حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

الوطن الحبيب

 

سلامٌ عليك أيها الوطن الحبيب السامي المُقدَّس!

سلامٌ على نسيمك العاطر، وأديمك الطاهر، وتُربتك النقيَّة!

سلامٌ على مواكبِ أحراركَ اللامعين وأنوارهم البهيَّة!

سلامٌ على شُموسِكَ الساطعة وأقماركَ العلويَّة السرمديَّة!

سلامٌ على الأرواح السابحة في رُبُوعكِ تتغنَّى بأناشيدكَ الشجيَّة!

سلامٌ إليكَ من فتًى يتمنَّى أن ينعتق مِن عالمِهِ المُدنَّس!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من مذكرات يسوع الناصري

أعجب كتابٍ طالعتُه

 

 بقلم إيليا حجار

هذا الكتاب العجيب يكشفُ لنا حياة السيد المسيح الخفيّة. فحياته عند ما كان طفلاً فمراهقًا مجهولةٌ تمامًا، وليس من يعرفُ عنها شيئًا. فالأناجيل الأربعةُ تذكرُ حوادِثَ مُعجزاته وخوارِقِه عندما كان قد بلغ الثلاثين من عمره، أمَّا ما سبقها من السنين فليس من يعرف عنها أي شيءٍ.

وعندما طالعتُ هذا الكتابالرائع بأسلوبه، المدهش بأسراره، والمذهل بحوادثه، استهواني استهواءً تامًا. فرحتُ التهمة التهامًا، وتمنيتُ لو كان عددُ صفحاته ألف صفحة، إذًا لاستمريتُ في مطالعته التي لا تمل إطلاقًا.

أما كيف استطاع الدكتور داهش معرفةَ حياة السيد المسيح المجهولة، فهذا الأمر سيكشف للقراء، بل وللعالم بأسره في وقتٍ قادم، وكل آتٍ قريب، وإذ ذاك ستتناول أسرارها صحافةُ الدنيا بأسرها.

إن سر اكتشافه العظيم لحياة المسيح سيكون إعلانه، عندما يُذاع، أشد مفعولاً من القنابل النووية والهدروجينية. وسواءٌ أصدقَ العالم، الآن، صحة ما هو مدوَّنٌ في هذا الكتابِ أم لا يصدق، فالحقيقةُ تبقى حقيقةً ولو حاربتها البشريةُ بقضها وقضيضها.

أما أنا فإني أعلن بصوتي الجهوري قائلاً: إن مذكرات يسوع الناصري هي مذكرات حقيقية لا ريب فيها، لأن السر كُشفَ لي، ووثائقه ثابتة لا أستطيع لها إنكارًا. وعندما تأزفُ ساعةُ كشفِ الحقيقة سيؤمن بها كل من يلمسُ لمسَ اليدِ ما لمستُهُ بنفسي، وسيكونُ إيمانُهُ مثل إيماني إذ تتزلزلُ الجبالُ وتُدَكُ دَونَ أن يعتورني الشكُّ بصحةِ هذه الحقيقة.

وإلى ذلك اليوم الذي أرجو أن يكون قريبًا، أنا على يقينٍ بأن كل من سيقرأ هذا الكتاب الرائع سيكون مسرورصا جدًا. بمطالعته، ومعجبًا باسلوبه، ومأخوذًا بحوادثه.

وإني أترقبُ الجزء الثاني بفارغ الصبر. فلعل الدكتور داهش يسرعُ بطبعِهِ ليُشبعَ رغبتي ورغبةَ القُراءِ لاكتشاف صفحةٍ مجهولةٍ من حياةِ مؤسس الديانة المسيحية.

 إيليا حجار

  بيروت، الساعة التاسعة من ليل 22/1/1979

توطئة

 

 بقلم غازي براكس

منذ نُفِحَتْ نسمةُ الحياةِ في الطين والماء فتمثلتْ بشرًا سويًّا، حتى يومنا هذا، لم يطإ الارضَ إنسانٌ باسمهِ شُغِلَ التاريخُ، وبأعمالهِ ضجَّ الزمان، وبتأثيره تغير مجرى الحدثان، وبخاتمهِ طُبعَ الأدبُ والفنُّ والعُمران، وعنهُ كُتبتْ مجلداتُ في تواريخِ الاديان، مِثلُ يَسُوعَ ابنِ الإنسان!

فمنذُ عشرين قرنًا وألوفُ المعابد تُشيَّدُ على اسمهِ، وملايينُ البشرِ يمجدونهُ ويبتهلونَ إليه، ومئات الكتاب والشعراء في شتى أمصارِ الدنيا يتغنون بشخصيتهِ العلوية، وثورته الروحية، أو يبحثون في تعاليمه الإلهية. فليس غريبًا، بعد ذلك، أن يهتم اللاهوتيونَ والعلماءُ في الشرق والغرب بالتنقيب عن تفاصيل حياته لعدهم يعثرون على جديدٍ يُضيفونه إلى الأناجيل وإلى ما تركه الرسلُ والتلاميذُ ن إشاراتٍ إلى حياةِ معلمهم العظيم ومبادئه.

وكم تساؤلُوا عن طفولةِ يسوعَ وحداثته، وكم نقبوا وفصحوا ومحصوا ليكتشفوا مجرد تفصيلٍ بسيطٍ جديدٍ في السنوات السابقة للثلاثين من عمره، فذهبتْ مساعيهم جميعها أدراجَ الرياح.

اجتهدوا في طفولته اجتهاداتٍ مُتباينةً متناقضة، فافترضوا أن يسوع عاش بين الأسينيين، وعنهم أخذ زُهدَهُ وتعاليمهُ وقوتهُ الروحية. وممن ذهب هذا المذهب التافه أحدُ الكتابِ اللبنانيين المعاصرين، وقد باتت آراؤه في المسيح مُنكرةً مستنكرة. كذلك خمنوا أن يسوع قصد الهندَ أو مصر ليتمرس بما عندهُم من علومٍ روحانية. وما زالوا يظنون ويرجمون ويخبطون في تخميناتهم خبط عشواء. وإني على يقينٍ أن الباحثين الصادقين في هذا الميدان لما كانوا يضنون بالملايين من الدولاراتِ من أجل الحصول على إيضاح جديدٍ يتعلقُ بطفولةِ يسوع، أو بمرحلةٍ من مراحلِ حياته، أو مبدا من مبادئه. لكني على يقينٍ أيضًا أنهم لن يظفروا بأية فائدةٍ ملموسةٍ من أبحاثهم، كأنما السماءُ أغلقتْ دونهم أبوابها ونوافذها.

لكن السماء – ويا للمعجزة التي تحققت! – عادت ففتحت أبوابها، وكشفت أسرارها الرجل منَ الشرق أسس عقيدةً روحيةً هادية، وقام بأعمالٍ عجيبةٍ تُثبتُ صحتها، وعانى الأمرين من أجل نشرها، وإعلاء كلمة الله والمسيحِ والأنبياء في أرضٍ اجتاحها الشرُّ والكف؛ إنه الدكتور داهش، رجل الروح المذهلُ الذي شغلت أعماله وأخباره، في الأربعينات، الأوساط والمحافل الاجتماعية والفكرية في لبنان والبلاد لعربية كما لم يشغلها أمرؤ سواه.

هذا الرجل العجيب يطل على العالم، اليوم، بأ‘جبِ كتابٍ عن المسيح منذ وطئتْ قدما سيدِ المجدِ أرضَ هذا الكوكب الضلُول!

لا، لم يأتِنا بسيرةٍ تاريخيةٍ نتوكأُ على المراجع فتُصيبُ هنا، وتخطئ هناك، ولا براويةٍ ابتنى الخيالُ أحداثها من واقعٍ ووهم، بل أتانا بشخصِ يسُوعَ نفسهِ بلحمةِ ودَمِه، وبحياةِ الناصري الحقيقية الفذةِ المؤثرة في سِني حداثته العجيبة، إذ تتفتحُ مواهبُهُ الروحية، وتبدأ الحياةُ بنسجِ آماله العظام وآلامهِ الجسام، وحبكِ مأساته التي ولدت في أسرتهِ ونمتْ في بلدتِهِ، لتُختم على الجلجلة. إنها حياةُ يسُوعَ المُلهمة كما عاشها تمامًا في حداثته، تفاجئ العالم بأسره كأكبر حدثٍ فكري روحي له علاقةٌ مباشرةٌ بسيد المجد، منذُ ألفي سنة.

ومن يُتَحْ له أن يلج هذا الكتاب النفيس بقلبٍ نقي وبصيرةٍ نيرة يرَ نفسهُ داخلاً إلى معبدٍ أو محراب، ويحس بروح المسيح ترتعشُ بين سطوره، بل في كل كلمةٍ من كلماته، ويشعر بسلطته الروحية الخفية تمتدُ إليه عبرع شرين جيلاً، وقد بُعثت ثانية، فلا يتمالكُ عن سؤال نفسه: ترى ألم يحقق وعدهُ وينجز عهده بعودته، ثانية إلى الأرض؟

إن هذا الكتاب ليس سيرةً عادية، بل هو قصيدةُ حياةٍ إلهية. لكنها قصيدةٌ لم يخترعها خيال بل ولدتها الحياةُ الأبدية نفسُها. فالمسيحُ بنُبل كلماته، وسلاسَة عباراته، وسُمُوِّ أفكارهِ، وسُلطةِ أقواله، وفريدِ مزاياه، وعجيبِ أعمالهِ، بُعِثَ في سطورِ هذا السفر الكريم، حتى لا يخالجني أي شكٍّ في أن الألُوفَ من قارئيهِ سيتخذونه إنجيلاً خامسًا يتمم الأناجيل الاربعة.

