حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
سرٌّ موصُود
نحن نعيشُ كالأنعامِ المُهملةِ بين وِهادِ الثرى
نستيقظُ حينًا باكرًا، وحينًا يُقيِّدنا الكَرَى
نَرفعُ الصوتَ دهشةً عند موتِ عزيزِ قومٍ: ماذا جرى؟
نسكنُ في المُدنِ الصَّاخبةِ، ثم نحطُّ الرِّحالَ في القُرى
نُحمِّلُ أجسَامَنا كثيفَ الثيابِ، ونحن أتينا في عِرى
نحلُّ ضُيُوفًا على الأرض، ثم تنسَلُّ الروحُ مِنَّا في السُّرى
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
جَحيم الدكتور داهش
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من جَحيم الدكتور داهش
فاتحة
من شاء أن يرى مظهراً عجيباً من مظاهر الله في عباده . فلينظر إلى خطرات الفكر في الإنسان . إذا جال جولته ميادين البيان . فما الفكر إلاّ قبسٌ من روح الله العليّ بل لمعة من لمعات نوره الإلهيّ وما الكتب التي تنشرها المطابع وتكتحلُ بها العيون وتتغذّى بنتاجها العقول سوى مصابيح هداية للسارين في ظلمات هذه الحياة .
وكلّما كان المصباح منيراً زاد عدد المستنيرين وقلَّ عدد الضالين والمضلّلين . وكلّما توفّرت لأمّة من الأمم مصابيح الهداية حملت أمام أبناءها الراية . وبلغت الغاية . وكان مجدها في النهاية خيراً من البداية .
حول مؤلّف الجحيم
أمامنا الآن من الدكتور داهش بك خمسة مصابيح نورانيّة من كتبه الأدبيّة : أوّلها ضجعة الموت وآخرها عشتروت وأدونيس … ثم (الجحيم) هذا . إلى أن يظهر سواهُ وسواهُ تباعاً بعون الله وهدايته .
وهذا المؤلّف الجديد يصدر اليوم بحلّة قشيبة . في فترة هائلة مرعبة من فترات الحرب الرهيبة . وسنقوم بتحليله بعد أن نحلّل سواه من الكتب التي ظهرت على شاكلته .
أمّا مؤلّف الجحيم هذا فهو مثابرٌ على نشر سلسلة كتبه تأديةً لرسالة أدبيّة روحيّة سامية سيزحزح الستار عنها عاماً فعاماً . والمستقبل كشّاف .
نظرةٌ إلى الوراء
إذا رجعنا بعين الفكر إلى الوراء وقلبنا صفحات التاريخ من حديث وقديم تبيّن لنا أن عدداً ليس بقليل من أدباء وشعراء حاولوا وصف (الجحيم).
فهنا (أبو العلاء المعرّي) الفيلسوف العربي في رسالة الغفران ورسالة الملائكة .
وهناك (دنتي) الشاعر الإيطالي في (روايته الإلهيّة)
وهناك (رسلان البني) في كتابه (يوم القيامة)
وهناك (الحارث بن أسد المحاسبي) في كتابه (التوهّم)
وهنالك الشاعر العراقي (جميل الزهاوي) في دواوينه الشعريّة . وعمر الخيام في بعض رباعيّاته المشهورة إلى ما هنالك من سلسلة أقوال وملاحم ومؤلّفات نثريّة وشعريّة كمشكاة المصابيح للمقريزي في باب الفتن ومصابيح السنة للبغوي والفصول والغايات لأبي العلاء والمهابرتا السنسكريتيّة وأمثالها من المؤلّفات القديمة والحديثة .
تعريف الجحيم
الجحيم في اللغة : النار الشديدة التأجّج وهي مرادف لكلمة جهنّم أي مكان الأشرار بعد الموت .
وتسمّى أيضاً سقر أو صقر ولظى والسعير والدرك الأسفل أو الدركات السفليّة .
وعرّفوا الجحيم بقولهم : إنّها مقرّ الخطأة الهالكين .
وقال آخرون : إنّها الهاوية البعيدة القعر من وقع فيها هلك .
وقال بعض العلماء : الجحيم أو (جهنّم) علمٌ لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار .
وفي معاجم اللغة : كلُّ نار عظيمة في مهواة هي جحيم .
