حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
عدالةُ الموت
أيُّها الموتُ، أنتَ عادِلٌ، وأنتَ رحمةٌ لأبناء الحياة!
فلولاك لَما عَرفنا معنًى للراحةِ السرمدية
ولَولاكَ لَما تذوقْنا نِعمةَ الغبطة الأبدية
ولَولاك لَما اطمأنتْ قُلُوبنا الحائرة في هذا العالم الفاني
ولولاكَ لَما اكتشفنا أسرارَ ذلك العالمِ الثاني
ولولاك لَما رأتْ عُيوننا وجْهَ الحقِّ، ربِّ الحياةِ والممات!
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
الإلآهات الست
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من الإلآهات الست
البطلة
إلى رفيقة جهادي ضد حُثالة المجرمين المرتكبين
وتقديراً لبطولتها الضيغميَّة الخالدة ضد السَّفاح الباغية
و اعترافا بمناصرتها للحقّ ومهاجمتها العنيفة لاعتداء الطاغية
إلى شقيقتي أنتوانت أقدم كتابي هذا
داهش
تعريف
وَبَعدَ ضَجَعَةِ الموت) (الكَلِمَاتُ)
وَبَعْدَ الكَلِمَاتٌ تَصْدُرُ اليَومَ الإِلهاتُ السِّتْ) فهُوَ إِذَنَ الهَمْسَةُ الثالثة في أذن أَبْنَاءِ الْأَرْضِ مِنْ وَحِي السَّمَاء . بَل هُوَ أنشودة علوية ملهمة تَطيرُ عَلَى جَناحَين هما : الحقيقة والخيالُ . بَل هُوَ ثَالِثُ قَمرين نيرين من أنوار روحية لها بدَايَة وَليسَ لَهَا نهاية.
تَصَفَحْتُ هَذِهِ المجموعة فظننتها خيالاً في خيال . ثم بيضّتُها بِقَلَميَّ بَعْدَ أَنِ امْتَزَجَتْ رُوحِيَ بِرُوح مؤلفها العجيب ، فإذا هي حقيقة في خيال . وَمِنْ هَذِه الطرفة بل التُّحفة اخترت عدَّةً فَقَرَاتُ نَظَمْتُهَا شِعرًا لتنشر في كتاب (نزوات قلب) من تأليف الدكتور دَاهِشَ أَيْضًا. وَقَد أَهْدَى كِتَابَه هذا إلى الحقيقة، تلك الشعلة العظمى المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالَم . فَاسْمَعْ رَبَّةَ الْحُبِّ تُجِيبُ الشَّابَ بَعدَ أَن قال لها : لا تُحاولي يَا رَبَّةَ الحُب إغرائي بَعْدَ مَا ذقت مِنْ عَذَابٌ وَقَاسَيْتُ مِنْ أوصَابٌ .
حَدِيثُكَ يُشْجِيْنِي وَفِيهِ عَذَابٌ
على أن ليلات المحبِّ عِذَابٌ
فَقُمْ وَتَمَتَّعْ يَا حَبيتِي بِصَبْوَةٍ
بِهَا العَيشُ حُبُّ وَالْحَيَاةُ شَبَابُ
وَاسْمَعْ جَوَابَ الشَّاتِ لِرَبَّةِ الحُبِّ أَيضاً :
يَا رَبَّة الحب الجميلة قَدْ جَرَتْ
كَلِمَاتُ ثَغرك كالسيم الجاري
أَمَّا أَنَا فَوَحَقِّ حُبِّكِ قَدْ خَبَتْ
شمسي وغابت منذ فجر نهاري
وكذاك قيثاري تحطَّم في يدي
واها لرنَّةِ ذلك القَيْثار
عَلى أَن مَن صَفَتْ نَفْسُهُ وَسَمَتْ رُوحُهُ إِلى مَا وَراء الأغاني والألحان والقوافي والأوزان ، عَلِمَ أَنْ هَذِهِ الطَّريقة البكر ليست مُجرَّد كَلمات وعبارات ، ولا مجموعة تَخَيَّلات وتصورات ، بل أدرك بفطنته الشَّفافَة أَنهَا وَحَيَّ جَدِيد لمرمى علوي بعيد ، بل نافِذَةً فريدة يُطلّ منها على أرض جديدة وَسَمَاء جَديدة .
