حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
كَلِمَتي
قطعة من كبدي، و فلذة من روحي، و خلاصة من عناصري!
هي أملي التَّائه في بيداء هذه الحياة الصارخة الزاخرة بالآلام!
هي أمنيتي الضائعة في واحة هذا العالم
الذي تشيع فيه عناصر البؤس و الشقاء.
هي دموعي التي أقسمت على أن تظلَّ أليفة الحزن حليفة الانسكاب!
هي أحزاني الصَّادقة التي يطيب لها أبداً أن تمخرَ هذا العباب!
هي ( كلمات) شاب حزين، متألِّم بائس
آلت الأوصاب على نفسها أن لا تفارق له ظلاً.
هي ( كلمات) ستُخلَّد في بطونِ الكتب
بعد أن يصبح صاحبها راقداً في جوف حفرته الوفيَّة!
داهش
من كتاب ” القلب المحطم”
الأدب الرُّوحيّ
كتاب كلمات
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من كتاب كلمات
لماذا اوضعت هذا الكتاب؟
في بدء عام 1936 أحببت أن ادون ، في كل يوم من أيامه، كلمة أقولها ، و هكذا كان. فما انقضى ذلك العام حتى اجتمعت في نهايته هذه الكلمات التي تشرح نفسيتي شرحاً حقيقياً وافياً؛ و يجدها القارئ الكريم مجموعة في هذا الكتاب الذي يجده بين يديه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: أضيفت في هذه الطبعة كلمات كثيرة خلت منها الطبعة الأولى و منها الفصل الثالث” الكتب” و الفصل الرابع” كلمات من نار مبيدة”
المؤلف
إهداء الكتاب
إلى كل ثائر على أنظمة هذا الكون الأهوج السخيف.
إلى كل من تحن نفسه إلى الثورة الصارمة و البطش الذريع.
إلى كل من يخفق فؤاده بالكراهية لهذه البشرية الكاذبة.
إلى كل نفس عطشى لحب الانتقام الرهيب.
إلى كل من يحمل بيمينه معول الهدم
ليقوض به بناء هذه الجامعة البشرية الفاسقة .
إلى كل من صفعه الدهر صفعات هائلة،
فاستيقظ على نفسه و لكن بعد فوات الأوان.
إلى كل من تجرع كأس البؤس والشقاء حتى الثمالة.
إلى كل ساخر من جميع ما تقع عليه العين،
و ما يصل إليه الإدراك.
إلى كل من يتعشق السلطان و المجد و السؤدد.
إلى كل من تساوره الأحلام العذاب الهانئة في غدوه و رواحه.
إلى كل من يحتقر الحياة و ما تسخر به من سخافات زائلة.
إلى كل من لا يؤمن إلا بما تؤكده له اختباراته و تجاريبه السابقة.
إلى كل من لا يثق بأي مخلوق تطله السماء و تشرق عليه ذكاء.
إلى كل من يحن إلى السيطرة الشاملة لأوسع مراميها.
إلى كل من لا يؤمن ( بالصداقة) هذه الكلمة البغيضة إلى قلبي.
إلى كل من لا يثق( بالمرأة) هذه المخلوقة المتلونة المراوغة.
إلى كل من يدين بما أدين به.
أهدي كتابي هذا.