وحسبي أن أشير فقط إلى ما يحمل الكتابُ إلى العالم من جديدٍ في حياةِ يسوع الناصري وتعاليمه: ففي حياته تتضح معالم صورته الحية في حداثته. فيسوعُ الفتي لم يعد مقطوعًا عن العالم والأحداث، يعيشُ في ظن الناس وضمير الغيب كما كان حالُهُ مدى عشرين قرنًا تقريبًا، بل نراهُ – كما يفرضُ منطقُ الحياةِ الصارم – يتعرف إلى يونا والدِ بُطرس بإلهامٍ روحيٍ أتاه في حلم، مذ كان في الثانية عشرة من عمره. وما أجمل لقاءه بالشيخ الجليل في الهيكل، ويسوعُ تعبٌ عطشانُ جائع. فيقدِّمُ يُونا لهُ الزيتونَ والجبنَ والبصَلَ، وسرعانَ ما يكتشفُ حقيقةَ الفتى العجيب، فيخشعُ أمامه، ويستضيفه.

وفي منزله يتعرف يسوع إلى بطرس وابنه آدوُم، وبواسطةِ الأخير يتعرف إلى رفاقه الأحداث، فيأخذ يعلمهم، بأسلوبٍ بسيطٍ يراعي مستوى مداركهم، حقائق الحياة الروحية، فاتِحًا بصائرهم عليها، حتى يتعلقوا به ويتمردوا على ذويهم. فتشعر كأنك تعيش صراع العقائد في القرن العشرين. لكن حامل مشعل العقيدة الجديدة هو فتًى ابنُ ثلاث عشرة سنة لا يشهرُ سَيفًا ولا مسدسًا، بل المحبة والسلام والحق، فيخافُهُ رجالُ السلطة ورجالُ الدين على السواء، فيحضرون عليه الاتصال بالأحداث، وهناك في منزله تبدأ مأساته مع ذويه: والدُ مؤمن بأصله السماوي لايسعُهُ أن يزعج ابنه أو يرغمه؛ ووالده متحيرةٌ مرتبكة بأمره، وبلغز ولادته، تعطفُ عليه وتأبى أغضاب أشقائه؛ وأشقاءُ أربعةٌ – يعقوبُ ويوسى وسمعان ويهوذا – منزعجون من أخيهم لأنه يسببُ الإحراج لهم إزاء مواطنيهم؛ وشقيقتان – فادية ودانية – تحبانه وتخلصان له، ولكنهما تعجزان عن مقاومة مناوئيه؛ زِد إليهم أبناء بلدته الناصرة الذين يعيرونه وينعتونه بالمخبول.

ووسط هذا الخصم الزاخر بالتناقضات، يتصرفُ يسوعُ تصرفَ المشرف على الزمان، تارةً يواجهُ محيطه بالمحبة الغامرة والرحمة والشفقة، وطورًا بالإنذار النبوي الذي يرى الويلاتِ تنصبُّ على أعداءِ كلمة الله ورسوله.

ويفاجئنا الكتاب بأمورٍ غريبة كثيرة:

إن معجزة يسوع الاولى لم تكن في عرس قانا الجيليل، بل كانت في مخفر الشرطة. لقد كانت معجزة عدالةٍ وجزاء، صُعِق على إثرها قائدُ الشرطة، بقوةٍ روحية، وأوقف بطرس، فكانت له التجربة الأولى في حياته الملأى بالمحنِ من أجل اختبار مدى إيمانه بالمعلم الهادي.

وتفاجأ بإنقاذ يسوعَ لسفينةٍ غارقةٍ وهو ما يزالُ طريء العود؛ ثم بزيارته إلى بيروت وإقامته فيها، وتعلمه اللغة العربية حتى الإتقان، وتمرسِهِ بالعزَفِ على القيثار.

أما الجديدُ في تعاليمه التي أتاحت بنشرها سنُّهُ المبكرة فهي كثيرة خطيرة:

إن الحياة ليست محصورةً في الأرض، بل هي في الكواكب أيضًا. هذه الحقيقة التي بدأت تشغل علماء القرن العشرين بشربها يسُوعُ تلاميذهُ فتيًا منذ ألفي سنة.

وصلات النبي داوُد والنبي سليمان بالنساء لم تكن علاقاتٍ اعتباطية، كما يُظهرها الكثيرون، بل لها أسبابها الروحية التي يوضحها الفتى الإلهي بمنطقٍ مدهش.

وأهم من أن يتخلى الإنسانُ عن زوجته ليرتقي روحيًا، هو أن يغرس روح الفضيلة في ابنه لأن ابنهُ امتدادٌ له، فهو يرتقي بارتقائه وينحط بانحطاطه.

أما عودةُ المسيح الثانية فهو يعلنُ أنها ستتم بعد عشرين جيلاً، بعد أ، يكون قد أتم دروته في الكواكب قاطبةً.

ترى، ألم تأزف ساعة عودة سيد المجد؟

إن كل ما في العالم يستعجل مجيئه! قلقُ الأمم على مصيرها بعد استخدام القنابل النووية، وانحطاط إنسانة الإنسان انحطاطًا رهيبًا، وإفلاسُ العقائد السياسية وعجزُها عن شقِ طريق الخلاص، وطغيانُ الشرورِ والمفاسد والإلحاج، وتناحُرُ المذاهب الدينية القائمة، وتناقضُ العلم والدين، واضطرابُ النفوس وضياعُ الملايين…

ثم توقُ الكثيرين الكثيرين إلى مَن يهديهم، وينقذهُم، ويبعثُ السلامَ في نفوسهم.

إن الجوابَ على ذلك سيأتي به الزمنُ القريب، فوحدهُ كفيلٌ بكشفِ القناعِ عن رجُلِ الروحِ العجيب وسِرّهِ المدهشِ الغريب!

                                                                                                 غازي براكس                                                                                 بيروت، 23/1/1979

نومٌ هادىٌ هانئ

 

 لا تُوقظيهِ، يا سالمة،

فإنَّ النوم لم يكن ضيفهُ طوال ليلةِ البارحة.

لقد كُنَّا ننهلُ من ينبوعِ حكمتهِ الروحية الليل بطولهِ.

فتكشَّفتْ لنا آفاقٌ شاسعةٌ من أسرارٍ مكنونةٍ لم يعرفها بعدُ أي مخلوقٍ بشريّ.

– أنظرْ إليه، يا بُطرس، كم هو فتَّانٌ، وكم هو جذاَّب!

– إنه غُلامُ الله المتجِّسد في عالمنا الصخاب بالمعاصي.

ها قد بلغت الساعة الرابعة بعد الظهر، ولما يستيقظ.

إنه يُحلقُ بروحه بين الكواكب الفتَّانة يستجلي أسرارها العظيمة. يا للسعادة!

ومن كان يظنُّ أن غرفتنا ستنالُ هذا المجد الإلهي الخالد؟

لتحرسكَ ملائكةُ الله، أيها اليافع،  ولتحمِكَ أرواحُهُ الطاهرة من كل شرّ.

اليقظة

 

 – حياكُمُ الله أيها الأخوة.

– لِتَرعكَ عَينُ العناية، يا أغلى أمانينا.

هل طاب نومُكَ؟

– إنني أشعرُ بدبيبِ النشاط يسري في عروقي.

فالحمدُ والشكرُ لله!

إقترب، يا عزيزي بُطرس.

أين هو ابنك آدوم؟

خرج يلعبُ مع الصبية.

وَيْ! كم لهُ من العمر؟

أربعة عشرَ ربيعًا.

ايكبرُني بعامين، وما يزالُ منصرفًا للألعابِ الدنيوية؟

مولاي، هل نسيتَ أنك ابنُ الله؟

صح! صح يا عزيزي بطرس!

لا تخبر أحدًا  ، لأن الساعة لم تأتِ بعد.

أرسلي بطلبِ آدوم، يا سَالمة.

آدوم يدخل بسرعة

 

حيَّاك الله يا يسوع.

وحيَّاكَ أنتَ أيضًا… ماذا كنت تصنع؟

كنتُ ألعبُ مع الصبية رفاقي بين الكروم.

وعندما تسابقنا نِلتُ قصب الفوز عليهم جميعًا.

يا لك من ظبيٍ شرُود! وماذا أنالك هذا التفوّق؟

كسبْتُ الرهان، وهو يقضي أن أتزعّم عليهم لمدة أسبوعين.

آمرهم مهما شئتُ، فينفذونه طائعين مُختارين.

إذن مُرهم أن يحضروا في كل صباحٍ إلى هُنا،

كي أهديهم طريقَ السماء.

لكَ ما شِئتَ.

ولكن هل للسماء طريق؟ وأينَ هي؟

هي في قلبك،

وقلبِ كل شخصٍ يحيا على هذه الأرض.

فبعملك الصلاح تظهر لك طريقُ السماء واضحةً.

وإذ ذاك يمكنكَ أن تسير عليها حتى تبلغَ أبوابها العجيبة،

ثم تلجها بقلبٍ مُفعمٍ بالغبطة والحبور.

يسوع والفتيان

 

أصغوا إليَّ يا أعزائي.

مَنْ منكُم لم يسمعْ بخالقِ السماواتِ وباسطِ هذه الأرض؟

جميعنا سَمعنا عنهُ ولكننا لم نَرَه.

إن اللهَ رُوحٌ،

وليس مِنَ المعقولِ أن تستطيعوا مشاهدتهُ،

ما دمتُم في أجسادكم المادية.

