حول الدكتور داهش والداهشيَّة

دراسات و أبحاث

تذكاراتٌ بائدة

 

أَسفًا على أوقاتٍ مضَتْ كالأحلام

بلْ قُلْ: إنها لحظاتٌ تصرَّمتْ كالأوهام

رويدكِ، يا نفسي التَّعِبَة، هل اكتفيْتِ بالآلام؟

لم الضِحكُ؟ لِمَ البُكاءُ؟ ولِمَ ذاك الاهتمام

ما دمتُ لا أَجِدُ في سماءِ حياتي سوى الهُمُومُ الأسقام؟!

وداعًا يا حياتي! وعليك، أيتُها الذكرياتُ الجميلةُ، سلام!

الدكتور داهش

 من كتاب ” بروق ورعود “

دراسات وأبحاث

إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة

من قصص غريبة وأساطير عجيبة

الحقُّ  أحقَّ أن يُتبع

 

بقلم الدكتور داهش

بتاريخ 10/3/1976، و في الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر، وصلت إلى نيويورك بطائرة الجامبو. و مكثت في أميركا عامين و نصف العام. و بأثناء إقامتي فيها كتبت معظم هذه القصص و الأساطير و عددها 85 قصة و أسطورة سيضمها مجلَّدان.

 و هي المرة الأولى التي أكتب فيها هذا النوع من الأدب الحافل بشتى الصور العجيبة الغريبة.

و القصة يعالج فيها الكاتب أحداث الحياة ووقائعها الحافلة بشتى الغرائب التي هي مزيج من الخير و الشر. و في النهاية يخرج بعظة و نتيجة تحضّ على الخير و تشجب الجريمة.

والقارئ لقصصي و أساطيري سيُذهل لحكمي الصارم على كل ما تزخر به الحياة من شؤون و شجون.

 و سيرى أنني قسوت بحكمي على المرأة  والرجل أيضاً. و لكن الحقيقة أحقّ أن تُذكر دون أن يُسدل عليها رداء عاره، متسربل بشناره.

إن على الكتَّاب واجباً مفروضاً هو قول الحقيقة دون سواها. فلماذا يحاول الجميع صياغة قصصهم بإلباسها رداء الفضيلة،بينما الرذيلة هي السائدة في ربوع دنيانا!

عليهم أن ينقضوا انقضاض النسور على فرائسها، و قول الحقّ الصريح الواضح دون مُحاباة أو مُواربة.

لهذا يرى القارئ أن حكمي على أبناء الكرة الأرضية من رجال ونساء هو حكم صارم، و لكنه حقيقي.

فأنا لا أتحامل عليهم تحاملاً  غاشماً، إطلاقاً. و لكني أصف واقعنا الحياتي الحافل بالمعاصي، و المطوق الجميع حتى النواصي.

فالغش هو السائد، و الباطل سوقه رائجة، والاعتداء لا ينكره مُنكر، و الفساد متفشّ في عواصم الكرة الأرضية بأسرها، والفسق و الفجور مسيطران على الجنس البشري بأسره، و الأطماع حدّث عنها ولا حرج، و كسب المال، و لو بطريق الحرام، غاية و ليس وسيلة، و الرذيلة صرعت الفضيلة، والشر بسط جناحيه وراح يرود أرجاء الكرة الأرضية، نافثاً فيها سمومه الرهيبة. و قد استجاب له أبناء الغبراء بقضهم و قضيضهم.

هذه هي الحقيقة، و الحقيقة لا يستطيع إنكارها إلا كل جاحد كاذب.

لهذا يرى القراء أن قصصي موسومة بهذا الطابع الذي لا يرحم رجلاً ولا يبرئ امرأة من الأوشاب و الاوزار الواقعية. و أنا لا يهمني آراء الغير إطلاقاً إذا كانت تشجب رأيي، فما كتبته عن السلوك البشري أؤمن به إيماني بوجود خالقي، إذ إنه حقيقة واقعة، و بذله نفسه عن الآخرين، و تمسكه بالفضيلة المثلى، إنه:

غاندي نبي القرن العشرين

وبانطلاق غاندي إلى عالم الأرواح النقي التقي، أقفل الباب إذ لم يأت إلى عالمنا رجل صلاح آخر يماثله إطلاقاً.

وغاندي رحل عن دنيانا في الساعة  الثالثة بعد ظهر الجمعة الواقع في 30 كانون الثاني 1948، تاركاً أرضنا الغارقة في أقذارها و دناستها المشينة. و يوم مصرعه هلعت نفوس كبار رجال العالم و سياسييه، و غمر الحزن النفوس و ساد الذعر الأفئدة، و راحت صحف الدنيا ترثي أعظم رجال الكرة الأرضية.

وها إني أعيد نشر الكلمة التي صدرت في جريدة”الدفاع” الفلسطينية، بتاريخ شباط 1948، إذ قالت تحت هذا العنوان:

غاندي- نورٌ وروح!

“من الغرب  و الشرق تجاوبت الأصداء تعليقاً على خسارة العالم بغاندي. و ما سبق في هذا العصر، أن شاع الحزن في نفوس الملايين على رجل، شيوعه على معلم الهند ومحرِّرها ووالدها. و هذا وحده كاف لإيضاح تلك المنزلة التي كان يحتلها المُصلح العظيم في نفوس الشعوب و الأفراد. و هو برهان، كذلك، على أن الشرق ما زال يدفع إلى العالم بالمصلحين ذوي الدعوة الإنسانية الشاملة.

لقد كان غاندي أرق و ألطف من أن يواجه بالقتل. كان نوراً له ما للنور من طبيعة الإضاءة في الظلام. و في عالمنا جوانب مُظلمة كبيرة، فكان غاندي ساطعاً فيها باستمرار يُهدي الحائرين، أقوياء و ضعفاء، إلى طريق الخلاص.

و في دنيا تفتقر إلى التضحية و المحبَّة، كان غاندي يُلقي الدروس الرائعة فيهما. و حسبه أن احداً لم يستطع الرقيّ إلى مستواه. و إلى أن يستطيع الناس ذلك، سيبقون في حاجة ماسة إلى الاستقرار و سكينة النفس.

وما نحسب أذناً في هذه الدنيا لم يطرق سمعها اسم غاندي. و هو اسم رحيم ينزل على القلوب رخيماً كالنغم، عذباً كالفرات، مُهيباً كالقداسة.”

فغاندي من امجِّدَه، و غاندي من أجلَّه و أقدّسه.

وبانطلاقه من ربوع دنيانا قُضي على الفضيلة، إذ لم أر في عالمنا من يتشبث بناصيتها. فالجميع عبيد لشهواتهم البهيمة، كما هم عبيد لمصالحهم و ان يكن على آلام سواهم ممن يعتدون على حقوقهم ليكونوا الفائزين بالغنيمة الملوثة بطاعون الاغتصاب الدنيء.

وأخيراً، إنني أعلن بصوتي الجهوريّ قائلاً:

إن عالمنا مُصابٌ بطاعونِ الشرور المُحيقة، و قاطنوه أشرار فجَّار.

فيا ويلهم، يوم حسابهم، و هم يتقلبون بين أشداق النار الأبدية الاتقاد، جزاء وفاقاً.

الدكتور داهش

بيروت، في 4 كانون الثاني 1979

مقدّمة

 

بقلم الدكتور داهش

 

وهذا هو الجزء الثاني من كتابي قصص غريبة وأساطير عجيبة ، وقد أسميته ” 35 قصّة كتبها الدكتور داهش “، وهي متمّمة للجزء الأوّل .

فالقصص التي ذكرت فيها حوادث التقمّص ليست خياليّة ، فأنا أؤمن بالتقمّص ايماني بوجودي ، أي أنّ الانسان يتكرّر مجيئه الى الأرض ليتطهّر من أواشابه ويتخلّص من أوزاره .

والتوراة تذكر في ” سفر الخروج ” أنّ القضاة كانوا يحاكمون الحجر اذا سقط على رجل فأماته ، ويحكمون عليه بالتحطيم حتى يصبح كالدقيق ، ثمّ يذرّون رماده في الفضاء ، كما كانوا يحكمون على البهيمة اذا ضاجعها رجل بعقوبات مختلفة كما يحكمون على الفاعل .

فكيف يمكن أن تحاكم بهيمة غير عاقلة ، وكيف يحاكم جماد ، ويحكم عليهما لو لم يؤمن القضاة بأنّهما مسئولان عن عملهما مثلما يحاكم أيّ ابن حوّاء لأنّه يفهم مسئوليّته عندما يقدم على عمل غير شرعيّ فيحاكم ويحكم عليه بعقوبة شديدة أو مخفّضة بالنسبة لعمله الاجراميّ .

والسيّد المسيح مؤسّس الديانة المسيحيّة سأله تلاميذه عن ايليّا النبيّ قائلين له انّ النبوءات تؤكّد أنّ ايليّا النبيّ سيعود الى الأرض ، ثانية ، فمتى تكون عودته ؟  فأجابهم انّ ايليّا النبيّ قد عاد الى الأرض ،  وهو يعرف ، الآن ، باسم يوحنّا المعمدان الذي قطع رأسه الحاكم هيرودس الباغية بطلب من هيروديا الفاجرة – ابنة زوجته التي كان يندّد يوحنّا المعمدان بزواج هيرودس بها لأنّها كانت قرينة أخيه .

ومن كلام المسيح على يوحنّا ، بعدما سأله تلاميذه عنه قوله لهم :” وان أردتم أن تقبلوا فهذا هو ايليّا المزمع أن يأتي ” ( متّى 11: 14 ) .

وسأله تلامذه أيضا عندما شفى الضرير فقالوا له : يا سيّد ، من أخطأ أهذا أم أبوه حتى ولد أعمى ؟ أجاب يسوع : لا هذا ولا أبواه . ولكن لتظهر أعمال الله فيه ” ( يوحنّا 9 : 1-3 )

واليهود كانوا يؤمنون بالتقمّص في عهد المسيح . والدليل على ذلك ما ورد في الانجيل :” وقال آخرون انه ( أي المسيح ) ايليّا وآخرون انه نبيّ . فلمّا سمع هيرودس قال : ان يوحنّا الذي قطعت أنا رأسه قد قام من بين الأموات ” ( مرقس 6: 15-16 ).

ثمّ أليس من الظلم العظيم أن يولد طفل ضريرا أو كسيحا أو مصابا بأيّة عاهة …فما ذنبه ليولد بهذه العاهات الرهيبة اذا كان لم يرتكب وزرا ؟ وهل يقبل الله بظلم عظيم كهذا ؟ !

ولكنّنا عندما نعرف بأنّ هذا الطفل الضرير ولد أعمى لأنّه ارتكب شرورا جسيمة جعلته يولد ضريرا أو كسيحا كاستحقاق لما ارتكبه في تقمّصه السابق لتجلّت لنا عدالة الله جلّت قدرته .

اذا على العالم المسيحيّ أن يؤمن بالتقمّص وعودة المرء مرارا وتكرارا حتّى يتطهّر من أوشابه ، ويتنقّى من آثامه ، ويذهب بعد ذلك الى عالم بعيد سعيد ، مخلّفا وراءه الأرض وما تزخر به من شقاء دائم وشرور لا نهاية لها . والدّين الاسلاميّ يذكر بآيات القرآن الكريم عن التقمّص ، فيقول في سورة البقرة ، آية 28 :  ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ اليه ترجعون ) .

وقول في سورة الانفطار ، آية 6-8 ( يا أيّها الانسان ما غرّك بربّك الكريم الذي خلقك فسوّاك فعدلك ، في أيّ صورة ما شاء ركّبك ) .

وفي سورة غافر ، آية 11 : ( قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ، فهل الى خروج من سبيل ؟ ) .

وفي سورة الواقعة ، آية 6 : ( نحن قدّرنا بينكم الموت ، وما نحن بمسبوقين على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) .

وفي سورة المائدة ، آية 60 : ( قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، أولئك شرّ مكانا وأضلّ عن سواء السبيل ) .

والديانة البوذيّة تؤكّد أمر التقمّص تأكيدا تامّا . وبوذا مؤسّس البوذيّة يذكر أنّه تقمّص مرارا وتكرارا ، وفي أحد تقمّصاته كان أرنبا وقدّم نفسه طعاما للأسد .

والهنود ترتكز ديانتهم الهندوسيّة على التقمّص . لهذا نراهم عندما يسيرون في الغابات يمسكون بأيديهم مراوح من الريش يهوّمون بها أمامهم لكي تفرّ الحشرات من طريقهم خوفا من الاضرار بها ، لأنّهم يعتقدون بأنّ هذه الحشرات ما هي الاّ مخلوقات أساءت بسلوكها عندما كانت بشرا ، فاستحقّت أن تولد حشرات أو حيوانات أو طيورا وما شاكل ، كلّ منها تحوّل الى نوع من الأنواع بالنسبة لسلوكه في حياته الدنيويّة السابقة .

ومنذ عامين نشر عالم اسمه كليف باكستر ( CLEVE BACKSTER )   ، وهو أكبر اختصاصيّ أمريكيّ بصنع الآلات الالكترونيّة العلميّة الدقيقة المستخدمة للتمييز بين الصدق والكذب ، فأعلن في صحف الكرة الأرضيّة أنّ النبات يفكّر ويشعر كالانسان تماما ، ويفرح ويتألّم ويتذكّر ، ويتعاطف مع الذين يحبّونه ، ويتحسّس الأخطار المحيقة به ، ويدافع عن نفسه ضدّها ، كما له من وسائل الاتّصال الدقيقة الخفيّة ما يدرك به أفكار الناس .

ويقول هذا العالم ( باكستر ) انّ الزهرة تعرف اذا كان الشخص سيقتطفها ، واذ ذاك يغمرها الخوف ، وقد سجّل ارتعاشاتها بآلته التسجيليّة الالكترونيّة . فهذه الآلة تسجّل أحاسيسها ومشاعرها ، فالخوف يسجّل ارتجاجات الخوف ، وكذلك سائر احساساتها وأحوالها الباطنيّة ، من فرح وترح ، ونوم ويقظة وخلافه …

وقد اعتبرت الأوساط العلميّة اكتشافه هذا من أعظم الاكتشافات التي ستؤثّر تأثيرا عميقا في تفكير البشر ونظرتهم الى محيطهم المغمور بالأسرار الخفيّة .

ومّما يؤكّد التقمّص مختلف أنواع الأشجار ذات الأثمار الجنيّة التي نقتطفها ثمّ يذهب موسمها ، فاذا بنا نراها في فصل الشتاء وقد تعرّت من الأوراق بتاتا ، ولم يبق منها سوى الأغصان الجرداء ، ثمّ تعود ثانية فتحمل الأثمار . ويتتالى هذا الأمر في كل عام ، سواء أكانت شجرة أم نبتة ، الخ …

أليس هذا تقمّصا ؟ أوليست عودة الأثمار أو النباتات أو الأزهار هي العودة ، ثانية ، الى عالم الوجود ؟

فلماذا نصدّق بهذا ولا نصدّق بعودة البشر بعد موتهم وتقمّصهم ثانية وثالثة ورابعة ، الخ…لكي تتاح لهم فرصة الرقيّ بأرواحهم وتغلّبهم على أوشابهم بتكرار تقمّصاتهم المتتالية .

والتقمّص هو رحمة من الباري عزّ وجلّ لتتاح لنا الفرصة – بتكرار عودتنا الى الأرض – لأن نتخلّص من شرورنا ونرتقي بأرواحنا .

وفي صباح 22 كانون الثاني 1971 طالعت في عدد ” الديار ” الأسبوعيّ ( ص 44 ) مقالا طويلا عن الأشجار والنباتات أجتزىء منه هذا المقطع :

” وقديما كان البدائيّون يعتبرون الأشجار أجسادا لآلهة يعبدونها ويلوذون بها في الشدائد .

وكانوا يعتقدون أنّ الأشجار تعقل وتتخاطب بلغة خاصّة فيما بينها . ولا عجب ، فنحن ، حتى الآن ، ننصح بارواء الزهور والأشجار لأنّها ( روح ) ، ونؤدّب من يقتطع جزءا منها ، لأنّ ذلك في نظرنا ( جريمة ) .

ولا تحسبنّ هذه العادة وقفا على الشرق والمسلمين . فالغرب عرف مثلها ، وقدّس الشجرة كتقديسنا لها . حتّى يقال أنّ السيّدة العذراء مريم قد جاءها المخاض تحت شجرة ، وانّ المسيح نزل بصحبة أمّه وعاش تحت شجرة ، وانّ ما يرمز اليه المسيح من قوله – حين أمسك بالخبز وأكل منه –” هذا لحمي ” ، انه يقصد ما للشجرة من روح . ولهذا احتفلوا بشجرة الميلاد ورأس السّنة . وقد تمّت بيعة الرضوان بين المسلمين والرسول تحت الشّجرة التي قيل عنها بسبب ذلك انّها ” الشجرة المباركة “.

والبوذيّون يعتقدون أن يوذا الحكيم قد تلقّى تعاليمه عند شجرة ، وجلجامش بحث عن الخلود في نبتة الحياة .

والديانة الطاوية تقول لأهلها : خذوا الحكمة من الشجرة الخ ، الخ ….

ونظريّتنا في التقمّص هي الآتية :

انّ الأديان قاطبة تقول ، بل تؤكّد أنّ الانسان يولد على هذه الأرض ، وفي أثناء حياته الأرضيّة يقوم بأعمال صالحة وأخرى طالحة .

وعندما يتوفّاه الله يذهب الى النعيم اذا كانت أعماله صالحة ، أو الى الجحيم اذا كانت أعماله شرّيرة .

ويعمّر الانسان 70أو 80 أو 90 عاما . ومن هذه الأعوام يذهب من عمره 35 سنة يقضيها بالنوم ، و4 سنوات بالمرض ، و15 عاما هي سنوات الطفولة غير المسؤولة . اذا الأعوام القليلة الباقية من حياته هي التي يكون المسؤول عنها بالنسبة لسلوكه .

ومن المؤكّد أنّه لا يستطيع أن يكون سلوكه مثاليّا اذ انّ دنيانا حافلة بشتّى المغريات التي تسقطه في شراكها التي لا ينجو منها ناج ، فالمرأة له بالمرصاد ، تستهويه فيندفع في خضمّ الشهوات العارمة ، وحبّ المال يكبّله بكبوله التي لا تقاوم فيستعبده ، والعظمة ، وحبّ الوجاهة ، والكبرياء الخ…. جميع ما ذكرت تقوده الى مهاوي الهلاك المؤكّد .

اذا بالنسبة لما أكّده مؤسّسو الأديان سيذهب البشر جميعهم الى جهنّم النار المتّقدة ، ويمكثون مخلّدين فيها من دهر الى دهر ، ومن أزل الى أبد . وهذا أمر غير جائز اطلاقا ، وظلم رهيب ، فرحمة الله عظيمة وعميقة . لهذا أعطانا فرصة اصلاح أنفسنا والارتقاء بأرواحنا ، فمنحنا نعمة التقمّص . وربّما أعطانا ايّاها 6000 مرّة نعود فيها الى عالم الأرض ، لنتغلّب في خلال هذه التقمّصات الألفيّة على ضعفنا البشريّ والارتقاء بأرواحنا لنبلغ جنّة النعيم .

ففي خلال هذه التقمّصات ال6000 ممكن لأيّ بشريّ أن يحسّن سلوكه في خلال دوراته الحياتيّة وتكرار ذهابه وايابه . فاذا تكرّر مجيئه 6000 مرّة ، وبقيت أعماله شرّيرة ، اذا يستحقّ ، اذ ذاك ، أن يخلّد في جهنّم النار الخالدة بنيرانها ، وهذا يكون عدلا وحقّا .

هذا هو ملخّص نظريّة التقمّص أعرضها على القرّاء سواء أصدّقوها أم كذّبوها ، فكلّ مخلوق حرّ بمعتقده سواء أكان مصيبا أم مخطئا . واني أعلن على رؤوس الأشهاد ايماني بالتقمّص كايماني بحقيقة وجودي ، والسلام .

 

 الدكتور داهش

بيروت ، الساعة 8 من صباح 21/1/1979

توطئة

 

بقلم غازي براكس

هوذا الدكتور داهش الذي تفرد بين الناس بأعماله، يتميز بين الادباء بخوارق قصصه!

وإذا كان هوميروس قد عرف بأساطيره الميثولوجية؛ و فولتير بقصصه الغريبة الاحداث، و دانتي برحلاته إلى النعيم و الجحيم، و إدجار ألن بو بأقاصيصه العجيبة، و جول قرن برواياته الخيالية، و تولستوي بتصوير الحياة الواقعية، فإن الدكتور داهش استطاع أن يجمع فيه ميزاتهم جميعهم، و يتفوق عليهم بما وهبه الله من خصائص روحية فريدة تتيح له اماطة اللثام عن أسرار الحياة و الموت و ألغاز الوجود المادي و الروحي.