بيروت في 23 نيسان1939
كلمة عام 1935
لقد توارى عام 1935 بآلامه المبرحة، و شؤونه المدلهمة، و إحداثه القاتمة المرعبة؛ و ها أنا ألج باب العام الجديد ، بقلب واجف خافق، و نفس حزينة حيرى، و روح تائهة في فضاء المجهول، و دموع مدرارة حرى ، وكيان تتوزعه شتى الميول المتضاربة، و جسد يتنازعه كثير من الرغبات غير المستحبة…
و لكني أشعر في قرارة نفسي بصوت جبار تهتز منه أعصابي، و ينخلع له فؤادي ، و هو يهيب بي لأن أسحق تحت موطئ قدميّ أفاعي التمنيات المرعبة الشوهاء، و أن أقود جميع الأعمال الغير المرضية التي حاكتها يدي تحت جناح ليالي العام البائد، و أن أحاول، جهد المستطاع، أن أتغلب على ضعفي البشري الموروث، وأن لا أقدم عل أعمال يتندى لها جبيني خجلاً و حياء، و كي لا أقف يوماً أمام نفسي الخفية الحكيمة موقف الذل و المهانة و هي تحاكمني على ما اقترفته من إثم رهيب، و نقيصة بالغة، و من ثم تحكم عليّ بعذاب الضمير عذاباً أبدياً، و آلام الروح آلاماً سرمدياً، ثم الابتعاد عن وجه النور، وجه الحقيقة، وجه السعادة، وجه السناء، وجه البهاء، وجه الأمل العذب المرتجى، وجه ما ينشده الماء والهواء والفضاء و السماء، وجه من يتطلع إليه جميع الأحياء دون استثناء، وجه من تتمناه جميع المخلوقات معروفها و مجهولها، وجه الحقيقة الحقة العادلة، وجه الخالق عزّ و جلّ…
اللهم قوني و سدد خطواتي نحو طريق الفضيلة و الكمال، و لا تحجب نورك المرشد من أمامي كي لا أتعثر بعد ذلك في طريق الظلام الشامل، و كي لا أقاد إلى مهاوي الجريمة و الفساد. و دعني بقوتك الإلهامية أسير سيراً ترضاه الفضيلة و تطمئن له أعماق الخفية فأسعد بعد انقضاء أيامي القصيرة المحدودة، و أذهب هناك حيث لا كآبة و عناء، بل كل سعادة و هناء…
الدكتور داهش
المرأة
لسان المرأة أشد فعلاً من سيف الإمبراطور نابليون!
- من يكون ذلك القديس الذي لم تخطر المرأة بباله؟ لو وجد هذا لشبهته بالآلهة.
- أيتها المرأة، أنا لا أشك أبداً بأن قوتك هائلة جبارة ، و أنه ليست من قوة على الأرض كقوتك تسطو على قلوبنا الضعيفة بالنظرات الساحرة و الابتسامات العذاب.
- يا قلبي! ما أهون شأنك أمام لحاظ المرأة الفاتنة الساحرة! و كم يكون خفقانك شديداً مضطرباً حين تلامس يدك النحيلة أناملها الغضة و تخترق عينيك عيناها!
- تستطيع المرأة الجميلة أن تقوم بأخطر الأمور و أعظمها؛ و جمال المرأة كنز عظيم، لكنه خطر رهيب لا يفلت منه إلا من صفت نفسه، و سمت روحه، و ترفَّع عن كل ما تحويه هذه الحياة من سخافات و توافه.
- أشد ما أخشاه هو المرأة الجميلة الوجه، الساحرة العينين، المتشحة بثوب الرقة و الدلال!
- يا لسلطان المرأة ما أعظمه على هذه النفس! و يا لجمالها ما أعذب وقعه على القلب! و يا ما أشد حاجتي إلى العطف و الحنان!
- المرأة هي إله هذه الأرض الواسع السلطان. و هي تحمل بيدها سيفاً قاطعاً لو حاول رجال الأرض قاطبة انتزاعه منها لباؤوا بالفشل و الخذلان.
- جيوش جرارة لا عداد لها تدين له بما يريد، و كلمته قانون نافذ، و لو أن فيها الموت الزؤام. غزا بلداناً عديدة، و دك مدناً حصينة ، و أسر ملوكها و أقيالها، و فتح البلاد، و دانت له العباد، و في النهاية سجد أمام المرأة الضعيفة! إذاً فالمجد لا شك منقوش على جبينها بأحرف من نور و نار!
- ويل الإنسانية من المرأة المتهتكة ، فإنها بمفردها تكفي لأن تسقط مئات الفتيات، و توقع بشراكها آلاف الرجال.
- جميع الرجال حكموا على المراة بأنها ضعيفة كل الضعف، و الحقيقة تخالف هذا، إذ غنهم عبيد أذلاء أمامها!
- المرأة تحمل بيمينها مفتاح السعادة، و بيسارها معول التدمير و الشقاء.
- يا إلهي، ترى، ما السر في جمع كل الفتنة و السحر، و العطف و الرقة و الدلال،و العذوبة الهادئة، الهانئة، في المراة؟!
الصَّداقة
الصديق الحقيقي لا وجود له في هذا العالم الكاذب.
- ما اغبى من يظن ان الصداقة تدوم على مرّ الايام، و كرّ الاعوام!
- أنا أشك بنفسي و لا أثق بها، فكيف تريد مني ان اثق بك ثقة عمياء لا حد لها او لا يعد هذا منك منتهى الغباء، و غاية الجنون؟!