وَلَنْ يُزَحْزِحَ السِّتَارَ عَنهَا ، إِلَّا مَنَ اقْتَرَبَتْ رُوحُهُ مِنهَا .
فهنيئا لِمَن فَهُم الحَقيقَة وأفهم ..
وَسَلَامٌ عَلَى مَن بَشِّرَ بِهَا وَعَلَّم .
بيروت في ٣١ تموز ١٩٤٣
حليم دموس
إهداء الكتاب
الى الجدول الرقراق المتدفّق بلطفٍ دون أن نُعيره اهتماما .
الى الإكسير الإلهيِّ الخالد الذي لا تريد أن تتذوَّقه أرواحنا الخشنة .
الى الطيف الشفَّاف الذي يجوب عالمنا كي يهدينا فلا نهتدي .
الى النور الساطع الذي يُبدِّد عنها الظلمات الداجية فلا نرعوي .
الى الخضَّمِ الجبَّار الذي لا نجروء أن نخوض أعماقه في وضح النهار .
الى المُهند البتَّار الذي سيجزّ رؤوس كافة الفجَّار والكفَّار .
الى البطل المسلط علينا أشعَّتة الحقيقيَّة ، فنقذفها بنبال باطلنا الدنيَّة .
الى الرفيق العلويّ ، والصديق الأبيّ، والخلّ الوفيّ.
الى الحبِّ الشامل، والأمل الكامل ، في هذا العالم الخامل .
الى البلبل الصدَّاح بمرح ، دون أن نصغي الى أنغامه العذبة
الى الناظر الينا بحزن، المُتألم لجهلنا، المُنذهل لغرورنا.
إلى الأمنية الجذابة ، الراغبة في الاندماج بنا عبثاً .
الى الضَّيف المطرود من جميع أهم الأرض وقبائلها .
الى المُثخَّن بالجراح المميتة، والمطعون بحراب وحوش البشر الغلظاء .
الى الناظر الى القرون والأجيال الزاحفة .. نظرة هُزءٍ وزراية .
الى الروح الطليق السابح في الكواكب المتألِّقة الخالدة .
الى الشعلة الإلهيَّة المُلتهبة ، المستمِدَّة أنوارها من لدن الله .
الى الصفاء والنقاء ، والطهر والبهاء .
إلى الحقيقة المنبوذة التائهة في صحراء هذا العالم التَّاعس الفاسد
أهدي هذا الكتاب .
بيروت ١٥ تشرين الثاني ١٩٤٢
داهش
ربَّات الأولمب
و دوى صوت رهيب طبق الآفاق قائلاً :
في هذه اللحظة انقضت خمس سنوات منذ ابتدأت تلك المأساة العميقة بآلامها ، المفعمة بأشجانها . وصَمَت الصوت .
عند ذلك انتصف الليل ، وأخلدت ضوضاء النهار إلى سكينة خرساء شامل ، وعانقت الأحلام أرواح النيام ، وحوَّمت الأشباح بين الأزقة والمنعطفات ، وأنارت النجوم المتألقة قبَّة الفضاء .
ساعتذاك اجتمعت الإلهات الست على قمة الأولمب وعقدن مجلس شورى فيما بينين ، إذ إنهن عزمن أن يوفدن إحداهن لتذهب الى الشَّاب الحزين وتواسيه علَّها تستطيع أن تنسيه بلحظات ، ما لم تستطع أن تستأصله من نفسه المحطَّمة خمس سنوات طويلات.
