حول الدكتور داهش والداهشيَّة
دراسات و أبحاث
إستسلام
عبثاً يحاول ملايين الفلاسفة معرفة الألوهيّة
فحوادث الدهور قد مرّت و هي تواكبهم
والقبور فغرت أفواهها و ضمَّت من الانام مواكبهم
الكلُّ فانٍ، و ليس من خالدٍ سوى الله والسماء
ومقاصده الخفيَّة في خلْقنا خُفِيَتْ حتى على الأنبياء
فلنَخْشع، و لنَضْرع، كي نرتع في جنَّاتِه السرمديّة
الدكتور داهش
من كتاب ” بروق ورعود “
الأدب الرُّوحيّ
إبتهالات خشوعيَّة
إلى روح حليم السّابحة في بحار العوالم الروحيّة الأبديّة
من إبتهالات خشوعيَّة
مقدمة
بقلم الدكتور فريد أبو سليمان
هذا الكتاب هو مجموعة صلوات خشوعية، و أناشيد قدسية! كتبه رجل غريب كأروع تعبير عن غربته الروحية.
نعم! كتبه رجل غريب عن هذا العالم، بيراعة غريبة، مدادها الشوق المتفجر للعام الآخر!
و لعل في القول ما يحمل على الدهشة و الاستغراب. بيدَ أن تلك الدهشة و ذلك الاستغراب يتبددان كلما اتَّضحت شخصية المؤلف و حياته و فكره!…
فكيف لا يكون غريباً من يحس بأن الحياة غريبة عنه، وانها” سراب زائف، و ظل طائف، و أضحوكة الأضاحيك، و مهزلة المهازل”؟؟
فنُظُم هذا العالم هي في نظره نُظُم ماديّة جائرة تختلف عن النُظُم السماويّة العادلة . و الأرض ما هي إلا كوكب بؤس و شقاء لا يعرف للسعادة معنى و لا ظلاً.
بل كيف لا يكون غريباً عن البشر من كانت ميوله غير ميولهم، واتجاهاته غير اتجاهاتهم، و مذهبه غير مذهبهم، و حنينه غير حنينهم، و مطامحه غير مطامحهم، وصلاته غير صلاتهم؟! وكيف يأتلف الساعون للنساء و الخمر، والجاه و المال، والنفوذ والسلطان و الحياة، و الساعي مدى العمر لله والسماء، و الحق والمعرفة ، و العدالة والمجهول، و الاندماج بالقوة الموجدة.
ساعة فتح عينيه على هذا الوجود كانت بالنسبة له بداية مأساته العظمى… بداية غيابه عن عالم الهناء و الخلود… بداية غربته عن وطنه الحقيقيّ!
أوليس غريباً أيضاً أن ” يلعن الساعة التي فتح فيها عينيه فإذا به في مكان يطلقون عليه اسم العالم” في حين أن البشر جميعاً يُباركون ساعة مجيئهم إليه؟! فكيف به و قد أطلقها مع فجر شبابه لا في خريف أيامه، لتبقى شاهداً على رفضه المُبكر لهذه الحياة الضاربة جذورها في تربة الإثم و الشرور، و الغائصة في ظلامٍ رهيب دون نور الله سبحانه؟!
لكنّه على رفضه الواقع المأساوي، يحيا الدكتور داهش الحياة المثلى، و يروح ضارباً في الأرض، حاملاً على جراحاتِه فجر الهداية للعالم المغرق في الضلال و العماية، يحفزه إيمان جبَّار ثابت بالله لا يلتوي مهما عصفت به الأهواء و الانواء. فأينما سار واتَّجه ، وحيثما حل وارتحل، قلبه مشدود أبداً لله سبحانه، و فكره أجنحة أثيرية تستشرق آفاق العوالم البعيدة السعيدة، وكلماته نتف من ذاته الحزينة الضارعة ترتمي في مجمرة المعبد المقدس لتستحيل بخوراً متصاعداً أمام عرش الإله الأزلي!
فإذا أنت رافقته في هذا الكتاب، فإنك و لا شك ستشاركه صلاته وابتهالاته، تضرعه و خشوعه، حنينه و شوقه…و تحسّ معه آلامه وآماله، و أفراحه وأحزانه، ضُعفه و قوته!..