- لقد كان لي صديق في ما مضى؛ أما الآن فقد انقضى إذ تحول عن طريقي و لم يعد رفيقي فتلاشى من مخيلتي و توارى عن قلبي، واضمحل من افكاري، وابتعد عن أسراري، و نأى عن تمنياتي، و أقسي عن تصوراتي، و استحال إلى مخلوق لا عهد لي به، و لا عهد له بي.
- ما حزنت على شيء في العالم حزني على تلك الأوقات التي بددتها برفقته و قضيتها في صحبته.
- لن يمضي هذا العام حتى اكون قد أهملت ما اوجدته لي أيام العام الماضي، و ما ولدته لي ساعاته من أوصاب، و ما كشفته من نوايا بعض الأصدقاء المزيفين الذين تأنف أن تنزل إلى مستواهم ذئاب الغاب المفترسة، و ما شابهها من الضواري!
- لبعض الأشخاص ظواهر كالحملان الوديعة، و بواطن كالذئاب الخاطفة.
- أنا لا أؤمن بمخلوق، و لا ثقة لي بأقرب المقربين إليّ لأن الحياة الإنسانية مبنية على أسس شريرة، و ليست النظم البشرية كالنظم السماوية
- كل يوم أكتشف نوعاً من انواع الختل البشري فيزداد حزني و تنتزع ثقتي بهم، و لا أعود اطمئن إليه، و تنفر جميع ميولي و إحساساتي منهم، و أود لو أعتزل في أقاسي الغابات على أن أكون قريباً من اناس يظهرون غير ما يبطنون، و يقسمون الإيمان المغلظة وهم كاذبون ، وقاني الله منهم، و صان لساني من اكاذيب كأكاذيبهم…
- بحثت كثيراً عن رجل الصدق و الإخلاص حتى كلت قدماي من كثرة المسير، و لكن دون جدوى.
- لا تثق بمخلوق البتة، و لا تأمن لصديق مهما قرب إلى قلبك، و مهما ظننت أنه لا توجد غايات و تمنيات عند أقرب إنسان تعتقد فيه الصدق و الولاء.
- خاب فألي، إذ عرفت أن الصداقة الحقة إن هي إلا ظل من الظلال سرعان ما يلاشيه العدم، و يعفي عليه الفناء.
- آه على الصداقة و منها! إنها مفقودة، و لا وجود لها فوق هذه الغبراء الملعونة.
- ما أفدح ما طعنتني به الأقدار، و ما أمضّه على النفس! بل يا لهذا الفؤاد المعنى الحزين الذي حطمه لؤم أصدقاء كنت أظنهم أحب الناس لي، و أقربهم إليّ! و لكن رويدك، يا قارئي العزيز، لا تأمن لابن أنثى، و لا يخطر لك ببال أن الصداقة الحقة تحيا على هذه الأرض التي لا تزخر إلا بالنقائص و الرذائل.
- أنا ابن الأحزان و الأشجان، و لن أثق بعد اليوم بإنسان،إلى أن يواريني الجدث فأصبح في ضمير النسيان.
- حين تشك بأقرب المقربين غليك، تبدأ في فهم حقائق الكون و أسراره الخفية.
- الصداقة كلمة طالما آمنت بها؛ و في النهاية تكشفت لي حقيقتها، فبكيت بدل الدمع دماً قانياً؛ لأنني عرفت أنها خرافة باطلة.
- الصداقة، الحب ، الأمانة، الولاء، العطف، الإخاء، التضحية، نكران الذات، جميع ما ذكرت كلمات خرافية جوفاء، لا روح فيها و لا معنى لها.
الكُتُب
أحب الكتب حب السكارى للخمر، لكني كلما ازددت منها شرباً، زادتني صحواً.
- أمتع ما تهواه عيني مشاهدتها لمكتبي العامرة بآلاف الكتب الثمينة المتنوعة المواضيع. فنظري يتنقل من كتاب لكتاب فكتاب، مثلما يتنقل العصفور الغريد من غصن إلى غصن فغصن… حقاً إن المكوث بين الكتب و مطالعتها متعة لا تعادلها متعة على الإطلاق.
- الكتب هي طعامي المفضل. و نهمي لالتهام متنوعاتها لا يشبع فضولي مطلقاً مهما طالعت منها. فأنا أقرأها و أتذوق حلاوتها، و أنتشي بما تحويه من كنوز المعرفة التي أود فض مغاليقها، و استيعاب أسرارها المكنونة دوماً و أبداً.
