الواحد نفسُه أشكالاً مختلفة أحيانًا. ففي الأناجيل أمثلة واقعيّة على ذلك. فالروح القدس كان يحتلُّ يسوع الناصريَّ لدى إحداثه المعجزات، فيتّخذ من شكل يسوع الجسديّ شكلاً مؤقَّتًا له. لكنّه في أثناء معموديّة يسوع تشكَّل في صورة حمامة. وبعد القيامة من الموت، تجسّدَت شخصيّة يسوع[7] أمام تلاميذه في الغرفة المغلقة، ونفخت فيهم الروحَ القدس بشكل نَفَس. ولدى حلول الروح على التلاميذ في يوم الخمسين، تشكّل بصورة ألسنة ناريّة. [8]
فإذا كان السيّالُ الروحيُّ المتحرِّر من كلِّ صورة ماديَّة يمكنُه أن يتّخذ، لغايات روحيّة، أشكالاً محسوسة مؤقَّتة مختلفة، فبالأحرى السيَّالات الهابطة، بفعل ذنوبها، من أجل أن تُسجَن في صُوَر ماديَّة. [9]
وإذْ كان كلُّ سيّال في الإنسان لا بدّ من أن يلقى مصيره الذي استحقّه، لحظةَ انطلاقه من الجسد، فليس أمامه، مادام مستواه الروحيّ في حدود الدرجات الأرضيّة، إلاّ أن تدفعَه النواميس الإلهيّة إلى تقمُّص الشكل الملائم له بين ملايين الأشكال الماديّة في كوكب الأرض.
فالسيّالُ المتجبِّر المتكبِّر، أو المتألِّه الكافر، ربَّما يُمسَخ، في دورته الحياتيّة اللاحقة، كائنًا مُعَرَّضًا للتحقير والإهانة ولظروف الحياة القاسية الزريّة، فيكون جَناه اللاحق نتيجةَ زرعه السابق. فقد يتقمّص شكلَ حشرات مهانة كالنَّمل والصراصير والديدان والجرذان وغيرها… فمن أحاديث النبيّ محمّد المأثورة على أنّها صحيحة: “يُحشَر المتكبِّرون والمتجبِّرون يوم القيامة في صُوَر الذَّرِّ تطؤهم الناس، لهوانهم على الله عزّ وجلّ”؛ أو قد يتقمّص قردًا أو خنزيرًا أو دابَّة مزدراة… فبين عجائب السيّد المسيح معجزة توضح التقمُّص المَسْخِيّ بصورة عمليَّة؛ وهي التي يأمر فيها مجموعة من السيّالات النَّجسة كانت تحتلّ مجنونًا بأن تغادره لتدخلَ في قطيعٍ من الخنازير كان عدده نجو ألفين؛[10] كما وردَ في القرآن الكريم: “قُل هل أنبئكم بشرٍّ من ذلك مثوبةً عند الله، مَن لعنَه الله وغضب عليه، وجعل منهم القِرَدة والخنازير وعبد الطاغوت، أولئك شرّ مكانًا وأضلّ عن سواء السبيل”؛ [11] أو قد بتقمَّص كومةً من النفايات، أو مجرورَ أقذار، أو نعلاً يلازمُ قدمًا كيفما يتحرّك يوطأ… إلى أشكال زريَّة تكادُ لا تُحصَر.
وربَّما يُمسَخ السيَّالُ الغبيُّ حمارًا، والمعاندُ الحقيقة بغلاً، والمؤذي ذئبًا أو وحشًا ضاريًا، والمتكبِّر المتكالب على حطام الدنيا كلبًا… إلى ألوف الصور الماديَّة التي هي في علم الله عزّ وجلّ.
وربَّما يكون جزاء السيَّال الشرِّير في تقمُّص صورة بشريّ ذي وضع شخصيّ واجتماعيّ شقيّ، بحيثُ يولد أعمى أو أبكم أو أصمّ، أو مُصابًا بعاهة جسديَّة، أو مسكينًا متسوِّلاً، أو مُستعبَدًا مهانا، أو إنسانًا محكومًا بأوضاع اجتماعيَّة واقتصاديَّة قاسية وضيعة…
وقد تجعل العدالة الإلهيَّة كلَّ شرِّير مؤذٍ مُصابًا بسيَّال شرِّه وأذاه في دورة لاحقة: فمَن سرَق يُسرَق، ومَن أحرقَ يُحرَق، ومَن أغرقَ يُغرَق، ومَن افترى يُفترى عليه، ومَن استعبَد يُستعبَد، ومَن ظلَم يُظلَم، ومَن أذلَّ يُذَلّ، ومَن عذَّب يُعذَّب…
وعلى العكس من ذلك، فالسيَّال الذي رقَّى نفسه قد يتقمَّص إنسانًا يكون في وضعٍ صحيّ أو اجتماعيّ أو ثقافيّ أفضل، أو قد يتَّخذ شكلاً من أشكال الموجودات الطبيعيّة يكون في عرف الله أفضل من وضعه البشريّ السابق. فالأزهار، والأشجار، والطيور، والهواء النقيّ، والماء الصافيّ، سيّالاتها، بصورة غالبة، أرقى من سيّالات الناس العاديّين. [12]
***
إنَّ الحياةَ زاخرةٌ بالأحداث المُستَغلِقة على الأفهام المُحيِّرة للألباب. فكَم من إنسانٍ يولَدُ أعمى أو كسيحًا أو مُصابًا بعاهةٍ لا بُرءَ منها؛ يُقبِلُ على الدنيا حاملاً قدرَهُ المشؤوم في جسده، وهو لم يعمل بعدُ لا خيرًا ولا شرًّا! وكَم من إنسانٍ صالحٍ تقصرُ أيَّامُه وتكثرُ مُنغِّصاتُه، ومن طالح يطولُ عمرُه وتقلُّ مُكدِّراتُه! وكَم من حاكمٍ طاغية أو مجرمٍ باغية تُقبلُ الدنيا عليه، ومن خَيِّر بسيط القلب تُدبرُ الدنيا عنه!
فما ذنبُ الأطفال تلدُهم أُمَّهاتُهم للآلام والشقاء؟ وما ذَنبُ الأيتام والأرامل أو الشيوخ تحصدُهم آلاتُ الحروب الجهنَّميَّة؟ وما ذنبُ الأبرياء، في كلِّ عصرٍ ومِصر، تلتهمهم الحرائق، أو تبتلعهم الفيَضانات، أو تمحقهم الزلازل؟
إنَّ هذه الظاهرات المؤسية التي تبدو كأنَّها مُناقضة للعدالة الإلهيَّة جعلَت كثيرين، في كلِّ زمن، حتّى الأتقياء والصالحين، يقفون منها موقف المتسائل الحائر، حتّى إذا أعياهم الجواب، استَسلَموا إلى مشيئة اللّه، وأعلنوا عجزهم عن فضِّ أسرار حكمته التي لا يُحيطُ بها علم، أو شكَّكوا في العدالة الإلهيَّة وانجرَفوا في تيَّار الإلحاد.
لكن أيُعقَل أن يحجبَ اللّه -وهو العادلُ الرحيم- عن النَّاس طُرًّا الجوابَ الصحيح عن تلك الأسئلة الخطيرة؟ لا، فالجوابُ الصحيحُ جعلَه في الأديان كلِّها إمَّا واضحًا مُفصَّلاً وإمَّا موجَزًا مُلمَّحًا إليه، لسببٍ علمُه لديه، كما ألهَمَ به فلاسفة وأُدباء ومُفكِّرين في مختلف العصور: إنَّه قانون التقمُّص.
فأديانُ الهند الرئيسيَّة الثلاثة، الهندوسيَّة، والبوذيَّة والجَيْنيَّة، ترتكزُ تعاليمُها جميعًا على التقمُّص. وأتباعُ هذه الديانات يُعَدُّون أكثر من بليون شخص، أي ما يُعادل خُمس البشريَّة.
كذلك فاليهود، عهدَ المسيح، كانوا يؤمنون بالتقمُّص. وقد ظهرَت آثارُ عقيدتهم في التلمود، كما أصبحت من أُسُس “القَبالَة” Cabala، كتاب اليهوديَّة الباطنيَّة، وآمَنَ بها الفرِّيسيُّون، وعلَّمها الفيلسوفُ فيلو اليهوديّ Philo Judaeus( 15 ق.م. – 50؟ ب.م.) المولود في الإسكندريَّة؛ وقد كان تأثيرُه بالغًا في مدرستها الفلسفيَّة الشهيرة. وإيمانُ اليهود بالتقمُّص في زمان المسيح ظاهرٌ في الأناجيل حيثُ ورد: “وفيما هو [المسيح] يُصلِّي على انفراد، كان التلاميذُ معه، فسألَهم قائلاً: مَن تقول الجموع إنِّي هو؟ فأجابوا: يقولون إنَّك يوحنَّا المعمدان، وآخرون إنَّك إيليَّا، وآخرون إنَّ نبيًّا من الأوَّلين قد قام” (لوقا 9: 18-19). [13]
كذلك تُثبتُ الأناجيلُ أنَّ تلاميذَ المسيح كانوا يؤمنون بالتقمُّص، وذلك في قول يوحنَّا الإنجيليّ: “وفيما يسوع سائر، رأى رجلاً أعمى منذ مولده، فسألَه تلاميذُه قائلين: يا سيِّد، مَن أخطأ أهذا أم أبَواه حتّى وُلِدَ أعمى؟ أجاب يسوع: لا هذا ولا أبواه، لكن لتظهرَ أعمالُ اللّه فيه” (يوحنَّا 9: 1-3). فسؤالُ التلاميذ يقتضي إيمانَهم بأنَّ الولدَ كانت له حياة سابقة قبل ولادته؛ وجوابُ المسيح لهم لا ينفي وجودَ الولد في حياة سابقة، إنَّما ينفي أن تكون خطاياه فيها قد سبَّبَت ولادته أعمى، ذلك بأنَّ أعمالَ الإنسان وذنوبَه في حياته السابقة لها تأثيرٌ كبيرٌ في وضعه الصحيّ والاجتماعيّ في حياته اللاحقة، لكنَّ الأعمى المذكور كان مُصابًا بالعمى لا عن استحقاق، بل ليكون وسيلةً يُمجَّدُ بها اللّه في معجزة؛ إذْ لو كان أعمى عن استحقاق، لقضَت العدالةُ الإلهيَّةُ أن يبقى أعمى طول حياته كسائر العميان.
والتأكيدُ الصريحُ لحقيقة التقمُّص في الأناجيل يظهر في معرض سؤال التلاميذ للمسيح عن هُويَّة يوحنَّا المعمدان. فقد وردَ: “سألَه التلاميذ: لماذا يقولُ الكَتَبة إنَّ إيليَّا يجبُ أن يأتي أوَّلاً؟ فأجابهم: أجل، يأتي إيليَّا ويُصلحُ كلَّ شيئ. ولكن أقولُ لكم: إنَّ إيليَّا قد أتى، لكنَّهم لم يعرفوه، بل فعلوا به كلَّ ما أرادوا. وكذلك ابن الإنسان سيلقى منهم الآلام. ففهمَ التلاميذُ، حينئذٍ، أنَّه عنى بكلامه يوحنَّا المعمدان” (متَّى 17: 10-13).[14] وقولُ المسيح لم يكن مجازيًّا، إنَّما هو حقيقة. وقد حدثَ التقمُّصُ المذكور إتمامًا لنبوءة وردَت على لسان ملاخي، أحد أنبياء العهد القديم، حيثُ يقول: “ها ءَنَذا أُرسلُ إليكم إيليَّا النبيّ قبل أن يجيء يومُ الربِّ العظيم” (ملاخي4:5).[15]
كذلك تظهرُ حقيقةُ التقمُّص في قول السيِّد المسيح: “مَن قال كلمةً على ابن البشر يُغفَرُ له؛ أمَّا مَن قال على الروح القُدُس فلا يُغفَر له لا في هذا الزمان (أو هذا العالَم) ولا في الزمان الآتي (أو العالَم الآتي) (متَّى 12: 32). وفي الحالَين يقتضي تمام المعنى حياةً أُخرى يعيشها الإنسان وتكون تتمَّة لحياته الحاليَّة.
كما يظهر التقمُّص في قول يسوع: “إنْ أعثَرَتْكَ يدُكَ أو رِجْلُكَ فاقطَعْها وألقِها عنك، فخيرٌ لك أن تدخلَ الحياة وأنت أعرج أو أقطع من أن تُلقى في النار الأبديَّة ولكَ يدان أو رجلان…” (متَّى 18: 8) وتمامُ المعنى يقتضي أن يعيش الإنسانُ حياةً ثانيةً تكونُ فيها عاهتُه نتيجة عمله الإراديّ في حياته السابقة. [16]
وخاطبَ المسيحُ يوحنَّا قائلاً في رؤياه: “تمسَّكوا بما عندكم إلى أن أعود. ومَن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأُعطيه سلطانًا على الأُمم فيرعاهم بقضيبٍ من حديد…” (رؤيا 2: 25-27). وتمام المعنى يقتضي أن يعيشَ المؤمنون حيواتٍ متعاقبة، تكونُ إحدى دوراتها عند عودة المسيح؛ فإذْ ذاك يُعطي الثابتين من المؤمنين سلطانًا على الشعوب.
كذلك قول المسيح لتلاميذه: “كونوا أنتم كاملين كما أنَّ أباكم الذي في السماوات هو كامل” (متّى5: 48) يوجب حيواتٍ متتالية كثيرة يعيشُها الإنسانُ، ليتمكَّن في خلالها من التغلُّب على ميوله الدنيويَّة ونزعاته الشرِّيرة، ومن الارتقاء الروحيّ العظيم الذي يؤَهِّله لولوج عالَم الكمال، عالَم الأُلوهة. فأيُّ بشريٍّ يستطيع أن يدَّعي أنَّه بوسعه أن يبلغَ الكمال في حياة واحدة؟ فإذا استحال ذلك، فكلامُ المسيح لا يكون له معنًى إلاَّ إذا أُتيحَ للإنسان أن يعيش حيواتٍ كثيرة تتكرَّر فيها تجاربُه ومحاولاتُه للتغلُّب على الدنيا.
ومع أنَّ عقيدة التقمُّص غير مُفصَّلة في الأناجيل كما في الأديان الهنديَّة، فقد تركَت آثارًا واضحةً في تعاليم كثيرين من آباء الكنيسة الأوائل، وفي عدَّة مذاهب مسيحيَّة قديمة وحديثة. فمن آباء الكنيسة أُوريجينوس Origen (185؟ – 254؟) وهو من مواليد الإسكندريَّة، وبونافنتورا Bonaventura (1217؟ – 1274)، وهو من مواليد توسكانا، وقد طوَّبَتْه الكنيسة الكاثوليكيَّة قدِّيسًا بالرغم من آرائه التقمُّصيَّة. ومن المذهب المسيحيَّة التي أخذَت بعقيدة التقمُّص الغنوستيَّة Gnosticism في القرون المسيحيَّة الأُولى، والكاثاريَّة Catharism في العصور الوسطى، والأنطونيَّة Antoinisme التي بدأت انتشارها بأوروبَّا في أواخر القرن التاسع عشر.
وفي القرآن الكريم كثيرةٌ هي الآيات التي تؤَكِّدُ التقمُّص؛ منها:
{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثمَّ يُميتُكم ثمَّ يُحييكم ثمَّ إليه تُرجَعون} (سورة البقرة: 28).
{يا أيُّها الإنسان، ما غرَّكَ بربِّكَ الكريم الذي خلقَك فسوَّاك فعدَلَك، في أيِّ صورةٍ ما شاء ركَّبَك} (سورة الانفطار: 6-8). [17]
{قالوا: ربَّنا أَمَتَّنا اثنتَين وأحيَيتَنا اثنتَين، فاعترَفنا بذنوبنا، فهل إلى خروجٍ من سبيل؟} (سورة غافر: 11).
وعلى هذه الآيات القرآنيَّة وغيرها [18] بُنِيَت معتقداتُ عدَّة فِرَق إسلاميَّة جعلَت التقمُّص في عِداد حقائقها، وبينها الدرزيَّة وفِرَق شيعيَّة باطنيَّة. [19]
***
لكنَّ الغاية من هذه المقالة ليست عرض نظريَّة التقمُّص مثلما فُصِّلَت في المذاهب الدينيَّة، ولا مثلما عُرِضَت في كتابة عشرات المفكِّرين الأفذاذ قُدامى ومُعاصرين، بل عَرْض مظاهر التقمُّص وأسبابه مثلما تتراءى في كتاب مؤسِّس الداهشيَّة المُلهَم “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة” بأجزائه الأربعة.
والقِصَصُ التي سأسردُ وقائعَها قد تبدو للقارئ مُغرِقةً في الخيال، بعيدةً عن الواقع، لكنَّ مؤسِّسَ الداهشيَّة الذي تشهدُ على صدقه ومعرفته الروحيَّة الخارقة أُلوفُ المعجزات المُذهلة التي حدثَت على يدَيه يقولُ مؤَكِّدًا:
“القِصَصُ التي ذكَرتُ فيها حوادثَ التقمُّص ليست خياليَّة؛ فأنا أُؤمنُ بالتقمُّص إيماني بوجودي، أي إنَّ الإنسان يتكرَّرُ مجيئه إلى الأرض ليتطهَّر من أوشابه ويتخلَّص من أوزاره” (ج2، ص7).
فلْنرَ الآن كيف يتمُّ التقمُّص في الحياة الواقعيَّة وفقًا للتعاليم الداهشيَّة.
أوَّلاً- إنسانٌ يتقمَّصُ إنسانًا:
في قصَّة “صداقة حميمة فعداء مُبيد” (ج2، ص 196-210) يتلقَّى جودي دعوةً من صديقه جيمس للنزول ضيفًا عنده في لندن مع مَن يُريد اصطحابه. فيُلبِّي الدعوة، ويختار صديقه الحميم أَلْفرِد لمرافقته. وتكون الزيارة فرصةً سانحةً لوَضع صداقة جودي وألْفرد على مِحَكِّ التجربة، إذْ يتنافسان في خَطْب وُدِّ سوزي، ابنة جيمس. لكنَّ الغادةَ تنجذبُ إلى جودي مُعرِضةً عن صديقه، فيشعرُ ألفرِد بكبريائه تُجرَح في الصميم، وتشتعلُ في نفسه شهوةُ الانتقام من صديقه. وبعد عودتهما إلى بلدهما المكسيك، يغتنمُ أَلفرِد فرصةَ زيارة جودي له، فيُنوِّمُه بمُخدِّر يسكبُه له في الماء، ثمَّ يُقيِّده ويفقأُ عينَيه بسيخٍ حديديٍّ مُحمًّى. وتنتهي هذه المأساةُ بموت جودي وقَتْل ألفرِد.
كثيرون ممَّن يطَّلعون على هذه الحادثة يظنُّون أنَّ قتلَ أَلفرد على يد شقيق جودي قد أوفى العدالةَ حقَّها. لكنَّ العدالةَ الروحيَّة أبعدُ من ذلك، وهي تأبى إلاَّ أن يكون الجزاءُ من نوع العمل. فأَلفرِد زرعَ بالجريمة التي ارتكبَها بذرةَ شرّ معيَّنة، وعليه أن يحصدَ جناها في تقمُّص لاحق، إذْ يولَدُ “أَعمى” (ج 2، ص 211- 220). ويجمعه القدَر، بعد أن يشبَّ، بفتًى يصطفيه صديقًا له هو جيرار. وتشاءُ الأقدارُ أن تنزلَ في ضيافة والدة قَتام الأعمى صديقةٌ لها مع ابنتها الوحيدة، بِتِرفلاي. فتعلَقُ الفتاةُ جيرار. وتتأجَّجُ جُذوةُ الحقد والانتقام في نفس قتام، فيُصمِّم على تسميم صديقه. لكنَّه سرعان ما يكتشفُ في حلمٍ يراهُ سببّ ولادته أعمى، وهو أنَّه فقأَ عَيْنَي صديقه في تقمُّصٍ سابق، كما يكتشفُ أنَّ بترفْلاي هي سوزي، فتكون الصدمةُ قويَّة عليه لأنَّه كان شديد التذمُّر من وضعه الشقيّ، كثير التظلُّم من “قسوة” ربّه، ويجرع السمَّ الذي كان قد أعدَّه لإهلاك صديقه، فيهلك هو بَدَلاً عنه.
وفي قصَّة “أُحبُّ الاثنتَين” (ج2، ص 232-236) يُصارحُ (ليثُ الغاب) غادتَين صديقتَين (شمس الضُّحى) و (وردة الربيع) بحبِّه لكِلتَيهما. لكنَّ (وردة الربيع) تعتزمُ الاستئثار به، فتتظاهرُ بالمودَّة لمُنافِستها، ثمَّ تصطحبُها إلى نزهةٍ في الجبل. وبينما تكونان في إحدى شُعَبه الضيِّقة، تدفع (شمس الضُّحى) صديقتها، فتهوي إلى الوادي، لكنَّ صخرةً ضخمةً تعترضُ هُويَّها، فيصطدمُ رأسها بها ويُفلَق. بعد ذلك تعيش (شمس الضُّحى) في كوابيس متلاحقة حتّى تقضي نحبَها في سكتةٍ قلبيَّة من غير أن تقترن بمَن تحبُّهُ.
لكن أتكونُ العدالةُ الروحيَّةُ قد استَوفَت حقَّها بموت الجانية؟
لا، فما زُرِع في حياةٍ لا بُدَّ أن ينمو في حياةٍ أخرى. وهكذا تتقمَّص (شمس الضُّحى) أميرةً مصريَّةً فاتنة (ج2، ص 237-240) تقترنُ بشابٍّ يُحبُّها وتُحبُّه. لكنَّ أيَّام أفراحها لا تطول، إذْ إنَّها بينما تكونُ تنتظرُ قدومَ حبيبها رعمون في الحديقة، تهوي عليها فجأةً مِسَلَّةٌ عظيمةٌ كانت قد أُقيمَت احتفاءً بذكرى مولدها الثامنة عشرة، فتسحقها. ولكن لماذا قُتِلَت الأميرةُ بهذه الطريقة الغريبة؟ يكشف الدكتور داهش عن أنَّ حجر المسلَّة هو نفسه حجر الصخرة التي تخضَّبَت بدماء مُنافِستها (وردة الربيع) في تقمُّص سابق، وسيَّالُ الصخرة نفسه سينتقم من الجانية فيما بعد، وفقًا لنظامٍ روحيٍّ دقيق. لقد قتلَت غريمتَها بإسقاطها على صخرة، إذن تُقتَلَ هي بسقوط الصخرة نفسها عليها.
ثانيًا – إنسانٌ يتقمّص حيوانًا:
لكن ليس محتومًا أن يتقمَّص الإنسانُ، بعد موته، إنسانًا آخر؛ فقد يتقمَّص حيوانًا لأسبابٍ كثيرة؛ منها نزعةٌ شرِّيرة فيه أو رغبةٌ شديدة تضعُ سيَّالاته -أي طاقاته النفسيَّة- في مجال الجاذبيَّة الروحيَّة التي تتَّصفُ بها سيَّالاتُ نوع من الأنواع الحيوانيَّة. وتُهيمنُ على هذا التحوُّل العدالةُ الروحيَّة وفقًا لنظامٍ إلهيٍّ دقيق.
ففي قصّة “الكلب الشريد الطريد” (ج 1، ص 52-55) يصفُ الدكتور داهش كلبًا جائعًا هزيلاً “يقوده أنفُه إلى ملحمة يقفُ أمام بابها ذليلاً؛” لكنَّ صاحبها بدَل أن يرحَمَه بعظمة يُلقيها إليه، ينهالُ عليه بهراوة غليظة ضربًا مُبرِّحًا ثمَّ يشجُّ رأسَه فيُهلكُه.
إنَّ مؤسِّسَ الداهشيَّة يؤكِّدُ أنَّ الحيوانات تتمتَّع بحياةٍ نفسيَّةٍ كالإنسان؛ فهي تُدرك وتشعر بالألم والحزن والفرح، كما إنَّها مسؤولة عن أعمالها ورغباتها بالنسبة للنظام الروحيِّ الذي يسودُ عالمها.[20] ولذلك فتعذيبُ الحيوان والاعتداء عليه كتعذيب الإنسان والاعتداء عليه من حيثُ تَرَتُّب المسؤوليَّة الروحيَّة على المُعتدي.
وهكذا تشاءُ الأقدارُ أن يولَدَ الكلبُ القتيلُ أميرًا، وأن يتقمَّصَ سيَّالُ صاحب الملحمة المُعتدي كلبًا. وكان كلبًا تاعسًا “مقطوع الذَّيل، مصلوم الأُذنَين، ضامر البطن، أعمش العينَين، أجربَ الجسم.”
رآهُ الأمير مرَّةً ينهالُ عليه عدَّةُ فتيانٍ بالعِصيِّ والحجارة، فأنقذَه، وأمر بتضميد جراحه، وبتقديم الطعام له. لكنَّ الكلبَ أبى أن يذوقَ طعامًا، بل انكمشَ على نفسه، وجعلَت دموعُه تجري هتَّانة.
وتكشَّف الأميرُ سرَّ الكلب في حُلمٍ رآه وأخبر ذَويه به، فاندفعوا حيثُ كان الكلبُ في القصر، فإذا دموعُه ما زالت تتساتل، فتأكَّدَت لهم حقيقة الحلم. وازدادوا عجبًا حينما شاهدوا الكلب يلعقُ يدَي الأمير ويتمرَّغ دون قدمَيه، ثمَّ يعدو على الدرج إلى سطح القصر الشاهق، ويُلقي بنفسه إلى الأسفل مُنتحرًا.
أمَّا لماذا أبدى الكلبُ ذلك التصرُّف، فالسببُ تكشفُها التعاليمُ الداهشيَّة بأنَّ الحيوانات منحَتها القوَّةُ الموجِدة حسًّا يُخوِّلُها أن تعرفَ مَن كانت في حياتها السابقة، وسببَ مُجازاتها بتقمُّصها حيوانات. وهذه المعرفةُ للحياة الماضية حجبَها الله عن الإنسان رحمةً به.
وعلى نقيض مجرى الأحداث في هذه القصَّة أحداثُ قصَّة “الملك الكلب” (ج2، ص 13-14) إذْ إنَّ ملكًا مُستبدًّا يغتصبُ زوجةً فاتنة ويأمر بإلقاء زوجها الشابّ إلى الذئاب، فيتقمَّص الملك، بعد موته، كلبًا يُعاني من العذاب ألوانًا، ثمَّ تلتهمُه الذئابُ في ليلةٍ ثلجيَّة، فيحصدُ هكذا ما زرعَه.
وشبيهٌ بمصير الملك مصيرُ الرئيس الطاغية الذي جوزِيَ فتقمَّص بغلاً (ج 2، ص 40-42) قاسى عذابًا شديدًا من الحمير كما من صاحبه، وأخيرًا رمى نفسه في حفرةٍ تنصبُّ فيها مجاريرُ القرية، بعد أن أشعل صاحبه النار في جسمه.
وفي “التقمُّص والتناسخ أو عظُمَ ذَنْبُه فقُطِعَ ذَنَبُه” (ج 2، ص 31-39) يعرض الدكتور داهش قصَّة شقيقَين توأمَين، شِبل وغَضوب، تنافسا في خَطْب وُدِّ فتاةٍ خُلاسيَّة، داجية، كانت جارتهما؛ لكنَّ الفتاة انجذبَت عاطفتُها إلى غَضوب، فعاطاها الغرام خفية. وعرفَت والدتُه بالأمر، فغضبَت عليه وانصبَّت على الفتاة ووالدتها بالشتائم المُقذِعة، الأمر الذي أثار عاطفة غضوب وغضبه، فدفع والدته بعُنف، فاصطدمَ رأسُها بحافَّة العتبة، فقضَت نحبَها. فانتفضَ ابنُها شبل للمشهد المؤسي، وانقضَّ بسيفٍ كان قربه على مؤخَّرة شقيقه ثمَّ بترَ ساقَه، فأورده حتفَه. وانتهت المأساةُ بقَتل شبل لشرطيَّين حاولا الإمساك به، ثمَّ بِقَتل نفسه.
غير أنَّ أحداثَ المأساة تنتقلُ إلى مسرحٍ آخر لتستوفيَ العدالةُ الروحيَّةُ حقَّها. فتتقمَّص والدةُ الشابَّين قطَّة، ما تلبث أن تلِدَ ذكرَين هما شِبْل وغَضوب، وأُنثى هي الفتاة الخُلاسيَّة نفسها. وتجتاحُ سيَّارة القطَّ شبُّول (شبل) فتتسبَّب بقَطع ذنبه وكَسر رجله.
أمَّا تعليلُ هذه الأحداث فيوردُه مؤسِّس الداهشيَّة هكذا:
“والدة غضوب وشِبْل جوزِيَت فتقمَّصَت قطَّة، وذلك لكراهيتها لداجية ولتحاملها على والدة داجية بقسوةٍ وعُنفٍ بالغَين، إذْ قالت لابنها غضوب: “ما داجية إلاَّ قطَّة شرِسة.” فأجابها غضوب: “لو قُدِّرَ لداجية أن تتقمَّص قطَّة لتمنَّيتُ أن أكون قطًّا لأقرنَ مصيري بمصيرها.” وشِبل ما انتضى مُهنَّده ونكَّل به بشقيقه إلاَّ غيرةً وحسدًا من تفضيل داجية لشقيقه غضوب عليه، فجوزِيَ إذْ عاد إلى الأرض ثانيةً متقمِّصًا كقِطّ، واجتاحَتهُ سيَّارة ممَّا سبَّب له قطعَ ذنبه وكَسْر رجله؛ فالعدالةُ الروحيَّةُ تقتضي أن يُصاب بما أصاب به شقيقَه. فبالكيل الذي تكيلون به يُكال لكم ويُزاد. وهكذا عادوا جميعهم إلى عالم الأرض متقمِّصَين كقِطَط، واجتمعوا معًا لتتكرَّر تجربتُهم. فإذا استطاع غضوب أن يمتنعَ عن داجية التي أصبحت الآن شقيقته، فإذْ ذاك يُرقِّي درجَته الروحيَّة. وكذلك شبل، عليه أن يكون عفيفًا مع داجية التي أحبَّها في تقمُّصه السابق من صميم قلبه، وأصبحت الآن شقيقته. وما اجتمعَت، ثانيةً، واندمجَت بهم إلاَّ لتكون كالشَّرَك المتين ليقتنصهما. فإذا تغلَّبا على رغبتهما بالامتناع عنها، رقَّيا سيَّالاتهما، وإلاَّ فسيتكرَّر تقمُّصهما، وبتكراره تتجدَّد آلامهما بما سيعترضهما من عقباتٍ كأداء في عالم الأرض الملأى بالشرور والنكبات الجِسام.”
والعبرةُ في ذلك أَنَّ على الإنسان أَن يُغالبَ أَيَّ مَيلٍ شرّير أَو رديء فيه، كالبُغض والحسَد والظلم وحبِّ الأذيَّة والزنى، لأنَّه لا يعرفُ كيف سيُجازى عليه. كذلك عليه أَلاَّ يُبرِّرَ ميلَه ذاك أَيَّ تبرير، لأنَّه إذا لم يتغلَّب عليه مهما كلَّفَه من مشقَّة، فإنَّه سيُسبِّبُ له تكرارَ تقمُّصاته الدنيويَّة الشقيَّة، وربَّما هبوطَه إلى العوالم الجحيميَّة. أمَّا إذا تغلَّبَ عليه فسيُرقّي سيّالاته ويستحقّ تقمُّصًا أفضل.
لكنَّ تقمُّص الإنسان حيوانًا لا يكونُ دائمًا لمُجرَّد عقابه. فقد يكونُ تحقيقًا لرغبةٍ شديدةٍ تعتلجُ في نفس الإنسان، كأن تتمنَّى فتاةً عند موتها أن تصبحَ ضفدعة لشدَّة ما تُحبُّ المكوثَ في الماء، [21] أو أن يتمنَّى عريسٌ وعروسُه، عند احتضارهما، أن يتقمَّصا عصفورَين، [22] فتستجيبُ القوِّةُ الموجِدة للدعاء الحارّ المقرون بالرغبة الشديدة، ذلك إذا استحقّ الراغبُ هذا التقمُّص.
كما قد يكونُ تقمُّص الإنسان حيوانًا للاقتصاص من مُعتدٍ شرِّير برَدِّ ظُلمه إليه بمِثله، كما الحالُ في قصَّة “والدة لم يُسجِّل التاريخُ قسوةً كقسوتها وإجرامًا كإجرامها” (ج1، ص 104-107). ففيها يذكر الدكتور داهش أنَّ امرأةً روسيَّةً، بتروفسكا، اتَّجهَت بعربتها التي يقودُها حصان إلى قريةٍ نائية، في ليلةٍ ثلجيَّة؛ وكانت تصطحبُ طفلَها وطفلتَها. وهاجمَت الذئابُ العربة، فأَلقَت الأُمُّ إليها بابنها ثمَّ بابنتها لتُشغلَها عنها. وقد لاقَت الأثيمةُ حتفها بعد عامَين من سجنها.
لكنَّ عقابها المزدوج لم يكن كافيًا بنظر العدالة الإلهيَّة. فقد تقمَّصَت فتاةً روسيَّةً باسم فالنتينا. وبعد أن عقدَت خطبتَها على شابٍّ روسيّ، شاءَت الأقدارُ أن تقرأَِ أمامه خبر بتروفسكا المُفجع، وذلك بعد ستِّين عامًا من حدوثه، وأن تُدافعَ عن الجانية، الأمرُ الذي استَفظَعهُ خطيبُها، ففصمَ خطبتَه لها وغادرَها. لكنَّها اعتزمَت الاقتصاصَ منه، فطاردَتهُ ليلاً. وكان أن هاجمَتها الذئاب، وافترسَها اثنان منها كانا طفلَيها نفسهما في دورٍ سابق، وقد استحقّا أن يولَدا ذئبَين.
وشبيهٌ بهذا التقمُّص ما حدث في قصَّة “حُبّ نيرانُه مُبيدة” (ج 1، ص 70-77)؛ ففيها يخونُ مكاروف صديقه ويقتُله، ثمَّ يغتصبُ عروسَه ويقتلها أيضًا لطَمسِ آثار جريمته المزدوجة؛ وقد كانت شقيقتُه شريكتَه في الجناية. “لكنَّ عينَ الله المُراقبة كانت لهذَين المجرمَين بالمرصاد، فالمكانُ الذي حفرا فيه الحفرةَ لضحيَّة الغدر كان مكمنًا للعقارب؛ فلسعَت هذه العقارب المجرمَين لسعاتٍ مُميتة أوردَتهما مواردَ التهلكة.”
غير أنَّ هذا الجزاءَ الإلهيَّ الفوريَّ لم يكن كافيًا، فالعدالةُ الروحيَّةُ اقتضَت أن يتقمَّصَ الجانيان، في روسيا نفسها، باسم بوشكين وكْراسيا. وعشيَّة اليوم المُعيَّن لعرسهما، بينما كانا مُتَّجهَين على زحَّافة إلى قرية العريس، فاجأَهما ذئبان كانا تقمُّصَيْ ضحيَّتَيْهما في الدور السابق، فمزَّقاهما ولم يُبقيا منهما إلاَّ العظام. فما يزرعه الإنسانُ فإيَّاهُ يحصد.
***
يقولُ مؤسِّسُ الداهشيَّة في مقدّمة الجزء الثاني من “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”:
“مِن المؤكَّد أنَّ [الإنسان] لا يستطيع أن يكون سلوكُه مثاليًّا إذْ إنَّ دنيانا حافلة بشتَّى المُغريات التي تُسقطُه في أشراكها التي لا ينجو منها ناجٍ. فالمرأةُ له بالمرصاد، تستهويه فيندفع في خِضَمِّ الشهوات العارمة، وحبُّ المال يُكبِّلُه بكبوله التي لا تُقاوَم فيستعبدُه، والعظمة، وحبُّ الوجاهة، والكبرياء الخ… جميعُ ما ذكَرتُ تقودُه إلى مهاوي الهلاك المؤكَّد”.
وإذا اعتبَرنا أنَّ مُعدَّلَ عمر الإنسان 75 سنة، وحذَفنا منه سنوات الطفولة غير المسؤولة المقدَّرة بـ 15 عامًا، ثمَّ حوالى ثلث عمره الباقي الذي يُقضِّيه في النوم، ثمَّ ثلثًا آخر يُقضِّيه مريضًا، أو منهمكًا في تحصيل معيشته -لو حذَفنا كلَّ تلك السنوات من مُعدَّل عمره، لَما بقي له إلاَّ حوالى 20 سنة، عليه أن يُصارع فيها ميولَه الشرِّيرة ونزعاته الدنيويَّة ليستطيعَ أن يُرقِّي نفسَه فيستحقَّ النعيم وينجو من الجحيم. وهذه المدَّة الباقية لا تكفي على الإطلاق ليتمكَّن الإنسانُ من الانتصار على طبيعته البشريَّة النزَّاعة للشهوات الدنيويَّة والأمَّارة بالسوء؛ وهكذا “سيذهب البشرُ جميعُهم إلى جهنَّم النَّار المتَّقدة” -على حدَّ قول مؤسِّس الداهشيَّة- “ويمكثون مُخلَّدين فيها من دهرٍ إلى دهر، ومن أزلٍ إلى أبد. وهذا أمرٌ غير جائز إطلاقًا، وظلمٌ رهيب، فرحمةُ اللّه عظيمة وعميمة. لهذا أعطانا فرصةَ إصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا، فمنحَنا نعمةَ التقمُّص؛ وربَّما أعطانا إيَّاها 6000 مرَّة نعودُ فيها إلى عالَم الأرض، لنتغلَّبَ في خلال هذه التقمُّصات الألفيَّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغَ جنَّة النعيم. “ففي خلال هذه التقمُّصات الـ 6000 ممكنٌ لأيِّ بشريّ أن يُحسَّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيَّة وتكرار ذهابه وإيابه. فإذا تكرَّر مجيئُه 6000 مرَّة، وبقِيَت أعمالُه شرِّيرة، إذن يستحقَّ، إذْ ذاك، أن يُخلَّدَ في جهنَّم النَّار الخالدة بنيرانها، وهذا يكونُ عدلاً وحقًّا.” وعلى القارئ أن يفهمَ معنى الخلود هنا بالدهر الطويل وليس بالزمن الذي لا نهاية له، لأنَّ كلَّ زمنٍ له نهاية، وليس سوى اللّه أزليٌّ أبديّ.
***
ويُستَخلَص من أجزاء كتاب “قِصص غريبة وأساطير عجيبة” الأربعة الأمور التالية:
أوَّلاً- على كلِّ إنسانٍ أن يُدركَ أنَّ أوضاعَه الصحيَّة، العقليَّة والجسديَّة، وظروفه الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة هي أفضلُ ما يُمكنُ أن يكون عليه بالنسبة لأعماله ونزعاته في دورته الحياتيَّة السابقة ووفقًا لنظام العدالة الروحيَّة الشامل. ولذلك فعليه أن يتقبَّل الأحوال التي وُلِدَ فيها شاكرًا رحمة الله، غير مُتذمِّر ولا مُتظلِّم، وأن يسعى أقصى جهدِه ليُحسِّنَ أعماله وأفكاره ورغباته، لكي تتحسَّن أوضاعُه إن لم يكن في حياته الراهنة ففي حياته المُقبلة، سواءٌ أكان ذلك في امتداداته التقمُّصيَّة عَبرَ أولاده، أم في تقمُّصاتٍ مُستقلَّة.
وكونُ الوضع الراهن لأيِّ كائنٍ هو الأفضل له ينطبقُ أيضًا على الحيوان والنبات والجماد. وقصَّة “تحوَّلَ الكلبُ لإنسان فحلَّت عليه المصائب” (ج1، ص 127-133) توضيحٌ وتصديقٌ لذلك. [23]
ثانيًا- يستحيلُ أن يتذكَّر الإنسانُ حياته في دورْ سابق، بخلاف ما يُشاع ويُكتَب عن إمكان ذلك. وسببُ هذه الاستحالة أنَّ نفسَ الإنسان تتكوَّن من عدَّة سيَّالات روحيَّة لا من سيَّالٍ واحد، وأنَّ النشاطَ النفسيَّ، أكان أعمالاً أم أفكارًا أم رغبات، تشتركُ فيه السيَّالاتُ جميعها، وإن يكن اتِّخاذ القرار يعود، في الغالب، للسيَّال المُهَيمن عليها خَيِّرًا كان أم شِرِّيرًا، روحيَّ النزعة أم ماديَّـَّها. ولدى انطلاق السيَّالات عند وفاة الإنسان، يكون كلٌّ منها على مستوى روحيٍّ يختلفُ عن الآخر. وهذا المستوى يؤَهِّلُ كلَّ سيَّالٍ ليتَّخذ جسدًا يُناسبُ درجته ونزعاته وما ارتكبه من أعمال. وهكذا تتبعثر السيَّالات في تقمُّصاتٍ مختلفة ربَّما كانت موزَّعة في الأرض، أو ربَّما انتقلَ بعضُها بفِعْل استحقاقه إلى عالَمٍ عُلويٍّ أو سُفليّ. ويكونُ مَثَلُ النفس، إذ ذاك، مَثَلَ الورقة التي كُتِبَت عليها قصَّة، ثمَّ مُزِّقَت ونُثِرَت مِزَقُها مع الرياح. فعثورُنا على مِزْقةٍ منها لا يُمكِّنُنا، في أيِّ حال، من معرفة مُجمَل القصَّة تَبعًا لِما كان يُوضِّحُه مُؤسِّسُ الداهشيَّة.
وعلى الخائف من ضياع هُويّته شخصيَّته الإنسانيَّة من جرَّاء البعثرة النفسيَّة أن يعلمَ أنَّ كيانَ الإنسان الفرديّ، كأيِّ كيانٍ ماديّ فرديّ آخر، يكونُ له مثالٌ يُحفَظُ في عالَمٍ خاصّ. أمَّا الوحدةُ الروحيَّة الحقيقيَّةُ فتكونُ في الروح النقيَّة التي تحيا في عوالم الأرواح والتي تتَّصلُ بها اتِّصالاً إشعاعيًّا خفيًّا جميعُ السيَّالات التي تكونُ هابطة منها بفِعل اختيارها. وهذا أمرٌ معقَّد ليس المجالُ هنا للخوض فيه.
ثالثًا- قد يتركُ سيَّالٌ شخصًا ما، في أثناء حياته أو بعد موته، لينتقلَ إلى شخصٍ آخر ينتمي أيضًا إليه، وذلك وفقَ ترتيب روحيّ. مثالُ ذلك انتقالُ سيَّال الصيَّاد الذي قتل الحيَّة، عام 1916، إلى الدكتور فريد أبي سليمان. وكانت الحيَّةُ تعتزمُ لَدْغَ طفل، ابن سبع سنوات، سيُصبحُ فيما بعد مؤَسِّس الرسالة الداهشيَّة (ج2، ص 30). لكنَّ السيَّالَ المنتقل إلى إنسان، بعد ولادته، يستحيل أن يكون سيَّاله الرئيسيّ، لأنَّ السيَّال الرئيسيَّ هو الذي يمدُّه بالحياة ويمنحُه طابَعه الشخصيَّ المميَّز.
رابعًا- مثلما أنَّ الإنسانَ قد يتقمَّص إنسانًا آخر أو حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا، فإنَّ أيَّ سيَّال يكونُ في أحد العوالم الثلاثة غير البشريَّة يُمكنُ أن يتَّخذ تقمُّصًا آخر في عالمه نفسه أو في أيِّ عالَمٍ آخر من العوالم الثلاثة الأخرى، وفقًا لاستحقاقه.
خامسًا- مثلما أنَّ سيَّالاً ما قد يرتقي حتَّى يتخطَّى درجة الأرض الروحيَّة، وينتقل إلى عالَمٍ فردوسيّ، فإنَّ سيَّالاً فردوسيًّا قد يهبطُ إلى الأرض، كما قد يرتقي إليها سيَّالٌ جحيميٌّ بفعل استحقاقه. [24]
سادسًا- تبقى العاطفةُ في السيَّال بعد انتقاله إلى تقمُّصٍ آخر، سواء أكانت عاطفة حبٍّ أو بغض أو خوف أوغير ذلك، وأيًّا كان التقمُّص. وفي القصص أمثلةٌ وافرةٌ على ذلك. والنبوءة التي تنبَّأ فيها مؤسِّسُ الداهشيَّة بمَصرع الرئيس كِندي، عام 1963، ونشرَتها جريدة “الجريدة” في حينه تؤَكِّدُ أنَّ مصرعَ الرئيس الأمريكيّ على يد أُزوالد مردُّه إلى أسبابً تقمُّصيَّة. وقد علمتُ من رجل الروح أنَّ أُزوالد فيه سيَّالٌ من بوث قاتل أبراهام لنكولْن، كما أنَّ جون كِنِدي فيه سيَّالٌ من لِنْكولن نفسه. وقد بقِيَت عاطفةُ الحقد والكراهية التي كان يكنُّها بوث للنكولن في سيَّاله المُنتقل إلى أُزوالْد، ودفعَتْه إلى ارتكاب الجريمة مرَّةً أُخرى.
سابعًا- إنَّ العلاقة الجنسيَّة الحاصلة بين شخصَين تشبك سيَّالاتهما في عشرات التقمُّصات الممتدَّة على آلاف السنين، وتجعل كلاًّ منهما مُعرَّضًا للوقوع في مصائب تنتجُ عن تصرُّفات الآخر. ومثَلُ ذلك مثَلُ ما يحدثُ للأولاد من مُكدِّرات ومصائب من جرَّاء تصرُّفات الأب والأُمّ، لارتباط سيَّالات الأولاد بالأهل؛ وهذا ما يُفسِّرُ قول الكتاب المقدَّس “الآباءُ يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون،” أو ما يحدث للأهل من جرَّاء تصرُّفات أولادهم.
ثامنًا- قد تبقى العاهةُ أو العلَّةُ في السيَّال إذا انتقلَ إلى تقمُّص آخر حتَّى يستوفي السيَّالُ جزاءه.
هذا هو مُلخَّص نظريَّة التقمُّص، وخاصَّةً كما يُحصَّل من “قصص غريبة وأساطير عجيبة”. ولا ريبَ في أنَّ التقمُّص مظهرٌ من مظاهر الرحمة الإلهيَّة الواسعة، نَفْيُه يعني نَفْيَها. بل إنَّه نتيجة للعدالة الإلهيَّة؛ إنكارُه يعني إنكارَها. فبدلَ أن ننسبَ إلى لله ظلمًا أنَّه يفرضُ على الإنسان أن يعيش حياةً قصيرةً واحدة لا طاقة له فيها على تنقية نفسه من أدران الأرض والتغلُّب على المغريات الدنيويَّة، ثمَّ يزجّ به في جحيمٍ أبديَّة، نؤمن بالله إلهًا رحيمًا يبعثُ الإنسانَ مرارًا وتكرارًا في هذه الأرض مُفسِحًا أماهه مجالَ مُصارعة شهواته الماديَّة ونزعاته الشرِّيرة ليتغلَّبَ عليها فيستحقّ، إذ ذاك، سعادةَ العوالم النعيميَّة.
وغايةُ القول إنَّ للتقمُّص قوانين روحيَّة تخضع لها الكائنات الماديَّة جميعًا. فالسيَّال يضع نفسه، برغباته وأعماله واهتماماته، في مجال الجاذبيَّة الروحيَّة الخاصَّة بعالَم ما من عوالم الكائنات التي لا تُحصى؛ وبعبارة أخرى يصنع السيَّال مصيره بإرادته، ويجعل نفسه ملائمًا لشكلٍ خاصّ من أشكال الحياة الراقية أو المنحطَّة.
وكما إنَّ كلَّ سيَّال في الإنسان يزرعُ اليوم ما يحصدُه غدًا، فإنَّ كلَّ سيَّال حاليّ فيه، يحصد اليوم ما زرعَه في دوراته الحياتيَّة السابقة، بحيثُ يمكن القول إنَّ أيَّ إنسانٍ حيّ هو مجموعة من السيّالات التي مرَّ كلٌّ منها في مظاهر تقمُّصيَّة مختلفة من مظاهر الحياة الأرضيَّة. ووَضْعُ الإنسان العقليّ والصحيّ والاجتماعيّ هو حصيلةُ أوضاع سيالاته في أدوارها الحياتيَّة الماضية.
وبما أنَّ بين تكوين الجسم البشريّ وتكوين الجمّ من الأجسام الحيوانيَّة نقاط تقارب، فإنَّ كثيرين من الناس تبقى في هيئات أجسامهم وملامح وجوههم آثار أشكال حيوانيَّة يكون بعض سيَّالاتهم قد تقمَّصَها سابقًا؛ وهذه الآثار قد يستطيع الـمُلاحِظ المتبصِّر أن يكتشفَها. فهذا شخص يُذَكِّرُكَ بالكلب، وآخرُ بالقرد، وثالث بالماعز، ورابع بالأسد، وخامس بالذئب، وسادس بالفيل، وسابع بالنّسر، وثامن بالثعلب، وتاسع بالبطريق، وعاشر بالفهد، وهلمَّ جرًّا.
غير أنَّ هُويَّة التقمُّص السابقة لم يُعطَ الإنسان أن يُدركها إدراكًا أكيدًا بقدرته العقليَّة الصرف. فإذا ظهر شبه ما بين إنسان وحيوان، أو بينه وبين إنسان آخر سابق، فيكون ثمَّة مجرَّد احتمال لتقمُّص معيّن ماضٍ قد يُخطئ الظنُّ فيه وقد يُصيب. أمَّا المعرفة اليقينيَّة فهي للروح العليّ يبلّغها مَن أذن الله له بواسطة أِنبيائه ورُسُله.
[1] لوقا 8: 2.
[2] متى 16: 18.
[3] متى 16: 23.
[4] انظر متّى 14: 31؛ 26: 34-35 و 69-75.
[5] انظر في سفر أعمال الرسل اضطهاد بولس (شاول) للمسيحيّين: 7 : 58 ؛ 8: 1 و 3؛ 9: 1-2؛ ثمّ يقظة الإيمان في نفسه وجهاده ابتداءً من الاصحاح التاسع.
لقد أدرك العالِمُ النفسيُّ السويسريُّ كارل يونغ أنَّ (بولس) لم يكن خارج شاول، بل كان في داخله، ثمّ استيقظ. انظر: C.G. Jung, Psychologie de l’Inconscient, p. 73.
[6] راجع غازي براكس: جبران خليل جبران – القسم الثاني “جبران في دراسة تركيبيَّة”، كذلك ملحق الكتاب “دراسة جبران النفسيَّة على ضوء المبادئ الداهشيَّة”، ص 534-543.
[7] راجِع الجزءَ الثاني من “الكتاب الداهشيّ”، القسم الأِوَّل “مُعجزات داهش في ضوء العقل والدين”، الفصل 16 “مُعجزات التجسُّد”.
[8] انظر متى 3: 16؛ يوحنّا 20: 22؛ سفر أعمال الرسل 2: 1-4.
[9] لقد أظهرت التجارب العلميّة أن الطاقة نفسها يُمكن أن تتحوّل تحوّلات متنوِّعة: فقد تكون كتلة ماديَّة، أو طاقة ضوئيّة، أو مغنطيسيّة، أو كهربائيّة، أو حراريّة، أو حركيّة أو غير ذلك… كذلك فالطاقة الكامنة في الماء يُمكن أن تتحوَّل إلى أشكال مختلفة: فقد تبدو سائلة، أو بخاريّة لطيفة أو كثيفة، أو مائعة كما في الثلج، أو صلبة كما في الجليد.
[10] (مرقس5: 1-6).
[11] (سورة المائدة: 60). انظر أيضًا سورة البقرة: 65، وسورة الأعراف: 166.
[12]إنّ العلماء الذين درسوا الفنانين والأدباء دراسات نفسيّة، لاحظوا أنّ النبات والطيور، كما الماء والهواء، بصورة عامّة، يتحسّس الفنانون ماهيّتها بحدسهم فيحيطونها بهالة من الروحانيَّة، وهذه الحقيقة واضحة لكلِّ متأمِّل بصير في الأدب والفنّ. راجع كتابات جبران خليل جبران على سبيل المثال. كذلك “جبران خليل جبران” لغازي براكس، ص 191-193. انظر أيضًا:
- Durand, Les Structures anthropologiques De L’imaginaire, p. 133-136, 369-372.
G.Bachelard, l’Air et les songes, p. 82-85, 231-255 (surtout 237, 250)
[13] انظر أيضًا مرقس 6: 15-16).
[14] انظر أيضًا متّى 11: 13-15.
[15] انظر أيضًا بشارة الملاك لزكريَّا في إنجيل لوقا (1: 13-17).
[16] انظر أيضًا مرقُس 9: 42-43.
[17] شبيهة بهذه الآية الآية القائلة: “نحنُ قدَّرنا بينكم الموت، وما نحنُ بمسبوقين على أن نُبدِّل أمثالَكم ونُنشئكم في ما لا تعلمون” (سورة الواقعة: 60).
[18] انظر سورة البقرة: 65؛ وسورة الأعراف: 166.
[19] راجع كتاب “فِرَق الشيعة” لأَبي محمَّد حسن بن موسى النوبختي، نَشْر جمعيَّة المستشرقين الألمانيَّة، طبعة إستانبول، 1931، ولا سيَّما ص 31-37.
[20] الدكتور داهش: قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج2، ص39.
[21] انظر المصدر السابق، الجزء الأوَّل، ص 93-95: “أُسطورة بدولارين”؛ وص 116-118: “ضفدعة الغدير”.
[22] انظر المصدر السابق نفسه، ص 90-92: “وزُلزِلَت الأرضُ زلزالها”.
[23] مِثلُ موقف الكلب موقفُ الحمير في “مذكِّرات دينار” (ص 94-95)، وكذلك موقف معدن الذهب في الكتاب نفسه (ص 24-26)، وموقف القنديل في “القنديل اليتيم” (قصص، ج1، ص80).
[24] انظر قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج1، ص 29، 140، 162؛ وج2، ص 58، 188؛ وج3، ص 130.
سيَّال قايين
بقلم الدكتور غازي براكس
في دوَّامة الجرائم من اغتيالٍ واقتتال، في عصف الحروب التي غطَّت الغبراء، ولطَّخت ملايين الأيدي بالدماء، تتواثبُ الأسئلة مُتراحمةً في ذهن المُتبصِّر بالأحداث الجارية في العالم، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، من الدول الكبرى كأمريكا إلى الدول الصغرة كلبنان؛ الأديان التي نشأت لنشر الفضيلة والخير والسلام ماذا حقَّق المؤمنون بأهدافها السامية عمليًا حتى الآن؟ الأنظمة السياسية التي تنازعت عبر العصور وتفاضلت وتفاخرت وارتفعت ثم هبطت، ماذا حقَّقت للعدالة وراحة الإنسان؟ الفلسفات والإيديولوجياتُ المُتصارعة ماذا قدَّمت من حلول تطبيقية لنشر العدل والسلام والوئام؟ تُرى أتكون العلة في الإنسان نفسه؟ تُرى، حتى بصيصُ الأمل قد انطفأ في نفق الظلام المُهيمن على هذا الكوكب الضلول مُذ انطلق سيالُ قايين ساريًا في عروق ذرارية، وجاريًا في الأرض نهرًا لا ينقطع من الدماء؟
لا، رحمةُ الله لمَّا تنطفئ، فكلما شارفت البشريةُ حافةَ الهاوية، تُرسلُ السماءُ إليها من يُحذِّرها من السقوط والهلاك، ويعيدها إلى صراط الخلاص، إن هي أرادت الخلاص. ففي القرن العشرين، خاتمة المسيرة البشرية الطويلة الحافلة بالفواجع والمآسي، أرسلت الرحمةُ الإلهية رجلين لا ككلّ الرجال، رجلين يتجسَّدُ فيهما “الإنسان الكامل”: الأول هو مؤسس الداهشية، والثاني هو المهاتما غاندي.
أما مؤسس الداهشية فقد قصَّ كثيرًا من أسرار الحياة والموت، وأسرار الوجود وما وراءه بقوّة سماوية مؤيَّدة بالمُعجزات؛ وقدَّم للناس حقيقةً روحية ما كانت لتأتيهم من أيّة جهة من هذا القرن، حقيقةً جاءت بمستوى مدارك العلماء في بداية الألف الثالث؛ هدايةً تزيحُ غشاوة الجهل عن البصائر التائقة إلى المعرفة الحقيقية، وتقدّم لأبناء الأديان المُتنازعة المُختلفة حلاً يأتيهم بالحق والسلام والإخاء والخلاص، هو الإيمانُ بوحدة الأديان الجوهرية؛ ودعوةٌ إلى العدالة الاجتماعية والحرية، بل تقديسٌ لحرية الاعتقاد والتعبير والتفكير، وجعلها شرط التقدم الحضاري في كل ميدان، وعنوان كرامة الإنسان.
ولكن كيف واجه الشعبُ هذا الهادي الذي أفنى عمره من أجل إنقاذه من براثن الشرِّ والطغيان والمُتاجرين بالنفوس والأبدان؟ لقد كافأته الدولةُ التي أتى منارةً روحيةً فيها باضطهاده وتعذييه وتدبير مصرعه لولا تدخُّل العناية الإلهيَّة لإنقاذه. وماذا كانت النتيجة؟ كانت تطبيقًا لما قاله بولسُ الرسول: “ما يزرعه الإنسان فإياه يحصد”. لقد عاد داهش إلى ملأه العلوي المجيد، وبدأت رسالته الروحية تنتشرُ في العالم، فيما اشتعلت حربٌ أهليَّة بين طوائف لبنان وأحزابه المُتنازعة، وزعمائه المُتقاتلين، فدمَّرت عمرانه، وأيَّمت نساءه، ويتَّمت أطفاله، وشرَّدت مئات الألوف، وقتلت حوالى 170 ألف ضحية!
وأما غاندي، ذلك الرجل المُتقشِّف النحيل، الزاهد بأمجاد الدنيا الباطلة، المتأبِّي شهوات اللحم والدم، المُستلهم أبدًا ضميره السامي، فقد استطاع أن يحرِّر بلاده من قبضة حديدية جبَّارة وهو ممتنع عن العنف، فأثبت للعالم كله فضيلة السلام وقوة الفضيلة. وقد انتشرت أفكاره السامية مدرسةً للحق والخير والمقاومة السلمية في معظم الشعوب، وأسهمت في دفع الحضارة نحو الإخاء الإنساني، والوحدة بين الأديان، والسلام والعدالة العالميين. وهكذا تلاقى، في القرن العشرين الرافدان الروحيان العظيمان، داهش وغاندي، وصبَّا معًا في نهر الخلاص الإنساني، نهر الحضارة الراقية.
يقول مؤسس الداهشية:
رجلٌ واحد فقط تفوَّق بصلاحه وصدقه وصفاء روحه وإخلاصه للحقيقة، وبذله نفسه عن الآخرين، وتمسُّكه بالفضيلة المُثلى، إنه غاندي
نبي القرن العشرين
وبانطلاق غاندي إلى عالم الروح النقيّ، أُقفل الباب، إذ لم يأت إلى عالمنا رجل صلاحٍ آخر يماثله إطلاقاً.
وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني (يناير) 1948، تالركًا أرضنا الغارقة في أقذارها ودناساتها المُشينة. ويوم مصرعه هلعت نفوسُ كبار رجال العالم وسياسييه، وغمرَ الحزن النفوس، وساد الذعر الأفئدة، وراحت صُحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية(…)
فغاندي مَنْ أمجدُه، وغاندي من أجلُّه وأقدِّسه.
وبانطلاقه من ربوع دُنيانا قُضي على الفضيلة، إذ لم أرَ في عالمنا من يتشبثُ بناصيتها. فالجميعُ عبيدٌ لشهواتهم البهيمية، كما هم عبيدٌ لمصالحهم وإن يكن على آلامِ سواهم ممَّن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوَّثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.
إن حياة غاندي ملحمةٌ روحية لا يكون إنسانًا سويًا من لا يخشعُ بين يديها. وقد وُضعت فيها كتبٌ كثيرةٌ، فليس من زيادةٍ لمُستزيد. لكن لا بد، في هذه المناسبة التي توافق الذكرى الخامسة والسبعين لبدئه العصيان المدني السلمي، من الإلماع إلى مسيرة الملح الشهيرة التي قادها غاندي في الثاني عشر من آذار (مارس) 1930 بالاشتراك مع 78 من أتباعه رجالاً ونساءً، فقطع ماشيًا 200 ميل بأربعة وعشرين يومًا، متكئًا على عصاه الخيزرانية، وغير مُستريحٍ في مسيرته الطويلة إلا لمامًا. وكانت التَّظاهرة السلميَّة العجيبة تتضخَّمُ بروافد بشرية من القرى التي يمر فيها حتى عبات الألوف، وبلغت الشاطئ في الخامس من نيسان (أبريل). وإذْ ذاك تقدم غاندي إلى الماء فمشى فيه قليلاً ثم تراجع إلى الشاطئ والتقط بعض الملح الذي خلَّفه الموجُ عليه. فرفعت تلميذته ساروجيني ناديو Sarojini Naidu صوتها قائلة: “السلامُ عليك يا مُخلص”.
ولكن كيف قابل قومُ غاندي تعاليمه المحرِّرة لعقولهم ونفوسهم والتضحيات الجبَّارة التي بذلها لتحرير أرضهم وخيراتها، من معاناة السجن إلى الصوم الطويل حتى شفير الموت إلى التقشُّف المُفرط والوداعة الفائقة؟
لقد قابلوه بالطريقة نفسها التي قوبل بها مؤسس الداهشية، إذ اغتاله جوداس الهندوسي (ناثورام غادسه Nathuram Godse) بإطلاق الرصاص عليه وهو يتأهبُ للصلاة في الجموع المُحتشدة!
وماذا كانت النتيجة التي تخبّئها السببيَّة الروحيَّة التي لا تخطئ؟
لقد انقسمت شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان، بعد أن بلغ التعصُّب الطائفي حدَّ الغليان، وما زالت كشمير قنبلةً موقَّتة؛ وما برحت التهديدات بالقنابل النووية تلوح أشباحُها في أفق البلدين كلما ذرَّ قرنُ الفتنة هنا أو هناك.
فمنذ بدء الخليقة، منذ أن قَتَلَ قابين، ابنُ آدم الأول، أخاه هابيل لأن الربّ لم ينظر إلى تقدمته بل قبل تقدمة أخيه، والشر يجولُ ويصولُ بين الناس مستوطنًا قلوبهم، مُتحكمًا في رؤوسهم مُمتزجًا بدمائهم وخلاياهم. آلافٌ من السنين مرَّت والمتفوقون بين البشر يضطهدون ويقتلون. الأنبياءُ والُمرسلون والهُداةُ والمُصلحون، بل العباقرة والعصاميون المحسنون الأفذاذ ما زال الحسدُ يتربّصُ بهم، والحقدُ يطاردهم، والشرّ يقاومهم ويضطهدهم ويقتلهم!
من هابيل الذي بارك الله مسعاه وأعماله إلى غاندي ومؤسس الداهشية، رسولي السلام والإخاء والفضيلة ووحدة الأديان – سلسلة من الهُداة الروحيين ومن الرجال العظام العصاميين الذين أرادوا بمشيئة الله أو مشيئة الخير الذي فيهم هتك الظلام عن عيون الأنام أو إقالة شعوبهم من عثراتهم، وجمع شلمهم بعد تمزُّقهم، فتربَّص الحُسَّادُ والأشرارُ بهم، فقتلوا بعضًا، واضطهدوا وعذَّبوا وقاوموا بعضًا.
فنوحُ الصلاح رفض قومه هدايته، وسخروا منه، وهزأوا بتعاليمه وإنذاراته، وخرَّبوا الفلك الذي كان يبنيه بأمر روحيّ طوال مئة سنة، لكنه ثبت بوجههم حتى أنقذه الله مع من يجبُ إنقاذُه من أفراد أسرته، وأغرق الأشرار جميعًا بطوفانٍ مبيد أثبتَ حدوثه العلم الحديث.
ولوطُ الصالح لم تُفِد هدايته ولا إنذاراتُه قوم سدوم وعمورة الذين اتَّخذوا الرذيلة بكل فنونها دينًا لهم وطريقةً في الحياة، وحاولوا الاعتداء الشائن على ضيفيه اللذين لم يكونا إلا رسولين غير أرضيين، فأنقذاه مع أفراد أسرته، إلا امرأته العاصية، وأمطرا المدينتين بالكبريت والنار.
ويوسف الصديق تآمر إخوته على قتله ثم رموه في بئر. فأنقذه الله، وجعله ثاني فروع مصر. وشاءت العدالة الإلهيَّة أن يرى إخوتُه مجده وأن تحكم على ذراريهم بالعبودية في مصر أربعمئة سنة! لكن لماذا تآمر إخوته عليه؟ تآمروا لأن محبَّة والده مالت إليه، وكان أفضل منهم عقلاً وأسمى روحًا.
وإخناتون Ikhnaton، الذي حكم مصر من 1369 إلى 1353 قبل المسيح، كان أول من أقام عبادة الإله الواحد في وادي النيل مرموزًا إليه بالشمس (آتون)، مصدر النور والحياة والحبّ والفرح، وألغى عبادة الآلهة الكثيرة التي أقامها الكهنةُ منذ مئات السنين، وعاش مُخلصًا لزوجةٍ واحدة هي نفرتيتي بالرغم من أنه لم يرزق منها أي صبي، وآثر أن يتخلَّى عن سوريا وغيرها من الأراضي التي كانت تحت نير المصريين على أن يستعبد الشعوب الأخرى ويدفع بالمصريين إلى الموت في الحروب من أجل مطامع باطلة. فحقد الكهنة عليه، لأنه أضاع مكاسبهم من معابد الآلهة الكثيرة، وطرد مئات النساء اللواتي كان الكهَّانُ يعاشرونهن في المعابد بحجَّة أنهنَّ مُحظيات الإلهُ آمون، كما حقد عليه القادةُ العسكريون أنفسهم، لأنه أراد أن يعيشوا مثلما يعيش: حياةً بسيطةً تقية. لم يستطيع الحاقدون أن ينالوه بالأذية في حياته، لكنهم، بعد موته، أعادوا كل ما هدَّمه، وهدَّموا كل ما أقامه، بل محا الكهنةُ اسمه عن كل أثر وحظروا على الشعب أن تتلفظ شفاهُهم باسمه، وسمُّوه “المُجرم الكبير”.
وكنفوشيوس Confucius الذي ظهر في الصين في القرن السادس قبل المسيح، فتيتم طفلاً، وعاش فقيرًا، وما إن شبَّ حتى اعتزم أن يوقظ العقل الهاجع في شعبه، ويقيم أسس التعامل الاجتماعي الفاضل، وقواعد الحكم الصالح. لكنه اضطهد وهزئ بأفكاره، فأخذ يتنقل من مكان إلى آخر عساه يرى رجلاً عاقلاً، بيد أنه مات والحسرةُ تكوي قلبه لأنه لم يجد رجلاً جديرًا بأن يكون حاكمًا. وبعد وفاته بمئتين وخمسين سنة، استولى على عرش الصين إمبراطورٌ طاغية هو شي هونغ – تي shih Huang-ti(231- 220 قم)، فأمر بجمع الكتب الكنفوشية مع الكتب الأدبية والتاريخية، وأحرقها؛ ووحد إمارات الصين في دولةٍ كبيرةٍ واحدة، وبنى سور الصين العظيم، وحكم شعبه بالحديد والنار، وكان حلمه الكبير أن يمتدّ ذراريُّه من بعده سلسلة من الأباطرة تبلغُ عشرة آلاف إمبراطور. لكن الباطل دولته ساعة، ودولة الحقّ إلى قيام الساعة. فما إن مضى على موته أربعةُ أعوام حتى ثار الشعب المظلوم وقضى على أسرته. وعادت تعاليمُ كنفوشيوس تحتلُّ الأفكار والصدور في الصين حتى يومنا هذا. وهكذا لم ينفع التجبّر الطاغية، ولا حماه السور العظيم.
وسقراط Socrates( 469 – 399) الفيلسوف الحكيم الذي أيقظ الفكر النقدي في شعبه، وجعل كل من سمعه يسلّط الضوء على ذاته، مداركه ونزعاته، سلوكه في الخير أو الشر، كما على مفهومه للظلم والعدل والوجود والآلهة، حكم عليه مجلسُ “الثلاثين” بالموت، لإنه كان يصغي لصوت في داخله هو صوتُ الله الذي عهد إليه برسالةٍ لشعبه تمامًا مثلما كان يصغي غاندي بعد ألفين وأربع مئة سنة لصوت ضميره السامي. وبالرغم من أنه كان بإمكانه الفرار من السجن، فقد آثر أن يقضي بشرب السمّ بعد أن أتُّهم بأنه يفُسد الناشئة ويبعدها عن عبادة آلهة الإغريق.
لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد شرح أفلاطون تعاليم معلمة وفصَّلها، فخُلِّد الاثنان مدى الأزمان، وقامت كل فلسفة سامية من بعدُ وفيها شيءٌ من تعاليم سقراط وأفلاطون. أما أثينا فبدأ انحطاطها العسكري والسياسي والاقتصادي، ولم يبق فيها إلا بعضٌ من تلاميذ سقراط يتابعون مسيرته الفكرية. ومعظمُ الروايات التاريخية تقولُ بقيام ثورة شعبية قضت على الطُّغاة الذين شاركوا في مصرع الرجل العظيم.
والسيدُ المسيح، ذلك النقي الوديع المتواضع، ناثرُ بذور المحبّة والسلام، مُعزي الضعفاء والبؤساء واليائسين، ذلك الذي تمخَّضت به الرحمةُ الإلهية ليحطِّم قيود الظُّلم والعبودية وينشر المحبَّة والرحمة والفضيلة في البشرية، ذلك الرسولُ السماوي يقولُ فيه مؤسسُ الداهشية:
فرد أعزل إلا من الإيمان واليقين باليوم الأخير دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة، ونافح عن العدالة نفاحَ الرآبلة، وكافح الشر كفاح الليث في غيله وعرينه، فهاجمه في مواطنه الشديدة الخطر، دون أن يأبه لجبروته، ودون أن يأخذ لنفسه الحذر. وأراد هذا الجبار أن يمزّقه شذر مذر، كي ينقذ من هبط لأجلهم من البشر.
ثلاثة وثلاثين عامًا جاهدَ جِهاد المُستميت داعيًا الجميع للانتقاض على دستور القوة والبطش، دون أن يشير في ركابه أحد، خوفًا من الدولة الرومانية القوية الشكيمة… اللهم ما خلا نفرًا من البسطاء الذين فتنتهم تعاليمه العلوية، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهية.
لم ييأس… ولم يلقِ سلاحه، بل راح يهاجم قيصر روما في شخصِ هيرودس، طاغية فلسطين…
وفي النهاية، عظمت التضحية وضخم العداء. فقد بذل الثائرُ حياته فداءً لحرية البشرية المُعذَّبة؛ هذه البشريةُ المُتالِّمة التي أعمت الشهواتُ والنزواتُ بصرها وبصيرتها، فقدمته ضحيةً على مذبح جهلها الصارخ، إذ كافأته على جهوده في سبيل تحريرها وحبه إياها بتعليقها إياه على خشبة الصليب. فيا للهول الرهيب!
وماذا كانت النتيجة؟
كانت رهيبةً وذاتَ أثرٍ بعيد. فإنها منذ ذلك التاريخ المشؤوم وهي راسفةٌ في قيود الذلّ والمهانة…
والرسول العربي الكريم (570 – 632 بم) ظهر بين العرب، فنفحهم بتعاليم التوحيد والعدالة، وحثَّهم على إعمال العقل في صنائع الله، وجمع شملهم بعد تمزّق وتبدّد؛ فسبُّوه وآذوه واضطهدوه، واتَّهموه تارةً بالسحر وطورًا بتلبس الجنّ عقله، وأرغموه على الهجرة الشاقة، وحاربوه، وجرحوه، لكن الله نصره وأذلَّ أعداءه.
لكن أيادي الحقد والشر لم تكتف بإيذاء الأنبياء والرُّسل والهُداة الروحيين واضطهادهم في سياق التاريخ بل تعدتهم لتطال حتى الفاضلين والمُصلحين أمثال المحسن العصامي الرئيس رفيق الحريري الذي حول خراب لبنان عُمرانًا، وبلا حساب مد يد العون إلى عشرات الألوف من طلاب المعرفة العالية، وأعاد نور الأمل إلى الفقراء والبائسين. وغنيٌّ عن الذكر الخلفاء الراشدون الثلاثة الذين تلوا أبا بكر الصديق، أي عمر بن الخطاب العادل وعثمان بن عفان الذي جمع المصحف الشريف وعلي بن أبي طالب إمام البلاغة وابن عم الرسول، جميعهم تربَّص الشرُّ بهم واغتالهم، وكذلك الحسين بن علي الذي سيق بخدعةٍ إلى العراق.
وإذا اتَّجهت أنظارنا إلى الغرب لرأينا كثيرين من المفكِّرين الأفذاذ والمُصلحين الدينيين اضطهدوا وحوربوا وقتلوا. فهيباتيا Hypathia (370؟ – 415ب م) التي جمعت في شخصها الجمال الفاتن والحشمة الكاملة مع العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة، والتي كانت الباعثة للأفلاطونية الحديثة في الإسكندرية، ورمزًا للمعرفة المُنفتحة – هيباتيا هذه التي رئست مدرسة استقطبت كل طالب للمعرفة العالية في روما واليونان، وكانت تعلمُ النزاهة والاستقامة في الحياة، ساوى المسيحيون الجهلة في الإسكندرية تعاليمها بالوثنية، فاتَّهمها الكهنةُ بالسحر وثاروا عليها, بدافعٍ من بطريرك الإسكندرية سيريل CyrilK فقتلوها وقطعوا جثتها وجرروها في الشوارع، وبعد ذلك أحرقوا ما تبقى من مكتبة الإسكندرية الشهيرة. ذلك مع العلم بأن هيباتيا كانت تتعاطف مع طلابها المسيحيين وتحميهم من حنق الوثنيين، وبأن اثنين من طلابها أصبحا من الأساقفة.
وهكذا قضى الجهل الأعمى على مركزٍ عالمي للمعرفة، وبدأت عصورُ الظلام في أوروبا لتمتدّ ألف سنة.
وسافونارولا Savonarola (1452- 1498)، الراهبُ العالم المتقشف، والمصلح الديني الثائر على الحاكم الطاغية كما على البابا المُنحرف ومن معه من رجال دين، أقام حكومةً ديمقراطية مثالية في فلورنسا، بعد أن سقط حكامها، ولم يكن له أي مطمع في السلطة، إذ كان كل همُّه أن يجعل من فلورنسا مثالاً لـ”مدينة الله” التي نادى بها أوغسطينس Augustine (354 – 430) في كتابه المعروف بالعنوان نفسه City of God؛ وعلى غرار نظامها المثالي رأى أن يكون تصحيحُ الأنظمة في سائر المدن الإيطالية. وقد نجح في عمله نجاحًا كبيرًا.
لكن البابا المُنحرف، ألكسندر السادس بورجيا Alexander Borgia (1503 -1431)، جاملة وخادعة، وفي النهاية تحالف مع أعداء سافونارولا السياسيين من المُنغمسين في شهوات الدنيا ومباذلها، وأصدر حُرمًا كنسيًا ضده. فثار الأشرارُ وقبضوا عليه، فحوكم محاكمةً صورية، ثم علِّقُ بمشنقة، وعُلِّق على جانبيه رفيقان له، وأضرمت النارُ تحتهم. والأعجبُ في الأمر أن الكنيسة التي اضطهدته وأعدمته، عادت تكرِّمه محاولةً تطويبه قديسًا عام 1952″.
وجوردانو برونو Giordano Bruno (1548 – 1600)، الراهبُ الفيلسوفُ، والعالم في الفلك والرياضيات، الذي استبق العلوم الحديثة بمعرفته وحدسه، فقال بتعدّد العوالم الشبيهة بالنظام الشمسي متجاوزًا نظرية كوبرنيكوس Copemicus (1473 – 1543)، اتُّهم بالهرطقة لأنه أتى بنظرية جديدة متأثرة بالأفلاطونية الحديثة تقولُ إن الوجود أصلاً جوهر ثابت لا نهائي وغير مُتغير، ويمكن اختصاره بالمبدأ الأول أو الله. ولذا فغايةُ الإنسان من وجوده أن لا يهتم بما هو زائل بل بما هو أبديّ لا يتغير، كما سمح لنفسه أن يناقش علنا عقيدة الآريوسية المُحظَّرة القائلة بأن للسيد المسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة البشرية. كذلك أعلن أن الكتاب المقدَّس يجب أن يتبع لمبادئه الخلقية وليس لإشاراته الفلكية غير الصحيحة، والتي تخاطب عقول أهل الزمان القديم، وأنه من الضروري قيام تعايش سلمي بين جميع الأديان مبني على التفاهم المتبادل وحريَّة الحوار والنقاش.
وفي النهاية وبعد تنقله بين سويسرا حيث اعتنق البروتستنتية الكالفينية وفرنسا وإنكلترا وألمانيا، عاد إلى إيطاليا، فقبض عليه جنودُ محكمة التفتيش، وحُكم عليه بالإعدام. وقبل سوقه لإحراقه، قال لأعضاء المحكمة: “قد يكون خوفكم وأنتم تصدرون الحكم عليَّ أكبر من خوفي من تلقي الحكم”. وقبيل إحراقه أخذ يخاطب الجموع المُحتشدة، فخاف الكهنة، وأمروا الجلاد أن يكم فمه. فأدخلت مديةٌ طويلة في خده الأيسر نفذت من خده الأيمن، كما أدخلت في شفتيه مديةٌ أخرى شكلت مع الأولى شكل صليب، ثم أضرمت النار تحته. وقد أصبح برونو، في الأجيال اللاحقة، رمزًا لحرية الفكر والتسامح الديني. وأبراهام لنكولن Abraham Lincoln (1809 – 1865)، ذلك العصامي الشريف العادل الذي لم تمنع نشأته في أسرة فقيرة من تسنّم سُدَّة الرئاسة الأمريكية، وصيانة وحدة البلاد وخوض الحرب ضد الولايات الجنوبية المُنادية بالانفصال إبقاء على نظام العبودية فيها، لنكولن الذي لم يماثله في الفضل على أمريكا ووحدتها ونفخ الروح الديمقراطية الإنسانية فيها أحد، قضت عليه عام 1865 رصاصاتٌ أثيمة أطلقتها يدُ جون ولكس بوث G.Wilkes Booth.
لم أقف، في ما سبق من عرض تاريخي سريع، عند جرائم الحروب والجرائم العادية التي يجب أن تدان كلّها إدانة الجرائم المُميزة، بل اكتفيت بأن أنقضَ التاريخ الدينيّ والمدنيّ بنظرةٍ لا تلتقط منه إلا الأنبياء والهُداة والعباقرة والُمصلحين الأفذاذ. وإنه لحري بالذكر، ونحن في بداية الألف الثالث، أن نُشير إلى إحراق كتب الفلاسفة والمُفكِّرين أو حظرها بأمر دينيّ بدءًا بابن رشد ومرورًا بفلاسفة عصر الأنوار في أوروبا وانتهاء بما يحصل اليوم في البلدان العربية. فكلّ مجدد مخالف في الرأي للجماعة، وكل مُصلح ينادي بحقوق الإنسان والعدالة والحرية والتوفيق بين الدين والعلم يتوجَّب اضطهاده بل هدر دمه.
إن السيَّالات الشريرة التي تفضل دكَّ العمران والقضاء على بنائه، وتؤثر قطع رؤوس المُحسنين والمفضلين وتفجير أجسادهم على التعاون معهم ما تزال ناشطة في كل أرض؛ وما أحداث لبنان المأساوية الأخيرة إلا برهان جديد بعد مئات البراهين على ما أقول، وما ذكرى غاندي التي تحتفل الهند بها في هذا العام مع كثير من العالم إلا برهان حاسم على غباء الإنسان وجهله وظلمه.
ولعل أفضل ما أختمُ به هذا البحث ما قاله الدكتور داهش، مؤسس الداهشية، في غاندي:
إن عالمنا مُصابٌ بطاعون الشرور المُحيقة، وقاطنوه أشراراٌ فجار.
فيا ويلهم، يوم حسابهم، وهم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتِّقاد، جزاءً وفاقا.
وعواقبُ تلك الجرائم التي ترتكب بحق الأنبياء والهُداة والمُصلحين والعباقرة على الشعوب التي تضطهدهم وخيمة جدًا، وأحيانًا يطال أذاها العالم كله.
يقول الدكتور داهش تعليقًا على اضطهاد السيد المسيح وصلبه:
إن السيد المسيح، له المجد، لم يضرَّه الأمر. فأبن السماء قد عاد إلى السماء؛ وابنُ الفردوس عاد إلى فردوسه، بعد فترةٍ قصيرة قضاها بين أبناء الأرض كي يرفعهم معه إليه. فأنكروه وطردوه، وأهانوه وازدروه وشرَّدوه، وأخيرًا… صلبوه وعذَّبوه ثم بكوه وندبوه.
منطقٌ أعوج، وخلقٌ أعرج، واتِّجاهٌ سفيه… إن الضرَّر البليغ قد حاق بهم وبذريتهم، فالأسف الفادح قد غمر أرواحهم وتغلغل في أفئدتهم.
فناحوا… ولكن بعدما انطلق الطائر إلى فراديس الجنان، وتوارى عن العيان. فما كان قد كان.
أما الآن فإنهم يرفعون إليه صلاتهم، ويلتجئون إليه في ساعات أحزانهم، ويبثُّونه لواعج آلامهم وأشجانهم.
هم الآن يحترمون مُخلفاته، ويقدِّسون ذكرياته، ويردِّدون روائع آياته، ويتغنُّون بمُعجزاته. خسئتم، يا أرواح الشر، فإنكم تضطهدون أنبياءكم ومُرسليكم عندما يكونون بين ظهرانيكم، وتتَّهمونهم بأشنع اتِّهاماتكم، وتقذعونهم بشفار ألسنتكم، وتسلقونهم بصديد مُفترياتكم الدنيئة، وتضطهدونهم بخسَّةٍ تحسدكم عليها بناتُ الخيانة.
وعندما ينطلقون من أرضكم، ويخلفون لكم جيفتكم الكريهة، إذ ذاك، تعرفون قيمتهم فتندمون، ولكن حين لا تجديكم ندامتكم، بل نتانتكم وخيانتكم. فيا ويحكم من يوم الدين!
ذاك كان عرضًا سريعًا لشريط نهر الدماء الذي سال منذ بدء الخليفة. فإلى متى سيبقى الإنسان عبدًا للشر، يجحد النور والخير ويقطع اليد التي تحسن، ويصر على أن يبقى راسفًا في قيود الشيطان.
الزواجُ والعلاقةُ بين الرجل والمرأَة
في المفهوم الداهشيّ
بقلم الدكتور غازي براكْس
مصدرُ البشريَّة الحاليَّة
لا يُمكنُ فهمُ النظرة الداهشيَّة إلى الزواج وبالتالي إلى ما يجبُ أَن تكونَ عليه العلاقةُ الصحيحة بين الرجُل والمرأَة إلاَّ إذا فهمنا الأسبابَ الحقيقيَّة التي أَدَّت إلى نشأَة البشريَّة الحاليَّة. ففي تعاليم الداهشيَّة الموحاة أَنَّ البشرَ الحاليِّين جميعًا يمتُّون بصلةٍ روحيَّة وجسديَّة إلى آدم وحوَّاء اللذَين هما مصدرا التكوين البشريِّ الأخير [1] الـ760 الذي حدثَ بعد عدَّة قرون من فناء قارَّة الأطلانتيد التي بلغَت فيها حضارةُ التكوين السابق أَوجَها، هذا الفناء الذي جعلَه أَفلاطون (427-347 ق م) حوالى عشرة آلاف سنة قبل زمانه،[2]والذي أكَّدَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة حدوثَه.[3] وأيًّا كان مصدرُ البشر السابقين لآدم، ففي التعاليم الداهشيَّة[4] أَنّ أَبا التكوين البشريّ الحاليّ كان، قبل خَلقِه في جنَّة عَدْن، مجموعةً كبيرة من سيَّالات الملائكة والقدّيسين والمُنشدين الذين كانوا يرتعون في الدرجات المئة والخمسين من العوالم الفردوسيَّة. وبعد اشتراكهم وتآزُرهم مع رئيس الملائكة في مُؤامرة استهدفَت اجتيازَ تخوم الفراديس إلى المَواطن الإلهيَّة الممنوعة، عاقبَهم الله— عَزَّ وجَلَّ— على عصيانهم بإسقاطهم إلى الأرض التي تستوي على عتبة الدركة الأُولى من الجحيم. وفورَ وصول سيّالاتهم إلى دنيا الشقاء امتزجَت بترابها وعناصرها، وإذا القدرةُ الإلهيَّة تُكوِّنُ من مجموعها آدم، إلاَّ المُنشِدَ الأوَّل الذي كان الحسدُ والطمعُ يدفعانه إلى احتلال مركز رئيس الملائكة، فقد مَسخَه الله حيَّةً رقطاء مُنفردة. وأغدق الله على آدم رحمتَه فجعلَه في فردَوسٍ أرضيّ كوَّنَه خصِّيصًا له ليُحيطَه ببديلٍ نسبيّ عن السعادة التي فقدَها. وقد أُحيطت الجنَّة بسيَّالٍ روحيّ رفعَ تردُّد ذرّاتها، جاعلاً إيَّاها في مُستوى الدرجة الأُولى من درجات النعيم، وحاجبًا إيَّاها عن عيون الناس الآخرين الذين بقيَت منهم فلولٌ منتثرة هنا وهناك بعد زوال الأطلانتيد. ثمَّ خُلِقَت حوَّاء من بعض سيّالاته لتكونَ له، من جهة، عَونًا وسُلوانًا، ومن جهةٍ أُخرى، تجربةً شهوانيَّة، ذلك بأنَّ “المرأة شَرَكٌ مُحكَمُ الصُنع حبَكَته القدرةُ لإيقاع الرجل بحبائله الجبَّارة”؛[5] فإذا تغلَّبَ على هذه التجربة، يعودُ، من غير أن يعرفَ الموتَ والشقاء، إلى عوالم النعيم مُنتقلاً إليها مثلما انتقلَ إيليَّا النبيّ وهو حَيّ؛ لكنَّ ذلك لا يتمُّ إلاَّ بعد أن يُمضيَ آدم في جنَّة عَدْن مدَّةً حدَّدَتها المشيئةُ الإلهيَّة بألفَي سنة (كان قد أمضى منها وحيدًا ألفً عام). أمَّا إذا ضعفَ وأخفقَ في امتحانه فاستسلمَ للشهوة الجنسيَّة، فإنَّه يخضعُ لسُنَّة البشر الآخرين، أهلِ الأرض قبلَه، وهي قائمة على جميع أنواع الشقاء من أمراضٍ وآلام ومصائب وهَرَم وخوف وقلَق…فموت. وكيفيَّةُ تكوين آدم التي تمَّت بتدخُّلٍ إلهيّ والتي كانت تُخالفُ كيفيَّةَ الإخصاب والتناسُل التي بها كان يتكاثرُ البشرُ الآخَرون الذين كانت ما تزالُ فلولٌ باقيةٌ منهم مُنتشرة في بقاعٍ مُختلفة من الأرض، بعد انتهاء الدَّور التكوينيّ الـ759 __ كيفيَّةُ تكوين آدم الإلهيَّة تلك هي التي منَحَته ميزتَه الروحيَّة المُتفوِّقة، وأَوجبَت عليه الانتصارَ على تجربة الشهوة الجنسيَّة. وبكلمةٍ أُخرى، كان آدم بسيَّالاته الهابطة من الفراديس العُلويَّة فوق البشر_ كان نبيًّا مُصطَفًى. وقد أَثبتَت هذه الحقيقةَ الآيةُ القرآنيَّة القائلة: {إنَّ الله اصطفى آدمَ ونوحًا وآلَ إبراهيمَ وآلَ عُمرانَ على العالَمين.} (آل عُمران: 33) وتمثَّلَت تلك التجربة بشجرة تحملُ ثمارُها سيَّالَ الشهوة الجنسيَّة؛ وكانت قائمة وسطَ الجنَّة، وتُعرَف بـ”شجرة معرفة الخير والشرّ”. وقد نهى الله آدمَ، وبواسطته حوَّاء، عن الأكل من ثمارها لئلاَّ يموتا ويُعانيا الشقاء؛ وبكلمات الدكتور داهش “كان الخالقُ قد أوصاهما بعدم أَكل ثمرة التفَّاح، أي عدم الاتِّصال الجنسيّ.”[6] لكنَّ المُنشِدَ الأَوَّل المُتجسِّد في الحيَّة دفعَته نزعتُه الانتقاميَّة إلى إغواء حوَّاء بفِعل ضعف سيَّالاتها بالنسبة لآدم، فانتهز فرصةَ انفرادها، وجعلَ يُوسوسُ لها مُوهِمًا إيَّاها بتأثير الثمرة المحرَّمة العجيب في فَتح عالَم المعرفة الإلهيَّة أمامها حتَّى سقطَت في التجربة، ثمَّ أسقطَت آدم، بعد أن عصفَت الأهواءُ برقابة عقله وأطفأت نورَ ضميره. وإذا الإنسانُ الذي كان قبل السقوط أقربَ إلى الملائكة يُصبحُ بعد السقوط أقربَ إلى الحيوان.[7]
يوجِزُ الدكتور داهش قضيَّةَ السقوط بسُداسيَّة تحت عُنوان “آدم وحوَّاء”، فيقول:
نظرَتْ إلى آدمها، فراقَها منه ساعدُه المفتولُ العضلات،
ونظرَ إلى حوَّائه، فدهشَ لأعضائها البضَّة،
فاختمرَت فكرةُ الإغواءِ بين الرجولةِ القويَّة والأُنوثةِ الغَضَّة،
وكانت الأفعى تنظرُ إليهما نظراتِ السُّخرية الغريبة،
وكان إبليس يعدُّ عليهما أَنفاسَهما بدقَّةٍ عجيبة،
وقطفا الثمرةَ المُحرَّمة… فهوَتْ عليهما لعنةُ اللعنات.[8]
بناءً على هذا المفهوم المَبنيّ على الوَحي الروحيّ يُرينا المنطقُ السليم أَنَّ العلاقةَ الجنسيَّة أَمرٌ طرأَ على آدم وحوَّاء بعد السقوط في التجربة؛ فالشهوةُ الجنسيَّة لم تكُن أَصلاً في طبيعتهما، وغايةُ الله من تحظيرها عليهما هي أن يُسهِّلَ عودةَ سيَّالاتهما إلى الفراديس العُلويَّة التي هبطَت منها . ولذلك فامتناعُ سُلالاتِ آدم وحوَّاء عنها، وإن يكُن شِبهَ مُستحيل في ظروف الأرض الحاليَّة، هو الغايةُ المُثلى التي على الإنسان الراغِب في تخطِّي درجة الأرض الروحيّة وبلوغ الكمال أن يسعى إليها. ولذلك قال الدكتور داهش مُؤكِّدًا: “ما أَنقى مَن يتغلَّبُ على ميول جسدِه الفاني، ويتبعُ ما تُريدُه الروحُ النقيَّةُ الخالدة! إنَّه ملاك.”[9] وقد وصفَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة تأثيرَ الغريزة الجنسيَّة البالغ في نفوس الناس وتوجيهها لسلوكهم في كثيرٍ مِمَّا كتبَه. ولعلَّ من أفضلِ ما يُمثِّلُ النقيضَين قولَه:
ما أَعظمَ تأثيرَ الغريزة الجنسيَّة في الإنسان، وما أشدَّ تسلُّطَها على قواه العقليَّة! وما أَقدسَ ذلك الإنسانَ الذي يقدرُ على قَتلِ هذه القوَّة العاتية![10]
ورُبَّ قائلٍ مُعترِض: لو لم تقُم العلاقةُ الجنسيَّة بين آدم وحوَّاء، فكيف كانت ستُؤهَلُ الأرض بالبشر؟ والجوابُ واضِحٌ سديدُ المنطق من خلال التعاليم الداهشيَّة: لقد سبقَ آدم 759 تكوينًا بشريًّا، كان كلٌّ منها ينتهي بالفناء بكوارثَ طبيعيَّة أو على أيدي البشر أنفسهم ، وذلك من جرَّاء تماديهم بالمعاصي ونَبذِهم لتعاليم الأنبياء والهُداة الروحيِّين؛ واللهُ الذي ملأَ ملايينَ الكواكب بالكائنات الحيَّة قادرٌ على مَلءِ كوكبِ الأرض الصغير التافه بالمخلوقات وفقًا لدرجة استحقاقهم.
الغايةُ الأَصليَّة من العلاقة الجنسيَّة
بما أَنَّ العفَّةَ أَصبحت مُتعذِّرة بعد السقوط، فالرحمةُ الإلهيَّة جعلَت الزواجَ والتناسُلَ هما القاعدة للناس. فقد وردَ في “رسالة الهبوط” الموحاة أَنَّ الله ـعَزَّ وجَلَّ ـخاطبَ أدَم قائلاً:
وشاءَت رحمتي أَن تنظرَ بعطفٍ إلى جميع مَن هبطوا إلى الأرض واندمجوا بالرجُل الأَوَّل والمرأَة الأُولى؛ لهذا أَذنتُ بالتناسُل كي تستطيعَ هذه الفئات مِمَّن حاولوا الولوجَ إلى المواطن الممنوعة أَن تنفصلَ عن آدم وحوَّاء، وبأَعمالها واتِّجاهاتها نحو المُثُل العُليا تستطيعُ أَن ترتقي السماوات التي طُرِدَت منها، كلٌّ منها بمُفردِه وباجتهادِه.
وقد سبقَ أَن ذكرتُ في عددٍ سابق من هذه المجلَّة[11] أَنَّه أُوحِيَ إلى الأَبِ الصالح نوح، بعد انحسار الطوفان وخروجه من الفُلك هو وزوجتُه وأَبناؤهما الثلاثة وزوجاتُ هؤلاء، بأنَّه سُمِحَ لهم بأَن يتناسلوا، وذلك من أجل أَن يفرزَ السيَّالُُ الصالحُ نفسَه من السيَّالات الرديئة في سياق الأَجيال، فيتحمَّل كلُّ سيّالٍ تَبِعةَ أعماله ورغباته، لأنَّ الشرَّ سيكونُ هو الطاغي على سيّالات البشر. مِمَّا وردَ في رسالة الأَب نوح الموحاة:
وقال الربُّ لي أيضًا: ’إنَّ الإنسانَ ذو قلبٍ شرِّّير، لهذا يجبُ أَن يتكاثرَ على هذه الأرض. وسيفرزُ كلُّ صالحٍ نفسَه من قطيع هؤلاء البشر الأردياء، فينال سعادتَه العُظمى عندما تأتي الساعةُ الأَخيرة، ساعةُ الحساب والعقاب.‘
إذًا الغايةُ الإلهيَّة من العلاقة الجنسيَّة يجبُ ألاَّ تكونَ إشباع الشهوة بحَدِّ ذاتها، بل التناسُل من أجل إتاحة الفرصة للسيّالات الحسنة لكي تستقلَّ بأعمالها وبالتَّبِعة المُترتِّبة عليها، وبالتالي لإفساح المجال لتقدُّمِها السريع وخلاصها، وكذلك من أجل تهذيبِ السيّالات الرديئة بالتربية والتثقيف والتأديب وتحميلِها وحدها مسؤوليَّة أعمالها. فلو نظرنا في هذا الضوء إلى البلايين الستَّة من البشر الذين تحملُهم الأرضُ اليوم، وتأمَّلنا في درجات مداركهم المُتفاوتة، ونزعاتهم ورغباتهم المُتناقضة، علمًا بأَنَّ القسطَ الأكبر منها مرسومٌ في جيناتهم (مُورِّثاتهم) وفقًا لِِما يُؤكِّدُه علمُ الوراثة الحديث، ولو حاولنا أن نسبرَ تأثيرَ البيئة البيتيَّة والمدرسيَّة والدينيَّة والمجتمعيَّة في كلِّ فردٍ منهم ـ إذًا لاتَّضَحت الحكمةُ الإلهيَّة من فرز بلايين السيَّالات التي كانت، قبل السقوط، مُجتمعةً بمُعظمها في آدم وحوَّاء. فكيف يُمكنُ التوفيق بين الذكيّ والغَبيّ، والعبقريِّ والعاديّ، وصاحب النـزعة الفنِّـيَّة وذي النـزعة العلميَّة؟ وكيف يُمكنُ التوفيق بين المُتواضع والمُتكبِّر، والعفيف والداعر، والسخيِّ والبخيل، والشُّجاع والجبان، والهُمام والخامل، إلى ما هنالك من مُتناقضات لو بقيَت جميعُها محصورةً في شخصَين، أو في عشرة أو مئة أو ألف؟ إذًا لَكانوا عانَوا الأمرَّين من صراع الأضداد الهائلة في نفوسهم، ولَكان تحمَّلَ مَن يغلبُ الصلاحُ عليه ما يُسبِّـبُه السيّالُ الطالحُ فيه من أهوال الشقاء نتيجةَ نزعاته وأعماله الرديئة. وعلى مرورِ آلاف السنين على بَدء فَرْزِ السيَّالات، وحدوثِ مئات التقمُّصات وربَّما آلافها لكلٍّ منها، ما زال كلٌّ من البشر يشعرُ بتناقُضِ النـزعات في نفسه ويُعاني مرارةَ الصراع بينها، الأمر الذي يُؤكِّدُ أنَّ طريقَ التطهُّر والخلاص من الأرض ما زال طويلاً، لأنَّ الفَرزَ التامّ لم يحدثْ بعد.
مُؤسَّسةُ الزواج
منذ أقدم العصور وضعَت المُجتمعاتُ البشريَّة سُنَنًا للعلاقات بين الذكور والإناث، كانت سُنَّةُ الزواج أَدومَها وأَقومَها لأنَّها تُساعدُ في استقرار المجتمع. فالشرائعُ الدينيَّة كما المدنيَّة سنَّت حدودًا للعلاقات السويَّة بين الرجُل والمرأة سواء في مُؤسَّسة الزواج أو خارجها. ومع أنَّ الأخذَ بالحرِّيـَّات في العصر الحديث طوَّرَ تلك الشرائع إلى حَدِّ الإباحيَّة الخُلقيَّة في كثيرٍ من البلدان الغربيَّة، فإنَّ الأديانَ جميعَها ما زالت تدعو إلى التقيُّد بالحدود المرسومة، كلٌّ وفقًا لتعاليمه.
ففي المسيحيَّة، وخاصَّةً الكثلكة والأُرثوذكسيَّة، مُنِحَ الزواج صفةَ الشريعة الإلهيَّة، واعتُبِرَ “سرًّا مقدَّسًا”. أَمَّا في الإسلام فليس للزواج مثلُ هذه الصفة، إنَّما هو عَقدٌ بين طرفَين يُجريه شيخُ دين بصفة شاهِدٍ وضابطٍ للقَيد. أمَّا في الداهشيَّة فالزواجُ يُعتَبَرُ سُنَّةً اجتماعيَّةً أرضيَّة ليس لها شيءٌ من القُدسيَّة المزعومة؛ فمنحُه هذه الميزة نوعٌ من التضليل، واستدراجٌ للناس ليبقَوا تحت سلطة الكهَنة في توجيه مصيرهم الحياتيّ. إنَّ الزواج الداهشيَّ عقدٌ بين طرفَين خاضعٌ للشرائع المدنيَّة، ومحدودٌ بامرأة واحدة؛ لكنَّه عقدٌ مهمٌّ مُمَيَّز بأنَّه يجمعُ بين نفسَين ومصيرَين بإرادتَيهما ومِلء اختيارهما. ولذلك فرضَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة أن يتمَّ طقسُ الزواج في المعبد الداهشيّ إلاَّ إذا حالت ظروفٌ قاهرة دون ذلك، على أن يكتبَ الزوجُ (أو الزوجة إذا كانت وحدها داهشيَّة) “رمزًا”[12] روحيًّا يُضَمَّنُ دُعاءً لله –عزَّ وجّلَّ- لكي يسمحَ للاثنَين بسيَّالٍ روحيّ يُثبِّتُ زواجَهما ويُلهمُهما ما فيه الخير، كما ينطوي على التعاهُد المُتبادَل على الإخلاص والوفاء والاحترام والحبّ. ذلك مع العلم بأنَّ الزواجَ الداهشيّ يجبُ أن يُتَمَّمَ بزواجٍ مدَنيّ خاضعٍ لقوانين البلد الذي يكون فيه الزوجان.
إنَّ عَقدَ القران، وإن لم يحمل أيَّةَ صِفة مقدَّسة، هو من أهمِّ الأحداث التي يُمكنُ أن تتمَّ في حياة الإنسان إن لم يكُن أَهمََّها، لأنَّ عليه يتوقَّفُ مصيرُه ومصيرُ أولاده وأحفاده. فبِفعلِ العلاقة الجسديَّة ستشتبكُ سيَّالاتُ الطرفَين لا في الحاضر فحسب، بل في تقمُّصاتٍ كثيرة قادمة.[13] وتأثيرُ هذا التشابُك، بما يُسبِّـبُه من هناء أو شقاء تبعًا لاستحقاق السيَّالات المُتشابكة، سيظهرُ في الأولاد والأحفاد وسُلالاتهم ما دامت لم تنقطع. وفي ضوء هذه الخطورة يُصبحُ فهمُ كلٍّ من الطرفَين لحقيقة الآخر، لِمُثُلِه العُليا، وقِيَمِه، وطباعِه، ونزعاته، واتِّجاهاتِه، وسيرتِه، قبل الإقدام على عَقد القِران، في غاية الأَهمِّـيَّة. هذه الخطورة المُترتِّبة على تشابُك السيَّالات أكَّدَها الباحثون النفسيُّون مُؤخَّرًا. فتوماس مور Thomas Moore، صاحب كتاب “العناية بالنفس”[14]، يقول: إنَّ الزواج هو “حَبكُ طاقاتٍ كثيرة مُختلفة من نفسَين بعضًا مع بعض (…) وهو يحبكُ بعضًا مع بعض لا شخصيَّات الأزواج فحسب، بل أيضًا ثقافاتهم وأفكارهم وآراءَهم السياسيَّة وانفعالاتهم وأساطيرهم…”[15] فمَن يجعل الزواجَ صفقةً تجاريَّة يُزري بنفسِه وبمعنى القِران؛[16] فلا معنى لزواجٍ لا يتمُّ قبل عَقده تعارفٌ رصين وتعاطُفٌ شريفٌ صادق، ولا يتمُّ بعد عَقده تسانُدٌ وتبادلٌ للحُبِّ والإخلاص والثقة والاحترام والتضحيات مدى الحياة.
الطَّــلاق
إنَّ إحاطةَ الزواج بهالة من القداسة، وبالتالي تحريمَ الطلاق إلاَّ في حالة إبطاله أصلاً، لم يمنع ارتفاعَ نسبة الطلاق في ظلِّ الشرائع الكاثوليكيَّة كما في ظلِّ الشرائع الأُخرى. ففي الولايات المُتَّحدة وصلَت نسبةُ الزيجات التي انتهَت بالطلاق، بعد خمس سنواتٍ فقط من عقد الزواج، 20 بالمئة بين الكاثوليك كما البروتستانت، و40 بالمئة بين اليهود، وذلك في أواخر القرن العشرين.[17]
إنَّ أَحداثَ الطلاق المُتزايدة أعدادُها والمُتفاقمة عواقبُها في معظم أرجاء العالَم، وخاصَّةً في الغرب، تشهدُ على أنَّ كلاًّ من الزوجَين، بصورة عامَّة، إمَّا أن تدفعَه إلى الارتباط بالآخر مصلحةٌ شخصيَّة، إذْ يرى فيه تعويضًا عمَّا يفقدُه من قدرة نفسيَّة أو مادِّيَّة، أو تحقيقًا لِما يطمعُ فيه من مالٍ أو ذرائعَ معيشيَّة؛ وإمَّا أن تجذبَه إلى الآخر الشهوةُ الجسديَّةُ الصرف، فإذا قضى حاجتَه منها أو مَلَّ من الوتيرة الواحدة، أو إذا تكشَّفَ له أَنَّه كان مخدوعًا في ما تصوَّرَه في الآخر، أو أَنَّ الآخر قد مالَ قلبُه عنه… حدثَ الخلافُ فالشِّقاقُ فالطلاق.
إنَّ الدكتور داهش ببصيرته الروحيَّة الخارقة استطاع أن يرى دورَ الشهوة الأكبر في علاقة المرأة بزوجها، حتَّى إذا فترَت هذه الشهوة، تحوَّلَت رغبةُ المرأة إلى خارج منـزلها الزوجيّ. يُمثِّلُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة رؤيتَه الثاقبة هذه بقوله:
يقولون إنَّها عند زواجها يزدادُ أُنسُها وتطغى نعمتُها.
وأنا أقول إنَّها، عند زواجها، تنسى أُمَّها وأَباها وشقيقَها الوحيد، ولا ترى بعين شهوتها إلاَّ زوجَها.
ويقولون إنَّها تُحبُّ زوجَها وتحنو عليه.
وأنا أقول نعم، ولكن حينما يفقدُ القوَّةَ ويُلِمُّ به الضعفُ والفتور، ينقلبُ الحبُّ المُتأصِّل إلى كراهية ونفور.[18]
إنَّ تقلُّبَ المرأة وصفَه الدكتور داهش في قِصَصٍ كثيرة مِمَّا كتَب، كما اختبرَه في حياته لدى نساءٍ كثيرات مِمَّن تعرّفَ إليهنَّ؛ لكنَّه أيضًا عرفَ في كثيرات الإخلاصَ لأزواجهنَّ وتقوى الله، وهذا ما دعاه إلى القَول: “المرأةُ تحملُ بيمينها مفتاحَ السعادة، وبيسارها مِعولَ التدمير والشقاء،” أو “المرأةُ ملاكٌ وشيطان.”[19]
وإذا كان الدكتور داهش قد حمَّلَ الرجلَ مسؤوليَّةً كبيرة في إخفاق الزواج بتسلُّطه على المرأة وأنانيَّته وقسوته، بصورة عامَّة، فإنَّ قارئَ قِصَصِه والرسائل الروحيَّة الموحاة إليه بشأن العلاقة بين الرجُل والمرأة لا بُدَّ من أن يستنتجَ أنَّ المرأةَ أكثرُ مَيلاً للخيانة الزوجيَّة، ذلك بأنَّ سيَّالَ العصيان الذي كان فيها أوانَ طُرِدَت مع آدم من الجنَّة الأرضيَّة امتدَّ إلى كلِّ امرأةٍ بعدها. هذا السيّال العاصي يتعذَّرُ أن تتغلَّبَ عليه إلاَّّ مَن تدرَّعَت بالإيمان الراسخ بخلود النفس وبالثواب والعقاب، واستطاعت أن تُرقِّيَ درجتَها الروحيَّة.[20] هذه الأسبابُ والأحوالُ النفسيَّة المُؤدِّية إلى انهيار الزواج كما الصفات الدينيَّة المقدَّسة التي يُسبِغُها بعضُ المذاهب الدينيَّة عليه اختصرَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة بقوله البليغ: “يقولون إنَّ الزواجَ سُنَّةٌ إلهيَّة وشريعة سماويَّة، وأنا أقول إنَّه محبَّة ذاتيَّة أو رغبة بشريَّة.”[21] فبصورة عامَّة، تُعمي الأنانيَّةُ الرجُلَ كما تُعمي الشهوةُ المرأة، وفي كِلتا الحالتَين يُصابُ العقلُ بالشلَل، وتعصفُ الأهواءُ به. فبعد أن تزولَ آثارُ النشوة في الطرفَين، تُعيدُ الخلافاتُ الصحوةَ إليهما. ولذلك دَعا المنطقُ السديد الدكتور داهش إلى إفساح مجال الطلاق أمام الزوجَين رحمةً بهما. لكنَّه، في الآن ذاته، ضَيَّقَ فُسحةَ الطلاق حاصرًا أسبابَه في عِلَلٍ ثلاث، لأنَّ تأثيرَ الطلاق في سلوك الأولاد ومصيرهم- إن وُجِدوا-رديءٌ جدًّا؛ فضلاً عن أنَّه يُفكِّكُ الأُسَر التي هي الوحداتُ الاجتماعيَّة الأُولى التي يُبنى منها صرحُ المُجتمع، فبقدر ما تكون سليمة، يكون المجتمع، والعكسُ بالعكس. أمَّا العِلَلُ الثلاث التي يتوجَّبُ إثباتُها دونما لَبْس في حال وجودها فهي:
01 عِلَّةُ الزِّنى من أيِّ طرَف.
02 عِلَّةُ الإهمال المُتكرِّر من أحد الزوجَين للآخر. وإذا كان سببَ الإهمال وجودُ عشيقات أو عُشَّاق لأحد الطرفَين، فإنَّ إثباتَ وجودهنَّ أو وجودهم، إذْ ذاك، يُحدِثُ الطلاق.
03 عِلَّةُ الاختلاف الدائم الذي يُؤدِّي إلى مُشاجرات ومُشاحنات مُستمرَّة تُصبحُ الحياةُ معها لا تُطاق.
ومثلما يُثَبَّتُ عَقد الزواج هكذا يُثَبَّتُ الطلاقُ أيضًا بكتابة “رَمز” داهشيّ مُقدَّس يُوقِّعُ الطرفان عليه اسمَيهما، على أن يسبقَه طلاقٌ في الدوائر المدَنيَّة.[22]
وكثرةُ الطلاق في مختلف أرجاء العالَم دَعَت كثيرين من عُلماء النفس والاجتماع إلى دراسة أسباب الصدامات والخلافات المُؤدِّية إلى إخفاق الزواج، وما يُمكنُ أن يُزيلَها أو يُقلِّـلَها؛ وأكثرُ الدراسات يُكرِّرُ بعضُها بعضًا. منها ما يُحاولُ تسليطَ الضوء على الفوارق بين الرجُل والمرأة في الاهتمامات، والمنطقِ ، ورؤيةِ الأُمور وكيفيَّة مُعالجتها؛[23]ومنها ما يُسدي النصائج لتجنُّب الصدام أو لِحَلِّ المُشكلات الناشئة، كضرورة إنصات كلِّ طرفٍ لشكوى الآخر وتفهُّم شعوره بدون اتِّهامه أو الاستعلاء عليه، وعدم إثارة خلافات قديمة، ومُحاولة إيجاد حَلٍّ يُرضي الجانبَين فلا يفرض طرفٌ نفسَه فرضًا على الآخر، وتمضية الزوجَين وقتًا أكثرَ معًا بكون فيه للمرَح نصيبٌ وافر إلخ.[24]
وعلى جميع النصائح والإرشادات والعلاجات النفسيَّة فإنَّ أكثرَ الزيجات تنتهي بالفشل والشقاء المُؤدِّيَين إلى الانفصال أو الطلاق؛ علمًا بأنَّ الأكثريَّةَ الساحقة مِمَّن يتزوَّجون ثانيةً أو ثالثة أو رابعة… بعد فشلهم السابق، لا يُفضي بهم الزواجُ المُكَرَّر إلاَّ إلى مزيدٍ من الإخفاق، لأنَّ التجاربَ السابقة لا علاقةَ لها بنجاح الزواج الجديد. أمَّا الأسبابُ فكثيرة؛ من أهمِّها التظاهرُ بالصدق في الحبّ، والأنانيَّة أو النرجسيَّة التي تجعلُ كلَّ طرفٍ يعتبرُ أنَّه الأفضل والأجدر بأن يُضحَّى من أجله. وإذا وُجِد في البيت أولاد من زواجٍ سابق، يزدادُ الطينُ بَلاًّ.[25]
الحُبُّ السامي
يرى الدكتور داهش أنَّ الحبَّ النقيَّ السامي الذي كثيرًا ما يَرِدُ ذكرُه في القِصَص الرومنسيَّة أو الشعر الغَزَليّ العُذريّ يستحيلُ وجودُه في أيِّ زواج، لأنَّ المُعاشرة الزوجيَّة لا بُدَّ من أن تكونَ خاضعة للطبيعة البشريَّة المُنطوية على غريزة الشهوة الجسديَّة. فلا مجالَ للكلام على حبٍّ طاهرٍ سامٍ على الإطلاق إلاَّ إذا كان بين الإنسان والله، لأنَّ مُنطلَقَ هذا الحبّ هو حنينُ النفس إلى خالقِها واشتياقُ السيَّال الروحيّ إلى روحِه الأُم الكائنة في عوالم الأرواح المجيدة النقيَّة الأزليَّة الأبديَّة. وبالمعنى الواسع قد يجوز التحدُّث عن الحُبِّ السامي إذا عَنينا به محبَّةَ الآباء والأُمَّهات الصادقة لأولادهم، أو الحُبَّ المُتمثِّلَ بالنـزعة الإنسانيَّة المُنطوية على العطف والشفقة والإحسان عند فئةِ من نُبلاء الناس. ولِذا فالكلامُ على حُبٍّ طاهر بين الأزواج هو من مُبالغات العاطفيَّة الرومنسيَّة التي انتشرَت في قِصَص المُحبِّين وأشعارهم.
على أنَّه يُمكنُ الارتقاءُ بالزواج، وبالتالي بالحُبِّ الجامع بين الزوجَين، من درجة الرغبة الجسديَّة إلى العاطفة الروحيَّة الخالصة إذا امتنعَ الاثنان عن الاتِّصال الجسديّ وتغلَّبا على شهوته حتَّى في الفكر. وهذا الأمر يبدو مُتعذِّرًا؛ لكنَّ الدكتور داهش يُعطي المهاتما غانْدي مثَلاً على إمكان تحقيقه لدى أصحاب الإرادات القويَّة والنـزعات العُلويَّة؛ فكثيرًا ما مجَّدَ غانْدي لتعفُّفِه وانتصاره على الدُّنيويَّات بعد زواجه، كما لصلاحه وطلبه الحقيقة. مِمَّا قال فيه:
وستبقى سيرتُكَ العَبِقة نبراسًا للبشريَّة،
يقرأُون عنكَ ما سجَّلَه التاريخ،
فيُباركونكَ وهم مُنذهلون من تبتُّلِكَ.
فلتهنأْ روحُكَ في جنَّةِ الخُلد،
أَيُّها القدِّيسُ القاطنُ في الفراديس.[26]
بهذا الضوء يجبُ أَن يهتديَ التائقون إلى الكمال الإنسانيّ، عالمين بأَنَّ العفَّةَ الصادقة تاجٌ ثمين يَزينُ رؤوسَ الروحانيِّين القادرين على حَملِه. لكنّ هؤلاء قلائل، وسُنَّةُ الحياة البشريَّة جعلَت الحاجةَ الجنسيَّة فطرةً في كلِّ إنسان. بيدَ أَنَّ ذَوي العقول النيِّرة والمطامح الروحيَّة يُدركون أَنَّ لإراداتهم تأثيرًا بالغًا في تلطيف النـزعة الشهوانيَّة أو تكثيفها، ولِذا فعليهم أن يُجاهِدوا غريزتَهم لِيُخضِعوها لأحكام عقلهم، فتتَّجه اتِّجاهًا مُعتدلاً يُفضي مع النُّضج العقليّ واستمرار مُجاهدة النفس إلى انتصار الروحانيَّة على ما دونها من غرائزَ أرضيَّة.
الحُبُّ الصادق
إذا كان الحبُّ النقيُّ السامي مُتعذِّرًا في أيِّ زواج لِكَونِه يُناقِضُ منطقَ الاقتران القائم على الاتِّصال الجسديّ، فهل يُمكنُ قيامُ زواجٍ مَبنيٍّ على حُبٍّ صادقٍ مُخلص؟
الصدقُ في الحبّ فرعٌ من فضيلة الصدق العامَّة التي سبقَ أن تحدَّثتُ عنها،[27] والتي يراها الدكتور داهش نادرةً في الأرض. فبين عشرات القِصَص التي كتبَها طافحةً بالتقلُّب والخداع والغدر والخيانة بين الأزواج، تكادُ قِصَصُ الحبِّ الصادق المُخلِص في الأجزاء الأربعة من “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة” لا تتجاوزُ أصابعَ اليَد الواحدة.[28]
ونُدرةُ الإخلاص في الحُبّ الزَّوجيّ تجعلُ الحبَّ الصادق من خصائص السيَّالات الروحيَّة العُلويَّة التي يقلُّ وجودُها في الناس. وعادةً يستمرُّ الحبُّ الصادق بين الحبيبَين في تقمُّصهما اللاحق، لأنَّ نزعات النفس لا تموت، خيرًا كانت أم شرًّا.[29] وقد يكون مَرَدُّ الإخلاص إلى وجود سيَّالٍ روحيّ راقٍ مُشترَك بين الزوجَين، أو إلى انبثاق سيَّالَيهما الرئيسَين من أصلٍ روحيٍّ واحد. هذا الحبُّ الصادق هو الذي عَناه الدكتور داهش حين قال: “بالمال تستطيعُ أَن تشتريَ كلَّ ما تطمحُ إليه نفسُكَ إلاَّ الحُبّ.”[30]
إنَّ الحبَّ الصحيحَ ليس الشهوة ولا التعاطُفَ الوجدانيَّ المُتولِّدَ من استثارة الغريزة الجنسيَّة؛ فالشهوةُ توقِعُ الطرفَين في سكرةٍ حسِّـيَّة آنيَّة لا يلبثان أن يصحُوَا منها ليصطدما بالمُشكلات الطارئة في الحياة اليوميَّة. والشهوةُ إن جمحَت، تُفضي غالبًا إلى الدعارة وفنون الزِّنى التي سرعان ما تُقوِّضُ أركانَ الزواج، لأنَّ دافعَ الشَّبَق يستحيلُ إشباعُه من مصدرٍ واحد.
والحبُّ الصحيح ليس العاطفيَّةَ الرومنسيَّة التي تدفعُ كُلاًّ من الطرفَين إلى الظنِّ بأنَّه خُلِقَ خِصِّصيًا لِلآخَر، فيعيشان في عالَمٍ سريعِ العطَب من الأوهام الفردوسيَّة. فـ”المُحبُّون” الرومنسيُّون يجهلون أو يتجاهلون أنَّ الفردوسَ الأرضيَّ إنَّما طُوِيَ من جرَّاء علاقةٍ جنسيَّة. فالبَيتُ الزَّوجيُّ قائمٌ على نقيض الأُسُس الإلهيَّة التي شاءَ الله أن يقومَ عليها البَيتُ الفردَوسيّ.
والحبُّ الصحيح ليس الحبَّ الطُّفَيليَّ الذي يعيشُ صاحبُه مُتَّكلاً على “المحبوب”، مادِّيـَّا أو معنويًّا، لا يستطيعُ الحياةَ بدون رعايته وعنايته، ولا تنمو عاطفتُه إلاَّ بقَدر ما تتغذَّى من زاد هذا الاتِّكال؛ فإذا فقدَ “المُحِبُّ” “محبوبَه”، لجأَ إلى المُسكِرات أو المُخدِّرات يُغرِقُ فيها وعيَه وواقعَه.
والحبُّ الصحيح ليس الرغبةَ الأنانيَّةَ في إيلاد البنين تخليدًا للذِّكر، وإغداقَ العطف على الأولاد ما داموا أطفالاً يُنفِّذون رغباتِ الآباء والأُمَّهات ويُنَشَّأُون على صورتهم، فإذا ما شبَّ الأولادُ واستقلُّوا، انصرَفَت عنهم “محبَّةُ” والديهم.[31]
إنَّ الحبَّ الصحيح هو الذي إن قرَّبَ جسدًا من جسَد، دَمجَ نفسًا بنفس، لأنَّه يقومُ على التجاذُب الروحيِّ الحَقّ، أي الوفاق شبهِ التامّ بين سيَّالات الرجُل وسيَّالات المرأَة، إذا كانت ذاتَ نزعاتٍ روحانيَّة حقيقيَّة؛ ذلك بأَنَّ التجاذُبَ الناتجَ عن تَوافُقِ المصالح المادِّيـَّة أو الشهوات الأرضيَّة ما يلبثُ أن يتصدَّعَ حالَ تناقُضِها أو تنافُرِها. وقد يكونُ للتجاذُب بين الرجُل والمرأة أصلٌ في تقمُّصٍ سابق تَمَّ فيه التعارُف والتعاطُف والتحابّ بينهما، حتَّى إذا ما التقَت سيَّالاتُهما ثانيةً، استيقظَ فيهما شعورٌ غامض بتجاذُبٍ قويّ لا يُطيقان دونه صبرًا. وهذا ما يُعلِّلُ استفاقةَ الحُبِّ السريع “الصاعق” في قلبَين لم يُتَح لهما زمانٌ كافٍ للتعارُف والتفاهُم والتجاوُب. لكنَّ الحبَّ “الصاعق” قد يكونُ مُجرَّدَ فورة شهوانيَّة، ما يلبثُ إشباعُها أو الملَلُ من مصدرها أَن يكشفَ القناعَ عن حبٍّ وهميّ مُزيَّف.
مُشكلات وخلافات
غيرَ أنَّ الحبَّ الصادقَ لا يعني أنَّ حياةَ الزوجَين ستكون خالية من أَيَّة مُشكلة أو خلاف. ففي ضوء الحقائق الروحيَّة الداهشيَّة لا سعادةَ في الأرض، إذا فهمنا السعادةَ حياةً مِلؤها الهناءُ والفرحُ والرضى والوفاق التامّ. فالمصاعبُ والمُشكلاتُ من صميم النظام الذي يسودُ الحياةَ الأرضيَّة: كيفيَّةُ تربية الأولاد، في حال وجودهم، وكيفيَّةُ مُساعدتهم في دروسهم، كيفيَّةُ تدبيرِ المعيشة الشريفة وتدبيرِ المنزل، أنواعُ الهوايات والملاهي والأزياء، كيفيَّةُ تمضية أوقات الفراغ، أنواعُ المُشترَيات وكيفيَّةُ الإنفاق عليها، الصداقات والزيارات، اختلافُ الآراء في كثيرٍ من الأشياء… كلُّّ ذلك، ما لم يُـتَّفَقْ عليه اتِّفاقًا تامًاّ، يتمخَّضُ بالخلافات حتَّى في زواجٍ مَبنيٍّ على تبادُلِ حبٍّ مُخلصٍ صادق.
وبناءً على هذا الواقع المأساويّ الذي يتخبَّطُ فيه الزواجُ في العالَم، ولا سيَّما في الغرب، وُضِعَت دراساتٌ كثيرة حاول الباحثون فيها استنباشَ أسباب الطلاق، لا سيَّما في ما يبدو زواجَ حُبٍّ صادق، فإذا النتائجُ تُسفِر عن أنَّه بقَدرِ ما يُحمِّلُ العازمون على الزواج زواجَهم آمالاً وأحلامًا رومنسيَّة سعيدة، ويتوقَّعون دوامَها، يُعرِّضون زواجَهم إلى انهيارٍ أَسرعَ وأكبر.[32]
إنَّ كثيرين مِمَّن يَصدُقون في حبِّهم يُكوِّنُ نفوسَهم خليطٌ من السيّالات الروحيَّة الراقية والأُخرى المُتدنِّية، وبذلك تنفتحُ أمامهم طريقان للحياة: طريقٌ روحانيَّة تُهيمنُ عليها المُثُلُ العُليا والفضائل، وطريقٌ مادِّيـَّة تُسيطرُ عليها القِيَمُ الدُّنيَويَّة والشهوات. فخَوضُ الطريق الثانية يعني تسليمَ زمامِ قيادة النفس للسيَّالات غير الراقية التي تتغذَّى بالملذَّات الحسِّـيَّة والأنانيَّة والتسلُّط؛ وهي تُؤدِّي إلى التصادُم والخلاف. أمَّا خَوضُ الطريق الأُولى فيعني تسليمَ زمام القيادة للسيَّالات الراقية التي تتعاملُ باحترامٍ مُتبادَل للآراء، وثِقةٍ مُتبادَلة، وعطاءٍ للذات قد يُفضي إلى التضحية بالمُتَع الحسِّـيَّة الآنيَّة والمصلحة الشخصيَّة من أجل حَلِّ الخلافات الطارئة وتعزيز الحُبّ الصادق. وتُؤدِّي الطريقُ الأُولى إلى إفقار النفس، بينما تُؤدِّي الثانية إلى إغنائها.
لكنْ على وضع مئات الدراسات في كشف الأسباب المُساعدة على إنجاح الزواج، وإقامةِ مئات العيادات المُخصَّصة للعناية والإرشاد الاجتماعيَّين في مختلف أرجاء الغرب، تبقى مُؤسَّسةُ الزواج تُعاني أزمةً تُهدِّدُ بانهيارها، وإن تكُن في الشرق ما تزالُ مَحميَّةً، إلى حَدٍّ غير بعيد، بالتقاليد الدينيَّة والعائليَّة. والسببُ مردُّه إمَّا إلى سلوك الأكثريَّة الساحقة الطريقَ المادِّيـَّة تحت إمرة الغرائز الدُّنيويَّة، وإمَّا إلى جزاءٍ استحقَّه الإنسانُ في دوره الحاليّ عن أعمالٍ ورغباتٍ حقَّقها في تقمُّصاتٍ سابقة؛ وربَّما كانت العلَّةُ الأبعد كامنة في طَرد آدم وحوَّاء من الفردَوس الأرضيّ.
الرجُلُ والمرأَة في مُوازَنة
يقولُ الدكتور داهش، في معرض مُوازنته بين الرجال والنساء، في كتابه الفَذّ “مُذكِّرات دينار”:
خُلاصةُ الأمر أنَّ المرأَةَ والرجُلَ يتساويان في الحقوق والواجبات. وما نُشاهدُه من شُذوذٍ في بعض النساء أَو الرجال لا يُمكنُنا أن نأخذَه كمِقياس لِنُقارعَ به خصومَنا في ساعات المُفاضلة بين الجنسَين.[33]
القاعدةُ في الداهشيَّة، إذًا، هي المُساواة بين الرجُل والمرأة على جميع الأصعدة التي تُبنى عليها حقوقٌ أو واجبات. في الأحوال الشخصيَّة تُعتَبَرُ المرأةُ البالغة حُرَّةً في اختيار زوجها، شأنها شأنُ الرجُل، فلا تُفرَضُ عليها أَيَّة إرادة أو وصاية خارجة عنها؛ وكذلك في ما يخصُّ الطلاق، فهي تقفُ على قدَم المُساواة مع الرجُل في المُبادرة إلى إجرائه ضمنَ حدود السُّنَن المرسومة. وفي الإرث يتساوى الرجلُ والمرأَة. كذلك في ميادين العلم والعمَل، لا يُميِّزُ الدكتور داهش الرجلَ عن المرأَة. وكثيرًا ما كان يُشجِّعُ الداهشيَّات على المُضِيِّ قدمًا في العلم والتخصُّص، كما يُشجِّعُ ذوات المواهب الأدبيَّة والفنِّـيَّة منهنَّ على مُمارسة مواهبهنَّ وشحذِها بالثقافة. كما كان يُشجِّعُهنَّ على الاعتماد على أنفسهنَّ واتِّخاذِ الذكاء العمليِّ والتيقُّظ ذريعةً دائمة في السفر والبَيع والشراء واختيار الوظائف، ولم يضع حدًّا لهنَّ إلاَّ الأخلاق الفاضلة. فالمرأَةُ، برأيه، “تُتَمِّمُ الرجُل؛ وهذه حكمةُ السماء وإرادةُ الباري تعالى.”[34]
على أنَّ المُوازنة التاريخيَّة بين الرجال والنساء من حيثُ العطاء الفكريّ، علمًا كان أم فلسفةً أم أدبًا أم فنًّا، لا بُدَّ من أن تُؤدِّيَ إلى ملاحظةِ أمرٍ مهمّ هو أنَّ العطاءَ النسائيّ المتفوِّق_حتَّى لو حُصِرت الموازنة بينه وبين عطاء الرجال المتفوِّق في القرن العشرين الذي أُعطيَ فيه النساءُ حقوقَهنَّ كاملة في أكثر بلدان العالَم، ونافسنَ الرجالَ في تلقِّي العلم بمختلف فروعه—لا يُوازي عطاءَ الرجال، بل يتدنَّى عنه كثيرًا. فالنساءُ إذا جارَينَ الرجالَ في كثيرٍ من الميادين، فهنَّ لم يبلغنَ أيَّةَ ذروةٍ بلغَها الرجالُ في أيِّ ميدانٍ فكريّ. فلم يظهر بينهنَّ مَن هي، مثلاً، بمُستوى أفلاطون أو شكسبير أو ميكال آنج أو يبتهوفن أو آينشتاين. حتَّى في الميدان الأدبيّ، وهو الأقرب إلى إمكانات المرأة عادةً، إذْ برهنَت الدراساتُ الحديثة عن أَنَّ المرأةَ، بصورة عامَّة، تفوقُ الرجلَ في القدرة اللُغويَّة والطلاقة التعبيريَّة،[35]لم تحُز النساءُ، في القرن العشرين، أكثرَ من 6 بالمئة من جوائز نوبل الأدبيَّة طوال قرنٍ كامل. هذا مع العلم بأنَّ خِرِّيجات الجامعات في معظم بلدان العالَم أصبحنَ يُساوين الخِرِّيجين عددًا إن لم يفُقنَهم، أحيانًا، وفقًا للإحصاءات الأخيرة.[36]
هذا الفارقُ في العطاء الفكريّ المتفوِّق بين الجنسَين تنبَّهَ له فلاسفةُ العصور القديمة والحديثة، وبنَوه على أساسِ أنَّ المرأةَ، بصورة عامَّة، ليست في قدرة الرجُل على إدراك المبادئ الكُلِّـيَّة والتزامها، كمفهوم العدالة مثلاً، لأنَّه على فهمها واستخلاص الحقائق منها تُبنى الأعمالُ العظيمة في العلم والفلسفة والأدب والفنّ وسَنِّ الشرائع. من أولئك الفلاسفة كانط Kant (1724-1804) وشوبنهاور Schopenhauer (1788-1860). وكان لسيجموند فرويد Sigmund Freud (1856-1939) رأيٌ مُماثِل؛ بل زاد أنَّ المرأةَ لا تحضعُ لضرورات الحياة المُلِحَّة مثلما يخضعُ الرجُل، وأنَّها غالبًا ما تتأثَّرُ في أحكامها بعواطفها أو مواقفها العدائيَّة.[37] لكنَّ كارول غيليغان Carol Gilligan، الأُستاذة في كلِّـيَّة التربية بجامعة هارفرد، تعرضُ في كتابها البارز “بصوتٍ مُختلف: النظريَّة السيكولوجيَّة وتطوُّرُ النساء” أنَّ المرأةَ، في المرحلة السابقة لنُضجها، لا تتأثَّرُ بالمفاهيم المُجرَّدة والمبادئ الكُلِّـيَّة، ولا توليها أهمِّـيَّة إلاَّ بقَدر ما تُؤثِّرُ في علاقاتها الاجتماعيَّة ومواقفها العاطفيَّة المَبنيَّة على الاهتمام المتبادَل؛ لكنَّ مواقفَها، بعد نُضجها، تُصبحُ مُعقَّدة، فتدخلُ في اهتمامها الحاجةُ إلى النـزاهة الشخصيَّة في مَن تتعاملُ معهم.[38]
غير أنَّ التحليلَ المُقدَّمَ سواءٌ كان قديمًا أم حديثًا لا يُعطي تعليلاً وافيًا لوجود الفارق في القدرة العقليَّة المُستوعِبة للمبادئ الكُلِّـيَّة وفي العطاء الفكريِّ المتفوِّق بين الرجال والنساء بصورة عامَّة. وهذه الثغرة تملأُها الداهشيَّة. فوفقًا لتعاليمها الموحاة تولَدُ المرأةُ وسيّالُها الرئيس الذي يهبُها الحياةَ والسماتِ الرئيسيَّة في شخصيّتها لا يكونُ إلاَّ نصفَ سيّال مُقارَنًا بسيَّال الرجُل. والسيَّال هو الطاقة الروحيَّة المُبدِعة التي تُقولبُ جيناتِ الإنسان بقالبها، وتمنحُ الفردَ خصائصَه الجسميَّة والنفسيَّة. لكنَّ الأُنثى، كما الذَّكَر، ترثُ أيضًا من أبَويها مُباشرةً مجموعةً من السيَّالات الأُخرى تُضافُ إلى سيَّالها الرئيس. وهذا الإرثُ يتفاوتُ كَمًّا ونوعًا حتَّى بين الإخوة أو الأخوات. وهذا يُعلِّلُ الاختلافَ في القدرات العقليَّة والاستعدادات والمواهب والنـزعات في الأُسرة الواحدة. أمَّا التفوُّقُ النسبيُّ الذي نلحظُه في النساء، لا سيَّما بعد إفساح مجال العلم والعمل أمامهنَّ، فمردُّه إلى أحد الأسباب التالية:
أ- إمَّا أن يكونَ في المرأة سيَّالٌ عُلويّ يمنحُها قدرةً إدراكيَّةً مُميَّزة.
ب- وإمَّا أن يكونَ فيها سيَّالٌ كان في رجلٍ مُتفوِّق بإدراكه في تقمُّصٍ سابق. وقد أطلعَني مُؤَسِّسُ الداهشيَّة على عدَّة حالاتٍ كهذه.
ج- وإمَّا أن تقومَ المرأةُ بجُهدٍ إراديٍّ متواصلٍ عظيم لاكتساب قدرةٍ عقليَّة مُميَّزة.
وفي هذا الضوء المُثلَّث يُمكنُ تعليلُ التفوُّق لدى النساء اللواتي برزنَ في سياق العصور وفي مختلف الميادين. أمَّا في العصر الحديث فيُمكنُ التمثُّل بماري كوري M. Curie وبرباره ماكلِنـتوك Barbara McClintock ودوروثي هودجكِن Dorothy Hodgkin (المصريَّة المولد) في العلم، وسلمى لاغرلوف Selma Lagerlöf وغراتسيا ديليدا Grazia Deledda وبرل باك Pearl Buck في الأدب، وجميعهنّ قد أحرزنَ جوائز نوبل؛ وروزا بونير Rosa Bonheur وماري حدَّاد في الفنّ، وكثيرات أُخرَيات في القيادة الاجتماعيَّة والسياسيَّة…
الصداقةُ بين الرجُل والمرأَة
يرى الدكتور داهش أنَّ الصداقةَ بين الرجُل والمرأة بجبُ أن تبقى ضمن حدود التعارُف الرزين والاحترام المُتبادَل، والتعاطي المهنيّ الرصين في حال العمل معًا، فإذا تعدَّت هذه الحدود تعرَّضت لفقدان براءتها؛ ذلك بأنَّ المَيلَ الجنسيَّ، لا محالة، ستُؤَجِّجُه الطبيعةُ البشريَّة المُنطوية على التجاذُب الشهوانيّ. وبناءً على ذلك بجبُ أن تكونَ الفتاةُ، في مواقع تعلُّمها أو عملها، في غاية الحرص على ألاَّ تشطَّ علاقاتُها بزُملائها بعيدًا، فالسقوطُ في الهوَّة قد تكون بدايتُه خُطوةً عاثرة في مُنحدَر. أمَّا الحديثُ عن حبٍّ أفلاطونيّ، في مِثل هذه الحال، فمن الأضاليل والأباطيل، لأنَّ الحبَّ النقيَّ السامي يستحيلُ وجودُه مع أيَّة علاقة جسديَّة. وقد خلَّدَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة نظرتَه إلى هذا الأمر في مقطعٍ رائع وردَ في الأُنشودة الثامنة من “ضجعة الموت”؛ يقولُ بلسان ديانا:
مَن كان يعبدُ حبيبتَه ونالَها، فقد فقدَها!
ومَن لم يتَّصل بها وبقيَ فاقدًا إيَّاها، فقد نالَها،
لأنَّ نفسَه تطلبُها، وشعورَه الداخليَّ يبقى هائمًا بها،
وذكرياتِه الماضية تبعثُ فيه آلامًا لا يُطيقُها جسدُه، فتفيض،
والأشواقَ تحدوه لِلُقياها، ولا قُدرةَ له على ذلك،
فيتألَّمُ جسدُه المادِّيُّ، إذْ يطلبُ قُربَها ولا لقاء،
فيتأَجَّجُ بالشعلة المقدَّسة الدائمة الالتهاب، فتصهرُه؛
ولكنَّ روحَه تشعرُ بالسعادة بعد ذلك،
إذْ إنَّها تُقرِّبُ له طَيفَها، فيراها بعين الخيال،
فيودُّ لو تبقى نصبَ عَينَيه ما دامت فيه الحياة.[39]
وتعليلُ ذلك بأنَّ السعادةَ يستحيلُ أن تتحقَّقَ نتيجةً لمُعاشرةٍ مادِّيـَّة؛ فالسعادةُ حالةٌ روحيَّة لا تتحقَّقُ إلاَّ في عوالم الأرواح المُفارِقة لكلِّ أثرٍ مادِّيّ حيثُ نورُ الله دائم، وتملِّي ما فيه من مُطلَق الجمال والحقِّ والخير يمدُّ الأرواحَ بغبطةٍ أبديَّة. فلا سبيلَ إلى سعادةٍ تنجمُ عن لِقاءِ جسدَين، مهما يكُن الشوقُ قويًّا. فالحبُّ، إذا كان صادقًا، يقوى بالتباعُد الجسديّ، ويتلاشى بالتقارُب المادِّيّ. يقولُ الدكتور داهش في إحدى كلماته: “ليتني ظللتُ عنها بعيدًا لألمسَ السعادةَ التي لا تخبو في البُعد وتتلاشى في ساعة القُرب.”[40]
ذلك فضلاً عن أنَّ كلَّ علاقة عاطفيَّة أو جسديَّة تُؤدِّي حتمًا إلى تشابُك سيَّالات الطرفَين، وتبقى تجذبُ أحدَهما إلى الآخر وتُؤثِّرُ في مصيرَيهما إلى دوراتٍ تقمُّصيَّة كثيرة.[41] بمعنًى آخر، إذا كانت دَعد قد تشابكَت سيَّالاتُها بسيَّالات زَيد من جرَّاء علاقة عاطفيَّة أو جسديَّة بينهما، فإنَّها ستربطُ مصيرَها بمصيره. فإذا كانت سيَّالاتُ زَيد تتسفَّل باستمرار، فدَعد ستُعرِّضُ نفسَها إلى السقوط الروحيّ أيضًا، وهو ما يترتَّبُ عليه التعرُّضُ لاضطرابات الحياة ومصائبها جزاءً وفاقًا. ذلك فضلاً عن تقصير العُمر ثمَّ التردِّي في دركات الجحيم.
وقد أوضحَ الدكتور داهش لي عدَّةَ أمثلة حيَّة عن رجالٍ كانوا يتعرَّضون للمصائب أو تقصير الأعمار من جرَّاء علاقاتٍ عاطفيَّة أقاموها مع نساءٍ معيَّنات ذوات سيّالات سُفليَّة. وإنِّي أعترفُ بأنِّي كدتُ أُسبِّبُ نكبةً لنفسي، في عنفوان شبابي، من جرَّاء علاقة عاطفيَّة عارضة اقتصرتُ فيها على تقبيل زميلةٍ لي بمنـزلها قبلةً عاطفيَّة تعزيةً لها في مرضها؛ لكنَّ رحمةَ الله أنقذَتني، إذْ إنَّ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة سرعانَ ما أطلعَني على مصيري المُهدَّد، بعد بضع دقائق، وذلك في رسالةٍ موحاةٍ إليه خُطَّت لدَيه فورَ تقبيلي للمرأة وأنا بعيدٌ عنه. وبسبب الفارق بين سيّالاتي وسيَّالاتها التي تشابكَت، كان محتومًا عليَّ أن أُفارقَ هذه الفانية لألقى مصيرًا في غاية الشقاء لو لم تتجسَّد إحدى شخصيَّات رجل الروح العُلويَّة لتفكَّ عقالي وتُنقذَني. والمجالُ يضيقُ هنا لتفصيل هذه الحادثة التي فصَّلتُ وقائعَها في مُذكِّراتي.
في هذا الضوء يُدركُ المُطَّلعون على الحقائق الروحيَّة الداهشيَّة مدى خطَر العلاقات الشهوانيَّة الخارجة عن نطاق الزواج، إذْ إنَّها قد تُعرِّضُ أصحابَها إلى ما لا يتوقَّعونه من أمراضٍ وأحداثٍ ومصائبَ تترتَّبُ على تشابُك سيَّالاتهم بسيَّالات الطرف الآخر، انطلاقًا من أنَّ معظمَ البشر تتسلَّطُ عليهم سيَّالاتٌ سُفليَّة.
ومن المُؤسِفِ جدًّا أنَّ الدوَلَ الغربيَّة باتت تنظرُ إلى العلاقات الجنسيَّة خارجَ نطاق الزواج على أنَّها أمرٌ خاصّ ما دامت تتمُّ بالرضى المتبادَل بين بالغين. وبناءً على هذه النظرة اتَّسعَت الإباحيَّة، وانطلقَت الشهوةُ من كلِّ عِقال؛ فإذا التعاشُرُ بلا زواج يعمُّ الغرب. ففي الولايات المُتَّحدة بلغَ عددُ المُتساكنين بلا زواج، عام 1998، أربعة ملايين ومئتَي ألف شخص،[42] كما إنَّ نسبةَ النساء الأمريكيَّات المُتراوحة أَعمارُهنَّ بين 15 و19 عامًا اللواتي يحبلنَ أو يلدنَ خارجَ عقد الزواج بلغَت، عام 1999، 85 بالمئة في البيض، و98 بالمئة في السود.[43]
هذا الوضعُ الاجتماعيُّ الخُلُقيُّ الذي حذَّرَت منه الأديانُ كلُّها، وما زالت تُنذِرُ بأخطاره، أَولاه الدكتور داهش أهمِّـيَّةً بالغة. فمنذُ أكثر من نصف قرن رأى ببصيرته الروحيَّة الخارقة اتِّجاهَ البشريَّة المُنحرِف والعواقبَ الوخيمة التي سيتمخّضُ بها، فحفلَت كتُبُه بتصوير الرذيلة المًُتفشِّية في أرجاء الأرض وبالتحذير من أخطارها على مصير البشر طُرًّا. قال في سُداسيَّة كتبَها منذ حوالى ستِّين عامًا:
أَيُّتها الشهوةُ البهيميَّة الجارفة مواكبَ العالَمين
أنتِ أُعجوبةُ هذا الكونِ وآيتُه الفريدة
أنتِ تتسلَّطين على عقولنا وأفكارنا الشريدة
أنتِ تُكبِّليننا بقيودِكِ المتينة، فلا نستطيعُ منكِ خلاصا
أنتِ تُسيطرين على أعصابنا، وإرادتنا، فلا نجدُ مناصا
ولذلك فأنتِ تكتسحيننا حتَّى نُصبحَ أمامكِ أذلاّءً خاضعين.[44]
فواضحٌ من قوله أنَّه يُدركُ تمامَ الإدراك قوَّةَ الغريزة الجنسيَّة في الناس وسلطانَها على سلوكهم وعقولهم واتِّجاهاتهم؛ وأنَّه إذا رأى أنَّ “النساءَ الفاضلات وجودُهنَّ أندرُ من وجود العدالة في هذا العالَم الغادر الجائر،”[45] فقد رأى أيضًا أنَّ “الرجلَ ذو أنانيَّة وسلطة رعناء… لا يتورَّعُ أن ينصبَ حبالَه لكلِّ ابنةِ حوَّاء.”[46] لكنَّ وجودَ الشهوة الجنسيَّة في الطبيعة البشريَّة الراهنة بهذه القوَّة الجارفة لا يعني أنّ هذه الطبيعة سليمة؛ فقد مرَّ معنا أنَّ آدمَ وحوَّاء، أَبَوَي السلالات البشريَّة الحاليَّة، طبيعتُهما الأصليَّة من الفراديس العُلويَّة، وأنَّ العلاقةَ الجنسيَّةَ بينهما سبَّبَت طردَهما من الجنَّة الأرضيَّة التي هبطا إليها. والغايةُ من وجود سُلالاتهما على الأرض ومُعاناة الشقاء هو، من جهة، جزاءٌ لِما قاموا به في دوراتٍ حياتيَّة سابقة من أعمال، ومن جهةٍ ثانية، إفساح المجال لهم للانتصار على الميول الدنيويَّة، وبرأسها الشهوة الجنسيَّة، ليُتاحَ للمُنتصرين العودة إلى الفراديس العُلويَّة التي هبطوا منها. وهكذا فإنَّ عصيانَ الأوامر الإلهيَّة، في دورة التكوين الحاليَّة، زرعَت بذرتَه حوَّاء، فنمَت وعمَّت الأرضَ كلَّها. وليس سوى الإرادة القويَّة السامية بوُسعها التغلُّب على التجارب الجسديَّة والدُّنيويَّة.
في هامش العلاقة بين الرجُل والمرأة: الشذوذُ الجنسيّ
إنَّ الأديانَ جميعَها استنكرَت واستفظعَت الشذوذَ الجنسيَّ؛ وقد وردَ في العهد القديم كما في العهد الجديد تأثيمٌ له.[47] والداهشيَّةُ، إذْ تضمُّ صوتَها إلى صوت الهدايات الروحيَّة والعقائد الدينيَّة الصحيحة في هذا الصَّدَد، تُسلِّطُ ضوءًا جديدًا على هذا المُنكَر.
فقد أوضحتُ أنَّ العلاقةَ الجنسيَّة سمحَت بها الإرادةُ الإلهيَّة، بعد طرد آدم وحوَّاء من الجنَّة الأرضيَّة ثمَّ بعد الطوفان، لغايةٍ معيَّنة هي إفساحُ المجال أمام السيَّالات الصالحة لتفرزَ نفسَها عن السيَّالات الطالحة بواسطة التناسُل. والتناسُل يستحيلُ حدوثُه إلاَّ باجتماع الرجل بالمرأة. إذًا إنَّ العلاقة الجسديَّة لم يُسمَح بها من أجل إشباع الشهوات والنـزوات الشاذَّة، بل من أجل إتاحة الفرصة أمام السيَّالات الراغبة في الارتقاء الروحيّ لترتقيَ من غير أن تتحمَّلَ مسؤوليَّةَ أعمال السيَّالات السفليَّة أو الدنيويَّة.
إنَّ الشذوذَ الجنسيَّ، لِواطًا كان أم سِحاقًا، ليس له من هدَف إلاَّ إشباعُ شهواتٍ جسديَّة مُنحرفة، مهما مُوِّهَت حقيقتُه. ولا يشفعُ به أن يكونَ له أصلٌ في خلايا الدماغ أو حتَّى في الجينات،[48] لأنَّ رغباتِ الإنسان القويَّة بوسعها أن تُؤَثِّرَ في سيَّالاته الروحيَّة، وتطبعَ فيها آثارَها، حتّى إذا انطلقَت هذه السيَّالاتُ واتَّخذَت جسدًا جديدًا، كان لها من قدرتها الإبداعيَّة أن تُقولِبَ جيناتِ الجنين، وبالتالي دماغَه، بقالبها، وتطبع فيها ما تحملُه من آثار الرغبات السابقة التي لا تفنى. وهكذا تنتقلُ في الإنسان الرغباتُ الشاذَّة الدنيئة كما الرغباتُ السويَّةُ السامية من دورةٍ حياتيَّة إلى دورةٍ أُخرى؛ ولا يوقفُ انتقالَ الدنيء منها إلاَّ إرادةٌ ساميةٌ جبَّارة تصدُّ كلَّ رغبة مُنحرفة مهما شعرَ الإنسانُ بالانزعاج والمُعاناة من جرَّاء عدم إشباعها.
لقد وقفَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة من الحكومات التي تغضُّ الطرفَ عن الإباحيَّة العلَنيَّة موقفَ المُستنكِر، وحمَّلَها مسؤوليَّة التراخي في صّدِّ موجات الإباحيَّة والشذوذ، بعد أن شاهد بأُمِّ عينِه الفضيلةَ كيف تُنحَر في البلدان الغربيَّة التي زارَها بأثناء رحلاته حول العالَم بين 1964 و1983. فإذا رأيُه في كهولتِه وشيخوخته كرأيه في شبابه، وهو يُختَصَرُ بهذه العبارة الواردة في “مُذكِّرات دينار”:
إنَّ الحُرِّيـَّةَ مطلبُ كلِّ مخلوقٍ حَيّ، يَنشدُها ويسعى وراءَها ليلَ نهار، ويبذلُ في سبيلها كلَّ مُرتَخَصٍ وغالٍ. ولكنَّ هذه الحُرِّيـَّةَ تفقدُ معناها ومبناها عندما تتجاوزُ حدَّها الأخلاقيَّ وتسفُّ مثلَ هذا الإسفافَ البَشِع.
إنَّ الواجباتِ الإنسانيَّة تفرضُ على القائمين بشؤون الحُكم أن يحدُّوا مثلَ هذه الحُرِّيـَّات التي أصبحَت خطرًا على الهيئة الاجتماعيَّة، وضربةً قاصمة للفضيلة والآداب.[49]
ولا يُتيحُ هذا المجالُ مزيدًا من التفصيل لضرورة إقامة حُدودٍ خُلقيَّة في المُجتمع، لأنَّني أوضحتُ الأمرَ حينما بحثتُ في “أبعاد الحُرِّيـَّة وحدودها الاجتماعيَّة الخُلقيَّة” في عددٍ سابق من هذه المجلَّة.[50]
فإذا تنازلت الحكومات عن دورها المُشجِّع على الفضيلة والكابح للرذيلة، وإذا تنازل رجالُ الدين عن دور الهداية الروحيَّة التي يدَّعونها، فغضُّوا الطرفَ عمَّا يجري في رعاياهم من مُنكَرات، بل شاركوا فيها وشجَّعوا عليها، فإذْ ذاك لا يبقى إلاَّ إنذارٌ روحيٌّ لهم يُطلِقُه مُؤسِّسُ الداهشيَّة في مُخاطبته الله القدير:
إنَّنا لم نتعلَّمْ أُمثولتَكَ في سادوم وعامورة،
بل نسيناها،
بل ظنَنَّاها أُسطورةً تُروى لا حقيقةً واقعيَّةً مُرعِبة.
فدَعنا نرى، للمرَّة الثانية، غضبكَ الإلهيَّ…
ودَعِ الناسَ يثوبون إلى رُشدهم.
إنَّ تغاضيكَ عن شرورهم الهائلة
جعلَهم يرتكبون أحطَّ أنواع الموبِقات، دون أن يردعَهم ضمير،
إذْ لا ضميرَ لديهم!
وإذا بصوتٍ من وراء الغَيبِ يقول:
لا تكتئبْ ولا تحزَنْ،
فالويلاتُ التي ستُقاسيها البشريَّة
هي أرعبُ ما يُمكنُ أن يصلَ إليه خيال،
لأنَّها تمادت بالمعاصي والشرور الرهيبة.
فقلتُ، إذْ ذاك:
وكلُّ آتٍ قريب.[51]
- حليم دمُّوس، “رسالة الأَب نوح” في كتاب “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّة المُذهلة (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 64.
- وردَ كلام أَفلاطون على الأَطلانتيد في كتابَيه تيميوس Timaeus وكريتياس Critias. وقد اقتبسً معلوماتِه عنها من سولون، المُشرِّع الأَثينيّ الذي قام برحلةٍ إلى مدينة ثاييس في مصر القديمة، فأَطلعَه الكَهَنة على ما يعرفون عن الأَطلانتيد مِمَّا كان محفوظًا في سجلاَّتهم القديمة.
- الدكتور داهش، “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، الجزء الثاني (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 132.
- وردَ تفصيل خلق آدم في رسالة روحيَّة موحاة شرحَت مُفصَّلاً أسرارَ السقوط من فراديس النعيم ثمّ عصيان آدم وحوَّاء في الفردوس الأرضيّ (مخطوطة).
- الدكتور داهش, “المُهنَّدُ الباتر” (نيويورك: دار النشر الداهشيَّة، 1991)، ص 29.
- الدكتور داهش، “القلبُ المحطَّم” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1983)، ص 88.
- أُنظر”صوت داهش”، عدد كانون الأَوَّل (ديسمبر)، 1998، ص 9-11.
- الدكتور داهش، “بروق ورعود” (بيروت: مطابع روطوس، 1946)، ص 101.
- 9. الدكتور داهش، “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 132.
- المصدرُ السابق، ص 146.
- “صوت داهش”، عدد شتاء 2000.
- تفاصيلُ ذلك في كتاب “الطقوس الداهشيَّة”. أمَّا “الرمز الداهشيّ” فكناية عن ابتهال للباري تعالى يُكتَب بطريقة خاصَّة على ورقة مُعيَّنة، تتوسَّطُها نجمةٌ خُماسيَّة الأضلاع، يُحيطُ بها اسمُ الشخص والتاريخ والوقت.
- أُنظر الدكتور داهش، “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الثاني، ص 121.
- أنظر مُراجعة للكتاب في “صوت داهش”، عدد كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1998.
- Thomas Moore, Soul Mates: Honoring the Mysteries of Love and Relationship (NY: HarperCollins, 1994), pp. 45 & 57.
- إنَّ البرنامجَ التليفزيونيّ المُسمَّى “مَن يُريد أن يتزوَّجَ مليونيرًا؟” الذي يثَّته محطَّة “فوكس” الأمريكيَّة، وفيه يتقدَّم شابٌّ ثَريّ ليختارَ واحدةً من خمسين فتاة مُرشَّحة للزواج وهو لا يعرفُ شيئًا عنهنَّ إلاَّ أجسادَهنَّ المعروضة في ثياب السباحة، وهنَّ لا يعرفنَ شيئًا عنه ـ هذا البرنامج، على الاستخفاف بمؤسَّسة الزواج لدى كثيرين، أثار نقدًا هائلاً واستنكارًا عامًّا في الصحافة، لأنَّه جعل الزواجَ صفقةً تجاريَّةً مُبتذَلة. وقد اضطُرَّت محطَّة”فوكس” إلى إلغائه بعد العرض الأوَّل. أنظر مثالاً على النقد القاسي الذي وُجِّهَ إلى البرنامج Time, Feb. 28, 2000, pp. 86-89.
- National Marriage Project; Yankelovich Partners.
- الدكتور داهش، “كلمات”، ص 44.
- المصدرُ السابق، ص 65 و59 تِباعًا.
- تفاصيلُ ذلك وردَت في رسالة روحيَّة موحاة.
- الدكتور داهش، “كلمات”، ص 120.
- تفاصيلُ ذلك في كتاب “الطقوس الداهشيَّة”.
- 2 أنظر مثالاً على ذلك:
Carol Gilligan, In a Different Voice: Psychological Theory and Womens’ Development, Cambridge, MA,Harvard University Press, 1998 . وقد تُرجِمَ الكتاب إلى تسع لُعات، وطُبِعَ بالإنكليزيَّة 35 طبعة بين 1982 و1998.
وكذلك: John Gray, Men Are from Mars, Women Are from Venus, N.Y.: HarperCollins, 1992 وهو من الكُتُب الأكثر مَبيعًا.
- 2 أنظر مثالاً على ذلك:
James Creighton, Ph.D., How Loving Couples Fight, Aslan Pub.
- Brody and C. Brody, Renew Your Marriage at Midlife. Putnam.
- 2 أنظر : Psychology Today, March/April, 2000, pp. 57-62.
- الدكتور داهش، “نهرُ الملذَّات” في “سلسلة الحدائق” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص81.
27.”صوت داهش”، عدد كانون الأوَّل (ديسمبر) 1997، ص 37-49.
- 2 هذه القِصَص هي: في الجزء الأوَّل “عاشقان سعيدان”، ص82؛ “وزُلزِلَت الأرضُ زلزالَها”، ص 90؛ “وهبطَت فينوس إلى الأرض”، ص 162؛ “حرمخيس وأَمونارِتْس”، ص 218. في الجزء الثاني “يأس قاتل”، ص 25؛ حبيبان فقيران ولكنَّهما سعيدان”، ص 74.
- 2 أنظر ،في الجزء الأوَّل من “قِصَص غريبة وأساطير عجييبة”، “سنجاب الغاب الرماديّ”، ص84. كما نرى استمرارَ الإخلاص في التقمُّص اللاحق في “وزُلزِلَت الأرضُ زِلزالَها” و”يأس قاتل” المُشار إليهما في الحاشية السابقة.
- 3 الدكتور داهش، “كلمات”، ص 58.
- 3 يُمكنُ الاستفادة، في موضوع تمييز أنواع الحبّ غير الصحيح، من كتاب الدكتور سكوت بك “ألطريق التي قلَّما سُلِكَت”، وهو من الكُتُب الأكثر مبيعًا. M. Scott Peck, The Road Less Traveled, (Touchstone/Simon & Schuster, 1978), pp. 81-182
أنظر مُراجعة عنه في “صوت داهش”، أَيلول (سبتمبر) 1995.
- Psychology Today, Jan./Feb., 2000, pp. 58-65
- 3 الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 150.
- 3 المصدرُ السابق نفسه.
- 3 The New Encyclopædia Britannica, Vol. 27 (Chicago, The Univ of Chicago, 1986), Art.: Social Differentiation, p. 319, col, 2.
- 3 مثالُ ذلك أنَّّّّّّّّّّّّّه في عام 1997 ارتفعَت نسبةُ حائزات درجة الدكتوراه Ph.D. في الولايات المتَّحدة إلى 41 بالمئة، وفاق عددُ الإناث عددَ الذكور في الكُوَيت (وهي في العالَم الثالث)، في ميدانَي التعلُّم والتعليم، بل إنَّ خِرِّيجات الجامعات بلغ َعددُهنَّ 70 بالمئة.
AP/Time, Nov. 1999; AFP/World Press Review, June 2000.
- 3 ”Gender and Moral Luck “Claudia Card, in Owen Flanagan and Amelie O. Rorty, Eds., Identity, Character, and Morality (MA: MIT Press, 1997), pp. 199-218.
- 3 Carol Gilligan, In a Different Voice: Psychological Theory and Womens’ Development, pp.149-174.
- 3 الدكتور داهش، “ضجعةُ الموت” (القُدس: مطبعة دار الأيتام السوريَّة، 1936)، ص 104
- 4 الدكتور داهش، “كلمات”، ص 167.
41 . الدكتور داهش، قصَّة “زولا السوداء” في “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2، ص 121.
- 4 National Marriage Project; Yankelovich Partners
- 4 U.S. Census Bureau; www.gov/population/www/socdemo/fertility.html
- 4 الدكتور داهش، “بروق ورعود”، ص 31.
45 . الدكتور داهش، “كلمات”، ص 64.
46 . الدكتور داهش، “بروق ورعود” ، ص 44.
47 . أُنظر سِفر اللاويِّين 18: 22 و20:13؛ رسالة بولس الأُولى إلى كورنثس 6: 9؛ رسالة بولس الأُولى إلى تيموثاوس 1: 10؛ رسالة بولس إلى الرومانيِّين 1: 26-27؛ رسالة يهوذا 10: 7.
48 . أظهرَت دراساتٌ حديثة أنَّ ذَوي الشذوذ الجنسيّ- الذين يُقدَّرون في العالَم بما يتراوح بين 1 و5 بالمئة-تضمُّ صَبغيَّاتُهم Chromosomes أنواعًا خاصَّة من الجينات، كما تنطوي أدمغتُهم على مجموعة من الخلايا واقعة في ما يُعرَف بالـهيبوثالاموس (INAH3- Third Interstitial nucleus of the anterior hypothalamus) تكون ضعفَين أو ثلاثة أضعاف أصغر مِمَّا في الأصحَّاء. كذلك في وسط الدماغ خطٌّ من الأنسجة anterior commissure يكون في المُنحرفين أكبر مِمَّا في الأصحَّاء. وهذا الفارق البيولوجيّ يُحدِثُ تأثيرًا مباشرًا في سلوك الشاذِّين. (Scientific American, May 1994, pp. 43-49.)
عوالمُ النَّعيم والجحيم والحضاراتُ الكونيَّة
بقلم الدكتور غازي براكس
لا بُدَّ من أَنَّكَ وقَفتَ مرَّةً تحت السماءِ القمراءِ وصعَّدْتَ نظرَكَ رانيًا إِلى رِحابِ القبَّة المَهيبةِ المتأَلِّقةِ فيها ملايينُ النُّجوم؛ ولكنْ هل ساءَلْتَ نفسَكَ إِذْ ذاكَ: تُرى، ما عُمرُ الإِنسانِ بالنِّسبةِ لعُمرِ الكون؟ وما قَدْرُ الأَرض بالنِّسبةِ لأَبعاد الكون السَّاحقة وأَعداد مجرَّاته الهائلة؟ وتاريخُ البشريَّة الملآن بالمآسي والمصائب والحروب ماذا يعني في تاريخ الكون؟ وهل خطرَ في بالِكَ أَن تسأَلَ لماذا وُجِدَ الكونُ قبلَ أَن يوجدَ الإِنسان ببلايين السنين تبعًا لِما يُؤكِّدُه العلم؟ ولماذا سيبقى حتّى بعد أَن تفنى الحياةُ على هذه الأَرض التَّاعسة بل حتَّى بعد أن يضمحلَّ كوكبُ الأرض، شأنُه شأنُ الكواكب الأُخرى؟ تُرى، أَلَيسَ من غايةٍ لخَلْقِ الكونِ أَبعدَ جدًّا من وجود الإِنسان؟ وعقلُ ابنِ آدَم نفسه ماذا يُمثِّلُ وماذا يعلمُ من أَسرارِ تلكَ المجاهيل الكونيَّة اللانهائيَّة؟ وهل مرَّ في خاطرِك أَنَّ النَّعيمَ والجحيمَ قد يكونان في تلكَ الملايين من النُّجومِ والكواكب؟
1-الكَونُ والنَّعيمُ والجحيمُ في الأَديان التقليديَّة:
شاءَتِ الحكمةُ الإِلهيَّةُ أَن يبقى مفهومُ الكَون (المُنطوي على مئاتِ الملايين من العوالم) مجهولاً تمامًا في الأَديانِ الموحاةِ السَّابقة. فلم ترِدْ في العهد القديم ولا في العهد الجديد ولا القرأن أَيَّةُ إِشارةٍ واضحةٍ إِلى تركيبِ الكَونِ المادِّيّ وفْقًا للمفهومِ العلميِّ الحديث. أَمَّا الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ فقد أَدخلَت في معتقداتها مفهومَ توما الأَكويني (1274-1225) للكونِ المبني َّعلى آراءِ بطليموس (تُوُفِّيَ حوالى 165 م.)؛ وهو يُلخَّصُ على الصورة الآتية:
الأَرضُ هي مركزُ الكون الثَّابت في الفضاء. وفي الجهة الشماليَّة المسكونةِ منها، وبوسطها، يقومُ جبلُ الجلجُلة حيثُ صُلِبَ السيّد المسيح. وحول الأَرض أَفلاكُ السماوات التِّسع: سماءُ القمر، فعُطارد، فالزهرة، فالشمس، فالمرِّيخ، فالمُشتَري، فزُحَل، ثمَّ سماءُ النُّجوم الثَّابتة، فالسَّماء البلَّوريَّة. ويُحيطُ بها جميعًا ويخرجُ عنها، مكانيًّا وزمانيًّا، سماءُ السماوات وهي بصورةِ وردةٍ يتوسَّطُها اللّه، وبحفُّ به الملائكةُ والقدِّيسون.
هذه الصُّورةُ الوهميَّةُ البائدةُ للكون التي نقضَها العلمُ الحديثُ استنَدَت إِليها محاكمُ التَّفتيش الكاثوليكيَّة لتُصدِرَ أَحكامَها التَّعسُّفيَّة على العالِمَين العظيمَين كوبرنيكُس وغاليلِه اللذين أَعلَنا أَنَّ الأَرضَ ليست مركزَ الكون الثَّابت، بل هي مُجرَّدُ كوكبٍ صغيرٍ يدورُ في النِّظامِ الشمسيّ وفي مُحيطاتِ الكون اللانهائيَّة.[1]
أَمَّا عُمرُ الكون -إِذا قصَدنا به الشمسَ والقمرَ والسيَّارات الستّ والنُّجومَ الثَّابتة- فهو يقلُّ عن عُمر الأَرض بيومٍ واحدٍ في المُعتَقَداتِ الدينيَّةِ التَّقليديَّة،[2] وفي أَي ِّحالٍ حدثَ خَلقُ الكون في السنة 4004 ق.م تَبعًا للاعتقاد الدينيِّ المبنيِّ على حِسابِ أَعمارِ آدَمَ وذراريه والذي بقِيَ سائدًا في الأَوساط المسيحيَّة وخاصَّةً الكاثوليكيَّة، حتّى القرن العشرين!
أَمَّا الجحيمُ فكانت تعني غالبًا، في ”العهد القديم“، مقرَّ الموتى في باطن الأَرض.[3] وغلَبَ عليها، في”العهد الجديد“، معنى العقاب المُعَدّ للأَشرار.[4] ثمَّ أَكَّدَ القرآنُ الكريمُ أَنَّها مقرُّ عذابٍ رهيبٍ للخَطَأَة، وشدَّدَ على أَهوالها.[5] لكنَّ الكتُبَ المقدَّسةَ في الأَديان الثَّلاثة لم تذكُر أَيَّ تفصيلٍ عنها.
أَمَّا النَّعيم -أَو الفردوس- فقد عنى في “العهد القديم” الجنَّةَ الأَرضيَّة التي عاشَ آدَمُ فيها مع حوَّاء قبلَ سقوطهما في المعصية، واقتُصِرَ عليها، ثمَّ شمَلَ معناه مقرَّ الأَبرار من الموتى. وفي”العهد الجديد“ غمضَ مدلولُ الكلمة، فالتَبَسَ بالسماء في شُروح المُفسِّرين.[6] وزادَ القرآنُ إِشاراتٍ جديدةً قليلةً إِلى معنى النَّعيم، فإِذا هو جنَّاتٌ طافحةٌ بالعيشِ الهنيء،”عَرضُها السَّموات والأَرض“،[7] فيها أَنهارٌ من ماءٍ عَذبٍ ومن خمرٍ ولَبَنٍ وعسَل، كما فيها ريحانُ وفاكهةٌ وظلالٌ وعيونٌ، وأَزواجٌ مُطهَّرة وحُورٌ عِين.[8]
والجديرُ بالذِّكر أَنَّ جميعَ الأَوصاف المُفصَّلة للجحيمِ والنَّعيم التي انتشَرَت في المسيحيَّة والإِسلام إِنَّما ولَّدَتها مُخيِّلاتُ الأُدباء أَو عامَّةُ المؤمنين، فليس فيها ما أُوحِيَ إِلى الأَنبياء.[9] أَمَّا سَبَبُ خُلُوِّ الأَديان المُنزَلة من إِيضاحاتٍ مُفصَّلة عن النَّعيم والجحيم فمردُّهُ إِلى أَن حقيقتَيهما لا تنفصِلُ عن حقيقة الكون، ولم يكن العقلُ البشريُّ قادرًا في العصور البعيدة الماضية على استيعاب أَسرار الكون الطبيعيَّة لأَنَّ العلمَ لم يكن بعدُ مُهَيَّئًا لذلك.[10]
2- النعيمُ والجحيم في الداهشيَّة:
استنادًا إِلى الوَحْيِ الإلهيِّ وكتابات الهادي الحبيب المُلهَمة عرفنا أَن النَّعيمَ والجحيمَ يشملان الكونَ المادِّيَّ كلَّه ببلايين نجومه وكواكبه وأَجرامه، بسُدُمه ومجرَّاته. ولا بدَّ من أَن أُلمِعَ، في هذا السياق، إلى أَنَّ القوَّةَ الإِلهيـَّةَ الموجِدة، بعد أَن خلقَت الأَرواحَ القُدسيَّة الكاملة، وهبَتْ كُلاًّ منها ستَّمئة سيَّالٍ روحيّ، وأَخضعَتها لتجربة الحرِّيَّة والاختيار وتحمُّل المسؤوليَّة، وذلك لسببٍ علمُه لدُن اللّه وحدَه. فكانت النتيجةُ أَنَّ سيَّالاتٍ روحيَّةً كثيرةً ابتعدَت بها رغباتُها الُحرَّة وحبُّها لِخَوضِ المجهول عن مُحيط العوالِم الروحيَّة الأَبديَّة السعيدة، وعن أَنوار المعرفة الإِلهيَّة الكاملة، فكان الهبوطُ الأَوَّل. وخلقَ اللّهُ العناصرَ الأَوَّليَّة التي هي نهاياتُ اللطافة المادِّيَّة والتي ستُكوَّنُ منها جميعُ أَشكال المادَّة المعروفة والمجهولة،[11] كما أَوجَدَ النواميسَ الروحيَّةَ والقوانينَ الطبيعيَّةَ التي ستُهَيمِنُ على المادَّة. وعرف اللّهُ بعلمِه الكامل الشامل للمُستَقبل اختلافَ درجات الهبوط، في آتي الأَزمنة، بين السيَّالات، والتمايُز الكبير الذي ستكونُ عليه، والحدودَ والقيودَ التي يستحقُّها كلٌّ منها، فأَوجَدَ بعدالته الإِلهيَّة 150 دَرَجة نعيميَّة و 150 دَرَكة جحيميَّة. وهذه الدرجاتُ والدركاتُ الثَّلاثُمِئة تُقابلُ عدَدَ السيَّالات الثَّلاثِمِئة التي تعرَّضَت للسُّقوط في بعض الأرواح القُدسيَّة، بعد خضوعها للتجربة.
وجعلَ الخالقُ في كلِّ دَرَجةٍ أَو دَرَكة 20 مرتبة -أَو”شحطة“- بحيثُ يُصبحُ التَّدرُّجُ مُوزَّعًا في 6000 مرتبة روحيَّة. وفي كل مرتبةٍ مئةُ مُستوًى -أَو”حبَّةُ قمح“- بحيثُ يُصبحُ الكونُ ذا 600،000 مُستوًى روحيّ. وفي كل مستوًى جعلَ اللّهُ أَلفَ”رملة“; و”الرملة“ تعني عالَمًا مُستقلاًّ بذاته، له أَنظمتُه الخاصَّةُ وطبيعتُه المعيَّنة وسُكَّانُه المتميِّزون. ففي كلِّ دَرجةٍ نعيميَّةٍ أَو دَرَكةٍ جحيميَّة يكونُ مليونا عالَم. والعالَمُ قد يشمَلُ مجرَّةً كاملةً أَو أَكثر. فالكونُ المادّي يشتملُ إِذًا على 600 مليون من العوالم المُستقلَّة المُتمايزة.[12] وتخضعُ هذه العوالمُ لقوانين التطوُّر الطبيعيّ التي أَوجدَها اللّه عَزَّ وجَلَّ . وتحوُّلاتُها التي تتمُّ وفقَ تحوُّلات سيَّالاتها الروحيَّة وتبعًا لاستحقاقها يضبطُها ويُشرِفُ عليها الآبُ السماويّ بواسطة القِوى الملائكيَّة الروحيَّة المُجنَّدة في خدمته. فالكونُ المادِّيُّ وما فيه من ملايين العوالم المُتمايزة ليس في حالةٍ جامدة، فهو في تطوُّرٍ وتحوُّلٍ مُستمرّ. وعندما أَبدَعَتهُ القوَّةُ الموجِدةُ منذُ بلايين السنين، وبإِبداعِه بدأَ الزمن،[13] لم يكنِ الكونُ على حالتِه المادِّيَّة الحاليَّة. فالمجرَّاتُ ونجومُها وكواكبُها -بما فيها الأَرض- مرَّت في عهودٍ وأَدوارٍ كثيرةٍ قبل بلوغها الوضع الحاليّ؛ ومظاهرُ الحياة التي فيها كما أَشكالُ المادَّة جميعها ستستمرُّ في تطوُّرها وتحوُّلها تبعًا لاستحقاق سيَّالاتها الروحيَّة.
والعدالةُ الإِلهيَّةُ هي التي أَوجَبَت التعدُّدَ والتنوُّعَ الهائلَين للعوالِم؛ ذلك لأَنَّ مجالَ فِعل الخير أَو الشرِّ يكادُ يكونُ بلا حدود حتّى على الصَّعيد البشريّ، فكيفَ على أَصعدةٍ أُخرى تقوى فيها نزعاتُ الكائن للشرِّ أَو للخير! وما دامَ كلُّ سيَّالٍ روحيّ يجبُ أَن يلقى الجزاءَ الذي يستحقُّه، وإِن يكنْ مِثقالَ ذرَّةٍ خيرًا أَو شرًّا، فقد كان لا بُدَّ من وجود عوالمَ نعيميَّة أَو جحيميَّة مُتمايزة تمايُزًا يكادُ يكونُ لا نهائيًّا.
وتَبعًا للوَحي الداهشيِّ تنتشرُ الحياةُ في جميعِ أَرجاء الكون،[14] في ملايين الكواكب المُماثِلة للأَرض بعناصرها المادِّيَّة، كما في ملايين الكواكب الأُخرى المُختلفة عن الأَرض بعناصرها، بل في ملايين النُّجوم المُتأَجِّجة بالنيران. فوجودُ الحياة العاقلة هو مُبرِّرُ وجود أَيِّ جُرمٍ فضائيّ، باردًا كان أَم حارًّا، إِذْ يستحيلُ أَن يوجَدُ جرمٌ فضائيّ من غير أَن يكونَ سيَّالٌ روحيٌّ عاقلٌ في جوهره.[15] وهذا الأَمرُ يَدَعُ كثيرين يتعجَّبون ويستغربون وقوعَه، لأَنَّهم تعوَّدوا وأَلِفوا الحياةَ في مظاهرَ وأَشكالٍ ومُقَوِّماتٍ بُنِيَت الحياةُ الأَرضيَّةُ عليها، بل إِنَّ البشرَ حصروا الحياةَ العاقلةَ، طوالَ آلاف السنين في أَنفسهم فقط، وهذا أَمرٌ سيتَّضحُ خطأُه وبُطلانُه في الفصول القادمة.
فالحياةُ ذاتُ أَشكالٍ ومُقوِّماتٍ لانهائيَّة. وطبيعتُها وخصائصُها تتبدَّلُ بحيثُ تأتلفُ مع طبيعة العالَم الذي هي فيه ومع خصائصه. فبعدَ أَن كان العُلماءُ يستبعدون وجودَ أَيَّةِ حياةٍ في أَيِّ مكانٍ تتدنَّى حرارتُه كثيرًا تحت الصِّفر أَو تعلو إِلى ما فوق درجة الغَلَيان، فإِنَّهم فوجِئوا بوجودِ حياةٍ غنيَّةٍ في القُطب الجنوبيّ كما في قيعان المُحيطاتِ المُظلمة، حوالى مسارب الحياة الشديدة الحرارة التي ينفُثُها جوفُ الأَرض حيثُ يتحمَّلُ أَيُّ كائنٍ حَيٍّ يعيشُ هُنالك ضغطًا مائيًّا يبلغُ مئات أَضعاف ضغط الجوِّ على سطح البحار.[16]
كذلك اكتشفَ العلماءُ على عُمق ميلَين في جوف الأَرض حيثُ ينعدمُ الأُوكسيجين تمامًا عالَمًا من الجراثيم التي سمَّوها ا”لجراثيم الجحيميَّة“ Bacillus Infernus؛ ذلك بعد أن كان العُلماءُ يعتبرونَ مجرَّد افتراض الحياة في مِثلِ هذه الأَعماق افتراضًا غيرَ علميّ وجِدَّ واهٍ.[17]
إنَّ تحديدَ الحياة التقليديَّ تحديدٌ قاصر. فبعدَ كشف الحقيقة الروحيَّة الداهشيَّة التي تُعلنُ أَنَّ مصدرَ الحياة كامنٌ في السيَّالات الروحيَّة المُنبثَّة في كل مظهرٍ من مظاهر الطبيعة الحيَّة أَو الجامدة، أَصبحَ تحديدُ خصائص الحياة بقُدُرات النُّمُوِّ والتمثُّل الغذائيّ والتَّوليد والتكيُّف فقط تحديدًا غير صحيح، إِذْ إِنَّهُ يقصرُ نشاطَ الحياة على أَشكالٍ أَرضيَّةٍ مألوفةٍ لا غير.[18] فحيثما تكونُ طاقة مُنظَّمة تكونُ حياة. وقد تكونُ الطاقةُ المُنظَّمة في بيئةٍ صخريَّةٍ أَو غازيَّةٍ أَو جليديَّةٍ أَو ناريَّة.[19]
فالأَرواحُ القُدسيَّةُ الإِلهيَّةُ التي هي مصدرُ الحياة وأُمَّهاتُ الكائنات إِنَّما هي شموسٌ عظيمةٌ ذاتُ إِشعاعٍ غير مرئيّ. وفي الأَناجيل أَنَّ الأَشرار، بعد أَن يُدانوا، سيعيشون بأَجسادهم في نيران جهنَّم”حيثُ لا يموتُ الدودُ ولا تُطفَأُ النار.“[20] وفي القرآن”أَنَّ شجرةَ الزَّقُّوم طعامُ الأَثيم في نيران الجحيم،“[21] وأَنَّ”الجانَّ من مارجٍ من نار.“[22] والإِنسانُ والدودُ والشَّجرُ كما الجِنُّ كائناتٌ حيَّة. لكنَّها في النيران تتبدَّلُ طبيعةُ الحياة وخصائصُها فيها.
وقد وردَ في أَسفار العهد الجديد كما في القرآن الكريم ما يؤَكِّدُ وجودَ كائناتٍ حيَّةً في رِحابِ الكون. فيسوعُ الناصريُّ خاطبَ تلاميذَه قائلاً: ”لا تضطرِبْ قلوبكُم، آمِنوا باللّهِ وآمِنوا بي أَيضًا. إِنَّ في بيتِ أَبي منازلَ للإقامة كثيرة، ولو لم تكنْ لَقُلتُ لكم؛ لأَنِّي مُنطلقٌ لأُعدَّ لكم مكانًا. ولئن ذهبتُ وأَعدَدتُ لكم مقامًا أَرجع إِليكم وأَستصحبُكم لتكونوا حيثُ أَكون.“ [23]
وفي القرآن: “ومن آياته خَلقُ السموات والأَرض وما بثَّ فيهما من دابَّة، وهو على جمعهم إِذا شاءَ قدير.”[24]
لكنَّ مثلَ هذه العبارات ما كانت لتُفهَمَ حقَّ الفَهم إِلاَّ في ضوء الداهشيَّة والتقدُّم العلميّ الحاصل في القرن العشرين.
فبدءًا من العِقد الثامن من القرن العشرين، أَخذَ العلماءُ يؤَكِّدونَ إِمكانَ وجود الحياة والحضارات في ملايين الكواكب الدائرة في أَفلاك الفضاء. وأُطلِقَت مركباتٌ فضائيَّةٌ خصِّيصًا للبحثِ عن الحياة ومظاهرها خارج الأَرض. كما أُقيمَت عدَّةُ مُؤَسَّساتٍ لرَصد الإِشارات اللاسلكيَّة الصَّادرة من أَبعاد الفضاء الكونيّ وتحليلها.[25] وانتشارُ الحياة والحضارات في مُختَلِف أَرجاء الكون حقيقةٌ أَعلنَها مؤَسِّسُ الداهشيَّة مُؤَكَّدةً بمعجزات التجسُّد الباهرة منذُ إِعلان رسالته الروحيَّة سنة 1942 .[26] وعام 1964 أَعلنَ أَمامَ بعض الصِّحافيِّين وجودَ كائناتٍ حيَّة على سطحِ المرِّيخ والقمر.[27] كما علمتُ منهُ، يومئذٍ، أَنَّ على سطحِ القمر مِسلاَّت مأَخوذة من مصر، وأَنَّ المرِّيخَ تصعَدُ المياهُ من جوفه إِلى جوِّه لتهبطَ على سطحه.[28]
فضلاً عن ذلك فالداهشيَّةُ تؤَكِّدُ أَنَّ للحياةِ أَنواعًا لا تقومُ على الدَّورة البيوكيميائيَّة المعروفة في الأَرض،[29] وأَنَّ من العوالمِ والكائناتِ ما لا يقعُ تحت مُتناوَل حواسِّ البشر وأَجهزتهم العلميَّة. فليستِ المادَّةُ المعروفةُ في الأَرض هي المادَّةَ الوحيدةَ المُنتشرةَ في الكون؛ ففي رِحابِه أَصنافٌ من المادَّة غير الأَرضيَّة بل غير المعروفة في النظامِ الشمسيِّ كلِّه، وسُرعةُ اهتزازها الذَريِّ أَعلى جدًّا مِمَّا يعرفُه الإِنسان. ولذلك من المُستحيل أَن يكتشفَ العُلماءُ وجودَها بصورةٍ حسِّيَّةٍ ملموسة.
إِنَّ المادَّةَ الخفيَّة -أَو المادَّة “المُظلمة” مثلما يُسمِّيها عُلماءُ الفيزياء الفَلَكيَّة- أَخذَت تجتذبُ اهتمامَ العُلماء في العقود الأَخيرة من القرن العشرين، حتّى إنَّهم يُقدِّرونَ أَنَّها تؤَلِّفُ حوالى 90 بالمئة من المادَّة الكونيَّة. والبحثُ فيها وفي”الثقوب السوداء“ أَدَّى ببعض العُلماء إِلى افتراض وجود عوالمَ مادِّيَّة مُتوازية، لكنَّ نظريَّاتهم لم تتمخَّض بعدُ بأَيِّ برهانٍ مادَّيّ أَكيد.[30] وهكذا تكونُ الداهشيَّةُ، منذُ أَوائل الأَربعينات، قد أَعلَنَت حقيقةً روحيَّةً تَنبَّهَ العُلماءُ مؤَخَّرًا لوجودها وما زالوا حائرين أَمامَ أَسرارها.
وفي ضوء الإيضاحات السابقة يتحصَّلُ أَنَّ عوالمَ الجحيم كما عوالم النَّعيم جميعها مادِّيَّة، لكنَّها تختلفُ جدًّا بأَنواعِ مادَّتها المنظورة أَو غير المنظورة. أَمَّا الحياةُ الروحيَّةُ الصِّرف والعوالمُ الروحيَّة المحض المُنزَّهة عن كلِّ أَثرٍ مادِّيّ فلا وجودَ لها إِلاَّ في السماوات حيثُ مَلأُ الأَرواح الإِلهيَّة القُدسيَّة.[31]
ولكلِّ عالَمٍ من عوالم الكونِ المنظورةِ وغير المنظورة، عُلويًّا كان أَم سُفليًّا، قوانينُه الطبيعيَّةُ الخاصَّةُ التي تحكمُه، من مِثلِ الجاذبيَّة، وبِنْيَةِ الكائنات وهيئاتها، واستعداداتها النفسيَّة، وقُدراتها الجسديَّة والفكريَّة، وطريقة معيشتها، وكيفيَّة استمرار وجودها، وطول أَعمارها، وتبدُّل أَحوالها عندما يحلُّ بها ما يُسمَّى”الموت“ في الأَرض، علمًا بأَنَّ طريقةَ التناسُل البشريّ غير موجودة إِلاَّ في العوالم التي مستوياتُها الروحيَّة وقوانينُها الطبيعيَّة وبنية كائناتها قريبة بعض الشيء من مستوى الأَرض الروحيّ وقوانينها الطبيعيَّة وبِنيَة البشر.[32]
كذلك لكلِّ عالَمٍ تجاربُه الخاصَّةُ من الخير والشرِّ التي تخضعُ لها كائناتُه، والتي تُناسبُ خصائصها الجسديَّة ومرتبتها الروحيَّة. واجتيازُ هذه التَّجارب بنجاحٍ أَو فشلٍ يكونُ سببًا في ارتقاء تلك الكائنات أَو انحطاطها روحيًّا. وبقَدر ما تنحطُّ دركاتُ العوالم بقَدرِ ما يتفاقمُ الجهلُ والشَّقاءُ والذلُّ وقسوةُ الحياة ومصائبُها وآلامُها الرهيبة، وبقَدر ما تسمو درجاتُ العوالم بقَدر ما يتعاظمُ العلمُ والهناءُ والمجدُ والغبطةُ والسلامُ والهناء.
وفي ما يأتي إِيضاحاتٌ وأَمثلةٌ عن العوالم الفردوسيَّة وحضاراتها وأَشكال الحياة وأَنماطها فيها تبعًا للتَّعاليم الداهشيَّة.
3- العوالمُ الفردوسيَّةُ وحضاراتُها:
لنتخَيَّلْ أَنَّ في أَقصى تللك اللانهايات من المجرَّات، حيثُ تبلغُ المادَّةُ حدَّها النهائيَّ من التلاشي، فلا تبقى إِلاَّ لطافاتٌ نورانيَّةٌ منها لا تقعُ تحت أَنظار البشر ولا تلتقطُها أَجهزتُهم – لِنَتَخَيَّلْ أَنَّ في تلك التُّخوم الكونيَّة البالغة حدَّها الأَقصى تقومُ”مدينةُ الر سُل والأَنبياء،“ تلك المدينة العظيمة المجيدة التي زارها الهادي الحبيبُ في رؤياهُ المُلهَمة. فكيف السبيلُ إِلى بلوغ مثل هذا الكوكب العجيب الكائن في الدرجة المئة والخمسين من عوالِم الفراديس؟
لِنستَمِعْ، أَوَّلاً، إِلى الهادي الحبيب كيفَ أَوصَلَهُ سيَّالُه السامي إِلى هنالك.
مدينةُ الرُّسُل والأَنبياء
هُناكَ، هُناكَ وراءَ المجرَّات الهائلةِ الأَبعاد،
وفي تلكَ المسافاتِ الموغلةِ في أَعماقِ السماوات،
وبعدَ أَن أَجتازَ ملايينَ الكواكبِ
المُنتشرةِ في أَقاصي الفلَوات،
قاطعًا موطنَ الشُّهُب المُنيرة والنجومَ المُشعَّةَ المُثيرة،
أَتلهَّفُ لبلوغِ مدينة الرسُل والأَنبياء،
موطنَ الأَبرار والمُتبتِّلين…
واستمرَّ اختراقي الروحيُّ لأُوقيانوسات الفضاءِ القصيّ،
ومضَتْ ملايينُ الأَعوام تتلوها بلايينُ السنين،
وسلسلةُ مشاهد العظمة الإِلهيَّة لا تنتهي،
فخرَرتُ على وجهي ضارعًا إِلى المُكوِّن الموجِد
أَن يزيدَني علمًا ويزيدَني معرفةً ويُلهمَني أَسرارَ الأَبد.
وبعد بلايين الأَعوامِ من الإيغالِ في أَعمقِ أَعماقِ الفضاء،
لاحَ لي شبَحُ مدينةٍ سحريَّةٍ
كوَّنَها اللّهُ في بُقعةٍ روحيَّةٍ مُذهِلة،
وزادَ اقترابي منها،
فإِذا جمالُها تعجزُ الأَقلامُ عن وصفِ مفاتنه المبهِرة،
وموسيقاها تُشنِّفُ الآذانَ
وتأخذُ العقولَ لرَوعَتِها الإِلهيَّة.
وإِذْ ذاكَ سكِرَت نفسي وانتشَتْ روحي
وغرقَتْ في سُباتٍ سماويّ.
وعندما عُدتُ إِلى نفسي، أَعلَمَني ملاكُ المدينةِ المُقدَّسة
أَنَّ نشوَتي استَغرَقَت مليونًا من الأَعوام،
وتبدَّى أَمامَ ناظري السيِّدُ المسيح وبوذا ومُحمَّد وموسى النبيّ
وإِيليَّا وأَشعياء وناحوم وداوود ودانيال وسُليمان وهوشَع
وجمهرةٌ كبيرةٌ من الرُّسُلِ والأَنبياء.
وتكلَّمَ الأَنبياءُ وكأَنَّهم فمٌ واحدٌ
ولسانٌ واحدٌ قائلين لي:
أَيُّها القادِمُ إِلينا
من العالَمِ الذي سبقَ أَن أُوفِدْنا إِليه،
إِذا بلَّغْتَ رسالتَكَ مثلما يجب
وتحمَّلْتَ الاضطهادَ من أَبناءِ الأَرض،
واتَّهَموكَ بكلِّ فِريةٍ كاذبة،
فإِنَّكَ بعدَ انتهاءِ أَيَّامِكَ الأَرضيَّةِ
تبلغُ هذا الكوكبَ الإِلهيَّ
وتحيَا معنا برعايةِ خالقِ الكائناتِ طُرًّا.[33]
ولنَرَ، الآن، ماذا يقولُ العلمُ الحديثُ عن الوصول إِلى مثلِ هذا الكوكب.وكب.
لِنَتَخيَّلْ أَنَّنا ننطلِقُ في سفينةٍ فضائيَّةٍ بسُرعةِ النور -وهو أَمرٌ يستحيلُ تحقيقُه على القُدرةِ العلميَّةِ البشريَّة- باتِّجاه الطرَف الأَقصى من الكون. فنبلغُ القمرَ في حوالى ثانيتَين، ثمَّ الشمس (التي تبعدُ عن الأَرض حوالى 150 مليون كلم) بعدَ 8 دقائق، ثمَّ نصلُ إِلى بلوتو (أَبعد كوكبٍ في النظامِ الشمسيّ ) بعد حوالى 320 دقيقة، بعدئذٍ نصلُ إِلى النجمة المُسَمَّاة بروكسيما سَنتوري Proxima Centauri (أَقرب نجمةٍ إِلينا) بعد نحو 4 سنوات نوريَّة وثُلث السنة. وإِذا داوَمنا على انطلاقِنا في مجرَّتنا، فعلينا أَن نُمضِيَ عشرات الآلاف من السنين الضوئيَّة لاجتيازها؛ فإِذا قطعناها، وجبَ علينا أَن نقطعَ حوالى مليون سنة ضوئيَّة لنبلغَ المجرَّةَ التالية، وهكذا دوالَيك من مجرَّةٍ إِلى أُخرى عبرَ ملايين المجرَّات. فإِذا اعتبَرنا أَنَّنا، عندَ نُقطة انطلاقِنا من الأَرض، كنَّا قريبين من وسط الكون، فعلينا أَن نقطعَ مسافةً تُقَدَّرُ بعدَّة بلايين من السنين النوريَّة لنبلغَ طرفَ الكون الأَقصى ونصلَ إِلى كوكبنا المنشود.[34]
إِ ذًا ما ذكرَهُ الهادي الحبيب عن بُعد”كوكب الأَنبياء والر سُل“ الهائل الذي استَغرَقَ قطعُه بلايينَ السنين يُصدِّقُه العلمُ الحديث. لكنَّ العلمَ الحديثَ يقفُ هنا. فما هي طبيعةُ الحياة في مثلِ هذا الكوكب أَو غيره من ملايين العوالم الفردوسيَّة؟ وما هي أَعمارُ الكائنات فيها؟ وما هو مجالُ معرفتهم؟ كلُّ ذلك وغيره من الأُمور ليس إِلاَّ الوحيُ الروحيُّ بإِمكانه أَن يُعلمَنا عنه.
مِمَّا علمتُه أَنَّ مُختَلِفَ العوالم المادِّيَّة مُقسَّمة إِلى عدَّةِ دوائر كونيَّة، أَعظمُها ”الدائرة النورانيَّة العُظمى“ التي تشملُ الدرجاتِ العُليا من الفراديس. وهذه الدائرةُ المجيدةُ مركزُها الدرجة العشرون في العوالم الروحيَّة. وإِلى هذه الدائرة ينتمي عالَمُ السيَّال العشرين وعوالمُ شخصيَّات الهادي الحبيب الستّ. ودون الدائرة النورانيَّة العُظمى دوائرُ نورانيَّة مُتتالية آخرُها باتِّجاهنا”دائرةُ النور الصُّغرى“ التي مركزُها الروحيُّ في الدرجة 15 من العوالم الروحيَّة. لكن بيننا وبين هذه الدائرة دوائرُ أُخرى تضمُّ كثيرًا من العوالم.
وقد وصلَ إِلى دائرة النور العُظمى ستَّةٌ من الداهشيِّين، بينهم الأَديبة المُجاهدة ماري حدَّاد وزوجها جورج حدَّاد، عديل الرئيس اللبنانيّ الطاغية بشاره الخوري، وابنتهما الشَّهيدة ماجْدا، والدكتور جورج خبصا. أَمَّا المُجاهِدُ الداهشيُّ الشاعر حليم دمُّوس،[35] فِممَّا عرفتُه في السبعينات أَنَّ سيَّالاً روحيًّا له اجتازَ دائرة النور العُظمى وولجَ”دائرة النور الإِلهيّ المُتأَجِّج“ التي تفصلُ بين العوالم الفردوسيَّة المادِّيَّة والعوالم الروحيَّة، وفيها يتمُّ تطهُّرُ السيَّال الروحيِّ من كلِّ أَثرٍ مادِّيّ قبل السماح له بدخول العوالِم الروحيَّة الإلهيَّة.
***
في النُّبَذِ المنشورةِ من كتاب”النَّعيم“ [36] يبدأُ الهادي الحبيبُ رحلتَهُ الفردوسيَّة باختراقِ روحه لبُروج السماء، وإِذا بالأَنوار تتأَلَّقُ وبملاكٍ يُحيِّيه ويقودُه بين الأَفلاك مُنتقلاً إِلى الكوكب العُلويِّ الأَوَّل فالثاني حيثُ شاهدَ في كِلَيهما”الأَطفال الأَبرياء“ وهم”يرتدونَ حُلَلاً نورانيَّةً ويُرنَّمونَ مع الملائكة“ أَو ”يخوضون نهرَ الكوثر… وينهلونَ من نَهلةِ الخلود وقد تلاشَت سائرُ أَتراحهم… ويبقونَ على هذا كالملائكةِ طوالَ قُرون!“ أَمَّا الكوكبُ العُلويُّ الثالث فكان عالَمَ “الحوريَّات الفاتنات” الراقصات في دلال و”الخافضات الطرْف بخَفَرٍ وكمال،“ والجانيات الأَزاهير مدى الآجال.
ومثلُ هذا الوصف الموجَز للفراديس نجدُه أَيضًا في عدَّةِ قِطَعٍ وجدانيَّةٍ في سلسلَتَيْ”حدائق الآلهة“ و”فراديس الإِلاهات“،[37] كما في عدَّةِ أَقاصيص أُدرِجَت في”قِصص غريبة وأَساطير عجيبة“.[38] وجميعُها تشتركُ في وصفٍ سريعٍ للسلام ولهناءَة العيش وجمال الطبيعة الأَخَّاذ في تلك المواطن النعيميَّة. ومن أَدلِّها على ذلك قطعة ”المدينة المقدَّسة“. يقولُ الهادي الحبيبُ فيها:
”حلمتُ أَنَّني أَجوسُ جنَّةً قُطوفُها دانية،
وطيورُها الجميلةُ الأَلوانِ تشدو بأعذبِ الألحان،
ومروجُها عامرةٌ برياحينَ عجيبةٍ وورودٍ مُذهلة،
وحدائقُها الغنَّاءُ فيها أشجارٌ ذاتُ أثمارٍ شهيَّة،
فجستُ ربوعَها وتذوَّقتُ ثمارَها العجيبة،
ثمَّ تخلَّلتُ شوارعَها، فإذا هي آيةٌ في الروعة.
ولِعجبي العظيم شاهَدتُ الذئبَ يُداعبُ الحَمَل،
والنمرَ يُلاعبُ الظبيَ الأَهيف ويُلاطفُه،
والأَسدَ يمرَحُ بسرور مع بَقَر الغاب المُسمَّن،
والثعلبَ يتناوَلُ طعامَه مع الدجاج المُطمئنّ.
ففي هذه المدينة السحريَّة لا توجَدُ قوانينُ ودساتير.
فالسجونُ لا يعرفُها أهلُ هذه المدينة المُبارَكة،
إذِ العدالةُ سائدةٌ بين جميع قاطنيها السُّعداء.
وفي هذه البقعة الهنيئة لا تجدُ قويًّا وضعيفًا،
ولا ظالمًا ومظلومًا، ولا غنيًّا أو فقيرًا.
فالجميعُ سواسية، وهم يُحبُّونَ بعضَهم بعضًا،
والحقدُ لا يجرؤ أن يجوسَ ربوعَ هذه المدينة السماويَّة… “ [39]
وكأنَّما الهادي الحبيبُ يصفُ أورشليمَ الجديدةَ التي وصفَها أَشعيا النبيُّ إذْ قال:
”ها أَنذا أَخلقُ أُورشليمَ ابتهاجًا وشعبَها سرورًا، وأبتهجُ بأُورَشليم وأُسَرُّ بشعبي، ولا يُسمَعُ فيها من بعد صوتُ بكاء ولا صوتُ صُراخ… قبلَ أن يدْعوا أُجيب، وفيما هم يتكلَّمونَ أستجيب. والذئبُ والحمَلُ يرعيان معًا، والأَسدُ كبقرٍ يأكلُ التِّبن…“[40] كذلك قال أَشعيا النبيّ:”فيسكنُ الذئبُ مع الحَمَل، ويربضُ النمرُ مع الجَدْي، ويكونُ العِجلُ والشبلُ والمعلوفُ معًا وصبيٌّ صغيرٌ يسوقُها. ترعى البقرةُ والدبُّ معًا ويربضُ أولادُهما معًا، والأَسدُ يأكلُ التِّبنَ كالثَّور، ويلعبُ المُرضَعُ على جُحر الأَفعى، ويضَعُ الفَطيمُ يدَهُ في نَفَقِ الأَرقم. لا يُسيئون ولا يُفسدونَ في كلِّ جبلِ قُدسي لأَنَّ الأَرضَ تمتلئُ من معرفة الربِّ كما تغمرُ المياهُ البحرَ.“ [41]
غيرَ أنَّ التمايُزَ في خصائص الحياة والطبيعة كما في القُدرة والمعرفة والحضارة بين مُختلِف العوالم العُلويَّة يظهَرُ واضحًا في عدَّةِ قِصَصٍ قصيرةٍ أُلهِمَها الهادي الحبيب. وسأَقفُ عندَ أبرزها.
أوَّلاً- كوكبُ الإمبراطور بورباليون:
بين الكواكب العُلويَّة الواضحة الصورة هو الأَقربُ إلى الأرض من حيثُ الحضارة، ذكرَهُ الهادي الحبيب في سياق قصَّة”رحلةُ وردةٍ جوريَّة“، وجعلَ السردَ على لسان وردةٍ كانت قد سقطَت إلى مياه اليَمِّ من يَدِ فتاةٍ مُبحِرة، فتقاذفَتها الأَمواجُ، وأصبحت شاهدةً على الأَحداث الجارية. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة على لسان الوردة:
”وابتدأَتِ الظلمةُ تُخيِّمُ على الأَرجاء شيئًا فشيئًا. وأنا كنتُ أسيرُ على غير هُدًى وتبعًا لرغبة المياه المتحرِّكة. ثمَّ زحفَ الليلُ بجيوشه الجرَّارة، فإذا بحِندِس الظلُمات يغمر المُحيطَ الهائل. وفجأةً سطعَ نورٌ باهرٌ في السماء أنارَ البحرَ وكأنَّ الشمسَ قد أشرقَتْ!…
واقتربَ هذا النورُ المُبَدِّدُ للظلمات، ثمَّ جسمٌ مُتحرِّكٌ جعلَ يهبطُ من الفضاء، ثمَّ هوى بسرعةٍ وخفَّةٍ عجيبَين، فإذا هو كالصَّحن باستدارته التامَّة. وكان قُطرُه حوالى 40 مترًا. وسُمِعَ لمُحرَّكاته دَويّ خفيف، وكان الدَّوِيُّ موسيقيًّا. وكانت النوافذُ تملأُ استدارتَه. وقد شاهَدتُ من خلال زجاج هذه النوافذ رجالاً بطول القَلَم الرصاصيِّ وهم زُرْقُ اللَون، وكانوا في حركة ذهابٍ وإيابٍ مُتواصلَين.
وفجأةً انتشرَ نورٌ برتقاليّ غطَّى مساحةً من البحر، وإذا بي أُشاهدُ أفواجًا أفواجًا من مختلفِ أنواع الأَسماك تملأُ المساحةَ المُغطَّاة بالنور البرتقاليّ. وامتدَّ وعاءٌ معدنيّ طولُه ليس أقلَّ من ثلاثين مترًا؛ وهو مُستديرٌ كالبرميل. وكانت الأَسماكُ تُرفَعُ إلى هذا الوعاء بقوَّةٍ خفيَّةٍ قادرةٍ وبيَدٍ غير منظورة، وتزحَفُ في هذا الوعاءِ المعدنيّ داخلةً إلى جوف الصَّحن الجاثم على الماء حتّى تبلغَ داخلَ السفينة.
واقتَرَبتُ نحوَ هذا الصحنِ العجيبِ حتَّى ارتطَمتُ بحافَّتِه، فإذا بي أُشاهدُ نساءً بحجمِ القلم لونُهنَّ أزرق، تتخلَّل زرقتَهنَّ خطوطٌ حمراء. وكُنَّ يتحدَّثنَ معًا. فأَرهَفتُ السمعَ، وإذا بإحداهُن تقول:
إنَّ بحرَ أبناء الأَرض لا يُشابهُ بحرَنا، فإمكانِ أيِّ مخلوقٍ أن يسيرَ على صفحةِ بحرنا دون أن يغرق، أمَّا بحرُهم فلا يستطيعُ أحدٌ ما السيرَ عليه إذْ إنَّ الهلاكَ يكونُ من نصيبه. وقد أمرَنا إمبراطور كوكبنا المُطاع الكلمة (بورباليون) أن نُحضرَ له كمِّيَّةً من الأَسماك الأَرضيَّة ليرى إذا كانت تستطيعُ الحياةَ في كوكبنا الموغِل في القصاء بمجاهل الفضاء.
فأجابتها رفيقتُها:
لقد مكثَت رحلتُنا ثلاثةَ أعوامٍ نوريَّة حتّى بلَغنا كوكبَ الأَرض، ونحتاجُ إلى ثلاثة أعوامٍ لنعودَ إلى كوكبنا ثانيةً. ولكن يجبُ علينا، أوَّلاً، أن نجوبَ كلاًّ من اليابان وأمريكا والصين والأَفغان، فضلاً عن ألمانيا وإسبانيا وفرنسا، لنُقدِّمَ تقريرَنا لإمبراطورنا العظيم عن أحوال سُكَّان الأَرض وميولهم، وكيفيَّةِ بناءِ منازلهم، وأنواع المواصلات التي استطاعوا أن يتوصَّلوا لاختراعها، وما هي سرعتها القصوى. كذلك علينا تقديم شرحٍ وافٍ عن حياة المرأة والرجل والعلوم التي أدركَها البشر، وكَم من الأعوام تمتدُّ حياةُ سُكَّان كوكب الأَرض. فمعلوماتُنا التي حصَلنا عليها ودوَّنَتها تقاريرُنا تُفيدُ أنَّ حياةَ أبناء الأَرض مهما امتدَّت فلا تزيدُ عن مئةِ عام، وهذا العمرُ لا يبلغُه إلا النادرون من المُعمِّرين. أمَّا الحياةُ في كوكبنا فتمتدُّ لأَلفِ عام، وذلك بنسبةِ النظام والأَحوال الطبيعيَّة الموجودة فيه.
وأكملَتْ قائلةً:
– وأنتِ، يا شقيقتي، تعرفين أنَّ مركبَنا الكونيَّ إذا أُصيبَ بضَررٍ فادحٍ لأَيِّ سببٍ من الأَسباب، فإنَّ قائدَهُ يُسلِّطُ عليه (المارْكريدام) فيذوبُ ويتلاشى فورًا هو ومَن فيه، دونَ أن يتركَ أيَّ أَثَرٍ يؤَكِّدُ وجودَه.
فمن هذه الناحية نحنُ بمأمَنٍ من اكتشاف أمرنا إذا شاهَدَنا أيُّ مخلوقٍ بشريّ -هذا إذا أوقَفنا مركبَنا على رقعةٍ من الأَرض- فإنَّ الصحنَ يتبخَّرُ بمُجرَّد مُشاهدته لنا، ولا يعودُ ليُرى، إذْ إنَّ القائدَ أو مُرافقَهُ أو أيَّ ملا حٍ يُسلِّطُ عليه أشعَّة (فوبوماران)، فيختفي عن العيان. فيظنُّ الناظرُ أنَّه ارتقى بسرعةٍ خارقةٍ نحو الفضاء، والحقيقةُ هي ما ذكَرتُ.
ثمَّ لم نجدْ أيَّ اختراعٍ خطيرٍ في الكُرَة الأَرضيَّة كاختراعاتنا المُذهِلة، فمركبتُنا هي بسرعة النور أي 300 ألف كيلومتر في الثانية، في حين أنَّ أعظمَ سرعةٍ بلغَها اختراعُ البشر هو 40 ألف كيلومتر بالساعة، ولبضع دقائق فقط؛ وهذه السرعة تسيرُ بها المركبةُ الفضائيَّةُ التي صعدَ بها رُوَّادٌ أمريكيِّون إلى القمر، وذلك عند عودة الروَّاد للأرض بعد مُغادرتهم القمر، وحينما يُريدون الدخولَ في جوِّ الأَرض من الفُتحة الفضائيَّة التي يلِجونَ منها إلى الكوكب الأَرضيّ؛ وإن أخطأُوها يفقدون الطريقَ ويتيهونَ في الفضاء إلى الأَبد.
والآن سنذهبُ إلى هيروشيما وناجازاكي لنُقدِّمَ تقريرًا عن تأثيرِ مفعول القنبلة النَّوَوِيَّة التي أَفنَتْ أكثر من 100 ألف نسمة عام 1945 .
وسيأتي يومٌ نُظهرُ فيه أنفسَنا لأَبناء الأَرض. ويومذاك سيأمرُنا إمبراطورنا إمَّا باستعمار أرضهم، أو بتدميرها على رؤوسهم، فهم أشرار وفُجَّار لا يُصطَلى لفُسقهم بنار.
وأنا ما زلتُ أذكرُ أنَّ جدِّي قد أعلمَني بحادثِ تدمير سادوم وعامورة بعدما بلغَتْ أنباءُ شرورهم جَدَّ إمبراطورنا -وكان إمبراطورًا أيضًا- فأَرسلَ يُنذرُهم بأن يُقلِعوا عن رذائلهم أو يُبيدَهم، فلم يأبهوا.
حينذاك أرسلَ رسولَين بمركبةٍ نوريَّةٍ وأفناهم. وقد ظنَّ لُوط الصَّالح أنَّهما ملاكان، وما كانا إلاَّ رسولَي الإمبراطور، وهما من سُلالة العمالقة. فالعمالقةُ في كوكبنا يتساوَونَ بالطول مع أبناء كوكب الأَرض.
وقد شاهَدتُ -أنا الوردة- أكثر من 15 رجلاً كوكبيًّا وقد جلسوا على مقاعدَ صغيرة تُناسبُ أجسامَهم، وكان أمامهم أزرارٌ عديدةٌ ضغطوا عليها، وإذا بالصَّحن يُحلِّقُ بسرعةٍ مُذهلةٍ نحو الأَعالي، ثمَّ تُغيِّبُه الأَبعادُ السحيقة. فعرَفتُ بأنَّهم ذاهبون إلى هيروشيما وناجازاكي اليابانيَّتَين.“[42]
ثانيًا- الكوكب فومالزاب:
سأُدرجُ للقارئ أهمَّ فقرات هذه القصَّة مثلما دوَّنَها قلَمُ الهادي الحبيب المُلهَم. قال:
”واقترَبَ الكوكبُ فومالزاب من الكُرَة الأَرضيَّة التي يقطنُها البشرُ، وأصبحَ على مسافةِ عام من النور منها. وهذا الكوكبُ بلغَ من الحضارةِ الشأوَ الأَعلى. وهو يقتربُ من الأَرض كلَّ مليارَيْ عام. ويمكثُ بمركزه الجديد عامًا كاملاً ثمَّ يعودُ إلى مركزه السابق.
وقد أمرَ إمبراطور الكوكب أن تُجهَّزَ السفُنُ الكونيَّةُ الثلاث لتذهبَ إلى الأَرض. فالكوكبُ عندما تنتهي مُدَّةُ اقترابه من كوكب الأَرض ويعودُ إلى مركزه الكونيّ، تحتاجُ المركبةُ التي تسيرُ بسرعة النور لتصِلَ إليه مليارًا ونصف مليار عام…
وجُهِّزَت المراكبُ الثلاث. فالأُولى تحملُ على متنها 200 رجل. والمركبةُ الثانيةُ وُضِعَت بداخلها الآلاتُ الالكترونيَّة التي يُمكنُ أن يتَّصلَ بواسطتها رجالُ السفينة بكوكبهم الحبيب، كما يستطيعون أن يُشاهدوا بعضهم بعضًا بأثناء المُخابرة الكونيَّة. كما وُضِعَت بها آلاتٌ مُعقَّدةٌ تُستَخدَمُ لدَكِّ الجبال وترديمها، إذا لزِمَ الأَمر، ولِحَفرِ أعماقٍ سحيقة، وغيرُها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبيرة بفعلها؛ فهي تستطيعُ أن ترفعَ أثقالاً هائلةً بينما هي بعيدة عن هذه الأَثقال، إذْ تكفي لَمسةٌ على الجهاز العجيب ليتمَّ رَفعُ تلك الأَثقال لارتفاعاتٍ شاهقة.
أمَّا المركبةُ الثالثة فقد وُضِعَت فيها الأَجهزةُ التي تُصنَعُ بها الأَطعمة بمُختَلِف أنواعها. فهذه الآلاتُ العلميَّةُ الدقيقةُ بإمكانها أن تُحيلَ ما يوضَعُ في داخل الأَوعية من قشورٍ ونفاياتٍ لطعامٍ لذيذٍ بدقيقةٍ واحدة، إذ تتحوَّلُ النِّفاياتُ إلى كُتلةٍ كالعجين يُكيِّفُها الجهازُ لأَرغفةٍ جاهزةٍ للطعام تتَّخذُ طعمًا لذيذًا للغاية. كما يستطيعُ هذا الجهازُ الإلكترونيُّ أن يُنوِّعَ مذاقَ الأَطعمة حسبما يُرادُ لها أن تكون. وقد ثُبِّتَ بهذه المركبة أيضًا جهازٌ يجعلُ الطقسَ حارًا أو باردًا، كما يستطيعُ أن يُبقِيَ الطقسَ صحوًا أو مُمطرًا. وكذلك وُضِعَ فيها جهازٌ كعربةٍ تستوعِبُ ستَّةَ رجالٍ كوكبيِّين، وتسيرُ بهم بسرعةٍ على الأَرض أو الماء أو بالفضاء.
وجُهِّزَت المركباتُ الفضائيَّةُ الثلاث، وأُديرَتْ مُحرِّكاتُها دونَ أن يصدُرَ عنها صوتٌ، وكلٌّ منها بطوابقَ ستَّة…
وكلُّ مركبةٍ كونيَّةٍ يقودُها أربعةُ قباطنة، إذْ هي مُستطيلةٌ كالقَلَم، لكنَّ داخلها لولبيّ…
الرجالُ أقزام، فارتفاعُ الطويل منهم 35 سنتيمترًا. لكنْ لديهم طاقةٌ مُذهلة. فالقزمُ منهم يستطيعُ أن يرفعَ أثقالاً يعجزُ عنها عشرةُ رجالٍ من رجال الأَرض!
أمَّا حديثُهم فيتمُّ بواسطة النَّفخ. فعندما يتحدَّثونَ ينفخونَ حينًا بأفواههم وحينًا بأنوفهم، وهذه النفخات تُؤَلِّفُ لُغتَهم الكوكبيَّة. ومنها الصفير المُتنوِّع، فهو تتمَّة اللُغة الفومالزابيَّة.
أمَّا عيونُهم فحجمُها كرأس المسمار. وسرعتُهم بالركض والقفز خارقة. وآذانُهم مُستطيلة، وبقَدر استطالة الأُذن يكونُ ذكاءُ المرءِ أو عدَمُه؛ فمَنْ تستطيلُ أُذنُه حتّى تبلغَ الأَرض -رجلاً كان أم امرأة- فذكاؤُه عجيب، وهو مُحترَم للغاية.
امرأةٌ واحدةٌ فقط رافقَتهم، وهي زوجةُ رئيس الحَملة، وقامتُها 30 سم. وهي تُعتَبَرُ من المُلسِنات، فحديثُها النَّفخيُّ لا يُجارى، وهي مُثقَّفةٌ رغمَ صِغَر سنها، فهي في عامها الأَلفيّ، أي في ربيعِ عمرها وزهرةِ صِباها; فسُكَّانُ فومالزاب يُعمِّرُ كلٌّ منهم 6000 عام. ومديدو الحياة -وهم قلَّة- تمتدُّ أعمارُهم حتَّى السبعة آلاف من الأَعوام.
والمرأةُ بطبيعتها تُحبُّ الزينة. لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفثُ بفمِها من جهازٍ صغيرٍ بطول الإصبَع، فتخرجُ منهُ مادَّةٌ تتَّخذُ شكلَ دائرةٍ تستطيعُ أن تُشاهدَ فيها وجهها. ثم تذوبُ هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.
أمَّا زوجُها فعمرُه 2000 عام، وهو أقلُّ ثقافةً منها.
عامًا كاملاً أَمضَتْهُ السُّفُن وهي تقطعُ مُحيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور. وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المُذهِلة يُشاهدونَ الأَرضَ وما يجري فيها من خيرٍ وشرّ.
كما كانت أجهزتُهم العلميَّة الخارقة تُتيحُ لهم أن يأخذوا نُسَخًا عن الصُّحف اليوميَّة والأُسبوعيَّة والكُتُب التي تُصدرُها المطابع. وكان جهاز إلكترونيّ يُترجمُها لِلُغَة كوكبهم فومالزاب، فيُطالعونَ ما خطَّتهُ أقلامُ أهل الأَرض، وهو لا يُضارعُ آدابَهم الرفيعة وثقافتَهم العالية…
كان الاتِّفاقُ قد تمَّ على المكان الذي سيهبطون فيه، وقد اقتربوا منه، وكانوا على ارتفاع عشرين مليونًا من الأَميال فوقه. وإذ ذاكَ أوقفَ القائدُ مُحرِّكات السفينة، وكذلك السفينتَين الأُخرَيَين، وأشعلوا مُحرِّكاتٍ أُخرى سُرعتُها عاديَّة، وابتدأوا بالهبوط. أخيرًا، استقرُّوا في سهلٍ ممتدِّ المسافات.
وصادفَ دقيقةََ هبوطهم مرورُ قافلةٍ من الجِمال، ففغرَ رجالُ القافلة أفواههم عجَبًا ممَّا شاهدوه، واقتربوا من مكان المركبات، وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.
وشاهدوا رجالاً قِصارَ القامة ينفخون باستمرارٍ بقوَّةٍ وعصبيَّة، وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليَدَويَّة أنَهم يطلبون منهم الابتعادَ فورًا. فولَّوا الأَدبار والخوفُ قد هزَّهم هزًّا.
وتوقَّفَت المُحرِّكاتُ، وضغطَ قائدُ المركبةِ الأُمِّ على جهازٍ داخليّ، وإذا بقبَّةٍ كالخيمة من المعدن تُظلِّلُ المركبة، وكذلك فعلَ القائدان الآخران بمركبتَيهما.
وتجمهرَ أهلُ القرية لمُشاهدة أعجبِ ما يُمكنُ أن تُشاهدَهُ العيون، والدهشةُ مرسومةٌ على وجوههم. وذهبَ عددٌ من رجال السفينة إلى غابةٍ تبعدُ عن مكان استقرارهم نصفَ ساعة. ورافقَتهم جماهيرُ من أهل القرية. وقد ارتقى رجالُ الكوكب الأَشجار، وامتشقوا أوراقَها، وطلبوا، بالإشارة، من الجمهور أن يفعلَ فعلَهم. فصعدوا الأَشجار، وجرَّدوا الأَغصانَ من أوراقها، ووُضِعَت الأَوراقُ ضمنَ أوعيةٍ عميقة. ثمَّ سلَّط الأَقزامُ عليها أشعَّةً خضراء من آلةٍ صغيرة، فتحوَّلَت أوراقُ الأَشجار إلى عجينٍ قُطِّعَ كأرغفة. فأكلوا منها وأطعموا أهلَ القرية الذين ذُهِلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.
أمَّا الماءُ فكانوا يضعونَ الوعاء، ويُسلِّطون عليه أشعَّةً صفراء، فيمتلئُ بماءٍ صافٍ، مذاقُه كماء الينابيع الجبليَّة. وبإمكان هذا الجهاز أن يدعَ الماءَ باردًا جدًّا أو في غاية السُّخونة.
وكان كلُّ قزمٍ يحملُ بيده عصا طولُها 31 سم، وثخانتُها 20 سم، وبأعلاها فُتحةٌ صغيرة، وفي أسفلها ثُبِّتَت عجلاتٌ كَكِلَل الأَولاد. وهذه العِصِيُّ المعدنيَّةُ مُجوَّفة. وقد دخلَ كلُّ قزمٍ في عصاه، فإذا بهذه العِصِيّ تُسابقُ الريح، فهي مراكبُ عجيبةٌ غريبة، وعادوا بها حيثُ تقفُ مركباتُهم الفضائيَّةُ، مُخلِّفين أهلَ القرية والعَجَبُ الشديدُ قد استبدَّ بهم أيَّما ا ستبداد.
واختارَ رجالُ الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعًا في تلك القرية، وركَّزوا آلاتهم الالكترونيَّة، ثمَّ باشروا في الأُسبوع الأَوَّل من وصولهم إلى كوكب الأَرض بناءَ هيكلٍ عظيم تخليدًا لزيارتهم للأرض. وقد حوَّلوا أكوامًا هائلةً من تلال الرمال والحجارة إلى معجونةٍ بواسطة آلاتهم الالكترونيَّة. ثمَّ قطَّعوها بقياساتٍ مُختلفةٍ اختاروها، ونفَّذوا فكرتَهم فجعلوا منها أعمدةً ضخمةً للغاية، ومنها حجارةٌ مختلفة الأَحجام. ورفعوا هذه الأَعمدة بآلاتهم العجيبة، فإذا هي مُنتصبةٌ شامخةٌ تُناطحُ السَّحاب. وثبَّتوا على قمَّةِ كلِّ عمودٍ منها تاجًا حجريًّا هائلَ الضخامة والثِّقل.
ثمَّ سَقَفوهُ بحجارةٍ مُتداخلةٍ بعضها ببعض، فأصبحَت كأنَّها قطعةٌ واحدةٌ لا انفصامَ فيها. كما أقاموا سورًا مُرتفعًا حول الهيكل العظيم، ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجرًا ضخمًا للغاية من المعجونة التي صيغَت من الرمال والحجارة، وأبقوهُ بمكانه، وهو يُعرَفُ الآن بحجر الحامل، إذْ لا يزالُ مُلقىً منذُ ذلك العهد السحيق. وقد أنهَوا بناءَ الهيكل بخلال شهر. فآلاتُهم الالكترونيَّة تقوم بالعجائب والخوارق.
كذلك تزوَّجَ عددٌ منهم من بنات الأَرض. وبعد رحيلهم وُلِدَ لهم بنون وبنات.
وبعد مُضِيِّ ستَّة أشهر على وصولهم، صعد الرجالُ الأَقزامُ إلى مركباتهم الفضائيَّة الكونيَّة، واجتمع أهلُ القرية بأكملهم لوداعهم وكانوا قد تعلَّموا طريقةَ حديثهم النَّفخيّ لكثرة الاستمرار. كما تعلَّمَ رجالُ الكوكب بضعَ كلماتٍ أرضيَّة.
واشتعلَت مُحرِّكاتُ المركبات الكونيَّة، وبلمحةٍ خاطفة اعتلَتِ الفضاء، ولسرعتها الهائلة غابت عن الأَنظار.
ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغِلِ في الأَبعاد اللانهائيَّة مُخلِّفين وراءَهم قلعة بعلبكّ[43] الشهيرة شامخةً تتحدَّى الزمان. وهي كشاهدٍ على زيارتهم لكوكبنا الأَرضيّ.“ [44]
***
هاتان صورتان جانبيَّتان لحضارتَين مُتفوَّقتَين جرى اتِّصالُهما بالأَرض. وهذا الاتِّصالُ يطرحُ سؤالاً ما زالَ يُقلقُ كثيرين.: هل حقًّا يهبطُ إلى الأَرض من حينٍ إلى آخر كائناتٌ من حضاراتٍ مُتفوِّقة؟ ولماذا؟
لقد عرفتُ من الهادي الحبيب أنَّ عدَّةَ كواكب مُتفوِّقة في حضاراتها ومُختلفة في مستوياتها وأشكال كائناتها سُمِحَ لسُكَّانها بأن يهبطوا إلى الأَرض لغاياتٍ ومهمَّاتٍ مختلفة؛ منها الكوكب فومالزاب، وكوكب الإمبراطور بورباليون، وكوكب يبعدُ عن الأَرض أربع سنواتٍ نوريَّة وثلث السنة لم يُفصحِ الهادي الحبيبُ عن اسمه. لكنَّ المُرجَّح عندي أنَّه من الكواكب التي تدورُ في فلك النجم المُسَمَّى”بروكسيما سنتوري“ Proxima Centauri، أقرب نجمٍ إلى الأَرض خارج النظام الشمسيّ، إذْ إنَّه يقعُ على مسافةٍ تبعدُ عن الأرض أربع سنوات نوريَّة وثُلث السنة.
هذه الكواكبُ تقعُ في المُستَوَيات الروحيَّة الأُولى من الدرجة الفردوسيَّة الأُولى التي تشتمل -ككلّ درجةٍ أُخرى- على 2000 مستوًى روحيّ فيها مليونا عالَم، كلٌّ منها مُستقلٌّ بذاته. أمَّا سُكَّانُها فتختلفُ أعمارُهم من كوكبٍ إلى آخر. فبينما يعيشُ سُكَّانُ كوكب بورباليون ما يُعادلُ ألف سنة أرضيَّة، وسُكَّان فومالزاب 6000 سنة وأحيانًا قليلة 7000، تصلُ أعمارُ الكوكب الثالث المُشار إليه ما يُعادلُ مئةَ ألف سنة أرضيَّة.
ومِمَّا أكَّده لي الهادي الحبيب أنَّ سُكَّانًا من هذا الكوكب الأَخير قد هبطوا إلى الأَرض أيَّامَ أَخنوخ النبيّ[45] ورفعوهُ إلى كوكبهم بمركبتهم الكونيَّة، كما هبطوا ثانيةً أيَّامَ إيليَّا النبيّ[46] ورفعوهُ كذلك إلى كوكبهم، ثمَّ هبطوا أمام حزقيال النبيّ[47] الذي وصفَ مركبتهم العجيبة، وقد لقَّنوهُ ماذا عليه أن يُنذرَ به شعبَ إسرائيل. وقد عاشَ إيليَّا النبيُّ في الكوكب الذي نُقِلَ إليه ألفَ سنة أرضيَّة، ثم هبطَ سيَّالُه الروحيُّ الرئيسيُّ إلى الأَرض قُبَيل ولادة يسوع المسيح، ووُلِدَ في يوحنَّا المعمدان. وحجمُ هذا الكوكب عشرة آلاف ضعف حجم كوكب الأَرض.
وقد عرفتُ أنَّ المركبةَ الفضائيَّةَ التي بنى سُكَّانُها قلعةَ بعلبكّ وهياكلها في لبنان هبطَت منذُ ثلاثين ألف سنة.
وهذه الكواكبُ الثلاثة الآنفةُ الذ كر بلغَت شأوًا بعيدًا في الحضارة، فتوصَّلَ سُكَّانُها إلى بناءِ مركباتٍ كونيَّةٍ يستطيعونَ تحويلها إلى نورٍ محصور، فتنطلق بسرعة النور نفسِه، كما توصَّلوا إلى اختراع أجهزةٍ باستطاعتها أن تتحكَّمَ بذَبذَبة المادَّة الذريَّة، فترفعُها إلى حدٍّ يُخفيها عن الأَبصار، وهكذا بوسعِهم إخفاءُ أنفُسهم كما إخفاء مركباتهم الكونيَّة عن الأَنظار. كما توصَّلوا إلى اختراعِ أجهزةٍ يتحكَّمونَ بواسطتها بالأَرض، ويرصدون ما يحدثُ فيها من اختراعاتٍ واكتشافات، ويُراقبونَ ما يجري من أحداثٍ وحروبٍ وأساليب تعامُل، وينقلونَ فورًا إلى كوكبهم كلَّ ما يُطبَعُ في الأَرض من صُحُفٍ وما يُبَث من برامج إذاعيَّة وتلفزيونيَّة وما يُسَجَّلُ على الكمبيوتر. ورُقيُّهم العلميُّ هذا رافقَهُ رقيٌّ روحيٌّ جعلَهم أكثرَ فهمًا للقِيَم الروحيَّة وأكثرَ تعلُّقًا بها. ولذا فقد سُمِحَ لهم روحيًّا بأن يتدخَّلوا في ظروفٍ مُختلفة بشؤون الأَرض، ويقوموا بأعمالٍ تأديبيَّة حاسمة أو بأعمالٍ رادعة. فكوكبُ بورباليون هو الذي أرسلَ مركبةً كونيَّةً إلى الأَرض في عهد لوط، فقضى رسولان منه على سادوم وعامورة، بعدَ أن أنذَرا سُكَّانهما ليُقلِعوا عن رذائلهم فلم يرتدعوا. وقد ظنَّهما لُوط ملاكَين. وكانا بشكليهما أشبه بالبشر. كما إنَّ رجالاً من الكوكبِ نفسِه بُعِثوا إلى الأَرض في مركبةٍ نوريَّةٍ في أواسط القرن العشرين فتحكَّموا بعقول زعماء الولايات المتَّحدة والاتِّحاد السوفياتيّ في أواخر تشرين الأَوَّل عام 1963، ومَنعوا نشوبَ حربٍ ذَرِّيَّة كانت ستقضي على الحياة في الأَرض لو وقعَت، ومن المُحتمَل جدًّا أن يقوموا بعملٍ تأديبيّ كبيرٍ لأَبناء الأَرض إذا لم يرتدعوا عن الشرور، ويُغيِّروا مسلَكَهم المادِّيَّ في قِيَمِه وتوجُّهاتِه إلى مسلكٍ روحانيِّ النـزعات والقِيَم.
ومِمَّا عرفتُه من أعمال الذين هبطوا إلى الأَرض من سُكَّان هذه الكواكب الثلاثة وغيرها أنَّهم زاروا الأَرضَ مرارًا، لكنَّهم أُمِروا بألاَّ يتدخَّلوا في شؤونها إلاَّ في ظروفٍ قليلة نفَّذوا فيها مَهمَّاتٍ مُحدَّدةً أُوعزَ إليهم بأن يقوموا بها، وأنَّ هذه المهمَّات تندرجُ في خطٍّ يُتمِّمُ ويُعزِّزُ الرسالات السماويَّة المُرسَلة إلى الأَرض، إذْ إنَّ القُوى الروحيَّة نفسها التي تُهيمن على البشر تُهيمن عليهم أَيضًا، وهم أعمَقُ إدراكًا لهذه القِوى الروحيَّة من أبناء الأَرض.
كذلك فقد سُمِحَ لهم بأن يُجروا اختباراتٍ على الأَرض، على إنسانها وحيوانها ونباتها وجمادها. فتزوَّجوا من بنات النَّاس منذ ثلاثين ألف سنة، فوُلِدَ لهم بعد رحيلهم أبناء وبنات تميَّزوا بقُدُراتٍ جسديَّةٍ ومواهبَ علميَّة غير عاديَّة، فكان منهم العباقرةُ والأَبطال الذين نُسِجَت الأَساطيرُ حولهم ممَّا دخلَ في الميثولوجيات القديمة. وقد ذُكِرَت إشاراتٌ عنهم في سِفر التكوين حيثُ جاء:
”ولمَّا بدأَ الناسُ يتكاثرونَ وينتشرونَ على وجه الأَرض، ووُلِدَ لهم بنات، رأى أبناءُ الآلهة أنَّ بنات الناس حسنات، فاتَّخذوا لأَنفسهم نساءً ممَّا اختاروا… وفي تلكَ الأَيَّام، عندما دخلَ أبناءُ الآلهة على بنات الناس فولَدْنَ لهم أولادًا، كان الجبابرةُ على الأَرض، هؤلاء أَبطال الزمن القديم ذوو الشهرة الذائعة.“[48]
وليس مُستَبعَدًا أن يقومَ أصحابُ المركبات الكونيَّة التي بدأَت تزورُ الأَرضَ بعد انتهاء الحرب العالميَّة الثانية بتَلقيح بعض النساء البشريَّات من أجل غاياتٍ مُختلِفة.
وفي نطاق تجاربهم ودراساتهم عن البشر في القرن العشرين، نقلوا عدَّةَ أشخاصٍ من مختلف أنحاء العالَم بطريقة التسلُّط على مداركهم وجَذبهم إليهم. وقد روى الهادي الحبيب أمامي أنَّ الباخرةَ ”ماري-سسيلِست“Marie-Celeste وُجِدت في عُرض البحر فارغةً من ملاَّحيها ورُكَّابها، وكان الشايُ ما يزالُ ساخنًا في الفناجين، والأَطعمةُ جاهزةً في الصحون لمَّا تؤكَل. كما روى حادثةَ نقلِ كتيبةٍ مُدرَّعةٍ إيطاليّة كانت في الحبشة مع معدَّاتها. كذلك روى الهادي الحبيب أنَّهم أسقطوا على الأَرض عدَّةَ أشخاصٍ مِمَّن كانوا قد اعتُبِروا من المفقودين مدَّة سنواتٍ عديدة، بينهم واحد أُسقِطَ قرب منـزل الرسالة في بيروت.
وفي صيف عام1970، بينما كان الهادي الحبيب في طريقه إلى مطار بيروت، في سيَّارة الدكتور فريد أبو سليمان، ارتعشَ بالروح العَلِيِّ فجأةً، وأشارَ إلى الفضاء، فأوقفَ الطبيبُ السيَّارة وخرجَ منها هو والهادي الحبيب ونظرا إلى أعلى، فإذا بقعةٌ تلمَعُ عاليًا في الفضاء فقال له الروحُ العَلِيّ: “هذه مركبةٌ فضائيَّةٌ قادمةٌ من كوكب خارج النظام الشمسيّ.”[49]
ثالثًا – كوكبُ الماهيا هوبال:
هذا الكوكبُ ذكرَهُ الهادي الحبيب في قصَّةٍ مزجَ فيها الواقعَ بالخيال، ولذا سمَّاها”قصَّة خياليَّة كوكبيَّة.“[50] لكنِّي لن أدخلَ في تفاصيلِ وقائعها المُتَخَيَّلة -وقد تكونُ رؤيا صحيحة- بل سأقتصِرُ على ذكرِ ما أكَّدَ الهادي الحبيبُ لي صحَّته، وهو يُختَصَرُ بالنِّقاط التالية:
أ – كوكبُ الماهيا هوبال”يجذبُ كل شيءٍ من الأَرض عندما يتحوَّلُ إلى نور. فالأَوراقُ التي تُحرَقُ، والأَخشابُ التي تُلقى طعمةً للنيران، والأَمواتُ الذين يحتمُ عليهم دينُهم حرقَ جثمانهم، جميعُ هؤلاء يتحوَّلونَ إلى نور، ويصعدونَ في الفضاء بسرعة النور حتَّى يبلغوا هذا العالَمَ العجيبَ الغريب.“
ب – لا وجودَ للماء والهواء في هذا الكوكب، لكن يُمكنُ الحصولُ عليهما بطُرُقٍ غريبةٍ عن المألوف في الأَرض.
ج – عددُ سُكَّان الكوكب مليون شخص. ونظامُ الكوكب الروحيّ يُحظِّرُ عليهم مُغادرةَ الكوكب”إلاَّ بعد أن يقضوا عشرة آلاف من الأَعوام… ثم يأتيهم التغيُّرُ الذي يُطلَقُ عليه اسم الموت، وإذْ ذاكَ يذهبُ كلٌّ منهم إلى الكوكب الذي أوصلَ سيَّالَه بأعماله إليه.“
د – سرعةُ الزمن في الكوكب تجعل العشرة آلاف عام تُقابل بضع عشرات من الأَيَّام في الزمن الأرضيّ.[51] ولذا فالإقامةُ فيه مؤَقَّتة.
ه – التنقُّلُ في رحاب هذا الكوكب يحدثُ بسرعة الفكر بمجرَّد التفكير فيه.
رابعًا – كوكب إسمانديون:
هذا الكوكب ذكرهُ الهادي الحبيب في قصَّته المُلهَمة”مدينةٌ سُكَّانُها لا يموتون فهم خالدون“.[52] وبطلُ هذه القصَّة المُلهَمة شابٌّ أديبٌ ذكيّ وشُجاع اسمُه أسدُ اللّه. وقد كان يعيشُ في”مدينة الأَنوار الساطعة“ الكائنة في كوكبٍ آخر تُنيرُه سِتُّ شموس. ومُكافأةً له على حُسنِ دفاعه عن مدينته ضدَّ سُكَّان كوكب السادلاييم الذي حاولوا اجتياحَها، ”أَرسَلَ كوكبُ إسمانديون أشعَّتَه البنفسجيَّة فأحاطَت بأَسد اللـّه تأكيدًا لبطولته. وقد تنسَّمَ رائحةَ أنوار هذا الكوكب فانتشَت روحُه. وجذبَه هذا النورُ عندما تنسَّمَه، فإذا هو قد ولجَهُ ولوجَ المنتصرين الظافرين.
”والمسافرُ من ’مدينة الأَنوار الساطعة‘ إلى كوكب إسمانديون يحتاجُ إلى مركبةٍ بسرعة النور، وإلى زمنٍ يستغرقُ مليون عامٍ نوريّ. ولكن مَن يُرسلُ هذا الكوكبُ أشعَّتَه البنفسجيَّةُ إليه، فيتنسَّمُها، فإنَّه يُجذَبُ إلى الكوكب بلحظةٍ واحدة،[53] فيجدُ نفسَهُ وقد أصبحَ يجوسُ هذه المدينةَ الخلاَّبةَ التي زيَّنَها اللّهُ بفتنةٍ فردوسيَّةٍ مُذهلة.“
وخصائصُ هذا الكوكب السامي، مثلما وردَت في القصَّة، يُمكِنُ إيجازُها في النِّقاط التالية:
أ – يعيشُ سُكَّانُه، رجالاً ونساءً، عشرة آلاف عامٍ من أعوام الأَرض.
ب – يقتضي النظامُ الروحيُّ في هذا الكوكب البنَفسجيِّ الأَشعَّة مِمَّن ارتبَطَ بوثاق الحبِّ”المقدَّس أن تلدَهُ مَن أحبَّها وأحبَّتهُ… وإذْ ذاكَ تُصبحُ والدتُه زوجتَه الحبيبة مدى الأَدهار الزاحفة.“ ولكن عليها أن تنتظرَهُ خمسمئة عامٍ بعدَ ولادته ليشتدَّ عودُه، وإذْ ذاكَ تُصبحُ قرينتَه.
ح – سُكَّانُ هذا الكوكب السامي بفنِّه ”لا يعرفون النَّومَ على الإِطلاق. والليلُ لا يعرفون منه سوى اسمِه، فالنورُ يغمرُهم دائمًا، والضياءُ يُرافقُهم أنَّى ساروا أو رحلوا.“
د -”عندما يسيرونَ يرسمونَ نجمةً بإصبعهم على جبينهم، فإذا بهم يرتفعونَ في الفضاء، ويسيرون فيه كأنَّهم يمشونَ على اليابسة.“
هـ – أشجارُ الحدائق في هذا الكوكب”كلُّ ورقةٍ من أوراقها الغضَّة ذاتُ لونٍ يختلفُ عن الآخر، فهي مجموعةٌ غريبةٌ من آلاف الأَلوان الباهرة، وأثمارُها الجَنِيَّة مُتعدِّدة، فكلُّ شجرةٍ تحملُ آلافًا من مختلف أنواع الأَثمار. وعندما يضعُ المرءُ ثمرةً في فَمِه تذوبُ فورًا، ومذاقُها العجيبُ اللذَّة يدَعُهُ مسرورًا ومُبتهجًا، فيشيعُ الفرحُ في أطرافه ويحتلُّ أعصابَه.
”وإذا حاولَ اقتطافَ ثمرةٍ أبهَجَهُ منظرُها، وكانت ذاتَ سيَّالٍ مؤذٍ له، فإنَّها تُنبِّهُه بصوتها الرخيم قائلةً له: ’إيَّاكَ أن تقطفَني، فأنا لسواك مِمَّن يستحقُّونَ العقابَ بالنسبةِ لأَعمالهم السيِّئة.‘
”والجزاءُ في هذا الكوكب السامي يقعُ على كلِّ مَن لا يتقيَّدُ بنظامه السرمديّ.“
و – بما أنَّ أعمارَ قاطني ”كوكب الأَنوار الساطعة“ محدودة بألفِ عام، [54] فلا يستطيعُ أيٌّ منهم”أن يقترِنَ بأيَّة فتاةٍ مدينتُها كوكب إسمانديون العظيم إلاَّ بعدَ أن تتصر مَ أعوامُه الأَلف؛ وبعد انقضاء حياته ينتقلُ إلى كوكب إسمانديون، وبمُجرَّد انتقاله تتغيَّرُ سيَّالاتُه فتُصبح مُنسجمةً مع هذا العالَم، وإذْ ذاك يُمكنُه الاقترانُ بحبيبته -هذا إذا كان قد أوصلَ سيَّالاتُه لتوجَدَ في هذا العالَم الفريد.“
خامسًا – عالَمُ الفردوس البهيّ:
هذا العالَمُ ذكرَهُ مؤَسِّسُ الداهشيَّة في قصَّة ”أسرار الموت والحياة“[55] التي تكشَّفَت له وقائعُها في رؤيا مُلهَمة في أثناء نومه. وموجَزُ القصَّة أنَّ الهادي الحبيبَ وجدَ نفسَه يرودُ فردوسًا بهيَّا ويستمتع بمفاتنه الطبيعيَّة الخلاَّبة، وإذا به يُفاجَأُ بفتاةٍ أسرَهُ جمالُها الخارق. فكان بينهما حبٌّ عميق. وكان اسمُه سوديام واسمُها جوداميا.
”وأثمرَ هذا الحبُّ الأُسطوريُّ غادةً غيداء أطلقَ عليها أبواها اسم راهاديا…
”وكان منزلهم من الورود المُخمليَّة تُوشِّيها أزهارُ الفردوس النَّضِرة. فمنازلُ الفردوس تُبنى من الأَزهار. فالربيعُ في الفردوس أبديّ.
”والشتاءُ لا يطرقُ أبوابَ الفردوس إطلاقًا. والشيخوخة لا تعرفه…
”وكلُّ سُكَّان هذا الفردوس سُعداء لا يعرفون للهمِّ اسمًا…
”وطعامُهم من أثمار الفردوس الشهيَّة. ففيه من كلِّ شجرةٍ توأمان. وما تكادُ الأَيدي تقتطفُ الثمارَ الجَنِيَّة حتَّى تمتلئَ الأَغصان، ثانيةً، بها دونَ أن ينتقصَ منها ثمرةٌ ما.
”أمَّا أنواعُ الخُضَر والبقول العجيبة فحَدِّثْ عنها ولا حَرَج، فالفردوسُ غَنيُّ بها، وحقولُه مملوءةٌ بشتَّى الأَنواع اللذيذة وهي لا تنتضبُ أبدًا.
”فكلُّ نوعٍ من الأَنواع إذا قُطِف يعودُ إليها ثانيةً فورًا.
”والإخاءُ يشملُ عالَمَ الفردوس بأكمله، فالجميعُ عائلةٌ واحدةٌ يسودُها الحبُّ ويغمرُها الولاءُ الدائم.
”هنا لا يُعرَفُ الحسدُ إطلاقًا، والغيرةُ لا وجودَ لها في هذا العالَم السعيد.
”والتكالبُ على المال لا يُعرَفُ في هذا العالَم البعيد عن أطماع الأَرض الدنيَّة.
”فسعيدٌ مَن أوصلَ سيَّالَه إلى هذا العالَم الغارق بالبَهَجات اللانهائيَّة. “ [56]
ومن خصائص الحياة في هذا الفردوس أنَّ حوريَّاتِه لا يستطعْنَ الاقترانَ بشُبَّانٍ من الفردوس نفسه، بل على كلٍّ منهنَّ أن تنتظرَ حبيبَها الذي في الأَرض. فإذا كان قد رقَّى أَحدَ سيَّالاته فأصبحَ في مستوى هذا الفردوس وجاذبيَّته، فإذْ ذاكَ فقط يُمكنُ سيَّالَه الروحيَّ أن يلجَ الفردوسَ في أثناء حُلمه، فيجتمع مع مَن تُحبُّه مدَّةً مُعيَّنةً ثمَّ يعود إلى الأَرض حالما يستيقظ.
و”الحلم الذي يراهُ الحالِمُ في عالَم الأَرض لمُدَّة دقائق، يحياهُ في عالَم الفردوس هذا أعوامًا عديدةً وسنينَ مديدة.“
وحالَما صمتَ سوديام، شعرَت جوداميا أنَّه سيستيقظ في عالَم الأَرض، فقطعَت بسَيف النور السيَّالَ المُتَّصلَ بجسده، فإذا به يجدُ نفسَه في الفردوس البهيِّ ثانيةً، ليحيا فيه زمنًا مديدًا.
وأُتيحَ لسوديام أن يرى جثمانَه في الأَرض، وأن يشهدَ المأتمَ الذي أُقيمَ له.”وقد أُعطِيَ بعد انفصامِ سيَّاله عن جسده المعرفةَ الروحيَّة، فتكشَّفَت له حقيقة “ الكهنة البشعة وفضائحُ البشر وقبائحُهم.
وفورَ عودته إلى الفردوس البهيّ، ”هرعَت جوداميا إلى بُحيرة النسيان، وطلبَت منه الاغتسالَ بمياهها المقدَّسة، ففعَل، وإذا به ينسى ما شاهَدَه في أثناء الاحتفال بمراسيم دفنه. كما نسِيَ أنَّه ماتَ وانتقلَ إلى عالَم الفردوس. نسِيَ كلَّ ذلك لكي لا يتعذَّبَ نفسيًّا من توارُد أفكاره المُخيفة، عندما يتذكَّر ما شاهدَهُ من خَتْل البشر واحتيالهم، ومن فُسق النساء وتدنيسهنَّ لشرفهنَّ …
”وظنَّ سوديام أنَّه خُلِقَ في هذا العالَم الفردوسيّ، بعدما نسِيَ أنَّه كان في عالَم الأَرض، مثلما يظن كلُّ بشريّ أَنَّه وُلِدَ في عالم الأَرض، ولم يسبقْ ولادتَه أيُّ وجودٍ له، غيرَ عالِمٍ أنَّه كان في عالَمٍ آخر غير العالَم الذي وُلِدَ فيه، ولكن بمُجرَّد ولادته ينسى كلَّ شيء عن عالَمه الذي غادرَه، وذلك لحكمةٍ أَرادَها الخالقُ للخلائق.“ [57]
سادسًا – كوكبُ الطُّمأنينة السعيد:
هذا الكوكبُ يذكرُهُ الهادي الحبيب في قصَّة”حُلُم مَهيب رهيب“[58] الذي تكشَّفَت له وقائعُه في رؤيا مُلهمة. وموجَزُ القصَّة أنَّه يرى نفسَه يجوبُ”الأوقيانوسات الفضائيَّة… مأخوذًا بما يُشاهدُه من مُكوَّناتٍ إلهيَّةٍ مُذهلة… “ وكانت سُرعتُه”مُضاعفة مرارًا عن سُرعة النور.“ أخيرًا وجدَ نفسَه في”كوكب الطمأنينة السعيد“ الذي لا تغيبُ شمسُه، وفوجئَ بغادةٍ جمالُها”فوق الوصف البشريِّ المحدود،“ فأسرَهُ حبُّها.
من خصائص الطبيعة والحياة في هذا الفردوس النِّقاط التالية:
أ – يمتازُ بوجود”شجرة هائلة الضخامة، مُترامية الأَطراف، أغصانُها الخضراءُ تُعَدُّ بمئات الآلاف. وكانت هذه الدوحةُ الباديةُ الجبروت تحملُ آلافَ الأَنواع من جميع ما خلقَه الباري -جلَّت قدرتُه- من الفواكه التي توجَدُ في كوكب الأَرض… أمَّا ارتفاعُها فحَدِّثْ عنه ولا حَرَج… وكلُّ غصنٍ منها يحملُ نوعًا من الفاكهة الأَرضيَّة… وكانت طيورُ الأَرض بأسرها تتنقَّلُ على الأَغصان… كلُّ نوعٍ منها معًا… “
ب – الانتقالُ في الكوكب وإلى أغصانِ دوحته العجيبة يكونُ بمجرَّد التفكير فيه.
ج – اكتمالُ الحبّ يكونُ بتحوُّل المُحِبِّ إلى سيَّالٍ روحيّ تخترقُ أشعَّتُه الشخصَ المحبوبَ وتندمجُ بكيانه. وثمرةُ الحبِّ تكونُ بتجسُّد طفلٍ ينفصِلُ عن أُمِّه مع والده إذا كان حبُّ الرجل لزوجته يفوقُ حبَّها له، وبتجسُّد طفلةٍ تنفصلُ عن أبيها مع والدتها إذا كان العكسُ حاصلاً؛ أمَّا إذا كانا مُتساويَين في التحابّ، فيتجسَّدُ طفلٌ وطفلة. وهذا ما حصلَ في هذه القصَّة.
د – لا يندمجُ الرجلُ إلاَّ بسيَّاله الذي يكونُ قد أوصَلَه سابقًا إلى هذا الفردوس. وكذلك المرأة. ويقولُ الهادي الحبيب مُعلِّقًا:”هذا ما عناهُ السيِّدُ المسيحُ عندما قال: ’لهذا يتركُ الرجلُ أباهُ وأُمَّه ويندمج بامرأته.‘ “
ه – المعرفةُ والقُدرةُ الخارقتان تشملانَ سُكَّانَ هذا الكوكب. فكلٌّ منهم بإمكانه أن”يحصلَ على كلِّ ما يتمنَّاهُ فورَ إبدائه رغبته بذلك،“ سواءٌ كانت رغبتُه في بناءِ قصرٍ عظيمٍ من الجواهر أم في بَسطِ حديقةٍ عجيبة الأزهار والثمار، أو في نَشر الفراش والطيور البديعة الألوان في الفضاء، أو بَعثِ موسيقى خلاّبة…
ومن هذا الكوكب السعيد أمكَنَ الهادي الحبيب أن يرتقيَ بروجَ السماء برفقة سيَّاله المُتجسِّد غادةً فردوسيَّةً، ويصلُ إلى”كوكب الأَنبياء العِظام.“[59]
إضافةً إلى هذه الكواكب الستَّة البارزة في قِصَص الهادي الحبيب، يجدرُ بالذكر أسماءُ سبعة كواكب أُخرى ذُكِرَت في كتاباته دونما تفصيل لصفاتها وخصائصها، وهي:
أ – كوكبُ المتاهة الكبرى ذو الطبيعة الخلاَّبة. تقطنُ فيه مؤَقَتًا السيَّالاتُ الروحيَّةُ التي لم يمضِ على موتِ أصحابها أكثرُ من عام، ولم يتجسَّدوا بعد في الكوكب الذي يستحقُّونه، شرطَ أن تكونَ درجةُ سيَّالاتهم مُلائمة لدرجة الكوكب الروحيَّة.[60]
ب – جزيرةُ الأَحلام السعيدة”المُجاورة للمجرَّة… هذه الجزيرةُ الغارقةُ في الطمأنينة والهاجعة في سكينةٍ عجيبة، والراتعة أبدًا في نعيمٍ مُقيم.“[61]
ج – كوكبُ النور الوضَّاء المُجاوِر للسُّدُم”حيثُ تقطنُ أرواحُ عباقرة الموسيقيِّين الذين تركوا لعالَم الأَرض تُراثًا إلهيًّا من الأَنغام، تفنى الأَجيالُ دونَ أن يزولَ خلودُه المُستمَدُّ من السماء.“ من سُكَّانِ هذا الكوكب الذين ذكرَهم الهادي الحبيب بتهوفن، وفاجنر، وشوبان، وكْريك، وليسْت، وبرليوز، وجان سيبستيان باخ، وأُوفِنباخ، ومِندِلسون، وشومان، وهَندِل.[62]
د – كوكبُ الخلود الباهر”حيثُ تقطنُ أرواحُ الأُدباء والشعراء.“ وقد ذُكِرَ منهم اسم لامرتين.[63]
ه – كوكبُ الفتنة والبهاء الذي هبطَت منهُ مُمتاز مَحَلّ ثمَّ عادَت إليه بعد وفاتها. ومُمتاز مَحلّ فيها سيَّالٌ من فينوس.[64]
و – مدينة الأَحلام التي هي ما وراء المجرَّات والسُّدُم، وفيها”جنَّةُ الحب“ّ التي لا مثيلَ لفتنتها الطبيعيَّة.[65]
ز – جنَّةُ جنَّات الخُلد السعيد حيثُ”الأُولَمب المقدَّس… والبارناس المُذهِل الفتنة.“[66]
***
ومِمَّا عرفتُه من الهادي الحبيب أنَّ من العوالم العُلويَّة ما تكونُ كائناتُه سيَّالاتٍ من العطور، أو سيَّالاتٍ من الأَنغام تتعايشُ وتتحاكى، ولها إدراكُها ومشاعرُها ونزعاتُها وأنظمتُها الروحيَّةُ الخاصَّة.
ومن السيَّالات العُلويَّة ما يُشكِّلُ نجومًا وضَّاءةً أو كواكبَ سيَّارة أو أقمارًا. فقد رأى الهادي الحبيب نفسَه في رؤيا مُلهَمة وقد تشكَّلَ كوكبًا وضَّاء.[67]
ومن الكواكب ما لهُ مَهمَّاتٌ خاصَّةٌ يتفرَّدُ بها. وهي تمتازُ بعضُها عن بعض.[68] فالقمرُ، مثلاً، درجتُه الروحيَّة ثلاث، في حين أنَّ الشمسَ درجتها الروحيَّة خمس؛ علمًا بأنَّ الدرجةَ الروحيَّةَ تعني درجةَ المثال الروحيّ الحقيقيّ للكوكب في العوالم الروحيَّة، إذْ إنَّ القمرَ والشمسَ هما أشبهُ بظلَّين للقمر الروحيِّ والشمس الروحيَّة. وعمرُ الشمس بضعة بلايين من السنين. يقول الهادي الحبيب:
”عجِبْتُ للشمسِ كيف لم يُدركْها التعبُ وتُصَبْ بالمَلَل،
فمنذُ بلايين الأَعوام تسطعُ بأنوارها علينا دونَ كَلَل.“ [69]
وما ذكرَهُ مؤَسِّسُ الداهشيَّة عن عُمر الشمس يؤَكِّدُه العلم.[70] وهو يُناقضُ ما كانت تؤَكِّدُه الكنيسةُ الكاثوليكيَّة وغيرُها من الكنائس من أنَّ الشمسَ -كالأَرض- كُوِّنَت منذُ 4004 أعوام قبل المسيح.
وللشمسِ مهمَّةٌ روحيَّةٌ خاصَّةٌ علاوةً على مُهمَّتها الحيويَّة التي اكتشَفَها العلمُ البشريّ،[71] وهي أنَّها تُسجِّلُ أحاديثَ الناس وتُصوِّرُ أعمالَهم وتختزنُها وتُرسلُها إلى عالَمٍ خاصّ لتكونَ شاهدةً عليهم في يوم الحساب.[72]
وقد علمتُ أنَّ في الشمس كما في سائر النجوم كائناتٍ عاقلة تأتلفُ طبيعتُها مع طبيعة الأَجرام الوضَّاءة.
***
أمَّا أعمارُ الكائنات العُلويَّة القاطنة في الفراديس فتبدأ بما يُعادلُ ألفَ عامٍ أرضيّ، وتزدادُ تدريجيًّا مع ارتقاء الدرجات الروحيَّة حتَّى تصلَ إلى ما يُعادلُ مليونَي عامٍ أرضيّ في الدرجة العُلويَّة المئة والخمسين مثلما في العالَم الذي تحيا فيه شخصيَّةُ الهادي الحبيب الستّمئة.
كذلك فالمعرفةُ تزدادُ رُقيًّا بازدياد ارتقاء السيّالات في الدرجات الفردوسيَّة، لكنَّها تبقى مُقَيَّدةً غير مُطلَقة ما دامت في عوالم الأَحياء المادِّيَّة بدرجاتها النعيميَّة المئة والخمسين جميعها. مثالُ ذلك أنَّ لامرتين القاطن في “كوكب الخلود الباهر” يقولُ وهو يُودِّعُ (أحلام) القاطنة في”جزيرة الأحلام السعيدة“:”نعم، سيرحلُ حُلمُنا عن جزيرة الأَحلام، ولا يعلمُ إلاَّ اللـّه متى تكونُ ساعةُ عودتها إلى جزيرتها…“[73] وانحصارُ علمِ ذلك في اللّه -عَزَّ وجَلَّ- يعودُ إلى أنَّ هبوطَ سيَّال أحلام إلى الأَرض سيُعرِّضُه إلى شتَّى التجارب البشريَّة، وستكونُ أحلام مُتمتِّعة بملءِ الحرِّيَّة والاختيار بين التغلُّب عليها أو السقوط في أشراكها، ثمَّ بحسب درجتها الروحيَّة التي ستبلغُها في الأَرض عند وفاتها، سيكونُ العالَمُ الذي ستستحقُّ الذهابَ إليه. وفي كلِّ عالَمٍ تتجسَّدُ فيه ستعودُ فتخضع لتجارب الكوكب… فثَمَّةَ سلسلةٌ من الحَيَوات التي ستعيشُها وتتفاعلُ سيَّالاتُها في أثنائها مع سيَّالات الكائنات الأُخرى دورًا بعد دور، الأَمرُ الذي يقتضي علمُه معرفةً شاملةً مُطلَقة، وهذه لا يبدأُ ظهورُها إلاَّ في العوالم الروحيَّة حيثُ السيَّالاتُ امتداداتٌ للذات الإلهيَّة العُظمى التي لا يُقيِّدُها أيُّ قَيدٍ مادِّيّ، أي زمانيّ ومكانيّ.
وبازدياد المعرفة الروحيَّة مع الارتقاء التدريجيّ في درجات الفراديس، تزدادُ القدرةُ الروحيَّة. فبينما تقومُ القُدرةُ في الدرجات النعيميَّة التي تضمُّها دائرةُ النور الصُّغرى على تطويرٍ هائلٍ للأجهزة العلميَّة وعلى اختراعاتٍ مادِّيَّةٍ مُذهِلة، تُصبحُ القُدرةُ في الدرجات النعيميَّة التي تشتملُ عليها دائرةُ النور العظمى قائمةً على قوَّة السيَّالات الروحيَّة الذاتيَّة. فإذْ ذاك تَصَوُّرُ الشيء مع الرغبةِ في إيجاده يُكوِّنان الشيء، سواءٌ أكان قصرًا عجيبًا أم غابةً أخّاذة أم سربًا من الطيور أم غير ذلك، مثلما مرَّ في أثناء الكلام على”كوكب الطمأنينة السعيد“.
وقياسًا على هذه القدرة الخارقة التي تتمتَّعُ بها كائناتٌ عُلويَّةٌ ما تزالُ في نطاق الكون الماديّ، يُمكنُ القارئ أن يتخيَّلَ عظمةَ القدرة التكوينيَّة التي تتمتَّعُ بها الأَرواحُ القدسيَّةُ الإلهيَّة.
واستنادًا إلى المعرفة والقُدرة شبه الإلهيَّتَين اللتَين تمتازُ بهما كائناتُ الدائرة النورانيَّة العُظمى، فإنَّ أربابَ العوالم في هذه الدائرة أو أرباب القوى الطبيعيَّة الكونيَّة أو القوى الروحيَّة المُتخصِّصة المختلفة كالموسيقى والأَدب وسائر الفنون أو أرباب المهمَّات الكُبرى المصيريَّة كمُحاكَمَة الموتى -يسوغُ أن يُطلَقَ عليهم اسمَ “الآلهة” مجازًا. وفي هذا الضوء يُمكنُ أن تُسمَّى شخصيَّاتُ الهادي الحبيب القاطنة في دائرة النور العُظمى”آلهة“ بالمعنى المجازيّ.[74] وبالمعنى المجازيِّ نفسِه ذكرَ مؤَسِّسُ الداهشيَّة أنَّ بنديا هي إلاهةُ الموتى في”كوكب المتاهة الكبرى“، وأنَّ ماساتي حبيبها هو المُولَّج بمحاكمة سيَّالات الذين بلغوا هذا الكوكب،[75] كما ذكر أسماء آلهة وإلاهات معروفة في الميثولوجيا القديمة. [76]
بهذا أختمُ الكلامَ على العوالم العُلويَّة المجيدة لأُتابعَه على العوالم السُّفليَّة الشقيَّة.
[1] انظُر غازي براكس: الدكتور داهش الأَديب المُعجِز: مُقارَنةٌ بين كتابَين عملاقَين “جحيم داهش” و “جحيم دانتي” (دار النِّسر المُحلِّق، بيروت، 1981)، ص 22-23 .
[2] انظُر سِفر التكوين 1: 1-19 . الداهشيَّةُ تعتقِدُ أَنَّ الوَحيَ الروحيَّ كان في أَساسِ سِفْر التكوين، لكنَّ التحريفَ طرأَ عليه في سِياقِ العصور. انظُر الفصلَ السابعَ عشرَ من هذا الكتاب.
[3] “الجحيم” بمعنى مقرّ الموتى ترجمةٌ للكلمة العِبِريَّة “شئول” Sheol وللكلمة اليونانيَّة “هادِس” Hades؛ وبهذا المعنى استُخدِمَت أَغلَب الأَحيان في أَسفار العهد القديم. انظُر على سبيل المِثال سِفْرَ التكوين 37: 35؛ وسِفرَ العَدَد 16: 20-33 .
[4] درَجَ كُتَّابُ العهد الجديد على استخدام كلمة “جهنَّم” بَدَلَ كلمة “جحيم”. انظُر متَّى 5: 22 و 29 و 30؛ 18: 8 و 9؛ مرقُس 9: 43 و 46؛ لوقا 12:5؛ رسالة يعقوب3: 6. ولفظةُ “جهنَّم” مُقتَبَسةٌ من الكلمةِ العِبريَّة “جيهنُّوم” التي تعني “وادي هِنُّوم”؛ وهذا الوادي كان يقعَ جنوبيَّ غربيِّ مدينة القُدس (أُورشليم)، وفيه كان يُحرَقُ الأَطفالُ قرابينَ للإله الوثَنيّ مُولُك، فسُمِّيَ مكانُ الهلاك باسمِه (سِفْر يشوع 15: 8؛ 18: 16؛ سِفرُ الملوك الثاني 23: 10).