فبعد كتابه المُعجز ” مذكرات دينار” الذي هو أشبه بأوذيسّة القرن العشرين، يطلع الدكتور داهش على العالم الأدبي بخمس وثمانين قصة موزعة في جزءين. و هي قصص قصيرة جذابة، من أي جانب أتيتها عدت منها وملء راحتيك جنى لن ينسى مذاقه اللذيذ العجيب!

فان نشدت المتعة و التسلية و جدتها في موضوعاتها الطريفة، و أحداثها الغريبة و حبكها المشوقة المثيرة، و عقدتها المحيّرة المربكة،وحلَّها المُدهش المُذهل. و إن توخيت الفائدة و العبرة لقيتهما حيثما مررت، بلا وعظٍ مملّ أو إرشادٍ مُزعج أو إسهاب مسئم. فالحياة هي التي تتكلم بألسنتها اللامحدودة، و تنطق بأحداثها اللانهائية، فإذا أنت محمول في زورق الخيال، فوق أمواجها المتدفقة، تارة متهادياً،  طوراً مُندفعاً، تشهد تحوّل الأسباب إلى نتائج و البذور إلى ثمار، في شريط من الأفراح و المآسي، و الآمال و الآلام، و الدمع و الابتسام، حتى لكأنك تسيح بين الآزال و الآباد، و قد تجمعت الحياة بين يديك نهراً خالداً!

تجول المؤلف في عالم الأرض. و الدهشة مستبدة بك، فكأنك لم تعرف الناس و لم تألفهم! فوجوههم غير التي عرفتها، بعد أن سقطت عنها الأقنعة! و حقيقتهم غير التي ألفتها، بعد ان بدت عارية، وكالحربة تطعنك في الصميم!

فالمرأة تغلب الشهوة الجامحة على رغباتها، و الخيانة على تصرفاتها،و  الرياء يقود خطواتها، ومع ذلك، فعرشها في الأرض لا يتزعزع، و سلطانها على قلوب الرجال لا يتضعضع! و إن وجدت صادقة مخلصة فلا تكون من طينة الأرض لكن هابطة من بعض الكواكب القصية!

و الرجل يهيمن الطمع عليه، و تطوقه الغيرة، و يحف به الغدر و الظلم. فإن اطمأن قلبك إلى امرئ فأكبرت أعماله و حمدت سيرته، فسرعان ما تكتشف أن هذا النور ليس من ذلك الظلام، و أنه كالذهب بين الرغام!

وقد يخطر على بالك أن الحياة قد تكون أصابت المؤلف بلطخات منها سوداء. فأظلمت نظراته، و قست عليها عباراته،واشتد تشاؤمه فتوهَّم أن الشرَّ قد تسلطن على الأرض، و المفاسد قد عششت و فرَّخت في قاطنيها، لكنك لا تلبث أن تدرك، إذا كنت من ذوي الألباب، أنه أصاب بتصويره الفذ كبد الحقيقة، لأن رايتها هي رايته، و محجتها هي غايته،فهو رجل العدل و الصدق، و كلامه هو الفصل و الحق، و إنما نحن نعيش في مخادعة أنفسنا، نزيّن وجه الحياة القبيح حتى لا نُفجع ببشاعة وجوهنا. في حين انه يصدقنا القول و التصوير و إن جرحتنا مدية الحقيقة، من أجل أن يقينا مخاطر الحياة المُخيفة، و يعلّمنا الأمثولة الشريفة.

و يعرج خيال المؤلف بك إلى الكواكب و العوالم العلوية، فتفتح امامك أبوابها الدهرية، و ترفع حُجبها الأزلية، فإذا أنت تجوس ربوعها السعيدة، تشارك قاطنيها النشوة العظمى، و تدهش لأسرارها المُذهلة، و أساليب حياتها العجيبة، فتوقن،إذ ذاك، بأن سعادة الأرض ليست إلاّ وهماً زائلاً و ظلاً حائلاً إزاء سعادتها الدائمة، و تدرك ان الحضارة البشرية ليست سوى درجة في سلّم الحضارات الكونية،إذ تكشف لك جوانب قليلة من علوم الكواكب الباهرة، فتتوق لأن تحرز نصيباً، و لو هزيلاً، من سامي معارفها، و حظاً، و لو ضئيلاً، من نعيم لذائذها.

و يفتح لك صاحب الكتاب أبواب الجحيم، فتتعرف إلى أبالستها و قد تجسدوا في الأرض بشراً أسوياء، فساكنوا الناس و خالطوهم، حتى إذا  ما اطمأن هؤلاء اليهم، كشف زبانية الجحيم عن حقيقتهم المرعبة، فكانت المأساة المُفجعة!

أو يفتح لك أبواب  القبور، فيطفر أمواتها يغرون الغواني بالقصور، حتى إذا دقت ساعة الحساب، و أسفر الميت عن وجهه الرعاب، حلّ العقاب و أي عقاب!

و تجول مع المؤلف في رحاب الطبيعة، فإذا أرضها وفضاؤها، نباتها و حيوانها جميعها كائنات عاقلة تدرك و تشعر و تريد، و تعاني الصراع بين الشر و الخير، فتعجب، إذ ذاك، من انك لست العاقل الوحيد بين الكائنات، و ترهف  أذنيك لتلتقط همسات قد تبوح بها عرائس الانسام و القصب، أو طوائف الخضار و ألواح الخشب. و تغلغل بصيرتك- و قد شحذها لك المؤلف-إلى جواهر الأشياء، تكتشف معانيها الخفية و العلاقات بينها و بين الناس، فإذا الكل قائم على ناموس التقمص و على قانون العدالة الإلهية التي لا يختلّ ميزانها.

و تعترضك في أحداث التاريخ ثغرات تودّ أن تملأها، و أسئلة تتمنى الإجابة عنها، فإذا المؤلف يعطيك الجواب الشافي و التعليل العجيب اللذين لا يقدر عليهما إلا الرجل العجيب.

هكذا، يرى القارئ نفسه، وهو في سياحته الاخاذة، مدفوعاً إلى أن يعيد النظر في مفاهيمه التي ورثها عن الاجيال البائدة، و في اعتباره لنفسه و لحضارته. فليس الإنسان دائماً هو الأفضل بين المخلوقات حتى الأرضية منها فقد يفضله الكلب أحياناً، ذلك بأن القيمة الحقيقية هي للسيال حيثما هو و ليس للإنسان. و السيال- تلك الطاقة الإشعاعية الخفية الحية المشتركة بين الكائنات جميعها- قد يرتقي و قد يتسفّل حسب الميل الذي يحركه، ومسؤولية ارتقائه أو انحطاطه يتحملها هو وحده. أما الحضارة البشرية فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة الحياة الكونية المتصاعدة حتى اللانهاية.

وعلى ضوء ذلك، تكشف هذه القصص سر علاقات العوالم بعضها ببعض، و سر تفاهم الناس أو اختلافهم، و هناء الأزواج أو أشقائهم…فقد يرد ذلك إلى تلاقي سيالاتهم في دورات سابقة، كما إلى توافقهما أو تناقضها. فقد يعيش الفقيران سعيدين، و الغنيان شقيين، و قد يُلهم الإنسان سيَّالٌ من عالمٍ علويّ، أو يوسوس له سيَّالٌ من عالمٍ  سفليّ!

وقصص الدكتور داهش تمتاز بالعمق، على بساطة أدائها. و عمقها في أنها تنقلك من الاحداث العارضة إلى الجوهر، و تفتح بصيرتك فترى الحياة بأبعادها الحقيقية واستمراريتها الأبدية التي هي أعجب من الخيال. من هنا أن الخيال في هذه القصص جلَّه حقيقة واقعية، لكنها تخفى عن عيون البشر العاديين.

وهذا الأدب القصصي ينقلك إلى ما يعادل الفلسفة الحية، الفلسفة التي ليست بشعوذات فكرية أو افتراضات متناقضة وهمية، إنما  هي الحقيقة العارية التي أتيتك على أجنحة الخيال فتبهر عينيك، فلا يبقى ماثلاً أمام ناظريك إلا ميزان العدالة الإلهي!

وطرافة هذا الأدب ليست في البهلوانيات اللفظية، و الاستعارات البيانية، و الزخارف البديعية، و التدجيلات الفنية التي كثيراً ما يلجأ المحدثون إليها حينما يأخذهم هوس التجديد، بل هي في أفكاره السامية العجيبة، و موضوعاته الفريدة المبتدعة، و في إزاحة الستر عن حقيقة موجودة و ليست مخترعة،لأن حقائق الحياة كالقوانين الطبيعية يُماط اللثام عنها. لكنها في صميم الوجود كائنة؛ و فضل الأديب العبقري في أنه يستطيع أن يحطّم قشور الحياة لينفذ إلى لبابها، فيرى، إذ ذاك، ما لا  يراه الذين ينظرون بعيون وجوههم فقط.

أخيراً، لا غنى عن الإشارة إلى أن العالم الطريف العجيب الذي يقدمه الدكتور داهش، في الأرض و البحر و الفضاء، و في داخل الأشياء، ليصلح أن يكون مادة غنية خصبة للسينما و التلفزيون. و لكن فيها التشويق و الإثارة،و التعليم و الإفادة، و العمق و البساطة. فهي قصص خارقة من رجل خارق. إنها ألف ليلة و ليلة القرن العشرين كتبت بأسلوب حيّ أخاذ بجمال بساطته، لتكون مُتعة  وفائدة للكثيرين.

غازي براكس

بيروت  4 كانون الثاني 1979

الحلم الهابط إلى أرض البشر

 

مهداة إلى ليلى داهش بمناسبة عامها الثامن عشر

 

و ذاعت الانباء في جزيرة الاحلام السعيدة معلنة أن الكاعب الهيفاء أحلام ستغادر الجزيرة الحالمة المجاورة للمجرة و التي يحتاط  بفراديسها الخلابة ملايين من النجوم السابحة في فلكها العجيب…هذه الجزيرة الغارقة في الطمأنينة و الهاجعة في سكينة عجيبة و الراتعة أبداً في نعيم مقيم.

وما أذيع هذا النبأ حتى هرعت الربات ذوات الخفر و الدلال، و تسابقت كواعب جزيرة السعادة و غيدها الحسان، وحور عينها الأماليد تتبعهن قيان الجزيرة، و فتيات غابها، و حسان جداولها العذبة النمير.

و تحرك موكبهن العجيب. و في طليعته، كانت الإلهات ينشدن أناشيد عذبة تطرب الآذان لسماعها و تبهج القلوب لإيقاع جرسها الغريب.

و هكذا بلغ الموكب حيث تقطن الكاعب الهيفاء احلام، هناك في قلب الغاب الفتّان حيث تجري الجداول و توقّع بخريرها ألحاناً لم تتعرّف بعد عليها إلا آذان سكان السماء.

وكان شلال ينثر ماسه على الغاب،فيتألق الرذاذ المستقر على أفواف الأزاهير و براعم الورود، و تنعكس انواره و كأنها اليوااقيت العجيبة!

أما صبايا الماء فكنّ يتلاعبن و يتضاحكن و هنّ في جوف البحيرة المقدسة ثم ينشدن للكاعب أحلام و يحيينها  برفع أيديهن الغضة البضة.

واندفعت أحلام نحو الموكب القادم لوداعها و طبعت قبلة على فم كل منهن، إذ إن كل ربة من الربات كانت صديقتها الصدوق، و كل غادة هي رفيقة فتوتها، و كل كاعب هي لها أخت ودود.

وقد حاولت الربات أن يردعنها عن عزيمتها، ألا و هي مغادرة جزيرة الأحلام السعيدة، و الهبوط إلى أرض البشر حيث الألم المدمى و الشقاء الدائم و البكاء المرير و المنغصات التي لا نهاية لها. و حذّرنها من مغبّة هذا التصميم المخيف، و شرحن لها الأهوال التي ستحط عليها بأعبائها الباهظة منذ الدقيقة التي ستهبط فيها إلى عالم البشر التعساء.

ولكن الغادة الغيداء أحلام عزمت على مغادرة مدينة سعادتها، و القدوم إلى أرض تعاستها و أفهمت صديقاتها الملتاعات أن لديها من الأسباب ما يجعلها أشد تمسكاً بوجوب مغادرة هذا المكان الغائص بالنعيم الذي لا يوصف،واستبداله بشقاء الأرض و جحيم نكباتها المزلزلة.

 

كوكب عباقرة الموسيقى و نجم الأدباء و الشعراء

 

وانطلقت أكليتون باتجاه السدم نحو كوكب النور و الضياء، حيث تقطن أرواح عباقرة الموسيقيين الذين تركوا لعالم الأرض تراثاً  إلهياً من الأنغام، تفنى الأجيال دون ان تزول خلوده المستمد من السماء.

كما أن الإلهة بافاليا اتجهت نحو كوكب الخلود الباهر حيث تقطن أرواح الأدباء و الشعراء.

و بلغت كل من الربتين إلى  سكان هذين الكوكبين نبأ عزم أحلام على مغادرة كوكب جزيرة الأحلام السعيدة. فهرع عباقرة الموسيقى و أساطين الأدب و الشعر إلى جزيرة الأحلام برفقة الربتين للإشتراك في وداع حلم الجزيرة الفتية.

وكانت تموج بقاطنيها و بمن وفد عليها من النجوم و الكواكب موجاً عجيباً و الجميع يتهامسون بحزن باد على أسارير جباههم قائلين:

-إنها ستغادر كوكب الطمأنينة لتذهب إلى أرض الأبالسة و الشياطين. فيا لغرابة التي لا تصدق!..

 

بتهوفن يعزم نشيد الوداع

 

وصمت الجميع و كأن على رؤوسهم الطير عندما عزف بتهوفن نشيد الوداع الرائع بنغماته الشجية، السماويّ بانسجام موسيقاه العلوية، و الفتان بتأثر تموجاته السحرية العجيبة.

فسرت هذه النغمات في شغاف الأرواح المصغية بورع و خشوع. وفجأة انهمرت الدموع من العيون النجلّ. و كان النشيج يعلو من حوريات الأدغال و بنات الغاب و فتيات الجداول.

وما انتهى بتهوفن العبقري من نشيده حتى عانق الجميع بعضهم بعضاً، و هم مغمورون بنشوة أنغام الموسيقى السماوية التي دعتهم يلمسون بأرواحهم أبواب النعيم الحافل باللذاذات التي لا يمكن لقلم بشري أن يصفها أبداً، وانتشى الجميع بخمرة هذه النغمات السماوية المستمدة من الله جلت قدرته. إنها إكسير الآلهة، الأرباب العظام الراتعين في الفردوس، هناك في الجزر السعيدة حيث تتألق النجوم أبداً ببريقها المذهل للعقول، و حيث ينعمون ببهجات يضلّ فيها الفكر و يفنى على أبوابها الخيال.

ولرخامة تلك الانغام العذبة بشجوها، و لعميق تأثيرها على الأرواح، لم تتمالك الإلهات أن يهمرن من الدمع الغزير لتحرك عواطفهن الإلهية المكبوتة.

وتتابع عباقرة الموسيقى على العزف، كل بدوره، فتقدم فاجنر  و عزف بعض مقطوعاته الشهيرة، فطرب و أطرب.

وتلاه شوبان فسكر الحضور برحيق موسيقاه العجيبة.

و تبعه كريك الذي سحر سكان النجوم.

و فعل مثله الموسيقار ليست فصفق له الحضور تصفيقاً طويلاً. و عندما انتهى من عزفه أفسح مكانه لزميله برليوز فأبدع هذا العبقري أيّما إبداع، و ألهب الاكف بالتصفيق المتواصل له.

و كذلك حلّق المستمعون نحو الأعالي عندما صدحت أنغام جان سبستيان باخ و أوفنباخ و مندلسون و شومان، و قد أبدع كل موسيقار منهم في عزفه إبداعاً عجيباً.

ثم تقدم هندل و عزف مقطوعة موسيقية تنضح بالألم العميق لفراق الكاعب الصناع أحلام و مغادرتها لجزيرة الأحلام. و قد عبّر هندل بمقطوعته الشجية عما يساور نفوس قاطني جزيرة الأحلام السعيدة من الشجا العظيم و الألم الهائل لاقتراب ساعة افتراقهم عن غادتهم أحلام الفتية.

وهكذا برهن هندل أنه عبقري في تجسيم الآلام التي تساور الأرواح، بشكل أنغام سماوية. و للمرة الثانية صعد بأرواح المستمعين نحو الملأ الأعلى، و جعلهم يلمسون الألم لمس اليد فيسري في أعصابهم و يقطن في أعمق تخيلاتهم، مثلما فعل في المرة الأولى عندما كان يحيا في أرض البشر، يوم أذاع مقطوعته الموسيقية الشهيرة معبراً فيها عن آلام السيد المسيح له المجد.

وما انتهى هندل من مقطوعته الشجية حتى كانت الدموع تملأ الآفاق، و النشيج يوقّع موسيقاه من الصدور، و الأنّات الحبيسة تخرج مرغمة من مكامنها حزناً على فراق أحلام الجزيرة.

وكانت نهاية هذه الحفلة الموسيقية الوداعية عودة العبقري بتهوفن للعزف. فأجاد و أبدع، و حلّق بالنفوس نحو الآفاق العلوية و الاجواز الإلهية، فانتشى و انشى. و شرب الجميع كؤوس الصهباء الإلهية على وقع أنغامه السماوية.

وعندما انتهى من عزف مقطوعاته الرائعة تقدمت أحلام، و شكرته على إبداعه العظيم.و حيّت زملاءه العباقرة، ثم وضعت إكليلاً من غار الجزيرة على رأس بتهوفن، و قدمت لكلّ من الموسيقيين طاقة من ورود الغاب وباقة من بنفسجه و رياحينه الفواحة. فشكرها بتهوفن و زملاؤه و زودها كل منهم بسرّ من أسرار موسيقاه قائلين لها:

-عندما تبلغين الأرض، وتمر بك السنون، و تبلغين فتوتك، إذ ذاك ستشعرين برغبة ملحة في الموسيقى و أنغامها، و ستتلهفين لفك طلاسمها و بلوغ مكامن أسرارها. و ما ذلك إلا لأن كلاّ منا قد زودك بسرّ من أسرار موسيقاه الخفية. و لكنك ستنسين هذا الأمر، لأن الجسد المادي الترابي الذي ترتدينه سيحول بينك و بين تذكرك لهذا الأمر. و لكننا نبشرك بنبوغك الباكر في هذا المضمار، و إننا ننبئك بأنك ستصبحين موسيقارة عظيمة يشار إليك بالبنان إذ سمح رئيس كوكبنا الوضاء أن ننفخ فيك هذه الروح، و نمنحك هذه النعمة الإلهية، فبشراك!!…

فدهشت أحلام و كان سرورها بالغاً و أجابت:

-أشكر هذه النعمة التي منحتني إياه العناية وسأبرهن أنني سأكون أهلاً لها.

 

لامرتين يلقي مقطوعة أدبية نثرية

 

و أشارت إلهة الأدب و الشعر إلى أديب فرنسا الكبير لامرتين أن يتقدم الحشد، ففعل. وألقى القطعة النثرية التالية:

 

الوداع يا حلم الجزيرة الفتان

 

عندما ينتصف الليل الدجوجيّ،

و يقترب الكوكب السعيد من نجمته السعيدة المتألقة بأضوائها الباهرة، و يبثها ما فعله حبها في فؤاده المتيّم بهواها،

وبعدما تهدل حمائم الجزيرة الحالمة هديل الأسى المدمى لشعورها بفراقها،

وعندما يغرد عندليب البحيرة الذهبية المياه بأسى عظيم، وهو يتنقل على رؤوس الدوح الباسق يشكوها ما سيفعل فراق أحلام بفؤاده الصغير،

وعندما تنوح يمامة الغاب الحزينة نواح كئيب يحمل في ثناياه معاني الشجن، و بعدما تثور شياطين العاصفة السوداء فتقتلع جبابرة الأشجار من جذورها و تبطش بكل من يمرّ في طريقها بطشاً ذريعاً، فتذعر من هذا الهول حتى جبابرة المخلوقات، و تفرّ من هول ما ترى و تسمع،

و بعدما تتحول غدران جزيرة الأحلام و بحيراتها  و جداولها إلى لون الدم القاني، كرمز حزن عميق على غادتها أحلام التي ستغادر ربوعها الخضر، و حدائقها الغناء، الفسيحة الأرجاء،

 وعندما ينوح سكان هذه الجزيرة الهاجعة بطمانينة و سلام لعظيم حزنهم الطاغي لهذه الفجيعة المدلهمة الإهاب، و يشاركهم مصابهم  سكان الكواكب و السدم و قاطنو المجرة الهائلة المسافات، عند ذاك سترحل أحلام، أحلام…فاتنة الجزيرة المغناج.

نعم ، سيرحل حلمنا من جزيرة الاحلام، و لا يعلم إلا الله متى تكون ساعة عودتها إلى جزيرتها التي لن ترى السعادة إلا بعد أن تعود، فتعود السعادة إلى ربوعها.

فرحماك يا أحلام رحماك،

ألا تلمس الرأفة و الشفقة شغاف فؤادك الرقيق فتعودين عن رغبتك في الرحيل، و تقبلين البقاء بين من أحبوك كثيراً؟

أجيبي، أجابت السماء رغباتك و حققتها لك.

