حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
قدَرٌ عجيبٌ غريب
آهِ مِن قَدَرٍ يَلهُو بنا لَهوًا عجيبا
ويَنفُثُ فينا من سِحْرهِ الفيَّاض لَهيبا
يُكبِّلُنا جميعًا، أَشُبَّانًا كُنَّا أم شِيبا
يُضحِكُنا آنًا، ثمَّ يَعْلَوْلي صَوتُنا نحيبا
يُبهِجُنا وقتًا قصيرًا، ثم نراه كئِيبا
نبقى هكذا من مطلعِ العمرِ إلى أن نستقبلَ مغيبا
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
مُذكّرات دينار
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من مُذكّرات دينار
معجزة أدبيّة
هي الحقيقة التي لا رياء يسري في روحها فيلوثها ويجعلها مهزلة المهازل .
وما أنا إلاّ شاهد أمين صادق انقل مشاهداتي بأمانة تامة. معلناً استغرابي الشديد لحدوث هذه المعجزة الأدبيّة الملهمة.
يشهد الله أنها معجزة فريدة . من معجزاته العديدة . فإنّ الدكتور داهش صمم على تأليف كتابه “مذكرات دينار” وأراد أن ينفّذ فكرته بصورة جديّة عمليّة .
وإذا بي أراه يجلس وراء مكتبه في إحدى خلواته . ويبتدئ في الكتابة بسرعة عجيبة هي سرعة الطائر المتنقل من غصن إلى غصن . ومن دوحة إلى دوحة . ومكث تسع ساعات كاملة مكبّاً على تدوين أفكاره بصورة متواصلة .
ثم قدّم لي ما أخرجه قلمه من صفحات بل نفحات لأبيضها كعادتي في كل ما يكتبه فأعود لأنظمه شعراً عربيّاً لأبناء بلادي .
ومضى أسبوع كامل خرج في نهايته كتاب “مذكرات دينار” ناجزاً تاماً رائعاً بعد أن أبدع فيه بوصف أمراضنا الاجتماعيّة من شرقيّة وغربيّة . ففكك أوصالها وذرّاتها . ودقائقها وفقراتها . بعد أن وضع هيكلها على مائدة تشريحه الهائلة الحد . المخيفة البتر في ساعات الجد.
نعم . إنّ هذا السفر الضخم الذي ألمّ فيه الدكتور داهش بكلّ صغيرة وكبيرة في أكثر شؤون الحياة وأدقّها والتي غاص إلى أعمق أعماقها وحلّلها تحليل الخبير الماهر . لم يستغرق في تأليفه من ألفه إلى يائه أكثر من سبعة أيّام لا تزيد ساعة واحدة !
وربّ قاريء يستهزئ بما أقول لاستحالة تصديقه ما هو عندي حقيقة واقعيّة راهنة .
وعلى رغم أن كثيرين سيتهمونني بالمبالغة والتهوّر وعدم التصديق فإنني لا ألومهم . ولا يسعني أن أعتب عليهم . لأنه لو روى لي أي مخلوق ما أرويه الآن للرأي العام لاتهمته في الحال بأنه المحابي الأول أو أنه قال ما قال لغاية في نفس يعقوب . ألا فليثق كل من يطالع مقدمتي هذه بأنّ “مذكرات دينار” ليس هو الأول وليس هو الأخير من المجموعة الداهشيّة المتصلة الحلقات التي ألّفها ويؤلّفها الدكتور داهش في فترات متسلسلة .
إنها قد أربت حتى اليوم على خمسين مؤلّفاً قيّماً تناول فيها شتّى شؤون الحياة الدنيا وأمورها الكثيرة التعقيد والتداخل . وجميعها دوّنها بالسرعة التي لا يصدّقها إلاّ من رآها فرواها .
فأعظم كتاب وأتفهه لا يتطلّب معه مدّة تتجاوز عشرة أيّام على أكثر تقدير .
إنّ كتاباً حيوياً كهذه المذكرات إذا إنكبّ على تأليفه أحد المؤلفين الأفذاذ الذين قطعوا المرحلة الخامسة من أعمارهم يحتاج لإنجازه إلى بضعة أعوام بالرغم من خبرته الدنيويّة . وحلبه لشطريها . وتذوّقه حلاوة الأيّام ومرارتها . فكيف بالدكتور داهش وهو بعد في منتصف عقده الثالث ؟
وبحمد الله فهناك كثيرون من أصدقاء الدكتور داهش ومحبيه . وأنصاره ومريديه قد شاهدوا ما شاهدته . ولمسوا ما لمسته . وهم يؤكدون أقوالي ويؤيدون . ومثلما شهدت أنا فهم بدورهم يشهدون .