و حين تردّد معه (صلاة الفجر) و (دعاء الفجر) فسوف تجد إلى جانبك طبيعة خاشعة رافعة صلاتها لموجدها، ببحرها أشجارها وورودها و أطيارها…و ستجد إلى جانبك ذلك الرجل جاثياً على ركبتيه ، ضارعاً إلى الله كي يكلأه بعين عنايته التي لا تنام!
و أينما رافقته في ساعات كتاباته لهذه القطع، في مدن الأرض وقراها، في سهولها و جبالها، أو فوق بحارها و صحاريها، ستجده قلباً خاشعاً، و فماً ضارعاً، و توقاً للانعتاق جياشاً، ونداء للعالم الروحي مشتاقاً، و حزناً لاصطراع الخير و الشرّ في النفس دفاقاً، و أملاً برحمة السماء لا متناهياً!…
باختصار، تشعر وأنت في بداية الكتاب كأنك تدخل رحاب معبد مقدس…و تحسّ و أنت تطوي صفحاته أنك نبذت أوهام الحياة وأضاليلها و توجهت معه بكليتك إلى وجه النور، وجه الحقيقة الحقّة العادلة، وجه السناء و البهاء، وجه اللّه سبحانه!
فهل بعد أروع و أسمى من هذه الغاية تحقّقها من قراءة كتاب؟!!
فريد أبو سليمان
20 أيار 1983
صـــلاة الفجـــر
إتبعينــي, يـا بنيّتـــي,
لنذهــب إلـى ( بيــت اللّـــه )
نرفــع لـه الصلــوات الصــادرة مـن قلــوب أفعمتهــا الأحــزان,
وتآمــرت عليهــا حــوادث الزمــان .
هيّـــا إسرعــي, يـا بنيّــة,
قبـل أن ينبلــج الفجــر,
وترسـل عــذارى النــور خيوطهــنّ المتألّقــة,
فتبــدّد هــذه الظلمــات المتكاثفــة .
هيـا يـا بنيّــة,
أنصتــي جيّــداً …
ألا تسمعيــن خطــوات النّســوة,
وهـنّ يســرن بسكــون فـي الطريــق,
ذاهبــات حيـث ( بيـت اللّـــه ),
ليقدّمـن لـه طلباتهــنّ,
ويستغفــرن عمّــا آتينــه مـن ذنــوب وأســرار خفيّــة
يكتمنهــا حتـى عـن أنفسهــنّ ؟
أسرعــي أسرعــي,
فإنّ الدقائــق تمرّ متتابعــةً , وتلحــق بهــا الساعــات متسابقــة .
هيّـــا قـبل أن يولّـي الوقـت, ويأتـي الفــوات .
هلمّــي لنضــرع إلــى العلــيّ ليباركنــا .
أسرعــي, أسرعــي . مـا بــالك تتوانيــن ؟
أولا تعلميــن أنّــه لـم يبــق مـن الوقــت
سـوى مـدّة قصيــرة لا تفــي بمـا ينبغــي ؟
***
دعينـا نجثــو فـي المعبــد بإحتــرام,
ونــقدّم إلـى الخالــق عـزّ وجـلّ كـلّ مـا تجيــش بـه دخائلــنا
مـن مــيول ورغــائب مكــنونة مستــورة .
فـي الصــلاة عــزاء, يـا بنيــّة .
إنّهـا فرصــة لا تتــاح كـلّ حيـن,
فأسرعــي معـي , هيــّا , هيــّا .
لنــترك شــرور هــذا العالــم ومــا فيــه,
عنــد تطلّــع قلوبنــا إلـى السمــاوات .
لنتنــاس الهمــوم والأتــراح والمنغصــات,
وكــلّ مــا فـي هــذه الحــياة .
لننــس ويلاتهــا وشرورهــا .
لننــس آثامهــا وغرورهــا .