والجحيم كجهنّم دار العقاب الأبديّ بعد الموت وتسمّى أيضاً : (الهاوية) حيث يقاسي الهلكى العذابات الشديدة بعد انتقالهم من هذه الحياة الدنيا .
والجحيم نقيض النعيم أو الجنّة أو الفردوس أو جنان النعيم . أو دار الخلود ومقرّ الصالحين وديار المتّقين .
وجاء في دائرة المعارف : إذا تصوّر الناس أن الجنّة في السماء فوقنا والنور فيها دائم السطوع ، فليتصوّروا أن (الجحيم) في مكان يقابلها أي في الأسفل حيث الظلمة لا تزول . وهذه الأماكن المظلمة عبارة عن سجون معدّة لمن يموتون بدون أن يتوبوا عن آثامهم .
وقد ورد ذكر (الجحيم) كثيراً في الكتب المقدّسة المنزلة وهكذا (النعيم).
آراء في الجحيم والنعيم
نشأ الناس من قديم الزمان وهم في شغل وتشوّق قاتل لمعرفة ما وراء الموت .
ولما كانوا يعتقدون بخلود النفس ويؤمنون بالحياة الآتية المعروفة بالآخرة كان من الطبيعي أن يتصوّروا أنّ هناك مكانين رئيسيّين :
الأوّل – لراحة الأبرار وثوابهم وهو (النعيم).
الثاني – لعذاب الأشرار وعقابهم وهو (الجحيم).
ومن راجع التاريخ في جميع أدواره ولا سيّما تاريخ الكلدان واليونان والرومان والمصريّين والفرس والهنود والصين والمجوس وسواهم من الأمم والشعوب تبيّن له أنّهم اهتمّوا كثيراً بالأرواح الشرّيرة والأرواح الصالحة .
رسالة الغفران لأبي العلاء
هي رسالة خالدة من عبقريّ زمانه أبي العلاء المعرّي بعث بها إلى صديق له يسمّى (ابن القارح) وقد أذاعها إلى الناس الأستاذ كامل كيلاني الموظّف في الأوقاف المصريّة وحللها ونقدها وقرّظها عدد من المفكرين بينهم الدكتور طه حسين ومحمّد فريد وجدي ومحمّد كرد علي وسليمان البستاني معرب الإلياذة وجرجي زيدان مؤسّس الهلال والدكتور شبلي شميل . وجريدة الأهرام . وسيّد إبراهيم الساعي وجلد زهير وسواهم وقد خدم الأستاذ الكيلاني أبناء وطنه بنشر هذه الرسالة بحلّة قشيبة .
وقال عنها الدكتور طه حسين أنّها (آية الأدب العربي . كما أنّ صاحبها آية كتّاب العرب . وهي آية التفكير العربي . وآية الخيال العربي . وآية السخرية العربيّة . وآية الحريّة العربيّة . بل آية العرب في هذا كلّه )
وقال عنها أحد الأدباء (إنّ رسالة الغفران كوميديا إلهيّة مسرحها الجنّة والنار )!!
أبو العلاء وابن القارح !
متى ذُكرت (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعرّي لا بدّ أن يتبادر إلى الذهن في الحال اسم (ابن القارح) ذلك لأنّ (رسالة الغفران) أرسلت إليه رداً على رسالة كتبها أوّلاً إلى (أبي العلاء) وفي ختامها ألحّ عليه أن يشرّفه بالردّ عليها .
فكانت (رسالة الغفران) صدى رسالة (ابن القارح) فكان له فضل المتقدّم .
وقد أطلق على (الرسالة) اسم (الغفران) لأنّ الفكرة الرئيسيّة في الرسالة هي مناقشة الذين فازوا بالمغفرة والذين حرموا منها في الدار الآخرة فيشرح له الصالح منهم الأسباب التي أدخلته إلى الفردوس وكيف يتمتّع به وينعم ببدائعه .
ويشرح له الطالح ما يقاسي من ألم وعذاب في الجحيم وروائعه .
حول رسالة الغفران
لرسالة الغفران فصول ستّة وعناوين عديدة
ففي الفصل الأوّل منها : الفردوس . وندامي الفردوس ، ونزهة ابن القارح ، وحديث الأعشى ، وزهير ابن أبي سلمى ، وعبيد ، وعديُّ بن زيد ، والهذلي ، والنابغتين ، ومجلس غناء ، وحديث لبيد وغناء الحور ، ومشاجرة الجعديّ والأعشى ، وحديث حسّان بن ثابت ، وعوران قيس ، وحكاية تميم بن أُبيّ .