- حبي، بل شغفي الشديد لمطالعة مختلف أنواع الكتب… يسري مع الدماء في عروقي.
- و اجمل ما اتوق لمشاهدته ركام من الكتب، و تلال من مؤلفات الفلاسفة و الحكماء، و جبال مما أنتجته قرائح العلماء و المكتشفين و المخترعين، و خلاصة ما تمضخت به عقول و أفكار الأدباء الأفذاذ، و الشعراء الملهمين المبدعين.
- الصديق الوفي هو الكتاب. فإليه ألجأ، و في رحابه أرتع. ثم أجوس صفحاته، منقباً فيها، ذارعاً سطورها، متمعناً فيما أطالعه، هائماً في الحوادث المسطورة التي تروي أخبار الملوك ، و حوادث القياصرة، و بذخ الأباطرة، و تقص مغامرات الرحالة و المغامرين، و حروب القواد و الفاتحين، متتبعاً فيها قصص الحياة و الموت.
- عندما يتوقف قلبي عن الضربات، و يلحد جسدي في حفرته الصامتة الموحشة، اود أن ترافقني جيوش لجبة من الكتب، يدثر بها جسدي المسجى في حفرته الخالية الباردة المنسية. فالكتاب خير رفيق لي في حياتي، و اتمنى أن يرافقني بمماتي.
- للكلمة قوة تخشع أمامها القنابل المتفجرة،
و تنحني لديها الصواريخ المدمرة،
و تجثو لسيطرتها المدافع الهادرة بجبروت،
فالثورة الإفرنسية ما كانت لتندلع، و تجتاح الملكية،
إلا بفضل ما دونه يراع فولتير وديدرو و ورسو و غيرهم…
ودريفوس ما كان له أن يغادر سجنه الرهيب بجزيرة الشيطان،
لو لم ينقذه دفاع إميل زولا، ذلك الدفاع الرائع!
فكلمات زولا هي التي حطمت قيود دريفوس،
و أطلقته حراً كريماً مرفوع الرأس.
و هكذا دمرت كتابات رائعة قوات جبارة غاشمة،
فعصفت بها عصفاً مبيداً، و تركتها ركاماً مبعثر الأشلاء!
- ما الكتب النفسية سوى يواقيت ثمينة و مجوهرات يتيمة،
أغوص بين صفحاتها لأصطاد لآلئها النادرة،
و ألتقط كنوزها الموصودة؛
و أجوب رحابها الطليقة،
متنقلاً في سهولها و بواديها،
صاعداً لأعلى قمم جبالها المشمخرّة،
هابطاً لأوديتها السحيقة الاعماق،
سابحاً بأوقيانوساتها اللانهائية،
مستطلعاً أنباء الملاحم الكبرى،
متنقلاً في عواصم الكرة الأرضية،
و أنا جالس وراء مكتبي.
لهذا، فإني أفضل الكتب على الماس و الزمرد و اليشب،
و كل أنواع المجوهرات النادرة اليتيمة.
- عندما أشاهد مكتبتي المحتوية آلاف الكتب المتنوعة المواضيع، تسر عيني، و تبتهج نفسي، و تنتشي روحي؛ و مثلما تطرب الآذان لسماعها أنغام الموسيقى العذبة، هكذا تطرب نفسي، و أنا أتنقل بين مختلف أنواع الكتب، التي تضم بين دفاتها سير الحياة بمباهجها و مآسيها.
كلمات من نار مبيدة
أنا صاحب حق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار. و إذا تشددت في طلب حريتي المعتدى عليها، فذلك لأن الله وهبنا هذه النعمة السماوية. فلا و لن أرضى أن يستعبدها أي مخلوق.
لو كانت ثورتي الجارفة ضد أعدائي غير محقة لأصغيت لكل من يريد مناقشتي أو مجادلتي. و لكنني صاحب حق صريح اعتدى عليه حكام وصوليون ظالمون… لهذا لا أقبل بأيّ مناقشة أو جدال. و سأمكث على مهاجمتي العنيفة المستمرة حتى أنتزع حقي المغصوب، و أستعيد حريتي السلبية.
نفيت لأني اتهمت بكوني أثرت في نفوس أتباعي الثورة الجارفة، و نفثت في أرواحهم حب تقويض آرائك الحكام المستبدين.