[5] أَطلَقَ القرآنُ تسمياتٍ مُختلفة على الجحيم؛ منها الهاوية والسعير ولَظى وسَقَر والحُطَمَة والنار وجهنَّم. انظُر سورة القارعة:8-11؛ الملك: 5؛ المعارج: 15-18؛ المُدَّثِر: 26 و 30؛ الهُمَزة:4-9؛ التحريم: 6؛ سورة ق: 30 إِلخ.
[6] انظُر سِفرَ التكوين 3: 22-24؛ كورنثس الثانية 12: 4 . لكنَّ السيِّدَ المسيحَ وهو على الصليب استَخدَمَ كلمة “الفردوس” بمعناها الحقيقيّ. (انظُر لوقا 23: 43).
[7] سورةُ آل عمران: 133؛ انظُر أَيضًا سورة الحديد: 21 .
[8] كثيرةٌ هي الآياتُ القرآنيَّة التي ترِدُ فيها الكلماتُ المذكورةُ مُنتثرة. من أَهمِّها: “أُولئكَ المُقرَّبون في جنَّات النعيم، ثُلَّةٌ من الأَوَّلين وقليلٌ من الآخِرين، على سُرُرٍ موضونة مُتَّكئينَ عليها مُتقابلين، يطوفُ عليهم وِلدانٌ مُخَلَّدون بأَكوابٍ وأَباريقَ وكأسٍ من مَعين لا يُصَدَّعونَ عنها ولا يُنزِفون، وفاكهةٍ مِمَّا يتخيَّرون، ولحمِ طيرٍ مِمَّا يشتهون؛ وحُورٌ عِيْنٌ كأَمثالِ اللؤلؤ المكنون جزاءً بما كانوا يعملون.” (سورة الواقعة: 10-24)؛ كذلك: “مَثَلُ الجنَّة التي وُعِدَ المُتَّقونَ فيها أَنهارٌ من ماءٍ غير آسِنٍ من لبَنٍ لم يتغيَّر طعمُه، وأَنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ للشاربين، وأَنهارٌ من عسَلٍ مُصَفًّى، ولهم فيها من كلِّ الثمَرات ومغفرةٌ من ربِّهم” (سورة مُحمَّد: 15).
[9]من أَهمِّ الرُّؤى والتخيُّلات التي شاعَت بعد نشأَة المسيحيَّة مِمَّا يشتملُ على وصف النعيم أَوالجحيم وأَحيانًا المطهَر (مقرّ تطهير النفوس المؤَقَّت) رُؤَى بطرس الرسول، وبولس الرسول، وغوريغوريوس الكبير Gregory the Great، وفرسيوس Furseus، ودرَيثلم Drythelm، وويتّي Wetti، وسانت بْرندان St. Brendan، وشارل السمين Charles the Fat، وسانت باتْريك St. Patrick، وتندال Tundale، وناسك إِيفشام The Monk of Evesham، وثوركِلْ Thurkill ثمَّ تخيُّلات دانتي أَليغايري في “الكوميديا الإِلهيَّة”، وهي تُعتَبَرُ أَهمَّها. انظُر:
Eileen Gardiner, Visions of Heaven and Hell before Dante, N. Y. , Italica Press, 1989.
كذلك غازي براكس: الدكتور داهش الأَديب المُعجِز: مُقارَنة بين كتابَين عملاقَين -“جحيم داهش” و “جحيم دانتي”. كما تحسنُ مُراجعةُ الكتب التالية، وهي دراساتٌ تاريخيَّةٌ عن النعيم والجحيم:
Colleen McDannell & Bernhard Lang.Heaven: A History, Vintage Book ( Random House), N.Y., 1988.
Bernstein.The Formation of Hell, Cornell University Press, Ithaca & London, 1993.
Alice Turner.The History of Hell, Harcourt Brace & Co, 1993.
أَمَّا الأَدبُ العربيّ فأَهمُّ ما ورَدَ فيه من أَوصافٍ للنعيم والجحيم نلقاهُ في “رسالة الغُفران” و “رسالة الملائكة” لأَبي العلاء المعرِّي، وقصَّة المِعراج، وكتاب “التوهُّم” للحارث بن أَسد المحاسبي، و“يوم القيامة” لرسلان البنبي، وقصيدة الزَّهاوي المُطوَّلة “ثورة في الجحيم”.
[10] صورةُ الكون الحديثة لم تبدأ خطوطُها العريضة بالاتِّضاح إِلاَّ مع غاليلِه في القرن السابع عشر؛ أَمَّا خطوطُها الدقيقة فلم تبدأ الإِشارةُ إِليها إِلاَّ في القرن العشرين، وهي آخذةٌ بالاتِّضاح أَكثرَ فأَكثر.
[11] أَعني كثافات الطاقة التي هي نهاياتُ اللطافة المادِّيَّة والتي منها تتركَّبُ كلُّ ذرَّة. وقد أَفضَتِ الأَبحاثُ العلميَّةُ إِلى أَنَّ ذرَّةَ الهدروجين، مثلاً -وهي أَبسَطُ العناصر المادِّيَّة- تتكوَّنُ من 12 جُزَيئًا: 6 جُزَيئات سُمِّيَت “كْوارْكس” Quarks (وكان الفضلُ الأَو لُ في ذلك للعالِمِ الفيزيائيّ موراي جيلمان Murray Gell-Man الذي نالَ جائزة نوبل على عمله عام 1969)؛ ثلاثٌ منها تُكوِّن البروتون، وثلاث أُخرى تُكوِّن النوترون – و”الكواركس” ذاتُ تفاعُلاتٍ نَوَوِيَّةٍ قويَّة؛ و6 جُزَيئات أُخرى ذاتُ تفاعُلاتٍ ضعيفةٍ سُمِّيَت “لِبْتَنْز” Leptons، وهي تشتملُ على الإِلكترونات. وقد سُمِّيَت “الكواركس” الستَّة: Up، Down، Charm، Strange، Top، Bottom. وقد أَمضى العلماءُ سنواتٍ كثيرةً وهم يُحاولونَ التحقُّقَ من وجود “الكوارك” المُسمَّى، Top Quark حتّى أُعلِنَ عن اكتشافه في أَواخر نيسان عام 1994 . (انظر: New York Times, April 26, 1994, p. A1). لكن هل هذه الجُزَيئاتُ الاثنا عشر هي المُقوِّماتُ النهائيَّة الأُولى لكلِّ ذرَّةٍ مادِّيَّة? أم ثَمَّةَ ما هو أَلطفُ منها؟
[12] يُقدِّرُ علماءُ الفَلَك أَنَّ الكونَ يضمّ بلايينَ المجرّات، وأَنّ كلَّ مجرَّةٍ تضمُّ بلايينَ النجوم، بصورةٍ عامّة؛ ومن النجومِ ما هو أَكبرُ جدُّا من شمسنا، ومنها ما هو أَصغر، ومنها ما تفوقُ حرارتُه حرارةَ الشمس ملايينَ المرّات، ومنها ما هو أَضعفُ حرارة. انظر:
Burnham’s Celestial Handbook, Vol. 1 (Dover Pub,N.Y. ,1978), pp. 13-97.
[13] يُقدِّرُ علماءُ الفلك أَنَّ التكوينَ المادِّيَّ الأَوَّلَ حدثَ منذُ زمنٍ يتراوَحُ بين 10 بلايين و 15 بليون سنة؛ وقد سمَّوا هذا الحدثَ بالانفجار الكبير Big Bang. وكان لروجر بنروز R. Penrose وسْتيفن هوكنغ S. Hawking فَضلُ إِثباتِ هذه النظريَّة سنة 1970 . ومع بداية هذا التكوين المادِّيّ بدأَ الزمن. والعِلمُ عاجزٌ عن البحثِ في ما هو قبل هذا التكوين المادِّيّ لأَنَّه يستحيلُ أَن يقعَ تحت مُلاحظاته وتجاربه. انظر:
Stephen Hawking. A Brief History of Time (Bantam Books, New York,1988), pp. 8-9, 46-47, 50.
[14] كثيرًا ما يكتشفُ العلماءُ آثارَ الحياة العُضويَّة في النيازك والشُّهُب التي تسقطُ إِلى الأَرض من الفضاء الخارجيّ. وعام 1986، اكتشفَ العلماءُ وجودَ مُركَّباتٍ عُضويَّةٍ في مُذَنَّب هالي Halley، كما عثروا على حوامضَ دهنيَّةٍ وأَمينيَّةٍ مِمَّا تقومُ عليه البروتينات في بعض الرُّجُم الساقطة إِلى الأَرض. حتّى إِنَّ بعضَ العلماء يفترضونَ أَنَّ بذورَ الحياة الأَرضيَّة إِنَّما أَتَتها من خارج فضائها، ورُبَّما من حضارةٍ مُتفوِّقةٍ خارج مجرَّتنا. انظر:
Time-Life Editors, Life Search (Alexandria, VA, 1988), pp. 44-45, 60-61.
[15] عشراتٌ همُ الفلاسفةُ والأُدباءُ والعُلماءُ الذين كانوا منذُ عهد طاليس يستَلهمونَ حدسَهم ومنطقَهم ليؤَكِّدوا أَو يُرجِّحوا وجودَ حياةٍ وكائناتٍ في كثيرٍ من الكواكب. حسبي أَن أَذكرَ منهم: لوكْريتيوس Lucretius (القرن الأَوَّل قبل المسيح) في قصيدته المُطوَّلة “في طبيعة الأَشياء” De rerum natura ، وفونْتنيل Fontenelle في كتابه “أَحاديث حولَ تعدُّد العوالم” mondes (1686) Entretiens sur la pluralite des، وهويكنز C. Huyghens (1629-1695( في مؤَلَّفه “النظرُ في الكون” Cosmotheoros، وإِيمّانويل كانط Emmanuel Kant (1724-1804) في “تاريخ الطبيعة العامّ ونظريَّة السماء” Allgemeine Naturgeschichte und Theorie des Himmels، وكميل فلاماريون C. Flammarion في كتابه “تعدُّدُ العوالم المسكونة” La Pluralite des mondes habites . انظر:
Biraud & J.-C. Ribes. Le dossier des civilisations extra-terrestres (Fayard, Paris, 1970), pp. 25-28.
[16] اكتشفَ العلماءُ حديثًا حشراتٍ وجراثيمَ وكائناتٍ حيَّةً أُخرى تعيشُ في القُطب الجنوبيّ. وقد تأَكَّدَ لهم أَنَّ دِبَبَةَ الماء (حيوانات مائيَّة صغيرة دقيقة) Tardigrades تستطيعُ العيشَ في بيئةٍ ترتفعُ حرارتُها حتّى 200 درجة فارنهايت أَو تتدنَّى إِلى 400 درجة تحت الصفر. كما اكتشفوا أَنَّه في قيعان المُحيطات، حوالى مسارب المياه الساخنة المُنبجِسة من جوف الأَرض والتي تبلغُ حرارتُها مئات الدرجات، تزدهرُ حياةٌ غنيَّةٌ من الديدان الأُنبوبيَّة الطويلة إِلى الحلازين إِلى أَنواعٍ من الأَسماك إِلى غيرها من أَشكال الحياة الغريبة والجراثيم التي تتحمَّلُ ضغطًا مائيًّا يبلغُ 8 أَطنان في كلّ إِنشٍ مُربَّع، أَي ما يُعادلُ أَلفَ ضعف ضغط الجوّ الأَرضيّ عندَ سطح البحار، وتعيشُ في بيئةٍ تصلُ حرارتُها أَحيانًا إِلى 700 درجة فارنهايت.
والجديرُ بالذ كر أَنّ مجموعاتِ الأَغذية في الأَرض تُحوِّلُها العُضويَّات الحيَّة إِلى أَنسجةٍ حيَّةٍ عن طريق الاستعانةِ بطاقة الشمس الإِشعاعيَّة، وهو ما يُعرَفُ بالتركيبِ الضوئيّ Photosynthesis. لكنَّ شبكةَ الأَغذية في قيعان المُحيطات المُظلمة بُنِيَت على الطاقة والإِمدادات المعدنيَّة المُستمدَّة من كيمياء المسارب المائيَّة الحارَّة ولا سيَّما مُركَّبات الكبريت. انظر المصدر السابق، ص66-73 . كذلك:
New York Times: Science Times, December 29, 1993; Novembert 16, 1993; November 2, 1993.
[17]New York Times, Oct. 4, 1994. p. C1: Drillers Find Lost World of “.Ancient Microbes”.
من سُخريات القدر أنَّ العلماءَ كانوا قد أدخلوا في تحديد خصائص الجرثومة المعروفة بالباسيل bacillus أنَّها لا تنشطُ إلاَّ في وجود الأُوكسجين، فإذا “الجراثيم الجحيميَّة” تنقضُ تحديدهم.
[18] حتَّى على الأَرض للحياةِ مظاهرُ كثيرةٌ لا ينطبقُ عليها تحديدُ الحياة المعروف. فدِبَبَةُ الماء Tardigrades تكونُ جامدةً كرُفات الأَموات، عندما تكونُ في حالةِ سُبات dormant؛ وإِذْ ذاكَ لا تنمو ولا تتمثَّلُ غذاءً ولا تُوَلِّد. والبِغالُ المعروفةُ لا تُنتِج إِذْ إِنَّها عقيمة. انظر: Time-Life Editors, Life Search , p. 61 .
[19] ذهبَ بعضُ العُلماء إِلى أَنَّ الحياةَ يُمكنُ أَن تنشأَ حيثُ ثمَّةَ مادَّة وطاقة يُمكنُ أَن تتفاعلا من أَجلِ إِنشاءِ نظامٍ مُعيَّنٍ في بيئةٍ مُعيَّنة. ورُبَّما تنشأُ الحياةُ في الصخور المصهورة وتُبنى على السليكون. وقد تكونُ ذاتَ أَشكالٍ هُلاميَّة plasma داخل النجوم نفسِها، بل قد تكونُ عضويَّات مُشعَّة تقطنُ في عجاج الغُبار الكونيّ ما بين النجوم. انظر:
Gerald Feinberg & Robert Shapiro, Life Beyond Earth, William Morrow, NY, 1980.
وفاينبرغ عالِمٌ في الفيزياء النظريَّة وأُستاذٌ في جامعة كولومبيا بنيويورك. وشابيرو أُستاذٌ في الكيمياء والتولُّد الوراثيّ في جامعة نيويورك.
[20] مرقُس 9: 42-43 . ومن أَقوال السيِّد المسيح: “إِنْ شكَّكَتكَ يدُكَ أَو رجلُكَ فاقطَعْها وأَلقِها عنك، فخيرٌ لكَ أَن تدخلَ الحياةَ وأَنتَ أَقطَع أَو أَعرج من أَن يكونَ لكَ يدان أَو رجلان وتُلقى في النار الأَبديَّة.” (متّى 18: 8).
[21] سورة الدخان: 43 . انظر أَيضًا الصافَّات: 62 والواقعة: 52 .
[22] سورة الرحمن: 15 . وفي سورة الحِجْر، الآية 27: “والجانّ خلَقناهُ من قبلُ من نار السّموم.” وفي القرآن أَنَّ الجنَّ كالبشر، فيهم المؤمنون والكافرون. ومع أَنَّ طبيعتَهم من نار، فهم يُعذَّبونَ كالبشر بالنار. من آياته: “ولقد ذرَأْنا لجهنَّمَ كثيرًا من الجنِّ والإِنس، لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أَعيُنٌ لا يُبصرونَ بها ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها، أُولئكَ كالأَنعام بل هم أَضلُّ، أُولئكَ هم الغافلون” (الأَعراف: 179). وفي الفصل القادم سأعود إلى البحث في الجنِّ مفصَّلاً.
[24] سورة الشورى: 29 . والسموات، في الآية، تشملُ الأَجرامَ الفضائيَّة الكونيَّة جميعًا. والدابَّةُ هي كلُّ حَيّ فيه دبيبٌ وحركة. وكلمة “فيهما” تشملُ السَّموات والأَرض معًا.
[25] في المؤتمر الذي عُقِدَ في بورياقان بأَرمينيا السُّوفياتيَّة سنة 1971، وضمَّ أَكاديميَّات العلوم في الاتِّحاد السوفياتي والولايات المُتَّحدة الأَمريكيَّة، صرَّحَ أَحدُ العُلماء أَنَّه “قد يكونُ من جنون العَظَمة أَن نعتقدَ أَنَّنا الكائناتُ العاقلةُ الوحيدةُ في الكون.”
Patrice Gaston. Disparitions Mysterieuse: Le Cosmos nous Observe (Robert Laffont, Paris, 1973),p. 319.
وفي الواقع ينصرفُ علماءُ كثيرون في العالَم إِلى التقاط الإِشارات اللاسلكيَّة الصادرة من أَرجاء الكون المُختلفة، ويُحاولونَ تحليلَها ليُميِّزوا بين ما هو صادرٌ عن أَجرامٍ وأَحوالٍ طبيعيَّة وما هو صادرٌ عن أَجهزةٍ مصنوعةٍ تدلُّ على قدرةٍ علميَّةٍ فائقةٍ وراءَها. من المؤَسَّسات المُهتمَّة بذلك: SETI(Search for Extraterrestrial Intelligence) و META (Megachannel Extraterrestrial Assay).وما تقوم به وكالة الفضاء الأمريكيَّة القوميَّة.
وعام 1976 أُطلِقَت إِلى سطح المرِّيخ فايْكنغ Viking أُولى المركبات الفضائيَّة الباحثة عن الحياة خارج الأَرض. انظر:
Angelo JR.. The Extraterrestrial Encyclopedia (Facts on File Inc, NY, 1991), Art. Exobiology, Extraterrestrial Civilisations, Interstellar Contact, Mars, NASA, Panspermia, Seti.
انظر كذلك: New York Times, Oct.13, 1992, C1.
من بين العلماء الذين يؤَكِّدون وجودَ حياةٍ وحضاراتٍ في أَرجاء مُختلفة من الكونِ العلماءُ الأَمريكيُّون فْرانْك دونالْد دْرايْك F. D. Drake، وملفن كالْفِنْ M. Calvin الحائز جائزة نوبل، وكارْل ساغان C. Sagan، وأُوتو ستروف O. Struve، وفيليب موريسون P. Morrisson، كذلك الفرنسيَّان فرانسوا بيرو F. Biraud وجان كلود ريب J.C. Ribes، والسوفياتيَّان يوسيب شْكلوفسكي I. Chklovski، ونيقولاي كَرداشِف N. Kardachev .
[26] راجع الفصلَ السادسَ عشر: معجزات التجسُّد، في “معجزاتُ داهش في ضوء العقل والدين”. من تلكَ التجسُّدات تجسُّدُ شخصيَّات الهادي الحبيب الستّ، وتجسُّدُ كائنٍ هبطَ من أَحد الكواكب، وتجسُّدُ ندى التي وُلِدَت في الأَرض بعد 19 عامًا من تجسُّدها وزارَت الهادي الحبيب بالعُمر نفسِه، وكان الشُّهودُ عند تجسُّدها هم أَنفسهم عند زيارتها.
[27]انظر عددَ “اللواء” الخاصّ بالمرِّ يخ والقمر عام 1964.
[28]مع أَنَّ أَكثريَّةَ العُلماء الذين درسوا نتائجَ التحليلات التي أُجرِيَت في مُختَبَرات المركبة الفضائيَّة فايْكِنْغ رجَّحوا عدمَ وجود حياة في المرِّيخ، فإِنَّ جلبَرْت ليفن G. Levin رجَّحَ أَنَّ الحياةَ كائنةٌ على هذا الكوكب، وذلك استنادًا إِلى اختباراتٍ أَجراها في الأَرض عقبَ نتائج تحليلات فايكنغ. انظر:
Time-Life Edition, Life Search, p. 28.
[29] إِنَّ المادَّةَ البروتينيَّة التي هي أَساسيَّة في عمليَّة نُمُو الكائنات الحيَّة وإِصلاح أَنسجتها هي شبيكةٌ من سلاسل البِبْتايْد Peptides التي تتكوَّنُ بدورها من الحوامض الأَمينيَّة Amino Acids المترابطة بعضها ببعض بطرُقٍ مُختلفة. وفي الأَنسجةِ الحيَّة في الأَرض لا وجودَ إِلاَّ لحوالى 20 منها؛ لكن لا شيءَ يمنعُ أَن تكونَ مئاتٌ أُخرى من أَنواع الحوامض الأَمينيَّة موجودة في أَرجاءَ مُختلفة من الكون. كذلك فالحياةُ التي تقومُ في الأَرض على الكربون والهدروجين بدرجةٍ أُولى يُمكنُ أَن تقومَ على عناصرَ كيميائيَّة أُخرى، كالنيتروجين والسيليكون أَو الكبريت مثلاً. انظر المصدر الس ابق، ص 30-31 .
[30] يُقدِّرُ علماءُ الفيزياء الفلكيَّة أَنَّ المادَّةَ المُظلمة تؤَلِّفُ حوالى 90 بالمئة من مجرَّتنا كما من الكونِ كلِّه. واستنادًا إِلى هذه النسبة الهائلة، يرَونَ أَنَّهُ لا يسوغُ اعتبارُ الكَون المنظور -بملايين مجرَّاته المُشتمِلة على بلايين النجوم- هو القسمَ الأَهمّ من الكون. فربَّما يكونُ القسمُ المنظورُ من السُّدُمِ والمجرَّاتِ وسائر الأَجرام الفضائيَّة أَشبَهُ بمعالِم الطريق التي تؤَدِّي إِلى حقيقة الكون الخفيَّة.
لكن ما هي المادَّةُ المُظلمة؟ إِنَّ العُلماءَ ما يزالونَ حائرين أَمامَ سرِّها، فيهم يفترضونَ فيها شتَّى الافتراضات؛ ومن افتراضاتهم أَنَّها قد تكونُ من الجُزَيئات الأَصليَّة التي تتأَلَّفُ منها العناصرُ الماِّيَّةُ المعروفةُ، وهي جُزَيئاتٌ لا تُرى بالعين ولا تلتقطُها الأَجهزةُ الإِلكترونيَّة، وهم يُرجِّحونَ أَن تكونَ من الجُزَيئات الكمِّيَّة الضعيفة التفاعل WIMPS (Weakly Interactive Massive Particles) . انظر على سبيل المثال:
Trefil. The Dark Side of the Universe (Charles Scribuer’s Sons, N.Y.,1988), pp. 83-192.
Roger Taylor. The Hidden Universe, Ellis Horwood, N.Y., 1991.
Fred Alan Wolf. Parallel Universes, Simon and Schuster, New York., 1988.
ويُرجِّح جماعةٌ من العُلماء أَن يكونَ الكونُ بثُلثَيه مؤَلَّفًا من مادَّةٍ غريبةٍ عمَّا هو معروف. انظر مجلَّة:
, April 14,1994Nature.
[31] بسبَب غموض مفهوم “النَّعيم” في أَسفار العهد الجديد، التبَسَ معناهُ بمعنى “السماء” لدى اللاهوتيِّين المسيحيِّين. لذلكَ نزَّهوا النَّعيمَ عن المادَّة. غيرَ أَنَّ بولسَ الرسول تحدَّثَ عن “الأَجساد السَّماويَّة والأَجساد الأَرضيَّة” (الرسالة الأُولى إِلى أَهل كورنتس 15: 40)؛ وذكرَ يوحنَّا في رُؤياه “المدينة المقدَّسة أُورشليم نازلةً من السَّماء من عند اللّـه ولها مجدُ اللّه” (رؤيا 21: 9-27)، ومع ذلك نسَبَ إِليها صفاتٍ مادِّيَّةً لكن مَجيدة. كما ذُكِرَ في “الرؤيا” أَيضًا أَنَّ السيِّدَ المسيحَ يُعطي المُستحقِّين الغالبين الأَرض “كوكب الصُّبح” (رؤيا 2: 27). أَمَّا القرآنُ الكريم فقد أَضفى على جنَّات النَّعيم صفاتٍ ماِّيَّةً مَجيدة ذكرتُ أَهمَّها في ما سبق من هذا الفصل.
[32] لهذاا السبَب أَجابَ السيِّدُ المسيحُ مَن سأَلَه لأَيِّ من الإِخوة السبعة الذين ماتوا تكونُ المرأَةُ التي تزوَّجَتهم تِباعًا، يومَ القيامة: “أَنتُم في ضلالٍ لأَنَّكم تجهلونَ الكُتبَ وقُدرةَ اللّه، فلا الرجالُ في القيامة يتزوَّجون ولا النساءُ يُزَوَّجن؛ ولكن يكونونَ كالملائكة في السماوات.” (متّى 22: 29-30). والقيامةُ تعني هُنا بعثَ السيَّالات الصالحة مِمَّن ماتوا ودخولَها عوالَم النعيم.
والقرآنُ ذكرَ أَنَّ الذين يرتعونَ في جنَّات النعيم “لهم فيها أَزواجٌ مُطهَّرة” (سورة البقرة 25، والنساء 57، وآل عمران 15). و”المُطهَّرة”، هنا، لا تعني مُطَهَّرة من القذارة والَحيض فحسب -حسبما يذهبُ بعضُ المفسِّرين الدينيِّين- بل من شهوة الأُنثى الأَرضيَّة والتجربة الجنسيَّة البشريَّة أَيضًا.
[33] الدكتور داهش: قصائدُ مُجنَّحة (حدائق الآلهة)، ص 46-48 . وقد أُلهِمَ النبيُّ كتابتَها في بيروت، عند الساعة 11 قبل ظهر 12/4/1974 .
[34] يُقدِّرُ عُلماءُ الفَلَك أَن قُطرَ مجرَّتنا يبلغُ حوالى 100.000 سنة ضوئيَّة، وأَنَّ نظامَنا الشَّمسيَّ يقعُ على بُعد حوالى 30.000 سنة نوريَّة من وسط المجرَّة; علمًا بأَنَّ السنةَ النوريَّة تُعادلُ نحو5.900 بليون ميل أَو 9.500 بليون كلم أَو 63.000 وحدة فَلَكيَّة (بُعدُ الأَرض عن الشمس). انظُر على سبيل المثال:
Burnham, Burnham’s Celestial Handbook, Vol.1 (Dover Pub, New .York, 1978), pp. 13-97.
[35] ماري حدَّاد (1889-1973) أَديبةٌ ورسَّامةٌ لبنانيَّة، خلَّفَت عدَّةَ لوحاتٍ فنِّيَّةٍ معروضةٍ في “مُتحف داهِش” في نيويورك، وعدَّة مؤَلَّفات باللغة الفرنسيَّة. كانت رئيسة لنقابة الفنَّانين في لبنان. تعرَّفَت إِلى مُؤَسِّس الداهشيَّة هي وزوجها جورج وبناتها ماجْدا وآندره وزينا عام 1942، وسرعانَ ما آمَنوا به، بعدَ استماعهم إِلى تعاليمه الروحيَّة ومعاينتهم عدَّةَ مُعجزاتٍ تمَّت على يدَيْه. ولمَّا كانت ماري شقيقةً لِلُور، زوجة الرئيس اللبنانيّ بشاره الخوري (1943-1952)، ولمَّا كانت الرئاسةُ اللبنانيَّة، عهدئذٍ، خاضعةً لتأثير الإِكليروس المسيحيّ وخاصَّةً الكاثوليك، فقد تآمرَ رجالُ الدين الكاثوليك مع بشاره الخوري وزوجته وأَعوانهما على الضَّغط الشديد، أَوَّلاً، على ماري حدَّاد وأُسرتها، ليتخلَّوا عن إِيمانهم بالنبيِّ الجديد، ثمَّ على اضطهاد رجل الروح وأَتباعه اضطهادًا رهيبًا. وقد تسبَّبَ هذا الطغيان بسجنِ ماري أَشهرًا كثيرةً وبتعذيبها، كما باستشهاد ابنتها ماجْدا في 27/1/1945 انتحارًا احتجاجًا على اضطهاد النبيّ. أَمَّا زوجُها جورج (1886-1969) فقد عاشَ حياةً مُتقشِّفةً مُتواضعةً وصنَعَ نعشَه بيدَيْه. والدكتور جورج خبصا (تُوفِّيَ سنة 1969) عُرِفَ بثَباتِ إِيمانه وإِنسانيَّته وأَخلاقه المُثلى وجهاده أَيَّامَ الاضطهاد. وحليم دمُّوس سُجِنَ شهورًا كثيرةً في سبيل معتقده; ولم يثْنِهِ السَّجنُ والتهديدُ عن مُتابعة تبشيره بالرسالة المُقدَّسة في قصائدَ ومقالاتٍ كثيرةً كان ينشُرُها في الصُّحُف الحُرَّة في البلاد العربيَّة والمهاجر الأَمريكيَّة. راجع الفصلَين الثالث والرابع من الجزء الأَوَّل من “الكتاب الداهشيّ”. كذلك انظُر ماري حدَّاد “صواعقُ داهشيَّة” (مجموعةُ رسائلها وعرائضها وبياناتها أَيَّامَ الاضطهاد)، و”دفاعُ الرئبالة” (قصَّةُ محاكمتها); و “نهر الدموع” (مجموعةُ مراثٍ ووقائع كتبَها الدكتور داهش في خبصا)، وكتاب “الحمامةُ الذ بيحة أَو الشهيدةُ الأُولى ماجْدا حدَّاد” (يضمُّ كتاب “روح تنوح للدكتور داهش وهو مراثٍ فيها، ووقائع عن كفاحها واستشهادها ومراثيَ أُخرى). أَمَّا حليم دمُّوس فدراسةُ نجوى سلام براكس “حليم دمُّوس والاتِّجاهُ الروحيُّ في أَدبه” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1984) نُعطي فكرةً شاملةً عن شعره وحياته.
[36] نُشِرَت في “ناثر وشاعر”، الجزء الثاني (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 207-210 . و “ناثر وشاعر” يتأَلَّفُ من ثلاثة أَجزاء تضمُّ مختاراتٍ من كتُب الدكتور داهش نظمَها حليم دمُّوس شعرًا.
[37] انظر في “حدائق الآلهة” قطعة “شجرةُ معرفة الخير والشرّ” (التائه في بيداء الحياة، ص 87) و “قُبلةٌ تحملُ سعادةً أَو هلاكًا” (قصائدُ مُجنَّحة، ص 43) و “سعادة خياليَّة” (قيثارة الحبّ، ص 67)؛ وانظُر في “فراديس الإِلاهات” قطعة “سعادةٌ فشقاء” (يُنبوعُ السعادة، ص 68).
[38] انظر في “قِصَص غريبة وأَساطير عجيبة”، الجزء الأَوَّل، “وهبطَت فينوس إِلى الأَرض”، ص 170-171، الجزء الثاني، “مدينة الأَحلام”، ص 177، و“حُلُم مُذهِل”، ص 185، والجزء الرابع، “في جنَّة النعيم المُقيم”، ص 119-121 .
[39] الدكتور داهش: قيثارة الحبّ (حدائق الآلهة)، ص 26 .
[42] الدكتور داهش: قِصَصٌ غريبةٌ وأساطيُر عجيبة، الجزء الثاني، ص 224-226 .
[43] تقع قلعةُ بعلبكّ في سهل البقاع بلبنان.
[44] الدكتور داهش: قِصَصٌ غريبةٌ وأساطيرُ عجيبة، الجزء الأَوَّل، ص 212-217
[46] سِفْرُ الملوك الثاني 2: 11 .
جميعُ الذين ترجموا الكتابَ المقدَّس أو درَسوه لم يفهموا هذه الفِقرة، حتَّى إنَّ كثيرين منهم ترجموا أبناء الآلهة بـ”أبناء اللّه”، وحسبوهم أبناء شيت، بينما حسبوا بنات قايين “بنات الناس”.
[49] في النصف الثاني من القرن العشرين وُضِعَت كتبٌ كثيرةٌ في لغاتٍ مختلفة عن ظهورٍ مُتكرِّر لمركباتٍ فضائيَّةٍ غير أرضيَّة . Unidentified Flying Objects (UFOS)
ابتداءً من عام 1947 . وقد أُقيمَت مؤَسَّساتٌ رسميَّةٌ لمُتابعة هذه الظاهرة الغريبة في عدَّة بلدان، منها الولاياتُ المتَّحدة وكنَدا، كما عُقِدَت عدَّةُ مؤتمَراتٍ علميَّةٍ للبحث فيها؛ لكنَّها جميعًا لم تتوصَّل إلى إصدار أيِّ بيانٍ علميّ جَماعيّ أو أيِّ بيانٍ رسميّ تأكيدًا لوجود المركبات الفضائيَّة الغريبة، باستثناء بيانٍ رسميّ أصدَرَتهُ الحكومةُ البلجيكيَّة، في ربيع عام 1990، عن ظهور مركبة فضائيَّة غريبة في سماء البلاد، بعد أن التقطَ الرادار وجودَها، كما طارَدَتها طائرتان حربيَّتان، لكنَّ المركبةَ الفضائيَّةَ اختفَت فجأةً من أمامهما كما توارَت صورتُها من على شاشة الرادار. انظر:
Time-Life Books Editors, Alien Encounters, 1992, pp. 80-81.
وبين شهود المركبات الفضائيَّة أسماءُ عسكريِّين كبار وأسماءُ سياسيِّين بارزين بينهم الرئيسان الأَمريكيَّان جيمي كارتر ورونالد ريغان الذي نُسِبَ إليه أنَّه صر حَ أمام الرئيس ميخائيل غورباتشوف بضرورة تعاوُن قُوَّات الولايات المتَّحدة والاتِّحاد السوفياتيّ فيما إذا حدثَ غزوٌ للأرض من قِبَل كائناتٍ غير أرضيَّة. انظُر:
Timothy Good. Alien Contact: Top-Secret UFO Files Revealed. (William Morrow & Co., N.Y., 1993), pp. 79-81.
والذين يهتمُّون بهذه الظاهرة الغريبة من جمعيَّاتٍ خاصَّةٍ ومُراقبين وباحثين يتَّهمون الحكومةَ الأَمريكيَّة بإخفاءِ معلوماتٍ تؤَكِّدُ هبوطَ مركباتٍ فضائيَّةٍ إلى الأَرض، في الولايات المتَّحدة نفسِها.
ومن مُراجعة أهمّ ما وُضِعَ من كُتُبٍ حول هذا الموضوع، يتَّضحُ أنَّ كثيرًا من الأَوصاف التي أطلَقَها الشُّهودُ على المركبات الفضائيَّة ورجالها مُطابقٌ لما ذكرَهُ مُؤَس \ِّسُ الداهشيَّة عنها وعنهم استنادًا إلى الوحي الروحيّ. فالمركباتُ، في الغالب، هي بشَكلِ أطباقٍ مُستديرةٍ أو بشكلٍ أُسطوانيّ مُستطيل، وهي ذاتُ سرعةٍ خارقةٍ، وتتمتَّعُ بالقُدرة على الاختفاء عند الضرورة. كذلك وصفَ الشهودُ رجال المركبات ونساءَها بأنَّهم قِصارُ القامات عادةً، وقد يكونون طوالاً، ولديهم قُدرةٌ على جَذبِ ما يُريدونَه من بشرٍ أو حيوانٍ أو غير ذلك إليهم، كما نَسبوا إليهم أنَّهم قاموا بتَلقيح عدَّةِ نساءٍ بشريَّات. لكنَّ الحقيقةَ الأَكيدةَ تضيغُ تفاصيلُها بين تخيُّلات الأُلوف من الشُّهود واختلاقاتهم أو هلوساتهم. انظُر المصدرَين السابقين، كذلك انظُر:
John Mack. Human Encounters With Aliens, C. Scribner’s Sons, 1994.
Whitly Strieber. Communion, Morrow, 1987.
Budd Hopkins. The Incredible Visitations at Copley Woods, Random .House, 1987.
Gary Kinder. Light Years, Atlantic Monthly Press, 1987.
[50] الدكتور داهش: قِصَصٌ غريبةٌ وأساطير عجيبة، الجزء الثاني، ص 107-116 .
موجَزُ القصَّة أنَّ العلاَّمة ماندال أخذَ يُفكِّرُ باختراعِ مركبة سرعتُها سرعةُ النور، ولكن تأكَّدَ له أنَّ ذلك مُحال، لأنَّ المركبة -إذا أمكنَ اختراعُها- سيكبرُ جرمُها ويتَّسعُ وفقًا لنظريَّة النسبيَّة، وبقَدرِ ما توغِلُ في البُعد سيزدادُ اتِّساعُها حتّى تملأَ الفضاءَ الكونيّ. فشرعَ، إذْ ذاك، يُفكِّرُ في طريقةٍ أخرى حتَّى اهتدى، بعد تجارب عشرة أعوام، إلى طريقةٍ كيميائيَّة يُحوِّلُ بها المادَّةَ إلى نور. فأجرى تجاربَه على عدَّةِ حيوانات، ثمَّ على خادمته، فوجَدَ أنَّها نجحَتْ في تحويلهنَّ إلى نورٍ محصور لا يتسرَّبُ إلى الفضاء ثمَّ في إعادتهنَّ إلى أشكالهنَّ الطبيعيَّة. بعدئذٍ طلبَ إلى خادمته أن تُجريَ التجربة عليه، ولكن بطريقةٍ جديدةٍ تهدفُ إلى انطلاقه، بعدَ أن يتحوَّلَ إلى نور، إلى رِحاب الفضاء. ونجحَت التجربة، فانطلَقَتِ الأَشعَّةُ “تجوبُ الآفاق، فمرَّت بكواكبَ وأفلاكٍ وسُدُمٍ ومجرَّاتٍ ومتاهاتٍ كونيَّةٍ مُذهِلة. واستمرَّت في انطلاقِها المُدهِش للعقول حتَّى بلغَت كوكب الماهيا هوبال. فقد كان هذا النورُ مُنسجمًا مع هذا الكوكب العظيم، وكانت جاذبيَّةُ الكوكب مُوافقة لهذا الإشعاع المُنطلِق من عالَم الأَرض، فجذَبَه إليه. وفورَ دُخوله إلى فلَكه، تجسَّدَ العلاَّمةَ مثلما تجسَّدَ الجهازُ أيضًا.” وأمضى ماندال عامًا كاملاً في هذا الكوكب، شاهدَ في خلاله كائناتٍ عجيبة، منها أشجارٌ تنتقل، ومنها أشجارٌ تحملُ عيونًا، وأُخرى ألسنة، وغيرها أيادي، وسواها أرجُلاً؛ ومنها فتاة ذاتُ عشر عيون ويدٍ واحدةٍ تنتهي بعشرين إصبعًا… كما اطَّلَعَ على طريقةِ حياة السكَّان، وطريقة سَكَنهم وأكلهم وشُربهم واستحمامهم وحُبِّهم وتوالُدهم. وعند انقضاء العام، عادَ إلى الأَرض بالطريقة الكيميائيَّة نفسِها، لكنَّه سرعانَ ما قضى نحبَه.
[51] إنَّ انهماكَ خادمة ماندال في تنقيبها عن مفعول الأَدوية وعدم اشتداد قلقِها على حياة العالِم يدلاَّن على أنَّه لم يغبْ عن نظرها إلاَّ بضعَ دقائق. فلو افترَضنا أنَّ غيابَه استَغرقَ ستَّ دقائق، فيكونُ العامُ الذي أمضاهُ ماندال في الكوكب يُقابلُ 6 دقائق أرضيَّة، أي تكونُ مدَّة العشرة آلاف عام التي يُمضيها في الكوكب من يُحرَقون في الأَرض تُقابلُ حوالى 42 يومًا أرضيًّا.
[52] المصدر السابق نفسُه، ص 85-90 .
[53] عند انطلاق السيَّال الروحيِّ من الأَرض في رِحاب الكون، تكونُ سرعتُه في الثانية تُعادلُ ما يقطعُه النورُ في 100.000 سنة. لكنَّ السيَّالَ الروحيَّ الذي ينتقلُ من كوكب “مدينة الأَنوار الساطعة” إلى كوكب إسمانديون تزدادُ سرعتُه عشرة أضعاف، فتُصبحُ مليونَ عامٍ نوريّ في الثانية الواحدة. وهذا يدلُّ على أنَّهُ في دائرةٍ نورانيَّةٍ سامية.
[54] عن الموت في “مدينة الأَنوار الساطعة” يقولُ الهادي الحبيب:
“سُكَّانُ هذه المدينة العجيبة لا يُمكنُ أيًّا منهم أن ينتحر؛ ولو ألقى امرؤٌ نفسَه من قِمَّةِ أيِّ جبلٍ شامخ، وهوى إلى الحضيض، لانتصَبَ واقفًا دونَ أن يُخدَشَ له ظُفر. فالموتُ لا يأتي أيَّ قاطنٍ في هذه المدينة حتَّى تنتهي أعوامُه الأَلف… فعندما يبلغُ المرءُ عامَهُ الأَلف يكونُ قد شاخ، وتوتَّرَت أعصابُه، وانحنى ظهرُه لِثِقَلِ الأَيَّام، وضعفَ بصرُه، واخشَوشَنَ صوتُه، وثقُلَت خطواتُه، وأخذَ يترنَّحُ يُمنةً ويسرة.
“وعندما ينقضي يومُه الأَخيرُ من عامه الأَلف، يتغيَّرُ فجأةً، فيولَدُ طفلاً رضيعًا، ويروحُ ينمو مع الأَيَّام، ويُعيد سيرتَه الأُولى، أي يحيا ألفًا من الأَعوام، ثانيةً، وبنهايتها يولَدُ مرَّةً أُخرى، وهكذا دواليك…
“وانقضى الأُسبوعُ الأَخيرُ، وأصبحَ عمرُ أسد اللّه 1000 من الأَعوام، وبانتهاء آخر دقيقة من عامه الأَلف اختفى أسدُ اللّـه بغتةً وهو جالسٌ مع زُمرةٍ من أصدقائه. فعرفوا بأنَّه قد وُلِدَ في كوكب إسمانديون ذي الأَشعَّة البنفسَجيَّة. فسُكَّانُ “مدينة الأَنوار الساطعة” علموا جميعًا بحبِّ بطلهم لـبهاء الربيع الفاتنة. فأُقيمَت الأَفراحُ بهجةً وحبورًا لولادته منها.
“وبالدقيقة نفسها التي توارى فيها جسَدُ أسد اللّه عن العيان، وَلَدَت بهاء الربيع طفلاً جميلَ الصورة متين التركيب. وفورَ ولادته أَطلقَ ضحكةً رنَّانةً عرفَتْ منها بهاءُ الربيع أنَه كان مُتلهِّفًا للُقياها” (المصدر السابق نفسُه، ص 88-89 ).
[55] المصدر السابق نفسه، ص 188-195 .
[57] المصدر السابق، ص 194-195 .
[58] الدكتور داهش: قِصَص غريبة وأساطير عجيبة، الجزء الثالث، ص 75-92.
[59]ذكَرتُ في الفصل السابق أهمَّ الوقائع والتعاليم الروحيَّة التي عرضَها النبيُّ الحبيبُ على لسان السيِّد المسيح في “كوكب الأَنبياء العِظام.”
[60] قِصَص غريبة وأساطيرُ عجيبة، الجزء الثاني، ص 70-72 .
[61] المصدر السابق، الجزء الأَوَّل، ص 29: “الحُلُمُ الهابطُ إلى أرض البشر”.
[62] المصدر السابق نفسه، ص 30-32 .
[63] المصدر السابق نفسه، ص 32-33 .
[64] المصدرُ السابقُ نفسُه، ص 162 و 170 و 172 . وفي الفصل السابع عشر سيُعالَجُ موضوعُ الميثولوجيا والحقيقة.
[65] المصدرُ السابق، الجزءُ الرابع، ص 120 : “في جنَّة النعيم المُقيم”. وقد ذكرَ النبيُّ أنَّهُ شاهدَ فيها فوته يُحتَفَلُ بعيد مولدها، وقد أحاطَ بها “سربٌ من بنات الغاب وقِيان الفردوس وعرائس الجداول. وكانت أفتنُهنَّ جمالاً تُنشدُها قصائد عجيبة الأَلحان…”
[66] الدكتور داهش: غاب البنَفسَج (سلسلة فراديس الإلاهات)، ص 110: “في عيد مولد غازي براكس.”
[67] الدكتور داهش: المُهنَّدُ الباتر (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 167.
[68] هذه الحقيقةُ أدركَها بولس الرسول إذْ قال: “مجدُ الشمسِ شيء، ومجدُ القمر آخر، ومجدُ النجوم آخر، لأنَّ نجمًا يمتازُ عن نجمٍ في المجد.” (رسالةُ بولس الرسول الأُولى إلى أهل كورنثوس 15: 41).
[70] يُقدِّرُ العلماءُ أنَّ عمرَ الشمس -وبالتالي عمر المجموعة الشمسيَّة- حوالى أربعة بلايين ونصف البليون عام.”
[71] يُقدِّرُ العلماءُ أنَّ الشمسَ تُحوِّلُ، في كلِّ ثانية، أربعة ملايين طنّ من المادَّة إلى طاقة.
[72] من شَرح الملاك الرقيب لي. وقد قال الهادي الحبيب في أواخر قصَّة “الكونتينار وصناديقُه الـ25” (قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج ،1 ص 156)، وذلك بلسان الشجرة: “إنِّي لا أستطيعُ التحدُّثَ بعدما أرسَلَت الشمسُ أنوارَها الساطعة، إذ إنَّها ابتدأَت بنَقلِ أعمال البشر وأحاديثهم، وكذلك الجماد، وهي تختزنُ ما تُصوِّرُهُ من أعمال وما تُسجِّلُه من أقوال، ليكونَ شاهدًا على الجميع عندما يأتي اليومُ الذي يُقدِّمُ فيه كلُّ مخلوقٍ حسابًا عن أعماله…” وقد جمعَ الهادي الحبيب مهمَّةَ الشمس الحيويَّة ومهمَّتَها الروحيَّة في قوله مُخاطبًا الشمس:
“إنَّكِ سيَّالٌ عُلوي يهبُنا الحياةَ ويبعثُ فينا الحيويَّة،
لولاكِ لَكانت أرضُنا ظلامًا دامِسًا،
ولولاكِ لاحتلَّت كُرتَنا ثلوجٌ أبديَّة،
ولولاكِ لماتَ كلُّ مخلوقٍ ذي نسمةٍ حيَّة،
ولأَصبحَت أرضُنا بلقعًا خرابًا وقفرًا يبابًا…
أيُّتها الشمسُ الدائبة منذُ بلايين السنين
على مَدِّنا بطاقَتِكِ الهائلة المُحيية…
إنَّكِ من أعاليكِ تُراقبين أعمالَنا، وتُصغينَ لأَقوالنا،
وتصبرين على جرائمنا، وتُشاهدين تهتَّكَنا وتبذُّلَنا…”
(آمالُنا أوهام، سلسلةُ فراديس الإلاهات، “أيُّتها الشمس”، ص 46-47.)
[73] الدكتور داهش: قِصَص غريبة وأساطير عجيبة، الجزء الأَوَّل، ص 33 .
[74] من شرح الهادي الحبيب لي. مثالُ ذلك ما يقولُه الهادي الحبيب في أثناء كلامه على الموسيقى: “إنَّها إكسيرُ الآلهة، الأَرباب العظامِ الراتعين في الفردوس.” (قِصَصٌ غريبة وأساطير عجيبة، ج 1، ص 31 .
[75] المصدر السابق، ج 2، ص 71 .
[76] أسماءُ الآلهة والإلاهات المعروفة في الميثولوجيات القديمة، ولا سيَّما اليونانيَّة والرومانيَّة (نسبةً إلى روما) والمصريَّة، مبثوثة في كثيرٍ من مؤَلَّفات النبيِّ الحبيب القَصَصيَّة والوجدانيَّة. وسيُعرَضُ رأيُ مُؤَسِّس الداهشيَّة في مدى صحَّة الميثولوجيا في الفصل السابع عشر.
Back to التعاليم الداهشيَّة بقلم الدكتور غازي براكس
العوالمُ الجحيميَّةُ وعذابُها[1]
تتأَلَّفُ العوالمُ السُّفليَّةُ من 150 دَرَكة تضمُّ كلٌّ منها 2000 مُستوًى روحيّ، ويشتملُ كلُّ مُستوًى على 1000 عالَمٍ مُستقلٍّ بذاتِه وأنظمتِه. وأهمُّ وصفٍ لدرَكات الجحيم ماثلٌ في “جحيم الدكتور داهش” الذي يعرضُ ملامحَ نموذجيَّة في وصفٍ سريعٍ لاثنَين وخمسين دَرَكًا.[2]
وتقومُ الأَرضُ (بسَطحها من اليابسة كما ببحارها وأجوائها) على عَتَبة الدَّرَك الأَوَّل. ولها من حيثُ المستوى الروحيّ مثيلاتٌ كثيراتٌ في الكون.
أ – بيئةُ الجحيم الطبيعيَّة ودَورُ الشياطين وزبانيتُهم فيها:
أمَّا الدَّرَكُ الأَوَّلُ فلهُ نموذجٌ يُمثِّلُ بعضَ مُستوياته في جوف الأَرض. وقد دخلَه الهادي الحبيب في رؤيا مُلهَمة. فعندَ انتصافِ الليل الدجوجيّ طَرَقَ مسمعَيه عويلٌ شاملٌ رهيب، واستغاثاتٌ واسترحامٌ من آلامٍ لا تُطاق. وسرعانَ ما برزَ شيطانٌ يقذفُ النارَ من ناظرَيه! وكأنَّما انجلَت، بأُعجوبة، أمام عينَيه، بعضُ دركات العذاب، فرأى الشيطانَ يُنكِّلُ بأَحد الهلكى، إذْ أَطبقَ عليه –
“واقتلَعَ عينَيه، وصلَمَ أُذنَيه، ثمَّ جرَّدَ من اللحمِ وجنتَيه.”[3]
وعَلَتْ صيحاتُ المُعذَّبين مُلعلِعة!… فدهِشَ داهش، وذُعِرَ من الآلام البطَّاشة المُروِّعة، إذ المسكين أصبحَ مُهشَّمًا مُحطَّمًا، تنزفُ عيناهُ دَمًا، والشيطانُ ما يزالُ مُنصبًّا عليه تنكيلاً وتمثيلاً، وما نفعَتْ أَصواتُ الاستغاثة والاسترحام، إذْ ذاك، يقولُ الهادي الحبيب، وكأنَّه في منام:
“تقدَّمتُ بوَجَلٍ، وسأَلتُ الشيطانَ الرجيم
أن يتركَ الهالكَ المسكينَ وعنهُ يتحوَّل
واستَفسَرْتُه ما الداعي لهذا الإرهاب واستعلمتُه عن السبب.
فنظرَ إليَّ بغيظٍ وهو يكادُ يلتهمُني التهامًا
من العجَب ومن شدَّة الغضب!
وأجابني: “سِرْ في رِكابي، وتشبَّثْ جيِّدًا بجِلبابي،
لأُريكَ من الخطأَة أدناهم،
إذْ سأَهبطُ بكَ إلى دركات الجحيم
كي تُشاهدَ كيفَ يتعذَّبُ مَن كَفروا وفسقوا في دنياهم،
وامتَطَيتُ عُنقَه الكريهَ النَّجِس، فاخترقَ بي طبقات الأَرض،
وإذا بنا في الدَّرَك الأَوَّل.” [4]
لكنْ ما إن يُغادر الدَّرَكَ الأَوَّلَ حتّى يقولَ لنا:
“حملَتْني قُوًى غيُر منظورة إلى الدَّرَك الثاني”.
وهكذا فارقَهُ الشيطانُ، وأصبحَت قدرتُه الروحيَّةُ الخارقةُ هي التي تقودُه في انتقالاتٍ روحيَّةٍ من عالَمٍ إلى آخر.
كيف تبدو البيئةُ الجحيميَّة؟
الظلماتُ المُدلهمَّةُ طبقاتٌ حِندسيَّة مُتدافعة فوق طبقاتٍ دجوجيَّةٍ تعجزُ الشمسُ عن اختراقِ بروجها الدهريَّة. وإنْ أومضَ فيها نورٌ يكونُ بريقَ الشُّهُبِ الساطعة التي تُمزِّقُ الدياجير فجأةً لتُروِّعَ المُعذَّبين، وتجعلهم في عذابهم يتخبَّطونَ سادرين!
وُحولٌ نَتِنةٌ ناقعةٌ يغوصُ الخَطأَةُ فيها حتّى الأَعناق، وعَصْفٌ مُجَلجِلٌ واضطرابٌ مُزَلزِلٌ في الآفاق! روائحُ كريهةٌ خنَّاقةٌ، وخفافيشُ بأَجنحتها صفَّاقة! كلابٌ جحيميَّةٌ نهَّاشةٌ عَوَّاء، وزحَّافاتٌ بطَّاشةٌ شوهاء، وغربانٌ فتَّاكةٌ سوداء، وماصٌّ رهيبٌ للدماء، بومٌ ينعَبُ نعيبَ الشؤمِ على الخرائب والأَطلال، وثلجٌ ينهمرُ طوالَ أجيال!…
“وشيطانٌ يُشيرُ بيده فتتفجَّرُ الهاويةُ وتتردَّم،
وتتساقطُ جبابرةُ الصخور وتخرُّ شوامخُ الجبال…”[5]
بروقٌ تُلَعلِع، ورعودٌ تقصف، وعواصفُ تُزَمجر، والهاويةُ تميدُ وتصطخبُ اصطخابَ عالَمٍ واجف، والتماسيحُ الجبَّارةُ الممسوخةُ تخوضُ مُستَنقعَ النَّجيع الراعف…
“وبحيرةُ الدم الأَسود والقَيْح المُتجمِّد
تثورُ باضطرابٍ عاصف.”
واستمِعْ إلى هذه السُّداسيَّة من الدَّرَك المُظلم الثالث والعشرين:
“وتهبُّ عاصفةٌ جهنَّميَّةٌ وهي تُدوِّي وتُزَمجرُ بجبروت
فتضطربُ بُحيرةُ الموت القاتمة وتتلاطمُ برهبةٍ وجنون
فتُذعَرُ وحوشُها وزحَّافاتُها الممسوخة منذُ آلاف القرون
وتُغادرُ مواطنَها الثائرة زاحفةً في السراديب العميقة
وتنتشرُ في أنفاقها المُرعبة لتتوارى من وجه الحقيقة
وهي تُرسلُ أصواتَها المُنكَرة فترتجُّ الهاويةُ ثمَّ تشمخرُّ برهبوت.”
أمَّا الشياطينُ فتبرزُ ،تار ةً، أَضرى من وحوش العوالم السفليَّة، وطورًا تظهرُ مُهدِّدةً مُندِّدةً بأعمال الآثِمين وخَرقِهم لقوانين الدركات الجحيميَّة، وحينًا تعجبُ لطربهم وسرورهم وتصرُّفاتهم في يقظتهم ونومهم، وحينًا آخر تُرعَبُ من اقتتالهم الر هبوتيّ، الزخَّار ببطشهم الجبروتيّ!
ففي الدَّرَك المُظلِم السادس تسمعُ على بُعد ألفٍ من الأَميال اصطكاكَ أسنانَ المُعذَّبين وأصوات عويلهم التي تحجبُ تفجُّرات براكين النيران، ولكنَّ قلوبَ زبانية الجحيم لا ترقُّ لهم، فقد قُدَّت من صوَّان، بل يزيدون عذابَهم بحَشْرهم في مراجلِ الرصاص المصهور آلافًا من الشهور!… وبعدها…
“يأتي شيطانٌ أَمعطُ والنيرانُ تُطوِّقُ معصمَيه،
ويضعُ كلَّ عشرة من الخطأَة في مكبسٍ جديد،
ثم يهوي بدولابه الرهيب فيُطبقُ الحديدَ على الحديد!
وإذا بأجسادهم المسكينة وقد عُجِنَ عظمُها بلَحمها،
واختلَطَت أعضاؤها اختلاطًا عجيبًا بشَحمها،
فيُلقيها أرضًا ويطأُها في قسوةٍ عنيفةٍ بقدمَيه!
وتُدفَنُ هذه الكُتَلُ المسحوقةُ في الجمْر،
فتنضجُ ويتصاعدُ منها بُخارُ الدماءِ المُراقة،
وإذْ ذاكَ يُسرعُ الشيطانُ الأَمعطُ بحذاقة،
ويلتفُّ حوله الزبانيةُ ثمَّ يُسرعونَ بالتهام اللحوم،
ويملأُونَ أجوافَهم حتَّى يقومَ كلٌّ منهم وهو متخوم،
وعندما يثمَلونَ من خمر الدماء يبدأُونَ في السَّمَر وجَرعِ الخمر.”
وفي الدَّرَك الثامن يهرعُ الأَبالسةُ أَجواقًا إِثْرَ أَجواق، وهم ينفخونَ بالأَبواق، وكلٌّ منهم يسومُ الأَثَمَةَ بأَهوال البلاء، ويُجرِّعُهم كؤوسًا دِهاقًا من الشقاء.
وفي الدَّرَك العاشر يبرزُ جبَّارُ النار وهو يخوضُ بلِباسِه الحديديِّ غمراتِ جهنَّمَ مُطاردًا الأَشرار، حتّى إذا أَمسكَهم بكلاَّبه المُبيد وجَمَعَهم…
“إستَلَّ أَلسنتَهم من حناجرهم
ثمَّ سمَلَ أعيُنَهم من أعماقِ محاجرهم.”
وفي الدَّرَك الثالث والثلاثين تبرزُ كتيبةٌ من أغلَظِ الشياطين، فتُطوِّق الخلاقين الرهيبة التي تُطهى بها أرهاطُ الآثمين، وإذا بهم يُخيِّرون المُعذَّبين أيَّةَ ميتَةٍ يستعذبون، بعد أن كانوا داخل القُدور العملاقة يتشاجرون. وسرعان ما يشرعون للحُومهم الناضجة يلتهمون، ولدمائهم القانية يتجرَّعونَ، ولِعظامهم المُحطَّمة يُقَضقِضون!…
وفي الدرك الرابع والثلاثين، بعدَ أن يدعَ الشياطينُ التماسيحَ والأَفاعي والزحَّافات الغدَّارة تُنكِّلُ بالآثمين بمناشيرِ أسنانها البتَّارة، يُسارعُ الأَبالسةُ المُرقَّطون للتقاذُف بجماجم الأَموات، وتجريد رؤوسهم من الشعور، وجَمعِ أطرافهم المُمَزَّقة ودفنها بالأَقذار والنفايات.
***
ولم يعهدِ الدكتور داهش إلى الشياطين بمُهمَّةِ تعذيب الخَطَأَة فقط، بل أَوكلَ إليهم، أيضًا، مهمَّةَ تهديد الهالكين والتنديد بأعمالهم المُنكَرَة، وفَرضِ قوانين الجحيم عليهم.
ففي الدَّرَك الثامن نسمعُ صوتَ القَدَر، وقد اتَّحَدَ بصوتِ مؤَدِّبِ الآثِمين يُندِّد بهم قائلاً:
“لقد طغَيتُم في دُنياكُم وبغَيتُم
ودجَّلتُم على السماءِ وهتَكتُم الأَعراض،
فلا تلوموا السماءَ الآنَ لأَنَّها قابلَتكُم بالإعراض.
إنَّ عذابَكم سيستمرُّ ملايينَ من السنين
وسنُذيقُكُم في أثنائها المُرَّ والصابَ والغِسلين
لأَنَّكم شمختُم بأُنوفكم وعلى الضُّعَفاء اعتدَيتُم.”
ويتعالى هذا الصوتُ المُؤَنِّبُ مُكرِّرًا لومَه وتقريعَه في عددٍ من الدركات، مُؤَكِّدًا أنَّ ما يُقاسيه المُعذَّبون من آلامٍ وأهوالٍ جحيميَّةٍ إنَّما هو جزاءٌ على عصيانهم الأَوامرَ الإلهيَّة.
ب – التَّعذيب: عناصرُه وفنونُه
من عناصر الطبيعة المُساعِدة في عمليَّات التعذيب تلقى الصخورَ والمغاور التي تُطبِقُ على رؤوس الآثِمين، والأَجراسَ الجبَّارة التي تُصدِّعُ آذانَ الهالكين، والخطاطيفَ القهَّارة، وفاتكاتِ الفؤوس، والهراواتِ الغدَّارة التي تسحقُ منهم الرؤوس، والنيرانَ الصهَّارة وعنيفَ النبال والسهام، والمناشيرَ البتَّارة، وكثيفَ الدخان والقتام، والمراجلَ العملاقة والخلاقين، والأَلبسةَ المحبوكة برهيف النصال تُحكَمُ على الهالكين، والأَسرَّةَ المصنوعةُ من كُتَلِ الجمر الوقَّاد، والسياطَ المُثقَلة رؤوسها بقِطَع الرصاص الرعَّاد، والمعاصرَ الهصَّارة للأجساد، والشِّباكَ المُطبِقة على أبناء الفساد!…
ومن العناصر الحيوانيَّة المُساعِدة في التعذيب تلقى السعالى المُرعِبة والعفاريتَ القاهرة، والتنانينَ المُرهبة والجنَّ الطافرة، وجحافلَ الأَفاعي والحيتان، وجيوشَ الزواحف والديدان، وأسرابَ البوم والخفافيش والزنابير، وقطعانَ الثعالب والذئاب والخنازير؛ وترى بنات آوى واليرابيع العمالقة، والأَخطبوط والتماسيح البطَّاشة الساحقة، والقنافذ والجوارح المُنقضَّة كالصاعقة، وكِلاب الجحيم المساعير الماحقة، وبينها ذاكَ الرهيب الذي لهُ ألفُ رأس وعيونه تتألَّقُ كالأَلماس الوهَّاج، يصيحُ فترتجُّ أُسُسُ الهاوية من دويِّه العجَّاج، ثمَّ نهر العقارب التي تُثقِّبُ الأَجساد، وتقطنُ في أوقاب الهالكين أفواجًا إثْرَ أَفواج!…
وحسبي أن أذكرَ للقارئ بعضَ فنون التعذيب التي يزخرُ بها الجحيم حسبما رآهُ الهادي الحبيب.
في الدَّرَك الثاني يُرغَمُ الآثِمون على الغَوص في نهر الموت الطافح بأكره الأَقذار، ثمَّ تنشطرُ الأرضُ تحت أقدامهم فتهوي الأَجسادُ المُعذَّبةُ على شِفار المواضي وأسنَّة الرماح، فتفلحُ القروحُ النَّتِنَة أجسامَهم الممزَّقة! وإذا جحافلُ الدود تهتاج، وكأنَّها أمواجُ البحر العجَّاج فتملأُ أفواههم! وما تلبثُ أن تنقضَّ عليهم من السماء جلاميدُ صمَّاء فتسحقَهم سحقًا وتمحقَهم محقًا، وتهبُّ العواصفُ فتُذرِّي أشلاءَهم في الفضاء!…
وفي الدرك الخامس يظهرُ الأَبالسةُ وهم يُطاردونَ الخَطَأَة على خيولٍ دجوجيَّة، راشقين إيَّاهم بالنبال الناريَّة. وتهوي السِّياطُ على لُحمانهم فتُقطِّعُها وتُخرِّقُها! ثمَّ يُمدِّدونهم على الجمْر وهم ما يزالون أحياء، فيتضوَّرونَ ألَمًا وجوعًا وظماء، فيُقدِّمون لهم الزجاجَ المُهشَّم طعامًا يزدردونَه مُرغَمين، فتتمزَّقُ أَحشاؤهم! ثمَّ تنقضُّ اللطماتُ كالمُتفجِّرات على رؤوسهم! ويُحكَمُ عليهم بالقفز والركض مُتواصلَين مئةَ عام، ومن يخلُّ بما يفرضُهُ النظامُ يُزَجُّ به في غرفة اللهيب ألفًا من الأَعوام!
واستَمِعْ إلى هذا الوصف الواقعيِّ العَتِيِّ في الدَّرَك العاشر:
“وإذا بآلاف الجماجم وهي تتدَحرَج
وبأَقفاص الصدور المكشوطة اللحوم وهي تترجرج،
وكانت العيونُ تتأرجحُ في أوقابها مثلما يتأرجحُ الزئبق
بعد أن كانت كحلاء نجلاء تهزأُ بأزهار الزنبق.”
وفي الدَّرَك السابع عشر يفتح يوسيفورس فكَّي الهارب، حاشرًا جمرةً بينهما حتَّى لا يقوى على إغلاقِ فمه، ثمَّ يهوي بكَلاَّبه على أضراسه يجتثُّها من أصولها، وبعد ذلك يغترفُ الرصاصَ المصهورَ من الخلْقين ويملأُ به شدقَي الخاطئ المسكين مُهشِّمًا وجهَه، فتتفجَّرُ الدماءُ من عينَيه بدلَ الدموع، ويذوبُ-
“مثلما تذوبُ الشموع.”
وفي الدَّرَك الثالث والعشرين يُساطُ الخَطَأَةُ عامًا كاملاً… فتتهرَّأُ لُحمانُهم، وتندلقُ أمعاؤهم، وتتدفقُ دماؤهم كأنَّها الأَنهارُ الجارية!… وتهجمُ إلى حيثُ يرقدون مسوخُ الزحَّافات والوحوشُ الضارية، فتنتزعُهم من أسرَّتهم وتجرُّهم إلى قيعانها، وتُقطِّعُهم بقواطعها وأسنانها!…
وفي الدرك التاسع والعشرين يُرافقُ الإذلالُ عذابَ الخطأة الطُّغاة والمُتجبِّرين من قياصرة وأكاسرة وأباطرة وملوك وسلاطين وأصحاب ملايين. فهم يُجرَّعونَ مُرَّ الصَّاب، ويُلطَمون على أقفيتهم ورؤوسهم المُنكَّسة، ثمَّ تُسلَّطُ عليهم ذئابُ الهاوية فتنوشُهم وتُمزِّقُ لحومَهم؛ وبعد ذلك يؤتى بالزُّعماء فيُجلَدون جَلْدًا رهيبًا، ثمَّ يُصَبُّ عليهم الماء المُثلَّج مع الملح، ويُكبَّلون بالأَصفاد، ويُركَلونَ بالأَقدام، ويُؤمَرون بأن يدبُّوا على الأَربع، فيما تنهالُ العِصِيُّ على مؤَخًَّراتهم. ويستمرُّون بمُعاناة هذا العذاب الهائل ملايينَ من الأَعوام وهم يتمنَّون لو يُنعَمُ عليهم بالموت الزؤام.
وفي الدرك الرابع والثلاثين يغوصُ المعذَّبون في بُحَيرة النجيع الأَسود والصَّديد، وكلَّما حاولوا استنشاقَ الهواء ابتلعوا من القَيح المزيد. يهربون من التماسيح إلى الأَعماق ليختبئوا في نخاريب الصخور، فتُفاجئُهم الأَفاعي الرهيبة واثبةً عليهم من الجحور.
وهكذا يُصبحونَ لُقَمًا ممضوغةً بين فَكَّيْ كلِّ تمساحٍ رجيم، وفريسةً لكلِّ أُفعُوانٍ زنيم!
وفي الدَّرَك السادس والثلاثين يظهرُ الجنُّ أجواقًا طافرات، وتبرزُ نساؤهم منفوشاتِ الشعر مُوَلوِلات! وتتشقَّقُ القبورُ الدهريَّة، وتنهضُ الهياكلُ العظميَّة! وتنتشرُ الغيلانُ والأَشباحُ والتوابع، وتُفلتُ كلابُ الجحيم الهائلة على الهالكين، وتتفجَّرُ الأَقذارُ مُنسكبةً عليهم، وتتسابقُ الزحَّافاتُ بأهوالها إليهم!…
وكيفما رحتَ تجوسُ دركاتِ الجحيم فاجأَتْكَ سيولٌ من الأَهوال العِجاب: فهنا الآثمون تُغرَزُ في عيونهم السفافيد الرهيفة الرؤوس، ثمَّ يؤمَرونَ بأن يحفروا بأيديهم الرموس، فيُدفَنون بها ويُهالُ الجمرُ فوقهم فتزهقُ منهم النفوس! وهناكَ ينقضُّ رسولُ العذاب بشكل طائر، وينتزع من الخطأة الحناجر! وهنالكَ تُشرَّطُ بطونُهم وتُملأُ بالأَفاعي والعقارب!… وثمَّةَ يُطرَحُ العِطاشُ في خزَّاناتٍ مملوءةٍ بكلِّ سائلٍ لاهب، وتُفتَحُ شرايينُهم وتُفعَمُ بالجمر الوقَّاد، ويُسمَّرون بالأَوتاد، وكلَّما صاحوا يستعطونَ الماءَ جرَّعوهم الجمرَ بازدياد!
وإليكَ أَمثلةً من فنون العذاب لا تخطرُ حتَّى في الخيال:
في الدَّرَك السادس يسحقُ الشياطينُ أجسادَ الخَطأَة فتختلطُ لحومُهم بعظامهم، ثمَّ يُنضِجونهم على الجمر ويلتهمونهم، وبينما يخوضون في أحاديثهم الجهنَّميَّة…
“إذا برؤوس الخطأَة تُبعَثُ وتُطلُّ من أفواههم،
وتخرجُ صدورُهم وتتجمَّعُ ثمَّ تبرزُ مع أطرافهم،
وتهوي إلى الأَرض أكوامًا حكَتْ ألواحًا
ثمَّ تقفزُ وتتجمَّعُ، وإذا بها تعودُ أرواحًا!”
وفي الدرك التاسع يُجوِّفُ إبليس رؤوسَ الكسالى ويغرسُ فيها المشاعلَ المُلتهِبة.
وفي الدرك الرابع عشر يفرضُ الشياطينُ الصمتَ التامَّ على الهالكين. وما إن تبدر من أحدهم نأمةٌ حتّى يقبضوا عليه ويفسخوهُ قطعتَين، ثمَّ يُجرِّعوه الحنظلَ الكريهَ ويسحقوهُ في الجُرن بالمطارق، وبعد التنكيل والتمثيل بجُثَّته…
“يُلقى عليه مزيجٌ سحريّ فتعود إليه الروح
وينفخ إبليس على جسده المعذَّب فيمتلئ بالقُروح.”
وإذْ ذاكَ يتبارى الأَبالسةُ في طعنِه بالحِراب وسَوْمه هولَ العذاب.
وفي الدَّرَك الخامس عشر يُصعَدُ أَفواجُ الخَطَأَة إلى أَعالي الجبل، ثم يُدفَعون في الفضاء إلى أسفل…
“ولدهشتهم يرونَ أنَّهم لم يسقطوا على الحضيض!
بل استقرَّ بهم المقامُ في طبقات الأَثير!
حقًّا إن هذا الأَمرَ عجيبٌ ومُثير!
وإذا بالجوارح تحطُّ عليهم وتنوشُهم
وتُقطِّعُ لُحمانَهم بمخالبها ثمَّ تُحطِّمُ رؤوسَهم
وتندلقُ أمعاؤهم، وتتقطَّعُ أكبادُهم، والدماءُ منها تفيض!…
وتبقى الأَشلاءُ مُبَعثَرةً في رِحاب الجو ِّ الفسيح
فيفسد الهواءُ وتنبعثُ منه الروائحُ الكريهة
فتضجُّ الشياطين نفسها وتقول: “هذا يومُ الكريهة!
ويتأَفَّفُ من هذه الروائح الخطأةُ الباقون في أسفلِ سافلين
ويُضطَرُّون لأن يُدخِلوا في فتحاتِ أُنوفهم قِطَعًا من الفلِّين،
وإذا بدُهن الأَموات النَّتِنِ يتساقطُ على أجسادهم ويَسيح!”
ثمَّ تُمنَحُ الأَشلاءُ الحياةَ مُجَدَّدًا، فيهبطُ المُعذَّبون إلى أعماق الجحيم حيثُ كان يتأفَّفُ الآثِمون، ويُصعَدُ هؤلاء مكانهم ليُعادَ تمثيلُ المأساة نفسِها بهم!
وفي الدرك السادس عشر يُعلَّقُ أحدُ الأُثَماء طُعمًا برأسِ قصَبة، ويُغَطَّسُ في البُحيرة الجحيميَّة، وإذا بأخطبوط يعَلقُ به، ويروحان يتعاركان طوال الليل حتّى يتمزَّقَ جثمانُ الخاطئ، فتهبطُ الجوارحُ عليه تغتذي بلَحمه المُتَهرِّئ.
وفي الدَّرَك التاسع عشر يُمسَخُ المُعذَّبون بأن تُعكَسَ أعضاؤهم، ثمَّ تُسلَخُ جلودُهم وتُكشَطُ جباههم، ويُزَجُّ بهم في أدنانٍ هائلةٍ مملوءةٍ بالملح والخَلِّ ستَّةَ أَجيالٍ كاملة.
وفي الدَّرَك الثاني والعشرين إذا السماءُ الغضوبُ تُمطرُ الهلكى بأَقبح العقارب، فيهلعون مُتهاوين إلى أعماق القوارب! ولكنْ هل ينجون؟ إسمَعِ الهادي الحبيب يقول:
“وبأَسرع من لَمْحِ الخاطر تنقلبُ القواربُ إلى أفاعٍ هائلة
فلا يستطيعونَ النجاةَ منها ولا تقيهم غائلة.”
ويرتاعُ الخَطَأَةُ ويُوَلوِلون، وتلتصِقُ العقاربُ بأجسادهم، ثمَّ تزحفُ إلى أحشائهم فترتوي من أكبادهم، وإذْ ذاكَ تتفجَّرُ صدورُهم أنَّاتٍ وآهات، وتتدفَّقُ عيونُهم دماءً وعَبَرات!…
“ويظهرُ من الظلامِ المُدلهمِّ سجَّانُ الهاوية الجبَّار
وبيَدِه منشارٌ مثلومُ الحدِّ ينشرُ به أعضاءَهم المُرتجفة
ويُلقي بها في زوايا جهنَّمَ بكلِّ خفَّة
ثمَّ يُطلقُ عليهم خنازيرَ نتِنَة
فتلتَهِمُ أشلاءَهم المُمزَّقة العفِنَة
ثمَّ يأمر فتعود إليهم الحياة، وللحال يطرحهم في مرجلٍ من القار.”
وفي الدرك السادس والعشرين:
“أُحضِرَ صاجٌ نُحاسيّ يتوهَّجُ قبل أن يوضعَ على النار…”
وبعد أَن أُجِّجَتِ النيرانُ تحته ابيضَّ لِعِظَمِ الحرارة الصاهرة، وإذْ ذاك أُجلِسَ الآثِمون عليه حتّى نضجَت أَجسامُهم، ثمَّ هوى الأَبالسةُ عليهم بالسِّياطِ المُمزِّقة للُحمانهم، وجرَّعوهم الحنظلَ الذي هرَّأَ أَلسنتَهم، وأخيرًا…
“سكَبوا على أَجسادهم الزيتَ وأَشعلوها فأَضاءَت كالفنار!”
وفي الدَّرَك الثامن والثلاثين ترى المعذَّبين العُميان تشويهم النيران، فتسيلُ أجسادُهم، وبها تُملأُ القِصاعُ حساءً تُقدَّمُ للهالكين. ومَن تمنَّع يخضع للعذاب المُبرِّح المُهين. والمُشاغبون منهم يُرفَعون على الصلبان الحديديَّة، وتُبقَرُ بطونُهم وتُحشى برَوْثِ الخنازير بوحشيَّة، وإذْ يستعطفون جلاَّديهم العُتاةَ طالبين أن يسقوهم قطراتٍ من الماء، يتهافتُ الشياطينُ ليُجرِّعوهم أكوابًا طافحةً بالصَّديد والدماء، فيتقيَّأ المُعذَّبون المساكين حتَّى الأَمعاء!…
وفي الدَّرَك الخامس والأَربعين تُطرَحُ أَجسامُ التاعسين في الأَفران حتَّى إذا ما أَصبحت رمادًا ذُرِّيَت على رؤوس التماسيح. وفي الحال تتحولُ الذرَّاتُ جيوشًا لَجِبةً من البقِّ الجحيميِّ فتزحفُ حيثُ الخطَأَةُ فتلذعهم وتمتصُّ دماءَهم حتَّى تجفَّ منهم العروق.
وفي الدَّرَك السادس والأَربعين يُغلى الخَطَأَةُ بالخلاقين الملأَى بالنحاس المصهور الذي يُغلِّفهم بطبقةٍ رهيبة، ثمَّ ما يلبثون أَن يتحوَّلوا إلى سوائل ليُبعَثوا بأشكالِ ثيرانٍ عجيبة!
وفي الدرك السابع والأَربعين يُطاردُ الغيلانُ الهاربين من الأَثَمة، فيُمسكونهم ويُقطِّعونهم تقطيعًا دقيقًا بالسكاكين، ثمَّ يُعطَونَ الحياةَ فتتجمَّع الأَشلاءُ والرُّفاتُ ليُعيدَ تقطيعَها أرهاطُ العُتاة!
ج – أَحوالُ المُعذَّبين:
كيفما جسْتَ درَكاتِ الجحيم المُظلمة تُفاجئُكَ فيه الآلامُ المُردِّمة، والأَوجاعُ المُحطِّمة، والصَّيحاتُ المُهدِّمة! وإليكَ بعض النماذج:
في الدَّرَك الأَوَّل تلقى الوجهَ اليائس العابس في الحِندِس الدامس، وتسمعُ الوَلوَلة المُخيفة والهَمهَمة العنيفة، وترى العَبَرات الهامية كالسَّيل، والهالك المُستغيث من الوَيْل، وتلمحُ الأَشباحَ الرهيبةَ تطوفُ بأَودية الديجور مُنقِّبةً فيها مدى عصورٍ وعصور!
وفي الدَّرَك الخامس تنشطرُ الأَرضُ تحتَ أَقدام الخَطَأَة، وأُسُسُ الجحيم الدجوجيَّة تميدُ وتتزَعزَع، فتطفُر الكائناتُ هالعةً مُوَلوِلةً، وتهتزُّ أَركانُ الدركاتِ السُّفليَّة من زعيقها المُفجِع!
وبعد العذاب الهائل الذي قاساهُ الآثِمون في الدرك الحادي عشر،
“علا عويلُ الخطَأَة وسكَبوا دموعَ مآقيهم الغزيرة
فتجمَّعَت عبَراتُهم الهاطلةُ بلَونها الحالك
وأَلَّفَتْ مُستنقَعاتٍ كثيرة!…”
ثمَّ زحفَتْ أشباحُهم وكأَنَّها العظايا العملاقة، وراحَت تجوبُ أعماقَ المُستَنقَعات وأَطرافَها، علَّها تجدُ مَنفَذًا للنَّجاة. ولكنْ… هيهات، هيهات!…
وفي الدَّرَك الثالث عشر نُشاهدُ حيزبونًا شمطاء تُجدِّفُ وتلعنُ الأَقدار، وتُهدِّدُ الأَبالسةَ مُحاولةً الفرار، لكنَّ الشيطانَ يُلقي عليها أُنشوطتَه ويختطفُها كالبرق الخاطف للأبصار، ويدقُّ رأسَها دقًّا.
وفي الدََّرك الرابع عشر يتحيَّنُ أحدُ الآثِمين غفلةً من حُرَّاسه فيُلقي نفسَه في بُحيرة الموت، شدَّ ما قاسى من الأَهوال، فيُطلقون عليه التماسيح الشوهاء، فتُمزِّقه مُقَضقِضةً منه العَظام وسافحةً الدماء.
وفي الدَّرَك السابع عشر يرى الخَطَأَة يوسيفورس حاملاً كَلاَّبه الرهيب وهراوتَه الهائلة فيرتجفون هَلَعًا، ويهربونَ فزعًا، لكنَّهُ ما يلبثُ أن يقبضَ عليهم بشعورهم، فيكسوهم صَلَعًا!
وفي الدَّرَك السادس والأَربعين تُطوِّقُ الحِرابُ الباترةُ مكانَ الهلكى، وإذْ يُحاولون الهروبَ يصطدمونَ بالأَسنَّة، فإذا بأجسادهم تُخرَّق. ويُعلنُ الآثِمونَ العصيان، فتُطلَقُ عليهم خنازيرُ الغيلان فتُمزِّقُهم بأنيابها شرَّ مُمَزَّق.
وفي الدَّرَك السابع والأَربعين ترى الغيلان، حُرَّاسَ هذا العالَم السُّفليّ وقد أَخذَتهم سِنَة، فيغتنمُها الهلكى فرصةً سانحةً ليَهيموا ويطفروا، وما إن يستيقظ حُرَّاسُهم حتَّى يُطاردوهم طِرادًا مُريعًا، فيقبضوا عليهم ويعملوا فيهم براثنَهم تمزيقًا وتقطيعًا!
ويُرينا الهادي الحبيب أنَّ الخاطئين ما يزالونَ يتمتَّعونَ بالُحرِّيَّة والإرادة -وهما مِنْحَتان إلهيَّتان لجميع الخلائق مهما سمَتْ أو تسفَّلَتْ- ولذلك فمُحاوَلةُ التحسُّن والتَّوبة ليست بالمُستحيلة في أيِّ دَرَكٍ من الجحيم. فاسترحامُ الخَطَأَة، وإعلانُ توبتهم، ورَفعُ صلاتهم إلى خالق البرايا تُسمَعُ في عددٍ من دَركات العذاب.[6]
أَصغِ إلى هذه السُّداسيَّة التي تُصوِّرُ تباريحَ المتألِّمين المُتضَوِّرين، وشعورهم بخطاياهم، وتعكسُ الضعفَ البشريّ والانسحاقَ أمام السدَّة الإِلهيَّة:
“يا لَلصَّيحات الرهيبة وهي تُمزِّقُ الفضاء:
أَليسَ من رحمةٍ أيُّها الإلهُ العادل؟
لقد حطَّمَتْنا الآلامُ وهزأَ بنا إبليسُ العاذل.
نحنُ ظننَّا بأن الحياةَ طويلةٌ فإذا بها تمضي كالحُلُم،
فعفوَكَ ورِضاكَ وغفرانَك العميم يا صاحبَ الحِلْم،
إرْحَمْ ضعفَنا البشريَّ ورُدَّ عنا عاديَةَ القضاء.”[7]
د – أغربُ مشاهدِ العذاب:
إن َّ مَنْحَ المُعذَّب حياةً جديدةً بعد فنائه في الجحيم نجدُهُ شِبْهَ دائم، فهو يُتيحُ للخاطئ تجديدًا للعذاب.
في الدَّرَك الثالث يبدأ الهادي الحبيب وصفَه هكذا:
“وهُنا ظُلُماتٌ مُتكاثفةٌ تتلوها ظُلُمات
وحَرَسٌ من الأَبالسةِ الغِلاظِ الشِّداد
يُنكِّلونَ بمُختَلَف الناس والعِباد
يسحقونهم في أجرانٍ من الفولاذ الُمُحمرِّ من شدَّة النيران
ويعودون فيهبونهم الحياة، ثانيةً،
بعدَ أن تستطيبَ حياتُهم الهجران،
وهكذا يُخَلَّدون في عذابهم بين حياةٍ وممات.”
ثمَّ يُسجَن كلُّ أثيمٍ في قعر بئرٍ سحيقة الأَغوار ألفَ عام، ويُجعَلُ فِراشُه أشواكًا فولاذيَّةً يتمنَّى لو يُستَبدَلُ بها الموتُ الزؤام. وبعد ذلك…
“يأتي سجَّانُ الجحيم القاسي
ويُقطِّع أعضاءَهم عُضوًا فعُضوًا
وهم لعُمْقِ آلامهم أرواحُهم تتلوَّى
ويتحوَّلُ كلُّ عُضوٍ إلى شخصيَّةٍ جديدة
فتتألَّمُ هذه الشخصيَّات آلامًا شديدة
مِمَّا تنوءُ به أَصلَدُ الجبال الرواسي.”
وفي الدَّرَك المُظلِم الرابع يُطالعُنا مشهدٌ ولا أعجَب:
رؤوسٌ صلعاءُ تُلعلِع قباقيبُ الخليعات قارعةً عليها، مُجتثَّةً بُصَيلاتها، مُغمِّسةً برذاذ الدم أصحابَها!… ثمَّ تُسلَخُ جلودُ الرؤوس وتُجَوَّف وتُحشى برَوْثِ إبليس وتُسقى بولَ الثعالب، وبهذه التربة العجيبة الغريبة تُزرَعُ بذورٌ من الآثِمين!…
“ويمضي حَوْلٌ، وإذا بكلٍّ من الخَطَأَة قد برزَ برأسه ابنُه
فيعلَمُ الخاطئُ أنَّ هذا النَّجلَ كان في عالَمه من الكُفَّار
وكلَّما حضرَ إبليس ليُعذِّبَه وأباهُ
يهبطُ في أبيه مُختبئًا كالفار،
فيحملُ الأَب ويُلقيه مع ابنه في بُحيرة الجحيم،
فيرفَعُ عينَيه إلى السماء ويطلب معونةَ الآب الرحيم
بينما الشيطانُ المُنافقُ يبكيه ثمَّ يؤَبِّنُه.
ويزرعُ إبليسُ في رؤوسِ الأَبناء بذورًا قميئةً مسكينة،
فتُنبِتُ بعد حَوْلٍ أَبناءً لأُولئك الأَبناء
وثَمَّتَ بذورٌ أُخرى توضَعُ في رؤوسها ليزدادَ منها البناء
ويُشاهَدُ في ذلك العالَم كلُّ شخصٍ يحملُ ستَّةَ آلاف شخص
وكلٌّ منهم ينظرُ إلى زميله وقد سُمِّرَ وبه قد شخصَ
ثمَّ تغمرُهم الآلامُ وتعودُ فتشملُهم السكينة.”
وفي الدَّرَك السابع والثلاثين تدأبُ عناكبُ الجحيم الجبَّارة على نَسجِ خيوطها الفولاذيَّة حول المجذومين ليُعزَلوا عمَّن سِواهم، وهم يُحاولونَ التخلُّصَ منها دونما جدوى، فتعلو صيحاتُهم وأنَّاتُهم، وتتساقَطُ عبَراتُهم. ثمَّ تتضخَّمُ قروحُهم فيُمسَخونَ خنازيرَ شوهاء، ويُجرَّعونَ العذاب كؤوسًا دافقةً حتَّى يتمنَّوا الفناء، وتُهاجمُهم العظايا الجحيميَّة فتَنكأ جراحَهم، ويُقلَّبونَ على الجمر المتأَجِّج، ثمَّ يقبضُ الجلاَّدونَ العُتاةُ عليهم فيفسخونهم واحدًا واحدًا. وبعدَ أن يُبكِّتَهم إبليسُ مُزَمجِرًا في وجههم، مُستكتبًا إيَّاهم ذنوبهم، يُسمَعُ دويٌّ رهيبٌ تتفجرُ منه الآذان. ثمَّ …
“ثمَّ انقشَعَ عن مشهد بلايين من الزنابير الصفراء
فاغبرَّتِ الوجوهُ، واضطرَبت القلوب، وأُصيبَت الحشودُ بالصفراء
وحطَّت هذه الحشراتُ على الأَجسام، وتغَلغَلَتْ في طيَّات اللحم
وفي لحظاتٍ تجرَّدَتِ الأَجسامُ وبرزَتْ هياكلُ العظم.”
وفي الدَّرَك الرابع والأَربعين يُتمِّمُ الهادي الحبيب وصفَهُ للمجذومين قائلاً:
“الجُذامُ ينتشرُ على أجساد الخطَأَة بطفوحه
فهم يدأَبونَ على الحكِّ أعوامًا عديدة
ويشعرونَ دهرًا بآلامٍ شديدة
وتتساقطُ من أجسادهم قشورٌ قاسية
وتتهرَّأُ قِمَّةُ الرأس فتُقشَطُ منه الناصية
ويتساقطُ الدودُ من الخطَأَة كلٌّ من يأفوخِه.
واكفهرَّ الجَوُّ واسودَّتِ السماءُ وأَظلَمَ الأُفُق!
وصعِدَتِ الأَبالسةُ الصفراءُ وبأَيديها مِسلاَّتٌ غليظة
وجمعوا الخَطَأَة وجعلوا يخيطونهم فيشفي كلٌّ منهم غيظَه
ودوَّتِ الصَّيحاتُ تترى والمِسلاَّتُ دائبة في عملها
فثُقِّبَتِ الأَجساد واختلَطَت دماؤها في قَيحها وعَمَلها
وكان الشياطينُ يخيطونهم معًا دون ما لينٍ أو رِفْق!…”
وفي الدَّرَك الحادي والعشرين يعرضُ وصفَ العذاب بالجليد قائلاً:
“الظُّلُماتُ تتدافَعُ مُتكاثفةً طبقاتٍ تتلوها طبقات
والثلجُ العنيف يتساقَطُ طوالَ أجيالٍ وقُرون
والبروقُ تومِضُ والرعودُ تقصفُ والرياحُ تعصفُ بجنون
فترتعدُ الأَرواحُ الهالعةُ وترتجفُ من هَولِ الصَّقيع
وتتهرَّأُ أَجسادُها من الزَّمهرير ويسود في عُروقها النَّجيع
ومن شدَّة البرد المُهلِك تراها بعضها على بعض مُطبِقات!”
ثمَّ تنفرجُ ثغراتٌ مُدلهمَّةٌ مُرعِبةٌ تحت أَقدام الآثِمين، فيتساقطونَ في أغوارها، وإذا بالصَّقيع الرهيب يُبَلورُ أعضاءَهم، وينثر أطرافَهم المُجلّدة; وبلَمحِ البصر ينبتُ في الأَعماق لكلٍّ منهم خازوق، ثم تُسَدَّدُ إليهم آلافُ السِّهام فتُثقِّبُهم بآلاف الخُروق! وبعدئذٍ تُؤمَرُ العواصفُ الثلجيَّةُ بأن توقِفَ دهريَّ هطوالِها، لتتأَجَّجَ مكانَها النيرانُ الجحيميَّةُ غامرةً إيَّاهم بأَهوالها![8]
وفي الدَّرَك السابع :
“…ترى رؤوسَ الخَطَأَة مقلوبةً إلى ظهورهم
وهم مسجونون في أقفاصٍ من النار طوال دهورهم!…”
“وفجأةً يقذفُ الأَبالسةُ بالأَقفاص إلى البراكين الثائرة
وتقذفُهم البراكينُ بدورها مع حُمَمِها في الفضاء
فتتمزَّقُ أَجسادُهم وتتعالى استغاثاتُهم إلى السماء
وللحالِ تعودُ إليهم أعضاؤهم ثمَّ تلتئمُ جميعُ جراحهم
ويعودُ البركانُ فيقذفُهم بجنونٍ فيعودونَ إلى كفاحهم
وكل ُّ روحٍ هناك جائرة تراها خائرة وفي أمرها حائرة.”
وإذا بالأَجساد تُطرَحُ في الآبار العميقة الأَغوار، وبالرؤوس تتفجَّر، والأَمخاخ تتناثَر، والدماء تتطايَر، وبالمناشير والسكاكين تعملُ طعنًا وتقطيعًا بالمُعذَّبين المساكين!…
أمَّا رجالُ الدين فيصفُهم رجلُ الروح والخوارق في الدَّرَك الثامن والأَربعين قائلاً:
“وهؤلاء طغمةٌ من رجال الدين أَصحابُ التدليس
المُتاجرون باسمه ومُهشِّموه كلَّ التهشيم
الذين يُلقِّنونه مثلما تشاء مطامعُهم لكلِّ غشيم
وكان الأَبالسةُ الغِلاظُ يتقاذفونهم بأرجلهم كأنَّهم كُرَة
ثمَّ يدفعون بهم إلى أعماق الجحيم وهم قُعودٌ على بَكَرة
كي يُكنِّسوا الجمرات المُتأجِّجة بلِحاهم المُدنَّسة أيَّ تدنيس!”
ثمَّ يُعنِّفُ ربُّ الجحيم طغمةَ المُخادعين المُنافقين، ويهتكُ أسرارَهم، ويفضحُ تدجيلَهم. وسرعانَ ما تنقضُّ السِّياطُ عليهم تُمزِّقُهم. فإذا بهم يلجأون إلى التدليس، كشأنهم في الأَرض، طالبين من الأَبالسة أن يمتطوا ظهورَهم. لكنَّ ربَّ الهاوية
“صاحَ بهم: “ويحَكُم أيُّها المُدلسون الكَفَرة!”
وللحال أمرَ فقيَّدوهم بسلاسلَ من النار في ألسنتهم
وكانت الصَّفَعاتُ تُكالُ لهم دون رحمةٍ في أَقفيَتهم
وفي غرفةٍ مُظلِمةٍ رهيبة علَّقوهم ورؤوسُهم مقلوبة تخفرُهم كِلاب
وعلى أجسادهم المُلطَّخة بأشنع الأقذار هبطت ملايينُ من الذُّباب
ودوَتِ الصَّيحاتُ قائلة: “تَبًّا لكم من سَحَرةٍ مَكَرة!”
وقد خصَّصَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة الدركَ التاسع والأَربعين والدرك الخمسين للخائن الخليليّ، يهوذا القرن العشرين، فكأنَّ في كل ٍّ من الدرَكَين سيَّالاً من سيَّالاته السُّفليَّة. وكان رجلُ الروح قد أسكَنَه تحت سقف منزله، وائتمَنَه على ماله، فأساءَ الأَمانةَ واختلَسَ عشرين ألف جُنَيه فلسطينيّ كان قد أودعَها الدكتور داهش البنك العربي في القُدس، الأَمر الذي اضطر سيِّدَه إلى طَرده ثمَّ التشهيرَ به، بعد أن استَفحَلَ أَمرُ افتراءاتِه وتجنِّياته وتدجيلاته.
أخيرًا، لا بُد من أن يُطرَحَ هذا السؤال: هل عذابُ الأَشرار أَبديّ؟
إستنادًا إلى الوَحي الروحيّ وإلى ما علمتُه من الهادي الحبيب تأَكَّدَ لي أنَّ العذابَ في الجحيم ليس أبديًّا مثلما يعتقدُ كثيرون من المسيحيِّين وغيُرهم من المؤمنين بوجود مقرٍّ للعذاب. فكما أنَّ الأَخيارَ تتفاوَتُ درجاتُ استحقاقهم بالنسبة لتفاوُت أعمالهم الصالحة ودرجات رُقيِّهم الروحيّ، فيذهبُ كل ٌّ من سيَّالاتهم إلى العالَم الفردوسيَ الذي تكونُ درجتُه مُساوية لدرجة السيَّال نفسِه، ويبقى في هذا العالَم مدَّةً مُعيَّنةً بالنسبة إلى النظام الإلهي ِّ المرسوم، ثمَّ ينتقلُ إلى عالَمٍ أرقى أو أسفل بحسب أعماله ورغباته وأفكاره – هكذا السيَّالاتُ الشرِّيرة يهبطُ كل ٌّ منها إلى العالَم السفليِّ الذي يستحقُّه، ويبقى فيه مدَّةً مُحدَّدةً من الزمن، فإذا تاب وحسَّنَ نفسَه فإنَّهُ يرتقي إلى مُستوًى أفضل، وإلاَّ فإنَّهُ يضعُ نفسَه مرَّةً أُخرى في جاذبيَّة عالَمٍ أسفل، فينجذب إليه، ويتجدَّد عذابُه بطريقةٍ أَقسى.
فالاعتقادُ أنَّ عذابَ الجحيم لا نهايةَ له غيرُ مبنيّ على أيِّ أساسٍ جَلِيّ يقينيّ من الوَحي الإِلهيّ القديم. أمَّا القولُ المنسوبُ إلى السيِّد المسيح: “فإنْ شكَّكتكَ يدُكَ فاقطَعها، فخيرٌ لكَ أن تدخُلَ الحياةَ وأنتَ أقطَع من أن يكونَ لكَ يدان وتذهب إلى جهنَّم، إلى نارٍ لا تُطفَأ، حيثُ لا يموتُ دودُهم ولا تُطفَأُ النار،”[9] فقد أوضحَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة لي أنَّ المقصودَ هنا هو العذابُ ووسائلُه لا مُدَّةَ التعذيب الخاصَّة بكلِّ شرِّير. فمقرُّ العذاب يبقى ما بقِيَ أشرارٌ يستحقُّونه. أمَّا “الخلودُ في النار” الذي تكرَّرَ ذكرُه في الآيات القرآنيَّة، فلا يعني البقاءَ الأَبديَّ في الجحيم، بل المكوثَ الطويل.”[10]
إنَّ عدالةَ اللـّه -عَزَّ وجَلَّ – تأبى عذابًا غير محدود الزمن. فما دامَ كلُّ سيَّالٍ روحيّ مسؤولاً عن أعماله، حيثُما ذهب، وما دامَ بإمكانه أن يتوبَ ويُحسِّنَ درجتَه الروحيَّة، فرحمةُ الله لا بُدَّ من أن تشمَلَه. وقد عبَّرَ الهادي الحبيب عن هذه الحقيقة بصورةٍ جليَّةٍ في قطعته “حُلُم شيطانيّ” حيثُ يقول أَحدُ الأَشرار المُعذَّبين في الجحيم مُبتهلاً إلى السماء:
“أنا أعترفُ بأَنَّني مُجرِم -قالها بضعف- وقد ارتكَبتُ كل فرية
ألا رحمةٌ من السماء تُنقذُني وتُبعد عنِّي الأَهوالَ بمُساعدةٍ سماويَّة
أنا نادمٌ على ماارتكَبتُه من معاصٍ، وأمَلي عظيمٌ بمَن كَوَّنَ البشريَّة”
وإذا بصوتٍ عميقٍ خشعَ له سُكَّانُ تلكَ الأَماكنِ الحِندِسيَّة
يقول: “لقد غُفِرَت ذنوبُكَ وعُفِيَ عنكَ، فاحمدْ خالقَ البَرِيَّة
وإيَّاكَ أن تُكرِّرَ ماضيكَ، فتخلُدَ بأهوالٍ لا نهائيَّة.”
وسجدَ الشيطانُ خاشعًا رافعًا شُكرَه لرَبِّ العوالم العُلويَّة.”[11]
والعذابُ المحدودُ بزَمنٍ مُعيَّنٍ -مهما طال- مرتبطٌ بالمفهوم الداهشيّ لمصير الكونِ كلِّه. فالقُوَّةُ الموجِدةُ لم تُبدِعِ الأَرواحَ القُدسيَّة التي هي امتداداتٌ للذَّات الإلهيَّة من أجلِ أن تخلدَ سيَّالاتُها المُنحرفة في عذابٍ لا أَملَ في الخروج منه، بل من أجلِ أن تتطهَّرَ تلكَ السيَّالاتُ بالآلام التي استحقَّتها تبعًا لأَعمالها ورغباتها الحرَّة، ثمَّ ترتقي تدريجيًّا لتعودَ إلى الفراديس، فإلى مصدرها الإلهيِّ الذي انبثقَت منه. وهذا يعني أن الكونَ المادِّيَّ ، بعد أن تمضي عليه بلايينُ أُخرى من السنين تكونُ فيها سيَّالاتُ الكائناتِ جميعها قد تنقَّت وارتقَت في معراج الفراديس لتندمجَ أخيرًا بالأَرواح القُدسيَّة التي هي أُمَّهاتُها – هذا الكون لا بُدَّ، في النهاية، من أن يضمحلَّ ليبقى الوجودُ للعوالِمِ الروحيَّةِ فقط، تلك العوالم السعيدة المَجيدة الخارجة عن قيود الزمان والمكان. وربَّما يكونُ ما يُسمِّيه العُلماء بـ”تمدُّد الكون” مُرتبطًا بهذا المصير.[12]
فأَينَ الأَرضُ من الكون، من عوالِمه العُلويَّة والسُّفليَّة؟ وأينَ نحنُ من الخليقةِ فيها؟
[1] هذا البحثُ في العوالم الجحيميَّة مُستقًى بمُعظمِه مِمَّا أدرَجتُه في كتابي “الدكتور داهش الأَديبُ المُعجز: مُقارَنةٌ بين كتابَين عملاقَين “جحيمُ الدكتور داهش” و “جحيمُ دانتي”.
[2] لم يُعثَر حتَّى الآن بين ما خلَّفَهُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة من مخطوطاتٍ إلاَّ على وصف الدركات الاثنتَين والخمسين من الجحيم. وكان الهادي الحبيب يعتزمُ جعلَ كتاب “الجحيم” في ثلاثة أجزاء، لكنْ يبدو أنَّ الجزءَ الأوَّلَ وحدَه هو المُتهيِّئ مع وصف دَرَكين (51 و 52) من الجزء الثاني.
[3] جحيمُ الدكتور داهش، مدخل الجحيم.
[5] الدركُ المظلم الحادي والأَربعون.
[6] مثالُ ذلك الدَّرَك الثاني والثالث والثامن والثاني عشر والسابع والعشرون.
[8] الدرك المُظلم الخامس والثلاثون.
[10] تفسيرُ الخلود بالمَكْث الطويل أخذَ به كثيرون من المُفسِّرين المُسلمين -وبينهم الراغب الأَصفهاني- وهو من أئمَّة السُّنَّة، في كتابه “مُفردات القرآن”.
[11] الدكتور داهش: أناشيد عابد (حدائقُ الآلهة)، ص 87-88 .
[12] في رأي العلماءِ أنَّ الكونَ يتمدَّدُ باستمرار، وأنَّ المجرَّات الأَقصى تندفعُ إلى أطراف الكون بسُرعةٍ أكبر من المجرَّات الأَقرب إلينا. وقد ظهرَ أنَّ سرعةَ الابتعاد عنَّا نسبيَّة للمسافة. أمَّا مُعدَّلُ سرعة الابتعاد فهو 1150 كلم في الثانية، لكنَّ هذه السرعة تصلُ، في حدِّها الأَقصى، إلى 20.000 كلم في الثانية في المجرَّات الأَنأى. انظر:
Encyclopedia Britannica, 1986, Vol. 13: “Analysis and Measurement: Expansion Velocities.”
السَّـبَـبِـيَّـةُ الروحيَّـة والعَـدالَـةُ الإلهـيَّـة
السببيَّةُ الروحيَّة
على الصعيد المادِّيِّ، ما من حادثٍ إلاَّ لهُ سببٌ يُولِّدُه. ومِثلُ هذه العلاقة السببيَّة يُدركُها الناسُ إذا كانت خاضعةً لحواسِّهم ومراقبتهم. فإنَّنا نُبعدُ أيدينا عن النار، لأنَّنا نعرفُ أنَّها تُحرقُها، ولا نقفزُ إلى أرضٍ صلبةٍ من عُلوٍّ شاهق، لإدراكنا بأنَّنا سنتحطَّم، ولا نأكلُ طعامًا وسِخًا لمعرفتنا أنَّ الجراثيمَ تنتقلُ إلينا. لكنَّ الدكتور داهش بعِلمِه المُلهَم الخارق يُعلِّمُنا أنَّ وراء السببيَّة المادِّيـَّةَ سبَبيَّةٌ روحيَّة؛ ذلك بأنَّ الجوهرَ الروحيَّ كائنٌ في مظاهر الوجود كلّها، كائناتٍ حيَّةً كانت أم غير حيَّة. فالسيَّالاتُ الروحيَّةُ هي نسيجُ الكون وقِوامُ موجوداته كلّها، وهي في الإنسان مصدرُ حياته كما مصدرُ أفكاره ورغباته ومواهبه واستعداداته. وبما أنَّها حُرَّة في اختيارها، فيجبُ أن تتحمَّلَ مسؤوليَّةَ ما تختارُه خيرًا كان أم شرًّا.
غير أنَّ الإنسانَ ليس بمستطاعه أن يُدركَ العلاقةَ السببيَّة الروحيَّة بين الأحداث في حياته، إلاَّ أنَّ عدمَ إدراكه لها لا يعني أنَّها غير موجودة. وفي “قصص غريبة وأساطير عجيبة” يروي الدكتور داهش أحداثًا لا يُمكنُ أن تُفسَّرَ بدون سببيَّة روحيَّة، ذلك بأنَّ قانون “ما يزرعه الإنسانُ يحصدُه” يُطبَّقُ على الصعيد الروحيِّ كما على الصعيد الماديّ.
يشرح مؤسِّسُ الداهشيَّة هذا القانون الروحيَّ الشامل في “حُلُم رهيب” (“قِصص غريبة وأساطير عجيبة، ج3، ص 79-80) بقوله:
“واقتادَتْني إلى جبل المعرفة، ومن قمَّته كنتُ أُشاهدُ سيَّالاتي الموجودة بعوالم عديدة، منها عوالمُ لا بأسَ بها، ومنها عوالمُ تعيسة. وبِعَين العجَب العظيم كنتُ أُشاهدُ سيَّالاتي الموجودة بعوالم منحدرة الدركات وهي تُرسِلُ إشعاعاتها لسيَّالاتي الأخرى الكائنة في عوالم رفيعة، حاضَّةً إيَّاها على ارتكاب الممنوعات والمحرَّمات بُغيةَ إسقاطها وسَحْبها إلى الدركات المنحدرة بالأغوار السحيقة حيثُ تقبعُ سيَّالاتي.
ففهمتُ، إذْ ذاك، أنَّ ما يُساورنا من رغباتٍ لارتكاب المحرَّمات هو منَّا وفينا، أي إنَّ سيَّالَنا الموجودَ بِدَرَكٍ سحيقٍ هو الذي يعملُ جاهدًا ليدعَنا نسقط، فإمَّا أن يفشل أو يُكتَب له الفوز. إذًا لا يستطيعُ أيُّ سيَّال خارجيّ أن يدَعَنا نسقط، فهذا الأمر ممنوع منعًا باتًّا. وإذا سقَطنا، فيكونُ سقوطُنا من سيَّالنا الذي نحنُ أوصَلناهُ إلى دركٍ سُفليّ، فأصبح يرغبُ بالانتقام منَّا، وجَعْلِنا ننقاد لإيحائه بواسطة الاشعاع الذي يُرسلُه لكي يوقعَنا بشباكه، وهنا الطامَّةُ الكبرى.
إذًا رُقيُّنا أو انحدارُنا يكونُ بنسبة مقاومتنا وجهادنا أو خضوعنا واستسلامنا لوَسوَسات سيَّالنا السُّفليّ. فإذا انصَعْنا لرغبته فنفَّذنا أوامره وارتكَبْنا الممنوعات، فإذْ ذاك لا بُدَّ من أن نسقطَ وننحدرَ لدركه، وإذا لم ننصَعْ لأوامره ونواهيه نرفع سيَّالنا ونوصلُه إلى ملإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالة الإلهيَّة، إذْ يُجازى كلٌّ منَّا بحَسَب عمله، أو بالأحرى نحن الذين نُجازي أنفسَنا فنوصلُ سيَّالاتنا إلى درجةٍ عُلويَّةٍ أو دركةٍ سفليَّة، وما ربُّكَ بظالمٍ لخلائقه، إنَّما لأنفسهم يظلمون.”
وتبيانًا لتأثير أعمال الإنسان ونزعاته في أحداث حياته ومصيره، سأعرضُ نماذجَ من الوقائع التي تنطوي عليها “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة” مُتناولاً إيَّاها تِبْعًا لثلاثة محاور: الجَشَع والزِّنى والظلم.
الجَشَعُ والعدالةُ الروحيَّة
في “أرهب قصَّة وأرعب مصير” (“قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج1، ص 65-69) يختطفُ رجلٌ وزوجتَهُ طفلاً في الرابعة من عمره، اسمُه جيمي، طَمَعًا بفِدْيةٍ يبتزَّانها من والده، ثمَّ يعدلان عن المطالبة بها خوفًا من سوء العاقبة ويحتفظان بالولد. وعندما يبلغُ المخطوفُ الرابعة والعشرين من عمره، يكتشفُ وهو يُطالعُ صُحُفًا قديمةً أنَّه الطفلُ المخطوف نفسه، وقد غيَّر خاطفاهُ (أبواه المزعومان) اسمَه إلى إدموند. وأحداثُ القصَّة تُظهرُ أنَّ والدَي الطفل الحقيقيَّين جشِعان أيضًا، وجشعهُما لا يقلُّ عن جشَع الخاطفين. فما يكونُ مصيرهم جميعًا في ميزان العدالة الإلهيَّة؟
بما أنَّ سيَّالَ الإنسان نفسه يكون سبـبًا لعقابه إذا كان رديئًا، أو سـببًا لثوابه إذا كان صالحًا، وبما أنَّ الجشعَ الذي يدفعُ الإنسان إلى الإثراء على حساب آلام الناس لا شكَّ بأنَّه سيَّالٌ رديء، إذْ إنَّه نزعةٌ شرِّيرةٌ يتلذَّذُ صاحبُها بقَهر الناس وإشقائهم، وذلك بابتزازهم أو تسخيرهم واستثمارهم، لذا فالعدالةُ الإلهيَّةُ لا بُدَّ من أن تقتصَّ من الجَشِعين. وهكذا يُقتَلُ خاطفُ الطفل صدمًا بسيَّارة، وتُصابُ زوجتُه بميتةٍ فُجائيَّةٍ وهي تروي لإدموند تفاصيلَ جريمة خطفه، بعد أن يكتشفَ أنَّ مَن نشأَ عندهما ليسا أبوَيه. أمَّا الوالدُ الحقيقيُّ الذي يُصبحُ في سِياق السنين صاحبَ فندقٍ مرموق، فإنَّ جشعَه يدفعُه إلى ذَبْح وحيده -من غير أن يعرفَه- عند نزوله في الفندق، وذلك طمعًا بحِلاه كما بحقيبته التي يظنُّ أنَّها ملأى بالمال. لكنَّه بعد أن يكتشفَ هو وزوجتُه وابنتُه هُويَّةَ القتيل من وَشْمٍ في يده، يُجَنُّ ويقتل امرأتَه وابنتَه ثمَّ يطعنُ نفسَه.
والمالُ الحرامُ يبقى حرامًا كيفما كان مصدرُه؛ وسواءٌ كان ربْحًا غير مشروع أم سرقةً أم طمَعًا، فصاحبُه لا يعرفُ الساعةَ التي يفقدُه فيها فضلاً عن الشقاء الذي يُعانيه. ففي قصَّة “جامع المال يتركُه لسواه” (ج1، ص 185-188) يُصوِّرُ الدكتور داهش لصًّا مُحترفًا للسرقة، يدخلُ السجنَ في عُمر العشرين، وبعد أن يُمضي فيه 45 عامًا توزَّعَت على 15 دروة قاسى فيها العذابَ والشقاء، يقضي بنوبةٍ قلبيَّةٍ مُخلِّفًا الثروة الكبيرة الحرام التي جمعها وخبَّأها لِمَن سيُتيحُ له حظُّه اكتشافَ مخبئها السرّيّ.
وفي “تزوَّجَت ميتًا” (“قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2، ص 94-99) يروي الدكتور داهش قصَّةَ فتاةٍ جميلةٍ استعبَدَها المال، فتزوَّجَت رجلاً ثريًّا لكنَّه بالغُ النحول والقباحة. ولم تستطع أن تشعرَ نحوه بأيَّة عاطفةٍ صادقة، فعاطفتُها كانت متَّجهةً نحو ثروته ومجوهراته، وأُمنيتُها كانت أن يؤدِّي نحولُه إلى موته سريعًا، ليُتاحَ لها أن تتزوَّجَ شابًّا بوسعها أن تُحبَّه. لكنَّ سيَّالَ طمعها اللئيم عاقبَها، فما لبثَت أن أدركَت أنَّها تزوَّجَت، في الواقع، هيكلاً عظميًّا سمحَت العدالةُ الإلهيَّةُ بأن تعودَ الحياةُ إليه، بمعجزةٍ روحيَّة، ليُعاقب مَن استَعبدَها المال؛ فإذا بها تفقدُ حياتها رُعبًا، بعد أن تبعَتهُ إلى المقبرة ظنًّا منها أنَّه اختارها مقرًّا يُمارسُ فيه الغرام مع عشيقةٍ له، فرأتهُ وقد تمدَّدَ في قبره، وسرعان ما توارى جلدُه، ولم يبقَ منه إلاَّ هيكلُه المُروِّع.
وقد يكونُ المالُ الذي حظِيَ به إنسانٌ ما حلالاً له؛ لكنَّ المالَ يُصبحُ ضررُه أكبر من نفعه في يَد اللئيم أو البخيل. ففي قصَّة “نعنوع ومنعنع” (ج1، ص 182-184) نرى إيدن عاملاً كادحًا في ترميم الجدران القديمة، مُتقلِّبًا في شظف العيش. وإذا بالحظِّ يبتسمُ له فيربح جائزة يانصيب قدرُها مئة ألف جُنيه إسترلينيّ مع قصرٍ باذخ. وهكذا ينقلبُ الفقيرُ فجأةً ثَريًّا كبيرًا، فيُحيط نفسَه بالخدم والحشم. لكن هل كانت الثروةُ الطارئة سَعْدًا أم نَحْسًا له؟ فإذا تغيَّرَت أوضاعُ الإنسان الاجتماعيَّة، فهل تتغيَّر معها نفسُه؟ في الواقع الغالب، لا. فمَن كان اللؤمُ طبعَه، فلن يُغيِّرَه الإثراءُ السريع، بل قد يزيدُه لؤمًا. وهذا ما حدثَ للغنيِّ الجديد؛ فقد صعَّرَ خدَّه لزملائه العمَّال إذْ قدموا لتهنئته، واستكبر عليهم مُلفِّقًا عُذرًا مُضحكًا لعدم استقباله إيَّاهم، وناسيًا زمالته لهم سنين كثيرة؛ فجُنَّ جنونُ العمَّال، ونسفوا له قصرَه، فتردَّمَ عليه. أمَّا حكمُ القاضي عليهم بالسَّجن فكان مُخفَّضًا.
وفي “ملياردير يموتُ جوعًا” (ج1، ص 189-191) تُروى قصَّةُ عامل فقير عثرَ وهو يحرثُ أرضَ سيِّده على كنزٍ ذهبيٍّ عظيم، سرعانَ ما نقلَه إلى غرفةٍ استأجرَها شهريًّا وطمرَه في أرضها. لكن هل سيُتاحُ لهذا الفقير أن ينعمَ بالثروة العظيمة؟ لقد كان هذا الفقير بخيلاً مُقتِّرًا يلتقطُ “أعقاب السجائر من الطرقات، فيفرفطها ثمَّ يعود فيلفُّها سجائر ويُدخِّنها بفخر…” وسيَّالُ البخل هذا لم تتغيَّر طبيعتُه بعد أن اغتنى، بل إنَّه كان “يجوعُ لشدَّة بخله الفظيع؛ وعندما ينام كان يبسطُ فراشه فوق كنزه الذهبيّ ثمَّ يغفو فوقه.” إذًا إنَّ سيَّال بخله سيمنعُه من الاستفادة حتّى الماديَّة من الكنز، فالسيَّالُ يُعاقبُ صاحبَه تبعًا لنظام العدالة الإلهيَّة. وهكذا بعد مرور شهرَين على استئجاره الغرفة، طالبَه صاحبُها بإخلائها بحجَّة أنَّه باعها، وأنَّ مالكها الجديد يُريدُ أن يُقيمَ فيها. وإذْ رفضَ إخلاءها، أصدر قاضي الأمور المُستعجَلة أمرًا بإخلائها، فحضر رجالُ الشرطة إلى الغرفة، فشاهدوا المستأجر المحكوم عليه بالإخلاء يحفر أرضها، فتابعوا الحفرَ حتّى اكتشفوا الكنزَ النادر، فاستولت السلطاتُ عليه. أمَّا الملياردير البخيل فقد قضَت عليه نوبةٌ قلبيَّة.
العَدالةُ الروحيَّة والعلاقاتُ الجنسيَّة غير المشروعة
ومحورُ القصص الثاني الذي يقعُ تحت طائلة الجزاء الإلهيّ هو الزِّنى، أي الفجور في العلاقة الجنسيَّة، سواء كان ذلك في عمل اغتصاب أم في خيانة زوجيَّة أم في تدنيس رجل الدين لمهمَّته الروحيَّة بإنشاء علاقاتٍ جنسيَّةٍ غير زوجيَّة.
ففي “حبّ نيرانُه مُبيدة” (ج1، ص 70-77) يُضطَرُّ ميرادوف إلى الهروب مع حبيبته كاتيوشا للاقتران بها سرًّا بسبب الفارق الاجتماعيِّ الكبير بين أُسرته الفقيرة وأُسرتها الغنيَّة العريقة، فيستنجد بصديقه مكاروف، لكنَّ هذا الأخير يدفعُه الحسدُ إلى قتل صديقه الذي التجأَ إلى منزله المُنعزل، وإلى اغتصاب كاتيوشا ثمّ قتلها خنقًا خوفًا من إفشاء أمره. وقد ساعدَته شقيقتُه الشرِّيرة ألكسندرا في اقتراف جريمته.
لكن كيف سينالُ المجرمان جزاءَهما الإلهيّ؟ يقولُ مؤسِّسُ الداهشيَّة: “واضطربَ الشيطانُ مكاروف، واحتلَّهُ خوفٌ جارف، فخرجَ إلى الحديقة تُساعدُه شقيقتُه ألكسندرا الفاسقة. فحفَرا حُفرةً أَلحَدا فيها ربَّةَ الطهر، كاتيوشا، ذات الثمانية عشر ربيعًا. إنَّها في عُمر الزهرة النديَّة.
“ولكنَّ عينَ اللّه المُراقبة كانت لهذَين المُجرمَين بالمرصاد، فالمكانُ الذي حفرا فيه الحفرةَ لضحيَّة الغدر كان مَكمَنًا للعقارب؛ فلسعَت هذه العقارب المجرمَين لسعاتٍ مُميتة أوردَتهما مواردَ التَّهلكة…”
تُرى، هل هي الصدفةُ التي جعلَت ذلك المكان مكمَنًا للعقارب؟ لا، فمؤَسِّسُ الداهشيِّة يؤَكِّدُ أن لا صُدفةَ في الحياة، بل كلُّ أحداثها تجري وفقَ ترتيبٍ روحيٍّ من أجل تنفيذ العدالة الإلهيَّة. وسنرى لاحقًا أنَّ العقابَ الإلهيَّ للمُجرمَين لن يقفَ عند هذا الحدّ، بل سيطالهما أيضًا في حياةٍ أخرى.
وفي “بطولة القطَّة السوداء” (ج1، ص 113-115) يخدع مُحتال امرأةً وحيدةً، في ليلةٍ عاصفةٍ راعدة، إذْ تفتَح له بابَها بدافعٍ إنسانيّ بعد أن سمعَتْه يطرقُه مُستغيثًا. لكنَّ الشرِّيرَ يطرحها على السرير مُحاولاً اغتصابَها. لكن هل ينجح في الاعتداء على ضحيَّته النبيلة الأخلاق؟
بترتيبٍ إلهيٍّ يسقطُ السرير، إذْ كان قديمًا لا يحتملُ شخصَين فوقه، فيُمزِّقُ بطنَ قِطَّة كانت تحته، لكنَّها تتخلَّصُ منه وتُمزِّقُ حنجرةَ المجرم بأسنانها القاطعة، فيُصابُ بسكتةٍ قلبيَّةٍ من جرَّاء “الخوف المفاجئ الهائل والألم المُدمَّى.”
وفي قصَّة “ظَهَر الشيطانُ الرجيم” (ج1، ص 202-208) يقرأُ ثَرِيٌّ عاشقٌ للفنون في الصحف مديحًا للفنَّان الدانمركيّ وُوترمان، فيستَدعيه ويبتاع منه بضعَ لوحات. لكنَّه سرعانِ ما يكتشفُ، بعد انصراف الفنَّان، أنَّه الشيطان الرجيم نفسُه وقد تجسَّد، وذلك من رسالةٍ تظهر تلقائيًّا تحت صورة الفنَّان المزعوم الشخصيَّة، وفيها يقول للثريّ:
‘لقد اعتَدَيتَ، عندما كنتَ شابًّا، على فتاةٍ عذراء، ولم ترحم دموعها وهي تسترحمُك. فسُمِحَ لي، الآن، أن أعتدي على ابنتِكَ وأستولي على مالك.
“أمَّا اللوحاتُ الثلاث التي ابتَعتَها منّي، واللوحة التي ظهرت فيها صورةُ ابنتك، ففي اليوم السادس ستجدُ هذه اللوحات وقد أصبحت خالية خاوية.’
“وفقدَ الأبُ عقلَه مثلما فقدَت العذراءُ عقلَها بعدما اعتُدِيَ على عفافها، وكانت لا تزالُ تُعالَجُ بمستشفى المجاذيب. وقد أُدخِلَ والدُها إلى مستشفاها لتبقى جريمتُه ماثلةً نُصْبَ عينَيه.
“أمَّا ابنتُها ماركريت فقد ولدَتْ طفلاً غريب المنظر، قَسَماتُ وجهه بالغة القساوة. كما ظهر بقمَّة رأسه نتوءان بارزان. وكان صوتُه عندما يبكي كدويِّ الرعد.
“وبعد أسبوع من وَضْعه، تجلَّى والدُه واختطفَه حاملاً إيَّاه على منكَبَيه.
“وقد شُدِهَت ماركريت عندما تجلَّى أمامها واختطفَ ولدَه وولدَها من بين ذراعَيها.
“أمَّا لماذا أُصيبَت ماركريت بهذه النَّكبة الكبرى، لها قصَّة تُظهرُ الأسبابَ والمُسبِّبات لذلك. وعندما تُقرَأ يعرفُ القارئُ أنَّ عدالةَ السماء لا تُماثلُها عدالة، فالجزاءُ لكلِّ مخلوقٍ هو من نفس العمل الذي قام به. وما ربُّكَ بظالمٍ لخَلْقه، إنَّما كانوا لأنفسهم ظالمين.”
وفي “حديثٍ بين أُفعوانتَين” (ج1، ص 197-200) يتجلَّى الجزاءُ الإلهيُّ للخيانة الزوجيَّة. فعاتكة طمعَت بمال محمود، فتظاهرَت له بالحبّ، فخطبَها. لكنَّها كانت مُصمِّمة على قَتْله بالسمّ، بعد زواجه بها، لينتقلَ ماله إليها وإلى عشيقها مصطفى. ويبدو أنَّ خطيبَها كان بسيطَ القلب. لكن هل تدعُ العنايةُ الإلهيَّةُ المرأةُ الشرِّيرةُ تُنفَّذُ خُطَّتَها.
بينما كانت عاتكة تجمعُ باقةً من الورود، انسلَّت حيَّتان بين سيقان الرياحين المُلتفَّة، فلدغَت إحداهما عاتكة بقدَمها. وكان أن لاقَت حتفَها. أليست الخيانةُ والغدرُ نوعًا من اللدغ السامّ؟ هكذا نالَت الخائنةُ الغادرة جزاءَها، وهو من نوع عملها.
وجزاءُ المرأة على خيانتها نراه أيضًا في قصَّة ” المرأةُ دينُها الحبّ من المهد إلى اللحد” (ج2، ص 100-106). فقد تعرَّفَت فتاةٌ فقيرةٌ إلى ماكمِلان الثَّرِيّ الذي كان والدها يعملُ بُستانيًّا لديه. فمال قلبُها إليه. وشاءتِ الأَقدارُ أن يهواها، فتزوَّجها، رغم الفروق الاجتماعيَّة الكبيرة بينهما، وأغرقَها بالمجوهرات والثياب النفيسة، واستَصحَبَها في سفراته، وسوَّدَها على قصره. لكنَّ صديق ماكمِلان حذَّره منها. فاصطنع ماكمِلان سفرةً وهميَّةً أُشيعَ على أثرها أنَّه قُتِلَ في حادثة تحطُّم قطار. وما إن مضى على نبإ وفاته أسبوعان حتَّى استَدرجَت زوجتُه، كَسَندرا، صديقًا له أتاها زائرًا مُعزِّيًا، ورضِيَت بأن تُمارسَ الحُبَّ معه على ضريح زوجها. وما إن فتحَت بابَ الضريح وولَجَتهُ حتّى رأت زوجَها مُنتصبًا فيه، فسقطَت لرُعبها جثَّةً هامدة. وهكذا قدمَت إلى قبره لتدنيسه، فأُلحِدَت فيه.
وفي قصَّة “حديث بين حمار وجحشة” (ج3، ص 93-99)، بينما كان المطران أنسْوِل يزني مع زوجة اللورد استامفورت في الإصطبل، أطلقَ أحَدُ الحمير نهيقَه المتواصل استنكارًا، فذُعِرَ الزانيان وحاولا تهدئتَه خوفًا من افتضاحهما، لكنَّ الحمارَ الشريفَ عضَّ بقوَّةٍ يدَ المطران عندما حاول أن يُربَّتَ على عنقه لتهدئته، فقضمَ إصبعَين من يُمناه. وكان أن تُوُفَّيَ المطرانُ مسمومًا في أثناء عمليَّة جراحيَّة له، وطلَّق اللورد زوجتَه الزانية على أثر الفضيحة. ولم يكن عقابُ المطران مقصورًا على قَصْفِ عمره، بل يُصوِّرُه مؤسِّسُ الداهشيَّة وقد زُجَّ به في دَرَكٍ جهنَّميّ والشيطانُ يقرعُ ظهره بسوطه. وانظر إلى خاتمة هذه القصَّة إذْ يدنو الحمارُ من الجحشة ويحكّ رأسَه برأسها استلطافًا، ويقول لها: “أيَّتها الحبيبة، لِنَرْفَعْ صلاتنا لخالقنا ونُقدِّمَ له شكرنا العميق لأنَّه خلَقَنا حميرًا ولم يخلقْنا بشَرًا، فالبشرُ كلمةٌ مشتقَّةٌ من الشرّ، والعِياذُ باللّه.”
الظلمُ والعدالةُ الروحيَّة
الظلمُ هو المحورُ القَصَصيُّ الثالث في “قصص غريبة وأساطير عجيبة”. ونراهُ يُشكِّلُ طبقةً تحتيَّة في كثيرٍ من القِصَص التي يبرزُ فيها الجشَعُ أو الزنى؛ فهو مُرافقٌ لكلَّ أذىً لا تبريرَ له. لكنَّني سأقِفُ عند ثلاث قِصصٍ تُسبِّبُ أحداثُ الظلم فيها عواقبَ رهيبة للظالمين.
ففي قصَّة “تزوَّجَت عشرةَ رجال” (ج1، ص 175-178) نُواجهُ فتاةً في غاية الجمال فُتِنَ بها شُبَّانُ قبيلة شُمَّر العربيَّة، فاستعرَ التنافسُ عليها بينهم حتَّى قُتِلَ العشراتُ منهم بسبب جمالها الآسر. فقَلِقَ مشايخُ القبيلة، وتباحثوا في الأمر، ثمَّ اتَّفقوا على قَتْلها تخلُّصًا من خطر جمالها الخارق على المصلحة العامَّة. لكنَّ عشرةً من شُبَّان القبيلة مِمَّن لذَعَتهم نارُ غرامها اتَّفقوا على خطفها من السجن وإكراهها على تعاطي الهوى معهم، ونفَّذوا خُطَّتَهم.
لكن ماذا ستكونُ عاقبةُ هذا الظلم المزدَوِج؟
إنَّ قرارَ مشايخ القبيلة بقَتْل فتاةٍ بريئةٍ لا ذَنْبَ لها إلاَّ أنَّها خارقة الجمال هو ظلمٌ صارخٌ تتحمَّلُ القبيلةُ وِزْرَه بسبب موافقتها الجماعيَّة عليه. إذًا تقضي العدالةُ الروحيَّةُ بإنزال عقابٍ صارمٍ في القبيلةِ كلِّها. وهكذا دُفِعَ الشبَّانُ العشرة إلى تسميم البئر التي تستقي منها القبيلة، فماتَ جميعُ أفرادها إلاَّ الفتاة، دَعْد، والعشرة.
لكنَّ الشبَّانَ الخاطفين أنفسهم أوقعوا في دَعْد ظلمًا لا يقلُّ عن ظلم المشايخ لها، بإرغامها على تعاطي الغرام معهم. إذًا مُجازاتُهم الإلهيَّة واجبة. لكن كيف يتمُّ العقاب؟
فكَّرَت دَعْد في أن تتخلَّصَ منهم بوَضعها في القهوة التي سيتناولونها سُمًّا ناقعًا كانت قد خبَّأَتْهُ بصدرها، وصمَّمَت على قتل نفسها قُبَيل إعدامها. وهكذا قضَوا جميعًا نحبَهم. وعندما عرفَت دعد، عند عودتها إلى ديار القبيلة، بأنَّ ذويها قد هلكوا مع أفراد القبيلة جميعهم، تناولَت بقيَّةَ السمِّ الذي احتفظَت به في قارورة صغيرة، فكان مصيرُها مصيرهم.
إنَّ هذه السبَـبيَّة المتوالية حلقاتُها لا تعني تبريرَ إنزال الأذى بالآخَرين إشباعًا لهوًى أَو مطمع أَو حتَّى انتقامًا لضررٍ واقع. فالمشيئةُ الإلهيَّة كان بإمكانها أن تُعافبَ الظالمين من كلِّ فئة بطرقٍ أُخرى، لكنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة أراد أن يُظهِرَ من خلال قصَّته المُلهَمة أنَّ ظُلمًا مُرتكَبًا بحقِّ شخصٍ واحد قد تكون له عواقب وخيمة تُصيبُ شعبًا بأسره.
وفي قصَّة “ظُلمُ قبيلة المرَدة” (ج1، ص 62-64) تُطالعُنا قبيلةٌ من القبائل البائدة وقد حكمَت شعوبًا بالبطش والظلم، حتَّى إنَّها حرَّمَت على الناس تناوُلَ الفواكه أو جَنْيَ الأزهار. فالزهورُ وَقْفٌ على المَرَدة، وأشجارُ الفاكهة واجبٌ على أصحابها أن يجمعوا جناها ويحملوه إلى أحد المسؤولين ليُوزَّع على أفراد قبيلة المَرَدة.
وتوالَت أحكامُ الإعدام على المُخالفين، وكان بينهم ناهالي، ابنة الثريّ مادي وعريسها، حتَّى ضجَّت الشعوبُ المحكومةُ المظلومة، ورفعوا تضرُّعاتهم إلى الخالق ليرفعَ عنهم هذا الجورَ العظيم. واستجابَ اللّهُ لدعائهم.
واستجابةُ اللّه كانت بشَكل معجزةٍ إلهيَّة، إذ استيقظَ الناسُ ذاتَ يومٍ على دويٍّ هائل، فهرعَ المَرَدةُ حاملين أسلحتهم، وأخذوا يدورون في حلقةٍ مُفرَغة ظانِّين أنَّ عدوًّا ما سيُهاجمهم.
وفجأةً، وأمام نظر الألوف الهالعة، جعلَ هؤلاء المَرَدة يتقلَّصون شيئًا فشيئًا حتَّى أصبح كلٌّ منهم بحجم ذُبابة كبيرة، وكان يصدرُ منهم طنينٌ تسمعُه الآذان المرهَفة!
“وسُمِعَ صوتٌ جبَروتيّ ملأَ الآفاق، قائلاً لهم:
‘لقد أحَلْتُكم إلى نحل، وأذنتُ لكم أن تطوفوا الحقولَ والجبال والسهول تبحثون عن مختلف أنواع الأزهار لتجنوا منها عسَلاً وشهدًا يكون طعامًا لمَن ظُلِمَ ممَّن كانوا تحت نيركم.’
“ومنذُ تلك الدقيقة خُلِقَت النحلةُ التي لم تكن معروفة في عالَم الأرض.
“وكلُّ مَن كان يحملُ منهم سلاحًا تحوَّلَ سلاحُه إلى الحُمَة التي يلسعُ بها.
“ومنذُ تلك الهُنيهة ابتدأَتْ جماعاتُ النحل تجوبُ الغابات والفيافي بحثًا عن الأزهار لتجنيَ منها عسَلاً شهيًّا.
“أمَّا ناهالي، فبعد أن توُفِّيَت، جُعِلَت مليكةَ النحل يلتفُّون حولها ليحموها بأرواحهم ويُقدّموا لها الغذاءَ الملَكيّ، وهي أكبرهم جسمًا وأطولُهم عمرًا.”
أمَّا القصَّةُ الثالثة فهي “حديث بين هواء أمريكا وهواء بيروت” (ج3، ص 27-49) نعلمُ منه أنَّ هواء أمريكا، بعد أن انطلَقَت جحافلُه إلى لبنان مُستطلعةً أسرار الحرب اللبنانيَّة، يُطلعُه هواءُ لبنان – وهو سيَّالٌ عاقلٌ مثل هواء أمريكا – على الأسباب الحقيقيَّة التي فجَّرَت الحرب الضروس، فإذا هي أسبابٌ روحيَّة تكمن وراء الأسباب السياسيَّة والاجتماعيَّة، وقلَّما يفطنُ لها الناسُ، وإذا هي مماثلة للأسباب التي دمَّرَت أورشليم، منذُ ألفَي سنة، وشرَّدَت الشعب اليهوديَّ في أقطار الدنيا – أي اضطهاد الحكومة لمُرسَلٍ سماويّ، وتأييد الشعب للاضطهاد الظالم أو سكوته عنه. فبشاره الخوري (1943 – 1952) قبضَ على مؤسِّس الداهشيَّة البريء مثلما كان هيرودس قد قبضَ على السيِّد المسيح، فسجنَه وعذَّبَه دونما مُحاكمة، وجرَّده من جنسيَّته اللبنانيَّة ظلمًا واعتسافًا، وأقصاهُ عن لبنان ليُلاقيَ حتفَه على الحدود التركيَّة. لكنَّ الله القديرَ أنقذَهُ وأعادَ إليه جنسيَّته بعد خلع الرئيس الطاغية. وكان أنَّ الشعبَ الذي شاركَ حُكَّامَه في هذه المؤامرة الجهنَّميَّة تحقَّقَت فيه نبوءةُ الدكتور داهش التي نشرَها الشاعرُ الداهشيُّ حليم دمّوس في صُحُف لبنان – وبينها صحيفة الحياة – في 4/1/1948، ومفادُها أنَّ بيروت ستحترق بالكبريت والنَّار، والخراب سيعمُّ لبنان من أقصاه إلى أقصاه وذلك نتيجة اضطهاد حُكَّامه لمؤسِّس الداهشيَّة ومُمالأة الشعب له.
ذلك كان عرضًا موجزًا للسبَـبـِيِّة الروحيَّة والجزاء الإلهيّ مثلما ظهرا في “قصص غريبة وأساطير عجيبة”. لكنَّ الحياةَ ملأى بأشرار لا نراهم يُعاقَبون في حياتهم. فكم من مجرمٍ يغتصب فتياتٍ ويفرُّ من وجه العدالة! وكم من جشعٍ ظالمٍ يعيشُ مُرفَّهًا بينما يئنُّ المظلومون تحت نيره! وكم من فاسقٍ تبتسمُ له الحياةُ بينما تعبسُ في وجه التقيّ! فأين العدالةُ الروحيَّةُ في ذلك؟ وأين الجزاءُ الإلهيُّ للشرِّير؟ الجوابُ على هذا سنعرضُه في بحثٍ مُقبِل.
العدالةُ الإلهيَّة والسيَّالاتُ السفليَّة الطارئة:
كما قد تسمحُ القوَّةُ الروحيَّةُ المُهَيمنة على نظام الثواب والعقاب بأن تُداخلَ أعصابَ الإنسان سيَّالاتٌ سُفليَّة غريبة عنه، فتُحدث فيه خللاً عقليًّا أي ضربًا من الجنون تبعًا لاستحقاقه. ومن شأنِ ذلك أن يُحدِث تحوُّلاً فُجائيًّا في وحداته الوراثيَّة.
يقولُ مؤسِّسُ الداهشيَّة واصفًا شابًّا[1] طرأ الجنونُ عليه وهو في عُنفوان شبابه، بعد أن شاهدَه في سوْرة جنونه وحاول تهدئتَه:
“وإنْ قُدِّرَ لكَ أن تغفلَ لحظةً، أو تَهنَ قواكَ لبُرهة، فإنَّكَ تتأكَّد بأنَّكَ ستكون ضحيَّةَ هذا الشابّ المُضيِّع للعقل ممَّا وُهِبَه من قوَّةٍ خارقةٍ ممَّا اختزَنَتهُ أعصابُه من مئات السيَّالات الغريبة عنه والمحتلَّة لأعصابه، والسارية بروحه.”
ويؤكِّد النبيُّ الحبيب عدالةَ السماء في ما يُصيب الناس إذ يقول:
“فيا خالقي، ويا واهبَ الحياة لكلِّ ذي نسمة، يا مَن تعرف أسرارَ الأزل والأبد، أنتَ العليمُ بما تكنُّه كلُّ نفسٍ قبل أن تُرسلَها إلى عالَم الأرض التاعسة، أرض البؤس والشقاء والعناء والبلاء، أنتَ انظرْ من عليائك نظرة العطف الأبويّ والإشفاق الإلهيّ، وارحمْ هذا الشابّ، وأنقِذْهُ ممَّا ألمَّ به رغمًا عن تأكُّدي أنَّه يستحقُّ ما أصابَه، مثلما نستحقُّ ما أصابَنا ويُصيبُنا، لأنَّ عدالتَكَ عدالةٌ حقَّة، إذ تُجازي كُلاًّ حسبَ استحقاقه دون زيادةٍ أو نُقصان…”[2]
كذلك عرفَ مؤسِّسُ الداهشيَّة روحيًّا بأنَّهُ سُمِح لسيَّالٍ جحيميٍّ (اسمُه محمود) أن يحتلَّ رأسَ بشاره الخوري، رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة السابق، (1943-1952)، ويُحدِثَ فيه خَلَلاً يؤدِّي به إلى الجنون، وذلك عقابًا له على اضطهاده مؤسِّس الداهشيَّة. وقد حاولَ المقرَّبون من بشاره الخوري وذَووه أن يُعالجوه طبيًّا من غير طائل، إذ استَحوذَ الجنونُ عليه عقب إصداره أمرًا تعسُّفيًّا بإلقاء القبض على النبيِّ الحبيب في 28/8/1944؛ واستمرَّت نوباتُ الجنون تنتابُه حتّى اضطرَّ إلى الاستقالة من الحُكم في 18/9/1952 بعد ثورة الشعب عليه.
فحالاتُ الجنون بمعظمها حالاتٌ عقليَّةٌ تسمحُ الإرادةُ الإلهيَّةُ فيها بأن تستحوذَ على أعصاب الإنسان سيَّالاتٌ سُفليَّةٌ غريبةٌ عنه. هذه السيَّالاتُ السفليَّة سمَّتْها الأناجيل “شياطين” لأنَّ درجتَها الروحيَّةَ سُفليَّة، ومقرُّها الأصليُّ دركات الجحيم. وكانت المشيئةُ الإلهيَّةُ تسمحُ أحيانًا للسيِّد المسيح بأن يطردَها من المُصابين بها بقوَّة الروح العُلويّ الذي يؤيِّدُه.
أمَّا التعزيم الذي تدَّعيه فئاتٌ من رجال الدين، فإنَّما هو تدجيلٌ محض، لأنَّ الإنسانَ لم يُعطَ السلطةَ القادرةَ على طرد السيَّالات السفليَّة من الناس، لأنَّها إنَّما تُسيطرُ عليهم بموجِب استحقاقهم وبحُكم نظام العدالة الشاملة. أمَّا المسيحُ والأنبياء فإن طردوا “الشياطين” فذلك بقوَّة الأرواح العلويَّة الملائكيَّة التي تؤيِّدُهم، وليس بقوَّتهم البشريَّة، مع أنَّهم أنبياء. ومن أسباب تصديق التعزيم لدى جماعاتٍ من الناس اعتماد القصص والأفلام المُرعبة عليه كعنصرٍ من عناصر الإثارة والترويع.[3]
الوساوسُ الشرِّيرة:
الوساوسُ الخنَّاسةُ أو الأفكار المُستحوِذة الشرِّيرة تصدرُ عن سيَّالات الفرد الجحيميَّة التي بالرغم من استقلالها وبُعدها ماديًّا عنه -إذ إنَّها تعيشُ في عوالمَ جحيميَّة مختلفة باختلاف درجاتها الروحيَّة- تبقى متَّصِلةً به روحيًّا، تُوسوِسُ له مُحاولةً التسلُّطَ عليه عن بُعد، وذلك لأنَّها تابعةٌ له، فهي تنتمي إلى شبكةٍ روحيَّةٍ واحدةٍ يُشكِّلُ الفردُ جزءًا منها.
وليس من إنسانٍ، مهما يكُن راقيًا، إلاَّ له ارتباطاتٌ بسيَّالاتٍ سُفليَّة قد توحي إليه بارتكاب المظالم الفظيعة والجرائم الشنيعة أو اقتراف أعمال الفُسق وكَسْر الوصايا الإلهيَّة وتزيين السُّبُل إلى كسرها والعواقب التي تنتجُ عنها. [4]
وقد سألَني الهادي الحبيبُ مرَّةً: “ماذا تقولُ في الشيطان الذي جاء في إنجيل متَّى أنَّه جرَّب يسوع؟” [5]
فأجَبتُه: “إنَّهُ سيَّالٌ سُفليّ تابع ليسوع، وقد حاولَ إغراءَه.”
فقال لي: “ما قُلتَه هو عينُ الصواب. فلا يُسمَح لأيِّ سيَّالٍ غريبٍ عن الإنسان بأن يُوَسوِسَ له ويدعَه يسقط. والسيِّد المسيح بفَضلِ رُقيِّه الروحيّ، انتصرَ على تجربة سيَّاله السفليّ الذي يُسمَح له بأن يتجسَّد ليُجرِّبَه، وهكذا كبُرَ فضْلُه.”
والأفكارُ الشرِّيرةُ المُستحوِذة التي تُصيبُ الإنسان بانحرافاتٍ معيَّنةٍ في سلوكه وبأمراضٍ نفسيَّةٍ خطيرةٍ يتعذَّرُ شفاؤها بالعلاج الطبيّ، نفسيًّا كان أم عقَّارًا، لأنَّها نتيجة لازمة لنشاط السيَّالات السفليَّة التي هي ذاتُ سلطةٍ مستقلَّةٍ وخارجة عن إرادة الإنسان في تجسُّده الراهن. ولذلك فهي تدخلُ ضمنَ قَدَر الإنسان الشخصيّ الذي استحقَّه بأعماله سواء كانت في حياته الحاليَّة أم في تقمُّصٍ سابق.[6]
ومع ذلك فسلطتُها عليه محدودةٌ بمَدى تمهيده نفسه أمام غزوها وانصياعه لها. فمَن يُجاهدُ ميولَه السفليَّة، ويُقاومُ إغراءاتها، ويستهدي اللّه في أعماله وأفكاره، فإنَّه يبقى بمنأىً عن تأثيراتها، إذْ إنَّه يجعل لنفسه حصانةً ومناعةً تُشبهان حصانة الجسم ومناعته ضدَّ تسرُّب الجراثيم إليه. أمَّا الذي يتمادى في أعمال الرذيلة ويُصغي لهواتف الشرّ، فإنَّه يُمهِّدُ نفسه لتُصبحَ فريسةً ضعيفةً مُستسلمة تستحوذُ عليها السيَّالاتُ السفليَّة وتخضعها لأمرها. فبقَدر ما تتكاثر النقائص في النفس وتتعاظم الرذائل، بقَدر ما تتكاثر المنافذ وتتَّسع المسارب التي تدخل منها تأثيرات السيَّالات الجحيميَّة ووسوساتها الرهيبة.
وقد أوضح السيِّد المسيح هذه الحقيقة بقوله: “إنَّ الروحَ النَّجس، إذا خرج من الإنسان، هامَ في القفار يطلبُ الراحة فلا يجدها، فيقول: “أرجعُ إلى بيتي الذي منه خرجتُ.” فيأتي فيجدُه خاليًا مكنوسًا. فيذهب ويستصحب سبعةَ أرواح أخبثَ منه، فيأتون ويقيمون فيه، فيكون ذلك الإنسان في حالته الآخرة أسوأ منه في حالته الأولى. وهكذا يكونُ مصيرُ هذا الجيل الفاسد.” (متّى12: 43-45).
وجاء في القرآن الكريم: “استحوذَ عليهم الشيطانُ فأنساهم ذكر اللّه أولئك حزب الشيطان. أَلا إنَّ حزبَ الشيطان هم الخاسرون.” (سورة المجادلة: 19). لكنَّ سيطرةَ الشيطان لم تكن إلاَّ برضى المُسيطَر عليه، وإلاَّ لشُلَّت إراداتُ البشر وانتفَت عدالةُ الثواب والعقاب. وهذا ما تُوضِّحُه الآيةُ الكريمة القائلة: “وقال الشيطانُ لمَّا قُضِيَ الأمر: إنَّ اللّه وعدَكم وعدَ الحقّ، ووعدتُكم فأخلفتُكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلاَّ أن دعوتُكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسَكم.” (سورة إبراهيم، آية 22).
وفي الآية القرآنيَّة القائلة: “قُلْ أعوذُ بربِّ النَّاس، مَلِكِ الناس، إله الناس، من شرِّ الوسواس الخنَّاس، الذي يُوَسوِسُ في صدور الناس، من الجِنَّة والناس” (سورة الناس) حثٌّ على ضرورة الاعتصام باللّه في حالة حدوث الوساوس الشرِّيرة، وإيضاحٌ لكَون هذه الوساوس قد تصدرُ من سيَّالاتٍ سُفليَّة كائنة في الإنسانِ نفسه، أو في العوالم السفليَّة الخفيَّة عنه التي عبَّر عنها بالجِنَّة.”
وإنَّ ما يدفع السيَّالات الجحيميَّة إلى إغواء الناس هو طبيعتها السفليَّة النزَّاعة إلى الأذى، يُضافُ إليها رغبتُها في اجتذابهم إلى جحيمها ليكونَ لهم شراكة في نصيبها من الشقاء.
والإنسانُ يبقى مسؤولاً مسؤوليَّةً روحيَّةً عن الأعمال الشرِّيرة التي يرتكبُها بدافع من تلك الوساوس لسببَين: أوَّلاً، لتمهيده السبيل أمام غزوها لنفسه واستحواذها على أعصابه، والثاني لأنَّه جزءٌ من شبكةٍ روحيَّةٍ يُسهِمُ بطريقةٍ غير مباشرة في تسفيل كلِّ سيَّالٍ منها أو في ترقيته. ولجَهل القُضاة والمعنيِّين بالدراسات النفسيَّة حقيقةَ أبعاد الإنسان الروحيَّة، درَجوا على اعتبار الانحرافات النفسيَّة “المَرَضيَّة” خارجة عن إرادة الإنسان، وعلى اعتبار المُصاب بها غير مسؤول عن تصرُّفاته. وهذا التفسيرُ فيه وجهٌ من الرحمة تبعًا للمنطق البشريّ، ولا بأسَ من الاستنادِ إليه واعتباره مدعاةً لظروفٍ تخفيفيَّة في ما يخصُّ العقابَ المدَنيَّ أو الجزائيّ، لكنَّه تفسيرٌ خاطئٌ أساسًا من حيثُ فهم مسؤوليَّة الإنسان الروحيَّة التي يستحيلُ أن يتهرَّبَ منها. فعقلُه الواعي وعقلُه الباطن وحدةٌ في المجال الروحيّ. وإذا لم يُجازِه القانون البشريُّ على أعماله التي أملَتها عليه “أمراضُه النفسيَّة”، فإنَّ القوانينَ الإلهيَّة ستتكفَّل بإنزال العقاب الذي يستحقُّه به سواء في تقمُّصه الحاليّ أو في تقمُّصاته اللاحقة؛ ذلكَ بأنَّ المرضَ العقليَّ أو النفسيَّ، كالمرض الجسديّ، نتيجة لمِا ارتكبَ السيَّالُ من أعمال ولِما شعر من رغبات سواء في حياته الراهنة أو في حياته السابقة.
الفُصامُ أو الشيزوفرينيا:
هذه الحالة من المرض العقليّ هي حالة مُناوِبة. وعندما تعتري الشخصَ تجعله في شعوره وإدراكه وتفسيراته وتعليلاته بعيدًا عن الواقع المألوف عند الناس كما عن المنطق السليم. وقد يكون الاضطرابُ العقليُّ حادًّا تُرافقُه الهَلوسة السمعيَّة أو البصريَّة أو الشمِّيَّة، أو يكونُ مُلطَّفًا يكاد ينحصرُ في اعتقادات ليست في الواقع سوى أوهام. والعقاقيرُ قد تُزيلُ أعراض هذا الخَلَل بتأثيرها في بعض وظائف الدماغ أو قد تُلطِّفُها، لكنَّها لا تشفي هذا المرض.
أمَّا سببُ استعصاء هذا المرض على الشفاء بالعقاقير [7] من وجهة التفسير الداهشيّ -تبعًا لِما أوضحَه لي النبيُّ الحبيب أكثر من مرَّة- فهو أنَّ الخلَلَ مردُّهُ إلى اتِّساع الشقَّة بين السيَّال الأعلى والسيَّال الأدنى في الشخص المريض. فالانسجامُ بين السيَّالات -المُنطوي كلٌّ منها على الإدراك والشعور والرغبة بدرجاتٍ معيَّنة- يقتضي تقاربَها في مستوياتها الروحيَّة. فإذا اجتمعَ في الإنسان سيَّالٌ عُلويٌّ وسيَّالٌ سُفليٌّ أو شبهُ سفليّ، فلن يكونَ تفاهمٌ وانسجامٌ بين نشاطهما، ولذلك يحدث عدم التواصل والانفصام: فإمَّا يُهيمِنُ على شخصيَّة الإنسان، في حالته السليمة، السيَّالُ العُلويُّ مُظهِرًا ذاته في اتِّجاهاته السامية ورغباته الروحانيَّة ونزعاته الإنسانيَّة، وإمَّا يُهيمِنُ عليها السيَّالُ الأدنى، فتتسلَّطُ، إذْ ذاك، على الإنسان أوهامٌ وهلوساتٌ أو أفكارٌ شاذّةٌ ونزعاتٌ بعيدةٌ جدًّا عن النزعات الروحيَّة السامية، فكأنَّ الشخصَ شخصٌ آخر لا يمتُّ إلى الأوَّل بصِلة، وكأنَّ منطقَه ينتمي إلى عالَم الخيال لا إلى عالَم الواقع. فرغبةُ السيَّال الأعلى الشديدة المستمرَّة، أي إرادته الدائمة في عدَم التواصُل مع السيَّال الأدنى، بل في عدَم الاعتراف بوجوده، هي التي تُؤثِّر في وظائف الدماغ مانعةً تكوين وسائل الاتِّصال الكيميائيَّة العصبيَّة الضروريَّة بينها.
وقد تقترنُ الشيزوفرينيا بالهبوط النفسيّ. وكثيرًا ما تُلاحَظُ عند أشخاصٍ مُمَيَّزين بمواهبهم أو متفوِّقين بإدراكهم. وسببُ ذلك أنَّ معظمَ البشر لا يتمتَّعون بسيَّالاتٍ عُلويَّة، أو لنقُلْ جدّ راقية على الأقلّ. ولذلك فسيَّالاتهم متقاربة في مستوياتها، فهي دُنيويَّة أو شِرِّيرة في نزعاتها؛ في حين أنَّ المتفوِّقين بمواهبهم أو إدراكهم قد تجتمعُ فيهم سيَّالاتٌ سُفليَّة مع سيَّالاتٍ راقيةٍ جدًّا تكونُ سببَ تفوُّقهم.
وقد أكَّد لي النبيُّ الحبيبُ مرارًا أنَّ مَن يُعانون الهَلوَسة من المُصابين بالشيزوفرينيا أو غيرها، يَرَونَ أشكالاً أو يسمعون أصواتًا أو يشمُّون روائحَ لا يراها أو يسمعها أو يشمّها الناسُ الأسوياء، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّهم متوهِّمون. فهم يعيشون في واقعٍ غير واقعنا المألوف، وهو واقعٌ يسمح فيه النظامُ الروحيُّ بأن يُحدِثَ سيَّالُ المريض تأثيرًا في الجهاز العصبيّ ووظائف الدماغ بحيثُ يتلقَّى الدماغُ الصورة أو الصوت أو الرائحة مُباشَرةً من داخله لا من الواقع الخارجيّ. ولنا في إحساس الأشخاص باستمرار وجود عُضوٍ قد بُتِرَ منهم (كاليد أو الرجل) ما يُساعدُ على فهم ذلك. [8] ولهذا السبب يستحيلُ إقناعُ المُصاب بالهَلوَسة بأنَّه واهِم.
[1] هو روبير ابن الدكتور جورج خبصا نِطاسيِّ الجِلد الشهير.
[2] الدكتور داهش: قِصص غريبة وأساطير عجيبة، ج 1، ص 26-28 .
[3] أنظر: Free Inquiry, Summer 1991, Vol.2, #3
[4] الدكتور داهش: قصص غريبة وأساطير عجيبة، ج3، ص 79-80.
[5] متَّى 4: 1-11.
[6] هذه الوساوس الخنَّاسةُ المُستحوِذةالخطيرة ما تزال تحيِّرُ علماء النفس، فيتيهون في تخمين أسبابها، ويَحارون في محاولة معالجتها.وقد ظنَّ فْرويد أنَّها صادرة عنالعقل الباطن الشخصيّ ، وبالدرجة الأولى، عن كَبت اندفاع الغريزة الجنسيَّة في الطفولة، وهو ظنٌّ أثبتَت التجاربُ أنَّه خاطئ. وعلى حدِّ قول أحدِ أعلام الطبّ النفسيّ الفرنسيِّين، الدكتور سيريل كوبرنيك Cyrille Koupernik : لم يتقدَّم الطبُّ الفرويديّ خطوةً واحدةً منذ عهد فْرويْد حتّى الآن، أي منذُ أكثر من خمسين سنة، وهو ما يزال بعيدًا عن فَهم الإنسان وحلِّ مُعضلاته النفسيَّة الكبرى. وهذا الواقعُ يؤكِّدُ أنَّ الأساسَ الفرويْدي الذي بنى عليه الطبيب النمساوي نظريّاته أساس خاطئ، لأنَّ فهمَ حقيقة الإنسان الروحيَّة تعجزُ عنه العلومُ البشريَّة، ولا يكتمل إلاَّ بالتعاليم الإلهيَّة. انظر Revue du Liban, N. 635, 27 Fevrier, 1971, p. 18.
وبعد عشرين سنة من هذا التصريح، تكاثرَ عُلماءُ النفس الذين يرفضون تأويلات فْرويْد لمراحل النموِّ الإنسانيّ كما للأمراض النفسيَّة. انظر مثالاً على ذلك: ما كتبَهُ جفري موسايف ماسون Jeffrey Moussaief Masson من كتبٍ مختلفة في هذا الشأن.
[7] من الوجهة الطبيَّة يُرجِّحُ الباحثون أنَّ الشيزوفرينيا تنتجُ عن نقصٍ في الجُزيئات الموصلة للتعليمات التي تحملها نَوى الجينات والتي تؤدِّي إلى تكوين أنزيمة مهمَّة جدًّا في إنشاء موصِلٍ عصبيٍّ يُسمَّى Gamma-aminobutyric acid (GABA) (Science Newss, April22, 1995,p. 247).
[8] أُجريَت أبحاثٌ علميّة كثيرة مؤخَّرًا تُثبتُ ذلك.
السَّبَـبِيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأحداثِ العامَّة
في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
في بحثَين سابقَين عن السَّـبَـبِيَّةِ الروحيَّة والعدالة الإلهيَّة (“صوت داهش”، كانون الأوَّل 1995 وآذار 1996) أَوضحتُ أَنَّ العلاقةَ السَّـبَـبِيَّة بين الأحداث يُدركُ الناس، بصورةٍ عامَّة، مجاريَها الطبيعيَّة؛ لكنَّ التعاليمَ الداهشيّة تتخطَّى المحسوسَ فتُعلمُنا أنَّ وراءَ السَّـبَـبيَّة المادّيـَّة سَبَـبيَّةً روحيَّة تتجاوزُ مداركَنا، وأَنَّه لا صُدفةَ في مجرى الأحداث على الإطلاق، سواءٌ أَكانت صحَّةً أم مرَضًا، رُبحًا أم خسارة، فقرًا أَم ثَراءً، غباءً أَم ذكاءً. فسيَّالاتُ كلِّ إنسانٍ هي التي تُـثيـبُه أَو تُعاقبُه في حياتِه الراهنة أو في حياتِه المُقبِلة تبَعًا لنظامِ العدالة الروحيَّة. فالظالِمُ والجَشِعُ والسارِقُ والزاني والخائنُ وغيرُهم من مُرتكِبي المُنكَرات… كلٌّ منهم سيَّالُه الدنيءُ يُعاقبُه.
لكنْ هل تسري السَّـبـبيَّةُ الروحيَّة على الجماعات والشعوب مثلما تسري على الأفراد؟ وهل لها تأثيرٌ في تكوينِ مجرى الأحداث العامَّة وفي تغييرِه؟ هذا ما سيُعالَجُ في هذا البحث.
مبادئُ عامَّة
مثلما أنَّ حياةَ الإنسان ليست محدودةً بولادتِه وموتِه، لأنَّها أشبهُ بموجةٍ في نهرِ حياتِه المُنبثقِ من الأَزَل والمُنصبِّ في الأبَد، ومثلما أنَّ وضعَه الحاليَّ ومصيرَه مرهونان بأعماله ونزعاتِه وأَفكارِه في حياته الحاليَّة كما بمُجمَل أدوارِه الحياتيَّة السابقة، هكذا الأوضاعُ القائمة للجماعات والشعوب، بل للبشريَّة بأسرها، مرهونةٌ بما ينطوي عليه حاضرُها، كما بما يتضمَّـنُه تاريخُها الواقعيُّ، من مُمارساتٍ واتِّجاهاتٍ وعادات. ولا مفرَّ من الثواب والعقاب الإلهيَّـين على صعيد الجماعة كما على صعيد الفرد. كذلك فالدوراتُ الحضاريَّةُ في تاريخِ البشريّةِ العامّ هي حلقاتٌ ديناميَّة يُؤَثِّرُ بعضُها في بعض، ويُعلَّلُ نهوضُ بعضِها في ضوءِ انهيارِ بعضِها الآخَر. وتتدخَّلُ في تحديدِ مصير الحضارة نهوضًا وسقوطًا إرادةُ الإنسان ومشيئةُ الله وَفقَ نظامٍ إلهيّ عادل خاضعٍ لسَـبَـبَِّةٍ روحيَّة شاملة.
إنَّ التكوينَ العَفويَّ للجماعاتِ البدائيَّة أَو الصغيرة –ولا علاقةَ للاتِّحادات القائمة على صيانة المصالح المُشتركة بذلك– يتمُّ إمَّا وَفقَ قانون التجاذُبِ الوراثيّ كما الحال في العشائر والقبائل حيثُ تمتدُّ السيَّالاتُ من الجدود إلى الأحفاد ومعها يمتدُّ الثوابُ أو العقاب؛ وإمَّا وَفقَ التجاذُبِ الروحيّ المَبنيّ على تعارُفٍ وتجاذُبٍ في دوراتٍ حياتيَّة سابقة بين سيَّالاتِ الأفراد، وهذا ما نراه في البعثاتِ النَّبَويَّة كما في نشأةِ المذاهبِ الفنِّـيَّة والأَدبيَّة والفلسفيَّة التي تتخطَّى الحدودَ الوراثيَّة والجغرافيَّة. وسيُـفَصَّلُ الكلامُ عليها فيما بعد.
كذلك يخضعُ تكوينُ الشعوبِ والمُجتمعات المتطوِّرة لقانون العدالةِ الروحيَّة تجاذُبًا أو تنافُرًا. فمن أجل استقامة ميزانِ العدالة تُعيدُ المشيئةُ الإلهيَّة تجميعَ السيَّالات في جماعاتٍ مُتفاعلة تفاعُلاً سلميًّا أو حربيًّا، وذلك ضمنَ شعبٍ واحد أو عدَّة شعوب، وإذْ ذاك تُسَدَّدُ الحساباتُ المتبقِّية من الدورات الحياتيَّة الماضية، فيقتصُّ المظلومُ من ظالِمِه، ويلقى كلٌّ عقابَه أو ثوابَه بأساليبَ تلبسُ مظاهرَ التعامُلِ الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو السياسيِّ العاديّ، أو مظاهرَ الثوراتِ والفِـتَنِ والحروب. وقد تشتركُ الكوارثُ الطبيعيَّة في استقامة ميزان العدالة الروحيَّة. ولي كلامٌ مُفصَّلُ على ذلك في حينِه.
وبإلقائنا نظرةً شاملةً تنفضُ التاريخَ منذُ بداياته حتَّى يومنا الحاضر، يُطالعُنا نهرٌ من الأحداثِ المأساويَّة في كلِّ أَنحاء العالَم. فالقَتلُ والنَّهبُ والسَّطوُ على الأعراض، كما الاستبدادُ والتنكيلُ وقَمعُ الحرّيـَّات، هي الغالبة على أحداث التاريخ في ظروفِ سِلمِه وحربِه. وتعليلُ ذلك أنَّ البشرَ كانوا وما زالوا، بغالبيَّتِهم المُهيمنة على كلِّ مجتمع، ذَوي سيَّالاتٍ (أَي قوًى نفسيَّة) مُتردِّية.
لكنْ ضمن المجتمعاتِ المُـتردِّية روحيًّا تنشأُ بإرادةٍ إلهيَّة غير منظورة، من حقبةٍ إلى أُخرى، حركاتٌ ساميةُ النـزعات والغايات والقِيَم، تجذُبُ إليها جماعاتٍ مُتآلفة تتميَّزُ عن سوادِ الشعبِ بإدراكٍ مُميَّز ومطامحَ نبيلة وميولٍ روحانيَّة. هذه الجماعاتُ هي هياكلُ بشريَّة مُختارة تُحيـيها سيَّالاتٌ هي امتداداتٌ روحيَّة لسيَّالات المسيح والأنبياء والمُرسَلين والهُداة على مَرِّ العصور، وهي التي تُكوِّنُ نهرَ الماءِ الحَيّ، نهرَ الحضارةِ العالَميَّة الصاعِد، المُتدفِّق مدى الأجيال، شاقًّا طريقَ الارتقاءِ الروحيّ في العالَم، ومُعيدًا توجيهَ مجرى التاريخ إلى الجوهرِ الروحيّ النقيّ كلَّما زاغَ الناسُ عن الغاية العُليا من وجودِهم.
هذه السيَّالاتُ المُتفوِّقة تتَّخذُ تارةً مظهرًا دينيًّا نقيًّا، وطورًا مظهرًا فكريًّا راقيًا، وحينًا تتَّخذُ مظهرًا فنِّـيًا أو أَدبـيًّا ساميًا، وحينًا آخَر مظهرًا إصلاحيًّا سياسيًّا واجتماعيًّا؛ لكنَّها هي هي دائمًا التي تُغذِّي الرقيَّ البشريَّ الحقّ، وتمنحُ المُجتمعاتِ أسمى وأَجملَ ما فيها، بحيثُ يسوغُ القول إنَّ الحضارةَ البشريَّة، منذ ولادتِها حتَّى اليوم، هي إبداعُ سيَّالاتٍ مُختارة تمرُّ في سماءِ الأرض مرورَ الشُّـهُبِ العجيبة التي تخرقُ دياجيرَ الظلام فتزيدُ رؤيةَ العالَم وضوحًا، وتزيدُ المشهدَ السماويَّ جمالاً، وتُخلِّفُ وراءَها إشعاعًا يُنيرُ الشعوبَ مدى أُلوفِ السنين.
لكنْ بين بُناةِ الحضارةِ البشريَّة العباقرة عمالقةٌ بدونهم يبدو التاريخُ فارغًا والوجودُ تافهًا. ومهما يُسدَلُ عليهم من ستائر النسيان أو التجاهُل أو الاستهانة، فإنَّهم لا بُدَّ من أن يعودوا إلى الظهور والتأَلُّق في سماء المعمور، لأنَّ فيهم تنعكسُ ومضاتٌ من الحقيقةِ الإلهيَّةِ الكُبرى. إنَّهم حاملو رسالات السماء وهداياتها الروحيَّة. هم ليسوا بآلهة، لكنَّهم يشهدون للأُلوهة بعظمتِهم، وهم ينـتمون إلى الحاضر انتماءَهم إلى الماضي، ذلك بأَنَّهم يحملون بذورَ الحقيقة التي تـتـنامى وتـتكاملُ مع كرور الزمان. كلٌّ منهم يستقلُّ عن الآخَر بعملِه، ومع ذلك كلٌّ منهم يُتِمُّ الآخَر. إنَّهم يتقابلون على مَشارفِ التاريخ، ويتلاقَون في مملكةِ الروح، ويستحيلُ الاستغناءُ عن أَيٍّ منهم في مسيرةِ البشريَّةِ صُعُدًا لضرورتِهم المحتومة. وهم يتميَّزون عن العباقرة الآخَرين بأنَّ عظمتَهم تقومُ على مدى سُمُوِّ هدايتِهم ومدى تأثيرِها عُمقًا واتِّساعًا في صياغة الحضارةِ البشريَّة، بقدرِ ما تقومُ على عظمةِ شخصيَّاتِهم التي تتوحَّدُ مع أَعمالهم وأفكارهم.
إنَّ للمجرى الحضاريِّ الارتقائيّ، في الأرض كما في العوالمِ الأُخرى، مصبًّا أسمى يجبُ أن يتحرَّكَ باتِّجاهِه ويسعى من اجل بلوغِه، أَلا وهو المُطلقُ الصحيحُ الكامل معرفةً وقُدرة، الكائنُ الأسمى حقًّا وخيرًا وجمالاً: الله –عزَّ وجَلّ. لكنْ بما أنَّ غايةَ الغاياتِ هذه لا يستطيعُ البشرُ أَن يُدركوها بأنفسهم، مهما حاولوا، وذلك للقيودِ التي فرضَها عليهم مُستواهم الروحيّ، كان لا بُدَّ من أن تنـتصبَ، في أثناء المسيرةِ الحضاريَّة، مناراتٌ روحيَّةٌ كُبرى أَبرزُ ما تتمثَّلُ في الأديانِ السماويَّة وهداياتِ الحكمةِ الروحيَّة التي هي من المسيرةِ الحضاريَّة بمثابةِ أقطابِ جاذبيَّة خفيَّة تجعلُ الأحداثَ التاريخيَّة، دينيَّةً وثقافيَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة وعسكريَّة، تتوالدُ وتتلاحقُ وتترافَدُ وتترابَطُ وتتحرَّكُ باتّجاهها، بحيثُ تُؤَدِّي جميعُها إليها؛ وذلك وَفقَ ترتيبٍ روحيّ إلهيّ يشتركُ فيه استحقاقُ البشر ومشيئةُ الله.
وبما أنَّ البشرَ أَعجزُ من أَن يستشرفوا المناراتِ الروحيَّة قبل أن تطلعَ عليهم في سياق مسيرتهم الحضاريَّة لأنَّ استشرافَ الغَيب مُحالٌ عليهم، فهم يُفاجَأُون بها دائمًا متى أطلَّت عليهم؛ وفي الغالب يُنكرونها، ويمتهنونها، ويضطهدونها، ولا يَعون حقيقتَها وقيمتَها الروحيَّة إلاَّ بعد أن يُبعدَهم الزمانُ عن نشأتها. إذْ ذاك يتَّضحُ دورُها الروحيُّ العظيم في اجتذابِ الأحداث التاريخيَّة وتكوينِ المجرى الحضاريِّ الجديد، كما يتَّضحُ ما ترتَّبَ على رفضِها من عواقبَ جماعيَّة وخيمة. ذلك كان شأنُ كلِّ رسالة هادية. وإنَّه اليومَ لَشأنُ الداهشيَّة وهي ما تزالُ في مهدِها.
ولمَّا كانت الغايةُ القُصوى من الحياةِ المُنتشرة في الكون، بنظرِ الداهشيَّة، هي الارتقاءُ النُّـزوعيّ والإدراكيّ عن طريق الجُهدِ المُستمرّ ومُغالبةِ التجاربِ الدُّنيويَّة بُغيةَ التطهُّرِ أكثرَ فأكثر من أدران المادَّة والتحرُّرِ من قيودها من أجل بلوغ عالَم الروح المجيد السعيد، وبالتالي الاندماج بالقوَّةِ الموجِدة، فإنَّ رسالاتِ الأنبياء والهُداة الروحيِّـين هي التي تُقدِّمُ المُساعدة أكثرَ من غيرها لبلوغ هذه الغايةِ القُصوى. وبناءً على هذه القاعدة كان لا بُدَّ لكلِّ موجةٍ حضاريَّةٍ جديدة، غيرِ مُزيَّفة، من رسولٍ أو هادٍ روحيّ يُطلقُها. هذه الحقيقةُ تُؤَكِّدُها وقائعُ التاريخ. حينئذٍ، يحتضنُ مجتمعٌ معيَّن الهدايةَ الجديدة، فيستفيدُ منها، ويُصبحُ بؤرتَها الحضاريَّة. ذلك ما حدثَ للعبرانيِّـين مع رسالة موسى النبيّ، وللشرقِ الأقصى مع هدايات كنفوشيوس ولاوتسو وبوذا، ولليونان ثمَّ الرومان مع هداية سقراط، ولأُوروبَّا ثمَّ أمريكا مع رسالة المسيح، وللعرَب مع رسالة الرسول العربيّ.
لكنْ بما أنَّ غالبيَّةَ الناس تبقى سيَّالاتُهم مُتخلِّفة مُتدنِّية، حتَّى في حال إيمانهم، لاستصعابهم التغلُّب على مُغريات الدنيا وشهواتِ اللحم والدم، فإنَّ عدواهم، مع كرور الزمان، تتفشَّى في أكثريَّةِ المؤمنين، فتأخذُ جواذبُ الأرض وعواملُ الشرِّ والرذيلة تفعلُ في نفوسهم، فيتعلَّقون بأعراض الدين وقشوره، وينسَون جوهرَه، ويُحرِّفون تعاليمَه أو يُؤَوّلونها لتُناسبَ أهواءَهم، فتنحطُّ سيَّالاتُهم، وتُصبحُ مُساويةً لسيَّالاتِ الآخَرين من الأردياء، إلاَّ قلائلَ منهم يبقَون صامدين في وجهِ الدنيا بقِيَمِهم الروحيَّة، يُغالِبون إغراءاتِها ومفاسدَها، فتتدخَّلُ العنايةُ الإلهيَّة وتُنقذُهم بإلهامِهم بالهجرة أو بانتقالهم عَبرَ الموت فالولادة الجديدة في مجتمعٍ جديد تكونُ قد تهيَّأت فيه شروطُ استقبالِ سيَّالاتهم الراقية ورعايتِها. وهكذا يتعرَّضُ المجتمعُ الذي كان يحضنُ الهدايةَ للانهيار الحضاريّ، بعد فَراغِه من السيَّالات السامية في روح الدين كما في العلم والفلسفة والأدب والفنّ، بينما يأخذُ مجتمعٌ جديدٌ بالنهوض الحضاريّ بعد أن تكونَ الإمداداتُ الروحيَّة الجديدة قد بدأَت تُغذِّيه.
وقد تتناوبُ على الدورةِ الحضاريَّة، قبل تلاشيها وفراغِ الدين فيها من نُسغه الروحيّ، كبَواتٌ ونهضات، حتَّى إذا حان الزمان، وأشرفَت الدورةُ الحضاريَّةُ على نهايتِها المُفجِعة، وذاق أبناؤها مرارةَ الآلام والمصائب والكوارث، والاضطراب والتمزُّق والقلَق، تدخَّلَت العنايةُ الإلهيَّة فأَرسلَت نبيًّا أو هاديًا جديدًا مُزوَّدًا بسيَّالاتٍ من شأنِ جاذبيَّتُها الروحيَّة أَن تُدخِلَ في حقلِها كلَّ مَن تسمحُ له درجةُ سيَّالاته الروحيَّة بالدخول. وهكذا تولَدُ في الأرض ديانةٌ جديدة أو هدايةٌ جديدة تُزوِّدُ الناسَ بمعرفةٍ عن الحقائق الروحيَّة تكونُ بمُستوى مداركهم وتسمحُ بها درجةُ المعرفة في عصرهم، كما تمدُّهم بإيمانٍ حَيٍّ جديد يُحيي النسغَ في شجرةِ الحضارة، بعد أن تكونَ قد بدأت تنخرُ وتَيـبس.[1]
وأيَـًّا تكُن الديانةُ أو الهدايةُ الروحيَّة الصحيحة فجذورُها، لا محالة، مغروسةٌ في سيَّالات الطاقة الروحيَّة التي سمَّتها الكتبُ المقدَّسة “الكلمة الإلهيَّة” أو “الهداية الإلهيَّة” التي منها تنبثقُ رسالاتُ الأنبياء والرُّسُلِ والهُداةِ الحقيقيِّين جميعًا. ولذلك سُمِّيَ السيِّدُ المسيحُ في الإنجيل كما في القرآن “كلمة الله” لأنَّه كان بأَقواله وأعماله تجسيدًا للكلمة الإلهيَّة.[2] كما أَوضحَ الكتابُ الكريم أنَّ الرسالاتِ الروحيَّة جميعًا هي من “هُدى” الله، ومَن اتَّبعَ إحداها فلا خوفَ عليه.[3] كذلك أكَّدَ القرآنُ أنَّ كلماتِ الله، أي رسالاته أو هداياته، ليس لها حدود بقولِه المُنـزَل: )قُلْ لو كان البحرُ مِدادًا لكلماتِ ربّي لَنفِدَ البحرُ قبل أن تنفَدَ كلماتُ ربّي ولوجئنا بمِثلِه مَـدَدًا(؛[4] كما بالقولِ الكريم : )ولو أنَّما في الأرضِ من شجرةٍ أَقلامٌ، والبحرُ يمدُّه من بَعدِه سبعةُ أَبحُرٍ، ما نفِدَت كلماتُ الله، إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيم.([5] وقد أزالَ القرآنُ اللبسَ في فَهم معنى “كلمات الله” مُؤكِّدًا أنَّها تعني الهداية بقوله: )ولكلِّ قومٍ هادٍ(.[6] وهذا يعني أنَّ الخلاصَ يُمكنُ بلوغُه في كلِّ رسالة أو هداية إذا عرفَ المؤمنُ كيف ينفدُ إلى الجوهرِ الروحيِّ منها ويتمسَّكُ به تمسُّكًا عمليًّا.
بناءً على ذلك فقولُ السيِّد المسيح “أنا الباب، مَن دخلَ منّي يخلص…”[7] أَو قولُه “أَنا الطريقُ والحقُّ والحياة؛ لا يأتي أحدٌ إلى الآب إلاَّ بي”[8] لا يقطعُ طريقَ الخلاص، في نظر الداهشيَّة، على المؤمنين برسالاتٍ سماويَّة وهداياتٍ روحيَّة أُخرى، بل يقطعُ الخلاصَ، في أيِّ دين مُنـزَل أو هداية روحيَّة، على كلِّ مؤمنٍ بالكلام والطقوس دون العمل والمُمارسة الحيَّة، لأنَّ السيِّدَ المسيح لم ينقضْ شريعةَ موسى النبيّ، بل أتمَّها بالإلحاحِ على تحقيقِ الأقوالِ بالأَفعال وتجسيدِ الإيمان بمُمارسةِ الفضائل كالمحبَّة والرحمة والتعفُّف والقناعة وليس الاكتفاء بالإيمانِ النظريّ أَو بالامتناع عن الرذائل كالقتل والإيذاء والزِّنى والجشَع دون الحياة الفاضلة.
في هذا الضوء يكونُ المؤمنون الحقيقيُّون بكلِّ رسالةٍ أو هدايةٍ جديدة، أي الذين بمقدورهم النفاذُ إلى الجوهر والتمسُّك به، قلائلُ بالنسبة للمؤمنين العاديِّين الذين يكتفون بالقشور دون اللباب، أو يُلحُّون على الأعراض إلحاحَهم على الجوهر. لكنَّ أولئكَ القلائل يـبدون في العالَم غُرباء، كالنور في الظلماء، والجدولِ المُحيي في الصحراء. ولِذا قال السيِّدُ المسيح مُخاطبًا أَباه السماويَّ بشأنِ تلاميذه المُقرَّبين الذين كانوا بسيَّالاتِهم امتداداتٍ روحيَّة له: “إنّي أَعطيتُهم كلمتَكَ، وقد أَبغضَهم العالَم لأنَّهم ليسوا من العالَم كما أنّي أَنا لستُ من العالَم. لستُ أسألُ أن ترفعَهم من العالَم، بل أن تحفظَهم من الشرّير… قَدِّسهم بحقِّكَ، إنَّ كلمتَكَ هي الحقّ. كما أَرسلتَني إلى العالَم، أَرسلتُهم أَنا إلى العالَم.”[9] وسنرى في ما يأتي من هذا العَرض أنَّ السيَّالاتِ الراقية التي هي امتداداتٌ للأنبياء والهُداة ليس محتومًا أن تكونَ في عِداد فُقهاء الدين أَو المُبشِّرين به، بل الأغلب أن تكونَ خارجَهم، في الفلاسفة والأُدباء والشعراء والفنَّانين والعلماء والقادةِ المُصلحين، خصوصًا متى ابتعدَ الزمانُ عن انطلاق الدعوة وبدأَ الفسادُ يتغلغلُ في رجال الدين.
ولئن ادَّعى بعضُ الفئات إمكانَ قيامِ حضارة راقية على أُسُسٍ سياسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة بحتة لا علاقةَ لها بالأديان، فإنَّ هذا الزعمَ ينقضُه أيُّ درسٍ تنقيبيّ موضوعيّ تاريخيّ للقواعد التي قامت عليها أَمثالُ تلك “الحضارات” والنتائج التي أَفضَت إليها. ولعلَّ أسطعَ برهانٍ على ذلك هو قيامُ الاتِّحاد السوفياتيّ ثمَّ سقوطُه. ذلك بأنَّ النفسَ البشريَّة تحنُّ، بوعيٍ منها أو بغيرِ وَعيٍ، إلى مصدرِها الروحيّ؛ وهي إذا لم تعبُد خالقَها في قوَّته الموجِدة بكمالها المُطلَق، فستعبدُ أصنامًا تُقيمُها من ذاتها أو من الطبيعة أو الأحزاب أو الأوطان أو الرؤَساء الخاضعين للنقصِ والفناء. أمَّا ما يُنسَبُ إلى الأديان من معايبَ ومُعوِّقات، فهو ليس منها، بل من المؤمنين بها أو من رجال الدين, وهذا سيُفصَّلُ الكلامُ فيه في حينه.
في ضوءِ ما قدَّمتُ، قد يستطيعُ الناسُ إقامةَ مدنيَّةٍ برَّاقة، ذاتِ هيكلٍ مادِّيٍّ قويّ، لكنَّ هيكلَها يبقى فارغًا من الروح الحضاريِّ الحقّ، أَي من القِيَمِ الإنسانيَّة الكُلِّـيَّة كالعدالة والمحبَّة والتراحُم والأُخوَّة، فضلاً عن الفضائل الأُخرى كالقناعة والعفَّة والتواضُع، وهي قِيَمٌ روحيَّةٌ سامية ترتقي بالإنسان، ولا تُطلقُها، أصلاً، إلاَّ ينابيعُ رسالاتٍ سماويَّة وهداياتٍ روحيَّة صحيحة.
وفي أَيِّ حال، لا تنهضُ أَيَّةُ حضارة حقيقيَّة في أَيِّ مجتمَع ما لم يتهيَّأ لها شرطان أساسيَّان: أوَّلاً، بناءُ الفرد، وبالتالي الجماعات، بناءً سليمًا بترقيةِ اتِّجاهاتهم وتوجيهِ نزعاتِهم وجهةَ الفضيلة والمعرفة الخـيِّرة، لا بترويضِهم ترويضًا يُنكِّرُهم بقناعِ الإنسانيَّة الوهميَّة واللياقات الاجتماعيَّة الكاذبة، مُبقِيًا على وحشيَّةِ غرائزهم وانحطاطِ دوافعِهم؛ ثانيًا، التعبيرُ الحُرّ عن الرقيِّ والخير والمواهب التي فيهم عبرَ العلوم والآداب والفنون، كما عَبرَ المُمارسة السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة النـزيهة.
أَخيرًا، لا بدَّ من الإلحاح على أَنَّ قيمةَ الإنسان الحقيقيَّة، ومدى تأثيره في التاريخ، ودَيمومةِ اسمِه مقرونًا بالمديح على أَلسُن الأجيال المُتعاقبة، ليست بنسبة مركزه السياسيّ أو الاجتماعيّ، أو بنسبة ثروتِه وجاهِه في عصرِه، ولا بنسبة شهرتِه أو الضجَّة التي تُحدِثُها مكانتُه في عهدِه، بل هي في قيمتِه الإنسانيَّة ومدى تأثيره الروحيِّ في تغيـيرِ المجرى الحضاريّ للأَفضل. هكذا يُعلِّمُنا التاريخُ أنَّ أَعلامَ العُلماء من أمثال نيوتن وغاليليو وماكسويل وأينشتاين، والفلاسفة من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وبرغسون، والشعراء من أمثال شكسبير ولامرتين وهوغو وغوته، والأُدباء من أمثال فولتير وتولستوي وطاغور وجبران، والفنَّانين من أمثال رافائيل ومايكل آنجلو ورودان وسيزان، والقادةِ المُصلحين من أمثال الإسكندر وعُمر بن الخطَّاب ونابوليون وجورج واشنطن وأبراهام لنكولن —جميعُهم تُخلَّدُ أسماؤهم أكثرَ من أعلامِ المُؤَرِّخين؛ وأنَّ كبارَ المُؤَرِّخين تُخلَّدُ أسماؤهم أكثر من معظم رجال الحُكمِ أو السياسة أو الأعمال أو الجُنديَّة –إلاَّ مَن أَثرَت شخصيَّاتُهم بالقِـيَمِ الفكريَّة والإنسانيَّةِ السامية. والأمثلة على ذلك متوافرة في مُختلف الشعوبِ والعصور.
لكنَّ جميعَ مَن ذكرتُ آنِفًا يتخطَّّاهم الأنبياءُ والمُرسَلون والهُداةُ الروحيُّون في العظمةِ الإنسانيَّة الحقيقيَّة والدَّيمومةِ التاريخيَّة والفاعليَّة الحضاريَّة.[10] فعندما يتوقَّّفُ البشرُ عن قراءة أعاظمِ الفلاسفة والشعراء والأدباء، وعندما يرَون أنَّ كلَّ عالِـمٍ أتى من بعده عالِمٌ زادَ عليه، أو تخطَّاه، أو ناقضَه، فإنَّ موسى وبوذا وكنفوشيوس والمسيح ومحمَّدًا سيـبقَون أَحياءَ في ذاكرةِ الأجيال إلى أَزمنةٍ لا يُمكنُ أن تُحَدَّ نهايتُها، وسيبقَون مُترادفين مُتكاملين، يُشيرون إلى الحقيقةِ الواحدة من نوافذَ مُختلفة. بل إنَّ المراحلَ الزمنيَّة الملأى بالزخمِ الروحيّ والموسومة بالهداية الروحيَّة يبقى أَثرُها أَقوى فاعليَّةً في حياةِ الشعوب، وأَلصقَ بها حتَّى من أَزمنتِها المُعاصرة؛ ذلك بأَنَّ عظمةَ الأنبياء والمُرسَلين والهُداة هي وحدها العظمة الحقيقيَّة، لأنَّها مُستمدَّة من عالَمِ الروحِ الخالد.
يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة تحت عنوان “فقاقيع”:
خلَوتُ إلى نفسي واستعرضتُ أسماءَ بعضِ مَن يُطلقون عليهم في عالَمِنا الفاني لقبَ “العُظماء”. فمن رعمسيس إلى نبوخذنصَّر فنابليون بونابرت، إلى الإسكندر الكبير فداريوس الفارسيّ فتيطُس فأُغسطس قَيصر، فجنكيزخان فتيمورلنك فهولاكو، فهتلر فموسوليني فستالين، وغيرهم من كبار القادة والفاتحين… جميعُ هؤلاء مرُّوا في كُرتِنا الأرضيَّة مرَّ السحابِ العابر!
وأَنا أُشبِّهُهم بالفقاقيع التي تطفو إحداها على سطحِ الماء لفترةٍ ثمَّ يُفجِّرُها الهواء فتتلاشى بلحظةٍ عابرة. وهكذا بقيَّةُ الفقَّاعات التي تتفجَّرُ وتتلاشى بعضها إثرَ بعض…
إنَّ ذكرى هؤلاء الذين دوَّن التاريخُ أسماءَهم كعُظماء تضمحلُّ، وتتلاشى معها هذه العظمةُ الكاذبة فورًا عندما يُذكَرُ اسمُ المسيح أَو محمَّد أو موسى أَو بوذا… هؤلاء الأنبياءِ والهُداة مُؤسِّسي الأديان، والمُبشِّرين بالأُخوَّّة الإنسانيَّة. فلا رصاصَ حاصد للأرواح، ولا مدافعَ تُمزِّقُ الأشلاء، فيعلو النحيبُ ويتصاعدُ النواح، ولا طائرات حربيَّة تذهبُ بالرجال إلى عالَمِ الأشباح… بل حبٌّ شامل، وعطفٌ كامل، وأَيدٍ تُصافحُ أَيدِيًا بالأكفِّ والأنامل. الأنبياءُ فقط ليسوا بفقاقيع، فهم رسُلُ الله البصيرِ السميع. فذكرُهم يملأُ دُنيانا ويُضفي عليها بردًا وسلامًا. هؤلاء هم العُظماء، وعظمتُهم الروحيَّة خالدة خلودَ الأَبَد…[11]
وهكذا فالداهشيَّةُ تُلِحُّ على أنَّ مجرى الأحداث في حياةِ الشعوب وتغيـيرَ ذلك المجرى ليسا خاضعَين لجدليَّةٍ تاريخيَّة مُتمثِّلةٍ في نظامٍ اقتصاديِّ وسياسيّ معيَّن، بل إنَّ مِثلَ ذلك النظام هو نتيجةٌ لسيَّالاتٍ روحيَّة معيَّنة تتفاعلُ في ذلك الشعب. وكثيرًا ما يكونُ لإنسانٍ فَرد أو لبضعةِ أَفراد، في دولةٍ ما، من التأثير ما يُغيِّرُ مجرى التاريخ الحضاريِّ فيها. فلولم يظهر الإسكندر أو نابوليون أو هتلر أو جورج واشنطن أو صلاح الدين الأَيُّوبيّ، بل حتَّى شكسبير وبتهوفن، لَما أدَّى تطوُّرُ التاريخ إلى إطلاعِ أمثالهم في الفترةِ نفسها، مثلما يظنُّ بعضُ الباحثين، لأنَّ السيَّالَ ذا الموهبة القياديَّة أو الإصلاحيَّة أو الفنّيَّة أو غيرها لا يُعطى إلاَّ صاحبَه. فالعبرةُ كلُّها هي في السيَّالات الروحيَّة المُزوَّدة بموهبةٍ مُعيَّنة، أو التي يُتاحُ لها، وَفقَ ترتيبٍ إلهيّ مَبنيٍّ على استحقاق الشعب، أن تتسلَّمَ دفَّـةَ التوجيه أو الحُكم.
أُصولُ البشرِ الحاليِّـين
تشملُ السَّـبَـبيَّةُ الروحيَّةُ العامَّة الكونَ كلَّه، وتُهيمنُ عليه وَفقَ نظامٍ إلهيّ دقيق. لكنْ يستحيلُ على الإنسانِ إدراكُها ما لم يكشفْ عنها الوَحيُ الروحيُّ، لأنَّ العقلَ البشريَّ مُعَدٌّ، بإعمالِه النظرَ في قوانين الطبيعة وتفاعلاتها، للكَشفِ عن السَّـبَـبيَّة الطبيعيَّة فقط. وما دام العقلُ مسجونًا في دماغٍ مادّيّ فسيبقى، مهما تطوَّر الإنسان، قاصرًا عن إدراكِ الحقائق الروحيَّة بقدرتِه وحدها.
والخُطوةُ الأُولى التي لا بُدَّ منها لتذليلِ العقبات في فهمِنا للسَّـبـبيَّةِ الروحيَّة العامَّة المُهيمنة على مجرى الأحداث في العالَم هي ضرورةُ تفهُّمِنا لأَصلِنا البشريّ، في أسبابه وعواقبِه. ويُمكنُنا ذلك بفضلِ رسالةٍ روحيَّةٍ موحاة، فائقةِ الأَهمِّـيَّة، هي رسالة “سقوط الملائكة وخَلق آدَم”. ومضمونُها لم يُكشَف لأيِّ هادٍ روحيّ قبل مُؤَسِّسِ الداهشيَّة.
تكشفُ هذه الرسالة الموحاة عن وجودِ ملايين العوالم الفردوسيَّة التي تنتظمُ في مئةٍ وخمسين درجة روحيَّة، كلٌّ منها يشتملُ على أَلفَي مُستوًى (أَي 300 أَلف مُستوًى). هذه العوالمُ المُوزَّعة في أرجاءِ الكون المنظور وغير المنظور جميعها تنعمُ، على درجاتٍ مُتفاوتة، بهناءِ العَيش وبحضاراتٍ ذاتِ أَنظمةٍ ومعارفَ واختراعات وقُدرات عظيمة لا يصلُ إليها حتَّى خيالُ الإنسان. وبالرغم من أمجادها الخياليَّة وقدراتها الهائلة وحياتها الهنيئة، فهي دون العوالمِ الروحيَّة التي تشتملُ على السماوات. ذلك بأَنَّ الكائناتِ المجيدة في تلك العوالم الفردوسيَّة ما تزالُ في أَجسادٍ مادّيـَّة، مُتفاوتة في كثافاتها تفاوتَ درجاتها، لكنَّها لا تُماثلُ الأجسادَ الأرضيَّة. وقد حُدِّدَ لكائناتِ كلِّ درجةٍ روحيَّة الزمنُ الذي عليهم أَن يُمضوه في عالَمِهم قبل أن يُسمَحَ لهم الارتقاءُ إلى عالَمٍ يعلوه درجةً واحدة. لكنَّ رئيسَ الملائكة في الدرجة المئة والخمسين، وهو المُشرِف على ملايين العوالم الفردوسيَّة، بالرغم من وَعيِه التامّ لضرورةِ التقيُّد بالنظام الإلهيّ الذي يُشرِفُ على تطبيقه، وبالرغم من إدراكه أَنَّ كلَّ عملٍ له نتائجُه الروحيَّة واستيعابِه كلَّ معرفةٍ بالكون، طمحَ إلى الوصولِ العاجل للمعرفة الإلهيَّة المُطلقة، ولا سبيلَ إلى ذلك إلاَّ بدخول المُحيط الروحانيّ، أي العوالم الروحيَّة الإلهيَّة. وقد خُيِّلَ إليه أنَّ بقدرتِه أن يقتحمَ المُحيطَ الممنوع إذا حشدَ أَنصارًا له من جميع الدرجات الفردوسيَّة، واستخدموا ابتكاراتهم الفائقة. وهكذا تمكَّن من اجتذابِ كثيرين وحَشدِهم في مُحاولةِ اقتحامٍ جريئة للمُحيطِ الروحيِّ المحظور. لكنَّ معرفتَه الهائلة كان ينقصُها شيءٌ واحد هو معرفتُه ما يكمنُ في العقلِ الإلهيِّ المُدبِّر المُهيمنِ على الأنظمة الكونيَّة. وهكذا ما إن حاولَ الطامعون من ملائكةٍ وكائناتٍ سامية بمُحاولة تخطِّي التخومِ الزمانيَّة المكانيَّة لولوج ملكوت الكمال والمعرفة المُطلقة حتَّى تصدَّت لهم القدرةُ الإلهيَّة وأَهبطَتهم كتلةً واحدةً إلى الأرض، فكان آدَم. وبعد ألف سنة من مكوثه وحيدًا في الفردوس الأرضيّ، تُطيعُه حيواناته وتفهمُ حركاته، وتُؤنِسُ وحدتَه، استُلَّت منه سيّالاتُ حوَّاء (التي رُمِزَ إليها بضلعٍ من ضلوعه)؛ كما كان قد أُفرِدَ عن آدم سيَّالٌ آخَر رتَّـبَت عليه مسؤوليَّتُه أن يتَّخذَ فيما بعد شكلَ حيَّة أَغرَت حوَّاء بأكل الثمرة المحرَّمة.
وقد علمتُ من مُؤَسِّس الداهشيَّة أنَّ الله–تعالى–شاءَ برحمتِه أن لا يضعَ آدمَ في المُستوى الأرضيّ مُخالِطًا للبشرِ مُعاصريه، الذين كانوا خاضعين للشقاءِ والآلام وغائصين في الجهل، بعد أن تقهقرَ العالَمُ حضاريًّا وتخلَّفَ تخلُّفًا كبيرًا على أثرِ الكارثة التي ضربَت قارَّةَ الأطلنتيد التي كانت تختزنُ أهمَّ التكنولوجيا والمعرفة والفنّ التي وصلَ البشرُ إليها عصرئذٍ، وذلك استحقاقًا من البشر لتلك النكبة التي حدثَت حوالى عشرةِ آلافِ سنة قبل المسيح؛ بل جعلَ آدم في “فردَوسٍ أرضيّ” هو في الأرض وليس منها، إذْ يستوي في الدرجة الأُولى من عوالمِ الفراديس. ورفعَت القدرةُ الإلهيَّة ذبذبةَ الفردوس، فحُجِبَ عن أنظار البشر. كما علمتُ أنَّ ذلك الفردوسَ ما يزالُ قائمًا، لكنْ يستحيلُ على الناس رؤيتُه؛ وأنَّه رُفِعَ الحجابُ عنه لإيليَّا النبيّ، وسُمِح له بأن يأكلَ من شجرةِ الحياة، ولذلك لم يمُت في الأرض بل هبطَت مركبةٌ كونيَّة فنقلَته إلى عالَمٍ آخَر.[12]
وهكذا ميَّزَت العنايةُ الإلهيَّة آدمَ ثمَّ حوَّاء عن البشر في الأرض، وهيَّأت لهما سُـبُلَ العيش الهنيء لألفَين من السنين، بعدها تعودُ سيّالاتُهما إلى الفراديس العُليا التي هبطَت منها، ولكنْ شرطَ أن يتقيَّدا بالأوامر الإلهيَّة الجديدة، وهي ألاَّ يأكلا من شجرة معرفة الخير والشرّ التي ستُغلغلُ الشهوةَ الجنسيَّةَ فيهما إن فعَلا. لكنَّهما عصَيا المشيئةَ الإلهيَّة ثانيةً، وسقطا في التجربة، فعوقِبا بطردِهما من الفردوسِ الأرضيّ الذي سرعان ما حُجِبَ عنهما، فوجَدا نفسيهما في أرضٍ وحشيَّة بمُستوى البشر، وما لبثا أن خالطاهم، وشاركاهم في الأمراضِ والآلامِ والشقاء.
وفي رسالة روحيَّة موحاة ارتسمَت بصورة إعجازيَّة في جلسةٍ روحيَّة عقدَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة بتاريخ 11/6/1943 وردَ أنَّ خَلقَ آدَم كان بدايةَ تكوينٍ بشريّ جديد هو التكوين الـسبعمئة والستِّين.[13] وبهذا الإيضاح تتميَّزُ الداهشيَّة عن سائر العقائد الروحيَّة، وتتَّفقُ مع العلم القائل إنَّ البشرَ كانوا في الأرض منذ ملايين السنين، لكنَّها تُؤكِّدُ استثنائيَّةَ خَلقِ آدَم، وتُشدِّدُ على أنَّ الأرضَ عرفَت قبله حضاراتٍ كثيرة انتهَى كلٌّ منها بفناءٍ شامل أو شبه شامل وَفقًا لاستحقاقِ البشر.
عواقبُ السقوطِ الثاني
ما زالت عواقبُ السقوط الثاني تتوالى سلسلةً مُحكَمةَ الحلقات. فمن “سِفر التكوين” نعرفُ أَنَّ قايينَ (قابيل)، بِكرَ حوَّاء، قتلَ أخاه هابيل حَسدًا. ثمَّ ولدَت حوَّاء ابنًا ثالثًا هو شيت. ومن نَسلَيْ قايين وشيت تناسلَت أجيالٌ وأجيال حتَّى زمانِنا هذا. لكنْ بمَن تزوَّجَ الابنان؟
يذهبُ شارحو “سِفر التكوين” إلى أَنَّهما تزوَّجا شقيقاتِهما. وإنَّما طرحَ الشارحون هذه الفرضيَّة لأنَّهم كانوا وما برحوا عاجزين عن تصوُّرِ صورةٍ أُخرى لزواجهما. أمَّا الحقيقةُ فقد أتَت بها التعاليمُ الداهشيَّة، وهي أنَّ قايين وشيت تزوَّجا ببعض بناتِ الناس مِمَّن اختلطا بهم. ومع كرور الزمن جعلَ ذَراريُّ الاثنَين يتـزاوجون كما يتزوَّجون بذراريِّ الناس حتَّى غلبَت سيَّالاتُ نسلِ آدم وحوَّاء على سيّالاتِ البشرِ الآخَرين.
وثمَّةَ حقيقةٌ أُخرى أزاحت التعاليمُ الداهشيَّة عنها الستار، وهي أَنَّ أفرادًا من سكَّان بعض العوالمِ العُلويَّة المتفوِّقة بحضاراتها مِمَّن يُشبهون البشرَ ببعضِ سِماتهم وخصائصهم، هبطوا إلى الأرض بسُفنٍ كونيَّة في فتراتٍ مُتفاوتة من الزمن، وعاشروا بعضًا من بنات البشر، فولدنَ منهم أولادًا. ولِذا جاءَ في “سِفر التكوين”: “رأَى بنو الله (أو بَنو الآلهة) أنَّ بناتِ الناس حِسان، فتزوَّجوا منهنَّ كلَّ مَن اختاروا.”[14] لكنَّ نسلَ آدم وحوَّاء عاد فغلبَ على نَسلِ الخارجين عن الأرض. وما كان ذلك ليتمَّ لولا سماحٌ إلهيٌّ.[15]
في هذا الضوء يُمكنُ أَن نفهمَ أَنَّ الأُصولَ الوراثيَّة الغالبة على البشر الذين عُرِفوا في التاريخ، وإن هي ارتقَت إلى آدم وحوَّاء، فقد خالطَتها سيَّالاتٌ مُتخلِّفة من البشر المُعاصرين لهما، كما خالطَتها سيَّالاتٌ متفوِّقة من سكَّان بعض الكواكب ذات الحضارات الراقية. وفضلاً عن ذلك فإنَّّ سيَّالات آدم وحوَّاء مُتفاوتة جدًّا في أُصولها الروحيَّة، فهي تنتمي إلى مئة وخمسين درجة فردوسيَّة هبطَت منها. وإذا كانت جميعُها قد استحقَّت العقابَ نفسَه والشقاءَ عينَه في لحظةِ طَردِ آدم وحوَّاء من الفردوس الأرضيّ، فإنَّ سيَّالاتِهما سرعانَ ما أَخذت تنفرزُ بعضُها عن بعض منذ أخذَت تنتقلُ إلى ذراريِّهما. ذلك بأنَّ مصيرَ كلِّّ إنسان رهنٌ بسيَّالاته، وبالتالي بأعماله ونزعاته وأفكاره؛ فبنشاطِها يرفعُ درجةَ سيَّالاتِه أو يخفضُها. كما هو رَهنٌ باستعداداته ومواهبه التي تحملُها سيَّالاتُه؛ وليست السيَّالاتُ الهابطة من مئات العوالم العُلويَّة المتفاوتة بدرجاتها مُتساويةً في استعداداتها ومواهبها. ولِذا يذكرُ “سِفر التكوين”، على سبيل المِثال لا الحَصر، أنَّ قايين بنى مدينةً سمَّاها باسم ابنه حَنوك؛ ويابال، الحفيدَ البعيدَ لقايين (الجيلَ السادس) كان أوّلَ من سكنَ الخيام ورعى المواشي. لكنَّ أخاه يوبال كان أوَّلَ مَن عَزفَ بالعود والمزمار، فيما كان توبال قايـين (أخوه من أُمٍّ أُخرى) أوّلَ مَن اشتغلَ بصناعةِ النحاس والحديد. ولم يُذكَر أنَّهم تعلَّموا ما برعوا فيه على يَدِ أحد. ولا شكَّ بأنَّ تنوُّعَ الاستعدادات والمواهب فيهم تعودُ إلى تنوُّع سيّالاتهم واختلاف أُصولها الروحيَّة.[16]
ولا شكَّ بأنَّ سيَّالات آدم كانت أرقى جدًّا من سيَّالات البشر المُعاصرين له. وسببُ ذلك، تبَعًا للتعاليم الداهشيَّة، أنَّها من جهة، هابطة من عوالمَ عُلويَّة، أي تحملُ من النـزعات والاستعدادات والمواهب ما لا تحملُه سيَّالاتُ أبناء الأرض، ومن جهةٍ أُخرى، اندمجَ بها سيَّالُ المسيح الفادي، ذو الدرجة العشرين في العالَمِ الروحيّ، ليُنقذَها ويهديَها على حسابِ آلامِه ومُعاناته الشقاءَ والاضطهادَ في عالَمِ الأرضِ الغريب عنه. ومن سيَّالات آدم التي حافظَت على صلاحها وتفوُّقها في ذراريِّه كان الأنبياءُ والرسُلُ والهُداةُ الروحيُّون، وكذلك الحكماءُ والعباقرة. ولِذا جاءَ في القرآن الكريم: )إنَّ الله اصطفى آدمَ ونوحًا وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ على العالَمين، ذُرِّيـَّةً بعضُها من بعض واللهُ سميعٌ عليم(؛[17] كما جاء: )أولئك الذين أَنعمَ اللهُ عليهم من النـبـيِّـين من ذُرِّيـَّةِ آدَم.([18]
الطـوفـان
هل حدثَ الطوفانُ حقيقةً، أم إنَّها روايةٌ من روايات البشر الخياليَّة التي لا يُؤيِّدُها العِلم، خصوصًا أنَّ حكايةَ الطوفان وردَت في ملحمة جلقامش التي قد ترقى إلى ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح؟ وإذا حدثَ، أَفلا يعودُ إلى أسبابٍ طبيعيَّة لا علاقةَ لها بأيَّةِ أسبابٍ روحيَّة؟
إنَّ الناسَ أحرارٌ في أن يعتقدوا ما يشاؤون. لكنَّ قصَّةَ الطوفان أكَّدتها الأديانُ الإبراهيميَّة الثلاثة، وأَعادت أسبابَها إلى فساد الناس وغضبِ الله عليهم. فالطوفانُ عقوبةٌ جماعيَّة ضربَت بها مشيئةُ الله العادلة مَن استحقَّ من البشر. والداهشيَّةُ تُؤيِّدُ رسائلُها الموحاة، مثلما سأبيِّن، ما أوضحَته الكتبُ المقدَّسة. كذلك سأُظهِرُ لاحقًا أنَّ العلمَ برهنَ مُؤخَّرًا أنَّ الطوفانَ حدثَ فِعلاً.
فذراريُّ آدَم لم تُحافظ جميعها على رُقيِّها الموروث. فنـزعةُ الحسَد والقتلِ التي أشعلَ قايينُ فتيلَها، امتدَّت نارُها بالوراثة إلى كثيرٍ من ذراريِّه. ولم تسلمْ ذراريُّ شيت من التدهوُر لاختلاطِها بالبشر، كما بنَسلِ قايـين. وليس علينا إلاَّ أن ننظرَ إلى أَسباب الطوفان الروحيَّة وعواقبه حتَّى نرى أَنَّه قضى بالعقاب على كثيرٍ من السلالتَين، ولم ينجُ منه في أَرضِ حدوثِه إلاَّ نوحُ وعائلتُه.
فما إن تلاحقت الأجيالُ وتكاثرَت، بعد طردِ آدم وحوَّاء من الفردوس الأرضيّ، حتَّى دبَّ الفسادُ في البشر عامَّةً. فأرسلَ اللهُ إليهم نبيًّا يهديهم من سُلالةِ آدَم، هو نوح. لكنَّهم سخروا به وهزأُوا بتعاليمه وإرشاداته وإنذاراته. ولندَع روحَ النبيِّ ذاتها تتحدَّث عن ذلك الأمر الخطير والشرِّ المُستطير، وذلك في الرسالة الروحيَّة المُنـزَلة في الجلسة الروحيَّة الآنفة الذكر التي عقدَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة في 11/6/1943. وسأُورِدُ منها ما لم يَرِد في “سفر التكوين”. مِمَّا قالت روحُ النبيّ:
يا أَعزَّائي،
كنتُ قد قطعتُ خمسمئة كاملة من الأعوام عندما ناجاني الحقُّ آمِرًا إيَّاي أَن أَصنعَ لي ولأُسرتي فُلكًا كي أَنجوَ بواسطته من غضبِه الرهيب، لأنَّ الله رأى أنَّ البشرَ قد فسدوا وزاغوا عن طريقِ الحقّ. فقد شاهد أَعمالَهم الشرِّيرة وأفكارَهم السوداء التي لا تدورُ إلاَّ حولَ الدنيءِ من الأُمور.
لقد انتظرَ–سبحانَه تعالى عليهم–أَجيالاً طويلة، وهَداهم إلى طريقِه الصالحة. فما أَبِهوا، ولم يهتمُّوا بسوى قضاءِ لُباناتِهم الوضيعة، فحقَّ عليهم غضبُ السرمديّ.
أمَّا أَنا فقد انصعتُ للأَمرِ الإلهيّ بكلِّ ما عندي من قوَّةٍ ونشاط، وبذلتُ غايةَ ما يُمكنُني بذلُه في صُنعِ الفُلك. ودأبتُ على بنيانِه، يُساعدُني على ذلك أولادي الثلاثة، وهم سام، فحام، فيافث.
وقد صرفنا من الوقت في هذا السبيل مئةً من الأعوام، ولم تكلَّ لنا همَّة أو تفترْ لنا عزيمة…
وكان أبناءُ قومي–في خلال المئة عام التي كنتُ أجدُّ فيها ببناء الفُلكِ المُنقِذ–يأتون حيثُ أَعمل بمُساعدة أَولادي، ويتهكَّمون علينا، ولا ينفكُّون عن الاستهزاء والسخرية.
وقد ذهبَت أَقوالي لهم ونُصحي إيَّاهم أدراجَ الرياح… إذْ ما كانوا يُصغون لمواعظي وإرشاداتي، ولم يرتجعوا عن أعمالهم الوضيعة، بل نعتوني وأولادي بالمجانين الأغبياء والبُلهاء السخفاء. وكم من المرَّات حطَّموا لنا جوانبَ الفُلك! فكنَّا نُعيدُ بنيانَه بصبرٍ عجيب دون أن نتذمَّر.
وعندما أَصبحتُ ابنَ ستّمئة من الأعوام، اكتملَ صُنعُ الفُلك، وأُكمِلَ طَلـيُه بالقار حسبَ الأمر المُعطى لي…[19]
وتتمَّةُ أحداث الطوفان معروفة في الكتاب المقدَّس. لكنْ من الحسَن أن أُوردَ بعضًا من خاتمة رسالة النبيّ نوح التي ارتسمَت بصورة خارقة، لأنَّ فيها تأكيدًا للسبـبيَّة الروحيَّة التي تحكمُ الأفرادَ والجماعات. قالت روحُ النبيّ مُخاطبةً الداهشيِّين:
يا أَحبَّائي،
هنيئًا لكم، وهنيئًا لِـَن يثبتُ إلى النهاية.
وهنيئًا لِـمَن يتغلَّبُ على التجارب ويسحقُها بموطئ قدَمَيه.
وهنيئًا لِـمَن يرفعُ عنه المُغرِيات التي ستعترضُ سَيرَ حياتِه.
وهنيئًا لِمَن يطعنُ بحربةِ إيمانِه ميولَه الضعيفة ويُميتُها وهي لا تزالُ في مهدِها، قبل أن يستفحلَ أمرُها وتقضي هي عليه بغدرِها وخيانتِها.
لقد عملتُ في حياتي صلاحًا، فكافأَني الله–جلَّ اسمُه–مُكافأةً لا يُمكنُني أن أصفَها لكم. أنا الآن في نعيمٍ مُقيم أُردِّدُ آياتِ التسبيح لخالِقِ البرايا معروفِها لديكم ومجهولِها، حتَّى تأتيَ ساعةُ معرفتِكم الأخيرة، فتحتقرون الأرضَ ومَن عليها، وتُباركون اسمَ الله– تعالى–وتمضي بكم الأجيالُ والآجالُ وأنتم مغمورون بنعيمٍ مُقيم. وإذْ ذاك تحيَون حياةً، يا للهِ ما أَبهاها!
أمَّا الأشرارُ الذين انقادوا إلى روحِ الشرِّ الرهيب، وأطاعوا رغباتِهم الدنيويَّة الفاسدة، فيا لَعذابهم! ويا لَبؤسهم وشقائهم! ويا للأجيال المُملَّة التي ستمضي وهم أبدًا في جحيمٍ مُقيم، وأتعابٍ فكريَّة وجسديَّة وروحيَّة مُضنية، مُذيبة، رهيبة![20]
أمَّا موقفُ العلمِ من حدوث الطوفان فقد تغيَّرَ جَذريًّا في أَواخر القرنِ العشرين. فقد عملَ عالِما الفيزياء الجيولوجيَّة البارزان وليام رايان W. Ryan ووُولتِر بـيتمان W. Pitman (وهما يعملان في مرصد لامونت-دوهرتي الأرضيّ التابع لجامعة كولمبيا) مع فريقٍ من عُلماء بلغاريا وروسيا وتركيَّا على دراسة البحر الأسود بأجهزة متطوِّرة، وكانت حصيلة دراساتهم أنَّ البحرَ المذكور كان بُحيرةً عذبةَ المياه، ثمَّ وقعَ حادثُ طوفانٍ رهيب، في أواسط الألف السادس قبل المسيح، جعلَ البحرَ المتوسِّط تعلو مياهُه عُلوًّا كبيرًا ثمَّ تنصبُّ في البوسفور ففي البحر الأسود بقوَّةٍ تُضاهي مئتَي ضعف قوَّة شلاّلات نياغارا، فتُحيلُه إلى مياهٍ مالحة. وقد عقبَ ذلك دمارٌ واسعٌ هائل في المنطقة كلِّها ونزوحٌ قَسريّ إلى مناطقَ أُخرى.[21]
وهكذا أثبتَ العلمُ أنَّ الوحيَ الدينيَّ صحيح، وأنَّ السَّبَبيَّةَ الروحيَّة عقابًا وثوابًا لا مفرَّ منها.
(للبحثِ صِلة في الأعداد المُقبلة)
[1]. تمكَّنَ المُؤَرِّخُ الإنكليزيُّ الكبير جوزف آرنولد توينبي J. Arnold Toynbee (1889-1975)من استشفاف التصميم الإلهيّ وراءَ ظهور الأديان الكُبرى في الأرض، وذلك بعد أن تُشرفَ المجتمعاتُ المتحضِّرة على الانهيار من جرَّاء فسادها الداخليّ. أنظر :
- A, Toynbee. La civilization à l’épreuve (Paris: Gallimard, 1951), pp. 21-24.
وقبل توينبي بنحو ألف سنة استطاع العالمُ الفذُّ أَبو الريحان البيرونيّ (973-1048) أن يتبيَّنَ للحضارة أَدوارًا ما إن يُشرف كلٌّ منها على نهايتِه حتَّى يظهرَ نبيٌّ جديد ورسالةٌ جديدة تُجدِّدُ دمَ الحضارة في الأرض. أنظر:
- Corbin. Histoire de la philosophie islamique (Paris: Gallimard, 1964), p. 210.
وحول فكر البيرونيّ، بصورة عامَّة، يُمكنُ مُراجعة العدد الخاصّ الذي أصدرَته منظَمةُ الأونسكو احتفاءً بذكرى ميلاده الألفيّ: “بريد الأونسكو”، عدد حزيران 1974.
[2]. إنجيل يوحنَّّا 1: 1-2؛ سورة آل عمران: 45 وسورة النساء: 171.
[3]. وردَ في سورة البقرة، الآية 38: )فتلقَّى آدمٌ من ربِّه كلماتٍ، فتابَ عليه. إنَّه هو التوَّّابُ الرحيم. قلنا اهبطوا منها جميعًا، فإمَّا يأتينَّكم منّي هُدًى، فمَن اتَّبعَ هُداي فلا خوفَ عليهم ولا هم يحزنون.( كذلك وردَ في سورة طه، الآية 123: )قال اهبطا منها جميعًا بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ، فإمَّا يأتينَّكم منّي هُدًى، فمَن اتَّبعَ هُداي فلا يضلُّ ولا يشقى.(
[10]. مِمَّا يسترعي الانتباه في كتاب مايكل هارْت”تراتبٌ للأشخاص الأكثرتأثيرًا في التاريخ”أنَّ تأثيرَ العُلماء الكبار في مجرى التاريخ الحضاريّ أكبر من أيِّ تأثيرٍ آخَر إلاَّ الأنبياء والهُداة الروحيِّـين، بصورة عامَّة. وبالرغم من أنَّ المؤَلِّف أوضحَ، في مقدّمة الكتاب، أنَّ ترتيبَه ليس مبنيًّا على سموِّ الأشخاص الروحيّ ونُبل أخلاقهم وقيمتهم الإنسانيَّة، بل على مدى تأثيرهم في مجرى التاريخ، فإنَّه لم يَجد مناصًا من وشعِ أسماء الرسول العربيّ والسيِّد المسيح وبوذا وكنفوشيوس وبولس الرسول في المرتباتِ الستِّ الأُولى، مُعطيًا إسحق نيوتن المرتبة الثانية. أنظر:
Michael Hart. A Ranking of the Most Influential Persons in History. N. Y.: A & W Pub., 1978.
[11]. الدكتور داهش: “التائه في بيداء الحياة” (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1980)، ص 40-41.
[12]. مِمَّا علمتُه من مُؤسِّسِ الداهشيَّة أنَّ العالَمَ الذي انتقلَ إيليَّا النبيُّ إليه كان بمُستوى الأرض، لكنَّ جُرمَه كان مئةَ ألف ضعفٍ أكبر من الأرض، وكلّ شيءٍ أو كائنٍ فيه أكبر مِمَّا هو في الأرض آلافَ الأضعاف. وقد عاش إيليَّا في ذلك العالَم حتَّى حان مولدُ السيِّد المسيح، فتجسَّدَ في الأرض في شخص يوحنَّا المعمدان ليُمهِّدَ الطريقَ لسيِّد المجد. ولذلك أجاب يسوع تلاميذَه إذْ سأَلوه: “’لماذا يقولُ الكتبَة إنَّ إيليَّا يجبُ أَن يأتيَ أوَّلاً؟‘ فقال: ’أَجل، يأتي إيليَّا ويُصلِحُ كلَّ شيء. ولكنْ أَقولُ لكم: إنَّ إيليَّا قد أَتى، لكنَّهم لم يعرفوه، بل فعلوا به كلَّ ما أرادوا. وكذلك ابنُ الإنسان سيلقى منهم الآلام.‘ ففهمَ التلاميذُ، حينئذٍ، أَنَّه عنى بكلامِه يوحنَّا المعمدان” (متَّى 17: 10-13).
[13] . تجلَّت في هذه الجلسة الروحيَّة روحُ النبيِّ نوح، وأنزلَت في الرسالة الإعجازيَّة تفاصيلَ عن الطوفان. أنظر: حليم دمُّوس: “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّةُ المُذهِلة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 50-68.
[14]. سِفر التكوين 6: 2. يزعمُ شارحو “سِفر التكوين” أنَّ أبناءَ الله هم أبناء شيت، وبناتِ الناس هنَّ بناتُ قايين، وذلك تهرُّبًا من إقرارهم بحقيقة وجود بشرٍ مُعاصرين لآدم وحوَّاء.
[15]. أنظر الدكتور داهش: “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، “الكوكب فومالزاب”، ص 212.
[16]. سفر التكوين 4: 17-22. هل من المعقول أن يبني قايين مدينة، بل حتَّى قرية، إن لم يكن حوله أُناسٌ بالآلاف أو بالمئات، على الأقلّ، سيسكنون فيها؟ ومَن علَّمَه فنَّ البناء؟ إنَّه استعدادٌ في سيَّالاته الهابطة من عوالمَ راقية. وكذلك أحفادُه مِمَّن كانوا أوَّلَ مَن زاولوا فنونًا معيَّنة، ما كانوا ليبرعوا في تلك الفنون لو لم يُمنَحوها من قبل.
[19].حليم دمُّوس: “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّةُ المُذهِلة” ، ص 58-59.
[20]. المصدرُ السابق، ص 66-67.
[21]. يذهبُ شارحو الكتاب المقدَّس إلى أنَّ الطوفان بدأَ في ما بين النهرَين وعمَّ العالَم وقضى على كلِّ نسمةٍ حيَّة. ولكنّي علمتُ من مُؤسِّس الداهشيَّة أنَّّه عمَّ معظم منطقة الشرق الأوسط وكثيرًا من بلدان البحر المتوسِّط، ولكنَّه لم يقضِ على كلِّ حياةٍ في الأرض. أمَّا تاريخُه فهو أواسطُ الألف السادس قبل المسيح؛ وهذا ما أكَّده عدَّةُ علماء حديثًا. أنظر:
William Ryan & Walter Pitman. Noah’s Flood: The New Scientific Discoveries About the Event that Changed History. New York: Simon and Schuster, 1998.
Back to التعاليم الداهشيَّة بقلم الدكتور غازي براكس
السبَـبيَّةُ الروحيَّة في مجرى الأَحداثِ العامَّة 2
في ضوءِ المفاهيمِ الداهشيَّة (2)
بقلم الدكتور غازي براكْس
بيَّنتُ في ما تقدَّم من هذا البحث (عدد شتاء 2005) أنَّ البشرَ المُتحدِّرين من آدم وحوَّاء انتقلَت إليهم سيَّالاتُ أَبوَيهما عَبرَ التناسُل ومعها عواقبُ المعصية التي ارتكباها، وهكذا استحقُّوا أَن يرسفوا في الشقاء والجهلِ بعد أن كانوا ينعمون في الفراديس العُلويَّة ويتمتَّعون بمعارفَ راقية. وليتهم حافظوا على مُستواهم الذي آلوا إليه بعد السقوط فارتدعوا عن التمادي في الشرور والرذائل؛ فقد لجُّوا فيها وتاهوا في الضلال حتَّى أَشفقَ اللهُ عليهم فأَرسلَ إليهم رحمتَه مُتمثِّلةً بالنبيِّ نوح هاديًا ومُنذِرًا. لكنَّهم قاوموه وسَخروا منه مئةَ سنة، فكان أن استحقُّوا الإبادةَ بالطوفان الذي لم يخلص منه إلاَّ مَن استحقَّ الخلاص.
وعاد الناسُ فتكاثروا بالتناسُل الذي سُمِحَ به بعد الطوفان، ليفرزَ السيَّالُ الصالحُ نفسَه عن السيَّال الطالح بالتوالُد والتمايُز، فيتحمَّل كلٌّ تبعةَ أَعماله وَفقَ ما وردَ في رسالة الأب نوح المُشار إليها سابقًا، والتي هبطَت في جلسةٍ روحيَّة عقدَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة في 11/6/1943 بحضور الأديبَين حليم دمُّوس وجوزف حجَّار، مُرتسمةً فورًا بصورةٍ إعجازيَّة على عدَّة قراطيس بيضاء.
بَيدَ أنَّ البشرَ مع كرور الأجيال ازدادوا كثرةً وعادوا إلى دأبهم القديم يتمرَّغون في حمأةِ الشرور والأباطيل والرذائل، ونسَوا ربَّهم وما حلَّ بهم من عقابٍ هائل، بل قد يكون بعضُهم اعتقدَ أنَّ الطوفانَ المُبيد إنَّما هو أَحاديثُ خُرافة، أَو صُدفةٌ من الصُّدَفِ الطبيعيَّة.
لكنْ أيُمكنُ أن تكونَ الأحداثُ التي تتحكَّمُ بمصاير البشر أَفرادًا وشعوبًا مُجرَّدَ صُدَفٍ طبيعيَّة؟
يقولُ وِلْ ديورانت Will Durant (1885-1981)، العالِمُ الاجتماعيُّ والمًُؤَرِّخُ الكبير في كتابه “عِبَرُ التاريخ”: “هل يُعقَل… أن لا يكونَ للتاريخ أَيُّ معنًى، وأَن لا يُقدِّمَ لنا أَيَّة عِبرة، وأَن لا يشتملَ الماضي السحيق إلاَّ على أَخطاء مُتكرِّرة شديدة الوطأَة على المستقبل بشكلٍ واسع النطاق، فادحِ الضرَر؟”[1]
إنَّ تاريخَ البشر كثيرًا ما تحكَّمت به الزلازلُ والفيضاناتُ وثورانُ البراكين والقحطُ الشديد. فهل يُعقَل، لدى المؤمنين بقوَّةٍ خالقة على الأقلّ، أن يكونَ مصيرُ شعوبٍ أَو أَجيالٍ بأسرها محكومًا بالصدفة وعواملَ بكماء صمَّاء أو بإرادةٍ إلهيَّة مزاجيَّة؟! إنَّ المبادئَ الداهشيَّة تُؤكِّدُ أنَّ العدالةَ الإلهيَّة لا تعرفُ الخلَل، لأنَّها كاملة، وهي دائمًا وراءَ تلك الأحداث وَفقَ نظامٍ شامل وسبَـبيَّة روحيَّة مَبنيَّة على الاستحقاق البشريّ.
والعنايةُ الإلهيَّةُ لم تترك البشرَ الضُّعفاءَ المُستسلمين لميولهم الدنيئة الموروثة دونما مُساعدة، من أجل إبعادهم عن مزيدٍ من الشقاء وهدايتهم طريقَ الصلاح التي يجبُ أَن يسلكوها لإنقاذ أنفسهم من المصائب المُحيطة بهم جزاءَ ما يفعلونه؛ فكانت تُذكِّرُهم، كلَّما زاغوا عن سواءِ السبيل، بأنَّ الغايةَ من وجودهم في الأرض هي التغلُّب على التجارب والمُغريات، والنجاح في الامتحان الدُّنيَويِّ الذي أُخضِعوا له، ليتمكَّنوا من استعادة الفراديس التي هبطوا منها. وكانت الهدايةُ الروحيَّة تتجسَّدُ تارةً في شخصِ رسولٍ أو نبيّ كإبراهيم وموسى ويوحنَّا المعمدان ويسوع المسيح والرسول العربي،ّ[2] وطورًا تتجسَّدُ في هادٍ روحيّ يستهدي أَحكامَ العقلِ النيِّر والإلهامَ العُلويّ مثل لاوتسو وكنفوشيوس وبوذا وسقراط ثمَّ المهاتما غاندي، وأحيانًا كثيرة كانت تمدُّ مُفكِّرين وأدباءَ وشُعراءَ ومُصلحين اجتماعيِّين بسيَّالاتٍ عُلويَّة هي امتداداتٌ لسيَّالات الأنبياء ليُكمِلوا عملَ رُسُل الله حينما يخلو الزمانُ منهم.
ويجبُ ألاَّ يغيبَ عن بالِنا أنَّه تكشَّفَ للداهشيِّين مِمَّا أُوحيَ لمُؤسِّس عقيدتهم أنَّ سيَّالاتِ البشر، المُنطوية على مداركهم واستعداداتهم ورغباتهم، هي التي تُكافئُهم وترفعُهم تَـبَعًا لمدى رُقيِّها، أو تحطُّهم وتُعاقبُهم تَـبَعًا لمدى تسفُّلِها، وذلك وَفقَ نظامٍ روحيّ لا يعرفُ الخلَل، حيثُ البشرُ أَفرادًا وجماعات يصوغون مصيرَهم بأَيديهم، من دَورٍ حياتيّ إلى دَورٍ حياتيّ، تخلُّفًا أَو تطوُّرًا، جهلاً أَو علمًا، صحَّةً أو مرضًا، غنًى أَو فقرًا، سلامًا أَو اضطرابًا، سيادةً أَو ذُلاًّ. فالسَّبَـبيَّةُ الروحيَّةُ هي علَّةُ التغييرات الحاصلة في كلِّ مجتمع في أَنظمتِه السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة… وفي مدى ازدهار علومِه وآدابه وفنونه وثرواته أَو تخلُّفها.
وفي النظام الروحيّ الإلهيّ، وَفقَ المبادئ الداهشيَّة، أنَّ السيَّالات الأسمى تسودُ الأقلَّ سُموًّا مع مرور الزمَن، فلا يُسمَحُ للأردإ أن يسودَ الأفضل إلاَّ إذا كان الأفضلُ أيضًا رديئًا، وذلك لتأديـبه وإيقاظِه من غفلتِه. وهذا الأمرُ يلتبسُ على معظمِ الناس، فيظنُّون أنَّ الصُّدَفَ أو بعضَ القوى المادّيـَّة أو القِيَم الدنيويَّة كالغنى أو الشهرة أو النفوذ أو القدرة العسكريَّة أو غير ذلك من قِيَمِ الأرض هي التي أدَّت إلى سيادةِ إنسانٍ على جماعة أو سيطرةِ شعبٍ على شعب. لكنَّ الحقيقةَ لا تنكشفُ إلاَّ للأنبياء والمُرسَلين، وهي ناتجة دائمًا عن سبَـبيَّة روحيَّة مُرتبطة بالاستحقاق والتقمُّص والعدالة الروحيَّة. وسنرى أنَّ هذا النظامَ االإلهيَّ العادل يتَّضحُ في عهود الأنبياء حيثُ تتكشَّفُ مشيئةُ الله.
وفي ما يأتي سأَقفُ عند محطَّاتٍ رئيسة هي محطَّاتُ الرسالات النبَويَّة والهدايات الروحيَّة وامتداداتها التي يتوقَّفُ مصيرُ كلِّ مجتمعٍ على مدى الأخذِ بتعاليمها وقِيَمها أَو مُقاومتها والابتعاد عنها.
بابل وجِلقامش
إنَّ التاريخ، حتَّى الجانب المقدَّس منه، لم يحفظ لنا من أحداث الشعوب قبل مجيء إبراهيم الخليل إلاّ قليلاً. فمن خلال “سِفر التكوين” نعرفُ أنَّ القومَ الذين كانوا يسكنون أَواسطَ ما بين النهرَين استطاعوا أَن يُطوِّروا فنَّ البناء، ويشرعوا تشييدَ بُرجٍ شاهق ومدينةٍ حوله تضمُّهم جميعًا، فيُخلِّدون اسمَهم ولا يتشتَّـتون على وجه الأرض وَفقَ ما جاء في السِّفر المذكور. وهذا الإنجازُ العُمرانيُّ يدلُّ على تطوُّر مداركهم. لكنْ هل الرقيُّ الحقيقيُّ في الإنسان والمجتمع هو في تطوُّرِه العلميِّ والمدَنيّ؟ لقد أَظهرَت مسيرةُ العِلم أنَّه قد يُستخدَمُ للخير كما يُستخدَمُ للشرّ. والأدلَّةُ على ذلك موفورةٌ في كلِّ عصر. بل قد يكون العِلمُ أداةً لدمار الأخلاق والقِيَم الروحيَّة وإبادة الحضارة البشريَّة كلِّها إذا لم يُرافقه ضميرٌ حَيّ ونزعاتٌ سامية. وليس لنا في أوائل القرن الحادي والعشرين إلاّ أن نتفحَّصَ ثمارَ العلوم الطبيعيَّة التي أدَّت في القرن الماضي إلى اختراع الديناميت ثمَّ القنابل النوَويَّة والهيدروجينيَّة، ثم العلوم التكنولوجيَّة الحديثة من التلفزة والسينما إلى الإنترنِت، حتَّى نرى أنَّ أضرارَ التطوُّر العلميّ تكاد تفوقُ فوائدَه أحيانًا كثيرة. ذلك بأنَّ الرقيَّ الحقيقيَّ في الإنسان، كما في المجتمع، هو رُقيُّ السيَّالات الروحيَّة بكلِّ مخزونها، أَي رُقيُّ المدارك والرغبات والنـزعات معًا. فمِن نظرِنا في “سِفر التكوين” نرى أنَّ أولئك القومَ الذين باشروا بناءَ مدينةٍ يتوسَّطُها برجٌ شاهق قد فحصَ اللهُ قلوبَهم، فوجدَ أنَّ الغرورَ والتجبُّرَ المُؤدّي، لا محالةَ، إلى الظلم هما اللذان يدفعانهم إلى تطوير عُمرانهم، لأنَّ الفكرةَ التي داخلَتهم، بعد أن شعروا بقدرتهم، هي أن يبنوا بُرجًا يكونُ “رأسُه في السماء”، أي إنَّهم كانوا يطمحون إلى بلوغ باب الله (باب إيل=بابل)، وهو الطموحُ نفسُه الذي داخلَ أُصولَهم الملائكيَّة من قبلهم، إذْ رغبوا في تجاوُزِ الحدود التي عُيِّنَ لهم ألاَّ يتعدَّوها قبل أن يحينَ زمانُ استحقاقهم لتجاوُزِها. من أجل ذلك بلبلَ[3] اللهُ ألسنتَهم وشتَّـتَهم، فأُرغِموا على الكَفِّ عن إتمام بناء المدينة وبُرجها الشاهق. وقد حفظَ “سِفرُ التكوين” اسمَ مَلكهم الأوَّل، وهو نمرود، “أوَّلُ جبَّار في الأرض.” وهو ابنُ كوش بن حام بن نوح. وكان النبيُّ نوح قد غضبَ على حام ولعنَ ذُرِّيـَّـتَه.[4] وهكذا يتَّضح أنَّه حتَّى لو كان وراء دمارِ البرج الشاهق وتشتُّت أهل المدينة عواملُ طبيعيَّة ظهرَت في حينها، فوراءَ تلك العوامل أسبابٌ روحيَّة تتمثَّلُ في عقابِ قومٍ لم يتَّعظوا من الطوفان المُبيد لأسلافهم. وما كان لنا أن نعرفَ الأسبابَ الحقيقيَّة لولا الوحيُ الروحيّ.
ومن التنقيب في آثار الأوَّلين بالشرق الأوسط عرفنا “ملحمة جلقامش”،[5] ملكِ أُوروك، المدينة التي كانت تقع جنوبيَّ بابل واقترنَت باسم نمرود. ويسترعي انتباهَنا في الملحمة، الأسبابُ الروحيَّة الماورائيَّة التي تُحرِّكُ أَحداثَ بطلَيها، جلقامش وإنكيدو. فجلقامش أَثبتَت الآثارُ التاريخيَّة وجودَه، لكنَّ إنكيدو قد يكونُ واقعيًّا أَو رمزًا خياليًّا. وكان الملك مُتَّصفًا بشهواته التي لا تشبع في الحبِّّ والحرب، وسَطوِه على العرائس قبل زواجهنَّ، فضجَّ منه الشعب واستصرخوا غوثَ الآلهة؛ فأَرسلَت إليه خصمًا مُنافِسًا هو إنكيدو، الإنسانُ القويُّ الوحشيُّ الذي يعيشُ على الفطرة مع الحيوان. لكنَّه لم يستطع أن يصلَ إلى المدينة إلاّ بعد أن أَفقدَته بَغيٌّ براءتَه الفطريَّة، وأَدخلَته تدريجيَّا إلى المجتمع المدَنيّ حيثُ تصدَّى لجلقامش؛ فتغلَّبَ الملكُ عليه ثمَّ صادقَه. لكنْ هل استطاع إنكيدو أن يُخلِّصَ الشعبَ من مظالم جلقامش وشهواته الجامحة بقوَّةِ بطشِه؟ لا، لكنَّه بموته هزَّ ضميرَ جلقامش وحرَّكَ عقلَه لطلبِ المعرفة، فجعلَ يُفكِّرُ بالموت، ويبحثُ عن سرِّ الخلود حتَّى اكتشفَه، بعد مغامراتٍ كثيرة خطِرة، في الفضائل والأعمال الصالحة مُتجسِّدةً بأُوتنابشتيم Utnapishtim (نوح) الذي أَنقذَته الآلهة من الطوفان، وجعلَته في فردوسٍ هو أشبهُ بجنَّةِ عَدن. إنَّها استعادةُ الفردَوس لا بالبطش والمجد الدنيَويّ والانغماس في الشهوات، بل “باحتقار متاع الدنيا.” وعاد جلقامش إلى مملكته حكيمًا، مُقتنعًا بأنَّ الموتَ مصيرُ البشر جميعًا. فخاطبَه أَبو الآلهة في حلمه قائلاً: “أَي جلقامش، هذا هو تأويلُ حُلمك: لقد أُعطيتَ المُلك، فهذا قدَرُك، أمَّا الخلود فليس مُقدَّرًا لك. لا يحزنْ قلبُكَ لهذا، لا تغتمَّ ولا تبتئسْ. لقد أَعطاك [أبو الآلهة] القدرةَ على العَقدِ والحَلّ، وجعلَكَ ظلامًا ونورًا للناس. لقد وهبَكَ سلطانًا على الشعب لا نظيرَ له، وجعلَ لكَ النصرَ في المعارك التي لا يُفلتُ منها ناجٍ… ولكنْ لا تُسئ استحدامَ هذه القوَّة. عامِلْ خدمَكَ في القصر بالعدل. كُنْ عادلاً أمام وجهِ الشمس.”[6]
تُرى، هل كان في جلقامش سيَّالاتٌ روحيَّة عُلويَّةٌ وسُفليَّة تتصارع على الدوام حتَّى تغلّبَ فيه الأسمى على الأدنى؟ هل كان فيه مع السيَّالات الدنيَويَّة سيَّالٌ روحيٌّ نبَويّ يرقى إلى نوح، وبسببه مُجِّدَ في زمانه، ثمَّ بُعِثَ اسمُه من الأنقاض ليُمجَّد في زماننا في الآدابِ العالَميَّة؟
طرحتُ السؤالَ الأخير على مُؤسِّس الداهشيَّة، فأجابَني ما فحواه: ماذا تقول في فلاديمير لينين، زعيم الثورة الشيوعيَّة، هل جميع سيَّالاته دُنيويَّة أو سُفليَّة؟
فأجبتُ: لا أَدري.
فقال: إذًا اعلَمْ أنَّه إلى جانب سيَّالاته الدنيَويَّة كان فيه سيَّالٌ نبَويّ تابعٌ ليشوع بن نون، وبهذا السيَّال قاد الثورة الاشتراكيَّة لتكونَ تأديبًا لمَن يستحقّون التأديب، ورحمةً لمَن يستحقُّون الرحمة، ولكنْ إلى حين. فليس محتومًا أن تكونَ مَهمَّةُ السيَّال النبَويّ محصورةً في تأدية رسالة روحيَّة فقط. ففهمتُ مغزى كلامه.
خَطُّ الرُّسُل والأَنبياء
بمجيءِ إبراهيم الخليل يبدأُ الخطُّ الرَّسوليُّ النبَويُّ يرسمُ نفسَه في عدَّةِ شعوبٍ مُولِّدًا فيها يقظةً روحيَّة. لكنَّ الفائدة كانت مُقتصرة على جماعاتٍ محدودة في أزمنةٍ محدودة. أمَّا معظمُ الناس، حتَّى في أقوام الرُّسُل والأنبياء أنفسهم، فقد ظلَّت شواغلُ الدنيا وجواذبُها وشهواتُها ومطامعُها همَّهم الأكبر، إن لم يكُن الأوحد. من أَجل ذلك أَجرى الله عدالتَه فيهم، فلم يعرفوا سلامًا. فالحروبُ بينهم ما كان يخمدُ أُوارُها حتَّى تتجدَّدَ وتتأَجَّجَ نارُها، العمرانُ ما كان ينهض حتَّى يُقَوَّض. والكتبُ المقدَّسة، كما المُدوَّناتُ التاريخيَّة أحيانًا كثيرة، شاهدة على ذلك.
أَ- إبراهيم الخليل وسارة
لم يكُن إبراهيم مَلكًا يُعاضدُه جيشٌ عرمرم، ولا زعيمَ قبيلةٍ كبيرة ذاتِ سيادة حينما لبَّى صوتَ الروحِ الإلهيّ، فتركَ أرضَه وعشيرتَه وبيتَ أَبيه في حاران ببلاد الرافدَين العُليا، ورحلَ إلى أرض كنعان وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة، وبصُحبتِه ابنُ أَخيه لوط، ومعهما زوجتاهما ومُمتلكاتهما المنقولة وما في حوزتَيهما من الموالي.
وإذْ وجدَ إبراهيمُ مجاعةً منتشرة في كنعان حيثُ كان يعتزمُ الإقامة، رحلَ إلى مصر. وفيها يُطلِعُنا “سِفرُ التكوين” على أُولى الضرباتِ القاصمة التي نزلَت بالفرعَون المُعاصر لإبراهيم وبأهل بيته. والسببُ يبدو غيرَ عادل. فقد طلبَ إبراهيم إلى زوجته ساراي (سارة) أن تقولَ للمصريِّين إنَّها أُختُه، خوفًا من أن يقتلوه بسببها ويُبقوا عليها حيَّة، لأنَّها كانت رائعة الجمال. يقول الكتابُ المقدَّس: “وشاهدَها بعضُ حاشية فرعَون، فمدحوها عند فرعَون ثمَّ أَخذوها إلى بيته. فأَحسنَ فرعَون إلى إبراهيم بسبَـبها؛ فصار له غنَمٌ وبقَر وحمير وعبيد وإماء وأُتُن وجمال. أَمَّا الربُّ فضربَ فرعَون وأَهلَ بيته ضرباتٍ عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام. فاستدعى فرعَون أَبرام وقال له: ’ماذا فعلتَ بي، فكتمتَ عنّي أنَّها امرأتُك؟ لماذا قلتَ لي: هي أُختي، حتّى أخذتُها لتكونَ زوجةً لي؟ والآن خُذ امرأتَك واذهَبْ.‘ وأَمرَ فرعَون رجالَه أَن يُخرِجوه من البلاد مع امرأته وكلّ ما يملك.”[7]
لا ريبَ في أَنَّ طلبَ إبراهيم يبدو غريبًا، وعاقبته الوخيمة على فرعَون وبيته تبدو أغرب؛ ذلك بأنَّ الأسبابَ الروحيَّة هي غير الأسباب المعروفة للناس. فإبراهيم لم يكذب بقوله عن ساراي إنَّها أُختُه، لأنَّها ابنةُ أَبيه لا ابنةُ أُمِّه.[8] هذا من الجهة الواقعيَّة؛ أمَّا من الجهة الروحيَّة، فحينما سألتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة مُستغربًا عن المصائب التي انصبَّت على فرعَون وبيتِه من جرَّاء سارة، في حينَ أنَّ إبراهيم الخليل هو المُسبِّب، قال لي ما فحواه: لو لم يكُن فرعَون وأَهلُ بيته مُستحقّين العقابَ الشديد، لَما نزلَ بهم. ثمَّ هل يُعقَل أن يُقدِّمَ إبراهيم الخليل، وهو النبيُّ الكبير، زوجتَه إلى فرعَون خوفًا من القَتل أو طمعًا بالإحسان إليه! فما يُدريك أنَّ سارة لم تكُن زوجةَ فرعَون في تقمُّصٍ سابق ولا بُدَّ من أن يتَّصلَ بها ليقعَ العقابُ عليه. فيكون مَثلُه مَثلَ داوود النبيّ الذي اتَّخذَ زوجةَ أُوريَّا الحثّيّ زوجةً له، إذْ كانت امرأتَه في دورٍ سابق.[9] هذا مع فارق أنَّ داوود كان نبيًّا وهو بارّ أمام الله، في حين أَنَّ فرعَون كان يستحقُّ العقاب على معاصيه، وكان لا بُدَّ من اتِّصاله بسارة ليقعَ الجزاء، وإلاَّّ لَكان وُضِعَ فيه سيَّالٌ روحيّ يردعُه عنها، أو لَكان أَتاه حلمٌ يُنهى فيه عنها.
وفي الواقع تكرَّرَت حادثةُ سارة مع أَبيمالك، ملكِ جَرار في أَرض النقب، بعد رحيل إبراهيم من مصر إليها. فأخذَ الملكُ سارة على أنَّها أُختُ إبراهيم، لكنْ قبل أن يمسَّها، أَتاه روحُ الربّ في الحُلم وأَنذرَه بأنَّه سيموتُ إذا مسَّها، لأنَّها مُتزوِّجة. فقال الملكُ لروح الربّ: “’يا سيِّدي، أَأُمَّةً بريئةً تقتل؟ أَما قال لي إبراهيم: هي أُختي، وقالت امرأتُه أيضًا: هو أَخي؟ فبسلامة قلبي ونقاوة يدَيَّ فعلتُ هذا.‘ قال له الربُّ في الحلُم: ’أَنا أَعرفُ أنَّكَ بسلامة قلبكَ فعلتَ هذا، ولذلك منعتُكَ من أَن تمسَّها فتخطأ إليَّ. والآن، رُدَّ امرأةَ الرجُل، فهو نبيّ يُصلِّي لأجلكَ فتحيا، وإن كنتَ لا تردُّها، فاعلَمْ أنَّكَ لا بُدَّ هالك أنتَ وجميع شعبك.”[10]
وصباحَ اليوم التالي استدعى الملكُ جميعَ رجاله وأَخبرَهم بالحُلم، ثمَّ استدعى إبراهيم وعاتبَه على عملِه، لكنَّه أَغدقَ عليه النِّعَم ورحَّبَ بأَن يُقيمَ في دياره.
إسحاق وإسماعيل
لمَّا كانت سارة عاقرًا وقد بلغ إبراهيم الخامسة والثمانين، طلبَت إليه أن يُجامعَ جاريتَها هاجَر لعلَّه يُزرَقُ منها نسلاً. وبعد أن عاشرَ إبراهيم جاريتَه، بدأت تتجرَّأُ على سيّدتِها، فطردَتها سارة.
وبعد حبَل هاجر بإسماعيل وهي بعيدة، تراءَى لها ملاكُ الربّ وقال لها: إنَّ الربَّ سمعَ دُعاءَها وسُيُسمَّى ابنُها إسماعيل (أي سمع إيل، أي الله، لها)، لكنَّه “سيعيشُ بعيدًا عن إخوته، يُقاتلُ الجميع، والجميعُ يُقاتلونه في مُواجهة دائمة.”[11]
ومن المعروف أنَّ إبراهيم عاد فرُزِقَ من سارة ابنًا سُمِّيَ إسحاق، وكان له من العُمر مئة سنة وهي تسعون، فيما كان إسماعيل قد أصبح في الرابعة عشرة.
سألتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة: نحن نعرفُ أنَّ إسماعيل صار أَبًا لكثيرين من العرَب، بينهم الرسولُ العربيُّ نفسُه، وأنَّ إسحاق صار أبًا ليعقوب (إسرائيل)، وبالتالي لليهود كما للسيّد المسيح. فهل قولُ الملاك لهاجر نبوءةٌ بما سيحدثُ بين العربِ واليهود، كما بين العربِ والمسيحيِّين في التاريخ؟ وهل يُشكِّلُ ذلك سببًا روحيَّا عامًّا لاستمرار العداء بينهم عَبر الأجيال؟
فأجابني ما فحواه: أجل، هذا هو السببُ الروحيُّ المُحرِّك، الناشئُ عن سيَّالات سارة وسيَّالات هاجر ونزعاتِ العدائيَّة بينهما. لكنَّ الإنسانَ حرٌّ في اختيار أَعماله، فبإمكان كلِّ شعبٍ أن يتغلَّبَ على نزعات العدائيَّة التي تكون راسخةً في سيَّالاته، فهي لا تموتُ ولا تتلاشى إلاّ إذا غالبَها الإنسانُ وقضى عليها، لأنَّها تبقى في نشاط السيّالات التي لا تفنى، بل تنتقلُ من تقمُّصٍ إلى آخَر. ولا شكَّ بأنَّ عواملَ سياسيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة وغيرها قد تكون وراءَ عداوات الشعوب بعضِها لبعض، لكنَّ هذه العوامل ليست إلاَّ المجاري الطبيعيَّة لأسبابٍ روحيَّة حرَّكَتها حتَّى لو كانت أُصولُها ترقى إلى آلاف السنين.
لوط وسَدوم وعَمورة
إنّ نكبةَ سَدوم وعَمورة معروفةٌ مشهورة في الكُتب المقدَّسة. وكم من مدينةٍ يعيشُ أَهلُها اليوم عيشةَ أَهلِ تَينكَ المدينتَين أو ما يُقاربُ ذلك من استهتارٍ في الرذيلة، ولا سيَّما الشذوذُ الجنسيّ! فهل كان يخطرُ في بال سُكَّان سدوم وعمورة أَنَّهم سيُحرَقون بالكبريت والنار، وتُرَدَّم منازلُم على رؤوسهم ويُبادُ شعباهم جزاءً وفاقًا لمعاصيهم؟ الجواب: لا. وكذلك البشرُ الذين أنذرَهم نوح لم يخطر في بالهم أنَّ الإنذارَ سيصحّ، فيُبادون. وهكذا اليوم، فكلُّ نكبةٍ طبيعيَّة من زلزالٍ إلى هياج بركانٍ إلى فيضان… ينسبُها معظمُ الناس إلى العوامل الطبيعيَّة البكماء الصمَّاء، ذلك لأنَّهم لا يربطون بين أعمالهم وقوَّةٍ إلهيَّة عادلة تُحرِّكُ تلك العواملَ الطبيعيَّة وتُجازيهم على قَدر أعمالهم.
ولا بُدَّ من الإيضاح، في هذا المجال، ونحن في عصرٍ بلغَ فيه التقدُّمُ العلميُّ شأوًا بعيدًا، أنَّ الأنبياءَ كان يوحى إليهم بما يستطيعون استيعابَه، وبما يستطيعُ الناسُ إدراكَه إذا بُلِّغوه. ولِذا فشرحُ الحقائق الروحيَّة وفهمُها نسبيّان وَفقَ التطوُّر العلميِّ في كلِّ عصر. فالذين لازموا مُؤسِّسَ الداهشيَّة وخَبروا قدرتَه الروحيَّة ومُعجزاته وكيفيَّةَ هبوط الوحي يعرفون أنَّ الله (أو الربّ) لم يُخاطب ويستحيلُ أن يُخاطبَ بشرًا. فالملاكُ الرسولُ والروحُ الإلهيُّ هما اللذان يُخاطبان النبيَّ والمؤمنين. وفي ضوءِ هذا الإيضاح يجبُ أن نفهمَ ما وردَ في الكتب المقدَّسة من مُخاطبة الله أو الربّ للأنبياء. أمّا في ما يخصُّ “الملاكَين” اللذَين دمَّرا سدوم وعمورة، فقد أوضحَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة أنَّهما رسولا حاكِم أَحد الكواكب الراقية المُكلَّف بمُراقبة أرضنا وما ومَن يعيشُ عليها. فهذان الرسولان اللذان كانا يُساويان البشرَ بقامتَيهما كانا قد أَنذرا أهلَ المدينتَين الفاسقتَين بأن يُقلِعوا عن رذائلهم أَو يُبادوا. لكنَّ الآثمين المُعاندين لم يأبهوا. فكان أَن أَباداهم بسَيلٍ من الكبريت والنار أَطلقاه عليهم من سفينةٍ فضائيَّة كانت قد اتَّجهَت إلى الأرض بسرعةٍ تُقاربُ سرعةَ النور.[12]
بَنو إسرائيل في العبوديَّة
وهكذا لا يُصيبُ العقابُ إلاَّ القومَ الذين يستحقُّونه، ولا يهربُ منه حتَّى مَن كانوا من ذُرّيـَّة الأنبياء. والجزاءُ يكونُ إلى حينٍ مُحدَّد. فـ”سِفرُ التكوين” يروي أنَّ إبراهيم الخليل، قبل مولد إسماعيل، ابنِه البِكر، وقعَ في نومٍ عميق، فأتاه “الربُّ” في الحلُم قائلاً:
“إعلَمْ جيِّدًا أَنَّ نسلَكَ سيكونون غُرباء في أَرضٍ غيرِ أَرضِهم، فيستعبدُهم أَهلُها ويُعذِّبونهم أربع مئة سنة، ولكنِّي سأَدينُ الأُمَّةَ التي تستعبدُهم، فيخرجون بعد ذلك بثروةٍ وفيرة. وأَنت تموتُ وتنتقلُ إلى آبائك بسلام، وتُدفَنُ بشيبةٍ صالحة. وفي الجيل الرابع يرجعُ نسلُكَ إلى هنا، لأنيِّ لن أَطردَ الأَموريِّين إلى أَن يرتكبوا من الإثم ما يستوجبُ العقاب.”[13]
وفي هذه النبوءة جانبان: أحدُهما يتعلَّقُ بالامتناع عن طرد الأموريِّين من بلاد كنعان حيثُ كان العبرانيُّون يسعون إلى توطيد إقامتهم، لأنَّ الأَموريِّين، بالرغم من أنَّهم ليسوا من نسل إبراهيم، لا يجوز عقابُهم إلى أن يستحقّوه. وهذه هي السبَـبيَّةُ الروحيَّة الخاضعة لنظام العدالة الإلهيّة الكاملة. والجانبُ الثاني من النبوءة سيتحقَّق بطريقةٍ لا يتوقَّـعُها البشر، ولا يستطيعُ أَن يستشرفَها تحليلٌ منطقيّ. فبعد أَن وُلِد لإبراهيم إسحاق، وُلِدَ لإسحاق يعقوب، ثمَّ وُلِدَ ليعقوب (الذي سُمِّيَ روحيًّا بإسرائيل) اثنا عشر ابنًا، كان بينهم يوسف. وكان يعقوب يُحبُّ يوسف ويُفضِّلُه على جميع إخوته. فحسَدوه وأَبغضوه، خصوصًا أنَّه كان يروي لهم من حينٍ إلى آخَر ما يراه من أحلام تُظهرُه مُتفوِّقًا عليهم. ومنها أنَّه قال لهم مرَّةً: “رأيتُ حُلمًا كأنَّ الشمسَ ساجدة لي والقمر وأحد عشرَ كوكبًا.” [14] فضاق ذَرعُ إخوته به، وتآمروا ليقتلوه، ثمَّ نزولاً عند طلب أحدهم، أَلقَوه في بئرٍ بالبرّيـَّة. وبعدئذٍ عثرَ عليه تُجَّارٌ مِديانيُّون فأَصعدوه من البئر وباعوه لقافلة من الإسماعيليِّين مُتَّجهة إلى مصر؛ فاشتراه فوطيفار، كبيرُ خدَم فرعَون، وسرعانَ ما منحَه حُظوةً كبيرة وأَوكلَه على بيته. وإذْ كان جميلَ الهيئة، حاولَت زوجةُ فوطيفار إغراءَه، لكنَّه أَفلتَ منها تاركًا ثوبَه بيدِها وقد تشبَّثَت به. فتجنَّت عليه لدى زوجها واختلقَت أنَّه تحرَّشَ بها. فأمسكَه فوطيفار ووضعَه في الحصن حيثُ مساجينُ الملك. وكان أن غضبَ فرعَون على رئيس السُّقاة ورئيس الخبَّازين، فزجَّ بهما في السجن نفسه. وذاتَ يومٍ حلمَ كلٌّ منهما حُلمًا؛ ففسَّرَ يوسف كلَيهما. وما لبثَ أن تحقَّقَ الحلُمان وَفقَ تأويل يوسف. فبعد ثلاثة أَيَّام قُتِلَ رئيسُ الخبَّازين وعُفِيَ عن رئيس السُّقاة. وبعد مُضيِّ عامَين رأَى فرعَون حلمًا أَزعجَه، ولم يستطع أحدٌ من سحَرة مصر وحُكمائها أن يُفسِّرَه؛ ففطنَ رئيسُ السُّقاة ليوسف، وذكرَ مقدرتَه على تفسير الأحلام أمام فرعَون؛ فاستحضرَه. ففسَّرَ يوسف حلم الملك بأنَّه ستأتي سبعُ سنين من الخصب والشبع تتلوها سبعٌ أُخرى من القحط والجوع، ونصح فرعَون بأن يوكِل إلى رجلٍ حكيم أمرَ جَمع خُمس غلَّةِ الأرض وخَزنِه في الأهراء طوالَ أَعوام الشبَع، ليُوزَّعَ على الشعب في أَيَّام الجوع. فوجدَ فرعَون في يوسف معرفةً وحكمة ، وجعلَه وكيلاً على بيته، وثانيًا له في المملكة. وكان أن تحقَّقَ تأويلُ يوسف لحُلم فرعَون، فعظُمَ يوسف في عَينَي ملك مصر وشعبها.
وعمَّت المجاعةُ بسببِ القحط أرضَ كنعان، فطلبَ يعقوب إلى بَنيه أَن يذهبوا إلى مصر لابتياع القمح، إذْ سمعوا بالبحبوحة فيها. فذهبوا جميعًا، أي العشرة، مُخلِّفين بنيامين، وهو أصغرُهم وشقيقُ يوسف من راحيل. فعرفَهم يوسف، لكنَّهم لم يعرفوه. وبعد محنةٍ لهم وامتحانٍ مُكرَّر، كشفَ يوسف عن نفسه قائلاً: “أَنا يوسف أَخوكم الذي بعتموه إلى مصر. والآن لا تأسفوا ولا تستاؤوا لأنَّكم بعتموني إلى هنا، لأنَّ الله أَرسلَني أمامكم لأحفظَ حياتَكم. مضَت الآن سنَتا جوع في الأرض، وبقيَ خمسُ سنين لا فلاحةَ فيها ولا حصاد، فأَرسلَني اللهُ أمامكم ليُبقيَ لكم نسلاً في الأرض ويُنجِّيَ الأحياءَ منكم. فما أَنتم الذين أَرسلتموني إلى هنا، بل الله. وهو جعلَني وَصيًّا عند فرعَون، وسيِّدًا لجميع أَهل بيته، ومُتسلِّطًا على كلِّ أرض مصر.”[15] وبناءً على دعوة يوسف عادوا إلى كنعان ثمَ اصطحبوا والدَهم يعقوب إلى مصر ومعه بنيامين وجميع نسائهم وأبنائهم وبناتهم. وكانت مركباتُ فرعَون تحملُهم. وبعد موت يعقوب تخوَّف أبناؤه العشرة من ارتداد يوسف عليهم ومُعاقبتهم على الشرّ الذي أنزلوه فيه. فذهبوا إليه واستغفروه. فقال لهم: “لا تخافوا، هل أَنا مكان الله؟ الشرُّ الذي أَردتموه لي أَراده الله خيرًا كما ترَون، ليُنقِذَ حياةَ كثيرٍ من الناس…”[16]
إنَّ جوابَ يوسف الأخير ينطوي على جانبَين: الأوَّل إذا كان لا بُدَّ من عقاب، فالله يُنـزِلُه بهم، وهو ليس الله. والجانبُ الثاني يختصُّ بالصفحِ الذي هو قادرٌ عليه والرحمة التي أتَتهم من الله ولكنْ إلى حين. ذلك بأنَّ الشرَّ الذي اقترفوه بالتصميم على قتله لا مناصَ من أن يُجازيَهم الله عليه. وهكذا لمَّا تكاثرَت ذراريهم في مصر، وضعَ اللهُ خوفًا في قلوب الفراعنة منهم، فاستعبدوهم وضيَّقوا عليهم، واستخدموهم في أَشغالٍ مُرهِقة. وظلُّوا في الاستعباد أربعَ مئة سنة وَفقَ نبوءة جدِّهم إبراهيم الخليل إلى أن أَتتهم رحمةُ الله مُجدَّدًا بظهور موسى النبيّ.
وكذا نرى أَنَّ أحداثَ الشعوب كلَّها تُحرِّكُها أسبابٌ روحيَّة تتَّخذُ مجاريَ طبيعيَّة، لأنَّ الإنسانَ، شاءَ أم أَبى، آمنَ أم كفَر، يعيشُ خاضعًا لنظامٍ دقيقٍ من العدالة الإلهيَّة لا خلَلَ فيه.
موسى النبيّ وسلسلةُ أَنبياء العبرانيِّـين
بظهور موسى النبيّ نشهدُ من جهةٍ عقابًا إلهيًّا ينـزلُ بفرعَون وشعبِه على ما ارتكبوه من مظالمَ وآثام، ومن جهةٍ أُخرى رحمةً تُنقِذُ العبرانيِّين من الذلِّ والعبوديَّة بعد أن استنفدوا زمانَ عقوبتهم. ولا أَجدُ حاجةً إلى عَرض مُعجزات موسى النبيّ أمام فرعَون، فهي معروفة مشهورة. لكنَّ الجديرَ بالذكر هو أنَّ الأسبابَ الروحيَّة التي وراءَ الجزاء تستوجبُ عقابًا مُعيَّـنًا وزمانًا مُحدَّدًا. ولذلك فامتناعُ فرعَون عن إطلاق العبرانيِّـين من مصر، بالرغم من الضربات الفادحة التي نزلَت بـبيته وبالشعب المصريّ ووضوح المُعجزات التي رافقَتها وجبروتها، لم يكُن ناتجًا عن عملٍ عقليّ منطقيّ قام به، بل كان مُرغَمًا عليه، إذْ وُضِعَ فيه سيَّالٌ روحيٌّ “قسَّى قلبَه” وجعلَه مُثابرًا على عِناده. ذلك بأنَّ الربَّ خاطبَ موسى قائلاً: “أنت تُكلِّمُ هرون [أخاك] بكلِّ ما آمرُكَ به، وهرون يُكلِّمُ فرعَون أن يُطلِقَ بَني إسرائيل من أَرضِه. ولكنّي أُقسِّي قلبَ فرعَون. ومهما أَكثرتُ مُعجزاتي وعجائبي في أرض مصر، فلن يسمعَ لكما حتَّى أَرفعَ يدي على أَرضِ مصر وأُخرِجَ جموعَ شعبي بني إسرائيل من هناك بما أُنزِلُه بالمصريِّين من أَحكامٍ رهيبة…”[17]
وفي الواقع، كان فرعَون كلَّما توسَّلَ إلى موسى ليرفعَ الضربةَ عنه، ويأتيه الفرَج، يعودُ إلى موقفه الرافض السابق بعد كلِّ ضربةٍ من الضربات العشر، التي كان آخرُها موتَ كلِّ بكرٍ في أرض مصر، بل حتَّى بعد سماحه برحيل العبرانيِّـين، إذْ سرعانَ ما غيَّرَ رأيَه فتبعهَم وطاردَهم حتَّى غرقَ جيشُه.[18] وهكذا تُغَشَّى بصيرةُ الإنسان وتُشَلُّ أَحكامُ عقله إذا كان مُستحقًّا العقاب، فيُجازى هو وكلُّ مَن يستحقُّ الجزاء.
مع موسى النبيّ عاد الحُضورُ الإلهيُّ يُؤَكِّدُ نفسَه عَبرَ المُعجزات والتشريعات الروحيَّة الصالحة التي استهدفَت تنظيمَ مجتمعٍ كان إلى الأمس القريب جماعاتٍ عشائريَّة ضائعة مُشتَّتة، والتي أَبرزَت أَهمِّـيَّةَ القِيَمِ الروحيَّة في السلوك والحياة ليُحافظَ الشعبُ على رضى الله وبالتالي وضعِه المطمئنِّ المُستقرّ.
وكان على الشعب العبرانيّ أن يُجاهدَ طويلاً ويبنيَ نفسَه حتَّى يستحقَّ استمرارَ نعمة الروح التي نفخَها فيه النبيُّ موسى. وقد استطاع أَن يُقيمَ في فلسطين دولةً قويَّةً مجيدة في القرن العاشر قبل الميلاد، عهدَ النبيَّـين العظيمَين داوود وسُلَيمان.