ولكن مَن يعمل منكُم صلاحًا كاملاً،

ويتَّجه بكليتِهِ نحو الله،

يستطعْ إذ ذاك أن يُشاهِدَ أنوارَهُ الدائمةَ السطوع،

بعد أن ينتقل من هذه الأرض،

وينفصل عن هذا الجسد الكثير الرغبات.

نعدكَ بأننا سنسير على تعاليمك،

وكلنا رغبةٌ في مشاهدة رب السماوات والأرضين.

الكهنة الكذبةُ دائمًا وأبدًا

 

بطرس، بُطرس،

إن بالباب شرطيًا يطلبُ مواجهتك.

شرطي؟ ولماذا؟ دعيه يدخل.

هل أنتَ المدعو سمعان؟

نعم، أنا هو.

إذًا، إنني أبلغكَ وجوبَ مرافقتي إلى مركز الشرطة لاستجوابك.

استجوابي أنا؟ لا شكَّ أنك مُخطئ.

ألست أنتَ سمعَان بن يُونَا؟

نعم، هو ما قُلْتَ.

إذًا أنتَ المُخطئ وأنا المُصيب.

هَيا بنا أسرِعْ.

وهوت قبضةُ الشرطي الشرير على كتفِ الصديق….

فأسرعَ يهروِل.

في مركز الشرطة في كفرناحُوم

 

أيها الرجل المُضلِّل،

لماذا جئتنا بالمشاغب الشقيّ إلى هذه الديار الوادعة؟

وأي مشاغبٍ تعني؟ أفصح في قولك.

الطفلُ الذي تُؤويه في منزلكَ وبين ذويك.

آهِ، نَعَم، لقد فَهِمت…

إنهُ رجُلُ اللهِ، أيُّها القَائِد،

وليسَ بمُشاغِب.

وَيحَكَ! اصمُتْ، وإلا قالوَيلُ لك.

إذهبْ يا فُوجَان، وأحْضِرِ الفَتَى بِسُرعَة.

***

وبعد انتظار نصف ساعةٍ، حضر فُوجان وبرفقته الفتى العجيب.

يسوعُ وقائد الشرطة

 

المعجزةُ الأولى

ما اسمُكَ أيها الصغير

يسوعُ الناصري.

هل تعرفُ، يا يسوع،

أنك أثرتَ الاضطرابات الفكرية في كفرناحُوم،

تبعاليمك الصبيانيَّة التي تبثُّها لرفاقك من الفتيان الصغار؟

وهل تعرفُ أن هؤلاء الصغارَ

قد ثارُوا على والديهم يريدون اللحاقَ بك،

في كل يومٍ، بل في كلِّ دقيقة؟

وجميعهم يتناولونك وتعاليمك بأشدِّ اللومِ والتقريع!

ثم هل تعلم بأن سنكَ قد شفعتْ بك،

وإلا لألقينا القبض عليك، وزججناكَ في غياهِبِ السجن

حتى يعود إليكَ صوابُك.

والآنَ أخبرني يا صغيري من أية قريةٍ من القُرى أنتَ؟

أنا مِن قريةِ الناصرة، غادرتُها منذُ أسبوعين.

وهل يعرفُ والداك بمكان وجودك؟

كلا إنهما يجهلان مكاني.

وكيف؟ هل أنت مُتمرِّدٌ عليهما؟

أنا لا أتمرَّدُ إلا على الظالمين أمثالِك.

يا شقيُّ، اصمُتْ.

أنتَ الشقيُّ.

أمَّا أنا فإنني أضرعُ إلى أبي

أن يجرّد عليك سيفَ حقيقته البتَّار،

لترى من منّا سيصمت.

وللحال، هوى قائد الشرطة دُونَ أن ينبسَ ببنت شفة.

فعلا الهرجُ والمرجُ،

ثم، عندما تأكد لهُم موتُهُ صمتُوا،

كأنَّ المكان قد تحوَّلَ بلحظةٍ خاطفةٍ

إلى مدينةِ أمواتٍ صامتة.

وصَاحَ جميعُ رجالِ الشرطة:

– إنه من الله!

إنه سيفُ عدالتهِ!

إنه من روحهِ الطاهرة!

صدورُ حكم الإبعاد

 

وصدرَ حكم إبعادَ يسوع إلى قريته

من حاكمِ كفرناحوم العام.

فذهب برفقته نفران من الشرطة لينجزا المهمَّة.

وعند بلوغهما الناصرة،

توجَّها إلى منزل أبيه يوسف النجار،

وأعلماهُ بواقعةِ الحال.

فشكر الله كثيراً على عودة يسوع،

وبكت والدتُهُ من شدّةِ فرحها بعودةِ ابنها إليها.

وطُربتْ شقيقتاهُ فادية ودانية عند لقائه.

أما إخوتُهُ الأربعة فقد اغتمُّوا كثيرًا لعودته.

قصة الذهاب إلى مصر

 

وجلست والدةُ يسوع

تقصُّ عليه أخبار طفولته المنصرمة.

فقالت له:

– لم تكن لتتجاوز خمسين يومًا من عُمرك،

عندما ذهبتُ ووالدِكَ بك إلى مصر،

وذلك بإيحاءٍ منَ السماء

هبط على والدك بصورةِ حُلمٍ أتَاهُ

مِن مَلاكِ الرب،

خوفًا على حياتكَ من هيرُودُسَ السفَّاك.

وقد مكثنا في مدينةِ مصر، ثلاثة أشهر كاملة،

بضيافة رجلٍ كان قد سمع من أحدِ المجوسِ.

بقصة مولدك في المزود.

وكان هذا الرجل تواقًا لمشاهدتكَ.

وهكذا نال بغيتُه بوجودكَ تحتَ سقفِ منزِلهِ.

وقد زارَك في منزلهِ كثيرونَ

مِنَ الذين قرَأُوا النبوءاتِ عن يوم مجيئك

وعندما أمرنا ملاك الرَّب بالعودة

مُخبرًا ايَّانا بموت هيرودُس،

أتى الجميعُ ولثموا يديكَ تبركًا.

وهكذا خلفنا مِصْرَ وراءَنا،

وعُدنا إلى مسقطِ رأسنا،

كما ترى يا بني.

لهذا إنني أستحلفُك بربِّ السماءِ.

أنْ لا تعودَ فتغادِرَني،

وأنتَ تعلمُ كم هي حالتُنا بائسَة،

وكم نتحمَّل شظف العيش ومرارة الحياة.

لقد حاولت أن أبحث عنكَ

في مدّةِ الأسبوعين اللذين غبتَ فيهما عنّا،

ولكن ضيقَ ذات اليَد منعني عن إتمامِ مقصدي،

إذ ليسَ لدينا نُقودٌ كافية

كي أستطيع أن استأجرَ دابةً تحملُني على ظهرِها

سعيًا للبحث عنك في قرى فلسطين.

ووالدُكَ مهما جدَّ في عملهِ،

ومهما حصَّل من نُقُودٍ قليلةٍ،

فإنها تكادُ لا تكفي لمعيشةِ عائلتنا

المؤلفةِ من ثمانيةِ أشخاص بدُونِك.

أمَّاه، لا تهتمي بما تأكلينَ أو تشربين،

إذْ إنَّ الآبَ الذي في أعالي الَّسماواتِ

يعرف ماذا يجب أن يعطيهِ

لكلٍّ حيٍّ من أبنائه.

أي أماه،

إنني أطلبُ إليكِ بإلحاحٍ أن تهتمي بأمورٍ أخرى

تسمُو عن هذه الحياةِ الدنيا،

وما تزخرُ به من شقاءٍ وأتراح،

وإذ ذاك تهدأ نفسُكِ، وتطمئنُّ رُوحُكِ الحائرة.

شقيقُ سمعان بطرس

 

أهلاً بالضيف الكريم ومرحبًا.

أريدُ الاجتماع بيسُوع.

يسوع، يسوع.

نَعَم، يَا أُمَّاه.

إنَّ بالبابِ رجلاً يطلبُكَ.

ها أنا. ماذا وراءكَ أيها الرجُل؟

أنا شقيقُ سمعان بُطرس.

على الرحبِ والسعةِ تحُلُّ أيُّها العزيز.

كيفَ هي أخبارُ شقيقكَ الصالح؟

لقد قُبِضَ عليهِ،

وألقِيَتْ عليه تَبِعةُ موتِ قائدِ الشرطة

يا للمجرمين!

وماذا صنعوا بهِ؟

حكموا عليه بالسجن عامًا كاملاً.

يا للظلم الشنيع!

لا تحزن، ولا تبتئس.

فإن هؤلاء الأشرار سيلاقون أشدّ الجزاء.

ليكنْ إيمانُكَ بالله وطيدًا.

فإنَّ هذا الأمرَ قد تمَّ كتجرِبةٍ

لِتُعَجَم بواسطته صلابةُ إيمانِ سمعان.

فإذا لجَّ وتذمَّرَ يكونُ الخُسْران حليفهُ،

وإن صبر واستسلم لإرادةِ الباري تعالى،

فالفوزُ سيسيرُ في ركابهِ.

ويا لسعادته!

أماهُ، قدمي الطعامَ لضيفنا العزيز.

وأُحضِرَ طبقٌ من العجة ذات الرائحة العبقة،

ثم طبق آخر قطِّعتْ فيه جبنةٌ بيضاءُ كالثلج،

ووضعَ على حِدةٍ بضعةُ أنواعٍ من بقُولِ الأرض.