وفي الفصل الثاني : يوم الموقف ، وحكاية ابن القارح ، وحديثه مع رضوان وزُقر وحمزة بن عبد المطّلب ، ومقابلة أبي علي الفارسي وحديثه مع علي بن أبي طالب وورودهُ الحوض ، وحديثه مع فاطمة والنبي وعبور الصراط ، وحواره مع رضوان ، ودخوله الجنّة .
أمّا القسم الثاني من رسالة الغفران فيحوم حول الردّ على رسالة ابن القارح وفيها وصف وفائه وذكر عدد كبير من الشعراء كأبي الطيّب المتنبّي وأبي نوّاس وبشار ابن برد والحلاّج ، وابن هانئ الأندلسي وابن الرومي وأبي تمّام .
أمّا الفصل الثالث فله عدّة عناوين كنعيم الفردوس وحديث ابن القارئ مع عدد من المشاهير مع وصف مأدبة في الجنّة ومجلس أنس وغناء وحدائق الحور .
وأمّا الفصل الرابع ففيه ذكر جنّة العفاريت وأشعار الجنّ ولغتهم وحديث بعض الشعراء
أمّا الفصل الخامس فيه (الجحيم) وحديث الخنساء وابن القارح مع بشار وامرئ القيس وعنترة وعلقمة وعمرو بن كلثوم والحارث اليشكري وطرفة واوس بن حجر وسواهم .
أمّا الفصل السادس ففيه العودة إلى الفردوس وحديثه مع آدم وذات الصفا والعودة إلى حوريّته وجنّة الرّجاز نعيم الخلد .
بلاغة أبي العلاء في رسالته
من راجع (رسالة الغفران) بتجرّد دهش لتفوّق أبي العلاء في التفنّن بأساليب الكلام ونقده الرائع وهزئه اللاسع اللاذع وأدرك لأوّل وهلة أنّ هذا الضرير البصير إنّما يغرف من بحر فيستخرج اللآلئ من مغاوصها .
وقد جاء على ذكر (الجحيم) بعبارات بليغة بالغة فيتطرّق إلى وصف عذاب النار وآلام الخطأة ويأتي على ذكر منادي الحشر عندما يُسأل عن جبابرة الملوك فيقول :
” إنّ الزبانية تجذبهم إلى الجحيم “
” والنسوة ذوات التيجان يسرن بالسنة من الوقود “
” فتأخذ الزبانيّة في فروعهنّ وأجسادهنّ “
“والشباب من أولاد الأكاسرة يتضاغون (يصيحون) في سلاسل النار “
إلى أن يقول لهم :
” أولم نعمركم ؟… ما يتذكّر فيه من تذكّر . وجاءكم النذير .
فذوقوا فما للظالمين من نصير “
” لقد جاءتكم الرسل في زمان بعد زمان “
” وبذلت لكم ما وكّد من الإيمان “
رسالة أبي العلاء
رسالة الملائكة
ولأبي العلاء رسالة أولى كتبها قبل (رسالة الغفران) بعث بها إلى مستفسرٍ عن بعض المسائل الصرفيّة … فكان جوابه عليها (رسالة الملائكة).
على أنّ أبا العلاء لم يكنف بتلك المسائل الصرفية المبتذلة بل استطرد منها إلى ما يناسبها من لقاء عزرائيل فمحاسبة الملكين فنفخ الصور فدخول الجنّة .
وهذه الرسالة مقتضبة بالنسبة إلى (رسالة الغفران)
ولعلّها كانت نواة أو تمهيداً لرسالة الغفران
وقد وصفها الأستاذ الكيلاني وصفاً دقيقاً وقال عنها أنّها :
“فن من الأدب العالي لا يقلّ عن أجل أثر أخرجه أكبر رأس غربي مفكّر “
إيمان المعرّي وكفره
لقد نسبوا إليه الكفر والإلحاد والزندقة في حين أنّ كثيرين رووا عنه ما يدلّ على عاطفة رقيقة وزهد في الحياة حتّى أنّه عاش أكثر من أربعين سنة لم يذق فيها حيوان أو طائر .