غير أنَّه لا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ النبيَّ داوود، بعد أن اتَّخدَ امرأةَ أُوريَّا الحثِّـيّ زوجةً له، بوصفِها امرأةً له في تقمُّصٍ سابق إذْ تستفيدُ روحيًّا معه استفادةً عظيمة، وهو عملٌ مُبرَّرٌ لنبيٍّ أمام الله – وقد ألمعتُ إلى هذا الأمرِ سابقًا– اقترفَ داوود خطيئةً اضطرَّته إلى أن يذرفَ دموعَه هطَّالةً استغفارًا لله عنها، ويسفحَ ندامةَ قلبه في مزاميره استعطافًا وتكفيرًا. وقد أوضح مُؤسِّسُ الداهشيَّة أنَّ خطيئةَ داوود النبيّ لم يكُن مبعثُها زواجَه بامرأة أُوريَّا الحثّيّ، بل “هي إرسالُ أُوريَّا إلى ساحة الحرب وذلك الأمرُ السرّيّ الذي يقولُ فيه بوجوب وَضع أُوريَّا في مقدّمة الصفوف المُدرَّبة كي يكونَ طعمةً للنبال المسمومة. وهكذا تمَّ له ما أراد.” [19]أَي إنَّ نيَّةَ داوود لإنزال الأذى في زوج المرأة وتنفيذه الأذيَّة هما اللذان شكَّلا خطيئتَه.
لكنْ هل بقيَ العبرانيُّون يُطبِّقون شريعةَ الله بعد نزولها على موسى النبيّ، ويتمسَّكون بكلامِ الأنبياء بعد أن تعاقبوا عليهم يُذكِّرونهم بضرورة اعتناق القِيَم الروحيَّة والابتعاد عن الشرّ؟ أم إنَّهم فكَّروا مرَّةً أخرى بأنَّهم بعصمةٍ من جزاء الله؟
الواقعُ أنَّ الشعبَ العبرانيّ، مثلما نرى الأحداثَ من خلال العهد القديم من الكتاب المقدَّس، قد خرجَ، تدريجيًّا، عن مشيئة الله وتعاليم أَنبيائه، وتعاظمَت فيه المطامعُ الدنيَويَّة وشتَّى المفاسد والشرور، وازدادت التناحُراتُ الداخليَّة التي أَفضَت إلى انقسام مملكة سُليمان، بعد موته، إلى مملكتَين: يهوذا وإسرائيل. وقد أَنذرَ الله الشعبَ العبرانيَّ على أَلسُن أَنبيائه المُتعاقبين، وفي طليعتهم أشعيا (نحو 740 ق م)، بعقابٍ وشيك جزاءً عادلاً لأعماله المُنحرفة وسلوكه سبيلَ الرياء. وهكذا أَذنَ تعالى لسرجون الثاني، ملك الأَشوريِّـين، بِغَزوِ مملكة إسرائيل واحتلال السامرة، عاصمتِها، وإجلاء سُكَّانها، وذلك سنة 722 ق م.
ورأَى حِزقيَّا (716-687ق م) في سقوط مملكة إسرائيل درسًا يجبُ أن تعتبرَ به مملكة يهوذا، فقام بإصلاحاتٍ دينيَّة حميدة. وساعدَه في ذلك البنيان أَشعيا وميخا. كذلك قام يوشيَّا بإصلاحٍ دينيٍّ كبير.
لكنَّ الشعبَ اليهوديَّ، مع ذلك، تمادى في غِيِّه وانحرافه عن الطريق القويم، ولم يعتبر من مِحنتِه، وصَمَّ أُذنَيه عن صوت إرميا النبيّ. من أجل ذلك حَقَّ عليه غضبُ القدير، فسلَّطَ نبوكدنصَّر، ملكَ الكلدانيِّـين، على أُورشليم، فدمَّرها، وأَجلى شعبَها إلى بابل ابتداءً من سنة 598 ق م. وقد تَـمَّ تقويضُ أُورشليم تمامًا، وتخريب هيكلها، وسَمْلُ عَينَي مَلكِها صِدقيَّا، في شهر آب سنة 587 ق م. واضطُرَّ اليهود إلى العيش في الجلاء القَسريّ عشراتِ السنين. وهذه المحنة دفعَت إرميا إلى إنشاء مراثيه المؤثِّرة في أُورشليم، التي أعاد صياغتَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة. وفيها يقول: “قد أصبح أَعداؤها أسيادَها لأنَّ إرادةَ الربِّ قد قضَت بإذلالِها من أجل كثرة معاصيها.”[20]
على أَنَّ انتصارَ سرجون ثمَّ نبوكدنصَّر على الشعبِ اليهوديّ لا يعني أَنَّ الشعبَ الظافر خيرٌ منه وأكثر استقامة؛ فالله إنَّما يُسلِّطُ شعبًا على شعب، أَحيانًا كثيرة، لمجرَّد التأديب، أو لإيقاظ الشعب المغلوب من غفلته الروحيَّة. كذلك ليس بسبب صلاح الشعب اليهوديّ غلَّبَه الله على شعوب فلسطين وكنعان؛ يُؤكِّدُ ذلك كلامُ الربّ لشعب إسرائيل نفسه حينما دخلَ الأُردنّ، إذْ أوحى للنبيِّ موسى أن يُخاطبَ شعبَه قائلاً:
“إنَّه لا بِـبِرِّكَ واستقامة قلبِكَ أنتَ آتٍ لتملكَ أَرضَهم، ولكنْ من أجلِ إثمِ أُولئك الأُمَم طردَهم الربُّ إلهُكَ من وجهِك، ولكي يَفي بالوَعدِ الذي قطعَه الربُّ لآبائكَ إبراهيم وإسحق ويعقوب. فاعلَمْ أنَّه ليس من أجل بِرِّكَ أَعطاك الربُّ إلهُكَ هذه الأرضَ الصالحة لتملكَها، لأنَّكَ شعبٌ قاسي الرّقاب.”[21]
ورحمَ اللهُ نبوكدنصَّر وحفظَ مُلكَه لتقريبِه دانيال النبيّ، لكنَّه تعالى عاد فعاقبَه لأنَّه سلكَ بالكبرياء. كذلك عاقبَ بلشصَّر من بعده لتجبُّرِه، فقُتِلَ ودُفِعَ مُلكُه إلى قورش،[22] سنة539 ق م. وقد بدأَ هذا الملكُ الفارسيُّ الكبير عهدَه بتسامُحٍ دينيّ وسياسيّ، فأصدرَ أَمرًا سنة 538 ق م يسمحُ لليهود بالرجوع إلى فلسطين وإعادة بناء الهيكل. وقد يتساءَلُ القارئ: لماذا لم يتَّخذ هذا الموقفَ التسامُحيّ ملكٌ قبلَه؟ أمَّا الجواب فيُعطيه الكتابُ المقدَّس. يقولُ إرميا النبيّ: “هذا ما قاله الربُّ لمسيحه، لقورش الذي أخذَ بيمينه ليُخضِعَ له الشعوب ويُضعِفَ سلطانَ الملوك… من أجل يعقوب عبدي دَعوتُكَ باسمِكَ وكنيتِك وأنتَ لا تعرف… ألبستُكَ وشاحَ المُلك وأنت لا تعرفُني… أنا حملتُ قورش على العدل ويسَّرتُ له جميعَ طُرُقِه. هو يبني مدينتي بلا ثمَن، ويُطلِقُ أَسراي بلا رشوة.” [23]
سألتُ مُؤِسِّسَ الداهشيَّة عن معنى “مسيحه” في كلام إرميا على قورش. فأجابني ما فحواه: هذا يُظهِرُ الأسبابَ الروحيَّةَ الخفيَّة على البشر في ما يجري من أحداث في الشعوب. فقورش، بالرغم من أنَّه ليس عبرانيًّا ولا يمتُّ إلى إبراهيم الخليل بصلة مباشرة، فقد كان فيه سيَّالٌ من سيَّالات المسيح، المسيح لا بمعنى يسوع الناصريّ، ولكنْ بمعنى قوَّة الهداية الروحيَّة التي سيُمثِّلُها فيما بعد التمثيلَ الأسمى يسوع الناصريّ فيُعرَفُ من أجل ذلك بالمسيح. وليس محتومًا أن تكونَ سيَّالاتُ المسيح جميعها مُجسَّدة في أنبياء ومُرسَلين، فقد يتجسَّدُ بعضُها في ملوكٍ أو قادةٍ عسكريِّين أو مُصلحين أو غير ذلك من أُناسٍ مُميَّزين. وقورش هو أوَّلُ واحدٍ منهم يذكرُه الكتابُ المقدَّس بصراحة.
بعد العودة إلى أُورشليم أَدَّى نِحميا دورًا جليلاً في الإصلاحات الدينيَّة وإعادة الشريعة الموسويَّة التي اكتسبَت صيغتَها النهائيَّة على يَدِ عِزرا الذي قدمَ إلى أُورشليم من بابل على رأس جمهورٍ كبير من اليهود سنة 428 ق م.
لكنَّ اليهود، بالرغم من المِحَنِ الكثيرة التي ابتلَتهم، ورحمةِ الله الواسعة التي شملَتهم، وأَصواتِ الأنبياء التي خاطبَتهم وأَنذرَتهم، والتي كان آخرُها صوتَ السيِّد المسيح مثلما سنرى، لم يستفيدوا ولم يتَّعظوا. ولذلك جَفَّ نسغُ حضارتهم، وحُكِمَ عليهم بأَلاَّ يتخلَّصوا من نير دولة حتَّى يقعوا تحت نير دولةٍ أُخرى. فمن المقدونيّـين إلى البطالسة إلى السلوقيِّـين إلى الرومان فإلى التشرُّد…
(يتبع في العدد المُقبِل)
[1] . وِل ديورانت: عِبَرُ التاريخ”، تعريب أنطوان رزق الله مشاطي (بيروت: دار العلم للملايين، 1993)، ص 11.
[2] . وردَت في العهد القديم من الكتاب المقدَّس أسماءُ عدَّة أنبياء آخَرين كانت مهمَّتهم إحياءَ الدين وتوطيدَ أُسُسه والدفاعَ عنه، كإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف ويشوع بن نون وإيليَّا وأليشع وداوود وسُليمان، أَو الإنذار بعقاب الله والتذكير بالطريق القويم كأَيُّوب وأَشعيا وهوشَع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا ودانيال وإرميا وحزقيال وناحوم وحبقُّوق وصفَنيا وحجَّاي وزكريَّا وملاخي. وكلٌّ من هؤلاء الأخيرين خلَّفَ سِفرًا نبَويًّا باسمه. كذلك وردَ في القرآن الكريم عدَّةُ أسماء، منها صالح ويونس وإدريس.
[3] . ربطَ العبرانيُّون كلمة “بابل” بكلمة “بلبلَ” في حين أنَّ الكلمة في اللغة البابليَّة تعني باب إيل أي باب الله.
[4] . “سِفرُ التكوين” 9: 20-27: 10: 6-11: 11: 1-9.
[5] . كُتِبَ أصلُها باللغة السومريَّة على 12 لوحة على الأرجح؛ لكنَّها وصلَت إلينا غير مُكتملة النصوص. وقد عُثِرَ عليها في مكتبة الملك الأشوريّ أَشوربانيبال (668-627 ق م) بنينوى. وقد مُلِئَت ثغراتُ النصوص بأَجزاء مُشتَّتة من الملحمة عُثِرَ عليها في أماكن متفرِّقة في ما بين النهرَين والأناضول، بعضُها يعودُ إلى الألف الثاني قبل المسيح. ومن المرجَّح أنَّ جلقامش عاش في النصف الأوَّل من الألف الثالث قبل المسيح، وكان الملك الخامس على أُوروك من سُلالة عاشت بعد الطوفان.ويُرجِّحُ النقَّاد أنَّ الملحمة كُتِبَت بصيغتها الأُولى في النصف الأوَّل من الألف الثالث قبل المسيح. وهي تُعتَبَر أقدم ملحمة في العالَم، إذْ تسبقُ “الإلياذة” بألف وحمسمئة سنة على الأقلّ.
[6] . أنظر “ملحمة جلقامش”، ترجمة محمَّد نبيل نوفل وفاروق حافظ القاضي (القاهرة: دار المعارف ، 1970)، وخاصَّةً صفحة 95. والأصل:
The Epic of Gilgamesh. An English version with an Introduction by N. K. Sandars (England: Penguin Books, 1978), especially p.118.
[7] . “سِفرُ التكوين” 12: 11-20.
[8] . المصدرُ السابق 20: 12.
[9] . أنظر الدكتور داهش: “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة للنشر، 1991)، ص 43.
[10] . “سِفرُ التكوين”، الإصحاحُ العشرون.
وبعد وفاة إبراهيم، سيتكرَّر ما يُشبهُ حادثةَ سارة مع إسحاق ابنِه وزوجتِه رِفقة (وهي ابنةُ عمِّه). فقد أَشاع إسحاق، وهو في بلاد جَرار، أنَّها أُختُه خوفًا من الاعتداء عليه. فأُلهِمَ أَبيمالك،وكان ما يزالُ مَلكًا، أن يُطلَّ من نافذة بيته، فرأَى إسحاق يُداعبُ رِفقة، فعرفَ أنَّها زوجتُه. فاستدعاه وعاتبَه، ثمَّ أَوصى شعبَه بأَلاَّ يمسُّوا المرأة (الإصحاح 26: 7-14.)
[11] .المصدرُ السابق 16: 12.
[12] . الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص226.
[13] . “سِفرُ التكوين” 15: 12-16.
[14] . المصدرُ السابق 37:9.
[15] . المصدرُ السابق 45: 5-8.
[16] . المصدرُ السابق 50: 19-20.
[17] . “سِفرُ الخروج” 7: 2-4.
[18] . لم تَرِد في النصوص المصريَّة القديمة إلاّ إشارة وحيدة إلى “إسرائيل”، وذلك في نصّ يتعلَّق بالفرعَون مرنبتاح (نحو 1224-1214 ق م). وفحوى النصّ أنَّ خروج بني إسرائيل من مصر قد حدثَ قبلَه. أنظر جون ولسون: “الحضارة المصريَّة”، ترجمة أَحمد فخري، (القاهرة: مكتبة النهضة المصريَّة، 1955)، ص 401 و406-409.
[19] . الدكتور داهش: “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، 113-116.
[20] . الدكتور داهش: “ناقوس الأحزان أو مراثي إرميا” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 27.
[21] . “تثنية الاشتراع” 9: 5-6.
[22] . أنظر أخبار الملكَين نبوكدنصَّر وبلشصَّر في “سِفر دانيال”: الإصحاحان 4 و5.
[23] . “سفر أشعيا” 45: 1-13.
بعد قورش أمرَ الملكُ الفارسيّ داريوس (521-485 ق م) بإنجاز بناء الهيكل. وقد برزَ في فارس مَلكان آخران كبيران بعد المسيح هما: سابور الأوّل (241-272) وكسرى أَنوشروان (531-579). وكان جميع ملوك فارس مِمَّن ذكرتُهم يؤمنون بالزرادشتيَّة.
السببية الروحية في مجرى الأحداث العامة 3
في ضوء المفاهيم الداهشية (3)
بقلم الدكتور غازي براكس
خط الهُداة الروحيين
لكن هل يعني انحطاط سيَّالات العبرانيين الروحية (أي مداركهم ونزعاتهم) الذي شهد عليه أنبياؤهم، وما سببه من تدهورٍ لحضارتهم أن الأرض خلت بعدهم من الهداية الروحية، وأن الله سخط على البشر جميعًا بسخطه عليهم؟
لا. ففي النظام الإلهي الذي تكشفت عنه التعاليمُ الداهشية أن السيالات الراقية تترحُ، في مثل هذه الحالة، من الشعب الذي كف عن استحقاقها إلى الشعب الذي يكونُ أجدر بها ومؤهلاً لاستقبالها والعناية بها. فالبشرُ، وإن تعددت شعوبهم، ينتمون إلى أصلٍ واحد، إذ إنَّ سيالاتهم متشابكة أصولها في آدم وحواء، ومتشابكة فروعها في مختلف الشعوب المتناسلة من ذراريهما بصورة تُخفى عنهم.
لذلك شهد التاريخُ بداية نهضتين روحيتين جديدتين، إحداهما في العالم الآسيوي، والأخرى في اليونان. فما بين القرنين الثامن والثاني (ق.م) وضعت في الهند كتب الهداية الروحية الهندوسية، وخاصة “الأوبانيشاد” Upanishad” ثم “الباغافاض غيتا” Bhagavatgita التي تشكل القسم الأوسط من ملحمة “المهابهاراتا” Mahabharata. وفي القرن السادس (ق م) ظهر فارهامانا Vardhamana المشهور بلقب ماهافيرا Mahavira (البطل الكبير)، وهو مؤسس “الجاينية” Jainism؛ كذلك ظهر بوذا Buddha، الهادي العظيم. وفي القرن السادس (ق م) ظهر هاديان روحيان في الصين هما لاوتسو Laotzu وكنفوشيوس Confucius. وسرعان ما امتدت أفكارُ هؤلاء الهداة من الهند والصين إلى البلدان المجاورة. وفي القرن السادس (ق م) أيضًا ظهر أورفيوس وفيثاغورس في اليونان، ثم سقراط في القرن الخامس، وما لبثت تعاليمه أن انتشرت من خلال كتابات تلميذه أفلاطون. من هؤلاء انتقل الزخم الحضاري الروحي الجديد، في خطين خلقيين وعقليين متوازيين، إلى ملايين من الناس لم يهبط فيهم نبي ولا نزل وحي.
لكن أولئك الهداة الروحيين لم تكن تحييهم إلا سيالاتٌ روحية تابعة للأنبياء أنفسهم؛ والفارق الوحيد بينهم أن الهداة الروحيين لم ينحدروا مباشرةً من الخط الإبراهيمي؛ ولذا كانوا جميعًا مدفوعين ومُسيرين بإلهامهم السامي وسيالاتهم الراقية، من غير أن يهبط الوحي الإلهي عليهم، ذلك الوحي الذي كان مؤيدًا أحيانًا بالمعجزات، والذي كان يبدو أنه محصورًا بنسلِ إبراهيم المباشر لسببٍ علمُه عند الله.
المجتمع الهندي القديم وكتبه المقدسة
إن العدالة الإلهية، وفقًا للتعاليم الداهشية، مقرونةٌ دائمًا بسببية روحية، أي إنها تقضي بأن تكون أوضاع الشعوب الحضارية (الدينية والخلقية والثقافية والسياسية والاجتماعية) نتيجة لمجمل أعمالها وأفكارها ونزعاتها واتجاهاتها، في أجيالها الحاضرة وكذلك السابقة. وما حصله المؤرخون والباحثون من استنباشهم الصعب لتاريخ الهند القديم الغامض، العائد إلى الألف الثاني والألف الأول قبل المسيح، يرد سكان الهند الأصليين إلى عدة أصول، أهمها: أقوامٌ من المغول استوطنوا شمال الهند؛ وقبائل معروفة بالدرافيديين Dravidians كانوا يستوطنون جنوب الهند؛ وكانت بشرتهم سوداء، أو مائلة إلى الدكنة، والراجح أنهم نزحوا من إفريقيا؛ وكانوا يتكلمون لغات مختلفة كثيرة، أما حياتهم فبدائية، تقوم على الصيد وجني الثمار من الأشجار وحبك القصب؛ وأقوامُ الهارابا Harappa الذين استوطنوا وادي الإندوس حيث تمتد باكستان اليوم، كما غرب الهند، وكانوا الأكثر تقدمًا في مظاهر المدنية والعمران.
ثم بدأت تصل إلى الهند موجاتٌ من الآريين Aryans الذين احتلوا ايران القديمة (فارس) واستمر تدفقهم منها في حقبة طويلة بين الألف الثاني والألف الأول قبل المسيح. فأنزلوا مجازر بالسكان الأصليين، واستعبدوا كثيرين منهم، وبخاصة قبائل “الداساس” Dasas الدرافيديين، ذوي البشرة الدكناء والمتعاطين الصيد أو الأعمال الوضيعة بنظر المحاربين الغزاة.
ويظهر من الآثار الباقية أن الآريين أدخلوا معهم معتقدات دينية متأثرة بعقائد البابليين، ولا سيما ما ظهر منها في ملحمة “جلقامش”. كذلك يبدو أنهم استوطنوا آسيا الصغرى وبلاد الإغريق على الأرجح. وبناءً على أصولهم الألسنية المتقاربة تمت تسمية لغاتهم بالهندية – الأوروبية indo-European تمييزًا لها عن السامية وغيرها.
والسؤال الذي يستوجب جوابًا في هذا المجال هو: من هم أولئك الآريون، ومَن هم الدرافيديون الذين استعبدَ معظمهم، واستمروا يشكلون طبقات دُنيا برضاهم واقتناعهم الديني طوال أربعة آلاف سنة، مثلما سنرى؟
التاريخ لا يجيبُ عن هذا السؤال, ولا المؤرخون والباحثون. لكن ما دام البحث يستوجبُ أن يكون لكل حال أو حدث سببًا روحيًا، وفق المبادئ الداهشية، فما عسى يكون السبب؟
ذكرتُ، في بحثي عن السببية الروحية في مجرى الأحداث العامة (صيف 2005)، أن إبراهيم الخليل أوحي إليه بأن نسله “سيكونون غرباء في أرضٍ غير أرضهم، فيستعبدُهم أهلُها ويعذبونهم أربعمئة سنة”، ثم يخرجون من أرض العبودية. وهذه النبوءة تحققت. وقد أوضحتُ تطور الأحداث التي أدت في توالي حلقاتها إلى تحققها، من بيعِ أبناء يعقوب لأخيهم يوسف، حسدًا له، ثم ارتفاع شأن يوسف لدى فرعون، وقصد إخوته مصر للحصول على الطعام في أثناء سنوات القحط، وأخيرًا إقامتهم هناك، ليستعبد المصريون ذراريهم بعد وفاة يوسف عقابًا لهم. في هذا الضوء، قد يكونُ ثمة سبب روحي، في اساس البناء الاجتماعي الهندي في بداية الألف الثاني (ق م)، أدى إلى نتائج تحولت بدورها أسبابًا.
يؤكدُ علماء اللغات أن اللغات الهندية – الأوروبية (التي منها الفارسية والهندية السانسكريتية Sanskrit واليونانية واللاتينية وما اشتق منهما) تختلف في أصولها كثيرًا عن اللغات السامية، ( التي منها العربيَّة والعبريَّة والآراميَّة ). إذاً من هذه الناحية يستحيل إعادة عائلات اللغات الهنديَّة – الأوروبيَّة الى عائلة اللغات الساميَّة، مثلما يستحيل إعاة عائلة اللغات الدرافيدية إلى عائلتي اللغات المذكورة، إذ إنها تختلفُ في أسسها عنهما. وبينما كانت السامية منتشرة في الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية، واللغاتُ الهندية – الأوروبية منتشرة في أوروبا ثم في إيران والهند، كانت اللغاتُ الدرافيدية منتشرة في جنوبي وشرقي إفريقيا وفي الهند قبل دخول الآريين إليها، الأمرُ الذي يدل على أن الشعوب الناطقة بتلك اللغات تعودُ إلى أصول بشرية مختلفة ترقى إلى آلافِ السنين قبل المسيح. فهل تعودُ إلى سام ويافث وحام بعد أن تفرقت ذراريهم؟
ولكن كيف حدث أن استعبد الآريون الدرافيديين ولا سيما قبائل “الداساس” منهم، وغيرهم من عشرات القبائل السوداء التي كانت مستوطنة ربوعَ الهند، ثم اقتنع هؤلاء بوضعهم دينيًا من غير إحداث أي تمرد طوال أكثر من أربعة آلاف سنة!
يقول السيد المسيح: “لا تسقطُ شعرةٌ من رؤوسكم إلا بإذن أبيكم السماوي”. ويقولُ القرآن الكريم: (إن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (يونس:44)
عقيدة “الداساس” وكثير من القبائل الدرافيدية كانت متمحورة حول تقديس عضو التناسل Lingam الظاهر في آثارهم الباقية من رسم ونحت. وهذا التمحور لا بد من أن يكون صادرًا عن هاجسس جماعي متسلط لا شعوري منشأه سيالات أصحابه.
أما الآريون فمعتقداتهم اختلطت، مع مرور الزمان، بالعقائد الدرافيدية، وبدل أن تجذب السيالات العليا السيالات الدنيا حدث العكس.
وقد ظهر التفاعل المتبادل في أناشيد “الفيدا” Veda (1017 نشيدًا)، وخاصًة في كتابي “الأثارفا – فيدا” Atharva-Veda و”الريغ – فيدا” Rig- Veda. وتاريخ نشأتها مختلف فيه، لكنه قد يكون قبل دخول الآريين الهند، أي في الألف الثالث؛ ونهاية وضعها يرجح أنها كانت حوالى العام 600 قبل المسيح. والمجموعة الأولى منها، التي من الراجح أنها الأقدم، حافلة بالشياطين وفنون التعذيب، وبأنواع السحر والتعاويذ والتعازيم ضد الحيات والأمراض إلخ. وفي المجموعة الثانية تظهرُ عبادةُ الإله الواحد مع الآلهة المتعددة. وبصورة عامة، تتضمن أناشيدُ “الفيدا” أدعيةً تكادُ تقتصر على طلب تأمين الحاجات المادية، من تمديد العمر إلى تأمين الغذاء والمسكن والحماية وإكثار النسل… الأمر الذي يكاد يلاشي الروحانية الحقيقية. وهذا يدل على أن المؤمنين بأناشيد “الفيدا” لم يكونوا، بصورة عامة، يسعون إلى الخلقيات والحكمة، بل للقوة المادية وملذات العيش، حتى انحصر مفهومُ الرذيلة لديهم بأمورٍ قليلة. أما التقشف والزهدُ بالدنيا فلم يكن لهما أتباع.
ويبدو أن الهنودَ الآريين ومن سبقهم من عشرات القبائل التي استوطنت الهند انعكست أوضاعهم الخلقية والسيكولوجية في أناشيد “الفيدا”. ففي أواخرها إشارةٌ إلى أن أربع طبقات انبثقت من جسد الإله براجاباتي Prajapati: العليا طبقه البراهمة، التي تضمن الكهنة ومعلمي الدين، انبثقت من فمه. و”براهمان” مشتقة من “براهما” Brahma التي تعني المعرفة السحرية أو الإلهية. يتلوها طبقة “الكشاتريا” Kshatriyas التي تشمل الارستقراطيين والمحاربين، وقد انبثقت من ذراعي الإله. والطبقة الثالثة “الفايشيا”Vaishyas التي تضم التجار، وقد انبثقت من فخذيه. وأخيرًا طبقة “السودرا”، التي تجمع الحرفيين من صناع ومزارعين ودباغين وغير ذلك، انبثقت من رجليه. والطبقات الأولى يعتبر أفرادها مولودين ولادتين، ولذلك يحق لهم قراءة “الفيدا” والدخول إلى المعابد، وهو حق حرمت منه طبقة الـ”سودرا”.
فضلاً عن ذلك عرف المجتمع الهندي طبقة “المنبوذين”، الذين توجب عليهم عدم الاختلاط بأفراد الطبقات الأربع خوف تنجيسهم، وخدمتهم في كل الأعمال الوضعية، كتنظيف بيوت الخلاء وطمر جثث الحيوانات الميتة، والامتناع التام عن التعلُّم ولا سيما قراءة “الفيدا” بل حتى سماعها.
وهكذا كان المجتمع الهندي مؤمنًا بسببية روحية تمثلت نتائجها في أوضاعه وطبقاته التي استحقها أفراده بناءً على أعمالهم ورغباتهم واتجاهاتهم في تقمصاتهم السابقة.
وأرجح الظن أن الغزاة الآريين تأثروا تأثرًا بالغًا بنفسية المستوطنين السابقين لهم وبخلقياتهم، مثلما تدل عليه معتقداتهم في أناشيد “الفيدا”؛ فانجذبوا إلى ملذات العيش والجسد والقيم المادية.
هذا من ناحية. من ناحية أخرى، يبدو أن نشوة النصر رنحتهم، فاغتروا، وما لبث الخمولُ أن سيطر عليهم، وقعدت بهم همتهم. ولا عبرة ببعض الحروب القبلية التي كانت تنشبُ فيما بينهم أحيانًا. ولم يطمحوا إلى الارتقاء الحضاري في نظامهم الاجتماعي الذي كان يتراوح بين الملكية القبلية والجمهورية القبلية. يقول فيلسوف التاريخ أرنولد تويني: “يبدو أن النجاح يجعلنا خاملين أو راضين بأنفسنا أو مزهوين مغرورين”. وإنها لحقيقة تكشفت لتوينبي في كثيرٍ من مراحل التاريخ. ولا شك بأنها تنطبق على هذه الحقبة من تاريخ الهند.
إن التعاليم الداهشية تحترم حرية الاعتقاد مهما تكن عقيدةُ الآخرين، استنادًا إلى أن كل عقيدة صحيحةٌ بالنسبة لمستوى سيالات المؤمنين بها، أي مستوى مداركهم ونزعاتهم واستعداداتهم. لكن الحضارة مرآةٌ للنفوس، ونتيجة لسيالات أبنائها. وليس من حضارةٍ يتم انحطاطها بفعلِ قوىً خارجية عنها إلا ظاهريًا. ففكرةُ الأقدار الخارجية التي تسيطر على مصير الأفراد والشعوب من غير إرادتهم وهم صرفٌ ليس فيه أثرٌ من الحقيقة. فسيكولوجية الهنود، سواءٌ المستوطنون الأصليون أو الغُزاة، جعلت منهم مجتمعًا ريفيًا مُستسلمًا للخيال والأوهامِ والأحلامِ والملذاتِ الحسية، وميالاً للخمول والاستكانة. وهذا ما استخلصه المؤرخُ والباحثُ الألماني ماكس ملر Max Muller من دراسته للكتابات السانسكريتية القديمة. ولم يكن رأي المؤرخ البريطاني جايمس مل بعيدًا عن هذا الإستنتاج في حكمه على الثقافة الهندية بأنها تعتمد اللامعقول وتنافي التقدم.
كذلك استخلص الفيلسوف الألماني هيغل (1770 – 1831) من دراسته تاريخ المجتمع الهندي أن الحقوق والواجبات فيه ليست للإنسان، بل للطبقات. مثاله “أن الشجاعة ليست فضيلة، بل هي فضيلةُ الكشاتريا (طبقة المحاربين)”. وبناءً على العقيدة الدينية التي رسخها البراهمة في عقلية الشعب، مضت آلافُ السنين، ولم يفكر أحد في الثورة لتغيير النظام الطبقي، لأن العقيدة الدينية التي كبل الشعبُ بها لا تسمح بذلك، فكل إنسان محددة طبقته إلى ما لا انتهاء؛ بل إن الطبقات الأربع الآنفة الذكر مقسَّمة بدورها إلى حوالى ثلاثة آلاف طبقة، وأكثر من 2500 طبقة فرعية، كل منها يتراوح ما تضمه من بضع مئات إلى عدة ملايين. حتى المنبوذون لهم طبقات كثيرة. وكل من هؤلاء وأولئك يحافظ جميع أنساله على العمل الذي تعاطاه الجد الأكبر؛ وندرَ أن حدث تغيير.
والمنبوذُ إذا شربَ من بركة ما فهو يُدنسها، ويجب تكريسها مجددًا. وإذا سمع أو قرأ “الفيدا” فيجبُ أن يُسكبَ في أذنيه زيتٌ محرق. فطبقهُ المنبوذين، بالرغم من كثرة أفرادها، لا تؤلف جزءًا عضويًا متممًا للمجتمع الهندي، فهي منفصلة عنه، ووظيفتها خدمة أعضائه. وكان ملايين المنبوذين يعيشون في أكواخٍ خارج حدود المدن والقرى، ويأكلون لحم الضأن والخنزير والدجاج مما يعتبر منجسًا للطبقات الأخرى. فهم عبيد لسائر الطبقات.
أما البارهمة فكل منهم أحتلته الألوهة؛ ولذا فالواجب يقضي بالركوع أمام البرهمي إذا صدف أن مر بأحد من سائر الطبقات، ومخاطبته بعبارة “أنت الله”. وقد خص البراهمة بعدة امتيازات؛ منها واجبُ الطبقات الأخرى أن تقر بطهارة مولدهم، والإخلاصُ والتبرع لهم، وعدم إيذائهم، وإعفاؤهم من الضرائب. وكانوا لا يحاكمون على أي عملٍ ارتكبوه، لأن الصواعق، في عقيدتهم، تنقضُ على الحاكم. فالبراهمي أكثر تمجدًا من الملك نفسه وعليه ألا يفكر بمساعدة أحد من الطبقات الدنيا حتى إن يكن في خطر. لكن يحق له، بعد أن يتزوج امرأةً من طبقته، أن يختار من شاءَ من النساء اللواتي يرغبُ فيهنَّ ثم يطلقهن متى أراد. وبصورة عامة يوصف البراهمة بأنهم، باستثناء قراءتهم لأناشيد “الفيدا”، لا يتبعون إلا غرائزهم، أكلاً وشربًا ونومًا وإشباع شهوات.
لكن الهداية الروحية الحقيقية لا تقوم بمجرد أن تقوم طبقةٌ من رجال الدين وتعلن أن الألوهة متجسدة فيهم. فـ”أناشيد الفيدا” التي طورها البراهمة مدى مئات السنين لم تكن تعاليم هداية روحية حقيقية، وكان غرضُها ترسيخ نفوذهم وتوسيع امتيازاتهم في المجتمع الهندي. تُرى، ألا تتدخل العناية الإلهية، بعد قرون كثيرة ازدادت فيها غطرسة البراهمة ومظالمهم، وتفاقم شقاءُ “المنبوذين” والمساكين، فتجري العدالة بعقاب أولئك، والرحمة بإنقاذ هؤلاء، وهكذا تتجسدُ السببية الروحية في التاريخ؟
بدءًا من القرن الثامن (ق م) أخذت خلاصة الحكمة الهندية السامية تظهر تدريجيًا إزاءَ أناشيد “الفيدا”، ليستقر بناؤها في القرن السادس (ق م) بما سمي الـ “الأوبانيشاد”. إنها، من جهة، خلاصة حكمية لأفضل ما ورد في “الفيدا”، ومن جهة أخرى، تعميقٌ فلسفي لتفسير الكون، وانتقال من تعدد الآلهة إلى وحدة الألوهة. ويقوم جوهر تعاليمها على تأكيد الوحدة الجوهرية بين الخالق (براهمان) والنفس (أتمان) والطبيعة. وبينما كان الكتاب الرابع من “الفيدا” كتاب ممارسات وطقوس دينية شكلية وسحرية، من شأنها التاثير في إرادة الآلهة أنفسهم بفعل التعازيم والذبائح، إلى حد إجبارهم على استجابة طلبات المصلين، إذا بنصوص “الأوبانيشاد” (النثرية والشعرية) تستنكر الرسوم المدفوعة للكهنة، وتقاوم بقوة الطقوس والتضحيات التي تشبهها بالمراكب غير الأمينة، ذلك بأن من يعتمد عليها يحكم على نفسه بالهرم والموت المستمرين، لأن الخلود لا يمكن كسبه بمثل هذه الطرق. فالخلاص من التقمصات إنما يكون بالخلاص التام من الرغبات الدنيوية، فإذا ذاك يحدث الاتحاد مع الروح الكلي “كما الأنهر الجارية تتوارى في البحر فاقدة أسماءها وأشكالها، هكذا الإنسانُ الحكيم، بعد أن يتحرر من اسمه وشكله، ينطلق ليندمج بالكائن الإلهي الذي هو فوق الكل”. ( ).
وباستتمام “الأوبانيشاد” صيغتها بدأت في الهند تباشيرُ عهد روحي جديد دان ببنائه لحكماء كثيرين خلال عدة عصور. وليس عجيبًا أن تتلاقى أفكارُ “الأوبانيشاد” الفلسفية الهادية وأفكارُ سقراط وأفلاطون التي ظهرت بعد حوالى قرن؛ فالسيالاتُ الروحية تنتقل من بلد إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، وفق نظام إلهي دقيق، حينما تحينُ ساعةُ الهداية والاستحقاق. ففي “الأوبانيشاد” يظهرُ نمط أفلاطون الفكري في التمييز بين المعرفة الأبدية والمعرفة الزمنية. والمعرفة الأبدية الحقيقية تعني الحرية الحقيقية، لأنها تحرِّر الذات من الرغبات الأرضية وشهوات الجسد.
لكن بالرغم من تمام “الأوبانيشاد”، لم يكن سهلاً أن تستقيم الهندوسية عقائديًا وتطبيقيًا، بعد انحرافها مدى أكثر من ألف سنة، في أثنائها ترسخت الطقوس الشكلية وفروض الذبائح، والعادات والتقاليد والطبقية، ولا سيما نفوذ رجال الدين وعيشهم في البذخ والخمول. أقول هذا بالرغم من ظهور العملين الرائعين “الرامايانا” و”الماهابهاراتا” التي بلغت ذروتها الروحية في جزئها الأوسط “الباغافاض جيتا” (نشيد الرب)، بعد عدة قرون (بين القرن الثالث والثاني قبل المسيح). وبما أن غرض البحث الجاري يقتصر على إبداء السببة الروحية الكامنة وراء الأحداث العامة، فإني أترك البحث في هذين العملين إلى حيث أبحث في وحدة الأديان الجوهرية.
ويبدو أن العناية الإلهية اتخذت خطين لإنقاذ المستحقِّين، الراغبين في الارتقاء الحقيقي من الهندوس: خطًا يستهدف تصحيح معنى الروحانية الحقيقية من حيث السلوك، وآخر يستهدفُ تصحيح المعرفة الروحية، وإزالة الطبقية بعملية اندماج ديني جديد. الخط الأول شق طريقه ماهافيرا، والثاني غوتاما بوذا.
أما ماهافيرا فقد ولد في أسرة ثرية تنتمي لطبقة “الكشاتريا” المحاربين؛ وكان والده حاكمًا. وفي حوالى الثلاثين من عمره، انتحر أفراد أسرته جميعهم بالموت جوعًا تخلصًا من العودة إلى الحياة وفق عقيدة آمنوا بها، وقد أسسها حكماءُ قبل أربعة عصور. فرفض الشابُ، إذ ذاك، أساليبَ العيش الدنيوي السائد، وخصوصًا في طبقة “البراهمة” التي تستغل وتظلمُ سائر الطبقات لزيادة ثرائها وترفها، وتخلى عن كل ملابسه إلا ما يستر العورة وجعل يجول في غرب البنغال متقشفًا، ساعيًا للمعرفة ولتطهير نفسه. وبعد 13 عامًا من إنكار الذات، انضم إليه جماعة من التلاميذ، وسموه “جينا” (الغالب)، أي الأخير من كبار الحكماء الأربعة والعشرين الذين جعلتهم أقدارهم التي استحقوها أن يظهروا في أزمنة منظمة ليُنيروا شعب الهند. وقد أنشأ ماهافيرا نظامًا للرهبان، وآخر للراهبات. وعند موته في عمر الثانية والسبعين، بلغ عدد تلاميذه 14 ألف.
ومن أهم تعاليم ماهافيرا انَّ المعرفة الروحيَّة نسبيَّة، وأنَّ “الفيدا” ليست موحاة، وأن النفوس العاقلة تحتل كل شيء، حتى الحشرات والهواء والماء والنار. أما التقمص فيسري نظامه على الكل، ولا يخلص منه إلا أرواحٌ سامية كاملة نقية تحيا أشبه بالآلهة في عوالم قصية., وبلوغ هذه العوالم الروحية يستحيل تحقيقه إلا بالتقشف الكامل، والامتناع عن السرقة والكذب والملذات الحسية بما فيها شهواتُ الجسد، وعدم إيذاء حتىى الحشرات التي عليهم أن يُزيجوها برفق من طرقهم عند المسير، وعدم قتلِ الحيوان أو أكل لحمه، أو إتيان العنف بأي وجه؛ وهو ما أخذ به غاندي الذي يعتبره الجاينيون واحدًا منهم. ولكن الخاصة التي تنفرد بها الجاينية هي اعتقادها أن الكون أزلي، وليس له خالق وأن التحولات التي تحدث فيه تعود إلى قوى من ضمنه. فضلاً عن ذلك فهي تبشر بالتسامح الديني، وتقف من سائر الأديان وقفة غير نقدية. وهم يكرمون قديسهم ويمثلونهم بالأيقونات، لكنهم لا يعتبرونهم بمستوى الأرواح الإلهية.
لكن معضلة “المنبوذين” ونظام الطبقية وتجاوزات رجال الدين البراهمة لم تحلها الجاينية، إذْ كان تأثيرها ضعيفًا في المجتمع؛ الأمر الذي مهد الطريق لنشوء حركات فلسفية، تشكيكية وإلحادية، عُرِفت بـ”ناستيك”. وكان أصحابها يجتمعون في القاعات داخل القصور حيثُ يمنح الأمراءُ، أحيانًا، الغالبين منهم في النقاش جوائز، كما يجولون في الشوارع والغابات، وخصوصًا شمالي الهند. وجوهرُ فلسفتهم كان يقومُ على أن المعرفة محصورة بما تقره الحواس؛ وأن الدعوة إلى الفضيلة خطأ، لأن غاية الحياة هي الحياة والاستمتاع بها، ولذا فليس من ضرورة للسيطرة على الغرائز والأهواء. يقول ديورانت عن هذه الجماعة التي تكاثرت في القرن السادس: “لقد أضعفت سيطرة البراهمة على عقلية الهند، وأحدثت في المجتمع الهندي فراغًا كاد يقتضي نمو دينٍ جديد.
وكان على صواب، لأن العناية الإلهية، حيال هذا الفراغ، لا بد من جهة، من أن تُعاقب المُسرف في نعمائه، ومن جهة أخرى، من أن تُرسِلَ هاديًا روحيًا ينيرُ الطريق إلى خلاصٍ حقيقي.
وإذا بذلك الهادي بوذا العظيم. ولا حاجة للتفصيل في تربيته الملكية المترفة. فالمهم، في هذا المجال، أنه، بعد أن سمع نقاش المشكِّكين والمُلحدين، في بلاط والده كما في أماكن أخرى، وأدرك أن الهند تائهة، شعرَ أن عليه أن يؤدي رسالةً روحية متعدِّدة الأهداف. من أجل ذلك بدأ بالتقشف الصارم، لا يتناول من الطعام إلا حفنة منه كل يوم، وجعل ينام على الشوك وبين الجثث، واجتث شعر رأسه ولحيته… حتى غدا ذابلاً نحيلاً جدًا. أخيرًا، رأى أن جهوده التقشفية لم تفده لبلوغ المعرفة الصحيحة، بل أشعره التقشف المسرف بنوعٍ من الادعاء والكبرياء. فتخلى عنه واعتزل متأملاً بأسباب الحزن والألم والمرض والهرم. والموت. فرأى أن كل ذلك سببه عودة الولادة بعد الموت، وحدوثُ الخيبات بعد الرغبات والاطمئنان… فتأكد له أن تكرر الولادة في الأرض هو الشر كله.
لقد ركز بوذا تعاليمه على الخلقيات، بالدرجة الأولى، على الحب والرحمة وإنكار الذات والشفقة، وكذلك على الامتناع عن الأذى وشهوة الجسد والتناسل، والكذب والسرقة. أما الطقوس وشعائرُ العبادة واللاهوت والميتافيزيقا فلم يهتم بها؛ حتى اللانهاية والأبدية والسماوات كان يرفضً البحث فيها، لأنه لا يفيدُ ارتقاء الإنسان ولا يمنحُ النفسَ سلامًا، إنما يزيدُ النقاش حدةً، وربما يولدُ عداوة. وكان يتهكم على كهنة الهندوس، وعلى ادعائهم المعرفة الصحيحة، وعلى اعتقادهم أن “الفيدا” موحاة، ويرفضُ فكرة تقديم الذبائح للآلهة، بل يستفظعُ نَحرَ الحيوان من أجل ذلك. وأنكرَ عبادةَ أية كائنات متفوقة، وكذلك التعازيم والتعاويذ، وجميع أنواع التقشف المتطرف. كذلك أنكر أن يكون العقابُ والثوابُ صادرين عن إلهٍ أو آلهة، إذ اعتبرهما نتيجة لأعمال الإنسان ورغباته في حياته الحالية أو السابقة.
لكن التعاليم البوذية لم يتح لها أن تنتشر كثيرًا في الهند حيثُ نظامُ الطبقية، إذْ إن دعوة بوذا جميع الطبقات إلى الانخراط في الدين الجديد أغاظ البراهمة جدًا، إذ كان يقول لتلاميذه: “اذهبوا إلى جميع البلدان وبشروا بهذا الإنجيل.
قولوا لهم إن الفقراء والطبقات الدنيا والأغنياء والطبقات العُليا هم جميعًا واحد، وأن جميع الطبقات تتحدُ في هذا الدين مثلما تتحدُ الانهارُ في البحر” (Durant.pp.433-434). وغضبُ البراهمة الذين كانوا ما يزالون يسيطرون سيطرة شبه تامة على الشعب جعل البوذية تهجر الهند إلى كثير من البلدان المجاورة حيث أصبحت الدين الرئيس فيها.
ويبدو أن نظام العدالة الإلهية المبنى على السببية الروحية اقتضى أن يبقى المجتمع الهندوسي، ولا سيما ملايينُ المنبوذين، تحت ربقة رجال الدين من جهة، والقيود الطبقية من جهة خرى، وأن يظل راسفًا تحت نير الاحتلال الأجنبي ألفًا وخمسمئة سنة أخرى كانت مدى استحقاقه الروحي قبل أن تنعم السماء عليه برحمةٍ تجسدت في شخص هادٍ عظيم هو المهاتما غاندي. ذلك الروحاني القديس الذي عاش متعففًا، متقشفًا، صادعًا بالحقيقة، صارخًا بصوت ضميره، شُجاعًا بإعلان الحق، داعيًا إلى إبطال نظام الطبقات، ولا سيما طبقة المنبوذين المظلومين، رافضًا العنف والعصيان المسلَّح لتحرير الهند من الدولة البريطانية الجبارة، مؤولاً ما جاء في كتب الهندوسية المقدسة تاويلاً يتفق مع العقل والمنطق السديد والضمير السامي. لكنه جزاء لحياته الوادعة النقية ودفاعه عن الحق والعدالة اخترقته رصاصةٌ شيطانية من يد هندوسي ينتمي إلى طبقة البراهمة الحاصرة فيها روح الألوهية. وقد رثاهُ مؤسس الداهشية، منذ مصرعه في 30/1/1948، وذكر فضائله في قطع كثيرة انتثرت في كتبه. ومما قال فيه مشيرًا إلى طبقة “المنبوذين”: “ولكن العناية الساهرة لم تهمل هذه الطائفة البائسة، فقد قيَّضت لهم فيلسوف الهند وقديسها المجاهد الأول: غاندي؛ هذا الرجل النحيل، العازف عن تفاهات هذا العالم الحربائي التلونات؛ هذا الضئيل في جسده، الجبار في عقليته؛ هذا القميء الذي تهتز له أكبر وأعظمُ دولةٍ على هذه الأرض ، هذا الذي تكاد الملايين تعبده لأنها تتأكد من نقاء كفه وصفاء سريرته، وأنه يعمل لأجل إسعادها. فلا الرشوةُ تستطيع أن تناول من طهارة ذمته، ولا التهديد يتمكن من أذنيه؛ أما الوعيدُ فإنه يحتقره ولا يعبأ بشأنه. إن حياة هذا الرجل الكامل لهي أعجوبة جديرة بأن تُسجَّل بأقلامٍ سماوية على طُروسٍ فردوسية. فقد قضى أكثر أيام حياته رهين المعتقلات، أسيرَ السجون، لأجل عقيدته التي ترمي لإسعاد أبناء قومه المُضطهدين…”
فهل ستستطيعُ الإصلاحات الدستورية الهندية (1949) بشأن نظام الطبقات أن تنتصر في الهند؟ ربما. هل ستستطيع البوذية والجاينية أن تقاوما إفساد رجال الدين لهما؟ كلا، يقولُ مؤسس الداهشية.
(للبحث صلة)
السببية الروحية في مجرى الأحداث العامة (4)
في ضوء المفاهيم الداهشية: الشرقُ الأقصى
بقلم الدكتور غازي براكس
تأثير البوذية في الشرق الأقصى
يحاول علماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة أن يفسروا نهوض الشعوب وقوتها أو ضعفها وانحطاطها وفق قوانين يستخرجونها من ماجريات التاريخ ومظاهره الحضارية. لكن استنتاجاتهم، على صحتها، تقفُ عند سطح الحياة. والحياةُ أشبه بنهرٍ من السيالاتِ الحية العاقلة الجارية بين الأزلِ والأبد، والإنسانُ لا يرى منه إلا ما يتكشفُ في اللحظة التي هو فيها. فظهورُ بوذا، مثلاً، كان رحمةً للشعبِ الهندي؛ لكن شعبه بمعظمه فضل استمراره في الخضوع للبراهمة، وبالتالي لحياة الخنوعِ والأوهام والأحلام وآثرَ انجذابه لشهواتِ اللحم والدم مدى مئات السنين؛ وهذا ما جعل الشعب غير مستحق لرحمة الهداية الجديدة، إلا أقلية استطاعت برقي نفوسها أن تنجذب إلى الهادي الروحي الكبير. فجاذبية البوذية الروحية ما كانت لتفعل إلا في أناسٍ سما فيهم الإدراكُ بعض الشيء، كما سمت النزعاتُ واتخذت منحىً إنسانيًا شاملاً، أي في نفوسٍ أعدها مُستواها الإدراكيُّ التروعي إلى تقبل البوذية. وهذا مبدأ عام ينطبق على جميع الهدايات الروحية والأديان السماوية. وقلَّة القادرين على التجاوب مع التعاليم البوذية مُجسَّدة في الأعمال جعلت الهند تنتظر حوالى ثلاثة قرون قبل أن يظهر فيها حاكمٌ حصل فيه تحول روحي عميق هو أشوكا Ashoka ( نحو 273 – 232 ق.م).
لكن قبل أشوكا بحوالى خمسين سنة كان حكمُ جده شاندرا غوبتا Chandragupta Mauria (نحو 325 – 321 ق م) تمهيدًا هندوسيًا – بوذيًا – جينيًا لحُكمٍ فاضل. فعلى قسوته، حاول أن يجمع أفضلَ ما أعطته المذاهبُ الثلاثة. وبعد أن خاض معركةً مع سلوقس نيكاتور Seleucus Nicator، أحد قادة الإسكندر، الذي أسس عهد السلالة السلوقية في إيران بعد وفاة الإسكندر، عاد فعقد معه معاهدةً تنازل سلوقس له بموجبها عن المقاطعات التي عبر الإندوس مقابل 500 فيل قدمها شاندراغوبتا له. واستتم التحالف بزواجٍ متبادل وصداقةٍ سجلتها الكتبث اليونانية والسانسكريتية. واعتنق شاندرا، في أواخر حياته، المذهب الجيني، وسلك في حياة التقشف، بعد أن تنازل عن العرش لابنه بندوسارا Bindusara، ثم التحق بفريق من الرهبان الجينيين ليعيش جنوبي الهند حيث مات بالامتناع عن الطعام حتى الموت على طريقة الجينيين.
أما أشوكا الذي خلف بندوسارا فقد بدأ حكمه بقسوةٍ شديدة على غرار جده تشاندرا غوبتا؛ فأقام سجنًا للمجرمين عُرف بـ”جحيم أشوكا”. لكن حدث له انقلابٌ نفسي عميق، فاعتنق البوذية، وأصبح أول ملكٍ عظيمٍ فاضلٍ حكم الهند. وقد أصدرَ مراسيم في غاية الرقي أمر بأن تُنقش على الصخور والأعمدة ليقرأها الناسُ جميعًا ويعملوا بموجبها، وهي تهيب بهم إلى التسامح واحترام الأديان جميعًا، والعيش بصدق وتقوى ورحمة وإحسان وصفاء وسلام واحترام للآخرين. كذلك شيد لكهنة البوذية 48 ألفًا من الأديرة، وبنى باسمها في أرجاء مملكته كلها مستشفيات للإنسان والحيوان، وأرسلَ مبشرين بالعقيدة البوذية إلى سيلان وسوريا ومصر واليونان يكرزون بالمحبة والسلام. تُرى ما الذي أحدث ذلك التحول النفسي في أشوكا؟ ولماذا لم يحدث مثل هذا التحول في مَن سبقه من الحكام؟
في ضوء التعاليم الداهشية الموحاة يمكن إعادةُ الأمر إلى سببين رئيسين: الأول أن فئة كبيرة من الشعب استحقت ذلك التغيير الرحيم السامي بما اختزنته من سيالات روحية ارتقت بفعل جهادها الروحيّ وأعمالها ونزعاتها في حياتها الراهنة كما في أدوارها الحياتية السابقة. والثاني أن أشوكا نفسه ينتمي سياله الرئيسي إلى هادٍ من الهُداة، لأن كل مصلحٍ إنساني فاضلٍ عظيم لا بد من أن يكون فيه سيالٌ أو أكثر من الأنبياء والرسُل أو الهُداة، ذلك بأن الهداية الروحية ذات منبعٍ سماويٍّ واحد، وهي في أساس رقي الحضارات البشرية وجذبها إلى أعلى. وبذلك يتحقق المثل المأثور “كما تكونون يولى عليكم”.
إن أشوكا جاء رحمةً للهند وتذكيرًا لشعبها بتعاليم بوذا، لكن يبدو أن الشعب بأكثريته الساحقة لم يستفد من تلك الرحمة، فعاد القهقرى، وساده الخنوعُ والاستسلام المُطلق للبراهمة مُجددًا، وكان على الهند أن تنتظر، مرة أخرى، حوالى 800 سنة، ليظهنر فيها حاكمٌ فاضلٌ آخر هو هارشافارذانا (606-647 ب.م)
كان فارذانا من أتباع شيفا، ثم اعتنق البوذية، ومارس في الهند سياسة أشبه بسياسة أشوكا. فاشتهر بأعمال البرِّ التي كان يقوم بها في حفل عظيم كل خمسة أعوام، إذ كان يدعو إليه جمع رجال الديانات، على اختلافها، كما يدعو إليه كل الفقراء والمعوزين في مملكته ويحسنُ إليهم بكل الفائض عن حاجته في خزانة الدولة. وفي ختام حفل التوزيع الذي يستمر ثلاثة أو أربعة أشهر، كان يخلع أرديته الثمينة ومجوهراته فيزيدها على الصدقات. لكن بعد وفاته عاد الانحطاط فاستبدَّ بالهند البرهمية حتى القرن العشرين وظهور غاندي.
وكان على السيالات الروحية البوذية أن تترح إلى البلدان المجاورة كبورما وسيلان وتايلاند وفيتنام ولاوس والتيبت واليابان وكمبوديا والصين.
وشهدت اليابان عهدًا شبيهًا بعهد أشوكا عندما تسلم الأمير شوتوكو تايشي (592 – 621 بم) مقاليد الحكم بصفته وصيًا على العرش للإمبراطورة سويكو. وقد أصدر سنة 604 م قانونًا في غاية النبل والتسامح؛ ورعى الفنون والعلوم، وأدخل الأخلاق البوذية الراقية في صلب القوانين القومية. وبعد هذين الحاكمين البوذيين اللذين وازى حكمهما الرشيد البعثة الإسلامية والعصر الراشدي، لم يظهر في الهند أو الشرق الأقصى ضمن الخط الهندوسي – البوذي أي حاكمٍ فاضلٍ كبير. ولذلك كانت الأوضاع الحضارية العامة لتلك الشعوب لا تحسد عليها.
تأثيرُ لاوتسو في الصين
تلك كانت الحال في الهند والبلدان المجاورة. كذلك في الصين لم تُدّوَّن في السجلات التاريخية أيةُ وقائع عن ظهور هداية روحيةٍ فيها قبل القرن الساسد قبل الميلاد. لكن بالرغم من ذلك، كانت فكرةُ العقاب السماوي مبدا مهمًا في ثقافة الصينيين، الأمرُ الذي يوحي بأصول بعيدة خلفت آثارًا غامضة. ففي الوقائع التاريخية التي ترجح صحتها أن آخرَ حاكمٍ في سُلالةِ شانغ Shang التي حكمت قطاعًا كبيرًا من الصين بين 1500 و1000 قبل المسيح، أغرق الفسادُ بلاطه الملكي وما فيه من معاونين إلى حد أن السماء غضبت عليه وعلى سلالته، بالرغم من قدرته العسكرية، وحولت رعايتها وتفويضها إلى أسرةٍ كانت تحكمُ مقاطعة تشاو chou الصغيرة، غربي الصين، فألهم حاكمها بمهاجمة عاصمة شانغ، فدمرها؛ وحكمت سلالته قطاعًا كبيرًا من الصين من 1122 إلى 771 قبل المسيح.
غير أن المرحلة الحضارية المهمة في تاريخ الصين امتدت من عام 722 إلى عام 481 قبل المسيح؛ وهي المعروفة بعصر تشون تشيو Ch’un Ch’iu . ففيه عاش الفلاسفةُ والحكماءُ الكبار، وعلى رأسهم لاوتسو Laotzu وكنفوشيوسConfucius .
عاش لاوتسو، في القرن السادس قبل الميلاد على الأرجح. لكن حياته ظلت مكتنفة بالغموض والأساطير لابتعاده عن الحياة الاجتماعية كما السياسية وإيثاره الزهد والعُزلة.
خلف عقيدة الطاوية Taoism التي تهيبُ بالناس إلى العيش بعيدًا عن المدن الصاخبة القاسية، والحياة المتعبة السريعة، كما عن النظريات المعقَّدة، وأن لا يدعوا العلوم والقوانين البشرية تستعبدهم، لأن المعرفة لا تعني الحكمة ولا الفضيلة، ولا هي تُفيدُ بحد ذاتها روحيًا، ولا تقدم الطمأنينة والسلام النفسي، ولا تقرب من الـ”طاو” الذي يعني الله أو الحقيقة المطلقة الأزلية الأبدية، أو أصل الكون وغايته، أو الطاقة الجهورية المبدعة الكامنة في كل الموجودات، والقوة الثابتة وسط المتحولات، والفاعلة حيثما كان؛ أو “الطاو” هو، بمعنى آخر، الطريقُ المستقيم (طريق السماء) الموصل إلى الله. ويستحيل إدراكُ “الطاو” أو سلوكُ طريقه إلا بالحياة الريفية البسيطة، البيئة العفوية، الوديعة المتواضعة، القائمة على العمل الهادئ الصامت، المُسالم المُحب الخيِّر، كما على الاقتداء بالطبيعة وقوانينها، والتأمل في مظاهرها وتحولاتها؛ فمن خلال ذلك، ومن خلال الصراحة وتجنب الأنانية، وتقليل الرغبات، وعبر النشوة الروحية المُستمدة من التأمل والحدس لا من البراهنين العقلية، يمكن سلوك الطريق المؤدي إلى “الطاو”.
وقد جمعت تعاليم لاوتسو، بعد عدة قرون على الأرجح، في “كتاب الطاو والتي” Tao-te- Ching الذي يتالفُ من 81 فصلاً متفاوتة الطول؛ وهو يعتبر من أثمن ما كتب في الفلسفة الروحانية، بالرغم من غموضه. وسواءٌ بقيت التعاليم مثلما كانت في أصولها، أم طرأت زياداتٌ عليها في سياق العصور، وفق ما يذهب بعض المؤرخين، فإن جوهرها الذي ينسب إلى “المعلم القديم” لم يتغير.
وقد كان لحياة لاوتسو الزاهدة وتعاليمه تأثير عظيم في أتباعه كما في الحضارة الصينية. فقد اعتبرته فئة من المؤمنين به منبثقًا من الله. ومخلص العالم، ونادت به فئاتٌ أخرى قديسًا. وبعد ظهور كنفوشيوس، أكبره الكنفوشيون ونسبوا إليه لقاءات مع معلمهم أجلَّ فيها لاوتسو كل الإجلال. وبعد ظهور بوذا، ذهبت الاجتهاداتُ الطاوية إلى أن للاوتسو عدة شخصيات تهبط إلى الأرض بأسماء مختلفة وفي أزمنة مختلفة لتهدي الناس والحُكام، وأن بوذا كان إحدى شخصياته.
وعلى الصعيد الحضاري أحدثت تعاليمُ لاوتسو تأثيرًا بالغًا في الفكر والأدب والفن في الصين مدى قرونٍ كثيرة. وإليه يعودُ بروزُ ملامح السلام والبساطة والعيش قريبًا من الطبيعة في عدة أجيال من الصينيين.
لكن “الطاوية” التي أرادها لاوتسو طريقةً لحياة بسيطة نقية مطمئنة، أفسدها رجالُ الدين بعد بضعة قرون، فأدخلوا إليها اهتمامات باطلة كثيرة، منها شعوذاتُ السحر والتعاويذ، والتنجيم، والبحث عن الطرق الطبية التي تطيل الحياة، والطرق الكيميائية التي تحول المعادن إلى ذهب… فبعدوا بالعقيدة جدًا عن أهداف مؤسسها، وكانوا سببًا لانحطاط مظاهر حضارتهم الفكرية والأدبية والفنية.
تأثير كنفوشيوس في الصين
أما كنفوشيوس فقد فقَدَ أباه في الثالثة من عمره، فربته أمه في ما يقارب الفقر. فاضطر إلى تعاطي أعمال وضيعة لتحصيل معيشته. وقد حصل معظم علمه بنفسه. وحياته الفقيرة العسيرة عرَّضته لتعرُّف حياة العاديين من الناس، فشعر بعذابهم وتأثر لأحوالهم، وفكر، مثلما فكر بوذا، بالقيام بعمل ما لتحسين أوضاعهم. وبعد أن تزوج في التاسعة عشرة ورزقَ صبيًا وابنتين، آثر اعتزال أسرته بعد أربع سنوات، من أجل تحقيق حلم حياته الكبير الذي استهدف إصلاح الحكم وإصلاح المجتمع. فتسنم عدة مناصب في الدولة. وفي الحادية والخمسين تولى وزارة العدل ثم رئاسة الحكومة. وقد ازدهرت مرافق البلاد في عهده، ونجحت سياستها الخارجية.
لكن أمير البلاد ما لبث أن أصم أذنيه عن إرشادات كنفوشيوس وتعاليمه، واستسلم إلى الملذات الحسية، الأمر الذي جعل المصلح الكبير يغادر الإمارة متنقلاً من بلد إلى آخر في الصين، وهو بين السادسة والخمسين والثامنة والستين من العمر. وفي هذا العهد المضطرب أنشأ تعاليمه متعرضًا للإيذاء والاضطهاد أحيانًا كثيرة؛ لكنه لم ينثنِ عن هدفه، لأنه كان مؤمنًا بأن شريعة السماء تكشفت له.
يقوم جوهرُ تعليمه على إنقاذ الإنسان ببناء سلوكه على العقل كما على الأصول الروحية النقية. ولا تعني الأصول الروحية محاكاة لأفكار السلف وعاداتهم وتقاليدهم، بل التزود بالأفكار السامية الخالدة وبكل ما هو حق وخير من أجل الإنطلاق قدمًا. وهذه الغاية توجب، من جهة، عدم الانخداع بمظاهر المدنية (كاختراع عجلات النقل والمراكب وعربات الحراثة وما إلى ذلك)، إذ إن تاريخ الحضارة الحقيقية، في نظره، يبدأ مع الذين وضعوا الشرائع الصالحة وقواعد المناقب الكريمة أسسًا للمجتمع والدولة؛ ومن جهة أخرى تقتضي هذه الغاية السامية تعلم مبادئ الخير؛ وهذا لا يعني حفظها غيبًا، بل صيانتها وممارستها ممارسة نفسية وعملية. فليست الثقافة بحد ذاتها هي المهمة، بل معرفة الاستفادة منها في الحياة السلوكية والعملية، بحيث تصبحُ في الإنسان قوة مبدعة محركة إلى الأصلح والأفضل.
وقد أيقظ كنفوشيوس العقل في الصين، فكان معلم الخلقيات العقلانية، يدعو إلى أشبه ما دعا إليه سقراط وأفلاطون: بناء مجتمع فاضل يحكمه ملوكٌ فلاسفة فاضلون يكونون قدوةً لشعوبهم، فيعيشُ الجميعُ بطمأنينة وسلام في ظل نظام عادل. كذلك أنشأ مدرسةً لتعليم ما يجب تعلمه من الآداب والفنون والعلوم النافعة في الحياة، ولإعداد رجال الدولة الصالحين الكفوءين؛ فتربيةُ رجالٍ فاضلين يُساندون الحكم أفضل من الشرائع الكثيرة للشعب. وأهم الأركان التي تقومُ عليها الحكومات الناجحة، في نظره ثقةُ الشعب بها، بحيث يفضل أن يُضحى، لدى الخيار الحرج، بالجيش ثم بالاقتصاد، ولا يضحى بها.
بيد أنه رأى أن تعلم الحقائق لا يستطيعه كل فرد، إذ إن شرطه الأول استعداد خلقي عال لدى التلميذ يظهر في سلوكه بين رفاقه، وفي أسرته، واستعدادٌ إدراكي، ورغبة في المعرفة. ولذلك لم يهتم بدفع الناس للبحث عن الحقيقة، إذ رأى أن المجتمع السليم يقومُ على أعضاء فيه سليمين؛ ولذا جعل محور فلسفته الخير لا الحقيقة: محبة الآخرين، تعزية المسنين ومساندتهم، رعاية الأحداث، المحافظة على الصداقة، وبالدرجة الأولى سعي كل إنسان لتحسين سلوكه وترقية نفسه، وامتناعه عن معاملة الآخرين معاملة لا يودها لنفسه؛ وهي القاعدة المثالية التي تذكرنا بتعليم السيد المسيح بعد 500 سنة.
وقد أولى كنفوشيوس الأسرة اهتمامًا خاصًا، فأوصى بقيام رابطة قوية بين أفرادها، فيقدم الأولاد طاعة واحترامًا تامَّين لوالدهم، وينسبون فضل مآثرهم وحميد تصرفاتهم إليهم بينما يتحمل الآباء مسؤولية أخطاء أولادهم وقبائحهم. كذلك وضع كنفوشيوس مبادئ الصداقة الحقيقية، وأسس التعامل بين الرؤساء والمرؤوسين، وقواعدَ الحكومة الصالحة والدولة الفاضلة.
أخيرًا، مات كنفوشيوس وفي قلبه حسرة، لأنه عندما نظر حواليه باحثًا عن رجل شريف أو رجل يصلح لأن يكون حاكمًا، لم يجد بغيته. ومع ذلك لم ييأس، بل قال إن عصره مريض.
ولم يطل الزمن، بعد موته، حتى أخذ أتباعه يحرفون تعاليمه مُدخلين فيها بعدًا غيبيًا، ومحولين جوهرها النقي إلى شرائع جامدة وركام من المعارف… والأدهى أن أتباعه نصبوه إلهًا، في مطلع القرن العشرين، وهو الذي رفض أن يُسمى قديسًا.
لقد كان كنفوشيوس حاصرًا اهتمامه بطبيعة الإنسان وسلوكه، بينما كان لاوتسو مهتمًا، بالدرجة الأولى، بالحياة الريفية البسيطة النقية وسط الطبيعة العذراء وإيحاءاتها الروحية. وفي حين أن الكنفوشية تولي المجتمع وسياستة الحكم الأهمية الكبرى، فالطاوية تولي الفرد وعلاقته بالكون كله الأهمية الأولى. والمتبصِّر في تعاليمهما لا يراهما يتناقضان بقدر ما يتمّم الواحد الآخر. ففي تعاليم لاوتسو نستشف لمحاتٍ من روحانية المسيح وآراء روسو Rousseau في ضرورة عودة الإنسان إلى الطبيعة، كما نستشف في مبادئ كنفوشيوس لمحاتٍ من تعاليم سقراط وأفلاطون وآراء فولتير.
إن الأحداث العامة التي وقعت للشعب العبراني خاصة، والشعوب المحيطة به عامة، عرفنا أسبابها الروحية من الوحي الإلهي الذي كان يتنزل على أنبياء العهد القديم. ولكن كيف نستطيع أن نعرف الأسباب الروحية للأحداث العامة التي جرت في الشرق الأقصى، مسرحِ تعاليم ذينك الهاديين؟
القاعدةُ الروحية العامة التي تعلمنا إياها الداهشية هي أن أخلاق الشعوب والحكام المجسدة في رغباتهم ونزعاتهم وأعمالهم، خيرًا أو شرًا، هي التي تحدّد مصيرهم وواقع حياتهم سلامًا أو اضطرابًا، ازدهارًا أو شقاءً. وليس ضروريًا أن تظهر النتيجة في جيل واحد، فالأجيالُ مترابطة بعضها ببعض، سابقُها يؤثر في لاحقها، تأثير الوالدين في الأولاد والأحفاد، لأن السيالات الروحية لا تنقطع بين جيل وأخر، بل تمتد باستمرار، ومعها يمتد التأثير متبوعًا بالنتيجة. لكن لا بد من إيضاح، في هذا السياق، هو أن الله الرحيم لا يعاقب شعبًا على أعماله إلا بعد أن يُرسل إليه من يهديه، نبيًا أو رسولاً أو هاديًا، وذلك بالرغم من وجود نور العقل في الإنسان. وهذه الحقيقة جلية في عدة آياتٍ في القرآن الكريم، منها خطابه تعالى للرسول العربي الكريم، إذ سأله الكافرون أن يستترل آية محسوسةً من الله: (إنما أنت منذرٌ، ولكل قومٍ هادٍ)(الرعد: 7)؛ كذلك (وما كنا مُعذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء: 14).
ولا شك بأن تعاليم لاوتسو وكنفوشيوس كانت الموقظ والمحرك لأجمل وأرقى ما في الحضارة الصينية من فكرٍ وأدب وفن وسياسة. وكانت النار التي تذوبُ في حرارتها ونقاوتها كل غلظة ووحشيةٍ وفوضى في الطبيعة البشرية، بحيث يمكن أن ينسب إلى فضلها، بالدرجة الأولى، ما ساد بنية الصين الثقافية وخلقيتها السياسية والاجتماعية من تناسق وتآلف وسلام، ومن محبة للمعرفة والمحكمة، برغم الاضطرابات التي كانت تشوش هدوء تلك الحياة من حين إلى آخر، وذلك على مدى أكثر من ألفي سنة. يقول عالم الاجتماع والمؤرخ الكبير ول ديورانت: “لسنا نجد في هذا الزمان، كما لم يجد القدامى في الزمان الخالي، علاجًا ناجعًا لمن يعانون اضطرابًا ناجمًا عن تربية تقصر عنايتها على العقل، كما عن قانونٍ خلقي متدهور ووهنٍ في الأخلاق الفردية والقومية – لسنا نجد علاجًا لهذا كله خيرًا من تلقين أحداث الأمة مبائ الفلسفة الكنفوشية.
بعد وفاة كنفوشيوس بنحو قرنين، قام منسيوس Mencius (371 – 289 ق م)، أعظم أتباعه، وتلميذ حفيده، فضارع معلمه الأول بقوة تأثيره، لكنه استقلَّ عنه بالتركيز على نقاط ثلاث: الأولى تأكيده أن طبيعة الإنسان الأصلية خيرة؛ والثانية أن العظمة الحقيقية تكمن في نفس الفرد المتبع صراط “الطاو” المؤدي إلى الخلاص، لا في المجتمع؛ والثالثة تشديده على الديمقراطية وحق الشعب في الثورة على الحاكم الطاغية.
بعد وفاة منسيوس بنصف قرن، استولى على عرش الصين إمبراطور طاغية هو شي هونُغ تي shih Huang-ti (221-209/201 ق م)، فأمر بإحراق الكتب الكنفوشية مع سائر الكتب التاريخية والأدبية، ووحد إمارات الصين في دولةٍ واحدة للمرة الأولى في التاريخ، وأمر بتشييد سور الصين العظيم الذي يعتبر أضخم ما بناه الإنسان على مر الزمان، وسمى نفسه “الإمبراطور الأول”، مبتغيًا بذلك أن يمحو ذكر كل من سبقه، ليكون هو مؤسس تاريخ الصين؛ كما أمر بأن يتخذ أحفاده من بعده أرقامًا متتابعة حتى تتم سلالته بالقرم عشرة آلاف. والأخطر أنه حكم شعبه بالحديد والنار.
ولكن هل تجري أحداث التاريخ وفق ما يريده الإنسان، خصوصًا متى كان صاحب بأسٍ وصولة وسلطان، أم تبعًا لنظامٍ إلهي مبني على الاستحقاق والسببية الروحية العادلة مثلما تذهبُ الداهشية؟
إن “الإمبراطور الأول بغطرسته وظلمة ليشبه نمرود، وبناء السور العظيم ليشبه بناء برج بابل. فما إن مضى حوالى أربعة أعوام على موته وخلافة اثنين من أسرته له 209/210 – 206 ق .م) حتى ثار الشعب المظلوم على ظالميه، وقضى على الأسرة الطاغية. فلا السور العظيم نفعه، ولا توحيد الصين، ولا أحلامه بسلسلة الآلاف العشرة من الأباطرة في سلالته. لقد اندثر حكمه ليبقى اسمه لعنةً على ألسنة الصينيين، ولتبقى من بعده تعاليم كنفوشيوس ولاوتسو، لأنها مستمدَّة من سيالات الهداية الروحية التي ترسلها السماء إلى بني البشر، دواء ناجعًا لكل فئة منهم رحمةً بهم.
ولم يمض زمنٌ طويل على موت الطاغية حتى تسنم عرش الصين وو- تي wu Ti (140 – 87 ق .م)، أعظم الأباطرة من سلالة هان Han، فأعاد الاعتبار إلى تعاليم كنفوشيوس، وقام بحركة إصلاحية اجتماعية واقتصادية عظيمة، إذ جرى على سياسة السلم، وأعاد إلى الشعب حرية القول والكتابة وانتقاد الحكومة، وحظر تعيين أي مواطن في مناصب الدولة إلا بعد اجتيازه امتحانًا تضعه الحكومة لهذا الغرض. كذلك سن أنظمة اشتراكية ملطفة تحول دون استثمار أية فئة من الشعب لفئة أخرى؛ فعاشت الصين في عهد رخاء لم تعش مثله من قبل. علاوة على ذلك، ازدهر العلم في عهده، وكثر الشعراء والفنانون.
لكن بعد موته أخذ نفوذُ النساء يتفاقم في دوائر الدولة، وبدأت الفوضى والمفاسد تدبُّ في الشعب، فانحرف عن تعاليم الهُداة المُصلحين.
ومع بدايات التاريخ المسيحي تسنم عرش الصين مصلحٌ آخر هو تشيا هوانغ تي Chia Huang-ti (نحو 9 – 23 ب م)، فأعاد إصلاح الأنظمة السياسية والاقتصادية، وألغى الرق في البلاد، وحمى الزراع والمستهلكين من جشع التجار، وناصر الأدب والعلم، واشتغل هو نفسه بهما، وقرب إليه أهلهما. وكان يعيشُ عيشةً مُقتصدة، ويوزع دخله على أقربائه وعلى الفقراء من أهل البلاد؛ وباختصار، كان مثال الرجل الصيني المهذب الكامل. لكن يبدو أن معظم الشعب لم يستحق هذا المصلح ولا مشاريعه الإصلاحية، فثارت عليه فئاتٌ ناقمة وقتلته. وبقتله قتلت السلام والازدهار في البلاد؛ فعادت المفاسدُ والفوضى تتحكَّم بها ومعها النكبات الطبيعية. ومرت ستة قرون على الصين قبل أن يقيض لها حاكمٌ فاضلٌ كبيرٌ آخر.
كان هذا الحاكم الفاضل تاي تسونغ TG’ai Tushg (627 -649( من سلالة تانغ Tang . وعهده يوازي أواخر عهد البعثة النبوية العربية والخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل. تمسك بالتعاليم الكنفوشية، فرفض ضروب الترف في قصره، وأبعد عنه الغواني، وحكمَ بالعدلِ والتسامح، ومنح شعبه حرية المُعتقد؛ فأم المبشرون الصين من بوذيين وزردشتيين ونسطوريين مسيحيين. فكان يُرحبُ بهم ويبسط عليهم حمايته، ويعفي معابدهم من الضرائب. وقد شهد عهده ازدهارًا وبحبوحةً كبيرين، كما شهد نهضة أدبية وفنية عظيمة، إذ كثر الشعراء والفنانون وتقلَّدوا مناصب عالية؛ فأصبحت الصين في عهده، على حد قول ديورانت: “أعظم الإمبراطوريات قوةً، وأكثرها استنارة، وأسماها رُقيًا، وأفضلها حكمًا وحضارة على سطح الأرض” (ص 703).
ومع أن الصين شهدت نهضة كبيرة في الفن والعلم في عهد سلالة سونغ sung (860 – 1276)، فإنها لم تعرف بعد تاي تسونغ إمبراطورًا كبيرًا وصالحًا آخر، لكنها عرفت في عهد الإمبراطور شن تسونغ Shen Tsung (1067 – 1086) عالمًا وأديبًا تولى صلاحيات واسعة وكان شديد الاهتمام بتطبيق مبادئ كنفوشيوس هو وانغ آن- شي Wang An-shih (1021 – 1086). وقد انصرف إلى العمل لرفاهية شعبه، غير مهتم بشخصه ولا بلباسه ولا بما يصيبه من إرهاق. اقام نظامًا اشتراكيًا صالحًا استهدف خير الشعب، وإنقاذ الزراع من المرابين، وإعانتهم من مال الدولة، وإغاثة الطبقات العاملة ورفع الحيف عنها. كذلك أصلح اساليب التعليم ونظام الامتحانات، وأجرى معاشات على الشيوخ والفقراء المتعطلين، وقام بأعمال هندسة عظيمة لمنع الفيضانات (ص 724 – 726)
لقد أتى لاوتسو و كنفوشيوس هاديين للشعب الصيني، مثلما أتى بوذا وماهافيرا وغيرهما من الحكماء هداةً للشعب الهندي وما حوله من شعوب، وذلك في زمنٍ كاد الوحي فيه يكفُّ عن العبرانيين. لكن البشر، حيثما كان، يسمعون أصوات هُداتهم حينًا، وأحيانًا يصمون آذائهم عنها. والقاعدة الروحية تبقى واحدة: ما يزرعه الإنسان فإياه يحصد. وبناءً على هذه القاعدة فعهودُ الاطمئنان والسلام واليُسر التي شهدتها الصين لم تكن لتعادل بطولها عهود الاضطراب والعذاب والشقاء. فالسجلات الصينية حفظت تأريخ 290 وباءً فتاكًا أصابت الصين كلها أو مقاطعات منها إصابات متقطعة بين سنة 243 ق م وسنة 1911 بعده، وقضت على ملايين السكان.
كذلك نشبت في مناطق مختلفة من الصين بين عام 111 قبل المسيح وعام 1978 بعده 87 حربًا أو ثورة أو فتنة أهلية زادت الفجائع والكوارث.
وفي ما يأتي من هذا البحث سنرى أن النظام الإلهي أطلع في اليونان خطأ آخر من الهُداة موازيًا في الزمن لخطَّي الهند والصين. وهذا يؤكد أن العناية الإلهية تختط تصميمًا تجعل فيه لك شعب هاديًا أو أكثر يكون صالحًا له، أي لمستوى مداركه وطبيعة نزعاته وأنواع استعداداته، وبكلمة أخرى للقوى النفسية التي تختزنها سيالات الشعب الروحية التي تبرمج جينات كل فردٍ فيه وهو في طور تكونه. فكل إنسان، وفق التعاليم الداهشية المُوحاة، يولد وفيه سيالُ دين معين. وإذا غير الإنسانُ دينه باختياره وملء رضاه، فإن سياله الديني يكون قد تغير. فـلا إكراه في الدين (2:256). أما إذا حدث الإكراه، فلا المغصوبُ على أمره سيستفيد روحيًا، ولا الدين الذي أجبر على اعتناقه سيستفيد منه، لأن سيالاته، من خلاله ومن خلال سلالته من بعده، ستسعى واعيةً أو غير واعية إلى تخريب الدين الذي غُصبت على اعتناقه.
(للبحث تتمة في العدد المقبل)
السببية الروحية في مجرى الأحداث العامة (5)
في ضوء المفاهيم الداهشية: اليونان
بقلم الدكتور غازي براكس
لا بد من الإلماع مجددًا إلى أن النظرة الداهشية إلى سببية الأحداث العامة (وكذلك الأحداث الخاصة) تتخطَّى نظرة معظم المؤرخين وعلماء الإجتماع والمحللين السياسيين التي تجعل القوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها المؤثرات الوحيدة في تطور المجتمعات البشرية. فهذا التعليلُ، على صحته الظاهرية، يفترض أن الإنسان هو السيدُ المُطلق لمصيره، وأن كيانه الحياتي محصورٌ بوجوده الحاضر، فلا وجود له قبله، وليس من نظام إلهيّ مبني على العدالة والاستحقاق الروحيين يسود الكون كله. فالداهشية تنفي الصدفة وتقولُ بأن ما يحدِّد مصير كل مجتمع هو خلقية أفراده ومستوى مداركهم وصلاح أو طلاح أعمالهم، لا في جيل واحد بل في عدة أجيال، وخصوصًا تقيّدهم بالإرشادات والتعاليم التي تنفحهم بها الهدايةُ الروحية التي ظهرت بينهم. فكيف نُعلل تطور المجتمعات الإغريقية في ضوء المفاهيم الداهشية؟
عصور الاستبداد والغوغاء
لن أبحث في أصول الأغارقة، فالتارليخُ فيها يختلطُ بالأسطورة. لكن من المفيد أن أشير إلى أن العالم الإلهي الأولمبي مثلما تجلّى في ملحمتي هوميروس، “الإلياذة” و”الأوذيسة”، يكاد يكون على غرار المجتمع الإغريقي. فمن القرن العاشر، عصر هوميروس، إلى القرن السادس (ق.م.) كان الأغارقة قبائلُ مستقرة في أماكن مختلفة من اليونان، كل منها تسودها العشيرة الأقوى ويرئسها زعيمها. وكانت الزعامة وراثية. وكل عشيرة تدعي الانتساب إلى شخص أسطوري ينتمي إلى بعض الآلهة. وكانوا يؤمنون بأن الآلهة يخالطون البشر ويتدخلون في شؤونهم مباشرة ويتحيزُ كل منهم لفريق أو شخص معين. في هذا الإطار وقعت، في القرن الثاني عشر (ق.م.) حربُ طروادة التي أتحدت فيها جيوشُ المدن اليونانية تحت إمرة أغاممنون لاستعادة هيلانة، زوجة الملك مينلاوس Menelaus، التي خطفها باريس Paris، ابنُ بريام Priam ملك طروادة، من عُقرِ دارها. لم يكن في تلك الحقبة من وجودٍ لدينٍ عقائدي ذي نظام خُلقي ملزم وإجلالٍ حقيقي للألوهة. فممارسة الدين تختصر بطقوسٍ واحتفالات تخاطب الحواس وترمز إلى الظاهرات الطبيعية والعناصر الأولى وعلاقة الآلهة والأرض والإنسان، بها. ولم يكن المجتمعُ الإلهي الأولمبي نفسُه يدعو إلى الفضيلة والإخاء والمحبة والرحمة. فلا بأس من أن يسقط ألوفٌ من القتلى وتقوض دولة من أجل استعادة امرأة، ذلك بأن الثأر للشرف كان هو القاعدة. وعلى ظهور هزيود Hesiod، في القرن التاسع (ق.م)، الذي نادى في ملحمته “الأعمال والأيام” بعدالة الآلهة وكمالهم، فإن صوته لم ينفذ إلى ضمائر
لم يكن في تلك الحقبة من وجود لدين عقائدي ذي نظام خلقي ملزم وإجلال حقيقي للألوهة. فممارسة الدين تُختَصر بطقوسٍ واحتفالاتٍ تخاطب الحواس وترمز إلى الظاهرات الطبيعية والعناصر الأولى وعلاقة الآلهة والأرض والإنسان بها
الأغارقة ولا غير شيئًا من عاداتهم وخلفيتهم. ولذلك انتشر الاقتتال بينهم، وتكاثر المستبدون كما المظالم. وكان القدر الذي لا يرد جزءًا من ثقافتهم. فقوَّته الغامضة كانت تسيطر حتى على الآلهة. لكن الأقدار تبدو أحيانًا غير جامدة، فمجاربها تتغير بتغير الأعمال. مثاله إذا تزوج زوس ثيتيس، فابُنه سيطيح به عن عرشه. فالإتيان بالعمل حر، لكن نتيجته محتومة. والآلهة يُرشدون البشر بإلهامهم لتفادي الأعمال التي تؤدي بهم إلى المهالك أو المصائب، لكنهم لا يتدخلون في ما تؤدي إليه تلك الأعمال إذا اختارها البشر. لكن قلما كانت العقلانية تُداخل أعمال العامة وسلوكهم.
وفي أواخر القرن السابع وخلال القرن السادس (ق.م.) ظهر حكام في اليونان أدخلوا بعض الإصلاحات العملية السياسية والاقتصادية، فسموا بـ”الحكماء السبعة”؛ وكان أبرزهم سلولونSolon (639؟-559؟ ق.م) الذي خفف أعباء البؤساء، وأعاد الأتزان إلى أثينا بمنحها دستورًا أكثر ديمقراطية. لكن “الحكماء السبعة” جميعًا وجدوا مقاومةً من فئات مختلفة. وقد ظهرت قوةُ العقل المستنير مقابل الإيمان بالقدر المحتوم، أول مرة، في خطبة وجهها سولون لمواطنيه قال فيها: “إن مدينتنا لن تهدم بقوة قدرِ زوس… بل إن المواطنين أنفسهم سيهدمونها بجنونهم”. وقال أيضًا “إذا كنتم تعانون الشر من جراء الفساد الذي قمتم به أنتم، فلا تلوموا الآلهة، لأنكم أنتم بأنفسكم جعلتم ظالميكم كبارًا” (ص 273). بهذه الكلمات أنار سولون أول مصباحٍ من مصابيح العقلانية في أثينا. لكن يبدو أن بذوره لم تلق أرضًا خصبة. وما قاله تحقَّق.
وبعده بحوالى ثلاثين سنة أسس فيثاغورس جمعية دينية وعلمية انضم إليها أتباعٌ من العلماء والفلاسفة ومئات من طلاب المعرفة رجالاً ونساءً، كثيرون منهم كانوا يعتبرونه أبولو مُجسدًا. وكان أول من منح النساء، قبل أفلاطون، حقوقًا وفُرصًا متكافئة. كان هدفُ جمعيته إصلاح المجتمع إصلاحًا خلقيًا. وكان لها نقاطُ التقاء كثيرة مع “الأورفية” Orphism (نسبةً إلى أورفيوس الاسطوري)، إذ إن هدف الجمعيتين كان تنقيه النفس من أجل تمكينها من التحرّر من “عجلة الولادة”. ويمكن إيجاز تعاليم جمعية فيثاغورس في ثلاث نقاط: أولاً، التقمص حقيقة؛ لكن يستحيل أن يتحرَّر نهائيًا من الجسد إلا النفوس التي تبلغ درجةً عالية من النقاء. ثانيًا، الجسد سجن للنفس، وواجب الفلسفة أن تقضي إلى التأمل في معنى الموت وطرق التحرُّر من الجسد. ثالثاً، الحياة النقية تقوم على إطاعة النواهي التي نتجت عنها المحرمات الأصلية، وعلى الإنسان أن يسأل نفسه كل مساء: بماذا سقط؟ ما الخير الذي فعله؟ ما الذي لم يفعله وكان يجب أن يفعله؟
لكن كيف عومل فيثاغورس – الذي قال عنه المؤرخ البريطاني، ديورانت Durant، “إنه مؤسس العلم والفلسفة مثلما عرفناهما في أوروبا” – من قبل شعب مدينته، كروتونا Crotona؟ لقد أحرقوا المنزل الذي كان أتباعه يجتمعون فيه، وقتلوا كثيرين منهم، والبقية طردوهم من المدينة. أما فيثاغورس فقد تضاربت الرواياتُ في مصيره. فمنهم من قال إنه قُتِل بأيدي الغوغاء، ومنهم من قال إنه غادر المدينة إلى مكان آخر حيثُ اعتزل ثم صام 40 يومًا مات على أثرها. وهكذا أضاءَ فيثاغورس المصباح الأول للهداية الروحية في اليونان، لكن الغوغاء أطفأته! فما الذي جعل الأغارقة عُصاةً للإصلاحِ الخُلقي؟
تنهضُ عدة أسباب؛ أهمها أن الدين اليوناني السائد منذ حرب طروادة (القرن الثاني عشر ق. م.) لم يكن عاملاً ايجابيًا ذا تأثير حسن في سلوك الناس وخلقيتهم. فقد كان أشبه بنظام “سحري”، لأن ممارسة الطقوس ممارسة صحيحة تبعًا للتقاليد كانت أهم من السلوك والخلقيات؛ فخلاصُ الإنسان كان بالطقس الصحيح، لا بحياته النقية. زِدْ إلى ذلك أن الآلهة، في المفهوم الشعبي، لم يكونوا كاملين في نزاهتهم واستقامتهم وعدالتهم وعفتهم ولُطفهم، ولا يُمكنُ أن يتخذوا مِثالاً أعلى في المحبة والرحمة. ولذلك لم يكن من رادعٍ روحي واضح للأغارقة ينهاهم عن المحرمات ويضعُ لهم حدودًا. فالمجتمع الإغريقي كان أشبه بالشاب الغرير، ينفعل حتى البكاء ويعطف على أهل بيته من جهة، ومن جهة أخرى يأخذ بالثأر، ويسطو على المراكب بالقرصنة، وإذا اجتاح بلدةً، قتل جميع رجالها أو باعهم عبيدًا، وسبى نساءها وأطفالها أو استعبدهم. والكذبُ والحنثُ بالوعد لدى أبطالهم عند مواجهة أعدائهم كانا يُمدحان. يقولُ وِلَ ديورانت: “سر ذلك أن مقياس الآخيين Achaeans في الحُكمِ على الأمور يختلف عن حُكمنا اختلاف فضائل الحرب عن فضائل السلام… فالرجل الفاضلُ ليس اللطيف الصبور، الصادق المعتدل، المجتهد الشريف؛ إنه من يقاتل قتالاً شجاعًا ممدوحًا. أما الرجل الرديء فليس من يُسرِفُ في شُربِ المسكرات، ويكذبُ، ويقتل، ويخون، بل من يكونُ جبانًا، أحمقَ وضعيفًا”. ولعل لُحمةَ الأسرة هي الميزةُ الإيجابية الوحيدة التي اكتسبها الإاغريقُ من دينهم3 (ص 50 و 200 – 202).
وقد مرت قرونٌ على مدن اليونان من غير أن تعرف قوانين تضبط أوضاعها السياسية والاقتصادية. فالمساواة أمام القانون، والأسسُ الخلقية في التعامل، والديمقراطية لم تكن معروفة، والثرواتُ والممتلكاتُ كانت محصورة بين أيدي قليلين، بينما الأكثرية كانت في عوزَ. و”الحكماء السبعة” – على سنِّهم بعض الشرائع العملية للمواطنين – لم يكونوا حكماء فاضلين حقًا، ولا استطاعوا إنشاءَ مفهومٍ مجرد للدولة. فالدولةُ في إسبرطة أو أثينا كانت في الوجودِ الحي لأبنائها ومظاهرها وهياكلها ومذابحها وحياتها الاجتماعية وتقاليدها. وإن يظهنر في مدينة ما حاكم يحاول أن يكون عادلاً، فما تلبث الارستقراطية أو الغوغاء أن تعترض أعماله، أو يتكاثر حوله المتملقون والمتزلفون حتى يدفعنم الحسدُ إلى الطعن بفضله. وزاد الطين بلا أن القادة والحكام، بصورة عامة، كانوا يلجأون إلى “وسطاء الوحي” المزيفين من الكاهنات أو الكهنة ORACLES لاتخاذ قراراتهم، قبل خوض حرب أو اتخاذ موقف حاسم في إدارة الشؤون العامة، الأمر الذي شل الأحكام العقلانية.
لكن بالرغم من ضعف الأغارقة الخلقي وتنافرهم داخليًا حتى في مدنهم نفسها، فإن الحماسة وحَّدت كثيرين منهم ضد أعدائهم الخارجيين. فقد استطاع جيشُ اليونان الصغير أن ينتصر على جيش الفرس الهائل الضخامة، أول مرة، في معركة ماراثون (490 ق.م.) ، وثاني مرة في معركة سالاميس (480 ق.م.). وبعدهما فُتحت جميعُ المرافئ في البحر المتوسط للتجارة اليونانية. فهل كان دهاء اليونان ووحدةُ صفوفهم الآنية كافيين لانتصار جيشهم الصغير على جبروت جيش داريوس ثم أحشورش الأول الذي كان قد أخضع مصر وبلاد الكلدانيين وثراس Thrace ومقدونيا وثيسالي Therssaly واجتاح اليونان ودمر أثينا، وأمعن تشويهًا بآلهتها؟ هل كان طبيعيًا أن يقتل من القوة اليونانية، وفق المؤرخين، 159 جنديًا فقط مقابل 260,000 جندي من الفرس؟ (ص 234 – 242) لا بد من أن يكون لذينك الانتصارين العجبيين أسبابٌ روحية.
العصر الذهبي: بريكليس وسقراط
يقول الفيلسوفُ الألماني هيغل: “لم يحدث قط في التاريخ أن تجلى تفوق القوة الروحية على الضخامة المادية – وهي ضخامة لا يستهان بها – مثلما تجلى في هذه الحرب ]اليونانية الفارسية[ التي أصبحت لما استتبعت من نمو في المدن المشاركة فيها أسطع حقبة في تاريخ اليونان (ص 258).
إن القوة الروحية التي أشار إليها هيغل منبعها السيالات الروحية (أي القوى الإداركية التروعية الإرادية) التي ستبدأ تباشيرها بالإطلاع بتولي بريكليس Pericles الحكم (463 – 430 ق.م.). فأثينا عرفت فيه أعظم حاكم في تاريخها، وبلغت في عهده أوج عظمتها ومجدها وحضارتها، إذ اجتمع فيها إلى جانب سقراط الحكيم العظيم، أبي الفلسفة الخلقية، أعظم أدباء اليونان، كإسخيلوس Aeschylus وسوفوكليس Sophocles ويورييديس Euripide وغيرهم وأكبر فنانيها كفيدياس Phidias و زكيس Zeuxis وكثيرون آخرون من العباقرة. فالرحمة الإلهية صانت اليونان إلى أجل معين من أجل هؤلاء لأنهم سيكونون القاعدة الروحية (الخلقية والفكرية والأدبية والفنية) التي ستُبنى عليها حضارةُ أوروبا فيما بعد، والتي ستمد التعاليم الموحاة المقبلة على العالم، من خلال المسيحية والإسلام، بمبادئ عقلانية وجمالية.
أحاط بريكليس بثقافة عصره من جوانبها جميعًا، الفنية والأدبية والفلسفية والاقتصادية والعسكرية حتى رآه المؤرخون ذروة ما أنجبته اليونان من حكام. وكان بليغًا في خطاباته، رزينًا، رابط الجأش، عظيم التأثير في العقول المستنيرة. ولم يكن نفوذه مستمدًا من ذكائه فحسب، بل من استقامته ونزاهته أيضًا. وقد أدخل الديمقراطية على أثينا، وعمل على ازدهار العُمران والحياة الاقتصادية وتعميم الرخاء؛ ومع ذلك لم يزد شيئًا على ما ورثه عن أبيه طوال حياته. ومن أهم منجزاته أنه صان حرية الكلام حتى على نقد شخصه وزوجته، وحمى الفنانين والأدباء والفلاسفة، وسعى إلى رفع مستوى الشعب الثقافي بدفعه مكافآتٍ لكل مواطن يحضرُ المسرحيات والألعاب في الأعياد العامة. (ص 245 – 254).
من الامتحان إلى المحنة
حكم بريكليس أثينا حكمًا عادلاً فاضلاً أحبَّه الشعب عليه وحمده. لكنه بعد 13 عامًا من بداية حكمه (حوالى 450 ق.م.)، تعرف إلى امرأة جميلة من أصل ميليزي Milesian تُدعى أسبازيا Aspasia. فاجتذبه جمالها مثلما اجتذبته حركتها النسائية التحررية التي أنشأتها ودعت فيها إلى حرية الزواج خارج نطاق الشرعية، وإلى حقوق المرأة في حرية التحرك والسلوك والثقافة والاختلاط بالرجال. وقد فتحت مدرسة للخطابة والفلسفة كان يحضرُ دروسها كثيراتٌ من فتيات الأسر المعروفة، بل إن كثيرين من الأزواج كانوا يصطحبون زوجاتهم للاستماع إليها. وقد حضر دروسها رجالٌ كثيرون بينهم بريكليس وسُقراط نفسُه الذي كان ما يزالُ في أوائل العشرينيات من عمره. ويقولُ المؤرخون إن بريكليس تولع بها حتى تزوجها زواجًا غير شرعي، لأن القانونن اليوناني الذي سنَّه هو نفسُه عام 451 (ق.م.) يمنعُ الرجل الأثيني من أن يقترن بامرأةٍ غير أثينية اقترانًا شرعيًا. بل إنه أوصى بثروته للولد الذي ولدته له، بالرغم من وجود أولادٍ شرعيين لديه. وقد نشأت بينه وبين زوجته الشرعية خلافاتٌ حادة أدت إلى طلاقها. وقد جعلت أسبازيا من منزله، وهو منزلُ الحاكم، صالونًا يتلاقى فيه الفنانون والأدباءُ والفلاسفة ورجالُ الدولة، حتى قيل فيها إنها أصبحت ملكة أثينا غير المتوجه. ذلك كان كافيًا لتنطلق ضد بيركليس ألسنةُ السوء من المحافظين ومدعي التقوى الدينية، وليتهموا أسبازيا باحتقار آلهةِ اليونان. فأحيلت على محكمة اختير لها 1500 محلف Jurors. واتخذ بيركليس موقف محامي الدفاع، فدافع عنها ببلاغة ودموع حتى أُبطلت الدعوى. لكن منذ هذه اللحظة (432 ق.م.) بدأ بيركليس يفقد سطوته على الشعب الأثيني (ص252 – 254).
هل استطاع بريكليس تغيير خلقية الأغارقة؟ بالرغم من ازدهار الحياة اليونانية، وخصوصًا في أثينا، في المجالات الاقتصادية والفكرية والفنية طوال 60 سنة (بدءًا من الحروب اليونانية – الفارسية عام 492 ق.م. حتى آخر حكم بريكليس)، فإن خلقية الأغارقة لم تستطع أن تنهد إلى المثل العليا المتطلعة إلى اللانهائي والمتفلتة من العنصر الطبيعي، العنصر الكامن في المحسوس من الجمال والتمثل الإلهي. ذلك فضلاً عن أن تلك الخلقية تمحورت حول الذاتية الضيقة التي شكلت بذرة الانهيار اليوناني. وقد تجلَّى الإنحلالُ السياسي أولاً، في التنافس على السيادة بين المدن اليونانية، وكذلك في تنازع الفضائل في المدن نفسها. فخلقية الذاتية الضيقة جعلت بلاد الإغريق غير جديرة بتكوين دولة واحدة من مدنها المتنافسة. أما تجربة حرب طروادة التي اجتمعت فيها مدن اليونان فكانت عابرة. يؤكد ذلك أن محاربة الفرس الضارية للأغارقة لم تستطع أن توحِّد جميع المدن اليونانية؛ فالأواصر بينها كانت واهنة، لأن التحاسد كان ينهشها، والتنافس من أجل السيادة كان يعكّر صفوها (ص 261 – 266).
أما أثينا تنعم بالحرية والديمقراطية في عهد بريكليس، لكنها كانت تطمع بالسيطرة على المدن والشعوب الأخرى. فثراؤها الفاحش بَلا المدن الأخرى بالحسد، ونزعتها الإمبريالية للسيطرة على التجارة دفعت سائر المدن لبغض شعبها. وحب بريكليس لأثينا وتفوقها حفزه إلى المغامرة من أجلها. فكان يعمل للسلام مع المدن الأخرى. وفي الوقت نفسه يتأهبُ للحرب التي رأى أنها لا بد واقعة. عرض على إسبرطة الحوار، لكنها رفضته مع أكثر حلفائها. ثم تعاقبت الأحداثُ بين أثينا وسائر المدن اليونانية التي حالفت إسبرطة، إلا واحدة هي أرجوس Argos. فطلبت إسبرطة من أثينا تخليها عن سيادتها الإمبريالية ومنحها جميع المدن التي تحت سيطرتها الاستقلال. لكن بريكليس أقنع الأثينيين برفض طلب إسبرطة التي ما لبثت أن أعلنت الحرب. فما كان من بريكليس إلا أن منع جنوده من التوجه إلى القتال، وأمرهم أن يبقوا مع الشعب كله داخل أسوار أثينا. ويبدو أن محنة أثينا أطلقها سبب روحي اتخذى مجرى طبيعيًا، إذ سرعان ما تفشى وباءٌ استمر زهاءَ ثلاث سنوات، بدءًا من عام 430 ق. م فقضى على ربع الجنود الأثينيين وكذلك على أعدادٍ كثيرة من السكان. فأتَّهم الشعب بريكليس الذي أحبّه كثيراً بأنه سببُ الحرب والوباء، ووضع المسؤولية على عاتقه، فأقاله المشرِّعون من الحكم. وبعد سنة واحدة (429ق. م.) قضت شقيقته وأبناه الشرعيان بالوباء. وعندما رأى الأثينيون أن لا حاكم لديهم بإمكانه أن يحل محل بريكليس، استصرخوه أن يعود إلى اللحكم لائمين أنفسهم. لكنه مات بالوباء نفسه بعد عدة أشهر؛ وبموته مهَّد الطريق لانحدار حضارة أثينا ومدُنِ اليونان جميعها، لأن خلفاءه من الحكام كانوا مُنحرفين فاسدين، لا همَّ لهم إلا جمع الثروات الفاحشة. ولعل أبرزهم وأضرهم كان ألسيبيادس Alcibiades. فقد نشأ في أسرة ثرية بارزة، إذ كان والده قائدًا لجيش أثينا، والقيم عليه بيركليس، ومعلمه في المرحلة الأولى سقراط العظيم. لكنه كان شابًا محبًا للإسراف، مزدهيًا بنفسه، متلونًا، سيالاته الروحية المتدنية المستوى تغلبت على ثقافته. ولما بلغ الثلاثين من عمره تخلّى عن النزاهة التي كان سقراط ينصحه بالتزامها، ليخوض غمار السياسة المتقلبة المتناقضة المواقف. وكان لهذا التلون اثرٌ سلبي في تسعير الحرب بين أثينا وإسبرطة التي لم ترتدع حتى عن الاستعانة بفارس لضرب أثينا والمدن التابعة لها. لكن ألسيبيادس جوزي على فساده. فإسبرطة، التي صادقها ثم انقلب عليها والتجأ إلى ملك فارس، استطاعت أن تقنع الملك بقلته. وبعد ذلك خربت الديمقراطية في أثينا، وتسلمت فارس السلطة على المدن اليونانية في آسيا الصغرى (ص 266 – 267).
النذيرُ الهادي والسقوط
عام 424 (ق.م) وقعت معركة ديليوم Deluim بين أثينا من جهة وإسبرطة وطيبة من جهة أخرى. كان سقراط في الخامسة والأربعين من عمره، وقد بدأ ينثرُ أفكاره الفلسفية الخلقية، لكنه لم يكن بعد قد نشط في دعوته الإنسانية، ولا انتظمت تعاليمه. وبصفته يونانيًا بين الثامنة عشرة والستين من العمر، كان مُلزمًا بالاشتراك في القتال. كان سقراط في فرقة حملة السلاح الثقيل. وقد قتل من رفاقه أكثر من ألف جندي، أي بنسبة 15% منهم؛ بكلمة أخرى، كانت الموقعة كارثة على أثينا. لكن سقراط فضل أن يفرَّ من المعركة عائدًا إلى أثينا. تُرى، هل كان يخافُ الموت؟ إن رفاقه الذين نجوا يروون أنه كان شجاعًا. ونهايته المعروفة تظهر أنه كان جريئًا في الموت كما في الحياة! بل إنها دفعت الباحثين فيها، وخصوصًا جماعة الأفلاطونية الحديثة، إلى جعله سابقًا للمسيح. إذًا ما الذي جعله يفر من القتال؟ لا شك بأن قوة روحية خفية دفعته إلى أن ينجو بنفسه، قوةً كان يسمعُ صوتها في نفسه، لأن حياته ستكون ذات تأثيرٍ إيجابي لكثيرين، ولأنه يحمل دعوةً روحية، خُلقية فلسفية عليه أن يتمِّمها. فلو قُتل سقراط في تلك المعركة لما كانت حواراته ولما كان أفلاطون وأرسطو مثلما نعرفهما، ولما كانت الحضارةُ الغربية بأعمق وأجمل ما فيها من فكر وخلقيات. إذًا لا صُدفة في مجرى الحياة. وأحداث البشر العامة والخاصة ذاتُ أسباب روحية مبنية على الاستحقاق الروحي وعلى نظامٍ إلهي مهيمن على الأرض ليس فيه ظلم مقدار ذرة، بل رحمةً وهدايةٌ يعقبهما ثوابٌ أو عقاب.
يقول هيجل: “سقراط مشهور بأنه معلم النظام الخلقي، لكن بالأحرى أن نسميه مبتكر النظام الخلقي. فالأغارقة كان لهم نظام خلقي مبني على الأعراق؛ لكن سقراط اضطلع بتعليمهم ماهية الفضائل والواجبات الخلقية… فالإنسانُ الفاضل ليس من يريدُ ويعمل ما هو حق، ليس الإنسان النقي السريرة فحسب، بل هو من يمتلكُ وعي ما يفعله” (ص269). لم يكن سقراط نبيًا، لكن بعضًا من سيالات الأنبياء الروحية كان يحييه، وفقًا للتعاليم الداهشية. ولذا كان واعيًا دعوته،, مؤمنًا بها؛ وقد قامت رسالته على محاورته الناس ليوقظ فيهم ما هجع من الخير والحق وليعلمهم التمييز بين الصواب والخطأ. وكان منطلقه وشعاره في الحوار: “أعرف ذاتك”. ذلك بأن معرفة النفس بابٌ لكل معرفة إنسانية؛ وهي طريق لتعرف كُنه النفس ومصدرها ومصيرها ولإيضاح قواها واستعداداتها ودوافعها ونزعاتها، وجلاء مناهجها السلوكية، وما يجب أن تمتنع عنه، مثلما هي سبيل إلى فهم القوانين المنطقية للتفكير السليم. واعتبر سقراط أن المعرفة الصحيحة التي هي وليدةُ الحق لا تقوم إلا مقترنةً بالفضيلة التي هي وليدةُ الخير؛ ولذا فالإنسان السليم لا ييبنيه إلا اتحاد الفكر الحق فيه بالعمل الخير. وقد آمن سقراط بوجود قوة إلهية مدبرة ترعى البشر، وبنظام ثابت يهيمنُ على الكون، وبوجود حقيقة ثابتة وعالم روحي، وبخلود النفس والثواب والعقاب والتقمص.
وكان سقراط مثالاً خُلقيًا أعلى لكل من سعى إلى الفضيلة بعده. كان متحمسًا بنفسه، ضابطًا لترعاته، متقشفًا، ولا سيما في سنواته الأخيرة. ومع ذلك لم يكن يدعي الصلاح التام والتباهي، ولا كان يقسو على مواطنيه بالرغم من معرفته سوء أخلاقهم وسلوكهم، لأنه كان مؤمنًا بأن ارتقاء مواطنيه خُلقيًا – وليس ارتقاءه فحسب – هو رسالةٌ ائتمنه الله عليها؛ وهذه الرسالة يجبُ أن يؤديها بوجه لا يعرف العبوس مهما حدث له. لكن تعاليم سقراط السامية مقرونة بخلقيته الصارمة أثارت السيالات الروحية السفلية التي كانت تحتلّ معظم أعضاء مجلس الشعب، فأصدروا حكمهم عليه بالموت عام 399 (ق.م.) بتجريعه سم الشوكران. وهذه الإدانة التي تمت بموافقة 280 عضوًا ضد 220، على الأرجح، كانت، في نظرهم، بسبب “تعديه على شرائع البلاد، وعدم إيمانه بآلهتها، وتبشيره بمعتقد جديد، وإفساده الناشئة”. وقد أمضى شهرًا كاملاً في السجن حيث كان يستقبل أصدقاءه، ودبرت خطة لفراره، لكنه رفض ذلك وآثر أن يشرب السم. كذلك سنحت له فرصة في أثناء المحاكمة لتخفيف الحكم عليه شرط أن يتنازل عن رسالته؛ لكنه رفض التراجع معتبرًا نكوصه عارًا. بل إنه خاطب ممثلي أثينا بقوله في أثناء محاكمته: “أتنبأ لكم، أنتم يا من تحكمون عليَّ: عقابٌ وشيكٌ سينزلُ بكم بعد موتي، وسيكونُ أصرمَ جدًا من عقابي” أما الكلمة الأخيرة التي تفوه بها قبل موته فكانت: “إني لا أكنَّ أي حقدٍ خاص على الذين يدينونني والذين يتَّهمونني ” فكان موقفه شديد الشبه بموقف السيِّد المسيح بعد أربعة قرون.
والداهشيُّون يستمدّون تعظيمهم لسقراط من تعظيم مؤسس عقيدتهم له. فكثيراً ما حدَّثهم عن فضائله وتفوّق تلميذه أفلاطون. حسبي أن أشير الى ما قاله في أثناء زيارته للأكروبول في 22/2/1971: ” وقفتُ بخشوعٍ كأنني في معبد، أنظرُ الى الأعمدة الجبَّارة التي قارعت الأجيال… وكيف لا أخشع والصَّمتُ يهيمن عليَّ! أو ليس سقراط كان يأتي الى هذا المكان الذي أقف فيه الآن؟ سقراط الفيلسوف العظيم، وكذلك أفلاطون الجليل، صاحب “المدينة الفاضلة “، الذي سبق بتفكيره الصائب أهل زمانه، فخلَّد التاريخ إسمه العظيم!… كذلك كان مؤسس الداهشية يشبه مضطهديه بمضطهدي سقراط، وقد أشار إلى ذلك في رسالةٍ منه إلى الدكتور حسين هيكل باشا.
وقد تحققت نبوءه سقراط بخراب اليونان مثلما تحقَّقت بعدها نبوءه المسيح بخراب أورشليم؛ ونبوءةُ الدكتور داهش بخراب لبنان بدءًا من 1975، تلك النبوءة التي نشرت في جريدة الحياة البيروتية بتاريخ 4/1/1948، ولم يصدِّقها أحد إلا تلاميذه!
وقد بطش الشعبُ الأثيني ببعض متَّهمي سقراط، والآخرون شنقوا أنفسهم أو عزلوا حياتهم.
أما الثورة الفكرية الخلقية التي أطلقها سقراط فقد كان مُعينًّا أن تستفيد منها شعوب أخرى. أولاً، عبر أفلاطون، تلميذ سقراط، بشرحه أفكار معلمة في حواراته. قال برتراند راسل: “على كثرة الفلسفة، قليلون الذين استطاعوا أن يجاروا أفلاطون، ولكن ليس من أحدٍ حاكاه في عُمقه، ولا أحدٌ تخطاه”.
ونافلٌ القول إن من تلاميذ أفلاطون أرسطو الذي شق لنفسه نهجًا فلسفيًا خاصًا، لكن أسَّس فلسفته مُدينٌ بها لمعلمه. ومن اندياحات الموجة الأفلاطونية تولدت الأفلاطونية الحديثة التي أسسها أفلوطين (نحو 203 – 270 ب.م.)؛ وقد امتدت تأثيراتها ألف سنةٍ ونيفًا. كذلك امتد تأثيرُ أفلاطون، في سياق التاريخ، إلى كثيرين من المفكرين الكبار؛ منهم أوريجينس، وأوغسطينس، وتوماس مور، وكبلر، وغاليليو، ولايبنتز وغيرهم كثيرون.
ثانيًا: إن أفكار سقراط وأفلاطون انتقلت إلى شعوبٍ كثيرةٍ أخرى بواسطة شاب عبقري التمع فيه شيء من وهج الهداية الروحية. إنه تلميذ أرسطو، الإسكندر الكبير (356 – 323 ق.م.)، الذي تسلَّم الحكم وهو في عمر العشرين، بعد مقتل أبيه فيليب المقدوني على يد أحد ضباطه؛ فتخلَّص الإسكندر سريعًا من مناوئيه داخل مقدونيا، وزحف بجيشه على المدن اليونانية مدفوعًا بإيمانه العظيم برسالته الحضارية، ففرض سلطانه عليها جميعًا إلا إسبرطة’، وألغى الحكم الدكتاتوري في بلاد اليونان، وأمر بأن تعيش كل مدينة وفق قوانينها الخاصة. وما لبث أن قام بفتوحٍ عظيمة في الشرق ناشرًا الحضارة اليونانية الأثينية حيثما حطَّ بالإسكندرية، وفارس، والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ولما كانت فارس أعظم الدول قوة، عهدئذٍ، ولمس الإسكندر أن أشراف الفرس ذووو خلقٍ حسن ملحوظ لم يجتذب نظره في الديمقراطيات اليونانية، قرر مزج الدم اليوناني بالدم الفارسي، فأمر بأن يقام عُرسٌ عظيم في السوس (سنة 324 ق/.م.)، تزوج فيه الإسكندر ابنة داريوس الثالث، ملك الفرس الذي كان قد قتله قائد فارسي من جنوده، بعد فراره من وجه الإسكندر؛ وكذلك تزوج ثمانون من ضباطه، بناءً على رغبته، بنساء فارسيات، ثم اقتدى بهم ألوفٌ من جنوده. وقد وهبَ الإسكندر ضباطه الذين تزوجوا بائناتٍ كبيرة. ودفع الديون عن جميع جنوده الذين حذوا حذوهم. ورغبة أن يقيم الإسكندر دينًا مشتركًا تؤمن به شعوب إمبراطوريته المختلفة المعتقدات، أعلن أنه ينحدر من أبٍ إلهي هو زوس – أمون، أي الله بتسميته اليونانية – الفارسية. فاستمالت هذه الدعوة كثيرين وأغاظت كثيرين؛ فتكاثرت المؤامرات عليه لقتله. وبعد آلامٍ وهمومٍ شديدة، لازمته حمى مرتفعة قضت عليه بعد عشرة أيام وهو في بابل، وعمره ثلاثة وثلاثون سنة. وبموته انطفأت مشاعل الهداية الروحية ثلاثة قرون لتتوهج في يسوع الناصري. عام 146 (ق.م.) أصبحت اليونان ولايةً رومانية. وبعدئذٍ اجتاحها البرابرة ثم شعوب أخرى. والحضارة العظيمة التي شهدتها عهد سقراط وبركليس لم تشهدها من بعد إطلاقًا.
(في العدد المقبل: السببية الروحية ونشأة المسيحية)
السببيَّة الروحية في مجرى الأحداث العامة (6)
وفق المفاهيم الداهشية: نشأةُ المسيحيَّة ومرحلتها الأولى
بقلم الدكتور غازي براكُس
لعل القارئ تنبه، في معالجتي لموضوع السببية الروحية في مجرى الأحداث العامة، إلى تأكيدي المتكرّر أن وراء الأحداث الجماعية وكذلك الفردية – نظامًا روحيًا عادلًا وثابتًا يُهيمنُ على الأرض ِ وعلى الكونِ كله معلومه ومجهوله، وأن من قواعد هذا النظام ظهور أنبياء أو هداة روحيين، مُنذرين ومُبشرين؛ فيخاطب كل منهم قومه أولاً، ثم العالم، من خلال الحقائق والإرشادات المُوحاة أو المُلهمة التي يتركها، مؤكدًا أن خير الفرد والجماعات الأسمى رهنٌ بمدى ممارستهم وتجسيدهم لتلك الحقائق والإرشادات، وبالتالي مدى استقامة العلاقات الروحية التي يقيموها بينهم وبين ذلك النظام الروحي يدفعهم إلى ارتكاب مختلف الرذائل والشرور، وبالتالي إلى جر شعوبهم إلى النكبات والويل والثبور.
يقول الدكتور هيوستن سميث Huston Smith، المرجعُ الكبيرُ في تاريخ الأديان وأستاذُ الدراسات المقارنة فيها في جامعات واشنطن و MIT وسيراكيوز وبركلي بكاليفورنيا: “العلمُ الحديثُ ما يزال يشكك في وجود كياناتٍ غير منظورة؛ لكن التشكيك العلمي بدأ يتراجعُ مع ملاحظة إدنغتن Eddington أن العالم هو شبيهٌ بعقلٍ أكثر منه بآلة، ومع تقارير عُلماء الفيزياء الفلكية القائلة بأن مقدار 90 بالمئة من المادة في الكون هو غير منظور، بمعنى أنه لا يؤثر في أي من أجهزتهم”.
والعقل الإلهي المدبر هو الذي يهيمن على النظام الروحي الكوني، ويؤثر في المخلوقات ومصايرها وفق عدالة كاملة وسببية روحية شاملة. وهذا التاثير يطال الموجودات جميعها معروفها ومجهولها من خلال جوهرها الروحي الكائن في كل سيال؛ علمًا بأن التعاليم الداهشية المُوحاة أوضحت أن نسيج الكون كله هو من السيالات. وهيهات أن تكون قوة “المادة” مهما عظمت كقوة الطاقة الروحية المجرَّدة التي بدأ يفترضُ بعضُ العلماء أنها مُنبثةٌ في الكون كله. يقولُ الفيزيائي البوذي ألن والاس Allan Wallace إنه لو أتيحَ للعلم أن يقيسَ تلك القوة غير المادية في فضاءٍ مجرَّد من المادة لظهر له أن أي حجمٍ منها، مهما يكن صغيرًا، لأعظمُ قوةً من مجموع الطاقة التي تختزنُها المادة في الكون كله، لأنها قوة لا نهائية.(2)
حياةُ السيد المسيح واضطهادُه والأسبابُ الروحية وراءهما
بهذه القوة الروحية الخارقة التي تبعث على الخشوع والذهول كان يسوع الناصري مزودًا من قبل المهيمن على نظام الكون. فشفى بقوة الروح الأمراض المُستعصية، وسيطر على الطبيعة، ومشى على المياه، وكشف الغيب… فكانت مُعجزاته ونبوءاته تصديقًا للمصدر الإلهي الذي استقى منه تعاليمه المبنية على المحبة والرحمة والفضيلة وسائر القيم الروحية. ولا حاجة للإفاضة بعرض تعاليم السيد المسيح في هذا المجال؛ فذلك سيعالج في الكلام على وحدة الأديان الجوهرية وفق المفاهيم الداهشية. لكن تجدرُ الإشارة إلى أن أهم وجه في تعاليمه السامية كان أنه عاشها حياةً سامية، فكان تجسدًا للمحبة اللانهائية وعطاء الذات حتى الفداء، مثلما كان تجسدًا للتواضع والفضيلة بكل مجالاتها. لكن الشعب وحكامه، من اليهود والرومان، لم يستفيدوا شيئًا منه بصورة عامة. فتآمروا عليه رجال دينٍ ودنيا، وقبضوا عليه وعذبَّوه وصلبوه وفق ما دوَّنه الإنجيليون. لكن ما الأسبابُ الروحية لكل ذلك؟
عدة أنبياء من العهد القديم تنبأوا بمجيء السيد المسيح بعد عودة اليهود من سبى بابل. يكفي أن أشير إلى نبوءة النبي ميخا التي يقولُ فيها: “يا أورشليم، جيوشُ الأعداء تضيقُ عليك الحصار، وتضرب حاكم بني إسرائيل على خده بالقضيب. أما أنت، يا بيت لحم أفراته، وإن كنت صغرى مُدن يهوذا، فمنك يخرج لي سيّد على إسرائيل يكون منذ القديم، منذ أيام الأزل… يقف ويرعى شعبه بعزَّة الرب إلهه وبجاه اسم الرب، لأن عظمته ستمتدُّ إلى أقاصي الأرض، ويعمها سلامه” (ميخا 1:5 – 5).
ووفق إنجيل متى عرف هيرودس الكبير من “مجوس” وفدوا إلى أورشليم بأن المسيح، سيد إسرائيل الآتي، سيولد في بيت لحم، وأنه قد ولد فعلاً. وسرعان ما اضطرب هيرودُس وخاف على عرشه. وإذ تأكد له من أحبار اليهود أن ولادته ستتمُّ في بيت لحم، أمر بقتلِ جميع الأطفال فيها من عُمر سنتين فما دون. وسرعان ما أوحي إلى يوسف في الحلم أن يأخذ الطفل ويترح إلى مصر ريثما يموتُ هيرودُس. وهكذا كان. لكن ما الأسبابُ الروحية وراءَ ذلك؟
إن السيد المسيح كان يجب أن يولد في ذلك الزمن (عام 5 ق.م.) ليجدد مُعاناة الآلام التي بدأها في افتدائه آدم وذريته، ومَن سيختارهم من التابعين له بسيالاتهم الروحية. وكان في الخطة الإلهية، أولاً، أن يولد في بيت لحم لتحقيق النبوءة لكن يوسف ومريم كانا من سكان الناصرة. فإذا بالقيصر أوغسطس يأمرُ بإحصاء سكان الإمبراطورية. فاضطر كل واحد إلى الذهاب إلى مدينته ليكتتبَ فيها. فصعد يوسف من الجليل حيث مدينةُ الناصرة إلى بيتَ لحمَ، مدينة داوود، في اليهودية، لأنه كان من بيت داوود وعشيرته. وبينما هما في بيتَ لحم فاجأ مريم المخاض. فهذا الترتيبُ العجيبب المُعقَّد ليس ترتيبًا بشريًا. ثانيًا، أن تتم ولادته في عهد هيرودس الكبير، لأن فيه سيالاً من الفرعون الذي أمر بقتل أطفال العبرانيين الذين أُنقذ موسى النبي من بينهم وهو طفل، ويسوع فيه سيالٌ روحي من النبي موسى، وذلك من أجل أن يعاقب الملكُ، كما سنرى، عقابًا رهيبًا، فتتم العدالةُ الروحية. ثالثًا أن يولد في عهد الإمبراطور أوغسطس Augustus، لأن العالم المنتشر على حوض البحر المتوسط كان كله موحدًا في ظل الحكم الروماني. وهذه النقطة الأخيرة أدركها أوريجينس Origen (185 – 254م)، أكبر لاهوتي مسيحي بعد بولس الرسول، إذ كان موقنًا أن ولادة يسوع الناصري في ذلك العهد كان من ضمن الخطة الإلهية، لأن الظروف المؤاتية للإرساليات التبشيرية كانت عظيمة؛ فالناسُ كانوا أحرارًا في التنقل من بلد إلى آخر، لأن العالم الروماني الموحد أزال الحواجز بين الدول، والأفكار الفلسفية اليونانية االمثالية، الأفلاطونية والفيثاغورية، كانت منتشرة، وسيزدادُ انتشارها في القرون الثلاثة التالية. أما المجوس الذين تدخلوا في نشر خبر ولادة “ملك اليهود”، فلم يكونوا “علماء فلك” أو “ملوكًا” مثلما يذهبُ المفسرون المسيحيون، بل كانوا تجسُّدات لكائنات فردوسية، أُمروا بأن يتجسَّدوا على الأرض للإسهام في تنفيذ عملية الفداء العظمى التي يقومُ بها السيد المسيح. وهذا السر الذي كان يجبُ أن يبقى مكتومًا في ذلك الزمن كشف عنه الوحي الداهشي.
لكن ما هي الأسبابُ البشرية التي استدعت الأسبابَ الروحية ونتائجها مثلما سنرى؟
كان الشعبُ اليهوديُّ، زمان المسيح، قد مضى عليه حوالى مئة سنة وهو تحت الحكم الروماني مسلوبَ الحرية، يدفع الضرائبَ الباهظة. فسياسيًا كان العقدُ والربطُ بيد الوالي الروماني، وملوكُ اليهود كانوا واجهةً دينية يدعمُها رجالُ الدين.
أما فئات الشعب اليهودي فأهمها خمس: أولاً، الفريسيون Pharisees الذين التزموا تطبيق الشريعة الموسوية المكتوبة والشفهية بحرفيتها ودقائقها وتأويلاتها، وأرادوا تجديد الحياة اليهودية من خلال إلزام طائفتهم ممارسة الطقوس الدقيقة في الصلاة داخل المجامع وفي الاغتسال وتحديد أنواع الأطعمة والعلاقات مع الآخرين، مما سيشكل تكوين “التلمود”؛ وبما أن معظم الكتبة (وهم علماء متفقهون في الشريعة وكثيرون منهم أحبار) كانوا من الفريسيين، فقد تمتع هؤلاء بالنفوذ الأقوى. ثانيًا الصدوقيون Sadducees الذين كانوا الأكثر تكيفًا مع الحكم الروماني والثقافة اليونانية؛ فهم يتمسكون بالتوارة، لكنهم يرفضون تقاليد الكتبة وروايات الفريسيين وشروحهم الشفهية، وينكرون قيامة الموتى والدار الآخرة (مرقس 12:18؛ أعمال الرسُل 23:8) ثالثاً، الأسينيون Essenes الذين كانوا يائسين من تجديد الدين اليهودي لنفسه ما لم يتدخل يهوه (الله)، لكنهم كانوا يتمسكون بالشريعة المكتوبة وغير المكتوبة، ويحرصون على التقشف والزهد، ويعتزلون الحياة العامة لعيشوا في متحداتٍ خاصة عيشةً اشتراكية في مآكلهم ومجمعاتهم السكنية مُنتظرين مجيء المسيح المخلِّص. رابعًا، السامريون الذين يرقى أصلهم إلى الانشقاق الذي حدث بين مملكة إسرائيل الشمالية ومملكة يهوذا الجنوبية؛ فهم لا يقرون إلا بالتوارة (أي الأسفار الخمسة الأولى) مع تغييرات في نصوصها، ويتَّخذون جبل جريزيم القائم في قلب السامرة مكانًا مقدسًا لعبادتهم؛ وسائرُ اليهود يُبدون لهم عداوةً دينية وقومية، إذ يعتبرونهم هراطقة، لا سيما أنهم لا يمانعون في التزاوج بينهم وبين الوثنيين الذين كانوا يسكنون جميع مدُن فلسطين الساحلية إلا يافا. خامسًا، الأحزابُ اليهودية التي طغت السياسةُ فيها على الصبغة الدينية، فجعلت هدفها الأول التحرُّر من الحكم الروماني بالمقاومة المسلحة. وقد برز بينهم “الغيورون” Zealots و”السفاحون” Daggermen، وبرز من زعمائهم ألعازر بن شمعون، وسيمون بن غوريا، ويوحنا بن لاوي.
إن السبي والتشرد والمصائب والآلام التي عاناها اليهود طوال عصور كثيرة، ورزوح شعبهم تحت نير الدول الأجنبية – كل ذلك جعلهم يعلقون آمال خلاصهم بمنقذ تتم فيه نبوءاتُ أنبيائهم الكثيرين، فيكون هو المسيح المخلص. لكن سيَّالاتهم المتشبثة بالقيم المادية والمُفعمة بترعات الطمع والسيطرة والشهوات الدنيوية، تلك الترعات نفسها التي ندد بها أنبياؤهم وكانت سبب نكباتهم المتكرِّرة التي تحدثت عنها سابقًا، صورت لهم أن “مسيحهم” يجب أن يولد من بيت داوود الملكي ملكًا، أو ينزل من السماء آتيًا على السحاب (تأويلاً حرفيًا للتوارة) ليُحرر اليهود من سلطة الرومان، ويؤمن لهم القوة والرخاء المادي. وبكلمة أخرى، تصوروا أن ملك المسيح يجب أن يكون سياسيًا، وقوته عسكرية، وشريعته شريعة أحبار اليهود وكتبتهم، لأنهم “مقدسون”.
تجاه تلك الفئات الخمس وقف يسوع الناصريُّ وقفةً مغايرة لهم جميعًا. فهو يريد التغيير، ويبشرُ ببعث الموتى وجزائهم حسب أعمالهم ونزعاتهم على نقيضٍ من الصدوقيين. ويرغب في البقاء قريبًا من الناس واهتماماتهم، من أجل إصلاحهم، على نقيض الأسينيين. ويُلحُ على المحبة الشاملة والمقاومة السلمية بمحبة الأعداء لا بمقاومتهم المسلحة، على نقيض الجماعات التي التزمت المقاومة العنيفة الدموية. أما الفريسيون فخالفهم في أنه شدَّد على المحبّة والشفقة ونقاء النفس لا نقاء الجسد والطعام. وكذلك على المساواة بين الناس يهودا وغير يهود، فريسيين وسامريين، أحرارًا وعبيدًا، أغنياء وفقراء؛_ فكان يؤاكلُ ويحادث الخطأة والمهمَّشين وجامعي الضرائب للرومان؛ وكان يناقضُ شريعتهم التي تحرمُ العمل عليهم يوم السبت، حتى لإنقاذ إنسان، فكان يشفى المرضى في هذا اليوم وكذلك كان يتكلم بسلطة مؤولاً الأسفار المقدَّسة تأويلاً جديدًا، مخالفًا لتأويل الكتبة. وأخطر ما في حياته وتعاليمه وخوارقه كان أنها ناقضت جميع ما اعتاده الشعبُ اليهوديُّ بكل فئاته، ولا سيما الطائفة الأقوى فيه التي جعلت رؤساء الكهنة امتدادًا للعائلات اليهودية الأرستقراطية يُساندُ بعضها بعضًا. حتى إنهم، يوم حاكمه بيلاطس، وخيرهم في من يطلقُ لهم يسوع أم برأبا، رئيس إحدى عصابات المقاومة المسلحة، فضلوا عليه برأبا.
ذلك كان موقفه من مختلف فئات الشعب اليهودي. أما موقفه من الدولة الرومانية الحاكمة فكان موقف المؤنب على الظلم، المقاوم مقاومةً سليمة. فمؤسسُ الداهشية كشف، في كتباه الموحى، “مذكرات يسوع الناصري”، الذي يروي فيه أحداثًا جرت في طفولة يسوع بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، أن معجزته الأولى تمَّت في كفرناحوم، إذ إن قائد الشرطة، بعد أن استجوب يسوع وأنذره لأنه يثيرُ الاضطرابات الفكرية بين الأحداث، الأمرُ الذي استنكره أهاليهم، سأله (لما عرف أن والديه في الناصرة): “وكيف؟ هل أنت متمرد عليهما؟” فأجاب يسوع: “أنا لا أتمرد إلا على الظالمين أمثالك.” فرد القائد: “يا شقي، اصمت”. فكان جواب يسوع: “أنت الشقي. أما أنا فإنني أضرعُ إلى أبي أن يجرِّد عليك سيف حقيقته البتَّار ، لترى من منا سيصمت”. وهوى قائد الشرطة ميتًا. وكان لهذا الحدث الخارق ضجة ومهابة!
ومؤرخو نشأة المسيحية يرون أن الدولة الرومانية كانت تراقب أعمال المسيح وكلامه وتنقلاته والحشود التي تجتمع حوله، ولم يكونوا ليميزوا تمييزًا قاطعًا بين حركته والحركات العنيفة المقاومة لهم، خصوصًا أن رؤساء الكهنة والأرستقراطيين من اليهود كانوا حلفاءهم. ولعلَّ أعنف موقفٍ وقفه من رؤساء الكهنة المحالفين للرومان كان يوم دخل أورشليم دخول الفاتح، وولج الهيكل مع الجموع وطرد بسوطه الباعة والصيارفة من ساحته، وشفى المرضى. فاغتنم رؤساءُ الكهنة والحراسُ اليهود من الفريسيين هذه الفرصة ليدعوا أنها كانت محاولةً من يسوع للسيطرة على مجمع الهيكل الضخم (أكثر من 200 يارد عرضًا و450 طولاً) الذي يضم 20 ألف موظف يعملون في مختلف الإدارات، فضلاً عن اشتماله على المصرف المركزي الحاوي كمية ضخمةً من النقود والأحجار الكريمة والودائع. ولذلك رافقت الجموعُ يسوع إلى بيلاطس مدفوعةً من رؤساء الكنهة والأرستقراطية اليهودية، وأخذوا يتَّهمونه قائلين: “وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا، ويمنعه أن يدفع الجزية إلى قيصر، ويدعى أنه المسيح الملك” (لوقا 23:2 – 5). كل هذا يؤيد ما قاله مؤسس الداهشية أن السيد المسيح “أطلق ثورةً نبيلة كي يحطم بواسطتها كبول الظلم والإرهاق، ويقطع أغلال الرقِّ والعبودية…” وأنه “ثلاثة وثلاثين عامًا جاهد جهاد المُستميت، داعيًا الجميع للانتفاض على دستور القوة والبطش، دون أن يسير في ركابه أحد، خوفًا من الدولة الرومانية القوية الشكمية… ما خلا نفرًا من البُسطاء الذين فتنتهم تعاليمنه العلوية، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهية. لم ييأس… ولم يتراجع… بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس، طاغية فلسطين… وفي النهاية، عظمت التضحية وضخم العداء. فقد بذلك الثائر حياته فداء لحرية البشرية المُعذبة؛ هذه البشرية المتألمة التي أعمت الشهواتُ والنزواتُ بصرها وبصيرتها، فقدمته ضحية على مذبح جهلها الصارخ، إذ كافأته على جهوده في سبيل تحريرها وحبه إياها بتعليقها إياه على خشبة الصليب!”.
لكن ما دام السيد المسيح كان يعلم من سيسلمه إلى السلطات، فلماذا سكت عنه؟ وهل حقيقة أنه صُلِبَ؟
عرفتُ من مؤسس الداهشية أن يهوذا الإسخريوطي كان من أحب التلامذة إلى السيد المسيح، وقد أوكل إليه أمانة الصندوق، بالرغم من معرفته أن فيه بعضًا من سيالات قابين الروحية. بل إن معرفته تلك زادته حرصًا على إحاطته بالعناية والمحبة لعلَّه يتغلَّبُ على سيالاته السفلية؛ لكن يهوذا لم يُفلح. فرأى يسوع، عشية القبض عليه، أن الساعة قد حانت ليتابع عملية الفداء التي أتى من أجلها، والتي كانت قد بدأت منذ عصيان آدم وحواء وسقوطهما في التجربة الجنسية. فإذا به، وهو على العشاء مع تلاميذه، يلمح إلى أن واحدًا من بينهم سيسلمه. وإذ سأله يوحنا الإنجيلي، وكان أصغرهم، مَن هو؟ “أجاب يسوع: “هو الذي أناولُه اللُقمة التي أغمسُها. وغمس يسوع لقمة ورفعها وناول يهوذا بن سمعان الإستخريوطي. فلما تناولها دخل الشيطان فيه. فقال له يسوع: “اعمل ما أنت تعمله ولا تبطئ” (يوحنا 13:25- 27) أما الشيطان المشار إليه فإنما هو سيَّالُ قابين التابع للإسخريوطي والذي كان في دركٍ جحيمي جزاء له على قتله لأخيه هابيل.
وفي التعاليم الداهشية المُوحاة أنه لم يكن في الخطة الإلهية المبنية على العدالة الروحية أن يصلب يسوع الناصري. ولذلك سمحت بأن يفتديه سيالٌ علويّ تابع له، فهبط من عالم فردوسي وتجسّد في المكان الذي قصده جنود الرومان بصحبة يهوذا الخائن ليقبضوا عليه، بينما حجب يسوع الناصري بسيالٍ روحيّ عن العيون، وأمضى حياته الباقية التي تجاوزت عشرين سنة ينتقل مُتنكرًا . هذا السيَّال الذي كان في تجسده شبهه تمامًا لم يكن يعرف سره المسيحيون الأوائل، لكن القرآن الكريم أنبأ عنه بقوله (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبِّه لهم) (النساء 157). غير أن فهم سر “التشبيه” بقي غامضًا وعلى تباين لدى المجتهدين المسلمين، ولم يتم جلاؤه إلا في الداهشية وفي شخص مؤسسها، بعد أن أعدم في أذربيجان في 1/7/1947، في خلال ثورة قائمة هناك، ثم بعث من الموت؛ وقد نشرت الصحف صور مصرعه في حينه. علمًا بأن في تعاليم الداهشية أن يسوع كان له سيَّال فردوسي يُسمح له بالتجسد من حين إلى آخر، مثاله حينما مشى على الماء، وظهر بعد صلبه لبعض المؤمنين والمؤمنات، واخترق جدران غرفة كان يجتمع فيها تلاميذه بعد الصلب. هذا السيَّال الفردوسي المتجسّد تسميه الداهشية “شخصية”.
العقاب الإلهي وبدايةُ انتشار المسيحية
مما كتبه فلافيوس يوسيفوس نقلاً عن نيقولاوس الدمشقي، مرافق هيرودس الكبير الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم لعله يقتلُ يسوع معهم، أن مرضًا خفيًا عصبيًا على الشفاء
أصاب هيرودس عام 4 ق.م.، وكان مصحوبًا بحمى شديدة وقرحة في أمعائه، والتهاب في رجله مع صديد ظاهر، وتعفن في أعضائه التناسلية سبب ولادة ديدان فيها، علاوة على آلام تطاق ودافع إلى حك جلده باستمرار، الأمر الذي دفعه إلى محاولة انتحار أنقذه منها أحد أنسبائه. لكن لم يطل الزمن حتى قضى نحبه في العام نفسه. وإذ ذاك ألهم يوسف في الحلم أن يعود إلى الناصرة مع الطفل يسوع وأمه، لتتم النبوءة القائلة “من مصر دعوتُ ابني” (هوشع11:1).
وفي عهد هيرودس أنتبيا، خليفة هيرودس الكبير، قبض على يسوع وسيق إلى الوالي الروماني. ولما اشتد اضطراب الجموع اليهودية مُطالبين بقتل يسوع، أخذ بيلاطس ماء “وغسل يديه أمام الجموع وقال: “أنا بريء من دم هذا الرجل. دبروا أنتم أمره. فأجاب الشعب كله: دمه علينا وعلى أولادنا”. (متى 24:27 – 25). هذا الطلب أصبح سببًا روحيًا لعقاب اليهود الراغبين في تنفيذه حاضرين كانوا أو غائبين ولعقاب سلالاتهم من بعدهم، إذ قال السيد المسيح مُخاطبًا أورشليم عندما اقترب منها: “ليتك عرفت اليوم طريق السلام! ولكنه الآن محجوب عن عينيك. سيجيء زمانٌ يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، ويطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر، لأنك ما عرفت خلاصك عندما أتى زمان الله” (لوقا 41:19 – 44).
وكان هيرودس أنتيباس الذي في ظلِّ حكمه تمَّ اضطهاد السيد المسيح، متزوجًا ابنة الحارث الرابع ملك الأنباط، الذين أقاموا مملكتهم في “العربية” التي كانت عاصمتها بصرى الشام. لكن هيرودس أغرى هيروديا، زوجة أخيه فيليب (من أم أخرى) ليتزوجها؛ فقبلت، شرط أن يتخلى عن ابنة الحارث. وهذا ما دفع يوحنا المعمدان إلى تقريع هيرودس وهيروديا علنًا، الأمر الذي سبب تاريخيًا قطع رأسه. لكن ابنة الحارلث عرفت بمكيدته، فتظاهرت بالمرض وطلبت إليه أن يدعها تستجم في القلعة التي تقعُ على الحدود الفاصلة بين إمارة هيرودس ومملكة الحارث، وهي القلعة التي قُطع فيها رأس يوحنا. ومنها أوصلت خبرها لوالدها. فكان أن أرسل قادةً من جيشه مع جنودهم فاختطفوها، وأعلن الحرب على هيرودُس أنتيبا، وهزم جيشه. ولما كان هيردوس من موالي الإمبراطور الروماني طيباريوس، فقد أعز هذا الأخير إلى فيتاليو Vitalius، قائد جيشه في سوريا، بأن يُعلن الحرب على الحارث. وعند هذه النقطة يبدأ التدخل الروحي بالاتضاح، وأن ما يشاؤه الله لا يمكن أن ينقضه بشر. ففي أثناء تقدم فيتاليوس بجنوده ليدخل أورشليم وصولاً إلى مملكة الأنباط تدخل رؤساء اليهود طالبين إليه ألا يدخلها حتى لا تُدنس بالتماثيل والصور الوثنية التي يحملها الجنود على راياتهم ورماحهم. وامتد الجدالُ بينهم أيامًا، وإذا بخبر موت طيباريوس يوافي القائد، فإذا ذاك يتراجعُ القائد بجيشه، ولا تنشب الحرب. هذا من ناحية، من ناحية ثانية، اشتدت العداوة بين مملكة الأنباط العربية وإمارة هيرودس، بحيث إن كثيرين من المؤمنين بالمسيح التجأوا إليها, ومن بينهم بولس الرسول الذي بدأ تبشيره الواسع فيها بحرية دونما خطرٍ عليه.
ولم يمض بضعُ سنوات حتى اشتدت المقاومة المسلحة لا ضد الرمان فحسب، بل أيضًا ضد الأرستقراطية اليهودية ورؤساء الكهنة المتحالفين معهم. فقتلت فرق “السفاحين” الكاهن الأكبر يوناثان في أثناء حكم الوالي الروماني أنتونيوس فيلكس Felix A. (52 – 60 ب. م.)؛ وعام 66 (ب.م.) هدموا منزل رئيس الكهنة حنانيا، وقصرين لحفيدي هيرودس الكبير، أغريبا الثاني وشقيقته بيرينيكه Berenike، وأحرقوا المستندات المصرفية العامة. وأقسم “الغيورون” و”السفاحون” على أن يغتالوا كل يهودي خائن يشتبه بأنه يحابي الرومان، بعد أن ادعى زعيم كل فئة أنه هو المسيح المخلص؛ فكانوا يندسون بين الحشود، ويغدرون ضحاياهم بطعنهم في ظهورهم، ثم يتوارون في الفوضى التي تنتشر بين الجماهير عقب جرائمهم. وانقسمت أورشليم بين المتخاصمين، بل انقسمت كل أسرةٍ تقريبًا، بعضها ضد بعض. وفي العام 68 نشبت فتنةٌ أهلية عمياء صماء، استعمل فيها المتناحرون كل ما وصلت إليه أيديهم من أسلحة، نارية أو معدنية أو حجرية. وقد وصف المؤرخ اليهودي يوسيفس هذه الفتنة الرهيبة التي كان شاهدًا لها بأن الشعب اليهودي أصبح “أشبه بوحشٍ مجنون دفعه فقدانه الغذاء إلى أن يفترس جسده نفسه” (“الحرب اليهودية”، ص 276). وفي أواخر الفتنة انتصر المتطرفون من الشبان والفقراء، بعد أن قتلوا حوالى 12 ألف يهودي”، بينهم معظم الأغنياء. وكانت جثث الشيوخ والأطفال والنساء العاريات منتثرة في الطرق، وليس من يدفنها. وبلغت النكبة ذروتها عام 70، بعد أن أحكم تيتوس Titus، القائد الروماني، الطوق حول أورشليم، متابعًا الحصار الذي بدأه والده فسبازيان Vespasian الذي كان قد اعتلى عرش روما. فدك منازلها الباقية دكا، وقوَّضَ هيكلها العظيم تقويضًا، والقليلون الذين نجوا من اليهود وقعوا ضحايا السبي والتشريد والعنت والااضطهاد والاحتقار في مختلف أرجاء العالم مدى ألفين من السنين. وهكذا تمت نبوءة السيدة المسيح في خراب أورشليم كما نبوءته في سقوط الشعب اليهودي “بحد السيف، وسبيه إلى جميع الأمم، ودوس الأمم أورشليم إلى أن تتمّ أزمنةُ الأمم” (لوقا 21:24). وقدر المؤرخ الروماني تاسيتوس Tacitus،(نحو 55-نحو 117) عدد قتلى اليهود بـ 600,000، بينما قدره المؤرخ اليهودي يوسيفس بمليون و197,000 شخص. وقد انضم أغريبا الثاني اليهودي إلى الجنود الرومان في محاصرة أورشليم وإحراق هيكلها وتقويض عمرانها. وهذا من سخريات القدر!
وقد استطاع اليهود الذين نجوا أن يجمعوا شملهم ويوقدوا ثورةً جديدة بزعامة شمعون باركوشيبا الذي ادعى أنه هو المسيح، وذلك سنة 132. لكن الرومان قضوا عليه تمامًا بعد صراعٍ دام ثلاث سنوات، دمروا في خلالها 985 بلدة في فلسطين، وذبحوا 580,000 يهودي. وقد قضى في هذه الحرب الأخيرة ما يُساوي العدد الآنف الذكر من الجوع والمرض والحريق، وخربت بلادُ اليهود كلها تقريبًا، وخرَّ باركوشيبا نفسه صريعًا. أما المسيحية فقد بدأت انتشارها الواسع في اليونان وآسيا الصغرى وروما نفسها بفضل جهاد بولس الرسول بصورةٍ خاصة، ومؤمنين آخرين في طليعتهم بطرس الرسول. وكانت الجالياتُ اليهودية تثيرُ الاضطراب في وجههم حيثما حلّوا. وأراد الله أن يمنح كثيرين من المسيحيين فضل العذاب والاستشهاد من أجل اسم مسيحه ونشر مجده في العالم؛ وكان في الخطة الإلهية أن يقوم بهذا الاضطهاد طاغيةٌ لا يقل إجرامًا ودناءةً عن قابين نفسه، ألا وهو نيرون الذي اقترف من الجرائم أفظعها، فقتل، في من قُتل، أمه أغريبينا وزوجته أوكتافيا، وشقيقه بريتانيكوس، وكثيرين من ذويه وأصدقائه، بينهم معلمة الفيلسوف سينيكا. ثم أمر خفيةً بإحراق روما واتهم المسيحيين بحريقها الذي بدأ في 18/7/64 واستمر نحو تسعة أيام. يقول المؤرخ الروماني تاسيتوس، معاصر نيرون، إن الطاغية من أجل أن يتخلص من تهمة إحراق روما، عمد إلى إلصاق التهمة وإنزال أفدح العذابات بطبقة من الناس بحقد الشعب عليهم لأعمالهم الخبيثة، ويسمون بالمسيحيين… وهكذا وجهت ضربة شديدة إلى خرافة خطيرة، فأوقفت نموها إلى حين؛ لكنها لم تلبث أن استعادت نشاطها ليس في اليهودية، منبع الشر الأول فحسب، بل أيضًا في روما نفسها، المركز الرائج والبؤرةِ الفاسدة لجميع الأشياء الدنيئة والممقوتة الصادرة من مختلف أرجاء العالم. وبناءً عليه، أُلقي القبضُ, أولاً، على مَن اعترفوا بأنهم مذنبون ] من المجرمين غير المسيحيين[، ثم استنادًا إلى المعلومات التي أعطوها، أدين كثيرون ] من المسيحين[، لا بناء على أدلة تثبت أنهم ارتكبوا جريمة إحراق المدينة، بل بحجة أنهم يكرهون الجنس البشري. وقد قُرنت طرقُ موتهم بمختلف فنون السخرية والازدراء… على أن المسيحيين، حتى لو اعتبروا مجرمين مُستحقين أشد أنواع العقوبات، أثاروا في الشعب عواطف الرأفة والرحمة؛ ذلك بأن تقتيلهم، مثلما بدا، لم يكن لمصلحة الشعب، إنما لإشباع وحشية رجل ] نيرون[“. فثار الشعب عليه وحاول قتله؛ لكنه انتحر. وهكذا واجه المسيحيون أقسى فنون التعذيب والموت برباطة جأش وإيمانٍ راسخ، مقتدين بحياة معلمهم الإلهي، سيد المجد.
وإن قارنا خسارة المسيحيين البشرية بخسارة روما الوثنية، لبدت الأولى لا تُذكر. فالمسيحيون الذين قُبض عليهم كانوا قليلين جدًا، لأن مجموعهم، عام الحريق، كان ما يزالُ نزرًا، إذ إن بولس الرسول، كان قد أُفرِجَ عنه من السجن في روما قبل سنتين فقط؛ في حين أن خسائر الرومان في الحياة والعُمران كانت هائلة. واستشهادُ المسيحيين مع انكشاف جريمة نيرون أثارا الفُضول في الشعب الروماني ليتعرف الديانة الجديدة. فكانت الأحداث حافزًا قويًا لانتشار المسيحية.
فضلاً عن ذلك، ففي 24/8/79، ثار بركان فيزيوف Vesuvius فجأة؛ وكان من شهوده بليني الأصغر Pliny the Younger الذي تلقى تاسيتوس رسالتين منه. ولما وقف هيجانه، في اليوم التالي، كانت مدينة بومبي Pompeii مغطاةً بطبقة من الرماد البركاني والحطام كثافتها تتراوح بين 19 و23 قدمًا. وفي مدينة هركيولانيوم Herculanium، امتزجت حُمَمُ البركان بسيولٍ من المياه وتغلغلت في أرجاء المدينة كلها وطمرتها بطبقة محرقة متجمدة بلغت كثافتها 65 قدمًا. وما حل في هركيولانيوم حل في ستابيه Stabiae. وقد كشفت الحفريات عن داراتٍ واسعة كثيرة جميلة، وحدائق وساحات ومسارح وأسواق وابنية دينية واقتصادية وقضائية، وأعمدة تحيطها، وتماثيل لجوبيتر وجونو و ميزفا وأبولو وفينوس وإيزيس، وعن مئات المباني السكنية التي تكثر بينها الصروح الفخمة التي تدل على رفاهية أصحابها، مع جدرانها المرصعة وأراضيها المزخرفة وحدائقها ذات الينابيع. أما أكثر المشاهد تأثيرًا من تلك الآثار المحترقة التي جمدها الزمن فمشاهدُ آلاف الهياكل العظمية التي يختلط فيها الرجال بالنساء والأطفال، وبينها كثيرٌ في حال المضاجعة. هذه النكبة الطبيعية ساعدت المسيحيين في تنبيه ضمائر كثيرة إلى أن فوق البشر والقياصرة قوّة إلهية جبّارة مراقبة، وأن يسوع الذي قتله الرومان في فلسطين قد يكون حقًا قام من الموت وذا حقيققة وجبروت.
السببيَّة الروحية في مجرى الأحداث العامة (7)
المسيحيَّة: من الاقتداء الحيّ بحياة المسيح إلى بدايات الانحراف
بقلم الدكتور غازي براكس
المسيحية في حياتها المثالية
إن الاقتداء الحيّ بسلوك المعلم العظيم ومواقفه، سواءٌ في حياة المسيحيين الأوائل أو في مواجهتهم فنون التعذيب والموت بإيمان راسخ ورباطة جأش، كان أساس خلقية المسيحيين وثقافتهم، بصورةٍ عامة، في الحقبة الأولى التي امتدت ثلاثة قرون. وكان لهذا الاقتداء دعامتان: دعامةُ الحياة ودعامةُ الموت.
أما قوامُ الأولى فكان حياة السيد المسيح المثالية التي أحيتها النزعاتُ السامية والاتجاهاتُ النبيلةُ الصادرة عن تعلقٍ شديد بالحق والخير والمحبة والسلام وما يصدر عنها من قيمٍ روحية. فالمسيحيون، بصورةٍ عامة، ظلوا حوالى ثلاثة قرون يستلهمون سيرته؛ فأنشأوا في كثيرٍ من بلدان العالم متحداتٍ فاضلة كانت أشبه بالجزر السعيدة في بحارٍ تتلاطم فيها أمواج الشرور والأطماع والمظالم والمفاسد. لقد كانوا يحرصون على أن يعيشوا حياة متواضعة بسيطة صالحة تنشد الكمال الخلقي الذي رسمه سيد المجد غايةٌ لهم. ونجحوا في تحقيق ذلك إلى حد بعيد، بعد أن أخفقت المحاولات الفلسفية, ولا سيما الرواقية، في ترقية أخلاق الشعب، إلا في أوساطٍ قليلة.
لقد حافظوا على سمعتهم الطيبة بين الوثنيين واليهود، فامتنعوا عن قصد الملاهي الإباحية، وكذلك عن حضور الألعاب الهمجية الدموية؛ وعاش كثيرون منهم حياة تبتُّل مُقتدين بمعلمهم العظيم وببولس الرسول من بعده، واشتهروا بعطفهم على البائسين والمحرومين واليائسين ومساعدتهم لهم. وبينما كان الوثنيون يئدون أطفالهم، أحيانًا كثيرة، كانوا هم يهتمون بتربية اللقطاء والحدب عليهم.
وكان لهم نظامٌ اجتماعي واقتصادي فاضل وعادل؛ فأسرهم كانت متَّحدة الأواصر، يشيعُ الوفاء والإخلاص والثقة والطمأنينة بين أفرادها.
وقد ساعدهم على صيانة المستوى الخلقي الراقي تجنبهم الزواج بغير مسيحيات أو مسيحيين. كذلك كانوا يحلّون مشكلاتهم فيما بينهم، ويحترم بعضهم بعضًا مثلما يحترمون رعاتهم والمقدمين فيهم الذين كانت حياتهم قدوةً صالحة لهم. وكانت كل جماعة قد أنشأت صندوقًا ماليًا مشتركًا لها، يستعينون به على المحتاجين فيهم، وعلى إغاثةِ البؤساء والمنكوبين حتى من الوثنيين. ومع ذلك لم يكونوا يزجون بأنفسهم في الصراعات السياسية والعسكرية القائمة في بلدانهم.
أما النساءُ المسيحيات فكن يحافظون على عفافهن وتواضعهن وطاعتهن لأزواجهن أو آبائهن، مثلما يحافظن على جمالهن الطبيعي بالامتناع عن التبرج الذي أخذت به الوثنيات. وقد تشكلت جمعيات من الأخوات العازبات تهتمُ بأعمال الإحسان والصدقات والرحمة. ولا شك في أن تلك الحياة الراقية لم تكن لتتحقق لهم رجالاً ونساءً لولا إيمانهم الوطيد بمصدر دينهم السماوي المثبَّت بالمُعجزات التي صنعها السيد المسيح بالقوة الروحية التي زوِّد بها، ولولا إيمانهم الراسخ برقابة الله لأعمالهم وأفكارهم، وانتظارهم الحسابَ ثوابًا أو عقابًا.
أما دعامة الموت فقد استمدّت قوتها ومعناها من موت المسيح وقيامته وفق ما عرفهما وآمن بهما المسيحيون الأوائل. فتعزيزًا لإيمانهم بقيامة الموتى، وتسهيلاً لانتشار المسيحية، شاءت الحكمة الإلهية أن لا يعرفوا بـ”شخصيات” السيد المسيح التي يمكن أن تهبط من عوالها الفردوسية وتتَّخذ شبهة (أنظر “نشأة المسيحية” في العدد السابق)، بل أن يؤمنوا بأن يسوع نفسه هو الذي مات على الصليب فداءً عنهم؛ فعليهم، إذًا، أن يموتوا من أجله إذا اضطرهم المُضطهدون إلى ذلك، أو إذا خيروهم بين الموت أو نبذ إيمانهم. واستشهادهم يجب أن يقترن بابتهاجهم، لأن القيامة ستعقبه، ولأنه سيفتح أمامهم أبواب السعادة الأبدية.
وبالرغم من الاضطهادات، المتواصلة حينًا والمتقطعة أحيانًا، التي عاناها المسيحيون منذ عهد نيرون (سنة 64م)حتىى قيام قسطنطين الكبير إمبراطورًا أوحد للدولة الرومانية سنة 324، بعد أن كانت سلطتُه مقتصرة على الغرب منذ سنة 313، فإنهم استطاعوا أن يضعوا، في عالمٍ أرهقته القوة الوحشية والظلمُ والطمعُ والفجور، أسس ثقافة جديدة قوامها حياةٌ خُلقية راقية نُسغُها المحبة والفضيلة، وجناحاها نظرةٌ إلى الحياة ترى فيها الدنيا مقر شقاء وفناء ومعبرًا إلى الآخرة، ونظرة إلى الموت ترى فيه يقظةً في عالم السعادة الأبدية.
وكان من مظاهر هذه الثقافة أدبٌ ديني مسيحي يدورُ معظمه حول تعظيم الإيمان وتمجيد الله والقيم السامية وإيضاح أُسس الدين الجديد ومبادئه. ففي القرن الأول وضع بولس الرسول أُسُسَ الفكر المسيحي في رسائله إلى جميع الكنائس الناشئة، مظهرًا أنه تتمَّة وتخط لمفاهيم العدالة والفضيلة لدى أفلاطون- من غير أن يسمى مصدرها وفق ما أجمع الباحثون اللاهوتيون عليه – التي كانت تعمُّ العالم الروماني المُثقف. وفي القرن الثاني ظهر عدة لاهوتيين لعل جاستن مار Justin Martyr (نحو 100 – نحو 165) كان أبرزهم، فحاول التوفيق بين الفكر المسيحي، وخصوصًا وفق ما أظهره بولس الرسول، والفكر الأفلاطوني؛ حتى إنه اعتبر أن أفلاطون، كما إبراهيم وسقراط، “كان مسيحيًا قبل المسيح”. أما في القرن الثالث فقد برز جيل من المفكرين المسيحيين الذين أظهروا غاية الجرأة في دفاعهم عن دين المحبَّة والحقّ والروحانية ضد المفكرين والفلاسفة الذين كانوا يطعنون فيه ويسخرون من مؤسسة وتعاليمه وأتباعه. وقد حاول المفكرون المسيحيون أن يظهروا تفوق الفكر المسيحي على الفكر الفلسفي اليوناني المادي بإيضاحهم أنه ينطوي على أفضل ما في الفلسفة الأفلاطونية من جوانب الخير والحق والعدل، فضلاً عن أنه فكر حي فاعل في حياة المسيحيين. وكان أبرز أولئك المفكرين على الإطلاق أوريجينوس Origen (نحو 185 – نحو 254)، أكبر آباء الكنيسة المسيحية بعد بولس الرسول، ومعلم المسيحية الأول في عصره. فقد كان متزاهدًا، متقشفًا، كثير الصوم، قليل النوم، متعففًا. وقد جعل الفلسفة المسيحية تتمَّة وتجاوزًا للفلسفة الأفلاطونية؛ فرأى أن الله هو الجوهر الروحي الأصلي للخلائق جميعًا، وأن المسيح هو القوة الكونية التي خلقها الله ليجعلها العقل المُنظِّم المدبِّر للعالم؛ كذلك آمن بوجود النفوس قبل الولادة، وبالتقمص، وبالعوالم الكثيرة المتراتبة التي تجتازها النفوس قبل حصولها على السعادة الأبدية.
وهكذا ما إن نبلغُ أواخر القرن الثالث حتى تكون الحضارة المسيحية قد احتوت وورثت أفضل ما أطلعته الحضارة اليونانية الرومانية من قيم ومُثل عليا، وأضحت صرحًا شامخًا. وكان فضلُ أولئك المنافحين عن العقيدة المسيحية أنهم أعلوا أصواتهم في الدفاع عنها في أقسى مراحل اضطهادها.
جميع العوامل السابقة – إيمان المسيحيين الراسخ بعقيدتهم المبنية على خلود النفس والحياة الأبدية، والمعجزات الصحيحة، والخلقية العالية والسيرة النقية في أوساط تعج بالمفاسد والإغراءات، وكذلك عامل اتحادهم ونظامهم في مؤسسات دينية مطردة القوة ومستقلة في قلب الإمبراطورية الرومانية، فضلاً عن إيمانهم بعودة المسيح ونهاية العالم وعيش المؤمنين حياة سعيدة في “أورشليم جديدة” – كل ذلك يراه المؤرخ الإنكليزي الكبير إدوارد جيبون Gibbon E. أسبابًا قوية لتنامي المسيحية في القرون الثلاثة الأولى.
لكن هذا الجانب الإيجابي في المسيحية عززه أيضًا جانب سلبي في الدولة الرومانية. فعلى حد قول المؤرخ الكبير ديورانت Durant : “إن المسيحية قد تنامت ذلك التنامي الحثيث لأن روما كانت، عصرئذٍ، في دور الاحتضار. فالناس لم يفقدوا إيمانهم بالدولة لأن المسيحية أبعدت عواطفهم عنها، بل فقدوه لأن الدولة كانت تناصر الأثرياء على الفقراء، وتحارب لتستولي على العبيد، وتفرضُ الضرائب على الكادحين لتُعين المترفين، وكذلك لأنها عجزت عن حماية الشعب من المجاعات والأوبئة والغزو الأجنبي والفقرِ المدقع. فالناسُ لا يلامون، بعد ذلك، إذا تحولوا عن قيصر الداعي إلى الحرب إلى المسيح الداعي إلى السلام، وعن الوحشية التي يكادُ لا يصدقها العقل إلى الإحسان الذي لم يسبق له مثيل، وعن حياة خالية من الأمل والكرامة إلى دينٍ يؤاسيهم في فقرهم ويكرم إنسانيتهم”.
والحقيقة أن العوامل الايجابية والسلبية تدخل معًا في الخطة الإلهية التي ابتدأ تنفيذها بمولد المسيح واضطهاده من أجل أن تتمَّ عملية الفداء، ثم تتابعت بتقتيل الشعب الذي اضطهده وتشريده وتدمير موطنه وفق نظام شامل لا يخطئ للعدالة الإلهية والاستحقاق الروحي (أنظر الحلقة السابقة)، ثم استنمَّت الخطة الإلهية نفسها في تنامي المسيحية التدريجي مستمدة قوة انتشارها من عوامل ذاتية إيجابية وخارجية سلبية.
بدايات الانحراف سلوكيًا وعقائديًا
إن بذورَ انحراف المسيحية عن خطها القويم سلوكيًا وعقائديًا بدأت تزرع منذ القرن الأول. فبولس الرسول يلمح إلى “الإخوةِ الكذابين” في رسالته الثانية إلى أهل كورنُثس (11:26). وفي أواخر القرن الأول، يوضح يوحنا في رسالته الأولى أن روح المسيح الدجال أخذت تتغلغلُ في فئة من المسيحيين، وأن على المؤمنين الصادقين أن يحذروا روحه، لأنها في نفوس المنافقين من المسيحيين تعشش. يقول: “وكما إنكم سمعتم أن المسيح الدجال يأتي، بيننا الآن مسحاءُ دجَّالون كثيرون…
منا خرجوا، ولكنهم لم يكونوا منا…” (18:2)
فالنفاقُ والجبانة والفتور والغرور والكبرياء والطمع والبخل والأنانية وحب التسلّط والنزعاتُ الشهوانية لم تمت في نفوس كثيرين، بل كانت مُهوِّمة حتى استيقظت ونشطت ونمت، مع كرور الزمن، بقدر ما غذتها النزعات والأفكار الدنيوية المُنحطة في الأوساط الوثنية. فما إن نبلغُ أواسط القرن الثالث الميلادي حتى يقول سيبريان Cyprian (نحو 200 – 258)، أحد أساقفة الكنيسة الإفريقية (قرطاجة)، مصورًا حال المسيحيين في بلاده: “كل واحدٍ يصرفُ همَّه إلى زيادة ثروته. والتقوى انعدمت لدى الكهنة، وفسد الإيمان، وزالت المحبة من الأعمال، وانتفت القواعد من الحياة الخلقية… فالنساء يتبرجن مُفسدات نقاء عيونهن التي أبدعها الله، وخاضبات شعورهن بأصباغ كاذبة. ومن أجل خداع القلوب البسيطة يلجأ إلى المكر والحيلة. فالمسيحيات يتزوجن بغير مسيحيين، والمسيحيون يقدمون المسيحيات، أعضاء المسيح، كالعاهرات إلى الوثنيين. ولا يكتفي المسيحيون بالقسم في كل مناسبة، بل يحلفون بالباطل أيضًا وهم لا يبدون إزاء رؤسائهم إلا كل ازدراء، وينفثون على القريب سمّ النميمة، ويجعلون الأحقاد تقسمهم شيعًا”.
كذلك تكاثرت البدع. فمنذ القرن الثاني نشأت بدع تدور حول شخص يسوع وطبيعته وعلاقته بالله، حتى إن إيرينيوسIreneaus أحصى، سنة 187، عشرين شيعةً مختلفة من المسيحيين. وما إن نصلُ إلى سنة 384 حتى يحصى إبيفانيوسEpiphanius ثمانين شيعة.
ولا يكتفي سيبريان باتهام المسيحيين، لكنه يطعن أيضًا في سلوك الأساقفة زملائه الذين يعيشون في البذخ، ويحاولون التوفيق بين الله والعالم, والصلوات والشهوات، أمثال بولس السميساطي (260) الذي جمع إلى مهمته الأسقفية في إنطاكية وظيفة جابي الرسوم والضرائب، وكان من محظيي زنوبيا، ملكة تدمر.
وبعد أن كان المسيحيون يتعاملون كإخوة، بدأت كنيسة روما تظهر نفسها كأخت كبرى لها الحق في أن تنصح أو تؤنب أخواتها الكنائس الأخرى في بداية القرن الثاني؛ حتى إذا أطل القرن الثالث بدأ أسقف روما باسمه الخاص يحرم الكنائس الأخرى التي تخالفه بالرأي مثلما حدث مع فتكور الأول (نحو 190 – 202) الذي حرم متفردًا كنائس آسيا الصغرى لاختلافها معه في ما يتعلق بالاحتفال بأحد الأعياد؛ فكان أول أسقف عرف بغطرسة شديدة وبآرائه الاستبداية. وقد أحذث موقفه انقسامًا في الكنيسة. وخلفه زفيرينس Zephyrinus (نحو 202 – نحو 217) الذي كان رجلاً ساذجًا غير مثقف؛ فرفع إلى رئاسة الشمامسة كالستُس Callistus، الذي كان مطعونًا في أخلاقه، إذ إنه بدأ حياته عبدًا، ثم صار من رجال المال والمصارف، واختلس الأموال المودعة عنده؛ فحكم عليه بالأشغال الشاقة، ثم أطلق سراحُه. كذلك أثار شغبًا في أحد المجامع الدينية، فحكم عليه بالأشغال الشاقة في مناجم سردينية؛ لكنه هرب منها بحيلة. ولما مات زفيرينس. اختير كالستُس أُسقفًا أول لكنيسة روما؛ فأعلن هيبوليتُس Hippolitus وغيره من القساوسة أنه لا يصلح لمنصبه، وأقاموا، سنة 218، كنيسة وبابوية غير كنيسته وبابويته. لكن كالستُس أعلن حرمان هيبوليتس، وثبت دعائم سلطة الكرسي الأسقفي الروماني على العالم المسيحي كله. وبذلك تحول اسم البابا من اسم فيه معنى الأبوة، كان يطلق على كل رجل دين مسيحي، إلى اسم يحمل معنى الرئاسة الاستبدادية المُطلقة. هذه الحال التي آلت إليها البابوية دفعت ترتليانوس Tertullianus(نحو 155 – نحو 222)، أحد مفكري المسيحية الكبار، إلى أن يطلق على البابا لقب “راعي الزناة” Pastor moechorum. والجدير بالذكر أنه قبل أن ينتصف القرن الثالث، كانت البابوية قد بلغت في مكانتها ومواردها المالية حدًا جعل الإمبراطور ديسيوس Decisu (249-251) يقسم أنه يفضل أن يكون في روما إمبراطور ثانٍ ينافسه على أن يكون فيها بابا. وحسدُه هذا للثروة البابوية وسلطتها الواسعة دفعه إلى إقرار أول اضطهاد منظم للمسيحيين؛ فأمر جميع المواطنين بتقديم ذبائح وثنية أمام مندوبين من الحكومة على أن يثبت ذلك في شهادات رسمية. وأدى هذا القرار إلى أن يفقد كثيرون من أساقفة روما وأورشليم وأنطاكيا حياتهم، وأن يعتقل كثيرون من المسيحيين. وسيعقب ذلك فترةُ رحمة إلهية تمتد من سنة 260 إلى 23 شباط 303 إذ يبدأ أسوأ اضطهاد عرفته المسيحية في تاريخها، ويستمر لغاية عام 313 ، وذلك طوال عهدي الإمبراطورين ديو كليسيان Diocletian وغاليريوس Galerius، بحيث نسي المسيحيون المعمرون واستصغروا كل اضطهاد سابق، لأن اضطهادهم منذ عهد نيرون كان متقطعًا وغير رسمي، ومتعلقًا بالظروف وبحاكم كل منطقة؟
عند هذا الحد لا يسعُ المتبصِّر بالسببية الروحية ونظام العدالة الإلهية والاستحقاق الروحي إلا أن يتساءل: ثرى، ألم يعاقب المسيحيون، وخصوصًا رعاتهم،أنفسهم، بانحرافهم عن السلوك المثالي والقيم الروحية التي فرضتها عقيدتهم السماوية، فجرُّوا عليهم ذلك الاضطهاد الرسمي الرهيب المُنظَّم، في عهد ديسبوس، ثم في عهدي ديو كليسيان وغاليريوس، لأنهم لم يتَّعظوا ولم يستفيدوا من رحمة الله مدة ثلاث وأربعين سنة؟
الإنحرافُ الكبير في المسيحية
ألمعتُ آنفًا إلى أن اضطهاد المسيحيين العنيف استمر حتى سنة 313، ذلك بأن الإمبراطورين قسطنطين وليسينيوس Licinius (الذي كان متزوجًا قسطنطيا، شقيقة قسطنطين من غير أم)، اللذين كانا يتقاسمان حكم الإمبراطورية الرومانية، أصدرا في العام المذكور اتفاق ميلان Milan الخاص بالتسامح الديني. ونعرف من المؤرخين أن هيلانه، والدة قسطنطين، اعتنقت المسيحية، وكذلك قسطنطيا؛ ويبدو أن الأولى أثرت في ابنها، والثانية في زوجها إلى حد ما. ولم يكن رعاة المسيحيين يطمعون، في ذلك الحين، بأكثر من ذلك. وبالرغم من قلّة المسيحيين بالنسبة للوثنيين المقسمين إلى شيعٍ متعددة، فإن اتحاد معظمهم، وخصوصًا الخاضعين لبابا روما، وزرع رعاتهم في نفوسهم واجب الطاعة للسلطات السياسية قد اجتذبا اهتمام قسطنطين، فاستفاد منهم لتعبئة اثني عشر فيلقًا لقتال مكسنتيوس وليسينيوس، مثلما استفاد من تأييد نظام كهنوتي له يُناسبُ نظام الملكية المُطلقة السلطان. فدعا، عام 325، إلى مجمع مسكوني مسيحي (يحضره الأساقفة جميعًا) في مدينة نيقيا Nicea. لكن النقد التاريخي لشخصية قسطنطين وسلوكه يظهرُ أنه استخدم المسيحية وسيلةً لا غاية، وبذلك جرَّها إلى التحالف مع الدولة الرومانية، بالرغم من فساد طرقها، وانحراف سلوكه، وإلى إدخال “أسرار” وطقوس لم تكن أصلاً في الواقع التاريخي المسيحي ولا مذكورة في العهد الجديد؛ منها عقيدةُ التثليث (إله واحد في ثلاثة آلهة متساوية). وبعد هدنةٍ بين الإمبراطورين، عاد القتالُ بينهما عام 324؛ وفي السنة نفسها التي انعقد فيها مجمعُ نيقيا قتلَ قسطنطين صهره بيديه خنقًا، بعد نفيه.
يقولُ ديورانت: “اضطر قسطنطين إلى أن يتحسس كل خطوة يخطوها بحذر، لأن الوثنية كانت ما تزال الغالبة على العالم الذي يعيش فيه. لذلك ظل يستخدم ألفاظًا توحيدية يرضى بها كل وثني؛ وقام، بصبرٍ وأناة، في خلال الأعوام الأولى من بدء سلطانه الأوحد ] 324[، بجميع المراسيم التي يقتضيها منه منصب الكاهن الأكبر Pontifex Maximus، والتي توجبها عليه الطقوس التقليدية، وجدَّد بناء الهياكل الوثنية، وأمر بممارسة أساليب العرافة، واستخدم في تدشين القسطنطينية شعائر وثنية ومسيحية معًا، واستعمل رقى سحرية وثنية لحماية المحاصيل وشفاء الأمراض”.
أما رؤيا الصليب الذي زعم أنه رآه مُرتسمًا في السماء، في 27/10/312، في يوم انتصاره على مكسنتيوس، فقد سبقها، قبل ثلاثة أعوام، رؤيا أخرى ادعى أنه في أثنائها ظهر له الإله أبولون. فضلاً عن ذلك فقد بقي سطحي المعرفة بالدين المسيحي، بل متشككًا، إذ إنه لم يتقبل المعمودية إلا قبيل وفاته؛ وقد يكون قبلها بضغطٍ من أمه هيلانه وأخته قسطنطيا وبعض الأساقفة المقربين ليرضيهم. ومعظم المؤرخين الكبار يشكّون في صحة معموديته كشكِّهم في رؤيا الصليب، لأن روايتهما حصرت بأسقف واحد كان يؤرخ وثائق الكثلكة هو يوسيبيوس Euebius الذي عاصر قسطنطين وكان متملقًا له، ومتناقض الآراء وفق ما رآه المحلِّلون لكتبه التاريخية.
زد إلى ذلك أن سلوك قسطنطين لم يكن سلوك مسيحي مؤمن، بل هو سلوكٌ شائن حتى لدى مقارنته بسلوك الأباطرة الوثنيين الفلاسفة أمثال تراجان وهدريان وماركوس أوريليوس وغيرهم. فبعد تنصره المزعوم، قتل ابن مكسنتيوس وعدة أصدقاء وأعوان له، ثم حارب صهره ليسينيوس وانتهى بخنقه، وبعد عام واحد من ترؤس قسطنطين مجمع نيقيا (326)، قتل ابنه كريسيوس وأمر بقتل فوستا، زوجته الثانية وابنة مكسيميان.
وقد اتبع قسطنطين سياسة التوفيق بين الوثنية والمسيحية في معظم عهده: فقد شجع على بناء الكنائس كما شجع على تشييد الهياكل الوثنية؛ ومثلما نقش حرفي (XP) اليونانيين – وهما الحرفان الأولان من اسم المسيح باليونانية (خريستوس) على النقود، فقد نقش على الأوسمة صور جوبيتر وأبولون ومارس وهرقل. ومثلما كان يدخل الكنائس، فقد قبل أن يكرس باسمه هيكلٌ وثني وينصب فيه تمثال ذهبي له. وخلاصةُ القول إن قسطنطين الذي أرادت الكنيسةُ الكاثوليكية أن تجعله أعظم الحكام المسيحيين، والذي نصبته الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية قديسًا، لم يكن مسيحيًا لا في سلوكه ولا في عقيدته. وعهده الذي أنهى اضطهاد المسيحيين في الغرب، كان في الآن نفسه، بداية انحراف المسيحيين الكبير عقائديًا ومسلكيًا، وبداية انحطاط الكنيسة المسيحية بصفتها قوة منظمة يجب أن تكون نقية الإيمان وقويمة العقيدة والسيرة، كما كان عهدهُ نذير شؤمٍ لانحلال روما القريب وتفككها.
وقصارى القول، وفق ما ذهب إليه ديورانت، “أن الرهبنة المسيحية قامت احتجاجًا على توفيق المسيحيين بين الروح والجسد، ذلك بأن قلائل من المسيحيين كانوا يرغبون في الابتعاد عن طاعة أية شهوة بشرية ناشدين الاستمرار في سلوك الطريق المسيحي القديم ومتأملين في الحياة الأبدية الخالدة” فقامت، أولاً، حركة الزهد الفردي وانتشرت الحياة المتقشفة المعتزلة حتى كثر النساكُ على الضفة الشرقية من النيل؛ فجمعهم باخوميوسPachomius الذي كان حنكةٍ إدارية، عام 325، في رهبنة جماعية بدير عند طابين في مصر. لكن السلطة الكنسية قاومت حركة الرهبنة وقتًا ما، ثم رضيت بها، أخيرًا لتوازن بها اهتمامها وفي شؤون الحكم. ولما مات باخوميوس، كان قد أسس 11 ديرًا احتوت على أكثر من 7000 راهب وراهبة. وكان ذلك أول عمل واقعي جماعي يشهدُ على انحراف المسيحية عن القيم الروحية الأصلية ويدين رجال الدين فيها.
ولم يقف الانحرافُ عند الخلقية والسلوك العامّ، فقد أقيم كثيرون من الشهداء وغير الشهداء قديسين، ونصبوا شفعاء لدى الله، وبدأ ادخارُ بقاياهم، بعد أن كان يكتفى بتكريم الشهداء في القرون الثلاثة الأولى، وصنعت صورٌ وأيقونات لهم لعبادتها. ووضعت عدة تواريخ كاذبة لاحتفالات ومناسبات دينية، لعل أهمها يوم 25 كانون الأول (ديسمبر) تاريخًا لميلاد السيد المسيح؛ علمًا بأن هذا التاريخ كان مخصصًا عند الرومان للاحتفال بمنتصف الشتاء وانقلاب الشمس، وفي إيران للاحتفال بالإله ميترا، شمس الاستقامة. وفي الواقع التاريخي لم يكن معروفًا تاريخ ميلاد المسيح بدقّة، لكن الأناجيل تُشيرُ إلى أن رعاة كانوا ينامون في الفلاة ويتناوبون السهر على قطعانهم (لوقا: 8:2) يومً مولده؛ وفي ذلك إشارة واضحة إلى أواسط الربيع أو أواخره.
كذلك بدأت المحاكمات يتلوها الاضطهاد لكل فئة مخالفة بالرأي في تفسير أي جانب من العقيدة التي أقرها مجمع نيقيا وما تبعه من مجامع. فحوكمت، في مجمع نيقيا نفسه، الآريوسية (نسبة إلى آريوس Arius، أسقف الإسكندرية) القائلة بوحدانية الله وتفرده بوجوده الأزلي الأبدي وثباته في عدم تغيره، وبأن السيد المسيح غير مساوٍ لله، واعتبرت هرطقة، ونفي القائلون بها وحوربت عقيدتهم. ذلك بالرغم من أن الأناجيل خالية من أي دليل يثبت أن يسوع المسيح مساوٍ لله عز وجل. فحينما كان يسوع في جبل الزيتون يصلي، قُبيل القبض عليه، قال مخاطبًا الله تعالى: “يا أبي، إن شئت، فأبعد عني هذه الكأس؛ ولكن لتكن مشيئتك لا مشيئتي” (لوقا 42:22) . وقبل أن يلفظ أنفاسه وهو على الصليب، قال: ” إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ ” ( متّى 27:46). فمن العبارتين السابقتين نستخلص بوضوح أن إرادة الله منفصلة عن إرادة يسوع، وأن الله هو إلهه. وإذا قال السيد المسيح لفيلبس: “ألا تؤمن بأني في الآب وأن الآب فيَّ؟ (يوحنا 10:14) فإنه قال وهو ما يزالُ في الموقف نفسه: “لن أترككم يتامى، بل أرجعُ إليكم… وفي ذلك اليوم تعرفون أني في أبي، وأنكم أنتم فيَّ مثلما أنا فيكم” (يوحنا 20:14). إنه الانتماءُ في الجوهر الروحي والتكامُل. كذلك قال يسوع: “أنا ذاهبٌ وسأرجعُ إليكم، فإن كنتم تحبونني فرحتم بأني ذاهبٌ إلى الآب، لأن الآب أعظم مني” (يوحنا 28:14)؛ وفي هذا القول برهانٌ قاطع على عدم المساواةِ بين السيد المسيح والله عزّ وجل. وبعد قيامه المسيح من الموت وترائيه لمريم قال لها: “لا تلمسيني، لأني ما صعدتُ بعدُ إلى الأب، بل اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: “أنا صاعدٌ إلى أبي وأبيكم، إلهي وإلهكم” (يوحنا 17:20) ؛ فساوى في أبوة الله والخضوع له بينه وبينهم. أما قولُ يوحنا في بداية أنجيله؛ “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله” فإنما هو محصور في الأزل، حينما كانت الأرواحُ كلها في ذات الله، قبل أن يبدأ التكوينُ المادي. وهكذا نرى أن الآريوسية كانت على صوابٍ في عقيدتها، وأن كنيسة روما التي ستعرفُ بالكنيسة الكاثوليكية كانت منحرفة، لأن الحقيقة الروحية هجرتها، بعد أن انحرفت في سلوكها وقيمها التي أصبحت تساوي قيم الحكام الدنيويين.
كذلك اضطهد نسطوريوس Nestorius، اُسقفُ القسطنطينية، مؤسس النسطورية، لأنه رأى في الإيمان الكاثوليكي ” بأن “مريم العذراء هي أم الله” انحرافًا عن الحقيقة المسيحية الأصلية؛ فحرم من الكنيسة في مجمع أفسس سنة 431، ونفي. وفضلاً عن محاربة فرق دينية كثيرة اختلفت مع الكثلكة في تفسير بعض الجوانب العقائدية، حُرِّمت كتب اللاهوتي العظيم أوريجينوس وأتلفت.
وما إن نصل إلى عام 391 حتى يحرق الكهنة في الإسكندرية مكتبتها المحتوية على التراث الثقافي الإنساني العظيم، ولا سيما التراث اليوناني، بحجَّة أنها تعلّم الوثنية؛ وعام 415 تُقتل هيباتيا Hypatia، مديرةُ المكتبة، ورئيسةُ مدرستها التي كان يقصدها أبناء الأثرياء والموظفين الكبار في الإسكندرية، فضلاً عن الفلاسفة أنفسهم من جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، ليسمعوها تتحدّث عن الأفلاطونية الجديدة وعن أفلاطون. وكانت توصف بالتسامح الديني وتدافعُ عن تلاميذها من المسيحيين، وتمتاز بالحشمة الكاملة والتعفُّف التامّ حتى آخر حياتها. وصفاتها تلك مع بلاغتها وجمالها الرائع وجمعها علم الفلك والرياضيات إلى الفلسفة دفع بعض المؤرخين إلى أن يقولوا فيها: “إنها روح أفلاطون تجسدت في جسم أفروديت”. ولم يكتف سيريل Cyril، بطريركُ الإسكندرية، بدفع غوغائه إلى قتلها غيظًا وحسدًا، بل قطعوا جثتها وجرَّروها في الشوارع، ثم أحرقوها! وبقتلها وإحراق مكتبة الإسكندرية خسر العالم المتحضّر إرثًا ثقافيَّا لا يقدر، وبدأت عصور الظلام تخيّم على أوروبا.
إن الواقع التاريخي يبرهن أن الحياة المسيحية جعلت تتغير تدريجيًا بمجرّد أن المؤسسات الكنسية أخذت تقوى وتعظم سلطاتها على رعاياها. وبعد تحالف السلطة الكنسية مع السلطة السياسية، بدأت دلائل الانحدار الروحي تشتد: فالاهتمامُ بتكديس الثروة وحب التسلط والجاه ومحالفة الأغنياء والنافذين واللامبالاة بالضعفاء والفقراء، علاوة على القمع العنيف لكل حركةٍ مخالفة بالرأي للبابوية – كل ذلك كان يظهر أكثر فأكثر في السلطة الكنسية. هذه البذور الفاسدة التي زرعها المسيحيون عامّة ورعاتهم خاصّة في القرن الثالث ولا سيما الرابع سرعان ما سيحصدون جناها.
السببيَّة الروحيَّة في مجرى الأحداث العامة(8)
تمادي كنيسةُ روما في الانحراف وتعاظُمُ الغضب الإلهيّ عليها
بقلم الدكتور غازي براكس
بينت سابقًا عواقب المعصية التي ارتكبها آدم وحواء في ماجريات الأحداث التي أصابت ذراريهما ثم نسل نوح ومن تلاه من أنبياء حتى تدمير أورشليم وتدهور حضارة العبرانيين بدءًا من القرن السابع ق.م. بيد أن الهداية الروحيّة لم تزُل من الأرض، بل انتقلت سيّالاتها في القرن نفسه، في خطوط متوازية، إلى الهند والصين واليونان. فتمثلت في الهند بحُكماء “الأوبانيشاد” و”الباغافاض غيتا” كما في مهافيرا وبوذا الذي حارب البراهمة تعاليمه لأنها تدعو إلى إزالة الحواجز بين الطبقات. وفي الصين ظهر لاوتسو وكنفوشيوس اللذان اعتنق الملايين تعاليمهما بالرغم من مقاومتها. كذلك ظهر في اليونان عدة حُكماء وهُداة كان أبرزهم فيثاغورس وسقراط. فاضطهد الأول وحُكم بالإعدام على الثاني. وكانت النتيجة أن اليونان فقدت عهدها الذهبي منذ ذلك الحين، لكن تعاليم سقراط ظل تأثيرها فاعلًا حتى اليوم من خلال كتابات تلميذه أفلاطون. وبعد أربعمئة سنة ظهر السيد المسيح في فلسطين، فاضطهده اليهود. وكانت النتيجة تشريدهم وتدمير بلادهم وبداية انتشار المسيحية وقيمها الروحيّة في العالم الروماني. غيبر أن المسيحيين، مؤسسات ومؤمنين، أخذوا بالانحراف عن تعاليم معلمهم، مُنجذبين إلى القيم الدنيوية والشهوات وقمع الحريات.
كان يمكن أن تصبح الآريوسية المؤمنة بوحدانية الله الكنيسة الكبرى وتسمَّى “الكنيسة الكاثوليكية الرومانية”، ذلك بأنها استمرت تغالب تيار التثليت ما يزيد على نصف قرن، وأوشكت أن تتغلب عليه؛ لكن المشيئة الإلهية كانت غير ذلك، لأن الأسباب الروحية لا بد من أن تولّد نتائج محتومة. فمسيحيو روما الذين أتّبعوا خط قسطنطين الموفق بين الدين والدنيا والتزموا مبادئ مجمع نيقيا المُنحرفة، تمادوا في شذوذهم عن قيم المسيح الروحيّة، وانجذب معظمهم لمغريات الدنيا، فاستحقّوا أن يحصدوا ما زرعوه. وهكذا هجرت الحضارةُ الروحيةُ العالم المسيحي عندما هجر المسيحيون تعاليم سيد المجد. وفي أثناء هذه الهجرة التي استمرت حوالى اثني عشر قرنًا، بدءًا من القرن الرابع، كانت الطوائف المسيحية تقسمها وتثيرُ الفتن بينها المجادلات الدينية العقيمة، فتتناحرُ تناحُرًا شنيعًا. وكان البابوات يحوّلون سلطتهم الروحية تدريجيًا إلى سلطة دنيوية سياسية.
الدولة البابوية السياسية العسكرية
إن ملكوت المسيح روحي، لا سياسي على الإطلاق. وقد أكد يسوع هذه الحقيقة أمام بيلاطس الذي أحيل عليه لمحاكمته، فقال: “ما مملكتي من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم، لدافع عني أتباعي حتى لا أسلم إلى اليهود. لا، ليست مملكتي من هنا” (يوحنا: 18: 36). وفي موقف آخر، سأله الفريسيون: “ما رأيك؟ أيحلّ لنا أن ندفع الجزية إلى القيصر أم لا؟ فعرف يسوع مكرهم، فقال لهم: “يا مُراؤون! لماذا تحاولون أن تحرجوني؟ أروني نقد الجزية. فناولوه دينارًا. فقال لهم: “لمن هذه الصورة وهذا الاسم؟ فقالوا: “للقيصر. فقال لهم: “إذًا ادفعوا إلى القيصر ما للقيصر ، وإلى الله ما الله” (متى: 17:22 – 22). ففصل بين السلطة الدينية والحكم الدنيوي.
لكن مجرى الأحداث في كنيسة روما كان غير ذلك. فعام 554 اعترف الإمبراطور يوستنيانس الأول Justinian I بسلطة البابا الزمنية (السياسية)، تلك السلطة التي سرعان ما حوّلت ملكوت المسيح الروحي إلى مملكة أرضية، فراح بابا روما يبرزُ للناس زعيمًا سياسيًا أكثر منه راعيًا روحيًا. فما إن نبلغُ مطلع القرن السابع حتى يكون البابا غوريغوريوس الأول Gregory I (590 – 604) قد وضع قواعد لدولة بابوية ذات أراضٍ شاسعة ورعايا تحكمهم روحيًا ودنيويًا.
ولم يقف طمعُ البابوات الدنيوي عند حد؛ فسنة 756 وسع البابا إسطفان الثاني StephenII (752 – 757) رقعة الدولة البابوية وثبَّتها نهائيًا دولةً سياسية. وإذا الدولة الدينية الدنيوية يشتدُّ انحرافها مع الزمان، ويتفاقم تدخلها في قضايا السياسة الأوروبية والعالمية، حتى أخذت تحتلّ تدريجًا، في ميزان السياسة الدولية، المكانة التي كانت تشغلها الإمبراطورية، الرومانية. فما إن نبلغُ سنة 849 حتى يكون البابا لاون الرابع Leo IV (847 – 855) قد أنشأ أسطولاً خطير الشأن ليخوض به الحروب ضد أعدائه. وهكذا انقلبت البابوية على تعاليم السيد المسيح القائل: “هنيئًا لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون” (متى 9:5)، و”سمعتم أنه قيل: أحب قريبك وأبغض عدوك؛ أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وصلُّوا لأجل الذين يضطهدونكم” (متى 43:5 – 44).
كذلك جعلوا يحالفون الأسر الإقطاعية، ويحوكون المؤامرات، ويثيرون الفتن والقلاقل بين الدول المسيحية نفسها. ولم يكن في تنصيبهم أي اعتبارٍ للفضيلة أو الحكمة. مثالُ ذلك أن يوحنا الثاني عشر John XII( 955 – 963)، كونت ده توسكولوم، ارتقى السدة البابوية في السادسة عشرة من عمره، واستسلم للإغراءات الدنيوية، وانهمك في الشؤون السياسية، وأوقد الفتن والحروب؛ وبنوا التاسع Benoit IX (1032 – 1046) نُصِّب بابا وعمره خمسة عشر عامًا؛ وكانت سيرته المُنحرفة شبيهة بسيرة السابق.
وتدخل البابا أُربانُس الثاني Urban II(1088 – 1099) في شؤون إسبانيا وفرنسا وإنكلترا مُحالفًا أو مُخاصمًا ملوكها. وأوفد الحروب الصليبية التي كانت مقنَّعة بالإيمان الديني والحرص على استعادة الأراضي المقدسة، في حين أن الحقيقة التاريخية تظهر الأسباب الكريهة لتلك الحروب، وبينها الطمع بمال الآخرين وممتلكاتهم، ومحاربة لا المسلمين فحسب، بل حتى اليهود والمسيحيين الذين ليسوا من الكاثوليك الأوروبيين. يقول جونسون Paul Johnson في كتابة البارز “تاريخ المسيحية”: منذ البداية تعلَّم الصليبيون أن يبغضوا البيزنطيين بقدر بغضهم المسلمين. فعام 1204، هاجموا القسطنطينية واحتلوها إكرامًا لله والبابا والإمبراطورية. وفي كاتدرائية القديسة صوفيا مزّقوا الصور المعلقة، وحطموا القاطع الأيقوني الفاصل بين المذبح وبهرة الكنيسة، قطعًا قطعًا وضعوها في جيوبهم؛ وأقاموا امرأةً عاهرة فوق سدّة البطريرك جعلت تُغني أغنيةً وقحة. وقد داسوا الكتب والأيقونات المقدَّسة، واغتصبوا الراهبات، وشربوا النبيذ المعد للمذبح من الكؤوس المقدسة”. وأرغم البابا غوريغوريوس التاسع (1227- 124) الملك فريدريك على استئناف حرب صليبية جديدة، وأنزل الحرم الكنسي فيه لأنه لم ينفذ أوامره فورًا، ثم رفع الحرم عنه بعد أن ردَّ إليه المقاطعات التي أحتلها، ثم أنزل الحرمَ فيه مجددًا. و”عام 1365، تمَّت أخر الحملات الصليبية الدولية التي لم يكن لها من غاية إلا نهب مدينة الإسكندرية التي كان معظم سكانها مسيحيين. فقتل عديدون منهم مثلما قتل يهود ومسلمون كثيرون، بل حتى التجار اللاتين نهبت منازلهم ومخازنهم (جونسون نفسه).
وكذلك منح البابا سكتُس الخامس Sixtus V (1585 – 159) كل فرنسي يثور ضد الملك هنري الرابع غفرانًا وهميًا للخطايا مدة تسع سنوات من العذاب المطهريّ، وذلك بالرغم من الانتفاضة البروتستانتية على المتجارة البابوية بالغفرانات؛ ودفع إلى ملك إسبانيا، فيليب الثاني، مبالغ طائلة سنويًا من مال الكنيسة ليُساعده في حربه ضد إنكلترا. وهكذا أشعلوا الحروب وارتكبوا المجازر مُنكّرين مآربهم الشخصية ومطامعهم السياسية والاقتصادية بالأقنعة الدينية.
تناخُرُ البابوات وسلوكُهم الشائن
كان السيد المسيح سيد المجد الروحيّ لا الدنيوي. فلا المال غرّة, وزلا عرشُ الأرض أجتذبه. ولا شهواتُ الجسد فتنته. فقد عاش متواضعًا، عفيفًا، مُتقشفًا، زاهدًا. من وصاياه: “لا تجمعوا لكم كنزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ كل شيء، وينقبُ اللصوصُ ويسرقون؛ بل اجمعوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يُفسد السوسُ والصدأ أي شيء، ولا ينقبُ اللصوص ولا يسرقون. فحيثُ يكون كترك يكونُ قلبك” (متى 19:6 – 21)؛ “لا يقدرُ أحدٌ أن يخدم سيّدين، لأنه إما أن يبغضَ أحدهما ويحب الآخر، وإما أن يتبع أحدهما وينبذ الآخر. فأنتم لا تقدرون على أن تخدموا الله والمال” (متى 24:6).
إن كثيرين من البابوات ومعاونيهم من الأساقفة كانوا يسلكون السلوك الشائن الفاضح، ويتناحرون على المناصب الكنسية طمعًا بالسلطة والجاه والمال، ويرتكبون القبائح والمظالم الرهيبة باسم المسيح النقيّ. نذكرُ، على سبيل المثال، أن البابا إسطفانُس السادس Stephen VI( 896 – 897) أمر باستخراج جثة خصمه البابا فورموز Formous(891 – 896)؛ وبعد أن حاكمها مواجهة في ما سمي بـ”المجمع الجيفي”، قطع بعض الأصابع من يد الجثة جزاءً، وأمر برميها في مقابر الغرباء العمومية حيث التقطها الجمهور المذعور، وألقى بها في نهر التيبر (ففي كانون الثاني/ يناير 897). وقد قبض أنصار فورموز على إسطفان السادس وزجوا به في السجن، ثم خنقوه فيه. واعتلى لاون الخامس LeoV (903) السُّدة البابوية حوالى شهرين، ثم قبض عليه كاهنٌ اسمه كريستوفر Christopher فسجنه، واحتل العرش البابوي مكانه (904-903). وإذ انتخب، في الظرف نفسه، أنصارُ إسطفان السادس بابا معاكسًا آخر هو سرجيوس الثالث Sergius III (904 – 911)، فقد اعتقل هذا الأخيرُ منافسهُ كريستوفر، ثم أمر بقتله وقتل ضحيته البابا لاون الخامس في السجن نفسه.
وطوال ذلك العهد الأسود كانت ثيودورا Theodora، زوجةُ ثيوفيلاكتُس Thephylactus زعيم الأرستقراطية الرومانية، وابنتاها العاهرتان ثيودورا وماروزيا Marozia، هنَّ المتحكمات بالجالسين على العرش البابوي. وكان من جملة أحظياء هذه الأخيرة البابا يوحنا العاشر (914 – 928)، والبابا إسطفان السابع (929 – 931) اللذان سجنتهما، ثم أمرت بقتلهما بعد اختلافها معهما. وعلى أثر فتكها بالأخير، نصَّبت على العرش البابوي ابنها يوحنا الحادي عشر (931- 935). وإذا توفي زوجها، حاولت تنصيب عشيقها الجديد، هبوغ Hugh إمبراطورًا بمعونة ابنها البابا؛ فثار ألبريك الثاني Alberc II، ابنها الآخر، وزج بها وبأخيه البابا في السجن ثم قتلهما.
واغتصب بونيفاس السابع (984 – 985) العرش البابوي، بعد أن اعتقل البابا يوحنا الرابع عشر لكن بونيفاس سرعان ما قبض عليه فسُجن، ثم قتل وجُرِّرَت جثته في شوارع روما.
وقد تحوّلت الكنيسة الرومانية في عهد البابا سكستُس الرابع Sixtus IV (1471- 1484) إلى مؤسسة دنيوية فاسقة رهيبة يديرها كرادلة ينتمون إلى أسرة البابا، لا عمل لهم إلاَّ نسج المؤامرات وإثارة الحروب واحتلال المدن والمقاطعات لتوسيع ممتلاكاتهم، وتبديد أموال الكنيسة على مصالحهم الشخصية. وقد مات الكردينال بيار ريارو P.Riaro، ابن شقيقة البابا مستنزف القوى من جراء استسلامه للرذائل. وكان أخوه أردأ سيرةً منه. ولكي يستطيع البابا أن ينهض بنفقات أنسبائه الباهظة، رفع أسعارَ الغُفرانات الوهمية للخطايا وأثمان الرتب الكنسية. ولعل في ما كتبه ستيفانو إنفسُّورا Stefano Infessura، أمين سر مجلس الشيوخ الروماني في معاصره البابا سكتُس الرابع ما يوضح تألم الشعب من حكم المفاسد والمظالم في الدولة البابوية. قال: “كان يومًا سعيدًا يوم مماته، إذ أظهر الربُّ الكلي القدرة قوته في إنقاذ الشعب المسيحي من مساوئ هذا الحاكم الفاسق الظالم الذي كان يجهل خوف الله، ويخلو من أي ميل لرعاية المسيحيين، ولم تخالجه شفقةٌ ولا محبة، إنما كان بكليته مطية لشيطان الشهوانية الفاجرة وجشع المال وعشق البذخ والمطامع الباطلة.
وكان البابا إنوسنت الثامن Innocent VIII (1484 – 1492) والدًا لابني زنًى. وقد منح الكردينالية لابن أخيه، ولد زنًى أيضًا. وهو لم يعنَ إلا بمصلحته ومصالح أسرته المادية؛ وفي أيامه غاص الفاتيكان في بحرٍ من الدعارة والمفاسد الخلقية. وقد أصدر أمرًا بأن كل من يقتل هرطوقيًا يرثُ ممتلكاته ويحصل على مغفرة ما اقترفه من خطايا. وقد شارك في الاضطهاد الكهنةُ والحكام.
وتابع البابا ألكسندر السادس (رودريغو بورجيا) Radrigo Borgia Alexander سيرة الرذيلة بالغًا أقصاها مثلما تابع تبديد أموال الكنيسة ليسد بها نفقات أُسرته على ملذاتها. وحاك المؤامرات، واغتصب الولايات والمقاطعات ليهبها أولاده. وقد أحرق الراهب الدومينيكي سافونارولاً Savonarola (1452 – 1498( حيًا لأنه انبرى يدعو الناس إلى التوبة منددًا بحياة الفساد التي تفاقم شرها في الأسرة البابوية والسلطة الكنسية. كذلك أحرق معه الراهبين الدومينيكيين سلفستر Sylvester ودومينيك Domenico
وقد عمد البابا يوليوس الثاني Julius II (1503 – 1513) الملقَّب بالرهيب لانهماكه الدائم في الحروب، ولاون العاشر Leox (1513 – 1521) إلى زيادة بيع صكوك الغفران الوهمي من الخطايا، خادعين السذج ليجمعا منهم ملايين الدنانير لبناء ضريحيهما الفخمين، وتزيين قصورهما وكنائسهما، والإنفاق على ملذاتهما.
“محاكمُ التفتيش” الجهنمية
من أقوال المسيح: “من قال لأخيه” “يا جاهل”، استوجب حكم المجلس؛ ومن قال له: يا أحمق، استوجب نار جهنم”، (متى 1:7). كذلك: “لا تدينوا لئلا تدانوا” (متى 1:7).
لكن بابوات العصور الوسطى أقاموا “محاكم تفتيش” Inquisition لم يكن لها من المحاكم الحقيقية. سوى الاسم. فقد كانت وسيلة جهنمية لهم وللأساقفة والرهبانيات الإرهابية ومن ناصرهم من أصحاب السلطة السياسية للتخلص من خصومهم الدينيين والسياسيين، بل مخالفيهم في تأويل الكتاب المقدس، وللاستيلاء على أملاكهم. وكانت مُلاحقةُ هذه المحاكم موجهةً، أصلاً، ضد “الهرطقة”، أي المسيحيين الخارجين عن العقيدة الرومانية الكاثوليكية وفق تشكلها بعد مجمع نيقيا، عام 325. لكنها، في الواقع، تعدّت هؤلاء لتشمل أيضًا اليهود والمسلمين بإسبانيا، والمتّهمين بتعاطي “السحر” المزعوم، والأعداء السياسيين والفكريين في كل منطقة يُسيطر عليها النفوذ البابوي.
أما طرق المحاكمة وأصولها فقد كانت مأساة المآسي ومهزلة المهازل. فالأسقف أو رئيس المحكمة المحليَّة المكلف كان مُطلق الصلاحية في اتهامه الناس. وكان يقبل شهادة المجرمين من لصوص وقتلة وشاهدي زور… ومع ذلك لم يكن مسموحًا للمتّهم بمواجهة الذين شهدوا ضده أو بمعرفة أسمائهم. علاوةً على ذلك، حُرِّمَ على المحامين، بصورةٍ عامة، مساعدةُ المتّهمين. وكان المتّهمون يخضعون لأقسى أنواع العذاب ليعترفوا بالذنب الذي تريد المحكمة أن يعترفوا به؛ وهيهات أن يسلموا بعد اعترافهم. ومن فنون العذاب الضربُ المُبرح بالسياط، والضغط على الأيدي والأرجُل حتى تحطم العظام، ورفع المتّهم بآلة رافعة ثم صدمه بالأرض، والكي بالجمر إلخ. ذلك فضلاً عن الصيام الإكراهي وحرمان النوم والقيود الدائمة التي تمتد أحيانًا بضع سنوات.
أما الأحكامُ فكانت إحراق المتّهم حيًا أو سجنه مؤبدًا، هذا إذا لم يمت من جراء التعذيب والتنكيل. وكانت أملاكه تُصادر، وتُحرم عائلته من أي إرث. بل إن ما سموه بالـ”مكتب المقدس” كان يأمر بنبش جثث الذين يشك في هرطقتهم ممن ماتوا دونما محاكمة، فتوضع عظامم وبقاياهم على المسامير وتجرَّر في الشوارع، ثم تُحرق.
وقد بدأ اضطهادُ السلطة الكاثوليكية الجدّي للمسيحيين الذين يأبون التعامي عن القبائح والفضائح التي تحدث في قصور البابوات أو الذين لا يخضعون لأوامرهم ومبادئهم الدينية والسياسية، في أوائل القرن السابع للمسيح. لكن محاكم التفتيش الرهيبة ترقى نشأتها إلى أواخر القرن الثاني عشر. ففي سنة 1179، قرر البابا ألكسندر الثالث، في مجمع لاتران Latran، وجوب التصدي “للهراطقة” بقوة السلاح ومصادرة ممتلكاتهم، واستعبادهم. وفي 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1184، أصدر البابا لوسيوس الثالث Lucius III، في مجمع فيرونا Verona، دستورًا يُمكن اعتباره الأصل التأسيسي لمحاكم التفتيش الأسقفية.
واستخدمت السلطت البابوية عدة منظمات “رهبانيَّة” لمساعدتها في مهمتها، من بينها الدومنيكان والفرنسيسكان والواعظون.
وفي القرنين الثاني عشر والثالث عشر نشطت، في عدة مناطق من أوروبا، جماعات كثيرة ممن يؤمنون بأن العالم المادي كله شر، وعلى الإنسان أن يحرّر نفسه من قيود المادة ليستطيع أن يستعيد طبيعته الخيّرة ويتَّحد بالله الذي انفصل عنه. وقد لاحظوا انحراف الكنيسة الرومانية عن أهداف المسيح، فكانوا يتقشفون ممتنعين عن الجماع، وقد نظموا أنفسهم، وأقاموا لهم أسقفيات خاصة. فكان الكاثاريون Cathari، وهم من أبرزهم، الضحايا الأوائل لـ”محاكم التفتيش”، إذ أحرق حيا أو وُئد الألوف منهم في أوروبا، ولا سيما في فرنسا وإيطاليا وألمانيا بين سنة 1233 و1278. ثم توالت المجازر الرهيبة، وكان من أبشعها تلك التي حدثت في فرنسا، في عهد الملك فيليب له بل Philippe le Bel ، إذ أوقف، في 24 آب سنة 1307، أعضاءُ الجمعية المعروفة بـ “فرسان الهيكل” Le chevaliers du Temple” في جميع الأراضي الفرنسية، ثم أحرقوا أحياء، بعد أن قضى كثيرون منهم في السجون من التعذيب. كذلك في عهد فرانسوا الأول FrançoisI, قتل ألوفٌ من المسيحيين الفودوا Vaudois (جنوبي فرنسا) سنة 1545. على أن أرهبَ “محاكم التفتيش” هي تلك التي عرفتها إسبانيا، لا سيما في عهد رئيس الدير الدومينيكي توركيمادا Torquemada، إذ قُضي على ألفي شخص في مدة أربعة عشر عامًا (1484 – 1498). وقد داومت “محاكم التفتيش” الكاثوليكية حتى القرن التاسع عشر على إرسال خصوم البابوية إلى المحرقة.
ولم تكتف البابوية والأجهزة التابعة لها باضطهاد العاديين، بل تعدتهم إلى اضطهاد المُصلحين والمفكرين والعلماء، بحيث أظهرت نفسها أنها عدوةٌ لكل إصلاح سياسي واجتماعي أو تحرّر فكريّ أو تقدم علميّ. فمن العلماء الذين حاربتهم: كوبرنيك Copernicus (1473 – 1543)، وهو عالمٌ فلكي بولوني برهن على دوران الكواكب السيارة حول نفسها وحول الشمس، فحكمت البابوية على نظريته بالبطلان، زاعمةً أنها ضد الحقائق الدينية. وغاليليه Galieli (1564-1642)، وهو عالمٌ إيطالي في الرياضيات والفيزياء والفلك؛ فقد أجبر وهو في السبعين من عمره على أن يركع أمام “محكمة التفتيش” الكاثوليكية، وينكر تأكيده لصحة نظرية كوبرنيك حتى ينجو من عقاب الموت بإحراقه حيًا؛ ففعل ما أكرهوه عليه وهو يقول: “ولكنها ]أي الأرض[ مع ذلك تدور” (E pur si muove). وقد أمضى بقية حياته في إقامة جبرية شبه سجين. كذلك أحرق الفيلسوف الإيطالي برونو G.Bruno حيًا، سنة 1600، بتهمة الهرطقة. وأحرق الفيلسوف الإيطالي الآخر فانييني Vanini حيًا أيضًا، سنة 1619، بتهمة السحر المزعوم والإلحاد. وكانت السلطة البابوية قد أصدرت اللائحة الأولى للـ”كتب المحظورة” Index Expurgatorius. وأتبعها، سنة 1564، بلائحة أوسع. ثم دأب “مجمع الحظر” التابع لها على تحريم كل كتاب لا يروقها منذ سنة 1571 حتى سنة 1917. ثم أخذ يقومُ بهذه المهمة ما سموه بالـ”مكتب المقدَّس”.
وكان عددُ ضحايا “محاكم التفتيش” عظيمًا. فوفق شهادة جون أنطونيو لورنته /Llorente، الذي كان يشغل منصب أمين سر محكمة التفتيش في مدريد في أثناء سنوات الثورة الفرنسية (1789- 1791)، بلغ عددهم في إسبانيا وحدها حوالى ثلاثمئة وخمسين ألفًا، بينهم 31912 شخصًا أحرقوا أحياء. أما المتَّهمات بالسحر فقدر عددهن بثلاثمئة ألف، بينهن مئتا ألف في ألمانيا وحدها.
دحضُ مزاعمِ البابوية لخلافة بطرس الرسول
إستند البابوات، بعد مجمع نيقيا في ادعائهم خلافة بطرس الرسول ثم خلافة المسيح نفسه، إلى قول سيد المجد لبطرس الرسول: “أنت حجر، وعلى هذا الحجر سأبني كنيستي (جماعتي)… وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فما تربطه في الأرض يكون مربوطًا في السماء، وما تُحلّه في الأرض يكونُ محلولًا في السماء” (متى 16: 18- 19).
لكن الموقف الداهشي المستند إلى الوحي يدحض ادعاء الخلافة، وله تفسير خاص لمعنى “الحجر” لا مجال لتفصيله في هذا البحث:
أولاً، كان المسيح يخاطب بطرس قصرًا، بل يخاطب السيال الروحي الأعلى فيه. وبرهان ذلك أنه، بعد أن أعلم المسيحُ تلاميذه أنه سيُضطهد ويعذَّب، “انفرد به بطرس وأخذ يعاتبه فيقول: لا سمح الله، يا سيد! لن تلقى هذا المصير! فقال لبطرس: ابتعد عني، يا شيطان! أنت عقبة في طريقي، لأن أفكارك هذه أفكار البشر لا أفكار الله” (متى 22:16 – 23). والواقع التاريخي أكد ذلك، إذ أنكر بطرس معرفته للمسيح ثلاث مرات. ولو تجرأ وأكد معرفته له وشهد لمصلحته، لكان سيرُ المحاكمة تغير، وفق ما أكد لي مؤسس الداهشية. أما غفران الخطايا فلا يكون نظريا، بل يتأكد بشفاء إعجازي من علةٍ تكونُ نتيجة لخطايا اقترفها المعلول في حياته الحالية أو السابقة، وهو هبة لم يقصرها المسيح على بطرس الرسول. فوفق المفهوم الداهشي ظهرت شخصية المسيح العلوية لتلاميذه، بعد الصلب، لأن الموت لا يقوى عليها، وكانوا مجتمعين في غرفةٍ مقفلة الأبواب، فقال لهم بعد أن نفخ في وجوههم: “خذوا الروح القدس. من غفرتم له خطاياه تغفر له، ومن منعتم عنه الغفران يُمنعُ عنه” (يوحنا 19:20 – 23). وهذا يؤكد أن الروح القدس هو الذي يغفر الخطايا (بصنُع معجزات شفائية مثلما فعل المسيح) لا البابواتُ ولا الكهنة، ولا أي إنسان آخر. ومع ذلك لم يخبر عن أحد منهم أنه صنع معجزة إلا بطرس الذي زوده المسيح بقوة روحية يعرف الداهشيون كنهها، وبولس الذي رافقه يسوع مُتخفيًا وكان يصنعُ المعجزات، فتنسب لبولس.
ثانيًا، في الموقف الآنف ذكره خاطب المسيح تلاميذه قائلاً: “مَن أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلص حياته يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها. وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟” (متى 16:24-26) فإذا تفحصنا سير البابوات، في القرن الوسطى، لوجدنا أكثرها على نقيض تام مما يريده المسيح؛ إذ كانوا يحوكون المؤامرات بعضهم ضد بعض، ويقترفون الجرائم، ويوقدون الحروب، وينغمسون بالشهوات من أجل ربح العالم ومغرياته واقتناء الثروات الطائلة. فأي إنكار للنفس في تلك السِّير؟!
ثالثاً، كيف يدَّعي البابوات حقّ خلافتهم لبطرس الرسول، وهو لم يدع حق الرئاسة في التشريع للكنيسة وإدارتها، ولا عين خليفة له. فبولس الرسول ظلَّ متفردًا في تصرفه ونشر التعاليم المسيحية وتأسيس الكنائس بروما وغيرها، حتى إنه أنبَ بطرس علنًا في رسالته إلى غلاطية لأن بطرس كان ميالاً إلى قصر التبشير على اليهود دون بسطه إلى الرومان مثلما فعل بولس (11:2 – 14). وهذا رأيٌ يتفق عليه كثيرٌ من مؤرخي الدين المسيحي حتى الكاثوليك بينهم.
رابعًا، خلال القرون الثلاثة الأولى لم يكن أسقف روما وحده المُعترف به رأسًا للكنيسة، فقد كان ثمة نوع من الاستقلالية في القرنين الأولين ونزاعٌ على السلطة في القرن الثالث. أما كيف ولماذا سيطرت كنيسة روما، وبعدها كنيسة القسطنطينية (بعد نقل العاصمة الرومانية إليها) على سائر الكنائس، فأسبابُ ذلك معظمها سياسيّ، فضلاً عن كثرة الشهداء الذين سقطوا في عاصمة الإمبراطورية.
العقاب الإلهيّ الرهيب
بعد مؤتمر نيقيا كرّس البابوات أنفسهم خلفاء لبطرس الرسول، بل للمسيح نفسه، بل جعلوا أنفسهم خلفاء لله تعالى، وأخذوا يحلمون، مع كرور الأعوام، بدمج السلطة الدينية بالسلطة السياسية بحيث تصبح الإمبراطورية الرومانية العظيمة تحت سلطانهم. لكنهم لم يكونوا يعلمون ماذا تُخبئ الأقدار التي صاغوها بأعمالهم الدنيوية وشهواتهم الجسدية من عقاب رهيب. فعام 395 مات ثيودوسيوس Theodosius، بعد أن كان قد أعلن المسيحية الكاثوليكية دين الدولة الرسمي، عام 380، وحظر وقمع كل ما عداها. وإذا بروما التي انتصرت فيها المسيحية المُنحرفة سياسيًا وخُلقيًا ودينيًا معدَّة لغزوها وخرابها. فجازاها الله بتسليطه عليها البرابرة الذين كانوا قد اعتقوا المسيحية الآريوسية القائلة بوحدانية الله؛ فاجتاحها القوط الغربيون سنة 410. وما كانوا ليدخلوها لو لم تستحق العقاب الإلهيّ، ولو لم تتهيأ للغزاة السبل من ضعف حكامها وشعبها الخلقي، ووهن اقتصادها، وفوضى سياستها، واليأس الذي بدأ يتسرب إلى نفوس قاطنيها. وتبعت القوط موجات بربرية أخرى اجتاحت مدن الشرق والغرب حيث كان للرومان سلطان. وكانت أشرس تلك الحملات حملةُ الهون Hun التي قادها أتيلا Attila، الملقب بـ”غضب الله، في أواسط القرن الخامس. وبعد موت ثيودوسيوس لم يبق من الإمبراطورية الرومانية إلا قسمها الشرقي الذي اقتصر عليه اسم بيزنطيا، بعد أن كان يشمل الإمبراطورية كلها. وسرعان ما مشت بيزنطيا على خُطى روما في الانقسامات الدينية والمفاسد الخلقية؛ لكن سيرها نحو الهاوية كان أبطأ، بحيث إن مشيئة الله قضت عليها بالزوال تدريجًا، بتقطيع أوصالها شيئًا فشيئًا.
ثم حلَّت الضربة الإلهية الثانية. فبعد حوالى عامين من وفاة الرسول العربي الكريم، انطلقت جحافلُ العرب المسلمين شمالاً ليحتلّوا منطقة واسعة من بيزنطيا، تشمل سوريا بما فيها دمشق وفلسطين بما فيها أورشليم (638). وبعد احتلالهم بلاد الفرس، غزوا مصر واحتلوا الإسكندرية (642) حيث ناصر الأقباط المسيحيون العرب ضد الكنيسة اليونانية الكاثوليكية. وفي الشرق تقدم العرب على طول الشاطئ إلى ليبيا (647)، ثم إلى قبرص (649) ورودس (654) وصقلية (652). وهكذا خسرت بيزنطيا وسلطتها الكنسية مدنها كلها على ساحل البحر المتوسط. لكن موجات الفتوح العربية لم تقف عند هذا الحد، بل تقدمت إلى أرمينيا (653). وعام 683، وصل العرب إلى المحيط الأطلسي في شمال إفريقيا. ثم تبع فتحُ إسبانيا عام 711، وأقيمت الإمارةُ الأموية في قرطبة سنة 756. زد إلى ذلك احتلال ديارٍ كثيرة داخل آسيا لم تصل إليها جيوشُ الرومان في أوج سؤددهم. إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، فاقتصت شر اقتصاص من المسيحيين البيزنطيين ورعاتهم الدينيين، لأنهم خرجوا عن تعاليم سيد المجد الذي ادعوا أنهم خلفاء له، وكان خروجهم بسلوكهم الُمنحرف عن القيم الروحية كما بالتزامهم تعاليم جديدة أدخلت على وحدانية الله! ومثلما سمحت العدالةُ الإلهية بأن يتسلط البرابرة الآريوسيون القائلون بوحدانية الله على قسم كبير من الإمبراطورية الرومانية، عادت فسمحت بأن يتسلط المسلمون القائلون بوحدانية الله على قسم كبير من الإمبراطورية البيزنطية. ثم حدث الإنشقاق الكبير بين كنيستي الشرق والغرب عام 1054، بعد أن اختلفتا في أمور تتعلَّق بالعقيدة والممارسة الكهنوتية. وحرمت كل منهما الأخرى معتبرة إياها مُنحرفة. وهكذا ضعفت المؤسسة المسيحية بالانشقاق والتنازع.
وبعد تهديد السلاجقة الأتراك لبيزنطيا، بدأت الحملاتُ الصليبية. لكن ماذا كانت نتائجها؟ إنتهت الحملة الصليبية الثانية بهزيمة شنعاء في أواسط القرن الثاني عشر. وسنة 1187، أباد صلاح الدين الأيوبي معظم الجيش الأوروبي في معركة حطين. وفي 2 تشرين الأول من العام نفسه استعاد مدينة القدس ومعظم المعاقل الأوروبية الأخرى. وفي الحملة الثالثة اضطر ريتشارد (قلبُ الأسد)، بعد عجزه عن فتح القدس، إلى إبرام معاهدة سلام لخمس سنوات سمح فيها صلاح الدين للحجاج المسيحيين بزيارة الأماكن المقدسة. وعام 1212، جرت حملةُ الصبيان التي عباتها حماستُهم المتهورة وطاعتهم العمياء للبابا، فقضى فيها أو فُقِدَ أو استعبد الآلافُ منهم. والحملتان الخامسة والسابعة على مصر أخفقتا. أما الحملة الثامنة فقادها الملك لويس من جنوبي فرنسا، وحط بجنوده في تونس لاسباب غير واضحة؛ فقضى هو وابنه ومعظم جنوده بالأمراض الفتاكة.
وعمَّ وباءُ الموت الأسود أوروبا بين 1347 – 1400 مبيدًا حوالى ثلث شعوبها، غير عافٌ عن الملوك وأسرهم أو رجال الدين، حتى أصبحت أوروبا مقبرةً جماعية. وستكونُ الضربةُ اللاحقة، لا الأخيرة، الانتفاضة الإصلاحية البروتستانتية.
أكد مؤسس الداهشية أن الحقيقة الروحية هي في ذات الله تعالى، ويستحيل أن يدركها إنسان مهما بلغ سموه؛ فادِّعاء احتكار الحقيقة المُطلقة باطل. كذلك أكد أن التعاليم الدينية تُعطى البشر وفقًا لمستويات مداركهم وطبيعة بيئاتهم في الأزمنة التي تُبعثُ فيها الأديان؛ فكل مؤمن يحاسبُ وفق تعاليم دينه. وشدَّد على أهمية العقل الحرّ مُستنكرًا الطاعة العمياء، مؤكدًا أن من يخونُ عقله يخون خالقه، لأن العقل قبس منه، موضحًا أن ممارسة القيم الروحية هي الجوهرُ في كل دين، رافضًا الإرهاب ردًا على أي اعتداء، مُعتبرًا أن الوسيلة جزء من الغاية، فإذا فسدت، أفسدت الغاية معها. وبعد ستين عامًا فصل هذه المبادئ د. تشارلز كمبول، أستاذ تاريخ الأديان المقارنة في كتابه البارز “عندما يُصبحُ الدين شرًا”.
“من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلّص حياته يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها. وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟”
السببيَّة الروحيَّة في مجرى الأحداث العامة (9)
الإسلام: صاحبُ الرسالة وعقيدته
بقلم الدكتور غازي براكس
البعثة الإسلامية وصاحبها
في العقيدة الداهشية أن الأنبياء والهُداةَ الروحيين تُحييهم سيالاتٌ روحية مُختلفة الدرجات؛ وهذا يتَّفق مع الآية القائلة (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) (الإسراء55). لكن تلك السيالات تعودُ جميعها إلى كيانٍ روحيٍّ واحد. فكلما يجفُ نسغُ الحياة في المؤمنين التابعين لغصن الهداية الممتد إلى الأرض من الشجرة الروحية الإلهيَّة، يمتد بديلاً عنه غُصنُ هدايةٍ آخر لقومٍ آخرين. وهذا المبدأ يؤكده القرآن الكريم بآيتين مترابطتين ترابط السبب بالنتيجة: “الأولى (ولكلِّ أمَّة أجلٌ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون) (الأعراف 34)، والثانية (ولكل أمة رسولٌ، فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) (يونس 47).
ولد محمد يتيمًا سنة 570/ 571 م على ما يرجح المؤرخون. وما إن بلغ السادسة حتى ماتت أمة؛ وبعد سنتين، توفي جدُّه عبد المطلب الذي كان يكفله، فرعاه عمَّه أبو طالب. لكن اليتيم الذي كانت حاله أقرب إلى العسر منها إلى اليُسر، مع انتمائه إلى أسرة عريقة النسب، سرعان ما اختبر عيشة العرب باديهم وحاضرهم. فعمل في صباه برعي غنم ذويه وغنم أهل مكة، وكان يفتخر بعمله. فأحبَّه كل من عرفه، وسموه “الأمين”.
وفي الخامسة والعشرين من عمره بدأ عمله في التجارة لخديجة بنت خويلد، ذات المال والشرف. فأعجبت بذكائه وأمانته وحميد خصاله، وأحبّته. وسرعان ما تزوجا؛ علمًا بأنها كانت تزيده خمسة عشرَ عامًا، وقد تزوجت مرتين. فولدت له القاسم وعبد الله اللذين ماتا طفلين قبل انبعاث الدعوة؛ كذلك ولدت له من البنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. لكن محمدًا لم يلبث أن اعتق عبدًا كانت خديجة قد اشترته وتبناه، وهو زيد بن حارثة الذي أصبح يدعى زيد بن محمد.
كل ذلك والعهد عهد الجاهلية، عهد الفوضى الخلقية وانعدام الوازع الاجتماعي والشرائع المدنية وتحمل المسؤولية؛ عهد العصبية القبلية والعشائرية والطبع الفخور بالـ”أنا” التي أدى تضخمها إلى الافتخار بالآباء والأجداد، ونصرة الأخ أو القريب أكان ظالمًا أم مظلومًا، وإيثار المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. كل تلك الخصائص السلبية للجاهلية وما يستتبعها من اعتداءات غير مسؤولة على الآخرين في أجسادهم وممتلكاتهم كانت تطبع العرب بصورةٍ عامة والبدو منهم بصورة خاصة.
سنة 610م، فيما كان ملكوتُ المسيح الروحيّ الحقّ قد بدأ بالأفول من الأرض متحولاً إلى مملكة سياسية عسكرية دنيوية في روما، بعد انهيار مجد الإمبراطورية وتجزيئها، وبينما كان الدين المسيحي قد انحرف عن منبعه النقي متفرعًا إلى بدعٍ شغلتها المنازعات والمجادلات العقيمة في بيزنطيا التي أخذ الضعف يدبُّ في أوصالها، كان الوحي الإلهي يتنزلُ على محمد بن عبد الله في شبه جزيرة العرب. وهكذا انفتحت كوةٌ جديدة من السماء، وانهمر جدول ماء حي يخصبُ الصحراء العربية بحضارة أقفرت منها بلادُ العمران آيات وحي كريمة نزَّلها روح جبريل مُتقطعة، مدى ثلاث وعشرين سنة، فتكون منها القرآن الكريم كتابًا مقدسًا مصدقًا لما قبله من التواراة والإنجيل، ومقومًا وموضحًا ما حرفه المبتدعون، ومهدمًا ومسفهًا معتقدات الوثنيين والمشركين، وداعيًا إلى تنزيه الله وعبادته ربًا أوحد للعالمين، وناهيًا عن المنكر، ومرغبًا في الخير والمعروف.
ذلك الأمين الصادق، بعد أن أتاهُ الوحي لمامًا في العام الأول من التنزيل في غار حراء (شمال شرقي مكة) حيث كان يتحنث، انقطع عنه زمنًا قارب السنوات الثلاث حتى ساوره القلقُ والخوفُ من أن يكون رب السماء قد خذله؛ لكن الروح الملائكي عاوده، بعد طول غياب، مكلفًا إياه تبليغ الرسالة الروحية الجديدة التي شرعت تعاليمها بالنزول: (يا أيها المُدثَّر، قم فأنذرْ) (المدثر 1 – 2). هذا الحدث الروحي الذي بدا همسة في غار، وانتهى دويًا راعدًا في المعمور والأقفار، ما كان ليحدث لو لم تكن وراءه أسباب روحية تدفعه وتطوره ابتغاء الوصول إلى هدف رسمته اليد الإلهيّة. فكأن البيئة المشابهة لعوسجة تثمر ثمرًا طيبًا، أو الظلمة يطلع قلبها شمسًا نورها يؤثر في معظم الأحداث التي تمَّت في التاريخ بعد طلوعها؛ وتلك هي المعجزة!
كان النبي الكريم في الأربعين من عمره لما أطلق دعوته. وكانت السيدة خديجة أولى المؤمنات، وعليّ، ابن عمه أبي طالب، ابن العاشرة، أول المؤمين؛ فكانا يخرجان إلى شعاب الجبل القريب فيختليان ويصليان. وبعد علي آمن زيد بن حارثة الذي تبناه الرسول الكريم. وبعد الآثنين آمن أبو بكر الذي كان في الثامنة والثلاثين من عمره، وقد سمي بالصديق من أجل أسبقيته بين الرجال؛ وعلى يديه أسلم عثمان بن عفان (34 سنة)، وعبد الرحمن بن عوف (30 سنة)، وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، ابن عمة الرسول (كل منهم 10 سنوات). هؤلاء وجماعة من المُستضعفين والعبيد والموالي، مثل عمار بن ياسر وبلال الحبشي كانوا النواة التي بنيت عليها الجماعة الإسلامية الأولى.
إن دور العصبية القبلية بالنسبة للبعثة الإسلامية كان مزدوجًا. من جهة مكَّنت خصومها من محاصرتها، فلم يتجاوز عدد من أسلموا، في المرحلة المكية التي امتدت 13 سنة، 154 شخصًا، منهم 83 مؤمنًا هاجروا إلى الحبشة؛ ومن جهة أخرى أمَّنت العصبية القبليَّة حماية صاحب الدعوة وشيوخ القبائل والعشائر ممَّن أسلموا مع ذويهم.
لكن القرآن الكريم دعا إلى الانتقال من الرابطة القبلية والعشائرية إلى الرابطةت العقائدية الروحية رابطة “الأمة” (أي الجماعة ذات القصد الروحي الواحد والاتجاه السلوكي الواحد): (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون) (آل عمران 104). وفي هذا التبديل الخلقي الاجتماعي العقائدي تحطيم للقيود التي أثقلت كاهل العرب، باديهم وحاضرهم, مدى قرون, فجعلهم طبقات: أسياداً وموالي وعبيداً, أغنياء وصعاليك, أمجاداً ووضعاء, ذوي حسب يفتخر به, وذوي نسب يهان؛ وهي تصنيفات بينها حواجز أشبه بتلك التي كانت قائمة بين الطبقات الهندية, إذ ظهر بوذا وحاول تحطيمها. وهذا التحطيم للقيود الاجتماعية المُزمنة جعل مشركي قريش يزعمون أن اتباع الفقراء للدين الجديد انتقاص من قيمته وصدقيته. لكن هذه الثورة السلمية في منطقة انتشر فيها الشرك والوثنية كان لا بدَّ من أن تلقى مقاومة عنيدة, لأنها شكلت خطراً على قواعظ وعادات وأعراف وامتيازات اقتصادية واجتماعية, فضلا عن دينية, رسختها القرون. ولذلك أوحي إلى الرسول العربي الهجرة إلى المدينة حيث ستعظم قوته وتكتمل رسالته.
كان النبي الكريم إمامًا عظيم الخلق والشخصية، وكان للـ “أمة” الإسلامية فيه (أسوة حسنة) (الأحزاب 21). إمام لطيف لا يتعالى على أتباعه، بل يتضع لهم ويشاورهم في أموره، وسيِّد يشعر مواليه وخدمه أنهم غير أذلاء، بل هم بمنزلة الأبناء، إذ هو لا يحملهم أكثر مما يُطيقون، بل يرحمهم ويجاملهم ويضاحكهم. وقد أكد القرآن الكريم مزاياه هذه بعدّة آيات؛ منها (واخفض جناحك لمن أتبعك من المؤمنين) (الشعراء 215)؛ كذلك (ولو كنت فظَّا غليظ القلب، لانفضُّوا من حولك، فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) (آل عمران 159).
وكان بوسعه أن ينعم بعيشة الملوك المترفة؛ لكنه آثر عيشة الفقراء المتقشفة، فلم يطلب ملذات الحس، بل ابتغى نعيم الروح، وزهد في نعمة العيش مع أنها بين يديه. وكثيرًا ما كان يرقع ثيابه أو حذاءه بنفسه، أو يوقد النار ، أو يمسح الأرض، أو يحلب عنزة أسرته، أو يتسوَّق ما يحتاج إليه.
وكان يزور المرضى، وينضم إلى أي موكب جنازةٍ يلتقيه، ويلبي الدعوة إلى الطعام حتى إن تكن من عبد، بل كان لا يكلف العبد عمل شيء له بإمكانه عمله إذا كان لديه متَّسعٌ من الوقت. وبالرغم من المداخيل التي كانت ترده، فإنه كان ينفق القليل على أسرته، وأقل على نفسه، والأكثر على الإحسان.
وإلى ذلك كان أبًا كريمًا عطوفًا؛ كما كان صديقًا متسامحًا، طيب المعاملة لزوجاته، رفيقًا معهن، أنيسًا. وقد بقي لا زوجة له سوى خديجة خمسًا وعشرين سنة. وبعد وفاتها، وهو في الخمسين من عمره، تزوَّج سودة بنت زمعة، ثم هاجر إلى المدينة وهو في الثالثة والخمسين، فاتخذ له تباعًا عدة نساء آثر بينهن إحدى عشرة، ذهبت الأصول التاريخية إلى أن حجرة كل منهن كانت من اللِبن وسعف النخل، لا تتعدَّى مساحتها 14 قدمًا مربعًا، بعلو 8 أقدام، في أرضها حصيرة عليها فراش ومساند، وعلى الباب ستار من شعر أو جلد؛ وقد عُرفن مع خديجة بـ”أمهات المؤمنين”. ولم يكن اختيار النبي الكريم لزوجاته، وفق رأي العقَّاد، بدافع الشهوة، بل كان الاختيار كله “على حسب حاجتهن إلى الإيواء الشريف، أو على حسب المصلحة الكبرى التي تقضي باتصال الرحم بينه وبين سادات العرب وأساطين الجزيرة من أصدقائه وأعدائه؛ ولا استثناء في هذه الخصلة لزوجة واحدة”. ويؤكد الشيخ خالد محمد خالد أنه، بالرغم من أن تعدّد الزوجات في العصور القديمة لم يكن يثير استهجانًا أو مساءلة، فوراء زيجات الرسول كان هدفُ الإيواء والرعاية والعزاء لنساءٍ مفجوعاتٍ بموت أزواجهن (كحفصة وسودة وصفية)، أو بسبب طلاقهن لعدم التفاهم بينهن وبين أزواجهن (شأن أم حبيبة لاعتناق زوجها النصرانية وهما في الحبشة، وزينب امرأة زيد). وهذا الإيواء الرعوي أكدته الآية القرآنية القائلة (وتؤوي إليك من تشاء) (الأحزاب 51). والجدير بالذكر أن زوجات النبي خيرن بين الدنيا والتقوى، ففضلن العيش في الشظف حتى أيام أفاء الله على المسلمين مغانم؛ وقد نزلت آيةٌ في ذلك (يا أيها النبي، قل لأزواجكَ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلاً وإن كنتنَّ تُردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعدّ للمحسنات منكنَّ أجرًا عظيمًا).(الأحزاب 28 – 29). بل إن شظف العيش امتد إلى بيت بنت الرسول (فاطمة الزهراء) التي كانت تساكن زوجها الإمام عليًا. فكانت إذا سألت أباها العطاء، أجابها: “لا أعطيك وأدعُ فقراء المسلمين”، ثم يضمّها إذ يرى الدمع يترقرق في عينيها، ويطلب إليها أن تسبّح الله وتحمده وتكبره كثيرًا.
مبادئ الإسلام الخلقية في السلم والقتال
من الأيام الكريمة: }وأرسل الله إليكم[ (رسولاً يتلو عليكم آياتِ الله مبيناتٍ ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور) (الطلاق 11). من هذه الآية يمكن أن نستنتج أن الجاهليين كانوا يعيشون في ظلمةٍ مجازية حقيقية، اجتماعية و عقلية وخلقية. فلا رابط روحيّ يجمعهم لتشكيل أمة ذات مبادئ واضحة واتّجاه معروف، ولا مستوى عقلي يرفعهم لاستشراف بعض حقائق الغيبيات وإنقاذهم من مصيرٍ مُظلم، ولا أخلاق نبيلة تردعهم عن المنكرات والظلم والعدوان أو تدفعهم إلى الشفقة على الضعفاء والفقراء، وكظم الغضب والعفو عن المسيئين. فإذا الإسلام يحضُ على الرحمة والإحسان والعدل جاعلاً إياها فضائل يجبُ أن يتحلّى بها المسلم، مثلما ينهى عن الظلم والعدوان والرذيلة بجميع أنواعها حاثًا المؤمنين على التحاشي عنها: (ألم يجدك يتيمًا فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى؟ فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) (الضحى 6 – 9)؛ كذلك (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) (النحل 90)؛ و(الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ، والعافّين عن الناس… والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم… أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربهم وجناتٌ…) (آل عمران 134 – 136).
وإذْ كان الأعداءُ حول صاحب الرسالة الروحية الجديدة أكثر من الأصدقاء، وقد هبّوا لمحاربته، دونما مبدأ أو نظام يحدِّد قوانين القتال، كان لا بد من الرسول الكريم أن يدافع عن نفسه وعن المؤمنين برسالته. فمنحه الله موهبة القيادة العسكرية والحنكة السياسية، فإذا هو قائد عسكري بطل لا تتدنى مزاياه القيادية عما يتمتع به كبار القادة؛ وسياسي حصيفٌ، ثاقبُ البصيرة، وإداريٌّ رشيد حكيم. في تبشيره بالدين الجديد، احترم حرية رأي الآخرين، وخصوصًا أهل الكتاب من نصارى ويهود، فلم يلزم أحدًا باعتناق دينه الجديد، وفي قتاله لم يباشر القتال دونما سبب جوهري وراءه إيعازٌ روحي. ذلك كان موقف الرسول العربي والقرآن الكريم في الجوهر والمبدأ، وفق ما تعلمه الداهشية، ذلك بأن البشر مختلفو المستويات في مداركهم ونزعاتهم، ولا تنفعهم الهداية إلا إذا استوعبوها ولاءمت ما هم فيه من استعدادات، ولذا نزلت أديان مختلفة الشرائع والأنبياء والهُداة الروحيين، مع أنها موحدة الجوهر، في أقوامٍ مُختلفين مدى التاريخ. وقد أكد القرآن المجيد هذا المبدأ الداهشي بقوله (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا، ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة…) (المائدة+ 48)، كما أكد مبدأ احترام دين الآخرين ومبدأ القتال من أجل الدفاع عن النفس فقط بآياتٍ مكية ومدنيَّة؛ من المكية (إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمُهتدين) (القصص 56) (قل: يا أيها الكافرون، لا أعبدُ ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد… لكم دينكم، ولي دينِ(ديني) (الكافرون 1-6)، و(ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل 125)؛ ومن المدنيَّة (لا إكراه في الدين) (البقرة 256) و(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (البقرة 190).
هذه النزعات الإنسانية التي تحلَّى بها الإسلام أكَّدها محققو “السيرة النبوية” لابن هشام، فقالوا في مقدمة “السيرة”: “إن سيرة النبي (ص) تنطق بأعظم المبادئ الخالدة التي سبقت مبادئ البشر جميعًا، وسبقت ما يسمى بمبادئ حقوق الإنسان؛ ومبدأ المساواة بين بني البشر، لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى، وهي بهذا تحارب التفرقة العنصرية بين بني الإنسان جميعًا؛ وأرست، أيضًا، مبدأ احترام العلم والعلماء، والارتقاء بشأن العقل في ظل المبادئ الإسلامية الحميدة. وعلمتنا معنى الشورى، وزرعت في أذهاننا الصورة الحقيقية للعدل والرحمة والحب والإخاء والتضحية من أجل الحق والصمود في وجه الطغاة المُتكبرين”.
إن القرآن الكريم لم يخلُ من آياتٍ تدعو إلى القتال، لكنها مقيدة بظروفٍ معينة ذات أسبابٍ روحية. أولى تلك الآيات القائلة: (أذن للذين يقاتلون بأنهم (بسبب أنهم) ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله؛ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامعُ وبِيَعٌ وصلوات (كنائس اليهود، والكلمة عبرية) ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيرًا…) (الحج 39 – 41). ففي هذه الآية التي نزلت في المدينة، بعد تمادي أعداء النبي الكريم في اضطهاد أتباعه بل في التربص به لإمساكه أو قتله، أعطي الذين “ظلموا” و”أخرجوا من ديارهم بغير حق” بسبب إيمانهم بالله،, إذنًا بالدفاع عن النفس. وهذا الإذن عام مرتبط بسبب روحي يعمّ الأديان كلها، وهو ضرورةُ الذود عن الإيمان الحق سواءٌ كان في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو غيرها من الأديان التي أشير إليها بـ”صوامع”.
ففي اللحظة التي كان الشر يتربَّص بالرسول العربي على بابه وهو في مكّة، أوحي إليه أن يغادرها إلى يثرب، لأن الساعة قد أتت للانتقال إلى مرحلة ثانية من الدعوة، ذلك بأن أبا جهل كان مع عصابةٍ من أعداء الرسول يترقبونه في عتمة الليل للانقضاض عليه وهو نائم، فأوعز الرسول إلى علي في أن ينام على فراشه، ويغطي جسده ووجهه ببرده الأخضر، ثم خرج فالتقط حفنةً من التراب وجعل يذروه على رأس كل من المتربصين به وهو يتلو آياتٍ قرآنية حتى وصل إلى الآية القائلة (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (يس5). ومضى في طريقه إلى يثرب وهم لا يرونه. ولم ينتبهوا إلى ما كانوا عليه إلا بعد أن مر رجل لا يعرفونه، فسألهم عن التراب الذي على رؤوسهم، وإذ تحسّسوه، أكّد لهم أن من ينظرونه قد غادر البيت وهم لا يرونه. فكيف حدث ذلك؟ إن هذا الحادث العجيب يستحيل فهمه إلا من خلال الإيضاحات الداهشية المؤيدة بمئات البراهين الإعجازية. فكثيرًا ما كان الروح الملائكي، عند احتلاله مؤسس الداهشية، يضعُ سيالاً روحيًا على شيء ما، كصخرة أو خبرٍ في صحيفة، فيراه بعض الزائرين ولا يراه غيرهم، أو كوضعه سيالاً روحيًا على شخص ما كالدكتور داهش نفسه أيام اضطهاده فيراه أهل البيت الذي كان فيه ولا يراه من يبحثون عنه من زبانية السلطة، أو وضعه سيالاً على آذان بعض الزائرين فلا يسمعون ما يود أن يقوله زائرٌ من غير أن يسمعه الآخرين. كذلك لم يستطع أعداءُ الرسول أن يؤذوا عليًا لأن برد النبي الكريم وضع فيه سيالٌ روحي أيضًا يمنع المهاجمين من إيذاء المتدثِّر به. هذه العداوة المستهدفة قتل الرسول والمؤمنين به استوجبت الدفاع الوقائي عن النفس باستباق الأذى الداهم، لأن النيَّات الخبيثة كانت مصمّمة على الإيذاء. وهذا التصميم واضحٌ في آيتين من القرآن الكريم. الأولى مكية تظهر التصميم القاتل حتى قبل الهجرة: (أم تقولون شاعرٌ نتربص به ريب المنون. قل تربصوا، فإني معكم من المُتربصين) (الطور 30 – 31). والثانية نزلت بعد الهجرة: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك (يقيدوك) أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون، والله خيرُ الماكرين) (الأنفال 30).
لكن في مرحلة متأخرة من البعثة الإسلامية، وبالرغم من وجود آيةٍ تؤكد حفظ الله تعالى لكل ما سبق إنزاله من آياتً، وذلك بقوله سبحانه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر 9)، فقد ضمن القرآن فيما بعد آياتٍ اعتبرها كثيرون من الفقهاء ناسخة لما يناقضها ولا سيما في ما خص قتل المشركين وأهل الكتاب حتى إن لم يباشروا الاعتداء على المسلمين؛ منها (فإذا انسلخ الأشهرُ الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم…) (التوبة 5)، كذلك (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) (التوبة 29). والفقهاء المسلمون مختلفون في شرح ذلك. ولن أدخل في هذا الأمر لأنه لا يمتّ إلى الغاية من بحثي هذا بصلة.
ومن جملة ما شاع من أساليب العنف، بعد وفاة النبي الكريم، ما سمي بـ”حدِّ الردة”، وهو يقضي بقتل من يرتدُّ عن الإسلام بعد اعتناقه، وذلك استنادًا إلى حديث يقول فيه “من بدل دينه فاقتلوه”. وقد اختلف المجتهدون في ذلك. وكان الأخير بينهم المفكر الإسلامي البارز طه جابر العلواني (الذي حاز درجة دكتواره في أصول الفقه من جامعة الأزهر، ودرس المادّة نفسها في جامعة محمد بن سعود الإسلامية بالرياض). ففي كتابه “لا إكراه في الدين” الذي أصدره مؤخرًا يؤكد أن القرآن الكريم خال من آية إشارة إلى حدِّ الردَّة. والحديثُ المنقول إنما هو رد فعل من الرسول لما ورد في الآية الكريمة من سورة عُمران (وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم..) (72 – 73). وفي القرآن الكريم كما في “السيرة النبوية” إشارات إلى طائفة من اليهود كانت تخطط لاختراق المسلمين، ولا سيما المُستضعفين منهم، بغية إشاعة البلبلة في صفوف المؤمنين وإذاعة أن الدين الجديد غير سليم ولا صادق. ويوضح الدكتور علواني أن” من” في الحديث النبوي تفيد العموم، و”دين” لفظة نكرة تُضاف إلى ضمير وتفيد العموم أيضًا؛ فالحديث يعني أي شخص وأي دين، سواء أكان الانتقال من الإسلام أم اليهودية أم المسحيية إلى غيرها أو بالعكس. فالقصد حفظ الأديان من النفاق والتخريب. وفي حديث لمحطة “العربية” التلفازية أكد الدكتور علواني أن عهد الرسول خلا من أية عقوبة لمرتدين، وقال: “في عهد النبي ارتد أناسٌ بعد حادثة “الإسراء”، ولم يعاقبهم الرسول. وقد يقال هذا حصل في العهد المكي. ولكن في العهد المدني أيضًا دخل منافقون إلى الإسلام، ونافقوا، ومنهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي سمي “زعيم المنافقين”.
وعرض الصحابة على الرسول قتله؛ فرفض ذلك، كما صلى عليه عندما توفي. ولو كان عليه حد لكان قتله”. وسنرى في بحث مقبل أن حديث الرسول وظِّفَ واستخدم سياسيًا لخدمة السلطة.
وفاة الرسول الكريم
خاص المسلمون في عهد الرسول عدة معارك ضد أعدائهم فصِلت أحداثها كتبُ التاريخ؛ وهي لا تدخل في خطة هذه الدراسة. وبعد أن آتاهُ النصر الأخير، شد رحاله مع المؤمنين إلى مكة، ونزل الوحي عليه وهو في عرفات معلنًا للمؤمنين (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي) (المائدة 3). وما هي إلا بضعة أشهر حتى يقترب أجل الرسول. فالسببُ الروحي لمجيئه إلى الأرض هو أداء رسالة روحية؛ وما دامت الرسالةُ قد أكملت، فحياته قد استتمَّت غايتها. والجدير بالذكر أن النبي الكريم قد تأثر من الاضطراب الدائم في سنواته الأخيرة، فكان حزينًا، منطويًا على نفسه، يزور المقابر في الليل ويخاطب الأموات معلنًا أن عيشتهم أفضلُ من عيشة الأحياء. من تلك الزيارات ما أثبته ابنُ هشام نقلاً عن ابن إسحاق عن آخرين قائلاً إن الرسول انطلق مع مولاه أبي مويهبة إلى المقابر، فلما وقف فيها، قال: “السلامُ عليكم، يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناسُ فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبعُ آخرها أولها، الآخرةُ شر من الأولى”. (ج 4، ص 254). وكانت تساوره حمى شديدةُ الارتفاع. ولم يستطع المؤرخون من ناقلي سيرته أن يكشفوا عن سبب واضح أكيد لمزاجه الكئيب وصحته؛ حتى إذا حان يوم 7/8 حزيران سنة 632 ميلادية دخل المسجد ونعى نفسه للمسلمين بطريقة مبطنة، فعرف أبو بكر ما يقصد وبكى. وفي حديث نُقل عن عائشة أنه قال لها: “إن الله لم يقبِضْ نبيًا حتى يخيِّره”؛ فلما حضرته الوفاة كانت آخر كلمة سمعتها: “بل ]اخترتُ[ الرفيق الأعلى”. (“سيرة ابن هشام”، ج 4، ص 265).
العقيدةُ والفضائل الإسلامية
أكد القرآن الكريم أن “الإسلام” يشمل الأديان السابقة المعروفة في شبه جزيرة العرب جميعًا، بمعنى إسلام أمر المؤمن وحياته لله والاتضاع له تعالى، وأن على المؤمنين بالدين الجديد الإيمان بالأنبياء السابقين والامتناع عن استفزازهم المؤمنين بهم في الجدال. وهذا التوحيد الإسلامي للأديان يتفق مع مبدأ وحدتها الجوهرية في الداهشية. من الآيات المؤكدة ذلك: (ولا يتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأُنزِلَ إليكم، وإلهنا وإلهكم واحدٌ، ونحن له مسلمون) (العنكبوت 46). كذلك (قل آمنا بالله وما أُنزلَ علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون) آل عمران 84)؛ كذلك (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن آمنَ بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة 62)؛ والآيتان الأخيرتان من سورتين مدنيتين، أي في عهد بدأ المسلمون فيه احتكاكهم باليهود والنصارى.
وأكد القرآن الكريم أن عيسى ابن مريم هو “كلمةُ الله ورسولُه” (النساء 171)، وقد صنعُ المعجزات مُذ كان في المهد (مريم 30، آل عمران 46 و49، المائدة 110)، وأن مريم رفعها الله فولدته وهي عذراء. ورد في سورة آل عمران (وإذ قالت الملائكة: يا مريم، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) (42).
يختم توماس كارلايل فصله عن “البطل نبيًا” في كتابه الشهير “الأبطال، عبادة البطل، والبطولة في التاريخ” بقوله: “كان ذلك للأمة العربية بمنزلة الخروج من الظلمات إلى النور، خروج به انتفضت تلك الأمة حيةً بعد همودها. شعبٌ فقير من الرعاة يجول في بواديه منذ خلق العالم خامل الذكر، بعث إليه نبي – بطل بكلمةٍ يمكنهم أن يؤمنوا بها: وإذا الخامل الذكر يصبح ذا شهرة عالمية، والصغير ينمو بحجم العالم. وبعد قرنٍ واحد، تمتد العربية ] شبه جزيرة العرب[ إلى غرناطة من جانب، وإلى دلهي من جانب آخر وهي تلتمع بالبطولة والمجد والعبقرية إلى عصور مديدة فوق قطاع كبير من العالم. الإيمان عظيم، ومبعث للحياة. إن تاريخ أمة ما يغدو مثمرًا، عظيمًا ، يسمو بالنفس، حالما يداخلها الإيمان. أولئك العرب، محمد الرجل، وذلك القرن الواحد – أليس هذا أشبه بشرارة هبطت من عَلُ، شرارة واحدة هبطت على عالم من الرمل كان يبدو أدكن غفلاً، فإذا الرمل باورد متفجر، يوهجُ الفضاء من دلهي إلى غرناطة! لقد قلتُ إن الرجل العظيم كان دائمًا كشهاب من السماء، وسائر الناس في انتظاره كالوقود؛ فما إن يسقط حتى يلتهبوا”.
وبلا ريب، كان تأثير النبي العربي في المسيرة الحضارية إلى عدة قرون بالغًا، إذ إنه، شأن كل نبيّ وهاٍد إلهيّ، يحمل رسالةً روحية إلى العالم غيرت مجرى التاريخ وأخصبته. ومن يتبصَّر في ظروف البيئة العربية الاجتماعية والاقتصادية والدينية قبيل الدعوة الإسلامية يستحل عليه أن يؤكد أن عربيًا سيتمكن من قلب الأوضاع السائدة وجَبْه مئات الألوف من أعدائه، ثم ضمهم إلى “أمة” تبنى رابطتها على العقيدة الدينية وما تنطوي عليه من معتقدات غيبية جديدة وسلوك قويم ومواقف شريفة تجاه الآخرين. يستحيل ذلك لأنه لا يخضع للمألوف ولا للقوانين السائدة، بل يخضع لقانون إلهي هو السببية الروحية. هذه السببية يمكن رؤيتها، في ضوء التعاليم الداهشية، ذات شعبتين تؤديان إلى نتيجتين: الأولى منح العرب رحمة قد تساعد كثيرين منهم في أن يَسْموا بسيالاتهم الروحية المنطوية على مداركهم ونزعاتهم، وبالتالي في إخراجهم من الظلمات إلى النور؛ وهذا ما حصل في عهد النبي الكريم ومعظم عهد الخلفاء الراشدين. الثانية تأديبُ اليهود والنصارى ممَّن حولهم لخروجهم عن العقيدة الصحيحة وما تستوجبه من سلوكٍ قويم، وإطلاق حضارة جديدة مبنية على القيم الروحية والعقلية. وهذا ما سيشكلُ مادة للبحث في ما سيأتي من هذه الدراسة”.
السببيَّة الروحيَّة في مجرى الأحداث العامة (10)
قيامُ الحكم الراشدي والفتوح التأديبية
بقلم الدكتور غازي براكْس
يقول العقَّاد في كتابه “عبقرية محمد”: “محمد في نفسه عظيم بالغُ العظمة وفاقًا لكل مقياسٍ صحيح يُقاس به العظيم عند بني الإنسان في عصورِ الحضارة. فما مكانُ هذه العظمة في التاريخ؟ ما مكانُها في العالم وأحداثه الباقية على تعاقُبِ العصور؟
“مكانها في التاريخ أن التاريخ كلّه بعد محمد متَّصل به مرهونٌ بعمله، وأن حادثًا واحدًا من أحداثه الباقية لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا ظهور محمد وظهورُ عمله.
“فلا فتوح الشرق والغرب، ولا حركات أوروبا في العصور الوسطى، ولا الحروب الصليبية، ولا نهضةث العلوم بعد تلك الحروب، ولا كشفُ القارة الأمريكية، ولا مساجلةُ الصراع بين الأوروبيين والإفريقيين، ولا الثورةُ الفرنسية وما تلاها من ثورات، ولا الحرب العظمى التي نشهدها في هذه الأيام، ولا حادثةٌ قومية أو عالمية… كانت واقعةً في الدنيا كما وقعت لولا ذلك اليتيمُ الذي وُلِدَ في شبه الجزيرة العربية…
ما قاله العقَّاد يُنبئ عن إدراك للأسباب الروحية التي تقولب مفاصل التاريخ، وتسمُ الأحداث بعدها بطابعٍ ما كان ليظهر لولاها. وهو ما ذهبت إليه النظرةُ الداهشية. ففي ضوئها يكونُ للرسالات والهدايات الروحية الكبرى تأثيرٌ في الأحداث ذو مدى واسع المجال وطويل الأمد، يمتدُ عصورًا بعد عصور، بحيثُ لا يماثله أي تأثيرٍ آخر، سياسيًا كان أم اقتصاديًا أم عسكريًا أم غير ذلك. فما من إمبراطورية بقيت، ولا من نظامٍ سياسي أو اقتصادي استمرَّ أكثر من بضعة عقود أو قرون.
الحكم الراشدي القدوة
من أبرز التأثيرات التي أحدثها ظهورُ الإسلام قيامُ بضعة حُكامٍ صالحين ندر أمثالهم في التاريخ البشري. فالخلفاء الراشدون الأربعة الذين خلفوا النبي مباشرة في حكم الدولة الإسلامية استلهموا القيم الروحيّة التي آمنوا بها في ممارسة سلطتهم، واجتمعت في شخصياتهم مزايا وتهيأت في حُكمهم (632 – 661م) صفاتٌ وشروط لم تتكرَّر في أي حاكم أو أي عهد في الإسلام طوال أربعة عشر قرنًا إلا في الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (717 – 720م) المُلقب بـ “خامس الخلفاء الراشدين”. فكان أولئك الخمسة يحكمون بين الناس، حقًا، بشريعة القرآن مُستلهمين الآية الكريمة (فاحكمْ بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحقّ. لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا) (المائدة 48). أما سيرهم فقد نسجوها على منوال سيرة الرسول جهد ما استطاعوا مع بعض تقصيرٍ من قبل عثمان لعلّه يُرد إلى عمره وماضيه قبل الإسلام؛ فتواضعوا للمسلمين وللمحكومين عامةً، وجعلوا العدالة والحق شعارهم، ومصلحة المحكومين وحريّتهم هدفهم، وعاش أربعةٌ منهم عيشة الكفاف بل الشظف أحيانًا، مع أن خيرات الدنيا كانت بين أيديهم. وإذا شابت حُكمَ عثمان وعلي أزماتٌ سياسية شلت نجاحه، فهي لم تفسد صلاحهما الشخصي.
فأبو بكر قال في خطبته على أثر مبايعته بخلافة النبي: “أيها الناس، قد وليتُ عليكم ولستُ بخيركم. فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوموني. ألا إن الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله…
أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله؛ فإذا عصيتُ، فلا طاعةَ لي عليكم…” وكانت حياته وسياسته تجسيدًا لفحوى خطبته. فقد اتبع النظام الذي سنَّه النبي في إدارة شؤون الدولة. ولم يكن بحاجة إلى أكثر من معاونين: عمر للقضاء، وأبي عبيدة للمال. ومع ذلك حكمَ بالعدل، فكان يتقصَّى أخبار الولاة، ويسأل الرعية عما يتشكون منه، فينصفُ كل مظلوم. وأمن الدولة من أعدائها الداخليين والخارجيين. ففي الداخل أوجب الطاعة على المرتدين الغادرين، الناكثين بالوعد، الخائنين للعهد، الرافضين للزكاة، فحاربهم وأخضعهم. وقضى على الأنبياء الكذبة، مُظهرًا أنه يستطيع أن يكون الحاكم الحازم الحاسم، على لينه وعطفه على الأسرى وتسامحه مع رؤوس المرتدِّين.
وقد أسلم على يدي أبي بكر رهط من أعيان العرب. وكان يدفعُ الأثمان الغالية لابتياع العبيد الذين أسلموا كي ينقذهم من قسوة أسيادهم؛ منهم بلال بن رباح مؤذّن الرسول.
وكان أبو بكر عفيف النفس، زاهدًا بالدنيا طوال خلافته. مما يروى عنه أنه غدا ذات يومٍ إلى السوق وعلى ساعده ثياب؛ فرآه عمر فسأله عن وجهته وعما يريد. ولما عرف، قال له: “تصنعُ ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟” فأجابه: “فمن أين أطعم عيالي؟” فأشار عليه أن يترافقا إلى أبي عبيدة، أمين بيت المال، ليفرض له ما يكفي نفسه وعياله. وبعد أن تكاثرت أعمالُ الحكم، نقل مركز السلطة إلى المدينة، وجعل يعين نفسه بالتجارة حيثما استطاع. فلما شعر بدنو أجله، أوصى بأن يردَّ إلى الخزينة ما أخذه منها من ماله وممتلكاته؛ وقال لعائشة: “إذا أنا مُتُّ، فردِّي إليهم صحفتهم وعبدهم ولقحتهم ] ناقتهم الحلوب[ ورحالهم ودثارةَ ما فوقي اتقيتُ بها البرد، ودثارة ما تحتي اتقيتُ بها نزَّ الأرض، كان حشوها قطع السعف”.
أما عمر بن الخطاب فكان جندي الإسلام الأمثل في شجاعته وصراحته وحزمه وخشونته وغيرته ومروءته ونظامه وطاعته، وفي تقديره الواجب وحبّ الإنجاز في حدود التبعات، وكذلك في شعوره الشديد بالمسؤولية الروحيّة بصفته إنسانًا وكونه حاكمًا. ولذا كان ينتبهُ لكل صغيرة أو كبيرة في ديار الإسلام لإيمانه بأن الله سيحاسبه عنها. وقد تمَّخضت مزاياه هذه بجرأة نادرة على الولاة، إذ كان يقرِّعهم ويُنذرهم إذا أهملوا واجباتهم بعض الشيء، أو أسرفوا في عقوباتهم؛ وقد رصد الرقباء لهم، وحظر عليهم مظاهر الأبهة والخيلاء التي تباعد بينهم وبين رعاياهم، وجعل الكفاءة والحرص على الواجب أساسًا في تعيينهم؛ وكان يحصى أموالهم قبل ولايتهم ليحاسبهم بها على ما زادوه بعد الولاية.
بيد أن أبرز صفاته الحميدة كان العدل والرحمة الذين حفلت حياته بشواهد عليهما. منها أنه صادف شيخًا أعمى يسألُ عند باب منزل؛ فإذ علم أنه يهودي، سأله: “ما ألجأك إلى ما أرى؟” فأجاب: “أسأل الجزية والحاجة والسن”. فقاده عمر إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه يومه؛ وبعث برسالة إلى خازن بيت المال يقول فيها: “انظر هذا وضُرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. إنما الصدقاتُ للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب”. ورفع الجزية عنه وعن أمثاله.
ومن أمثلة عدله أيضًا أنه أيام كان عمرو بن العاص واليًا على مصر، جرى سباق للخيل اشترك فيه ابنه ونازعه أحد المصريين السبق. فاختلفا في مَن يكونُ الرابح. هاج ابنُ الوالي فضربَ المصري قائلاً له: أنا ابنُ الأكرمين. فحضر المصري إلى الخليفة رافعًا إليه شكواه. فاستدعى عمر الوالي وابنه، وأهاب بالمصري، أمام جمع من الناس، أن يضرب ضاربه قائلاً له: “اضرب ابن الأكرمين!” ثم أوعز إليه بأن يضرب الوالي نفسه، لأنه لو كان عادلاً رحيمًا لما تجرأ ابنه على ضرب الأبرياء. وصاح بوجه عمرو بن العاص ساخطًا: “بِمَ استعبدتُم الناس وقد ولَّدتهم أمَّهاتهم أحرارًا؟”.
