التعاليمُ المُلهَمة

مؤسِّس الرسالة الداهشيَّة
نسرُ السماءِ الجبَّار |

الدكتور داهش
Lorem Ipsum is simply dumy text of the printing typesetting industry lorem ipsum.

لا أُبالي

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من كتاب ” بُروقٌ ورُعود “

صاحب عقيدة راسخة

..!من هو الدكتور داهش ؟

 العالم العربي ، العدد العاشر ( 70 ) أول ابريل 1953

الدكتور داهش …رجل فوق الرابعة والثلاثين من عمره …نشأ في عائلة نكبها الدهر . فذاقَ من بطشِ الأقدار أهوالا … وهو شخصية فذّة ، نبيلة في مراميها ، رفيعة في أفكارها وأهدافها …عركها الدهر عراكاً جباراً ؛ فجعل منها شعلة من العواطف الرقراقة والاحساسات اللطيفة نحو كل ما هو عادل نبيل شريف …وقد تعرَّفنا اليه اتفاقا ، فوجدنا فيه مقدرة روحيَّة ، وعبقريَّة أدبيَّة جذبتنا اليه مع لفيف من خيارِ القوم أدباً وثقافة .

 وهو صاحب مؤلفات تجاوز عددها السبعين – رغم سنّه الحديث – خاض فيها المواضيع الاجتماعية بروحٍ عالية وأفكارٍ سامية تعود بالخير على جميع من يطالعونها , وبأسلوبه السهل المُمتنع , الذي أعجب أدباء الشرق ممن يزنون الأمور بميزان العقل والحكمة , وأثارت دهشة أبناء العلم ومحبِّي الأداب .

 وفوق جميع هذا فالدكتور داهش مُصلح ديني وأجتماعي عظيم , صاحب عقيدة راسخة تملأ صدره الرحب . فهو ينشد ( العدالة ) في عالم طغت فيه المظالم .. يأكل فيه القوي الضعيف .. ويبطش فيه الذئب المُفترس بالحملِ الوديع !

 وهو ينشد ( المحبة ) بين الشعوب والأفراد .. تلك المحبة التي أوصت بها جميع الأديان والتي لعبت في تحقيقها الغايات الغاشمة .

 وهو ينشد الترفُّع عن ( المادَّة ) الطاغية والاتجاه نحو الفضيلة والمُثل العليا .

 وهو يتغنَّى بخلود الروح وما تجرّه هذه العقيدة من واجباتٍ إصلاحية في كل فرد .

 وقد وطد الدكتور داهش العزم على أن يعلن هذه الحقيقة بصوته الجهوريّ , وأن يدعو الناس للعودة الى الطرق النبيلة , والى وصايا الأنبياء . وليس مثلما يعلّمهم رجال الدين النفعيّون !

 كما أنه أعلن أن الأديان المعروفة جميعها مُنزلة يجب احترامها والاعتراف بها لأنها جميعها تحضّ على الصلاح , وهي إرادة الله .

فالتعصُّب جريمة بشرية تجرّ عقابها من ورائها . وما الجرائم والمآثم والمجازر الدمويَّة التي جرت في تاريخ العالم من جراء التعصُّب الذميم إلا بيِّنة صريحة , وبراهين ساطعة عن هذه الحقائق .

 فرغبة الله جلَّ جلاله لا تتَّفق البتَّة مع استعمال الأديان لغاياتٍ تعصبيَّة قبيحة , فالأديان جُعلت مُختلفة مع اختلاف الشعوب والألوان , وكلّها تأمر بالعدالةِ والمحبة .

ماري حدّاد

 

إقرأ أكثر

الصحفي داود أ. الصائغ

أنا داهش أتحدّث إليكم

أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما  في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من  ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يُقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟

لعلّ الأسوء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة  والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكلِّ من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .

قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”

حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .

أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .

داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وينزع منها صورة الشرّ التي طُبعت في مخيلاتهم عنه ؟

ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .

داهش من هو ؟

إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .

ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .

وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute  ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستوى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .

تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942  . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مُستعدّ للتضحية بكل شيء  مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .

و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته  في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوَّته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”

مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .

تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره : وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان  واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيئاً فشيئاً  أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحسُّ أنه مرتبك بعض الشيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .

” قوتي هبة و ليست علماً “

الله , الروح , المادَّة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.

داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصرٌ أضعفَ إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية  نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا  الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”

و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبيّن أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوَّتي هبة  و ليست علماً , و الظواهر تجري  بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعدٍ مستقيمة .

و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”

و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلَّب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها  الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي  أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقِّع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .

 و عليك أن تكرر هذه العملية  مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المُعجزات ” بنفسك .

الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحّصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.

الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني  على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم  بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”

و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب  مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “

و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدوّنها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :

” في مساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمزٍ مُقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة  تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .

وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .

” نحن نؤمن بالتقمّص “

والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوَّة إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلّ الميول والنزعات : المرأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق  .

الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !

– الدكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .

– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟

” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “

التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie  لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .

ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .

لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .

لماذا قامت القيامة على داهش

تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه  ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .

” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي ردَّ مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجوده خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.

” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم :  أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيُعد و يُرسل الى مجلس النواب و يُرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “

و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية  في 9 أيار  1948  ما يلي :

” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها  و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً من إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره  الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد  في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”

و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التي كانت توجه اليهم  في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبَّب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخَّر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “

ماجدا … لماذا انتحرت

و القصة التي لغط بها الناس يومذاك  أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج  و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة  لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنتُ مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة  ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم  بصورة مُذلّة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة ” .

داهش اليوم

كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .

وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .

وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .

وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .

 

إقرأ أكثر

الأعمال الخالدة

هي أصداءٌ فكريةٌ لا يُمحوها الزمن، تُشكّلُ جسرًا يربطُ بين الأجيال، تُسجِّلُ صاحبها في ذاكرة الإنسانية، تُلهمُ العقول وتُثيرُ الجَدَل.  

نور الحقيقة

لا تُعتبر الحقيقة مجرد معلومةٍ، بل هي فعلٌ يُبدّدُ الظلمات، قوةٌ تُكشّفُ عن الخفايا، وتُظهر ما كان مخفيًا أو غامضًا. هو نور اللحظة الوجودية التي يدرك فيها العقل ماهية الأشياء، ليتحوَّلُ الجهلُ الى يقين.   

Hot

التأثير الفكري

إن تأثير الدكتور داهش على الثقافة والمُثقَّفين يمتد ليشمل نسيج المجتمع بأكمله. فأفكاره ما زالت تتردَّدُ أصداءه في الحوارات والصُّحف، تُعيد صياغة الوعي الجمعي وتُحدثُ تغييراً في السُّلوكيَّات.

Hot

المفاهيم الفلسفيَّة

تُعَدّ المفاهيم الفلسفيَّة مساحةً حيويةً للبحث والتأمل، هي تحدٍّ للعقل، وفرصة للتفكير، تفكُّ شيفرة الوجود والغاية من الحياة، وتُلقي الضوء على مكانة الإنسان الأزليَّة في هذا الكون الفسيح.

Hot

النُّصوص الأساسيَّة

تُعَدُّ النصوص الرئيسية بمثابة حجر الزاوية في الفكرِ الداهشيّ، فهي لا تُقدِّمُ مجرّد معلومات، بل تحملُ في طيَّاتها جوهر التعاليم الداهشيَّة، تُعيد تَشكيلُ القوَّة المُحرِّكة للنَّفس البشريَّة في التعاطي مع الآخر.  

Hot

المؤلفات الرئيسية

للدكتور داهش أثرٌ فكريٌّ ناهز المئة وخمسين مُجلَّداً، هي مجموعةٌ متكاملةٌ من النصوص تُمثِّلُ خُلاصة تأمُّلاته وأفكاره ورحلاته. تحملُ في طياتها أفكاراً جوهريةً ذات أبعادٍ روحيَّة، تُعيدُ صياغة فهمنا للواقع والحياة والوجود.

Hot

أثرٌ في الوجود

الأعمال الخالدة

                                                        من كتاب “قصصٌ غريبة وأساطيرٌ عجيبة” الجزء الثاني

وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمِّمة للجزء الأوّل .

فالقصص التي ذكرتُ فيها حوادث التقمُّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّصِ ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أوشابه ويتخلّص من أوزاره .

والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوباتٍ مختلفة كما يحكمون على الفاعل .

فكيف يمكن أن تُحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يُحاكم جماد ، ويُحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يُحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيُحاكم ويُحكم عليه بعقوبةٍ شديدة أو مُخفَّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .

والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟  فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ،  وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطعَ رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلبٍ من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .

ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .

وسأله تلاميذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )

واليهود كانوا يؤمنون بالتقمُّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : انَّ يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).

ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريراً أو كسيحاً أو مصاباً بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزراً ؟ وهل يقبل الله بظلمٍ عظيمٍ كهذا ؟ !

ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولدَ أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريراً أو كسيحاً كاستحقاقٍ لما ارتكبه في تقمُّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلَّتْ قدرته .

اذاً على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مراراً وتكراراً حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالمٍ بعيدٍ سعيد ، مخلّفاً وراءه الأرض وما تزخر به من شقاءٍ دائمٍ وشرورٍ لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمُّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 :  ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) .

وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ؟ ) .

وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .

وفي سورة المائدة ، آية 60 : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ) .

والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيداً تامّاً . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مراراً وتكراراً ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنباً وقدّم نفسه طعاما للأسد .

والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشراً ، فاستحقّت أن تولد حشراتٍ أو حيواناتٍ أو طيوراً وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوعٍ من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .

ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER )   ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المُستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماماً ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المُحيقة به ، ويُدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يُدرك به أفكار الناس .

ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …

وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيراً عميقاً في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرارِ الخفيّة .

ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتاً ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …

أليس هذا تقمّصاً ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالمِ الوجود ؟

فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانيةً وثالثةً ورابعة ، الخ…لكي تُتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .

والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتُتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .

وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالاً طويلاً عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :

” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجساداً لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .

وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغةٍ خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءاً منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .

ولا تحسبنّ هذه العادة وقفاً على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يُقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرةِ الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسببِ ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.

والبوذيّون يعتقدون أن بوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .

والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….

ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :

انّ الأديان قاطبةً تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمالٍ صالحةٍ وأخرى طالحة .

وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .

ويعمّر الانسان 70 أو 80 أو 90 عاماً . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّاً اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .

اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهرٍ الى دهر ، ومن أزلٍ الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقاً ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .

ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذاً يستحقُّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلاً وحقّا .

هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيباً أم مخطئاً . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .

                                                 الدكتور داهش

 بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979

إقرأ أكثر

أُفق الكلمات

المكتبة الداهشيَّة

بوصلة العقول

مكتبة الدكتور داهش الخاصَّة

                                                        من كتاب “قصصٌ غريبة وأساطيرٌ عجيبة” الجزء الثاني

وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمِّمة للجزء الأوّل .

فالقصص التي ذكرتُ فيها حوادث التقمُّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّصِ ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أوشابه ويتخلّص من أوزاره .

والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوباتٍ مختلفة كما يحكمون على الفاعل .

فكيف يمكن أن تُحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يُحاكم جماد ، ويُحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يُحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيُحاكم ويُحكم عليه بعقوبةٍ شديدة أو مُخفَّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .

والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟  فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ،  وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطعَ رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلبٍ من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .

ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .

وسأله تلاميذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبواه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )

واليهود كانوا يؤمنون بالتقمُّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : انَّ يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).

ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريراً أو كسيحاً أو مصاباً بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزراً ؟ وهل يقبل الله بظلمٍ عظيمٍ كهذا ؟ !

ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولدَ أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريراً أو كسيحاً كاستحقاقٍ لما ارتكبه في تقمُّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلَّتْ قدرته .

اذاً على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مراراً وتكراراً حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالمٍ بعيدٍ سعيد ، مخلّفاً وراءه الأرض وما تزخر به من شقاءٍ دائمٍ وشرورٍ لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمُّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 :  ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) .

وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) .

وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ؟ ) .

وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .

وفي سورة المائدة ، آية 60 : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ) .

والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيداً تامّاً . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مراراً وتكراراً ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنباً وقدّم نفسه طعاما للأسد .

والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشراً ، فاستحقّت أن تولد حشراتٍ أو حيواناتٍ أو طيوراً وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوعٍ من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .

ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER )   ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المُستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماماً ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المُحيقة به ، ويُدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يُدرك به أفكار الناس .

ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …

وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيراً عميقاً في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرارِ الخفيّة .

ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتاً ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …

أليس هذا تقمّصاً ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالمِ الوجود ؟

فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانيةً وثالثةً ورابعة ، الخ…لكي تُتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .

والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتُتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .

وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالاً طويلاً عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :

” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجساداً لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .

وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغةٍ خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءاً منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .

ولا تحسبنّ هذه العادة وقفاً على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يُقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرةِ الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسببِ ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.

والبوذيّون يعتقدون أن بوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .

والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….

ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :

انّ الأديان قاطبةً تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمالٍ صالحةٍ وأخرى طالحة .

وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .

ويعمّر الانسان 70 أو 80 أو 90 عاماً . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذاً الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّاً اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .

اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهرٍ الى دهر ، ومن أزلٍ الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقاً ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .

ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذاً يستحقُّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلاً وحقّا .

هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيباً أم مخطئاً . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .

                                                 الدكتور داهش

 بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979

إقرأ أكثر
بيتُ الكلمة

الدَّار الداهشيَّة للنشر

مدادُ الحرف

أفقُ الكلمة

أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما  في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من  ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يُقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟

لعلّ الأسوء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة  والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكلِّ من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .

قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”

حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .

أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .

داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وينزع منها صورة الشرّ التي طُبعت في مخيلاتهم عنه ؟

ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .

داهش من هو ؟

إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .

ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .

وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute  ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستوى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .

تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942  . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مُستعدّ للتضحية بكل شيء  مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .

و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته  في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوَّته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”

مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .

تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره : وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان  واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيئاً فشيئاً  أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحسُّ أنه مرتبك بعض الشيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .

” قوتي هبة و ليست علماً “

الله , الروح , المادَّة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.

داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصرٌ أضعفَ إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية  نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا  الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”

و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبيّن أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوَّتي هبة  و ليست علماً , و الظواهر تجري  بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعدٍ مستقيمة .

و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”

و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلَّب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها  الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي  أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقِّع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .

 و عليك أن تكرر هذه العملية  مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المُعجزات ” بنفسك .

الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحّصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.

الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني  على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم  بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”

و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب  مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “

و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدوّنها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :

” في مساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمزٍ مُقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة  تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .

وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .

” نحن نؤمن بالتقمّص “

والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوَّة إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلّ الميول والنزعات : المرأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق  .

الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !

– الدكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .

– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟

” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “

التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie  لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .

ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .

لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .

لماذا قامت القيامة على داهش

تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه  ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .

” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي ردَّ مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجوده خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.

” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم :  أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيُعد و يُرسل الى مجلس النواب و يُرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “

و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية  في 9 أيار  1948  ما يلي :

” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها  و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً من إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره  الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد  في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”

و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التي كانت توجه اليهم  في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبَّب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخَّر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “

ماجدا … لماذا انتحرت

و القصة التي لغط بها الناس يومذاك  أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج  و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة  لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنتُ مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة  ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم  بصورة مُذلّة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة ” .

داهش اليوم

كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .

وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .

وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .

وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .

 

إقرأ أكثر

باب الجمال

مُتحف داهش للفنّ

الصحفي داود أ. الصائغ

أصداءُ الماضي

أجريت مع الدكتور داهش في لبنان كما  في عدّد من البلدان العربيّة عدّة مقابلات , إخترنا لقرّائنا منها هذه المقابلة التي أجراها الصحفي داود أ. الصائغ في مجلّة ” الأسبوع العربيّ ” العدد 263 , السنة الخامسة – حزيران 1964 . يستهلّ السيّد الصائغ المقابلة بقوله ” قابلت الدكتور داهش 3 مرّات ليقدّم لكم نفسه وفلسفته وخوارقه ” .

تُرى ماذا سيقوُلُ النَّاسُ عنِّي بعدَ مَوْتي وزَوالي ؟

إنَّ البعضَ سَيَسْتَمطِرُون على إْسمي اللعَنَات والنَّقَمات

كما إنَّ آخرين سَيُردِّدون ذِكْري بالتقديسِ والرَحَمات ,

وستَخْرُجُ آهاتٌ عميقةٌ من شتَّى القُلُوب والصُدُور

بَعضُها آهاتُ غبطةٍ وحُبُور , وبَعضُها غصَّاتٌ داِميَةٌ لقاطِنِ القُبُور.