ويروى أنّه قبل وفاته بأم قليلة أشار عليه الطبيب بأكل (فروّج) فأبت نفسه أن يزهق روح حيّ .
ولكن أهله ذبحوا (الفرّوج) دون أن يعلم بذلك .
ولما قدّموه إليه أمسك به وأخذ يخاطبه قائلاً :
“مسكين أيُّها الفرّوج !
أمنوا شرّك فذبحوك
ولو كانوا خافوا بأسك لهابوك “
ثم رمى به ولم يتناول منه شيئاً .
***
ورُوي عنه أيضاً أنّه مرض مرضاً شديداً فوصفوا له (الدجاج) فامتنع .
فألحّوا عليه حتى أظهر الرضى .
ولما قُدّم إليه ولمسه بيده جزع وقال :
“استضعفوك فوصفوك
هلاّ وصفوا لي شبل الأسد ؟”
ثم أبى أن يأكله وطرحه جانباً .
وهذا دليل على عطفه وحنانه . ورفقه بطيره وحيوانه .
فهل مثل هذا الإنسان ، يكون من أهل الكفر أم من أهل الإيمان ؟!….
هذا سؤال نترك الجواب عليه للأجيال !!…
رسالة أبي العلاء
من عالم الأرواح
وكأنّ أبا العلاء – يرحمه الله – لم يكتف وهو على هذه الأرض الفانية أن يخاطبنا برسالة الملائكة ورسالة الغفران .
بل شاء اليوم وهو في عالم الأرواح أن يخاطبنا – بعد مرور ألف سنة على وفاته – رسالة روحيّة رهيبة ندوّنها في هذا المقام . على أنّ يُماط عنها اللثام ، وتكشف عن سرّ هبوطها الأيّام ، فيعرف العالم كيف يكون الوحي وكيف يُستنزل الإلهام .
قال :
“أرحام تدفع وأرضٌ تبلع
وهاوية تتصدّع وتُفلع
فتهوي بها أرواح الهلكى وكلٌّ منها في دركه الداجي يقبع
وتهرع الشياطين إليهم وإذا بسياطها تُخفض وتُرفع
والهامات تُفلق بقوّة صارمة … ثم تُقطع
وتهبُّ رياحُ السّموم على وجوههم وتروح لها تسفع وتلفع
هنا الصلاة ، والصيام ، والقعود ، والقيام … لا ينفع
ولدى ربّهم لا يشفع
واستكانتهم لا تُبعد عنهم سيف الردى فاستحقاقاتهم الدنيويّة بكاملها تُدفع
صدى عويلهم ردّم ردهات الدركات وقوّضها تقويضاً ولكن ليس من يعي أو يسمع !…
ترى كلاًّ منهم قد استلّ قواضب جرائمه وراح يدفعها في جوفه بوحشيّة ولأفاعي آثامه جعل يبلع
الكلُّ يتسابقون حيث مستنقع الفضائح وليس من متخلّف … فالكلّ يهرع هناك يخوضون في لجج النتانة يتقلّبون في غمراتها فتالله كم كرعوا منها وكم سيُكرع !…
ظلمات الدُّجى طبقاتٌ متكاثفة تتلوها طبقات رهيبة وليس من نجم تراه في تلك النخاريب السحيقة ليلمع .
يزحفون في رهبة مجهولة في ردهات الهاويات النخرة وكلّ بدوره يذرع آفاقها الكئيبة ويقطع .
ومن ولدته أمّه (مظلم العينين)!… يرجو الله من جحيمه أن يأذن له بأن يرى الفجر ينبلج ويطلع .
أمّا نفوس الأطهار الأبرار فأرواحهم النقيّة في أعلى درجات الكمال تسعد وترتع فاتعظوا !.. ثم عظوا !…
هبطت – بعد ظهر 15 شباط 1943 (أبو العلاء المعرّي)
..!جحيم الدكتور داهش بك
هذا كتاب جديد يطلع علينا به الدكتور داهش بك وقد تسنّى لي أن أبيّض بقلمي فقراته الحسان فإذا هي قطع حقيقة وإلهام . لا قطع خيال وأوهام . وهنا ما سيدوّنه التاريخ وتردّده ألسنة الأجيال والأيام .
***
ينقسم جحيم الدكتور داهش إلى ثلاثة أجزاء متساوية الفقرات والسطور
وكلُّ جزء يشتمل على خمسين دركاً مظلماً من تلك الدركات المرهبة ، والعوالم السفليّة المرعبة .