وبالرغم من أن خالد بن الوليد كان أشهر قادة الإسلام في عصره، فقد حاكمه في مجلس عام مثلما يُحاكمُ أصغرُ الجنود، ثم عزله وأعاد إلى بيت المال قسمًا مما يملك، وذلك لاقترافه بعض المآخذ وإنفاقه من المال العام على وجهٍ غير صحيح
وكان عمر يساوي بين أبنائه وسائر المسلمين حتى في أشد العقوبات. وما شكا إليه مظلوم من أهل الذمة (النصارى واليهود) واليًا مهما يكن شأنه إلا أنصفه منه. ولم يتَّخذ أي قرار يضيقُ على حرِّياتهم إلا ما كان ضروريًا من أجل صيانة أمن الدولة وسلامة العقيدة الدينيَّة.
وأما عثمان بن عفان فقد اختاره مجلس إستشاري اقامه عمر قبيل وفاته. اشتهر بالدعة والحياء والرفق والمروءة، ولكن بالدرجة الأولى بالكرم والإحسان. فقد كان أسخى الأغنياء وأغنى الأسخياء. وقد بذل في سبيل الرسالة الإسلامية، في الحرب والسلم، ما لم يبذله أحد. وثراؤه العظيم أبعده عن الزهد والتقشف، لكنه لم ينتقص من صلاحه ونزعته الروحيَّة ومقته لسفك الدماء.
لكن إن يكن عثمان حاكمًا صالحًا، فإنه لم يكن حاكمًا ناجحًا. وهذا سيؤدي إلى ما لا تُحمدُ عقباه في أواخر حياته وبعد موته. وتفصيلُ ذلك سأدعُه إلى الحلقة الثالثة من هذا البحث.
وأما عليّ بن أبي طالب فلم تتفتح بصيرته إلا على الإسلام، فهو لم يعرف عبادة الأصنام. ولذا تجلَّى صدقُ الدين الجديد وروعته وعظمته في إيمانه وعمله وعلمه وفقهه، حتى قال الرسولُ الكريم: “أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابُها؛ مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه”. فلا عجب، بعد ذلك، إن استنصحه الخلفاء الثلاثة واستفتوه، وإن نشط تيار في المسلمين يشايعه. حتى إذا قُتل عثمان كانت مبايعة عليّ تلبيةً لنقمة كثيرين من المطالبين بالعودة إلى سُنَّة النبي وسُنَّة أبي بكر وعمر؛ بل وجد فيه المظلومون والمحرومون والشاكون من مختلف الفئات ضالّتهم، فتألبوا حوله. وسرعان ما اقتدى بعمر، فعزل الولاة الذين حامت الشبهات حولهم، فألَّب عليه جميع من انتفعوا أو يريدون أن ينتفعوا من الدنيا. فزاد هذا الأمر المعضلات الناشئة تعقيدًا (يفضل ذلك في الحلقة المقبلة).
فضلاً عن الشجاعة التي لا تضاهي التي كان يتمتع بها عليّ، كان أبعد الناس عن الظُّلم؛ بل أن صدره لم يكنَّ حقدًا حتى على أعدائه، ولم يُشهر سيفًا، وهو الذي يتمتع بقوة وصلابة بالغتين، إلاَّ سبق فدعا إلى السلام. أما مروءته حتى مع خصومه فكانت مضرب الأمثال. فقد نهى جنوده أن يقتلوا مدبرًا أو يجهزوا على جريح، أو يفضحوا سترًا، أو يغصبوا مالاً. وكثيراً ما عفا عن أعدائه، وصلَّى على قتلاهم مثلما يُصلِّي على قتلاه. ولما حال جندُ معاوية بينه وبين الماء وعطش جنوده، منعوه عنهم وأرادوا أن يهلكوهم عطشًا، فحمل عليهم وأجلاهم عنه، ثم سمح لهم أن يشربوا من الماء مثلما يشربُ جنده. وبعد أن انتصر في موقعه الجمل وظفر بعائشة التي كانت معتليةً هودجها تحرضُ المسلمين على قتاله، أرسلها إلى ديارها مكرَّمة مخفورة بالنساء المعمَّمات المتقلِّدات السيوف اللواتي ظنَّتهن عائشة رجالاً.
ولم يكن عليّ يحتال لاسترضاء الناس، بل كان يصارحهم ما في نفسه التي لم تعرف الرياء. وحبّه الصدق منعه من اللجوء إلى الحيلة في الحرب، والخدعة في السياسة، والمكر في تصريف الأمور؛ وصفاء نفسه وسريرته زاد صلاحه، لكنه حال دون نجاحه في الحكم. لقد أخلص عليّ للرسول العربي كل الإخلاص في حياته، وأخلص لتعاليمه بعد موته، فسار سيرته، وكان أزهد الخلفاء بالدنيا ولذَّاتها. فإن زدنا على ذلك علمه وفقهه وبلاغته، كان من الصائب أن نسميه الإمام الحقّ، بعد النبي الكريم. وقد تجلَّى إدراكه شروط الإمامة الحقّة بقوله: “مَن نصب نفسه للناسِ إمامًا، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره… وليكُن تأديبُه بسيرته قبل تأديبه بلسانه؛ ومعلم نفسه ومؤدبها أحقُّ بالإجلال من مُعلم الناس ومؤدبهم”.
بمقتل علي (40 هـ/ 661م) يكونُ عهد الخلفاء الراشدين الأربعة قد انقضى. عهده، على امتداده أقل من أربعين سنة، أحدث تأثيرًا بالغًا ليس في العرب فحسب، بل في قاراتٍ ثلاث أيضًا. لكن قبل الخوض في هذا الأمر، تجدر الإشارة إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حفيد عاصم بن عمر بن الخطاب من جهة أمه. فهو آخر الحكام الصالحين في تاريخ الإسلام. فقد استخلفه الخليفة الأموي السابع، سليمان بن عبد الملك (615 – 717م)، وله من العمر خمسة وثلاثون عامًا، لِما اشتهر به من نزاهة وعدل في أثناء ولايته على المدينة ثم الحجاز. فلما قرئ كتاب الاستخلاف عيه، أرعشته المسؤولية المفاجئة؛ فصعد المنبر، في اليوم التالي وخطب في الناس قائلاً: “… أما بعد، فقد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي منّي فيه، وعلى غير مشورة من المسلمين… وإني أخلعُ بيعة من بايعني، فاختاروا لأنفسكم”. ذلك في وقتٍ كان فيه الأمراء والأعيانُ جميعًا يتنافسون على الخلافة. لكن عمر لم يفرغ من نطق عبارته الأخيرة حتى انطلقت أصواتُ المؤمنين: “بل إياك نختار، يا أمير المؤمنين”. وأجهش عمر بالبكاء. وفجأةً حدث الانقلابُ الروحيّ في نفسه! فكأنما حلَّت فيه، في تلك اللحظة، السيالاتُ الروحية التي كانت تُحيي جده عمر بن الخطاب، أو كأنما استيقظت فيه بعد هجعة، فأراد أن يجعل الحكم قوّة، فيصل عهده بعهد الخلفاء الراشدين، على ما تغيّر من الناس والزمان؛ قدوة لا تشمل شخص الخليفة فحسب، بل أهل بيته، وولاة الدولة ومعاونيهم وموظفيهم أيضًا!
فبعد أن عاش عمر بن عبد العزيز شبابه يأكل من المطاعم أشهاها، ويرتدي من الثياب أفخرها وأغلاها، ويمتطي من الجياد أطهمها وأبهاها، ويتأنق في كل ما يقول ويعمل، مُنفقًا ألوف الدنانير في العام الواحد – بعد عيشة البذخ والترف تلك ، تخلّى عن كل أبّهةٍ وعظمة، ورفض أطايب الحياة ليعيش في تقشفٍ وشظف، وصرف الجواري اللواتي قدمن إليه، كلا إلى بلدها وذويها، واستدعى امرأته فاطمة وأعلمها قراره بأنه سيمتنعُ عن كل علاقة زوجية معها، وأعطاها حقَّها في اختيار مستقبلها؛ لكنها لأزمته حتى النهاية. فكان في سيرته هذه محاكيًا لبوذا وسابقًا لغاندي. ولم يكتف الخليفة بذلك، بل تخلَّى عن جميع أملاكه وأمواله لخزينة الدولة، وباع حُلَله ومراكبه ومُتاعه وحُلَلَ زوجته وأولاده، ووضع أثمانها في بيت مال المسلمين، مُكتفيًا لنفسه ولكل منهم بثوبين خشنين، وله ولأسرته بمئتي دينار في العام هي غلة قطعة من الأرض استبقاها من دنياه كلها لمعيشته. تلك كانت خلاصة لحياته الخاصة.
أما حياته العامّة فملأى بالفضائل؛ فقد جلس للناس على حصيرٍ فوق الأرض، وقال لهم في خطبة: “إني لستُ بقاضٍ، إنما أنا منفذ… ولستُ بمبتدع، إنما أنا مُتَّبِع… ولست بخيركم، إنما أنا رجل منكم، غير أني أثقلكم حملاً”.
وفي اليوم الأول من حكمه أمر باستدعاء جيش المسلمين الذي كان يحاصر القسطنطينية، وقد بدأـت المجاعةُ والأمراضُ تفتكُ فيه. وعزل الولاة المتجبِّرين وطالبهم الحساب. وألغى المُخصصات المالية كلها حتى للأمراء ولذويه وأقربائه، وجرَّدهم من الإقطاعات الزراعية، وردَّها إلى بيت المال. وعندما قيل له: “يا أمير المؤمنين، ألا تخاف غوائل قومك؟”
أجاب: “أبيومٍ سوى يوم القيامة تخوفونني؟”.
ذات يومٍ، طلب إليه الموافقة على صرف مبلغٍ كبيرٍ من المال لكسوة الكعبة؛ فأجاب: “إني أرى أن أجعل هذا المال في أكباد جائعة، فإنها أولى به من الكعبة”.
وقد أحاط عمر بن عبد العزيز نفسه بمجلس شورى من الأخيار، وشجع الناس على نقد ولاتهم إن أخطأوا، بل سنَّ جوائز لمن يكشفُ عن خطأ ويهدي إلى الصواب.
وأطلق الحرَّيات الاعتقادية حتى للخوارج، فكان يُقارعُهم بالحجَّة، ويرفضُ أن يقارعهم بالسيف، حتى أغمدوا جميعًا سيوفهم في عهده. لكن إطلاقه الحرية لم يمنعه من أن يحرِّم الحرام، فحظَّرَ لعن الإمام علي بن أبي طالب من على المنابر، بعد أن أصبح سُنَّةً في الحكمِ الأموي.
وجعل عُمرُ بن عبد العزيز للأموال العامة حرمةً وجلالاً، فألغى جميعَ الضرائب التي اعتبرها مُجحفةً بحقِّ الشعب؛ وأنشأ دورَ الضيافة للمسافرين في طول البلاد وعرضها؛ ورفع مستوى الأجور الضعيفة؛ وكفل حاجاتِ العلماء والفقهاء ليتفرَّغوا لعلمهم؛ وأوصى لكل أعمى بقائد يقودُه، ولكل مريضٍ عاجز أو مريضين بخادم، وذلك على حساب الدولة؛ وأمر بإحصاء المديونين العاجزين، فقضى عنهم ديونهم؛ وافتدى أسرى المسلمين وأغدقَ الهبات عليهم؛ وكفل اليتامى الذين لا مُعيل لهم؛ وفرض لكل مولودٍ راتبه وعطاءه بمجرّد ولادته؛ وحظَّر الجمع بين راتبين مهما تكن الأسباب. وقد شمل عدله ورحمته الإنسان والحيوان حتى كاد الفقر والظُّلم ينقطعان.
وقد وحد المجتمع الإسلامي مُزيلاً منه العصبيات والعدوات، وإن يكن لوقت قصير؛ وحَمَى حقوق أهل الذمَّة؛ وأوقف الأعمال العسكرية الخارجية مستعيضًا عنها بمكاتبه الملوك والحكام ودعوتهم إلى الإسلام؛ فأسلم كثيرون منهم متأثرين بحياته القدوة التي أذابها الجهد والتقشف، فقضى بعد سنتين وخمسة أشهر وبضعةِ أيام من الحكم. وهو لم يتم الثامنة والثلاثين.
الفتوحُ الإسلامية وتأديبُ الدول المُنحرفة عن تعاليم الهدايات الروحيّة الأصليّة
ليس من حادثٍ يقعُ في العالم إلا وراءه سببٌ روحيّ؛ هذا ما تعلمُه الداهشية. وظهورُ الإسلام كان خيرًا لقومٍ وعقابًا لقومٍ آخرين، على الأقل في زمان معين. فما إن تولى أبو بكر الخلافة حتى سير جيشًا إلى العراق بقيادة خالد بن الوليد، فطعن الإمبراطورية الفارسية في خاصرتها باحتلاله ثلاث مُدنٍ رئيسة: الأبلة (البصرة فيما بعد)، والمدائن، والحيرة التي دانت له دونما اقتتال. ثم سار مُسرعًا إلى سوريا حيث كانت فلسطين ميدانًا لعمليات عسكرية تقوم بها ثلاثةُ جيوشٍ من المسلمين بتهيبٍ وتردّد، فوحَّدها تحت إمرته، وكرَّ على الجنود البيزنطيين المسيحيين فهزمهم.
واستتم عُمَر بن الخطاب فتح سوريا، وأمعن الدخول في فارس، وأنفذ عمرو بن العاص إلى مصر فبلغ الإسكندرية. ثم تابع المسلمون، في عهد عثمان، تقدمهم متوغلين في فارس، وأرمينيا وأذربيجان وإفريقيا الشمالية مُحتلين النوبة (السودان) وطرابلس الغرب والقيروان، هازمين الروم البيزنطيين. بل إن المقاتلين المسلمين وثبوا إلى البحر فاحتلوا قبرص، وبعد ثلاثة أعوام هزموا أسطولاً للروم البيزنطيين قُبالة شاطئ الإسكندرية (“معركة ذات الصواري)، وسيطروا على كثيرٍ من سُبل الملاحة. وهكذا ثبتت هيبة الدولة الإسلامية ووسَّعت نخومها شرقًا إلى الهند والصين، وشمالاً إلى ما وراء بحر الخزر (قزوين)، وغربًا إلى أبواب القسطنطينية وتخوم الأندلُس، وجنوبًا إلى السودان والحبشة في حوالى أربعة وعشرين سنة.
وبالرغم من فراغ العالم الإسلامي، بعد عمر بن عبد العزيز، من خليفةٍ صالح، فإن “دار الإسلام” ظلَّت تتسعُ، بإذن إلهي، حتى شملت معظم إفريقيا والأندلسَ والقسطنطينية نفسها عام 1453، بعد أن اعتنق الأتراكُ الإسلام، وامتدت إلى إندونيسيا وبعض روسيا.
ويبدو جليًا من القرآن أن ما من مصيبةٍ إلاَّ وراءها أسبابٌ روحية يمكن إيجازها بالانحراف عن التقوى والإيمان الصحيح، والانجراف إلى الفُسق والظلم والبطر وغيره من الموبقات. وإذا حقَّت المصيبة على أناسٍ في زمنٍ عادي، فبالأحرى في زمن يظهرُ فيه الرسلُ والهُداةُ الروحيون، لأنهم جميعًا منبثقون من مصدرٍ روحي واحد. من آيات الكتاب الكريم: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء 14)؛ (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً، وكنا نحن الوارثين. وما كان ربُّك مُهلك القرى حتى يبعث في أمِّها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مُهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)(القصص 58 – 59)؛ كذلك (وما كان ربك ليُهلكَ القرى بظلم وأهلها مصلحون) (هود 117)؛ (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، فكفرت بأنعمِ الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (النحل 112).
ومن الضرورة أن يفهم الباحثُ عن الحقيقة أن الله تعالى ليس هو الذي يظلمُ الناس، بل هم يظلمون أنفسهم، وبأعمالهم يسببون المصائب لهم والعقوبات. وقد أكد القرآنُ هذه الحقيقة تأكيدًا حاسمًا في عدة آيات؛ منها: (فكلاًّ أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحةُ، ومنهم من خسفنا به الأرض؛ ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (العنكبوت 40)، و(ظهر الفسادُ في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الروم 41)؛ كذلك (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير) (الشورى 30). وهذا الأمر يلتبس فهمه على كثيرين من المؤمنين والباحثين، فيتساءلون: وما ذنبُ الأطفال والنساء والأبرياء الذين يقتلون في الحروب أو الكوارث الطبيعية، ما دام (الله لا يظلمُ مثقال ذرة) (النساء 40)؟ والجوابُ لم يوضح في عقيدة روحية ما مثلما وضح في التعاليم الداهشية التي تؤكد أن الحياة نهر لا ينقطع جريانُه بين الأزلِ والأبد، وأن الإنسان في حياته الراهنة هو نتيجة لحياة سابقة. فالولدُ امتدادٌ نفسي وراثي لأبويه وجديه، بل أجداده، وما يقعُ عليه من مصائب يكون قد استحقها بما كسبت يداه أو أيديهم في حياة سابقة، إن لم يكن في الحالية. وتفصيلُ هذا الأمر يقتضي دراسة معمَّقة خاصة.
ما قدمته ينطبق على الناس جميعًا ممن خرجوا عن جوهر أديانهم فتاجروا بها، ووفقوا فيها بين الدنيا والله ولم يطبقوا منها إلا طقوسًا وشعائر لا تمت إلى الجوهر بصلة. لكنه ينطبق خصوصًا على المسيحيين المُنحرفين عن تعاليم سيد المجد في حال استنطاقنا الدلالات القرآنية. فالنصارى (وكذلك اليهود) كانوا يستعلون على غيرهم من المؤمنين مُدَّعين أنهم مختارو الله، وقد سلَّطهم على سائر الأمم. فإذا الآياتُ القرآنية تكذبهم لانحرافهم عن جوهر تعاليمهم الروحيَّة. مما ورد في ذلك: (وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه. قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاءُ، ويعذب من يشاء. ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير) (المائدة 18)؛ كذلك (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به، فأعرينا بينهم العداوةَ والبغضاء إلى يوم القيامة. وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) (المائدة 14). وفي هذه الآية نبوءة للانشقاقات والحروب التي ستحدث بين المسيحيين، لا سيما بين الكثلكة والبروتستانتية، بدءًا من القرن السادس عشر.
وإذا كان القرآن الكريم يؤثر النصارى على اليهود في مقارنته بين الملَّتين (المائدة 82), فإنه يحملُ على كثيرين من الأحبار والرهبان المسيحيين الذين استغلّوا الرهبانية التي أرادها الله طريقًا للظفر برضوانه، فحولوها للاتجاه بالدين والفُسق، وجعلوا يبتزون أموال الناس كانزين الفضة والذهب ومُسخِّرين الدين والمؤمنين لمصالحهم الخاصة: (ثم قفينا على آثارهم برُسلنا، وقفينا بعيسى ابن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حقَّ رعايتها، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثيرٌ منهم فاسقون) (الحديد 26)؛ إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة 34).
فضلاً عن فضح القرآن الكريم سلوك كثيرين من رعاة الكنيسة الشائن، فإنه حمل على تحريفهم التعاليم المسيحية الأصلية في عدة أمور اختلقوها وأدخلوها في العقيدة لأنها كانت تلائمُ الظروف السياسية والدينية في الإمبراطورية الرومانية الوثنية قبل ضعفها وتجزيئها من جهة، وتلائمهم مقويةً نفوذهم ورافعةً من شأنهم تجاه رعاياهم من جهة أخرى (وقد أوضحتُ ذلك في حلقة سابقة).
أولاً، مُخالفةُ الزاعمين بأن المسيحَ هو الله عز وجل (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيحُ: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم؛ إنه من يشركُ بالله فقد حرم الله عليه الجنَّة، ومأواهُ النارُ، وما للظالمين من أنصار) (المائدة 72).
ثانيًا، مُخالفة القرآن القائلين بأن الله تعالى أقنوم من أصل ثلاثة أقانيم متساوية (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالثُ ثلاثة، وما من إلهٍ إلا إله واحد…) (المادئة 73). وكذلك (يا أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق؛ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه؛ فآمنوا بالله ورسُله، ولا تقولوا ثلاثة؛ انتهوا خيرًا لكم. إنما االله إله واحدًا سبحانه أن يكون له ولدٌ، له ما في السموات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا) (النساء 171). وبهذا المفهوم القرآني الذي يجعل المسيح “روحًا من الله” تفهم الداهشية بنوة المسيح، لكنها ترفض المساواة بين المسيح والله تعالى.
ثالثًا، مخالفة القرآن قول المسيحية إن المسيح ابن مريم صلب (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا أتباع الظن، وما قتلوه يقينا) (النساء 157). وقد أتيح لي أن أوضح، في محاضرةٍ ألقيتها في الجامعة الأمريكية ببيروت (12 أيار 1970 حقيقة الأمر، مدعومة بالبرهان المادي الملموس؛ فإنني، شأن كثيرين من الداهشيين، تأكد لي وجودُ ست شخصيات لمؤسس الداهشية؛ أي ستة امتدادات روحية كائنة في عوالم علوية كانت تتجسَّد أحيانًا فُرادى أو مُجتمعة، في مكان واحد أو في أمكنة مختلفة، في وقت واحد، أو أزمنة مختلفة، إذ ليس للمكان ولا للزمان سلطة عليها؛ فنجالسها ونؤاكلها ونحادثها دقائق أو ساعات، ثم تختفي من بيننا فجأة عائدةً إلى عوالمها العلوية؛ وكثيرًا ما تترك آثارًا باقية، كرسائل روحية مُوحاة أو غيرها. وفي أثناء حملة الاضطهاد التي شنَّها الرئيس اللبناني الأسبق بشاره الخوري على مؤسس الداهشية، قامت إحدى شخصياته العلوية بتضحية افتداءٍ للداهشيين الذين كان أبرزهم ما يزالون في السجون مُعرضين للقتل، بينهم الأدبية والفنانةُ الكبيرة ماري حداد (شقيقة زوجة الرئيس الخوري)، فتجسَّدت الشخصيةُ في آذربيجان في إيران والثورةُ فيها قائمة، فقبض عليها وأُعدِمَتْ بالرصاص (1/7/1947). وصدر عن السفارة الإيرانية بيان رسمي بمصرع الدكتور داهش، ونُشرت صورُ مصرعه في الصحف. وهذا الأمر طمأن الرئيس اللبناني بأن مؤسس الداهشية قد قتل. مثيلُ هذه الشخصيَّة العلوية هو ما صلب للسيد المسيح. ولذا قال القرآن (وما قتلوه وما صلبوه، لكن شبه لهم)، لأنَّ ما تجسَّد وصُلِب هو شبهُه تمامًا ولأن التجسّد هو تجسّد كائنٍ من عالم لا يخضعُ لقانون الموت الأرضي، فقد قام المسيحُ من الموت مثلما قام الدكتور داهش من الموت. وهذا القضية تحتاج تفصيلاً لا مجال له في هذا البحث.
رابعًا، دحضُ شفاعات القديسيين الذين ملأت الكثلكة كنائسها بأيقوناتهم، واستثمرت سذاجة المؤمنين ببيعهم ذخائر لهم وهمية (واتقوا يومًا لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يُقبل منها شفاعةٌ ولا يؤخذ منها عدل، ولا هم ينصرون) (البقرة 48)؛ كذلك (الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما… ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع، أفلا تتذكَّرون) (السجدة 4).
إن عقاب المسيحيين على انحرافهم سلوكًا وعقيدة تنبَّه له حتى علماءُ الدين المسيحيون. حسبي أن أذكر منهم الأستاذ جورج بوش (شقيق الجد الأكبر للرئيس الأميركي)، إذ إنه بالرغم من عدم إيمانه بالوحي الإسلامي، حار في تعليل الفتوح المُذهلة بسرعتها وامتدادها التي حقَّقها الإسلام، فقال: “إن ما حقَّقه بني الإسلام لا يمكن تفسيره إلا بأن الله كان يخصّه برعايةٍ خاصة؛ فالنجاح الذي حقَّقه محمد لا يتناسب مع إمكاناته، ولا يمكن تفسيره بحسابات بشرية معقولة؛ لا مناصَ إذًا من القول إنه كان يعمل في ظلّ حماية الله ورعايته”. ذلك بأن أحداث العالم داخلة في قدرة الله وعنايته، والمسيحيين بانحرافهم الشديد، وجبت معاقبتهم مُعاقبةً صارمة.
التَّـنشِئَةُ القويمة في المفهومِ الداهشيّ (1)
القواعدُ الأساسيَّة والبُعدُ النُّـزوعيّ في التربية
بقلم الدكتور غازي براكْس
منذ طُرِدَ آدم وحوَّاء من الفردَوس الأرضيّ بسبب عصيانهما الأوامرَ الإلهيَّة والمصاعبُ والمصائبُ ما زالت تعترضُ مساعي البشر لإقامة نَشْءٍ فاضل. فما وصلَنا من مُدَوَّنات التاريخ عن حياة الأُسَر والناشئة، في مختلف العصور والأمصار، يشهدُ على أنَّ الحياةَ العائليَّةَ الفاضلة لم تكن سهلةَ المنال، سواءٌ كانت في طبقة الحُكَّام والنافذين والأثرياء أم في طبقات الشعب العاديِّ والفقراء. وقد تظهرُ في البعثات النبَويَّة وأزمنةِ الهدايات الروحيَّة أنظمةٌ تربويَّةٌ مُثلى، لكنَّها لا تُعمِّرُ طويلاً. سببُ ذلك أنَّ معظمَ ما يكونُ في الآباء والأُمَّهات من فضائلَ ورذائل ونزعاتٍ سامية أو دنيئة ينتقلُ انتقالاً بيولوجيًّا أو روحيًّا، بواسطة سيّالاتهم، إلى أبنائهم وبناتهم الذين يُصبحون امتداداتٍٍ نَفْسَجسميَّة psychosomatic لوالديهم. إنَّ سيّالاتِ الشرِّ ما زالت تُصارعُ سيّالاتِ الخير في الإنسان منذ وُجِد على هذه الأرض، وليس له من مناراتٍ تهديه السبيلَ إلى تربيةٍ سَويَّة إلاَّ منارات الرقيِّ الروحيّ التي أَفضتُ في الكلام عليها سابقًا (في سبع حلقاتٍ نُشِرَت تِباعًا في هذه المجلَّة). فتلك المعاييرُ الروحيَّة والإنسانيَّة يجبُ أن يلتزمَها الآباءُ والأُمّهاتُ في تربيتهم لأولادهم، كما المعلِّمون والمُعلِّمات في تنشئتهم للتلاميذ أطفالاً ومُراهقين. فإذا تمَّت تربيةُ الأحداث ليكونوا أُناسًا فاضلين، فلا بأسَ من تسليحهم، بعد ذلك، بما يُساعدُهم على أن يعيشوا مُواطنين ناجحين في حياتهم العمليَّة. فإعدادُ الإنسان لترقية نفسه من خلال تدريبه على مُممارسةِ القِيَمِ الروحيَّة والتشبُّثِ بالمُثُل العُليا يجبُ أن يسبقَ، في الأولويَّات التربويَّة، إعدادَ العامل أو المهنيِّ أو المُحترِف الناجح، إذْ “ماذا ينفعُ الإنسانَ لو ربحَ العالَم كلَّه وخسرَ نفسَه؟” مثلما قال السيِّدُ المسيح.
إنَّ الطفلَ ما إن يبلغُ سنَّ الرُّشد حتَّى تنفتحَ عليه أبوابُ التجارب والغوايات على مصاريعها، وتُحيطَه أمواجُ الشهوات والرذائل بعُتُوِّها، وتنهمرَ الصوَرُ الدنيئةُ والمعلوماتُ الرديئةُ على عَينَيه ومسمعَيه انهمارَ الشلاَّل، فيجدُ نفسَه وسطَ لُجَّتها وقد أوشكَ على الغرق. وهكذا يفسدُ جيلٌ بعد آخر، ويهلكُ جيلٌ بعد آخر. أَفليس من واقٍ يعصمُ الطفلَ من الأخطار الهاجمة عليه من كلِّ صَوبٍ، يا تُرى؟ يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة: “التربيةُ القويمة خيرُ واقٍ.”[1]
لكنْ قبل أن أُوضِحَ المفهومَ الداهشيَّ للتربية القويمة في البيت والمدرسة، أرى لِزامًا عليَّ أَن أُوضِحَ عدَّةَ قواعدَ أساسيَّة يُسهِّلُ جلاؤُها فهمَ أبعادِ ما سأَبحثُه.
أهمِّـيَّةُ التربية البيتيَّة
على ما تُحدِثُه فطرةُ الإنسان من تأثيرٍ بالغ في تكوين طباعه ونزعاته القويَّة مثلما سنرى، فإنَّ للتربية البيتيَّة ثمَّ المدرسيَّة تأثيرًا عظيمًا في توجيه الشطر الذي يُمكنُ توجيهُه من تكوينه النفسيّ. وكم من مرَّةٍ شهدتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يعتبُ على أتباعه بسبب عدم تعهُّدهم الكافي لأولادهم؛ بل إنِّي رأيتُه أكثرَ من مرَّة يُعنِّفُ بعضَ الداهشيِّين على عدم الاهتمام بمُراقبة أولادهم وبتربيتهم تربيةً سليمة.
فمَن يكُنْ همُّه من ولادة البنين والبنات مُقتصرًا على تضخيم “أناه” وبَسطِها بين أنسبائه وفي مُحيطه، وعلى العيش في وهم ذكراه “المُخلَّدة” من خلالهم، يكُنْ نرجسيًّا مُخادِعًا ليس أهلاً لأن يُسَمَّى أبًا أو أُمًّا. فكلُّ ولدٍ هو بحاجة ماسَّة لأن يُصبحَ إنسانًا بالمعنى الصحيح للكلمة. وليبلغَ هذه الغاية، يحتاج إلى أبٍ وأُمٍّ غير أنانيَّين، يخدمانه لا من أجل مجدهما المُقبل بل من أجل تنميته إنسانًا فاضلاً، وذلك بغَمْرِه بالمحبَّة الصادقة.[2]
المحبَّةُ الصادقة
المحبَّةُ الصادقة التي يجبُ أن تجمعَ بين الأب والأُمِّ وأولادهما هي الجاذبيَّةُ الروحيَّة التي تُشكِّلُ الضمانَ شبهَ الأكيد لِلُحمة الأُسرة ولتسهيل ارتقائها الروحيّ. هذه المحبَّة ،إذا كانت صافية، بعيدة عن الأغراض المادِّيـَّة وعن الأنانيَّة، تُؤلِّفُ جزءًا من الحُبِّ الشامل السامي الذي يجذبُ النفوسَ بعضًا إلى بعض، ويمحضُها الثقةَ المُتبادَلة، ثمَّ يُوحِّدُ ما بينها، ويرتقي بها إلى العوالم العُلويَّة فإلى أُصولها في العوالم الروحيَّة. هذا الحُبُّ هو الذي قال عنه الدكتور داهش: “بالمال تستطيعُ أن تشتريَ كلَّ ما تطمحُ إليه نفسُكَ إلاَّ الحُبّ.”[3]
وسبقَ أن عرَّفتُ المحبَّةَ الصادقة، وأبعدتُ عنها أنواعًا من الحبِّ الزائف (عدد كانون الأوَّل/ديسمبر، 1998). لكن من المُفيد، هنا، إيضاحُ بُعدَين لا تكتملُ المحبَّةُ الأبويَّة أو الأُموميَّة الصادقة إلاَّ بهما، هما: فهمُ حقيقة الولَد، وتحمُّلُ مسؤوليَّة التربية القويمة.
أوَّلاً- إعرفْ حقيقةَ وَلَدك
رأسُ المعرفة في ذلك ألاَّ يغيبَ عن الأَبوَين لحظةً أنَّ ولدَهما (ابنًا كان أم ابنة) هو امتدادٌ حقيقيٌّ لهما، بمعنًى آخر أنَّه صورة نفسَجسميَّة لأكثر ما فيهما من طاقاتٍ نفسيَّة (إدراكيَّة ونزوعيَّة) وقدراتٍ واستعداداتٍ جسديَّة (صحِّـيَّة أو مَرَضيَّة). ففي التعاليم الداهشيَّة أنَّ الولدَ يتلقَّى بعضَ سيّالاته التكوينيَّة من أبيه وبعضَها من أُمِّه؛ وهذه السيّالاتُ الروحيَّة هي التي تُقولبُ بطاقتها الإبداعيَّة جينات genes الجنين وتضبطُ برامجَه الحيويَّة بما يُعرَف بلُغة الحياة الكيميائيَّة (D.N.A.). فملايينُ المُورِّثات بما فيها من تشكُّلاتٍ كيميائيَّة إنَّما هي المظهرُ المادِّيُّ النسبيُّ لتلك السيَّالات التي يرثُها الفردُ من أَبوَيه.
لكنَّ هذه السيَّالات التي يتلقَّاها الوليدُ مباشرةً من أبوَيه تُشاركُ في تشكيل طباعه وخصائصه الجسديَّة والنفسيَّة، لكنَّها لا تهبُه الحياة. فالحياةُ والخصائصُ الأبرزُ في شخصيَّة كلِّ إنسان إنَّما يمنحُه إيَّاها سيّالٌ رئيسٌ يتلقَّاه الجنينُ لحظةَ يخفقُ بالحياة. وهذا السيَّالُ يجبُ أن يكونَ في مُستوى الأرض، وتابعًا للأب أو الأُمّ، ومُهيّأً للتقمُّص الجديد وفقًا لنظام العدالة الإلهيَّة الشامل والاستحقاق. وانجذابُ الولدِ إلى أحد والدَيه أكثرَ من الآخر وتعاطُفُ أحدِ الأَبَوَين مع أحد أولادهما أكثرَ مِمَّا مع الآخرين يُفسِّران تابعيَّة السيَّال الرئيس الذي في الولد المَعنيّ. ففرعُ الشيءِ أو أصلُه مُنجذبٌ إليه.[4]
في هذا الضوء تبرزُ الخطورةُ في معنى الأُبوَّة أو الأُمومة كما في التربية. إنَّ الوالدِين إنَّما يُتابعون تربيةَ أنفسهم وتهذيبها وترقيتها في تعهُّد أولادهم. وهذا وجهٌ من الرحمة الإلهيَّة.
في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوع الفَتِيُّ لبطرس الرسول:
أمّا الآن فوصيَّتي إليك
أن تـعتنيَ بغَرسِ روح الله في قلب ابنِك.
وثِقْ، يا عزيزي بطرس،
بأنَّه إذا سقطَ ابنُكَ بالخطيئة،
فسينالُكَ منها الشيءُ الكثير،
لأنَّه منك، وبسببكَ أتى إلى هذه الأرض.
فإذا اعتـنَيتَ بتربيته تربيةً حقيقيَّة
على خَوف الله ومهابتِه،
فإنَّما تكونُ قد اعتـنَيتَ بنفسِكَ وروحِك.[5]
وذِكرُه الروحَ بعد النفس ليس من قبيل التأكيد، بل له معنًى خاصّ. فالروحُ كائنٌ طاهرٌ في عالَمٍ مجيدٍ مُفارقٍ للمادَّة، وبالتالي للزمان والمكان؛ وهي مصدرُ سيّالاتٍ كثيرة أشبه بنفوسٍ جزئيَّة مُنبثَّة في الكون المادِّيّ. وغايةُ كلِّ روح أن ترفعَ إليها سيّالاتها لتُعيدَ دمجَها بها، بعد مُفارقتها لها بالسقوط ومُداخلة العوالم المادِّيـَّة. فمَن اعتنى بسيَّالاته تهذيبًا وترقيةً، سواءٌ كانت فيه أم في أولاده، يكون قد اعتنى بمصلحة روحه الأُمّ، لأنَّه يكون قد قرَّبَ إليها ما بَعُدَ عنها من أجزائها؛ وفي البُعد الروحيّ ألمٌ معنويّ عظيم.
زِدْ إلى ذلك أنَّ سقوطَ الولد في المعصية سيُرتِّبُ عليه عقابًا مادِّيـًّا يستحقُّه بموجِب نظام السببيَّة الروحيَّة، إذْ إنَّ ما يزرعُه الإنسانُ فإيَّاه يحصد. وهكذا يكون الوالدون إنَّما يُهيِّئون العقابَ لأنفسهم بتغاضيهم عن تربية أولادهم وتسهيل الطريق لهم للسقوط في التجارب. هذه الحقيقةُ تُفسِّرُها الوصيَّةُ الإلهيَّة القائلة: “لأنّي أنا الربُّ إلهُكَ … أفتقدُ ذنوبَ الآباء في البنين إلى الجيل الثالث والرابع من مُبغِضِيَّ.”[6]
تفاوُتُ الأولاد في مداركهم واستعداداتهم ونزعاتهم
إذا وُلِد للأَبَوَين عدَّةُ أولاد، فكلٌّ منهم سيرثُ منهما سيّالاتٍ مُشتركة وأُخرى مُختلفة. فالسيّالاتُ الرئيسة التي تمنحُ كلاًّ منهم الحياة هي سيّالاتٌ تابعة إمَّا للأب أو للأُمّ وفقًا للتعاليم الداهشيَّة، لكنَّ لها مُستوياتها الروحيَّة الخاصَّة وخصائصَها الإدراكيَّة والنـزوعيَّة المستقلَّة. غير أنَّ السيّالات التي يرثُها الأولادُ مباشرةً من الأب والأُمّ بواسطة انتقال الجينات منهما إليهم قد يكون فيها خصائصُ مشتركة، ولكنْ قد تحتوي أيضًا على خصائصَ مُستقلَّة، ذلك بأنَّ الولدَ لا يرثُ من والدَيه جميعَ السِّمات النفسيَّة والجسميَّة، لكنْ بعضَها. وهذا ما يُقيمُ التفاوُتَ بين الأولاد في الأُسرة الواحدة ذات الأب الواحد والأُمِّ الواحدة. فقد يرثُ ولدٌ من أحد والدَيه موهبةً معيَّنة أو عاهةً، بينما لا يرثُها الآخر. وقد تكونُ القوَّةُ الإدراكيَّة التي يرثُها ولدٌ أرقى من القوَّة الإدراكيَّة التي يرثُها آخر. كذلك في النـزعات؛ فقد يرثُ ولدٌ نزعةَ الكرَم أو الشفقة أو الروحانيَّة من أحد والدَيه، فيما لا يرثُها آخر. وربَّما يرثُ ولدٌ نزعةً شرِّيرة تكون خفيَّةً كامنةً في الوالدَين أو أحدهما، وقد انتقلَت إلى الولَد من جدٍّ له أو جدَّة، بينما يرثُ آخرُ نزعةً خيِّرة قد تكون ظاهرةً في أحد الوالدَين أو كامنة.
مثلُ هذا التفاوُت في مدارك الأولاد واستعداداتهم ونزعاتهم في الأُسرة الواحدة لا يُكلِّفُ الباحثَ عناءَ مُلاحظته، فهو مُنتشرٌ جَليّ في معظم الأُسَر، وعلى مدى التاريخ، بين الحاكمين والأثرياء والمتعلِّمين كما في عامَّة الشعب والفقراء والجاهلين. وهو يظهرُ منذ سنوات الطفل الأُولى، ويستمرُّ مدى الحياة على الظروف التربويَّة والاجتماعيَّة المشتركة في البيت الواحد. فبين سلوك قايين وسلوك هابيل بَونٌ شاسع، وبين تصرُّف عيسو وتصرُّف يعقوب—وهما توأمان—فرقٌ عظيم، وبين روحانيَّة ماري شيحا حدَّاد ومادِّيـَّة شقيقتها، لور شيحا الخوري، ما بين السماء والغبراء. هذا التفاوُت الطبعيّ والسلوكيّ بين الإخوة أنفسهم والأخوات أنفسهنّ دفعَ عُلماءَ النفس وعُلماءَ الوراثة إلى تقصِّي أسبابه في جينات الإنسان المُنطوية على سِماته الأساسيَّة النفسَجسميَّة.[7]
هذا التنوُّع في القوى الإدراكيَّة والنـزوعيَّة البادي في الأولاد إنَّما هو صورةٌ لحقيقة السيّالات المتجسِّدة في الوالدَين، سواءٌ كان نشاطُها باديًا أم كامنًا؛ وهو نتيجةٌ لِفَرز السيّالات من خلال التناسُل، وتسهيلٌ لاستقلال السيّال الراقي والخيِّر منها عن السيّال المُتسفِّل أو الشرِّير. في هذا الضوء يُمكنُ فهمُ ما جاء في “رسالة الهبوط” الموحاة (التي أوضحَت أحداث سقوط آدم وحوّاء) عن أنَّ الرحمةَ الإلهيَّة شاءت التناسُلَ في الأرض وسيلةً لِفَرز السيّال الصالح من الطالح حتَّى لا يتحمَّلَ السيّالُ الخيِّرُ مسؤوليَّةَ أعمال الدنيء أو الشرّير فيما لو كان مُندمجًا به. وقد أعطى الدكتور داهش مثلاً جَليًّا لنتائج مثل هذا الاندماج أو الانفصال في أُقصوصته الفذَّة المعنونة “الشجرة المشطورة لقسمَين”.[8] فإذا طبَّقنا أحداثَها على البشر لَخرجنا بالنتيجة التالية: بصورة عامَّة، يُعاني البشرُ صراعًا بين سيّالات الخير وسيّالات الشرّ في نفوسهم، أو على الأقلّ بين السيّالات الراقية والسيّالات المتدنِّية، عند فئةٍ منهم ليست الأغلبيَّة. فالسيّالاتُ الأُولى تطمحُ إلى التشبُّث بالقِيَم الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة، والثانية همُّها الدُنيويَّات أو الأعمالُ الشرّيرة. فإذا كانت السيّالاتُ الخيِّرة في الأب أو الأُمّ أو كليهما لا تُقاومُ مُقاومةً عنيفة النـزعات الدنيويَّة أو الشرّيرة المُصاحبة لها، وإذا كانت تستسلمُ من حينٍ لآخر إلى مشيئتها وتُطلقُ لها العنان، فإنَّه من المُستَبعَد، أن ينفصلَ السيّالُ الخيِّر عن السيّال الشرّير في أيٍّ من أولادهما، لأنَّ رفضَ الصالح للطالح لم يكن قويًّا حاسمًا. وعلى نقيض ذلك، إذا كان الصراعُ قويًّا ورفضُ الصالح للطالح قاطعًا، ورغبتُه في مُفارقته شديدة، فإمّا أن يُمنَحَ الإنسانُ مُساعدةً روحيَّة تأتيه رحمةً له ومُكافأةً على مُغالبته الطلاحَ في نفسه، فيُرفَع منه السيّالُ الخبيث، وإمَّا أن ينفصلَ الصالحُ عن الطالح في نَسله، فيتجسَّدُ الأوّلُ في ولدٍ، بينما يتجسَّدُ الثاني في آخر. وهكذا يظهرُ في الأُسرة الواحدة أخوان —أو أُختان— يختلفُ أحدُهما عن الآخر اختلافًا كبيرًا في الإدراك والنـزعات والسلوك.
ثانيًا- مسؤوليَّةُ الأهل تجاهَ أولادهم
إنَّ مسؤوليَّة الأهل— خاصَّةً الأُمَّهات—تجاه أولادهم تبدأُ قبل ولادتهم. فالمحبَّةُ، بالمفهوم الداهشيّ، هي التي لا يغيبُ عنها أنَّ كلَّ سببٍ له نتيجة، وأنَّ سيّالات الأُمّ تُؤثِّرُ مباشرةً بجنينها. فالأُمُّ التي تُدمنُ التدخين أو المُسكرات أو المُخدِّرات، وهي حُبلى، سيُؤثِّرُ تعاطيها هذه السموم في صحّة الجنين، لا محالة. وهذه الحقيقة أكَّدها العلم.[9]
كذلك أكَّدت الدراساتُ العلميَّة أنَّ دماغ الطفل ينمو في السنة الأُولى من 400 غرام إلى 1000 غرام، الأمر الذي يترك لتأثير المُحيط في نمُوِّه مكانًا واسًعا. فإذا كان للجينات الوراثيَّة تأثيرٌ كبير في صياغة الدماغ، فإنَّ لكيفيَّة التفاعُل بين الأُمّ وطفلها في العامَين الأوَّلَين تأثيرًا بالغًا في صحّة نموّه. فالعطفُ عليه والنظرُ في عَينَيه ومُناغاتُه وهدهدتُه، فضلاً عن تغذية إدراكه بالمُثيرات الحسِّـيَّة، أهمُّ لدَيه من الألعاب نفسها؛ لأنَّها هي التي توثِقُ عُرى الأُلفة والمحبَّة بين الطفل وأُمِّه.[10]
وإذا أعقبَ الزواجَ طلاقٌ، فإنَّ مسؤوليَّةً جديدة تترتَّبُ على الأبوَين تجاه أولادهما إذا كانوا صغارًا. ولا أعني هنا تبعةَ الإعالة، فهذه تُرتِّبُها القوانينُ الدينيَّة أو المدنيَّة المَرعيَّة، بل التَّبعة السيكولوجيَّة الخُلقيَّة. فقد أكَّدت عدَّةُ دراساتٍ حديثة أنَّ الطلاقَ يُحدِثُ تأثيرًا سلبيًّا خطِرًا في خلُقيَّة الأولاد وسلوكهم، إلاَّ القلائل منهم، عندما يشبُّون. فإنَّهم يتعرَّضون إلى اضطراباتٍ عقليَّةٍ ونفسيَّة أكثر، وينشطون جنسيًّا أبكر، ويُبدون ميلاً إلى الانتحار أو الإجرام أو إدمان المُخدِّرات أكبر.[11]
ومسؤوليَّةُ الأهل إزاءَ الموهوبين من أولادهم لا تُنكَر؛ لأنَّهم حيالَ نعمةٍ مُجسَّدة قد استحقُّوها، وهم بإرادتهم يستطيعون الإبقاءَ عليها بتعهُّدها، أو تعريضَها للفقدان بإهمالها. ولا يغيـبَنَّ عن البال أنَّ الموهبةَ سيّالٌ عُلويٌّ أو على الأقلّ راقٍ؛ والعنايةُ به تعني الإبقاءَ على مُستواه الروحيّ، لا بتَـنمية الموهبة التي يتحلَّى بها السيَّال فحسب ، سواءٌ في البَيت أو المدرسة ، بل أيضًا بإبعاد التجارب السفليَّة وتأثير النـزعات الرديئة عنه، لأنَّها قد تُسخِّرُه لأغراضها الدنيئة وبالتالي تُدهورُه. وما أشدَّ العدوى الخبيثة تنتقلُ بالعشرة السيِّئة إلى المُراهقين!
إنَّ الأهلَ الذين يُحبُّون ولدَهم النابه ما دام صغيرًا ينصاعُ لرغباتهم وينفِّذُ إرادتَهم، ثمَّ يميلون عنه متى بدأَ يُكوِّنُ شخصيَّتَه المستقلَّة، يكونون من الظالمين له ولأنفسهم، خصوصًا إذا كانت أفكارُه وقِيَمُه روحيَّةً إنسانيَّة، بينما هم قلوبُهم عالقةٌ بأمجاد الدنيا ومطامعها. فالولدُ الموهوبُ سيّالاً روحيًّا راقيًا يُساعدُ والدَيه على الارتقاء الروحيّ، وبالتالي على إبعاد المصائب عنهم.
أمَّا مسؤوليَّةُ الأهل إزاءَ المرضى أو المُتخلِّفين أو المُنحرفين من أولادهم فهي أكبر، لأنَّهم يكونون وجهًا لوجه أمام بعض سيّالاتهم (أي سيّالات الأهل) التي لم يعتنوا بتهذيبها ورَدعها عن الشرور، فظهرَت نُصبَ عيونهم بصورتها الحقيقيَّة التي تدينُهم، بعد أن عجزوا عن رؤية وجهها البشِع في نفوسهم خلالَ حياتهم الحاليَّة أو السابقة. ففي الأولاد الأردياء أو المُعانين للعاهات أو الأمراض العقليَّة تظهرُ أعمالُ الأهل السابقة مقرونةً بما يترتَّبُ عليها من وخيم العواقب؛ تظهرُ الأسبابُ مع نتائجها. فمُعاملةُ الأهل لمِثل هؤلاء الأولاد يجبُ أن تكونَ لأشخاصٍ متألِّمين حصدوا ما زرعَه آباؤهم وأُمَّهاتُهم. فكم من أَبٍ عنيدِ الطبع، عُدوانيٍّ في تعامُله مع الناس، أو مغرورٍ متكبِّرٍ نرجسيّ، يرى هذه النـزعات التي يتجاهلُ وجودَها فيه—أو يعجزُ عن رؤيتها—مُتجسِّدةً في أحد أبنائه، فيُعاني الأمرَّين في تربيته صغيرًا، ثمَّ يُقاسي الشدائدَ من أعمال ولده العُدوانيَّة كبيرًا؛ وهكذا يُعاقَبُ الأبُ بسيّاله نفسه. وفي الحياة اليوميَّة بوسع الباحث المُتبصِّر أن يُلاحظَ مئاتِ الأمثلة الشبيهة. فالسيّالُ الرديءُ في الإنسان هو الذي يُعاقبُه، سواءٌ كان فيه أم امتدَّ إلى أولاده.
ومأساةُ أمثال أولئك الأولاد المُتألِّمين تكمنُ في أنَّ السيَّالات المُذنبة التي ورثوها واستحقُّوا بموجبِها أن يُعانوا العاهات الجسميَّة أو الأمراض العقليَّة قد تكون صحبَت معها سيّالاتٍ أُخرى لم تُشاركها في الذنوب، لكنَّها تنتمي إلى الأب والأُمّ، وقد اندمجَت بالسيّالات المُذنبة بفِعل إرادة الوالدَين أن يندمجا جسدًا واحدًا. فمسؤوليَّتُها غير مباشرة، وهي أشبهُ بمسؤوليَّة إنسانٍ بريءٍ ينتمي لوطنٍ ملعون ويرفضُ أن يُبارحَه، فيستحقُّ أن ينالَه رشاشٌ من الأذى الذي استحقَّه الوطن.
شخصيَّةُ الطفل تبنيها الجيناتُ كما التربية
إنَّ لمرحلة الطفولة أهمِّـيَّةً بالغة في توجيه سيّالات الإنسان. ولكنْ مهما عظُمَ تأثيرُها فهو لا يبلغُ حَدَّ خَلقِ مُستوى الإدراك أو الموهبة او الاستعداد أو النـزعات القويَّة. فهذه جميعها ذاتُ أُصولٍ وراثيَّة أو فطريَّة يُؤدِّي نشاطُها إلى أنماطٍ سلوكيَّة معيَّنة في مرحلة الطفولة، واطِّرادًا في مرحلة المُراهقة وما بعدها، الأمر الذي يوهِمُ بانَّ أحداثَ الطفولة والظروفَ المُكتنفة لها تُشكِّلُ أسبابًا مباشرة لتكوين خصائصَ نفسيَّة معيَّنة في حياة البالغ. وجُلُّ ما في الأمر أنَّ ظروفَ الطفولة وعواملَها من شأنها أن تُلطِّفَ أو تُقوّيَ من شدَّة الدوافع والاستعدادات وسائر القوى النفسيَّة الفطريَّة. فالحدَثُ مهما يكُن خطيرًا ليس له صفةُ الإبداع للطاقة النفسيَّة، لكنَّ له صِفة التأثير في سيّالات الإنسان التي وحدها تُوجِّهُ الفردَ وتُبدِعُ مصيرَه. هذه السيّالاتُ هي التي تُقولِبُ جينات الفرد وتُبرمِجُها وفقًا لِما تحملُه من خصائصَ اكتسبَتها في تقمُّصاتها السابقة. وجيناتُ الفرد تتحكَّمُ بوظائف الدماغ الكيميائيَّة التي بدورها تُؤثِّرُ في طباعنا وكيفيَّة تصوُّرنا للعالَم وردود فعلنا على الأحداث وفقًا لِما تذهبُ إليه علومُ السيكولوجيا والبيولوجيا والوراثة الحديثة.[12]
و”العُقَدُ النفسيَّة” التي يتحدَّثُ عنها فرويد ومَن لَفَّ لفَّه ذاهبين إلى أنَّها تنشأُ في طفولة الإنسان وتُؤثِّرُ في اتِّجاهاته ونزعاته في كِبَرِه إنَّما هي سيّالاتٌ أصابها المرضُ والانحرافُ بما كسبَت في تقمُّصاتها السابقة، فكان وضعُها المُنحرِف نتيجةَ نشاطها قبل الولادة الأخيرة. من أجل ذلك، ولجهل الباحثين أسرارَ الحياة السابقة لولادة الإنسان، أو رفضهم الإقرارَ بوجودها، يزعمون أنَّ نشوءَ تلك “العُقَد” سبَّبَته أحداثٌ في الطفولة الأُولى. وعشراتٌ هي الكتُبُ السيكولوجيَّة الحديثة التي باتت تُؤكِّدُ بُطلانَ نظريَّة فرويد تلك، وتُشدِّدُ على الأصل الوراثيّ أو الفطريّ لكثيرٍ من الاضطرابات النفسيَّة، كما لنـزعات العُنف والعدائيَّة والسوداويَّة والانطوائيَّة والشذوذ الجنسيّ .[13]
ومثلما أنَّ “العُقَدَ النفسيَّة” ليس لها أيُّ أساسٍ طفوليّ صحيح، فليس صحيحًا أيضًا ما ذهبَ إليه فرويد من أنَّ دوافعَ الإنسان المكبوتة هي جنسيَّة دائمًا. وقد أشارَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة إلى ذلك بقوله:
“كما إنَّ فرويد خبَطَ خبطَ عشواء في تفاسيره للأحلام وتآويلها، إذْ أرجعها للناحية الجنسيَّة. فكلُّ هاجسٍ، في رأيه، مَرَدُّه إلى الجنس، وكلُّ نأمةٍ سببُها الجنس، وكلُّ حُلم،ٍ سواءٌ أكان جيِّدًا أم خبيثًا، مرجعُه الجنس!”[14]
وكثيرٌ مِمَّا كتبَه ألفرِد آدلِر Alfred Adler وكارْل يونغ Carl Jung يُؤكِّدُ أنَّ لإرادة القوَّة وتأكيد الذات من الشدَّة والرسوخ في معظم النفوس ما للغريزة الجنسيَّة. وفي كتابي “جبران خليل جبران”[15] استطعتُ أن أقومَ بدراسةٍ سيكولوجيَّة منهجيَّة شملَت شخصيَّةَ الأديب الكبير وأدبَه ورسمَه من غير الرجوع إلى نظريَّة فرويد على الإطلاق.
وقد أسفرَت عشراتُ الدراسات التي أُجرِيَت على التوائم المُتماثلين[16] Identical Twins وكذلك الأبحاث الحديثةُ في علم الوراثة عن أنَّ الأولادَ، سواءٌ نشأُوا في كنَف والديهم أم في بيوتٍ أُخرى، تبقى مصادرُ استعداداتهم ومُستوياتِ مداركهم وأنواعِ نزعاتهم القويَّة مُتأصِّلة في جيناتهم. فالناسُ لا يولَدون مُتساوين مثلما تشاءُ الديمقراطيَّة الشعبيَّة أن تُظهرَهم. ولعلَّ في إلقاء المسؤوليَّة والذَّنب على الآخَرين—آباءً وأُمَّهاتٍ كانوا أم نظامَ الدولة أم ظروفَ البيئة—عزاءً للمُتخلِّفين عقليًّا وللمُنحرفين سلوكيًّا وللمُعاقين والمرضى النفسيِّين. فأن تقولَ، مثلاً، عن المُتخلِّف عقليًّا “هو غَبيّ” أو “خاملُ الذهن”، فذلك أقسى عليه من أن تقولَ “هو ضحيَّةُ تربية غير صالحة” أو “ضحيَّة المجتمع أو التمييز العُنصُريّ”.[17]
وإنَّه لَجديرٌ بالذكر أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة بدأَ، منذ عام 1942، بنَشر تعليمه الروحيّ عن السيّالات وعن أنَّها في أساس بناء شخصيّة الإنسان وتكوين طباعه ونزعاته القويَّة واستعداداته ومواهبه، وعن أنَّ جينات الفرد ليست إلاَّ المظاهر المادِّيـَّة المحسوسة لتلك السيّالات الروحيَّة البالغة التأثير في تكوينه النفسيّ-الجسميّ،[18] بينما لم تظهر الدراسةُ العلميَّةُ الحاسمة لتأثير الجينات المُهمّ في بناء شخصيَّة الإنسان إلاّ عام 1988، وذلك على أثر الدراسة النفيسة التي قام بها بوشار Bouchard وزملاؤه على التوائم المُتماثلين الذين رُبِّيَ كلٌّ منهم على حِدة، ونشأَ وشَبَّ كلٌّ منهم وهو لا يعرفُ توأمَه.[19]
ولكنْ على الأَهمِّـيَّة الجليلة التي للجينات في بناء شخصيَّة الإنسان وفي تحديد مُستوى قواه العقليَّة وأنواعِ نزعاته واستعداداته ودرجتِها، فإنَّ للتنشئة البيتيَّة والمدرسيَّة دورًا فعَّالاً—وإن يكُن محدودًا—في إبعاد سيّالات الطفل عن التلوُّث أو التدهوُر، وفي تقويم بعض انحرافاتها، كما في ترسيخ مفاهيمَ إنسانيَّة وعقلانيَّة وقِيَمٍ روحيَّة يُمكنُ أن تُساعدَه، متى شَبَّ، في مُغالبةِ نزعاته الرديئة وإبعادِ التجارب السفليَّة عنه، وفي اعتناق مُثُلٍ عُليا صحيحة تُسهِّلُ له طريقَ الخلاص من ربقة الشرور الأرضيَّة.
دورُ التربية الفاضلة مَبنيٌّ على أنَّ شخصيَّةَ الإنسان تتألّفُ من الطبع temperament، وهو ما فُطِرَ عليه الإنسان، كما من الخُلُق Character. والخُلقُ يمكنُ تغييرُه، كما يُمكنُ تعزيزُه بحيثُ يتغلَّبُ إلى حدٍّ ما على الغرائز السُّفلى. وهذا ما أفضت إليه الدراساتُ السيكولوجيَّة.[20]
إنَّ مرحلةَ الطفولة أبرزَ الدكتور داهش جمالَها الخاصّ، فقال:
للطفلِ سِحرٌ جذَّابٌ وبهاءٌ خلاّب.
هو طاهرٌ بطفولته البريئة كنور الكواكبِ والأقمار؛
إنَّه صغيرٌ، لا يعرفُ شيئًا من مُخاتَلات الكبار؛
إنَّه لا يأبهُ لِما يُحيطُ به من مَكرٍ ورياء.
يا لَرقَّةِ الطفولة، وسذاجتِها، ووداعتِها السمحاء!
إنَّ الأطفالَ ملائكةُ الله الأطهار، وأجسامَهم مغمورةٌ بالضبابْ![21]
في هذه السُّداسيَّة أكثرُ من جمال الأدب والخيال، فيها حقيقةٌ إنسانيَّة روحيَّة. فالطفولة شاءَها الدكتور داهش عِبرةً للكبار، فيها يرَون جمالَ الإنسان قبل تلوُّثِه الواعي بالخطيئة في دورٍ جديد، ويستشفُّون نقاءَه المُؤقَّتَ الشبيهَ بنقاء الأنوار، بل الشبيهَ بطهارة الملائكةِ الأبرار. هكذا كان الإنسانُ في جنَّة عَدْن قبل عصيان الله والسقوط المُفجِع، مع أمرٍ واحد يُفرِّقُه عن الطفل هو نُضجُه العقليّ وقدرتُه الإدراكيَّة لكلِّ ما حوله. إذًا باستطاعة الكبار أن يُبقوا على براءَة الصغار مع تنمية عقولهم؛ باستطاعتهم أن يُنشِّئوهم تنشئةً قويمة، وبذلك يستفيدون هم أنفسُهم منهم، لأنَّ الأولادَ امتداداتٌ نفسَجسميَّة حقيقيَّة لوالديهم. فكيف تكون التنئشة القويمة؟
التنشئةُ القويمة
التنشئةُ القويمة، وفقًا للتعاليم الداهشيَّة، لها بُعدان: التربيةُ النُّـزوعيَّة الفاضلة، والتربيةُ العقلانيَّة السليمة. الأُولى تتناولُ نزعاتِ الطفل، بصورةٍ عامَّة، والثانية تتناولُ قواه الإدراكيَّة. وما مِن سيّالٍ في الإنسان مسؤولٍ عن أعماله إلاَّ فيه البُعدان النـزوعيّ والإدراكيّ؛ أي باستهداف التربية لهذَين البُعدَين نكون قد استهدفَنا مُجملَ النفس الإنسانيَّة. فلنَرَ، أوَّلاً، كيف يتمُّ تعهُّد نزعات الولد وتوجيهُها لخيره الروحيّ، وبعدئذٍ نرى كيف يتمُّ تعهُّد قواه الإدراكيَّة، لا سيَّما من خلال التربية المدرسيَّة القويمة ووفقَ المنهج التربويِّ السليم.
أوّلاً- التربيةُ النُّـزوعيَّة الفاضلة
حينما تحدَّثتُ عن القاعدة الفلسفيَّة للرُقيِّ الروحيّ في المفهوم الداهشيّ، أوضحتُ أنَّ كلَّ إنسانٍ لا بُدَّ من أن ينشطَ فيه ويُحرِّكَه حنينٌ واعٍ أو لاواعٍ للعودة إلى مصدره الروحيّ الذي انفصلَ عنه، عند هبوطه إلى العوالم المادِّيـَّة، لأنَّ كلَّ سيّال جزءٌ من روحٍ قُدسيَّة، أزليَّة أبديَّة، هي أُمُّه، وكيانُه وسعادتُه لا يكتملان إلاَّ باندماجه فيها ثانيةً.
وإذا أدركنا أنَّ ما يُنَشَّـأُ الإنسانُ عليه من قِيَمٍ عُليا وفضائلَ لا مناصَ من أن يُحدِثَ أثرَه في نفسه، أيًّا كانت نزعاتُ الطفل الوراثيَّة، وأنَّ حصولَ التأثير الإيجابيّ، مهما يكُن طفيفًا، خيرٌ من عدَم حدوثه، إذْ ذاك فهمنا خطورةَ التربية الفاضلة.
أَ- تنميةُ النـزعات الراقية
أهمُّ ما يجبُ الانتباهُ إليه من نزعات الأحداث أربع: الصدق، والشجاعة، والغَيريَّة، ثمّ القواعد الدينيَّة المُوحَّدة.
1- تشجيعُ الصدق في الكلام والتعامُل مع الآخرين
إذا رُبِّيَ الصغيرُ على أن يكونَ صريحًا في أقواله، مُستقيمًا في تعامُله مع أهله والآخرين، تهيَّأت له الوسائل ليعيشَ حياةً شفَّافةً واحدة، لا اثنتَين إحداهما يُقنِّعُها الرياء، الآفةُ التي تقرضُ الصلاح، وتهدمُ روحانيَّةَ الأديان وقِيَمَها المُثلى، وتُفسِدُ الثقةَ المُتبادَلة في التعامُل بين الناس.
ومَن نشأَ على الكذب والرياء، شَبَّ على الشهادة بالزور والحَنَث بالقسَم ونَقضِ الوعود والعُهود، وانتهى إلى حياةٍ دُنيويَّةِ القِيَم، أو إيمانٍ مَبنيٍّ على سطحيَّات الدين وقشوره كما على العصبيَّة العمياء التي تبيعُ الضميرَ والقُدسيَّات تزلُّفًا لصاحب سُلطة أو تحقيقًا لغرضٍ مادِّيّ.
وبقَدر ما عرَّضَ الدكتور داهش بالكذب والرياء في كتاباته،[22] مدَحَ الصدقَ وأكبرَه. ومن أبرز ما أوردَه في تمجيد الصدق ما ذكرَه في “مُذكِّرات دينار”، على لسان الشاعر الهنديِّ طاغور، تحت عنوان “أُسطورة الصدق”.[23] فقد أتى إلى المُعلِّم جومايا غلامٌ غريبٌ يحملُ إليه ثمارًا وورودًا، وقال له:
– مولاي، جئتُكَ كي تقودَني إلى طريق الحقيقة، واسمي ساتياكاما.
فأجابه المعلِّم:
– لِتحلَّ عليكَ البركات، يا بُنَيَّ. إلى مَن تنتسب؟ إنَّ الكمالَ الروحيَّ لا يُحاولُ الوصولَ إليه إلاَّ البراهمة.
قال الغلام:
– لستُ أدري، يا سيِّدي، ابنَ مَن أنا. وسأذهبُ لسؤال والدتي عن ذلك.
واستأذنَ الغلامُ المعلِّمَ الهنديَّ عائدًا إلى والدته، فاستوضحَها الأمر. فأجابته:
في مطلع صِباي عضَّني الفقرُ المُدقِعُ بنابِه المُخيف. وكان لي مُعجَبون كثيرون… ولمَّا أتيتَ أنتَ إلى حُضن أُمِّكَ جابالا، لم يكن لها زوجٌ معروف.
ولمَّا عاد الغلام إلى جومايا وأخبره بما قالت أُمُّه، همهمَ الجالسون حول المُعلِّم استنكارًا، ولعنَ بعضُهم الولد. لكنَّ الناسكَ ضمَّه بذراعَيه وقبَّلَه، ثمَّ خاطبَه قائلاً:
– أنت تُفَضَّلُ على البراهمة بكثير، يا بُنَيَّ. فإنَّكَ ورثتَ أنبلَ وأسمى فضيلة، ألا وهي الصدق.
2- تعزيزُ الشجاعة
أَولى مُؤسِّسُ الداهشيَّة تربيةَ الأحداث على الشجاعة أهمِّـيَّةً بالغة. فمَن يُنَـشَّأْ على الشجاعة صغيرًا لا يُنكِّسْ رأسَه لمُعتَدٍ على حرِّيَّته كبيرًا، ولا يجبنْ عن الجَهر بإعلاء صوت الحقِّ في وجه الظالِم. ذلك فضلاً عن أنَّ الحياةَ حلبةُ صراع، يبقى الجبانُ فيها ذليلاً، هضيمَ الحقّ، متُخلِّفَ الخطوة. ولِذا قال الدكتور داهش: “الجبانُ، في شريعتي، ليس أهلاً للحياة مُطلقًا.”[24]
3- تشجيعُ المحبَّةِ والشعورِ مع الآخرين
المحبَّةُ المَعنيَّة هنا هي الخالصة الخالية من النفعيَّة والأغراض الشخصيَّة؛ هي التي تغمرُ كلَّ إنسان بسماحها ونورها، وإن نفرَت من المواقف والأعمال الشرِّيرة. وسبقَ أن فصَّلتُ الكلام عليها في عددٍ سابق (كانون الأوَّل/ديسمبر 1998). وأهمُّ ما تنطوي المحبَّةُ عليه الغَيريَّة altruism التي تُنمِّي في الأحداث النـزعةَ الإنسانيَّة التي تدفعُهم إلى مُساعدة الآخرين والشفقة عليهم والإحسان إليهم إذا كانوا من المُعوزين، وإلى إيثار الخير العامّ على المصالح الشخصيَّة الضيِّقة؛ كما إنَّ المحبَّة تشتملُ على نزعة التسامُح الذي يتجاوزُ الانتماءَ الدينيَّ أو الجنسيَّ أو العرقيَّ أو الوطنيَّ، ويحترمُ أشخاصَ الآخرين وأفكارَهم وهُويَّاتهم وأملاكَهم.
أمَّا الشعور مع الآخرين أو بتعبيرٍ أدقّ التقمُّص الوجدانيّ empathy فهو يجعلُ الصغير يشعرُ بمشاعر الآخرين إذا كانوا في مرضٍ أو ألمٍ أو ضيقٍ أو إحباط أو غير ذلك من أحوال الغَمّ والهَمّ، فيتعلَّم مُشاطرة الأسى والعزاء ومَدَّ يدِ المعونة.[25]
إنَّ تربيةَ الصغير على الصدق في كلامه والاستقامة في تعامله مع الآخرين كما على الشجاعة والمحبّة في مختلف أبعادها والشعور بمشاعر الناس يجبُ ألاَّ تتمَّ في الطفولة بالوَعظ؛ فالوعظُ قلَّما ينفعُ في هذه المرحلة، بل يجبُ أن تتمَّ بالاقتداء بأهله، من جهة، اللّهمَّ إذا كانوا من الفُضلاء، ومن جهةٍ أُخرى باحتذاء أعمال الهُداة الروحيِّين والأبطال الإنسانيِّين ومَن يقومون بأعمالٍ ذات نزعاتٍ غَيريَّة، وذلك من خلال قِصَصٍ مُيسَّرة يقرأُها الصغير او يستمعُ إليها. وقد وُضِعت في ذلك كتُبٌ كثيرة بمختلف اللغات، والجيِّدُ بينها غيرُ قليل.[26] ولكي تكونَ القِصصُ مُفيدة مُؤثِّرة يجبُ أن تُبرِزَ النتائجَ الحسنة للفضائل والعواقبَ الوخيمة للرذائل؛ وهكذا يقترنُ العملُ دائمًا بنتيجته في نفوس الأحداث.
4- القواعدُ الدينيَّة المُوحَّدة
أمَّا في المُراهقة فيحسنُ البَدءُ بتعليم الأحداث القواعدَ الروحيَّةَ العامَّة في الدين كما القِيم الروحيَّة التي تشتملُ عليها الأديانُ الموحاة والهداياتُ الروحيَّة جمعاء. وهكذا يترسَّخُ في نفوس المُراهقين أنّ الأديانَ كلَّها ما هي إلاَّ كتابُ هِداية روحيَّة واحد ذو فصول مُتعدِّدة أوجبَ تنوُّعَها تفاوُتُ الظروف والأزمنة واختلافُ العقول والميول في الشعوب، وشاءَتها الحكمةُ الإلهيَّة هكذا لنَفعِ المؤمنين بها.
ب- تنميةُ العادات الحسنة وكَبحُ العادات الرديئة
إنَّ أكثرَ ما يُشجِّعُ ترسيخَ العادات في الصغار رؤيتُهم الكبارَ يُمارسونها ومَيلُهم إلى الاقتداء بهم، أهلاً كانوا أم أصحابًا أم أُناسًا ذوي شهرة يرغبُ الصغارُ في احتذاء سلوكهم، خصوصًا إذا كان للعادة ما يُشجِّعُها في نزعات الأحداث الفطريَّة.
على أنَّ للتربية تأثيرًا بالغًا في توجيه الصغير. وقد دوَّنَ الدكتور داهش، في رحلته الأُولى حول العالَم مَثَلاً على التربية السيِّئة وآخر على التربية الحسَنة. ففي 3/8/1969، بينما كان يجولُ في شوارع سان فرَنسِسكو طالعَته هذه الواقعة، فقال:
بينما كنتُ سائرًا وأمامي وورائي العشرات، عثرَت طفلةٌ زُنجيَّة كانت تسيرُ مع والدتها؛ فأَنهضتُها للحال. وإذا بي أراها تنفرُ منّي، وتنظرُ إليَّ نِظرةً شزراء، وتُهرولُ طافرةً نافرة!
وهذه الظاهرة تُبرهنُ بصورة واقعيَّة جَليَّة مبلغَ الكراهية العظيمة التي يكنُّها الزنوجُ للشعب الأمريكيّ. فهذه الطفلة لو لم يُلقِّنها أهلُها الكراهية مع الحليب، لَما نفرَت هذا النفور إذْ ظنَّتني أمريكيًّا.[27]
وفي الواقع إنَّ فئاتٍ من الأمريكيِّين البيض المعروفة بنفورها الشديد من السُّود لا تُحجِمُ حتَّى عن قتلهم وإحراق كنائسهم، وإن كانوا من الطائفة نفسها، وذلك إذا سنحَت لهم الفرصة. ووسائلُ الإعلام تُشيرُ إلى ذلك بين الحين والحين. فهذه العصبيَّةُ العمياء من الجانبَين إنَّما يرضعُها الأطفالُ مع الحليب، ويُشجِّعُها الأهلُ حتَّى تُصبحَ عادةً مُتحكِّمة في الأحداث إذا شبُّوا.
أمّا مثَلُ التربية الحسنة فقد دوَّنَه الدكتور داهش إذْ كان في مطار ميونِخ بألمانيا، فقال:
بينما كنتُ جالسًا على المقعد… تقدَّمَ طفلٌ ألمانيّ له من العُمر ثلاثة أعوام تقريبًا. وكنتُ قد وضعتُ على الطاولة كيسًا صغيرًا من النايلون فيه موزة وتفّاحة وبرتقالة ابتعتُها… فأمسكَ الطفل بهذا الكيس وتناولَه وهو ينظرُ إليَّ. ولكي أُشجِّعَه على أَخذِه ابتسمتُ له، فتجرَّأَ وولَّى الأدبارَ به مُسرِعًا. وكانت والدتُه تجلسُ على مقعدٍ آخرَ بقربنا، فإذْ شاهدَت طفلَها راكضًا والكيسُ بيَدِه، سألَتني: هل هذا لكَ؟ فأجبتُها: نعَم. فأَعادته رغمَ إلحاحي على إبقائه معه. وقالت: إن قبلتُه، فإنَّ الطفلَ يزدادُ تجرُّؤًا على العودة إلى مِثل هذا العمل ثانيةً وثالثة، ويشبُّ وهو مُتمسِّكٌ بهذه العادة القبيحة. فوافقتُها على ذلك.[28]
إنَّ العادة، حسنةً كانت أم سيِّئة، لا تتكوَّنُ إلاَّ بإتاحة المجال للرغبة التي في أساسها أن تتحقَّقَ تكرارًا حتَّى تُصبحَ نزعةً تُشعِرُ صاحبَها بحاجةٍ إلى الإشباع. فإذا تكرَّرَ إشباعُها تحوَّلت إلى عادة. هكذا تنشأُ عادةُ الكذب أو الشتيمة أو السرقة أو إدمان التدخين أو المُسكرات أو المُخدِّرات إلخ. وعلى هذا الصعيد تترتَّبُ مسؤوليَّةُ الأهل. فأولادُهم يتأثَّرون بالاقتداء بهم أكثر مِمَّا بوعظهم وإرشادهم.[29]
وتَنميةُ عادة الصلاة في الأحداث يراها الدكتور داهش من أهمِّ ما يُساعد على تعزيز النـزعات السامية وإبعاد التجارب والأفكار السيِّئة. ومن أدلِّ ما كتبَ على ذلك قطعة “صلاة الفجر”.[30] فالأُمُّ تدعو ابنتَها الصغيرة إلى مُرافقتها إلى “بيت الله” قبل انبلاج الفجر، للتفرُّغ إلى الخالق لكي تنالا بركتَه، لأنَّ الحياةَ قصيرة.
في الصلاة عزاء، يا بُنَيَّة…
فأَسرعي معي، هيَّا هيَّا.
لنتركْ شرورَ هذا العالَم وما فيه
عند تطلُّع قلوبنا إلى السماوات.
لنتناسَ الهمومَ والأتراحَ والمُنغِّصات…
لنتناسَ كلَّ شيء، يا بُنَيَّتي، ونتَّجه نحو القدير
فنشعرَ بالسلامة والسكينة تُخيِّمان فوق رؤوسنا ،
ونستشفَّ العذوبةَ الروحيَّة…
وتدعو بُنيَّتَها إلى الإنصات للمُصلِّين وتسبيحهم حالقَ الكون وإلى التأمُّل في ملامح خشوعهم البادية على وجوههم، ثمّ تُخاطبُها قائلة:
أُسجدي اسجُدي، أيَّتُها الطاهرة…
ليتني مثلُكِ، يا فتيَّة…
فاحرصي على طهارتكِ كي تبقَي كالحمامةِ الوديعة.
لا تدَعي الشرَّ يتغلَّبُ عليكِ، يا بُنَيَّة،
لا لا، وأبعِدي الأفكارَ الرديئة إذا ما ساورَتكِ…
إنّ تنميةَ عادة الصلاة في الأحداث لا تستهدفُ السمُوَّ بنـزعاتهم فقط، بل تُحرِّكُ قدرةَ التفكير فيهم للتبصُّر في مخلوقات الله وحكمته فيها وفي عظمة ما أبدَع من عناصر الطبيعة ومظاهرها الجبَّارة التي يُهيمنُ عليها النظامُ الإلهيُّ الكامل. ومن أدلّ الصلوات على ذلك “دُعاءُ الفجر”[31]حيثُ يُظهِرُ الدكتور داهش أنَّ “الطبيعة ثملى أمام صُنع العَليّ، وموجِد كلِّ شيء من لاشيء، والبحر الشاسع خاشع أمام عظمة القدير المُهَيمِن”، والسحاب، والأشجار، والورود، والطيور، والطبيعة بأسرها— جميعها في نشوةِ النور الصباحيّ تُسبِّحُ المُبدِع خاشعةً لقدرته الخلاَّقة.
إنَّ الأحداثَ الذين يُنَشَّـأُون على التفكير في أنَّ للكون خالِقًا مثلما أنَّ لكلِّ حادثٍ سببًا طبيعيًّا، ينتهون إلى التساؤل، عند نزول مُصيبة بهم أو بأعزّائهم لا يجدون تفسيرًا طبيعيًّا لها، عن السبب الذي أنزل تلك المُصيبة، وبالتالي يخلصون إلى التفكير في الاستحقاق والحكمة الإلهيَّة والأسباب الروحيَّة المُنطوية تحت النظام الإلهيّ المُهيمن على الأرض. هذه الحقيقةُ أكَّدَتها الاستجواباتُ والدراساتُ العلميَّة التي قام بها أُستاذُ الطبّ النفسيّ في كلِّيَّة الطبّ بجامعة هارفرد، الدكتور روبرت كولز.[32]
هذا الحافز على إعمال الفكر، لدى الصغار، في مظاهر الكون وعِلَلِها كما في أسباب الأحداث المُؤلِمة يقودُنا إلى الكلام على ضرورة التربية العقلانيَّة السليمة.
(في العدد المُقبل: التربية العقلانيَّة السليمة والمنهجُ التربويُّ القويم)
1 الدكتور داهش، “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 121.
[2] See Frank Pittman, M.D. «How to Manage Your Kids» in Psychology Today, May/June 1995.
[3] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 58.
[4] في ضوء هذا التفسير لا يبقى من معنًى لِما يُسَمَّى بـ”عقدة أُوديب”، أي اتِّجاه الصبيّ جنسيًّا نحو أُمِّه ونفورُه من أبيه، أو “عقدة إلكترا”، أي اتِّجاه البنت جنسيًّا نحو والدها ونفورُها من والدتها.
5 الدكتور داهش، “مُذكِّراتُ يسوع الناصريّ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 41-42.
6 وصايا الله العشر الواردة في سِفر الخروج 20: 5.
David B. Cohen, Ph.D. Stranger in the Nest: Do Parents Really Shape Their Child’s Personality, Intelligence, or Character? (NY: John Wiley and Sons, 1999), pp. 202-207.
8 الدكتور داهش، “قِصص غريبة وأساطير عجيبة” ، الجزء الثاني (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 81-84.
[9] Robert Coles. The Moral Intelligence of Children. (NY: Random House, 1997), pp. 63-64.
[10] Psychology Today, July/August 2000, pp. 39-43.
[11] ثلاثة كتُب تستحقُّ التنويه بها في هذا المجال:
Judith Wallerstein.. The Unexpected Legacy of Divorce. Hyperion.
Stephanie Staal. The Love They Lost. Delacorte Press.
Linda Waite and Maggie Gallagher. The Case for Marriage. Doubleday.
[12] أنظر:
Dean Hamer and Peter Copeland. Living With Our Genes. (NY: Random House/Anchor Books, 1999), pp14-15.
13 صدرَت عشراتُ الكتُب في نقض نظريَّة فرويد بمختلف اللغات. أكتفي هنا بذكر بعضها:
Wilfried Daim. Transvaluation de la psychanalyse: L’homme et l’absolue. Trad. De l’allemand par Pierre Jundt. Paris: Albin Michel.
- Stocker. De la psychanalyse à la psychosynthèse. Paris: Beauchesne et ses fils.
- Fuller Torrey. The Malignant Effect of Freud’s Theory on American Thought and Culture. New York: Harper Collins.
Paul Robinson. Freud and His Critics. Berkeley: University of California Press.
John Kerr. A Most Dangerous Method. New York: A. Knopf.
Allen Esterson. Seductive Mirage: An Exploration of the Work of Sigmund Freud. Open Court Publishing Co.
Adolph Grünbaum. Validation in the Clinical Theory of Psychoanalysis. International Universities Press.
[14] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرَة الأرضيَّة، ج1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1982)، ص 92.
[15] غازي براكْس، “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة-تركيبيَّة لأدبه ورسمه وشخصيَّته، بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1981. والكتاب دراسة أكاديميَّة نال المؤلِّف عليها شهادة دكتوراه دولة في الآداب (علم النفس الأدبيّ) عام 1973.
[16] أنظر مثلاً على ذلك كتاب:
- Wright. Twins. NY: J. Wiley and Sons.
[17] أنظر: Martin Seligman, PH.D.. What You Can Change and What You Can ´t. NY: A. Knopf.
[18] أشرتُ إلى ذلك في دراستي “جبران خليل جبران” المنشورة عام 1973، في الصفحة 519.
[19] أنظر:
- J. Bouchard and others. “Sources of Human Psychological Differences: The Minnesota Study of Twins Reared Apart.” Science 250, pp. 223-228, 1990.
Hamer & Copeland. Living With Our Genes, pp. 22-24.
[20] . Living With Our Genes, pp. 7-8, 16.
[21] الدكتور داهش، “بروق ورعود” (بيروت: مطابع روطوس، 1946 )، ص 68.
[22] راجع تفصيلَ ذلك في مقال “طريق الارتقاء الروحيّ وفقًا لمفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة: الارتداع عن الرذائل والشرور” (“صوت داهش”، عدد خريف 1999).
[23] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 163-167.
[24] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 91.
[25] أوضحَ العالِمُ السيكولوجيّ العِياديّ غاد تشودنِر في كتابه “مُجرمون صِغار بيننا” أنَّ تنمية نزعة الغيريَّة والتقمُّص الوجدانيّ واحترام أشخاص الآخرين من أهمّ الوسائل التي تُخفِّفُ انحرافَ الأحداث. أنظر:
Gad Czudner. Small Criminals Among Us. NY: New Horizon Press.
[26] أنظر مثالاً عنها في الإنكليزيَّة: William Bennett. The Book of Virtues. New York: Simon and Schuste.
[27] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 1، ص 211.
[28] المصدرُ السابق، ص 419.
[29] R. Coles. The Moral Intelligence of Children, pp. 31-59.
[30] الدكتور داهش، “إبتهالات خشوعيَّة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 56-64.
[31] المصدرُ السابق، ص 108-110.
[32] أنظر: R. Coles. The Spiritual Life of Children (Boston: Houghton Mifflin Co., 1990), pp. 98-128.
التنشئةُ القويمة في المفهوم الداهشيّ (2)
المنهجُ التربويُّ القويم: مضامينُه والتربيةُ العقلانيَّة
بقلَم الدكتور غازي براكْس
في الحلقةِ السابقة أوضحتُ القواعدَ الأساسيَّة التي تقومُ عليها التربيةُ القويمة. هذه القواعدُ تصونُها المحبَّةُ الصادقة التي يجبُ أن تشدَّ أَواصرُها الأَبَوَين إلى أولادهما؛ وهي تتمثَّلُ في بُعدَين: الأوَّل ضرورةُ معرفة الأَبوَين لحقيقة الولَد النفسَجسميَّة التي هي امتدادٌ لمعظم خصائص الأَبوَين المادِّيـَّة والروحيَّة، وبالتالي ضرورة إدراكهما لتفاوُت أولادهما في مداركهم واستعداداتهم ونزعاتهم لكي يُحسنا التصرُّفَ معهم؛ والثانـي وجوبُ تحمُّلِ الأَبوَين لمسؤوليَّة تربية أولادهما منذ حبَلِ الأُمِّ بهم حتَّى اكتمالِ مُراهقتهم، علمًا بأنَّ تَبِعتَهما السيكولوجيَّةَ الخُلُقيَّة تعظمُ إذا حدثَ طلاقٌ بينهما. وعلى الأَهمِّـيَّة البالغة التي للجينات (المُورِّثات) في بناء شخصيَّة الطفل وفي تحديد قواه العقليَّة وأنواعِ نزعاتِه واستعداداته ودرجتها، يبقى للتربية البيتيَّة والمدرسيَّة دَورٌ فعَّال، لا سيَّما في الطفولة الأُولى والثانية. كذلك تصدَّيتُ لتربية النـزعات في الطفل تربيةً سليمة بتنمية ما هو راقٍ منها، من جهة، ولا سيَّما الصدقُ في الكلام والتعامُلُ مع الآخرين، وتعزيزُ الشجاعة، والمحبَّةُ والنزعةُ الغَيريَّة (الشفقة والإحسان وإيثار الخَير العامّ)، ومن جهةٍ أُخرى، بتنميةِ العادات الحسنة التي من أَهمِّها الصلاة، وكَبحُ العادات الرديئة التي من أبرزها الكذب وإدمان المُسكِرات والمُخدِّرات. وفي هذه الحلقة سأُوضِحُ مضامينَ المنهجِ التربويّ في ضوءِ التعاليم الداهشيَّة، ثمَّ أشرحُ الكيفيَّةَ المُثلى لتطبيقه. لكن لا مناصَ، أوَّلاً، من تبيين الأهمِّـيَّة التي كان مُؤَسِّسُ الداهشيَّة يوليها المدارسَ على الصعيد التربويّ.
الأَهمِّـيَّةُ التربويَّةُ للمدارس
في تعميم الثقافة والحقائق العلميَّة
في 3 تشرين الثاني (نوفمبر)، عام 1978، كتبَ الدكتور داهش تحت عنوان “مَن فتحَ مدرسةً أغلقَ سجنًا” الفقراتِ التالية:
مَن يُغلقُ معهدًا أو يُقفلُ مدرسة ما هو إلاَّ أثيمٌ طاغية ومُجرِمٌ باغية… فالمسؤولُ الذي يُغلقُ المدرسة يكون بعمله الإجراميّ قد حكمَ على جيلٍ كاملٍ بالجهل المُطبِق؛ والجهلُ ما هو إلاَّ ظلمةٌ دامسة سببُها الحاكمُ الظالمُ الباغية. وظلامُ العقول أَفدحُ ما يُمكنُ أن يرتكبَه المسؤول…فالظلامُ يخلقُ اللصوصَ والقتَلة والمُحترفين للجرائم بمُختلف أنواعها. وصدقَ مَن قال: “مَن فتَح مدرسةً أغلقَ سجنًا.” فمَن هو الذي يتجرَّأُ على إغلاق المدرسة التي تخلقُ جيلاً جديرًا بالحياة!”[1]
لقد ساوى الدكتور داهش بين المعرفة والنور، لأنَّ الغايةَ المُثلى من المعرفة هي إنارةُ عقول البشر بتنميتها ليُدركوا حقيقةَ مُحيطهم وحقيقتَهم هم كأُناسٍ يعيشون حياةً نسيجُها الألمُ والشقاء، ويبحثوا عن أسبابِ تَعسهم ووسائلِ خلاصهم وارتقائهم الحضاريّ والروحيّ. فالمعرفة، إذا اقترنَت بالفضيلة، من شأنها أن تُساعدَهم على تخطِّي المُستوى الروحيّ الأرضيّ والدخول في العوالم الفردوسيَّة ثمَّ تجاوزها إلى المُحيط الروحيّ حيث تتجلَّى الحقائقُ الأزليَّة الأبديَّة.
كما ساوى مُؤسِّسُ الداهشيَّة بين الجهل والظلام، لأنَّ ظلمةَ العقول تُفقِدُ البشرَ إنسانيَّتَهم، وتجعلُهم أقربَ إلى الضواري، يفترسُ بعضُهم بعضًا. والتاريخُ حافلٌ بما يُؤكِّدُ هذه الحقيقة. والإحصاءاتُ المُعاصرة تدلُّ على أنَّ للجهل يَدًا طولى في أعمال الإجرام على مُختلف أنواعها. ولذلك فالمعرفة، كما الشجاعة، تجعلُ الإنسانَ جديرًا بالحياة؛ لأنَّ الحياة حلبةٌ للتنافُس والسِّباق المعنويَّين، والجاهلُ كما الجبان يسقطان فيها.
ونظرًا لأهمِّـيَّة المدارس في تشييع المعرفة، اعتبرَ الدكتور داهش أنَّ إغلاقَ المدارس أفدحُ عملٍ غاشِم فد يقومُ به مسؤولٌ رسميّ. ويُستَشَفُّ من سياق كلامه تحريضٌ على الثورة على ذلك المسؤول إذا كان حاكمًا؛ فشأنُه شأنُ الطاغية الذي على الشعب الأبيّ ألاَّ يُنكِّسَ له الرأس، بل الإطاحةُ به وجعلُه عبرةً لغيره مِمَّن تُسوِّلُ لهم نفوسُهم العبثَ بمُقدَّساتٍ جعلَها اللهُ نِعَمًا للبشر. فالمعرفة، كالحُرِّيـَّة، من نِعَم الخالق على الناس، ولِذا عليهم واجبٌ مقدَّس هو ألاَّ يتنازلوا عنها.
أَوَّلاً- مضامينُ المَنهجِ التربَويّ
إنَّ المناهجَ التربويَّة الحديثة، لا سيَّما المُطبَّقة في مدارس الغرب، بَدءًا من حدائق الأطفال وانتهاءً بالتعليم الثانويّ High School، قد تطوَّرَت كثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، وداخلَتها تحسيناتٌ وتعديلاتٌ أساسيَّة تُراعي استعداداتِ الأحداث المختلفة ومواهبَهم المتنوِّعة، وتنفحُهم بثقافةٍ عامَّة مُعاصرة. ولن أتدخَّلَ في تفاصيل الموادّ، فهي تشملُ أهمَّ المعارف المُعاصرة، وتتدرَّجُ تبعًا لنُمُوِّ مدارك التلاميذ. وتكادُ لا تختلفُ من بلدٍ إلى آخر في البلدان الراقية إلاّ اختلافًا عرَضيًّا يُمليه التُراثُ التاريخيُّ الحضاريُّ اللُغَويّ. لكنَّ مضامينَ المنهجِ التربَويّ ما زالت بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التعديل، في ضوء التعاليم الداهشيَّة، لتُصبحَ الغايةُ منها لا تخريجَ إنسانٍ ناجحٍ في حياته العمليَّة فحسب، بل أيضًا، وقبل ذلك، بناءَ إنسانٍ راقي العقلِ، سامي النـزعات، يعطفُ على المحرومين والمُتألِّمين حيثما كانوا، ويشعرُ بمسؤوليَّتِه عن أعماله. يقولُ المُفكِّرُ الإنكليزيُّ الكبير بروس لويد Bruce Lloyd: “المعرفة هي معلوماتٌ مُستخدَمة؛ أمَّا الحكمةُ فهي امتزاجُ المعرفة بالقِيَم…. والقضيَّة الأهمُّ كائنة في أنَّ قِيَمَنا هي الأساس الذي يُبنى عليه كلُّ شيءٍ آخر في المجتمع، وهذا يظهرُ في دوافع الحكمة التي تُؤثِّرُ في سلوكنا، وأولويَّاتنا، واتِّخاذ قراراتنا كلَّ يوم.”[2] وهوذا إيضاحٌ لأهمِّ النِّقاط.
1- ضرورة الثقافة الإنسانيَّة المُتعدِّدة المجالات
تسنَّى لي، في خلال مُلازمتي للدكتور داهش حوالى عامَين ونصف عام (1978-1980)، أن أتحقَّقَ عُمقَ حبِّه لتحصيل ثقافة إنسانيَّةٍ شاملة وللإحاطة بكلِّ ما يجري في العالَم عن طريق مُطالعة مُختلف أنواع الكُتب والصحُف والمجلاَّت، وهو الذي أغناه الله بالمعرفة الروحيَّة عن طلب المعرفة البشريَّة. ولا عجَب إن جمعَ مكتبةً ضخمة شارفَت، في آخر حياته، على حوالى مئتَي ألف كتاب بالعربيَّة والإنكليزيَّة والفرنسيَّة. وحبُّه العارم للكُتُب تجلّى في خواطره التي أدرجَها في كتابه “كلمات.”[3] من أدلِّها قولُه: “أُحبُّ الكُتُبَ حُبَّ السكارى للخمر، لكنّي كلَّما ازددتُ منها شُربًا زادتني صحوًا.” وكذلك قولُه البالغُ التأثير الذي يذهبُ إلى المُنتهى من الهيام بها:
عندما يتوقَّفُ قلبي عن الضربات،
ويُلحَدُ جسدي في حُفرته الصامتة الموحِشة،
أودُّ أن تُرافقَني جيوشٌ لَجِبة من الكُتب،
فيُدَثَّرُ بها جسدي المُسجَّى في حفرته الخالية الباردة المَنسيَّة،
فالكتابُ خيرُ رفيقٍ لي في حياتي، وأتمنَّى أن يُرافقَني بمماتي.
والدكتور داهش الذي لم يتسنَّ له أَن ينخرطَ في مدرسة نظاميَّة إلاَّ ستَّة أشهر في طفولته، استطاع بعصاميَّته أن يُحصِّلَ ثقافةً إنسانيَّة شاملة نادرة، ويُخلِّفَ ما يُنيف على مئة كتاب، وأن يكونَ في إكبابه اليوميّ الدائب على المُطالعة حافزًا ومنارًا لكثيرين مِمَّن عرفوه. كذلك كان يُثيرُ حميَّةَ أتباعه، مُراهقين كانوا أم كبارًا، فتياتٍ أم فتيانًا، لمُطالعة الكُتُب المُفيدة سواءٌ كانت موضوعةً بالعربيَّة أم مُترجَمة عن اللُغاتِ الأُخرى، وذلك باسترعاء أنظارهم إلى أنَّ الأنبياءَ أنفسَهم، وهم الذين يُزوَّدون بالإلهام والعِلم الإلهيّ، كانوا يحرصون على تحصيل المعرفة البشريَّة بأنفسهم. وقد أعطى مثَلاً على ذلك انصرافَ يسوع الناصريّ، في حداثته، إلى تلقِّي شتَّى العلوم وإتقان العزف على القيثار في بيروت؛ وهو أمرٌ مجهول في سيرته المَرويَّة في الأناجيل.[4] وكثيرًا ما كان يمتحنُ زائريه وأتباعه صغارًا وكِبارًا فيسألُهم هل قرأُوا مثلاً القرآنَ الكريم، أو الأناجيل، أو إنجيلَ بوذا، ، أو الرامايانا، أو “الإلياذة” لهوميروس، أو “الكوميديا الإلهيَّة” لدانتي، أو “الفردوس المفقود” لمِلتن أو “بول وفرجيني” لبرناردان ده سان بيير، أو قصيدة “البُحيرة” للامرتين، أو “روميو وجولييت” لشكسبير أو روايةَ “البُؤساء” لفكتور هيغو، أو “الحرب والسِّلم” لتولستوي إلخ. كان يُريد من أتباعه أن يشعروا بانتمائهم ليس فقط لبلدٍ معيَّن أو لُغةٍ معيَّنة أو دينٍ مُعيَّن، بل للإنسانيَّة قاطبة، لأنَّ آياتِ الوَحي والإلهام وروائعَ الفكر البشريّ تتخطَّى الحدودَ والأزمان، وتُصبحُ ينبوعًا للجمال والمعرفة يستقي منه كلُّ إنسانٍ يطمحُ إلى الاستزادة من الغِنى الفكريّ والرُقيِّ الروحيّ.
هذا التلقيحُ الإنسانيُّ للثقافات القوميَّة ما يزالُ فقيرًا في مختلف البلدان حتَّى الغربيَّة منها. وإذا دخلَ ما قَلَّ منه الجامعاتِ أحيانًا كموادَّ اختياريَّة للطلاَّب، كما الحال في الولايات المُتَّحدة، فإنَّه لم يدخل بعدُ في البرامج التعليميَّة الثانويَّة، أو لم يدخلها كفاية؛ علمًا بأنَّ النعرات القوميَّة والعِرقيَّة والدينيَّة التي ما تزالُ تتأَجَّجُ في كثيرٍ من بلدان العالَم يُمكنُ تخفيفُها كثيرًا بالانفتاح على التراثِ الإنسانيّ. هذا فضلاً عمَّا يستفيدُه الطالبُ من موضوعاتٍ قد لا تمدُّه بها لُغتُه الأُمّ. فكتابُ “النبيّ” لجبران، مثلاً، لا نرى له مثيلاً في أيَّةِ لُغةٍ أُخرى بسُمُوِّ موضوعاته وشمولها الإنسانيِّ وجمال أَدائها الفنِّيّ. والقولُ نفسُه ينطبقُ على كثيرٍ مِمَّا أوردتُه من أسماء الكُتُب آنفًا ومِمَّا لم أُورِده من روائع الأدبِ والفكر الإنسانيَّين. فحرمانُ الطالب من معرفةِ مثل هذه الكنوز الخالدة لن يُؤثِّرَ في رُقيِّه الفكريّ والروحيّ الشخصيّ فحسب، بل في رُقِيِّ قومه أيضًا.
فضلاً عن ذلك، فإنَّ القِيَمَ الإنسانيَّةَ الكُلِّـيَّةَ التي تُجاري المبادئَ الدينيَّةَ العامَّة في كلِّ دين، من مثل العدالة والمحبَّة والشفقة وإيثار الخير العامّ والبطولة المُنقِذة للمظلومين والضعفاء والإخلاص في الحُبّ وغيرهاـ نلقاها في تلك الروائع الإنسانيَّة على اختلاف لُغاتها وانتماءاتها. فبانفتاح أذهان الطلاّب عليها تُقرِّبُ بعضَهم من بعض، وتدعُهم يشعرون أنَّ البشريَّةَ كلَّها يجبُ أن تكونَ أُسرةً واحدة تشدُّ أَواصرَها القِيَمُ الإنسانيَّة، لا شعوبًا مُفرَّقة تربطُها العصبيَّاتُ القوميَّةُ أو العِرقيَّةُ أو الإقليميَّةُ أو القبَليَّة. كذلك يتعلَّمُ الطلاّبُ، من خلال اطِّلاعِهم على الأفضل والأجملِ في ثقافات الشعوب، أن يحترموا تلك الثقافات وما تنطوي عليه من قِيَم.
2- ضرورةُ تعليم الفنون بمُختلف أنواعها
كان الدكتور داهش يُشدِّدُ، في أحاديثه كما في كتاباته، على أهمِّـيَّة الثقافة الفنِّـيَّة في بناء شخصيَّةٍ غنيَّة راقية للإنسان. ولا عجَب وهو القائل: “وأَيمُ الحقِّ، لا يُمكنُ أن أُشبِعَ نهَمي من الفنِّ إطلاقًا. فمنذُ طفولتي وأَنا أتوقُ لمُشاهدة أيِّ شيءٍ يُمثِّلُه الفنّ، سواءٌ أكان لوحةً زيتيَّة أم مائيَّة أم بالباستيل، كما أرغبُ رغبةً عارمة بالتماثيل الفنِّـيَّة… والخلاصةُ إنَّ الفنَّ يستهويني ويجذبُني كالمغناطيس المُقتدِر.”[5] وخيرُ مِصداقٍ لقوله هذا هو قيامُ “المُتحف الداهشيّ” في نيويورك الذي بدأَ جَمعَ كنوزه عام 1930، أي في مُستهلِّ عقده الثالث.[6]
وما أكثرَ ما كان مُؤسِّسُ الداهشيَّة يُحدِّثُنا، ونحن جلوسٌ حوالَيه، عن زياراته للمتاحف العظيمة التي تتفاخرُ الدولُ باقتنائها ومُشاهدته الأولاد يتملَّون الرسومَ والتماثيلَ فيها مُدوِّنين مُلاحظاتهم، وعن تردُّدِه إلى صالات العَرض العالَميَّة التي تحفلُ بها عواصمُ الدوَل الغربيَّة، وفي الوقت نفسه عن استغرابه واستنكاره لخُلوِّ معظم البلدان العربيَّة من مُتحَف نفيس للفنون التشكيليَّة، ولعدَم اهتمام الحكومات العربيَّة بالتربية الفنِّـيَّة، سواءٌ كانت في الموسيقى الراقية أم في الرسم والنحت اللذَين هما “موسيقى للبصَر”.[7]والسببُ الروحيُّ لاهتمامه بالتربية الفنِّـيَّة هو اعتبارُه عباقرةَ الفنون، على مُختلف أنواعها، ذوي سيّالاتٍ راقية هابطة من الفراديس العُلويَّة،[8] شأن عباقرة الفكر والأدب. وبما أنَّ ما يُبدعونه يحملُ إشعاعاتٍ روحيَّة غير مرئيَّة من سيَّالاتهم، فهو يُحدِثُ تأثيرًا تهذيبيًّا في النفوس، ويدفعُها إلى التسامي بل الخشوع أحيانًا. ولِذا يشعرُ مُتذوِّقُ الجمال الفنّيّ وهو يسمع سمفونيَّةً لبتهوفن، مثلاً، أو يتأمّلُ كنوزَ مُتحفٍ عظيم، شعورَ مَن يكون في معبَد. إنَّه معبدُ الجمال السامي الذي هو ملمحٌ من ملامح الحقائق الأزليَّة في العوالم الروحيَّة. حقيقةُ التسامي هذه عبَّرَ عنها الدكتور داهش على أثَر زيارته لمُتحف “فيلاّ بورغيزي” بروما، فقال: “لقد بُهِرنا من روعة الفنِّ العظيم وذلك الإبداع الذي لا يعلو عليه إبداعٌ مُطلقًا. إنَّه مُتعةٌ للبصَر، وفردَوسٌ للحواسّ،تستمتعُ بروعته العيون، وتجتليه النواظرُ وهي خاشعة لهذا الفنِّ العُلويِّ الذي يأخذُ بمجامع القلوب.”[9]
فضلاً عن ذلك، فبعضُ الفنون، كالتدرُّب على عَزفِ الموسيقى الراقية أو الاستماع إليها يُنمِِّيان القدرةَ على تركيز الانتباه كما على التفكير والإبداع وتوسيع نشاط الدماغ، وفقًا لعدَّة دراسات حديثة.[10]
فالتربية الفنِّـيَّة مهمَّة لأنَّها تُمرِّسُ الأحداثَ بتذوُّق الجمال؛ والجمالُ والحقيقة مُتلازمان في فكر الدكتور داهش. ففي توطئة “ضجعة الموت” يقول:“مَن أدركَ سرَّ الجمال، فإنَّه قد خطا خُطواتٍ واسعة في فهم أسرار الأزل والخلود. ومَن كان بعيدًا عن حبِّ الجمال، فإنَّه لا يفقهُ معنى الحياة ولا النهاية المجهولة.”[11] ألم يختصر أفلاطون الحقيقةَ الروحيَّة الإلهيَّة بثالوث الحقّ والخير والجمال في كمالها؟ بل إنَّه، على غِرارِ الدكتور داهش، رأى الأشياءَ كلَّها، طبيعيَّةً كانت أم مصنوعة، مُجرَّدَ ظلالٍ لحقائقَ أزليَّة لا يستطيعُ استلهامَ حقيقتها إلاَّ العباقرةُ من الفنَّانين والأُدباء، وذلك بواسطةِ رُؤاهم المُبدِعة وتذكُّراتهم الضبابيَّة. ولي وقفةٌ مَليَّة عند هذا الموضوع في عددٍ مُقبِل.
زِدْ إلى ذلك أنَّ تربيةَ الذائقة الجماليَّة تُمرِّسُ الناشئة بمفهوم التناسُق والتناغُم والنِّسَب والأولويَّات في إبراز الأشياء والوحدة المُشتملة على التنوُّع والنظام الدقيق؛ وهذه التربية تصقلُ الموهبةَ الفنِّـيَّةَ لدى أصحابها. فالتذوُّق الفنّيّ ليس مُجرَّدَ تذوُّقٍ انفعاليّ عابر، بل أساسُه ثقافةٌ عقلانيَّة ذاتُ عناصرَ موضوعيَّة.
3- التربية البدَنيَّة وحُدودُها
لم يكُن الدكتور داهش، في طفولتِه، يولي الألعابَ الرياضيَّةَ الأولويَّةَ، وإن كان يُحبُّها؛ فالأَولويَّةُ كانت لدَيه للمُطالعة واكتنازِ المعرفة أدبًا وفنًّا وعلمًا. لكنَّه، مع ذلك، كان يُعنى بالعَدو ِوالرياضةِ التي تستهدفُ تنشيطَ الجسم لا تربيةَ العضَل. وقد أخبرَنا مرارًا بمُباراته رفاقَ صِباه في العَدوِ وتفوِّقِه عليهم. وفي كِبَرِه ظلَّ يُحبُّ السَّيرَ السريع سواءٌ في منـزله الرحبِ أم في رحلاته الكثيرة. ولم يكُن أحدٌ من رفاقِه ـوأنا منهم ـ ليستطيع أن يُجاريَه في تجوالِه الطويل الذي كان يمتدُّ ساعاتٍ تلوَ ساعات. لكنَّ الرياضةَ البدنيَّةَ لديه كانت مجرَّدَ وسيلةٍ لتنشيط الجسم تعويضًا عن قعودِه ساعاتٍ طويلة في الكتابة أو استقبال الزائرين، ولم تكُن إطلاقًا غايةً بحدِّ ذاتها. ولِذا لم يجعل، في يومٍ من الأيَّام، قيمةَ الإنسان، أيِّ إنسان حتِّّّّّّّّّّى مُحترِفي المُصارعة ـوغيرُ قليلين منهم كانوا يزورونه ـ في جسمِه واكتنازِ عضلاتِه، بل في سُمُوِّ أخلاقه ورجاحةِ عقله واتِّساعِ ثقافته، وقيمةِ عطائه الأدبيِّ أو الفنّـيِّ أو العلميّ إن كان موهوبًا.
إنَّ أفلاطون كان أوَّلَ مَن شدَّدَ ، في كتابه “الجمهوريَّة”، على أهمِّـيَّةِ التربية البدَنيَّة. لكنَّها لم تكُن غايةً بذاتها، بل وسيلةٌ لبَثِّ الشجاعةِ وروح التعاوُن في نفوس الناشئة، ولتدريبهم على القتال دِفاعًا عن الوطن إذا هوجِم؛ كما كانت مرحلةً تمهيديَّة في التدرُّب على كَبح الشهوات والرغباتِ الدُنيَويَّة، وإخضاع نزواتِ الجسم لسلطان العقل، ريثما يُعَدُّ المُختارون من الناجحين ليكونوا جنودًا وحُرَّاسًا فُضلاءَ للجمهوريَّة.
ولا شكَّ بأنَّ التربيةَ البدنيَّة تُساعدُ على صيانة الصحَّة الجسديَّة، من جهة، ومن جهةٍ أُخرى، تبثُّ في مَن يُمارسُها “روحَ الفريق المُتعاون” من أجل تحقيق هدفٍ مُشترَك، وذلك هو الخُطوةُ الأُولى التي يتعلَّمُ بها الأحداثُ معنى المصلحة المُشترَكة، وضرورةَ التعاون مع الآخرين لتحقيقها. فضلاً عن أنَّها تُعلِّمُ التنسيقَ والتقيُّدَ بالنظام الدقيق من أجل تحقيق الفَوز، وإلاَّ فالخسارة واقعة؛ كما تُعتَبَرُ وسيلةً مُداوِرة للتفريج عن نزعة العدائيَّة الكامنة في معظم النفوس.
لكنَّ الرياضةَ البدنيَّة تحوَّلَت في القرن العشرين، ولا سيَّما في نصفه الثاني، في مختلف بلدان العالَم، إلى غايةٍ بحَدِّ ذاتها؛ وأصبحَ الهدفُ منها الكسبَ المادِّيّ وتركيزَ الاهتمام على تكنيز العضَل أو رشاقة الجسم بما يُشبه العِبادةَ له. وفي ذلك ما يصرفُ أذهانَ الناشئة عن الأولويَّات في الحياة؛ ذلك فضلاً عمَّا تُثيرُه المُبارياتُ من تسعيرٍ للأحقاد بين فريقٍ وآخر، وتأجيجٍ للشراسة والنـزعة العدائيَّة في نفوسهم. وقد أثار هذا الأمرُ الخطيرُ قلقَ الخُبراء والباحثين التربويِّين، فوضعوا عشرات الكُتُب يُنذرون فيها بالخطرِ الوشيك، ويُنبِّهون إلى ضرورة تدارُكِه. فجِفري مارغوليس J. Margolis يُظهِرُ في كتابه “”العُنف في الألعاب الرياضيَّة: فَوزٌ بأيِّ ثمَن”[12]انحرافَ التربية الرياضيَّة عن هدفِها الأساسيّ وعواقبَ تقهقُرها بتحوُّلِها إلى ألعابِ عُنفٍ وَبائيّ كثيرًا ما يُؤدِّي إلى أعمال شغبٍ ويزرعُ في نفوسِ المُحترفين والهُواة علىالسواء روحَ العُنف والفظاظة والعُدوانيَّة حتَّى بين الأولاد وأهاليهم. وقد فصَّلَ جون بريدجز J. Bridges في كتابه “جَعْلُ العُنف جزءًا من اللُعبة: تاريخٌ سوسيولوجيّ- قانونيّ للعُنف في الألعاب الرياضيَّة بأمريكا”[13]عواملَ هذا العُنف الوَبائيّ في أمريكا وعواقبَه، مُشيرًا إلى أنَّه سنويًّا يقعُ حوالى مليون وثلاثمئة ألف جريح في ألعاب كُرة القدَم، وما يُقاربُ ذلك في ألعاب “البايسبول”، وحوالى مليون ومئتَي ألف جريح في ألعاب كُرةِ السلَّة. وكثيرٌ من الإصابات يُؤدِّي إلى الشلَل أو الموت أحيانًا. وقد ألمعَ ستيفِن كارتِر S. Carter في كتابه “الاستقامة”[14]إلى أنَّ المدارسَ كثيرًا ما تستغلُّ تلاميذَها جانيةً من ألعابهم مبالغَ طائلة ومُسخِّرةً هدفَ الرياضة النبيل للكَسب التجاريّ. وهذه الناحية الشائنة فصَّلَها موراي سبيربِر M. Sperber في كتابه “بيرا وسيرك”[15] تفصيلاً واسعًا، مُظهِرًا الغايةَ التجاريَّة من تشجيع المعاهد الألعابَ الرياضيَّة وتأثيرَ هذه في تخلُّف التلاميذ تخلُّفًا ملحوظًا، ومُشبِّهًا أمريكا بروما أيَّامَ أخذَ الانحطاطُ بخناقِها، فلجأت إلى الألعاب الرياضيَّة تُلهي بها الشعبَ عن الحديث بمخازي السلُطات السياسيَّة والدينيَّة، ذلك فضلاً عن تنافُس وسائل الإعلام في استدرار المكاسب. وقد وردَ في دراسةٍ تناولَت هذا الموضوع ونُشِرَت في مجلَّة “وِلسُن كوارترلي” Wilson Quarterly[16] البارزة أنَّ مُعدَّلَ الألعاب الرياضيَّة في المعاهد يتراوحُ أُسبوعيًّا بين 10 و15 ساعة، وأنَّ حوالى 40 بالمئة من التلاميذ الذين يشتركون في الألعاب الرياضيَّة يعترفون بأنَّهم كثيرًا ما تمنعُهم الجهودُ الرياضيَّة المُتعِبة التي يبذلونها من مُتابعة دروسهم بنشاطٍ ذهنـيّ.
إنَّ الألعابَ الرياضيَّة إذا لم تلتزم الغايةَ التي من أجلها وُجِدَت والتي تكلَّمَ عليها أفلاطون، فإنَّها تُصبحُ عاملاً على زيادة الهَدمِ في أُسُسِ المُجتمع والأُسَر، مثلما كانت عليه أيَّامَ القهقرى الرومانيَّة، بدلَ أن تكونَ عاملَ بناءٍ وتقدُّم. ولا يغيـبَنَّ عن بالنا أنَّ الغايةَ من حياة الإنسان على الأرض، في المفهوم الداهشيّ، هي تربيةُ نفسه وتعزيز ارتقائها لتستعيدَ الفراديسَ العُلويَّةَ التي هبطَت منها، وليست تكريمَ الجسد وصَرفَ الاهتمام به حتَّى العبادة أحيانًا، سواءٌ كان ذلك يُسَمَّى تربيةً رياضيَّة أم لياقةً بدَنيَّة أو رشاقةً. ففي ما أُوحِيَ إلى الدكتور داهش في كتاب “مُذكِّراتُ يسوع الناصريّ”، يدورُ هذا الحوارُ ذو المدلول العميق بين بطرس الرسول ويسوع ذي الثانية عشرة الذي كان نازلاً في ضيافتِه:
-إقترِبْ، يا عزيزي بطرس. أين هو ابنُكَ آدوم؟
-خرجَ يلعبُ مع الصِّبية.
-وَيْ! كم له من العُمر؟
-أربعةَ عشرَ ربيعًا.
-أيكبرُني بعامَين وما يزالُ مُنصرِفًا للألعابِ الدُنيَويَّة؟
وإذْ يحضرُ آدوم ويُحيِّي يسوع يسألُه:
-ماذا كنتَ تصنع؟
-كنتُ ألعبُ مع الصِّبيةِ رفاقي بين الكُروم. وعندما تسابقنا، نلتُ قصبَ الفوزِ عليهم جميعًا.
-يا لكَ من ظَبيٍ شرود! وماذا أنالكَ هذا التفوُّق؟
-كسبتُ الرِّهانَ، وهو يقضي أن أتزعَّمَ عليهم لمدَّةِ أُسبوعَين. آمرُهم مهما شئتُ، فيُنفِّذونه طائعين مُختارين.
-إذَنْ مُرْهم أن يحضروا في كلِّ صباحٍ إلى هنا، كي أَهديَهم طريقَ السماء.
-لكَ ما شئتَ.[17]
فواضحٌ أنَّ يسوع الذي يُمثِّلُ هنا دورَ المُرشِد التربويِّ والروحيّ، على صِغَرِ سنِّه، لم يدَع الأحداثَ يستزيدون من الألعاب الرياضيَّة تائهين عن الغاية من الحياة، بل دعاهم إلى الاكتفاء بما قاموا به، ونبَّهَهم إلى ما هو أَولى: الحياة الروحيَّة والحقائق الأزليَّة. فما هي المبادئُ الروحيَّة التي على الناشئة أن يتعلَّموها وفقًا للداهشيَّة؟
4- القواعدُ الروحيَّةُ العامَّة
إن بناءَ إنسانٍ فاضل لا يمكنُ أن يتمَّ بدون قواعدَ روحيَّة ينهضُ عليها. فإذا كانت استقلاليَّةُ النُمُوِّ الذاتيّ مُستَحَبَّة على صعيد استعدادات الأحداث ومواهبهم العقليَّة، فتَركُ الوَلَد يتصرَّفُ تبعًا لهواه على الصعيد السلوكيِّ الخُلُقيِّ خطأٌ فادح، لا مناصَ للأُسرة والمجتمع من أن يدفعا ثمنَه عاجلاً أم آجلاً. فالطبيعةُ البشريَّة سهلةُ الانقيادِ للشرّ، و“إنَّ النفسَ لأَمَّارةٌ بالسوء” (سورة يوسف: 53)، لأنَّ الانحرافَ في فطرتها منذ عصيان آدمَ وحوَّاء للأَوامر الإلهيَّة وطردهما من الفردَوس الأرضيّ. ولذلك قال مُؤسِّسُ الداهشيَّة: “جميعُنا في حاجةٍ إلى الإرشاد.”[18]فإذا كان الكِبارُ الناضجون المُجرَّبون يحتاجون إلى التوجيه، فكيف بالصغارِ الغُرّ؟
ليس في الداهشيَّة أيُّ ادِّعاءٍ لاحتوائها على الحقيقة المطلقة، بل إنَّها ترى أنَّ الأديانَ كلَّها على صواب في أُصولها، حتَّى الهداياتُ الروحيَّةُ منها كالهندوسيَّة والبوذيَّة والكنفوشيَّة. فما على المُربِّين في المدارس، رسميَّةً كانت أم خاصَّة، إلاَّ استلهامُ القواعد الروحيَّة العامَّة المُشتركة بين الأديان جميعًا، كخلود النفس، والثواب والعقاب (كيفما كان شكلهما)، والابتعادِ عن الشرّ، ومُمارسةِ الفضائل، ولا سيَّما النـزعة الإنسانيَّة المُنطوية على المحبَّة والشفقة والإحسان. ففي الإيمان بخلود النفس والثواب والعقاب أملٌ للإنسان في حياةٍ أفضلَ من حياته وتعزية ٌ له عمَّا يُصيبُه، وكذلك رادعٌ له عن الشرّ؛ وفي مُمارسته للفضائل ترقيةٌ لنفسه وإسهامٌ في ترقية الأسرة والمجتمع.
إنَّ مُناصرةَ الداهشيَّة القويَّة لحُرِّيـَّةَ المُعتقدات الدينيَّة لا تعني، في أيِّ حال، اتِّجاهَها لإبعاد الناشئة عن كلِّ تعليمٍ دينيّ. إنَّها لا تدعمُ فكرةَ سيطرةِ دينٍ واحد على الدولة أو على التعليم التربويّ أو توجيهَ الناشئة إلى فكرةٍ دينيَّةٍ معيَّنة، فهذا يُناقضُ إيمانَها بوَحدة الأديان الجوهريَّة التي سيكون لي وقفةٌ طويلةٌ عندها في عددٍ مُقبِل، لكنَّها مع بناء الدولة على قِيَمٍ روحيَّة؛[19] وهذا يقتضي تعليمَ التلاميذ القواعدَ الروحيَّة المُشتركة بين الأديان جميعًا، لأنَّ في ذلك فائدةً للفرد والمجتمع، على أن يتعمَّقوا في تفاصيل مبادئهم الدينيَّة على أيدي مُرشديهم الدينيِّين خارجَ مدارسهم، تبعًا لمُعتقَدِ كلٍّ منهم.[20]
وإنَّه لَخطأٌ فادح ألاَّ يُفرِّقَ العَلمانيُّون بين الأديان وسلوك المُؤمنين بها، وادِّعاؤُهم أنَّ بإمكان التعليم العَلمانيِّ أن يستغنيَ عن تعاليم الأديان. فالانحرافاتُ التي حدثَت، في سياق الأجيال، لدى المُؤمنين بمختلف الأديان، وأدَّت إلى التباغُض والتفرقة والتناحُر، يحصلُ مثيلُها في المجتمعات التي يسودُها الإلحادُ كما في المُنظَّمات العَلمانيَّة التي تضمُّ نُخبةً من أرقى الناس ثقافةً. فالدكتور بول كورتس Paul Kurtz، رئيسُ “الجمعيَّة الإنسانيَّة العَلمانيَّة” Secular Humanist Society بنيويورك يقول في رسالةٍ مفتوحة إلى أعضاء الجمعيَّة مع مطلع الألف الثالث: “يُحبِطُني، أحيانًا، أن أجدَ نزاعاتٍ بين الإنسانيِّين، وسلوكًا مُنافيًا للأخلاق السليمة، وتنافُسًا على مراكزِ القوى، وحقدًا، وحسَدًا، وغيرةً، وثأرًا، وعدائيَّة.”[21]
فضلاً عن ذلك، فقد أظهر التاريخُ، من غير لَبس، أنَّ الأنظمةَ الإلحاديَّة لم تستطع إصلاحَ الإنسان ولا المجتمع، ولا حتَّى المُحافظة على المناقب الاجتماعيَّة. فالفسادُ الذي قرَضَ تلك الأنظمة وأدَّى إلى انهيارِها إنَّما مبعُثُه التحاسُدُ، والتنافُسُ غيرُ الشريف على مراكزِ القوى، والسلوكُ المُلتوي المدفوعُ بحُبِّ الإيذاءِ والغرور والكبرياء. هذه الحالةُ المُزرية بالإنسانِ وكرامتِه، والمُعرقِلة لكلِّ مُحاولةٍ من أجل ارتقائه الإنسانيّ، سببُها الرئيسُ شَلُّ الضمير وإسكاتُ صوتِه، وإيهامُ النفسِ بأَنَّها، لا محالةَ، صائرة إلى فناء، وأنَّه لا حسابَ لها بعد الموت.
وفي خَطٍّ مُوازٍ للأنظمةِ الشيوعيَّة الاشتراكيَّة نرى الأنظمةَ الديمقراطيَّةَ العَلمانيَّة الحديثة، بصورةٍ عامَّة، تنـزعُ من الإنسان عواطفَ الشفقة والرحمة والمحبَّة والشرف، لتُحِلَّ محلَّها التنافُسَ العُدوانيَّ من أجل النجاح السريع وحَشدِ الثروة الكُبرى، وإن يكُنْ ذلك على أشلاء الضمائر وآلام الفقراء وأنين العدالة. لذلك قال مُؤسِّسُ الداهشيَّة بوضوحٍ حاسِم:
في عصرِنا الحاليِّ لا نسمعُ إلاَّ بالنُّظُمِ الديمُقراطيَّة، والدكتاتوريَّة، والرأسماليَّة، والاشتراكيَّة، وسواها وسواها من المُضحِكاتِ المُبكِيات على اختلافِ أشكالِها وألوانِها واتِّجاهاتِها؛ وقد سلبَت من الإنسانِ روحَ إنسانيَّتِه، بعدما أَوقعَته في شِباكِها اللعينة الكاذبة، وأَسرَته، فإذاهُ آلةٌ مُسَيَّرة غيرُ مُخَيَّرة. لقد أصبح خاليًا من التعاطُف والتوادِّ والتراحُم والشعورِ الإنسانيّ المُتبادَل بين الإنسان وأخيه الإنسان. فإذا لم ينبُذ الجميعُ هذه العقائدَ الإلحاديَّةَ القَذِرة، فسيبقَون راسفين في قيودِهم الشيطانيَّة التي تشدُّ على أعناقِهم لتوردَهم مواردَ التهلُكة. إنَّ العودةَ إلى الدين هي طريقُ الخلاصِ للجميع، ففيه يجدُ الإنسانُ راحتَه وأمنَه، وفيه يجدُ قلبَه وقد اطمأنَّ وروحَه وقد استقرَّت.[22]
ولا شكَّ بأنَّ القارئَ قد انتبَه إلى أنَّ الدكتور داهش لم يَدْعُ إلى العودة إلى دينٍ معيَّن، بل إلى قواعد الدين، أيِّ دين، لأنَّ الأُصولَ صحيحة، وإن تنوَّعَت. ذلك بأنَّ البشرَ، إلى أيِّ نظامٍ سياسيّ انتمَوا، أصبحوا سواء في اهتماماتهم المادِّيـَّة وفي الرذيلة والرياء. فالعلَّةُ ليست في الأديان، بل في مُعتنِقيها. ولذلك يُرسِلُ اللهُ ـ عَزَّ وجَلَّ ـ في كلِّ حقبةٍ من الزمان رسولاً أو هاديًا روحيًّا يُذكِّرُ الناسَ مُجدَّدًا بضرورة طاعةِ الأوامر والإرشادات الإلهيَّة إذا أرادوا الخلاصَ والراحةَ النفسيَّة.
لكنَّ معرفةَ القواعد الروحيَّة العامَّة المُشتركة إذا لم تُرافقها معاييرُ للتمييز بين القِيَمِ الروحيَّة والقِيَمِ المادِّيـَّة، وبين الحقِّ والباطل، والخيرِ والشرّ، فإنَّها تصبحُ لدى الناشئة كمالٍ مُذَّخَر، وصاحبُه جائعٌ عريان، لا يعرفُ كيف يشتري طعامًا وثيابًا ولا ماذا يبتاع. ولِذا وجبَ تعليمُ الناشئة المعاييرَ السليمة للتمييز الصحيح.
أَ- معاييرُ التمييز بين القِيَمِ الروحيَّة والقِيَمِ المادِّّيـَّة
في التعاليم الداهشيَّة أنَّ الإنسانَ مجموعةٌ من السيّالات الروحيَّة التي هبطَت، بسببِ عدم تقيُّدِها بالأوامر الإلهيَّة، من العوالم الروحيَّة السعيدة المجيدة التي كانت ترتعُ فيها في الأزَل. هذا الهبوط حصلَ تدريجيًّا، وكان آخرُه السقوطَ في جنَّة عَدْن. فإذا عرفنا أنَّ الغايةَ المُثلى من الحياة هي بَذْلُ جميع الجهود للعَودة إلى الأصل الإلهيّ، أصبحنا نعرفُ أنَّ كلَّ ما يُساعدُ أو يُعجّلُ في تلك العودة هو من القِيَم الروحيَّة. فالحبُّ، مثلاً، بقدر ما يكون روحانيًّا قائمًا على التضحية من أجل المحبوب والاهتمام بخيره الروحيّ، يكونُ من القِيَم الروحيَّة؛ وعلى نقيضِ ذلك بقدرِ ما يُمسَخُ شهوةً جسديَّةً صرفًا هدفُها المُتعةُ الآنيَّةُ السريعةُ الزوال، يكونُ من القِيَمِ المادِّيـَّة. والعطاءُ بقدرِ ما يكونُ عن عفويَّةٍ نابعًا من الرحمة ومحبَّة الإنسان لأخيه الإنسان، يكونُ من القِيَمِ الروحيَّة، وبقَدرِ ما يكونُ للشهرة والتباهي أو تخفيفًا للضرائب، يكون قيمةً مادِّيـَّة. والمعرفة بقَدرِ ما تكونُ غايتُها السموَّ بالنـزعات وترقيةَ العقلِ وتوسيعَ آفاقه من أجل خدمةِ البشريَّة واكتشافِ عظمة الله في خَلقِه، تكونُ قيمةً روحيَّة، وبقَدرِ ما يكونُ الهدفُ منها استزادةَ الثروة ومعرفةَ أساليب التسلُّط على الناس وتمجيدَ النفس، تكونُ قيمةً مادِِّيـَّة. والجهادُ بقَدرِ ما يكون من أجل خدمةِ شخصٍ أو حزبٍ أو قضيَّةٍ سياسيَّة أو طائفيَّة، يكون قيمةً مادِّيـَّة، وبقَدر ما يكون في سبيل نُصرة قضيَّةٍ إنسانيَّة أو دينيَّةٍ نبَويَّة أمرَ بها وَحيٌ إلهيّ، يكون قيمةً روحيَّة. ولا حاجةَ لمزيدٍ من التفصيل في هذا المجال، لأنَّني أَسهبتُ الكلامَ على ذلك في حلقاتٍ سابقة تناولتُ فيها الارتقاءَ الروحيّ.
ب- معاييرُ التمييزِ بين الخيرِ والشرّ، وبين الحقِّ والباطل
في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة نفسِها يُمكنُ وَضعُ معاييرَ للتمييز بين الخيرِ والشرّ، كما بين الحقِّ والباطل. مثالُ ذلك أنَّ مُساعدةَ إنسانٍ تائهٍ خيرٌ، لأنَّها تنطوي على محبَّةٍ ورحمة؛ أمَّا مُساعدةُ مُجرمٍ هاربٍ من يَدِ العدالة فشَرٌّ، لأنَّها تشجيعٌ على الإجرام ومُشاركةٌ غيرُ مُباشرة فيه. والعملُ على تأليفِ القلوبِ المتباعدة خيرٌ، لأنَّه ينبع من المحبَّة؛ أمَّا العملُ على الفتنة بين الأصدقاء فشَرٌّ، لأنَّه ينبعُ من البغضاء. واستخدامُ وسيلةٍ شرِّيرة من أجل تحقيق غايةٍ شريفة شَرّ ؛ أمَّا استخدامُ وسيلة شريفة من أجل غايةٍ شريفة فخير.
كذلك التمييزُ بين الحقِّ والباطل. مثالُه أنَّ الاهتمامَ بكلِّ ما يُرقِّي عقلَ الإنسان أو نزعاتِه من معارفَ واختبارات هو حقّ؛ أمَّا كلُّ ما يُقهقرُ عقلَه أو نزعاتِه من معارفَ واختبارات فهو باطل. فالموسيقى الراقية، كموسيقى الكلاسيكيِّين، هي حقٌّ، لأنَّها خيرٌ لقوى الإنسان الإدراكيَّة والنـزوعيَّة؛ أمَّا الموسيقى الصاخبة التي لا تُخاطبُ إلاَّ الغرائزَ السفليَّة لتستثيرَها فهي باطل. وإدمانُ مُطالعةِ الكتُبِ الإنسانيَّة الرائعة حقٌّ، لأنَّها توسِعُ آفاقَ العقل وتسمو بالعواطف؛ أمَّا مُطالعةُ الكُتبِ والمجلاَّت الإباحيَّة وإدمانُ النظر إلى المشاهد الخلاعيَّة، صورًا كانت أم أفلامًا، فهو باطل، لأنَّه يُضيِّقُ عقلَ الإنسانِ ويحصرُ اهتمامَه في بُؤرةٍ دنيئة، ويُسقِطُ سيَّالاتِه.
ج- الأهمِّـيَّةُ البالغة لإيقاظ الضمير
من مأثورات الفيلسوف الألمانيّ كانْط: “شيئان يملآن عقلي إعجابًا وخشوعًا: السماءُ الساطعة نجومُها فوقي، والقانونُ الخُلُقيُّ داخلي.” إنَّ القانونَ الخُلُقيَّ كائنٌ في عقل كلِّ إنسان. ولولاه، ولولا إرادةُ الإنسان الحُرَّة، لَما كان ثوابٌ أو عقاب. فمن واجبات المُربِّين في البيت والمدرسة أن يوقِظوا ويُعزِّزوا صوتَ هذه الشريعة الإلهيَّة في ضمير كلِّ ولَد. كما من واجبهم أن يدفعوا الناشئة إلى اتِّخاذ موقفٍ خُلُقيٍّ ناقدٍ مُحلِّل لأعمالهم كما لأحداث التاريخ الماضية والمُعاصرة. عليهم أن يُعلِّموا الأحداثَ أن يكونوا قُضاةً خُلُقيِّين يُصدِرون أحكامَهم على الأعمال والأحداث، لا مُجرَّدَ تلاميذ يتلقَّون المعرفة رُكامًا يُزادُ على رُكام. هل للحروب، مثلاً، مُبرِّرٌ خُلُقيّ إن لم تكُن دفاعًا عن النفس؟ متى تكون التكنولوجيا خيرًا، ومتى تكونُ شرًّا؟ ما هي حدودُ العلاقات بين الجنسَين؟ ولماذا؟ ومرحلتا الصِّبا والمُراهقة تكونُ فيهما النفسُ مُنفتِحةً على كلِّ جديد، وتائقةً إلى إيجاد الأجوبة لمئات الأسئلة التي تشغلُها. فبقَدر ما تكون الأَجوبةُ موقِظةً لضمير التلميذ في هاتَين المرحلتَين، مُعزِّزةً للجانب الفاضل منه، تكون التربيةُ القويمة قد أصابت هدفَها، والتلميذُ قد تزوَّدَ بما يُساعدُه في بناء حياةٍ فُضلى.
إنَّ إرشادَ الناشئة وتوجيهَها إلى القِيَمِ الروحيَّة كما إلى التمييز بين الخير والشرّ، وبين الحقِّ والباطل، من الواجبات التربويَّة في الداهشيَّة. وإنَّه لَخطأٌ فادِح أن نتركَ الناشئةَ يشبُّون خُلُقيًّا وسلوكيًّا على هواهم بحُجَّةِ أنَّ ذلك من حقوقهم في حُرِّيـَّة التعبير عن أنفسهم مثلما يذهبُ كثيرون من واضعي السياسة التربويَّة الحديثة في الغرب. فقد رأينا عواقبَ هذه الفلسفة التربويَّة التي سادت السياسةَ التعليميَّة في الغرب منذ أواخر السبعينيَّات: انحلالاً خلُقيًّا خطيرًا، وتفسُّخًا عائليًّا واجتماعيًّا، وفسادًا مُستشريًا. في أساس كلِّ ذلك مادِّيـَّةٌ مُتعاظمة وإلحادٌ مُتفاقم. وهذا ما استشرفَه مُؤسِّّسُ الداهشيَّة منذ عشرين سنة إذْ قال: “الدينُ أصبحَ لديهم خُرافةً مُضحكة، والقِيَمُ الروحيَّةُ ضلالاً شائنًا، والتمسُّكُ بالفضيلة سخافةً تافهة.”[23]
ومِمَّا يبعثُ العزاءَ في نفس التائق إلى ارتقاء الناشئة روحيًّا هو أنَّ نُخبةً من المُفكِّرين والباحثين التربويِّين باتوا مُقتنعين بضرورة وَضعِ قواعدَ روحيَّة عامَّة في التعليم التربويّ. أكتفي بذكر واحدٍ من أبرزهم هو الدكتور روبرت كولْز Robert Coles، الطبيب النفسيّ والعالِم الاجتماعيّ، والأستاذ في جامعة هارفرد، الذي نال جائزة بوليتزر Pulitzer المرموقة على سلسلته “أولاد الأزمة” Chidren of Crisis. ففي كتابه “حياةُ الأولاد الروحيَّة” The Spiritual Life of Children[24] يُظهِرُ أنَّه بعد دراسةٍ طويلة وخبرةٍ واسعة واستجوابِ عددٍ كبيرٍ جدًّا من الصغار الذين ينتمون إلى مختلف الأديان كما إلى عائلاتٍ عَلمانيَّة، وذلك في مختلف أرجاء العالَم، ولا سيَّما القارَّة الأمريكيَّة وأُوروبَّا والشرق الأوسط وإفريقيا، تأكَّدَ له أنَّه بالإمكان التفريق بين القِيَمِ الروحيَّة والتعليم الدينيّ الضيِّق المُتمسِّك بالحرفيَّة، أو بعبارةٍ أُخرى بين الروح والحرف وفقًا لِما أوضحَه بولس الرسول. وبناءً على هذا المفهوم بوُسع المُربِّين أن يجدوا قواعدَ روحيَّة مُشتركة لمُختلف المُؤمنين كما للعَلمانيِّين أنفسهم؛ ذلك بأنَّ نفوسَ الصغار توَّاقةٌ للأسئلة عن المجهول وعن الخير والشرّ، والأمراض والكوارث، والسعادة والشقاء، وإلى حصول أجوبةٍ عنها. وفي هذا الضوء وضعَ عدَّةُ أُدباء مُصنَّفاتٍ قَصَصِيَّة وشعريَّة تُمجِّدُ الفضيلةَ والقِيَمَ الروحيَّة، كـ”كتاب الفضائل”[25]الذي وضعَه وِليام بينيت W. Bennett، وزيرُ التربية السابق في الولايات المُتَّحدة، وسلسلة الأقاصيص التي صنَّفَها جاك كانفيلد ومارك هانسِن،[26] وقد بيعَ منها في خلال ثلاث سنوات سبعة ملايين نسخة؛ ومعظمُها مَبنيّ على مبادئَ روحيَّة عامَّة، وليس على عقائد دينيَّة مذهبيَّة. وقد استرعى انتباهي مقالٌ نشرَته حديثًا كريستينا هوف سومِرز C. Hoff Sommers، عُضوُ “معهد المساعي الأمريكيَّة” في مجلَّة “التقصِّي الحُرّ” Free Inquiry[27] العَلمانيَّة، تُدافعُ فيه دفاعًا مُستنيرًا قويًّا عن ضرورة جَعل الإرشاد التربويّ، في ما يتعلَّقُ بالخير والشرّ والحقِّ والباطل، في صُلب البرامج المدرسيَّة، مُذكِّرةً بأنَّ جون ستُوارت مِلْ J. Stuart Mill قد استثنى الأحداثَ في كلامه على الحُرِّّيـَّة، وهو المُدافعُ الأقوى عنها؛ ذلك بأنَّهم يحتاجون إلى خُبرات الكبار بل خُبرات الإنسانيَّة. وتختتمُ مقالَها بقولها: “إنَّ تَركَ الأولاد ’أحرارًا في اكتشاف قِيَمِهم‘ لا يختلفُ عن وضعِهم في مُختبَرٍ للكيمياء مملوءٍ بموادَّ قابلة للانفجار مع قولِنا لهم ’اكتَشِفوا بأنفسكم، يا أولاد، مُركَّباتِكم.‘ فلماذا سنُفاجَأُ، بعد ذلك، إذا فجَّرَ فريقٌ منهم أنفسَهم، وقتَلوا الذين حوالَيهم؟”
5- القواعدُ الفكريَّةُ السليمة
في الأوَّل من آب (أُوغسطس) 1945 كتبَ الدكتور داهش في مُذكِّراته: “حقًّا إنَّ العلمَ لا يعترفُ إلاَّ بالحقيقة الواقعة. إذًا فلنُردِّدْ قائلين: لِيسقُط الجهلُ، وليحيَ العِلم.” بهذه الكلمات البليغة القليلة حدَّد مُؤسِّسُ الداهشيَّة موقفَه الحاسم من الحقائق العلميَّة. ومنذ حوالى ثلاثة آلاف سنة مجَّدَ سُليمانُ النبيّ في أمثاله الحكمةَ والعقلَ والذكاءَ في تفهُّم الأُمور، لأَنها تُؤتي صاحبَها السلامَ وتَقيه المعاثر؛ ومِمَّا قاله: “إذا دخلَت الحكمةُ قلبَك وتنعَّمَت بالمعرفة نفسُك، يحرسُكَ حُسنُ التدبير، ويكونُ الفهمُ نصيرَك؛ فتـنجو من طريقِ الشرِّ ومن الناطقين بالأكاذيب…” (الأمثال 2: 10—12). ووردَ في القرآن الكريم: “يرفعُ الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلمَ درجات” (سورة المُجادلة: 11). والعلمُ هنا يعني المعرفة المُقترنة بالقِيَم الروحيَّة، أي الحكمة، وذلك قياسًا على قوله: “ولَقد آتَينا داوُدَ وسُليمانَ عِلمًا” (النمل: 15).
أَ- معاييرُ المنطقِ السليم
ليس صعبًا أن يتعلَّمَ الإنسانُ في حداثتِه استخدامَ المنطق السليم في تفكيره اليوميّ استنتاجًا واستدلالاً. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أنَّ الأحداثَ لا يتعذَّرُ عليهم تعلُّمُ العمليَّاتِ الحسابيَّة الرياضيَّة بالتدريج من حيثُ تعقيدُها، وهي مبنيَّةٌ على استخدام المنطق السليم، أدركنا أنَّ العمليَّاتِ الفكريَّة المنطقيَّة، وهي شبيهةٌ إلى حدٍّ بعيد بها، يُمكنُهم أن يتلقَّنوها أيضًا. وبما أنَّ هذا البحثَ لا يتَّسعُ للتفصيل، فإنِّي أكتفي بضربِ مِثالٍ إيضاحًا لذلك. فكثيرًا ما يتبادرُ إلى أذهان الأحداث أنَّ كلَّ ما له أجنحة فهو طائر. ولكن هل هذا صحيح؟ إنَّ كثيرًا من الحشرات لها أجنحة، ومع ذلك فهي ليست بطيور. والخفافيش لها أجنحة، ومع ذلك فهي ليست طيورًا، بل من الثَّديِيَّات (أي الحيوانات اللَبون). إذاً علينا أن نستثني الحشرات المُجنَّحة والخفافيش من الطيور؛ وهكذا تبدو المقدَّمة التي انطلقنا منها، وهي أنَّ كلَّ ما له أجنحة فهو طائر، غيرَ سليمة، وتستوجبُ التغيير. وهذا يقتضي أن نبحثَ عن الميزة أو الميزات الأساسيَّة الحاسمة التي تفصلُ الطيور عن غيرها من أنواع الحيوان. وبتتابُع الأسئلة وتقصِّي الميزات نصلُ إلى خاصَّتَين هما الريشُ (لا الأجنحة) ووَضعُ البَيض. وهكذا تُصبحُ المقدَّمة الصحيحة: كلُّ حيوانٍ ذي ريشٍ وأُنثاهُ تضعُ بيضًا هو طائر. وبناءً على هذه المقدَّمة يصحُّ القول: البطريقُ ذو ريش، وأُنثاهُ تضعُ بيضًا، إذًا فهو طائر. علمًا بأنَّ البطريقَ لا يطير.
هذا الأمرُ يقودُنا إلى ضرورةِ تعليمِ الأَحداث دقَّةَ تعريف الموجودات والصفات، وبصورةٍ عامَّة دقَّةَ تحديدِ مدلولات الكلمات التي يستخدمُها الناسُ يوميًّا. مَن هو الكريم؟ هل الذي يُعطي مُتسوِّلاً دولارًا هو كريم حقًّا؟ مَن هو الشجاع؟ هل الذي، إذا أحرجَهُ رفيقُه، يضرِبُه؟ مَن هو التقيّ؟ هل هو الذي يقصدُ الكنيسةَ أو الجامع؟ إنَّ تنشيطَ ذهن الحَدَث للتمييز بين الأَشياء، والأَعمال، والمدلولات، بمعرفة حقائقها، يُساعدُه كثيرًا في عدم الوقوع في الخَلطِ بين الصحيح والخطإ، والحقّ والباطل، والخير والشرّ.
من معايير المنطق السليم أيضًا معرفةُ استكشاف أسباب الأشياء والأحداث والأحوال وصولاً إلى السببِ الطبيعيِّ الأوَّل أو العلَّةِ الروحيَّة الأُولى. مِثالُه على الصعيد الطبيعيّ استكشافُ سلسلة الأسباب التي تُؤَدِّي إلى تكوين المطر؛ أو على الصعيد البشريّ استكشافُ سلسلة الأسباب التي أدَّت إلى حربِ لبنان، أو الحرب العالَميَّة، أو حادث سيَّارة. علمًا بأنَّ التعليمَ التربويَّ الداهشيَّ يصلُ دائمًا في استنباش الأسباب إلى علَّةٍ روحيَّة أُولى تكونُ المُسبِّبَ لمجرى الأسباب الطبيعيَّة.
إنَّ طرحَ الأسئلة في كلِّ عمليَّة فكريَّةٍ منطقيَّة، سواءٌ كانت تستهدفُ الوصولَ إلى استدلالٍ أو استنتاجٍ أو معرفة سلسلة الأسباب، يجبُ أن يكون تدريجيًّا من حيثُ التعقيدُ والصعوبة، ومُتزامنًا مع النُمُوِّ العقليِّ للأحداث. والأهمُّ في ذلك الاَّ تبقى المعارفُ التي يتلقَّاها التلاميذُ مُجرَّدَ معلوماتٍ يحفظونها، بل أن تُصبحَ موضوعًا للشكِّ والنقدِ والتحليل وإعادة النظر. فهذا النهجُ يُؤدِّي إلى تنميةِ الفكرِ المُبدِع، وبه تُستَبدَلُ أجيالُ البَـبَّغاوات أجيالاً نقَّادةً خلاَّقةً في فكرها.
ب – معاييرُ التمييز بين الحقائق العِلميَّة والعلومِ الكاذبة وما إليها
إنَّه لَمِمَّا يدعو إلى القلَق، بل الخجَل، ونحن على مشارف الألف الثالث، والعُلماءُ يقومون بإنجازاتٍ رائعة في مُختلف حقول المعرفة، تعاظُمُ القهقرى العقليَّة والتخلُّف المنطقيّ، وانتشارُ التصديق بالعلوم الكاذبة، كالباراسيكولوجيا والسحر، كما بالأوهام والأخاديع وحِيَلِ الشعوذة، انتشارًا بات غيرَ مُقتصِرٍ على البلدان المُتخلِّفة، بل عمَّ حتَّى البلدانَ الغربيَّة. ففي استطلاعٍ حديثٍ للطلاّب في فرنسا ظهرَ أنَّ سبعةً من كلِّ عشرة طلاّب لا يستطيعون التمييزَ بين الوقائع العلميَّة وحِيَلِ الشعوذة، مثلِ ادِّعاءِ يوري جيلر (المُشعوِذ الإسرائيليّ) أنَّه بقدرته العقليَّة غير العاديَّة يستطيعُ طَيَّ ملعقة يُمسِكُها بيَدِه لمدَّةٍ قصيرة؛ وكان الألمعيُّ الأمريكيّ جايمس رانْدي قد فضحَ حِيَلَه في كتابٍ خاصّ صدرَ عام 1982.[28] وفي الولايات المُتَّحدة الأمريكيَّة، رغمَ إبعاد “العلوم” الكاذبة، وبرأسها الباراسيكولوجيا عن الجامعات، فإنَّ وسائلَ الإعلام تُخصِّصُ لها فُسحةً تكاد تكون دائمة، وذلك لِما تدرُّه عليها إعلاناتُ الشبكة الهائلة التي تضمُّ مُحترفي الشعوذة ومَن يُسمُّون أنفسَهم Psychics من مكاسبَ ماليَّة طائلة.ُ[29]وإنِّي سأتناولُ هذا الموضوعَ بكلامٍ موجَز في نُقطتَـين يجبُ على المُربِّين إيضاحُهما للناشئة.
1- القوانينُ الطبيعيَّة والعلومُ الكاذبة
إنَّ الحقائقَ العلميَّة الأكيدة جزءٌ من القوانين الطبيعيَّة التي هي مظهرٌ محسوس من القوانين الروحيَّة التي أبدَعَتها المشيئةُ الإلهيَّة، أو بعضٌ من ثمار العقل النَيِّر الذي هو قبَسٌ من الله سبحانَه. ولا غَروَ أن يقولَ سُليمانُ الحكيم: “الربُّ بالحكمةِ أسَّسَ الأرض، وبالفَهمِ ثبَّتَ السماوات” (الأمثال 3: 19)؛ فالمُبدِعُ هو العقلُ السرمديُّ الكامل. ولِذا كان الدكتور داهش يحرصُ على تدريب أتباعِه، الصغار قبل الكِبار، على ضرورة اتِّخاذِ موقفٍ عقليّ مُشكِّك وناقدٍ ومُحلِّلٍ حيالَ كلِّ أمرٍ لا يقبلُه المنطقُ السديد أو تُفسِّرُه القوانينُ الطبيعيَّة، وعلى مُحاولةِ استكشاف الأسباب الكامنة وراءَه. وهذا الموقفُ المُشكِّكُ الناقد جعلَ الداهشيِّين، دون أكثر الناس، قادرين على التمييز بين العلوم الصحيحة والعلوم الكاذبة، كالباراسيكولوجيا والسِّحر، وبين الحقائق الصحيحة والأخاديع التي تنطلي على مُعظم الناس، سواءٌ كانت صادرة عن أُناسٍ يقومون بها باسم قِوًى خارقة فيهم ابتغاءَ المكاسب المادِّيـَّة، أم يصنعونها باسم الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ ابتغاءَ توسيع نفوذهم الدينيّ وابتزاز السُذَّج.
يقولُ آينشتاين: “إنَّ التنقيبَ العلميَّ يُمكنُه، بتعزيزه التفكبرَ السَبَـبيَّ والنظرةَ الشاملة، أن يُضعِفَ الإيمانَ بالخُرافات.”[30] إنَّ العلومَ الكاذبة، من باراسيكولوجيا (قراءة الفكر، ومعرفة الغَيب، والتأثير في المادَّة إلخ) إلى ادِّعاء استحضار الموتى ومُناجاة أرواحهم، إلى ادِّعاء التنويم المغنطيسيّ ـ جميعها فروعٌ من شجرة الجهل الباسقة التي تمدُّ جذورَها البعيدة في تُربةِ أوهامٍ قيَّدَت عقلَ الإنسان منذ سحيقِ الأزمنة، حينما كان البشرُ عاجزين عن رَبطِ أسباب الأحداثِ بنـتائجها، والنفاذِ إلى كُنهِ المظاهر الطبيعيَّة، فتوهَّموا وجودَ قوًى خفيَّة، بوُسعهم أن يُخضِعوها لتنفيذ أوامرهم إنْ خاطَبوها بالتعازيم والرُّقى والأحجبة وغيرها من الوسائل البدائيَّة التي ما تزالُ تلجأُ إليها، حتَّى في أوائل الألف الثالث، القبائلُ الإفريقيَّةُ البدائيَّة الراسفة في التخلُّف الفكريّ، كما يلجأُ إليها أُناسٌ في مُختلف الشعوب ما تزالُ عقولُهم تسكنُ الكهوف. هذه الأوهام التي ما تزالُ تستعبدُ عقولَ كثيرين من الناس هي ما يُسمَّى”سحرًا”. فالـ”سِّحرُ” أبو العلوم الكاذبة طُرًّا.[31]
ومع تقدُّم العلوم وارتقاء العقل اتَّخذَ السحرُ لدى المُخادعين والساذجين أقنعةً جديدة. فإذا بأُكذوبة التنويم المغنطيسيّ التي وُلِدَت على يَدَي فريدريك أنطون مِسْمِر A. Mesmer F. سنة 1768 تعمُّ بلدانًا كثيرة. وبعد أن خُزِيَ صاحبُها وطُرِدَ من كلِّـيَّة الطبّ ومن النمسا، حَلَّ التنويمُ الإيحائيُّ محلَّ التنويم المغنطيسيّ بعد أن مهَّد الطريقَ له خداعُ المُنوَّمين وغرورُ المُنوِّمين الذين أبَت عليهم كبرياؤهم الإقرارَ بتضليلهم، شأنَ الطبيب الفرنسيّ شاركو Charcot (1825-1893). وفي الآن نفسه ولَدَ اقترانُ الخداع لدى فئةٍ من الناس بالسذاجةِ لدى فئةٍ أُخرى ما سُمِّيَ بالـ”وِساطة الروحيَّة” في استحضار أرواح الموتى. ولمَّا فشلَ “العِلمان” المزعومان في دخول الجامعات والحصول على مُوافقة العُلماء، تحوَّلَ المُخادعون بدَعمٍ من السلطات الدينيَّة الكاثوليكيَّة إلى اختلاق ما يُسمَّى بالباراسيكولوجيا. أمَّا نتيجة هذه المُحاولة الأخيرة التي حاولَ أصحابُها أن يُضفوا عليها صبغةً علميَّة لزيادة إيهام الناس، فحسبي من التعليق عليها أن أذكرَ أنَّ مجلس البحوث القَوميّ National Research Council ، وهو الذراعُ التنفيذيَّة للأكاديميَّة القوميَّة للعلوم National Academy of Sciences بالولايات المُتَّحدة، وهي تضمُّ أكثرَ من 1500 عالِم بارز في مُختلف المجالات العلميَّةـ أصدرَ تقريرًا بناه على دراسة دقيقة غطَّت 130 سنة من مزاعم الباراسيكولوجيا، نفى فيه نفيًا قاطعًا وجودَ أيَّة طاقة فكريَّة أو نفسيَّة بشريَّة باستطاعتها السيطرة على الأشياء أو التأثير فيها أو كَشف المُستقبل أو غير ذلك من ادِّعاءات جماعات الباراسيكولوجيا.[32] وإذا كانت هذه حال مُدَّعي العلوم الكاذبة التي يجهدُ أصحابُها في إلباسها ثوبًا علميًّا، فكيف حالُ عشرات الملايين من المُشعوذين المُحترفين الذين يبتزُّون الجمهورَ الساذج في أوكارهم بمختلف بلدان العالَم كما على الإنترنيت! فمن أجل امتحان هؤلاء أفضلُ ما يُمكنُ عملُه، إن كان السؤال على الهاتف مثلما الحال مع آلاف السُذَّج بأمريكا، هو تغييرُ السائل لاسمه وإخفاءُ حقيقته ومُخابرة مُدَّعي المعرفة النفسيَّة من هاتفٍ لا يكون في منـزله. أمَّا إذا كان السائلُ سيُواجهُ المُدَّعي، فعليه أن يختلقَ أُمورًا كاذبة تتعلَّقُ به. فإذا كان مُتزوِّجًا، مثلاً، فليزعمْ أنَّه غير متزوِّج، وهو يبحثُ عن زوجةٍ مُناسبة؛ وإذا كان وحيدًا، فليزعمْ أنَّ له شقيقًا في بلدٍ آخر وهو قلِقٌ عليه لأنَّه لا يعلمُ عنوانَه إلخ. فمثلُ هذه الأسئلة تفضحُ مُدَّعي المعرفة الغيبيَّة والقوَّة النفسيَّة الخارقة. وقد سقطَ فيها جميعُ الذين جرِّبَهم الداهشيُّون وغيرُ الداهشيِّين مِمَّن كانوا يقصدون الدكتور داهش، فيفهم منهم أنَّهم يُصدِّقون أولئك المُشعوذين، فينصحُهم باتِّباع الطريقة الى ذكرتُها.
2- القوانينُ الطبيعيَّة والعجائبُ الكاذبة
في دراستي العلميَّة المنهجيَّة التي نقضتُ فيها العلومَ الكاذبة، والمنشورة في كتاب “أضواء جديدة على مُؤَسِّس الداهشيَّة ومُعجزاته الروحيَّة” (ص 107)، خلصتُ إلى القول: “إنَّ صانعَ المُعجزات إمَّا أن يكونَ هاديًا روحيًّا أو أن يكونَ كائنًا عُلويًّا غيرَ بشريّ. فإن كان هاديًا، فليس بقدرته البشريَّة يتنبَّأُ ويصنعُ الخوارق، بل الروحُ الإلهيُّ… الذي لا يخضعُ لنظام الطبيعة المادِّيـَّة ولقيود أبعادها المكانيَّة-الزمانيَّة هو الذي يقومُ بالخوارق تأييدًا لصحَّة الرسالة الروحيَّة ولمصدرها السماويّ؛ وإن كان كائنًا عُلويًّا غيرَ بشريّ، فهو يكون خاضعًا لنظام عالَمِه الطبيعيّ وليس لنظام الأرض، وقدرتُه ومعرفتُه تكونان خارقتَين بالنسبة إلى البشر.
وبناءً على ذلك لا يُمكنُ القولُ بالترجيح والاحتمال في صُنع الخوارق والنبوءات، تارةً تحصل وطورًا لا تحصل، تبعًا للظروف المُؤاتية. فإذْ ذاك نكون أمام إنسانٍ مُدَّعٍ يلجأُ إلى الحيلة والخداع فيقوم بأعماله المُخادِعة إن كان مُستَترًا بالظلام أو كانت الرقابةُ عليه شبهَ مفقودة، أو كان مُحاطًا بجَهَلة أو سُذَّجٍ من الناس، أو هو يمتنعُ عن إتيانِ أيِّ عملٍ يبدو “خارقًا”، إذا عاكسَته الظروف، مُبرِّرًا، إذْ ذاك، موقفَه السلبيَّ بأنَّ “الأرواحَ” تخاف من النور لأنَّها خجول(!) أو بأنَّ بين الحاضرين مَن تُعاكِسُ إرادتُه إرادةَ “مُستحضِر الأرواح” أو بأنَّ بينهم مُشكِّكين، إلى ما هنالك من تبريراتٍ واهية…”
وقد أجاب الدكتور داهش سائلاً عن إمكان التوفيق بين “حدوث الخوارق، الأمر الذي يُقِرُّه الدين، وثباتِ النواميس الطبيعيَّة، الأمر الذي يُقِرُّه العلم” بقَوله:
“التناقضُ يحصلُ حتمًا إذا نسبنا إلى أيِّ كائنٍ في هذا الكوكب قدرةَ المُعجزات، أي خَرق القوانين الطبيعيَّة التي تسودُه، لأنَّ النواميسَ يخضعُ لها هذا الكوكبُ بكلِّ موجوداته. كذلك إذا نسَبنا خَرقَ القوانين الطبيعيَّة التي تُسيطرُ على كوكبٍ آخر لكائنٍ ينتمي إليه. فإن قيل: تنبَّأَ فلانٌ من الناس يما سيحصلُ بعد عشرين يومًا لزَيدٍ أو عَمرو من أحداث، وصدَّقنا الخبَر، نكون قد وقعنا في التناقُض؛ ولكن إذا قيل: احتلَّ الروحُ النبيَّ إيليّا وجعله يتنبَّأُ بتفاصيل ما سيحدثُ لزَيد من الناس، بعد عشرين يومًا أو أكثر، لَما وَقعنا في تناقُض، لأنَّ ما يسري على البشر لا يسري على الروح. وفي الكتاب الكريم {وإنَّ يومًا عند ربِّكَ كألفِ سنةٍ مِمَّا تعدُّون} [الحَجّ: 47]. ومَن فهمَ نسبيَّةَ الأنظمة والأوضاع الكونيَّة فهمَ هذه الحقيقة…”[33]
(في العدَد المُقبِل: “النهجُ التربويُّ السليم وكيفيَّةُ تطبيقه”
[1] الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 14 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1992)، ص 100-101.
[2] Bruce Lloyd, «The Wisdom of the World: Messages for the New Millennium» in The Futurist, May-June 2000, pp. 42 & 45.
[3] الدكتور داهش: “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 81-85.
[4] الدكتور داهش: “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 112.
[5] الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 2 (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 7.
[6] الدكتور داهش:”الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 18 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1994)، ص 33.
[7] المصدرُ السابق، ص 83. كذلك يقول وهو يتأمَّل التماثيل المنصوبة إزاءَ مدخل قصر بطرس الأكبر بمدينة لينِـنغراد: “وأمام مدخل القصر نُصِبَت عشراتُ التماثيل الفنِّـيَّة المُذهلة، وجميعها مُوشَّاة بالذهب الخالص، وتنبثقُ المياهُ من أفواهها، فتُؤلِّفُ سمفونيَّةً بصريَّة لا مثيلَ لها.” (الدكتور داهش، “الرحلات الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 7، نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1990، ص 96.)
[8] الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، ص 29-36 (“الحُلم الهابط إلى أرض البشر”).
[9] الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 2، ص 73.
[10] Psychology Today, September/October 2000, p. 28.
Der Spiegel/World Press Review, January 2001, p. 45.
[11] الدكتور داهش: “ضجعةُ الموت أو بين أحضان الأبديَّة” (القُدس: مطبعة دار الأيتام السوريَّة، 1936)، ص 10.
[12] Jeffrey A. Margolis. Violence in Sports: Victory at what Price (Issue in Focus). Enslow Publishers, 1999.
[13] John C. Bridges. Making Violence Part of the Game: A Socio-Legal History of Violence in America Sport. Nova Kroshka Books, 1999.
[14] Stephen Carter. Integrity (New York: Basic Books/Harper Collins, 1996), pp. 153-170.
[15] Murray Sperber. Beer and Circus: How Big-Time College Sports Is Crippling Undergraduate Education. Henri Holt, 2000.
[16] Tom Loveless. «The Parent Trap» in WQ, Autumn, 1999, pp 36 & 37.
[17] الدكتور داهش: “مُذكِّراتُ يسوع الناصريّ، ص 47- 49.
[18] الدكتور داهش: “كلمات” ص 124.
[19] إيضاحُ هذا الأمر وردَ في الأجوبة الروحيَّة على أسئلة الوزير اللبنانيّ إدوار نون الـ 72؛ وقد ارتسمَت الأجوبة بطريقةٍ إعجازيَّة فوريَّة تحت الأسئلة (مخطوطة).
[20] ليس في ذلك ما يُعارضُ فَصلَ الدين عن الدولة في المُجتمعات الآخذة بهذا المبدإ إذا عُرِضت القواعدُ الروحيَّةُ العامَّة عَرضًا خُلُقيًّا تاريخيًّّا. وقد أشار كثيرون من الباحثين إلى هذا الحَلّ حسمًا للخلاف بين الفريق المُناصِر والفريق المُعارض بأمريكا.
[21] The Secular Humanist Bulletin, Winter 2000/2001, p. 5.
[22] الدكتور داهش: قطعة “كلمتي لعام 1982” في سلسلة “الرحلات الداهشيَّة حول الكُرَةِ الأرضيَّة”، المجلَّد 18، ص 401-403.
[23] المصدرُ السابقُ نفسه.
[24] Robert Coles. The Spiritual Life of Children. Boston: Houghton Mifflin Co., 1990.
[25] William Bennett, Ed. The Book of Virtues: A Treasury of Great Moral Stories. New York: Simon and Schuster, 1993.
[26] Jack Canfield & Mark Victor Hansen, Editors. Chicken Soup for the Soul: 101 Stories to Open the Heart and Rekindle the Spirit. Health Communications, 1995.
[27] Free Inquiry, Winter 2000/01, p. 12.
[28] James Randi. The Truth About Yuri Geller. Buffalo, N.Y.: Prometheus Books, 1982.
أنظر أيضًا ما كتبتُه عن فَضح حِيَلِ يوري جيلر في كتاب “أضواء جديدة على مُؤسِّس الداهشيَّة ومُعجزاته الروحيَّة مع فَضحٍ ونَقضٍ للعلوم الكاذبة ولمزاعم روجيه الخوري الباراسيكولوجيَّة”، بيروت، 1997. والكتاب وضعتُه بالاشتراك مع الدكتور ملحم شُكر والأستاذ المُحامي فارس زعتر.
[29] حسبي أن أُشيرَ إلى أنَّ شبكة المُشعوذين المعروفين بالـPsychics أنفقَت ملايينَ الدولارات على إعلاناتها في القناة الإخباريَّة العالَميَّة المعروفة بالـ CNN، وذلك بين عام 1997 وعام 2000. وهي تقوم بالدعاية الواسعة لها على الإنترنيت من خلال عدَّة مواقع، منها: The Psychic World Network و PsychicCenter.Net.
[30] Albert Einstein. Comment je vois le monde. Trad. de l´allemand (Flammarion, 1963), p. 210.
[31] راجع سلسلة “نقدُ السحر وفَضحُ أساليب الشعوذة” التي نشرتُها تِباعًا في الأعداد الخمسة من مجلَّة “بروق ورعود” الصادرة في بيروت عام 1968.
[32] The Skeptical Inquirer, Vol. 13, No. 1, Fall 1988, pp. 34-45.
من أجل مزيدٍ من التفصيل في نَقضِ مزاعم الباراسيكولوجيا، يُمكنُ مُراجعة كتاب “أضواء جديدة على مُؤسِّس الداهشيَّة ومُعجزاته الروحيَّة مع فَضحٍ ونَقضٍ للعلوم الكاذبة ولمزاعم روجيه الخوري الباراسيكولوجيَّة”.
[33] “بروق ورعود”، عدد 23/6/1968، ص 343-344.
التنشئةُ القويمة في المفهومِ الداهشيّ (3)
النَّهجُ التربويُّ السليم
بقلم الدكتور غازي براكْس
في الحلقتَينِ السابقتَين أوضحتُ، أوَّلاً، القواعدَ الأساسيَّة التي تقومُ عليها التربيةُ القويمة. هذه القواعدُ تصونُها المحبَّةُ الصادقة التي يجبُ أن تشدَّ أَواصرُها الأَبَوَين إلى أولادهما؛ وهي تتمثَّلُ في بُعدَين: الأوَّل ضرورةُ معرفة الأَبوَين لحقيقة الولَد النفسَجسميَّة التي هي امتدادٌ لمعظم خصائص الأَبوَين المادِّيـَّة والروحيَّة، وبالتالي ضرورةُ إدراكهما لتفاوُت أولادهما في مداركهم واستعداداتهم ونزعاتهم لكي يُحسنا التصرُّفَ معهم؛ والثانـي وجوبُ تحمُّلِ الأَبوَين لمسؤوليَّة تربية أولادهما منذ حبَلِ الأُمِّ بهم حتَّى اكتمالِ مُراهقتهم. كذلك تصدَّيتُ لتربية النـزعات في الطفل تربيةً سليمة بتنمية ما هو راقٍ منها، من جهة، ولا سيَّما الصدقُ في الكلام وحُسنُ التعامُلِ مع الآخرين، وتعزيزُ الشجاعة، والمحبَّة، والنزعةُ الغَيريَّة (الشفقة والإحسان وإيثار الخَير العامّ)، ومن جهةٍ أُخرى، بتنميةِ العادات الحسنة التي من أَهمِّها الصلاة، وبكَبحِ العادات الرديئة التي من أبرزها الكذبُ وإدمانُ المُسكِرات والمُخدِّرات. ثمَّ أَوضحتُ مضامينَ المنهجِ التربويِّ السليم وفقَ النظرة الداهشيَّة؛ وهو يُؤكِّدُ ضرورةَ الثقافة الإنسانيَّة المُتعدِّدة المجالات التي تهتمُّ بالقِيَمِ الإنسانيَّةِ في الروائع الخالدة، ويُبرِزُ أَهمِّـيَّةَ تعليم الفنون بمختلف أَنواعها، وضرورةَ وضعِ حدودٍ للتربية البدنيَّة بحيثُ لا تتضخَّمُ على حساب النموِّ العقليّ. كذلك تناولتُ بالشرح القواعدَ الروحيَّةَ العامَّة التي يجبُ أن تكونَ في أساس التربية القويمة؛ وهي تشملُ معاييرَ التمييز بين القِيَمِ الروحيَّة والقِيَمِ المادِّيـَّة، ومعاييرَ التمييز بين الخير والشرّ وبين الحقِّ والباطل، وتُراعي الأهمِّـيَّةَ التربويَّةَ البالغة لإيقاظ الضمير في الناشئة. أخيرًا أوضحتُ القواعدَ الفكريَّةَ السليمة المُنطوية على معايير المنطق السليم كما على معايير التمييز بين الحقائق العلميَّة والعلوم الكاذبة وما إليها من أوهامٍ وأخاديع. وفي هذه الحلقة سأُعالجُ النهجَ التربويَّ القويم وفقًا للمفهوم الداهشيّ.
يتعذّرُ فصلُ البيئةِ البيتيَّة (والدِينَ وأولادًا) والبيئةِ المدرسيَّةِ (مُعلِّمين وتلاميذَ) عن النَّهجِ التربويِّ المُتَّـبَع. فالطريقةُ التربويّةُ تتأَثَّرُ إلى حَدٍّ بعيد بمَن يُطبِّقُها. ولعلَّها أَشبهُ بحَبكةِ مسرحيَّةٍ مُحدَّدةِ الشخصيَّات؛ فطبائعُ هؤلاء تُقيِّدُ، بصورةٍ ما، مجرى الأحداث وتفاعلَها، لكنَّ الحبكةَ تبقى خاضعةً لقدرة المُؤلِّف في حدود تلك الطبائع. والنهجُ التربَويُّ البَيتيُّ لا يقلُّ أهمِّـيَّةً عن النهجِ التربويِّ المدرسيّ. فالأَوَّلُ يضعُ الأُطُرَ الأُولى لنُمُوِّ الطفل وتفتُّحِ مواهبه وتوجيهِ أَخلاقه، والثاني يوسِعُ تلك الأُطُرَ مُتابعًا الاضطلاعَ بمَهمَّةِ التنمية والصيانة والتعهُّد. وسواءٌ طُـبِّقَ النهجُ الأَوَّلُ أو الثاني، يبقى للتعلُّم بالقُدوة الدورُ الأَوَّلُ في توجيه الأحداث وقولبة أخلاقهم.
أَوَّلاً- التعلُّمُ بالقُدوة
إنَّ اختباراتِ الحياة المودَعة كتُبَ الأُدباء والمُفكِّرين، والدراساتِ الحديثة التي قام بها عُلماءُ النفسِ والتربيةِ والاجتماع ـ جميعَها لَـتُؤكِّدُ أنَّ الصِّغار، ولا سيَّما في الطفولتَين الأُولى والثانية، يلتقطون التقاطًا سَمعيًّا وبصَريًّا كثيرًا مِمَّا يقولُه أو يعملُه الكبارُ، سواءٌ في البيت أم المدرسة، أو على شاشة السينما أو التلفزة. والخطيرُ في ذلك أنَّ ما يتلقَّونَه يتأَثَّرون به، فيُصبحُ من المُحرِّكات الديناميَّة (الواعية أو اللاواعية) لتصرُّفاتهم واتِّجاهاتهم ومواقفهم. فهم يتأَثَّرون بكيفيَّة تعايُشِ الكِبار مُسالَمةً أو مُشاكَسة، وبطريقةِ تخاطُبهم مُحاوَرةً أو مُشاتَمة، كما يتأَثَّرون بقِيَمِهم وميولهم ورغباتهم واهتماماتهم ومناهج حياتهم، سواءٌ أَنَزعَت مَنـزَعًا مادِّيـًّا أم روحيًّا، صالحًا أم طالحًا.
والكِبارُ المَعنيُّون هنا هم الآباءُ والأُمَّهات أوَّلاً، ثمَّ الأجدادُ والجدَّات، فالإخوةُ والأَخوات البالغون، وبعدهم الأنسباءُ المُساكِنون لِلأحداث أو المُلازمون لهم. ويلحقُ بهؤلاء، في الطفولةِ الثانية والمُراهقة، نجومُ الرياضة والغناء والأفلام والبرامج التليفزيونيَّة. ومسؤوليَّةُ وسائل الإعلام في هذا الصَّدَد كبيرة، وإنِّي سأتصدَّى لها في بحثٍ مُقبل. أمَّا في المدرسة فالاقتداءُ يتَّجهُ عفويًّا إلى المُعلِّم أو المُعلِّمة كما إلى الرفيق أو الرفيقة.
إنَّ أهمِّـيَّةَ القُدوة في التربية كانت واضحة لدى مُؤسِّس الداهشيَّة؛ فكثيرًا ما كان يُحدِّثُنا ونحن جُلوسٌ حوله كبارًا وصِغارًا عن سلوك غاندي المِثاليّ وجِهاده المُتواصل وقِيَمِه الروحيَّة، وغالبًا ما كان يوصي الآباءَ والأُمَّهاتِ الداهشيِّين الذين كانوا يُواظبون على زيارته بأن يقصدوه برفقةِ أولادِهم، فيتفهَّمَ الكبارُ الحقائقَ الروحيَّة والسلوكَ الداهشيَّ المُستقيم، ويحرصَ الصغارُ على الاقتداء بهم قدرَ ما يستطيعون، حتَّى إذا اشتدَّ عودُهم، اتَّكلوا على أنفسهم، وسَعَوا إلى فهمٍ أعمقَ للحقيقة التي زُرِعَت بذورُها في نفوسهم مثلما سعى ذَووهم. فالأولادُ يقتفون خُطى والديهم في مُعظم الأحيان.
أ- تأثيرُ البيئةِ البَيتيَّةِ في توجيه خُلُقيَّة الأحداث
سبقَ أن أَوضحتُ، في عددٍ سابق، العلاقةَ الوثيقةَ النفسَجسميَّة بين الأولاد ووالدِيهم وفقَ المفهوم الداهشيّ الذي بات عِلمُ الوراثة يُؤكِّدُه من حيثُ انتقالُ مُعظم الخصائص والسِّمات الجسميَّة والنفسيَّة من الأَبوَين إلى أولادهما عَبرَ الجينات (المُورِّثات) التي ترى الداهشيَّةُ في تشكُّلاتها الكيميائيَّة المظهرَ المادِّيَّ النسبيَّ في الكائنات الحيَّة للسيَّالات الروحيَّة الفطريَّة أو الموروثة.
غير أنَّ للبيئةِ البَيتيَّة أَيضًا تأثيرًا بالغًا في تكوين نفسيَّة الأطفال وتوجيه سلوكهم. وهذا التأثيرُ يتَّخذُ عدَّةَ مَناحٍ. فلتكوينِ العائلة وطريقةِ تأمين عَيشِها ونوعِ القِيَمِ التي تهتمُّ بها وكيفيَّةِ تعاطي بعضها مع بعض أَثرٌ لا يُستهانُ به في قَولبة نفسيَّةِ الأولاد وأخلاقِهم.
فالعلاقاتُ الزوجيَّةُ التي يسودُها التفاهمُ والتعاطفُ والاحترامُ المُتبادَل لا بُدَّ من أَن تُحدِثَ آثارًا إيجابيَّةً في نفوس الأحداث، خصوصًا في الطفولتَين الأُولى والثانية. أمَّا الطفلُ الذي يعيشُ في كنَفِ أُمٍّ من دون أَبٍ معروف، أَو في بيتٍ حدثَ طلاقٌ فيه بين الزوجَين، أو الذي يشهدُ مُشاجراتٍ مُتكرِّرة بين الوالدَين، فبصورةٍ عامَّة، لا بُدَّ من أن يشتدَّ فيه المَيلُ إلى العِداء والعُنف أَكثرَ مِمَّن ينشأُ في بيتٍ تجمعُ الأُلفةُ فيه الأَبَوين ويسودُه السلام. هذا ما أَكَّدَته دراساتٌ مُختلفة متوالية، ذلك بأنَّ المُعاناةَ التي يُكابدُها الطفلُ في الجَوِّ المشحون بالبُغضِ أو العُنف تزرعُ فيه بذورَ البغضِ والعنف نفسِهما، فينشأُ والديناميَّةُ السيِّئة الناشطة في وعيِه أو عقلِه الباطن تدفعُه إلى إعادة تمثيل دور الكراهية والعُنف الذي عانى مُشاهدتَه.[1]
إنَّ الولدَ الذي يدأَبُ على سماعِ أَبيه يشتمُ أُمَّه لن يردعَه نَهيُ والدِه له متى استبدَّ الانفعالُ به فاندفعَ بدَورِه يشتمُ شقيقتَه أَو والدتَه أو رفيقَه. فالتربيةُ الصالحة تكونُ بالقدوةِ الصالحة أَكثرَ مِمَّا بالوعظِ والإرشاد، أي “اعمَلْ مثلما أَعمل،” لا “اعمَلْ وفقًا لِما أَقولُ لك.” فالصغيرُ الذي يرى والدَيه يتعبان ويتأَلَّمان من أَجله وهما على وِفاق، يجهدُ في أن يتعبَ ويتأَلَّمَ من أجل أولاده وفي أن يكون على وفاقٍٍ مع قرينته، حينما يكبر.[2]
من الأُدباء الذين كان الدكتور داهش مُعجَبًا بهم الأديب الروسيّ الكبير لِيو تولستوي Leo Tolstoi (1828-1910). فقد سمعتُ رجلَ الروح، مرَّةً، يُثني على تحليله النفسيّ التربويّ ويروي له أُقصوصةً بعنوان “الجَدُّ الشيخُ والحفيد”، مفادُها أنَّ ابنَ الشيخ وزوجتَه لمَّا وجَدا الرجلَ الهرِمَ قد ساءَ بصرُه وسمعُه، جعلا يُقدِّمان إليه الطعامَ على حِدة. وذاتَ يوم قُدِّمَ الطعامُ له بكأسٍ واسعة، فسقطَت من يَدِه وتحطَّمَت. فأَخذَت الكنَّة تُدمدِم ساخطة، وأَعلنَت أنَّها ستُقدِّمُ الطعامَ له، بعد الآن، في طَست. وبعد فترةٍ غير طويلة شاهَدَ الزوجان طفلَهما يلعبُ ببعض القِطَعِ الخشبيَّة. فسأَلَه والِدُه: “ماذا تعملُ، يا ميشا؟” فأَجابه الصغير: “أَعملُ طستًا لتأكلا منه أنت وأُمِّي حينما تكبران.” فانثالت، حينئذٍ، دموعُ الوالدَين، بعد أن أدركا خطأَهما الفادح.[3]
لقد حرصَ الدكتور داهش على أن يُضمِّنَ كتابَه “ابتهالات خشوعيَّة” قطعةً بعنوان “صلاةُ الفجر” تدعو فيها الأُمُّ بُنَـيَّـتَها إلى أن تُرافقَها إلى المعبد للصلاة. فهو لم يكتفِ بِجَعلِ الأُمِّ تُرشِدُ صغيرتَها، بل جعلَها أيضًا تُلِحُّ عليها لِلاقتداء بها في قَصدِ المعبد ورَفْعِ الدُعاء والجُثُوِّ، والإنصاتِ لِلمُسبِّحين الساجدين، أي للاقتداء بالمَثَلِ الصالح.[4] فبهذه القطعة الخشوعيَّة جعلَ الدكتور داهش القُدوةَ الدينيَّةَ الصالحة رأسَ التربية القويمة. وعلى نقيضِ ذلك أظهرَ في قصَّة بعنوان “والدةٌ طاهرةُ الذَّيل وشقيقةٌ تقيَّة نقيَّة” تأثيرَ الأُمِّ السيِّئة في ابنتِها، إذْ تُغويها وتجرُّها إلى الرذيلة بينما تكون تُلقِّنُ ابنَيها دروسًا كاذبة في الفضيلة.[5]
ولا شكَّ في أَنَّ للمُحيطِ الثقافيِّ البَيتيِّ تأثيرًا بالغًا في نفسيَّة الأحداث لا يقلُّ أهمِّـيَّةً عمَّا للمُحيطِ المدرسيّ، ولا سيَّما في الطفولة الأُولى والثانية. فمَن ينشأُ في بيتٍ تعمرُه الثقافةُ غيرُ مَن ينشأُ في بيتٍ يأهلُه الجهل. والطفلُ الذي يرى أَبَويه يُخصِّصان وقتًا للمُطالعة المُفيدة كلَّ يوم غيرُ الطفل الذي ترتسمُ في عَينَيه صورةُ أَبيه مُنصرِفًا إل مُعاقرةِ المُسكرات ومُشاهدة البرامج التليفزيونيَّة التافهة. فلِلقدوة تأثيرٌ كبير في نفس الطفل. وقد وُضِعَت في ذلك كتُبٌ سيكولوجيَّة وتربويَّة كثيرة، كما أُجرِيَت استطلاعاتٌ تسبرُ تأثيرَ الجَوِّ البَيتيِّ في توجيه الأحداث وتكييفِ أخلاقهم ومدى اقتداء هؤلاء بآبائهم وأُمَّهاتهم، لعلَّ من أحدثِها الاستطلاعَ الذي رَعَته مجلَّة “تايْم” Time البارزة، في صَيف 1999، بالاشتراك مع “نيكيلوديون” Nickelodeon، قناة التلفزة الأمريكيَّة الخاصَّة بالأطفال. شملَ الاستطلاعُ 1172 حَدَثًا تتراوحُ أَعمارُهم بين السادسة والرابعة عشرة، وتتوزَّعُ مساكنُهم في 25 مدينة أمريكيَّة. وقد أسفرَ عن أَنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ يبقَون للأَحداث حتَّى الرابعةَ عشرة، وأحيانًا الخامسة عشرة، القُدوةَ الأُولى التي يتطلَّعون إليها في تصرُّفاتهم وآرائهم ومواقفهم، وذلك بنسبة 79 بالمئة.[6]
ب- تأثيرُ البيئة المدرسيَّة في توجيهِ خُلُقيَّة الأحداث
تركيزُ الداهشيَّة على بناء الإنسان الصالح بقدر بناء الإنسان الناجح أو أكثر يجعلُنا ننظر إلى العُنصرَين الرئيسَين في البيئة المدرسيَّة، أي المُعلِّم أو المعلِّمة والرفيق أو الرفيقة، نِظرةَ حذَر. فالصغيرُ سيخوضُ بحرًا مجهولاً تتلاطمُ فيه سيَّالاتُه (أي قواه الإدراكيَّة والنـزوعيَّة والإراديَّة) بسيَّالات المعلِّمين والتلاميذ. وسيكون مُعرَّضًا للتأَثُّر السيِّئ بها كما للتأثُّرِ الحسن. فكفاءةُ المُعلِّم الثقافيَّة التعليميَّة مهمَّة جدًّا، لا سيَّما إذا نظرنا إلى المدرسة كعاملٍ أساسيّ في مُساعدة التلاميذ على النجاح العمليّ في حياتهم، لكنَّ الأهمَّ ـ إذا عُنينا بالتربية القويمة التي تستهدفُ إيقاظَ الإنسان الفاضل وتعزيزَه في كلٍّ منهم ـ هو خُلُقيَّةُ المُعلِّم أو المُعلِّمة. فكم من تلميذٍ تلقَّى تربيةً صالحة في بيته، فأَفسدَه مُعلِّموه. إنَّ المسؤوليَّةَ التربويَّةَ المُلقاة على عاتقِ المُعلِّمين لَعظيمة، لأنَّ اقتداءَ الصغار بهم سَهل؛ ولِذا يفرضُ المنطقُ التربويُّ السليم على المسؤولين الإداريِّين كما على الأهل أنفسهم مُراقبةَ خُلُقيَّةِ المُعلِّمين وسلوكهم، لأنَّ عدواهم لتلاميذهم سريعةُ الانتقال. ومَن يُتابع أخبارَ المدارس التي تُذيعُها وسائلُ الإعلام يوميًّا لا يُمكنُه أن يطمئنَّ إلى الأجواء التي يعيشُ فيها كثيرون من التلاميذ. فإدمانُ المُخدِّرات، والانحرافُ الجنسيُّ، وعبادةُ الجسد، والاستسلامُ للشهوات الدُّنيَويَّة ـ وجميعُها مُنافية للمبادئ التربويَّة الداهشيَّة ـ من شأنها إذا استبدَّت بالمُعلِّمين أن تنقلَ عَدواها إلى تلاميذِهم، لأنَّ “النفسَ أَمَّارةٌ بالسوء”، والصغير سريعُ الاقتداء بِمَن يفوقُه عُمرًا وعلمًا وتجربة.
أمَّا العُنصرُ الثاني في البيئة المدرسيَّة (أعني الرفيقَ أو الرفيقة) فتأثيرُه يتعدَّى تأثيرَ المُعلِّم نفسه، ذلك بأنَّ عِشرةَ التلميذ للتلميذ تكادُ تكون دائمة وقد تمتدُّ إلى سنوات، واختلاطَه الحميمَ به واطّلاعَه على أساليب حياته الخاصَّة أقوى. وإذا كانت الديمُقراطيَّة قد جعلَت البشرَ مُتساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات، فهي لا تستطيعُ أن تُزيلَ الاختلافاتِ في درجات سيَّالاتهم الروحيَّة، وفي النـزعات الراقية أو الدنيئة التي فيها. ولِذا وجَبَ على الأهل الحريصين على خُلُقيَّة أولادهم أن يعرفوا مَن يُعاشرون، كما وجبَ على المسئولين في المدارس مُراقبةُ سلوك التلاميذ وتَدارُكُ انحرافاتهم قبل استفحالها وانتقالِ عدواها، سواءٌ أكانت في إدمان المُخدِّرات أم الشذوذ الجنسيّ أم المُشاكسة والعُنف. وفي الأعوام الأخيرة ظهرَت أمثلةٌ شديدةُ الدلالة على ما تُحدِثُه هذه الانحرافاتُ من أضرار في رِفاق التلمذة، لا سيَّما في مدارس الولايات المُتَّحدة.[7]
ثانيًا- النَّهجُ التَّربَويُّ السليم وفقَ المفهومِ الداهشيّ
بعد أن أوضحتُ تأثيرَ البيئتَين البَيتيَّة والمدرسيَّة في توجيه خُلُقيَّةِ الأحداث لِتعرُّضهم فيهما لأَثرِ القدوة الحسنة أو السيِّئة، بات التصدِّي للنَّهج التربَويِّ القويم غيرَ مُستَصعَب، علمًا بأنَّه لا يقلُّ أهمِّـيَّةً عن المنهاج التربَويِّ القويم الذي أوضحتُ مضامينَه في الحلقة السابقة.
أَ- عدالةُ المُعاملة المقرونة بالحُبّ
تنطلقُ الداهشيَّةُ من مبدإ العدالة الإلهيَّة لإيضاح موقفِها من قضايا كثيرة، بينها قضيَّةُ النَّهجِ التربَويِّ السَّوِيِّ في البيت والمدرسة. فما يزرعه المُربِّي في الطفل فإيَّاه يحصد. مَن يزرع في الأحداثِ قسوةً وعُنفًا بكيفيَّة مُعاملتِهم، فقسوةً وعُنفًا سيحصدُ عندما يكبرون، وربَّما تمرُّدًا وعُدوانيَّةً غالبًا ما يكونان نتيجةَ انفجارِ شعورٍ بالدونيَّة مكبوت منذ الطفولة مثلما أثبتَت دراساتٌ سيكولوجيَّة كثيرة. ولا ينجو إلاّ مَن كان مُستوى سيَّالاته الروحيَّة يُقاربُ مُستوى سيَّالاتِ المهاتما غانْدي. ومثلما للقسوةِ نتائجُ سيِّئة، فكذلك للتدليل والمُفاضلة بين الأولاد في البيت أو المدرسة عواقبُ وخيمة.
من كلمات الدكتور داهش: “القسوةُ الشديدة تأتي بنتائجَ لا نرضاها.”[8] ذلك مع العلم بأنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة هو مع سُلطة المُربِّين على الأحداث ـ وقد أوضحتُ ذلك في عددٍ سابق ـ لكنَّه ليس مع تسلُّطهم عليهم. فالسلطةُ علاقةٌ طبيعيَّة صحيحة بين القائد والمَقود، أساسُها الاستمالةُ بقوَّة الكفاءة والهَيبة لا بقوَّة الإجبار، من جانب، والإذعانُ طَوعًا بدافع المحبَّة والاحترام والواجب من جانبٍ آخر. والسلطةُ الحقيقيَّة لا تفتقرُ إلى تثبيتٍ ودَعم، لكنَّها تُقبَلُ عن رِضًى، وتُؤدِّي وظيفتَها بسهولة ونجاح. أمَّا التسلُّط فهو تعزيزٌ ودَعمٌ لسُلطةٍ مُعرَّضةٍ عادةً للمُقاومة والانهيار، بإجبارِ الأفراد على أن يخضعوا لها تحت الضغط والإكراه والتهديد بالعقوبة. وإذا كان من مزايا السلطة المُعافاة قوَّةُ الإرادة والثباتُ في الموقف والتماسُكُ في السلوك، فمن خصائص التسلُّط العُنفُ والعدائيَّةُ والغرورُ والتقلُّبُ في المواقف. والسلطةُ الحقَّة تعتبرُ الأوامرَ مُجرَّدَ وسيلة، وتحترمُ الأَشخاصَ المأمورين احترامًا كُلِّـيًّا، وتُعطي من ذاتها لأنَّها تصدرُ عن غِنًى في النفس وقوَّة، في حين أنَّ المتسلِّطَ يعتبرُ الأوامرَ غايةً بحدِّ ذاتها، إذْ إنَّها تُمثِّلُ له طمأنينتَه الداخليَّة الوهميَّة. فلِذا هو يرفضُ كلَّ نقاش أو حوارٍ حول تسلُّطه أو مواقفه، ويُهاجِمُ الآخرين خوفًا من أن يُهاجموه أو يحطُّوا قدرَه أو ينالوا منه. فالتسلُّطُ ملجأُ الضعيف يلوذُ به، لأنَّ في استضعافه أو تحقيره سواه ما يمنحُه وهمَ التفوُّق والقوَّة، لكنَّه لا يدلُّ على أنَّ المُتسلِّطَ ذو إرادةٍ قويَّة، بل على العكس. فإذا كانت السلطةُ المُعافاة ضروريَّةً للوالدِين ولسائر المُربِّين، لأنَّها تُساعدُ في إقامة النظام والتوجيه والاستقرار في الأُسرة والمدرسة، فإنَّ التسلُّطَ لا يخلو من عواقبَ وخيمة على الأولاد، إذْ إنَّه يُنشِّطُ، من جهة، نُموَّ الخجَل المرَضيّ والانطواءِ الاجتماعيّ والشعورِ بالدونيَّة فيهم، ومن جهةٍ أُخرى يكون عاملاً على تحويل تلك الأعراض، مع سياق الزمن، إلى نزعةٍ عُدوانيَّةٍ عامَّة. على أنَّ العواقبَ الوخيمة التي قد تُحدِثُها التربيةُ السيِّئة في نفسيَّة الولَد يُمكنُ أن تُلَطَّفَ بمقدار ما ينطوي الصغيرُ على سيّالاتٍ روحانيَّةٍ راقية.[9]
إنَّ تنبُّهَ الدكتور داهش إلى أنَّ القسوةَ الشديدةَ تُحدِثُ عواقبَ وخيمة في نفسيَّة الأحداث لا يعني أنَّه ليس مع التأديب والتهذيب متى يُقتَضى، ولكنَّه يجبُ أن يكونَ تأديبًا مُحِبًّا ناتجًا لا عن غرور الوالِدين أو المُربِّين وأنانيَّتهم أو استكبارِهم على الصغار، بل عن عاطفةٍ صادقة نحوهم ومحبَّةٍٍ لمصلحتهم وخيرهم؛ وهذا ما ينبغي أن يفهمَه الصغارُ حينما يلجأُ الكِبارُ إلى تأديبِهم. يقولُ الدكتور داهش: “تُكتَسَبُ القلوبُ بالمحبَّةِ والحنان”؛ كذلك: “ما أعظمَ قوَّةَ الحُبّ، وما أشدَّ فعلَه في القلوبِ الحسَّاسة!”[10]
لقد حصَّلَ الدكتور جيمس دوبسن J. C. Dobson ، أُستاذُ النمُوِّ الطفوليّ في جامعة جنوبيّ كاليفورنيا، خبرةً طويلةً عميقة في مجال اختصاصِه من جرّاء عملِه مع آلاف العائلات؛ ونتيجةً لخبرته المُميَّزة تلك استخلصَ قائلا: إنَّ الظروفَ التاريخيَّة والاجتماعيَّة قد تغيَّرَت من زمنٍ إلى آخر، “لكنَّ الأولادَ لم يتغيَّروا، ولن يتغيَّروا. وأنا الآن مُقتنعٌ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى بأنَّ مبادئَ التربية القويمة لا تتأثَّرُ بالزمَن، إذْ إنَّ مصدرَها هو خالِقُ الأُسَرِ ذاتُه. إنَّ المفاهيمَ المُلهَمة التي تضمَّنَها الكتابُ المقدَّس تناقلَتها الأجيال، وهي ما تزالُ صالحة للقرن الحادي والعشرين صلاحَها لأسلافنا.”[11]
إنَّ رأيَ دوبسن في أنَّ القواعدَ التربويَّة القويمة يجبُ أن يُبحثَ عنها في الكُتُب المقدَّسة، وبأنَّها تستهدفُ إصلاحَ الإنسان يتَّفقُ مع رأي الدكتور داهش. كذلك فهو يقفُ موقفَه من أنَّ الأحداثَ يجبُ أن يفهموا أنَّ الله مُحِبّ، لكنَّه عادل، والعدالةُ تقضي بأنَّ لكلِّ عملٍ جزاءَه. فالتساهُلُ الشديد في تربيةِ الصغار وتلبيةِ طلباتهم، والتغاضي عن انحرافاتهم الخُلقيَّة يُنتِجان عواقبَ وخيمة في معظم الحالات.[12]وقد قال سُلَيمان الحكيم في أمثاله: “أَدِّب ابنَكَ ما دُمتَ قادرًا، ولا تتأَخَّرْ لئلاَّ تفقدَه” (أمثال 19: 18).
إنَّ الأحداثَ، تبعًا للنهجِ التربويِّ الداهشيّ، يجبُ أن ينشأُوا وهم موقِنون بأنَّ التربيةَ العادلة التي يُنَشَّأُون وفقَها هي ظلٌّ لحقيقةٍ إلهيَّة كاملة عليهم ألاَّ يتناسَوها في حياتهم، وأنَّ حبَّ أهلهم او مُربِّيهم لهم هو الدافعُ الذي يحدو بهم أحيانًا إلى تأديبهم ببعضِ قسوة.[13]وشعورُ الولدِ بالعدالة في مُعاملتِه من قِبَلِ والدَيه أو مُعلِّميه يُريحُ نفسيَّتَه، ويُعطيه معنًى عمَليًّا لمعنى العدالة في التعامُل. وقد أكَّدَت الدراساتُ العلميَّةُ أنَّ حُسنَ سلوكه يتوقَّفُ، إلى حَدٍّ بعيد، على شعوره ذاك.[14]
إنَّ مبدأَ العدالة في التربية الداهشيَّة يُهدِّدُه موقفان قد يتَّخذُهما الوالِدون من الأولاد:
الأوَّلُ نَبذُ الولد من جرَّاء سوء سلوكه، أو عدم تمتُّعِه بالذكاء الكافي أو إصابته بإعاقةٍ ما. فالآباءُ والأُمَّهاتُ الذين ينبذون ولدَهم من أجل هذه الأسباب إنَّما ينبذون أنفسَهم وهم لا يدرون؛ فالولدُ، لا محالة، هو امتدادٌ لوالدَيه في أكثر السِّمات والاستعدادات النفسيَّة والجسميَّة التي يحملُها. ولَمَّا كان نُمُوُّ الصغير على اطمئنانٍ وصحَّة يقتضي رعايتَه بالعطفِ والحنان، فإنَّ نَبذَ والدَيه له يُؤدِّي إلى توتُّراتٍ نفسيَّةٍ فيه لُحمتُها الشعورُ بالحرمان وسَداها القلقُ العنيف، وهي توتُّراتٌ تعجزُ ذاتُه التي لَم تنضجْ بعدُ عن مُعالجتها وإزالتها. هذا الوضعُ النفسيُّ من شأنه أن يُجرِّدَ الإنسانَ المنبوذَ من احترامه لنفسه وثقتِه بها، وأن يبعثَ فيها شعورًا عامًّا بعجزِه، ونزعةً عدائيَّةً انتقاميَّة ضدَّ المجتمع. والأهمُّ أنَّ نَبذَ الولد، على الأخصِّ إذا حدثَ في طفولته الأُولى، يصرفُه عن التعلُّق بأُمِّه وأبيه، وبالتالي عن تنفيذ النواهي الخُلقيَّة الصادرة عنهما. وذلك نتيجتُه سيِّئة على بنائه النفسيّ، إذْ إنَّه غالبًا ما يُضعِفُ فيه الشعورَ بالغَيريَّة وسائر الميول الإنسانيَّة الراقية، ذلك بأنَّ ما يكتسبُه الصغيرُ من الإرشادات الخُلُقيَّة لا يقبلُه راضيًا ويتبنَّاه إلاَّ إذا صدرَ عن شخصٍ يُحبُّه ويميلُ إلى الاقتداء به. وقد أثبتَت الدراساتُ السيكولوجيَّة والتربويَّة صحَّةَ هذا الأمر.[15]
والموقفُ الخطيرُ الثاني هو تدليلُ الآباء والأُمَّهات لأولادهم، أي الإغضاءُ عن سيِّئاتهم، وإيلاؤُهم عنايةً وعطفًا مُبالَغًا فيهما، وتلبيةُ أيِّ مطلبٍ يسأَلونه، وغمرُهم بالعطايا المادِّيـَّة؛ وبعبارةٍ أُخرى تربيتُهم تربيةً شديدةَ التراخي، وعدمُ مُواجهتهم بالمبادئ الخُلقيَّة. فمِثلُ هذه التربية تُساعدُ في تنمية السيَّالات المُنحطَّة في الصغير، وتشحذُ ما فيه من رغباتٍ أنانيَّة، وتُعزِّزُ ميلَه إلى الغضب والعناد والمُشاكسة والتسلُّط وربَّما التخنُّث.[16] ومُؤسِّسُ الداهشيَّة كان مُناهِضًا شديدًا لتدليل الصغار، ومُشجِّعًا لتربيتهم على الخشونة ومزايا الفُتوَّة منذ حداثتهم. ولا غَروَ، فقد نشأَ هو في أُسرةٍ التزمَت المبادئَ الخُلقيَّة وصرامةَ العَيش.
ب- إحترامُ أشخاص الأحداث وآرائهم
إنَّ احترامَ أَشخاص الأحداث وآرائهم ما دامت غيَر مُنحرفة خُلُقيًّا أمرٌ واجب في التربية الداهشيَّة. وتنفيذُ ذلك يقتضي حِسًّا سيكولوجيًّا يُسهِّلُ مَهمَّةَ المُربِّي وفهمَه لطبيعة الولَد. ولئن يكن كثيرون من الأهل يفتقرون إلى هذا الحِسّ الجليل، فمن الضرورة القُصوى أن يتمتَّعَ المُربُّون، مُعلِّمين ومُعلِّمات، بهذه الملَكة الإدراكيَّة التي قد تُعوِّضُ عنها ثقافةٌ تربويَّةٌ خاصَّة يتلقَّونها قبل مباشرتهم التعليم. فهذه القدرة السيكولوجيَّة، سواءٌ أَكانت فطريَّة أم مُلقَّنة، تُساعدُ المُربِّي في اكتشاف طبائع التلاميذ وأمزجتهم ومواهبهم واستعداداتهم وأسباب مواقفهم وآرائهم، كما في حَلِّ كثيرٍ من المُعضلات التي قد تعترضُ التربية. وفضلاً عن الحسِّ السيكولوجيّ، على المُعلَّم ـ أو المُعلِّمة ـ ألاَّ يكتفيَ بأن يكون اختصاصيًّا في حقلٍ معيَّنٍ من المعرفة، بل أن يُدركَ مسئوليَّته كمُرشِدٍ أيضًا. ففي التعاليم الداهشيَّة أنَّ إصلاح الإنسان وهدايتَه يتقدَّمان إعدادَه لكي ينجحَ في حياته العمليَّة ويُحصِّلَ ثروةً كبيرة.
بَدءُ الإرشاد الصحيح يكونُ في تعليم المُربِّـين، أهلاً كانوا ام مُعلِّمين، لأولادهم أو تلاميذهم أن يحترموا أشخاصَ الآخَرين، وكذلك عقائدَهم الدينيَّة وثقافاتِهم وتقاليدَهم وعاداتِهم. فالتسامحُ ضرورةٌ إنسانيَّة في الداهشيَّة، إذا خلا منها شعبٌ استبدَّت به الأحقادُ ضدَّ الآخرين، وما لبثَت أن قرَضَت روحَ حضارته؛ ومَن يُمارس التسامُحَ صغيرًا، يرسخْ في نفسه كبيرًا.
كذلك يندرجُ في دَور الإرشاد أن يُصبحَ الأهلُ والمُعلِّمون شُركاءَ للأحداث في المعلومات التي يتلقَّاها هؤلاء من خارج بيوتهم ومدارسهم، كالمعلومات التي يُحصِّلونها من الإنترنيت ومحطَّات التلفزة؛ فذلك يُسهِّلُ على المُربِّي فَرزَ الصوابِ من الخطإ، والحقَّ من الباطل في تلك المعلومات التي باتت تُغرِقُ الأحداثَ بشلاّلها. وغَنيٌّ عن البيان أنَّ الحوارَ بين التلاميذ ومُعلِّميهم أو أهلهم ضروريٌّ ليشعرَ كلُّ صغيرٍ أنَّ له أهمِّـيَّةَ الكبار، فلا يُداخله أيُّ شعورٍ بالدونيَّة، ومن جهةٍ أُخرى لتدريبه على أن يستخلصَ بنفسه ما يجبُ استخلاصُه.
لقد ذكرتُ سابقًا أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة كان يُناصِرُ الإرشادَ والتأديبَ المُحبَّ اللطيفَ يُمارسُهما الأَهلُ والمعلِّمون، لكنَّه كان أيضًا مع نُمُوِّ الأحداث نُمُوًّا مُستقلاًّ في مداركهم واستعداداتهم ومواهبهم. وعلى الأهل، كما على المُعلِّمين، ألاَّ يتدخَّلوا إلاَّ في ما يخصُّ انحرافَ الولَد عن جادَّة الصواب، أي عن الحقِّ والخير والفضيلة.
موقفُ الداهشيَّة مَبنيٌّ على أنَّ لكلِّ ولدٍ قدراتِه الإدراكيَّة واستعداداتِه الخاصَّة؛ وكثيرون لديهم مواهبُ مُختلفة. وفي أصل القدرة الإدراكيَّة أو الاستعداد أو الموهبة سيّالٌ روحيّ يحتاجُ إلى التعبير عن نفسه وتحقيق ذاته. وإشباعُه يُشعِرُ صاحبَه بالرضى والمسرَّة، وعدمُ إشباعِه يُشعِرُه بالإحباط والكآبة. ولذلك من الأخطاء الفادحة إكراهُ الأحداث على الانصرافِ لنشاطٍ ذهنيٍّ معيَّن ليس فيهم موهبةٌ أو استعدادٌ فطريٌّ لأدائه. فما لا يُحبُّه الإنسانُ لا ينجحُ في أدائه ولا يجدُ مُتعة.
بناءً على هذا المفهوم الداهشيّ يجبُ تشجيعُ النُموِّ المُستقلّ لمواهب الأحداث واستعداداتهم من أجل أن تنشطَ سيّالاتُهم باتِّجاه التفكير الخلاّق والإبداع بدلَ أن تُفرَضَ عليهم الأفكارُ والأنماطُ التقليديَّة. وهذه الاستقلاليَّة في النُمُوِّ الذاتيّ جدُّ مُهمَّة لكي تستطيعَ السيّالاتُ العُلويَّة أو المُتفوِّقة بمواهبها أن تعملَ بحُرِّيـَّة، وتُعطيَ ثمارَها أصيلةً عفويَّة. أمَّا إذا ازداد ضغطُ البيت أو المدرسة او المجتمع على الولد بما يُفرَضُ عليه من تقاليدَ ومفاهيمَ واتِّجاهاتٍ معيَّنة، فإذْ ذاك يُقتَلُ فيه كلُّ إمكانٍ لانطلاقةٍ إبداعيَّة. ولذلك نرى المُجتمعاتِ الديمقراطيَّةَ الراتعة في حُرِّيـَّةِ التعبير والاعتقاد والمعنيَّة بأن تنموَ شخصيَّةُ الولد نُمُوًّا حُرًّا يكثرُ فيها الإبداعُ أكثرَ جدًّا مِمَّا في المُجتمعات القَمعيَّة والتسلُّطيَّة. وحسبُنا أن ننظرَ إلى المُجتمعات المُعاصرة وتفاوُتها في أنظمتها وأساليب التربية فيها لِتُطالعَنا براهينُ كثيرة تُؤكِّدُ هذه الحقيقة.
لكنْ إذا لم تكن سيَّالاتُ الصغير الروحيَّة تحملُ موهبةً ما، ولا ذكاءً مُمَيَّزًا، ولا ثقةً بالنفس توقِدُ فيه شعلةَ الطموح، فإنَّ كلَّ ما يُحيطُه به الأهلُ والمعلِّمون من عنايةٍ وتشجيعٍ وتربيةٍ مُريحةٍ للأعصاب لن يخلقَ فيه استعداداتٍ وقُدراتٍ للإبداع ليس لها كيانٌ في جيناته الفطريَّة. فإرغامُه، إذْ ذاك، على أن يُمارسَ نشاطًا ثقافيًّا ليس فيه استعدادٌ له ولا رغبة قد يأتي بمُضاعفاتٍ لا يرجونها. فالكَفُّ عن الإكراه في مِثل هذه الحال يفرضُه لا العطفُ على الصغير فحسب، بل احترامُ شخصيَّته. فالحبُّ وحده كالدفءِ الوَهميّ. فالأهلُ والمُعلِّمون إزاءَ الأولاد ليسوا كالخزَّاف الذي يُقولِبُ الخزَف؛ فللأولاد مداركُهم ونزعاتُهم واختياراتُهم الخاصَّةُ أيضًا. وهذا الأمرُ أيَّدته الدراساتُ العلميَّة.
فقدرةُ الأهل على التكهُّن بكيفيَّةِ النُموِّ النفسيِّ لأولادهم محدودةٌ جدًّا، إذْ كثيرًا ما تظهرُ أمراضٌ عقليَّةٌ في المُراهقة أو عُنفوان الشباب لا تلوحُ لها نُذُرٌ في الطفولة، أو تبرزُ موهبةٌ في الفترة نفسها لا تبدو بشائرُها في الصِّغَر. ولِذا فعلى عاتق المُربِّين مسؤوليَّةٌ خطيرة هي أن يُفسِحوا الفُرَصَ أمام الأحداث ليُنمُّوا تنميَةً حُرَّةً ما يكونُ كامنًا في سيَّالاتهم الروحيَّة من استعداداتٍ وقُدرات.[17]ولا يستتمُّ احترامُ المُربِّين لأشخاص الأحداث غايتَه، ولا يُدركُ الإرشادُ هدفَه إلاَّ إذا استطاع الأهلُ والمُعلِّمون أن يُراعوا أنواعَ الذكاءِ المُختلفة في الأولاد، بعد أن يستـنـبشوها في مُلاحظتهم لنشاطهم ورغباتهم. وكنتُ قد أوضحتُ أبعادَ العقل في الإنسان وفئاتِ الذكاء المُختلفة في عددٍ سابق؛ [18]وهذا لا يمنعُ التشديدَ على تنمية الذكاء الانفعاليّ الذي يستهدفُ قدرةَ التعامُل مع الآخرين، لأنَّه مفتاحُ النجاح في الحياة الاجتماعيَّة.[19]
ج-تمثُّلُ موادِّ التعليم والامتزاجُ الذهنيّ بحقائقها
لَمَّا كنَّا نُجالِسُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة، كنَّا نتطرَّقُ أحيانًا إلى أوضاع التعليم في البلدان العربيَّة، ونُقابلُها بما في البلدان الغربيَّة المُتقدِّمة. وذاتَ مرَّة خاطبَني الدكتور داهش قائلاً: “أَلا ترى بين المُستشرقين مَن يصرفُ عشرين سنة، وربَّما عُمرَه كلَّه، لِيُنتِجَ أَثرًا ضخمًا عن الحضارة العربيَّة أو الأدب العربيّ، مَدفوعًا بحُبِّه الاستطلاعَ وبرغبته الشخصيَّة المُلِحَّة لإنجازِ أَثرٍ جليل، بينما لا يهتمُّ بذلك أهلُ اللغة والحضارةِ أنفسُهم؟” ومن مُحادثتِنا استخلصنا أنَّ النهجَ التربويَّ ذو تأثيرٍ في توجيه الإنسان لا يقلُّ أهمِّـيَّةً عن تأثيرِ سيّالاته الروحيَّة. وقد ضربَ الدكتور داهش مثلاً على نتيجة النهج التربويِّ السلبيِّ الفاشل الآيةَ القُرآنيَّة:{ مَثَلُ الذين حُمِّلوا التوراةَ ثمَّ لم يحملوها كمَثَلِ الحمار يحملُ أَسفارًا} (سورة الجُمعة: 5)؛ ذلك بأنَّ الهدفَ الصحيحَ من التعلُّم ليس حِفظَ النصوص غَيبًا، بل تمثُّـلُها والامتزاجُ بحقائقها إدراكًا ووجدانًا. وإيضاحًا لذلك سأُعطي بضعةَ أمثلة سريعة مَبنيَّة على النظرة الداهشيَّة:
في دراسة علوم الطبيعة، مثلاً، من المُفيد أن يشعرَ التلميذُ وهو يتعلَّمُ خصائصَ النبات والحيوان والجماد ـ والأفضلُ أن يكون التعليمُ في مسرح الطبيعة ـ بالوحدة الجَوهريَّة بينه وبينها، وبالأواصر التي تشدُّه إليها. فجميع الموجودات تتمتَّعُ بسيّالاتٍ مُدركة، وإن يكُن على درجاتٍ مُتفاوتة، وقد يكون بينها ما ينطوي على سيّالٍ يتَّصلُ بالتلميذ مُباشرةً. ولِذا فالعطفُ على النبات والحيوان، ولا سيَّما الطير منه، أمرٌ واجب، والامتناعُ عن تلويث البيئة أمرٌ ضروريّ. وقد حفلَت كتاباتُ الدكتور داهش بوصفٍ وجدانيّ للطبيعة وبالتعاطُف معها. فدراسةُ علوم الطبيعة ـ حتَّى الفيزيائيَّة والكيميائيَّة منها ـ لا تُعطي الفائدة الإنسانيَّة المَرجُوَّة ما لم يكُن للتلميذ موقفٌ وجدانيٌّ منها. فذرَّاتُ الإنسان لا تختلفُ عن ذرَّات الطبيعة، وخلاياه لا تختلفُ عن خلايا النبات والحيوان. بل إنَّ جيناته لا تختلفُ عن جيناتهما إلاَّ في الأقلِّ الأقلّ. وعندما يُوافيه الموت، ينحلُّ جثمانُه لتعودَ عناصرُه “المادِّيـَّة” فتندمجَ بالطبيعة الأُمّ.
وفي قراءةِ النصوصِ الأدبيَّة ودراستها من المُفيد أن يُطلَبَ إلى التلميذ أن يستبطنَ نفسَه، فيُقابلَ أفكارَه ومشاعرَه ورغباتِه واتِّجاهاتِه بما يتضمَّـنُه النصُّ الأدبيّ، فيكون تواصُلٌ بين القارئ والأديب يُمهِّدُ الطريقَ لفَهمٍ أفضل وإفادةٍ أكبر للتلميذ. وهكذا لا يبقى النصُّ مُنفصلاً عن قارئه، ولا تقتصرُ الغايةُ من دراسته على فهمِه الجماليِّ أو فهمِ المُؤثِّرات الاجتماعيَّة فيه، بل يكونُ للمُثُلِ العُليا والقِيَمِ الروحيَّة والنـزعاتِ السامية المُنطوية عليها النصوصُ فعلُها الإيجابيُّ في نفوس التلاميذ أيضًا.
وفي دراسة التاريخ من المُفيد الإلحاحُ على السَّـبَـبيَّة الخُلُقيَّة التي وراءَ الأحداث، وعلى المغزى الروحيِّ من تقلُّب الدُوَل، ومآلِ الظُلم والاستبداد، وعواقب الجهل العلميِّ والانحلال الخُلقيِّ والفساد. ولي وِقفةٌ مَليَّةٌ عند هذا الأمر في بحثٍ مُقبِل.
وفي دراسةِ الجُغرافية البشريَّة والطبيعيَّة من المُفيد أن يتعرّفَ التلاميذ، بإشراف مُعلِّميهم، تعرُّفًا مباشرًا المعالِمَ الطبيعيَّة والعُمرانيَّة في وطنهم، بقَدر ما تُتيحُ لهم ظروفُهم، وأن يدرسوا دراسةً ميدانيَّة عاداتِ شعبهم وتقاليدَه ووجوهَ الحضارة فيه. فكثيرًا ما كنَّا نُجالِسُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة، بعد عودته من كلِّ رحلةٍ من رحلاته الكثيرة التي امتدَّت من عام 1969 حتّى 1983، فيُخبرُنا بانطباعاته التي كان يُدوِّنُها في سلسلة كُتُبِه المعروفة بـ”الرحلات الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة”. والمُهمُّ في ذلك، على الصعيد التربَويِّ، أنَّه كان ينصحُنا كِبارًا وصِغارًا بألاَّ نعتمدَ في استخلاص الوقائع على الآخرين، بل نجتهدُ في استخلاصِها بأنفسِنا. ويُعطينا مثلاً على ذلك كيف كان يعدُّ اللوحاتِ الفنِّـيَّة في كلِّ مُتحفٍ يزورُه، بل في كلِّ قاعةٍ من المُتحَف، وكيف أنَّ ما تعرضُه بعضُ الغاليريهات من رسومٍ لمشاهير الفنَّانين مُدَّعيةً أنَّها أصليَّة، يكتشفُ أنَّها مُجرَّدُ نُسَخٍ، وأنَّ الأصليَّة ما تزالُ في بعض المتاحف. كذلك كان يسألُ عن أسعار السِّلَع المُختلفة ويُدوِّنُها مُقارنًا إيَّاها بأسعارها في لبنان أو غيره من البلدان التي يزورُها، فيجدُ أنَّ ما يُشيعُه بعضُ السائحين ليس صحيحًا. أو يسألُ الناسَ عن آرائهم في أُمورٍ تهمُّه، فيستخلصُ أنَّها غيرُ ما يظنُّه الناسُ عامَّةً. وقُصارى القول كانت غايتُه من أحاديثه عن رحلاته أن يبثَّ فينا روحَ الاعتماد على النفس في تقصِّي الوقائع العائدة لعُمران البشر وأنظمتهم وسلوكهم وعاداتهم واقتصادهم وفنونهم وطبيعة أراضيهم.
د- تَنميَةُ الحِسِّ بالمسؤوليَّة الشخصيَّة
إنَّ تمييزَ الخير من الشرّ، والحقِّ من الباطل، والصوابِ من الخطإ، والقِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة من القِيَم الدُنيَويَّة والشخصيَّة، إذا لم يقترنْ به حسٌّ بالمسؤوليَّة السلوكيَّة الشخصيَّة، يُصبح صاحبُه كالمُتفرِّج على الأحداث، يعرفُ خيرَها من شرِّها، لكنَّه يُقدِمُ على ارتكابِ الشرّ من غير أن يشعرَ برادِعٍ يردعُه عن السوء. فالصغيرُ الذي يخلو من هَمِّ المسؤوليَّة الشخصيَّة قد يكذبُ ويُخادع ويسرقُ ويُؤذي، ويُكرِّرُ أعمالَه السيّئة حتَّى تُصبحَ عادةً فيه من غير أن يرتعشَ له ضمير.
فتربيةُ الصغير تربيةً سَوِيَّة تقضي بأن يُدركَ عاقبةَ كلِّ عملٍ يعملُه وكلِّ اختيارٍ يختارُه، وأنَّ عليه أن يتحمَّلَ مسؤوليَّةَ ما يفعلُه وما يختارُه. وتحمُّلُه لهذه التَّبِعة يوقِظُ فيه إدراكًا جليلَ الشأن، هو أنَّه يصنعُ مُستقبلَه وماجَريات حياته بإرادته. وهكذا يتدرَّبُ على أن يكونَ هو قائدَ سفينته، فلا يستسلم لإغراءات غيره، ولا يُسلِّّم قيادةَ حياته إلى سواه، ويتعلَّم أن يقول “لا” في وجهِ المُضلِّلين فلا ينقاد إلى عِشرةِ السوء.
والحِسُّ بالمسؤوليَّة، في التربية الداهشيَّة، لا يكون صحيحًا إلاَّ إذا قام على إفهام الصغير قواعدَ العدالة الروحيَّة التي تُجازي كلَّ عملٍ بمِثلِه، والتي من مبادئها أنَّ تسفيلَ الإنسان لنفسه يُعرِّضُه لمُختلف المصائب جزاءً وفاقًا، سواءٌ أَفي الحياة الراهنة أم في دورةٍ حياتيَّةٍ مُقبلة. ذلك بأنَّ مفهومَ التقمُّص يحتلُّ، في التربية الداهشيَّة، مكانةً خاصَّة. فالأحداثُ يجبُ أن يفهموا أنَّ أوضاعَهم الحاليَّة، وأوضاعَ أهلهم، صحِّـيَّةً كانت أم عقليَّةً أم اقتصاديَّة، إنَّما هي نتيجةُ أعمالهم ورغباتهم ومواقفهم في أدوارٍ حياتيَّة سابقة. فهم الذين صنعوا حاضرَهم، وهم الذين سيصنعون مُستقبلَهم بإرادتهم الحُرَّة. ولذلك، فإن يكُن لِلأنظمة السياسيَّة والاقتصاديَّة في البلدان التي يعيشون فيها بعضُ المسؤوليَّة في ما هم عليه، فهم أيضًا يتحمَّلون القسطَ الأكبر من تلك المسؤوليَّة، لأنَّ العدالة الإلهيَّة لا تظلمُ أحدًا. وفي القرآن الكريم {إنَّ الله لا يظلمُ مثقالَ ذرَّة} (سورة النساء: 40)، لكنْ بوُسعهم تغييرُ أوضاعهم بجُهدهم الشخصيّ، لأنَّ {الله لا يُغَيِّرُ ما بقَومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأَنفسهم} (سورة الرَعد: 11).
وفي التعاليم الداهشيَّة أنَّ ما من إنسانٍ إلاَّ فيه جانبٌ من الخير وإن يكن ضئيلاً. ولِذا يحسنُ التركيز، في سياق عمليَّة التنمية للحسِّ بالمسؤوليَّة الشخصيَّة في نفوس الأحداث، على الصفات الإيجابيَّة في أشخاصهم، وجَعلهم يقتنعون بأنَّ كلَّ إنسانٍ لا بُدَّ من أن تكونَ فيه مزيَّةٌ من المزايا، وأنَّ عليه أن يفتخرَ بهذه المَزيَّة ويصونَها. وهذا المنحى التربَويّ أصبح اتِّجاهًا سيكولوجيًّا جديدًا في التربية والعلاج النفسيّ مع بداية القرن الحادي والعشرين.[20]
كذلك يجبُ أن يُعَلَّمَ الأحداثُ أنَّ لِلقوى النفسيَّة تراتُـبًا أصليًّا، إذا استقام يُشيعُ السلامَ والطمأنينةَ في النفس، ويُساعدُ على ارتقائها. وهذا التراتُبُ يقضي بأن يكونَ للعقلِ الهَيمنةُ على عواطف الإنسان وانفعالاته في كلِّ أعماله واختياراته؛ فانهزامُ العقل أمام الانفعال والعاطفة هو الذي أسقطَ حوَّاء وآدم، وسبَّبَ طردَهما من الفردَوس الأرضيّ. فكلُّ صراعٍ بين العقل والرغبة أو الانفعال يجبُ أن يكونَ لمصلحة العقل، لأنَّه سراجُ الله في الإنسان ونبراسُ الحقِّ والفضيلة.
- 1. “From Spats to Brats” in Psychology Today, Sept./Oct. 1998; Trends in the Well-being of America’s children and Youth 1999 by Child Trends, Inc; The U.S. Department of Health and Human Services, 2000.
- 2. أنظر: Scott Peck. The Road Less Traveled (N.Y.: Simom & Schuster, 1978), pp. 21-26,), “The Sins of the Father”.
- 3. استعان الدكتور روبرت كولز بهذه الأُقصوصة لإظهار تأثير القُدوة في الأطفال بكتابه:
Robert Coles. The Moral Intelligence of Children (New York: Random House, 1997), pp. 10-11.
- 4. الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعيَّة (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 56-64.
- 5. الدكتور داهش: “قِصَص غريبة وأَساطير عجيبة”، الجزء الأوَّل (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 37.
“Incriminating Developments: Scientists Want to Reform the Study of How Kids Go Wrong”, in Science News, Sept. 5, 1998, pp. 153-155; Time, March 19, 2001, pp. 22-35.
- 8. الدكتور داهش: “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 121.
- 9. أنظرْ مثلاً تطبيقيًّا على التأثيرات التي يُحدِثُها التسلُّطُ الأبويُّ في الولَد، في دراستي “جبران خليل جبران في دراسة تحليليَّة –تركيبيَّة لأدبه ورسمِه وشخصيَّته (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1981)، القسم الأوَّل، وفي ما يُقابلُها من مُلحق الكتاب “دراسة جبران النفسيَّة في ضوء المبادئ الداهشيَّة”؛ ذلك مع العلم بأنَّ تأثيرَ التسلُّط الأبويِّ في نفسيَّة جبران لاقى له مُتنفَّسًا وإعلاءً في الأدب والرسم. ولو لم تُسعِفه مواهبُه وسيَّالاتُه العُلويَّة، لكانت العُدوانيَّة فيه اتَّخذَت لها طريقًا تمرُّديًّا عنيفًا آخر كما الحال لدى الملايين من الناس الذين ينشأُون في أجواء تسلُُّطيَّة.
- 1 الدكتور داهش: “كلمات”، ص 121 و130.
- 1 James C. Dobson, “Dare to Disciplie in the —‘90s” in Raising Them Right, Ed. Mike Yorkey (Colorado: Colorado Springs, 1994), pp. 3-15. See also: J. Dobson. The New Dare to Discipline, Tyndale House Pub., 1992.
- 1 يُفرِّقُ دوبسن، في المرجع السابق، بين أعمال الصغير التي تنشأُ عن الذهنيَّة الطفوليَّة، كتوسيخ الأرض، أو إضاعة بعض الأشياء، أو تحطيمها بسبب عدم الانتباه أو جهل طبائعها أو الفضول الدافع إلى اكتشافها، من جهة، وعصيان الأبَوَين وتحدِّيهما من جهةٍ أُخرى. فرفضُ الطاعة يجبُ ألاَّ يتجاهلَه الأهلُ برأيه. والطفلُ الذي بين السنة والنصف والعاشرة يجبُ أن يُؤدَّبَ على تمرُّده وفقًا لعُمره وإدراكه، على ألاَّ يحدثَ العقابُ الجسديُّ (الذي يجب أن يقتصرَ على الضرب على قَفا الصغير) إلاَّ نادرًا. غير أنَّ الضربَ، وإن يكن على القَفا، ناهضَه عدَّةُ عُلماء، بينهم الدكتور موراي شتراوس Murray Straus ، أستاذ علم الاجتماع في جامعة نيو هامشِر والمُديرُ المُشارِك لمختبَر أبحاث العائلة، والدكتور ديفيد كوهن David Cohen، أستاذ علم النفس في جامعة تكساس، وذلك لاقتناعهم بأنَّ الضربَ يزيدُ الشدَّةَ النفسيَّة في الصغار ويدفعُهم إلى حَلِّ مُشكلاتهم بطريقة العُنف.
- 1 سنَّت الولاياتُ المُتَّحدة قوانين تُلزِمُ المُربِّين والمُساعدين الاجتماعيِّين وغيرَهم أن يُعلِموا السلطاتِ المسؤولة بكلِّّ حادثٍ يظهرُ فيه استخدامُ عُنفٍ شديد أو إساءةُ تربية بحقِّ الأحداث. أنظر:
- Chalk & P. A. King, “Facing Up to Family Violence” in Issues in Science & Technology, Winter 1998-1999, pp. 39-46.
- 1 أنظر مقالاً في هذا الصَّدَد للدكتور مايْكل رِسنيك:
- Resnick, “The Simple Essentials of Great Parenting Today”, in Bottom Line Personal, May 1, 1998.
- 1 من بين هذه الدراسات الدراسة الرائدة التي قام بها سايموندس وتناولَ فيها 98 حالة عياديَّة. أنظر:
- M. Symonds. Diagnosing Personality and Conduct. New York: Appleton-Century Crafts, 1931.
- 1 أنظر: Robert Coles. The Moral Intelligence of Children, “The Spoiled Child”, pp. 66-68. See also: Nancy Samalin. Loving Your Child is not enough: Positive Discipline That Works. New York: Penguin.
- 1 أنظر: David B.Cohen. Stranger in the Nest: Do Parents Really Shape Their Child’s Personality, Intelligence, or Character? (N.Y.: John Wiley & Sons, 1999), pp.213-215
- 18. أنظر: “صوت داهش”، السنة الرابعة، العدد الرابع، آذار (مارْس) 1999، ص 11-13.
- 19. أنظر: Daniel Goleman. Emotional Intelligence (N.Y.: Bantam Books, 1996).. وقد قمتُ بمُراجعة للكتاب في “صوت داهش”، السنة الثانية، العدد الثالث، كانون الأوَّل (ديسمبر) 1996.
- 2 أنظر: Psychology Today, May/June 2000, pp. 32-37.
طريقُ الارتقاء الروحيّ
وفقًا لمَفهوم مُؤَسِّس الداهشيَّة
الارتداع عن الرذائل والشرور
بقلم الدكتور غازي براكْس
في أَعدادٍ سابقة من “صَوت داهش” أوضَحتُ مدلولَ الرقيِّ الروحيِّ وشروطَه وأبعادَه في مفهومِ مُؤسِّس الداهشيَّة. وخُلاصةُ ذلك أنَّ الرقيَّ الروحيَّ يعني رُقيًّا في مُجمَل النزعات والمدارك التي تشتملُ عليها السيَّالات، أَي تلك الوحَدات غير المحسوسة من طاقة الإنسان النفسيَّة. وهذا يقتضي:
أوَّلاً، أن تكونَ النَّزعاتُ ساميةً مبنيَّةً على القِيَمِ الروحيَّة التي هي ظلالٌ للحقائق الروحيَّة الخالدة الكائنة في عوالم الأَرواح القُدسيَّة، ومُنجذبةً إلى المُثُلِ العُليا التي يُمكنُ إجمالُ الرئيسة منها بالحقيقة، والعدالة (المُشتَمِلَة على الحرِّيـَّة والصدق في التعامل)، والعفَّة، والقناعة، والمحبَّة (المُشتمِلَة على عواطف الغَيريَّة والشَّفَقة والإحسان والتسامُح والتواضُع والتضحية). هذه المُثُلُ العُليا مصدرُها ثالوثُ الحقِّ والخَير والجمال المُتمثِّل في مُطلَقه السرمديّ بالقوَّة الموجِدَة، اللهِ عزَّ وجلَّ.
ثانيًا، أن يكونَ الإدراكُ راقيًا، أي واسعًا، شِبهَ شامل، ونافذًا إلى الأَسبابِ ونتائجها، وسريعًا في الربطِ بينها، ومُبدِعًا في حقلٍ، على الأَقلّ، من حقول المعرفة. وهذا نلقاهُ عادةً لدى العباقرة المُتمتِّعين بمواهبَ مُعيَّنة هي كنايةٌ عن سيَّالاتٍ عُلويَّةٍ تهبطُ من عوالمَ فردوسيَّة خاصَّة، فتقومُ بمهامَّ مُعيَّنة تُؤدِّي إلى تطوير الحضارة البشريَّة ودَفعِها صُعُدًا.
ثالثًا، أن تكونَ الإرادةُ راقية، أي تستمدُّ قوَّةَ حَسْمها من النزعات الروحيَّة والإنسانيَّة الكلِّـيَّة. وهذا الرقيُّ لا يستَوفي تمامَه إلاَّ بالتزام المُثُل العُليا، والتسلُّح بالعزيمة القويَّة والثقة بالله وبالنفس، والتدرُّع بالصبر والأَمل والثبات في الإيمان، والتحلِّي بالشجاعة المعنويَّة والإقدام على المُغامَرَة كما بالتحمُّل الواعي لمسؤوليَّة العمل.
هذا الرقيُّ الروحيُّ الشاملُ لمُجمَل قوى النفس أفضلُ ما نراهُ مُمَثَّلاً في الأَنبياء والرُّسُل والهُداة الروحيِّين الذين أحدَثوا تغييراتٍ بالغةً في مجرى التاريخ، ومَهَرَ كلٌّ منهم بطابَعِه الخَيِّر لا عصرَه وشعبَه فحسب، بل كثيرًا من العصور والشعوب.
فإذا كانَ هؤلاء القلائل همُ المُثُلَ العُليا في صُوَرِها المُجَسَّدَة بين البشر، وذُرى معارج الفضائل نحو الكمال الإنسانيّ، فما هي السبيلُ المُؤدِّيَةُ إليهم؟
الارتداعُ عن الرذائل والشرور
قبلَ أن يستطيعَ البشرُ البَدءَ في ارتقاء معارج الفضائل، وبالأحرى بلوغَ الكمال الإنسانيّ، عليهم أن يجتازوا المرحلةَ الأُولى التي لا بُدَّ منها، لئلاَّ ينزلقوا إلى ما دون الطبيعة الإنسانيَّة؛ وهي تقضي بارتداعهم عن مختلف أَنواع الرذائل والشرور، ولا سيَّما الظُّلم في جميعِ وجوهه، من قتلٍ واعتداءٍ على الشخص أو على حقوقه، وغيرِ ذلك مِمَّا انطَوَت عليه النواهي والمُحرَّمات التي نصَّت عليها الشرائعُ الدينيَّةُ أو المدَنيَّة. فما موقفُ مُؤسِّسِ الداهشيَّة من أبناء القرن العشرين في ضوءِ المُحرَّمات والنواهي؟
كتبَ الدكتور داهش وهو لمَّا يبلغ الرابعةَ والعشرين من عمرِه (1/4/1933):
فالحقيقةُ التي يجبُ أن تُذاع،
والتي لا يعتوِرُها أيُّ لَبْسٍ أو غُموض،
أنَّ البشريَّةَ قد أوغَلَت في الشرّ،
وانغمسَت بالأَعمال الدنيئة،
وخاضَت مُستَنقعاتِ الصغائر (…)
وأعتقدُ، بل أجزمُ وأُؤكِّدُ أنَّهُ لا عدالةَ في دُنيانا التاعسة،
بل ظلمٌ فادحٌ صارخٌ مِمَّا يأتيه البشرُ الأَدعياء…[1]
إنَّ التعاليمَ الداهشيَّةَ تُحظِّرُ إيذاءَ الآخرين مادِّيـًّا أَو معنويًّا، وترى فيه ظلمًا فادحًا يُجازى عليه مُرتكبُه جزاءً عظيمًا. وقد أعطَيتُ أمثلةً ممَّا أوضحَهُ الدكتور داهش في هذا الصَّدَد أوانَ بحثتُ في العدالة الإلهيَّة المبنيَّة على السَّببيَّة الروحيَّة والتقمُّص.[2]
فالإنسانُ الذي يستَسلمُ لطُغيانِ نزعاته الدُّنيا هو كالإنسان الذي يرفضُ إمارةَ العقلِ على تصرُّفاتِه. كلاهما يُسفِّلُ نفسَهُ إلى مستوًى دون الطبيعة البشريَّة السويَّة. من أجلِ ذلك يقولُ الدكتور داهش:
“تُحيقُ بنا نوبةُ جُنون، في بعض الأَحيان، فنغدو أقربَ إلى الوحوش منَّا إلى بني الإنسان.”[3]
بل إنَّه، في معرض رَدِّه على الدكتور محمَّد حُسَين هَيكَل، رئيسِ مجلس الشيوخ المصريّ، يُعلِّقُ على فقرةٍ قرأَها في كتابه “ولَدي” عن “أَنَّ الإنسانَ أَخوفُ ما يخافُ منه الإنسان” بقوله:
إنَّ خبرةَ الأَجيال أَكَّدَت ما ذهبتَ إليه… وهنا خطرَ لي قولُ الشاعر الضرير البصير القائل:
“عَوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عَوى
وصَوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أَطيــــرُ[4]
واستفظاعُ رجل الروح والخوارق للإيذاء جعلَهُ يبتهلُ إلى الله قائلاً عام 1936:
ربِّي، اجعَلني حمامةً وديعةً ضعيفةً يُعتَدى عليها، ولا تَجعَلني نَسرًا كاسرًا قويًّا يعتدي على مَن هم دونَه بالقوَّة.[5]
إِنَّ قتْلَ الإنسانِ حتَّى لو كانَ مُجرِمًا مُحرَّمٌ في التعاليم الداهشيَّة. فالله هو وحدَه مالكُ الحياة، ومالِكُ حقِّ استردادها. ولذلك يجبُ أَن يُستعاضَ عن قَتْل المُجرم، إذا كانَ خطيرًا أو يستحقُّ عقابًا عظيمًا، بسَجنٍ مُؤبَّد—أو لمُدَّةٍ طويلة—مقرونًا بالتعليم والتهذيب والإرشاد والإصلاح الروحيّ المُرافَق بإيضاح العدالة الإلهيَّة المَبنيَّة على السببيَّة الروحيَّة.[6]
وقاعدةُ تحريم القَتل لها استثناءٌ واحدٌ هو الدفاعُ عن النفس سواءٌ على صعيد الفرد أو الجماعة. ولذا فكلُّ حربٍ عُدوانيَّةٍ هي حربٌ ظالمة. أمَّا دفاعُ الشعب عن نفسِه وأرضِه، إذا تأكَّدَ له أنَّ أعداءَهُ سيُذلُّونَه ويغتصِبونَ أرضَه وخيراتِها، فهو “فرضٌ مُقدَّس” و“أمانةٌ قلَّدتها السماءُ أعناقَنا.”[7]
أمَّا الأَعمالُ الإرهابيَّةُ فهي مُنافية للتعاليم الداهشيَّة؛ وقد وردَ النفيُ صريحًا في رسالة الدكتور داهش إلى ماجْدا حدَّاد،[8] يومَ اعتزمَت أن تنتقمَ لاضطهاده وتشريده من قِبَلِ أنسبائها، فصمَّمَت على أن تُطلِقَ النارَ على بشاره الخوري، رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة الطاغية، وهو زوج خالتها.
وهذه هي الرسالة:
عزيزتي ماجْدا،
أيَّتُها الصديقة النبيلة، حيَّاكِ الله وأبقاكِ رمزًا للشهامة والإخلاص.
وبعد، فقد بلَغَني أنَّكِ تأثَّرتِ لفداحةِ ما أصابني على يَدِ زوج خالتِك بشاره الخوري من سَجْنٍ وتجريدٍ ونفيٍ وتشريد، بإيعازٍ من خالتِك وخالِك ميشال شيحا. ولم يكتفوا بذلك، بل طاردوا شقيقتي واضطهدوها، ثمَّ زجّوها في أعماق السجون، لأّنَّها أرسلَت إلى الشيخ بشاره برقيَّةً تسألُهُ عن مقرِّي كي تستطيعَ السَّفرَ حيثُ أُقيم. لقد جُنَّ جنونُه عندما حَكَمَ القُضاةُ عليها بالسَّجن مدَّةَ عشرة أيَّام، فاستَأنفَ عليها الحُكمَ بأمَلِ أن تُسجَنَ سنوات! فيا لَلظُّلم العظيم!
جميعُ هذه العوامل أثَّرَت بنفسيَّتِك وإحساسِك المُرهَف، فإذا بكِ تبعثين برسالةٍ صاخبةٍ مملوءةٍ بالتهديد والوعيد للشيخ بشاره وزوجته. ثمَّ صمَّمتِ على اغتياله انتقامًا لِما حَلَّ بي وبسُمعتِك شخصيًّا من تلكَ الأَكاذيب الحقيرة التي نشرَتْها جريدَتا “العمَل” و “الديار”، إذْ لفَّقوا التُهَمَ الدنيئةَ بإيعازٍ من بشاره ولور وخالك ميشال شيحا وهنري فرعَون.
والآن، إنَّني أبعثُ برسالتي هذه إليكِ كي أُنبِّهَكِ وأنهاكِ عن الإقدامِ على أيِّ عملٍ عِدائيٍّ ضدَّ الشيخ بشاره أو سواه. واعلَمي، يا عزيزتي ماجْدا، أنَّ الشيخ المُرتكب للجريمة سينالُ جزاءَه قريبًا، إذْ ستُكسَر يدُه كجزاءٍ روحيّ.
وسبَقَ لي أن تنبَّأتُ عن كَسرِ يدِه عندما زارَني إسكندر رياشي في منزلي وقال لي:
– إذا جرَّدَك بشاره الخوري من جنسيَّتِكَ بطريقة الظُّلم، فماذا سيكونُ موقفُك؟
فأجَبتُه:
– إذْ ذاكَ ستُكسَر يدُه التي سيُوقِّعُ بها المرسومَ من العُنُق.
وقد نشرَ إسكَندر رياشي نبوءَتي في جريدة “الصحافيّ التائه”، وذلك في العدد الصادر بتاريخ 20 شباط 1944.
وبما أنَّ بشاره الخوري جرَّدَني من جنسيَّتي فستُكسَر يدُه من العُنق وستتحقَّقُ نبوءَتي بحذافيرِها.[9]
وسيُجازى؛ أيضًا، روحيًّا، فيُصاب بخَبَلٍ وجنون.[10]
وفي النهايةِ سيطردُهُ الشعبُ من كرسيِّ حُكمه[11]، فيُغادره مُهانًا ذليلاً، مُنكَّسَ الرأس. وسيكونُ أوَّلَ رئيسٍ لبنانيٍّ يُطرَد بإجماع رغبة الشعب.
إنَّ في السماءِ عينًا مُراقِبَة تُجازي المُعتَدي الذي أنزلَ بي محنةً هائلةً دونَ ذنبٍ جنَيتُهُ أو جريرةٍ ارتكَبتُها.
أعودُ فأُكرِّرُ عليكِ الوصيَّةَ بأن لا تُقْدِمي على أيِّ عملٍ إرهابيٍّ لا أنتِ ولا أيّ أخٍ أو أُختٍ داهشيَّة…
أختمُ تحريري بتوديعكم بقلبٍ مملوءٍ بالشوق لمُشاهدتِكم. واسلَمي لِمَن لا ولن ينساكِ. والسلام.
في 15/1/1945
الدكتور داهش
والجديرُ بالذكر أنَّ هذا المنعَ للعمل الانتقاميّ الذي لا يوصي به إلاَّ مَن كانَ بمُستوى الأَنبياء والهُداة الروحيِّين أحدثَ تأثيرًا بالغًا في نفس ماجْدا حدَّاد، فنشبَ صراعٌ حادٌّ في نفسِها بين عاطفتِها وواجبها أشعلَ أعصابَها، وهدَّمَها، فأقدَمَت على الانتحار في 27/1/1945، ليكونَ موتُها صوتَ احتجاجٍ يُدوِّي في مسامع الرأي العامّ ضدَّ البُغاة الذين اضطَهَدوا مُؤسِّسَ عقيدتها.
ذلك هو موقفُ مُؤسِّس الداهشيَّة من شرور البشر المُتفشِّية والمُستَشرِيَة. فما هي الدوافعُ النفسيَّةُ التي تحضُّهم على ارتكاب مظالمهم ومُنكراتهم؟
الدوافعُ النفسيَّةُ للشرور
إذا تابَعنا ما تنشرُهُ وسائلُ الإعلامِ عمَّا يُرتَكَبُ من جرائمَ وفظائعَ في مُختلِف أرجاءِ العالَم، لَتَأَكَّدَ لنا صوابُ ما يُعلنُهُ الدكتور داهش من إيغالِ البشريَّةِ في الشرِّ والرذيلة. وبما أنَّ هذا الأَمرَ باتَ حقيقةً واضحةً فاضحة، فحَسبي أن أُورِدَ بيِّنَتَين: الأُولى أَنَّ القرنَ العشرين الذي انتشرَ فيه التمدُّنُ في أرجاء العالَم قاطبةً، وعمَّت وسائلُ الإعلام، وتكاثرَت الاكتشافاتُ والاختراعاتُ، وأُقيمَت الجامعاتُ في جميع البلدان- شهدَ حربَين عالَميَّتَين سقطَ فيهما عشراتُ الملايين من الضحايا؛ كما شهدَ في أُوروبَّا، أَرقى أَقطار الأرض، إحدى عشرةَ حربًا أُخرى بين دُوَلِها، وأَربعَ عشرةَ ثورةً أَو حربًا أَهليَّةً ارتُكِبَت فيها أَفظعُ المجازر، وكانت مجازر كوسوفو في صربيا آخرها. ولن أُعدِّدَ الضحايا في كلٍّ منها، فحسبي أَن أَذكرَ أَنَّ عددَ ضحايا الطغيان داخلَ الاتِّحاد السوفياتيّ وحده بين 1917 و1987 بلغَ حوالى عشرين مليون ضحيَّة.[12] أَمَّا البيِّنة الثانية فهي خُلاصةٌ لإحصاءات الجرائم التي جمعَها مكتبُ التحقيق الفِدرالي FBIفي الولايات المتَّحدة، عام 1996.[13] فالعامُ المذكورُ اعتُبِرَ الحدَّ الأَدنى في نسبة اقتراف الجرائم بأمريكا، بعد ستّ سنوات من انحدارها المتوالي. ومع ذلك وقعَت، في ذاك العام، 19645 جريمة قَتْل، و95769 جريمة اغتصاب، وأكثر من مليون اعتداءٍ مُسَلَّحٍ، و537550 جريمة سَطْوٍ على الأملاكِ شملَت سرقةَ ما يُقدَّرُ قيمتُه بخمسمئة مليون دولار.
وبين عامَي 1996 و1999 وقعَت في الولاياتِ المُتَّحِدَة سبعُ حوادثَ كبيرة في المدارس كان المُجرمونَ فيها طُلاَّبًا مُراهقين، والضحايا زُملاءَ لهم وأساتذة؛ وكانت حصيلتُها 28 قتيلاً وأكثر من 72 جريحًا.[14]
إنَّ ما يحدثُ في أمريكا من شرورٍ يحدثُ مثيلُهُ في مُختلِفِ أنحاءِ العالَم. وقد تخفُّ نسبةُ نوعٍ من الجرائم هنا أو هُناكَ لترتفعَ نسبةُ نوعٍ آخر. ومُنذُ فجر التاريخ الجَليّ والدولُ جميعُها تسجنُ مُختلفَ أنواع المُجرمين، وتُعذِّبُهم وتُعدمُهم شنقًا أو حَرْقًا أو قطعًا للرأس أو طَعنًا للصدر أو رَميًا بالرصاص أو صَدْمًا بالكهرباء؛ لكنَّ الإجرامَ ما يزالُ مُتفشِّيًا، حاضرًا حضورَ الليل في ربوعِ الكُرَة الأَرضيَّة. فلا الشرائعُ المدَنيَّةُ ولا النواهي والمُحرَّماتُ الدينيَّةُ استطاعَت أن تستَأصلَه من الأَرض، بل حتَّى أن تُخفِّفَ حِدَّتَه. وما على الراغبِ في التحقُّق إلاَّ أن يستقرئَ عواقبَ الحروب العِرقيَّة والفِتَنِ الدينيَّةِ عبرَ العصور، بل حتَّى في القرن العشرين نفسه، ليترنَّحَ رأسُهُ من هَوْل الفظائع المُرتَكَبَة. فما هي الدوافعُ النفسيَّةُ، يا تُرى، لهذه الشرور الدائمة الحضور؟
يرى الدكتور داهش أنَّ الدوافعَ النفسيَّةَ للشرور البشريَّة المُستَشرِيَة كثيرة. لكن يُمكنُ إجمالُ أهمِّها بستّ: شهوةِ المال، شهوةِ الجنس، شهوةِ السلطة، نزعةِ الحسَد، نزعةِ الكبرياء، نزعةِ الرياء. إليها تُزادُ رذيلتان تُشجِّعان على انتشار الشرِّ والباطل وانتصارهما هما الجبانةُ والغباء.
وحملةُ الدكتور داهش على الشرِّ مُنبثَّةٌ في أكثر ما أُلهِمَ كتابتَه، ومُنبسِطَة على مدى نصف قرن. فسواءٌ أدلى برَأْيِه في الإنسانِ عامَّةً من خلالِ قِطَعِه الوجدانيَّة، أم عَرَضَ أحداثًا قَصَصيَّةً من خلال “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة” أو “مُذكِّرات دينار”، أم وصفَ أنواعَ العذاب الذي يُصابُ به الأَشرارُ في دركات “الجحيم” -فالإنسانُ يبدو، في مُجمَلِ كتاباته، شِرِّيرًا، كثيرَ المفاسِد والنقائص؛ ولا أَملَ في أَيِّ ارتقاءٍ روحيٍّ له إلاَّ بَدءًا بارتداعه عن الشرور وإصلاح مفاسده ونقائصه.
1- شهوةُ المال
إنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة، بعدَ ثلاث سنواتٍ من التجوال في مُدُنِ الشرق والغرب، واختبار الناس، وحَكِّ معدنِهم، كتبَ في 18 حزيران (يونيو) 1972 يُخاطبُ النُّضار:
إنَّ مُخترِعَكَ، أيُّها النّضار، إنْ هو إلاَّ الشيطانُ الرجيمُ بعَينه. لقد أوجدَكَ ليوجِدَ الشرَّ في الدنيا.
أوجَدَكَ كسلاحٍ يُحارَبُ به الله، عزَّ وجلّ؛ وقد نجحَ هذا الشيطانُ الأَثيم.
فالبشرُ قد عبَدوا النُّضار، وتخلَّوا عن الله، خالقِ الليلِ والنهار.
أوجَدَكَ ليُحاربَ الأَخُ أخاهُ، والابنُ أَباه، والحبيبُ حبيبَه.
أوجَدَكَ ليوجَدَ الشِّقاق، وليعمَّ الكذبُ ويعظمَ النِّفاق.
أوجَدَكَ ليضمَّ كلَّ أهل الكُرَة الأَرضيَّة إلى جهنَّمِه المُتَّقِدَة بالنيران ذاتِ التأجُّج الأَبَديّ.[15]
وبعدَ ثمانية أعوامٍ أُخرى من التَّرحالِ والتجوالِ واختبارِ الناس، وجدَ –
أنَّ الجميعَ سواسِيَة.
فجميعُهُم يتساوَونَ بحُبِّ المال والسَّعيِ في سبيلِه، والاستماتةِ للحُصولِ عليه واكتنازِه؛
لا فرقَ بذلك بينَ غنيِّهم وفقيرِهم.[16]
إذًا دافعُ الطمَع هو الذي يحثُّ الناس على الاستماتة من أجل المال، وليس دافع التخلُّص من الفقر. هذا الرأيُ الذي أعطاهُ الدكتور داهش عن خبرةٍ طويلةٍ بالبشر كان قد أدلى بمثيلِه، عن إلهام، وهو في إبَّانِ شبابه، في الخامس من كانون الثاني (يناير) عام 1935، حينما كتبَ قطعتَه الشهيرة “المال… المال”[17] التي أظهرَ فيها سطوةَ المال الهائلة على النَّاسِ طُرًّا، عُظَماءَ وصعاليك، حُكَماءَ وأرذالاً، أولياءَ وفُجَّارًا، عُلماءَ وجُهَّالاً، وأَبرزَ فيها قَلْبَ المال للمفاهيم والقِيَمِ والمقاييس، وتسبيبَه للمآسي المُتنوِّعة الكثيرة. ولا عَجَب، فالمالُ هو “الوحشُ الباطشُ” الذي تُسبِّحُ باسمِه شعوبُ الأَرضِ كافَّةً، والقادرُ الوحيدُ الذي “جمعَ الشعوبَ تحتَ رايةٍ واحدة،” بعدَ أن عجزَ حتَّى الأَنبياءُ عن جَمْعهم، وذلك لأَنَّ المال هو “إلهُ هذه الكُرَة، هذه الأَرض.”
وليتَ التهالُكَ على تكنيز المال ينفعُ صاحبَه. فالطمَّاعُ كالبخيل، كلاهما يجمعُ لسواه:
يا جامعَ المال، هل عرَفتَ لِمَنْ سيكونُ نصيبُه؟
سهرتَ وتعبتَ وشقيتَ بِجَمعِه وأنتَ تجهلُ مَن سيُصيبُه![18]
وقد تكونُ للأقدار سُخريةٌ جدُّ موجِعَة إذا كانَ في نظامِ العدالة الإلهيَّة أن يرثَ المالَ أو يستَوليَ عليه عدوُّ جامعه.
وإذا كانَ كانزُ المال مُصابًا بنزعة البُخل القميئة، فإذْ ذاكَ يعيشُ عيشةَ البهائم الحوَّامة على المزابل، مانعًا الطعامَ حتَّى عن نفسه وعن أولاده تكثيرًا لأَموالِه التي سيُخلِّفُها لغيره متى دعاه داعي الموت؛[19]فتكون مُصيبتُه مُثلَّثة: عيشة زَرِيَّة، وثروةً جمعَها بالكَدحِ والتَّقتير لينعمَ بها غيرُه، ثُمَّ عذابًا جحيميًّا. هذا العذابُ يراهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة نتيجةً حتميَّةً لِجَعلِ البُخلاء سيَّالاتِهم في جاذبيَّة الدَّركاتِ السُّفليَّة، بعدَ تنصيبهم المالَ ربًّا معبودًا إليه يصرفونَ همَّهم، وفيه يُفنونَ حياتَهم، وعليه يُعلِّقونَ آمالَهم وخلاصَهم. من أروعِ ما قالَهُ في ذلك:
ألا فلْيَعلَم البُخلاء أنَّهم سيُطرَحونَ في قعرِ الجحيم مُسَلسَلين مُغَلَّلين، وأنَّهم سيُسامون الخَسفَ والذلَّ والهوان، وسيُطعَمون المُرَّ والصَّابَ والغِسلين، وسيُساطون آلافًا من السنين بسياطٍ محبوكةٍ بدنانيرِهم الدُّنيويَّة التي كانوا يكتنزونَها ودونَ ربِّهم يعبدونها، فتُمزِّق تلك الدنانيرُ البرَّاقة جُلودَهم، ثمَّ تنثرُ لحومَهم في أرجاء الهاوية التي تضجُّ بأنينهم الرهيب وخُوارهم العجيب؛ ولكنْ عبثًا ستمضي توسُّلاتُهم، وهباءً ستفنى آهاتُهم. وسيشرحُ جزاؤهم المُخيفُ العادلُ صدرَ كلِّ مَن كانَ لهم عاذلاً. فلْيتَّعظ البُخلاء، ولْيستغفروا ربَّهم! إنَّهُ توَّابٌ رحيم.[20]
وبيانُ الدكتور داهش الرائع عن مصير البُخلاء المشؤوم يُذكِّرُنا بالآيات القرآنيَّة القائلة:
{“أيُّها الذين آمَنوا، إنَّ كثيرينَ من الأَحبار والرُّهبان لَيَأكُلون أموالَ الناس بالباطلِ ويصُدُّون عن سبيلِ الله، والذين يكنِزون الذهبَ والفضَّةَ ولا يُنفقونَها في سبيل الله، فبشِّرهم بعذابٍ أليم، يومَ يُحمى عليها في نارِ جهنَّم فتُكوى بها جباهُهم وجنُوبُهم وظُهورُهم -هذا ما كنَزتُم لأَنفُسكم، فذوقوا ما كنتُم تكنِزون.} (سورة التوبة: 34-35)
وقد أعطى الدكتور داهش أمثلةً قَصَصيَّةً مُتنوِّعةً على عواقب الطمَع. ففي “أرهَب قصَّة وأرعَب مصير”[21] يُنكَبُ أبٌ باختطافِ طفلِه. ويترعرعُ الطفلُ فيُصبحُ شابًّا، فيقودُهُ القدَرُ إلى نَزْلٍ يُغري الطمعُ صاحبَه بِقَتلِه للحُصولِ على خاتمِه الماسيّ وساعتِه الذهبيَّة وما في حقيبتِه من مال. وسرعانَ ما يكتشفُ القاتلُ أنَّ الشابَّ الذي ذبحَهُ إنَّما هو وحيدُه المخطوف؛ فتُصيبُهُ نوبةُ جنون، فيقتُلُ زوجتَهُ وابنتَهُ ثمَّ ينتحر.
كذلك في قِصَصه “جامعُ المال يترُكُه لسِواه” و”ملياردير يموتُ جوعًا”[22] و”حقيقة أَغربُ من الخيال”[23] يُظهرُ عواقبَ الطمَع الوخيمة.
وقُصارى القَول إنَّ الطمعَ، إذا اشتدَّ، قد يدفعُ صاحبَه إلى اقتراف مُختلف الجرائم من أجل إشباعِ نَهَمِه إلى المال، فيسرق، أو يقتل، أو يُهرِّب المُخدِّرات، أو يغشّ في بَيع السِّلَع، أو يُخادعُ في المُعاملات التجاريَّة، أو يُزوِّرُ العملات، أو يُزَيِّفُ المصنوعات إلخ، هذا على صعيد الأَفراد والجماعات الصغيرة. أَمَّا على الصعيدِ الدوليّ فيدفعُ الطمَعُ الدُّوَلَ القويَّةَ إلى الحروب للسيطرة على الدوَلِ الضعيفة. وهذا ما أوضحَهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في خلالِ عَرضِه لدافع الحربَين العالميَّتين بكتابه الفذّ “مُذكِّرات دينار”.
الحسَد
إنَّ شهوةَ المال فرعٌ من نزعة الطمَع العامَّة في الإنسان؛ والطمعُ إذا تحوَّلَ إلى شهوةٍ لِما يحوزُه الآخرون من مُمتلَكاتٍ أو منصبٍ أو شُهرة، أو ما يتمتَّعونَ به من مواهبَ أو صحَّة أو نعمة، ولَّدَ الحسَد، تلك النزعة الشرِّيرة التي يتمنَّى صاحبُها أن يستلبَ الآخرين ما ينعمونَ به أو يملكون، والتي تتحوَّلُ إلى نارٍ آكِلَةٍ في نفسِ الحَسود، تلذعُهُ وتدفعُهُ إلى إيذاءِ الآخرين، وفي إيذائها تُصيبُ الحسودَ أكثرَ ممَّا تُصيبُ المحسود. وقد أظهرَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة بشاعةَ الحسَد في قصَّتَين مُتكاملَتَين من قِصَصِه: “صداقة حَميمة فعداءٌ مُبيد”، و”الأَعمى”.[24] يعرضُ في الأُولى صداقةً مِثاليَّة لشابَّين هما جودي وأَلفرِد. لكنْ ما إن دخلَت ابنةُ مُضيفِهما، الحسناء سوزي، في حياة جودي، غيرَ مُعيرةٍ صديقَه ألفرِد أيَّ اهتمام، حتَّى داخلَه النفورُ منه، ثمَّ تحوَّلَ إلى حقدٍ عليه وحسَدٍ له على نعمتِه. وما لبِثَ الحسَدُ أن تأجَّجَت جمراتُه في قلبِه، فاستَدرجَ جودي إلى منزله، وخدَّرَهُ بمُنوِّمٍ سكَبَه في كأسِه، ثمَّ قيَّدَ يدَيه ورجلَيه، وفقأَ عينَيه بسيخٍ مُحَمًّى. وكانت عاقبةُ ذلك قتلَ الحَسود بمُسدَّسِ شقيق المحسود.
أمَّا القسمُ الثاني من القصَّة فيعرضُ فيه مُؤسِّسُ الداهشيَّة العقابَ الإلهيَّ العادل الذي جُوزِيَ به ألْفرِد، إذْ إنَّهُ في تقمُّصٍ لاحق وُلِدَ أعمى، كما وُلِد ألفرِد ثانيةً باسم جيرار. وتِبعًا للنظام الإلهيّ القاضي بإجراء العدالة الروحيَّة، عادَتِ الصداقةُ إلى الاثنَين، وعادَت أيضًا المرأةُ لتَلعَبَ لعبتَها بينهما؛ ومالَ قلبُها مرَّةً أُخرى إلى جيرار عازفةً عن الأَعمى الذي كانَ يتحرَّقُ غيظًا ويستشيطُ تشكِّيًا وتظلُّمًا من الأَقدار. وإِذا به يحلُمُ، ذاتَ يوم، بِفِعلتِه الشنيعة لصديقه وفَقْئِه لِعَينَيه، ويرى شيخًا يهبطُ من الفضاء قائلاً له:
إنَّ اللهَ لا يظلمُ أحَدًا. فطالَما سمعتُكَ تُردِّدُ: ما ذَنبي لكَي يخلقَني اللهُ ضريرًا! وها قد شاهدتَ الآنَ نفسَك، طبعًا بدورٍ سابق من أدوارِ حياتِك، وأنتَ تفقأُ عينَي صديقِك الذي كان اسمُه، في دورِه السابق، جودي. وما إقدامُك على هذه الجريمة المُنكَرَة إلاَّ لأَنَّ سوزي قد فضَّلَتهُ عليك. وهكذا وُلدتَ أعمى لأَنَّكَ اعتَدَيتَ على صديقِك فأفقَدتَه بصرَه. فإذا العدالةُ الإلهيَّةُ تقتصُّ منكَ. فالعينُ بالعَينِ والسنُّ بالسنّ.
وعرفَ الأَعمى أنَّ الفتاةَ التي أعرضَت عنهُ مُفضِّلَةً جيرار عليه إنَّما هي الفتاةُ نفسُها التي فقأَ عينَيْ صديقه من أجلِها حَسَدًا في دورةٍ سابقة. فأصابَته نوبةُ جُنون، فانتحرَ بالسُّمّ، بعدَ أن قتلَ أُمَّه.
كذلك أَوضحَ الدكتور داهش عواقبَ الحسَد الوخيمة في قصَّة “التقمُّص والتناسُخ أَو عَظُمَ ذَنْبُه فقُطِعَ ذنَبُه”[25]. وفحواها أَنَّ شقيقَين يتدلَّهان بفتاةٍ خُلاسيَّة؛ لكنَّها تُفضِّلُ أحدَهما، غَضوبًا، على الآخَر، شِبل. وما إنْ تعلمُ الوالدة باعتزام ابنها الاقترانَ بالفتاة حتَّى تُعنِّفَه مُستهينةً بحبيبته، كما يتأَجَّجُ أخوه غَيظًا وحسَدًا. فينتفضُ غَضوب لكرامة مَن يُحِبُّ ويدفعُ أُمَّه بعُنف، فتسقطُ ويُشَجُّ رأسُها. فيغلي الحسَدُ والانتقامُ في نفس شِبل، فيُهوي بسَيفٍ على مُؤَخَّرة شقيقه ويبترُ ساقَه؛ وما يلبثُ غضوب أَن يلفظَ أَنفاسَه. وتنتهي المأساةُ بأَن يُجَنَّ القاتل الحًسود ثمَّ ينتحرُ بالسيف نفسه.
ويُرينا الدكتور داهش عقابَ جميع أَفراد العائلة مع الفتاة الخُلاسيَّة في دورةِ حياةٍ لاحقة، إذْ تتقمَّصُ الأُمُّ قطَّةً لكبريائها واستهانتها بالفتاة؛ وهذه مع الشابَّين يتقمَّصون أَولادًا للقطَّة، لارتباط سيّالاتهم بعضها ببعض. أَمَّا القطّ الذي كان شبلاً، فتجتاحه سيَّارة تُسبِّبُ “قَطعَ ذَنَبِه وكَسْرَ رجلِه؛ فالعدالةُ الروحيَّة تقتضي أَن أَن يُصابَ بما أَصابَ به شقيقَه.”
3- الشهوةُ الجنسيَّة
إِنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يرى أنَّ خطرَ الانجراف بتيَّار الشهوة الجنسيَّة الطاغي في العالَم ليسَ أقلَّ على مصير الحضارة البشريَّة من خطَر الطمَع، بل إنَّ السببَ المُباشَرَ في تفكيك الأُسَر التي هي أحجارُ البناء الاجتماعيّ هو في إطلاقِ الأَعنَّة للشهوة الجامحة دونما رادعٍ دينيٍّ أو مَدَنيٍّ. ففي كلِّ عام تحدثُ مئاتُ الأُلوف من جرائم الاغتصاب في الغرب المُفاخِر برُقيِّه الحضاريّ، وتقعُ ملايينُ حوادث الطلاق من جرَّاء الخيانات الزوجيَّة، الأَمر الذي يُؤكِّدُ الخطأَ والخطَر في عدَم إيلاء المُفكِّرين والحكومات جموحَ النزعة الجنسيَّة الاهتمامَ الكافي. بيدَ أَنِّي سأَكتفي، هنا، بهذه الإشارة، مُرجئًا البحثَ المُفصَّلَ في هذا الأَمر إلى عددٍ لاحقٍ حينما أتناولُ بالدرس الأُسرةَ والحبَّ الصحيح وفقًا للمفهوم الداهشيّ.
4- شهوةُ السلطة
إِنَّ شهوةَ الإنسانِ للسطلة لا تقلُّ كثيرًا عن شهوتِه الجنسيَّة في عُنفِها. فتاريخُ البشريَّة يكادُ يكونُ كلُّهُ تاريخَ الحروب والثورات. ومَن أوقَدوا هذه وتلك، في سِياق العصور، كانوا مدفوعين بالمطامع الأَشعبيَّة كما بشَهوة السلطة. وما نشأَ حُكمٌ ثَوريٌّ أو تنظيمٌ حزبيٌّ إلاَّ اقتَتَلَ أبناؤه على السلطة، وبرَّروا تنازُعَهم بانحراف الفريق الآخر أو ضعفِه أو فشَله أو بغيرِ ذلك من التبريرات الإيهاميَّة.