لنتنــاس كـلّ شـيء , يـا بنيّتــي, ونتّجــه نحــو القديــر,
فنشعــر بالسلامــة والسكينــة تخيّمــان فــوق رؤوسنــا,
ونستشــفّ العذوبــة الروحيّــة,
وتستكيــن قلوبنــا المتألّمــة مـن هـذه الحيــاة, فنسعــد,
وإن كنّا ما نزال, بعد, في الحياة !
أنصتي جيّداً, إنّها أناشيد سماويّة !
إنّهـم يرفعــون كلماتهــم المصوغــة فـي قالـب شعـريّ
يسبّحــون بهــا خالــق السمــاوات وباســط الأرض
كي يغفـر لهـم مـا أتــوه مـن أعمـــال
يستحقّــون عليهــا الحســاب .
أنظــري إلــى عيونهــم كــيف أقفلــت,
وتمعّنــي فـي ملامــح وجوههــم , وفـي أساريــر جباههـــم .
إنّهــا تــدلّ علـى خشــوع كلّــي أمــام الخالــق العظيــم !
فلنخشــع , يـا بنيّتــي,
ولنضــرع إلـى اللّـــه
كـي يزيــل عنّا هــذه الأوزار المثقّلــة بهـا ذواتنــا,
مـن ساعــة ولادتنــا إلـى ساعتــنا الحاليّــة,
وحتـى يأتينــا داعــي المــوت فنذهـب إلـى حيـث ينتظرنــا العقــاب .
أسجــدي, أسجــدي, أيّتهــا الطاهــرة,
لأنّك مـا تزاليــن صغيــرة السـنّ, يـا طفلتــي العزيــزة !
ليتنــي مثــلك, يـا فتيّــة .
إنّـك مـا تزاليــن نقيّــة .
فاحرصــي علــى طهارتــك كــي تبقــي كالحمامــة الوديعــة .
لا تدعــي الشــرّ يتغلّـب عليـك, يـا بنيّــة .
لا لا , وأبعـدي الأفكــار الرديئــة إذا مـا ساورتــك .
***
هـا هـي خيــوط الفجـر قـد إبتـدأت ترســل أشعّتهــا النورانيّــة,
فتبــدّد الظلمــات المكتنفــة الهيكــل .
أكملــي صلاتــك, يـا بنيّتــي,
قبــل أن يعــمّ النــور أرجــاء هـذا المكــان المقــدّس .
أنظريهــم يغــادرون أماكنهــم مسرعيــن,
بعـد أن أنهــوا فروضهــم الدينيّـــة .
هـا قـد إحتــلّ النــور أرجــاء المعمــور .
هــا قـــد لبــس المعبـد حلّــة بهـاء وسطـوع وصفــاء ,
فهيّــا بنـا, يـا بنيّــة, نرجــع إلـى منازلنــا .
ويـا لحيــاة الإنســان !
إنّهــا أحلام تمـرّ بنـا ونحــن لا نــدري !
أنظــري,
ألــم نكــن قبـل أن نجــيء إلـى هــذا المكــان
نــرى الظــلام يعــمّ الأرجـــاء ؟
ولكـن , أنظريــه أيــن هــو الآن ؟
هــا قــد تبــدّد وكأنّـه مـا كــان .
وهكــذا سيحــلّ فـي المســاء, كمــا اعتــــاد,
وسيولّــي هـــذا النهـــــار .
وهكـــذا حياتـــنا تنقضــــي .
فمــا أشبههـــا بتوالـــي الأيّــام, وكــــرور الأعـــــوام ! ..
القدس, 27 كانون الثاني 1934
صلاة محزون
آهٍ! تبـارك اســمك ، يا اللّه
يا إلهـيّ!
لقـد تحطَّــم قلبــي، و نـاحــت مناي نفســي…
يا إلهــي!
لأننـي شــاعر بعــبءِ الأوزار المثقَّــل بهـا عاتقــي،
و مـا تـزال فـي ازدياد…
يا إلهيّ!
و عالم بأنني أستحق عليها العقاب الصارم الشديد…
يا إلهيّ!
و عارف بأنني لا أستحق الرحمة و الرأفة و الإشفاق…
يا إلهيّ!
و واثق بأنني ارتكبت من المعاصي و الشرور الشيء الكثير.