 

أحلام تريد الرحيل إلى عالم الأرض

 

و تكلمت أحلام فأصغى الجميع لحديثها الخلاب، ولوقع تأثيره الجذاب، فقالت:

-منذ تسعة أشهر حلمت حلماً هو أقرب للإلهام منه إلى الحلم. حلمت بوجوب زيارتي لعالم الأرض و المكوث فيها ردحاً  من الزمن لا يعرفه إلاّ  اله الخالق واهب الحياة، و مقسم الأعمار. و ذهابي سيكون من أجل الاجتماع بشخص أجهله الآن، و سأعرفه عند بلوغي أرض البشر. إنه يمت لي بصلة القربى، و سأعيش تحت سقف منزله، و سيدربني في عالم الأرض و سيثقفني و يدعني اتذوق لذة الفن الذي تعرفونه أنني أحبه حباً جماً، و سيفتح لي مغاليق أسرار الأدب لأزداد من اغتراف رحيقه الذي لا يمكن الارتواء منه، إذ ما يكاد سيزرع في أعماق روحي حب الموسيقى.

و سيكون هبوطي إلى الأرض لأداء رسالة لا أعرف عنها الآن شيئاً لأن الأمور مرهونة بأوقاتها. و عندما تدق هذه الساعة سأعرف تفاصيل رسالتي و أنفذها بحذافيرها.

 و إنني متأكدة مما شاهدته في الرؤيا الإلهامية بأن الآلام ستحط عليّ حطاً ثقيلاً، و سأسير في دروب تكثر لي في منعطفاتها أشواك حادة ستدمي قدميّ و تغرس في يديّ. و لكن… ما قدر سيكون. و جميعكم تعلمون  أن الملاك أنبأ يوسف في الحلم بوجوب تهريب السيد المسيح إلى مصر، فصدع يوسف و مريم للرؤيا المقدسة. و من واجبي انا ، أن أصدع للرؤيا المقدسة التي شاهدتها منذ تسعة أشهر، إذ حددت لي مدة أقصاها تسعة أشهر يجب عليّ في نهايتها أن أتأهّب للهبوط إلى أرض البشر. و اليوم هو نهاية الشهور التسعة.

 

رضوخ سكان جزيرة الأحلام للأمر الواقع

وملاك يتجلّى أمام الجميع

 

و أصغى الجميع للحلم تقصّه عليهم الغادة الهيفاء أحلام فتاة جزيرتهم الذكية الحاضرة الذهن. ثم حنوا رؤوسهم علامة الطاعة لوحي الحلم المقدس. و فجأة ظهر نور باهر خطف الأبصار، و هبطت سحابة بيضاء كالثلج يجلس عليها ملاك ووجهه يتألق بالنور العجيب، و من حوله ملائكة الحب ينشدون أناشيد إلهية لا يمكن أن يسمعها إلا سكان كواكب السعادة الذين خلعوا أجسادهم المادية فبلغوا هذه النجوم النيرة المترعة بالبهجات.

وعندما شاهدته أحلام صاحت:

إنه هو نفسه الذي شاهدته في الحلم و قد اعلمني يومذاك بأنه سيحضر بعد تسعة أشهر ليصحبني إلى عالم الأرض. و ها هو قد أتى مثلما وعد.

وعندما هبطت السحابة جثا الجميع أمام جلال هذا الملاك و جماله الإلهي، و سبحوا الخالق المبدع. فاستدعى الملاك فتاة الجزيرة أحلام الفتانة، و بلغها أنه سيصحبها إلى الأرض و سيزودها بسيالات من الموسيقيين و الأدباء و أرباب الفنون الجميلة، و أنها ستكون رسولة بتهوفن و خليفته أثناء إقامتها في أرض البشر.

وعندما اقتربت منه أجلسها على السحابة و مرّ بيده أمام ناظرها و قال لها:

ستشاهدين الآن سكان الشرق بأسرهم. أما الغرب فلن تشاهديه لأنك ستهبطين إلى الشرق. هذا هو الأمر الإلهي. و لك أن تختاري العائلة التي تودين النتساب إليها، فأنيلك بغيتك مثلما ترومين، فالخيار هو لك يا أحلام!

وبما أن هبوطي كان ليلاً، فسيكون اسمك على الأرض، يا أحلام، هو ليلى، أي أن هبوطي لمرافقتك كان ليلياً.

وفجأة شاهدت مدن الشرق بأسرها. و بلمحة خاطفة تغلغلت بروحها في أرواح الملايين من سكان المدن. و سرت بنفسها في أرواح و قلوب الملايين من العائلات، فاختبرت ميولهم و قرأت أفكارهم، و ماشت رغباتهم، واكتشفت أدق أسرارهم، و بلغت مكامن آمالهم، و عرفت  ميولهم واتجاهاتهم. ثم انتقلت من مدينة إلى مدينة حتى بلغت مدينة القدس. و بعدما فحصت عشرات الألوف من قاطني هذه المدينة،استقرت في منزل شخص تاكد لها، بالمقدرة الروحية التي وهبها إياها الملاك، أنه الشخص الذي تريد أن  تنتسب إليه، لأنها قرأت أعماق روحه، فتأكد لها أنه يحيا للفن و يضحي بكل ما تملك يمينه على مذبح الفن و الأدب وما يتفرّع عنهما من فنون جميلة. فقالت للملاك:

-هذا هو من أختار. فخذني بركابك يا ملاك الله.

و نفخ الملاك بوقه على وجه أحلام فإذا بها تختفي فجأة، و يغيب جسدها أمام دهشة الحضور و عجبهم الشديد.

و تهبط السحابة و عليها الملاك، و هو يقبض بيده على روح أحلام. و عندما بلغ ملاك الرب مدينة القدس، هبط في المنزل الذي انتخبته أحلام و أطلق روحها الفتانة في ذلك المنزل.

و في اللحظة نفسها ولدت أحلام و هي تصرخ الصرخة المعروفة التي يطلقها كل مولود على الأرض.

وولدت ليلى. و كانت ولادتها في مدينة القدس بتاريخ 24 حزيران 1936

بيروت 24 حزيران 1954

الساعة السادسة مساء.

هدهد و هدى

 

كان امير البلاد في حفلة صيد بضواحي مملكته الشاسعة الأرجاء. و كانت الحاشية العديدة الأفراد على ظهور الخيل و هي تغد السير، و عيونها تلتهم تلك الغابات التي كانت تخترقها.

وكان أميرهم و وليّ أمرهم في مقدمتهم يعتلي فرسه المُطهم.  وكان يربت بين الحين و الآخر على ظهره ملاطفاً. و لما طالت المسافة  وأعياهم السير، ترجلوا ليأخذوا لهم قسطاً من الراحة، و لكي يتناولوا بعض الفواكه المحفوظة في ثلج الجبال المشمخرة.

ترجّل الأمير  و هو يمسح بكفه العرق المُتساقط من جبينه بغزارة.

و مُدَّت البسط، ووضعت عليها الأرائك اللينة. فجلس الامير، والتف أفراد الحاشية حوله، و أمامهم كل ما لذّ و طاب.

وعندما حاول الامير ان يتناول عنقود من العنب الذهبي، لاحت منه التفاتة  إلى شجرة متدلية الاغصان، إذ سمع حركة بين الأغصان الجافة المتساقطة.و إذا به يشاهد هدهداً و هو يزحف بصعوبة محاولاً الاختفاء عن الأنظار.

فهرول نحوه و أمسكه بعد ما قفز الهدهد قفزة يائسة. كان الهدهد مكسور الجناح، و ما زالت آثار الدماء تحت جناحه المهيض. فقد حاول أحدهم اصطياده، فكسر جناحه، إما برمية حجر أو بسواها. واستطاع الهدهد أن يتوارى بين الأعشاب الكثيفة فنجا.

وأمر الأمير، فوضع الهدهد في قفص جميل، وطلب أن يعتنى به حتى شفي الهدهد من جرحه .

وقد اعتاد الهدهد على الأمير الذي كان يزوره يومياً ، و يطعمه بيده. و قد أمرأن يطلق سراح الهدهد، و لكن الطائر لم يرغب في الذهاب، بل مكث حراً طليقاً. و كان يذهب نحو الغابة ليعود ثانية إلى قفصه فيكون بقرب منقذه.

واستغرق حاكم البلاد في نومه. و إذا به يحلم انه تجاوز حدود الزمان و المكان، فشاهد نفسه في مدينة عجيبة غريبة لا تمت بصلة إلى مدينته. وكانت الحشود فيها ترتدي فيها ألبسة غير الألبسة التي يرتديها أهل مملكته. كما شاهد مركبات تسير دون خيول، و هي سريعة للغاية. ثم شاهد رجلاً مربوع القامة، و هو يجلس على أريكة، وقد جلست فتاة صغيرة السن لا تتجاوز الرابعة عشرة أمام قدميه و هي تنظر إليه.

وكان هذا الرجل يربت بين الحين و الآخر على كتفها ووجنتيها.

وفجأة برز الهدهد أمام عينيه فحياه و ابتسم ثم قال له:

-إنني أشكرك أيها الأمير لأنك أحطتني بعنايتك حتى شفيت و إني أعلمك الآن بأن الرجل الذي تشاهده جالساً على الأريكة هو أنت بالذات، و الفتاة الغضة الإهاب هي أنا.

وبعدما تمر ألف و خمسمئة عام سأتقمص، و أكون هذه الفتاة. و أنت ،ستكون هذا الرجل الذي يجلس على الأريكة. وتأكيداً لصحة كلامي وأن ما تشاهده الآن هو حقيقة لا ريب فيها، سأعطيك دليلاً لا ينقد، وهو أنك بعد يقظك لن تراني في قفصي، لأن سهم أحد الصيادين سيخترقني وسيصميني . و سأقتل لأعود فتقمص في بلاد نائية. و سأكون يمامة تعيش ستة سنوات، ومن ثمة أتقمص  و أتقمص في شتى الصور و الأشكال. و أخيراً سألتقي بك في لبنان بمدينة بيروت. و إذ ذاك سأكون فتاة فتية.

واستيقظ الأمير مدهوشاً من هذا الحلم الغريب العجيب و هرول إلى القفص فإذا به خال خاو. وفجأة قدم احد الخدم و هو يحمل الهدهد الصريع بيده وقد اخترقه سهم قاتل، إذ رماه احد الصيادين عندما شاهده في الغاب  فصرعه.

وخرّ الأمير ساجداً، رافعاً صلاته لخالقه وموجده، وابتهل إلى العزة الإلهية م قال:

-أي إلهي، لقد آمنت بقدرتك الإلهية، وآمنت بأنني سأجتمع بعد ألف وخمسمئة عام بهدهدتي هدى .

 

بيروت مساء 9/5/ 1972

عظاية الغاب

 

قالت الزوجة لزوجها :

انّ طفلنا ضعيف البنية ، وقد أوصى الطبيب بوجوب اقامته في الجبل فترة ما ، فدعنا نذهب به من القدس الى بيت لحم . فهذه المدينة ذات كروم وأعناب ، ولعلّ طفلنا تعود العافية اليه عندما يستظلّ بأشجار التين والمشمش والدّراق والرّمان ، ويهيم بين الكروم ، متسلّقا أشجارها الغنية بأثمارها .

ونزل الزوج عند رغبة زوجته ، مؤمّلا عودة الصّحة الى طفله الذي أضناه ضيق التنفّس العسير . وانتقلا الى بيت لحم ، واستأجرا منزلا في ضواحي المدينة تحيطه غابة تغصّ بالأشجار ، وتتراقص في جنباتها الأزهار الفاتنة .

وراح الطفل يذرع الغاب ، ويقتطف الأقحوان ، وينمّق شقائق النعمان ، وغيرها من شتّى أنواع أزاهير البرية الغنيّة بكنوزها الطبيعيّة .

وفي أحد الأيّام عاد الى المنزل ، وبيده علبة صغيرة مقفلة . فقال لأمّه :

  • أتحزرين ما بداخلها ؟

أجابته :

  • أظنّ أنّ في داخلها أزهارا ، فأنت مغرم بها .
  • كلاّ ، ليست بأزهار .
  • اذا ، حصى انتخبتها من بين الحجارة .
  • ولا هذا .
  • اذا ، ماذا ؟

وفتح غطاء العلبة ، فاذا بداخلها عظاية صغيرة .

وقالت أمّه :

  • سليم ، من الحرام أن تسجنها في علبة والله قد وهبها غابات شاسعة وأراضي واسعة .
  • انها صغيرة ، وأحبّ أن أعتني بها ، وعندما تكبر سأطلق سراحها .

وعندما حاولت أمّه فكاك أسرها ، ملأ الفضاء بصياحه ، وسالت دموعه ، ممّا اضطرّ والدته الى الانصياع لرغبته .

ووضعت العظاية بوعاء معدنيّ مستطيل تعلو جوانبه عن الأرض مقدار 20 سنتمترا .

اذا ، العظاية لا تستطيع مغادرته ، فهو املس ومرتفع الحفاف .

وكان الطعام والماء يوضعان لها بداخله .

كان سليم يعتني بعظايته ، ويطعمها بيده ، فاعتادت عليه ، واطمأنّت له . وبعد مضيّ أسبوعين أطلق سراحها ، ولكنها سرعان ما عادت الى المنزل .

كانت العظاية تنطلق في الغاب ساعات طويلة ، لكنّها تعود ، أخيرا ، الى المنزل . وكان سليم يطعمها ثمارا جنيّة ، ويداعبها بامساك خيط يسحبه أمامها ، فتعدو وراءه .

وفي يوم قائظ اشتدّت حرارته ، ذهبت والدة الطفل الى المدينة لتبتاع لوحا من الثلج اذ كان ثمّة فبارك تنتج ألواحا من الثلج ، لأنّ البرادات لم تكن قد اخترعت بعد . وكانت متاجر الأطعمة تبتاع ألواحا ثلجيّة لحفظ الأطعمة وتبريد الماء .

وداعب سليم عظايته ، ثمّ استند الى جذع شجرة تين ، وداعب الوسن جفنيه ، فاذا به يجوس عالم الأحلام الرائع …

وبرزت من فجوة صخريّة أفعى حالكة السواد ، وزحفت الى ناحية سليم . والأفاعي تهتاج عندما يشتدّ الهجير فتلدغ من يعترضها ، سواء أكان انسانا أم حيوانا .

وأسرعت العظاية فتسلّقت صدر الطفل ، ثمّ استقرّت بأذنه لتدعه يستيقظ . فهبّ مذعورا ، وشاهد الأفعى بقربه . واذا بالعظاية تقفز على الأفعى لتلهيها عن الطفل فيفرّ من هذه الأفعوانة . واهتاجت الأفعى ، واذا بالعظاية لقمة سائغة في جوفها الكريه .

وصدف أن مرّ صيّاد في الغاب ، وهو يحمل بندقيّته ، فبادر الى اطلاق النار على الأفعى ، فأرداها قتيلا .

وعلا بكاء الطفل ، واشتدّ اعواله على العظاية التي أنقذت حياته وافتدته بحياتها .

كان هذا في عام 1916 .

سنة 1942 كان سليم قد أسّس عقيدة فلسفيّة اعتنقها عدد كبير من الرجال والنساء ، وذلك في مدينة بيروت .

وفي عام 1972 اعتنقت فتاة نحيلة الجسم العقيدة الجديدة ، وذلك فور زيارتها مع صديقة لها منزل مؤسّس العقيدة .

وكانت تزور منزله باستمرار ، وهي تشعر برغبة ملحّة لأن تجتمع به ، تائقة الى تفهّم فلسفته التي استهوتها .

وهذه الفتاة المديدة القامة ، النحيلة الوجه ، الدقيقة الملامح قد عادت الى الأرض ثانية ، وعرفت في تقمّصها هذا باسم رئيفة . وقد كانت ، قبل تقمّصها الحالي ، عظاية الغاب التي افترستها الأفعى السوداء السّامة .

والصديقة التي أخذتها الى منزل مؤسّس العقيدة الفلسفيّة كانت الأفعى التي افترست العظاية ، وفي تقمّصها الحالي عرفت باسم رباب . أما الصيّاد قاتل الأفعى فهو معروف بتقمّصه الحالي باسم الدكتور فريد أبي سليمان . وقد جمعتهم معا عقيدة فلسفيّة واحدة .

 

 الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، الساعة 3،30 من فجر 30/1/1978

بوتانيا الحوريّة الفاتنة

 

وطالت سفرتي عاما كاملا . فيها قطعت السهول الممتدّة ، واعترضتني جبال شامخة شمّاء ارتقيتها والموت يترصّدني في كلّ خطوة كنت أخطوها في شعاب تلك الأطواد المتسامقة والعسيرة الارتقاء .

ثمّ هبطت الى أودية سحيقة الأعماق ، رهيبة المنعرجات ، يستصعب السير فيها حتى الماعز المشهور بارتقاء أصعب طرقات الجبال الممتنعة الممرّات .

وصنعت طوفا من جذوع الأشجار ربطتها بعضا ببعض بالأغصان الغضّة . واجتزت بطوفي البدائيّ هذا بحيرات لا نهائيّة ، كدت ، وأنا أخوض مسافاتها الهائلة ، أن أكون فريسة للتماسيح المخيفة . ولكنّ العناية أنقذتني من أنيابها المنشاريّة القاطعة .

ثم سرت في غابات كثيفة يعسر السير فيها حتى للقطّ البريّ النحيل الجسم والخفيف الحركة .

وكدت القى حتفي من الثعابين إذ حاولت لدغي وأنا تائه في تلك الغابات المتشابكة .

ولكنّ صاحب العمر لا تقتله شدّة , وتشيح بوجهها عنه المخاوف .

ووصلت الى صحراء قاحلة , فاعتمدت على الله وولجتها , وظللت سائرا في قفارها وفيافيها أسبوعا كاملا أمضيته على الطوى , وكان الجوع يضنيني .

أمّا العطش الرهيب فكاد أن يوردني موارد التهلكة , ولكنّ الله سلّمني .

أخيرا , وصلت إلى واحة ظليلة ومياهها نميرة , فأكلت من ثمارها الجنيّة , وطاب لي العيش فيها أسبوعا كاملا . ثم غادرت هذه الواحة الخيّرة , ورحت أضرب في الفيافي , وأقطع القفار في الليل والنهار .

وكم اكتنفتني المصاعب وأحاطت بي المخاوف . فقد نجوت من السباع الخاوية البطون من الطعام , والضباع الشرسة المخيفة الفكيّن , فالحديد يستحيل إلى عجين تحت أضراس فك الضبع الفولاذيّ المتانة .

وكدت أن أكون فريسة سهلة للذئاب المفترسة , ولم ينقذني منها , في إحدى الليالي المدلهمّة الحالكة , سوى نيران مشبوبة تحيط بي كدائرة وأنا بوسطها , إذ قضيت ليلي ساهرا أطعمها جذوع الأشجار حتى انبلج النهار . ففرّت الذئاب عندما أشرقت ذكاء , وملأت بنورها البطاح , فنجوت منها , وأكملت سفرتي الشاقّة الطويلة .

أخيرا , ومن بعد , شاهدت غابة سحريّة أشجارها وارقة . أغذذت السير اليها فبلغتها . وكان الربيع قد أقبل . وإذا هي جنّة مذهلة بما فيها من أزهار ورياحين بريّة تعطر الجوّ وتضمّخ لهواء . فرحت أتنسّم هذه الرائحة العطرة والمحيية .

وكانت الورود المخمليّة توشّي هذا الغاب الفاتن ، وهي تجاور عشرات الأنواع من أفتن أصناف الأزهار الزرقاء والصفراء والحمراء والمتوشّحة بعديد الألوان .

وكان الفراش الملوّن يحوم على هذه الأزهار الرائعة الجمال ، فيضفي بهاء على بهاء لا مثيل له .

وغرّد حسّون كسته الطبيعة ألوانا عجيبة ، وكان يقف على شجرة بان . فأبدع بتغريده أيّما ابداع .

فأطلت النظر اليه وهو ينتقل من غصن مزهر الى غصن آخر مثقل بأزهار هذه الشجرة العجيبة الفتنة ، وكان صداحه العذب يأخذ بمجامع القلوب .

وما كاد يغادر الشجرة المزهرة حتّى حطّ بلبل ساحم اللون على غصن وردة جوريّة ، وراح يصدح ويترنّم وينشد نشيد البهجة والحبور .

فطربت لانشاده الرائع ، ورحت أمتّع بصري بهذه الحديقة الغنّاء ، العجيبة بأزهارها ، المذهلة بتغريد أطيارها ، الموشّاة بأنواع الأزهار البريّة ، الضاجّة بالفراش المحوّم ، فكأنّ الطبيعة بأكملها تغنّي وهي محبورة مسرورة مسحورة !

وتسمّرت أمام بحيّرة صافية المياه ، وكانت الأسماك – الحمراء والزرقاء والصفراء والأرجوانيّة والموشّاة بعديد الألوان – تسبح في رحابها ، فيلتذّ الناظر بمشاهدتها .