                                                ***

وبعد الصلاة، تكلَّم يسوع مع ضيفِهِ مُداعبًا إيَّاه بقوله:

– يا ابنَ يُونا،

هذا دينُ أبيكَ البارِّ… أفيهِ لكَ مع الفائدة.

فقد كنتُ جائعًا عند باب الهيكل،

ولم يعتنِ بأمري أحد،

لو لم يُسرِع والدُك الكريمُ ويدعُني لمشاركتِهِ في طعامه.

                                    ***

ومضى الليلُ في أحاديثَ مختلفةٍ،

تناول فيها الجميعُ شتّى الشؤون من روحيّةٍ ودنيويّة…

وعندما أثقل الكرى الأجفانَ، استسلم الجميعُ لسيطرته القوية،

وراحُوا يتنقلون في فراديسهِ العجيبة.

المسيحُ كنجّار

 

يا بنيَّ، هَاكَ هذا اللوحَ الخشبيّ،

ودَعْ آلتكَ تُنظفُ صفحته الخشِنة.

سمعًا وطاعةً يا أبَتِ.

ورَاحتْ يدا يسُوع تعملانِ في اللوحِ من صفحتيه…

وإذا به صقيلٌ لماع.

ثم أخذ المنشارَ بيدهِ الفتيّة،

وراح يشُقُّهُ إلى نصفين، ثم إلى قطعٍ مُربَّعة.

وعندما أنجز تقطيعَه،

أمسك بالمطرقة وجعل يدقُّ المسامير في القطع،

وإذا بها، بعد قليلٍ،

تؤلف صندوقه لطيفةً ذات شكلٍ مربع.

هذه الصندوقةُ لي يا أبَتِ.

لكَ ما تريدُ يا بني. وماذا ستصنعُ بها؟

سألقي في داخلها ما يتوفر لديّ من النقود

كي أقدِّمها لبعض العائلات المعوزة،

ومنها للسيدة رائدة،

فإن عائلها قد توفي منذ أسبوعين، كما تعلم.

إذن، فهاك دخل هذا اليوم أهبُهُ لك كي تضعهُ في صندوقك النبيل.

ثِقْ، يا أبي، بأنَّ اسمَكَ

قد سُجِّلَ في السماءِ مُنذُ اللحظة هذه،

لأنك قد جدتَ بما أنتَ في أشدَّ الحاجة إليه.

                                                ***

وهكذا مضتِ الأيامُ

يُسابقُ بعضها بعضًا،

تتلُوها الأسابيعُ فالشهور،

حتى اكتملت إلى عام.

العام الرابع عشر للمسيح

 

إنهض من فراشكَ يا بني،

فإن هذه الدجاجة المسمنةَ هي لك؛

أُدمُها لتكونَ دليلاً على قطعكَ ثلاثةَ عشر عامًا

من أيام حياتكَ في رُبوعِ هذه الدنيا.

قسمًا بالحقيقة، لن أدَعَ فمي يتذوقُها، يا أُمَّاه،

بل يجبُ أن تقدميها للشيخِ المريضِ عُوبديَا المسكين.

أصَبْتَ، يا أفضَلَ الأبناءِ، أصَبْتَ.

وإنني أشكرك بلسَانِه.

أُمَّاه!

ادْعي أشِقَّائي وشقيقَتَيَّ،

واحْضُري معَ أبي،

كي نَرفَعَ صلاةَ شُكرٍ لرَافع السَّماواتِ

على إبقائه إيَّانا سالمين،

طوال العام الماضي حتى هذا الصباح.

وعندما حضرَ الجميعُ، رَكَعَ يسُوع،

ومِن حَولِهِ أفرادُ عائلتِهِ رَكعُوا بخُشُوعٍ،

فَتَضَرَّعَ إلى الله بحرارةٍ، وقَال:

صلاةُ شكلرٍ حارَّة

“أيُّها الآبُ السرمديّ،

إنني أجثوا أمامكَ بضراعةٍ وخُشُوع،

رافعًا إليك اسمى ما أشعرُ بهِ من أعمقِ الاحترام،

شاكرًا مراحمِكَ على ما أوليتني إياهُ من رِعايةٍ فائقة،

طوالَ العامِ الماضي حتى ساعتي هذه،

طالبًا إليك أن ترمُقَ الجميعَ بعين عنايتك التي لا تنام،

وأن تُسدِّ طريقي وطريقهم إلى سبيل الهداية،

وأن تنتزع من أعماقِ كلٍّ منا أشواك الطمع القتَّال،

وأن تدعَ وجهتنا نحو السماء،

هناكَ حيثُ تفنى الأطماع وتتلاشى الرغبات،

وأن تُقويني وتهديني إلى الطريقِ القويم،

وأن تُشجع قلوبَ الخائري العزائمِ، الضعيفي الإرادة،

وأن تُنيرَ القلوب المُظلمة

بأشعةٍ من أنواركَ الدائمةِ السُطُوع،

وأن تُثبتَ الجميع في حبِّ الحقيقة العادلة،

وأن تكشف ستارَ الجهل عن عيونِ الجميع،

فيروا مُروجَ الهداية الكثيرة الخصبِ،

فيمجِّدوك، ويُسبِّحوكَ إلى أبدِ الدهور”.

                                                            ***

وعندما فرغ يسوعُ من صلاته الخشوعية،

أقبلوا يهنئون بعضهم بعضًا،

ثم انصرفَ كلُّ منهم إلى عمل يومِه.

خروج سمعان بطرس من السجن

 

وبانتهاء العام خرج سمعانُ من السجن،

ولا لجريرةٍ أقدم عليها،

ولكنه الظلمُ الذي يخيِّم على ربوعِ هذا العالمِ الكثيرِ الشرور.

وكان أولُ عمل قام به هو الإسراع مع شقيقهِ أندرَاوُس

إلى مدينةِ الناصرة حيثُ يعيشُ يسُوع.

وكان اللقاءُ حافلاً، مُشبعًا بأحاديثِ المودَّة والولاء.

وأصغى الشقيقان بخشوعٍ إلى الحكمِ

التي كان يُلقيها يسُوعُ الفتى عليهما.

وأمضيا في ضيافةِ عائلتهِ أسبوعين كاملين.

وعندما دنتْ ساعةُ الوداع،

كان المؤمنان قد تزوَّدا في خلال إقامتهما

كل ما هما بحاجةٍ شديدةٍ إليهِ

من النصائح والإرشادات.

ومضت أسابيع كثيرةٌ،

وتصرَّمتْ خُيوطها إلى غير ما عودة،

والمسيحُ الفتى يعظُ أهلَ قريته،

ويدعُوهُم إلى التمسُّكِ بأهدابِ الفضيلة.

ولكن عبثًا!

فإنهم كانوا يهزأون به، ويعيرونه بلفظةِ “مخبول”، وينتهرون والديه، ويضطهدون أشقاءه.

وفي سهرةٍ عائلية،

بينما كان يعظ عائلته ويدعوهم للتسامح،

لأنهم قد اضطهدوا في صباحِ ذلك النهار،

إذا بيُوسى ويهُوذا يُهينانِه، قائلين لهُ:

إلى متى ونحن نتحملُ

إهاناتِ واضطهاداتِ أبناءِ قريتنا من أجلك؟

أما كفاكَ هذيانًا، يا هذا؟

أولا تكُفُّ عن دَعوتك الباطلة وتخرُّصاتِك الفاسدة؟

ألا تُريحنا وتُريحُ نفسك؟

هيا وارحل عن هذه القرية.

فإننا لا نُصبحُ ولا نُمسي إلا والمُشاغباتُ في رِكَابِنا.

كل ذلك بسببك:

حتى السلطاتُ الرومانية باتت تنظر إلينا شزرًا،

بسبب تعاليمكَ السخيفة:

وأردفَ يعقوبُ قائلاً:

اسمع أيها الميسيح!

بلغني اليوم من صديقٍ موظفٍ في دائرةِ الشرطة الخفيّة

أنَّ السلطاتِ تُراقبك أدَّقّ مُراقبة،

وهي تظنُّ أن يدًا أجنبيةً

تدفعُكَ لإذاعة ما تدعو الناس إليهِ

من الانتقاض على القوَّة الغاشمة.

وهي تظنّ أنك تعنيها بأقوالك.

فالحذر أيها المغرورُ، وإلا فالويلُ ثم الويلُ لك…

وللحالِ انبرى شقيقُه سمعانُ قائلاً:

هذا هو التحذير الأخيرُ نعيدهُ على مسمعك…

فإن وعيتهُ وتقبَّلته، فامكُث معنا لأنك منَّا،

وإلا ففي بلاد الله الرحبةِ مُتسعٌ لدعايتك…

فقد اكتفينا من الاضطهاداتِ التي تقعُ على عاتقنا في كلِّ يومٍ من أجلِك.

                                                ***

فأجبتُهُم بصوتٍ مُتزنٍ هادئٍ:

يا إخوَتي الأعزاء،

طوباكم إذا اضطهدوكم من أجل كلمة الله العادلة،

وطوبى لأرواحكم إذا عذّبوا أجسادكمُ الترابية،

لأنني أصدقكُمُ، يا إخوتي،

أنَّ أجركُم يكونُ عظيمًا جدًا في السماء.

فطُوباكُم إذا صبرتُم،

لأن من يصبر إلى النهاية فذاك يخلُص.

                                                ***

وللحالِ ارتفعت أصواتُهُم الأربعة قائلينَ معًا:

إن أجرَ السماءِ هذا ندعُهُ لكَ،

لأننا نتبرأُ مِنهُ، ولا نُريدُهُ.

فكفاكَ شقشقةَ لسان أيُّها الإنسان!