والدكتور داهش عرَّضَ بانتشار شهوة السلطة في الناس، رجالاً ونساءً.[26] وفي قطعة “الضباب”[27] الموحاة تقولُ الروحُ مُعرِّضةً بعدَّة نزعات دُنيويَّة:
يا أبناءَ الأَرض المساكين!
منذُ عشراتِ الآلاف من السنين
وأنا أُشاهدُ أعمالَكم، وأسمعُ أقوالَكم،
وأُراقبُ أفعالَكم، وأقرأُ ما يَجولُ في أفكاركم،
وإذا هي هي لا تتغيَّر!
فأنتم تفنَونَ في حبِّ (المرأة)!
وتتهالكون على (المادَّة)!
وتعبدون (السلطة)!
وتُقدِّسونَ (السطوة)!…
كذلك يتكرَّرُ تعريضُه بِشَهوةِ السلطة والسيطرة في غيرِ قليلٍ من قِطَعِهِ الوجدانيَّة،[28] كما في أثناءِ عرضِه لِمآسي الحربَين العالميَّتَين في كتابه “مُذكِّرات دينار”. تقولُ روحُ جِلبرت الذي قُتِلَ في الحرب الأُولى:
إنَّ الملوكَ والورزاء والقُوَّادَ والسَّاسة، بعدما دفعونا إلى خنادقِ الموتِ الزؤام، نبَذوا مَن كُتِبَت له الحياةُ نَبذًا شنيعًا. فما يكادُ الجنديُّ يطلبُ مُقابلَةَ أحدِهم حتَّى يجدَ إعراضًا مُخجِلاً، فضلاً عن الخدود المُصَعَّرَة والأُنوفِ العالية صَلَفًا وكبرياءً.[29]
وفي خلالِ حُكمِ الإنكليز للهند ولِمصر أبرزَ شهوتَهم للسلطة والسطوة فضلاً عن مطامعهم الأَشعبيَّة. فالقانونُ يُطبِّقونَه على الوطنيِّين دونَ الإنكليز الحاكمين، بل إنَّهم اعتبروا أنَّ الهنودَ ليس لهم حقوقٌ إنسانيَّة.[30] كما اسْتَغلُّوا حادثًا فرديًّا—قد يكونُ مُدَبَّرًا من قِبَلِهم— للتسلُّط على مصر والسودان وفرض سيطرتهم المُطلَقَة.[31]
وفي الحرب العالَميَّة الثانية كانَ لِشَهوةِ السلطة والسيطرة دورٌ بارزٌ لدى جميع الدول المُتصارِعَة. وقد لخَّصَهُ هتلر بِقَولِه، إذ اتَّهمَ البريطانيِّين بما كان به مَهووسًا أَيضًا: “فالشعبُ الأَلمانيُّ لم يعُد بإمكانِه الصبر على ابتلاعِ حُقوقِه، وحرمانِه من مجالِه الحَيَويِّ الذي سيطرَ عليه هؤلاء البريطانيُّون الذين أُصيبوا بجنون الكبرياء والسيطرة على كافَّةِ أنحاء المعمور.”[32] وفي ظرفٍ آخر يقول الفوهرر: “إنَّ ألمانيا هي التي ستكونُ سيِّدَةَ العالَم. فهي فوقَ الجميع، وإنَّ انتصارَها سيتمُّ أخيرًا، وسيكونُ انتصارًا حاسمًا.”[33]
وبعدَ طوفانٍ من الكوارث لم يشهد التاريخُ لهُ مَثيلاً وضعَت الحربُ أوزارَها، وأُنشئَت المُنظَّمةُ العالَميَّةُ، وعُقِدَت المؤتمراتُ الدوليَّةُ، وأُلقِيَتِ الخُطَبُ الطنَّانة الواعدة بالسلام والمُساواة والحرِّيـَّة والرخاء؛ ولكنَّ “الدينار”، بطلَ القصَّة الفذَّة وصوت الدكتور داهش، كان بالمِرصاد، فهو يُخاطبُ المُؤتمرين:
يا مَنْ بأَيديكم القوَّاتُ الماديَّة،
ويا مَنْ تُسيطرون على الطاقة الذرِّيـَّة،
ويا مَنْ تدَّعونَ بحبِّكم للبشريَّة (…)
أَعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وحرِّروا المُستَعبَد من رِقِّه، والمغبونَ من غَبنِه، فربُّ البيتِ أدرى بالذي فيه (…)
قلتُم إنَّ (العدوَّ) قسَّمَ البشرَ إلى أنواعٍ وأجناس، ورقَّمَهم، وأعلنَ للنَّاس أنَّهم أنجاس؛ وهو أرقمُهم.
لقد دارَت على هذا العدُوِّ الدوائر، فأضحى خائرَ العزيمة، وأصبحَ وهو بأمره حائر.
والآن، فهل ساوَيتُم أصحابَ الأَرقامِ بأنفُسِكم، وأحلَلتُموهم مرتبتكَم، وأنزَلتُموهم، أيُّها المُسيطرون، منزلتكم؟[34]
الغرورُ والكبرياء
الغرورُ هو انخداعُ الإنسان بقيمةِ نفسِه الحقيقيَّة، ولا سيَّما بقَدر عقلِه ومعرفتِه ومنزلتِه بين الناس، وبالتالي هو تضخيمٌ مُفرِطٌ للذات. فإذا رافقَهُ التحقيرُ للآخرين والاستهانةُ بهم، أصبحَ كبرياء، الرذيلة التي تُعتَبرُ في الأَديان خطيئةً، وفي علمَي النفس والاجتماع نقيصةً نفسيَّةً واجتماعيَّة.[35]
إنَّ واقعَ الغرور والكبرياء في أكثر الناس اكتشفَهُ الدكتور داهش قبلَ أن يبلغَ الثلاثين من عُمره. ففي 15 تمُّوز (يوليو) 1938، كتبَ قطعةً سمَّاها “غرورُ الإنسان”، قالَ فيها:
فهو يظنُّ أنَّهُ فارسُ الميدان الأَوحَد،
وبطلُهُ الذي لا يُشَقُّ له غُبار في كلِّ مضمار.
فهو خَدينُ الحكمة، وربُّ المعرفة،
وصِنوُ العُلماء الأَفذاذ، ومُختزنُ الفلسفة (…)
وغُرورُهُ السَّمج وكبرياؤُه القَذِرَة
يجعلانِه يظنُّ أنَّهُ اكتشفَ أسرارَ الحياة،
وفضَّ مغاليقَ الموت المُبهَمَة،
وافتَضَّ مُعَمَّيات الخلود (…)
ويركبُهُ الغرورُ الجامح،
فيظنُّ أنَّ الكُرَةَ الأَرضيَّةَ قد كُوِّنَت لأَجلِه (…)
وهي مُسَخَّرة لمصلحتِه، وتأتمرُ بأمرِه.
فيروحُ، وبسمةُ الانتصار تعلو ثغرَه الأَبلَج،
رافعًا عقيرتَه لأَبناءِ بجدتِه، مُوزِّعًا عليهم عِظاتِه،
شارحًا لهم مُعمَّياتِ الأَسرار المـَوصودة،
نافحًا إيَّاهم بنعمةِ معرفتِه المزعومة…
وحقيقةُ الأَمر أنَّهُ عامهٌ بالجهالة،
سادرٌ بدروب الضلالة…[36]
إِنَّ تعريضَ الدكتور داهش بالكبرياء والغرور تكرَّرَ في كتاباته، خُصوصًا لدى ذِكرِه الفاتحين والحُكَّام المُتجبِّرين، سواءٌ في قِطَعه الوجدانيَّة [37] أم في “مُذكِّرات دينار” في أثناءِ حديثه عن صَلَف الحُكَّام الإنكليز وتجبُّرهم وتكبُّرهم على الشعوب التي حَكَموها. وجاءت نصيحتُه للمُتَكبِّر في غاية البساطة إذْ قال يحثُّه على الاعتبار:
فلَيتَه علمَ أنَّ أحقرَ الكائنات يُمكنُها أن تقضيَ على وجوده مورِدَةً إيَّاه مواردَ التهلكة، مُعفِّرَةً أنفَه في الرّغام.[38]
وقولُهُ هذا يُذكِّرُنا بِقَول الإمام عليّ: “ما لابنِ آدمَ والفخر: أوَّلُهُ نُطفة، وآخرُه جيفة، ولا يرزق نفسَه، ولا يدفعُ حتفَه.”[39]
إِنَّ الكبرياءَ والغرورَ هما أكثرُ الرذائل تسبيبًا لعَمى البصيرة وضلال الإنسان، ولِرَفضِه هدايةَ الأَنبياء.
6- الرياء
بِقَدرِ ما يزدادُ صفاءُ النفس ويتَّحدُ ظاهرُ الإنسان بباطنِه، يزدادُ نُفورُهُ من الرياء، لأَنَّ أهلَ الرياء يعيشون حياتَين: واحدةً علَنيَّةً مُقَنَّعَة بالفضيلة والصلاح والشرف والنزعة الإنسانيَّة، وأُخرى خاصَّة خفيَّة تنطلقُ فيها سجاياهم على حقيقتِها من غير رقابة، فإذا هي على النقيض ممَّا يُعلِنون.
لقد رأى الدكتور داهش، ببصيرتِه النيِّرة المُلهَمَة، أنَّ الناسَ جميعًا—إلاَّ قلائل منهم على رأسهم المهاتما غاندي في القرن العشرين—يعيشون حياةَ الرياء. ففي قطعةٍ عنوانُها “ندَّعي الفضيلة وتحتلُّنا الرذيلة”[40] يقول:
كلٌّ منَّا يدَّعي بالفضيلة وهو غارقٌ في الرذيلة! (…)
يدَّعي بأنَّهُ يعطفُ على البُؤَساء، ولو استطاعَ سَلْبَهم لَما تأخَّرَ عن ذلك!
يدَّعي بأنَّهُ تقيٌّ وَرِع، بينما الجريمةُ تسري في دمائه!
يدَّعي بأنَّه مُرشِدٌ نزيه، وحقيقتُهُ ذئبٌ شَرِسٌ بِجِلْدِ إنسان!
يدَّعي بالرأفة والشَّفقة، والحقدُ يتمشَّى في أعصابِه، والضغينةُ تنهشُ فُؤادَه! (…)
يدَّعي بأنَّهُ مُتقشِّفٌ يرضى بِشَظَفِ العيش، وسِرًّا يُرفِّهُ عن نفسِه باللذاذات! (…)
جميعُنا ندَّعي ظاهريًّا بالفضل والفضيلة، وباطنيًّا تُعَشِّشُ الأَفاعي فينا، وتَلِدُ العقاربُ السامَّةُ بداخلِنا أفانينا!
فمتى متى نتَّعظُ قبل أن يأتيَ الموتُ حاصدُ الأَرواحِ فيُفنينا!
والرياءُ يجعلُ التعاملَ بين الناس صعبًا، لأَنَّ ظاهرَه الصدقُ وحَشوَهُ الكذبُ والخداع. ولذا ينصحُ الدكتور داهش أصحابَه بالتسلُّح بالحَذَر الدائم في تعامُلهم مع الآخرين:
يدَّعونَ محبَّتَكَ وصداقتَك،
وبوُدِّهم أن يستَولوا على أموالِك.
الضغينةُ تسيرُ في رِكابِهم،
والغدرُ ما هو إلاَّ جلبابهم.
فكُنْ، يا صاحبي، على حَذَرٍ شديدٍ منهم؛
إِنَّهم قطيعٌ من الذئاب المُفترِسَة، فاحذَرْهم،
وإيَّاكَ أن تطمئنَّ لمظهرهم الكاذب…[41]
ويرى الدكتور داهش أنَّ مسؤوليَّةَ الرياء والكذب والخداع تعظمُ بقَدْر ما يعظمُ دورُ الإنسان في التوجيه والإرشاد ولا سيَّما الروحيّ. فخداعُ الحُكَّامِ لشعبِهم أعظمُ تبعةً عليهم من خداع المُواطنين العاديِّين بعضهم لبعض. وخداعُ رجال الدين للمؤمنين أعظمُ تبِعةً عليهم من أيِّ خداعٍ آخر، لأَنَّهم ينصبونَ أنفسَهم حُماةً للقِيَم الروحيَّة، ورُعاةً للفضيلة، وحمَلَةً لراية الحقيقة، فإذا هم عاشوا حياةَ رياءٍ وخَتلٍ ونِفاق، فإنَّهم يكونون قد خانوا الأَمانةَ التي حملوها، وخانوا ربَّ السماء. ولذا يُشهِّرُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة بالمُرائين منهم—وما أكثرهم!—ويزجُّ بهم في الدَّرَك الثامن والأَربعين من دَرَكات الجحيم حيثُ يُسامونَ عذابًا رهيبًا على تدليسهم وخداعهم. ومُجَرَّدُ عرضٍ لعناوينِ بعضِ القِطَع التي يُعرِّضُ فيها بهم يُنبئُ عن مدى غضبته المقدَّسة عليهم: “ثعالب”،[42] “الكاهن المُنافق”،[43] “خسئَ كاهنٌ كَذوب”، [44] “ذئابٌ يرتدونَ أثوابَ الحملان”[45] إلخ.
كما يُشهِّرُ في كتاب “الدهاليز” بتَدجيل المعلِّمين والأَطبَّاء والمُحامين والقُضاة والتجَّار…[46]
وفضلاً عن كتابة القِطَعِ الوجدانيَّة أو الوصفيَّة التصويريَّة في التعريضِ بأهل الرياء والكذب، استَخدمَ الدكتور داهش القالَبَ القَصصيَّ أيضًا. فعندما كانَ في الرابعة والعشرين من عُمره كتبَ قصَّة “الأَب أنطون والشيطان”[47] التي يُصوِّرُ فيها الكَهَنَةَ يهتمُّون بمُعالجة جراح الشيطان حرصًا على شفائه، لأَنَّ في بقائه سليمًا بقاءَ وجودِهم وسيطرتهم على سُذَّجِ المؤمنين.
كذلك في “مُذكِّرات دينار” يفضحُ حياةَ الرياء التي يعيشُها أفرادُ الطبقة الأَرستقراطيَّة من الإنكليز، وسياسةَ الخداع التي يتوسَّلُ بها الحُكَّامُ لِجَرِّ شعوبهم إلى ويلاتِ الحروب إشباعًا لِشَهوةِ الطمع والسيطرة. كما يفضحُ رياءَ الكَهَنَة والأَساقفة والراهبات في تعامُلهم بعضهم مع بعض ومع المؤمنين البُسطاء.[48]
وفي كثيرٍ مِمَّا رواهُ في “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة” يهتكُ قِناعَ الرياء الذي تتنكَّرُ به النساءُ تظاهُرًا بالفضيلة أو إيقاعًا للرجال في حبائلهنَّ قبلَ أن يُسفِرنَ عن وجوههنَّ الحقيقيَّة.[49]
إنَّ الرياءَ في التعامُل ينسفُ أُسُسَ الحياة الروحيَّة التي من أهَمِّ قِيَمِها الحقيقة والعدالة والمحبَّة. فعندما تكذبُ على أحدٍ استهانةً به أَو قصدَ ابتزازِه أو إيذائه، فأنتَ تُضلِّلُه وتحتقرُهُ وتظلمُه. والتضليلُ نَضحُ الباطل، والاحتقارُ نضحُ الكبرياء، والظلمُ نَضْحُ الشرّ.
ذلك فضلاً عن أنَّ المُرائي يستحيلُ أن يُخلِصَ ولاءَه لله أو لعقيدةٍ ما، لأَنَّ طبيعتَهُ المُتلوِّنَة تجعلُهُ يلبسُ لكلِّ حالةٍ لَبوسَها؛ وهكذا يُحوِّلُ ولاءَهُ مُجامَلَةً أو تزلُّفًا أو تملُّقًا أو مُماذَقَةً إلى كلِّ مَن يستطيع أن يجنيَ فائدةً منهُ مادِّيـَّةً كانت أم معنويَّة، وخُصوصًا إلى مَن تكونُ بيَدِه القوَّةُ أو السيادةُ وإن تكُن إلى حين. وبينما يكونُ شِعارُ المؤمِن الحقِّ “لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق،” يكونُ شعارُ المُرائي: أَطِعْ مَن تستفيدُ منه مادِّيًّا أو معنويًّا وإن يكُنْ على حساب الحقيقة والعدالة والفضيلة.
والعَبَثُ بالصدقِ والحقيقة قولاً أو عملاً قد يُؤدِّي إلى أمرٍ خطيرٍ هو الحَلَفُ بالله بالباطل أو الحَنَثُ بالقَسَم أو الشهادةُ بالزور؛ وجميعُها مُدرَجة في وصايا الله العشر كما في النواهي الدينيَّة في مُختلف الأَديان. بل إنَّ القوانينَ المدَنيَّةَ تُعاقبُ عليها إذا حدثَت في المحاكم. وقد رتَّبَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة على مَن يقومُ بها تبعاتٍ خطيرةً وعواقبَ مشؤومةً يُمكنُ الوَقوفُ على أمثلةٍ منها في ما رواهُ من قِصَصٍ عن الرياء، ولا سيَّما الخيانة الزوجيَّة.[50]
زِدْ إلى ذلك أنَّ الإيمانَ الذي يُخالطُهُ الرياء هو إيمانٌ باطلٌ ندَّدَت به جميعُ الكتُبُ المُقدَّسة. فعبادةُ الله يجبُ أن تكونَ في مُنتهى الإخلاص له. فمَن يصرفُ قلبَه وهمَّهُ إلى كائنٍ أرضيٍّ ويُعلِّقُ عليه أملَه وخَلاصَه، فكأنَّهُ عَبَدَه دونَ الله. ولذلك قال الإمامُ عليّ بن أبي طالب: “هَلَكَ فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غالٍ [أي مُغالٍ] ومُبغِضٌ قالٍ [أي حقود]”. فوَضعَ المُتطرِّفَين الاثنَين في منزلةٍ واحدة، لأَنَّ المُغالاةَ تنطلقُ من هَوَسٍ وانفعالاتٍ هائجة وعواطفَ مائجة لا من عقلٍ هادئٍ صافٍ وتبصُّرٍ منطقيٍّ بعواقبِ الأُمور وبالأَسبابِ ونتائجها. إنَّ الإيمانَ الذي يُسيِّرُهُ الهَوَى كالسفينة التي تتقاذفُها الأَنواءُ وهي بلا رُبَّان، إذْ إنَّ الهوى الجارفَ لا بُدَّ من أن يحيدَ بصاحبِه عن وجهة الحقيقة والعدالة والفضيلة، فيضلُّ، ويتيهُ في ضلالِه وهو ماضٍ في إقناعِ نفسِه، بوسيلة التبريرات الإيهاميَّة، بأنَّهُ لم يَزِغْ عن جادَّةِ الصواب.
وإذا اجتمعَ الرياءُ بالغرور والكبرياء في النفس الواحدة، فالإنسانُ، إذْ ذاك، يُصِمُّ أُذنَيه عن أيِّ رأيٍ أو مَشورة، بل يرفضُهما مُقدَّمًا مُعتبِرًا أنَّ المعرفةَ الحقيقيَّةَ بين يدَيه. فإذا كانَ زعيمًا عقائديًّا، دينيًّا أو سياسيًّا، يُزيِّنُ له غرورُه بأنَّهُ معصومٌ من الخطإ، فيُحاربُ كلَّ مَن خالفَه في الرأي، ولا يتحرَّجُ من التنكيل والتفظيع بِمَن يُقاوِمون منهجَه وموقفَه. هكذا حدثَت الحروبُ الدينيَّةُ، وعُبِّئَتِ الحَمَلاتُ الصليبيَّة. وهكذا سقطَ عشرون مليون ضحيَّة من أهل الريف داخل الاتِّحاد السوفياتيّ، لأَنَّهم قاوَموا المنهجَ الستالينيّ. ولا يهمُّ أهلَ الرياء أن تُدَمَّرَ المنازل ويُقتَل الأَبرياء، ويُيَتَّم الأَطفال، وتُثكَل النساء ما داموا يَرَونَ أنَّ غايتَهم شريفة. فالوسيلةُ مهما بلغَت من الدناءة لا تعنيهم، لأَنَّ إيمانَهم بالقِيَم الروحيَّة أو الإنسانيَّة الكُـلِّـيَّة غير صحيح؛ فهو مبنيٌّ على المُراءَاة وعلى انتهازهم للفُرَص ومعرفتِهم من أَين تُؤكَلُ الكتِف.
لذلك تُؤَدِّي المُغالاةُ في الإيمان العقائديِّ إلى نشوءِ الحركات الإرهابيَّة المُعادِيَة لكلِّ مَن كانَ خارج دائرتها. وهكذا ليس في نظر هذه الحركات ضحايا بريئة لعمليَّاتها الإجراميَّة؛ فكلُّ مَن لم يأخُذ بمفهومها للحقيقة والعدالة والاستقامة هو هدفٌ لحربِها.
إنَّ الحروبَ والفِتَنَ الدينيَّةَ والطائفيَّةَ ما تزالُ تقعُ في الشرق والغرب؛ والقارئُ لا يحتاجُ إلى ذكرها، لأَنَّ أخبارَها تملأُ وسائلَ الإعلامِ يوميًّا. والبراهينُ التاريخيَّةُ والعلميَّةُ تُؤكِّدُ أنَّ الحروبَ التي تُثارُ باسم الدين كانت—وما تزال—أقذرَ الحروب وأفظعَها؛ لأَنَّ أصحابَها يكونونَ مأخوذين بِهَوَسِ أنَّهم مُختارون لِعَمَلٍ مُقدَّسٍ ومُبارَكٍ سينالون عليه ثوابًا في الفراديس أو السماوات. لذلك يُسمِّي الغُلاةُ الدينيُّون حربَهم “حربًا مُقدَّسة” و”جهادًا مُقدَّسًا”، يُسقطونَ فيه القوانينَ الدوليَّة التي تحكمُ التعامُل بين المُتحاربين أو التعاطي مع الأًسرى والمدنيِّين المُسالمين.[51]
مع هذه النظرة السوداء للطبيعة البشريَّة، يبقى الإنسانُ جبلةً من خَيرٍ وشرّ في المفهوم الداهشيّ. فما مصدرُ دوافعه النفسيَّة الخبيثة؟ وما السبيلُ إلى ارتقائه الروحيّ لتغليب الخير فيه على الشرّ؟ هذا نراه في بحثٍ مُقبل.
[1] الدكتور داهش، “ذكرياتُ الماضي” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 32-33.
[2] انظر “صوت داهش”، كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1995 وآذار (مارس) 1996.
[3] الدكتور داهش، “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983، ط2)، ص 146.
[4] “الرسائل المُتبادَلة بين الدكتور داهش… والدكتور حسين هيكل باشا” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1981)، ص 43.
[5] المصدر السابق، ص 181.
[6] وردَ أمرُ تحظير الإعدام في الأَجوبة الروحيَّة التي رُسِمَت بصورةٍ عجائبيَّةٍ تحت الأَسئلة التي كتبَها الوزيرُ اللبنانيُّ السابق، إدوار نون، ووضعَها في ظرفٍ مُلصَق. وقد تمَّتِ المعجزةُ بمُجَرَّد لمس الدكتور داهش للظرف قائلاً لِنون: “أتَتْكَ الأَجوبة.”
[7] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 107. انظر مقال “العدالة بين الشعوب”، في “صوت داهش”، عدد حَزيران (يونيو) 1998.
[8] “الرسائلُ المُتبادَلة بين الدكتور داهش… والدكتور حسين هيكل باشا”، ص 71-73.
[9] كُسِرَت يدُه من العُنُق، وتحقَّقَت النبوءةُ تمامًا. وقد اضطُرَّ إلى قَصد القُدس للاستشفاء في 15 شباط 1945.
[10] وجُنَّ أيضًا وكانَ جُنونُه مُطبقًا.
[11] طرَدَهُ الشعبُ طردًا شائنًا بتاريخ 18 أيلول 1952.
[12] VFW (Veterans of Foreign Wars), June-July 1999/A Statistical Reference, Vol. II (1992) by M. Clodfetter.
[13] FBI, Crime in the US, 1996. Departmant of Justice, 1996.
[14] انظر تفصيلَ ذلك في مجلَّة: Time, May 31, 1999.
[15] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأَرضيَّة”، ج 6 (نيويرك: الدار الداهشيَّة،1990)، ص273-274.
[16] الدكتور داهش، “غاب البنفسج” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 126؛ “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 16 (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1992)، ص 55-56.
[17] الدكتور داهش، “القلبُ المُحطَّم” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1984)، ص 61-79.
[18] الدكتور داهش، “المُهنَّدُ الباتر” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 182.
[19] المصدر السابق، 169.
[20] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 180.
[21] الدكتور داهش، “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج1 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 65-69.
[22] المصدر السابق، ص 185-189.
[23] الدكتور داهش، “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج3 (قيد النشر).
[24] الدكتور داهش، “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج2 (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1979)، ص 196-220.
[25] المصدرُ السابق، ص 31-39.
[26] أنظر مثالاً بارزًا على طمع النساء بالسيادة والسيطرة في قصَّة “اللُغز المُحيِّر أو مرارةُ الموت حلاوتُها شهديَّة” في الجزء الرابع من “قِصص غريبة وأساطير عجيبة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 97.
[27] الدكتور داهش، “جحيمُ الذكريات” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1984)، ص 265.
[28] انظُر مثالاً على ذلك قطعة “مُلوك” في “القلب المُحَطَّم”، ص 111، وقطعة “فقاقيع” في “التائه في بيداء الحياة” (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1980)، ص 40.
[29] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار”، ص 127.
[30] المصدر السابق، ص 137 و 191-195.
[31] المصدر السابق، ص 210-217.
[32] المصدر السابق، ص 276.
[33] المصدر السابق، ص 340.
[34] المصدر السابق، ص 376.
[35] ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”. نقلَهُ إلى العربيَّة فرنسوا أيُّوب، إيلي نجم، ميشال أبي فاضل. (بيروت: مكتبة أنطوان/باريس: دار لاروس، 1992)، مادَّة “الكبرياء”، ص 428.
[36] الدكتور داهش، “ذكرياتُ الماضي”، ص 74-76.
[37] انظر مثلاً على ذلك في الدكتور داهش، “بروق ورعود” (بيروت: مطابع روطوس، 1946)، “غرور”، ص 107، وفي “قصائد مُجَنَّحة” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980) قطعة “أينَ جَمشيد وداريوس”، ص 20.
[38] الدكتور داهش، “ذكريات الماضي”، ص 76.
[39] عليّ بن أبي طالب، “نهج البلاغة”، ضبطَ نصَّه د. صُبحي الصالح (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ،1980)، ص 555.
[40] الدكتور داهش، “تُراب وسراب” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 38.
[41] الدكتور داهش، “آمالُنا أوهام” (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1980)، ص 92.
[42] الدكتور داهش، “بروق ورعود”، ص 94. انظر أيضًا في المصدرِ نفسِه “ذئابٌ مُفترِسَة”، ص 11.
[43] الدكتور داهش، “أفراح وأتراح” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 68.
[44] الدكتور داهش، “روح تُغنِّي” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 95.
[45] الدكتور داهش، “أناشيد البُحيرات” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 70. انظر أيضًا “وكاهن ضحكتُه رطل” في “قصائد مُجَنَّحة”، ص 16.
[46] أنظر الدكتور داهش، “شاعر وناثر” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ج 2، 179-203.
[47] الدكتور داهش، “أسرار الآلهة”، ج2، (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 162-186.
[48] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار”، ص 43-52؛ 80-95؛ 103-129؛ 309-334.
[49] الدكتور داهش، “قصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج1: “والدة طاهرة الذيل وشقيقة تقيَّة نقيَّة”، ص 37؛ “حبٌّ وغرام وعشقٌ وهيام”، ص 134؛ “قَسَمٌ جبَّارٌ عصفَت به شهوةُ الحبِّ فانهار”، ص 157؛ “حديثٌ بينَ أُفعُوانتَين”، ص 197؛ ج2: “مقبولة مرفوضة أو هي المرأة فاحذروها”، ص 20؛ “تزوَّجَت ميتًا”، ص 94؛ “المرأةُ دينُها الحبُّ من المهد حتَّى اللحد”، ص 100.
[50] انظر الحاشية السابقة.
[51] Roy F. Baumeister, Evil: Inside Human Violence and Cruelty. (Ney York: W. H. Freeman & Co., 1999), p. 174.
طريقُ الارتقاء الروحيّ وفقًا لمَفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة (2)
مصدرُ الدوافع النفسيَّة الخبيثة
ومناراتُ الارتقاءِ الروحيّ
بقلم الدكتور غازي براكْس
في العددِ السابق من “صوت داهش” أَوضَحتُ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ ارتقاءَ المعراج الروحيّ لتَحقيقِ الكمالِ الإنسانيّ ما لَم يَجتَز المرحلةَ الأُولى المُمَهِّدَة له، وهي الارتداعُ عن الرذائل والشرور؛ كما أظهَرتُ أنَّ الدوافعَ النفسيَّةَ التي تحضُّ الناسَ على ارتكابِ المُنكَرات يُمكنُ إجمالُها بستَّة: شهوةِ المال، شهوةِ الجنس، شهوةِ السلطة، نزعةِ الحَسَد، نزعةِ الكبرياء، نزعةِ الرياء. ولكنْ ما مصدرُ هذه الدوافع النفسيَّة الخبيثة؟ وما هي مناراتُ الارتقاء الروحيّ؟
مصادرُ الدوافع النفسيَّة الخبيثة وفقًا للداهشيَّة
في التعاليم الداهشيَّة أَنَّ الأَرضَ شهدَت 761 دَورًا حضاريًّا تكوينيًّا امتدَّت على ملايين السنين؛ وكان آخرُها دَورَ نوح، وقبله دَورُ آدَم.[1] وكان البشرُ، عند انقضاء كلِّ دَور، يفنَون بأَجمعهم أَو بمُعظمهم، بعد أَن يبلغوا شأوًا بعيدًا في الحضارة ومُنجزاتها العلميَّة والتكنولوجيَّة، وذلك لأنَّ رُقيَّ العقل عندهم لم يكُن مقرونًا برُقيِّ النزعات. ولذلك تجرفُهم المفاسدُ والمظالمُ، وتكونُ الشرورُ سببًا للقضاء عليهم إمَّا بأَنفسهم أَو بقوًى طبيعيَّة أَو خارجيَّة تُسَلَّطُ عليهم بموجِب نظام العدالة الإلهيَّة.
وعلى حدوثِ الطوفان المُبيد—في الأَلف السادس قبل المسيح، لا في الألف الثالث مثلما يظنُّ المُتمسِّكون بحرفيَّة التوراة[2]—فإنَّ الشرورَ والرذائلَ عادت تتفشَّى وتستشري في البشر مُوقِدَةً الحروب، وناشرةً المفاسد، ودافعةً إلى المظالم والفظائع والمُنكَرات… حتَّى يومِنا هذا.
إذًا طبيعةُ الإنسانِ ذاتُ جانبٍ شِرِّيرٍ مُظلِم، ونفسُهُ “أمَّارةٌ بالسوء”. أمَّا النزعاتُ الخيِّرة فليست هي الغالبة، وإن انتصرَت في قلائل. هذه الفطرةُ التي يغلبُ الخبثُ عليها يُبرزُها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة بِقَوله مُخاطبًا نفسَه وعاتبًا عليها، بعدَ أن خابَ أملُهُ في أصدقاء له خانوه، بعدَ أن أخلصَ لهم الوُدَّ سنينَ كثيرة:
أمَّا أن تَلومَ مَن جَبَلَتهُ (العناية)
وأوجدَت فيه جميع العناصر التي من طَبْعِها التبدُّلُ والتغيُّر؛
أمَّا أن تطلبَ إلى إنسانٍ أن يكونَ أسمى من الطينة
التي جُبِلَ منها وتَمَّ تكوينُهُ بها،
فهذا أمرٌ لا أُقرُّكَ عليه،
ولا أرغبُ لكَ أن تقعَ ثانيةً فيه.[3]
وقُصارى القول إِنَّ الرغباتِ والنزعات الخيِّرة والشِّريرة هي في سيَّالات الإنسان التي لا تخضعُ للفناء، وهي تنتقلُ معها من جيلٍ إلى جيل إمَّا بواسطة مُورِّثات الوالدَين أو بطريقة الانتقال روحيًّا والاندماج بتلك المُورِّثات؛ وفي الحالَين تُكيِّفُ السيَّالاتُ المُنتقلة جيناتِ الجَنين وتُقولبُها بقالبِها، مانحةً إيَّاها خصائصَها من صحَّةٍ أو مرَض، وسلامةٍ أو عاهة، وذكاءٍ أو غباء، وقوَّةٍ أو ضُعف إلخ… وقد يهجعُ الخَلَلُ أو العاهةُ زمَنًا مُحَدَّدًا ليعودَ فيظهر بعد أن يكبر الإنسانُ، وذلك وفقًا لناموسَي العدالة الإلهيَّة والسببيَّة الروحيَّة.
هذا هو المصدرُ الأَوَّلُ والرئيسُ للجانب المُظلِم في البشر، كما للجانب النيِّر، في المفهوم الداهشيّ: سيّالات الإنسان.
أمَّا المصادرُ الأُخرى فهي جُهدُ الإنسان الإراديّ الشخصيّ، والبيئةُ الصُّغرى التي ينشأُ فيها سواءٌ كانت البيت أم المدرسة، والبيئةُ الكُبرى سواءٌ كانت المجتمعَ القوميَّ أم العالَم (والبحثُ فيها سيتمُّ في أعدادٍ لاحقة).
مصدرُ الجانب المُظلِم وفقًا للعُلَماء المُعاصِرين
لكن كيفَ يرى عُلماءُ النفس والاجتماع والأَنتروبولوجيا المعاصرون مصدرَ الجانب المُظلِم في الإنسان؟
من الطبيعيّ ألاَّ يعودَ هؤلاء العلماءُ إلى الكُتُب المُقدَّسة ومصادر الوحي الروحيّ في استنتاجِ آرائهم وصياغةِ أحكامهم، لأَنَّ دراساتهم مَبنيَّةٌ على الاختبار والمُلاحظة والإحصاءات وتقصِّي أنماط السلوك في سِياق الأَجيال. ولكن مع ذلك، فإنَّهم توصَّلوا بعد اختلافٍ وتناقُض، إلى النتيجةِ نفسِها التي أعطَتها الداهشيَّةُ كما الأَديانُ الموحاةُ قبلها، وهي أنَّ الجانبَ المُظلمَ في الإنسان مصدرُهُ الأَوَّلُ طبيعةُ الإنسانِ نفسُها؛ لكنَّ العُلماءَ اختلَفوا في التفصيلِ والتأويل.
فسيغموند فْرويد Sigmund Freud (1856-1939)، أبرزُ عالِمٍ نفسيٍّ في مجال الكَشف عن العقل الباطن والقوى المُظلمة المُتفاعلة فيه، أدَّت به دراساتُه إلى الاقتناع بأنَّ الشرَّ، ولا سيَّما العُنفَ المُدمِّر، كائنٌ في جبلة البشر، وأنَّ إشباعَ هذه النزعة الفطريَّة العامَّة تجلبُ الرضى لصاحبها، شأنها شأن إشباع حاجته للطعام والشراب والجنس.
وكونراد لورنتز Konrad Lorenz (1903-1989)، حائز جائزة نوبل، سلَّطَ الضوءَ على غريزة العُنف العدوانيَّة في طبيعة الإنسان، ورآها تَغلي في نفوس الأَكثريَّة كما يَغلي النَّفط، ولا ينقُصُها سِوى قَدْح زَنْدٍ حتَّى تشتعل. وهذه الطبيعةُ غيرُ العقلانيَّة هي التي تدفعُ الشعوبَ إلى مُحاربَةِ بعضها بعضًا دونما ضرورةٍ اقتصاديَّة، وهي التي تدفعُ إلى الاقتتال مؤمنين بديئَين فيهما برنامجُ الارتقاءِ الروحيِّ والخلاصِ نفسُه… وليُبرزَ لورنتز واقعَ البشر المُزري يقول: لو أنَّ كائنًا عالِمًا من خارج الأَرض يُراقبُ تصرُّفاتِ البشر الجماعيَّة، لا تصرُّفاتهم الفرديَّة، إذْ لا يرى منهم إلاَّ الحُشود، فإنَّهُ يستنتجُ من مُشاهداتِه أنَّ التنظيمَ الاجتماعيَّ البشريَّ شبيهٌ إلى حَدٍّ بعيدٍ بتَنظيمِ الجراذين الاجتماعيّ. فهي كالبشر مُسالِمَة، بصورةٍ عامَّة، ضمنَ قبائلها، لكنَّ جراذينَ كلِّ مُتَّحدٍ منها شياطينُ شرِّيرة تجاهَ جراذين المُتَّحدات الأُخرى. ويرى هذا العالِمُ السيكولوجيُّ النمساويُّ أنَّ الحلقةَ المفقودةَ بين الحيوان والإنسان التي يبحثُ عنها العُلَماءُ إنَّما هي البشرُ الحاليُّون. لكنَّ الكبرياءَ هي التي تَمنعُ كثيرين من الباحثين من الاعتراف بالجانبِ المُظلِم في طبيعة الإنسان، الجانبِ الغريزيّ الحيوانيّ.[4]
وكانَ كثيرونَ من الباحثين قد ضلُّوا في تشخيصهم للشرور البشريَّة، فجعلوا مصدرَها الأَوَّل قائمًا في المُجتمع، في نظامِه الاقتصاديّ السياسيّ أو الثقافيّ، وذلك بعدَ قيامِ الأَنظمةِ الاشتراكيَّة، وإشعال النازيَّة للحرب العالَميَّة الثانية. لكنَّهم اضطُرُّوا إلى التراجُع عن مواقفهم، بأكثريَّتهم، بعد الإنجازات البيولوجيَّة المُذهِلَة في العَقدَين الأَخيرَين من هذا القرن، وخاصَّةً في الكَشفِ عن تأثيرِ الجينات في بِنية الإنسان الفيزيائيَّة كما في قواه النفسيَّة وبناءِ شخصيَّته.
يقولُ جون كيغِنْ J. Keegan في كتابِه الفَذّ “تاريخ المُحاربة”: “المُجتَمعاتُ المُتمدِّنة هي التي تُفضِّلُ أن تعيشَ محكومةً بالقانون، أي أن تضبطَ نظامَها قوى الأَمن؛ وضبطُ النظامِ هو نوعٌ من الإكراه. ففي قُبولِنا ضبطَ النظام نُقِرُّ، في قرارةِ أنفُسِنا، بأنَّ في طبيعة الإنسان جانبًا مُظلِمًا يجبُ أن يُكبَحَ بالخَوف من قوَّةٍ أكبر.”[5]
وبارك دِيَتْز Park Dietz، العالِمُ الاجتماعيُّ والطبيبُ النفسيُّ والخبيرُ القضائيُّ الذي أمضى خمسةً وعشرين عامًا يتقصَّى آثارَ المُجرِمين الكِبار، يقولُ في حوارٍ مع مجلَّة “السيكولوجيا اليوم”: حينما نُواجهُ عصابات الأحداث المُنحرفين يُمكنُ أن نُشيرَ بإِصبعِ الاتِّهامِ إلى فُقدانِ التربية وتعهُّد الآباء لهم، “لكنَّ هذا لا يُفسِّرُ إسقاطَ امرأةٍ لطفلها في كُرسيِّ الحمَّام أو طعنَ رجلٍ شريكَه خمسينَ طعنة.”[6]
والحقيقةُ التي أظهرَتها الدراساتُ الحديثةُ التي بُنِيَت على فُروعٍ مُتعدِّدَةٍ من مُختلِفِ العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة قد نجدُ خلاصتَها في ما وضعَته نيهوف Niehoff تحت عنوان “………………..”، ومفادُها أنَّ النزعاتِ الشرِّيرة في الإنسان، كما النَّزعات غير الشرِّيرة، ذاتُ أُصولٍ راسخة في جيناته وعلاقةٍ مُباشرةٍ بعمليَّاتِ دماغِه، لكنَّ التربيةَ البيتيَّة والمدرسيَّة وسائر العوامل الخارجيَّة الهاجمة على الإنسان من مُحيطِه تُؤثِّرُ جميعها أيضًا في تكوينِ نزَعاتِه وتطويرِها وتوجيهِها. ومع ذلك فإنَّ قسطًا كبيرًا من المسؤوليَّة يقعُ على الإنسانِ نفسِه في ما يبذلُه من جُهدٍ إراديٍّ شخصيّ.[7] وهذا ما تقولُ به الداهشيَّة.
الأَمَلُ في تغليب الخير على الشرّ في الإنسان؟
هل من أمَلٍ في تغليبِ الخيرِ على الشرِّ في البشر؟
في رسالةٍ موحاة أنزلَها روحُ الأَب الصالح نوح على مُؤسِّس الداهشيَّة، فارتسمَت على قراطيسَ بيضاء بين يدَيه بصورةٍ إعجازيَّة،[8] وردَ أنَّ وحيَ الله أتى نوحًا بعدَ أن جفَّت الأَرضُ قائلاً له:
أُخرُجْ، يا نُوح، من الفُلك، أنتَ وكلُّ مَن هم معك. ولا مانعَ من أن تتناسَلوا لحكمةٍ يجبُ أن تبقى مكتومةً عن البشر الآن. وستُعرَفُ في الأَوقات التي يجبُ أن تُعرَفَ فيها.
وقال الربُّ لي أيضًا: “إنَّ الإنسانَ ذو قلبٍ فاسدٍ شرِّير؛ لهذا يجبُ أن يتكاثرَ على هذه الأَرض. وسيفرزُ كلُّ صالحٍ نفسَه من قطيع هؤلاء البشر الأَردياء، فينالُ سعادتَه العُظمى عندما تأتي الساعةُ الأَخيرةُ، ساعةُ الحساب والعقاب.[9]
لكن كيفَ يتمُّ فَرزُ الخيِّر من الشرِّير بالتناسُل؟
جوابُ ذلك أعطاهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة، وبه فضَّ السرَّ المكتومَ آلافًا من السنين: إنَّه السيَّالات التي منها يتكوَّنُ الإنسانُ وكلُّ ما في الطبيعة. فسيَّالاتُ نوح وزوجتِه انتقلَت إلى أبنائهما الثلاثة سام وحام ويافث، وسيَّالاتُ هؤلاء—وفيها ما ارتقى أو تدنَّى—مع سيَّالاتِ نسائهم (بهاء الأَرض وراضية وقَنوعة) انتقلَت إلى أولادهم فأَحفادهم، فإلى البشر الناجين القلائل الذين التقَوهم في أَماكن بعيدة عن مسرح الطوفان وتزوَّجوا بهم، وهكذا دوالَيك… بحيثُ إنَّ ما كانَ مخزونًا من طاقاتِ خيرٍ وشرٍّ في نوح وزوجته أصبحَت اليوم مُوزَّعةً بين ستَّة بلايين بشريّ؛ بل لنقُلْ من طاقتَين نفسيَّتَين هما أشبهُ بشَمسَين غير مرئيَّتَين امتدَّت، في خلال بضعة آلاف من السنين، عشراتُ البلايين من الأَشعَّة التي فيها ذو النزعةِ السامية، وذو النزعة الدُّنيويَّة، وذو النزعة السُّفليَّة الشِّريرة كما السيَّالُ الغبيّ أو الذكيّ أو العبقريّ. فمنها ما بقِيَ في البشر، ومنها ما اندمَجَ في النبات أو الحيوان أو الحجَر، ومنها قليلٌ فارقَ الأَرضَ عائدًا إلى فراديس النعيم العُلويَّة، ومنها كثيرٌ فارقَ الأَرضَ هابطًا إلى دركات الجحيم السفليَّة. وهكذا يتحمَّلُ كلُّ سيَّالٍ تَبِعَةَ عمله. فسيَّالُ الرغبة الشرِّيرة يُفرَزُ عن سيَّال الرغبة السامية، والسيَّالُ الغبيُّ يُفرَزُ عن السيَّال الذكيّ، والارتقاء أو التدنِّي يتمَّان في آلاف التقمُّصات لكلِّ سيَّال.
مَناراتُ الارتقاء الروحيّ
والراغبون في تغليب الخير على الشرّ في ذواتهم يُمكنُهم أن يزدادوا أَمَلاً إذا أدرَكوا أنَّ الخيرَ والشرَّ يتصارَعان في كلِّ نفسٍ بشريَّة. فليسَ من نفسٍ على الأَرض إلاَّ فيها نزعاتٌ راقيةٌ ونزعاتٌ سُفليَّةٌ أو على الأَقلِّ دُنيويَّة، ذلك بأنَّ درجةَ الأَرض الروحيَّة تستَوجبُ هذا التناقُض، فدُنيانا على عَتَبة الدركات الجحيميَّة. لكنَّ العنايةَ الإلهيَّة مَدَّت الراغبين في الارتقاء الروحيّ مناراتٍ أَربعة تُساعدُهم في رؤية الطريق الشاقَّة الصاعدة، وهي: حياةُ الرُّسُل والهُداة، والضميرُ الحَيّ، والعقل، والتعاليمُ الموحاة.
المنارُ الأَوَّل: حياةُ المُرسَلين والهُداة
إنَّ الأَنبياءَ والهُداةَ الروحيّين أَنفسَهم ما إن تهبطُ سيَّالاتُهم السامية إلى الأَرض حتَّى تُصبحَ مُعَرَّضةً مع سائر سيَّالاتهم الموروثة إلى تجارب الدنيا، من شهواتٍ وإغراءاتٍ أرضيَّةٍ كشهوات المال والسلطة والمرأة… لكنَّهم يتغلَّبون عليها بإراداتهم السامية.
يقولُ الدكتور داهش:
إنَّ بوذا العظيمَ الذي كانَ وَلِيًّا للعهد تركَ زوجتَهُ الشابَّة وتركَ أُبَّهةَ المُلك والثروةَ الطائلة، واعتزلَ العالَمَ لأَنَّهُ أيقنَ أنَّ مجدَ هذا العالَم ليسَ إلاَّ وهمًا باطلاً وظلاًّ حائلاً. ومع أنَّ بوذا سبقَ المسيحَ بستّمئة عام، فإنَّ ذكرَهُ ما يزالُ قائمًا، ومعابدَهُ وتماثيلَهُ تملأُ بلادَ سيام، واليابان، وما ذلك إلاَّ لأَنَّهُ انتصرَ على المادَّة، وسحقَ الشهوة، وقهرَ نفسَهُ فتغلَّبَ على رغبات الجسد الحقيرة.
لهذا السبب تأسَّسَت الديانةُ البوذيَّةُ، ولهذا السبب تبعَهُ الملايينُ والبلايينُ من الخلائق في خلال هذه الـ2500 عام.
وكذلك غاندي ما كانت الهندُ لتَتبعَه لو لم يقهر جسدَه ويتغلَّب على ميولِه، ويُفضِّلُ العالَمَ الآخر على عالمِنا المادِّيّ الحقير.
وينطبقُ هذا القولُ على السيِّد المسيح. فما كانَ للدين المسيحيّ أن ينتصرَ وينتشرَ لو لم يتغلَّب السيِّدُ المسيحُ على رغبات الجسد ويَدُسها بقَدَمَيه بقوَّةٍ وبجبروت…”[10]
بيدَ أَنَّ تغَلُّبَ الأَنبياء والهُداة الروحيِّين على تجارِب الدنيا لا يَنفي اصطراعَ الميول والرغبات المُتناقضة في نفوسهم، بل سقوطهم، في ما ندَر، في أخطاء فادحة. وفي “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” للدكتور داهش أَمثلة لأخطاء وقعَ فيها داودُ النبيّ وسُليمان الحكيم.[11]
ووفقًا لإنجيل لوقا، إنَّ الشيطانَ جرَّبَ يسوع إذْ كان صائمًا جائعًا، فاستحثَّهُ على أن يصنعَ معجزةً فيتحوَّل الحجرُ خبزًا؛ لكنَّ المسيحَ امتنعَ قائلاً: “ما بالخبز وحدَه يَحيا الإنسان.” ثمَّ أراهُ الشيطان من ذروة جبل جميعَ ممالك العالَم مُغرِيًا إيَّاهُ بإعطائه مجدَ العالَم كلَّه لأَنَّهُ يملكُه، إذا سجَدَ له؛ لكنَّ المسيحَ أجابَه: “للربِّ إلهك تسجد، وإيَّاهُ وحدَه تعبُد.”[12]
غيرَ أنَّ يسوع المسيح مع إرادته السامية الجبَّارة، ضعُفَ حينما تمثَّل العذابَ الذي سيُعانيه بعدَ أن يقبضَ جنودُ الرومان عليه، فابتهلَ إلى الله ثلاث مرَّات أن يُبعدَ عنهُ كأسَ العذاب إذا أمكنَ، لأَنَّ “الروح راغبة، ولكنَّ الجسدَ ضعيف.”[13]
ولذا، وفقًا للتعاليم الداهشيَّة، هبطَت الشخصيَّةُ الأَربعمئة من شخصيَّات السيِّد المسيح، مُتَّخذةً شكلَه تمامًا وحالَّةً محلَّه لتتلقَّى العذاب فالصَّلب. ومن أجل ذلك قال القرآنُ الكريم: “وما قتلوهُ وما صَلبوهُ ولكن شُبِّهَ لهم.”[14] وما شِبهُهُ إلاَّ السيَّالُ العُلويُّ الذي هو امتدادٌ له في العوالم الفردوسيَّة، وقد هبطَ ليقومَ مقامَهُ في مُعاناة العذاب الذي ضعُفَ يسوع عن تحمُّله.
إذًا طبيعيٌّ جدًّا أن يشعرَ الإنسانُ العاديُّ بالنزاع بين ميوله المُختلِفة، وأن يسقطَ أحيانًا كثيرةً في التجارب التي تعترضُهُ؛ وليسَ مُستحيلاً أن يشعرَ كلُّ إنسانٍ عظيمٍ أو عبقريّ، أو سامٍ بدوافعَ تحثُّهُ إلى إشباعِ رغباتٍ أرضيَّة أو تلبِيَة مطامحَ بعيدة. حتَّى المُرسَلون والهُداة الروحيُّون تتنازعُهم شتَّى الميول والمطامح لأَنَّهم في الأَرض يعيشون، ومن جبلتِها قد كُوِّنوا. والفضلُ، كلُّ الفضلِ يكونُ لهم إذا استطاعوا أن ينتصروا على تلكَ التجارب. فمن قراءاتنا لكتاب “بروق ورعود” الذي وضعَهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة عام 1942، نُدركُ أنَّ تجاربَ كثيرةً اعترضَتْهُ في حياته، لكنَّه انتصرَ عليها جميعًا وهو لم يبلغ الثالثة والثلاثين. ففي قطعةٍ عنوانها “نزاع”[15] يقول:
أنا في حربٍ شعواء مع ميولي ورغباتي وطُموحي
فالروحُ تبغي أن تُحلِّقَ بعيدًا عن عالَم المادَّة المُدَنَّس
والجسمُ اللعينُ يرفضُ ما يتوقُ إليه عالَمُ الروح المُقدَّس
فهما أبدًا في حربٍ ناشبةٍ مُستعرة الأُوار
وأنا بينهما كالريح والتيَّار في وسط البحار
فأُطيعُ حينًا نزَعاتِ جسمي، وحينًا أُطيعُ نزَعاتِ روحي.
لقد كانت أمجادُ الدنيا مُنبسطةً مُهيَّأةً بين يدَي الدكتور داهش لو أرادَ اقتناصَها، وكانت شهَواتُها طوعَ إشارةٍ من بَنانِه لو شاءَ اغتنامَها، لكنَّهُ آثرَ تحمُّلَ عذاب الاضطهاد والإبعاد والتشنيع والافتراء على التراجُع عن نشر الرسالة السماويَّة التي هبطَ من أجلِها. فقد كانَ واحدًا من أولئكَ الهُداة الروحيِّين والمُرسَلين العظام الذين تُرسلُهم العنايةُ الإلهيَّةُ إلى الأَرض الشقيَّة لمُساعدَة البشر مِمَّن يرغبون في التغلُّب على نزعاتهم السُّفليَّة والدُّنيويَّة، بِمَدِّهم بأنوار الهداية وإرشادهم إلى الطُّرُق الصحيحة التي توصلُهم إلى خلاصهم.
يقولُ في رسالتِه الأُولى التي يردُّ فيها على الدكتور محمَّد حسَين هيكل، رئيس مجلس الشيوخ المصريّ ورئيس الحزب الدستوريّ:
إنَّ الاضطهادَ العظيمَ الذي أُصِبتُ به هو لأَجلِ تعاليمي التي لا ولن أَحيدَ عنها قيدَ أُنمُلَة، حتَّى لو بذَلتُ روحي في هذا السبيل الذي أدعو إليه.
فالمالُ، والعظمةُ الكاذبة، والغرور، والمجدُ الوهميُّ، والسيادةُ المُسيطرة، والجَبَروت والطغيان—هي حُلمُ الجميع ومُبتَغى الكُلّ، وأُمنيَّةُ البشريَّة، منذُ فجر تاريخها المعروف حتَّى يومنا هذا، وحتَّى فناء كوكبنا الأَرضيّ.
لهذا تراني الآن أتخيَّلُ مواكبَ الإنسانيَّة المُندَثِرَة وهي لا غايةَ لها إلاَّ السيطرة والإثراء والطغيان.
أمَّا العدالة، أمَّا الرحمة، أمَّا المُساواة، أمَّا التضحية والمُفاداة فهي كلماتٌ طنَّانةٌ فارغة. وليسَ مَن يهتمُّ بتبنِّيها بصورةٍ صادقة. ولكنَّهم يتَّخذونها ستارًا لغاياتٍ يُريدون تنفيذَها بواسطتها.
هذا ما حاوَلتُ إفهامَ إخواني إيَّاه، وما غرستُه في نفوسهم، فكانَ ما كان من الظلم الرهيب الذي نالَني.[16]
إذًا أُولئكَ الحُكماءُ الروحيُّون الذين تُنيرُ مشاعلُهم الهاديةُ الأَرض من حينٍ إلى آخر همُ المنارةُ العُظمى في ظُلمة الحياة، وهم الأَمَلُ الأَكبرُ الذي يجبُ أن يتعزَّى به مَن يطمحونَ إلى الارتقاء الروحيّ؛ فتعاليمُهم الصادقة لا بُدَّ من أَن تفتحَ حتَّى عيونَ العميان الذين يتوقون بشوقٍ صادقٍ إلى الرؤية الروحيَّة.
المنارُ الثاني: الضميرُ الحَيّ
إِنَّ الذينَ في نفوسهم نزعاتٌ راقيةٌ ليسوا نادرين في الأَرض، فأمثالُهم يُلقَونَ في جميع الشعوب والأَديان، لكنَّهم ليسوا الأَكثريَّة. إِنَّهم يُعرَفون بِنزعاتهم الإنسانيَّة كالإحسانِ والشفقة، أو بدِفاعِهم عن الحقيقة والحُرِّيَّة والعدالة، أو بالتضحية التي قد تظهرُ في أعمالهم أحيانًا، كما يُعرَفون بامتناعهم عن إيقاعِ الأَذى والشرِّ في غيرهم حتَّى لو كانوا مأمورين بذلك؛ فشعارُهم: “لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق.”
والجديرُ بالذكر أنَّ عدَّةَ دراساتٍ نفسيَّةٍ اجتماعيَّةٍ أُجرِيَت على كثيرين من الجنود الأَمريكيِّين الذين خاضوا الحربَ العالميَّةَ الثانية أو حربَ فيتنام، فأظهرَت أنَّ حوالى واحدٍ من كلِّ أربعةِ جُنود كانَ ضميرُهُ يردعُهُ عن أن يُسدِّدَ بُندُقيَّتَهُ على خصمِه ويُطلِقَ الرصاصَ عليه ليُرديَه، مع كاملِ علمِه بأنَّ ذلك واجبٌ وطنيٌّ عليه، وبأنَّ عدوَّهُ قد يقتلُه إذا لم يُبادر إلى قتله.[17] كما أظهرَت دراساتٌ أُخرى أنَّ خُمسَ الجنود، على الأَقلّ، مِمَّن كانوا يُؤمَرون بِقَتلِ الأَسرى، كانوا يشكون، بعد ذلك، من اضطراباتٍ نفسيَّةٍ وكوابيسَ وأرَقٍ وأعراضٍ جسميَّةٍ مرَضيَّةٍ كالقَيْءِ والإسهال إلخ… نتيجةً للصراعِ النفسيِّ الذي نشبَ في ذواتِهم بين تَلبيَة صوت الضمير أو صوت الواجب الوطنيّ.[18]
إِنَّ هذه الأَمثلةَ تُظهرُ بما لا يَقبَلُ الشكَّ أنَّ النزعاتِ الخيِّرَة ما تزالُ حيَّةً في كثيرين حتَّى بين البشر العاديِّين. فإِذا زِدْنا إليهم المُصلِحين والمُفكِّرين والأُدباءَ والعُلَماءَ والفنَّانين مِمَّن يستَلهِمونَ الحقَّ والخيرَ والجمالَ في أعمالهم، فإذْ ذاكَ نُدركُ أنَّ السيَّالاتِ العُلويَّةَ ما تزالُ فاعلةً في كثيرين من البشر، وإِن يكُن الصراعُ بين الخيرِ والشرِّ ما يزالُ قويًّا في كُلِّ نفس. فالضميرُ الحَيُّ، الذي هو السيَّالُ الأَسمى في كلٍّ من هؤلاء، هو النورُ الثاني الذي يُوسِّعُ دائرةَ الإضاءة في نفوسهم، ويُعزِّزُ الأَملَ في الارتقاءِ الروحيّ. وما على كلِّ إنسان إلاَّ أن يُلَبِّيَ صوتَ ضميرِه إذا كانَ ما يزالُ مسموعًا؛ فهو الدليلُ على أنَّ النورَ الهادي ما يزالُ فيه.
المنارُ الثالث: العقلُ الهادي
كنتُ قد أوضَحتُ في عددٍ سابقٍ من “صوت داهش”[19]ما يشتملُ العقلُ عليه من قوًى نفسيَّة، وبيَّنتُ أنواعَ الذكاء المُختلِفة بين الناس؛ كما ذكَرتُ أنَّ المواهبَ العقليَّةَ قد تتميَّزُ بِتَفوُّقِها، أحيانًا، فتَسمو إلى درجة العبقريَّة، وتُؤثِّرُ، إذْ ذاك، في مجرى التاريخ تأثيرًا قد يكونُ كبيرًا أو صغيرًا، وتُسهِمُ في تقدُّمِ الحضارة بجانبٍ من جوانبها.
والخالقُ—عزَّ وجلَّ—جعلَ العقلَ هاديًا في كلِّ إنسان، لأَنَّ العقلَ قبَسٌ من النور الإلهيِّ المُطلَق. لا يشذُّ عن ذلك إلاَّ مَنِ اختَلَّ عقلُهُ اختلالاً كبيرًا فصارَ ذا جُنونٍ مُطبِق أو عاجزًا عن رَبْطِ الأَسبابِ بنتائجها، وعن تمييز الخيرِ من الشرّ، فيغدو مثَلُالمجنون، إذْ ذاك، مَثَلَ الطفل الذي لا يُحَمَّلُ تبعةَ أَعماله؛ وهذا نادرٌ جدًّا حتَّى بين المُجرمين.[20]وأَهمُّ ما يجبُ أن يُقدِّمَه العقلُ من معارف لإضاءة طريق الارتقاء الروحيّ هو: معرفةُ الإنسان لذاته، ومعرفةُ القوانين الطبيعيَّة والإنسانيَّة، ومعرفةُ قوانين المنطق التطبيقيِّ السَّديد.
إِعرَفْ ذاتَك
هذه الحكمةُ ما تزال، منذُ أطلَقَها سُقراط، مفتاحَ بابِ الهداية المُؤدِّي إلى طريق الارتقاء الروحيّ. وأنا أستَخدمُها هنا بمعناها السيكولوجيّ لا الاجتماعيّ الذي ألبَسَها إيَّاهُ بعضُ الباحثين.
وفي ضوء التعاليم الداهشيَّة تُصبحُ هذه الحكمة ذاتَ عدَّةِ أبعاد:
أوَّلاً – كلُّ إنسانٍ هو ملاكٌ أَو كائنٌ عُلويٌّ ساقط. إذًا عليه ألاَّ يفقدَ الأَملَ في العودةِ إلى عالَمٍ أرقى جدًّا من الأَرض، وعليه أن يؤمنَ بقُدرتِه على ذلك إذا هو أراد.
فقد تأكَّدَ لي بالمُعجزاتِ الملموسة التي عاينتُها أنَّ غيرَ قليلين من الداهشيِّين الذين قضَوا خلالَ حياة مُؤسِّس الداهشيَّة انتَقَلوا إلى عوالمَ فردَوسيَّةً عظيمةَ البهاء والمعرفة. كما أَكَّدَ لي الدكتور داهش أنَّ أشخاصًا غيرَ قليلين لم يعرفوا الداهشيَّة، لكنَّهم عاشوا حياةً روحيَّةً صادقة، انتَقَلوا إلى الفراديس العُلويَّة، في حين أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ صنَّفَتهم بين الهالكين أو المُجرمين أو زجَّت بهم في “مطهرها”؛ منهم سُقراط وأفلاطون وشكسبير وفولتير وجبران خليل جبران والمهاتما غاندي وكثيرون من العباقرة. وعلى نقيضِ ما يظنُّ كثيرون من المسيحيِّين، عرفتُ من مُؤسِّس الداهشيَّة أنَّ أشخاصًا كثيرين مِمَّن طُوِّبوا “قِدِّيسين” يُعانونَ العذابَ في الدركات الجحيميَّة. ذلكَ بأنَّ العقلَ إذا لم تدعمْهُ نزعاتٌ ساميةٌ ورغباتٌ وأفكارٌ صادقةُ الروحانيَّة يبقى عاجزًا عن إنقاذِ صاحبِه والسموِّ به إلى ما فوق درجة الأَرض الروحيَّة. فالقداسةُ ليست بالمواعظِ والكتابات التي تشرحُ القداسةَ والروحانيَّة وما يمتُّ إليهما، بل هي في الأَعمال والرغبات والأَفكار الروحانيَّة التي يُقدِّسُ بها الإنسانُ نفسَه.
ثانيًا- كلُّ إنسانٍ ولدَهُ أبَوان بشريَّان يكونُ مفطورًا من جبلة الأَرض الخاضعةِ للخَلَلِ والنقائص كما للتجارب الدُّنيويَّة. فإذا عمَّ البشرَ خَلَلٌ أو نَقصٌ أو شملَ معظمَهم، فاستَنتَجَ الباحثون أنَّهُ في الطبيعة البشريَّة، فهذا لا يَعني أنَّ الخللَ أصبحَ صحَّةً والنقصَ كمالاً، ذلك بأنَّ الطبيعةَ البشريَّةَ نفسَها غير صحيحة ولا كاملة. فالصحَّةُ النفسيَّةُ، ولْنقُل الروحيَّة، بعيدةٌ عن أكثريَّة البشر.
ولذلك تقتَضي معرفةُ الذات أن يستكشفَ الإنسانُ النقصَ والضعفَ والخَلَلَ في نفسِه بنَقدِه أعمالَه وميولَه وأفكارَه قياسًا على سُلوكِ شخصيَّاتٍ روحانيَّةٍ بارزة. وليس أَوضح من سيرة غاندي وسِمات شخصيَّته لتكونَ قاعدةً ومَقاسًا. لكنَّ هذا الأَمرَ ليسَ سهلاً، بل فيه الصعوبةُ كلُّها؛ لأَنَّ أكثريَّةَ البشر يُعميهم عن رؤيةِ حقيقة نفوسهم الغباء أو الغرور والكبرياء التي يُشكِّلُ كلٌّ منها غشاوةً على الإدراك، فتتعكَّرُ الرؤيةُ الصافية وتنحرفُ الرِّميةُ عن هدفِها. ومثلما أنَّ الجهلَ والغباءَ يُعلِّلان عجزَ أكثر العامَّة عن الارتقاء الروحيّ، فإنَّ الغرورَ والكبرياءَ يُعلِّلان فَشَلَ كثيرين من المُفكِّرين والأُدباء والفنَّانين والعُلماء في الارتقاء الروحيّ.
ثالثًا- أَصعَبُ من كَشْفِ النقص والضَّعف والخَلَل هو الاعترافُ بها، لا بين الإنسان ونفسِه فحَسب، بل بينَه وبينَ معارفه وفي مُحيطه، لأَنَّهُ يقتَضي شجاعةً معنويَّةً وصِدقًا وإخلاصًا للحقيقة. فليس سَهلاً أن يعترفَ إنسانٌ ما حتَّى لنَفسِه بأنَّهُ أنانيٌّ أو مَفتونٌ بنفسه أَو بحُبِّ الظهور أَو جَشِعٌ أَو بخيلٌ أو مغرورٌ أو مُتكبِّرٌ أو كذَّابٌ أو حَسودٌ أو مهووسٌ بالجنس أو بالتسلُّط إلى ما هنالك. كتبَ غاندي يقول:
“إِنَّ أهمَّ أسباب سوء التفاهُم الذي وقعَ هو اعتبارُ الملايين إيَّايَ أنَّني رجلٌ كامل. وأَصدقائي الذين يعرفون مَيلي إلى الجيتا (كتابٌ هندوسيٌّ مُقدَّس) أرَوني فيها أبياتًا واضحةً، وأظهَروا لي أنَّ تصميمي على الافتخار يتنافى مع التعاليم التي أُحاولُ أن أعيشَ بمُقتضاها. ولكنَّ جميعَ هؤلاء المُرشِدين غابَ عنهم أنَّني لستُ إلاَّ باحثًا عن الحقيقة. وأدَّعي بأنَّني أَبذُلُ جهودًا لا تنقطِعُ في سبيل العُثور عليها كاملةً، غير منقوصة—معناهُ إِدراكُ الإنسان نفسَه والوقوفُ على مصيرِه. ولكنِّي مُدرِكٌ تمامًا لجميعِ نقائصي. وفي إدراكي هذا قوَّتي التي تملَّكتُ من ناصِيَتِها؛ لأَنَّهُ من النادر أن يعرفَ الإنسانُ نقائصَه، ويعترفَ بها.”[21]
والداهشيُّون الذين لازَموا مُؤسِّسَ الداهشيَّة فعايَشوهُ وعرَفوه عن كَثَب يُدرِكون أيَّ إنسانٍ طاهرٍ سامٍ كان يعيشُ بين ظهرانيهم، ومع ذلك كان يستنصر الله ويستَرحمُه ويستَغفرُه. عام 1942 كتبَ قطعة “إعتراف” قائلاً:[22]
عطفًا ورحمةً منكَ، يا خالِقي، واغمُرْني بلُطفِكَ المُتناهي
إنَّ ذُنوبي قد فاقَت بكَثرتِها رِمالَ البِحار
والمعاصي التي ارتَكَبتُها تُدَوِّي في أُذُني كَدَويِّ الأَنهار
عندما بعثَني العَدَمُ إلى الوُجودِ كنتُ غارقًا في الآثام
وعندما بلَغتُ عَهدَ الشباب، تمرَّغَتْ نفسي في حَمأَةِ الأَيَّام
وها أنا الآنَ شاعرٌ بالذُّنوبِ التي تُكبِّلُني… فالرحمةَ يا إلهي.
ومَن يُنعِم النظرَ في ما وراء كلمات هذه القطعة، ثمَّ يقف عندَ قولِه “عندما بَعَثَني العَدَمُ إلى الوجودِ كنتُ غارقًا في الآثام،” يُدرِك أنَّ رجلَ الروح يشعرُ بمسؤوليَّتِه عن الدورات الحياتيَّة السابقة التي عاشَها والتي امتدَّت على آلاف السنين، بل يُدركْ أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يشعرُ أنَّهُ لا يحملُ على منكبَيه أعباءَ ما جَنَتهُ يداهُ خلال مئات القرون السالفة فحَسب، بل أعباءَ ما جَنَتهُ أيدي الناس أيضًا، لأَنَّ رجلَ الروح يعرفُ أنَّهُ هو وهم واحد، ويتراءَى له أَنَّه هو آدَم والبشرَ أبناؤهُ، وهو مسؤولٌ عن أعمالهم. هذه الوحدةُ التي تُطلُّ من خلالها ذنوبُ البشرِ كافَّةً نستشفُّها في قطعة “صلاة نادم حَزين”[23] التي كتبَها عام 1974؛ فهو يقولُ فيها، بعدَ أن يُعدِّدَ صُنوفَ الرذائل والمصائب والجرائم التي ملأَت طُرُقَه:
إِنَّ بِحارَ الكُرةِ الأَرضيَّةِ وأنهارَها وجداولَها وسواقيها مُجتمِعَةً
لا تستطيعُ أن تغسِلَ ذُنوبي، وتُلاشي حُوبي، وتقضي على عُيوبي.
والآن، وبعدَ أن تصرَّمَت حبالُ عُمري،
وبلَغتُ من العمرِ أرذَلَه،
نظَرتُ إلى ورائي،
وإِذا بي لا أجِدُ إلاَّ ظلامًا يتلوهُ ظلامٌ أَزَليّ!
وكذلك نظَرتُ إلى الأَمام،
فإذا بي لا أجِدُ إلاَّ سُخامًا يتلوهُ سُخامٌ سرمديّ!
إِنَّها البشريَّةُ في أجيالِها الشرِّيرة الضاربة في ظلامِ ما قبل التاريخ والمُتناسِلَة فسادًا يتلوهُ فسادٌ حتَّى انقضاءِ الحياة!
ومع ذلك فالأَملُ في الخلاص يبقى لِمَن يستطيعون الاهتداء بالمنارات الثلاثة.
إعرَف القوانينَ الطبيعيَّة والإنسانيَّة
إنَّ أَهمَّ ما يُدرَسُ في العلوم الطبيعيَّة أَو الإنسانيَّة هو قوانينها. وتحصيلُها أَصبح مُتاحًا لأكثريَّة الناس. وبِقَدر ما تتَّسِعُ دائرةُ المعرفة البشريَّة لدى إنسانٍ ما يرحبُ مجالُ رؤيتِه للأُمور، وتقربُ أحكامُه من الإصابة، لأَنَّ الرؤيةَ الشاملةَ تُخَوِّلُ صاحبَها أن ينظرَ إلى الأَشياء والأَحداث من مُختلِف الجهات، فيرى ترابُطَها وتفاعُلَها؛ وهذا على عكسِ ما لو نظرَ إلى الشيءِ من جهةٍ واحدة، فإنَّهُ، إذْ ذاك، سيكونُ محدودَ الرؤية بالجانب الذي نظرَ منهُ.
وسبقَ أن أوضَحتُ أهمِّـيَّةَ العقل في عمليَّة الرقيِّ وما يمنحُه الدكتور داهش من شأنٍ كبيرٍ يتجلَّى في إكبارِه العُلماء والمُفكِّرين والأُدباء والفنَّانين، وفي اقتنائه أكبر مكتبة خاصَّة في الشرق الأَوسط، كما في تأسيسِه لمتحفٍ يكادُ يُضارعُ المتاحفَ العالَميَّة.
إعرَفْ قوانينَ المنطق السديد
إنَّ معرفةَ تطبيق هذه القوانين مهمَّة جدًّا من أجل تجنُّب الزَّلَل في الاستنتاجات والأحكام، ولتمييز الخطإ من الصواب والحقِّ من الباطل. فمَن يجعلْ قاعدةَ سلوكه مَبنيَّةً على ثالوث الحقِّ والخير والجمال المجتمع بكماله المُطلَق في القوَّة الموجِدة، في الله تعالى، يُخطئْ في منطقه إذا انقاد، مثلاً، لقائدٍ يُقيِّدُ حرِّيَّةَ الرأي والاعتقاد، أو لا يرحمُ الضعيف، أو لا يصفح، أو لا يتَّسع صدرُه للتسامُح الدينيّ، بحُجَّة أَنَّ ذلك القائد مُستقيم، يشهدُ على استقامته صَومُه وصَلاتُه وعِظاتُه. ذلك بأَنَّ الاستقامة تنتفي بتقييدها للحرِّيـَّة وحَجبِها للرحمة والصَّفح والتسامُح، لأَنَّ هذه جميعَها مُنطوية تحت الحقِّ والخَير المُنضويَين في مفهوم الخالق، و”لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق.”
كذلك في المجتمعات الديمقراطيَّة قد تُلزِمُ الأكثريَّةُ الأَقلِّـيَّة برأيٍ أَو موقفٍ أو تشريعٍ، لكنْ ليس كلُّ ما يُقَرُّ ديمقراطيًّا يعني أَنَّه صحيح، إلاَّ إذا كان مُتَّفقًا مع القِيَم الروحيَّة وقواعد الاستقامة. فكما الوباء قد ينتشرُ حتَّى يُصيبَ أُمَّةً بمُعظمها هكذا قد ينتشرُ وباءٌ خُلقيّ.[24]
ولا أنسى الجلساتِ الكثيرة التي كان الدكتور داهش فيها لا يمتحنُ ثقافةَ جُلسائه فحَسب، بِطَرحِه الأَسئلةَ العلميَّة أو الأَدبيَّة أو التاريخيَّة عليهم، أو بسؤالهم عن مكتباتهم الشخصيَّة وعمَّا يقرأون، بل كان، أحيانًا كثيرة، يروي لهم أقاصيصَ أو أخبارًا طالبًا آراءَهم فيها ليمتحنَ مدى سداد منطقهم؛ إذْ كانَ يُريدُ أنصارَهُ مُثقَّفين ثقافةً شاملةً، وإن لم يُتَحْ لبعضهم أَن يدخلَ جامعةً ما؛ كان يشاؤهم مُتيقِّظين فطِنين أَلمعيِّين لا ينسَون شيئًا، ولا تفوتُهم شاردةٌ أو واردة، ولا يخدعُهم مُشعوِذٌ أو محتالٌ أو مُخادِع، يُفكِّرون ويستنتجون تِبْعًا لتفكيرٍ سليم ومنطقٍ سديد.
المنارُ الرابع: التعاليمُ الموحاة
أمَّا القوانينُ الروحيَّةُ فيستحيلُ أن يعرفَها إنسانٌ إلاَّ من خلالِ تعاليمَ موحاةٍ تُكشَفُ لمُرسَلٍ أو هادٍ روحيّ. وهي الجانبُ الأَهمُّ في المعارف كُلِّها؛ فبدونِها تبقى رؤيةُ الإنسان لأَشياء كثيرة مُعَكَّرة، كما تبقى أمورٌ وأسرارٌ كثيرةٌ محجوبةً عنه.
ويُمكنُ إجمالُ أهمِّ القوانين الروحيَّة المُستَنتَجَة من التعاليم الداهشيَّة الموحاة أو المُلهَمَة بالعشرة التالية:
1- لا يُمكنُ البرهنةُ الملموسةُ على وجود الروح الخارقة بقُدرتِها ومعرفتِها إلاَّ بالمُعجزة؛ فهي وحدها إثباتٌ مُباشَرٌ لوجود كائنٍ لا يخضعُ لقوانين الطبيعة المعروفة بل يُخضعُها. لذلك يستحيلُ على أيَّةِ قوَّةٍ بشريَّةٍ أن تصنعَ أيَّةَ مُعجزةٍ، سواءٌ سُمِّيَت هذه القوَّة “قداسة” أم باراسيكولوجيا أم سحرًا أم غير ذلك.
2- إنَّ الأَرواحَ لا تحتلُّ الأَجسادَ المادِّيَّةَ، لأَنَّها من ذاتِ الله؛ فهي تشهدُ له وتُمجِّدُه، ولَها عوالمُها القُدْسيَّةُ الطاهرة المجيدة المُفارِقة كُلِّيًّا للمادَّة. لذلك يستحيلُ أن تحتلَّ أيَّةُ روحٍ جسدًا بشريًّا أو أيَّ كيانٍ مادِّيّ.
3- إِنَّ الكونَ كُلَّه بما فيه من كائناتٍ معروفةٍ وغيرِ معروفة، نسيجُهُ الجوهريُّ اللامرئيُّ واللامحسوسُ هو من السيَّالات الروحيَّة التي هي كنايةٌ عن وحداتٍ إشعاعيَّةٍ مُتناهية في تردُّدها الذَّرِّي، ذاتِ إدراكٍ ونزعاتٍ وإرادة. وهذه السيَّالاتُ هابطةٌ من أرواحٍ أُمَّهات بفِعل انخفاضٍ طارئٍ على نقاوتها. لذلك كُلَّما انخفضَ نقاءُ السيَّال انخفَضَت درجتُه، وبالتالي درجةُ معرفته ونزعاتِه.
4- إنَّ تفاوُتَ السيَّالات الروحيَّة في انخفاض درجاتها—وبُعدها بالتالي عن مصادرها في العوالم الروحيَّة—سبَّبَ تشكيلَ الكون المادِّيّ بملايينِ مجرَّاته وبلايين نجومه وكواكبه. وقد نشأَت عن هذا التفاوُت150 درجة عُلويَّة يضمُّ كلٌّ منها بلايينَ النجوم والكواكب الفردَوسيَّة حيثُ الكائناتُ تقلُّ أمراضُها حتَّى التلاشي، ويتضاءَلُ شقاؤها حتَّى الاختفاء، وتتعاظَمُ هناءَتُها ومعرفتُها وقُدرتُها حتَّى تُقاربَ الكمال، وذلك بالنسبة لسُمُوِّ الدرجة الروحيَّة التي يتمتَّعُ بها العالَمُ العُلويّ. كما نشأَت 150 دَرَكَة سُفليَّة يضمُّ كلٌّ منها بلايينَ النجوم والكواكب الجحيميَّة حيثُ تنعكسُ الآية، فيتعاظَمُ شقاءُ الكائنات وتتفاقَمُ الأَمراضُ والمصائب ويزدادُ الجهلُ والغَباء، وذلك بالنسبة لدرجة العالَم السُّفليّ. وهذه العوالمُ، عُلويَّةً كانت أم سُفليَّة، هي في تغيُّرٍ مُستمرٍّ تبعًا لتطوُّر كائناتها؛ فمنها ما يرتَقي، ومنها ما يتدنَّى، ومنها ما يُكَوَّنُ، ومنها ما يضمحلّ. لذلك فكلُّ عالَمٍ تنخفضُ درجتُهُ الروحيَّةُ دونَ حدودٍ مُعيَّنةٍ في النظامِ الإلهيّ، بسببِ تفاقُمِ الشرِّ والرذيلة وتعاظُمِ الفساد والضَّلال في كائناته، يُصبحُ مُعَرَّضًا لاجتياح الأَخطار الكثيرة لطبيعتِه، ثمَّ لزوالِ جُرمه نفسه.
5- تستوي درجةُ الأَرض الروحيَّة على عَتَبَة الدركة الأُولى من العوالم السُّفليَّة. فهي إذًا بطبيعتها أقربُ إلى جواذب الدركات الجحيميَّة منها إلى جواذب الدرجات الفردوسيَّة. لذلك فطبيعةُ الإنسان طبيعةٌ لا عصمةَ فيها؛ فهي ناقصة، ساقطة، يُداخلُها الخَلَل. لا استثناءَ في ذلك. وتفاوُتُ البشر في طبائعهم يكونُ في اختلافِ أنواع الخَلَل ومدى اتِّساعه. ومن أجلِ أن يرتقيَ الإنسانُ، بمُجمَلِ قِواه النفسيَّة، عليه أن يُجاهدَ نزعاتِه الدنيا الأَمَّارة بالسوء، ويوسعَ مداركَه، ويفهم أنَّ ارتقاءَهُ الحقيقيَّ هو في مُمارستِه القِيَمَ الروحيَّة وتدرُّعِه بالمُثُل العُليا، الحقِّ والخير والجمال، لأَنَّها ظلالٌ للحقائق السامية الخالدة في عوالم الأَرواح القُدسيَّة.
6- إِنَّ الأَحوالَ والأَحداثَ الجاريةَ على الأَرض، سواءٌ في البشر أم الحيوان أم النبات أم الجماد إلخ، كما الأَحداث والأَحوال الجارية في رِحاب الكَون، محكومةٌ كلُّها بالسَّبِبيَّة الروحيَّة.[25] فعلى الصعيد البشريّ، ما من حالٍ أو حادثٍ صحِّيٍّ أو اجتماعيٍّ أو ماليٍّ أو سياسيٍّ أو علميّ، فرديًّا كان أم جَماعيًّا أم عالَميًّا، إلاَّ وراءَهُ سببٌ روحيٌّ يستحيلُ على الناسِ كشفُه عادةً. فمرضُ الشخص الواحد كما الوباء، وخسارةُ الفرد الماليَّة كما الانهيارُ الاقتصاديّ في مُؤسَّسةٍ أو دولة، وقَتلُ امرئٍ بحادث اصطدام أو اغتيالاً كما قتلُ الآلاف بالزلازل أو الفيضانات أو الحروب، وقيامُ الثورات والانقلابات، وظهورُ الاكتشافاتِ والاختراعات—جميعُها مع ما يُشابهُها لها أسبابٌ قريبةٌ مُباشَرة ليس من المُتعذِّر أن يكشفَها أربابُ الاختصاص من أطبَّاء وعُلماء وباحثين ومُحقِّقين، كلٍّ في مجاله؛ لكنَّ تلكَ الأَحداثَ والأَحوالَ لها أيضًا عِلَلٌ روحيَّةٌ هي مُسبِّباتُ أسبابها الظاهرة، وقلَّما يهتدي الباحثون إليها إلاَّ مَن هداهم الله. فخرابُ أُورشليم ما زالَ اليهود، منذُ ألفَي سنة، يردُّون سببَه إلى النزاعِ الداخليّ بين الأَحزاب اليهوديَّة كما إلى ضرب الرومان لهم بسبب تمرُّدهم. لكنَّ السببَ الروحيَّ الذي باتَ معظمُ العالَم مُقتنعًا به هو اضطهادُ اليهود للسيِّد المسيح. ولو لم يضطهدوهُ ويُعذِّبوه لَما سمحَ الله بأَن يُنكَبوا وتُدَمَّرَ بلادُهم، ولَما شُرِّدوا في كلِّ قُطرٍ تحقيقًا لنبوءة السيِّد المسيح عن مصيرهم. وبعدَ ألفَي سنة تتكرَّرُ الأَحداثُ نفسُها مع مُؤسِّس الداهشيَّة وفي بلدٍ مُجاورٍ هو لبنان. فليسَ من العسيرِ أن يكتشفَ الباحثون الأَسبابَ المُباشَرَة التي أدَّت إلى خرابِ لبنان وانهيارِ اقتصادِه وتشرُّدِ شعبِه وقَتْل حوالى مئة وسبعين ألفًا من سُكَّانه. فالمُحقِّقون يردُّونها إلى تكوينِه الاجتماعيِّ الطائفيّ غير المُتماسِك، وتنازُعِ مذاهبه وأحزابه، ووجود أعدادٍ كبيرةٍ من الفلسطينيِّين المُسَلَّحين على أرضه إلخ… لكن هل فكَّرَ الباحثون، إذا كانوا مُؤمنين بوجودِ إله عادل، في أنَّ اللهَ لم يعصم فئةً من الفئات ولا حمى طائفةً من الطوائف، بل صبَّ جامَ غضبه عليهم جميعًا، فكانت الكارثةُ عامَّةً شاملة. فأين “القِدِّيسون” الذين يشفعون ويحمون؟ وأينَ “الأَولياء” الذين يتدخَّلون ويحفظون؟ إنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة أرسلَهُ الله هاديًا ليجمعَ ما انقسَم، ويُصلحَ ما فسد، ويُبرئَ ما مرض، ويُوحِّد الجميعَ في إيمانٍ نظيفٍ نقيٍّ حَيٍّ بالله وبوحدةِ أنبيائه وأديانه؛ لكنَّ الطُّغاةَ في السلطات السياسيَّة والدينيَّة سجنوهُ وعذّبوهُ وشرَّدوهُ وجرَّدوهُ من جنسيَّته دونما مُحاكَمَة وبِخَرقٍ فاضحٍ للدستور ومُوافقَة على ذلك من الصِّحافة والنوَّاب والوُجهاء والرسميِّين ورجال الدين. فلو كان الدكتور داهش رجلاً عاديًّا، وفعلوا فيه ما فعلوا وهو البريءُ النقيّ، لغَضبَ ربُّ السماءِ عليهم وعلى أبنائهم من بعدهم. فكيفَ وهو الهادي الروحيّ المُؤيَّد بالمُعجزات المُذهِلَة!
7- إِنَّ الخالقَ—عزَّ وجلَّ—أبدعَ للكونِ وما فيه نظامًا كاملاً في عدالتِه. وقد اختصرَهُ القرآنُ الكريمُ بآيته البليغة: {فمَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه، ومَن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ شرًّا يَرَه} (سورة الزلزال: 7و8). ومُحالٌ أن يُؤثِّرَ إنسانٌ في مصيرِ إنسانٍ فيدعَه يسقطُ روحيًّا، فيُجازى لسُقوطِه؛ ذلك بأنَّهُ، على حَدِّ تعبير الدكتور داهش، “إذا سقَطنا، فيكونُ سقوطُنا من سيَّالنا الذي نحنُ أوصَلناهُ إلى دَرَكٍ سُفليّ، فأصبحَ يرغبُ بالانتقام منَّا، وجَعْلِنا ننقادُ لإيحائه بواسطةِ الإشعاع الذي يُرسلُه لكَي يوقعَنا بشباكه…”[26]فإنَّنا “نحنُ الذين نُجازي أنفُسَنا فنوصِلُ سيَّالاتِنا إلى درجةٍ عُلويَّةٍ أو دركةٍ سُفليَّة. وما ربُّكَ بظالمٍ لخلائقه، إنَّما لأَنفُسهم يظلمون.” [27]
8- بما أنَّ نظامَ العدالة الإلهيَّة يستحيلُ أن تشوبَه شائبة، وعمرَ الإنسان، مهما امتدَّ، يبقى قصيرًا فلا يسمح له بالتغلُّب على نزواته السُّفليَّة ومطامعِه وشهواته الدُّنيويَّة ليستحقَّ الارتقاءَ إلى فراديس النعيم، فإنَّ اللهَ، رحمةً منه، جعلَ التقمُّصَ على الأَرضِ سُنَّةً، به يُحاولُ كلُّ سيَّالٍ أن يزدادَ تطهُّرًا وارتقاءً في كلِّ دورةٍ حياتيَّةٍ من أُلوف الدَّورات التي يُسمَحُ له بها.[28]
9- مُحالٌ أن يدخلَ أيُّ سيَّالٍ روحيّ إلى عوالم الأَرواح، حتَّى إلى الدرجة الأُولى من أصلِ درجاتها المئة والخمسين، ما لم يكُن قد تخطَّى بدرجته الروحيَّة العوالمَ الفردوسيَّة جميعَها حتَّى الدرجةَ المئةَ والخمسين منها. فمَن يمُت وقَلبُه ما يزالُ فيه أيُّ عَيب، أو ما يزالُ مُتعلِّقًا بشيءٍ من الدنيا، مهما يكُن تافهًا، بشهوةِ مالٍ أو جنسٍ أو سُلطة، بجاهٍ أو شُهرةٍ أو خمرة… فإنَّهُ من المُحال لا أن يدخلَ الدرجةَ الأُولى من عوالم الأَرواح القُدسيَّة فحسب، بل الدرجة الأُولى من عوالم الفراديس العُلويَّة أَيضًا.
في ضوءِ هذا المفهوم نفهمُ قولَ السيِّد المسيح “ما صعدَ أحدٌ إلى السماء إلاَّ ابنُ الإنسان الذي نزلَ من السماء” (يوحنَّا 3: 13) . فسيَّالاتُ المسيح المُنبثَّة في الأَنبياء والهُداة الروحيِّين وحدَها استحقَّت أن تدخلَ عوالِمَ الطهارة والقُدسيَّة. إذًا واهمون ومُضَلَّلون أولئكَ الذين يؤمنون بأنَّهُ كلَّما ماتَ لهم إنسانٌ وصلَّى عليه كاهنٌ أو شيخ، فإنَّهُ سيدخلُ السماوات. فدونَ السماوات 150 درجة فردَوسيَّة، كلٌّ منها ذاتُ ألفَي مُستوًى، وكلُّ مُستوًى يضمُّ ملايينَ العوالم، ولن يدخلَ أدناها درجةً إلاَّ مَن كان من المُختارين.
10- مُحالٌ أن تندمجَ أيَّةُ روحٍ قُدسيَّةٍ، مهما بلغَت من السُّمُوِّ والطهارة، بالله—عزَّ وجلَّ—ما لم تجمع إليها جميعَ ما تفرَّقَ وهبطَ من سيَّالاتها المُنبثَّةِ في رحاب الأَكوان، معروفِها ومجهولها. لذلك فكلُّ ادِّعاءٍ بالاندماج في الله—سبحانه—هو هراء وضلال، سواء قال به المُتصوِّفون أو اليوغيُّون أو غيُرهم من المُدَّعين الضالِّين والمُضلِّلين.
تلكَ هي أهمُّ القوانين الروحيَّة التي يُمكِنُ استنتاجُها من التعاليم الداهشيَّة المُوحاة. فعلى الراغبين في الارتقاء الروحيّ أن يتفهَّموا أبعادَها ويتوغَّلوا في أعماقها، فهي مشروحةٌ في الرسائل الروحيَّة الموحاة وفي كتابات مُؤسِّس الداهشيَّة المُلهَمَة، كما في الشروح التي وضَعَها أتباعُه.
يتبع في العدد القادم
طريق الارتقاء الروحي (3): الجُهدُ الإراديُّ الشخصيّ
[1] انظر “رسالة الأَب نوح” التي هبطَت بصورةٍ إعجازيَّةٍ على مُؤسِّس الداهشيَّة، في كتاب “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّة المُذهِلَة” بقَلَم حليم دمُّوس (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 64.
[2]تِبْعًا لتَخمينات العالِمَين وليام رايان وولتر بِتمان حدثَ الطوفان حوالى عام 5600 قبل المسيح خلافًا لتقدير شارحي الكتاب المقدَّس. وقد استَنتَجا هذا التاريخ من اكتشافاتهما الحديثة في البحر الأَسود الذي كانَ بُحيرةً عذبةَ المياه قبل أن يفيضَ البحرُ المتوسِّط ويطغى عليها ويُشرِّدَ كلَّ مَن كانَ في تلك المنطقة. انظر:
William Brian & Walter Pitman. Noah’s Flood: The New Scientific Discoveries About the Event that Changed History. (New York: Simon and Schuster, 1998).
[3]الدكتور داهش، “القلبُ المُحَطَّم” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1984)، ص 285-286.
[4]Konrad Lorenz, On Aggression. (New York: Harcourt, Brace / Bantam, 1971), pp.212-213, 221, 228-229.
[5]John Keegan. A History of Warfare. (NY: Alfred Knopf, 1993), p. 386.
[6]Psychology Today, May/June, 1999, p. 57.
[7]D.Niehoff. The Biology of Violence. New York: Simon & Schuster / The Free Press, 1999.
[8]في الساعة الثامنة والنصف من مساء 11 حزيران (يونيو) 1943، عقدَ الدكتور داهش جلسةً روحيَّةً حضرَها الشاعرُ حليم دمُّوس والسيِّد جوزف حجَّار وقرينتُه. وما إن أخذَت الغيبوبةُ الروحيَّةُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة، وتسامى سيَّالُهُ الأَعلى مُجتازًا بلايين العوالم المادِّيَّة ثمَّ داخلاً عالمَ الروح حتَّى تجسَّدت حمامةٌ ناصعةُ البياض وحطَّت على كتفِ السيِّدة الحاضرة. وعلى الفور تجلَّى روحُ الأَب الصالح نوح وأعلنَ أنَّ هذه الحمامةَ هي نفسَها التي أطلَقَها من الفُلك يومَ حدثَ الطوفان، وأنَّ سيَّالَها حُفِظَ في عالَم الأَرواح حيثُ لا شيءَ يفنى. وقد مكثَت هذه الحمامةُ في منزل الرسالة الداهشيَّة ببيروت حتَّى 27 كانون الأَوَّل (ديسمبر) من العامِ نفسِه، حينَ بدأَت تحومُ حولَ رأسِ رجل المعجزات وجسمُها يتصاغَرُ تدريجيًّا حتَّى اختفَت. والجديرُ بالذكر أنَّ روحَ الأَب نوح لمَسَت، بواسطة الدكتور داهش، عدَّةَ أوراقٍ بيضاء أُحضِرَت إليه، فارتَسَمَت عليها فورًا رسالةٌ روحيَّةٌ عن أحداث الطوفان.(انظر المعجزة في حليم دمُّوس، “المعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّةُ المُذهِلَة، ص 55-68 و 107-108.)
[9]المصدر السابق، ص 63-64.
[10]الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأَرضيَّة”، ج1. (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1982)، ص 162-163.
[11] أنظر الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”. (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 42- 44 و 115-116.
[12] إنجيل لوقا: الإصحاح الرابع.
[13]إِنجيل متَّى 26: 36-46.
[14]سورة النساء: 157.
[15]الدكتور داهش، “بُروق ورُعود”. (بيروت: مطابع روطوس، 1946)، ص 102.
[16]الرسائل المُتبادَلَة بين الدكتور داهش… والدكتور حسين هيكل باشا. (بيروت: دار النسر المحلِّق، 1981)، ص 43-44.
[17]Roy F. Baumeister. Evil: Inside Human Violence and Cruelty. (New York: W.H.Freeman and Co., 1999), pp. 206-207.
[18]Ibid, p. 209.
[19]السنة الرابعة، العدد 4، آذار (مارس)، 1999.
[20]مقابَلَة مع الطبيب النفسيّ والخبير القضائيّ الشهير بارك دِيَتز Park Dietz في مجلَّة Psychology Today, May/June 1999, p. 58.
[21]الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار”. (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 177-179. نقلاً عن كتاب “المهاتما غاندي” لفَتحي رضوان.
[22]الدكتور داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة”. (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 93.
[23]المصدر السابق، ص 175.
[24] أنظر مُراجعة كتاب “الاستقامة” في هذا العدَد، ص
[25]راجع مقال “السَّببيَّة الروحيَّة والعدالة الإلهيَّة”، في “صوت داهش”، السنة الأُولى، العدد الثالث، كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1995.
[26]الدكتور داهش، “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، ج3 (قيد النشر): “حُلم مَهيب”.
[27]المصدر السابق نفسه.
[28]راجع مقال “العدالة الروحيَّة والتقمُّص” في “صوت داهش”، السنة الأُولى، العدد الرابع، آذار (مارس) 1996.
طريقُ الارتقاء الروحيّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ (3)
دورُ الإرادة في الارتقاء الروحيّ
بقلم الدكتور غازي براكْس
في العدَدَين السابقَين من “صوت داهش” أوضَحتُ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ ارتقاءَ المعراج الروحيّ لتَحقيقِ الكمال الإنسانيّ ما لم يجتَز المرحلةَ المُمَهِّدَة له، وهي الارتداعُ عن المُنكَرات التي يُمكنُ إجمالُ دوافعها النفسيَّة بستَّة: شهوةِ المال، شهوةِ الجنس، شهوةِ السلطة، نزعةِ الحسد، نزعةِ الكبرياء، ونزعة الرياء؛ ثمَّ بيَّنتُ أنَّ المصدرَ الأَوَّلَ لتلك الدوافع الخبيثة—كما للدوافع الخيِّرة إذا وُجِدَت—هو سيَّالاتُ الإنسان نفسُها. غيرَ أنَّ الساعي إلى الكمال الإنسانيّ بوسعِه تبديد الظلام في طريق حياته باسترشاد منارات الارتقاء الروحيّ الأربعة التي أَجملتُها بحياةِ المُرسلين والهُداة، والضميِر الحيّ، والعقلِ الهادي المُسَلَّح بالعلم والمنطق السديد، والتعاليمِ الموحاة.
لكنَّ ثمَّةَ مصادرَ أُخرى لكلٍّ منها دورُه المُهمّ في صياغة دوافع الإنسان، هي الفعلُ الإراديُّ، وتأثيرُ البيئتَين الصُّغرى والكُبرى. والأَوَّلُ سيكونُ موضوعَ هذا البحث، على أن يُعالَجَ الموضوعُ الثاني في أعدادٍ لاحقة.
الإرادةُ وعمليَّاتُها
منذُ عهد سُقراط (470؟-399 ق.م.) إلى نهاية القرن العشرين والفلاسسفةُ يبحثون في الإرادة وعمليَّاتها، حتَّى إنَّ علماءَ البيولوجيا والسيكولوجيا مِمَّن يُحاوِلون فهمَ آليَّات العقل الواعي لَيَقفونَ حَيارى، وهم على مَطَلِّ الألفِ الميلاديّ الثالث، حِيالَ مصدر الأَحكام الإراديَّة. فما هي الإرادة؟ وكيفَ يتمُّ الفِعلُ الإراديّ؟
مِن مُجمَلِ أبحاث المُفكِّرين، وفي ضوء التعاليم الداهشيَّة، يُمكنُ تحديدُ الإرادة بأنَّها التحرُّكُ الأَخير لسيّال الإنسان المُهَيمِن أو لمُحَصَّلَة resultant نشاط سيَّالاته —بما فيها من قِوًى نزوعيَّةٍ وإدراكيَّة—باتِّجاهِ تنفيذِ رغبةٍ مُعيَّنةٍ بعدَ مُوازَنَةٍ عقليَّةٍ بينها وبينَ رغباتٍ أُخرى يكونُ فيها لمُستوى السيَّالات الروحيّ تأثيرٌ فعَّال. فإرادةُ غاندي الذي يُسامحُ قاتلَهُ غيرُ إرادة جوداس الذي يقتُلُه، وإرادةُ بولس الرسول في مُواصلة التبشير على جميع الآلام والأخطار والمصاعب التي اعترضَته هي غيرُ إرادة المؤمن الذي قال المسيح فيه بلسان يوحنَّا الحبيب: “سأَتقيَّأُكَ من فَمي لأنَّكَ فاتر، لا حارّ ولا بارد.”[1]
فالإرادةُ القويَّةُ —أعني بها السامية—يجبُ، إذًا، أن تتَّفقَ مع نزَعاتِ النفس السامية؛ فإذا لم تكُن الرغبةُ في الارتقاء الروحيّ قويَّة، بل الأَقوى بين سائر الرغبات، فسيحيدُ اتِّجاهُ السيَّالات عن هدفِ الرقيِّ الروحيِّ إلى هدفٍ آخر يُمليه مُستوى السيَّال ذي الرغبة المُهَيمِنة.
ومن أجلِ انتصار الرغبة السامية يجبُ أن تقترنَ بإدراكِ أهمِّـيَّة الهدف؛ وهذا يُوجِبُ تبصُّرًا فيه وفي الأَهداف الأُخرى المُقارَن بعضُها ببعض.
وارتباطُ الإرادة بواجبٍ دينيّ —أو اجتماعيّ أحيانًا—يمدُّها بشحنةٍ قويَّةٍ من الطاقة الدافعة. فإذا تمَّ ذلك لا يبقى إلاَّ الثَّباتُ والاستمرارُ في التصاعد، والتزامُ الفرد بكُلِّـيَّته لقضيَّته.[2] وهذا ما سيُبَيَّنُ بالتفصيل.
الإرادةُ والقدَرُ الشخصيّ
إِذا نظَرنا إلى التاريخ البشريّ منذُ بدايتِه الجليَّة حتَّى نهاية القرن العشرين، لرَأيناهُ حافلاً بالشقاء والأَمراض والآلام والحروب والمجاعات والأَوبئة والكوارث الطبيعيَّة… إنَّهُ نهرٌ من الدماء والدموع.
لكن على العذاب المُستَديم والشقاء المتواصل نرى النهرَ أحيانًا كأنَّهُ يجري صُعُدًا تدفعُه قوَّةٌ عجيبة! يحدثُ هذا كلَّما ظهرَ نبيٌّ أو رسولٌ أو هادٍ من الهُداة الروحيِّين أو مُفكِّرٌ عظيمٌ أو عالِمٌ كبيرٌ أو أديبٌ عبقريٌّ أو فنَّانٌ مُلهَم أو مُصلحٌ مُستقيم. إذْ ذاكَ يشتدُّ الأَملُ لدى كثيرين في أنَّ الأَرضَ—وادي الدموع والآلام—ستتبدَّل، وحالَ الإنسان ستتغيَّر إلى أفضل. لكنَّ الزمانَ لا يطولُ حتَّى تَخيبَ الآمالُ ويعودَ ليلُ الشؤم يبسطُ أجنحتَه الغُدافيَّة على الكوكب التاعس. فما سرُّ ذلك؟
بيَّنتُ في أعدادٍ سابقةٍ من هذه المجلَّة أنَّ الإنسان—شأن الكائنات كلِّها—يحصدُ ما يزرعُه. وما زرَعهُ، منذُ سقوطِه الأَوَّل الذي سبَّب هبوطَ سيَّالاتِه من العوالم الروحيَّة إلى العوالم المادِّيـَّة فإلى سقوطِه الأَخير المُتمثِّل بعصيان آدم وطردِه من الجنَّة، هو الذي ما زال يحصدُه.
يختصرُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة ذلك بقَوله:
“أنا أُؤمنُ بأنَّهُ توجَدُ عدالةٌ سماويَّةٌ، وأنَّ جميعَ ما يُصيبُنا في الحياة الدنيا من مُنغِّصاتٍ وأكدارٍ إنْ هو إلاَّ جزاءٌ وِفاقٌ لِما اجترَحناهُ في أدوارنا السابقة من آثامٍ وشرور؛ ولهذا يجبُ علينا أن نستقبلَ كلَّ ما يحلُّ بنا من آلام الحياة ومآسيها غير مُتبرِّمين ولا مُتذمِّرين، بل قانعين بعدالة السماء ونُظُمها السامية.[3]
فحينما يولَدُ إنسانٌ ما يكونُ مُزَوَّدًا بسيَّالٍ حَيَويٍّ رئيس هو الذي يمدُّهُ بالحياة ويمنحُهُ طباعَه الرئيسة، والسِّماتِ البارزة التي ستقومُ عليها شخصيَّتُه. وهو يُقابلُ، إلى حدٍّ ما، السِّمات المحوريَّة التي يأخذُ بها كثيرون من علماء النفس وفلاسفة الخُلقيَّات، تلك السِّمات الرئيسة التي من خلالها يرى الآخرون إنسانًا ما ويصفونه حينما يُصنِّفونه، لأَنَّها تدعمُ مُعتقداتِه وأعمالَه ونزعاتِه وعاداتِه وتُداخلُ حياتَه الخاصَّة والعامَّة.[4]
ولكن يرِثُ كلُّ إنسانٍ أيضًا من كِلا والدَيه 23 صبغيَّة (كروموزومًا) تحملُ في ملايين جيناتها خصائصَ الوالدَين الجسديَّة والنفسيَّة. وهكذا يحملُ كلُّ مولودٍ جديد، فضلاً عن سِماتِ سيَّاله الرئيس الذي يكونُ تابعًا لأَحَد الأَبَوَين، ما يرِثُه مُباشَرَةً منهما، فيُصبحُ، إلى حدٍّ بعيد، امتدادًا جسميًّا وسيكولوجيًّا لهما، أي بعبارةٍ داهشيَّةٍ امتدادًا لسيَّالاتهما.
لكنَّ الإنسانَ العاقلَ، صاحبَ الإرادة القويَّة، يُدركُ أنَّهُ بوسعِه أن يصوغَ مُستقبلَه بما يزرعُه في حياته الراهنة؛ فمثلما أنَّ أوضاعَه الجسديَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة شاركَت في صياغتها، إلى حدٍّ بعيد، أعمالُه واتِّجاهاتُه ورغباتُه في أدواره الحياتيَّة السابقة، فإنَّ أَفكارَه وأفعالَه ونزعاتِه تُؤثِّرُ إلى حدٍّ بعيدٍ في صياغةِ مستقبله في الآتي من أدواره الحياتيَّة.
بكلمةٍ أخرى إنَّ القدَرَ هو قدَرٌ شخصيٌّ، وهو فِعْلُ إرادةٍ حُرَّة. فالله، سبحانه، رحيم، وهو {لا يظلمُ الناسَ شيئًا ولكنَّ الناسَ أنفسَهم يظلمون.}[5]
من أجلِ ذلك يتفاوتُ الناسُ في أوضاعهم. أَمَّا “الحَـظُّ” الذي يقولُ به كثيرون من المفكِّرين ويجعلونَه المُشارِكَ الأَكبرَ في صياغة طِباع الإنسان وبالتالي مصيرِه، فلا معنى له في التعاليم الداهشيَّة ولا وجود. فإنَّما “الحظّ”، جسديًّا وعقليًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، قدَرُ الإنسان الشخصيّ الذي استحقَّه بموجب أعماله ورغباته في أدوارٍ حياتيَّةٍ سابقة.
تحمُّلُ المسؤوليَّة
إذا كانَ الإنسانُ محكومًا بقدَره الشخصيّ في حياته الراهنة، فإنَّ لجُهدِه الإراديّ دورًا فعَّالاً في تغيير أوضاعه إلى حدٍّ يسمحُ به نظامُ العدالة الإلهيَّة الشامل المبنيّ على الاستحقاق. فقد عرَفتُ عدَّةَ أمثلةٍ أوضحَها لي مُؤسِّسُ الداهشيَّة عن أشخاصٍ—كنتُ واحدًا منهم—حانَت آجالُهم في أوقاتٍ مُحَدَّدةٍ تبعًا لتقمُّصاتهم السابقة، ووقعَت لهم أحداثٌ كانت ستقضي عليهم لا محالة؛ لكنَّهم استحقُّوا بما بذلوهُ من جُهدٍ كبيرٍ لترقية مُستوياتهم الروحيَّة أن تُبعَدَ عنهم الأَخطار وتُمدَّدَ أعمارُهم. وثمَّةَ آخَرون—كنتُ واحدًا منهم—استَحقُّوا أن يُشفَوا من أمراضٍ مُزمِنَة. وغيرُهم بُدِّل موتهم آلامًا مُحتَمَلة، إلى ما هنالك مِمَّا نُسمِّيه “مُساعدات روحيَّة”، جميعها مبنيَّة على الاستحقاق الشخصيّ. فليسَ في التعاليم الداهشيَّة ما يُسمِّيه بعضُ المذاهب الدينيَّة بـ”النِّعمة المجَّانيَّة”. فالنظامُ الإلهيُّ العادلُ الشامل الكامل ليس فيه خُروق ولا استثناءات ولا شفاعات. فجميعُ هذه الوِساطات صُوَرٌ لأَوضاع المُجتمعات البشريَّة الناقصة؛ فضلاً عن أنَّها قد تحملُ المؤمنين على الاسترسال في أعمالهم الدنيئة مُعتمِدين على ما يتمتَّعون به من وِساطاتٍ لدى “الشفعاء” أصحاب النفوذ. فجَلَّ الله عن أن تهبطَ عدالتُه الكاملةُ إلى مُستوًى دُنيَويّ فاسد.
بناءً على هذه الحقيقة تبدأُ طريقُ النشاط الإراديّ بتَحَمُّل الإنسان البالغ، المُدرِك لواقعِه، المسؤوليَّة الكاملة عنه، فلا يُلقي التَّبِعة على الآخرين، سواء كانوا الأَهل أم الأَصدقاء أم المجتمع. فلو لَم يستحقَّ وضعَه الذي هو فيه، لَما تردَّى فيه. لكن عليه أن يُدركَ أيضًا أنَّهُ يستطيعُ بجُهده الإراديّ أن يُغيِّرَ هذا الوضعَ إلى حدٍّ تسمحُ به العدالةُ الإلهيَّة.
وليس غريبًا على الأطبَّاء النفسيِّين أن يجدوا بين مرضاهم كثيرين مِمَّن يجعلون أهلهم أو مجتمعَهم سببَ أوضاعهم النفسيَّة الشاذَّة، رافضين أن يبذلوا أيَّ جُهدٍ للتغيُّر، راضين بحالاتهم تلك مادام اللومُ يقعُ على الأَهل أو العالم الشرِّير.[6]
ضرورةُ هيمنةِ العقل تعزيزًا لقُدرة التمييز والحُكم
ينشأ الإنسان، إذًا، وقدَرُهُ الشخصيُّ يُلازمُه. لكنَّهُ ما إن يبدأ بالنُّضج الفكريّ حتَّى يكتشفَ أنَّ له إرادةً حُرَّةً، وأنَّهُ مسؤولٌ عن أعماله، وبوِسعِه أن يخرجَ عن طبيعته إذا بذلَ جهدًا مُعيَّنًا. فإذا كان سيَّالُه الحيَويُّ الرئيس مُشتمِلاً على إدراكٍ غيرِ ضعيف وبضع نزعاتٍ راقية، فبإمكانِه أن يُوجِّهَ إرادتَه شطرَ الخير والفضيلة عندَ كُلِّ نزاعٍ بين سيَّاله الرئيس وسيَّالاته الأُخرى المُخالِفة له في رغباتها. أمَّا إذا كانَ قَدَرُهُ الشخصيُّ قد جعلَ في سيَّاله الرئيس إدراكًا ضعيفًا، فإنَّهُ سيجدُ صعوبةً كبيرةً في الانتصار على نزَعات الشرِّ وهجمات الرذيلة، وهكذا يقعُ فريسةً سهلة للمُغرِيات الدنيويَّة والجواذب السفليَّة؛ ذلك بأنَّ العقلَ العاجزَ عن الربط بين الأَسباب والنتائج في كلِّ عمل لا يُمكنُه التمييزُ الصحيحُ بين الحقِّ والباطل والخير والشرّ؛ فقد يُوحي إليه إدراكُه الضعيفُ، مثلاً، بأنَّ قتلَ إنسانٍ يبيعُ الخمرَ أو يشربُه عملٌ حلالٌ يُكسِبُهُ الجنَّة، لأَنَّ مُعتقَدَه يُلزمُه بالامتناع عن شُرب الخمر؛ أَو أَنَّ عليه أَن يقمعَ حرِّيـَّةَ الآخرين في التعبير عن آرائهم—حتَّى لو كانوا على دينه—لأنَّها تُخالفُ مُعتقدَ طائفته. هذا إذا افتَرَضنا أنَّ هذا الشخصَ لا يخلو من نزعاتٍ راقية. فكيفَ تكونُ حالُهُ فيما لو كانَ خاليًا منها؟
بدايةُ الطريق إذًا هي ترقيةُ الإدراك من أجل تعزيز البصيرة وقدرةِ التمييز بين الخير والشرّ والفضيلة والرذيلة. وقد بيَّنتُ في العدد السابق من “صوت داهش” أنَّ منارات الارتقاء الروحيّ التي يُمكنُ العقلَ أن يسترشدَ ويتعزَّزَ بها هي التأمُّلُ في حياة المُرسَلين والهُداة الروحيِّين، وتنشيطُ الضمير بحيثُ يكونُ صوتُه عاليًا مسموعًا، وتسليحُ العقل بتعلُّم فنون المعرفة وتفهُّم القوانين العلميَّة على اختلافها، كما التمرُّس بأساليبِ المنطق السديد، وأخيرًا التبصُّر في التعاليم الموحاة وما تكشفُهُ من قوانينَ روحيَّة.
فبدون الإدراك الصحيح لحقيقة الأُمور يُمكنُ أن تتحوَّلَ فضائلُ غير قليلة إلى رذائل. فالشجاعةُ بلا تعقُّل قد تُؤدِّي إلى المُجازَفَة بالنفس فالهلاك دونما مُبرِّرٍ معقول. والإخلاصُ الأَعمى لإنسانٍ ما قد يُفضي إلى معصية الخالق إرضاءً للمخلوق، والإيمانُ الذي لا يُحييه فهمٌ لجوهر الدين القائم على المحبَّة والقِيَم الروحيَّة قد يدفعُ المؤمنَ إلى التشبُّث بقشور الدين وطقوسه وإلى مُعاداة كلِّ مَن لا يُمارسُ شعائرَه ويلتزمُ عقيدتَه مثلما يفهمُها هو. والأَهدافُ النبيلةُ، إذا لم يُضِئ السُّبُلَ الموصِلَة إليها عقلٌ مُستنير يُدركُ أنَّ الوسيلةَ جزءٌ من الغاية، تفقدُ معانيها السامية بفُقدان سموِّ الوسائل؛ من أجل ذلك كلُّ إكراهٍ في الدين خروجٌ عن الدين الحقّ. ومؤسِفٌ أنَّ التاريخَ حافلٌ بالأَمثلة على ذلك.
هل من أمَلٍ في تقدُّم عقول الكهول والمُسنِّين؟
إذا كانَ بإمكان الأَحداث والشبَّان أن يوسعوا مداركَهم باستهداء المنارات الأَربعة المذكورة آنِفًا، فما حيلةُ الكهول والمُسنِّين؟ فهل أُقفِلَ بابُ التقدُّم دونهم، وحُكِمَ عليهم بالجمود والموت العقليّ البطيء؟
إِنَّ خبرتي مع مُؤسِّس الداهشيَّة حوالى عشرين سنة لَتُؤكِّد أنَّهُ كان يهتمُّ بتَطوير مدارك الناس، كبارًا في السنِّ كانوا أم أحداثًا. وغيرَ مرَّةٍ سمعتُه يسأل مَن تجاوزوا السبعين من أعمارهم ماذا يقرأون وبما يهتمُّون في مطالعاتهم، ذلك بأنَّه كان موقِنًا بأنَّ السيَّالات التي تُحرِّكُ نشاطَ الإنسان الفكريّ والوجدانيّ بوِسعها أن تدأبَ على عملها ما دامت فيه وما دام الإنسانُ يشاءُ أن يُفكِّرَ ويشعر.
هذه السيَّالات، وبالدرجة الأُولى السيَّال الرئيس فيها، هي التي تتغَلغلُ طاقاتُها في جينات الجَنين فتُقولبُها بالقالب الذي تفرضُه العدالةُ الإلهيَّة، وتُكيِّفُها بالكيفيَّة التي تستحقُّها، وتطبعُها بسِماتها النفسيَّة الجسميَّة؛ وهي التي تتحكَّمُ بجهاز الإنسان العَصبيّ، ولا سيَّما دماغه، فتُشيعُ فيه الاتِّزانَ أو الخللَ تِبعًا لِما يوجِبُه ناموسُ السَّببيَّة الروحيَّة. ولِذا فما دامت إرادةُ الإنسانِ تعمل، وما دامَ يُريدُ هو أن يحشدَ قوى سيَّالاته لتطويرِ معارفِه، فسيَّالاتُه ستُطيعُه وتُطوِّرُ ما يجبُ من مراكز المعرفة البيولوجيَّة في دماغِه حتَّى في سنٍّ متأَخّرة.
والأَبحاثُ العلميَّةُ الأَخيرة أثبتَت صحَّةَ ما ذهبتُ إليه. فقد أكَّدَ علماءُ بيولوجيُّون في جامعة برنستون Princeton أنَّهم اكتشفوا، من خلالِ تجاربهم على القرود، أنَّ آلافًا من الخلايا العصبيَّة neurons تُولَدُ كلَّ يومٍ في الدماغ بمركزٍ قريبٍ من ساقه حتّى في المعمِّرين، وتتَّجه إلى عدَّةِ مناطق في قشرة الدماغ cortex ولا سيَّما المنطقة الجَبهويَّة حيثُ تُقيمُ الخلايا العَصَبيَّة التي تُؤثِّرُ تأثيرًا بالغًا في صياغة الشخصيَّة. وهناكَ تنضجُ وتنمو لها تفرُّعاتٌ كثيرةٌ تصِلُها بسائر الخلايا العصبيَّة.[7]
ويؤكِّدُ الدكتور ريتشارد ريستاك R. Restak، أستاذ الأَمراض العصبيَّة في كلِّـيَّة الطبّ بجامعة واشنطن ومؤلِّف اثنَي عشرَ كتابًا في أبحاث الدماغ، أنَّ الدماغَ بقدر ما يشغلُه صاحبُه ويُمرِّسُه بالمعارف وحلِّ المعضلات، يتطوَّر وينمو.[8]
إذًا هرَمُ الدماغ يبدأُ في النفس، في السيَّالات؛ فإذا دبَّ فيها الخُمول واعتوَرَها فتورُ الهمَّة والزهدُ في مزيدٍ من المعرفة والتقدُّم، أحدثَت تأثيرَها السلبيَّ السيِّئ في خلايا الدماغ، فأخذَت تضمحلُّ، وتتلاشى اتِّصالاتُها؛ وهكذا بدلَ أن يستمرَّ العقلُ في نُموِّه، يتقَهقر حتَّى لو لم تُفارق الإنسانَ سيَّالاتُه. فإذا أخذَت تُفارقُه تِباعًا، تضعفُ قواهُ الإدراكيَّة والحسِّـيَّة تدريجيًّا إلى أن يُبارحَه السيَّالُ الحيويُّ الرئيس فتكون لحظةُ الموت. وفي التاريخ أمثلةٌ كثيرةٌ على مفكِّرين مُعمِّرين من ذوي الهمَّة القعساء. حسبي أن أذكرَ منهم الفيلسوفَ الإنكليزيّ برتراند راسِّل Bertrand Russel (1872-1970) والأَديب الفرنسيّ فكتور هيغو Victor Hugo (1802-1885) والجاحظ (773؟-869) الذين استمرُّوا في توليد إنتاجهم الفكريّ الغزير حتَّى أواخر أعمارهم المديدة.
إطالةُ العمر أو تقصيرُه
على أنَّ العزيمةَ الفكريَّةَ الشمَّاءَ إذا كانت تُساعدُ كثيرًا في تأخيرِ هرَم الدماغ، فإنَّها لا تعني أنَّها تُطيلُ عُمرَ الإنسان. فوفقًا للتعاليم الداهشيَّة يولَدُ الإنسانُ وعُمرُهُ مُحَدَّدٌ في سيَّالاته، وبالتالي في مظهرها البيولوجيّ، أي جيناته؛ لكنَّهُ ما إن يبلغُ سنَّ الرُّشد والمسؤوليَّة حتَّى تُصبحَ فُسحةُ عمره رهنَ أعماله ونزَعاته ورغباته، أي رهنَ إرادته، وذلك ضمنَ حُدودٍ ترسمُها العدالةُ الإلهيَّة. فبإرادتِه الحُرَّة يُمكنُه أن يُطيلَ الأَجلَ المُقدَّرَ له منذُ ولادتِه أو يُقصِّرَه.
وقد أكَّدَ البحثُ العلميُّ صحَّةَ ذلك، وأظهرَ أنَّ عواملَ نفسيَّة وبيولوجيَّة تشتركُ في تحقيق هذا الأَمر. فالنزوعُ إلى الخير والمحبَّة والقِيَم الروحيَّة كما الاعتدال في الطعام والشراب والجنس يُساعدان في تثبيت صحَّة القلب والدماغ، والاتِّجاهُ إلى الشرِّ والبُغض كما الإسراف في الطعام والمُسكرات والشهوة يُساعدان في إدخال الخلَل إلى القلب والدماغ. كذلك أكَّدَت دراساتٌ نفسيَّةٌ-جسميَّةٌ psychosomatic كثيرة عن أنَّ طباعَ الإنسان وانفعالاتِه تُحدِثُ تأثيرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا في صحَّته العامَّة، وبالتالي في صحَّةِ قلبه ودماغه، الأَمر الذي قد يُؤثِّرُ في إطالة العمر أو تقصيره. فالغضبُ والحسدُ والحقد والشدَّةُ النفسيَّة stress والحزنُ الدائم ذاتُ تأثيرٍ سلبيّ في وضع الإنسان الصحِّـيّ، ونقيضُها ذو تأثيرٍ إيجابيّ.[9] لكنَّ هذه القاعدة لها استثناءات توجبُها العدالةُ الإلهيَّة أَحيانًا. فقد تسمحُ العدالةُ الإلهيَّة، مثلاً، بإطالة عمر إنسانٍ شرِّير حتَّى يرى اسمَه قد تحوَّل إلى لعنةٍ على الشفاه، أو حتَّى يرى أبناءَه الذين هم امتدادٌ له يُقتَلون أمام عَينَيه زيادةً في عقابه. وكم من عبقريّ مات صغيرًا! ومعنى الحياة ليس وقفًا على طولها أَو قِصَرها. فعمرٌ قصير حافل بالإنجازات المُفيدة خيرٌ من عُمرٍ مديد مُشبَع بالخمول. هذا إذا اعتبرنا صاحبَي العمرَين مُتساويَين في الرقيّ الروحيّ. فكيف إذا اختلفا؟
الاختبارُ خيرُ مُعلِّمٍ للعقل
من أُسُس التعاليم الداهشيَّة أنَّ حياة الإنسان—بل حياة أيِّ كائنٍ آخر—هي امتحان يخضعُ له. “وإنَّما الأَرضُ مدرسةٌ ذاتُ درجةٍ روحيَّةٍ مُعيَّنة، يأتيها الإنسانُ الذي يستحقُّها، أي الذي تكونُ درجتُهُ الروحيَّةُ بمُستوى درجتها، فيتزوَّد منها بمعارفَ شتَّى ويخضع فيها لتجاربَ كثيرة، منها تجارب الغرور والكبرياء والمطامع والشهوات، فإمَّا ينجح في امتحاناته تلك وينتصر في نفسه الخيرُ على الشرِّ والفضيلةُ على الرذيلة، أو يسقطُ في امتحاناته.”[10]
وفي سِياقِ الحياة تُصادمُ عقلَ الإنسان مُفاجآتٌ كثيرةٌ، فإذا لم يعرف كيف يتكيَّف في مُواجهتها ومُغالبتها، وإذا لم يتعلَّم من أخطائه وعثراته كيفَ يُصحِّحُها ويتفاداها، وإذا لم يستفِد من مصائبه ما يتَّقي به مُعاودتَها، فإنَّه، لا محالة، من الفاشلين الخاسرين. لِذا يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة: “الحياةُ خيرُ مُعلِّمٍ ومُؤدِّب، وخيرُ واقٍ للمرء من الانزلاق إلى مهاوي الحضيض.” وإنَّما المرءُ الذي يعنيه هو النبيه الراغب في التقدُّم، لأَنَّ اختبارات الحياة إذا كانت قاسية، باهظة الثِّقَل، فالإنسانُ الضعيفُ سيرزحُ تحتها، فـ”الاختبارُ خيرُ مِحَكٍّ للإنسان”؛[11] به يُعجَمُ عودُه ويُحَكُّ جوهرُه، فيظهر إمَّا ذهبًا خالصًا وإمَّا مُزَيَّفًا.
ومن أجل جَعْل الحياة خير مُعلِّم، و”الزمان خير مُؤدِّب للإنسان”[12]، يحسنُ انتهاجُ السُّبُل الأربع التالية:
أَوَّلاً، على الإنسان أن يكونَ حَذِرًا في تعامُلِه مع الآخرين حتَّى مَن يدَّعون الصداقة، “لأَنَّ الحياةَ الإنسانيَّةَ مبنيَّةٌ على أُسُسٍ شرِّيرة، وليست النُّظمُ البشريَّة كالنُّظم السماويَّة.” وأكثرُ الصداقات مبنيَّةٌ على منافعَ مادِّيـَّةٍ واستفادةٍ مُتبادَلَة، و”لا خيرَ في صداقةٍ تُنمِّيها الغايات.” ذلك فضلاً عن أنَّ الإنسانَ من جبلةٍ ساقطةٍ وقد تكرَّرَ سقوطُه وعصيانُه منذُ خلقِ آدم، على توالي الرسالات السماويَّة وتكاثُر النُّذُر الإلهيَّة. فلا عَجَبَ إذا قال مُؤسِّسُ الداهشيَّة، بعد خبرتِه الطويلة المريرة مع الخوَنَة من أَصدقائه الذين محضَهم عَونَه وحبَّه خالصُا: “لا تثِقْ بمخلوقٍ ما، إذْ إنَّنا جميعًا خاضعون لسُنَّة التغيُّر.”[13]
ثانيًا، على الإنسان أن يجعل الشكَّ في كلِّ ما يسمعُه أو يقرأُه طريقًا لليقين. فالإعلاناتُ التجاريَّةُ كما الإعلانات السياسيَّة هَمُّ أصحابها لا نشرُ الحقيقة، بل النجاح والمزيد من المكاسب. والأَخبارُ التي تنقلُها وسائلُ النشر من صحافةٍ وتلفزةٍ وإذاعة وإنتِرنِت ليس هَمُّ أصحابها نقْلَ صورةٍ واضحةٍ عن الواقع بقَدر ما هو استثارةُ الناس وتشويقُهم للإقبالِ على شراء الصحيفة أو مُتابعة قناةٍ مُعيَّنة استزادةً للإعلانات وبالتالي استدرارًا للمكاسب. ولذلك تختلفَ الرواياتُ الإخباريَّة أحيانًا، فتتضخَّم أو تتضاءل، ويشتدُّ التركيزُ عليها أو يضعف.[14] وكثيرًا ما كان الدكتور داهش يوصي أتباعَه بأن يحترسوا من تصديق الإعلانات التجاريَّة والادِّعاءات السياسيَّة، ويحثُّهم على استقاء الأَخبار والمعلومات من عدَّة مصادر لا من مصدر واحد والمقابلة بينها.
كما على الإنسان أن يختبرَ بنفسِه الأُمورَ التي يُشكِّكُ في صحَّتها. هذه الطريقةُ الاختباريَّة الشخصيَّة هي التي أفضَت إلى القضاء على كثيرٍ من الأَوهام وقيام العلوم الصحيحة. وليسَ من عالِمٍ كبيرٍ إلاَّ هو مثَلٌ حَيٌّ على صحَّةِ هذا النهج.[15] وكان مُؤسِّسُ الداهشيَّة يطلبُ إلى كلِّ مَن يُصدِّقُ بصحَّةِ أقوال أو أعمال المُشعوذين—مِمَّن يُسَمُّون أنفسهم “فلَكيِّين” أو “سَحَرَة” أو “باراسيكولوجيِّين” أو “مُنوِّمين مغنطيسيِّين” أو غير ذلك من أسماء التورُّم العقليّ—أن يذهبوا إِليهم بأنفسهم ويختبروا قدراتهم، ولكن بعد أن يُخبئوا أسرارَهم ولا يُفضوا بها حتَّى إلى أقرب المُقرَّبين إليهم، ذلك بأنَّ كلَّ مُشعوذٍ يستعينُ بزبانية له يستَدرجون طالبَ الزيارة أو بعضَ معارفِه، قبل مُواجهة المُشعوذ، فيستكشفون من خلال استدراجهم كثيرًا من شؤون الزائر وأوضاعه العائليَّة وما يهمُّه معرفتُه.
ثالثًا، على مَن تعترضُه مُعضلاتٌ أو أُمورٌ مُبهَمَة أن ينظرَ، من أجل حلِّها أو فهمِها، من عدَّةِ أوجُه لا من وجهٍ واحد، حتَّى لو كانَ الوجهُ الآخر وجهَ خصمه الفكريّ. فالانفتاحُ على مُختلف الجهات والتطلُّع إلى مختلف الآفاق يُزوِّدان الرائي بنظرةٍ شموليَّة تُتيحُ له رؤيةً أفضل للأُمور، وتُمرِّسُه بالتسامُح وسَعَة الصدر. فلِمَ لا يكونُ الأَنبياءُ والهُداةُ الروحيُّون جميعهم على حقّ، ولكن كلٌّ من الجانب الذي ينظر منه؟ ولماذا لا يكونُ كبارُ المفكِّرين والفلاسفة كلٌّ علىحقّ، ولكن كلٌّ من المنظور الذي يتطلَّعُ من خلاله؟ ذلك كانَ موقفُ الدكتور داهش من الهدايات الروحيَّة والفلسفات.
رابعًا، على الساعي إلى وضعٍ فكريٍّ وجدانيٍّ جديد يرى فيه تقدُّمًا لعقلِه وشعورِه أن يتهيَّأ لتَغيير خريطة مُعتقداته وعاداتِه، فلا يتمسَّك بالتقاليد الموروثة إلاَّ ما ارتآهُ عقلُه المُتحرِّر من قيود الماضي أنَّه صحيح وجدير بمستواه النفسيّ الجديد.[16] فليس من رسولٍ أو هادٍ روحيٍّ أو مُفكِّر كبير إلاَّ حطَّمَ كثيرًا من قيود الماضي ليمنحَ العقلَ الإنسانيَّ مزيدًا من الحرِّيـَّة في التقدُّم.
الشطرُ الأَصعب في تعزيز الإرادة: ترقيةُ النزعات
على ارتقاء العقل التدريجيّ في سياق التاريخ البشريّ، فإنَّ نزعاتِ الإنسان، بصورةٍ عامَّة، ما تزالُ مُتدنِّية نسبيًّا. ذلك بأنَّ العلومَ—مجال النشاط العقليّ—جهودٌ مُتراكمة، يُبنى منها اللاحقُ على السابق، والاختباراتِ الجديدة تُصحِّحُ الاختبارات القديمة. فنيوتن صحَّحَ بطليموس، وآينشتاين صحَّحَ نيوتن. فضلاً عن أنَّ التكنولوجيا تستفيدُ من الاختراعات والاكتشافات كلّها. فمَن يتأمَّل في الإنتِرنِت يجدْ فيها عشرات الاختراعات والاكتشافات مُطبَّقة مُجتمعة. والنظريَّات الفلسفيَّة—التي هي أنظمة فكريَّة—تُبنى على ما يُعاصرُها من “الحقائق” العلميَّة. فرُقيُّ العقل بميدانٍ ثقافيّ مُعيَّن يُساعدُ في ترقيتِه بالميادين الأُخرى. على أنَّ ذلك قلَّما يُفيدُ في قدرة التمييز بين الخير والشرّ والفضيلة والرذيلة؛ لأنَّها مرتبطة إلى حدٍّ بعيد برُقيِّ النزعات في الإنسان. فإذا كانَ تقدُّمُ العقل يتطلَّبُ بعضَ التعب والدأْب على العمل، فارتقاءُ النزعات يقتضي مُغالبةً مريرةً لغرائز الجسد، ومُكابدةً للألم من جرَّاء مُقاومتها كما من جرَّاء عدمِ إشباع كلّ سيَّال مفطورٍ على الشرِّ أو الرذيلة. من أجل ذلك ألحَّت الهداياتُ الروحيَّةُ جميعُها على ترقية النزعات والارتداع عن الشرور، ولم تُولِ ترقيةَ الإدراك اهتمامًا يُذكَر.
ولئن سلَّطَت الداهشيَّةُ الضوءَ على أهمِّـيَّة التقدُّم العقليّ في عمليَّة الرقيّ الروحيّ، مُتميِّزةً بذلك عن جُلّ العقائد الروحيَّة، فإنَّها أولَت ترقيةَ النزعات عنايةً خاصَّة. فبالجُهد المُتواصل يستطيعُ الجاهلُ أن يتعلَّم، والفقيرُ أن يُحسِّنَ وضعَه؛ لكنَّ الرقيَّ الروحيَّ يقتضي أكثرَ من ذلك. إنَّهُ يستوجبُ فهمًا جَليًّا للنظام النفسيّ في الإنسان السويّ تبعًا لِما رآهُ المُرسَلون والهُداة الروحيُّون ومعظم المفكِّرين الذين بحثوا في المبادئ الخلقيَّة. فما دام الخالقُ روحًا، وما دامَ عالَمُ الكمال عالَمًا روحيًّا، فيستحيلُ أن يتأتَّى الكمالُ الإنسانيُّ النسبيُّ إلاَّ بهَيمنة القِيَم الروحيَّة على سائر القِيَم في النفس؛ لأَنَّ القِيَمَ الروحيَّة هي انعكاساتٌ أو ملامحُ للحقِّ والخيرِ والجمال المُتمثِّلة في كمالها المُطلَق بالله عزَّ وجلَّ. وهذه الهيمنةُ المنشودةُ تستَدعي ترقيةَ العقل وتسليمَ زمام الأُمور له من جهة، وترقية النزعات من جهةٍ أُخرى،[17] لأَنَّ كلَّ فعلٍ إراديٍّ يتضافرُ على تكوينه مدى إدراك الشخص للعمل المُستهدَف ولنتائجه، وقوَّةُ الرغبة في تنفيذه.
تأثيرُ مفهوم “المُطلَق” والمثَل الأَعلى في الارتقاء الروحيّ
ورأسُ القِيَم الروحيَّة هو تلك التي تُمثِّلُ “المطلق”. فوفقًا لِما أوضحَه العالِمُ النفسيُّ الأَلمانيّ وِلْفرِد دايْم Wilfred Daim تُشكِّلُ هذه القيمة ضرورةً نفسيَّةً يستحيلُ أن يبقى الإنسانُ إنسانًا بدونها، لأَنَّها قُطبُ الجاذبيَّة في كلِّ شخصيَّة ومُرتَكَزُ آمالها ومركزُ التلاقي والانعكاس لطاقاتها النفسيَّة؛ فمن مفهوم “المُطلق” تستمدُّ الموجوداتُ والحالاتُ والأَحداثُ معانيَها وقِيَمَها. لكنَّ “المُطلَق” الذي يُقيمُه الفردُ لا يكونَ دائمًا صحيحًا، أي مُندمجًا بالكمال، مُنزَّهًا عن التبدُّل، مُتَّحِدًا بمفهوم الأُلوهة السرمديَّة، بل قد يأتي، أحيانًا، زائفًا، مُنحرِفًا، نسبيًّا، خاضعًا للتطوُّر. مثالُ ذلك أن يُسقطَ الإنسانُ صورةَ “المُطلَق” على الطبيعة، أو الزمن، أو الإنسان في سيره التاريخيّ، أو أيَّة عقيدةٍ دينيَّة، أو غير ذلك ممَّا يتبدَّل أو يخضع لظروف التطوُّر البشريّ أو المادِّيّ، فيفقدُ “المُطلَق”، هكذا، معنى الإطلاق والديمومة والثَّبات. حينئذٍ يُصيبُ زَيغُ الرؤية لا مُدرَكاتِ الإنسان الباطنيَّة فحَسب، بل مُدرَكات الأشياء الخارجيَّة أيضًا. وبتعكُّر صفاءِ الرؤية يَحيدُ الإنسانُ الرائي والعالَمُ المَرئيُّ في علاقاتهما عن مِحوَرَيهما الصحيحَين. فالله-المُطلَق يُشوَّهُ معناه وتُخفَضُ قيمتُه بنسبة ما تُعَظَّم القِيَمُ العَرَضيَّة الأُخرى. وبخروجِ النفسِ بمُجمَلِ طاقاتها عن مِحورِها الصحيح ينتجُ صراعٌ بينها وبين الحقيقة الموضوعيَّة يُساعدُ في توليد القلَق الشديد والأَمراض النفسيَّة.[18]
وهكذا فإنَّ الواقعَ النفسيَّ يؤَثِّرُ في تعيين هُويَّة “المُطلَق” وخصائصه، كما يُؤَثِّرُ “المُطلَقُ” المُعتنقَ في مفاهيمِ صاحبه وقِيَمِه وأحكامه. وسبقَ أن ذكرتُ في عددٍ سابق أنَّ في التعاليم الداهشيَّة وحده الله هو المُطلَق.
والمثَلُ الأَعلى الذي يتَّخذُهُ الإنسانُ كثيرًا ما يتَّحدُ بـ”المُطلَق” المُتصَوَّر أو يندمجُ بإحدى صُوَره. فكلُّ إنسانٍ تدفعُهُ نزعاتُه واتِّجاهاتُه النفسيَّة إلى وضع أهدافٍ مُعيَّنة نُصْبَ عينَيه يسعى إلى بلوغها. هذه الأَهدافُ تكونُ مُنسجمةً مع مستوى قوَّتَيه النزوعيَّة والإدراكيَّة؛ وتحقيقُ كلٍّ منها يكونُ خاتمةَ مرحلة وبدايةَ مرحلة ثانية. فالحياةُ كلُّها سلسلةٌ من الأَهداف التي يعقبُ بعضُها بعضًا؛ وقد يُخفقُ الإنسانُ في تحقيقِ هدَفٍ ما فيستبدل به آخر.
على أنَّ هذه الأَهدافَ تعملُ جميعًا من أجل خدمة الغاية الأُمّ، أو المثَل الأَعلى الذي تختارُه إرادةُ الإنسان. وهذا الاختيار تدعمُهُ هيمنةُ سيَّالٍ مُعَيَّنٍ من سيَّالاتِه تكونُ فيه إحدى حاجاته النفسيَّة الفطريَّة قد تضخَّمَت، بحيثُ يأتي المثل الأَعلى إشباعًا لرغباتها.
وسيكولوجيًّا يُعتَبَر تحقيقُ التفوُّق، بصورةٍ عامَّة، أهمَّ غايةٍ يسعى الإنسانُ إلى بلوغها. إلاَّ أنَّ مفهومَ التفوُّق يختلفُ باختلاف الدوافع التي تُحرِّكُ الإنسان. فقد يكونُ مبنيًّا على نزعاتٍ مادِّيـَّةٍ أنانيَّة مُنحرفة، أو على نزعاتٍ روحانيَّةٍ إنسانيَّةٍ راقية. ففي الحالة الأولى تكونُ الشخصيَّةُ مريضة، إذْ تستفحلُ فيها نزعةٌ منحطَّةٌ شاذَّةٌ أو أكثر وتمتصُّ معظمَ طاقة السيَّال، بل تُهيمنُ على سلوك الفرد وتتحكَّم في تصرُّفاته مُشيعةً في نفسه الاضطرابَ، كأَن يتفاقم الميلُ الشهوانيُّ الجامحُ في رجلٍ ما بحيثُ يعتبر المرأةَ عامَّةً، أو الجنس، مَثلَه الأَعلى، فيصرف فكرَه واهتمامَه من أجلِ إشباعِ ميله والمُفاخَرَة به. فمِثلُ هذا الرجل يكونُ مريضَ الشخصيَّة، ومرضُهُ قد يتَّخذُ أشكالاً منحطَّةً مُتنوِّعَة بحسب الدوافع المادِّيـَّة المُنحرِفَة الأُخرى التي تُرافقُه؛ أو كأن تتفاقم فيه نزعةُ الاستعلاء فيُصاب بـ”جنون العظَمَة”، أو الرغبة في البقاء الدنيويّ فيُصاب بـ”جنون الخلود”؛ ومثل ذلك كلُّ نزعةٍ مُستفحِلَة، كالتعلُّق الشديد بالمجد الدنيويّ، أو القوَّة، أو الثروة، أو الحياة الخاملة، أو التعصُّب الأَعمى لعقيدةٍ حزبيَّةٍ أو بدعةٍ دينيَّة.
وفي الحالة الثانية تكونُ الشخصيَّةُ سليمةً، إذْ تنشطُ فيها النزعاتُ الراقية مُشيعةً في الإنسان السلامَ النفسيَّ النسبيَّ والاتِّزان. فيجعل مثلَهُ الأَعلى في العلم المُفيد أو الفنِّ السامي، أو القيادة العادلة الفاضلة، أو الأدب الروحانيّ الإنسانيّ، أو الحكمة الإصلاحيَّة، أو الهداية الروحيَّة.
وكيفما يكُن المثَلُ الأَعلى تحتشدْ فيه طاقةٌ نفسيَّةٌ تجعلُ منهُ قُطْبَ جاذبيَّة تدورُ في فَلَكِه معظمُ أفكار الإنسان ونزعاته، وتنجذبُ إليه جُلُّ أهدافه واهتماماته واتِّجاهاته؛ بحيثُ يُصبحُ السيَّالُ الذي ينتمي المثَلُ الأَعلى إليه هو الأَقوى زَخْمًا والأَوفر نشاطًا في شخصيَّة الفرد، يَسِمُهُ بطابعِه البارز المُميَّز، ويتسَلطن على مُجمل قواه النفسيَّة، ويتحكَّم بتصرُّفاته.
وقد يعرفُ الإنسانُ مُثُلاً عُليا مُختلِفة مُتتابعة، يُهيمنُ كلٌّ منها على مرحلةٍ من مراحلِ حياته تِبعًا لهَيمنةِ سيَّالٍ مُعيَّن من سيَّالاته عليها، وذلك من جرَّاء تطوُّراتٍ حاسمةٍ تحدثُ في تكوينِه النفسيّ أو في المؤثِّرات الخارجيَّة الداخلة في مجالِه الحَيَويّ. فقد يتَّخذُ إنسانٌ ما مثلاً أعلى له: الحبَّ في مراهقته، ثمَّ عقيدةً سياسيَّةً في شبابه، ثمَّ عقيدةً دينيَّةً في كُهولتِه. وتِبعًا لمَثَلِه الأعلى يتطوَّرُ سلوكُه.
وهكذا تُحرِّكُ الإنسانَ دوافعُه الفطريَّة، فيأتمرُ بها بقَدَره الذاتيّ الذي رسمَهُ ماضيه الطويل في كيانه العُضويّ المُتمثِّل بشخصيَّته. ولكنَّ الإنسانَ يبقى، في الوقتِ نفسِه، حُرًّا ضمنَ حدودٍ مُعيَّنة تُتيحُها درجةُ سيَّالاته؛ حُرًّا، بدافعٍ من إرادته وإدراكه الواعي، في أن يبنيَ مستقبلَه ويُبدعَ مصيرَه مجذوبًا بالغاية المُثلى التي يصبو إليها. وتحتَ لواء هذه الغاية الأُمّ تنضوي جلُّ آماله ومطامحه وتطلُّعاته، وفي ضوئها تُفسَّر وتُعَلَّل معظمُ أعماله ومواقفه.
والمثَلُ الأَعلى المُتولِّد من دوافع الإنسان ونزعاتِه المادِّيـَّة المُنحطَّة يقودُ صاحبَه إلى تسفيل سيَّالاته وتهلكةِ نفسِه؛ والمثلُ الأَعلى المُنبثق من دوافع الإنسان ونزعاته الروحانيَّة الراقية يقودُه إلى ترقيةِ سيَّالاته وإنقاذِ نفسِه.
وقد رأى السيكولوجيّ والفيلسوف الأَمريكيّ وليام جايمس W. James أن لا فائدة من أيِّ مثَلٍ أعلى لا يكونُ مُشتملاً على القِيَم العُليا ومُفيدًا لمُعظم الناس.[19]
(للبحث تتمَّة في العدد المُقبل)
[1] رؤيا يوحنَّا 3:16.
[2] للاستزادة انظر:
Paul Edwards, Editor, The Encyclopedia of Philosophy, Vol. I. (NY/London: Macmillan Pub. 1972), pp. 96-104: “Choosing, Deciding and Doing”.
[3]د. داهش، “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 139.
[4] انظر مُراجعة كتاب “الهُويَّة والطِّباع والمبادئ الخُلُقيَّة” في هذا العدد: “الهُويَّة والالتزام”.
[5] سورة يونس 44. تكرَّرَ فحوى هذه الآية في آيات قرآنيَّة كثيرة.
[6] انظر مقالاً في ذلك للطبيب النفسيّ ثيودور دالرِمبل Theodor Dalrymple في مجلَّة Psychology Today, March/April, 1995. كذلك انظر M.Scott Peck, The Road Less Traveled . (NY: Simom & Schuster, 1978). 32-34: “Responsibility”.
[7] Science, Oct. 15, 1999; NY Times, Oct.15, 1999
[8] من أهمِّ كتُبه التي تُعالجُ نشاط الدماغ:
Older and Wiser: How to Maintain Peak Mental Ability for as Long as You Live. NY: Simon and Schuster.
[9] صدرَت دراساتٌ وكتُبٌ كثيرة في هذا الموضوع؛ من أهمِّها:
Stanley Cheren, M.D., Psychosomatic Medecine: Theory, Physiology and Practice, Vol. I & II. Connecticut: International University Press, 1889.
Emrika Padus & the Editors of Prevention magazine, The Complete Guide to your Emotions and Your Health: New Dimensions in Mind/Body Healing. Pennsylvania: Rodale Press, 1986.
[10] مجلَّة “بروق ورعود”، ع 3، السنة 1، 22 أيَّار 1968، ص 231.
[11] د. داهش، “كلمات”، ص 136 و121.
[12] المصدر السابق، ص 130.
[13] المصدر السابق، ص 73 و72. وقد أثّر في نفسيَّة الدكتور داهش انقلابُ بعض أصدقائه عليه تأثيرًا بالغًا بحيث نرى أصداءَ ذلك ايس في كتاب “كلمات” فحسب، بل في قطعٍ مختلفة منبثَّة في سائر مؤلَّفاته الوجدانيَّة.
[14] أوضحَ هذه النواحي المنافية للاستقامة الخلقيَّة المفكِّر ستيفن كارتر، أستاذ القانون المرموق في جامعة يال Yale، انظر:
Stephen Carter, Integrity. (NY: Basic Books/Harper Collins, 1996), pp. 67-189: “Applications”.
[15] انظر ليوناردو دافنْشي مثالاً على ذلك في:
Michael J. Gelb, How to Think Like Leonardo da Vinci: Seven Steps to Genius Every Day, Delacorte Press.
[16] انظر: M. Peck, The Road Less Traveled, pp. 83-232
[17] هذا الرأيُ يتَّفقُ مع رأي الفيلسوف الإنكليزيّ دايفد هْيوم ورأي الفيلسوف الأَلمانيّ كانط (انظر مراجعتي لكتاب “الهويَّة والطباع والمبادئ الخلقيَّة” في هذا العدد).
[18] Wilfried Daim, Transvaluation de la Psychanalyse: L’homme at l’absolu. Traduit do l’allemand par Pierre Jundt. (Paris: Albin Michel, 1956), pp. 129-173.
من أجل تكوينِ فكرةٍ واضحةٍ عن مدى تأثير مفهوم “المطلق” في موقف الإنسان واتِّجاهاته يحسنُ مُراجعة غازي براكس، “جبران خليل جبران في دراسةٍ تحليليَّةٍ تركيبيَّةٍ لأَدبه ورسمه وشخصيَّته. (بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1981)، القسم الثاني ص 223-429.
[19] انظر مُراجعتي لكتاب “الهُويَّة والطِّباع والمبادئ الخُلقيَّة”: “المثال الأعلى” مُندرجًا تحت العنوان الفرعيّ “الهُويَّة والالتزام”.
طريقُ الارتقاء الروحيّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ (4)
دَورُ الإرادة في مُقاومة التجارب
كما في النَّدَمِ وتمييزِ الخير من الشرّ
بقلَم الدكتور غازي براكْس
في الأعداد الثلاثة السابقة من “صوت داهش” أوضَحتُ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ ارتقاءَ المعراج الروحيّ لتَحقيقِ الكمال الإنسانيّ ما لم يجتَز المرحلةَ المُمَهِّدَة له، وهي الارتداعُ عن المُنكَرات التي يُمكنُ إجمالُ دوافعها النفسيَّة بستَّة: شهوةِ المال، شهوةِ الجنس، شهوةِ السلطة، نزعةِ الحسد، نزعةِ الكبرياء، ونزعة الرياء؛ ثمَّ بيَّنتُ أنَّ المصدرَ الأَوَّلَ لتلك الدوافع الخبيثة—كما للدوافع الخيِّرة إذا وُجِدَت—هو سيَّالاتُ الإنسان نفسُها. غيرَ أنَّ الساعي إلى الكمال الإنسانيّ بوُسعِه تبديد الظلام في طريق حياته باسترشاد منارات الارتقاء الروحيّ الأربعة التي أَجملتُها بحياةِ المُرسَلين والهُداة، والضميِر الحيّ، والعقلِ الهادي المُسَلَّح بالعلم والمنطق السديد، والتعاليمِ الموحاة.
لكنَّ ثمَّةَ مصادرَ أُخرى لكلٍّ منها دورُه المُهمّ في صياغة دوافع الإنسان، هي الفِعلُ الإراديُّ، وتأثيرُ البيئتَين الصُّغرى والكُبرى. والأَوَّلُ سأُتابعُ مُعالجتَه في هذا البحث، بعد أن أَوضحتُ، في العدد السابق، طبيعةَ الإرادة وعمليّاتها، وأَظهرتُ مدى ارتباط الإرادة بالقدَر الشخصيّ، وتأثيرَ تحمُّل الشخص لمسؤوليَّة أعماله في دفع ارتقائه، وكذلك ضرورةَ هيمنة العقل على تصرُّف الإنسان تعزيزًا لقدرته على التمييز والحُكم. كما كنتُ قد بيَّنتُ أنَّ عمرَ الإنسان لا يحولُ دون استمرار تقدُّمه الروحيّ إدراكًا ونزعاتٍ، وأنَّ لطبيعة المثَل الأعلى الذي يعتنقُه الشخص ولمفهوم المُطلَق لديه تأثيرًا بالغًا في تعجيل ارتقائه الروحيّ أو تأخيره.
إستنصارُ الله تعالى لمُقاومة التجارب الدنيئة
لقد أدركَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة ضعفَ الإنسان، بصورةٍ عامَّة، تجاهَ حاجات الجسد وجواذب الدنيا والوساوس السوداء، فاستحثَّ أتباعَ رسالته الروحيَّة على أن يبتهلوا إلى الله القدير ليُساعدَهم في مُقاومة التجارب الشرِّيرة أو الدنيئة، وذلك بواسطة كتابة “الرموز الداهشيَّة المقدَّسة” والصلوات. وفي كُتُبه “ابتهالات خُشوعيَّة” و”مُذكِّرات دينار” و”مُذكِّرات يسوع الناصريّ” و”بروق ورعود” وغيرها تضرُّعاتٌ وابتهالاتٌ تُساعدُ في مُغالبة الميول الشرّيرة والأَفكار الخبيثة. بيدَ أنَّ “صلاة داهش” التي يبتهلُ فيها إلى الله بلسان كلِّ إنسان تبقى هي الأَشمل على هذا الصعيد. ممَّا جاءَ فيها:
يا أبي وأبا البرايا، ارحَمْ ضَعفَنا الموروث،
شدِّدْ قلوبَنا كي نؤمنَ بقُدرتِك ونُحدِّثَ بعجائبك.
إغرسْ في أعماقنا بذورَ الحبِّ والشفقة والرحمة والحنان.
أبعِدْ عنَّا التجاربَ التي تُريدُ غوايتَنا
وإسقاطَنا في دياجير الخطايا.
سدِّدْ خُطواتِنا في طريق الحقِّ والنور واليقين.
أبعِدْ عنَّا الأَفكارَ الدنيئة، ولا تدَعها تقرُب منَّا.
أنتَ خالقُ البرايا وما فيها، فرحمتُكَ وحنانُكَ
يسَعانِ كلَّ الكائنات، معلومِها ومجهولها.
أشفِقْ علينا، يا ألله،
ولا تُحاسِبْنا مثلما نستحقُّ فنَهلك…[1]
والضعفُ الموروث — أَي الضعف النفسيّ تجاه الإغراءات الدُّنيَويَّة والتجارب السُّفليَّة—يخضعُ له جميعُ البشر؛ وهو ينتقلُ إلى كلٍّ منَّا بالتقمُّص. فنحن نرِثُ سيّالاتِنا من والدينا مباشرةً أَو غير مُباشرة. ولذلك قد يهلكُ أكثرُنا إذا لم يرحمنا الله فيُشفِق على ضعفنا ويُبعِد عنَّا ما يُمكنُ أَن يُغويَنا ويُسقطَنا. من أجل ذلك كان الابتهالُ إلى الله واستنصارُه ضرورةً لا مندوحةَ عنها للراغب في الخلاص.
وهنا لا بُدَّ من إيضاح. إنَّ استنصارَ الله بصفته نبعَ الرحمة والقدرة لا يعني الاتِّكالَ على عطفه وشفقته دون العمل بوصاياه. ففي خاتمة “صلاة داهش”:
أَيُّها الأَبُ العطوف!
كلُّ مَن أَلقى اتِّكالَه عليك وعملَ بوصاياك، وضحَّى من أجل اسمِك، واحتقرَ رغباتِه الأرضيَّة، ونبذَ الدُّنيويَّات، وعطفَ على البُؤساء، وبشَّرَ بعجائبك، وآمنَ بنبيِّكَ الحبيب الهادي، فله السعادةُ والسماء…[2]
وجديرٌ بالإيضاح أنَّ الإيمانَ بـ”النبيِّ الحبيب الهادي” يعني الإيمانَ بأَيَّة رسالة روحيَّة من خلال الإيمان برسولها. فعبارة “النبيّ الحبيب الهادي” تشمل كلَّ نبيٍّ ورسولٍ وهادٍ روحيّ.
إذًا إيمانُ الإنسان من غير تجسيدٍ عمَليّ للمبادئ والتعاليم التي يُؤمنُ بها لا يُؤدِّي إلى الارتقاء الروحيّ ولا إلى استحقاق الرحمة الإلهيَّة. وهذا يقعُ في خطِّ التعاليم القرآنيَّة وفقَ الآية القائلة: {ومَن عملَ صالحًا من ذكَرٍ أَو أُنثى وهو مُؤمِنٌ فأُولئك يدخلون الجنَّةَ يُرزَقون فيها بغير حساب.} (غافر: 40) كذلك في التعاليم المسيحيَّة وردَ ما يُماثلُ ذلك في رسالة يعقوب الأُولى، إذْ قال: “ماذا ينفعُ الإنسانَ، يا إخوتي، أَن يدَّعيَ الإيمانَ من غير أَعمال؟ أَيقدرُ هذا الإيمانُ أَن يُخلِّصَه؟… أَنتَ تُؤمنُ أَنَّ الله واحد؟ حسنًا تفعل. وكذلك الشياطينُ تُؤمنُ به وترتعد…ترَون، إذًا، أَنَّ الإنسانَ يتبرَّرُ بالأَعمال لا بإيمانه وحده… فكما أَنَّ الجسدَ بلا روحٍ مَيت، فكذلك الإيمانُ بلا أَعمالٍ مَيت.” (14-26) واقتصارُ الانتماء الدينيّ على الإيمان السطحيّ دون الأعمال الصالحة لدى أكثريَّة المؤمنين، في جميع الأديان، سبَّب انتشارَ الفساد واستعارَ الاقتتال بين العصبيَّات الدينيَّة العمياء القائمة على الجهل والغباء.
نجاحُ الارتقاءِ الروحيّ يقتضي
قَهرَ الدوافع والميول الخبيثة والمُقاومةَ المُستمرَّة
ذكَرتُ في حلقةٍ سابقةٍ أنَّ بدايةَ طريق الارتقاء الروحيّ تكونُ في الارتداع عن أعمال الشرِّ والرذيلة، وهذا ما شدَّدَت عليه الأَديانُ جميعُها كما الشرائعُ المدنيَّة. لكنَّ الارتقاءَ الحقيقيَّ يتمثَّلُ في قهر الميول الدنيئة والدوافع الخبيثة التي هي مصادرُ الشرور والرذائل. ومن أجل هذه الغاية أراقَ الدكتور داهش حبرًا كثيرًا تمثَّلَ في قطَعٍ مُضيئةٍ مُنبثَّةٍ في شتَّى كُتُبه. لكنِّي سأكتفي بفقرتَين أقتبسهما من رسالةٍ روحيَّةٍ أوحاها إلى الدكتور داهش روحُ الأَب الصالح نوح بطريقةٍ إعجازيَّة، إذ ارتسمَت الرسالةُ بطَرفةِ عينٍ على بضعِ أوراقٍ بيضاء في جلسةٍ روحيَّة. كما تجسَّدت الحمامةُ التي أَطلقَها نوح من فُلكِه بعد انحسار الطوفان، وبقيَت في منزل الرسالة الداهشيَّة عدَّةَ أَشهر قبل عودتها إلى العالَم الذي هبطَت منه. وقد ألمعتُ إلى هذه الجلسة الروحيَّة ومُعجزة تجسُّد الحمامة سابقًا[3]. يقولُ الأَبُ الصالحُ مُخاطبًا أتباعَ الرسالة السماويَّة الجديدة:
يا أحبَّائي، هنيئًا لكم، وهنيئًا لِمَن يثبتُ إلى النهاية.
وهنيئًا لِمَن يتغلَّبُ على التجارب ويسحقُها بموطئِ قدَمَيه.
وهنيئًا لِمَن يرفعُ عنه المُغرَيات التي ستعترضُ سَيرَ حياته.
وهنيئًا لِمَن يطعَنُ بحربةِ إيمانه ميولَه الضعيفة، ويُميتُها وهي لا تزالُ في مهدِها، قبلَ أن يستفحلَ أمرُها وتقضي هي عليه بغَدرها وخيانتها.
لقد عملتُ في حياتي صلاحًا، فكافأَني الله—جلَّ اسمُه—مُكافأةً لا يُمكنُني أن أصفَها لكم (…)
لا يأخُذنَّكم ضَعفٌ أو وَهَن.
قاوِموا التجاربَ الوضيعة.
لا تكِلُّوا ولا تمَلُّوا قبل أن تأتيَ ساعةُ الندم فلا تُجديَكُم نفعًا.
أمَّا الآنَ فالفُرصةُ أمامكم.
لا يفرحْ أيٌّ منكم بأنَّهُ قد عرفَ (الحقيقة) في هذه الرسالة، وبأنَّهُ صارَ بمنجاةٍ من كلِّ شيء، فالتجاربُ العديدةُ لا تزالُ أمامكم. وها قد سبقتُ وأخبرتُكم أن تُقاوموها…[4]
من وصيَّة الروح المقدَّس، روح الأَب نوح، نستنتجُ أنَّ النجاحَ في الارتقاء الروحيّ لا يتمُّ بالابتعاد عن الشرور والمُغرِيات فحَسب، بل بمُقاومة دائبة دائمة للتجارب الوضيعة لا تنتهي إلاَّ بانتهاء حياة الإنسان. فالثَّباتُ يجبُ أن يكونَ حتَّى النهاية. وهذا يتَّفقُ مع قول السيِّد المسيح على لسان تلميذه يوحنَّا: “ومَن غلبَ وثابرَ على خدمتي إلى النهاية أُعطيه سلطانًا على الأُمَم… وأُعطيه أيضًا كوكبَ الصبح.”[5]
من أَجل ذلك، ولكي لا يظنَّ المؤمنون بالرسالة الروحيَّة الجديدة أَنَّهم أَصبحوا في مَنجاةٍ من الهلاك بمجرَّد إيمانهم بالدكتور داهش، كانت تهبطُ رسائلُ روحيَّة إلى كلٍّ منهم مُرتسمةً على أَوراقٍ فارغة تكون في قبضات أَيديهم أَو أمامهم، أو يختارونها من “جارور الرموز المقدَّس”[6] وهي مطويَّة مجهولة المضمون من بين عدَّة أَوراقٍ أُخرى مطويَّة مثلها؛ فإذا هي تُخاطبُهم بأَسمائهم، وتُوضِّحُ لهم أُمورًا روحيَّة مُعيَّنة، وتُحذِّرُهم من السقوط. والسقوطُ لا يعني بالضرورة سقوطًا يشملُ جميعَ سيّالات الإنسان؛ فقد يسقطُ سيّالٌ تُسيطرُ عليه نزعةُ الحسَد، أو الإيذاء، أو آخرُ تُهيمنُ عليه نزعةُ الأنانيَّة أو الكذب، أو ثالثٌ تجرفُه نزعةُ الكبرياء أو التسلُّط والغطرسة أو الافتراء، أو رابعٌ تستعبدُه شهوةُ الجنس، أو شهوةُ المال، إلخ… فالسقوطُ قد يتأَتَّى من عدم الثبات في مُقاومة الميول الفاسدة والدوافع الخبيثة والتجارب السُّفليَّة مُقاومةً شديدة، كما قد يعني وِقفةً يقفُها المُؤمنُ مُناصِرًا فيها الباطلَ على الحقّ، أو القويَّ على الضعيف، أو الظالمَ على المظلوم؛ أو وِقفةً تنهزمُ فيها شجاعتُه وتبرزُ جبانتُه عند امتحان صلابة إيمانه.
موقفُ الجبانة أَو التردُّد ذكرَه لي الدكتور داهش في معرض حديثه عن بطرس الرسول. فهذا الرسول الكبير الذي رافقَ السيِّدَ المسيح منذ بداية رسالته مُنقطعًا إليه، سائرًا على خُطاه، أَنكرَ ثلاثَ مرَّات أَنَّه يعرفُ يسوع الناصريّ وأن يكونَ من تلاميذه، بدلَ أن يشهدَ له أمام المحكمة، وذلك حينما رآه بعضُ اليهود في ساحة دار رئيس الكهنة، وأرادوا أَن يُثبتوا أنَّه من أتباع يسوع.[7] فبنُكرانه وتأكيده قولَه بالحلَف أسقطَ سيَّالَه المُتردِّد. هذا السيَّال المُتذبذِب— على حَدِّ قول الدكتور داهش لي — هو الذي كاد يُغرِقُ بطرس حينما رأَى يسوع، في الليل، ماشيًا على البحر، فارتعبَ مع آخرين من التلاميذ. “فقال لهم يسوع في الحال: تشجَّعوا، أَنا هو، لا تخافوا.” فقال له بطرس: “إن كنتَ أنتَ هو، يا سيِّد، فمُرْني أَن أَجيءَ إليك على الماء.” فأَجابه يسوع: “تعال.” فنزل بطرس من القارب ومشى على الماء نحو يسوع. ولكنَّه خاف عندما رأَى الريح شديدة، فأَخذ يغرق، فصرخ: “نَجِّني، يا سيِّد.” فمدَّ يسوع يدَه في الحال وأَمسكَه وقال: “يا قليلَ الإيمان، لماذا شكَكتَ؟” [8] وسيّالُ بطرس المُتردِّد نفسُه خاطبَه السيِّدُ المسيح قائلاً، بعد أَن عاتبَه بطرس على تصريحه لتلاميذه بأَنَّه سيتأَلَّم ويموت قتلاً: “ابتَعِدْ عنّي، يا شيطان، فأَنتَ عقبةٌ في طريقي، لأَنَّ أَفكارَكَ هذه أَفكارُ البشر لا أَفكارُ الله.”[9] لكنَّ بطرس الرسول عاد فرفعَ نفسَه من الهُوَّة التي سقطَ فيها، بعد أن بكى بُكاءً مُرًّا وندمَ على نُكرانه، وبعد أن طلبَ إلى مَن أرادوا صلبَه في روما أَن يصلبوه مقلوبًا لأنَّه لا يستحقُّ أَن يموتَ ميتةَ مُعلِّمه الإلهيّ.
وقد يُعطى شخصٌ ما نعمةً تتمثَّلُ بصورة معنويَّة كالموهبة والسلطة، أو بصورة مادِّيـَّة كالثروة المُفاجئة؛ فإذا لم يعرف كيف يُحافظ على نعمته، فيُسقِط سيّالاته، فإذْ ذاك يفقدُ النعمة. وقد عرفتُ غيرَ قليلين مِمَّن أَتَتهم نِعَمٌ مختلفة؛ لكنَّهم فقَدوها من جرَّاء عدم التزامهم السلوكَ القويم الذي به يُحافَظ على النعمة. وقد أعطى الدكتور داهش مثلاً في أُقصوصة “مِلياردير يموتُ جوعًا”[10] على بخيلٍ أنعم الله عليه، لسببٍ ما، بثروةٍ طائلة مُفاجئة؛ لكنَّه بدلَ أَن يستفيدَ منها في أَعمال الإحسان وفي إغناء شخصه وترقية نفسه بالتغلُّب على نزعة البُخل فيها، يزدادُ تقتيرًا وبالتالي تسفُّلاً بصَرف جُلِّ اهتمامه إلى تكنيز المال وكأنَّه ربُّه المعبود، فيستحقّ، إذْ ذاك، أن يفقدَ نعمتَه. كذلك في أُقصوصة “نعنوع ومُنَعنَع”[11]أعطى الدكتور داهش مثلاً للعاقبة الوخيمة التي يصلُ إليها مَن تأتيه النعمة، فتكون عليه نقمة، لغلبة اللؤم على طباعه وعدم اكتراثه بتحسين حاله.
وفقدانُ النعمة أشار إليه القرآنُ في الآية الكريمة القائلة: {وضربَ اللهُ مثلاً قريةً كانت آمنةً مُطمئنَّة يأتيها رزقُها رغَدًا من كلِّ مكان، فكفرَت بأَنعُم الله، فأَذاقَها اللهُ لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.} (النحل: 112)
أَنواعٌ خَطِرة من التجارب الدنيئة
والتجاربُ الدنيئة كثيرة. لكنَّ بينها أنواعًا طاغيةً تستَدعي مُقاومةً قويَّةً ومُجاهدَةً دائمة، فيحسنُ إيضاحُ أهمِّها؛ ويُمكنُ إجمالُها بأربعة:
أَوَّلاً، تجاربُ العِشرة السيِّئة والاختلاط الأعمى:
طالما سمعتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يُوصي أتباعَه بالحذَر من العِشرة السيِّئة ويُبدي محاسنَ تضييقِ دائرة العِشرة، وينصحُ بالاحتراس من الاختلاط العشوائيّ المتكرِّر بقاصِدي أماكن اللَهو العامَّة، ولا سيَّما المسابح المشتَرَكَة؛ ذلك بأنَّ الدرجات الروحيَّة للسيَّالات مُتفاوتة في الناس، وأكثرُهم تغلبُ عليهم النزعاتُ السُّفليَّة أَو الدُّنيَويَّة. وإذا حدثَ تفاعلٌ عاطفيٌّ قويّ بينَ مَن تكونُ سيَّالاتُه راقية ومَن تكونُ مُتدنِّية—وليس من برهانٍ فوريٍّ يُبيِّنُ ذلك— فسيَّالاتُ الاثنَين ستتشابك؛ وفي أغلب الأَحيان، ستهبطُ السيَّالاتُ الروحيَّةُ الأَرقى إلى مُستوى الأَدنى. بل إنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة أَكَّدَ لي، إذْ كنتُ أُرافقُه في أحد المخازن التجاريَّة بباريس، عام 1978، أَنَّ الرغبةَ الشديدة في شيءٍ ما، حتَّى لو كان جمادًا، يجعلُ الراغبَ يُدخِلُ فيه بعضًا من سيّالاته. فقد كنتُ أختارُ مجموعةً من الصُّوَر الكبيرة التي تُمثِّلُ حيواناتٍ مُتنوِّعة، وكانت بجانبي فتاةٌ تختارُ من المجموعة نفسها. وقد شعرتُ بأنَّ نظرَها تعلَّقَ بصورةٍ اخترتُها. وإذا الدكتور داهش يرتعش بالروح العَليّ، فيبيضُّ وجهُه بعضَ الشيء، وتتغيَّرُ ملامحُه، ويقولُ لي بصوت الروح: “أَعطِها إيَّاها، فقد دخلَ سيّالٌ منها في الصورة.” وهذا يوضِحُ قولَ السيِّد المسيح: “مَن نظرَ إلى امرأةٍ ليشتهيَها فقد زنى بها في قلبه.”[12] فالرغبةُ الشديدة تقومُ مقامَ العمل وتفعلُ فعلَه في النفس. وكذلك المَيلُ القويّ؛ فالبُغضُ قد يكون كالقتلِ في تسفيله للإنسان. والمُهمُّ في ذلك أَنَّه إذا حدثَ هبوطٌ في سيّالات الشخص بفِعل هذا التشابُك أو الاندماج، فهذا الهبوطُ يكونُ له نتائجُ وخيمة على مَن هبطَت درجتُه الروحيَّة، فتتولَّدُ فيه أمراضٌ خبيثةٌ أو تحصلُ له مصائبُ أو أحداثٌ قد تُقصِّرُ عُمرَه، أو تودي بحياتِه، لأنَّ ما يُصيبُ الإنسانَ رهنٌ بدرجته الروحيَّة واستحقاقه. وقد مرَرتُ بنفسي في هذه التجربة، وخلصتُ منها بفِعلِ رحمة الله ومُساعدةٍ روحيَّةٍ استَحقَقتُها. كما علمتُ، في أثناء مُلازمتي للدكتور داهش، بعدَّةِ أحداثٍ مأساويَّة نتجَت عن العشرة السيِّئة. فإذا عاشرَ إنسانٌ صادق، مثلاً، إنسانًا غلبَ الكذبُ على سيّاله حتّى أسقطَه إلى الجحيم، وتوثَّقت أواصرُ الصداقة والتعاطُف بينهما، فستتشابك سيّالاتُهما، حتَّى يغلبَ الكذبُ على الصادق. وهكذا يحدثُ للعفيف الذي يُوطِّدُ صداقتَه مع الفاجر، أو للكريم مع البخيل، أو للمتكبِّر مع المتواضع، إلخ.
ثانيًا، العاداتُ السيِّئة:
لا تتكوَّنُ العادةُ إلاَّ بتَكرار عملٍ ما يراهُ الإنسانُ مُستَحَبًّا لأنَّه يُشبِع ميولاً مُعيَّنةً فيه. وهذا التكرارُ المقرونُ بالرغبة القويَّة يجعلُ العملَ المُعيَّنَ آليًّا يقومُ به صاحبُه بجهدٍ أقلّ. وبما أنَّ الرغبات قد تكونُ ساميةً أو دنيئة، فالعاداتُ السيِّئة تتكوَّنُ من تكرارِ أعمالٍ مُعيَّنة مقرونةٍ برغباتٍ وضيعة.
وإذا ما استَحكمَت العادةُ السيِّئةُ في الشخص أصبحَت لدَيه أشبهَ بطبيعةٍ ثانيةٍ يصعبُ كثيرًا التغلُّبُ عليها، لأَنَّ تأثيرَها يكونُ قد أحدثَ تغييرًا في سيَّالات الإنسان وبالتالي في دماغه ووظائفه؛ من مثل ذلك عادةُ الشذوذ الجنسيّ والتخنُّث، أو التهتُّكُ وارتداء الملابس غير المُحتشمة، أو إدمانُ المُخدِّرات أو المُسكِرات.
فالدكتور داهش كان يعتبرُ الشذوذَ الجنسيَّ عملاً مُنكَرًا وانحرافًا عن الغاية التي من أجلها سمحَت المشيئةُ الإلهيَّة بمُمارسة الجِنس بُغيةَ التناسُل، بعد عصيان آدم وحوَّاء وطردهما من الفردَوس الأرضيّ. وهذا الأمر سأَعودُ إليه في بحثٍ لاحق عندما أتحدَّث عن الزواج. والتخنُّث فرعٌ من أصل، أو قد يكون بدايةَ انحدارٍ يُؤدِّي إذا استمرَّ إلى الانحراف. والتهتُّكُ كتبَ الدكتور داهش كثيرًا في انحطاط صاحبه— أو صاحبته— وتسبيبه الهلاك له. وارتداء الثياب غير المُحتشمة قد يُؤدِّي تكرارُه إلى تعزيز الميول الشهوانيَّة واستثارة الرغبات الوضيعة عند الآخرين فإلى الخلاعة. وإدمانُ المُخدِّرات كان الدكتور داهش يرى فيه تسميمًا للعقل والجسَد، وبالتالي تسفيلاً للسيّالات. أمَّا المُسكِرات فلم يستحسنْها بجميع أنواعها؛ وكثيرًا ما سمعتُه يقول إنَّ سيَّالاتها رديئة. لكنَّه لم يكن يستنكر القليلَ منها إذا اتُّخِذَ لغايةٍ صحِّـيَّة.
وأَذى المُسكِرات والمُخدِّرات أَكَّدَته الدراساتُ العلميَّة. فقد ظهرَ أنَّ 50% مِمَّن يُدمنون المُسكِرات يبقَون مُدمنين أو يموتون باكرًا، وأنَّ 20% منهم فقط يتخلَّصونَ نهائيًّا من المُسكِرات. أمَّا المُخدِّرات فالذين يخلصون منها بمُختلِف الوسائل لا يتعدَّون ثُلثَ المُدمنين. والجديرُ بالذكر أنَّ الدراسات أظهرَت أَنَّه بقَدر ما يكونُ الإنسانُ ذكيًّا ومُثقَّفًا ومُستقرًّا في حياتِه العاطفيَّة والمعيشيَّة يسهلُ عليه التغلُّبُ على هذه العادة السيِّئة.[13]
لكنَّ عادةَ الانحراف الجنسيّ، إذا لم يُقاومها صاحبُها مُقاومةً عنيدةً مُتحمِّلاً الانزعاجَ الشديدَ من جرَّاء عدَم إشباع رغبته الشاذَّة، فإنَّها تُكيِّفُ سيَّاله بكيفيَّتِها حتَّى إذا عادَ السيَّالُ نفسُه إلى تقمُّصٍ جديدٍ أحدثَ في جينات الجنين انحرافًا جنسيًّا أثَّرَ في دماغه وبالتالي في سلوكه.
ولذا أكَّدَت الدراساتُ العلميَّةُ وجودَ عُنصرٍ فطريٍّ في الجنسيَّة المِثليَّة Homosexuality يُصبحُ تغييرُ هذه العادة السيِّئة معهُ أشقَّ وأكثرَ تعذُّرًا. من أجلِ ذلك يُؤكِّدُ سيليغمان Seligman، واضع الكتاب النفيس “ما بوسعِكَ تغييرهُ وما ليسَ بوسعِك” أَنَّ العلاجَ لم يُثبت جدواهُ معهم.[14]
ثالثًا، الأَحقادُ الدفينة:
عندَ موتِ الإنسان تنطلقُ سيَّالاتُه، لكنَّها لا تفنى. بل إنَّ النَّزَعات القديمة والرغبات القويَّة التي كانت ناشطة فيها تبقى مُنطبِعَةً في السيَّالات، حتَّى إذا تقمَّصَ السيَّالُ في مولودٍ جديد، انتقلَت معهُ تلكَ النَّزعات والرغبات، ثمَّ استيقظَت فيه بعد النُّضج الجسَديّ المطلوب. وهكذا يُطِلُّ الحقدُ والحسدُ والعدائيَّةُ والخيانةُ وما إلى ذلك مِمَّا كانَ مُوجَّهًا ضدَّ فردٍ مُعيَّنٍ أو جماعةٍ معيَّنة، ليتَّجِهَ ضدَّ أشخاصٍ تُحييهم سيَّالاتٌ كانت في دوراتٍ حياتيَّةٍ سابقة هي المُستهدَفَة.
مِثالُ ذلك ما أوضحَهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة عن نبوءةٍ مُفصَّلةٍ موحاة عن مصرع الرئيس جون كنِدي، نشرَتها صحيفةُ “الجريدة” البيروتيَّة في 29/11/1963. فقد انتقلَ إلى الرئيس الأَمريكيّ أحدُ سيَّالات أبراهام لِنكولْن، كما انتقلَ إلى أُزوالد، قاتِلِه، أحدُ سيَّالات بوث، قاتلِ لِنكولن. ونزعةُ العدائيَّة المُستفحِلَة التي كانت ناشطةً في سيَّال بوث بقِيَت فيه عندَ انتقاله إلى تقمُّصه الجديد. وعندما تسلَّمَ كنِدي مقاليدَ الرئاسة، استيقَظَت في أُوزالد نزعتُه العدائيَّة القديمة، ودفعَتهُ إلى قتلِ غريمه ثانيةً. ومن أجلِ تنفيذِ ذلك يتذرَّعُ العقلُ الواعي بمُبرِّراتٍ إيهاميَّة Rationalization لإشباع النزعة الجارفة.
ومن أدَلِّ الأَمثلة على عودةِ السيَّال حاملاً الرغبة العدائيَّة نفسها، ما أوضحَهُ الدكتور داهش عن تقمُّصات قايين (قابيل). فقد تقمَّصَ أحَدُ سيَّالاتِه في يهوذا الإسخريوطيّ، وعادَ هذا ليتقمَّصَ سيَّالٌ له في عبد الرحيم الشريف الخليليّ الذي خانَ مُؤسِّسَ الداهشيَّة، وليتقمَّصَ سيَّالٌ آخر له في جوداس، قاتل غاندي.
إنَّ الأَذكياءَ الراغبينَ في الارتقاء الروحيّ عليهم أن يُدرِكوا أنَّ كثيرًا من نزعاتهم العدائيَّة تجاهَ أشخاصٍ مُعيَّنين أو جماعاتٍ مُعيَّنة قد يكونُ مصدرُها في تقمُّصاتٍ سابقة، وأنَّ عليهم أن يُقاوموها مُقاوَمَةً جبَّارةً، ولا يستسلِموا لتبريراتٍ إيهاميَّةٍ تُزيِّنُها لهم أحقادُهم المُزمِنة الدفينة. والدكتور داهش أعطى أمثلةً كثيرةً على مثل هذه الحالات في كتابه المُتعدِّد الأَجزاء “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، ليتَّعظَ بها الأشخاصُ الذين تُمثِّلُهم، فيُقاوموا ميولَهم الخبيثة وأَحقادَهم المكبوتة.
والتبريرات الإيهاميَّة تعني لجوءَ الشخص المَعنيّ إلى تبرير شعوره العِدائيّ تبريرًا لا يستندُ إلى أَيَّة قاعدة عقليَّة أَو أُسُسٍ واقعيَّة، بل يستندُ إلى انفعالاتٍ مُبهَمة مكبوتة صادرة عن حقدٍ دفين. لكنَّ صاحبَ الشعورَ العدائيّ، من أَجل أَن يتهرَّبَ من الشعور بالذَّنب تجاهَ نزعته العدائيَّة، يلجأُ بطريقةٍ عفويَّةإلى إحاطة نزعته بتبرير “مُعقلَن” ليس، في الواقع، سوى تبريرٍ إيهاميّ كاذب.
هذه الأحقادُ التقمُّصيَّة الدفينة يجبُ تمييزُها عن التوهُّم المرَضيّ الذي قد يطرأُ أَحيانًا على إنسانٍ ما بفِعل لوثة عقليَّة تُصيبُ وظائفَ بعض المراكز في دماغه، كما الحال في الشيزوفرينيا. فقد أَكَّد لي الدكتور داهش أَنَّ سببَ الإصابة بهذه اللوثة العقليَّة المعيَّنة هو اتِّساعُ الفارق لدى المُصابين بها بين درجة السيَّال الأعلى فيهم ودرجة السيَّال الأدنى، بحيثُ يُصبحُ التفاهمُ بينهما مُستحيلاً، فيحدثُ، إذْ ذاك، ما يُسمَّى بانفصام الشخصيَّة. وعندما يُسيطرُ السيّالُ الأدنى على نشاط الإنسان وتفكيره، تتجلَّى نتائجُ اللَوثة العقليَّة، فيبدو الإنسانُ في تصرُّفاته كأنَّما هو غير إنسان. حينئذٍ قد يرى المُصابُ أَشياءَ لا يراها السليم، أو يسمعُ أصواتًا ليست في الواقع المادّيّ، أَو تنتابُه أفكارٌ مُتسلِّطة عن أُمورٍ أَو أَشخاصٍ معيَّنين لا أساسَ لها من الصحَّة. والجديرُ بالذكر أنَّ المُصابَ بالشيزوفرينيا يستحيل، عادةً، إقناعُه بأَنَّ ما يراه أو يسمعُه أو يتهيَّأُ له أَنَّه يشعرُ به أَو يعرفُه إنَّما هو من إنتاج بعض سيَّالاته، وبالتالي جهازه العصَبيّ، وليس له أيّ أساس في واقع الناس.
رابعًا، الوساوسُ الخبيثة:
المقصودُ بها هنا لا الأَفكار المتسلِّطة العاديَّة، من مثل تكرار غَسل اليدَين أو تنظيفِ مكانٍ ما دونما مُبرِّر أَو إعادة إقفال الباب أو الخزانة تكرارًا ممَّا اصطُلِحَ على تسميتِه بـ OCD (Obsessive-Compulsive/Disorders)، بل الأَفكار الخبيثة، الدنيئة أو الشرِّيرة، التي تستَحوذُ على الإنسان فيُصبحُ لها أسيرًا، ولا يفعلُ الطبُّ النفسيُّ ولا العقاقيرُ في الشفاء منها أكثر الأَحيان؛ إذْ إنَّ أكثريَّةَ المُصابين تعودُ إليهم أعراضُهم حالما ينقطعون عن مُتابعة العلاج الذي تنحصرُ وظيفتُه في إزالةٍ مُؤقَّتةٍ للأعراض عندَ فئةٍ قليلة من المُصابين.[15] ما سرُّ هذا الاستعصاء؟
إنَّ الطبَّ النفسيَّ الحاليَّ والطبَّ الجسميَّ المعنيّ بالأَعصاب ما زالا عاجزَين عن فَهم حقيقةِ الإنسان النفسيَّة. فسيَّالاتُ الإنسان—أو طاقاتُه النفسيَّة الجوهريَّة—التي تُؤثِّرُ في أفكاره ونزَعاته وبالتالي سلوكه ليست مُنحصِرَةً في جسمه، وعلى الأَخصِّ في دماغِه وسائر جهازِه العصَبيّ، بل هي جزءٌ من شبكةٍ من السيّالات لها امتداداتٌ في الأَرض أو في عوالمَ سُفليَّة أو عُلويَّة. وأوضحُ ما يشرحُ ذلك ما أدرجَهُ الدكتور داهش في “حُلم رهيب”.[16] يقول:
واقتادَتني إلى جبل المعرفة، ومن قمَّتِه كنتُ أُشاهدُ سيَّالاتي الموجودةَ بعوالمَ عديدة، منها عوالِمُ لا بأسَ بها، ومنها عوالِمُ تعيسة. وبِعَينِ العَجَب العظيم كنتُ أُشاهدُ سيَّالاتي الموجودة بعوالِم مُنحدرة الدركات وهي تُرسلُ إشعاعاتِها لسيَّالاتي الأُخرى الكائنة في عوالِمَ رفيعة، حاضَّةً إيَّاها على ارتكاب الممنوعات والمُحرَّمات بُغيةَ إسقاطها وسَحْبِها إلى الدركات المُنحدِرة بالأَغوار السحيقة حيثُ تقبعُ سيَّالاتي. ففهمتُ، إذْ ذاك، أنَّ ما يُساورُنا من رغباتٍ لارتكاب المُحرَّمات هو منَّا وفينا، أي إنَّ سيَّالَنا الموجودَ بِدَرَكٍ سحيقٍ هو الذي يعملُ جاهدًا ليدَعَنا نسقط، فإمَّا أن يفشلَ أو يُكتبَ له الفوز. إذًا لا يستطيعُ أيُّ سيَّالٍ خارجيٍّ أن يدعَنا نسقط، فهذا الأَمرُ ممنوعٌ منعًا باتًّا. وإذا سقَطنا، فيكونُ سقوطُنا من سيَّالِنا الذي نحنُ أوصَلناهُ إلى دركٍ سُفليّ، فأصبحَ يرغبُ بالانتقام منَّا، وجَعْلِنا ننقادُ لإيحائه بواسطة الاشعاع الذي يُرسلُه لكي يوقِعَنا بشِباكِه، وهنا الطامَّةُ الكبرى.
إذًا رُقيُّنا أو انحدارُنا يكونُ بنسبة مُقاومتنا وجهادنا أو خضوعنا واستسلامنا لوَسوَسات سيَّالنا السُّفليّ. فإذا انْصَعنا لرغبتِه فنفَّذنا أوامرَه وارتكَبنا الممنوعات، فإذْ ذاك لا بُدَّ من أن نسقطَ وننحدرَ لدَرَكِه، وإذا لم ننصَعْ لأَوامره ونواهيه نرفعُ سيَّالَنا ونوصلُه إلى ملإٍ عُلويّ. وهذه هي العدالةُ الإلهيَّة، إذْ يُجازى كلٌّ منَّا بحَسَب عمله، أو بالأَحرى نحن الذين نُجازي أنفُسَنا فنوصلُ سيَّالاتنا إلى درجةٍ عُلويَّةٍ أو درَكةٍ سفليَّة. وما ربُّكَ بظالِمٍ لخلائقه، إنَّما لأَنفسِهم يظلِمون.
في ضوء هذا الإيضاح الروحيّ يُمكنُ أَن نفهمَ أَنَّ كثيرًا من الأَمراض العقليَّة التي تُؤدِّي إلى نوباتٍ عصبيَّة من الجنون الجزئيّ الآنيّ المُتَّجه إلى العُنف أَو الرذيلة أو الشرّ عامَّةً قد يكونُ مصدرُها سيّالاتٍ سُفليَّة تابعة للمريض تتسلَّطُ على قواه العقليَّة. ولأنَّ سيّالاته هي خارج جسده، لكنَّها تُرسِلُ إشعاعاتِها عن بُعد، فمن المُحال القضاء على أسبابها بالعقاقير؛ فالأدوية يُمكنُ أَن تحجبَ تأثيرَها عن الدماغ لوقتٍ معيَّن، فإذا زال تأثيرُ الدواء، عاد فعلُها مثلما كان. ولِذا فلا يوقِفُ أو يُخفِّفُ من تأثيرها إلاَّ مُقاومةٌ شديدة مُستمرَّة لها تقومُ بها النفسُ بمجموع طاقاتها مهما عانى الشخصُ المعنيُّ من انزعاج وإرهاق.
أَمَّا إذا سمحَت العدالةُ الإلهيَّة للسيَّالات السفليَّة التابعة أو غير التابعة للشخص أن تحتلَّ جهازَه العصبيّ، فإذْ ذاك يحدثُ الجنونُ المُطبِق. وقد وصف الدكتور داهش هذا النوع من الجنون وصفًا واقعيًّا مُؤثِّرًا في أُقصوصتَين من أَقاصيصه.
يقولُ في أُقصوصة “يا لَلهَول!”[17] واصفًا شابًّا كان في حالة الثورة الجنونيَّة، وهو يُحاولُ تهدئتَه:
وإن قُدِّرَ لكَ أَن تغفلَ لحظةً، أَو تهنَ قواك لبُرهة، فإنَّكَ تتأَكَّد أَنَّك ستكون ضحيَّةَ هذا الشابّ المضّيِّع للعقل بما وُهِبَه من قوَّة خارقة مِمَّا اختزنَته أَعصابُه من مئات السيَّالات الغريبة عنه والمُحتلَّة أعصابَه، والقاطنة في نفسه…”
وقد ابتهلَ الدكتور داهش إلى الله ليشفيَه مع علمه أَنَّها عدالةُ السماء، فقال:
وارحَمْ هذا الشابَّ، وأَنقِذه مِمَّا ألمَّ به رغمًا عن تأَكُّدي أَنَّه يستحقُّ ما أَصابَه، مثلما نستحقُّ ما أصابنا ويُصيبُنا، لأنَّ عدالتَكَ حقَّة، إذْ تُجازي كلاًّ حسبَ استحقاقه دون زيادة أَو نقصان.
وقد وردَ في الأناجيل وصفٌ مُماثِل لمجنون كان يسكن المقابر ولا يقوى أحدٌ على ضبطه أو تقييده حتَّى بالسلاسل، إذْ كان يُقطِّعُها، فهُرِع إلى المسيح إذْ كان مارًّا في تلك الناحية، فأمرَ يسوع فرقةَ “الأرواح النَجِسة” التي كانت تحتلُّ أعصابَه أن تخرجَ منه. وإنَّما المقصود بـ”الأرواح النجسة” السيّالات السُّفليَّة التي كانت مُندمجة به؛ وكانت تُسمَّى بالشياطين.
الحَلُّ الحاسِم لنشاط السيَّالات الخبيثة
تُرى، ما الحَلُّ الحاسِم في حال استمرار الصراع المرير بين قوى الخَير وقوى الشرِّ في نفوسنا؟ أو في حال إصابتنا بمرَض انفصام الشخصيَّة من جرَّاء سيطرة سيّالٍ خبيثٍ علينا؟ أو في حال مُساورة الوساوس السُّفليَّة لنا تكرارًا؟
إنَّ السيّالات الخبيثة ما كانت لِتُسيطرَ على قوى النفس الإدراكيَّة أو النزوعيَّة لو وجدَتها شديدةَ المُقاومة لها. والوساوسُ السُّفليَّة ما كانت لِتغزوَ إنسانًا وتحتلَّ جهازَه العصَبيَّ لو كانت نفسُه منيعةً ضدَّ هجماتها. فالأعداءُ كما الجراثيم لا تفتكُ إلاَّ بالكِيان الضعيف المُقاومة، الواهنِ المناعة. فلو لم تجد السيّالاتُ الخبيثة القابعة في عوالمَ سُفليَّة أرضًا خصبةً لها، أَي سيّالاتٍ رديئة تُرحِّبُ بأَن تبذرَ فيها بذورَها، لَكانت ارتدعَت عن وسوساتها ومُحاولاتها الانتقاميَّة. وقد هَدانا مُؤسِّسُ الداهشيَّة إلى حَلٍّ حاسِم، في مِثل هذه الحالة، عرضَه في قصَّة “الشجرة المشطورة لقسمَين”.[18] فقد كانت هذه الشجرة تُعاني من الصراع الشديد الدائم بين ميول الخَير وميول الشرِّ فيها، وكان سيَّالُ الخير في الفرع الأَيمن، وسيَّالُ الشرِّ في الفَرع الأيسر. فلمَّا يئسَ القسمُ الصالحُ من إمكان رَدْع القسم الطالح عن أعمال الشرِّ التي كان يقوم بها (من مِثل اجتذابه بإشعاعه الخفيّ للأَفاعي لكي تتسلّقَ الشجرةَ وتلتهمَ بَيضَ الطير المحفوظ بأَعشاشها)، استجمعَ قواه وأَطلقَ ابتهالاً صارخًا إلى الله ليفصلَه عن فرعه الشرِّير. وإذا بالشجرة تنشطرُ قسمَين، ويتخلَّص الجانبُ الخَيِّر من مسؤوليَّة ما قد يرتكبُه الجانبُ الخبيث. وهذا المثَلُ يُذكِّرُنا بقول السيِّد المسيح: “إذا جعلَتكَ عينُكَ تخطأ فاقلَعْها، لأنَّه خيرٌ لكَ أَن تفقدَ عُضوًا من أَعضائك ولا يُلقى جسدُكَ كلُّه في جهنَّم.”[19]
إذًا الابتهالُ الحارُّ الصادقُ المتكرِّر إلى الله مقرونًا بالرغبة الشديدة للانفصال عن السيّال السُّفليّ قد يُفضي إلى الانفصال عنه.
النَّدَمُ والأَلم
إرتداعُ الإنسان عن أعمال الشرّ، ومُقاومتُه للتجارب الوضيعة من أيَّةِ جهةٍ ساورَته، وقَمعُهُ الوساوسَ الخبيثة— جميعُها تستدعي إرادةً تسلكُ طريقًا جِهاديًّا غالبًا ما يُؤدِّي إلى انتصارِه وخلاصِه. لكنَّ ذلك لا يتمُّ إلاَّ بتَوبةٍ صحيحةٍ يُؤَدِّي إليها ندَمٌ صادق وألَمٌ مُطهِّر.
من أفضل الأمثلة التاريخيَّة التي قدَّمَها الدكتور داهش على الندَم ما فعلَهُ داوود النبيّ بعدَ شُعوره بالذنب العظيم الذي اقترفَهُ حينما أرسلَ أُوريَّا إلى ساحة الحرب وأمرَ بِوَضعِه في الطليعة ليتعرَّضَ للنبال المسمومة.
فعفَّرَ [داوود] رأسَه بالرماد الحارّ،
وارتدى المُسوح،
ثمَّ سكبَ ندامةَ قلبِه الحزين أمام مَوطئ العَليّ،
كي يغفرَ له جريمتَهُ التي استحقَّ عليها السقوط.”[20]
وكانَ داوود يُوقِّعُ مزاميرَه على قيثارته مُستغفرًا الله على ذنبه الذي دفعَهُ إليه ولَعُهُ بامرأة أُوريَّا.
ويُرشدُنا الدكتور داهش إلى طريق التوبة والندم في كثيرٍ من قِطَعِه الوجدانيَّة، ولا سيَّما تلك التي يضمُّها كتابُه “ابتهالاتٌ خشوعيَّة”. ففيها يتحدَّثُ بفَمِ الإنسان الذي حطَّمَ الوصايا الإلهيَّة، ودخلَ في “أَتُّون الشهوات”، وشربَ “من خمرة إبليس الرجيم”، بعدَ أن تفيَّأَ “ظلَّ شجرة (معرفة الخير والشرّ) الجميلة المنظر”، ثمَّ قطفَ “من (ثمارها) الشهيَّة المُحرَّمة.” وبصفتِه ابن الإنسان، حامل أوزار آدم، يرفع ضراعتَه إلى الله قائلاً:
إنَّني أضرعُ إليكَ أن ترحمَني،
أن تترأَّفَ بي،
أن تمدَّ يدَكَ الإلهيَّةَ وتنتشلَني من الهُوَّةِ المُرعِبَة
التي أصبَحتُ في أعماقها السحيقة الرهيبة المخاوف.
فالندمُ هو سبيلي لغُفرانِك الإلهيّ الشامل،
والحزنُ القاتلُ هو أملي برحمتِكَ اللانهائيَّة،
ودُموعي الهتَّانة تضرعُ لأُلوهتِك أن تقبلَ توبتي الصادقة،
فلولا رحمتُكَ وغُفرانك، لَما استطاعَ أيُّ بشريٍّ
أن ينجُوَ من جهنَّمَ المتَّقدة بأُوارها الأَبديّ،
آه! ما أوسعَ رحمتك! وما أعظمَ شفقتَك علينا
يا أرحمَ الراحمين![21]
وغَنيٌّ عن البيان أنَّ للألَم النفسيّ والجسديّ الذي يتحمَّلُهُ الإنسان بلا شكوى أو تذمُّر، بل بإدراكٍ للعدالة الإلهيَّة أو الحكمة الروحيَّة التي قد ترمي إلى امتحان إيمانه، دورًا خطيرًا في تطهيره وتكفيره عن ذُنوبه. يقول الدكتور داهش مُخاطبًا الخالق—عزَّ وجلّ:
فبإرادتِكَ وُجِدتُ،
وبإرادتِكَ أعودُ إليكَ بعد أن تُطهِّرَني الآلامُ الرهيبة.[22]
بل إنَّ الآلامَ العميقةَ تفتحُ بصيرةَ النفس، وتجعل الإنسان أقربَ إلى حقيقة الحياة: “الأَلمُ خيرُ مُهذِّبٍ للنفس، ولولاه لَما عرَفتُ معنًى لحياتي، ولا كشفتُ لها سرًّا.”[23]
الحذَرُ من أَن تتقنَّعَ السيِّئاتُ بالمزايا
إِنَّ بقاءَ البشر في الأَرض برهانٌ على أنَّ كلاًّ منهم خليط من السيَّالات الحسنة والرديئة. ولذلك فالساعي إلى الارتقاء الروحيّ عليه أن يكونَ حَذِرًا من أن تلتبسَ عليه الرذائلُ فيراها فضائل، والسيِّئاتُ فيراها حسنات. ذلك بأنَّ النزعات الدُّنيويَّة تُغشِّي البصيرة فتمنعها من التمييز الصحيح. فمثلما أنَّ الرغبات السامية مع الغباء قد تُؤدِّي إلى أعمالٍ مُنكَرَة، فإنَّ الأَعمالَ التي يُحرِّكُها الذكاء، أصلاً، قد تُولِّدُ أحوالاً وصِفاتٍ سيِّئة عندَ صاحبها، إذا داخلَتها أو سيَّرَتها ميولٌ وضيعة.
فالثقةُ بالنفس ضروريَّةٌ لنجاحِ أيِّ إنسانٍ، فهي تشحذُ همَّتَه للسَّعي إلى ما يبتغي، وهي تدفعُ فيه العزمَ على فولَذة إرادته من أَجل مُغالبة الصِّعاب التي قد تحولُ دون وصوله إلى هدفِه المنشود، لا سيَّما إذا كانت شُعلةُ الإيمان تتأَجَّجُ في نفسه؛ وهذا ما أَشار إليه الدكتور داهش في قطعةٍ نُشِرَت بمجلَّة أَجنبيَّة، فأَعاد صياغتَها بعنوان “عِشْ حُرًّا أَبيًّا أَو فمُتْ جبانًا دَنِيًّا”.[24] مِمَّا جاءَ فيها:
إن استطعتَ أَن تمنحَ نفسَكَ الثِّقةَ المُطلقة،
بينما الجميعُ بكَ يشكّون، وأَنتَ لا تحسبُ لشكِّهم حسابًا؛
وإن استطعتَ أَن تسوقَ الأعوامَ المُمِلَّة بسَيرها البطيء
بعَصا إرادتكَ الفولاذيَّة التي لا تُصهَر…
وإن شاهدتَ نفسَكَ مُتَوَّجًا بتيجان أَرباب الأُولَمب
وربَّات البرناس،
دون أَن يحملَكَ الغرور
على ارتكاب الدنيءِ من الأُمور من فُسقٍ وفجور؛
وإن استطعتَ تأَبُّطَ ذراع الظفَرِ التامّ باليمين
والمِحنةَ المُنقضَّة باليسار،
وجعلتَ المُساواةَ تسودُ بين هذين النقيضَين المُقضقضَين؛
وإن أَصختَ السمعَ للحقِّ المُبين
وقد مثَّلَ بأَشلائه الصريعة طغمةُ المُنافقين
ليصيدوا به معشرَ المُرائين…
وإن شاهدتَ بأُمِّ عَينيكَ المُنذهلتَين
ذلك الصرحَ الجبَّار الذي أَقمتَه طوالَ سني حياتك
وهو يتردَّمُ وينهار؛
وإن استطعتَ أَن تُعيدَ ذلك البناءَ الشامخَ المُشمخرَّ
وأَنتَ مُتمنطقٌ بصبر أَيُّوب البارّ،
دون أَن تتذمَّرَ حتَّى بنأمةٍ واحدة،
وأَن تُثابرَ على عملكَ ليلَ نهار…
إن استطعتَ كلَّ هذا،
فاعْلَمْ، أَيُّها البطلُ الغضنفَر، والمُحاربُ المُظفَّر،
أَنَّ الأرضَ بما تحملُه على ظهرها،
وما تختزنُه في أَعمق أَعماقها،
هي لكَ مُلكٌ حلال،
هي لكَ دون بقيَّة البشر أَجمعين.
وبَيِّنٌ من السطور الآنفة الذكر أَنَّ الثقةَ بالنفس المُعافاة هي تلك التي تصمدُ في وجه الشرّ، وتتأَلَّم من غير تذمُّر، وتصبر ولا يُداخلُها الغرور، وتُناصرُ الحقَّ دائمًا ولا يجرفُها الباطل.
لكنَّ الثقةَ بالنفس قد تتجاوزُ الحدودَ المعقولة، فتنتفخُ وتتضخَّمُ كثيرًا حتَّى تتلبَّسَ بالوهم، فتتحوَّل إلى ما تُسمِّيه السيكولوجيا بـ”النرجسيَّة”، ذلك الانحراف النفسيّ المرَضيّ الذي إذا حلَّلتَه تحليلاً خُلُقيًّا وجدتَه يجمعُ الصَّلَفَ والغرور المتطرِّفَين مع الأَنانيَّة الشديدة. وهذه النزعاتُ الرديئة وصفَ الدكتور داهش أَصحابَها وانتقدَهم في كثيرٍ مِمَّا كتَب. وقد نال بعضَ السياسيِّين و”الزُّعَماء” و”الوُجَهاء” نصيبٌ وافر من انتقاداته.
فالنرجسيَّة توهِمُ صاحبَها بأنَّهُ مركزُ المعرفة أو مُلتقى العيون أو محطُّ اهتمام الناس، بل قد توهِمُه بأَنَّه فوق البشر والقوانين، وخارج المقاييس والمعايير. ولِذا فغيرُ عجيب أَن يوقِعَ هذا الانحرافُ كثيرين من الأَذكياء في أَخطاء فادحة وتصرُّفاتٍ حمقاء من جرَّاء تغشِّي إدراكهم.[25]
والنرجسيُّ لا يهتمُّ بذاته الحقيقيَّة ليُصلحَها ويُرقّيَها، بل يصبُّ اهتمامَه على صورته الوهميَّة التي كوَّنَها خيالُه وانفعالاتُه ورغباتُه، ويُنكِرُ كلَّ ما لا يتَّفقُ مع تلك الصورة التي ابتدعَها لنفسه. فقد يكون عاديَّ الذكاء والمعرفة، فيتصوَّرُ نفسَه عبقريًّا، أَو قد يكون شاعرًا نَكِرة، فيتصوَّرُ نفسَه شاعرَ العصور، أو قد يكون ضابطًا صغيرًا، فيتصوَّرُ نفسَه بتفوُّق هنيبعل أَو نابوليون إلخ.
وظاهريًّا يبدو النرجسيُّ ناجحًا في حياته، لكنَّه، في واقعه الباطنيّ، بعيدٌ جدًّا عن السلام النفسيّ، ومُفعَمٌ بالحَنَق المقموع والمخاوف المكبوتة.
ونتيجةً لرَفضِه ذاتَه الحقيقيَّة فهو يرفضُ غيرَه أيضًا، ولا يُبالي بشقائهم وآلامهم، ولِذا فهو يتصرَّفُ بدون أيِّ شعورٍ بالذَّنب تجاه مشاعر الآخرين.
ولِكونِه أَنانيًّا فهو لا يُركِّزُ اهتمامَه على الخير العامّ أو المبادئ الإنسانيَّة أو الروحيَّة، بل على مصالحه الشخصيَّة السطحيَّة، أي التي لا قيمة حقيقيَّة لها. فالثروةُ لدَيه أَهمُّ من الحكمة والقِيَمِ الروحيَّة، وحَلُّ مُشكلاته الشخصيَّة السخيفة أَولى من حَلِّ المُشكلات الجماعيَّة الخطيرة، وشهرةُ الاسم قبل النزاهة والكرامة، وسماعُ التصفيق وكلمات الإعجاب بشخصه قبل احترام الذات، وإشباعُ نزواته قبل إشباع الحاجات العامَّة. وللنرجسيَّة درجاتٌ تتصاعدُ سوءًا وتأَزُّمًا حتَّى تنتهي بجنون العظمة.[26]
واحترامُ الذات لا بُدَّ منه لصاحب الأَخلاق الفاضلة والطباع الدَّمِثة وكلِّ مَن يُريدُ التقدُّمَ الروحيَّ؛ لأنَّه يجعلُ الإنسانَ يعطفُ على ذاته الحقيقيَّة ليتبيَّنَ حدودَه فيقف عندَها، ويكتشفَ مساوئَه، فيُحاول إصلاحَها. لكنَّ احترامَ الذات إذا تلبَّسَ بتبجيلٍ للذات وتقديسٍ لها، مثلما هو حاصل لدى كثيرين من رجال الدين، يتحوَّل من عنصرٍ إيجابيّ إلى عنصرٍ سلبيّ هدَّام لصاحبه وللمُحيط الذي يعيشُ فيه. وإذْ ذاكَ يغرق “المُبجَّل” بالنفاق ليدومَ تبجيلُه. وقد كتبَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة مئات الصفحات في ذلك.
والنزعة إلى التحسين الدائم في العمل وإلى الارتقاء الروحيّ إذا داخلَها الغرور وحبُّ الظهور تحوَّلَت إلى نزعةٍ كماليَّة Perfectionism بالمعنى السيكولوجيّ، فشلَّت إرادةَ صاحبها ومنعَتهُ من إنجاز أيِّ عملٍ كبيرٍ ذي فائدة، لتوهُّمه بأنَّ أعمالَه يجبُ أن تكونَ كاملة، فلا يراها إلاَّ ناقصة. وهكذا انفصالُه عن الواقع يُقعدُهُ عن كلِّ إنجازٍ ذي معنًى، ويوقعُه في أخطاء فادحة حتَّى لو كان “ذكيًّا”.
فضلاً عن ذلك فالكماليُّ النزعة يعتقدُ أنَّ مقاييسَهُ للأمور هي وحدها الصحيحة، ولذلك فهو يبني علاقاته مع الآخرين على أساسها، يُقرِّبُهم أو يُبعدُهم، بالنسبة لمُجاراتهم لمقاييسه أو ابتعادهم عنها. وهكذا يعيشُ حياتَه شاعرًا بالحرمان والفشل والشقاء.[27] أمَّا سببُ ذلك فهو أنَّ غرورَه وحُبَّه للظهور يُعميانَه عن إدراكِ حدود الواقع، وأنَّ الكمالَ يستحيلُ بلوغُه في العالَم الأَرضيّ.
والغضَبُ anger هو انفعالٌ طبيعيّ في الإنسان يُعبِّرُ فيه عن استيائه من أُمورٍ معيَّنة، ويبقى سليمًا ما دام يُصرِّفُ شحنةً من الاستياء تكون مضبوطةً برقابة العقل وبحجم الأمر الداعي إلى الاستياء. لكنَّه إذا خرج عن الرقابة العقليَّة، انقلبَ إلى هِياج rage، أي انفعالاتٍ ثائرة لا تخضعُ للإدراك ولا لحدودٍ أو قيود، ولا تُعرَفُ عواقبُها الوخيمة. والهياجُ نوعٌ من الجنون الآنيّ؛ فإذا تكرَّرت وتكاثرَت نوباتُه دلَّت على لوثةٍ عقليَّة خَطِرة.
مِمَّا قال المهاتما غاندي لحفيده الفَتيِّ آرون Arun، بعد أن عرف بغضَبِه من تصرُّفات البيض والسُّود تجاه الهنود في جنوبيِّ إفريقيا حيث جرَت لآرون أَحداثُ اعتداءٍ مُؤسِية: “هل تعلم أَنَّ الغضبَ هو كالكهرباء؟” فسأَله ماذا يعني؛ فأَجابه: “الغضبُ يُمكنُ أَن يكونَ كالكهرباء قوَّةً وتهديمًا. أَتعلمُ ماذا يحدثُ لو انقضَّت صاعقة أَو مَسَستَ سلكًا كهربائيًّا حَيًّا؟” وإذْ أَجابه الفتى بأَنَّ الكهرباء تقتل وتُدمِّر، قال غاندي: “والغضبُ أَيضًا يفعلُ فِعلَها. فإذا لم تتحكَّم بغضبكَ مثلما تتحكَّمُ بالكهرباء، فالغضبُ، إذْ ذاك، سيهدمُ ويقتل. لِذا يجبُ استخدام الغضَب بالطريقة نفسها التي بها نستخدمُ الكهرباء.”[28]
وطموحُ الإنسان يُبعِدُ عنه الخمولَ والمذلَّة، ويدفعُ فيه عزمًا على مُغالبة المصاعب وصولاً إلى هدفه المنشود. وهو حسنةٌ ما دامت غايةُ الإنسان ترقيةَ نفسه وتحسينَ وضعه المَعيشيّ، وبَذلَ المال الفائض في سبُل الإحسان والخير العامّ ونشر الفضيلة. لكنَّه إذا تحوَّلَ إلى طَمَع أَو جشَع، فأصبح المالُ غايةً لا وسيلة، فإنَّه يتحوَّلُ، إذْ ذاك، من أداةِ نعمة إلى أداةِ نقمة. من أجلِ ذلك، ولأَنَّ أكثريَّةَ الناس يُرنِّحُ إغراءُ المال رؤوسَهم، ضمَّنَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة صلاتَه لله الدعاءَ التالي:
لا تَدَع الطمعَ يستولي علينا فيجرفَنا بتيَّارِه الرهيب.
دَعِ القناعةَ تحتلُّ أرواحَنا
فلا نطلبُ سوى القُوتِ فنُمجِّدَك.[29]
وهذا الدعاء يتَّفقُ مع الصلاة الربَّانيَّة التي علَّمَها السيِّدُ المسيحُ تلاميذه، كما يتَّفقُ مع قوله: “فأنتم لا تقدرون أن تخدموا الله والمال.”[30] كذلك يؤيِّدُ موقفَ المسيح من السعي الحثيث لتأثيل المال إذْ يقول:
“لا تجمعوا لكم كنوزًا على الأَرض حيثُ يُفسدُ السوسُ والصَّدأُ كلَّ شيء، وينقبُ اللصوصُ ويسرقون، بل اجمعوا لكم كنوزًا في السماء حيثُ لا يُفسِدُ السوسُ والصَّدأُ أيَّ شيء، ولا ينقبُ اللصوصُ ولا يسرقون. فحيثُ يكونُ كنزُك يكونُ قلبُك.”[31] وهكذا تبقى كلمةُ الإمام عليّ بن أبي طالب المأثورة “القناعةُ كنزٌ لا يفنى” مَثلاً صحيحًا خالدًا.
والعفَّةُ الصادقة (أَي التي قوامُها النزاهة العمليَّة كما الفكريَّة عن الشهوة الجنسيَّة) إذا استطاعَها الإنسان— وهذا شِبهُ مُحال— فإنَّها تُعيدُه إلى حالٍ من النعمة كان يرتعُ فيها آدم وحوَّاء قبل عصيانهما وسقوطهما. لكنَّ العفَّة إذا تحوَّلَت إلى امتناع الجسد امتناعًا قهريًّا مُشبَعًا بالتحرُّق النفسيّ والزنى الفكريّ، انقلبَت إلى رذيلة. لذلك ساوى السيِّدُ المسيح بين الزِّنى العمليّ والزِّنى الفكريّ، ورأى بولس الرسول أنَّ الزواجَ خيرٌ من التحرُّق.[32] وذلك هو موقفُ مُؤسِّس الداهشيَّة. وقد سمعتُه منهُ مرارًا.
والزُّهدُ بالدنيا كما التقشُّف في المأكل والملبَس طريقان صحيحان للارتقاء الروحيّ؛ لكنَّ المغالاةَ التي تُؤدِّي إلى تعذيب الجسد خروجٌ على إرادة الله، وشبيهة بالانتحار الذي حرَّمَتهُ الأَديان جميعًا. ولذلك فتعذيبُ الجسد الذي يلجأُ إليه اليوغيُّون وأصنافٌ من المتصوِّفين لا فائدةَ منه للارتقاء الروحيّ؛ لأَنَّه ما النفعُ إذا عُذِّبَ الجسدُ وبقيَت الشهوةُ والرذيلةُ فيه؟ فضلاً عن ذلك فمُؤسِّس الداهشيَّة يرى الجهادَ في المجتمع ومُغالبة الإنسان للتجارب الهاجمة عليه وقهر ميوله الوضيعة أفضل من الهروب من المجتمع بالتنسُّك؛ لأَنَّ النُّسكَ لا يعني التخلُّصَ من الأَفكار الدنيئة والرغبات السفليَّة. فهي مُقيمة وناشطة في النفس أنَّى أقامَ الإنسان.
والاستشهاد من أجلِ عقيدةٍ سماويَّةٍ وقِيَمٍ روحيَّةٍ حضَّت عليه الأَديانُ الموحاة، لأَنَّهُ يُقصِّرُ الطريقَ إلى العوالم الفردوسيَّة أمامَ مَن يَرَون الحياةَ البشريَّة مُجرّدَ سرابٍ زائل وظلٍّ حائل. ولذلك قال الدكتور داهش: “إنَّ الجهادَ والاستشهادَ في سبيل الداهشيّة معناهما الولوجُ إلى الجنَّة الدائمة النعيم، والتمتُّع بمباهجها السرمديَّة الفتنة والجمال.”[33] لكنَّ الذين يُقدمون على الاستشهاد في سبيلِ أحزابهم أو مطامع زعمائهم في حروبٍ ضدَّ الآخرين— هؤلاء إذا قاموا بأعمالهم مختارين، فإنَّهم يكونون مُنجذبين إلى مُثُلٍ عليا زائفة تتمثَّلُ في عقيدةٍ سياسيَّةٍ أو كرامةٍ حزبيَّة أو طائفيَّة. وكثيرًا ما تقترنُ هذه المُثُلُ العُليا بدافع حُبِّ الظهور أو دافع الغرور أو دافع البقاء المادِّيّ المُتمثِّل بـ”جنون الخلود”، فيتوهَّم المُستشهَدون أنَّهم بموتِهم يصونون حياتهم معنويًّا عبر تخليدِ أسمائهم في سِجِلاَّت أحزابهم أو طوائفهم أو أوطانهم… أو يصونونها واقعيًّا عبر انتقالهم إلى جِنان الخلود. وكثيرًا ما يُصبحُ الحزبُ أو الطائفة أو الوطن صورةً مُضخَّمةً لـ”أنا” مَن يُقدمُ على الاستشهاد المذكور، إذْ يجِدُ في الحِفاظ على مصالح حزبِه أو طائفته أو وطنِه الماديَّة والسياسيَّة حِفاظًا على مصلحتِه الشخصيَّة. لكنَّ هذا لا يعني أَنَّ على الإنسان أَن يخنعَ للمُعتدي والظالم. فالدفاعُ عن النفس والحقوق الإنسانيَّة مِمَّا أَوجبَه اللهُ على المؤمنين.
الدوافعُ والنيَّاتُ وقيمةُ الأَعمال
أخيرًا، لا بُدَّ من السؤال: كثيرًا ما يقومُ أُناسٌ من جميع الفئات بأعمالٍ مُتَّسِمةٍ بسِمَة الخير والإحسان والفضيلة، فهل هذه السِّماتُ هي التي تمنحُ أعمالَهم صفةَ الصلاح؟
يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة: “وقد صرتُ أفهمُ أنَّ بعضَ تلك الأَعمال التي تصدرُ عن بعض الناس مطبوعةً بطابَع الخير إنْ هي إلاَّ وليدةُ رغبةٍ مُلحَّةٍ يُضمرُها أحدُهم توصُّلاً لمنفعةٍ شخصيَّةٍ ومصلحةٍ خاصَّة؛ فهي السمُّ في الدَّسَم، والنيرانُ في الرماد.”[34]
من هذا الكلام وغيره مِمَّا كان يُفضي به الدكتور داهش إلينا يُستَخلَصُ أَنَّ الخطَّ الذي بدأَه السيِّدُ المسيح ما يزالُ مُستمرًّا. فالعملُ الذي يبدو خيِّرًا أَو صالحًا ليست قيمتُه الحقيقيَّة في إجرائه، بل في الدافع الذي وراءَه والنيَّة المُنطوية تحته.
فلا قيمةَ للصلاة والصَّوم، مثلاً، إذا كان الدافعُ إليهما التظاهرَ بالتقوى بين الناس، لأنَّ مَن أَراد تمجيدَ الناس له، قد يحصلُ عليه منهم، لكنَّه بنَيله إيَّاه يفقدُ الأَجرَ الروحيّ.[35] وكذلك الإحسان، فمَن يفعله ليُبجِّلَه الناس، قد ينالُ أَجرَه منهم، لكنَّه يفقدُ الأَجرَ الروحيّ.[36] بل إنَّ الإحسانَ ليست قيمتُه في مقداره، مهما عظُم، لكن في مدى تأثيره في حاجة صاحبه. فقيمتُه تكبرُ بقَدرِ ما يحرمُ الإنسانُ نفسَه مِمَّا هو بحاجةٍ إليه ليُساعدَ المُعوزين. في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوع الطفل لوالده الذي يتبرَّع بِدَخْل يومِه للعائلات المعوزة:
ثِقْ، يا أبي، بأنَّ اسمَكَ
قد سُجِّلَ في السماء منذُ اللحظة هذه،
لأَنَّكَ قد جُدْتَ بما أنتَ في أشدِّ الحاجة إليه.[37]
فالإحسانُ ليس بقيمته الماديَّة إنَّما هو بالدافع الذي وراءَه والنيَّةِ التي تُحييه كما بنسبة تأثير العطاء في حاجات صاحبه. ففِلسُ الأَرملة الشهير في الإنجيل[38] أعظمُ لدى الله من مئات الملايين يتبرَّع بها أصحابُها تهرُّبًا من الضرائب من جهة، وتعظيمًا لأَسمائهم من جهةٍ أُخرى. وهذه الحقيقةُ تتَّفقُ مع حديثٍ نَبَويٍّ نقلَه عُمَر بن الخطَّاب: “إنَّما الأَعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى…”[39] كما تتَّفقُ مع ما ذهبَ إليه كانْط في فلسفته الخُلقيَّة.[40]
بذلك يكون طريقُ الارتقاء الروحيّ الذي لا بُدَّ من سلوكه لبلوغ الكمال الإنسانيّ قد أدرك غايته.
[1] لدكتور داهش، “ابتهالات خشوعيَّة”. (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 86.
[2] المصدرُ السابق، ص 88.
[3] أنظر “صوت داهش”، عدَد الشتاء، عام 2000، ص 17، الحاشية رقم 8 (وردَت في المراجع خطأًرقم 7. كذلك يجب زيادة رقم على جميع المراجع بعدها.)
[4] حليم دمُّوس، “المعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّة المُذهِلَة”. (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 66-67.
[5] رؤيا يوحنَّا: 26-28.
[6] إنَّه جارور (دُرْج) خشبيّ في خزانة متعدَّدة الجوارير كانت توضَع فيه أوراق فارغة، فتهبطُ الإرشاداتُ والإيضاحات الروحيَّة مُرتسمةً عليها بطريقة خارقة.
[7] إنجيل متَّى26: 69-75.
[8] المصدر السابق 14: 27-31.
[9] المصدر السابق 16: 21-23.
[10] الدكتور داهش، “قِصص غريبة وأَساطير عجيبة”، ج 1، ص 189.
[11] المصدر نفسه، ص 182.
[12] إنجيل متَّى 5: 28.
[13] انظر مُراجعَتي لكتاب “ما بوسعِكَ تغييرُه وما ليسَ بوسعِك” لسيلغمان في “صوت داهش”، السنة الثانية، العدد الثاني، سبتمبر 1996.
Martin Seligman, What You Can Change and What You Can’t. N.Y: A. Knopf, 1994.
[14] أنظر المرجع السابق.
[15] انظر المرجع السابق.
[16] جزءٌ قَيد النشر من “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”.
[17] الدكتور داهش، “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، ص 27-28.
[18] المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 81.
[19] إنجيل متَّى 5: 29.
[20] الدكتور داهش، “مذكّرات يسوع الناصريّ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 113-116.
[21] أُنظر في “ابتهالات خُشوعيَّة” قِطَع “صلاة محزون”، ص 65-71؛ “يا ألله”، ص 122-124؛ “صلاة نادم حزين”، ص 153-159.
[22] المصدر السابق، ص 160
[23] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 134. وقد رأى الدكتور داهش أنَّ من فوائد الأَلم لدى ذوي المواهب الأَدبيَّة الفنِّيَّة أنَّهُ يُفجِّرُ قرائحَهم فتولِّد ما هو جميلٌ وخيِّر. قال: “لو كنتُ الحاكمَ بأمري، لأَصدَرتُ أمرًا يقضي بظلم النوابغ كي يظهرَ نبوعُهم ويفوحَ عبقُ أفكارهم فيُخلِّدون في تاريخ الأبد دُررًا لا تُقدَّرُ بثمن.” (“كلمات”، ص 169).
[24] الدكتور داهش: “أَفراح وأَتراح” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 81.
[25] Mortimer Feinberg and others, Why Smart people Do Dumb Things. NY: Fireside
[26] أنظر Alexander Lowen, M.D., Narcissism: Denial of the True Self (NY: Macmillan/London: Collier Macmillan, 1983), pp. 1-24.
[27] انظر Psychology Today, May/June, 1995 ، ففيها نتجيةُ دراسةٍ أُجريَت على 9211 شخصًا.
كذلك Monica Ramirez Basco, Ph.D. “The Perfect Trap” in Psychology Today, May/June, 1999.
أنظر أيضًا: M. Adderholdt & J. Goldberg, Perfectionism: What’s Bad About Being Two Good? (Minneapolis: Free
Spirit Pub., 1999), pp. 18-29 & 44-52.
كذلك: Ann W. Smith, Overcoming Perfectionism (Florida: Health Communications, 1990), pp. 1-51.
[28] Arun Gandhi, “Granfather Gandhi: Peace Was His Way” in Dahesh Voice, Spring Issue, 2000.
[29] د. داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة”، ص 87.
[30] إنجيل متَّى، الإصحاح 6:24.
[31] المصدر السابق 19-21.
[32] رسالة بولس الأُولى إلى كورنثوس 7: 1-9.
[33] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 88.
[34] الدكتور داهش، “القلبُ المُحطَّم” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1984)، ص 208.
[35] إنجيل متَّى 6: 5-18.
[36] المصدرُ السابق: 1-4.
[37] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 72. انظر أيضًا “مئة ليرة سهيلا”، ص 82-83 من “غاب البنَفسَج” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980).
[38] إنجيل مرقس 12: 41-44.
[39] صحيح البُخاري، ج1، الكتاب الأَوَّل، الحديث الأَوَّل.
[40] Paul Edwards, Ed., The Encyc. of Philosophy, Vol. IV (NY/London: Macmillan Pub., 1972), pp. 317-319: Kant’s Ethics”. “
النظام الروحيّ والمسؤوليّة الخلقيّة
(الحلقة 62 ، مجلّة “الدبّور “، 4 تمّوز _1949 )
امّا اختلاف الأديان والألوان البشريّة فهو ناتج عن اختلاف هذه السيّالات وما يخلقه هذا الاختلاف من أهليّات واستحقاقات في المرء .
فمن الأديان مثلا ما هو قريب الى المادّة , وهو صالح لفئة من الناس . ومن الأديان ما هو في نصف الطريق بين المادّة والروح , وهو صالح لفئة اخرى من الناس . ومن الأديان ما هو روحيّ محض , وهو صالح لفئة أخرى من الناس .
ولكنّ جميع هذه الأديان ضروريّة تتمّم بعضها بعضا , ويتدرّج فيها البشر على مرّ العصور , فيأتي كلّ امرى في اللون والدين الذي يستحقّه ويتقبّله ويستطيع أن يسير بموجب تعاليمه , إذ إنّ رحمة الله وعدالته تغمران الكائنات بأسرها ولا تستثنيان أحداً على الإطلاق .
ولكلّ دور من أدوار الأرض يوم حساب . ففي ذلك اليوم الرهيب تتلاشى المادّة وتضمحلّ العناصر وتبقى الأرواح ماثلة ً أمام الديّان . فمنهما من فاز وانتصر , فجنى ثمار أعماله بانتقاله إلى عوالم سعيدة . ومنها من شطّ واندحر , فهبط إلى درجات الشقاء التي استحقّها .
فاعلمْ , أيّها القارىء , انّ كلّ فكر وكلّ عمل وكلّ قول تقوم به في يومك يترتّب عليه مصير رهيب بنتائجه : فإما مصير سعيد عظيم , وإمّا مصير شقيّ ذميم . فالله الذي خلق لأتفه الموجودات قوانينها وأنظمتها الثابتة , والله الذي يثّبت بإرادته الأنظمة التي تثّبت الحياة في الأجساد , وتسيّر كلّ جزء دقيق من هذه الأجساد الانهائيّة العدد , إنّ الله – جلّ جلاله وتباركت أسماؤه الحسنى – قد خلق نظاماً دقيقاً جبّاراً يحصي عليك كلّ عمل من أعمالك وكلّ اتّجاه من اتّجاهاتك .
فهنيئاً لك إذا أقلعت عن الشرور وخلعت عنك النزوات المادّيّة واتّجهت إلى الخالدات الباقيات . الويل ثمّ الويل لك إذا تمرّدت على إرادة العادل الديّان . فما هي قيمة الحياة أذا قضّيناها في كلّ تافه وضيع, ومرحلة حقيرة تتلاشى كتلاشي الغيوم والأحلام ؟
وما هي قيمة الحياة إذا قضيّناها في كلّ تافه وضيع , تاركين تلك الغاية العظيمة النبيلة التي أعدّتها لنا العناية , ومتمسّكين بتلك النفايات الدنيئة والزائلات الدنيويّة ؟فالعمر مهما طال , فهو قصير كبرق خاطف. والأيّام تكرّ والأعوام تمرّ, والطفل يشبُّ, والشابُّ يشيب , والموت في المرصاد ,وعين باري الأنام لا تنام .
فهل نبقى في جهلنا السخيف الأعمى , أم هل نستيقظ إلى معرفة الى معرفة حقيقتنا فنتوب ونثوب ونعود إلى الحظيرة الإلهيّة ذات الصدر الرحب والأمل العذب والأحلام الهنيئة والحياة السرمديّة , فنقضّي حياتنا الأرضيّة بما هو شريف رفيع في أروع معركة يمكن أن يمرّ بها المرء , ألا وهي معركة ’’ الروح والجسد‘‘ ؟
ليس من يقطعُ طُرْقاً بطلاً إنما من يتّقي الله البطلْ
وليس من يتعامى عن حقيقة وجوده وخلوده بالعاقل الحكيم . فالعاقل من يتّعظ بحادث الزمان . وما الرسالة الداهشيّة إلاّ ذاك الحدث العنيف الحنيف الذي مزّق الأستار , وكشف الأسرار , ووضع الإنسانيّة أمام مسؤوليّتها . فهنيئاً لمن يتّعظ ثمّ يعظ …
بين أبناء الجسد وأبناء الروح
الصراع العنيف بين الأنظمة الماديّة والأنظمة الروحيّة
أيّها القارئ العزيز ,
لقد لمست معي في سلسلة المقالات التي نشرتها في هذه الصحيفة ’’ الحدث الداهشيّ ‘‘ الذي هو أهمّ الأحداث العالميّة في الساعة الحاضرة في نظر الروحيّين المؤمنين بخلود الروح بعد انعتاقها من هذا الجسد الترابيّ البالي . فما اختراع القنبلة الذرّيّة , وما اكتشاف أشعّة جاما , وما اختراع التلفزيزن والرادار وسواها من الاختراعات الحديثة الباهرة التي توصّل إليها الإنسان إلاّ أحداث ضئيلة , بل طفيفة تافهة , إذا قيست بذاك الحدث الجليل العظيم الذي يكشف لنا عن الآفاق الانهائيّة .
نعم, إذا فكّرت قليلاً فستضطرّ للوصول إلى هذه النتيجة مرغماً خاضعاً خاشعاً أمام الحقيقة الساطعة التي خفيتْ أسرارها عن جميع أبناء العصور الخالية لحكمة إلهيّة .فهذه الاختراعات العصريّة الحديثّة التي ذكرهتها لك يمكنها أن تؤثّر على حياة الانسان على الأرض وعلى تطوّره الاجتماعي . ولكنّها ليست جوهريّة على الاطلاق لأنّ البشريّة قد عاشت بدونها مئات الأجيال وملايين السنين – قبل آدم وبعده – دون أن تشعر بالحاجة اليها وضرورة استعمالها . وفضلا عن ذلك ، يمكننا القول بكلّ صراحة انّ هذه الاختراعات وأمثالها ، مهما بلغت من الخطورة والأهمّيّة ، فهي لا تتجاوز نطاق عالمنا الأرضيّ الصغير المحدود ، وهي لا تفكّ لغزا ولا تحلّ طلسما وحدا من أسرار هذا الوجود لأنّها لا تتناول الاّ العلل ، ولا يمكنها أن تتوصلّ الى السبب الجوهريّ .
أمّا الحدث الداهشيّ فهو يتجاوز محيط هذا العالم البسيط .
نعم ، انّه يتجاوز عالم المادّة الملموس المنظور ليتناول العالم الغير المنظور : عالم الغيب ، عالم الروح .
فمنذ أجيال وأجيال واجتهادات البشر موجّهة لتحطيم ذلك الحاجز المنيع الحصين القائم بين الروح والمادّة .
ومنذ أجيال وأجيال وهذه الاجتهادات البشريّة مندحرة منكسرة لأنّه كتب علينا نحن معشر البشر ، منذ البداءة والى النهاية ، أن لا نمدّ يدنا الى ما هو فوق الأرض وتحتها . وقد قال الله لأبينا الأوّل في سفر التكوين :” تسلّط على الأرض وعلى حيواناتها وطيورها .” ولم يسمح للانسانيّة أن تتسلّط على ما وراء الأرض .
واذا برجل المعجزة يظهر .
واذا بروائع آياته ينبلج فجرها ، ويسطع بدرها .
واذا بتلك السدود المنيعة تتحطّم وتتهدّم .
واذا بنا أمام عوالم ما وراء الطبيعة ومعرفة قوانينها وأنظمة سكّانها .
وكلّ ذلك بطرق عمليّة واقعيّة مادّيّة يخشع أمامها المرء مروعا ، بل يبتهج لها ويهلّل ، لأنّها فتح جديد لا تقدر قيمته . وسوف يكون له أثره المجيد في توجيه الفكر البشريّ عامّة نحو الحقائق الروحيّة ، وتغيير كثير من أنظمة هذه الأرض الجائرة .
وما مثل الدكتور داهش ونشأته العجيبة الغريبة وما تحمّله من اضطهاد ومشاقّ ، وتعذيب وارهاق ، في سبيل عقيدته السامية المقدّسة الاّ برهان ساطع وبيّنة دامغة على تجرّد الغاية ونبل المقصد وسموّ الهدف وحرارة الايمان وطهارة الوجدان .
فكلّ من يرغب في الأرضيّات يتذلّل ويتزلّف ويراوغ ويصانع ويتوصّل الى الى أهدافه بالطرق الثعلبانيّة المألوفة المعروفة عند أبناء هذه الأرض من سياسيّين واقتصاديّين وغيرهم من رجال دنيا ودين .
أمّا رجل العقيدة الراسخة ، أمّا رجل الايمان بالله ، أمّا رجل الايمان بالحقّ الخالد والعدالة السرمديّة والقيم الروحيّة المقدّسة ، فهذا الرجل الجبّار لا ولن يلتوي ، ولا ينحني ، ولا يراوغ ، بل يصمد في وجه أعدائه الى أن ينصره الله وتسطع حقيقته الباهرة أمام الملاء .
أَهمِّـيَّةُ العقل في الرقيِّ الروحيِّ
بمفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
في العددِ السابق من “صوت داهش” أوضَحتُ أنَّ غايةَ الإنسان المُثلى من حياته الأَرضيَّة، في المفهوم الداهشيّ، يجبُ أن تكونَ، أوَّلاً، مُجاهدَةَ نفسِه “الأَمَّارة بالسوء” ليتجنَّبَ بصورةٍ أَكيدة عدمَ سقوطِه مُجَدَّدًا إلى دركاتٍ أسفل، بعد أَن هبطَت سيَّالاتُه من العوالم الفردوسيَّة إلى كوكب الأرض الذي تقعُ درجتُه الروحيَّة على عتبة عوالم الجحيم؛ ثانيًا، تشبُّثَه بالقِيَم الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة من أجلِ أن يُتاحَ لهُ تخطِّي مُستواه الروحيِّ الأرضيِّ والارتقاء تدريجيًّا عبرَ درجات التعيم إلى العوالم الروحيَّة القُدسيَّة التي انفصلَ عنها في بداية نشأَة الكَون. والقِيَمُ الروحيَّةُ هي ظلالٌ للحقائق الروحيَّة الأَزَليَّة الكائنة في عوالم الأرواح الإلهيَّة؛ ويُمكنُ إجمالُها بثالوث الحقِّ والخير والجمال مُجتمِعَةً بكمالها المُطلَق في القُوَّةِ الموجِدَة، الله عزَّ وجلَّ. وهذا الثالوثُ هو مصدرُ المُثُل العُليا الروحيَّة الرئيسة التي يُمكِنُ إجمالُها بخمسة هي الحقيقة والعدالة والعفَّة والقناعة والمحبَّة. والتمسُّكُ بهذه الخمسة إيمانًا وعمَلاً، وتجسيدُها بين النَّاس، والجهادُ من أجلِ تعزيزِها هو شِعارُ الراقينَ روحيًّا، وعلى رأسِهم الأَنبياءُ والمُرسَلون والهُداة الروحيُّون.
إنَّ الأَديانَ المُنزَلة والهداياتِ الروحيَّة جميعَها التي عرفَها العالَم شدَّدت على أنَّ مقياسَ رُقيِّ الإنسان الروحيّ هو مدى رُقيِّ نزَعاتِه. واستنادًا إلى تلك النزعات المتمثِّلة بظاهر السلوك البشريّ رفعَت المُؤسَّساتُ الدينيَّةُ شأنَ الزُّهَّاد والنُّسَّاك والكَهنة وشيوخَ الدين، وجعلَت من بعضِهم “قدِّيسين” أو “أولِياء”. ولا مجال، في هذا البحث، لنَقد ظاهر السلوك الإنسانيّ الذي كثيرًا ما تُموِّهُه المُراءاة، ولا لنقد “القداسة” و“الولاية” من جرّاء ارتباطهما بمُمارسة شعائر مذهبيَّة مُعيَّنة، وبما يدرَّان على المُنتفِعين منهما دينيًّا ودُنيويًّا من مالٍ ونفوذٍ وسُلطة. فهدَفي، في هذا القِسم من البحث في الرقيِّ الروحيّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ، أن أُوضِحَ أهمِّـيَّةَ العقل في عمليَّةِ هذا الرقيّ، على أَن أَتناولَ أَهمِّـيَّةَ الإرادة في بحثٍ لاحق.
رُقيُّ النفسِ رَهنٌ برُقيِّ مُجمَل قِواها
في أعدادٍ سابقةٍ من “صوت داهش” أوضَحتُ أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة ألقت تعاليمُه الروحيَّة الموحاة أَو المُلهَمة ضوءًا جديدًا على معنى النفسِ وطبيعتِها. فالنفسُ ليست، مثلما يظنُّ الباحثون في الأَديانِ والفلسفة، بصورةٍ عامَّة، “روحًا” واحدةً تُخلَقُ لحظةَ يتكوَّنُ الجَنينُ أو يولَد، تِبعًا لفريق، أو تنتقلُ إليه من تقمُّصٍ سابق تِبعًا لفريقٍ آخر، بل هي مجموعةٌ من السيَّالات، أي القوى الحيويَّة التي لا تفنى. وكلٌّ منها يتمتَّعُ بنَزعاتٍ وإدراكٍ وإرادةٍ مُعَيَّنةٍ تختلفُ بدرجتِها عمّا للسيّالات الأُخرى. وهي تعملُ معًا مُتآزِرَةً أو مُتنافِرَةً كشخصيَّاتٍ (أو نفوسٍ) جزئيَّة ضمنَ شخصيَّة الإنسان الجامعة لها. وهذه السيَّالاتُ ليسَ بوُسعِ الإنسان أن يتحقَّقَ وجودَها وطبيعتَها مُباشَرَةً سواءٌ بحواسِّه أو بأجهزتِه العلميَّة، لأَنَّها وَحَداتٌ إشعاعيَّةٌ تفوقُ في دِقَّتِها وتردُّدها frequency)) الأَشعَّة الكونيَّة المعروفة بأشعَّة غاما بدرجاتٍ كثيرة.
لا شكَّ في أنَّ الذين استطاعوا أن يُرَقُّوا نزعاتهم، فتشبَّثوا بالمحبَّة بكلِّ ما تنطوي عليه من فضائل كالنَّزعة الإنسانيَّة الغَيريَّة وما تحملُهُ من شفقةٍ وإحسانٍ وتضحيةٍ وتسامُح، وتمسَّكوا بالعفَّةِ والقناعة والعدالة، ومالوا إلى مُناصَرَة الحقِّ في كلِّ مواقفهم— قد قاموا بمُجاهدة عظيمة وبِعَملٍ جليلٍ لا يقوى عليهما إلاَّ قليلون، لأنَّ النفسَ البشريَّة أَصبحت، بعد عصيانها وسقوطها في الفردوس الأرضيّ، نزَّاعةً إلى السوء. من أجلِ ذلك كان معظمُ الذين انتصروا على جواذب الدنيا وهواتف الجسد هم من الأَنبياء والمُرسَلين والهُداة والمُصلحين الروحيِّين والزهَّاد الصادقين الذين يتَّحدُ ظاهرُهم بباطنهم؛ فعظَّمَتهم الأَديانُ، وأَجَلَّهم التاريخ، وأكبرَهم المؤمنون والعُقلاء. وليس لهؤلاء أيَّةُ صِلة بما تصنعُه معاملُ “القداسة” أَو “الولاية”.
لكنَّ للرقيِّ الروحيِّ رُكنَين آخرَين أغفلَهما المعنيُّون بالأَديان، هما العقلُ والإرادة. فالحضارةُ بما فيها من علومٍ طبيعيَّة وإنسانيَّة وفنونٍ وآدابٍ وفلسفة وإنجازاتٍ عُمرانيَّة وتكنولوجيَّةٍ عظيمة ما كانت لتظهرَ لولا الرقيُّ العقليّ.
إذًا الرقيُّ الروحيُّ، في المفهومِ الداهشيّ، يشملُ رقيَّ النفس بأركانها الثلاثة: النزعات والإدراك والإرادة. وإغفالُ الإدراك في عمليَّة الرقيِّ الروحيّ جعلَ المُؤسّساتِ الدينيَّة الجامدة الخائفة على مصيرها من كلِّ جديدٍ طارئ تهضمُ حقوقَ أَفذاذٍ كثيرين بُنِيَت الحضاراتُ البشريَّة، في مُختلف الشعوب والعصور، بمجهودهم وأَلمعيّتهم، أَعني العباقرة. تكفي الإشارةُ إلى أَنَّ دانتي أَليغييري Dante Alighieri (1265-1321)، شاعر إيطاليا الأَكبر—مع غضبه على البابا بونيفاس (Boniface) الذي اضطرَّه إلى أَن يعيشَ في المنفى السنواتِ العشرين الأَخيرة من عُمره— فقد راعى العقيدةَ الكاثوليكيَّة، فجعلَ الشاعرَ اللاتينيَّ الأَكبر، فرجيل، في “اللمبو” الذي يُؤلِّفُ الحلقةَ الأُولى من الجحيم ذات الحلقات التسع المزعومة، كما زجَّ فيه بكلِّ عبقريٍّ مات قبل المسيح، أَمثال هوميروس وسقراط وأَفلاطون وأَرسطو وديوجينس وزينون وسينيكا، وكذلك فعلَ بمُفكِّرين مُسلمين مُبدِعين، أَمثال ابن سينا وابن رُشد. ولن أَذكرَ أَين حشرَ النبيَّ العربيَّ الكريم تنزيهًا له عن السوء. وما كان الشاعرُ الكبير ليفعلَ ذلك لولا سيطرةُ المُؤسَّسات الدينيَّة الكاثوليكيَّة على عقول أَتباعها سيطرةً شلَّت فيهم كلَّ منطقٍ صحيح. والأعجبُ أَنَّ مدخلَ الجحيم، وهو أَلطفُ عذابًا من الحلقة الأُولى، خصَّصَه دانتي، تبعًا للعقيدة الكاثوليكيَّة، لمَن لم يفعلوا في الدنيا لا خيرًا ولا شرًّا، فكانوا أَشبهَ بالعجماوات في اهتماماتهم المقصورة على الأَكل والشُّرب والنَّوم والجنس. فأَيُّ خَيرٍ للحضارة يُرجى، بعد ذلك، من مُؤسَّسةٍ دينيَّة تجعلُ أَشباهَ العجماوات أَفضلَ من العباقرة، بُناةِ الحضارات![1]
إنَّ الفلاسفةَ الكبار، والأُدباء والشعراء المُبدِعين، والفنَّانين الأَعلام في الموسيقى والرسم والنَّحت والعِمارة والإخراج السينمائيّ أو التلفازيّ وفي سائر الفنون، والعلماءَ الكِبار في كلِّ مجال، والمُصلِحين الإنسانيِّين والدينيِّين المُجاهدين من أجل خَير البشريَّة ضدَّ الظلم والطغيان والفساد والانحرافات— هؤلاء جميعًا الذين طَبَعوا عصورَهم بطابعهم وأَسهموا في تغيير مجرى التاريخ ما كانت إنجازاتُهم الحضاريَّة الراقية لتتمَّ لولا قدراتٌ عقليَّة راقية تُميِّزُهم، وإراداتٌ جبَّارةٌ على الدوام تهمزُهم إلى استكمال مُهمَّاتهم رغم الصعوبات والعراقيل والآلام، بل أحيانًا رغم العَنت والصدود والاضطهاد من المُتزمِّتين في المُؤسَّسات الدينيَّة في كلِّ عصرٍ ومصر.
حسبُنا استعراضُ سِيَر العباقرة من عهد أخناتون فسُقراط إلى اليوم حتَّى يتأكَّدَ لنا أنَّ الغُلاةَ العُميان في مُختلف المُؤسَّسات الدينيَّة، على مَرِّ العصور، كانوا دائمًا سببًا مُباشَرًا في اضطهادِ بُناةِ الحضارات أُولئك؛ حتَّى لَيُمكِنُ القول إنَّ روحَ الهداية الروحيَّة المُتمثِّلة بالمحبَّة والقِيَمِ الإنسانيَّة الكُلِّـيَّة والفضائلِ السامية وفي الذَّودِ عن الحريَّة والعدالة والحقّ ظهرَت وما زالَت تظهرُ لا في المُؤسَّسات الدينيَّة الخائفة على نفسها وسلطتها ونفوذها، بل في ما يُولِّدُهُ العباقرةُ من مُنجَزاتٍ وروائعَ فذَّة تُذكِّرُ النَّاسَ كلَّما أعمَتهم حرفيَّةُ النصوص الدينيَّة بأنَّ الروحَ هي المعنيَّة وهي التي يجبُ أن تُنشَد ويُسعى إليها؛ فالطقوسُ والشعائرُ والفروضُ المذهبيَّة تُصبحُ عائقًا دونَ الرقيِّ الروحيّ ومُثيرًا للخلافات والفِتَن إذا اعتبرَها المؤمنون طريقَ خلاصهم وعجزوا عن النَّفاذ من قشورها إلى الجوهر الروحيِّ الذي يجبُ أن يصِلوا إليه من خلالها.
فليسَ عجيبًا إذًا أن نرى كثيرين من العباقرة قد حملوا على الغُلاة من رجال الدين، وفضحوا انحرافاتهم المسلكيَّة والعقائديَّة، وحملوا مشاعلَ الهداية الروحيَّة الحقيقيَّة وقاموا بخدمة الإنسانيَّة بدلاً من مُدَّعيها، فكانوا هم التلاميذ الحقيقيِّين، في سِياقِ الأجيال، للأنبياء والمُرسَلين والهُداة الروحيِّين.
وطالما سمعتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يُكبِرُ العُلماءَ والفلاسفةَ والأُدَباءَ الإنسانيِّين، ويُجِلُّ ما قدَّموهُ لخدمة البشريَّة من مُولَّداتِ قرائحهم؛ بل كان يلعنُ ظالميهم.
فمرارًا سمعتُه يتحدَّثُ عن عبقريَّة والت دِزني وآينشتاين وغاليله، وعن مُحاكمة الكنيسة الكاثوليكيَّة واضطهادها للعالِم الأَخير لتصريحه بأنَّ الأرضَ تدورُ حول الشمس. وكثيرًا ما كتبَ في “الرحلات الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة” يُمجِّدُ العقلَ والعلم. ففي تعليقه على المركبة الفضائيَّة التي استقلَّها الروَّادُ إلى الفضاء الخارجيّ يقول: “فيا لَعَظَمَة العقل الإنسانيّ الجبَّار!” [2]
وبينما هو في الطائرة يقول: “أَليس عجيبًا أَن يبلغَ التقدُّمُ العلميُّ والميكانيكيُّ هذه الدرجة من العظمة! وأَيَّة عظمة تعلو عليها؟”[3] وفي رحلته بالطائرة إلى كانو بإفريقيا يقول: “فيا لَلعلم ما أَعظمَه وما أَروعَ ثمارَه العجيبة!”[4]
وعلى لسان العالِم ماندال يقولُ في إحدى قِصَصِه: “فالشُّكرُ لله الذي وهبَنَا العقلَ لنستطيعَ إنجازَ اختراعٍ عظيمٍ كهذا يعودُ نفعُهُ على البشريَّة قاطبة.” [5]
فإنجازاتُ العُلَماء المُفيدَة للبشريَّة إنَّما هي ثمرةُ سيَّالاتٍ راقية، لأَنَّها تحملُ عطفَ الله وعونَه للبشر من خلال العبقريَّات العلميَّة.
كذلك سمعتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة مرارًا يتحدَّث عن فذوذيَّة أفلاطون ورُقيِّه العقليّ وجلال مُؤلَّفاته وخصوصًا كتابه “الجمهوريَّة”، كما عن فضيلة ديوجينس وزُهده وجرأته.
وفي رسالةٍ يردُّ بها على رسالة الدكتور محمَّد حسين هيكل إليه بشَأنِ اضطهاد الرئيس اللبنانيّ بشاره الخوريّ (1943-1952) له، يقول:
أمَّا قصَّةُ الفيلسوف سقراط والحُكمُ الظالمُ الذي صدرَ عليه، وتقديسُ الأَجيال لذكراه، فذلك أشهرُ من أن يُعَرَّف. وقد حفِظَ التاريخُ أسماءَ الحُكَّامِ والقُضاة الذين حاكَموهُ، تذكرُهم الأَجيالُ باللعنة الأَبديَّة، وتستمطرُهم الأَلسنةُ غضبَ الله ما دامَت الأَرضُ أرضًا والسماءُ سماءً.
وهكذا دومًا يُعيدُ التاريخُ نفسَه، ويحشرُ الطُّغاةُ الأَثَمَةُ أسماءَهم في السجلِّ الأَسود لتعودَ الأَلسنةُ فتُمطرَهم باللعنات جزاءً وِفاقًا. [6]
وكثيرًا ما كان الدكتور داهش يُكبِرُ الأُدباء ذَوي النفوس الشمَّاء والعقول المُستنيرة. فكم من مرَّة سمعتُه يُجِلُّ إميل زولا (Emile Zola) لتَخلِّيه عن راحتِه وبيتِه وبلادِه من أجلِ دفاعِه عن الضابط اليهوديِّ البريء، ألفْرد دريفوس؛ وقد كتبَ غيرَ مرَّةٍ في هذا الموضوع. وكَم مرَّةٍ سمعتُهُ يُجِلُّ فولتير (Voltaire) وتولْستويْ (Tolstoi) وهيغو (Hugo) وجبران خليل جبران وغيرهم من الأُدباء والمُفكِّرين المُبدِعين لمُناصرتِهم قضايا الحقِّ والعدالة والحرِّيـَّة.
وإكبارُهُ للعُلماء والمُفكِّرين والأُدباء جعلَهُ يبحثُ عن مؤلَّفاتهم فيقتَني منها حوالى ربع مليون مُؤَلَّف في اللغاتِ العربيَّة والفرنسيَّة والإنكليزيَّة.
أمَّا الفنَّانونُ الكِبار فقد كانَ شَغوفًا بروائعهم منذُ صِباهُ الباكر. يقول: “منذُ طفولتي وأنا أتوقُ لمُشاهدَة أيِّ شيءٍ يُمثِّلُه الفنُّ، سواءٌ أكانَ لوحةً زيتيَّةً أم مائيَّةً أم بالباستيل، كما أرغبُ رغبةً عارمةً بالتماثيل الفنيَّة…” [7] ومنذُ الحادية والعشرين من عمره بدأَ يبتاعُ ما يقدرُ عليه من روائع الفنّ حتَّى يقول: “لقد صرَفتُ أعوامَ عُمري بأكملِها باحثًا مُنقِّبًا وجامعًا للكنوز الفنيَّة النادرة.” [8] وكانت نتيجةُ سَعيِه المُتواصِل جَمْعَه حوالى 2500 لوحة زيتيَّة عدا مئاتٍ من مُختلِف أنواع التماثيل التي تُشكِّلُ اليوم “مُتحف داهش” الرائع القائم في قلب نيويورك.
إنَّ الروائعَ الفنِّـيَّةَ، بِرَأيِ مُؤسِّس الداهشيَّة، تستحقُّ لا الإعجابَ والإكبارَ فحَسب، بل الخشوعَ أمامها أيضًا، لأَنَّها إبداعُ سيَّالاتٍ راقية. بعد زيارتِه مُتحف فيلاَّ بورغيزي بروما يقول: “لقد بُهِرنا من روعةِ الفنِّ العظيم الذي لا يعلو عليه إبداعٌ مُطلَقًا… تستمتع برَوعتِه العيون، وتجتليه النواظر وهي خاشعةٌ لهذا الفنِّ العُلويِّ الذي يأخذُ بمجامع القلوب.” [9]
بعد هذا القَول الفَصل في الروائع الفنِّـيَّة يسوغُ القول إنَّ المتاحفَ هي معابدُ للجمال مثلما الكنائس والجوامع هي معابدُ للحقِّ والخَير؛ ولا يكتملُ رُقيُّ الشعوب إلاَّ إذا قام على ثالوث الحقِّ والخير والجمال، لأنَّ الجمالًَ الفنِّيَّ— شأن الجمال الطبيعيّ— ظلٌّ للجمال الفردَوسيّ وملمحٌ من ملامح الجمال الروحيّ المُطلَق. ومَن لا يتمتَّع بقدرةٍ على تذوُّق الجمال— إذا لم يُنعِم الله عليه بموهبة إبداعِه— فلا شكَّ بأَنَّه يفتقرُ إلى عُنصرٍ مهمّ من عناصر الرقيِّ الروحيّ.
أَهمِّـيَّةُ العقل الجُلَّى وأبعادُه الكونيَّة
أسرارُ الوجودِ والحياة لا تُدرَكُ إلاَّ بالوَحيِ الإلهيّ أَو بالعقل. وعندما يغيبُ الوَحيُ لا يبقى إلاَّ العقلُ أداةً لطلب المعرفة البشريَّة بجميع وجوهها. إنَّ الإنجازات والاختراعات المُذهِلَة الحديثة من السفُن الفضائيَّة التي تخترقُ النظامَ الشمسيَّ وتدورُ حول كواكبه أو تحطُّ عليها، إلى المراصد الفضائيَّة التي ترقبُ المجرَّات وتُصوِّرُ ولادتَها أو تفجُّراتها قبل بلايين السنين، إلى المُفاعِلات النَّوَويَّة يُحاولُ العُلماءُ فيها أن يصلوا إلى نهايات تكوين المادَّة، إلى القنابل الذرِّيـَّة والهيدروجينيَّة، إلى فَكِّ رموز جينات الإنسان والحيوان، إلى الاستنساخ البيولوجيّ، إلى شبكات الإنتِرنِت والتلفزة العالميَّة، إلى المتاحف والمعابد والقصور وما تحويه من روائع، إلى ملايين الكُتب في مُختلف مجالات المعرفة البشريَّة— إنَّ كلَّ ذلك وغيَره من المُنجزات التي يستمتعُ البشرُ بها على مَطَلِّ القرن الحادي والعشرين إنَّما هي من ثمرات العقل الراقي. فبهذا الارتقاء الإدراكيّ كان انتقالُ الإنسان البطيء الطويل من العيش البدائيّ القاسي المحفوف بالمخاوف والأَخطار في الكهوف إلى العيشِ الرَّخِيِّ في أَحضان مدنيَّة القرن العشرين. وبارتقاء العقل انتقلَ الإنسانُ من نظامِ القبائل المُتناحِرَة في سبيل العيش إلى نظامٍ عالَميٍّ يطمحُ إلى استيعاب الشعوب طُرًّا في أُسرةٍ دوليَّةٍ واحدة.
إنَّ العوالمَ العُلويَّة—أو فراديس النَّعيم—لا تتميَّزُ عن العالَم الأَرضيّ بما تنعمُ به من أسباب الراحة والهناء فحَسب، بل أيضًا بارتقاء عقول كائناتها وما تُثمرُه من معرفةٍ وقُدرةٍ عظيمَتَين ومن إنجازاتٍ لا تدورُ في خلَد البشر. وقد سبقَ أن أَوضَحتُ في عددٍ سابقٍ من “صوت داهش” (حزيران/يونيو 1996) بعضَ المُنجَزات الجبَّارة التي صنعَتها حضاراتٌ راقيةٌ استطاعَت أن تبلغَ الأَرضَ مرارًا بسُفُنٍ فضائيَّةٍ تكادُ تبلغُ سرعتُها سرعةَ النور. والفرقُ بيننا وبين هذه الحضارات الراقية ينحصرُ بأنَّنا في عتَبة الدركة الأُولى من عوالم الجحيم، في حين أَنَّها في عتَبة الدرجة الأُولى من عوالم النعيم. فهل بوُسع الخيال البشريّ، يا تُرى، أن يتصوَّرَ مقدارَ رُقيِّ الحضارات في الدرجات المئة والخمسين من الفراديس التي تضمُّ ملايينَ العوالم المُذهلة بمُنجَزاتها العلميَّة!
إذًا بارتقاء العقل وما يُثمرُه من معارف ومُنجَزات كما بارتقاء النزعات (مدعومَين بقوَّة الإرادة مثلما سنرى)، يتمُّ الارتقاءُ الروحيُّ الحقيقيّ. والعوالمُ الفردوسيَّة إنَّما تتمايَزُ بمدى ارتقاء النزعات وقِوى الإدراك أيضًا في سيَّالاتِ سُكَّانها. ويستمرُّ التصاعدُ في الارتقاءِ العقليِّ —كما في الارتقاء النزوعيّ—في العوالم الروحيَّة، بعد العوالم الفردوسيَّة المادِّيـَّة، ليبلغَ الكمال المُطلَق في القُوَّة المُهَيمِنَة العُظمى التي هي الخالقُ عزَّ وجلَّ. ففيه وحدَهُ يتجلَّى العقلُ المُطلَقُ والخيرُ المُطلَق.
وكثيرًا ما كنتُ أسمعُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يلومُ بعضَ الداهشيِّين مِمَّن كانوا يُكرِّرون الأَخطاءَ في أحكامهم أو تفسيراتهم بقوله لهم: “هذا إهانةٌ للعقل، وإهانةُ العقل إهانةٌ لله.”
إذًا الراقي روحيًّا، في المفهوم الداهشيّ، هُو مَن يستخدمُ العقلَ الذي وهبَهُ إيَّاه الله، فلا يستهينُ به ويدعُه خاملاً مشلولاً، لأَنَّ العقلَ قَبَسٌ إلهيّ. يقولُ الدكتور داهش عن الطائرة الجبَّارة وهو فيها:
هي أُعجوبةُ القرنِ العشرين ومعجزةٌ مُذهِلَةٌ بلا مراء.
إنَّ عقلَ مَن أنجزَ صُنعَ هذا المارد ذي الضَّوضاء
لا شكَّ أنَّهُ مُستَمَدٌّ من ربِّ السماء. [10]
في التعاليم الداهشيَّة مثلما تهبطُ السيَّالاتُ ذاتُ النزعات السامية من عوالمَ عُلويَّة، فإنَّ السيَّالات ذات المدارك الراقية، سيَّالاتِ العباقرة من أُدباء ومُفكِّرين وفنَّانين وعُلماء، تهبطُ إيضًا من عوالمَ عُلويَّة تفوقُ الأَرضَ رُقيًّا بمراحلَ عظيمة. وقد ظهرَ في سياق العصور عباقرةٌ غيرُ قلائل مهرَ كلٌّ منهم عصرَه بطابع شخصيَّته الفذّة، وأَحدثَ تأثيرًا غيرَ ضعيف في الحضارة البشريَّة؛ ومع ذلك لم يكشف التقصِّي التاريخيّ عن أيِّ أثرٍ للعبقريَّة في آبائهم أَو أَجدادهم، ولا في سُلالاتهم إذا خلَّفوا سُلالة. حسبُنا أن نذكرَ من العُلماء نيوتن، ومن الفلاسفة سقراط،ومن الأُدباء جبران خليل جبران، ومن الشعراء شكسبير، ومن الموسيقيِّين بتهوفن، ومن الرسَّامين ميكال آنجلو، ومن المُصلحين الاجتماعيِّين المهاتما غاندي، ومن الهُداة الروحيِّين الدكتور داهش. فهؤلاء العباقرة لا يُفسِّرُ علمُ الوراثة أَعمالَهم الفذَّة، ولا البيئاتُ التي نشأُوا فيها يُمكنُ أن تُعلِّلَ تفرُّدَ شخصيَّاتهم. فقد ظهروا في الأرض كأَنَّهم ليسوا من بَنيها. وحقًّا أنَّ سيَّالاتِ العبقريَّة فيهم ليست من الأرض؛ فقد هبطَت إليها ثمَّ عادت إلى عوالمها العُلويَّة بعد أن أتمَّ كلٌّ منها مهمَّتَه التي هي شبهُ رسالة من أجل الإسهام في ترقية الحضارة البشريَّة. ولذلك يشعرُ العبقريُّ أَنَّه مدفوعٌ بدافِعٍ عجيب لا قدرةَ له على رَدِّه، كأَنَّما هو قَدَرٌ يُسيِّرُه، أو حاجةٌ مِلحاح لا مناصَ من إشباعها كالجوع القارص أَو العطش اللاهب. ولذلك نرى العبقريَّ يُؤدِّي مهمّتَه لا يُلهيه عن إنجازها صدودٌ أو حرمانٌ أو ألمٌ أو عاهةٌ أو اضطهاد.[11] هذا الدافعُ العجيب الذي يُلهِبُ نفوسَ العباقرة ويُعبِّئُ قواهم من أجل إنجاز إبداعاتهم لم يستطع السيكولوجيُّون أن يهتدوا إلى سرِّه؛ فسايمنتن (Simonton) الذي تخصَّص في دراسة العباقرة وتأثيرهم في مجرى التاريخ يسأَلُ عمَّا يكون هذا الدافع الفائق وعمَّا يكون مصدرُه، لكنَّه ينتهي إلى القول: “الجوابُ عن هذا السؤال هو أحدُ الأسرار الكبيرة في السيكولوجيا.”[12]
التعاليمُ الداهشيَّة أَعطت الجوابَ الشافي في السيَّالات العُلويَّة التي تحتلُّ العباقرة. وقد أوضحَ الدكتور داهش في “قصَّة الحُلم الهابط إلى أرض البشر” أنَّ لـ”عباقرة الموسيقيِّين الذين تركوا لعالمِ الأَرض تُراثًا إلهيًّا من الأَنغام” عالَمًا عُلويًّا خاصًّا يُدعى “كوكب النور الوضَّاء”؛ كما أنَّ للأُدباء والشعراء كوكبًا عُلويًّا آخر يُدعى “كوكب الخلود الباهر”. [13]
والجديرُ بالذِّكر أنَّ سيَّالاتِ العباقرة من الفنَّانين والأُدباء والشعراء تتركُ آثارَها العُلويَّة المؤثِّرة في ما تُولِّدُهُ من إبداع؛ وهذا ما يجعلُ النفوسَ الراقية الحسَّاسة تهتزُّ وتخشعُ لتلك الروائع، إذْ إنَّها تحملُ لمحاتٍ ونفحاتٍ من الفراديس العُلويَّة، وومضاتٍ من قُدرة الخلق المُطلَقة التي يتميَّزُ بها الخالقُ عزَّ وجلَّ.
والآثارُ الفنِّـيَّةُ والأَدبيَّة الراقية هي مُولَّداتُ إشعاعات سيَّال الأدب أو الفنّ العُلويّ. إنَّها طاقاتٌ ذاتُ حياةٍ خاصَّة تتَّخذُ أَشكالَها من الحروف أَو الأنغام أو الألوان أو الأضواء والظلال. والرسومُ تحملُ من سيّالات الفنَّان شحناتٍ قد تدوم دوامَ الرسوم نفسها. وفي ذلك ما يفضُّ سرَّ الروعة والفرادة في النسخة الأَصليَّة، كما يُفسِّرُ أَهمِّـيَّتها. فآلاتُ التصوير الحديثة بوسعها أَن تلتقطَ صُوَرًا للرسوم الفنِّـيَّة تكون في غاية الأَمانة والدقَّة، لكنَّ هذه النُّسَخ، مع ذلك ، تبقى دون الأَصل قيمةً وفنًّا بمراحل كبيرة. فالآلة إن تستطعْ أَن تنسخَ صورة “الموناليزا”، مثلاً، فإنَّها تعجزُ عن نقل إشعاع السيَّال الروحيّ الكائن في الأَصل، وهو جزءٌ من حقيقة ليوناردو دافنشي النفسيَّة انفصلَ عنه ليتجسَّدَ في لوحةٍ هي امتدادٌ حقيقيّ له، مُتَّخذًا كيانًا جديدًا خاضعًا لقوانين جديدة.