أمَّا أنا , فحَسْبي أَنْ اكونَ عندئذٍ بَينَ يَدَي الدَّيَّانِ لعَرضِ أَعمَالي

من  ذا الذي يفكّر بأمور الحياة والآخرة , ويتوقّع أن يذكره البعض بالمديح وآخرون باللعنات . أتراه قام في حياته بما يستوجب أن ينقسم الناس حول أعماله فئتين , فخرج من دائرة الرجل العادي الذي يُقال عنه في حياته وبعدها ” إنّه رجل آدميّ ” ؟

لعلّ الأسوء لم تنسب مرّة الى إنسان كما نسبت الى قائل هذه الكلمات . دولة بأسرها , بكامل أجهزتها وقفت في وجهه , من رئيسها الأول , الى هيئتها التنفيذيّة  والتشريعيّة , الى جميع المأمورين عندها , الى جهاز الإعلام فيها , الذي تولّى قيادة الحملة وقال للناس : أرجموا هذا الرجل , ألصقوا به النقائص , أرفقوا إسمه باللعنة والشتيمة , ضعوه على هامش مجتمعكم , فهو عميل للشيطان … ولغط الناس بأخباره وقالوا عنه : ساحر مشعوذ , منوّم مغناطيسي , سلب الناس عقولهم وأموالهم , وألحق بهم الويل . وهزيء المجتمع بكلِّ من تبعه وآمن بما يقوله ويفعله .

قصّة قديمة , ترجع الى أبعد من عشرين سنة . ومنذ ذلك الزمان لم يتبدّل بعد رأي الناس فيه أو تتغيّر صورته في أذهانهم . فإذا ما سألت أحداً عنه ردّد على مسامعك هازئاً ما حفظه من أخبار السوء عنه , وأردف يقول بكثير من اللامبالاة : ” ترى, ماذا حلّ به اليوم , يقولون إنّه قتل في طهران ( أذربيجان ) , وأن الحكومة أبعدته منذ مدّة طويلة وحظّرت عليه دخول البلاد ثانية … الرجل إنتهى منذ زمن بعيد , وأحابيله إنكشفت للناس …”

حسبنا أن نعلم أنّ أكثر الذين يعرفونه عن كثب , ويعتبرون أنفسهم من المقرّبين إليه ويعترفون بمقدرته في إفتعال الخوارق , ويحدّثونك بإعجاب عن خلقه وإنسانيّته ومبادئه , وبراءته مّما نسب إليه , يستحلفونك في نهاية حديثهم ألاّ تنقل شيئاً عن لسانهم بخصوصه , وأن تحفظ ذلك في سرّك ولا تذيعه ؛ فهم يخجلون ويخافون أن يجاهروا برأي صالح عنه مخافة أن يحسبهم الناس من أتباعه , فينبذوهم كما نبذوا أمثالهم من قبل .

أمّا هو , فيعرف ذلك ويقول لك : ” أنا أعذرهم , فالإنسان مهما علا شأنه مطبوع على الضعف “. ولعلّ إبتعاد الناس عن هذا الرجل هو ما جعله يبتعد عنهم هو أيضاً .

داهش , الرجل الإسطورة , أين هو ؟ من هو ؟ كيف يعيش ؟ من هم الداهشيّون ؟ ما قصّة خوارقه ؟ لماذا لا يقوم بمعجزات تجعل الناس يؤمنون بقدرته الروحيّة إذا كان من غير طينة البشر العاديين ؟ أو لماذا لا يدعهم يؤمنون به على الأقل , فيسيطر على عقولهم , وينزع منها صورة الشرّ التي طُبعت في مخيلاتهم عنه ؟

ونحن , في تحقيقنا عنه لا نتوخّى إنصاف الرجل أو الدعوة للإيمان به بقدر ما نتوخّى القيام بتحقيق موضوعيّ مع داهش وعنه . سندعه يتحدّث إليك لأول مرّة , يشرح لك مبادئه , يروي لك أسباب النقمة التي أثيرت عليه , يبدي آراءه المختلفة , ويطلعك على طريقة عيشه وأسرار مقدرته الغير عاديّة . وسينقل إليك بعض الداهشيين بعض الأخبار عنه , ويكشفون عن الأسباب التي حدت بهم لإعتناقهم الداهشيّة والمجاهرة بها .

داهش من هو ؟

إسمه الأصلي سليم العشّي , لبناني مسيحي برتستانتي , ولد ” في القدس ” ونشأ في حي المصيطبة عام 1912 * . وكان والده موسى العشّي رجلاً تقيّاً صالحاً , توفي عام 1920 تاركاً لزوجته أربع بنات وصبيّاً . وكانت العائلة فقيرة الحال , زادت في ضيق يدها ظروف الحرب القاسية . فلم تجد الأم بدّاً من إدخال الصبي أحد المياتم . فقضى سليم في الميتم بضعة أشهر , كانت كل عهده بالدراسة , وخرج بعدها ملمّاً بالقراءة والكتابة , ولم يدخل المدرسة ثانية .

ويروي الدكتور فريد أبو سليمان ” أن مقدرة سليم هذه قد تجلّت عنده في سنّ مبكرة . وتعوّد رفاقه في اللعب أن يشاهدوه وهم يلعبون معه في ” الكلل ” يضع يده فوقها فتختفي فجأة . كما إستطاع مرّة وهو في العاشرة من عمره أن يحوّل الرماد الى كتاب , كتاباً كان خاله قد حرقه له ليحمله على تخفيف المطالعة خوفاً على صحّته من الإجهاد ” . وطارت شهرته في الحيّ أول الأمر , وانطلق الناس يتحدّثون بدهشة عن مقدرة الصبيّ الروحيّة ويتناقلون أخباره . وانكبّ سليم على المطالعة ليعوّض ما فاته تحصيله زمن الدراسة , فالمطالعة كانت ولا تزال شاغله الأكبر .

وسافر سليم العشيّ الى الخارج , وطاف في البلاد العربيّة والأوروبّية , واستحصل على لقب دكتوراه من جامعة ” معهد لو ساج ( sage institute  ) في باريس عام 1930 . على إنّ مقدرة الدكتور داهش الروحيّة , كما يقول الداهشيّون , لم تبرز بشكلها الواضح القويّ إلاّ إبتداءً من عام 1942 . وفي تلك السنة بالذات إعتنق كثيرون الداهشيّة . فكان أوّلهم يوسف الحاج ثمّ حليم دمّوس والدكتور جورج خبصا والدكتور فريد أبو سليمان وجورج حدّاد وزوجته ” ماري حدّاد ” وجوزيف حجّار وآل نعيمة , كما آمن كثيرون بمقدرته دون إعتناق الداهشيّة . والجميع يقرّون بقوّة الرجل غير الطبيعيّة . يقول الدكتور فريد أبو سليمان : ” أنا أؤمن بأن الدكتور داهش فوق مستوى البشر , يقوم بالأعاجيب والخوارق . قوّته تتحدّى العلم والناموس الطبيعيّ , وليس في العالم كلّه من يتمتّع بمقدرته , ووجوده في لبنان حدث بشريّ كبير ونعمة ما بعدها نعمة ” .

تعرّف الدكتور فريد أبو سليمان على الدكتور داهش بواسطة يوسف الحاج عام 1942  . وهو يعتبر اليوم من أكثر الداهشيين إيماناً بداهشيّتهم وبداهش , وأكثر المقرّبين إليه . يخبرك أنّه , أثناء المدّة التي تعرّض فيها الدكتور داهش للملاحقة , تعرّض هو أيضاً مع سائر الداهشيين للضغط والمضايقة من قبل السلطة , وأنّه خيّر عام 1944 بين الإحتفاظ بوظيفته الحكوميّة التي كانت تدرّ عليه ثلاثة آلاف ليرة في الشهر أو ترك داهش . يوم ذاك قال للذين خيّروه أنّه مُستعدّ للتضحية بكل شيء  مقابل عدم التخلي عن عقيدته . و الدكتور أبو سليمان يحفظ كل شاردة و واردة من أخبار داهش , و يسجلها كلها في سجل خاص , و يقوم بمهمة صلة الوصل بين الدكتور داهش و الناس .

و الدكتور جورج خبصا داهشي منذ عام 1942 أيضاً . عرفه على داهش المرحوم حليم دموس . أعجب بالرجل منذ أول وهلة , وأمن بقوته الروحية العجيبة منذ أول ظاهرة . على أن رأيه في داهش يختلف بعض الشيء عن رأي الدكتور أبو سليمان . يقول عنه :”الدكتور داهش رجل مثل سائر الناس, يتميز عنهم بالقوة الروحية الخاصة التي يتمتع بها , و التي يمارسها لغاية معينة و هي إظهار قوة الروح و اللامنظور . فالدكتور داهش لم يستعمل هذه القوة مرة لغاية دنيوية أو مادية . و مبادئه , مثل كل المبادئ لها مؤيدون و معارضون … و هي لم تنتشر حتى الآن بشكل واسع لأن عالمنا هو عالم مادي , و تفكير الناس مادي. فالمادة طغت في عصرنا الحاضر على كل شيء, و غدت الروحانيات في المرتبة الثانية .” و ابتعاد الدكتور داهش عن الناس , في رأي الدكتور خبصا , مرده الى عدم رغبته  في تنفيذ الرغبات المادية التي يطالبه بها هؤلاء, ” لأن قوَّته لا يجب أن تستعمل إلاّ لغايات روحية .”