                                                ***

ونظرتُ أمامي بذُهُولٍ لأرَى شقيقتيّ اليافعتين،

وهُما تذرفانِ الدمعَ السَّخين،

لأنهما لا تستطيعانِ عمل شيءٍ لأجلي.

                                    ***

وكانت والدتي تؤيدُ إخوَتي في بَعضِ الأحيان،

لتعودَ فتؤيدني حينًا آخر.

إنها أم… تريدُ أن لا ترى أولادها يتخاصمون.

لهذا التجاتْ إلى هذه الطريقة.

وعندما أعياها الأمر، نظرت إلى أبي الأرضي يُوسُف.

وقالتْ له:

ما بِكَ صامتٌ لا تتكلّم؟

فأجابها بحُزنٍ:

إنني، وأيّمُ الحقّ، حائرٌ، لا أدري بماذا أتكلّم!

وأنتِ تعرفين الأسباب أكثرَ من معرفتي إيَّاها.

وأنتَ، ألا تعرفُها؟

كلا، كلا. لا أعرفُها كمعرفتكِ أنتِ.

ألا تريدُ أن تتكلّم مع ابنكَ؟

إنه إبنُ السماءِ وليس إبني.

بل ابنُكَ أنتَ.

هو عطيةُ السماءِ لنا وللجميع.

إنه ليس من الأرض.

ومن كان ليس من هذه الأرض

فتعاليمُهُ لا شكَّ تكونُ سماوية.

فكيف لي أن أمنعهُ وهو رسُول الهداية؟

إصفح عني، يا يُوسُف،

إذا قلتُ لك إنني لا أُؤمنُ به،

لأنَّ حديثهُ غايةٌ في الغرابة.

أما أنا فإنني أؤمنُ بحديثهِ وبتعاليمهِ.

أولَيسَ يدعو إلى الفضيلة؟

أوَلَستِ ترينَهُ كيفَ يمضي أيامَهُ

بتبَتُّلٍ وقدسيةٍ وعبادة؟

أيوجدُ في قريتنا، والقرى الأخرى،

من يسيرُ على منواله؟

أوليس في هذا

الدليلُ الثابتُ على أنه ليس بشريًّا؟

لو كان ما تقول

إذًا لما كان أتى بالطريقةِ البشرية!

وكيف هذا؟ ألا تذكرين ملاك الرب

عندما أتاني في الحلم، قائلاً لي:

“لا تخفْ، يا يُوسُف.

فإنَّ امرأتكَ قد حَبِلَتْ به من الروح القُدُس”.

نعم، إنني أذكُرُ هذا، وأنا في غايةِ العَجَب.

لأنني حتى الساعة هذه

لا أستطيعُ تفسير هذا اللغز الغريب!

وللحال أجاب يسوع:

عبثًا تحاولين حل هذا اللغز، يا أماه.

فأقصري التنقيب عنه،

واعلمي بأنني لستُ من أرضكم هذه.

أنا رسولُ السماءِ إلى الأرض،

أرسلني من بيديه كل شيء من مكانٍ سعيدٍ دائم البهاء

كي أنقذ أهل دُنياكم.

أما أمرُ وجودي بين ظهرانيكم فهو الحقيقةُ التي يجب أن تأخذوها بعين العناية والرعاية، لا الكيفية التي كيَّفتني.

إذ مهما حاولتِ وسواكِ الوصول إلى المعرفة، فلن تستطيعوا… حتى أعودَ، ثانيةً، إلى هذه الأرض، بعد انتقالي.

وإذ ذاك تتكشَّفُ الحقيقة لمن يجبُ أن يعرفها، كلٌّ حسبَ استحقاقه.

رحيل المسيح

 

سأعودُ إليك يا مدينة الناصرة بعد أعوامٍ كثيرة.

 سأعودُ إليك، ولكنكِ ستعودين فترفضينني.

 سأعود إليك، عندما تكونُ ساعةُ إظهار الحقيقةِ قد دَنتْ. سأعود إليك،

ولكنك ستكونين غارقةً في حمأةِ رذائلك.

 ولن تصغي لي، مثلما لم تصغي لي الآن!

فالويلُ لكِ إنْ دأبتِ على عسفِكِ وطُغيانك، يا مدينة الناصرة!

سأنطلق من ربوعكِ بعد ذلك، عندما تدنُو ساعتي الأخيرة،

 لأعودَ إليكِ بعد عشرين جيلاً.

وإذا ذاك، سأرى أن اسمكِ قد امتدَّ في مشارقِ الأرض ومغاربها.

 وسيعرفكِ كل قاطنٍ تحت نجومِ السماء، وسيغبطكِ.

وسيضمُّ ثراكِ، بعد هذه الأجيال العشرين،

أحد تلامذتي الذين لم أنتخبهم بعد حتى ساعتي هذه.

أما أنتِ فستبقين كما أنتِ. وستحملين اسم الناصري،

 دُون أن يكونَ الإيمانُ الصحيحُ قد تبنَّاكِ. فالويل ثم الويلُ لك إذا بقيتِ مثلما أنتِ. وداعًا أيتُها القريةُ التي ترعرعتُ في تُربتها، وشرِبتُ مِن مائِها،

 وتذوّقتُ مِن ثمارِها، وتفيّأتُ بظلالها، ونَعِمتُ بشمسِها.

والوداع يا أبناءً أبي وأمي،  الوداع.

إلى صيداء

 

ظلمةُ الليل الحالكة تنتشر في السهول الشاسعة،

وفوق البحار الواسعة؛ وزمزمةُ الريح الغضوبِ تُصدعُ الآذان،

 وهي تضربُ صفحاتِ الماءِ بجبروتٍ صارم؛

ودويُّ الأمواج المتدافعة بعضها وراء بعض يبعثُ في النفسِ رهبةً صامتة؛

 وقصفُ الرعُودِ المتواصلُ يطرُدُ النوم من الأجفانِ المُتعبة، والقلوبِ الكليلة؛

 ووميضُ البروقِ المُنقضُّ يبلبلُ العقولَ ويبعثُ الاضطراب في النفوس؛

 والأمطارُ المتساقطة كالأنهار توقرُ الآذانَ بوقعها العنيف الشديد الوطأة؛

 والبردُ العاصفُ يفعلُ في الأجسامِ فعلهُ الذريعَ القاسي؛ والسفينةُ الشراعية

تجتازُ هذه العقباتِ الطبيعية بصعوبةٍ كلية.

أما أنا وسمعان بُطرس وابنه أدُوم

فقد أوينا إلى أسرتنا نحاولُ النومَ عبثًا.

                                    ***

يا لها من ليلةٍ ليلاء يا أبَتِ!

نعم، يا أدُوم، إنها ليلةٌ رهيبة

حافلة بالعواصفِ والبروق والأمطار.

إن سفينتنا، يا أبي،

قد أصبحت العوبةً في أكفِّ العواصفِ الرهيبة.

هو ما تقولُ يا بنيّ!

ولكن رحمة الله واسعة، فشدِّدْ من عزيمتك.

وهل تعتقدُ أنني أخافُ العناصر وابنُ الله معنا؟

عافاك الله أيها العزيزُ، وبورك فيك.

أبي، أبي، ما هذا ألا ترى؟ ألا تسمع

بنيّ… يا لله!

لقد لطمتِ الأمواج الثائرة جانب السفينة، فهمشَّتهُ، ومزَّقت أوصاله!

 وها هي المياهُ تتدافع في جوف السفينة المُوشكة على الغرق!

 إن الظُّلمة شديدةٌ، وليس من بصيص نورٍ كي نهتدي به إلى طريق السلامة؛

 أجراسُ الخطر تُقرعُ بجنون… منذرةً ركاب السفينة بالخطر الشديد؛

 وأصواتُ الذعر تعلو من الحناجر فتمتزجُ بعويل العاصفة الغاضبة؛

والركاب يعدون إلى كل جهة وهم يصدمون بعضهم بعضًا،

وقد ارتسمت على أساريرهم آياتُ الرعب بأجلى صورها وأبرز معانيها؛

 والولولةُ تنبعثُ من صدورِ النسوةِ الجازعات وقد اندفعن من مراقدهنَّ؛

 والسفينة يبتلعها اليَمُّ رويدًا رويدًا…

                                                            ***

يسوع، هل من رحمةٍ أطلبها؟ ليس لأجلي، ولا لأجل آدومَ نجلي فحسب،

 بل لأجلِ الأطفالِ الأبرياء أيضًا، يا سيدي.

وهل تؤمِنُ أن هذا الأمر باستطاعتي؟

الإيمان كله. فقد قُلْ كلمةً واحدةً يتمُّ لك ما تُريد.

إذن لا تخشىَ يا سمعان شيئًا، فلن يُمسَّ أحدٌ بسوء.

لك الشكرُ والتقديس.

بطرس، انظر أمامك، وأنبئني ماذا ترى!

سيدي، ما هذا؟ إنها أعجوبة.

وما هي هذه الأعجوبة يا عزيزي؟

إنها أنوارُ سفينةٍ تمرُّ بالقرب منَّا!

أرأيتَ أن الله معنا وأنه لا يتركنا؟

لقد آمنتُ منذ رأيتكَ للمرة الأولى، فلستُ بحاجةٍ بعدُ لمزيد.

****

وابتدأتْ عمليةُ الانتقالِ من هذه السفينة المشرفة على الهلاك

 إلى السفينة التي صادف مرورها بالقربِ منَّا، ووجهتُها شواطئ لبنان.