وسيَّالُ الفنِّ الراقي أو الأَدب السامق، أصلاً، غريبٌ عن الأرض، هبطَ إليها من عالَمٍ سامٍ قوامهُ الجمال، تِبعًا لنظامٍ كَونيّ إلهيّ مَبنيّ على الاستحقاق العادل. وذلك ما يُعلِّلُ شعورَ الفنَّان الحَقّ أو الأديب المُبدِع بالغُربة أَينما حَلَّ في الأَرض وكيفما كانت ظروفُه الاجتماعيَّة. إنَّها غربةُ مَن ينزلُ وطنًا ليس وطنَه. وقد يزدادُ هذا الشعور عُمقًا إذا صحبَت سيَّالَ الفنِّ أو الأَدَب، في شخص الفنَّان أو الأَديب، سيَّالاتٌ روحيَّة راقية.[14]
مصدرُ التناقُض في العباقرة
ورُبَّ سائلٍ مُشَكِّك: كثيرون مِمَّن يُسمَّون عباقرة، سواءٌ كانوا أُدباء أم شُعراء أم فنَّانين أم عُلَماء أم فلاسفة، كانوا مُلحِدين أو مُستسلِمين لشهواتِ الجسد ومُغريات الدنيا، فكيف يكونون من الراقين روحيًّا؟
يتعذَّرُ إيجادُ جوابٍ صحيحٍ عن هذا السؤال إلاَّ من خلالِ مفهوم السيَّالات. فكلُّ إنسانٍ مجموعةٌ من السيَّالات التي لكلٍّ منها إدراكُه ونزعاتُه وإرادتُه ذات المستويات الخاصَّة. فالعبقريُّ هو عبقريٌّ ببعضِ سيَّالاتِه لا بها كلِّها. والسيَّالُ الراقي هو سيَّالٌ راقٍ بأبعادِه الثلاثة النزوعيَّة والإدراكيَّة والإراديَّة. ومثلما أَنَّ عقلَ الإنسان هو مُحصَّلة مجموع القوى الإدراكيَّة المتفاوتة في سيَّالاته، فشخصيَّتُه هي مُحصَّلة المدارك والنزعات والإرادات الناشطة في سيَّالاته. فقد يكونُ في العبقريِّ سيَّالٌ ضعيفٌ أو عدَّةُ سيَّالاتٍ ضعيفة انتقلَت إليه وراثيًّا من خلالِ أُمِّه أو أَبيه، وشاركَتِ السيَّالَ العُلويَّ الهابط، أي السيَّالَ الرئيسَ الذي وهبَ العبقريَّ سِمتَه الفذَّة، في بناءِ نفسيَّته وشخصيَّته. ولذلك كثيرًا ما نجدُ التناقُضات في سلوك العباقرة؛ ذلكَ لأَنَّ السيَّالات المُتضارِبة تُولِّدُ دوافعَ متضاربة.
وكَم من عبقريٍّ أظهرَتهُ الدراساتُ السيكولوجيَّةُ مُصابًا باضطراباتٍ نفسيَّةٍ أو عقليَّة. فلَم يخلُ مجالٌ من مجالات النشاط الفكريّ إلاَّ كان فيه أُناسٌ مُبدِعون، وفي الوقتِ نفسِه مُصابونَ بِخَلَلٍ مُعَيَّن. [15] وهذا يُؤكِّدُ ما ذهبتُ إليه من أنَّ مصدرَ هذا الخلَل هو سيَّالٌ غير السيَّال الذي مَدَّ العبقريَّ بفذوذيَّتِه وإبداعِه.
وقد وردَ في الأَناجيل ما يُثبتُ ما أوضَحتُه من وجود السيَّالات المُتعدِّدَة المُتضارِبة في الشخص الواحد مهما يكُن راقيًا روحيًّا. فمتَّى الإنجيليّ يذكر أنَّ يسوع أخذَ “يُظهرُ لتلاميذه أنَّهُ يجبُ عليه أن يذهبَ إلى أُورشليم ويلقى أشدَّ الآلامَ من الشيوخ والأَحبار والكَتَبَة ويُقتَل ويقومَ في اليوم الثالث. فانفردَ به بُطرُس وجعلَ يُعاتبُهُ فيقول: “حاشاكَ سيِّدي من هذا المصير.” فالتفتَ إلى بطرس قائلاً: “سِرْ خلفي، يا شيطان، فأنتَ عقبةٌ دوني، لأَنَّ أفكارَكَ ليست أفكارَ الله بل أفكارُ البشر.” [16] فهل من المعقول أن يكونَ هذا “الشيطان” هو نفسَه الذي قال له المسيح، ربَّما في اليومِ نفسِه: “أنتَ صخر [بطرس باليونانيَّة] وعلى هذا الصخر سأَبني كنيستي، ولن تقوى عليها أبوابُ الجحيم. وسأُعطيكَ مفاتيحَ ملكوت السماوات. فما ربطتَ في الأَرضِ رُبِطَ في السماوات. وما حللتَ في الأَرض حُلَّ في السماوات”؟ [17]
هذا التناقُض مصدرُهُ تناقضُ سيَّالَين في بطرس. فـ”الشيطان” فيه هو السيَّالُ الضعيفُ المُتردِّد، السيَّال الذي أنكرَ المسيحَ ثلاثَ مرَّاتٍ قبل صياح الديك، والذي كادَ يودي به غرقًا إذْ دعاهُ المسيحُ ليمشيَ على الماء، فأمسكَه يسوع قائلاً له: “يا قليلَ الإيمان لماذا شكَكتَ؟” [18] أمَّا السيَّالُ العُلويُّ، سيَّالُ الرسول فيه، فهو الذي خاطبَه المسيح بأنَّهُ “الصخر” الذي سيبني عليه كنيسته.
أَبعادُ العقل في الإنسان
لا بُدَّ للباحث في العقل، اليوم، من أن يلقى صُعوبتَين: الأُولى الاختلافَ الحاصل في فَهم أبعاد العقل وأنواعه؛ والثانية اختلافَ المدلولات السيكولوجيَّة للألفاظ، أحيانًا، عن معانيها الأَدبيَّة الشائعة. لكنِّي سأبذلُ جُهدي لأَكونَ واضحًا فلا أدخلُ في التعقيدات اللُغويَّة أو السيكولوجيَّة.
يتَّفقُ السيكولوجيُّون على أنَّ العقل، في الإنسان، يشتملُ على عدَّةِ قوًى نفسيَّة ما زالوا يُحاولون تعرُّفَها وتمييزَها. وهذه القوى كائنة في كلِّ إنسانٍ بدرجات مُتفاوتة، وتشملُ الذكاء والذاكرة والمُخَيِّلة.
فالذكاء (intelligence) يشملُ مَلَكَةَ الإدراك الحسّيِّ أو الطبيعيّ (perception) الذي به يُميِّزُ الإنسانُ نفسَه عن مُحيطِه كما يُميِّزُ الأَشياءَ بعضَها عن بعض، ومَلَكَة الإدراك المعنويّ التحليليّ أو التصوُّر (conception) الذي به يُدرك المجرَّدات وماهيَّات الأَشياء والنِّسَب أو الصِّلات القائمة بينها. كذلك يضمُّ الذكاءُ القُدرةَ على التكيُّف السريع توسُّلاً للنَّجاح في العمل أو الحياة الواقعيَّة، كما القُدرةَ على التعلُّم من التجارب أو من المعرفة المحصَّلة من أَجل حَلِّ المُعضلات. [19]
والذاكرةُ وظائفُها تثبيتُ الذكريات المُدرَكة، وحفظُها، ثمَّ تذكُّرها والتعرُّف عليها، وتعيين أماكنها. [20]
أمَّا المُخَيِّلة فهي من جهةٍ تستحضرُ صُوَرَ الأَشياء المُدرَكة في الماضي، ومن جهةٍ أُخرى تبتكرُ صُوَرًا مُركَّبة من عناصر مُختلِفة. [21]
وقد أدَّت دراساتُ السيكولوجيِّين للذكاء ولمدى ارتباطه بنجاح الإنسان في تحصيل المعرفة إلى إنشاء رائزٍ للذكاء المدرسيّ يُطَبَّق على الأَحداث؛ والهدفُ منهُ معرفةُ حاصل الذكاء لدى كلٍّ منهم (IQ= Intelligence Quotient)، أي نسبة العُمر العقليّ (MA= Mental Age) للعمر الزمنيّ (CA= Chronological Age). ثمَّ طُوِّرَت المعادَلة فأصبحَت IQ= (MA/CA)x 100) ، باعتبار أنَّ حاصلَ الذكاء العاديّ هو 100، أي التساوي التامّ بين العُمر العقليّ والعمر الزمنيّ؛ وهكذا تسهلُ المقارنة بين مُستَوَيات الذكاء لدى الأَحداث.
وبعدئذٍ طوَّر السيكولوجيُّون رائزَ الذكاء لتطبيقه على الكبار، فجعلوه نوعًا من نسبة الشخص المئويَّة لمجموع الناس. [22]
ومثلما تهبطُ درجاتُ النزعات في الإنسان، فتتسفَّل وتتدنَّى عن المستوى الذي يجبُ ألاَّ تنزلَ عنه الطبيعةُ الإنسانيَّة، فيُؤذي غيره مثلما تؤذي الوحوشُ غيرها، ويقصرُ هدفَه في الحياة على إشباعِ نزواته وشهواته وسائر حاجاته البيولوجيَّة، هكذا يُمكن أن يتدنَّى مستوى العقل في إنسانٍ ما، فيُصبحَ غباءً أَو بلادة؛ أو قد يُصاب عقلُه باختلالٍ ما قد نُسمِّيه انفصامًا أو هستيريا أو أفكارًا تسلُّطيَّة ثابتة، إلخ…
كذلك قد يُصيبُ الذاكرةَ اضطراباتٌ معيَّنة، فتفقدُ تذكُّرَ الحاضر أو الماضي، أو تعجزُ عن الحفظ أو عن معرفة الأَشياء، أو عن تعيين أماكنها.
كما قد تُصابُ المُخيِّلة باضطراباتٍ فتُولِّدُ الهَلوَسة وهوسَ الكذب، أو الحماقة.
والصعوباتُ في تطبيق روائز الذكاء على مُختلِف الأَعمار والكفاءات بسبب عجزِها عن تقديمِ تفسيرٍ صحيحٍ دائمٍ لنجاح الإنسان أو فَشَلِه في حياته، من جرَّاء قُصورِها عن تقديم الإيضاحات الكافية للتكوين العقليّ في العباقرة— هذه الصعوباتُ دفعَت السيكولوجيِّين إلى البحث عن مفاهيمَ جديدةٍ للذَّكاء أكثرَ دقَّةً ومُلاءَمةً للواقع البشريّ. ومن أفضل النتائج الجديدة ما عرضَهُ هوارْد غارْدنِر (Howard Gardner) في كتابَيه “أُطُرُ العقل: نظريَّة تعدُّد أنواع الذكاء” و”أَنواع الذكاء: النظريَّة مُطبَّقة”. [23] فقد رأى أنَّ الناسَ ينقسمون في ذكائهم إلى سبعة أنواعٍ رئيسة:
1- فئة الذكاء اللُغويّ.
2- فئة الذكاء المنطقيّ الرياضيّ.
3- فئة الذكاء البصَريّ المَساحيّ.
4- فئة الذكاء الموسيقيّ.
5- فئة الذكاء البَدَنيّ الحرَكيّ.
6- فئة الذكاء الباطنيّ الشخصيّ.
7- فئة الذكاء الاجتماعيّ الخاصّ بالعلاقاتِ بين الإنسان والآخرين.
ويُمكنُ أَن ينطويَ تحت كلِّ نوع أَصنافٌ فرعيَّة من الذكاء. وقد نرى أُناسًا، في كلِّ مجال، يجمعُ كلٌّ منهم بين عدَّةِ أنواعٍ من الذكاء. وإذا اشتدَّ ذكاءٌ نَوعيٌّ في إنسانٍ ما فارتفعَ مُستواه عمَّا لدى الأَغلبيَّة، أصبحَ بمنزلة الموهبة؛ فكان في الفئة الأُولى الأُدباء والشعراء، وفي الثانية عُلماء الرياضيَّات والعلوم الطبيعيَّة، وفي الثالثة الرسَّامون والنحّاَتون والمُهندسون والجرَّاحون، وفي الرابعة الموسيقيُّون، وفي الخامسة راقصو الأُوبراه وأَبطال الرياضة البدنيَّة، وفي السادسة الفلاسفة والمُحلِّلون النفسيُّون، وفي السابعة القادة السياسيُّون والعسكريُّون والاجتماعيُّون.
وإذا نشِطَتِ الموهبة فأبدَعَت وأخصَبَت وتركَت آثارًا جليلةً تحملُ من عناصر البقاء والتأثير ما يُغيِّرُ شيئًا من مجرى التاريخ، أصبحَت عبقريَّة. وعلى العبقريَّات قامَت الحضاراتُ في كلِّ العصور.
النجاحُ الشريف في الحياة الواقعيَّة
يقتضي تعاوُنَ الذكاء والنزعات الشريفة
لقد تنبَّهَ عُلَماءُ النفس إلى أنَّ كُلاًّ من أصحاب الأَنواع الستَّة الأُولى من الذكاء قد ينجحُ بل يبرع ويتفوَّق في حقله المُعَيَّن، لكن ليس من المحتوم أن ينجحَ في الحياة الواقعيَّة الاجتماعيَّة إلاَّ إذا كانَ يتمتَّعُ بقِسطٍ غير ضئيلٍ من الذكاء السيكولوجيّ الاجتماعيّ. هذا الذكاءُ الضروريُّ للنَّجاح في الواقع الاجتماعيّ أوضَحَه دانيال غولمان (Daniel Goleman) في كتابه “الذكاء الانفعاليّ” (Emotional Intelligence). [24] فأحداثُ الحياة تُؤكِّدُ أنَّ أذكياءَ كثيرين يرتكبون أخطاءً فادحةً وحماقاتٍ ورُبَّما جرائم، إذْ يتحكَّمُ بهم هيَجانٌ انفعاليٌّ تُثيرُهُ شهوةٌ جنسيَّةٌ جارفةٌ أو غضبٌ أعمى أو غيُر ذلك من الانفعالات الجامحة. كما تُؤكِّدُ أنَّ النَّجاحَ في الحياة الاجتماعيَّة والعلاقات بين الناس لا تكونُ نسبتُه تبعًا لنجاح الإنسان الأَكاديميّ ولمستوى الدرجة الجامعيَّة التي يُحصِّلُها. فليسَ دائمًا، ولا غالبًا، يكونُ ألمَعُ الطلاَّبُ هم الزعماءَ والقادةَ في حقول السياسة والاجتماع والتجارة، ولا أنجحُ الطلاَّب هم الأَنجحَ في الاستقرار العائليّ وهناء الحياة والعلاقات الزوجيَّة أَو الأَبويَّة أَوالصداقة؛ ذلك بأنَّ مُفاجآتِ الحياة وتقلُّباتِها تقتضي تكيُّفًا انفعاليًّا شبهَ دائم. وهكذا يتأكَّدُ أنَّ مصيرَ الإنسان ليسَ رهنَ عقلِه المنطقيِّ الواعي فقط، بل رهنُ رغباتِه ونزواتِه ونزعاتِه وتصرُّفاتِه الانفعاليَّة مع الآخرين أيضًا. فالنشاطُ العقلانيُّ لا يُمكنُ فصلُه عن النشاط الشعوريِّ الانفعاليّ في الحياة الاجتماعيَّة.
هذه الحقيقةُ تُؤكِّدُ ما توضِحُهُ التعاليمُ الداهشيَّةُ إذْ ترى أنَّ الرقيَّ العقليَّ لا يستتمُّ فعَّاليَّته الإيجابيَّة إلاَّ إذا صاحَبَهُ رُقيٌّ شعوريٌّ يظهرُ في النزعات السامية التي تشملُ التزامَ الحقيقة والعدالة والعفَّة والقناعة، ومُمارسَةَ المحبَّة بما تشتملُ عليه من نزعةٍ غَيريَّةٍ وتسامُحٍ وتواضُع… وليس أفضل من المهاتما غاندي نموذَجًا للقائد الناجح الذي يجمعُ رُقيَّ العقل إلى رُقيِّ النَّزعات. يصفُه الدكتور داهش بقَوله:
هذا الضئيلُ في جسدِه، الجبَّارُ في عقليَّته؛ هذا القميءُ الذي تهتزُّ لهُ أكبرُ وأعظمُ دولةٍ على هذه الأَرض؛ هذا الذي تكادُ الملايينُ تعبُدُه، لأَنَّها تتأكَّدُ من نقاءِ كفِّه وصفاءِ سريرته، وأنَّهُ يعملُ من أجلِ إسعادِها… [25]
الدكتور داهش وأبعادُ الذكاء
مَن عرفَ مُؤسِّسَ الداهشيَّة عن كثَب فلازمَهُ وراقَبَ اضطلاعَهُ بأعمالِه اليوميَّة، وشهدَ مجالسَه مع أتباعِه وزائريه، واطَّلَعَ على قيادتِه الحملةَ الإعلاميَّة على رئيسٍ طاغيةٍ جنَّدَ كلَّ إمكانات الدولة لمُحاربة فردٍ بريءٍ أَعزَل— مَن أحاطَ بكلِّ ذلك أدركَ أيَّ شخصٍ عبقريٍّ عاشَ في لبنان، فشغلَ صِحافتَهُ زُهاءَ نصف قرن في حياته وما زال يشغلُها، وأثارَ الشعبَ على الطاغية فأسقطَه، وخلَّفَ ما يُنيفُ على مئةِ كتابٍ أبدَعها في مُختلِف الحقول الفكريَّة والأَدبيَّة والروحيَّة، وجمعَ أكبرَ مكتبةٍ شخصيَّةٍ، وأنشأَ مُتحَفًا يكادُ يُضاهي المتاحفَ الدوليَّة— كلُّ ذلك وأنتَ لا تذكرُ رسالتَه الروحيَّة ومعجزاتِها المُذهِلَة وتأثيرَه البنَّاءَ البالغ في نفوس الأُلوف من زائريه.
لقد كانَ الدكتور داهش يُطالعُ بسرعةٍ فائقةٍ جميعَ الصحف والمجلاَّت اللبنانيَّة وأهمَّ الصحف العربيَّة صباحَ كلِّ يوم قبل أن يستيقظَ معظمُ الناس، بل معظمُ الذين كانوا يُلازمونَه في منزله. وقلَّما مرَّ يومٌ لم يُطالع فيه كتابًا أو كتابَين أَو أكثر بالسرعة الفائقة نفسِها. فقُدرةُ الفهم والحفظِ لدَيه كانت خارقة…[26]
وكان يكتبُ ما يُبدِعُه بسرعةٍ فائقةٍ أيضًا، ويدعو مُجالسيه من الكُتَّاب والأُدباء إلى مُباراته في موضوعٍ يختارونَه، فيتبارَون ضمنَ مهلةٍ مُعيَّنة، ويبزُّهم.
ومَن يتصفَّحْ مؤلَّفاتِه تجتذبْه الرسومُ التي تُزيِّنُ كثيرًا منها؛ وموضوعاتُها التي تُوضِحُ النصوصَ بمُجملِها وتفاصيلِها تصوَّرَتها مُخيِّلتُه الجبَّارة، ثمَّ أرسلَ بتصاميمها إلى الرسَّامين فنفَّذوها. إنَّ القدرة على ابتكار أَفكارٍ وصُوَرٍ جديدة مصدرُهاُ الخيالُ الخلاَّق. وهذا الخيالُ ضروريّ للأَديب المُبدِع كما للعالِم المُبتكِر. فتِبعًا لكلام ماكْس بلانك (Max Planck)، حائز جائزة نوبل، إنَّ العالِم “يجبُ أَن يتمتَّع بخيالٍ حَدْسيّ مُشرِق، لأَنَّ الأَفكارَ الجديدة لا يُولِّدُها الاستدلال بل الخيالُ الفنّيُّ المُبدِع.”[27]
ومَن يتعرَّف تفاصيلَ مُقاومةِ الدكتور داهش لدولة الطغيان، وفنونَ الأَساليب التي استَخدَمَها لجَبْهها وتعفيرِ أنفها، لا بُدَّ من أن يتعجَّبَ للذكاء الخارق الذي كانَ وراءَ تنظيم حملته، وللتكيُّف السريع الذي كانَ يقومُ به وفقًا لتطوُّرها، حتَّى لَيَصحُّ أن تُتَّخَذَ فنونُ أساليبه مدرسةً نموذجيَّةً للألمعيَّة في مُقاوَمة الأَنظمة القَمعيَّة الاستبداديَّة.
والعقلُ الراقي الذي يستطيعُ أن يُميِّزَ الحقَّ من الباطل إن سانَدَتْهُ نزَعاتٌ سامية، بوُسعِه أيضًا أن يُميِّزَ الصوابَ من الخطإ والصحيحَ من الكذبِ إنْ دعَمَهُ منطقٌ سديد. وهذا كان شأنُ مُؤسِّس الداهشيَّة مع أتباعِه؛ فطالَما طرحَ عليهم مُعضلاتٍ ليحلُّوها، فإذا فازوا، كان سرورُه كبيرًا.[28]
وطالَما أوضحَ لهم أسرارَ الشعوذات التي يدَّعي أصحابُها من المُخادعين المُمتهنين لها أنَّها أعمالٌ خارقة، ثمَّ أرسلهم إليهم ليُعمِلوا عقولَهم في تلك الشعوذات ويفضحوها أمامَ أصحابها. حسبُنا ذكرُ المُشعوذ الدجَّال طهرا الذي استقدمَه الرئيسُ بشاره الخوري خصِّيصًا ليوهمَ اللبنانيِّين بأنَّ في قُدرتِه صُنعَ العجائب؛ فإذا الداهشيُّون، وعلى رأسهم الدكتور فريد أبو سليمان، يُنزِلون فيه فضيحةً تلوَ أُخرى حتَّى أَذلُّوهُ بعد أن فضحوهُ، فأُجبِرَ على التواري رغمَ أنف السلطات التي تحميه.
إنَّ المنطقَ العلميَّ السليمَ مبنيٌّ على فهم القوانين الطبيعيَّة التي يستحيلُ خرقُها بالإرادة البشريَّة. وامتيازُ البشر بموهبةٍ ما يبقى واقعًا ضمنَ أنواع الذكاء السبعة الرئيسة التي أشَرنا إليها آنفًا. أمَّا أن تُصبحَ الموهبةُ—أي الذكاء الشديد في حقلٍ معيَّن من المعرفة—قُدرةً خارقةً للقوانين الطبيعيَّة، فهذا أمرٌ مستحيلٌ في العِلم، والمنطقُ السديدُ يرفضُه. ولذلك فعَقلُ الداهشيّ يرفضُ أن تكونَ المعجزاتُ الروحيَّةُ من صُنعِ بشر، ويُوقِنُ بأنَّها من صُنعِ ملاك، أو روحٍ مُفارِقٍ للمادَّة، أو كائنٍ عُلويٍّ لا يخضعُ للنَّواميس الأَرضيَّة. وبهذا المفهوم تكونُ المعجزةُ “خرقًا” للقوانين الطبيعيَّة بالنسبة للبشر، وعملاً عاديًّا مُجارِيًا للقوانين الروحيَّة غير المعروفة لدى الناس ومُناسبًا للمعرفة غير البشريَّة.
والمنطقُ السليمُ ليس تطبيقُه مقصورًا على العِلمِ فحَسب، بل ينبسِطُ على الوسائل والغايات كما على الأَسباب والنتائج. قال لي مُؤسِّسُ الداهشيَّة مرَّةً ما فحواه: إنَّ الإلهَ الذي يُرغمُ الناس، من خلالِ رجال الدين، على أن يتبعوا دينًا مُعيَّنًا وإلاَّ اضطُهِدوا، لا يكونُ إلهًا حقيقيًّا. فالإلهُ الحقُّ لا يظلم، ولا يغتصب من الناس حرِّيـَّتهم التي هو منَحَهم إيَّاها، ولا يُمثِّلُ المحبَّةَ المُطلقة وفي الوقتِ نفسِه يُحرِّضُ على قتل الناس أو إيذائهم؛ لأَنَّ الغايةَ الشريفةَ لا يُمكنُ بلوغُها بوسيلةٍ غير شريفة.
هذا هو المنطقُ السليم، منطقُ ذَوي العقول الراقية والعواطف السامية.
لقد كان الدكتور داهش يكرهُ الغباءَ ويشمئزُّ منه ومن مُتفرِّعاته. يقولُ في سُداسيَّةٍ بعنوان “الغباءُ لعنةٌ كُبرى”:
الغباءُ مكروهٌ تشمئزُّ النفسُ منه وتشجبُهْ
والبَلَهُ لعنةٌ سُفليَّةٌ ما أتفهَه وأشأمَه وأرهبَهْ!
والعَتَهُ مُصيبةٌ كُبرى ونكبةٌ عُظمى للمُبتَلى بِهْ
فهذا المُثَلَّثُ اللعينُ ليتَني أستطيعُ أن أَصلُبَهْ
فالشيطانُ الرجيمُ لا ولن يستطيعَ أن يغلبَهْ
والذكاءُ والأَلمعيَّةُ وحضورُ الذهن فإنَّ نفسي تطلبُهْ. [29]
فالغبيُّ، وصاحبُ المنطق الضعيف، يفشلُ في حياتِه المادِّيـَّة كما في حياته الروحيَّة. فعَجزُهُ عن رَبطِ الأَسبابِ بالنتائج يُؤَدِّي به إلى المتاعب والمصائب في حياتِه اليوميَّة وعلاقاتِه بالنَّاس. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة بسُداسيَّةٍ في معرضِ حديثِه عن حفظ اللسان وضرورة استخدامِه في الظروف المُناسِبة:
“اللهُ وهبَني عقلاً، فلو صنتُه [لساني] لَما اجتاحَ الرعبُ جَناني.” [30]
كذلك عجزُ الإنسان عن الربط بين الأَسباب المُتمثِّلَة بأعمالِه الشرِّيرة أو الدُّنيويَّة الحقيرة يُؤدِّي به إلى التَّهلكة بعد الموت. فكَم من إنسانٍ يُمضي حياتَه غائصًا في الشهوات، ساعيًا وراءَ المال، عاديًا وراءَ النساء، هازئًا بتعاليم الأَنبياء… “وفجأَةً يقنصُهُ الموتُ قائلاً له: اتبَعْني، فبدُنياكَ كنتَ غبيًّا.” [31]
وعلى نقيض الغبيِّ يكونُ مصيرُ الذكيِّ الأَلمعيِّ الذي تصفو أفكارُه لصفاءِ نفسِه، وينشرحُ صدرُه لثَباتِ إيمانِه وصُمودِه. يقولُ الدكتور داهش:
وكُنْ مُتوقِّدَ الذهنِ، صافيَ الخاطر، شديدَ المراس وثابتَ الجَنان،
وارتَعْ ما شاءَ لكَ الانشراح، وتمتَّع في فردوسِ الجِنان. [32]
كما إنَّ صاحبَ المنطق السليم يعرفُ أنَّ الإنسانَ يُثمرُ ثمَرًا من طبيعته، تمامًا مثلما كلُّ شجرةٍ تُثمرُ ثمرًا من طبيعتِها، فلا يخدعُه السياسيُّون بألاعيبهم وتمويههم للحقائق، ولا يغرُّهُ رجالُ الدين إذا كانوا من المُرائين المُختلقين للأكاذيب، ذلك بأنَّهم “رُسُلُ إبليسَ اللعين، وأكاذيبُهم لا يُصدِّقُها سوى كلِّ معتوهٍ أُصيبَ بخبال.” [33]
لقد كان مؤسِّسُ الداهشيَّة يُشدِّدُ على أهمِّـيَّة الذكاء تشديدَهُ على سُمُوِّ النَّزَعات في الإنسان. وهو يرى أنَّ الذكاءَ أهمُّ من السلطةِ والمال. ويستاءُ من الناس عامَّةً لأَنَّهم—
يحتقرون الفقيرَ رغمًا عن معرفتهم بأنَّهُ ألمَعيّ،
ويخضعونَ لصاحبِ السلطة مع تأكُّدهم أنَّهُ أبلَه وغبيّ.[34]
وعلى نزعة الدكتور داهش العامَّة لحُبِّ الجمال وتذوُّقه حيثُما وُجِد، سواءٌ في الطبيعة أم في الفنِّ، فإنَّهُ آثرَ الفتاةَ الذكيَّة على الفتاة الجميلة. يقولُ في قطعةٍ عنوانُها “أُفضِّلُ الذكيَّة”:
قالوا: نُفضِّلُ بالمرأة الجمال، فهو تاجُها المُفضَّل؛
وأنا أقولُ: إنَّني أُفضِّلُ ذكاءَها على جمالها.
فماذا يهُمُّني من الوردة الجميلة المنظر،
الأَخَّاذة الأَلوان،
إذا كانت لا رائحةَ فيها تُضمِّخُ الأَرجاء؟
فالمرأةُ الجميلةُ التي لا ذكاءَ لدَيها
هي أشبهُ بهذه الوردة الخاملة
التي لا عطرَ بها ليُحييها. [35]
لم يتركْ مُؤسِّسُ الداهشيَّة فُرصةً وهو مع أتباعِه إلاَّ كانَ يُحرِّضُهم فيها على شَحذِ عقولِهم وترقيَةِ مداركِهم بمُختلِف الوسائل من مُطالَعةٍ للكُتُب المُفيدة إلى تأمُّل بدائع الخَلق، إلى مُواصلة الكتابة الأَدبيَّة إن كانوا من ذوي المواهب، إلى الإكبابِ على الرَّسمِ إن كانوا من الفنَّانين.
وكان يوصي مَن يُرسلُهم ليكونوا لسانَ حالِه بأن يكونوا أذكياءَ في تصرُّفهم وكلامهم، لأَنَّ الرسولَ صورةٌ للمُرسِل. وإذا أظهروا أيَّ خطإٍ في سلوكهم أَو في مُحادثتهم كان يستاءُ جدًّا. وأهمِّـيَّةُ هذا الأَمر حدَتْهُ إلى أن يكتبَ سُداسيَّةً بعنوان “إنتَخِبْ رسولَك” يقولُ فيها:
إذا أرسَلتَ رسولاً فَليكُن نشيطًا وذكيًّا
وإيَّاكَ أن توفِدَهُ بسيطًا عديمَ الخَبرة غَبيًّا
فرسولُكَ هو صورةٌ عنكَ، فكُن ألمَعِيًّا
وإذا فشِلَ بمهمَّتِه لتفاهتِه يَكُنْ إمَّعَةً وغبيَّا.
فانتخِبْ رسولَك نبيهًا يطوي الأَرضَ طَيَّا
فالأَذكياءُ يُخَلِّدُ التاريخُ ذكرَهم خُلودًا أبديَّا. [36]
ومِنَ الأَذكياء الذين خلَّدَهم التاريخ واجتذَبوا اهتمامَ مُؤَسِّس الداهشيَّة، فتحدَّثَ عنهم في مُناسباتٍ كثيرة، وكتبَ عنَ مواقفهم الأَلمعيَّة بولس الرسول. فحضورُ البديهة عندَه، ولمعةُ الخاطر، والنباهةُ الشديدةُ، واليقظةُ والاحتراس والحذَر—وجميعها أبعادٌ ضروريَّةٌ للذكاء المُتوقِّد— كانت مُتمثِّلَةً فيه على أكملِ وجه.
يقولُ الدكتور داهش بمُناسبة زيارته لمدينة أَفَسُس التاريخيَّة:
وقفَ بولس الرسولُ يُبشِّرُ بالسيِّد المسيح. وكانَ ذكيًّا، ألمَعيًّا، سريعَ الخاطر، مُتنبِّهًا، مُتيقِّظًا، مُحتاطًا لكلِّ شيء.
كانت، يومذاك، عبادةُ (أرتَميس) هي العقيدةَ التي يؤمنُ بها الجميع. وذكاءُ بولُس جعلَهُ يقولُ للحشودِ في أَفَسُس: “إنَّني أُبشِّرُكُم بالسيِّد المسيح بواسطة إلاهتكم أرتَميس.” وراحت كلماتُه تتدفَّقُ من فيه تدفُّقَ السَّيلِ العَرَمرَم.
قلتُ: “ذكاءُ بولُس”، وهذا حقّ؛ لأَنَّهُ لو قال للحشود: “جئتُ أُبشِّرُكم بالسيِّد المسيح، لأَنَّ إلاهتكم أَرتَميس لا وجودَ لها، وهي لا تستطيعُ دَفْعَ شرّ ولا إيجادَ خير،” لَكانوا قتلوهُ فورًا…”[37]
وكان بولُس الرسول قد بشَّرَ في بلادٍ كثيرةٍ قبل وصولِه إلى أفَسُس، من بينها آثينا التي خاطبَ أهلَها في وسط الأَريوباغُس قائلاً: “يا أهلَ آثينا، أراكُم أكثرَ الناس تديُّنًا في كلِّ وجه. فإنِّي وأنا سائرٌ أنظرُ إلى معابدِكُم، وجدتُ معبدًا كُتِبَ عليه: “إلى الإله المجهول.” فأنا أُبشِّرُكُم بذاكَ الذي تعبدونَه ولا تعرفونَه…” (أعمالُ الرُّسُل 17: 22-34).
الإلهام والوَحي
يبقى أن نُوضِحَ أنَّ كلَّ مَن تمتَّعَ بسيَّالٍ عُلويّ، عالِماً كانَ أم أديبًا أم شاعرًا أم فنَّانًا أم مُصلِحًا روحيًّا أو اجتماعيًّا، يُمكنُ أن يتلقَّى إلهامًا من سيَّالاته العُلويَّة التي ما زالت في الفراديس.
وكثيرًا ما كانَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة ينصحُ أتباعَه من الموهوبين في الأَدب أن يستسلموا لسجيَّتهم وعفويَّتهم وهم يكتبون. وغايتُهُ ألاَّ يقطعوا عنهم التلقِّي الإلهاميِّ إذا أعمَلوا عقولَهم كَدًّا ونحتًا. وهذه العفويَّةُ لا تَحولُ دونَ إعادة النظر في صياغة ما يُكتَب من أَجل إكسابه جماليَّةً أكثر.
وكان أَفلاطون قد تكلَّم على العبقريَّة في “إيون” (Ion) فقال: “إنَّ موهبتَك الظاهرة في كلامكَ البليغ على هوميروس ليست فنًّا [صناعة]، بل إلهام: ففي داخلك إله يختلج.” ويُتابع قائلاً إنَّ الشاعرَ هو “شيءٌ مُقدَّس، ولا يظهرُ منه أَيُّ إبداع حتَّى يُلهَم… ذلك لأنَّ الشاعرَ لا يُنشِد بفِعل فَنّ [صناعة]، بل بفِعل قوَّةٍ إلهيَّة.”
وفي ظلِّ المسيحيَّة بقيَ هذا المفهوم قائمًا حتَّى أَواخر القرن الثامن عشر؛ لكنَّ تأثيرَ المُؤسَّسات الدينيَّة المسيحيَّة ظهرَ في جَعْلِ “الروح” الذي يمسُّ العبقريَّ على نَوعَين: “روح” صالح إذا رضيَت الكنيسة على العبقريّ، و”روح “طالح إذا ناصبَته العداء. ولم يتوارَ “الروح” الطالح من ساحة العبقريَّة إلاَّ مع قيام الحركة الرومنسيَّة، فإذْ ذاك حدثَت العودة إلى أفلاطون.[38] لكنَّ الشعراءَ الرومنسيِّين تحدَّثوا عن الإلهامِ وعن شعورهم به، لكنَّهم لم يُدرِكوا حقيقتَهُ ومصدَرُه.
ولكي لا يخوضَ السيكولوجيُّون في موضوعٍ لم يكتشفوا حقيقتَه بعد، سمَّوا الإلهامَ حدْسًا. لكنَّهم وجدوا أنفسَهم أمامَ مُعضِلَةٍ حينما حاولوا تفسيرَ كثيرٍ من الاختراعاتِ والاكتشافاتِ التي كانت حلولُها تُشرقُ فجأةً في رؤوسِ أصحابها، فنسبوها استسهالاً إلى “الصُّدفة”.[39]
غيرَ أنَّ نظامَ السببيَّة الروحيَّة الشامل يمنعُ وجودَ “الصُّدَف”. فماجرياتُ الحياة اليوميَّة قائمةٌ على نظام الاستحقاق والعدالة الإلهيَّة. وتطوُّرُ الحضارات خاضعٌ للنظام نفسِه. ولذلك فالاختراعُ أو الاكتشافُ فائدتُهُ وخُطورتُهُ وأبعادُهُ تتعدَّى صاحبَهُ لتشملَ مُجتمَعًا بأكملِه بل البشريَّةَ كلَّها. فليسَ من العدالة أن تتحكَّمَ الصُّدَفُ بمصيرِ المُجتمعات والحضارات قاطبة.
أخيرًا، لا بُدَّ من التمييز بين الوَحي والإلهام. فالوحيُ لا يتلقَّاهُ إلاَّ الأَنبياءُ والمُرسَلون. وهو يتنزَّلُ عليهم من روحٍ قُدُّوس أو ملاكٍ كريم، وغايتُهُ تبليغُ الناس رسالةً روحيَّةً من ربِّ العالَمين. وقد تكونُ هذه الرسالةُ بصورة تعاليم دينيَّة تشملُ إيضاحَ حقائق روحيَّة وأوامرَ ونواهيَ، أو بصورةِ نُذُرٍ عامَّة أو إرشاداتٍ شخصيَّة؛ في حين أَنَّ الإلهامَ يتلقَّاهُ مَن يتمتَّعُ بسيَّالاتٍ عُلويَّةٍ من لَدُن سيَّالاته العُلويَّة الأُخرى التي ما تزالُ تنعُمُ في الفراديس. هذا في الحالات العاديَّة، أمَّا في البعثات النَّبَويَّة فقد يُلهَمُ مَن يجبُ أَن يُلهَم من أَتباع الرسول من قِبَل الروح أَو الملاك مُباشرةً أَو بواسطة النبيّ من أَجل تأدية مهمَّة معيَّنة. والإلهام غير الإيعاز الروحيّ (وقد يُسَمَّى إلهامًا) الذي يضعُه الملاكُ الرقيب المُولَّج بالأرض في أَذهان لناس إجراءً للعدالة الإلهيَّة. هذا ما وصلَني من إيضاحات مُؤسِّس الداهشيَّة في هذا الصَّدَد.
(في العدد المُقبِل أَهمِّـيَّة الإرادة في الرُّقيِّ الروحيّ وفقَ التعاليم الداهشيَّة)
[1] راجع غازي براكْس، “الدكتور داهش الأَديب المُعجِز: مُقارنة بين عملاقَين “جحيم داهش” و”جحيم دانتي” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1981) ص 25-28.
[2] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرَة الأَرضيَّة”، ج 3 (دار النار والنور، بيروت، 1983 )، ص 53.
[3] الدكتور داهش، “الرحلات الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 1 (دار النسر المحلِّق، بيروت، 1982 )، ص13.
[4] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأرضيَّة”، ج 3 ، ص 11.
[5] الدكتور داهش، “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 2 ، (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979)، ص 111.
[6] “الرسائلُ المُتبادَلة بين الدكتور داهش والدكتور محمَّد حسين هيكل باشا” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979)، ص 67.
[7] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2 (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 7.
[8] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 19 (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1994)، ص 64. أمَّا العام الذي بدأَ فيه اقتناءَ الروائع الفنِّـيَّة فهو 1930 (“الرحلات الداهشيَّة”، ج 18، الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1994، ص 33).
[9] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2، ص 73.
[10] الدكتور داهش، “المُهنَّدُ الباتر” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 159.
[11] حالاتُ العبقريَّة التي ليس لها ما يُفسِّرُها في علم الوراثة فحصَها ومحَّصَها ليكن (Lykken) وسايمنتن (Simonton) ، لكنَّهما عجزا عن تقديم تعليلٍ يقينيّ لها، فافترضا حلاًّ سمَّياه “emergenesis” أي ظهورًا عفويًّا فُجائيًّا لتكوينٍ استثنائيّ سببُه تجمُّعٌ مزعومٌ لمُورِّثات كثيرة تجمُّعًا مُمَيَّزًا تتولَّدُ عنه العبقريَّة. لكنَّ هذا الإيضاح لا يُوضِّحُ شيئًا. انظر: Dean Keith Simonton, Greatness (The Guilford Press, New York, 1994), pp. 17-18.
[12] Ibid., p. 140.
[13] الدكتور داهش، “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، (دار النسر المحلِّق، بيروت، 1979) ، ص 29-36.
[14] أنظر غازي براكْس، “جبران خليل جبران: دراسة تحليليَّة تركيبيَّة لأَدبِه ورسمه وشخصيَّته” (دار الكتاب اللبنانيّ، بيروت، 1981)، ص 37-39 من “المُلحَق”: دراسة جبران النفسيَّة في ضوء المبادئ الداهشيَّة.
[15] انظر مُراجعتي لكتاب “العظمة” في هذا العدد من “صوت داهش”.
[16] إنجيل متَّى 16: 21-23.
[17] المصدر السابق 16: 17-20.
[18] المصدر السابق 26: 69-75؛ 14: 22-32.
[19] انظر ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”، نقلَه إلى العربيَّة د. فرنسوا أيُّوب، إيلي نجم وميشال إبي فاضل (مكتبة أنطوان، بيروت/دار لاروس، باريس، 1991)، مادَّة “الذكاء”.
[20] انظر المرجع السابق، مادَّة “الذاكرة”.
[21] انظر المرجع السابق، مادَّة “المخيِّلة”.
[22] انظر مراجعتي لكتاب “العظمة”: عامل الذكاء.
[23] Howard Gardner, Frames of Mind: The Theory of Multiple Intelligences , Basic Books, 1983 ; Multiple Intelligences: The Theory in Practice, Basic Books, 1993
[24] Daniel Goleman, Emotional Intelligence, Bantam Books, NY, 1996.
انظر مراجعتي لهذا الكتاب في “صوت داهش”، عدد كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1996.
[25] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1986)، ص 144.
[26] أنظر أَمثلة على أَهمِّـيَّة الذاكرة في Simonton, Greatness, pp. 64-70.
[27] Ibid., p. 93.
[28] أنظر أَهمِّـيَّة القدرة على حلِّ المُعضلات في المرجع السابق، ص 84-92.
[29] الدكتور داهش، “المُهنَّد الباتر”، ص 149.
[30] المصدر السابق، ص 100.
[31] المصدر السابق، ص 120.
[32] المصدر السابق، ص 81.
[33] المصدر السابق، ص 128.
[34] المصدر السابق، ص 148.
[35] الدكتور داهش، “عاشقُ الغيد الصِّيد” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1980)، ص 107.
[36] الكتور داهش، “المُهنَّد الباتر”، ص 130.
[37] الدكتور داهش، “الرحلات الداهشيَّة حولَ الكُرَة الأَرضيَّة”، المُجلَّد الخامس (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1990)، ص 101.
[38] Mttron-Hirsh, Genius and Creative Intelligence (Philosophical Library, New York, 1969), pp. 277-278. Nathaniel D.
[39] أنظر جدولاً بكثيرٍ من الاكتشافات والاختراعات التي أَشرقَت فجأَةً في نفوس أصحابها، فنُسِبَت إلى “الصُّدَف” في Simonton, Greatness, p. 99.
أَهمِّـيَّةُ الإرادة في الرُّقيِّ الروحيّ
وفقًا لمَفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة
بقلَم الدكتور غازي براكْس
من الكلمات التي دوَّنَها الدكتور داهش عام 1936، إذْ كانَ في السابعة والعشرين من عُمرِه، أي في عُنفُوانِ شبابِه وذُروةِ حيويَّتِه العاطفيَّة:
“أيَّتُها الإرادةُ الفولاذيَّةُ، ادْني منِّي كي أستطيعَ بواسطتِكِ أن أتغلَّبَ على ضَعفي من النَّاحية العاطفيَّة؛ فإنْ فعَلتِ، فالنَّجاحُ يكونُ حَليفي، وإلاَّ فالخُسرانُ لن يُفارقَ لي ظلاًّ.” [1]
من تحليلِنا الكلمة السابقة نستشفُّ الأُمورَ التالية:
أَ- إستنجادُه بـ“الإرادة الفولاذيَّة” يَعني أنَّهُ كانَ تحتَ تأثيرِ دافعٍ عاطفيٍّ قويٍّ يخشى أن يستَسلمَ له.
ب – عقلُهُ الواعي كانَ عاملاً نشيطًا في استنجادِه بـ”إرادتِه الفولاذيَّة”، لأَنَّه، من جهة، كانَ مُدرِكًا وضعَه العاطفيَّ الضاغط، ومن جهة ثانية، واعيًا أنَّ تلكَ الرغبةَ القويَّةَ ليست في الواقع سِوى “ضَعف” عاطفيّ.
ج- لقد كان مُدركًا عواقبَ هذا “الضَّعفِ” العاطفيِّ، فهو يُسبِّبُ له الفشلَ والخسران؛ في حين أَنَّ التخلُّصَ منه يُسبِّبُ له النجاحَ والمجد.
د- وسيلةُ التخلُّص من هذا “الضَّعف” هي في نشاط “الإرادة الفولاذيَّة”، كناية عن الإرادة السامية.
وحياةُ الدكتور داهش الجهاديَّة المثاليَّة برهَنَت، بلا أيِّ شكّ، على قُوَّةِ إرادتِه الغلاَّبة حيالَ لا التجارب العاطفيَّة فحسب، بل إزاءَ التجارب الدُّنيويَّة بمُختلف وجوهها من تكنيز المال إلى المجدِ العالَميّ إلى الراحة والرفاهية. وإرادتُه تستَمَدُّ قوَّتها وغذاءَها من نزعاتِه السامية كما من حَدسِه الإلهاميّ المقرون بإدراكِه الواعي العميق للحقائق الروحيَّة.
إنَّ العناصرَ السيكولوجيَّة التي اشتملَ عليها مدلولُ الإرادة في كلمة الدكتور داهش الآنفة الذكر نراها مُنطوية تحت تعريف الإرادة الذي اصطلحَ عليه عُلماءُ النفس المُعاصرون. فكُلُّ عملٍ إراديٍّ يشتملُ على رغبةٍ—أو دافعٍ—تكونُ الأَقوى بين رغباتِ النفس قُبَيلَ القرار الحاسِم، كما على وعيٍ مُتبصِّرٍ للعمل ونتائجه ولتحمُّلِ مسؤوليَّته.[2] إذًا الإرادةُ في إنسانٍ ما تُمثِّلُ، بصورةٍ عامَّة، نشاطًا سيكولوجيًّا مُرَكَّبًا تشتركُ فيه الرغباتُ أَوالدوافعُ السائدة لدى اتِّخاذ القرار مع القِوى العقليَّة العاملة في ذلك الإنسان. فكيفَ تتمثَّلُ الإرادةُ في الإنسان الراقي روحيًّا؟ وكيفَ يظهرُ نشاطُها؟
الإرادةُ الراقية
أَ- الإرادةُ القويَّة، بالمفهوم الداهشيّ، هي إذًا الإرادةُ الراقية التي تستمدُّ قوَّةَ حَسمِها من النزعات الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة المبنيَّة على المُثُلِ العُليا التي تحدَّثنا عنها في الحلقتَن السابقتَين. وبذلك يختلفُ مفهومُها عن “إرادة الحياة” التي يرى شوبنهاور Schopenhauer (1788-1860) أَنَّها تتشكَّلُ من مجموع الدوافع التي تستهدفُ استمرارَ النوع بوسيلة النزاع الدائم. كما إنَّها تُغايِرُ “إرادةَ القوَّة” عند نيتشه Nietzsche (1844-1900) التي تستهدفُ بناءَ “الإنسان الفائق” (superman) بالمُؤالفة بين النموذجِ الديونيسيّ (الذي يُمثِّلُ إعلاءَ شهوات الإنسان لا كبتَها أو القضاءَ عليها) والنموذجِ الأبولونيّ (الذي يُمثِّلُ الحكمة)؛ كما تختلفُ عن “إرادة القوَّة” عند آلفرِد آدلِر Alfred Adler (1870-1937) التي تنشطُ كتعويضٍ نفسيّ عن الشعور بالدونيَّة. كذلك لا علاقةَ للإرادة القويَّة، في المدلولِ الداهشيِّ، بمفهومها العامِّيِّ الشائع الذي يُقصَدُ به قوَّةُ الحَسم، سواءٌ كان القرار لنُصرة الفضيلة والحقّ أو لنُصرة الرذيلة والباطل.
وقد تكونُ الرغبةُ الأَشَدُّ المُحرِّكة للنشاط الإراديّ الراقي مُساعَدَةَ البُؤَساء من فُقراء ويتامى وأرامل، أو نشرَ الحقيقة، أَوالدفاعَ عن الحرِّيَّة والعدالة المهضومة، أو فضحَ فظائع التعصُّب الدينيّ الأَعمى، أَوالذَّودَ عن المظلومين والمحرومين؛ كما قد تكونُ رغبةَ التواضُع أو التعفُّف أو التزهُّد والتقشُّف… لكنَّ تلكَ الرغبةَ الراقية، كيفما اتَّجَهَت، تبقى، من جهةٍ، مُخلِصَةً للحقيقة، مهما كلَّفَها الإخلاصُ من مشقَّةٍ وألَمٍ وتغييرٍ في الأَفكار والمواقف؛ ذلك لأَنَّ الحياةَ مُستمرَّةُ التصاعُد، ولأَنَّ الحقائقَ الجديدة، روحيَّةً كانت أم علميَّة، تتكشَّفُ أكثر فأكثر بالنسبة لارتقاء الحياة. فالراقي روحيًّا يتقبَّلُ الحقائق الجديدة، لأَنَّهُ بها يُنَمِّي نفسَه. فالتشبُّثُ بالماضي وأفكارِه هو أشبهُ بتشبُّث الإنسان بقيودِه المُرهِقَة.[3] ومن جهةٍ ثانية، تلتزمُ الرغبةُ السامية وسيلةً شريفةً لبلوغِ غايتها الشريفة؛ ذلك بأنَّ الوسيلةَ لا يُمكِنُ فصلُها عن الغاية.
بناءً على ذلك فالإرادة القويَّة يُحَدِّدُها سمُوُّ النَّزَعات والرَّغبات الأَشَدّ في الإنسان كما سُموُّ الحوافز التي تدفعُهُ إلى عملٍ ما. أَمَّا إذا كانت الرغبةُ الأَشَدُّ شرِّيرةً تتَّجِهُ للحسَد والإيذاء المادِّيّ أو المعنَويّ والفتنة والتسلُّط على الآخَرين، أو دُنيويَّة تنزعُ إلى الشُّهرة الفارغة والجاه واكتناز المال، أو يكونُ الحافزُ الأَشَدُّ مُجَرَّدَ دافعٍ بيولوجيٍّ يدفعُ الإنسانَ إلى أن يكونَ تِبْعَ نِساء… فعلى هذا الصعيد لا مجالَ للحديثِ عن إرادةٍ قويَّة، أي إرادة سامية.
ب- كذلك يُحدِّدُ مُستوى الإرادة في إنسانٍ ما مُستوى العقل فيه. فلدى تدخُّل العقل الواعي للمُقارَنَة والمُوازَنَة بين الرغبة المِلحاح وغيرها من الرغبات، أو الدافع الأَشَدّ وغيره من الدوافع، لا بُدَّ من وزن النتائج المُتَرَتِّبة على العمل. وبما أنَّ الذكاءَ أنواع—مثلما رأينا في الحلقة السابقة—فليس من المعقول أن تكونَ إرادةُ غَبيٍّ كإرادةِ عبقريّ. وللثَّقافة، على هذا الصعيد، دورٌ تنويريٌّ جليل. فمَن لا يفهمُ القوانينَ الطبيعيَّة، مثلاً، يستحيلُ عليه أن يُميِّزَ الشعوذة من المُعجزات الحقيقيَّة؛ ومَن لم يُحِط بتاريخ الأديان وكُتُبها المقدَّسة، مثلاً، يستحيلُ عليه أن يعرفَ الأَصيلَ من المُختلَق الدَّخيل في تعاليمها؛ ومَن لا يفهمُ القواعدَ الصحيحة لعِلم لمنطق، يعجزُ عن تمييز الخطإ من الصواب بل الحقّ من الباطل في أُمورٍ كثيرة… فلا عَجَب إذا كانَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة يحضُّ أتباعَه باستمرار على المُطالَعة، ويسبرُ مدى ثقافتهم. وفي رأس الثقافة الداهشيَّة السعيُ الدائب لتفهُّم الحقائق الروحيَّة، من مِثل السَّبَبيَّة الروحيَّة، ونظام العدالة الإلهيَّة، والتقمُّص، وغير ذلك ممَّا كشفَت عنهُ التعاليمُ الداهشيَّة. فالعقلُ المُسَلَّحُ بثقافةٍ عاليةٍ وبِوَعيٍ للحقائق العلميَّة ولِما أُتيحَ معرفتُه من الحقائق الروحيَّة يُساعدُ جدًّا صاحبَهُ في اتِّخاذ القرار الصحيح عندما تتنازعُ الرغباتُ القويَّةُ المتناقضة في نفسِه، سواء كان القرار خاصًّا بالمبادئ والقضايا والمواقف الخطيرة أو بالشؤون اليوميَّة العاديَّة.
شروطُ الإرادة الراقية
من تأمُّلِنا في حياة الدكتور داهش الجهاديَّة المثاليَّة، وصراعِهِ مع قوى الطغيان، ومُعالجتِه وحَسمِه لمُختلف الأُمور، الكبيرة منها والصغيرة، اليوميَّة والاستثنائيَّة، يُمكنُنا أن نستخرجَ نهجًا أمثل يتَّبعُه الراقونَ روحيًّا. هذا المنهجُ اتَّبَعَهُ، بصورةٍ عامَّة، الهُداةُ الروحيُّون والمُصلِحون الإنسانيُّون في مُختلف العصور.
إنَّ التنفيذَ الإراديَّ الواعي لأَيَّةِ رغبةٍ أو دافعٍ أو قرارٍ لدى الراقين روحيًّا لا بُدَّ من أن يقترنَ بعدَّةِ شروط، بدونِها مُجتمِعَةً يفقدُ القرارُ سُمُوَّ معناه ويفقدُ تنفيذُه نتائجَه الخيِّرَة المُبتغاة أو تحقيقَه الكامل. أمَّا الشروطُ الضروريَّةُ فهي خمسة: التزامُ المُثُل العُليا وما تستَتبعُهُ من مبادئَ وأهدافٍ التزامًا عقلانيًّا وإيمانيًّا؛ التَّحلِّي بالعزيمة القويَّة والثِّقَة بالله وبالنفس؛ الصبرُ والأَملُ والثَّباتُ في الإيمان دونما تذمُّر؛ الشجاعةُ المعنويَّة وعدمُ الإحجام عن المُغامَرَة؛ أخيرًا، التحمُّل الواعي لمسؤوليَّة العمَل؛ هذه الشروطُ الخمسة سأتناولُها بالإيضاحِ تِباعًا.
أوَّلاً- إلتزامُ المُثُل العُليا التزامًا عقلانيًّا وإيمانيًّا
مَنْ يتأمَّلْ في مسيرة الحضارات، لا يصعُبْ عليه أن يكتشفَ أنَّ سيرَها التصاعُديَّ، أو قفزاتِها إلى عَلُ، أحيانًا، لا يتمُّ إلاَّ على أيدي عباقرةٍ وأفذاذٍ يلتزمون المُثُلَ العُليا التزامًا عقلانيًّا وإيمانيًّا. فالأَنبياءُ والهُداةُ الروحيُّون، والمُصلِحون الإنسانيُّون، والفلاسفةُ والأُدباءُ المُستَنيرون، جميعُهم كانوا يلتزمون المُثُلَ العُليا وما تشتملُ عليه من قِيَمٍ روحيَّةٍ وإنسانيَّةٍ كُلِّـيَّة، في رأسِها قضايا الحقيقة والعدالة والحُرِّيَّة والفضيلة والأُخُوَّة البشريَّة.
إنَّ التزامَ المُثُلِ العُليا المُؤسَّسة على القِيَمِ الروحيَّة يُملي موقفَ اللاحياد تجاهَ النزاع بين الحقِّ والباطل أو الخير والشرّ أو الفضيلة والرذيلة أَو الجحود والإيمان، بل تجاهَ النِّزاعِ بين واجبَين أحدُهما روحيّ والآخر دُنيويّ، أو أحدُهما خُلُقيٌّ وطنيٌّ اجتماعيّ والآخر مادِّيٌّ فرديٌّ أنانيّ. فالولاءُ لله وما يُمثِّلُهُ من قِيَمٍ روحيَّةٍ مُطلَقَة يجبُ أن يتقدَّمَ الولاءَ للوطَن أو للقوميَّة أو الحزب أو الطائفة أو العائلة أو الأَفراد أيًّا كانوا، وتنفيذُ العملِ الذي فيه منفعةٌ خُلقيَّة عامَّة أَولى من تنفيذ ما فيه منفعةٌ مادِّيـَّة شخصيَّة.[4] فخاسرٌ مَن يؤثِرُ حُظوةَ زعيمٍ دينيٍّ أو سياسيٍّ أو اجتماعيّ على التزامه القِيَمَ الروحيَّة الصحيحة؛ وخاسِرٌ مَن يُمالئُ أَيَّ مُتنفِّذ على حسابِ الحقيقة والعدالة والحرِّيـَّة والمحبَّة الشاملة. ولذلك يتعارَضُ التزامُ المبادئ السامية مع النرجسيَّة (انصباب عواطف الإنسان واهتمامه على شخصه) كما مع الأَنانيَّة، لِما تستَتبعُ الاثنتان من فوائدَ دُنيويَّة شخصيَّة وازدراءٍ أَو تجاهُل لمصالح الآخرين؛ فبينَ النرجسيَّة أَو الأنانيَّة والروحانيَّة المُنطوية حُكمًا على الغَيريَّة تناقُضٌ أساسيّ.[5]
كذلك إنَّ التزامَ القِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة يستَتبعُ ضرورةَ التَّسامُح الدينيّ، والحِوارَ المفتوح مع ذَوي الآراء المختلفة، والإيمانَ بنسبيَّة الحقائق الدينيَّة مثلما يعرفُها البشر؛ ذلك بأنَّ الحقيقةَ المُطلَقَة مُنحصِرَةٌ في الله تعالى، ولا قُدرةَ للإنسان على استيعابِ الله من حيثُ هو المعرفةُ المُطلَقَة. وبناءً على ذلك فالالتزامُ الدينيُّ أو العقائديُّ الذي يتجاهلُ الآخرين ويُسفِّه حقائقَهم وآراءَهم يستحيلُ أن يكونَ التزامًا لقضيَّةٍ سامية.
ومن صِفاتِ الالتزامِ الصادق لقضيَّةٍ ما—أي الإيمان بها والاقتناع بضرورة تنفيذها— الجهرُ بتلك القضيَّة، وذلك ليكونَ للإنسانِ فضلُ إعلان إيمانِه غيرَ خجِلٍ أو هيَّاب بِقِيَمٍ غير القِيَم التي يتبنَّاها سائرُ النَّاس.
وليس كمؤسِّس الداهشيَّة مَن جَهَرَ بالقِيَمِ التي يُؤمِنُ بها وقارَنَ بينها وبينَ قِيَمِ الآخرين.
يقولُ في قطعةٍ عنوانُها “أنا وأنتُم”:
أنتُم تَعبُدونَ الجَسَد،
وأنا أحتقِرُه كُلُّ الاحتقار (…)
أنتُم موغِلون في ضُروب الشرور والآثام،
وأنا أبغي هدايتَكم، فلا تسمعون الكلام.
أنتم تستمعون إلى أقوال القُسُس والكُهَّان،
وأنا لا أستمعُ إلاَّ لصوتِ الوحيِ والإلهام.
أنتُم أبناءُ الظلمةِ والشقاء،
وأنا ابنُ النور ذي السطوع والبهاء.
أنتُم من أبناءِ المادَّة،
وأنا من أبناء الروح.[6]
ويقولُ في قطعةٍ أُخرى عنوانُها “لي ولكم”:
لكُم أزهارُ الحياة، ولكنَّها أشواك!
ولي أشواكُ الموت، ولكنَّها أزهار!
لكم أعباؤكُم الخفيفة، ولكنَّها ثقيلة!
ولي أعبائي الثقيلة، ولكنَّها خفيفة!
لكُم النساءُ والخمرُ، والجاهُ والمال،
والنفوذُ والسلطانُ والحياة…
ولي الله، والسماء، والحقُّ، والمعرفة، والعدالة،
والمجهول، والاندماجُ بـ (القُوَّة الموجِدَة).[7]
وفي مُقدِّمتِه لـكتاب “بروق ورُعود” الذي أدلى فيه برأيِه الواضِح الفاضِح في رجال الدين والمرأة والمال والعدالة والحياة والأرض والسعادة وغير ذلك من أُمورٍ يقول:
“هذا رأيي أُعلِنُهُ على رؤوسِ الأَشهاد غيرَ هيَّابٍ ولا وَجِل من نَقدِ النَّاقدين وألسنةِ المُتخرِّصين المُتطاولين…”[8]
إنَّ المؤمنَ بالمُثُلِ العُليا والقِيَمِ الروحيَّة إيمانًا صادقًا لا يهتمُّ لأَقوال الناس ولا لمواقفهم منه، ذلك بأنَّ كلَّ همِّه يكونُ محصورًا بطاعة الخالق والحُظوة برضاه،، لأَنَّه— عَزَّ وجَلَّ —غايةُ الغايات في ما يسعى إليه. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة، بعدَ أن يُعلِنَ أنَّ النَّاسَ سيكونونَ فريقَين مُتناقضَين في موقفهم منهُ بعدَ موتِه، وأنَّهُ لا يُبالي بما سيقولونَ عنه:
أمَّا أنا فحَسبي أن أكونَ عندئذٍ بينَ يَدَي الديَّان لِعَرضِ أَعمالي.[9]
ثانيًا- العزيمةُ القويَّةُ والثقةُ بالله وبالنفس
إنَّ الإنسانَ الخالي من الطموح الروحيِّ أو الدُّنيَويِّ يستحيلُ أن يكونَ ذا عزيمةٍ قويَّة. فالعزيمةُ القعساءُ تُمليها المطامحُ العالية التي تتطلَّبُ مُصارَعَةً ومُغالَبَةً للعقبات والأَحداث. ولذلك من المُحال أن يكونَ أحدٌ من الراقين روحيًّا خاملَ العزيمة.
والطَّموحُ العَزومُ يعرفُ أنَّ النَّجاحَ لا يُمكنُ أن يكونَ مُتواصلاً؛ فالحياةُ سلسلةٌ من الانتصارات والنكَسَات. ولذلك يستمدُّ من الفشلِ عزمًا جديدًا لجولةٍ جديدةٍ في حلبة العِراكِ مع الدهرِ وغِيَرِه، ومع تقلُّباتِ الناس.
يقولُ الدكتور داهش في إحدى كلماتِه التي دوَّنَها عام 1936:
أيُّها الفشَل، إنَّني لا أعبَأُ بكَ ولا أهتمُّ لك؛ إنَّني طَموح، وسأبقى على طُموحي مهما حاوَلتَ إحاطَتي بالرزايا والبلايا والإِحَن، إلى ساعةِ تحقيقِ حُلُمي الذهبيّ الذي لم يُبارحْني ساعةً واحدة.[10]
إذًا ثمَّةَ هدَفٌ واضح يجبُ الوصولُ إليه لدى أُولي العزم، حتَّى لا يكونَ السعيُ عشوائيًّا. وهو هدفٌ أصبح، لدى الدكتور داهش، حُلمًا ذهبيًّا مُلازِمًا له.
وتصميمُهُ على الإقدام لا يستمدُّهُ من فورةٍ شُعوريَّةٍ أو حَميَّةٍ عارضة، بل من وعيِهِ لحقيقةِ الحياة والبشر. فمُخطئٌ، برأيه، مَن يظنُّ أنَّ الحياةَ ستُصبحُ يومًا روضةً زاهرةً يعيشُ فيها الإنسانُ بطُمأنينةٍ وهناء. فالحياةُ مُفاجآتٌ مُستمرَّةٌ من المُكدِّرات، وتقلُّباتٌ دائمة، ونُذُرٌ بإغراقِ الإنسان في بحرٍ من الشقاء، لأَنَّ أَرضَ البشر ذاتُ درجةٍ روحيَّةٍ خفيضةٍ تُعرِّضُها لفورات الجحيم، إذْ هي على عتَبتِه. يقولُ الدكتور داهش:
نحنُ أمواجٌ زاخرةٌ نُلاطِمُ بعضُنا بعضًا في بحر هذه الحياة المُضطَرِمَة المُضطَرِبَة، وسفينتُنا هي الحوادثُ التي ما فتِئَت تمخرُ البحرَ الصاخبَ الجيَّاش، فإلى الأَمام وإيَّاكُم والتَّقاعُس.[11]
إنَّ سِلاحَ العزيمةِ القويَّةِ سيفٌ ذو حدَّيْن: حَدِّ الثِّقَة بالله وحَدِّ الثِّقَةِ بالنفس. فالراقي روحيًّا لا يَغيبُ عن بالِه أنَّ مصدرَ قُوَّتِه الأَوَّل هو عَينُه مصدرُ نزعاتِه السامية وعقلِه النيِّر، المُبدِعُ الأَعظم. ولذلك فالإيمانُ بالقُوَّةِ الموجِدَة التي هي مصدرُ القِيَمِ العُليا لا غِنى عنهُ لدى الراقين روحيًّا. فاللهُ هو مصدرُ الحياة، وهو مصدرُ الأَنظمة الروحيَّة الشَّاملة، وبينها ناموسُ السَّببيَّة الروحيَّة. فلكلِّ سببٍ نتيجة، ولكلِّ زَرعٍ حصاد؛ ومتى تمَّ ذلك واستُوفِيَ الأَجر، يُرفَعُ العِبءُ عن كاهل الإنسان. من كلمات مُؤسِّس الداهشيَّة:
لِيَكُنْ إيماني بالله وطيدًا، فإنَّ لكُلِّ شِدَّةٍ مُدَّة، ويزولُ كلُّ شيء؛ لأَنَّ دوامَ الحال من المُحال، وليس بعد التَّعَب والنَّصَب إلاَّ الراحة التامَّة.[12]
إِنَّ الله لا يتركُ مظلومًا، فهو إلهُ الحقِّ لا إلهُ الباطل. ولِذا فمَن تمسَّكَ بحقِّه، فالله نصيرُه ومُجيرُه. لقد خاضَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة معمعةً رهيبةً ضدَّ أرباب الباطل في لبنان طوال عشر سنوات (1942-1952). لكنَّه لم يلِن، بل ازدادَت قناتُه صلابة، وشوكتُه حدَّة، لأَنَّهُ كانَ يؤمنُ بأنَّهُ صاحبُ حقّ، وبأنَّ اللهَ معهُ. قال وهو في ذُروةِ احتدامِ المعركة بينه وبين الرئيس اللبنانيّ الأَسبق، الطاغية بشاره الخوري:
إنَّ صاحبَ الحقِّ الصريح المَدوس بأقدامِ الأَنذال يحتاجُ إلى قلبٍ أصلبَ من الحديد، وأعصابٍ أصلدَ من الفولاذ، كي يُقاومَ بها عواصفَ المُجرِمين، وزوابعَ الخائنين، ومُؤامرات المُماذقين. فإن لانَ، فإنَّهُ سيُذَلُّ ويُهان؛ وإنْ قاومَ عواملَ الشرِّ وصمَد، فإنَّهُ يسحقُهم برعاية ربِّ السماءِ الصَّمَد.[13]
لكنَّ الاعتمادَ على الله، مصدرِ القوَّة الأَزَليّ، لا يعني التخلِّي عن الثِّقَة بالنفس والاعتماد على مُقدَّراتِ الإنسان العقليَّة. ففي المفهومِ الداهشيّ أنَّ اللهَ لا ينصرُ إلاَّ مَن ينصرُ نفسَه، وأنَّ المُساعدَةَ لا تأتي إلاَّ لِمَن جاهدَ ليستحقَّ الحصولَ عليها.
إنَّ المصائبَ والمصاعبَ التي تعترضُ الإنسانَ هي من صُنعِ يدَيه، إنْ لم يكُن في حياتِه الراهنة، ففي حياته السابقة. ولذا فالقَدَرُ الشخصيُّ يصنعُه الإنسانُ نفسُه بإرادتِه الحُرَّة في سلسلةِ حيواتِه المُتتابِعَة الحلَقات. وبما أنَّهُ هو مَن صاغَ قيودَه، فإنَّهُ هو مَن يستطيعُ تحطيمَها. هو يصنعُ قَدَرَهُ، وهو يُعيدُ صياغتَه بعزيمتِه الجبَّارة المُستمَدَّة من ثِقَتِه بالله وبمُقَدَّراته الروحيَّة أيضًا.
يقولُ الدكتور داهش:
عظيمةٌ أنتِ، يا أحزانَ روحي، وعميقةٌ كلَّ العُمق؛ وعبثًا ترقبين بزوغَ فجرِكِ الجميل، يا نفسي، لأَنَّ الأَحداثَ أحاطَت بكِ، ولا مفرَّ لكِ منها. لكنْ لا تيأَسي، وليكُن إيمانُكِ بذاتِكِ راسخًا، وقوَّتُكِ المعنويَّة عظيمة كيما يُكتَبَ لكِ الفوزُ والفلاح.[14]
إنَّ قُدرةَ الإنسان الفائق على إعادةِ صُنعِ قَدَرِه تبدو بأجلى صُوَرِها وأروعِها في وِقفةٍ عَزَّ نظيرُها لمُؤسِّس الداهشيَّة. وهي توحي للراقين روحيًّا من الأَفذاذ والمُصلِحين الإنسانيِّين بمدى استطاعتهم على عَكْسِ مجرى الأَحداث وتغيير مسيرة التاريخ. يقولُ رجلُ الروح المُؤيَّد بالخوارق:
أنا القويُّ الجبَّارُ والعنيفُ البتَّار. فمهما حاولَت الأَحداثُ أن تتغلَّبَ عليَّ، أو تُخضعَني لجبروتها، فإنَّها لن تعودَ إلاَّ بصفقة الخاسر المغبون، ولن تتمكَّنَ من إماتةِ ما يَجيشُ في نفسي من نزعاتٍ تبغي الانطلاقَ من هذه القيود.
كلاَّ، أنا لن أتقاعسَ عن نَيلِ أهدافي وبلوغِ اتِّجاهاتي التي أطمحُ إليها.
وسأُحقِّقُ أمانيَّ عاجلاً أم آجلاً.
وسأسحقُ ما يقفُ في طريقي من عقباتٍ كأداء، وسأُردِّمُها ترديمًا…
وسأهزأُ بالإنسان، وبالطبيعة، وبالقَدَر.
وسأبلغُ آمالي وأُحقِّقَ أحلامي وأَنفُ الحياةِ في الرَّغام.[15]
إنَّ الدكتور داهش كان مُؤيَّدًا بقوَّة الروح العَليِّ الذي يصنعُ العجائبَ على يَدَيه، ويوحي إليه بالحقائق الروحيَّة، ويمدُّه بالمعرفة العميقة الواسعة لأتباعه وأصدقائه وزائريه وأعدائه ولأسباب ماجريات الأحداث حوله وفي العالَم؛ لكنَّه على قُدرته ومعرفته الفائقتَين، كان عصاميًّا في تحصيل ما تزوَّد به من ثقافةٍ واسعة سواءٌ من خلال مُطالعته للكُتُبِ النفيسة القديمة والحديثة أو من رحلاته حول العالَم. فضلاً عن ذلك فقد كان ينهضُ باكرًا ومعظمُ الناس ما يزالون نائمين حتَّى في منزل الرسالة الداهشيَّة حيثُ يُقيم، فيقرأُ عشراتِ الصُّحُف اليوميَّة والمجلاَّت الأُسبوعيَّة أو الشهريَّة بسرعةٍ فائقة، ثمَّ ينصرفُ إلى الكتابة أَو استقبال الزائرين. وهذا النهجُ اتَّبعَه مُعظمَ حياته دونما كلال أو فتور.
إنَّ الموهبةَ وحدها لا تكفي لبناءِ إنسانٍ مُتفوِّق إذا لم تُؤيِّدها العزيمةُ القعساء والعصاميَّة. ومَن يستعرضْ سِيَرَ العباقرة يحصلْ على البرهان الحاسم على صحَّة ما أُبديه. يقول السير جاشوا رينولدز (J. Reynolds) في “مباحث في الفنّ” (Discourses on Art) : “عليكَ أَلاَّ تتَّكلَ على موهبتك. إذا تمتَّعتَ بمواهبَ عالية، فالجدُّ في العمل يُحسِّنُها؛ أَمَّا إذا لم تملك إلاَّ استعداداتٍ مُعتدلة، فجهدكَ يُعوِّضُ عمَّا تفتقرُ إليه.” [16]
وقد بحثَ كثيرون من المُفكِّرين في النتائج الإيجابيَّة التي تُولِّدُها الثقةُ بالنفس في مُعالجة الأُمور وحَسمِها. ولعلَّ من أهمِّهم الدكتور نورمان فِنسِنت بيل (Norman Vincent Peale) الذي عالجَ هذا الموضوع في كُتُبٍ متعدِّدة كانت من الكُتُب الأكثر مَبيعًا؛ وقد يكون أهمَّها كتابُه المُعنوَن “تستطيعُ إذا اعتقدتَ أنَّكَ تستطيع”.[17]
ثالثًا- الصبرُ والأَمَلُ والثَّباتُ في الإيمان
إنَّ سِيَرَ أبطال التاريخ وسِيَرَ الهُداةِ الروحيِّين والمُصلِحين الإنسانيِّين هي ملاحمُ للصبر والأَناة تنهزمُ فيها المصاعبُ والمصائبُ أمامَ عظمةِ النفس الراقية وتجمُّلِها في تحمُّل المِحَن. فالراقون روحيًّا لا يستعجِلون الأُمور، لأَنَّهم يعلمونَ أنَّ الأحداثَ محكومةٌ بناموسٍ روحيّ والأُمورَ مرهونةٌ بأوقاتها.
في كتاب الدكتور داهش “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوعُ، ابنُ الثالثة عشرة، لأَشقَّائه المُتذمِّرين من اضطهاد أهل قريتهم لهم بسبب تعاليمه:
طوباكُم إذا صبرتُم،
لأَنَّ مَن يصبر إلى النهاية فذاكَ يخلص.[18]
وما كانَ يسوع ليوصيَ إخوتَه بالصبر على الشَّماتة والاضطهاد لو لم يكن واعيًا ضرورةَ الصبر على الشدائد للفوزِ بالغايةِ من رسالتِه التي هي إنارةُ العالَم بضياءِ الحقيقةِ الروحيَّة. ولذا قالَ وهو واعٍ مسؤوليَّته منذُ فجرِ حداثتِه:
فمهما اضطُهدتُ، ومهما عُذِّبتُ،
ومهما شَقيتُ، ومهما بكَيتُ،
ومهما أصابَني من رزايا وكُروب،
فلن أتركَ من يميني مشعلَ الحقيقة
المُعطى من أبي السماويّ،
كي أُنيرَ جَنَباتِ هذا العالَمِ الكثيرِ الظلام. [19]
ومُهمٌّ، في مفهومِ الرُقيِّ الروحيّ الداهشيّ، أن يصبرَ الإنسانُ على المكاره غيرَ مُتذمِّر ولا شاكٍ، ثابتًا في إيمانِه لوَعيِه بأنَّ ما يلقى من عذابٍ أيًّا كانَ مصدرُه، مردُّهُ إلى أَحَدِ أمرَين: إمَّا إجراءٌ للعدالة الإلهيَّة لاستحقاقه ذلك العذابَ نتيجةً لأَعمالٍ قامَ بها أو رغباتٍ رغبَها في حياتِه الراهنة أو حياته السابقة؛ وإمَّا امتحانٌ لإيمانِه وصبرِه على المكارِه من أجلِ ذلك الإيمان.
إذْ يعلمُ يسوع بالحُكم على سمعان (بطرس) بالسَّجن عامًا كاملاً من جرَّاءِ موت قائد الشرطة الذي كانَ يستجوبُ يسوع قبلَ مُدَّةٍ قصيرة، يقولُ لشقيق بطرس:
ليكُنْ إيمانُكَ بالله وطيدًا؛
فإنَّ هذا الأَمرَ قد تمَّ كتجربة
لتُعجَمَ بواسطتِه صلابةُ إيمان سمعان.
فإذا لَجَّ وتذمَّر، يكونُ الخُسرانُ حليفَه،
وإنْ صبَر واستَسلَمَ لإرادة الباري تعالى،
فالفوزُ سيسيرُ في رِكابِه.
ويا لَسعادتِه![20]
على هذا الغرار يكونُ موقفُ مُؤسِّسِ الداهشيَّة منذُ بدأت تُحيطُ به الشدائدُ من خيانةِ بعضِ أصدقائه له، ونَشرِهم الافتراءات الرخيصة ضدَّه في الصُّحُف، وتأليبِهم أولياءَ الأَمر عليه. يقول:
سأصبرُ على النازلات التي داهمَتني وقوَّضَت أحلامَ عُمري. وسأُوطِّنُ النفسَ على احتمال الويلات القاصمة دونَ وَجَل…[21]
وبوَعيٍ نافذٍ لحكمة الله ولأَسباب المحنة التي يمرُّ فيها، يقولُ في “استقبال عام 1937”:
ما أكبرَ حكمتَك، يا خالقَ الأَرض وباسطَ السماء!
ما يُدريني أنَّكَ لا تُريد أن تمتحِنَ قوَّةَ صبري.
وهل أتقاعسُ إذا وجَدتُ مُناكفاتٍ ومُشاكساتٍ وكتاباتٍ كاذبة![22]
وما توقَّعَهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة حصَل. فالأَحداثُ التي بدأَت تُكدِّرُ حياتَه منذُ 1936 ما لبثَت أن تفاقمَت وتأزَّمَت حتَّى استَعانَ بها عليه أعداؤُهُ في لبنان، أيَّامَ حُكم الطاغية الخوري، فلاقى العَنَتَ والرفضَ والمُقاومَة والافتراءَ والتشهيرَ والتشنيع، ثُمَّ السَّجنَ دونما مُحاكمة والإبعادَ الاعتسافيَّ والاضطهاد. فما نكصَ ولا وهَن، ليقينِه بأنَّها امتحانٌ لصبرِه وثباتِه في تحمُّل مسؤوليَّة رسالته. يقولُ في “وداع عام 1944”:
لقد تكاتفَت عليَّ قُوى الشرِّ بأكملِها تُريدُ هلاكي (…)
فقيَّضَ اللهُ لجميعِ هؤلاء الفشلَ الذريع،
وفُزتُ بالحياة بإذن الله وإرادته،
وجريمتي الوحيدة هي أنَّني أدعو الجميعَ لنُشدان الحقيقة
والسَّير على الطريق العادلة، والتمسُّك بالفضيلة.
ولكنَّهم البشر! (…)
وحانَت (الساعةُ المُخيفة): ساعةُ (المحنة والامتحان).
ويا لَلّه ممَّا لاقيتُه من ذُلٍّ وإرهاقٍ وآلامٍ وامتهان!
فتجلَّدتُ على الكارثة التي دهَمَتْني لتيقُّني بأنَّها إرادتُه العُلويَّة…[23]
والمحنةُ والامتحانُ لم يكونا لمُؤسِّس الداهشيَّة فحَسب، بل لأَتباعِه أيضًا. فبعضُهُم قد هلَع، لأَنَّهُ لم يبلغ من معراج الرُقيِّ الروحيِّ إلاَّ عتبتَه؛ لكنَّ الأَكثريَّةَ صمَدوا، وترسَّخَ إيمانُهم، وتجَوهرَت نفوسُهم. وقد خصَّ رجلُ الروح منهم بالتَّنويه المُجاهدَين الكبيرَين الدكتور جورج خبصا والأَديبةَ الفنَّانة ماري حدَّاد.
إنَّ الثَّباتَ في الإيمان توسُّلاً لتحقيق هدفٍ مُعَيَّنٍ لا بُدَّ لهُ من غذاءٍ سيكولوجيٍّ هو الأَمَل. فالأَملُ يُنضِّرُ الحياة. إنَّهُ حُلُمُ الأَرض بالربيع وهي تُقاسي صقيعَ الشتاء، وحُلمُ الأَشجار بالثِّمار وهي ترفعُ أغصانها عاليةً جرداء؛ وهو حلمُ الإنسان المُجاهِد بأنَّ مُثابرتَهُ على عملِه وكفاحِه، رغمَ العراقيل والمصاعب والمتاعب، لا بُدَّ من أن يُؤدِّيَ إلى تحقيق ما يسعى إليه.
لقد أدركَ الدكتور داهش أهمِّـيَّةَ الأَمَل منذُ شبابِه، ووعى خُطورتَهُ بالنسبة لذوي الإقدام والعزيمة. فقال في كلماته:
لا تَدَع اليأسَ يتطرَّقُ إليك، أو يغزو فُؤادَك، ولا تهتمَّ لعواصف الحياة الهوجاء، وكُنْ كالطَّودِ الراسخ لا تُزَعزِعُهُ طوارقُ الأَيَّام وويلاتُها. لئِنْ فعلتَ فأنتَ الرجلُ حقًّا؛ ولا تُعرَفُ الرجولةُ بغيرِ هذا.[24]
في قولٍ مأثور “إنَّ المصائبَ مِحَكُّ الرجال”؛ بها يُعرَفُ جوهرُهم، ويُمَيَّزُ الزائفُ من الصحيح. وكأَنِّي بمُؤسِّس الداهشيَّة يُريدُ أن يُزيلَ المفهومَ الشائعَ للرجولة —الذي تُضمِّنُه عامَّةُ النَّاس القوَّةَ الجسديَّة والقوَّةَ على الإخصاب الكثير—فيحصرهُ بالقوَّةِ المعنويَّة، أي قوَّة الإرادة التي تنطوي على الصبر والمُغالَبَة والثَّبات، وعدمِ تنكيس الهامة لحَدَثان الأَيَّام، مع الإبقاء على الأَملِ مُشِعًّا مهما امتدَّت طريقُ الكفاح وأظلَمَت. وهذه الناحية تظهرُ على أتَمِّ جلائها في كلمةٍ أُخرى للدكتور داهش يقولُ فيها:
لا تيأسْ إذا صدَمَتْكَ أحداثُ الأَيَّام القاسية، واشهَرْ عليها الحربَ العَوان، دونَ هوادةٍ ولا لين، بقوَّةِ إرادتِك، واطلُبْ مُبارزَتَها مُرسِلاً إليها شاهدَيك: الأَمَلَ اللانهائيّ، والعملَ قدرَ استطاعتِك.[25]
إنَّ الباحثين في قُوَّة الإرادة يرَونَ أنَّها أهمُّ للنجاح في الحياة من مُستوى الذكاء. وقد أيَّدَ الدكتور بول ج. شتولْتز (Paul G. Stoltz) هذا الرأيَ ببراهينَ كثيرةٍ في كتابه “حاصلُ الشدائد: تحويل العقَبات إلى فُرَص”، [26] فأظهرَ أنَّ بين النَّاس مَن يُرحِّبون بالمصاعب واجدين فيها فُرَصًا لابتكارِ حُلولٍ جديدةٍ لمُشكلاتٍ جديدة؛ وقُدرتُهم هذه في مُواجهة المُفاجآت المُزعِجَة تقومُ على قوَّة إرادتهم التي تتحكَّمُ فيها بالتخطيط والعمل الدائب والصبر، كما بسَعيِهم لحَصر النتائج السلبيَّة في تغيير مجرى الأُمور. وهم في كلِّ ذلك يتحمَّلون مسؤوليَّةَ ما يعملون، ويُبقون على شُعلة الأَمَل مُضيئةً في نفوسهم.
رابعًا – الشجاعةُ المعنويَّةُ والإقدامُ على المُغامَرَة
إنَّ ذَوي النَّزَعات الشريفة تستهويهم المبادئُ السامية والقِيَمُ الإنسانيَّةُ الكُلِّـيَّة؛ لكنَّ الثَّباتَ في إيمانهم بها، إذا اعترضَتهم مصاعبُ ومُقاوماتٌ وسَوراتُ اضطهاد، يتطلَّبُ منهم شجاعةً معنويَّةً فائقة. فليسَ أمرًا سهلاً أن يجبهَ المؤمنُ جلاَّديه ومُضطهِديه ويبقى ثابتًا في إيمانِه. فغيرُ قليلين من المسيحيِّين تخلَّوا عن إيمانِهم في فترة الاضطهاد الرومانيّ ثمَّ العبّاسيّ المتأخِّر فالفاطميّ، عهدَ المُتوكِّل ثمَّ الحاكم بأمر الله، مُمالأَةً للسلطة الحاكمة! وغيرُ قليلين من الأعراب المُشرِكين آمَنوا بالإسلام خوفًا من السيف المُصلَت فوقَ رؤوسِهم! ولِذا جاءَ في القرآن الكريم {قالت الأَعرابُ آمَنَّا. قُلْ: لن تُؤمنوا، ولكن قولوا: أسلَمنا ولمَّا يدخل الإيمانُ في قُلوبِكم… إنَّما المؤمنون الذين آمَنوا بالله ورسولِه ثمَّ لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفُسهم في سبيل الله؛ أولئكَ هم الصادقون.} (الحُجُرات: 14-15).
إِنَّ واقعَ الأَرض ما تزالُ تحكمُه شريعةُ الغاب بصورةٍ عامَّة. فذو المبادئ السامية عليه أن يتسلَّحَ بالشجاعة التي تمنحُه بأسًا معنويًّا ليُقاوِمَ أعداءَ الحقيقة التي يُكافحُ من أجلِها. ومُؤسِّسُ الداهشيَّة كانَ واعيًا واقعَ الحياة البشريَّة المُخزي، لا سيَّما في لبنان، عهد الباغية الخوري، وكان يتوقَّعُ الاضطهادَ قبل بدئه، ولذلك رفعَ إلى الله، عام 1942، صلاةً بعُنوان “ابتهال” قال فيها:
إجعَلْ فتاكَ، يا إلهي، نَسْرًا قويًّا مُحَلِّقًا في الفضاءِ قبل انتهاءِ المَلحَمَة
ولا تدَعْهُ حَمَلاً وادِعًا يَنهَشُ الذئبُ الشِّرِّيرُ جَنانَهُ وجُثمانَه
فالقويُّ يَسودُ هذا الكون، ويَبسطُ عليه سُلطانَه
ويتمتَّعُ بخَيراتِه العديدةِ دونَ أن يردَعَهُ رادِع
أمَّا ذلك الضعيفُ المسكينُ الوادِع
فيُعتَدى عليه وهو لا يذكُرُ للنَّاسِ سِوى المَرحَمَة.[27]
وفي العامِ نفسِه رفعَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة صلاةً إلى السيِّد المسيح بعُنوان “إلى معدنِ الطُّهر والنَّقاء” يُخاطبُه فيها بـ“الخروف الذَّبيح.” [28]
إِنَّ الوداعةَ التي أتى بها السيِّدُ المسيحُ لم يستفد المسيحيِّون منها ولا اتَّعظوا بها في خلالِ ألفَي سنة. فإنَّهم بمُعظمهم، رجالَ دينٍ ودُنيا، تحوَّلوا إلى ذئابٍ تنهشُ الآخرين،كما ينهشُ بعضُها بعضًا. وكُلُّ مُطَّلِعٍ على التاريخ يعرفُ الدوافعَ الدُّنيَويَّة التي أشعلَت الحروبَ الصليبيَّة، كما يعرفُ المآسي التي خلَّفَتها الحروبُ التي نشبَت بين الكاثوليك والبروتستانْت، وفواجعَ حملات الاضطهاد التي شنَّتْها السلطاتُ الدينيَّة الكاثوليكيَّة على مَن يُخالفونها بالرأي منذُ الربع الأَوَّل من القرن الرابع. لكن مع كلِّ ذلك، بقيَت المحبَّة، شريعةُ المسيح، هي القاعدة في تعاليم مُؤسِّس الداهشيَّة. فهو في “ابتهاله” لا يطلبُ أن يكونَ ذئبًا ينهشُ الحملانَ أو سائرَ الحيوان، بل أن يكونَ نسرًا ليُحلِّقَ بعيدًا عن الذئاب، ويُشرفَ عليها من عَلُ.
بعدَ عودتِه الخفيَّة إلى لبنان، على أثرِ إبعادِه التعسُّفيِّ عنه، لم يشعر أنَّ السلطةَ الغاشمةَ الجانيةَ قد تغلَّبَت عليه، بل كان شعورُه بأنَّها مُجَرَّدُ نكسة أو عثرة تعرَّضَ لها، لأَنَّ الحياةَ بطبيعتها صراع، ولذا قال:
سأنهضُ، وأُحطِّمُ قيودي، وأجتازُ جحيمَ هذه الحياة بقلبٍ جريءٍ وإرادةٍ جبَّارة، وأتمكَّنُ من المجد والانتصار. [29]
أَجل، نهضَ من كَبوتِه، ومرَّغَ وجوهَ أعدائه بوحل فضائحهم، وداسَ رقابَهم بقوَّة الحقيقة التي زُوِّدَ بها. وكلمتُه هذه التي اختصرَت موقفَه وسيرتَه بعد انتصاره تُذكِّرُنا بالنبوءة الواردة في سِفْرِ أشعيا النبيِّ: “أُنهِضُه من الشمال فيأتي، ومن مشرقِ الشمسِ أُنادي باسمه. يطأُ الحُكَّامَ كأَنَّهم وحل، ومثلَ الخزَّاف يدوسُهم كالطين.” (41: 25)
إنَّ أُمثولةَ الشجاعة أرادَ الدكتور داهش أن يستفيدَ منها كلُّ داهشيّ وكلُّ أنوفٍ أبيّ. فكانَ بمواقفِه المُتناهية في جرأتها ينفخُ روحَ الشجاعة في أتباعِه. فمَن يُبادرُكَ بالعداء، فلكَ الحقُّ والواجبُ في أن تُدافعَ عن نفسِك برَدِّ كَيده إلى نحرِه؛ لكنَّ الهجومَ الدفاعيَّ لم يشأْه يومًا هُجومَ عُنفٍ مادِّيٍّ يُؤذي المُعتدين بأجسامهم، بل هو هجومٌ أدبيٌّ مُستوحًى من الحملة الإعلاميَّة التأديبيَّة التي شنَّها على خصومه الأَقوياء في عُقرِ دارهم. يقولُ في “المُهنَّد الباتر”:
وإذا انكَفَأَ الداهشيُّ على أعدائه سحقَهم سَحقًا ومَحَقَهم محقًا بزلازلِ آياته.[30]
هذا البأسُ الأَدبيُّ المعنويُّ أرادَهُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة أن يستهدفَ لا الضعفاءَ من الناس بل البُغاةَ من أولياءِ الأُمور مِمَّن لا خشيةَ لله في قلوبهم، ولا كرامةَ للإنسانِ عندهم. هؤلاء الذين يُعادونَ الحقيقةَ والعدالةَ والحرِّيـَّةَ يجبُ أن يُعادَوا بتشهيرهم وتأديبهم معنويًّا:
أيُّها الداهشيُّون، اشرَعوا أقلامَكم وأَعِدُّوها كي تُغمدوها في قلبِ كلِّ عاتٍ ظالمٍ لا يهابُ الباري، ويهزأُ بالحقِّ، ويُحاربُ العدالة. ومَن لا يجرؤ منكم على هذا الأَمر، فليُغمدْ مُهنَّدَه في قلبِه، وليتوارَ عن هذه الحياة، فهي لم تُخلَق للجُبناء الرعاديد.[31]
مُذْ يولَدُ الإنسانُ يُرمى في حلبةِ نزاعٍ وصِراع. هذه هي الحياةُ بمفهوم الدكتور داهش. الجُبناءُ يُذَلُّون ويُستَعبَدونَ أفرادًا وشُعوبًا، والشجعانُ تدينُ لهم الحياة. ولِذا فالشجاعةُ شرطٌ ضروريٌّ للبقاءِ لكلِّ إنسان، وبالأَحرى للأحرار الذين يلتزمون المُثُلَ العُليا ويُدافعونَ عن حقوق الإنسان، وبرأسها الحرِّيـَّة:
الجبانُ، في شريعتي، ليسَ أهلاً للحياةِ مُطلَقًا. فإمَّا أن نجبُنَ فيستَعبدَنا القويُّ الغاشم، وإمَّا أن نُظهرَ شجاعتَنا، ونُطلِقَ بطولتَنا، فننتزعَ بواسطتهما حُرِّيـَّتَنا المُقدَّسة الخالدة.[32]
موقفُ الدكتور داهش من السلطة الغاشمة اقتَدى به أركانُ الداهشيَّة في عهد الطاغية الخوري. فماري حدَّاد تبنَّتِ “الكتُبَ السوداء” التي كان يكتبُها مُؤسِّسُ الداهشيَّة ويَفضحُ بها رجالَ الحُكم والمتورِّطين معهم في مُؤامرة الاضطهاد ضدَّه، وتحدَّتِ السلطات أن تُحيلَها على المحاكَمَة. كما أرسلَت سَيلاً من الرسائل بلُغتها الفرنسيَّة البليغة المُشرِقَة إليهم وإلى سُفراء الدول ومُنظَّمة الأُمم المتَّحدة تشرحُ فيها تفاصيلَ المُؤامَرة. ومَن يُطالعْ كتاب “صواعق داهشيَّة”[33] الذي اشتملَ على رسائلها تلك وعرائضها وبياناتها، يعجبْ للجُرأة النادرة التي كانت تتمتَّعُ بها؛ فكأنَّ الخوفَ لا وجودَ لمعناه في قاموسِها. وحسبي نموذجٌ واحدٌ على شجاعتها الأَدبيَّة أَقتبسُهُ من رسالةٍ وجَّهَتها إلى النائب الاستئنافيّ العامّ، يوسف شربل، في 8 أيَّار (مايو) 1945. تقول:
إنِّي لا أكتبُ إليك، يا شربل، مُتَكتِّمَةً على اسمي؛ فقدِّمْ هذه الرسالةَ إلى المَحكمَة، وليكُن لدَيكَ الشجاعةُ الكافية لتتَّهمَني. فإذْ ذاكَ سأُبرهِنُ أنَّ سلوكَكَ ممهورٌ بخاتَمِ العبوديَّة، وأنَّهُ سلوكٌ سافل. وسأفضحُ أكاذيبَكَ، وأشهدُ بالحقِّ ضدَّك.
إنَّ ساعتَنا قد أزِفَت، وستندمون ندَمًا مريرًا على مُعاملتِكم للدكتور داهش، لأَنَّكم غيرُ جديرين بلَمسِ غُبار قدَمَيه.[34]
ومَن يُطالعْ سلسلة “وثائق تتكلَّم” التي تروي قصَّةَ اضطهاد مُؤسِّس الداهشيَّة وأركانها في عهد الخوري، يعجبْ أيضًا لشجاعة جورج حدَّاد، عقيل ماري، وصُهر بشاره الخوري، ولبطولة كريمتهما ماجدا، ولموقفهم الجريء الصامِد بوَجه السلطات ورجالها، كما لمواقف غيرهم؛ منهم الدكتور فريد أبو سليمان، وجوزف حجَّار، والسيِّدة أنتوانِت، شقيقة الدكتور داهش.
إنَّ الشجاعةَ الحقيقيَّةَ، في رأيِ الدكتور داهش، هي التي لا تتأبَّى المغامرة والمُجازَفَة بالنفس دفاعًا عن الحقيقة والعدالة والحريَّة؛ وذلك يفرضُ على المُجاهِد أن يُقاومَ الطغيانَ في عُقرِ داره حتَّى لو أدَّت به هذه المُقاوَمة إلى المتاعب والمصاعب والمصائب حتَّى السجن والاضطهاد والاستشهاد. أمَّا مَن يُهاجمُ البُغاةَ بعد ضعفهم، أو زوالِ سُلطتهم، فلا يملكُ شجاعةً حقيقيَّة.
يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في 30 آب (أُغُسطُس) 1945 في مُذكِّراته التي جعلَها بعُنوان “يوميَّات الذُّعر والرُّعب والهَول الطاغي”:[35]
لأَتشبَّثْ بناصية الكدِّ والجدِّ، فلن يفوزَ باللذَّة سوى الجَسور، ولن يبلغَ القمَّةَ سوى المُغامِر.
المُغامرةُ لا تعني حذفَ الحكمة من تصرُّفات الإنسان، بل تعني حذفَ الخوف، بعد وضع الخُطَّة الحكيمة ورَسم الهدَف الواضح. وهذا ما فعلَهُ الدكتور داهش في أثناءِ حَملتِه الإعلاميَّة التشهيريَّة على السلطة الحاكمة وزبانيتها من رجال دُنيا ودين. فما انفكَّ يُهاجمُهم حتّى أَثار الشعبَ ضدَّهم، فقضى على عهدهم.
هذا الموقفُ المُغامِر جعلَ بعضًا من معارفه يتخوَّفون عواقبَه وينصحونَه بالابتعاد عن مكامن الخطر؛ فكتبَ قائلاً:
يسألونني: “لماذا تُعرِّضُ نفسَكَ للأخطار بمُهاجمة شراذمِ الأَشرار من أعدائِك؟”
فأُجيبُهم: “إنَّ حُبَّ المُجازَفَة، والولوجَ إلى مواطنِ الخطر لَمِن أقوى بواعثِ النشاط لأَعصابي. وإذا كانت حياتي خاليةً من الأَخطار، فإنَّني أسعى إليها برغبةٍ مُلحَّةٍ حتَّى أفوزَ ببُغيتي وأحصلَ على أُمنيتي، أَلا وهي البطشُ بكلِّ نَذْلٍ وكلِّ خائنٍ لئيم.[36]
لقد سمعتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة مرارًا وهو يتحدَّثُ بإعجابٍ عن المُغامرين المُجازفين بأنفسِهم ليسَ من أجلِ الحقائق الروحيَّة فحَسب، بل من أجلِ اكتشاف الحقائق العلميَّة، وبينهم الرحَّالة الذين كان يُحبُّ قراءةَ سِيَرِهم. وقد خصَّ بولس الرسول بإعجابٍ خاصّ، فدوَّنَ في رحلتِه إلى مدينة أَفَسُس في تركيَّا عام 1971:
إلى هذه المدينة -أَفَسُس- أتى بولسُ الرسول مُبشِّرًا أبناءَها بالسيِّد المسيح. فكيفَ، كيفَ استطاعَ أن يصلَ إلى هذه المدينة هذا الرسولُ العظيمُ الإيمان، العظيمُ الشجاعة، المتوقِّدُ بالحماسة، الجبَّارُ في إقدامِه على المخاطر والأَهوال؟[37]
يرى الطبيبُ النفسيُّ مارتن غْرودر (Martin G. Grooder) أنَّ الحياةَ المصحوبةَ بالمُغامَرَة تبقى رهنَ الشدَّة النفسيَّة، لكنَّها الحياةُ الفُضلى للنجاح ولنُمُوِّ الإنسان؛ والذين يبتعدون عن المُغامَرَة يعيشونَ حياةً بليدةً راكدة.[38]
كذلك الطبيبُ النفسيّ توماس مور (Thomas Moore) يرى، باستلهامه الأَساطير اليونانيَّة، أنَّ عوليس (Ulysses) رمزٌ لمعاني الرجولة والبُطولة وفضِّ المجاهيل التي تأتي بها المُغامَرَة، وأنَّ النموَّ الروحيَّ لا يكتملُ إلاَّ بها.[39]
خامسًا- التحمُّلُ الواعي لمسؤوليَّة العمل
كثيرون من المُتفوِّقين والعباقرة، وفي طليعتهم الأَنبياءُ والهُداةُ الروحيِّون، تعرَّضوا للعَنَتِ والصدود والمُقاوَمة، وأحيانًا للاضطهاد، بسببِ أفكارهم واتِّجاهاتهم وأعمالهم. وكانَ بإمكانهم أن يتراجَعوا عن التزامهم لقضاياهم ليسلموا ويرتاحوا. لكنَّ يقينَهم بما التزَموهُ ووَعيَهم للنتائج المُؤلِمَة التي قد يتعرَّضونَ لها دفعاهم إلى تحمُّل مسؤوليَّة مواقفهم وأعمالهم، فلم ينكُصوا، بل بقِيَت قضاياهم كالنار المُقدَّسة تتوهَّجُ في صُدورهم، فتحفزُهم إلى إنجاز ما اعتزَموه، ولا تدعُهم يطمئنُّون إلاَّ بتحقيقه.
فالتاريخُ يذكر أنَّ تلاميذَ سُقراط وأصحابَه حرَّضوهُ على الفِرار، بعدَ أن حكمَ عليه مجلسُ الشيوخ بالإعدام بشُرب سُمّ الشوكران، وكان بإمكانِه التخفِّي فالهروب. لكنَّهُ فضَّلَ أن يتحمَّلَ مسؤوليَّةَ إيمانِه بأفكارٍ يُبشِّرُ بها. فشربَ السُّمَّ وخلَّدَهُ التاريخ شِبهَ نبيّ.
يقولُ جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) في كتابه “الحُرِّيـَّة” عن سقراط: “كان بشهادة أَعلم الناس به وبعصره أَطهرَ أَهل زمانه خلالاً، وأكرمَهم خصالاً. وليس منَّا مَن يجهلُ أَنَّ هذا الرجلَ هو الرأسُ والقُدوة لكلِّ مَن أَتى بعده من دُعاة الفضيلة وأَنصار الحكمة، وأَنَّه هو الذي أَلهمَ أَفلاطون تلك الروحَ الشريفة العالية، وعلَّمَ أَرسطاليس تلك الفلسفة العادلة الصادقة.” [40] كذلك إميل زولا والمهاتما غاندي وسافونارولا وكثيرونَ آخرون من المُصلحين، فقد كان بإمكانهم أن ينكصوا عن مواقفهم التي أفضَت بهم إلى النَّفيِ أو السَّجن أو القتل أو الاضطهاد أو مُجَرَّد تحمُّل العذاب والمتاعب، لكنَّهم أَصرُّوا على تحمُّل مسؤوليَّة ما قاموا به.
بعدَ أن اتَّهمَ النائبُ العامُّ الإنكليزيُّ المهاتما غاندي بأنَّهُ مسؤولٌ عمَّا يقعُ في الهند من حوادث الفتنة ضدَّ الإنكليز بسببِ موقفِه منهم ومقالاتِه ضدّ الاحتلال، طلبَ المهاتما أن يتكلَّم. مِمَّا قالهُ في مُرافعتِه العجيبة:
إنِّي أُقِرُّ، أيضًا،كلَّ اللوم الذي ألقاهُ عليَّ النائبُ العامُّ العالِمُ لحوادثِ بومباي ومدراس وشوري شورا. فبعدَ التفكير العميق في هذه الحوادث، ليلةً بعد ليلة، لا أستطيعُ أن أدَّعي أن لا صِلَةَ بيني وبين هذه الحوادث الشيطانيَّة في شوري شورا، ولا الهياج الجُنونيّ في بومباي. وإنَّهُ جدُّ مُحِقّ إذْ قال إنَّهُ كان يجدرُ بي أن أعرفَ نتائجَ كلِّ عملٍ من أعمالي، وأنا الرجلُ المسؤولُ الذي نالَ نصيبًا من التربيةِ ونصيبًا من الدراية الدنيويَّة. أنا أعلمُ أنَّني كنتُ ألعبُ بالنار، ولقد وقعتُ في الخطر. ولكنْ، إذا أفرَجتُم عنِّي، سأفعلُ ثانيةً ما من أجلهِ أُحاكَم. ولقد أحسَستُ، هذا الصباح، بأنِّي أكونُ فاشلاً إن لم أقلْ لكم هذا الذي قلتُه الآن.
لقد أردتُ أن أتحاشى العنفَ، ولا زلتُ أُريدُ أن أتحاشى العُنف. فإنَّ عدمَ العُنف هو أوَّلُ بندٍ من بنودِ إيماني، ثمَّ إنَّهُ آخرُ بندٍ من بنودِ عقيدتي. ولكنِّي كنتُ بين اثنتَين: إمَّا أن أَخضعَ للنظامِ الذي أَعدُّهُ أنَّهُ أضرَّ ببلادي ضررًا لا سبيلَ إلى إصلاحه؛ وإمَّا أن أتعرَّض لخطرِ هياجِ مُواطِنيَّ حينما يسمعون الحقيقةَ منِّي. أنا أعرفُ أنَّ مُواطنيَّ يفقدونَ عقولَهم، أحيانًا، وإنِّي لشديدُ الأَسف على ذلك. ولذلك، فإنِّي هنا لأَتلقَّى، لا عقوبةً خفيفة، بل أقسى العقوبات. لستُ أطلبُ الرحمة، ولستُ أدَّعي وجودَ أيِّ ظرفٍ مُخَفَّف. وإنِّي لأَطلبُ، هنا، أقسى عقوبةٍ يُمكنُ أن تقعَ عليَّ باعتباري مُرتَكِبًا لجريمةٍ عَمْديَّة، لأَتحمَّلَ هذه العقوبةَ سعيدًا، وهو ما أَعُدُّهُ أسمى واجبات المواطن الحقّ. والطريقُ الذي لكَ أن تسلكَه، يا حضرة القاضي، هو إمَّا أن تستقيل، وإمَّا أن توقِعَ أقسى عقوبةٍ مُمكِنَة، إذا كنتَ مُعتقِدًا أنَّ النظامَ الذي تُدافعُ عنهُ صالحٌ للشعب…[41]
هذا هو نموذجُ الإنسان السامي القويِّ الإرادة، المُدرِك لمسؤوليَّتِه، والمُتحمِّل تبعةَ أعماله.
إنَّ السيِّدَ المسيح كانَ مُدرِكًا تمامًا نتائجَ وِقفتِه التأديبيَّة الشهيرة في باحة هيكل سُليمان وعواقبَ طَرده الباعة والصَّيارفة بالسَّوط، وقلبِه موائدهم، وهم الذين كانوا يتقاسمون الفوائدَ الماليَّة مع كهَنَة الهيكل والأَحبار، لكنَّهُ مع ذلك أقدمَ على ما قامَ به، لأَنَّ همَّهُ كان الحقيقةَ التي أتى من أجلِها.
والرسولُ العربيُّ كانَ مُدرِكًا مسؤوليَّةَ ما يقومُ به من تغييرِ مجرى التاريخ في شبه جزيرة العرب، وما يستتبعُ ذلك من مُقاومةٍ له واضطهاد، لكنَّهُ لم ينكُص بل قال:
“والله لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أتركَ هذا الأمر حتَّى يُظهرَه الله أَو أهلكَ فيه ما ترَكتُه…”
إنَّ تاريخَ الأَديان حافلٌ بالعذاب والآلام. وما من دينٍ حقٍّ انتشرَ بدونَ أن يُكوى أصحابُه بنار الاضطهاد. بل إنَّ تاريخَ الحضارات البشريَّة حافلٌ أيضًا بأفذاذٍ ذاقوا مرارة العذاب من أجل قضايا نبيلةٍ يُدافعون فيها عن الحقيقة والفضيلة والعدالة والحريَّة. ومُؤسِّسُ الداهشيَّة الواعي لذلك يقولُ في قطعةٍ عنوانها “سلام”:
سلامٌ على مَنِ اضطُهِدوا وعُذِّبوا في سبيلِ عقيدتهم الثابتة الحقَّة.
سلامٌ على مَن ذاقوا الهوانَ وشربوا كأسَه المريرةَ حتَّى ثُمالتها.
سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأَزل إلى الأَبد.[42]
وقد أدركَ الدكتور داهش منذُ ريعانِ شبابِه عِظَمَ المسؤوليَّة المُلقاة على عاتقه، والعَنتَ والرفضَ والاضطهاد التي سيلقاها في طريقه، ولكنَّهُ مع ذلك، أعلنَ تحمُّلَ مسؤوليَّة القضيَّة التي يحملُها إلى العالَم وهو في السابعة والعشرين من عمره، فقال في قطعةٍ يستقبلُ فيها عام 1937، بعدَ أن خانَتهُ جماعةٌ من أصدقائه وأخذوا يفترون الأَكاذيبَ عليه ويُشوِّهون سمعته:
أُقسِمُ بكَ يا خالقي أنَّهُ لو وُجِدَ ملايين
من الأَغبياء المارقين أو الخَوَنَة المُماذقين،
وملأُوا طروسَ الأَرض،
لا بل، لو نقشوا حجارةَ هذا الكون بأسره قائلين بها:
“إنَّ رسالتي هذه غيرُ صادقة”،
لَمَشَيتُ رافعَ الرأس، موفورَ الكرامة.
وسأبقى على تبشيري وإذاعةِ رسالتي
حتَّى تعمَّ الأَرضَ وتنتشرَ في السماءِ أيضًا.
ولن تَثنيني البرايا بأسرها عن أدائها، يا ألله،
ما دمتَ أنتَ تمدُّني بقوَّتِكَ الإلهيَّة.
وهذه يميني، يا خالقي،
أرفعُها لكَ من أعماقِ قلبي
الذي لا يخفقُ إلاَّ بذكرِ اسمِكَ القدُّوس
برهبةٍ وخُشوعٍ كلِّيَّين.[43]
وكانت حياةُ مُؤسِّس الداهشيَّة مِصداقًا لِما جهرَ به في قسَمِه العظيم. فتحمَّلَ من العذابِ أهوالاً، وحملَ من المتاعبِ جبالاً. وقصَّةُ آلامِه واضطهادِه ووعيِه لمسؤوليَّته وتحمُّله إيَّاها كاملة جعلَت الدكتور محمَّد حسين هيكل، رئيس مجلس الشيوخ المصريّ ورئيس الحزب الدستوريّ يقولُ له في رسالةٍ أُولى إليه:
ألَم تذكُر في رسالتِك ما أصاب (سقراط) هذا الفيلسوف الضخم والمعلِّم الأَوَّل الذي أُعدِمَ مظلومًا، فزادَ الظلمُ ذكرَه رفعةً على رِفعة، على مدى الأَجيال. فهنيئًا لكَ، يا أخي، ما نزلَ بكَ من ظُلم، لأَنَّكَ حاولتَ أن تُحاربَ التعصُّبَ المذموم، فحاربوك، وحاولتَ أن تجمعَ كلمةَ بني الإنسان في ظلِّ الأُخوَّة بين أهل الأَديان جميعًا، فاضطهدوكَ وشرَّدوك…
ومن حقِّكَ، وأنتَ في منفاك، أن تتمثَّلَ بقولِ السيِّد جمال الدين الأَفغاني:
أنا إنْ عشتُ لستُ أَعدَمُ قوتًا وإذا متُّ لستُ أَعدَمُ قبرا
هِمَّتي همَّةُ المُلوكِ ونفسي نفسُ حُرٍّ لا ترتضي الأَسْرَ قَسْرا[44]
إنَّ مُعاناةَ الأَلم تركَت تأثيرَها البالغَ في معظمِ ما كتبَ مُؤلِّفُ الداهشيَّة، ففجَّرَت قريحتَه ووشَّحَت كتابتَه بوشاحِ الأَسى الجميل الذي يُثيرُ المشاعر، وأسهمَت في تقريبِ المُعذَّبين والمحرومين والبؤساء والمُضطَهَدين إلى قلبِه. فكانَ شأنُهُ في ذلك شأنَ معظم العباقرة والمُبدعين الذينَ كانت آلامُهم مهمازًا لهم لمزيدٍ من الإبداع ولِسَبرٍ أعماق الحياة وأَغوار القلبِ الإنسانيّ.[45]
والداهشيُّون الراسخون في إيمانهم، الواعون للحقائق الروحيَّة التي آمَنوا بها، يتَّخذون حياةَ هاديهم بكلِّ ما فيها من شجاعةٍ وجهادٍ حتَّى الاستشهاد قُدوةً لهم، وفقًا للسُّنَّة التي وضعَها المُؤَسِّس: “إنَّ الجهادَ والاستشهادَ هما شِعارُ الداهشيَّة الأَوحَد.” [46]
بل إنَّهم يَعون أنَّ حياتَهم تكتسبُ معناها من القِيَمِ الروحيَّةِ العُليا المُتمثِّلة في الرسالة الداهشيَّة. ولذلك فالحياةُ والقِيَمُ المادِّيـَّةُ كلُّها تهونُ من أجلِ رَفعِ القِيَمِ الروحيَّة التي مصدرُها الله عزَّ وجلّ. والجماعةُ التي يكونُ هذا هدفَها في الحياة لا يُمكنُ دَحرُها، لأَنَّ الأَجسادَ تَبلى، لكنَّ المبادئَ السامية لا تموت، إذْ هي ملامحُ من المشيئة الكُلِّـيَّة الأَزليَّة. يقولُ الدكتور داهش:
في سبيل الداهشيَّة تَهونُ الحياةُ ويُستطابُ الممات. فالداهشيُّ يبذلُ كلَّ ما يملكُهُ من مال، ووقت، ومجهودٍ مُتواصل الحلقات، ثمَّ يجودُ بروحِه لأَجلِ نُصرةِ عقيدتِه الداهشيَّة. فعبثًا يُحاربُها أعداؤها الأَلدَّاء.[47]
الشهرةُ والعبقريَّةُ والعَظَمَة
للدِّعاية—ولا سيَّما بعد انتشار وسائل الإعلام وتطوُّرها في القرن العشرين—تأثيرٌ بالغٌ في تعريفِ شخصٍ ما إلى الناس، والمالُ قد يُؤدِّي دورًا مهمًّا في تذييع الشُّهرة. كذلك للظروفِ السياسيَّة والاجتماعيَّة الطارئة تأثيرُها في وضعِ شخصٍ ما في واجهة الإعلام محلِّـيًّا وعالميًّا. لكنَّ هذه الشهرةَ لا ترفعُ صاحبَها إلى سُدَّةِ العباقرة ما لم تكُن فيه شروط العبقريَّة.
ومن المشاهير مَن ارتفعَ اسمُه في عصر، ثُمَّ سقطَ في سائر العصور، لأَنَّ شُهرتَه كانت عارضة. ومنهم مَن ذاعَ اسمُهُ لاقترانِه بأسماء عُظماء أو عباقرة، كاسماء هيرودُس ونيرون ويهوذا وجوداس، قاتل المهاتما غاندي، وحُسني الزعيم، قاتل أَنطون سعاده، وبشاره الخوري، مُضطهِد داهِش. فخلودُ هؤلاء هو خلودُ نماذجَ للخيانة والشرّ والرذيلة والاضطهاد، ليلعنَهم الناسُ ويتَّعظوا؛ وهم يُذكَرون كلَّما ذُكِرَ العظماءُ والعباقرة كنقيضٍ لهم، مثلما يُذكَر القبحُ مِلءَ نشوة الجمال، أو الظلامُ مِلءَ مُتعة النور.
أمَّا العبقريَّةُ فهي مرتبةٌ لا يحوزُها إلاَّ المُبدِعون الذينَ يُخلِّفونَ من الأَعمال ما يُغيِّرُ بعضًا من مجرى التاريخ، أو يُحدثُ تأثيرًا بالغًا في نفوسِ كثيرين فيُغيِّرون مجرى حياتهم ونَمَطَ سُلوكهم. وقد أوضَحتُ سابقًا شروطَ العبقريَّة، وأهمِّـيَّةَ الإدراك الواسع والموهبة المعيَّنة والإرادة القويَّة في تكوينها وعطائها.
وقد حاولَ كثيرونَ من الباحثين السيكولوجيِّين، لا سيَّما في العقدَين الأَخيرَين، أن يُحلِّلوا العبقريَّةَ وينفذوا إلى شخصيَّات المُبدِعين، عُلماءَ كانوا أم أُدباء وشعراء أم فنَّانين أم سياسيِّين أم عسكريِّين. ولعلَّ من أهمِّهم دين كايْث سايْمنتُن (Dean Keith Simonton)، أُستاذَ علم النفس في جامعة كاليفورنيا بدايفِس، وميهالي تشيكزنتميهالي (Mihaly Csikszentmihalyi)، أُستاذ علم النفس في جامعة شيكاغو. وللأوَّل مؤلَّفاتٌ كثيرة في الموضوع المذكور، من أَهمِّها “العَظَمَة” و”العبقريَّة والإبداع والقيادة”.[48] وللثاني عدَّةُ مُؤلَّفاتٍ أيضًا، منها “أعمالُ 91 شخصًا بارزًا وسِيَرُهم” و”الإبداع: السيَّال وسيكولوجيا الاكتشاف والاختراع”. [49] وينسبُ تشيكزنتميهالي لحظاتِ الإبداع إلى سيَّال (flow) من الإدراك والشعور يحملُ من الحيويَّة ما لا تحملُ الحالاتُ النفسيَّةُ العاديَّة. ويرى أنَّ العباقرةَ أو المُبدِعين يشتركون بمعظمهم في عشرِ سِماتٍ هي:
1- يتمتَّعونَ بطاقةٍ على العمل جبَّارة؛ فهم يعملون ساعاتٍ مُتواصِلَة بتَركيزٍ شديد على أعمالهم.
2- يمتازونَ بنَفسٍ تجمعُ الحكمةَ إلى البراءة الطفوليَّة، وغزارةَ الأَفكار وجِدَّتَها إلى المُرونة.
3- يتَّصِفون بطَبعٍ يجمعُ حُبَّ النظام إلى حُبِّ المَرَح، وسُرعةَ الخاطر إلى الثباتِ الفكريّ.
4- يجمعونَ بين قُوَّة الخيال والتعلُّق بالواقع؛ ومن الخيال يُبدعون واقعًا آخر، سواء أكانوا فنَّانين أم سياسيِّين أم عُلماء أم أُدباء أم هُداةً روحيِّين.
5- على نقيضِ مُعظمِ الناس الذين يكونون إمَّا انطوائيِّين أو انبساطيِّين، يجمعُ المُبدِعون السِّمَتَين النفسيَّتَين في شخصيَّاتهم؛ فهم يستغرقون في التأمُّل كما لا يأنفون من عشرة الناس.
6- يجمعونَ التواضع— من جرّاء معرفتهم بأنَّ كثيرين سبقوهم في حقل الإبداع الذي أسهموا فيه—إلى الزهوِ بالنفس لأَنَّهم أضافوا شيئًا إلى ذلك الحقل.
7- يجمعون فيهم المزايا النفسيَّة للرجولة والأُنوثة بِغَضِّ النظر عن جنسهم. ولا علاقةَ لذلك بأيِّ ميلٍ جنسيٍّ مادِّيّ.
8- يتَّصفون بروح الثورة والتمرُّد على التقاليد كما بروح المُحافظة والاستمرار ضمنَ حقولهم.
9- هم ذاتيُّون بقَدر ما هم موضوعيُّون. ففي حين أنَّهم يضعونَ ذواتهم في أعمالهم، فهم ينظرون إليها بتجرُّد وموضوعيَّة.
10- يفرحونَ بما يُحقِّقون، وبه يستمتعون؛ لكنَّهم يُعانونَ ألَمًا شديدًا إذا قاموا بعملٍ لم يَحُز رضاهم أو أعرضَ الناسُ عنه.
وقُصارى القول إنَّ العباقرة يجمعون في شخصيَّاتهم أطرافَ الأَشياء بما يُشبه المتناقضات، ويوحون بأنَّ الواحدَ منهم هو جماعة لا فرد، بسبب خصب عطائهم الإبداعيّ واتِّساع آفاقهم الفكريَّة وتواصُل عملهم البليغ التأثير.
إنَّ العباقرةَ بالنسبة للمقاييس العامَّة هم عُظماء التاريخ؛ لكنَّ الدكتور داهش يضعُ معاييرَ جديدةً للعظَمَة الحقيقيَّة. إنَّها معاييرُ تسمو بالعظَمَة إلى مُستوًى جديدٍ لم يصل إليه إلاَّ قليلونَ جدًّا مِمَّن وطِئوا الأَرض. العظَمةُ الحقيقيَّةُ تُستَمَدُّ لا من يُنبوعٍ أرضيّ، مهما غَزُرَ دفقُه وطابَ ماؤه، بل من مَعينٍ أزَليٍّ أبديٍّ هو مَعينُ الروح. وعلى هذا الصعيد لا يثبتُ إلاَّ قلائلُ، في طليعتهم مَن أسَّسوا الأَديانَ أو جاهدوا في سبيل القِيَم الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة أو هَدَوا الناسَ إلى التفكيرِ السليم والسلوك القويم. بتَعبيرٍ آخر إنَّ العظيمَ هو عبقريٌّ سَمت نزعاتُه مثلما تفوَّقَ عقلُه وتفولذَت إرادتُه.
يذكرُ مايْكِل هارْت (Michael Hart) في كتاب “المئة: تراتُبٌ للأشخاص الأَبلغ تأثيرًا في التاريخ”[50] مئةَ عبقريٍّ في مُختلِف المجالات، من العلم والاختراع، إلى الفلسفة، إلى الهداية الروحيَّة والزعامة الدينيَّة، إلى الأَدب والفنّ، إلى الرحَّالة المُكتشفين. ويعترفُ بأنَّهُ قد يُضافُ إلى الأَسماء المذكورة مئةٌ أُخرى أو مئتان، وقد يُخالفُهُ غيرُهُ في تراتُبها؛ لكنَّهُ يُدلي ببراهينِه على اختياره الأَسماء، وعلى التراتُب الذي ارتآه. ومع أنَّ مقاييسَهُ لم تعتمد القِيَمَ الروحيَّةَ التي تُبنى عليها العظمةُ الحقيقيَّة، بل على مدى التأثير في مجرى التاريخ وتغيير حياة الناس وأفكارهم ومواقفهم، فإنَّهُ خصَّصَ المرتبةَ الأُولى للنبيّ محمَّد والثالثة حتَّى السادسة للمسيح وبوذا وكونفوشيوس وبولس الرسول، وخصَّ المرتبةَ الثانية بإسحاق نيوتن. وهذا يُؤكِّدُ أنَّ العظَمة الروحيَّة تتخطَّى العبقريَّة حتَّى على صعيد التأثير وتغيير مجرى التاريخ الأرضيّ.
لقد أعلنَ الدكتور داهش أَنَّ الأَنبياءَ والرُّسُلَ والهُداةَ الروحيِّين هم العُظَماءُ الحقيقيِّون في العالَم، لأَنَّ حياةَ كلٍّ منهم كانت تتَّفقُ مع تعاليمه وشهادةً لها، فجسَّدوا القِيَمَ الروحيَّةَ والمُثُلَ الإنسانيَّةَ العُليا أفضلَ تجسيد، ولم يكن لدَيهم ظاهرٌ وباطن، أو حياةٌ عامَّةٌ علَنيَّةٌ وحياةٌ خاصَّةٌ خفيَّة. لقد كانوا الحُكَماءَ الحقيقيِّين، والمشاعلَ الحيَّة الوهَّاجة التي قادَت جُموعَ الساعين إلى الرقيِّ الروحيّ في سِياق التاريخ.
في قطعةٍ بعنوان “فقاقيع” [51] يستعرضُ الدكتور داهش أسماءَ الفاتحين والقادة العسكريِّين “الذين يُطلِقون عليهم في عالمِنا الفاني لقَبَ (العُظَماء)”، ثمَّ يقولُ عنهم:
وأنا أَشبِّهُهم بالفقاقيع التي تطفو إحداها على سطح الماء لفترةٍ ثمَّ يُفجِّرُها الهواء فتتلاشى بلحظةٍ عابرة… وماذا لو تملَّكوا الأَرضَ وما فيها بمَن فيها ما دامَ مصيرُهم إلى فناء ووجودُهم إلى زوال!
إنَّ المادَّةَ قد أخفَت الحقيقةَ عنهم؛ وأطماعُهم كانت سِتارًا حديديًّا تحتجبُ الحقيقةُ وراءَ حديده الرهيب.
إنَّ ذكرى هؤلاء الذين دوَّنَ التاريخُ أسماءَهم كعُظماءٍ تضمحلُّ، وتتلاشى معها هذه العظمةُ الكاذبةُ فورًا عندما يُذكَرُ اسمُ المسيح أو مُحمَّد أو موسى أو بوذا… هؤلاء الأَنبياء والهُداة، مُؤسِّسي الأَديان، والمُبشِّرين بالأُخُوَّة الإنسانيَّة.
فلا رصاص حاصد للأرواح، ولا مَدافعَ تُمزِّقُ الأَشلاء، فيعلو النحيبُ ويتصاعدُ النُّواحُ، ولا طائرات حربيَّة تذهبُ بالرجال إلى عالَم الأَشباح… بل حبٌّ شامل، وعطفٌ كامل، وأيدٍ تُصافحُ أيدِيًا بالأَكُفِّ والأَنامل…
إذًا العُظماءُ الحقيقيُّون هم الذين ينتصرون على تجارب العالَم وقِيَمِه وعلى شهواتِ الجسد وإغواءاته، بمُغالبتِهم لها مُغالَبةً أليمةً دائبة، ويُقدِّمونَ إلى البشر فائدةً روحيَّةً عظيمةً بسَعيهم المتواصل الصامد إلى نشر الحقيقة والهداية بينهم على المشقَّة والعذاب والاضطهاد التي يُكابدونها. بذلك فقط تتخطَّى نفوسُهم عالَمَ الأَرض إلى عالَمٍ عُلويٍّ تتَّسِعُ فيه القُدرةُ والمعرفةُ ويعظمُ الهناءُ ويكونُ المجدُ الحقيقيّ.
[1] الدكتور داهش: “كلمات” (دار النَّار والنُّور، بيروت، 1983)، ص 175.
[2] ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة” (نقلَهُ إلى العربيَّة د. فرنسوا أيُّوب، إيلي نَجم، ميشال أبي فاضل (مكتبة أنطوان-بيروت/دار لاروس-باريس، 1992)، مادَّة “الإرادة”، ص 25.
[3] انظر Dr. Scott Peck, The Road less Traveled (Touchstone / S & S, NY, 1984), pp. 44-58.
[4] Rushworth M. Kidder, How Good People Make Tough Choices: Resolving the Dilemmas of
Living. Simon & Schester, New York,1995. Ethical
في الكتاب عرضٌ لكثير من القرارات الصعبة التي كان على أصحابها أن يختاروا بين الحقِّ والباطل أو بين واجبَين شريفَين.
[5] قاموس الفلسفة، مادَّة “الأَنانيَّة”، ص 59.
[6] الدكتور داهش: “القلبُ المُحَطَّم”، (دار النَّسر المُحلِّق للطباعة والنشر، بيروت، 1984)، “أنا وأَنتُم”، ص 79-99.
[7] المصدر السابق، “لي ولكم”، ص 100-103.
[8] الدكتور داهش، “بروق ورعود”، مطابع روطوس، بيروت، 1946.
[9] المصدرُ السابق، “لا أُبالي”، ص 16.
[10] الدكتور داهش، “كلمات”، (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 167.
[11] المصدر السابق، ص 168.
[12] المصدر السابق، ص 100.
[13] المصدر السابق، ص 96.
[14] المصدر السابق، ص 173.
[15] المصدر السابق، ص 88-89.
[16] Dean Keith Simonton, Greatness, (The Guilford Press, NY/London, 1994), p.138.
[17] Norman Vincent Peale, You Can if You Think You Can. Fawcett Crest, New York, 1974.
[18] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريَ” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 82.
[19] المصدرُ السابق، ص 22-23.
[20] المصدرُ السابق، ص 68.
[21] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 99.
[22] الدكتور داهش، “ذكرياتُ الماضي” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1971)، ص 57.
[23] الدكتور داهش، “نبال ونصال” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1971)، ص 63-69.
[24] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 169.
[25] المصدر السابق نفسُه.
[26] Paul G. Stoltz, Adversity Quotient: Turning Obstacles into Opportunities, John Wiley & Sons.
[27] الدكتور داهش، “إبتهالات خُشوعيَّة” (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 95.
[28] المصدر السابق، ص 94.
[29] وردَت الكلمةُ المذكورةُ في ردّ ماري حدَّاد على مجلَّة “الصيَّاد، المنشور فيها بتاريخ 2/4/1953.
[30] الدكتور داهش، “المهنَّدُ الباتر” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 81.
[31] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 100.
[32] المصدر السابق، ص 91.
[33] قَيد النشر.
[34] من مخطوطة “صواعق داهشيَّة” المُعَدَّة للنشر.
[35] مخطوطة مُعَدَّة للنَّشر.
[36] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 99.
[37] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرَة الأَرضيَّة”، الجزء الخامس (الدار الداهشيَّة للنَّشر، نيويورك، 1990)، ص 100.
[38] Bottom Line Personal, Oct. 1, 1998.
[39] Thomas Moore, Care of the Soul. New York, Harper Collins, 1996. انظر مُراجَعتي للكتاب في “صوت داهش”، عدد كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1998، ص 80.
[40] جون ستيوارت ميل، “الحرِّيـَّة”، ترجمة طه باشا سباعيّ، ص 365 (نقلاً عن كتاب ” الرسائل المُتبادَلة بين الدكتور داهش… والدكتور حسين هيكل باشا (دار النسر المحلِّق، بيروت، 1981، ص 51.)
[41] الدكتور داهش، “مُذكِّرات دينار” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1986)، ص 190-191، نقلاً عن كتاب “المهاتما غاندي” لفتحي رضوان.
[42] الدكتور داهش، “ابتهالاتٌ خُشوعيَّة” (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 77.
[43] الدكتور داهش، “ذكريات الماضي” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1980)، ص 57-58.
[44] الرسائل المُتبادَلة بين الدكتور داهش والدكتور حسين هيكل (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1981) ص 61.
[45] Simonton, Greatness, pp 153-157.
[46] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 92.
[47] المصدرُ السابق، ص 91.
[48] Simonton, Genius, Creativity and Leadership. Cambridge, MA, Harvard Univ. Press, 1984.
[49] Mihaly Csikszentmihalyi, The Work and Lives of 91 Eminent People. Harper Collins, 1996 ; Creativity: Flow and the Psychology of Discovery and Invention. Harper Collins, 1996.
[50] Michael Hart, The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History. Secaucus, NJ, Citadel Press, 1987.
[51] الدكتور داهش، “التائه في بيداء الحياة” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1980)، ص 40.
أَربابُ العِلمِ والتعليمِ العالي ووسائِطِ الإعلام
دورُهم ومسؤوليَّـتُهم في الرُقيِّ الحضاريِّ في ضوء المفاهيم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
العُلماءُ: دورُهم ومسؤوليَّـتُهم في الرُّقيِّ الحضاريّ
أَلمعتُ، في ما سبقَ من بحثي في الرُّقيِّ الحضاريِّ (الحلقة السابقة)، إلى أَنَّ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة كان يُكبِرُ العُلماءَ الذين لا يجرفُهم الغرورُ والاستكبارُ فيُعمَون عن إدراكِ أَنَّ نظامَ الكَونِ الدقيقِ العجيب، المُهيمنِ على مجرَّاتِه كما على ذرَّاتِه، يستحيلُ وجودُه من غير قوَّةٍ كونيَّةٍ عاقلة مُدبِّرة هي علَّةُ حدوثِه. وأَعني بالعُلماء، هنا، العاكفين على اكتشافِ المزيد من قوانيِن الطبيعة والحياة وفَضِّ أَسرارِ الكَون أَو اختراعِ أَنواع التكنولوجيا المتطوِّرة. ومع أَنَّ التقدُّمَ العلميَّ المُذهِل القائم على الاختبار المادِّيّ شجَّعَ كثيرين من العُلماء على مُحاولة تفسير وجود الكون من غير رجوعٍ إلى قوَّةٍ إلهيَّة خالقة، فإنَّ كثيرين غيرَهم أَيضًا لم يجرفهم التيَّارُ المادِّيّ. من هؤلاء عالِمُ الفيزياء الرياضيَّة، بول دايفِس Paul Davies. فهذا العالِمُ البارزُ الذي وضعَ أكثرَ من عشرين مُؤَلَّفًا، ونال جوائزَ عالَميَّة، لم تُسكِره خمرةُ الإنجازات العِلميَّة، ولم يُطوِّحْ به الغرورُ فيَدَّعي أَنَّ الكونَ أَوجدَته الصُّدفة، وأَنَّ الصُّدَفَ العمياء هي التي تُسيِّرُه، بل إنَّه حرصَ، في جميع مُؤَلَّفاتِه العِلميَّة، على أَن يُؤَكِّدَ أَنَّ الأَنظمةَ الكونيَّةَ يستحيلُ أَن توجَدَ بنفسِها، وأَنَّ الفكرَ في الإنسان لا بُدَّ من أَن يكونَ له مصدرٌ عاقِل، وأَنَّ تركيبَ الكون المعقول إنَّما أُوجِدَ لكائناتٍ عاقلة.[1] يُلخِّصُ دايفِس ما فصَّلَه في كتابه “عقلُ الله” قائلاً: “مع أَنَّ نظريَّاتٍ ميتافيزيقيَّة وإيمانيَّة كثيرة تبدو مُتمَحَّلة أَو طفوليَّة، فمن الواضح أَنَّها ليست أَبعدَ عن المنطقِ السليم من الإيمان بأَنَّ الكونَ موجود، وموجودٌ بالشكلِ الذي هو عليه من غير سببٍ موجِب… لا يُمكنُني أَن أُؤمنَ بأَنَّ وجودَنا في هذا الكون هو من غرائبِ الصُّدَف… إنَّ الأنواعَ البشريَّة قد لا تعني شيئًا ذا قيمة على الصعيد المادِّيّ، لكنَّ وجودَ العقل في كائناتٍ حيَّة، في بعض كواكب الكون، هو حتمًا من الوقائع ذاتِ الدلالةِ البالغةِ الخُطورة.”[2]
ولعلَّ الأَعظمَ بين عُلماء العصور الحديثة هو آينشتاين. ميَّـزَ آينشتاين بين المُؤَسَّساتِ الدينيَّةِ المُنظَّمة التي بنَت تعاليمَها على تخويفِ المُؤمنين من القوى الغَيبيَّةِ الجبَّارة وعقابِها أَو على إرشادِهم إلى التعاطُفِ والتحابِّ والتزامِ الأخلاقِ الشريفة من جهة، و”الشعورِ الدينيِّ الكَونيِّ” الذي لا يستندُ إلى عقيدةٍ مُحدَّدة، والذي يُخالِجُ العُلماءَ الحقيقيِّـين لدى تأَمُّلِهم في نظام الكَونِ العجيب المُتناهي في دقَّتِه من جهةٍ أُخرى. ويرى آينشتاين “أَنَّ المَهمَّةَ الجُلَّى للفنِّ والعِلم هي أَن يوقِظا هذا الشعورَ ويُبقِياه حيًّا في مَن يقدرون على الإحساسِ به.”[3]
هذا “الشعورُ الدينيُّ الكَونيُّ” يجدُه آينشتاين جَليًّا في البوذيَّة، وكثيرٍ من مزامير داوود ومأثوراتِ بعض الأَنبياء. وهو يرى أَنَّ العالِمَ الحقيقيَّ يُهيمنُ عليه شعورٌ بالسَّبَـبيَّةِ الكَونيَّة التي تشملُ أَيضًا الرَّبطَ بين أَعمال الإنسان ومصيره. و”شعورُه الدينيُّ يتمثَّلُ بدهشةٍ كُبرى أَمام ائتلافِ القوانين الطبيعيَّة التي توحي بعقلٍ بلغَ من التفوُّقِ حدًّا لو قورِنَت به أَعمالُ البشر المُنظَّمة كلُّها، الفكريَّةُ والمادِّيـَّةُ معًا، لَبَدَت جميعُها مُجرَّدَ ظلالٍ تافهة.”[4]
زِدْ إلى ذلك أَنَّ آينشتاين أَدركَ بحَدسِه النَّـيِّر أنَّ العُلماء الحقيقيِّـين، يدفعُهم شعورُهم الدينيُّ الكَونيّ إلى عَزْلِ أَنفسِهم عن المُؤَسَّساتِ الكَنَسيَّة التقليديَّة، يُشجِّعُهم على اتِّخاذِ هذا الموقف النظرةُ الدينيَّةُ الضيِّقة التي يفرضُها رجالُ الدين على المُؤمنين وتحويلُهم جوهرَ الدين الكَونيَّ السَّمْحَ القائمَ على التعاطُف والمحبَّة والتسامُح إلى قُشورٍ وأَصدافٍ وشكليَّات. وهكذا يتقلَّصُ الدينُ من روحٍ إلى حروف، ويتحوَّلُ العباقرة، في نظر رجال الدين، إلى هراطقة ومُلحِدين، في حين أَنَّهم يكونون يتمتَّعون، بنظر آينشتاين، بالشعور الدينيِّ الصادقِ العميق.[5]
إنَّ كثيرًا من كتابات الدكتور داهش المُلهَمة، ولا سيَّما في “ابتهالات خشوعيَّة” وقِطَعِه التأَمُّليَّة المُنتثرة في معظم كُتُبِه على مدى حوالى خمسين عامًا لَيُؤَيِّدُ ما ذهبَ إليه آينشتاين وأَمثالُه من عُلماء القرن العشرين، ويزيدُه إيضاحًا. فالله، في التعاليم الداهشيَّة، هو “كلمةٌ اختارَتها (القوَّةُ الموجِدة) لتكونَ رمزًا لها.”[6] إنَّه ليس إلهًا شخصيًّا، بل هو قوَّةٌ روحيَّةٌ عُظمى لا يَنشدُها البشرُ فحسب، بل “الماءُ والهواءُ والفضاءُ والسماء…” و“جميعُ الأحياء دون استثناء…” بل “جميعُ المخلوقات معروفها ومجهولها…”[7]
وفي إعادة صياغتِه لأحد مزامير داوود النبيّ تحت عنوان “الابتهال الرابع” يقول الدكتور داهش:
“الشمسُ رفعَها في بروجِها الحصينة،
والكواكبُ أَقامَها في مراكزِها الأَمينة.
الهواءُ يطوفُ أَنحاءَ الأرضِ بحكمةٍ مرسومة،
والفصولُ تسيرُ على نظامِها الثابت بأَمرِه القُدُّوس.
كلُّ ما تراه العيون
ينطقُ بنظامٍ مُحكَمٍ يأخذُ بمجامعِ القلوب،
وجميعُ ما يصلُ إليه الفكر
يُبرهنُ أَنَّه يسيرُ ضمنَ نطاقٍ إلهيٍّ لا يتعدَّاه.”[8]
وهذه القوَّةُ الموجِدة التي أَبدَعَت القوانينَ الكونيَّة التي بموجِبِها يسيرُ كلُّ شيء ليست هي التي تُعاقبُ الكائناتِ على أَعمالها، بل إنَّ سيَّالاتِ الكائنات (أَي طاقاتها الروحيَّة الإدراكيَّة النُّـزوعيَّة) هي التي تُعاقبُ نفسَها بنفسها وَفقًا لنظامِ السَّبَـبيَّةِ الروحيَّة الشامل المُتلبِّس للسَّبَـبِـيَّةِ الطبيعيَّة والمُشتمِل على نظامِ العدالةِ والاستحقاق الإلهيّ.
ونظرةُ آينشتاين إلى العُلماء المُستنيرين، وهم فئةٌ من العباقرة، تأخذُ بها التعاليمُ الداهشيَّة التي توضِحُ أَنَّ سيَّالاتِ الهداية الروحيَّة التي تكون في الأَنبياء والرُّسُل تهجرُ المُؤَسَّساتِ الدينيَّة، بعد أن تفسد، لتحتلَّ العباقرةَ الذين يُصبحون أَمَلَ الارتقاءِ الحضاريِّ الروحيّ. وفي هذا الضوء نفهمُ سببَ اضطهاد رجال الدين لمُعظم العباقرة في سياق التاريخ، ذلك بأَنَّ إبداعَهم، عِلمًا، وفلسفةً، وأَدبًا، وفنًّا، يشقُّ طريقًا مُباشرةً إلى القوَّةِ الإلهيَّةِ الموجِدة هي أَيسرُ للإنسانِ الذكيِّ وأَوضحُ وأَقوَم من الطريق المُلتوية الوعثاء التي يفرضُها رجالُ الدين. فسقراط وكوبرنيكس وغاليله وبرونو وفولتير وروسّو وهيغو ولامرتين وتولستوي وجبران وغيرُهم كثيرون مِن العباقرة الذين اتُّهِموا بالهرطقة أو الإلحاد، فاضطُهِدوا وحُرِّمَت كتبُهم هم أَقربُ إلى جوهر الدين والروحانيَّة من أكثر رجال الدين.
إنَّ أَهمَّ ما يُفرِّقُ العِلمَ عن العقائد الدينيَّة التقليديَّة من حيثُ النظرةُ إلى الإنسان هو أَنَّ العِلمَ لا يُميِّزُ بين الإنسان والطبيعة. فالعناصرُ المادِّيـَّةُ التي كوَّنَته هي نفسُها التي كوَّنَت الطبيعة؛ ولِذا فالعُلماءُ لا يعتبرون الإنسانَ حدَثًا استثنائيًّا مُنفرِدًا في الكَون، فهو جزءٌ من كُلّ، ومُداخِلٌ للكُلّ. وهذا الاختلافُ في الموقف جعلَ انفصالاً وعداءً بين المفاهيمِ الدينيَّة والعِلم طوالَ قرونٍ كثيرة. وهنا فَضلُ الداهشيَّة. فتعاليمُها تُؤَيِّدُ العِلمَ بِشَبْكِه الكائنات جميعًا بعضِها ببعض؛ لكنَّها تزيدُ عليه إيضاحَها بأَنَّ النسيجَ الأصليَّ للكون كلِّه هو من السيَّالات الروحيَّة العاقلة التي تتفاوتُ مُستوَياتُها تفاوُتَ الكائناتِ نفسها؛ وهذا ما يُقيمُ الوحدةَ المادِّيـَّةَ كما الوحدة الجوهريَّة بين الموجودات جميعها، كبيرها وصغيرها، من المُستوى الأعلى إلى المُستوى الأدنى. فالداهشيَّة أَزالت الحاجزَ الذي وضعَه شارِحو العقائد الدينيَّة، بدافعٍ من استكبارهم، بين الإنسان والطبيعة، إذْ رفضوا أَن يكونَ في الحيوان والنبات والجماد خصائصُ نفسيَّة وحياةٌ عاقلة مسؤولة كما في الإنسان، ذلك بأنَّ الإنسانَ، في نظرِهم، هو سيِّدُ الكون. فضلاً عن ذلك فالتعاليمُ الداهشيَّة أَوضحَت أَنَّ الوحدةَ الروحيَّةَ الجوهريَّة قائمةٌ بين ما يُعتبَرُ “مادِّيـًّا” وما هو روحيٌّ محض، فألقى هذا المفهومُ ضوءًا على معقوليَّة تأثير الكائنات الروحيَّةِ المحض في الكائناتِ “المادِّيـَّة”، وذلك بواسطة الجوهرِ الروحيِّ المُشترك، أَي السيَّالات الروحيَّة، الذي يجمعُ بينها.
وتأثيرُ العلم الخطير في حياةِ البشر يقضي، وفقًا للتعاليم الداهشيَّة، بأَن تكونَ الغايةُ من استخدام إنجازاتِه شريفة، سواءٌ كانت اختراعاتٍ أم اكتشافات. ولا رَيبَ في أَنَّ معظمَ العلماء الكبار تُحرِّكُهم، أَصلاً، دوافعُ شريفة متولِّدة من طاقات الإبداعِ فيهم التي هي سيَّالاتٌ راقية. لكنَّ كثيرين منهم في أيَّامنا هذه—وللأَسف— تُؤَدِّي أَبحاثُهم وإنجازاتُهم إلى الضررِ بالبشر أو الحيوان أو الطبيعة؛ ذلك بأنَّ المُؤَسَّسات العسكريَّة أو الصناعيَّة تستخدمُ إنجازاتِهم بالاتِّفاق مع الجامعات أَو إدارات المُختبرات من غير أَن يعرفَ العلماءُ بذلك أَحيانًا كثيرة؛ وكثيرون منهم، في حال معرفتهم، إمَّا يكونون قد رُبِطوا بقيود العقود، أَو أُخرِسوا بالمال والوعود. حتَّى إنَّ هذا التورُّطَ المقصودَ أم غيرَ المقصود أَثارَ استنكارَ غير قليلٍ من المُفكِّرين، منهم دايفِد نوبِل David Noble وماكْس أُوتو Max Otto. ففي كتابٍ أَصدره حديثًا نوبِل بعنوان “دينُ التكنولوجيا” عرَّضَ بالجامعات التي تربطُ أَبحاثَ أَساتذتها من العُلماء، على غير علمٍ منهم، بالمُؤَسَّساتِ العسكريَّة.[9] وقد أَوضحَ المُفكِّرُ الأَمريكيُّ، الأَلمانيُّ المولد، ماكْس أُوتو في كتابه “العِلمُ والحياةُ الخُلُقيَّة” خطرَ انجراف العُلماء إلى خدمةِ الأَغراضِ السياسيَّة غير الشريفة، ولا سيَّما عند استدراجِ أَصحاب السلطة العباقرةَ منهم واستثمارِهم لطاقاتهم الإبداعيَّة في تدمير العُمران وقَتلِ المُحاربين وغير المُحاربين من الأبرياء رجالاً ونساءً وأَطفالاً.[10]
ومن الأخطاء الفادحة بل المُضلِّلة أَن نظنَّ أَنَّ العلمَ ليس من شأنه أَن يُعنى إلاَّ بالوقائع، وأَنَّ العُلماءَ لا علاقةَ لهم بالقِيَمِ العُليا. فكثيرون هم العُلماءُ الذين يقفون ضدَّ استخدام الطاقة النَّوَويَّة، مثلاً، للأَغراض الحربـيَّة. وكثيرون أَيضًا هم الذين يقفون موقفًا مُضادًّا لاستخدام هندسة الجينات أو الاستنساخ البيولوجيّ في أَغراضٍ غير خُلُقيَّة أَو مُناقضة للغاية الإلهيَّة من الحياة.[11]
إنَّ العُلماءَ الذين يستثمرون مواهبَهم لاختراعِ ما يُؤذي الناسَ في حياتهم أو مُمتلَكاتِهم، سواءٌ كان عملُهم بمحضِ حُرِّيـَّتهم واختيارهم أَو طمعًا بمال، يُسفِّلون سيَّالاتِهم الروحيَّة التي هي مصدرُ مواهبِهم، وبالتالي يُعاقَبون، لأنَّ ما ينطبقُ على الناس جميعًا من حيثُ الخيرُ والشرّ، ينطبقُ عليهم. يقول الدكتور داهش في كتابه “كلمات”، قبل اختراع القنبلة النَّوَويَّة بنحو عشر سنوات: “لقد حَزَّ في نفسي مُشاهدتي أَنَّ الأَطماعَ قد ازدادت في نفوس البشر، والجشعَ حفرَ أَخاديدَه العميقة في أَعماقِهم جميعًا، كما أَنَّ الاختراعاتِ المُرعِبة أَصبحت هي المُسيطرة على شؤونِهم.”[12] وكان يُحزِنُ رجُلَ الروح أَن يرى أَنَّ بَونًا شاسعًا يفصلُ العُلماءَ خاصَّةً، والعباقرةَ عامَّةً، مِمَّن يكونون أُمناءَ لرسالاتِهم، وهم نُخبةٌ ضئيلة في العالَم، عمَّن جرَفَتهم الأَطماعُ والشَّهواتُ الدُّنيَويَّة وخانوا رسالاتِهم. كما كان يُحزِنُه أَنَّ ذَوي المواهبِ العالية المُحافظين على سُمُوِّ سيَّالاتهم قلَّما استطاعوا التأثيرَ الواسعَ في عامَّةِ الناس الذين ما زالوا الأَكثريَّةَ الساحقة في كلِّ مكان، يُلازمون مُستواهم الفكريَّ النـزوعيَّ الوضيع على كرور القرون. يقولُ الدكتور داهش في مُقارنةٍ بين التقدُّم التكنولوجيّ والتدهوُر الخُلُقيّ في القرن العشرين: “حقًّا إنَّ الإنسانَ سيطرَ باختراعاتِه المُذهِلة على البحرِ والجَوِّ، ولكنَّه، للأَسف، لم يستطع أَن يُسيطرَ على نزواتِه ورغباتِه!”[13]
مُؤَسَّساتُ التعليم العالي:
دورُها ومسؤوليَّـتُها في الرُّقيِّ الحضاريّ
في ضوءِ التعاليم الداهشيَّة ليس من اختلافٍ بين مسؤوليَّة معاهد التعليم العالي التربويَّة وما يضطلعُ به الأَهلُ ومُؤَسَّساتُ التعليم الابتدائيّة والثانويّة من حيثُ ضرورةُ إيقاظِ النَّـزعات السامية في الطالب والتركيز على الأَهدافِ الإنسانيَّة في كلِّ تعليم؛ وقد تحدَّثتُ عن هذا الأمر في حلقاتٍ سابقة تناولتُ فيها الرُّقيَّ الروحيّ. لكنَّ هذا لا يعني أَن تتحوَّلَ معاهدُ التعليم العالي إلى ما كانت عليه في أُوروبَّا القرونِ الوُسطى: منابرَ للوعظِ الدينيِّ الذي لا يتعدَّى الشِّفاه، ومعاقلَ لدراسةِ اللاهوت المُتمَحَّل المُعقَّد، وإن وسَّعَت آفاقَها فلتشملَ دراسةَ الطبّ والقانون فقط. فالمعرفةُ بجميع مجالاتِها يجبُ أَن تنفتحَ آفاقُها للطلاّب، لكي تنفسحَ الفُرَصُ المُؤَاتية للمواهبِ الكامنة في سيّالاتهم جميعها. فمُؤَسِّسُ الداهشيَّة كان يَرثي للدُوَلِ العربيَّة لأَنَّها لا تهتمُّ كفايةً بتدريسِ الفنونِ وإنشاءِ المتاحف. فمن الإجرام خَنقُ المواهب الفنِّـيَّة أو الأدبيَّة أو العِلميَّة بدعوى أَنَّها قد تُخالفُ المُعتقداتِ الدينيَّة بوجهٍ من الأَوجُه. فالفلسفةُ والآدابُ والفنون بجميع حقولها ضروريَّة لرُقيِّ المجتمع ، في المفاهيم الداهشيَّة، كما ضروريَّةٌ هي العلومُ الإنسانيَّة والطبيعيَّة، وبدونها تتقلَّصُ الثقافةُ وتنحصرُ في ما كانت عليه في عصور الظلام بأُوروبَّا.
لكنْ لا يكفي لترقيةِ المجتمع أَن يتكاثرَ الطلاّبُ وهم أَشبهُ بخزائنَ للمعارف؛ فبين اذِّخارِ المعرفة وتحويلِها إلى ما ينفعُ صاحبَها ويُفيدُ المجتمع فرقٌ كبير. فالحكيمُ ليس مُجرَّدَ جامعِ حكمة؛ ومُتذوِّقُ الأَدبِ أَو الفنّ ليس بالضرورة أَديبًا أو فنَّانًا؛ ومُطبِّقُ العلوم ليس بمُستوى مُبدِعِها. ولِذا فالمجتمعُ الراقي هو الذي يتكاثرُ فيه الحُكماءُ كما المُبدِعون في الأَدبِ والفنّ وكذلك في العِلم. ومن أَجلِ تحقيقِ هذا الهدَفِ الحَيَويِّ، تُؤَدِّّي معاهدُ التعليم العالي دورًا أساسيًّا بتشجيعِها ذَوي المواهب ومُساعدتِهم معنويًّا ومادِّيـًّا، ليستطيعوا أَن يُحقِّقوا ما تذَّخرُه طاقاتُهم الإبداعيَّة؛ ذلك بأَنَّ من الطلاّبِ الموهوبين سيكون عباقرةُ الغَد الذين سيُسهِمون في تطويرِ مُجتمعاتِهم وربَّما إفادةِ الإنسانيَّةِ بأسرها.
على أَنَّ لِمُؤَسَّساتِ التعليم العالي عدَّةَ مسؤوليَّاتٍ جليلة عليها الاضطلاعُ بها:
أَوَّلاً- الحُرِّيـَّة: على معاهد التعليم العالي أن تدعمَ حُرِّيـَّةَ الاعتقاد والتعبيرِ والنشر والنَّقدِ البنَّاء؛ فبدون مُناخِ الحُرِّيـَّة يستحيلُ أن تنموَ السيّالاتُ الحاملةُ للمواهب المُبدِعة. من أَجلِ ذلك تتفاقمُ هجرةُ الأدمغة المُمَـيَّزة من الدُّوَلِ التي تعيشُ في أَجواءِ القَمعِ والكَبحِ والإرهاق إلى الدُّوَلِ التي تجِدُ فيها مُتَنَفَّسًا، فتُسهِمُ بالتالي في تطويرِ البُلدانِ المِضيافة، بينما تفتقرُ وتضمرُ الإمكاناتُ الحَيويَّةُ المُطوِّرة في الأوطانِ المهجورة. إنَّ الحُرِّيـَّة، في التعاليم الداهشيَّة، يجبُ أَلاَّ يَـحُدَّها إلاَّ إساءةُ استعمالِها خُلُقيًّا أو اقتصاديًّا أو أَمنيًّا.
ثانيًا- الشكُّ النَّقديّ: عليها أَن تُدرِّبَ الطلاّب على الشكِّ النقديِّ في المُسلَّماتِ القديمة توصُّلاً إلى تقويم “الحقائق” العلميَّة؛ ذلك بأنَّ “الحقائقَ” العلميَّة نسبيَّة ومُتطوِّرة، سواءٌ كانت في العلوم الطبيعيَّة أم الإنسانيَّة أم في الوقائع التاريخيَّة أم الدينيَّة. هذا ما تعلَّمتُه من مُؤَسِّس الداهشيَّة. فكثيرًا ما ذكرَ أمامي أُمورًا كانت تُنشَرُ في حينها على أَنَّها حقائق علميَّة، فيُؤَكِّدُ لي أَنَّها غيرُ صحيحة؛ منها، مثلاً، قياسُ أعمار بعض الآثار المُكتشَفة بالكربون المُشِعّ 14؛ فقد قال لي، في عام 1970، إنَّ هذه الطريقة عاجزة عن قياس عُمر الأَثَر إلاَّ إذا كان بضعةَ آلافٍ من السنين فقط، ولذلك فعلى العُلماء استخدامُ طريقةٍ أُخرى تكون أَكثرَ فعَّاليَّة. وهذا ما أَخذوا يلجأُون إليه اليوم. كذلك فقد انتقدَ أمامي نظريَّةَ داروِن التطوُّريَّة، قائلاً لي إنَّها لا تصحُّ على كلِّ شيء، وخاصَّةً على ظهورِ الإنسان الحديث، وعليهم أن يُعيدوا النظرَ في هذا الأمر؛ وغيرُ قليلين هم العُلماءُ الذين بدأُوا يشكُّون في الصحَّةِ العامَّة لنظريَّة داروِن. كما إنَّه انتقدَ أمامي نظريَّةَ فرويد في أنَّ الدافعَ الجنسيَّ هو في أساس نشاط الإنسان الفكريّ حتَّى الإبداعيِّ منه والدينيّ، وذلك يومَ كنتُ أُعِدُّ أُطروحةَ الدكتوراه في علم النفس الأَدبيّ في بداية السبعينيَّات، فأَكَّدَ لي أنَّ ذلك خطأ، وأنَّ أساتذةَ الجامعات إنَّما يأخذون بها لأنَّها تُدغدغُ غرائزَهم ورغباتِهم الدُّنيا. وها إنَّنا نرى عشراتِ العُلماء اليوم ينقُضون نظريَّةَ فرويد. وكم مرَّةٍ ذكرَ لي أَنَّ كثيرًا مِمَّا يُسَمَّى “حقائقَ تاريخيَّة” أَو “حقاائقَ دينيَّة” ليس إلاَّ أكاذيب أو مُبالغات، وأَنَّ المُستقبلَ سيكشفُ عن كثيرٍ منها. ومن هذا القَبيل كان إعجابُه بالمُفكِّر والمُؤَرِّخ الفرنسيِّ إرنِست رينان Ernest Renan الذي انتقد، في كتابه عن “حياة يسوع” la vie de Jésus ، المُغالاةَ في رواية بعض المُعجزات. لكنَّ هذا الفكرَ النَّقديّ الذي كان عند الدكتور داهش، والذي أراد أن يتمتَّعَ به أَتباعُه، لم يُؤَثِّر في إيمانه بقُدسيَّةِ الأناجيل وصحَّةِ ما وردَ من أَقوال المسيح فيها.
هذا النهجُ النَّقديُّ الساعي إلى اكتشافِ الحقائق الموضوعيَّة أَخذَ به معظمُ أَربابِ التعليم العالي في العالَم، ولا سيَّما الغرب. ولعلَّ ما أَعلنَه العالِمُ الأمريكيّ الفلَكيّ، كارْل ساغن Carl Sagan، عام 1980، في برنامج تِلفازيّ، يختصرُ موقفَهم؛ فقد قال: “إنَّنا نرغبُ في اكتشاف الحقيقة حيثما وُجِدَت، لكنَّنا نحتاجُ، من أَجل هذه الغاية، إلى كِلا الخيالِ والشكِّ النقديّ. ولن نخافَ من إرسالِ الظنّ، بَيدَ أَنَّنا سنكون حريصين على التمييز بين التظنِّي والوقائع.”[14]
هذا التمييزُ بين الظنِّ والواقعة لم يأخذ به، وللأَسف، كثيرون من العرب، رجالَ فكرٍ كانوا أم رجالَ دينٍ أو دُنيا. وعدمُ تحرِّيهم للوقائع، بل عدمُ حبِّهم لنُشدان الحقائق هو الذي جعلَهم يضطهدون كلَّ مَن يأتي بالجديد، أو يدعو إلى إعمال الفكرِ والنَّقدِ في المُسلَّمات القديمة، وهو الذي يُبقيهم أَسرى ماضيهم وتقاليدهم الثقافيَّة، الفكريَّة والدينيَّة والاجتماعيَّة، وهو الذي يحولُ بينهم وبين الارتقاءِ الحضاريّ الحقيقيّ.
ومع الأَخذِ بالشكِّ النَّقديِّ طريقًا إلى الحقيقة، فلا يخطُرنَّ في بالِنا أنَّ بإمكانِ الإنسان أَن يتوصَّلَ إلى حقائقَ يقينيَّة حتَّى على صعيد العلومِ الطبيعيَّة أَو الإنسانيَّة، فإنَّما هي احتمالاتٌ مُرجَّحة أَكثرُ من غيرها. فتاريخُ العلوم حافلٌ بالنظريَّات التي ينقضُ أَو يُصحِّحُ بعضُها بعضًا. وهكذا يبقى الشعارُ في حقلِ العلوم: “ابْحَثْ وأَبقِ عقلَكَ مُنفتِحًا على تقبُّلِ الجديد.”[15]
ثالثًا— سلامة المنطق في التفكير: لا يُمكنُ الوصول إلى الحقائق الموضوعيَّة بمُجرَّدِ التفكير، فثمَّةَ أُصولٌ للتفكير السليم، بدونها يخبطُ المُفكِّرُ خبطَ عشواء، ولا يصلُ إلى الغايةِ المرجُوَّة، وعلىمعاهد التعليم العالي أن تُدرِّبَ الطلاّبَ على الأَخذِ بها ليس في أبحاثهم الجامعيَّة فحسب، بل في مختلف شؤون حياتهم. فنَقدُ الدكتور داهش للمُبالغات في رواية بعض المُعجزات الإنجيليَّة أو الأخبار التاريخيَّة الواردة في العهدِ القديم من الكتاب المُقدَّس هو مثَلٌ واضحٌ على ذلك. ومثَلٌ آخَرُ قولُه تكرارًا أمامَ أتباعِه: “إنَّ كلَّ بشرٍ مُعرَّضٌ للأَخطاء ما دام بشَرًا؛ والباباواتُ بشَرٌ، فكيف يقولون عنهم إنَّهم معصومون من الأخطاء!” ولم يكُن رجلُ الروح يقصد أَخطاءَهم الشخصيَّة فحسب، بل أيضًا أخطاءَهم في الأُمور الدينيَّة. فالبابواتُ هم الذين أَمروا بالحروبِ الصليبيَّة وكانوا وراءَ حروبٍ دينيَّةٍ كثيرةٍ غيرها، وهم الذين أَمروا بقيام محاكم التفتيش الرهيبة. وهم الذين اضطهدوا العلماءَ وسائر العباقرة وحرَّموا كتُبَهم… وقياسًا على ذلك ليس من التفكير السَّديد أَن يُؤمنَ كثيرون— وبينهم مُفكِّرون— بأنََّ بين الناس مَن يتمتَّعُ بقوَّةٍ فكريَّةٍ خارقة يستطيعُ بواسطتها صُنعَ المُعجزات أو معرفة الغَيب. فكلُّ مُعجزةٍ أو نبوءة هي “خَرقٌ” للقوانين الطبيعيَّة مثلما نعرفُها؛ والقوانينُ الطبيعيَّةُ يخضعُ لها كلُّ إنسان، فكيف بإمكان السجين أن يكونَ طليقًا وهو في السجن من ولادته إلى موته. إنَّ القوانين الطبيعيَّة وضعَتها القوَّةُ الموجِدة، و”اللهُ لا يلعبُ بالنَّرد”، على حَدِّ قول آينشتاين. فالمُعجزةُ التي تحدثُ على يَدِ نَبيّ ليس يصنعُها هو، بل قوَّةٌ روحيَّةٌ لا تخضعُ للقوانين الطبيعيَّة الأرضيَّة.
رابعًا- الاعتبارُ بأَحداثِ التاريخ: “الإنسانُ مُشتَـقٌّ من النسيان”، هذا ما كان يقولُه مُؤَسِّسُ الداهشيَّة. وأَحداثُ التاريخِ قديمِه وحديثِه شاهدةٌ على صحَّةِ قوله. فالإنسانُ لم يعتبِر بما تجرُّ عليه الحروبُ من ويلات، ولا التعصُّبُ الدينيُّ من نكبات، ولا المطامعُ من قلقٍ وهموم، ولا الانجرافُ في شهواتِ اللحمِ والدَّمِ من أَمراضٍ وسُموم، ولا رَفضُ القِيَمِ الإنسانيَّةِ من نَبذٍ وشقاء، ولا الاستكبارُ والغطرسةُ من انقلابٍ وهوان، ولا البَذخُ والأَشَرُ من تحوُّلِ الحال… فمِمَّا يُضاهي دراسةَ التاريخ السياسيِّ أو الدينيِّ أو العلميّ أَهمِّـيَّةً الاعتبارُ بالأحداثِ الواقعة، والربطُ بين الأسبابِ والنتائج في كلِّ حالٍ ومآل، لتلافي الوقوع في الهوَّةِ التي وقعَ السََلفُ فيها. فالتسرُّعُ في إعلانِ الحروب وقَلبِ الأنظمة ورَفضِ القِيَم كالتسرُّع في وَصفِ الأَدوية وهندسة الجينات دونما علمٍ يقينيٍّ بالنتائج. فالتعليمُ العالي يجبُ أَلاَّ يغيبَ عنه أنَّ وراءَ القوانين الطبيعيَّة والبشريَّة قوانينَ روحيَّة يستحيلُ خرقُها.
خامسًا- الانفتاحُ على التعدُّدِ الثقافيّ: إنَّ كُلِّـيَّاتِ العلوم لا تنظرُ إلى جنسيَّات العُلماء وهي تُدرِّسُ عِلمًا معيَّنًا، بل تنظرُ إلى العُلماء جميعًا، في أَيِّ حقلٍ كانوا، على أَنَّهم حلقاتٌ مُتَّصلة في سلسلةٍ طويلة قد تمتدُّ إلى ما لا نهاية؛ فأَبقراط وابنُ سينا وباستور ومايكل دَبَغي يُشكِّلون سلسلةً واحدة. وهكذا يجبُ أن تنظرَ معاهدُ العلومِ الإنسانيَّة والآداب والفنون، بحيثُ لا يبقى عبقريٌّ خارج خطٍّ من خطوطِ المعرفة؛ فيُدرَّسُ، مثلاً، المعرِّيّ إلى جانب دانتِه Dante وملتن Milton، ويُدرَّسُ فولتير Voltaire وروسُّو Rousseau وهيغو Hugo إلى جانب غوتِه Goethe وتولستوي Tolstoi، وهلمَّ جرًّا، على الأَقلّ كموادَّ اختياريَّة للطلاّب الذين يُجيدون أكثرَ من لُغةٍ واحدة. ويبدو أنَّ جامعاتِ الولاياتِ المُتَّحدة بدأَت تتَّجهُ هذا الاتِّجاه، في نظامِها التعليميِّ، لكنَّ خُطواتٍ كثيرة ما تزال ناقصة لاستيعاب الأفضل في سائر اللُغات. إنَّ التعدُّدَ الثقافيَّ يُخفِّفُ حدَّةَ الغُلواء القوميَّة، ويُشعِرُ الطلاَّبَ بإنسانيَّةٍ واحدة ينتمون إليها، ويدعُهم يتقاربون في الشعور والتفكير والقِيَمِ، ويُقوِّي أَواصرَ التعاطُف والأُخوَّةِ والتسامُح بينهم. وهذا من أَهداف الداهشيَّة، وقد رمَت إليه الهداياتُ الروحيَّةُ الصادقة جميعها.
فالاستعلاءُ الثقافيُّ خطيئةٌ حضاريَّة قد ترفعُ أَصحابَها إلى حين، لكنَّها تُؤَدِّي، مع كرور الزمَن، إلى سقوطِهم المحتوم. فآدمُ وحوَّاء ما سقطا إلاَّ بعد أن داخلَهما أنَّهما سيُصبحان من الآلهة في المعرفة. فمعاهدُ التعليم العالي، في البلدان المُتقدِّمة حضاريًّا عليها أَن تُدركَ أَنَّ النعمةَ التي نالتها، إنَّما أُعطِيَتها من فوق، ولِذا فعليها، من أَجل أن تصونَ هذه النعمة، أَن تعملَ بالمبادئ التي تنـزلُ من فوق: العطف والمحبَّة ومُساعدةُ الضعيف وعدمُ الاستكبار على المُتخلِّف. فنعمةُ الثقافة كنعمة المال قد تكونُ سيفًا ذا حدَّين. وعلى الإنسان المُتفوِّق حضاريًّا أَلاَّ يغيبَ عن بالِه لحظةً أنَّ نعمةَ الحضارة التي يرتعُ فيها، إنَّما حظيَ بها لأنَّه استحقَّها في دورةٍ سابقة؛ لكنَّه قد يخسرُها إذا غابَ عنه أَنَّه ليس هو صاحبَ القدرة والنعمة، بل ثمَّةَ قوَّةٌ موجِدة هي التي تَزِنُ بميزان العدالة والاستحقاق، وهي التي تُوزِّعُ النِّعَم وفقًا لقوانينَ أزليَّة أبديَّة.
سادسًا- الاتِّضاعُ والتسليمُ بوجود قوَّةٍ موجِدة: من أَقوال المُفكِّر الكبير فاكلاف هافِل Vaclav Havel، رئيس جمهوريَّة تشيكوسلوفاكيا: “مِن المُحتمَل أَنَّ على البشريَّة، نظرًا لطبيعتِها غير القابلة للإصلاح، أَن تمرَّ في كثيرٍ من أَمثال المجازر الرَّوَنديَّة والكوارث الشِّرنوبيليَّة قبل أَن تتوصَّلَ إلى إدراك أَنَّ الإنسانَ الذي ينسى أنَّه ليس الله هو في غايةِ قِصَرِ النَّظَر.”[16]
وفي رأيِ الدكتور داهش أنَّه إذا لم يستطع واحدٌ من أَربابِ التعليم، أو العلم والفكر والأدب، أن يهتديَ إلى أدلَّةٍ مادِّيـَّة لوجود الخالق، فعليه ألاَّ يُجازفَ فيُذيعَ رأيَه السلبيَّ غيرَ القائم على أَيِّ دليلٍ أيضًا مُدَّعيًا أنَّه الرأيُ الحقّ. فالعِلمُ ما يزالُ عاجزًا عن كشفِ ما لا يُحصى من الأسرار في الطبيعة المادِّيـَّة نفسها،[17] فكيف بالأحرى في العالَمِ الروحيّ الذي لا مجالَ للعلِم الأرضيّ في أن يبلغَ إليه. فإثباتُ خلودِ الروح وبالتالي تأكيدُ وجودِ الله بصورةٍ ملموسة لا يُمكنُ تمامُه إلاَّ بصُنع المُعجزات التي أُيِّدَ الأنبياءُ والمُرسَلون وحدَهم بالقوَّةِ الروحيَّةِ التي تصنعُها، فهي وحدَها تُقيمُ الدليلَ على وجودِ قوَّةٍ غير بشريَّة وغير أرضيَّة، لأنَّها “تخرقُ” القوانينَ الطبيعيَّة مثلما نعرفُها، وتُنبئُ بوجود قوَّةٍ خارقة غير خاضعة لنواميس المادَّة. أَمَّا العلمُ البشريُّ فمن المُتعذِّر أن يستطيعَ البرهنة المادِّيـَّة على خلود الروح ووجود الخالق، ذلك بأَنَّ طاقتَه محدودةٌ بطاقةِ الإنسان الإدراكيَّة، وهي ما تزالُ في طفولتِها. يقولُ الدكتور داهش في جوابٍ عن سؤالٍ طرحتَه مجلَّة “بروق ورُعود”، في عددها الأَوَّل، عام 1968:
… هذا العصرُ بقدرِ ما يُحيطُ العِلمَ والعقلَ بالأَمجاد، يملأُ الأرضَ بالإلحادِ والفساد. فالعلومُ والاختراعاتُ التي أَصبحَت بمُتناوَلِ الجميع بدلَ أَن توقِظَ نفوسَ الناس على الحقيقة، زرعَت الشكَّ فيها من الناحية الدينيَّة. وتبَعًا لذلك تلاشَت القِيَمُ الروحيَّة، فما عاد يُؤمنُ بها أَحَد، وأَصبحَت الأَكثريَّةُ الساحقة من أَبناءِ البشر تقول إنَّ الإنسانَ أَشبهُ بسيَّارةٍ ما إن يتقادمُ عليها العهدُ حتَّى تُلقى بين أَكوامِ النفايات لا يأبهُ بها أَحَد… كما تتفكَّكُ هي يتفكَّكُ هو وينحلّ، إذْ لا روحَ فيه تكونُ مسؤولةً عمَّا ارتكبَته من موبِقات وحسنات… فلا يوجَد إذًا ثوابٌ وعقاب، كما ليس من جحيمٍ أو نعيم. ونتيجةً لهذا المنطق الفاسد أَصبحَ هؤلاءِ الكُفَّار، في عصرِنا الحاليّ، يجحدون الكُتُبَ السماويَّة المُنـزَلة ويُجرِّدونها من كلِّ قيمة. في هذا الوقت الذي أصبحَ الشكُّ والإلحادُ فيه دينَ مُعظمِ الناس، ظهرَت الداهشيَّة لتُبرهِنَ للجميع مِمَّن لا يُؤمنون بوجود الروح وبالقِيَمِ الروحيَّة عكسَ ما يعتقدون تمامًا.
وسائطُ الإعلام: دورُها ومسؤوليَّـتُها
دَورُ وسائطِ الإعلامِ ومسؤوليَّـتُها َخطيران، لا سيَّما ونحن على مشارفِ قرنٍ جديدٍ اتَّسعَت فيه الوسائطُ الإعلاميَّةُ اتِّساعًا مُدهِشًا ما كان لِيخطرَ في بالِ الأجيالِ السالفة. فبعد أَن أَحدثَ اختراعُ الطباعةِ بالحروفِ المتنقِّلة ثورةً أَسهمَت إسهامًا كبيرًا في تعميم الثقافةِ ونهضة أُوروبَّا وبالتالي العالَم، إذا بالصِّحافةِ تظهر، تعقبُها أَجهزةُ الإذاعة فالتلفزة ثمَّ شبكةُ الإنترنيت العالَميَّة التي سرعانَ ما تهيَّأَت فيها الترجمةُ الفوريَّةُ بين معظمِ اللُغات.
لكنَّ المعلوماتِ التي تنهمرُ علينا دونما توقُّف من كلِّ حَدبٍ وصَوب ليست، في الغالب، معرفةً حقيقيَّة، أَي وقائعَ صحيحةً موزونةَ القيمة. وإنْ يكُن بعضُها معرفةً صحيحة، فبينه وبين الحكمة الهادِية بَونٌ شاسع. ومجتمَعٌ يُصيبُه على الدوام طوفانٌ من المعلوماتِ الهوجاء بدون سُورٍ من الحكمةِ يَعصمُه عن التصدُّع أو الغرَق، أو منارةٍ تَهدي سُفنَه إلى شاطئ الأمان لَمُهدَّدٌ من كلِّ جانب.
في هذا الخِضمِّ الجديد الهاجِمِ مَدُّه على كلِّ مُجتمَع، يترتَّبُ على وسائطِ الإعلام عدَّةُ واجبات لكي يكونَ دَورُها بنَّاءً هادِيًا لا هدَّامًا مُضلِّلاً:
أَ- أَن يُدرِكَ المسؤولون عنها أنَّهم أَصحابُ رسالةٍ فكريَّةٍ اجتماعيَّةٍ خُلُقيَّة، وأَنَّهم مسؤولون أمام ضمائرهم وأمام الله والناس عن تأديتِها بنـزاهةٍ وإخلاص. وفي رسالتِهم أَن يذودوا عن ذِمارِ الحُرِّيـَّاتِ العامَّةِ والخاصَّة، كما عن العدالة وحقوقِ الإنسان الطبيعيَّة التي ناضلَ من أجلها كِبارُ المُفكِّرين طوالَ قرون. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة في رسالةٍ له نشرَتها صحيفةُ “الأَسواق” البيروتيَّة بتاريخ 14/2/1953، وذلك بعد استردادِه لجنسيَّتِه اللبنانيَّة التي كان رئيسُ لبنان، بشاره الخوري، قد جرَّدَه منها اعتِسافًا:
إنَّ الحُرِّيـَّةَ مِنحةٌ سماويَّة يَهَـبُها اللهُ لمخلوفاتِه، ولا توجَدُ قوَّةٌ أَرضيَّة تستطيعُ حجبَها عن أَيِّ مخلوق. وإنْ أَعجَبْ لأَمر، فعجَبي هائلٌ لوقوفِ الصِّحافة موقفَ اللامُبالاة وعدمِ الاكتراث حولَ أَمرِ نَزعِ جنسيَّتي، مع أَنَّ واجبَ الصَّحَفيِّـين— والصَّحَفيُّون أَصحابُ رسالةٍ سامية—أَن يُدافعوا عن الحُرِّيـَّات دفاعًا جبَّارًا، ويُزلزِلوا بأَقلامِهم الناريَّة ارتكاباتِ أَيِّ وُصوليّ يبغي على الحُرِّيـَّة.[18]
ثمَّ يُعلِّقُ بأَنّ سيفَ الطاغية الذي خشيَه أَو مالأَه الصَّحَفيُّون لا بدَّ من أَن يهويَ على رؤوسِهم في أَيَّةِ لحظة ينتهزُها الباغية، وبأَنَّ أُوروبَّا اختبرَت هذه المحنة مع قامعي الحُرِّيـَّات، فأَسقطَت شعوبُها الحكوماتِ ودكَّت العروش؛ والثورةُ الفرنسيَّةُ هي الدليلُ الصارخُ على ذلك.
وإذْ ينظرُ الدكتور داهش إلى موقف الصِّحافة الشرقيَّة من قامعي الحُرِّيـَّات، آنئذٍ، يحزنُ ويسخطُ عليها لتجاهُلِها بل تدنيسِها رسالتَها، وبَـيعِها نفسَها في سوق النخاسة. يقولُ في كتابه “بريء في الأَغلال”: “أَلا لا بارَكَ اللهُ بكلِّ صحيفةٍ تبيعُ ذمَّتَها ودينَها وشرفَها في سبيلِ بعضِ دُرَيهماتٍ بل وُرَيقات لا تُغني ولا تُسمِن.”[19]
لكنَّ الصَّحَفيِّـين العربَ عامَّة واللبنانيِّـين خاصَّةً، عهدئذٍ، شَذّ عنهم في موقفِهم المُخزي من مُمالأَة رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة في اضطهاد مُؤَسِّس اللداهشيَّة، أو مُمالأَة رجال الدين وبخاصَّةٍ الكاثوليك منهم، صحافيٌّ جريءٌ ونبيلٌ واحد كان قد أَنشأَ صحيفةً في المهجر الأرجنتينيّ هو جبران مَسُّوح. فبعد أن اطَّلعَ هذا الصَّحَفيُّ الشريف على تفاصيل المُؤامرة الرهيبة ضدَّ مُؤَسِّسِ الداهشيَّة وزَجِّ أتباعِه في السجون، وبينهم أَديبةٌ ورسَّامةٌ كبيرة هي السيِّدة ماري حدَّاد، شقيقة زوجة الرئيس الطاغية نفسها، تطوَّع للدفاع عن الحُرِّيـَّات المُضطَهدة وانقضَّ على رأس الرئيس وزبانيتِه انقِضاضَ النسر الكاسر، فنشرَ سلسلةَ مقالاتٍ في أعدادٍ مُتوالية من مجلَّته “المُختصر” دحضَ فيها الظلمَ والباطل وناصرَ الحقّ. وقد أرسلَ رسالتَين إلى كلٍّ من بشاره الخوري ورئيس وزارته يومئذٍ، رياض الصُّلح، يضعُهما فيهما أمام مسؤوليَّاتِهما وأمام محكمة التاريخ. مِمَّا يقوله في رسالته إلى بشاره الخوري المُؤَرَّخة في 2/9/1946:
… تمرُّ بالحادث شخصيَّاتٌ كثيرة، ولكنَّ الشخصيَّةَ التي تطفو على الجميع هي ماري حدَّاد، تلك الباسلة التي مثَّلَت دورَ إميل زولا في حادث دريفوس وفولتير في دفاعِه عن الذين ظلمَتهم محاكمُ التفتيش؛ بل هي بزَّت الاثنَين معًا في تقديس عقيدة والنضالِ لأجلِ حُرِّيـَّةِ الفكر والكتابة والاجتماع. ومن عجائب الأقدار أَن لا يوجَدَ في لبنان مَن يُدافعُ عن حُرِّيـَّةِ الإنسان غيُر امرأَة، على كثرةِ الذين يتبجَّحون في الكتابةِ والخطابةِ والشعر…[20]
ويزيدُ قائلاً في رسالته إنَّه سيُؤَلِّفُ كتابًا في هذا الموضوع يُفصِّلُ فيه هذه الجريمة التي وقفَت فيها ماري حدَّاد “وقفةَ أسد تألَّبَت حوله جميعُ أنواع الحيوان، وهي تُحاربُ وحدَها لأجلِ حُرِّيـَّةِ الفرد في الشرقِ كلِّه، بينما جميعُ كُتَّابِنا ومُفكِّرينا يتفرَّجون عليها كأَنَّهم شرذمة من القُرود… وسيكونُ صاعقةً على أَعصابِ جميع حمَلَةِ الأقلام في الشرق، ليُفيقَ شعبُنا ويسأَلَ: هل عنده كُتَّاب وأُدباء؟ أم عنده زُمرة عبيد موجودين دائمًا تحت الطلَب في أَسواق المَزاد؟”
والمُؤسِفُ أنَّ هذا الصَّحَفيَّ النبيل الفريد توفَّاه اللهُ قبل إتمامه كتابَه. وقد صدقَ في قولِه بمُقدّمة رسالته هذه إلى بشاره الخوري بصَدَد حادث اضطهاد الدكتور داهش: “من رأيي أن تتناولَه أقلامُ الكُتَّاب بشيءٍ من الصراحة والغَيرة على الحقّ ليكونَ خُطوةً إلى الأمام في كلِّ الأقطار العربيَّة. أمَّا إذا لم يقُم المُفكِّرون بواجبِهم نحوه، فهو بدون شكّ خُطوة إلى الوراء. ومعلوم أنَّ كلَّ خُطوة من هذا النوع—سواءٌ كانت إلى الأمام أَم إلى الوراء— تجرُّ وراءَها خُطواتٍ من جنسها.”
إنَّ التاريخَ صدَّقَ قولَ مسُّوح. فالصحافةُ العربيَّة اعتادت السكوتَ عن الحقِّ المهضوم حتَّى استطابت وِقفةَ المهانة وأَدمنَتها، فإذا هي اليوم، بعد أكثر من نصف قرن، ما تزالُ لا تجرؤ على رَفعِ الصوتِ بوجهِ الظالمين، وعلى مُناشدتِهم بإعادة الحقوق والحُرِّيـَّات إلى مَن سُلِبوها. بل إنَّ الصحافةَ العربيَّة أصبحَت رهينةَ السلطات إلاَّ في ما ندَر. وهذا الوضعُ المُزري ساعدَ على تخلُّف المُجتمعات العربيَّة بدلَ تقدُّمِها. فالخطوةُ المَهينةُ الأُولى جرَّت “وراءَها خُطواتٍ من جنسها.”
لكنَّ المُشكلةَ في البلدان العربيَّة وكثيرٍ غيرها، خاصَّةً في العالَم الثالث، لا تنحصرُ في الصِّحافة نفسها، بل تمتدُّ إلى أَنظمةِ الدُّوَل وأَوضاعِها الداخليَّة. فكثيرةٌ هي الدُوَلُ التي ما تزالُ تقمعُ الحرِّيـَّةَ الإعلاميَّة إمَّا مُباشرةً أو غير مُباشرة. تقول السيِّدة أَليس شازان Alice Chasan، رئيسة تحرير مجلَّة World Press Review، في افتتاحيَّةٍ لعدد أَيَّار (مايو)، عام 2000: “إنَّ أَعداءَ الصِّحافة الحُرَّة يتنكَّرون بأقنعةٍ مُختلفة: حكوماتٍ قَمعيَّة، عصاباتٍ إجراميَّة، مُوظَّفين رسميِّـين فاسدين، ميليشياتٍ عسكريَّة. والعوائقُ التي تعترضُ الصَّحَفيِّـين تشملُ أَساليبَ أَدقَّ من شطبة المُراقبِ السوداء أو اعتساف السجَّان: فعشراتٌ من الدوَل تستخدمُ قوانينَ جنائيَّة ضدَّ التشهير، وإجراءاتٍ مُتعرِّجة للترخيص، وصِيَغًا أُخرى من التنغيص القانونيّ بهدَفِ السيطرة على أَخبار الصِّحافة.”
ب- واجبٌ ثانٍ يقعُ على وسائطِ الإعلام هو أَن يرتدعَ القَيِّمون عليها عن إساءةِ استعمالِ الحُرِّيـَّة التي مُنِحوها، فيتحاشَوا عن نشرِ كلِّ ما يُمكنُ أَن يُعزِّزَ النـزعاتِ السُّفليَّة في البشر، ولا سيَّما تشجيعُ الرذيلة والانجرافُ بتيَّار الشهوات الجنسيَّة، أو تمجيدُ العُنف، أَو نشر ُالتعصُّب الدينيِّ أو الإتنيّ الأعمى. فمُؤَدَّى كلِّ ذلك دَفْعُ الإنسان إلى اقترافِ الجرائم والاعتداء على كرامةِ الآخَرين واغتصابِ حقوقِهم، وبالتالي انتهاكُ وسائطِ الإعلام لرسالتها النبيلة، والإسهامُ بتفكيك المجتمع والعودة به القهقرى. وبذلك تقعُ مسؤوليَّةٌ روحيَّةٌ ضخمة على عاتق وسائط الإعلام، لأَنَّها باتت أَكثرَ اتِّصالاً وتأثيرًا بالناس، حيثما وُجِدوا، من أَيَّةِ جهةٍ فكريَّةٍ أُخرى.
وقد أَظهرَت عدَّةُ استطلاعاتٍ ودراسات أَنَّ أفلامَ العُنف والجنس المعروضة على شاشات التلفزة تُحدِثُ تأثيرًا سيِّئًا في نفوس الأحداث يستمرُّ فِعلُه في شبابِهم، وأَنَّ للقُدوةِ دورًا خطيرًا في تشجيع الناشئة على العُدوانيَّة أو توجيهِهم إلى طريقِ الاغتصابِ الجنسيّ.[21]
ج- واجبٌ آخَر يترتَّبُ على وسائط الإعلام هو أَن يُخلِصَ المسؤولون عنها للحقيقة، فيتقصَّوا الوقائع دونما تحيُّز، ولا ينشروا أَخبارًا مُختلَقة. وهم إذا فعلوا ذلك في مواضع التعنيت والتهديد أو الخطر، أَكسَبوا أنفسَهم فضلاً، ومهمَّتَهم شرفًا وسُمُوًّا.[22] كما عليهم أَلاَّ يجعلوا من وسائل إعلامِهم أدواتِ تهديدٍ وتَجَنٍّ ابتزازًا للمال أو كَسبًا للنفوذ؛ وأَن يُميِّزوا بين الحقائق العلميَّة والعلومِ الكاذبة، فلا يُروِّجوا للأَوهام والخُرافات والشعوذات على أَنَّها حقائق من أَجل مغانمَ تُدنِّسُ شرفَ مَهمَّتِهم؛ فبعملِهم الوضيعِ هذا يُساعدون في شَلِّ العقلِ بمجتمعهم، ويعملون على تخلُّفِه.
د- إنَّ وسائطَ الإعلام تعكسُ باتِّجاهِها وآرائها موقفَ الذين يُقبِلون عليها وتأييدَهم، بصورةٍ عامَّة. فهي بذلك تُمثِّلُ دورًا ديمُقراطيًّا في البلدان التي يسودُها مُناخٌ من الحُرِّيـَّة. لكنَّ لوسائط الإعلام دورًا آخَر، هو تعميمُ الإنارة والإرشاد، ذلك بأَنَّها أكثرُ شيوعًا وأَسرعُ إعلامًا من الكتاب. فمواقفُ العامَّة وآراؤُهم يُمكنُ استطلاعُها، خصوصًا في أيَّامنا هذه، بواسطة مُؤَسَّسات الاستطلاع التي باتت تعمُّ الغرب، ولا سيَّما الولايات المُتَّحدة. لكنَّ آراءَ المُواطنين، سواءٌ في الأُمور الكُبرى كالقضايا المصيريَّة، أَو في الأُمور الصُّغرى كالسِّلَعِ الاستهلاكيَّة، ليست بالضرورةِ آراءً صحيحة، لأنَّه من المُحال، في أَكثر الأحيان، أَن يستطيعَ المُواطنون رَبطَ الأَسباب بالنتائج في الأُمور المجهولة التي لا تظهرُ نتائجُها إلاَّ بعد وقتٍ طويل، كهندسة الجينات، مثلاً، أو الاختراعات المتطوِّرة الجديدة، أو غير ذلك من الأُمور المُعقَّدة.[23]
أَخيرًا، لا تقومُ لوسائط الإعلام قائمة، وإن تكُن جريئة، نزيهة، حُرَّة، إلاَّ إذا قام رأيٌ عامٌّ مُثقَّفٌ مُستنير يدعمُها. وقد نوَّهَ الدكتور داهش بيقظةِ الرأيِ العامّ في الغرب، بينما أَسِفَ للرأيِ العامّ العربيّ. وفي معرضِ تنديدِه بجريمةِ اضطهادِه، في رسالتِه الأُولى إلى الدكتور حُسين هيكل باشا، يقول:
فلا العالَمُ الإسلاميُّ تحرَّك، ولا اهتزَّ قلمٌ واحدٌ من صِحافتِه… كما إنَّ الرأيَ العامَّ اللبنانيَّ الهزيل الذي تنقصُه الثقافةُ التحرُّريَّة لم يأبهْ للأَمر، مع العِلم إذا أُصيبَ أَيُّ مُواطنٍ لبنانيّ بظُلمٍ فادِحٍ كهذا، فكأَنَّ الجميعَ أُصيبوا به.[24]
***
من خلال بحثي في الرُّقيِّ الحضاريّ يُستَخلَصُ أَنَّ رُقيَّ المُجتمَع، في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة، رَهنٌ بدرجة السيَّالات الروحيَّة التي تُحيي أَبناءَه (أَي بمُستوى الإرادة والنـزعات والمدارك والمواهب العقليَّة التي فيهم)، كما بمدى التأثيرِ الخلاّق والخَيِّر الذي تُحدِثُه هذه السيَّالاتُ في مجرى الحضارة عالَميًّا. فجوهرُ الحضارة ليس المُؤَسَّسات السياسيَّة والإداريَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والعسكريَّة بما فيها من تنظيمٍ وتحديثٍ وقوَّةٍ مادِّيـَّة، بل هو الروحُ الراقي الذي يُحرِّكُها، وليس النُّموَّ الأدبيَّ أَو الفنِّيَّ أو العلميَّ أو التكنولوجيَّ أو العُمرانيَّ، بل الروحُ المُبدِعُ الذي وراءَه والدوافعُ الإنسانيَّةُ التي تُحييه. إنَّه الحُضورُ الروحيُّ في جسدِ المَدَنيَّة المُتمثِّل في العلاقاتِ القائمة بين المُواطنين أفرادًا وجماعات، وبين الحاكمين والمحكومين، على أُسُسِ الاحترام المُتبادَل والعدالةِ والحُرِّيـَّة والتساوي أَمام القانون، كما على مبادئ الشفقة والتسامُح والتحابّ والتآخي. وفي تحديدٍ خُلُقيّ، الحضارةُ، على حَدِّ تعبير المهاتما غاندي:
هي هذه الطريقةُ في الحياة التي تُبيِّنُ للإنسان ما هو واجبُه، وأنَّ امتثالَ المَرءِ لتعاليم الأَخلاق يعني توصُّلَه إلى السيطرة على نفسه وعلى عواطفِه، وهكذا نتعلَّمُ كيف نعرفُ أَنفسَنا؛ وفي لُغةِ “الكوجاراتي” يُقالُ للحضارة “حُسنُ السلوك”.[25]
وفي الخَطِّ الخُلُقيِّ نفسِه يقولُ لكونت دي نوي Lecomte Du Noüy :
إنَّ التقدُّمَ الإنسانيَّ الصحيح، ذلكَ التقدُّمَ الذي يُمكنُ أَن يتَّصلَ بالتطوُّر ويمدَّ فيه، لا يتوقَّفُ إلاَّ على إكمالِ الإنسانِ نفسَه وتحسينِه، لا على تحسين ما يستخدمُه من الآلات أَو على زيادة رفاهيتِه المادِّيـَّة. وهذا الموقفُ الأَخير، موقفُ المادِّيِّـين، مُهينٌ بالإنسان لأنَّه يتجاوزُ عن أَنبلِ ما في الإنسان من صفات هي وحدها التي تستطيعُ أَن تُؤَمِّنَ له سعادةً تليقُ به أَرفعَ من سعادة البقرةِ المُجترَّة… أَمَّا أُولئك المُقتنعون من العكس— أَو الذين يدَّعون الاقـتـناع—فإنَّهم يستحقُّون الشفقة إذا كانوا مُواطنين عاديِّـين، ويستحقُّون الخَشية من شرِّهم إذا كانوا أَسيادًا. إنَّهم لَيعملون ضدَّ التطوُّر وضدَّ المشيئة الإلهيَّة… وفي كلِّ الحالات من الواضح أَنَّ الغايةَ الحقيقيَّة من الحضارة يجبُ أَن تكونَ مُساعدةَ الإنسان على التحسُّن من كلِّ النواحي لا اختراعَ آلاتٍ يُقصَدُ منها الإنقاصُ من الجُهدِ الجسديّ. وفي هذه الحالة وحدها تبقى متانتُها مُرتكزةً على قوى جميع الأَفراد المُتضافرة. ومن الضروريّ أَن تُشادَ من الداخل لا من الخارج.”[26]
وكان أَفلاطون، قبل حوالى أَلفَين وأربعمئة سنة، قد أَكَّدَ في كتابه “الجمهوريَّة” أَنَّ رُقيَّ الفرد كما المُجتمَع يُقاسُ بقَدرِ ما يُهَيمنُ عليهما من نظامِ العدالة النفسيَّة الذي يقضي بأَن يُسيطرَ حُكمُ العقلِ النَيِّر وسلطانُ الفضيلة على ما يعتلجُ فيهما من أَهواءَ دُنيَويَّة ورغباتٍ دنيئة. وبعدَه أَعلنَ تلميذُه أَرسطو في كتابه “السياسة”: “الإنسانُ بدون فضيلة هو أَضرى الحيوانات وشرُّها، وأَسوأُها في الدعارةِ والنَّهَم. وفضيلةُ العدالة هي الميزةُ التي تُعرَفُ بها دولةٌ ما…”[27] لكنَّ أَفلاطون تداركَ في أكثر من موضع في كتابه الشهير فأَكَّدَ أَنَّ مدينتَه الفاضلة ليست في الأرض، بل في بعض مواطن السماء. وبعد انقضاء ما يُناهِزُ أربعةً وعشرين قرنًا ظهرَت في خلالها المسيحيَّةُ ثمَّ الإسلام، وتقدَّمَ العقلُ البشريُّ أَشواطًا بعيدة، وظهرَت الأَنظمةُ الديمُقراطيَّة، وبرزَ مئاتُ المُفكّرين والعُلماء والأُدباء والفنَّانين، وأُنجِزَت اختراعاتٌ واكتشافاتٌ مُذهِلة، يقومُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة، ذو التعاليم الموحاةِ والمُعجزاتِ المُذهِلة، بجولةٍ حول الكُرةِ الأرضيَّة مُستطلِعًا أَحوالَ شعوبِها، مُختبِرًا أَخلاقَهم وعاداتِهم، بعد أَن اكتنهَ روحيًّا حقيقتَهم، فتكونُ حصيلةُ اختبارِه الطويل العميق قولُه في 4 كانون الثاني (يناير) 1979:
الغُشُّ هو السائد، والباطلُ سوقُه رائجة، والاعتداءُ لا يُنكِرُه مُنكِر، والفسادُ مُتفشٍّ في عواصمِ الكُرةِ الأرضيَّة بأَسرِها، والفُسقُ والفجورُ مُسيطران على الجنسِ البشريِّ بأَسرِه، والأَطماعُ حَدِّثْ عنها ولا حرَج، وكَسبُ المال، ولو بطريقِ الحرام، غايةٌ وليس وسيلة، والرذيلةُ صرعَت الفضيلة، والشرُّ بسَطَ جناحَيه وراح يرودُ أَرجاءَ الكُرةِ الأَرضيَّة نافثًا فيها سُمومَه الرهيبة، وقد استجابَ له أَبناءُ الغبراء بقضِّهم وقضيضِهم.[28]
بعد ذلك يبقى السؤالُ المُؤسي: أَين ذهبَت جهودُ البشَرِ المُضنِية وكفاحُهم الطويل في سبيل التقدُّم البشريّ؟
إنَّ الأدلَّةَ التاريخيَّةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ الرُّقيَّ الحضاريَّ بمعناه الثقافيِّ الروحيّ تنحصرُ بواعثُه ومصادرُه، في كلِّ زمانٍ ومكان، في نُخبةٍ من الفاضلين مِمَّن يُحكِّمون عقولَهم النَّـيِّرة وضمائرَهم الحيَّة في مواقفِهم ونزعاتِهم وسلوكِهم الشخصيّ كما في مُعاطاتِهم مع الآخَرين، وذلك التـزامًا لمبادئَ روحيَّة وضعَها الأنبياءُ والهُداةُ الروحيُّون، وكذلك في نُخبةٍ من العباقرة، قادةً ومُفكِّرين وعُلماءَ وأُدباءَ وشُعراءَ وفنَّانين مُبدِعين تتجلَّى ملامحُ من إبداعِ القدرةِ الموجِدة في أَعمالِهم. فالرُّقيُّ الحضاريُّ يُقيم حيثُ تُقيمُ القِيَمُ الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة، قِيَمُ الحقِّ والخيرِ والجمال مُجتمعةً غيرَ مُتفرِّقة. فهذا الثالوثُ بعثَ أُوروبَّا بعد عُصورِ الظلام، وهو الذي سيُقيلُ العالَمَ من كبوتِه الحاليَّة. إنَّ الأَديانَ متى بدأَت تخلو من جوهرِها الروحيِّ الحالِّ في سيَّالاتِ المُؤمنين بها، فإنَّه يشعُّ في العباقرةِ بكلِّ مجال؛ حتَّى إذا حانت الساعةُ ظهرَ هادٍ جديد بعثَ الروحَ الساميةَ مُجدَّدًا في الجسدِ المريضِ الذي نَهَكَته وأَذبلَته وخدَّرَته خمرةُ الدُّنيا بما تحملُه من شهواتٍ ونزعاتٍ سُفليَّة، وأَعاد الأملَ إلى فاقديه، لأنَّ “الحياةَ بدون القِيَمِ الروحيَّة السامية جحيمٌ مُخيفٌ رهيبٌ بنتائجِه المُزلزلة،”[29] على حَدِّ تعبير مُؤَسِّسِ الداهشيَّة.
Paul Davies. The Mind of God: The Scientific Basis for a Rational World (New York: Simon And Schuster, 1992). 1.
أنظر له أيضًا: God and the New Physics
Albert Einstein. The World As I See It. Tr. By Alan Harris (NJ, Secaucus: Citadel Press/Lyle Stuart Inc., n.d.), p.27 3.
- 4. , p. 29.
- 5. Ibid., 26-28.
- 6. الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعيَّة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 73.
- 7. الدكتور داهش: “ذكرياتُ الماضي”، من سلسلة “حدائق الآلهة” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 52.
- 8. الدكتور داهش: “ابتهالات خشوعيَّة”، ص 33.
David Noble. The Religion of Technology. The Divinity of Man and the Spirit of Invention (New York: A. Knopf, 1997). 9.
أَنظر مقالاً يشرحُ ما تعرَّضَ له دايفِد نوبِل من مُضايقات واضطهاد من جرَّاء فضحِه هذا الارتباط: Jill Neimart, “Noble Aims” in Science &
Spirit, March/April 2002, pp. 13-14.
Max Otto. Science and the Moral Life (New York: The New American Library of World Literature/Mentor Books, 1952), pp. 165-17110.
Hanbury Brown. The Wisdom of Science (London/NY: Cambridge University Press, 1986), “Science and Values”, pp. 131-135 11.
- 1 الدكتور داهش: “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 93.
- 1 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة” ج 1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1982)، ص 388.
Science & Spirit, March/April, 2002, p. 3.. 14. أُنظر:
- 1 ما تزالُ مئاتُ الأسئلة مطروحة على العلماء، وهم لا يعرفون لها جوابًا، وذلك في جميع المجالات العلميَّة. خُذْ مثالاً على ذلك البحثَ الرصين المنشور في مجلَّة “ديسكوفر” العلميَّة تحت عنوان “الأَسئلة الكُبرى الأحدَ عشرَ التي لم يُجَب عنها في Eric Haseltine. “The 11 Greatest Unanswered Questions in الفيزياء”:
Physics” in Discover, February 2002, pp. 37-42.
- 1 “الرسائل المُتبادَلة بين الدكتور داهش مُؤَسِّس الداهشيَّة والدكتور حُسَين هيكل باشا” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1981)، ص 201.
- 1 الدكتور داهش: “بريء في الأغلال أو سجينُ الغَدرِ والخيانة” (مخطوطة).
- 2 “الرسائل المُتبادَلة…”، ص 162-165.
- 2 أنظر: Time, April 8, 2002, p. 19; Sep. 25, 2000, pp. 44-47; July 6, 1998, p. 62;
Scientific American, Sept. 1998, pp. 15-16.
- 2 كثيرًا ما يتعرَّضُ الصَّحَفيُّون والمُخبِرون الإعلاميُّون للقَتل أو الأسر في الدُّوَل المُضطربة الأوضاع؛ وهذا يزيدُ مَهمَّتَهم شرَفًا إذا كانت غيرَ مُتحيِّزة. أنظر عدَدَي أَيَّار (مايو) 2000، وأيَّار (مايو) 2002 من مجلَّة World Press Review.
Karlyn Bowman, “Knowing the Public Mind”, in Wilson Quarterly, Spring 2002, pp. 90-98. 23.
- 2 “الرسائل المُتبادَلة…”، ص 41.
- المهاتما غاندي: “هذا مذهبي”، نقلَه إلى العربيَّة لجنةٌ من الأساتذة الجامعيِّـين (بيروت: منشورات المكتب التجاريّ، 1959)، ص 78.
- 2 لكونت دي نوي: “مصيرُ الإنسان”، نقلَه إلى العربيَّة الدكتور خليل الجُرّ (بيروت: المنشورات العربيَّة، 1967)، ص 217، 218، 222.
Aristotle. The Politics. Translated by T. A. Sinclair (London/New York: Penguin Books, 1992), p. 61. 27.
أَهلُ الفكرِ والأَدبِ والفنِّ
دَورُهم ومَسؤوليَّـتُهم في الرُّقيِّ الحضاريِّ في ضَوءِ المفاهيمِ الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
لا رَيبَ في أنَّ أهلَ العلمِ والفكرِ والأدبِ والفنّ كانوا من خيرِ جُلَساءِ الدكتور داهش، ومن الأقربِ إلى روحه السامية المُتطلِّعة دومًا إلى الإبداع، والأَكثرِ إيناسًا وتشويقًا في مُحادثتِهم إيَّاه، والأكبرِ قيمةً إذا اضطُرَّ إلى وَزنِ قيمةِ الزائرين. فلا رجالُ الدين، ولا رجالُ الحُكمِ والنفوذ، ولا ذَوو الجاهِ العريض والثروة، كانوا ليملأُوا عينَه وقلبَه مثلما كان المُبدِعون في كلِّ مجال.
وكثيرون هم الأُدباءُ والمُفكِّرون الذين كان يُفوِّضُ إليَّ أَمرَ زيارتِهم، بعد أَن يُؤتى الوحيَ بضرورةِ هدايتِهم ومُساعدتِهم إلى ما فيه خيرُهم؛ فكنتُ إذا ما ذكرتُ اسمَ داهش على مسامعهم، أحسَستُ كأنَّ شعلةً روحيَّةً ألهبَت نفوسَهم، فسأَلوا بإلحاحٍ عن كيفيَّة مُقابلته وإمكان ذلك. وكثيرًا ما كنتُ أُرافقُهم إلى زيارتِه وأُشاركُ في مُجالستِهم بحضورِه.
ولا غَروَ أن يستأنسَ بالكُتُب والكنوز الفنِّـيَّة عند غياب أَهل الفكر والأدبِ والفنّ، فتحلُّ محلَّهم. فطالَما كان يتملَّى وجوهَ لوحاتِه الرائعة التي كانت تأهلُ جدران منـزله الفسيح والتي ستعمرُ، فيما بعد، مُتحفَه الشهير بنيويورك. أمَّا مُصاحبتُه الكتُب، بل مُنادَمتُه لها، فقد تكلَّمتُ عليها مَليًّا في ما سبَق؛ فحَسبي، في هذا المقام، أن أُلمِعَ إلى أَنَّه بين 9/3/1976، اليوم الذي هاجَرَ فيه إلى الولايات المُتَّحدة، و4/12/1978، إذْ كان في زيارةٍ لفرنسا، كان قد طالع 225 كتابًا، عددُ صفحاتها 61368 صفحة.[1] كلُّ ذلك وهو يُعِدُّ حوالى سبعين مُؤلَّفًا كتبَها لتُنشَرَ في السنوات التالية، فضلاً عن عدَّة رحلاتٍ قام بها إلى المغرب وكنَدا كما في داخل الولايات الأمريكيَّة.
المواهبُ الكبيرةُ في العِلمِ والفكرِ والأدبِ والفنِّ
هي سيَّالاتٌ عُلويَّة
سببُ اهتمامِ مُؤسِّسِ الداهشيَّةِ بأَهل العِلمِ والفكر والأدبِ والفنّ في كلِّ عصرٍ ومصر أَنَّهم بُناةُ الحضارةِ ومُطوِّروها ومُجدِّدو نسغ الحياةِ فيها بعد الأَنبياءِ والمُرسَلين؛ ذلك بأَنَّ السيَّالاتِِ الروحيَّة (أي الطاقات النفسيَّة) التي تحملُ مواهبَ العباقرةِ منهم هي سيَّالاتٌ عُلويَّةٌ هابطةٌ من عوالِمَ فردوسيَّةٍ خاصَّة، أو هي، على الأقلِّ، سيّالاتٌ راقية. ووفقًا لِما حصَّلتُه من رجُلِ الروح، يُمكنُ اعتبارُ كلِّ عبقريٍّ مُزوَّدًا برسالةٍ محدودةٍ عليه أن يُتِمَّها إذا لم يُسفِّل سيَّالَه العُلويَّ، وذلك في مجالٍ خاصّ، سواءٌ أَكان في العلم اكتشافًا أو اختراعًا، أم في الفكرِ والأدبِ هدايةً أو كِفاحًا وإصلاحًا، أم في الفنِّ إعلاءً لغرائز الإنسان الدُّنيا ونهوضًا به إلى سماءِ الجمال؛ فسيَّالاتُ العباقرةِ تابعةٌ لسيَّالات الهداية الروحيَّة التي تُرسِلُها العنايةُ الإلهيَّة إلى الأرض في كلِّ فترة لتُجدِّدَ حيويَّةَ الروحِ وتُنمِّيَ الحضارةَ فيها. وبسببِ هذه الموهبة الفطريَّة وما تحملُه من مَهمَّةٍ روحيَّة من المُحال أن يُصبحَ الإنسانُ من عباقرةِ الفلسفة أو العلم أو الأَدبِ أو الفنّ بمجرَّدِ المُطالعة وحيازة الشهادات الجامعيَّة ومُمارسةِ فنٍّ من الفنون، إن لم يُعطَ الموهبةَ من فوق. فالثقافةُ تصقلُ الموهبةَ، لكنَّها لا تُبدِعُها.
لقد أكبرَ الدكتور داهش أمامي كثيرين من العباقرة، منهم سقراط وأَفلاطون وعليّ بن أَبي طالب وشكسبير وتولستوي وتوماس غراي وطاغور وجبران وآينشتاين وغاندي، وقال إنَّ سيَّالاتِهم هبطَت من عوالِمَ عُلويَّة، وأدَّى كلٌّ منها رسالتَه. وإذْ سألتُه: “لماذا لم يظهر في العالَم شاعرٌ آخرُ بقوَّةِ شكسبير وروعتِه، أو بسُمُوِّ جبران وشفافيَّتِه؟” أجابني: “لأنَّ سيَّالاتِهما الأَدبيَّة المُبدِعة عادت إلى العوالمِ التي هبطَت منها بعد أداء رسالتِها، ولم تهبط إلى الأرض مرَّةً أُخرى.”
كذلك ألمعَ في أكثرَ من موضع في كتاباتِه إلى انتماء العباقرة من أهل الفكر والأدب والفنّ إلى عوالمَ فردوسيَّة خاصَّة، وإلى أنَّ هبوطَهم إلى الأرض هو لأَداء رسالة. فهو يُخاطبُ جبران بقوله:
أَي أَخي جبران المُنطلق في الفضاء
بعد أداء الرسالة التي أُلقِيَتْ على عاتقِه!…
إنَّني أَغبطُكَ على نعيمِك، وأَرثي لنفسي المُعذَّبة الهائمة![2]
وذكر أسماءَ موسيقيِّـِين قاطنين في “كوكب النور الوضَّاء”، منهم بتهوفن وفاجنر وشوبان وكريك وليسْت وبرليوز وباخ وأُوفنباخ ومندلسون وشومان وهندل؛ كما ذكرَ لامرتين في “كوكب الخلود الباهر”.[3]
وبعد تملِّيه التماثيلَ الرائعة في مُتحف الفاتيكان الحافل بكنوزٍ لا مثيلَ لها، يقول: “وقد بُهِرنا لجمالِ هذه التماثيل التي أَنتجَتها عبقريَّةُ عُظماء المثَّالين الذين زاروا عالَمنا، ثمَّ رحلوا عن أَرضِنا الفانية.”[4]
إنَّها زيارةٌ عابرة يقومُ بها العباقرةُ للأرض ليُزوِّدوا أهلَها بفِكْرٍ ثاقبٍ عميق يتخطَّى مُستواهم الدُّنيَويَّ العامّ فيُساعدَهم في فَهْمِ أوضاعهم وتذليل مصاعبِهم، أو ليمدُّوهم بملامحَ من الجمال الذي استلهموه من بارقات القدرةِ المُبدِعة، فيُعزُّوهم ويُعوِّضوهم بعضَ الشيءِ عن قباحةِ واقعهم وشقائه.
دَورُ أهلِ الفكرِ والأَدب ِوالفنِّ ومسؤوليَّتُهم
ما دامت سيَّالاتُ العباقرة عُلويَّةَ المصدر، ومُزوَّدةً برسالةٍ عليهم أداؤها، وإن تكُن محدودةَ الأهداف، فعليهم أن يكونوا أُمناءَ لمَهمَّتِهم السامية، فلا يُفسِحوا المجالَ لإغراءاتِ الدُّنيا من شهواتٍ وأمجادٍ باطلة ونزعاتٍ دنيئة في أن تُهيمنَ على سيَّالاتِهم العُليا وتُسخِّرَها لنـزواتِ سيَّالاتِهم الدُّنيا. هذا الزَّلَلُ فالسقوط يُصيبان، أحيانًا، المُفكِّرين، علماءَ كانوا أم فلاسفة، كما يُصيـبان الأُدباءَ والشعراءَ والفنَّانين، بعد أن تُسكرَهم خمرةُ الشهرة، ويُرنِّحَهم الغرور، ويُعميَهم الاستكبار عن رؤيةِ الطريقِ الذي عليهم أن يسلكوه، فيتيهوا في مهامه الضلال الفكريِّ ويتوهَّموا السرابَ حقيقة، وينتهي كثيرون منهم إلى عبادةِ ذواتهم بدلَ عبادةِ الخالق. فمن أجل أَن يصونَ العباقرةُ سُمُوَّ مَهمَّتِهم ونجاحَها، ويُؤَدُّوا دورَهم على الوجهِ الأَفضل، عليهم أن يُحافظوا على الخصائص التالية التي زُوِّدَت بها سيَّالاتُهم العُلويَّة، فتكونَ سياجًا لها:
أَ- الإخلاصُ للمَهمَّة السامية
إنَّ تفرُّدَ العباقرة بمواهبَ معيَّنة يجبُ أن يزيدَهم إدراكًا لخطورة مسؤوليَّتِهم في أَداءِ مَهمَّاتِهم، ويدَعَهم يُفكِّرون بضرورةِ المُحافظة على التأثيرِ الخيِّرِ السامي في إبداعِهم. فقد أكَّدَ لي مُؤسِّسُ الداهشيَّة أَنَّ ما يكتبُه أو يبتكرُه الإنسانُ في أيِّ مجال لا يُؤَثِّرُ في ارتقائه أو هبوطِه روحيًّا ما دام حيًّا فحسب، بل يدومُ تأثيرُه في مصيره الروحيِّ حتَّى بعد موته ما دام هناك أُناسٌ يتأَثَّرون بما خلَّفَه. فالأُدباءُ الذين يُصوِّرون الرذيلةَ تصويرًا يحضُّ الناسَ على ارتكابِها بدلَ الابتعادِ عنها، مثلاً، تستمرُّ سيَّالاتُهم في الهبوط من دركٍ إلى دركٍ أسفلَ منه ما دام يقرأُهم أُناسٌ تهبطُ سيَّالاتُهم من جرَّاء قراءتِهم لِما كتبَه أولئك الأُدباء. فأَعمالُ أهل الفكر والأدبِ والفنّ تُلاحقُهم، بعد موتهم، في جميع أدوارهم الحياتيَّة.
وقال لي مرَّة: “إنَّ صاحبَ الموهبة الحقيقيَّة يجبُ ألاَّ يهتمَّ بإقبال الدنيا عليه أو باهتمام رجال الحُكم به من أجل أن يُتابعَ كتابتَه أو أبحاثَه التي يُمكنُ أن تُؤدِّيَ إلى اكتشافاتٍ أو اختراعاتٍ تُفيدُ البشريَّة. فكثيرٌ من أَكابر الأُدباء والعُلماء في العالَم كانوا فقراء، وكثيرون من أعاظم الفنَّانين ماتوا فقراء. بل إنَّ بعضَهم كان يُمضي شطرًا كبيرًا من عُمره من أجل أن يطلعَ بكتابٍ ينفعُ الناس.” وقد سمَّى لي الموسيقار النابغة موزار Mozart والعالمة ماري كوري Marie Curie التي أحرزَت جائزة نوبل مرَّتَين كمثَلين على العباقرة الذين عاشوا في ضيق حال، ولم يَثنِهم ضيقُهم عن الإخلاص لموهبتهم، كما سمَّى لي العالِمَ الإنكليزيَّ الأنثروبولوجيَّ،جيمس فريزر James Frazer، صاحبَ كتاب “الغُصن الذهبيّ” The Golden Bough،[5] والبحَّاثةَ الألمانيّ بروكلمان Brockelmann الذي وقفَ معظمَ حياته على الكتابة عن الأدبِ العربيّ والشعوب الإسلاميَّة، كمثلَين عن المُفكِّرين الذين يقفون حياتَهم على إنتاجِ عملٍ كبير ولا يتراجعون مهما اعترضَهم من صعوبات. وتأَسَّف لحال أكثر المُفكِّرين والأُدباء العرَب الذين لا يُباشرون عملاً جليلاً حتَّى يتوقَّفوا عن العمل فيه، بزَعمِ أنَّ الإمدادَ الماليَّ الخارجيَّ كفَّ عنهم. واليومَ يتبادرُ إلى ذهني أنَّ مجمعَ اللُغة العربيَّة في مصر كان قد بدأَ عملَه لوضع “المُعجَم الكبير” عام 1956، فإذا بنحو نصف قرنٍ يمضي وهو لمَّا يُخرِج للعرب إلاَّ أربعة أَحرُف (ا-ث)!
وكان مُؤَسِّسُ الداهشيَّة يُكبِرُ كلَّ الذين التزموا الإيمانَ من العباقرة، فلم يُطوِّح بهم الغرورُ والاستكبار، ولم يُداخِلْ أحدًا منهم أنَّ الكونَ خُلْوٌ من قوَّةٍ إلهيَّةٍ موجِدة نظَّمَته وجعلَت للخلائقِ غاية، وبينهم مَن تسنَّموا ذروةَ المجدِ الفكريِّ أو العلميِّ أو الأدبيِّ كأفلاطون وشكسبير وملتُن وكيتس ولامرتين وهوغو وتولستوي وكوبرنيكس وغاليليو ونيوتن وأَينشتاين، وذلك بعكسِ موقفِه من بعض العُلماء أو الأُدباء أو الشُّعراء المُنجرِفين في عاصفةِ غرورهم التي قذَفَت بهم في مُستنقعِ الإلحاد. لكنَّ رجلَ الروح لم يكُن يُزري بشأن المُفكِّرين أو العُلماء الذين، لا عن غرور أو كبرياء، بل عن اقتناعٍ فكريّ، حادوا عن الإيمان إلى الإلحاد أَو التشكيك.
ب- الشجاعةُ الروحيَّة
يرى الدكتور داهش أَنَّ أَهلَ الفكر والأدبِ والفنّ يجبُ أن يتميَّزوا بالشجاعةِ الروحيَّة، لأنَّها صِفةٌ مُلازمةٌ أصلاً لسيَّالِهم الراقي. فإذا هم جبَنوا، فنكوصُهم إنَّما يعني سقوطَ سيَّالهم المُميَّز. قال لي مرَّةً عن شاعرٍ مهجريّ وقفَ وقفةَ الذُّلِّ أمام الطاغية بشاره الخوري، رئيس لبنان الأسبق: “إنَّه عفَّرَ سيَّالَ موهبتِه السامي بالرّغام.” وخلَّدَ موقفَ العار الذي وقفَه ذلك الشاعر بقوله في كتابه “كلمات”:
ما كان أَشدَّ احتقاري للأَديبِ النِّحرير والشاعرِ الكبير عندما شاهدتُه ينحني للرئيسِ المُعتدي على الحُرِّيـَّة، وإذاه يكادُ يُكنِّسُ الأَرضَ بذقنِه لفداحةِ انحنائه! إنَّ هذا الأَديبَ والشاعر لَهو ضحكةُ الأَنام وسُخريةُ الأَيَّام، وموتَه خيرٌ له من حياتِه الدَّنيَّة.[6]
وكان يُزري بالمُفكِّرين والأُدباء الذين يحملون على أَهلِ الباطل أو البَغْيِ بعد أن يُطوِّحَ بهم الدهرُ من عزٍّ إلى ذُلّ أو بعد أن يُغيِّبَهم الرَّدى،[7] بينما يُكبِرُ الذين يُقارعون أَصحابَ الشرِّ والظلمِ غيرَ هيَّابين من وجودهم في مراكز النفوذ. ومرارًا سمعتُه يقولُ: “إنِّي لم أبطش بالطاغية بشاره الخوري إلاَّ وهو مُتسنِّمٌ سُدَّةَ الرئاسة، ولم أُشهِّر بمخازي زبانيتِه من رجال الحُكم والنفوذ والدين والصحافة المأجورة إلاَّ وهم في أَوجِ عزِّهم.” وخلَّدَ موقفَه الجريءَ هذا بقوله:
قارعتُ ثلاثمئةِ شخصٍ هاجموني… بحُجَجي، وصعقتُهم بحقائقي، ورجَمتُهم برجومي، وزلزلتُهم بوثائقي، وسُطتُهم ببراهيني، وأَلجمتُهم برواعدي، وأَفحمتُهم بردودي… وأَخرستُ باطلَهم، وحطَّمتُ كذبَهم… فانكفأُوا والأَلمُ المُميتُ يُحيطُ بهم إحاطةَ السوارِ بالمِعصم، وتركتُهم يرتدون لباسَ العار والذلِّ والشنار…[8]
كان مُؤسِّسُ الداهشيَّة يُجِلُّّ مهابةَ الكلمة ونفوذَها إن سدَّدَها قلمٌ شُجاعٌ صوبَ الباطل والظلم، ويعتبرُ أنَّ الكتابات النيِّرة الجريئة هي التي غيَّرَت وجوهَ الدوَل، ودفعَت الحضارةَ إلى الأمام، بعد أن أنارت العقولَ وأَلهبَت مشاعرَ الجماهير فأَشعلوا الثورات، وأطاحوا بالحُكَّام الفاسدين أو غيَّروا الأنظمةَ الجائرة. يقولُ في هذا الصَّدَد:
للكلمةِ قوَّةٌ تخشعُ أَمامها القنابلُ المُتفجِّرة، وتنحني لدَيها الصواريخُ المُدمِّرة، وتجثو لسيطرتِها المدافعُ الهادرةُ بجَبروت؛ فالثورةُ الإفرنسيَّةُ ما كانت لتنداحَ وتجتاحَ المَلَكيَّة إلاَّ بفَضلِ ما دوَّنَه يراعُ فولتير وديدرو وروسُّو وغيرِهم… ودريفوس ما كان له أَن يُغادرَ سجنَه الرهيبَ بجزيرةِ الشيطان، لو لم يُنقِذه دفاعُ إميل زولا، ذلك الدفاعُ الرائع!…[9]
ج- صدقُ الموقفِ الفكريِّ الشعوريّ
في الإبداعِ الفكريِّ والأَدبيِّ والفنِّيّ
سأَلتُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة مرَّةً: ما هي الميزة التي تراها الأهمّ في الكتابة الإبداعيَّة؟ فأجابني: “الصدق.” ومن مُحادثتي له مرارًا وتكرارًا حصَّلتُ أنَّه يُضمِّنُ الصدقَ العفويَّةَ في الأداء، لأنَّه بدون العفويَّة ينقطعُ التواصلُ بين الأديبِ الموهوبِ أو الشاعرِ الكبير وسيَّالِه العُلويّ الذي يمدُّه بالإلهام. فإن لم يكُن بُدٌّ من إعادة النظر في الصيغةِ الفنِّـيَّة، فيجب ألاَّ يُفسِدَ ذلك الاندفاقةَ العفويَّةَ الأصليَّة، لأنَّ الصدقَ الفكريَّ الشعوريَّ كامنٌ فيها. وكان الدكتور داهش يقول لي: “اكتبْ مثلما أكتب؛ فأنا أَكتبُ بسرعة، ولا أدعُ شيئًا يُعطِّلُ عفويَّتي.” وصدقُ الموقف الفكريِّ الشعوريّ—وقد تُسمِّيه فئةٌ من الباحثين “صدق التجربة النفسيَّة”— أَخذَ به معظمُ النقَّاد والأُدباء الكبار في القرن العشرين، وتميَّزَ بالإلحاح عليه الفيلسوفُ والناقدُ الإيطاليُّ المُعاصر بنيديتُّو كروتشِه Benedetto Croce. وقد استشفَّ العلاَّمةُ عبد الله العلايلي هذا الصدقَ في أدبِ الدكتور داهش، فقال في مقدِّمتِه لكتاب رجُل الروح “عواطف وعواصف”:
بين يَدَيَّ طائفةٌ من تأَمُّلاتٍ روحيَّة
تحرَّكَت بها نفسٌ وخفقَ بها جَنان…
فجاءَت آيةَ فنٍّ كما شاءَت تهاويلُ عبقريَّةِ الفنَّان،
ورائعةَ أدبٍ أَشرقَت بسنى إلهامِ الروحِ في قلبِ الإنسان!…
فهذه رسالةُ أَدبِ الصِّدقِ دون ما زورِ أَضاليلَ
ينطقُ بها أَدبُ البهتان…
فليس إلاَّ (أَدبُ الصدقِ) خالدًا على لسانِ الدهورِ والأَزمان…[10]
لكنَّ الصدقَ، في نظر الدكتور داهش، أوسعُ من العفويَّة وصدقِ المُعاناة مثلما يفهمُهما نُقَّادُ الأَدب. إنَّه مَبنيٌّ على أساسٍ فلسفيّ، وبالأصحّ، أساسٍ روحيٍّ تنطوي عليه تعاليمُه الموحاة. هذا الصدقُ واجبٌ في الفلسفة والفنّ مثلما هو واجبٌ في الشعر والأدب عامَّةً.
فالصنيعُ الإبداعيّ، أَكان فلسفةً أم أَدبًا (نثرًا أو شعرًا) أم فنًّا، من أجل أن يكونَ صادقًا يجبُ أن يُبنى على صدقٍ في الفكر والشعور كما في نَقل الرؤية أو الرؤيا من خلالِهما. فمِمَّا حصَّلتُه من الوَحيِ الداهشيّ أنَّ كلَّ ما في الطبيعة، سواءٌ أَكان في الأرض أم في العوالم المادِّيـَّة الأُخرى معروفةً كانت أم مجهولة، له مَثَلٌ أَعلى في العوالمِ الروحيَّة، وأنَّ الحقيقةَ والمعرفةَ المطلقتَين يستحيلُ وجودُهما خارج تلك العوالم المُجرَّدة من قيود الزمان والمكان. وهذه الحقيقةُ استطاع أَفلاطون العظيم إدراكَها ببصيرة سيَّالِه السامي. وبناءً على هذا المفهوم الذي أخذَ به الرومَنسيُّون، كلَّما دَنا المُفكِّرُ أو الأَديبُ أو الشاعرُ أو الفنَّانُ في مُعالجتِه لموضوعِه، تصويرًا وتشكيلاً وتحليلاً، أو استنتاجًا واستدلالاً وتعليلاً، من كُنه المِثال الأعلى لموضوعه، دَنا صنيعُه الإبداعيُّ من إبداع القدرةِ الموجِدة، واكتسبَ قيمةً أكبر وطابعًا أَسمى وَسَمَه بسِمةِ الخلود؛ ذلك بأنَّه يكونُ قد انطوى على إلهامٍ صادق مثَّلَ له تلك الحقيقةَ الخالدة وُسعَ ما يُستَطاع. في هذا الضوء الداهشيِّ ، نفهمُ الصدقَ لا مُطابقةً مع الواقع الطبيعيِّ فحَسب، بل انطلاقٌ منه تساميًا إلى الحقيقةِ المثاليَّة التي لا تتأَتَّى إلاَّ بالإلهام لدى العباقرة من أَهل الفكر والأَدبِ والفنّ. فكثيرون هم الذين صوَّروا الواقعَ البشريَّ أو الطبيعيَّ أو حلَّلوه وعَلَّلوه، وحاولوا تزيينَه بزخارفِ اللونِ أو اللحنِ أو اللفظ، لكنَّ الإلهامَ كان يُعوِزُهم، أي السيَّالَ العُلويَّ الخاصَّ بالعباقرة؛ ولِذا خلَت صنائعُهم الإبداعيَّة من ذلك اللَهبِ الإلهيّ الذي يُكسبُها التأثيرَ السامي والفرادةَ والخلود.
فالفلسفةُ التي يُحاولُ أَصحابُها أن يُحِلُّوها محلَّ العِلم أو الدين بدلَ أن يوسِعوا حدودَهما بها، أو التي تقومُ على مجموعةٍ من الألفاظ المُختلَقة والمُضمَّنة مفاهيمَ لا أساسَ لها في واقعٍ علميٍّ ثابت أَو دينيٍّ موحًى، وأصحابُها ينطلقون من مُسلَّماتٍ شخصيَّة لا كُلِّـيَّة، أو من ظروفٍ سياسيَّة أو اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة— هذه الفلسفة غيرُ صادقة بالنسبة للحقيقة التي تدَّعي تمثيلَها، وأَعني غيرَ صحيحة، وليس لها حظٌّ في البقاء، لأنَّها لا تستقي من ينبوع المعرفة الأَزليَّة، بل تغترفُ من ينابيعَ أرضيَّةٍ سرابيَّة. يكفي الإشارة، في هذا المجال، إلى الفلسفات المادِّيـَّة التي نشأَت في أواسط القرن التاسعَ عشرَ، وهي الآنَ تلفظُ أَنفاسَها. هذا لا يعني أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يزدري الفلسفاتِ الخاصَّة، بل هو لا يُقيمُ وزنًا لِما هو غيرُ صادق، بالمعنى الذي بيَّنتُه. فنيتشه معروفٌ بفلسفتِه المُضادَّةِ للأَديان، ومع ذلك أنصفَه الدكتور داهش وأعطاه حقَّه سلبًا وإيجابًا، بعد أن قرأَ كتابَه “هكذا تكلَّمَ زرادَشت”. قال:
إنَّ كتابَ زرادَشت للفيلسوف الأَلمانيِّ نيتشه مُعقَّد، وفيه مُتناقضاتٌ عديدة، لكنَّه لا يخلو من فلسفةٍ خاصَّة رغبَ نيتشه بإذاعتِها بين الناس. وهذا الكتابُ جديرٌ بالمُطالعة، فهو عميقٌ في بعضِ فصولِه، وعاديٌّ في بعضِها الآخَر؛ فالكمالُ للهِ وحده.[11]
وعلى إعجابِ الدكتور داهش بتولستوي، في إخلاصِه لرسالتِه الأَدبيَّة وصدقِه وشجاعتِه، فإنَّه قال لي مرَّةً: “أنجزتُ الليلةَ البارحة قراءةَ كتاب ’الحرب والسِّلم‘ لتولستوي، فوجدتُه كتابًا ذا فوائدَ جليلة، لكنَّه مع ضخامتِه دون “جُمهوريَّة” أفلاطون عُمقًا وقدرًا وأَهمِّـيَّة مع ضآلةِ حجم ’الجمهوريَّة‘ بالنسبة له.”
وليس الشعراءُ الكبارُ وحدهم يُلهَمون، فقد أَعطاني الدكتور داهش عدَّةَ أمثلة على عباقرة الأُدباء الذين كانوا مُخلصين لِما تُلهِمُهم به سيَّالاتُهم العُلويَّة؛ منها أَنَّ رواية بِرنردان ده سان بيار Bernardin de Saint Pierre “بول وفرجيني” Paul et Virginie كانت مُلهَمة، وكذلك “رافائيل” Raphael للامرتين، و”هي أو عائشة” She لرايْدِر هاغَرد Rider Haggard ، و”النبيّ” لجبران. وإذْ سألتُه عن روايات جول فِرن Jules Verne الذي سبقَ في تخيُّـلِه الروائيِّ كثيرًا من الاختراعاتِ الحديثة بمدَّةٍ طويلة: كيف استطاع ذلك؟ أجابني: “أَلهمَه سيَّالُه العُلويُّ الذي عاش على الأرض في دورةٍ سابقةٍ لدورة آدَم، وكانت الحضارةُ البشريَّةُ فيها قد وصلَت إلى تقدُّمٍ أبعدَ مِمَّا وصلنا إليه اليوم.”
وسأَلتُه: بين الشعُراء مَن يستمرُّ شعرُه رفيعًا على تقدُّمِه بالسنّ، وبينهم مَن يهبطُ مُستوى شعره أو ينقطعُ عن الإبداع وهو ما يزالُ في شبابه، فما سببُ ذلك؟ فأَجابني: “الشاعرُ الذي يستمرُّ رفيعَ الشعر، غزيرَ العطاء، يكونُ سيَّالُه العُلويُّ ما يزالُ يمدُّه بالإلهام؛ أمَّا الآخَر فيكونُ سيّالُ الشعر فيه قد هجَرَه، أو قد انحطَّ ، فامتنعَ اتِّصالُه بمصدرِ إلهامِه، لأنَّه إذا لم يكُن مُستوى السيَّال الذي في الشاعر أو في أَيِّ عبقريّ يُؤهِّلُه للاتِّصال بسيَّالِه العُلويّ، فإذْ ذاك يمتنعُ الاتِّصالُ الإلهاميّ.”
وإن يمنح الدكتور داهش صدقَ التجربة الفكريَّة الشعوريَّة في الأَدبِ أَهمِّـيَّةً كُبرى، فإنَّ اعتبارَه الجمالَ الفنِّيَّ لا يقلُّ عنده اعتبارًا، شرطَ أن تكونَ وظيفةُ الإخراج الفنِّيِّ تصويرَ االواقع النفسيِّ أو الطبيعيِّ الذي يصلُه بمثلِه الأعلى الجدير بالبقاء تصويرًا أَمينًا، بدون لعبٍ كلاميٍّ أو تأَنُّقٍ لفظيِّ يُخفيه ويُضيعُ على القُرَّاء “الغايةَ التي يهدفُ [الأُدباءُ] إليها،” لأنَّ ما يخلدُ في الأدبِ هو صورةُ الحقيقةِ المثاليَّة التي استطاع الأديبُ أن يتمثَّلها في رؤيته أو رؤياه، و“الحقيقةُ أَتَت عارية، وهي لا تلتحفُ بالخَفاء.”[12]
د- الواقعيَّةُ الحيَّة
فالجمالُ الفنِّيُّ، سواءٌ في الأدبِ أو الرسم أو النحت أو الموسيقى، خيرُ ما يُجسِّدُه، في رأي الدكتور داهش، هو الواقعيَّةُ الحيَّة، وبعبارةٍ أُخرى، صدقُ الواقع الموضوعيّ المُتناوَل ، نفسيًّا كان أم طبيعيًّا، وحيويَّتُه. فبقَدرِ ما يدعُ الأديبُ أو الفنّانُ هذه الواقعيَّةَ الحيَّة ترفعُ صنيعَه الإبداعيَّ إلى مرتبةٍ تُداني ما أَبدَعته القدرةُ الموجِدة، يكونُ قد نجحَ في مَهمَّتِه، وإبلاغِها إلى القارئ أو المُتأَمِّل، كما نجحَ في تأدية دَورِه في المجتمع.
والواقعُ، في رأي الدكتور داهش، لا يعني المحسوساتِ الأرضيَّة فحسب، بل يشملُ أيضًا كلَّ ما يُبدِعُه الخيالُ من آلهةٍ وشياطين وأبطالٍ أُسطوريِّـين، ومن كائناتٍ تاريخيَّة أو غير تاريخيَّة. الواقعُ عنده هو كلُّ ما له دلالةٌ يستطيعُ القارئُ أو المُتذوِّقُ أن يقبضَ عليها. فقد وصفَ هو نفسُه الآلهةَ والشياطين، وعالجَ التاريخَ الجليَّ كما الأساطير؛ لكنَّ كلَّ ما تناولَه كان يفيضُ بالواقعيَّة الزاخرة بالحيويَّة. هذه الواقعيَّة الموحِية كانت من أسباب إعجابه بكتاب “ولدي” للدكتور محمَّد حسَين هيكل الذي نوَّهَ بوصفِه البديع الحَيِّ في رسالتِه الأُولى إليه، ولا سيَّما وصفهُ لغروب الشمس بين بودابست وفيـيِنَّا، ثمَّ تحوُّلات مشهد الثلج والنورُ يُخضِّبُه عند المغيب، وكذلك مناظرُ مساقط المياه.[13]
هذه الواقعيَّة الحيَّة يراها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة ضروريَّةً أيضًا في الفنِّ، أموسيقى كان أم رسمًا أم نحتًا. فهو إذْ يصفُ عَزفَ بتهوفن، في “كوكب الخلود الباهر”، لـ”نشيد الوداع” الذي يُصوِّرُ فيه حُزنَ أهل النعيم لفراق الغادة أحلام والسعادةَ الفردوسيَّة التي ستتخلَّى عنها، يجعلُ “موسيقاه العُلويَّة” تُؤَثِّرُ في نفوس المُصغين إليها حتَّى تدعَهم “يلمسون بأرواحِهم أَبوابَ النعيم الحافل باللذاذات التي لا يُمكنُ لقلمِ بشريٍّ أن يصفَها أبدًا…”؛ وكذلك يقولُ عن هَندِل الذي “برهن… أَنَّه عبقريٌّ في تجسيم الآلام التي تُساورُ الأرواح بشكلِ أَنغامٍ سماويَّة”، إذْ جعلَ المُستمعين “يلمسون الأَلمَ لمسَ اليَد، فيسري في أَعصابِهم ويقطنُ في أَعمقِ أَعماقِ تخيُّلاتِهم، مثلما فعلَ في المرَّةِ الأُولى عندما كان يحيا في أرضِ البشر، يومَ أَذاعَ مقطوعتَه الموسيقيَّة الشهيرة مُعبِّرًا فيها عن آلامِ السيِّدِ المسيح له المجد.”[14]
كذلك يُؤَكِّدُ في الرسم والنحت أَهمِّـيَّةَ حيويَّةِ الواقعيَّة.[15] ففي مُتحف الفنون الجميلة بلوس آنجلوس تجتذبُ انتباهَه لوحةٌ لتوماس لورانس “تُمثِّلُ شابًّا في مُقتبل العُمر. فأنتَ تحسبُه حيًّا تنبضُ الحياةُ فيه، وتأسرُكَ نظراتُه الحيَّة فتظنُّ أَنَّه يكاد أن يُخاطبَك.”[16] وفي المُتحفِ نفسه أَثارت إعجابَه لوحةٌ لأَلِكسندر وايانْت A. Wyant “تُمثِّلُ منظرًا طبيعيًّا بأشجارٍ مُتقَنة الفنّ، وأعشابٍ هي الفتنةُ نفسُها، وبُحيرةِ ماءٍ تكادُ تروي غليلَكَ من مائها السلسبيل.”[17] وفي مُتحف الفنون الجميلة بسان فرانسِسكو راعته لوحةٌ للفنَّان الأمريكيّ وِليَم هارنِت W. Harnett، وهي تُمثِّلُ “بوقًا نُحاسيًّا مُعلَّقًا، وأرنبًا قد عُلِّقَ من قدَمِه، و”زمزميَّة” ماء، ورِتاجًا حديديًّا صَدِئًا كُسِرَ منه جزء. والناظرُ إلى هذه اللوحة المُذهلة لا يُمكنُه أن يشكَّ بأنَّ البوقَ النُّحاسيَّ هو بوقٌ طبيعيّ قد عُلِّقَ في فراغ اللوحة، كما يظنُّ أنَّ الأرنبَ هو أرنبٌ حقيقيّ قد صُبِّرَ وعُلِّق، وكذلك “الزمزميَّة”؛ كما لا يُخامرُ المُشاهدَ أيُّ شكّ بالرتاج الحديديّ وواقعيَّتِه، ولا يُمكنُه أن يُصدِّقَ بأنَّه أمام لوحةٍ زيتيَّة رسمَها فنَّانٌ فَذّ، فإذاها طُرفةٌ لا تُثَمَّنُ بمالٍ تافِه.”[18] وقد خدَعت حيويَّةُ الواقعيَّة في هذه اللوحة بعضَ مُرافقيه.
وفي المتحف الوطنيِّ بآثينا راعَه تمثالُ إلاهةٍ تبدو تقاطيعُها “من وراء ثوبِها الشفَّاف، فإذا بها غضَّةٌ بضَّة، كأنَّها امرأَةٌ يسري الدمُ في شرايينِها، وما هي إلاَّ حجرٌ أصمّ!”[19] وكذلك نوَّهَ بهذه الواقعيَّة الحيَّة في نحت التماثيل التي تخدعُ الناظرَ إليها في ما رآه من تماثيلَ في مُتحف بورغيزي بروما، فإذا هو يقولُ أمام تمثالٍ يمثِّلُ فراشًا تجلسُ عليه شقيقةُ نابوليون:
وأَيمُ الحقِّ، لقد ظننتُه فراشًا حقيقيًّا، لأَنَّ المَـثَّالَ العظيم أَتقنَ نحتَه للدرجةِ القُصوى. فأَنتَ تنظرُ إلى هذا الفراش الحجَريِّ الصَّلد فتظنُّه فراشًا حقيقيًّا تلمسُ فيه الطراوة، وما ذلك إلاَّ لِلَمساتِ ذلك الفنَّان الصَّناع الذي أَبدعَ في نحتِه، وجعلَ ثَنِيَّاتِ الفِراش تبدو للعَيان كأنَّها فراشٌ حقيقيّ لا حجَريّ.[20]
ذلك هو مفهومُ الدكتور داهش لِما هو ناجحٌ خالد في الأدب والفنّ. أمَّا الذي يجعلُ همَّه إرضاءَ ذاته المُنـتفخة، فلا يحفلُ بالقارئ أَوالمُتذوِّق، سواءٌ أَوَصلَ إليه مُؤَدَّى كلامِه أو فنِّه أم لم يصِل، فيكون حتمًا بلا رسالة، مُجرَّدًا من الإلهام، مُهرِّجَ ألفاظٍ ومعانٍ أو أشكالٍ و ألوان أو أنغامٍ توقِرُ الآذان. وأمثلةُ هؤلاء العابثين بعقول السذَّجِ كثيرون في مُختلف البلدان والمجالات. حسبي الإشارة إلى الذين حوَّلوا الأدبَ إلى لعبةٍ لفظيَّة، والذين مسَخوا الرسمَ خطوطًا وألوانًا لا معنى لها، والنحتَ أشكالاً لا مدلولَ لها إلاَّ في نفوسهم. وما أَكثرَهم في هذا العصر!
وكان رجُلُ الروح يُعلِّقُ حزينًا على شيوع أُكذوبة الفنَّ الـفوقواقعيّ surrealist أو التجريديّ abstract، حتَّى إنَّ الحكومات صدَّقَت بها فأدخلَت أَعمالاً تافهة إلى متاحفها الوطنيَّة. حسبي، في هذا المقام، أن أذكرَ تعليقًا واحدًا من بين تعليقاته الكثيرة المُنتثرة في مُعظمِ “رحلاته”. يقولُ بعدما شاهدَ في المُتحف الوطنيِّ بأُوسلو في النروج كثيرًا من اللوحات التجريديَّة أو الفوقواقعيَّة:
أَبـإمكانِ أَيِّ مخلوقٍ أَن يُقنِعَ المؤمنين بالرسوم الزيتيَّة أو المائيَّة التي هي من نوع “السرياليزم” بأَنَّها لا قيمةَ لها على الإطلاق؟ إنَّ هذا لَمِن المُستحيلات. حتَّى المتاحفُ العالَميَّة أَصبحَت تضمُّ هذه الأُكذوبة، وتُعلِّقُها على جدرانِها! فكيف لا يُؤمنُ الجمهورُ بحقيقتِها بعدما تبنَّتها الحكومات! إنَّ هذا شأنُهم؛ أمَّا أنا فإنّي أَقول، بل أُعلنُ بصوتي الجَهوريّ، أنَّ الفنَّ الحقيقيَّ هو “الرياليسم”، أي الفنُّ الواقعيّ.”[21]
والواقعيَّة مثلما يفهمُها تشملُ الفنَّ الانطباعيَّ أيضًا، إذْ إنَّ صنائعَه الإبداعيَّة تُبنى على موضوعٍ ذي مدلولٍ معيَّن يستطيعُ القارئُ القبضَ عليه؛ فالاختلافُ ينحصرُ في الأُسلوبِ الفنِّيّ. وقد أبدى إعجابَه بروائع الانطباعيِّـين، ومنهم رنوار وسيزله وفان غوغ وكلود مونه، حينما زار المُتحفَ الخاصَّ بهم في باريس.[22]
ولم يكُن الدكتور داهش يتأَثَّرُ في أحكامه بشهرة الأُدباء والفنَّانين أو عدمِها أو بمدى حُبِّه لهم؛ فقد قال لي مرَّة: “إنَّ رسمَ جبران أَقلُّ أَهمِّـيَّةً من أدبِه، وهو دون رسمِ وليَم بلايك.” وبعد أن شاهد لوحاتٍ لشاعر الهند الأكبر، طاغور، معلَّقة في مُتحف “تيت غالري” بلندن بين لوحاتٍ هنديَّة فوقواقعيَّة، قال مُعلِّقًا:
وقد لفتَت نظري بضعُ لوحاتٍ للشاعر العالَميّ الهنديّ رابندرانات طاغور؛ وهي لوحاتٌ عاديَّة جدًّا، ومن نوع السرياليزم أيضًا. وليت طاغور اكتفى بأَدبِه العظيم وروائعِه المُبدِعة. فلوحاتُه لا قيمةَ لها إطلاقًا، وهي لا تعني شيئًا البتَّة.[23]
زِدْ إلى ذلك أَنَّ صورةَ الحقيقةِ المِثاليَّة في الصنائعِ الأدبيَّة والفنِّـيَّة لا تستقيمُ إلاَّ بأن يكونَ فيها مُتَّحِدًا ثالوثُ الحقِّ والخيرِ والجمال، لأنَّه بكماله يُمثِّلُ صورةَ الحقيقة الإلهيَّة المُطلقة. ولِذا يُلِحُّ الدكتور داهش على أن يقتديَ الكُتَّاب به في قِصَصِهم، فيَخرجوا، مثلما فعَل، “بعظةٍ ونتيجة ٍتحضُّ على الخير وتشجبُ الشرّ.”[24] كذلك في الفنّ، يأنفُ من أن يُسمِّيَ الرسومَ التي تُثيرُ الغرائزَ البهيميَّة فنًّا حقيقيًّا. فقد أعاد، مرَّةً، رسومًا من هذا النوع إلى صاحبِها، لأنَّ طريقةَ إخراجها تنـزعُ بالنفس إلى الرذيلة بدلَ أن تسموَ بها. علمًا بأَنَّه لا يجعلُ غايةَ الفنِّ غايةً خُلقيَّة مُباشرة، فإنَّ كثيرًا من اللوحات الفنِّـيَّة في مُتحفِه لا يخلو من العُريِ الفنِّيّ، لكنَّ المُتأَمِّلَ في إخراجِ اللوحات وموضوعاتِها لا يسَعُه إلاَّ التسامي أمام جمالِها الفنِّيِّ محمولاً بالسيَّالات العُلويَّةِ التي أَبدَعته وأَودَعَته إشعاعاتٍ خفيَّةً منها. وهذا ما جعلَ مُؤسِّسَ الداهشيَّة يقولُ مُعلِّقًا، بعد أن زار مُتحفَ اللوفر في باريس ومُتحفَ واشنطن، علمًا بأَنَّ فيهما كثيرًا من اللوحات التي تُمثِّلُ عُريًا فنِّـيًّا:
“هذه اللوحاتُ العظيمة هي تُراثٌ للإنسانيَّة، يتناقلُها الخلَفُ عن السلَف لنرى ما بلغَه الفنُّ من رُقيّ، وما سجَّلَه لنا من حوادثَ تاريخيَّة بارزة نستطيعُ مُشاهدتَها عيانًا بأُسلوبٍ حَيٍّ فيه مُتعة، وفيه جمال، وفيه حقيقة ما أَجدرَها بالبقاء في عالَمٍ كلُّ ما فيه صائرٌ إلى زوال.”[25]
ذلك بأَن الجمالَ الحقيقيَّ لا ينفصلُ عن الخير والحقيقة. و“مَن أَدركَ سرَّ الجمال فإنَّه قد خَطا خُطواتٍ واسعة في فهمِ أَسرارِ الأَزَلِ والخلود… ومَن كان بعيدًا عن حُبِّ الجمال فإنَّه لن يفقهَ معنى الحياة ولا النهايةَ المجهولة.”[26]
كذلك كان الدكتور داهش ينفرُ من سماعِ الموسيقى ذات الصخبِ الفارغِ التي تستثيرُ الغرائز وتُرهِقُ الأَعصاب، ويُمجِّدُ الموسيقيِّين الكلاسيكيِّين والرومَنسيِّين العِظام الذين “تركوا لِعالَمِ الأرض تُراثًا إلهيًّا من الأَنغام، تفنى الأَجيالُ دون أَن يزولَ خلودُه المُستمَدُّ من السماء”.[27]
هـ – النشوةُ السامية
من نتائجِ اجتماع الخصائص الأربع السابقة في الإبداع الفكريِّ أو الأدبيِّ أو الفنِّي، في رأيِ الدكتور داهش، أَن تُخالجَ النشوةُ السامية قارئَ العملِ الأدبيِّ أو الفكريِّ أو مُتأمِّلَ العملِ الفنِّيّ أو سامعَه. وأَقصدُ بالنشوةِ السامية ذلك التأثيرَ الذي يهزُّ النفسَ بالعواطف النبيلة، ويسمو بها إلى ما يتخطَّى العاديَّ من الحياة، حتَّى لَتشعرُ كأنَّكَ في خشوعِ الصلاة. وقد يكونُ الموقفُ مأساويًّا، ومع ذلك يغمرُ الإبداعُ النفسَ بمُتعةٍ غير عاديَّة. هذه المُتعةُ المُفيدة سيكولوجيًّا تَنبَّهَ لها أرسطو في كتابه “فنُّ الشعر”، فسمَّاها “كاثَرسيس” catharsis، أَي تنقية الأهواء.
يروي الدكتور داهش أنَّه في أَثناء رحلةٍ سياحيَّة قام بها في ضواحي لندن، أَعلنَت الدليلة عن مقبرة الشاعر توماس جراي T. Gray ، فيقول:
“فأَرهفتُ السمعَ، وشملَتني الكآبة، فتوماس جراي، هذا الشاعرُ الفَذّ، قرأتُ له، في مطلعِ صباي، قصيدةً رائعة اسمُها “مرثاة في مقبرة” كان لها التأثيرُ البالغُ في نفسي، فلُحمتُها الحزنُ وسَداها الشَّجَن. إنَّها مرثاةٌ خالدة نمَّقَتها ريشةُ هذا الشاعر الكبير الثاوي في المقبرة التي كتبَ مَرثاتَه فيها…” [28]
فهذه القصيدة، على مأساويَّتها، أحدثَت في نفسه تأثيرًا لم يمحُه مرورُ عشرات السنين، لأنَّ القصيدةَ وجدها “رائعة”، وروعتها تسمو بالنفس؛ ولِذا أعقبَ تعليقَه الآنفَ الذكرَ بقوله: “وقفتُ أمام قبره البسيط باحترامٍ وحُزنٍ عميق…”[29]
وفي تعليقِه على وصف حسَين هيكل لغروب الشمس في كتابه “ولَدي”، يقول: “ومَن هو الشخصُ— وهَبه مُتحجِّرَ العاطفة، صخريَّ القلب، فولاذيَّ الأعصاب— الذي لا يطربُ ويُحلِّقُ في المَلإ العُلويّ بعد قراءتِه لوصفِكَ السحريِّ العجيب (….) وهل بإمكاني أَن لا أَنتشيَ برحيقِ الغبطةِ والسرور وأَندمجَ في لُجَجِ الانشراحِ والحبور؟…” وبعد عرضِه لوصفِ هيكل لمنظر النهر المُرغي المُزبِد، يقول: “إنَّه وصفٌ يأخذُ بمجامع القلوب ويسمو بالروح فتُحلِّقُ عاليًا، هناك بعيدًا وراءَ العوالم المجهولة حيث تحيا الطمأنينة، وتسودُ العدالة، وترتعُ السعادة في مدينة السلام المقدَّسة.”[30]
هل سببُ هذا التأثيرِ السامي هو الموضوعُ المُعالَج؟ لا. فقد أكَّدَ لي مُؤَسِّسُ الداهشيَّة أَنَّ الصُّورَ العارية التي رسمَها ميكال آنج في الكنائس تبعثُ على الخشوع لأَنَّها ذاتُ جمالٍ فنِّيٍّ أَحيَته سيَّالاتٌ عُلويَّة هي امتدادٌ روحيٌّ لسيَّالاته، ولذلك هي تسمو بالنفوس.
وليس كلُّ عملٍ أدبيّ أو فنِّيّ يكون ناجحًا، برأيه، إذا صدرَ عن أديبٍ أو فنَّانٍ كبير. فقد ألمعتُ إلى رأيه في رسم طاغور الذي استهان به، في حين أنَّه يُكبِرُ التأثيرَ السامي لأدبِه، فيقول مُعلِّقًا على فِعلِ “أُغنية طاغور” في نفس مَدلين (إحدى شخصيَّات روايته “مُذكِّرات دينار”): “وفعَلت معاني هذه الأُغنية بنفس مَدلين فِعلَ الترياق تُقدِّمُه الآلهةُ بأَكوابٍ من النور لِمَن استحقُّوا البلوغَ إلى مواطنِ النعيم الخالدة في الفراديس الإلهيَّة العجيبة.”[31] بينما يُعلِّقُ الدكتور داهش على قصَّة “زوجة رجُل آخَر” للأديب الكبير دستويفسكي، بعد قراءته لها: “الحقيقةُ أنَّني لم أُعجَب بها بالنسبة لمكانة هذا الأديب الروسيّ، إذْ كان يجبُ أَن تُؤثِّرَ في القارئ، ولكنَّها لم تُحدِث أيَّ أثرٍ في نفسي.”[32]
هذه النشوةُ السامية يتحدَّث عنها مُؤسِّسُ الداهشيَّة مرارًا عند سماع الموسيقيِّـين العِظام في قصَّته “الحُلم الهابط إلى أرض البشر”. وحسبي أن أشيرَ في هذا المقام إلى قوله، بعد عزف بتهوفن البالغ التأثير في النفوس: “وما إن فرغَ بتهوفن من عَزفِ نشيدِه حتَّى “انتشى الجميع بخمرة هذه النغمات السماويَّة المُستمَدَّة من الله—جلَّت قدرتُه.”[33]
وقد جعلَ الدكتور داهش المهابةَ والخشوع،َ فضلاً عن التأثيرِ المُمتِع السامي، يكتنفان سِيَرَ العباقرة والتأَمُّلَ في إبداعِهم ذي المصدرِ العُلويّ. فهو يقول آنَ زار الأَكروبول في اليونان:
وقفتُ بخشوعٍ كأَنَّني في معبد… وكيف لا أَخشعُ والصمتُ يُهيمنُ عليَّ! أَوَ ليس سقراط كان يأتي إلى هذا المكان الذي أَقفُ فيه الآن؟ سقراطُ الفيلسوفُ العظيم، وكذلك أَفلاطون الجليل، صاحبُ “المدينة الفاضلة”، الذي سبقَ بتفكيره الصائب أَهلَ زمانه، فخلَّدَ التاريخُ اسمَه العظيم!…[34]
وحينما زار مُتحَفَ بورغيزي بروما وتملَّى الرسومَ والتماثيلَ الرائعة التي تُطِلُّ منها ملامحُ الجمالِ الفردَوسيّ الذي يأسرُ العقلَ والقلبَ معًا، قال مُعلِّقًا: “لقد بُهِرنا من روعةِ الفنِّ العظيم وذلك الإبداعِ الذي لا يعلو عليه إبداعٌ مُطلقًا. إنَّه مُتعةٌ للبصَر، وفردَوسٌ للحواسّ، تستمتعُ بروعتِه العيونُ وتجتليه النواظرُ وهي خاشعةٌ لهذا الفنِّ العُلويِّ الذي يأخذُ بمجامعِ القلوب.”[35] كذلك حينما زار “مُتحَفَ لوس آنجلوس كاونْتي للفنون الجميلة”، وأنعمَ النظر في لوحةٍ فذَّة للفنَّان المُبدِع أَلبرت بيرشتات Bierstadt تُمثِّلُ غابةً وبحيرةً في ليلةٍ قمراء، قال مُعلِّقًا: “فوقفتُ أَتأَمَّلُها وكأَنَّني في معبَد…”[36]
وعلى عكس ذلك سمعتُ رجُلَ الروح، مرَّةً، يطلبُ هاتفيًّا من أُختٍ داهشيَّة كانت تبتاعُ له عدَّةَ كُتُب ألاَّ تشتريَ مُؤلَّفاتِ شاعرٍ مُعيَّن، لأنَّ مُؤلَّفاتِه حملَت سيَّالاتٍ سُفليَّة من الشاعر نفسه؛ فسألتُه: هل عرفتَ ذلك بوَحيٍ أم بقراءتِك إيَّاه؟ فأجابني: “أعرفُ ذلك من التأثير السيِّئ الذي يُحدِثُه العمل في النفس، وإلهامي لا يُخطِئ، وعليَّ أن أَتبعَه.” وقال لي: “لا تظنَّ أنَّ شهرةَ الكاتب أو الفنَّان أو الموضوعات التي يُعالجُها هي التي تُخلِّدُ أَعمالَه، بل يُخلِّدُها السيَّالُ العُلويُّ الذي فيها، إن وُجِد؛ فقد كُتِبَت مئاتُ الأَناجيل، لكنْ لم يخلد منها إلاَّ أربعة، لأنَّ سيَّالات الذين كتبوها هي التي خلَّدَتها.” كذلك نصحَ الدكتور داهش بعضَ الأخوات الداهشيَّات أَلاَّ يقرأنَ شاعرًا فرنسيًّا، مع شهرته، لأنَّ شعرَه يحملُ سيَّالاتٍ سُفليَّة. فسألتُه عن سببِ استمرار شهرة ذلك الشاعر وذيوع اسمه؛ فأجابني: “إنَّ الناس يُخدَعون بالأدب مثلما يُخدَعون بالفنّ. لكنَّ هذه الخِدَع قد تُعمِّرُ قرنًا أو قرنَين ثمَّ تُفضَح، لأنَّ عاملَ الخلود ليس فيها.”
عُروضُ السينما والتِّليفزيون والمسرح
لم يكن الدكتور داهش ينظر إلى عُروض السينما والتليفزيون والمسرح نظرةً خاصَّة، بل يُطبِّقُ عليها ما يُطَبَّقُ على الفنِّ والأدبِ بصورةٍ عامَّة، فبِقَدرِ ما كانت تجتمعُ فيها عناصرُ الحقِّ والخير والجمال كان يراها راقية. مرَّةً صحبتُه إلى حضور فيلمِ “وصايا الله العشر”— وندرَ أن حضرَ برنامجًا سينمائيًّا أو تلفازيًّا من جرَّاء انشغاله بالأهمّ— فكان مُعجَبًا بفنِّ التمثيل فيه كما بعبقريَّةِ مُخرِجِه. وحينما لازمتُه في الولايات المُتَّحدة بضعةَ أشهر، عام 1978، سمعتُه يقول: “هيهاتِِ أن تبلغَ البرامجُ التليفزيزنيَّة العربيَّة برامجَ أمريكا العظيمة في فائدتها وقوَّةِ إخراجها.”
ولم يكُن يُمانع في الرقص، بل حتَّى المُختلط منه، شرطَ أن يكونَ فنِّـيًّا ومُحتشمًا لا يُثيرُ الغرائزَ الجنسيَّة. ففي رحلته إلى اليابان عام 1969، حضرَ برفقة الدكتور خبصا عَرضًا في “الأُوبرا” بطوكيو، فقال مُعلِّقًا: “وتتالت المشاهدُ بديعةً رائعة: فكلُّ مشهدٍ يدلُّ على براعةٍ فنِّـيَّةٍ فائقة، وإخراجٍ قويّ، وموسيقى مُبدِعة. وقد شاهدنا الرقصَ اليابانيَّ الفنِّيَّ تقومُ به بضعُ عشراتٍ من الراقصات اليابانيَّات بصورةٍ إيقاعيَّة ولا أَبدعَ منها. وفي السابعة والربع، اختُتِمَ البرنامج بظهور لا أقلَّ من مئةِ راقصٍ وراقصة بحلَلٍ زاهية الألوان، وهم يُؤدُّون رقصةً فنِّـيَّةً رائعة يُرافقُها غناءٌ عذبٌ وموسيقى يابانيَّة ناعمة تنسجمُ مع الرقصةِ الفنِّـيَّة كلَّ الانسجام.”[37] وفي مسرح البولشوي بموسكو شهدَ عرضًا لباليه “كسَّارة البُندُق” لتشايكوفسكي، فعلَّق قائلاً: “وتتالت المشاهدُ رائعة؛ فرَقْصُ الفتيات بديع، والأَداءُ فنِّيّ، والديكور أَخَّاذ، والموسيقى رفيعة…”[38] وفي لوس آنجلوس حضرَ عرضًا للرقصِ الأمريكيّ علَّقَ عليه قائلاً: “رقصَت مجموعةٌ من الفتيات رقصاتٍ مُحتشمة رائعة شاركَهنَّ فيه بعضُ الشبَّان. وقد أَتقنَ الجميعُ فنَّهم إتقانًا تامًّا.”[39] وهكذا أكَّد مُؤَسِّسُ الداهشيَّة أنَّ الفنونَ، إذا كانت راقية، لا تُنافي المُعتقداتِ الدينيَّة الموحاة، بل إنَّها تدعمُها في تنقية النفسِ من أهوائها والسُّمُوِّ بنـزعاتِها، وهي تدفعُ الحضارةَ إلى الأمام شأن الروائع الأدبيَّة والمُنجَزاتِ العلميَّة الجليلة.
(في العدد المُقبِل “العُلماءُ وأربابُ التعليم العالي ووسائطِ الإعلام”)
- 1. الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة”، ج 14 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 328-329. من الجدير بالذكر أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة كان يُدوِّنُ في مُفكِّرته اليوميَّة ما يقرأُه، وعددَ صفحات كلِّ كتابٍ يُطالعُه وما استغرق من وقت، كما كان يُدوِّنُ مثلَ هذه الملاحظات على الكتاب نفسه، فضلاً عن أنَّه كان يخطُّ تحت كلِّ سطرٍ يقرأُه.