منيرفا (الهة الحكمة) أيتها الرفيقات ، ليس منَّا من تستطيع النجاح في مهمتها هذه سوى عروس البحر الشاعرة ، لأنها بحكم صلتها على الأرض ، تعرف معرفة تامة الخطَّة الواجب عليها أن تتَّبعها ليكتب لها النجاح ، والفوز والفلاح.
عروس البحر اصغين إليَّ يا رفيقاتي العظيمات ، إن هذا الشَّاب غريب الأطوار . ولا أظنَّني ناجحه في مهمَّتي ، إذا قرَّ رأيكن بالإجماع على إيفادي ، ولذا فانني أرتئي أن توفدن له منيرفا الهة الحكمة ، وليس بعجيب على حكمتها ، أن تنجح في ما نحن بسببه مجتمعات .
أن منيرفا حسن هذا، ولكن لا يغرب عن بال عروس البحر الفتَّانة أنَّ هذا الشاب قد ملَّت نفسه الحكمة والقائلين بها حتى تجاوزها ، إذ بات يعتقد أن الحكمة ليست سوى ضرب من الخرافات والأوهام . وبما انك لست بالواثقة من مقدرتك بالنجاح فإنني أرتئي أن نوفد له عروس الغاب الرائعة في محاسنها علَّها تستطيع إغراءه بجمالها الذي يراه البشر منحة الهيَّة ، ونعمة سماويَّة ….
عروس الغاب أنا لا أنكر أني قطعة من نور تتوهج ، ونار تتأجَّج ، فتثير الجنون في نفس كل من يراني : قامتي كالغصن الأملود المكلَّل بالزهر في فصل الربيع النضر العطر. وفمي المصطبغ بألوان الورود وشقائق النعمان هو ما تتمنَّاه حتى القيان في فراديسها العجيبة . وبشرتي النقيَّة التي طالما ما أغرت جبابرة الليل الطوافة ، لن تعجز عن إغراء شاب رطب العود من بني البشر. ولكن احتراماً مني لربَّة الأولمب (حيرا) انسحب ، فلها الخيار أن توفد من تراها أهلاً لأداء هذه المهمة .
حيرا ومن تكون خيرا من فينوس الرائعة الصَّناع . وهي التي يحوي تاريخها العجيب أروع حوادث الحبّ والغرام . هي من خرَّ أمام موطى قدميها العجيبتين جبابرة الآلهة ينشدون نظرة بل رنوة من عينيها النشوانتين . هي من لا ينكر أي مخلوق سماويّ أو أرضيّ ، أنها إنما خُلقت لأجل الحبّ، ولولاها لما عُرف الحبّ، ولاستحالت السماء جحيما رهيبا.
نعم هي الحُبُّ والحُبُّ هي . فينوس الغادة المرحة اللعوب المشرقة بأضوائها على الكائنات لتحييها . فينوس التي يحنو عليها (كيوبيد) راجيا مُستعطفاً . فينوس ربَّة الجمال وباعثة الخيال منافسة القيان في جِنان الخُلد السرمديَّة .
فينوس الهائمة في تخيُّلاتها المعسولة، وأحلامها الهانئة ، فينوس التي تتحلّب أعطافها باللذَّة القدسيَّة ، والنشوة الأزليَّة . فينوس فتاة الرؤى اللذيذة والتخيُّلات العذبة ، والأحلام الأثريَّة، والأشواق الأبديَّة .
فينوس معبودة السماء والأرض . فينوس ، فينوس هي من أرغب في إيفادها إلى الشَّاب الحزين . وَمَن تُراها أجدر منها بالذهاب ، وهي الهة الجمال وربَّة الدلال، وباعثة الخيال ، ومذكيَّة الآمال …..
حورية السحاب لا فض الله لك فَاهَا يا (حيرا)، فإن فينوس خير رسول يصلح لأداء هذه المهمة الدقيقة ، ولن يعجز جمالها المفتَّق كالزهر النشوان عن إدخال هذا الشاب المحُطَّم الفؤاد إلى جنَّة الحبّ المترعة باللذاذات .