مع الدكتورين خبصا و أبو سليمان , تعالى معنا لندخلك الى محراب داهش , و نكتشف الداهشية .

تخال نفسك في متحف و أنت تدخل الى منزل داهش. يستلفت انتباهك أول ما يستلفت اللوحات الزيتية العديدة التي تزين الجدران و التحف الصغيرة الموزعة على الطاولات و في الزوايا و على الحيطان . تدخل المكتب أولاً و تستريح قليلاً قبل أن يجيء الخادم و يعلمك بأن الدكتور بإنتظارك . يقودك ممشى طويل الى باب الصالون , حيث يقف رجل مربوع القامة , يستقبلك بحرارة و لطف متناهيين , و يدعوك للدخول و الجلوس . تتأمل في وجهه مالياً لتحاول أن تتبين بعض ملامح القسوة و الشر التي انطبعت في ذهنك عنه لكثرة ما سمعت من أخباره : وجه أسمر مستدير يوحي بالطيبة و الثقة , ذو تقاطيع متناسقة , عينان سوداوان  واسعتان , جبهة فسيحة , صدغان بيضاوان و شارب رفيع. و تكتشف شيئاً فشيئاً  أن الرجل لا يختلف عن سائر الناس في شيء, و أن أسطورته هي مجرد أسطورة . ثم يزول تعجبك حين تسمعه يرحب بك مجدداً بصوته الهادئ الخافت , و تحسُّ أنه مرتبك بعض الشيء لمجالستك ارتباك الصغير الذي يشعر بالخجل وسط جمع للكبار لا يعرفهم . يستوي في جلسته , و يجيب على أسئلتك بهدوء و دون أي انفعال , أو يجيب عنه أحد الداهشيين الحاضرين … ” تفضل , اسأل” .

” قوتي هبة و ليست علماً “

الله , الروح , المادَّة , الآخرة , الدين , الثواب , العقاب خلود النفس , الجلسات الروحية , أكثر ما يستعمل الدكتور داهش من تعابير.

داهش: ” عصرنا هو عصر المادة , عصر الآلة و الإختراعات , عصرٌ أضعفَ إيمان الإنسان بالقيم الروحية و جعله يولي المادة اهتمامه الأولي ( الأول) . في الجلسات الروحية  نتحقق بأن قوة الروح تفوق قوة المادة , لأنها خالدة لا تزول , و أن هنالك ثواباً و عقاباً . فباستطاعة الروح مثلاً , في جلسة روحية , أن تحول صحن السجائر الزجاجي هذا  الى صحن ذهبي و يبقى هذا الصحن أبداً … أن تعيد اليك شيئاً فقدته منذ مدة طويلة , و في أي مكان كان ؛ أن تحول لك ورقة عادية الى ورقة مائة ليرة ؛ أن تحملك من مكانك الى مكان آخر , الى خارج البلاد مثلاً , في نفس الظروف , أن تستحضر الى قربك أي شخص أو شيء تريده ؛ و بكلمة , تجيب الروح على مطالبك و رغباتك .”

و يؤكد الدكتور داهش ان الظواهر هذه إنما تحدث لتبيّن أن القوة الروحية هذه ليست من صنع البشر. ” قوَّتي هبة  و ليست علماً , و الظواهر تجري  بدون إرادتي .” و الجلسات الروحية وسيلة لا غاية , هدفها إظهار تفوق النفس و حمل المرء على التثبت من خلودها , و جعله يؤمن بأن هنالك ثواباً و عقاباً , و تدفعه الى الإصلاح من حاله و السير على قواعدٍ مستقيمة .

و الداهشية , كما يقول داهش , لا تتنافى مع الأديان مطلقاً , فهي تقوي المسيحي في مسيحيته , و المسلم في إسلامه ؛ و تعاليمها مثل لكل إنسان يريد السير على قيم روحية ثابتة , فالداهشيون يقولون :” الله ينبوع و الديانات جداول.”

و هذه الخوارق التي يقوم بها الدكتور داهش تظهر أثناء الجلسات الروحية . و حضور هذه الجلسات يتطلَّب شروطاً . فعلى الراغب في ذلك أن يرسم على ورقة نجمة خماسية , و يكتب في زواياها  الخمسة أحرفاً لو جمعت لكانت كلمة ” جذبوها ” ؛ و على الورقة تكتب ” بحق الله و النبي الحبيب الهادي  أن يسمح لي بجلسة روحية .” ثم توقِّع و تضع التاريخ , و تطوي الورقة بطريقة خاصة , ثم تحرقها .

 و عليك أن تكرر هذه العملية  مدة ثلاثين يوماً متوالية . إذاك تدعى لحضور الجلسة , و تشهد ” المُعجزات ” بنفسك .

الدكتور خبصا : ” أنا أمارس الطب منذ خمسة و ثلاثين عاماً , و لا أؤمن إلاً بالأشياء الحسية الملموسة . في عام 1930 , حين كنت لا أزال أدرس الطب في باريس, فقدت مفكرة صغيرة كنت أدون عليها بعض الملاحظات اليومية . و عبثاً حاولت البحث عنها . و في عام 1942, بعد أن اجتمعت بالدكتور داهش و حضرت أول جلسة روحية , طلبت اليه أن يعيد اليّ , بواسطة الروح المفكرة التي فقدتها في باريس , فقال لي : ضع يدك بيدي , ففعلت , و إذ بالمفكرة نفسها بيدي. أخذتها , تفحّصتها , هي لا تزال معي حتى الآن “.

الدكتور أبو سليمان :” اسمع هذه القصة . كنت ذاهباً مرة مع الدكتور داهش لزيارة أصدقاء . و عندما وصلنا , رأيته يسبقني  على السلم و يخترق الباب في أعلى الدرج. و حين تبعته و حاولت الدخول بدوري , اصطدمت بالباب المقفل , و ارتطم رأسي به . إّ ذاك قرعت الجرس , ففتح لي أحدهم  بعد دقيقتين و قال لي : رأينا الدكتور داهش يقف بيننا فجأة و نحن جالسون , دون أن نراه يدخل من أي باب . إذاك علمت أن الباب الخارجي كان مقفلاً عندما دخل منه الدكتور داهش , و عندما حاولت أن أدخل انا أيضاً .”

و استطرد الدكتور أبو سليمان قائلاً : ” بإمكان الدكتور أن يدخل و الأبواب  مقفلة , و كثيراً ما فعل ذلك معنا . و له ست شخصيات , بإمكانه أن يكون موجوداً مرة واحدة في مكان واحد او في ست أمكنة مختلفة . “

و عن ظاهرة شخصيات الدكتور داهش هذه , روى المرحوم حليم دموس في مجلة ” عالم الروح ” المصرية لصاحبها أحمد فهمي أبو الخير في نيسان 1951 ما يلي: ” … و هذه ظاهرة غريبة في بابها , أدوّنها كما وقعت بتاريخ 6 أيار من عام 1944 , فليطالعها القارئ بدقة و عناية :

” في مساء ذلك اليوم ( 6 أيار ) كنت جالساً مع الأستاذ يوسف الحاج , صاحب مجلة ” الأنوار” المحتجبة ,فأشار علينا مؤسس الداهشية ( الدكتور داهش) بوجوب كتابة رمزٍ مُقدس و حرقه في الغرفة التي نحن فيها , و هي غرفة الجلسات الروحية . فقمنا بما طلبه منا تماماً . و ما كدنا ننتهي من إحراق الرمز المقدس و تحويله الى رماد حتى قرع باب الغرفة التي نحن فيها , و دخلت على الأثر شخصيَّة من شخصيَّات الدكتور داهش و حيتنا , و كانت ترتدي نفس الثياب التي كان يرتديها . و فتح باب غرفة النوم المجاورة , فإذا بشخصية ثانية تدخل علينا و هي ترتدي غير ثيابه , ثم قرع باب الحمام المقابل تماماً لغرفة النوم , و إذا بشخصية ثالثة  تظهر وهي مرتدية ثوباً لا يشبه ثياب الشخصية الثانية ولا الأولى وما هي إلاّ لحظة حتى لمحنا من جهة غرفة الطعام مرور شبح ما لبث أن إقترب رويداً رويداً من الغرفة التي نحن فيها , وإذا به شخصية رابعة , وكانت ترتدي بدلة نوم ” بيجاما ” ذات خطوط مستطيلة ” وأخيراً برزت أمامنا من صحن الدار الداخلي شخصية خامسة وهي ترتدي بدلة تختلف عمّا إرتدته بقية الشخصيّات … فهذه الشخصيّات الخمس ألّفت شبه حلقة , وجعل كل شخص فيها يحادث رفيقه وزميله وشبيهه بشتّى الشؤون الروحيّة العلويّة التي لها أسمى وأقوى صلة بهذه الرسالة الداهشيّة . أمّا نحن فكنّا نصغي خاشعين وكلّنا عيون مدهوشة وقلوب خائفة لما نراه ونلمسه ونسمعه . وليت شعري هل بإستطاعتنا إنكار مثل هذه الحقائق والمعجزات والخوارق , وكلّها ظاهرات واقعيّة تجري أمامنا ! أمّا مؤسس الداهشيّة نفسه فقد جلس على كرسيّه بجانب مكتبه الخشبيّ وجعل ينظر الى شخصيّاته الخمسة وهو يبتسم … وبعد مرور عشرين دقيقة من الوقت وقفت الشخصيّات الخمس وودّعتنا مسلّمة علينا يداً بيد ” .