حليم دمّوس
بيروت 1946
هذا المجتمع
اعتاد الكتّاب والأدباء الشرقيّون عندما يريدون انتقاد نقيصة من نقائص المجتمع أن يبطّنوا تلك النقيصة ببارع العبارات المزخرفة بصناعة التلاعب بالألفاظ يصوغونها في قوالب لغويّة بعد أن يشذبوها ويهذبوها ويتفننوا في سبكها بمهارة .
وقصدهم من هذا التأنّق اللفظي أن يخفوا وراءه مآسي هذه الحياة القاسية . ويخففوا من وقعها البشع في النفوس بتبطينهم المأساة الاجتماعيّة المفجعة بذلك السبك اللفظي المحكم الأناقة .
إنّ هؤلاء الأدباء بالرغم من حسن نيتهم ونبل مقصدهم . وبالرغم من لفتهم أنظار المجتمع وتحذيرهم إيّاه من الاندفاع في خضمّ رذائله . وبالرغم من محاولتهم توجيهه الوجهة الصحيحة فإنّهم أساؤا إليه من حيث لا يدرون . وذلك بعدم عرضهم لمساوئ مجتمعهم مثلما هي .
والدخول إلى البيوت من أبوابها .
فالحقيقة أتت عارية وهي لا تلتحف بالخفاء .
إنّ تفنّنهم في التأنّق اللفظي وعدم إبرازهم النقائص المطروحة على مشرحة انتقادهم ، ووضعها تحت مبضع أقلامهم وقنابل نقدهم كي يفككوا ذرّاتها ذرّة ذرّة ، قد أضاع عليهم الغاية التي يهدفون إليها ويريدون إيصالها إلى آذان المجتمع الذي تفتك به جراثيم هذه النقائص الخطيرة فتكاً ذريعاً .
نعم ، إنّها حقيقة يا سادة ولا غبار على صحتها .
فإذا كان السواد الأعظم من الكتاب لا يريدون إظهار حقائق الحياة والخوض في خضمها المترامي الداجي الظلمات رحمة بالبقيّة الباقية على ما اصطلح وتعارف عليه الناس من قواعد الفضيلة فإنني رأيت أن أشذّ عن هذا الاصطلاح ، وأخرج من دائرة هذا التعارف .
فالحقيقة هي بنت البحث مهما كابر المكابرون ، ومهما علت صيحات من للفضيلة يدعون . ويشفع بي حسن نيتي وما أتوخّاه من تقويم اعوجاجاتنا الأخلاقيّة ، هذا إذا قُدّر لهذه الاعوجاجات أن تتقوّم .
ورغم تأكدي أن هذا الحلم الذهبي بعيد المنال فإنني دوّنت آرائي بإخلاص وعرضتها على الأنظار دون أن ألحفها بالأستار .
وبعد فهذا هو جهدي أقدّمه لهذا المجتمع . وتلك هي صوره الجشعة البشعة ، فإنّ صادف كتابي هذا هوىً في نفوس القرّاء فإنني أكون توقفت لما صبوت إليه . وإن لم يصادف هوىً في نفوسهم فإنّ هذا يضيرني في شيء . ولا يغيّر من حقيقة الواقع الصادعة . فحسبي أنني أرضيته تعالى مثلما أرضيت ضميري .
وهذا غاية مبتغاي !
16-1-1946 الدكتور داهش
نذالة غاية في الانحطاط
- وصادف سقوطي على أم رأس أحد المارّة . فرفع رأسه كي يشتم من أصابه . ولكن سرعان ما عدل عن فكرته بعد ما عرف أن القذيفة (دينار) يتألّق فينير جنبات فؤاده الكسير .
فقد خلف وراءه والدته المسنّة تتقلّب على فراش مرضها الخطير وليس لديه شروى نقير . فخرج من منزله وهو يردد في نفسه صلاة الضراعة لله تعالى أن يرأف بحالته وانطلق يسعى باحثاً عن عمل يتمكّن بواسطته من ابتياع دواء لوالدته المسكينة .
وخف إلى الصيدليّة وابتاع لها الدواء . ونقدني للصيدلي الذي نظر إلى العامل بعجب وسأله قائلاً :
– من أين لك هذا وقد عجزت قبل ساعة عن ابتياع الدواء ؟
أجابه : إنّ هذا الأمر لا يعنيك أيها القاسي القلب فخذ ثمن دواءك وأعطني ما يتبقّى لي من الدينار .