رست السفينةُ في ميناء صيدا، فغادرناها نحن الثلاثة،

دُونَ أن تكونَ لنا خطةٌ مرسومة كي نسير بموجبها.

إلى بيروت

 

مكثنا في صيداء شهرًا كاملاً.

وقد تجوّلنا في سوقها الوحيدة، واخترقنا أزقتها،

وذرعنا منعطفاتها، ونقّبنا في خفاياها، حتى لم يعد فيها من جديدٍ نجهلُ أمره.

وقد استوقف نظرنا واسترعى انتباهنا في هذه المدينة تلك الأثوابُ الكتَّانية المنسوجة بدقةٍ، عندما كان العمال يصبغونها بالقرمز الجميل الزاهي الذي اشتهرت به مدينةٌ صيداء وجارتُها صور؛ ثم كانوا يبعثون بها إلى الملوك والأمراء وأربابِ الأموال.

 وفي صباح اليوم الذي اعتزمنا فيه الرحيل عن صيداء، استيقظ بطرسُ، وقصَّ علينا رؤيا غريبةً رآها تلك الليلة، وما زالتْ ماثلةً أمام مخيلته.

قال:

رأيتُ نفسي كأني أسيرُ في صحراء لا نهائيةٍ رمالها محرقة، وماؤها مفقود، والشمسُ الشديدةُ الحرارة تلفحني بشواظها الجَّهنميّ، فأسقط على الرمال من شدّةِ العياء، ويفعلُ بي العطشُ فعلهُ الذريع، فأبحثُ عن الماء، ولكن كالباحثِ عن الحقيقة في سباسب الخيال؛ فأرفعُ يدي بقبضةٍ من الرمل، وأمتصُّهُ علَّهُ يُبردُ حلقي. ولكنه يُشققُ داخل فمي من شدةِ حرارتةِ القتالة، فأنثني لأتقلَّبَ على تلك الرمالِ العديمة الشفقة لشدّة ظمإي، ثم أهذي من فعلِ الحُمَّى الفتَّاكة السارية في أعصابي… وبينما أنا أجُودُ بأنفاسي في ذلك المَهْمَة الرهيب، تجلَّى أمام نظري طيفٌ نورَانيّ هبط أمامي، وبيده كأسٌ شهيةٌ ممتلئةٌ بماءٍ أنقى من ضوءِ الفجر إلبهي. فجلس وأجلسني، ثم أسند رأسي إلى كتفه الجميل، وأدنى تلك الكأسَ الإلهيّة من فمي، فشربتُ، وشربتُ، وشربتُ حتى ارتويت. وكانتِ الكأسُ، كلما فرغت، تعُودُ فتفيضُ بذلك الإكسيرِ العجيب! وإذ ذاك شاهدتُ نفسي وقد انفصلتْ عن جسدي التُرابيّ البالي، وحلَّقت مع ملاك الرحمة في الفضاء الأزرق البهي. فتكشَّفت لي حقيقة كنتُ أجهلها، ويجهلها جميعُ أبناء الأرض، إذ شاهدتُ ألوفًا وربواتٍ من الأرواح الخالعة عنها رداء المادَّة، وقد احتاطت بي وبالملاك، وجعلت تحلّق معنا. وانطلقنا ندوسُ ربوع العوالم التي لا تعرفُ معنى للكدر، ولا يُقربُ إليها خوفٌ ولا ألم، وليس فيها حُزنٌ وشقاء، واضطرابٌ أو بكاء. هناك يفنى الحسدُ وتتلاشى الأحقاد، والأشواكُ لا تنمو في حدائقها الغناء. وأطيارها تشدو أناشيد الغبطة الأزليةِ لأولئكَ السعداء الذين يمسحُ ابنُ الله كل دمعة حُزنٍ من عيونهم، وهو لا يغادرُ لهم ظلاًّ.

هناك تكشَّفت لي حقيقةُ وجودي عندما كنتُ على الأرضِ الدنية. ونظرتُ من المكانِ الذي بلغتُهُ إلى الصحراءِ التي غادرتُها، فشاهدتُ جسدي الحقير مُلقًى بين الرمالِ ككميَّةٍ مهملة، فاحتقرت الأرضَ ومن يحيا فيها. وسِرتُ بين ورود تلك الرياضِ العجيبة، وحاولتُ أن أقتطفَ وردةً ذهبية فتنتُ بلونها الفردوسي، وإذا بيدِ مُرافقي الأمين تمنعني. وقال لي:

يا بُطرس، إن ساعتكَ لَم تأتِ بعد.

فلو سمحتُ لك الآن باقتطافِ هذه الوردة، ثم تنشَّقت عبيرها، لتفتحت لك أبوابُ المعرفة الكاملة، ولصعدت إلى عالمٍ آخرَ غير هذا الذي أسيرُ في غضايه برفقتك. ولكني أقول لك:

إن هذا اليوم سيأتي، وستقطفُ هذه الوردة المذهَّبة وسأكون أنا برفقتك. فلا تستبق الحوادث أيها العزيز. فسألت ملاك الله:

وماذا تعني الصحراءُ التي شاهدتها يا مُرشدي؟

وماذا يعني ذلك الظمأ الشديد، والحر اللافح المُبيد؟

ثم كيف هبطت، وأنقذتني؟ ولِمَ؟ فأجابني الملاك:

أما الصحراءُ فهي دنيا الأرضِ الفاسدة. والشمسُ المُحرقةُ هي الرغباتُ البشرية المُلحة الدنية التي تُذيبُ روح الصلاح من القلوب. أما قبضة الرمل التي دفعتها إلى فمك فهي الميول التي تعتلج في نفوسِ أبناء الأرض، لأنهم يندفعون بشوقٍ ونهم إلى كل ما هو شائنٌ ومُعيب، ويقضون لُباناتهم الأرضية، مع تأكدهم أن ما يقومون به هو ضد الشرائع الإلهية. ولكن البشرَ هُم ُهم منذ آدم حتى هذا اليوم أيها العزيز. أما كيفية وجودي وكأسُ الحياة في يدي فهي لإنقاذ البعض ممن عملوا صلاحًا فاستحقّوا عليه هذا الإنقاذ، كل حسبَ استحقاقه. وأنتَ يا بُطرس قد استحققت، بعملكَ الصالح، وبإيمانكَ بسيد المجد، هذا الفردوس الذي ترى نفسك تجوسُه برفقتي. فيا عزيزي، إن نصيحتي إليكَ أن تزدادَ في عملِ الصلاح، وأن تسير على الطريقِ التي سيرسُمُها لكَ أطهرُ من تحملُهُ أرضكم، الذي هبط إليها لأجلكم، ولأجل انقاذكُم من وهدة الهلاك المحقّق. والآن، هيا يا عزيزي، فقد آن وقتُ عودتك، فاعمل بوصيَّتي تكن من السعداء الخالدين. وبإشارةٍ سماوية رأيتني أقطع المسافات الرهيبة، ووجهتي الأرض. فعلا صراخي، وكثر نواحي:

رُحماكَ، رُحماكَ، ايها الملاك، وأبقني بقربك، كي أنعم بحبّك. ولكن عبثًا كانت توسُّلاتي. وعندما ظننتُ أنني سأصطدمُ بالأرض الصلبة، فتتحطّم روحي وتتناثرُ نفسي، إذا بي أعودُ فأشاهدُ ملاك الرحمة والحنان بجانبي. فمد يده وأمسك بي بلُطفٍ فائق، ثم أشار ببنانهِ إلى جسدي… وإذا بي أعود فأمتزجُ به مثلما كنتُ قبل رحلتي السماوية. وبعد لحظةٍ كنتُ قد استيقظتُ. ولم أضيعْ لحظةً واحدةً، بل جثوتُ، ورفعتُ أحرَّ صلاةٍ لباري البرايا. وطلبتُ منه المعونة كي أقطع مراحل هذه الحياةِ التاعسة، وأهدي سواي، كي أكونَ قد قُمتُ بعملٍ يُرضي ضميري وتقبلُهُ السماء.

***

وبعد أن انتهى بُطرسُ من سردِ رؤياه الغريبة، تأهبنا للسفر.

أما آدُومُ فكان قد نظَّم الثياب، وحزم الفراش. وكانت القافلة تنتظر في الخارج.  فركبنا الدواب وسرنا، يحدونا الشوقُ إلى الإسراع لمشاهدة مدينةٍ جديدة. وبعد سبع ساعاتٍ كاملة تخللتها فتراتُ راحةٍ قصيرة، بلغنا مدينة بيروت الجميلة، فدخلناها.

وتفرَّق الرفاق كلٌّ إلى الجهة التي يبغيها. أما نحنُ فقد وفقنا إلى استئجار غرفةٍ في اليوم نفسه. ولما كنَّا منهوكي القوى من سيرنا هذا اليوم سبع ساعاتٍ كاملة، استلقينا على أسرتنا طلبًا للراحة من وعثاء السفر.

في شوارع بيروت

 

نحن الآن في مدينة بيروت.

نسيرُ في دروبها المختلفة بين الضيق والسعة، ونطيل النظر إلى واجهات محلاَّتها التجاربة.

مدينة بيروت جذَّابة، خلاَّبة، ذاتُ بهاءٍ ورُوَاء.