فينوس شكر لك يا (حيرا) ، ويا ربَّة السَّحاب، ويا رفيقاتي العظيمات !
فينوس تظهر للشاب بغته
أنا فينوس الساحرة السماوية
أنا فينوس الفتَّانة الحييَّة
أنا فينوس الحوراء الفتيَّة
أنا فينوس ، فينوس التقيَّة النقيَّة
أنا ابنه السحاب الشفَّافة الأثيريَّة
أنا زهرة الحقل العطرة الشذيَّة
أنا رقرافة كقطرة الطِّل النديَّة
أنا الطير المُتغنّى بالأناشيد الالهيَّة
أنا الغيداء الصَّناع الرضيَّة
أنا مجموعة أنوار الكواكب المتألقة البهيَّة
أنا معبودة الآلهة السرمديَّة
أنا أنشودة الحُبِّ الأزليَّة
فهيَّا اليَّ أيها الشَّاب الجميل هيَّا.
داعبني ، ناغني، ناجني، وضمني إلى صدرك الدافىء ،
ثم اقطف بشفتيك المتلظِّيتين قبلة هي سرُّ المرح والنَّشوة .
هي أولى القبلات الشهيَّة .
قبّلني يا حبيبي قبل أن أغادرك
فلا تعود تستطيع أن تراني أو تعود فتلقاني .
ربَّاه مَن أنت ؟
الشاب
ربَّاه مَن أنت ؟ ?
اتراك عروس الحياة ، متعة الوجود، لهفة المَشوق العَاني ،
أم ترينَني أهذي ؟ ?
حذارك يا ربَّة حُبّي !
لإ تحاولي إغرائي ، فحسبي ما أذوق من عذاب ،
وأقاسي من أوصاب ، وأموجُ في اضطراب .
واعلمي يا ربَّة الحبّ
أن (الزهرة) العطرة الشذيَّة
و(الكناريّ) الغريَّد الصداح بأنغامه القدسيَّة
وزرقة (السماء) الساجية الصافية البهيَّة
و (الشفق) البعيد المُتَّشح بحلَّته الأرجوانيَّة
و النسيم اللطيف يعبث بشذا الرياحين ذات الألوان القرمزية
و(شمس) الربيع الحالمة عند بزوغها في الفجر بشتى ألوانها العسجديَّة
و (البدر) الهائم الساري في قبَّة (الفضاء) الإلهيَّة
و(الهزار) الشَّادي طربا فوق أفنان الدَّوح بالحانه الموسيقيَّة
و (الأنهار) وهي تنساب بين أشجار الغار الخضراء السندسيَّة
و أفواف ( الزهر) الندي يضوعُ في الجنان الخالدة السماويَّة
والعيش تحت ظلال أشجار الخلود السرمديَّة
والحور العين .. يتراشق بالاكاليل المضفورة بأنامل عرائس الفجر.
وقيان الفردوس ، وفتيات الجداول ، وصبايا الغاب
هو ما تطلبه نفسى الولهى ، وما تنشده روحي المعذَّبة الحيرى .
أما أنت يا ربَّة الحبِّ والجمال ، والهة الرقَّة والدلال .
ويا عروس الأماني والأحلام ، ومُضرمة الهوى والهيَام ،
ويا ربَّة الجمال الباهر، والحسن النادر ، والدلال السَّاحر ،
والحبّ الثائر ، والطرف الساهر ، والصدر الزاخر ،
والقلب العامر ، والشذا العاطر ، والوجه الزاهر،
فأنت في وجهك الناعم ، وثغرك الباسم،
و طرفك السَّاهم ، وشعرك الحالم ،
أنتَ في كل ما تحوين من جمال لا يوصف ، وحسن الا يُنال…
لا تستطيعين أن تخفِّفي من شقوتي وعذابي ، وآلامي واضطرابي .