وكلُّ درك يحتوي على أربعة وعشرين سطراً مسجّعة على أسلوب طريف مبتكر يدركه القارئ اللبيب بعد إطّلاعه على هذه المجموعة وقراءته إيّاها من الدفّة إلى الدفّة .
نظم الجحيم شعراً
ما كدت أنتهي من تبييض الجزء الأوّل من الجحيم حتى سمع به عدد كبير من العلماء الذين زاروا الدكتور داهش بك في عزلته الأدبيّة .
فكانوا يعجبون بما يرون من لمحات الأرواح العلويّة
ويطربون مثلي لما يسمعون عن نفحات الأسرار الإلهيّة
واجتمعنا مراراً بالصديق الحميم والعربيّ العبقري الصميم الشيخ عبد الله العلايلي وقرأنا على مسمعه في عدّة جلسات بعض قطع من هذا الجزء العجيب والأسلوب الغريب فأخذ مثلنا بما سمع فالتهم فقراته التهاما
وشعر أنّ في هذا النثر المسجّع نظاماً بل الهاماً
فانبرى إلى نظمه شعراً عربيّاً لم ينسج شاعر على منواله
ولا جرى قلم متقدّم على خياله أو متأخّر على مثاله
حتى أنّ الألفاظ كادت تضيق أمامه مع الكلمات
بما وسّع خياله الرحب الخصب في دائرة الدركات
فجاء وصفاً دقيقاً بعيد الأغوار والآفاق سحيق الجنبات
فجاءت أبياته كأنها صور متحرّكة تبدو أشباحها ماثلة للعيان
وتجلّت حوادثها المتسلسلة الرهيبة بديعة المعاني عديدة الألوان
فكانت تلك الصور المبتكرة خليقة بمثل هذا الشعر وذلك البيان !
مقدّمة المؤلّف
هذا (الجحيم ) الذي يطالعك بأرهب أنواع العذاب وأروعها أراه برداً وسلاماً !
بل نعيماً مقيماً لأولئك المعذّبين !
فلو وكّل الأمر لي ، وفوّض القول الفصل لإرادتي … لأنزلت بهؤلاء البشر الكفّار أروع العذابات الهائلة التي لو خطر شبحها لهم – حتى في عالم الأحلام – لأصيبوا بالشلل والسّقم . والبكم والصمم ، ولقضوا حياتهم في وجل هائل . وخبل عنيف بتّار .
إنّ البشريّة المجرمة الأفّاكة لا تترعرع إلاّ في تربة الأفك المرذول ولا تنمو إلاّ على سماد البهتان والزور .
ولا يهمّ هؤلاء الرّعناء سوى أتباع ميولهم الوضيعة ورغبات قلوبهم الدنيئة !
تجتمع بأحدهم فإذا به شامخ الأنف مشمخرّ الرأس ، وقد دفع بصدره إلى الأمام كأنّه ديك يصول ويجول على مزبلة قديمة ، فهو يظنُّ بنفسه أنّه الفرد الأوحد الذي لا يشقّ له غبار في أيّ مضمار .
فهو من ناحية الفلسفة فيلسوف عريق ، ومن ناحية الحسب يرجع إلى أنبل الجدود وأرفعها جاهاً ومقاماً وصولة واقتداراً وفي العلوم والمعارف فهو الجهبذ الخطير والعالم النحرير .
وهكذا في كافة المناحي والنواحي .
أمّا حقيقته الصادقة فهو ذئب ضار شنيع ، في ثوب جمل وديع .
وهو جاهل من أغبى الأغبياء في جسم أرعن دعيّ لم يغرف من بحر المعرفة الغراء إلاّ وشلاً من أقذر المياه الكدراء .
ألا لحي الله هذه البشرية المذنبة الغارقة في محيطات شهواتها الذليلة . لهذا … وبعد أن اختبرتُ أمور العالم وحلبتُ من الدّهر شطريه وذقت شهده وحنظله .
وبعد أن عاشرت الألوف من أبناء هذه الغبراء
وبلوتُ منها ومنهم أنواع البلاء .
ودرست أخلاقهم ونفسيّاتهم .
وعرفت سوء ضمائرهم ونيّاتهم .
واكتشفت ما يطمحون إليه من شرور طامحة وآثام طافحة …
انثنيت عنهم وأنا أستمطرهم لعنات خالدات .
