حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
السعادة السًّرابيَّة
السعادة… يا صاح، صورةٌ خياليٌّ يراها كلٌ منها
إنَّها أنشودة الخلائق، وأمنيتُهم الوحيدة
إنها… حُلمُهم الذهبي، وجوهرتهم الفريدة
نحن نباهي بها، وندعوها بأحبّ الألفاظ وأرق الأسماء
ونتفانى بها إذ أنّها منتهى الرجاء
ولكن واسفاه… نُناديها فتُشحُ بوجهها عنَّا
الدكتور داهش
من كتاب ” بروقٌ ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
أسرار الآلهة "جزءين
ليس من يكتب للهو كمن يكتب للحقيقة
قيثارة الآلهة الجزء الأول
السعادة السًّرابيّة
السعادة…يا صاح، صورةٌ خياليٌّ يراها كلٌ منها
إنَّها أنشودة الخلائق، وأمنيتُهم الوحيدة
إنها… حُلمُهم الذهبي، وجوهرتهم الفريدة
نحن نباهي بها، وندعوها بأحبّ الألفاظ وأرق الأسماء
ونتفانى بها إذ أنّها منتهى الرجاء
ولكن واسفاه… نُناديها فتُشحُ بوجهها عنَّا
من كتاب “بروق ورعود” للمؤلف
الدكتور داهش مؤلف الكتاب
إهداء الكتاب
إلى الروح التي ما زالت ترفرف حائمةً فوق رأسي.
إلى التي علمتني معنى الحب السامي الملائكي بطهارتها.
إلى التي تتساوى بنقائها مع الملائكة الأطهار.
إلى حوريّة الغاب المتوّجة باكليل من الغار.
إلى التي لا أطمع يومًا بعد الآن في رؤيثتها.
إلى التي علّمتني بجمالها السماوي عبادة الجمال.
إلى التي حببتني بالحياة، بعد كرهي الشديد لها.
إلى التي فتحت مكنونات قلبي واسراره الخفية.
إلى التي تبعث في ميت الآمال وتذكيها، ولا آمال.
إلى التي أحبّتعها روحي منذ القدم، وإلى الأزل.
إلى من ارتشفتُ من رحيقها الخمري المُسكر حتى ارتويتُ.
إلى التي لو تجسمت لي (أفروديت) – إلهة الجمال – لتسليني عنها لما سلوتُها…
إلى الروح التي تعانقت معها روحي منذ الأزل.
إلى الفتاة الفتَّانة التي وهبتُها قلبي وروحي.
إلى معبودتي لا بل إلهتي (ديانا) الرائعة الجمال.
أُقدّم هذا الكتاب.
الدكتور داهش
مقدمة الكتاب
هذا الكتاب ألفته منذ ستة وأربعين عامًا انطوت أيامها، واندثرت آثارها، وتبدَّدت رياحُها.
وكنت يومذاك بعنفوان الفتوَّة ونضارة الصبا.
ويومذاك أحجمتُ عن نشر هذا الكتاب، إذ أردتُ أن أخرجه بصورةٍ أنيقة للغاية، كما صمَّمت على تزيينه برسومٍ فنيَّة رائعة.
ورحتُ أبحث عن فنان متمكّن من فنِّه في البلاد العربية، ففشلتُ بمسعاي إذ لم أجد أيّ فنان بإمكانه إخراج الرسوم الفنية المطلوبة. فأرجأت طبعه إذ لم أحبّ أن أطبعه طبعةً عاديةً كالكتب التجاريَّة المتداولة.
وفي مطلع عام 1936 طبعتُ كتابي “ضجعة الموت” بمطبعة شنلِّر الألمانية بالقدس وكانت حينذاك أهمّ مطبعة في الشرق.
وكنتُ قد عثرتُ على فنانٍ إيطالي اسمه (موريللي) بالقاهرة فكلفته أن يرسم لي رسوم كتابي “ضجعة الموت”. والحقيقة أنني لم أعجب بمقدرة هذا الفنان، وكنت أودُّ أن أعثر على فنان يفوقه بالإبداع.