وكانت أزهار النيلوفر العجيبة طافية على وجه البحيرة ، فاذا المشهد سماويّ غير أرضيّ .

انّها يد الله التي أبدعت هذه المفاتن التي تسحر العيون ، وتسرّ النواظر وتشرح الخواطر .

وأكملت تجوالي في هذه الغابة المبدعة حتى وصلت أمام شجرة هي السحر الحلال ، ثمارها أزهار فردوسيّة هي فتنة المفاتن !

وأبعدت بيدي أغصانها الزهريّة المتهدّلة ، فاذا بي أشاهد قصرا مرمريّا منيفا ، هندسته رائعة ، وبنيانه آية الفنّ التامّ . وكانت الشمس تغمره بأشعّتها الجميلة فيتوهّج كجوهرة عجيبة التألّق !

فغرت فاهي لشدّة عجبي لوجود هذا القصر المنيف في هذا الغاب الموغل بالبعد . واقتربت من مدخله ، فاذا به مزيّن بالتماثيل المرمريّة الصقيلة التي تمثل الآلهة والالاهات العظام .

فهذه فينوس ربّة الفتنة والجمال وهي عارية من الملابس ، معتزّة بجمالها العجيب . وبجوارها مارس اله الحرب وهو منكّس سلاحه أمام فتنة ربّة الأولمب . ولكنّ نظره مسمّر فيها ، يكاد أن ياتهم محاسنها بنظره الثاقب .

وهناك كيوبيد اله الحبّ يسدّد سهمه على ايروس رسول الآلهة ، ليجعله عاشقا عابدا لهيبة هذه الالهة المغناج ذات العينين الدعجاوين والصدر الناهد الناهض والمفاتن المغرية .

ودفعت الباب بيدي ففتح على مصراعيه ، واذا بي أدهش وأبهر ممّا أرى . لقد كان مقبض الباب من الذهب الخالص ، ورصّع الباب من الداخل بيواقيت كبيرة وبفصوص من الماس النقيّ . وكان النور يتكسّر على هذه الحجارة الكريمة فيزداد وميضها أنوارا تخطف الأبصار .

وكانت فصوص الزبرجد والزمرّد توشّي النوافذ المزركشة ، والمرجان يرصّع كلّ شبر من الصالون الحافل بجميع أنواع الحجارة الكريمة النادرة .

وفجأة ابتدأت أنغام موسيقيّة سماويّة تعزف ألحانا لم تسمع أذن بشر مثلها . فسكرت نفسي لهذه الأنغام الإلهيّة وكأنني حالم .

وتسمّر بصري بتمثال فتاة في مقتبل العمر , جمالها غير أرضي , وفتنتها فردوسيّة و وصباها يلعب بعقول الآلهة العظام .

 

 

                                  فعرفتها

إن هي إلاّ بوتانيا اللعوب , من تدلّّّّّّّه بحبها كيوبيد إله الحبّ , فأبت أن يكون حبيبها , وفشلت سهامه باستمالتها , فحطّم قوسه وكسّر سهامه لفشله بالفوز بهذه الإلهة النافرة كالغزال .

والتصق بصري بهذا التمثال المصوغ من الذهب الإبريز والموشّى بأثمن الحجارة الكريمة . فهو أعجوبة الأعاجيب .

وتمنّيت لو تتمّ معجزة فتتحّول هذه الدمية من الفتنة إلى غادة تدبّ الحياة بأوصالها . ولعجبي الهائل ابتسمت بوتانيا , وقالت :

  • لقد تحقّقت أمنيتك . فقد انتظرت أوبتك إليّ طويلا . وها قد أتى الوقت , ثانية لنلتقي . فأنت حبيبي المفدّى وأنا معبودتك المبتغاة .

    وكدت ألقى حتفي للمفاجأة الخارقة .

واندفعت نحوها , وأنا فاتح ذراعيّ , وهي كذلك , وضمّ أحدنا الآخر ضمّا عنيفا , ثم ضاع الزمان والمكان فما نعرف عنهما شيئا.

كم بقينا متعانقين هذا علمه عند الله . فقد كانت النشوة العظمى متملّكة كياننا .نسينا الدنيا وما فيها ، نسينا أمّنا وأبانا ، أقرباءنا وأصدقاءنا ، وأعداءنا وأحبّاءنا ، وكلّ ما له صلة بالكرة الأرضيّة .

وفنينا بالحبّ اذ دخلنا ملكوته وجسنا ربوعه ، وارتوينا من اكسيره السماويّ .

وأؤكد أن الكاروبيم في حضرة خالقه وجلال مكوّنه لم يشعر بلذّة تتفوّق على لذّة عناقنا بعد لقائنا .

وأمضيت مع بوتانيا المعبودة عاما كاملا وكأنّه لحظة عابرة !

ثم صاح الديك فأيقظني من حلمي السماوي العجيب الغريب .

فلعنت ديوك الأرض قاطبة .

 

الولايات المتّحدة الأمريكيّة ، الساعة 3،30 بعد الظهر تاريخ 14/5/1978

حديث بين هواء أمريكا وهواء بيروت

 

وانطلقت جحافل الهواء بأقصى سرعة تستطيعها ، مغادرة أمريكا ، ووجهتها جبال لبنان الموغلة بالأبعاد القصية ، وشعار هذه الجيوش اللجبة بالنسبة للمسافات الشاسعة التي ستقطعها : ” كل من سار على الدرب وصل ” .

وأخيراً وصلت فيالق الهواء إلى لبنان ، وطافت جباله ، وحومت في أوديته ، وزارت دساكره وقراه ، ومرت في شوارعه ، وجابت أزقته ، وحيَّت أرزه.

ثم انطلقت وحطت رحالها بمدينة بيروت ، فإذا بفيالق هواء هذه المدينة التي دمرتها الحرب الفلسطينية الإسلامية والمسيحية .. تستقبل جيوش الهواء الأمريكية مرحبة بالقادمين المستطلعين المتشوقين لمعرفة أسرار هذه الحرب الضروس التي انقضَّت على لبنان ، ففكَّكت أوصاله ، ومزَّقت أشلاءه ، وهتكت نساءه ، وافترست أبناءه ، ودمَّرت مبانيه ، وقوَّضت معالمه ، وحطَّمت أرتاجه ، ويتَّمت أطفاله ، وأبكت قاطنيه ، وذبحت رجاله ، وسَبَتْ أجمل فتياته ، وقطَّعت رقاب شبانه ، وعصفت بمدنه وقراه ، فإذاها مدمَّرة مردَّمة ، وإذا لبنان تنوح الغربان فوق آكامه ، وينعب اليوم فوق خرائب أطلاله ، بعد أن فقد كل ثري جميع أمواله وأضاع كل اماله.

وارتاع هواء أمريكا من منظر التدمير ، وذعر من زمجرة الصواريخ وهي تزار في الفضاء لتستقرّ في بناء ضخم فخم ، فتدمره وتفكك أوصاله ، عاصفة به عصفاً مأكولاً . وقال الهواء بيروت :

– لقد مر عام ونصف على هذه الحرب المشؤومة ! فما هي أسبابها ومسبِّباتها ؟

هواء بيروت: إن رئيس جمهورية لبنان ، المجرم بشارة الخوري سمح في عام ١٩٤٨ للفلسطينيين الذين غادروا ديارهم باللجوء إلى لبنان ، فتوافدت جموعهم بأعدادها الغفيرة ، وتفرَّقت في مدن لبنان وقراه ، وتمركزت فيه .

كما سمح لهم بحمل السلاح …

وقد أصبح عددهم اليوم مئات الألوف.

ولا شكَّ بأنك قرأت في الصحف أن تضارب الأفكار والمصالح بين المسيحيين اللبنانيين والمسلمين اللبنانيين ، وتجاوزات الفلسطينيين – مثلما تذكر هذه الصحف – سبَّبت هذه الحرب الضروس التي لا ترحم . أما الحقيقة فهي غير ذلك.

هواء أمريكا: بربّك أيها الأخ الكريم ، أعلمني ما هو السبب الحقيقي ، فقد قطعت آلاف الكيلومترات لأتفهَّم أسباب هذه الحرب التي مزَّقت شمل اللبنانيين وعصفت بهم عصفاً مأكولاً !

هواء بيروت: قبل أن أكشف لك عن هذا السرّ ، سأعود بك إلى الوراء ، إلى عهد السيّد المسيح الذي مرَّ عليه ألفان من الأعوام البائدة ؛ فيومذاك تنبأ السيّد المسيح لمن اضطهدوه ، قائلا لهم:

و إذا صُلبْتُ على أيديكم فإذاك تستحقون الجزاء لقاء جريمتكم القذرة ، إذ إنَّ العقاب الإلهيّ سيحلُّ بكم وبأولادكم ، وبنسائكم ، وكل من يمتّ إليكم بصلة قرابة أو نسب . وستدمَّر مدينة القدس تدميراً هائلاً شاملاً ، ولن يبقى فيها قائماً.

 

وقد خربت أبنية القدس وانهارت للحضيض ، فأصبحت ركاماً ـ كبرهان على صحة نبوءة السيد المسيح – وقتل قاطنوها ونكل بهم تنكيلاً هائلاً ومن سلم منهم نُفِيَ منها.

وكان النبي إرميا اليهودي قد رثاها بمرثاة خالدة ناح فيها نواح الثكلى التي لا يمكن أن تتعرَّى على الإطلاق. ويمكنك أن تطالع هذه المرثيَّة الخالدة بالعهد القديم من الكتاب المقدس ، تحت عنوان « مراثي إرميا » ، فهي من أشهر المراثي التي دونت بمرارة علقميَّة في عالم الأرض.

وهكذا حصد هؤلاء المارقون والكذبة المدجِّلون الذين صلبوا السيّد المسيح نتيجة جريمتهم دماراً وخراباً وقفراً يباباً ، ثم قتلاً وتشريداً ، وخوفاً وهلعاً وذعراً هائلاً وبطشاً لا مثيل له .

وقد تأكد للجميع ، ولكن بعد حين ، أن نبوءة السيّد المسيح هي نبوءة روحيّة سماويَّة . والروح لا يمكن أن تتكلَّم إلا بالحقّ ؛ وما تتنبأ به لا بدَّ من أن يتحقَّق عاجلاً أو آجلا .

هواء أمريكا: حقاً إن القصاص الذي أصاب اليهود الذين أجرموا بحق السيّد المسيح كان قصاصاً مُرعباً ، ولكنه عادل . فلو عدلوا ولم يصلبوه لما أصيبوا بالدمار ، ولما حصدتهم تلك النار ، ولما لاذوا كالثعالب بالفرار ، ولما سباهم تيطس ذلك الفاتح الجبَّار ، ولمكثوا في تلك الديار مُعززين مُكرمين ؛ ولكنهم اعتدوا على المسيح ، فاعتدي عليهم وعلى ذراريهم.

وما دمت قد أعدتني لألفين من الأعوام إلى الوراء ، قبل أن تعلمني عن سبب هذه الحرب اللبنانية الشنعاء ، فإنني أرجوك أن تعلمني عن سببها الحقيقي ، فأكون لك من الشاكرين.

هواء بيروت : إذا هاك السبب الأساسيّ والحقيقي الذي أشعلها نيراناً مُلتهبة ، فالتهمت الأخضر واليابس ، وتفجَّرت صواريخ مُرعبة ، ورشاشات مُبيدة ، ومدفعية تهدر ، وقنابل تدمدم حاصدة الأرواح حصداً لا يبقي ولا يذر ؛ فهي لا ترحم شيخاً، ولا ترأف بطفل، ولا تأبه بدموع امرأة أو فتاة مراهقة.

وأصغ جيداً لما أقوله لك الآن ، سارداً عليك أسباب هذه المأساة التاريخية .

 

في عام ١٩٤٣ تسلّم الشيخ بشاره الخوري كرسي الرئاسة الأولى فأصبح رئيساً لجمهورية لبنان، ويومذاك اعتنقت ماري حداد شيحا العقيدة الداهشيَّة . وماري حداد – الأديبة التي لا يشق لها غبار بعالم الأدب ، ورئيسة نقابة الفنَّانين لرسم اللوحات الزيتيَّة . هي شقيقة ( لور ) زوجة بشارة الخوري المعتدي على حريَّة داهش بطريق العسف والجور والظُّلم الصَّارخ ، مُلصقاً بنفسه وصمة عار ستلحقه إلى عالم القبور حتى يوم النشور.

وهاجت لور وماجت لاعتناق شقيقتها للداهشيَّة ؛ وثار قرينها ، صاحب القرنين الطويلين ، لثورتها الجامحة ، وانتفخت أوداجه ، فإذاه يبزّ ديوك المزابل بانتفاخ كرشه الطبليّ ، مُهدِّداً داهش بالويل والثبور وعظائم الأمور . وقام بالمستحيل ليعتقله بطريقة قانونيَّة تجاه الشعب اللبناني ، ففشل فشلاً ذريعاً ، إذ إنّ التقارير العديدة التي كتبها رجال التحريّ الذين أمروا أن يُراقبوا الداخلين والخارجين إلى منزله كانت لصالح داهش . وهكذا أخفق هذا ( الدب الذي يخب ) ، بعدما تحطَّم قوس ظنّه ، فتبدَّد أمله بالقبض على داهش بطريقة قانونيَّة .

وهنا تشاور مع ميشال شيحا اليسوعي المغرور ـ وهو شقيق ماري حداد – هذا الجزويتي النَّتن، هذا الجبان الذي يضمر الشرّ بقلبه ، مُتظاهراً أمام الرأي العام بأنه يمثل الصدق والإخلاص ، وما هو إلا كاذب دنيء صدره مملوء بالغش والاحتيال ؛ فظاهره غير باطنه ، كالقبر المملوء بالعظام النَّتنة من الداخل ، ومن الخارج رخامه برَّاق نفيس لا شبهة فيه.

كما استشار هذا الطبل الأجوف – بشارة الخوري ـ هنري فرعون اللوطي صاحب اللطخة الخنزيريَّة القذرة المعتلية خدَّه الصفيق ، سائلاً إيَّاه عن طريقة يستطاع بواسطتها إلقاء القبض على داهش، والانتهاء من أمره ؛ فنصحه الوغدان الاعتقال والسجن باستصدار مشروع قانون يمنع عقد جلسات روحيَّة بالأراضي اللبنانية تحت وطأة الإعتقال والسّجن.

ولم يمض أسبوع حتى فوجئ اللبنانيون بالصُّحف الصَّباحيَّة تحمل عناوين ضخمة بمشروع قانون تبنَّاه الشيخ بشارة الخوري، سُمِيَ ” مشروع داهش ” وعادة تشترع القوانين وتُسن لأجل الشعب قاطبة ، ولم يُسمع قبل اليوم بأنه سُنَّ. قانون اشتراعي لأجل شخص واحد ! وهذا ما حدث بلبنان ! ويستطيع أي شخص أن يراجع المجلَّة الرسميَّة التي يدوَّن فيها ما يجري بالمجلس النيابي ، فيطلع على هذا القانون المجرم الذي لم يُسجل التاريخ له مثيلا .

 

واستدعى بشارة الخوري النوَّاب إليه ، وطلب منهم أن يصوتوا على هذا المشروع ضد داهش، ليصير إلقاء القبض عليه عندما يُصبح قانوناً نافذاً.

وصفق بشارة طرباً، وهلل فرحاً مع زوجته الأثيمة ، وشقيقها اليسوعي الماكر ، وهنري فرعون اللوطي الذي أُمْسِك وهو يلاط من أحد عمال إصطبلاته ، وذلك في عهد رئاسة إميل إدّه . وقد حرَّر له البوليس محضر ضبط شائن يصمه باللواط القذر – لعنه الله.

 

وقد زار صبري حماده ـ وكان يومذاك رئيساً للمجلس النيابي – داهشاً ، ونصحه بمبارحة البلاد ، لأن القانون سينشر بالجريدة الرسمية عند إقراره ، وإذ ذاك تعتقله السُّلطة ، لأن أحد بنود القانون له مفعول رجعي : فكل من عقد جلسة روحية ، وإن يكن قبل إقرار هذا القانون ، فإنه يُعتقل ويُسجن.

وأجاب داهش صبري حماده : وإعلم يا صبري بأنَّني عرفت ، يوم أمس بجلسة روحية ، أن مشروع القانون الذي تبنَّاه بشاره الخوري سيفشل ؛ فالنوَّاب سيصوتون لجانبي ضد رغبة رئيس الجمهورية ، وهكذا سيفشل فشلاً ذريعاً ، وسأنتصر انتصاراً مبيناً ..

 

وهز صبري رأسه لعدم تصديقه كلام داهش ، وقال له : « إن النوَّاب ينفِّذون رغبات الشيخ بشاره ، لأن لهم مصالح ماديَّة تربطهم بارادته ، وإلا فإنهم يخسرون مصالحهم ؛ ولا يعقل أن ينحازوا لجانبك ، وهم لا تربطهم بك صلة ما ، ولا فائدة ماديَّة لهم من ورائك . فكيف تقول لي إنهم سيخذلون رئيس الجمهورية ويناصرونك ؟

 

أجابه داهش: ” وإن الأيام بيننا ، وسترى أن نبوءة الرُّوح ستتحقَّق بحذافيرها “.

وطرح هذا المشروع، بعد يومين ، للتصديق عليه ، إما معه أو ضده . وإذا بالنوَّاب يصوتون مع داهش ، فانتصر . وكان الخسران حليف المجرم الوصولي بشارة الخوري الذي هلع قلبه من النتيجة التي لا تصدق ؛ وما هي إلا مُعجزة تضاف على المعجزات الروحيَّة.

 

وصدرت في اليوم الثاني الجرائد الموالية للقصر ، وفي صفحاتها الأولى أحرف ضخمة تقول :

تلاعب داهش بالعقول، لقد أثَّر على المجلس النيابي فجعله طوع رغبته .

يجب اعتقال داهش وإخراجه من البلاد فوجوده يشكل خطراً عظيماً على البلاد .. الخ … الخ ….

 

وبعد أسبوع من انحياز المجلس النيابي لجانب داهش ، وفي اليوم المشؤوم الواقع في ۲۸ آب ١٩٤٤ ، أرسل الشيخ بشارة الخوري شرذمة من الكتائب المجرمين، وذلك بالاتفاق مع ميشال شيحا وهنري فرعون، ولور، وبيار الجميل ؛ أرسلت تلك العصابة المعتادة على الإجرام لاغتياله في عقر داره ، والانتهاء من أمره ، ففشلوا فشلاً تاماً ، ولكنهم اعتقلوه في اليوم نفسه . وأدخل إلى السجن – سجن الرمل – ومكث فيه حتى ليل 9 أيلول عام ١٩٤٤.

 

وفي ليل هذا اليوم أُبعد إلى خارج لبنان برفقة أربعة من رجال التَّحري العُتاة وهم بسلاحهم الكامل ..

وهذه الجريمة التاريخيَّة التي أقدم عليها شيخ المجرمين المرتكبين ، بشارة الخوري ، يمكنك معرفة تفاصيلها المؤسية إذا طالعت الكتب السوداء التي كتبها ، وطبعها ، ونشرها ، ووزعها مؤسِّس الداهشيَّة ، ففيها من فضائح بشارة الخوري وقبائحه ، وارتكاباته ، واختلاساته ، وسفاهاته ، وغطرسته ، ودكتاتوريَّته ، وطغيانه ، وبغيانه ، واعتداءاته ، ومُنكراته … ما يعجز القلم عن الخوض فيه ، لكثرة الجرائم التي أقدم عليها ونفذها ، وعين الله العلي تراقبه لتجازيه في الوقت المحدد.

ولم يكتف بالجريمة النكراء التي ارتكبها ضد مؤسِّس الداهشيَّة ، إذ كلَّف أربعة من الكويتبين الذين يدَّعون بأنهم صحفيون بتشويه سُمعة داهش .

الصحفي صاحب رسالة ، ولكن أين هو صاحب هذه الرسالة ؟ وفي أي كوكب يوجد ؟

إن من كلَّفهم بشارة الخوري بتسويد صحيفة داهش هم أصحاب رذالة ، وليسوا بأصحابِ رسالة . فكلٌّ منهم ألَّف كتاباً حشاه من الدفة إلى الدفة بقذارات تعشّش في منزله ، مُتَّهماً داهش بها لقاء دراهم قذرة مغموسة بالدناسة . وقد اختلق كل منهم أكاذيب يتبرأ الشيطان منها ، مُستعيذاً بالله من قباحتها وحِطَّتها ودناءتها ، وذلك لقاء قبضة من المال المدنَّس.

فسدى ما كتبوه كذب وجبانة ، ولحمته دناءة ونتانة . وما كانوا واصفين إلا منازلهم التي تزخر بكلِّ فسق وفجور ، وكل ما هو شائن ودنيء ومُنحط وبذيء.