وكان المرحوم حليم دمّوس من أكثر الداهشيين إيماناً بداهش وبتعاليمه . ووضع تآليف عديدة , ونظم قصائد لا تحصى عن الداهشيّة . وكان يدوّن الوقائع التي يشهدها في كتاب إسمه ” الوقائع الداهشيّة ” , ويراسل مجلّة ” عالم الروح ” المصريّة ناقلاً إليها أخبار الرجل وخوارقه . نشر في هذه المجلّة مرّة واقعة عن نقل مسبحة من كربلاء , في جلسة روحيّة للشيخ منير عسيران , وكيف في جلسة أخرى طلب المحامي إدوار نون الى داهش أن يتحوّل الماء الى نبيذ معتّق , وكيف تنبّأ داهش بموت خليل معتوق , وكيف عرف ماذا يجول في خاطر صبري حمادة فوضع له في يده نموذجاً مادّياً من ذلك الفكر , وكانت ” خمس دنانير ذهبيّة تاريخ ضربها قديم ” , كنموذج ملموس عن الصناديق الذهبيّة التي كان صبري حمادة يعتقد أنها مخبّأة في مكان ما من جرود عكّار منذ زمن الحرب .

” نحن نؤمن بالتقمّص “

والداهشيّة فكرة روحيّة قبل كلّ شيء , يؤمن الذين يدينون بها بالتقمّص . يقول داهش : ” التقمّص ” رحمة إلهيّة , ولو لم يكن هنالك تقمّص لهلك جميع الناس , ولما كانت قوَّة إلهيّة . فالمرء لا يمكنه التغلُّب على كلّ الميول والنزعات : المرأة , المال , الكبرياء , الكذب , الخ … فالتقمّص يكون بنسبة أعمال الإنسان , والإنسان يتقمّص بنسبة أعماله . والذين يولدون من أصحاب الأمراض والعاهات يكونون قد أوصلوا أنفسهم بهذه الحالة في تقمّصهم الجديد بالنسبة لأعمالهم الشرّيرة في تقمّصهم السابق . ما ذنب الولد الأعمى مثلاً ؟ هو لم يولد أعمى إلاّ لأنّه أوصل نفسه لأن يكون أعمى بالنسبة لأعماله السيّئة بدوره السابق  .

الدكتور خبصا : كل شيء يعود الى تأثير الروح . حتى الأمراض الجسديّة سببها حالات نفسيّة , وحتى السرطان نفسه !

– الدكتور أبو سليمان : البرهان على ذلك أنّ أشخاصاً من بنية واحدة , أشقّاء , يتعرّض بعضهم لمرض دون سواهم , وسبب ذلك حالة نفسيّة لا جسديّة . فالمريض مريض بنسبة أعماله .

– الدكتور داهش : الإنجيل نفسه يذكر شيئاً عن التقمّص ” إنجيل متّى ” فعندما شفى المسيح الخاطئة , قال لها مغفورة لك خطاياك . أليس ذلك دليل على أنّ خطاياها كانت سبب مرضها ؟

” التنويم المغناطيسي أكذوبة عالميّة “

التنويم المغناطيسي في رأي الدكتور داهش تدجيل وكذب . ولا أحد في العالم يستطيع أن يؤثّر على غيره . وبين النائم والمنوّم إتّفاق مسبق على كلمات مصطلح عليها للسؤال والإجابة بواسطتها . كما إنّ الإتّصال الفكري المسمّى te’le’pathie  لا وجود له البتّة . ولعلّ في رأي الدكتور داهش هذا ما يدعوه للإستغراب , لأن الكثيرين يظنّون أن الظاهرات الروحيّة التي يدعوها هو وأتّباعه خوارق , ليست في الواقع سوى نوع من التأثير على النظر يجعل المشاهد يتخيّل حدوث هذه الظاهرة .

ولكي يثبت الدكتور داهش أن ليس في أعماله ما يتّصل بالتأثير المغناطيسي قال لي : ” سأجري أمامك تجربة بسيطة ” . فقام وجاء بورقة بيضاء وأخرج من جيبه ورقة نقديّة من فئة الخمس ليرات ” لبنانيّة ” وقصّ من الورقة البيضاء قطعة على قياس الورقة النقديّة ثمّ طواها بعناية وقال لي : ” ضعها في يدك ” . أخذت الورقة المطويّة , تأمّلتها ثمّ وضعتها في يدي اليسرى وأطبقت عليها ثمّ قال :” أكتب إسمك على ورقة ثانية وأحرقها ” ؛ فكتبت وحرقت الورقة في صحن للسجائر أمامي ويدي اليسرى ما تزال مطبقة على الورقة الأولى . ثمّ جاء بمجلّة فوضعها على يدي اليسرى لحظة , ثمّ قال : ” أنقل الورقة الى يدك اليمنى ” , ففعلت .ثمّ قال لي : ” إفتح يدك ؛” ففعلت ووجدت الورقة البيضاء قد تحوّلت الى ورقة من فئة الخمس ليرات جديدة , مطويّة على نفس الشكل والحجم وعليها إسمي , نفس الإسم الذي كتبته على الورقة المحروقة . وكانت الخمس ليرات الأخرى التي أخرجها من جيبه لا تزال على الطاولة .

لم أفسّر الحادثة بأي تفسير , ولم أسعى لفهم أسرار تحوّل الورقة البيضاء الى ورقة ماليّة . قال لي داهش : ” إحتفظ بها . فستتمكّن بواسطتها من حضور جلسة روحيّة ” . أخذت الخمس ليرات المطويّة , ولا تزال معي وإسمي عليها .

لماذا قامت القيامة على داهش

تأثير مغناطيسي , سحر , شعوذة , قوّة روحيّة … لعلّ عدم فهم الناس لشخصيّة داهش الحقيقيّة هو الذي حمل السلطات على ملاحقته قضائيّاً وقانونيّاً في عهد الجمهوريّة الأولى . ولعلّ قصّة هذه الملاحقة والإشاعات التي رافقتها جعلت الناس يسيئون الظنّ به ويتّهمونه  ” بخراب البلاد , وإلحاق الشرّ بها “. فماذا يقول هو عن هذه القصّة : ” أنا لم أتجاوز مرّة القوانين الموضوعة . وأسباب نقمة الشيخ بشارة الخوري عليّ , ومن وراءه نقمة السلطة وبعض الناس ؛ هو أنّ شقيقة زوجته , السيّدة ماري حدّاد , إعتنقت الداهشيّة على أثر جلسة روحيّة , كما إعتنقها زوجها وأولادها وصهرها . وحاول الشيخ بشارة وزوجته إقناع السيّة ماري حدّاد بالتخلي عن معتقدها الجديد هذا , فكان جوابها لهم أنّ الدستور اللبناني يكفل حرّية المعتقد , وأنّ لها بالتالي حرّية إعتناق أي مذهب تريده .

” و عندما وجد الشيخ بشارة أن جهود الإقناع لم تجد نفعاً , عمد أول الأمر الى محاولة استصدار قانون يحظر عقد الجلسات الروحية في لبنان , لكن المجلس النيابي ردَّ مشرع القانون بعد مناقشة عنيفة . و صدرت الصحف الموالية في اليوم التالي تقول إن داهش قد سيطر على النواب , و إن وجوده خطر على البلاد , لأنه يتلاعب بالعقول.

” و زارني بعد مدة إسكندر رياشي و منير تقي الدين ليسألاني عن رأيي في ذلك , فقلت لهم :  أنا عرفت منذ مدة , و في جلسة روحية , أن مشروع قانون سيُعد و يُرسل الى مجلس النواب و يُرد . و هكذا لم تجد السلطة مخرجاً قانونياً لملاحقتي , لأنها لم تأخذ عليّ أيّ مأخذ , لكنها أرسلت عصابة من القبضايات لاغتيالي. و لم يتم هذا الإغتيال لأن مساعدة روحية قد حصلت , فاكتفوا باعتقالي. “

و عن تلك الفترة كتب حليم دموس في جريدة ” الجمهورية ” السورية  في 9 أيار  1948  ما يلي :

” أنا الآن تحت سماء دمشق الفيحاء . و سأغادرها قريباً الى أحد الأقطار العزيزة للإلتجاء اليها  و الدفاع عن القضية الداهشية و مؤسسها … بالأمس اعتقلوا في بيروت فريقاً من إخوتي الداهشيين , و بينهم السيد جورج حداد , عديل رئيس الجمهورية , و صهره  الأديب الحلبي المعروف السيد جوزف حجار, و الدكتور المشهور فريد أبو سليمان , و لم يجدوا السيدة ماري حداد  في منزل ” الرسالة” , و هم جادون في طلبها و طلب سواها بحسب الأوامر المعطاة لهم من جبل ( الطور) , و هذه هي المرة السادسة التي يقومون بهذه الحملات العنيفة بدون أي مبرر.”