وبعد انصراف العامل وضعني الصيدلي على رخامة المنضدة بعد أن قبّلني ظهراً لبطن عدّة مرّات .
ثم جعل يتفرّس بي كالذئب قبل التهام فريسته .
وشاهدت من مكاني فتاة مليحة وقد كسا وجهها اصفرار الوجل تدخل إلى صاحب الصيدليّة وتسلمه تذكرة طبيّة كتبها لها طبيب دون أن يتقاضاها بدلاً نظراً لفقرها الملموس . وطلبت إليه تجهيز الدواء .
فالتفت إليها وأعلمها أن الدواء المدوّن ثمين يبلغ ثمنه ديناراً ذهبيّاً لأنه يحتوي على نوع من العقاقير النادرة . فتساقطت الدموع الحرى من عينيها وتوسّلت إليه قائلة له :
- اعطف عليّ يا سيّدي وأرحم فقري . فإنّ شقيقي الوحيد يحتضر . فأنا وشقيقي يتيمان . وهو يقوم بأودي وأوده . وبينما كان يعمل في إحدى البنايات زلت به قدمه من الطابق الثالث فتهشّم جسده . وها هو طريح الفراش منذ شهر ونصف يعاني سكرات الموت . ومما زاد في بؤسنا وتعاستنا نفاد النزر اليسير من المال الذي كان قد جمعه بعرق جبينه في كدحه المتواصل وسعيه ليل نهار بأشقّ الأعمال … فهلاّ رحمتني أيها السيّد ؟ وأنا أعدك بأنني سأفيك دينك في أوّل فرصة أستطيع فيها جمع هذا المبلغ . وبعملك النبيل هذا تكون قد أنقذت شخصاً من براثن الموت .
فأجابها :
- إنّ طلبك يستحيل عليّ تنفيذه . لأنه عندما أبتاع الأودية يتقاضاني أصحابها الثمن مقدّماً . ولم يسبق لأحدهم فعاملني كالمعاملة التي تريدين فرضها عليّ .
أجابت :
– إنني أستحلفك بأعزّ عزيز لديك أن تنقذ أخي . فكلّ دقيقة تتسرّب تدنيه من باب القبر الفاغر فاه بقصد ابتلاعه .
ويظهر أن جمالها استهوى هذا الوغد فراح يساومها بنذالة مخيفة في انحطاطها .
وعندما لمس فيها الصلابة الفولاذيّة عرضني عليها مع الدواء … يمنة أو يسرة . فأغتنم فرصة تمعنها بي . فأمسكني وأدناني منها وراح يقول لها :
- لا تكوني غبيّة بهذا المقدار . فأمامك فرصة لا تعوّض . وهبي سلمتك الدواء دون أن يكون لديك مال كي تبتاعي لأخيك ما هو بأشدّ الحاجة إليه كاللحم والفواكه وتوابعها . فماذا يكون مصيره ؟
وأعلمي أيتها المتمسكة بعبارات جوفاء خياليّة ، كالشرف . والعفّة ، والصلاح ،والتقوى . والمحافظة على الطهارة …
إنّ هذه النعوت المسكينة لا يمكنها أن ترفع عن عنق مريضك سيف الردى المرهف الذي ينتظر الفرصة كي يبتر فيها حياته . وإذ ذاك تفقدينه حتى يوم النشور .
وحدّقت هذه الضحيّة إلى جلاّدها المخيف بعينيها الزجاجيتين اللتين انطفأت فيهما أنوار الحياة ، وقالت له بصوت كأنه منبعث من جوف القبور السحيقة :
- أيها الوغد الدنيء الأرومة . بل أيها الخنزير النجس . بل أيها الكلب الدنس . ويا أحطّ المخلوقات طرّاً . هاك جسدي فامتلكه مثلما شاءت رغبتك الآثمة ، وأسرع يا حثالة النتانة المجسّدة قبل أن يسرع الموت باختطاف روح أخي . فيتركني وحيدة في هذه الحياة الملوثة بجراثيم طاعونيّة أشباهك . ويغادرني فريدة في صحراءها الموبوءة بأدنياء الأرواح الناسجين على منوالك .
ومع أن هذا الدرس البالغ في قسوته كان كافياً كي يدعه ينطرح على قدمي هذه الزنبقة الطاهرة مستغفراً … فإنه لم يفعل .