وقد خرج كتابي “الضجعة” بحلّة أنيقة قشيبة مُدهشة. والحق الذي يجب أن يقال أنه بعد مرور أربعة وأربعين عامًا على طبعي لهذا الكتاب لم يطبع كتاب آخر سواه، يكون بمستواه الفنّي، بين مئات الآلاف من الكتب التي طبعت بجميع البلاد العربية.
إذ طبع بألوانٍ أربعة طباعة أنيقة للغاية؛ وقد خطّه الخطاط المشهور نجيب الهواويني، والخطاط محمد حسني.
والورق صقيل، ومن النوع الممتاز للغاية، وتجليده فنّي، وأناقته مثلى.
ذكرت هذا لأبين السبب الذي منعني من طبع كتابي “قيثارة الآلهة”، إذ أردتُ أن يخرج بصورةٍ تتفوق على كتابي “الضجعة”.
ومكث الكتاب في درجه طوال هذه الأعوام الستة وأربعين. وأخيرًا نفضتُ عنه غبار الأيام، ودفعته للمطبعة بعد رقاده الطويل.
ويجد القارئ قطعًا عاطفية مختلفة كتبتُها وأنا في طور المراهقة التي انطوى عهدُها وانكفأت دفتها.
وكتابي “قيثارة الآلهة” يبرز الآن إلى الميدان ليُوقّع ألحانه على قيثارة الحبّ مستعبد الرجل والمرأة مذ خُلقت حواء وآدم، وحتى نهاية أيام كرتنا الأرضية.
فالحبُ هو غايةُ الرجل وأمنيّة المرأة، فلولاه لتوقفت نسمةُ الحياة في دنيانا، ولأصبحت قفرًا يبابًا وبلقعًا خرابًا…
وليتَ الأمر كان هكذا…
إذًا لما كان شقاء وبلاء، وكربٌ وعناء.
ولكن رغمًا عن الأهوال التي تحيق بالرجل والمرأة نتيجة الاتِّصال الجنسيّ، فانهما يستميتان في سبيل جنى تلك اللذَّة العابرة، رغمًا عن تأكدهما ممّا سيلاقيانه من أهوالٍ ومنغصاتٍ مُتسلسلة لا نهاية لها.
وقد سبقهما لذلك أبوانا الأولان آدم وحواء، إذ فضّلا هذه اللّذة على الجنة التي طُردا منها بعد إقدامهما على أكل الثمرة المحرَّمة.
وبعد، لقد دفعتني فتُوتي، يومذاك، أن أخوض ميدان العاطفة، فدوَّنتُ توقي بكلماتٍ وجدانيّة يراها القارئ مسجَّلة في هذا الكتاب الذي أسميتهُ:
“قيثارة الآلهة”
بيروت، الساعة الثامنة من صباح 29/4/1980 الدكتور داهش
عام 1933
حياتنا التَّافهة
عندما قذف بي العدم إلى عالم الوجود،
كنتُ ذرةً في عالم الهناء والخلود.
في تلك الدقيقة، كتب عليَّ الشقاء والعناء
في خضمّ هذه الحياة.
بين الآلام المُمضَّة ترعرت،
وفي أحضان الشقاء والكرب العميق كانت نشأتي،
إلى أن أكملتُ العاشرة.
فمنذ ذلك التاريخ،
أبتدأت المعرفة الدنيويّة تنطبع في أعماقي،
واتخذتُ عادات البشر لي قانونًا،
أسير على ما يسيرون عليه.
ونُقِشَ أيضًا في نفسي الحزنُ والفرح،
وكلُّ العوامل البشريَّة الأخرى
التي لم أكن مقيَّدًا بها قبل مجيئي إلى أرض الفساد.
وحتى أكملتُ العشرين
بقيتُ في كدٍّ وجدٍّ وشرور وآثام لا عدَّ لها.