يا إلهيّ!
حتى وصاياك العشر حطّمتها و بعثرت أشلاءها في كل مكان!
يا إلهيّ!
و الموبقات التي أتيتها طائعاً مختاراً، لا عدَّ لها و لا حصر!
يا إلهيّ!
و خضت في بحر الجريمة السحيق الغور، البعيد القرار،
غائصاً في أعماقه، طافياً فوق أعاليه!
يا إلهيّ!
و أتوّن الشهوات الملتهب دخلت جوفه و انغمست فيه.
يا إلهي!
و تغلغلت في مجاهل الغيّ و العماية ، و الضلال و الغواية.
يا إلهيّ!
و شربت من خمرة إبليس الرجيم فاستسغت حلاوتها العلقميّة!
يا إلهيّ!
و تفيأت ظل شجرة ( معرفة الخير و الشر) الجميلة المنظر…
يا إلهيّ!
ثم مددت يدي و قطفت من ( ثمارها) الشهية المحرّمة.
يا إلهيّ!
ثم أشبعتها من المنكرات ما هو معروف منها و مجهول!
و لكني بشريٌّ ، يا اللّه.
و الجنس البشري – كما تعلم- ضعيف كل الضعف.
إنه لا يستطيع صد التيارات العاصفة
التي يحارب بعضها بعضاً…
لا، و لا يستطيع دفع تلك الجيوش المندفعة بسلاحها الكامل،
فيسقط صريعاً بنبالها المسدَّدة
بعد جهادٍ مخيف شاق دام،
و يصبح في قبضة آسريه، و أنفه في الرُّغام!
و بعد ذلك يقوم صاغراً بما يمليه عليه آسروه الأقوياء،
فينغمس في معالم الرذيلة،
ناسياً أو متناسياً ما هي الفضيلة.
يا اللّه!
في أحلامي دعوتك فلم تستجب لدعائي،
و في أعماق الليل البهيم نحن بمرارة،
و أهرقت دماء قلبي النائح.
يا إلهيّ!
بمرارة، و توجُّع، و عمق، و لوعة، و اندفاع، كانت صلاتي:
كالأم الثاكل التي فقدت بموت وحيدها كل أمل و رجاء،
كالملك الذي ثلَّ عرشه،
فأصبح شريداً طريداً، أنيس العناء، سمير الشقاء،
بل كالشقي المكبّل بالأصفاد، المسوق إلى ساحة الإعدام،
نعم، كالغريق الذي لم يبقَ فيه رمق من حياة،
و لم يبقَ له أمل بالنجاة،
آه!.. و كالمحتضر الذي تتنازعه قوتا الموت و الحياة،
آه! و كالتائه في البيداء لا يدري في أي طريق يسير،
آه! و كالفتى في الصحراء لا يدري ما نهاية المصير،
آه! بل كالذبيح المهدور الدم و هو يلفظ نفسه الأخير،
بل كالفاقد ما جمعه طوال سنيِّ حياته، في لحظةٍ واحدة!
إنني يائس كل اليأس، يا إلهيّ،
يائس و بائس، يا إله السماوات!
و لكن رجائي فيك عظيم و عميق جداً،
و عُمقه لا حدَّ له و لا نهاية!
و أنت بحالتي عليم، يا اللّه!
أنت، يا إلهيّ، ارحمني، ارحمني!
القدس، في 8 كانون الثاني 1935
أللّـــه
كلمة رقيقة , عذبة , شفّافة , أثيريّة , مُقدّسة !
كلمة تلفظها الشفاه برعشةٍ وخشوع !
كلمة تردّدها القلوب برهبةٍ وخضوع !
كلمة ينشدها كلّ بائسٍ ويائس .
كلمة تعرفها البرايا من قديمِ الزمّان .
كلمة يعرفها الطّفل في سنيه الأولى .
كلمة هي البلسم الشافي للقلوب المُتعبة .
كلمة لا يجاريها ( الكوثر ) في عذوبته !
كلمة تحوي سرّ الحياة بأكملها !
كلمة تعلو على أيّة كلمةٍ معروفة ومجهولة .