فالشيطان تقمّص جسده الجهنمي . وأشعل أعصابه بنيران الشهوة المتقدة . فحمل هذه الحمامة الوديعة بين يديه . ونحرها على مذبح شوقه المجرم وشبقه الجامح المظلم لارتكاب الفحشاء.
فيا للجريمة العظمى ويا للظلم !…
عذراء ترثي عفافها وطهارتها
إنني أندبك أيها العفاف المثلوم بدموع عيني وبدماء قلبي الحزين . وأرثي أيتها الطهارة الملوثة رثاء الثواكل اللواتي لا يتعزين .
وأبكيك أيها الشرف الرفيع الذي اقتحم أحطّ الكلاب رتاجة المنيع .
وأعول عليك أيتها العفة عويلاً منبعثاً من أعماق روحي النائحة .
وأنوح على فقدك أيها النقاء بعدما اعتدى الرعاع على قدسيتك .
إن التأوّهات الصارخة تمزّق أحشائي بعدما فقدت زهرة فخاري .
والآهات المزلزلة تحرمني لذّة الحياة وتحببني بالممات .
لقد اعتدى الذئب الشرس على النعجة المسالمة فافترسها . وقضقض الوحش عظامها الرخصة بجبروت الغيلان الممسوخة .
فإذا كان الفقر يدفع بالفقراء الشرفاء كفريسة سهلة للأغنياء الأدنياء فلماذا لا تقتصّ منهم يا ربّ السماء ولماذا لا تروّعهم ؟
إن عدالتك تأبى مثل هذا الظلم الصارخ صراخ الهول لفداحة الجريمة النكراء .
فالضعيف والفقير والمسكين والبائس واليائس والحزين ليس لهم من ملجأ إلاّك يا رافع السماوات وباسط الأرضين . فافتح ذراعيك القويين وضمهم إلى صدرك العطوف . فهم يلتجئون إليك في ساعة محنتهم السوداء ويضرعون أمام سدنك الربانية صباح مساء طالبين بخشوع وورع مبتهلين لربوبيتك الخالدة أن تنتقم ممن عبث بأمانتك المقدّسة التي وهبتهم أياها فاعتدى عليها السفّاحون الأجلاف القلوب .
إني أجثو تحت موطيء عشك طالبة أن تصبّ جام نقمتك على الذئب الذي افترس عفافي .
ثورة الدينار الكاسحة
- لو كان في جوفي دم لثار وتفجّر جسدي الصلب إلى فلذات لهول الجريمة النكراء .
ولو كان لي أعصاب لتمزّقت إلى شظايا ولتطايرت في أعالي الفضاء .
ولو كانت لي يدان لكنت دققت بهما عنق هذا النجس ولبطشت به بواسطتها .
ولو كانت لي قدمان لكنت عجنت بهما جسد هذا المنحطّ الزريّ الذريّة .
ولو كان لي ألف لسان لكنت أستمطره بواسطتها لعنات جهنّم وما تحتويه من أبالسة .
ولو كان بإمكاني سحق هذا الشيطان القاطن في عالم الأرض لكنت مثلت بجسده النتن ولنكلت به تنكيلاً تتحدّث به الأجيال الآتية برعب مروّع .
إنّ الأبالسة الثاوية في جهنمها تتبرأ من هذه الجبلة الملعونة . وأسقط الخطاة لا يريد أن يتعرّف بهذا النذل المغضوب عليه من السماء .
فيا ساعات السكينة التي تمتّعت بك في وطني الثاوي في الأعماق ، لقد فقدتك عندما تمنيّت مشاهدة كوكب الأرض .
ومنذ الدقيقة التي غضبت فيها السماء فشاهدت عالم البشر فقدت الراحة والسكينة . وتسرّبت من أعماقي عذوبة الطمأنينة .
صوت من وراء الغيب يتكلّم
ونشر النائب العام رسالة المنتحرة . فإذا فيها ما يلي :
إلى الهيئة التشريعيّة المكلّفة بوضع القوانين وسنّها للهيئة الاجتماعية وإلى المكلّفين بالسهر على تنفيذ هذه القوانين التي يزعمون أنها مقدّسة لأنها تساوي بين الرئيس والمرؤوس . بين الغني والفقير . بين الظالم والمظلوم . فيسير الجميع تحت لواءها العادل .