وأشحتُ بوجهي عن مرآهم وما عدت لأستطيب لقياهم
وأقسمت أن أذيقهم أشنع العذاب ، عندما تدنو ساعة الحساب .
هذا هو (اعترافي) أدوّنه ليبقى (شاهداً) عليّ في الأجيال القادمة الزاحفة فأنني لا أثق بأيّ بشريّ كائناً من كان !…
هذا ما أكّده لي اختباري الطويل في الكون ومن يدبّ عليه من حشرات أطلق عليها اسم (كائنات عاقلة).
نعم ، لقد ضقت ذرعاً بهؤلاء البشر الملاعين !
فأحببتُ أن ألقيهم في (جحيمي) هذا آخذاً بعضهم برقاب بعض ، علّني أبرّد غليلي . وأشفي أوامي عندما أشاهدهم يتقلبون على جمر الغضا ، والأبالسة يسوطونهم بسياطهم الافعوانيّة !…
حتى إذا ما دنت ساعة الانتقام الحقيقيّة لا الكلاميّة …
إذ ذاك يرى هؤلاء (الأجلاف) ما سأذيقهم إيّاه من بلاء مرعب بطّاش !…
وسأنكّل بهم تنكيلاً رهيباً ، علّهم بعد ذلك عن كبريائهم وادّعاءاتهم يرعوون ….
وإلى صوابهم ورشدهم يثوبون ، فالألم خير مطهّر للأجساد والأرواح لو يعلمون !…
مدخل الجحيم
وعندما انتصف الليل وارتدى الكون حلّته القاتمة المحيقة
طرق أُذنيّ عويل مخيف خيّم على بطاح الفانية برهبوت
ودمدمت شفاه غير منظورة : عفوك إلهنا ارحمنا ودعنا نموت
إذ ما عدنا لنستطيع أن نحتمل هذه الآلام العنيفة
وها نحن نقرّ أمامك بأنّ أرواحنا في الدنيا لم تكن عفيفة
لهذا قذفت بنا بعد انطلاقنا إلى هذه الدركات السحيقة !
وبرز أمامي شيطان كثيف الشعر وهو يقذف النار من عينيه
وينفث الدّخان المتواصل من فتحتي أنفه المتري (20)
وهو يسير دافعاً صدره إلى الأمام مقلّداً ذلك المثري
وعندما بلغ إلى الدرك المطلوب هاجم أحد الهلكى البائسين
وللحال لعلعت صيحات مدويّة خرجت من صدور وحناجر اليائسين
فأطبق على المطلوب واقتلع عينيه وصلم أذنيه ثمّ جرّد من اللحم وجنتيه !
دهشت بل ذعرت لهذا المشهد البطاش
فقد شاهدت المسكين المردّم المحطّم يهرق من مآقيه الدم
والشيطان ما فتئ يمثّل به ثم ينحني عليه بالتقريع وبالذمّ
وشاهدت الأرواح الوجلة الحائرة تندفع طافرة بجنون
بينما تصيح : رحماكم رحماكم أو ليس من قلب عطوف حنون ؟
واستغاثت : أنجدوه أنقذوه ! ولكن المعذّب كان سهمه قد خاب وطاش !
***
تقدّمت بوجل وسألت الشيطان الرجيم أن يترك الهالك المسكين وعنه يتحوّل .
واستفسرته ما الداعي لهذا الإرهاب واستعلمته عن السبب ؟
فنظر إليّ بغيظ وهو يكاد يلتهمني التهاماً من العجب ومن شدّة الغضب
وأجابني : سر في ركابي وتشبّث جيّداً بجلبابي لأريك من الخطاة أدناهم
إذ سأهبط بك إلى دركات الجحيم كي تشاهد كيف يتعذّب من كفروا أو فسقوا في دنياهم
وامتطيت عنقه الكريه النجس فاخترق بي طبقات الأرض وإذا بنا في الدرك الأوّل !