هواء أمريكا : والداهشيون ماذا كان موقفهم تجاه هذه الافتراءات النذلة ؟ وهل وقفوا مكتوفي الأيدي ، لائذين بالصَّمت خوفاً من المجرم بشارة الخوري السفاح ؟

هواء لبنان : معاذ الله ، أيها الأخ الكريم ، فإنَّ الداهشيين شنُّوها حرباً لا هوادة فيها . وقبل خوضهم لهذه الحرب الغير المُتعادلة ، أرسلوا ردوداً على ما نشر في الكتب من الأكاذيب القذرة ، وهي أربعة كُتُب.

 

وبما أن الحرب الهتلريَّة العالمية كانت ، يومذاك ، مُشتعلة الأوار ، كان كلّ مقال يمرُّ على قلم المطبوعات ، فإما يُسمح بنشره أو يمنع ؛ وفي الحال الثانية يشطب الموظف عليه بالقلم ، ثم يُدوّن كلمة ممنوع . وكانت جميع المقالات التي كتبت مُفندةً أكاذيب ومُفتريات ما جاء بتلك الصحف المأجورة ، تشطب من قبل مراقب قلم المطبوعات.

وقد جمع داهش تلك المقالات العديدة المشطوبة ، ونشرها بكتاب أسود أسماه ” وثائق تتكلم ” . وضمن هذا الكتاب تلك الوثائق محفورة بالزنكغراف ، مع ذكر أسباب عدم نشرها أو نشر أيّ رٍّد داهشيّ.

ويومذاك أوعز إلى عدد من الصحفيين لكي يُهاجموا داهش ويختلقوا ضدَّه أفظع ما يصل إليه خيالهم الملوث بجراثيم الأكاذيب الدنيئة.

فهاجمته هذه الطغمة الشريرة ، وكأنهم قطيع من أشرس الكلاب الهائجة ، وكان كلّ منهم يخترع أكاذيب دنيئة ومُفترياتٍ شنيعة يُلصقها بداهش.

والشعب يقرأ ما يخترعه هؤلاء الرعاع من الفظائع المختلقة ضدَّ داهش ، دون أن يقرأ الردود التي تفند ما يكون قد نشر وأذيع ، فيستقر في ذهن القرَّاء أنهم يقرأون حقائق ، غير عالمين أن قلم المطبوعات يمنع نشر ردود الداهشيين بأمرٍ من المجرم بشارة الخوري الأثيم .

هواء أمريكا: لقد شوقتني لمطالعة الكتب السوداء التي خطها يُراع مؤسِّس الداهشيَّة ، إذ كما قلت لي ، سأجد فيها ما أرغب بالاطِّلاع عليه حول هذه الجريمة النكراء ، جريمة القرن العشرين.

والآن ، هل لي أن أسألك ماذا كان موقف السيِّدة ماري حداد ، وهي شقيقة زوجة بشارة المعتدي والملوثة اليدين بهذه الجريمة البربريَّة ؟

هواء لبنان: تسألني عن ماري حداد ، فحبَّاً وكرامة ، وأنا أجيبك بأنها بطلة لا يشقُّ لها غبار ، وسيدوِّن التَّاريخ المنصف اسمها النبيل بأحرفٍ من الماس ، إذ إنها جاهدت جهاد الجبابرة ، ونافحت نفاح الرآبلة ، وانقضَّت على المجرم بشارة الخوري انقضاض الليث الغضوب ، واتهمته اتهاماً علنياً وعلى صفحات الصحف وسخَّرت قلمها في سبيل إدانته أمام الرأي العَّام ، وقد صدرت الكتب السوداء تحمل توقيعها الصريح . وهكذا، وصمت جبين هذا المجرم المرتكب ـ زوج شقيقتها المدنَّسة الشرف – وصمته بخاتم ناريّ ، باصمةً به جبينه النَّجس مثلما بُصِمَ جبين قايين قاتل أخيه هابيل .

 

لقد هاجمته كاللبوة الجريحة وبضراوة عظمى ، فصاح من شدَّة ألمه المدمَّى ، واهتاج كاهتياج الثيران المطعونة بساحة النزال . وازداد ألمه بشدَّة وذعر ، عندما وزِّعت هذه الكتب السوداء سراً ، وهي موقَّعة باسم ماري حداد الداهشيَّة ، شقيقة زوجته المجرمة لور.

وكانت هذه الكتب السوداء طافحة بمخازي المجرم المرتكب لكلِّ نقيصة ، فهاله الأمر للغاية ، وضرب الله على بصره وبصيرته ، فأمر بزج ماري حداد في أعماق السجون . وقد مكثت سجينةً عاماً وبعض العام ، وكذلك سجن قرينها النبيل المرحوم جورج حداد ، وصهرهما جوزف حجار قرين ابنتهما آندره.

 

وقد أمر هذا الطبليّ البطن ، الفارغ العقل ، القضاة الخاضعين لأوامره – ( يا لذلهم الملوث بالعار ! ) – أمر هؤلاء الجبناء الأنذال بالحكم على الشاعر اللبناني الداهشيّ حليم دمُّوس ، فقضوا عليه بالسجن عاماً ونصفاً ـ وهو البريء – إذ اتهموه بأنه هو كاتب الكتب السوداء ، وليس لديهم أي دليل ماديّ على ذلك ، ليستطيعوا الحكم عليه.

إن كاتب هذه الكتب السوداء هو مؤسِّس الداهشيَّة وليس سواه ، فهو يعرف من أين تؤكل الكتف ، وهو الذي زلزل بقلمه الجبَّار كرسي ذلك الطاغية المهذار ، فحطَّم كرسيه على رأسه ، إذ طرده الشعب طرداً لا عودة فيه .

إن الحكم بسجن هذا الشاعر الرقيق الذي أطلق عليه الجميع اسم « بلبل لبنان الغريد ، على المنابر ، لهو سُبَّة عار وشارة الذُّل والشنَّار على لبنان بأسره وعلى صحافته المجرمة ، فعوضاً من شنها حملة مزلزلة على المرتكب الحقيقي بشارة الخوري ، مُنذرة إيَّاه بالويل والثبور وعظائم الأمور ، شنَّت الصَّحافة حملة قذرة على الشاعر لحمتها الكذب الشائن وسداها الحقارة المدنَّسة التي لا يعلو عليها حقارة تُضارعها.

وقد قضى الشاعر البريء عاماً كاملاً أمضاه في السجن مُقيماً مع المجرمين والقتلة والسفاكين.

إن العدالة تصرخ بصوتها المدوّي قائلة : ” أيها القضاة الأنذال الخاضعون لأوامر الوغد بشارة الخوري، مُقبلين نعله لأنه حاكم البلاد، إنَّ واجبكم كان يقتضيكم أن تُحاكموه هو ، وليس البريء حليم دمُّوس ، وتحكموا عليه بالسِّجن والجلد ، فهو الذي يجب أن يكون ضيف السجون المُظلمة لأنَّه هو من أجرم ، وارتكب الخيانة ، وليس البريء صاحب الكف النظيفة والرُّوح العفيفة ، وقريباً سترون ماذا سيُصيبكم ويُصيب لبنان ، وإن غداً لناظره قريب “.

هواء أمريكا : يا للهول ! ويا لشعب لبنان ! ألم يوجد فيه رجل واحد يناصر الحقّ ويطعن الباطل الدنيء ؟! ألم يوجد سياسي واحد يجاري الحقّ وينبذ الباطل ، بل ويشهر عليه سلاحه ؟!

أولم يظهر نائب واحد يرفع صوته في المجلس النيابيّ مُندِّداً بهذه الجريمة المرعبة ، جريمة تجريد داهش من جنسيَّته اللبنانية ، وإخراجه من البلاد دون ذنب جناه أو وزر أتاه ؟! ألم يوجد قاض عادل واحد يرفض أن يحكم بالسجن على شاعر الأرز البريء ؟!

إنه عار على لبنان ، وعلى قضاة لبنان ، ورجال لبنان ، وسياسيّ لبنان ، وزعماء لبنان.

ثم ألم يوجد صحافي واحد فقط يعلن صوت الحقّ ، ويهاجم هذا الطاغية والظَّالم الباغية المتجنّي بجريمته الهائلة ؟!

أولم يوجد شخص واحد فقط بين المليونين من اللبنانيين ، يندِّد بسجن امرأة هي شقيقة زوجة المجرم ، ليسجّل التَّاريخ اسمه مثلما سجّل اسم الكاتب الشهير – إميل زولا ـ الذي دافع عن دريفوس (۱) عندما سجن ظلماً بفرنسا ؟ وقد اضطر زولا لمغادرة وطنه بعد دفاعه النبيل عن دريفوس ، خوفا من إلقاء القبض عليه وزجّه في السجن لدفاعه عن مُتهم من قبل السلطات الحاكمة.

ولكن التاريخ عينه يقظة ، إذ دوَّن اسم هذا الشَّهم في صفحاته ، واضعاً على رأسه إكليلا من الغار لأنه دافع عن بريء ظلمته سلطات وطنه.

وأكمل هواء أمريكا يقول : لقد فهمت ، لقد فهمت الآن لماذا نشبت هذه

 

 (1) إقرأ كتاب وقضية دريفوس، فتعرف التفاصيل.

الحرب التي دمرت البلاد، وشرَّدت العباد ، وقتلت الشبَّان والأولاد ، وأثكلت الأمهات فألبستهن أثواب الحداد.

هواء لبنان : حقاً إنك ذكي أريب بدليل معرفتك أسباب هذه الحرب ، قبل أن أدلي لك بها . وها إني أعلمك إياها :

في عام ١٩٤٨ نشر الشاعر اللبناني حليم دمُّوس الداهشيّ بإحدى الصحف اللبنانيَّة أنه تلقّى أمراً روحياً بفم مؤسِّس الداهشيَّة ، إذ احتلته روحٌ علويَّة ، وقالت له :

إن لبنان سيعاقب عقاباً روحياً صارماً للغاية . فكلُّ مَنْ نَشَر أكاذيب قذرة على مؤسِّس الداهشيَّة ، عليه أن يعترف بأن ما نشره ما هو إلا من اختلاقه ، وإن لم يفعل فإن يوماً حالك السواد سيحيق بلبنان من أقصاه لأدناه ، إذ ستنشب فيه حربُ عوان لا رحمة فيها لكلِّ بنيها . ويومذاك ستنصبُّ الحمم على مدن لبنان وقراه ، وستدمَّر مبانيه ، وستُثكل الأمهات ، وسيُقتل الآباء والأبناء ، وستترمَّل الزوجات ، وستنهب المنازل ، وسيعتدي على النساء ، وستمر الشهور وغضب الله سيستمر مُنصباً بجبروت على لبنان وجباله وأوديته ، وسهوله وشوارعه ، وكنائسه وجوامعه ، فيفرُّ قاطنوه ، ويُصبح هذا اللبنان ملجأ لثعالب الصحراء وغربان الفضاء. وسينعب اليوم على خرائبه وأطلاله ، وستتفجَّر دماء شبَّانه ، وستنهمر الدموع المدرارة الحرى من عيون نسائه . وذلك اليوم الهائل بالمخاوف سيأتي فجأةً ليجازى فيه كل من شتم واهان داهش ـ وقد شتمه الكثيرون ، ولُفِّقت عليه أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان ،  واخترعت ضده قصص شائنة كثيرة سيعاقب عليها كلُّ من فبركها إن عاجلاً أو آجلا .

وأكمل الشاعر نداءه قائلاً : “ها إني قد بلغتكم ما سيتمُّ من أهوال آتية ، إذ يومذاك سينصبّ الدمار انصباباً على دياركم ، فتصبح بلقعاً خراباً وقفراً يباباً ، هذا إذا لم تنصاعوا لنبوءة الروح التي أنذرت وحذَّرت ، والآن ، عليكم أن تندموا فيغفر لكم. وما على الرسول إلا البلاغ” . .

هواء أمريكا : يا للهول ! عرفت ، عرفت الأسباب والمسبِّبات . وهكذا نوح ذلك الأب الصالح ، أولم تنبئه الروح أن يُحذِّر أبناء قومه ليكفّوا عن الإثم والشر ، إذ كانوا غارقين بالشرور والفضائح الدنيئة من قمة رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم.

وعندما أنذرهم بالشر العظيم القادم عليهم ، إذا لم يرعووا ، ضحكوا عليه ضحكاً متواصلاً حتى بدت نواجذهم ، واتهموه بالعته والبَلَه.

وكانوا يذهبون حيث كان يبني الفلك ، ويرجمونه بالحجارة ساخرين منه .

وأخيراً قدم يوم الرعب المزلزل ، فأمطرتهم السماء مطراً صبيباً لم تر الأرض له مثيلا ، وقد استمرَّ أربعين نهاراً وأربعين ليلة ، فهلك الجميع ، ولم ينج إلا نوح وعائلته ، وأزواج من جميع حيوانات الأرض.

هواء لبنان : سلمت أيها العارف للحقائق ، وهذا ما لاقاه الشاعر حليم دموس من أبناء وطنه.

فقد صدرت الصحف ، صباح اليوم الثاني ، وهي تقدح بحليم وتقذفه بأشنع السُّباب الدنيء ، مُتَّهمة إيَّاه بالجنون المطبق ، ساخرة من قوله ، مُتهكمة عليه تهكُّما لاذعاً ومريراً.

وقالت هذه الصحف بالحرف الواحد : ” إن هذا الشاعر الخرف يقول بأنّ لبنان سيدمَّر بسبب اضطهاد معلمه داهش ، وهذا قول لا يُعلنه إلا كلّ مجنون فقد نعمة العقل ، فأدخلوه الى المكان اللائق به ، ألا وهو مستشفى المجانين “.

وكانت كل صحيفة تكتب ما يمليه عليها أدب كاتبها من حقارات شائنة ضد الشَّاعر الداهشيّ حليم دمُّوس الذي ختم نداءه ونصيحته بقوله لأبناء لبنان :

” لقد بلَّغتكم رسالة الرُّوح ، فالويل لكم إن لم تنصاعوا لها وتندموا “.

هواء أمريكا : بعدما عرف السبب بطل العجب . والآن قد عرفت لماذا فقد الأب ابنه ، والابن أمه ، والأم ابنتها ، والأخت شقيقها ، والشَّاب حبيبته ، والزوجة رفيق حياتها.

كما عرفت لماذا لم تستطع الدول الغربية أن تجد حلاًّ لهذه الحرب فتقف أوزارها . كما لم يستطع الزعماء أن يتَّفقوا على حلٍّ ينهي هذه الحرب الضروس .

وقد فشل ٦٥ اتفاقاً لوقف إطلاق النار ، إذ ما يكاد يجفُّ حبر الاتِّفاق حتى تزأر الصواريخ ثانية ، ناشرة الخراب في المدينة ، وتحمحم المدافع ، وتلعلع الرشاشات حاصدة الأرواح بضراوة مخيفة.

هواء لبنان : هي الحقيقة . وهنا يحضرني المثل العظيم والحكمة الخالدة القائلة ” إن الله يمهل ولا يهمل ” .

ففي ١٤ نيسان ١٩٧٥ ابتدأت هذه الحرب المزلزلة . إذن تحقَّق ما أنبأ الرُّوح عنه بلسان داهش للشاعر حليم دمُّوس الذي نبَّه سكان لبنان عما سيحيق بهم من أهوال مزلزلة ، فاتهموه بالجنون.

وقد أمهلهم الله ٢٨ عاماً كاملاً ، فلم يرعووا عن غيِّهم، بل استمرُّوا بنشر سلاسل متَّصلة الحلقات من الأكاذيب الدنيئة عن مؤسِّس الداهشيَّة ، طوال هذه الأعوام المديدة ؛ فابتلوا أنفسهم ، وانقضت صواعق الغضب الإلهيّ عليهم ، فلم تبق ولم تذر ..

هواء أمريكا : إن ما أصاب لبنان أصاب يهود فلسطين في عهد بني إسرائيل ، إذ دُكَّت ، بعد صلب السيّد المسيح بقليل ، مبانيهم ، وسبوا مع بنيهم. عقابا لهم على اعتدائهم على نبي الله المختار .

وقد نُكب لبنان مثلما نُكب قوم نوح الذي أنذرهم مراراً فتهكَّموا عليه تهكماً ذريعاً . وعندما دقَّت ساعة العقاب ، أغرقهم الطوفان فأهلكهم.

ومثلما هلك سكان سادوم وعامورة ، رغماً عن نصح لوط لهم ، لكي يرعووا عن غيِّهم ، فأبوا ، وإذا بالسماء تمطرهم ناراً وكبريتاً ، فماتوا شر ميتة طافحة بالأهوال والمخاوف المزلزلة.

هواء لبنان : إن عقاب لبنان هو عقاب عادل . فكم أنذرهم الشاعر حليم ، فسفهوه ، وشتموه ، وأهانوه . والقضاة المنقادون للجالس على أريكة الأحكام ، هؤلاء المجرمون، سجنوه نزولاً على أوامر الطاغية.

وهذا ما فعلوه بداهش، بالظُّلم الصَّارخ ، إذ اعتقلوه وسجنوه ، ثم في حندس الليل تناوب رجال البوليس الأجلاف على جلده ، ثم نفوه . ولم يحتجّ أيّ لبناني صغيراً كان أم كبيراً ، فجميعهم سواسية بالجريمة ، وجميعهم اشتركوا فيها ، فإذا هم قد صمتوا صمت القبور حتى يوم النشور .

هواء أمريكا : والآن سأذهب إلى بعض المنازل التي كان أصحابها يكنون كرهاً وبغضاً هائلين لمؤسِّس الداهشيَّة ، لأرى ماذا حلَّ بقاطنيها.

وانطلق الهواء حتى بلغ منزلاً كساه السواد وشاحاً حالكاً ، فوجد فيه امرأةً ثاكلاً ، وهي تندب ولديها الشابين . وكان أحدهما محرراً بجريدة بيروتية ! وقد لفَّق عن داهش أكاذيب شائنة ألصقها به ، وجميعها مُفبركة من خياله . وها هو ، الآن ، مُسجَّى مبقور البطن ، بعدما قتل برصاص قناص . أما شقيقه فقد مزَّقته قنبلة بعدما أطارت رأسه.

وغادر الهواء الأمريكي هذا المنزل الذي حلَّت عليه لعنة الخالق ، وذهب إلى منزل آخر. وإذا به أمام امرأة ميتة ، وقد مزَّقت شظايا الصاروخ صدرها ، وكانت ابنتها ترثيها نادبة إيَّاها وهي تقول : “أماه ، ألم أكرِّر تنبيهي لك أن لا تتكلَّمي ضد داهش وتشتميه ، وأنت لا تعرفين عنه شيئاً ؟ وقد أبلغك الدكتور فريد أبو سليمان – وهو أحد أقطاب الداهشيين – أنَّ جزاءً روحياً سينالك ، تفقدين فيه حياتك ، فضحكت حتى بدت نواجذك ، إذ لم تصدقي حرفاً مما أبلغك إيَّاه الدكتور فريد وها هي نبوءة الرُّوح بلسان داهش لأبو سليمان قد تمَّت بحذافيرها ، فليتك أصغيت لنصيحتي ، إذن لما أصابك الرَّدى الذي لا يرحم .”

وجعل هواء أمريكا يزور البيوت المنكوبة ، ويسمع فيها أحاديث النادمين الفاقدين لفلذات أكبادهم ، وهم يردِّدون : وليتنا لم نشتم داهش ، وليتنا أغلقنا أفواهنا عن التفوّه بالكذب ضدَّه . فقد البسناه حلَّة الشَّر دون أن تكون لنا به معرفة على الإطلاق ، إلا ما كنا نطالعه ضده في الصحف المتجنيَّة عليه ، وها قد جازتنا العدالة الإلهيَّة جزاء مريراً على شتائمنا القذرة له .

وانطلق الهواء الأمريكي ، واستقرَّ في دير اليسوعيين وإذا بهم قد اجتمعوا في قبو الدير وهم مذعورون كالفئران التي أطبقت عليها المصيدة.

وكانت الصواريخ المجنونة تزمجر فوق المنازل ، وتجتاز الأزقة والمنعطفات ، مدمّرة كلّ ما تصطدم به ،  مفكِّكة الأوصال ، ومرسلة ضحاياها الى القبور المظلمة .

فارتجف هؤلاء المرتَدُون لأثوابهم الكهنوتيَّة ، المدَّعون التقوى ، وما هم إلا الشياطين المارقين المرتدِّين عن الدين ، والعابثين بتعاليم مسيحهم ووصاياه ، والبانين بين العباد فساداً لا يعلو عليه فساد يماثله.

وقال أكبرهم سناً : ونحن الآن في عام ١٩٧٦ ، وقد تذكرت إنذار الشاعر الراحل حليم دمُّوس الداهشيّ ، فقد زارني في عام ١٩٤٨ بهذا الدير ، وكنت ، يومذاك ، أحرّر بجريدة «البشير» اليسوعيَّة التي توقَّفت عن الصدور منذ أعوام طويلة ، وقد نشرت ، يومذاك ، مقالاً ملأته قدحاً وذماً بمؤسِّس الداهشيَّة.