حدائقها لطيفة، ذات أشجارٍ كثيفة. والسائر في طرقاتها يصطدمُ بصَرُهُ بعرباتٍ جميلةٍ تسيرُ في شوارعها، تنقل طلاب النزهة إلى ضواحيها. والغريب يلاحظ، حال دخوله إلى هذه المدينة التاريخية، السورَ الكبيرَ الذي يحيط بالمدينة إحاطة السوار بمعصمِ اليد. كنّا نسير ونحن مأخوذون بما نُشاهِد: فهنا يافع يحمل بين يديه قفصًا من الدجاج، وهو يصيحُ على سلعته هذه بصوته الجهوريّ. وذلك القروي الساذجُ يسيرُ وراء نعاجه الثاغية، وهو يعزفُ لها على مزماره القصبي اللطيف. وتلك جمهرةٌ من النسوة اللبنانياتِ وقد اجتمعن على بائع الجرار الخزفية، وجعلن يُساومنهُ على الثمن، بينما هو يقسم لهن أغلظ الإيمان على أن صفقته معهن خاسرة، إذا جاراهُنَّ على الثمنِ الراغبات فيه. والضوضاءُ والأصواتُ تعلو من بعض تلك الأسواقِ الضيِّقة المرصوفة على جوانبها صناديقُ من ثمارِ الجبل اللذيذة. ونحنُ كنا نقف في كل مكان، ونطيل النظر إلى كل شيءٍ نراهُ أمامنا أو يستوقف أبصارنا…

– هل أنتَ مسرورٌ يا أدُومُ مما تُشاهد؟

– نعم، يا أبَتِ. أين هذه المشاهدُ من كفرناحومَ القاحلة؟

– وأنت يا سيدي يسوع هل تفضّلها على وطنك الناصرة؟

– أنا لستُ غريبًا إلا ههنا، لأن السماء موطني يا بطرس. بل أصدقك أن نفسي عافت هذه المشاهد المتكرِّرة كل صباح. وأذناي قد تعبتا وملَّتا من كثرة الضجيج والصياح! حقًا إن أمر هؤلاء البشر لغريب، وغريبٌ جدًا. إنهم يسعون بكلِّ ما في وسعهم من حيلةٍ كي يجمعوا الأموال ويكدِّسوا بعضها فوق بعض، وهم يحرمون أنفسهم وأبناءهم منها قدر إمكانهم. وفي لحظةٍ خاطفة يحصدُ منجلُ الموت أرواحهم، فيذهبون إلى عذاب النار الأبدي، لأنهم لم يتصرَّفوا مثلما أوصاهم خالقُ الخلائق، بل تشبثوا بأوهى الأسباب، وتمسَّكوا بحبِّ المال، وقد كان عليهم في النهاية شرّ وبال. أنا جدُ مشتاقٍ، أيها الحبيبُ بطرس، إلى الانطلاق من رُبُوعِ هذه الدنيا كي أعودَ إلى موطني الحقيقي.

– أنت فيلسوف أيها السيد الحكيم، وأنا أمامك عيٌّ.

– ليكشفِ اللهُ لك عن بصيرتكَ أيها العزيز، وليجعلك قدوةً للآخرين كي يهتدوا بأنوارِ هدايتك.

والآن، ألا نعُودُ إلى المنزل؟

فإن أقدامنا قد كلَّت من كثرةِ السيرِ

في طُرقاتِ بيروتَ الكثيرةِ المُنعطفاتِ.

يسوع يتلقّى شتى العلوم

 

سأنصرفُ إلى دروسي،

وأنكبُّ عليها انكبابًا يا عزيزي بطرس.

حسنًا تفعلُ يا سيدي،

فهذه هي السنُّ التي تتمكّن فيها من اقتناص الوقت، والوقتُ سريعُ التسرّب.

                                                            ***

وأكمل يسوع عامًا كاملاً،

وهو منصرفٌ عن كل شيءٍ ما عدا دروسه.

وفي نهاية العام كان باستطاعته أن يقرأ اللغة العربية، ويكتبها وينطق بها بسهولةٍ تامَّة.

وفي خلال هذا العام كان قد اتَّقن العزف على القيثار أيضًا.

فجعل يعزفُ عليه كل مساءٍ ترانيم روحية عذبة،

وكان يشاركه في الترنيم بطرسُ وابنه آدُوم.

وفي إحدى الأمسيات، بعدما وقَّع السيد المسيح مقطوعةً رائعة التلحين، سامية المعنى، سماويَّة الألفاظ، سأله بطرسُ قائلاً:

لله ما أجمل هذه المقطوعة السماوية التي عزفتها في قيثارَتك: فما هي الدوافع التي دعتك لأن ترغب في تعلّم العزف، يا سيدي؟

الدافع هو تلك المزاميرُ الروحيّة الخشوعيّة التي كان يوقّعها داود النبي على قيثارته، مُستغفرًا بها الله تعالى على الجريرة الفظيعة التي قام بها في ساعةٍ من ساعاتِ التجربة الرهيبة، عندما اتصل بامرأةِ أوريا الحثي. وقد شعر النبي داوود، بعد ذلك الذنب العظيم، بالندم يسحق فؤاده سحقًا.

فعفر رأسه بالرماد الحارّ، وارتدى المسوح، ثم سكب ندامة قلبه الحزين أمام موطئ العليّ، كي يغفر له جريمتهُ التي استحقَّ عليها السقوط.

سيدي المسيح، ليتني أستطيع أن أفهم.

ماذا؟ وهل من رموزٍ وألغازٍ في حديثي هذا إليك؟

سامح ضعفي، وأعن عدم فهمي، فإنني بشريٌ محدود المعارف. وأذكر يا مولاي أنك سبقت وأعلمتني أن داود النبي وسليمان الحكيم وأمثالهما من الأنبياء لم يخطئوا لاتصالهم ببعض النساء، وذلك لأسبابٍ روحيةٍ لا يستطيع فهمهما سوى من طهُرت نفسه، وسَمَتْ روحه، وبلغ درجة الأنبياء. ثم ذكرت لي أن الساعة التي ستكشفُ فيها هذه الأسرارُ لم تأت، ولكنها ستأتي بعد وقتٍ يطول.

نعم، يا بطرس، إن ما أخبرتك إياه، إذ ذاك، هو الحقيقةُ بعينها. ولكن الجريمة العظيمة التي جعلت النبي داود يسقط في الإثم العظيم، هي إرسال أوريا إلى ساحة الحرب، وذلك الأمر السريُّ الذي يقول فيه بوجوبِ وضعِ أوريا في مقدمة الصفوف المدرَّبة كي يكون طعمةً للنبال المسمومة. وهكذا تمَّ له ما أراد. ولكنه عاد فندم ندامةً بالغة، ورفع إلى السرمديّ كلّ ندامة قلبه وروحه. وكانت قيثارته تفصحُ عما يجول في عقله وقلبه من النَّدم الشديد. أما سليمان الحكيم فقد كان يوحى إليه بمن يجبُ عليه أن ينقذهن من النساء. ولكنه سقط في التجربة لاتِّصاله ببعضهن، وانحيازه لآرائهن الخاطئة، وخصوصًا في سن شيخوخته.

شكرًا لك، يا سيدي الحبيب، على هذه المعلوماتِ القيِّمة التي سطرتها على فؤادي بمدادٍ من نورٍ إلهي. والآن هذه هديتي إليك، لأنك اعتباراً من هذا المساء تكونُ قد أكملتَ العام الرابع  عشر لِوجودِك في دُنيانا البلهاء.

حقًا إنها سمكةٌ مثيرة!

وكيف استطعت إمساكها وهي بهذا المقدار؟

بالشبكة، يا مولاي.

وكيف لم تُمزقها، يا بطرس، وهي كبيرةُ الحجم لهذه الدرجة؟

إن شبكتي قوية الحبك جدًا، يا سيدي.

بوركَ فيكَ، لقد تقبلتها منك بالشكر.

ولكن، الم يكن من الأفضل لو كنتَ قد عرضتها للبيع، وقدمت ثمنها للمعوزين؟

لقد دُفِع لي ثمنًا بها عشرون قيصريًا كاملاً. ولكنني لم أقبلْ.

حتى ولو دُفعَ لي بها ألفٌ لرفضتُ،

لأن المعوزين نستطيع أن نراهم دائمًا، وأن نقدم لهم ما يسيرُ دائمًا، أما أنتَ، أنتَ، فمن يضمنُ لنا بقاءَكَ معَنَا؟

ليعطكَ الله حسبَ إيمانك،

يا عزيزي بُطرس.

والآن، هيا بنا لنتناول طعام العشاء.

حقًا إنها لذيذةُ الطعم يا أبَتِ.

هل توافق على كلام آدوم، يا سيدي؟

وأزيدُ عليه أيضًا: فإنها سمكةٌ فريدةٌ بنوعها.

لقد مضى عليك عامٌ كاملٌ، وأنتَ تأتينا في أكثر الأمسياتِ بشتى الأنواع من الأسماك. ولكنني أصدقُكَ بأنني لم أذُقْ أشهى من سمكةِ هذه الليلة!

هذا مِن فضل ربي…

ثم لأنك ستدخل غدًا في عامكَ الخامس عشر.