وكانت كلُّ هذه الشرور خاضعةً بأكملها
للقانون الأرضي الذي يسيرُ عليه الجسد
الذي هو غلافٌ للروح.
كنتُ قبل مجيئي إلى الأرض لا أعرفُ عنها شيئًا البتَّة،
لأن كل ما قمتُ به
كان من مطالب الجسد المادّيّ لا الروح العلويّ.
إذًا لِمَ قضت الإرادة بمجيء الصلاح الطاهر
ودمجه في الطلاح الفاسد؟
فكرتُ كثيرًا دون أن يفتح عليَّ بفهم ذلك،
فتركُتُه إلى أن تأتي ساعة معرفتي.
عشراتُ السنين تصرَّمت،
وإذا بظهري قد تقوَّس من مرور السنين
التي حملتُها مُرغمًا.
فيا لها من أعوامٍ تأتي مسرعةً كالبرق الخاطف.
إذ ذاك اعتمدتُ رأسي بيدي،
ورحتُ أهيم في بوادي التخيُّلات،
علَّني أفوز بحلٍّ مقبول.
ولكنني وأأسفاه! عدت دون نتيجةٍ منطقية.
إنَّ الحياة يا أخي ليست سوى وهمٍ باطل وظلٍّ زائل.
فالأنهار الجارية وهي تصطخب،
والبحار الثائرة وهي تزمجر،
وكل ما في الكون من صاخب وصامت،
سيعتريه الذبول فالأفول.
فإذا ما ولت بعد ذلك صلةُ الحياة،
وغمرت الكائنات شوكةُ الموت المسيطر،
من تلك النقطة فقط تبتدئ حقيقة معرفة الكائنات
والحياة التي كنَّا نحياها سابقًا،
فتَعلم مبلغ الخطأ الذي كان جسدنا الماديّ
يحاول إقناعنا به كحقيقة واقعة،
لأنَّه منْها وهي منْه؛
وهو عندما يتلاشى نبتدئ نرى بعين الحقيقة
كل أخطائنا الماضية، فنأسف لجهلنا الصارخ،
ولكن لا نفع في الندم.
هناك، ننتشي برحيق الغبطة الخالدة الأزلية،
وننعمُ في الطهر والنقاء الناصعين،
وننشد أهازيج النصر مع الملائكة الأطهار،
لانتصارنا على المادة ورذائلها الأطهار،
لانتصارنا على المادة ورذائلها الخسيسة.
هناك، حيث لا مكر ولا حسد،
ولا كبرياء ولا دناءة،
ولا سفالةً ولا جريمة،
ولا بغض ولا نقيصة،
بل حب شامل، وسرور كامل،
إذ يظللنا العلي القدير،
ويرعانا بحنانه اللانهائي.
ولكن، متى يأتي ذلك اليوم السعيد؟
وهل يجوز لنا الاندماج مع الملائكة الأطهار،
قبل أن نكون قد كفرنا عن أعمالنا الشريرة
تكفيرًا ينيلنا ما نصبو إليه؟
كلا، بل يجب علينا التكفير أولاً،
وعندها نستحق أن ننعم بالسعادة الخالدة.
ومن أعالي السماوات،
تتراءى لنا من خلال الأزمان السحيقة
صورُ أعمالنا الماضية كغمامةٍ سوداء مرعبة،
تذكرنا بما كنا نقوم به عندما كانت المادةُ
هي العامل المتسلط على عقولنا ونفوسنا.
فلنصرع إلى الله تعالى
أن يرشدنا إلى الطريق القويم،
كي نقوى على محاربة الأدران والشرور،
فنقرب وقت خلودنا،
حيثُ السعادة مع الأتقياء الأنقياء،
وإلا فالويلُ ثم الويل لنا
إن بقينا بعيدين عن جادًّة الصواب والحقّ واليقين.
عام 1933 داهش.