وحرَّضت السُّلطات المسؤولة عليه ، وطلبت منها أن تعتقله ، إذ أصبح خطره على العائلات عظيماً ، فباستطاعته التأثير عليهم وجعلهم يعتنقون دينه الجديد ، هذا الدين الذي تدعمه خوارق لا أستطيع لها تفسيراً . وهذه المعجزات التي تخرق القوانين الطبيعية هي التي تجعل الكثيرين – وجلهم متعلِّمون ـ أن يعتنقوا ديانته الجديدة .

قلت : لقد زارني حليم وعاتبني، وقال لي : ” كيف قبلت أن تسخّر ضميرك بما كتبته عن داهش وأنت تتأكّد بأنك تختلق ما كتبته ضده؟

أولم يعلمك السيد المسيح – وأنت أحد تلامذته لأنك ترتدي لباس الكهنوت – أن تحبَّ عدوك ، وتطعمه إن جاع، وتسقيه إن عطش ، وتدير له خدك الأيسر إذا لطمك على الأيمن، وأن تبارك لاعنيك ، وتحسن لمن أساء إليك ؟

فداهش لم يلطمك ، ولم يلعنك ، وأنت لا تعرفه وهو لا يعرفك فهل هذه هي تعاليم سيّدك التي جعلتك تخترع من الافتراءات أقذرها ، ومن المفبركات أدنسها ، وذلك ضد رجل بريء ، محرِّضاً عليه السُّلطات لكي تعتقله ظلماً وافتراء ؟! . .

وأكمل دموس حديثه معي قائلاً :

إعلم وتأكَّد وسجِّل ما سأقوله لك الآن : إن يوماً حالك السواد ، مدلهم الجلباب سيزحف على لبنان ، منقضَّاً عليه انقضاض الصواعق المدمِّرة ؛ وإذ ذاك سترتجف أوصال أبنائه ورجاله ونسائه ، وستُدكُّ أُسسه . وسيُسلّط الله أبناء لبنان بعضهم على بعض ، فيُدمِّرون مؤسَّساته ، ويُردّمون بنيانه ، ويقتلون رجاله ، ويُمثلون بشبانه ، ويعتدون على نسائه وفتياته ؛ ويومذاك سيعمّ الخوف الشديد والرعب المبيد ربوع لبنان الأخضر فيصبح طعمة لنيران البنادق.

وستزمجر الصواريخ بين منازله وقصوره فتدكّها دكّاً تاماً ، وستهدّم المنازل تحت قصف المدفعية المدويَّة ، وإذا بالأبنية الجميلة تصبح قاعاً صفصفاً ، وستضج القبور لكثرة القتلى التي ستحتويهم بأعماقها ، وسيشوّه الألوف . وستعمّ المذابح البلاد من أقصاها لأدناها ، لأن أبناءها بلغت شرورهم حدَّها النهائيّ ، واخترقت رحاب السماوات ، فضجَّت ملائكة الله من هول فسقهم وفجورهم وارتكاباتهم وجورهم.

فقد اعتُدِيَ على رسولهم رسول السماء العلويَّة الذي زوَّدته العناية الإلهيَّة بخوارقٍ مُذهلة كبرهان لا ينقض بأنَّه رسولها الأوحد ، وبرهانه خوارقه السماوية.

وإذا هو تحت مطرقة أكاذيب الصَّحافة المجرمة ، وسندان رجال الدين المدجِّلين على الله والناس . خسئوا . وخسئت أحابيلهم ، ومُحقت أضاليلهم ” .

وأكمل حليم دموس قائلاً : ” لقد نكَّلوا بداهش تنكيلاً إجرامياً رهيباً ، فنعتوه بالنَّبي الكذَّاب ، والمنحرف دينياً ، والسارق المارق المماذق ، ثم حملوه أكداساً من الأضاليل التي تزخر منازل هؤلاء الكهنة بها . ثم أرسلوا له شرذمة من القتلة المحترفين للإجرام ليغتالوه ، ولكن عين العناية الإلهية الساهرة أنقذته ؛ غير أنهم عذَّبوه ، وضربوه ، وأهانوه ، ثم سجنوه ، وأخيراً من لبنان أبعدوه ، بعدما من جنسيَّته جرَّدوه.

هذا ما فعله رئيس جمهوريَّتكم الخائن ، هذا الرئيس الوصولي الذي سيجازى ويُطرد من الشعب اللبناني الذي سيخلعه عن كرسيه ويعزله عزلاً مهيناً .

وسترى بعينك أن ما أقوله لك الآن ، ستحققه الأيام. ومن يَعِشُ يَرَ .

وأبعد داهش من لبنان ، حسب ظنون السُّلطة وجميع الشعب اللبناني ، لكنه في الحقيقة لم يُغادر مدينة بيروت ، وكان يعيش بمنزل آل الحداد الذي أصبح منزل الرسالة.

وفي يوم إبعاده – حسبما ظننتم – هلَّلت أنت وزملاؤك أرهاط رجال الدين ، وقلتم : لقد تخلَّصنا من داهش، مثلما قال أحبار اليهود عندما حكم على السيّد المسيح بالصَّلب إذ تهلَّلوا وقالوا : لقد تخلَّصنا منه ومن ديانته الجديدة .

ومثلما دمرت مدينة القدس وشرِّد بنوها ، إذ سباهم تيطس ، هكذا ستدمَّر وتردَّم مدينة بيروت عروس المدائن ، وسيشرَّد أبناؤها تحت كل كوكب ، وذلك جزاء وفاقاً على صمتهم صمت القبور عندما أخرج مؤسِّس الداهشيَّة من لبنان دون ذنبٍ جناه أو وزرٍ أتاه . .

وكان زملاؤه من رجال الدين صامتين ، وكان على رؤوسهم الطير ، يُصغون لأقواله وهم خاشعون وخائفون خوفاً عظيماً ، إذ إنَّ ما ذكره له الشاعر حليم دموس قد تحقَّق بحذافيره.

فها هم يسمعونالصواريخ وهي تقصف، والمدفعية وهي تحمحم والرشاشات وهي تلعلع ، وشياطين القنابل المتفجرة تحصد الأرواح حصداً مخيفاً .

وأكمل رجل الدين بل رجل الشيطان الزنيم حديثه مع زملائه أبناء إبليس الرجيم ، فقال :

لقد تحقَّقت أقوال هذا الداهشيّ بحذافيرها – ويا للعجب العظيم ! – إذاً لقد كان داهش حقاً نبياً ، وكان مُرسَلاً من الله وأنا أقول هذا مثلما قال حبر الأحبار اليهوديّ : ” حقاً إنك ابن الله ” – مخاطباً نفسه – وهو يعني السيّد المسيح . إذ ، عندما أسلم الروح على الصليب ، مثلما جاء بالكتاب المقدس ، أظلمت الأرض ، وزلزلت زلزالها ، وأخرجت أثقالها ، واهتزت أعمدة الهيكل العظيم .

فقال رئيس الأحبار كلمته مردِّداً إيَّاها : “حقاً إنك ابن الله” . وما كنتُ لأصدق هذا ، لولا الزلزال العظيم الذي زلزل الأرض ساعة وفاتك .

وعندما همَّ حليم بالانصراف ، ردَّد لي هذه الجملة التي ردَّدها السيّد المسيح لمضطهديه من اليهود ، فقال :

“يا أورشليم ، يا أورشليم ، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين ، كم من مرَّة أردت أن أضمّ فراخك تحت جناحي فلم تقبلي . لهذا سيحيق بك جزاء مُدَمِّر “.

ثم أكمل حليم كلامه قائلا :

” وأنت أيها المدَّعي بالكهنوت زوراً وبهتاناً ، سيأتي يوم يقلب فيه عاليك لسافلك بسبب مقالاتك المجرمة ومقالات سواك من حثالة الصويحفيين الآثمين ضد داهش رسول السماء لأرض البشر.

وما أنهى رجل الدين كلامه لزملائه حتى اخترق أحد الصواريخ المكان فجندله ، فإذاه سابح بدمه الغزير، مرسلا روحه لجهنم النَّار المتأجِّجة بالغضب الإلهيّ السرمديّ العدالة .

فبهت زملاؤه ، وصاحوا جميعاً مردِّدين بإيمان عميق الأغوار : “حقاً إنك نبٌّي عظيم يا داهش الدنيا ، وقد أخطأنا بحقِّك ، ونطلب من الله أن يسامحنا ويغفر لنا ذنوبنا ، ويمحو حوبنا ، ويطهّر قلوبنا ؛ فالحقُّ أحقّ أن يُتبع “.

وغادر الهواء هذا الدير الضالع بالجريمة وهو مُنذهل مما سمعه ورآه ، مخلفاً الكاهن القتيل وراءه . وإذا به قد حطّ رحاله في منزل فلسطيني يقبع في إحدى زواياه رجل وزوجته ، وأولاده ملتفون حوله ، وهو يقول لهم : ” إن داهش هو سبب النكبة العظمى التي حلَّت بالبلاد فمحقت العباد : فلو لم يُضطهد داهش لما حَدَثَتْ هذه الأهوال المزمجرة وما سيحدث منها مستقبلاً ، والعياذ بالله ” .

فسأله أكبر أولاده : ” وكيف ذلك ؟ “

فأجابه والده :

إن داهش كان يقطن في مدينة بيت لحم ، ثم غادرها وسكن القدس . وقد آمن به الكثيرون ، إذ كان يجترح مُعجزات ، ويُحقِّق خوارق عظيمة.

وكان من أتباعه المسمى ( عبد الرحيم الشريف الخليلي ) . وما كان أحراه أن يسمى عبد الشيطان الرجيم ؛ إذ خان هذا الخليلي سيده مثلما سبق أن خان الإسخريوطي السيّد المسيح . أما الإسخريوطي فقد شنق نفسه ندماً على خيانته الهائلة ، ولكن الخليلي مدَّ له الحبل ليكون أضحوكة لأبناء فلسطين ، وشارة للعار الأبديّ أمامهم وأمام كل من يقرأ أنباء خيانته المرذولة.

وكم كان ألم هذا الخائن المطرود من سيده ، عندما شاهد بعينيه القرديتين انتشار الداهشيَّة في لبنان وغيره من البلدان . فقد كان يتميز غيظاً وحسداً ، ويتمنى لو لم يبق حياً ، ليرى انتشار هذا الدين الذي حاول جاهداً إطفاءه ، فزاد امتداداً ، ممَّا أبعد النوم عن عينيه ، وجعل نوره ظلاماً وقتاماً . فراح ينفث سُمّه الزعاف بما يكتبه وينشره في الصحف من أكاذيب حقيرة ما أنزل الله بها من سلطان ، وما عادت عليه إلا بالخسران ؛ إذ إن المؤمنين بنبوءة داهش كان عددهم بازدياد واطراد فهاله الأمر، وعضَّ على نواجذه والألم أخذ منه كلّ مأخذ.

ثم أُمسِك بسرقة ، فزُجَّ بالسجن ، وصُفع ثم جُلد أمام جمهرة من المتفرّجين ليكون عبرة السواء . وإذ ذاك قال بنفسه : لا شكَّ بأن ما أصابني هو لخيانتي التي ارتكبتها ، فالذنب ذنبي ؛ ولا ريب بأن حلمي سيتحقَّق ، إذ حلمت أنني ، بعد وفاتي ، سأتحوّل لشيطان رجيم، وسيقطعون لي ذنبي وسأسمى ” الشيطان المقطوع الذنب” ، لأعرف بين معشر الأبالسة بأنني : أنا هو الخائن لسيدي . فيا  لهول ما ينتظرني !

فاضطرب أولاد الفلسطيني وهم يصغون لكلام والدهم ، وقالت زوجته :

” أنا كنت في فلسطين ، وفي القدس بالذَّات ، وقد حاول هذا العبد المطرود الوغد الاعتداء عليّ ، وذلك قبل أن أتعرّف إليك وأقترن بك ، فصفعته بنعلي على فكه ، فانبثقت دماؤه القذرة ، وسلمته للبوليس الذي زجَّه في السجن ، بعد محاكمة علنيَّة ، فحكم عليه بالسجن عاماً كاملاً مع طرده من وظيفته ككاتب عدل أمام محكمة عدل القدس حيث كان يعمل . وقد بصقت على وجهه ، بعدما صدر الحكم عليه بالسجن ، فصفق الجميع لما فعلته مع هذا الوغد ، ربيب الأزقة “.

ثم هرعت إلى الخزانة ، وأخرجت منها جريدة « الدفاع » اليافاوية ، وهو عدد قديم نشرت فيه ، يومذاك الكلمة التالية :

حكمت ، يوم أمس ، محكمة الجزاء على المدعو عبد الرحيم الشريف الخليلي بالسجن عاما كاملا مع الأشغال الشَّاقة ، مع التوصية بطرده من وظيفته ككاتب عدل بمحكمة القدس ، وذلك لمحاولته الاعتداء على الآنسة فاطمة السعيد ، إذ حاول إغراءها ففشل . وقد صفعته بنعلها على فكّه فدمَّته ، فعوى لشدة ألمه . وقد سلمته لأحد رجال الشرطة الذي كان يمرُّ بتلك اللحظة .

وقد حاول رشوة البوليس فكبَّله بالقيود ، واستاقه تحت اللطم الى المخفر حيث جُلد بالسوط ، وحُرِّر له محضر ضبطت فيه أقواله بمحاولة إجرامه ، معترفاً بأنه حاول ارتكاب الدعارة ، فضلا عن تفوهه بعبارات بذيئة يتَّقنها أبناء الشوارع الذين ترعرعوا بالأزقة والحانات الموبوءة.

وقد صفق النظَّارة في قاعة المحكمة ، عندما أصدر القاضي حكمه على هذا الفاسق بسجنه عاماً كاملاً، وفور الحكم بصقت فاطمة السعيد على وجهه الصفيق ، فإذا بالاصفرار يكسو وجهه الثعباني. لعنه الله.

ومما يُذكر أن القاضي أمر ، فأحضر سجله العدلي ، فإذا به طافح بالمخازي والمنكرات الشائنة ، فقد سُجن مراراً وتكراراً لاغتصابه النساء عنوة ، ولسكره وعربدته. وقد سجن منذ ثلاثة أعوام لارتكابه سرقة منزل (محمود عيسى الخليلي ) الذي أمسكه ليلا وهو بحالة الجرم المشهود ، فرطمه على وجهه فكسرَ فکه. وقد تسلّمه البوليس وجَلده ، ثم زُجّ في السجن بحالةٍ يُرثى لها.

كما دون في سجله العدلي حادثة شائنة ألا وهي إمساك رجال التَّحري له في حالة اللواط الشَّاذة ، إذ كان أحد عمال المرفأ يلوطه . وقد سُجن ، يومذاك ، جزاء فسقه وهتك عرضه ثلاثة أعوام كاملة . إذ أمسك مراراً وهو يُلاط دون أن يتوب رغم سجنه مراراً وتكراراً.

وها هو اليوم يعود لتمثيل مخازيه النَّتنة ، إذ حاول الفسق مع فاطمة التي أوصلته إلى بيت خالته ليقضي فيه عاماً كاملاً . انتهى كلام الجريدة .

وهنا قال الابن الأصغر :

” إذا ما يدرينا أن ما أصاب الفلسطينيين هو عقاب إلهيّ كذلك لاضطهاد داهش في فلسطين ، أيضاً ، بما نشره الخليلي المطرود في الصُّحف المأجورة من أكاذيبٍ شائنة لقاء مادّة قذرة ؟ ومثلما لم يُحرّك أحدهم ساكناً في لبنان كذلك لم يتصدَّ أي قلم في فلسطين فيفنّد تلك المفتريات الساقطة ” .

فأجاب والده :

” هذا ممكن وجائز . فمن يعتدي على الأنبياء فسيجازي ويُعاقب . وممَّا يؤكّد قولي ما جاء بالكتاب المقدَّس في عهده القديم : « الآباء يأكلون الحصرم ، والأبناء يضرسون ” . إذا ليس من العجيب أن يُعاقب الفلسطينيون على سكوتهم وعدم بطشهم بمن نشروا ما نشروه من مفتريات وحقارات مُشينة ، وهي مختلقة من ألفها حتى يائها . وإذ ذاك حلَّت نقمة الله عليهم صواريخ وحمماً من النيران تقذفها أفواه المدافع ، وقنابل مزلزلة دمَّرت منازلهم وردَّمت متاجرهم ، ثم مزَّقت أجسادهم وأرسلتهم الى عالم القبور المظلمة ” .

 

وذهل هواء أمريكا مما سمعه من عجيب القول ، ومما شاهده من أهوال طاغية وتقصير أجل كل باغية ، فقال : ” لقد آمنت بك يا داهش نبيَّا مرسلاً من الخالق للخلائق ” .

ثم قفل هواء أمريكا عائداً إلى حيث ينتظره هواء بيروت . وقد اجتمع به وأعلمه بأنه قد زار عشرات المنازل ، وسمع فيها أحاديث من تأمروا على داهش ، ومن لفَّقوا عليه التُّهم الكاذبة ، وقد ابتلوا بشرِّ البلاء ، وندموا حيث لا ينفعهم ندم ، إذ سبق السيف العذل.

كما أبلغه أنه قد زار القرى ، وجاب الدساكر ، وحلَّق فوق السهول ، واعتلى الجبال ، وشاهد المدن ، فإذا بالدَّمار قد حلَّ بها ، ومزَّقت أشلاء أبنائها.

وقد تعانقا ، ثم غادر هواء أمريكا لبنان عائداً إلى موطنه العظيم ، حيث ينعم أبناؤه بحريَّة القول والفكر حريَّة مُطلقة . وفي أمريكا لا يمكن للصحافة أن تتَّهم أي زيدٍ فتُلصق به التُّهم جزافاً كصحافة لبنان خاصَّة والشرق عامةً ، لأنَّ القانون يمنع هذه التهجُّمات ، ويحمي حقوق كل فرد من الأفراد تحت طائلة السجن الثقيل والغرامة الفادحة.

وهكذا حاق الدَّمار بلبنان ، لأن رئيس الجمهورية الخائن بشارة الخوري الباغية – جرَّد داهش من جنسيَّته اللبنانيَّة بطريقة الظُّلم الفادح الفاضح ، ولم يُحرّك أي نائب أو وزير أو صحفي ساكناً ، مجاراة لرغبة السفَّاح الطَّاغية.

بل راحت الصُّحف المداهنة والمداجية تكيل السيول الكاذبة من المختلقات الشائنة، ناسبة إيَّاها لداهش البريء.

وأمهل الله لبنان ۲۸ عاماً ، وهي مدّة طويلة للغاية كان بامكانهم أن يندموا في خلالها ويعودوا عن غيِّهم وضلالهم ، فلم يفعلوا ، واستمرُّوا بنشر أكاذيبهم ، وإذ ذاك أنزل الله قصاصه العادل بهم ، مدمّراً مدنهم وقراهم فوق رؤوسهم . ومزّقت آلات الحرب المبيدة أجساد الآلاف من الشبَّان الذين ذهبوا لقمة سائغة للصواريخ المدمّرة لكلّ من يعترض سيرها المبيد .

وهكذا عدلت السماء وما ظلمت ، أي كان أبناء لبنان لأنفسهم ظالمين.

فهل اتعظوا ، أم تراهم سيعيدون الكرَّة ، فتكرّ الَّصواعق السماويَّة عليهم ثانية ، وتفنيهم عن بكرة أبيهم ؟

ومن يعش فسيرى أن نبوءة الرُّوح ستتحقَّق بحذافيرها.

وأختم كلمتي قائلاً :

” وإن عدتم عدنا ، والويل ثم الويل لكم يومذاك . إذ ستمحقون ، ولن يبقى منكم أحد ليخبر عما أوقعه الله بكم من زمجرة رعود السماء القاصفة العاصفة ، وويلاتها المبيدة ، إذ إنها ستفنيكم مثلما أفنت مدينة الأطلانتيد فأصبحت أسطورة تروی.

وهكذا ستصبحون أسطورة تُروى للأجيال الزاحفة ، فاحذروا لأنَّ دماركم مُحقَّق إذا عدتم وبذرتم أكاذيبكم الدنيئة ضده . وهكذا تكون قد جَنَت على نفسها براقش . فات!َعظوا لتُنْقَذُوا وتنقذوا “.

 

نيويورك ، ضاحية كلادستون

١٩٧٦/١٠/١٠

 

ملاحظة : بعد ذهاب هواء أمريكا الى وطنه ، تذكّر هواء لبنان أن الصحفي جبران مسّوح ، نزيل البرازيل ، قد كتب مطولاً عن الجريمة التي ارتكبها بشارة الخوري المُجرم ، ودافع فيها عن داهش والداهشيَّة والداهشيين وهو الصَّحفي الوحيد الذي دافع عن الحقّ في مجلّته التي كانت تصدر في بونس آيرس بالأرجنتين ، واسمها و المختصر » . وها إني أعيد نشر بعض ما كتبه في هذه المجلَّة الحرَّة . وسأرسله بالتلكس إلى هواء أمريكا ليكون مُلماً بكلِّ ما يتعلق بهذه القضية.

الجنيَّة وراعي الأغنام

 

الفصل الأول

طبيعة نشوانة

 

كان يرعى أغنامه في غاب ظليل ،

أشجاره العجيبة سامقة متهدلة الأغصان ،

والطيور المتنوعة الألوان تصدح على الأفنان ،

مبتهجة بفصل الربيع الريَّان !