يا رجال التشريع . وجهابذة القانون . وفطاحل القائلين بوجوب خلق عالم تسود فيه العدالة الشاملة . والضلعاء في وضع دساتير المساواة والحريّة والإخاء !…
إن شرائعكم أيها السادة هي إحدى مهازل هذه الدنيا ، ومسخرة من مساخرها . وأن اجتهاداتكم التي تولونها غاية عنايتكم لهي باطلة وقبض الريح .
فالقوانين ليست قوانين إذا طبقّها أولياء الأمر على الضعفاء دون الأقوياء . والفقراء دون الأغنياء .
فالحرّة يا سادة ترغمونها إرغاماً وتكرهونا أكراهاً على الأكل من ثدييها . ثم تطلبون محاكمتها .
وسارق الرغيف ليسدّ به جوعه تلقونه في غياهب السجون بعدما تشبعونه من إهاناتكم الكثيرة وسخرياتكم المريرة . أما سارق الألوف فإنّكم تشاركونه الغنيمة وتتقاسمونها فيما بينكم . ثم تطلقون سراحه .
والغنية الداعرة المتظاهرة بالشرف تحيطونها بهالة من الإعجاب لقاء قضاء لباناتكم الخسيسة . أما الفقيرة الشريفة النفس الأبيّة الممتنعة فإنّكم تطلقون ألسنتكم القذرة ناهشين عرضها المحصّن محتقرين عفّتها البعيدة عن متناول رغباتكم المدنّسة .
إنّ سيّدكم أيها العبيد الأرقّاء هو من يبزكم بأساليب الدس والوقيعة . وأشدّكم في ارتكاب الجرائم هو السائد على أمركم والمسيطر على شؤونكم ، والعامل سيفه في رقابكم .
إنّ دساتيركم تقدّس القوي الذي ينتزع للقمة من فم الضعيف وتمجّد الغني الذي يطأ رقاب الفقراء ويسخّرهم لإرادته .
كما أنها تعجز عن وضع المجرمين أمثال الصيدلي النذل في قفص الإتهام . فهي لا تطاله بل تترك له حبله على غاربه فيعيد تمثيل جرائمه المخيفة مرّة ثانية .
أنا لا أنكر بأنكم ملأتم المجلّدات الضخمة بقوانينكم . وأشترعتم البنود المنمّقة العبارات . ورصفتم بها سجلاّت طافحة بنظرياتكم الجميلة التي لو نفّذتم بعضها بإخلاص لاستحالت الأرض إلى سماء .
ولكن لا يسعني أيضاً إلا الاعتراف بالواقع الملموس وهو أن هذه القوانين مكثت وستمكث حبراً على ورق حتى الأبد .
هذه هي قوانينكم . يا سادة القانون !… فهل يسعكم الإنكار ؟ وعندما عزت عليّ العدالة في أرضكم الفاسدة نشدتها في الموت .
لأني سأجدها بإنتظاري هناك … عند الله .
ليس لنبيٍّ كرامةٌ في وطنه
الساعة الذرّية تعلن أنّنا دخلنا في العام 1995، منذ أعلن السيّد المسيح ثورته الكاسحة على أنظمة هذه البشريّة الفاسدة.
فها قد إنطوى 1995 عاماً على تلك الصيحة الجبّارة، التي أطلقها سيّد الثورة النبيلة، كي يحطّم بواسطتها كبول الظلم والإرهاق، ويقطع أغلال الرقّ والعبوديّة، وكي يحقّق الحلم الذهبيّ الذي نشدته البشريّة الحائرة في أمرها، منذ كوّن الباري هذا العالم التاعس البائس.
ولكنّ هذه الصرخة الهزبريّة، التي رجّعت صداها الكرة الأرضيّة، وردّدتها البريّة، لم تجد أرضاً خصبةً في ذلك الزمن، مثلما هي الآن. فباءت هذه البشريّو بالذلّ والهوان، والخيبة والحرمان.
فردٌ أعزل، إلاّ من الإيمان واليقين باليوم الأخير، دافع عن الحقّ دفاع الجبابرة، ونافح عن العدالة نفاح الرآبلة، وكافح الشرّ كفاح الليث في غيله وعرينه. فهاجمه في مواطنه الشديدة الخطر، دون أن يأبه لجبروته، ودون أن يأخذ لنفسه الجذر. وأراد هذا الجبّار أ، يمزّقه شذر مذر، كي ينقذ من هبط لإجلهم من البشر:
ثلاثةً وثلاثون عاماً جاهد جهاداً مستميتاً، داعياً الجميع لإنتقاض على دستور القوّة والبطش، دون أن يسير في ركابه أحد، خوفاً من الدولة الرومانيّة القويّة الشكيمة، وذات الشوكة والإقتدار.