ذكريات الماضي
في هذا المكان نفسه،
وقبل سنين طويت،
وعلى هذا المقعد الورديّ اللون،
جلست الصبيةُ التي اخترتُها حبيبةً لي!…
إلى هذا الرسم الزيتّي
المعلق فوق رأسي،
كانت تطيل النظر بعينين جميلتين فتاكتين!…
وعلى هذه الخُدّيدَة الريشية،
أسندت رأسها الصغير بدلالٍ وغنج،
ففتنتني… وهاجت منّي الشعور!…
ومن هذه الكأس المذهبة التي ما زلتُ أحتفظ بها،
رشفتُ قطراتٍ مسكرة تحويها في داخلها،
فسبحتُ في عالم الرؤى والخيال!…
كلُّ ما ذكرتُ… مضى بمضيّ السنين المتوارية!
وقد لا يعود!…
إن الذكريات كل ما تبقى لي،
من سعادة تلك الأيام الموغلة في الهروب…
إنها أحلامٌ عذاب! وكلُّ ما فيها مستطاب!…
أما اليوم،
فلفقد حلَّقت المرأة التي أحبَّها قلبي،
بعيدةً عني…
إلى مكانٍ ناءٍ في بطون القرون والأجيال!…
هناك… حيثُ لا تكون أجسامٌ
كأجسامنا المقيدين بها إلى الآن!
إني ما زلتُ أرى آثار أنامل الفتاة
التي عبدتُها بالأمس،
ولا أزال أعبدُ ذكراها، ظاهرةً بوضوح،
على بعض الأثاث المبعثر في أنحاء الغرفة
التي كانت لا تحبُّ الجلوس إلا فيها،
والباقي كما هو! وكما سيبقى بدًا…
حتى… وعطرُ أنفاسها المسكرة،
ما برحت تعطّر جوّ الغرفة الصغيرة
التي ما زلتُ أجلس فيها حتى اليوم!
وما زالت أذناي تشعران
بوقع نغمات صوتها المحيي فيهما!
فتعاودهما نشوة… وصبوةُ حنين…
إلى تلك الأيام الغابرة العابرة!…
ولكن أوَّاه!…
فإنَّ (المرأة) التي كنتُ أحنُّ إليها،
وأحيا بها، ولها،
خلفتني وحيدًا،
وذهبت عني بعيدًا!!…
إذ ذهبت إلى مكان قصي!،
عامر بالأشباح والطيوف الهيوليَّة الغير المرئية!…
ومن هناك،
تنظر إلى ما أنا فيه الآن
من بؤسٍ نازل، وحزنٍ قاتلّ
فتحزن لحزني، وترثي لحالتي
التي أوصلتني إليها مغادرتها إيِّاي
وحيدًا، فريدًا!!…
إن أكن قد بتُ وحيدًا…
ولكن روحها الغير المنظورة تقويني،
وتهديني… فتعزّيني!!..
ولا من يستطيع إقصاءَ شبحها
الماثل دومًا أمام مخيلتي!…
إذ كل يوم!… وفي ظلمة الليل الحالكة،
أتمثلها أمامي معيدًا ذكرى الماضي الآفل…
إلى أن يرسل الفجر أولَ خيطٍ
من خيوطه النورية!…
وبعدها تتلاشى ذكرياتي السارة، المحزنة!!…
وأبقى هكذا…
إلى أن يحل الظلامُ الدامس!
فأعود إلى ما كنتُ عليه من ذكرى لها، وتأمُّل بها،
وعشق خفيٍّ، مكين، متأجج في داخل جوانحي…
إلى مليكتي الحسناء الجميلة!
ها هو رسمها لا يزال معلقًا في مكانه!
لم تمتدَّ يد إليه كي تغير وضعه!