وكانت الغيطان تنتشر فيها شتى الأزهار ،

يحوم على أفوافها فراش جميل بألوانه الزاهية التي تسحر الأنظار !

وكان النسيم البليل يداعب الأغصان ،

فتتهادى ككاعب مغناج وهي تتيه بفتنتها على ربرب من الغِيْد الصيد !

والجنادب كانت تقفز بين الحشائش مبتهجة بهذه الطبيعة الغنية المؤنقة .

والحبق يُضمّخُ الأرجاء بعبقه المحيي فتتنسمه الخلائق بلذة فائقة

وكانت البحيرة الهاجعة في ثنايا الغاب ،

يترقرق ماؤها وقد فرش بأزهار اللوتس المقدس ،

فبدت البحيرة كأنها فردوس عجيب المفاتن !

وسمع هدير شلال يسكب ماءه في الوادي ،

فتتصاعد الدويه موسيقى لا تملها الأذان.

وراحت السناجب تقفز من غصن إلى غصن ، لتعود فتهبط مسرعة حتى تبلغ الأرض ،

 

فتعدو حثيثة بين الأعشاب الخضر والأزهار البرية.

وجلس الراعي على ربوة تحت ظل شجرة وارفة

ثمارها أزهار حمراء موشاة من وسطها باللون الأزرق ،

وبجوارها شجرة أخرى أزهارها إسمانجونية

وكان الراعي يعزف على شبابته ،

والأغنام حواليه مصغية لعزفه العجيب ،

وقد سخرتها موسيقاه فصمتت إذ استهواها عذب إيقاعه .

وما لبث الراعي أن استغرق في نوم عميق ، فسقط نايه من يده ، واستقرَّ بقربه .

 

واستيقظ الراعي

ومضت الساعات ، وابتدأت جيوش النهار تفرّ أمام جحافل الليل الكثيرة العدد والعُدد . وما لبثت هذه الجيوش أن احتلَّت الجبال والوهاد ، وأصبحت كلمتها قانوناً نافذاً . فالحقُّ للقوّة وليس للعدالة .

إن كلمة العدالة خرافة تلفظها الشفاه دون أن تحقّق الأمال . إنها عدالة الأرض ، وفي الأرض العدالة أوهام وسراب.

واستيقظ الراعي ، وإذا بالظلمة شاملة ، والنجوم المتلألئة ترضع السماء ، فدُهِش ، وذُعِر ، وتمتم قائلا :

– يا لله ! هل استغرق نومي ساعات بعد الظهر بطولها ، إذ كنت في الثالثة على الربوة مع أغنامي ! فكيف غفوتُ ولم استيقظ حتى هذه الساعة من الليل الأليل ؟!

لقد أسكرني النسيم العليل ، وسحرتني مفاتن الطبيعة ، وأبهجني ثغاء أغنامي ، فاستعنت بشبابتي ، وأطلقت منها أغاريدي ، ثم ! .. ثم شملني النعاس، فارتميت بأحضانه ، ولم أستيقظ إلا الآن ! فلأبحث عن أغنامي .

 

النعجة المفقودة

واستعان على إعادة أغنامه بواسطة شبابته القصبيَّة . فطالما دعاها إليه بالنَّفخ فيها . فحالما تتصاعد أنغامها تبتدئ النعاج والأغنام بالتجمع ، وتقف بجواره منتظرة سماعها لألحانه التي تُسكرها . هذا ما اعتادته هذه الأغنام الوديعة

 

وأحصاها ، فإذا بنعجة منها لم تعد مع القطيع .

– يا الله ! أيكون الذئب قد افترسها ؟ فلأبحث عنها .

 

الغار العجيب

وراح يجوب المكان وهو ينادي النعجة الضائعة ، تارة بصوته ، وطوراً بمزماره ، ولكن لا حياة لمن تنادي .

أخيراً ، بلغ كهفاً ، وسمع ثغاء ضعيفاً آتياً من داخله ، فكان سروره عميماً.

وولج الغار زاحفاً ، وما أن توسّطه حتى ارتفع سقفه ، فانتصب واقفاً ، وجعل يسير الهوينا ، وهو ما يزال يسمع ثغاء النعجة فيغذُّ السير .

أخيراً ، وصل إلى الحائط الصخري المسدود !

إذا هنا ينتهي هذا الكهف !

ولم يجد نعجته الثاغية !

وأشعل الثِّقاب ، وإذاه يجد فتحة صغيرة سرعان ما حشر نفسه فيها . وأشعل . عوداً آخر ، ونظر أمامه ، وإذا بممرٍ مستطيل زحف فيه بصعوبة مسافة لا بأس بها ، ثم انبسطت أمامه الطريق ، وعلا السقف . وبعد خطوات خطف نظره نور باهر جعله يغمض عينيه لشدَّة سطوعه !

 

كنوز مدهشة مُذهلة !

كانت هذه الأضواء ينعكس بعضها على بعض ، فإذاها تتوهَّج بنور مختلف الألوان ! فتحسَّس الصخر البرَّاق ، فإذا هو من الماس الخام النفيس !

يا له من اكتشاف مُذهل ! ففي قلب هذا الجبل الصخري كنوز هائلة لا يحلم بها بشريّ منذ تأسيس هذا العالم الأرضي !

كانت الحجارة الكريمة تشعُّ بأنوارٍ أشدَّ تألّقاً من الشمس وأبهى بألوانها المختلفة من أي نور شاهدته عين بشريَّة !

 

تماثيل من الماس والزمرد

وواصل سيره وهو ذاهل مدهوش ، وإذاه يصل إلى باحة فاتنة نثرت فيها تماثيل نُحتت من حجارة الماس الخالص .

وأغذَّ السير مبهوراً ، وإذا به يبلغ قاعةً فيها من الكنوز ما يفتن العقول ، ويضيع الفكر ، ويستولي على النهى :

تماثيل فنيَّة عجيبة الصّقل ، وقد أبدع مثَّالُها بصنعها، وهي بأكملها من الماس النقي !

 

وطيور مختلفة صيغت من الزمرد النفيس !

وفتيات رائعات الفتنة نُحتن من اليَشب الباهر !

وطواويس صُنِعت من مختلف أنواع الحجارة الكريمة ، فهي مصوغة من الماس والزمرد واليَشب والعقيق والجزع والجاد والمرجان والزبرجد والياقوت البنفسجي اللون فهو مُتعة للبصر !

فدُهش وشُدِه ، وتسمَّرت قدماه لروعة ما شاهده من كنوز تفوق كنوز ألف ليلة وليلة الخياليَّة ! وقال :

– لا شكَّ بأنَّني حالم !

وجعل يفرك عينيه ، ويقرص يديه، فيشعر بالألم .

– إذا أنا مُستيقظ ولست بحالم !

 

الجنيَّة الفاتنة

واستمرَّ بسيره وهو مبهور مأخوذ وتائه ، وإذاه يسمع أنغام موسيقى عذبة استهوته ، وخَلَبَتْ لبه . إنها أنغام سماويَّة وليست أرضيَّة !

وسكرت نفسه ، وشعر أنه يرتقي بروج الملكوت الأعلى ؛ واستمرَّ سائراً بتودة ، ومناظر السحر الحلال امتلكت لبَّه !

وإذا بصوت أجمل من وقع قيثارة أورفيوس يدعوه باسمه بعذوبة لا مثيل لها :

– أهلا بالحبيب الحبيب ( هيماتوس ) . لقد انتظرتك طويلاً ، وها قد أتيتني أخيراً !

 

بسمتها تحيي وتميت

وإذا به يُشدَه ويتَضعضع ! فقد شاهد غادة كاعباً ناهداً ، قسيمة وسيمة ، خفيفة لطيفة ، غضّة كالوردة ! أنفاسها عطرية إلهيّة ! وشذاها أعبق من ضوع ورود الربيع الندية !

وافتر ثغرها الأحوى عن ابتسامة تحيي وتميت !

وإذاه يُشده ويتيه بفمها الخمريّ الشفتين !

وكانت مرسلة شعرها الذهبيّ المستطيل ،

هذا الشعر النَّاعم الباهر

كان تارة مُنسدلاً على ظهرها العاجي ،

وطوراً على صدرها المرمري !

وكانت ترنو إليه بعينيها النجلاوين فتسحره بنظراتها التي تُعبد !

وكانت شفتاها قرمزيتين !

ثم … ثم يا لنهديها الناهدين ! ويا لفخذيها ! هذان الفخذان العجيبان اللذان تسمَّر نظر الراعي بفتنتهما الصَّارخة !

وأقبلت عليه ، وهي تميس وتتمايل ، فخلبت لبَّه ، وسلبته نهاه ، فارتجف قلبه وضاع رشده ، عندما لمسته بيدها مصافحة إيَّاه ، ثم أطبقت بشفتيها على شفتيه ، فإذاه يستغرق في سعادة ونشوة الهيتين !

 

الفصل الثاني

كاسيوبا وهيماتوس

 

وفتح الراعي عينيه ، فإذا هو في غرفةٍ جمالها يجلُّ عن الوصف . فمحتوياتها تعجز الملوك عن اقتنائها ، ويعترف الأباطرة بنفاستها التي ليس لها مثيل في قصورهم المترفة.

وكانت حبيبته ترتدي غلالةً رقيقة تُبدي مفاتنها ، وتظهر رقَّتها . فسألها بشوق عارم :

– من أنت يا أسرة فؤادي ، ومالكة روحي ؟!

– أنا حبيبتك في دور سابق . وقد أوصلتُ نفسي بأعمالي ، يومذاك ، لأن أتقمَّص جنيَّة ، بينما تقمَّصت أنت ، بدورك هذا ، بشريّاً . وها قد حلَّت الساعة التي سمح لنا فيها بأن نلتقي . فلنشكر العناية الربانيَّة ، يا حبيبي ( هيماتوس ) لالتقائنا.

-وما اسمك ، يا متيِّمتي حباً وقاتلتي غراماً ؟

اسمي ( كاسيوبا ) ، وسأمنحك لذاذات ستضلّ فيها وتفنى بفراديسها الغناء.

وأكبت بفمها الأحوى على شفتيه المراهقتين ، وراحا يرشفان من كؤوس الهوى ما شاء لهما الحبّ الهنيء والشوق الروي .

 

سعادة مثلى

وعاش الراعي مع حبيبته الجنيَّة في سعادة عظمى ، وكان في كل دقيقة يقتطف من ورد خديها قبلات عذبة تسكر بها روحه ، ويُحلّق بواسطتها إلى عوالم الفراديس البهيَّة . وكانت أحاديثهما كأحاديث الفراش للأزهار ، وكالندى الهاطل على الورود الفاتنة ، وكصدح البلابل على الأفنان ، والكناري على الأغصان .

فلقد شفَّهما الهوى ، واحتلتهما الصبابة ، وسرى الحبُّ في فؤاديهما فاستولى على مشاعرهما الفتيَّة.

 

النجمة مايا

وفي ليلة ربيع قمراء جلس الحبيبان في مرجةٍ عامرة بالرياحين وشتى الورود والياسمين.

وأسندت الجنيَّة ( كاسيوبا ) رأسها إلى صدر حبيبها ( هيماتوس ) ، وهي رانية إلى النجوم المتألقة ، وقالت له :

– إن النجوم الفاتنة تصغي ، يا حبيبي المعبود ، لحديثنا ، وهي تُسجل همساتنا.

وها هي النجمة ( مايا ) تهنئني لالتقائي بك ، وهي تدعوني لأجوس ربوعها برفقتك . فهل تود الذهاب إليها ليحتفل قاطنوها بزيارتنا لكوكبهم العجيب ؟

 

سأوصلك إلى الكوكب السعيد

وسألها حبيبها قائلاً :

كاسيوبا ، وكيف نستطيع أن نحلّق إلى عالمهم ، ولسنا كالطيور ذوات الأجنحة ، حتى لو ملكناها لما استطعنا بلوغ عالمها المغرق في مسافاته السحيقة الأبعاد.

وضحكت كاسيوبا ، وقالت له :

– إنني جنيَّة أستطيع بلوغ عوالم النجوم ، يا حبيبي ، والمعضلة هي أنت . فبصفتك بشرياً لا يمكنك الانطلاق الى الكوكب ( مايا ) هذا الكوكب الفاتن، حيث السعادة تقيم . ولكني سأوصلك إليه.

 

الرمز الخماسي المقدس

وبسطت كاسيوبا يدها في الفضاء ، ورسمت على صفحة الهواء رمزاً بشكل نجمة خماسية الأضلاع ، وردَّدت قائلة :

– بحق الله والنبي الحبيب الهادي والشخصيات الست والسيَّال العشرين أن يُسمح بصعودي مع حبيبي هيماتوس الى الكوكب العظيم ( مايا )

وإذا بشعلة تتأجج في المكان الذي رسمت كاسيوبا فيه النجمة الخماسيَّة .

 

واستقلا المركبة النورية

وامتدَّ حبل من النُّور الساطع ، أوله في الكوكب ( مايا ) ، وآخره بجوار ( كاسيوبا وهيماتوس ) ، والتفَّ على جسديهما ، ثم ارتدَّ عائداً إلى كوكبه حاملاً بأشعته الكوكبية الحبيبين الفتيين : الراعي هيماتوس والجنيَّة كاسيويا .

 

ابتدأت كتابتها في الساعة الثالثة والربع ببيروت بعد ظهر ١٩٧٩/٤/٢٢ ، وأنجزتها في الرابعة

 

الذئاب المفترسة ووليمتها المُرعبة

 

نحن في شهر كانون الثاني عام 1850، بمدينة بوليانا سينايا الروسية.

الثلوج تنهمر بغزارة فائقة! و الزمهرير قاتل مبيد! و العاصفة تزأر! و البروق تومض! و الرعود تقصف بدويّ متواصل مخيف!..

وكانت فرقة من الجنود عدد أفرادها 150 جندياً يمتطون 75 حصاناً وهم يغذّون السير ليبلغوا المدينة التي تبعد عنهم 60 ميلاً.

وكان الناظر إليهم يظنّهم تماثيل من الثلج، إذ كان الثلج يغمرهم غمراً لاستمرار هطوله.

وكانت الساعة السادسة مساء، و لن يبلغوا المدينة إلا و يكون الليل قد ضرب سرادقه عليها و غمرها بظلماته المدلهمّة.

وكان كلّ جندي متدثّراً بمعطف سميك ليقيه غائلة زمهرير روسيا الرهيبة بقرّها القاتل في هذا الفصل من الشتاء القارس.

 

جيش الذئاب العرمرم

وفجأة سمع عواء رهيب مزّق الفضاء تمزيقاً، و كان خارجاً من غاب كيف. ثم انقشعت الظلمات التي ابتدأت تغمر الكون في هذه الساعة عن جيش لجب وعرمرم من الذئاب المفترسة، و هي تطلق عواء هائلاً يبعث الخوف  و الرهبة العظمى في كلّ ما يطرق صداها أذنيه!

يا الله! إن عددها لا يقلّ عن الألف ذئب!إنه جيش من الذئاب الكاسرة و قد أضرّ بها الجوع الكافر!

و هجمت أرتالها على الجنود، فذعرت الخيول، واضطربت صفوفها، و تمزّقت شذر مذر…و تشتّتت لجهات عديدة دون أن يستطيع ركابها أن يهدّئوها من ثائرتها لاهتياجها و خوفها المرعب.

و سقط من سقط من الجنود لجموحها…فالتهمتهم الذئاب بضراوة ووحشية.

 

هياكل عظمية

و بعدما تفرّقت صفوفهم لجموح الخيل، سهل على الذئاب مهاجمتهم. و قد استطاع عدد من الجنود إطلاق نيران بنادقهم على الذئاب المفترسة، فقتلوا منهم ما يزيد عن ثلاث مئة ذئب!

و لكنهم، أخيراً، عجزوا عن حماية أنفسهم لكثرة أعداد الذئاب، و جميعها ضارية.

وانقشعت الملحمة المخيفة عن إبادة هذه الفرقة بقضّها و قضيضها!و أسفرت المعمعة عن ساحة كبرى و قد فرشت بهياكل الخيول العظمية، و كذلك هياكل الجنود المئة و الخمسين!

و لم ينج منهم أحد على الإطلاق!

حتى الذئاب التي قتلت برصاص الجنود جرّدت من لحومها إذ افترستها الذئاب الباقية لشدّة جوعها البالغ.

 

الحادث واقعيّ

في اليوم الثاني دهشت القيادة لعدم وصول الجنود إلى ثكناتهم! فأرسلت فرقة آلية لترى ما الخبر.

وإذا هم يشاهدون ركاماً من العظام التي تخلّفت عن وليمة الذئاب المرعبة!

و هذا الحادث الواقعيّ المخيف نشرت أنباءه الصّحف الروسيّة، و سجّلته إضبارات الحكومة الروسية.

وهو من أفظع و أرهب ما حدث في روسيا.

 

بيروت الساعة الثامنة

من ليل 20/1/1980

وانطوى الزمان

 

سمندل،هولمان، ويوتابي

كانا بالعمر متقاربين، فهو لم يتعد الثامنة عشرة، و صديقه هولمان في العشرين. و قادتهما إلى غاب كثيفة أشجاره، رائعة ازهاره، شجية أنغام أطياره…فراحا يمرحان و يقفزان،فالدنيا لديهما لعب وابتهاج.

وجعل سمندل يطارد الفراش الفتان…يلتقط ما يستطيع منه، واضعاً إياه بكيس من الورق. كما كان هولمان يتسلق الأشجار باحثاً عن أعشاش العصافير علّه يعثر على فراخها ليشبع نهمه من مشاهدتها.

وعندما أضر بهما الجوع بحثاً عن الأشجار المثمرة، وملأا جوفيهما ما استطاعا إليه سبيلاً. وفجأة تسمرّا بمكانهما، و جحظت عيونهما لمشاهدتهما فتاة ممشوقة القامة، رائعة الفتنة، و هي منهمكة بجمع أزهار هذا الغاب الظليل.

وكان شعرها مرسلاً على كتفيها…

وإذاها تجفل عندما اصطدم بصرها بالشابين.

وعرفاها!…

إنها يوتابي أجمل فتيات القرية، وأروعهن محاسن، و أبهر مفاتن!..

فحياها كل منهما…

و إذاها تعرض عن هولمان، إذ سبق له أن ارسل والدته و شقيقته لطلب يدها، فرفض والدها، واغتاظت والدتها من وقاحة هذا الطلب الغير الكفؤ؛ مثلما نفرت يوتابي، يومذاك، من والدته و شقيقته، و لم تجاسهما عندما عرفت الغاية التي قدمتا لأجلها.

قبلة ثمنها فادح

ولم يمرّ شهر على ذهاب والدته و شقيقته لطلب يد يوتابي، وعودتهما بصفقة الخاسر المغبون، حتى التقى هولمان يوتابي في طريق ذهابها إلى المدرسة؛ فاعترض سبيلها، و حاول مغازلتها…فنهرته، و هددته…فما كان منه إلاّ أن اغتصب قبلة من خدها  المورّد.

فعادت أدراجها إلى المنزل، و أبلغت والدها بما حدث معها، فاستشاط غيظاً، و صعد الدم إلى رأسه، و هرول مسرعاً إلى منزل والد هولمان، و كان شرر الغيظ يتطاير من عينيه، وهو يهدد و يتوعد بقتل نجله المعتدي على ابنته ووحيدته.

بين أبوين

وصعق والد هولمان، و هاله الخبر، فراح يستعطف ابن قريته مولار،و يقسم له أنه سيسوط نجله و يؤدبه أفظع تأديب، و سيكلفه هذا العمل  الدنيء غالياً جداً.

ثم انكبّ على يدي مولار يقبّلهما وهو يستحلفه أن يعفو عن نجله، ويترك له أمر تأديبه، وهو الكفيل بجعله لا ينسى الدرس القاسي الذي سيناله. إنه لن ينساه ما دام حيّاً.

وإذا بمولار يقول لكامبل:

-عليك أن تشكر الله لأنني لم اجد ابنك في المنزل، لأنني أقسمت أن أجلد الأرض به، و ادعه يودّع دنياه جائداً بروحه، معجوناً عظمه بلحمه، جزاء على ما اقترفه من نقيصة نذلة.

أجابه كامبل:

-هو ما تقول، و لا أستطيع لومك، لكنك أرحم من أن تفجعني به، و هو وحيدي،و أطلب إلى الله أن يمتّع وحيدتك بأرغد عيش، و أهنأ حياة، و أتمّ و أشمل سعادة تكتنف أيامها الدنيوية.

تاديب عنيف

وما كاد مولار يغيب عن العيان حتى عاد هولمان إلى المنزل،و إذا به يشاهد نيران الغضب المتأجج تبرز من عيون والده المفتول العضلات، فوالده مصارع معروف، و قد فاز في حلبات المصارعة، و تغلّب على كل من نازله، فهو مرهوب الجانب، و حائز عدداً كبيراُ من الاوسمة الفخرية بانتصاراته المتعددة على منافسيه.