و لما لم يتمكن الداهشيون من الرد على الاتهامات التي كانت توجه اليهم  في الصحف , لأن هذه الصحف لم تقبل بنشر الردود , عمدوا الى نشر كتب سوداء عن الشيخ بشارة و عهده . عام 1952, نشرت السيدة ماري حداد مذكراتها الداهشية في جريدة ” النهضة ” . و مما قالته في العدد الصادر في 2 نيسان من السنة نفسها : ” أيها اللبنانيون , يجب عليكم محاكمة رئيس جمهوريتكم الخائن الذي سرق أموالكم , و اغتصب حقوقكم , و اعتدى على قانونكم , وبعثر أشلاء دستوركم … و لما كان قد ارتكب ما يستوجب الجزاء الصارم , و شرد الدكتور داهش البريء بعد تجريده من جنسيته , و سبَّب فاجعتنا الهائلة , ألا و هي موت ابنتنا ماجدا , الضحية التي سيدفع ثمناً لها دماً بدم كي يذوق مقدار الألم و الحزن العميق الذي غمر حياتنا حتى ساعة مماتنا … و لما سخَّر القوانين لمنفعته و منفعة ذويه … “

ماجدا … لماذا انتحرت

و القصة التي لغط بها الناس يومذاك  أكثر من سواها هي قصة ماجدا حداد , ابنة جورج  و ماري حداد , التي اعتنقت الداهشية أيضاً , و التي قال الناس بعد موتها إنها انتحرت بسبب داهش. داهش يروي القصة كما يلي : ” تضايقت ماجدا كثيراً من محاولات الشيخ بشارة  لمحاربتي. و عندما شاهدت أن والديها و صهرها قد أدخلوا السجن بسبب اعتناقهم الداهشية , قررت الإنتقام من بشارة الخوري و فكرت في اغتياله . يومذاك كنتُ مبعداً في حلب , فأرسل اليّ الدكتور خبصا ينبئني بعزم ماجدا هذا , فأرسلت أقول لها , إنها إذا فعلت ذلك فلن تكون داهشية , و إن الشيخ بشارة  ستكسر يده قريباً , و سيخرج من الحكم  بصورة مُذلّة . غير أنّ توتر أعصابها الذي نشأ نتيجة الصراع بين رغبتها في إغتيال الرئئيس ومنعي لها حملها على الإنتحار , وبنفس المسدس الذي كانت ستقتل به الشيخ بشارة ” .

داهش اليوم

كيف يعيش الدكتور داهش اليوم , ماذا يفعل , كيف يقضي أوقاته , ” كما يفعل سائر الناس “, يقول لك ؛ ” أقضي أوقاتي في إستقبال الإصدقاء والداهشيين والمطالعة والتأليف ؛ وأخرج لزيارة الإصدقاء ؛ وأرافق إبنة شقيقتي الى السينما أحيانا كثيرة ” .

وتبلغ بك الدهشة بداهش ذروتها حين يدعوك لزيارة مكتبته . من صالون الى صالون , كقصور ألف ليلة وليلة , ثراء وتحف وذوق رفيع في الديكور , يرشدك داهش الى مكتبته والى الكتب الموزعة في مختلف أنحاء البيت الفسيح : ” عندي أربعون ألف مجلّد , لكتب إفرنسيّة وإنكليزيّة وعربيّة , وستماية نوع من المجلّات والجرائد العربيّة القديمة والحديث’ , المحلّية والمهجريّة , ومجموعات كاملة لأعدادها منذ تاريخ صدورها . كما إنّي متعاقد مع ثلاثمائة مكتبة أوروبّية وأميريكيّة لتزويدي بأحدث الكتب وأثمنها … ثمن هذا الكتاب خمسة آلاف ليرة ” . يخرجه من الخزانة ويتفحّصه أمامك بإعجاب وسرور . ” هذه المجموعة هي مجموعة سوكارنو , هذه الإنسكلوبيديا حصلت عليها بصعوبة بالغة , بعد أن أعلنت في الصحف عن رغبتي في إقتنائها , لأن المكاتب العامة لا تحتوي عليها … كلّ ما تطلبه من كتب ومجلاّت تحتويه مكتبتي ” .

وإذا سألت الدكتور داهش كيف يؤمن معيشته أجابك : ” من واردات الكتب التي ألّفتها ” .

وبإبتسامة وكلمة لطيفة يودّعك الدكتور داهش كما إستقبلك , ويعرب لك عن أمنيته بالإجتماع بك ثانية , وفي جلسة روحيّة .

 

إقرأ أكثر
النَّبي الحبيب الهادي

من مُتحف داهش للفن

المُتحف مرآةٌ للوجود الإنسانيّ يُشكّلُ فضاءً وجوديًا تُسلطُ فيه الأضواء على لحظاتٍ من الماضي، وتُصبح كل قطعةٍ أثريةٍ بمثابة صوتٍ صامتٍ يحملُ في طياته قصةً، وفكرةً، وشعورًا. والتاريخ ليس مجرد أحداثٍ قديمة، بل هو جزءٌ حيٌّ من وعي الإنسانيَّة.

الخطيئة الكُبرى

جريمة القرن العشرين

لعنةُ البشريَّة

رؤيا مُخيفة تحقّقها الأيَّــام

هذه الرؤيا نشرت في مجلّة” البيان ” النجفيّة العراقيّة في 4 كانون الأول 1948 

       ليس لنا أن نناقش حوادث هذه القصة, حقيقة كانت أم خيالا”, فنحن إذ ننشرها فإنما لاحتوائها على عناصر القصة الناجحة, الأمر الذي نتوخاه في إصدار هذا العدد الخاص. (1)

                             (رئاسة تحرير” البيان”) 

 -1-

في صباح العاشر من شهر تموز عام 1944 نهضت من فراشي و جعلت أستعرض بمخيلتي الحلم الرهيب الذي تراءى لي في خلال رقادي. و هذا هو:

شاهدت نفسي جالسا” وراء مكتبي و أنا أقلب بين يدي مجموعة من الكتب الحديثة. و إذا بجرس منزلي يقرع المرّة تلو المرّة. فأسرعت إلى الباب و فتحته إذا بي أشاهد ثلاثة أشخاص يريدون اقتحام المنزل بقصد اغتيالي, و كان وراءهم مفوض (كوميسير) ضخم الجثة يُحفزهم على اغتيالي و يستثير حميّتهم.

و سرعان ما اختطفت عصاي التي كانت بالقرب مني, و أخرجت من جوفها حربة” مسنّنة, و رحت أطعن صدور هؤلاء الأوغاد فتتدفق الدماء من صدورهم, وتنبثق غزيرة قانية من جروحهم, فيهرولون مُتخاذلين و هم يلهثون إعياء . . . فأغلق الباب و أجيد إيصاده بالإقفال و أنا أرتجف من قمَّة رأسي حتى أخمص قدمي من هول ما حدث!. . .

 *                            *                           *

وبانطواء هذا المشهد الدامي سيبدو مشهد آخر سواه:

. . . فإذا بي أطرق باب صديقي(جورج ابراهيم حداد) و هو عديل الشيخ بشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية. و بعد انتظار قليل يفتح الباب. و ما وطئت قدمي بضع درجات حتى انطلقت عدَّة عيارات ناريَّة كادت تصيب منِّي مقتلا”. و لكنني لم أصب بأذى.

وانقشعت هذه الطلقات عن مدير بوليس بيروت (عارف ابراهيم), و مفوّض تحريها (عمر طبارة), وكوميسير منطقة البرج (محمد علي فيّاض). و للحال هجموا عليّ دون سابق إنذار . . . فارتددت إليهم. و نَشَب بيننا على درج المنزل عراك مُرعب بطّاش.

و ما لبثت أن شاهدت(ماجدة حداد) ابنة صديقي جورج حداد و هي تَعْدو على الدرج حتى بلغت مكاني. واندفعت عليّ و طوقتني, و قصدها دفع الأذية عني من هؤلاء المهاجمين. ثمّ علا الهرج, وساد المرج, وهرع كلّ من في المنزل : والدها, والدتها, شقيقاتها وسواهم. وعلت الضوضاء, وسادت الفوضى, وانبعثت الصرخات, وتعالت الشتائم, وارتفعت الإستغاثات, فاضطرب الحيّ بأكمله, واندفعت الجماهير كي تستطلع أنباء الواقعة وحقيقتها .