وما فتئت كل صباح ومساء…
أقبّله! كما اعتدت تقبيلها عندما كانت تحيا في الماضي!…
والصندوق العاجيُّ الصغير،
ما زال محتفظًا برسائلها الغراميَّة التي كانت ترسلها…
وقطعةُ ثوبها الحريريّ الأسود،
ما زلتُ أحتفظ بها
مع رسائلها المعطرة بالعنبر القويّ الرائحة!
كلُّ هذه الأشياء من مخلفاتها المقدّسةّ!…
إذ أركع بجانبها كلَّ مساء،
وأفضّ كلَّ رسالةٍ على حدة،
متصفحًا ما كانت قريحتها، وقلبها الفيَّاض…
يوحيان إليها بالكتابة لي إذ ذاك!…
وأبقى على هذه الحالة…
إلى أن يرسل الفجر أول خيطٍ
من خيوطه النوارنية
فأسرع بفتح النافذة ليدخل الهواء،
ويحمل معهُ كل ما خلفتهُ لي…
ليأخذه بدوره إلى حيث تقطن معبودتي!…
وفي المساء،
وعلى أجنحة الليل القاتمة،
تعيد لي الصبية الساحرة
ما كنتُ قد أرسلته إليها في الصباح،
فأعيد الكرَّة للمرَّة الثانية!…
وهكذا على مدار الأيَّام!!…
إنَّ الفتاة التي تمكَّن حبُّها مني
تشابه النساءَ اللائي علقت بهنّ قلوبُكُم
أيُّها الفتيان!…
هي مخلوقةٌ ساحرة!
أفرغ الله حكمتهُ في سبكها،
فجاءت على الوجه الأكمل!…
لقد صَنَعتْها الآلهة متضاربة في العواطف والميول:
فهي وديعةٌ للدرجة القصوى،
شرسةٌ في ساعات غضبها، كذئبةٍ جائعةّ!…
متقلبة كالأفعى الرقطاء!.
مختالةٌ كالطاووس الجميل الريش!…
بيضاءُ كالزنبقة النقية!…
وكحلكة الليلة الدامسة.
خصيلاتُ شعرها المنشور على كتفيها!…
هذه هي المرأة التي أحبها قلبي!
وهي تشابهُ من أحببتم!…
***
مضت أعوامٌ من يوم عرفتُها إلى الساعة هذه!
وكنتُ إذ ذاك فتًى غصًّ الإهاب،
وكانت في سنّي.
فكنَّا نسابق بعضنا بعضًا في الرياض والمروج!
بين الأزهار والأعشاب الخضراء
النابتة في حقول تبعث في النفس ارتياحًا!
وكان الزمن يطوي الأيام في أحشائه،
إلى ساعة أصبحتُ فيها شابًا، وأصبحت هي صبية!
عند ذاك،
أزالت المعرفةُ نقاب الجهل عن أعيننا!…
فعرفنا، وشعرنا!…
ومن تلك الساعة أصبحتُ أرى وجهها الملائكيّ
مطلاً عليَّ من وراءِ الغيوم البيضاء
السابحة في صفحة السماء!
ولكمّْ بأحلامي، في ظلمات الليالي، كنتُ أراها!
وفي الصباح لم يكن ليمرَّ أمام مخيلتي
سوى شبحها اللطيف
ولكم أسكرتني نغماغت صوتها العذب!
وإن يكن في الخيال الذي كنتُ أسبح فيه دومًا!…
***
مضت الأيام،
فانقضى عهد الشباب،
وحلت الرجولةُ الكاملة.
وعند ذاك،
كنتُ أقترب من المكان الذي كانت تجلس فيه،
وأحدثها عما أتمناه من بقائها معي أبدًا،
وأبثُّها أوجاع قلبي الذي يفيض بالحبّ لها!…
وكانت تجيبُني: بأنها تحملُ ما أحمل،
وبها ما بي!…
فأطمئنّ، وتزول غيوم اليأس عني إذ ذاك.
ولكنَّ منجلَ (الموت) لم يُمهل سعادتنا!