إن الله- جلت قدرته- هو الذي وهبني نعمة هذه(الثورة) التي هي _ثروة). و ذلك لكي أنقضّ بها على كل مستبد غاشم انتصاراً للضعيف المعتدى على حقوقه الانسانية.
القوة الغاشمة سلاح الحكام الظلام. أما ( الحق) فهو سلاح المجاهدين الذين لا تلتوي قناتهم أمام هذه الطغمة الوصولية المدلسة.
نحن قوم مسالمون كالحملان. و لكن، عندما يعتدي الظالمون على ( حريتنا) التي هي هبة من لدن الله – جل اسمه- إذ ذاك ننقلب إلى نسور كاسرة، وننقض على أولئك المعتدين، و نمزق لحمانهم تمزيقاً و بذلك نؤدبهم تأديباً رهيباً جداً.
نحن قوم مسالمون، نحترم ( صاحب السلطان) ما دام يحترم( حريتنا). أما إذا حد من حريتنا المقدسة- هدية الخالق للخلائق- فإذ ذاك، ننقلب إلى أسود ثائرة مزمجرة زئرة و نبطش بهذا الحاكم الجبان، و نؤدبه تأديباً مرعباً مرهباً، و نجعله عبرة لكل معتبر.
الحرية: منحة السماء لأبناء الأرض. فمهما حاول ( الحاكم الوصوليّ) أن يعتدي على ذمارها، فإنها تعود لتنقلب عليه، و تعميه برشاش غبارها.
الجبان – في شريعتي- ليس أهلاً للحياة مطلقاً. فإما أن ( نجبن) فيستعبدنا القوي الغاشم، و إما إن نظهر ( شجاعتنا)، و نطلق( بطولتنا) فننتزع بواسطتهما ( حريتنا) المقدسة الخالدة.
دولة الظلم و الشرور و ما كانت ترتكبه من حقير الأمور ستتقوض أركانها الواهية سريعاً لتستقر في بطون القبور، و تمكث فيها حتى يوم النشور.
يجب على المظلوم المعتدى على حقوقه و حريته أن يرجم ظالمه بصواعق مزلزلة تردّمه و تدمره، و تجعل عاليه سافله.
يا رجال التشريع و القضاء!… إن شرائعكم هي إحدى مهازل هذه الدنيا و مساخرها. فالقوانين ليست بقوانين إذا طبقت على الضعفاء و الفقراء دون الأقوياء و الأغنياء. فالحرّة ترغمونها على الأكل من ثدييها ثم تطلبون محاكمتها. و سارق الرغيف تلقونه في غياهب السجون..أما سارق الألوف فانكم تشاركونه الغنيمة و تتقاسمونها فيما بينكم، فيا للعار!..
إذا انتصر الظلم على العدل بعض الوقت، فلا بدّ من يوم يبطش فيه العدل بالظلم، ثم يجعله عبرة للأجيال الزاحفة.
مهما حاول الطغاة البغاة أن يدفنوا الحرية فلن يستطيعوا؛ لأن الحرية خالدة حتى الأبد و إلى يوم يبعثون.
الويل لأمة تنتخب صعلوكها الحقير و تجلسه في كرسيّ الرئاسة الأولى، و تحكّمه في رقابها، كي يذلها، و هو الذليل ابن الذليل.
من رضع حليب الخنى من ضرع الزنى، و من امتزج بالوقاحة و اندمج بالقباحة، ليس عليه ان يصم سواه بما هو غريق في محيطه السحيق الغور البعيد القرار.
إن القاضي الذي يمالئ صاحب السلطان على مظلوم غائب لهو في نظر الجميع أوغد الأنذال و ألأم الرجال!
يظن بعض الأنذال الأدنياء أنهم يبيضون صفائحهم بتسويد صحائف الأبرياء، غير عالمين بأن الدوائر ستدور عليهم و تشهرهم.
إن كرسي الحكم لا يشرف صاحبه و لا يرفعه، بل الجالس عليه هو الذي يرفع من قدره. أما فاقد الشرف، الخالي الوفاض من الفضيلة، المسوق كالدابة بواسطة امرأة مستهترة فاجرة منغمسة بالرذيلة،فإنه يهوي بهذا الكرسيّ الهزيل إلى دركات الانحطاط، فيدنسه بجراثيمه الطاعونية و يلوثه.