كلمة قويمة , صارمة , بتّارة , عميقة .
كلمة إختارتها ( القوّة الموجدة ) لتكون رمزاً لها .
كلمة قاسية , ولكنّها عطوفة !
كلمة رهيبة , ولكنّها معسولة !
كلمة عميقة , وعمقها لا حدّ له ولا نهاية !
كلمة سماويّة , ليست أرضيّة .
كلمة قدسيّة , أزليّة , سرمديّة , أبديّة !
كلمة تضمّ في ثناياها أسرار الأبد وخفاياه !
كلمة جبّارة تطغى على ما عداها .
كلمة مُنتقمة , ولكنّها عادلة تبعث الإطمئنان !
كلمة مُبكية , مُفرحة , مُؤلمة , مُؤمّلة !
كلمة موسيقيّة الّلفظ , روحيّة المعنى .
كلمة هي البداية , وهي النهاية !
يا لها من كلمةٍ عذبة خالدة !
كلمة تضمّ الجبال والبحار , والسهول والأنهار ,
والغابات والقفار , والنجود والأغوار ,
وكلّ ما هو معروف ومجهول ,
من مرئيّاتِ هذه الحياة ,
والحياة الأخرى ! ..
نعم , يا لها من كلمةٍ عذبةٍ خالدة :
أللّـــه ! ..
القدس , كانون الثاني 1935
سلام
سلام على ذلك العالم الروحيّ المضيء الخالد!
سلام على تلك الأنوار الدائمة السطوع!
سلام على ذلك المجد الإلهيّ الفائق البهاء!
سلام على تلك الديار التي احنُّ إليها أبداً!
سلام على ذلك الملأ السرمديّ الطاهر!
سلام على قاطنيه الأبرار، المعاينين انواره الباهرة السنيّة!
سلام على العالم المجهول الذي لا خباء له و لا افول!
سلام على تلك الأماكن الأرجة العبير!
سلام على من مكَّنتهم قدسيتهم
من ولوج ذلك المكان الحصين الامين!
سلام على من اضُّطهدوا و عذِّبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة!
سلام على من ذاقوا الهوان، و شربوا كأسه المريرة حتى ثمالتها!
سلام على أرواحهم السعيدة من الأزلِ إلى الأبد!
سلام أنثره على هذا الطرس
من قلبٍ كسيرٍِ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزق!
سلام على عالمٍ غير عالمنا الماديِّ المرذول!
سلام عبقٌ فوَّاحٌ عطري، لا ماديٌّ موبوء قذر!
سلام أبديّ إلى أحكامه العادلة النافذة!
سلام من عالمي الحقير هذا،
أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي!
سلام من مسكينٍ ملأ الكون بآثامه،
وهو يضرع إلى الله أن يغفر له آثامه تلك، و أن يسعه بمراحمه التي شملت الكائنات و طغت عليها.
نعم، سلامٌ، سلامٌ، سلام!
باريس، في 23 نيسان 1935
صلاة داهش
مُنْذُ عَلَّمَ السَّيِّدُ المَسيحُ تَلَامِيذَهُ الصَّلاةَ الربانية أَبَانَا الذي في السَّمَاوَاتِ ، لِيَتَقَدَّسُ اسْمُكَ ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُ … وَحَتَّى يَوْمِنَا هَذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُ مَا أَنْ يَأْتِينَا بِصَلَاةٍ خَشُوعِيَّةٍ تَهْفُو لَهَا النَّفْسُ ، وَتَطْمَئِنُ لَهَا الرُّوحُ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَشْعُرُ مَن يُصْغِي إِلَيْهَا بِخُشُوعِ تَامٌ وَسَكِينَةٍ نَفْسٍ مُهَيْمَنَة . إِنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ كَلِمَاتٍ بِسَيْطَةٍ ، وَلَكُنَّهَا تَتَمَلْكُ النَّفْسِ وتأخذُ بمجامع القُلُوبُ . وَهِيَ مِنَ السَّهْلِ المُتَنِعُ وَمَكَثَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي يَتْلُوهَا مَلَايينُ المُسَيْحِيِّينَ
بخْشُوع تام طوال ٢٠٠٠ مِنَ الْأَعْوَامِ ، حَتَّى جَاءَ مُؤَسِّس الداهشيَّةِ ، وَوَضَعَ لِلدّاهِشيّينَ صَلَاةَ رُوْحِيَةً ذَاتَ كَلِمَاتٍ تَسْتَهْوي النَّفُوسَ ، وَتَقْطَنُ فِي الضُّلُوعِ ، وَتَسْمُو إِلَى عَالَمِ الرِّوحِ ، عَالَمِ الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ ، عَالَمِ الْخُلُودِ وَالبَقَاءِ .