- 2. الدكتور داهش: “القلبُ المُحطَّم” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1984)، قطعة “أَخي جبران”، ص 179-184. كذلك يقول الدكتور داهش في قصَّة “الحُلم الهابط إلى أرض البشر” إنَّ هبوط أحلام إلى الأرض كان “لأَداء رسالة” لم تكن تعرف شيئًا عنها وهي في عالَمِها الفردوسيّ. أنظر الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 34.
- 3. المصدرُ السابق، ص30-32.
- 4. الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 1 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 475.
- 5. نوَّهَ الدكتور داهش بكتاب “الغصن الذهبيّ” في المجلَّد 6 من “الرحلاتُ الداهشيَّة…” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1990، ص 32) حيث قال: “حقًّا إنَّ هذا الكتابَ نفيس، وترجمته كانت واجبة كي يطَّلعَ عليه مَن لا يُتقنُ اللغةَ التي كُتِبَ فيها.”
- 6. الدكتور داهش: “كلمات”، ص 99.
- 7. تجدُ مثالاً على ذلك في “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، المجلَّد 20، ج 1 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 2001)، ص
- 8. الدكتور داهش: “كلمات”، ص 100-101.
- 9. المصدرُ السابق، ص 83.
- 1 الدكتور داهش: “عواطف وعواصف” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1971)، المُقدِّمة، ص 5-9.
- 1 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2 (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 78.
- 1 الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 21.
- 1 “الرسائلُ المُتبادَلة بين الدكتور داهش مُؤَسِّس الداهشيَّة والدكتور حسَين هيكل باشا”، جمعَه الدكتور فريد أَبو سليمان ( بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1981)، ص32-36.
- 1 الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، ص 30-32.
- 1 يُمكنُ الإفادة في مفهوم الواقعيَّة الفنِّـيَّة لدى الدكتور داهش من مقال “الدكتور داهش والفنّ” للأستاذ طوني شعشع، “صوت داهش”، حزيران 1997.
- 1 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 1، ص 223.
- 1 المصدرُ السابق نفسه.
- 1 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 12 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ، ص71.
- 1 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 4 (بيروت: دار النار والنور، 1983)، 32.
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2، ص 72-73.
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 6، ص 293-294. يُمكنُ الوقوعُ على تعليقاتٍ مُماثلة على الفنِّ التجريديّ أو الفوقواقعيّ في مواضعَ مختلفة من “الرحلات”؛ منها الجزء 1، ص 369 حيث يقول: “كيف تسمحُ الحكومات بوضع هذه اللوحات التي هي عبارة عن ألوانٍ مُمتزجة بعضها ببعض ولا معنى لها على الإطلاق! أقول كيف تسمح بوضعها وهي لا تُمثِّلُ إلاَّ الوهم، ولا تعني شيئًا ما يُثيرُ الإنسان أو يدعُه يلمسُ جمالَه أو يتملَّى معانيه، وهذا الأمر يُحيِّرُ حقًّا!”؛ وكذلك ج 18، ص 114حيث يقول: “أَمَّا لوحاتُ ’السريالزم‘ فأَنا بعيدٌ عنها بُعدَ السماوات عن الأَرَضين. فما هي سوى شَرَكٍ لاصطياد أَغبياءِ العقول الذين تنطلي عليهم أَضاليلُ يدفعون ثمنَها مبالغَ طائلة وهي لا تُساوي شروى نقير.”
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 1، ص 359.
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 19 ، ص 105.
- 2 الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، 5.
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 1، ص360.
- 2 الدكتور داهش: “ضجعةُ الموت” (القُدس: مطبعة دار الأَيتام السوريَّة، 1936)، ص 10.
- 2 الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، ص 30.
- 2 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 6، 317-318.
- 2 المصدرُ السابق نفسه.
- 3 “الرسائلُ المُتبادَلة…”، ص 32 و34 و36.
- 3 الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار”، ص 157.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2، ص 33-34.
- 3 الدكتور داهش: “قِصص غريبة وأساطير عجيبة”، ج 1، ص 30-31.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 4، ص 28-29.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 2، ص 73.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 12، ص 96.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 1، ص140-141.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 7 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1990)، ص 138.
- 3 الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، ج 12، ص 114.
الحياةُ الثقافيَّةُ واالرُّقيُّ الحضاريُّ
في ضَوءِ التعاليم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
بيَّنتُ في ما تقدَّمَ من هذا البحث (أنظر العدد السابق، شتاء 2002) أنَّ لكلِّ مجتمعٍ بشريّ حياةً ذاتَ أبعادٍ مُتشابكة مُتفاعلة، أبرزُ ما اصطُلِحَ عليها يتمثَّلُ في المظاهر الدينيَّة، والسياسيَّة، والخُلقيَّة الاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والعسكريَّة، والثقافيَّة. وقد أوضحتُ أهمِّـيَّةَ كلٍّ منها وخصائصَه ومقاييسَ رُقيِّه وأسبابَ انحطاطِه. لكنَّ البُعدَ الثقافيَّ أرجأتُ الخَوضَ فيه إلى هذا العدَد، لأنَّه— مثلما ذكرتُ—المُحصَّلةُ المعرِفيَّة والمِعياريَّة للأَبعادِ جميعًا، فضلاً عن شمولِه العُلومَ والآدابَ والفنونَ تلَقُّنًا وإبداعًا. ولِكون الثقافة ذاتَ صفةٍ مِعياريَّة، فإنَّها تُصبحُ بمنزلةِ العُصارةِ الروحيَّة في كلِّ حضارة. فما هو مدى الارتباط بين هذا البُعدِ الروحيِّ من الحضارة ورُقيِّها في ضَوءِ التعاليم الداهشيَّة؟
بناءً على مفهوم الثقافةِ الذي قدَّمتُه، يُصبحُ المُثقَّفُ، بالمفهوم الحديثِ العامّ، إنسانًا أحدثَت الثقافةُ تأثيرًا إيجابيًّا في إدراكِه بحيثُ أصبحَت مفاهيمُه وأعمالُه محكومةً بالعقلِ وأحكامِه الموضوعيَّة وليس بالأهواءِ والانفعالات والعواطف الشخصيَّة؛ ومُرادِفُ معناه بالإنكليزيَّة هو intellectual، وبالفرنسيَّة intellectuel. [1]
أمَّا في ضوءِ التعاليم الداهشيَّة فالمُثقَّفُ إنسانٌ أخضعَ سلوكَه ومواقفَه، فضلاً عن مفاهيمه المُحصَّلة من مختلف المعارف وأعمالِه المُكيَّفة بها، لأحكامِ العقلِ المُستنير كما لإيعازات الضمير ومُقتضَياتِ القِيَمِ الروحيَّة. ويرتقي المُثقَّفُ بقدرِ ما يضطلعُ بتَبِعةِ تقديمِ شعبِه وتطوير الحضارة فيه إلى ما هو أرقى، وذلك انطلاقًا من إدراكِه أنَّه بقدرِ معرفتِه وما يتمتَّعُ به من مواهبَ، تعظمُ مسؤوليَّتُه تجاهَ أُمَّتِه كما إزاءَ الإنسانيَّة. ولِذا فالمُثقَّفُ الراقي تترتَّبُ عليه المواقفُ الشُّجاعةُ الصادقة لإعلانِ صوتِ الحقِّ عاليًا، ولِجَبهِ المصاعب والمِحَن التي تعترضُ ارتقاءَ المجتمَع سواءٌ كان ذلك في نُموِّه الروحيّ أم الاجتماعيّ أم الاقتصاديّ؛ فيكون المُثقَّفون الراقون، والحالةُ هذه، أَشبهَ بعَقلٍ أو ضميرٍ جَماعيٍّ حَيٍّ للمجتمع، وربَّما للإنسانيَّة.
وهكذا فالمُتعلِّمون عامَّةً وخِرِّيجو الجامعات خاصَّةً، في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة، لا يُمثِّلون الثقافةَ في مُجتمعِهم إلاَّ بقَدرِ ما تفعلُ فيهم فِعلاً إيجابيًّا فكريًّا وعمَليًّا، خُلُقيًّا وسلوكيًّا، أي بقَدرِ ما يُصبحون عُمَّالاً فكريِّين بنَّائين في مُجتمعِهم، يُشخِّصون نقائصَه ومعايـبَه ويُشهِّرونها، مُحاولين تطويرَ الأوضاعِ الثقافيَّةِ إلى حالٍ أفضل. ومن الطبيعيّ أن يدخلَ في طليعةِ هؤلاء المُثقَّفين المُبدِعون جميعًا، سواءٌ في العلم والفلسفة والمعرفة العامَّة أو في الأدبِ والفنّ. تبَعًا لذلك سأُعالجُ، أوَّلاً، عناصرَ الثقافة في المجتمع، ثمّ أنماطَها، فدورَ المُبدِعين ومسؤوليَّتَهم، وأخيرًا دورَ مُؤَسَّسات التعليم العالي ووسائل الإعلام ومسؤوليَّتَها وأهمِّيَّةَ الرأيِ العامّ المُستنير، في ضوء المفاهيم الداهشيَّة.
عناصرُ الثقافة الثلاثة
أهمُّ العناصرِ الثقافيَّة في كلِّ مجتمَع ثلاثة: العُنصرُ الدينيُّ المِعياريّ، والعُنصرُ العقليُّ المعرِفيّ، والعُنصرُ السلوكيّ الاجتماعيّ. والبحثُ فيها سيكون تِباعًا.
أوَّلاً- الثقافةُ في عنصرِها الدينيّ المِعياريّ
لا رَيبَ في أنَّ العنصرَ الدينيَّ المِعياريَّ في المجتمع كان وما يزال، مباشرةً أو مُداورة، أساسَ الثقافة فيه، لأنَّه الينبوعُ الذي منه تتدفَّقُ القِيَمُ الروحيَّة، والميزانُ الذي به تُرازُ الأعمال، والمِعيارُ الذي تُقاسُ به الصالحاتُ وتُمَيَّزُ من الطالحات. حتَّى الدُولُ العَلمانيَّة تلتقي القِيَمُ الإنسانيَّةُ فيها، من عدالةٍ وخيرٍ وصدقٍ ونزاهة، القِيَمَ الروحيَّةَ التي بُنِيَت الأديانُ عليها.
لكنَّ المؤمنين بالدين قد يحيدون به عن غايتِه الأصليَّة التي ترمي إلى زَرعِ الفضيلةِ وتقوية الإرادة لِصُنع ما فيه خيرٌ للفرد والجماعة، فيُصبحُ، إذا انحرفَ، عائقًا للنموِّ الإنسانيِّ بدلَ أن يكونَ مُساعدًا له.
على أنَّ الداهشيَّةَ تزيدُ على غايةِ الدين الأصليَّة تنميةَ المداركِ العقليَّة التي توسِعُ آفاقَ الدين وتُبعِدُه عن الأوهام والخُرافات. وقد أوضحتُ الأضرارَ التي تنتجُ من الانحرافات الدينيَّة في ما تقدَّم من هذا البحث (أنظر العدد السابق).
وما يعنيني، هنا، هو الوجهُ النقيُّ من الدين وفقَ ما تفهمُه الداهشيَّة. فهذا الوجهُ هو العُصارةُ الروحيَّة التي إن سرَت في شجرة المُجتمع، زادت في رسوخِها وشموخِها، ومَدَّتها بثِمارٍ طيِّبةِ المَذاق، مُفيدةِ الغذاء. لكنَّ هذا المفهومَ الدينيَّ الراقي الذي نجدُه مع كلِّ بعثةٍ نبَويَّة أو هدايةٍ روحيَّةٍ صادقة، ترى الداهشيَّة أنَّه لا يستمرُّ قائمًا إلاَّ إذا توافرَت له عدَّةُ شروطٍ، أهمُّها خمسة:
أَ- إعتبارُ مفاهيمِ الحقائق الدينيَّة، على أهمِّـيَّتِها وقُدسيَّتِها، مفاهيمَ نسبيَّة، لا مُطلَقة، كلٌّ منها يُصدِّقُ ما قبلَه. فالملائكةُ، إذْ تُخاطبُ الناسَ بواسطة الأنبياء، إنَّما تُخاطبُهم وفقًا لدرجةِ مداركهم وقوَّةِ استيعابِهم؛ وكذلك الأمرُ إذْ يُخاطبُهم الأنبياءُ أنفسُهم. وهذا الأمرُ مرهونٌ بما يكونُ عليه تقدُّمُ المعارف في عصر البعثة الدينيَّة، ولا سيَّما العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة. وقد وردَ في “رسالة أفلاطون” التي أنزلَتها روحُ الفيلسوف اليونانيّ على مُؤسِّس الداهشيَّة، فارتَسمَت على ورقةٍ بيضاء بصورةٍ إعجازيَّة: الوَيلُ لِـمَن يُحاولُ أن يُعلِّمَ الناسَ أَسرعَ مِمَّا يستطيعون أن يتعلَّموا.”[2] كما قال الدكتور داهش: “الوَيلُ لِمَن يُخاطبُ الناسَ بأكثرَ مِمَّا يفهمون أو بأكثرَ مِمَّا يعتقدون، فجَدَثُه، إذْ ذاك، يكون أقربَ من حبلِ الوريد.[3]
نسبيَّةُ مفاهيمِ الحقائق الدينيَّة في الداهشيَّة يوجِبُها، إذًا، اختلافُ عقول الناس باختلاف عُصورهم وبيئاتهم، وكَونُهم، مهما ارتقَوا، في مُستوًى من المعرفة يعلوه ثلاثُمئةِ ألفِ مُستَوًى تتدرَّجُ في عوالم النعيم (150 درجة كلٌّ منها يشتملُ على ألفَي مُستوًى)؛ هذا قبل أن يرتقيَ الإنسانُ إلى عوالم الروح القُدسيِّة حيثُ تنطلقُ المعرفةُ من كلِّ قَيد، وحيثُ تسطعُ أَنوارُ الله، عَزَّ وجَلَّ. فالعائقُ، إذًا، هو استحقاقُ البشر أن يعرفوا أكثرَ مِمَّا يعرفون. حقيقةُ الاستحقاق هذه أكَّدها الدكتور داهش في كتابه المُلهَم “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” حيثُ يقول على لسان السيِّد المسيح إنَّه بعد عودته ثانيةً إلى الأرض “تتكشَّفُ الحقيقةُ لِمَن يجبُ أن يعرفَها كلٌّ حسبَ استحقاقِه.”[4]
إذا آمنَ أتباعُ الأديان جميعًا بأنَّ الحقيقةَ الدينيَّةَ نسبيَّة، دفعَهم ذلك إلى الانفتاح بعضهم على بعض للاستفادة والتكامُل، فتُصبحُ النظرةُ إلى الحياة والموت والوجود الأرضيِّ وما بعده أرحبَ وأشملَ وأقربَ إلى الصواب. فقد يكون في كلِّ دينٍ نورُ هدايةٍ لا نجدُه في دينٍ آخَر. فإذا تضافرَت الأنوارُ كلُّها، تمكَّنت من إضاءةِ ما يستحيلُ ظهورُه بفِعلِ نورٍ واحد.
وقد دفعَت الحقيقةُ الدينيَّةُ النسبيَّة مُؤسِّسَ الداهشيَّة إلى أن يقول:
ما أغربَ الآراءَ والمُعتقداتِ التي تدينُ بها النِّحَلُ المُختلفة التي تزخرُ بها الأرض، إذْ يظنُّ الجميعُ أنَّهم مُصيبون وغيرَهم مُخطئون؛ وكلُّهم، في رأيي، بالجهلِ يعمَهون.[5]
إنَّهم بالجهل يتخبَّطون لأنَّ كلَّ فئةٍ تظنُّ أنَّ الحقيقةَ المُطلقة هي مُلكُ يَدِها؛ والحقيقةُ المُطلقة ليست إلاَّ لَدُن الله، واللهُ يستحيلُ أن يُدركَ كُنهَه أو عظمتَه أيُّ عقلٍ خارجَ العوالم الروحيَّة، سواءٌ كان عقلَ فيلسوفٍ عظيمٍ في الأرض أو عقلَ كائنٍ متفوِّقٍ في عالَمٍ من عوالم النعيم الراقية جدًّا. يُؤكِّدُ الدكتور داهش ذلك بقولِه:
إنَّ عظمةَ الله لا يُحيطُ بها عقلُ بشريّ، ولا يُمكنُ أن يبلغَها أيُّ فيلسوف من فلاسفة عالَمِنا أو من عوالمَ أُخرى نجهلُها.[6]
بل إنَّ داهِش يُؤَكِّدُ في قطعة بعنوان “استسلام” أنَّ “مقاصدَ [الله] الخفيَّة في خَلقِنا خفيَت حتَّى على الأنبياء.”[7]
فكم من جماعةٍ دينيَّة عَبرَ التاريخ اعتقدَ أفرادُها أنَّ الله بجانبِهم، فهُم جنودُه وقومُه المُختارون، يعرفون مقاصدَه وأفكاره؛ إن مات أَحدُهم وهو يقتلُ غيرَه، حتَّى لو كان المقتولُ بريئًا، فالقاتلُ شهيدٌ وله فراديسُ النعيم. ولِذا فهم يؤمنون بأنَّ اللهَ لا يخذلُهم، لأنَّ الحقيقةَ كلَّها معهم، وكلُّ مَن عَداهم على ضلال، وله الجحيمُ مقرٌّ إلى أبدِ الآبِدين. لكنْ هلاَّ يتساءَلُ هؤلاء الغُلاةُ العُميان بعد أن تنقرضَ دولتُهم ويتبدَّدَ شملُهم ويهبطوا من عزٍّ إلى ذُلّ لماذا تخلَّى اللهُ عنهم ما داموا أصفياءَه ومُختاريه!
ب- تُؤمنُ الداهشيَّة بوَحدةِ الأديانِ الجوهريَّة. فالأديانُ سواءٌ كانت موحاةً ومُؤيَّدة بالمُعجزات أو كانت مُلهَمةً أسَّسَها هُداةٌ روحيُّون كما الحال في الهند والشرق الأقصى (الهندوسيَّة والبوذيَّة والكنفوشيوسيَّة والطاويَّة)— جميعُها تهدفُ إلى غايةٍ واحدة هي الإنماءُ الروحيُّ للإنسان، ومَدُّه بما يُساعدُه ويستحقُّه من الحقائق الروحيَّة النسبيَّة تبَعًا لمُستوى مدارك المَعنيِّـين وظروف عصرهم وبيئتِهم. وبناءً على ذلك تُصبحُ الكتُبُ الدينيَّة أشبهَ بفصولٍ في كتاب “الهداية الروحيَّة” الذي قد تمتدُّ فصولُه ما امتدَّت الحياةُ في الأرض، وارتقَت عقولُ البشر وازداد استحقاقُهم للمعرفة الروحيَّة.
فضلاً عن ذلك فالسيَّالاتُ الروحيَّةُ التي تُحيي الرُّسُلَ والهُداةَ الروحيِّـين جميعًا تنتمي، وفقًا لتعاليم الداهشيَّة، إلى شجرةٍ روحيَّةٍ واحدة ، وإن اختلفَت درجاتُ أغصانها، ولِذا وردَ في القرآنِ الكريم: )تلك الرُّسُلُ فضَّلنا بعضَهم على بعض، منهم مَن كلَّمَ اللهُ، ورفعَ بعضَهم درجات( (البقرة: 253).
ج- الإيمانُ بنسبيَّةِ الحقيقةِ الدينيَّة يُؤَدِّي حُكمًا، لا سيَّما في مجتمَعٍ راقٍ، إلى إعطاءِ الناس الحقَّ التامَّ في اختيار ما يعبدون حتَّى لو كان صنَمًا، وفي انتقاءِ العقيدة التي يَرَونها مُناسبةً لهم؛ ذلك بأنَّ العبادةَ لا نفعَ منها إلاّ إذا كانت مُطابقة ومُناسبة لسيَّالات المُؤمنين الروحيَّة. فالإكراهُ على الدين يضرُّ أكثرَ جدًّا مِمَّا ينفع. والتاريخُ حافلٌ بالشواهد على ذلك. هذا الموقفُ يُولِّدُ التسامُحَ في المجتمع، ويجعلُ مَن يتمتَّعُ بإدراكٍ أرقى ونزعاتٍ أسمى ينظرُ إلى مَن هو دونه لا نِظرةَ استعلاء، لكنْ نِظرةَ تفهُّمٍ واحترام؛ لأنَّ الرُّقيَّ الحقيقيَّ نُسغُه القِيَمُ الروحيَّةُ التي رأسُها المحبَّة. فالمُؤمنون الذين يتوسَّلون العُنفَ في نَشرِ مُعتقداتِهم وفَرضِها يُفرِغون دينَهم من نُسغِه الروحيّ، ويهبطون به إلى مُستوى حزبٍ دُنيَويّ قائمٍ على الإيمان بالغَيبيَّات.
د- يرتقي الوجهُ الدينيُّ في الحياةِ الثقافيَّة، وفقًا للداهشيَّة، بقَدرِ ما يتنـزَّهُ عن روحيَّة القطيع herd spirit. فالمُؤمنون الذين يشلُّون عقولَهم، مُطفئين الأقباسَ الإلهيَّةَ فيهم، ليُصدِّقوا، دونما مُناقشةٍ أو تساؤل، كلَّ كلمةٍ يتلفَّظُ بها رؤساؤهم الدينيُّون، ويُنفِّذوا أوامرَهم تنفيذًا أعمى إنَّما يتخلَّون عن الاستقلال الفكريِّ الذي منحَهم إيَّاه الله، ويهبطون بأنفسهم إلى مُجتمعات القُطعان. فأمثالُ هؤلاء نجدُهم في جميع العصور ومُختلف الأديان، حينما تتقهقرُ الثقافةُ وتُظلِمُ العقولُ في الشعوب؛ فيتحوَّلُ الرؤساءُ الدينيُّون إلى شِبهِ قادةٍ عسكريِّـين مُستبدِّين، وتتحوّلُ شعوبُهم إلى شبهِ قُطعانٍ مَسوقة إلى تسعير الحروب.
وروحيَّةُ القطيع، إذا سيطرت على مجتمعٍ ما، شلَّت فيه روحَ الإبداع وذهنيَّةَ النقد وإرادةَ التجديد والمُبادرة، فأسلمَ أفرادُه أمرَهم ومصايرَهم إلى الأقدار كما إلى زُعمائهم، يُسيِّرونهم تبَعًا لأهوائهم ونزواتِهم ومصالحهم الشخصيَّة أو الدينيَّة الضيِّقة، ويُثرون على حساب فَقْرِ المُؤمنين السُّذَّج، ويكبرون ويُمَجَّدون بقَدرِ ما يضعفُ أتباعُهم ويُرذَلون.
هـ- بقَدرِ ما يتجرَّدُ الدينُ من الخُرافاتِ والأوهام والشكليَّات، وتتلاقى حقائقُه والحقائقُ العلميَّة الثابتة، تقتربُ الحقائقُ الدينيَّةُ من الصحَّة، لأنَّ الحقيقةَ العلميَّةَ الثابتة هي الوجهُ الطبيعيُّ للحقيقةِ الروحيَّة. هذا مع العلم بأنَّ الحقائقَ الموحاة تسبقُ ما يكشفُ عنه النشاطُ العلميُّ السائدُ في أَوان نزولِها شهادةً على تفوُّقِ مصدرِها الروحيّ وصحَّتِه. وهذا ما جعلَ الدكتور داهش يقول:
أنا لا أُنكرُ أنَّ للإنسانِ يَدًا بيضاءَ بما استطاع الوصولَ إليه في عالَمِ الطبِّ والاختراعِ والأدبِ والفلسفة… ولكنَّ كلَّ ما أمكنَه بلوغُه ما هو إلاَّ نقطةٌ من بحرٍ مُتلاطمةٍ أمواجُه (…) وجميعُ ما توصَّلَ إليه لا يستطيعُ أن يجعلَه غيرَ خاضعٍ لنواميس الطبيعة التي أوجدَها الباري ، عَزَّ وجَلَّ.[8]
وكلامُه شهادةٌ لتفوُّق المُعجزات التي تصنعُها قوًى عُلويَّة غيرُ بشريَّة؛ فهي أعمالٌ تتخطَّى العلمَ الأرضيّ، لأنَّها تخرقُ النواميسَ الطبيعيَّة إذا نظرنا إليها بمِنظارنا البشريّ، لكنَّها تتمُّ من خلال معرفة الكائنات العُلويَّة غير البشريَّة بأسرار تلك النواميس. كذلك فقد أشار روحُ أفلاطون في رسالته الآنفةِ الذكر إلى الفرقِ الشاسع— وهو المُفكِّرُ العظيم— بين ما كان يُعلِّمُه في الأرض والمعرفةِ الروحيَّة اللانهائيَّة التي تحصَّلَت له بعد انطلاقه من سجن المادَّة، فقال:
وكنتُ، إذْ ذاك، أخبطُ خَبطَ عشواءَ في تعاليلي التي بتُّ أراها سخيفة، وذلك بعد اطِّلاعي على أسرار الحياة الروحيَّة منذ خلعتُ عنِّي ردائي المادِّيّ.[9]
ثانيًا- الثقافةُ في عُنصرِها العقليِّ المَعرِفيّ
عام 1944، في أثناء الإبعاد المُتعسِّف الذي قام به طاغيةُ لبنان، بشارة الخوري، للدكتور داهش إلى الحدود السوريَّةِ التركيَّة ليُلاقيَ هناك حتفَه على أيدي الجنودِ الأتراك—إذْ كانت الحربُ العالَميَّةُ الثانية ما زالت مُستعرةَ الأُوار—أَنقذَت العنايةُ الإلهيَّة رجُلَ الروح، وهَدَته إلى داخل الأراضي السوريَّة. وهناك كانت له تجربة مع الجهلِ الفادِحِ الفاضِح الذي كان يُغرِقُ كثيرين بظلمتِه. فتألَّمَ مُتذكِّرًا جلسةً له مع الشاعر الداهشيِّ حليم دمُّوس، إذْ قال له:
يا أُستاذ، إذا حُكِمَ عليكَ بالسَّجنِ الطويل، وأَعلمَكَ سَجَّانوك وجلاَّدوك أنَّهم يُخيِّرونك بالبقاءِ إمَّا في سِجنٍ رهيب، ولكنْ في أَعماقِه نخبةٌ مُختارة من شُعراءَ وأُدباءَ ومُثقَّفين، وإمَّا في قصرٍ شامخٍ مُنيف، لكنْ فيه مجموعةُ بُلَهاء وجماعةُ أَغبياء جُهلاء وغيرُ مُتعلِّمين، ففي أَيِّهما تُفضِّلُ أَن تمكث؟
فما كان من الشاعر إلاَّ أن أَجابَه: “أُفضِّلُ السجنَ المُخيفَ على القصرِ المُنيف.”[10]
وقد دفَعَت مُؤسِّسَ الداهشيَّة هذه التجربةُ المُرَّة مع الجهل إلى أَن يُدليَ في اليوم التالي بهذا الحُكم: “أَمَّا الجهالةُ بهذا المِقدار العظيم، فهذا هو العَيبُ نفسُه.”[11]
لم يكُن هَمُّ الدكتور داهش من المعرفة اختراقَ آفاقها الدينيَّة أو الروحيَّة فحسب، بل الإحاطة بكلِّ ما وسِعَه من حقولها الكثيرة أَيضًا. فالمعرفةُ لم تكُن له وسيلة، بل غاية. كانت له غذاءً روحيًّا يُنعِشُ عقلَه وقلبَه، لأنَّ الإنسانَ مثلما يرتقي بالفضيلة، فهو يرتقي بالمعرفةِ المُستنيرة أيضًا. يقول:
الكتُبُ هي طعامي المُفضَّل. ونَهَمي لالتهامِ مُتنوِّعاتِها لا يُشبِعُ فضولي مهما طالعتُ منها. فأَنا أَقرأُها وأَتذوَّقُ حلاوتَها، وأَنتشي بما تحويه من كنوزِ المعرفة التي أَودُّ فَضَّ مغاليقِها واستيعابَ أَسرارها المكنونة دومًا وأَبدًا.[12]
لقد كان بإمكان رجُل الروح الخارقِ بأعماله أن يستغنيَ عن كلِّ معرفةٍ بشريَّة لِما زوَّدَه اللهُ به من معرفةٍ روحيَّة خاصَّة، ولِما كانت تمدُّه به الأرواحُ القُدسيَّةُ من وَحيٍ أو إلهام تُفَضُّ فيه أسرارُ الحياةِ والموت كما أسرار الوجود الأرضيِّ وما وراءَه، ولكنَّنا نستنتجُ من العبارةِ السابقة ومن غيرها أنَّه كان حريصًا على أن يُحصِّلَ بنفسه أيضًا ما تفيضُ به قرائحُ العباقرة في كلِّ ميدانٍ من ميادين المعرفة والإبداع. وهذه الحقيقة نلحظُها في قولِه:
حُبِّي بل شغَفي الشديدُ لمُطالعة مُختلفِ أَنواع الكُتُب يسري مع الدماء في عروقي. وأجملُ ما أَتوقُ لمُشاهدتِه رُكامٌ من الكُتُب وتلالٌ من مُؤلَّفاتِ الفلاسفة والحُكماء، وجبالٌ مِمَّا أَنتجَته قرائحُ العُلماءِ والمُكتشفين والمُخترعين، وخُلاصةُ ما تمخَّضَت به عقولُ وأَفكارُ الأُدباءِ الأَفذاذ والشُّعراءِ المُلهَمين المُبدِعين.[13]
إذًا لم يحصر الدكتور داهش اهتمامَه بما هو موحًى، سواءٌ في الداهشيَّة أم في أيِّ دين، ولا دَعا أَتباعَه إلى قَصرِ اهتمامهم على المعرفة الدينيَّة، بل دعاهم إلى الاقتداء به، في الغَرْفِ من كلِّ إبداعٍ وكلِّ جديد، سواءٌ كان في العلم والتكنولوجيا أم في الفلسفة والأدبِ والفنّ، شرطَ ألاَّ يحيدَ بهم عن القِيَمِ الروحيَّة. ذلك بأنَّ المُبدِعين والعباقرةَ في كلِّ شعب يُشاركون المُرسَلين والهُداةَ الروحيِّـين في دَفع الثقافة إلى التقدُّم، كلٌّ في ميدانه الخاصّ. فمُجتمَعٌ يخلو من المُبدِعين والعباقرة في كلِّ ميدان لا يستطيعُ أن يصمدَ في حلبةِ السباقِ الحضاريِّ، خصوصًا في هذا العصرِ الموَّار بأفكاره الجديدة واختراعاته واكتشافاتِه. فالجهلُ، في كلِّ مجتمعٍ، هو عدوُّه الألدُّ الأَوَّل، ليس على الصعيد المعرفيِّ العامّ فحسب، بل على الصعيد الروحيِّ أيضًا.
وكثيرًا ما كان الدكتور داهش يُوازِنُ بين الثروةِ في بلدٍ ما والتقدُّمِ العلميِّ والفنِّيِّ في بلدٍ آخر، فإذا هو يُفضِّلُ الفكرَ والفنَّ على كلِّ مال الدُّنيا. وقد سمعتُه مرَّةً يطلبُ إلى واحدٍ من أتباعِه يتمتَّعُ بموهبةٍ أدبيَّة ملموسة أن يكفَّ عن إضاعةِ وقتِه بجَمعِ المال، وينصرفَ إلى المُطالعة والتأليف المُبدِع. كما سمعتُه يقولُ لواحدةٍ من تلميذاته تتمتَّعُ بموهبةٍ أدبيَّة ملحوظة: “إنِّي أُفضِّلُ أن يكونَ لي كتاب على أن تكونَ لي بنايةٌ شاهقة.” وكان قد سجَّلَ موقفَه المَبدئيَّ هذا في قوله: “إنِّي أُفضِّلُ الكُتُبَ على الماس والزمُرُّدِ واليَشَبِ وكلِّ أنواع المُجَوهرات النادرة اليتيمة.”[14]
وغيرَ مرَّة سمعتُه يتأَلَّمُ ويتحسَّر، بعد زيارته السياحيَّة لنيويورك، على عدمِ وجود مكتبةٍ عربيَّة فيها، ويقول: “الشعبُ الذي له جالية تُعَدُّ بمئات الآلاف في مدينةٍ عظيمة وليس له فيها مكتبةٌ تعرضُ ثقافتَه، يجبُ أن يخجلَ أبناؤه من أنفسهم.”
وبقَدرِ ما كان مُؤسِّسُ الداهشيَّة يهتمُّ بالمُبدِعين من ذَوي المواهب العلميَّة والأدبيَّة ويُكبِرهمُ ، كان لا يحفلُ بخِرِّيجي الجامعات المُدَّعين الذين لا يتمثَّلون الثقافةَ بأذهانهم فيُحوِّلونها إلى عَطاءٍ شخصيٍّ وإبداع؛ وإذا سُئلوا عن رأيِهم في قضيَّةٍ ما، جاء أقربَ إلى رأي الجاهلين الإمَّعيِّـين. ذلك بأنَّ الثقافةَ إذا صادفَت ذهنًا خاملاً، لم تُفِده شيئًا، إلاَّ رُكامًا من المعارف ليس فيه أيُّ نور. فأمثالُ هؤلاء الذين تحفلُ بهم الجامعاتُ العربيَّة، وفقًا لرأيِ الباحثين في النهضة القوميَّة،[15] ليس بوُسعِهم أن يزيدوا في جسم الحضارة أيَّ زَخم، لأنَّ الحياةَ الثقافيَّةَ يُمثِّلُها ويُغنيها الأحياءُ لا الأموات.
ثالثًا- الثقافةُ في عُنصرِها السُّلوكيّ الاجتماعيّ
إنَّ معنى الثقافة اللُغَويَّ الحديث، بالعربيَّة والإنكليزيَّة والفرنسيَّة، يدلُّ على تصحيح الاعوجاج والتسوية والتهذيب. وبذلك فهو يشملُ خُلُقيَّةَ الإنسان وسلوكَه، أي نزعاتِه وعواطفَه وأعمالَه الناتجة عنها بقَدرِ ما يشملُ إدراكَه ومواقفَه الفكريَّة. وبذلك يُصبحُ للثقافةِ في الفردِ والمجتمع دورٌ مِعياريّ أساسُه الدينُ، مثلما بيَّنتُ، أو الفلسفة، وبه يُمَيَّزُ الخيرُ من الشرّ والرذيلةُ من الفضيلة والقِيَمُ الحقيقيَّةُ البنَّاءة من القِيَم الوهميَّة الهدّامةِ.
إنَّ العقلَ المُتلقِّي للمعارف هو، أصلاً، قَبَسٌ إلهيٌّ نَـيِّر، كثيرًا ما مجَّدَه الدكتور داهش في مُحادثاته ومُعاطاتِه مع أتباعِه كما في كتابتِه؛ وقد ألمعتُ إلى ذلك في حلقاتٍ سابقة. وبنورِه يتمكَّنُ العبقريُّ من أن يفضَّ أسرار الكون كما يتمكَّنُ الإنسانُ العاديُّ من أن يُميِّزَ الخيرَ من الشرّ. من أجل ذلك قال رجلُ الروح بلسان العالِم ماندال في إحدى قِصَصِه، إذْ كان على وشكِ تحقيقِ إنجازٍ علميٍّ كبير:
الشكرُ لخالقِنا وواهبِنا العقلَ النيِّرَ لِـنُـمَيِّزَ به الصالـحَ من الطالح، ولِنستطيعَ إنجازَ اختراعٍ عظيمٍ كهذا يعودُ نفعُه على البشريَّة قاطبة.[16]
وفقًا للتعاليم الداهشيَّة تخفتُ طاقةُ العقلِ المُنيرة بقدرِ ما تتكاثفُ غشاواتُ الرغباتِ المادِّيـَّة والشهَوات السُّفليَّة في الإنسان، ذلك بأنَّ كلَّ سيَّالٍ من سيَّالات الإنسان الروحيَّة التي تتألَّفُ منها نفسُه يشتملُ على طاقةٍ إدراكيَّة كما على طاقةٍ نُزوعيَّة. من أجل ذلك إذا استبدَّ الغرورُ أو الكبرياءُ، مثَلاً، بأديبٍ أو عالِمٍ ما، فمن شأن ذلك أن يُعميَه عن رؤيةِ الحقيقة ما لم يكُن فيه سيَّالٌ عُلويٌّ أيضًا يهديه إليها، وهذا من النادر حصولُه. وأمثالُ هؤلاء كثيرون في الأوساط التي تدَّعي صحَّةَ الباراسيكولوجيا. فالطبيبُ الفرنسيُّ شاركو Charcot الذي كان أبرزَ مَن أشاع قضيَّة “التنويم” في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشَر، لم يتراجَع عن ضلالِه رغمَ اعترافات روزالي Rosalie، الآنسة التي كان يُجري عمليَّات “التنويم” عليها، بأنَّها كانت تخدعُه في جميع ما قام به، لأنَّ في اعترافِه إقرارًا بضعفِه وانخداعِه.[17]
إنَّ النَّـزعاتِ والرغباتِ في الفردِ كما في المجتمَع تتَّخذُ لها مجاريَ فكريَّة واجتماعيَّة مُختلفة اختلافَ الأشخاص والمجتمعات في مُقوِّماتهم الثقافيَّة التي تضمُّ، في ما تضمّ، التربيةَ والتقاليدَ والعاداتِ والحياةَ الدينيَّة والنظامَ السياسيّ. فكلُّ عملٍ أو موقفٍ حُرٍّ يتَّخذُه إنسانٌ ما يكون حصيلةَ اتِّجاهٍ نفسيٍّ مُقترنٍ بمجرى اجتماعيّ-دينيّ-سياسيّ معيَّن.
فاتِّجاهُ الدعارة، مثلاً، قد يلبسُ أشكالاً فكريَّةً واجتماعيَّة مختلفة تتراوحُ بين المُمارسة الصريحة للعمل والمُمارسة المُفرِّجة عن نفسها في قصيدةٍ أو قصَّة أو التي تتنكَّرُ باللياقات والآداب الاجتماعيَّة في الملاهي الإباحيَّة. لكنَّ وجوهَها جميعًا صادرة عن النـزعة نفسِها، أي الاستسلام للشهوة الجنسيَّةِ الجامحة. فالمُجتمَعُ الذي يلبسُ قناعًا يُنكِّرُ به نـزعةً كهذه مُتفشِّيةً في أبنائه يبتعدُ عن الرُقيِّ الثقافيّ بقدرِ ما تستشري فيه مثلُ هذه النـزعة.
كذلك الموقفُ الرافِضُ للنَّقد، سواءٌ كان النقدُ مُوجَّهًا إلى رأيٍ سياسيّ أم قطعةٍ أدبيَّة أم فكرةٍ علميَّة أم موقفٍ سلوكيّ إلخ، إنَّما في أصله الديناميّ نزعةُ الكبرياء أو الغرور التي قد تقترنُ، أحيانًا كثيرة، بشعورٍ مرَضيٍّ بالدونيَّة أو بنَرجسيَّة ترى في نَقدِ أيِّ فكرٍ أو عطاءٍ أو موقفٍ للفردِ تهديدًا لذاتِه المُنتفِخة عينها. هذا الموقفُ الشائع في البلدان العربيَّة شعوبًا وحُكَّامًا، كيفما تكُن مُحاولاتُ تأويله وتعليله من قِبَل المُحلِّلين، يبقَ مُتأصِّلاً في العنجهيَّة القَبَليَّةِ المُتوارَثة منذ قرون، ويُبقِ الثقافةَ في هذه البلدان بعيدةً عن الرُقيِّ الحقيقيّ بقَدرِ ما تُؤثِّرُ هذه النـزعةُ في إبعاد المجتمَع عن مُمارسة الحوار البنَّاء والحُرِّيـَّة وحقوق الإنسان.
وتكثيرُ المال بلا حدود قد يتَّخذُ مجاريَ اجتماعيَّة وصُورًا اقتصاديَّة مُختلفة، كإنشاءِ شركاتٍ تجاريَّة أو صناعيَّة أو زراعيَّة أو مشاريعَ مصرفيَّة أو استثماريَّة في بلدٍ واحد أو عدَّةِ بُلدان مثلما نرى في اتِّجاه العَولَمة globalization؛ لكنَّ تكثيرَ المال الذي لا تحدُّه قناعةٌ ما، تُحيي نشاطَه نـزعةُ الجَشَع، وهو جشعٌ يقترنُ دائمًا بالأنانيَّة ذات الرؤوس الثلاثة: الحبِّ الضيِّق للنفس، وعدمِ الاكتراثِ بخيرِ الآخَرين، والرياءِ في التعاطي معهم. فالحُبُّ الضيِّقُ للنفس لا يرى إلاَّ مصلحتَها المادِّيـَّة ويعمى عن فائدتها الروحيَّة؛ وعدمُ الاكتراثِ بخَيرِ الآخَرين قد يُوجِّهُ الإنسانَ إلى حسَدِهم وسَلبِ نعمتِهم وابتزازِ أموالِهم؛ والرياءُ يُولِّدُ الخداعَ والغشَّ في التعامُل معهم. من أجل ذلك قال السيِّدُ المسيح: “لا يستطيعُ أحدٌ أن يعبدَ ربَّين، لأنَّه إمَّا أن يُبغضَ الواحدَ ويُحِبَّ الآخَر، أو يُلازمَ الواحدَ ويرذلَ الآخَر. لا تقدرون أن تعبدوا اللهَ والمال” (متَّى: 6:24). فمُجتمَعٌ يُبنى اقتصادُه على الجشَع هو مُجتمَعٌ ثقافتُه تخلو من القِيَم الروحيَّة بقَدرِ ما يأكلُ القويُّ فيه حقَّ الضعيف، وبقَدرِ ما لا يلتفتُ الشعبُ فيه حكومةً وأثرياءَ إلى مُساعدة الشعوبِ المُتخلِّفة الفقيرة.
كذلك فالإيمانُ بعقيدةٍ اجتماعيَّة أو سياسيَّة-اقتصاديَّة قد يتَّخذُ مجاريَ نفسيَّة جَماعيَّة مُختلفة. فقد تكون العقيدةُ تعصُّـبًا قوميًّا يجعلُ المُواطنين يتوهَّمون بأنَّ مُجتمعَهم أفضلُ المُجتمَعات وسيِّدُها، ووطنَهم مهبطُ العباقرة والنوابغ عَبرَ التاريخ، فيستعلون على الشعوبِ أو الجماعات الأُخرى، ويسعَون إلى ابتزازها أو السيطرةِ عليها؛ أو تكونُ العقيدةُ تعصُّـبًا حزبيًّا سياسيًّا يجعلُ المُحازِبين يتوهَّمون بأنَّ حزبَهم خيرُ الأحزاب وأعدلُها، وأجمعُها للمناقب، فينساقون إلى مَنعِ قيامِ أحزابٍ أُخرى أو إلى ازدرائها ومُقاومتِها بطرُقٍ غير شريفة. فمُجتمَعٌ مَبنيٌّ على مِثلِ هذه العقائد الحَصْريَّة الاستئثاريَّة هو مُجتمَعٌ يقومُ على غريزةِ القطيع البدائيَّة ودافعِ الطاعةِ العمياء للسلطة الأبويَّة مقرونتَين بنـزعةِ العنجهيَّة؛ ومن المُحال أن تقومَ في مِثلِ هذا المُجتمَع ثقافةٌ راقية ما دام أبناؤه وحُكَّامُه لا يَدَعون في الحضارة مكانةً لائقةً عادلة للجماعاتِ والشعوب الأُخرى، أو لا يُفسِحون للأحزابِ المُخالفة مجالاً للنشاط وتكافُؤِ الفُرَص وللتعبير الحُرّ عن آرائهم.
إنَّ التَّقنِـيَةَ الاجتماعيَّةَ للاتِّجاهاتِ النفسيَّة تُعطي الفردَ، فضلاً عن وجهِه الأصيل الذي يعكسُ الصورةَ العارية لدوافعِه ونزعاتِه الأصليَّة، وجهًا آخَرَ مُستعارًا يُنكِّرُه الرياءُ ويُقنِّعُه التكييفُ الاجتماعيّ بفِعلِ الضغطِ أو الإكراهِ أو المُجاراةِ الاجتماعيَّة؛ ومثلما أنَّ قيمةَ المُواطن-الإنسان هي في حقيقةِ وجهِه الأصيل لا وجهِه المُستعار كما في مقدار عطائه ذي النفعِ الإنسانيّ، فقيمةُ الأُمَّةِ الحقيقيَّة هي في مُستوى السيّالات الروحيَّة التي تُحيي مُعظمَ أبنائها— أي في درجة الدوافع والنـزعاتِ والمداركِ والمواهبِ الفطريَّة التي تُحرِّكُ نشاطَهم—كما في مِقدار عطائها ذي المنفعةِ الإنسانيَّة.
السيَّالُ الروحيُّ الجَماعيّ
قد تَـتَعاصرُ في دولةٍ واحدة جماعاتٌ مُتفاوتةُ المُستويات الحضاريَّة، بحيثُ تُشكِّلُ كلُّ جماعةٍ من المُواطنين وحدةً بشريَّة ذاتَ كيانٍ ثقافيٍّ مُختلفٍ عن غيرها. لكنْ مع ذلك، يبقى الطابعُ الثقافيُّ للجماعةِ الكُبرى في ذلك الشعب هو المُهَيمنَ عليه. هذا الطابعُ، في نظر الداهشيَّة، إنَّما هو سيَّالٌ روحي ٌّجماعيٌّ يُميِّزُ الشعبَ بخصائصَ معيَّنة عن غيره من الشعوب، ويستمرُّ فيه ما دامت الحيويَّةُ ناشطة في ثقافة الشعب. وقد حادثـتُ مُؤسِّسَ الداهشيَّة في هذا الأمر غيرَ مرَّة، فأكَّدَ لي أنَّ هذا السيَّالَ حقيقةٌ واقعة، وليس مُجرَّدَ خصائصَ ثقافيَّة مُشتركة؛ فهذه الخصائصُ ناتجة عنه، وليس هو ناتجًا عنها. وهذا الأَمرُ أشار إليه في كتابه “مُذكِّرات دينار” حيثُ تحدَّث عن “سيكولوجيا الجنسيَّات”، فقال:
كان المُسافرون من مُختلف الجنسيَّات. فأَحببتُ أن أَتمعَّنَ في أَساريرهم لأرى الانطباعاتِ التي تنقشُها عواملُ الوراثة والبيئة على صفحاتِ وجوهِهم التي هي مرآةٌ صادقة عن نفسيَّاتِهم.
فتمعَّنتُ في وجوهِ بضعةِ أَشخاصٍ من الإنكليز، وهم خليطٌ من الجنسَين، فإذا بملامِحهم الجامدة وعدمِ اكتراثِهم الملحوظ يُبرهنان، بصورةٍ جَليَّة، عن برودةِ دمائهم السَّكسونيَّة. وهذا ما دَعاهم لأن يكسبوا معاركَ العالَم السياسيَّة والحربيَّة، ويظفروا بما يُريدون….
ونقلتُ بصري إلى ألمانيّ، وأظنُّه ضابطًا. فإذا بالعزمِ والقوَّةِ والبطش والجبَروت تتدفَّقُ كلُّها في عروقِه، وتنبثقُ من ملامحِ وجهِه… فتحيَّرتُ من أمر هذه الأُمَّة التي لا يزالُ العزمُ الحديديُّ يجيشُ في صدورِ أبنائها، بالرُّغم من خسارتِها للحرب، وبالرغم من الملايين الذين سقطوا من أبنائها في حَوماتِ الوَغى. وتأكَّدَ لي أنَّ أُمَّةً كهذه حيَّةٌ لا تموت…
وانتقلتُ ببصري إلى جمهرةٍ من الإفرنسيِّـين والإفرنسيَّات، وإذا بي أرى الديناميتَ يسري في دماءِ رجالِهم، والرقَّةَ تنثالُ من أفواهِ نسائهم. فقلتُ إنَّ هذه الأُمَّة التي يحملُ رجالُها أعصابًا كهذه لا تهدأُ لها ثائرة…
وامتدَّ بصري إلى آخر القاعة، وإذا بإيطاليّ يتلهَّى برَسمِ المناظر التي تمرُّ أمامه. وكانت تجلسُ بالقرب منه فتاةٌ أظنُّها خطيبتَه، وقد استندَت إلى آلةٍ موسيقيَّة… فقلت: أيَّتُها الأُمَّة التي خُلِقتِ وأنتِ مغمورةٌ بالفَنّ! ويا مُنجِبةَ رفائيل، أشهرِ مَن رسمَ لوحةً فنِّـيَّة! ويا واهبةَ ميكال آنج، أعظمِ مَن نحتَ تمثالاً وبعثَ الحياةَ في الرخام، وخلَّفَ ثروةً خالدةً لا تفنى، ثروةً تعجزُ ثرواتُ الملوك قاطبةً عن ابتياعِها والتمتُّعِ بمحاسنِها الخلاّبة! ويا مُلهِمةَ دانْتي، الأديبِ العظيم، والمئاتِ من مشاهير الرسَّامين والموسيقيِّـين والبنَّائين والأُدباء والنحَّاتين… إنَّكِ لم تُخلَقي كي تتقلَّدي السيفَ، يا إيطاليا، ولم توجَدي كي تخوضي ساحاتِ المنايا… وليتكِ قنعتِ بما وهَبتكِ إيَّاه ربَّاتُ الفنون.[18]
في ضوءِ كلام الدكتور داهش يتأَكَّدُ أنَّ المجتمعَ، بجميع وَحداتِه الصُّغرى والكُبرى، بَدءًا بالأُسرة وانتهاءً بالدولة، ليس بوُسعِه أن يُغيِّرَ دوافعَ الأفراد فيه ونزعاتِهم واستعداداتِهم الإدراكيَّة ومواهبَهم، لأنَّها كلَّها فطريَّة مُرتبطة بسيَّالاتهم، وتنتقلُ مُعظمُها بالوراثة؛ لكنَّ المجتمعَ بمقدورِه أن يُحمِّلَها شُحناتٍ ثقافيَّة قليلة أو كثيرة، ويُجريها في تَقْنِياتٍ اجتماعيَّة مُختلفة. غير أنَّ التأثيرَ الأكبرَ في هذا التغيير، إن حصَل، يتولَّدُ من جُهد الإنسان نفسِه ونشاطِه الإراديّ. ولذلك فالشعوبُ الخاملة المُستسلمة للأقدار واللائذة بأحضان الراحةِ الفكريَّة والجسديَّة يتعذَّرُ أن تنهضَ من تخلُّفِها، في حين أنَّ الشعوبَ النشيطةَ ذاتَ العزمِ والحيويَّةِ الدافقة سرعانَ ما تنهضُ من كبواتِها وسقطاتِها.
أَنماطُ الثقافة
بصورةٍ عامَّة، ينقسمُ الناسُ ، تبعًا لفريقٍ من علماء النفس بطليعتهم كارل يونغ C. G. Jung وأتباعُه، إلى فئةٍ انبساطيَّة extrovert وفئةٍ انطوائيَّة introvert. الأُولى تنجذبُ إلى مُخالطة الناس والإفادة من المُتَعِ الحسِّـيَّة، وتميلُ إلى الفردانيَّة وتحصيل المنفعة المادِّيـَّة، ويكون شعارُها الأكلَ والشربَ واللهوَ والرفاهية. والفئةُ الثانية تنجذبُ إلى العزلة والإفادة من المُتَع العقليَّة، وتميلُ إلى القِيَمِ الروحيَّةِ والإنسانيَّةِ الكُلِّـيَّة، ويكون شعارُها التقشُّف والتأمَُّل. لكنَّ كثيرين من الناس قد يشذّون عن هذه القاعدة فيلتقطون بعضًا من هذه وبعضًا من تلك بحيثُ يُمثِّلون مزيجًا من النمَطَين.[19]
وباعتبار أنَّ الثقافةَ في مجتمعٍ ما هي تعبيرٌ عن نمطٍ من الحياة مَبنيٍّ على مُستوًى روحيٍّ مُعيَّن يكون عليه معظمُ المواطنين، وينعكسُ في مختلف الميادين الحضاريَّة، فلا بُدَّ من الكلام على أربعة أنماطٍ ثقافيَّة عرَفتها المُجتمعاتُ الحضاريَّة في سياق التاريخ: الثقافة الذهنيَّة الانطوائيَّة، والثقافة الحسِّـيَّة الانبساطيَّة، والثقافة المزيج، والثقافة الإنسانيَّة المُتعدِّدة الأَوجُه.
أَوَّلاً- الثقافةُ الذهنيَّةُ الانطوائيَّة
شهدَ التاريخُ هذا النمطَ من الثقافةِ الذهنيَّةِ التأَمُّليَّة في جماعاتٍ متفرِّقة عبرَ التاريخ، كجماعة الفيثاغوريِّـين أو السقراطيِّـين أو إخوان الصفاء أو الرهبنات البوذيَّة أو المسيحيَّة؛ لكنَّنا لا نعرفُ مُجتمَعًا قام بكُلِّـيَّـتِه وحرِّيـَّـتِه على هذه الثقافة. فدُوَلُ أُوروبَّا التي قامت في العصورِ الوُسطى أُرغِمَ مسيحيُّوها على الصومِ والصلاة والتقشُّف والتأَمُّل. وهذا الإرغامُ الثقافيُّ الصارم ولَّدَ عصورَ الظلام بدلَ أن تُولِّدَ الثقافةُ الذهنيَّةُ التأَمُّليَّة عصورَ نورٍ مثلما كان يُريدُ لها مُؤسِّسوها أفلاطون وأفلوطين وأُوغسطينس. ولذلك فإنَّ هذا النمطَ من الحياة الرتيبة الصارمة الخالية من البهجة أحدثَ في الشعوب المسيحيَّة ردَّةَ فِعلٍ قويَّة ظهرَت في عصر النهضة.
إنَّ الحياةَ الثقافيَّة التي سادت أُوروبَّا في عصور الظلام لها ما يُماثلُها في عدَّةِ بُلدانٍ إسلاميَّة حيثُ يظنُّ القائمون على الأُمور السياسيَّة أو الدينيَّة أنَّ التمسُّكَ الحرفيَّ بالشرائع الدينيَّة وصرامةَ العَيش هما اللذان يُقرِّبان الناسَ من الله، عَزَّ وجَلَّ. من أجل ذلك قد يستهلكُ طالبُ المعرفة من الوقت في تقصِّي الأمور الدينيَّة أكثرَ مِمَّا يستهلكُ في العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة والآداب. هذا النمطُ الثقافيُّ شهدَته أُوروبَّا في حقبة الظلام، إذ لم تعرف جامعاتُها طوالَ ألف سنةٍ تقريبًا إلاَّ دراسةَ اللاهوت والقانون والطبّ.
ثانيًا- الثقافةُ الحسِّيَّة الانبساطيَّة
يُعتَبَرُ عصرُ النهضة في أُوروبَّا الذي ما زال الغربُ يجني نتائجَه ويعيشُ في مناخ فلسفتِه نموذجَ هذا النمطِ الثقافيّ. فالغربُ عامَّةً ما يزالُ حتَّى يومنا هذا يميلُ إلى الفلسفة المادِّيـَّة، والانطلاق في الحرِّيـَّة الفرديَّة إلى أقصى حدودها، كما ينجذبُ لا إلى التأَمُّل بل إلى التجربة الحسِّـيَّة والمُعاينة العلميَّة التي أدَّت به إلى تطوير العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة وتكثير الاكتشافات والاختراعات.
على أنَّ عصرَ النهضة الأُوروبيَّة ظهرَت فيه أيضًا حركةُ الإنسانيِّـين المسيحيِّـين Christian Humanists التي اتَّجه أعلامُها، وفي طليعتهم إراسموس Erasmus وتوماس مور Thomas More وكولِه Colet بأنظارهم وعقولهم إلى الثقافة اليونانيَّة-الرومانيَّة، وأخذوا يُترجمون آثارَها الفكريَّة والأدبيَّة، وبطليعتها مُؤلَّفات أفلاطون وأرسطو وشيشرون، ويستلهمونها في ما يكتبون، فضلاً عن استلهامِهم التراثَ الدينيَّ المسيحيّ. وقد كان لهذه الحركة تأثيرٌ بالغ في الأوساط الفكريَّة، فعدَّلَت الثقافةَ الأُوروبيَّة إلى حدٍّ بعيد.[20]
ويرى العالِمُ الاجتماعيُّ سوروكِن Sorokin أنَّ التطرُّفَ في كلِّ نمطٍ من الحياة الثقافيَّة يُؤدِّي إلى التحوُّل إلى نمطٍ نقيض. فنـزعةُ الانغماسِ في اللذائذ الحسِّـيَّة التي كثيرًا ما تُرافقُ النـزعةَ العلميَّةَ التجريبيَّة قد تُؤدِّي المُغالاةُ فيها اعتناق الثقافةِ الذهنيَّةِ الانطوائيَّة بسببِ عدمِ الاكتفاء والقلَق، والأمراض والأوبئة، والشعورِ بالفراغ الروحيّ. وكذلك رتابةُ الصلاة والتقشُّف وخُلُوُّ العَيش من الفرَح قد تدفعُ المُغالاةُ فيها الإنسانَ إلى الانتهاءِ بتلبية نداءِ جسدِه حالما تسنحُ الفرصةُ له. وما دام الإنسانُ على الأرض فسيبقى هذا التواتُر الدَّوريّ.[21]
ثالثًا- الثقافةُ المزيج
الثقافةُ الحسِّـيَّةُ-الذهنيَّة لم نَرَها تعمُّ مجتمعًا ما بأكملِه؛ لكنَّها بدأَت تسودُ قطاعًا كبيرًا من العالَم المُتحضِّر هو قطاعُ الجامعات والمُؤسَّسات العلميَّة العالية. ولذلك فتأثيرُها ما يزالُ محصورًا، لا نلمسُه على صعيد الشعوب إلاَّ بمقدار ما يكون للجامعات في المجتمَع تأثيرٌ فكريٌّ واجتماعيٌّ بالغ. ولا رَيبَ في أنَّ دورَها في الغرب، ولا سيَّما في الولايات المُتَّحدة، أهمُّ مِمَّا هو في الشرق. يقولُ المُؤرِّخ دانيال بورستين D. Boorstin : “إذا كان لا بُدَّ من أن يكونَ للتعليم دينٌ أمريكيٌّ جديد، فالجامعاتُ ستكونُ معابدَه…”[22]
على أنَّ الثقافةَ المزيج تُساعدُ في الإبقاءِ على البحثِ التجريديِّ التأَمُّليِّ، بما فيه الاهتمامُ الدينيُّ النظَريّ، كما على البحثِ العلميِّ التجريبيّ، لكنَّها، حتَّى لو عمَّت مجتمعًا ما، لا تُتيحُ الارتقاءَ الحقيقيَّ له ما لم تُهيمن القِيَمُ الروحيَّةُ فيه وتردَعْه عن الانجراف بتيَّار الشهوةِ الحسِّيـَّة والاستسلام للتحرُّريَّة الإباحيَّة؛ وهذا يتعذَّرُ تحقُّقُه ما لم يعتدل المُواطنون في سَعيِهم وراءَ الرفاهية والرغبات الحسِّـيَّة. وهذا يقودُنا إلى النمطِ الأخير من أنماط الحياة الثقافيَّة، وهو أرقاها.
رابعًا- الثقافةُ الإنسانيَّة المُتعدِّدة الأَوجُه
إنَّ حركةَ الإنسانيِّـين المسيحيِّـين التي ظهرَت في عصر النهضة الأُوروبيَّة، وحاولَت أن تجمعَ الفكرَ الإنسانيَّ الإغريقيَّ-الرومانيّ إلى الدينِ مُحرَّرًا من سلطة رجالِه الطاغية كما من الشكليَّات والبِدَعِ التي اخترعوها، وتُسلِّطَ الضوءَ على حُرِّيـَّة التفكير والاعتقاد وأهمِّـيَّة التسامُح كما على القِيَمِ الإنسانيَّة—هذه الحركة هي النموذجُ الأنجح لقيادةِ حضارةٍ راقية، وهي الأقربُ إلى مفهوم الداهشيَّة لهذه الحضارة، ذلك بأنَّها تعملُ على خيرِ الإنسانِ عامَّةً، خيرِه المادِّيِّ وخيرِه الروحيّ، وتقرنُ السعيَ إلى المعرفة بمُمارسةِ الفضيلة، واستلهامَ الدين باستلهام العلم والفلسفة والأدب والفنّ، بحيثُ يجتمعُ الحقُّ والخيرُ والجمالُ في كلِّ نشاطٍ ثقافيٍّ شامل.
إنَّ الداهشيَّة تُنبِّهُ إلى أنَّ سقوطَ الملائكة من عوالمها الفردوسيَّة إلى عالَمِ الشقاء والفناء إنَّما أَدَّى إليه سَعيُها إلى مزيدٍ من المعرفة مع عصيان الأوامر الإلهيَّة؛ وإلى أنَّ طردَ آدمَ وحوَّاء من الفردَوس الأرضيّ إنَّما أَدَّى إليه سعيُهما إلى المعرفة مع عصيان الأوامر الروحيَّة. ولذلك فالتقدّمُ في العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة مع التقهقُرِ الروحيّ، وطاعةُ العقلِ مع عصيانِ الضمير، والاهتمامُ بالإنسان مع سلوان الله— لا تُساعدُ في ترقية الحضارة ولا في خلاص الإنسان أو تقريـبِه من السعادة.
إنَّ الثقافةَ الراقية، في المفهوم الداهشيّ، يجبُ أن تكونَ غيرَ عُنصُريَّة أو إقليميَّة أو قوميَّة ضيِّقة، بل ثقافةٌ إنسانيَّة تكونُ أشبهَ بالبُحيرةِ التي تصبُّ فيها روافدُ الثقافات كلِّها بأفضلِ ما فيها من قِيَم، أو أشبهَ بمرآةٍ كلُّ إنسانٍ يرى فيها أجملَ ما فيه، لأنَّ مسيرةَ الرُّقيِّ الحضاريِّ لا تتَّجهُ صوبَ مزيدٍ من التجزُّؤِ القوميِّ أو الإقليميِّ أو الدينيِّ بل نحو أُسرةٍ عالَميَّةٍ واحدة، ونحو الإيمان بوحدةِ الأديانِ الجوهريَّة.
إنَّ الروحَ السامية التي ميَّزَت كتاباتِ أفلاطون وأَفلوطين وأُوغسطينس تتراءى وجوهُها المُشرقة في كتابات دانتي وبِترارك وملتن وشكسبير ولامرتين وهيغو وغوتِه وإمرسن وتولستوي وكثيرين غيرهم في الشعوب الغربيَّة، كما تلتمعُ بوارقُها في الروح السامية التي ميَّزَت كتابات طاغور وغاندي وأقوالَ عليِّ بن أبي طالب ورسائلَ إخوان الصفاء ولُزوميَّاتِ أبي العلاء المعرِّيّ وشعرَ الصادقين من المتصوِّفين وكتابات جبران خليل جبران وكثيرين غيرهم في الشعوب الشرقيَّة.
من أجل ذلك تدعو الداهشيَّة إلى تعميم الثقافة الإنسانيَّة التي تُعزِّزُ الإخاءَ البشريَّ والسلامَ بين الشعوب وتُشيدُ بالقِيَمِ الروحيَّة والعدالة وحقوق الإنسان من غير تعصُّبٍ لدينٍ معيَّن أو عقيدةٍ خاصَّة أو جنسٍ بعينِه. فمن المُحال أن يتمَّ ارتقاءٌ حقيقيٌّ في مجتمعٍ بنى ثقافتَه على ادِّعاءِ التفوُّق الدينيّ أو الاجتماعيّ. فمِثلُ هذا الادِّعاء إنَّما هو نرجسيَّةٌ جماعيَّة تُعمي أصحابَها عن رؤيةِ أيَّةِ حقيقةٍ غير حقيقتِهم، وأيِّ خيرٍ غير خيرِهم، وأيِّ جمالٍ غيرِ جمالهم. إنَّ قبولَ التعدُّدِ الثقافيِّ في مجتمَعٍ ما يُفضي إلى إغنائه وتوسيع آفاقِه وانفتاحِه على الشعوبِ جميعًا؛ فهو باحترامه معتقداتِ الشعوب وعاداتِها وتقاليدَها وآدابَها وفنونَها ينهلُ ويستفيدُ من ينابيعِها جميعًا. فكلُّ ثقافةٍ تكتفي بنفسها تعزلُ ذاتَها عن مسيرة التقدُّم، لأنَّ الارتقاءَ الحقيقيَّ لا يتمُّ إلاَّ بالحوار بين مُختلف الثقافات.
إنَّ المسؤوليَّةَ الثقافيَّةَ في المجتمعِ الراقي تُلزِمُ الدولةَ شعبًا وحكومةً باستلهام مبادئها الدينيَّة والخُلقيَّة الاجتماعيَّة المَبنيَّـة على كفاحها التاريخيِّ توطيدًا لقواعد العدالة والحُرِّيـَّة والقِيمِ الروحيَّة فيها—تُلزِمُها بأن تُحافظَ على المُستوى الحضاريِّ الذي وصلَت إليه، وذلك بمعُاملة الدوَلِ الأُخرى مُعاملةً عادلة، وتفهُّم أوضاعها وثقافاتها، والدفاع عن حقوقها، ومَدِّ يَدِ المعونة إلى الشعوبِ الفقيرة، والامتناع عن استغلالها، ذلك بأنَّ الحُرِّيـَّةَ والعدالةَ والرفاهية والمعرفة التي يتمتَّعُ بها شعبٌ راقٍ تُحمِّلُه مسؤوليَّةً كبيرة تجاه سائر الشعوب، لأنَّ مَن يرفعُه اللهُ على ذروةِ تلَّة مُشرفة تراه جميعُ العيون، ويُصبحُ لها أشبهَ بمنارةٍ هادية.[23]
إنَّ العبرانيِّـين، على الاضطراب والحاجة والقسوة التي حفَّت بحياتهم، بعد خروجِهم من عبوديَّة مصر، خاطبَهم موسى النبيُّ قائلاً في الشريعة التي علَّمَهم إيَّاها:
“إذا حصدتَ حصادَك في حقلِك َفنسيتَ حزمةً في الحقل، فلا ترجعْ لتأخذَها. دَعْها للغريب واليتيمِ والأرملة، فيُباركَكَ الربّ… وإذا خبطتَ زيتونَك، فلا تُراجعْ ما بقيَ في الأغصان. دَعه للغريب واليتيم والأرملة… واذكُرْ أنَّكَ كنتَ عبدًا بمصر…” (التَّثنِية 24:19-22)
تلك كانت جولةً في الحياة الثقافيَّة والرقيِّ الحضاريِّ في ضوءِ التعاليم الداهشيَّة. فما هو دورُ أهل الفكر والأدب والفنّ والعلم، ودَورُ مُؤَسَّسات التعليم العالي والإعلام، ودورُ الرأيِ العامّ؟ وما هي مسؤوليَّتُهم جميعًا في المجتمع الراقي في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة؟ هذا ما سنراه في العددِ المُقبِل.
- 1. ظهرَت كلمةُ “المُثقَّف” بمعناها الحديث، أوَّلَ مرَّة، بلفظها الفرنسيّ، وذلك في بيانٍ يحملُ عنوان Manifeste des intellectuels “بيان المُثقَّفين” (بترجمة حرفيَّة “بيان الفِكريِّـين”) بتاريخ 14/1/1898؛ وقد حملَ توقيعات إميل زولا Zola ومارسيل بروسْت M. Proust وأناتول فرانْس A. France وغيرهم من مُفكِّري فرنسا وأُدبائها الأعلام، وذلك احتجاجًا ومُعارَضةً لاتِّهامِ الضابطِ الفرنسيِّ اليهوديّ ألفريد دريفوس A. Dreyfus بخيانة بلاده لمصلحة ألمانيا استنادًا إلى وثائقَ مُزوَّرة والحُكم عليه ظُلمًا بالنفي. وقد لمعَ اسمُ زولا في دفاعِه الشهير عنه واتِّهامِه السلُطات العسكريَّة والقضائيَّة الذي نشرَته صحيفة “لورور”L’aurore . تحسنُ مُراجعة محمَّد عابِد الجابريّ: “المُثقَّفون في الحضارة العربيَّة: مِحنة ابن حَنبَل ونكبة ابن رُشد” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1995)، ص 23-26.
- 2. حليم دمُّوس: “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّة المُذهِلة” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 43.
- 3. الدكتور داهش: “جبلُ المسرَّات”، سلسلة “فراديس الإلاهات” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 120.
- 4. الدكتور داهش: “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1991)، ص 87.
- الدكتور داهش: “كلمات” ” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 135.
- 6. الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة”، ج 4 (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 61.
- 7. الدكتور داهش: “بروق ورُعود” (بيروت، 1946)، ص 108.
- 8. الدكتور داهش: “جبلُ المسرَّات”، ص 120.
- 9. حليم دمُّوس: “المُعجزاتُ والخوارقُ الداهشيَّة المُذهِلة”، ص 42.
- 1 الدكتور داهش: “بريء في الأغلال” (مخطوطة قيد النشر)، يوم 22/9/1944.
- 1 المصدرُ نفسُه، يوم 23/9/1944.
- 1 الدكتور داهش: “كلمات”، ص 82.
- 1 المصدرُ السابق، ص 82-83.
- المصدرُ السابق، ص 84.
- 1 أُنظرْ مثالاً على ذلك: علاء الأَعرَجيّ: “ثُنائيَّةُ الإبداع والاتِّباع وأَزمةُ العقلِ العربيّ المُعاصر” في ثلاث حلقات نُشِرت في “صوت داهش” (أَعداد ربيع، صيف، وخريف 2001). كذلك أنظرْ مقالَه “أَزمةُ التطوُّر الحضاريّ في الوطن العربيّ” في هذا العدد وما بعده.
- 1 الدكتور داهش: “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة، ج 2 (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1979)، ص 111.
- 1 أنظر غازي براكس، فارس زعتر وملحم شُكر: “أضواء جديدة على مُؤسِّس الداهشيَّة ومُعجزاتِه الروحيَّة مع فَضحٍ ونَقضٍ للعلوم الكاذبة ولمزاعم روجيه الخوري الباراسيكولوجيَّة” (بيروت، 1997) ص 70-79. وقد نشرَ دِكسون اعترافات روزالي في كتابه “حِيَلي مكشوفة”. أنظر :
Dicksonn. Mes trucs dévoilés. Paris: Albin Michel, 1922.
Dean Keith Simonton. Greatness: Who Makes History and Why (New York/London: Guilford Press, 1994), pp. 19. أنظر: 278-283.
- R. Hale. The Renaissance in Europe (London: The Folio Society, 2001), pp. 272-278. 20. أنظر:
- 2 Ibid.
Daniel Boorstin. The Americans: The Demacratic Experience (New York: Random House, 1973), p. 47822.
الرقيُّ الروحيُّ: معاييرُهُ وأبعادُه
في مفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة
بقلَم الدكتور غازي براكْس
يحتضنُ مُتحَفُ “اللوفر” لوحةً حجريَّةً سوداء نُقِشَت عليها صورةُ الشمس-الإله (شَمَش) وهو يُقدِّمُ إلى حمورابي (1792-1750 ق.م.) مجموعةَ الشرائع التي تُشكِّلُ أقدمَ تشريعٍ خُلقيٍّ مَدَنيٍّ في العالَم.
وبعدَ بضعة قرون يُقدِّمُ الربُّ—تِبعًا لسِفْر الخروج في التوراة—إلى موسى النبيّ الوصايا العشر مكتوبةً على لوحَين، ويوحي إليه بسائر الشرائع الدينيَّة والمدَنيَّة فيُدوِّنها.
وفي “بروتاغوراس” (Protagoras) يروي أفلاطون (427؟-347؟ ق. م.) أنَّ زوس، ربَّ الأَرباب، أشفقَ على البشر لضَعفهم، إذْ كانوا يعيشون مُشَتَّتين جماعاتٍ صغيرة، لا حَولَ ولا طَولَ لهم، والوحوشُ تُحيطُ بهم، وهم عاجزون عن مُضاهاتها ومُغالبتها، فلا أنيابَ الضواري ومخالبَها يتمتَّعون بها، ولا قوَّتَها وسرعتَها، ولا أَجنحة الطيور ينعمون بها؛ ولذا عوَّض زوس عليهم بالشعور الخُلقيّ والقُدرة الإدراكيَّة الحكيمة التي تُخوِّلُهم سَنَّ الشرائع العادلة، ليستطيعوا أن يتكتَّلوا ويتعاوَنوا في مُجتماتٍ كبيرةٍ فاضلة، فلا يعتدي بعضُهم على بعض دونما عقاب، وهكذا يقوَون.
إنَّ الرأيَ بأَنَّ النظامَ الخُلُقيَّ للسلوك الاجتماعيِّ ذو مصدرٍ إلهيّ ما زال يسودُ أكثريَّةَ المُجتمعات البشريَّة منذ فجر التاريخ، ذلك رغمَ هبوب رياح الإلحاد والعَلمنة على العالَم الحديث. ومن النافل القَول إنَّ هذا الرأيَ أَكَّدَت صحَّتَه الأديانُ كافَّةً. فتدخُّلُ الأُلوهةِ لا بُدَّ منه لهداية معظم النَّاس إلى الصراط المستقيم. ولذلك نرى في مَسيرة العصور محطَّاتٍ روحيَّةً تتنزَّلُ فيها التعاليمُ والوصايا الروحيَّة على أنبياءَ ومُرسَلين، أو هي تفيضُ من ينابيعِ إلهامٍ باطنيٍّ سامٍ في بعض المختارين، فإذا هم هُداةٌ روحيُّون.
لكن ما نرمي إليه، هنا، ليس نظامَ الأَخلاق المُنطوي على النَّواهي والمُحرَّمات التي نصَّت عليها الشرائعُ الدينيَّة أو المدَنيَّة، بل نظام الأَخلاق المُنفتح (morale ouverte) —بتعبير برْغسون — (Bergson) الذي يتَّجهُ إلى القِيَمِ الروحيَّة والقِيَم الإنسانيَّة الكُلِّـيَّة.[1] فالنظامُ الأَوَّلُ يَنهى عن الشرّ والرذيلة صائنًا الإنسانَ من الانحدار دونَ إنسانيَّته، والثَّاني يحضُّ على الخير والفضيلة مُرتقِيًا بالإنسان إلى مُستوًى روحيٍّ أعلى. نموذجُ الأَوَّل الوصايا والنواهي التي أوعزَ بها موسى النبيّ إلى شعبه، ونموذجُ الثاني تعاليمُ المحبَّة التي أعطاها يسوعُ المسيح تلاميذَه ليُبشِّروا بها العالَم. وغايتُنا في هذا البحث تتعلَّق بالنموذج الثَّاني، أي بالارتقاء الروحيّ.
بيدَ أنَّ الرقيَّ الروحيَّ تختلفُ مفاهيمُهُ باختلاف المعايير والقواعد التي يُبنى عليها. فالغُلاةُ المُتزمِّتون في كلِّ دينٍ يربطون بين الرقيّ الروحيّ (طريق القداسة) ومُمارسة الشعائر الدينيَّة المذهبيَّة أكثر ممَّا يربطون بينه وبين القِيَم الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة. وعلى هذا الصَّعيد يتلاقى الغُلاةُ من اليهود والمسيحيِّين والمسلمين والهندوس وغيرهم. فكَم من “قِدِّيسٍ” أو “وَليٍّ” تمخَّضَ به التعصُّبُ الطائفيُّ المدمِّرُ القاتل!
ومن جهةٍ أُخرى يحرصُ المُلحِدون أَو أصحابُ التوجُّه الإنسانيّ العَلمانيّ على عدَمِ إدخال مجموعةٍ من الفضائل الروحيَّة، كالتَّواضُع والعفَّة والقناعة، في معاييرهم ومجال اهتمامهم، لأَنَّها تُناقضُ مذهبَ النفعيَّة والمتعة المادِّيـَّة الرائج بينهم. فما معاييرُ الرقيِّ الروحيِّ وأبعادُهُ في مفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة؟
القاعدةُ الفلسفيَّة للرُقيِّ الروحيِّ في المفهوم الداهِشيّ
يتحصَّلُ من كتابات الدكتور داهش المُلهَمة ومن بعض الرسائل الروحيَّة التي أُنزِلَت عليه بصورةٍ عجائبيَّةٍ، ولا سيَّما “رسالة خَلق آدَم”، أنَّ الإنسانَ كائنٌ روحيُّ الأَصل، كانَ يَحيا في عالَمٍ روحيٍّ سعيدٍ مَجيد، خارجٍ عن قيود الزمان والمكان، وذلك قبل انحداره إلى الفراديس المادِّيـَّة. بعد ذلك حدثَ هبوطُه من تلك الفراديس إلى الجنَّة الأرضيَّة، ثمَّ طردُه منها بسبب عصيانه. وكانت نتيجةُ سقطاته المُتوالية أنَّه عوقِبَ بأَن يعيشَ في عالَمِ الأرض الخاضعِ لقوانين الموت والأمراض والمصائب والأَحزان. حالةُ الإنسان الشقيَّةُ الزريَّةُ الحاضرة يستَفظعُها مُؤسِّسُ الداهشيَّة، ويتمنَّى مُتحسِّرًا لو أنَّ الإنسانَ “ظلَّ في ملإِهِ العُلويِّ نقيًّا طاهرًا من أدران هذه الحياة وأوضارها.” [2]
إذًا غايةُ الإنسان المُثلى من حياته البشريَّة هي، أوَّلاً، أن يتغلَّبَ على تجارب الأرض وجواذبها بمُجاهدَة ميوله الشرِّيرة أو الدُّنيويَّة، وبإصلاح عيوبه ونقائصه— وهذا يضمنُ له عدمَ السقوطِ الجديد إلى دركاتٍ أسفل؛ ثانيًا، أَن يتمسَّكَ بالقِيَم الروحيَّة ويُمارسَها، وذلك من أجلِ أَن يتخطَّى مُستواه الروحيَّ الأَرضيَّ إلى درجةٍ روحيَّةٍ عُليا، وبالتالي أَن يرتقيَ ليعودَ تدريجيًّا إلى عالَم الأَرواح القُدسيّ الذي هبطَ منه.
والقِيَمُ الروحيَّةُ هي ظلالٌ للحقائق الروحيَّة الخالدة الكائنة في عالَم الأَرواح، ويُمكنُ إجمالُها بثالوث الحقِّ والخيرِ والجمالِ مُجتمعةً بكمالها المُطلَق في القوَّة الموجِدَة، في الله عزَّ وجلَّ. ولِكَونها راسخةً في كلِّ سيَّالٍ روحيّ، وبعبارةٍ أُخرى في كلِّ نفس، أصبح في طبيعةِ كلِّ موجودٍ أن يحنَّ حنينًا واعيًا أو غيَر واعٍ للعودةِ إلى مصدره الكامل، لأَنَّ الابتعادَ عن وجه الخالق هو ابتعادٌ—
عن وجهِ النور،
وجهِ السعادة…
وجهِ الأَملِ العَذْبِ المُرتَجى،
وجهِ ما ينشدُه الماءُ والهواءُ والفضاءُ والسماء،
وجهِ مَن يتطلَّعُ إليه جميعُ الأَحياء دونَ استثناء،
وجهِ مَن تتمنَّاهُ جميعُ المخلوقاتِ معروفِها ومجهولِها،
وجهِ الحقيقةِ الحقَّة العادلة… [3]
لكنَّ الارتقاءَ الروحيَّ يستحيلُ تحقيقُه ما لم تتمتَّع النفسُ بحرِّيـَّةٍ حقيقيَّة. ولا تتحقَّقُ الحُرِّيَّةُ النفسيَّةُ إلاَّ بِقَدرِ ما تتحرَّرُ النفسُ من قيود الدوافع السُّفليَّة والنزعات المادِّيَّة؛ فكلُّ ما يحدُّ من تحرُّك النفس نحو مُستوًى روحيٍّ أسمى، وبالتالي نحو الروح القُدسيَّة التي منها انبثقَت، يُشكِّلُ قيدًا للنفس. [4]
والطريقُ المُثلى التي تُؤدِّي إلى الحريَّة النفسيَّة هي إقامةُ الإنسان لنظامٍ نفسيٍّ صحيحٍ تخضعُ فيه الانفعالاتُ والدوافعُ البيولوجيَّةُ والأَهواءُ والميولُ والعواطفُ لسُلطان العقل، ويخضعُ العقلُ بدوره، بصِفتِه قَبَسًا من الله، لمُثُل الحقِّ والخيرِ والجمال لأَنَّها ظلٌّ لله.
عام 1936، كان الدكتور داهش (وهو في عُمر السابعة والعشرين) خارجًا من محنةٍ أليمةٍ سبَّبَها أَفرادٌ غيرُ مُخلصين من أصدقائه وتلاميذه، وقد رأى أنَّ بينَ أسباب تلك المحنة إذعانَه لعواطفه، فدوَّنَ بين كلماته:
أنا أُحكِّمُ عاطفتي على عقلي، مع أنَّ الواجبَ عليَّ أن أُحكِّمَ عقلي على عاطفتي.[5]
لقد خرجَ الدكتور داهِش من تلك المحنة واعيًا أَهمِّـيَّةَ العقلِ ومُلتزمًا قيادتَه في تسييرِ حياته وتدبير شؤونه.
إنَّ الفيلسوفَ الأَلمانيَّ كانْط Kant (1724-1804)، على غِرار أفلاطون، “يقيسُ حُريَّةَ الفرد بقُدرتِه على ألاَّ يكونَ عبدًا لدوافعه.” [6] كذلك يرى الفيلسوفُ الأَلمانيُّ فيخته Fichte (1762-1814) “أَنَّ الكائنَ العقلانيَّ وحدَه، ومن هذا الاعتبار بالذَّات، هو سيِّدُ نفسِه على الإطلاق، وهو الأَساسُ المُطلَقُ لذاته.” [7]
هكذا تمنحُ الحُرِّيَّةُ النفسيَّةُ صاحبَها القُدرةَ على المُضيِّ صُعُدًا، دونما قَيْد، لتَحقيقِ مُثُله العُليا. هذه الحقيقةُ أكَّدَها الفيلسوفُ الأَلمانيُّ شيلِنْغ Schelling (1775-1854) بِقولِه: “أن يكونَ المرءُ حُرًّا معناهُ أن يُحقِّقَ المثالَ الأَعلى في الواقع.” [8] فما هي، وفقًا للتَّعاليم الداهشيَّة، المُثُلُ العُليا التي يتمسَّكُ بها الراقون روحيًّا دستورًا لحياتهم، ويُحقِّقونها في الواقع العمليّ؟
المُثُلُ العُليا في المفهوم الداهشيّ
في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوعُ الفَتيُّ وهو في تأمُّلاتِه:
تُرى متى يتغلَّبُ هؤلاء البشر على ميولهم الشرِّيرة
وأمانيِّهم الباطلة؟
ومتى يتَّجهون نحو المُثُل العُليا،
ويسحقونَ بقوَّةِ إيمانهم
الضعفَ الذي يسري في أعماقهم؟
متى يُنفِّذونَ إرادةَ باري الأَكوان ومُبدِع السماوات؟
متى يكونُ الجميعُ قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا؟ [9]
إنَّ إرادةَ الله المُتمثِّلَة بما يوحى إلى الأَنبياء والرُّسُل وبما يُلهَم به الهُداةُ الروحيُّون— هي منبعُ المُثُل العُليا الصحيحة. ولو استَهدى كلُّ إنسانٍ بنورِ عقله، وكان عقلُهُ آمرًا، لا مأمورًا بأهوائه الدُّنيويَّة ونزعاته السفليَّة، إذًا لاهتدى النَّاسُ جميعًا إلى الشريعة الخُلُقيَّة المُثلى مثلما اهتدى لاوتسو وكنفوشيوس وبوذا وسُقراط، لأَنَّ العقلَ الصافي قَبَسٌ إلهيٌّ. لكنَّ الواقعَ هو أنَّ معظمَ البشر يتجاوزون مرحلةَ المُراهقة والشباب إلى الكهولة فالشَّيخوخة وزِمامُ قيادتهم ما يزالُ رهنَ دوافعِهم وانفعالاتهم البيولوجيَّة أَو رهنَ أهوائهم ورغباتِهم الأَرضيَّة، فتتغشَّى بصائرُهم، وتنحرفُ مداركُهم، فيتَّخذون لهم مُثُلاً عُليا زائفة تودي بهم إلى التدهوُر الروحيّ فالاضطراب النفسيّ فالشقاء؛ ولذلك بعثَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ فيهم، رحمةً بهم، رُسُلاً وأنبياءَ وهُداةً روحيِّين يُرشدونهم إلى الصراط المُستقيم، ويدلُّونَهم على طريق الارتقاء الروحيِّ الحقّ الذي يُفضي بهم إلى فراديس النَّعيم التي فقدوها.
إنَّ المَثَلَ الأَعلى الذي يختارُه الإنسانُ اختيارًا واعيًا هو الذي يُعبِّئُ قِواه النفسيَّة (سيَّالاته) ويُحرِّكُها معًا باتِّجاهٍ يُعيِّـنُه المثَلُ الأعلى من أجل تحقُّقِها الذاتيّ، أي إشباع طبيعتها. ولكن بما أَنَّ البشرَ مُتباينون في مُستوياتهم الروحيَّة، فإنَّ مُثُلَهم العُليا المُنبثقة من طبائعهم المُختلفة تكونُ مُتَّفقةً مع حاجاتهم ودوافعهم ونزعاتهم ومداركهم. ولذلك فأَكثرُ الناس يختارون مُثُلاً عُليا دُنيويَّة يتوهَّمون أَنَّها ستُحقِّقُ لهم السلامَ النفسيَّ والسعادة، لكنَّ آمالَهم لا تلبثُ أَن تخيب، لأَنَّ المُثُلَ العُليا غير الروحيَّة هي مُثُلٌ زائفة.[10]
إنَّ مصدرَ القِيَمِ الروحيَّة، في المفهوم الداهشيّ، هو الله عزَّ وجلّ؛ به تتَّحدُ المُثُلُ العُليا الصحيحة في مُطلقاتها المُتمثِّلة في كمال الحقِّ والخيرِ والجمال، أو تتَّخذُ المُثُلُ بعضًا من صُوَره. والله بذلك هو المُطلقُ الصحيح—الضرورةُ النفسيَّةُ التي يستحيلُ أن يَحيَا بدونها أيُّ إنسانٍ يُريدُ التمتُّعَ بالرقيِّ الروحيِّ والاتِّزان الشخصيّ. [11] أَمَّا المُثُل العُليا الروحيَّة الرئيسة فيُمكنُ إجمالُها بخمسة هي الحقيقة والعدالة والقناعة والعفَّة والمحبَّة.
1- الحقيقةُ
الحقيقةُ أو الحقّ صورةٌ من صُوَر الله تعالى. إنَّها المثَلُ الروحيُّ الأعلى الذي يبحثُ عنه الراقون روحيًّا ويتمسَّكون به. في سبيلها سعى الأَنبياءُ والرُّسُلُ والهُداةُ الروحيُّون واضطُهِدوا؛ ومن أجلِها عانى مُؤسِّسُ الداهشيَّة السَّجن والتعذيبَ والتشرُّدَ والاضطهاد حتَّى التقاها أخيرًا، خارجَ الأَرض، في فردوس النَّعيم. [12] لكنَّ معظمَ البشر تائهون عن الحقيقة، زائغون عن محَجَّتِها، يُصِمُّون آذانَهم عن ندائها، ويُطبقونَ أجفانَهم حتَّى لا يرَوا مَشعَلَها، لأَنَّهم يخافونَها؛ فالنُّورُ يفضحُ الظلام. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة تحت عنوان “بشريَّة ضالَّة”:
أيَّتُها الحقيقةُ الضائعة في خِضَمِّ هذا الكونِ الحَرون،
نحنُ نخافُكِ ونهابُكِ، ولا نُريدُ أن ندنُوَ منكِ.
تَسعَينَ إلينا وتُناديننا كالأُمِّ الحَنون،
ونحنُ نوغِلُ في البُعدِ عنكِ.
نعم، أيَّتُها الحقيقةُ الغرَّاء، كَم نفرَت نفوسُنا من مرآكِ!
وكَم أنكرَت أُمَمُ الأَرضِ روائعَ مزاياكِ!
أنتِ تُريدينَ هدايتَنا، ونحنُ في ضلالِنا عامهون! [13]
إنَّ المُخلِصَ للحقيقة لا يُحجِمُ عن تكبُّدِ المشقَّة والأَلَم، بل شماتةَ الناس واضطهادَهم، من أَجلها. فالعالَمُ مُستمرُّ التغيُّر، والمعرفةُ تتجدَّدُ على الدوام، وحقيقةُ الحياة والكَون تنكشفُ الحُجُبُ عنها مع ارتقاءِ العقل البشريِّ أَكثرَ فأَكثر، ورحمةُ الله المُتمثِّلة بالهدايات الروحيَّة المُتوالية لا تنفد، لأَنَّه {لو أَنَّما في الأرضِ من شجرةٍ أَقلامٌ والبحرُ يمدُّه من بعده سبعةُ أَبحُرٍ ما نفِدَت كلماتُ الله} (سورة لُقمان: 27)؛ وليس إلاَّ الراقون روحيًّا يُقدِمون على اعتناق الحقائق الجديدة دونما تهيُّب، في حين أَنَّ مُعظمَ الناس يجبنون ويُحجِمون عن تغيير ما نشأُوا عليه من أَفكارٍ ومُعتقدات تسلَّموها من أَسلافهم، لأنَّ ذلك التغييرَ يتطلَّبُ شجاعةً ومُواجهةً وتحمُّلَ مسؤوليَّة، وربَّما مُخاطرة.
2- العدالة
العدالةُ في ثالوثها، أَي العدالةُ في التَّعامُل بين النَّاس، والعدالةُ في الحُكم، والعدالةُ بين الشعوب. [14] الراقون روحيًّا يلتزمون هذا المثَلَ الأَعلى، ويُجسِّدونَه في حياتهم مهما كلَّفَهم ذلك من مُقاوَمةٍ وصُدودٍ من الظالمين والنَّفعيِّين والجَشِعين؛ فالعدالةُ في الأَرض شأنُها شأنُ الحقيقة، لا يُمارسُها ويستمسكُ بها إلاَّ قلائل. ولا عجبَ، فالعدالةُ وجهٌ من وجوه الحقيقة الروحيَّة؛ ولذا طلبَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في “صلاة شُكرٍ حارَّة” مثلما طلبَ يسوعُ الناصريُّ، في صلاتِه لله، “أن يُثبِّتَ “الجميع في حُبِّ الحقيقة العادلة.” [15]
ولا يخفى أنَّ الحُرِّيـَّةَ في مُختلفِ أبعادها [16] هي نتيجةٌ لازمةٌ للعدالة، يجبُ على الإنسان الراقي أن يتمسَّكَ بها، ويصونَها، ويُكافحَ من أجلِ تحقيقها، رافضًا كلَّ قَيدٍ يحدُّها إلاَّ الحدود الاجتماعيَّة الخُلقيَّة التي تفرضُها الحقيقةُ الروحيَّةُ والعدالةُ نفسُها.
كما لا يخفى أنَّ الصدقَ في القول والعمل والتَّعامُل مع الآخرين هو جزءٌ لا يتجزَّأُ من الحقيقة ومن العدالة. بدونه ينهارُ كلُّ ادِّعاءٍ بهما، وبالتَّالي بالرقيِّ الروحيّ. [17] والحياةُ الصادقةُ لا تظهرُ على حقيقتِها، في الغالب، إلاَّ خارجَ أماكن العِبادة ومراكز العمل، في الوحدة والخفاء، بعيدًا عن كُلِّ رَقابة.
واقترانُ الصدق بالحقيقة يجعلُ الصدقَ نادرَ الوجود في الأَرض. ولذا فمُؤسِّسُ الداهشيَّة يرى أنَّ الصدقَ يزورُ الأَرضَ لِمامًا ثمَّ يُغادرُها:
لقد زرتَنا، يا صدقُ، وها أنتَ تُغادرُ عالَمَنا السخيفَ المُرَدَّم! [18]
يُبارحُ الصدقُ الأَرضَ مع الأَنبياء والرُّسُل والهُداة الروحيِّين ومع قلائلَ مِمَّن ارتقَت نفوسُهم، ليَحيا معهم في الفراديس العُليا—
حيثُ لا يَحيَا إلاَّ الصدقُ الرائع،
وحيثُ تَسودُ الحقيقةُ النَّاصعة… [19]
وتشتملُ فضيلةُ الصدق بمعناهُ الواسع على الصراحة والاستقامة والأَمانة والإخلاص والوفاء، وهي فضائلُ أثنى عليها مُؤسِّسُ الداهشيَّة في قِصَصِه كما في قِطَعِه الوجدانيَّة وحِكَمِه وخواطِرِه. فإكبارُهُ لشقيقِ روحه، الدكتور جورج خبصا، مبنيٌّ على أنَّهُ كان يُجسِّدُ تلك الفضائل، فضلاً عن غيرها. [20] والأَمانةُ والإخلاصُ في الحياة الزوجيَّة اعتبَرَهما رُكنَين مُقدَّسَين، حفلَ كثيرٌ من قِصَصه بالحديث عنهما والسخط على مَن ينقضُهما. والوفاءُ والإخلاصُ في الصداقة رآهُما نوعًا من القداسة. [21]
3- العِفَّة
لا شكَّ بأنَّ الحديثَ عن العفَّة ونحنُ على مَشارفِ القرن الحادي والعشرين يبعثُ على ابتسامةٍ صفراء لدى كثيرين؛ ففي خِضَمِّ الشهوةِ الجنسيَّة تَغوصُ البشريَّةُ بأسرِها من قمَّةِ رأسِها حتَّى أخامصِ أقدامها سافرةً أو مُحَجَّبَة.
هذا الواقعُ ليسَ في الناسِ مَن هو أدرى به من الدكتور داهش. فعشراتٌ هي القِصَصُ التي كتبَها ومئاتٌ هي القِطَعُ الوجدانيَّةُ التي حبَّرَها وفيها يصِفُ طُغيانَ هذه الشهوة على البشر، وتأثيرَها البالغَ في مداركهم وتصرُّفاتهم. وحسبُنا الاستشهاد بكلمةٍ دالَّةٍ واحدة من بين مئات الشواهد المُنبثَّة في مؤلَّفاته. يقول:
ما أعظمَ تأثيرَ الغريزةِ الجنسيَّة في الإنسان! وما أشدَّ تسلُّطَها على قِواه العقليَّة! وما أقدسَ ذلك الإنسانَ الذي يقدرُ على قَتلِ هذه القوَّة العاتية! [22]
والمرأةُ والرجلُ سواءٌ في ذلك. لكن على صعيد الإغراء، تبقى المرأةُ، ولا سيَّما الفاتنة، مصدرَ الإغواء الأَقوى منذُ عهد حوَّاء. والتاريخُ حافلٌ بالشواهد على ذلك. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة:
تستطيعُ المرأةُ الجميلةُ أن تقومَ بأخطر الأُمور وأعظمِها. وجمالُ المرأةِ كنزٌ عظيم، لكنَّهُ خَطَرٌ رهيبٌ لا يُفلِتُ منهُ إلاَّ مَن صَفَت نفسُه وسمَت روحُه، وترفَّعَ عن كُلِّ ما تحويه هذه الحياةُ من سخافاتٍ وتوافه.[23]
إذاً مُؤَسِّسُ الداهشيَّة عالِمٌ كلَّ العِلم أنَّ العفَّةَ التامَّةَ مُتعذِّرَةٌ بين البشر؛ ومع ذلك تبقى العفَّةُ عندَهُ مثَلاً أعلى، شأنُها شأنُ الحقيقة والعدالة؛ وعلى الراغبين في الكمال الإنسانيّ أن يطلبوها ويُمارسوها، مثلما يطلبون ويُمارسون المُثُلَ العُليا الأُخرى.
وقد يقولُ قائلٌ مُعترِضًا: لماذا علينا أن نُعاكسَ مجرى الطبيعة البشريَّة ما دامَ اللهُ قد جَبَلَنا هكذا؟
الجوابُ الداهشيُّ هو أنَّ اللهَ—تعالى— رحِمَ الإنسانَ بعدَ هبوطِه من الفراديس العُلويَّة، فخلَقَ لآدَمَ وحوَّاء جنَّةً أرضيَّةً يجِدانِ فيها أسبابَ الهناء، وحدَّدَ لهما زمنًا مُعَيَّنًا يُقيمان فيه بتلك الجنَّة هو ألفُ سنة، يعودان بعدَها إلى فراديس النعيم التي هبَطا منها. لكنَّ اللهَ أرادَ، مُقابلَ الرحمة التي أغدقَها عليهما بِجَعلهما يرتعانِ في الجنَّة الأَرضيَّة، أن يمتحنَ إرادتَهما في الامتناعِ عن عصيانِ أوامرِه ونواهيهِ مُجَدَّدًا، فسمحَ لهما بِأَكلِ ما يشاءان من ثمار الجنَّة إلاَّ ثمرةً واحدةً يكمُنُ فيها سيَّالُ الشهوة الجنسيَّة، فقد نهاهُما عنها. لكنَّ سيَّالَهما الأَدنى، وقد تجسَّدَ بالحيَّة، زيَّنَ لهما أن يَعصيا وصيَّةَ الله عزَّ وجلّ، فسقَطا مثلما هو معروفٌ في سِفْرِ التكوين من الكتابِ المقدَّس.
إذًا إنَّ الشهوةَ الجنسيَّةَ طارئةٌ على الإنسان، وليست في طبيعته النقيَّة الأَصليَّة؛ وهي نتيجةُ عصيانٍ خطير. ولولاها لَكانَ الإنسانُ أقربَ إلى الملائكة، ولكنَّه بها أصبحَ أقربَ إلى الحيوان. بدونِها كانَ بعيدًا عن الأَمراضِ والهمومِ والشقاء فالموت، وبها أصبحَ خاضعًا لقوانين العالَم الأَرضيّ المُنطوية على المتاعب والمصائب. والروحُ القُدسيَّةُ التي انبثقَت سيَّالاتُ الإنسانِ منها، قبلَ بَدء الزمان ووجود المكان، تُريدُهُ أن يعودَ إليها ويندمجَ بها، لأَنَّهُ يستحيلُ على الروح القُدسيَّة أن تنعمَ بالسعادة العُظمى وتحوزَ كمالَ القُدرة والمعرفة إلاَّ باندماجها بالقُوَّةِ الموجِدَة؛ وذلك من المُحال إلاَّ إذا استطاعَت الروحُ أن تجمعَ إليها جميعَ سيَّالاتها المُنبثقةِ منها والمُنبثَّة في الكونِ المادِّيّ بمُختلفِ عوالمِه ودرجاتِه الروحيَّة. ولذلك قال مُؤسِّسُ الداهشيَّة:
وما أنقى مَن يتغلَّبُ على ميولِ جسدِهِ الوضيعِ الفاني، ويتبعُ ما تُريدُهُ الروحُ النقيَّةُ الخالدة! إنَّهُ ملاك! [24]
من أجلِ ذلك يُعظِّمُ الدكتور داهش المهاتما غاندي ويُسمِّيه “قِدِّيس الهند”، ويُكبرُ كلَّ إنسانٍ استطاعَ أن يُحطِّمَ قيودَ الشهوة الجنسيَّة العتيَّة.
والاختلافُ بين النظرة الداهشيَّة للشهوة الجنسيَّة ونظرةِ القائلين بأنَّها مُمارَسةٌ طبيعيَّة للإنسان مردُّهُ إلى مُنطلَق النظرتَين والغاية منهما. يختصرُ الدكتور داهش هذا الخلافَ بقوله:
نعم، إنَّهم يطمحونَ إلى جسمٍ فانٍ مُقفِرٍ خالٍ،
وأنا أطمحُ إلى الروح الباقية على كُرور الأَعوام وتعاقُب الزمان…
يقولون إنَّ المرأةَ بدايتُنا كما إنَّها نهايتُنا،
وأنا أقولُ إنَّ اللهَ بدايتي، وسيكونُ أيضًا نهايتي.[25]
4- القناعة
إذا كانت الشهوةُ الجنسيَّةُ هي القُطبَ الجاذبَ الأَوَّلَ لجميع البشر، فالمالُ هو القُطبُ الجاذبُ الثاني، وكِلاهُما حَظِيَا بقِسطٍ وافرٍ من كتابات الدكتور داهش.
ومثلما أنَّ الشهوةَ الجنسيَّةَ داخلَتِ الطبيعةَ البشريَّةَ بعد طردِ الأَبوَين الأَوَّلَين من الجنَّة، فإنَّ السعيَ وراءَ تكنيز الأَموال أصبحَ مَيلاً نفسيًّا مُتغلغِلاً في الجِبِلَّةِ البشريَّة؛ ذلك لأَنَّ بالمال يستطيعُ الإنسانُ أن يُحقِّقَ القِيَمَ الدُّنيَويَّةَ كلَّها، من قوَّةٍ وسُلطةٍ وشهرةٍ وجاهٍ ورَفاهٍ وملاهٍ إلخ. والمجتمعُ البشريُّ، أيـًّا كانَ نظامُه السياسيّ، جعلَ للمالِ هذه القُدرة، وشجَّعَ هذا المَيلَ على التنامي؛ بل إنَّهُ في كثيرٍ من المُجتمعات يرتبطُ تحصيلُ المعرفة العالية أَو الاستشفاء بالقدرةِ الماليَّة، في حين أنَّ العلمَ والصحَّةَ أمران جوهريَّان تقتضيهما العدالةُ وكرامةُ الإنسان.
ولذلك فالكلامُ على القناعة يستهدفُ، أوّلاً، الأَغنياءَ الذين توافرَت أسبابُ الراحة المادِّيـَّة بين أيديهم، وابتسمَ لهم الدهر. فهؤلاء إذا أرادوا أن يكونوا بين الراقين روحيًّا، فعليهم بالقناعة، لأَنَّها “خيرُ ما أوجَدَتْهُ الآلهة، ولكن للعُقلاء.” [26]لكنَّ الكلامَ على القناعة يستهدفُ أيضًا جميعَ الناس الذين لا يُميِّزون بين الطموح المشروع والطمَع الذي قد ينقلبُ إلى حسَد.
فالعاقلُ الحكيمُ يعرفُ أنَّ الأَموالَ إذا توافرَت بكثرةٍ بين أيدي معظم الناس، فتحَت أمامهم ووسَّعَت طُرُقَ الرغبات والشهوات والمطامع، وكانت لهم من أسباب الشقاء في نهاية مطاف الإغراء والإغواء. وهذه الحقيقةُ هي التي انطلقَ منها بوذا العظيم، فاعتزلَ المُلْكَ وابتعدَ عن المال وإنجاب البنين من أجلِ سلوك الطريق الروحيَّة التي تُفضي إلى الكمالِ الإنسانيّ، فإلى التخلُّصِ من دورات التقمُّص في الأَرض.
يقولُ الدكتور داهش مُوضِّحًا الفرقَ بين نتائج القناعة والطمع:
وتتكاثرُ آثامُنا وتتزايدُ آلامُنا، ما دُمنا تُساورُنا المطامعُ والرغبات؛ وتنتعشُ آمالُنا وتتحقَّقُ أحلامُنا، ما رضينا بالقناعة والثَّبات. [27]
هذا ليسَ دعوةً للزهد بالمال وإيثارٌ للفقر. كلاَّ، بل هو إيضاحٌ يُظهِرُ أنَّ المالَ بين أيدي أُناسٍ ليسوا راقين روحيًّا قد يكونُ سبَبًا لتكثير الآثام فالآلام. وهذا ما نقرأُه أَو نسمعُ به في وسائل الإعلام يوميًّا. أمَّا ذَوو الرقيِّ الروحيّ فيقتنعون بالقليلِ مِمَّا بين أيديهم لإنفاقِه على معيشتهم وحاجاتهم الجسميَّة، بينما يُنفقون البقيَّةَ في ما يُغنيهم روحيَّا وما يُعزِّزُ القِيَمَ الروحيَّةَ في مجتمعهم وفي العالَم. فمن جوانبِ الرقيِّ الروحيِّ المُتمثِّل في عُمَر بن الخطَّاب وعُمَر بن عبد العزيز أنَّهما لم يستفيدا من ثروة الدولة التي كانت مُهيَّأَة بين أيديهما لرفاهيَّتهما الشخصيَّة، بل كانا مُتقشِّفَين في الملبَس والمسكَن والمأكل والمشرب، مُقتنعَين بما يعيشُ به البُسطاءُ العاديُّون من الرعيَّة. لقد كان للمال تأثيرٌ بالغٌ وشأنٌ جليل في حياة العرب، كما في حياة سائر الشعوب، كما كان لقوَّة التناسُل المُتمثِّل في كَثرة الأَولاد والأَحفاد شأنٌ في تعزيز هَيبة الأُسَر وإنماءِ ثرواتِها، لكنَّ المالَ والبنينَ ليسا من معايير الراقين روحيًّا الذين يأملون ثوابَهم في العالَمِ الآخَر لا في الأَرض. يقولُ القرآنُ الكريم:
{المالُ والبنونُ زينةُ الحياة الدنيا، والباقياتُ الصالحاتُ خَيرٌ عندَ ربِّكَ ثوابًا وخيرٌ أملاً.} (سورة الكهف: 46).
5- المحبَّــة
إنَّها من صُوَر الله؛ فلا عَجَب إن عرَّفَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة الله—عَزَّ وجَلَّ—بأنَّهُ محبَّة،[28] ولا غَروَ إن جعلَ يسوعُ الناصريُّ “طريقَ الحقِّ” هو “طريق الحبِّ الإلهيّ، طريق النور السماويّ”. [29] ولا شكَّ بأنَّ الحُبَّ المقصودَ هنا هو الحبُّ الطاهر، سواءٌ اتَّجَهَ إلى الله أم إلى أفراد العائلة أم إلى النَّاس طُرًّا. إنَّهُ الحبُّ الخالصُ الخالي من النفعيَّة والأَغراض الشخصيَّة. يقولُ الدكتور داهش في سُداسيَّةٍ عنوانُها “شعلةُ الحبّ”:
لمسَ الحُبُّ بأناملِهِ فؤادي فأيقظَهُ من سرٍّ دفين
جاسَ اللهيبُ المقدَّسُ أنحاءَ نفسي فطهَّرَها
وشعرتُ بالحُبِّ العميقِ يتدفَّقُ في جوانبِ روحي فيصهرُها
لقد تأكَّدَ لي أنَّ الحبَّ الطاهرَ أقدسُ ما يحتويه هذا الوجود
ولقد آمَنتُ بشُعلتِه المُتأجِّجة بي بعد ذلك الخمود
وأخيرًا دخلتُ هيكلَ الحبِّ خاشعًا وأصبحتُ من أتباعِهِ المُخلصين. [30]
إنَّ الحُبَّ الخالصَ نزعةٌ روحيَّةٌ ذاتُ درجةٍ عالية. فمَن تمتَّعَ بتمام هذه النزعة السامية، لا مجالَ لدَيه للقول: إنِّي أُحبُّ أُسرتي وأقربائي وأصدقائي، لكنِّي لا أُحبُّ مَن لا صَلَة حميمة تربطُني بهم، أَو إنِّي أُحبُّ مَن يُحبُّني وأُبغِضُ مَن يُبغضُني؛ ذلك لأَنَّ مَن يتمتَّعُ بالرُقيِّ الروحيِّ قد يكرهُ أَعمالَ إنسانٍ ما أَو أَفكارَه، لكنَّه يستمرُّ في إرادة الخَيرِ الروحيِّ له، وبدلَ أَن يتمنَّى للشرّير أن يزيدَ ضلالُه، يتمنَّى له الهداية. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في صلاته التي يُردِّدُها الداهشيُّون في مُختلف أَنحاء العالَم:
أَبعِدْ عنَّا الأَشرارَ والهازئين بكلامِ الله؛ أَنِرْ بصائرَهم.
طهِّرْ أَرواحَ الخطَأَة، وأَرسِلْ لهم قبَسًا من أَنوارِكَ الإلهيَّة
فيخشعوا لعظمتِك.
أَقِلنا من العثَرات الرهيبة،
واشمُلِ الجميعَ بعَين عنايتِكَ الساهرة.[31]
فنزعةُ المحبَّة الحقَّة إذا اكتملَت وغَمَرَتِ النفسَ، كما الحال في بوذا والمسيح وغاندي، تغمرُ الكُلَّ بنورها: تغمرُ الأَقاربَ والأَباعد، الناسَ والطبيعةَ وما فيها، لأَنَّ أساسَها مبنيٌّ على الإدراك أو الشُّعور بأنَّ المخلوقات جميعها، بما فيها البشرُ والحيوانُ والنباتُ والجماد، ذاتُ جوهرٍ روحيٍّ، به يلتقي كلُّ إنسانٍ مع الكونِ كُلِّه، وبالنهاية مع الله، مصدرِ كلِّ جوهرٍ روحيّ. إنَّ الحُبَّ الخالصَ هو الجاذبيَّةُ الروحيَّةُ الشاملة التي تشدُّ الكائنات بعضًا إلى بعض في تصعيدها إلى الوحدة الروحيَّة العُظمى، إلى العودة للاندماج بمصدرها السرمديِّ، بالقوَّة الموجِدة.
وإذا أَردنا أَن نُعطيَ تعريفًا وجيزًا ووافيًا للمحبَّة ولأَهمِّـيَّتها، فلعلَّ أَفضلَ ما قيلَ فيها هو كلماتُ بولس الرسول:
لو تكلَّمتُ بلُغاتِ الناسِ والملائكة، ولم تكُن لديَّ المحبَّة، فما أَنا إلاَّ نُحاسٌ يطِنُّ أَو صَنجٌ يرِنُّ. ولو وُهِبَتْ لي النبوءَةُ وكنتُ عالِمًا بجميع الأسرار، عارفًا كلَّ شيء، ولي الإيمانُ الكاملُ أَنقلُ به الجبال، وقدَّمتُ جسدي لِيُحرَقَ، ولم تكُن لدَيَّ المحبَّة، فما يُجديني ذلك نفعًا.
المحبَّةُ حليمةٌ مُترفِّقة، المحبَّةُ لا تعرفُ الحسَد ولا العُجبَ ولا الكبرياء، ولا تفعلُ السوءَ ولا تسعى إلى منفعتِها، ولا تحنقُ ولا تُبالي ما ينالُها من السوء، ولا تفرحُ بالظلم، بل تفرحُ بالحقّ. وهي تعذِرُ كلَّ شيء، وتُصدِّقُ كلَّ شيء، وترجو كلَّ شيء، وتصبرُ على كلِّ شيء.[32]
إنَّ المحبَّةَ الحقَّة هي القوَّةُ الضابطة للنظامِ النفسيِّ الصحيح الباعثِ السلامَ والاتِّزانَ في النفس، وهي المُحرِّكة للقوى النفسيَّة جمعاء باتِّجاه الارتقاء الروحيّ. وهي مُغايِرة تمامًا للحُبِّ الجنسيّ المُسَيَّر بالانفعالات البيولوجيَّة؛ وللحُبِّ الرومنسيِّ الذي تُطَوِّحُ به الأَوهامُ والتخيُّلاتُ والعواطفُ المُتقلِّبة؛ وللحُبِّ الطُفَيليِّ الذي يُسلِمُ صاحبُه زمامَه لغيره، فإن فقدَه، فقدَ اتِّزانَه، كالطفلِ فقدَ أُمَّه؛ وللحُبِّ النرجَسيِّ الذي يجعلُ المُحِبَّ يرى في محبوبه صورةَ نفسه، فيُحاولُ صياغتَه فكريًّا وعاطفيًّا في قالبه الشخصيّ، فإن استعصى المحبوبُ عليه، انقلبَ ضدَّه، شأن الآباء والأُمَّهات النرجسيِّين مع أَولادهم أَوأَصدقائهم؛ والمحبَّةُ الحقَّة هي، أَخيرًا، مُغايِرة للحُبِّ الذي يجعلُ من أَغراضه غاياتٍ لا وسائل، كحُبِّ المال أَو السلطة أَو الجاه، أَو حُبِّ الهوايات المُختلفة، حيثُ يسفحُ المُحِبُّ قواه النفسيَّة من أَجل أَغراضه، فتستعبدُه وتتنقَّصُه، بدلَ أَن تخدمَه وتُنمِّيَه.[33]
إنَّ أهمِّـيَّةَ المحبَّة، على الصعيدِ العَمَليّ، تعودُ إلى أنَّها تنطوي على عدَّةِ عناصر إنسانيَّة، لعلَّ أهمَّها أربعُ نزعاتٍ راقية: الغَيريَّة (altruism)، والتسامُح، والتواضُع، والتضحية بالنفس.
فالنزعةُ الغَيريَّة تدفعُ صاحبَها إلى الاهتمامِ الجدِّيّ، المُترفِّع عن المنفعة الشخصيَّة مادِّيـَّةً كانت أم معنويَّة، من أجلِ تأمين خَير الآخرين ومصلحتهم والدفاعِ عن حقوقهم المهضومة.
تتمثَّلُ هذه النزعةُ في أُناسٍ دافَعوا مجَّانًا عن قضيَّةٍ حقَّةٍ عادلةٍ ليست قضيَّتَهم الشخصيَّة، كدِفاع إميل زولا (1840-1902) الجريء عن الضابط اليهوديّ البريء دريفوس، وكفاح المهاتْما غانْدي (1869-1948) الطويل من أجلِ رَفْع الحَيفِ عن المنبوذين خاصَّةً، وعن الهنود عامَّة، ودِفاع الصِّحافيّ المهجريّ جبران مسُّوح في مجلَّة “المُختَصَر”، على مدى عامَين (1946-1947)، دِفاعًا مَجيدًا عن الدكتور داهش أيَّامَ اعتدى الطُّغاةُ عليه في عهد الرئيس اللبنانيّ الأَسبَق بشاره الخوري (1943-1952). [34] كما تتمثَّلُ في العملِ الصادق المجَّانيّ الذي يقومُ به قلائلُ في العالَم من أجلِ خير الفئات المحرومة أو المظلومة.
إنَّ أصحابَ هذه النزعة السامية لا يهتمُّون بفائدةٍ مادِّيَّةٍ تعودُ عليهم من خلالِ أعمالهم، ولا ينكصون عن سَعيِهم وكِفاحِهم إذا طالَعَتهم مصاعبُ أو متاعب. ومُؤسِّسُ الداهشيَّة يعتبرُها من مزايا الرقيِّ الإنسانيّ إذ يقول:
من العار أَن تموتَ قبل أَن تقومَ بأَعمال الخَير نحو الإنسانيَّة.[35]
وعاطفةُ الشَّفقة أو الرأفة التي تدفعُ أفرادًا من الناس دَفعًا صادقًا لمُؤاساة آلام الآخرين أو إبعاد الأَذى عنهم، أو لحماية حقوق الضعفاء والمساكين— هي وليدةُ هذه النزعة الغَيريَّة.
ولذا فالأَنانيُّ أو النرجسيُّ يستحيلُ أن يتمتَّعَ بهذه النزعة الإنسانيَّة المجَّانيَّة، وبالتالي يتعذَّرُ عليه أن يُحبَّ الآخرين محبَّةً صادقة.
كذلك من مظاهر النزعة الغيريَّة عاطفةُ الإحسان الذي تُمليه المحبَّةُ لا دوافعُ الظهور أو الشهرة أَو الجاه، والذي يَجودُ فيه الإنسانُ بما يحتاجُ إليه لا بما يَفضُلُ عنه.
في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوع الفتِيُّ لأَبيه يوسف عندما قدَّمَ إليه وارداتِ يومه ليضعَها في صندوق الإحسان الذي كان يسوعُ يجمعُه ليُساعدَ به عائلاتٍ مُعوِزَة:
ثِقْ، يا أبي، بأنَّ اسمَكَ
قد سُجِّلَ في السماء منذُ اللحظة هذه،
لأَنَّكَ قد جُدْتَ بما أنتَ في أشدِّ الحاجةِ إليه. [36]
وأَفضلُ الإحسان ما كان مقرونًا بتضحيةِ رغبةٍ أَو مُتعةٍ حسِّيَّة. ففي الكتاب الآنِف الذكر أَنَّ يسوع تُقدِّمُ إليه أُمُّه، في ذكرى ميلاده الثالثة عشرة، دجاجةً مُسمَّنة، فيقولُ لها:
قَسَمًا بالحقيقة، لن أَدَعَ فَمي يتذوّقُها، يا أُمَّاه،
بل يجبُ أَن تُقدِّميها للشيخ المريض عوبديا المسكين.[37]
إنَّ المُحسِنَ الراقي لا يُؤدِّي إحسانَه بسببِ أنَّ الدينَ جعلَ الإحسانَ فريضةً دينيَّةً تَصونُ سمعةَ المُؤمن بين المُتدَيِّنين، بل يفيضُ الإحسانُ منه تعبيرًا عن محبَّته للبُؤساء، وإلاَّ فقدَ المعنى النبيلَ في إحسانِه؛ والمُحسِنُ الراقي لا يجعلُ من عَمَلِه بوقًا لتَكريمه بين الناس، وإلاَّ أفقرَ نفسَه بدلَ أن يُغنيَها.
أمَّا نزعةُ التسامُح فتَفيضُ عفويًّا من المحبَّة، لأَنَّ من شروط المحبَّة ألاَّ يُكرِهَ صاحبُها الناسَ على أن يصوغوا أفكارَهم وعواطفهَم بقالبِه الشخصيّ. وما دامَ الناسُ على مُستَوَياتٍ روحيَّةٍ مُختلِفة، وذَوي نزعاتٍ ومداركَ مُختلفة، فإنَّ آراءَهم وعقائدَهم ستبقى مُختلِفة. ولذلك تقضي العدالةُ والحُرِّيـَّةُ المُقترنة بها أن تُحترَمَ أفكارُ الناس ومُعتقداتُهم.
إنَّ الغُلاةَ الدينيِّين يستحيلُ أن يكونوا من الراقين روحيًّا، لأَنَّهم بادِّعائهم تمثيلَ الحقيقة المُطلَقةَ يفقدون الحقيقة، وبإلغائهم التسامُحَ يُلغون المحبَّةَ من نفوسهم مع مصدرِها الذي هو الله عزَّ وجَلَّ، وذلك إشباعًا لنزواتٍ مَرَضيَّةٍ تحكَّمَت بعقليَّتِهم المُستَعبَدَة للأوهام. واقتناعُهم الأَعمى بأنَّ في حوزتِهم المعرفة الروحيَّة الكُلِّـيَّة يشلُّ عقولَهم، ويجعلُ ذهنيَّتهم غيرَ النَّاضجة مُتَّجِهَةً إلى التحدِّيّ المَبنيِّ على التوهُّم، شأن الأَطفال أو المُتخلِّفين عقليًّا.
وليس عَبَثًا قال توماس جفرْسون:
منذُ ظهور المسيحيَّة ملايينُ من الأَبرياء رجالاً ونساءً وأطفالاً قد أُحرِقوا أو عُذِّبوا، أو غُرِّموا أو سُجِنوا، ومع ذلك فإنَّنا لم نتقدَّم قيراطًا واحدًا نحو الائتلاف. وماذا كانت عاقبةُ الإكراه؟ جَعْلَ نصفِ البشر حمقى، ونصفِهم الآخر مُنافقين. [38]
والتسامحُ ينطوي على الصَّفح أو الغُفران، هذه الفضيلة التي أدرَجها السيِّدُ المسيحُ في صُلْبِ صلاته الربَّانيَّة التي أرادَ أن يُصلِّيَها أتباعُهُ: “اغفرْ لنا ذُنوبَنا مثلما نحنُ نغفر لِمَن أساءَ إلينا” (متَّى 6: 12). وقد جعلَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة التسامَحَ ميزةً في يسوع منذُ صباه. ففي “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يدعو يسوع عائلتَه للتسامُح مع أهل قريته الذين كانوا—
يهزأُون به، ويُعيِّرونَه بلفظة “مخبول”،
وينتهرونَ والدَيه، ويضطهدون أشقَّاءَه.
وإذْ يُهينُه إخوتُه على موقفِه وتصرُّفاته، يقولُ لهم
طوباكُم إذا اضطهدوكم من أجل كلمة الله العادلة،
وطوبى لأَرواحكم إذا عذَّبوا أجسادَكم الترابيَّة،
لأَنَّني أصدقُكم، يا إخوتي،
أنَّ أجرَكم يكونُ عظيمًا جدًّا في السماء.
فطوباكُم إذا صبرتُم،
لأَنَّ مَن يصبر إلى النِّهاية فذاكَ يخلُص. [39]
ومَن عرفَ مُؤسِّسَ الداهشيَّة عن كثَب، أدركَ عظيمَ تسامُحه مع المُخطئين في تصرُّفاتهم من أتباعه، بل مع الذين خاصَموهُ وعادَوهُ، إلاَّ زُمرةً من مُدمني الظلم والإجرام كان عليه أن يُؤدِّبَهم بتشهيرِهم إعلاميًّا، لأَنَّ المشيئةَ الإلهيَّةَ أملَت عليه ذلك.
حسبي الإشارة، هنا، إلى مثَلٍ من تسامُحه في ما دوَّنَه من انطباعاته بأثناء رحلتِه إلى لُندُن، عام 1982؛ فقد ذكَر أنَّه خلا بأَحَدِ أَتباعه مِمَّن كانوا يُكرِّرون سقَطاتِهم ونَقْضَ وعودهم بألاَّ يعودوا إلى ارتكابِ الأَخطاء والذنوب، وحدَّثَهُ بموضوعاتٍ شتَّى؛ ثمَّ قال:
وعاتَبتُه على بعضِ الهَفَوات التي لا بُدَّ من أن تصدُرَ سواءٌ منهُ أو من شقيقه أو من سواهما؛ فالحياةُ الدنيا لا بُدَّ من أن يحدثَ فيها إزعاجاتٌ لا مناصَ منها ولا غِنى عنها. فالرغباتُ البشريَّةُ والنزعاتُ والمُيولُ تُسبِّبُ من المشاكل والانفعالات ما لا يقعُ تحتَ حَصْر. غفرَ الله للجميع الذنوب، ومَحا لهم الحُوب؛ فهو أرحمُ الراحمين.”[40]
ومن عناصر المحبَّة التواضُع؛ هذه الفضيلةُ السامية التي جسَّدَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة والمهاتْما غاندي خيرَ تجسيد، بعدَ أن جسَّدَها المسيحُ وبوذا وسائرُ الأَنبياء والهُداة الروحيِّين.
إنَّ المحبَّة هي المنظارُ الذي يرى المُحِبُّ نفسَه من خلاله وقد امتدَّت في الأَرض لتُصافحَ وتُعانقَ كلَّ إنسان. ولذا يستحيلُ على المُستَكبِر المُستَعلي أن يُحبَّ النَّاس، كما يستحيلُ على الناسِ أن يُحبُّوه. بل إنَّ النَّاسَ بقَدر ما تجذبُهم وتُقرِّبُهم الوداعةُ واللطافةُ والدماثةُ في المُتواضعين، بقَدرِ ما تُنفِّرُهم وتبعدُهم الشراسةُ والقساوةُ والفظاظةُ في المُستَكبرين.
يقولُ الدكتور داهش في سُداسيَّةٍ بعُنوان “مَنِ اتَّضَع ارتَفَع”:
إيَّاكَ والتهكُّمَ على أحَدٍ إذا شاهَدتَهُ يرتدي أسمالا
فالفَقْرُ لا يُعاب، وما يُدريكَ أنَّ اللهَ سيُغيِّرُ له الأَحوالا
ولا تَغتَرَّ بِمَن يرتدي الدِّمَقْسَ وتَراهُ يزدهي كبرًا وجَمَالا
فسخافتُهُ ورقاعتُهُ وبلاهتُهُ ستُريه من الأَهوالِ جِبالا
والنَّملُ الصغيرُ تراهُ بادي النشاط، يَعملُ بمُستَعمرتِه أرتالاً أرتالا
ومَنِ اعتصمَ بِحَبْلِ الله وتواضعَ فاسْمُهُ
تُردِّدُهُ الأَلسنةُ أجيالا. [41]
أَمَّا العنصرُ الأَهمُّ بين عناصر المحبَّة فهو التضحية بالمال والوقت والراحة والصحَّة من أجل المحبوب، وذُروةُ التضحية بَذْلُ النفس؛ بعبارةٍ أُخرى الجهادُ والاستشهاد. من كلمات مُؤسِّس الداهشيَّة:
إنَّ الجهادَ والاستشهادَ هما شِعارُ الداهشيَّة الأَوحَد.
في سبيل الداهشيَّة تَهونُ الحياة، ويُستَطابُ الممات. فالداهشيُّ يبذلُ كلَّ ما يملكُهُ من مال، ووقت، ومجهودٍ مُتواصِل الحلَقات، ثمَّ يجودُ بروحِهِ لأَجلِ نصرِ عقيدتِه الداهشيَّة. [42]
لا يكونُ للبَذْلِ معنًى وفائدة إيجابيَّة للنفس إلاَّ إذا كان غرضُ التضحية شيئًا عزيزًا، وإلاَّ إذا كانت التضحيةُ بالشيء العزيز هي من أجلِ قيمةٍ روحيَّة. والعكسُ غيرُ صحيح.
وأقدمُ تضحيةٍ دوَّنَها التاريخُ الدينيُّ هي عَزمُ إبراهيم الخليل على التضحية بابنِهِ الحبيب من أجل البرهنة على حُبِّه وطاعتِه لله. ولذا فعلى المُضَحِّي أن يُراعيَ أَولويَّات القِيَم ليكونَ لبَذْلِه تأثيرٌ مٌفيدٌ في ارتقائه الروحيّ. فمن أجل الله وما يُمثِّلُهُ من قِيَمٍ روحيَّةٍ عُليا مُتمثِّلَة بتعاليم الأَنبياء الصريحة يُضحِّي الراقون روحيًّا بكلِّ شيءٍ حتَّى بالنَّفس. لكنَّ هذا لا يعني قتالَ الناس أو إكراهَهم على اتِّباع كلام الله أو رُسُلِه، فالحُرِّيَّةُ منحةٌ إلهيَّةٌ مُقدَّسةٌ للنَّاسِ جميعًا؛ وعلى أساسها سيُثابون أَويُعاقَبون. ولا هو يعني التضحيةَ بالنفس من أجلِ مُؤَسَّساتٍ بشريَّة، وإنْ تكُنْ ذاتَ صِفَةٍ دينيَّة؛ لأَنَّ الله—سبحانَه—لم يُنشئ مُؤسَّساتٍ في الأَرض ولا رُسُلُه أنشأُوا. فالمُؤسَّساتُ عملٌ بشريٌّ قد يُصيبُ وقد يُخطئ في ما يرمي إليه. وتحميلُ معنى الجِهاد مدلولاً روحيًّا غير ذلك هو تضليلٌ للنَّاس. فلا معنى للجِهاد والاستشهاد من أجلِ أيِّ شيءٍ يُناقضُ الحقيقةَ والعدالةَ والعفَّةَ والقناعةَ والمحبَّةَ التي هي القِيَمُ الروحيَّة السامية التي تُؤَدِّي مُمارستُها إلى الارتقاء الروحيّ. ولا معنى للجهاد والاستشهاد إذا اتَّبعا سبيلاً مكيافيلِّـيًّا مُلتويًا، لأنَّ الوسيلةَ لا يُمكنُ فصلُها عن الغاية. والتاريخُ حافلٌ باضطهادات وحروبٍ ادَّعى موقِدوها أَنَّها كانت من أجل الله أو المسيح أو أحد الرُّسُل، ومع ذلك استنكرَها العُقلاءُ في كلِّ شعب ولعَنوا مُسبِّبيها.
ولا ريبَ بأنَّ خطَّ العطاء الروحيّ جهادًا واستشهادًا بلغَ ذُروتَه في حياة السيِّد المسيح وبَذْلِه نفسَه فِداءً عن البشر. يقولُ الدكتور داهش في قطعةٍ ابتهاليَّةٍ بعُنوان “إلى فادي الأَنام”:
أيُّها السيِّدُ المسيح!
يا سيِّدَ المجدِ الخالدِ والحُبِّ اللامُتناهي.
يا رسولَ الله وكلمتَه السامية.
يا معدنَ الصفاء ويُنبوعَ النقاء.
يا مَن بذَلتَ دمَكَ الطاهر فِداءً لخلاصِنا.
يا مَن تألَّمتَ لأَجلِنا كثيرًا، وأحبَبتَنا الحُبَّ كلَّه (…)
يا مَن علَّمتَنا الفضيلة، وغرسْتَ في نفوسِنا بذورَ الوفاء.
يا مَن ضحَّيتَ بكلِّ شيءٍ كي تستحقَّ السعادةَ الأَبديَّة.
يا مَن كانت سيرتُكَ نبراسًا لنا يَقينا العثرات… [43]
(في العدد القادم سنرى أَهمِّـيَّةَ العقل والإرادة
في ميزان الرُقيِّ الروحيِّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ.)
[1] انظر ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”، ترجمة فرنسوا أيُّوب وإيلي نَجم وميشال أبي فاضل (مكتبة أنطوان، بيروت، ودار لاروس-باريس، 1991)، “علمُ الأَخلاق” و”علم الأَخلاق المُنفتح”، ص 328 و 329.
[2] الدكتور داهش، “كلمات” (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 111.
[3] الدكتور داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة” (دار النَّار والنُّور، بيروت، 1983)، ص 82.
[4] راجع بحثًا عن “أبعاد الحريَّة لدى مُؤسِّس الداهشيَّة”، في “صوت داهش”، عدد آذار (مارس) 1997، ص 13-14: “الحريَّة النفسيَّة”.
[5] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 179.
[6] ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”، ص 208.
[7] المرجع السابق، ص 186.
[8] المرجع السابق نفسه.
[9] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 35.
[10] انظرْ ج. أ. هادفيلد، “علم النفس والأخلاق”، ترجمَه محمَّد عبد الحميد أَبو العزم وراجعَه الدكتور عبد العزيز القوصي(مكتبة مصر، 1953)، ص 97-130.
[11] انظُر إيضاحًا مُفصَّلاً لأَهميَّة كَون الله هو المُطلَقَ الوحيدَ ولتأثير ذلك في الاتِّزان النفسيّ .
Wilfried Daim, Transvaluation de la Psychanalyse: L’homme et l’Absolu, trad. de l’allemand (Albin Michel, Paris, 1956), pp. 129-173.
[12] انظُر الدكتور داهش: “الإلاهاتُ الستّ” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979)، ص 46.
[13] الدكتور داهش، “بروق ورعود” (بيروت، 1964)، ص 29.
[14] انظر ثلاثة أبحاث عن العدالة في الأَعداد السَّابقة من “صوت داهش”، كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1997، وآذار (مارس) وحزيران (يونيو) 1998.
[15] الدكتور داهش، “ابتهالات خشوعيَّة”، ص 116؛ “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 77.
[16] انظُر بحثًا عن أبعاد الحريَّة في “صوت داهش”، آذار (مارْس) 1997.
[17] انظُر “صوت داهش”، كانون الأَوَّل (ديسمبر)، 1997، ص 43-44.
[18] الدكتور داهش، “بروق ورعود”، ص 28.
[19] الدكتور داهش، “قيثارة الحبّ” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1980)، ص 50.
[20] تحسُنُ مُراجَعَةُ كتاب الدكتور داهش، “نهر الدموع”، دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979، لتَكوينِ فكرة واضحة عن فضائل الدكتور خبصا.
[21] انظُر الدكتور داهش، “المُهنَّدُ الباتر”، (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 161، و “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الرابع (دار النَّار والنُّور، بيروت، 1983)، “اللغزُ المُحيِّر”، ص 97.
[22] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 146
[23] المصدر السابق، ص 54.
[24] المصدرُ السابق، ص 132.
[25] المصدر السابق، ص 45 و 46.
[26] المصدرُ السابق، ص 175.
[27] الممصدرُ السابق، ص 115.
[28] الدكتور داهش، “بروق ورُعود”، ص 31.
[29] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 22.
[30] الدكتور داهش، “بروق ورُعود”، ص 103.
[31] الدكتور داهش، “ابتهالات خشوعيَّة”، ص 87.
[32] الكتاب المُقدَّس: “رسالة بولس الرسول الأُولى إلى أَهل كورنثس”، الإصحاح 13.
[33] انظرْ مُراجعة لكتاب الدكتور سكوت بِك (Scott Peck) “الطريقُ التي قلَّما سُلِكَت”، في “صوت داهش”، أَيلول (سبتمبر)، 1995: قسم “المحبَّة”، 86-87.
[34] انظر سلسلة مقالاته في كتاب “غضبة الصحافة المهجريَّة وأُدباء البلاد العربيَّة دِفاعًا عن داهش والداهشيَّة”، الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1998.
[35] الدكتور داهش، “كلمات، ص 170.
[36] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 72.
[37] المصدرُ السابق، ص 74.
[38] James A. Haught, Holy Horrors (Prometheus Books, Buffalo, New York, 1990), pp. 81-124.
[39] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 79-82.
[40] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأَرضيَّة”، الجزء 19، (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1994)، ص 70.
[41] الدكتور داهش، “المُهنَّد الباتر”، ص 128.
[42] الدكتور داهش، كلمات، ص 91-92.
[43] الدكتور داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة”، ص 89-90.
الرقيُّ الروحيُّ: معاييرُهُ وأبعادُه
في مفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة
بقلَم الدكتور غازي براكْس
يحتضنُ مُتحَفُ “اللوفر” لوحةً حجريَّةً سوداء نُقِشَت عليها صورةُ الشمس-الإله (شَمَش) وهو يُقدِّمُ إلى حمورابي (1792-1750 ق.م.) مجموعةَ الشرائع التي تُشكِّلُ أقدمَ تشريعٍ خُلقيٍّ مَدَنيٍّ في العالَم.
وبعدَ بضعة قرون يُقدِّمُ الربُّ—تِبعًا لسِفْر الخروج في التوراة—إلى موسى النبيّ الوصايا العشر مكتوبةً على لوحَين، ويوحي إليه بسائر الشرائع الدينيَّة والمدَنيَّة فيُدوِّنها.
وفي “بروتاغوراس” (Protagoras) يروي أفلاطون (427؟-347؟ ق. م.) أنَّ زوس، ربَّ الأَرباب، أشفقَ على البشر لضَعفهم، إذْ كانوا يعيشون مُشَتَّتين جماعاتٍ صغيرة، لا حَولَ ولا طَولَ لهم، والوحوشُ تُحيطُ بهم، وهم عاجزون عن مُضاهاتها ومُغالبتها، فلا أنيابَ الضواري ومخالبَها يتمتَّعون بها، ولا قوَّتَها وسرعتَها، ولا أَجنحة الطيور ينعمون بها؛ ولذا عوَّض زوس عليهم بالشعور الخُلقيّ والقُدرة الإدراكيَّة الحكيمة التي تُخوِّلُهم سَنَّ الشرائع العادلة، ليستطيعوا أن يتكتَّلوا ويتعاوَنوا في مُجتماتٍ كبيرةٍ فاضلة، فلا يعتدي بعضُهم على بعض دونما عقاب، وهكذا يقوَون.
إنَّ الرأيَ بأَنَّ النظامَ الخُلُقيَّ للسلوك الاجتماعيِّ ذو مصدرٍ إلهيّ ما زال يسودُ أكثريَّةَ المُجتمعات البشريَّة منذ فجر التاريخ، ذلك رغمَ هبوب رياح الإلحاد والعَلمنة على العالَم الحديث. ومن النافل القَول إنَّ هذا الرأيَ أَكَّدَت صحَّتَه الأديانُ كافَّةً. فتدخُّلُ الأُلوهةِ لا بُدَّ منه لهداية معظم النَّاس إلى الصراط المستقيم. ولذلك نرى في مَسيرة العصور محطَّاتٍ روحيَّةً تتنزَّلُ فيها التعاليمُ والوصايا الروحيَّة على أنبياءَ ومُرسَلين، أو هي تفيضُ من ينابيعِ إلهامٍ باطنيٍّ سامٍ في بعض المختارين، فإذا هم هُداةٌ روحيُّون.
لكن ما نرمي إليه، هنا، ليس نظامَ الأَخلاق المُنطوي على النَّواهي والمُحرَّمات التي نصَّت عليها الشرائعُ الدينيَّة أو المدَنيَّة، بل نظام الأَخلاق المُنفتح (morale ouverte) —بتعبير برْغسون — (Bergson) الذي يتَّجهُ إلى القِيَمِ الروحيَّة والقِيَم الإنسانيَّة الكُلِّـيَّة.[1] فالنظامُ الأَوَّلُ يَنهى عن الشرّ والرذيلة صائنًا الإنسانَ من الانحدار دونَ إنسانيَّته، والثَّاني يحضُّ على الخير والفضيلة مُرتقِيًا بالإنسان إلى مُستوًى روحيٍّ أعلى. نموذجُ الأَوَّل الوصايا والنواهي التي أوعزَ بها موسى النبيّ إلى شعبه، ونموذجُ الثاني تعاليمُ المحبَّة التي أعطاها يسوعُ المسيح تلاميذَه ليُبشِّروا بها العالَم. وغايتُنا في هذا البحث تتعلَّق بالنموذج الثَّاني، أي بالارتقاء الروحيّ.
بيدَ أنَّ الرقيَّ الروحيَّ تختلفُ مفاهيمُهُ باختلاف المعايير والقواعد التي يُبنى عليها. فالغُلاةُ المُتزمِّتون في كلِّ دينٍ يربطون بين الرقيّ الروحيّ (طريق القداسة) ومُمارسة الشعائر الدينيَّة المذهبيَّة أكثر ممَّا يربطون بينه وبين القِيَم الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة. وعلى هذا الصَّعيد يتلاقى الغُلاةُ من اليهود والمسيحيِّين والمسلمين والهندوس وغيرهم. فكَم من “قِدِّيسٍ” أو “وَليٍّ” تمخَّضَ به التعصُّبُ الطائفيُّ المدمِّرُ القاتل!
ومن جهةٍ أُخرى يحرصُ المُلحِدون أَو أصحابُ التوجُّه الإنسانيّ العَلمانيّ على عدَمِ إدخال مجموعةٍ من الفضائل الروحيَّة، كالتَّواضُع والعفَّة والقناعة، في معاييرهم ومجال اهتمامهم، لأَنَّها تُناقضُ مذهبَ النفعيَّة والمتعة المادِّيـَّة الرائج بينهم. فما معاييرُ الرقيِّ الروحيِّ وأبعادُهُ في مفهوم مُؤسِّس الداهشيَّة؟
القاعدةُ الفلسفيَّة للرُقيِّ الروحيِّ في المفهوم الداهِشيّ
يتحصَّلُ من كتابات الدكتور داهش المُلهَمة ومن بعض الرسائل الروحيَّة التي أُنزِلَت عليه بصورةٍ عجائبيَّةٍ، ولا سيَّما “رسالة خَلق آدَم”، أنَّ الإنسانَ كائنٌ روحيُّ الأَصل، كانَ يَحيا في عالَمٍ روحيٍّ سعيدٍ مَجيد، خارجٍ عن قيود الزمان والمكان، وذلك قبل انحداره إلى الفراديس المادِّيـَّة. بعد ذلك حدثَ هبوطُه من تلك الفراديس إلى الجنَّة الأرضيَّة، ثمَّ طردُه منها بسبب عصيانه. وكانت نتيجةُ سقطاته المُتوالية أنَّه عوقِبَ بأَن يعيشَ في عالَمِ الأرض الخاضعِ لقوانين الموت والأمراض والمصائب والأَحزان. حالةُ الإنسان الشقيَّةُ الزريَّةُ الحاضرة يستَفظعُها مُؤسِّسُ الداهشيَّة، ويتمنَّى مُتحسِّرًا لو أنَّ الإنسانَ “ظلَّ في ملإِهِ العُلويِّ نقيًّا طاهرًا من أدران هذه الحياة وأوضارها.” [2]
إذًا غايةُ الإنسان المُثلى من حياته البشريَّة هي، أوَّلاً، أن يتغلَّبَ على تجارب الأرض وجواذبها بمُجاهدَة ميوله الشرِّيرة أو الدُّنيويَّة، وبإصلاح عيوبه ونقائصه— وهذا يضمنُ له عدمَ السقوطِ الجديد إلى دركاتٍ أسفل؛ ثانيًا، أَن يتمسَّكَ بالقِيَم الروحيَّة ويُمارسَها، وذلك من أجلِ أَن يتخطَّى مُستواه الروحيَّ الأَرضيَّ إلى درجةٍ روحيَّةٍ عُليا، وبالتالي أَن يرتقيَ ليعودَ تدريجيًّا إلى عالَم الأَرواح القُدسيّ الذي هبطَ منه.
والقِيَمُ الروحيَّةُ هي ظلالٌ للحقائق الروحيَّة الخالدة الكائنة في عالَم الأَرواح، ويُمكنُ إجمالُها بثالوث الحقِّ والخيرِ والجمالِ مُجتمعةً بكمالها المُطلَق في القوَّة الموجِدَة، في الله عزَّ وجلَّ. ولِكَونها راسخةً في كلِّ سيَّالٍ روحيّ، وبعبارةٍ أُخرى في كلِّ نفس، أصبح في طبيعةِ كلِّ موجودٍ أن يحنَّ حنينًا واعيًا أو غيَر واعٍ للعودةِ إلى مصدره الكامل، لأَنَّ الابتعادَ عن وجه الخالق هو ابتعادٌ—
عن وجهِ النور،
وجهِ السعادة…
وجهِ الأَملِ العَذْبِ المُرتَجى،
وجهِ ما ينشدُه الماءُ والهواءُ والفضاءُ والسماء،
وجهِ مَن يتطلَّعُ إليه جميعُ الأَحياء دونَ استثناء،
وجهِ مَن تتمنَّاهُ جميعُ المخلوقاتِ معروفِها ومجهولِها،
وجهِ الحقيقةِ الحقَّة العادلة… [3]
لكنَّ الارتقاءَ الروحيَّ يستحيلُ تحقيقُه ما لم تتمتَّع النفسُ بحرِّيـَّةٍ حقيقيَّة. ولا تتحقَّقُ الحُرِّيَّةُ النفسيَّةُ إلاَّ بِقَدرِ ما تتحرَّرُ النفسُ من قيود الدوافع السُّفليَّة والنزعات المادِّيَّة؛ فكلُّ ما يحدُّ من تحرُّك النفس نحو مُستوًى روحيٍّ أسمى، وبالتالي نحو الروح القُدسيَّة التي منها انبثقَت، يُشكِّلُ قيدًا للنفس. [4]
والطريقُ المُثلى التي تُؤدِّي إلى الحريَّة النفسيَّة هي إقامةُ الإنسان لنظامٍ نفسيٍّ صحيحٍ تخضعُ فيه الانفعالاتُ والدوافعُ البيولوجيَّةُ والأَهواءُ والميولُ والعواطفُ لسُلطان العقل، ويخضعُ العقلُ بدوره، بصِفتِه قَبَسًا من الله، لمُثُل الحقِّ والخيرِ والجمال لأَنَّها ظلٌّ لله.
عام 1936، كان الدكتور داهش (وهو في عُمر السابعة والعشرين) خارجًا من محنةٍ أليمةٍ سبَّبَها أَفرادٌ غيرُ مُخلصين من أصدقائه وتلاميذه، وقد رأى أنَّ بينَ أسباب تلك المحنة إذعانَه لعواطفه، فدوَّنَ بين كلماته:
أنا أُحكِّمُ عاطفتي على عقلي، مع أنَّ الواجبَ عليَّ أن أُحكِّمَ عقلي على عاطفتي.[5]
لقد خرجَ الدكتور داهِش من تلك المحنة واعيًا أَهمِّـيَّةَ العقلِ ومُلتزمًا قيادتَه في تسييرِ حياته وتدبير شؤونه.
إنَّ الفيلسوفَ الأَلمانيَّ كانْط Kant (1724-1804)، على غِرار أفلاطون، “يقيسُ حُريَّةَ الفرد بقُدرتِه على ألاَّ يكونَ عبدًا لدوافعه.” [6] كذلك يرى الفيلسوفُ الأَلمانيُّ فيخته Fichte (1762-1814) “أَنَّ الكائنَ العقلانيَّ وحدَه، ومن هذا الاعتبار بالذَّات، هو سيِّدُ نفسِه على الإطلاق، وهو الأَساسُ المُطلَقُ لذاته.” [7]
هكذا تمنحُ الحُرِّيَّةُ النفسيَّةُ صاحبَها القُدرةَ على المُضيِّ صُعُدًا، دونما قَيْد، لتَحقيقِ مُثُله العُليا. هذه الحقيقةُ أكَّدَها الفيلسوفُ الأَلمانيُّ شيلِنْغ Schelling (1775-1854) بِقولِه: “أن يكونَ المرءُ حُرًّا معناهُ أن يُحقِّقَ المثالَ الأَعلى في الواقع.” [8] فما هي، وفقًا للتَّعاليم الداهشيَّة، المُثُلُ العُليا التي يتمسَّكُ بها الراقون روحيًّا دستورًا لحياتهم، ويُحقِّقونها في الواقع العمليّ؟
المُثُلُ العُليا في المفهوم الداهشيّ
في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوعُ الفَتيُّ وهو في تأمُّلاتِه:
تُرى متى يتغلَّبُ هؤلاء البشر على ميولهم الشرِّيرة
وأمانيِّهم الباطلة؟
ومتى يتَّجهون نحو المُثُل العُليا،
ويسحقونَ بقوَّةِ إيمانهم
الضعفَ الذي يسري في أعماقهم؟
متى يُنفِّذونَ إرادةَ باري الأَكوان ومُبدِع السماوات؟
متى يكونُ الجميعُ قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا؟ [9]
إنَّ إرادةَ الله المُتمثِّلَة بما يوحى إلى الأَنبياء والرُّسُل وبما يُلهَم به الهُداةُ الروحيُّون— هي منبعُ المُثُل العُليا الصحيحة. ولو استَهدى كلُّ إنسانٍ بنورِ عقله، وكان عقلُهُ آمرًا، لا مأمورًا بأهوائه الدُّنيويَّة ونزعاته السفليَّة، إذًا لاهتدى النَّاسُ جميعًا إلى الشريعة الخُلُقيَّة المُثلى مثلما اهتدى لاوتسو وكنفوشيوس وبوذا وسُقراط، لأَنَّ العقلَ الصافي قَبَسٌ إلهيٌّ. لكنَّ الواقعَ هو أنَّ معظمَ البشر يتجاوزون مرحلةَ المُراهقة والشباب إلى الكهولة فالشَّيخوخة وزِمامُ قيادتهم ما يزالُ رهنَ دوافعِهم وانفعالاتهم البيولوجيَّة أَو رهنَ أهوائهم ورغباتِهم الأَرضيَّة، فتتغشَّى بصائرُهم، وتنحرفُ مداركُهم، فيتَّخذون لهم مُثُلاً عُليا زائفة تودي بهم إلى التدهوُر الروحيّ فالاضطراب النفسيّ فالشقاء؛ ولذلك بعثَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ فيهم، رحمةً بهم، رُسُلاً وأنبياءَ وهُداةً روحيِّين يُرشدونهم إلى الصراط المُستقيم، ويدلُّونَهم على طريق الارتقاء الروحيِّ الحقّ الذي يُفضي بهم إلى فراديس النَّعيم التي فقدوها.
إنَّ المَثَلَ الأَعلى الذي يختارُه الإنسانُ اختيارًا واعيًا هو الذي يُعبِّئُ قِواه النفسيَّة (سيَّالاته) ويُحرِّكُها معًا باتِّجاهٍ يُعيِّـنُه المثَلُ الأعلى من أجل تحقُّقِها الذاتيّ، أي إشباع طبيعتها. ولكن بما أَنَّ البشرَ مُتباينون في مُستوياتهم الروحيَّة، فإنَّ مُثُلَهم العُليا المُنبثقة من طبائعهم المُختلفة تكونُ مُتَّفقةً مع حاجاتهم ودوافعهم ونزعاتهم ومداركهم. ولذلك فأَكثرُ الناس يختارون مُثُلاً عُليا دُنيويَّة يتوهَّمون أَنَّها ستُحقِّقُ لهم السلامَ النفسيَّ والسعادة، لكنَّ آمالَهم لا تلبثُ أَن تخيب، لأَنَّ المُثُلَ العُليا غير الروحيَّة هي مُثُلٌ زائفة.[10]
إنَّ مصدرَ القِيَمِ الروحيَّة، في المفهوم الداهشيّ، هو الله عزَّ وجلّ؛ به تتَّحدُ المُثُلُ العُليا الصحيحة في مُطلقاتها المُتمثِّلة في كمال الحقِّ والخيرِ والجمال، أو تتَّخذُ المُثُلُ بعضًا من صُوَره. والله بذلك هو المُطلقُ الصحيح—الضرورةُ النفسيَّةُ التي يستحيلُ أن يَحيَا بدونها أيُّ إنسانٍ يُريدُ التمتُّعَ بالرقيِّ الروحيِّ والاتِّزان الشخصيّ. [11] أَمَّا المُثُل العُليا الروحيَّة الرئيسة فيُمكنُ إجمالُها بخمسة هي الحقيقة والعدالة والقناعة والعفَّة والمحبَّة.
1- الحقيقةُ
الحقيقةُ أو الحقّ صورةٌ من صُوَر الله تعالى. إنَّها المثَلُ الروحيُّ الأعلى الذي يبحثُ عنه الراقون روحيًّا ويتمسَّكون به. في سبيلها سعى الأَنبياءُ والرُّسُلُ والهُداةُ الروحيُّون واضطُهِدوا؛ ومن أجلِها عانى مُؤسِّسُ الداهشيَّة السَّجن والتعذيبَ والتشرُّدَ والاضطهاد حتَّى التقاها أخيرًا، خارجَ الأَرض، في فردوس النَّعيم. [12] لكنَّ معظمَ البشر تائهون عن الحقيقة، زائغون عن محَجَّتِها، يُصِمُّون آذانَهم عن ندائها، ويُطبقونَ أجفانَهم حتَّى لا يرَوا مَشعَلَها، لأَنَّهم يخافونَها؛ فالنُّورُ يفضحُ الظلام. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة تحت عنوان “بشريَّة ضالَّة”:
أيَّتُها الحقيقةُ الضائعة في خِضَمِّ هذا الكونِ الحَرون،
نحنُ نخافُكِ ونهابُكِ، ولا نُريدُ أن ندنُوَ منكِ.
تَسعَينَ إلينا وتُناديننا كالأُمِّ الحَنون،
ونحنُ نوغِلُ في البُعدِ عنكِ.
نعم، أيَّتُها الحقيقةُ الغرَّاء، كَم نفرَت نفوسُنا من مرآكِ!
وكَم أنكرَت أُمَمُ الأَرضِ روائعَ مزاياكِ!
أنتِ تُريدينَ هدايتَنا، ونحنُ في ضلالِنا عامهون! [13]
إنَّ المُخلِصَ للحقيقة لا يُحجِمُ عن تكبُّدِ المشقَّة والأَلَم، بل شماتةَ الناس واضطهادَهم، من أَجلها. فالعالَمُ مُستمرُّ التغيُّر، والمعرفةُ تتجدَّدُ على الدوام، وحقيقةُ الحياة والكَون تنكشفُ الحُجُبُ عنها مع ارتقاءِ العقل البشريِّ أَكثرَ فأَكثر، ورحمةُ الله المُتمثِّلة بالهدايات الروحيَّة المُتوالية لا تنفد، لأَنَّه {لو أَنَّما في الأرضِ من شجرةٍ أَقلامٌ والبحرُ يمدُّه من بعده سبعةُ أَبحُرٍ ما نفِدَت كلماتُ الله} (سورة لُقمان: 27)؛ وليس إلاَّ الراقون روحيًّا يُقدِمون على اعتناق الحقائق الجديدة دونما تهيُّب، في حين أَنَّ مُعظمَ الناس يجبنون ويُحجِمون عن تغيير ما نشأُوا عليه من أَفكارٍ ومُعتقدات تسلَّموها من أَسلافهم، لأنَّ ذلك التغييرَ يتطلَّبُ شجاعةً ومُواجهةً وتحمُّلَ مسؤوليَّة، وربَّما مُخاطرة.
2- العدالة
العدالةُ في ثالوثها، أَي العدالةُ في التَّعامُل بين النَّاس، والعدالةُ في الحُكم، والعدالةُ بين الشعوب. [14] الراقون روحيًّا يلتزمون هذا المثَلَ الأَعلى، ويُجسِّدونَه في حياتهم مهما كلَّفَهم ذلك من مُقاوَمةٍ وصُدودٍ من الظالمين والنَّفعيِّين والجَشِعين؛ فالعدالةُ في الأَرض شأنُها شأنُ الحقيقة، لا يُمارسُها ويستمسكُ بها إلاَّ قلائل. ولا عجبَ، فالعدالةُ وجهٌ من وجوه الحقيقة الروحيَّة؛ ولذا طلبَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في “صلاة شُكرٍ حارَّة” مثلما طلبَ يسوعُ الناصريُّ، في صلاتِه لله، “أن يُثبِّتَ “الجميع في حُبِّ الحقيقة العادلة.” [15]
ولا يخفى أنَّ الحُرِّيـَّةَ في مُختلفِ أبعادها [16] هي نتيجةٌ لازمةٌ للعدالة، يجبُ على الإنسان الراقي أن يتمسَّكَ بها، ويصونَها، ويُكافحَ من أجلِ تحقيقها، رافضًا كلَّ قَيدٍ يحدُّها إلاَّ الحدود الاجتماعيَّة الخُلقيَّة التي تفرضُها الحقيقةُ الروحيَّةُ والعدالةُ نفسُها.
كما لا يخفى أنَّ الصدقَ في القول والعمل والتَّعامُل مع الآخرين هو جزءٌ لا يتجزَّأُ من الحقيقة ومن العدالة. بدونه ينهارُ كلُّ ادِّعاءٍ بهما، وبالتَّالي بالرقيِّ الروحيّ. [17] والحياةُ الصادقةُ لا تظهرُ على حقيقتِها، في الغالب، إلاَّ خارجَ أماكن العِبادة ومراكز العمل، في الوحدة والخفاء، بعيدًا عن كُلِّ رَقابة.
واقترانُ الصدق بالحقيقة يجعلُ الصدقَ نادرَ الوجود في الأَرض. ولذا فمُؤسِّسُ الداهشيَّة يرى أنَّ الصدقَ يزورُ الأَرضَ لِمامًا ثمَّ يُغادرُها:
لقد زرتَنا، يا صدقُ، وها أنتَ تُغادرُ عالَمَنا السخيفَ المُرَدَّم! [18]
يُبارحُ الصدقُ الأَرضَ مع الأَنبياء والرُّسُل والهُداة الروحيِّين ومع قلائلَ مِمَّن ارتقَت نفوسُهم، ليَحيا معهم في الفراديس العُليا—
حيثُ لا يَحيَا إلاَّ الصدقُ الرائع،
وحيثُ تَسودُ الحقيقةُ النَّاصعة… [19]
وتشتملُ فضيلةُ الصدق بمعناهُ الواسع على الصراحة والاستقامة والأَمانة والإخلاص والوفاء، وهي فضائلُ أثنى عليها مُؤسِّسُ الداهشيَّة في قِصَصِه كما في قِطَعِه الوجدانيَّة وحِكَمِه وخواطِرِه. فإكبارُهُ لشقيقِ روحه، الدكتور جورج خبصا، مبنيٌّ على أنَّهُ كان يُجسِّدُ تلك الفضائل، فضلاً عن غيرها. [20] والأَمانةُ والإخلاصُ في الحياة الزوجيَّة اعتبَرَهما رُكنَين مُقدَّسَين، حفلَ كثيرٌ من قِصَصه بالحديث عنهما والسخط على مَن ينقضُهما. والوفاءُ والإخلاصُ في الصداقة رآهُما نوعًا من القداسة. [21]
3- العِفَّة
لا شكَّ بأنَّ الحديثَ عن العفَّة ونحنُ على مَشارفِ القرن الحادي والعشرين يبعثُ على ابتسامةٍ صفراء لدى كثيرين؛ ففي خِضَمِّ الشهوةِ الجنسيَّة تَغوصُ البشريَّةُ بأسرِها من قمَّةِ رأسِها حتَّى أخامصِ أقدامها سافرةً أو مُحَجَّبَة.
هذا الواقعُ ليسَ في الناسِ مَن هو أدرى به من الدكتور داهش. فعشراتٌ هي القِصَصُ التي كتبَها ومئاتٌ هي القِطَعُ الوجدانيَّةُ التي حبَّرَها وفيها يصِفُ طُغيانَ هذه الشهوة على البشر، وتأثيرَها البالغَ في مداركهم وتصرُّفاتهم. وحسبُنا الاستشهاد بكلمةٍ دالَّةٍ واحدة من بين مئات الشواهد المُنبثَّة في مؤلَّفاته. يقول:
ما أعظمَ تأثيرَ الغريزةِ الجنسيَّة في الإنسان! وما أشدَّ تسلُّطَها على قِواه العقليَّة! وما أقدسَ ذلك الإنسانَ الذي يقدرُ على قَتلِ هذه القوَّة العاتية! [22]
والمرأةُ والرجلُ سواءٌ في ذلك. لكن على صعيد الإغراء، تبقى المرأةُ، ولا سيَّما الفاتنة، مصدرَ الإغواء الأَقوى منذُ عهد حوَّاء. والتاريخُ حافلٌ بالشواهد على ذلك. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة:
تستطيعُ المرأةُ الجميلةُ أن تقومَ بأخطر الأُمور وأعظمِها. وجمالُ المرأةِ كنزٌ عظيم، لكنَّهُ خَطَرٌ رهيبٌ لا يُفلِتُ منهُ إلاَّ مَن صَفَت نفسُه وسمَت روحُه، وترفَّعَ عن كُلِّ ما تحويه هذه الحياةُ من سخافاتٍ وتوافه.[23]
إذاً مُؤَسِّسُ الداهشيَّة عالِمٌ كلَّ العِلم أنَّ العفَّةَ التامَّةَ مُتعذِّرَةٌ بين البشر؛ ومع ذلك تبقى العفَّةُ عندَهُ مثَلاً أعلى، شأنُها شأنُ الحقيقة والعدالة؛ وعلى الراغبين في الكمال الإنسانيّ أن يطلبوها ويُمارسوها، مثلما يطلبون ويُمارسون المُثُلَ العُليا الأُخرى.
وقد يقولُ قائلٌ مُعترِضًا: لماذا علينا أن نُعاكسَ مجرى الطبيعة البشريَّة ما دامَ اللهُ قد جَبَلَنا هكذا؟
الجوابُ الداهشيُّ هو أنَّ اللهَ—تعالى— رحِمَ الإنسانَ بعدَ هبوطِه من الفراديس العُلويَّة، فخلَقَ لآدَمَ وحوَّاء جنَّةً أرضيَّةً يجِدانِ فيها أسبابَ الهناء، وحدَّدَ لهما زمنًا مُعَيَّنًا يُقيمان فيه بتلك الجنَّة هو ألفُ سنة، يعودان بعدَها إلى فراديس النعيم التي هبَطا منها. لكنَّ اللهَ أرادَ، مُقابلَ الرحمة التي أغدقَها عليهما بِجَعلهما يرتعانِ في الجنَّة الأَرضيَّة، أن يمتحنَ إرادتَهما في الامتناعِ عن عصيانِ أوامرِه ونواهيهِ مُجَدَّدًا، فسمحَ لهما بِأَكلِ ما يشاءان من ثمار الجنَّة إلاَّ ثمرةً واحدةً يكمُنُ فيها سيَّالُ الشهوة الجنسيَّة، فقد نهاهُما عنها. لكنَّ سيَّالَهما الأَدنى، وقد تجسَّدَ بالحيَّة، زيَّنَ لهما أن يَعصيا وصيَّةَ الله عزَّ وجلّ، فسقَطا مثلما هو معروفٌ في سِفْرِ التكوين من الكتابِ المقدَّس.
إذًا إنَّ الشهوةَ الجنسيَّةَ طارئةٌ على الإنسان، وليست في طبيعته النقيَّة الأَصليَّة؛ وهي نتيجةُ عصيانٍ خطير. ولولاها لَكانَ الإنسانُ أقربَ إلى الملائكة، ولكنَّه بها أصبحَ أقربَ إلى الحيوان. بدونِها كانَ بعيدًا عن الأَمراضِ والهمومِ والشقاء فالموت، وبها أصبحَ خاضعًا لقوانين العالَم الأَرضيّ المُنطوية على المتاعب والمصائب. والروحُ القُدسيَّةُ التي انبثقَت سيَّالاتُ الإنسانِ منها، قبلَ بَدء الزمان ووجود المكان، تُريدُهُ أن يعودَ إليها ويندمجَ بها، لأَنَّهُ يستحيلُ على الروح القُدسيَّة أن تنعمَ بالسعادة العُظمى وتحوزَ كمالَ القُدرة والمعرفة إلاَّ باندماجها بالقُوَّةِ الموجِدَة؛ وذلك من المُحال إلاَّ إذا استطاعَت الروحُ أن تجمعَ إليها جميعَ سيَّالاتها المُنبثقةِ منها والمُنبثَّة في الكونِ المادِّيّ بمُختلفِ عوالمِه ودرجاتِه الروحيَّة. ولذلك قال مُؤسِّسُ الداهشيَّة:
وما أنقى مَن يتغلَّبُ على ميولِ جسدِهِ الوضيعِ الفاني، ويتبعُ ما تُريدُهُ الروحُ النقيَّةُ الخالدة! إنَّهُ ملاك! [24]
من أجلِ ذلك يُعظِّمُ الدكتور داهش المهاتما غاندي ويُسمِّيه “قِدِّيس الهند”، ويُكبرُ كلَّ إنسانٍ استطاعَ أن يُحطِّمَ قيودَ الشهوة الجنسيَّة العتيَّة.
والاختلافُ بين النظرة الداهشيَّة للشهوة الجنسيَّة ونظرةِ القائلين بأنَّها مُمارَسةٌ طبيعيَّة للإنسان مردُّهُ إلى مُنطلَق النظرتَين والغاية منهما. يختصرُ الدكتور داهش هذا الخلافَ بقوله:
نعم، إنَّهم يطمحونَ إلى جسمٍ فانٍ مُقفِرٍ خالٍ،
وأنا أطمحُ إلى الروح الباقية على كُرور الأَعوام وتعاقُب الزمان…
يقولون إنَّ المرأةَ بدايتُنا كما إنَّها نهايتُنا،
وأنا أقولُ إنَّ اللهَ بدايتي، وسيكونُ أيضًا نهايتي.[25]
4- القناعة
إذا كانت الشهوةُ الجنسيَّةُ هي القُطبَ الجاذبَ الأَوَّلَ لجميع البشر، فالمالُ هو القُطبُ الجاذبُ الثاني، وكِلاهُما حَظِيَا بقِسطٍ وافرٍ من كتابات الدكتور داهش.
ومثلما أنَّ الشهوةَ الجنسيَّةَ داخلَتِ الطبيعةَ البشريَّةَ بعد طردِ الأَبوَين الأَوَّلَين من الجنَّة، فإنَّ السعيَ وراءَ تكنيز الأَموال أصبحَ مَيلاً نفسيًّا مُتغلغِلاً في الجِبِلَّةِ البشريَّة؛ ذلك لأَنَّ بالمال يستطيعُ الإنسانُ أن يُحقِّقَ القِيَمَ الدُّنيَويَّةَ كلَّها، من قوَّةٍ وسُلطةٍ وشهرةٍ وجاهٍ ورَفاهٍ وملاهٍ إلخ. والمجتمعُ البشريُّ، أيـًّا كانَ نظامُه السياسيّ، جعلَ للمالِ هذه القُدرة، وشجَّعَ هذا المَيلَ على التنامي؛ بل إنَّهُ في كثيرٍ من المُجتمعات يرتبطُ تحصيلُ المعرفة العالية أَو الاستشفاء بالقدرةِ الماليَّة، في حين أنَّ العلمَ والصحَّةَ أمران جوهريَّان تقتضيهما العدالةُ وكرامةُ الإنسان.
ولذلك فالكلامُ على القناعة يستهدفُ، أوّلاً، الأَغنياءَ الذين توافرَت أسبابُ الراحة المادِّيـَّة بين أيديهم، وابتسمَ لهم الدهر. فهؤلاء إذا أرادوا أن يكونوا بين الراقين روحيًّا، فعليهم بالقناعة، لأَنَّها “خيرُ ما أوجَدَتْهُ الآلهة، ولكن للعُقلاء.” [26]لكنَّ الكلامَ على القناعة يستهدفُ أيضًا جميعَ الناس الذين لا يُميِّزون بين الطموح المشروع والطمَع الذي قد ينقلبُ إلى حسَد.
فالعاقلُ الحكيمُ يعرفُ أنَّ الأَموالَ إذا توافرَت بكثرةٍ بين أيدي معظم الناس، فتحَت أمامهم ووسَّعَت طُرُقَ الرغبات والشهوات والمطامع، وكانت لهم من أسباب الشقاء في نهاية مطاف الإغراء والإغواء. وهذه الحقيقةُ هي التي انطلقَ منها بوذا العظيم، فاعتزلَ المُلْكَ وابتعدَ عن المال وإنجاب البنين من أجلِ سلوك الطريق الروحيَّة التي تُفضي إلى الكمالِ الإنسانيّ، فإلى التخلُّصِ من دورات التقمُّص في الأَرض.
يقولُ الدكتور داهش مُوضِّحًا الفرقَ بين نتائج القناعة والطمع:
وتتكاثرُ آثامُنا وتتزايدُ آلامُنا، ما دُمنا تُساورُنا المطامعُ والرغبات؛ وتنتعشُ آمالُنا وتتحقَّقُ أحلامُنا، ما رضينا بالقناعة والثَّبات. [27]
هذا ليسَ دعوةً للزهد بالمال وإيثارٌ للفقر. كلاَّ، بل هو إيضاحٌ يُظهِرُ أنَّ المالَ بين أيدي أُناسٍ ليسوا راقين روحيًّا قد يكونُ سبَبًا لتكثير الآثام فالآلام. وهذا ما نقرأُه أَو نسمعُ به في وسائل الإعلام يوميًّا. أمَّا ذَوو الرقيِّ الروحيّ فيقتنعون بالقليلِ مِمَّا بين أيديهم لإنفاقِه على معيشتهم وحاجاتهم الجسميَّة، بينما يُنفقون البقيَّةَ في ما يُغنيهم روحيَّا وما يُعزِّزُ القِيَمَ الروحيَّةَ في مجتمعهم وفي العالَم. فمن جوانبِ الرقيِّ الروحيِّ المُتمثِّل في عُمَر بن الخطَّاب وعُمَر بن عبد العزيز أنَّهما لم يستفيدا من ثروة الدولة التي كانت مُهيَّأَة بين أيديهما لرفاهيَّتهما الشخصيَّة، بل كانا مُتقشِّفَين في الملبَس والمسكَن والمأكل والمشرب، مُقتنعَين بما يعيشُ به البُسطاءُ العاديُّون من الرعيَّة. لقد كان للمال تأثيرٌ بالغٌ وشأنٌ جليل في حياة العرب، كما في حياة سائر الشعوب، كما كان لقوَّة التناسُل المُتمثِّل في كَثرة الأَولاد والأَحفاد شأنٌ في تعزيز هَيبة الأُسَر وإنماءِ ثرواتِها، لكنَّ المالَ والبنينَ ليسا من معايير الراقين روحيًّا الذين يأملون ثوابَهم في العالَمِ الآخَر لا في الأَرض. يقولُ القرآنُ الكريم:
{المالُ والبنونُ زينةُ الحياة الدنيا، والباقياتُ الصالحاتُ خَيرٌ عندَ ربِّكَ ثوابًا وخيرٌ أملاً.} (سورة الكهف: 46).
5- المحبَّــة
إنَّها من صُوَر الله؛ فلا عَجَب إن عرَّفَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة الله—عَزَّ وجَلَّ—بأنَّهُ محبَّة،[28] ولا غَروَ إن جعلَ يسوعُ الناصريُّ “طريقَ الحقِّ” هو “طريق الحبِّ الإلهيّ، طريق النور السماويّ”. [29] ولا شكَّ بأنَّ الحُبَّ المقصودَ هنا هو الحبُّ الطاهر، سواءٌ اتَّجَهَ إلى الله أم إلى أفراد العائلة أم إلى النَّاس طُرًّا. إنَّهُ الحبُّ الخالصُ الخالي من النفعيَّة والأَغراض الشخصيَّة. يقولُ الدكتور داهش في سُداسيَّةٍ عنوانُها “شعلةُ الحبّ”:
لمسَ الحُبُّ بأناملِهِ فؤادي فأيقظَهُ من سرٍّ دفين
جاسَ اللهيبُ المقدَّسُ أنحاءَ نفسي فطهَّرَها
وشعرتُ بالحُبِّ العميقِ يتدفَّقُ في جوانبِ روحي فيصهرُها
لقد تأكَّدَ لي أنَّ الحبَّ الطاهرَ أقدسُ ما يحتويه هذا الوجود
ولقد آمَنتُ بشُعلتِه المُتأجِّجة بي بعد ذلك الخمود
وأخيرًا دخلتُ هيكلَ الحبِّ خاشعًا وأصبحتُ من أتباعِهِ المُخلصين. [30]
إنَّ الحُبَّ الخالصَ نزعةٌ روحيَّةٌ ذاتُ درجةٍ عالية. فمَن تمتَّعَ بتمام هذه النزعة السامية، لا مجالَ لدَيه للقول: إنِّي أُحبُّ أُسرتي وأقربائي وأصدقائي، لكنِّي لا أُحبُّ مَن لا صَلَة حميمة تربطُني بهم، أَو إنِّي أُحبُّ مَن يُحبُّني وأُبغِضُ مَن يُبغضُني؛ ذلك لأَنَّ مَن يتمتَّعُ بالرُقيِّ الروحيِّ قد يكرهُ أَعمالَ إنسانٍ ما أَو أَفكارَه، لكنَّه يستمرُّ في إرادة الخَيرِ الروحيِّ له، وبدلَ أَن يتمنَّى للشرّير أن يزيدَ ضلالُه، يتمنَّى له الهداية. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة في صلاته التي يُردِّدُها الداهشيُّون في مُختلف أَنحاء العالَم:
أَبعِدْ عنَّا الأَشرارَ والهازئين بكلامِ الله؛ أَنِرْ بصائرَهم.
طهِّرْ أَرواحَ الخطَأَة، وأَرسِلْ لهم قبَسًا من أَنوارِكَ الإلهيَّة
فيخشعوا لعظمتِك.
أَقِلنا من العثَرات الرهيبة،
واشمُلِ الجميعَ بعَين عنايتِكَ الساهرة.[31]
فنزعةُ المحبَّة الحقَّة إذا اكتملَت وغَمَرَتِ النفسَ، كما الحال في بوذا والمسيح وغاندي، تغمرُ الكُلَّ بنورها: تغمرُ الأَقاربَ والأَباعد، الناسَ والطبيعةَ وما فيها، لأَنَّ أساسَها مبنيٌّ على الإدراك أو الشُّعور بأنَّ المخلوقات جميعها، بما فيها البشرُ والحيوانُ والنباتُ والجماد، ذاتُ جوهرٍ روحيٍّ، به يلتقي كلُّ إنسانٍ مع الكونِ كُلِّه، وبالنهاية مع الله، مصدرِ كلِّ جوهرٍ روحيّ. إنَّ الحُبَّ الخالصَ هو الجاذبيَّةُ الروحيَّةُ الشاملة التي تشدُّ الكائنات بعضًا إلى بعض في تصعيدها إلى الوحدة الروحيَّة العُظمى، إلى العودة للاندماج بمصدرها السرمديِّ، بالقوَّة الموجِدة.
وإذا أَردنا أَن نُعطيَ تعريفًا وجيزًا ووافيًا للمحبَّة ولأَهمِّـيَّتها، فلعلَّ أَفضلَ ما قيلَ فيها هو كلماتُ بولس الرسول:
لو تكلَّمتُ بلُغاتِ الناسِ والملائكة، ولم تكُن لديَّ المحبَّة، فما أَنا إلاَّ نُحاسٌ يطِنُّ أَو صَنجٌ يرِنُّ. ولو وُهِبَتْ لي النبوءَةُ وكنتُ عالِمًا بجميع الأسرار، عارفًا كلَّ شيء، ولي الإيمانُ الكاملُ أَنقلُ به الجبال، وقدَّمتُ جسدي لِيُحرَقَ، ولم تكُن لدَيَّ المحبَّة، فما يُجديني ذلك نفعًا.
المحبَّةُ حليمةٌ مُترفِّقة، المحبَّةُ لا تعرفُ الحسَد ولا العُجبَ ولا الكبرياء، ولا تفعلُ السوءَ ولا تسعى إلى منفعتِها، ولا تحنقُ ولا تُبالي ما ينالُها من السوء، ولا تفرحُ بالظلم، بل تفرحُ بالحقّ. وهي تعذِرُ كلَّ شيء، وتُصدِّقُ كلَّ شيء، وترجو كلَّ شيء، وتصبرُ على كلِّ شيء.[32]
إنَّ المحبَّةَ الحقَّة هي القوَّةُ الضابطة للنظامِ النفسيِّ الصحيح الباعثِ السلامَ والاتِّزانَ في النفس، وهي المُحرِّكة للقوى النفسيَّة جمعاء باتِّجاه الارتقاء الروحيّ. وهي مُغايِرة تمامًا للحُبِّ الجنسيّ المُسَيَّر بالانفعالات البيولوجيَّة؛ وللحُبِّ الرومنسيِّ الذي تُطَوِّحُ به الأَوهامُ والتخيُّلاتُ والعواطفُ المُتقلِّبة؛ وللحُبِّ الطُفَيليِّ الذي يُسلِمُ صاحبُه زمامَه لغيره، فإن فقدَه، فقدَ اتِّزانَه، كالطفلِ فقدَ أُمَّه؛ وللحُبِّ النرجَسيِّ الذي يجعلُ المُحِبَّ يرى في محبوبه صورةَ نفسه، فيُحاولُ صياغتَه فكريًّا وعاطفيًّا في قالبه الشخصيّ، فإن استعصى المحبوبُ عليه، انقلبَ ضدَّه، شأن الآباء والأُمَّهات النرجسيِّين مع أَولادهم أَوأَصدقائهم؛ والمحبَّةُ الحقَّة هي، أَخيرًا، مُغايِرة للحُبِّ الذي يجعلُ من أَغراضه غاياتٍ لا وسائل، كحُبِّ المال أَو السلطة أَو الجاه، أَو حُبِّ الهوايات المُختلفة، حيثُ يسفحُ المُحِبُّ قواه النفسيَّة من أَجل أَغراضه، فتستعبدُه وتتنقَّصُه، بدلَ أَن تخدمَه وتُنمِّيَه.[33]
إنَّ أهمِّـيَّةَ المحبَّة، على الصعيدِ العَمَليّ، تعودُ إلى أنَّها تنطوي على عدَّةِ عناصر إنسانيَّة، لعلَّ أهمَّها أربعُ نزعاتٍ راقية: الغَيريَّة (altruism)، والتسامُح، والتواضُع، والتضحية بالنفس.
فالنزعةُ الغَيريَّة تدفعُ صاحبَها إلى الاهتمامِ الجدِّيّ، المُترفِّع عن المنفعة الشخصيَّة مادِّيـَّةً كانت أم معنويَّة، من أجلِ تأمين خَير الآخرين ومصلحتهم والدفاعِ عن حقوقهم المهضومة.
تتمثَّلُ هذه النزعةُ في أُناسٍ دافَعوا مجَّانًا عن قضيَّةٍ حقَّةٍ عادلةٍ ليست قضيَّتَهم الشخصيَّة، كدِفاع إميل زولا (1840-1902) الجريء عن الضابط اليهوديّ البريء دريفوس، وكفاح المهاتْما غانْدي (1869-1948) الطويل من أجلِ رَفْع الحَيفِ عن المنبوذين خاصَّةً، وعن الهنود عامَّة، ودِفاع الصِّحافيّ المهجريّ جبران مسُّوح في مجلَّة “المُختَصَر”، على مدى عامَين (1946-1947)، دِفاعًا مَجيدًا عن الدكتور داهش أيَّامَ اعتدى الطُّغاةُ عليه في عهد الرئيس اللبنانيّ الأَسبَق بشاره الخوري (1943-1952). [34] كما تتمثَّلُ في العملِ الصادق المجَّانيّ الذي يقومُ به قلائلُ في العالَم من أجلِ خير الفئات المحرومة أو المظلومة.
إنَّ أصحابَ هذه النزعة السامية لا يهتمُّون بفائدةٍ مادِّيَّةٍ تعودُ عليهم من خلالِ أعمالهم، ولا ينكصون عن سَعيِهم وكِفاحِهم إذا طالَعَتهم مصاعبُ أو متاعب. ومُؤسِّسُ الداهشيَّة يعتبرُها من مزايا الرقيِّ الإنسانيّ إذ يقول:
من العار أَن تموتَ قبل أَن تقومَ بأَعمال الخَير نحو الإنسانيَّة.[35]
وعاطفةُ الشَّفقة أو الرأفة التي تدفعُ أفرادًا من الناس دَفعًا صادقًا لمُؤاساة آلام الآخرين أو إبعاد الأَذى عنهم، أو لحماية حقوق الضعفاء والمساكين— هي وليدةُ هذه النزعة الغَيريَّة.
ولذا فالأَنانيُّ أو النرجسيُّ يستحيلُ أن يتمتَّعَ بهذه النزعة الإنسانيَّة المجَّانيَّة، وبالتالي يتعذَّرُ عليه أن يُحبَّ الآخرين محبَّةً صادقة.
كذلك من مظاهر النزعة الغيريَّة عاطفةُ الإحسان الذي تُمليه المحبَّةُ لا دوافعُ الظهور أو الشهرة أَو الجاه، والذي يَجودُ فيه الإنسانُ بما يحتاجُ إليه لا بما يَفضُلُ عنه.
في “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يقولُ يسوع الفتِيُّ لأَبيه يوسف عندما قدَّمَ إليه وارداتِ يومه ليضعَها في صندوق الإحسان الذي كان يسوعُ يجمعُه ليُساعدَ به عائلاتٍ مُعوِزَة:
ثِقْ، يا أبي، بأنَّ اسمَكَ
قد سُجِّلَ في السماء منذُ اللحظة هذه،
لأَنَّكَ قد جُدْتَ بما أنتَ في أشدِّ الحاجةِ إليه. [36]
وأَفضلُ الإحسان ما كان مقرونًا بتضحيةِ رغبةٍ أَو مُتعةٍ حسِّيَّة. ففي الكتاب الآنِف الذكر أَنَّ يسوع تُقدِّمُ إليه أُمُّه، في ذكرى ميلاده الثالثة عشرة، دجاجةً مُسمَّنة، فيقولُ لها:
قَسَمًا بالحقيقة، لن أَدَعَ فَمي يتذوّقُها، يا أُمَّاه،
بل يجبُ أَن تُقدِّميها للشيخ المريض عوبديا المسكين.[37]
إنَّ المُحسِنَ الراقي لا يُؤدِّي إحسانَه بسببِ أنَّ الدينَ جعلَ الإحسانَ فريضةً دينيَّةً تَصونُ سمعةَ المُؤمن بين المُتدَيِّنين، بل يفيضُ الإحسانُ منه تعبيرًا عن محبَّته للبُؤساء، وإلاَّ فقدَ المعنى النبيلَ في إحسانِه؛ والمُحسِنُ الراقي لا يجعلُ من عَمَلِه بوقًا لتَكريمه بين الناس، وإلاَّ أفقرَ نفسَه بدلَ أن يُغنيَها.
أمَّا نزعةُ التسامُح فتَفيضُ عفويًّا من المحبَّة، لأَنَّ من شروط المحبَّة ألاَّ يُكرِهَ صاحبُها الناسَ على أن يصوغوا أفكارَهم وعواطفهَم بقالبِه الشخصيّ. وما دامَ الناسُ على مُستَوَياتٍ روحيَّةٍ مُختلِفة، وذَوي نزعاتٍ ومداركَ مُختلفة، فإنَّ آراءَهم وعقائدَهم ستبقى مُختلِفة. ولذلك تقضي العدالةُ والحُرِّيـَّةُ المُقترنة بها أن تُحترَمَ أفكارُ الناس ومُعتقداتُهم.
إنَّ الغُلاةَ الدينيِّين يستحيلُ أن يكونوا من الراقين روحيًّا، لأَنَّهم بادِّعائهم تمثيلَ الحقيقة المُطلَقةَ يفقدون الحقيقة، وبإلغائهم التسامُحَ يُلغون المحبَّةَ من نفوسهم مع مصدرِها الذي هو الله عزَّ وجَلَّ، وذلك إشباعًا لنزواتٍ مَرَضيَّةٍ تحكَّمَت بعقليَّتِهم المُستَعبَدَة للأوهام. واقتناعُهم الأَعمى بأنَّ في حوزتِهم المعرفة الروحيَّة الكُلِّـيَّة يشلُّ عقولَهم، ويجعلُ ذهنيَّتهم غيرَ النَّاضجة مُتَّجِهَةً إلى التحدِّيّ المَبنيِّ على التوهُّم، شأن الأَطفال أو المُتخلِّفين عقليًّا.
وليس عَبَثًا قال توماس جفرْسون:
منذُ ظهور المسيحيَّة ملايينُ من الأَبرياء رجالاً ونساءً وأطفالاً قد أُحرِقوا أو عُذِّبوا، أو غُرِّموا أو سُجِنوا، ومع ذلك فإنَّنا لم نتقدَّم قيراطًا واحدًا نحو الائتلاف. وماذا كانت عاقبةُ الإكراه؟ جَعْلَ نصفِ البشر حمقى، ونصفِهم الآخر مُنافقين. [38]
والتسامحُ ينطوي على الصَّفح أو الغُفران، هذه الفضيلة التي أدرَجها السيِّدُ المسيحُ في صُلْبِ صلاته الربَّانيَّة التي أرادَ أن يُصلِّيَها أتباعُهُ: “اغفرْ لنا ذُنوبَنا مثلما نحنُ نغفر لِمَن أساءَ إلينا” (متَّى 6: 12). وقد جعلَ مُؤسِّسُ الداهشيَّة التسامَحَ ميزةً في يسوع منذُ صباه. ففي “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” يدعو يسوع عائلتَه للتسامُح مع أهل قريته الذين كانوا—
يهزأُون به، ويُعيِّرونَه بلفظة “مخبول”،
وينتهرونَ والدَيه، ويضطهدون أشقَّاءَه.
وإذْ يُهينُه إخوتُه على موقفِه وتصرُّفاته، يقولُ لهم
طوباكُم إذا اضطهدوكم من أجل كلمة الله العادلة،
وطوبى لأَرواحكم إذا عذَّبوا أجسادَكم الترابيَّة،
لأَنَّني أصدقُكم، يا إخوتي،
أنَّ أجرَكم يكونُ عظيمًا جدًّا في السماء.
فطوباكُم إذا صبرتُم،
لأَنَّ مَن يصبر إلى النِّهاية فذاكَ يخلُص. [39]
ومَن عرفَ مُؤسِّسَ الداهشيَّة عن كثَب، أدركَ عظيمَ تسامُحه مع المُخطئين في تصرُّفاتهم من أتباعه، بل مع الذين خاصَموهُ وعادَوهُ، إلاَّ زُمرةً من مُدمني الظلم والإجرام كان عليه أن يُؤدِّبَهم بتشهيرِهم إعلاميًّا، لأَنَّ المشيئةَ الإلهيَّةَ أملَت عليه ذلك.
حسبي الإشارة، هنا، إلى مثَلٍ من تسامُحه في ما دوَّنَه من انطباعاته بأثناء رحلتِه إلى لُندُن، عام 1982؛ فقد ذكَر أنَّه خلا بأَحَدِ أَتباعه مِمَّن كانوا يُكرِّرون سقَطاتِهم ونَقْضَ وعودهم بألاَّ يعودوا إلى ارتكابِ الأَخطاء والذنوب، وحدَّثَهُ بموضوعاتٍ شتَّى؛ ثمَّ قال:
وعاتَبتُه على بعضِ الهَفَوات التي لا بُدَّ من أن تصدُرَ سواءٌ منهُ أو من شقيقه أو من سواهما؛ فالحياةُ الدنيا لا بُدَّ من أن يحدثَ فيها إزعاجاتٌ لا مناصَ منها ولا غِنى عنها. فالرغباتُ البشريَّةُ والنزعاتُ والمُيولُ تُسبِّبُ من المشاكل والانفعالات ما لا يقعُ تحتَ حَصْر. غفرَ الله للجميع الذنوب، ومَحا لهم الحُوب؛ فهو أرحمُ الراحمين.”[40]
ومن عناصر المحبَّة التواضُع؛ هذه الفضيلةُ السامية التي جسَّدَها مُؤسِّسُ الداهشيَّة والمهاتْما غاندي خيرَ تجسيد، بعدَ أن جسَّدَها المسيحُ وبوذا وسائرُ الأَنبياء والهُداة الروحيِّين.
إنَّ المحبَّة هي المنظارُ الذي يرى المُحِبُّ نفسَه من خلاله وقد امتدَّت في الأَرض لتُصافحَ وتُعانقَ كلَّ إنسان. ولذا يستحيلُ على المُستَكبِر المُستَعلي أن يُحبَّ النَّاس، كما يستحيلُ على الناسِ أن يُحبُّوه. بل إنَّ النَّاسَ بقَدر ما تجذبُهم وتُقرِّبُهم الوداعةُ واللطافةُ والدماثةُ في المُتواضعين، بقَدرِ ما تُنفِّرُهم وتبعدُهم الشراسةُ والقساوةُ والفظاظةُ في المُستَكبرين.
يقولُ الدكتور داهش في سُداسيَّةٍ بعُنوان “مَنِ اتَّضَع ارتَفَع”:
إيَّاكَ والتهكُّمَ على أحَدٍ إذا شاهَدتَهُ يرتدي أسمالا
فالفَقْرُ لا يُعاب، وما يُدريكَ أنَّ اللهَ سيُغيِّرُ له الأَحوالا
ولا تَغتَرَّ بِمَن يرتدي الدِّمَقْسَ وتَراهُ يزدهي كبرًا وجَمَالا
فسخافتُهُ ورقاعتُهُ وبلاهتُهُ ستُريه من الأَهوالِ جِبالا
والنَّملُ الصغيرُ تراهُ بادي النشاط، يَعملُ بمُستَعمرتِه أرتالاً أرتالا
ومَنِ اعتصمَ بِحَبْلِ الله وتواضعَ فاسْمُهُ
تُردِّدُهُ الأَلسنةُ أجيالا. [41]
أَمَّا العنصرُ الأَهمُّ بين عناصر المحبَّة فهو التضحية بالمال والوقت والراحة والصحَّة من أجل المحبوب، وذُروةُ التضحية بَذْلُ النفس؛ بعبارةٍ أُخرى الجهادُ والاستشهاد. من كلمات مُؤسِّس الداهشيَّة:
إنَّ الجهادَ والاستشهادَ هما شِعارُ الداهشيَّة الأَوحَد.
في سبيل الداهشيَّة تَهونُ الحياة، ويُستَطابُ الممات. فالداهشيُّ يبذلُ كلَّ ما يملكُهُ من مال، ووقت، ومجهودٍ مُتواصِل الحلَقات، ثمَّ يجودُ بروحِهِ لأَجلِ نصرِ عقيدتِه الداهشيَّة. [42]
لا يكونُ للبَذْلِ معنًى وفائدة إيجابيَّة للنفس إلاَّ إذا كان غرضُ التضحية شيئًا عزيزًا، وإلاَّ إذا كانت التضحيةُ بالشيء العزيز هي من أجلِ قيمةٍ روحيَّة. والعكسُ غيرُ صحيح.
وأقدمُ تضحيةٍ دوَّنَها التاريخُ الدينيُّ هي عَزمُ إبراهيم الخليل على التضحية بابنِهِ الحبيب من أجل البرهنة على حُبِّه وطاعتِه لله. ولذا فعلى المُضَحِّي أن يُراعيَ أَولويَّات القِيَم ليكونَ لبَذْلِه تأثيرٌ مٌفيدٌ في ارتقائه الروحيّ. فمن أجل الله وما يُمثِّلُهُ من قِيَمٍ روحيَّةٍ عُليا مُتمثِّلَة بتعاليم الأَنبياء الصريحة يُضحِّي الراقون روحيًّا بكلِّ شيءٍ حتَّى بالنَّفس. لكنَّ هذا لا يعني قتالَ الناس أو إكراهَهم على اتِّباع كلام الله أو رُسُلِه، فالحُرِّيَّةُ منحةٌ إلهيَّةٌ مُقدَّسةٌ للنَّاسِ جميعًا؛ وعلى أساسها سيُثابون أَويُعاقَبون. ولا هو يعني التضحيةَ بالنفس من أجلِ مُؤَسَّساتٍ بشريَّة، وإنْ تكُنْ ذاتَ صِفَةٍ دينيَّة؛ لأَنَّ الله—سبحانَه—لم يُنشئ مُؤسَّساتٍ في الأَرض ولا رُسُلُه أنشأُوا. فالمُؤسَّساتُ عملٌ بشريٌّ قد يُصيبُ وقد يُخطئ في ما يرمي إليه. وتحميلُ معنى الجِهاد مدلولاً روحيًّا غير ذلك هو تضليلٌ للنَّاس. فلا معنى للجِهاد والاستشهاد من أجلِ أيِّ شيءٍ يُناقضُ الحقيقةَ والعدالةَ والعفَّةَ والقناعةَ والمحبَّةَ التي هي القِيَمُ الروحيَّة السامية التي تُؤَدِّي مُمارستُها إلى الارتقاء الروحيّ. ولا معنى للجهاد والاستشهاد إذا اتَّبعا سبيلاً مكيافيلِّـيًّا مُلتويًا، لأنَّ الوسيلةَ لا يُمكنُ فصلُها عن الغاية. والتاريخُ حافلٌ باضطهادات وحروبٍ ادَّعى موقِدوها أَنَّها كانت من أجل الله أو المسيح أو أحد الرُّسُل، ومع ذلك استنكرَها العُقلاءُ في كلِّ شعب ولعَنوا مُسبِّبيها.
ولا ريبَ بأنَّ خطَّ العطاء الروحيّ جهادًا واستشهادًا بلغَ ذُروتَه في حياة السيِّد المسيح وبَذْلِه نفسَه فِداءً عن البشر. يقولُ الدكتور داهش في قطعةٍ ابتهاليَّةٍ بعُنوان “إلى فادي الأَنام”:
أيُّها السيِّدُ المسيح!
يا سيِّدَ المجدِ الخالدِ والحُبِّ اللامُتناهي.
يا رسولَ الله وكلمتَه السامية.
يا معدنَ الصفاء ويُنبوعَ النقاء.
يا مَن بذَلتَ دمَكَ الطاهر فِداءً لخلاصِنا.
يا مَن تألَّمتَ لأَجلِنا كثيرًا، وأحبَبتَنا الحُبَّ كلَّه (…)
يا مَن علَّمتَنا الفضيلة، وغرسْتَ في نفوسِنا بذورَ الوفاء.
يا مَن ضحَّيتَ بكلِّ شيءٍ كي تستحقَّ السعادةَ الأَبديَّة.
يا مَن كانت سيرتُكَ نبراسًا لنا يَقينا العثرات… [43]
(في العدد القادم سنرى أَهمِّـيَّةَ العقل والإرادة
في ميزان الرُقيِّ الروحيِّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ.)
[1] انظر ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”، ترجمة فرنسوا أيُّوب وإيلي نَجم وميشال أبي فاضل (مكتبة أنطوان، بيروت، ودار لاروس-باريس، 1991)، “علمُ الأَخلاق” و”علم الأَخلاق المُنفتح”، ص 328 و 329.
[2] الدكتور داهش، “كلمات” (دار النار والنور، بيروت، 1983)، ص 111.
[3] الدكتور داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة” (دار النَّار والنُّور، بيروت، 1983)، ص 82.
[4] راجع بحثًا عن “أبعاد الحريَّة لدى مُؤسِّس الداهشيَّة”، في “صوت داهش”، عدد آذار (مارس) 1997، ص 13-14: “الحريَّة النفسيَّة”.
[5] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 179.
[6] ديديه جوليا، “قاموس الفلسفة”، ص 208.
[7] المرجع السابق، ص 186.
[8] المرجع السابق نفسه.
[9] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ” (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 35.
[10] انظرْ ج. أ. هادفيلد، “علم النفس والأخلاق”، ترجمَه محمَّد عبد الحميد أَبو العزم وراجعَه الدكتور عبد العزيز القوصي(مكتبة مصر، 1953)، ص 97-130.
[11] انظُر إيضاحًا مُفصَّلاً لأَهميَّة كَون الله هو المُطلَقَ الوحيدَ ولتأثير ذلك في الاتِّزان النفسيّ .
Wilfried Daim, Transvaluation de la Psychanalyse: L’homme et l’Absolu, trad. de l’allemand (Albin Michel, Paris, 1956), pp. 129-173.
[12] انظُر الدكتور داهش: “الإلاهاتُ الستّ” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979)، ص 46.
[13] الدكتور داهش، “بروق ورعود” (بيروت، 1964)، ص 29.
[14] انظر ثلاثة أبحاث عن العدالة في الأَعداد السَّابقة من “صوت داهش”، كانون الأَوَّل (ديسمبر) 1997، وآذار (مارس) وحزيران (يونيو) 1998.
[15] الدكتور داهش، “ابتهالات خشوعيَّة”، ص 116؛ “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 77.
[16] انظُر بحثًا عن أبعاد الحريَّة في “صوت داهش”، آذار (مارْس) 1997.
[17] انظُر “صوت داهش”، كانون الأَوَّل (ديسمبر)، 1997، ص 43-44.
[18] الدكتور داهش، “بروق ورعود”، ص 28.
[19] الدكتور داهش، “قيثارة الحبّ” (دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1980)، ص 50.
[20] تحسُنُ مُراجَعَةُ كتاب الدكتور داهش، “نهر الدموع”، دار النسر المُحلِّق، بيروت، 1979، لتَكوينِ فكرة واضحة عن فضائل الدكتور خبصا.
[21] انظُر الدكتور داهش، “المُهنَّدُ الباتر”، (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1991)، ص 161، و “قِصَص غريبة وأساطير عجيبة”، الجزء الرابع (دار النَّار والنُّور، بيروت، 1983)، “اللغزُ المُحيِّر”، ص 97.
[22] الدكتور داهش، “كلمات”، ص 146
[23] المصدر السابق، ص 54.
[24] المصدرُ السابق، ص 132.
[25] المصدر السابق، ص 45 و 46.
[26] المصدرُ السابق، ص 175.
[27] الممصدرُ السابق، ص 115.
[28] الدكتور داهش، “بروق ورُعود”، ص 31.
[29] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 22.
[30] الدكتور داهش، “بروق ورُعود”، ص 103.
[31] الدكتور داهش، “ابتهالات خشوعيَّة”، ص 87.
[32] الكتاب المُقدَّس: “رسالة بولس الرسول الأُولى إلى أَهل كورنثس”، الإصحاح 13.
[33] انظرْ مُراجعة لكتاب الدكتور سكوت بِك (Scott Peck) “الطريقُ التي قلَّما سُلِكَت”، في “صوت داهش”، أَيلول (سبتمبر)، 1995: قسم “المحبَّة”، 86-87.
[34] انظر سلسلة مقالاته في كتاب “غضبة الصحافة المهجريَّة وأُدباء البلاد العربيَّة دِفاعًا عن داهش والداهشيَّة”، الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1998.
[35] الدكتور داهش، “كلمات، ص 170.
[36] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 72.
[37] المصدرُ السابق، ص 74.
[38] James A. Haught, Holy Horrors (Prometheus Books, Buffalo, New York, 1990), pp. 81-124.
[39] الدكتور داهش، “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”، ص 79-82.
[40] الدكتور داهش، “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرة الأَرضيَّة”، الجزء 19، (الدار الداهشيَّة، نيويورك، 1994)، ص 70.
[41] الدكتور داهش، “المُهنَّد الباتر”، ص 128.
[42] الدكتور داهش، كلمات، ص 91-92.
[43] الدكتور داهش، “ابتهالات خُشوعيَّة”، ص 89-90.
الرُّقِيُّ الحضاريُّ في ضَوءِ التعاليمِ الداهشيَّة
بقلَم الدكتور غازي براكْس
المُجتمعُ الراقي، وبتعبيرٍ آخَر المُجتمعُ الفاضل، ما زال هدفًا لمساعي المُفكِّرين الكِبار والمُصلِحين والهُداةِ الروحيِّين منذ أكثرَ من ثلاثةِ آلاف سنة. لقد كان همَّ فيثاغورس وسقراط وأفلاطون عند الإغريق، وهَمَّ لاوتسو وكنفوشيوس في الصين، وما زال همَّ كثيرين من عُلماء الاجتماع والفلاسفة. ومع أنَّ البشرَ قطعوا أشواطًا بعيدةً في العمران والتكنولوجيا، فإنَّ معظمَ الشعوب ما زالت مُتخلِّفة عن الرُّقيِّ الحضاريِّ الحقيقيّ وفقًا للمفهوم الداهشيّ، ذلك بأنَّ مظاهرَ المدنيَّة المادِّيـَّةِ المتطوِّرة، والأنظمةِ التحرُّريَّة، والمُجاملاتِ الاجتماعيَّة، والقوَّةِ الاقتصاديَّة والعسكريَّة لا تكفي وحدها لإقامةِ حضارةٍ راقيةٍ حقًّا مثلما سأُبيِّن.
وفي التعاليمِ الداهشيَّة أنَّ المُجتمعاتِ البشريَّة، شأنُها شأنُ الأفراد، محكومةٌ بقانونِ العدالةِ الإلهيَّةِ والاستحقاقِ الروحيّ. فالمجتمَعُ، بما هو مُتَّحَدٌ من الأشخاص المُتساندين المُتفاعلين الذين يخضعون معًا لنظامٍ واحد مُتعدِّدِ الأوجُه، إنَّما تطبعُ مُؤسَّساتِه جميعًا سيَّالاتُ أبنائه (أي طاقاتُهم النفسيَّة) بما تنطوي عليه من مداركَ ونزعاتٍ ورغباتٍ وإراداتٍ مُختلفةِ الاتِّجاهاتِ والأنواع والمُستَويات. فسيّالاتُ المُواطنين برُقيِّها أو انحطاطِها، بروحانيَّتِها أو مادِّيـَّتِها، هي التي تُبدِعُ دَورَ المجتمعِ ومكانتَه ومصيرَه بين سائر المُجتمعات. فكلُّ ما يحدثُ للمجتمع مسؤولٌ عنه أعضاؤُه؛ فهمُ الصرحُ كلُّه أساسًا وهيكلاً وهندسة. متانةُ البناءِ من قوَّتِهم الخُلُقيَّة والإدراكيَّة وانسجامِهم وتلاحُمِهم، وضعفُه من وهَنِهم الخُلُقيّ والإدراكيّ وتنافُرِهم وتزَعزُعِهم.
وللمجتمعِ حياةٌ ذاتُ مظاهرَ وأبعادٍ مُتعدِّدة مُتشابكة مُتفاعلة، أبرزُ المُتَّفَقِ عليها: البُعدُ الدينيّ، والبُعدُ السياسيّ، والبُعدُ الخُلقيُّ الاجتماعيّ، والبُعدُ الاقتصاديّ، والبُعدُ العسكريّ، والبُعدُ الثقافيُّ الذي هو نَمَطٌ مُتكاملٌ من المعارف والعلوم والتِقنيَّاتِ والآدابِ والفنونِ مشفوعةً بالمُعتقداتِ والأخلاقِ والعاداتِ والتقاليدِ وأساليبِ السلوك والتعامُل ومُستوى المنطق والذَّوق والحُكمِ على الأُمور؛ وبصيغةٍ أُخرى، البُعدُ الثقافيُّ هو المُحصَّلةُ المعرفيَّة والمِعياريَّة للأبعادِ جميعًا. ولِذا، إذا كانت الحضارةُ من المدنيَّة تُمثِّلُ نوعَ التقدُّم ومُستواه بمُختلف أبعادِ الحياة في المجتمَع، فالثقافةُ هي العُصارةُ الروحيَّةُ في كلِّ حضارة.[1] في ضوءِ هذا المفهوم سأتناولُ معنى الرُقيِّ الحضاريّ في هذا البحث. أبعادُ المُجتمع هذه سأتناولُها تِباعًا مُظهِرًا معنى الرُّقيِّ الحضاريِّ في كلٍّ منها في ضَوءِ التعاليمِ الداهشيّة.
1- الحياةُ الدينيَّة
إنَّ العقائدَ الدينيَّة رافقَت البشريَّةَ منذ طفولتِها، فهي ظاهرةٌ عامَّة في مُختلفِ العصورِ والشعوب؛ وشموليَّتُها وثباتُها على كرور آلاف السنين لا يسمحان باعتبارِها مُجرَّدَ إفرازٍ أو نتيجةً للبُنى الاجتماعيَّةِ أو الاقتصاديَّة تبعًا لظنِّ الواهمين. فهي من القوى التي لها أُصولٌ راسخة ليس في الثقافاتِ البشريَّةِ المُتَوارَثة فحَسب، بل في سيَّالات الإنسانِ الروحيَّة، أي في طاقاته النفسيَّة التي صاغت جيناتِه (مُورِّثاِته) وقَولَبتها.
إنَّ الإيمانَ الدينيَّ نابعٌ من رغبةِ الإنسانِ الفطريَّة في الالتجاءِ إلى قوَّةٍ توجيهيَّة غَيبيَّة، وهذه الرغبة مُتولِّدة من حاجتِه الأساسيَّة إلى الإطارِ التوجيهيِّ العامّ؛ ولذلك فالأديانُ جميعًا ذاتُ “صورة” واحدة، شأنُها شأنُ اللُغات، وهذه الصورة فطريَّة مُندمِجة في تكوين الخلايا الإنسانِيَّةِ نفسِها. هذه الحقيقةُ أكَّدَها، على الصعيدِ البيولوجيّ، العالِمُ الفرنسيُّ جاك مونود، حائزُ جائزة نوبِل في البيولوجيا؛[2] كما أكَّدها، على الصعيد السيكولوجيّ، العالِمُ النفسيُّ السويسريّ كارْل يونغ بقوله: “إنَّ فكرةَ الناموس الخُلُقيّ وفكرةَ الله تُكَوِّنان جُزءًا من الجوهرِ الأوَّل الصامد للنفسِ البشريَّة.”[3] والبرهانُ التاريخيُّ على فطريَّة هذه “الصورة” الدينيَّة هو دَيمومةُ الأديان الكُبرى على امتدادِ الأزمنة وطولِها واندثارِ الدُّوَل وتغيُّرِ الأنظمة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
أَمَّا الغايةُ الإلهيَّةُ من كَونِ الصورة الدينيَّة فطريَّةً في الإنسان فقد كشفَ عنها مُؤسِّسُ الداهشيَّة، وهي بَعثُ الراحةِ والسلامِ في قلب الإنسان، وهدايتُه طريقَ الخلاص الحقيقيّ، ومَنحُ حياتِه معنًى. ولِذا قال:
“إنَّ العودةَ إلى الدين هي طريقُ الخلاص للجميع، ففيه يجدُ الإنسانُ راحتَه وأمنَه… فعليكم بالعَودةِ إليه والسَّيرِ في طريقِه المُستقيمة، لكي يكونَ معنًى لحياتِكم واستقرارٌ لوجودِكم…” [4]
وكَونُ الإنسانِ مفطورًا على الدين مَرَدُّه إلى أنَّ النفسَ مطبوعةٌ عليه؛ والنفسُ هابطةٌ من عوالِمِ الأرواح، موطنِ الحقائقِ الأزليَّة، ومبعثِ كلِّ طُمأنينةٍ نفسيَّة. ولِذا، لا غَروَ إن أعاد الدكتور داهش سببَ شقاء الإنسان المُعاصر إلى “أنَّ الحضارةَ المادِّيـَّةَ الكاذبة مَنَحَته مُتعةَ الجسَد، ودَعَته أن يشبعَ من مطالبِ اللحمِ والدَّم، لكنَّها عجزَت عن إشباعِ روحِه الظامئة لمعرفة الحقيقة الروحيَّة التي تطمئنُّ لها الروح.”[5] فالنفسُ، مهما تجاهلَ البشرُ مطالبَها الجوهريَّة، تبقى في حنينٍ خَفيٍّ إلى ينابيعِها الأصليَّة، وبحاجةٍ مِلحاح إلى اكتناهِ الحقائق الروحيَّة، وليس إلاَّ الأديانُ والهداياتُ الروحيَّة يُمكنُ أن تُقدِّمَها إلى الإنسان.
في هذا الضوءِ يستحيلُ أن يحيا الإنسانُ بلا دين، لأنَّه إذا تخلَّى عنه يكون قد أغفلَ وتجاهلَ أنشطَ دافِعٍ فطريّ في سيَّالاتِه، كما يكونُ قد خسرَ الجِسرَ الوحيدَ الذي يصلُه بالمُطلَق. فإلى أيِّ كمالٍ يصبو في مسيرتِه الإنسانيَّة؟ وإلى أيِّ ملجإٍ يهرع عندما يكادُ يسحقُه جبروتُ الكوارثِ الطبيعيَّة والنوائبِ البشريَّة؟ وما الذي يمنحُ حياتَه معنًى مُمَيَّزًا إن هو عاشَ شريفًا بين قومٍ أخسَّاء؟ وأيُّ رجاءٍ يكونُ له بعد حياته؟[6] وإن هو تخلَّى عن الدين، فسيضطرُّه تكوينُه النفسيُّ إلى أن يُحوِّلَ طاقةَ الدافعِ الدينيّ الفطريِّ فيه إلى دافعِ التوجيه البشريّ، فتتعاظمُ أمامه صورةُ الحُكَّام والزُعماء السياسيِّين والعسكريِّين، أو ربَّما العلماء والفلاسفة، ويخلعُ عليهم مجدَ الآلهة، ويُفرِطُ في تكريمِهم وتبجيلِهم وتقديسِهم، وفي ذلك مَسخٌ للحقيقة، وإهانةٌ للعَقل، وعَيشٌ في عالَمِ الأوهام، لأنَّ الإنسانَ مهما تعاظم، فوجودُه سرعانَ ما يزول، ومجدُه وُشكانَ ما يدول، وحينئذٍ سيُصابُ عابِدو أصنامِ الرجال والأوهام بالخيبةِ المريرة! وهوذا انهيارُ النظامِ الإلحاديِّ في الاتِّحادِ السوفياتيّ برهانٌ ساطعٌ صافِع، على الأقلِّ في ما يعودُ إلى قَمعِه الحُرِّيـَّات الدينيَّة. فشتَّانِ ما بين عبادةِ الإله الحَقِّ الكامل العادلِ السرمديِّ الذي أوجدَ كلَّ كائن، وإليه يحتاجُ كلُّ كائن، وعبادةِ آلهةٍ بشريَّةٍ مُزَيَّفةٍ تولَدُ لتموت، وسلطانُها أَوهى من بيوتِ العنكبوت!
ولكنْ هل يكفي أن يكونَ لمجتمعٍ ما عقيدةٌ دينيَّة يتمسَّكُ بها حتَّى يكونَ المجتمعُ راقيًا حضاريًّا؟
إنَّ الهداياتِ الروحيَّة، حتَّى المُعتقداتُ الميثولوجيَّة القديمة السابقة للأديان التوحيديَّة، جميعُها تدعو أصلاً إلى التمسُّك بالقِيَمِ الروحيَّة والابتعاد عن الأذى والشرّ. وقد أوضحتُ، في بحثٍ سابق (عدد أيلول/سبتمبر 1998) أنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة إنَّما جعلَ القَصَصَ الميثولوجيَّ في كتاباته رديفًا للقَصَصِ الواقعيّ لأنَّه رأَى في معظمِه نواةً لحقيقةٍٍ روحيَّة؛ وهي حقيقةٌ كانت تُحرِّفُها، مع مرور القرون، رغباتُ الناس وأهواؤهم وحاجاتُهم وسيكولوجيَّاتُهم، ثمَّ يتدخَّلُ الشعراءُ فيزيدون في تحريفِها تملُّقًا لحُكَّامِهم وشعوبِهم وترويجًا لشعرهم، فتُصبحُ الآلهةُ على صورة البشر الفاسدين! من أجل ذلك انتقدَ أفلاطون في “جمهوريَّته” المِثاليَّة الشعراءَ اليونانيِّين الذين شوَّهوا صورةَ الآلهة الكاملين، كما انتقدَهم كزينوفانس Xenophanes وفيثاغورس Pythagoras.[7] وما أصابَ المعتقداتِ الميثولوجيَّةَ القديمة أصابَ بعضَ الأديانِ التوحيديَّة نفسها، فإذا بالقدّيسين والأولياء المُصنَّعين، وذَوي الشفاعات والوساطات والكرامات يُغالِبُ بعضُهم بعضًا؛ وإذا الأوهامُ والخُرافاتُ والابتداعاتُ الدينيَّة المُكَيَّفة وفقًا للمصالح والرغباتِ البشريَّة تغزو وتُفسِدُ ما جاءَ به الأنبياءُ والهُداةُ الروحيُّون. وهذا يكادُ لا يختلفُ في نتائجه عن الميثولوجيات القديمة إلاَّ بالأسماء.
وقد تتبدَّلُ العاداتُ والتقاليدُ الدينيَّة بتبدُّلِ سيَّالات الشعوب مع كرور الأجيال. فالمسيحيُّون الأوائل كانوا يحتفلون بأعيادهم الدينيَّة بالفرَحِ البريء والتواضُع والتقوى الصحيحة، فإذا بأكثريَّتهم اليوم يجعلون من أعيادهم الدينيَّة فُرَصًا لإطلاق الشهوات الحسِّـيَّة، ومُناسباتٍ للتنافُس في عَرضِ الغنى والبَذخِ والتظاهُرِ الدُّنيَويّ؛ ذلك بأنَّ الحضارةَ فرغَت من نُسغِها الروحيّ، وتقنَّعَت، في الغالب، بأقنعةٍ برَّاقةٍ زائفة.
إنَّ الحضارةَ الراقية هي التي تكونُ مُعتقداتُها الدينيَّة مَبنيَّةً على مُمارسةِ الفضيلة والقِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة الكُلِّـيَّة بقَدرِ ما هي مَبنيَّةٌ على العقل وأحكامِ المنطق السديد. وقد أوضحتُ ذلك مُطبِّقًا على الفرد في حلقاتٍ سابقة تحدَّثتُ فيها مَليًِّا عن الرُّقيِّ الروحيِّ والتنشئة القويمة في المفهوم الداهشيّ. فالمجتمعُ الذي يسوقُه دافعٌ دينيٌّ للخضوعِ الأعمى لرجالِ الدين المُتزمِّتين، فيُسيطرون عليه سيطرةَ السَّحَرةِ القُدامى على أقوامِهم بأوهامِهم الخُرافيَّة وطقوسِهم السحريَّة التي يُعطونها أسماء جديدة وبادِّعائهم الهيمنةَ على الأمراض بأدعيتِهم وتعاويذهم، أو بتأويلِهم الكُتُبَ المقدَّسة، كتبَ المحبَّةِ والتسامُح والرحمة، تأويلاً كاذبًا يُبرِّرُ أَعمالَهم الإرهابيَّةَ الإجراميَّة، والمجتمعُ الذي يرضى بأن تتحوَّلَ عقيدتُه الدينيَّة إلى مُؤَسَّسةٍ دُنيويَّةٍ مُقنَّعة بقناعٍ روحيّ، إنَّما هدفُها بَسطُ النفوذ ومُساندةُ القوى السياسيَّة المُسيطرة وزيادةُ المكاسبِ الماليَّة، كما الهيمنةُ على سائر الأديان أو الطبقات أو الطوائف بادِّعاءِ احتكارِ الحقيقة أو السلطة المُمثِّلة لله —هذا المجتمعُ، وإن عاشَ أبناؤه في الألف الثالث للمسيح، ما زال بقاعدتِه الدينيَّة مُجتمَعًا مُتخلِّفًا حضاريًّا يعيشُ على مُستوًى واحد مع قبائل الغابات الإفريقيَّة.[8] ولا تنفعُه، في هذه الحال، مدنيَّتُه المادِّيَّة القائمة على التقدُّم العُمرانيّ واستخدام الأسلحة المُتطوِّرة وأدوات التكنولوجيا الحديثة. فالشعوبُ التي يُهيمنُ عليها مثلُ هذا الإيمان لا تتحرَّجُ من الاقتتال وقِتالِ غيرها، وارتكابِ أفظعِ الجرائم بحقِّ أبنائها وحقِّ الإنسانيَّة، ثمَّ من ادَّعائها أنَّها إنَّما تفعلُ ذلك غَيرةً منها على الدين الذي تعتنقُه. وأمثالُ هذه الشعوبُ غيرُ قليلة في خلال الألفَي سنة الماضية، بل على عتبة الألف الثالث. ولنا من المُجتمعاتِ الأُوروبيَّة في القرون الوُسطى التي أَشعلَت الحروبَ الصليبيَّة ثمَّ التي حكَمَتها “محاكمُ التفتيش” الكاثوليكيَّة الرهيبة أجلى برهانٍ على ذلك. فلم نسمع بأيّ مُؤرِّخٍ أو عالِمٍ اجتماعيّ ينسبُ إلى تلك المُجتمعات حضارةً راقية، بل على العكس، أجمعَ الباحِثون على تسمية تلك الحقبة بـ”عُصور الظلام”. ولنا من الغُلاةِ المُسلمين والمسيحيِّين والهندوس وغيرهم مِمَّن جرَفهم التعصُّبُ الدينيُّ الأعمى ليقترفوا أفظعَ الجرائم ضدَّ الأبرياء في القرن العشرين وبداية الألف الثالث ما يُنفِّرُ كلَّ نفسٍ شريفة. فالمجتمعُ المُنحرِفُ عن الجوهرِ الروحيِّ المُشتملِ على المحبَّة والشفقة والرحمة يُلاقي ويلاتِ هذه الدُّنيا وويلاتِ الآخرة. ولا غَروَ أنَّ الدينَ الذي يُفسِدُ القَـيِّمون عليه جوهرَه يتحوَّلُ إلى أداةٍ تهديميَّة للحضارة، ويُصبحُ هدفًا للنقدِ والتجريح من قِبَلِ المُفكِّرين الكبار. من أجل ذلك سمَّى الدكتور داهش في كلمته التي كتبَها في مطلع العام 1982 الحضارةَ المادِّيـَّةَ الراهنة الفارغة من القِيَمِ الروحيَّة الحقيقيَّة، التي هي جوهرُ الدين، “حضارةً كاذبة”. ولا رَيبَ في أنَّ الظلمَ والعُدوانَ والإجرام بمُختلف أنواعه أعداء للقِيَمِ الروحيَّة بقدرِ ما هي الرذائلُ والمُنكَراتُ الأُخرى، إذا لم تكُن أكثر.
ومن الجدير بالذكر أنَّ التعاليمَ الداهشيَّة تحضُّ على بنيان الدولة على أُسُسٍ من القِيَمِ الروحيَّة التي بدونها يستحيلُ أن ينهضَ مجتمعٌ ذو حضارةٍ راقية،[9] لكنَّها لا تُشجِّعُ على تسليط أيِّ دين على دينٍ آخر في الدولة، لأنَّ من صُلبِ الإيمان الداهشيّ أنَّ الأديانَ كلَّها صحيحة وضروريَّة، لأنَّ سيَّالات الناس على مُستوياتٍ مُتباينة، وكلَّ فئةٍ منهم تحتاجُ إلى دينٍ يُناسبُها وفقًا لمُستوى مداركها وقوَّة نزعاتها العُلويَّة أو الدُنيويَّة؛ فالأديانُ للنفوس بمثابة الأدوية للأجساد، لكلِّ داءٍ دواءٌ يحتلفُ عن الآخر نوعًا وكمِّـيَّة. فكلُّ إكراهٍ على اعتناقِ دينٍ غير مُناسبٍ للنفس لن ينفعَها، بل على العكس، ربَّما يضرُّها. وليس عبثًا ما وردَ في القرآن الكريم: {لا إكراهَ في الدين} (البقرة: 256)، وكذلك{لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومِنهاجًا، ولو شاءَ اللهُ لَجَعلَكم أُمَّةً واحدة، ولكنْ ليبلوَكم في ما آتاكم، فاستبِقوا الخيرات؛ إلى اللهِ مرجعُكم جميعًا فيُنبِّئُكم بما كنتم فيه تختلفون} (المائدة: 48). فتنوُّعُ الأديان امتحانٌ من الله للناس في مُمارسة الفضائل، وفي رأسها نزعةُ المحبَّة والرحمة وصُنع السلام والإخاء الإنسانيّ؛ ففي المُنافسة على هذا الصعيد يظهرُ الأخيارُ والأفاضل.
2- الحياةُ الخُلقيَّة الاجتماعيَّة
إذا استثنَينا نُخبةً قليلةَ العدَد من المُفكِّرين، في مختلف العصور، استطاعوا ان يستلهموا قواعدَ سليمة لأخلاقهم وسلوكهم من مواقفهم الفلسفيَّة التي أملَتها عليهم سيَّالاتُهم الروحيَّة الراقية، فإنَّ معظمَ البشر يبنون حياتَهم الخُلقيَّةَ الاجتماعيَّة إمَّا على مُعتقداتهم الدينيَّة، من خلال فهمهم لها وبالتالي مدى أخذِهم بموجباتِها، وإمَّا على مواقفهم الفكريَّة المُستقلَّة عن أيِّ دين. لكنَّ الإنسانَ، وفقًا لتعاليم الداهشيَّة ، هو بحاجةٍ دائمة ماسَّة إلى مَن يَهديه سواءَ السبيل، لأنَّ هبوطَ سيّالاته إلى الدنيا من الفراديس العُلويَّة التي كانت تنعمُ فيها تكرَّر بطردِه من الفردَوس الأرضيّ. ولِذا ظهرَ الأنبياءُ رحمةً له وهداية. غير أنَّ البشرَ بأكثريَّتهم، بِفِعلِ نفوسهم “الأمَّارة بالسوء” والجَهلِ الروحيِّ المُسيطر عليها، كانوا وما زالوا يضطهدون الأنبياءَ والهُداةَ وينبذونهم. فهم لا يُطيقون تحمُّلَ أعباءِ مُجاهدة النفس التي تأمرُ بها تعاليمُهم. يقولُ مُؤسِّسُ الداهشيَّة: إنَّ السيِّدَ المسيحَ إنَّما أتى “كي يُحطِّمَ… كبولَ الظلم والإرهاق، ويُقطِّعَ أغلالَ الرقِّ والعبوديَّة، وكي يُحقِّقَ الحُلمَ الذهبيَّ الذي نشدَته البشريَّةُ الحائرة في أمرها منذ كوَّنَ الباري هذا العالَمَ البائسَ التاعِس.”[10] والعبوديَّة التي يُشيرُ إليها ليست عبوديَّةَ الإنسانِ للإنسان فحَسب، بل عبوديَّة الإنسان لأهوائه ونزعاته السُّفليَّة وأوهامه أيضًا. ولِذا يقولُ الدكتور داهش مُعلِّقًا:
وفي النهاية، عظُمَت التضحية وضخُمَ العِداء. فقد بذلَ الثائرُ حياتَه فداءً لحُرِّيـَّة البشريَّة المتألِّمة التي أعمَت الشهواتُ والنزواتُ بصرَها وبصيرتَها، فقدَّمَته ضحيَّةً على مَذبحِ جهلِها الصارخ، إذْ كافأَته على جهودِه في سبيل تحريرِها وحُبِّه إيَّاها بتعليقِها إيَّاه على خشبةِ الصليب. فيا لَلهَولِ الرهيب!
وماذا كانت النتيجة؟
كانت رهيبةً وذاتَ أثرٍ بعيد.
فإنَّها منذ ذلك التاريخ المشؤوم وهي راسفةٌ في قيودِ الذلِّ والمهانة. وعوضًا عن حصولِها على إكليلِ الغار، قنعَت بتتويجِ مفرقِها بشارةِ العار. فيا لَلعار! (….)
منطقٌ أعوج، وخُلُقٌ أعرج، واتِّجاهٌ سفيه… إنَّ الضررَ البليغ قد حاقَ بهم وبذُرِّيـَّتهم، والأسفَ الفادحَ قد غمرَ أرواحَهم وتغلغلَ في أفئدتِهم… فناحوا ولكنْ بعدما انطلقَ الطائرُ إلى فراديس الجِنان، وتوارى عن العَيان. فما كان قد كان.[11]
لقد وضعَ أفلاطون في كتاب “الجمهوريَّة” أسُسَ المجتمع الفاضل. هذا المجتمع، برأيه، لا يستمدُّ رُقيَّه من عُمرانه واقتصاده وجيوشه، بل من العدالة النفسيَّة التي تُهَيمنُ على حُكَّامه وحُرَّاسه. والعدالةُ النفسيَّة يقصدُ بها هيمنةَ الأحكام العقليَّة الصائبة والنـزعات الروحيَّة على عواطف الإنسان الدُّنيا وانفعالاته الهوجاء وغرائزه الحيوانيَّة، ذلك بأنَّ للقوى النفسيَّة تراتُبًا أصليًّا سليمًا يقتضي مثلَ هذه الهيمنة؛ فإن راعَته النفسُ، استقرَّت وسَلِمت، وإلاَّ أصابَها ما يُصيبُ دولةً سيطرَ عليها أرذالُها. ولا شكَّ بأنَّ لتربيةِ الفرد تأثيرًا بالغًا في بنيان نفسيَّته وشخصيَّتِه.
وكنتُ قد تحدَّثتُ عن التنشئة القويمة في المفهوم الداهشيّ في ثلاث حلقاتٍ سابقة (أعداد الشتاء والربيع والصيف، 2001). لكنِّي أزيدُ هنا أنَّ حجَرَ الزاوية في بناءِ الحياةِ الاجتماعيَّة هو الأُسرة. فالمحبَّةُ إذا كانت تجمعُ الوالدَين بيدَيها، والفضيلةُ تُظلِّـلُهما بجناحَيها، فمُباركَةً تكونُ تلك الأُسرة؛ لأنَّّ الأولادَ، وهم امتداداتٌ لسيَّالاتِ آبائهم وأُمَّهاتهم، سيكسبون منهم الرُّقيَّ الروحيَّ بالفطرة أوَّلاً، وبالاقتداء الحَيِّ ثانيًا. أمَّا إذا كانت المطامعُ والشهواتُ والمآربُ والمصالحُ الدُّنيَويَّة قد جمعَت الوالدَين، فهي التي ستُفرِّقُهما أيضًا؛ وحينئذٍ، لا مناصَ للأُسرةِ من التفكُّك، مثلما نشهدُ في معظم الدوَل، ولا سيَّما الغربيَّة منها التي تُفاخِرُ بمدنيَّتِها المُتطوِّرة. فالتباغضُ تنتقلُ عدواه إلى الأبناء، والتنابُذُ يحلُّ محلَّ الوِفاق، ومثلما تخونُ المرأةُ بعلَها، ويخونُ الرجلُ زوجتَه، هكذا يعقُّ الأولادُ والدِيهم، ويلعنُ بعضُهم بعضًا؛ لأنَّ الأنانيَّةَ تُحرِّكُهم، والرياءَ يُوجِِّهُهم، وجواذبَ الدُّنيا تُفرِّقُهم.
وليس عن عبَث أصدرَ المُفكِّرُ الأمريكيُّ والنائبُ العامُّ بالوكالة للولايات المُتَّحدة سابقًا، روبرت بورْك Robert Bork، كتابَه Slouching towards Gomorrah “نمشي الهُوَينى صَوبَ عَمورة”،[12] وفيه يردُّ سببَ معظم المفاسد الُخلقيَّة والاجتماعيَّة التي اجتاحت الغربَ عامَّةً وكانت عاملاً مهمًّا في هبوط رُقيِّه الحضاريّ ، في العُقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، إلى “النـزعة التحرُّريَّة الحديثة” modern liberalism التي فكَّكَت العائلات، وأضعفَت التهذيب، وأطلقَت إباحيَّةَ الشهوة، وجرَّأَت الشذوذَ الجنسيّ، ودنَّت مُستوى وسائلِ الإعلام ومُستوى العُروضِ السينمائيَّة والتِّلفازيَّة والموسيقى وسائرِ الفنون، وخنَّثَت الجنديَّة، وأفسدَت برامجَ الجامعات بل حتَّى الأديان. ويرى بورْك أنَّ مستقبلَ أمريكا الحضاريّ، وبالتالي الغرب، يبدو قاتمًا، إذا استمرَّت النـزعةُ التحرُّريـَّة المتطرِّفة هي السائدة.
لقد أكَّدَ كثيرون من المُفكِّرين الغربيِّين أنَّ “النزعةَ التحرُّريَّة الحديثة” بتشديدها على فردانيَّة الإنسان واللامِعياريَّة في وَصف الأخلاق والقِيَم، وإحلال طاعة القوانين الجزائيَّة والمدنيَّة ومُمارسة المناقب الاجتماعيَّة الاستنسابيَّة (كالتقيُّد بالأنظمة والصدق في التعامُل والالتزامات والإخلاص للوظيفة) محلَّ مُمارسة الفضائل الروحيَّة وطاعة الشرائع الإلهيَّة التي قامت عليها الأديانُ كلُّها، فضلاً عن نشاط الحركات النسائيَّة المتطرِّفة التي أطلقَت استقلاليَّةَ المرأة في سلوكها وتصريفها للأُمور، بما فيها حُرِّيـَّة الإجهاض—هي التي جعلَت المجتمعاتِ الغربيَّة في مهبِّ رياحٍ مجهولة الاتِّجاهات قد تكون عاقبتُها وخيمة، أو قد تُؤدّي إلى يقظةٍ روحيَّةٍ جديدة، إذا صدقَ التاريخُ في دوراته الروحيَّة المُتجدِّدة، وفقًا لرأي المُفكّر الكبير فرنسيس فوكوياما Francis Fukuyama.[13]
ومن الأفراد الفاضلين والأُسَرِ الفاضلة تُبنى المدارس والأندية والمُؤسَّساتُ الصالحة والمُجتمَعُ الصالح، والعكسُ بالعكس. فالعِيالُ أشبهُ بالحِجارة، بها يُشادُ صرحُ المُجتمَع؛ ضعفُه من ضعفِها، وقوَّتُه من قوَّتِها. ولا عجَبَ إذا كان مُعظمُ الآباء في دولةٍ ما أنانيِّـين، مُتعجرفين، مُتسلِّطين، مادِّيـِّين، غيرَ مُكترثين بصلاحِ عِيالِهم، أن يكونَ رئيسُ دولتِهم وحُكَّامُهم ومُمثِّلوهم على شاكلتِهم بالنسبة لرعاياهم. فكما تكونون يُوَلَّى عليكم.
ولا رَيبَ بأنَّ النـزعاتِ النفسيَّة والتقاليدَ والعاداتِ الاجتماعيَّة من العوامل الفعَّالة في صياغة مدى رُقيِّ الشعوبِ الحضاريّ. فالشعبُ الذي يغلبُ الرياءُ على سيَّالاتِ أبنائه، يكثرُ التملُّقُ والمُجاملاتُ الكاذبة بينهم، ويشيعُ الكذبُ والغشُّ في تعامُلهم التجاريّ، ويقوى التظاهرُ الدينيُّ المُخادِع في صلواتِهم، والنواحُ المُتكلَّفُ والنَّدبُ المأجورُ في مآتمِهم، وتتفشَّى الخياناتُ في زيجاتهم ومُؤسَّساتهم. زِدْ إلى ذلك أنَّ الأخلاقَ إذا تعدَّدت معاييرُها في المجتمع، فأصبحَت ذا وجهٍ يلبسُه الشعب، ووجهٍ آخرَ يلبسُه السياسيُّون، ووجهٍ ثالث يلبسُه رجالُ الدين، فإنَّ المجتمعَ يُصبحُ تربةً خصبة لنُموِّ النفاقِ في أبنائه، إذْ تتضعضعُ فيهم المعاييرُ هربًا من المسؤوليَّة الروحيَّة؛ فكلُّ فئةٍ تُحاسِبُ الأُخرى بغيرٍ ما تُحاسِبُ به نفسَها، ورُعاةُ الدين يحتكرون التأويلَ والفتوى وتحديدَ المسؤوليَّة، علمًا بأنَّهم قد يكونون أكثر الفئاتِ تَبِعةً عن أوضاع الأخلاق لدى المُؤمنين.[14]
والمجتمعُ الذي تفقدُ فيه القِيَمُ معانيها وتراتبَها الأصليّ يحكمُ على نفسه بفَقدِ توازنِه الحضاريّ وتماسُكِه تدريجيًّا. يقولُ إدْ إيريس Ed Ayres، رئيسُ تحرير مجلَّة “وُرلد ووتش” World-Watch : “مَن كان يحلم، قبل نصف قرن، أنَّ مَن يُغنُّون أغانيَ شعبيَّة سيتقاضَون من المال ألفَ ضعفِ ما يتقاضاه معظمُ الذين يُنتِجون أطعمةَ العالَم، ومساكنَ الناس، وأدويتَهم؟ أو أنَّ لاعبًا وظيفتُه أن يُلقيَ كُرةً في سلَّةٍ عالية يتقاضى مئةَ ضعفِ ما يتقاضاه مَن وظيفتُه أن يخيطَ قثطرةً catheter بعروقِ مُصابٍ بذبحةٍ قلبيَّة ليُنقذَه من الموت؟…”[15] ذلك بأنَّ الشعوبَ التي يتعاظمُ غِناها وترفُها، تتكاثرُ ملاهيها، ويُصبحُ همُّ أكثر الناس فيها أن يعيشوا اللحظةَ الآنيَّة، وأن يُمتِّعوا حواسَّهم ويُثيروا انفعالاتِهم، غيرَ حافلين بما يأتي به الغَد، وغيرَ مُهتمِّين بالأولويَّات والقِيَم الإنسانيَّة. بل إنَّهم يتحوَّلون إلى مُجتمعٍ استمتاعيٍّ استهلاكيّ همُّه اقتناءُ الكماليَّات لا الضروريَّات من الحوائج، وانصرافُه إلى عبادة الجسَد لا إلى عبادة الخالق.[16]
والمجتمعُ الذي تطبعُ العنجهيَّة، بدويَّةً كانت أم مدنيَّة (كالقبائل العربيَّة والنازيَّة)، سيَّالاتِ أبنائه، يغلبُ فيه النظامُ التسلُّطيُّ الاستبداديُّ، مُتجلِّيًا في تصرُّف الآباء مع آبائهم والرؤساءِ مع مرؤوسيهم، ورجال الدين مع المُؤمنين؛ فتُقمَع حُرِّيـَّةُ الفكر والحوار، وبالتالي تُسَدُّ الطريقُ على أيِّ إبداعٍ وتقدُّم، وتُفسَحُ أمام هجرةِ الأدمغة الحُرَّة. فالعاداتُ والتقاليدُ تُصبحُ مقدَّسة، ولا مجالَ للتغيير فيها، لأنَّ التغييرَ يجبُ أن يسبقَه تغييرٌ ثوريّ أو تبديلٌ في سيَّالات القَوم، وهذا يعني تغييرًا في جيناتهم (مُورِّثاتهم)، الأمرُ الذي يقتضي مُجاهدةً هائلةً للنفس في أعمارٍ (أي تقمُّصاتٍ) متعدِّدة. وهلُمَّ جَرًّا…
والمُجتمعُ الذي تتَّسعُ فيه الهوَّةُ بين الأثرياء والفُقراء، وتقومُ فيه طبقات، عُلياها في السياسة أو العمل أو الجاه تستعلي على دُنياها وتزدريها، والأذكياءُ فيه يستخدمون ذكاءَهم للاحتيالِ على البُسطاء وابتزازهم —مِثلُ هذا المُجتمَع، مهما تقدَّمت فيه مظاهرُ المدنيَّة من عُمرانٍ واقتصادٍ وتكنولوجيا، فإنَّه يبقى مُتخلِّفًا حضاريًّا، لأنَّ كلَّ مُواطنٍ هو إنسانٌ قبلَ أن يكونَ مُواطنًا، وبصفتِه الإنسانيَّة يُساوي غيرَه، ويستحقُّ منه الاحترام؛ وهو لا يفضلُ أحدًا إلاَّ بمدى عطائه الإنسانيّ والقِيَمِ الروحيَّةِ التي تتجلَّى في سلوكه مع الآخرين. هذا المفهومُ الداهشيّ عبَّرَ عنه إتسيوني من خلال نظرته إلى الأمور كعالِمٍ اجتماعيّ، فقال: “المجتمعُ الصالحُ هو مُجتمَعٌ يُعاملُ فيه الناسُ بعضُهم بعضًا كغاياتٍ بحَدِّ ذاتها، وليس كمُجرَّدِ أدوات؛ إنَّه مُجتمعٌ يتمتَّعُ فيه كلُّ إنسان بكاملِ الاحترام والكرامة، ولا يكون غرَضًا للاستخدام والتلاعُب تحقيقًا لمآربَ معيَّنة. إنَّه عالَمٌ اجتماعيّ فيه يُعامِلُ الناسُ بعضُهم بعضًا كأعضاء في مُتَّحَد –في أُسرةٍ مُوسَّعة– لا كمُجرَّد مُوظَّفين، وتُجّار، ومُستهلِكين أو حتَّى مُواطنين.”[17]
وبما أنَّ المجتمعَ الراقي حضاريًّا لا يُمكنُه أن يتنازلَ عن الحُرِّيـَّة التي هي“هديَّةُ الخالقِ للخلائق” و“مِنحةُ السماء لأبناءِ الأرض”،[18] على حَدَّ تعبيرِ الدكتور داهش، وذلك من أجل تغييرِ نمطِ حياتِه أو تفكيره بالعَنتِ والإكراه، وبما أنَّ الإكراهَ على عملِ شيءٍ ما يحرمُ الإنسانَ من فضلِه، ولا يُرقِّي سيّالاتِه تبعًا للتعاليم الداهشيَّة، فإنَّ على الدولة الراقية أن يلجأَ مُفكِّروها المُستنيرون إلى إقناع المُواطنين بمختلف الوسائل العلميَّة والدينيَّة والفلسفيَّة والتاريخيَّة، وبتعبيرٍ موجَز بالبراهين الثقافيَّة، ليُغيِّروا ما هم عليه، لأنَّ استمرارَهم فيه يُؤَدِّي إلى ضعفِهم التدريجيّ كمُجتمَع ثمَّ إلى خرابهم الدُّنيَويّ وهلاكهم الروحيّ. وفي التاريخ أمثلةٌ كثيرة على انهيار الدُّوَلِ العُظمى والإمبراطوريَّات من جرَّاء استسلام شعوبِها إلى أنماطٍ فاسدة من الحياة كانوا يعتبرونها من مظاهر الحضارة المُتطوِّرة، وهي ليست سوى سرابٍ كاذب.
3- الحياةُ السياسيَّة
قد تتعاظمُ النـزَعاتُ المادِّيـَّة في مجتمَعٍ ما حتَّى تطغى على معظم أبنائه، فتنجذبُ، إذْ ذاك، سيّالاتُهم إلى أقطاب التوجيه البشريّ، بدلَ انجذابِها إلى أقطاب التوجيهِ الروحيّ، وتحلُّ وصايا الناس في نفوسهم محلََّ وصايا الله؛ فتستغني الدولةُ عن حياتِها الدينيَّة فتُزيلُها من أرضِها أو تُضعِفُها جدًّا، وتجعلُ العقيدةَ السياسيَّةَ بديلاً عنها. فمَثَلُ هذه الدولة مَثَلُ شجرةٍ قُطِعَت منها الجُذور، أو بُتِرَت مُعظمُ الأُصول حتَّى كادت ساقُها تُصبح ركيزتَها الوحيدة في التربة. إنَّ عُمرَ تلك الدولة بين الدُّوَل لن يكونَ أطولَ من عُمر مِثلِ هذه الشجرة بين الأشجار. ولنا من عُمر الدُّوَلِ الإلحاديَّة الدليلُ الدامغُ المُفحِم.
وإذا كانت الحياةُ الدينيَّةُ الخُلقيَّةُ الاجتماعيَّة أشبهَ بالجذورِ في شجرةِ المُجتمَع، بها يتغلغلُ النُّسغُ ليمتدَّ في فروعِ الشجرة كلِّها، وبها ترسخُ الشجرةُ وتقوى على مُغالَبةِ عواصفِ الأحداثِ والتقلُّبات الطارئة، فإنَّ الحياةَ السياسيَّةَ هي الجذعُ المُصعِّدُ الضابطُ لمُؤسَّساتِ المجتمع، والذي منه تتفرَّعُ الأغصانُ وتستمدُّ قوَّتَها. وأعني بالحياة السياسيَّة كيفيَّةَ مُمارسةِ الحُكم التنفيذيّ، والحُكمِ التشريعيّ، والحُكمِ القضائيّ في جميع مُؤسَّساتِ الدولة الرئيسة والفرعيَّة.
إنَّ نوعَ النظامِ السياسيِّ في دولةٍ مُستقلَّة مُرتبطٌ، إلى حدٍّ بعيد، بمُستوى سيَّالاتِ الشعب؛ ولذلك لا يصحُّ القولُ إنَّ ثَمَّةَ نظامًا سياسيًّا هو الأفضلُ لكلِّ الشعوب. فالنظامُ السياسيُّ هو أشبهُ بالنظامِ الصحِّـيِّ الذي على الفردِ أن يتقيَّدَ به إذا كان يُعاني مرضًا مُعيَّـنًا، فإن هو استبدلَ به غيرَه وهو ما زال في مرضِه، فقد تسوءُ صحَّـتُه. وما من مُجتمَعٍ مُعافًى تمامًا؛ لكنَّ الأمراضَ على أنواعٍ ودرجات. على أنَّ الدولةَ يجبُ أن تتمتَّعَ بشروطٍ ضروريَّة لتكونَ على حَدٍّ أدنى من الصحَّة، أو بعبارةٍ أُخرى من الرُّقيِّ الحضاريّ.
إنَّ الدولةَ الراقية، في المفهوم الداهشيّ، لا بُدَّ من ان تتجلَّى القِيَمُ الروحيَّة في إنجازاتها ومُؤسَّساتها؛ فتسودُ الفضيلةُ والروحُ الإنسانيَّةُ شعبَها وسُلطاتِها الثلاث. إذْ ذاك تكونُ الحكومةُ، ولا سيَّما رئيسُها، قُدوةً صالحةً للمُواطنين في رُقيِّ نزعاتِها وروحانيَّةِ اتِّجاهاتِها، فيترسَّمون خُطاها في مُمارسةِ الفضائل والمناقب، ويستلهمون قِيَمَها السامية في نظرتِهم إلى الأُمور ومُعالجتِهم للقضايا؛ كما تكونُ الأنظمةُ التشريعيَّة والقضائيَّة فيها لخَيرِ الشعبِ كلِّه الروحيِّ والمادِّيِّ، وليس لمصلحةِ فئةٍ دون أُخرى. مِثلُ هذه الدولة الفاضلة، تبعًا لِما رأى أفلاطون في “الجمهوريَّة”، تمتدُّ الروحُ الراقية من رُؤسائها إلى مرؤوسيها بصورةٍ عفويَّة، فيكون انسجامٌ بين الرأس والأعضاء، فلا يتمرَّدُ المرؤوسون على الرؤساء لأيِّ داعٍ، سواءٌ كان ظُلمًا أم فقرًا أم تحيُّزًا إلخ… لكنْ إذا عاث الفسادُ في أجهزة دولةٍ ما، فحلَّ شراءُ ضمائر الناخبين محلَّ حُرِّيـَّة اقتراعهم للأفضل، ومنطقُ القوَّة مكانَ الحقّ، وانتشرت الرشوة، وعمَّ الابتزازُ والتهديد، وساد التحيُّزُ في أحكام القضاء وفي تطبيق القوانين— فمِثلُ هذه الدولة لا يُمكنُ تصنيفُها على الإطلاق بين الدوَل الراقية حضاريًّا، مهما بلغَت من الغنى والتطوُّر في العمران وفنون الملاهي، ومهما تعدَّدت جامعاتُها ومُستشفياتُها ومُختبراتُها ومعابدُها…[19]
وقد تستعيرُ دولةٌ ما شرائعَها وأنظمتَها من دولةٍ أُخرى مُتقدِّمة، مثلما يحصلُ عادةً في بعضِ دُوَلِ العالَمِ الثالث، وبينها الدوَلُ العربيَّة، لكنْ إن لم يفعَلْ في شعبِ تلك الدولة جوهرُ الإنسانِ السامي، ولم تفعل الشرائعُ الراقيةُ فيه بدَورِها، وإنْ لم يُحيِها وهجٌ من ضميرِ المُجتمَع الذي هو مُحصَّلةُ ضمائر أفرادِه، ولم تُساعِدْه وتَحمِه الشرائعُ بدورها، فإنَّها تبقى حروفًا مُذهَّبةً مَيتة وناووسًا برَّاقًا ينطوي على مومياء. يقولُ الدكتور داهش في رسالته الأُولى إلى الدكتور حُسَين هَيكل، رئيسِ مجلسِ الشيوخ المصريّ ورئيسِ الحزبِ الدستوريِّ في الأربعينيَّات:
إنَّ الدستورَ اللبنانيّ، يا أَخي، أُشبِّهُه ببَـيت عنكبوت واهي الخيوط لا يقوى على مُجابهة النَّسيمِ الخفيف خوفًا من تمزيقِه، بل مُلاشاتِه… ومن العارِ أن نقولَ إنَّنا شعبٌ ديمُقراطيّ دُستوريّ ما دُمنا لا نُطبِّقُ القولَ بالفِعل، وما دام في لبنان ظُلمٌ خطيرٌ هائلٌ كهذا.[20]
ويتَّهمُ الدكتور داهش السلطتَين اللبنانيَّتَين التشريعيَّة والقضائيَّة أيَّام رئاسة بشاره الخوري بمُمالأةِ الحاكم على ظُلم الأبرياء وإفراغ الديمُقراطيَّة من معناها بتجاوُزِ السلُطات الثلاث حدودَ صلاحيَّاتِها الدستوريَّة. وقد كتبَ تحت عنوان “الرئيس الظالِم”:
أُشبِّهُ رئيسَ الدولة الظالِمَ المُستبِدَّ بمزبلةٍ مَوبوءَةٍ تكدَّسَت فيها أنتنُ الأقذار… أمَّا المُتزلِّفون له، والمُلتفُّون حوله، والناسجون على مِنوالِه، والضاربون على طبلِه، والعازفون على مِزمارِه… فهم أحطُّ أنواعِ الحشرات المَوبوءَة وأدناها… أمَّا الشُّرَفاءُ، أمَّا النُّبلاءُ، أمَّا مَن يدعونهم فُقراء — وهم الأغنياءُ بأخلاقِهم— فإنَّهم ينظرون من قِمَّةِ نزاهتِهم وعدالتِهم إلى هذه الحشرات الحقيرة التي يُزاحِمُ بعضُها بعضًا على وليمةِ الأقذار الناضحةِ بالنتانة…[21]
إنَّ النظامَ الخارجيَّ وكيفيَّةَ مُمارستِه تعبيرٌ عن نظامِ الإنسانِ النفسيّ وامتدادٌ له؛ وقيمةُ النظامِ الحقيقيَّة مُستمَدَّةٌ من قيمةِ الإنسانِ الذي يُمارسُه؛ فإمَّا أن يكونَ الإنسانُ صالحًا، وإمَّا أن يكونَ طالحًا. وليس من نظامٍ أو قانونٍ صالح إلاَّ نجدُ المبادئَ والقِيَمَ الروحيَّةَ فيه مُـتَّفقةً مع الشرائع الإلهيَّة.
بناءً على ذلك يصحُّ القولُ إنَّ الزعيمَ الحقيقيّ، سواءٌ كان مُنتَخَبًا انتخابًا ديمُقراطيًّا أم حاكِما بموجِب رضى الشعبِ ومُمثِّّليه، هو مَن يتمتَّعُ بسيَّالٍ راقٍ يبرزُ فيه دافعُ السلطة الطبيعيَّة المعنويَّة، فيُعبِّرُ عنه بالعَدل، ويقرنُه بالوداعةِ والتواضُع والإخلاص لرعيَّتِه، كما بالسَّعْيِ لخيرِها من جميع الوجوه؛ فيُحبُّه شعبُه، وتلتفُّ القلوبُ حوالَيه. أمَّا المُتزعِّمُ الذي يتسلَّطُ على شعبِه تسلُّطًا، فيتجبَّر، ويظلم، ويفسق، ويكبتُ الحُرِّيـَّات، ويستغلُّ منصبَه لمطامعِه ومآربِه الشخصيَّة أو العائليَّة أو الحزبيَّة أو الطائفيَّة، فإنَّه يكونُ لعنةً مُجسَّدة قد حلَّت على الشعب؛ فإذا استحقَّها أفرادُه، خنَعوا وذَلُّوا وصاروا له أشبهَ بالعبيد، أو تطبَّعوا بطباع رئيسِهم، فأخذَ بعضُهم يظلمُ بعضًا، وهَيمنَت الأنانيَّةُ عليهم فأصبحَت شريعتَهم، وشاع فيهم التباغُضُ والتحاسُدُ والرياء، وتحكَّمَت فيهم الرذائل. وهكذا يتفكَّكُ مُجتمعُهم، وتُصبحُ فيهم كلُّ جماعةٍ دولةً وفقًا للأهواء والمصالح المادِّيـَّة التي تتلاقى. ولا يرفعُ اللهُ هذه اللعنةَ عنهم إلاَّ إذا عادت السيَّالاتُ الراقية فتكاثرَت فيهم، فأيقظَتهم على حقيقتِهم، ودفعَتهم إلى الثورةِ وتقويض كُرسيِّ الفساد، وترئيس الشخص الفاضل عليهم. و{إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفسِهم.} يقولُ الدكتور داهش:
لا يهزُّ أعصابَ المُستبدِّين ويُقوِّضُ أفئدةَ الحُكَّامِ الزَّرِيِّـين سوى صوتِ الحقِّ الصارخ في وجوههم وصدورهم، وسَوطِ العدالةِ الذي يقرعُ ظهورَهم، فيتمنَّون اختفاءَهم لا ظهورَهم.[22]
وكنتُ قد أفضتُ في الحديث عن الحُرِّيـَّةِ وأبعاد العدالة في التعامُل الاجتماعيّ كما في سُلطاتِ الحُكم الثلاث في عدَّة أبحاثٍ سابقة.[23] فليس من حياةٍ سياسيَّة راقية في ظلِّ الطغيان والاستبداد، وقَمع الحُرِّيـَّات، وحَجبِ حقوق الإنسان. وقد ذكرتُ أنَّ الدكتور داهش يرى العدالةَ في الأرض، على انتشار القوانين التي تحميها، ما تزالُ مطلبًا غيرَ مُحقَّق في كثيرٍ من البلدان. وهي مفقودة فيها على صعيد التعامُل الاجتماعيّ والاقتصاديّ كما على صعيد المُؤسَّساتِ الحكوميَّة. وقد أعطى الدكتور داهش مثلاً للرئيس العادل الفاضل الملكَ فَيصل الأوَّل وللرئيس الفاسد الطاغية رئيسَ لبنان الأسبق، بشاره الخوري (1943-1952).
على أنَّ قياسَ الرُقيِّ للحياة السياسيَّة في دولةٍ ما لا ينحصرُ في سلوك الحُكَّام وفي نسبةِ ما يُقدِّمونه للشعب من عدالةٍ وحُرِّيـَّةٍ وأمنٍ ونسبةِ ما يصونون من كرامةِ المواطن وحقوقِ الإنسان في الدولة، بل يشملُ أيضًا موقفَ الدولةِ من سائر الدوَل، ولا سيَّما الضعيفة والفقيرة، وكيفيَّة التعامُل معها.
يقولُ الدكتور داهش بصوت “الدينار” في كتاب “مُذكِّرات دينار”:
يا مَن بأيديكم القُوَّاتُ المادِّيـَّة،
ويا مَن تُسيطرون على الطاقة الذرِّيـَّة،
ويا مَن تدَّعون بحُبِّكم للبشريَّة،
إذا كان السلامُ بُغيتَكم، والحقُّ دَيدَنَكم، والعدالةُ أُمنيَّتَكم،
فهاتوا البرهانَ على صدقِ نيَّتِكم.
هاتوا، يا أقوياء، وأشهِدوا الكونَ على تضحيتِكم…
أعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وحرِّروا المُستعبَدَ من رِقِّه، والمغبونَ من غَبنِه، ومَكِّنوا ربَّ البيت من بيتِه، فربُّ البيتِ أدرى بالذي فيه، بظواهرِه وخوافيه.
ولكنَّكم قلَبتم الآية، وعكستُم الحقائق، وأضعتم الغاية. فأصبحَ ربُّ البيت يئنُّ تحت نيرِ الغُرم، وأنتم، أيُّها الأقوياء، تتمتَّعون بالغُنم.[24]
إذًا بالتعامُل العادل مع الشعوب يُكتَسَبُ ودُّها، وبالتضحيات الماليَّة التي لا تنـزعُ إلاَّ نُتَفًا من ثروة الدوَل الغنيَّة، بإمكان الشعوب الراقية نسبيًّا أن تمنعَ الوصوليِّـين والانتهازيِّـين والطائفيِّين المُتعصِّبين من إشاعة الفِتَن والقلَق في العالَم. فبدلَ زيادة النفقات على التسلُّح زيادةً خياليَّةً لا حدودَ لها، بإمكان الدوَل الغنيَّة أن تُخصِّصَ بعض تلك النفقات على الدول الضعيفة والفقيرة، فتُنعِشَ اقتصادَها، وتُخفِّفَ آلامَها وامراضَها، وتُزيلَ جهلَها وكراهيَّتَها، وهكذا تأمنُ شرَّها، وتُساعدُ في بسطِ الرُقيِّ الحضاريِّ في العالَم، بدل تقليصه وتهديمه. هذا فحوى ما كتبَه رئيسُ تحرير مجلَّة World-Watch التي تُراقبُ القضايا العالَميَّة وتُعالجُها.[25] وكنتُ قد أوضحتُ موقفَ الداهشيَّة من العدالة بين الشعوب في بحثٍ سابق (عدد حزيران/يونيو 1998).
4- الحياةُ الاقتصاديَّة
أمَّا الكلامُ على حياةٍ اقتصاديَّة مُتقدِّمة فلا يصحُّ إلاَّ عند انتقال الإنسان من طور البداوة والتتقُّل إلى طورِ المدنيَّة والاستقرار. لكنَّ ذلك لا يعني بالضرورة انتقالَ المجتمَع إلى مرحلة الرُّقيِّ الحضاريّ. فمظاهرُ العُمران في مجتمعٍ ما ونظامُه الاقتصاديّ تُؤثِّرُ فيهما مُباشرةً سيَّالاتُ الشعب (أي قواه النفسيَّة) بمُختلف النـزَعات المُهَيمنة عليها، ومُداورةً الحياةُ الدينيَّةُ والخُلقيَّةُ الاجتماعيَّةُ والسياسيَّة؛ أي إنَّ أفرادَ المجتمع هم الذين يصوغون مُستوى اقتصادهم ونوعَ عُمرانهم بما يغلبُ عليهم من نزعاتٍ غَيريَّة أو أنانيَّة، وإيثارٍ للمصلحة العامَّة أو لمصالحهم الشخصيَّة، وتنافُسٍ في الطمعِ والجشَعِ أو الرِضى بالعَيشِ العَدلِ القَنوع، وثِقةٍ مُتبادلة فيما بينهم من تعاطٍ تجاريّ أو خِداعٍ وغشّ… فمن المُحالِ أن يقومَ اقتصادٌ مُزدهرٌ عادل في دولةٍ يعمُّها النفاقُ الدينيّ، أو تسودُها المفاسدُ الخُلقيَّةُ الاجتماعيَّة، أو يقمعُها الطغيانُ السياسيّ. فمهما تكُن القوانينُ الاقتصاديَّة واضحةً ودقيقةً بل عادلة، تَبقَ عاجزة عن بناء الدولةِ الراقية حضاريًّا، ما لم تنبع العدالةُ والمحبَّةُ والرحمةُ وعواطفُ الإخاء والمُساواة من نفوسِ المُواطنين أنفسِهم، بحيثُ تكونُ ضمائرُهم هي الرقيـبةَ على أعمالهم، لا سَيفُ السلطة الدُّنيَويَّة، لأنَّ الإكراهَ الخارجيَّ على التحسين لا يُنتِجُ التحسُّن؛ فما هو مكنونٌ في خلايا كلِّ فَرد لا يمحوه أو يُعدِّلُه إلاَّ إرادةُ الفردِ نفسِه على مدى أزمنةٍ طويلة. وبكلمةٍ واحدة إنَّ النظامَ الاقتصاديَّ الراقي هو الذي لا يُبـعِدُ الإنسانَ عن إنسانيَّتِه، ولا يجعلُ قلبَه في ثروتِه بل في خالقِه.
إنَّ المجتمعَ الراقي حضاريًّا لا يسمحُ بأن يملأَ شوارعَه عشراتُ الأُلوف من المحرومين والمُشرَّدين المُعوِزين بينما تكون منازلُ المُترَفين من أثرياء وأصحابِ سلطة فائضة بما يُطعِمُهم جميعًا. فمِثلُ هذا المُجتمَع يكون خاليًا من الروح الإنسانيَّة التي اعتبرَها الدكتور داهش شرطًا أساسيًّا في بناء الحضارات الراقية. فضلاً عن أنَّه يكون يُنمِّي مُداورةً نزعات الحقد والحسَد والعدائيَّة في المحرومين والفقراء ضدَّ الأغنياء. كذلك لا تسمحُ النـزعةُ الإنسانيَّةُ بأن يملأَ الشوارعَ آلافُ المرضى والمُتخلِّفين عقليًّا، بحُجَّةِ أنَّ الاعتماداتِ الماليَّة في الدولة لا تكفي لإيوائهم وتطبيـبهم في حين أن البلايين تُنفَقُ على التسلُّح. فمِثلُ هذه الدولة لا تُعتَبَرُ حضاريًّا راقية، ما دامت الحضارةُ تفتقرُ إلى عُنصرِها الخُلُقيِّ الراقي؛ ولا يتمُّ التغيير إلاَّ بتطوُّرٍ “مَبـنِيٍّ على ارتقاءٍ خُلُقيٍّ مُهمّ،” تبعًا لِما يراه عُلماءُ الاجتماع والاقتصاد والسياسة.[26]كذلك لا تسمحُ روحُ الحضارةِ الراقية بأن يملكَ ثلاثةُ أفرادٍ أغنياء ما يُعادلُ ثروةَ 43 دولة هي الأفقرُ في العالَم؛ ولا أن يغرقَ بضعةُ ملايين في الترَفِ بينما ما يزال نصفُ البشريَّة (ثلاثة بلايين) يتعيَّشُ على أقلّ من دولارَين أو دولار في اليوم؛ ولا أن تُرمى أطنانٌ من الأطعمة كلَّ يوم تُجمَع من نفايات المطاعم والقصور، بينما يموتُ يوميًّا حوالى أربعين ألف طفل من سوءِ التغذية والأمراض، على حدِّ ما يقول أحد رؤساء التحرير في مجلَّة .U.S. News & World Report[27]
وكنتُ في عددٍ سابق (آذار /مارس 1998) قد أوضحتُ ما هي واجبات السلطاتِ العادلة تجاه الشعب على الصعيد الاقتصاديّ والمعَيشيّ ولا سيَّما في ما يتعلَّقُ بتكافُؤ الفُرَص وتأمين الحاجات الأساسيَّة للشعب، فإنَّها إذا لم تُؤمَّن، فلا يستطيعُ الشعبُ أن يرتفعَ إلى الاهتمام بالقِيَمِ الفكريَّةِ والجماليَّة والروحيَّة عامَّةً. وكم من سرقةٍ ارتُكِبَت ومن رذيلةٍ اقتُرِفَت ما كان الإنسانُ لِيُقدِمَ عليها لو لم يُرغِمه الفقر. من أجل ذلك قال الدكتور داهش:
فالحُرَّةُ تُرغِمونها على الأكل من ثَديَيها ثمَّ تطلبون مُحاكمتَها. وسارِقُ الرغيف تُلقونه في غياهبِ السجون… أمَّا سارقُ الأُلوف فإنَّكم تُشاركونه الغنيمةَ وتتقاسمونها فيما بينكم؛ فيا لَلعار![28]
إنَّ تفاصيلَ النظامِ الاقتصاديِّ العادل قد تتغيَّرُ فتتَّخذُ وجوهًا مُختلفة، لكنَّ الذي لا يتغيَّرُ في المجتمَعِ الراقي حضاريًّا وفقًا لرأي أميتاي إتزيوني — Amitai Etzioniالأُستاذِ في جامعة واشنطن وصاحبِ تسعةَ عشرَ كتابًا في علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة، بينها كتابُ “الخُطوة التالية: الطريق إلى المجتمع السليم”— هو إيجادُ التوازُن الضروريِّ بين الدولة والسوق الاقتصاديَّة ومصلحةِ المُتَّحد، وبعبارةٍ أُخرى حرصُ الدولة على تأمينِ قاعدةٍ اقتصاديَّة مَعيشيَّة سليمة تمدُّ الشعبَ بشعورِ أمانٍ من الفَقر والعوَز كما بشعورِ اطمئنانٍ للقدرةِ على التطبُّب والاستشفاء ومُتابعة التعلُّم، وذلك بغَضِّ النظر عن سلوك الفرد؛ فالمُواطِنُ كإنسان يجبُ ألاَّ يُحرَمَ من ضرورات الحياة الأساسيَّة التي تُؤمَّنُ حتَّى للمساجين أنفسهم.[29]
5- الحياةُ العسكريَّة
القوى العسكريَّة، مثلما تتمثَّلُ اليومَ في العالَم، نراها على أحد وجهَين:
أَ- القوى المُسلَّحة التي يستخدمُها الرُّؤساءُ الدكتاتوريُّون والأحزابُ الحاكمة لتنفيذ مآربِهم والمُحافَظة على مصالحهم وسلطانهم حتَّى لو كان في ذلك قَمعُ الحُرِّيـَّات وسَجنُ المُفكِّرين واغتيالُ المُعارضين. فبالانخراطِ في أمثال هذه المُؤسَّسات العسكريَّة، التي يكثرُ وجودُها في دُوَلِ العالَمِ الثالث، يجدُ المحرومون والمُتخلِّفون ثقافيًّا وربَّما عقليًّا، وكذلك ذَوو الرَّغباتِ المصدودة والنـَّزعات المكبوتة، المجالَ المُلائمَ لمداركهم واستعداداتهم والمُشبِع لدوافعِهم ورغباتهم. والتسلُّطُ الأبَويُّ والقَهرُ الاجتماعيّ، في مِثل هذه الدوَل، يُؤدِّيان دَورًا فعَّالاً في توجيهِ ضحاياها إلى مِثل هذه التنظيمات العسكريَّة التي سرعانَ ما تُصبحُ بؤرةً يجتمعُ فيها كلُّ حاقِدٍ وحاسِدٍ وناقِمٍ وظالِمٍ وطامِعٍ في التسلُّط أو المغانم. هذا الوجهُ للحياةِ العسكريَّة يُضِرُّ أكثرَ مِمَّا ينفع؛ وكثيرًا ما عانت الشعوبُ من بلاياه منذ العهود الرومانيَّة حتَّى يومنا هذا.