وبادر الوالد نجله بصفعة مزلزلة اطارت له أربعة أضراس، و إذا بالدماء تسيل بغزارة…وازاده منظر الدم المراق شراسة، فراح يكيل له الضربات دون رحمة أو شفقة.

ثم احضر حبلاً متيناً و قيّد به ابنه، و سمّره بهذا الحبل بحديد النافذة.

ثلاثة أيام بلياليها حرمه من الطعام و الشراب، و بنهايتها كان هولمان محطّم  الجسم، خائر القوى، مورّم الوجنتين، مهلهل الثياب، مدمّى الفم، وهو أقرب إلى الموت منه للحياة.

على من تقرأ زبورك يا داوود

وحلّ والده وثاقه، و ندّد بعمله مع يوتابي، قائلاً له:

-إنك معاكس مشاكس، و ستوصلنا برداءة أخلاقك إلى السجون و ربما للإعدام. فطالما أتتني شكاوى من العديدين عنك. فكم و كم من المرات حذرتك، وكم وكم من المرات نصحتك فلم ترعو…وأخيراً، أقدمت على مهاجمة يوتابي و أنت تتأكد أن  والده له المقام الأرفع لدى الحكومة، و كلمته لا تردّ. فيده طويلة، و يدنا قصيرة. فبعملك الشائن كدت أن أفقدك لولا استعطافي إيّاه و تمريغ كرامتي بذلّ امامه ليعفو عنك، إذ كانت نيّته نحوك مخيفة!

نفس شريرة

وتحامل هولمان على نفسه، و أصلح من شأنه، غسل جروحه، و جرع كوباً ساخناً وهو يردّد بنفسه: سأنتقم منها، و لن اتراجع ولو دفعت روحي ثمناً لما أنتويه.

و تمتم قائلاً: إن أعجب ما ادهشني القوة البدنية التي يملكها والدي، و نكوصه،رغم ذلك، عن تأديب والد يوتابي عند مجيئه لمنزلنا. فلو كنت مكانه لأدبته و لجعلته يفرّ فرار الفأر من القطّ الشرس.

و تناول الطعام، وارتدى بذلة جديدة، ثم غادر المنزل وهو يصفر نشيداً معروفاً.

و بترت ذراعه

مضت اربعة أشهر على هذا الحادث، ثم التقى هولمان بصديقه سمندل، و ذهبا إلى الغاب، وهو يبعد عن القرية ساعة زمانية سيراً على الأقدام.

وقد فوجئ مع صديقه بمشاهدة من سببت له السقوط أربعة من أضراسه!..وحياها كل منهما… فأشاحت بوجهها عن هولمان…فاستعر غيظه، و إذاه يهاجمها قائلاً لصديقه:

-إنها فرصة العمر التي لن تتاح لنا ثانية، فلنغتنمها.

واحتضن هولمان يوتابي، و حاول تمزيق ثيابها الداخلية!…وإذا بصديقه سمندل يهاجمه بضراوة و عنفوان، و يشتبك الاثنان و يلتحمان…

وغرس هولمان أسنانه المتبقية بفمه في خدّ سمندل، فصاح من الألم، وارتد عن صديقه وهو يضع يده على خدّه، و الدم يتساتل منه، و أمسك بسيفه القصير الذي كان يفارقه أينما ذهب و أنّى ذهب و أنّى  توجه، و كرّ راجعاً حيث هولمان،

وهوى بسيفه القاطع على ذراعه فبترها بتراً.

و سقط هولمان أرضاً، مثلما أغمي على يوتابي!..

الهروب

و إذ ذاك أطلق سمندل ساقيه للريح، واستمر يعدو و يعدو حتى وصل إلى لحف جبل، فجعل يتسلقه بلهفة، محاولاً التواري عن العيان بين نخاريبه و بين شعاب تضاريسه.

لقد قتل هولمان بساعة غضب و ثورة نفسية، فأصبح طريد العدالة! و إذا وقع بقضبة رجال الأمن فلا شك بأن نهايته الإعدام.

-إذاً ليس لي إلاّ الاختفاء حتى يشاء لي الله الخلاص من هذا الشرّ المستطير.

أإنسيّ أم جنّيّ؟!..

و تسمّر سمندل بمكانه إّ سمع صوتاً يناديه! فقال: يا الله إنهم يتبعونني!..فأعنّي يا خالقي.

واقترب منه رحل جبار الجسم، كثيف الشعر، أجشّ الصوت، مجدول العضلات… وهو أعور!… و قال له:

-يا سمندل، اتبعني و لا تخف، فأنت آمن.

-يا الله! من يكون هذا الرجل تجلى لي في تضاريس هذا الجبل الأشمّ؟ و كيف عرف اسمي؟ و كيف أتيح له أن يعرف الخوف الذي يعمر به قلبي؟!…

حقاً إن هذا الأمر معجزة و لغز الألغاز!..

و تبعه…ومكثا سائرين صعوداً، متسلقين حجارة ضخمة، و سائرين بدروب عسيرة المرتقى، شائكة المزالق، كثيرة العقبات، متعددة المخاطر!…

فحيناً تنزلق أقدامهما لوعورة المسالك، و تارة تتساقط من عل بعض الصخور، فيتحاشيان اصطدامها بلجوئهما تحت لحف الصخور الجبارة، و طوراً تزأر الرياح فيتشبثان بنتوءات الصخور خوفاً من التطويح بهما في مهاوي هذا الجبل المشمخرّ و المتطاول للسماء.

وكان سمندل يتكئ على سيفه القصير الملطخ بدماء هولمان ليقيه التعثّر و السقوط.

بضيافة معشر الجنّ!…

و تجلت لهما فوهة توقّف الرجل الجبار امامها، وأشار لسمندل أن يتبعه، و دخل منها إلى جوف الجبل، ولحق سمندل به وهو يرتجف خوفاً من المجهول.

وبعد أن سارا مئة متر في مضيق مستطيل، وصلا إلى باحة رحبة، فإذا بها عامرة بجمهور غفير من الرجال الغريبي المناظر، و بنسوة شعورهن منسدلة على ظهورهنّ!…وكان الجميع يمرحون، رافعين عقيرتهم بالغناء بلغة لم يسمع سمندل مثلها طوال حياته.

وكان قرع الطبل يدوّي في هذا المكان فترجّع صداه تلك الدهاليز الدهرية في جوف الجبل الشامخ الذّرى.

وعلى دويّه المتصاعد اختلط حابل القوم بنابلهم وهم يرقصون رقصات شيطانية، و يقفزون قفزات إبليسية مرعبة!…

وكان قوم منهم يكرعون أنواعاً عديدة من خمور رائحتها تملأ زوايا و خبايا ذلك المكان المنزوي بأحشاء الجبل.

و فجأة تجلّت أمام عيون الجميع فتاة بشرخ الصبا و عنفوان الفتوّة! و كانت من الجمال بحيث صعد تأوّه عام من الصدور لمرآها…من الرجال و النسوة معاً!

وراحت هذه الجنيّة الفتية ترقص رقصاً يلعب بالقلوب، و يستهوي الأفئدة، و يتملك الألباب،و هي عارية-ربي مثلما خلقتني!

فسكرت النفوس، واضطربت القلوب، و صعدت حمّى الرغبات إلى الرؤوس، فإذا بالجميع يصيحون بجنون:”نحن عبيدك، ونحن نموت في سبيلك، فأنت مصدر حياتنا و ينبوع أشواقنا، يا مليكتنا المفداة”.

و أشارت لهم بجرع الخمور، فراحوا يملأون بطونهم منها بشراهة كبرى!

وتقدم الجبار الأعور و بيده جمجمة مملوءة بالمشروب المجهول، و أشار لسمندل أن يحتسيه، فجرع سمندل ما احتوته الجمجمة حتى آخر نقطة فيها.

وإذا به يقفد وعيه!…

اليقظة العجيبة!…

فتحت عينيّ بعد نوم عميق، و إذا بالشمس تملأ الآفاق، و بطائر جبليّ يقف على صخرة قبالتي وهو يصيح، فيرجّع الصدى صيحاته…

نهضت و امسكت سيفي الذي لا يفارقني…وكم كانت دهشتي كبرى عندما شاهدته و قد كساه الصدأ، و قشور منه تتساقط عند لمسها!…

-يا الله! ما هذا!؟!…هل أنا بحلم ام في يقظة؟!.. ترى، هل لستبدل أحدهم سيفه بسيفي لبعث استغرابي؟!…

و تفحصته…فإذاها سيفي بعينه و ميمه، إذ سبق لي أن حفرت اسمي عليه. وهوذا اسمي ما يزال منقوشاً على صفحته،و قد كساه الصدأ أيضاً!

لغز لا حل له!..

ورحت أستعرض ما مرّ بي…

و ذهلت إذ وجدت نفسي خارج القاعة الوسيعة التي بلغتها بعد دخولي الفوهة مع الأعوار الجبار! فكيف أجد نفسي الآن في العراء، خارجاً عن تلك القاعة التي كانت تموج بخلائق عجيبة غريبة!

و فوراً تمثلت في خيالي الفتاة ذات المحاسن الخارقة التي رقصت عارية رقصاً عجيباً لا تملّه النواظر!

و أسرعت إلى الصخرة العظمى أنعم النظر فيها لأرى الفتحة التي ولجناها…ولكني كنت كمن يبحث عن المجهول.

فالصخرة تلجبارة ليس فيها أيّة فتحة، مع أنني قبل دخولي إليها كتبت اسمي على مدخلها بالقلم الرصاصيّ…وها هو ما يزال مدوناً! و لكنّي، الآن، لا أرى سوى صخر صلب صلد! فيا للعجب العجاب!…

هواجس!..

ومر بخاطري حادث قطعي لذراع هولمان و هروبي و تسلقي لتلّة الجبل خوفاً من رجال الأمن. و لكن كيف يمكنني العيش في جبل مكوّن من الصخور فقط، إذ لا شجرة مثمرة فيه، ولا ماء لأستقيه!.. إذاً الموت كامن لي فيه.

و حزمت أمري، واعتزمت أن أعود إلى قريتي و أسلّم نفسي للسلطة مظهراً لهم الأسباب التي دعتني لركوب هذا المركب الخشن.

فدفاعي عن الشرف و الفضيلة، و عدم تمكين هولمان من الاعتداء على يوتابي هما اللذان جعلاني أفقد عقلي، و أدافع عن يوتابي وعن نفسي.

ولا شك بأن القضاة سيجدون لديّ من الأسباب ما يخفف عني المسؤولية.

مدهشات مذهلة!

وسرت في درب الجبل بطريق عودتي إلى قريتي…وعندما بلغت نهايته، وصلت للطريق السويّ الذي يقودني إلى القرية. و بعدما سرت حوالي الساعة إلاّ ربعاً- و القرية تبعد عن الجبل- التقيت بأشخاص رجال و نساء…فدهشت من لباسهم الغريب العجيب! كما لاحظت أنهم ينظرون إليّ نظرات طافحة بالدهشة العارمة مما لست أدري!

كانت نظراتهم إليّ نظرات شك و حذر واستغراب بالغ!..

تركتهم و شأنهم، و تابعت سيري حتى بلغت القرية،  وإذا بي أجدها مختلفة عما عهدتها من قبل!

يا الله! لقد تغيرت تغيّراً جذرياً، فكأنها انقلبت لغيرها بسحر ساحر قدير!

ترى، هل اعتراني مسّ من الجنون، أم انقلبت المقاييس فأصبحت على غير ما أعهدها؟!

و أكملت طريقي حتى وصلت إلى منزلي…

و إذاني أجد بابه و قد بلي خشبه، و تهرّأت نوافذه ، و تهلهلت روافدها.

ألغاز و معمّيات!

ووجدت في المنزل أشخاصاً لا عهد لي بهم، و لا يمتّون إليّ بصلة إطلاقاً!

و سألتهم عن والدتي سونيا؛ و إذا هم يعلمونني بأنهم ابتاعوا المنزل منها منذ 45 عاماً مضت، و هي قد توفيت منذ 30 عاماً. و قال لي مالك المنزل:

-يمكنك أن تشاهد نصباً فوق جدثها في مقبرة القرية، مدوناً عليه اسمها و تاريخ وفاتها.

صعقت، و كدت أن أجود بروحي!

-يا الله! ماذا أسمع؟! و كيف حدث ما حدث؟! و هل من المعقول أن انام يوماً بالجبل، و أعود في اليوم الثاني لأشاهد أعجب ما يمكن أن يشاهده مخلوق أو تسمع به أذن بشرية؟!

وشدهت لمنظري!..

وقالت لي زوجة صاحب المنزل الذي كنا نملكه:

-كيف تستطيع أن تبقي أظافرك مستطيلة بهذا المقدار المخيف؟!

و نظرت إلى يديّ فهالني ما شاهدت و أصبت بدوار قاتل!

إنها ليست أظافر! فهي أرهب من مخالب أشد الوحوش ضراوة! و كيف لم ألاحظها قبل أن تلفت هذه المرأة نظري إليها؟!

و أكملت المرأة كلامها فقالت:

-طوال حياتي لم أر لحية باستطاعة لحيتك هذه!

و فجأة كشف الحجاب عن نظري، فإذا بي أترنّح لمشاهدتي ذقني و هي تكنّس الأرض لاستطالتها!

يا الله! يا لقوات السماء! ما هذا؟! و كيف حدث هذا؟…

و خرجت من منزلنا القديم مهرولاً، و أنا أكاد أفقد عقلي!

و سرت في طرقات القرية، و جست دروبها،و إذا بالغلمان يسيرون ورائي وهم يقذفونني بالحجارة و يضجون و يصخبون…

في مخفر الشرطة

و صدف مرور شرطيّ أدهشه منظري لغرابة  ملابسي و هيئتي العامة! فاقتادني إلى المخفر،و بدأوا باستجوابي.

فرويت لهم قصتي من الألف حتى الياء… و كم كانت دهشتهم بالغة أقصاها!

و قال لي ضابط الشرطة:

-هل تعرف بأنه قد مضى خمسون عاماً على قطعك لذراع هولمان؟!

وكنت أنا، إذ ذاك، لم أولد بعد! و كان والدي هو المولّج بالتحقيق في هذا الحادث. و قد انطلق رجال التحري يبحثون عنك، و ينقبون عن مكانك دون أن يستطيعوا معرفة مقرّك. و ها انذا قد أخذت مكان والدي بعد وفاته.

أما هولمان فما يزال بقيد الحياة؛ و اليوم أصبح عمره 70 عاماً، إذ إنه كان في العشرين عندما بترت ذراعه.

و سألته عن يوتابي. فقال لي إنها ما تزال حيّة أيضاً، و عمرها أصبح 66 عاماً، إذ كانت يوم الحادث ذات 16 ربيعاً.

سمندل و يوتابي

و أطلق سراح سمندل إذ إن جريمة بتر ذراع صديقه مضى عليها مرور الزمن.وانطلق سمندل يسأل عن منزل يوتابي…فاهتدى إليه.

و علم بأن زوج يوتابي قد توفي منذ عشرة أعوام، و قد رزقت منه أنثى. و كان والداها قد توفيا، أيضاً، فأصبحت تعيش بمفردها بعدما تزوجت ابنتها ووحيدتها.

واستقبلت يوتابي زائرها الغريب و هي مدهوشة مبهورة لمنظره الغير مألوف، واستعلمته عمّ يريد؟ فقال لها:

-هل عرفتني؟

و أنعمت نظرها به ملياً، ثم قالت له:

-كلا، إذ لم يسبق لي مشاهدتك قبل اليوم!

فذكرها بالحادث المشؤوم، و قال لها:

-ها انت، الآن، ترينني بعد مرور خمسين عاماً، إذ ما زلت حيّاً أرزق.

سرور يوتابي

وقفزت يوتابي و كأنها ابنة الستة عشر عاماً! و حدقت غليه بعينين تملأهما الدهشة العظمى! و قالت:

-يا الله!أممكن هذا؟! إنه من المستحيلات!

فأراها السيف القصير الذي لا يفارقه أبداً، و كانت الدماء ما تزال جافة عليه، و الصدأ قد أكله!

و إذا بدموعها تهطل بغزارة…

و امسكت يمينه و جعلت تقبّلها مراراً و تكراراً، مرددة:

-أنت من أنقذ شرفي من ذلك الوغد الذي نال جزاءه على حساب تشريدك، أيها الرجل العظيم!

واستضافته بمنزلها

واستحلفته ان يمكث في منزلها، فهو ملكها الحلال. و قالت له:

-منذ أسبوع غادرت العائلة المستأجرة للطابق العلويّ، فهو خال من السكان، فأنا أقدمه لك عربوناً لشهامتك منذ خمسين عاماً مضت و خصوصاً أن والدك قد توفي، و كذلك والدتك و شقيقتك، فاعتبرني شقيقة لك.

فشكرها، وقصّ عليها حادث دخوله بالفوهة، و مشاهدته لمعشر الجنّ، ثم جرعه لخمرة عجيبة غريبة، فنومه الطويل، فيقظته و عودته إلى القرية حتى ساعة اجتماعه بها.

و إذاها تقول:

-إنها معجزة المعجزات! إنها حقيقة واقعية لا تصدق لو رواها لي شخص سواك! فيا للأسرار المذهلة!…

حفلة التكريم

و أقام قرين ابنة يوتابي حفلة تكريم كبرى لسمندل إليها أهل القرية بقضّهم و قضيضهم، و كلّ منهم أشاد بشهامة سمندل و غيرته على الشرف، و بذله غاية ما استطاعه في هذا السبيل..

أما هولمان فكان غائباً عن القرية منذ شهر إذ سافر إلى لندن حيث يعيش ابنه.

وقطن سمندل في الطابق العلويّ إذ نزل فيه أهلاً واحتله سهلاًَ، و ذلك بعد أن تخلص من ذقنه التي كانت تكنس الأرض لاستطالتها؛ و بعد أن شذّب أظافر يديه المستطيلة، و أصلح من شأنه، و غيّر ثيابه المهلهلة، فإذاها يبدو أصغر من عمره بعشرين عاماً.

موت سمندل

في اليوم الثامن من شهر تموز عام 1710 تأخّر سمندل عن الهبوط لمنزل يوتابي، كعادته، لشرب الشاي و تناول الفطور. فصعدت يوتابي و طرقت الباب دون أن يفتحه لها أحد.

فاستدعت الجيران، و حطموا الباب، و إذا هم يجدون سمندل و قد توفاه الله. فحزنت يوتابي حزناً كبيراً، واجتمع أهل القرية و أبّنوه.

و في اليوم الثاني ذهبوا به إلى مقبرة القرية، و دفنوه مع سيفه القصير، بعدما تبرّع كل منهم بمبلغ صغير تمثال فنيّ يرفعونه على جدثه تكريماً له لشهامته.

وكان سمندل قد عاد إلى القرية منذ شهر كامل توفيّ بنهايته.

هولمان على جدث سمندل

و بتاريخ 19 أيلول 1710 رجع هولمان من لندن إلى قريته، و عرف بعودة سمندل ووفاته بعد شهر من وصوله.

فذهب إلى المقبرة،ووضع ضمّة من الأزهار على جدث صديقه القديم، وردد قائلاً:

-أي صديقي سمندل! لا تظنً أنني أحمل لك بصدري موجدة لقطعك ذراعي. فروح الشر كانت تعمر صدري عندما حاولت الاعتداء على يوتابي. وقد نلت جزائي من يدك الصاعقة التي بتر سيفها القصير ذراعي فبرها مثلما تبرى الأقلام! و إني، يا صديقي سمندل، ما زلت بقيد الحياة بسببك، و إلا لكنت زرت عالم الرموس. إذ لو اعتديت على يوتابي لكان والدها مثّل بي تمثيلاً  مرعباً قبل إعدامه لحياتي. لهذا تجدني مديوناً بحياتي لك، أيها الشهم المتواري.

و ليتني شاهدتك، يا صديقي، قبل وفاتك، إذ لكنت انكببت على قدميك أمرّغ بهما رأسي اعترافاً بجميلك عليّ. إذ إنني بعد هذا الحادث، سرت بالطريق المستقيمة، و نشأت ولدي على منهج الصدق و الشهامة، و كان هذا بفضلك عليّ بعدما خسرت ذراعي…فقادتني هذه الخسارة إلى الطريق السويّ.

وغادر هولمان دار الموتى عائداً إلى منزله، و هو يترحَّم على من بتر له ذراعه، إذ كان الحافز الذي دفعه لتغيير سلوكه الشائن. و إذاه يسير في صراط الصدق و الاستقامة.

 

بيروت، الساعة الخامسة و النصف

من فجر 18/1/1980

روابط أخرى

لمعرفة المزيد عن الدكتور داهش والداهشيَّة، يُمكنك الذِهاب مُباشرة الى العديد من المواقع الإلكترونيَّة لتصفحها من خلال الروابط أدناه.

CONTACT US

E-mail:info@belovedprophet.com/

Copyright © 2025 By Daheshism Media Center

The opinions expressed the opinion of its authors only, and do not bind anyone to their content.

error: Content is protected !!