حليم دموس
إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ الرَّوْحِيَةَ اسْمُهَا :
صَلاةُ النبيِّ الحبيب الهادي
هي كلمَةُ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، يَتْلُوْهَا الْمُؤْمِنُ فَيَرَاهَا الطَّرِيقَ التي تُوَصِلُهُ إِلَى الخَالِقِ جَلَّتْ قُدَرَتْهُ ، إِذْ إِنَّهُ يَرَى رُوْحَهُ تَجُوسُ أَثْنَاءَ تِلاوَتِهَا في عَالَمِ الفردوس البهيّ ؛ فَيَنْتَشي وَيَتَملّكُهُ شُعُورٌ مُقَدِّسُ يُهَيْمِنُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِذَاهُ مَأْخُود بَرَوْعَةِ كَلِمَاتِ هَذِهِ الصَّلاةِ الخُشُوعيَّةِ الخَالِدَة :
صلاة داهش
يا أبي و أبا البرايا ارحم ضعفنا الموروث
شدِّد قلوبنا كي نؤمن بقدرتك و نحدِّث بعجائبك
اغرس في أعماقنا بذور الحب و الشفقة و الرحمة و الحنان
أبعد عنا التجارب التي تريد غوايتنا و إسقاطنا في دياجير الخطايا
سدِّد خطواتنا في طريق الحقّ و النور و اليقين
أبعد عنَّا الأفكار الدنيئة و لا تدعها تقرب منا
أنت خالق البرايا و ما فيها ، فرحمتك و حنانك
يسعان كل الكائنات معلومها و مجهولها.
أشفق علينا يا الله، و لا تحاسبنا مثلما نستحق فنهلك.
لا تدع الطمع يستولي علينا فيجرفنا بتياره الرهيب.
دع القناعة تحتلُّ ارواحنا فلا نطلب سوى القوت فنمجدك
أبعد عنا الأشرار و الهازئين بكلام الله ، أنرْ بصائرهم
طهِّر أرواح الخطأة، و ارسل لهم قبساً من انوارك الإلهية
فيخشعوا لعظمتك
أقلنا من العثرات الرهيبة،
و اشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة.
أيها الأب العطوف!
كلُّ من ألقى اتكاله عليك ، و عمل بوصاياك ،
و ضحَّى من أجل اسمك ، و احتقر رغباته الأرضية،
و نبذ الدنيويات ، و عطف على البؤساء و بشَّر بعجائبك،
و آمن بنبيِّك الحبيب الهادي
فله السعادة و السماء و النور و السناء،
هنالك حيث الضياء و البهاء، إذا يخلد مع الخالدين
و يتنعم بانوارك الوضاءة حتى أبد الآبدين.
آمين.
13 آب 1943
نشيد مؤمن
سبحي الله، ( أيتها الأفلاك) السابحة في أقاصي السماوات!
واشدي بعجائبه، أيتها ( الريح) الطواقة في أرجاء هذا الكون الشاسع!
و حدّثي بمعجزاته الخالدة، أيّتها (الشمس) البهية!
و أشرف، أيها ( البدر)، من عليائك،
واسكب على أرضنا أضواءك الشعريّة!
و رنّمي أيتها ( الطيور) ترانيم الغبطة الهنيّة للعزّة الإلهيّة!
واصدحي يا بلابل الغاب!
واطربي، و اثملي، في كل فجر و عشيّة!
و تيهي يا أزهار الحقول بخيلاء!…
و أنت ترتدين حللك القرمزيّة!