في هذه اللحظة أخرج محمّد علي فيّاض مسدّسه, ورطمني بمقبضه على أم رأسي رطمة هائلة , فشعرت إذ ذاك بدوّار هائل , وسقطت على الأرض , لا أبدي ولا أعيد …

وانطوى هذا المشهد الثاني .

وبإنطوائه تبدّى لي المشهد الثالث والأخير :

فقد شاهدت نفسي الآن في دائرة البوليس في محلّة البرج , وكنت ممزّق الثياب مورّم الوجه مدمّى الفم , أتكلّم بإعياء ظاهر والعرق يتصبّب من جبيني بغزارة هائلة . وكانت زمرة عظيمة من رجال البوليس ورجال الشرطة الخفيّة ” التحرّي ” تحتاط بي من كافة النواحي .

وهنا شاهدت محمّد علي فيّاض يتناول سوطاً جيّد الحَبْك وراحَ يهوي به على جسمي فيمزّقه تمزيقاً . وعندما أجهده هذا العمل البربريّ أخذ زميله عمر طبّارة يُكمل ما بدأه فيّاض .

وعندما كلّت يده من كثرة الجلد أخذ مدير البوليس عارف إبراهيم يُنجز المهمّة بهمّة لا تعرف الكلل أو الملل .

وقد شاهدتهم بعد ذلك يشتمونني بكلمات بذيئة يأنف من التفوّه بمثلها أوباش الأزقّة أو المواخير .

وأخيراً … وضعْتُ في سيّارة صغيرة , ورافقني ثلاثة من رجال التحرّي الذين كان على رأسهم رئيسهم عمر طبّارة وراحت هذه السيّارة تطوي بنا الأبعاد , وتجتاز المسافات , حتى بلغت بنا مدينة حلب وهناك كنت أساق من مركز بوليس الى آخر , وأتنقّل من سجن الى آخر . وكنت أهان وأشتم وأجوع وأعرى وأشقى , وتعاودني ذكريات الماضي السعيد البعيد , فتهمي عبراتي بغزارة …

وفي النهاية ساقوني الى الحدود التركيّة وأمروني أن أدخل إليها …

وكان رجال الدرك السوري يدفعونني الى دخول اراضي تركيا , وهم يحملون بنادقهم وفوهاتها مصوّبة الى صدري .  فامتثلت وفعلت .

وهنا شرّدت وكنت بائساً البؤس كلّه …

لقد همت في فيافي مقفرة , واجتزت أراضي محرقة ..

في الليل لم يكن لي من فراش يأويني إليه …

وفي النهار كنت أهيم على وجهي الى جهة غير معلومة .

لم يكن لديّ نقود كي أبتاع لي طعاماً أقتات به .

ولم أجد في الذين طلبت إليهم أن يقبلوني بينهم أي عطف . الجميع كانوا ذئاباً , والجميع أظهروا وحشيّة هائلة .

فَرُحْتُ إذ ذاك أضرع الى اللّه أن ينهي أيّام بؤسي وشقائي , ويقبلني في عالمه البهي الدائم السطوع . ولكنّ هذا الأمنية لم تحقّق لي أيضاً , فانحلّ جسمي , وخارت قواي ,و اضمحلت آمالي, و ذوت أمانيّ, و بت أرقب الموت, و الموت يشيح بوجهه الحبيب عني!. . .

و ما عتمت أن شاهدت نفسي و أنا أمتطي ظهر أسد قوي متين العضلات, و هو يزأر زئيرا” اهتزت منه السهول وردّدته الأودية!. . .

و تجاوزت أصداؤه بين شوامخ الجبال!. . .

فاستيقظت و أنا مذهول مما تراءى لي في خلال منامي!. . .

و مضت الأيّام يسابق بعضها بعضاً, وانقضى شهر تمّوز .

ثمّ تسرّبت أيّام شهر آب تقريباً دون حدوث أي مكروه .

فقلت في نفسي : إنّها أضغاث أحلام . وحمدت اللّه على أنّ حلمي المرعب لم يتحقّق .

ولكن ؟؟ !! .. 

_ 2 _ 

في صباح يوم الإثنين الواقع في 28 آب 1944 إستيقظت في منزل جورج إبراهيم حدّاد عديل الشيخ “بشارة الخوري ” رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة . وللحال إستقللت سيارة ” تاكسي ” وقصدت الى منزلي . وقد رافقني كلّ من جورج حدّاد وزوج كريمته جوزيف حجّار .

وما بلغنا المنزل , وحاولنا مغادرة السيّارة , حتى شاهدنا ثمانية أشخاص في حالة مريبة , وهم يحملون النبابيت الغليظة والمسدّسات والخناجر , فعرفت بالمكيدة , وأمرت السائق أن يكمل سيره الى حيث مخفر البوليس بالبسطة . وهناك بلّغنا المخفر , وطلبنا إليه أن يُرسل قوّة من رجال البوليس كي يلقوا القبض على من يحاولون الإعتداء عليّ .

فادّعى المخفر أنّه لا يمكنه أن يرسل أيّة قوّة الآن .لأنّه لديهم مهمّات غاية في الخطورة .

فعرفت أنّه من العَبث أن نُضيّع الوقت في محاجّة لا تغني ولا تثمن .

ولا شكّ أنّ القارىء الكريم سيدهش كيف أنّ رجال البوليس لم يهتمّوا بمنع الجريمة قبل حدوثها , ولن يصدّقوا ما جاء في مقالي , فأدلي لهم بكلمات موجزة عن الأسباب والمسبّبات كي يزول إستغرابهم عند إضطلاعهم على الحقيقة .

أنّ زوجة صديقي جورج إبراهيم حدّاد واسمها ” ماري حدّاد ” هي شقيقة زوجة رئيس الجمهوريّة بشارة الخوري . وكما يظهر _ ولأسباب عائليّة خاصّة _ لم تعجبهم أن تعتنق ماري حدّاد الداهشيّة .

وقد حاولوا غاية إستطاعتهم أن يفصلوهم عنّي بشتّى الطرق , ولكنّهم لم ينجحوا , وباءت مساعيهم بالفشل , بل وأحاق بهم الخُذلان .

وهنا لعبتْ يد الغايات دورها الرهيب .

 وتدخّلت الشخصيّات الرسميّة تريد القضاء على صداقتنا .

وإذا بالنيابة العامّة تتدخّل بالموضوع وتروح تلقي التّهم عليّ جزافاً …

ولكنّها بعد التحقيق المستمرّ الدقيق مدّة شهور طويلة , تلاشت كفقاقيع الصابون . وقُضِي على الظلم وصُرِع وهو ما يزال رضيع مهده .

فإستاء من يهمّهم أن أبتعد عن هذه العائلة , وأرادوا أن يستعملوا طرق الغير القانونيّة ما داموا لم ينجحوا عن طريق القانون .

وهنا تدخّلت شخصيّة كبيرة ذات منصب هام في الأمر , وإتّفقت مع شرذمة من المجرمين ليتربّصوا لي أمام منزلي , وعند وصولي يتحرّشون بي , وقصدهم من هذا أنّني سأدافع عن نفسي ؛ وإذ ذاك تتمكّن النيابة العامة من وضع يدها عليّ .

لهذا السبب يا قارئي العزيز رفضت دائرة البوليس أن ترسل لي قوّة كي تلقي القبض على الأشقياء كما سلف. وإذ ذاك أكملنا سيرنا الى منزل محمّد علي فيّاض مفوّض منطقة البرج .

ولمّا كانت الساعة لا تزال باكرة , فقد شاهدناه في منزله . لكنّه بدوره إمتنع عن مرافقتنا , مدّعياً أنّه ذاهب بمهمّة خطيرة .

وهنا سارت ثورة أعصابي , فأفهمته أنّني متأكّد بأن الحكومة هي التي أوْعَزت لهؤلاء الأوباش أن يحاولوا الإعتداء علي ّ وإلاّ فما معنى أنّك ترفض الذهاب معنا لمشاهدتهم بنفسك ؟

ولماذا تمنّع رجال المخفر أيضاً ؟

وأردفت قائلاً له :

– إعلم أنّني سأرفع عليك قضيّةً وأظهر هذه المؤامرة الدنيئة التي من العار أن يدبّرها أشخاص هم في دست الحكم .

وتوعّدته بطبع نشرة أذكر فيها تمنّعه عن الذهاب معي , فرضخ مُكْرهاً .

وما وصلنا الى المنزل حتى شاهدت أنا والأخ جورج وجوزيف حجّار  أن حضرة ” الكوميسير ”   يرفع يده الكريمة محيّياً بها هؤلاء الأوغاد المرسلين لإغتيالي .