اللّهم، ما خلا نفراً من البسطاء اللذين فتنتهم تعاليمه العلويّة، وأضاءت قلوبهم بأنوار المعرفة الإلهيّة.
لم ييأس، ولم يقنط، ولم يتراجع، ولم يلقي سلاحه، بل راح يهاجم قيصر روما في شخص هيرودس، طاغية فلسطين، حيث نشأ ابن السماء، وحيث ترعرع.
وفي النهاية، عظمت التضحية وضخم العداء. فقد بذل الثائر حياته فداءً لحريّة البشريّة المعذّبة: هذه البشريّة المتألّمة التي أعمت الشهوات والنزوات بصرها وبصيرتها، فقدمته ضحيّةً على مذبح جهلها الصارخ، إذ كافئته على جهوده في سبيل تحريرها، وحبّه إيّاها ، بتعليقه إيّاه على خشبة الصليب. فيا للهول الرهيب!
وماذا كانت النتيجة؟
كانت رهيبةً وذات أثر بعيد.
فإنّها منذ ذلك التاريخ المشؤوم، وهي راسفة في قيود الذلّ والمهانة. وعوضاً عن حصولها على إكليل الغار، قنعت بتتويج مفرقها بشارة العار. فيا للعار!
إنّ السيّد المسيح، له المجد، لم يضرّه الأمر. فابن السماء قد عاد إلى السماء؛ وابن الفردوس عاد إلى فردوسه، بعد فترة قصيرة قضاها بين أبناء الأرض، كي يرفعهم معه إليه. فانكروه وطردوه، وأهانوه وازدروه وشرّدوه، وأخيراً … صلبوه وعذّبوه، ثمّ بكوه وندبوه.
منطق أعوج، وخلق أعرج، واتّجاه سفيه… إنّ الضّرر البليغ قد حاق بهم وبذرّيتهم، والأسف الفادح قد غمر أرواحهم وتغلغل في أفئدتهم…
فناحوا … ولكنْ بعدما انطلق الطائر إلى فراديس الجنان ، وتوارى عن العيان. فما كان قد كان.
أمّا الآن فانّهم يرفعون إليه صلاتهم، ويلتجئون إليه في ساعات أحزانهم، ويبثّونه لواعج آلامهم وأشجانهم.
هم الآن يحترمون مخلّفاته ويقدّسون ذكرياته، ويردّدون روائع آياته، ويتغنّون بمعجزاته.
خسئتم، يا أرواح الشرّ، فإنّكم تتضطهدون أنبيائكم ومرسليكم ، عندما يكونون بين ظهرانيكم، وتتهمونهم بأشنع إتهاماتكم، وتقذعونهم بشفار ألسنتكم، وتسلقونهم بصديد مفترياتكم الدنيئة، وتضطهدونهم بخسّة تحسدكم عليها بنات الخيانة.
وعندما ينطلقون من أرضكم ، ويخلّفون لكم جيفتكم الكريهة، إذ ذاك، تعرفون قيمتهم فتندمون، ولكن حين لا تجيدكم ندامتكم، بلنتانتكم وخيانتكم. فيا ويحكم من يوم الدين !
أو لم تضطهدوا أيضا” النبي صلعم فأرغمتموه على الهجرة القاسية؟ وكيف لم تفتنكم آيته المنزلة التي لو لمست الصخور الصلدة لآلنتها ودعتها تخشع وتؤمن بنبوّته. فمن هو غير النبيّ الذي يستطيع أن يأتيكم بهذه الآية الكريمة، التي هي لغة الملائكة، يتخاطبون بها فيفتنون النجوم ببلاغتها ، ودقّتها، وشفافية رقّتها، ثمّ روعة سبكها، وعذوبة سحرها:
” اللّه نور السماوات والأرض.
مثل نوره كمشكاة فيه مصباح،
المصباح في زجاجة.
الزجاجة كأنّها كوكبٌ درّيّ،
يوقد من شجرةٍ مباركة،
زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة،
يكاد زيتها يضيء ولو لم تمْسسْه نار.
نورٌ على نور.
يهدي اللّه لنوره من يشاء.
و يضرب اللّه الأمثال للناس .
واللّه بكلِ شيءٍ عليم “(1)
(1) القرآن الكريم، سورة النور، الآية 35