ما كان أشد إحتقاري للأديب النحرير والشاعر الكبير، عندما شاهدته ينحني للرئيس المعتدي على الحرية، وإذاه يكاد يكنس الأرض بذقنه لفداحة انحنائه!
- الرجال نوعان: رجال يقبلون أقدام السادة ليصلوا الى المجد، ورجال يقبل المجد أقدامهم ، وهم يتأبّون
- ليس الله مع الظلم بل مع الحق.
الرئيس الظالم
أشبه رئيس الدولة الظالم المستبد بمزبلة موبوءة تكدست فيها أنتن الأقذار…
أما المتزلفون له ، و الملتفون حوله، و الناسجون على منواله ، و الضاربون على طبله، و العازفون على مزماره.. فهم أحطّ انواع الحشرات الموبوءة و أدناها:
فمن ذبابة كريهة دأبها التحويم على الجيف العفنة؛
إلى صرصور دائم التمرغ بحماءة النجاسات؛
إلى خنفساء ملوسة بطاعون هذه الجراثيم؛
إلى ديدان ديدنها التغلغل في جوف هذه المزبلة لتستقترها خلاصة قيحها و صديدها.
أما الشرفاء، أما النبلاء، أما من يدعونهم فقراء- و هم الأغنياء بأخلاقهم- فإنهم ينظرون من قمة نزاهتهم و عدالتهم إلى هذه الحشرات الحقيرة التي يزاحم بعضها بعضاً على وليمة الأقذار الناضجة بالنتانة ، و يعجبون من الأخلاق تسفّ بهؤلاء الحشرات، فترفع سيقانهم، و تنكث رؤوسهم.
و يرنو الدهر، و هو يكشّر عن انيابه الرهيبة، محولاً رأسه نحو رئيسهم الشرير، و يعصف به، ثم يردم آماله الفضية، و يقود احلامه الذهبية.
فيرتعد هذا الجبان من الوجد، و ينكص على قدميه من شدة الخجل. و ينظر إلى اعوانه… فإذا بهم من غدروه و غادروه، غيلا مأسوف عليه، كي يبحثوا عن جيفة أخرى يتلهون بها شأن الأدنياء، بعدما نفض القدر يده الجبارة و انتزع من رئيسهم أريكة حكمهم السرابية.
و هكذا لا يتبقى له من مجده الماضي المزعوم و عزّه الموهوم غير اثنين لا ثلاثة لهما: هو و مزبلته الأخلاقية النتنة.
فلا بارك الله فيه، و لا بارك الله بأعماله و مآتيه
رجال الدين
ذئابٌ مُفترسة
رجال الدين.. أبالسة الدنيا، بل وقود الجحيم في العالم الثاني
إنهم … كذبة مراؤون، بل أثمة مداجون
يدعون أنهم لخطوات السيد المسيح يترسمون
و خطواته الطاهرة بريئة من أضاليلهم المنكرة
هم يقطنون القصور الشامخة يسمونها ( أديرة)!
و لم يكن لفاديهم مكان ليسند إليه رأسه في العالم الثاني.
خسئ كاهن كذوب
يدعي أنه يذبّ عن الدين بالجهاد.
مين و غش ذا الادعاء،
فإنه أفاك يخدع سذج العباد.
أنا ما استطاع اقناعي
مطران و بطرك و بابا
بقولهم إنهم من الزهاد
أروم الرحيل من دنيا
أصبحت لديّ خاوية،
فالقس فيها شيطان رجيم
تقمصته فيالق الزبانية.
كالصل الأرقم ينفث فيك سمه
فيا له من أثيم باغية!
و كالذئب عندما ينقض على الحملان
فإذاها فريسته ثاغية!
حِكَمْ وخواطر مُتنوِّعة
ما أحقر الإنسان ، و ما أهون شأن ما يأتيه من اعمال! بل ما أتعس ما يفكر فيه و يذهب إليه! يا ليته لم يوجد! و يا ما احلى و أبهى لو انه ظل في ملأه العلويّ نقياً طاهراً من أدران هذه الحياة و أوضارها!
أشبه الحياة بقفص رهيب هائل، و البشر بالطيور الرازحة فيه، و مهما بذلت الطيور من مساع و جهود لإجتياز نطاق القفص، لا تستطيع النفاذ منه، حتى يأتيها داعي الموت و يحررها من تلك العبودية الصارمة، و يعتقها من ذلك القيد الثقيل.
ما أقصى هذه الحياة و ما امرّها! و ما أتفه ما تبديه و أسخف ما تواريه!