بدء العام الخامس عشر ليسوع

 

ترنيمة روحيَّة الَّفها ولحَّنها أدوم ترنَّم بها سمعان بطرس مع ابنه أدوم

 

ترنَّمي ترنَّمي                          بيروت مهدَ الأممِ

قد نِلتِ منذُ القدمِ                  مجدَ المسيحِ الأعظمِ

حبيبنا يسوع

 

وأنشدي وأنشدي                   أيا عذارى المعبدِ

هذا مكانُ السيِّدِ                   ربِّ العُلى والسُّؤددِ

                                    حبيبنا يسوع

 

ويا شعوبُ ابتهجي                 ورتِّلي بهزَجِ

ليوم عيد بَهِج                       ميلاد مُحيي المُهجِ

                                    حبيبنا يسوع

 

لبنانُ، مولاكَ بَدَا                    وهو الفدى وهو الهدى

من نورهِ الفجرُ ارتدى               وشاحهُ المُخلَّدا

                                    حبيبنا يسوع

 

الطفلُ ينمو مسرعًا                  مُبتسمًا مُندفعا

في ظلِّه نمشي معا                   ليفتدينا أجمعا

                                    حبيبنا يسوع

 

هذا الفتى هذا الفتى                 لأرز لبنان أتى

يَلمُّ شعبًا شتتا                      حنَّ لهُ والفتا

                        حبيبنا يسوع

 

لك الهنا لك الهنا                   بيروتُ، يا دارَ المنى

يسوعُ فيك سكنا                   يجهلُهُ الناسُ هنا

                        حبيبنا يسوع

 

حبيبنا يسوع                                    إقبل تهانينا

حقِّق أمانينا                        فأنتَ فادينا

                        حبيبنا يسوع

 

وكن مُقوِّينا                         وكنّ مُعزِّينا

فأنت هاوينا                        بالروح تُحيينا

حبيبنا يسوع

 

 

                                    القرار

ترنَّمي ترنَّمي                          بيروت مهد الأمم

قد نلتِ منذ القدم                  مجد المسيح الأعظم

                                    حبيبنا يسوع

 آدوم

يسوع صديقٌ حميم لآدوم

 

– صعِّدِ الأناتِ الحبيبة من قيثارتك يا آدُوم، وأطلق لها العنان، فقد ملَّت نفسانا شرور هذا العالم الفاني.

إضرب على الأوتار، وارفع الصوت بترنيمتك السماوية، فإنني ألمسُ بروحي تلك الجنَّة المفقودة التي غادرتها منذ أربعة عشرَ ربيعًا.

متى ستكونُ عودتكَ إليها أيها الصديقُ الصدُوق؟

لن يطول هذا كثيرًا يا آدوم.

تُرى، هل أكونُ السابقَ أم تُراك أسبقَ منّي إليها؟

هذا سرٌ لا يمكنني أن أبوح به.

ولكن أصْغِ إلي يا أدوم.

سأخبرك به أنت، فاحتفظ به أنت دون سواك

ستنطلقُ سريعًا، وستكونُ أنت السبَّاق.

ولكننا لن نلتقي هناك،

بل هنا، وفي هذا الصعيد.

إن تلك الجنَّة لن تستطيع ولوجها بعد،

وسيمضي عليك وقت طويلٌ تكفّرُ به عن ذنوبٍ

أتيتها طائعًا مُختارًا بملءِ إرادتِك.

والعدالةُ الإلهية تقضي بأن تستوفي الأجر. فما تزرعه، يا عزيزي آدُوم، إياهُ تحصُد.

هذه هي العدالةُ الروحية التي لا تتأثر بعوامل أرضيهٍ سخيفة، مثلما يجري على هذه الأرض التي أتيتُ إليها خصيصًا كي أضع لها دستورًا سماويًا لتسير عليه.

هذا إذا أرادت هذا الأمر بمحضِ اختيارها وملءِ إرادتها، وإلا فالويلُ لأبناءِ الأرض!

ستنطلقُ يا آدُوم…

ثم ستعودُ من مكانك للاتصال بنا. ولكن عودتك ستكون روحيةً، وليس بالجسد الذي تلمسُهُ الآن بيدك. ستنطلقُ يا آـدُوم…

ثم تمضي أعوامٌ ليستْ كثيرةً أنطلق فيها بدوري إلى فردوسي المفقود. وسأنتقل إلى سواه، ثم إلى سواه… وهكذا حتى إذا ما أتمَمت دورة الكواكب بأكملها، تأزف ساعة عودتي، ثانيةً، إلى الأرض. أما أنتَ فتكونُ، إذ ذاك، قد ارتقيت بالروح، وستعود إلى الاتصال بي يحدوكَ الشوقُ لعدم مفارقتي.

أي أدُوم، أكتمُ هذا، ولا تتكلمْ به حتى لنفسك.

أنتَ صديقي الحميم، وأنا أتمنَّى أن تبلغَ المكان الذي سأنطلق إليه. وبالرغم من حُبِّي إيَّاك، فإن العدالة الروحية تأبى إلا تنفيذ الحق. فاعمل كل ما بوسعكَ حتى تبلغَ ذلك الفردوس سريعًا.

سيدي يسوع، ما أعذبَ ما تفوَّهتَ به وما أرهبَه! ليكتب الله نصيبي الدائم أن أكونَ برفقتِكَ، سواءٌ أكان هذا في الحياة أم في الممات.

موت أدوم

 

الحُمَّى تسري في أعصاب أدوم فتردّمها ترديمًا، والسعالُ العنيفُ يمزّقُ صدرَ العليل المُحتضر، والأب ينظر إلى وحيده نظرةَ المُستسلم إلى إرادة الله. أما أنا فكنتُ أنقلُ بصري بين الأب والابنِ دونَ أن أتكلَّم.

وبعد قليل ارتفع صوتُ المحموم قائلاً:

أظنُّ أن ساعتي الأخيرة قد دَنتْ.

لا ضيرَ عليك يا عزيزي أدُوم، لا تخفْ.

وهل من يكونُ معكَ يتطرقُ إلى قلبهِ الخوف؟

كلا ثم كلا،

ولكنني أخافُ العدالة الإلهية وأرهبُها، لأنها لم تمدَّ لي حبلَ عمري كي أستطيع إصلاح روحي.

هذه إرادة الله يا آدُوم.

فاخضع لها، لأنه قد منحك هذه الأعوام المعروفة لديه بنسبة أعمالك السابقة.

وثق بأنه سيكون لك شأنٌ في عالم الأرواح، وإلا لما كنتَ معي الآن.

فمجِّدِ الله.

له كل المجد.

وكفاني سعادةً وجودي بالقرب منك طوال العام المنصرم.

سيدي يسوع، ماذا أرى؟

ما هذه الأنوارُ الساطعة؟

يا لله! إنهم ملائكةُ الله

يسبِّحون ويترنَّمون بأجمل أناشيد السماءِ قائلين:

“لكَ المجدُ يا ابنَ الله المتجسِّد”.

ألا تسمع ترانيمهم العذّبة؟

ألا ترى وجوههم النيّرة؟

إنهم أجملُ من أنوارِ الشمس الساطعة!

وأبهى من كل ما تقع عليه العين البشرية!

إنهم يحيونكَ

إنهم خاشعونَ أمامك أيها المسيح!

يا لله ما أسعدني!

وما أهنأ انتقالي من دار الفناء إلى دار البقاء!

(يغمضُ عينيه ويستغرقُ في رُقادِهِ الأبديّ)

بطرس ينتحب

 

ما هذا الضعفُ يا بطرس؟

أتعترض على إرادة الله؟

كفكفِ الدمع،

وليكن إيمانُكَ بالله وطيدًا، ولا تحزن.

سيدي المسيح، يا يسوع، يا ابنَ الله، إن العاطفة البشرية قد تغلَّبت عليّ، وعاطفة الأبوة اعتلت قمةَ إرادتي، فصرعتها وكانت لها الغلبة. كيف لا أنتحِبُ، يا سيدي، وأنا الذي قُدتُهُ إلى حتفهِ! لقد أخذته معي إلى البحر كي أمرِّنه على صيد الأسماك. وعندما جذبنا الشبكة إلى اليابسة وفتحناها، قفزت منها سمكة، وتقلَّبت على رمال الشاطئ فأمسك بها محاولاً إعادتها إلى الشبكة. وكما يظهر أن سبابتهُ اقتربت من فيها فقرضتها، وحصل له التسمّم، مثلما تعلمُ، منذ الحادثة التي جرت من ثلاثةِ أسابيع.

إعلم، يا بطرس، أنكَ لم تكن السبب في ما حصل، بل كنتَ آلةً تنفذ إرادةً روحيةً معروفة. فقد أُوعز إليك من روحٍ ستعرفُهُ بعد حين، أن تأخذ أدُومَ معك إلى البحر. ثم دُفعتْ تلك السمكة من الروحِ نفسه، ففتحت فمها، وقرضتْ إصبعهُ، وثمّ ما كان يجبُ أن يتمّ

إذن، فلتكن إرادةُ الله حسبَ مشيئته، وليغفر لي بواسع مراحمهِ الشاملة.

 

 

 

دفن آدُوم

وفي اليوم الثاني ابتيع التابوتُ الخشبيُ بجميع ما كان قد توفر من النقود، ووضع فيه جثمان أدُوم. ثم وضع في عربةٍ سارت إلى مكانٍ يبعد عن بيروت بضعة أميال، وهو يُشرفُ على البحر المنبسط أمامهُ، ومن ورائه يقومُ جبلٌ مرتفع. وقد دُفن في تلك البقعة النائية المنفردة بإلهامٍ أتاني قبل وفاته بأسبوعين. وبعد الدفن أطلقنا اسم”حقل آدُوم” على تلك القطعة التي ضمَّت جثمانهُ. وهذه القطعةُ من الأرض.

سبق أن أخبرتُ العزيز بطرس بوجوبِ ابتياعها. وكان قد ابتاعها قبل أربعةِ أشهر من حادث الوفاة. رقدنا تلك الليلة بالقرب من جدثِ الراحل. وفي اليوم الثاني عدنا إلى مدينةِ بيروت، ونحنُ شاعرانِ أننا بحاجةٍ مُلحّةٍ لتعزيةٍ روحيَّة.

                                                                                                  بيروت، 1943

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!