ب- القوى العسكريَّة التي تعرفُها الدوَلُ الديمُقراطيَّة. وفي هذه الحال يكون لحياة الجنديَّة مَهمَّتان:
الأُولى حمايةُ المُواطنين ومُمتلكاتهم، والسَّهَرُ على راحتهم وأمنهم، ومُؤازرةُ القضاء لاستعادة الحقوق المهضومة وإجراء العدالة، وحراسةُ القِِيَمِ السامية؛ وكذلك الدفاعُ عن حُرمةِ الوطن ضدَّ مُعتَدٍ أو غاصِب.
والثانية تمريسُ المُواطنين بالمناقب الاجتماعيَّة كالتعاوُن، والشجاعة، والبطولة، والنجدة، والمروءة، والصمود، والإقدام، وحُسنِ الدفاعِ عن النفس، والثقة بها والاعتماد عليها في المُلمَّات، ونهوض العزيمة، والحَيويَّة، وخشونة الحياة، والنظام؛ وأهمُّ من ذلك تنميةُ قوَّة الخَير في نفوس الجنود بجَعلِهم حريصين علىالدفاعِ عن الحقِّ والعدالة والحُرِّيـَّة وسائر القِيَم العُليا، ودَفعِهم إلى التضحية بمصالحهم الفرديَّة وراحتهم الشخصيَّة من أجل تأمين سلامة المجتمَع والخَير العامّ. وإنَّ في ذلك لغايةً شريفة ومَهمَّةً سامية أشار إليهما أفلاطون في كتاب “الجُمهوريَّة” الذي تمثَّلَت فيه رؤيتُه للمُجتمَع الفاضل.
أمَّا إذا تحوَّلت القوى العسكريَّة إلى أداةٍ ضاربة لتنفيذ مآربِ المُتسلِّطين الجَشِعة، أو أهدافِهم الاستعماريَّة التوسُّعيَّة، وإذا تنازلَت حياةُ الجُنديَّة عن مَهمَّتِها الدفاعيَّة الإصلاحيَّة المناقبيَّة، فإنَّها تفقدُ، إذْ ذاك، مُبرِّرَ وجودها، بل تُصبحُ نكبةً على المجتمعِ، وخطرًا على تقدُّم الدولة ورُقيِّها الحضاريّ. ومن مصائب الشعوب أنَّ قواها العسكريَّة كثيرًا ما تتَّجهُ هذا الاتِّجاهَ الحربيَّ العُدوانيَّ حالما تشعرُ بازدياد قدرتها وجبروتها.
ومن أبلغِ ما قيل في أضرارِ الحرب العُدوانيَّة وأوزارِها ما قاله مُؤسِّسُ الداهشيَّة. فالحربُ على الصعيد السياسيّ “أكبرُ خدعة”، وعلى الصعيد الروحيّ “إثمٌ رهيب فادح لا يغفرُ اللهُ لِمَن ارتكبَ جريمتَه.”[30]
(في العدد القادم: “الحياةُ الثقافيَّة والرُّقيُّ الحضاريّ في ضَوءِ التعاليم الداهشيَّة)
- 1.اختلفَ عُلماءُ الاجتماع في تحديد معاني المدنيَّة urbanism والحضارة civilization والثقافة culture. وكثيرون منهم خلطوا المدنيَّة بالحضارة والحضارةَ بالثقافة. وفي دراسةٍ قام بها الباحثان كروبر L. Kroeber وكلايد كوكهون Clyde Klickhohn تمكَّنا من جَمع لا أقلّ من 164 تحديدًا لمفهومَي الثقافة والحضارة. غير أنَّ المعنى الغالب لكلَيهما هو ما تبنَّيتُه في بحثي هذا. أنظر:
Dictionary of the History of Ideas. P. P. Wiener, ed. (NY: Charles Scribner’s Sons, 1973), Vol. I, pp. 613-621.
ولمزيدٍ من الإيضاح انظر:
Ernst Cassirer. An Essay on Man: An Introduction to the Philosophy of Human Culture. New Haven: Yale University Press, 1956.
- 2. Monod. Le hazard et la nécescité: Essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne (Paris: Le Seuil, 1970), pp. 209-212.
- 3. G. Jung. L‘homme àla découverte de son âme (Ed. Du Mont-Blanc, 1962), p. 244.
- 4. الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّةحول الكُرةِ الأرضيَّة”، الجزء 18 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1994)، “كلمتي لعام 1982″، ص 403.
- 5. المصدرُ السابقُ نفسُه.
- 6. أكَّدَ العالِمُ النفسيُّ الألمانيُّ وِلفرِد دايْم أنَّ “المُطلَق” ضرورة نفسيَّة يستحيلُ أن يحيا الإنسانُ بدونها؛ والمُطلَقُ الصحيح هو الله. أنظر:
Wilfried Daim. Transvaluation de la psychanalyse, l’homme et l’absolue. Trad. De l’allemand par P. Jundt (Paris: Albin Michel, 1956), pp. 129-173.
وجاراه في تأكيد هذه الحقيقة عدَّةُ عُلماء، منهم الدكتور أ شتوكِر. أنظر:
- Stocker. De la psychanalyse àla psychosynthèse(Paris: Beauchesne et ses fils, 1957), pp. 207-239.
Dictionary of the History of Ideas, Vol. III, pp. 272-274.7.
- 8. أنظر سلسلة “نَقدُ السحر وفَضحُ أساليب الشعوذة” التي نشرَها كاتبُ هذا البحث في مجلَّة “بروق ورعود” عام 1968 من 23آذار (مارس) إلى 23 تمُّوز (يوليو).
- 9. وردَ النصُّ الروحيُّ الموجِب في الأجوبة الاثنَين والسبعين التي ارتسمَت بصورة عجائبيَّة تحت الأسئلة الاثنين والسبعين التي وضعَها المُحامي والوزير اللبنانيّ السابق إدوار نون في ظرف، فلمسه الدكتور داهش بعد ان ارتعشَ بالروح.
- 1 الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 379.
- 1 المصدرُ السابق، ص 380.
Robert Bork. Slouching towards Gomorrah (New York: Regan Books/Harper Collins, 1990). 12.
Francis Fukuyama, “The Great Disruption: Human Nature and the Reconstitution of Social Order”, in The Atlantic Monthly, May 1999, pp. 55-80.
Alan Wolfe. Moral Freedom: The Search for Virtue in a World of Choice, N. Y.: W.W. Norton, 2001. أنظر كذلك:
Charles Krauthammer, “In Praise of Mass Hypocrisy” in Time, April 27, 1992, p. 74.
Ed Ayres, ed. World-Watch, May-June, 1999. 15.
Robert H. Frank. Luxury Fever: Why Money Fails to Satisfy in an Era of Excess, Princeton: Princeton Univ. Press, 2000.16.
فضلاً عن الاهتمام المُسِرف بالملاهي وإشباع الرغبات الحسِّـيَّة، فقد تكاثرَت أنديةُ الرشاقة البدنيَّة وعمليَّاتُ التجميل الجراحيَّة للنساء تكاثرًا مُفرِطًا جدًّا في السنوات العشر الأخيرة. وفيما يأتي بعض الأمثلة: عام 1992 سُجِّلَت 13501 عمليَّة لرَفع جِلد الجبهة، و32461 عمليَّة لتقويم الجفون، و32607 عمليَّات لزرع أثداء اصطناعيَّة، و16810 عمليَّات لإضمار البَطن، و47212 عمليَّة لامتصاص الشحم، و291 عمليَّة لرَفع الردفَين، و1023 عمليَّة لشَدِّ الفخذَين؛ أمَّا في عام 2001 فقد سُجِّلَت 41668 عمليَّة لرَفع جلد الجبهة، و172244 عمليَّة لتقويم الجفون، و187755 عمليَّة لزَرع أثداء اصطناعيَّة، و58463 عمليَّة لإضمار البطن، و229588 عمليَّة لامتصاص الشحم، و1356 عمليَّة لرَفع الردفَين، و5096 عمليَّة لشَدِّ الفخذَين. (Source: American Society of Plastic Surgeons/U.S.News & World Report, June 25, 2001)
- 1 Amitai Etzioni. Next-The Road to the Good Society, pp. 1-2.
- 1 الدكتور داهش: “كلمات”، ص91.
- 1 أنظر تغطيةً واسعة للفساد السياسيّ في الدوَل في مجلَّة World Press Review، عدد تشرين الأوَّل/أكتوبر، 2001. وفي رأس الدوَل الفاسدة أجهزتُها: بنغلادش، ونيجيريا، وإندونيسيا، وأوغَندا، وآذربيجان، وبوليفيا، وكاميرون، وكينيا، ويوكرينيا، وتنزانيا. أمَّا طليعةُ الدُوَل الأقلّ فسادًا سياسيًّا وإداريًّا فهي: فنلندا، ودانمارك، ونيوزيلاندا، وآيسلاندا، وسنغفوره، والسوَيد، وكنَدا، وهولندا، ولوكسمبورغ، والنروج.
- 2 “الرسائلُ المُتبادَلة بين الدكتور داهش مُؤسِّسِ الداهشيَّة والدكتور حُسَين هيكل باشا” (بيروت:دار النسر المُحلِّق، 1981)، 41.
- 2 الدكتور داهش: “كلمات” (بيروت: دار النار والنور، 1983)، ص 102.
- 2 الدكتور داهش: “كلمات”، ص 97.
- 2 أنظر “صوت داهش” أعداد آذار/مارس، وكانون الأوَّل/ديسمبر 1997، وآذار /مارس، وحزيران/يونيو 1998.
- 2 الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار”، ص 375.
Ed Ayres, ed.. World Watch, January/February, 1999. 25.
Robert N. Bellah, Richard Madsen, William M. Sullivan, Ann Swidler, Steven M. Tepton. The Good Society (N. Y.: Knopf. 1991), pp. 5, 29-33,
David Gergen, Ed. at large. U.S. News & World Report, Sept. 25, 2000 27.
Amitai Etzioni. Next-The Road to the Good Society (N. Y.: Basic Books,2001), pp. 2, 53-62, 74.29. أنظر:
الطريقُ إلى العالَمِ الواحد في ضوءِ المفاهيمِ الداهشيَّة (1)
الأَخطارُ والأَزماتُ العالَميَّة
والطريقُ إلى العالَمِ الواحد في ضوءِ المفاهيمِ الداهشيَّة (1)
بقلَم الدكتور غازي براكْس
تعقيبًا على الخسائر الفادحة والأضرار المُروِّعة التي أَنزلَتها الحربُ العالَميَّةُ الأُولى في النفوسِ والمُمتلَكات، يقولُ الجُنديُّ الجريحُ جِلبِرت مُمثِّلاً رأيَ مُؤَسِّسِ الداهشيَّة في كتابِه المُلهَم “مُذكِّرات دينار”: “إنَّ على ساسَةِ العالَم، في أَربعةِ أَقطارِ المعمور، أَن يبنوا (عالَمًا واحدًا) إذا رغبوا في أَن يسودَ السلامُ العامُّ أرجاءَ هذه الكُرَةِ اللعينة.”[1]
بهذه الكلماتِ القليلةِ الحكيمة وضعَ الدكتور داهش أَهمَّ مبادئ الدستور الذي بإمكانِه أَن ينشرَ السلامَ في الأرض إذا طُبِّقَ بإخلاص. لقد توجَّهَ إلى أربابِ السياسة في الدوَلِ قاطبة، لا في دولةٍ واحدة مهما بلغَت من السُّؤدُدِ والقوَّة، مُؤَكِّدًا أَنَّ طريقَ السلامِ العالَميِّ الشامل يستحيلُ تحقيقُه إلاَّ ببناءِ “عالَمٍ واحد”، لا ثلاثة عوالم، وأَنَّ عليهم أَن يُدرِكوا أَنَّ هذه الأرضَ يُهدِّدُها من الأَخطار والأزمات الشاملة ما يجعلُها “كُرةً لعينة”. لكنَّ هذه اللعنة المُتمثِّلة بالدواهي والويلاتِ العالَميَّة يُمكنُ القضاءُ عليها إذا جعلَ قادةُ العالَم واجبَهم بناءَ “العالَمِ الواحد”.
فكيف تتمثَّلُ تلك الأخطارُ والأَزماتُ العالَميَّة في بداياتِ الألفِ الثالث؟ وما هي صورةُ “العالَمِ الواحد”، والطريقُ المُؤَدِّية إليه في ضوءِ المفاهيمِ الداهشيَّة؟
أَوَّلاً- الأَخطارُ والأَزماتُ العالَميَّة
ليس مُتعذِّرًا أَن يتمثَّلَ ذَوو البصائر النيِّرة أَهمَّ الأَخطارِ والأَزماتِ الشاملة التي يُهدِّدُ تفاقمُها العالَمَ بأَسرِه في بدايات القرن الحادي والعشرين؛ فأَخبارُها المشؤومة تكادُ لا تخلو منها، أَو من بعضِها، وسائطُ الإعلام يوميًّا. فـ”موسوعةُ المُعضلات العالَمِيَّة والإمكانات البشريَّة”[2] (1991) عرَضَت 13167 مُعضلة ما يزالُ العالَمُ يشكو من مُعظمِها. وبتمامِ القرنِ العشرين ازدادت هذه المُعضلاتُ عددًا وتعقيدًا. ولو حاولنا أَن نُصنِّفَها في تعريفاتٍ جامعةٍ كُبرى، لَرَدَدنا أَهمَّها إلى ستّ: الحروب، انتشار الأُمِّـيَّة، تفشِّي الفَقر والمجاعات، الاستعباد الحديث، الأَوبئة، أخطار البيئة. وجميعُها تحولُ دون قيامِ العالَم الواحد. وسأُرسِلُ كلمةً موجَزة في كلٍّ منها مُبيِّـنًا مظاهرَها، ووخيمَ عواقبِها، ثمَّ أُوضحُ صورةَ العالَم الواحد الذي يسودُه السلام ومُقتضياتِ المسيرةِ المُؤَدِّية إليه.
أَ- الحروب
مَن يُراجِعْ تاريخَ القرنِ العشرين وَفقَ ما دوَّنَه أَعلامُ المُؤَرِّخين وعُلماءُ السياسةِ والاجتماع يتَّضحْ له أَنَّ الشعورَ السائد في بدايةِ القرن المذكور، سواءٌ عند عامَّة الناس أم الصَّحَفيِّين أم جمهور المُفكِّرين، كان شعورًا تفاؤُليًّا بأنَّ التقدُّمَ العلميَّ التكنولوجيَّ سيُساعدُ كثيرًا في نَشرِ السلامِ والوئامِ بين الشعوب وتعزيزِ الازدهارِ الاقتصاديِّ فيها بحيثُ تُصبحُ الحربُ حكايةً قديمة. وعام 1910 بينما كان الصِّحافيُّ الإنكليزيُّ البارز نورمان آنجِل Norman Angell يُؤَكِّدُ هذه الأفكارَ التفاؤُليَّة في كتابِه الأكثر رواجًا “الوهم الكبير: العلاقة بين القوَّة العسكريَّة والمصلحة القوميَّة” The Great Illusion: A Study of the Relation of Military Power to National Advantage، كان دايفِد ستار جوردن David Starr Jordan، رئيس جامعة ستانْفورد، يُعلنُ في خطابٍ أَلقاه في جامعة تافْس أَنَّه”أَصبحَ مُحالاً أَن تنشبَ حربٌ في المستقبل لأَنَّ الأُمَمَ لا تُطيقُ احتمالَها.” لكنْ شَذَّ عن هذا الشعور التفاؤُليِّ السائد مُفكِّرون عباقرة، منهم الفيلسوفُ الأَمريكيُّ وِليام جايْمس William James الذي كتبَ في العامِ نفسِه يقول: “إنَّ الحربَ الحديثة أَصبحَت باهظةَ النفقات إلى حَدِّ أَنَّنا نرى أَنَّ التجارةَ هي سبيلٌ أَفضل لِسَلبِ الناس… لكنَّ الإنسانَ الحديث يرِثُ من أَجدادِه فطرةَ المُسارَعة إلى القتال وحُبِّ المجد. ولا يردعُه إظهارُ ما في الحرب من حماقةٍ وهَول؛ فللأَهوال فيه تأثيرٌ أَخَّاذ.”[3]
وفي الواقع بات في حُكمِ المُؤَكَّد أَنَّ التاريخَ لم يعرف قرنًا أَشرسَ من القرنِ العشرين عُدوانيَّةً وأَفجعَ مأساويَّة. فقد حفلَ بالحروبِ المُدمّرة الضارية التي نكبَت كلَّ شعب. فبُعَيدَ انتهاء الحربِ العالَميَّةِ الثانية التي انطلقَت فيها مَرَدةُ الجحيم مُبيدةً ناكازاكي وهيروشيما، وعلى أَثَرِ انعقادِ المُؤتمَرِ الأَوَّل لجمعيَّة الأُمَمِ المُتَّحدة في أَوائل 1946، هذا المُؤتمَر الذي جعلَه قادةُ الشعوب بوقًا للتبشير بالسلام والوئام والمُساواة والازدهار العامّ، وضعَ الدكتور داهش كتابَه المُلهَم “مُذكِّرات دينار” مُسلِّطًا فيه الضوءَ على مطامع الدوَل وأحقادِ الناس وشرورِهم، ومُكذِّبًا دعايات قادةِ الشعوبِ التفاؤُليَّة بقولِه على لسان جِلبِرت، أَحد الجنودِ الجرحى في الحربِ العالَميَّةِ الأُولى:
إنَّهم لا يتورَّعون من إحراقِ العالَمِ بأَسرِه في سبيلِ إشعالِ سيجارتِهم. وماذا يهمُّهم أَمرُ هذا الكون بما يحويه ما داموا هم سُعداء؟ فليَشقَ غيرُهم مثلما يُريدُ أَن يفعلَ به الشقاء، ولـتُنشِبِ الأَشجانُ أَظافرَها الفولاذيَّةَ في نفوسِهم، ولينقضَّ رسولُ الموتِ وليَختطِفْ أَرواحَهم… فهم آلَوا على أَنفسِهم إلاَّ الرقصَ على الأَشلاء من الضحايا، وقَذفَ جماجمِ الأَموات ثمَّ ركلَها بأَقدامِهم.[4]
وبعد ستٍّ وثلاثين سنة يُعلنُ الدكتور داهش في “كلمتي لعام 1982”: أَنَّ الفسادَ “سادَ… ربوعَ دُنيانا،” وأَنَّ “الشرَّ المُتواصل” و”الإرهابَ المتواصل” هما من مُميِّّزاتِ العصر، وأنَّ “القتلَ هو الوسيلة الوحيدة بها يتعاملُ الجميع؛ فالقويُّ يفترسُ الضعيفَ بشراسةٍ وعُنفٍ هائلَين…”[5]
إنَّ وِليام جايمْس أَدركَ ببصيرتِه النيِّرة أَنَّ الإنسانَ من المُتعذِّر أَن يتغيَّرَ؛ ومُؤَسِّسُ الداهشيَّة أَدركَ بإلهامِه السامي أَنَّ قادةَ العالَم هم صورةٌ لشعوبِهم، وشعوبَهم أَسيرةٌ للنـزعاتِ والغرائزِ الدُّنيويَّةِ التي تُحرِّكُهم وضحايا للدعاياتِ المُغرِضةِ التي يُلفِّقُها زُعماؤُهم. يقولُ الدكتور داهش فاضحًا الأَساليبَ السيكولوجيَّةَ الإبليسيَّةَ التي يستعينُ بها الزُّعماء:
إنَّ سلسلةَ الحروبِ التي نشبَت في خلال القرونِ البائدة حتَّى أَيَّامِنا الحاضرة اتَّخذَ لها مُثيروها أَسبابًا واحدة لم تتغيَّرْ رغمَ قِدَمِها. فهم يزعمون أَنَّهم يُعلنونها حربًا مقدَّسة، ويخوضون غِمارَها إعلاءً لكلمةِ الحقّ، ونَشرًا لمبادئ الطمأنينة، وإزالةِ الخوف، وإحلالِ السلامِ والوئام… وتوزيعِ العدالة العامَّة… وفرضِ هيبةِ القانون على الجميع، فلا سائد ولا مَسود (…) ودعاياتٌ مُغرِضةٌ كهذه تفعلُ فِعلَها بالأَعصاب كالأَفيون…[6]
ويعمدُ الخُطباءُ المُغرِضون إلى استثارةِ العصبيَّةِ القوميَّة أَو الإتنيَّة أو الدينيَّة، ويمهرون الحربَ التي يُعلنونها بطابعٍ جهاديٍّ مقدَّس، فيُخدَعُ معظمُ المُواطنين في الدولة المحفوزة إلى الحرب، ويستميتون ذَودًا عن “المُثُلِ العُليا”، فتتوالى الفواجع، وتتكاثرُ الضحايا، ويعمُّ الخراب، ويتفاقمُ العَوَز، ويزدادُ الغنيُّ غِنًى والفقيرُ فقرًا، ويبقى السادةُ والزعماءُ مُتربِّعين على عروشِهم التي أُقيمت على جماجمِ الأَموات.
لكنَّ نشوةَ النصرِ لا تطول، فرجُلُ الوَحيِ والمُعجزات يُؤَكِّدُ أَنَّ الدَّمَ يستسقي الدَّم:
الأُمَّةُ الخاسرة تحملُ في نفسِها حقدًا هائلاً، وتصبرُ على جُرحِها المُميت كالأَسدِ الجريح. وتمضي الأَعوامُ وهي تنتظرُ الفرصةَ المُؤاتية كي تنقضَّ على الدولةِ التي أصابت منها مقتلاً، تلك الدولة التي أَذلَّتها في كبريائها وحطَّمَت من عُنفوانِها وهزأَت بها أَمام الدوَلِ الأُخرى. وعندما تدقُّ الساعة، تثِبُ وثبةَ الأَسدِ الصحيحِ المُعافى، وتُعمِلُ أَنيابَها القاطعة وبراثنَها الحادَّة في جسدِ الدولةِ التي أَذلَّتها، فتُقطِّعُ أَوصالَها، وتسكرُ من خمرةِ دمائها، وهكذا تعودُ فتثأَرُ لِما أَصابها منذُ أَعوامٍ ، طالت أَم قصُرَت. وتدورُ عجَلةُ الدهرِ القُلَّب، فيرتفعُ ميزانُ القدَر، فتعودُ هذه الدولةُ للانتقامِ والثأر، وهكذا دوالَيك.[7]
ولا بُدَّ من لفتةٍ إلى عالَمِ الأَرقام، فهو يُيَسِّرُ فهمَ الوقائع. فالإحصاءاتُ التي جمعَها كِبارُ المُؤَرِّخين والمُؤَسَّساتُ العالَميَّة ومُنظَّمةُ الأُممِ المُتَّحدة تدلُّ على أَنَّ القرنَ العشرين، قرنَ التقدُّمِ العلميِّ المُذهِل، شهدَ أَكثرَ من 225 حربًا خارجيَّةً أَو داخليَّة— بما فيها الحربان العالَميَّـتان—سقطَ فيها لا أَقلَّ من 160 مليون ضحيَّة، من أَصلهم مئةُ مليون قتيل من المدَنيِّـين الأَبرياء. والجديرُ بالذكر أَنَّ تطوُّرَ التكنولوجيا الحربيَّة وازديادَ عددِ السكَّان جعَلا ضحايا الحروب في القرنِ العشرين عشرةَ أَضعافٍ أَكثرَ من ضحايا الحروب في القرن التاسعَ عشرَ، وأَنَّ السَّبَـبَين الآنفَي الذكر سيجعلان ضحايا الحروب المُقبلة أَكثرَ جدًّا مِمَّا شهدَه القرنُ العشرون. فالعقــدُ الأَخيرُ منه (1990-2000) سقطَ فيه أَكثر من عشرة ملايين قتيل من غير استخدام أَسلحةِ إبادةٍ جماعيَّة.[8]
والجديرُ بالذكر أَنَّ شراسةَ القتال وتأَجُّجَ الشرِّ والأَحقادِ في المُتحاربين قدَّما أَمثلةً للتاريخ ساوَت بين المُتخلِّف والمُتمدِّن، كما بين المُنتمين إلى مُختلفِ الأَديان. ففي بداياتِ القرنِ العشرين كان الأَتراكُ في البلقان— وعلى الأخصِّ في بلغاريا— يُسمِّرون المساجينَ بآذانِهم إلى سياج طوالَ الليلةِ الأَخيرة من أَعمارِهم، وفي اليوم التالي يُعلِّقونهم بالمشانق. وكانوا يقتلون أَو يُحرقون أَو يغتصبون النساءَ والأَولاد. وإذا كانت النساءُ حبالى، عمدَ جنودُ الانكشاريَّة إلى قَتلِ الأَجنَّةِ طَعنًا في بطونِ أُمَّهاتِهم. وإذا كانت الأُمَّهاتُ يُرضِعنَ أَطفالَهُنَّ، انتَزَعوهم من أَيديهنَّ، وقذَفوا بهم في الهواء، ثمَّ تلقَّفوهم برؤوسِ الأَسنَّة وهم يضحكون مُبتهِجين.[9]
وفي أَواخر الحربِ العالَميَّةِ الثانية تفجَّرَت الأَحقادُ في انتقامٍ مَكيافيلّيٍّ مُروِّعٍ ضدَّ اليابان؛ فبُعَيدَ منتَصفِ ليلة 9-10 آذار (مارس) 1945، أَغارت أَسرابٌ من الطائرات الأمريكيَّة على طوكيو، وأَنزلَت من القنابل أَهوالاً لا توصَف بحيثُ أَثارت في المدينة عواصفَ ناريَّة اندفعَت تلتهمُ البشرَ والحجَر، وما كفَّت الزوابعُ الجحيميَّة إلاَّ بعد أَن قضَت على 97 أَلف شخص، معظمُهم من المدَنيِّـين الأَبرياء، وأَصابت ببليغ الحُروق والقُروح 125 أَلفًا آخَرين، وشرَّدَت مليونًا ومئتَي ألفِ شخص. وصباحَ السادس من آب (أُوغسطس) من العام نفسه أُسقِطَت القنبلة النَّوَويَّة الأُولى على هيروشيما، فقضى من تأثيرها الهائل حوالى 140 ألف شخص، وتحوَّلَ معظمُ المدينة إلى أرضٍ محروقة. وفي التاسع من آب (أُوغسطس) أُسقِطت القنبلة النَّوَويَّة الثانية على ناكازاكي، فقضَت على حوالى 80 ألف شخص. وعلَّق الأدميرال ليهي Leahy، قائدُ الأُسطول الأمريكيّ، عهدئذٍ، قائلاً: “إنَّ اليابانيَّـين كانوا قد هُزِموا [قبل إلقاء القنبلتَين النَّوَويَّـتَين]… واستخدامُ هذا السلاحِ الضاري ضدَّ هيروشيما وناكازاكي لم يكُن ليُقدِّمَ أَيَّة مُساعدة مادِّيـَّة في حربنا ضدَّ اليابان… فبكَونِنا أَوَّلَ مَن استخدَمه… نكون قد استخدمنا مِعيارًا خُلُقيًّا كان يستخدمُه البرابرة في عصور الظلام. لم أَتعلَّم أَن أشنَّ حربًا بهذا الأُسلوب، فالحروبُ لا تُكسَبُ بقَتلِ النساء والأطفال…”[10]
وفي أَواخر القرنِ العشرين سقطَ في الحربِ الرَّوَنديَّة التي سعَّرَتها العصَبيَّاتُ الإتنيَّة الإفريقيَّة أَكثرُ من مليون ضحيَّة، مُعظمُهم من قبيلة “التوتْسي” Tutsi. فقتلَ المُحاربون من قبيلة “الهوتو” Hutu ثُلثَ الضحايا بقَطعِ رؤوسِهم بحَدِّ المناجل، وقَضَوا على أَكثريَّةِ الآخَرين إمَّا بالضربِ المُميت أَو الاغتصابِ الضاري، وإمَّا تجويعًا أَو إحراقًا أَو إغراقًا. ولم يحظَ برحمةِ القتلِ رَميًا بالرصاص إلاَّ قليلون مِمَّن استطاعوا أَن يشتروا ميتةً سهلة برشوةِ قاتِليهم بما اختَزنوه من مالٍ قليل.[11] وأَفظعُ ما حدثَ في هذه الحرب الداخليَّة أَنَّ بعضَ رجال الدين المسيحيِّـين شاركوا في المجازر الرهيبة. فقد اتَّهمَت محكمةُ العَدلِ الدوليَّة القسِّيس إليزافان نتاكيروتيمانا Elizaphan Ntakirutimana بتدبير مجزرة هائلة ضدَّ قبيلة “التوتسي”. فقد انبرى الأُلوفُ من هذه القبيلة يتدفَّقون إلى كنيسة الأدفنتيست الواسعة التي كان يُشرفُ عليها القسِّيسُ المذكور كما إلى المُجمَّع الكبير التابع لها واثقين بأَنَّ الراعي المسيحيّ سيحميهم من انتقام أعدائهم “الهوتو” الذين استبدَّ الهياجُ بهم على أثر مقتل رئيس البلاد (الذي كان من إتنيَّتهم) في حادثٍ غامض. لكنَّ القسِّيسَ الذي كان يُشجِّعُ أرهاطَ “التوتسي” على الالتجاء عنده، ما لبثَ أن تقدَّمَ إلى المُجمَّـع، في 16/4/1996، على رأسِ موكبٍ من المُسلَّحين “الهوتو” ، وقاموا بمجزرةٍ مُروِّعة بالأسلحة الرشَّاشة والقنابل والفؤوس والهراوات المُدبَّبة بالمسامير، فقتلوا 8000 لاجئ في خلال 12 ساعة. وتابع القسِّّيسُ مآثرَه بمُطاردة فلول “التوتسي” في الشهرَين اللاحقَين.[12]
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، والبشريَّةُ لم تصحُ بعدُ من سكرةِ التفاؤُلِ والابتهاج بمَقْدمِ الأَلفِ الثالث، هزَّ العالَمَ زلزالٌ نفسيٌّ رهيب أَطلقَته عمليَّةٌ هجوميَّةٌ ضارية على المركزِ التجاريِّ العالَميِّ بنيويورك، عاصمةِ عواصمِ الدُّنيا، كما على البانتاغون، رمزِ الجَبروتِ العسكريِّ بواشنطن، فسقطَ الضحايا الأَبرياءُ بالآلاف، ووقعَت الخسائرُ المادِّيـَّةُ بمئاتِ البلايين من الدولارات. وتمخَّضت أرضُنا الحُبلى بجَمرِ الحقدِ والانتقام بحربٍ ضَروسٍ جديدة قد تعقبُها حروبٌ لم تخطرْ صُورُها ببال.
وتذكَّرْ، يا قارئي، أَنَّ عواقبَ الحروبِ لا تقتصرُ على الخسائر الفادحة بالنفوس والمُمتلكات، فعشراتُ الملايين من الأَلغام المزروعة نتيجةً للحروب ما زالت تُهدِّدُ المدَنيِّـين الأَبرياءَ كِبارًا وصغارًا في أَكثرَ من 64 بلَدًا؛ وهي تُسبِّبُ قَـتْلَ زُهاء 30 أَلف شخصٍ سنَويًّا أَو بَـتْرَ أَعضائهم.[13] كذلك فالحصارُ الاقتصاديُّ المضروبُ على بعض الدوَل يُسبِّبُ حدوثَ كوارثَ إنسانيَّة.[14] زِدْ إلى هذه الكوارث نكبةَ اللاجئين المسحوقين الهاربين من الحروبِ والأخطار في مختلف أرجاء العالَم إلى بلدانٍ أُخرى كثيرًا ما تصدُّهم، وقد بلغَ عددُهم، عام 2000، أَحدَ عشرَ مليونًا و700 ألف شخص، وَفقَ تقريرٍ صادرٍ عن مُنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة؛[15] واسكُبْ فوق هذا البحرِ المَوَّارِ بالأخطار والفواجع هيجانَ القلقِ العالَميِّ المُستحوِذِ على البشر حيثما كانوا خوفًا من مُفاجآت الإرهابِ الأَعمى الذي لا يُفرِّق، ومن شرٍّ عالَميٍّ غيرِ مُتوقَّع قد تُفلِتُ مرَدَتُه الجحيميَّة من 35 رأسًا نَوَويًّا ما تزالُ تنتظرُ تفجُّرَها في جهات الأرض الأربع— وإذْ ذاك لا يبقى لكَ إلاَّ أَن تُردِّدَ قولَ مُؤَسِّسِ الداهشيَّةِ الحكيم: “إنَّ الحربَ إثمٌ رهيبٌ فادِح لا يغفرُ اللهُ لِمَن ارتكبَ جريمتَه. والسلامُ العالَميُّ هو حُلمي المنشود.”[16] لكنْ أَيتحقَّقُ السلامُ العالَميُّ والأَرضُ مُنقسمة بعضُها ضدَّ بعض، والأحقادُ تتبارى في تأَجُّجِها، والأَطماعُ تتنافسُ في تسعُّرِها، وكلُّ شعبٍ يهمُّ بنَهشِ لحمِ شعب لا يثنيه عن رغبتِه الضارية دينٌ أَو قِيَم؟
ب- تَـفَشِّـي الأُمِّـيَّة
كان الدكتور داهش عظيمَ النُّفورِ من الأُمِّـيَّة، يرثي لأَهلِها ولا يرتاحُ لمُجالستِهم. وكم مرَّةٍ حدَّثَنا عن استهجانِه انتشارَ الأُمِّـيَّةِ في بعضِ البلدان التي زارَها في رحلاتِه حول العالَم بين 1969 و1983، وعن تأثيرِ الجهلِ في تخلُّفِ الأَنظمةِ السياسيَّةِ والتقاليدِ الاجتماعيَّةِ والدينيَّة، كما في خَلقِ “اللصوصِ والقتَلة والمُحترفين للجرائم بمُختلف أَنواعِها”؛ حتَّى إنَّه كان يسخطُ على كلِّ حاكمٍ يقفُ موقفًا سلبيًّا من تفشِّي الجهل، ويعتبرُ كلَّ مَن يُغلِقُ مدرسةً مُجرِمًا طاغية يجبُ أَن تقتصَّ العدالةُ منه.[17] وكنتُ قد أَشرتُ، في سياقِ كلامي على “الحياة الثقافيَّة والرقيِّ الحضاريِّ في ضوءِ التعاليمِ الداهشيَّة” (“صوت داهش”، ربيع 2002) إلى أَنَّ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة تعرَّفَ، في أَثناءِ إقصائه التعسُّفيِّ عن لبنان عام 1944، إلى الجهلِ الفاضِح الذي كفَّنَ بظلمتِه عقولَ كثيرين مِمَّن تعرَّفَ إليهم في بعض الأراضي السوريَّة، حتَّى إنَّه تذكَّرَ، في تلك المُناسبة المأساويَّة، جوابَ الشاعر الكبير حليم دمُّوس له، إذْ سأَلَه: أَيُّهما يختار القصر الشامخ يُساكنُ فيه بُلهاءَ جُهلاءَ أَم السّجن يُجالسُ فيه مدى الحياة الأُدباءَ والشعراء؟ فكان جوابُ الحليم: “أُفضِّلُ السِّجنَ المُخيف على القصرِ المُنيف.” وقد عقَّبَ الدكتور داهش بحُكمِه على الجهالة بأَنَّها “العَيبُ نفسُه.”[18]
إنَّ الأُمِّـيَّة (بمعنى جهل القراءة والكتابة تمامًا أو بما يُقاربُ ذلك) لآفةٌ عظيمة ما زالت مُتفشِّية بدرجاتٍ مُتفاوتة في كثيرٍ من البلدان، بحيثُ إنَّ سُدسَ البشريَّة (أَي حوالى بليون نسمة) ما يزالُ غارقًا في دياميس الجهلِ المُطبِق. وبينما ترى نسبةَ الأُمِّـيَّة مُتدنِّـية جدًّا في أُوروبَّا والولايات المُتَّحدة وكنَدا وأُوقيانيا، نجدُها مُرتفعةً في أَمريكا الوُسطى وأكثر بلدان أمريكا الجنوبيَّة، حيثُ تبلغُ في البرازيل، مثلاً، 15% للرجال كما للنساء، وَفقَ إحصاءات الأُونسكو لعام 2000؛ وعالية جدًّا في البلدان الإسلاميَّة، وعلى الأخصّ الإفريقيَّة، وكذلك في أكثر البلدان العربيَّة. أَمَّا الصين فبينما تبلغُ نسبةُ الأُمِّـيَّة في رجالها 8.3% فقط، فهي ترتفعُ في النساء إلى 23.7%. في حين أَنَّ الهند تبلغ نسبةُ الأُمِّـيَّة في رجالها 31.6%، وفي نسائها 54.6%.[19]
إنَّ عواقبَ انتشار الأُمِّـيَّة في أيِّ بلدٍ لَوخيمة ومُتعدِّدة. فهي، أوَّلاً، تشلُّ النشاطَ العقليَّ وعملَ المنطق الصحيح في فئةٍ كبيرةٍ من الناس، وخصوصًا النساء، إذْ إنَّ نسبتَها بينهنَّ، بصورةٍ عامَّة، أرفعُ مِمَّا هي بين الرجال. وبما أَنَّ تَبِعةَ التربية يُلقى القسطُ الأَوفرُ منها على عاتقِ الأُمَّهات، فبوُسعِنا أن نتمثَّلَ البيئةَ الجاهلة الفائضة بالأوهام والخُرافات والآراء الانفعاليَّة والأحكامِ الاعتباطيَّة التي ينشأُ فيها أَطفالُ الأُمِّـيَّات. وهكذا تُصبحُ جماعاتٌ غفيرة من الشعب يُمكنُ أن يبلغَ تعدادُها الملايين، أو عشراتِ الملايين— كما الحال في إيران ومصر وباكستان وإندونيسيا، أو مئاتِ الملايين —كما الحال في الهند والصين—تعيشُ في ما يُشبهُ العصورَ الحجَريَّة في قرنٍ تطمحُ الشعوبُ المُتقدِّمةُ فيه إلى بَسطِ سلطانِها على الكواكب. وهذا لا يعني التخلُّفَ الحضاريَّ فحسب، بل الحيلولة دون إحرازِ قطاعٍ كبيرٍ من الشعب أَيَّةَ إفادة مُمكنة من التقدُّمِ المُطَّّرد في بِقاعٍ أُخرى من العالَم، وبالتالي قَطْعَ الحوار المُؤَدِّي إلى التفاهُم والوئام بين شعبٍ تعظمُ فيه الجهالة وشعبٍ تعظمُ فيه المعرفة.
ثانيًا، إنَّ تفشِّي الأُمِّـيَّة يزيدُ في نسبةِ البِطالة حارمًا الدولةَ من تعبئة معظم طاقاتها للنهوضِ بها، خصوصًا في عصرٍ حدثَت فيه الثورةُ التكنولوجيَّة المعلوماتيَّة، بحيثُ أصبحت الخبرةُ في الأَجهزة الإلكترونيَّة، ولا سيَّما الكمبيوتر، لا غِنى عنها لكلِّ شركةٍ أو متجرٍ بل بَيت. وللأَسف، بينما ينعمُ الغربُ، ولا سيَّما الولايات المًتَّحدة، بنسبةٍ عالية جدًّا من مُستخدمي شبكة الاتِّصالات العالَميَّة للكسبِ التجاريِّ أو الثقافيِّ، فإنَّ شعوبَ العالَم الثالث، وبينها الشعوبُ العربيَّة، ما تزالُ في بداية الرحلة الطويلة. فإحصاءاتُ مُنظَّمة الأُمَمِ المتَّحدة تُشيرُ إلى أَنَّ البلدانَ العربيَّة تتراوحُ نسبةُ استخدام الكمبيوتر فيها بين 8 و65 بالأَلف، ونسبةُ استخدام الإنترنيت بين 1 و15 بالألف.[20]
ثالثًا، إنَّ اتِّساعَ نطاقِ الأُمِّـيَّة في شعبٍ ما يُوسِّعُ نطاقَ الإجرام، ويُسهِّلُ استنفارَ عزائم الجُهَّال لحروبٍ دينيَّة أو طائفيَّة أو إتنيَّة ضدَّ الآخرين في البلدِ نفسه أو البلدان المُجاورة. وحسبُ الراغب في تكوين صورةٍ واضحة عن هذا الأمر أن يتأَمَّلَ الأحداثَ الجارية في عدَّةِ دُوَلٍ إفريقيَّة أو غيرها من الدوَلِ التي تتفشَّى الأُمِّـيَّةُ فيها.
وبعد اتِّضاح عواقبِ الأُمِّـيَّة الوخيمة، هل يبقى لنا إلاَّ أن نقولَ مع الدكتور داهش: إنَّ الجهالة الكبيرة “هي العَيبُ نفسه”؟ فهي أُمُّ آفاتٍ خطيرة وويلاتٍ كثيرة. لكنْ كيف السبيلُ إلى العالَمِ الواحد وبليونٌ من البشر ما زالوا يعيشون حياةً شبيهةً بحياة الناسِ في العصور الحجَريَّة؟
ج- إنتشارُ الفقر والمجاعات
إنَّ تفشِّي الفقر وتكرارَ حدوث المجاعات في بقاعٍ كثيرةٍ من الأَرض لَـلَطخةُ عارٍ تَصِمُ وجهَ الشعوبِ الغنيَّة؛ وإنَّها لَـوَصمةٌ تزدادُ قُبحًا كلَّما ازدادت الفجوةُ الهائلة الفاصلة بين أَثرياء العالَم وفُقرائه. فأَيُّ إنسانٍ نبيلٍ لا يهتزُّ ولا ينتفضُ ضميرُه حيالَ التفاوُت الهائل الحاصلِ بين الناس؟ فكيف بِـهادٍ يحملُ للإنسانيَّة رسالةً روحيَّة!
ففي 18/9/1944 اضطُرَّ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة، وهو في منفاه القسريِّ في شماليِّ سوريا، إلى دخولِ حَيٍّ أَرمنيّ، فدوَّنَ في كتابه “بريء في الأغلال” قائلاً:
وفي هذا اليوم تجوَّلتُ قليلاً في الأَحياءِ الأَرمنيَّة وشاهدتُها، فإذا بالعَينِ تنبو عن رؤيتِها ورؤيةِ منازلِها. وقد شبَّهتُها بقُفرانِ النحل لالتصاقِ بعضِها ببعض! وشاهدتُ بعضَ المنازل يسكنُها لا أقلَّ من ستِّ عائلات، كلٍّ منها في غرفةٍ واحدة!
والحقُّ يُقال، إنَّ معيشةَ هؤلاء الأرمن لَمِن القسوةِ على شيءٍ كثير. فإنَّهم يكادون لا يستطيعون أَن يحصلوا على قوتِ يومِهم. والبؤسُ ظاهرٌ على وجوهِهم. وغُرَفُهم تصدمُ العينَ بالفراغِ الذي تحويه. فلا رياش، ولا ما هو ضروريٌّ للإنسان لقضاءِ أَرَبِـه الدُّنيَويّ.
لقد حزنَت نفسي، وأَيمُ الحقّ، من رؤيةِ هذه المشاهدِ المُؤسِفة، وقلتُ: تاللهِ، أَيحيا شعبٌ برفاهية ونعيم حتَّى تفيضَ عنه المادِّيـَّات، بينما يعيشُ أَقوامٌ آخَرون معيشةً يعيشُ أَفضلَ منها بأَضعافٍ حيواناتُ تلك الشعوب! فأَين هي العدالةُ التي يتبجَّحون بها؟ وأَين التحرُّرُ من العوَز والفَقر؟ والتحرُّر من الخوف؟…
وإذ اضطرَّته الظروفُ القاسية إلى أَن ينـزلَ في ضيافةِ عائلةٍ أَرمنيَّة كانت تتأَلَّفُ من ثمانية أَشخاص (أب وأُمّ وستَّة أَولاد) يسكنون جميعًا في غرفةٍ واحدة “هي أَشبهُ بعُلبةٍ منها بغرفة”، يُعلِّقُ قائلاً في يوم 21/9/1944:
وسرعانَ ما تذكَّرتُ السِّجنَ الذي كان يضمُّ في كلِّ غرفةٍ من غُرَفِه عشراتِ الأَشخاص، وقلتُ إنَّ الفارقَ الوحيدَ بين هذا المكان والسِّجن أَنَّنا نتمتَّعُ هنا بالحُرِّيـَّة؛ أَمَّا هناك فلا وجودَ لها.
وأَحضرَت الابنةُ البِكرُ للعائلة طبَقًا من القَشِّ المُمزَّق، ورصَفَت عليه بضعةَ صحونٍ كان في أَحدِها دِبسٌ أَسودُ اللون، وفي آخَرَ بصلٌ مُقطَّع، وفي آخَرَ كُبَّة، وفي سواه حبوبٌ من الزيتون الأَعجف. وعَدَدتُ الأَرغفة، فإذا بها لا تزيدُ عن ستَّة، بينما نحن عشرة [كان حاضرًا أيضًا شخص أرمنيّ اسمُه توروس].
وهنا أَصدُقُ القارئَ أَنِّي شعرتُ بحُزنٍ مزَّقَ روحي لهذا الفَقرِ العظيم. ومع أَنِّي كنتُ جائعًا جدًّا، فقد صدَّتْ نفسي عن الطعام. وبالرُّغم من دعوتِهم إيَّاي كثيرًا، فإنَّني شكرتُهم، وأَقسمتُ لهم على أَنِّي لا أشعرُ بالجوع.
ورحتُ أُعلِّلُ المُعضلةَ في نفسي مُتسائلاً: لماذا يوجَدُ مع بعض الناس آلافٌ عديدة من الليرات الذهبيَّة، وهم يُبدِّدونها في سبيل ملذَّاتِهم يمينًا ويسارًا، ويملأُون بطونَهم الشَّرِهة بأَشهى الأَطعمة وأَنفسِها وأَفدحِها ثمنًا؟ ولِمَ يوجَدُ سواهم، كهؤلاء المساكين، وهم يكدحون طوالَ يومِهم، ويكادون لا يتبلَّغون ويملأُون بطونَهم بالخبزِ الأَسودِ الجافّ؟
أَهذه هي العدالةُ التي يتبجَّحون بها؟ أَهذه هي نصوصُ “الميثاق الأَطلنتيكيّ” الذي يقولُ أَوَّلُ بنوده بـ”التحرُّر من العَوَزِ والفَقر”؟
كنتُ في ثورةٍ نفسيَّة عنيفة على الأَنظمةِ البشريَّة القاسية غيرِ العادلة. وكنتُ أَحترقُ دون أَن أَستطيعَ عملَ شيءٍ ما.
كان ذلك منذ 57 عامًا، في خلالها أُسِّسَت مُنظَّمةُ الأُمَمِ المُتَّحدة، ووُضِعَت “شرعةُ حقوق الإنسان”، وعُقِدت مئاتُ المُؤتمرات، وأُرسِلَت آلافُ النداءات لإغاثةِ الجائعين والفقراء… ومع كلِّ ذلك كان يعيشُ في العالَم، في نهاية القرنِ العشرين، حوالى بليون و300 مليون شخص بدولار واحد أو أقلّ في اليوم،[21] وكان يحقُّ على تلك الدوَلِ الأفقر دَينٌ يبلغُ مجموعُه 422 بليون دولار.[22] ولا يخطُرَنَّ في بال القارئ أَنَّ الفقراءَ يعيشون في دوَلِ العالَمِ الثالث فقط؛ ففي تقريرٍ لـ”وكالة إغاثة الأطفال” التابعة للأُمَمِ المُتَّحدة أَنَّ في أُوروبَّا الشرقيَّة والاتِّحاد السوفياتيّ سابقًا 18 مليون طفل يعيشون في فَقرٍ مُدقِع. كذلك أَسفرَت الإحصاءاتُ الأمريكيَّة السكَّانيَّة، عام 1998، عن أنَّ 36 مليونًا وخمسمئة أَلف أَمريكيّ ما زالوا يعيشون في حالة الفَقر؛ وهذا المجموعُ يُشكِّلُ نسبة 13.7% من سكَّان الولايات المُتَّحدة. ومن ناحيةٍ أُخرى، يُقَدَّرُ أَنَّ واحدًا من كلِّ خمسة أَولاد أَمريكيِّـين يُعاني الفَقر، أي بنسبة 22.4%، وذلك من جرَّاء ارتفاع نسبة الولادات في الأُسَرَ البائسة بصورةٍ عامَّة. ووَفقَ دراسةٍ أَجرَتها مُنظَّمةُ الأُممِ المُتَّحدة، تحتلُّ الولاياتُ المُتَّحدة الدرجةَ العُليا في نسبة عددِ الأولادِ الفقراء بين 18 دولة صناعيَّة، تَليها المكسيك ، مع مُلاحظة أنَّ حَدَّ الفَقر في الولايات المُتَّحدة أَرفعُ مِمَّا هو في العالَم الثالث.[23]
إنَّ كارثةَ الفَقر التي تنكبُ حوالى بليون وثلاثمئة مليون شخص تتفاقمُ خطورتُها عندما تقترنُ بتفشِّي الأُمِّـيَّة في الشعب. فتعظمُ نسبةُ البِطالة،[24] ويضعفُ مُعدَّلُ دَخل الفرد،[25] وترتفعُ نسبة التناسُل بصورةٍ عامَّة. فازديادُ الولادات في الهند وإفريقيا والبلدان الإسلاميَّة أو العربيَّة نسبتُه أعلى جدًّا مِمَّا هو عليه في أُوروبَّا أو الولايات المُتَّحدة؛ ولا يشذُّ عن هذه القاعدة إلاَّ الصين من جرَّاء فرضِ الدولة فيها قوانينَ للحَدِّ من النَّسل. وبينما يتوقَّعُ الخُبراءُ أَن يتناقصَ عددُ السكَّان في أكثر البلدان المُتطوِّرة خلال نصف القرنِ المُقبِل، فإنَّ العكسَ سيحصل في البلدان الفقيرة، إذْ سيزدادُ عددُ السكَّان في أكثرها ازديادًا كبيرًا؛ فيرتفعُ في كلٍّ من إيران ومصر إلى 115 مليون شخص، وفي نيجيريا إلى 244 مليونًا، وفي باكستان إلى 345 مليونًا، وفي الصين إلى 1478 مليونًا، وفي الهند يبلغُ الذروة فيصل إلى 1529 مليون نسمة.[26] والجديرُ بالذكر أَنَّه كان على البشريَّة أن تُمضيَ حوالى عشرة آلاف سنة ليبلغَ عددُها البليون عام 1800. لكنَّ عددَ البشر تضاعف في خلال 130 سنة؛ وبعد حوالى قرنَين من المُتوقَّع أن يبلغ 135 بليون شخص. وعُشرُ هذا العدَد من السكَّان، الذين سيعيشُ أكثرُهم في عالَمٍ بائسٍ مُتخلِّف، يكفي ليجعلَ الأرضَ جحيمًا فعليًّا، إذا بقيَت الظروفُ العالَميَّة على ما هي عليه اليوم.[27] ومتى عرفنا أَنَّ 70% من فُقراء العالَم هم من الإناث، و66% من أُمِّـيِّي العالَم هم من النساء (وَفقَ إحصاءات مُنظَّمة الأُمَم المُتَّحدة عام 1995)، وأَنَّ حوالى ثلاثين مليون شخص يموتون، كلَّ عام، من جرَّاء المجاعات، و800 مليون شخص يُعانون أمراضَ نقصِ الغذاء، وبليونَي شخص (أي ثُلث البشريَّة) يُكابدون داءَ فَقرِ الدَّم،[28] فإذْ ذاك يتَّضحُ لنا حجمُ كارثة الفَقرِ المقترنِ بالأُمِّـيَّة.
عام 1983 قام الدكتور داهش برحلةٍ إلى الهند دامت بضعةَ أَشهر. وكدأبِه في جميع رحلاته كان يُدوِّنُ مُلاحظاتِه وانطباعاتِه تدوينًا فوريًّا. فقد جوَّلَ في نيودلهي وبومباي وجيبور وكلكتَّا ومَدراس وكشمير وضواحي هذه المدُن؛ فاهتزَّت نفسُه للفَقرِ والشقاءِ والمهانة تضربُ أَهوالُها معظمَ السكَّان: فحيثما كان يتَّجه كان الشحَّاذون يُطوِّقونه أرتالاً أرتالاً كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالاً. أَمَّا بيوت الملايين منهم فقد كانت أَكواخًا مُتلاصقة شيدَت من الحُصُر والخِرَق البالية والتَّنَكِ الصَّدِئ والأخشابِ المُتهرِّئة، وسُقِفَت بالخَيش (الجنفاص). وعند وصولِه إلى مطار مَدراس شاهدَ شخصَين يتوسَّدان الرصيفَ الحجَريّ؛ فانتفضَ قائلاً بحزنٍ بالغ: “تُرى، هل نحن حقًّا في القرنِ العشرين، قرنِ العلمِ والمعرفة والمُساواة! إنَّها ألفاظٌ جوفاءُ مُخزِية! فأَين أَين هي الإنسانيَّة؟ وبأَيِّ مكانٍ توارَت؟ حقًّا إنَّها مأساةٌ مُخزِية مُخجِلة!”[29]
رابعًا- الاستعبادُ الحديث
كان الدكتور داهش، طولَ حياته، يرفضُ الاستعانةَ بأَيِّ خادم؛ بل لقد سمعتُه ينصحُ بعضَ الداهشيِّـين الميسورين مِمَّن كانوا، قبل تعرُّفِهم إلى الحقائق الروحيَّة الداهشيَّة، يستعينون بالخدَم في منازلِهم، بأَن يُقلِعوا عن هذه العادة السيِّئة. فالبشرُ جميعُهم إخوة، وليس من سيِّدٍ أو عبدٍ في الأُسرة الواحدة. فأَصلُ الناس واحد، والأرضُ بمُستواها الروحيِّ ساوت بيننا جميعًا، ولا فضلَ لأَحدٍ على آخَر إلاَّ بالخيرِ الذي يُقدِّمُه لنفسه وللبشر، وليس خيرًا إذلالُ الناس وازدراءُ كرامتهم الإنسانيَّة.
لقد رأَى الدكتور داهش في أَثناءِ تجوالِه في مُدُنِ الهند أَوضاعَ البُؤسِ والمذلَّة واستعبادَ الإنسانِ للإنسان بأَبشعِ مظاهرها، وهي تعمُّ أَرجاءَ البلاد قاطبة. فانتفضَ أَلَمًا وسخطًا على التقاليد الظالمة التي ما تزالُ تجعلُ فئةً من الهنود تُعاملُ فئةً أُخرى مُعاملةَ الأسيادِ للعبيد، تلك المُعاملة التي ثار المهاتما غاندي عليها ساعيًا إلى إبطال نظامِ الطبقات التي ترزحُ في أَدناها طبقةُ المنبوذين، لأنَّ الطبقيَّةَ المُهينة والاستعباد ليسا من جوهرِ أيِّ دين. لكنَّ مُؤسِّسَ الداهشيَّة اضطربَ أيَّما اضطراب لِما شاهدَه في كَلكَتَّا، فدوَّنَ في كتاب رحلته:
كانت أرتالٌ من الشحَّاذين والشحَّاذات يُحاصرون سيَّارتَنا، ويطلبون حسَنة. وبعضُهم كان مقطوعَ اليَد، وآخَرُ مبتورَ الرِّجْل، وشحَّاذةٌ مبتورةَ الشفتَين، وسواها جاحظةَ العَينَين، وأُخرى تُمثِّلُ العتَه التامَّ بأَجلى معانيه وأَتمِّ مبانيه. إنَّها مناظرُ مُؤذية للغاية! فكيف تسمحُ حكومةُ الهند بهذه المشاهد التي تعودُ بالضررِ الكبير على سمعة الهند وحكومةِ الهند وشعبِ الهند! أَنا ما كنتُ أَظنُّ أَنَّني سأُشاهدُ ما شاهدتُه! إنَّه فظيعٌ للغاية، ومُزعِجٌ للغاية![30]
واستفظاعُ الدكتور داهش لم يكُن للحالةِ البالغةِ البُؤس والشقاء التي عاينَها فحسب، بل لأنَّه عرفَ أنَّ هذه المذلَّة التي يرزحُ تحت نيرها مئاتُ الأُلوف وربَّما الملايينُ من الهنود إنَّما سببُها استعبادُ الإنسان للإنسان، بل استعبادُ أُولئك المُشوَّهين من قِبَلِ أَهاليهم وذَويهم، فهم الذين بتَروا أَعضاءَهم ومسَخوا خلقتَهم، ودرَّبوهم على الاستعطاء بمعرفةِ الدولة وسكوتها. إنَّها الاستهانةُ العُظمى بالكرامةِ الإنسانيَّة![31] وزاد الطينَ بَلاًّ أَولئك الأُلوف من الشبَّان الحُفاة الذين يجرُّون العربات راكضين لاهثين بدلَ الجياد أو الجواميس. فقد انتفضَت نفسُ رجلِ الروح من منظرِهم. ومع أَنَّهم يملأون شوارعَ كَلكَتَّا، فقد رفضَ أن يعتليَ عربةً يجرُّها إنسان؛ علمًا بأنَّه كان يسيرُ مُجهَدًا، مُتوكِّئًا على عصاه، والآلامُ المُبرِّحة تنهشُ ظهرَه. فقال:
إنِّي أَربأُ بنفسي عن أن أدعَ رجُلاً يتحمَّلُ مشاقَّ إيصالي إلى مكانٍ حتَّى لو كان يبعدُ بضعةَ أَمتار فقط. إنَّ الإنسانيَّة تتأَلَّم لهذه المشاهد المُؤذية جدًّا. فليت حكومةَ الهند تمنعُ هذه البِدعةَ الغريبة رحمةً بهؤلاء الشبَّان وصَونًا لكرامتِهم، وحِفاظًا على صحَّتِهم.[32]
مُنطلَقُ الداهشيَّة في ضرورة صَون كرامة الإنسان هو المُنطلَقُ نفسُه الذي تعتمدُه الكتُبُ المُقدَّسة. فتعاليمُ الأنبياء مَبنيَّة كلُّها على الأصلِ الواحد الذي ينحدرُ منه البشر كما على واجبِ الإخاء والمحبَّة بينهم، وليس فيها ما يُشيرُ إلى فضلِ الغنيِّ على الفقير. وإذا راعى الرسولان بطرس وبولس النظامَ السائدَ في الدولةِ الرومانيَّة منذُ ألفَي سنة، فذلك عن حكمةٍ وبُعدِ نظَر. فنظامُ العبيد لم يكُن راسخًا في تقاليد الرومان الاجتماعيَّة فحسب، بل كان راسخًا في بِنيتهم العسكريَّة أَيضًا منذ آلاف السنين، وكلُّ تحريضٍ على تقويضِ ذلك النظام، والدولةُ الرومانيَّةُ في ذروةِ سطوتِها، والمسيحيَّةُ في طفولتِها، كان يُهدِّدُ المسيحيّـين بالإبادة. كذلك نرى الموقفَ نفسَه في تعاليم القرآن الكريم. ففي الآيةِ الأُولى من سورة النساء: )يا أَيُّّها الناسُ اتَّقوا ربَّكم الذي خلقَكم من نفسٍ واحدة وخلقَ منها زوجَها، وبَثَّ منهما رجالاً كثيرًا ونساءً.( تذكيرٌ للناس بأَصلهم الواحد وبأَنَّهم عائلة واحدة، وبأَنَّ عليهم أن يخشَوا الله في التباهي بأُصولٍ شريفة. ومرمى هذه الآية يتَّضحُ أكثر في الآية 13 من سورة الحُجُرات القائلة: )يا أَيُّها الناسُ، إنَّا خلقناكم من ذكَرٍ وأُنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائلَ لتَعارَفوا؛ إنَّ أَكرمَكم عند اللهِ أَتقاكم… (فالغايةُ الإلهيَّة، إذًا، من تفريق الناس شعوبًا وقبائلَ مختلفة في اللون والجنس والعِرق ليس إظهارَ أفضليَّةِ أقوامٍ على آخَرين، بل التعارُف والتفاهم وكَبح العنجهيَّة. والقرآنُ الكريمُ يحوي كثيرًا من الآيات التي تحضُّ وتُشجِّعُ على إعتاق العبيد.[33] وهكذا نرى، في ضوءِ التعاليم الداهشيَّة، أَنَّ الخروجَ على مبدإ التآخي والتساوي في الكرامة الإنسانيَّة في الشعوبِ المسيحيَّة أو الإسلاميَّة لا علاقةَ له البتَّة بقواعدِ الدين الموحاة، بل هو ظرفيٌّ أو طارئٌ عليها. وإن وافقَت المُؤَسَّساتُ الدينيَّة على نظام الاستعباد أو الاستبداد، قديمًا أو حديثًا، فإنَّما ذلك بدافعٍ من تحالُفها مع الإقطاعيِّين والأثرياء وذَوي النفوذ السياسيّ والاجتماعيّ؛ وهذا السلوكُ ضلالٌ يُبعِدُها عن جوهر الدين الحقّ.
إنَّ الاستعبادَ بمعناه القديـم يكادُ يتلاشى من العالَم من جرّاء نشاط مُؤَسَّسات الذَّود عن حقوق الإنسان داخل مُنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة وخارجها. لكنَّ نوعًا من الاستعباد الجديد ما زال ينتشرُ في العالَم، وهو لا يقلُّ خطرًا عن القديم وإن اختلفَت أَنواعُه الحديثة؛ ولا يقتصرُ على الشرق، بل إنَّ نسبةَ بعضِ أنواعه، مثلما سأُبيِّن، أَرفعُ في الدوَلِ الغربيَّة منها في البلدان الشرقيَّة باستثناء الهند وباكستان. وفي ما يأتي أَشكالُه الأربعةُ الأبرز:
أَوَّلاً- التجنيدُ الإكراهيُّ للأَحداث: إنَّّّّّّّّ مُؤَسَّسةَ “صندوق إنقاذ الأطفال” السُوَيديَّة أَجرَت تحرِّياتٍ في 26 بلدًا أسفرَت عن أَنَّ رُبعَ مليون من الأحداث، بين السابعة والخامسة عشرة من أعمارهم، قد جُنِّدوا وأُشرِكوا في 33 نزاعًا مُسلَّحًا في خلال العامَين 1995 و1996، وأنَّهم استُخدِموا بصفةِ قتَلة أو جواسيس أو مُخبِرين، في حين أنَّ جماعاتٍ قليلة منهم استُخدِموا في الطَّبخِ والحَملِ والبريد في ظروفٍ خَطِرةٍ جدًّا. وتجنيدُ الأحداث الإكراهيّ جرى من قِبلِ الحكومات وأعدائها المُسلَّحين على السواء. ومن الأحداثِ مَن كانوا يُخطَفون ويُستَخدَمون، ومنهم مَن كانوا يُجبَرون على الدفاعِ عن أُسَرِهم، ومنهم مَن كان يدفعُهم أَهاليهم إلى الانخراط في الجُنديَّة ليُساعدوهم على إعالةِ أُسرِهم. وفي بعضِ البلدان كانت تُجنَّدُ الفتياتُ المُراهقات فيُرغَمنَ على القتال كما على تعاطي الجنس. أمَّا البلدانُ المَعنيَّة بالتقرير السُّوَيديّ فمنها كولومبيا وغواتيمالا والبيرو والإكوادور في أمريكا الجنوبيَّة، وجنوب إفريقيا وأَنغولا وأُوغَندا وجيبوتي وروَندا والصومال والسودان والجزائر في إفريقيا، وكشمير وإيران وكمبوديا وميانمار وشِشْنيا في آسيا، وتركيَّا والبوسنَه وكرواتيا في أُوروبَّا.[34] وعام 2000 كان عددُ الأحداث المُجنَّدين في كردستان 3000، وفي روندا 20 ألفًا، وفي السودان 25 أَلفًا، وفي أَفغانستان 100 ألف.[35]
ثانيًا، الاستعبادُ نتيجةً للعجز عن إيفاء الديون الطفيفة: يُرجِّحُ الخُبراءُ أَنَّ عددَ المُستعبَدين على هذا الوجه يتراوحُ في الهند بين 18 و22 مليون فرد، وفي باكستان بين مليونَين ونصف مليون وثلاثة ملايين ونصف مليون فرد. وقد درجَ كثيرون من أرباب الأراضي في الدولتَين المذكورتَين على أن يستعبدَ كلٌّ منهم العشرات وربَّما المئات من العائلات كبارًا وصغارًا بتشغيلهم في أراضيه الزراعيَّة أو مقالع الحجارة أو خدمة منـزله وقضاء حاجاته، وذلك بسببِ عجزهم، وأحيانًا عجزِ آبائهم أو جدودهم الذي انتقلَ إليهم بالوراثة، عن إيفاء قروضٍ طفيفة تكادُ لا تكفي ثمنَ خبزهم اليوميّ.
ثالثًا، الرقيقُ الأبيض: خَطفُ عصاباتٍ إجراميَّة للمئات وأحيانًا للآلاف من الأشخاص شُبَّانًا وفتيات، وبَيعُهم في دُوَلٍ أُخرى رقيقًا أبيض لتعاطي الدعارة بالعُنفِ والإكراه أوَّلاً، ثمَّ بالتهديد والإغراء الماليِّ ثانيًا. وهذا النوعُ من الاستعباد ما زال يحدثُ في عدَّةِ بلدانٍ أهمُّها السودان وباكستان والبرازيل. ففي جنوبيِّ السودان، حيثُ النـزاعُ المُسلَّحُ قائمٌ بين قوَّات السلطة الحاكمة والمُتمرِّدين الجنوبيِّين المُنتمين إلى المسيحيَّة أو الأديان الإفريقيَّة الشعبيَّة، يقومُ العربُ البَدوُ، بين الفينةِ والأُخرى، بغاراتٍ مُسلَّحة على القُرى الجنوبيَّة، فيخطفون النساءَ والأولادَ ويستعبدونهم من أجل خدمتهم المجَّانيَّة وقضاءِ شهواتِهم الجنسيَّة، وذلك بمعرفة السلطات السودانيَّة. وقد أَدانت لجنةُ حقوق الإنسان التابعة للأُممِ المُتَّحدة حكومةَ السودان لسماحها باستمرار الاستعباد على أراضيها.[36]
رابعًا، استعبادُ العصابات للمُهاجرين بطُرُقٍ غير مشروعة: يرى الخُبراءُ أنَّ هذا النوعَ من الاستعباد مُزدهرٌ في مُختلف الدوَلِ الغربيَّة. فالعصاباتُ الدوليَّة تُؤَمِّنُ سُبُلَ السَّفَر للتائقين إلى الهِجرة سعيًا وراء الارتزاق مِمَّن هم عاجزون ماليًّا، ثمَّ تزجُّ بهم في أوضاعٍ خطِرةٍ وغير قانونيَّة، بحيثُ يبقَون يعملون في الخفاء مُستعبَدين للعصابات ولأصحاب العَمَل المُتعاملين معها. ويرى الخُبراءُ أنَّ عددَ هؤلاء المُستعبَدين يتراوح بين 1000 و1500 شخص في سويسرا ، وبين 2000 و3000 شخص في السُّوَيد، وبين 4000 و5000 شخص في بريطانيا ، وبين 10 آلاف و20 ألف شخص في كنَدا ، وبين 30 ألفًا و40 ألف شخص في إيطاليا ، وبين 100 ألف و150 ألف شخص في الولايات المُتَّحدة.
ويتراوحُ عددُ المُستعبَدين من النَّوعَين الأخيرَين في البلدان العربيَّة: بين 1000 و1500 شخص في لبنـان، و1000 و2000 شخص في كلٍّ من مرَّاكش والجزائر ومصر والكُوَيت والبحرَين وعُمان وقطَر ودولة الإمارات واليمَن، وبين 2000 و5000 شخص في السعوديَّة، وبين 20 ألفًا و50 ألف شخص في السودان.[37]
خامسًا- تفَشِّـي الأَوبِـئة
لقد لاحظَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة بأُمِّ عينه، في أَثناء تجواله في مُدُنِ الهند عام 1983، مدى تفشِّي الفقر والأُمِّـيَّة والاستعباد البشريّ، ومدى إسهامِ هذه العوامل الثلاثة في نَشرِ الأمراض الفتَّاكة والأوبئة من جرَّاء تلوُّثِ مياه الشُّرب وانعدامِ المنافع الصحِّـيَّة. واستفظعَ مشاهدَ الرجال والنساء يستحمُّون في المياهِ القَذِرةِ السوداء، وفيها يغسلون ثيابَهم، بل يغسلون أَوانيَ الطعام! ذلك فضلاً عن أَنَّ “دُخانَ المازوت مُخيفٌ رهيب ، فهو يملأُ الخياشيمَ ويُسمِّمُ الأجواء، ورائحتُه الكريهة تدَعُ الرأسَ في دوَّامة الدُّوار.”[38] إنَّها مأساةٌ رهيبةٌ مُخجِلة تنطبقُ أيضًا على إفريقيا وكثيرٍ من دوَلِ العالَمِ المُتخلِّفة.
فمن أصل أربعة بلايين شخص يعيشون في دُوَلٍ يعظمُ فيها الفقرُ والجهلُ أكثرُ من بليون و300 مليون شخص محرومون من مياهٍ صالحة للشُّرب، وحوالى بليون و800 مليون شخص محرومون من مرافقَ صحِّـيَّة. وهذا الوَضعُ البائس يُؤَدِّي إلى قَتلِ حوالى ثلاثة ملايين شخص بالجراثيم الفتَّاكة والأوبئة كلَّ عام.[39] فبينما نجدُ أنَّ سكَّانَ الولايات المُتَّحدة وكنَدا وإنكلترا ودوَل أوروبَّا الغربيَّة يتمتَّعون بمياهٍ صالحة للشُّرب كما بمرافقَ صِحِّـيَّة للخلاء والاستحمام بنسبة 100 بالمئة، فمياهُ الشُّرب الصالحة لا يحظى بها في أَفغانستان إلاَّ 13%، وفي كلٍّ من الصين والجزائر 75%، وفي سوريا 80%، وفي مرَّاكش 82%، وفي الهند 88%. أمَّا المرافقُ الصحِّـيَّة فلا يحظى بها في أَفغانستان إلاَّ 12%، وفي الهند 31%، وفي الصين 38%. ومع تفشِّي الأُمِّـيَّة والفَقر وازدياد نسبة الولادات تُصبحُ المنازلُ مُكتظَّة بالمُتساكنين من جهة، وخالية من المرافق الصحِّـيَّة من جهةٍ أُخرى؛ وهذا الوضعُ يزيدُ في التلوُّث وتفاقُم العدوى. فبينما نجدُ أنَّ لكلِّ شخصٍ في الولايات المُتَّحدة وإنكلترا غرفتَين، كمُعدَّلٍ عامّ، نجدُ أَنَّ الغرفةَ الواحدة في باكستان يتساكنُ فيها ثلاثةُ أَشخاص في المعدَّلِ العامّ.[40]
ولتكوين فكرةٍ عن مدى فَتكِ الأوبئة، إليكَ هذه الأرقام: يبلغُ مُعدَّلُ عددِ الوفَيات سنَويًّا من جرَّاء الملاريا أكثر من مليون ومئة ألف شخص معظمُهم من النساء الحوامل والأطفال. ويقضي سنَويًّا بذات الرئة والإسهال الحادّ مئةُ ألف طفل في أَفغانستان وحدها.[41] أَمَّا الإيدز فقد أَصبحَ أخطرَ وباء، إذْ بلغَ عددُ ضحاياه حتَّىأواخر القرن العشرين 20 مليون شخص، كما أُصيبَ بعدواه 50 مليون شخصٍ آخرين. ومن المُتوقَّع أن يرتفعَ عددُ الأحداث الأيتام بسبب هذا المرض، بحلول عام 2010، إلى حوالى 25 مليون ولد مُعظمُهم في إفريقيا السوداء.[42]
سادسًا- الأخطارُ العامَّةُ على البيئة
ذاتَ يومٍ من ربيع عام 1970، كنتُ مع عُصبةٍ من الداهشيِّـين نُجالِسُ مُؤَسِّسَ الداهشيَّة مُتسقِّطين منه الحقائقَ الروحيَّة. وأَفضَت بنا المُحادَثة إلى التطرُّق إلى حكمةِ اللهِ في خَلقِه. قال الدكتور داهش ما مَفادُه:
كيف يعمى كثيرون من المُثَقَّفين عن رؤيةِ حكمةِ الله في صنائعه! خُذوا مثَلاً حزام فان أَلِن [Van Allen]، وهو الغلافُ الأعلى لفضاء الأرض؛ هذا الحزام له وظيفة معيَّنة تُفيدُ كوكبَنا. فليس الإنسان هو الذي أَقامَه ولا تطوُّرُ الحياة في الأرض. كذلك طبقة الأُوزون [الأُوكسيـجين النشيط O3 ] التي هي أَشبهُ بدرعٍ واقية تحمي الأرضَ من أَذى الأشعَّة ما فوق البنفسجيَّة. فلو لم تكن هذه الدرعُ موجودة، أو لو أصابَتها خروقٌ واسعة، لسببٍ من الأسباب، لَكانت تسرَّبَت أشعَّةُ الشمس ما فوق البنفسجيَّة إلى سطح الأرض وقَضَت على الحياة فيها، سواءٌ في الإنسان أو الحيوان أو النبات. أَلا يعقلُ مُدَّعو الثقافة من المُلحِدين فيُفكِّروا بأَنَّ هذه الطبقةَ الواقية إنَّما وضعَها عقلٌ مُدبِّرٌ في مُنتهى القدرة والحكمة لأنَّ لها غاية واضحة هي حمايةُ الحياة! فكلُّ ما في الأرض من خَلقٍ وما في الكَون من نظام وراءَه تصميمٌ إلهيٌّ وحكمةٌ فائقة.
عام 1970 لم يكُن أَحدٌ، حتَّى من عُلماء الفضاء ليقفَ مَليًّا عند حزام فان أَلِن أَوطبقة الأُوزون. لكنْ عام 1985 (أي بعد 15 سنة) اكتشفَ العُلماءُ، لأَوَّل مرَّة، خَرقًا في طبقة الأُوزون فوق القُطبِ الجنوبيّ. وعام 1998 بلغَ اتِّساعُ الخَرقِ نفسِه 25 مليون كيلومتر مربَّع، بعد أن كان 3 ملايين كيلومتر مربَّع عام 1993. وهذا الأمرُ أَثار مخاوفَ العُلماء، ودفعَ قادةَ الشعوب إلى عَقد مُؤتَمَرٍ عالَميّ في كيوتو باليابان عام 2001، لإبرام مُعاهدة دُوَليَّة تُلزِمُ الحكومات بخَفضِ إنتاج ثاني أُوكسيد الكربون الذي اعتبرَه العُلماءُ من أهمِّ العوامل التي أَسهمَت في خَرقِ طبقةِ الأُوزون. لكنَّ الولايات المُتَّحدة— وللأَسَف— رفضَت التوقيع على المُعاهدة بحُجَّة أَنَّها تُهدِّدُ مصالحَها الاقتصاديَّة.[43] مع أنَّ عبقريَّ الفيزياء، ستيفِن هوكِنغ Stephen Hawking كان قد أرسلَ نداءً، قبل بضعة أَشهر، اجتمعَت فيه أصواتُ جميع العُلماء، يقولُ فيه إنَّ الجنسَ البشريَّ قد لا يُتاحُ له أَن يستمرَّ قَيدَ الحياة حتَّى نهايةِ القرن، من جرَّاء الارتفاع المُطَّرِد في حرارة الجَوِّ العامَّة بسبب ازدياد الخَرقِ في طبقة الأُوزون اتِّساعًا، الأَمرُ الذي قد يجعلُ جوَّ الأرضِ شبيهًا بجَوِّ كوكبِ الزُّهرة، يغلي فيه الحَمضُ الكبريتيّ.[44]
وزيادةً على أخطار الأشعَّة ما فوق البنفسجيَّة المُتسرِّبة إلى الأرض، فإنَّ ارتفاعَ الحرارة الشامل بدأَ يُذيبُ الجبالَ الجليديَّةَ الدُّهريَّة في القُطبيَن؛ وهذا سيُؤَدِّي إلى ارتفاع مُستوى البحار وتهديدِ المُدُن الشاطئيَّة المُنخفضة في كثيرٍ من أَنحاء العالَم؛ ذلك فضلاً عن إثارةِ الأَعاصير المُدمِّرة وانتشار الأَوبئة المحمولةِ بالبرغش…[45] في 6/9/2000، وقفَ رئيسُ المَلديف على منبرِ الأُممِ المُتَّحدة مُنذِرًا قادةَ العالَم بقولِه: “عندما تجتمعُ مُنظَّمةُ الأُمم المُتَّحدة في العام المُقبِل للاحتفاءِ بقرنٍ جديد، تُرى،هل ستكون المَلديف والبلدانُ الأُخرى المُنخفضة مُمثَّلة هنا؟”[46]
لنَزِدْ على هذه الأخطار العامَّة تقلُّصَ التُّربة الخصبة المُطَّرِد، إذْ يتحوَّلُ سنَويًّا حوالى 200 ألف كيلومتر مربَّع من الأراضي الزراعيَّة إلى صحارى؛[47]وتلوُّثَ البيئة بفِعلِ ملايين الأطنان من الأجهزة الإلكترونيَّة التي تُرمى مع النفايات كلَّ عام؛ وتسارُعَ انقراضِ الأنواع الحيَّة بمُعدَّل مئة نوع كلَّ يوم، الأمرُ الذي يجعلُ الأراضي الزراعيَّة أقلَّ خِصبًا؛[48]وعشراتِ آلاف الأطنان من نفايات الموادِّ العاليةِ الإشعاع التي تُدفَن في الولايات المُتَّحدة كما في مناطقَ أُخرى من الأرض، علمًا بأنَّ فعَّاليَّـتَها الإشعاعيَّة الخطِرة ستستمرُّ 10 آلاف سنة[49]— وإذْ ذاك لِنتساءََلْ: أَيُمكنُ مُعالجةُ جميعِ تلك الأخطار المُحدِقة بالأرضِ كلِّها من دون أن نُفكِّّّرَ بمصلحة الشعوبِ قاطبة وبالمصير المُشتَرك للعالَم؟ وهل يكونُ طريقُ الإنقاذ هو طريقَ “العالَم الواحد” مثلما تراه الداهشيَّة ؟ هذا ما سنبحثُه في الحلقة المُقبلة.
The Union of International Associations, Ed., Encyclopedia of. 2 World Problems and Human Potential, Third Edition. Muenchen, New York, London, Paris: K. G. Saur, 1991.
Robert S. McNamara & James G. Blight, Wilson’s Ghost: 3. Reducing the Risk of Conflict, Killing, and Catastrophe in the 21st Century (New York: Public Affairs, LLC, 2000), Chapter I
- 4. د. داهش: “مُذكِّراتُ دينار”، ص 116-117.
- 5. د. داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرَةِ الأرضيَّة”، الجزء 18 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1994)، ص 401-403.
- 6. د. داهش: “مُذكِّراتُ دينار”، ص 105-106.
- 7. المصدرُ السابق، ص 107-108.
McNamara &Blight, Wilson’s Ghost, Chapter I8.
Jonathan Gloves, Humanity: A Moral History of the Twentieth 9.Century (New Haven & London: Yale Univ. Press, 1999), p. 2.
وقد ذكرَ المُؤَلِّّف أَعمالَ الأتراك في سياق حديثِه عن إيفان كرَمازوف في رواية دوستويفسكي الشهيرة.
- L. Sulzberger and the Editors of American Heritage, The 10. American Heritage Picture History of World War II (New York: Bonanza Books, 1966), pp. 589, 612-617; Time, Aug. 7, 1995, pp. 42-53; Gar Alperovitz, “Why the US Dropped the Bomb?” in Technology Review, Aug./Sept. 1990, p. 29.
وكاتب المقال، هو المُؤَرِّخ الرئيس “للَّجنة التنظيميَّة النَّوَويـَّة”، وهو يرى أنَّ إسقاط القنبلتَين النَّوَويَّـتَين كان أُسلوبًا مكيافيليًّا هدفُه ترجيحُ ميزان القوى لمصلحة الولايات المُتَّحدة ضدَّ الاتِّحاد السوفياتيّ. أمَّا المجلَّة فتصدر عن جامعة MIT البارزة.
New York Times, Feb. 20, 200211.
Newsweek, Feb. 9, 1998; 12. http://www.wcw.org/ictr/indictments/ntakiturimana2.txt
علمًا بأَنَّ عددَ الألغام والبلدان في ازدياد.Time, May 13, 1996. 13.
- 1 أَعلنَت وكالةُ الصحافة النيوزيلانديَّة الرصينة ، عام 2000، أَنَّ مليونًا ومئتَي طفلٍ عراقيّ، بينهم 750 أَلف طفل دون الخامسة من العُمر، قضَوا نحبَهم من جرَّاء نُقصان الغذاء والدواء بسبب الحصار الاقتصاديِّ المضروب على العراق منذ عدَّة سنوات. واحتجاجًا على استمرار عواقب الحصار استقال ثلاثةُ مُوظَّفين كبار يعملون في ميدان الأَعمالِ الإنسانيَّة بمُنظَّمة الأُمَمِ المُتَّحدة مع المُنسِّقة دنيس هاليداي (New Zealand Press Association/World Press Rev., July 2000)
UN High Commissioner for Refugees, 2000. 15.
- 1 د. داهش: “مُذكِّراتُ دينار”، ص 117.
- 1 د. داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأرضيَّة”، ج 14 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1992)، ص 100-101.
- 1 د. داهش: “بريء في الأغلال” (مخطوطة قَيد النشر)، 22 و23/9/1944.
UN Statistics Division, Indicators on Literacy. Estimated adult (15+). 2000 . http://unstats.un.org/unsd/demographic/default 19.
إليك نِسَبَ الأُمِّـيَّة في البلدان التالية وَفقَ الإحصاء نفسِه:
تركيَّا: 6.7% للرجال، 23.4% للنساء
إندونيسيا: 8.1% للرجال، 17.9% للنساء.
إيران: 34.4% للرجال، 54.1% للنساء.
موزمبيق: 39.9% للرجال، 71.3 للنسا%.
باكستان: 40،1% للرجال، 68،9% للنساء.
بنين: 43.1% للرجال، 75.3% للنساء.
أَفغانستان: 48.1% للرجال، 67.1% للنساء.
غامبيا: 56% للرجال، 70.6% للنساء.
النيجر:: 76.2% للرجال، 91.6% للنساء.
أماَّ البلدانُ العربيَّة فنِسَبُ الأُمِّـيَّة المئويَّة فيها هي على الوجه التالي:
الأُردنّ: 5.2% للرجال، 15.7% للنساء.
لبنان: 7.9% للرجال، 19.6% للنساء.
البحرَين: 9.0% للرجال، 17.4% للنساء.
ليبيا: 9.2% للرجال، 31.7% للنساء.
سوريا: 11.7% للرجال، 39.5% للنساء.
الكُوَيت: 15.4% للرجال، 19.7% للنساء.
العربيَّة السعوديَّة: 15.9% للرجال، 32.8% للنساء.
تونس: 18.6% للرجال، 39.4% للنساء.
قطَر: 19.6% للرجال، 16.9% للنساء.
عُمان: 19.8% للرجال، 38.4% للنساء.
الجزائر: 21.8% للرجال، 42.9% للنساء.
جيبوتي: 24.4% للرجال، 45.6% للنساء.
الإمارات العربيَّة: 25.9% للرجال، 21.1% للنساء.
السودان: 30.2% للرجال، 53.7% للنساء.
اليَمَن: 32.5% للرجال، 74.8% للنساء.
مصر: 33.3% للرجال، 56.1% للنساء.
العراق: 34.4% للرجال، 54.1% للنساء.
القُمُر: 33.5 للرجال، 47.2% للنساء.
مرَّاكش: 38.1% للرجال، 63.9% للنساء.
موريتانيا: 47.2% للرجال، 67.9% للنساء.
(ليس من بيان لنسبة الأُمِّـيَّة في فلسطين والصومال.)
United Nations Human Development Organization, 2000. 20.
World-Watch: State of the World 1999. 21.
World-Watch, July/Aug. 2000. 22.
American Demographics, Feb. 1998; UNICEF (poverty). 23.
UN Statistics Division, International Labour Office, Yearbook of Labour Statistics 2001 (Geneva, 2001). 24.
عام 1999، بلغَت نسبةُ البِطالـة في المغرب، مثَلاً، 20.3% للرجـال، و27.6 للنساء، وبعد عام بلغَت النسبةُ في الجزائر 33.9 للرجال، و29.7 للنساء.
- 2 المصدر السابق. مثلاً على ذلك بلغَ مُعدَّلُ مدخولِ الفردِ السَّنَويّ، تبَعًا لإحصاءات الأُممِ المُتَّحدة لعام 2000: في أَفغانستان 100 دولار أمريكيّ، في الحبشة 102$، في تشاد 112$، في الكونغو 129$، في غانا 251$. أمَّا في الهند فبلغ 476$، وفي الصين 866$. أَمَّا في البلدان العربيَّة الأفقر فكان مُعدَّلُ دَخلِ الفردِ السَّنَويّ أعلى قليلاً، بصورة عامَّة، إذْ بلغَ في اليَمَن465$، في مرَّاكش 1101$، في مصر 1355$، في الأُردنّ 1556$، في سوريا 2721$، في العراق 3352$، وفي لبنان 4788$. في حين أنَّه بلغَ في الدوَلِ العربيَّة الأغنى مُستوياتٍ أعلى، على انتشار الأُمِّـيَّة فيها. ففي السعوديَّة بلغَ معدَّلُ مدخول الفرد السَّنَويّ 8309$، في البحرَين 9939$، في الكُويت 19871$، في الإمارات العربيَّة المُتَّحدة 20457$، وفي قطَر 29100$. (المصدرُ السابق)
Beyond Malthus/The Futurist, Oct. 1999. 26.
World-Watch, May/June 1998, & July/Aug. 2002. 27.
- 2 World Press Review, Feb. 1999/ The World Resource Institute
- الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…” المجلَّد 20، ج 2 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 2001)، ص 16-17. أنظر أيضًا الجزء الأوَّل من الرحلة نفسها، ص 76، 91-93، 288-291، 424-428.
- 3 د. داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، المجلَّد 20، ج 1، ص 426-427.
- أنظر المصدر نفسه، ص 289-290.
- المصدرُ نفسُه، ص 454.
- أنظر سورة النساء: 92، المائدة: 89، المُجادلة: 3، التوبة 60، النور:33، محمَّد: 4، البلد: 13.
- World-Watch, May/June 1997
Amnesty Intern.: Coal. to stop the Use of Child Soldiers, 2000 35.
- 3 World-Watch Review, Aug. 1998.
- 3 UN/Scientific American, April 2002.
- 3 ]د. داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة…”، المجلَّد 20، ج 1، 424-428.
- World Press Review, Feb. 1999./Le Monde, Nov. 1998.
HABITAT, WHO, UNICEF: Indicators on Housing; Global Water Supply and Sanitation Assessment, 2000 Report. 40.
www.abcnews.com; World-Watch, Jan./Feb. 2002. 41.
- 4 World-Watch, Jan./Feb. 2000; UNICEF 14th Conv. 2002
- World-Watch, May/June 2002, pp. 30-35.
- NASA/ cs.com/new/topstory (10/2/2000).
See S. Salem. “Global Warming”, Dahesh Voice, Winter 200145.
Bob Reiss. The Coming Storm: Extreme Weather and أنظر أيضًا: Terrifyung Future. New York: Hyperion, 2001.
الطريقُ إلى "العالَـمِ الواحد" في ضَوءِ التعاليمِ الداهشيَّة (2)
بقلم الدكتور غازي براكْس
طريقُ السلامِ الوعثاء
دوَّنَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة كتابَه المُلهَم “مُذكِّرات دينار” في 24 ساعة مُوزَّعة على اثنَي عشرَ يومًا (من 3 إلى 14/1/1946). وقبل افتتاحِ الجلسةِ الأُولى لجمعيَّةِ الأُمَمِ المُتَّحدة بلندن في العاشر من الشهرِ نفسه كان رجلُ الروح قد أَعلنَ رأيَه في حَلِّ المُعضِلاتِ العالَميَّة المُستعصية على الجميع قائلاً بلسان جُنديٍّ بريطانيٍّ أُصيبَ بجُرحٍ مُميت في أَحداثِ الحربِ العالَـميَّة الأُولى: “إنَّ على ساسَةِ العالَم، في أَربعةِ أَقطار المعمور، أَن يبنوا (عالَـمًا واحدًا) إذا رغبوا في أَن يسود السلامُ العامُّ أَرجاءَ هذه الكُرةِ اللعينة.”[i]
لقد وردَت عبارةُ “عليكم أَنتم أَن تضَعوا أُسُسَ عالَمٍ جديد”[ii] في خطاب الملك جورج السادس الترحيبيَّة، قبل افتتاح المُؤتمَر العالَميّ عام 1946، كما وردَت عباراتٌ تُفيدُ المُساواةَ بين الشعوب، والسلامَ العالَميّ الدائم، والمصلحةَ العامَّة في عدَّة خُطَب؛ كذلك ذكرَت “شرعةُ حقوق الإنسان”: “أَنَّ الناسَ يولَدون ويظلُّون أَحرارًا مُتساوين في الحقوق”، وأُقِرَّت مبادئُ كثيرةٌ تستهدفُ صيانةَ كرامة الإنسان والحِفاظَ على حُرِّيـَّتِه وسلامتِه، بمُعظمِها مُستوحاةٌ من الدستور الأمريكيّ وتعديلاتِه. لكنَّ الذي لم يَرِدْ هو فكرةُ “العالَـمِ الواحد” التي أَعلنَها رجلُ الوَحيِ والمُعجزات شرطًا لسيادة سلامٍ عالَميٍّ دائم.
لقد قامت “عُصبةُ الأُمَمِ المُتَّحدة” عامَ 1920، بعد الحربِ العالَميَّة الأُولى، وتبنَّت سُنَّةً للسلام العالَميّ، لكنَّها لم تمنعْ نشوبَ حربٍ عالَميَّة ثانية كانت أَفتكَ وأَضرى جدًّا من الأُولى. ثمَّ قامت “مُنظَّمةُ الأُمَمِ المُتَّحدة” بُعَيدَ الحربِ العالَميَّة الثانية، لكنَّ ميثاقَها، و”شرعةَ حقوق الإنسان” التي أَقرَّتها، وعشراتِ الاجتماعات التي عقدَها رُؤَساءُ الدوَل ومُمثِّلوها ، ومئاتِ الخُطَبِ التي أَلقاها دُهاةُ الساسة— جميعهالم تمنع نشوبَ عشراتِ الحروب التي سقطَ فيها عشراتُ الملايين من الضحايا، والتي كذَّبَت دوافعُها تأكيدَ الملك جورج السادس الوارد في خطابِه الافتتاحيّ الآنفِ الذكر، والقائل: “ومن الجَليِّ أَنَّ المظهرَ البارزَ لِعُضويَّةِ الأُمَمِ المُتَّحدة هو الخدمة—لا أَنانيَّةُ الدفاعِ عن المصالحِ القوميَّة— بل خدمةُ جماعةِ الأُمَمِ بأَسرِها. وهذا هو الغرضُ الأَوَّل الذي يجبُ أَن يبثَّ روحَه في جميع أَعمالِها؛ ويُمكنُ عندئذٍ مُجابهةُ كلِّ صعوبةٍ بروح التعاوُن وحُسنِ النيَّة.”[iii] وما إخفاقُ المُنظَّمة العالَميَّة في نَشرِ السلامِ والوئام الدائمَين إلاَّ بسبب أنَّ نيَّاتِ قادةِ الدوَل غيرُ سليمة، وأقوالَهم لا تقترنُ بأَفعالِهم، وشعاراتِهم تبقى حبرًا على ورق. يقولُ الدكتور داهش مُتـنَـبِّـئًا، قبل أكثر من نصف قرن، بإخفاقِ المُنظَّمة العالَميَّة في مساعيها للسلام الدائم:
إنَّني أَرى ما لا ترَونه، يا معشرَ الساسة،
وأَعرفُ ما لا تعرفون، يا أَربابَ الدهاءِ والسياسة،
فالغَيبُ قد تكشَّفَت لي بدائعُ أَسرارِه،
والإلهامُ تدفَّقَت عليَّ روائعُ أَنوارِه (…)
لقد رأَيتُ نيرَ القويِّ يُطوِّقُ أَعناقَكم،
وسيفَ الجبَّارِ يكمُّ أَفواهَكم،
وقنابلَه الفتَّاكةَ تُردِّمُ ديارَكم وتحصدُ أَرواحَكم (…)
فالنيَّاتُ، يا ساسة، لن تصحَّ ما دام هناك
مناجمُ تحتوي أَجوافُها على معادنِ
الأَلماسِ والفضَّةِ والذهبِ والبلاتين؛
ولن تصفوَ ما دام هنالكَ
آبارُ النفطِ والزَّيتِ والبترول (…)
-قايين، قايين! أَين هو أَخوكَ هابيل، يا قايين؟
-لا أَعلمُ أَين هو، فهل أَنا حارسٌ عليه وأَمين! (…)
يا مَن بأَيديكمُ القوَّاتُ المادِّيـَّة،
ويا مَن تُسيطرون على الطاقةِ الذرِّيـَّة،
ويا مَن تدَّعون بحُبِّكم للبشريَّة،
إذا كان السلامُ بُغيتَكم، والحقُّ دَيدَنكم، والعدالةُ أُمنيَّتَكم،
فهاتوا البرهانَ على صدقِ نيَّتِكم…
أَعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وحَرِّروا المُستعبَدَ من رقِّه،
والمغبونَ من غُبنِه، ومَكِّنوا ربَّ البيتِ من بيتِه؛
فربُّ البيتِ أَدرى بالذي فيه، بظواهرِه وخوافيه.
ولكنَّكم قلَبتم الآية، وعكستم الحقائق، وأَضعتم الغاية،
فأصبحَ رَبُّ البيتِ يئنُّ تحت نيرِ الغُرم،
وأَنتم، أَيُّها الأَقوياء، تتمتَّعون بالغُنم (…)
وما دمتم مُجتمعين لتقريرِ صَرحِ سلامٍ عالَميّ
تسودُه العدالةُ الشاملة، فلماذا— يا ليتَ شِعري—
شحَذتم خناجرَكم،
وحملَ كلٌّ منكم غُصنَ زيتونٍ في يُمناه،
وشهرَ خنجرَه المُرهَفَ الحَدِّ بيُسراه مُتحيِّـنًا الفرصة
كي يُغمدَه في ظهرِ زميلِه الجالسِ بقربِه وينتهي من أَمرِه؟[iv]
من العَـولَـمة إلى “العالَـمِ الواحد”
مع إطلالةِ الأَلفِ الثالث بعد ولادةِ سيِّدِ السلام والخلاص، تلتفتُ الشعوبُ بعضُها إلى بعض وعيونُها جثمَت فيها أَشباحُ القلَقِ والحذَر والمخاوف. فالحربُ والإرهابُ يُهدِّدان الشرقَ والغربَ بأقبحِ الفواجع، والعوَزُ والجهلُ يفتكان بمئاتِ الملايين، والتسلُّطُ واستعبادُ الضعفاء يبطشان بكثيرٍ من الشعوب، والأوبئةُ وأَخطارُ البيئة يرزحُ العالَمُ كلُّه تحتَ أثقالِها. ومع ذلك كلِّه فمُؤتمراتُ العَولمة تقومُ على قدَمٍ وساق، تنتقلُ مجالسُها من بلدٍ إلى آخَر، ومعها تنتقلُ التظاهُراتُ المُعارِضة والاحتجاجاتُ العنيفة، بَدءًا من سِياتِل في ولاية واشنطن (حيثُ عُقِدَ أَوَّلُ مُؤتمَر للعولمة في الشهر الأخير من عام 1999).
وحقيقةُ الأَمرِ أنَّ للعَـولَـمة، في طرحِها الحاليّ، جوانبَ إيجابيَّة، وأُخرى سلبيَّة. أمَّا أَبرزُ إيجابيَّاتِها فهو أنَّ فوائدَها تَـتفاوتُ بتفاوُت القِوى في الدُّوَل، ولا سيَّما الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة والثقافيَّةمنها، فيكونُ للتقدُّم الحضاريِّ مكاسِبُ من العَولَـمة لا رَيبَ فيها. وأَمَّا أَبرزُ سلبـيَّاتِها فهي، أَوَّلاً، أَنَّ الدوَلَ التي تقودُ مَسيرةَ العَولَـمة ما برحَ بعضُها يَكيلُ بمكيالَين في مُعالجتِه للمُعضلاتِ والنـزاعاتِ العالقة بين الشعوب؛ ثانيًا، التصرُّفُ الأَحادِيُّ الجانب من قِبَلِ بعض الدوَلِ الكُبرى؛ ثالثًا، القلقُ الشديدُ الذي يُخالجُ الشعوبَ المُتخلِّّفة على إمكانِ انحلالِ حضاراتها وثقافاتها القوميَّة وتلاشي حُكمِها واستقلاِلـها في اندماجها بِمَـدِّ العَولَـمة الجارف— وهذا ما يُثيرُ فيها مخاوفَ مشروعة؛ رابعًا، فقدانُ الثِّقة بين البلدانِ المُتخلِّفة والبلدانِ المُتقدِّمة نتيجةً لمُعاناةِ الأُولى أَحداثًا تاريخيَّةً مُؤلِمةً طويلة.[v] فهل من سبيلٍ للتغلُّبِ على هذه المخاوف، يا تُرى؟
الجوابُ هو أنَّ مَسارَ العَولَمة مرهونٌ بالقيَم التي تُوجِّهُها. فالقِـيَمُ التي تكتَـنِفُ العَولَمة والحوافزُ التي تدفعُ إليها ما تزالُ تبدو قِيَمَ بَرأَبـَّا[vi] ودوافِعَه، لا قِيَمَ المسيح. فالجشَعُ والتسلُّطُ وقوَّةُ البَطش فضلاً عن جواذبِ التَّرَفِ والمُتَعِ الدُّنيَويَّة هي التي تَحفِزُ العَولَمة أَو تُصاحِبُها، لا قِيَمُ المحبَّةِ الإنسانيَّةِ والشَّفقة على الضعيف والفقير وتعزيز الطاقةِ الروحانـيَّة. حتَّى التيَّاراتُ الدينـيَّة المُجارِية لِلعَولَمة بَدا فيها اللهُ ربَّ حربٍ وقِتال، لا ربَّ محبَّةٍ ورحمة وسلام.
إنَّ الاعتباراتِ التجاريَّة النفعيَّةَ الصِّرف تُهدِّمُ مُعظمَ القِيَمِ الحضاريَّة التي نادى بها الأَنبياءُ والهُداةُ الروحيُّون وكِبارُ الفلاسفة والمُفكِّرين والمُصلحين. والفلسفةُ النفعيَّة خطأُها الجسيمُ هو في خَلطِها الغايةَ بالوسيلة. وجَعْلُ الوقتِ مُساويًا للمال بقَدرِ ما يُتيحُه من كَسبٍ جديد دونما اعتبارٍ لسلام النفس وإغناءِ ذاتِ الإنسان إنَّما يزيدُ في قلقِ الناس واضطرابِهم وإفقارِهم الروحيّ.[vii]
من هذا المُنطلَق يُمكنُ تمهيدُ الطريق إلى “العالَـمِ الواحد”، وَفقَ المفهومِ الداهشيّ، بتَغليبِ المبادئِ التالية:
أَ- وحدةُ الـتُّراثِ الثقافيِّ العالَميّ
إذا كان تفوُّقُ الحضارة الغربيَّة الحديثة، بمُعظمِ مجالاتِها، نتيجةَ النهضةِ الأُوروبيَّةِ التي ولَّدَت التحرُّرَ الفكريَّ الدينيَّ والسياسيَّ، ثمَّ الثورةَ التكنولوجيَّة والمعلوماتيَّة الحاليَّة، فإنَّ نهرَ النهضةِ الأُوروبيَّة نفسَه كان نتيجةَ عدَّةِ روافد ثقافيَّة. فأَوَّلُ قانونٍ مَدَنيٍّ معروفٍ في العالَم كان قانون حمورابي في ما بين النهرَين؛ وأُولى الأَبجديَّات المعروفة التي منها تفرَّعت الألفبائيَّاتُ الأُوروبيَّة كانت الأَبجديَّة الفينيقيَّة-الكنعانيَّة؛ وأَوَّلُ مكتبةٍ عالَميَّة حُشِدَت فيها زُبدةُ الثقافة البشريَّة كانت مكتبةَ الإسكندريَّة، وقد أُقيمَت على أرضٍ مشرقيَّة لتكونَ رمزًا لوحدةِ التراثِ الحضاريِّ العالَميّ منذ ثلاثة قرونٍ قبل المسيح— وها هي اليوم، بعد احتراقها مرارًا في النـزاعات المُسلَّحة في سياق الأجيال المُتعاقبة، تُحاولُ أن تستعيدَ المَشعلَ القديم بعد 16 قرنًا؛[viii]وقبلَ أَن تعرفَ أُوروبَّا تكنولوجيا الطباعة، عرَفتها الصين؛ فكان أَوَّلُ ما طُبِعَ فيها، عام 868 م (قبل حوالى ستَّة قرونٍ من طبع الكتاب المقدَّس على يَدِ غوتنبرغ)، دراسةً هنديَّةً عريقة عن البوذيَّة بعنوان “ماسَةُ سوتْرا” Prajnaparamitasutra، وقد نقلَها من السَّنسكريتيَّة إلى الصينيَّة عالِمٌ تُركيٌّ-هنديّ كان يعيش في شرقيِّ تركستان، يُدعىكوماراجيفا Kumarajiva ، وذلك في القرن الخامس بعد الميلاد. ففي مِثلِ هذا العمَل الفَذّ تتجلَّى خصائصُ العَولمة، وَفقَ رأيِ الباحث المُعاصِر أمارْتيا سِن Amartya Sen، إذ اشتركَ في إنتاجِه الهنودُ والأتراكُ والصينيُّون.[ix] وأَوَّلُ ما طُبِعَ في إنكلترا كتابٌ بعنوان Dictes and Sayings of the philosophers . وهذا الكتاب، الذي طُبِعَ عام 1477، هو ترجمةٌ إنكليزيَّة لمخطوطةٍ عربيَّة بعنوان ” كتابُ مُختارِ الحِكَم ومحاسنِ الكَلِم”، وقد دوَّنَه مُباشِر بن فاتك في أَواسط القرن الحادي عشَر أَو أَوائل الثاني عشَر؛ فيما صدرَت أَوَّلُ طبعةٍ مُحقَّقة للنصِّ العربيّ الأَصيل عام 1958.[x] أَمَّا الصرحُ العِلميُّ الذي أَقامته أُوروبَّا في عِلمِ الفلَك والرياضيَّات العالية والطبّ، ففي أِساسِه مداميكُ وضعَها عشراتٌ من عُلماءِ العرَب والمُسلمين الأفذاذ من أَمثال ابنِ سينا والرازي وابن الهيثَم والبَيرونيّ والخُوارزميّ إلخ.[xi]
فالاستعلاءُ الثقافيُّ الغربيُّ لا يستندُ إلى واقعٍ تاريخيّ، فالتُّراثُ الحضاريّ العالَميّ ذو وحدةٍ لا تتجزَّأ. بل حتَّى لو كان هذا الاستعلاءُ ذا أُصولٍ تاريخيَّة، فهو ليس مُبرَّرًا على الصعيدِ الخُلُقيّ والروحيّ. إنَّ خطيئةَ إبليس الكُبرى كانت الاستكبار؛ والاستكبارُ هبطَ به من عِلِّـيِّـين إلى أَسفل سافِلين. ذلك فضلاً عن أَنَّ كلَّ حضارةٍ راقية لا تقومُ إلاَّ باقتران النشاطِ العقليِّ فيها بمُمارسةِ القِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة. فإذا جُرِّدَت أَيَّةُ حضارةٍ من هذا النسغ الروحيّ الذي يجبُ ان يتغلغلَ في كلِّ إبداعٍ فكريٍّ كبير كما في سلوكِ الراقين وتعامُلهم، أصبحَت الحضارةُ أَشبهَ بدُميةٍ جميلةٍ مُتحرِّكة قد يكون فيها حصيلةُ ما ولَّدَته التكنولوجيا المُتطوِّرة، لكنَّها خالية من النشاط الحيِّ الحقيقيّ الذي يبلغُ ذروتَه في الضميرِ الحَيّ. وإنَّما العقائدُ الدينيَّة هي الينابيعُ الكُبرى للقِيَمِ الروحيَّة؛ وما من دينٍ أَصيل إلاَّ انبجسَ ينبوعُه في الشرق، حتَّى أَصبحَ الشرقُ معروفًا بمهبطِ الوَحيِ ومسقطِ الهداياتِ الروحيَّة، وأَصبحَ الغربُ معروفًا بمهبطِ العقلِ ومسقطِ الاتِّجاهاتِ المادِّيـَّة.
فاستنادًا إلى ما تقدَّم تُصبحُ الحضارةُ الحديثة، بأَفضلِ ما فيها، مُحصَّلةً لتُراثٍ ثقافيٍّ أَبدَعَته السيَّالاتُ الروحيَّة المُتفوِّقة بإدراكِها العالي ومواهبِها العظيمة ونزعاتِها الخَيِّرة في الشرقِ والغربِ معًا؛ وبذلك ينتفي حَقُّ المُفاخرة لأَيٍّ من الشعوب. بل إنَّ الداهشيَّة تكشفُ عن حقيقةٍ روحيَّةٍ أَبعدَ من ذلك، فتُؤَكِّدُ، استنادًا إلى التعاليمِ الموحاة إلى مُؤَسِّسِها، أنَّ مُعظمَ السيَّالات الروحيَّة التي تُطوِّرُ الحضارةَ في كلِّّ دَورٍ من أَدوارِ التاريخ هي نفسها، تنـزحُ من قُطرٍ إلى آخَر، وتنتقلُ من شعبٍ إلى شعب وَفقًا لحكمةٍ إلهيَّة مَبنيَّة على العدالة والاستحقاق الروحيَّـين.
ب- الارتقاءُ الـمُتكامِل
إذا كانت الحضارةُ الغربيَّةُ الحديثة، ولا سيَّما بوجهِها الأَمريكيّ، تتفوَّقُ على مُعظمِ حضارات الشعوبِ الأُخرى، فإنَّما تفوُّقُها محصورٌ بمُولَّدات النشاطِ العقليّ؛ أَمَّا النشاطُ النـزوعيُّ في معظمِ الغربيِّـين فما يزالُ مُتخلِّفًا، ومظاهرُ هذا التخلُّف تتجلَّى في تفكُّكِ الأُسرةِ وتضعضُع القِيَمِ العائليَّة، كما في الإباحيَّةِ الخُلقيَّة التي تتعدَّى السلوكَ الفرديَّ إلى الأعمالِ الأدبيَّةِ والفنِّـيَّة. ذلك فضلاً عن أنَّ العدالةَ التي تنصُّ عليها الدساتيرُ الغربيَّة لا نراها ماثلة في الفجوةِ الهائلة بين الأثرياءِ والفقراء؛ وهذا ما يجعلُ النـزعةَ الإنسانيَّة غيرَ مُعافاةٍ على صعيد الحُكمِ تشريعًا وتطبيقًا. فبعدما أَمضى مُؤَسِّّسُ الداهشيَّة حوالى 14 عامًا في رحلاتِه حولَ الكُرةِ الأرضيَّة، وخصوصًا العالَمَ الغربيَّ، وبعد أن خبرَ الناس، لا سيَّما الذين عرفَهم في عواصمِ أُوروبَّا وأمريكا، كتبَ قائلاً:
كلٌّ منهم يُحاولُ أَن يجدَ حياةً نفسيَّةً هادئة ليستقرَّ فيها، بعدما أَضناه التعَب، وأَشقاه الإلحاد، ولكنْ دونما جدوى؛ لأَنَّ الحضارةَ المادِّيـَّةَ الكاذبة منَحَته مُتعةَ الجسَد، ودَعَته أَن يشبعَ من مطالبِ اللحمِ والدَّم، لكنَّها عجزَت عن إِشباعِ روحِه الظامئة لمعرفةِ الحقيقةِ الروحيَّة التي تطمئنُّ لها الروح. فالحياةُ لهؤلاء أَصبحَت جحيمًا مُتلظِّيًا بالنيران المُتأَجِّجة الخالدة.[xii]
فبناءً على المفهومِ الداهشيِّ لمعنى الارتقاء، أي ذاك الذي يسمو بالإدراك والنـزعاتِ معًا معنَويًّّا وعمَليًّا، سلوكيًّا وإبداعيًّا، على الشعوب أَن تعملَ على تطويرِ مداركها في جميع مجالات المعرفة النظريَّة والتطبيقيَّة، ولكن أَيضًا على تقويمِ مناقبِها الاجتماعيَّة وأخلاقِها الفرديَّة ونظامِ الحُكمِ فيها، لأنَّ مِثلَ هذا الارتقاءَ المُتكامل يجعلُ الشعبَ، في سياق الزمن، مُستحقًّا أن يُمنَح سيَّالاتٍ روحيَّةً عالية تمدُّه بقوًى إدراكيَّة ونزوعيَّة مُتفوِّقة تُخَوِّلُه أَن يحتلَّ الصدارةَ في المجتمَعِ العالَميّ. فالصراعُ في هذا المُجتمَعِ الأَكبرِ الشامل لن يكونَ بين دولةٍ ودولة أو أُمَّةٍِ وأُمَّة بقدرِ ما سيكونُ بين نظامٍ ونظام، وكفاءةٍ وكفاءة، وإبداعٍ وإبداع، ومَسلكٍ ومَسلك، وخُلُقيَّة وخُلقيَّة، على الصعيد الفرديِّ والجَماعيّ. فوراءَ ارتفاعِ الأُمَمِ وهبوطِها أسبابٌ روحيَّة تُهيمنُ عليها العدالةُ الإلهيَّة. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة: “وهذه هي العدالةُ الإلهيَّة، إذْ يُجازى كلٌّ منَّا بحسَبِ عملِه، أَو بالأحرى نحن الذين نُجازي أَنفسَنا فنوصِلُ سيَّالاتِنا إلى درجةٍ عُلويَّةٍ أَو سُفليَّة؛ وما ربُّكَ بظالِمٍ خلائقَه، إنَّما لأنفسِهم يظلمون.”[xiii] هذه العدالةُ الإلهيَّة تُؤَكِّـدُها الآيةُ الكريمة القائلة: ]إنَّ الله لا يظلمُ مثقالَ ذرَّة.[[xiv] والعدالةُ الكاملة تقضي بأَن يكونَ الأفضلُ هو الرأس، لأنَّ كلَّ كيانٍ حَيٍّ مُركَّب يقتضي طاقةً قياديَّة. لكنَّ الجسمَ المُجتمَعيَّ إذا قارَنَّاه بالجسمِ البشريّ، نرى كلَّ عُضوٍ فيه له أَهمِّيـَّـتُه شرطَ أن يكونَ سليمًا ومُتعاونًا مع الأعضاء كلِّها. فليس لليَد أن تقولَ للرِّجل : “أَنا أَشرفُ منكِ.” فالعَولَمةُ السليمة هي التي يكونُ فيها جسمُ العالَمِ كلِّه أَشبهَ بجسمِ الإنسان: كيانٌ واحد تُؤَلِّّفُه أَعضاءُ مختلفة لكلٍّ منها وظيفةٌ ضروريَّة معيَّنة؛ فبصحَّة الأعضاء جميعِها وتعاوُنِها وتكامُلِها تكونُ صحَّةُ الجسم. وإن أَصابت الجراثيمُ أو علَّةٌ ما أيَّ عُضْوٍ، تأَثَّرَ الجسمُ كلُّه بضرِرها.
ج- الإيمانُ بوحدةِ الأَديانِ الجوهريَّة
إذا تأَمَّلنا في أَسبابِ الحروب والنـزاعات وعمليَّات الإرهاب الحديثة لَرأَينا أنََّ كثيرًا منها، إن لم يكُن أَكثرها، يعودُ إلى صراعٍ عقائديٍّ دينيّ ذي أُصولٍ تاريخيَّة بعيدة؛ وقد يتقنَّعُ أَو يقترنُ الصراعُ أَحيانًا بوجوهٍ سياسيَّة أو اقتصاديَّة. فبَدءًا بالحروبِ الإسلاميَّة ضدَّ بيزنطيا وأُوروبَّا، ومرورًا بالحروبِ الصليبيَّة ضدَّ الشرقِ الإسلاميّ، وانتهاءً بحروب الهندوس والمُسلمين وعمليَّات الإرهاب ضدَّ الغرب، شريطٌ مأساويٌّ طويلٌ من المشاهد المُفجِعة للاقتـتال الدينيّ الذي يُسعِّرُه الإيمانُ بأنَّ ربَّ كلِّ فريقٍ هو الربُّ الحقيقيّ، وأنَّ الحقيقةَ الدينيَّةَ المُطلقة هي مُلكُ يَـدِ كلِّ فريق. مثلُ هذا الإيمانِ ولَّدَ أَجيالاً من الغُلاةِ العُميان في كلِّ دين، ودفعَ المُؤمنين، ولا سيَّما السُذَّجَ فيهم، إلى أن يُنصِّبوا عليهم زُعماءَ دينيِّـين قادةً مُستبدِّين يزجُّون بهم في جحيم المعارك التي لا تُنتِجُ إلاَّ الخُسرانَ والفواجع.
إنَّ التعاليمَ الداهشيَّة تُقدِّمُ إلى البشريَّةِ التاعِسة حَلاًّ مُوحًى به لِمُعضلةِ اقتتالها الدينيّ، وبالتالي لتقارُبِ شعوبِها من أَجلِ الوصولِ إلى عَولَـمةٍ عادلة. ففي مبادئها أَنَّ الأَديانَ جميعَها، حتَّى التي ظهرَت في الهند والشرقِ الأَقصى، تجمعُها وحدةٌ روحيَّةٌ جوهريَّة تنبثقُ من الوحدةِ الروحيَّةِ لمُؤَسِّسيها أَنفسِهم، ومن وحدة الخالِقِ القديرِ الذي أَوجدَها، وتتجلَّى في رَدعِ البشرِ عن الرذائل (من قَتلٍ وظُلمٍ وسرقةٍ وزِنًى وشهادةٍ بالزور…)، كما في النـزعاتِ الإنسانيَّة المُشترَكة والفضائل التي تُعلِّمُها (وفي رأسها المحبَّة والرحمة والتواضُع والزُّهدُ بالدُّنيَويَّات…)؛ وهذه هي الغايةُ الأُولى من كلِّ دين: مُساعدةُ الإنسانِ على ارتقائه الروحيّ بالصلاحِ والاستقامة وعملِ الخَير لكي يتخطَّى درجةَ الأرضِ الروحيَّة ويُعاوِدَ ارتقاءَه في درجاتِ النعيم التي هبطَ منها. زِدْ إلى ذلك أَنَّ في مبادئِ الداهشيَّة أَنَّ الأَديانَ جميعَها ضروريَّةٌ لنفوس البشَر ضرورةَ الأدويةِ المخـتلفة لأمراضِهم الجسديَّة المخـتلفة، وذلك لتفاوُتِ درجاتِ سيَّالاتِهم المُتضمِّنة لقواهم الإدراكيَّة والنـزوعيَّة. فالله الكاملُ في معرفتِه إنَّما أَرسلَ الأَنبياءَ والهُداةَ الروحيِّـين مُؤَيَّدين بتعاليمَ تُفيدُ كلَّ قومٍ— سواءٌ كانوا شعوبًا أم أَفرادًا— تكونُ درجةُ سيَّالاتِهم مُوافقة لها، وإلاَّ لَـما حصلَت الإفادةُ للمُؤمنين. فالإكراهُ الدينيُّ يُفسِدُ الدينَ مع كُرور السنين، لأنَّه يجعلُ بين المُؤمنين الصادقين مُنافقين كثيرين. وصاحِبُ البصيرةِ النيِّرة من السَهلِ عليه أن يرى ما أَحدثَه النفاقُ من تصدُّعٍ وانحرافٍ ووُصوليَّة ومطامعَ في كلِّ دين.
ومن مُقوِّماتِ وحدةِ التعاليمِ الدينيَّة الجوهريَّة الأَهدافُ الإنسانيَّة المُشترَكة ذاتُ المرمى العالَميّ. فليس من هِدايةٍ روحيَّة كبيرة إلاَّ كانت بدايتُها في قومٍ تُخاطبُهم حتَّى تبدوَ كأَنَّها مقصورة عليهم، ثمَّ ما تلبثُ أَن تُخاطبَ العالَـمَ كلَّه لاحتضانِه. فبعد أَن أَكَّدَ موسى النبيُّ أَصلَ الإنسان الواحد في سِفْرِ التكوين، وانحصرَ اهتمامُ مَن أَتى بعدَه مِن الهُداة والقادة بإنقاذِ الشعبِ العِبرانيّ وإقامةِ دولةٍ مُستقرَّة له، نسمعُ داوود النبيَّ—وهو القائدُ الهادي الأبرز بعد موسى— يُكثِرُ من مُخاطبةِ الله كإلهٍ ومُنقِذٍ لشعوبِ الأرضِ طُـرًّا. مِمَّا يقولُه في مزاميره التي استقطرَ فيها آلامَ نفسه وآمالَها:
“أَنتَ [يا الله] تُخلِّصُ البشرَ والبهائم” (35/36).
“سُكَّانُ أَقاصي الأَرضِ يتَّكلون عليكَ،
وسُكَّانُ البحار البعيدة” (64/65).
“تحنَّنْ، يا الله، وبارِكنا، وأَنِرْ وجهَكَ علينا،
فيعرفَ أَهلُ الأرضِ طريقَكَ وكلُُّ الأُمَمِ خلاصَك.
يحمدُكَ الشعوبُ، يا الله، يحمدُكَ الشعوبُ كلُّهم،
ويفرحُ الأُمَمُ ويُرنِّمون،
تهدي الشعوبَ بالاستقامة وتَهدي الأُمَمَ في الأرض” (66/67).
هذه العالَـميَّة أَكثر ُبروزًا في البوذيَّة التي نشأَت في بينارس Benares (في الشمال الشرقيِّ من وسطِ الهند) في القرنِ الخامس قبل الميلاد، وما لبثَت أَن انتشرَت في أَكثر بِقاع الأرض. فالمحبَّةُ والأُخوَّةُ البشريّة من صُلبِ تعاليمِها، وفيها كما في الكنفوشيَّة تُعتبَرُ عاطفةُ الشفقة كما الإحساس بشعور الآخرين صفتَين مُمَـيِّزتَين للطبيعة الإنسانيَّة الصحيحة، بهما تتفرَّدُ أكثر من العقلانيَّة. وحسبُنا أن نتأَمَّلَ في تعاليمِ المهاتما غاندي وسيرةِ حياته حتَّى تتأَكَّدَ لنا عالَميَّةُ مراميه، ونُدركَ أنَّ الهندوسيَّة تلاقت في شخصِه مع الأديانِ جميعها بكلِّ ما فيها من محبَّةٍ وصلاح. والمسيحيَّة التي نشأَت في بقعةٍ ضيِّقة هي الناصرة وأورشليم وما يُحيطُ بهما امتدَّت وانداحت تعاليمُها مُنتشرةً في كلِّ أَرجاء الدنيا حاملةً معها “القاعدةَ الذهبيَّة” سُنَّةً يتَّبعُها الناسُ في تعامُلِهم بعضهم مع بعض، و”مَـثَلَ السامريِّ” حافِزًا للتآخي الإنسانيِّ وللعطفِ على البشرِ المحرومين والمتأَلِّمين جميعًا. أَمَّا الإسلامُ فبعد أَن نشأَ في مكَّة واحـتَضَـنَته المدينةُ المُنوَّرة، أَخذَ يتَّسِعُ مَـدُّه وترحبُ اندياحاتُه حتَّى تغلغلَ في أَقطار العالَمِ كلِّها، مُتَوِّجاً أَدعيةَ المُؤمنين “بسمِ الله الرحمنِ الرَّحيم”، ومُشرِعًا رايةَ “إله العالَمين.” ولا أظنُّ أَنَ أيَّ كتابٍ مقدَّس تضمَّن عبارةَ “الرحمة” ومُشتقَّاتِها مثلما تضمَّنَ القرآنُ الكريم؛ وفي ذلك من الترسيخِ في النفسِ لأَهمِّـيَّةِ الرحمة مبلغٌ كبير. كما لا أَظنُّ أنَّ التصوُّفَ بلغَ من اتِّساع المجال وتسنُّمِ ذُرى الأدبِ في أيِّ دينٍ مثلما بلغَ في الإسلام. وفي التصوُّفٍ من الإخاءِ الإنسانيِّ الشامل والمحبَّة الغامرة ما لا يُبقي زيادةً لمُستزيد. وإنِّي على يقينٍ من أنَّ الرسولَ العربيَّ الكريم كان صدرُه يتَّسعُ للأَديانِ جميعها حتَّى إنَّه— وهو “المُسلِمُ” إرادتَه لله— لم يتأَخَّر عن الإيعازِ إلى أَتباعِه الأَوائل، حينما رأَى المخاطرَ تُحيقُ بهم من قومِه الظالِمين، في أَن يلجأُوا إلى ملِكٍ مسيحيٍّ مُجاوِر، هو نجاشيُّ الحبَشة، ليكونوا آمنِين في حِماه.
إنَّ الأَديانَ والهداياتِ الروحيَّةَ جميعَها تُؤمنُ بأَنَّ البشرَ أُسرةٌ واحدة ذاتُ أَصلٍ واحد، وأنَّ عليهم أن يتعايشوا بسلامٍ وتعاوُنٍ وتآخٍ ويُمارسوا الخيرَ والفضيلة ويبتعدوا عن الشرّ والرذيلة. فالمُعضِلةُ، إذًا، ليست في قواعدِ الأديانِ والهداياتِ الروحيَّةِ الأَصليَّة، بل في مُمارِسيها ومُحرِّفيها والمُتاجرين بها لأَغراضٍ سياسيَّة أو دُنيَويَّة مُختلفة. فعلى المُتكلِّمين باسم الأَديان، إذا أَرادوا حقًّا سلامًا شاملاً وتعاوُنًا وعدالةً وتراحُمًا وبالتالي تقارُبًا في العالَم، أَن ينطلقوا من الأَهدافِ والمبادئِ الإنسانيَّة المُشترَكة بين العقائدِ الدينيَّة جميعها دونما التركيز على التفاصيل والطقوس والشروح اللاهوتيَّة، ودونما رفضِها. فليس من دينٍ يملكُ الحقيقةَ المُطلَقة، لأنَّ الحقيقةَ المُطلَقة هي لَدُن اللهِ وحده. ومَن يُصرَّ على امتلاكِه الحقيقةَ المُطلقة يعزلْ نفسَه عن سائر العالـَم ليذويَ ويتلاشى في صدَفتِه الضيِّقة. فمَن يُريدُ أَن يُلغيَ دينًا مُعيَّنًا مَـثَـلُه كمَـثَـلِ مَن يُريدُ إلغاءَ الله— عَـزَّ وجَـلَّ— وإلغاءَ الكونِ الذي هو من خَلقِه وإبطالَ نظامِ الحياةِ الذي هو من تدبيرِه. وفي ذلك من الغباء والغطرسةِ العمياء والضلال ما تنوءُ به رواسي الجبال.
د- الحِوارُ بين الثقافات
إنطلاقًا من وحدةِ التُّراثِ الثقافيّ العالَميّ ووَحدةِ الأديان الجوهريَّة ومفهومِ الارتقاءِ المُتكامِل—الثالوثِ الذي أَوضحناه— يتوجَّبُ على الشعوب كافَّةً، إذا رغبَت في البلوغِ إلى “عالَـمٍ واحدٍ” عادِل يستفيدُ الجميعُ من قِيامِه، أَن تعتنقَ مبدأَ الحِوار المُنفتِح بين الثقافات؛ وهذا ما تنبَّهَت له منظَّمةُ الأُمَمِ المُتَّحدة، فجعلَت بدايةَ الأَلفِ الثالث (أَي عام 2001) سنةَ “الحِوار بين الحضارات.”[xv]
فبالحِوار المُنفتِح بين الثقافات المتنوِّعة تتلاقَحُ الأَفكارُ وتتولَّدُ فلسفاتٌ جديدة قد تكونُ خيرًا من الأُولى. وبالحِوار المُنفتِح تتلاقحُ العلومُ والآدابُ والفنون وتتولَّدُ إنجازاتٌ وإبداعاتٌ قد تُفيدُ البشريَّةَ كلَّها. والتاريخُ حافِلٌ بشواهدَ على مِثلِ هذا التفاعُل الخَـيِّر. فالثقافةُ العربيَّة ما كانت ليشتدَّ ساعدُها وتسمقَ دوحتُها وتُظلِّلَ أَغصانُها حتَّى أَرضَ أُوروبَّا لولا انفتاحُها وتلقُّحُها، في عصرها الذهبيِّ، بالفكرِ اليونانيِّ والفارسيِّ والهندوسيّ. وكذلك الحضارةُ الأُوروبيَّةُ في القرونِ الوُسطى ما كانت لتشهدَ نهضةً تبثُّ الحياةَ في جسدِها الذاوي لو لم تنفتحْ على الحضارتَين الكلاسيكيَّـتَين (الرومانيَّة واليونانيَّة) وكذلك على الحضارة العربيَّة، وتنهل من ينابيعها. والحضارةُ الصينيَّة استفادَت تنوُّعًا غنيًّا من روافدِ الثقافةِ البوذيَّةِ المُقبِلة عليها من الهند.
وليكونَ حوارُ الحضارات إيجابيًّا بَنَّاءً، يجبُ أن يكونَ جميعُ الأطراف، كبارِهم وصغارِهم، على استعدادٍ للإصغاء والاقتناع إذا بدَرَت الحُجَّةُ العُليا حتَّى من الصغير الضعيف، أَي بغيرِ مُسلَّماتٍ تجمَّدَت فيها أَذهانُهم فأَصبحَت سُدودًا دون الآخَرين. فلا سُدودَ يجبُ أَن تُقامَ بين الثقافات إلاَّ السدَّ الذي يصدُّ تعزيزَ الشرِّ في الأرض ومَنعَ الخيرِ المادِّيِّ والروحيِّ عن العالَـمِ كلِّه. ولارتفاعِ الجميعِ إلى هذا المُستوى يجبُ أَن يكونَ التسامُحُ الثقافيُّ عامَّةً، والدينيُّ خاصَّةً، واحترامُ الهُويَّاتِ الثقافيَّة من عقائدَ وتقاليد مبدأً سيِّدًا لدى الجميع.
أَمَّا تخوُّفُ بعضِ الشعوب من انحلالِ ثقافاتِها فناتِجٌ عن ضعفِ المُقاومةِ التي في سيَّالاتِ أَبنائها الروحيَّة، أي بعبارةٍ أُخرى عن وهَنِ جهازِ المناعةِ الثقافيَّةِ فيها. فالشعبُ الشرقيُّ الذي يتعلَّمُ أَبناؤُه في منازلهم كما في مدارسهم أَن يفرزوا الخيطَ الأبيضَ من الخيطِ الأسودِ في النسيج الثقافيِّّ الغربيّ، بوُسعِه أَلاَّ يقتبسَ من الغربِ إلاَّ الأفضلَ في كلِّ شيء: فكرًا وفنَّـا وعِلمًا وتكنولوجيا ونظامَ حُكم. والأمرُ نفسُه لكلِّ شعبٍ غربيٍّ راغِبٍ في اقتباسِ بعضِ ما يجذبُه في الشرق. فليس بين الناس قومٌ عرَفوا الكمال؛ فالكمالُ لا وجودَ له على أرضِ البشر.
أَمَّا الذين يُؤثِرون الانعزالَ والتجمُّدَ في الماضي على الحِوار، فهؤلاءِ بَشِّرهم بذُبولٍ فمَوتٍ بطيء، لأَنَّ الحياةَ حركةٌ مُستمرَّة، وليس من سببٍ للتخوُّف من التطوُّر المُستمرِّ إلاَّ إذا كان حركةً إلى الوراء. كذلك ليس من سببٍ للحذَرِ من الانفتاحِ على الأفكار الجديدة إلاَّ بقدرِ ما تحملُه من جراثيمَ وأَوبئةٍ خُلُقيَّةٍ واجتماعيَّة.
هـ – التنوُّعُ الثقافيُّ في الوحدةِ الحضاريَّة العالَميَّة
إنَّ التنوُّعَ الثقافيَّ يستحيلُ زوالُه من العالَـم إلاَّ متى أَصبحَت سيَّالاتُ البشر الروحيَّة جميعُها مُتقاربة جدًّا في مداركِها ونزعاتِها واستعداداتِها؛ وهذا أمرٌ سيبقى حُلمًا إلى أَمدٍ بعيد. فالتنوُّعُ الثقافيُّ أَرادَه مَن جعلَ الناسَ شعوبًا ليتنافَسوا في التسابُقِ إلى الخير لا إلى الشرّ. ففي التنوُّعِ غِنًى للبشريَّة الواحدة، وامتحانٌ لإدراك الناس، وتجربةٌ لنـزعاتِهم.
والغِنى الكامِنُ في هذا التنوُّع أدركَه المُصنِّفون لكتاب “عُبور الحَدِّ الفاصل” الصادر عن الأُممِ المثتَّحدة. فقد وردَ فيه: “إنَّ دِرايتَنا بالغِنى والتنوُّع للمواردِ الروحيَّة المُتاحةِ للمجُتمَعِ العالَميّ تُمكِّـنُنا من أَن نرتفعَ فوق غطرستِنا القَيصريَّة التسلُّطيَّة ونبحثَ عن النصيحةِ والهداية والحكمة في ثقافاتٍ تُراثيَّةٍ أُخرى.”[xvi]
ومِثلُ هذا الأَساسِ الخُلُقيِّ الروحيِّ المُشترَك يستحيلُ الوصولُ إليه ما لم يتغلَّبْ زُعماءُ الشعوب على “الخطايا الاجتماعيَّة السبع للجنس البشريّ” مثلما حدَّدَها المهاتما غانْدي، أَبو السلام في القرنِ العشرين، وهي:
“سياسة بلا مبادئ؛
ثروة بغيرِ عمَل؛
إستمتاعٌ بدون ضمير؛
معارفُ بلا سلوكٍ قويم؛
عملٌ بغيرِ أَخلاقٍ سليمة؛
عِلمٌ مُجرَّدٌ من الإنسانيَّة؛
دينٌ لا يقترنُ بالتضحية.”[xvii]
و- إقتناعُ الدُّوَل بتهديد الأَخطار العالَميَّة للجميع
وبضرورةِ التعاوُن للتغلُّبِ عليها
على المسؤولين في الدوَلِ جميعها أَن يُصغوا إلى أَصواتِ ضمائرهم، فلا يجعلوا غطرستَهم ومصالحَهم القوميَّة تُعميهم عن الأَخطار الشاملة التي تُحدِقُ بالقويِّ كما بالضعيف. فمِن الجهالة أَن ينعمَ الأَقوياءُ بالسيطرةِ على الأرض بضعَ سنين ليَرَوا بعدها الأرضَ كلَّها قد أصبحَت غيرَ صالحة لسُكنى البشر. ذلك فضلاً عن أَنَّ العدالةَ الإلهيَّة، من المنظورِ الداهشيّ، من المحتومِ أَن تُعطيَ الحاصِدَ ما زرَعَته يَداه. فالظلمُ لا بُدَّ من أَن يُولِّدَ ظُلمًا، والقتلُ لا مناصَ من أَن يُولِّدَ قتلاً، والشعبَ الداعِم لأَعمالِ حُكَّامِه لا مفرَّ من أَن يُجزى بمِثلِ أَعمالِهم.
زِدْ إلى ذلك أَنَّ الأَوبئةَ وتلويثَ البيئة وأَعمالَ العُنفِ التي يُولِّدُها الجهلُ والحِرمانُ في مناطق التخلُّف إذا لم تُقدِم الشعوبُ القويَّةُ المتقدِّمة على مُعاونةِ الشعوبِ الضعيفة في إزالتِها، فإنَّّها ستتسرَّبُ إلى أرضِ الأَقوياء الأَثرياء، فتُنكِّدُ عيشَهم، ويُصبحُ من المُتعذِّرِ صَدُّها.
ومن الحكمةِ أَن يتخلَّى المسؤولون في الدُّوَلِ جميعِها عن عنجهيَّتِهم ويُصغوا إلى أَصواتِ العُلماء، ولا سيَّما أَنَّها أَجمعَت على الإنذارِ بالأَخطار الشاملةِ الداهِمة التي مَرَدُّ مُعظمِ أَسبابِها إلى جَشعِ الأَقوياء. فبمُناسبة المُؤتَمرِ المُنعقِد لليوبيل المِئَويِّ لجائزة نوبِل، في أُوسلو بالنروج، عام 2001، أَصدرَ مئةٌ من الحائزين لجائزة نوبل— مِمَّن أَحرزوها منذ سنة 1972 حتَّى 2001، مع كثيرين غيرهم من الفائزين في السنوات السابقة—بيانًا وقَّعوه؛ وقد جاءَ فيه:
“إنَّ أَبلغَ خطَرٍعلى السلامِ العالَميّ في الأَعوامِ المُقبِلة سينتجُ ليس من الأَعمالِ الخرقاء الصادرة عن الدوَلِ أو الأفراد، بل عن المطالبِ المشروعةِ التي يلتمسُها المحرومون في العالَم… فالارتفاعُ الحراريُّ الشامل، الذي ليس من صُنعِهم بل هو مُتولِّدٌ في البلدان الثرِيَّةِ القليلة، سيُحدِثُ الإصابةَ الكُبرى في بيئاتِهم الواهِنة، فيُصبحون في أَوضاعٍ يائسةٍ وغير عادلة.
“ولِـذا فليس من المُتوقَّع أَن ينتظروا، في جميع الأحوال، إحسانَ الأَغنياء إليهم. فإذا أَتَحنا، إذْ ذاك، لقوَّةِ الأسلحةِ الحديثةِ الجائحة أَن تنتشرَ في هذه البقاعِ البشريَّةِ القابلة للالتهاب، فنكونُ نُحرِّضُ على تفجُّرٍ قد يُصيبُ الأَثرياءَ والفُقراءَ معًا. والأملُ الوحيدُ للمُستقبل يكمنُ في عملٍ دُوَليٍّ تعاوُنيّ تُكسِبُه الديمُقراطيَّةُ شرعيَّة.
“لقد حان الوقتُ لنجعلَ البحثَ الأَحاديَّ الجانب عن الأَمان وراءَ ظهورِنا… ونستمرَّ في السَّعيِ لعملٍ مُوحَّد نجبَـهُ به ارتفاعَ الحرارةِ الشامل وتسليحَ العالَمِ كلِّه معًا…”[xviii]
هذا البيانُ الصادرُ عن مئةِ عالِمٍ تصدَّروا واجهةَ التاريخ في أَواخر القرنِ العشرين يلتقي بعقلانيَّتِه وإنسانيَّتِه النداءَ الذي أَطلقَه اثنان من عباقرةِ الفكرِ في هذا القرن نفسِه هما أَلبرت أَينشتاين وبِرتراند راسِّل في 9 تمُّوز (يوليو) 1955. قالا: “إنَّنا بصفتِنا كائنَين إنسانِيَّـين نُناشِدُ كائناتٍ إنسانيَّة أَن تذكَّروا إنسانيَّتَكم وانْسُوا ما عَداها؛ فإن استطعتم أَن تفعلوا هذا، فالطريقُ تُشرَعُ أَمامكم إلى فردَوسٍ جديد.”[xix]
أَجَل. إغترارُ آدم وحوَّاء أَضلَّهما وأَنساهما أَنَّهما بشَرٌ وليسا من الآلهة، وبالتالي ولَّدَ الانقسامَ والطمعَ والحسدَ والقتلَ وسائرَ الشرور، وسبَّبَ جميعَ أنواعِ الشقاء لنَسلِهما. فإذا استطاع البشرُ أَن يُرسِّخوا في أَذهانِهم أَنَّهم جميعًا كانوا أُسرةً واحدة، وأَنَّ عليهم أَن يعودوا أُسرةً مُوحَّدةً واحدة يكونُ الحقُّ رائدَها، والفضيلةُ نهجَها، واللهُ غايتَها، فإذْ ذاك يكبرُ الأَملُ في أَن يجعلَ الناسُ من الأرضِ فردوسًا جديدًا. يقولُ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة في هذا الصَّدَد:
فالأرضُ التي كوَّنَها اللهُ، والخيراتُ التي ملأَ بها أَرجاءَها، تستطيعُ أَن تُغرِقَ كلَّ حَـيٍّ على ظهرِها، وتكفيه مَؤونـةَ الاعتداءات؛ هذا إذا سلُمَت النيَّات، وأَخلصَت القلوب، وإذا طرَدنا منَّا شياطينَ الأَطماع التي تقطنُ في داخلِنا مثلما تقطنُ الأَفاعي في الشقوقِ والنخاريب.[xx]
عالَـمٌ جديـد ذو نظـامٍ جديـد
تلك هي المبادئُ الأَوَّليَّة التي على الشعوبِ جميعِها، قويِّها وضعيفِها، غنيِّها وفقيرِها، أَن تعتنقَها لتُمَهَّدَ الطريقُ إلى العَولَـمةِ العادلة، وبكلمةٍ داهشيَّة، إلى قِيام “العالَـمِ الواحد”. عالَـمٌ مُفاخِرٌ بوَحدةِ تُراثِه الثقافيِّ الإنسانيّ؛ مُتكامِلٌ في ارتقائه الحضاريِّ الروحيِّ والمادِّيّ، الإدراكيِّ والنُّـزوعيّ، الاجتماعيِّ والفرديّ؛ مُؤمِنٌ بوحدةِ أَديانِه الجوهريَّة ووحدةِ غايتِها الخُلُقيَّةِ والخَلاصيَّة؛ عالَمٌ بانٍ التفاهُمَ في القضايا المصيريَّة بين شعوبِه وحَلِّ المُعضلاتِ العَصيَّةَ بين دُوَلِه على الحِوار المُنفتِحِ الدائم؛ مُقتنِعٌ بأَنَّ التنوُّعَ الثقافيَّ فيه يزيدهُ غِنًى روحيًّا وتجاربَ حضاريَّة؛ وأَخيرًا مُدرِكٌ تمامًا أَن لا سبيلَ لِدَفعِ الأَخطار الشاملة المُحْدِقـة به إلاَّ سبيلُ التقارُب والتسامُح والتحـابّ والتراحُم، سبيلُ المبادئِ الإنسانيَّةِ المُشترَكة بين الأَديانِ والـهداياتِ الروحيَّـةِ جميعها كما بين الإنسانيِّـين اللامُؤمنين أَنفسهم.
بَيدَ أنَّ اعتناقَ الشعوب لهذه المبادئ الإنسانيَّة اعتناقًا نَظريًّا لا يكفي وحده لِبناء “العالَـم الواحد” العادلِ الفاضِل وَفقًا للمفهوم الداهشيّ. فالخلافاتُ بين القوميَّات والثقافات المُتنوِّعة لا يُمكنُ أَن تزولَ بسهولة، خصوصًا إذا اصطبغَت عَبر العصور بالدماء؛ والطامعون الغاصبون لِسُدَّة الأحكام، المُتسلِّطون على حقوقِ الإنسان، لن ينقرضوا من الأرضِ عاجلاً؛ والغطرسةُ التي تُرنِّحُ الحُكَّامَ بخمرتِـها لن تتحـوَّلَ إلى تواضُعٍ سريعًا؛ والجماعاتُ الوُصوليَّة المُغالِـية في عصبيَّاتها العمياء وعدائيَّتِها لجميع “الآخَرين” لن تتبدَّدَ بين سنةٍ وأُخرى… ذلك بأَنَّ مُورِّثات البشر الفطريَّة قد ترسَّخَت فيها أَنواعُ ميولِهم ومُستوياتُ مداركهم وأَمراضُ عقولِهم ونفوسهم، ولا يُمكنُ أَن تتغيَّرَ في جيلٍ واحد؛ فتغييرُها إلى الأفضل يقتضي تهذيبًا وتثقيفًا دائمَين ومُجاهَدةً للنفسِ مُستمرَّةً طوالَ أَجيالٍ وأَجيال حتَّى تتمكَّنَ السيَّالاتُ الروحيَّة من الارتقاء، وبالتالي من تغييرِ المضامين النفسيَّة المُبَرمَجة التي تبني شخصيّاتِ الأَفراد والشعوب. ولِذا لا بُـدَّ من قيامِ نظامٍ عالَميٍّ جديد يكونُ أَفضلَ من النظام القائم في الأُمَمِ المُتَّحدة، هذا النظام الذي تنبَّأَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة بفشلِه منذُ قِيامِه. لكنْ ما هي أَبرزُ الخطوطِ في صورة النظامِ الجديد؟
يقولُ الدكتور داهش بلسان جلبِرت، الجنديِّ الجريح، عند كلامِه على ضرورة بناء “عالمٍ واحد” من أَجل أَن “يسودَ السلامُ العامُّ” الكُرةَ الأَرضيَّة:
فالاتِّفاقُ العامُّ بين زُعماءِ الممالك الكُبرى ورؤَساء الدوَلِ القويَّة؛ وإجماعُ الآراءِ المُخلِصة، لا المُزَيَّفة، حول هذا الموضوع البالِغ في خَطَرِه وجلالِ قدره وشأنِه؛ وطَرحُ الأَطماعِ جانبًا من الجميع في سبيل سعادة الأُسرة الإنسانيَّة؛ وعدمُ التكالُب على المادَّةِ بجشعِهم الجارفِ الخطير؛ وبنيانُهم قانونًا عالَميًّا شاملاً يُدخِلون فيه الدوَلَ الصُّغرى التي تنقادُ إلى آرائهم؛ وتوحيدُ أَهدافِهم ومُثُلِهم العُليا… هو ما يُؤَدِّي إلى السلام العامّ.
هذا إذا خلَصَت النيَّات، وطُرِحَت جانبًا الغايات؛ وهذا ما أَراه صعبَ التحقيق، ولا أَظنُّه يتمُّ في عصرِنا، هذا العصرِ الذي أَصبحَت فيه المادَّةُ معبودةَ الجميع، وسيطرَت فيه الأَطماعُ على العقول وتشبَّثَت بالنفوس وهَيمنَت على الأَرواح… فأَصبحَت جميعُ هذه المُثُل العُليا عبيدًا للمادَّةِ الحقيرةِ الفانية.[xxi]
يُستَخلصُ من الكلماتِ السابقة لرجُلِ الروحِ والإلهامِ أَنَّ “العالَمَ الواحد” يجبُ أن يكونَ على صورة الأُسرة الواحدة، لكنَّها أُسرةٌ تضمُّ أَواصرُها العالَمَ كلَّه، أَي “أُسرةٌ إنسانيَّة”، وأَنَّ الغايةَ من قيامِ هذا “العالَم الواحد” هو مَدُّ “الأُسرة الإنسانيَّة” بـ”السعادة”، وأَنَّ تحقيقَ هذه “السعادة” لا يتمُّ إلاّ ببناء “قانونٍ عالَميٍّ” جديد تدخلُ تحت أَحكامِه الدولُ الصُّغرى برِضاها، وأَنَّ رُوَّادَ الطريق إلى هذا القانون يجب أن يكونوا قادةَ الدوَلِ الكُبرى، وأَنَّ على هؤلاء “أن يُوحِّدوا أَهدافَهم ومُثُلَهم العُليا” ويتخلَّوا عن مطامعِهم لتنجحَ مساعيهم. فكيف يُمكنُ أَن يتمَّ هذا والطريقُ ما تزالُ وعثاء طويلة؟ هذا ما سنبحثُ فيه في العددِ القادم.
[i] . الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 108.
[ii] . المصدرُ نفسُه، ص 347.
[iii] . المصدرُ نفسُه، ص 348.
[iv] . المصدرُ السابق، ص 374-375.
[v] . لمزيدٍ من الاطِّلاع على هذه المُعضلات والعقبات، يُمكنُ مُراجَعة الكتاب الصادر عن مُنظَّمة الأُمَمِ المُتَّحدة بعنوان “عُبورُ الحَدِّ الفاصل”
Giandomenico Picco and Others.Crossing the Divide: Dialogue Among Civilizations (New Jersey: School of Diplomacy and International Relations, Seton Hall University).
وكذلك “تقريرُ الأمين العامّ للأُمم المُتَّحدة لسنة 2000”. ذلك فضلاً عن عدَّة مصادرَ مهمَّة في الصحافة، من أبرزِها المقالاتُ المنشورة في العددَين التاليَين لمجلَّتَيْ:
The American Prospect, Winter 2002
Wilson Quarterly, Nov. 2002.
[vi] . بَرأَبَّـا هو زعيمُ عصابة يهوديَّة من القتَلة واللصوص قبضَ الرومان عليه أَيَّامَ السيِّد المسيح، وقد طالبَ اليهودُ بإطلاقِ سراحِه بدلَ يسوع عندما خيَّرَهم بيلاطس، الوالي الرومانيّ، في أَيِّ الاثنَين يُطلِق.
[vii] . أنظرْ رأيَ العالِم كونراد لورِنتز، حائز جائزة نوبل، في هذا الصَّدَد:
Konrad Lorenz. Les huit péchés capitaux de notre civilisation. Traduit de l’allemand par Elizabeth de Miribel (Paris: Flammarion, 1973), pp. 49-57.
[viii] . افتُتِحَت مكتبةُ الإسكندريَّة الجديدة في حَفلٍ عالَميّ، بتاريخ 16/10/2002.
[ix] . The American Prospect, Winter 2002, pp. A3-A4
[x] . Bernard Lewis. Islam and the West (New York: Oxford University Press, 1993), p. 61.
Bernard Lewis. What Went Wrong? (New York:. [xi] Oxford University Press, 2002), pp. 3-17 & 151-160.
[xii] . الدكتور داهش: “الرحلاتُ الداهشيَّة حول الكُرةِ الأَرضيَّة”، المجلَّد 18 (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1994)، ص 402.
[xiii] . الدكتور داهش: قِصَص غريبة وأَساطير عجيبة”، الجزء الثالث (قَيد النشر)، قصَّة “حُلم رهيب”.
[xiv] . سورة النساء: 40.
UN Document. A/RES/53/22, November 16, 1998 (unanimously adopted). .[xv]
[xvi] . Crossing the Divide, p. 52.
[xvii] . Ibid., p. 209.
[xviii] . World-Watch, May/June 2002, p. 2.
[xix] . Crossing the Divide, p. 38.
[xx] . الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار”، ص 121.
[xxi] . المصدرُ السابق، ص 108.
الطريقُ إلى "العالَمِ الواحد" (3)
مسؤوليَّةُ الأُمَمِ المُتَّحدة في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة
بقلم الدكتور غازي براكْس
رأَينا في الحلقتَين السابقتَين (عدَدَي الخريف 2002 والشتاء 2003) أَنَّ طريقَ السلامِ العالَميّ ما تزالُ وعثاء، لأنَّ الطريقَ التي سلَكَته الدوَلُ منذُ قيامِ عصبة الأُممِ بعد الحربِ العالَميَّةِ الأُولى ثمَّ قيامِ منظَّمةِ الأُممِ المُتَّحدة بُعَيدَ الحربِ العالَميَّة الثانية لم تكُن طريقًا صحيحة. وقد تنبَّأَ مُؤَسِّسُ الداهشيَّة بإخفاق مساعي السلام منذُ بداية عام 1946. أَمَّا الطريقُ الصحيحة، في ضوءِ المفاهيم الداهشيَّة، فتكونُ بالانتقال من العَولمة في طرحِها الحاليّ إلى “العالَمِ الواحد” المَبنيِّ على القِيَمِ الروحيَّة والإنسانيَّة. والوصولُ إليه يُمَهَّدُ بتغليبِ المبادئ التالية: أَوَّلاً، الأَخذُ بوحدةِ التراثِ الثقافيِّ العالَميّ دونما استكبار ثقافةٍ على أُخرى، لا سيَّما أَنَّ الاستعلاءَ الغربيَّ لا يستَـندُ إلى أَيِّ واقعٍ تاريخيّ؛ ثانيًا، اعتمادُ الارتقاءِ المُتكامِل من خلال الاهتمامِ بترقيةِ مداركِ الناس ونزعاتِهم معًا، فلا يكونُ التقدُّمُ التكنولوجيّ على حسابِ الانحطاطِ الخُلقيّ؛ ثالثًا، نشرُ الإيمان بوحدة الأديانِ الجوهريَّة المُتولِّدة من الوحدةِ الروحيَّة لمُؤَسِّسيها أنفسهم، وَفقَ المبادئ الداهشيَّة، كما من وحدةِ أَهدافهاِ الإنسانيَّةِ المُشترَكة ذاتِ المرمى العالَميّ؛ رابعًا، تبنِّي الحوار المُنفتِح بين الثقافات بحيثُ تتلاقحُ الأفكارُ والثقافاتُ وتُولِّدُ حضارةً إنسانيَّةً جديدة خيرًا من الأُولى؛ خامسًا، قبولُ التـنوُّعِ الثقافيِّ في الوحدةِ الحضاريَّةِ العالَميَّة؛ سادسًا، اقتـناعُ الدوَلِ، حكوماتٍ وشعوبًا، بتهديد الأخطار العالَميَّة الماحق للجميع، دونما استثناء، وبضرورة التعاوُن الدُّوَليّ للتغلُّب عليها، خصوصًا بعد أن أَجـمعَ كِبارُ العُلماء، حيثما كانوا، على التحذيرِ من عواقبِها الفادحة على البشريَّةِ طُرًّا.
لكنَّ هذه المبادئَ الأَوَّليَّة لا يكفي اعتناقُها النظريُّ لقيامِ “عالَمٍ واحد” عادلٍ فاضل. فهي بحاجة إلى نظامٍ عالَميٍّ جديد يدعمُ تطبيقَها ويصونُها. يُستخلَصُ من كلمات الدكتور داهش التي وضعَها على لسان جِلبِرت، الجُنديِّ الجريح، في كتابه المُلهَم “مُذكِّرات دينار”، عند كلامِه على ضرورة بناءِ “عالَمٍ واحد” من أجل أَن “يسودَ السلامُ العامُّ” الكُرةَ الأرضيَّة: أَنَّ “العالَم الواحد” يجبُ أَن تربطَ دوَلَه وشعوبَه أَواصرُ تُذكِّرُها على الدوام بأَنَّ العالَمَ كلَّه إنَّما هو أُسرةٌ واحدة، لكنَّها “أُسرةٌ إنسانيَّة”، وأنَّ الغايةَ من تحوُّلِ العالَم المُفكَّكِ المتنازِع إلى “أُسرة إنسانيَّة” مشدودةِ العلائق، مَبنيَّة على النـزعاتِ والقِيَمِ العُليا، هي تمكينُ البشريَّة الموحَّدة من تحقيق “السعادة” الأرضيَّة؛ لكنَّ هذا الهدفَ الأمثل يستحيلُ الوصولُ إليه إلاَّ ببناءِ “قانونٍ عالَميّ” جديد تنضوي تحت أحكامه الدوَلُ برضاها. أمَّا رُوَّادُ الطريقِ إلى وَضعِ هذا القانون فمنطقُ التاريخِ يقضي بأن يكونوا قادةَ الدوَلِ الكُبرى. فعلى هؤلاء “أَن يُوحِّدوا أَهدافَهم ومُثُلَهم العُليا” ويتخلَّوا عن مطامعِهم لتنجحَ مساعيهم.[1] فكيف يُمكنُ أَن يتمَّ هذا؟
الأُسرةُ الروحيَّةُ الواحدة
بعد أَن قضى جِلبِرت نحبَه، وانطلقَت سيَّالاتُه الروحيَّة من سجنِها الجسَديِّ المادِّيّ، تكشَّفت الحقيقةُ الروحيَّةُ لها كما لسائر السيَّالات التي انطلقَت مِمَّن كانوا يتحاربون؛ وإذا بجميع الجنود الموتى، وقد استفاقوا من رقدة الموت، يُذعَرون من جرَّاء العمى الذي ضربَ غشاوةً على أَبصارهم وبصائرهم في حياتِهم الأرضيَّة، وجعلَهم ينجرفون بتيَّار المآربِ الوطنيَّة الضيِّقة التي أَفعمَت قلوبَهم بالضغينة والعُدوانيَّة تجاه بعضهم بعضًا دونما “سببٍ معقول.” تقولُ روحُ جِلبِرت وقد أصبحَت في ملإٍ عُلويّ:
لقد اجتمعنا هنا، وكوَّنـَّا أُسرةً روحيَّةً واحدة. فأَعداءُ الأَمس الذين كانت تغمرُ قلوبَهم الكراهية، أَصبحوا أَصدقاءَ اليوم، تعمرُ أَرواحَهم المحبَّةُ الحقيقيَّة. فالأَلمانيُّ والبريطانيُّ والفرنسيُّ والتركيُّ والبلجيكيُّ واليوغسلافيُّ والبلغاريُّ والروسيُّ والزنجيُّ والأَمريكيُّ والأستراليُّ وغيرُهم من مُختلفِ الجنسيَّات التي فرضَتها غاياتُ الأرض فرضًا على الأُمَم، أَصبحَت الآن تنتمي إلى جنسيَّةٍ روحيَّةٍ واحدة، بعد أَن نبذَت أَضاليلَ الأرضِ وسخافاتِ الحياة. فهنا لا سائد ولا مَسود، لأنَّ قانونَ السماءِ قد وحَّدَ بين الجميع. والحقيقةُ الإلهيَّةُ كشفَت عن أَعيُنِهم غطاءَ الجهلِ، فأَصبحوا يخجلون مِمَّا كانوا يقومون به في عالَمِهم المُشتقِّ من الجحيم.[2]
إنَّ الشعورَ بهذه الحقيقة الوَحدويَّة ليس مُقتصرًا على الأنبياء والهُداةِ الروحيِّـين، فالإنسانيِّون مُؤمنين كانوا أم مُلحدين، والروحانيّون من الفلاسفة والأُدباء والعلماء والفنَّانين مِمَّن تُحييهم سيَّالاتٌ عُلويَّة، يشعرون بوحدة الجنسِ البشريِّ، بل بعضُهم يشعرُ بوحدة الأرض بكلِّ ما فيها من مظاهرَ حيَّة. فالعالِمُ والفيلسوفُ الفرنسيُّ بيار تِيلار ده شاردان P. T. de Chardin ( 1881-1955) رأَى أَنَّ تكامُلَ الإنسان لا يكونُ إلاَّ في اتِّحادِه بالإنسان الأَعظم وفي اندماجِ الجميع بوحدة الكوكب.[3] والمهاتما غاندي (1869-1948) كانت وحدةُ البشريَّة، بل الأرضُ كلُّها تملأُ وعيَه. فمن أَقواله الكثيرة في هذا الصَّدَد: “البشريَّةُ واحدة باعتبارها تخضعُ جمعاءَ للقانون الخًُلقيّ. فالناسُ كافَّةً مُتساوون في نظرِ الله. وطبيعيٌّ أَن تكونَ اختلافاتٌ في الجنس والوضع الاجتماعيّ وما أَشبه، لكنْ بقدرِ ما يعلو وضعُ الإنسان تعظمُ مسؤوليَّتُه.”[4] وجبران خليل جبران (1983-1931) اجتذبَته النـزعةُ الإنسانيَّة باكرًا، على حبَِّه الفيَّاضِ لوطنِه. فنداؤها يطرقُ أُذنَيكَ في “دمعة وابتسامة”: “أَعفِني من مآتي السياسة وأَخبار السلطة، لأنَّ الأرضَ كلَّها وطني وجميعَ البشر مُواطِنيَّ.” وهي ستَـتبلَّرُ وتتَرسَّخُ في نفسه مع كرور الزمن: “أُحبُّ مسقطَ رأسي بـبعضِ محبَّتي لبلادي، وأُحبُّ بلادي بقسمٍ من محبَّتي لأرضِ وطني، وأُحبُّ الأرضَ بكلِّـيَّتي لأنَّها مرتعُ الإنسانيَّة، روحُ الأُلوهيَّة على الأرض… تلك الأُلوهيَّة السائرة بين الأُمَم، المُتكلِّمة بالمحبَّة، المُشيرة إلى سبُلِ الحياة والناسُ يضحكون مُستهزئين بأَقوالِها وتعاليمِها، تلك التي سمعَها بالأمسِ الناصريُّ فصَلبوه، وسقراط فسمَّموه، والتي سمعَها اليومَ القائلون بالناصريِّ وسقراط، وجاهروا باسمِها أَمام الناس، والناسُ لا يقدرون على قتلِهم، ولكنَّهم يسخرون بهم قائلين: ’السخرية أقسى من القَتل وأَمرّ.‘”[5]
في التعاليم الداهشيَّة أَنَّ القوَّةَ الموجِدة هي واحدة، ومن الواحد كان تعدُّدُ الأرواح، ثمَّ تجزّؤُها إلى سيَّالات، فانحطاطُ بعضها الذي سبَّبَ ظهورَ الأكوانِ المادِّيـَّة، ثمَّ حدثَ تشتُّتُ السيَّالات الذي تلاه سقوطٌ تلوَ سقوط تولَّدَت منه الأرضُ وما عليها من مخلوقات كان بينها البشرُ الأوَّلون، ثمَّ اندثرَت حضاراتُهم، وكُوِّنَ آدم وحوَّاء… وبالتناسُل انتشرَ البشرُ في الأرض في هذه الدورةِ التكوينيَّة، وتباعدوا وتشاحنوا وتقاتلوا… حتَّى غدَت البغضاءُ والتفرقة والعدائيَّة هي القاعدة.
لكنَّ السيَّالات المُبعثرة مطبوعٌ فيها التوقُ إلى التلاقي فالاندماج في الوحدة الأُولى، لأنَّ الغايةَ الروحيَّةَ الراسخة في كلِّ سيَّال هي العودة إلى أَصله الروحيِّ الأُمّ. وفي الحقائق الروحيَّةِ الداهشيَّة أنَّ الكواكبَ العُلويَّة العظيمةَ في أَجرامِها وحضاراتها إنَّما يُكوِّنُ كلٌّ منها مُجرَّدَ مدينة، بحيثُ إنَّ مئاتِ (الكواكب-المُدُن) أو أُلوفَها يجمعُها عالَمٌ واحد يسودُه التآخي والسلامُ والهناء.
الأُسرةُ البشريَّةُ الواحدة والعالَمُ الواحد
إذا نظرنا إلى مسيرةِ الاجتماع البشريّ وتطوُّرِه من خلال ما دوَّنَه وأَجمعَ عليه المُؤَرِّخون وعلماءُ الاجتماع، لَرأينا أَنَّ الوحداتِ الاجتماعيَّة الأُولى كانت مُقتصرة على الأُسَر والعشائر، ثمَّ اتَّسعَت دائرةُ العصبيَّة بحيثُ جمعَت عدَّةَ عشائر في قبيلةٍ واحدة، ثمَّ ازدادَ اتِّساعُ العصبيَّة بحيثُ استغرقَت عدَّةَ قبائلَ في شعبٍ واحد. وعند هذه الدرجة من الارتقاء الاندماجيِّ في وحداتٍ مُجتمعيَّة كُبرى بدأَ الاستقرارُ يحلُّ محلَّ البداوة، وظهرَت القُرى والمُدُنُ الأُولى. إلى هذه المرحلة تنتمي أُور وسومر وسَدوم وعمورة وطيبة وإسبرطه وآثينا وصَيدون وجُبَيل وأُورشليم وكثيرٌ غيرُها… كانت المطامحُ المدعومةُ بالاختراعاتِ والاكتشافاتِ المُستخدَمة في الحروبِ ووسائلِ المعيشة هي التي تُحدِّد، في المجرى الاجتماعيّ الاقتصاديِّ العسكريِّ الظاهر ، الارتقاءَ من درجةٍ مُجتمعيَّة إلى أُخرى؛ لكنَّ الدوافعَ الأعمق، وَفقَ النظرةِ الداهشيَّة، كانت في تطوُّرِ السيَّالات الروحيَّة التي تُحيي الناسَ وتمدُّهم بمُستوياتٍ أفضل في مداركهم وربَّما نـزعاتهم. ثمَّ أَخذَت المطامحُ والمطامعُ تدفعُ القادةَ إلى بسطِ أيديهم من مدينةٍ إلى أُخرى، تبَعًا لنظام الاستحقاقِ الروحيّ المَبنيِّ على ناموس العدالة الإلهيَّة، وبذلك أَخذَ التلاقحُ الإتنيُّ والثقافيُّ ينتشرُ بين المُدُن-الدُّوَل؛ فظهرت الثقافاتُ المُختلطة، كالثقافة المصريَّة (الفرعونيَّة)، والبابليَّة، والكنعانيَّة، والإغريقيَّة، حيثُ تظهرُ التأثيراتُ المُتبادَلة، كملامح الآلهة وأُسُسِ المعتقدات الدينيَّة التي تتغلغلُ هي نفسُها هنا وهناك، بأسماء مختلفة أَحيانًا، وكاستخدام الأرقام الحسابيَّة والحروف الهجائيَّة مع شيءٍ من التعديل أحيانًا. بعدئذٍ شهدَ التاريخُ مَدًّا عسكريًّا ثقافيًّا اقتصاديًّا يهدفُ إلى توحيد المُدُن في دولةٍ كُبرى، مثلما حدثَ في أَيَّام حمورابي ونبوخذنصَّر وقورش والإسكندر ويوليوس قيصر وغيرهم، ثمَّ في عصور الخُلفاء الراشدين والأُمَويِّـين والعبَّاسيِّين. واستمرَّت هذه المرحلة طوالَ عصور الانحطاط في أُوروبَّا وآسيا إلى أن ظهرَت القوميَّاتُ الحديثة التي ما تزالُ فاعلةً في أكثر بقاع العالَم، بحيثُ إنَّ الدوَلَ-الأُمَم كان عددُها 69 دولة عام 1940، فأصبح اليوم 190 دولة.[6]
لكنَّ العصبيَّةَ القوميَّة ليست محطَّةً نهائيَّة في النظرةِ الداهشيَّة، إنَّما هي مرحلةٌ في طريقِ ارتقاء المُجتمعات البشريَّة باتِّجاهِ مزيدٍ من الوحدة. فالبشرُ منذُ ما بعد الطوفان حتَّى اليوم إنَّما هم من سُلالةٍ واحدة، هي سُلالةُ آدمَ وحوَّاء. هذه الوحدةُ السُّلاليَّة شدَّدَت عليها منظَّمةُ الأُممِ المتَّحدة من خلال منظَّمة اليونسكو، عام 1997، بتأكيدها في “الإعلان العالَميّ لكُتلة الجينات البشريَّة وحقوق الإنسان”: “إنَّ كُتلةَ المُورِّثات البشريَّة تُبرِزُ الوحدةَ الأساسيَّة لجميع أَعضاء الأُسرة البشريَّة، كما تُظهِرُ الكرامةَ والتنوُّعَ المُلازمَين لطبيعةِ البشر…”[7] ولا بُدَّ من أن يتوازى ارتقاءُ البشرِ الثقافيُّ الروحيُّ مع اتِّجاههم أكثرَ فأكثر إلى تحقيق “الأُسرة الإنسانيَّة” الواحدة التي أَلمعَ إليها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة. فقد شهدَ التاريخُ الحديثُ قيامَ الولايات المُتَّحدة التي تضمُّ خمسينَ ولايةً في اتِّحادٍ فيدراليّ، وتحوي جالياتٍ من كلِّ أنحاء العالَم ومن جميع الإتنيَّات والمُعتقدات، كما شهدَ قيامَ الاتِّحادِ الأُوروبيّ وقبلَه الاتِّحاد السوفياتي، وإن تكُن تجربةُ الأخير فاشلة لأسبابٍ كثيرة. فهذه النماذجُ الاتِّحاديَّة، وغيرُها من الاتِّحادات الاقتصاديَّة أو التجمُّعات الإقليميَّة الآخِذة بالتكوُّن، لَـتُشيرُ، بعد قيام مُنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة، إلى خَطٍّ وحدَويٍّ تصاعُديّ هدفُه تخطَّي العصبيَّةِ القوميَّة، ويُؤذِنُ بمزيدٍ من التطلُّعِ إلى وحداتٍ إنسانيَّةٍ كُبرى تقومُ لا على وحدة الدين أو الأرض أو حتَّى اللغة، بل على إرادةِ العيشِ المُشترَك وعلى التقارُب في النظرةِ إلى الأهداف والقِيَمِ الحضاريَّةِ المُثلى.
هذا الخطُّ الوَحدويُّ التصاعُديّ، وإن يكُن ما يزالُ مُهدَّجًا بالفوراتِ القوميَّة التي تُطلِقُها مُناسباتٌ تستثيرُ مشاعرَ الشعوب وذكرياتِها التاريخيَّة، لا مناصَ من أَن يُفضيَ، وَفقَ الحقائقِ الروحيَّة الداهشيَّة، إلى مزيدٍ من الاتِّحادات الكُبرى. فبشيوعِ الثقافة المتعدِّدة الأَلوان بوسائط الإعلام الحديثة، لا بُدَّ من أن تتلاقحَ السيَّالاتُ وتتقارَبَ مُستوياتُها الروحيَّة في مُعظمِ الشعوب مع تعاقُب الأجيال. وهكذا يُفترَضُ أَن تتلاقى مداركُ أَكثرِ الناس ونزعاتُهم ومُثُلهم العُليا؛ وإذْ ذاك يسهلُ على كثيرين منهم، يعد اطمئنانهم، أَن يتخطَّوا عصبيَّاتِهم القوميَّة المَبنيَّة على وحدةِ لأرض أو الدين أو اللُغة أو التقاليد أو التاريخ المُشترَك، أو عليها جميعًا، ويندمجُ معظمُهم، إن لم يكن كلُّهم، في دولةٍ كُبرى واحدة. لكنْ هل تسودُ تلك الدولةَ العدالةُ والأُخوَّةُ والفضيلة، وتُصانُ فيها الحُرِّيـَّاتُ الأساسيَّة وسائرُ حقوقِ الإنسان؟ إنَّ هذا الأمر رَهنٌ باستحقاق البشر يومئذٍ. لكنَّ بلوغَ هذا الهدفِ الوَحدويِّ الأمثَل دونَه طريقٌ زمنيَّةٌ طويلةٌ وصعوباتٌ جمَّةٌ يجبُ تذليلُها.[8] فهل تتبدَّى اليومَ دوافعُ وأَسبابٌ واقعيَّة قد تُؤَدِّي إلى هذا الهدفِ الأمثلِ البعيد المدى؟
المُعطَياتُ الراهنة
إنَّ المُعطَياتِ التي ينطلقُ منها، اليومَ، الساعون إلى العَولمة لا تُبشِّرُ بـ”عالَمٍ واحد” فاضلٍ عادِل أو بـ”أُسرة إنسانيَّة” واحدة وَفقَ المفهوم الداهشيّ، بل تُؤذِنُ بقيام عَولمة وَفقَ الطُّروح الحاليَّة. فمنذُ أَن أُطلِقت الأَقمارُ الصناعيَّة مُمكِّنةً محطَّاتِ التلفزة من إيصالِ بثِّها إلى أرجاء الأرض قاطبة، ثمَّ عقبَها قيامُ الإنترنيت (شبكة الاتِّصالات العالَميَّة الإلكترونيَّة)، حدثَت ثورةٌ جديدةٌ في العالَم ما زالت آخذةً بالنموِّ وبتغيير كيفيَّةِ تواصُل البشر وبناءِ صداقاتهم، وتطويرِ أساليب تفكيرهم وسلوكهم ووسائل اقتصادهم ومبادئ سياساتهم وطُرقِ تربيتهم وتعليمهم. إنَّها ثورةٌ معلوماتيَّة تختلفُ كَيفًا ونوعًا عن الثورتَين الزراعيَّة والصناعيَّة اللتَين عرفَهما التاريخُ البشريّ. والمعلوماتُ الأهمُّ في ما يُنقَل ستكون تلك التي لا تُباع، بل يُستَفادُ منها في توسيعِ آفاق المعرفة، وتقريب الآراء بالحوار والاطِّلاع الثقافيّ، وتغيير أنماط الحياة الاجتماعيَّة والأنظمة السياسيَّة والاقتصاديَّة. وهذا التواصُلُ الإعلاميُّ الذي لا تحدُّه حدود يتوقَّعُ الخبيران السُّوَيديَّان أَلكسندر بارْد A. Bard وجان سودِرقفِسْت J. Soderqvist وغيرُهما من المُراقبين أن يُسقِطَ الحواجزَ بين القوميَّات، ويُضعِفَ الحكوماتِ المحلِّـيَّة، ويُقيمَ تكتُّلاتٍ عالَميَّة تتخطَّى الحدودَ الوطنيَّة ومصالحَ الدولة-الأُمَّة، وتُقلِّل من أَهمِّـيَّة الديمُقراطيَّة والرأسماليَّة إزاءَ قيمة النُخَب المُثقَّفة الفعَّالة النافذة عَبرَ الأقمار الصناعيَّة والإنترنيت.[9] وبكلمةٍ أُخرى، إنَّ الثورةَ المعلوماتيَّة ستُسقِطُ أَهمِّـيَّةَ المكان لتُحِلَّ محلَّها أَهمِّـيَّةَ الزمان، وَفقَ رأيِ الباحث الألمانيّ أُولريش بِك Ölrich Bic، مُؤَلِّف كتاب “ما هي العَولمة؟”[10] ويتوقَّع المُحلِّلون المُستقبليِّـون Futurists، أمثال مايك ديلارد M. Dillard وجانيت هينارد J. Hennard أَن تتكوَّنَ أُمَمٌ بدون حدود تجمعُها مجموعةٌ مُشترَكة من الأهدافِ والمُثُلِ العُليا والمطامحِ والحاجات تتجاوزُ في ولائها الدوَلَ القائمة، وتُغيِّرُ نظامَ المُجتمعات المعروفة.[11] كما يتوقَّعُ آخَرون، من مِثل المُحلِّّل فيليب بابيت P. Bobbitt ، أن تحلَّ الدولةُ-السوق محلَّ الدولة-الأُمَّة، بحيثُ تنتقلُ مسؤوليَّاتٌ كبيرة من القِطاع الحكوميّ إلى القِطاع الخاصّ ولا سيَّما الشركات والمُؤَسَّسات الكُبرى العابرة للحدود الوطنيَّة.[12]وليس خافيًا عن الأنظار النشاطاتُ العالَميَّة التي تقومُ بها عشراتٌ من المُنظَّمات الشهيرة كـ”الصليب الأحمر الدُّوَليّ”، و”الدفاع عن حقوق الإنسان”، و”أَطبَّاء بلا حدود”، و”حركة السلام العالَميَّة”، و”الدفاع عن البيئة”، و”الدفاع عن حقوق الحيوان”، و”الحوار بين مُختلف الأديان” إلخ…
يُعزِّزُ كلَّ تلك الدوافعِ أسبابٌ اجتماعيَّةٌ وسياسيَّة أُخرى تتخطَّى الحدودَ الوطنيَّة والإقليميَّة: فقد ازدادت أضعافًا حركةُ الهجرة إلى أمريكا الشماليَّة وأُوروبَّا الغربيَّة من البلدان الآسيويَّة والإفريقيَّة والشرق أوسطيَّة، وتكاثرَت جدًّا حالاتُ الاختلاطُ الإتنيّ من خلال الزواج، وأصبحَ ولاءُ معظم الجاليات للأوطان الجديدة لا يقلُّ عن ولائها لأوطانها الأصليَّة فيُفيدون ماليًّا هذه وتلك. فملايينُ من المُهاجرين باتوا يشعرون بانتمائهم إلى الغربِ والشرقِ معًا. وهذا الواقعُ حقيقةٌ جليَّة مُنتشرة لا تحتاجُ إلى برهان. فبينما تقومُ في مُدُنِ أُوروبَّا التظاهراتُ ، من حينٍ إلى آخَر، ضدَّ توسيعِ باب الهجرة أمام الأجانب—ولا يخفى أنَّ هذه الفورات الاحتجاجيَّة هي من آثار نموذجِ العالَمِ القديم المَبنيِّ على العصبيَّاتِ القوميَّة او الدينيَّة او الإتنيَّة المُنغلقة— تُظهِرُ الدراساتُ التي تقومُ بها دوائرُ الوحدة الأُوروبيَّة أَنَّ اطِّرادَ النموِّ الاقتصاديِّ في أُوروبَّا يقتضي مُشاركة 35 مليونًا من المُهاجرين البالغين حتَّى سنة 2025.[13] كذلك تعاظمَت الحركةُ السياحيَّة في أغلب بقاع العالَم، بحيثُ إنَّ الملايين يتدفَّقون يوميًّا على متون الطائرات من دولةٍ إلى أُخرى، فضلاً عن مئات الأُلوف الذين باتوا يمتلكون منازلَ ويُديرون أَعمالاً في أكثر من بلَد.[14]
إنَّ الخُبراءَ الاجتماعيِّـين والاقتصاديِّيـين يعتبرون أنَّ الولاياتِ المُتَّحدة وأُوروبَّا واليابان باتت تعتلي الموجةَ الحضاريَّةَ الثالثة التي دفعَتها إليها الثورةُ التكنولوجيَّة-المعلوماتيَّة، بعد أن اعتلى العالَمُ الموجةَ الزراعيَّةَ حوالى عشرة آلاف سنة، ثمَّ اعتلى العالَمُ المتقدِّم الموجةَ الصناعيَّة بدءًا من أَوائل القرن الثامن عشَر. والتصادُم بين الموجات الثلاث التي ما تزالُ تتعايشُ في كثيرٍ من أرجاء العالَم هو الذي يُحدِثُ التصادُمَ بين الحضارات. لكنَّ هذا التصادُم، برأيِ العالِمَين أَلفِن وهايدي توفلِر A. H. Toffler، مُؤَلِّّفَي كتاب “إبداعُ حضارة جديدة” هو تصادمٌ حضاريٌّ محتوم وليس تصادُمًا بين الإسلام أو غيره من الأديان مع الغربِ المسيحيّ أو العَلمانيّ؛ ذلك بأنَّ القُطبَ الآخَرَ المُصادم (بالفتح أو الكسر) إمَّا ما يزالُ مُتشبِّثًا بالأرض (أي تُهيمنُ الزراعةُ على اقتصاده)، أَو ما يزالُ في الطورِ الصناعيّ. أَمَّا بلدانُ الموجة الثالثة فاهتمامُها ينصبُّ على الأفكار الجديدة وتفاعُلِها وعلى براءات الاختراع والاكتشاف أَكثرَ مِمَّا على المُنشأَات المادِّيـَّة الموجودة. إنَّه اهتمامٌ بالقِيَمِ التكنولوجيَّة والعلميَّة القابلة للتطوُّر المُستمرّ؛ وهيكليَّتُه الأساسيَّة هي الشبكاتُ الإلكترونيَّة العالَميَّة والأقمارُ الصناعيَّة التي سِمَتُها الأبرز هي السرعة. [15] وعلى حَدِّ تعبير العالِمَين توفلِر، “إنَّ الوظائفَ اليدويَّةَ الصِّرف التي تستوي في الدرجةِ الدُّنيا من سُلَّمِ الأعمال آخِذةٌ في الزوال. فبتناقُص الوظائفِ اليدويَّة في الحركةِ الاقتصاديَّة، أَصبحت ’البروليتاريا‘ الآن أَقلِّـيَّة، لتحلَّ محلَّها بازديادٍ مُطَّرِد طبقةُ ’أرباب المعرفة‘ cognitariat . وبتعبيرٍ أدقّ، بقدرِ ما يُحقِّقُ الاقتصادُ [الجديدُ] نفسَه، تتحوَّلُ طبقةُ البروليتاريا إلى طبقة من أرباب المعرفة.”[16] وتعليقًا على هذه الحقيقة التاريخيَّة التي كانت سببًا مهمًّا من أسباب انهيار الاتِّحاد السوفياتيّ، قال غورباتشيف عام 1989: “كدنا نكون من أواخر الذين فطنوا إلى أنََّ المعرفة هي القيمة العُليا في عصرِ العلمِ الإعلاميّ.”[17]ففي حين أنَّ المعرفة، في النظام الشيوعيّ، كانت مُحرَّمة على الناس إلاَّ بمقدارِ ما تُريدُه القيادة الحاكمة، إذْ إنَّها جزءٌ من آلةِ الدولة، كانت المعرفة في بلدان الموجة الثالثة معروضةً على الناس طُرًّا.[18]
الصورةُ الداهشيَّة لـمُنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة ودورِها
إنَّ نظريَّةَ التصادُم بين الموجات الحضاريَّة، وإن تكُن صحيحة إلى حَدٍّ ما، لا يُمكنُ أَن يُؤَدِّيَ مُجرَّدُ فهمِها إلى تبديد القلَق من نفوس الشعوب التي ما تزالُ تعتلي الموجتَين السابقتَين (الزراعيَّة أو الصناعيَّة) من جرَّاءِ فقدان الإمكانات البشريَّة المُؤَهَّلة فيها أو فقدان القوَّة الماليَّة التي يُمكنُها أن تُهيِّئَ تلك الإمكانات. فالمواردُ الطبيعيَّةُ تتوافرُ في أرضٍ دون أرض؛ والقوى العلميَّةُ والتكنولوجيَّة تكادُ تكونُ محصورةً في شماليِّ أمريكا وأُوروبَّا واليابان. فهل ذلك يعني، ما دامت طريقُ العَولمة قد شُقَّت، أَنَّ على البشر أن يُذعِنوا لحُكمِ الواقع فيأكلَ القويُّ خبزَ الضعيف، وهكذا يزدادُ الغنيُّ غِنًى والفقيرُ فقرًا؟ إنَّ الاجتياحَ الاقتصاديَّ للدوَل المُتخلِّفة يهبطُ بالمُجتاح حضاريًّا. والتاريخُ لا يرحمُ أمثالَ هؤلاء المُجتاحين. فالاستعمارُ— حتَّى الثَّقافيُّ منه—مَقيتٌ لدى الشعوبِ كلِّها، ومُستَنكَرٌ في الداهشيَّة. يقولُ الدكتور داهش بلسان “الدينار” (بطل روايته الفذَّة “مُذكِّرات دينار”) وهو يخطبُ في الجمعيَّة العامَّة للأُمَمِ المُتَّحدة:
هاتوا، يا أقوياء، وأَشهِدوا الكونَ على تضحيتِكم.
أَعيدوا لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وحَرِّروا المُستعبَدَ من رِقِّه، والمغبونَ من غبنِه، ومكِّنوا ربَّ البيتِ من بيتِه، فربُّ البيتِ أَدرى بالذي فيه، بظواهرِه وخوافيه…
… هل ساوَيتم أَصحابَ الأرقام [الدولَ المُرقَّمة في لائحة التخلُّف] بأَنفسِكم، وأَحلَلتموهم مرتبتَكم، وأَنزلتموهم، أَيُّها المُسيطرون منـزلتَكم؟
وهل سحَبتم جيوشَكم من أَوطانِهم ومشاريعَكم من بُلدانِهم؟…
إنَّ ما أَغدقَه الباري عليهم ما كان لكم أَن تعتدوا على قُدسيَّتِه، أَلا وهو حُرِّيـَّتهم.
فالإنسانُ أَخو الإنسان أَحبَّ أَم كَرِه… “[19]
إذًا مفتاحُ الطريقِ السويِّ إلى “العالَمِ الواحد” الذي يسودُه السلام ويُنادي به الدكتور داهش هو المُساواة في التعامُل بين الدوَل والتساوي في المنـزلة والمرتبة بينها، كبيرِها وصغيرِها، لأَنَّ البشرَ كانوا أَصلاً إخوة، أَحبُّوا ذلك أم كرِهوا، ولا يُمكنُهم أن يعودوا فيُكِّونوا أُسرةً إنسانيَّةً كُبرى إلاًّ بإشاعة المُساواة بينهم، وفي ذلك يكمنُ عملُ “التضحية” التي على الدوَل الكُبرى أن تقومَ به.
لكنَّ هذا الهدفَ النبيل من المُحال تحقيقُه إلاَّ باتِّباعِ نهجٍ عالَميٍّ واقعيٍّ مُشترَك يُوحِّدُ المبادئَ التي تقومُ عليها الأنظمةُ السياسيَّة، ويُقرِّبُ ما بين الثقافاتِ بما فيها من قِيَمٍ ومُثُلٍ عُليا، ويُعزِّزُ التسامُح. والواقعُ الراهِنُ للعالَم يقضي بأَن يتمَّ هذا الأمرُ من خلال مُنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة التي أَصبحَت المُمثِّلَ الشرعيَّ الوحيدَ للشعوبِ كلِّها بقدرِ ما يتمُّ من خلال نشاطِ الحكوماتِ نفسِها . بَيدَ أَنَّه من المتعذّر تحقيقُ ذلك في ظلِّّ الهيكليَّةِ الحاليَّة للمنظَّمة العالَميَّة. ولِذا فإنَّ مسؤوليَّةَ الدوَلِ الكُبرى تُرتِّبُ عليها عدَّةَ مسؤوليَّات:
أَوَّلاً، أَن يقومَ “الأَقوياء” بـ”تضحية” يُشهِدون العالَمَ عليها، وَفقَ ما وردَ في كلمات الدكتور داهش الآنفة الذكر، فيُحدِثوا تبديلاً لا بُدَّ منه في هيكليَّة الأُممِ المُتَّحدة من أَجلِ أَن يُظهِروا “حُسن النيَّة” لجميعَ الدوَل.
ثانيًا، أن يتصرَّفَ “الأقوياء” تصرُّفَ القُدوة، فلا يطلبوا من غيرهم ما لا يطلبون من أنفسِهم، ويمدُّوا يدَ العَون للضعفاء في كلِّ ما يُقرِّبُهم من مُستواهم الحضاريّ.
ثالثًا، أن يُعَزَّزَ دورُ الأممِ المُتَّحدة في نُصرة الشعوب والأفراد المظلومين من قِبَل حُكَّامهم المُستبدِّين، وهو مبدأٌ يتضمَّنُه ميثاقُ الأُممِ المُتَّحدة، لكنَّه لم يُطبَّق.
أَ- تعديلُ هيكليَّة الأُممِ المُتَّحدة
من أجل تحقيق المُساواة في التعامُل كما في المرتبة والمنـزلة بين الشعوب لا بُدَّ من أَن توجِدَ الدوَلُ الكُبرى بِنيةً لمجلس الأمن تختفي فيها الامتيازاتُ وتبرزُ عدالةُ التمثيل الحضاريّ، كأن يُوسَّعَ إطارُ عُضويَّةِ المجلس بحيثُ يضمُّ مُمثِّلين دائمين لا عن الدوَلِ الكبرى عسكريًّا واقتصاديًّا فحسب، بل أيضًا مُمثِّلين عن التكتُّلات الحضاريَّة، كالشعوب العربيَّة والآسيويَّة والإفريقيَّة والهند والناطقة بالإسبانيَّة وغيرها… وذلك بعد أن تدرسَ مختلفُ الدوَلِ صلاحيَّةَ هذه التكتُّلات ومدى شموليَّتها وتمثيلها وتُوافقَ جمعيَّةُ الأُممِ المُتَّحدة على ذلك. بهذا التوسيع تتحقَّقُ المُساواةُ والعدالةُ في التمثيل.
هذه المُساواة الإصلاحيَّة لبنيةِ مجلس الأمن التي تحدَّثَ عنها مُؤَسِّسُ الداهشيَّة منذ حوالى ستِّين عامًا لكي يُصبحَ المجلسُ أكثرَ شرعيَّةً وعدالةً في نظرِ العالَمِ كلِّه نادى بما يُشبهُها الأَمينُ العامّ للأُممِ المُتَّحدة، كوفي عنان، في تقريره للمنظَّمة العالَميَّة عام 2000.[20] وقد بدأَ عدَّةُ مُحلِّلين سياسيِّّـين يخوضون فيها وفي كيفيَّةِ تطبيقِها. يرى عالِمُ العلاقات الدُّوَليَّة تادْ دايلي Tad Daley أَنَّه من أجل أن تُصبحَ منظَّمةُ الأممِ المُتَّحدة مُؤَسَّسةً أكثرَ ديمقراطيَّة، “نحتاجُ أن نتجاوزَ عددَ أعضاءَ مجلس الأمن الدائمين الخمسة…” الذين يتمتَّعون بحقِّ النَّقض veto، إذْ يرى في هذه البنْية تكريسًا لوضعٍ ولَّدتَه الحربُ العالَميَّةُ الثانية، وآنَ أوانُ تغييره. كما إنَّه يرى إمكانَ قيام “جمعيَّة شعبيَّة” تنتخبُ الشعوبُ مُمثِّليها فيها مُباشرةً، وتكون مُتمِّمة للجمعيَّة العامَّة.[21] هذه الجمعيَّة الشعبيَّة يرى مُحلِّلون سياسيُّون آخرون أنَّها يجبُ ان تضمَّ مُمثِّّّّّّّلين للجمعيَّات العالَميَّة في مختلف الميادين، كجمعيَّات “الدفاع عن حقوق الإنسان”، و”الدفاع عن حقوق الحيوان”، و”المُحافظة على البيئة”، و”السلام العالَميّ”، و”الصليب الأحمر الدوليّ” والمُنظَّماتِ الثقافيَّة العالَميَّة، ومُنظَّماتِ الحوار بين الأديان، وعشراتٍ غيرها بحيثُ تُغطِّي أكبرَ مساحةٍ مُمكنة من النشاطات العالميَّة العابرة للحدود القوميَّة والتي بات تجاهلُها ضربًا من اتتعسّثف.
إنَّ التعامُلَ والتحاورَ على قدمِ المُساواة، وتبادُلَ الاحترام الدوليّ، والشعورَ بأنَّ كلَّ دولة، صغيرةً كانت أم كبيرة، بحاجة إلى سائر الدوَل لبناءِ عالَمٍ مُطمئنّ إلى اقتصاده وصحَّته وسلامته، لَهي مبادئُ لا بُدَّ منها في عالَمٍ مُتَّجهٍ اتِّجاهًا محتومًا إلى مَزيدٍ من التوحُّد من خلال اندماج قطاعاتِه الإعلاميَّة والإنسانيَّة والسياسيَّة والماليَّة والاقتصاديَّة إلخ في وحداتٍ أكبر فأكبر. فانهيارُ الاقتصاد في دولةٍ صغيرة قد يُرسِلُ اهتزازاتٍ في معظمِ الاقتصاد العالَميّ؛ كذلك ظهورُ الأوبئة أو تلويثِ البيئة أو الإرهاب في بقعةٍ من الأرض قد يُنذِرُ بشيوع أَيٍّ منها في العالَمِ كلِّه. فما دام الكلُّ مُعرَّضٌ للأَخطار الشاملة، والتأثيرُ مُتبادَل، فالكلُّ أصبحَ ضروريًّا، لأنَّ الأرضَ كلَّها ستتحمَّلُ الخسارةَ أو تكسبُ الربح.[22]
ب – تصرُُّفُ “الأَقوياء” تصرُّفَ قُدوة
في ضوءِ التعالم الداهشيَّة لا تبقى للأَقوياء قوَّتُهم، عسكريَّةً كانت أم اقتصاديَّة أم علميَّة، إلاَّ إذا أدركوا العبرةَ الروحيَّة من نعمتِهم، فلم يتجبَّروا أو يظلموا أَو يفسقوا، ذلك بأنَّ كلَّ عملٍ له نتيجةٌ محتومة. والقرآنُ الكريمِ يضربُ مثلاً رائعًا يوضِحُ ذلك بقوله: )ضربَ اللهُ مثلاً قريةً كانت آمنةً مُطمئنَّة يأتيها رزقُها رغَدًا،من كلِّ مكان، فكفرَت بأَنعُمِ الله، فأَذاقَها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوفِ بما كانوا يصنعون( (سورة النحل: 112). حتَّى لو مَدَّ الخالقُ زمانَ رحمتِه “للأَقوياء”، فلا بُدَّ من أن يحصدوا، في النهاية، ما زرعوه.
لِذا فعلى “الأَقوياء” أن يضطلعوا بدَور القائد القُدوة في تعامُلِهم مع الدوَل الضعيفة. والقائدُ القُدوة هو العادِلًُ المُحِبُّ الشفيق الذي تفرضُه أَعمالُه الإنسانيَّة وقِيَمُه الروحيَّة منارةً يُهتَدى بها ومثلاً أعلى يُطمَحُ إليه. إنَّه ذلك الذي لا يجرفُه الجشعُ، ولا تُسكِرُه وتُرنِّحُه خمرةُ التفوُّق فيفقدُ اتِّزانَه، بل يبقى جديرًا بالقيادة، مُؤثِرًا “التضحية” بما عنده من امتيازات على التضحية بغيره وما عنده من مُقوِّماتٍ للحياة. فمن الوجهة الداهشيَّة، إذًا، لن يُقَيََّضَ “للأقوياء” أَن يكونوا المثلَ الأعلى لسائر دوَل العالَم ما لم تُهيمن على شعوبهم، وبالتالي على مُمثِّليهم في الحُكم، النـزعاتُ الروحانيَّة والإنسانيَّة الحقيقيَّة. ويبدو أَنَّ طريقًا طويلةً ما زال عليهم أن يسلكوها قبل أَن يتسنَّموا هذه الدرجةَ العُليا.[23]
والقِيَمُ الروحيَّةُ التي أَعنيها والتي تُنادي الداهشيَّة بها لا تقومُ على طقوسٍ دينيَّة شكليَّة تُقيمُ الحواجزَ بين المؤمنين وتختلفُ بين دينٍ وآخَر ؛ فمَنحُ مثلِ هذه الطقوس قيمةً روحيَّة حقيقيَّة يُقلِّصُ معنى الدين إلى الأعراضِ والقشور، جاعلاً من العناصر الظرفيَّة جوهرًا دائمًا. فالقِيَمُ الروحيَّةُ لا تتاَثَّرُ بالظروفِ التاريخيَّة والطبيعيَّة والاجتماعيَّة، ولا بالإتنيَّات والقوميَّات، إذْ إنَّها قِيَمٌ إنسانيَّة سامية بدون اعتناقها ومُمارستِها لا يُرجى للإنسانِ أيُّ ارتقاءٍ حضاريّ، ولا أيُّ تَخطٍّ لمُستواه الأرضيّ البدائيّ.
فالثَّريُّ الذي يُصلِّي نهارَه وليلَه ولا يمدُّ يدَ العَون إلى الفقراء، والناسكُ الشبعانُ الذي ينقطعُ إلى ربِّه ولا يشعرُ بآلامِ المُعذَّبين والجياع حوله، والخطيبُ الذي يعظُ بضرورةِ التقشُّف ومعدتُه مُكتظَّة بالطعام— جميعُهم صلواتُهم وابتهالاتُهم ومواعظُهم فقاقيعُ في الهواء، وشأنُهم شأنُ الدولةِ القويَّة المُترَفة التي تدَّعي أنَّ الله اختارَها ورفعَها فوق العالَمين وهي لا تمدُّ للشعوب الضعيفة الفقيرة يدًا، ولا تُخفِّفُ عنهم عبئًا أو تُزيلُ همًّا أو جهلاً.
يقولُ المهاتما غاندي: “لا أُؤمنُ بأنَّ أيٍّ فردٍ يُمكنُه أَن يكتسبَ روحانيَّةً بينما يتأَلَّمُ الذين حوله.” ويذهبُ إلى أبعدَ حين يُعلنُ أنَّ العالَمَ كلَّه واحد، بل كلُّ ما يحيا على الأرض واحد.[24]
لقد اتَّخذَت الأُمَمُ المُتَّحدة، في جلستها المُنعقدة من 6 إلى 8 أَيلول (سبتمبر) عام2000، قرارًا سمَّته بـ”إعلان الألفيَّة للأُممِ المُتَّحد’ة” 55/2. United Nations Millenium Declaration. هذا القرارُ وقَّعَت عليه جميعُ الدوَل، وبينها الدوَلُ الكُبرى جميعها. لقد جدَّدوا، باسم شعوبهم، تمسُّكَهم بـ”شرعـة حقوق الإنسان العالَميَّة”، وأَكَّدوا مسؤوليَّتَهم عن إشاعة المُساواة والعدالة والحرِّيـَّة والتسامُح والتعاوُن والاحترام المُتبادَل بين الشعوب كلِّها، ومُساعدة الدوَلِ الضعيفة بحيثُ تستفيدُ من مَدِّ العولمة المتَّسع والتقدُّم العلميِّ والتكنولوجيِّ الحاصل، وكذلك تعزيز احترام القانون الدُّوَليّ باحترام البيئة والسَّعي الحثيث لإزالة أسلحة الدمار الشامل، ولا سيَّما الأسلحة النَّوويَّة، كما تعهَّدوا بتخفيف الديون الباهظة على الدولِ الفقيرة، والقضاء على الجهل والجوع والأوبئة في العالَم من خلال مسؤوليَّةٍ مُشتركة.
تُرى، هل يبقى هذا التعهُّد حبرًا على ورق مثلَ كثيرٍ مِمَّا سبقَه، أم يتجسَّدُ أعمالاً على أرضِ الواقع؟
ج – تعزيزُ دَور الأُممِ المُتَّحدة ومحكمتها الدوليَّة
في النظرِ بمظالمِ الحُكَّامِ لشعوبِهم جماعاتٍ وأَفرادًا
في تشرين الأوَّل (أكتوبر) عام 1948، أرسلَت الأديبةُ الداهشيَّة السيِّدةُ ماري حدَّاد رسالةً بالفرنسيَّة إلى رئيس مًنظَّمة الأُممِ المُتَّحدة وأعضائها تعرضُ فيها ما أًصاب مُؤَسِّسَ الداهشيَّة من ظُلمٍ رهيب على يَدِ زوجِ شقيقتِها، الرئيس اللبنانيّ الأسبق بشاره الخوري (1943-1952). تبدأُ هذه الرسالة التي استلهَمَت أفكارَها من العقيدةِ التي تُؤمنُ بها بقولِها:
أُوجِّهُ إليكم هذا الاستدعاءَ مُعتمدةً النداءَ الذي أَطلقتموه، وقد تناقلَته الصحفُ ووكالاتُ الأنباء، ذلكَ النداءَ الذي يدعو الشعوبَ المظلومة، بل حتَّى الأفرادَ أنفسَهم الواقعين ضحايا لمظالمِ حكوماتِهم أو للسلطات العُليا في بلادِهم، إلى أن يتوجَّهوا إليكم حتَّى يُنصَفوا وتستقيمَ العدالة.
وبما أَنَّ منظَّمةَ الأُممِ المُتَّحدة تعني محكمةً عُليا لجميع البلدان، بل حتَّى للأفراد، حسبما أُعلِنَ للعالَمِ أَجمع، فإنِّي، أَنا ماري حدَّاد اللبنانيَّة، المولودة في بيروت، أعرضُ باسم “الداهشيِّـين” عليكم ما يأتي:..”
وبعد أَن توضِحَ مَن هو الدكتور داهش روحيًّا وأدبيًّا، وتُظهِرَ أهدافَ عقيدته الروحيَّة الرامية إلى الإخاء العالَميّ ونُصرة الحُرِّيـَّة والحقيقة والعدالة، ثمَّ الأعمالَ التعسُّفيَّة الخارقة لقوانين البلاد التي قام بها بشاره الخوري وأعوانُه من المُتطرِّفين في عصبيَّتهم الطائفيَّة العمياء ضدَّ الدكتور داهش وأنصارِه دونما مُحاكمة، كما ضدَّ اللبنانيِّـين جميعًا بتزويره للانتخابات النيابيَّة، في 25 أيَّار (مايو) 1975، تجديدًا لولايته، تقولُ البطلة المُجاهِدة ماري حدَّاد:
الدكتور داهش— رئيسُ مذهبٍ دينيّ— يُضطَهَدُ بوحشيَّة، وأتباعُه المُقرَّبون يقعون ضحايا أفرادٍ يطعنون الحرِّيـَّةَ الشخصيَّة في صميمِها وفي أُسُسِها الأكثر قُدسيَّة، وذلك في بلدٍ منحَته الدوَلُ الكُبرى الاستقلال، مُعتقدةً أَنَّه بلغَ مُستوًى من الحضارة يُؤَهِّلُه لهذا الاستقلال. فلبنان الذي يعدُّ نحو مليون نسمة [عام 1948] ينتمون إلى زُهاء عشرين مذهبًا وطائفة لن يستطيعَ بلوغَ حضارةٍ مُماثلة لحضارات البلدان الأُخرى ما دام محكومًا بنظامٍ طائفيّ يُغذِّّي تعصُّبًا دينيًّا حادًّا. فبالواقع ليس له من الحضارة إلاَّ قشورها.
لا يكفي أن يتحدَّثَ مندوبو لبنان عن الحرِّيـَّة، وأن يُصرِّحوا بها في خُطَبِهم في منظَمة الأُممِ المتَّحدة، بل المُهمُّ أَلاَّ تُطعَنَ هذه الحُرِّيـَّة، وألاَّ يُعبَثَ بـ”حقوق الإنسان المقدَّسة”…
وبعد ان تُعلِّقَ السيِّدة حدَّاد على موقف شارل مالك غير الصادق من واقع لبنان في الأممِ المُتَّحدة، تقول:
وهم [أَي الداهشيُّون] يُطالبون بإعادة الجنسيَّة إلى الدكتور داهش؛ وإذْ يُؤَدُّون واجبًا، يلجأُون إلى محكمتِكم العُليا مُلِحِّين عليها في أن تدرسَ بدقَّةٍ هذه القضيَّة التي تتعدَّى حدودَ لبنان. فهي لو فعلَت ذلك، تكون قد قامت بمأثرةِ عدالةٍ وإنسانيَّة، ومنعَت النـزاعَ من أَن يتفاقمَ ويزدادَ حدَّةً ونموًّا. وإنِّي أُؤَكِّدُ لكم أَنَّ هذا النـزاع يتهدِّدُ بإهراقِ الدماء في لبنان مثلما أهرِقَت في فلسطين، إذا لم يلقَ استدعائي الاتِّهاميُّ أُذنًا صاغية.[25]
إنَّ الفقرات القليلة السابقة المُقتبَسة من هذه الرسالة التاريخيَّة تنطوي على نقاطٍ كثيرة للتأَمُّل في دَور الأممِ المُتَّحدة ومسؤوليَّتِها. أَوَّلاً، مع أنَّ المنظَّمة العالَميَّة تشملُ مسؤوليَّتُها، ضمنًا، التدخُّل لإنصاف الجماعات والأفراد المظلومين من قِبَل حُكَّامٍ مُستبدِّين، فهي لم نضطلعْ بهذه المسؤوليَّة طوالَ أكثر من نصف قرن؛ حتَّى إنَّ الأَمينَ العامّ، كوفي عنان، نبَّهَ إلى هذا الخلَل، في تقريره لسنة 2000، ودَعا إلى إصلاحِه.
أَمَّا الدكتور داهش، رجلُ الإلهامِ والوَحيِ، فقد تنبَّهَ لهذا الأمر منذ قيام المنظَّمة العالَميَّة، فإذا بماري حدَّاد، تلميذتُه الوفيَّة وصوتُه في رسالتها إلى المنظَّمة العالَميَّة، تقولُ في أواخر استدعائها، بعد أن تُعدِّدَ بنودَ حقوق الإنسان المنصوص عنها في “شرعة حقوق الإنسان العالَميَّة”: “إنَّ هذه الموادّ تُجيبُ مباشرةً على اتِّهاماتي العادلة. وحُكمُ العدالة سيصدرُ عنها بديهيًّا فيما لو أُقِرَّت من أجل غايةِ تطبيقِها.” والعبارةُ الأخيرة فيها إشارةٌ إلى أنَّ موادَّ الشرعة لا تُطبَّقُ في لبنان، وتعريضٌ بموقفِ المُنظَّمة العالَميَّة من عدمِ التدخُّل لتطبيقِها ومُقاضاةِ الحاكمِ الطاغية.
ثانيًا، إنَّ البلدَ الذي يقومُ نظامُه السياسيُّ على أسُسٍ طائفيَّة يستحيلُ عليه أن يبنيَ حضارةً راقية. ومن أجل ذلك فاستقلالُه كان شرًّا عليه ولم يكن خيرًا. فالكفاءاتُ فيه مُعَدَّة لأَن تُنحَرَ على مذبحِ التقاسُم الطائفيّ للمغانم، فتقومَ مقامَها جهالاتُ الأَنصار وعصبيَّاتُهم العمياء. فلا عجَبَ إذا تحوَّلَ لبنان إلى “مزرعة” لرئيسه الخوري وأُسرته وأَعوانِه. وهذه النتيجة الفاجاعة للبنان توجِبُ على الدوَلِ الكُبرى المُهَيمنة على المُنظَّمة العالَميَّة أن لا تتسرَّعَ في مَنحِ الدوَلِ غير المُؤَهَّلة الاستقلالَ إذا أرادت خيرَها.
ثالثًا، إنَّ الرسالة توغِلُ في استكشافٍ روحيّ للنتائج التي سيُؤَدِّي إليها عدمُ تدخُّل الأُممِ المُتَّحدة لإنصاف الدكتور داهش: “إنِّي أُؤَكِّدُ لكم أَنَّ هذا النـزاعَ يُهدِّدُ بإهراقِ الدماء في لبنان مثلما أُهرِقَت في فلسطين إذا لم يلقَ استدعائي الاتِّهاميُّ هذا أُذنًا صاغية.” إنَّها نبوءةٌ بنشوبِ حربِ لبنان الأهليَّة التي دامت ستَّةَ عشرَ عامًا بَدءًا من عام 1975؛ تلك الحرب الكارثة التي تنبَّأَ الدكتور داهش بوقوعِها في مطلع عام 1948،[26] ونشرت خلاصتَها عدَّةُ صحُفٍ لبنانيَّة في 4 كانون الثاني (يناير)، وبينها جريدة “الحياة” البيروتيَّة. ولا يخفى على البصيرة النيِّرة أنَّ تلك الحربَ التي دمَّرت عمرانَ لبنان واقتصادَه، وقتلَت حوالى 170 ألفًا من سكَّانه، فيتَّمَت أَطفالَه، وأَيَّمت نساءَه، وشرَّدت شعبَه— تلك الحربَ الأهليَّةَ القَذِرة كانت نتيجةً للنظام الطائفيِّ الفاسد الذي كان —وما يزالُ— يحكمُ لبنان المسكين. ومَثَلُ لبنان ينطبقُ على كثيرٍ من البلدان الأُخرى التي سبَّبَت أنظمتُها الطائفيَّة الفاسدة حروبًا أَهليَّة. فكم من حربٍ كانت لم تقَع لو التزَمت الأُممُ المُتَّحدة ميثاقَها العالَميّ في إنصاف المظلومين من قِبَلِ حُكَّامِهم، جماعاتٍ كانوا أم أفرادًا، وطبَّقَت بنودَ شرعة حقوق الإنسان في جميع الدوَل دونما مُراعاةٍ أو تحيُّزٍ أو تلكُّؤ، سواءٌ كان ذلك في لبنان أو قبرص أو صِربيا أَو إفريقيا أو غيرها حيثُ كانت الحروبُ الأَهليَّة الطائفيَّة— وما تزال— تنفجرُ مُسعَّرةً بنيران رجال الدين، ومُغلَّفةً بغطاءٍ حقوقيّ سياسيّ واقتصاديّ.
وما تقدَّمَ يُؤَكِّدُ حقيقةً حضاريَّة هي أنَّ الدولةَ التي تبني مُؤسَّساتِها على النظامِ الطائفيّ يستحيلُ أن تُقيمَ العدالةَ والحُرِّيـَّةَ والسلامَ على أراضيها، كما يستحيلُ أن تكونَ عُضواً مقبولاً في نظامٍ عالَميٍّ جديد يتَّجهُ إلى العَولَمة، فكيف بالأحرى إذا اتَّجهَ إلى “عالَمٍ واحد” عادِلٍ فاضِلٍ مُتآلِفٍ مُتناغِمٍ وَفقَ المفهوم الداهشيّ.
(في العدد المُقبل: الطريقُ إلى العالَمِ الواحد (4)
مسؤوليَّةُ الحكومات تجاهَ بعضِها بعضًا وتجاهَ شعوبها)
[1] – أنظر الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار” (نيويورك: الدار الداهشيَّة، 1986)، ص 108.
[2] – المصدرُ السابق، ص 128.
Pierre Teilhard. de Chardin. Construire la terre (Paris: Ed. De Seuil, 1958), pp. 14-16, & 20-28. -[3]
Mahatma Gandhi. All Men Are Brothers. Compiled and Edited -[4]
by K. Kripalani (New York: The Continuum Publishing Co., 2000), p. 107 (Ethical Religion, 1930).
[5] – جبران خليل جبران: “دمعة وابتسامة”، المجموعة الكاملة لمُؤَلَّفات جبران خليل جبران، قدَّمَ لها وأَشرفَ على تنسيقها ميخائيل نعيمه، (بيروت: مكتبة صادر، 1955)، قطعة “يا لائمي”، ص 160-161، ثمَ قطعة “صوت الشاعر”، ص 228-229.
. G. MaGann. “How Think Tanks Are Coping with the Future” in The Futurist, Nov.-Dec. 2000, p.17 أنظر. [6]
Rosario Isasi. “The Human Rights Perspective”, in World-Watch, July/August 2002, p. 32. [7]
[8] . وودَت هذه الحقيقة المُستقبليَّة في أَجوبة الروحِ الإلهيّ التي ارتسمَت بلحظة تحت الأسئلة الاثنَين والسبعين التي خطَّها الوزير اللبنانيُّ السابق المُحامي إدوار نون على ثماني صفحات كبيرة تاركًا فسحةً بين سؤالٍ وآخَر، وذلك بعد أن وضعَ الدكتور داهش، في جلسةٍ روحيَّة، يدَه فوق الظرف الحاوي لأوراق الأسئلة قائلاً: “وصلَتكَ الأجوبة”.
Alexander Bard and Jan Soderqvist. Netocracy: The New Power Elite and Life After Capitalism. New York: Pearson Education,. أنظر: [9] 2002.
[10] . أولريش بِك: “ما هي العَولمة؟” ترجمة د. أَبو العيد دودو (كولونيا-أَلمانيا: منشورات الجمَل، 1999) ص 87-90.
Mike Dillard & Janet Hennard. “The Approaching Age of Virtual Nations” in The Futurist, July-August 2002, pp. 24-25 .. [11]
Philip Bobbitt. “Get Ready for the Next Long War”, in Time, Sep. 9, 2002, pp. 84-85. . [12]
- Pico and Others. Crossing the Divide: Dialogue Among Civilizations (New Jersey: School of Diplomacy and International Relations, . [13]Seton Hall Univ.), p 107.
[14] . أنظر أُولريش بِك: :ما هي العَولمة؟”،ص 48-53 و77-78 و98-115.
Alvin and Heidi Toffler. Creating a New Civilization (Atlanta: Turning Pub, Inc., 1995), pp. 19-48. . [15]
[16] . Ibid., p. 55.
[17] . Ibid., p.63.
[18] . Ibid., p. 64.
[19] . الدكتور داهش: “مُذكِّرات دينار”، ص 375-376.
[20] . كوفي عنان: “التقريرُ العامّ لسنة 2000، النسخة الإنكليزيَّة، ص 12-14 و77-80.
[21]. The Futurist, Nov./Dec. 2002, p. 52-53.
[22] . أنظر: G. Pico and Others. Crossing the Divide, pp. 97-155.
[23] . إنَّ القيادةَ القُدوة تنبَّهَ لأَهمِّـيَّتها وضرورتها عدَّةُ مُفكِّرين أمريكيِّـين، منهم آندرو باسيفيتش ، أُستاذ العلاقات الدوليَّة في جامعة بوسطن. فهو يرى أَنَّ دورَ أَمريكا في العالَم يجبُ أن يكونَ دورَ “أُورشليم جديدة”، مطمحُها خلاصُ الشعوب بتحريرهم بدلَ استعبادهم، وبهدايتهم إلى طريق الكمال الإنسانيّ. وهذا لا يكون إلاَّ بمُعاملتها الدوَلَ جميعًا مُعاملةَ النِّـدِّ للنِّـدّ، ومُساعدتِها في الوصول إلى درجة التساوي الإنسانيّ في العدالة والحرِّيـَّة والعيش الكريم.
(Andrew Bacevich, “New Rome, New Jerusalem” in Wilson Quarterly, Summer 2002, pp. 50-58.)
هذا الدورُ الذي يُمثِّلُ الهدايةَ المُحرِّرة على الصعيد السياسيّ رافقَ تطوُّرَ الدولة الأمريكيَّة منذ بداية القرن العشرين. فالرؤيا الأمريكيَّة للعالَم كانت رؤيا مجتمعٍ بشريٍّ واحد لا يتأَلَّفُ من إمبراطوريَّات استعماريَّة، بل من دوَلٍ او ولايات حرَّة مُستقلَّة على غرار الولايات المُتَّحدة إذا أمكن.
(Michael Lind, “Toward a Global Society of States” in Wilson Quarterly, Summer 2002, pp. 59-69.)
[24] . Mahatma Gandhi. All Men Are Brothers, p. 107.
[25] . ماري حدَّاد “صواعق داهشيَّة” مخطوطوطة قيد النشر. هذه الرسالة منشورة أيضًا في “صوت داهش”، عدد شتاء 2000 ، ص 42-46.
[26] . أنظر الدكتور داهش: “أفراح وأتراح” (بيروت: دار النسر المُحلِّق، 1980)، ص 86-87.
الطريق إلى "العالم الواحد" (4)
مسؤوليّة الحكومات وأهل الدين والتوجيه في ضوء التعاليم الداهشية
رأينا في الحلقات السابقة (أعداد الشتاء والربيع والصيف2003) أن طريق السلام العالمي ما تزال وعثاء، لأن الطريق التي سلكته الدول منذ قيام عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الاولى ثم قيام منظمة الأمم المتَّحدة بعيد الحرب العالمية الثانية لم تكن طريقًا صحيحة. وقد تنبأ مؤسسُ الداهشية بإخفاق مساعي السلام منذ بداية عام 1946. أما الطريق الصحيحة، في ضوء المفاهيم الداهشية، فتكونُ بالانتقال من العولمة في طرحها الحالي إلى “العالم الواحد” المبنيّ على القيم الروحيَّة والإنسانيّة. والوصول إليه يمهد بتغليب المبادئ التالية: أولاً، الأخذ بوحدة التراث الثقافي العالمي دونما استكبار ثقافةٍ على أخرى، لا سيما ان الاستعلاء الغربي لا يستند إلى أي واقع تاريخي؛ ثانيًا، اعتماد الارتقاء المُتكامل من خلال الاهتمام بترقية مدارك الناس ونزعاتهم معًا، فلا يكون التقدُّم التكنولوجي على حساب الانحطاط الخُلقي؛ ثالثاً، نشر الإيمان بوحدة الأديان الجوهريَّة المتولِّدة من الوحدة الروحية لمؤسسيها أنفسهم، وفق المبادئ الداهشيّة، كما من وحدة أهدافها الإنسانية المُشتركة ذات المرمى العالمي؛ رابعًا، تبني الحوار المنفتح بين الثقافات بحيثُ تتلاقحُ الأفكار والثقافات وتولد حضارةً إنسانيةً جديدة خيرًا من الأولى؛ خامسًا قبول التنوع الثقافي في الوحدة الحضارية العالمية؛ سادسًا، اقتناعُ الدول، حكوماتٍ وشعوبًا، بتهديد الأخطار العالمية الماحق للجميع، دوما استثناء، وبضرورة التعاون الدولي للتغلّب عليها، خصوصًا بعد أن أجمع كبارُ العلماء، حيثما كانوا، على التحذير من عواقبها الفادحة البشرية طرًا.
لكن المبادئ المذكورة لا يمكن تطبيقها ما لم تقترن بتبديد الحذر المُهيمن على الشعوب الضعيفة، وذلك بأن تُظْهِر الدول القوية استعدادها لبذل بعض التضحيات، فتحدث في هيكلية الأمم المُتَّحدة، بما فيها مجلسُ الأمن، تغييرًا يؤدي إلى إقامة العدالة والمساواة في التمثيل والتعامل بين الشعوب، وتعزيز دور الأمم المتحدة ومحكمتها الدولية، كما إلى تصرُّف الأقوياء تصرُّف قُدوةٍ عالمية. ولكن ما هي مسؤوليّة الحكومات وأهل الدين والتوجيه في كل ذلك؟
إن الفرق الكبير بين الدول المتقدِّمة والدول المُختلفة والفاسدة الحكم، المتمثّل في تفاوت الأنظمة السياسية، ومدى التمتع بالحريَّات الشخصيّة، كما في تطبيق العدالة السياسية والاجتماعية والقضائية، ليشكّل عقبةً صعبةً في طريق تقارب الدول جمعاء من أجل بناء”عالم واحد” فاستفادة الدول المتخلِّفة من الانفتاح الحضاري (التكنولوي والاقتصادي والثقافي) لا يمكن أن تتمَّ ما لم تتقارب أنظمتها السياسية، وتقم فيها العدالة، وتطلق الحريات الشخصية، لأن الإلتحام يستحيل أن يتمَّ بين مادتين اختلافهما أشبه باختلاف الحديد والخشب.
فالحديدُ لا يمتزجُ بالخشب، بل ينغرزُ فيه خارقًا إياه. وهكذا شأنُ الدول المتقدِّمة مع الدول المُتخلِّفة.
دساتير الأرض وقوانينها
في “مذكرات دينار” يُبدي الدكتور داهش رأيه في دساتير الدول وقوانينها، بصورةٍ عامة، في رسالةٍ خطتها لوسي، الفتاةُ الفقيرةُ النبيلة التي لم تطق الحياة بعد موت شقيقها المريض فانتحرت.
يا رجال التشريع، وجهابذة القانون، وفطاحل القائلين بوجوب خلق عالم تسودُ فيه العدالة الشاملة، والضلعاء في وضع دساتير المساواة والحرية والإخاء!
إن شرائعكم، أيها السادة، هي إحدى مهازل هذه الدنيا، ومسخرة من مساخرها. وإن اجتهاداتكم التي تولونها غاية عنايتكم لهي باطلة وقبض الريح.
فالحُرَّة، يا سادة، ترغمونها إرغامًا وتكرهونها إكراهًا على الأكل من ثدييها، ثم تطلبون مُحاكمتها.
وسارقُ الرغيف، ليسدُّ به جوعه، تلقونه في غياهب السجون. بعدما تشبعونه من إهاناتكم الكثيرة وسخرياتكم المريرة. أما سارقُ الألوف، فإنكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم، ثم تطلقون سراحه(…)
إن دساتيركم تُقدِّس القوي الذي ينتزع اللقمة من فمِ الضعيف، وتمجّد الغني الذي يطأ رقاب الفقراء ويسخّرهم لإرادته…
أنا لا أنكر أنكم ملائتم المجلدات الضخمة بقوانينكم، واشترعتم البنود المُنمَّقة العبارات، ورصفتنم بها سجلات طافحةً بنظرياتكم الجميلة التي لو نفَّذتم بعضها بإخلاص، لاستحالت الارض إلى سماء…
إن الغاية التي من أجلها وضعت الدساتير والقوانين، في ضوء التعاليم الداهشية، هي إنشاءُ مجتمع تسودُه العدالة، ويتمكّن أفراده من السعي إلى تحقيق سعادة نسبيّة بقدر ما تسمحُ به درجةُ الأرض الروحيّة. فلا مجال لأي هناء، أو سعادة نسبيّة، لفقير يستعطي وليس من قلب يرحم، أو مريضٍ يتألم وهو عاجزٌ عن ابتياع دواء،أو خائفٍ على عرضه أو نفسه أو ممتلكاته من السطو عليها وليس من حامٍ، أو إنسانٍ تمتهن كرامته ويعامل معاملةً السلعة ولا من معين، أو مظلوم مكموم الفم ولا من ناصر، أو صاحب فكرٍ مُبدعٍ مخنوق الموهبة…
لذلك على حكومات الدول المُتخلِّفة أن تبدأ الخطوة الأولى في بناء الدولة على دساتير وقوانين حديثة أطلعتها تجارب التحرّر والتطوّر في العالم الحديث، وتسعى سعيًا جادًا حثيثًا لتنفيذها، فلا تبقى حبرًا على ورق؛ لأنه لا يمكنها، بدون تطبيقها، مواكبة العالم المُتقدم ومشاركته في الفوائد الجديدة الناتجة عن التقدم العلمي والتكنولوجي.
لكن مؤسس الداهشية رأى في كتابه المُلهم “مذكرات دينار” (الموضوع في أوائل 1946) أن التقدم المدنيّ كما الثقافي والقوة الاقتصادية كما العسكرية لا تكفي وحدها لجعل الدولة عادلةً وذات تقدم حقيقي؛ لذلك اتَّهم بريطانيا بالظُّلم في سياستها الخارجية وحكمها للهند ومصر، وبالتمييز العنصري، والتفريق بين معاملة الغني أو القوي ومعاملة الفقير أو الضعيف؛ في حين أن أمريكا، على تنديده بما يحدث فيها من إغراق في الماديات وابتعاد عن القيم الروحية، جذبته فيها الحريَّات الشخصيّة والعدالة المطبَّقة على شعبها. ومنحُ الإنسان حرية الفكر والاعتقاد والنقد من المقومات الأساسية في استقامة العدالة السياسية والاجتماعية. يقول الدكتور داهش بلسان الدينار الذهبي، بطل الرواية:
إن أعظم عظيم يتساوى في هذه البلاد (أمريكا) مع أحقر حقير، فلا سائد ولا مسود في كافة أرجاء البلاد التي يرفرف عليها العلمُ الموشى بالنجوم التي يسبحُ فوقها النسرُ الجبار.
أما الصحافة فإنها لا تترك كبيرةً أو صغيرة إلا تقتلها بحثًا وتنقيبًا مُنتقدةً أولياء الأمور، عندما تجد أية هفوة تبدرُ من أحدهم مهما كانت تافهة. والغريبُ أن الشخصية الرسمية التي ينتقدها الكتاب تصلح خطاها دون تذمر، بل هي تشكر من نبَّهها إلى خطإها…
فقلتُ: مهما أغرمت، يا أمريكا، في حب المادة، واندفعتِ في خضمّها البعيد الأغوار، فإن حبَّك للحريّة وعدم تكبيلك للشعب بقيودٍ رهيبة يرسفُ فيها الشرق منذ حقبةٍ طويلة من الزمن، يُحببكِ إليَّ، ويدعني أتمنّى أن أعيش في ربوعكِ حتى يمنَّ الله على الشرق بمثل ما أنعمَ به عليكِ من حريةٍ مُطلقة من القيود والحدود.
أما تجربة الدكتور داهش المرَّة من جراء الحُكم الظالم الفاسد فقد كانت في لبنان، حيث أطلق، عام 1942، رسالته الروحية الداعية إلى الإخاء والمحبَّة والتسامُح والإيمان بوحدة الاديان الجوهرية؛ فاضطهده رئيس لبنان الأسبق بشاره الخوري، وفرض الرقابة على الصحف، ولاحق كل مُنتقد لمفاسد عهده، وبينها خرق الدستور بتعدّي صلاحياته وتسخير القضاء والجيش والشرطة وسائر أجهزة الدولة لمآربه الشخصية ومنافع أنصاره، والاتجارُ بالمخدرات، وحماية بيوت القمار؛ بل حتى إنه حضَّ رجال الدين على بيع ضمائرهم والانحراف عن تعاليم الأنبياء وتشويهها لمناصرته في تشويه سمعة هادٍ روحيٍّ بريء.
ولكن ردَّ مؤسس الداهشية الذي لا يُغلبُ لم يكن بالعنف، بل بكلمة الحقّ المدوّية؛ فنشر 66 كتابًا أسود و165 منشورًا ضد الطاغية وضد عهده وأنصاره، فاضحًا مخازيه ومشهِّرًا به؛ فساعد ذلك كثيرًا على إيقاد ثورة الشعب ضده وإسقاطه عام 1952. وقد صور الدكتور داهش مفاسد الحكم المُتعسّف كذلك في “مذكرات دينار” ورسائله إلى الدكتور حسين هيكل وكثير مما كتبه.
غير ان مفاسد الحكم لم تقتصر على لبنان في عهدٍ معين؛ فعلماء الفكر السياسي والاجتماعي، سواء من العرب أو غيرهم، جعلوا فساد النظام السياسي الاجتماعي ظاهرة عامّة لا في البلدان العربية فحسب، بل في سائر دول العالم الثالث أيضًا. وقد ردُّوا إفلاس أنظمة الحكم فيها إلى عدة عوامل، أهمها: أولاً، القضاء على الحريّات الشخصيّة وسائر حقوق الإنسان، وتسخير القضاء لمصالح رجال الحكم وأعوانهم. ثانيًا، تأويل الدين تأويلاً يستفيد منه رجال الدين وأشياعهم وجميع الفئات الغوغائية أو الانتهازية التي يمكن تعبئتها وتسخيرها لتنفيذ مآرب ومصالح شخصية أو فئوية أو حزبية أو مذهبية على حساب مصلحة الشعب الحقيقية. ثالثاً، إبعاد المثقفين ومؤسسات التعليم العالي عن العمل السياسي الاجتماعي أو تقليص دورهم بحيث يبقى التخطيط والتنفيذ خاضعين لنزوات الحكام وأعوانهم. رابعًا، فرض الرقابة على وسائل الإعلام، وجعلها مأجورةً للدولة من أجل امتداح مآثرها القومية أو الدينية الوهمية.
ولا عجب أن يولّد فساد الحكومات تأثيرات اقتصادية سيئة. فالمفاسد المالية والاقتصادية التي كتب عنها مؤسس الداهشية في عهد بشاره الخوري، نرى المحللين السياسيين يلاحظونها، من بعد، في اغلب بلدان العالم الثالث. فمن جهةٍ يستخدمُ المسؤولون الحكوميون صلاحياتهم للتلاعب بالقوانين خدمةً لمصالحهم الخاصة، فيسرفون في الإنفاق من أجل الاستفادة الشخصية، ويلتزمون المشاريع الكبرى لحصر إفادتها المالية بهم؛ ومن جهة أخرى، يعمدون إلى قبض الرشى لمنحِ أفراد معينين أو شركات معينة منافع وامتيازات خاصة على جميع الأصعدة، كاستصدار رخص للعمل والتجارة، واستخدام الموارد والمرافق العامّة لأغراض خاصّة، وانتهاك قوانين حماية البيئة دونما عقاب، والتهرب من دفع الضرائب بدون ملاحقة، والفوز بحصانة ضد الجرائم المُنظمة، بل حتى اشتراك المسؤولين في هذه الجرائم أحيانًا.
والغريب في الأمر أن الدساتير والشرائع في دول العالم الثالث منصوص فيها على حقوق الإنسان، وصيانة الحريّات الشخصيّة، لكن النصوص “مكثت، وستمكثُ، حبرًا على ورق”، على حدِّ قول الدكتور داهش. فمع أن “شرعة حقوق الإنسان” وقَّعت عليها جميعُ الدول العربية الداخلة في منظمة الأمم المتَّحدة، لم يبدأ الاهتمامُ الرسمي بها، بل حتى الاهتمامُ الشعبي، إلا في العقد الثامن من القرن العشرين؛ ولم تنجح الجامعة العربية في الاتفاق على نص لميثاق عربي لحقوق الإنسان إلا في عام 1994. وها إن العالم يشرفُ على نهاية العام الثالث من القرن الحادي والعشرين والميثاقُ ما يزال ينظرُ التصديق عليه من قبل أعضاء الجامعة العربية؛ بل إن معظم الأحزاب العربية التي تحكمُ أو تشارك مشاركة فعَّالة في الحكم جعلت قضية حقوق الإنسان آخر اهتماماتها مُتذرعةً، أحيانًا، بتأويلاتٍ غير صحيحة للأعراف الدينية الموروثة مثلما سأبين لاحقًا.
وسائلُ مُعالجة المفاسد الاجتماعية والسياسية
إن الدستور الروحيّ الذي وضعه مؤسس الداهشية بإلهامٍ من السماء من أجل التعامل بين الناس نجدُ خلاصته في “صلاة داهش”. فممَّا يطلب الداهشيّ في هذا الابتهال أن يغرس الله في أعماقه “بذور الحب والشفقة والرحمة والحنان”. وهذا التعامل المحبّ الرحيم الشفيقُ العطوف لا يستهدفُ البؤساء فحسب، لكن كل إنسان، سواءٌ كان ضعيفًا أم قويًا، فقيرًا أم غنيًا، رئيسًا أم مرؤوسًا، مؤمنًا أم غير مؤمن، من الوطن عينه أم من وطن آخر، لأن منبعه الإيمانُ بأن البشرَ كلهم إخوةٌ ينحدرون من أسرةٍ واحدة، شاؤوا أم أبوا. بل إن الدعاء إلى الله القدير هو أن يشمل جميع البشر بعين عنايته الساهرة. لكن كيف يجب أن يعامل الآثمون والساخرون بالكتب المقدسة، والأشرارُ (من غير المجرمين المُستحقين الإحالة على القضاء)؟ تقولُ الصلاة:
أبعد عنا الأشرار والهازئين بكلام الله، أنرِ بصائرهم طهر أرواح الخطأة، وأرسلْ لهم قبسًا من أنوارك الإلهية فيخشعوا لعظمتك.
إذًا هم لا يسجنون أو يضطهدون أو يقتلون، مثلما حدث- وما يزال يحدث – عبر القرون في المسيحية والإسلام، بل يبتهل إلى الله ليبعدهم عن المؤمنين، فلا يؤثروا في نفوسهم تأثيرًا سيئًا، ولينير نفوسهم وينقيها، وتترك لهم الحرية في ما يؤمنون به، لأن الحرية “هدية الحالق لخلائقه من مُختلف الملل وشتى النحل“، والبشر سيحاسبون بناءً على أعمالهم الحرة.
وطبيعي أن لا تتفق المحبَّة والرحمة مع الجشع في أية صورةٍ تمثل، سواءٌ أكانت سرقة لص مُحترف لمصرف أو منزل أو عابر، أم سرقة حاكمٍ أو متنفذٍ للشعب، أم تاجر للمُستهلكين، أم سرقة دولة لموارد دولة أخرى.؟.. ولذا تقول الصلاة: “لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب”…
وهكذا فأية مشكلة مع الحكَّام أو المحكومين يجب أ، يستلهم حلَّها، أولاً، من دستور المحبّة والسلام، ذلك بأن طريق التفاهم والوئام والتسامح والحوار أفضلُ جدًا من طريق العنف والاقتتال، لأن الأحقاد تولّد الأحقاد، والدم يستسقي الدم، مهما طال الزمان. ولنا في المقاومة اللاعنفية التي قادها المهاتما غاندي أبهى مثالٍ على ذلك. فبعد نجاح هذا المُصلح الكبير في حركته، ظهرت حركاتٌ ومنظماتٌ تعتمد مبادئ المقاومة اللاعنفية في كثير من أرجاء العالم. لكن هل يستطيع محبّو الإصلاح والمقاومون للفساد السياسي والاجتماعي وللمشاريع الظالمة والقوانين المُتعسِّفة أن ينجحوا دائمًا في كظم انفعالات الغضب واستلهام المحبّة والسلام في التعبير عن آرائهم ومطالبيهم وتظاهراتهم، مثلاً، فلا يلجأوا إلى العنف؟
ورد في حكايةٍ يتناقلها الأمريكيون الأصليون (الهنود الأمريكيون) “أن جدًا قال لحفيده إن ذئبين يتقاتلان في داخله: واحدًا ضاريًا ومخربًا، والآخر قويًا ولطيفًا. فسأله الولد قلقًا: “يا جدي، أيهما سينتصر؟، فأجابه الجد: الذئب الذي سأغذيه”. فهذه الحكاية الصغيرة تُنيرُ نتيجة الصراع في نفس كل إنسان، لأن كلاً من البشر كتلةٌ من سيَّالاتٍ (طاقاتٍ نفسية) مُتناقضة مُتصارعة، منها الرديء ومنها الحسن؛ والسيالُ الذي يغذى هو الذي يقوى.
لكن دستور المحبَّة والسلام والتسامح الذي وضعه مؤسس الداهشية في التعامل بين الناس له استثناء واحد، وذلك عند استفحال طغيان الحاكم واعتدائه على حريَّات المواطنين، وانتفاء الأمل من إصلاحٍ مبني على المطالبة السلمية والمقاومة اللاعنفية، فإذ ذاك تتوجّب الثورة. ففي رأي الدكتور داهش أن “الداهشيّ يرى أن الدفاع عن الحريّة واجبٌ سماويٌّ مُقدَّس. فهو يستميتُ في سبيل الذود عنها…” ولذلك “يجب على المظلوم المُعتدى على حقوقه وحريته أن يرجم ظالمه بصواعق مزلزلة تردّمه وتدمّره، وتجعل عاليه سافله”. بناءً على هذه القاعدة يكون رأي الداهشية الواضح أن الشعب الذي يريد استعادة حريته المُغتصبة لا بدَّ له من الثورة على حاكمه الظالم، وطنيًا كان أم أجنبيًا. أما إذا أقعدت الجبانة الشعب عن الثورة، فخيرٌ له الأضمحلال. يقولُ الدكتور داهش: “الجبانُ، في شريعتي، ليس أهلاً للحياة مُطلقًا. فإما أن نجبن فيستعبدنا القوي الغاشم، وإما أن نظهر شجاعتنا ونطلق بطولتنا، فننتزع بواسطتها حرِّيتنا المقدَّسة الخالدة”. وقد بينتُ في ما مضى (العدد السابق من “صوت داهش”) أن مؤسس الداهشيّة يرى من الضرورة أن تتدخل الأمم المتحدة ومحكمتها الدولية لنصرة المظلومين والمُغتصبة حرياتهم في أي شعب، إذا سُدَّت منافذُ إنصافهم في أوطانهم.
كيفية معالجة الفساد والتخلّف في الدول
فهم الإصلاح في الداهشية يعتمد فهم نظام العدالة الإلهيّة، وقد أوضحته في سياق بحثي في “أبعاد العدالة لدى مؤسس الداهشية” (“صوت داهش”، عدد كانون الأول/ ديسمبر 1997)، كما يعتمدُ فهم الرقي الحضاري في ضوء المفاهيم الداهشية (“صوت داهش”، أعداد شتاء وربيع وصيف وخريف 2002). لكني أوجز فأقول إن قوةً روحيةً خارقةً أبعد من حدود التصور “تسير عالمنا الأرضي في لحظة من لحظاته بنسبة سيالات البشر واستحقاقاتهم، وذلك وفق نظام وضعه الخالقُ لكوكب الأرض”. وبناءً على هذه الحقيقة فإن أوضاع البشر في البلدان المُتخلفة – كما في البلدان المُتقدِّمة – هي نتيجة لأوضاعهم الروحية نسبةً لاستحقاقهم على ما قاموا به من أعمال وما اتّصفوا به من نزعات، لا في حياتهم الراهنة فحسب، بل في سلسلة حيواتهم السابقة على الأرض. ومن لا يضع نُصبَ عينيه هذه الحقيقة – أي أن الحياة نهرٌ لا ينقطعُ عن الجريان إلا ظاهريًا في ما يسمى الموت، وأن أوضاع البشر أفرادًا ومجتمعات هي نتائجُ لاسباب قوامها أعمالهم ونزعاتهم الحالية والسابقة – فإن عقله لن يطمئن إلى تفاوت مظاهر العدالة في الأرض تفاوتًا كبيرًا، بين فقر وغنى، وضعف وقوة، وغباءٍ وذكاء، وسقمٍ وصحة، وخصوصًا تفاوت هذه المظاهر بين الأطفال أنفسهم وهم لم يرتكبوا بعد خيرًا أو شرًا. فهل يمكن تفسير ذلك بأن الله – الذي هو المحبَّة الكاملة والعدالة الكاملة – يمكن أن يخلق الناس، ثم يظلمهم لغير سبب؟ حاشاه وسبحانه تعالى، فإن (الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) وفق القرآن الكريم (يونس: 44)؛ وتبعًا لإيضاح بولس الرسول وقد جمع في قوله حكمة العهد القديم والعهد الجديد: “قال الله لرفقة (زوجة إسحاق): “الأكبرُ يستخدمه الأصغر، على ما ورد في الكتاب (في سفر ملاخي 2:1 -3): أحببت يعقوب أكثر مما أحببتُ عيسو. فما نقول؟ أيكون عند الله ظلم؟ كلا” (رسالة رومة 12:9-14). إن الداهشيَّة تؤكد أن الإنسان يستحيل أن يفهم أعماق حكمة الله، لكن الأنظمة الروحية التي وضعها الخالقُ لخلائقه، وبينها العدالة الكاملة الشاملة، يستحيل أن تغير أو تخرق أو أن يكون فيها مُحاباة. وسبق أن بينتُ، في ما تقدم من بحثي في العدالة الإلهية، أن سيَّالات كل إنسان هي التي تعاقبه وفقًا لنظام الاستحقاق الروحيّ الذي لا يخطئ.
وأوضاعُ البلدان المُتخلفة والفاسدة الحُكم يُمكنُ أن يبدأ تغييرها بوسائل مختلفة؛ لكن التغيير إلبى الأفضل، في المفاهيم الداهشية، لا يثبتُ إلا إذا صحبَه تغييرٌ في نفوس الشعب. تؤكد هذه الحقيقة الآيةُ القرآنية (إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد:11)، كما تثبّتها نبوءاتٌ كثيرة استهدف بها أنبياءُ العهد القديم الشعب اليهودي بعد الجلاء إلى بابل.
فعلى المفكِّرين خاصّة، والمثقَّفين ثقافات عالية عامة، في بلدان العالم الثالث، أن يوقظوا شعوبهم على الحقيقة الآنفة الذكر، ولكن أيضًا على حقيقة أخرى لا تقلّ عنها خطورة، وهي أن أي مجتمع مختلف بإمكان أفراده أن يتخلّصوا من أوضاعهم المتردِّية بشحذ إرادتهم واجتهادهم في الانفتاح على العالم المتقدِّم، والسعي إلى اكتساب العلوم النظرية والتطبيقية من مصادره؛ فالمستقبل ليس أمرًا يفرضه علينا قدرٌ خارجٌ عنا، بل هو صُنعُ أيدينا وإبداعُ إراداتنا؛ فنحن أربابُ أقدارنا، لأنها ليست أمرًا محتومًا علينا في آتي الأيام، بل أمر يمكننا أن نصوغه بعزمنا وتخطيطنا ورفضنا الاستسلام للواقع المتردي. والخالق – عز وجل – لا يريد البشر مُستسلمين لأوضاعهم المأساوية، بل يشاؤهم طموحين لتحسينها، لأن التطور إلى الأفضل هو الغاية من الحياة. فترقيةُ النزعات، ذلك بأن عوالم الفراديس لا تستقبل الجهال والأغبياء كما لا تستقبل الأشرار والأدنياء.
كذلك على شعوب العالم الثالث، أيًا كانوا، ألا يعتبروا أن انفتاحهم على الغرب يعني التخلّي عن مقوِّماتهم الثقافية والدينية والاجتماعية، فهذا الموروث الحضاري يمكن أن يجعلوه إسهامًا منهم في التراث الحضاري العالمي، يزيده تنوعًا وغنى، ولا فائدة من الانعزال.
إن عصر اليونان الذهبي شهد ظهر سقراط وأفلاطون وأرسطو والمسرحيين العظام ونشأة النظام الجمهوري؛ وما زالت آثار ذلك العصر الفكرية والفنية والسياسية العظيمة وتأثيراتها الحضارية ماثلةً حتى في حضارة القرن الحادي والعشرين. لكن الشعب اليوناني لم يشهد عودةً إلى عصره الذهبي منذ انقضائه قبل أكثر من ألفي سنة. وعصرُ العرب الذهبي شهد ظهور النبي العربي الكريم وخلفائه الراشدين، ثم ظهور أرتالٍ من العلماء والفلاسفة والأدباء والشعراء ما زالت تأثيراتهم ظاهرة حتى أيامنا هذه. لكن بعد سقوط بغداد سنة 1258، لم يشهد العرب عودةً حقيقية إلى ذلك العصر الذهبي، بالرغم من عدّة محاولاتٍ نهضوية. سببُ ذلك، وفق التعاليم الداهشية، أن سيَّالات الشعبين اليوناني والعربي، أي مجمل طاقاتهم النفسية الإداركية والنزوعية تدهورت، وبالرغم من محاولات التقدّم التي قام بها رجال السياسة والفكر في الشعبين، فإن الارتقاء المرغوب لم يتمّ. ولذلك شحّت المواهبُ الإبداعية فيهما، في العلم والتكنولوجيا والفكر والأدب والفن، وبالتالي تقهقرت القوى التثقيفية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية.
لكن هذا لا يعني أن الدول المتفوِّقة اليوم ستثبتُ في تفوقها إلى الأبد. فروما تفكَّكت أوصالها وانهارت قوّتها، واضمحلَّت إمبراطوريتها، بعد مجدٍ عظيمٍ وعزٍ شامخ. والصعود والهبوط رهن بالاستحقاق الروحيّ والعدالة الإلهيَّة.
لكن ما هي موجباتُ التغيير في الخطوات الأولى نحو الأفضل في المجتمعات المُتخلِّفة والفاسدة الحُكم؟ إنها، بلا ريب، الأخذ بأسباب التقدّم الحضاري الذي اكتسبه الغرب، ليس مجانًا، بل بفضل كفاح أبنائه المرير عامّة، ومفكريه ومبدعيه خاصّةً من أجل إقامة دول تسودها العدالة السياسية والاجتماعية، فتحترم كرامة الإنسان، ويُعمّم التعليم، ويُزال التمييز بين الجنسين، ويؤمن تكافؤ فرص العمل للجميع، ويُفصل الدين عن الدولة، ويعزَّز الإعلام ويحرّر من الرقابة، وتنهض الثقافة الإنسانية والعقلانية المحرَّرة من الخرافات والأوهام، ويجلّ أهل العلم والفكر والأدب والفن ويعطون دورًا جليلًا في التخطيط والتوجيه السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والتعليميين، ويثقف الرأي العام. ونتيجة لهذا الكفاح المديد عبر عشرات السنين، أنشئت في الغرب دساتيرُ صانت العدالة والحريات الشخصية، وفُصلت السلطات الثلاث بعضها عن بعض، وأقامت توازنًا بينها، ورقابةً من إحداها على الأخرى. ولعلَّ خيرَ تلك الدساتير هو ما أنشئ في الولايات المتَّحدة، وعنه اقتبس كثيرٌ من مواد “شرعة حقوق الإنسان” التي تبنَّاها جميعُ أعضاء الأمم المتَّحدة. لكن الدول المُتخلِّفة والفاسدة الحكم لا تلتزم تنفيذ مضامينها، للأسف. وكنت قد فصلت الكلام على العدالة في الحكم، من حيث صلاحيةُ الأنظمة السياسية وواجبات السلطات الثلاث، كما على شروط الرقي الحضاري، في خمسة أعدادٍ سابقة من هذه المجلة أشرتُ إليها في بداية هذا القسم من البحث، فلا حاجة لمراجعتها في هذا المقام.
بيد أنه لا يكفي أن تتحوَّل الأنظمة المُتعسفة إلى أنظمة ديمقراطية. فالديمقراطية كلمةٌ مائعةُ المعنى، تستخدمها دول تهيمن العدالةُ على شعوبها كما تستخدمها – أو استخدمتها – دول تحكمها سلطاتٌ مُستبدة وأحزابٌ “توتاليتارية”. فالأهمية ليست لتسمية النظام السياسي، بل لحقيقته الواقعية المطبقة. فالتمثيل الانتخابي لا معنى له إذا لم يكن نزيهًا، والفصل بين السلطات الثلاث لا يجدي إذا استطاعت أية سلطة أن تتجاوز صلاحياتها، ولا قيمة لكل ذلك إذا لم يؤد إلى صيانة كرامة الإنسان واحترام حقوقه وحرِّياته الشخصيّة.
غير أن ثبات المجتمع في مستوى راقٍ من التقدّم الحضاريّ يقتضي، وفق المبادئ الداهشية، ارتقاء سيالات المواطنين (طاقاتهم الإداركية والنزوعية) إلى مستوى يجعلهم يحترمون بعضهم بعضًا، في كل ما يعود إلى الكرامة الإنسانية والحقوق والحريات الشخصية، وبينها حرية الاعتقاد، وكذلك احترام القوانين دوما وازعٍ أو رادع، بل عن اقتناع وإدراك لضرورة ذلك الاحترام. وتحقيق هذه الغاية يتطلب تربية جديدة في البيت والمدرسة تستمر خلال عدّة أجيال.
العقباتُ الثقافية الدينية ومثل “النمور الآسيوية”
إن المقاومة المدنية السلمية التي اعتمدها غاندي في الهند، والمقاطعة الاقتصادية للسلع الأجنبية، والتنمية الاقتصادية التي طبقها بإنتاج ما يأكله الشعب وما يلبسه وما يسكن فيه – كان يمكن أن تكون نموذجًا لكل بلد لنيله الاستقلال وتحقيقه التقدّم لولا ضرورة التقارب السياسي والحضاري بين الدول من أجل الاستفادة من المسيرة المحتومة على الشعوب باتجاه “العالم الواحد”. ولذا فمثل الدول المُسمَّاة بـ “النمور الآسيوية” قد يكون مثلاً ناجحاً لبلوغ الغاية المنشودة في القرن الحادي والعشرين، مثلما يرى العالم السياسي فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”. فهذه الدول طبقت الأنظمة السياسية الغربية، وأخذت بالعلوم والتكنولوجيا وتطبقاتها الشائعة في الغرب، لكنها في الوقت نفسه حافظت على ملامح تقليدية من ثقافاتها وخلقياتها.
وموقف “النمور الآسيوية” وخاصة اليابان وماليزيا أوضح كتاب بعنوان “صوت آسيا: زعيمان يناقشان القرن الآتي؛ والمؤلف وضعه مهاثير بن محمد (أو محاضر محمد)، رئيس وزراء ماليزيا، وشنتارو إيشيهارا، النائبُ الياباني الشهير بدفاعه عن القيم والمناهج اليابانية. فإيشيهارا يرى أن الغرب يحاول أن يفرض ثقافته المتلبسة بزي “الحداثة” على كثير من الشعوب مدفوعًا بتاريخه الدينيّ المبنيّ على التسلّط والقهر كما باعتقاده التفوّق المسيحيّ، فيما تفرضُ الخلقيات العامّة في الشرق الأقصى التسامح الدينيّ والانفتاح على جميع المُعتقدات الروحيَّة. ذلك بأن أية حضارةٍ تطمحُ إلى قبول عالميّ وانتشار شامل يجب أن تكون مُنفتحة دينيًا، وأن تمنح البشر عزاء وأملأ وقوةً روحية، لا أن تمزِّقهم شيعًا مُتناحرة كلٌّ منها يدّعي الحقيقة المُطلقة. كذلك فإن المواطنين في الشرق الأقصى يدركون أن عليهم مسؤوليات تمنعهم من التطرّف في استغلال الديمقراطية واتّخاذها مدرجة إلى حرية غير محدودة نتيجتها الانحلال الاجتماعي الخلقي والفوضى، وهي الحال التي يعانيها الغرب اليوم.
وفي رأي مهاثير محمد أن الحياة الغربية شهدت مؤخرًا فضلاً تامًا لا بين الدين والدولة فحسب، بل بين الروح الدينية والممارسة الحياتية بحيث حلّت القيم الماديّة الهادفة إلى إشباع اللذّة الحسيّة محل القيم الروحيّة. وهذا الانفصال جعل المواطنين في الغرب يتيهون في خضمٍّ من الضياع والفراغ، ويستسلمون للمخدَّرات والرذائل، وهذا نذيرٌ بالانحلال الحضاري الوشيك. فعندما حل إشباعُ الرغبات والنزوعات الفردية محل احترام المؤسسات الاجتماعية والروحية، انهارت القيم العائلية، وتفكَّكت وحدة الزواج وحرمته، وانتفى الاحترام للأهل وللشيوخ كما للتقاليد والعادات الصالحة.
كذلك في رأي محاضر محمد أن دول العالم الثالث، ولا سيما البلاد العربية، يمكنها الأخذ بأسباب التقدّم الحديث في الغرب إذا عرفت، حكومات وشعوبًا، كيف تستثمر التكنولوجيا الحديثة لمصلحتها، وخصوصًا تكنولوجيا المعلومات، وإذا عرفت كيف تحشدُ طاقاتها الوطنية، وتستحضرُ المفكرين وذوي الإبداع من المهاجرين الهاربين منها طلبًا للحرية في الغرب. لكن المشكلة برأيه، هي في خلط الشكليات بالجوهر من قبل فئاتٍ من الغلاةِ الإسلاميين. فالعدالة والعقيدةُ الإسلامية لا تتنافيان. والإسلامُ لا ينفي التعدُّدية الثقافية والتسامح والحوار. وهذه العناصر قام عليها الحكم في ماليزيا.
مسؤولية رجال الدين والتوجيه
هذا الرأيُ المنفتح على التقدّم الحضاري، والآخذُ بالحوار والتسامح والعدالة والحرية وسائر حقوق الإنسان نرى ما يشبهه عند فئة من رجال الدين المسلمين، بينهم المرجع الشيعي البارز السيد محمد حسين فضل الله. فهو يعتبر أن الفكر الإسلامي يعيش “حال انكماش وجمود”، ويرى أن على المسلمين المُستنيرين من الجاليات في الغرب أن ينخرطوا في نشاط الجمعيات والأحزاب في البلدان الغربية، لأن “المصلحة العليا قد توجب ذلك”. لكنه يشترطك أن يكون الانخراط “دخولا سياسيًا بحيثُ يبقى الإنسان مع عقيدته والتزاماته.” كذلك على الفكر الإسلامي، في رأيه، أن يتخلَّص من “سمات التخلف وأوهام الخرافة، ومتاهات التعصُّب والانغلاق”. وإذ يدعو إلى الانفتاح والحوار والاستفادة من تجارب الآخرين، يعتبر أن “الإسلام ليس المسؤول عن التخلُّف والانكماش، بل هناك استغلال سيئ لبعض النصوص أو المفاهيم لحماية الخطوط المُتخلفة لمصالح معينة”. كذلك فهو يرى أن الإنسان ذا الجدارة لا يخاف من الحرية، والحاكم المؤهل لا يهابُ النقد والمحاسبة. كما نرى هذا الخط المُعتدل المنفتح من الإسلام يأخذ به أيضًا الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابيه “فقه العنف المسلح في الإسلام” و”الوصايا”، وكذلك كثيرون من شيوخ الدين في ماليزيا وإندونيسيا التي هي أكبر دولة إسلامية. وهذا الاعتذال والانفتاحُ والتسامح جلب الازدهار الاقتصادي لهما دون أكثر البلدان الإسلامية.
يقول عبد الوهاب المؤدب في مقدمة كتابه “أوهام الإسلام السياسي”: “ليس الإسلام أصل الداء الذي أقصدُ تناوله. فأولئك الذين اعتنقوا الإسلام عملوا على إبدال حتى بنية الحضارة. فليس الإسلام هو أصل المُصيبة، بل المُصيبة هي ما فعله المسلمون أنفسهم بالإسلام… يعتبر سبينوزا في “رسالة في اللاهوت والسياسية” أن عافية المدن ونجاتها تكمنان في ممارسة حرية التفكير، وفي التعبير عنها ونشرها وتعوزيعها. ومن المؤكد أن من بين الأسباب التي جمَّدت مُدننا غياب هذه الممارسة للحرية”.
والحقيقة أن الشعوب، إلى أي دينٍ انتمت، يستحيل أن تنهض وتتقدَّم حضاريًا وهي متشبثة بأفكارٍ وتفسيراتٍ وشكلياتٍ وقوالب دينية مجمَّدة تعيدها القهقرى. فالعرب في عصرهم الذهبي والأوروبيون في عصر نهضتهم، ما كان لهم أن يبنوا حضارة عظيمة إلا بالانفتاح على غيرهم وتقبّل الجديد المفيد منهم، والحوار معهم، واحترام الثقافات الأخرى للاغتراف من معرفتها وحكمتها. فلو بقي العرب في العصور العباسية، مثلاً، على ما كانوا عليه في شبه جزيرة العرب فكريًا وعلميًا واجتماعيًا، مع إسلامهم، لما نشأت المدارس في بغداد يقصدها طلاب المعرفة من كل صوب، ولما أسست المستشفات، ولما قامت حركة الترجمة تنقل إلى العربية روائع اليونان والفرس والسريان والهنود في الفلسفة والعلوم، ثم ينقل المترجمون كل ذلك إلى أوروبا، ولما ازدهرت علوم الطب والرياضيات والفلك وأفادت الناس. وفلاسفة العصر العربي الذهبي وعلماؤه لم يأنفوا من أن يستفيدوا من أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وغيرهم بادعاء انهم وثنيون لا يجوز اعتماد أفكارهم. فالشعب المغلق على مصادر المعرفة الخارجية ينتهي إلى خضوعه لحكومة تحارب الانفتاح على مولدات أدمغة العباقرة المطورين للحضارة، حتى لو كانوا من الوطن نفسه، ذلك بأن التطوير لا بد من أن يحمل التغيير؛ ومن تشبث بالماضي المجمَّد، إلا في ما يخصّ القيم الروحية والإنسانية الجوهرية، ينتهي إلى الاضمحلال والاختفاء من خريطة الحضارة المتقدِّمة.
والحق يقال إننا لو عدنا إلى النصوص الأولى التي قامت عليها العقائد الدينية، منزلةً كانت كاليهودية والمسيحية والإسلام أو مُستلهمة من نور الهداية الروحية العامَّة كما في “كتاب الموتى” المصري أو “الباغافاض جيتا” الهندوسية أو النصوص الجينية أو الكنفوشيوسية أو البوذية وكثيبر غيرها، لوجدنا العنف والأذى والسرقة والخداع والخيانة والرياء مُستنكرة بل لرأينا النصوص الدينية الأصلية جميعها تحضّ على احترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعمل والحرية والملكية والمساواة أمام القانون، وكذلك تحث على احترام حقّه في الحياة الآمنة البعيدة عن الاعتداء والإيذاء، وطلب المعرفة وصيانة كرامة الأسرة وحقوقها…
فموسى النبي ويسوع المسيح والرسولُ العربي جميعهم ناهضوا الاستعباد والظلم والاستغلال. بل إن مؤسس الداهشية يظهر أن السيد المسيح لم يكن مثلما يصوِّره الكهنة خاضعًا مُستسلمًا للقوانين الرومانية الغاشمة، بل كان ثورة جبَّارة بيضاء. يقول الدكتور داهش فيه:
فرد أعزل، إلا من الإيمان واليقين باليوم الأخير، دافع عن الحق دفاع الجبابرة، ونافح عن العدالة نافح الرآبلة، وكافح الشر كفاح الليث في غيله وعرينه. فهاجمه في موطنه الشديدة الخطر، دون أن يأبه لجبروته، ودون أن يأخذ لنفسه الحذر. وأراد هذا الجبار أن يمزقه شذر مذر، كي ينقذ من هبط لأجلهم من البشر.
ثلاثة وثلاثين عامًا جاهد جهاد المُستميت، داعيًا الجميع للانتفاض على دستور القوة والبطش، دون أن يسير في ركابه أحد، خوفًا من الدولة الرومانية القوية الشكيمة وذات الشوكة والاقتدار. اللهم ما خلا نفرأ من البسطاء الذين فتنتهم تعاليمه السماوية، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهية.
لم ييأس، ولم يقنط، ولم يتراجع، ولم يلق سلاحه، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس، طاغية فلسطين، حيث نشأ ابن السماء وحيث ترعرع…
إن الداهشية تدعو أهل السياسة والدين والتوجيه في العالم كله إلى بناء الدولة على أسس من القيم الروحية والإنسانية، لكن هذه القيم لا تعني سيطرة دين على آخر وتحكُّم عقيدة دينية واحدة بسائر العقائد، فهذا إذا حصل يُلغي حرية الاعتقاد؛ فتلك القيم إنما هي لتوجيه الحكم وصيانته من الشطط باتجاه الظلم والقسوة والفساد الخلقي المدني والعائلي والشخصي. فالمشكلة تظهر حينما يعلن جماعة من رجال الدين، إلى أي دين انتموا، وفي أية دولة أقاموا، أن طريق الخلاص مُقتصر على طريقهم، والحقيقة النهائية المُطلقة محصورة في عقيدتهم. فالعصبية الدينية العمياء والجهل الروحي كامنان في أساس هذا الاعتقاد؛ لكن هذا الاعتقاد يسعره الفقر والحرمان والشعور بالظلم والدونية في العالم الثالث، بينما يسعره الاستعلاء والغطرسة والشعور بالفوقية في العالم المتقدِّم.
إن التعاليم الداهشية تنفي وجود أية حقيقة مُطلقة بين البشر، فهذه الحقيقة روحية محض، ولا وجود لها خارج القوة الموجدة التي فيها وحدها كمال المعرفة والقدرة، وفيها وحدها يتوحَّد الأزلُ بالأبد وينتفي الزمان والمكان وبالتالي ينعدم كل أثرٍ للمادة. فكيف يتأتى للبشر مثل هذه الحقيقة اللانهائية ومعرفتهم عن خالقهم، وهو روحٌ محض، محدودةٌ بمداركهم البشرية النسبية التي تقيدها المادّة، وعلمهم بالأكوان المُحيطة بهم ما يزالُ في طور الطفولة، وإدراكهم حتى لأمراضهم وأسبابها الطبيعية ما برح بعيدًا عن إدراك غايته النهائية!
وسبق أن أكدتُ أن العقيدة الداهشية مبنية على الإيمان بالوحدة الجوهرية للأديان جميعها، من حيث المصدر الروحي والغاية الإصلاحية الروحية والإنسانية التي ترمي إليها. والمتشبثون بأن الحقيقة المُطلقة هي ملك يمينهم، والمتمسِّكون بتفسيرات وتأويلات للنصوص الدينية من شأنها أن تُعارض التسامح في الاعتقاد والحريات الشخصية قد يحرزون نجاحًا مؤقتًا، لكنهم ينتهون إلى دفع معظم الشعوب إلى كرههم، كما إلى عزل أنفسهم عن موكب العالم المُتقدم، والتقلُّص داخل قوقعتهم والاضمحلال تدريجيًا. وما دامت العدالة الإلهية الشاملة لا مناص من طبيقها، فكل فئة ستناول ما تستحقّه. فالفتوح الدينية، إسلامية أو مسيحية، عرفت نهايةً لها. وليس من منتصرٍ في النهاية إلا المحبّة، لأن “الله محبّة”.
خاتمة
يستنتجُ من البحث السابق (في هذا العدد كما في الأعداد الثلاثة السابقة من “صوت داهش”) أن الطريق المتَّجه إلى “العالم الواحد” لا مفرَّ منه، وفق المبادئ الداهشيَّة، لأن التطوّر نحو وحدات حضاريّة كبرى هو حتمية تاريخية تُناقض التجزؤ والتشرذم؛ لكن تحقيق حسنات هذا التطور دون سيئاته، مشروط باحترامِ ثقافات الشعوب جميعها، وهيمنة العدالة في التعامل بينها من خلال منظمة الأمم المتَّحدة. أما فوائده للدول المتخلِّفة أو الفاسدة الحكم فلا تتمّ إلا بتغيير هذه الدول لأوضاعها بالسعي الجاد إلى محو الأمية، ومحاربة الفقر والأوبئة والاستعباد وتلويث البيئة، كما إلى إزالة الظلم ونشر العدالة والحريات وسائر حقوق الإنسان، وبينها عدم التمييز الجنسيّ أو العنصريّ أو الدينيّ. لكن حسن النية في الدول الضعيفة لا يكفي لتحقيق مثل هذه الإنجازات، ولذا وجب تدخل الأمم المتَّحدة والدول الكبرى في مدّها بالإعانات المالية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية ومراقبة تطبيقها؛ أما عند استعصاء الحكومات الفاسدة فتدخّل الأمم المتَّحدة واجب مثلما بينتُ في العدد السابق من “صوت داهش”. وما دامت سيّالات البشر (أي قواهم النفسية الحاوية لمداركهم ونزعاتهم وإرادتهم) على درجات متفاوتة، فلا بدَّ من تعدّد الأديان وتنوعها، لأنها للنفوس بمثابة الأدوية والحيويَّات للأجساد، لا تستفيد النفس منها إلا إذا كانت مناسبة لمكامن ضعفها وأدوائها. وبناءً على هذه الحقيقة فالعنصر الموحّد بين الشعوب ليس شكليات الأديان وشعائرها وطقوسها، بل جوهرها الروحي الإنسانيّ، من ممارسة للفضائل، ولا سيما المحبّة والرحمة والصدق والعدالة والتسامح، ومن إحساس بالمسؤولية، واحترام لحياة الإنسان وكرامته وحرياته، وحبٍّ للسلام.
إذ ذاك تطمئن الشعوب الضعيفة إلى الدول القوية، ويزول خوفها من ابتلاعها أو ابتزازها أو إذلالها، ويسهل تجاوزها لعصبياتها القومية أو الإتنية أو الدينيَّة وتغلّبها على شعورها بالدونية من أجل الإنضواء في وحدة إنسانية كبرى تهيمن عليها العدالة والعقلانية والقيم الروحية معًا. وإذ ذاك يتيسر انتقال الحكومة الرئيسة الموحِّدة، دونما خوف، من أرض الدولة الواحدة إلى سماء “العالم الواحد”، من غير أن تفقد الشعوب خصائصها وثقافاتها وعقائدها وحكوماتها المحليَّة التي تضطلع بدورٍ تقليدي كما بدورٍ مشارك في الحفاظ على السلام والحياة المشتركة في هذا الكوكب. إذ ذاك يمكن أن تتطور الديمقراطية فتصبح أقوى اهتمامًا بأهل الفضائل والمواهب وبتعزيز دورهم في التخطيط والتشريع، ويمكن أ، تتطوّر الرأسمالية فتصبح أكثر رحمةً وإشفاقًا على الضعيف والفقير والمريض، وأقل جشعًا وانهماكًا بالقيم الدنيوية وتمجيدًا لها. وهكذا لا يبقى في “العالم الواحد” قومياتٌ وعصبيات ضد قوميات وعصبيات أو أنظمة ضد أنظمة، بل جماعةٌ، لعلَّها الكبرى، تريد التعايش في سلام وتحاب وإيمان بأن البشر يصنعون أقدارهم ضد جماعة، لعلَّها الصغرى، تعيش في دوامة الشرّ والعصيان والرذيلة. فإن يحقّق البشر هذا الإنجاز الرائع، يبلغوا الهدف الأسمى الذي يمكنهم بلوغه على الأرض.
المسيح والأنبياء والهُداة
تؤمن الداهشيّة بأنّ الله هو القوّة الموجدة للكون ، معروفه ومجهوله ،