الدرك المظلم الأوّل
الولوج إلى موطن الظلام الدامس
النحيب العظيم يملأ الأرجاء المظلمة الكئيبة
عجوز دهريّة تولول وتضج فيرجّع الصدى عويلها المخيف
أنا الآن أسعى كالأفعى
في عالم الظلام الدامس
وها إني أمرّ بوجه كئيب عابس
وأسمع النحيب العنيف
وهمهمة الوجيب المخيف
وها عجوز دهريّة(21) تولول وهي تقعى (22)
دهاليز عجيبة ومناظر رهيبة غريبة
أشباح مزعجة تطوف في أودية الليل البهيم
تنقيبها في مملكة الظلام أجيالاً طويلة
اخترقتُ كافة طبقات الأرض
واجتزت دهاليزها العجيبة
فإذا بمناظرها هائلة وأشباحها رهيبة
تطوّف في أودية الليل الثقيل
وتبقى في تطوافها من جيل إلى جيل
منقّبة بصبر غريب في الطول وفي العرض !
صياح دامٍ ودمدمة كدرآء شنعاء !
جمر خالد يسكب دون حساب على رؤوس الخطاة !
هول وضجيج يملأن رحاب هذا الدرك المرعب !!
إستقبلني صياح دام وصخب وضجيج
وشاهدت الجمر الخالد يُسكب على الرؤوس
وتهوي عليها الأيدي حاملة الفؤوس
ثم يفغر (23) الجحيم فاه فتختلط الأجسام بالجمرات
فيرتفع النحيب من سكّان هذا المكان وتهمي العبرات
ويضجّ الجحيم بالهول والعجيج .
أفاع تخرج من قبور بالية عميقة !
زواحف هائلة تغادر مستنقعاتها !
السماء تمطر الخطاة رصاصاً مصهوراً فيا للأهوال المنقضّة !!..
وتخرج الأفاعي من ظلمات القبور
وتزحف الزواحف من مستنقعاتها
لتضيف إلى عذابهم أهوالاً من لسعات حماتها (24)
وتمطرهم السماء رصاصاً مصهوراً (25)
وتبقى على انهمارها (26) أعواماً ودهوراً
فيخلُدُ الخطاة في عذابهم حتى يوم النشور (27)
الدرك المظلم الثاني
نهر الموت يفيض بأنتن الأقذار الموبوءة ويقذف بها
إرغام الخطاة على خوضه والمكوث فيه
جوف النهر يضجّ بالزّناة وقطّاع الطرق والفسّاق
حملتني قوىً غير منظورة إلى الدرك الثاني
فإذا بنهر الموت يفيض بما فيه من أكره الأقذار
التي تخمد الأنفاس وتقصّر الأعمار
وكان الخطاة يسبحون فيه وهم مرغمون
وهم على ما أتوه في دنياهم نادمون
من كلّ أفّاك (28) وقاطع طريق . وزانٍ …..
هوّة سحيقة تنفرج تحت أقدام الهلكى
سقوطهم في جوفها على أسنّة الرماح وشفار السيوف
صيحات هائلة تقضّ المضاجع وتبعث الذعر في النفوس
وانشطرت الأرض إلى قسمين
فإذا بفجوة (29) سحيقة (30)
والأجساد تهوي بتلك الهوّة العميقة
فتستقبلها أسنّة الرماح وشفار السيوف
وتضيع الصيحات الهائلة على قرع الدفوف
فيصيحون : لقد تُبنا ويُقسمون على هذا قسمين
القروح النتنة تنتشر على الأجساد الممزّقة
الدود على اختلاف أنواعه يملأُ الأفواه
الصخور تهوي من السماء فتسحق الأجسام سحقاً
وإذا بالقروح النتنة تملأ أعضاءهم
والدود يملأ أفواههم وهو يدبّ دبيباً
كالبحر الصاخب … وهو يتلاطم تلاطماً عجيباً
ثم تهوي عليهم من السّماء صخور صمّاء
فتسحقهم ثم تسفعهم (31) رياح رمضاء (32) هوجاء .
وتطاير وتنثر في الفضاء أشلاءهم
رفع أكف الضراعة لخالق البرايا كي يرحمهم
صلاة خشوعيّة من أجل تخفيف آلامهم
هتاف المعذبين لزائرهم العجيب وشكرهم لشعوره الرقيق من نحوهم
ربّاه اغفر لهم يا ذا العطف والحنان
فقد انفطر قلبي لشدّة عذابهم
ويا لله … ما أرهب آلامهم
لقد منحتني نعمة زيارة العالمين
وسأعود يا ربّي لهداية العالمين
فهتف الخطاة المعذّبون ، شكراً لك يا داهش الزمان