وإذ ذاك تمزّق ذلك البرقع , وعُرفت النيّات , وتكشّفت الغايات … فقد صدقَ حدسي .

وبسرعة هاجمنا هؤلاء الوحوش بضراوة .

 ولكنّني كنت أسرع منهم بالدخول الى منزلي وإيصاد بابي .

فحاولوا إقتحامه بحضور ” الكوميسير ” الفاضل , وقصدهم إغتيالي, مما دعى جوزيف حجّار الى أن يخرج الحربة من العصا _ وكان يحملها إذ ذاك _ ويطعن بها صدر أحدهم , فجرحه جرحاً بسيطاً . ولم يكن هو المعتدي الأول , ولم يطعنه إلاّ بعد أن كان المذكور قد شجّ رأسه بهراوة غليظة .

وهنا وضعت النيابة العامة يدها عليّ , مُدّعية أنّني أنا هو الذي حرّض جوزيف على الضرب . وهذه أمنيتها التي كانت تتلهّف للوصول إليها .

إحتجّجت … فما أفادني الإحتجاج شيئاً .

لقد سُجنت وأهنت مدّة ثلاثة عشر يوماً كاملاً . وحقّقوا معي في خلالها ثلاث مرّات .

ولمّا لم تستطع النيابة العامة أن تُلصق بي أيّة تهمة أسقط في يدها , وتأكّد لديها أنها لن تستطيع تقديمي الى المحاكمة .

ولكنّني كنت في قبضة يدها …

ففي الساعة العاشرة ليلاً في التاسع من شهر أيلول 1944 قدم سجن الرمل _ حيث كنت أقيم _ كلّ من مدير البوليس عارف إبراهيم ومفوّض التحرّي عمر طبّارة وكوميسير منطقة البرج محمّد علي فيّاض وبلّغوني أن رئيس الجمهورية قد نزع عني الجنسية اللبنانية, و هم مكلّفون بنفيي فدُهِشتُ و قلت لهم:

– و هل يستطيع رئيس الجمهورية أن يخترق نصوص الدستور و ينزع عني جنسيتي؟. . فضحكوا و قالوا: “الحق للقوة!”.

فقلت لهم :

– إذا كان خصمي حاكمي ماذا أفعل!

وطلبت إليهم أن أذهب الى شقيقتي حيث تقيم في منزل جورج حدّاد , كي آخذ منها نقوداً, وبعض الثياب , ثمّ لتفعل بي القوّة الغاشمة ما تشاء ….

وهكذا كان .

فعند وصولنا لم يدعوني أصعد الى منزل الأخ جورج , بل طلبوا من شقيقتي أن تنزل كي أحدّثها ,اطلب منها نقوداً . نزلت الشقيقة وبرفقتها ماجدا حدّاد بنت صديقي جورج . وهنا حاولت التخلّص من قبضات هؤلاء الذين يتشبّثون بي . وإذا بمعركة رهيبة عنيفة مخيفة تقع في لحظة , وتندفع الأجسام وترتفع القبضات لتعود فتهوي على الرؤوس ! ..

وسرعان ما أخرج عمر طبّارة مسدّسه , وحاول إطلاقه عليّ .

ولكن أسرعت ماجدا فألقت بنفسها عليّ وأمتزجت بي .

وأسقط في يد هذا الوحش .. ولم يستطع إطلاق الرصاص إلاّ في الهواء , للأرهاب , خوفاً من أن يصيب ماجدا أو سواها .

وعلى لعلعة النيران نزلَ جورج حدّاد والشاعر حليم دمّوس الذي كان في تلك الليلة بضيافة آل حدّاد .

ثمّ هرعت شقيقتا ماجدا ووالدتها , وتجمهر المئات من الأشخاص في سكون هذا الليل البهيم الذي عكّرته تلك الطلقات الناريّة .

في هذه اللحظة أخرج محمّد علي فيّاض مسدّسه , وبكعبه أهوى به على رأسي . فدارت بي الأرض , أو أنا الذي درت بها … وتدحرجت على درج المنزل !..

وللعجب الشديد تذكّرت في هذه اللحظة الرهيبة الحلم الذي كنت قد شاهدته منذ شهرين تماماً .

فاليوم هو التاسع من شهر أيلول , والساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل . ومثلما مرّ بالقارىء , كنت قد حلمته في 10 تمّوز ! ..

***

وفي غمرة الهرج والمرج المدوّيين غبْت ُعن الوجود لأعود فأستيقظ في مركز البوليس وأشاهدهم وهم يتناوبون على جلدي , أي كلّ من مدير البوليس , وعمر طبّارة , وفيّاض _ مثلما حلمت تماماً _ ثمّ شتموني وأهانوني… وفي النهاية أركبوني في سيّارة ورافقني ثلاثة من رجال الشرطة الخفيّة على رأسهم عمر طبّارة . ومكثنا طوال الليل ونحن نسير . فبلغنا حلب في الساعة التاسعة من صباح اليوم الثاني .

وهناك أدخلوني دون وجه حقّ الى السجن . فمكثت فيه مدّة أربعة أيّام دون طعام ولا شراب . فرقّت حالتي , وكدت أقضي نحبي .

وأخيراً … قادوني الى الحدود التركيّة وهي تقع على بعد 52 كيلومتراً من حلب .

وهناك , بعد قرية إعزاز أمروني أن أجتاز الحدود التركيّة فرفعت عيني إليهم وقلت لهم بإحتقار :

–  خسئتم , فإنّكم الخاسرون !

ذلك لأنّني تذكّرت أنّني شاهدت نفسي في  ” الحلم ” وأنا أمتطي ظهر أسد عظيم ! فعرفت أنّ النهاية ستكون لي .

وسأفوز وأنتصر بعون اللّه تعالى .
بيروت , 10 تمّوز 1944

———————————————————————————

1 – إنّها حقيقة واقعيّة يعرفها جميع أبناء لبنان , فهذا الظلم الهائل ذكرته الصحافة طوال أعوام عديدة وصدرت كتب سوداء طافحة بأنباء هذه الجريمة المرعبة التي إرتكبها بشارة الخوري رئيس الجمهوريّة الذي سجن الأديبة ماري حدّاد , شقيقة زوجته , لأنّ الكتب السوداء صدرت موقّعة بإسمها . ومن شاء معرفة الحقائق المذهلة عن الجريمة فليطالع هذه الكتب السوداء .

 

إقرأ أكثر

     تفرّق الداهشيّة بين السماءHeaven  ( ذات الوجود الروحيّ البحت والعظمة الالهيّة والسعادة الروحيّة اللامتناهية ) والنعيم paradise المُشْتَمل على عوالم مادّيّة مجيدة تتمتّع بحضارات راقية جدّا ذات أديان وآداب وفنون وعلوم واختراعات لا يرقى اليها خيال البشر ، وذات غبطة عظيمة وهناء معنويّ ومادّيّ كبير .

      والنعيم يضمّ بلايين النجوم والكواكب موزّعة على مئة وخمسين درجة روحيّة . أمّا الجحيم فيشتمل على عوالم مادّيّة تتقهقر فيها الحضارة ويعظمُ الجهل والغباء والعذاب المادّيّ والمعنويّ . وهو يضمّ بدوره بلايين الكواكب موزّعة على مئة وخمسين درجة روحيّة .

وتستوي الأرض على عتبة الجحيم الروحيّة .

      وليس محتوما أن تكون الاقامة أبدّيّة ، لا في النعيم ولا في الجحيم . ففي كلّ منهما تعترض الكائن مغريات وتجارب تكون بنسبة رقيّه الروحيّ ، وتبعا للأنظمة الروحيّة التي يخضع لها عالمه . فاذا نجح في اجتياز التجارب والامتحانات ، يرتقي الى عالم ذي درجة روحيّة أرقى ، والاّ فانّه يعرّض نفسه للسقوط بنسبة أعماله وأفكاره ونزعاته .

مفاهيم داهشيَّة

الحضارات الكونيّة أو النعيم والجحيم

ما هي الداهشيَّة؟

الداهشيَّة رسالة قيمٍ ومبادىء، تقدّم تصوُّرًا جديدًا للروحانية والفلسفة، يقوم على تواصل الإنسان مع الكون والبحث عن معنى الحياة والترفُّع عن الدنيويَّات.

صلاة داهش

هي كلمة السماءِ إلى الأرض، يتلوها المؤمنُ فيراها الطريق التي توصلهُ الى الخالق جلَّت قُدرته، إذ أنَّه يرى روحهُ تجوسُ أثناء تِلاوتها في عالم الفردوس البهيّ.

مُذكَّرات يسوع الناصريّ

هذه هي إرادةُ أبي السماويّ،

وإلاّ ما كنت لأحيا، في عالم الرياء والأكاذيب.

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!