بل أسرع فحصد بقسوته المعروفة
روح محبوبتي ومعبودتي!…
فهصر غصنها الأخضر الناضر!
وكأنَّها… ما وُجدت في السابق!…
***
إنَّ كل ما ذكرتُ كان بالأمس فقط!…
والأمس حلمٌ جميل!
لا يعود، ولن يعود!
ولن ترجع لي معبودتي!…
ولن أراها بعد الساعة!…
فوالَهَفي!… وبالشدَّة بُؤسي!…
مهما طالتِ الأيام،
ومهما أوغلتِ الأعوام مبتعدةً عنّي،
مخلفةً لي الذكرى المريرة،
ومهما طُويت القرون،
ومهما كان وما سيكون،
فلن أنسى تلك الصبية
التي كانت أوَّلَ من أشعرني السعادة،
وعلمني معنى الحبّ الطاهر، السّامي، العذريّ…
الذي لا تشوبهُ شائبة.
فإليك – إلى المكان الذي تسبح روحك فيه الآن –
هذه الكلمات!
يا أيَّتُها (الرُّوح) الطاهرة،
الخالعةُ عنك ثوبَ المادَّة الفاني،
المتسربلة بالحلَّة الروحيَّة الخالدة،
وإلى أنْ تحين ساعتي الأخيرة
التي أستطيع فيها لقياك!!…
القدس 1933
ما زلت وفيًا لك
وبعد طوال الأيام التي مضت
ترينني لا أزال أفكرُ فيك،
وأحنُّ إلى لقياك،
إذ إنَّ الزمن القاسي
نقش طابعهُ الرهيب على فؤادي،
فأغلقهُ دون أيَّة فاتنةٍ سواك!…
ولذا!… لم أعُدْ لأستطيب الحياة
ما دمت بعيدةً عني!
أي أمنيتي وآمالي!…
أوَّاه! أيّتها الحبيبة!
لو تعلمين كم هي آلامي
التي أعجز عن إظهار شدَّتها المتناهية!
إنّني مفتون… ولكن بحبّك!…
وها هما عيناي تذرفان الآن دمعًا هاطلاً… لِبُعدك!…
وأتخيَّل ما كان يكتنفني من النِِّعم
عندما كنتُ مالكًا للسعادة… بقربِك!
فتعتريني بعد هذه الذكريات،
هزَّةٌ كهربائيةٌ تسري في جميع عروقي…
للذَّة ذكراك!…
ليتنا لم نفترق، أي كاعبتي!…
ليتني… وليتك!
ولكن!
هكذا قضى علينا القدر الساخر!…
وهكذا شاءت إرادتهُ التي لا مردَّ لها!…
وها قد مضى من الزمن سنون طويلة!…
وقد مرَّت بطيئة الخطى…
وكأنها الشيخ الهرم يتوكأُ على عكَّازه المقصوف،
ينشدُ المرحلة الأخيرة بصبرٍ فارغ، وشوقٍ شديد،
دون أن تنتهي الأيام الملتحفة بطيّات الزمان!
وليَسِرْ ما شاءَ لهُ السير!…
فإن الأيام عاهدتهُ على أن لا يكونَ لها انتهاء!…
فليلٌ دامس يذهب إلى العدم،
ليخلُّف مكانهُ صباحًا جديدًا حافلاً بالحياة!…
ولا يلبث طويلاً
حتى يترك بعد دورته المعروفة، ووقته المحدود مكانه!…
فيحتلّ بعده الليل بظلمته القاتمة!…
وهكذا!…
لا يصل هذا (الشيخ) البالي
إلى غايته المنشودة التي يحنُّ إليها،
ويطلبها بلهفةٍ زائدة!
فيتمنى بعدها…
لو أن الله يرحمهُ بالموت الذي هو نهاية كل حيّ!…
وهكذا!…
تنطوي تلك الصفحة من سفر الكون
لتحل مكانها من الأبدية!!…
فوارَحمتاهُ لهُ!…
القدس 1933