و أنت أيها ( الكون) العنيف، الصخاب، الهدار!
إخشع أمام خالق الأكوان القدير الجبار!
و تغنّي ، أيّتها( العوالم) المعروفة و المجهولة بصنع يديه!
* * *
و لتصمتْ ( الملائكة)،
و لتخشع( الارواح) ، و لتستكن ( العناصر)،
و ليغمر هذا ( العالم) صمتٌ عميق أخرس،
و ليبق في خشوعه، و صمْته السحيق السائد،
حتى أنتهي من ترديد نشيدي للخالق!
بيروت، صباح 22 كانون الثاني 1943
دعاءالفجر
الفجر يردّد الحمد لخالق الأكوان و رافع السماوات!
و الطبيعة ثملى أمام صنع العليّ موجد كل شيء من لا شيء!
و البحر الشاسع خاشع امام عظمة القدير المهيمن!
و السحاب الأبيض يمخر في أوقيانوس الفضاء اللانهائي بإعجاب!
و الأشجار الغضّة الغيضاء ترتعش رعشة الخشوع!
و ابتدت الورود الجميلة تستيقظ من سباتها و ترفع صلاتها لموجدها!
و غردت الطيور، و هي جاثمة على أفانها، أغاريد الشكر الصادق!
و صدح بلبل بصوته الأخاذ، داعياً الجميع للتأمل بقدرته تعالى!
و هدلت الحمائم، و ناحت اليمائم، على باسق الدوح ،
و راحت تنشد و تنشد!
و استيقظت الطبيعة بأسرها،
بعد سباتها العميق في ظلمة الليل البهيم!
فخشعت نفسي، لروعة ما شاهدت!
و جثوت على ركبتيّ، ضارعاً إلى ( الله)، جل جلاله،
أن يكلأنا بعين عنايته الساهرة التي لا تنام،
و ان يغرس فينا روحاً جديدة سامية،
كي نسحق بواسطتها ميولنا الوضيعة الدنيئة.
اللهم!… استمع لصلاتي واستجبها،
أنت يا أرحم الراحمين.
بيروت، صباح كانون الثاني 1943
سأغنّي
عندما يشتدّ ساعد الديانة الداهشيّة
في البلاد الأمريكية- سأغنّي!
و عندما تمتدّ فروعها مجتاحة الولايات،
متغلغلة في صدور سكانها- سأغنّي!
و عندما تجتاز أميركا جائبة الأقطار، قاطعة الأمصار،
محتلّة المجاهل و الديار- سأغنّي!
و عندما تثبّت اسمها، و تصبح راسخة
رسوخ الجبال الشمّاء المشمخرّة- سأغنّي!
و عندما تثشاد المعابد الداهشيّة،
وترفع فيها الإبتهالات الروحيّة الخشوعيّة – سأغنّي!
و عندما يعزف الناي ضراعته لخالق العوالم،
و مُبدع المجرّات ، و مُكوّن السُّدم و الكواكب- سأغنّي!
و عندما يقرب المؤمنون نيران رموزهم المقدسة
بأيديهم لناحية وجوههم، و هم خاشعون- سأغنّي!
نعم ٍاغنّي مثلما غنّى النبي داوود خاشعاً أمام خالقه،
هكذا سأخشع و أغنّي !
و سأغنّي مثلما غنّت أخت موسى النبي
عندما غرق فرعون و جيشه، و نجا بنو اسرائيل،هكذا- سأغنّي!
و سأغنّي مثلما غنّت ابنة القائد يفتاح
الذي انتصر بحربه، و عاد ظافراً، مثلها أنا- سأغنّي!
و سينصرني الله، فتنتشر الديانة الداهشيّة،
محتلّة ربوع الكرة الارضية- فأغنّي!
و انتشي بخمرة الظفر الداهشيّ،
و احلّق بروحي نحو الفراديس الإلهيّة، فأغنّي و أغنّي!!
كتبتها في السيارة الذاهبة إلى مدينة الأسود بلوس انجلس
الساعة التاسعة و النصف بتاريخ ،22 /1/ 1977