الحياة شقاء، و الموت هناء، الحياة تعاسة و الموت سعادة، الحياة عذاب و الموت راحة، الحياة هي الموت، و الموت هو الحياة، فدعني، ألهم ، ألج باب ذلك العالم بقلب نقيّ تقيّ.
أشبه نفسي بسفينة صغيرة تتقاذفها لجج المحيط الثائر الصاخب، و هي وحيدة بين أمواجه المتلاطمة الهوجاء ترقب فرج الله العظيم، و تؤمل في اعجوبة تنقذها من ذلك العذاب المقيم، و تبعد بها عن هاتيك الأنواء العاصفة المزمجرة و لكن بدون جدوى.
كن حذراً من تقلبات الأيام و تغيرات الأعوام، لأن قانون الحياة هو الاستمرار على التحوير، و نظام الكون دائب أبداً على التغيير.
ما أجمل الإنسان حين تكون أفكاره متجهة شطر السماء! و ما أخبثه، بعد أن تلوث الأدران الأرضية طهارة تخيلاته، و نقاء تصوراته! و شتان بين الحالتين!
أنا مشوق إلى عالم بهيّ لم تقع عليه عين بشرية بعد، فيه جميع ما يدور بخلدي، و ما يقع تحت تصوري، و ما يجول في أعماق نفسي، فهل سيحقق حلمي السماوي، أم يغشني عليه الضباب، فيتلاشى و يذوب؟
لا بارك الله في تلك الساعة التي فتحت فيها عينيّ فإذا بي في مكان يطلقون عليه اسم” العالم”.
أمجاد هذا العالم وهم باطل، و لون حائل، و ظل زائل.
رغماً عن معرفتنا بأننا سنغادر هذه الحياة عاجلاً أم آجلاً، ترانا متهالكين على سقطها و متاعها كأننا مخلدون!
الموت يقظة جميلة ينشدها كل من صفت نفسه و طهرت روحه، و يخافها كل من ثقلت أفكاره و زادت أوزاره.
أنا لا أؤمن بأنه يوجد حتى و لو عشرة من الأرواح التقية بين هذه الملايين الزاخرة منذ فجر الخليقة حتى الآن!
العدل كلمة خرافية مضحكة.
جميعنا مغترّ مخدوع ببعضه البعض.
نحن ظلال سرعان ما تمرّ في وادي الحياة و تتلاشى.
أنا أقرأ اليوم كتاباً يثوي صاحبه في حفرة باردة خالية منسية، و غداً يقرأ كتابي آخرون، بينما أصبح سراً مكتوماً يواريه الجدث في أحشائه الرهيبة المظلمة.
ما اعظم قوة الله و ما أرهب جبروته!
أنا غريب في هذا العالم، و كم احن إلى تلك الساعة التي اعود فيها إلى وطني الحقيقيّ.
الحياة سفينة عظيمة رائعة تمخر في بحر، ماؤه الآثام البشرية الطافحة، و امواجه شهواتهم البهيمية الطامحة، و شطآنه نهايتهم المؤلمة الصادعة.
لو كشف الحجاب أمام الانسان و شاهد ما يخبئه المستقبل بين طياته من آلام و أحزان، لصعق هولاً و رعباً.
لا معنى لحياة الانسان إذا لم يقم بعمل انسانيّ جليل.
إعمل الخير، و اعضد المساكين، تحصل على السعادة.
نحن لا نلجأ إلى الله إلا حين تحيق بنا البلايا، و تكتنفنا الرزايا.
رغماً عن تقدمنا في العلوم، و قطعنا بها شوطاً عظيماً، فإننا ما نزال أمام معرفة أسرار العالم الآخر خاشعين، لا نستطيع كشف ذلك الحجاب الذي نقنع به، و لن نستطيع ذلك.
الويل لهذه البشرية المعذبة من الآلام التي تكاثرت عليها و التي ما زالت رهينة المجهول الآتي
الموت ملاك رحمة سماويّ يعطف على البشر المتألمين، و بلمسة سحرية من انامله اللطيفة ينيلهم الهناء العلويّ و الخلود السرمديّ.
ما انقى من يتغلب على ميول جسده الوضيع الفاني، و يتبع ما تريده الروح النقية الخالدة! إنه ملاك!
ما أبعد الطريق التي قطعتها سفينتي دون أن تبلغ مرفأ السلام و محط الأماني و الأحلام!
الألم خير مهذب للنفس، ولولاه لما عرفت معنى لحياتي و لا كشفت لها سراً.
الحياة خير معلم و مؤدب، و خير واق للمرء من الانزلاق إلى مهاوي الحضيض.
أنا أؤمن بأنه توجد عدالة سماوية، و أن جميع ما يصيبنا في الحياة الدنيا من منغصات و اكدار إن هو إلا جزاء وفاق لما اجترحناه في أدوارنا السابقة من آثام و شرور، و لهذا يجب علينا أن نستقبل كل ما يحل بنا من آلام الحياة و مآسيها، غير متبرمين و لا متذمرين، بل قانعين بعدالة السماء و نظمها السامية.
كلنا ذلك الذئب المفترس، يردع غيره عن إتيان الموبقات و هو زعيمها و حامل لوائها، المقوض لصروح الفضيلة، و رافع أساس بناء الرذيلة!
حياة المرء كالعشب الذي نراه اليوم نضراً زاهياً ثم نعود نراه مندثراً متلاشياً. فيا الله ما أتفه هذه الحياة!
ما أشق حياة الانسان، و ما أكثر آلامه على هذه الأرض! بل ما أشد تمسكه بها و إقباله عليها بالرغم من انه يدرك إنه إنما يحيا حياة لا معنى فيها للفرح و لا قيمة فيها للحزن.
نحن أمواج نتدفق في خضم هذه الحياة الصاخبة، و لكن على غير هدى و إلى وجهة غير معلومة.
ما أرهب المجهول؛ و ما أشد مخاوفه الوهمية!
الحياة سلسلة اضطرابات و اهوال، و المرء يتقلب في أعماقها، حتى يأتيه داعي الموت، فيذهب إلى المجهول الرهيب، و هو يجهل موته، كما كان يجهل حياته!
أشعر بأني أحوي في اعماقي قوى روحية خفية هائلة تود الانطلاق، لتقوم بعمل خطير عظيم، و لكني إكبتخها إلى أجل معلوم، و لن يمضي غير قليل حتى تتفجر ينابيعها، و تجتاح في طريقها كل ما يعترضها من حواجز و عقبات، ثم تبرز للعيان جلية واضحة لا لبس فيها و لا غموض.
رهبة المجهول شقاء للبشر الجاهلين للأسرار الروحية، و سعادة للذين تكشفت لهم الحقائق السماوية.
أيتها العاطفة الجارفة، أيتها الشهوة البهيمية، لقد مزقت حجاب الخجل، و رقصت على أشلاء الأدب، أيتها الشهوة الجامحة! عظيم ذلك الرجل الذي يستطيع التغلب عليك، و يطأك بإرادته القوية، كما تطأ النعال الأرض!
ما ارهب هذا الكون و ما اعمق سر النجوم، و ما اعجزنا عن إدراك سر الفضاء! بل ما أسخفنا حين نطلق على بعض البشر اسم ” فلاسفة”! يا للشين و يا للعار!
من العار أن تموت قبل أن تقوم بأعمال الخير نحو الإنسانية.
ألا فليعلم البخلاء أنهم سيطرحون في قعر الجحيم مسلسلين مغللين، و أنهم سيسامون الخسف و الذل و الهوان، و سيطعمون المر و الصاب و الغسلين، و سيساطون آلافاً من السنين بسياط محبوكة بدنانيرهم الدنيوية التي كانوا يكتنزونها و دون ربهم يعبدونها، فتمزق تلك الدنانير البراقة جلودهم، ثم تنثر لحومهم في أرجاء الهاوية التي تضج بأنينهم الرهيب و خوارهم العجيب،و لكن عبثاً ستمضي توسلاتهم، و هباء ستفنىآهاتهم. و سيشرح جزاؤهم المخيف العادل صدر كل من كان لهم عاذلاً. فليتعظ لبخلاء، و ليستغفروا ربهم! إنه تواب رحيم.
شيء عظيم في النفس العظيمة، أما في النفس الحقيرة فكل شيء حقير.
الاسلام سفينة حصينة امينة يستقلها المؤمنون يوم الكريهة، فتجري بهم في محيط المحبة و الاطمئنان حتى تبلغ بهم إلى شاطئ السلام و الأمان.
عندما تغرب شمس حياتي ، عند ذاك سيتحدثون عن خوارقي و معجزاتي.
